Advertisement

فيض الخاطر الجزء الثاني


فيض الخاطر (الجزء الثاني)




فيض الخاطر (الجزء الثاني)

مقالات أدبية واجتماعية

تأليف
أحمد أمـين




فيض الخاطر (الجزء الثاني)

أحمد أمـين

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ???? ?? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



وحي البحر …


 صخرة المكس في ?? يوليه سنة ????
على صخرة مشرفة على البحر في «المكس» جلست وحدي.
وقد تؤنس الوحدةُ ما لا يؤنس الجمع، ولكن هذا لا يكون حتى تتخذ من نفسك صديقًا؛ وليس ذلك بالأمر اليسير؛ فكثيرٌ من الناس اتخذوا من أنفسهم عدوًّا، يتناولونها دائمًا بالنقد والتجريح، ويصغّرون ما تأتي به من أعمال، ويحقّرون ما يصدر عنها من آراء، وينظرون إليها نظرة ذلة وحقارة؛ فإذا هم وأنفسهم أعداء، يهرُبون منها كما يهربون من خصومهم، ولا يستطيعون أن ينفردوا بها طويلًا، كما لا يستطيعون أن يجالسوا أعداءهم طويلًا، فيلجئون إلى الأصحاب، فإن أعوزهم الأصحاب لجئوا إلى كتاب، فإن لم يجدوا كتابًا فإلى أي شيء إلا أنفسهم.
مصيبة كبرى ألا يصادق الإنسان نفسه؛ لأن نفسك هي الشيء الوحيد في العالم الذي لا تستطيع أن تهرب منه، فقد تستطيع أن تهرب من زوجك، ومن ابنك وبنتك، ولكن لا تستطيع بحال أن تهرب من نفسك ولا بالموت؛ فإذا كانت النفس عدوًّا كانت شر الأعداء، وأثقل الأعداء؛ لأنها عدو ملازم أثقل من الغريم الملازم.
وشعور الإنسان بحقارة نفسه وضعتها سمٌّ قاتل، لا ينجح معه عمل، ولا يرجى من صاحبه خير.
والغرور والأنانية شر، ولكن شرٌّ منه احتقار النفس وعداؤها والإشفاق عليها، وتعذيبها الدائم بتأنيبها. وخير من هذا وذاك أن تقف منها موقف الصديق، تشجعه إن أحسن، وتعتب عليه في رفق إن أساء.
•••

إن صادقت نفسك لذِذْت الوحدة، ووجدت فيها متعة أية متعة.
والأنس بالوحدة فنٌّ كسائر الفنون، يحتاج إلى مرانٍ طويل ومنهجٍ شاق.
في أول ممارستها يشعر الإنسان بضيق أي ضيق، ويحاول الهرب منها إلى كتابٍ أو صديق، ثم لا يرى في العالم شيئًا يُقرأ ولا في نفسه معنى يُبحث، وقد تعرض له أثناء ذلك خيالات مفزعة، وتصورات محزنة؛ ولكنه إذا صبر على الألم وكرر التجربة تجلى له العالم، وأُوحي إليه بمعان جديدة قيمة. إذ ذاك يجد لذة في كل تفكير، وعمقًا في كل معنى، وإذ ذاك يعرف نفسه، ويجد ربه، وإذ ذاك تتجرد النفس من غرورها وكبريائها، ويتبين لها جهلها، فتخلص النية في أن تعرف فتعرف، وإذ ذاك أيضًا لا تشغلها ضوضاء العالم، ولا تزيغ بصرها المناظر الزائفة، فيظهر لها الحق في جلاء ووضوح؛ وإذ ذاك تشعر بنوع من اللذة يفوق لذة تحصيل العلم من معلم أو من كتاب، وتشعر بأن الفرق بين النوعين كالفرق بين أن تنعم بمالك وأن تنعم بمال غيرك، أو كالفرق بين من يجمع المال ومن يستخدمه في إسعاده.
•••

ثم ماذا؟
هذا هو البحر بجماله وجلاله، وديع حتى ليلعب به طفل، جبار حتى ليرتعد منه أسطول، صورة صادقة من صور الزمان في إقباله وتجهمه، وابتسامه وعبوسه، ومده وجزره، ولينه وشدته. ما جلست أمامه يومًا إلا شعرت بلذة أليمة أو ألم لذيذ؛ أما اللذة فلجماله، وكل جميل يبعث السرور، ويحيي الأمل، وينعش النفس؛ وأما الألم فلجلاله، وأمام الجليل تتخاذل النفس، وتشعر بضعتها في جانب عظمته، وتفاهتها بجانب جبروته، وحقارتها بجانب جلالته، وفنائها بجانب أبديته.
فأمام الانبساط لجماله، والانقباض لجلاله، تكون اللذة الأليمة أو الألم اللذيذ.
صبور لا ييأس، مُجدّ لا يَمَل، يحارب الصخور الصماء فيغلبها بصبره، وينال من قسوتها وصلابتها مع رقته وسلاسته، ويذيبها في نفسه، فإذا هي لا شيء، وإذا هو كل شيء.
من قديم والإنسان يُعمل عقله في دفع أذاه واتقاء جبروته، وكلما اخترع شيئًا استخدمه في صَدَّ غاراته، وتنكب نكباته، وهو هو رابض في مَجثمه، معتزٌّ بقوته، يتحرك من حين إلى حين، فيختار أقوى ما أعده الإنسان، وجهزه بأحدث الآلات، وأمده بأحسن المخترعات، فيضربه الضربة السريعة الحاسمة، تأتي عليه في لمح البصر وسرعة البرق، فإذا هو لا شيء، سواء في ذلك أساطيله ومدرعاته، وطياراته وغواصاته.
هذا هو البر، قد خضع للإنسان، كما يخضع الحيوان المستوحش فيستأنس، مهَّد الإنسان طرقه، وأقام عليه مساكنه، وثبَّت فيه خطوطه الحديدية، وغيَّر جدبه خِصبًا، وجعل ترابه حقولًا ناضرة، وبساتين مثمرة، ونباتات مزهرة، وملَكَه وتحارب على ملكيته، وحدده وتنازع على حدوده، والبر — في ذلك كله — وديع كالحَمَل، مستسلم كالعبد الذليل.
أما البحر فكلاَّ، باق على وحشيته منذ خلقه الله، لم يسمح للإنسان بطريق يمهده ولا خط يمده، ولا مِلْك يمتلكه، إن ادَّعت دولة ملك جزء منه فكلام في الهواء، أو خط في الماء، أو حبر على ورق، أو معاهدة تسجل في البر. لم يستطع الإنسان — على اختلاف عصوره وتقدم علمه — أن يخضع قوته، أو يحد من نشاطه، أو يؤنسه كما آنس البر، ولم يتحمل هو من إنسان — مهما عظمت قوته، ولا من مركب مهما ضخم حجمه أو توفرت عدته — أية إهانة، أو خروج عن أدب اللياقة؛ فإن حدثته نفسه بذلك مرة لعب به كما يلعب القط بالفأر، ثم ابتلعه في هدوء من غير أن يشعر بذلك أحد، أو سلط عليه جبلًا من ثلجه، فهشمه تهشيمًا، وقطعه إربًا، ثم ابتلعه كذلك.
موقفه الآن من الإنسان وهو قوي ببخاره، وحديده وناره، وكهربائه ولا سلكيه، موقفه منه وهو ضعيف لا يعرف إلا الشراع والهواء.
ديمقراطي بطبعه، لا يخشى ملكًا لملكه، ولا غنيًّا لغناه، ولا فقيرًا لفقره، ولا بائسًا لبؤسه، من أراد أن يستمتع بمائه — كائنًا من كان — وجب أن يتقدم إليه بكل علامات الطاعة، فيتجرد من مظاهر العظمة وأكاذيب الأبهة، فيخلع حذاءه، ويكشف رأسه، ويعري جسده، وإن كان غنيًّا تساوى بالفقير في مظهره، وإلا عرف البحر كيف يؤدبه.
اعتز بقوته، فلم يسمح لمخلوق من مخلوقاته أن يعيش في البر ساعة، ولم يكن للبر مثل قوته فعاش أهله في البحر أيامًا.
كان — ولا يزال — عمقه الهائل، وموجه القوي المضطرب، وحركته الدائمة، وقوته الضخمة، مع ليونته وسلامته وجمال منظره الدائم، مبعث الحب والإجلال، ومثار الشعر والخيال.
•••

ثم ماذا؟
ثم إنَّا والبحرَ والبر والعالم وحدة واحدة، كل منا جزء منها، وكل منا جزء صغير من آلتها العظيمة، ولنا كلنا خطة واحدة وغاية واحدة، علمنا بعضها، وظننا بعضها، وجهلنا أكثرها.
وهي كلها تخضع لإرادة واحدة، يسميها الدينيون إرادة الله، والمدنيون إرادة الطبيعة، والحقيقة واحدة والاسم مختلف.
تدور هذه الآلة العجيبة في نظام وإحكام يستخرجان العجب! وما ظنك بآلة تلد نحو خمسين ألفًا من صنف الإنسان في الساعة وتميت مثلها؟ وذلك — فقط — في ذرة حقيرة من جسم العالم اسمها «الأرض».
إن عقلنا ليعجز عن إدراك كنه هذه الآلة العظيمة عجز النملة عن إدراك كرة تسير هي عليها، أو عجز أعشى عن إدراك ما في الأفق البعيد!
إن العلماء يدركون من هذه الآلة ما أدرك أن من منظر هذا البحر؛ أدرك سطحه، ولا أدرك عمقه، وأدرك جماله ودلاله، ولا أدرك كنهه، وأدرك جزءه، ولا أدرك كله.
إن لهذه الآلة قوانين حازمة صارمة، تعطف كل العطف على من وافقها، وتقسو كل القسوة على من خالفها؛ وهذه القوانين معقدة مركبة تبعًا لتعقد الآلة وتركبها، ولكل جزء من هذه الآلة قوانين ترتبط بقوانين المجموع؛ من وافقها حملته سالمًا في تيارها، ومكنت له من أن يرتع في نعيمها، ومن خالفها كان كناطح الصخرة، ينال من نفسه، ولا ينال منها.
وأكبر شقاء العالم الإنساني — أفرادًا وأممًا — أتى من أنه جهل قوانينها، أو عرفها ولم يسر عليها. ولا أمل في سعادته حتى يعلم، وحتى يعمل وفق ما يعلم.
•••

ثم ماذا؟
وجاءت موجة عالية، فلطمت الصخرة لطمة قوية، أصابني رشاشها، فتنبهت من أحلامي، وعدت من حيث أتيت!

الفرح بالبريد


ما رأيت «مصلحة» تتلاعب بعواطف الناس كما تتلاعب «مصلحة البريد»، ففي كل يوم تحملُ القناطير المقنطرة من «الخطابات»، ليست قيمتها في وزنها ولا عددها، ولكن قيمتها في عواطفها، فكم خطاب حمل في طياته أسمى عواطف الحب، وأبلغ عبارات الغرام، لو نُشرَ ما فيه لكان آية من آيات الأدب الخالد، ولو حلل لتقطرت منه دماء القلوب وعصارة الأفئدة — تزنه مصلحة البريد فتقدِّر عليه لخفته «قرشًا»، ولو كان عندها ميزان للقِيم لأعجزها أن تجد له الطابع الذي يتناسب وقيمته، فقد سهر فيه كاتبه الليالي، يحاول أن يجد ترجمة دقيقة لمعانيه، وعبارة حارة في حرارة عواطفه، وجملًا رقيقة في رقة نفسه، وألفاظًا موسيقية في موسيقى خلجاته. وهيهات أن يتم له ذلك مهما جوّد، فاللغة لم توضع — في الأصل — لترجمة العواطف، وإنما وضعت أول أمرها للتعبير عن شئون الحياة المادية من أكل وشرب ولبس ونحو ذلك. فلما حاولت التعبير عن العواطف شعرت بالعجز، فأكملت نقصها باستعارات ومجازات وتشبيهات ومحسِّنات وكنايات، ثم تبين لها بعد ذلك كله أنها أكملت بعض النقص ولم تكمل النقص كله؛ ثم تأتي مصلحة البريد بعد ذلك، فتعامل هذا الخطاب كما تعامل خطابًا لا يحمل معنى، أو يحمل معنى سخيفًا وغرضًا تافهًا، وليس هذا بأول ظلمٍ في العالم، فقانونه قلب الأوضاع وإهدار القيم. فإن عجبت فاعجب لقيّم قُوِّم، ولكن لا تعجب من قيم لم يقوّم، فذلك هو الأصل.
•••

ومن عجب أن البريد يحمل في ثناياه نغمات موسيقية مختلفة بأكثر مما تختلف العود والقانون؛ فهذه نغمة «وصل» سارة إلى أقصى حدود السرور، وهذه نغمة «هجر» محزنة إلى أقصى غاية الحزن، وبين هذه وتلك نغمات لا عداد لها، بين السرور والحزن، والقبض والبسط؛ فغزل رقيق، وعتاب لاذع، وقطيعة مفجعة، وحنو أبوي، وقسوة وحشية، وما شئت من لعب العواطف وتقلبات القلوب.
•••

ثم ما رأيت عاملًا تتعلق به الآمال، وترتقبه العيون، كما رأيت في ساعي البريد. هذا محب ينتظر كلمة من حبيبه يمسك بها نفسه، وهذا مشفق على مريض يتبرم من انتظار ساعي البريد يحمل إليه كلمة عن مريضه، وهذا رب مال يرتقب ما يأتي به البريد ليفرح أو يحزن على ما خبأه له القدر من نجاح أو إخفاق، ومثل ذلك كثير.
قد عرفوا مواعيد البريد فارتقبوها، ومنهم من زاد به قلقه فكان يُخرج ساعته ينظر إليها كلما مرت دقائق، ويستطيل الوقت ويلعن عقارب الساعة إذ تسير ببطء، ومنهم من ارتقب «ساعَيه» في شرفة المنزل ليمتع به نظره، ويغذي به أمله، آتيًا من بعيد يترنح في مشيته، ويتلاعب بما يحمل في يديه من عواطف، وينتقل من بيت إلى اليمين إلى بيت إلى اليسار حتى يأتي دوره، فينقبض وجهه وينبسط، ويتذبذب بين اليأس والأمل، وقد يضحك منه القدر فيأتيه خطاب فيفرح، ويفتحه فيحزن، ويكون مثله مثل القائل:
ما أقبحَ الخيرَ تُعْطاهُ فتُحْرَمهقد كنت أحسب أنِّي قد ملأتُ يدي ومنهم من يتكلف الرزانة فلا يتطلع للساعي، ولكنه يكرر النظر في صندوق البريد، فيطل من زجاجته ويفرح إذا صاد، وينقبض إذا لم يصد، وهكذا أشكال وألوان، وكلها حول البريد.
•••

ويكاد يكون الفرح بالبريد صفة عامة يشترك فيها الناس على اختلافٍ بينهم في مقدار فرحهم. فما سر هذا الفرح؟
هل هو فرح من جنس فرح الأطفال «بحلاوة البخت»، وهو صندوق صغير من الورق ونحوه يشتريه الطفل ليرى فيه بخته؟ وأساس هذا الفرح — نفسيًّا — أن الإنسان خُلِقَ طُلَعة، ركز في طبعه حب الاستطلاع لما غمض، والاستكشاف لما خفي؛ فإذا رأى الناسَ يجتمعون في الشارع على شيء تطلع إلى معرفة خبره، وإذا رأى شيئًا مغلقًا تاق إلى معرفة ما في داخله. وقد أدرك التجار هذه الغريزة في الإنسان، فكان من طرقهم أنهم أحيانًا يلفتون نظر الناس إلى السلع بإخفائها وحجبها عن الأنظار، ثم الإيعاز بطرق مختلفة إلى الدلالة عليها، والإتيان بها من صندوق داخل صندوق. وتجار الكتب الإفرنجية أحيانًا يغلقون الكتاب بغلاف محكم، أو يضعون له قفلًا للدلالة على أن فيه ما يحجب عن الأنظار، فيكون الجمهور بذلك أشوق إلى شرائه لاستكشاف أسراره، وقد لا يكون هناك سر ولا شيء غير مألوف، ولكنها المتاجرة بما في الإنسان من حب الاستطلاع.
واستغل هذه الصفة أيضًا كتّاب القصص والروايات، فحاكوا حوادثها حول مسألة خبئوها في الرواية حتى يشتاق القارئ والناظر إلى معرفة خبيئها واستكناه كنهها. ويكون نجاح الكاتب بمقدار مهارته في الإخفاء، والدلالة على ما خفي في بطء وحذر، وإلهاب الشوق إلى استطلاع ما غمض.
قد يكون هذا هو السبب في فرح الناس بما يأتيهم من بريد، وقد يرجحه أنهم يغضبون جد الغضب إذا علموا أن غيرهم فتح بريدهم. وليس سبب ذلك الغضب أن غيرهم قد حاول أن يطلع على ما قد يكون لهم من أسرار فحسب، بل إن من أسباب غضبهم أيضًا أنهم فوّتوا عليهم لذة استكشاف المجهول، واستيضاح الغامض.
وقد يكون الفرح بكثرة البريد عند كثير من الناس سببه الشعور بالعظمة، فهو يشعر أن كثرة بريده آية شهرته، وشهرته آية عظمته، فالبريد يغذي شعوره بالعظمة وإعجابه بالشهرة؛ فالتاجر إذا تضخم بريده كان ذلك آية كثرة عملائه ومعاملاته؛ والسياسي إذا عظم بريده كان ذلك دالًّا على نجاحه في سياسته، وارتباطها بقلوب كثير ممن حوله؛ والعالِم إذا كثر بريده دل على كثرة اتصاله بالحركة العلمية وبالعلماء، وعلى شهرته في الأوساط العلمية، وهكذا.
وقد يكون لهذه القاعدة شواذ، فمن الناس من يهربون من البريد هروبهم من مطالعة الوجه النكد، والشر المفاجئ، كأولئك الذين كانوا أغنياء فبددوا ثروتهم، وأضاعوا أموالهم، فلم يبق من آثار ثروتهم إلا بريد يطالب بديون، أو ينذر بحجْز، أو يُفزع بصدور حكم.
•••

وأيًّا ما كان فمن مظاهر رقي الأمة أن يكثر بريدها في المعاني والآداب والعلوم؛ فيكثر تعامل الأدباء، ويكثر التراسل بين الطلبة وأساتذتهم، والقراء ومجلاتهم، والسياسيين ورجالاتهم، وزعمائهم وأتباعهم؛ فإن هذا مظهر الحيوية العقلية والفكرية والاجتماعية، ودليل على أن للأمة مثلًا أعلى تنشده وتسعى إليه، وتتجادل فيه، وتتخاطب في شأنه، وتتراسل في تمحيصه، ودليل على أنها تفهم أن العيش ليس مجرد طعام وشراب، ومعاملات مالية، ورسائل غرامية، وسؤال عن الصحة والعافية، وتحديد موعد مقابلة، واعتذار عن تأخر.
ويخيل إليّ — مع الأسف — أن بريدنا الأدبي والعلمي والسياسي ضعيف جدًّا إذا قيس ببريد المعاملات المالية، والشئون الغرامية، والحياة المادية.
والأمة إذا رقيت كثر بريدها الأدبي بمعناه الواسع، وفي كثرته دليل على توثق الصلات بين رجال المعاني من طلبة وأساتذة، ومن أدباء وأصدقائهم وقرائهم، وعلماء وأعوانهم، وسياسيين وأتباعهم.
في الأمة الراقية يفهم الأستاذ في المدرسة أو الجامعة أن العلاقة بينه وبين طلبته لا تنتهي بمجرد إلقاء الدرس وتأدية الامتحان؛ وإنما هي علاقة استرشاد علمي وروحي دائم، فإذا تيسر اللقاء كاشف الطالب أستاذه بمشاكله وشئونه، كما يكاشف الشيخ الصوفي مريدُه، وكما يعترف النصراني المتدين لقسيسه، وإذا لم يتيسر فالبريد الأدبي يقوم مقام اللقاء.
وفي الأمة الراقية لكل أديب قراؤهم «زبائنه» كما للتاجر «زبائنه»؛ وهؤلاء زبائن الأدب يعرفون كل شيء عن أديبهم، ويقرءون كل ما يكتب، ويسمعون كل ما يخطب، ويتعصبون له كما يتعصب السماعون لمغنيهم. وهم يقترحون عليه ما يكتب كما يقترح السماعون لمغنيهم ما يغني، وفوق ذلك ينقدونه في نتاجه، فيشجعونه إن أحسن، ويبينون مواضع ضعفه إن أساء؛ وعلى الجملة يراقبونه أشد المراقبة، فيشعر بأنه حي بهم، يستمد من قوتهم، ويصلح أخطاءه من التفاتاتهم.
أما الأديب عندنا فمثله مثل المحاضر في «الراديو» يتكلم وحده ولا يشعر بما يجري وراء حجرته، ولا يسمع تصفيقًا، ولا يحس ضيقًا، وليس أمامه عيون يقرأ في نظراتها علامات استحسان أو استهجان؛ فهو في طريقه مع غير مرشد، ومن غير مشجع، وبذلك ضعف البريد الأدبي.
كل الصلات بيننا مفقودة، فلا صلة بين الأستاذ وطلبته إلا صلة الدرس، ولا بين الأديب وقرائه إلا صلة القراءة إن كانت، ولا صلة بين الأدباء أنفسهم إلا صلة السباب، فإن لم يكن سباب فرياء، ولما تكن بعد صداقة.
لكم حمل إلينا بريد أوروبا أخبارًا عن أدبائهم وما كان بينهم وبين قرائهم من صلات أفادتهم في توجيههم، وما كان يطالعهم به البريد كل صباح من آراء ناضجة بجانب آراء تافهة؛ وما كان بين الأدباء بعضهم وبعض من صداقة أوحت بالخطط وعدلت من المنهج، وأنتجت مناظرات قيمة، ومساجلات ممتعة، فإن كان بينهم أحيانًا سباب مُرّ فبينهم أحيانًا صداقة حلوة، وإن نفث بعضهم السم فمنهم من ينتج الترياق.
•••

لشد ما أخشى أن يمطرني القراء ببريد يكذبون به رأيي وينقضون به دليلي ثم يكلفونني الإجابة عنه؛ وهذا ما لا طاقة لي به، فأثقل شيء عليَّ أن أرد على البريد، وسلوكي نفسه في البريد دليل على ما أشكو منه، فإن قنعوا ببريد لا رد له، فلهم كل الشكر.

الدينُ الصناعي


هل تعرف الفرق بين الحرير الطبيعي والحرير الصناعي؟
وهل تعرف الفرق بين الأسد وصورة الأسد؟
وهل تعرف الفرق بين الدنيا في الخارج والدنيا على الخريطة؟
وهل تعرف الفرق بين عملك في اليقظة وعملك في المنام؟
وهل تعرف الفرق بين النار أمامك وهي تلتهب وتأتي على كل ما يقدم لها من وقود، وبين نطقك بكلمة النار وهي تجري على لسانك فلا تمسه بسوء؟
وهل تعرف الفرق بين إنسان يسعى في الحياة وبين إنسان من جبس وضع في متجر لتعرض عليه الملابس؟
وهل تعرف الفرق بين النائحة الثكلَى والنائحة المستأجرَة، وبين التكحل في العينين والكَحَل؟
وهل تعرف الفرق بين السيف يمسكه الجندي المحارب وبين السيف الخشبي يمسكه الخطيب يوم الجمعة؟
وهل تعرف الفرق بين الناس في الحياة والناس على الشاشة البيضاء؟
وهل تعرف الفرق بين الصوت والصدَى؟
إن عرفت ذلك فهو بعينه الفرق بين الدين الحق والدين الصناعي.
يكدّ الباحثون أذهانهم، ويُجهد المؤرخون أنفسهم في تقليب صحفهم ووثائقهم عن تعرف السبب في أن المسلمين أول أمرهم أتوا بالعجائب، فغزوا وفتحوا وسادوا، والمسلمين في آخر أمرهم أتوا بالعجائب أيضًا، فضعفوا وذلوا واستكانوا، والقرآن هو القرآن، وتعاليم الإسلام هي تعاليم الإسلام، ولا إله إلا الله هي لا إله إلا الله، وكل شيء هو كل شيء؛ ويذهبون في تعليل ذلك مذاهب شتَّى، ويسلكون مسالك متعددة. ولا أرى لذلك إلا سببًا واحدًا هو الفرق بين الدين الحق والدين الصناعي.
الدين الصناعي دين حركات وسكنات، وألفاظ، ولا شيء وراء ذلك. والدين الحق دين روح وقلب وحرارة.
الصلاة في الدين الصناعي ألعاب رياضية، والحج حركة آلية ورحلة بدنية، والمظاهر الدينية أعمال مسرحية وأشكال بهلوانية.
و«لا إله إلا الله» في الدين الصناعي قول جميل لا مدلول له. أما في الدين الحق فهي كل شيء؛ هي ثورة على عبادة المال، وثورة على عبادة السلطان، وثورة على عبادة الجاه، وثورة على عبادة الشهوات، وثورة على كل معبود غير الله.
«لا إله إلا الله» في الدين الصناعي تتفق مع إحناء الرأس والخضوع لشهوة البدن، وتتفق مع الذلة والمسكنة. و«لا إله إلا الله» في الدين الحق، لا تتفق إلا مع الحق.
«لا إله إلا الله» في الدين الصناعي تذهب مع الريح، وفي الدين الحق تزلزل الجبال.
•••

الدين الصناعي صناعة كصناعة النجارة والحياكة، يمهر فيها الماهر بالحذق والمران. أما الدين الحق فروح وقلب وعقيدة، ليس عملًا، ولكنه يبعث على كل عمل جليل وكل عمل نبيل.
الدين الحق «إكسير» يحل في الميت فيحيا، وفي الضعيف فيقوى.
هو «حجر الفلاسفة» تضعه على النحاس والفضة والرصاص فتكون ذهبًا.
هو العقيدة التي تأتي بالمعجزات فيقف العلم والتاريخ والفلسفة أمامها حائرة: بم تعلَّل، وكيف تُشرَح!
هو الترياق الذي تتعاطى منه قليلًا فيذهب بكل سموم الحياة.
هو العنصر الكيمياوي الذي تمزج به الشعائر الدينية فتطير بك إلى الله، وتمزج به الأعمال الدنيوية فتذلل العقبات مهما صعبت، وتصل بك إلى الغرض مهما لاقت.
هو الذي وجده كل من نجح، وهو الذي فقده كل من خاب.
هو الكهرباء الذي يتصل فيدوّر العجل، ويسيّر العمل، وينقطع فلا حركة ولا عمل.
هو الذي يحل في الأوتار فتوقع وكانت قبلُ حبالا، وفي الصوت فيغني وكان قبل هواءً.
•••

الدين الحق يحمل صاحبه على أن يحيا له ويحارب له. والدين الصناعي يحمل صاحبه على أن يحيا به ويتاجر به ويحتال به.
الدين الحق يجعل صاحبه فوق كل سلطة وفوق كل سياسة. والدين الصناعي يحمل صاحبه على أن يلوي الدين ليخدم السلطة ويخدم السياسة.
الدين الحق قلب وقوة، والدين الصناعي نحو وصرف وإعراب وكلام وتأويل.
الدين الحق امتزاج بالروح والدم، وغضب للحق، ونفور من الظلم، وموت في تحقيق العدل. والدين الصناعي عمامة كبيرة، وقباء يلمع، وفرجية واسعة الأكمام.
«الشهادة» في الدين الحق هي ما قاله الله تعالى: «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقُتلون ويُقتَلون». و«الشهادة» في الدين الصناعي إعراب جملة وتخريج متن وتفسير شرح وتوجيه «حاشية»، وتصيحي قولِ مؤلِّف وردّ الاعتراض عليه.
الدين الحق تحسين علاقة الإنسان بالله، وتحسين علاقة الإنسان بالإنسان، لتحسن علاقتهم جميعًا بالله. والدين الصناعي تحسين علاقة صاحبه بالإنسان لاستدرار رزق، أو كسب جاه، أو تحصيل مغنم، أو دفع مَغرَم.
•••

لقد صدق من قال: إن هذا الدين «لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله»، وهل كان أوله إلا دين روح، وهل كان آخره إلا دين صناعة؟
جناية أهل كل دين أن يبتعدوا — كلما تقدم بهم الزمان — عن روحه ويحتفظوا بشكله، وأن يقلبوا الأوضاع، ويعكسوا التقدير، فلا يكون للروح قيمة، ويكون للشكل كل القيمة.
شأن «الإيمان» شأن العشق، يحوّل البرودة حرارة، والخمول نباهة، والرذيلة فضيلة والأَثَرَة إيثارًا.
والإيمان الحق كالعصا السحرية، لا تمس شيئًا إلا ألهبته، ولا جامدًا إلا أذابته، ولا مواتًا إلا أحيته.
•••

من لي بمن يأخذ الدين الصناعي بكل ما فيه، ويبيعني ذَرّة من الدين الحق في أسمى معانيه؟
ولي كبد مقروحة من يَبيعُنيبها كبدًا ليست بذات قُروح
سحر العيون …


من قديم والأشجار والأزهار والأطيار والنجوم، قد مدت خيوطها إلى قلب الإنسان فأسرته، فشعر شعورًا ساذجًا بجمال السماء والأرض وما فيهما.
ولكنه في عهده الأول قد شُغل بتحصيل القوت، والتغلب على البيئة القاسية، فلم يلتفت إلى الجمال إلا لمامًا؛ فلما غلبَ البيئة، وتيسرت له وسائل العيش وجَدَ من الزمن ما يكفي للتغزل في الطبيعة ومُناغاتها.
هام بالجمال وفتن به، وتفتح قلبه له؛ وهاجت عواطفه نحوه؛ فلم يكفه أن يرشف الجمال في صمت وسكون، بل دعته العاطفة الهائجة نحو الجمال أن يعبِّر عنها، فكانت الموسيقى والرقص والأغاني والحفر والتصوير، وكان الأدب — وبعبارة أدق كان نوع من الأدب — وعُدّتْ هذه كلها فنونًا جميلة؛ لأنها تعبر عن الجمال؛ ولأنها في ذاتها جميلة.
•••

شُغِف الإنسان بالحسن يتبعه، فوجده في الزهور، ووجده في البحار والأنهار، ووجده في الطبيعة على فطرتها، ووجده في الإنسان نفسه. وما أشك في أن الحب الذي كان بين آدم وحواء، كان منشؤه ما قرأ آدم في حواء من جمال الأنوثة وما قرأته حواء في آدم من جمال الرجولة!
كان الإنسان الأوّل ينظر إلى الجمال جملة، كما ينظر إلى العالم جملة، وإلى كل شيء جملة؛ فلما تقدم به الزمان، أخذ ينظر الأشياء تفصيلًا، وإلى الجمال كذلك تفصيلًا. وبعد أن كان يعجب بالطبيعة جملة، أخذ يُعجَب بالشمس — مثلًا — ثم أخذ يعجب بالشمس في شروقها وغروبها، ثم أخذ يعجب بالشمس تغرب في البحر، وهكذا.
وكذلك كان شأن الإنسان مع الإنسان، أُعجب به جملة، ثم أخذ يتبين مواضع الجمال فيه تفاريق، فدلته المقارنة على شروط الجمال في الأعضاء، وهداه الذوق الفطري إلى إدراك صفات الجمال في كل عضو؛ فالرشاقة في القد، والأسالة في الخد، والتلَع في الجيد، والذَّلف في الأنف?، والفلج في الأسنان، إلى آخر ما هنالك. •••

لعل أجمل الأحياء الإنسان، ولعل أجمل ما في الإنسان عيناه، فإذا كان لكل شيء خلاصة فخلاصة الإنسان عينه، هي مستودع سره، وهي النافذة التي يطل منها غيره على ما في أعماق نفسه، وهي الترجمان الذي يعبر أصدق تعبير عما يجول في نفسه من عواطف. تَعِد وتُوعِّد، وترغِّب وترهب، وترسل مرة شواظًا من نار، ومرة شآبيب من عطف وحنان، تقسو وترحم، وتُنعم وتؤلم، وتصل وتصد، وتقْبل وتَنفِر، وتَعجَب وتحتقر، وهي في كل موقف من هذه المواقف تتخذ لها وضعًا يناسبه، وشكلًا يوائمه؛ تتلون ولا تلون الحرباء، وتتشكل ولا تشكل الحسناء، في الأزياء. هي للمرأة أقوى سلاح، وفي روايات الحب أمهر لاعب، وفي مرسح الغزل أشهر ممثل، وفي ميدان الأدب أبرز جائل وصائل.
•••

وفي الحق أن لغتنا العربية من أكثر اللغات وفاءً للعين، واعترافًا بقيمتها، وتسجيلًا لدقيقها وجليلها. لقد وضعوا لكل جزء من أجزائها — مهما دق — اسمًا بل أسماء، لا أطيل بذكرها، ووضعوا بيانًا لما يستحسن في العين من الصفات، وسموًّا كل نوع من الجمال باسم، فقالوا: «عين ظمياء» إذا كانت رقيقة الجفن، و«عين نجلاء» إذا كان جمالها في سعتها، و«عين حوراء» إذا كان جمالها في شدة سوادها وشدة بياضها، و«عين دعجاء» إذا كان جمالها في لونها وسعتها معًا، إلى آخره.
ثم التفتوا إلى شيء دقيق جدًّا يغبطون عليه. وهو اختلاف النظرات، فعبروا عن كل نظرة بعبارة؛ فقالوا: «رنوت إليه» إذا أدمت النظر في سكون طرف، و«سارقته النظر» إذا نظرت إليه نظرًا خفيًّا، و«نظر شَزْرًا» إذا نظر إليه بمؤخر عينه نظر الغضبان، و«شفنه» إذا نظر إليه نظر المبغض أو المتعجب، و«أزلقه ببصره» إذا نظر إليه نظرة متسخط، و«رأيتهم يتقارضون النظر» أي: ينظر بعضهم إلى بعض نظرة عداء، إلى غير ذلك.
وكما غنيت اللغة بالعين وما يتصل بها، غنى بها الأدب كذلك؛ فمنذ طالَعَنا الأدب العربي، رأينا الشعراء يعجبون بالعين ويتغزلون فيها، من عهد امرئ القيس إذ يقول: «وعَيْنٍ كمرآةِ الصَّنَاع تُديرُها» — إلى حافظ إبراهيم إذ يقول:
غُضِّي جفون السحر أو فارحميمتيمًا يخشى نِزَال الجفون وإلى ما شاء الله أن يكون من الشعراء.
•••

وكما كان الناس ينظرون إلى الجمال جملة، ثم أخذوا ينظرون إليه تفصيلًا، كذلك مؤلفو الأدب. كانت تآليفهم الأدبية شاملة لكل شيء، وكان عرضهم للجمال لا يقتصر على شيء دون شيء، ثم رأينا نزعة في التأليف جديدة ترمي إلى التخصص في الجمال، والتخصص في جمال شيء بعينه. فرأينا صلاح الدين بن أَيْبَكْ الصَّفَدِيّ يعجب بالخال ويفرد له تأليفًا يسميه «كشف الحال على وصف الخال»؛ ولم يكن موفقًا في هذه التسمية؛ بل كان قليل الذوق، فما يصح في باب الجمال أن يسمي شيء بكشف الحال.
وجاء شمس الدين النواجي ففتن بجمال العذار، وألّف في ذلك كتابًا سماه «خلع العذار في وصف العذار»؛ ولم يكن في هذه التسمية أكثر توفيقًا من صاحبه.
ولكن مؤلفًا ثالثًا جاء فغضب من هذين الاسمين النابيين، كما غضب من أن يلتفتا إلى الخال والعذار ويَغُضَّا من جمال العيون، فألف كتابًا في العيون سماه «سحر العيون»، فكان أكثر توفيقًا في الاسم والمسمى.
•••

من الأسف أني لم أعثر على اسم مؤلفه، ولكنه في ثنايا الكتاب يقول: «أنشدني صاحبنا الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر القادري المولود سنة ???». فمؤلف الكتاب — إذًا — من أدباء القرن التاسع الهجري؛ والظاهر أنه مصري لأنه يروي لنا في ثنايا الكتاب أحداثًا مصرية، وأمثالًا عامية مصرية.
أراد في هذا الكتاب أن يذكر كل ما يتصل بالعيون، وأراد أن يكون في العيون طبيبًا، وفقيهًا، وأديبًا؛ وكان خيرًا له وللناس أن يكون أديبًا فقط؛ فما أحراه وقد خصص كتابه للعين، أن يخصص نفسه لأدب العين؛ فمن العسير أن يجمع إنسان بين المهارة في الطب، والمهارة في الأدب.
على كل حال كان في قسمه الأول طبيبًا، عرض للعين وشرّحها، ورسم لها صورة طريفة، ووضع في الصورة اسم كل طبقة من طبقاتها؛ وتكلم فيما يعرض من أمراضها، وما يلائم من الأدوية لعلاجها، حسبما عرف من ذلك في زمانه.
ثم انقلب فقيهًا، فذكر دية العين في المذاهب المختلفة. وكان لغويًّا، فذكر مادة العين، وإطلاقها واشتقاقها.
وأهم ما في الكتاب قسمه الأدبي، عرض في فصل منه ما وقع في الأدب من تشبيهات العين؛ فمنهم من شبهها بالسهم، وشبه فعلها بفعله، ومنهم من وصفها بالنبل، أو بالخنجر، أو بسنان الرمح، أو بالسيف، ومنهم من يشبهها بزهر الفول، ومنهم من يشبهها بالنرجس. وقد حكى لنا أن بعض الأدباء في زمنه اعترض على تشبيه العين بالنرجس لصفرة لونه، وقال: إن هذا لا يصح إلا أن تكون العين معلولة بعلة اليَرَقان. وأجاب بعضهم أن بالمشرق نوعًا من النرجس مكان الصفرة منه سواد، وهو الذي يصح التشبيه به، لا نرجس بلادنا. أما ابن رشيق فقال: إن وجه الشبه في تشبيه العيون بالنرجس هو الفتور لا اللون، كما قال ابن المعتز:
وَسْنانُ قد خدع النعاسُ جفونَهفحكى بمقتله ذبولَ النرجس وهذا الفتور هو الذي يسمونه المرض، وهو مرض خير من ألف صحة، كما قال ابن عباد:
ونظرن من خلل الستورِ بأعينٍمَرْضَى يخالطها السقام صِحَاحِ ثم ذكر فصلًا عرض فيه لما وقع في العين من التنكيت والأمثال.
وعرض لنا فصلًا بديعًا موضوعه اختلاف مواقف الناس أمام العيون؛ فمنهم من كان يعشق عين محبوبته، فسمع تشبيهًا للعيون بعيون الغزلان، فأكثر من شراء الغزلان وتربيتها وتوليدها، ومنهم من سمع قول ابن الرومي:
وأحسن ما في الوجوهِ العيونوأشبهُ شيءٍ بها النرجس فكان لذلك يكثر من زرع النرجس في حديقته.
ومن الناس من أرْدَته النظرة الأولى، وقال:
ما يفعل السِّحرُ بالألباب في سَنَةٍفي الحال تفعله الأحداقُ والطُّررُ ومنهم من كانت تحييه نظرة وتميته نظرة كالذي يقول:
الوجه منكِ عن الصواب يضلنيوإذا ضللتُ فإنه يَهدينيوتميتني الألحاظ منك بنظرةوإذا أردتِ، بنظرة تحييني ومنهم من عرته حالة غريبة، وهو أنه غار من عينيه أن تتمتعا وحدهما بالنظر إلى المحبوب فمنعهما النظر كالذي يقول:
إني لأحسد ناظريّ عليكاحتى أغُض إذا نظرتُ إليكا ومنهم من كان يربأ أن ينظر بعينيه إلى عين من يحب؛ لأنه لا يستحق هذا الشرف. «قيل لبعضهم: أتحب أن ترى عيني محبوبك؟ قال: لا. قيل: ولم؟ قال: أنزّه عينيه عن عيون مثلي».
وبلغت الغيرة من ديك الجن الحِمْصي أن قتل جاريته وبكاها، فقال:
فوحق نعليها، وما وطئ الثرىعندي أعزُّ عليّ من نعليهاما كان قتِيلهَا؛ لأني لم أكنأبكي إذا سقط الغبار عليهالكن بخلت على سواي بحسنهاوأغار من نظر العيون إليها وهكذا عرض لحالات الناس المتفاوتة، وتصرفاتهم المختلفة إزاء الإعجاب بالعيون.
وانتقل من ذلك إلى «طيف الخيال»؛ لأنه رؤيا العين في المنام، فذكر ما أبدع فيه الشعراء من ذلك، وكيف تفننوا في معانيه، كالذي يقول:
نصَبتْ جُفونِي للخيال حبائلًالعل خيالًا في الكرى منه يَسْمَحُوكيف إذا أغمضتُهن، بصيدِهِ!ومن عادة الأشراك للصيد تُفْتَحُ وقول كُشاجم:
لقد بخلت بطيفٍ مسلَّمعليّ وقالت رحمة لنحيبيأخاف على طيفي إذا جاء طارقًاوناداك أن يلقاه طيف رقيبي وانتقل من ذلك إلى ما تلاعب به الشعراء من الحوار بين القلب والعين، فالقلب يعتب على العين أنها جرَّت عليه الويل، والعين تعتب عليه أنه هو الذي دفعها إلى النظر بما أمَّل وطمع:
يقولُ قلبي لطرفي إذ بكى جزعًاتبكي وأنت الذي حَمَّلْتَنِي الوجعافقال طرفي له فيما يعاتبهبل أنت جملتني الآمال والطمعاحتى إذا ما خلا كلٌّ بصاحبهكلاهما بطويل السقم قد قنعانادتهما كبدي لا تتعبا فلقدقطّعتماني بما لاقيتما قطعا وختم الكتاب بباب طويل فيما ورد في العين من الشعر الرقيق مرتبًا على حروف المعجم. وذكر في أكثر ما اختار سنة مولد الشاعر ووفاته.
•••

ونلاحظ أن أكثر اختياره من الشعر الحديث الذي قيل في العصر العباسي الثاني وما بعده، كما نلاحظ أن كثيرًا مما اختاره في العيون لمعاصريه كان غزلًا في عيون الأتراك، فيقولون أحيانًا: «من الترك لم يترك بقلبي بقية»، وأحيانًا: «من آل خاقان له لفتة»، وأحيانًا: «من نسل يافثٍ نافثٍ» مما يدل على أن المصريين أعجبوا بعيون الأتراك، وكانوا إذ ذاك هم الحكام، وقصورهم ملأى بالمماليك منهم.
وبعد فهذا الكتاب معرض فني من أغنى المعارض، وهو معرض ليس فيه — على سعته وكثرة ما يعرض فيه — إلا العيون وأشكالها ونظراتها، لو وقع في يد فَنّان صَنَاع، لأبدع في تصويره أيما إبداع، وكم في كنوز السلف من روائع!
? الذلف: صغر الأنف واستواء الأرنبة.
أبو العِبَر


أمير من أمراء البيت العباسي. وناهيك بالأمراء العباسيين في أيام سطوتهم من عز وجاه، وعظمة وترفّعٍ عن الناس.
يدعو الخليفةَ ابنَ عمه، ويدعوه الخليفة ابن عمه، حسب اصطلاحهم في ذلك الزمان. ليس بينه وبين عبد الله بن عباس الصحابي الجليل إلا خمسة آباء، فهو ابن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
يكفي أن يقول الرجل: إنه من البيت العباسي لتخضع له الرقاب، ويذل له العظيم؛ والناس يسمونهم الأشراف وأبناء الملوك. وإذا كانوا في حفل عند الخليفة فهو وحده يجلس على السرير، وأهل البيت العباسي وحدهم يجلسون على الكراسي، وسائر الناس يجلسون على الوسائد والبُسُط.
ولكن لم يكن أمراء البيت العباسي كلهم أهل ثروة ورخاء؛ فمنهم الغنيّ الواسع الغنى، ومنهم الفقير وإن لم يبلغ حدًّا كبيرًا من الفقر؛ لأنهم كانوا يرتزقون من رواتب تخصص لهم من بيت المال حسب مشيئة الخليفة، ومن هبات وعطايا توهب لمن شاء الخليفة، فكن حظ «أبي العبر» هذا وأبيه من هبات الخليفة قليلًا نادرًا.
ولد أبو العبر بعد خمس سنوات من خلافة الرشيد، أعني سنة ???، وأخذ بعدُ يتعلم ويتأدب، وعاصر — أولًا — الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق وصدرًا من خلافة المتوكل.
وهو طوال هذه العصور جادٌّ في حياته. رأى أنه ليس بالغنيِّ غنى غيره من الأمراء، ولا هو مقربًا من الخلفاء، ورأى أن القرب إليهم أسبابه كثيرة؛ منها القدرة السياسية، ومنها القدرة الأدبية، ومنها غير هذا وذاك؛ فاتجه إلى الأدب يدرسه، والشعر يقرضه، لعله يصل من ذلك إلى منزلة تلفت إليه نظر الخلفاء؛ ليدروا عليه العطاء، ويغرقوه في النعيم، فتأتَّى له شعر حسن غنّى به المغنون كقوله:
أبكي إذا غَضِبتْ حتى إذا رضيتْبكيتُ عند الرضا خوفًا من الغضبِفالويلُ إن رضِيَت والعَوْلُ إن غضبتإن لم يتم الرضا فالقلب في تعب وكاد يبتسم له الحظ ويكون شاعرًا مقبولًا، لولا أن رماه القدر بشعراء فحول أمثال أبي تمام والبحتري، فنظر في شعره وشعرهم، وسحره وسحرهم، فرأى أنه لا يستطيع أن يدركهم ولا يبلغ شأوهم.
رأى أن شعرهم جيد وشعره وسط، ولأبي العبر رأي في الشعر طريف، وهو أنه إن لم يكن جيدًا كل الجودة فليكن باردًا كل البرودة. أما الوسط فإياك وإياه؛ إن الجيد يعجبك بجودته، والبارد يضحكك ببرودته، أما الوسط فثقيل لا يستخرج إعجابًا، ولا يستخرج ضحكًا؛ وقد عبر أبو العبر عن هذا المعنى بقوله: «إن قدرت أن تقول الشعر جيدًا جيدًا، وإلا فليكن باردًا باردًا، وإياك والفاتر فإنه صفع كله».
ولكن أبا العبر لا يستطيع أن يقول كما يقول أبو تمام والبحتري. وكل ما يستطيع أن يقوله هو الشعر الفاتر الذي لا يرتضيه، فماذا يصنع؟ ومما يزيد الأمر إشكالًا أنه يريد المال ويريد القرب من الخلفاء، وليس له وسيلة إلا الشعر، والشعر الجيد لا يواتيه، والشعر الوسط لا ينفق، وليس بالسياسي فيحظى عندهم، ولا قدرة له على ذلك، فماذا إذًا؟
ليس إلا أن يلتفت إلى نفسه يعلمها القناعة، فالقناعة كنزٌ لا يفنى، وإذا كان عطاء الخليفة ليس له غاية إلا رضى النفس، فالقناعة يمكن أن توصل إلى هذه الغاية نفسها؛ ولذلك أخذ يعطي لنفسه دروسًا في القناعة ودروسًا في الرضا، أحيانًا يحدثها الحديث النفسي، وأحيانًا يقول في ذلك شعره المتوسط:
لا أقول: اللهُ يَظْلِمنيكيف أشكو غير متَّهموإذا ما الدهرُ ضعضعنيلم تجدني كافرَ النعمقَنِعَتْ نفسي بما رُزقتوتناهت في العُلا هِممِيليس لي مال سوى كرميوبه أَمْنِي من العدم ولكن هذه الدروس لم تنجح، وامتحن فيها فرسب، إن لي بيتًا رفيعًا هو بيت الخليفة نفسه، وبهذا البيت استحقَّ الخلافة، وفي يده القناطير المقنطرة من الذهب والفضة يبعثرها هنا وهناك، فلماذا أُحْرَم حتى من القليل منها؟ إن كل يوم تطلع فيه الشمس أرى فيه دروسًا تفسد على دروس القناعة والزهد. فهذا عالم يجد ويكد ولا يجد ما يسد رمقه، وهذه الخيزران أم الرشيد تبلغ غلتها في العام مائة وستين مليونًا من الدراهم. هذا مؤلف ينفق عمره في تأليف كتاب أو كتب، ولا يجازى على ما فعل. وهذه جارية تعجب الرشيد فيأمر يحيى بن خالد البرمكي أن يشتريها له بمائة ألف دينار. هذا سخيف يذكر نادرة تضحك الخليفة فيمنحه المال بالهيل والهيلمان، وهذا ناصح فيبعده ويقصيه، وهذا شاعر يمدحه فيجعله فوق البشر فيمنحه من المال ما يشاء، وهذا الرشيد يرضى عن جاريته «ذات الخال» يومًا فيحلف أنها لا تسأله في ذلك اليوم شيئًا إلا فعل. فهل هذا عالم معقول؟ إن الجنون أنواع، فنوع منه في البيمارستان، نوع في قصور الخلفاء، ونوع موزع على سائر الناس؛ غير أن الأول يبعث على الرحمة، والثاني يبعث على النقمة، والأخير يبعث على الإشفاق.
لقد نيَّفتُ على الخمسين وأنا أجرب العقل فلم ينجح. أفلا يكون من الصواب أن أجرب الجنون مرة لعله ينجح؟
إن أردتَ السعادة فعليك بأحد أمرين: إما أن تعيش عاقلًا وسط العقلاء، أو مجنونًا بين مجانين. أما أن تعيش عاقلًا وسط مجانين، أو مجنونًا بين عقلاء. فذلك العذاب. وقد عشت طويلًا عاقلًا بين مجانين فشقيت؛ فخير أن أجن وأعيش عيشتهم وأضحكهم وأضحك منهم.
فكَّر «أبو العبر» في ذلك طويلًا، ثم خرج من تفكيره إلى أن يكون أضحوكة الناس. إن لقبي أبو العباس، وهو لقب جِد، فلأطرحه ولأطأه بقدمي إعلانًا بإخفاق الجد في هذا العالم. وهو أيضًا لقب يرمز به إلى بيت العباس، وماذا جنيت منه إلا الفقر والبؤس وسوء الحال وخيبة المصير؟ خير لك أن تتلقب لقبًا يكون عبرة للناس وعنوانًا على أن الجد لم ينجح، وقد ينجح الهزل. فلتتوكل على الله، ولتكن كنيتك من الآن أبا العِبَر.
خرج «أبو العبر» على الناس بفنون شتى من الأضاحيك، فبدأ يسطع نجمه، وكلما نجح شجعه النجاح على الإمعان في السخف، حتى بلغ في ذلك الغاية وعلا صيته، وتناقل الناس نوادره، ودوَّى اسمه في العراق وغير العراق، عَلَمًا على الضحك والسرور. ويكفي أن يذكر الناس اسم أبي العبر ليتهيئوا للضحك، ويكفي أن يذكروا له نادرة حتى يمسكوا أحشاءهم من كثرة الضحك.
لقد كان يألم من أنه لم يبلغ ما بلغ أبو تمام والبحتري وأضرابهما، ففاتهم شهرة وعلاهم صيتًا.
وكان أول ما بدأ به أنه طبق نظريته في الشعر، فخصص نفسه للشعر البارد، فكان يعمد إلى القصائد الجدية فيقلبها قصائد هزلية؛ يسمع البحتري يقول:
من أي ثغر تبتسموبأي طرف تحكتم فيقول هو:
في أي سلح ترتطموبأي كف تلتطم وهكذا، والناس يضحكون منه، ويصفقون له، والخلفاء تسمع هذا منه، وتمنحه من الجوائز فوق ما يجيزون الجد.
ثم أخذ يعمد إلى فن آخر طريف وهو فن «المفارقات»، فيتكلم كلامًا غريبًا لا يُفهَم، ولكنه يُضحك، فكلمة من الشرق بجانب كلمة من الغرب، وكلمة على السفينة وأخرى على التفاحة، وثالثة على المبتدأ والخبر، وهكذا «سمك. لبن. تمر هندي». وقد سئل مرة: كيف تحضِّر هذه المفارقات الغريبة، وكيف يمكنك جمعها على شذوذها وبُعد أوصالها؟ قال: «أبكّر فأجلس على الجسر ومعي دواة ودرج، فأكتب كل شيء أسمعه من كلام الذاهب والجائي والمَلاّحين والمُكارين، حتى أملأ الدرج من الوجهين، ثم أقطعه عرضًا، وألصقه مخالفًا، فيجيء منه كلام ليس في الدنيا أحمق منه».
هذا كله في باب المضحكات من الأقوال، ولكنه لم يقتصر عليها، فتفنن أيضًا في المضحكات من الأفعال؛ فكان — مثلًا — يمشي في الشارع ومعه سلم، أو يحمل في يده سمكة، فإذا سئل: لِم يفعل ذلك؟ أمطر سائله بإجابات مخزية تثير الضحك. ويجلس في الشارع وحوله المُجَّان ويلبس في رأسه لباس رجله، وفي رجله لباس رأسه، وحوله ثلاثة نفر يدقون بالهواوين حتى يجتمع الناس، ويشترط على الحاضرين ألا يضحكوا، فمن ضحك فعليه عقوبة، ويأخذ في أحاديثه وأفاعيله، فمن ضحك وكان وضيعًا صب على رأسه ماء وحمأة مما بجانبه، وإن كان شريفًا رش عليه ماء من قصبة في يده، وحبسه حتى يغرم درهمين.
ورئي مرة وبيده اليسرى قوس وعلى يده اليمنى باشق وعلى رأسه قطعة رئة في حبل مشدود بأنشوطة، وقد ألقى شصًا في الماء، وربطه بحزامه. فقيل له: ما تصنع؟ قال: يا أحمق أصطاد بجميع جوارحي، إذا مر بي طائر رميته عن القوس، وإن سقط قريبًا مني أرسلت إليه الباشق، والرئة التي على رأسي تجيء الحدأة لتأخذها فتقع في الوهق، وإذا جاء السمك في الشص أحسست به فأخرجته.
وهكذا وهكذا.
فملأ العراق بأضاحيكه، وكان ينتقل من سُرَّ من رأى إلى بغداد، ومن بغداد إلى الكوفة، فيتحدث الناس بحضوره ورحيله كما يتحدثون بأمير أو عظيم.
وانهال عليه المال انهيالًا حتى لم يكن يدري ما يصنع به، ولامه بعض الشعراء على سلوكه مع فضله وأدبه فقال له: يا أحمق! أتريد أن أكسد أنا وتنفق أنت؟
وتحدث رجل إلى آخر: «ألا يأنف الخليفة لابن عمه مما قد شهر به وفضح عشيرته؟» فقال له الآخر: «ويحك! والله يا عم لو رأيت ما يصل إليه بهذه الحماقات لعذرته».
ووقف البيت العباسي في أمره موقفين مختلفين. فأما بعضهم فغضب من ذلك! وشعر بأن هذه الأعمال سبة البيت وفضيحته؛ لذلك أمر الخليفة المستعينُ إسحاقَ بن إبراهيم (محافظ بغداد) أن يأخذه ويحبسه! فصاح أبو العبر في الحبس: «لي نصيحة. لي نصيحة!» فأخرج ودعا به إسحاق فقال: هات نصيحتك! قال: على أن تؤمنني؟ قال: نعم. قال أبو العبر: «الكشكية لا تطيب إلا بالكشك»، فضحك الحاضرون، ومنهم إسحاق. وما زال يهذي بمثل هذه النصائح، فقالوا: مجنون. وأخرجوه.
وأما المتوكل فأفسح له صدره واتخذه سُخْرِيَّا له، فكان يرميه بالمنجنيق في الماء ثم يطرح الشبكة فيخرجه كما يخرج السمك، ويضحك من ذلك، ويعطيه ما لا يعطي الشعراء.
وأفلح أبو العبر في الضحك على الناس ونال بالتحامق ما لم ينله بالتعاقل.
فأما هو فقد انتقم لنفسه من الناس، ومن بيت العباس، وقال: لو نفق العقل لعقلت، ولو راج الجد لجددت، ولكن حَمق الناس فتحامقت.
وأما غيره فقال: «أنا والله لا أعذره، ولو حاز بحمقه الدنيا بأسرها».
فليحكم القارئ.

الشرقُ ينقصه الحب


يُخيَّل إليّ أن لو كان للحب مقياس يقاس به كما تقاس به درجة الحرارة، لرأينا به أن درجة الحب في الشرق منخفضة منخفضة، حتى تكاد تبلغ الصفر، وأن درجة البغض — أو على الأقل درجة الحياد — مرتفعة مرتفعة حتى تكاد تبلغ المائة.
ولست أعني حب الرجل للمرأة، ولا المرأة للرجل، ولا حب الأب لابنه ولا الابن لأبيه، فهذا حب غريزي تراه في القطط والكلاب وكل حيوان، كما تراه في الإنسان، ولا فضل للمدنية فيه إلا أنها رَقّته وهذبته وشكلته أشكالًا وألوانًا.
وإنما أعني حب الإنسان لقومه؛ فهذا القدر في الشرق أقل جدًّا من مثيله في الغرب.
لقد لفت نظري إلى هذا المعنى أني زرتُ إنجلترا مرة، فبعد أيام قليلة أحسست أن كمية الحب في الجو أكثر منها عندنا، وتجلى لي هذا في سؤال الناس بعضهم بعضًا قضاء مصالحهم، وفي معاملتهم على اختلاف أنواعها، بل وفي السؤال: أين الطريق؟
كمية من الحب كبيرة لطفت المعاملة، وأطلقت البِشْر، وملأت الجو سرورًا، والمعاملة نعومة، وجعلت عجلة الحياة تمشي سريعًا في غير ضوضاء وجلبة.
ونقصان هذه الكمية في الشرق هو أكبر سبب في أكثر ما نرى من متاعب؛ فنقصان كمية الحب هو الذي جعل طبقة الحكام في الشرق يتناحرون تناحر الأعداء، ويلعن بعضهم بعضًا، ويجرّح بعضهم بعضًا، حتى لا يكاد يسلم أحد من رمي بالخيانة والإجرام والسرقة وسوء النية وبيع البلاد للأجانب ونحو ذلك من التهم، حتى لم يبق رأس سليم، وهو الذي جعل الجهود تبذل بين تفكير في خطط الهجوم وخطط الدفاع، وضاعت بين هذا وذاك مصالح الشعب. وفي الغرب نقد عنيف أحيانًا، يبلغ درجة الاتهام أحيانًا، ولكن تُلطِّفُه كمية الحب، فيبدو في أغلب أحيانه كعتاب الأصدقاء؛ ثم لا يمنع الناقد نقده أن يقول لمن ينقده: أحسنت في مواضع إحسانه، كما يقول: أسأت في موضع إساءته. وأجمل من هذا أن تختفي هذه الاتهامات إذا جدّ الجد، وظهرت مصلحة الشعب في التعاون.
ونقصان كمية الحب هو علة ما يبدو من شكوى أصحاب الأعمال من الموظفين، فليس المرتب الذي يتقاضاه الموظف باعثًا كافيًا على إحسانه عمله وقضائه مصالح الناس على الوجه الأكمل؛ إنما المرتب يدعوه لأن يحضر في موعد الحضور ويخرج في موعد الخروج، ويؤدي من الأعمال الآلية ما يعفيه من المسئولية. أما روح العمل، والسعي في تحقيق مطالب الناس، والعمل لخيرهم، فإنما يبعث عليها كمية كبيرة من حب الناس لا تزال مفقودة عند أكثر الموظفين.
ونقصان الحب هو الذي ملأ الجو بشكوى الفلاحين من مُلاّك الأراضي، ومُلاك الأراضي من الفلاحين، فليس بينهم حب متبادل، ولا عطف مشترك، إنما هي نظرة الناهب لما ينهب والصائد لما يصيد.
وهكذا تبحث عن كل مناحي الحياة، وكل مرافق العيش، فترى العجلة تسير ولكن ببطء، وتتحرك ولكن بصخب وضوضاء؛ لأنها عدمت بلسم الحب.
إن توفر الحب انعدمت الحرب بين الطبقات؛ لأن الغنيّ يحب الفقير فيرحمه، والفقير يحب الغني فيحترمه، وطبقة الأشراف والنبلاء تؤمن بأنها تعيش في رغد من العيش بفضل يد الفلاح والعامل والصانع، ولولاهم لماتوا جوعًا، فتحبهم وتفيض عليهم من خيرها؛ وطبقة الفلاحين والعمال تجازي إحسانًا بإحسان وفضلًا بفضل؛ وهكذا يسود الجميع حب وعطف ورحمة، ومن غير هذا الحب يكون الموقف موقف انتهاز الفرص، وتربص للإيقاع، وامتلاء للصدور بالحقد والضغينة.
•••

إن ما حدث في الأمم من توارث تطالب بحقوق الإنسان، وحروب لتحقيق الإصلاح، ليست إلا مظهرًا من مظاهر الحب، وشفقة على الإنسان المعذب، والفقير البائس، والطبقة التي تشقى لحساب الطبقة التي تتقلَّب في النعيم.
وإنّ ما وصل إليه العالم من تحقيق العدل بين ذي الجاه وعديم الجاه، وبين الأبيض والأسود، وبين الفقير والغني، ليس إلا بفضل الحب ظهر في شكل قانون.
وهو لم يصل إلى غايته؛ ولم يبلغ كماله إلا لأن كمية الحب في العالم أقل مما يرجوه المصلحون وينشده المثاليون.
وإن استعداد شعوب أوروبا للحرب، وتسابقها في وسائل الفناء دليل على أن الحب في كل شعب لم يتعدّ دائرة قومه، ولم يخرج عن نطاق القومية ليشمل الجنسية.
وإن تعاون الغرب على ظلم الشرق وافتياته على شعوبه وهضمه لحقوقه، واستغلاله لمصلحته، دليل على أن حبه لا يزال ضيق الأفق، لم يستطع أن يمزق حجبه، ويتغلب على أنانيته وقوميته وجنسيته ليظفر بحب إنسانيته.
إن شئت فقل: إن كمية الحب في العالم أقل مما يلزم، وإنها بذرة صغيرة تحتاج إلى النماء، وإنها في الشرق أقل منها في الغرب.
إن نهضة الشرق للدفاع عن استقلاله مظهر من مظاهر حب القومية في قلبه، وإن تعاون أمم الشرق فيما تشترك فيه من مصالح، دليل على اتساع الحب من قومية إلى شرقية، ولكن ربكته في الحكم وصعوبة سيره في الحياة، والسباب المقذع للمصالح الشخصية، والشكوى الملحة من الطبقات بعضها من بعض، وعدم رعاية مصالح الجمهرة العظمى من الأمة كالفلاحين والعمال والصناع، وتوزيع ميزانيات الدول في مصالح الخاصة أكثر منها في مصالح العامة، دليل على أن الحب في أول عهده، وأنه في أشد الحاجة لمن يرعاه ويربيه وينميه.
لو ساد الحب لاحترمت الآراء، وأومن بحرية الفكر، ونفذت الفكرة لما فيها لا لقائلها، ولدقق المتهم عند الاتهام ورجع إلى ضميره عند التجريح، ولراعى المصلحة العامة، لا المصلحة الشخصية، ولا المصلحة الحزبية.
ولو ساد الحب لعمم التعليم، وعممت المستشفيات الشعبية، وعممت المتنزهات العامة وحورب البؤس قبل أن يشجع الترف.
مظهر الحب التعاون، ومظهر البغض الحرب. والحرب أثر من آثار الوحشية، والتعاون — في أحسن أشكاله — أرقى ما وصلت إليه الإنسانية.
قد يدعو الحبُّ إلى الحرب، كالأمة تدافع عن نفسها، والشرقِ يدافع عن استقلاله؛ ولكن لم يبعث عليه في الأصل إلا الكره من الأمم المهاجمة، ولو فشا الحب في العالم واتسع نطاقه حتى شمل الإنسانية بأجمعها لحل التعاون محل الحرب.
ومصيبة العالم الآن وقبل الآن ناشئة من أن نظمه كلها مؤسسة على الحب الضيق، والكره الواسع؛ فالوطنية ليست إلا حبًّا ضيقًا في حدود الإقليم، مغَلَّفًا بكره واسع في خارج الحدود. ومن الأسف أن ليس في الإمكان أن تدعو أمة إلى ترك وطنيتها؛ لأنك بذلك تدعوها إلى إلقاء السلاح وسط مسلحين لا يكادون يشعرون بإلقائها سلاحها حتى ينقضوا عليها.
وإنما الأمل الوحيد عند المتفائلين أن تتعلم الأمم جميعًا من دروس الحرب أن تتعاون على قلب النظم الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، ووضعها على أساس جديد هو حب الإنسانية.
ومن فجر الحضارة كان هناك مظهران متناقضان في العالم: مظهر كره يدعو إلى الحرب بين الأمم، ومظهر حب كمين يدعو إلى التعاون في الفنون والعلوم والنظم الاجتماعية. كانت المدن اليونانية تتحارب بالسلاح، وتتعاون في الفن والفلسفة؛ وكذلك كان العرب والفرس، والعرب والروم، والعرب والأسبان؛ وكذلك الشأن الآن بين الأمم الأوروبية بعضها وبعض، وبين أمم الشرق وأمم الغرب؛ فالتعاون بين هذه الأمم كلها — قديمًا وحديثًا — قدّم العلوم والفنون والفلسفة، والحروب أخرّتها. ولو ظل التعاون على أكمله ولم يعقه عائق من الحرب لبلغت العلوم والفنون أضعاف ما بلغت الآن؛ فبالتعاون حييت فلسفة اليونان، وبالحروب ماتت، ثم بالتعاون بعثت؛ وهكذا فلسفة الإسلام وفنون الإسلام. وما كان من خير مشترك في هذا العالم كنظم التعليم، والنظم الاجتماعية، والسكك الحديدية والبرية ونحو ذلك، فضرب من ضروب التعاون؛ وما كان من خراب وبؤس للشعوب وخوف على الأنفس والأموال، فمنشؤه الحرب التي دعا إليها الكره.
وبعد فما أحوج الناس جميعًا إلى الاستزادة من الحب، وما أحوج الشرق خاصة إلى الاستزادة من الحب فهو دواؤهم الوحيد الذي يتغلبون به على أمراضهم.
إن الحب إذا فشا في أمة أتت بالأعاجيب، وفعل فيها ما لا يفعل المال والعلم والفلسفة.
هو هدى بعد ضلال، وغنى بعد فقر، ونور بعد ظلام، هو معجزة المعجزات، فيبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله.

لو انتصر المسلمون!


تحت هذا العنوان قرأت مقالًا في مجلة إنجليزية?، كتبه كاتبه بمناسبة انتصار «فرنكو» في أسبانيا بمعاونة المراكشيين المسلمين، فأوحت إليه هذه الحادثة أن يرجع بذهنه إلى ما وقع بين المسلمين والمسيحيين في موقعة «تور» في فرنسا سنة ???م فقال: إن أوروبا كلها كانت تسقط في يد المسلمين لو انتصروا في هذه الموقعة، وما كانت إنجلترا تستطيع صدهم أيضًا؛ لأنها لم تكن في حالة حربية تسمح لها بصد قوى العرب، والتاريخ لم يحفظ لنا كثيرًا من الأمثلة التي تم فيها من الانقلاب ما تم على يد المسلمين، فإن عددًا قليلًا من العرب المملوئين حماسة دينية، متأثرين بنبيهم «محمد» استطاعوا بقوة إيمانهم، وبالسيف والنار، أن يسيطروا في مدى قرنين على جزء ضخم من العالم يمتد من شاطئ المحيط الأطلنطي إلى نهر السند، وكان غرضهم الأعظم أن يحوّلوا العالم إلى دينهم بالدعوة أو بالقوة — عبروا مضيق جبل طارق، وتدفقوا كالسيل الجارف إلى إسبانيا وجنوبي فرنسا. وفي سنة ???م كان عبد الرحمن يسيطر على كل الجانب الغربي الجنوبي لأوروبا، ويهدد سائر فرنسا وما وراءها، ويقود جيشه في ظفر يتلوه ظفر، هازمًا ما يقابله من جيوش في سهولة ويسر، فاتحًا ما يلاقيه من المدن، محوّلًا ما يجده من كنائس، لا يقف أمامه شيء، ناشرًا تعاليم «محمد»، حتى وصل إلى أبواب «تور» على بعد مئة وثلاثين ميلًا فقط من باريس.
ثم لقيه «شارل مارتل» بجيش قليل من محاربين جرمانيين جبابرة، فتقاتل الجيشان لا ساعةً من نهار ولا نهارًا كاملًا، ولكن ستة أيام قتالًا شديدًا مستعرًا، كان يبدو فيها عبد الرحمن منتصرًا، ولكن في اليوم السابع تحولت دفة الحرب في صالح «شارل» وقُتل عبد الرحمن وهُزم جيشه، وكر راجعًا إلى الأندلس.
فلو أن «عبد الرحمن» انتصر، كما كانت تدل عليه كل الظواهر، ولم يوفق «شارل مارتل» إلى صده، لتم فتح العرب فرنسا وأوغلوا بعدها في ألمانيا وإيطاليا، وما كان يقف في سبيلهم شيء ولا إنجلترا وإيرلندا.
وماذا — إذًا — لو تم ذلك؟
لو تم ذلك لكانت أوروبا اليوم كلها مسلمة، تُدَوِّي أصوات المؤذنين فوق مآذنها، وتحرّم الخمر والميسر والخنزير، وتسودها كل شعائر الإسلام.
ثم يتساءل الكاتب في مكر ودهاء: «هل كانت أوروبا الآن تصبح متأخرة في مدنيتها وتقف فيها موقف العالم العربي الآن؟»
يجيب عن ذلك بأنه «من المرجح ألا يكون ذلك، فقد بلغت الأندلس في عهد المسلمين منزلة رفيعة من الثقافة، ولئن كان المسيحيون يصبحون مسلمين إذا انتصر «عبد الرحمن»، فإن العلم — إذ ذاك — لم يكن يذبل؛ لأنه أزْهرَ في الأندلس المسلمة، وكان العقل الغربي والنبوغ الآري يشق طريقه في مناحي العلم المختلفة، ولكن كان التفكير الغربي يضعفه التأمل الشرقي، وما كان يوجد المفكر الحر، لفقدان التسامح عند المسلمين، وما كان يرقى التصوير ولا الحفر؛ لأن القرآن يعدهما من ضروب الوثنية. وكانت المرأة الغربية تصبح كالمرأة الشرقية. وما كانت تستكشف أمريكا لعدة قرون، وإن استكشفت بالمصادفة أو البحث لكان مصيرها مصير أوروبا».
حرك هذا المقال عقلي، وأثار شجوني، وأطار خيالي.
ماذا كان يكون شأن العالم الآن لو انتصر المسلمون في وقعة «تور»، وتحقق ما توقعه الكاتب من فتح المسلمين أوروبا كلها وتديّنها بالدين الإسلامي؟ وماذا كان يكون موقف المدنية الحديثة الآن؟
الحكم على ذلك في منتهى الصعوبة؛ لأن أحداث التاريخ وتقلبات الأوضاع الاجتماعية تخضع لآلاف الآلاف من المؤثرات، وبعض هذه المؤثرات في غاية الخفاء وغاية التعقيد. هذا إذا كانت الأحداث بين أيدينا وتحت سمعنا وبصرنا، فكيف إذا فرضناها فرضًا وتخيلناها خيالًا؟ اعتبر ذلك بما هو حادث اليوم في العالم، فكل المقدمات ماثلة أمامنا، ومع هذا يختلف رجال التاريخ والسياسية والاقتصاد والاجتماع العالمون ببواطن الأمور؛ هل تؤذن هذه المقدمات بحرب شعواء عاجلة تأكل الأخضر واليابس، أو لا تؤذن بحرب، وستنفرج الأزمات ويسود السلام على الأقل عهدًا طويلًا؟ إن كان ذلك والشواهد ماثلة والأدلة حاضرة، فكيف بشئون عالم سحيق في القدم، غير معروفة جميع ظروفه وأحواله، نفرض فيها النتائج كما نفرض المقدمات، ونتخيل ما يحدث قبل أن يحدث، ومع هذا فنحاول الإجابة، ولنقس ما لم يكن على ما كان.
•••

لقد جرى المسلمون والمسيحيون شوطًا في السباق، والتقيا في أثنار الطريق، وإن لم يلتقيا في البدء؛ فقد بدأ المسيحيون شوطهم قبل المسلمين بأكثر من ستة قرون حتى جاء الإسلام، فبدأ سيره وجرى طلَقا يفتح ويدعو ويؤسس مدنية ويعدّل مدنيَّة حتى حاذى النصرانية وجرى بجانبها، فماذا كان بعد ثلاثة قرون من الإسلام وتسعة من النصرانية؟ رأينا حضارة بغداد في عهد العباسيين، وحضارة القاهرة في عهد الفاطميين، وحضارة قرطبة في عهد الأمويين، لا يدانيها في ذلك حضارة في العالم، سواء في العلم والفن، وآلات القتال، ومظاهر اللهو والترف، ومظاهر الجد والعمل.
لقد ذابت مدنية اليونان ومدنية الرومان في أوروبا، ولم يكن لهما نظير في الشرق، ومع ذلك لم يسبق الغربُ الوارثُ الشرقَ المبتكر.
وظل الغرب يتتلمذ للشرق قرونًا طويلة، يجلس رجاله إلى ابن رشد يأخذون فلسفته، وينقلون إلى لغاتهم كتبه، ويدرسون كتب ابن سينا في الطب في جامعاتهم، ويأخذون من رياضي الشرق وفلكييهم إلى عهد قريب، ويطيرون في مدنيتهم الحديثة من على أكتاف الشرقيين؛ فماذا كان يمنع المسلمين أن يصلوا إلى مدنية مثل المدنية الحديثة أو خير منها إذا استمروا في طريقهم ولم تعقهم عوائق خارجة عن دينهم، وخارجة عن عقليتهم؟
لم يمنعهم الإسلام أن يطلبوا العلم في شتى ألوانه، ولا أن يعكفوا على فلسفة أرسطو وأفلاطون وغيرهما، ولا على رياضة أقليدس وفيثاغورس وأضرابهما. ولم تستعبدهم هذه الأسماء الرنانة كما استعبدت عقول أوروبا في القرون الوسطى، فنقدوا أرسطو وأفلاطون وأقليدس وبطليموس، وعدلوا بعض نظرياتهم، وأبطلوا بعضها، وغزا عقلهم نواحي العلم، كما غزا جيشهم نواحي العالم، وكان كثير من المسلمين إذا قالوا: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» فعقولهم بعدُ حرة في كل تفكير، طليقة من كل قيد.
لقد نسي الغرب تاريخه إزاء الشرق، ونسي الشرق تاريخه إزاء الغرب، ولم ينظر كلاهما إلا إلى حاضره؛ فَزُهِي الأول وتعاظم، وذلَّ الآخر واستكان، وجهل كل أن الشرق كان يتقدم الغرب في السباق، إلى القرن الخامس عشر؛ ولولا نكبة العنصر المغولي والعنصر الآري الذي يفخر به الكاتب لظل الشرق في طريقه وفي تقدمه، لولا مصيبة التتار التي أتت على خير للمسلمين وأضعفت قوتهم وأذلت نفوسهم، ولولا حكم الأتراك للشرق وما جر من فساد وفوضى واضطراب، ولولا جناية الغرب على الشرق بما جرعته من غصص وما سلكت معه من منهج يتلخص في إضعافه عقليًّا وروحيًّا، واستغلاله ماديًّا، لولا ذلك كله لتقدم الشرق بخطواته الواسعة، ولكان ذلك من خيره وخير العالم. إذًا، لكان للعالم مدنيتان تتسابقان في البناء: مدنية أساسها الإسلام والروحية الشرقية والعقلية الشرقية، ومدنية أساسها المسيحية والعقلية الغربية، ولانعدم الاحتكار وما يجر من أضرار، وما يفقد من تنافس.
•••

بل يخيل إليّ أنه لو انتصر المسلمون لكانوا أسرع خُطًى إلى المدنية؛ فقد عاقت نهضة أوروبا عوائق ليست عند المسلمين، لقد عاقها قرونًا طويلة سلطة الكنيسة وحجرها على العقول والآراء، وتدخلها في كل شأن من شئون الحياة بقوة وعنف، والإسلام لا يعرف سلطة لرجال الدين، ولا يقر بوساطة بين العبد وربه. وعاق أوروبا نظام الطبقات وسلطة الأشراف والنبلاء، والإسلام لا يعرف هذا النظام، ويقرر أن المسلمين سواء تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. ولم تتخلص أوروبا من هذه العوائق وأمثالها إلا بعد جهد جهيد، وأنهار من دماء، وجسور من رءوس.
فلما خلصت أوروبا من هذه العوائق أو كادت، اخترعت «الوطنية» فكانت مصيبتها الكبرى وعلتها العظمى، أشعلت نار القومية، وجعلتها أساس التربية وأساس الاقتصاد، وتسابقت الأمم في الوطنية فتسابقت في التسلح، فما تنقضي حرب حتى يبدأ الاستعداد لحرب شر من الأولى. وهكذا ظلت المدنية الأوروبية التي يغار عليها الكاتب بين حرب واستعداد للحرب، وأفراد من كل أمة تتحكم في مصير الشعوب، وتطيح برءوسها، وتفرض الضرائب الفادحة لتنشئ بها أساطيل وقنابل وغازات وطائرات وغواصات ومدرعات، لتتعاون كلها على حصد الأرواح حصدًا، وتحرم الأب من أبنائه والأبناء من آبائهم، ومن نجا من القتل وقع في أسر البؤس والحزن والهم. والعلم الذي اخترع لخدمة الإنسانية، استخدم لإفناء الإنسانية؛ وهذه خلاصة المدنية، وهذا ما جلبته الدعوة إلى الوطنية.
•••

لقد فتح المسلمون الأولون فارس والشام ومصر والأندلس وغيرها، فلم يفقدوها شخصيتها، ولا حرموها علمًا ولا ثقافة، ولا سلبوها حريتها؛ ومن أسلم فالعالم الإسلامي كله له، ومن لم يسلم ودفع الجزية فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وظلت هذه البلاد المفتوحة كلها تشترك في بناء المدنية الإسلامية على قدم المساواة؛ فعلماء فرس وعلماء شاميون وعلماء مصريون، وفنانون من كل صنف، وممسكون بزمام الحكم من كل قطر؛ ولكن لما فتح الغرب الشرق حرمه العلم إلا بحساب وفي حدود معينة، ومنعوا أهله حرية القول والتفكير وحمل السلاح إلا بمعيار ضيق، وأخصبوا أرضهم وأجدبوا عقولهم؛ لأن أرض الشرق للغرب وعقل الشرق على الغرب؟ فلو فتح المسلمون أوروبا — كما توقع الكاتب — لحفظوا لأوروبا شخصيتها وأوسعوا في علمها وثقافتها، وتركوا لها حريتها في أكثر شئونها، ولم يمنعوا نبوغ من استعد للنبوغ، ولا حجروا على عقل ولا تفكير، ولا كانوا يستغلون أرض أوروبا للشرق، إنما كانوا يستغلون الشرق والغرب للشرق والغرب. ودليلنا على ذلك أن جميع البلاد التي فتحها المسلمون الأولون ظلت زاهية مزدهرة بعد فتحهم بأحسن مما كانت قبل فتحهم، وأن الشرق كاد يموت بعد أن فتحه الغرب لولا لطف الله وبقية من مناعة الفتح الأول.
وأهم فرق بين الفتحين أن مدنية الإسلام كانت تنظر إلى العالم الإسلامي كله كوحدة، خير الجزء خير الكل، وشر الجزء شر الكل، والمدنية الحديثة تنظر إلى العالم من خلال القومية؛ فخير تونس والجزائر ومراكش وسوريا لفرنسا لا لهذه البلاد، وخير طرابلس لإيطاليا لا لطرابلس، وخير الهند لإنجلترا لا للهند، وهكذا جريًا على الأسلوب الحديث في النزعة الوطنية؛ ولهذا نَعِمَ الشرق في حكم العرب، ولم ينعم الشرق في حكم أوروبا، ولا يمكن أن ينعم هؤلاء ولا هؤلاء إلا بإحلال الإنسانية محل الوطنية، ودون ذلك أهوال.
ثم ما الذي كان يمنع العرب من استكشاف أمريكا، ورَحّالوهم كابن جبير وابن بطوطة لم يكن يدانيهم أحد من رحال الغرب في عصرهم؟ على أن فكرة استكشاف أمريكا إنما دعا إليها، وحث على تحقيقها، نظرة كروية الأرض التي أثبتها جغرافيو العرب، وبرهن عليها فلكيو العرب.
•••

أخشى أن يكون «الكاتب الفاضل» قد استحضر في ذهنه عند كتابة المقال صورة العالم الإسلامي الحاضر، ولم يستحضر العالم الإسلامي الغابر، فرأى ما عليه المسلمون اليوم من فقر عقلي، وفقر مالي. فأشفق على أوروبا أن يحكمها هؤلاء فيقلبوا غناها فقرًا وعلمها جهلًا وقوتها ضعفًا، وفاته أنه يتكلم عن «عبد الرحمن» وعن جنود «عبد الرحمن» وهؤلاء كانوا أقوياء في غير ضعف، أغنياء في غير فقر، علماء في غير جهل، وقد مرنت عقولهم في غير جمود، وطلبوا الخير للعالم من غير قيود، فهل يعيد التاريخ نفسه؟
? Parade عدد يوليه سنة ????.
عهدٌ وثيق


التقيا في الصباح على ميعاد؛ لينجزا عملًا سريعًا لم يستطيعا أن يعملاه أثناء الأسبوع لكثرة شواغلهما، وتوزع جهودهما، فهما أيام العمل كالحصان، قد شدت يداه ورجلاه، بل وشعره، بحبال وخيوط تجذبه إلى جهات مختلفة متناقضة، يمينًا ويسارًا وأمامًا وخلفًا، فهو لا يستطيع أن يقطع شوطه ويبلغ مداه.
فليكن يوم الجمعة الخالي من أعباء «الوظيفة» المخصص للراحة، هو يوم إنجاز العمل المتأخر الذي لا بد أن يكون.
بدآ في الصباح، ولذهما العمل وطاب، واستغرقا فيه، فلم يشعرا بوجودهما ولا بزمانهما ولا بمكانهما، ولا بأي شيء حولهما. وأفاقا كأنهما كانا في حلم لذيذ، فإذا أرجلهما مثلوجة من رطوبة المكان، وبطونهما خاوية من تفاهة الإفطار، وعقولهما مجهدة من كثرة العمل. والتفتا لما عملا وما بقي، فوجدا أن لم يتم من العمل إلا نصفه أو أنقص منه قليلًا.
إذّا فلنشحذ عزائمنا، ولا نفترق حتى يتم عملنا، ولنتكلم في التليفون ألا ينتظرونا في الغداء، ولنأخذ غداءنا في مطعم قريب نستريح بعده قليلًا، ثم نستأنف العمل حتى يتم، ولننم بعد ذلك في راحة ضمير وعناء جسم، فذلك خير من أن ننام في راحة جسم وعناء ضمير.
م: هيا بنا!ح: إلى أين؟م: إلى مطعم «الكرسال».ح: يا أخي، طالما انتقدتك على هذه النزعة الغريبة عندك! تفضل المصنع الأجنبي، والمقهى الأجنبي، والمطعم الأجنبي، وكل شيء أجنبي كأنك أجنبي، وفي هذا خطر على مال الوطني وجهد الوطني ونتاج الوطني! إنَّ «كانْتْ» الفيلسوف الألماني وضع قاعدة أخلاقية لطيفة نتعرف بها صلاحية الشيء وفساده، فقال: «إذا أردت أن تعرف شيئًا صالحًا أو فاسدًا فعممه»، فإذا أردت أن تكذب فافرض أن الناس كلهم يكذبون، فهل تبقى أمة على الكذب العام؟ يكذب كل رئيس فيها على كل مرءوس، وكل مرءوس على كل رئيس في كل ما يقول، وتكذب الزوجة على زوجها والزوج على زوجته، والآباء على أبنائهم في كل ما يقولون. فإن نحن طبقنا هذه النظرية تبين فساد نظرك في جلاء ووضوح؛ فلو أن كل مصري أراد أن يشتري شيئًا أو يبيع شيئًا أو يأكل شيئًا أو يلبس شيئًا، استقضاه من الأجنبي، ما بقي في مصر مطعم وطني ولا مقهى ولا دكان. وأين أنت ومطعم فلان الوطني؟: قصر منيف تحوّل إلى مطعم وطني فاخر نظيف، صاحبه مصري وخادمه مصري، ولحمه مصري وطهيه مصري. إن طلبت اللذة فهو ألذ من الكورسال، وإن طلبت النظافة والإتقان فكذلك، وإن أردت نفع المصري فهذا وجهه.م: حرام عليك. ألم تنس ما كنا فيه من عمل عقلي مضن، فتريد أن تزيده ضنى وجهدًا — حتى في الطريق — بمحاضرتك الفلسفية؟ ولا تنس «كانْتْ» وفلسفته، وإذا تركتك استرسلت إلى شوبنهور وشيلر ولسنج، وأتيت على البقية الباقية من رأسي وعقلي. ارحمني يرحمك الله، وتكلم في حديث خفيف يدخل السرور علينا ويذهب بعنائنا، ولأبرهن لك على صدقي في قولي بقبول ما اقترحتَ وتنفيذ ما أردت، من غير حاجة إلى محاضرة عن «كانت» وأشباهه. فنذهب إلى المطعم الوطني. •••

محل لطيف ورائحة شواء تدخل الخياشيم فيجري لها الريق وتتفتح الشهية، ورنين أشواك وملاعق، ومنظر أكلة يبشر بأنهما سيلعبان هذا الدور قريبًا.
يا غلام! هيئ لنا مكانًا منفردًا وإن غلا ثمنه، وأكثر لنا من الكوامخ من كل صنف، طحينة، ولبن، ومخللات، وابعث لنا برئيسك سريعًا.
وفي لحظة واحدة تم كل ذلك، فهيئ المكان وأعد إعدادًا حسنًا، وصفت عليه الأطباق والشوكات والسكاكين والملاعق وإبريق الماء النظيف الرائق، تسطع عليه الشمس فيلمع كالدر، وامتلأت المائدة بالكوامخ، وإن تظرفت فقل: «السلطات» المختلفة، والعيش المقبب. وحضر سيد الخدم في سرعة عجيبة!
رطل ونصف من الكباب، ليس بالسمين، ولكن.
نعم.
بسرعة مدهشة تساوي سرعتك في سؤالنا.
خمس دقائق فقط وإن تأخرت فعشر، ولكن لا تزد فوراءنا عملٌ ينتظرنا، والساعة الآن الواحدة والنصف.
«حاضر». في أقل من ذلك يحضر الطلب.
وأخذا يداعبان العيش المقبب والسلطة واستساغا الطعم فزادا، وحلا الحديث فتحدثا، وراعى (ح) صديقه (م) فلم يتحدث في الفلسفة، وكلما انحدر إليها من غير شعور تنبه إلى قول صاحبه فعدل، وتخلل الحديث فكاهات ظريفة استثارت الضحك العميق، حتى خيل إليهما أن لو حضر لهما خروف مشوي لا رطل ونصف لأتيا عليه.
ودخلا في الحديث من باب إلى باب، والضحك يتتابع و«السلطة» والخبز يضؤلان. وإذا بالحديث يدور حول الغضب وأسبابه ونتائجه، وإذا بالسيد (ح) يقول: ألاحظ أن المصريين سريعو الغضب، فهم يغضبون من أقل شيء ومن لا شيء! ثم إذا غضبوا لم يقفوا عند حد؛ فشبانهم إذا غضبوا حطموا ودمروا، وصغارهم إذا غضبوا صاحوا بكل ما يستطيعون من قوة، وضربوا الأرض بأرجلهم، وقد يضربون الحائط برءوسهم، وشيوخهم إذا غضبوا أفسدوا عملهم وأضاعوا صداقتهم، ولم يفرقوا بين العمل العام والعلاقات الشخصية، ولا أدري أذلك ناشئ من حرارة جوهم وطبيعة مزاجهم، أم هو يرجع إلى التربية! فإني أرى أن البلاد الباردة يغلب عليها ضبط العاطفة وقلة الانفعال، فهل هذا كسبوه من برودة البلاد أو من تعويدهم أطفالهم ألا يبالغوا في الانفعال؟ لقد حُدِّثت عن مدرس إنجليزي أراد طلبته أن يغيظوه، فوضعوا له حذاءً باليًا على مكتبه، وظنوا أنه يهيج لذلك ويخبط ويضرب، ويُجري تحقيقًا دقيقًا فيمن دبر هذه المكيدة، ومن وضع الحذاء، ونحو ذلك من أسئلة لا تنتهي، فما إن دخل المدرس الفصل ورأى الحذاء على مكتبه حتى أخذه بيده ووضعه على الأرض، وقال: «تحدثت إليكم في الدرس الماضي عن كذا» واستمر في درسه، فصفق الطلبة إعجابًا بمسلك أستاذهم وضبط عواطفه! ولو حدثت هذه الحادثة في مصر لمدرس مصري لانقلبت السماء على الأرض، وقامت لها المدرسة وقعدت، ولشغلت المدرسة أسابيع، وقد تشغل وزارة المعارف أيضًا!
م: لا تنس أنك قد عدت إلى الفلسفة والمحاضرة مرة أخرى.ح: لا تؤاخذني يا أخي، فإني لم أستطع أن أغير طبعي، ولكن اسمح لي أن أكمل حديثي في كلمة قصيرة. إنا قادمون على عمل جليل، وقد رأيت أن أكثر الأعمال في مصر تخفق من سرعة الغضب، فتعال معي نضع صيغة «عهد وثيق» نقسم بها ألا نغضب أبدًا، وإذا غضبنا لم يؤثر ذلك في عملنا.م: الساعة الآن الثانية والنصف، وقد مضت ساعة ولم يحضر الأكل، وقد كدنا نشبع من «السلطة». ودَقّ بالملعقة على الصحن، فلم يسمع أحد، ثم دق ودق فحضر الخادم.
– نعم!
– مضت ساعة الأكل لم يحضر. ناد رئيسك.
وتتابع الحديث ولم يحضر أحد، وبعد قليل دخل خادم آخر عليهما، وظن أنهما انتهيا من أكلهما وشربهما. وأنهما يعطلان الغرفة أكثر مما يلزم، فسألهما: هل يريدان قهوة، ومن أي نوع هي!
وتتابع الحديث ثانية أو ثالثة. لا أدري!
ونظر (ح) في الساعة فإذا هي الثالثة، فقام ولحقه (م) ونزلا يستفسران عما تم. فإذا سيد الخدم قد نسي الطلب ولا أكل ولا إعداد ولا توصية.
وانفجر السيد (ح) انفجارة كالبركان إذا قذف، ودوَّى صوته في بهو المكان كله يهدد ويؤنب، وبهت الحاضرون، وتصلبت الأيدي على الملاعق، ووقفت اللقم في الأفواه، وسكتت الأسنان عن المضغ، وحدقت العيون في هذا الصارخ وهذا المصروخ فيه، وانقلبت صالة الأكل إلى صالة محاضرات يشرح فيها ما يجب على الوطنيّ أن يعمل لسمعة وطنه، أو فصلًا في مدرسة يؤنب فيها الأستاذ تلاميذه.
وساد الجميع رهبة. ماذا حدث؟ وماذا كان؟
– لا مؤاخذة.
وخرجا …
م: لا تغضب، وأشفق على نفسك. إنَّ «كانْتْ» يقول: «إذا أردت أن تعرف خطأ شيء أو صوابه فعممه»، فماذا يحدث لو غضب كل الناس هذا الغضب؟
والآن إلى أين؟ح: إلى الكورسال، فإذا أراد المصريون أن ينجحوا فليس على المستهلك وحده يقع عبء التضحية، بل يجب أن يتحملها أيضًا المنتج بإحسانه ما ينتج.م: هذا حكم الغضبان، والغضبان لا حكم له.
بين اللاعبين


حرمت — فيما حرمت — لذة اللعب، فلا أعرف نردًا، ولا ألعب شطرنجًا، ولا علم بي بألعاب «الورق» على اختلاف ألوانها وتعدد أشكالها.
وأخيرًا رماني الحظ بليلة جمعت نخبة من الأصدقاء هواة اللعب، جلست بينهم كما يجلس الأصم بين متحدثين، أو الأعمى بين رسامين، أو المتزمت بين حشاشين. يحركون الورق ولا أفهم، ويصيحون ولا أعلم، ويتضاحكون ولا أفقه، ويزعم أحدهم أنه كسب ولا أدري لم كسب، وآخر أنه خسر ولست أعلم لم خسر، وتبرمت بجلوسي بينهم، وزاد في تبرمي أنهم لم يشعروا بوجودي، ولم يأبهوا بحضوري. ففكرت في حيلة أهرب بها من هذا المأزق — فكرت أن أعتذر وأخرج، فحالت حوائل، وفكرت أن أتعلم اللعب، فقلت: أبعد أن شاب قرناها؟ وقلت: أحتال في أن أصرفهم عن اللعب، ثم قلت: أي حق لك في أن تحكّم ذوقك في أذواقهم، وتحرمهم من ملذاتهم؟ وأخيرًا اهتديت إلى فكرة غريبة، فكرة مظلمة، فكرة تدل على صدق المثل: «يموت الزامر وإصبعه تلعب»، هي أن أنقل المكتبة والجامعة ولجنة التأليف إلى غرفة اللعب، فإن لم يمكن ذلك ماديًّا فليكن خياليًّا، فلأتخيل أن كل هذه الأشياء في هذه الحجرة، وأني جالس على مكتبي، وأن كرسيَّ هذا هو كرسي المكتب، وأن مائدة اللعب هي المكتب، وأن لعبهم هو موضوع الدرس، وأن الدرس درس فلسفة، وأن موضوع درس الفلسفة هو «فلسفة اللعب بالورق». فماذا يمكن أن تقول؟ وهب أن أمامك ورقًا وقلمًا فماذا تكتب؟ وقلت: أجعل من هذا موضوعًا يعجب المتظرفين في وضع أسئلة الامتحانات في الشهادات. ألن تسمعهم يقولون: «هبك وردة قطفها قاطف فماذا كنت تقول؟» ويقولون: «هبك فقيرًا كسبت ورقة «يا نصيب» فماذا أنت فاعل؟»، وهبك وهبك إلى آخره، فقلت: إذا كان «البدع» بدع «هبك» المتسلطة على هذا الزمان، فقل مثلهم: هبك سخيفًا تدرّس درس فلسفة على لعب الورق. فماذا أنت قائل؟ قلت: أقول.
ثم تساءلت: هل أكتب كما يكتب التلميذ موضوع الإنشاء، فيبدؤه بجمل فخمة ضخمة عوده إياها مدرس الإنشاء، كأن أقول: «لا يخفى على الفطن اللبيب، واللوذعي الأريب، والنحرير الأديب» إلخ، أو أكتب كما يكتب مدرس الإنشاء على السبورة مما يسميه «عناصر الموضوع» فيكتب نقطًا ويعددها بالأرقام؟ وأخيرًا قلت: إن هذا وذاك لم يبلغ من السخافة الحد الذي أرتضيه، فلتكن سخافتك ابتكارًا لا تقليدًا، فقلت: إن لعب الورق يمثل القَدَر، فالقدر يُعز من يشاء ويُذل من يشاء بلا قيد ولا شرط؛ فمفرق الأوراق، كموزع الأرزاق، يعطي هذا أوراقه فتكون رابحة، وهذا أوراقه فتكون خاسرة، وهذا أوراقه فتكون بين بين. وقد يكون مَن أخذ الأوراق الرابحة أحق إنسان بالخاسرة، ومن أخذ الأوراق الخاسرة أحق إنسان بالرابحة! ولكنه القدر لا يُسأل عما يفعل، ومفرق الأوراق لا يُسأل عما يفعل!
وقلت: إن اللعب بالورق — في هذه الحجرة — كاللعب بورق الحياة، لا يستطيع أحد اللاعبين أن يغير أوراق لعبه، بل هو مكلف أن يلعب بها، وبها وحدها، وإنما مهارته تقدر بلعبه بهذا الورق، لا باللعب بما يتمنى من ورق. فكذلك الإنسان في الحياة، هو مكلف أن يلعب بورقه، وإنما كل مهارته في أن يلعب على أحسن وجه. فإذا كان ذا كفاية محدودة كلف أن يلعب بهذه الكفاية خير لعب. وليس له أن يطمح في أن يلعب لعب النابغين. وإن خلق ضعيفًا في عقله قويًّا في يده، أو ضعيفًا في يده قويًّا في قلبه، فليعرف ما هو قوي فيه، وما هو ضعيف فيه، ثم يلعب بما عنده خير لعب. فإن كان قويًّا وأراد أن يعمل عمل القوي في عقله، كان كمن يريد أني لعب بورق غيره، وهذا غير جائز في باب اللعب في الحجرة، فكذلك لا يجوز في باب اللعب في الحياة.
وقلت: إن الورق الرابح في يد اللاعب الخائب قد يؤدي إلى الخسارة، والورق الخائب في يد اللاعب الماهر قد يؤدي إلى الربح، فكذلك اللاعب في الحياة، قد يجدّ ذو الكفاية المحدودة وينظم أعماله وأوقاته، فإذا هو خيرٌ ألف مرة من ذي الكفايات النابغة، أضاعها وأهملها ولم يحسن استعمالها.
وقلت: إن اللاعب الماهر في هذه الحجرة قد يصاب بالخسارة في أول الأمر وفي بعض أدوار اللعب، ولكنه يجدّ ويستخرج كل مهارته وكل نبوغه، فإذا هو رابح آخر الأمر. وكذلك اللاعب في الحياة، قد يصاب بصعاب وعقبات، وقد يظهر إخفاقه في بعض المحاولات، ولكنه لا ييأس، ويتعلم من إخفاقه، فإذا هو آخر الأمر ناجح.
وقلت: إن فلانًا هذا اللاعب في الحجرة قد غش مرة في لعبه، فأبدل ورقة بورقة ففقد ثقة اللاعبين، فهم يلاعبونه بحذر ويراقبونه في لعبه ولا يأمنون جانبه. وقد حاول مرارًا بعدُ أن يحسن سمعته فلم يفلح، وحاول مرارًا أن يصدق فكان أثر الكذبة مرة أفعل من أثر الصدق مرارًا. وهكذا اللعب في الحياة العامة، يزل المرء مرة فيفقد ثقة إخوانه والمتعاملين معه، ولا يكسب ثقتهم بعدُ إلا بعد عناء إن أمكن.
وقلت: هؤلاء اللاعبون في الحجرة يصفقون للرابح منهم مهما كان ضعيفًا في اللعب، ولا يصفقون للاعب المجيد إذا خسر. وكذلك شأن اللاعبين في الحياة، فالناجح هو الماهر وهو الكفء وهو كل شيء، والخاسر هو الخائب، وهو الذي لا يصلح، وهو لا شيء. فأين العقلاء من الناس الذين يصفقون للماهر ولو خسر، ويحتقرون الخائب ولو نجح؟ هؤلاء لم يوجدوا بعدُ.
ورأيت من اللاعبين من هو واسع الصدر، واسع المغفرة، يكسب فيضحك، ويخسر فيضحك، ينظر إلى اللعب على أنه مسلاة له ولإخوانه، مثَّلَ دور الرابح أو الخاسر كما يلعب الممثل دوره في المسرح، لا يهمه إن كان يمثل ملكًا أو يمثل سائلًا، وإنما يهمه أن يلعب دوره في إتقان، ويدخل السرور على النظَّارة بإجادته. ومنهم من هو ضيق الصدر، شديد التكلف، أناني، شديد الأنانية، يأخذ اللعب بغم، شديد المشاكسة، يحقد إن خسر، ويطغى إن غلب، ويحوّل ميدان اللعب إلى ميدان قتال، ومجال التسلية إلى مجال منافسة. فقلت: كذلك الـ.
وهنا تصايح اللاعبون إعلانًا بانتهاء اللعب، وتعالت الضحكات، وتتابعت النكات، واختلفت سيما الوجوه، فمنها ناضرة زاهرة، ومنها عابسة قاتمة.
وأيًّا ما كان فقد ظفروا بلعب ظريف وتسلية خفيفة، وظفرت بدرس ثقيل وفلسفة سخيفة.
لست أدري أينا كان أربح، فعلم ذلك عند القارئ.

بين الغرب والشرق أو المادية والروحانية


كنت أقرأ في الكتاب القيم الذي أصدره حديثًا أخي الدكتور طه حسين في «مستقبل الثقافة في مصر»، فاستوقف نظري تخطئته لمن يقول: «إن الحضارة الأوروبية مادية مسرفة في المادية لا تتصل بالروح أو لا تكاد تتصل به، وهي من أجل ذلك مصدر شر كثير تشقى به أوروبا ويشقى به العالم كله أيضًا».
وقد رد على هذا الرأي «بأن الحضارة الأوروبية عظيمة الحظ من المادية، ولكن من الكلام الفارغ والسخف الذي لا يقف عنده عاقل أن يقال: إنها قليلة الحظ من هذه المعاني السامية التي تغذو الأرواح والقلوب … ومن الخطأ أن يقال: إن هذه الحضارة المادية قد صدرت عن المادية الخالصة، إنها نتيجة العقل، إنها نتيجة الخيال، إنها نتيجة الروح الخِصب المنتج، نتيجة الروح الحي الذي يتصل بالعقل فيغذوه وينميه. ويدفعه إلى التفكير ثم إلى الإنتاج ثم إلى استغلال الإنتاج، لا نتيجة هذا الروح العاكف على نفسه الفارغ لها، الفاني فيها، الذي تفسد الأثرة عليه أمره، فلا ينفع ولا ينتفع، ولا يفيد ولا يستفيد». إلى أن يقول: «هؤلاء الذين يخاطرون في الطيران، فيلقون فيه الموت شنيعًا بشعًا، ليسوا ماديين؛ لأنهم يضحون بحياتهم في سبيل تقدم العلم وبسط سلطان العقل على عناصر الطبيعة الجامحة … إن الحضارة الأوروبية المادية هي التي تضحي في كل يوم بكثير من الأنفس في سبيل العلم وفي سبيل السيطرة الطبيعية». إلخ.
•••

استوقف نظري هذا الفصل وأثار تفكيري وترددَتْ في نفسي هذه الأسئلة: هل الحق أن الحضارة الأوروبية مادية وروحية معًا أو هي مادية فقط؟ وهل الحق أن الشرق لا يمتاز بروحانية؟ وهل الحق أنه إن امتاز بروحانية فهي روحانية قليلة القيمة، باعثة على الفناء، تدور حول نفسها ولا تنتج شيئًا؟ وقلت: لعل وجه الصواب يتضح إذا نحن حددنا معنى المادية والروحانية، ثم نظرنا بعد في ضوء هذا إلى الشرق والغرب.
لقد قال كثير من الكتاب والفلاسفة: إن الشرق موطن الروحانية، والغرب موطن المادية، كالذي يقوله بُلْدوِينْ في كتابه «معجم الفلسفة» عند الكلام في الإسكندرية: «إن الشرق والغرب اختلطا في الإسكندرية، وامتزجت آراء رومة واليونان والشام، في المدنية والعلوم والدين، بآراء الشرق الأقصى في ذلك، فنشأت قضية جديدة، عمل على إيجادها بحث الغرب وإلهام الشرق»، فما الذي يعني بالمادية والإلهام أو الروحانية؟
من الواضح جدًّا أننا إن عنينا بمادية الغرب عنايته التامة فقط بالمادة التي يرمز إليها بالمال من ذهب وفضة وأوراق مالية ونحو ذلك، فهذا قول ظاهر البطلان كما يقول «الدكتور». فالمدنية الأوروبية مملوءة بالعواطف، من عاطفة حب تقوى أحيانًا حتى تصل إلى الانتحار، وعاطفة إعجاب ببطولة وإعجاب بجمال، وازدراء لنذالة وكراهة لقبح، وإحسان إلى فقير، وتضحية نفس ومال لوطن، ونحو ذلك من مظاهر العواطف التي قد يفوق فيها الغربيون الشرقيين، مع ما شهر به الأولون من مادية، والآخرون من روحانية. والمدنية الأوروبية كذلك مملوءة بالعقل، فالعلم يسير سيرًا حثيثًا في الحضارة الأوروبية، وهو يسبق الشرق فيه بمراحل. والغربيون الآن أساتذة الشرق في الرياضة والطبيعة والكيمياء. وكل فرع من فروع العلم، وليس هذا العلم مستعبدًا للمال ولكن يستغله المال، ولا بأس عليه من ذلك، بل نرى في هذه البيئات الأوروبية علماء كانوا المثل الأعلى للتضحية من أجل العلم، فمنهم من أعرض عن المال وداسه بقدميه في سبيل تجربة يستكشفها أو نظرية يحققها، بل منهم من ضحى بنفسه للعلم فمات شهيد اختبار يختبره أو فكرة يبرهن عليها. وأين ذلك كله من دعوى المادية في الحضارة الأوروبية؟
إن كان هذا هو معنى المادية فالدعوى — كما يقول الدكتور — ظاهرة البطلان، ولكن ألا يوجد معنى آخر يستقيم به الفرق؟
هناك معنى آخر قد يكون أقرب إلى الصواب، وهو أن معنى المادية تفسير ظواهر هذا العالم على أساس المادة من غير التفات إلى عالم آخر روحي وراء هذا العالم، وبناء كل وسائل الحياة وكل ظواهر المدنية والحضارة والثقافة على أساس المادة وحدها.
فليس العقل إلا شكلًا من أشكال المادة الدائمة التغير والتنوع، وليست أفعال الإنسان مهما دقت إلا نتيجة لمواد الجسم، وليست كل الظواهر النفسية من فكر وإرادة وعاطفة إلا نتيجة للمخ المادي من حيث عمله وحجمه وتركيبه. والعالم «كساقية جحا» تملأ من البحر وتفرغ في البحر. وكل مظاهر الكون من مظاهر السماء ومظاهر الأرض، وغنى من اغتنى وفقر من افتقر، وذكاء الذكي وغباء الغبي، وأدق الأمور النفسية والاجتماعية، ليس إلا نتيجة للمادة. هذا هو معنى المادية، وهو — كما يظهر لي — النظر المسيطر على الحضارة الأوروبية، فالمقدرة العلمية الهائلة في الحضارة الأوروبية اتجهت نحو المادة وأتت فيها بالعجب العجاب، ولا غرابة في ذلك فالمادة معبودها، فطبيعي أن تتجه نحوها بكل قواها، تستكشف فيها كل يوم استكشافًا جديدًا، وتخترع اختراعًا جديدًا، فكهرباء وبخار ولا سلكي ونحو ذلك مما لا يحصى ولا يعد.
ثم إن هذه الأشياء المادية كلها تستغل في الحياة المادية؛ في المنازل، في دور السينما، في الإقامة والسفر، في الجد والهزل، في كل مرفق من مرافق الحياة. بل والأخلاقُ الأوروبية الحديثة وضعت على هذا الأساس. فأهم الأخلاق ما أفاد هذه الحياة المادية، كالنظام، والمحافظة على الزمن، والاقتصاد، ومراعاة الصحة. وأما التواضع والحياة والتفكير في النفس ونحوها فتأتي في آخر القائمة، على أنهم في شك من قيمتها الخلقية، وهم على حق في ذلك ما دام الأساس هو الحياة الواقعية.
ثم الحياة الاجتماعية كلها نظمت على هذا الأساس المادي، من استمتاع باللذائذ ما لم يتأذ الغير. وبناء المعاملات كلها على أساس من الاقتصاد لا روح له، بل وأعمال الخير كلها من إحسان المحسنين وتبرعات المتبرعين، واكتتاب المكتتبين لبناء مستشفيات وملاجئ ونحوها، إنما أساسها كلها تحسين هذه الحياة الواقعة، ورفع البؤس عنها، وإيصال أكبر قسط من السعادة أو اللذة إلى أهلها، وهكذا.
•••

أما الروحانية فترى أن المادة وحدها عاجزة عن أن تشرح كل ما يحدث في العالم، بل لا يفسرها إلا القول بوجود شيء غير مادي، شيء روحاني وراء هذا الشيء المادي. فالفكر وظواهر العقل ليس نتيجة المخ المادي، نعم إن المخ آلة التفكير، ولكن يستحيل أن يكون الفكر الإنساني الذي يشعر بشخصيته وبحرية إرادته نتيجة لمادة لا تُحِس ولا تشعر مهما كانت حالتها من رقي تركيبها وحسن نظامها.
وأعمال الإنسان وظواهر الوجود والذكاء والغباء، وحدوث المألوف وغير المألوف، والغنى والفقر، وأحداث القدر والموت والحياة ونحو ذلك كله، لا يمكن تفسيرها تفسيرًا مقنعًا إذا اقتصر في هذا التفسير على المادة وحركاتها، بل لا بد أن ينضم إليها شيء روحاني.
فالإيمان بعالم روحاني بجانب العالم المادي من نفس وإله وعالم آخر، هو أوضح خصائص الروحانية.
وهذا النوع من النظر هو الذي يسود الشرق، فهو يؤمن بالإلهام الذي لا يعلل، كما يؤمن بالمنطق الذي يعلل، على حين أن النزعة المادية لا تؤمن إلا بسبب ومسبب، وعلة ومعلول، ومقدمة ونتيجة.
والشرقي — على العموم — أميل إلى أن يدخل في حسابه العالم الروحاني والعالم المادي معًا، يؤمن بالقدر خيره وشره، ويحسب ما بعد الموت كما يحسب ما قبل الموت، وإذا تطلب السعادة طلبها من ناحية إيمانه ومن ناحية تعديل نفسه، أكثر مما يطلبها من ناحية تعديل الظروف الخارجية، ولم يبن معاملاته على أساس اقتصادي مادي، بل يبنيها على أن فيها جانبًا كبيرًا لله أو نحو ذلك، وإذا أحسن فليس يدقق في حسابه ويتساءل: ما نتيجة هذا الإحسان في العالم المادي؟ بل يرضيه أن يكون قد أرضى ربه ونفسه، وإذا قوّم الأخلاق فلا يقتصر في تقويمها على النظر في نتيجة هذه الأخلاق بالنسبة للعالم الواقعي، بل نتيجتها في الدنيا والأخرى معًا، وليس يرى مبدأ «ما لقيصر لقيصر، وما لله لله»، بل كل عمل فيه ما لقيصر وفيه ما لله.
وقد تغلب النزعة الروحية على بعض الأفراد، فترى أثر ذلك في التصوف والانقطاع إلى العبادة، ونظام الخانقاهات ونحوها. وهو أمر شائع في الشرق ونابع من الشرق.
ولعل سيادة هذه النزعة في الشرق جعلته مهبط الأديان. فالأديان الثلاثة الكبرى وهي: الإسلام، والنصرانية، واليهودية، ظهرت في الشرق، وانتقلت منه إلى الغرب.
•••

ولست أنكر أن في الغرب روحانية، وأن في الشرق مادية. ففي الغرب روحانيون قد يفوقون بعض روحاني الشرق، صفاء نفس. وقوة يقين، وتقديرًا للأعمال بميزان الروح؛ كما أن في الشرق ماديين قد يفوقون بعض ماديي الغرب إمعانًا في تقدير المادة، واقتصارًا على ميزان الأعمال بميزانها؛ ولكن الحكم في مثل هذه المسائل العامة لا ينبني إلا على الأعم الأغلب، لا على القليل النادر.
كما أني لا أنكر أن في الغرب دينًا، ودينًا كثيرًا، ونظمًا دينية دقيقة، وكنائس فخمة، ومعابد عظيمة؛ ولكني أدّعي — على ما يظهر لي — أن نظرة الغربي إلى الدين، على وجه العموم، تخالف نظرة الشرقي إليه؛ وقد يكون أهم هذا الخلاف من ناحيتين: إحداهما أنه يسود الغربي النظر إلى الدين كنظام اجتماعي، والثانية أن نظرة الدين لا تتغلغل في كل شيء عند الغربي تغلغلها عند الشرقي.
•••

هذه هي المادية والروحانية في نظري، والمادية بالمعنى الذي شرحت تلتئم مع ما نرى في الغرب من علم غزير وعواطف فياضة وتضحيات كثيرة، ولكن هذا كله لم يمنع من أنها صبغت الحضارة الأوروبية صبغة خاصة تخالف روحانية الشرق بالمعنى الذي أبنت.
ولقد غزا الغرب الشرق لا بسيوفه ومدافعه وطياراته فحسب، بل غزاه أيضًا بحضارته ونظراته إلى الحياة، وكان من الطبيعي — وقد انكسرت قوة الشرق الحربية أمام قوة الغرب الحربية — أن يظن الشرقي أن نظرة الغربي إلى الحياة خير من نظرته، وحضارته خير من حضارته، فاستسلم لها، وسار في طريقها وفتح لها صدره، وأسلس لها قياده، وباع روحانيته الشرقية الموروثة بالمادية الغربية الحديثة، وإن كانت الصفقة لم تتم بعد.
أما أن الخير للعالم أن تسوده كلَّه هذه النظرة الغربية، فلا يكون في العالم إلا حضارة واحدة، أو أن يحتفظ الشرق بروحانيته ويبني عليها حضارة جديدة، وأن يكون في العالم لونان: لون مادي تمثله الحضارة الغربية، ولون روحاني تمثله الحضارة الشرقية، ثم تتعاون الحضارتان كما يتعاون جسم الإنسان ونفسه؛ فذلك موضوع آخر له مجال آخر.

امتحان …


قام في نفسي أن أجمع ثلاثة من أولادي في مراحل التعليم المختلفة، وألقي عليهم سؤالًا طريفًا، لأتبين عقليتهم وأخبر تفكيرهم، فسألتهم على التوالي: لماذا تذهب إلى المدرسة؟
فأما أصغرهم، وهو في «روضة الأطفال» فقال: أذهب إلى المدرسة لأتعلم لغة عربية، وحسابًا، وخطًّا، وأشغالًا.
وأما الذي في السنة الرابعة الابتدائية فقال: أتعلم لآخذ الشهادة هذا العام وأدخل المدرسة الثانوية.
وأما كبيرهم وهو في مدرسة الهندسة فقال: لأتمم دراستي، وأحصل على الشهادة، وأوظف.
وأردتُ أن أعمل عمل المدرس، فأزن الإجابة وأعطي درجات عليها، فرأيت أني لو دققتُ في التصحيح لأسقطتهم جميعًا، فما شيء من ذلك يستحق أن يكون إجابة صحيحة، ولا شبه صحيحة.
عيب هذه الإجابات أنها تركّز أغراض التعليم في ثلاثة أشياء: حشو الذهن بالمعلومات، ونيل الشهادة، والحصول على «الوظيفة». وليس شيء من هذا هو غرض المدرسة الحقيقي في نظري.
أظهرت عدم الرضا لأبنائي عن إجابتهم. فقال أكبرهم: إذًا نغير الموقف، فأكون أنا السائل وأنت المجيب، فقد قال القائل:
إنّ على سائلنا أن نسأَلَهْوالعبءُ لا تعرفه أو تحملَه قلت: لك ذلك.
إن أهم «وظيفة» للمدرسة أنها تعلمنا كيف ننتفع بتراث السابقين، فمنذ كان الإنسان على ظهر الأرض وهو يجرب ويتعلم، ويتبين الخطأ والصواب، ويصل إلى نتائج بعضها يبقى على مر الزمان لصحته، وبعضها يذهب مع الريح لفساده. وقد قام بهذه التجارب ملايين الناس، واشتغلت بتحقيقها ملايين العقول، وضحيت في سبيل فحصها وامتحانها ملايين النفس. وكان العالم كله في هذه الزمان كلها عبارة عن «معمل» تشتغل فيه كل هذه الملايين على التعاقب، «فيحللون» و«يبحثون»، ويرصدون نتائج بحثهم. وكثيرًا ما كانوا يخفقون في تجاربهم وتحليلهم، فيبدءون العمل من جديد بفرض جديد، حتى يصلوا إلى النتائج الصغيرة بعد العناء الكبير. وهم لا يصلون إلى هذه النتائج إلا على جسور من رءوس الضحايا.
وقد قُدّمت هذه القضايا التي أنتجتها الأجيال السابقة للأجيال الحاضرة في شيء اسمه «كتاب». ولو أخذنا أي كتاب مدرسي، مهما صغر حجمه، في أي موضوع من موضوعات العلم والأدب، سواء كان طبيعة أو كيمياء أو بلاغة، أو نحوًا وصرفًا، أو هندسة، أو جغرافيا؛ وأردنا أن نعرف تاريخ كل قضية فيه، لعجزنا عن عدد الذين ذهبوا ضحيتها في البحث والتجربة، وإعمال الذهن، وسهر الليالي، وتكبد الأسفار، ومعاناة التحقيق. فما أكثر الضحايا الذين ذهبوا حتى وصلنا إلى أن «الأجسام تتمدد بالحرارة»! وما أكثر من ذهبوا في سبيل تدوين أحكام «الفاعل ونائب الفاعل»! وما أكثر عدد العقول والنفوس التي ذهبت في سبيل تحقيق أن «الأرض تدور حول الشمس»! وهكذا.
ولعل النظر على الكتب على ضوء هذا البيان يفيدك — يا بني — في تعرف أي الكتب المدرسية صالحة للبقاء وأيها صالحة للإعدام؛ فما لم يحمل إلينا من الكتب تجارب الأقدمين ويُنِرْ لنا السبل في حياتنا الحاضرة لا يستحق البقاء؛ بل هذا أيضًا يعينك على أن تحكم على منهاج الكتب ومبلغ رقيها في فن التأليف؛ فما لم تبعث فيك روح النهوض واستخدام ما فيها في هذه الحياة واستحثاثك على إصلاح حياتك وحياة غيرك وتقديمك الحياة خطوة عمن سبقك فلا قيمة لها.
إن أكبر فارق بين الإنسان والحيوان — يا بني — أن الحيوان يستفيد جيلُه الحاضر من تجارب أجياله السابقة؛ فالنحل يعمل ما كان يعمله أيام آدم، لم يتقدم في نوع معيشته ولا في قرص عسله ولا في بناء مسكنه، وكذلك شأن كل حيوان، ولكن كم من الفروق بين عيشة الإنسان الأول والإنسان الآخر، والإنسان في الكهوف والإنسان في القصور! وعلى الجملة فالإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يعيش كل جيل منه على أكتاف من سبقه. ويبني كل جيل طابقًا جديدًا في قصر الإنسانية.
فالمدرسة تعلمنا تاريخ التجارب الإنسانية السابقة، وتعلمنا كيف نبني عليها طابقنا الجديد. فما لم نبن بناء جديدًا لم نستحق اسم الإنسانية.
ومدرسة تفضل مدرسة بمقدار ما تلقي من هذا الضوء وتبعث من هذا الروح وتقيم من هذا البناء؛ فالمدرسة التي تعلمك أنك تذهب إليها لتنجح في الامتحان فقط، أو تأخذ الشهادة فقط، أو توظف فقط، لا تستحق إلا أن تغلق؛ لأنها تبعث أفكارًا ميتة وتوحي آراءً جامدةً، وليس يستحق منها البقاء إلا مدرسة، تعلّم كيف كان الناس يحيون، وكيف يحيون الآن، وكيف ينبغي أن يحيوا في المستقبل. ثم هي تغرس في نفوس التلاميذ من أول روضة الأطفال هذا المبدأ بالوسائل التي تختلف بساطة وتركبًا حسب استعداد الطفل، حتى إذا سئل كل تلميذ: لِمَ يذهب إلى المدرسة؟ أجاب: إنه يذهب إليها ليتعلم كيف يكون إنسانًا يستحق اسم الإنسانية. ومهما اختلفت الإجابة حسب السن والعقلية، فلن تعدو هذا المعنى الأساسي.
وعلى هذا الأساس يمكننا أن نلخص مناهج الدراسة بأنها «تاريخ الإنسانية كلها أو جزء منها في نواحيها المختلفة أو ناحية منها حسب استعداد الطالب لتناولها»، وهذا يشمل كل فرع من فروع العلم، فكل علم في الواقع هو تاريخ الإنسانية في ناحية من نواحيها أو جزء من أجزائها، حتى النحو والصرف هو تاريخ الإنسانية في لسانها، في جزء من أجزائها.
وفائدة هذا النظر أنه يطلعك على موضع الفساد في برامجنا؛ فإذا درسنا في التاريخ تاريخ الملوك وحدهم وأهملنا جوانب الشعب كان تاريخًا ناقصًا مبتورًا؛ لأنه أطلعك على جانب صغير من جوانب الإنسانية، حيث كان في إمكانك توسيع هذه النواحي؛ وإذا كان درس البلاغة لا يمكنك من فهم بلاغة الأقدمين، ولا يعنيك على أن تكون بليغًا في حاضرك فلا قيمة له؛ لأنه ليس من تاريخ الإنسانية في شيء إلا أن يكون تاريخًا للسخف فيها، وليس موضع هذه المدرسة، وتستطيع أن تقول هذا في كل علم، وكل فرع من فروع العلم.
كذلك إذا كان منهج الدراسة يطلعك على ناحية من نواحي الإنسانية في عام، ومنهج يطلعك على الناحية نفسها في عامين، فالأول أفضل بداهة. ففضل منهج على منهج في أنه يكشف لك جانب الإنسانية الذي تريده من أقرب طريق.
ومهمة واضع البرامج ومظهر براعته أن يعرف أي نواحي الإنسانية أهم للطلبة في بيئتهم الخاصة، وأي منهج من مناهج التعليم يوصل إلى الغرض في أقل زمن ممكن.
•••

هذا — يا بني — جانب واحد من جانبي الإجابة على السؤال: «لماذا تذهب إلى المدرسة؟» وهو الجانب العقلي للموضوع، وهناك جانب آخر لا يقل عن هذا شأنًا وهو الجانب النفسي.
إنك تذهب إلى المدرسة لِتُرَبَّى نفسُك حتى تتحقق سعادتك ويسعد بك غيرك، فإنك تحمل في داخلك أنواعًا من القوى، من شهوات وإرادة وعقل. ووظيفة المدرسة الصالحة أن تعلمك كيف تخضع شهواتك لعقلك، وأن تقوى إرادتك لتكون القوة التنفيذية لحكم العقل على الرغبات والغرائز والمشاعر. إن المدرسة تكوّن في داخلها مثلًا أعلى من مجتمع صغير ليتكون من نفسه فيما بعد مثل أعلى للمجتمع الكبير. إنها تعلِّم كيف يسعد الفرد بالتعاون مع رفقائه لتعلم بعد كيف يسعد بالتعاون مع أفراد أمته. إنها تعلمك من أنت في نفسك، ومن أنت في مدرستك لتعرف بعدُ من أنت في قومك.
لهذين الغرضين تذهب إلى المدرسة.
•••

لشد ما أخشى أن يغار رجال التعليم في مصر على مدارسهم فيستمْلُوا الإجابة منها، ويطبقوا ورقة الامتحان عليها، فيعطوا إجابتي «صفرًا».

الإنسانُ حيوان محارب


لقد خدع المناطقة بالبريق الذي يلمع في الإنسان من عقل وتفكير، فعرَّفوه بأنه حيوان ناطق.
وخُدع أرسطو بمظهر حب الإنسان للاجتماع، فقال: إنه حيوان مدني بطبعه.
ولو أنصفوا جميعًا لقالوا: إنه حيوان محارب بطبعه.
من مبدأ أن خلق إلى الآن وتاريخه سلسلة حروب.
نازع الملائكةُ في خلقه، وقالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ثم كان خَلْقه وليد هذا النزاع.
وحلّ في الجنة حيث السلام والأمان، والطمأنينة والنعيم، فلم يرضه ذلك كله، وترك كل ما أبيح له أن يأكل منه، وأكل مما حرم عليه، جلبًا للنزاع والخصام، فكان الخروج من الجنة. ولو أحب السلام لأطاع، ولو أطاع ما كان قتال، ولكنه الإنسان.
ثم كان ما ذكر القرآن الكريم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّ‌بَا قُرْ‌بَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ‌ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ? قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ? إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَ‌بَّ الْعَالَمِي. فَقُتِل المسالم، وبقي على الأرض المقاتل.
وتاريخ الأنبياء كلهم وخصومهم يتلخص في كلمات: دعوة، فاستنكار، فقتال، فانتصار.
•••

ثم تتبع ما يستكشفه الأثريّون في مختلف بقاع الأرض من العصر الحجري، سواء في ذلك سكان الوديان، وسكان الكهوف والمغارات، تجدهم لم يخلّفوا مقاعد للجلوس ولا أسرّة للنوم ولا نوعًا يدل على الحياة الوادعة الهادئة؛ إنما خلفوا سكاكين حجرية لشق البطون، وسهامًا لإصابة المقاتل، و«بلطة» لتهشيم الرءوس.
واقرأ تاريخ الأمم. فهل ترى إلا تاريخًا حربيًّا، حربًا أيام الحرب، واستعدادًا للحرب أيام السلم، وإحصاءً للجيوش وإحصاءً للقتلى، ووصفًا للخراب، وتسجيلًا لأنواع التنكيل؛ ولم يكن ذلك مقصورًا على أمة دون أمة وجيل دون جيل؛ إنما هو تاريخ كل أمة في كل عصر، في الشرق والغرب، في البدو والحضر، في السهل والجبل، في البر والبحر، وأخيرًا في أعلى السماء وأعمق البحار؛ تاريخ اليونان حرب، وتاريخ الفرس حرب، وتاريخ الرومان حرب، وتاريخ اليابان حرب، وتاريخ أمريكا حرب، وتاريخ العالم الآن حرب؛ فإن ظفرت بأمم لا تحارب؛ فلأنها غلبت على أمرها، فجردت من سلاحها إثر هزيمة حربية لحقتها، أو خمود نفسي أصابها من اندحارها.
ثم كان شأن الأدب شأن ما استكشفته الحفائر من سهام ونبال؛ فالإلياذة — وهي أغنية الشعب اليوناني — مملوءة بالتهشيم والتحطيم؛ والشعر العربي الجاهلي يشيع الدم في جميع نواحيه، والأمم الحية الحديثة إنما تقدس الأديب القوي والفيلسوف القوي والموسيقي القوي، الذين يمجدون الدم، ويعبدون إله الحرب، وينفخون في روح شعوبهم السيطرة والقوة والعظمة والسيادة؛ وهذا هو الأدب الألماني الحديث يرمي إلى تمجيد شعور الجنس لا شعور الفرد، وتمجيد أرض الجنس لا أفراد الجنس، وبيان أن أخلاق الجنس وعبقريته نابعة من أرضه لا من مدنه، والحث على سيطرة الجنس بمجموعه وأرضه على كل الجناس البشرية، واستخدام الشعر والقصص وسائر أنواع الأدب لخدمة هذه الغاية؛ لأن تربة أرضهم خير أنواع التربة، وقد أخرجت لهم خير أنواع الناس، فيجب أن يكون الأدب بطل الآداب، يغذي أبطال الناس، ويبعث فيهم القوة والحياة والعزة والفخر والسيطرة؛ وهل مثل هذا الأدب إلا باعث القتال ومثيره؟
•••

كلما استكشف الإنسان مادة من مواد الحياة أو قانونًا من قوانين الطبيعة، استخدمها في تحطيم رأس أخيه وتهشيم جسمه؛ رأى الحجر الأول ما رأى فاتخذ منه سكينًا وسهامًا، واستكشف الحديد فعمل منه سيوفًا وسنانًا، وأخيرًا مدافع ومصفحات ودبابات، وعرف قوانين الماء فبنى عليها أساطيله وغواصاته، وظهرت له قوانين الهواء فأنشأ عليها مناطيده وطياراته، ووقف على منابع الزيت فأشعلها نارًا على عداته، وهكذا:
كلما أنبت الزمان قناةًركَّب المرء في القناة سهاما •••

وأقام الناس دولة الغزَل والنسيب، وهو باب من ألذ الأبواب وأحبها إلى النفوس، وأدعاها للسرور والطمأنينة، فإذا بالأدباء — وهم أبعد الناس عن الحرب — يستعيرون كل ألفاظ الحروب والقتال في التعبير عن خطراتهم ومعانيهم، فنظرات الحبيب سهام:
أوَّاه إن نظرت وإن هي أعرضتوقْعُ السهام ونزعهن أليم وحُمرة خده من دم المحب:
هذا دمي في وجنتيك عرفتهلا تستطيع جحودَه عيناك وهو يرمي فلا يخطئ، ويقتل فلا يُقاد:
تَعَرَّضْنَ مَرْمى الصيد ثم رَمَيْنَنامن النَّبْل لا بالطائشات الخواطِفضعائفُ يقتلن الرجال بلا دَمٍفيا عجبا للقاتلات الضعائف وهكذا ملئوا هذا الباب البديع اللطيف دمًا وقتلًا وسهامًا ونبالًا وفتكًا وصرعًا ودية وقَوَدًا، ونقلوا كل أدوات القتال حيث لا قتال، ولكنه الإنسان المغرم بالقتال.
•••

ولما أرادوا أن يلعبوا لعبوا بالقتال، ومثلوا القتال، فلعبوا الشطرنج وملأوه خيلًا وفيلة، وجنودًا وقلاعًا ووزراء ودولة، وكان انتهاء الدور دائمًا «كِشْ» «مات»؛ ولعبوا النرد يمثلون الغلبة عن طريق القدر أكثر منها عن طريق الجد؛ ومرنوا الأطفال والشبان على لعب الكرة، فقسموهم معسكرين، ونظموهم جيشين، وأقاموا لهم ميادين جالوا فيها وصالوا؛ وهكذا استغلوا في أكثر الألعاب غريزة الإنسان في حب الحرب وحب الغلبة، إذ لم تكن له غريزة مثلها تسد مسدها.
ومن قديم جاء قوم من الفلاسفة والحكماء يقفون في وجه الحرب، ويعلنون أن الإنسان أخو الإنسان، وينادون أن أحِب لأخيك ما تحب لنفسك؛ فذهبت دعواتهم صيحة في واد، ونفخة في رماد، وبقي الإنسان هو الإنسان، يسمع لداعي القتال، ولا يسمع لداعي السلام.
وجاءت الأديان الكبرى تريد الدعوة بالحسنى، فاشتق الإسلام اسمه من السلام، ثم كان تاريخ المسلمين حروبًا لا تنتهي؛ وجاءت النصرانية تدعو إلى أن من ضربك على خدك الأيمن فأدِرْ له خدك الأيسر، ثم لم ير في تاريخ العالم أمم تحب القتال وتتفنن فيه وتدعو إليه، وتفتك أشد فتك وأروعه وأحماه، كما تفعل أمم النصرانية بعضها مع بعض، وبعضها مع غيرها.
بل أكثر من هذا عجبًا أن انقلب الدين نفسه سببًا كبيرًا من أسباب الحرب؛ فالمؤمنون والزنادقة، والمؤمنون والكافرون، والمذاهب الدينية بعضها إزاء بعض، ومحاكم التفتيش، والتبشير المسلح — كل هذا يملأ في تاريخ القتال صفحات لا تقل شأنًا عن صفحات القتال للغنيمة أو للفتح.
•••

وتراه إذا أعياه القتال في البر قاتل في البحر، فإذا أعياه القتال في البر والبحر قاتل في الجو، فإذا أعياه القتال فيها جميعًا؛ نقل حياته أيام ما يسميه بالسلم إلى حالة حربية في الحقيقة؛ فنظام التعليم عنده نظام حرب: تربية وطنية لتمجيد الوطن وحب إعلائه، وبث روح السيادة على غيره، وقلب لحقائق التاريخ خدمة لهذا الغرض، ونظام مسابقات بين الطلبة ليتحاربوا، ونظام ترتيب حسب الدرجات ليتحاسدوا ويتقاتلوا.
فإذا خرجوا من المدرسة فنظام وظائف ونظام علاوات وترقيات كفيلة بإثارة شعور القتال عند أي ميال إلى السلم.
ووراء ذلك نظام تجاري، كله حرب وانتصار وهزيمة، وغالب ومغلوب، اصطلحوا على أن يسموها أسماء جديدة كالربح والخسارة، والنجاح والإخفاق، وهي في الحقيقة ليست إلا مرادفة للنصر والهزيمة، والحياة والموت.
ثم أحزاب سياسية تتناحر وتتنابز، وتتراشق بألفاظ السباب والاتهام بالخيانة، وكلما دخلت أمة في الحكم لعنت أختها.
ونظام اجتماعي بني على أساس حربي؛ فطبقات يتربص بعضها ببعض، وغني يستغل فقيرًا، وفقير ينهب غنيًّا، وجان ومجني عليه، وخصومات أشكال وألوان.
ثم تحرّ أعمال الإنسان من عهد طفولته وهو يبكي، إلى عهد نضجه وهو موظف كبير أو تاجر كبير أو سياسي كبير، وحلل البواعث عليها تجد أن أكثرها — مهما اختلفت الآراء فيها — يعود إلى شيء واحد، وهو حبه الغريزي للحرب.
وهكذا حرب في الحرب، وحرب في السلم، والمدارس حرب، والوظائف حرب، والديانات حرب، والسياسة حرب، والطبقات حرب — كانوا كذلك قديمًا، وهم كذلك حديثًا، وهم لا يزالون كذلك ما دمت أنيابهم في أفواههم.
(والله ما فسد الناس، ولكن اطَّردَ القياس).

الظرف والظرفاء


لما بلغت الحضارة الإسلامية أوجَها، في العصر العباسي، وامتزج العرب بالفرس والهنود والأتراك وغريهم من الأمم، وكثرت الأموال وكثر الفراغ، تأنق الناس في مأكلهم ومشربهم وملبسهم وحديثهم وطريق حياتهم، وتبع ذلك وجود عادات وتقاليد للطبقة المهذبة، من تمسك بها عد ظريفًا، ومن خرج عنها عُد ثقيلًا. ورأينا الناس في تلك العصور يلتفتون إلى الظريف ويهتمون به ويبالغون في تقديره والحفاوة به. وكتب الأدب تروي نوادر الظرفاء في أحاديثهم وأفعالهم، وذلك من أكبر ما يدل على رقة الذوق وسموه.
ومن أطرف ما في ذلك الباب كتاب معروف اسمه «المُوَشَّى» ألفه أديب اسمه أبو الطيب محمد بن إسحاق بن يحيى الوَشَّاء، عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وفي أوائل الرابع، ولم نعرف حياته بالتفصيل، ولكنا نعلم أنه كان نحويًّا، واخذ النحو عن مشاهير النحويين أمثال ثعلب والمبرِّد، وأنه كان معلمًا في كتاب ببغداد، وألف كتبًا كثيرة في النحو واللغة والأدب.
ولعل أفضل كتبه كتاب «الموشى» هذا، وقيمته الكبرى جاءت من أنه حاول فيه أن يضع قوانين للظرف والظرفاء، وأن يبين عادات ظرفهم في نواحي حياتهم؛ وكان غريبًا على نحوِيٍّ، وعلى معلم كتّاب، أن يتجه هذا الاتجاه، فقلّ أن يتجه إليه إلا أرستقراطي في نزعته، غني في بيئته، متصل بالطبقة الراقية، واقف على عادتها؛ ولكنا نجد في تاريخ حياته أنه كان يعلّم بعض حظايا الخلفاء، فهم يذكرون أن «مُنية» إحدى جواري «المعتمد على الله» كانت من تلاميذه، وأنه كان يعلّم في قصور الخلفاء. فلعل هذه النزعة جاءت من هذا الاتصال بالبلاط العباسي، وناهيك بما كان فيه من ترف ونعيم، وظرافة ولباقة.
في هذا الكتاب الصغير ثروة كبيرة من الذوق، وفيه يحاول أن يضع قوانين للظرف، وفي هذا مشقة كبيرة، إذ أن هذا العمل يتطلب اطلاعًا واسعًا على معيشة ظراف الناس، وطرقهم في الحياة، يتطلب دقة في الملاحظة وسموًّا في الذوق؛ وفوق ذلك فإن الذوق من قديم صعبٌ تعليله، وصعب شرحه، وصعب ضبطه. ولكنه تغلب على هذه الصعوبات جميعها، ونجح في عمله نجاحًا كبيرًا.
ففيه فصل طريف عنوانه «شرائع المروءة وصفتها»، ينقل فيه أنظار الناس إلى ما هي المروءة، فيذكر أن بعض حكماء الفرس سئل: أي شيء أشد تهجينًا للمروءة؟ فقال: «للملوك صغر الهمة، وللعلماء الصلف، وللفقهاء الهوى، وللنساء قلة الحياء، وللعامة الكذب». ورَوَى عن ابن عمر أنه قال: «ما حمل رجل حملًا أثقل من المروءة»! فقال له أصحابه: صف لنا ذلك. فقال: «ما له عندي حد أعرفه، إلا أني ما استحييت من شيء قط علانية إلا استحييت منه سرًّا». وكان أيوب السجستاني يقول: «لا ينبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: العفة عن الناس والتجاوز عنهم».
وهكذا ظل يروي آراء الناس من فرس وعرب وغيرهم في المروءة، ثم استخلص قوانينها.
•••

وعقد في الكتاب بابًا سماه «سنن الظرف»، فحدثتا فيه أنه كان يسأل العلماء والأدباء عن رأيهم في الظرف، ويسأل «بعض متظرفات القصور» عن رأيهن في الظرف، ثم قص علينا قصصًا قصيرة لحوادث جرت للظرفاء، وكيف قالوا، وكيف تصرفوا. ويخرج من ذلك كله إلى قوله: «إن الظرف أنبل ما استعمله العلماء وصبا إليه الأدباء، وتزينوا به عند أودّائهم، وتحلوا به عند أخلائهم. وربما تكلفه قوم ليسوا من أهله، وإنه من المطبوعين أحسن منه من المتكلفين، وللمتكلف علامات تظهر في حركاته، وتَبِين في لحظاته، لا يسترها بتصنعه ولا تتغيب بتستره، وإن المطبوع على الظرف ليشهد له القلب عند معاينته بحلاوته، وتسكن النفس عند لقائه إلى مجالسته، دلائله واضحة في مشيته وزيه ولفظه». إلخ. ومن رأيه أن أكبر علامات الظرف الحب، وقد دعاه ذلك إلى أن يستعرض الحب وأنواعه، وطائفة ممن أحبوا فعفّوا، ومن أحبوا فسقطوا. وصوّر لنا صورة صادقة لبيوت القيان في بغداد في عصره، وكيف كانت تتدفق فيها الأموال، وكيف كانت تلعب القيان بعقول الشبان، ويظهرن لهم الود والحب، حتى يأتين على أموالهم، فإذا الحب ينقلب إلى صدّ وطرد. وتاريخ كل مدنية يعيد نفسه.
ثم أخذ يفصل ما أجمل، فيذكر لنا عادات الظرفاء في كل باب من أبواب الحياة.
فقص علينا أن الظرفاء يتجنبون في الملبس الألوان الزاهية، فهو يقول: «ليس يستحسن لبس الثياب الشنعة الألوان، المصبوغة بالطيب والزعفران؛ لأن ذلك من لبس النساء، ولبس القينات والإماء». ويلتفت إلى شيء دقيق جدًّا، وهو أن عادة الظرفاء مراعاة الانسجام في ألوان ما يلبسون، فيختم الباب بقوله: «وأحسن الزي ما تشاكل وانطبق، وتقارب واتفق».
وأبان عادة الظرفاء في لبس النعال وألوانها، وزيهم في الخواتيم والفصوص والتعطر والطيب، والفروق الدقيقة في ذلك كله بين الرجال والنساء.
ثم ذكر عادة الظرفاء في الطعام، فهم يصغرون اللقم، ويتحرزون من الشره، ولا يزهمون ما بين أيديهم من الرغفان، ولا يلطّعون أصابعهم، ولا يعجلون في مضغهم، ولا يجاوزون ما بين أيديهم، ولا يأكلون شيئًا من الكواميخ والمالح، ولا يتخللون على المائدة قبل أن تفرغ. إلخ.
وقد ذكر أن أحب شيء إلى الظرفاء من الأزهار الورد، ففضلوه على غيره وأطنبوا في مدحه، وأفرطوا في نعت حسنه، وشبهوه بالوجنات الحمر، وقايسوه إلى الخمر، وحيَّى بعضهم بعضًا به، فقال بعضهم:
عشيـة حياني بورد كأنهخدود أضيفت بعضهم إلى بعض وقال آخر:
تمتع من الورد القليل بقاؤُهفإنك لم يفجعك إلا فناؤهوودعه بالتقبيل والشم والبكاودَاعَ حبيب بعد حول لقاؤُه ولا يعدل الورد عند الظرفاء في الأزهار، إلا التفاح في الأثمار، فكانوا يرون أن التفاح يهدئ أشجانهم، ويسكن أحزانهم، وليس في هداياهم ما يعادله، ولا في ألطافهم ما يشاكله، ولهم عند نظرهم إليه أنين، وعند استنشاق رائحته حنين. وقد تفننوا في إهدائه، وكتابة الأشعار ووضع الرموز عليه.
ثم نراه بعد ذلك انتقل من الظرف في الحسيات إلى الظرف في المعنويات؛ فالأدباء الظرفاء «لا يداخلون أحدًا في حديثه، ولا يتطلعون على قارئ في كتابه، ولا يقطعون على متكلم كلامه، ولا يستمعون على مُسرٍّ سره، ولا يسألون عما ووري عنهم علمه، ولا يتكلمون فيما حجب عنهم فهمه، والظرفاء لا يتثاءبون (في المجلس) ولا يتمطون ولا يوّقعون أكفهم، ولا يشبكون أصابعهم، ولا يمدون أرجلهم، ولا يحكّون أجسادهم، ولا يمسون أنوفهم … ولهم حسن التأتي فيما يريدونه، ولطف الحيل فيما يحاولونه، وخفي التلطف لما يطلبونه، حوائجهم سِرِّية، وسرائرهم مخفية، وحيلهم لطيفة، يوردون الأمور مواردها، ويصدرونها مصادرها».
ثم ذكر أنهم إذا أهدوا فهم يُهدون الشيء اللطيف الخفيف «كالتفاحة الواحدة والأترجة الواحدة والغصن من الريحان، والطاقة من النرجس، وغير ذلك من الشيء القليل، فتستحسن هداياهم وتستظرف، ويفرح بها ويستطرف … ومن ذلك كتبهم الملاح، وألفاظهم الصحاح، التي يستعطفون بها القلوب، ويسترون بها العيوب، وما يضمنونها من مليح المكاتبة، وطرائف المعاتبة، وجميل المطالبة وشكيل المداعبة».
وقد أحال «ما يجب على ظرفاء الكتاب» على كتاب له آخر وضعه لهذا الغرض سماه «فَرَج المهج» لم نعثر عليه.
غير أنه أورد في كتابنا هذا نماذج من مكاتبات الظرفاء نعرض للقارئ نموذجًا منها: كتب الحسن بن وهب إلى محمد بن عبد الملك الزيات — سروري إذا رأيتك كوحشتي لك إذا لم أرك، وحفظي لك مغيبك، كمودتي لك في مشهدك، وإني لصافي الأديم، غير نغِل ولا متغير، فامنحني من مودتك، مزن لذاذة مشرَبك، وكن لي كأنا، فوالله ما عُجبت من ناحيتك إلا وأنا محنيّ الضلوع إليك والسلام. فكتب إليه محمد — يا أخي ما زُلت عن مودتك، ولا حُلت عن أخوتك، ولا استبطأت نفسي لك، ولا استزدتها في محبتك، وإن شخصك لماثل نُصب طرْفي، ولقلما يخلو من ذكرك قلبين ولله در الذي يقول:
أما والذي لو شاء لم تُخلق النوىلئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبييذكّرنيك الشوق حتى كأننيأناجيك من قرب وإن لم تكن قربي وكتب بعض الظرفاء إلى صديق له: «أيّدك الله بوفاء الأدب من النزوع إلى الجفاء، وجعل آخر سخطك موصولًا بأول الرضاء، والسلام».
وهكذا يمضي في استعراض نماذج للظرفاء من النثر والشعر. ثم يحكي لنا ما كان يتفنن فيه الظرفاء من نقش جمل فنية أو أشعار رقيقة على خواتيمهم وعلى تفاحهم، وما كان ينقشه ظراف الجواري على قمصانهن وأرديتهن وأكمامهن وعصائبهن ومناديلهن وزنانيرهن، وعلى نعالهن وخفافهن، وما كُنّ يكتبنه بالحنَّاء على راحهن وأقدامهن، وما كان يكتب الظرفاء من الأشعار الرقيقة على القناني والكاسات والأقداح وأواني الفضة والذهب، وعلى آلات الموسيقى من العيدان والطبول والدفوف والنايات، وما كان يتفنن به الأدباء من إهداء أقلام قد نقش عليها أبيات ظراف.
وختم كتابه بقوله: «هذه جملة مما بلغنا وفيها كفاية لمن اكتفى، وبيان لمن تبين واقتفى، وما استوعبنا كل ما انتهى إلينا، ولو قصدنا إلى تكثيره لما استصعب علينا … وقد أدينا بعض ما بلغنا، ووصفنا بعض ما استحسنا … وإلى الله نرغب في السلامة، والسلام».
هذا عرض سريع لكتاب واحد في الظرف والظرفاء يدلنا على ما كان للحضارة الإسلامية من عناية حق في أدق الأمور وأرقها وأظرفها، وأنها لم يفتها شيء حتى في وضع قوانين للياقة أو «الإتيكيت» كما يسمونها، وأن ذلك الكتاب القيم يصف حالة اجتماعية رآها مؤلفه، وقد مضى عليها الآن أكثر من ألف عام، فماذا يكون شأنها لو سارت في طريقها من غير أن يعوقها عائق أو يدمرها مدمر?؟ ? يسمى هذا الكتاب كتاب الموشى وقد طبع في «ليدن» سنة ???? طبعة أنيقة، ثم طبع في مصر سنة ???? طبعة رخيصة وضيعة.
الإحسانُ


أريد بالإحسان التصدق على الفقراء، ومعونة الضعفاء والمرضى، ولست أرى لفظًا أدل على هذا المعنى من الإحسان، وإن لم يرضه المتشددون في الألفاظ.
ربما كانت فضيلة الإحسان من أكثر الفضائل تقلبًا مع الزمان، وتغيرًا في أفهام الناس، فكم بين ما كان يفهمه حاتم الطائي من نحر الجزور وإنهابها الناس، وبين ما وضع من النظم الحديثة للإحسان من فروق ومباينات!
فنظام المعيشة من قديم ينتج غنيًّا مفرط الغنى، وفقيرًا مفرط الفقر.
ولم يخلق للآن نظام يعدم هذه الفروق أو يقللها من غير أن يستتبع خطرًا أعظم، وداء أعضل.
فاهتدى الناس لتلطيف هذه الفروق إلى المناداة بالكرم والفخر به، ولست أدري أكان أول من نادى به الأغنياء اتقاءً لخطر الفقر، أم الفقراء تعطيفًا لقلوب الأغنياء.
وأتت الأديان تدعو إلى الأخُوَّة، وخاصة بين أهل الدين الواحد، وتجعل من مستلزمات هذه الأخوة عطف الغني على الفقير وإشراكه في جزء من ماله، واستتبع ذلك وجود الأديار في النصرانية والتكايا في الإسلام.
وكما أنتجت النظم معونة للفقراء وسدًّا لحاجات المعوزين أنتجت عند بعض الناس تراخيًا في العمل، وميلًا إلى الكسل واتخاذ الاستجداء حرفة، والتكدي صناعة.
وكثرت جيوش الفقراء، فلم تكف النزعات الدينية لسد حاجاتهم، فتدخلت الحكومات تحمل بعض العبء، فبنت المستشفيات وأنشأت الملاجئ وما إلى ذلك. وأتت المدنية الحديثة فأخذت تقوّم الفضائل من جديد، واستخدمت العلم في هذا التقويم كما استخدمته في كل شيء، وكان مما نظمته طرق الإحسان، بل جاء قوم من الفلاسفة متأثرين بمذهب النشوء والارتقاء، وبنظرية الانتخاب الطبيعي وعلى رأسهم «هربرت سبنسر» يطبقون هذا الإحسان ويرون أنه رذيلة لا فضيلة، وأن العجزة ومن إليهم لا يستحقون هذه العناية، إنما العناية يجب أن تتجه إلى الأقوياء وإلى خير العناصر، ويجب أن ينتخب من المجتمع خيره وأقواه، فنوجه إليه العناية ونأخذ بيده، وبعد أجيال سيفنى الضعفاء ويبقى الأقوياء فيسعد مجتمعهم، نفعل في ذلك ما نفعل بالزهور والأشجار، نهمل الذابل والضعيف فيفنى، ونستولد القوي الجيد فيبقى — إلى آخر ما قالوا. ومن حسن الحظ أنْ لم تلق نظريته هو وأمثاله نجاحًا، فإنها نظرية تقضي على خير ما في الإنسان من عاطفة نبيلة نحو الناس. وكيف يقضي على العجزة والفقراء ونظامُ الحياة يخلق منهم كل يوم خلقًا جديدًا وجيشًا كبيرًا، لو لم يُعْن به لاكتسح الأغنياء، ولثار ثورة لا يعلم مداها إلا الله.
إنما كتب النجاح لقومٍ آخرين من الأدباء والعلماء، لم يحاولوا أن يمنعوا الإحسان، ولكن حاولوا أن ينظموه، لم يشكّوا في قيمته، ولكنهم آمنوا بضرر فوضاه، واستعانوا بما وصل إليه العلم كما استعانوا بمنهاج البحث الجديد، فدرسوا الفقر وأسبابه، وطرق الإحسان وما يتلاقى منه مع أسباب الفقر وما لا يتلاقى، ووقفوا في ذلك إلى حد كبير وإن لم يصلوا إلى الغاية؛ وعلى ضوء هذه الدراسة سنت القوانين وأنشئت النظم، وظلت القوانين تنظم والنظم تعدَّل، حسب مقتضيات الأحوال إلى اليوم.
فمن أشهر القوانين القانون الإنجليزي للفقراء الذي وضع سنة ???? ونقح سنة ???? والتزمت فيه الحكومة بمساعدة الفقراء والعاطلين.
ومن أشهر النظم المعروفة نظام «همبرج» الذي وضع للفقراء والعاطلين، وهو يتلخص في تأسيس مكتب رئيسي في المدينة للنظر في شئون الفقراء وتنظيم الإحسان وتقسيم المدينة إلى أقسام، وتعيين مشرف على الفقراء في كل قسم، وظيفته إعانة العاطلين على وجود عمل لهم، ودراسة أسباب الفقر في الأسر ووصف العلاج لها، وإنشاء مدارس صناعية لأولاد الفقراء ومستشفيات لمرضاهم، ويقضي بمنع الإحسان يدًا بيد إلى الفقراء، إنما يعطى الإحسان لهذه الجمعية، فهي أدرى بطرق إنفاقه — وكان من أثر هذا النظام قلة عدد الفقراء وتنظيم معيشتهم، وقد أدخلت عليه تعديلات قليلة ثم عمم في مدن كثيرة في أوروبا.
ونشأت في أمريكا جمعيات على هذا النظام وسَّعت بعض أغراضها؛ من ذلك أنها رأت أن أكبر مساعدة ليس إعطاء المال للفقراء، ولكن إيجاد العمل لهم، كما جعلت من أهم أغراضها ترقية المعيشة الاجتماعية في منازل الفقراء والعناية بحالتهم الصحية، وبتعويدهم العادات الصالحة للعيش، ووجهت أكبرهما إلى العناية بأطفال الفقراء حتى لا ينشئوا كآبائهم؛ فكان لدى الجمعيات سجل للفقراء والعاطلين في كل حي، ومجمل عن سبب فقر كل أسرة وحالتها وما بذل من العناية لها، والاتجاه الذي اتجهوه في معالجتها، وبذلك أسس الإحسان على الأسس العلمية.
لعل أهم ما حدث من الانقلاب في تصور الإحسان أنه كان يكفي في عده فضيلة أن يخرج الإنسان عن شيء من ماله أو جهده ابتغاء ثواب الله، لا يبالي بعد ذلك أين وقع ماله: أعلى غني وقع أم على فقير، أكان فيه إصلاح للفقير أم إفساد له؟ فيكفي أن يجود بقرش ليحسب له عند الله عشرة أو مائة، فجاءت الدعوة الحديثة تطلب أن ينظر في الإحسان إلى المحسَن إليه لا إلى المحسن، فليس من العمل الصالح في شيء أن تعطي حسبما اتفق، بل يجب أن يكون عطاؤك لإصلاح الهيئة الاجتماعية التي أنت فيها، ولا يكون ثوابًا عند الله إلا إذا نظر فيه هذا النظر، ولا يعد فضيلة حتى يكون القرش الذي يعطى بقصد رفع مستوى الأمة؛ فإذا كان الإحسان يزيد حال الأمة سوءًا عد رذيلة لا فضيلة، وعد من أتى به مجرمًا لا محسنًا. وبعبارة أخرى: أن هذا النظر الحديث يتطلب أن يشعر المحسن بالتبعة أو المسئولية، فمسئولية المحسن أن يعطي الفقراء وأن يتساءل عن إعطائه: هل أفاد من أحسن إليه؟ وهل أفاد الأمة بعمله أو لم يفد؟
كان لهذا النظر نتائج لها قيمتها: منها تحريم الإحسان الفردي، وهو أن تكون علاقة المحسن بالفقير علاقة مباشرة، وإنما يجب أن تتوسط في ذلك الجمعيات والهيئات التي عرفت حالة الفقراء ودرست شئونهم، واهتدت عن طريق دراستها إلى نوع ما يصلح لهم؛ فمن شاء الإحسان فعليه أن يتبرع لهذه الجمعيات وهي التي تتولى الإنفاق. ومنها تحريم التسول في الشوارع والطرق؛ لأن المتسول لم يثبت للجمعيات صحة دعواه وعلة فقره إن كان، وليس التسول حرفة مشروعة؛ ولكن إذا أثبت عدم صلاحيته للعمل وعجزه عن العيش وجب على الأمة إعانته، والجمعيات أقدر على تعرُّف هذا؛ وكان من مقتضى هذا النظر أيضًا أن الهيئات التي وكل إليها هذا الأمر لا يصح أن تكتفي بإعطاء المال إلى الفقراء، بل يجب أن تعالج الأمر بشتى الوسائل حسب حالة كل فقير. فمن كان سبب فقره أن لا عمل له مع قدرته سعت له في إيجاد عمل، ومن كان سبب فقره مرضه عالجته، ومن كان سبب فقره إدمان مخدرات أو سوء عادات نظرت في وسائل إصلاحه؛ كذلك أهم عمل تعمله أن ترعى أبناء الفقراء حتى لا يكونوا فقراء المستقبل، فتنشئ لهم المدارس لا ليتعلموا فيها تعلمًا نظريًّا لا يسمن ولا يغني من جوع، ولكن تعلمًا صناعيًّا يبعث فيهم روح الاعتماد على النفس، ويفتح لهم السبل لتحصيل العيش؛ بهذا وأمثاله عولج الفقر في أوروبا وأمريكا، فإن كان بعد ذلك عاطلون لم يكن سبب عطلهم راجعًا إليهم — وإنما يعود على نظام العمل والعمال وسوء الحالة العامة — وجب أن تضمن الحكومات لهم ما يقيم أوَدَهم حتى يعودوا إلى عملهم. ونحن إذا نظرنا — في ضوء هذه النظريات وكيف طبقت — إلى حالة الشرق وجدنا عجبًا، وجدناه لا يزال على حالته الأولية، سواء في ذلك أغراض المحسنين أو تطبيق الإحسان.
لدى الشرق أموال كثيرة تبرع بها أهلها للخير، لدينا أموال الأوقاف الخيرية، ولدينا أموال النذور، ولدينا تبرعات المحسنين، إلى كثير من أمثال ذلك، ولكن أكثرها لا يقع موقعًا حسنًا عند الله وعند الأمة، وكأنه يصب في البحر صبًّا أو يدفن في الأرض دفنًا، على أن المال الذي يُدفن أو يُلقى في البحر ليس له من الضرر أكثر من فقده، ولكن ضرر الإنفاق على غير مستحق يزيد الأمم بلاءً والحال سوءًا.
وأهم ما استوجب هذه الحالة الأسيفة في نظري شيئان: أولهما — احترام إرادة الواقف والمتبرع. فالفقهاء يرون أن شرط الواقف كنص الشارع، والواقف لا يعلم تطور الأمة ولا مطالبها ولا حاجاتها التي تختلف باختلاف الزمان؛ قد كان كثير من الواقفين لا يفهمون من وجوه البر إلا الوقف على الحرمين والمساجد والتكايا والتصدق بالخبز على المقابر، فأصبح الناس اليوم يفهمون أن من وجوه البر كذلك إنشاء المستشفيات والمدارس والملاجئ، وسيفهمون قريبًا أن من وجوه البر إعانة جمعيات التأليف وإعانة الفلاحين ليحصلوا على الماء النقي؛ وليستضيئوا بالنور الكهربائي، وسيجدّ غير ذلك من ضروب الخير، وسيرون أن الوقف على مسجد — إذا كان المسجد قد وُقف عليه من قبل ما يكفيه — ليس وجهًا من وجوه الخير، وسيرون أن أموال النذور تلقى في صناديق الأضرحة ليست تنفق على المعوزين والمحتاجين، فليس التبرع بها إحسانًا.
كان الواجب من عهد بعيد أن تحترم إرادة الواقف والمتبرع في رغبته في الخير فقط، ولكنا لا نحترمها في وجوه الخير التي يراها هو إذا رأينا أنها ضارة أو رأينا الأمة أحوج إلى الصرف في وجوه أخرى.
رحم الله حسن باشا عاصم، فقد كان له موقف في ذلك جميل — تبرع محسن ببناء مدرسة، ووقف عليها الأوقاف التي تلزمها، وأتبعها للجمعية الخيرية الإسلامية، وكان حسن عاصم مديرًا لمدارسها، ثم أراد الواقف أن يدخل ابنه في المدرسة، وكانت سنه تزيد على السن المقررة شهورًا، فأبى عليه ذلك وقال: إنه تبرع بمدرسة له الشكر، ووقف عليها أوقافًا فله من الله الأجر، ولكنه يريد أن يبطل قوانيننا فليس له في ذلك حق.
قد يكون من المعقول أن نقبل إرادة الواقف في أوقافه الأهلية. أما الخيرية فيجب أن تخضع كل الخضوع لمصلحة الأمة. لا أظن الواقفين إذا بعثوا من قبورهم ورأوا تطورات الأمم إلا مؤيدينا في رأينا وراجعين عن رأيهم.
والأمر الثاني وهو متصل بالأول، أن أموال الخير تصرف حسبما اتفق، لا خضوعًا لدراسة اجتماعية ولا تحريًا لوجه الإنفاق ولا للمنفق عليهم، فكثيرًا ما يحرم البائس المحتاج، ويعطي الغني المبذر، وكثيرًا ما يحرم العائل لا يجد قوته وعياله، ويعطي المدمن ينفقها في كيوفه.
إن فوضى الإحسان في الشرق من أسباب شقائه، ولو نظم لكان من أكبر العوامل في نهوضه وصلاحه.
لا أمل في هذا الإصلاح حتى ينشط رجال الأمة وشبانها للخدمة العامة، وأن يمتلئوا عقيدة بضرورة المساهمة في الإحسان بالمال وبالنشاط، وأن يطالبوا مطالبة حارة بتنظيم الإحسان حتى يؤدي غرضه على أكمل وجه مستطاع، إذًا لرأينا البؤس في الأمة يتضاءل إلى حد كبير، ويحل محله كثير من الرخاء، ولرأينا المال — الذي يضيع في الشرق سدى — وقد أصبح دعامة للإصلاح، وسببًا من أكبر أسباب النهضة الحديثة.

أدب الروح وأدب المعدة


هذا اصطلاح جديد أضعه لنوعين من الأدب، يتميزان كل التميز، ويختلفان كل الاختلاف، لعل في وضعه فائدة في تقويم الأدب وصحة تقديره.
وأعني بأدب الروح الأدب الذي يتصل بالعواطف السامية عند الإنسان فيهذبها ويرقيها ويغذيها.
فالقرآن «أدب الروح»؛ لأنه يسمو بالإنسان عن عالم المادة، ويأخذ بيده إلى السماء لينظر إلى الأرض، نظرة تريه الحق حقًّا والباطل باطلًا.
وباب الحماسة في «ديوان الحماسة» — مثلًا — «أدب الروح»؛ لأنه صادر عن نفوس قوية، وباعث لمشاعر قوية، وداع لمواجهة هذا العالم وما فيه بنفوس أبية، في غير خضوع ولا استخذاء.
وغزلٌ جميل وكثَير والعباس بن الأحنف «أدب روح»؛ لأنه يصهر النفس ويطهرها، ويجعل من آلامها وآمالها مبعثًا لفيض الحنان والرحمة والعطف على العالم وعلى الإنسانية كلها.
وأدب الطبيعة «أدب روح»؛ لأنه شعور بالجمال مجردًا عن الرغبة، وتقدير للحسن منزهًا عن الأَثَرة، ومزيج من شعور بجمال وجلال يحد من كبرياء الإنسان، ويقفه من هذا العالم حيث ينبغي أن يقف.
وعلى الجملة فكل هذه الأنواع من الأدب تنبعث عن عواطف نبيلة، وتبعث أيضًا على أعمال نبيلة، تنبع من عواطف سامية، وتدفع إلى أعمال سامية، وهي أليق ما تكون بالإنسان الراقي المهذب.
•••

أما أدب المعدة فنريد به ذلك الأدب الذي يدور حول سد الرمق، وملء المعدة، واستدرار المال، وتحصيل القوت.
فأدب المديح «أدب معدة»؛ لأن مبعثه الاحتيال على الممدوح حتى يستخرج منه ما في يده، والغاية منه تحصيل المال ليملأ به معدته، أو يدخره ليملأ به معدته عند الحاجة إليه.
والغزَل الفاجر «أدب معدة» وتعليل ذلك واضح بقليل من إعمال الفكر.
والتهاني بالأعياد والمواسم «أدب معدة»، إذ كان غايته التقرب من المهنأ به، حتى يستجلب عطفه ويستنزل رفده.
ومقالات «الكاتب» التي باعثها الأول ملء أعمدة من الصحف والمجلات، والاستيلاء بعدُ على «الأجرة»، فإذا لم يؤجر لم يكتب، ولا تحركه عاطفة ما للكتابة «أدب معدة».
ولعلك تعجب إذا أنا عددت كثيرًا من شعر الزهد أيضًا «أدب معدة»؛ لأنه يدور حول المعدة وإن كان سلبيًّا؛ فكما نعد مواقف الهجوم والدفاع مواقف حرب، ونعد ما يفتح الشهية وما يصدها صنوفًا من صنوف المائدة، ونعد «كُلْ» و«لا تأكل» حديث طعام، كذلك يصح أن نسمي — أيضًا — الأدب الذي يثير شهوة الطعام والذي يحارب تلك الشهوة «أدب معدة».
•••

وأظن القارئ الكريم يستطيع أن يحدد بعد ذلك كل ما يعرض عليه من أدب إن كان أدب روح أو أدب معدة.
الفرق بين أدب الروح وأدب المعدة هو بعينه الفرق الذي أبنته في مقالي السابق بين الدين الحق والدين الصناعي.
فأدب الروح أدب ينبعث عن النفس، كما ينبعث صوت البلبل عن نفسه، ويدل على صاحبه كدلالة ضحك الطفل البريء وبكائه على ما في نفسه من سرور أو حزن، فلا غش ولا رياء.
أديب الروح لا بد أن يُغنِّي بما نفسه ولو لم يُغَنِّ لانفجر، يغني بما في نفسه كوفئ أم عوقب، وسواء قُرِّب أم شُرِّد، وسواء أعجب أم لم يعجب.
سقَوْني وقالوا لا تُغَنِّ ولو سَقَوْاجبالَ سُليمى ما سُقيتُ لغَنَّتِ أما أديب المعدة فهو يغني للمضيف لا لنفسه، يتحسس المعاني التي تسر صاحب الموائد حتى يُخرج له شهي الطعام ومختلف الألوان، يبيع ذوقه لذوقه وفنه لفنه.
فإن اختلفت الموائد فأدبه لأشهاها طعومًا، وأدسمها صنوفًا، يقاد بأنفه لا بنفسه.
أدب الروح جار على نسق واحد ونمط واحد. أما أدب المعدة فله ألوان كألوان الطعام: مديح إن أُعطي، وهجاء إن حُرم، هو تبع للمائدة، إن تكدس أكلها تكدس مدحه، وإن قلَّ أكلها قل مدحه، فإن طويت طوى مديحه وبسط هجاءه؛ لذلك ترى الشاعر يمدح الرجل ويذمه، ويطريه ويهجوه، والرجل هو هو في قيمته، ولكن لم يكن هو هو في مائدته.
قد يعجب الناظر إلى أدب المعدة من الناحية الفنية، فيراع لصنوف البديع، ويؤخذ بجمال التشبيه، ويهتز لحسن التوليد، ولكن هذه الروعة من جنس الروعة التي تأخذه عند النظر إلى الألعاب النارية أو الحركات البهلوانية، تبهر العين، ولا شيء في اليدين، هو مادة صالحة لدراسة البلاغة اللفظية والبلاغة الشكلية، ولكنه ليس صالحًا للبلاغة النفسية.
فإن نحن نظرنا إلى الأدب من ناحية أنه خادم للهيئة الاجتماعية ووسيلة من وسائل الرقي النفسي وأداة من أدوات الإصلاح الاجتماعي، كان أدب المعدة من هذه النواحي صفرًا، بل هو كمية سلبية وعبء ثقيل.
•••

مما نأسف له أنّا إذا نظرنا إلى تاريخ الأدب العربي، وجدناه ينحدر — مع التاريخ — شيئًا فشيئًا ليكون أدب معدة.
فنرى في العصر العباسي طغيان أدب المعدة على أدب الروح؛ هذا البارودي — رحمه الله — اختار لثلاثين شاعرًا من خيرة شعراء الدولة العباسية، أمثال بشار وأبي نواس وأبي تمام والبحتري وابن الرومي وابن المعتز، واختار لهم في فنون آدابهم المختلفة، من مديح ورثاء وأدب ونسيب وهجاء وزهد، وكانت مختاراته في أربعة أجزاء كبار، فكان ما اختاره من المديح ????? بيتًا، ومن الأدب ???? بيتًا، ومن الغزل ????، ومن الهجاء ????، ومن الوصف ????، ومن الزهد ??? بيتًا. ونظرة واحدة إلى هذا الإحصاء تدهشنا أشد الدهش، إذ يتبين لنا طغيان أدب المعدة، وهو المديح والهجاء، على أدب الروح طغيانًا كبيرًا.
ثم انظر بعدُ إلى الفن المبتكر في العصر العباسي، وهو فن المقامات، فقد ابتدعها بديع الزمان الهمذاني، فلم يجعل محورها حبًّا ولا غرامًا كما يفعل الروائيون اليوم، ولم يجعل محورها شيئًا يتصل بأدب الروح، ولكنها كلها «أدب معدة» فأبو الفتوح الإسكندري بطل المقامات كلها رجل مكر واحتيال، يصطنع جميع المهن لابتزاز الأموال، نراه مرة قَرّادًا يسلي الناس ويضحكهم، ومرة واعظًا مزيفًا يعظ وينصح، ثم تنكشف حيلته فإذا هو مهرِّج، ومرة مشعوذًا يحتال على الناس بشعوذته ليفتحوا كيسهم ويغدقوا عليه من مالهم، وهو في كل ذلك مستَجْدٍ سئَّال محتال.
وجاء الحريري فجعل مكان أبي الفتح الإسكندري أبا زيد السروجي، وهو كصاحبه دناءة نفس وخساسة حرفة، يشخذ ثمن كفن لميت يدَّعيه، ويتعامى فتقوده امرأته إلى المسجد ليبتز أموال المصلين، ويجمّل غلامه ليوقع الوالي في شركه فيسلبه ماله وهكذا، ويتخذ الفصاحة والبلاغة وسيلة للتكدي والسؤال.
أليس هذا كله «أدب معدة»؟
وانتشر بجانب أدب المقامات نوعٌ آخر من أدب المعدة بمعناه الحقيقي، هو «أدب التطفيل» فقد انتشرت صناعة التطفل وحكايات الطفيليين وأخبارهم ونوادرهم، وألف لنا في ذلك الخطيب البغدادي كتيبًا لطيفًا سماه «التطفيل»، وهو فن يتصل بالمقامات اتصالًا وثيقًا، كلاهما مبني على التكدّي، والسؤال في حذق ومهارة، فكان هناك طفيليون أدباء ظرفاء، يروون أحاديث الأكل، ويحفظون أشعار الموائد، ويقصّون حكايات الطمع والشَّرَه؛ بدأ ذلك «أشعب» في العصر الأموي، وقفاه «بُنَان» وأضرابه في العصر العباسي، ينقش أحدهم خاتمة «ما لكم لا تأكلون»، وآخر «أكلها دائم»، وثالث «آتنا غَداءنا» ورابع «لا تبقي ولا تذر». وتواصوا بالأكل وتواصوا بتخير الأصناف، وأنشأوا لأنفسهم نقابة في البصرة هي «نقابة الطفيليين»، ووضعوا الخطط المحكمة لمعرفة أمكنة الولائم، فأقاموا رصدًا على الجزارين والطباخين حتى لا تفوتهم دعوة، وأنشأوا حول ذلك كله الأشعار من نصائح ومديح وهجاء؛ وخلَّف لنا الأدب وصيتين طويلتين يوصي بهما نقيب الطفيليين ولي عهده: إحداهما من إنشاء أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي الأديب المعروف، والأخرى من إنشاء المولى تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني، وكلتاهما في قوانين التطفل وسننه وآدابه.
•••

وكثر الأدب في ابتزاز المال، وفي التطفيل وفيما يدور حولهما، وانتشرت حرفة الاستجداء واخترعت لها الحيل الكثيرة، ووضع لها علم سمي «علم الحيل الساسانية» وعرَّفوه بأنه «علم يعرف به طريق الاحتيال، في تحصيل الأموال»، وألفت الكتب في هذه الحيل، من أشهرها: كتاب «المختار، في كشف الأسرار، وهتك الأستار» كشف فيه حيل المحتالين وأستار الكاذبين الخ. وفيه مئتان وستة وستون بابًا في الحيل المختلفة.
كل هذه ضروب من ضروب «أدب المعدة».
والذي دهور الأدب إلى هذه الدرجة طبيعة الحياة الاجتماعية في تلك العصور؛ فلم يكن للأدباء مرتزق يرتزقون منه إلى موائد الخلفاء والأمراء والأغنياء، ولم يستطع الأديب أن يستقل بنفسه في الحياة، فنتج من هذا نتيجتان طبيعيتان: الأولى: أن الأدب أصبح أرستقراطيًّا لا شعبيًّا. يدور حول المديح، وإعلاء شأن القصور، وفي مراكز الخلافة لا في غيرها، وفي الموضوعات التي تهم هؤلاء الأغنياء لا غيرهم. والثانية: أن الأديب لم يكن يغنّي لنفسه، ولكن للأغنياء، وأصبح الأدب أو أكثره أدبًا شيئيًّا، لا ذاتيًّا وأصبحنا إذا قرأنا ما يقوله الفرنج عن تعريف الأدب بأنه «نقد الحياة» عجبنا من هذا التعريف؛ لأنّا لا نرى الأدب العربي العباسي ينقد الحياة، وإنما يصف نوعًا من حياة القصور، فأما الشعب فلم يوصف إلا قليلًا.
وبقدر ما كثر في هذه العصور «أدب المعدة» قلَّ أدب الروح، من غزل عفيف، أو وصف للطبيعة، أو ثورة نفس على سوء حال الشعوب.
•••

إن كان هذا مما يسوء، فقد كان مما يسر نهضة الأدب العربي الحديث؛ فقد بدأ يتحول من أدب معدة إلى أدب روح؛ تحول من أرستقراطية إلى ديمقراطية، ومن مديح إلى وصف، ومن مقامات إلى روايات تصف الحياة الاجتماعية للشعوب، ومن عواطف شعبية أو عواطف عالمية.
وليس مما يَضيرنا أنه في مبتدأ الطريق، فمن سار على الدرب وصل.
إن الشرق الآن في حاجة ملحة إلى كثير جدًّا من أدب الروح، وقليل جدًّا من أدب المعدة، فإنه مكبَّل بأغلال سياسية تحتاج إلى أدب يغني له بالحرية حتى يحطمها، ومكبَّل بأغلال اجتماعية تحتاج إلى أدب ينشد الإصلاح حتى يخلص منها، ومصاب بانحلال يحتاج إلى أدب يشعل النار تحته حتى يَعْقِد، وفقير في اللذائذ العقلية، فلا بد له من أدب راق يغذيه، وثروة أدبية عقلية تغنيه.
لقد عاش طويلًا على أدب المعدة فكان نتيجته ما نرى، فليعش من الآن على أدب الروح حتى تكون نتيجته ما نأمل.

مستودع الذَّخائر


أين — تظن — مستودع الذخائر للأمة؟
قد تجيب على الفور: إنه المطارات، ومخازن الأسلحة، ومستودع القنابل، وما إلى ذلك من أماكن تكدس فيها آلات القتال وأدوات الحرب.
إن أجبت بذلك فقد أجبت بالعرَض دون الجوهر، وبالمجاز دون الحقيقة.
وقد تتفلسف قليلًا، فتقول: إن ذخيرة الأمة هي جيشها المسلح بعَدده وعُدده، ومرانه وتجهيزه، وفنونه وتشكيله.
إن قلت ذلك فقد قاربت الصواب ولم تقله، وحُمْت حوله ولم تقع عليه.
فما قيمة الذخائر إذا لم تجد رجالًا؟ وما ينفع السيف إذا لم تك قَتَّالًا؟ إن السيف في يد الغِرِّ والحذق كالقلم في يد الأمي والكاتب؛ بل ما ينفع الجندي المسلح، إن لم يكن له بين جنبيه قلبٌ لا يهاب ونفسٌ لا تفزع؟
•••

الإجابة الحقة هي أن مستودع الذخائر للأمة، قلب المرأة، قلب المرأة هو الجيش الأول الذي لا قيمة لقنابل، ولا طيارات، ولا غوَّاصات، ولا دبَّابات، بدونه. وإن شئت فقل: هو الطابور الخامس الذي لا يوقع الرعبَ والفزع في قلوب الأعداء شيء مثله.
لقد خُلقت المرأة من ضلع من أضلاع الرجل، ولكن سرعان ما تغير الحال فخلق قلب الرجل من قلب المرأة.
•••

يخطئ من يظن أن لبن الأم ليس إلا نسبة معينة من الدَّسم، ونسبة معينة من الماء، وما إلى ذلك؛ فليس هذا كله إلا تحليلًا للمادة، وليست المادة كل شيء في اللبن؛ وإنما قصر تحليل الكيماويين فقصرت نتائجهم. إن في اللبن صفات خلقية، وصفات عقلية، وصفات روحية، وراء الصفات المادية، يرضعها الطفل كما يرضع مادة اللبن، فتتغذى بها روحه، وتتشكل منها نفسه؛ وليست هذه الصفات الروحية متطابقة دائمًا مع الصفات المادية، فقد يحلل اللبن في معامل الكيمياء فيتبين من تحليله أنه المثل الأعلى للبن، وهو مع ذلك سم خلقي ينفث الجبن، ويشيع الفساد، ويبعث الفزع والخور؛ على حين أن لبنًا آخر ينقصه الدسم ويعيبه التحليل الكيمياوي؛ وهو مملوء روحًا، ومملوء شجاعة ونشاطًا، ومملوء قوة؛ ومن أجل ذلك صدق الشاعر إذ يقول:
ترى الرجلَ النحيفَ فتزدريهوفي أثوابه أسدٌ مَزِيرويعجبك الطَّرِيرُ فتبتليهفيُخلفُ ظَنَّكَ الرجلُ الطريرُ •••

ثم إلى اللبن الذي ترضعه الأم أولادها توعز إليهم الجبن أو الشجاعة بسلوكها؛ فإن هي ربتهم تربية الأرانب فأدفأتهم وأشبعتهم، وحاطتهم بكل ضروب العناية، ولم تسمح لهم أن يجربوا وأن يجازفوا، ثم حدثتهم من الأحاديث ما يخلع قلوبهم، ويحبب إليهم الحياة بأي ثمن، وعلمتهم أن لا قيمة للعقيدة بجانب حياتهم، ولا للوطن بجانب سلامتهم، وصاحت وولولت يوم يجندون، وفقدت رشدها يوم يسلحون. فهناك ترى صورة جند ولا جند، وترى أشكال الرجال ولا رجال، وترى أجسامًا ضخامًا وقلوبًا هواءً. وإن هي ربتهم من صغرهم على المخاطرة والمجازفة، وحدثتهم أحاديث الأبطال وعظماء الرجال، وعودتهم مكافحة الحياة والتغلب على الصعاب، وعلمتهم أن المبادئ فوق الأشخاص، والوطن فوق حياة الأفراد، وعيرتهم يوم يفرون من واجب، وأنبتهم يوم يأتون بنقيصة، وفخرت بهم يوم يضحون لمبدأ، واعتزت بهم يوم يخاطرون لأمَّة، فهناك الرجال، وهناك العزة، وهناك الشرف.
ألست ترى معي بعدُ أن قلب المرأة هو الذي يخلق قلب الرجل؟
ويخطئ من يظن أنه يستطيع أن يؤسس جيشًا من رجال بإعدادهم وتسليحهم من غير أن يدعمه بجيش من قلوب النساء؛ فالجيش بدون قلوب آلات جوفاء، وسراب ولا ماء؛ بل كل مظاهر القوة في الأمة من جيوش وأساطيل، ومجلس وزراء، ومجالس نيابية، ومصانع ومعامل، ألعاب بهلوانية ما لم يدعمها قلب المرأة.
•••

قلِّب صفحات التاريخ إن شئت، فحيثما رأيت للأم قلبًا رأيت للرجل قلبًا، فإذا انخلع قلبها انخلع قلبه.
إن هندًا بنت عتبة التي تخاطب الجيش بقولها:
إن تُقبلوا نعانِقِأو تُدْبروا نفارِقِفراقَ غير وامِقِ هي التي أنجبت معاوية.
وأسماء بنت أبي بكر التي قالت لابنها: يا بني لا ترضى الدنية. فإن الموت لا بد منه. فلما قال لها: إني أخاف أن يمثَّل بي، قالت: إن الكبش إذا ذبح لا يؤلمه السلخ — هي التي أنجبت عبد الله بن الزبير.
والتاريخ مملوءة بهذه الشواهد في كل أمة.
وظلت المرأة العربية على شهامتها ومعرفتها بأمور الدنيا، ومشاركتها الرجل في كل شئون الحياة، حتى تقدم العصر العباسي فأنشئ لها «الحريم» وحبست فيه، وجهلت الدنيا وأحوالها، وأخذ الرجال يجهِّلون الحرائر ويعلمون الإماء، حتى أصبحت المراة ليست إلا رمزًا للمتعة أو رمزًا للكيد؛ وتجادل الشعراء، فمنهم من يقول:
إن النساء رياحينٌ خُلِقْنَ لناوكلُّنا نشتهي شَمَّ الرياحينِ ومنهم من يقول:
إن النساء شياطينٌ حلقن لنانعوذ بالله من شرِّ الشياطينِ وكلا النظرين سخيف قاصر؛ فليست المرأة ريحانة فحسب، ولا شيطانة فحسب؛ وإنما هي فوق ذلك مَرْبًى للرجال ومحضنة للقلوب ومستودع للذخائر.
بمثل هذه النظرات البلهاء فقدنا المرأة ففقدنا الرجل؛ فإن أردنا تنظيم حياتنا على أسس جديدة وجب أن يكون أولها وأولاها خلق قلب المرأة.
ليس ما يمنع أن تحيا المرأة حياة الجمال، بل هو واجب أن يكون؛ وما قيمة الدنيا إذا لم تقم فيها دولة الجمال، ودولة الفن والدب؟ ولكن يجب أن يكون بجانب الجمال الحسي جمال معنوي؛ فيه جمال حديث المرأة، وجمال رقيها وخبرتها وجمال شجاعتها وجمال قلبها، فعند ذلك نجد المرأة فنجد الرجل.
انظر الآن دور المرأة الغربية في الحرب، ولا أقص عليك ألا مثلًا واضحًا تلمسه في كثير مما يدور من قصص وما يتلى من أخبار، وهو أن الشبان والرجال يتعيرون كل العار أن يُرَوْا في بلادهم أيام الحرب وهم لا يحملون السلاح، ولا يشتركون في القتال أو وسائل القتال، ويحز في نفوسهم أن قد أصيبوا بعاهة أو منعهم مانع جسمي عن أن يؤدوا لوطنهم خدمة ولأمتهم عملًا؛ ومن يقوم بهذا الدور الخطير من تأنيب وتعيير غير نساء الأمة؟ فتكفي نظرة من إحداهن ليفضل الرجل الموت على الحياة، وخطر الحرب على أمن السلم، وعيشة القتال على عيشة الدعة.
كل هذا يلخص لنا الأمر في جملة: شجعت المرأة فشجع الرجل، وماعت المرأة فماع الرجل.
•••

ليست تُعَد الأمة راقية تستحق البقاء إلا إذا أرسلت الأم أبناءها إلى ميادين القتال وهي تبتسم، وودّعت الزوجة زوجها إلى الحرب وهي تملؤه أملًا بالعيشة السعيدة بعد النصر، وقالت الأمهات لأبنائهن ما قالت «أسماء»: «إن ضربة بسيف في عز خير من لطمة في ذل».
•••

إن وراء كل جيش في الأمة جيشًا غير منظور من قلوب نسائه، ووراء كل جيش صاخب جيش المرأة الصامت، ووراء البنود والأعلام والجنود والذخائر دخيرة أسمى وأرقى وأقوى وأغلى، وهي «قلب المرأة».

حديث أمس


يجتمع في «لجنة التأليف» كل مساء خميس جماعة من صفوة الإخوان، يسمرون سمرًا طيبًا، ويتحدثون حديثًا بريئًا، ويدور الحديث حيثما اتفق، مرة في الشرق، ومرة في الغرب. ومرة في الشرق والغرب معًا، تارة في أدب، وتارة في اجتماع، وتارة في اقتصاد، وقد يكون في غير ذلك جميعًا؛ ويُترك الحديث على سجيته، يستقيم كما يشاء، ويعوجّ كما يشاء؛ ولو سجل هذا الحديث كل أسبوع لكان صورة صادقة من صور بعض المجتمعات المصرية المثقفة. وقد يزورنا صديق من أصدقائنا في الشام أو العراق أو الهند، فيعرض علينا، ونعرض عليه، ونأخذ ونعطي، ويمدنا بالرأي ونمده بمثله.
وقد يحتد الجدل ويرتفع الصوت ويشتد الحوار، ثم لا نصل بعدُ إلى نتيجة حاسمة، وقد توفق أحيانًا إلى أن يقنع بعضنا بعضًا، وعلى الحالين ينتهي الحديث بسلام، بعد أن نقضي ساعتين أو أكثر في متعة عقلية لذيذة.
كان الحديث بالأمس من نصيب الأدب، جرَّ إليه سؤال وجهه أحدنا، وهو أنه كُلِّف أن يختار كتابًا عربيًّا من الأدب القديم تقرؤه الفرقة الخيرة بالمدارس الثانوية، فماذا يختار؟
قال أحدنا: «جزءًا من العقد الفريد». وآخر: «جزءًا من الأغاني». وثالث: «نهج البلاغة». ورابع: «مقدمة ابن خلدون».
– ما الغرض من اختيار هذا الكتاب من الأدب القديم؟
– الأدب القديم يمتاز بجزالة لفظه ومتانة أسلوبه، فإذا حملنا الطالب على دراسة هذا النوع من الأدب، ووضعنا في يده بجانب ذلك كتابًا من الأدب الحديث استطاع أن يجمع مزيّة الأدبين، وخير الثقافتين، وأيضًا إن الأدب الحديث ليس إلا نتاجًا لتطور طويل، فما لم نعرف الأصل لم نعرف الفرع، ثم في الأدب القديم معرض صور لآراء أسلافنا، ومستودع معان تغذي عقولنا، وأخيرًا هو يصل حديثنا بقديمنا، وزمننا بزمن آبائنا.
– إن الأدب القديم نتاج عصر قديم، وصورة من صوره، ونابع من بيئته؛ والطالب الحديث لا يستطيع أن يتذوق نتاج عصر مضى عليه ألف سنة أو تزيد؛ فإذا كلفناه قراءته ودرسه، فقد كلفناه تجرع المر، وهو لا يقبل عليه ولا يستسيغه، ويتجرعه ليلقيه في ورقة الامتحان، ثم لا يبقى منه شيء إلا الذكرى السيئة؛ فأولى أن نعلمه الأدب الحديث، ونقرئه الكتب الحديثة، فهي التي يسيغها، وهي التي يشعر بها، وهي التي تعبر عن بيئته وزمنه؛ أما الأدب القديم فيدرسه من يتخصصون بعدُ لدراسة الأدب العربي واللغة العربية.
– إن هذه نظرة ثائرة، لم يقل بها ولا الثائرون من الأوروبيين؛ ألا ترى المدارس الإنجليزية تدرس شكسبير وبيكون، والمدارس الفرنسية تدرس في مدارسها الثانوية روسو وكورنيّ؛ فما بالك تريدنا نحن على أن نقتصر على الأدب الحديث؟
– شكسبير وكورني صورة من حضارتنا التي نحياها الآن؛ والطلبة يقرءون مؤلفاتهما في شغف، ويشعرون بما عرضَتْ له من موضوع. أما الطالب العصري فكيف يشعر بما كان يدور في العصر الأموي والعباسي.
– لقد جربت تجربة في السنة الأولى من كلية الآداب تشهد بصدق هذا النظر؛ ذلك أني أدرس لهم أدبًا عربيًا قديمًا وأدبًا حديثًا؛ وفي الأسبوع الماضي ألقيت عليهم سؤالًا عن شعورهم نحو ما يدرسون، وأمرتهم ألا يكتبوا أسماءهم على ورقة الإجابة. فكان هناك شبه إجماع منهم على الشكوى من الأدب القديم وعدم فائدته، وأنه يجب الاقتصار على الأدب الحديث؛ قالوا ذلك لأنهم طلبة القسم الإنجليزي، وطلبوا أن يترك الأدب العربي القديم لقسم اللغة العربية.
– هذا كلام فيه إسراف. فمتى كانت رغبة الطالب وحبه وشوقه مقياس ما يدرس وما لا يدرس؟ إنما يجب أن نعرف الصالح ونكلفه الطالب، سواء أحبه أو كرهه؛ وكل دراسة في أول أمرها ثقيلة مكروهة، حتى إذا سار فيها الطالب شوطًا بدأ يستلذها ويحبها. فليس يصح أن نعوّل على الحب والكره، والشوق وعدمه، فيما يدرس وما لا يدرس؛ بل يجب التعويل على ما ينفع وما لا ينفع.
– وهب هذا، فماذا ينتفع الطالب من شعر مديح وشعر هجاء، وفصل في الأجواد، وفصل في صفة الحروب القديمة؟
– ليس الأدب العربي كله كذلك، فقسم كبير منه قسم عالمي صالح لكل زمان ومكان، كباب الحِكَم وباب الأدب، حتى الأشياء التي ذكرتها لا تخلو من فائدة كبرى، كما ندرس أدق الأشياء في التاريخ القديم، وهي تخالف ما نحياه اليوم.
– هذا مثل جيد! إننا ندّرس الطبيعة والكيمياء والجغرافيا في المدارس على النمط الحديث، ولا ننظر مطلقًا إلى ما كتب فيه قديمًا، فلا ننظر في تعليم الجغرافيا إلى معجم البلدان لياقوت، ولا كتب الإدريسي، ولا نعلّم التلاميذ كتب ابن سينا في الطبيعة والكيمياء. إنما نعلمهم في كل ذلك آخر ما وصل إليه العلم؛ فلماذا لا نسير في الأدب على هذا الأساس؟
– الفرق واضح، وهو أن العلم لا قيمة لقديمه إلا من حيث دراسة تاريخه. أما الأدب فخالد وجماله خالد؛ فنحنُ نُعجب الآن بالمتنبي وأبي نواس، ولا نعجب بالعلم الذي كان في زمنهما إلا من ناحية الدراسة التاريخية.
– أرى أيها الإخوان أنكم شتَّتُّم البحث وبعثرتم الموضوع؛ فأنا أرى خطأ آخر هامًا يقع فيه واضعو برامج الأدب العربي، من دراسة لتاريخ الأدب في عصوره المختلفة ودراسة القديم والحديث وغير ذلك. إن دراسة هذه الأمور تنفع عددًا محدودًا من الطلبة قد يكون اثنين في المئة أو اثنين في الألف، ولكنه يضر الأغلبية العظمى، فهل من الحق أن نرعى القليل ونضر الكثير؟ أجيبوني أولًا عن السؤال الآتي: ما الغرض من تعليم اللغة العربية وآدابها لطلبة المدارس الثانوية على اختلاف أنواعهم، مع العلم بأن منهم من سيكون مهندسًا أو زراعًا أو تاجرًا أو معلم رياضة أو أديبًا؟
– الأغراض من دراسة اللغة العربية — في نظري — على شكل هرم، قاعدته منبسطة جدًّا، ثم تأخذ في الضيق شيئًا فشيئًا؛ فأوسع غرض وأشمله أن يستطيع الطالب التعبير عما في نفسه باللسان والقلم تعبيرًا صحيحًا يطابق تمام المطابقة ما في نفسه، وأن يفهم فهمًا صحيحًا ما يقوله الآخرون أو يكتبونه على هذا النمط.
ويلي ذلك أن يُمدهم الأدب العربي بمعلومات صحيحة مفيدة، تنفعهم في حياتهم، وتفتق ذهنهم، وتجعلهم أقدر على فهم الحياة، حياتهم الواقعية وحياة آبائهم.
ويلي ذلك أن يستطيعوا تذوق ما في القطع الأدبية من جمال، سواء من حيث اللفظ أو من حيث المعنى؛ فإنَّ تذوق الجمال الفني غرض هام، نستطيع أن نقصد إليه ونهتم به.
ويلي ذلك أن نهيئ من له استعداد للأدب أن يكون أديبًا، وهذه كلها تتدرج في الشمول حتى يكون الأخير في القمة.
– إني أوافق في الجملة على هذه الأغراض، وإن كنت أخالف في تربيتها، وأرى أن هناك أغراضًا غير هذه؛ ولكني أدع المناقشة في هذا الآن، وأقول: إذا سلمنا بهذا فيجب أن ننظر للبرامج في ضوء هذه الأغراض، وإنا إن فعلنا ذلك وصلنا إلى نتيجة هامة. وهي أنه يجب توزيع العناية بما نعلّمه في اللغة العربية وآدابها على مقدار الشمول وعلى مقدار أهمية الغرض؛ فيجب أن يكون تصحيح العبارة في القول والقدرةُ على الفهم في المنزلة الأولى من حيث البرنامج الموضوع، ومن حيث توجيه العناية، ومن حيث ما تعطَى من زمن، ثم تقل هذه العناية كلما صعدنا إلى القمة.
وفي ضوء هذا النظر يجب أن نقلل من التعليم الفلسفي ما أمكن، ففلسفة الإعراب في النحو، وفلسفة البلاغة التي لا ينبني عليها عمل، والنظريات في تاريخ آداب اللغة من حيث أسباب رقي كذا وضعف كذا، يجب أن تكون كلها في المنزلة الثانية أو الثالثة؛ لأنها لا توافق إلا عددًا قليلًا من الطلبة.
كما يجب أن نفرق في التدريس للسنة التوجيهية بين القسم العلمي والقسم الأدبي، فنعني للعلميين بالغرض الأول ونتوسع فيه، ونعني للأدبيين بسائر الأغراض.
•••

بدأ أحدهم يرد على هذا الكلام ويفنده، وتبين من ملامحه أنه استعد استعدادًا عظيمًا لتحطيم هذا الرأي، واستوى في جلسته وبدأ يقول: إن هذه الآراء كلها آراء غير ناضجة، ويجب أن …
وهنا أخرج عضو ماكر ساعته وأعلن الحاضرين بتقدم الوقت والحاجة إلى الانصراف، فانصرفوا من غير أن يجيبوا عن السؤال الأول: «ما أحسن كتاب يختار».
فإن شاق هذا النحو من الحوار كثيرًا من القراء، رجوت أن أعرض عليهم من حين إلى حين «محضر» بعض الجلسات في «لجنة التأليف».

رحلة?


وأنا رحلتُ — يا أخي طه — كما رحلتَ، فرارًا من تقاليد العيد التي أفسدت العيد؛ فأصبح المرء لا يستطيع فيه أن يخلو إلى نفسه، ولا إلى أهله، ولا إلى أصدقائه، وإنما هو يستقبل أناسًا في تكلف وتصنع، ويتحدث إليهم في تكلف وتصنع، ويقضي نهاره وجزءًا من ليله أو مزورًا، متلقيًا بطاقات، رادًّا على بطاقات؛ متقبلًا تحيات، رادًّا على تحيات؛ فلا يفرغ العيد إلا وقد فرغ من نفسه، وأضناه التعب، وانهدَّت أعصابه، وضعفت قواه.
إذًا فلا بد لنا من «مدرسة» تنظم أعيادنا، وتصحح تقاليدنا، وتجعل العيد مصدر فرح وسرور، وراحة واطمئنان.
وقبل أن تُنشأ هذه المدرسة، وتقوم بواجبها، لا بد أن نرحل في العيد، ونهرُب من الأهل هربًا من التقاليد.
ولكن إلى أين؟
إذا كان الغرض الهرب، فليكن إمعان في الهرب، وإذا كان الغرض الفرار من الناس، فليكن حيث لا ناس.
إذًا فنحن نريد مكانًا نستطيع أن نستريح فيه من أعمالنا؛ ونبعد فيه عما يصدِّعنا من أخبار وأحداث سياسية واجتماعية، ونبعد فيه عن الناس؛ لأنهم مصدر قلق دائم، ونقرب فيه من الطبيعة؛ لأنها مصدر الراحة والطمأنينة، والشعور بلذة الجمال الذي يسمو عن الغرض.
إلى دير ممعن في الصحراء، بين الجبال الشامخة، ومنظر الطبيعة القاسية، والطبيعة الجميلة، والطبيعة القوية القاهرة.
إلى دير «سانت كاترين»، حيث جبلُ موسى الذي تلقَّى منه الوحي والإلهام، ولأمر ما كان جبل موسى وغار حراء ونحوهما من الجبال مصدر الوحي والإلهام؛ ففيها ينقطع الإنسان عن العالم وشروره، ويتجرد من خيالاته وأوهامه، ويكون أقرب إلى الطبيعة على الفطرة، وأقرب إلى فهم نفسه على الفطرة، وإلى رؤية ربه على الحقيقة.
هيا بنا أيها الأصحاب إلى الدير، فما حيلتنا وقد انقطع نظام التكايا والخانقاهات في الإسلام، وبقي نظام الأديار في النصرانية؟ وكان القائمون بها ذوي ذوق في اختيارها، فقد زرنا أديارًا كثيرة في الصحراء، حرص منشئوها على أن تكون بعيدة عن الناس، قريبة من الله، قريبة من الطبيعة وحسنها غير المجلوب كما يقول المتنبي، وحيث الماء الذي هو مبعث الحياة، وحيث صفاء الجو، وصفاء النفس.
وها هم أولاء رفقة كأنَّ أخلاقهم سبكت من الذهب المصفى، وكأن شمائلهم من قَطْر المُزْن، وها هي السيارات التي تنهب الأرض نهبًا مكان الجمال التي كانت تَخُبُّ خبًّا، وها هو الأستاذ «الدمرداش» القائد الخِرِّيت، العالم بالمسالك والمهالك، الذي خبر صحراء مصر وجبالها شرقًا وغربًا، وعرف أسرارها، وعرف كيف يدبر لها، وينظم الرحلات إليها، ويطبق النظام العسكري عليها، في دقة وإحكام، وفي مرح وسرور أيضًا.
لم تُثر فينا — يا أخي طه — هذه الرحلة غضبًا كما أثارت فيك رحلتك، بل أثارت فينا معاني أخرى تخالف الغضب كل المخالفة، أثارت عندنا شعورًا بضَعَة الإنسان أمام قوة الله القاهرة، ومظهرها في سلاسل الجبال الشامخة والوديان الباهرة، والمرتفعات والمنخفضات التي لا نهاية لها؛ وتقبلنا بين سلطان الشمس في النهار بدفئها وعظمتها، وسلطان القمر في الليل بجماله وبهائه، ورقته ووداعته.
ولم يكن من فرق بيننا وبينك، إلا أنك في رحلتك انغمست في الإنسان، ونحن في رحلتنا هربنا من الإنسان، وحيث لا إنسان لا غضب ولا حقد ولا نزاع، فإذا أكلنا أكلنا في الصحراء، حيث لا يحسدنا أحد، ولا يغبطنا أحد، ولا ينظر إلينا إلا الله الذي يرحمنا ويشفق علينا، وقد يسخر منا.
ولكني لا أكتمك أني شاركتك حينًا في اقتراح مدرسة الغضب، فكأننا كنا ملهَمين إلهامًا واحدًا، أو أن شيطاننا واحد كما يقول الشعراء. ولكن كان الغضب حيث كان الإنسان؛ فقد قطعنا في سيرنا في الصحراء المسافات الشاسعة، نلهو ونلعب، ونسر ونفرح، ونغفل ونذكر، وتتوالى علينا العواطف المختلفة إلا الغضب؛ ولكن مع الأسف، والأسف الشديد، كنا بين حين وحين يوقعنا سوء حظنا في ملاقاة الإنسان فنغضب. نقطع المسافات البعيدة في الصحراء الجرداء في هدوء واطمئنان، ثم نصطدم بمجموعة من الناس تسمى في عرف المدنيين «شركة»، وفي عرف اللغة والحق «امتصاص دماء»، و«استغلال الأرواح للذهب» و«تحويل النفوس البشرية إلى أوراق مالية».
وكان الأمر يهون لو كان المستغِل والمستغَل مصريين، إذًا لقلنا: إن مصر استعبدت مصر، وبعض مصر أكل بعض مصر؛ ولكن هذه شركة «جبس» يونانية، وهذه شركة «منجانيز» إنجليزية، وفي الناحية الأخرى شركة «فوسفات» إيطالية. ولم نسمع في هذا الطريق ولا فيما سرنا فيه قبل من طرق شركة مصرية، فالمعادن من بلادنا، واليد العاملة يدنا، والغلة لغيرنا.
لقد غضبت — يا أخي — عند ذاك غضبًا أشد من غضبك، إذ علمت أن في الصحراء ثروة تبلغ أضعاف ما في الأرض الخصبة من ثروة، فهذه طين، وتلك ذهب، وعلمت أن هذه الجبال التي كنت أظن أنها لا تصلح لشيء إلا لخيال شاعر، قد كشف فيها العلم عن مناجم أشكالٍ وألوان، تُدِرّ المال الوفير والخير الكثير، وعلمت أن الله تعالى قد منحنا هذه الكنوز وحرمنا كنز العقل وكنز الخلق، فجاء قوم حرموا هذه الكنوز ومنحوا كنز العقل وكنز الخلق، فغلبونا على كنوزنا وعلى عقولنا وأخلاقنا؛ وكان لنا العَمل الوضيع، ولهم الثراء الواسع، ولنا الفُتات ولهم المائدة.
وعلمت أن هؤلاء العمال المصريين يعملون في هذه المناجم في مقابل عشرة قروش في اليوم أو أقل من ذلك قليلًا أو أكثر من ذلك قليلًا، ثم لا يستطيعون أن يعملوا أكثر من نصف سنة، إذ تسوء بعدُ صحتهم، وتذبل أجسامهم، ولا يصلحون بعد ذلك للعمل ولا للحياة، فيعودون إلى بلادهم وقد كسبوا بضعة جنيهات في أيديهم وخسروا نفوسهم؛ وكسب غيرهم الصحة والمال والجاه؛ وتدفق المال في أوروبا، وتدفق المرض وسوء الحال في مصر.
عند ذلك — يا أخي — كنت أغضب وكنت أثور، وكان يتقطع حلمي اللذيذ في الصحراء، وكنت أتساءل: أين حكوماتنا التي أهملت الصانع كما أهملت الزراع، وأهملت الأراضي المعدنية كما أهملت الأراضي الزراعية؟ وأين رجال العلم منّا الذين يجهلون ما في بلادهم، حتى يأتي إليها غير أهلها، فيكشفوا سرها، ويعرفوا قدرها، ويعملوا لاستغلالها؟ وأين أرباب الأموال الذين لا يعرفون من المال إلا أرضًا زراعية ضاقت على أهلها؛ وإلا مضاربات على القطن تأتي على أراضيهم، فتصبح هي والمناجم سواء في تملك الأجنبي لها، ويصبح لغيرنا الغُنم وعلينا الغُرم، ولغيرنا الثمرة ولنا القشور؟
لسنا يا أخي نحتاج إلى مدرسة للغضب فحسب، وماذا ينفع الغضب؟ إنما نحتاج لمدارس تعلّم الحكومات كيف تحمي ثروتها، وتستغل مناجمها؛ وتعلّم رجال العلم كيف يعلَمون أن في أرض مصر ثروات تفوق ما في الوظائف الوضيعة، وتعلم رجال المال أن استثمار أموالهم في الأوراق المالية هو استثمار العجائز، واستثمار أموالهم في الأراضي الزراعية استثمار القرون الخالية، وأنه يجب أن يعيش أقوياؤنا لزمنهم فيستنجموا، كما يعيش ضعفاؤنا للأرض، فيزرعون ويقلعون.
•••

رُحْماك اللهم! كلما هربت من الإنسان وهمومه، لحقني الإنسان بغمومه، حتى في جوف الصحراء المؤنسة بوحشتها يلاحقني الإنسان الموحش بإنسيته! لا.. لا.. لا بد أن أغلق ذهني دونه، وأجرد نفسي منه، وأفرغ للجبال والوديان، واحتضن الطبيعة شوقًا إليها، وأركز جمالها في قلبي هيامًا بها؛ لأدعْ منابع الزيت في «السويس»، ومناجم المنجنيز في «أبي زنيمة»، ومناجم «الجبس» فيما لا أدري اسمه، ولأمتع النظر بالجبال الحمراء والصفراء والبيضاء والسمراء، وبالشمس على قمم الجبال، وبالطبقات الجبلية المختلفة الألوان، وبالحصى الذي يروع حالية العذارى كما يقول الشاعر، وبحصباء الدر على الأرض من الذهب، كما يقول الآخر؛ ولأنعم بالجدب كما نعمت حينًا بالخصب، وبمسيل الماء القليل ينبت في حافتيه العشب القليل، كما نعمت بمنظر النيل وفيضانه ومزارعه، فالجمال في التنوع؛ ولنسر على شاطئ البحر الجليل الجميل، ولنسمع تلاطم أمواجه، ولننعم بزرقته كما نعمنا بالوادي الذهبي وتموجاته الوديعة الهادئة؛ ولنعلُ ولنهبط، ولنَسر في السهل والوعر، فلذَّات الهوى في التنقل؛ ولتغب الشمس مودَّعة في الشتاء بالثناء، ولتبعث إلينا ابنها البر القمر ليسيل على هذه اللا نهاية من ضوئه الفضي الرائع، وليجعل الأرض كلها شاشة بيضاء تمثل عليها الصور البديعة والمناظر الجميلة:
ففي كل شي له آيةتدل على أنه الواحد وهذه السيارات تطوي الأرض طي السِّجل للكتب، لا تكلّ ولا تملّ، وتعمل في المناظر عمل محرك الصور في السينما، فتنقلنا من صورة إلى صورة، وتنسينا مشقة السفر وتنسينا أنفسنا، فإذا نحن وهي والأرض والسماء واحدة، وتنقلنا من سهل إلى جبل، ومن جبل إلى سهل، ومن رحب إلى واد، ومن واد إلى بحر، ونحن سكارى بالجمال، نشرب من مناظره حتى الثمالة.
•••

الله أكبر! نحن الآن في منتصف الليل، وقد بدأنا سيرنا من السويس في مطلع الفجر، وهذه هو الدير.
ما أقسانا! نقرع الأجراس على الرهبان في سكون الليل العميق، فنقطع عليهم نجواهم، ونحرمهم سكونهم ونومهم ودفئهم؛ ولكن ما الحيلة في الإنسان؟ لقد هربوا منه فلحقهم، وفروا منه فلجأ إليهم، احتموا منه في البعد السحيق، وسط الجبال الشامخة في الصحراء الموحشة، فعرف مكمنهم وأدركهم!
لا بد مما ليس منه بد — فقد فتح لنا الراهب بعد لأي، واستقبلنا بزيه الكهنوتي ومصباحه المتواضع، ودخلنا الباب سجَّدًا، وصعدنا الغرف، وشربنا الشاي لندفأ وذهبنا إلى منامنا لنستجد، ولنرتقب النهار لنرى الدير وما حوله في ضوء الشمس.
هذا هو دير «سانت كاترين» الذي بناه جوستنيان سنة ???م في حضن جبل موسى أو جبل سينا الذي ورد ذكره في التوراة، وأمده جوستنيان بمئة من الرومان ومئة من المصريين بنسائهم وأولادهم ليقيموا حول الدير، يحمونه من عدوان من حلوهم، وليخدموا الرهبان فيه، وقد تناسل هؤلاء وتكاثروا، وأخضعتهم الصحراء لبدواتها وعروبتها وإسلامها، فتبدَّوا وتعرَّبوا وأسلموا، ولا يزال نسلهم حول الدير إلى الآن، يختلط فيهم أثر الرومان بأثر «العربان».
وتوالت على الرهبان أدوار من سلم واضطهاد، وخوف وأمن، ألجأتهم إلى أن يجعلوا الدير حصنًا حصينًا يمتنعون به عند الحاجة، ويستقلون به في معيشتهم؛ ففيه عين الماء، وفيه الطاحون والفرن، وفيه مخازن الغلال؛ كما تحصنوا بكتاب زعموا أن محمدًا رسول الله أمنهم فيه في رحلة من رحلاته، وكتبه علي بن أبي طالب وختمه الرسول.
وفي الدير كنائس متعددة، ومسجد قيل: إنه بني لاسترضاء السلطان سليم، ولكن فيه من الآثار ما يدل على بنائه قبل هذا العهد، وأغلب الظن أنه بُني إرضاءً للمسلمين، حتى يكون الدير محل احترام المسلمين والنصارى على السواء.
وأثَّرَ ضعف الرهبنة في هذا الدير، فلم يبق فيه إلا نحو ستة عشر راهبًا على مذهب الروم الأرثوذكس، وخارج البناء كنيسة فيها حجرة ملئت بالجماجم وأشلاء الإنسان ممن قتلوا أو ماتوا من الرهبان، حفظت تلبية لرغبة الإنسان في البقاء.
طفنا بالدير، وخرجنا منه إلى جبل موسى، وصعدنا حتى تعبنا فلم نبلغ قمته، وإن بلغت نفوسنا عظمته، وشعرنا برهبته، وذكرنا موسى، وذكرنا الألواح، وخفقت قلوبنا للذكريات، واهتزت نفوسنا لجمال المنظر وسحر المكان.
ثم عدنا إلى الدير، وراعنا أن سيارة من سياراتنا كان فيها «راديو»، فتحه السائق فغنى، فشعرت أنه غير منسجم مع المكان، ينقل إلى أعمق البداوة نهاية الحضارة؛ وكان منظر يشبه منظر البدوي إذا لبس قبعة، أو وضع في فمه «بيبة». ولكن ما كان أشد رهبتي إذ رأيت ثلاثة من رهبان الدير دخلوا السيارة يستمعون إلى غناء الراديو.
سبحان الله! أهذا هو الإنسان الذي هرب من المدنية فلم يطق الصبر على الهرب منها، فعاد يتعلق بأسبابها؟ أهذا هو الإنسان الذي أراد أن يتفرغ لعبادة الله فضاق عنها لسماع «أم كلثوم»؟ إن الإنسان في كل شأن من شئونه عجب أي عجب!
وعدنا كارهين العودة — يا أخي — كما كرهتَها، وعدنا للإنسان عودة الراهب لسامع الراديو، وعدنا نتعاون في إنشاء المدارس وتكوين وزارة معارف، ونبدأ من حيث انتهينا.
فإلى اللقاء …
? كان الدكتور طه حسين كتب في الثقافة عن رحلة في العيد أثارت غضبه، فاقترح من أجل هذا إنشاء مدرسة للغضب، فكتبت هذا المقال مساجلة له.
دمعُ العين


لقد حدثتك قبلُ — أيها القارئ الكريم — كيف اهتم أدباء العرب بالعيون، وأكثروا من التأليف فيها والحديث عنها، وعرضت لك كتاب «سحر العيون» وما فيه من دقة وجمال.
واليوم أعرض لموضوع في العيون أطرف، فقد رأى مؤلف آخر ظريف أن العيون موضوع واسع لا يصح أن يؤلف فيه كتاب واحد، بل إن كل شيء للعيون جدير أن يؤلف فيه كتاب؛ فلئن كان أطباء العصر الحاضر قد بلغ مدى تخصصهم في الطب أن يجعلوا للعين بجميع أجزائها طبيبًا خاصًّا، فأُدباء العرب في العصر الماضي عز عليهم أن يؤلفوا في العين على اختلاف مظاهرها وفتنتها كتابًا واحدًا، فافتنُّوا في وضع الكتب للعين، هذا في سحرها وهذا في دمعها.
وصاحبنا اليوم صلاح الدين الصَّفَدي الأديب المؤرخ المشهور (???–???هـ)، وضع كتابًا سماه «تشنيف السمع بانسكاب الدمع»؛ ولست أدري أكان موفقًا في هذه التسمية أم غير موفق! إنما الذي أدريه أنه كان موفقًا في فكرته، موفقًا في تأليفه.
لقد لحظ فكرة النشوء والارتقاء، فتتبع أقوال الشعراء كيف بدءوا يذكرون الدمع ذكرًا ساذجًا، كالذي قال امرؤ القيس:
«قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل»
ثم أخذوا يبالغون فيه شيئًا فشيئا، فتقدم شاعر آخر خطوة، وقال: إنه فيض، فقال قيس بن ذَرِيح:
هَل الحبُّ إلا زَفْرَةٌ ثم عَبْرَةٌوَحرٌّ على الأَحْشاء ليْس له بَرْدُوَفيْضُ دموعٍ تُسْتَهلُّ إذا بدالنا عَلَمٌ من أرضكم لم يكن يبدو ثم جعلوه مطرًا كالذي يقول:
أَظهرَ الكبرياءَ زهوًا وتيهًافتلقيتُه بذلِّ الخضوعوَحبَاني ربيعُ خدَّيه بالورْد فأمطرته سحابَ دموعي ثم خطوا خطوة أخرى فجعلوه سَيْلًا:
ولما أبَى الواشُونَ إلا فِراقَنَاوما لَهمُو عندي وعندَك من ثارغزَوْتَهُمُ من مقليتك وأدمُعيومن نَفسي بالسيف والسَّيل والنار ثم جعلوه نهرًا:
أحبابَنا إن نأَتِ بي عن دياركمودار وفارقْتُ أوطانًا وأوطارافإن لي نُصْبَ عيني من جمالكمورَوْضًا نضيرًا ومن عينيّ أنهارا ثم بحرًا:
عرق النومُ في بحار دموعيرحم الله سَلْوتي وهُجوعيوأتى الطيف زائرًا فرآنيبين بحرىْ مدامعي ونجيعي •••

هذا من نايحة الكَم، وأما من ناحية الكَيف فقد جعلوه بدل الماء دمًا:
ولما وقفْنا للوَداع عشيةوقد خَفَقَتْ في ساحة القصر راياتبكيْنا دمًا حتى كأنَّ جفوننَابِجرْي الدموع الحُمر فيها جراحات وقال آخر:
وقد صرتُ أبكي كل شيء بمثلهلأنِّيَ فرْدٌ في الصبابة والوَجْدِفثغرك أبكيه بأبيض أدمعيوأحمرها أبكي به خدَّك الوردي ثم جعلوه عقيقًا أو مَرجانًا:
لست أنسى ساعةَ البِيْنِ وقدوَجَمَ الشائق منا والمشوقْورجوعي بدموعي عاثرًالست أدري بعدهُم أين الطريقكلما أمَّ العقيق امتَزجتْأدمعي فهي جُمَانٌ أو عقيق •••

قد كان دمعي أبيضًا حتى إذارحلوا غَدَا للهَجْر أحمرَ قانِيجري بمجرى وجنتيّ فيمتلي المَرْجانِ من عينَيّ بالمرجان •••

ثم إذا كان الدمع أبيض فهو نجوم:
عيناي مذ شظَّ المزارُ بكمْتحكي سما والدمعُ أنجمها أو لؤلؤ ودرٌّ:
هو ذلك الدرُّ الذي ألقيتُموفي مَسمَعي ألقيتُه من أدمُعي •••

وسالت على خدَّيَّ من لوعة الجَوَىسيولُ دموع خُضْتها ثم عُمْتُهالآلئُ دمعٍ من لآلِئ ثغرهاففي وقت لثمي كنتُ منها سرقتُها •••

ثم ادّعوا أن الدموع نفِدت بأحمرها وأبيضها، ولم يبق إلا ما يذوب من النفس، كالذي يقول:
وليس الذي يجري في العين ماؤهاولكنها نفس تذوب وتقْطُرُ وخطوا خطوة أخرى فزعموا أن العين ذهبت ولم يبق لها أثر:
أبكي وتبكي الحَمَامُ لكنشَتانَ ما بينها وبينيتبكي بعَينٍ بغير دمعٍولي دموعٌ بغير عَين •••

وليس هذا الاستعراض كل ما في الكتاب؛ فهناك ناحية أخرى بديعة، هي تتَبُّع الحالة النفسية التي تنتج من الدمع أو تصحبه، فهو فاضح السر وكاشف الستر:
لا جزى الله دمعَ عيْنيّ خيرًاوجزى الله كلَّ خيرٍ لسانيثمَّ دمعي فليس يكتُمُ شيئًاووجدْتُ اللسانَ ذا كِتمان وهو شاهد الحب:
أنَا صبٌّ ومَا دمعيَ صبٌّوأسيرٌ، من الضَنى في قيودِوشهودي على الهوَى أدمُعُ العيــن ولكنني قَذَفت شهودي ثم إن الدمع يتحير في الجفون مخافة الرقباء:
وقفنا والعيونُ مُثَقَّلاتٌيغالبُ طرفَها نظرٌ كليلُنهتْه رِقبةُ الواشين حتىتعلقَ لا يَغيضُ ولا يَسيلُ ثم في الدمع تخفيف الهم، وتلطيف الحزن، وفرجة الكرب:
لا تلمْ في البكاء فالدَّمْعُ لو لميَجر في الخدِّ كان في القلب جَمْرا •••

أرْسِل دموعَك يوم البَين إن بانواإن الدموع على الأحزانِ أعْوانُ •••

دعُوني ودمعي عسى فَيْضُهُبه تنطفي نارُ قلبي المَرُوعْفمن شُؤْمِ حظِّيَ في الحب أنأرَى رَاحتي في انسكابِ الدموع ثم إن الدمع انتقام عادل من العين، إذ هي التي جرّت على القلب ما جرّت:
لأعذبَن العين غير مُفَكّرفيما جرَتْ بالدمعِ أو سالتْ دَماولأهجرنَّ من الرقادِ لذيذهُحتى يعودَ على الجفون محرَّماهي أوقعتني في حبائل فتنةٍلو لم تكنْ نَظَرَتْ لكنت مُسَلَّماسفكتْ دمي فلأسْفحنَّ دموعهاوهي التي بدأتْ فكانت أظلما ولكن آخر يأمر العين بالكف عن البكاء رحمة بها، وأملًا في سلامتها حتى ترى محبوبها:
سأُضْمرُ في الأحشاء عنكمْ تحرُّقًاوأُظهرُ للواشين عنكم تجلُّداوأمنعُ عيني اليومَ أن تُكْثر البكالتَسْلَم لي حتى أراكمُ بها غدا ثم إن للدمع معانيَ ودلالات؛ فدمع ضاحك، ودمع باك:
رأتْ دموعي فقالتْ عينكَ ابتَسمَتْعن لؤلؤ بسلوك الجَفنِ جَذْلانُوغالطَتْنيَ في جعل البكا ضَحِكًاواستخونتْ. أيُّنا يا مَيُّ خوَّانُ؟ ودمع حزن ودمع دلال:
أبكي وتبكي غير أنّ الأسَىدموعه غيرُ دموع الدلال •••

شكوتُ حتى لان من قسوةٍورحت أبكي وهو لي مساعدُوقال: ها نحن سواءٌ في البُكالا يا حبيبي ما بكانا واحدُلا يستوي دمع على جمرِ الغضَاإذا جرَى ودمعُ عينٍ باردُ ودمع سرور، ودمع رحمة:
رُحتُ يومَ الفراقِ أضحَكُ حُزْنًاولفيضِ السرور يبكي المَرُوعُوكذا في اللقاء أبكي هناءًولفرط السرور تَهْمِي الدموعُ •••

وقفت في الروض أبكي فَقْدَ مُشْبههحتى بَكَتْ بدموعي أعينُ الزَّهَرلو لم أُعِرْها دموعَ العين تسفَحهالرحمتي لاستعارتْهَا من المطر •••

وأخيرًا فرغ الشعراء من بكاء العين، فتخيلوا البكاء من غيرها، فالسحاب يبكي:
رُبًى شَفَعتْ ريح الصَّبا لرياضهاإلى المُزْنِ حتى جادَها وهو هامعُكأنَّ السحابَ الغُرَّ غَيَّبْنَ تحتهاحبيبًا فما تَرْقَا لَهُنَّ مدامِعُ والساقية أو الناعورة أو الدولاب يبكي:
لله دولابٌ يفيض بجدولٍفي روضة قد أينعت أفنانَافكأَنه دَنِفٌ يدور بمعهديبكي ويسأل فيه عمن بانَاضاقَتْ مجاري جَفْنِهِ عن دَمْعِهفتفتحت أضلاعُهُ أجفانَا والقلم يبكي:
ما أبطأَتْ أخبارُ من أحبَبْتُهعن مسمَعي بقدومِه ورُجوعِهإلا جَرَى قلمي إليه خافِيًاوشكَا إليه تشوقي بدموعه والسيف يبكي:
تبكي صوارمُه يوم الوغى بدمٍوذلك الدمع للدنيا به ضحك ثم يفلسف «النَّظَّام» البكاء فيجعل الضمير يبكي:
ذكرتُك والراحُ في راحَتيفشِبْتُ المدامَ بدمعٍ غزيرْفإنْ تُنْفِدِ الدَّمْعَ نارُ الأسىبكتك الحشَا بدموعِ الضَّمِير •••

رحم الله آباءنا الأولين، فقد جالوا كل مجال، وتفننوا كل فن، ولم ينقصهم إلا أن يبني أبناؤهم على آثارهم، ويجددوا ما تهدم من بنيانهم، ويشيدوا ما يتطلبه زمانهم، وما هو أشبه بنفوسهم.

جَمَلٌ يَطيرُ وجَمَلٌ يَسيرُ


لفت نظري — وأنا أقرأ «للمطهَّر المقدسي» في كتابه «البدء والتاريخ» — وصفه لجماعة من أصحاب القلانس والمجالس الذين يشحنون صدور العامة بترهات الأباطيل، ويقصون على الناس غرائب العجائب، ثم يقول في وصفهم: «إن الحديث إليهم عن جمل طار، أشهى إليهم من الحديث عن جمل سار».
وهل الدنيا كلها أيها «المطهر» إلا هؤلاء؟
كل العالم يصدّق جملًا يطير، ولا يصدق جملًا يسير، يصدق المحال، ويكذب الواقع، ذلك دأبهم في كل شأن من شئون الحياة.
إن قلت: إن اللغة العربية خير اللغات، وآدابها خير الآداب، وإن اللغة العربية، أو الأدب العربي كامل مكمَّل، ليس فيه نقص ولا عيب، ولا يحتاج إلى نوع ما من الإصلاح، وإن اللغة العربية بزت لغات العالم، والأدب العربي لا يدانيه شيء من آداب العالم؛ فذلك جمل يطير، إن قلت به صفق لك الناس طربًا، وشادوا بذكرك إعجابًا وعجبًا، وعدُّوك العالِم الحق، وقائل الصدق. وإن قلت: إن اللغة العربية ككل اللغات، والأدب العربي ككل الآداب، فيه نواحي القوة ونواحي الضعف، وفيه ما يحسن وما لا يحسن، وفيه وجوه النقص التي يجب أن تكتمل، وفيه وجوه التخلف التي يجب أن تُستقصى حتى تصلح، فهذا جملٌ يسير، لا يصدقك الناس فيما تقول، ويرمونك بقول الزور والبهتان، وما شئت من ألفاظ منتقاة.
فذلك جملٌ يطير، وهذا جملٌ يسير.
وإن قلت في التاريخ من أول عهده إلى اليوم ما يرضي الحكام والولاة والشعوب، فرفعت من شأنهم ولو زورًا، وغلوت في مفاخرهم ولو كذبًاـ وسكتَّ عن مساويهم ولو كانت صارخة، وعمدت إلى اتجاه عواطفهم فسرت معها، وقصدت إلى الأوتار التي تطربهم فغنيت عليها، وشهرت بخصومهم، وقللت من شأنهم، وكذبت في إنكار فضلهم، وكان لك من البلاغة ما استطعت به أن تقلب الحق باطلًا والباطل حقًّا، وتجعل السماء أرضًا والأرض سماءً، والحلو مرًّا والمر حلوًا؛ واستطعت بفصاحتك أن تظهر مهارتك في اختراع حجج تشوه بها وجه الصدق، وتجمل بها وجه الكذب، فهذا جملٌ يطير، إن قلت به فأنت المؤرخ وأنت البطل، وأنت البليغ، وأنت الذي يُغدَق عليه المال، وأنت الذي يمنح خير الألقاب، وأنت الحقيق بأن يقام له تمثال؛ وأما إن أنت لم تعبأ بميول الحكام والولاة وعواطف الشعوب، وأخذت تحلل كل خبر وتتبين بواعثه ودوافعه كما يحلل الكيمياوي المادة في معمله، وتصدر حكمك لا تراعي فيه إلا الحق، فتارة يرضى العواطف، وأحيانًا يغضبها، وأحيانًا يرضى الرأي العام، وأحيانًا يغضبه ويهيجه، وأنت لا يهمك أرضي أم غضب، وكره أم حب، ولا يهمك أتفق رأيك ورأي الناس، أم خالفهم، وتعمد إلى ما يعده الناس من وثائق فتهزأ بها، وإلى الإشاعات فتتحراها وتركزها في بوتقتك، وتشعل تحتها النار فتبخرها، وتصدر حكمك على من يسميه الناس بطلًا فتنكر بطولته، وعلى من يعده الناس سافلًا فتعرضه نبيلًا؛ إن فعلت ذلك فهذا جملٌ يسير. فأنت الفقير، وأنت الثقيل، وأنت المتفلسف، وأنت المتعجرف، وأنت الذي ترمي بأن لا وطنيه له ولا شعور عنده، وأنت الذي يطرد ويبعد ويشرد.
فهذا أيضًا جملٌ يطير، وجملٌ يسير.
وفي السياسة: إن أنت سرت على هوى الناس فرميت من يكرهون بأشنع التهم، واجتهدت أن ترفع نغمتك على نغمتهم، فإن قالوا: «مخطئ» قلت: «مجرم»، وإن قالوا: «مبطل» قلت: «خائن»، وإن قالوا: «مسرف مبذر» قلت: «سارق»؛ وتحريت ما يرضيهم فدعوت إليه، فسفهت مشروعًا لا يرضونه، وأيدت مشروعًا يعطفون عليه، واتخذت إمامك الرأي العام، تنكر ما ينكر، وتؤيد ما يؤيد؛ وسرت وراء الزعماء، إن انحرفوا يمينًا انحرفت يمينًا، أو يسارًا فيسارًا، وإن قالوا قولًا ظاهر البطلان، قلت: إن لهم غرضًا لا ندركه، وغاية لا نتبينها إلا بعد حين؛ وإن كان الساسة يرون الحرب، قلت الحرب، وإن قالوا: السَّلم، قلت: السَّلم؛ وإن قالوا: الحرب في هذا الجانب قلته؛ وإن قالوا: في الجانب الآخر قلته، وإن قالوا: عدوُّنا فلان قلتَ: إنه عدو لدود؛ وإن قالوا: صديقنا فلان، قلت: إنه صديق حميم، واستعملت في كل ذلك حنجرتك إن كنت من ذوي الحناجر، وقلمك إن كنت من ذوي الأقلام، ومالك إن كنت من ذوي الأموال، فهذا كله جملٌ يطير. أما إن أردت أن تحكّم عقلك، وهداك إلى أن تقول على الشيء: إنه أسود حيث قالوا: أبيض، وصوبت الرأي العام حينًا، وخطأته حينًا، ووافقت عواطف الناس حيث يوجب العقل الموافقة، وخالفتها حيث يوجب المخالفة، وحبذت قول الزعيم حين يرضى ضميرك أن تحبذه، ونقدته حين يدعوك ضميرك أن تنقده، وقلت: السَّلم حيث قالوا: الحرب، أو الحرب حيث قالوا: السَّلم، وأيدت ذلك كله ببراهينك المنطقية، وأعلنت رأيك، ولو كنت فيه وحدك، فهذا كله جملٌ يسير؛ أقلُّ نتائجه أنك تعد ثقيلًا بغيضًا، وقد يكون فيه الخروج من منصبك، وقد يكون أن تؤذَى في مصالحك، وقد يكون فيه أكثر من ذلك كله.
فهذا أيضًا جملٌ يطير، وجملٌ يسير.
وهذا هو الشأن في «منطق الحوادث» جاهل ينال خير منصب، ويمنح خير مرتب، وعامل كفء لا يجد عملًا ولا يجد قوتًا، وحسناء فاضلة تتزوج بفقير سيئ السيرة، سيئ السلوك، وشوهاء شريرة ترزق الحظوة بغني يأتمر بأمرها ويسير طوع إرادتها، وغبي غني يرتع في النعيم. ولا مبرر لهذا إلا أنه ورث أباه الغبي في الغنى، أو لعب في «البورصة» فربح من حيث لا يدري، أو احترف الرذيلة فكسب المال وخسر الشرف، أو لم تكن له شخصية فكسب بالملق ما لم يكسبه أخوه بالكفاية، وهذا ذكي عالم أمين سدت في وجهه كل الطرق حتى ما يسد رمقه، أو فقد عمله بصراحته وأمانته وشخصيته.
فهذا أيضًا جملٌ يطير، وهذا جملٌ يسير.
والمصلحون في كل عصر إنما أوذوا وحوربوا وشردوا وقُتّلوا؛ لأنهم كانوا يقولون بالجمل يسير، حيث يقول الناس بالجمل يطير.
والفلاسفة البُلّهُ حبسوا أنفسهم في جُحَر ضيقة لا يدخلها نور العالم، وأخذوا يضعون علمًا سموه «علم المنطق» يضعون فيه للمقدمات شروطًا، وللقياس شروطًا، وللفروض شروطًا، والدنيا خارج حُجَرهم تهزأ بمنطقهم، وتسير على منطق آخر خلاصته: جملٌ يطير، وجملٌ يسير.
فمنطق الدنيا الواقعة في الغنى والفقر يهزأ بقواعد الاقتصاد، ومنطق الدنيا الواقعة يهزأ بمنطق النجاح والإخفاق، ومنطق الحوادث الواقعة يهزأ بالمنطق النظري، وهكذا؛ وكان المنطق السليم يقضي عليهم بأحد أمرين: إما أن يكون لهم من السيطرة والسلطة ما يخولهم أن يسيّروا الدنيا على منطقهم، أو أنهم — وقد عجزوا — يسيّرون منطقهم على منطق الدنيا.
بل وأحداث الطبيعة نفسها سائرة على هذا المنطق؛ فهذه صحراء تشكو الظمأ ولا تجد رشفة ماء، وهذا بحر يشكو الري ولا يجد ما يبثه شكواه، ولو كانت الدنيا بالعقل لسمعت الطبيعة شكوى الصحراء من الظمأ، وشكوى البحار من الري، وكان في علة هذا برء ذاك، كالغني يشكو التخمة، والفقير يشكو المخمصة، وفي الدنيا جو يشكو القيظ وجو يشكو البرد، وأرض جرداء وحديقة غناء، ومنجم ذهب ومنجم زفت، ونسيم وسموم، وسكَّر وحنظل.
أليس هذا كله — أيضًا — منطق جملٌ يطير وجملٌ يسير؟
هل اقتنعت معي — يا أيها المطهر — بأن ليس من تصفهم وحدهم هم الذين يصدقون جملًا يطير. ولا يصدقون جملًا يسير؟
أو ليس هذا ما شعر به المعري إذ يقول:
لحاها الله دارًا ما تدارَىبمثل المَيْن في لُجَج وقَمْسِ?إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتيوإن قلتُ اليقينَ أطلت هَمْسي? القمس: مصدر قمس في الماء إذا غاص فيه.
فلسفة المصائب


محال أن يحوّل الكاتب ذهنه عما يقع في هذا العالم الآن من مصائب، فهي موضع تفكيره، ومجال أحلامه؟ فلا بد أن تكون أيضًا مجال قلمه.
والعالم الآن في مأتم كبير، ضحاياه أمم لا أفراد، وصرعاه ممالك وعروش، ومبادئ وحريات، ودمار في الأنفس والأموال، وخراب في كل مكان؛ والأمم التي لم تكتوِ بنيران الحروب إلى الآن، مكتوية بعذاب الانتظار، وتوشك أن تدرك النار أُخراها كما أدركت أُولاها. تضع كل أمّة يدها على صدرها واجفة من مصيرها؛ والناس كلهم في عَمَاء، لا يدرون إلى أين ينتهون، كأنهم يمثلون يوم الفزع الأكبر وما صَوَّرته الديان عند قيام الساعة.
إن الخيال ليعجز عن أن يتصوّر حقيقة ما يحدث في العالم الآن من كوارث، فقد غطيت الأرض بالأشلاء، وصبغت بالدماء؛ وجاء دور العلم يقدم للإنسانية أقصى ما يستطيع من شر، كما قدم لها في السلم أقصى ما يستطيع من خير؛ وهرعت الملايين من مكامنها تتطلب الملجأ وتسير على غير هدى، وتشتت الأسر لا يعرف بعضها مصير بعض، إلى ما لا يُحصى من أهوال.
•••

ومن قديم خُلق الإنسان وخُلقت معه مصائبه، حتى لتوقَّع الملائكة منه ذلك قبل أن يُخلق، فقالوا: «أتجعل فيها مَنْ يُفسد فيها ويَسفك الدماء ونحن نسبِّح بحمدك ونُقدِّس لك؟». فكانت المصائب ملازمة له، وكأنها عنصر هام من عناصر وجوده؛ وكأنها خاضعة لقانون النشوء والارتقاء، تبدأ بسيطة ساذجة كما بدأ الإنسان، وتعظم وتهول كلما تقدم الإنسان في العظم والرقي. وتقرأ التاريخ فتراه سلسلة مصائب وسلسلة حروب، نصرتها مصائب وهزيمتها مصائب؛ فإن فترت الحرب حينًا، تتداول الأمَم أنواع من الكوارث الأخرى السلمية تختلف أشكالًا وألوانًا.
حتى كان من غريب أمر الإنسان أنه لا يدرك اللذة إلا بالألم، ولا الفائدة إلا بالمصيبة؛ كما لا يدرك الحلو إلا بالمر، ولا المر إلا بالحلو، ولا يمكن أن نتصوّر سعادة إلا بشقاء، ولا شقاء إلا بسعادة، فكأن السعادة والشقاء وجها القطعة من النقود، لا يمكن أن يُتصوّر وجود أحد الوجهين إلا بالآخر.
وتعجبني قصة صوفية، وهي أن أحد المتصوفين دخل بلدة، فأعجبه ما فيها، ثم زار مقبرتها فقرأ على أحد شواهدها: هذا قبر فلان، ألّف كتاب كذا، وكان عالمًا فاضلًا، ومات وعمره يومان؛ ورأى على قبر آخر: هذا قبر فلان القائد العظيم الذي انتصر في موقعة كذا، ومات وعمره ثلاثة أيام، وفلان ملك الناحية، وقد مات وعمره يوم؛ فعجب من هذا كله، وتوجه إلى خبير بالبلدة وسأله عن هذا اللغز الذي لم يفهمه، فقال: إننا لا نعد من أيام حياتنا إلا الأيام السعيدة. فقال الصوفي: إني أود أن أموت ببلدكم، وأرجو أن تكتبوا على قبري: هذا قبر صوفي رحالة، جاب الأقطار وزار الأمصار، ومات قبل أن يولد.
•••

على أن المصائب نفسها ليست تخلو من وجه جميل وناحية رائعة؛ فهي ليست قبحًا صرفًا، ولا شقاءً خالصًا؛ بل كثيرًا ما تكون بلسمًا كما تكون جروحًا، ودواءً كما تكون داءً.
إن الرخاء قد يُفسد الطبيعة البشرية، فلا بد لها من شقاء يصلحها؛ والحديد قد يفسد، فلابد له من نار تذيبه حتى تصلحه وتذهب خبثَه؛ فكذلك النفوس قد يطغيها النعيم ويصدئها الترف، فلا بد لها من نار تُكْوَى بها لتنصهر ويذهب رجسها.
ثم إذا أردت أن تعرف نفوس الناس حقًّا فتعرَّفْها في أوقات المصائب لا في أوقات النعيم.
ويعجبني قول القائل: إنّ أعرف الناس بالناس الممرضات في المستشفيات، فهن اللائي يرين الناس في الكوارث، فيعرفن كيف يجزعون أو يحتملون، وكيف يفزعون أو يصبرون، وكيف يضعفون أو يقوون؛ أما خارج المستشفى فكلهم شجاع وكلهم قوي.
في أوقات الرخاء ترى الجمال المتصنع والقبح المتصنع، وترى القبيح في شكل جميل والجميل في شكل قبيح؛ أما في الشدة فترى الجمال عاريًا والقبح عاريًا، وترى الحق حقًّا والباطل باطلًا، وترى الأوضاع تنقلب والقيم تختلف، فيصبح لا يساوي شيئًا من كنت تظنه يقوّم بالألوف، ويقوّم بالألوف من كنت تظن أنه لا يساوي شيئًا.
حتى الموت — وهو ما يعدّ بحق مَلِك المصائب — هو الحجر الأساسي لنظام العالم، ومصلح شأنه، ولا بد من الموت للحياة، وهو بعد ذلك كما قال القائل: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
•••

ثم الأمم لا تُخْلق إلا من المصائب، ولا تحيا إلا بالموت، ولا يكوِّن زعماءها إلا الشدائد، ولا يصهر نفوسها إلا عظائم الأمور، ولا تنال استقلالها إلا بضحاياها، ولا تستردّ حريتها إلا ببذل دمائها؛ وما ترك الجهادَ قوم إلا ذلوا، ولا استلسم قوم للترف والنعيم إلا هانوا. تلك هي قوانين طبيعية للعالم بمنزلة قوانين الحرارة والضوء والجاذبية، لا تتغير ولا تتبدل مادام العالم هو العالم.
•••

ويبلغ الرقي في بعض الأفراد أن يروا لذتهم في أن يألموا لإسعاد غيرهم، وسعادتهم في تضحيتهم.
كل امرئ فيه نواة لهذه التضحية، فهو يضحي من لذته لإسعاد أولاده وإسعاد أصدقائه؛ ولكن عظماء الناس يرون في حرية أممهم واستقلالها، وفي مبادئ العدل والحق معنى أسمى من العلاقة الشخصية بين المرء وبين أسرته أو بينه وبين صديقه، ثم يقدسون هذه المعاني السامية ويتعشقونها ويهيمون بها، فيبذلون نفوسهم لها كما يبذل العاشق نفسه لمن يحب، ويرى في ذلك لذته العظمى وسعادته الكبرى.
فهو بذلك أناني من جنس راق جدًّا، يرى أن سعادته وسعادة أمته شيء واحد، ويرى أن العمل لها هو بعينه العمل لنفسه. ثم هو لا يتطلب بعد ذلك جزاءً ولا شُكورًا، كما لا يتطلب ذلك فاعل الخير لنفسه.
•••

قد أرانا التاريخ — مع الأسف — أن الإنسانية لا ترقى إلا عن طريق المحن، سواء في ذلك أفرادها وأممها؛ فالفرد الذي يجد كل شيء ممهدًا سهلًا لا يصلح لشيء، والغني المترف الذي يجد كل ما يشاء في الوقت الذي يشاء، ثم لا يكلف نفسه شيئًا أكثر من أن يستمتع بالحياة، هو نبات طفيلي يستهلك ولا ينتج، مظهر ولا مخبر، يومَ تعصف به عاصفة من شدة يذهب مع الريح ولا يستطيع مقاومة؛ إنما يثبت للحياة ويصلح للبقاء من عركته الأحداث، وربته المصائب، وصلَّبته الكوارث؛ وهكذا شأن الأمم، أصلبها عودًا أصلحها للحياة، وخير رجالها أقدرهم على التضحية؛ والأمم التي تنعم تؤذن نعومتها بفنائها؛ ولم تبلغ الأمم مثلها السامية من عدل وإخاء ومساواة وحرية إلا من طريق المصائب.
وصحة الأمم كصحة الأفراد، فالمرض ينتاب من الأجسام أنعمها وأكثرها إخلادًا للراحة؛ والصحة لا تنال إلا بالأعمال الرياضية الشاقة، وبذل الجهد المضني؛ ولا لذة للراحة إلا بعد التعب، ولا لذة للماء إلا بعد العطش، ولا للأكل إلا بعد الجوع.
كذلك الأمم لا تدرك قيمة الخير إلا بالشر، ولا الفوائد إلا بالمصائب؛ ويوم تنزل بها الكوارث تؤمن بالجِد، وتحتقر التافه، وتطلب المثل. فأهلًا بالموت. إذا كان فيه الحياة، وبالشر إذا كان يتبعه الخير … و:
مرحبًا بالخطب يبلوني إذاكانت العلياء فيه السببا
العربي لا يَشْعُر إلا في بيئته


لفت نظري وأنا أدرس الأدب المصري العربي من عهد الفتح الإسلامي، ظاهرة غريبة؛ وهي أن عرب مصر لم يسعروا، مع توافر الدواعي لقول الشعر، فقد دخلوا مصر فرأوا مناظر تسحر النفس وتأخذ باللب — مزارع غناء، ومناظر حسناء، ونهر عجب أي عجب، وأهرام بديعة الصنع، وآثار تستخرج العجب.
ودخلوا الإسكندرية، فرأوا مدنية الرومان بفتنتها وجمالها، ورأوا البحر بسحره وجلاله، فلم يقولوا في ذلك كله شيئًا.
وبعيدٌ أن يكونوا قد قالوا ثم ذهب ما قالوه، فقد حرص الرواة الأولون على أن يرووا لنا كل ما سمعوا، حتى الأبيات التافهة في المسائل العارضة؛ وقد كان عرب مصر آلافًا مؤلفة، كان أكثرهم أولًا من القبائل اليمنية، ثم تتابع عرب مصر بعد ذلك؛ ومع هذا كله لم ينبغ منهم شاعر مصري، وكل ما روي لنا من الشعر الذي له قيمة في ذلك العصر هو ما وفد به الوفود على عبد العزيز بن مروان يمدحونه بمصر؛ مثل شعر عبيد الله بن قيسِ الرُّقَيّات، ونُصَيب، وكُثيِّر عزة؛ وهذا لا يعد شعرًا مصريًّا إلا بضرب من التجوز، فقائلوه وافدون على مصر من الحجاز أو الشام، وليسوا مصريين.
تأملت في هذه الظاهرة طويلًا، وفرضت لها فروضًا مختلفة، فكان أقرب الفروض في نظري أن «العربي لا يشعر إلا في بيئته».
أيد هذا الفرض عندي أني تتبعت مشهوري الشعراء في ذلك العصر فوجدت مواطنهم إنما هي جزيرة العرب أو الشام أو العراق، وهذه هي بيئة العربي، فالجزيرة هي بيئته الطبيعية الأصلية، وبادية الشام وبادية العراق امتداد بيئته، ومن طبيعتها ومن جنسها؛ فهي تستحث شعره كما تسحثه جزيرة العرب، وهي موطن له منذ العصر الجاهلي؛ فالعراق أخرج لنا جريرًا والفرزدق والأخطل ورؤبة والعجاج، وكان موطن إنشادهم مِرْبدُ البصرة، وهو في أوصافه يشبه سوق عكاظ في الجاهلية؛ والشام أخرج لنا عدي بن الرِّقَاع والطرمَّاح والوافدين إليه من البوادي، والحجاز أخرج لنا جميل بن معمر وعمر بن أبي ربيعة والعَرْجي وابن قيس الرُّقيَّات والأحوص وذا الرمة وغيرهم.
كل هؤلاء من فحول الشعراء خرجوا من بيئتهم الطبيعية فشعروا وأجادوا؛ أما البلاد المفتوحة كمصر وفارس والهند والمغرب فلم تخرج شاعرًا عربيًّا يعتد به إلا نادرًا، والشام والعراق إنما أخرجا الشعراء لما أسلفنا من أنهما بيئتان عربيتان قديمتان؛ ولأن الباديتين في أطرافهما تبعثان على الشعر.
ثم ننظر إلى مصر فلا نجد فيها شاعرًا عربيًّا، وننظر في فارس فنجد أشهر شعرائها زيادًا الأعجم، وهو مولى من الموالي كان ينزل اصطخر فغلبت العجمة على لسانه فسموه الأعجم، وكان في فارس بعض شعراء كنَهار بن تَوْسعه وثابت قُطْنه، ولكنهم شعراء في الطبقة الثالثة أو الرابعة، وبعضهم نشأ في غير فارس ثم شعر قليلًا في فارس.
بل ننظر إلى كثير من الشعر الذي قاله هؤلاء العرب النازحون إلى تلك المدن المفتوحة، فنجده ليس وصفًا لهذه البلاد وإنما هو حنين إلى بلاد العرب، وبكاء عليها وشوق إلى العودة إليها، كالذي قال مالك بن الرَّيب، وقد أقام مدة بخراسان، فلما حضرته بها الوفاة حنَّ إلى وادي الغضا فقال:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةًبجنب الغضا أُزْجي القِلاص النَّواجيا ويقول آخر:
سرى البرقُ من أرض الحجاز فشاقنيوكلُّ حجازيّ له البرق شائقفوا كبدى مما ألاقي من الهوىإذا حن إلفٌ أو تألَّق بارق إلى كثير من أمثال ذلك.
فاستخلصت من هذا كله أن العربي لا يشعر إلا في بيئته، فإن هو خرج منها إلى غيرها اعتقل لسانه وأُصيب بالعِيّ، مهما كان البلد الراحل إليه من جمال الطبيعة وجمال الصناعة، ومهما توافرت بواعث الشعر.
وقبل ذلك قدّم إلينا شيخ الشعراء امرؤ القيس دليلًا واضحًا على هذا، فقد خرج من جزيرة العرب إلى القسطنطينية، ورأى فيها عظمة الدولة الرومانية، وفخامة ملكها وجمال فنها، فلم ينطقه ذلك كله بقصيدة؛ وعجب الباحثون من هذا الجمود حتى ألجأهم إلى الشك في رحلته؛ وما تعليل ذلك عندي إلا ما أقول من أنه فارق بيئته فحصر.
•••

قد يدل على صحة هذه النظرية أيضًا ما روي عن هؤلاء الشعراء مما كانوا يفعلون إذا جمدت قرائحهم، ونضبت خواطرهم؛ فقد سئل كثير: كيف تصنع إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال: «أطوف في الرباع المخلية والرياض المعشبة، فيسهل عليّ أرصنه، ويسرع إليّ أحسنه»، وقال الأحوص:
وأشرفتُ في نَشْز من الأرض يافعوقد تشغفُ الأيْفاع من كان مُقصدا وحكى الفرزدق قال: «أتيت منزلي فأقبلت أصعد وأصوب في كل فن من فنون الشعر، فكأني مفحم أو لم أقل شعرًا قط، حتى إذا نادى المنادي بالفجر رحلت ناقتي ثم أخذت بزمامها فقدتها حتى أتيت «ريانًا»، وهو جبل بالمدينة، ثم ناديت بأعلى صوتي: أخاكم أخاكم أبا لبنى! (يعني شيطانه) فجاش صدري كما يجيش المرجل، ثم عقلْت ناقتي فما قمت حتى قلت مئة وثلاثة عشر بيتًا».
وكان الأبيردُ الشاعر إذا خانته قريحته أخذ عصاه وانحدر في الوادي، وجعل يقبل فيه ويدبر ويهمهم بالشعر فتأتيه المعاني.
ولعل من خير ما روي في هذا الباب ما حكاه المرْزُباني في الموشح أن النابغة الذبياني قال للنعمان بن المنذر:
تَرَاكَ الأرْضُ إمَّا مِتَّ خِفًّاوتحيا إن حَييتَ بها ثقيلا فقال النعمان: هذا بيت إن أنت لم تُتبعه بما يوضح معناه كان إلى الهجاء أقرب منه إلى المديح. فأراد ذلك النابغة فعسر عليه، فقال: أجّلني. قال: قد أجلتك ثلاثًا، فأتى النابغة زهيرًا فقال: اخرج بنا إلى البرية فإنّ الشعر برِّي، فخرجا ومعهما كعب بن زهير، فقال كعب فما يمنعك أن تقول:
وذاك بأن حللتَ العز منهافتمنع جانبيها أن يزولا فقول زهير: «إن الشعر برِّي» هو مصداق نظريتنا، فقد نبغ وكثر وفاض في البرية ومن البرية أولًا، فإن قيل في المدن فأصله من البرية.
لست أدَّعي أن طبيعة كل شعر برِّية، فهناك شعر أوروبي جلبته الحضارة، وهناك شعر عربي قيلَ في المدن الإسلامية العظيمة كبغداد والقاهرة؛ ولكني أدعي أن العربي الذي هو وليد الصحراء ووليد المدن العربية — التي تمُتُّ بصلة وثيقة للصحراء كمكة والمدينة — لا يستطيع القول إذا انتقل إلى مدن أعجمية كمصر وخراسان والهند والمغرب؛ فأما الشعر الذي فاض بعد ذلك فإنما فاض من أعاجم أو من أبناء العرب الذين نشأوا من أول أمرهم في المدن الأعجمية.
وتعليل ذلك في نظري يرجع إلى أمرين: الأول: طبيعة العربي نفسه، فهو إذا دخل المدن العجمية ورأى معيشة اجتماعية تخالف معيشته، وعادات وأوضاعًا تخالف عاداته وأوضاعه، اضطربت نفسه وتشتت ذهنه، واحتاج إلى زمن طويل حتى يهدأ ويألف العيش الجديد؛ وهذا الاضطراب وتشعث الذهن لا يبعث على قول الشعر؛ ولذلك كان قائلو الشعر بعدُ في هذه المدن هم أبناء الجيل الثاني أو الثالث لا الأول.
الثاني: أن طبيعة الشعر العربي الأول طبيعية بدوية، فهو يتغنى بمناظر البدو من صحراء ووديان، وحيوانات البدو من ظباء وأوعال، ونباتات البدو من شيح وقيصوم. على هذا نشأ الشعر العربي، وعلى هذا نشأ العرب الفاتحون للأقاليم؛ فلا يستسيغ ذوقهم أن يتغنوا بإيوان كسرى، ولا أهرام مصر، ولا يستسيغ ذوقهم أن يتغزلوا في النرجس والياسمين، وقد تغزل آباؤهم بنباتات الصحراء، ولا يستسيغ ذوقهم أن يشيدوا بذكر النيل والفرات، وقد شاد آباؤهم بذكر الغياض. إن الشعر في هذه الأمور الجديدة يحتاج إلى مران للذوق طويل، ويحتاج إلى ثورة من الشاعر العربي، والشاعر العربي ليس ثائرًا في شعره، إنما هو محافظ أشد المحافظة. فلما حرم العرب ساكنو الأقاليم الجديدة من رؤية القديم حتى يشعروا فيه، وحرموا الثورة والذوق الجديد حتى يشعروا في الجديد، حصر لسانهم فلم ينطقوا بقديم ولا جديد.
هذه فكرة أعرضها على القراء ليبحثوها ويقلبوها على وجهها، وليؤيدوها أو ينقضوها، فلا نريد إلا الحق.
وهي إن صحت حلت لنا مشاكل يعانيها الباحث ولا يرى لها حلًا؛ لِمَ لم يشعر عرب فارس في جمال فارس، وعرب مصر في جمال مصر، وعرب الهند في جمال الهند؟ ولِمَ لم يقولوا فيها ما قالوا في جزيرة العرب ومجال القول فسيح؟ ولِمَ ضعفت دولة الشعر في البلاد المفتوحة حتى نشأ جيل جديد من الموالي وأشباههم؟ ولِمَ ظلت طبيعة الشعر العربي بعد الفتح فترة طويلة من الزمان كما كانت قبل الفتح من حيث الأسلوب والموضوع؟ ولِمَ لم ينبغ في البلاد المفتوحة من الشعراء ما نبغ في الحجاز وبادية الشام وبادية العراق مع تيسر الأسباب، ووفرة بواعث الشعر؟
كل هذه المسائل وأشباهها يحلها فرضنا «أن العربي لا يشعر إلا في بيئته».

عنوانُ القوة في الأمة


سؤالٌ يرد على الذهن كثيرًا: بمَ تُعرَف الأمَّة القوية؟ إذا نظرت إلى أمّة وأردت أن تخبر موضعها من القوة والضعف، فبأي المرافق تُعْنَى، وأي الاتجاهات تتجه، وبأي المظاهر تستدل؟ وما العناصر التي تعدها أساسية فتتحراها، وأيها تعدها ثانوية فتتخطاها؟
عرضت لي في هذا الأمر إجابتان: إجابة من الأدب الغربي الحديث، وإجابة من الأدب العربي القديم، أقدمهما للقارئ، لعل فيهما فائدة.
فأما التي من الأدب الغربي الحديث فإجابة تتلخص في «أن الأمة تعد قوية راقية إذا استطاعت أن تعدّل نفسها وفق ظروفها التي تحيط بها»، فإذا أردنا — مثلًا — أن نطبق هذه القاعدة على مصر، قلنا: إن لها موقفًا خارجيًّا وموقفًا داخليًّا، موقفًا خارجيًّا مع الأمم الشرقية والأمم الأوروبية؛ فهل عدّلت نفسها مع الأمم الشرقية، وعرفت مكانتها منها، واستغلت أحسن استغلال علاقتها معها، فأعانتها واستعانت بها، وأفادتها واستفادت منها، ونظمت شئونها معها، من حيث الثقافة ومن حيث الاقتصاد، ومن حيث السياسة؟ وهل بلغت في ذلك أعظم مبلغ تقتضيه الظروف الحاضرة؟
وهل عدلت نفسها وفق ظروفها مع الأمم الأوروبية، فتم لها استقلالها، وانتفعت بالغرب أحسن انتفاع ممكن، فاستفادت منه ثقافيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، ونالت منه كل ما تستطيع مما يزيدها قوة، وعرفت مقدار ما تعطي ومقدار ما تأخذ، ونوع ما تعطي ونوع ما تأخذ، وعرفت كيف تنتقي ما تأخذ وكيف تهضمه، وهل جهزت نفسها بكل ما تستطيع من قوة، حتى تحمي رأيها فيما تأخذ وما تدع، وما تعطي وما تمنع؟
وأما داخليًّا فنتساءل: هل استغلت ثروتها بحسب حاجتها؟ وهل استخدمت بيئتها الطبيعية فانتفعت بجودة أرضها وقوة مائها ومعادن جبالها وأرضها؟ وهل استطاعت أن تجد منابع للثروة تناسب ما ازداد من عدد السكان؟ وهل قامت بالإصلاحات الداخلية بقدر ما يتطلبه الزمان، فسايرت الأمم الأخرى، حتى لا تضعف أمامها فتلتهمها؟ وهل رقَّت أعمالها الإدارية، وحققت حكومتها العدل الاجتماعي حتى تشعر بقوتها، وتشعر بسعادتها؟ وهل أفحست المجال لكل ذي كفاية أن يُظهر كفايته على قدر استعداده، ومنعت العوائق التي تحول دون ذلك من اعتماد على حسب ونسب وجاه وشفاعة؟
وهل وضعت الحكومة «ميزانيتها» على هذا الأساس ففرقت بين الضروري والكمالي، وبين ما يرقي الأمة ويضعفها، وما يجعلها أقرب إلى تعديل نفسها حسب ظروفها، وما يبعدها عن ذلك؟ وهكذا.
إن حدث هذا كله فالأمة قوية راقية وإلا لا، وإن حدث بعضه ولم يحدث بعضه، فهي متذبذبة بين القوة والضعف.
هذا رأي ذهب إليه بعض الباحثين من الأوروبيين، فعنده حيوان أرقى من حيوان؛ لأن الأرقى استطاع أن يوائم بين نفسه وبيئته، ويعدل نفسه وفق ظروفه التي تحيط به؛ والإنسان أرقى من الحيوان لهذا السبب عينه، فقد استطاع أن يغالب الطبيعة ولا يكون تحت رحمة حر وبرد وجوع وعطش، بل أخضع الطبيعة لمصالحه، أو قل: إنه استطاع أن يعدل نفسه وفق الطبيعة، ولم يقف جامدًا تسيّره الطبيعة، تحكم عليه كما تشاء، فاكتسى بعد عري، وشبع بعد جوع، ودفئ بعد برد، وهكذا. حتى استخدم الكهرباء والبخار وغيرهما ليوائم بين الطبيعة ونفسه.
وكلما عدَّلَت الأمَّة نفسها وفق ما يحيط بها من بيئة طبيعية وبيئة اجتماعية، كانت أرقى من غيرها على هذا الأساس وأقوى.
•••

وأما الإجابة التي من الأدب العربي القديم فلسياسي قديم وردت في كتب الأدب القديمة.
رأَى هذا السياسيُّ أن مقياس قوة الأمة ورقيها في أشياء ثلاثة مجتمعة: (?) أن يقف الحاكم — وإن شئت فقل: الحكومة — على أحوال الرعية فتعرف دقيقها وجليلها، وظاهرها وخفيها — تعرف حال ولادتها كيف يعدلون أو يظلمون، وتعرف أحوال الناس كيف يشْقون أو كيف ينعمون، ومقدار غناهم وفقرهم وجوعهم وشبعهم؛ وإن أدرت تعبير أهل العصر فقل: إن عندها إدارة إحصاءات دقيقة تسجل أحوال الأمة في مرافقها المختلفة، وتدخل التعديل على الأرقام كلما طرأ تعديل على الأحوال، حتى يكون أمام الحكومة سجل دقيق لكل مظاهرها وخفاياها، وعللها وأمراضها، وما وضع من الوسائل لعلاجها، ثم أن تكون هذه الأرقام وهذه الأخبار صحيحة لا يلبسها الحكام ولا يخدعون فيها الحكومة، إنما هي والحقيقة مطابقتان، لا تدليس فيها ولا خداع. فأحوال الأمة مصورة صورة دقيقة، مصغرة في مرآة ينظرها الحاكم فيراها، ويعرف دائمًا ما يطرأ عليها من صلاح أو فساد. ويعرف إلى أي طريق هي مسوقة، كالطبيب الخبير يعرف مريضه، وما يعرض له، أو كالراصد الماهر يعرف الجو وتقلباته، والنجوم وحركاتها.
(?) هذا هو الشأن في الحكومة عالمة خبيرة، ثم يلي هذا النظرُ في طبقة الأغنياء: ما سلوكهم، وما أخلاقهم، وما طبيعتهم؟ فإنهم عصب الأمم؛ إن ساءت أخلاقهم واستعملوا أموالهم في الفساد، ولم يأنفوا أن ينتهكوا الحرمات، وغلبهم الجشع فابتزوا أموال الفقراء لينفقوها في شهواتهم، ويبددوها في لذاتهم، وكانوا من الشره بحيث لا يترفعون عن أي دنيئة، ولا يتحرجون من أي وسيلة، لا يهمهم إلا أنفسهم وشهواتهم، فالأمة بهم ضعيفة. أما إن هم ترفعوا عن الدنايا وواسوا الفقراء، وكان في أموالهم حقٌّ معلوم للسائل والمحروم، فالأمة بهم قوية.
(?) فإذا فرغنا من الرأس المدبر وهو الملك قديمًا والحكومة حديثًا، وفرغنا من النظر في الأغنياء من هم، وما موقفهم من أمتهم، نظرنا ثالثًا إلى طبقة الحكام، كرجال الإدارة، ورجال القضاء وغيرهم ما شأنهم: إن كانوا ينظرون إلى أنفسهم فحسب، ولا ينظرون إلى من يحكمونهم، وكانوا قصيري النظر في معاملتهم الناس، لا ينظرون إلا من قريب جدًّا، ولا يحسبون إلا حساب ما ينالهم من مال، ولا يدخلون في حسابهم إلا دنياهم لا آخرتهم، ويحكمون الناس لا للناس ولكن للمدير أو الوزير، تمشيًا مع تيار الحكومة الحاضرة وحسب أهواء الحزب الغالب، فهم مصدر ضعف الأمة ومظهر من مظاهر انحطاطها.
وإن حكموا الناس لله وللناس، وراعوا آخرتهم كما راعوا دنياهم، عرفوا أن المنصب واجب يؤدَّى لا قنطرة يعبُرُون عليها لمصالحهم الخاصة، وأيقنوا أن لا بأس من أن تضحي بالوظيفة لخدمة الحق، ووسعوا نظرهم فحسبوا حساب الغد كما حسبوا حساب اليوم، فهم مصدر قوة للأمة ومظهر من مظاهر رقيها.
•••

حكومة مطلعة خبيرة واقفة على بواطن الأمور وظواهرها، وأغنياء ازدانوا بالعزة والأنفة، والحدب على البائس والفقير، وحكام يحكمون الناس بالحق وللحق؛ هذه هي دعامات الأمة الراقية في نظر هذا السياسي القديم.
•••

ولعلك بعدُ مشتاق إلى معرفة هذه الوثيقة القديمة التي اعتمدت عليها في هذا البيان، فلأجب رغبتك وأقدمها لك بنصها: ذكروا أن ملكًا من ملوك العجم كان معروفًا ببعد الغوْر، ويقظة الفطنة، وحسن السياسة، وكان إذا أراد محاربة ملك من الملوك وجَّه إليه من يبحث عن أخباره وأخبار رعيته قبل أن يُظْهر محاربته … فكان يقول لعيونه: انظروا (?) هل ترد على الملك أخبار رعيته على حقائقها، أم يخدعه عنها المُهْدي ذلك إليه. (?) وانظروا إلى الغنيّ في أي صنف هو من رعيته. أفيمن اشتد أنفُه وقل شرهه أم فيمن قلَّ أنَفُه واشتد شرهه؟ (?) وانظروا في أي صنف رعيته القُوَّام بأمره، أمِن مَنْ نظر ليومه وغده أم شغله يومه عن غده؟ فإن قيل له: لا يُخدع عن أخباره، والغني فيمن قل شرهه واشتد أنفه، والقوام بأمره من نظر ليومه وغده. قال: اشتغلوا عنه بغيره. وإن قيل له ضد ذلك. قال: نارٌ كامنة تنتظر موقدًا، وأضغانٌ مزمَّلة تنتظر مخرجًا، اقصدوا له.
هذه هي الإجابة من الأدب القديم، وتلك هي الإجابة من الأدب الحديث، أتركها بين يديك — أيها القارئ الكريم — لتوازن ما شئت وترجح ما شئت وتنقد ما شئت، وتقبل أو ترفض ما شئت.

عقلاءُ المجانين ومجانين العقلاء


تنبه العرب من قديم إلى نوعٍ من الناس «مجنون عاقل»، تصدر منه أعمال جنونية بحتة في بعض تصرفاته، فإذا حدثته فأديب ظريف، أو صوفي واصل، أو فيلسوف عميق، أو قلْ: إنه مجنون في ناحية، عاقل في عدة نواح؛ وهذا الضرب هو ما يسميه المحدثون بالجنون الفرعي، كالذي يعتقد أن له إصبعًا من زجاج؛ فهو مجنون في كل ما يتصل بهذه العقيدة، يخاف أن تقرّب حجرًا إلى إصبعه حتى لا تنكسر ونحو ذلك، ثم هو فيما عدا ذلك عاقل ككل الناس.
وكان لي معلمة إنجليزية في غاية من العقل والحكمة والعلم، سألت عنها مرة بعد غيبة، فأُخبرت أنها في مستشفى المجاذيب، فزرتها فحدثتني كما كانت تتحدث من قبل، في عقل وحكمة، فسألتها: لمَ تقيم في هذا المكان؟ فقالت: إنها فقدت إرادتها حتى لو فتحوا لها باب المستشفى لا تعرف أين تتجه. فعجبت من عقلها وتشخيصها لمرضها، وإدراكها لنفسها ونوع مرضها، وهي مع ذلك تعيش في مستشفى المجاذيب!
وقبل ذلك كان سيدنا «الشيخ سيد عبد الرحمن» — فقيه كُتَّابنا — يجري في الشارع والأطفال يصيحون وراءه: «الشيخ سيد أبو جنونة»، فإذا حضر الكتَّاب فكلنا هيبة واحترام، ثم إذا حدثته فعاقل حكيم، يحدثك فيروعك حديثه لحكمته وصدق نظره.
والعرب لم يعنوا بهذا الضرب من الناس إلا أن يكونوا مجانين ممتازين في ناحية من النواحي الفنية، كأن يكونوا شعراء مجيدين، أو حكماء بارعين، أو فلاسفة ممتازين، أو كانوا ينطقون بالحكمة الرائعة، أو النكتة الصريحة اللاذعة أو نحو ذلك.
وقد أفرد بعض الكتب بابًا بهذا الصنف من الأدباء كما فعل ابن عبد ربه في «العقد الفريد» سماه «أخبار الممرورين والمجانين». والممرور: من غلبت عليه المِرَّة، وهي خلط من أخلاط البدن يغلب على المرء حينًا فيهذي، وهو أخف حالًا من المجنون.
وحَكَى في هذا الباب عن قوم من هؤلاء كان العلماء يجاذبونهم الحديث ليسمعوا جوابهم وكلامهم فيعجبوا به أي إعجاب، كعليان بن أبي مالك، ممرور البصرة، الذي كان يجري في الشارع والصبيان يصيحون وراءه، فالتجأ إلى بيت فأشفق عليه صاحبه وأطعمه وحماه، والصبيان يرجمون الباب. وهو يقول: «فضُرِب بينهم بسورٍ له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبَلهِ العذاب». وسئل عن أيّ بيت أشعر، فقال:
ندمْتُ على ما كان مني — فقدْتَنِي —كما نَدِمَ المغبونُ حين يبيع إلى آخر ما سئل، وآخر ما أجاب.
وقد ألف النيسابوري صاحب التفسير المشهور كتابًا سماه «عقلاء المجانين» ترجم فيه لهذا النوع من الناس وأفاض.
•••

وفي الحق أن هذا الصنف حبيب إلى الناس، يحبون أن يسمعوا حديثه ويتحروا أخباره؛ ولعل السر في ذلك أنه صنف فيه طرافة؛ لجمعه بين المتناقضات من عقل وجنون، وسفه وحكمة، وطيش ورزانة، ونقص وقوة؛ ولأنه مثار الشفقة والرحمة مع الإعجاب والاستحسان؛ فجنونهم يستدعي رحمتهم، وحكمتهم أو نوادرهم تستدعي الإعجاب بهم؛ وإذا اجتمع في النفس بواعث الشفقة والإعجاب ومظاهر التناقض فهناك الطرافة والجدة واللذة.
وعلى العكس من ذلك مجانين العقلاء، فلعل أكثر الناس في الواقع ينقسمون إلى عقلاء المجانين، وإلى مجانين العقلاء، فعقلاء المجانين هم من عرفت؛ أما مجانين العقلاء فعلى العكس من ذلك، يتظاهرون بالعقل وهم في سخفهم وسوء تصرفهم أولى أن يكونوا في عداد المجانين؛ وهؤلاء لا ترتاح النفس إليهم؛ لأنهم لا يثيرون شفقة ولا إعجابًا، وإنما يثيرون سخطًا ونفورًا، وهذا مثار ألم لا لذة.
ولم أجد من ألَّف في مجانين العقلاء كما ألفوا في عقلاء المجانين؛ ولعل السبب في ذلك كثرة عددهم وثقل روحهم، وقد أدرك هذا أحد عقلاء المجانين، وقد قيل له: «عدّ لنا مجانين البلد» فقال: «كيف وهم لا يُحْصَوْن؟ فإن شئتم عددت لكم العقلاء».
•••

والآن أعرض لصورة من صور هؤلاء (عقلاء المجانين)، وهي صورة طريفة حقًّا، ممتعة حقًّا، هي صورة بُهلول الكوفي الذي كثيرًا ما اتصل اسمه بالرشيد وملأ الكوفة وما حولها نوادرَ وطرفًا.
•••

أما اسمه «بُهْلُول» فاسم ظريف يطابق مدلوله، فمن معانيه الضَّحّاك وقد كان البهلول ضحاكًا.
وأما منظره وحركاته وسكناته وتصرفاته، فكانت تُغري الأطفال بالضحك عليه، والسخرية منه، والصياح وراءه، ورميه بالحجارة؛ ومع هذا فكل ذلك لا يثير حفيظته، ولا يخرجه عن طوره، بل يقابل بنظرة الفيلسوف الهادئ، ويثير فيه العطف والشفقة على هؤلاء الأطفال الذين يجدّون في إيذائه؛ فقد رموه مرة بحجر فأدموه فقال:
حسبيَ الله توكلن عليْهونواصي الخلق طُرًّا بيديهليس للهارب في مهربهأبدًا من رَوْحَةٍ إلا إليهرُبَّ رامٍ لي بأحجارِ الأذىلم أجد بدًّا من العطف عليه والبيت الأخير مَثَل راق من أمثال الإنسانية السامية، والرفق الذي بلغ الغاية في اللطف.
وقال له العقلاء يومًا: لِمَ لا تشكو هؤلاء الأطفال لآبائهم؟ فقال لهم: اسكتوا — أيها المجانين — فلعلي إذا مِت يذكرون هذا الفرح فيقولون: رحم الله ذلك المجنون.
وقال له عاقل آخر: تناول الحجارة وارمهم كما يرمونك. فقال له بهلول: مه يا مجنون، إني إن فعلت شيئًا من هذا رجعوا إلى آبائهم فقالوا لهم: هذا المجنون بدأ يحرك يديه فيجب أن يُغَل ويقيَّد، فلا يكفيني ما ألقاه منهم حتى أُغل وأقيَّد.
وله ناحية أخرى غاية في الطرافة، هي تستره وراء مظهر جنونه، ونصيحته الخلفاء والأمراء بأقوى لفظ وأصرح بيان؛ فقد زهد في مالهم وجاههم، وأمَّنه جنونه أن ينالوا منه، ووثق بربه فلم يخف أحدًا؛ وله في هذا الباب نوادر رائعة وأقوال غالية.
رووا أن الرشيد خرج إلى الحج فمر بالكوفة، فرأى بهلولًا يعدو على قصبة وخلفه الصبيان. فقال الرشيد: كنت أشتهي أن أراه، فادعوه من غير ترويع. فلما حضر بين يديه قال: يا بهلول، كنت إليك مشتاقًا.
بهلول: لكني لم أشتق إليك.الرشيد: عظني.بهلول: وبم أعظك؟ هذه قصورهم، وهذه قبورهم.الرشيد: زدني.بهلول: من أعطاه الله مالًا وجمالًا، فعف في جماله، وواسى في ماله، كتب في ديوان الأبرار.الرشيد: قد أمرنا بقضاء ديونك إن كانت.بهلول: لا. إنه لا يُقضى دين بدين، اردد الحق إلى أهله، واقض دين نفسك.الرشيد: ألك حاجة؟بهلول: أنا وأنت عيال الله. فمحال أن يذكرك وينساني. ثم ركب قصبته وجرى.
ووقفه الأمير يومًا في طريق الرشيد ليدعو له إذا مر به، فما حاذاه الرشيد قال: يا أمير المؤمنين أسأل الله أن يرزقك ويوسع عليك. فضحك الرشيد وقال: آمين. فلما جازه الرشيد صفعه الوالي وقال له: أهكذا تدعو لأمير المؤمنين يا مجنون؟ فقال بهلول: اسكت يا مجنون، فما في الدنيا أحب إلى أمير المؤمنين من الدراهم؛ فبلغ ذلك الرشيد فضحك وقال: والله ما كذب.
وبنى بعض الخلفاء قصرًا، فتناول بهلول قطعة من الفحم وكتب عليه: «رفعتَ الطين ووضعت الدين، ورفعت الجِصَّ ووضعت النَّص».
وهكذا قصَّر العقلاء في نصيحة الخلفاء والأمراء، فقام بهذا الواجب المجانين.
وتنتابه لوثة فيلعب في التراب، ويمر عليه الناي فلا يعبأ بهم؛ لأنه يرى نفسه العاقل وهم المجانين، وكيف يوقر عاقل مجنونًا؟
ويجلس بين المقابر فينطق بالموعظة الحسنة والحكمة البالغة، فيقول: «أما ترى هذه الأعين السائلة، والمحاسن البالية، والشعور المتمعطة، والجلود المتمزقة، والجماجم الخاوية، والعظام النخرة، لا يتقاربون بالأنسانب، ولا يتواصلون تواصل الأحباب، قد صارت الوجوه عابسة بعد نضرتها، والعظام نخرة بعد قوتها، تجر عليهم الرياح ذيولها، وتصب عليهم السماء سيولها».
ثم له الفكاهة الحلوة، والنادرة الطريفة، والجواب المسكت، فقد بلغه عن أمير الكوفة أنه ولد له بنت فساءه ذلك، فذهب إليه بهلول وقال له: أيسرك أن لك مكانها ابنًا مثلي؟ فقال له: ويحك، فرَّجت عني.
وصحبه مجنون آخر مثله، فقابلهما الخليفة الهادي، فقال للبهلول: لم سُميت بهلولًا. فقال له: ولمَ سميت أنت موسى؟ فسبه الهادي سبًّا شنيعًا؛ فنظر بهلول إلى صاحبه وقال له: كنا اثنين فصرنا ثلاثة. ورُؤي جالسًا بين المقابر وهو يلعب في التراب فقيل له: ماذا تصنع؟ قال: أجالس قومًا لا يؤذونني?. •••

وهكذا ملأ بهلول عصره فكاهة وموعظة، وأضحك الكبار وأفرح الصغار؛ وكان في الكوفة نظيرَ صاحبه عليان بن أبي مالك في البصرة؛ وأمثالهما كثير، منهم من عرف بالشعر الظريف، ومنهم من عرف بالنوادر الطريفة، ومنهم من كان مجنونًا حقًّا، ومنهم من رأى العالم مجنونًا فجن حتى لا يتعبه عقله. ومن العلماء والرواة من خاف قول الحق، والجهر بالصدق، فخلق بخياله مجنونًا نَسب إليه ما كان يجب أن يكون وما كان يجب أن يقال، وتستر وراء ذلك حتى لا يؤخذ به. ومنهم من رأى أن الحكمة إذا صدرت عن عاقل فأمر مألوف لا يسترعي النظر، ولا يستوجب العجب؛ ولكن إذا صدرت عن مجنون كانت أوقع في النفس وأدعى إلى التفكير والاعتبار، فحمله عقله على أن يستصدرها من مجنون. وقديمًا قالوا: الجنون فنون.
وأيًّا ما كان فهذا الباب طرفة من طرف الأدب العربي تستخرج الضحك والعجب والتفكير.
•••

أما مجانين العقلاء فعددهم أوفر، وجنونهم أكثر، ونواحيهم أعقد، وتصرفاتهم أسمج. ونحن نستعرض لك بعضهم، إذ يعجزنا القول في كلهم؛ ولعلك تشاركني القول بأن في طليعة مجانين العقلاء هؤلاء الذي دفعوا هذا العالم الآن إلى هذه الحرب الطاحنة الفتاكة، المخربة الهدامة؛ وأنت لا شك متبين مدى جنونهم إذا تساءلت: فيم يتحاربون وكانوا يعيشون عيشًا رغدًا، وينعمون بما خَلَقوا من مدنية، وما أسسوا من حضارة، وطعام أفقرِهم اللحم والزبد والمربى، وأرض الله واسعة، وخيراته تكفي لأضعاف من على ظهرها؛ ففيم إذًا القتال، وفيم هذا التدمير والخراب؟ أللأكل والطعام وفير؟ أم لامتلاك الأراضي؟ وما قيمة امتلاكها إذا كانت غلتها مشتركة؟ أم لاستبعاد الإنسان في المستعمرات؟ ولِمَ يستعبَد وأولى أن يؤخذ بيده لينهض ويعمل؛ ويزيد في خيرات الأرض التي تثمر للجميع؟ أم للمجد. وأي مجد هذا الذي يؤسس على جبال من رءوس القتلى وأنهار من دمائهم؟ أم لفخر أُمَّة وتيهها وخيلائها وتعاظمها على مثيلاتها؟ فلم هذه العظمة وهم ينادون بالمساواة بين الأفراد؟ فيجب أن تكون النتيجة الطبيعية المساواة بين الأمم؟
قلَّب المسألة على كل وجوهها، وسائل نفسك عن سبب هذه الحرب المعقول، يعجزك الجواب، وتسلم معي بعد طول البحث أن الأمر لا يعدو الجنون؛ ولو شاهَدَت أُمَّة الحمير أو أمة الكلاب هذه المناظر وكان لها لسان ينطق لصرخَتْ: ما أشد جنون الإنسان! ونعوذ بالله أن نمسخ ناسًا.
ولعل أغرب ما يستوجب الأسى ويقنعك بالجنون أن هذا الإنسان يحاول أن يخضع كل مظاهر الطبيعة لقدرته، ويحاول أن يستكشف سر المادة وسر ما وراء المادة، ويحاول أن يعرف حقيقة العالم وخالق العالم، وينشئ الفلسفات المعقدة المربكة المرتبكة، وأن يضع النظم الدقيقة للعالم وشئونه، وهو يعجز أن يضع نظامًا يمنع هذه المجازر التي تَخْجل السباع الضارية أن تمثلها.
أليس هذا جنونًا؟ فإن لم يكن فما الجنون إذًا؟
هذا — من غير شك — جنون محزن، ولست تتصور مبلغ ما يثير من حزن حتى تتصور الأسر التي لا تحصى وقد فقدت عميدها وعائلها وبعض أبنائها أو كلهم، وحتى تتصور الأسر التي فقدت عائلها في الحرب الماضية، ثم فقدت أبناءها في الحرب الحاضرة، ثم برّح بها الحزن والفقر والبؤس معًا. لماذا؟ — لا أدري.
•••

ثم تعال معي نطلّ على طائفة أخرى من مجانين العقلاء، وهؤلاء جنونهم أظرف ومظهرهم ألطف، وهم «طائفة المحبين» الذين لوَّعهم الحب، وألح عليهم العشق، فهم في هزال وضنك وبكاء، وحنين وهيام، وما شئت من أغراض.
ما هي إلا نظرة حتى تعقبها حسرة، وإذا الدنيا كلها لا تساوي شيئًا بجانب نظرة تنظرها أو كلمة تتحدث بها؛ وتمحي الدنيا وسعادتها من الوجود إلا وجودها، ووصلها وهجرها، وحركاتها وسكناتها، وتتركز سعادته وشقاوته فيها، ففي يقظته ذكراها، وفي حلمه خيالها؛ إن نظرَتْ إليه فسهم صائب، وإن أعرضت فسهم أيضًا، يشكو من قربها ويشكو من بعدها، ويبكي إن وصلت خوفًا من هجرها، ويبكي إن نأت جزعًا من فرقتها، وتحدثه نفسه بالانتحار إن أعرضت؛ ويعادي فيها أهله، ويركب المخاطر والأهوال، ويترك الدنيا الحقة ليعيش في دنيا خيال وأوهام، ويهجر العالم الفسيح ليعيش في دنيا ضيقة كل الضيق، ويملأ الجو كله حزنًا وألمًا وتحسرًا وأسفًا؛ فإن كان شاعرًا صب ذلك كله في شعره، وإن كان موسيقيًّا ففي موسيقاه؛ وإن كان فنانًا ففي فنه؛ والمجانين أمثاله يجاورنه في جنونه، فيبكون إن بكى، ويطربون إن طرب، وتبدو عليهم الأعراض من أعراضه، ثم عما قليل يشعر المحبون بجنونهم، فيأسفون على زمن أضاعوه، وألم تجرعوه، وخيالات وأوهام عاشوا فيها وعاشوا لها، ولا يدركون ذلك إلا بعد أن تضيع صحتهم، وتتقدم سنهم، فيقعون في جنون من نوع آخر.
•••

فإن سرت معي نستعرض أصناف المجانين الأخرى، أريتك «مجانين المال» الذين نسوا أن المال وسيلة فجعلوه غاية، وأنفقوا عمرهم وأنفقوا صحتهم في جمعه، وعندهم ما يكفيهم وفوق ما يكفيهم؛ ومنهم من باع شرفه وخلقه للدينار يجمعه ويورثه، ومنهم من سخّر آلاف الناس يجمعون له ثروته، فجنوا جنونه، ولكن قد جن لنفسه، وجنوا هم له، فكان في جنونه أحسن حالًا منهم في جنونهم، ثم ربكوا أنفسهم في تدبير المال، وربكوا الحكومات بما نظمت من محاكم ووضعت من قوانين، فالنزاع دائم والمعيشة ضنك. ونتيجة الخصومات لا تساوي تعب النفس بالخصومات؛ ثم ملأوا الجو حسدًا وبغضًا وشحناء من أجل المال واستحواذ المال، وقسموا أنفسهم إلى فقراء لا يجدون ما يأكلون، وأغنياء يتخمون من كثرة ما يأكلون؛ هذا شقي بفقره، وهذا شقي بغناه؛ وكان في الإمكان أن يسعد الجميع لو عقل الجميع، ولكن أنَّى ذلك والداء مستحكم، والجنون معضل؟
•••

وهناك على مقربة من هؤلاء طائفة أخرى غريبة حقًّا، هم مجانين الشهرة، هذا يود أن يحرق الدنيا ليشتهر، ويخالف الناس والعقل ليشتهر، ويمشي على جثث من يصرعهم ليشتهر، ولا يهمه أن يذكر بخير أو بشر ما دام اسمه يردَّد على الألسنة وتلوكه الأفواه؛ وهذا يبيع راحته وصحته ويتلف ماله ويتلف نفسه ليحظى بالجاه وينال الشهرة؛ وهذا يدبر المكايد ويدس الدسائس ليصرع من أمامه، ويحل محله ويترأس ويشتهر.
وكل هؤلاء يقفون — ولو وقفة قصيرة — يسائلون أنفسهم: ما الشهرة وما الجاه، وما قيمتها الحقيقية في ضوء الحياة الواقعة التي تنتهي بالموت، ثم لا يجازَى الإنسان بعدُ إلا على ما قدم من عمل غير ملحوظ فيه إلا قيمته الذاتية؟ وما هذا الذي يدفع الناس إلى كل هذا السخف الذي يسمونه جاهًا ويسمونه شهرة؟ وكيف عَمُوا عن تقويم الأشياء بقيمتها الحقة من غير نظر إلى الأعراض الفانية؟
لا شيء إلا الجنون.
•••

الحق أني إن أدرت أستعرض أنواع الجنون طال العرض وقصر الشرح.
•••

ثم انظر معي للناس كافة على اختلاف أممهم وبيئاتهم تر العجب العاجب؛ في عاداتهم في مآكلهم ومشاربهم وملابسهم وسائر تصرفاتهم؛ وخلاصتها أنهم يخترعون من العادات ما يشقيهم ويذهب بسعادتهم، إن شئت مثلًا لذلك فانظر إلى الممدنين، كيف يخنقون أنفسهم بملابسهم في حفلاتهم، وكيف يكون تصرفهم في أفراحهم ومآتمهم، وكيف يفسدون صحتهم بنظامهم في مآكلهم، إلى ما لا يحصى من مواضعات غريبة يضيق عنها الحصر، قد وجدوا أنفسهم أحرارًا، فوضعوا ما يسلبهم حريتهم، وأصحاء فاعتادوا ما يذهب بصحتهم، واحكم بعد ذلك معي بِمَ تسمي من يفعل هذا كله؟ أعاقل أم مجنون؟
يخيل إليّ أن الذي يخفف من حكمنا على الناس بالجنون أننا ننشأ أطفالًا لا عقل لنا، ثم ننظر إلى أعمال الناس ولَمَّا ينشأ عقلنا، ثم يتكون العقل فينا شيئًا فشيئًا، ونحن نرى أعمال الجنون ولا نرى غيرها فلا يكون لنا مجال في التفكير فيها؛ لأننا نألفها قبل أن نعقل، فإذا عقلنا لم نستغرب؛ لأنها ألفت من قبل، وعدت أعمال عقل من قبل. ولو قدِّر لإنسان أن يولد في جزيرة وحده، وينمو عقله على طبيعته، حتى إذا اكتمل رأي الناس وتصرفاتهم، لدهش من تصرفاتهم أشد الدهش، وعجب من جنونهم كل العجب، ولهرب منهم إلى حيث لا ناس ولا جنون؛ وإلا فحدثني كيف يستطيع عاقل أن يفسر طربوشهم وزرَّ طربوشهم، وكيف يفسر الأزرار التي توهم أن لها عروة وليس لها؟ وكيف يفسر مظاهر حفلاتهم ومظاهر خصوماتهم! إلى ما لا يحصى.
لو رأى ذلك كله لأول مرة وهو عاقل لم يجد فرق كبير بين ناس داخل المستشفى وناس خارجه.
ويعجبني ما قرأت في كتاب الأغاني من حكاية بدوي رأى عرسًا حضريًّا لأول مرة فأعياه تفسير مظاهره، وكاد يجن من تصرف أهله.
•••

الحق أن العقل والجنون في هذه الحياة أمران نسبيَّان؛ فكل إنسان فيه كمية من عقل وكمية من جنون، وتختلف صغرًا وكبرًا؛ ولذلك يتقارب جدًّا عنوان المقالتين، ويكاد يتساوى عقلاء المجانين بمجانين العقلاء.
ومن حسن الحظ أن كل مجنون يعدُّ نفسه العاقل بل مثال العقل، ويهد ما خالف نموذجه جنونًا، وكلما بعد إنسان عن نموذجه كان أشد إمعانًا في رميه بالجنون.
وفي رأيي أن «العقلاء» وضعوا المجانين في المستشفى؛ لأن «العقلاء» أقوى وأشد، ولو كانت القوة في صف المجانين لوضعوا العقلاء في المستشفى، ولله في خلقه شئون.
? انظر كتاب أعيان الشيعة جزء ??.
العزَّة


استعملت العرب كلمة «العزة» في مقابل «الذلة»، فقالوا: رجلٌ عزيز ورجلٌ ذليل، وجاء استعمال كلمتي «العزيز والذليل» في القرآن متقابلتين، فقال تعالى: «أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين». وحُكي عن المنافقين أنهم قالوا في إحدى الغزوات: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزَّ منها الأذل»، وهي كلمة قالها ابن أبيّ، ويريد بالأعزة نفسه وصحبه، وبالأذلة محمدًا ? وصحبه، فرد عليهم الله بقوله: «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون»، وقد تصدى بعض المسلمين لابن أبيّ وسل سيفه عليه ومنعه من دخول المدينة، وقال: والله لا أغمده حتى تقول: «محمد الأعز وأنا الأذل»، فقالها. والسبب في كل هذا أن العرب في الجاهلية كانوا يفهمون العزة في المال والجاه والرياسة والولد ونحو ذلك، فجعلها الإسلام في التمسك بالدين الحق، والترفع عن السفاسف وإباء الضيم.
وأكثرَ العرب من استعمال هذه الكلمة في الجاهلية والإسلام، فكان أبو جهل يقول: «أنا أعز أهل هذا الوادي وأمنعهم»، وقال الشاعر:
بيضُ الوجوه كريمةٌ أحسابهمفي كل نائبةٍ عِزازُ الآنُف وفسر الراغب الأصفهاني «العزة» بأنها حالةٌ مانعةٌ للإنسان من أن يُغْلَب، وجعل اشتقاقها من قولهم: أرض عَزَاز أي: صلبة، وتعزز لحم الناقة اشتد وصلب.
والحق أن تحديد معنى العزة في منتهى الصعوبة، وأصعب ما في ذلك رسم الحد الفاصل بين العزة والكبر، وبين الذل والتواضع؛ وقديمًا حاول الناس أن يفرقوا بينهما. فقد روي أن رجلًا قال للحسن بن عليّ: «إن الناس يزعمون أن فيك تِيهًا» فقال: «ليس بتيه ولكنه عزة». ورُوي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «اخْشَوْشِنُوا وتَمَعْزَزُوا»، كأنه خشي إذا أمر الناس بتعود الخشونة أن يلجئهم ذلك إلى احتقار النفس وذلتها، فاستدرك ذلك بطلب المحافظة على العزة.
وحاول السهرودي أن يفرق بين العزة والكبر فقال: «العزة غير الكبر؛ لأن العزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وإكرامها، كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلتها».
ولست أدري لم أهمل علماء الأخلاق من المسلمين هذا الخلق، فلم يكثروا الكلام فيه إكثارهم في غيره من الصدق والكرم والتواضع.
ولو وضعت أنا «ثبت» الأخلاق مرتبة حسب أهميتها للمسلمين لوضعت في أعلاها «العزة». ولاخترت من الأخلاق ما يبعث القوة والاعتداد بالنفس والرجولة والأنفة والحمية، ولأقللت جدًّا من الكلام في التواضع والزهد والخوف ونحو ذلك؛ لأن قائمة الأخلاق يجب أن تخضع في تربيتها وتقويمها لعاملين: روح العصر، وموقف الأمة إزاء بقية الشعوب؛ بل أحيانًا تنقلب الفضيلة رذيلة، ويكون الحث على هذا النوع من الفضائل داعية إلى الإجرام. فإذا أفرطت أمة في التواضع كانت الدعوة إليه إجرامًا، وإذا أفرطت أمة في الزهد كانت دعوة الأخلاقيين إليه دعوة إلى الموت والفناء.
كنت زمنًا قاضيًّا في «الواحات الخارجة» وهي بلاد في منتهى الفقر والبؤس، أغناهم من ملك نُخَيْلات وسُوَيْعات في عين من عيون الماء، بؤس شامل، وجهل شائع، وضنك يستذرف الدمع، ويستوجب الرحمة، ثم ذهبت يومًا إلى صلاة الجمعة في مسجدها البائس الفقير أيضًا. فما كان أشد عجبي من خطيب يخطب من ديوان مطبوع يستحث الناس على ألا يقضوا صيفهم في أوروبا، وأنا على يقين أن الخطيب والسامعين لم يعرفوا أوروبا، ولم يفهموا لها معنى غامضًا، ولم تحدث أحدًا منهم نفسه بالسفر إلى مصر فضلًا عن أوروبا، ولكنها قلة ذوق الخطيب وسماجته، وجهله التام بالواقع.
وأؤكد أن أكثر المتكلمين في الأخلاق من المسلمين في مثل حال هذا الخطيب، لا يعرفون زمانهم، ولا يعرفون أمتهم، ولا يعرفون موقف أمتهم من زمانهم؛ يرونهم أذلةً فيدعون إلى الذلة ويرونهم متواضعين فيلحون في طلب التواضع، ويرونهم زهادًا بالطبيعة لا يجدون الكفاف من العيش فيمعنون في طلب الزهد، فإن هم تلطفوا قليلًا طلبوا منهم الرضا بالبؤس وألصقوه بالقَدَر، وجعلوا ذلك كله ضربًا من التقوى والإيمان، وهم بذلك يداوون جوعًا بجوع، وجرحًا بجرح، وسمًا بسم؛ وكان يجب أن يداووا جوعًا بشبع، وجرحًا بضماد، وسمًّا بترياق.
تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا، ألا ندعو إلى خلق يزيد الأمة ضعفًا، فلا ندعوها إلى الرضا بالقليل وفي إمكانها الكثير، ولا ندعوها إلى الاستسلام للقدر وفي وسعها مكافحة الصعاب ومواجهة الشدائد، ولا ندعوها إلى الذلة وفي استطاعتها أن تعز. والواقع أن أبيات العزة وأدب العزة وأمثال العزة وقصص العزة إنما تكثر في الأمة أيام عزتها وتختفي أيام بؤسها؛ فلما كان العالم الإسلامي عزيزًا أنطقتهم بالعزة رماحهم، ثم غلبوا على أمرهم فنطقوا بالتواضع، وتواصوا بالاستكانة؛ وألفت الكتب والخطب من ذلك الحين تروّح على البائسين حتى لا يشعروا ببؤسهم ولا يملوا شقاءهم، وما زال الحال على هذا المنوال حتى صار الداء صحة، والدواء مرضًا.
وليس غريبًا أن يسير الناس على هذه الخطة، ولكن غريبًا أن يسير القادة عليها، وكان المفروض أن يكونوا أبعد نظرًا، وأطهر قلبًا، وأعرف بحقائق الأمور.
•••

أريد بالعزة أن يشعر كل إنسان بكرامة نفسه ويشعر بما لها من حقوق، فلا يسمح لمخلوق كائنًا من كان أن ينال منها مثقال ذرة، كما يشعر بما عليه من واجبات، فلا يسمح لنفسه أن يعتدي على حقوق الناس مثقال ذرة أيضًا.
وللعزة مظاهر متعددة ووسائل مختلفة؛ فالناس كثيرًا ما يتطلبون الغنى وسيلة من وسائل العزة، وآخرون يطلبون المنصب الحكومي أو العضوية البرلمانية أو العضوية في الجمعيات الراقية أو صداقة العظماء أو حسن الملبس على أنها وسائل للعزة. والمتعلمون يطلبون العزة من طريق الشهادات من ليسانس ودكتوراه ودبلوم ونحو ذلك. وهذه كلها عزة شخصية؛ وهناك عزة أخرى قومية وهي اعتزاز الفرد بنسبته إلى أمته، كاعتزاز الإنجليزي بإنجليزيته والفرنسوي بفرنسويته والألماني بألمانيته؛ ولهذه كلها مظاهر متعددة كاحترام كل أمة أعلامها والمحافظة على بعض تقاليدها والافتخار بلغاتها والفخر بآثارها ونحو ذلك. وليس يهمني الآن هذا ولا ذاك، إنما يهمني نوع من الشعور يتملك المرء ويشعر معه بأنه إنسان في الحياة لا يمتاز عنه أحد في الوجود في إنسانيته. قد يمتاز الناس عنه في المال أو في الجاه أو في المنصب، ولكن لا يمتاز عليه أحد في أنه إنسان؛ فسائق السيارة وصاحب السيارة سيان في احترامهما أنفسهما وشعورهما بحقوقهما وواجباتهما.
ويسوءني أن أرى الشرقي لا يشعر بالعزة الشعور الواجب، ولا ينزل هذه الفضيلة الواجبة من نفسه المنزلة التي تستحقها، وأكبر ما يؤلمني في ذلك مظهران: الأول: استخذاء الشرقي أمام الأجنبي الأوروبي وشعوره في أعماق نفسه كأنه خلق من طينة غير طينته، وكأن الطبيعة جعلت أحدهما سيدًا والآخر عبدًا؛ ترى هذا الشعور في المصالح الحكومية وفي الحوانيت التجارية وفي المجتمعات وفي الشوارع، وفي كل معاملة وفي كل خطوة. بالأمس كنت في محطة السكة الحديدية فذهبت إلى شباك التذاكر، وسألت الموظف — في أدب — هل هنا محل صرف التذاكر إلى بلدة كذا؟ فلم يجب، وأعدت السؤال فلم يجب، فتولاني شعور ممتزج من غضب وخجل واحتمال لبرودة السؤال وغير ذلك. وما لبث أن جاء أجنبي فسأل مثل هذا السؤال بلغته الأجنبية، فترك الموظف ما في يده وأقبل عليه بكله، وأجابه إجابة فيها كل معنى التبجيل والتعظيم، واختتم كل جملة من جمله بكلمة «سيدي»! فدهشت من هذا الحال وثارت نفسي وتجمع الدم في وجهي، ونلت من الموظف بقدر ما نال مني، ولم أكسب من ذلك كله إلا أن أكتب المقال. وموقف هذا الموظف تقفه كل الأوساط على اختلاف في مقدار اللباقة والكياسة، ولكن الجوهر واحد، فذلك هو الشأن في الأوساط العلمية والتجارية والسياسية؛ يتكلم الأجنبي كلمة عادية فتكون المثل، وتكون الحكمة، وتكون القول الفصل؛ ويبدي الرأي فيكون الرأي الناضج والقول الحكيم والغاية التي ليس وراءها غاية؛ ويطلب الطلب فلا بد أن يجاب، وإذا لم يمكن فالاعتذار الحار والوعد بإجابته في ظرف آخر؛ ويدخل المحل التجاري أو يركب القطار أو يدخل النادي فموضع رعاية خاصة؛ ويعمل العمل فيقدر التقدير الغالي في قيمته الأدبية ومكافأته المادية، إلى ما يطول شرحه. وفي هذا من غير شك مذلة للشعور وإذلال للنفس واستعباد للمُوَاطن، ومع هذا يطالبنا السادة الأخلاقيون بالتواضع! لا بد أن يفهم الناي في كل مناسبة وفي كل ظرف أن القوم أنس مثلنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا؛ وأن هؤلاء القوم على أحسن تقدير ضيوفنا لا سادتنا، ومن لحم ودم كلحمنا ودمنا، ولهم عقل ولكن كعقلنا، وسلوك في الأخلاق كسلوكنا، وتصدر منهم الفضيلة والرذيلة كما تصدر عنا، وأنهم ككل البشر يستذلون من أذل نفسه، وأن واجبنا أن نحترمهم في غير مذلة، ونحترمهم لا على حساب احتقار المواطن، وأن نبادلهم احترامًا باحترامٍ واحتقارًا باحتقار، وأنه إذا حدثتهم أنفسهم بالاعتداء علينا لم نمكنهم، وأن الحكَم بيننا وبينهم دائمًا أن لنا حقوقًا وعلينا واجبات كحقوقهم وواجباتهم، فإذا طلبوا المساواة فالسمع والطاعة، وإذا طلبوا الإذلال قلنا: «لا» بملء أفواهنا.
والأمر الثاني: من مظاهر الذلة الذي لا يقل خطرًا عن هذا، فهْمُ الرئيس لمعنى الرياسة، فهو يفهمها على أنها غطرسة من جانبه، وذلة من جانب مرءوسه، وإلا لم يكن المرءوس مؤدبًا؛ فرئيس المصلحة ليس لأحد رأي بجانب رأيه، لا لوكيله ولا لمديري إدارته، عليهم أن يسمعوا في ذلة، والعزة له وحده؛ ثم يتكرر تمثيل هذا الدور من أعلى فنازلًا، فكل من بعد الرئيس الأعلى رئيس من جانب ومرءوس من جانب، فهو كمرءوس حاله ما بيّنا، وهو كرئيس يقلد تقليدًا تامًّا رئيسه في اعتزازه وإذلاله، وهكذا دواليك، حتى يصل الأمر إلى ما نرى من الباعة في الشارع والجندي، فمثلهم كالقاطرة تصدم العربة التي تقابلها، ثم كل عربة تصدم ما بعدها إلى آخر القطار.
•••

ليس لهذا من علاج إلا فهم العزة بمعناها الدقيق، وهو احترام نفسك في غير احتقار أحد، وأن تقف موقفًا له جانبان، فإن نظرت إلى من هو أعلى منك في المنصب والجاه والجنسية فلا تمكنه أن ينال من نفسك ولو ذرّة، ولا أن يتعدى حدوده ولو شعرة؛ وإذا نظرت إلى من هو أسفل منك فلا تتعدّ حدودك، وإذا شعرت باستخذائه وذلته، فارفع مستواه ما استطعت حتى يصل إلى الحدود.
على أنه ليس هناك أسفل ولا أعلى إلا أن تكون مواضعات سخيفة، فمن الذي قال: إن كنّاس الشارع وضيع، وفراش المصلحة وضيع، والخادم في الأسرة وضيع؟ نعم إن الحالة الاجتماعية فرّقت بين الناس في المرتَّب ونحوه، ولكن القيمة الحقيقية للإنسان — وهي ما له من حقوق وواجبات — قدر مشترك بين الجميع.
فليس من حقك أن تنادي بائع الجرائد ?«ولد»، ولا خادمك بأحقر الأسماء، ولا فراش المصلحة بما يشعر باحتقاره، وهو مطالب بالأدب معك، وأنت مطالب بالأدب معه؛ وليس للجندي حق أن يرفع عصاه على بائع لم يتجاوز حدوده، ولا لأي رئيس أن يخرج عن الأوضاع الأدبية في مخاطبة مرءوسه.
فإذا فرغ الرئيس والمرءوس من العمل، وفرغ سائق السيارة ومالكها، وفرغ الضابط والجندي، والمعلم والتلميذ من أعمالهم، فكلهم سواء في الحياة الاجتماعية، وكلهم سواء في الحقوق، لا ذلة لأحد أمام أحد، ولا اعتزاز من أحد على أحد.
«مُذْ كم تعبَّدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!»

تجارب وزير


كان أبو الحسن علي بن محمد المعروف «بابن الفرات» وزيرًا من أشهر وزراء الدولة العباسية في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع للهجرة، استوزره المقتدر بن المعتضد.
وكان ملء السمع، ملء البصر، واسع الثراء، واسع العطاء، إذا استُوزر ارتفع ثمن الشمع وثمن الورق لكثرة ما يعطي من هدايا الشمع، ولكثرة ما يستعمل هو وأصحابه من الورق، فكأنه يعشق النور فيبدد الظلام بالإضاءة، ويبدد الفوضى والجهل بالكتابة، فلا يخرج أحد من داره بعد الغروب إلا ومعه شمعة، مع كثرة الداخلين والخارجين، ولا يأتي متظلم يريد أن يرفع إليه شكاة، أو يتطلب عطاءً إلا وجد بجانب الدار أدراجًا كثيرة من الورق يأخذ منها ما شاء، ويستعمل ما يشاء، حتى لا يلتزم مئونة ما يبتاعه من ذلك، هذا مع غلاء الورق غلاءً دونه غلاء الورق الآن في الحرب.
عالي الهمة نبيل، كانت الوزارة في أيامه وقفًا على جماعة من المستوزرين أصحاب البيوت المعروفة، يتولى أحدهم فلا همَّ للآخرين إلا أن يتآمروا عليه ويكيدوا له وينصبوا الحبائل حوله، ويسعوا بالسعايات لدى الخليفة ليفسدوا ما بينه وبينه، حتى يتم لهم ما أرادوا، فيُعزَل ويصادر؛ ويتولى وزير جديد، فتبدأ القصة من جديد على النمط القديم، وتنتهي القصة الثانية والثالثة بما انتهت به القصة الأولى؛ وتقرأ تاريخ الوزراء في ذلك العصر، فلا تقع عينك إلا على دفاع وهجوم، وتولية وعزل، وخلَع للمتولي، ومصادرات للمعزول. ومن حين إلى حين قد تعثر على عمل إيجابي للوزير في المصلحة العامة وقد لا تعثر.
وكان لكل وزير وكل مستوزر أعوان يأكلون من موائده، ويستفيدون من التقرب إليه، ويحصون على خصومه سيئاتهم التي ارتكبوها وسيئاتهم التي توهموها، ويعدون العدة ليومهم الذي يسقط فيه الخصم، ويتولى وزيرهم الحكم، فيقدمون دفاترهم ويتقاضون أجورهم.
فكان من نبل ابن الفرات أنه لما وُزِّرَ حُمل إليه صندوقان عظيمان فيهما أسماء من يعاديه ومن يكيد له ومن يعمل لخصومه، فقال: «لا تفتحوهما، ودعا بنار وطرح الصندوقين فيها، فلما احترقا قال: لو فتحتهما وقرأت ما فيهما لفسدت نيات الناس بأجمعهم علينا واستشعروا الخوف منا، وبما فعلنا من إحراقهما هدأت القلوب وسكنت النفوس».
وكان يكره السعاية والسعاة لشدة ما عانى زمنه منها، ولكثرة من ذهب ضحية لها، فقد اتخذ القوم السعاية حرفة حتى كانت هي الأصل والجوهر في حياة كثير من الناس، وما عداها من الأعمال فعلى هامشها، هي دأبهم في النهار، وسمرهم في الليل، وتدبيرهم إذا خلوا إلى شياطينهم؛ فأراد ابن الفرات أن يقضي على هذه السنة السيئة، فكان إذا رفعت إليه قصة فيها سعاية خرج من عنده غلام ينادي في الناس المحتشدين أمام داره: أين فلان بن فلان الساعي؟ فيشهر سعايته ويجمع بينه وبين من سعى فيه؛ فلما عرف الناس منه ذلك كفوا عن سعايتهم.
ولكنهم كفوا عن السعاية إليه وسعوا به، فكانت حياته سلسلة سعايات به وسلسلة نكبات له. وزر ثلاث مرات، وفي آخر كل وزارة يقبض عليه وتنهب داره وأمواله ويزج به في السجن هو وأهله، وفي آخر مرة قُتل هو وابنه المحسّن، وخاف الناس أن يذكروهما بخير، فيغضب الخليفة القاتل، ويغضب الوزير الجديد ويغضب أشياعه، فلما أراد شاعر وفيّ أن يرثيهما عمل قصيدة في رثاء هر، وكنى بالهر عن المحسّن أو أبيه، أولها:
يا هِرُّ فارقتنا ولم تَعُدِوكنتَ عندي بمنزل الولدِفكيف ننفكّ عن هواك وقَدْكنت لنا عُدَّةً من العُدَدِتطرُدُ عنّا الأذى وتحرُسُنابالغيبِ من حيةٍ ومن جُرُدِوتُخرجُ الفأرَ من مكامِنِهاما بين مفتوحها إلى السددِ وعلى هذا النحو جرى في قصيدته الرمزية البديعة التي تبلغ خمسة وستين بيتًا.
•••

جمع ابن الفرات خصالًا متناقضة، فكان نبيلًا كريمًا، وكان محبًّا للمال ماهرًا في اصطياده، وكان يكره السعاية ويعفو عن الخصوم، ولكنه ملّ العفو أخيرًا، فخرج عن حلمه، ونكّل بخصومه فنكلوا به، ومدّ يده إلى أموالهم فصودرت أمواله، وفي ذلك يقول شاعرنا في الهرّ:
حتى اعتقدت الأذى لجيرتناولم تكن للأذى بمعتقِدِوحُمت حول الردى بظلمهمُومن يَحُمْ حوا حوضِه يَرِدِتدخل بُرْج الحمام متئدًاوتبلغُ الفرخَ غير مُتَّئِدِوتطرح الريش في الطريق لهموتبلع اللحم بلع مزدردأطعمك الغيُّ لحمها فرأىقَتْلَك أربابُها من الرَّشَدِكادوك دهرًا فما وقعتَ وكمأُفْلتَّ من كيدهم ولم تكدِفحين أخفرت وانهمكت وكاشفتَ وأسرفت غير مقتصدصادوك غيظًا عليك وانتقموامنك وزادُوا، ومن يَصِدْ يُصَدِ •••

أردت أن تأكل الفراخ ولايأكلك الدهر أكل مضطهدِهذا بعيد من القياس وماأعزه في الدنو والبُعُدِلا بارك الله في الطعام إذاكان هلاك النفوس في المعدِ إلخ •••

كان ابن الفرات ذا كفاية ممتازة: في الاقتصاد وفي تدبير أموال الدولة، وفي ضبط الأمور والحزم وقوة الإرادة، وفي بصره بالشئون السياسية، حتى كان في كل مرة يُقبَض عليه فيها ويُسجن تضطرب الأمور وتفسد الإدارة، وتختل المالية وتتعقد المشاكل، فإذا عجزوا عن حلها لم يجدوا أمامهم إلا ابن الفرات حلًّا لها.
•••

لطالما عانى ابن الفرات وجاهد، وقلّب الأمور، وصرَّف الشئون، وانغمس في السياسة من قدمه إلى قرنه، وصادفه السعد والنحس، وذاق الحلو والمر، وقد خرج من وزاراته الثلاث بتجارب ثلاث بَلْوَرَ فيها آراءه واختباره، يكفينا اليوم واحدة، فكلّ منها يحتاج في شرحه إلى كتاب، بَلْه مقال.
قال: تَمْشِيَةُ أمور السلطان على الخطأ خير من وقوفها عند الصواب.
ولقد وقفت عند هذه الجملة طويلًا، مطبقًا لها، مستعرضًا لحالنا في ضوئها، فأعجبت بها وآمنت ببعد نظر الرجل وقوة سياسته، وقلت: ما أحوج مصر والشرق إلى أن تسود هذه النظرية كل أعمالها الحكومية وغير الحكومية!
إنما يريد «بأمور السلطان» شئون الدولة، ويرى أن التردد الطويل مخل بالمصلحة، ولو كان الباعث تحرى الصواب والرغبة الشديدة في الوصول إلى الحق، وأن التنفيذ السريع مع احتمال الخطأ خير من البطء مع احتمال الصواب.
إن أمورنا من قديم تجري على البطء في التنفيذ، والزمنُ لا يمهل، فلكل يوم مشاكله، ولكل ساعة جديدها وأمورها وتعقيداتها؛ فإذا أمهل في التنفيذ رغبة في الوصول إلى الحق لا شك فيه، ارتبكت الأمور ارتباكًا لا شك فيه، وزاد التعقيد بمرور الزمن، وأصبح ما كان يحل أول أمره في ساعة لا تكفي في حله سنة.
لا أدري لماذا وأنا أفكر في هذا هجمت عليّ أمثلة متعددة حتى حِرْت فيما آخذ منها وما أدع.
كم من السنين مرت وأنا أسمع بمشكلة الأزهر ودار العلوم وكلية الآداب، ثم لا أجد لها حلًّا باتًّا تحل به، وكل يوم يمر تزداد المشكلة تعقدًا؟ ولا أرى لحلها قولًا خيرًا من قول ابن الفرات.
وكم من السنين مرت وأنا أسمع بتوليد الكهرباء من خزان أسوان، ولا أرى لحله قولًا خيرًا من قول ابن الفرات.
وكم سمعت بنفق شبرا وكهربة خط حلوان؟
وكم سمعت بآراء في المجمع اللغوي تعرض وتطوى ومشروع يقدم ويؤخر وجدال في أن يدرس اللهجات أو لا يدرسها، ويعني بنشر الكتب أو لا ينشرها، وتزداد أعضاؤه أو لا تزداد، ثم لا شيء؟
وأخيرًا كم سمعت بعين حلوان وتحليل مائها ومحاولة ردمها، ثم محاولة استغلالها ثم بقائها كما نبعت، وحيرة الناس في شأنها كما بدأت؟
وكم سمعت بتوحيد القضاء وإصلاح الأوقاف وتحسين حال الفلاح؟ وكم وكم مما لو شئت أن أحصي ما وسعني مقال ولا كتاب!
فما أحوجنا إلى العمل بقول ابن الفرات، وأن يكون شعار الأمة بأجمعها من أصغر موظف لأكبر موظف ومن أصغر عامل لأكبر عامل «تمشية الأمور على الخطأ خير من وقوفها عند الصواب».
ورحم الله ابن الفرات.

الوحدة والتعدد


كان الشرق كفؤًا للغرب من الناحية الحربية والعلمية والاجتماعية في عهد الحروب الصليبية، بل كان الشرق يفوق الغرب في كل هذه النواحي، بدليل انتصار الشرق في هذه الحروب، وبدليل أن دعاة الغرب كانوا يحثون مواطنيهم على الاستفادة من الشرق والاقتباس من علمه ونظمه.
ثم جاء عصر النهضة الأوروبية، ومدته نحو قرن ونصف، من نصف القرن الخامس عشر إلى نهاية القرن السادس عشر؛ فتطورت أوروبا تطورًا جديدًا في كل مرافق الحياة: في الدين، في الفن، في الأدب، في العلم، في الاجتماع؛ فكان عصر العلم، وعصر التجوال والاستكشاف، وعصر النقد الحر الجريء، وعصر الهدم والبناء، وعصر شعور الإنسان بذاته، والتحرر من قيود السلطات التي كانت تكبله، وعصر ظهور القوميات وظهور اللغات التي تعبر عن خوالج المشاعر القومية.
ومن ذلك الحين أخذ الغرب يتقدم شيئًا فشيئًا، والشرق واقف على ما كان عليه منذ الحروب الصليبية، بل تراجع إلى الوراء شيئًا فشيئًا بفساد حكامه وانتشار الجهل والفقر بين أبنائه.
وجاء زمن انقطعت فيه العلاقات بين الشرق والغرب، فلم يدر الشرق ما يصنع الغرب، ولا الغرب ما يصنع الشرق، سواء في ذلك العلاقات المالية، وعلاقات الحضارة والمدنية؛ فالغرب يتقدم ويتقدم، ولا علم للشرق بتقدمه، والشرق يتأخر ويتأخر، ولا علم للغرب بتأخره.
تقدمت الشعوب في الغرب، وتحرروا وردوا ذوي السلطان فيهم إلى حدودهم، واتصلوا بالطبيعة واستخدموها لصالحهم، وأخرجوا بالعلم كنوز الأرض فأثرَوْا، ومكنهم الثراء من عيشة الترف والنعيم، كما مكنهم العلم من أن يقبلوا النظام الحربي القديم ويغيروا أساليبه وآلاته ونظمه حسبما أرشد إليه العلم الحديث.
هذا في الغرب. أما الشرق فابتُلي بحكام أكثرهم لا همّ له إلا نفسه؛ ثم وقف العلم على ما كان عليه في العصور الوسطى، فلا علم إلا العلم الديني الذي حافظ على شكله وفقد روحه. ووقفت نظم الحروب على ما كانت عليه أيام الصليبيين، فلم تتقدم شيئًا، ولم تخترع شيئًا، وسبَّبَ الظلم والجهل الفقر المدقع لأهل البلاد، فالعيشة ضنك، والنفوس يائسة والعقول مظلمة.
فأصبح العالم ينقسم إلى قسمين: غرب يمتاز بغناه وعلمه وسلاحه الجديد وحريته، وشرق بفقره وجهله وسلاحه القديم وأغلاله.
والشرق يظن أن موقفه من الغرب موقف آبائه أيام الحروب الصليبية، والغرب يظن أن الشرق عظيم عظمته حين التقى به في الثغور الإسلامية.
ويأخذ الغرب في طريقه فيؤمن بعظم الملاحة، ويجدّ في تنظيم الأساطيل، ويستخدم السفن في أهم الأعمال، ويمرن رجاله على التغلب على قوة المياه بشتى الأساليب. ويأخذ الشرق في سبيله فيغفل هذه كما أغفل تلك، ويضعف في البحر كما ضعف في البر.
وتؤدي عظمة الغرب البحرية إلى استكشاف الأقطار النائية والممالك البعيدة كأمريكا وغيرها، فيستغلها في بناء عظمته ومجده، ويأخذ من كنوزها ليزيد في غناه وقوته وسلطانه.
وما هو إلا أن يستكشف الشرق كما استكشف أمريكا، فقد رحل جماعات كبيرة من الأوربيين إلى الشرق في سائر الأقطار، ودرسوا شئونه وخبروا أحواله، فتكشَّفَ لهم عن ضعف وفوضى وذلة وجهل وفقر بلغ النهاية، فاتصلوا بأممهم ينبئونهم باستكشافهم، فكان الغزو وكان الفتح وكان الاستعمار.
وكما استكشف الغرب الشرق ووقف على شئونهم، استكشف الشرق الغرب ووقف على شئونه، ولكن شتان بين الاستكشافين وبين الشعورين؛ فاستكشاف الغرب للشرق كان من نوع العثور على الغنيمة، والفرح باللقطة، والفوز بالكنز، ومن نوع شعور القط بالفأر، والذئب بالحما، والجائع بالمائدة الشهية؛ واستكشاف الشرق للغرب كان من نوع الأسير يقع في قبضة العدو، والسائر يصادفه قُطّاع الطريق، ومن نوع الفأر يرى سنورًا، والحمل يصادف ذئبًا.
كان الغرب قد تطور، فكان فتحه للشرق فتحًا اقتصاديًّا وسياسيًّا وقوميًّا — أولًا — دينيًّا أخيرًا. وكان الشرق لا يزال على آرائه الأولى، ففهم أن هذه الحرب حرب صليبية من جنس تلك التي شاهدها آباؤه في الشام، وأن انتصار أوروبا انتصار للنصرانية على الإسلام ليس إلا، ولم يفهم المنازع القومية والاقتصادية إلا أخيرًا، لما رأى مثلًا «محمد علي» المسلم يحارب الدولة العثمانية المسلمة، وإنجلترا النصرانية تحارب فرنسا النصرانية، ورأى الممالك المتحدة دينًا، المختلفة قومية، تختلف وتتنازع وتتحارب.
•••

عند ذاك فقط أدرك الشرق أنه لا بد لنجاحه أن يقلد الغرب ويسايره في شئونه، فلا بد أن يكون له سلاح كسلاحه، وعلم كعلمه، ونظام سياسي واقتصادي واجتماعي كنظامه، وأن يرقى بأوضاعه القديمة لتصل إلى الأوضاع الحديثة.
شعر المصريون والشاميون بهذا عند مجيء الحملة الفرنسية، وشعر المغاربة بذلك عند احتلال الفرنسيين للجزائر، وشعر العراقيون بذلك عندما بسط الإنجليز سلطانهم على بلادهم، وشعر الأتراك بذلك يوم تكالب عليهم الدول الأوروبية، وهكذا؛ ولكن كان أمامهم طريق واحد صحيح، هو أن يسلكوا نفس الطريق الذي سلكه الأوروبيون، وهو أن يعمدوا إلى نظمهم فيرقوها بحسب استطاعتهم وبحسب ما يسمح له الزمان، وأن يكون الرقي من جنس نمو الشجرة من داخلها ونمو الإنسان من نفسه؛ وهذا هو الذي حدث في أوروبا في عصر النهضة؛ فقد قامت الثورات على القديم في كل شيء، فأدخل التعديل عليه، وكلما تقدم الزمان وهضم التعديل أدخل عليه تعديل آخر، وانتقل به خطوة أخرى، حتى وصل إلى ما وصل إليه من رقي.
أما في الشرق فحدثت غلطة كبرى هي موضوع مقالي هذا، لا نزال نتجرع غصصها إلى اليوم. ولا أمل في النجاح إلا بإصلاحها، تلك هي أننا بدل أن نصلح القديم ونرقى به، تركنا القديم على قدمه وأنشأنا بجانبه جديدًا، وجعلنا النوعين يسيران جنبًا إلى جنب، يتصارعان ويتعاديان، ونحن نشرب المر من تعاديهما.
وكان سبب ذلك أن المصلحين خافوا من المحافظين، واتقوا ثورتهم، ولم يكن لهم من القوة ما يفرضون معه إصلاحهم، فلجأوا إلى الطريق الآخر غير المستقيم، وهو ترك القديم وإنشاء الجديد.
كان في مصر كتاتيب للتعليم الابتدائي وأزهرُ للتعليم العالي، وكان التعليم فيهما على الأساليب القديمة؛ فلما أريد الإصلاح كان خير طريق هو أن ترقى الكتاتيب، ويرقى الأزهر، ويدخل عليهما ما تقتضيه حالة البلاد وتُعَدَّد وتوسع؛ وكان هذا يضمن الوحدة العقلية والوحدة الثقافية، وهذا ما فعلته أوروبا في نهضتها؛ فقد رأت في مستهل القرن التاسع عشر أنه لا بد من أن تكون للتعليم وحدة تتدرج في مراحل متعددة، فلا بد من ثقافة ابتدائية يشترك فيها كل أفراد الشعب، ثم تعلوا وتتفرع. أما في مصر فتركت الكتاتيب والأزهر على حالهما، وأنشئت بجانبهما المدارس المدنية تحذو حذو المدارس الأوروبية، فكان لنا من ذلك قديم وجديد يعيشان معًا.
وكان لدينا محاكم شرعية تحم بين الناس في الخصومات، فكان الطريق الطبيعي للإصلاح أن تُرقى نظمها ويوسع اختصاصها؛ ولكن تركت — كما ترك الأزهر — على حالها، وأنشئ بجانبها محاكم أهلية ومحاكم مختلطة تحذو في نظامها وأحكامها حذو أوروبا، وبذلك أصبح تعليمنا غير موحد، وقضاؤنا غير موحد.
حتى في النظم الاجتماعية ترك الفلاح على قِدمه والقرية على نظامها، لم يدخل عليهما أي إصلاح، وأنشئت المدن الحديثة على النمط الأوروبي، فكان لنا نوعان من الشعب منعزلان عن بعضهما تمام العزلة، فلاح يرجع إلى توت عنخ آمون، وممدّن على آخر طراز أوروبي.
وشأن البلاد الشرقية شأن مصر، جرت على هذا الوضع العقيم، وسارت على هذا النهج غير القويم.
نشأ من هذا الخطأ ضرر جسيم جدًّا، وهو عدم الوحدة، على عكس ما عليه الحال في الغرب؛ فبين الفلاح الإنجليزي والأرستقراطي الإنجليزي وحدة في طريق الملبس والمأكل ونظام الحياة، لا تختلف إلا باختلاف الصنف، وبين كل المتعلمين الإنجليز أو الفرنسيين أو الألمان وحدة عقلية في منهج التعليم وطرق البحث وطرق التفكير، لا يختلف في ذلك رجل الدين عن غيره؛ فرجل الدين يتعلم الطبيعة والكيمياء والحساب والجغرافيا على أحدث نظام، كما يتعلم المدني، ثم هذا يتخصص للدين، وهذا يتخصص للهندسة أو الطب. وطريقة بحث رجال الدين عندهم هي طريقة بحث الطبيعي أو الكيميائي، بل نرى من رجال الدين من تخصص للآثار القديمة واللغات القديمة، والتاريخ بكل فروعه، وهكذا.
أما الشرق الذي هو مصدر الوحدانية فمتعدد في كل شيء، وقد فقد الوحدة في كل شيء؛ فلا وحدة بين القروي والحضري، لا في ملبسه ولا في نظام أكله ولا في طرق معيشته! ولا وحدة بين المثقفين، فثقافة رجال الدين غير ثقافة الممدنين، ويبدأ التخصص في الدين من بدء التعلم. ولا وحدة بين قضاة المحاكم الشرعية والأهلية والمختلطة (حتى في الكادر). ولا وحدة بين الجامعة المصرية والجامعة الأزهرية، ولا بين وزارة المعارف والأزهر، ولا بين المتجر القديم، والمتجر الحديث، ولا بين أي شيء وشيء؛ وفي هذا خطر كبير من الناحية الخلقية والاجتماعية نعاني متاعبه إلى الآن. فإذا نظرت إلى عقليات المتعلمين لم تجد فيها أساسًا مشتركًا: عقلية الأزهري غير عقلية المدني، وهما غير عقلية من تربى في مدارس إنجليزية، ومن تربى في مدارس فرنسية، وهذا هو سر الصراع الحادّ الدائم بينهم، ويظهر ذلك بأجلى مظاهره في المجالس التي تتكون من هذه العناصر المختلفة.
وإذا نظرت إلى أفراد الشعب وجدت الخلاف الكبير بين مظهر الريفي والحضري وعقليتهما ونوع معيشتهما، وقد جر هذا إلى سوء شعور كل منهما نحو الآخر.
ويطول بي القول لو عددت الأمثلة والمظاهر الدالة على ذلك.
ومرجع هذا كله — فيما أرى — إلى الخطأ الكبير الذي وقع فيه المصلحون عند تقبلهم المدنية الغربية؛ فبدل أن يرقوا الشعب تدريجًا من أساسه، تركوه على حاله، وأوجدوا نظمًا حديثة مستقلة.
ولا سبيل إلى العلاج إلا بإصلاح هذه الغلطة من أساسها، من توحيد التعليم، وتوحيد القضاء، وتوحيد الملابس، وتوحيد المعيشة الاجتماعية.
أوَ ليس أولى الناس بالتوحيد مَن دينهم التوحيد؟

تضخُّم الشخصية


لا بد أنك تعلم أن من أمراض الجسم تضخم بعض أعضائه، كتضخم الكبد أو الطحال أو القلب، وإذ ذاك يختل توازنه، ويسبب التضخم من المتاعب والأمراض ما يعرفه الأطباء.
إن كان كذلك فهناك نوع من المرض النفسي شبيه بهذا المرض الجسمي، هو «تضخم الشخصية»، فتتمدد النفس وتتمدد حتى قد تشمل الكون بأسره.
وكما أن الجسم قد يصاب أحيانًا بالتضخم العام، فتنتفخ كل أجزائه، وتتضخم كل أعضائه، فيكون الطول المفرط في كل نواحيه، أو السمن المفرط في كل أجزائه، وقد يصاب أحيانًا أخرى بالتضخم الخاص، فتتضخم الكبد، وكل أجزاء الجسم الأخرى محتفظة بحجمها الطبيعي، كذلك التضخم النفسي.
قد يكون هناك تضخم نفسي نوعي، وباقي الشخصية سليم لم يصب بأذى ولم يمرض بتضخم. فهناك من تضخمت شخصيته في شعوره بجماله، فهو يرى في نفسه أنه قَسيم وسيم، قد أفرغ في قالب الجمال، وطبع بطابع الحسن، وأنه ممشوق القدّ رشيق القوام، لا يقع الطرف على أجمل منه صورة، ولا تفتح العين على أتم منه حسنًا!
قد جُن بهذه العقيدة جنونًا، فهو يديم النظر في المرآة، وهو يتأنق إلى أقصى حد في ملبسه وفي مشيته وفي حركته؛ إن كان رجلًا فهو خليق أن يصرع أجمل امرأة، وأن يوقعها في شباكه، ويذلها بنظرته؛ وإن كانت امرأة فهي جديرة أن تتزوج أحسن رجل، وأن يكون فريستها أي عظيم!
تتضخم هذه الناحية من شخصيته أو شخصيتها فتكون محوَر الحياة ومركزَ التفكير، ومصدر الأعمال، وباعث السلوك — حياته كلها حول التفكير في جماله، وحديثه كله حول من وقع في شباكه ومن أسرهم بحسنه، وملابسه وكيف يشتريها وكيف يخيطها، وآماله في الزواج، ومن يصلح من العظماء لمصاهرته، وهو يغشى المجامع الأرستقراطية ليبهر الناس بحسنه، ويروعهم برُوائه، ويفتنهم بجماله، وهو يلتفت ويتحرك، وينظر بقوانين دونها قوانين الهندسة المعقدة والجاذبية المركبة!
هو مجنون جنونًا فرعيًّا بجماله فحسب، وفيما عدا ذلك عاقل كل العقل، حكيم كل الحكمة، غاية الأمر أن جنونه بجماله لم يسمح له بالتفكير فيما عداه إلا بقدر ضئيل جدًّا.
•••

وهذا آخر قد جُن جنونًا فرعيًّا في عقيدته بكفايته العقلية أو الفنية أو الإدارية، فهو يرى أنه قطب أهل العلم وعميدهم وإمامهم، رأيه مَقْطع الحق، ومَفصِل الصواب، قد استبطن دخائل العلم، واستجلى غوامضه، وخصه العلم بأسراره، فلم يمنحها إلا له، ولم يقفها إلا عليه؛ وهو في جيله نسيجُ وحدِه، وإمام عصره، لولاه لغاب نجم العلم وخبا ضوءه؛ وهو وحده نصير الحق، ورافع راية الصواب، ولولاه لعاش الناس في ظلام دامس، وضلال مطبق، وويل للناس إذا هدأ صوته أو خرج روحه!
أو هو في فنه أطرب من سجع الحمام، وأحسن من الدر في النظام، ألفاظه العذب الزلال أو أرق، ومعانيه السحر الحلال أو أدق. يستطيع بقلمه أن يقيم حكومة ويسقط حكومة، ويرفع الوضيع، ويخفض الرفيع، ويثير الشعب ويوجهه حيث أراد؛ القادة تتملقه لأنها ترتكز على سن قلمه؛ والحكومات تهابه لأنها تخشى معرة لسانه تتناقل الألسنة في الشرق والغرب كلماته، ويحل العالم معضلاته!
أو هو في إدارته سياسي حازم، صادق العزم، ثابت العقد، إذا قصد أمرًا عرف كيف يبتغي له أسبابه، ويتوخى وجوه نجحه؛ الحكومات كلها فاشلة لأنها لم تستند عليه؛ والشعب مغفل لأنه لم يولِّه قيادته، ولا يصلح أمر أمته إلا إذا أسندت إليه رياسة وزارتها؛ فهو وحده القدير على أن يضع برامج الإصلاح، ويعرف كيف ينفذها؛ وسوف تمر السنون تلو السنين وأحوال الشعب في منتهى السوء حتى يلتفتوا إليه ويعوِّلوا عليه!
ثم تراه — فيما عدا جنونه الفرعي أو تضخمه الجانبي — عاقلًا فيما يعرض له، حكيمًا فيما يتصرف فيه، فهو في المسائل المالية ناجح دقيق، وهو في دراسته وقراءته وكتابته ذكي نبيه، وهو في شئون أسرته خبير بصير؛ وعلى الجملة إذا أنت لم تمس ناحية جنونه أمنت له واطمأننت إليه وأحسنت تقديره. أما إن أنت قاربت موضع الخطر منه سمعت سخفًا يثير عجبك، ويستخرج ضحكك، وتقع في حيرة من أمره، في جنونه وعقله، وحكمته وسفهه، وكياسته وحمقه!
والحق أن لا عجب، فقد يصح القلب وتتضخم الكبد، ويصح الرأس ويمرض القلب.
•••

وهناك نوع من التضخم الكلي في الشخصية كالتضخم الكلي في الجسم، فيرى صاحبها أنه مركز العالم وما عداه ليس إلا نقطًا على المحيط، هو في كل شيء أوحدَ عصره وفريد زمانه، وتميز عن النظراء وترفع عن الأشكال، لا يقع النظر على مثله، ولا يبلغ في الوجود أحد مبلغه، هو في شكله أجمل مخلوق، وهو في عقله أكمل من في الوجود، وهو في أخلاقه لا يبارَى، وفي تصريفه للأمور لا يُجارى، وفي إدارته وحزمه وعزمه ونبله وفضله أسبق الناس غير مُدافع، وأفضلهم غير معارض. ما في الدنيا من محامد فهو مصدره والموحي به والمشير على الزعماء بالأخذ به، والمفضل عليهم بسلوك سبيله؛ وما في الدنيا من نقص فلأن الناس لم يأخذوا فيه برأيه ولم يُصغوا فيه إلى نصحه. وما في العالم من مشكلات ومعضلات؛ فلأن العلماء لم يستفتوه في حلها ولم يستعينوا به في حل ألغازها. العالم مخلوق له، والشمس والقمر والنجوم تنير من أجله، والأرض تنبت خير ما عندها لمتعته، والبحر يضحك لطلعته، والرياض تُزهر لسواد عينه؛ وعلى الجملة فكل شيء منه وبه وله، ولولا أثارة من تواضع لحَشر فنادى فقال: أنا ربكم الأعلى، ولطالب الناس بعبادته وفرض عليهم شعائر الخضوع لعظمته.
•••

ثم قد يظهر مرض «تضخم الشخصية» في بعض الأزمان في شكل وبائي كما تظهر الحمى، وبعض الأمراض الأخرى في شكل وبائي أيضًا، كالذي نرى في كثير من شبابنا؛ فهم في المدارس الثانوية والعالية قد تضخمت شخصيتهم حتى «ضمرت» بجانبها شخصية المعلم والناظر والوزارة، فهم الذين يقررون أن يدخلوا الدرس أو لا يدخلوا، وأن توقع عليهم عقوبة على ذلك أو لا توقع، وإذا دخلوا الدرس فهم الذين يقررون ما يدرس فيه وما لا يدرس، وقد يقررون أن مزاجهم اللطيف ليس مستعدًّا لسماع درس القواعد السخيفة، ولا التطبيقات المسئمة، ولا المطالعة السمجة، ولا البلاغة الهزيلة؛ وإنما أمزجتهم مستعدة فقط لنوادر مضحكة و«نكت» لاذعة وقصص مسلية، فإن شاء مدرِّسهم أن ينزل على حكمهم وإلا فالإضراب، وله تمام الحرية في الاختيار.
وكما نرى في كثير من شبابنا عند بدء توليهم عملًا، فتتضخم شخصيتهم حتى «تضمر» بجانبها شخصية رؤسائهم؛ فهم لا بد أن يختاروا العمل الرئيسي بقطع النظر عن المران والسن والأقدمية، ولا بد أن يكون لهم مكتب رئيسي يتناسب وعملهم الرئيسي، ولا بد أن يأمر المرءوس الشابُّ ويسمع الرئيس الشيخ.
وكان تضخم الشخصية عند شباب الجيل الحاضر «رد فعل» لضمور شخصيتهم في الجيل الماضي؛ فقد كانوا آلات تتحرك و«عساكر شطرنج» في يد اللاعب.
وقد يكون سبب ذلك أن السياسيين استغلوا قوتهم وأشعلوا عواطفهم، وأسموهم دائمًا نغمة الإعجاب ونغمة الحقوق، ولم يُسمعوهم أبدًا نغمة العقاب ولا نغمة الواجبات، وما زالوا ينفخون فيهم حتى تضخموا. وأيًّا ما كان فليس المقام مقام تحليل للأسباب، ولكن تسجيل للأعراض.
•••

تضخم الشخصية مرض يُخل توازن النفس كما يخل تضخم عضو من أعضاء الجسم توازنه، ويمنع صاحبه من رؤية الحقائق كما هي في الخارج، بل يراها كما يمليه تضخم شخصيته، وكما يمليه جنونه بنفسه، فما اتفق وهذا الجنون فخير وإلا فشر؛ خير الناس في نظره من سايره في عقيدته وأشعل نار جنونه، وخير الآراء عنده ما غذى شعوره بالعظمة، وإحساسه بالنبوغ، وأشهى الحديث إليه ما دار حول كماله هو ونقص غيره، وعبقريته هو وسخف من عداه!
وصحة الشخصية تقتضي كمال التوازن فلا يطغى جانب من شخصيته على جانب، ولا تطغى شخصيته على شخصيات الناس، وإذ ذاك يستطيع أن يقدر تقديرًا صحيحًا من هو في نفسه، ومن هو في بيئته، ومن هو في عالمه؛ فلا تضخم ولا ضمور، ولا تطفيف في المكيال ولا بخسٍ في الميزان، ثقة بالنفس في غير مغالاة، ووضعها موضعها من غير تحقير.
وكان الطبيعي أن ننظر إلى هؤلاء الذين تضخمت شخصيتهم نظرة عطف ورحمة، كنظرنا إلى من تضخم قلبه أو كبده أو تضخم كله، ولكنا نرى في عالم تضخم الشخصيات مناظر متناقضة وأشكالًا متباينه!
نرى ممن أصيبوا بتضخم الشخصية من أصبحوا سخرية قومهم، وملهاة صحبهم، اتخذوا جنونهم دعابتهم، وأحاديثهم عن أنفسهم هزأهم وموضع عبثهم؛ ولكن بجانب ذلك نرى بعض من أصيبوا بهذا المرض قد تفاعل تضخم شخصيتهم مع أحداث زمانهم، فرفعهم هذا التفاعل إلى أرفع مكان في قومهم، وأحلهم محل القادة فيهم، وموضع الأمر والنهي منهم، وصاحب السيطرة والسلطان عليهم، وأصبح من يهزأ بتضخم شخصيتهم خاضعًا تابعًا سميعًا مطيعًا!
وعلى الجملة نرى هذا سخرية قومه لتضخم شخصيته، وهذا معبود قومه لتضخم شخصيته، فهل هذا خبط عشواء كما قال زهير في المنايا:
رأيت المنايا خبط عشواء من تُصِبتُمْته، ومن تخطئ يُعمَّر فيهرم أو هو قانون محكم ولكنه معقد، ومطَّرد ولكنه غامض؟
ذلك ما لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم.

المسلمون سبب من أسباب الحرب العالمية


للحرب أسباب عدة يستطيع أن يحصيها السياسي والاقتصادي، ولكني أرى أن من أهم أسبابها المسلمين.
ذلك أنهم أصبحوا في العصر الحديث «غنيمة أوروبا» تتقسمهم وتتوزعهم، ويُرضي بعضهم بعضًا على حسابهم، فإذا ثارت مشكلة بين دولة ودولة، فقد يكون الحل الوحيد للخروج من هذا المأزق أن تطلق كل منهما يد الأخرى في بلد من بلاد المسلمين تفعل فيه ما تشاء.
وكان لإنجلترا وفرنسا أكبر نصيب من هذه الغنيمة، فكانت مصر والسودان والهند — مثلًا — من حظ إنجلترا، وتونس والجزائر ومراكش من حظ فرنسا.
ولما وضعت الحرب العظمة أوزارها، كان من أعمال مؤتمر فرساي توزيع الغنيمة أيضًا على أوروبا، فأخذ الإنجليز فلسطين والعراق، واستولى الفرنسيون على ساحل سوريا.
هذا عدا ما في يدي إنجلترا وفرنسا من ممالك إسلامية صغيرة يطول عددها، وما في أيديهما من دول إسلامية أخرى تستقل ظاهرًا وتأتمر بأمرهما باطنًا.
نظرت إلى الدول الكبرى الأخرى كألمانيا وإيطاليا، فرأت أن هذه الغنيمة لم توزع توزيعًا عادلًا، فليس لإيطاليا إلا طرابلس وبرقة، وليس لألمانيا شيء يذكر، وليس لأسبانيا إلا سبتة والمنطقة الخليفية في مراكش؛ فحزَّ ذلك في نفوس من لم ينالوا حظًّا كبيرًا من الغنيمة، وثاروا يطلبون المزيد.
كان هذا كله مصدر قلق واضطراب من ناحيتين: من ناحية المسلمين انفسهم، ومن ناحية دول أوروبا بعضها وبعض.
فبعد الحرب الأخيرة شعر المسلمون بأنهم غنيمة لغيرهم، فتحركوا يطلبون أن يكونوا لأنفسهم، فثارت مصر، وثار العراق، وثارت سوريا وفلسطين، وثارت تونس والمغرب الأقصى، وبذلت إنجلترا وفرنسا في هذه الثورات مجهودًا كبيرًا في إخضاع الثورات أحيانًا، والتسليم ببعض حقوق الثائرين أحيانًا، على أن الرواية لم تتم فصولًا.
ومن ناحية أوروبا قلقت إيطاليا وألمانيا وأسبانيا؛ لأنها لم تربح ما ربحه غيرها، وزاد في قلقها واضطرابها أنها أنفقت على الحرب ما لا يحصى كثرة، فكان ما أنفقته في الحروب يقابله نقص في سعادة الأهلين ورخائهم، ورأوا أن غنائم الإنجليز والفرنسيين من المسلمين ونحوهم تسد شيئًا غير قليل من نفقاتهم، أما هم فليس لهم موارد كموارد فرنسا وإنجلترا تسد النقص، وتغطي العجز، فثاروا وقلقوا واضطربوا ونادوا بألا معدًى من أحد أمرين: إما توزيع الغنائم توزيعًا عادلًا بحسب القوة وبحسب السكان وبحسب الكفاية، وإما الحرب لتحقيق هذا المطلب.
لذلك كان المسلمون من حيث هم غنيمة سببًا من أسباب الحرب.
تجلت هذه الحقيقة في سلسلة الحروب في القرن الماضي، وفيما عقد بعدها من معاهدات، وتجلت في معاهدة فرساي بعد الحرب العظمى، إذ كان يشتمل جزء من مواردها على توزيع الغنائم.
•••

فعلى الذين ينشدون السلام ويبحثون عن وسائله أن يضعوا هذا في حسابهم.
إني أرى أن خير وسيلة لدفع الخطر من هذه الوجهة أمران: أحدهما في يد المسلمين والآخر في يد الأوروبيين.
أما الذي في يد المسلمين فأن يفهموا أنهم الآن غنيمة، خيرهم لغيرهم لا لأنفسهم، وأنهم مزرعة ليس لهم فيها إلا العمل، أما الثمرة فلغيرهم أطايبها ولهم فتاتها، وأنهم بهذا الوضع كانوا شرًّا على أنفسهم وشرًّا على العالم، شرًّا على أنفسهم، فليسوا يعيشون عيشة سعيدة، ولا شبه سعيدة؛ وشرًّا على العالم لأنهم كانوا سببّا من أسباب حروبه الطاحنة، إذ لو لم تكن غنيمة ففيم القتال؟ وإذا لم يكن شيء متنازع عليه فلم النزاع؟
لا بد أن يفهموا أن الخير لهم وللعالم أن يكونوا ملَّاكًا لا مزارعين، وأن يحصنوا ملكهم بكل ما يحصن به المالك الأوروبي أرضه.
إنه يحصنها بالقوة في كل شكل من أشكالها؛ يحصنها بقوة السلاح وبقوة العلم وبقوة الخُلق، يحصنها باحتقار الشهوات الفردية في سبيل المصلحة العامة، يحصنها بالتشريع العادل يضمن حقوق الأفراد وحقوق الأمة، فلا بد له أن يسير على هذا النهج.
إن العالم — الآن — لا يحتمل مدنيتين مختلفتي الشكل مختلفتي العنصر، إنه لا يحتمل مدنية قوامها القوة، وبجانبها مدنية أخرى ترى أن خير أخلاقها التواضع، وخير آدابها القناعة، وخير تعاليمها الاستسلام. إن ذلك إن حدث ازدردت الأولى الثانية وعدتها لقمة سائغة واكلة هنيئة، ولم تسمح لها بالوجود مستقلة، بل نشرت عليها ظلها، ولفتها بنقابها؛ لأن الشمس لا تريد أن تسطع إلا عليها.
لا خيار للمسلمين في نوع المدنية، فإن ذلك قد كان قبل أن يصير العالم وحدة تقطعه الموجة الكهربائية في لحظة، ويتصل بعضه ببعض في لمحة؛ فخير لهم ألا يضيعوا الوقت في التردد، وخير لهم أن يرسموا طريق السير في سرعة، ثم يسيروا على هدى. وليس طريق السير إلا الطريق الذي سار فيه الأوروبيون، فإن خالفوه في شيء فهو تعلمهم من غلطات من قبلهم وتجنب زللهم. وليفهموا جيدًا أنهم جزء من العالم الخاضع لقوانين واحدة ومدنية واحدة، لا وحدة مستقلة يرسمون لها ما يشاءون، وأن العالم السريع في سيره المتدفق في تياره لا يحتمل وقفتهم، ولا يعبأ بترددهم.
لا أريد من ذلك ألا تكون لهم شخصية، ولكن شخصية كشخصية الإنجليز بجانب الفرنسيين، أو اليابان بجانب الأمريكيين؛ فهذه الشخصيات على اختلاف أنواعها تخضع لمدنية واحدة ذات عناصر أساسية متحدة.
لا أمَل لهم — وقد استُضعفوا جميعًا — إلا أن يتقووا جميعًا، ثم تكون بينهم روابط قوية كالروابط التي بين الأمم الأوروبية المتحالفة. وقد تجلى بدء هذه الحركة في مثل تناصر الدول العربية في الدفاع عن فلسطين، فليكن هذا بدء خطة ترمي إلى التعاون والتناصر تزيدها الأيام قوة، والأحداث عظمة، والنوائب اعتصامًا.
أما الذي في يد الأوروبيين فهو أنهم جروا في سياستهم للعالم الإسلامي أيضًا على أنه غنيمة، وعلى هذا الأساس وضعوا كل خططهم الاقتصادية والسياسية والعلمية؛ فأخصبوا الأرض وأجدبوا العقول؛ لأن تحسين الأرض لهم وتحسين العقول عليهم، وأضعفوا القوة الحربية لهذه الأمم خوفًا من أن تقوم يومًا ما في وجوههم؛ وأضعفوا حركة التعليم لأن المثقفين ثقافة عالية شر عليهم، وأفسدوهم سياسيًّا فضربوا بعضهم ببعض حتى لا يلتفتوا إليهم، ومنحوا خير المناصب لمن رضي لنفسه أن يكون إمّعة، ونحو ذلك من وجوه لا عداد لها؛ فكانت نتيجة ذلك ضعف الغنيمة ضعفًا قاسيًا.
فهل كان هذا النظر في مصلحة أحد؟ أظن لا. وأظن أنه لم يكن في مصلحة المسلمين ولا في مصلحة الأوروبيين أنفسهم؛ فأما أنه ليس من مصلحة المسلمين فأمر بديهي لا يحتاج إلى بيان، وأما أنه ليس في مصلحة أوروبا، فأظن أن ما يكسبونه من الغنائم لا يوازي ما يضيعونه في الحروب عليهم. إنهم كأصحاب القضايا الذين ينفقون للمحامين والمحاكم أضعاف ما يربحون إذا حكم لهم. ما قيمة استعمارهم إذا كانت سلسلة حياتهم كساقية جحا تملأ من البحر وتصب في البحر؟ بل ما قيمة استعمارهم إذا كان تاريخ حياتهم جمعًا وادخارًا من الغنائم والأنفس والأموال، ثم القذف بها في أتون كبير يأتي عليها جميعًا؟ وهي إذا انتهت من تمثيل الرواية بدأت تمثلها من جديد؟
بل ما قيمة ملايين من الجنيهات تأخذها من الغنائم كل عام لتنفقها أو أكثر منها للدفاع عنها؟ أليس سفهًا أن ينفق المالي للمحافظة على رأس المال أكثر من رأس المال؟
أين غاب عن عقلائهم ومفكريهم وفلاسفتهم أن هناك ضروبًا من الانتفاع غير ضروب الاستغلال وإضعاف المستغل؟ هنالك ضروب خير من الاستغلال وهو التعاون، هو ألا يعدوا العالم الإسلامي غنيمة، ولكن يعدونه زميلًا أو أخًا صغيرًا؛ يقوونه في ماله ويقوونه في عقله ويقوونه في سياسته، فإذا هو عون لهم، وإذا هو مصدر منفعة، وإذا هو عميل عاقل خير لهم من عبد جاهل.
إن هذا النوع من السياسية التي أنشدها يزيل سببًا من أسباب ما بين الدول الأوروبية من إحن وأحقاد، تستنزف دماءهم وأموالهم وتؤخر مدنيتهم.
قد كان يكفي داعيًا لأوروبا أن تنظر هذا النظر السليم، داعي الإنسانية، وأن العالم بعد أن صار وحدة لا يحق لبعض أعضائه أن يعيش على حساب عضو آخر، ولا أن يقوى هو على حساب إضعاف عضو آخر.
فإذا لم يكن كافيًا فليدّع إليه ما ترى أوروبا فيه نفسها، مما تجر عليها «نظرية الغنيمة» من أسوأ أثر وأوخم عاقبة.
وأظن أن قد بدأ الساسة الأوروبيون يدركون هذا أخيرًا، بدليل ما صنع الإنجليز في مصر والعراق، وإدراكهم خطأهم السابق في سياسة الإضعاف. فهل يخطون ويخطو غيرهم من الأمم المنتفعة بالغنيمة خطوات أخرى أوسع وأرقى؟ لا بد لتحقيق ذلك من تفاعل بين قوة الشرق وعقلية الغرب.

تراجم الرجال في الأدب العربي


تشغل تراجم الرجال في آداب اللغة العربية أبْيَن مكان، وتستغرق أكبر حيز. بل لا نبالغ إذا قلنا: إن ما نسميه اليوم «أدب اللغة» كان يدور حول تراجم الرجال من أدباء وشعراء وعلماء، وذكر شيء من أجود ما قالوا؛ فأقدم كتب الأدب كالأغاني إنما بني على الأصوات المختارة، وتدرّج منها إلى ذكر الأدباء وترجمة حياتهم، وأهم ما عرض لهم.
وأكثر الذي نعرفه من ضروب التأليف القديم في الأدب نوعان: نوع أسس على تراجم الرجال كالأغاني ومعجم الأدباء وطبقات الشعراء ويتيمة الدهر، ونوع أسس على المختار من المنظوم والمنثور، كالذي ذهب إليه الجاحظ في البيان والتبيين والكامل للمبرد، والعقد الفريد لابن عبد ربه. فأما نظرة عامة في الأدب عامة، أو فرع من فروع الأدب — كالشعر والخطابة — وتحليله تحليلًا عميقًا مفصلًا، فذلك ضرب لا نعلم أن الأقدمين وصلوا إليه. والحق أنهم تركوا لنا شيئًا غُفْلًا يصح أن يستفاد منه بمهارة الصنعة، وإجادة الفن، ولم يخلقوا لنا شيئًا ناضجًا يحسن الوقوف عنده.
والسب في أن الأقدمين سلكوا هذين الطريقين اللذين أشرنا إليهما أنهما أسهل الطرق على المؤلف؛ فهو في ترجمة الرجل يذكر تاريخ ولادته، وبعض حكايات رويت، وحوادث عرضت، ثم تاريخ وفاته، وبهذا ينتهي الفصل. وفي الطريقة الثانية يختار ما نثر في الكتب من النوع الأول وأمثالها، ثم يربط بينها برباط قوي أو ضعيف، فتتكون من ذلك مجموعة يصوغ لها اسمًا كالبيان والتبيين، والكامل، والأمالي؛ وكلا الضربين نوع من التأليف الساذج، وأول درجة في سلم التأليف؛ ولم يصل البحث في أوروبا إلى هذا النوع من التأليف الذي يحلل ويستقصي ويلقي بالنظرة العامة تستغرق الموضوع من جميع جهاته إلا في العصور الحديثة.
وفي هذا العيب نفسه وقعت كتب التاريخ العربية، فهي إما دائرة حول السنين، يُذكَر في كل سنة ما حدث، أو حول الملوك وولاتهم يذكرون ما حدث لهم وفي أيامهم؛ فأما النظرة العامة إلى الموضوع، والإحاطة به وتحليله وتعليله، فدرجة لم يصل إليها مؤرخونا.
ولنعد الآن إلى ما نحن بصدده من تراجم الرجال، فالذي يظهر لنا أن الباعث الأول على ترجمة الرجال — في الإسلام — كان باعثًا دينيًّا، وذلك من وجهين: الأول: أن المسلمين في أثناء جمعهم للحديث رأوا منه قسمًا كبيرًا يتعلق بحياة النبي ? وغزواته، وحوادث تتعلق بكبار الصحابة كأبي بكر وعمر وحروبهما وفتوحاتهما، فكان ذلك أساسًا لوضع كتب السير؛ وقد روَوا أن أول من ألف في سيرة رسول الله ? عروة بن الزبير بن العوام (??–??هـ)، وأَبَان بن عثمان بن عفان (??–???هـ)، فكان عملهما في وضع سيرة الرسول أساسًا لوضع سيرة غيره من كبار الصحابة، ثم تلاحق الأمر واتسع.
الثاني: أن علماء المسلمين لما هالتهم كثرة ما وضع كذبًا على رسول الله ? من الأحاديث لجأوا إلى وسائل يعرفون بها صحيح الحديث من ضعيفه، وكان من هذه الوسائل تشريح رجال الحديث من الصحابة والتابعين، ونقدهم وتعديلهم وتجريحهم، فتكوَّن من ذلك مجموعات من تراجم الرجال وسيرهم وشيء مما حدث لهم، ليستفاد منه صدقهم أو كذبهم. ثم جاء رجال الأدب فقلدوا المحدِّثين وحذوا حذوهم، وبنوا أدبهم على هذه التراجم التي أحكموا تقليدها.
ودليلنا على أن الأدباء قلدوا المحدِّثين، أن المحدِّثين كانوا أسبق إلى هذا العمل تاريخًا؛ ففي العهد الأموي نرى عروة وأبانًا يكتبان سيرة النبي، ونرى أحاديث قيلت في جرح الرجال وتعديلهم، ونرى في صدر الدولة العباسية شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعد القَطّان يؤلفان الكتب في نقد المحدّثين وبيان صادقهم من كاذبهم؛ مع أنّا لا نعلم في هذا العصر كتابًا أدبيًّا يصح أن يقال: إن موضوعه تراجم رجال الأدب.
بل نرى من أقوى الأدلة على ذلك أن الصِّبغة التي اصطبغت بها كتب التراجم الأدبية صبغة محدّثين اكثر منها صبغة أدباء، خصوصًا ما ألف منها أيام سطوة المحدّثين ككتاب الأغاني، فإنك ترى فيه الإسناد على نمط إسناد المحدّثين والتعبير في كثير من الأحيان تعبير حديث. وذلك كقوله: (أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة قال: بلغني أن هذا البيت «لا يذهب العرف بين الله والناس» في التوراة … قال إسحاق: وذكر عبد الله بن مروان عن أيوب بن عثمان الدمشقي عن عثمان بن عائشة قال: سمع «كعب الحبر» رجلًا ينشد بيت الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيهلا يذهب العرف بين الله والناس فقال: والذي نفسي بيده إن هذا البيت لمكتوب في التوراة. قال إسحاق: قال العمري: والذي صح عندنا في التوراة «لا يذهب العرف بين الله والعباد»)?. فلعلك ترى معي أنك — وأنت تقرأ هذا — كأنك تقرأ قطعة من أحاديث البخاري.
ومن أكبر المظاهر التي تأثرت بها كتب تراجم الأدباء بكتب المحدثين احتجاب شخصية المؤلف. تقرأ في الأغاني فيغمرك بروايات عن الرجل وأحاديثه ووقائعه وأدبه وشعره، ولكن قلّ أن تظفر منه بكلام له، أو نقد لشعره، أو تعليق على حادثة له، أو نحو ذلك، ويظهر لي أن هذا أيضًا أثر من آثار نمط المحدِّثين، فقد حصروا أنفسهم في دائرة النقل، نقل ما حدثوا به، ونقل ما بلغهم عن الرجل، وذلك إن جاز في الحديث — ومجال القول ضيق؛ لأن المحدث لا يهمه من المترجم له إلا ما يدل على صدقه أو كذبه، وتجريحه أو عدالته — فما كان يجوز في الأدب ومجال القول ذو سعة، وشخصية الأديب في النقد والتحليل، وبيان المحاسن والمساوي، وموضع الحسن أو القبح، لها القيمة الكبرى في الفن الأدبي. ولكن هو التقليد للمحدثين نزع بهم هذا المنزع، وليس هذا مقصورًا على كتب التراجم، بل هو — أيضًا — في أصول كتب الأدب المؤلفة في ذلك العصر؛ فإذا قرأت في البيان والتبيين أو عيون الأخبار لابن قتيبة لم تجد للمؤلف شخصية بارزة، مع قدرتهما الفائقة وما لهما من بسطة في العلم والأدب. ولو أحصيت ما للجاحظ في البيان والتبيين لم تجد له ربع الكتاب ولا خمسه، وإنما له الاختيار والجمع — شأن المحدِّثين في الحديث. وكذلك الشأن في عيون الأخبار والأغاني وغيرهما.
ولعل في هذا ما يكفي لإثبات أن الأدباء كانوا مقلدين للمحدثين في وضعهم للتراجم.
على كل حال كان لنا تراجم للرجال نحوا فيها مناحي مختلفة؛ فمنهم من ترجم لكل شخص ممتاز بأي نوع من أنواع المميزات، كما فعل ابن خلِّكان في «وفيات الأعيان»، فقد ترجم لكل عين، وكما يقول هو: «لأولي النباهة»، ولم يستثن إلا الصحابة والتابعين والخلفاء، فترجم للمالي والفقيه والمتصوف والشاعر والأديب والنحوي واللغوي والوالي والمشعوذ. ومنهم من اقتصر على طائفة خاصة كما فعل ياقوت في «معجم الأدباء»، فقد ترجم فيه للأدباء خاصة، وكما فعل ابن قتيبة وابن سلام في «طبقات الشعراء»، وكما فعل السيوطي في «بغية الوعاة في تراجم النحاة». ومنهم من اقتصر على تراجم الأدباء في عصر خاص كما فعل الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر». إلخ.
والآن نعرض لمسألة هامة وهي: هل وفَى هؤلاء المترجمون بالغرض الذي قصدوا إليه؟ قبل ذلك يجب أن نبحث متى تكون ترجمة الحياة جيدة وافية بالغرض؟
المترجم «واصف» لمن يترجمه، والواصف ينبغي أن يُخرج بقلمه ولغته ما يخرجه الرسام بريشته، بل للقلم مجال أوسع من الريشة، فالقلم يستطيع أن يتغلغل إلى المعنويات من أخلاق وعقلية ومشاعر وصفات نفسية، على حين أن الريشة لا تستطيع أن تصل إلى شيء كثير من ذلك؛ نعم إن القلم يلاقي من الصعوبة ما لا تجده الريشة، فإن الريشة مرنة مطواع أمامها ماديات ذات مقاييس خاصة ونِسَبٍ معينة يسهل على المصور أن يراعيها، ولكن الكاتب يعاني بقلمه في إخراج الصورة كاملة منسقة أكبر العناء. يجب أن يكون الواصف من دقة الحس ويقظة العقل وحسن التقدير لما يهم وما لا يهم ولطف الذوق والقدرة على الإبانة بحيث يستطيع أن يصف لك الشخص الموصوف كأنك تراه، بل أكثر من أن تراه؛ فهو يريك من المعنويات ما لا يرى، تريك الصورةُ الشيء دفعة واحدة، فنستطيع أن ترى النسب بين أجزائها، وتدرك الجمال التركيبي كما تدرك الجمال الإرادي، والكاتب الماهر يسلسل بين أقواله ويجَمِّلها بالمنطق الصحيح والأسلوب الأخّاذ، فيسرق منك نفسك، فلا تنتبه إلا وقد وعيت صورة الموصوف كاملة. يرى الواصف الشخص فيدرسه ويخبره ثم يدرسه ويخبره ويجمع حوله كل ما يهمه، ويمحصه، حتى إذا اجتمعت له في ذهنه صورة كاملة متناسقة تؤلف وحدة استطاع أن يبرزها بقلمه فيشرك غيره في رؤية ما يرى. فإن كان الواصف لم يدرك أصل الموصوف جمع أخباره وحوادثه وقصصه وامتحنها بكل ما اخترع «البحث» من وسائل للامتحان، ثم كان شأنه معها شأن سابقها.
وهناك نوعان من التراجم يصح أن نسميها تراجم خارجية وتراجم ذاتية، ونعني بالأولى تراجم يقتصر فيها المترجم على وصف المترجم له بذكر الحقائق الخارجية والوقائع التي حدثت للمترجَم من غير أن يشوبها المترجِم بشيء من أفكاره ومشاعره. والترجمة من هذا النوع ليست إلا ثَبتًا للحقائق، وهي بالمؤرخ أشبه. أما النوع الثاني فتراجم يذكر فيها المترجم ما وصل إليه من حقائق ويحللها، ثم يتبعها برأيه في المترجَم إما دفاعًا عنه أو هجومًا عليه، إما نقدًا وذمًّا وإما مدحًا وتقريظًا، إما استحسانًا للمأثور من أقواله وآرائه أو استهجانًا، وهذا النوع بالأديب أليَق.
وليس يترجم من الرجال إلا من كانت له ناحية من نواحي النبوغ كالسياسة أو الأدب أو اللغة أو النحو أو الخلق أو العلم؛ فواجب المترجم أن يدلنا على موضع نبوغ من يترجمه ويعطيه أكبر عنايته، ويجعل القارئ يكاد يلمسه بيده، فإن هو قصر في ذلك فقد قصر في أهم ركن للترجمة.
إذا نحن نظرنا — في ضوء هذه القواعد التي ذكرناها — إلى كتب التراجم العربية وجدناها على اختلاف أنواعها معيبة من جملة وجوه، وهي في هذه العيوب تختلف شدة وضعفًا، فأظهر عيب فيها أنها لم تسلك طريق البحث العلمي؛ فقد وضعت فيها الأساطير والخرافات بجانب الحقائق من غير تمحيص، وأكثر ما يكون ذلك في تراجم رجال الدين والتصوف، فعندهم يفقد المترجم ملكة النقد، ويسلم بكل ما حكى له.
أضف إلى ذلك أن المترجم يكثر من ذكر الأقوال المختلفة، ويتركها على عواهنها من غير أن يبذل جهدًا في تحقيقها، والخروج منها بنتيجة يرضاها؛ فتقرأ مثلًا في ابن خلكان قولًا يقول: إن أبا تمام الشاعر المشهور من قبيلة طيئ، وقولًا يقول: إن أباه كان نصرانيًّا من أهل جاسم (قرية من قرى دمشق) يقال لها: تدوس العطار فجعلوه أوسًا، وقد لفقت له نسبة إلى طيئ، ولكن أي القولين أصح؟ وماذا بذل المؤلف من الجهد في تحقيق هذه المسألة؟ لا شيء من ذلك، ولكن أقوال يرصف بعضها بعض من غير تمحيص؛ وترى في كتاب «الأغاني» من هذا الضرب الشيء الكثير. وقل مثل ذلك في الوقائع التاريخية، فهي تقال وتذكر فيها الروايات المختلفة، ثم يقف قلم المؤلف؛ مع أن المعقول أن جمع هذه الروايات المختلفة ليس إلا مقدمة لتمحيصها والخروج منها بنتيجة تقرب إلى الصواب.
الحق أن النقد عند كتَّاب التراجم كان ضعيفًا، ولم يمهروا في امتحان الحقائق وتخليص جيدها من رديئها. نعم إنّا نعثر في «وفيات الأعيان» لابن خلكان و«معجم الأدباء» لياقوت و«الأغاني» على نتف صغيرة من النقد تدل على دقة ملاحظة وجودة نظر، وربما كان أفضلهم في ذلك ابن خلكان، ولكنها مواقف نادرة قليلة لا يصح أن يقال: إنها النظام المتبع في التأليف.
كذلك من أوضح العيوب البارزة في هذه الكتب، أن المؤلفين لم يستطيعوا أن يقوّموا موضع نبوغ المترجَم له فيخصوه بالشرح الوافي. قد كنت أفهم أن كتابًا كـ «بغية الوعاة في أخبار النحاة» يعني في تراجمه بهذه الناحية النحوية، فيبين مكانة المترجَم في النحو، وموضع نبوغه، وأي شيء جدد في النحو حتى استحق أن يترجم، ولكن قلَّ أن أعثر فيه على شيء من ذلك؛ ومثل ذلك يقال في طبقات المحدّثين والفقهاء والأدباء!
أغرب ما في هذا النوع عناية المترجمين بالشعر لغير الأديب والشاعر، فترى كثيرًا منهم — كابن خلِّكان — يبحثون للمترجَم عن بيتين أو أبيات الشعر ينسبها إليه، ويذكرهما بجانبه، ويجعل لها مكانًا ممتازًا في ترجمته. ولو كان هذا الذي يترجم له شاعرًا أو أديبًا لحمدنا للمترجم هذه العناية؛ أما والمترجَم مالي أو مشرع أو محدث أو اجتماعي، فما قيمة بيتين أو أبيات قالها في حياته؟ أليس سخيفًا أن تقرأ في ابن خلكان ترجمة الإمام الشافعي فلا ترى فيها شرحًا لموضع نبوغ الشافعي ومقدرته في التشريع، وبماذا يمتاز عن بقية الأئمة، وأين مكان مذهبه من الرأي والحديث. ثم تراه يعني عناية فائقة بأبيات ضعيفة يرويها له، وهذا هو بعينه ما فعله في ابن جرير الطبري المؤرخ، وطلائع بن زرِّيك السياسي، والفارابي الفيلسوف.
إنما يجب أن يذكر للشاعر شعره، وللفقيه فقهه، وللسياسي سياسته، وللفيلسوف فلسفته، ويجب أن تكون هذه الناحية هي أهم ناحية يعني بها المترجم.
•••

هذا وقد عني المحدَثون بوضع تراجم مفردة مستقصية، تحلل فيها الأشخاص والحوادث تحليلًا دقيقًا، ويعتمد فيها على النمط الحديث في البحث، ويستفاد فيها مما وصل إليه علم النفس من استكشاف وبما وضع علماء الأدب المحدَثون من أنماط. ونرجو أن يتتابع التأليف على هذا النمط، ويتمشى في الرقي مع الزمن، حتى تكون لنا مجموعة قيمة من تراجم المشهورين في العصر الإسلامي من أدباء وفلاسفة وشعراء وغيرهم، تقرأ الترجمة فتشعر كأن المؤلف أحيا المترجَم وبعثه من جديد، وتشعر وقد قرأت الترجمة كأنك لقيت المترجَم وعاشرته وحدثته، وقرأت كتبه واستقصيت دخيلة نفسه.
? الأغاني — ?? ج?.
الهجرة


في يوم من أيام صفر من العام الذي سمي بعدُ «عام الهجرة»، بُثَّت الدعوة في عظماء قريش أن يجتمعوا في «البرلمان» لأمرٍ خطير.
نعم، وكان لقريش برلمان، ولكن لم يكونوا يسمونه هذا الاسم الأجنبي الذي يقتبسونه من غيرهم، إنما كانوا يسمونه اسمًا ظريفًا من وضعهم، هو «دار الندوة» — يجتمعون فيه كلما حَزَبَهم أمر، أو جََدَّ لهم حادثٌ خطير.
ولم يكن لبرلمانهم دستور مكتوب، إنما هو دستور متعارف، خلقته الأوضاع والتقاليد، ولم يكن له قانون انتخاب، إنما يتهيأ للعضوية فيه من أثبت بفعاله عظمته في قبيلته، وكل ما اشترطوا بعدُ أن يكون العضو من قريش، وأن يبلغ الأربعين.
وكان مكان البرلمان دارًا لقُصيّ بن كلاب، توارثها أعقابه من بعده، وخصصوها لتشاورهم والتحدث في عظائم أمورهم، «وكانوا لا يقضون أمرًا إلا فيها»، وكانت تقع في الجانب الشمالي من الكعبة، وهي الآن جزء من المسجد الحرام.
•••

تم اجتماع الأعضاء في الموعد المحدد، وتمثلت فيه قبائل قريش برجالاتها وعظائمها؟ هذان عُتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة يمثلان عبد شمس؛ وهذا أبو سفيان يمثل أُميّة؛ وهؤلاء طعيمة بن عَدي وجُبَير بن مُطْعم والحارث بن عامر يمثلون عبد مناف؛ وهذا النضر بن الحارث بن كَلَدة يمثل عبد الدار؛ وهذا أبو البَخْتَري وزَمْعة بن الأسود وحَكيم بن حِزام يمثلون بني أسد بن عبد العُزَّى، وهذا أبو الحكم بن هشام يمثل بني مخزوم؛ إلى كثير غيرهم يمثلون القبائل القرشية كلها.
ساد السكون، وظهر على وجوههم الجد. ما الأمر الذي دُعوا إليه؟ لقد عرفوه مجملًا، والآن يريدون أن يعرفوه مفصلًا، ويريدون أن يقضوا فيه قضاءً حازمًا حاسمًا.
•••

الأمر أمر محمد وصحبه … لقد سمعنا دعوته أول أمرها فاستخففنا به وبها، وقلنا: «مجنون» أو شاعر نتربص به ريب المنون، وظننا أن دعوته تذهب مع الريح، فليدْع ما يدعو فليس له سميع! وقد بدأ دعوته مسالمًا، يدعو في رفق ولطف ويقول: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، فتركناه وشأنه ولكنه خطا بعدُ خطوة أجرأ وأفظع، فكان يدعو سرًّا فدعا جهرًا، وسب آلهتنا، وسفَّهَ أحلامنا، وضلل آباءنا؛ فطلبنا من قومه أن يكفوه عنا، أو يخلوا بينه وبيننا، فلم يكن هذا ولا ذاك؛ فاتجهنا اتجاهًا آخر، وهو أن نتركه ونعذب من اتبعه، حتى يكون في تعذيبهم نكال لهم وعظة لغيرهم؛ فأوعزنا إلى كل قبيلة أن تَثِب على من فيها من المسلمين؛ تعذبهم وتفتنهم عن دينهم، فنفذت ذلك بما استطاعت من قوة، فحبستهم وعذبتهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر؛ هذا إن كان ضعيفًا — وإن كان شريفًا سفهنا حِلْمه، وفَيَّلنا رأيه، ووضعنا من شرفه، وإن كان تاجرًا كسَّدنا تجارته، وأهلكنا ماله؛ فما أغنى كل ذلك شيئًا، فالقليل من افتتن، والكثير من أصر على دينه، وفضَّل الموت على الرجوع عنه؛ ثم رجعنا إلى محمد نرغبه في العدول عن دعوته وقلنا: إن كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسوِّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رِئيًّا طلبنا الطب لك حتى نبرئك منه. فقال: «ما بي ما تقولون! ولكن الله بعثني إليكم رسولًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا».
رجعنا إلى تعذيب أصحابه، فهاجروا إلى الحبشة، ونشروا ذكر محمد في الآفاق وفي كل موسم حج، تأتي قبائل العرب من كل فج. فيتسامعون بمحمد ودعوته، ويعرض هو نفسه على القبائل ليدخلوا في دينه، ويحموا دعوته، وترجع كل قبيلة تتحدث بما رأت وما سمعت.
وأخيرًا تمت الكارثة، فقد لَبَّى دعوته الأوس والخزرج من أهل يثرب، وأتى نقباؤهم فبايعوه في هذا الموسم على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وهؤلاء أصحابه يخرجون إلى يثرب أسرابًا أسرابًا، وعما قليل يتبعهم محمد.
وماذا تكون العاقبة؟
سيتآخى من أسلم من قريش ومن أسلم من الأوس والخزرج، وسيكونون قوة عظمى تحاربنا وتجالدنا، والأوس والخزرج أبناء الحروب وأهل السلاح، فإذا انضم إليهم أبناء قريش ممن أسلم مع محمد فالويل لنا؛ سيمنعون تجارتنا ولا عيش لنا إلا بالتجارة، وسيبثون معه الدعوة إلى القبائل الأخرى، فيدخلون في دينه، ثم لا يكون لنا إلا الخزي والعار والفقر، وها هو ذا محمد اليوم بين أظهركم، وغدًا قوة في يد أعدائكم.
هذا هو الموقف، وهذه هي مسألة اليوم.
فما الرأي؟
وقف أبو البَخْتري بن هشام فقال: «احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله، زهير والنابغة ومن مضى منهم، حتى يصيبه ما أصابهم».
عورض هذا الرأي وردّ عليه رادّ فقال: لئن حبستموه ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي!
واقتنع المجلس بفساد هذا الحل.
فوقف أبو الأسود ربيعة بن عامر، وقال: الرأي عندي أن نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فوالله ما ندري أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كنت.
قوبل هذا الرأي باستخفاف لاذع لظهور سخفه، ورحم أحد الحاضرين قائله فرد عليه: «ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يَحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم، فيأخذوا أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد».
اقتنع المجلس — وكان من قبل مقتنعًا — بفساد الرأي.
فقام أبو الحكم بن هشام، وقال: «والله إن لي فيه رأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد، أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف — رهط محمد — على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعقْل، فعقلناه لهم».
خلب هذا الرأي لب المجلس وارتضوه وتواصوا بسرِّيته حتى ينفذ، وختمت الجلسة.
•••

أبلغ النبي ذلك ونزل عليه: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ? وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ ? وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وكان أبو بكر يتهيأ للهجرة إلى المدينة كما خرج غيره من قبل، والرسول يأمره بالانتظار حتى يخرج معه، فلما عزم الأمر أعدت العدة وأحكمت الخطة.
لئن خرجنا ظاهرين لتتعقبنا قريش، ولا بد أن يلحقونا فيرجعونا ويؤذونا، فنلجأ إلى جبل ثور (على مسافة ساعة من مكة) ولنختف في غار فيه، ولنعفِّ الأثر حتى لا يعرف مكاننا أحد.
•••

لقد كانت أيامًا شديدةً حقًّا، ثلاث عشرة سنة على النبي ? في جهاد متصل، ودعوة مستمرة، وطلب واضح أن يعدلوا عن عبادة الأصنام التي لا تنفع أحدًا ولا تضر أحدًا، إلى عبادة الله الذي بيده النفع والضر. ثم لا يظفر من قومه بعد كل ذلك إلا بهذا العدد القليل من المسلمين، ثم هم لا يتركونه ودعوته، ولا يكتفون بالصد عنها وعنه، بل يعذبون أصحابه أشد العذاب، وأخيرًا يقررون قتله فيضطرونه إلى الخروج من بينهم سرًّا.
ما أشدها ساعة يفارق فيها أهله وقومه ووطنه، والكعبة أحب مكان إليه! وقد عبَّر عن هذا كله إذ وقف على نشز من الأرض حين خرج من مكة ونظر إلى البيت، وقال: «والله إنك لأحب أرض الله إليَّ، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت منك».
مرت ثلاثة أيام في الغار وهي أشد ما تكون عليهما، طلب مستمر من أهل مكة وجُعل كبير لمن يجدهما، واقتفاء أثر ممن اشتهر في القيافة، وعذاب شديد في حياة الغار، حتى لقد تقطرت قدما الرسول دمًا، إذ يتعوّد الحَفَى والجَفْوَة، وساعة رهيبة إذ يصل القافَة إلى الغار، ولو نظروا من عند أقدامهم لرأوهُما، وحزن شديد من أبي بكر، وطمأنينة وثبات من النبي، فيقول لصاحبه: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا.
حتى إذا خف من قريش الطلب وقطعوا الأمل خرج النبي وصاحبه من الغار إلى المدينة في حفظ الله.
وقاية الله أغنت عن مضاعفةمن الدروع وعن عال من الأُطُم •••

لقد خرجا من مكة أول ربيع الأول (في يونيه سنة ???م) حيث يشتد الحر وتتوهج الصحراء، وكانا يعرِّجان على من يلقيان من الأعراب يتزودان بالمأكل والمشرب بمالهما.
وكان لهما على طول الطريق ذكريات وأحاديث وآمال. لقد كان موقفه من قريش كما قال القائل:
ثَوَى في قريش بضع عشرة حِجَّةيُذَكّر لو يلقى صديقًا مواتيا ثم يكون آخر الأمر تآمر على قتله وإخراجه وأتباعه من الديار بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله، ومرت في ذهنهما الحوادث من بدء الوحي إلى وقتهما هذا، ولو أثيرت عند غيره لأثارت الحفيظة والمقت، ولكنه النبي الذي ما كان يزيد في أشد الأوقات حرجًا على قوله: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». وانقطعت ذكريات مكة وأحاديث مكة، وقفز الذهن إلى يثرب وأهلها ومستقبلها ومشاكلها. إن بها اليهود فما هم صانعون؟ وإن بين أهلها خصومات، فكيف تستأصل؟ وإن الحالة الاقتصادية فيها سيئة، فكيف تتسع لمن هاجر إليها من قريش؟ وإن أرضها موبوءة لم يتعودها المكيون، فكيف تعالج؟ وأول كل شيء وقبل كل شيء ما مصير الدعوة؟ ويجيب النبيَّ قلبه: «لقد وعد الله — ووعده الحق — أن يُتم نوره ولو كره المشركون».
•••

هذا هو النبي ? يدخل يثرب، وهاهم أشرافها يتسابق كل منهم أن يجوز الفخر بنزوله عنده، وهذا مسجده يقام، وهاهو الأذان يُشرّع فيجلجل صوت بلال في المدينة، وهاهم أهل المدينة يدخلون في الإسلام أفواجًا، بنسائهم وذراريهم، وهاهو رسول الله يؤاخي بين المهاجرين والأنصار، فيكوِّن منهم وحدة متماسكة على أساس التعاون في الخير، ونصرة الحق، واحتمال الأذى في سبيل الدعوة إلى الله. وهذه المشاكل كلها تُحل، فتُحل مشكلة اليهود ومشكلة الفقر ومشكلة الوباء، ويصبح أهل المدينة أنصارًا، يحمون الدعوة، ويحققون ما عاهدوا رسول الله عليه، فيكون منهم ومن المهاجرين قوة ليس ما يدانيها في جزيرة العرب كلها؛ قوة إيمان تدعمها قوة سلاح، فتنتشر الدعوة، وتفد الوفود معلنة إيمانها، وتفتح مكة، وتدخل قريش فيما دخل فيه غيرهم، بعد أن فلَّت شوكتهم، وضعفت قوتهم، ويعم الإسلام جزيرة العرب، ويتلو رسول الله:
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ? إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.
ويقف على باب الكعبة بالقرب من دار الندوة، حيث تآمرت قريش على قتله منذ ثمان سنوات، فيقول: «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جُنده، يا أهل مكة! ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرًا، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، فيقول: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». لا يحمل حقدًا ولا ضغينة، ولا يريد انتقامًا، إنما يريد أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تكون كلمة الذين كفروا السفلى، وقد كان كل ذلك، فلا غضب ولا انتقام، وتدِّوي جزيرة العرب كلها بلا إله إلا الله محمد رسول الله.
•••

ذهبت أيام وجاءت أيام، وتولى عمر بن الخطاب، ومضى على خلافته سنوات والعرب تؤرخ بالأحداث العظام، فيقولون: حدث ذلك عام الفيل، وولد فلان بعد عام الفِجَار بسنة، وهي أحداث لا تتفق وعظمة الإسلام، ولا تصلح أن تكون تاريخ أمة عظمت فتوحها، ومست الحاجة لضبط شئونها وأعمالها؛ فيجمع عمر بعض الصحابة يستشيرهم: أيّ الأحداث أولى أن يكون مبدأ التاريخ الإسلامي، أولادة النبي ? أم وفاته أم نزول الوحي في غار حراء؟ ويقترح «عليّ» أن يكون الهجرة، فهي مبدأ نجاح الدعوة وانتشار الإسلام ومحق الشرك، فكان كما قال، وكانت الهجرة في الربيع الأول، وكان هذا التشاور في السنة السابعة عشرة، فأضافوا الأشهر السابقة على ربيع حتى يبدءوا بما اعتادوا به بدء السنة وهو المحرم، وجرى الأمر على ذلك.
•••

ثم تتابعت السنون، وتتابع هلال المحرم على المسلمين، بالسعود مرة، وبالنحس أخرى، وبالنعيم أحيانًا، وبالبؤس أحيانًا ورآهم في عزهم، ورآهم في ذلهم، ورآهم سادة، ورآهم عبيدًا، ورآهم يستيقظون وينامون ولكن لا يموتون، وتتوالى عليهم الكوارث التي تبلي الحديد ولكن لا يبْلَوْن، وتتعاقب عليهم سِنُو الضعف حتى يُشْفُوا على الموت ثم يشفَوْن، وحتى يندمج فيهم من عادهم، وينصرهم من ناوأهم، ويدخل في دينهم من حاربهم لدينهم، وييأس من تنصيرهم من حاول تنصيرهم، ومن تجريدهم من عزهم من حاول أن يسلبهم عزتهم؛ فكانوا كالمطَّاط يُضْغطون فلا يتشكلون إلا ريثما ينفرون ثم يستردون مكانتهم، ويعودون إلى عزتهم.
وهاهم في الأهلة الأخيرة ينتبهون من نومٍ طويل، فيدركون موقفهم ويألمون له، ويشعرون بالمرض بعد أن فقدوا الحس به، ويبحثون عن الدواء فيجدونه، ويحاولون أن يعودوا إلى مجدهم فيهتدون للطريق.
فعسى أن يكون هلال المحرم أسعد عليهم ممن سبقه، يزدادون فيه علمًا بإدراك موقفهم، ويزدادون همة في إصلاح ما ورثوا من آبائهم، ويزدادون خلقًا فيوحدون كلمتهم ويعلو شأنهم؛ وتأخذهم العزة فيأبون إلا أن يقفوا مع أرقى الأمم على قدم المساواة، فيتحررون كما تحرروا، ويبنون كما بنوا؛ وإذا سيموا خسفًا قالوا: «لا» بملء فيهم؛ ثم تدوّي كلمتهم في العالم كما دوّت من قبل، ويعتز بهم العلم والخلق والحق كما اعتزت بهم من قبل.
حقق الله الأمل.

البَرَكة


من ألذ الأشياء للباحث اللغوي مراقبته للكلمات وتطور معانيها؛ فالكلمة يبدأ معناها ماديًّا ساذجًا، ثم يأخذ في النمو والتطور على اختلاف العصور وتقدم الزمان؛ حتى ليعجب الناظر إذا هو وازن بين المعنى الخير للكلمة والمعنى الأول لها، لِبُعد العلاقة بينهما، وكلما تجلَّت لي هذه الفكرة عجبتُ من الجامدين الذين يتخذون شعارهم «ليس في القاموس». كأنهم يريدون أن تقف اللغة على ما كانت عليه في القرون الأولى، يوم دُوِّنَت المعاجم، ويريدون أن يتجاهلوا فعل الزمان في كل شيء، وفي اللغة نفسها، من أثر دائم وتطور مستمر. ولا زلتُ كلما كشفتُ عن مادة في اللغة الإنجليزية في معجم أكسفورد، وأراه يؤرخ الاستعمالات المختلفة للكلمة الواحدة، فيقول: إنها استعملت في معنى كذا سنة كذا، ثم استعملت في معنى كذا سنة كذا، أتمنى أمنيتين في اللغة العربية: إحداهما أن يؤمن الناس معي أن اللغة في تطور مستمر، وأن من الإجرام أن يريد اللغويون قصر معاني الكلمات على ما جاء في معاجم اللغة القديمة، متناسين كل عمل الأجيال التي أتت بعدها. وثانيتهما أن ينشط علماؤنا فيستطيعوا أن يخرجوا لنا معجمًا مؤرّخًا تُدَوّن فيه كل كلمة، ومنشأ استعمالها، وتطور معانيها مع الزمان إلى الآن.
•••

خَطَر لي هذا الخاطر وأنا أبحث في كلمة «البركة» من أين أتت، وكيف وصلت إلى ما نستعمله اليوم، فنقول: «رجل مبارك» و«المرتب ليس فيه بركة» و«ذرية مباركة» و«ذرية غير مباركة» و«زمنه مبارك» و«عمره لا بركة فيه» إلخ … وهكذا.
وقد عجبت إذ رأيت بعض علماء اللغة يعودون بهذه المعاني كلها إلى المعنى الأساسي وهو «برك البعير إذا أناخ في موضع فلزمه»، ثم نقله العرب من هذا المعنى إلى معنى النمو والزيادة، أو معنى السعادة، كأن البعير إذا أناخ استراح ونما وسعد. واشتقوا من هذا المعنى بارك الله الشيء، وبارك فيه، وبارك عليه، أي: أكثر خيره وأسعد به، ومنه قالوا: طعام مبارك، ومال مبارك، ورجل مبارك، وجاء في القرآن الكريم: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إلخ.
•••

قفز ذهني بعد ذلك من البحث اللغوي إلى البحث الاجتماعي أو البحث النظري: ما معنى «البركة»؟
يرى الناس رجلًا يتقاضى مئة جنيه في الشهر، وليس له إلا ولد أو ولدان، ومع ذلك مرتبه لا يكفيه، ويستدين، وتضطرب ماليته، فيقولون: «إن مرتبه لا بركة فيه». ويرون آخر مرتبه ثمانية جنيهات أو عشرة، ومعه أربعة أولاد أو خمسة، وهو يعيش عيشة حسنة بمرتبه الضئيل، لا يستدين، ولا تضطرب ماليته، فيقولون: «إن مرتبه فيه البركة».
ويرون رجلين في يد كل منهما جنيه، فأما أحدهما فخرج من بيته وعاد وليس معه شيء، وذهب جنيهه في أشياء تافهة لا قيمة لها، فيقولون: «إن جنيهه لم يكن فيه بركة». وأما الآخر فاشترى أشياء وأشياء نافعة لنفسه ولبيته، وعاد معه بقية من جنيهه، فيقولون: «إن في جنيهه بركة».
ويومُ كل الناس أربع وعشرون ساعة، وشهرهم ثلاثون يومًا، وأيام سنتهم متساوية؛ ومع هذا تجد الفروق بينهم في استخدام الزمن واسعة؛ فهذا تمر عليه الأيام والشهور والسنون وليس له إنتاج علمي ولا أدبي ولا مالي ولا صناعي؛ وهذا دائم الإنتاج كثيره، كأن أيامه سنون، وكأن عمره مئة عمر، فيقولون: «إن عمر الأول غير مبارك، وعمر الثاني مبارك».
ونرى رجلًا رزق الحظوة في أولاده، فبناته زوجن خير الأزواج، وأبناؤه ما شئت من استقامة ونجاح، هذا زراعي ناجح، وهذا عالم ناجح، وهذا صانع ناجح؛ ورجلًا آخر خاب كل الخيبة في أولاده، فبناته مع أزواجهن مصدر نزاع دائم، وقضاياهن في المحاكم لا تنتهي، وأبناؤه بين سكير ومقامر ومحتال، فيقولون في الأول: «إن في ذريته البركة» وفي الثاني: «لا بركة له في أولاده».
فما هي هذه البركة؟ أهي حجر الفلاسفة وكيمياء السعادة، وسرٌّ مكنون كالروح، نرى أثره ونعجز عن إدراك كنهه؟ أم هي قوانين الطبيعة التي يشرحها عالم الاقتصاد في شئون المال؟ وعالم الأخلاق في شئون الأخلاق، وعالم التربية في شئون التربية، وأن الأمر ليس سرًّا مكنونًا، وإنما هي قوانين طبيعية مكشوفة، لها مقدماتها ونتائجها المحتومة، من سار على المقدمات وصل إلى النتائج المعينة حتمًا، ومن لم يسر عليها لم ينل نتائجها حتمًا؟
أما بعد، فإني أمْيَلُ إلى الرأي الثاني «ورزقي على الله».
فالموظف الذي يتقاضى مئة في الشهر ويستدين، سبب انعدام بركته عدم سيره على قوانين الاقتصاد الطبيعية المعروفة؛ والموظف الذي يتقاضى عشرة ويعيش عيشًا رغيدًا، سبب بركته سيره على قوانين الاقتصاد الطبيعية المعروفة؛ فقد وضع الاقتصاد قوانين واضحة، يتطلب أمورًا: منها أن يكون إيجار منزله بنسبة كذات من مرتبه، وحاجات منزله كذا إلخ، وأن تقدم الضروريات على الكماليات، وأن يحسب حساب ما يشتري ويوازن بينه وبين المال الذي ينفق فيه، إلى غير ذلك من القوانين؛ فكلها إذا سار عليها سائر انتظمت ماليته وكانت مباركة، وإن لم يسر عليها اختلت ميزانيته وكانت غير مباركة، والاقتصاد يسمِّي من يسير على القوانين «مقتصدًا» أو سائرًا على قوانين الاقتصاد، ومن لم يسر مسرفًا أو مبذرًا أو مخالفًا للقوانين الاقتصادية؛ والناس يسمون المال مباركًا أو غير مبارك، وفيه بركة أو انتزعت منه البركة؛ والاختلاف ليس إلا في التعبير والمعنى واحد.
وكل ما يمكن أن يقال: أن العلم بهذه القوانين وعدم العلم بها ليس له كبير شأن في الموضوع؛ فقد يكون الرجل ماهرًا في علم الاقتصاد، درس في مصر ودرس في إنجلترا، وحاز أكبر شهادة في الاقتصاد، ومع ذلك لا يسير في حياته العملية وفق قانون الاقتصاد؛ فلا ينفعه علمه في حياته اليومية، وتطبق عليه قوانين الخيبة حتمًا رغم علمه. وقد لا يدرس الرجل الاقتصاد ولم يسمع بهذا الاسم مطلقًا، ولكنه يسير بطبيعته وفق تعاليمه، فتطبق عليه قوانين النجاح رغم جهله بالعلم؛ والشأن في ذلك شأن كل القوانين الطبيعية؛ فمن أخذ سكّرًا على أنه سم لم يضره السكر؛ ومن أخذ سمًّا على أنه سكر قضى عليه السم، ولم ينفع العلم ولم يضر الجهل؛ فالبركة وعدم البركة هي السير على قوانين الطبيعة أو عدم السير.
وعلى هذا الأساس مال الحكومة، قد يكون مباركًا وقد يكون غير مبارك على هذا المعنى؛ فالحكومة التي تبعثر أموالها فيما لا يفيد، وتقدم الكمالي على الضروري، وتنفق الأموال الطائلة في فتح شارع للترف، وتغدق على المؤتمرات للشهرة، وتتلف الأموال الكثيرة في الإكثار من عدد الموظفين ورفع درجاتهم، وتنشئ المشروعات الكبيرة للفخفخة قبل أن تعد العدد لفلاحيها ليشربوا ماءً نظيفًا، وقبل أن تعد العدد لعمالها ليجدوا الكفاف، ميزانيتها لا بركة فيها، ومعنى خلوها من البركة عدم سيرها على قوانين الاقتصاد الطبيعية. وإذا رأينا أمة أخرى ميزانيتها أقل من الأولى وهي بها أسعد من الأولى كانت ميزانيتها «فيها البركة» بهذا المعنى.
وحينئذٍ يكون معنى البركة التوفيق في أن يسير المرء أو المرأة أو الحكومة حسب قوانين الاقتصاد.
والرجل ذو الذرية المباركة بركته عبارة عن أن أولاده ورثوا من آبائهم وأمهاتهم بذورًا صالحة، ثم تربوا تربية صالحة، فكانوا في الحياة ناجحين موفقين، وهذا معنى البركة؛ فإذا هم ورثوا وراثة سيئة أو ربوا تربية فاسدة كانوا لا بركة فيهم، والذرية المباركة وغير المباركة خاضعة لسنة الله في خلقه وهي القوانين الطبيعية.
والعمر المبارك هو الذي عرف صاحبه كيف يستغله، والعمر غير المبارك هو الذي جهل صاحبه كيف يستغله، وهكذا.
•••

ولكن مما لا شك فيه أن المسألة ليست بهذا القدر من البساطة والوضوح؛ ففي الحياة أمور معقدة خفية تجعل الأمر أعقد من هذا وأصعب.
فقد يكون المرء سائرًا على قوانين الاقتصاد في دقة وإحكام كما ترسم قوانين الاقتصاد، ومع ذلك تضطرب ماليته، وتسوء حالته لأسباب لا دخل له فيها، كأن يصاب هو أو أحد أفراد أسرته بمرض يتطلب مالًا كثيرًا فتختل ميزانيته وتذهب بركتها، ولا دخل له في ذلك، أو يحدث حادث سماوي يتلف زراعته، أو يصاب بكارثة مالية ليست في الحسبان، أو تدهمه سيارة تكسر رجله بخطأ من السائق، أو نحو ذلك من تصاريف القدر؛ فكل هذه وأمثالها قد تفسد عليه نظامه المالي وتربكه ارتباكًا شديدًا، مع أنه الحريص في تصرفاته الحكيم في تدبير ماله؛ وكذلك نرى في الدنيا عكس هذا، نرى المسرف المبذر الساخر من قوانين الاقتصاد، ومع ذلك يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب، فيبارك له في معيشته رغم تبذيره ورغم القوانين الطبيعية والاقتصادية.
وكذلك الشأن في الأولاد، قد ينشَّأون خير تنشئة، ثم يصابون بصحبة من يفسدهم، مع أن الآباء قد بذلوا في تربيتهم كل جهد، وساروا على قوانين التربية بكل دقة، والعكس صحيح. ويعجبني في ذلك قول الشاعر:
فموسى الذي رباه جبريل كافروموسى الذي رباه فرعون مرسل هذا كله صحيح، وهذه أمور تستوجب التفكير، وليست الإجابة عنها يسيرة؛ ولكن ألست معي في أن هذه أمور استثنائية في الحياة؟ وربما كانت هي الأخرى خاضعة لقوانين لم تستكشف بعد؟ أليس من الخير أن نسير من القوانين على ما علم ونلتزمه، ونؤمن بالقوانين القليلة التي لم نعرفها حتى نعرفها؟ أو الخير أن نهمل كل القوانين؛ لأننا نجهل بعضها؟
أظن من الخير أن نسَيِّر حياتنا على ما علم، فإذا أردنا البركة فلنسر على قوانين الطبيعة، ولا يَضيرنا أن يكون جزء من حياتنا في يد القدر.
وعلى حسب تفسيرنا، إن كان هذا المقال سائرًا على قوانين الفن مثيرًا للنظر، ناجح الأثر، ففيه البركة، وإلا فلا بركة فيه، والعلم عند الله.

فنُّ السرور


نعمةٌ كبرى أن يمنح الإنسان القدرة على السرور، يستمتع به إن كانت أسبابه، ويخلقها إن لم تكن.
يعجبني القمر في تقلده هالة جميلة تشع فنًّا وسرورًا، وبهاءً ونورًا، ويعجبني الرجل أو المرأة يخلق حلوه جوًّا مشبعًا بالغبطة والسرور، ثم يتشربه فيشرق في محياه، ويلمع في عينيه، ويتألق في جبينه، ويتدفق من وجهه.
يخطئ من يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية، فيشترط ليُسَرَّ مالًا وبنين وصحة؛ فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف، وفي الناس من يشقى في النعيم، ومنهم من ينعم في الشقاء؛ وفي الناس من لا يستطيع أن يشتري ضحكة عميقة بكل ماله وهو كثير، وفيهم من يستطيع أن يشتري ضحكات عالية واسعة بأتفه الأثمان، وبلا ثمن.
•••

مع الأسف ألاحظ أن كمية السرور في مصر والشرق قليلة. كما لاحظت من قبل أن كمية الحب في مصر والشرق قليلة، وليست تنقصنا الوسائل، فجونا جميل، وخيراتنا كثيرة، وتكاليف الحياة هينة، ووسائل العيش يسيرة، ومصائب الشرق من الحرب أقل منها في الغرب؛ ومع هذا كله لا تزال كمية السرور في الشرق أقل.
أكبر سبب لذلك في نظري أن الحياة فن، والسرور كسائر شئون الحياة فن؛ فمن عرف كيف ينتفع بالفن استغله واستفاد منه وحظِي به، ومن لم يعرفه لم يعرف أن يستغله وشقي به.
أول درس يجب أن يتعلم في فن السرور «قوة الاحتمال»، فأكبر أسباب الشقاء رخاوة النفس وانزعاجها العظيم للشيء الحقير؛ فما إن يصاب المرء بالتافه من الأمر حتى تراه حَرِجَ الصدر، لهيف القلب، كاسف الوجه، ناكس البصر، تتناجى الهموم في صدره، وتقض مضجعه، وتؤرق جفنه، وهي وأكثر منها إذا حدثت لمن هو أقوى احتمالًا، لم يلق لها بالًا، ولم تحرك منه نفسًا، ونام ملء جفونه رضيَّ البال فارغ الصدر.
•••

ومن أهم الأسباب في أن أمم الغرب أقدر على السرور من أمم الشرق، أن تاريخ الغرب الحربي متسلسل متتابع، ومن مزايا الحروب أنها تصهر الأمم وترخص الحياة، وتهوِّن الموت، وإذا رخصت الحياة وهان الموت رأيت المرء لا يعبأ بالكوارث إلا بقدر محدود؛ وإذا كان لا يهاب الموت فأولى ألا يهاب ما عداه؛ لأن كل شيء غير الموت أهون من الموت، فكل أسرة أوروبية لها رجال فقدوا في الحرب، أو أصيبوا في الحرب أو ابتلوا بنوع من كوارث الحرب، فعلمتهم الطبيعة التي تعادل بين الأشياء أن يتقبلوا هذه الرزايا بقوة احتمال، ونشأ عن هذا أنهم لا ينغصون حياتهم بذكرى الرزايا، فأولى ألا ينغصوها بتوافه الأمور.
أما أمم الشرق فقد مرّ عليهم دهرٌ طويل لم يكونوا فيه أممًا حربية؛ بل كانوا مستسلمين وادعين، يتولى غيرهم الدفاع عنهم، وإن حاربوا فحرب الضرورة، وحرب الأفراد لا حرب الشعوب، فاستفظعوا الموت، وغلوا في الحرص على الحياة، ولم يصابوا بكوارث شعبية يستعذبون معها الموت والتضحية، وتبع ذلك رخاوة العيش وعدم القدرة على الاحتمال، وتهويل الصغائر والجزع من توافه الأمور. ولا دواء لهذا إلا التربية القوية، وبث الأخلاق الحربية.
وسببٌ آخر لقلة السرور في الشرق، وهو سوء النظم الاجتماعية، ففي كل بيت محزنة من سوء العلاقات الزوجية والعلاقات الأبوية، وفي كل مصلحة أهلية أو حكومية مأساة من سوء العلاقات المصلحية وأحاديث الدرجات والعلاوات، وعدم التعاون في حمل الأعباء، وبناء المعاملات على الفوضى والمصادفات لا النظام والقانون.
ثم عدم القدرة على خلق أسباب السرور الاجتماعية؛ فاجتماعات المنازل التي تبعث السرور محدودة ضيقة نادرة، وفي كثير من الحيان تنتهي بمنغصات؛ والملاهي العامة إما داعرة لا ترضي الذوق السليم، ولا ترمي إلى غرض شريف، وإما تافهة لا يجمِّلها فن، ولا يرقيها ذوق، ومن أجل ذلك كان أشد الناس بؤسًا في الأمم الشرقية الطبقة المثقفة المهذبة التي رقي ذوقها؛ فهي لا تكاد تجد لها ملهى يتفق وذوقها، إلا بعض شرائط السينما، وهي — على قلتها — لا تشبع رغبتهم في السرور، ولا تكفي في تخفيف أعبائهم في الحياة.
•••

ومع هذا كله ففي استطاعة الإنسان أن يتغلب على كل هذه المصاعب ويخلق السرور حوله. وجزء كبير من الإخفاق في خلق السرور يرجع إلى الفرد نفسه، بدليل أنّا نرى في الظروف الواحدة والأسرة الواحدة والأمة الواحدة من يستطيع أن يخلق من كل شيء سرورًا، وبجانبه أخوه الذي يخلق من كل شيء جزنًا؛ فالعامل الشخصي — لا شك — له دخل كبير في خلق نوع من الجو الذي يتنفس منه؛ ففي الدنيا عاملان اثنان: عامل خارجي وهو كل العالم، وعامل داخلي وهو نفسك، فنفسك نصف العوامل، فاجتهد أن تكسب النصف على الأقل؛ وإذًا فرجحان كفتها قريب الاحتمال، بل إن النصف الآخر — وهو العالم — لا قيمة له بالنسبة إليك إلا بمروره بمشاعرك، فهي التي تلوّنه، وتجمّله أو تقبحه، فإذا جلوت عينيك وأرهفت سمعك وأعددت مشاعرك للسرور فالعالم الخارجي ينفعل مع نفسك فيكون سرورًا.
إنّا لنرى الناس يختلفون في القدرة على خلق السرور اختلاف مصابيح الكهرباء في القدرة على الضياء؛ فمنهم المظلم كالمصباح المحترق، ومنهم المضيء بقدر كمصباح النوم، ومنهم ذو القدرة الهائلة كمصباح الحفلات؛ فغيِّرْ مصباحك إن ضعف، واستعض عنه بمصباح قوي ينير لنفسك وللناس.
ولكن ما الوسيلة إلى ذلك؟
مما لا شك فيه أن غلبة الحزن مرض قد ينشأ من عوامل كثيرة مختلفة، فمن الخطأ رجوعها كلها إلى علة واحدة؛ وإذًا فمن الخطأ وضع علاج واحد للعلل كلها، ولكن فحص كل نفس وأسباب حزنها ووضع العلاج الخاص بها لا يستطيعه إلا طبيب نفسي ماهر. أما الكاتب فلا يستطيع إلا قولًا عامًّا ووصفًا مشتركًا، وتعرضًا للمسائل العامة.
ولعل من أهم أسباب الحزن ضيق الأفق وكثرة تفكير الإنسان في نفسه، حتى كأنها مركز العالم، وكأن الشمس والقمر والنجوم والبحار والأنهار والأمة والحكومة والميزانية والسعادة والرخاء، كلها خلقت لشخصه، فهو يقيس كل المسائل بمقياس نفسه، ويديم التفكير في نفسه وعلاقة العالم بها، وهذا — من غير ريب — يوجب البؤس والحزن، فمحال أن يجري العالم وفق نفسه؛ لأن نفسه ليست المركز، وإنما هي نقطة حقيرة على المحيط العظيم، فإن هو وسع أفقه، ونظر إلى العالم الفسيح، ونسي نفسه أحيانًا، ونسي نفسه كثيرًا، شعر بأن الأعباء التي ترزح تحتها نفسه، والقيود الثقيلة التي تثقل بها نفسه، قد خفت شيئًا فشيئًا وتحللت شيئًا فشيئًا. وهذا هو السبب في أن أكثر الناس فراغًا أشدهم ضيقًا بنفسه؛ لأنه يجد من زمنه ما يطيل التفكير فيها إلى درجة أن يجن بنفسه؛ فإن هو استغرق في عمله وفكر في أمته وفكر في عالمه، كان له من ذلك لذة مزدوجة، لذة الفكر والعمل، ولذة نسيان النفس.
ولعل من أول دروس فن السرور أن يقبض على زمام تفكيره فيصرِّفه كما يشاء؛ فإن هو تعرض لموضوع مقبض — كأن يناقش أسرته في أمر من الأمور المحزنة أو يجادل شريكه أو صديقه فيما يؤدي إلى الغضب — حوَّل ناحية تفكيره وأثار مسألة أخرى سارَّةً ينسى بها مسألته الأولى المحزنة؛ فإن تضايقْت من حديث ميزانية البيت فتكلم في السياسة، وإن آلمك حديث «الكادر» فتكلم في الجو، وانقل تفكيرك كما تنقل بيادق الشطرنج.
ثاني الدروس أو ثالثها — لا أدري — ألا تقدر الحياة فوق قيمتها، فالحياة هينة، وكل ما فيها زائل، فاعمل الخير ما استطعت، وافرح ما استطعت؛ ولا تجمع على نفسك الألم بتوقع الشر ثم الألم بوقوعه، فيكفي في هذه الحياة ألم واحد للشر الواحد.
وأخيرًا، فاعل ما يفعله الفنانون، فالرجل لا يزال يتشاعر حتى يكون شاعرًا، ويتخاطب حتى يصير خطيبًا، ويتكاتب حتى يكون كاتبًا؛ فتصنَّع الفرح والسرور والابتسام للحياة حتى يكون التطبع طبعًا.

طب النفس


من المشاهد أن الناس يؤمنون أشد الإيمان بمرض أجسامهم، ولا يؤمنون بمرض نفوسهم، فإذا شعر أحدهم بمرض جسمي أسرع إلى الطبيب يصف له أعراضه، ويستوصفه دواءه، وينفذ أوامره مهما دقت، ويبذل في ذلك الأموال مهما جلَّت، ثم هو يمرض نفسيًّا، فلا يأبه لذلك، ولا يعيره عناية، ولا يستشير طبيبًا نفسيًّا، ولا يعني بدرس الأعراض ومعرفة الأسباب، وقد يلح عليه مرض النفس ويصل به إلى اليأس، فلا يسعى لعلاج ولا يجدّ في معرفة دواء، كأن نفسه أهون عليه من جسمه، وروحه أتفه من بدنه.
ومن أجل عناية الناس بأجسامهم دون نفوسهم، كان لدينا نظام شامل واف لطب الأجسام دون طب النفوس؛ فمدرسة لتخريج الأطباء حتى للطب البيطري، ومعاهد للتشريح والتجارب، وتخصص في الأمراض؛ فهذا طبيب عين، وهذا طبيب أنف وحنجرة، وهذا طبيب أسنان، وهذا طبيب باطني إلخ، وكان لكل حي طبيب أو أطباء، ولكل مدرسة طبيب، ووجدت المستشفيات في أنحاء الأقطار، وعدها الناس عملًا خيريًّا يتبرعون له بأموالهم، كما عدتها الحكومات ضرورة اجتماعية، ترصد لها الأموال في ميزانيتها، وأنشئت الصيدليات في كل حي وكل شارع لتلبية طلبات الأطباء والجماهير في كل وقت إسعافًا للجسم في مرضه وفي ترفه.
وخضعت هذه النظم لسنة الارتقاء، فهي تساير الزمان، وتستفيد مما يؤدي إليه البحث والعلم، تتكيف حسب ما تقضيه الأحوال، وتجهز بأحدث المخترعات.
والعقل عني به بعض هذه العناية، فكان أطباء للأعصاب، ومستشفيات للمجاذيب، وبحوث وتجارب في أمراض العقل وعلاجه.
أما النفس فحظها من ذلك كله حظ الأرنب بجانب الأسد، فلا الناس يقدرون خطورة أمراضها، ولا تنشأ المدارس لأطبائها، ولا تؤسس المستشفيات لعلاجها.
مع أني أعتقد أن آلام الناس من نفوسهم أضرارها من مرضى الجسوم، وللنفس أمراض لا حصر لها، تختلف كاختلاف أمراض الجسم إلى مرض عين ومرض معدة ومرض أمعاء؛ فهناك حميات نفسية متعددة كحميات الأجسام، وهناك ميكروبات نفسية كالميكروبات المادية، وهناك عدوى تصيب النفوس كعدوى الأجسام، وهناك انفعالات تحرق النفس وتضني البدن، إلى آخر ما هنالك، ولكل هذه الأمراض علاجات تختلف باختلاف المرض وباختلاف الشخص، ولها أدوية من جنسها، منها ما يسكن الألم، ومنها ما يشفي المرض؛ وهي في دراستها وتشخيصها وعلاجها أدق وأصعب منالًا وأغمض كشفًا، والفرق بينها وبين أمراض الجسم وعلاجه كالفرق بين الجسم والنفس.
فما أحوجها إلى أطباء مهرة، ومستشفيات صالحة معدة، ودراسات عميقة منتجة، ونظم ترقى مع الزمان رقي طب الأجسام.
لعل الذي صرف الناس عن علاج نفوسهم إلى علاج جسومهم أنهم أو الكثير منهم لا يزالون يسبحون في دائرة الحس وحده، ولم يرتقوا إلى ملاحظة النفوس وشئونها؛ فإذا جرح الإنسان جرحًا بسيطًا في جسمه هرع إلى الطبيب يعالجه ويحتاط له، وإذا كسر عظمه ذهب إلى الطبيب ليجبر كسره، ولكن إذا جرحت نفسه ولو جرحًا عميقًا، وكسرت ولو كسرًا خطيرًا احتمل الألم من غير بحث عن علته أو نتائجه أو طرق مداواته؛ لأنه لا يزال ماديًّا في إدراكه أوليًّا في تفكيره.
أو لعل السبب أن الناس لا يؤمنون بأطباء النفوس إيمانهم بأطباء الأجسام، فهم لا يعتقدون في صلاحيتهم، ويشكون كل الشك في قدرتهم على علاجهم، فيستسلمون للمرض النفسي كما يستسلمون لمرض جسمي استحال شفاؤه ولم يستكشف دواؤه؛ إن كان هذا فعلى الطب النفسي أن يثبت قدرته ويبرهن على نجاحه حتى يقبل الناس عليه ويؤمنوا به.
وقد يكون السبب أن الناس يؤمنون بسهولة أمراض النفس وقدرتهم على علاجها والاشتفاء منها من غير طبيب، فما عليه إن كان حزينًا إلا أن يضحك أو منقبضًا إلَّا أن يتسلى؛ وهذا خطأ بين، فأمراض النفوس كأمراض الجسم فيها ما يداوَى بحِمْية، وفيها ما يستعصي على الطبيب الماهر والخبير الحاذق.
•••

لعلك تزعم أن هذه الناحية من طب النفوس لم تهمل بتاتًا، فهناك المدارس للتهذيب، فيها إصلاح النفوس وفيها دروس الدين والأخلاق لمعالجة الأمراض، وهناك الوعّاظ لإرشاد الناس وعلاج النفس، وهناك العرف والقوانين توجه الناس إلى الخير وتحذرهم من الشر، وفي ذلك تهذيب لنفسهم وإصلاح لجوانب الشر فيهم.
ولكن يظهر لي أنها كلها مع فائدتها لا تكفي؛ لأنها — من ناحية — تكون علاجًا عامًّا يقال لكل الأشخاص، وتخاطب بها كل النفوس، كالطبيب يذكر ضرر الإفراط في الأكل، وأضرار كثرة التدخين، وفائدة الرياضة البدنية وفائدة الاعتدال في المأكل والمشرب، وهي قلَّ أن تتعرض للأزمات النفسية الخاصة بكل نفس وما أحاط بها من ظروف خاصة، ونوع النفس وما يلزم لها من علاج خاص بها، وهي أقرب ما تكون إلى الوقاية لا إلى العلاج، وللاحتياط من الوقوع في المرض لا لعلاج المرض، فإن تعرضت لعلاج وصفت علاجًا عامًّا للناس على السواء، إذ ليس في استطاعتها — غالبًا — أكثر من ذلك.
ومن ناحية أخرى أكثر ما بأيدينا منها اليوم لم يؤسس على ما وصل إليه العلم الحديث، ولم يبن على ما استكشف من قوانين علم النفس على قلة ما استكشف منها؛ فالدراسة الحديثة أبانت عن اتجاهات كانت غامضة، وأخطاء كانت ترتكب في تصور النفس وإدراكها وجرائمها وطرق تهذيبها، ولا يزال علماء النفس يقرون بأنهم في أولى مراحلهم، ولم يقولوا في النفس إلا الكلمة الأولى، فكان من المعقول أن يساير التهذيب ودراسة الأخلاق وعلاج النفس ما وصل إليه علم النفس والاجتماع، كما يساير علم طب الأجسام ما يستكشف من مخترعات، فآلام الجراحة اليوم غيرها بالأمس، والمادة الطبية اليوم غيرها بالأمس وهكذا، ولكن ذلك لم يكن.
وربما مكان أقرب المناحي إلى طب النفس منحى الصوفية؛ فقد كان لكل مريد شيخه يفضي إليه بدخائل قلبه وأزمات نفسه، ووساوسه وخطراته وآلامه وتوجهاته، والشيخ يصف لكل مريد ما يراه أنسب له وأقرب لعلاجه، ويصف له طرقًا يسلكها، واتجاهات يتجهها، وأورادًا يتلوها، يرى أنها تشفي مرضه، وتبرئ نفسه، وله في كل مريد نظرته وفراسته، بها يشخص وبها يصف. ولكن تكاد تقتصر هذه الحالة بين المريد والشيخ على الأزمات الدينية. أما ما عدا ذلك من أزمات دنيوية واجتماعية، فقلما يتناولها المريد والشيخ. على أنه، من لكل مريد بهذا الشيخ الدقيق النظر، الصائب الفكر، الصادق الفراسة، الموفق في تبيُّن المرض ومعرفة العلاج.
•••

وإذا عدمنا مثل هذا «الشيخ» وحرمت مجتمعاتنا من نظم وافية شاملة للطب النفسي كالنظم الوافية الشاملة للطب الجسمي، فلا أقل من أن نوجه النظر إلى أن يعني كل شخص بناحيته النفسية عناية لا تقل عن عنايته الجسمية.
فضحايا أمراض النفوس كثيرون، وصرعى المرض لا يحصَون، والالتفات إلى فتك هذا النوع من الأمراض ضعيف فاتر. فهناك صرعى الخوف من الموت ومن الفقر ومن الرؤساء، وهناك صرعى الشك في الدين وفي الحياة وقيمتها وفي كل ما يحيط بهم مما في الأرض وما في السماء، وهناك صرعى الحزن لا يسرهم شيء في الحياة ويودون أن يبكوا دائمًا ويسوّدون كل منظر يرونه، ويحزنون عندما يحزن الناس ويحزنون عندما يضحك الناس، فإذا عدموا أسباب الحزن خلقوها حتى من أعمق منابع السرور. وهكذا تتعدد الصرعى، كصرعى السل والسرطان وما إليهما. يبدأ فيهم مكروب النفس صغيرًا، ثم ينمو شيئًا فشيئًا حتى يفترسهم، ثم من العجب ألا يتوجهوا قليلًا ولا كثيرًا إلى قتلها قبل أن تقتلهم، وهزيمتها قبل أن تهزمهم، كأنهم يظنون أن المرض فوق أن يعالج، والأمر أيأس من أن يفكر فيه.
•••

لأمراض النفس أسباب عدة: من حالة صحية، وبيئة اجتماعية، وبذور ميكروبات تسربت إليها من كتب قرأتها، ومقالات طالعتها، وأحاديث سمعتها، ومناظر رأتها، إلى غير ذلك. ولعل أهم مرض نفسي يصيب طائفة المثقفين سببه أنهم لا يريدون أن يكونوا أنفسهم ويريدون أن يكونوا غيرهم.
لقد خلقت النفوس البشرية متشابهة في بعض جهاتها، مختلفة في بعض جهاتها، شأنها في ذلك شأن الوجوه؛ فكل وجه فيه عينان وأنف بين العينين وفم تحت الأنف وذقن تحت الفم، ولكن مع هذا الاشتراك، لكل إنسان وجهه الخاص به لا يشاركه فيه غيره. وكذلك النفوس تشترك في اللذة والألم، وتشترك في أهم منابع اللذة ومنابع الألم، وتشترك في الغرائز الأساسية وما إلى ذلك؛ ومع هذا فلكل إنسان نفسه الخاصة، لا يساويها في جميع وجوهها غيرها.
ومما ألاحظه أن نفس كل إنسان إن سارت على فطرتها، وعرفت أن تتغذى بما يناسبها، وطلبت لها مثلًا أعلى يتفق وطبيعتها، عاشت في الأغلب راضية مطمئنة؛ فإن خالفت فطرتها وحاولت أن تكون غيرها، أظلمت وأصابها الحزن والقل والاضطراب، وفقدت سعادتها وهناءها واطمئنانها ورضاءها؛ ومحال أن تنال ما يخالف فطرتها، كما هو محال أن يكون الوجه الأسود أبيض، أو الأبيض أسود، أو الطويل قصيرًا، أو القصير طويلًا.
يسعد الإنسان إذا عرف طبيعته وحدوده التي يستطيع أن يصل إليها ونوع الرقي الذي يمكن أن يبلغه، فإن حاول أن يكون غير ذلك كان في الحياة «ممثِّلًا» لا يعيش عيشته الطبيعية؛ فهو فقير يمثل دور ملك، وصعلوك يمثل دور وزير، وطفل يمثل شيخًا هرمًا، ورجل يمثل دور امرأة، ومحال أن يوائم نفسه الحقيقية والدور الذي يمثله إلا بمقدار ما يظهر على المسرح؛ فإن هو حاول أن يطيل ذلك بعد دوره فجزاؤه الهزؤ به، والسخرية منه، وقلق نفسه، واضطراب شأنه.
فأكثر أسباب اضطراب المثقف ناشئ من أنه غبي يريد أن يكون ذكيًّا، أو ميال بطبعه إلى العزلة والانكماش يريد أن يكون وجيهًا شهيرًا، أو عالم يريد أن يكون أديبًا، أو أديب يريد أن يكون عالمًا، أو صرح يريد أن يخادع ويمالق، أو خجِل يريد أن يكون وقحًا، أو متزن نواحي العقل يريد أن يكون نابغًا شاذًّا … إلخ. فهو يحاول ويحاول، ثم يخفق ويخفق؛ لأنه يكلف النفس ضد طباعها. وهذا الإخفاق يهز نفسه هزة عنيفة تسبب له القلق الروحي والاضطراب النفسي. هو بذلك يريد أن يكون إنسانًا صناعيًّا وهو مخلوق إنسانًا طبيعيًّا، فالتوفيق محال. فخير نصيحة لهذا وأمثاله أن تقول له: «كن نفسك، ولا تَنْشُدْ إلا مَثَلكَ».

سلمان الفارسي


كانت الدول العظمى التي تجاور العرب، والتي لهم بها اتصال في عهد النبي ? ثلاثًا: الحبشة، والرومان، والفرس، يتصل بها العرب في تجارتهم، وفي رحلاتهم، وفي حياتهم السياسية والاجتماعية، فإذا أوذي المسلمون في إسلامهم هاجروا إلى الحبشة، وإذا رحل تجارهم إلى الشام فقد اتصلوا بالرومان، وإذا اتصل عرب الحجاز بعرب اليمن، فقد اتصلوا بمملكة كسرى. وللفرس إمارة عربية تحتضنها، وهي إمارة المناذرة، وللرومان إمارة مثلها تحتضنها، وهي إمارة الغساسنة، ولكل من المناذرة والغساسنة اتصال وثيق بالحياة الأدبية والاجتماعية والسياسية للعرب عامة.
ومن العجيب أن نرى ثلاثة من عظماء الصحابة، كل ينتمي إلى أمة من هذه الأمم العظيمة، وكل له منزلة كبيرة في الإسلام، وكل له دور خطير في حياة المسلمين الأولى! هم: بلال الحبشي، وصهيب الروماني، وسلمان الفارسي.
فبلال كان غلامًا حبشيًّا، أسمر شديد السمرة، نحيفًا طويلًا، وكان من المستضعفين فأعزه الإسلام، وكان للمسلمين الأولين بمنزلة الموسيقى للجيش، يؤذن لهم فيهيج مشاعرهم، ويجلجل بصوته بينهم فيملؤهم روعة وحنانًا، وحماسة وقوة.
وأما صهيب الروماني، فكان أحمر شديد الحمرة، ليس بالطويل ولا بالقصير، وهو إلى القصر أقرب، يرتطن لسانه عجمة رومانية، تربى ناشئًا في بلاد الروم، يتكلم بلسانهم ويعيش عيشتهم، ثم دفعت بع المقادير إلى مكة، فكان من أول الناس إسلامًا، واصطحبه رسول الله في الغزوات، واختاره عمر عند موته ليصلي بالناس حتى يجتمعوا على خليفة.
وأما صاحبنا سلمان ففارسي، نشأ نشأة فارسية في قرية من قرى أصفهان، لم يشهد نشأة الإسلام في مكة كما شهدها بلال وصهيب، وإنما شهد النبي بعد هجرته إلى المدينة.
ولعل كلًا من هؤلاء الثلاثة يمثل قومه ويصور جنسه؛ فبلال شديد التحمس لدينه في بساطة قلب، وهو إلى ذلك يجيد الرمي ويصيب الهدف، يعذبه أمية بن خلف الجُمَحي في بدء إسلامه، ويواليه بالعذاب والمكروه، فيحتفظ بلال بذلك في نفسه، حتى إذا جاء يوم بدر يرميه بلال بسهم فلا يخطئه ويميته، وهكذا الحبشة، بساطة وتحمس للعقيدة وإجادة للرمي.
وصهيب كان مسرفًا في المال، وكان كذلك من أرمى الناس، وكان لطيفًا حسن الدعابة، ظريف الفكاهة، وكذلك الرومان.
وكان سلمان يمثل النزعة الروحية الصوفية الزاهدة، كما كان شأن بعض الفرس في الإسلام.
وكان ثلاثتهم يعتزون بالإسلام. ولا يعتزون بغيره، فقد كانوا موالي ثم تحرروا، والعرب شديدو الفخر بعربيتهم، شديدو الاعتزاز بدمهم، شديدو التغني بحريتهم، شديدو الأنفة على غيرهم؛ فما كان لهؤلاء الموالي من غير العرب أن يفخروا بحبشية بينهم أو رومية أو فارسية، إنما يفاخرون بالإسلام وبالإسلام وحده، فهو الذي أهدر العصبية الجنسية، وأقام القيمة الذاتية، ورفع شأن القيمة الدينية؛ ولذلك كانوا يغضبون من هذه النعرة الجنسية ولا يحبونها، ويرون أن هذه العظمة القبلية لا تستحق البقاء، ويجب أن يقتل أهلها في غير هوادة؛ فقد رووا أن أبا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: «ما أخذَت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها»، فقال أبو بكر: «أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟»
عل كل حال، كان بلال الحبشي، وصهيب الروماني، وسلمان الفارسي، من أبرز الشخصيات الإسلامية وأكثرها دَوِيًّا، ولكن كان من حسن حظنا وحظ سلمان أن كانت الدولة العباسية دولة فارسية في رجالها ونظامها ومؤرخيها؛ فكثير ممن دونوا العلم والتاريخ من أصل فارسي، فقدموا لنا صورة جميلة زاهية شعرية لسلمان. ولم يكن من المؤرخين الحبشي ولا الروماني الذي يقدم لنا مثل هذه الصورة لبلال أو صهيب، فكانت الصحف التي تروي لنا أحداث بلال وصهيب أقل جدًّا مما تروي لسلمان.
•••

تمثل لنا هذه الصورة سلمان نشأ في بلدة من أصفهان في بيت غني، فكان أبوه دهقانًا أي: رئيس إقليم، وكان سلمان من صنف أولئك الأفراد الذين ينشأون وبين جنوبهم عاطفة دينية قوية، يقودها عقل قوي باحث. وقد روى التاريخ لنا أمثلة كثيرة منهم، كإبراهيم بن أدهم، والغزالي.
ينشأ سلمان على دين وثني فيخلص له حتى يكون الموكَّل بالنار المقدسة يوقدها ولا يتركها، ثم يجيل عقله في هذا الدين فلا يرتضيه. ويبحث عن دين يعجبه فيهتدي إلى النصرانية، ولكن ليست النصرانية الشعبية، ولا النصرانية التي يحترفها رجال الدين، إنما هي النصرانية المتبتلة التي يخلص لها بعض أفراد قلائل من رجال الدين؛ فينقطعون عن العالم زهدًا وورعًا، ويتصلون بالله اتصالًا وثيقًا، ويبيعون له أنفسهم، فيتصل سلمان بأحدهم، ويتخرج على يده، ثم يلتحق بثان وثالث، كلما مات أحدهم استنصحه سلمان فيمن يتبعه من بعده. حتى إذا بلغته دعوة محمد اشتاق أن يراه، وأن يسمع منه، وأن يمتحن صدقه وإخلاصه. ولكن الشُّقّة بين الشام ومدينة الرسول بعيدة كل البعد، عسيرة كل العسر، فيمر به قوم من كلب ذاهبون إلى الحجاز، فيسألهم أن يحملوه معهم نظير بقرات له وغنيمات فيفعلون. حتى إذا كانوا في بعض الطريق غدروا به وباعوه رقيقًا ليهودي، فاتصل باليهود وعرف دينهم أيضًا، فإذا هو على علم بالوثنية والنصرانية واليهودية، وتنقلت به أيدي اليهود، حتى وقع في يد رجل من يهود بني قُرَيظة الذين يسكنون المدينة، فتم له ما أراد، واتصل بالنبي وامتحنه، فعرف صدقه فأسلم، وأعانه النبي ? على فك رقه فتحرر.
حتى إذا كانت السنة الخامسة للهجرة — وقد تجمعت الأحزاب على رسول الله، من قريش وقائدها أبو سفيان، وغطفان وقائدها عيينة بن حصن، ومعهم يهود المدينة — رأى المسلمون أن يحتموا منهم بضرب الخندق على المدينة. ولم يكن حفر الخندق من عادة العرب في حروبهم، ولكنه من مكايد الفرس، فروى المؤرخون أن الذي أشار به سلمان الفارسي.
ويخرج أميرًا على جيش من جيوش المسلمين لغزو فارس في عهد عمر، فيحاصرون حصنًا من حصون فارس، فيقول له المسلمون: ألا نقاتلهم يا أبا عبد الله؟ فيقول سلمان: دعوني حتى أدعوَهم كما سمعت رسول الله يدعوهم. فيقول لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي، ألا ترون العرب تطيعني؟ فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه وأعطيتمونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون. ويكلمهم بالفارسية فيقولون: لا نؤمن ولا نعطي الجزية. فيقول الجيش: ألا نقاتلهم؟ فيقول: لا. فيدعوهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا، فإذا أصروا قاتلهم ففتحوا الحصن.
•••

أظهر ما في صورة سلمان بعد ذلك شيئان: علمه وطريقة حياته. فأما علمه فهو مساير تمام المسايرة لما رووا من تاريخ حياته؛ فهو رجل تعمق في الوثنية حتى عرف أسرارها ووُكل بشعائرها، ثم عرف النصرانية وأخذ عن رهبانها، وانقطع لدراستها وتطبيقها، وكان يتحرى المشهورين من رجالها فيرحل إليهم ويتصل بهم، ثم وقع في يد اليهود فرأى منهم كيف يعبدون وسمع منهم ما يروون، ثم أسلم واتصل أكبر اتصال بمنبع الإسلام في أزهر أيامه. فكيف لا يكون بعدُ عالمًا؟
وناحية أخرى من العلم وهو ما أتيح له في حياته، ولم يُتَح لأكثر الصحابة في عهد النبوة، تلك تطوافه في أعظم الممالك الممدنة قبل اتصاله برسول الله، فقد نشأ في فارس ورأى مدنيتها وخبر أهلها وورث دماءها، ثم رحل إلى الشام ورأى مدنية الرومان وعرف أحوالها، وتنقّل — كما يقولون — بين الموصل ونصيبين وعمورية وغيرها. وكان إذ ذاك في سن ناضجة، فقد وصل إلى المدينة وأسلم وهو في نحو الخمسين من عمره.
هذه الدراسات الدينية المختلفة، وهذه التجارب الكثيرة المختلفة، تجعل منه — من غير شك — في جزيرة العرب شخصًا ممتازًا بالعلم.
لذلك روي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن سلمان. فقال: من لكم بمثل لقمان الحكيم؟ ذاك امرؤ منا أهل البيت، أدرك العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر.
أما نوع حياته فقد تبع طبيعة مزاجه الذي لازمه منذ نشأته، فاعتكف في الوثنية، وترهب في النصرانية، وتزهد في الإسلام. وهذه النزعة التي جعلته يحل مكانًا بارزًا بين رجال الصوفية.
لقد آخى رسول الله ? بينه وبين أبي الدرداء، ولعل سبب الإخاء ما بينهما من تشابه في نزعة الزهد، ولكن أبا الدرداء غالى فرأى من الزهد أن يصوم نهاره ويقوم ليله، حتى تشكو منه امرأته، فيقول له سلمان: إن لأهلك عليك حقًّا، فصلِّ ونم، وصم وأفطر. فيبلغ ذلك النبي ?، فيقر سلمان على قوله.
أما سلمان فيتزوج ويظن أن العرب قد أهدروا العصبية، فيخطب بنت عمر، ناسيًا ولاءه وناسيًا أن العادات لا يمكن أن تُستأصل فجأة، فيأتي إليه قوم عمر يرجونه أن يعدل عن هذه الخطبة، فيعدل ويقول: والله ما حملني على هذا إمرته ولا سلطانه، ولكني قلت: رجل صالح عسى الله أن يُخرج مني ومنه نسمة صالحة، ثم يتزوج في كِنْدة، فإذا تزوج كره أن يفرش له، ويصيح في أهل زوجته: أتحولت الكعبة هنا أم هي حُمّى؟ ويسأله العرب على عادتهم في الصباح: كيف وجدت أهلك؟ فيردّ عليهم: ما بال أحدكم يسأل عن الشيء قد وارته الأبواب والحيطان؟
كان — إذًا — يتزوج ويعمل بما أوصى به أخاه أبا الدرداء من أن لبدنه حقًّا ولأهله حقًّا، ولكنه كأبي الدرداء لا يرى السعة في العيش، ولا الترف في الحياة، فكان شعاره دائمًا ما كان يكرره: «ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب».
ويفتح على المسلمين ويخصص لكل منهم عطاء حسب الأسبقية في الإسلام، فيكون عطاء سلمان نحو أربعة آلاف درهم، فيخرج عنها ويعيش من عمل يده عيشة الكفاف.
ويؤمّر على المدائن (كما يروي بعض المؤرخين)، فلا يحفل بإمارة ولا يحيطها بمظاهر الأبهة والعظمة والسلطان؛ بل يعيش كما كان، يخطب الناس في عباءة، ويخرج على جمار عريّ، وعليه قميص قصير، فيضحك من رآه ويشبهونه بلعبة، فيبلغه ذلك فيقول لمبّلغه: دعهم فإنما الخير والشر فيما بعد اليوم.
ويكره الإمارة فيتركها ويقول: كرَّهني فيها حلاوة رضاعتها ومرارة فطامها.
ويسكن أبو الدرداء بيت المقدس ويتولى فيها القضاء، ويدعو أخاه سلمان إلى الأرض المقدسة، فيكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس الإنسان عَمَلُه، وقد بلغني أنك جُعلت طبيبًا?، فإن كنت تبرئ فنعمَّا لك، وإن كنت متطببًا فاحذر أن تقتل إنسانًا فتدخل النار. ويظل في المدائن حتى يموت بها سنة ??هـ في آخر خلافة عثمان، ويزوره الأمير سعد بن مالك في مرض موته فيقول سلمان: أيها الأمير اذكر الله عند همك إذا هممت؛ وعند لسانك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت، قم عني. ويطلب من زوجته وهو على فراش موته أن تأتيه بصرة من مسك كان قد ادخرها، فيأمر بها أن تُدَاف وتجعل حول فراشه، وإذ ذاك يسلم روحه إلى خالقه.
? يريد قاضيًا. وسماه طبيبًا؛ لأن القاضي يزيل الإحن بين الناس كما يطبب الطبيب المريض.
سؤال وحيرة في جواب


بالأمس قابلني شاب أمريكي يحضر لشهادة عليا في إنجلترا، هو مثال الجد والإخلاص لعمله، ينتهز وجوده في مصر فيزور مكاتبها، ويلقى علماءها وأدباءها، ويجول في الشوارع يدرس ما تدل عليه ظواهر الناس ومعاملاتهم وسلوكهم من دلالات اجتماعية، ويسمع لغة العوام ويوازنها بلغة الخواص؛ وعلى الجملة يقضي أكثر وقته باحثًا منقبًا مستفيدًا، لا يعبأ بحرّ جو ولا متاعب غربة.
وبعد كلمات التعارف المتعارفة، وجّه إليّ هذا السؤال: ما هي النزعات الجديدة للإصلاح الاجتماعي في مصر، وخاصة ما كان منها مؤسسًا على الدين؟
سكتُّ هنيهة أفكر، ومرَّ في ذهني إذ ذاك جملة أشياء مرور «شريط السينما»، مرّ في ذهني «قاسم أمين» ودعوته إلى تحرير المرأة، ومرّ في ذهني «الجمعية الخيرية الإسلامية»، وما قامت به من تعليم فقراء، وإحسان إلى المحتاجين، وبناء مستشفاها الجديد، ومرّ بذهني الأزهر وما مرّ عليه من وجوه إصلاح، ومرّ بذهني الدعوة إلى النهوض بالفلاح، ومقدار ما لقيت من خيبة أو نجاح، ومرّ بذهني أخيرًا إنشاء وزارة منذ أيام لإصلاح الشئون الاجتماعية.
ولكني لا أكتم القارئ أني شعرتُ بمرارة وانقباض شديدين، لعل سببهما أني أحسست نوعًا من خيبة أمل مخزونة في نفسي، وأني كنت أؤمل أن يكون في أعمال قومي ما ينطلق به لساني، وينشرح له صدري.
إنَّا إلى الآن نمشي في الإصلاح الاجتماعي ببطء شديد جدًّا يكاد يكون عدمًا ونسير فيه ارتجالًا، لا عن دراسة علمية عميقة، وإحصاآت دقيقة، ووضع برنامج واف شامل نعرف فيه الخطوة الأولى والخيرة وما بينهما.
قد كنت أفهم أن يكون لكل حزب سياسي عندنا برنامج اجتماعي بجانب برنامجه السياسي، وأن يكون هذا البرنامج الاجتماعي أُعِد إعدادًا علميًّا دقيقًا في وقت فراغ الحزب، فيكون له رأي في الفلاح وكيف ترقى معيشته اجتماعيًّا، وكيف يصل إلى كل فلاح ما يحتاجه من ماء نقي ونور نظيف ومسكن مريح، وما موقف الحزب في المرأة وإصلاح شئونها وحريتها وإلى أي حد، وفي العمال وترقية شئونهم والشباب العاطلين ومشاكلهم، وطلبة المدارس العليا واضطرابهم، ووجوه الإحسان وتنظيمها، ومشكلة الأوقاف وعلاجها، ونحو ذلك من مسائل لا عَدَّ لها؛ وكنت أفهم أن كل حزب يكوَّن له في ذلك رأيًا قاطعًا مفصَّلًا حازمًا يتقدم به عند الانتخاب، ويعمل به عند تولِّيه الحكم.
ولكن — مع الأسف — لم يكن شيء من ذلك؛ وقد سئلت منذ مدة من مثل هذا الشاب الأمريكي عن أهم الأسس الاجتماعية والسياسية التي تميز كل حزب في مصر عن الأحزاب الأخرى، فلم أحر جوابًا، وأحسست طعم المرارة والانقباض اللذين أحسهما الآن.
•••

لقد لفت نظري في سؤاله ضغطه في حديثه على الإصلاحات الاجتماعية المؤسسة على الدين الإسلامي، وكان هذا الضغط أشد مرارةً على نفسي؛ أني التفتُّ فرأيت الإصلاحات التي عددتها من قبل على قلتها وضعفها ليس منها شيء أُسِّس على الدين وقام به رجال الدين، إلا ما كان من الأستاذ الإمام في الجمعية الخيرية.
ليسمح لي رجال الدين أن أكلمهم في صراحة، وليتعودوا أن يسمعوا النقد المرَّ في جرأة، فلا يكون إصلاح حتى تكون صراحة، وحتى تكون جرأة، وحتى نتبادل نحن وهم الشجاعة في القول، والإخلاص للحق؛ فليس شيء أحب إليّ من أن أرى رجال الدين جديرين بأن يتزعموا حركة الإصلاح الاجتماعي بعقلٍ واسع ودرايةٍ قوية؛ لأن الإصلاح الاجتماعي إذا جاء على أديهم كان له مزيتان كبيرتان: أولاهما: أنهم إذا تزعموا الحركة أمِنَّا قوة المعارضة. وثانيتهما: أن الشعب المصري والشرق على العموم شعب متدين، يلبي الدعوة الدينية بأسرع وأقوى مما يلبي الدعوة المدنية، فإذا جاء الإصلاح الاجتماعي من رجال الدين كان الشعب أسرع قبولًا، وأشد تحمسًا، وأقوى إخلاصًا؛ وقطع في سيره في سنة ما لم يقطعه في سنين.
ولكن لا يتم ذلك لرجال الدين حتى يأخذوا أنفسهم بتنفيذ برنامج شاق عسير ذي مراحل: منها أن يعلَموا علوم الدنيا — بجانب علوم الدين — علمًا واسعًا، فيكون لهم العلم الواسع بجغرافية البلاد وتاريخ الأمم، والطبيعة والكيمياء، حتى يستطيعوا إذا جلسوا مع المدنيين — إن صح هذا التعبير — أن يشعروهم بأنهم مساوون لهم في عقليتهم وتفكيرهم، ويزيدون عليهم في علمهم الديني ونزعتهم الروحانية. ومنها أن يفهموا الناس حتى يفهمهم الناس، ويؤقلموا أنفسهم حسب تطور الزمان، ويعرفوا شئون الدنيا كما يعرفون شئون الآخرة، ويعرفوا أحوال قومهم في دقيقها وجليلها كما يعرفون أحوال دينهم في دقيقها وجليلها، ويعرفوا نفسية الناس ونزعاتهم وتصرفاتهم حتى يحققوا ما في كتب بلاغتهم من أن لكل مقام مقالًا.
عند ذلك تتكسر الحواجز القائمة الآن في مصر والشرق، بين رجال الدين ورجال الدنيا، وتحس كل طائفة أنها جزء في جسم واحد متفاهمة متعاونة.
إني أشعر — مع الأسف — أن علماء الدنيا في مصر والشرق ينظرون إلى علماء الدين نظرتهم إلى رجال القرون الوسطى، أو نظرتهم إلى الآثار القديمة وتحف «العاديات»، وعلماء الدين ينظرون إلى علماء الدنيا نظرتهم إلى المارق من دينه، المجنون بأوروبا وعظمتها، الغافل عن مدنية المسلمين الأولين، المضيع لقوميته، المغرور بالقشر دون اللباب؛ وفي هذه الأنظار ضررٌ كبير على الأمة، وتمزيق لشملها وتفريق لوحدتها، وتعديد لعقليتها.
ولا يتم هذا الإصلاح في تكسير الحواجز إلا بما أشرت إليه وإلا باتحاد التعليم الابتدائي والثانوي لكل أفراد المتعلمين على السواء، وأن يكون التخصص في الدين كالتخصص في الرياضة والطب، لا يأتي إلا بعد المرحلة الثانية من التعليم الثانوي، فإن أراد رجال الدين أن يحتاطوا من قبل لمن يعدونهم في الدين، فليكن بزيادة المعلومات لا بنقصها.
وإذ ذاك — بعد كسر هذه الحواجز، والتقريب بين رجال الدين ورجال الدنيا، وعلماء الدين وعلماء الدنيا، وفهم بعضهم لبعض، وإجلال بعضهم لبعض — يستطيع رجال الدين أن يتزعموا الحركة الإصلاحية الاجتماعية، وأن يضعوا برنامجًا اجتماعيًّا مؤسسًا على الدين.
وإذ ذاك أيضًا يكون مجال الإصلاح الاجتماعي الديني أمامهم فسيحًا؛ فأمامهم تنظيم الإحسان، وقد وضع أساسه الإسلام، وأمامهم إصلاح الوقف، وفي إصلاحه تخفيف لكثير من الويلات، وأمامهم إصلاح الأُسَر بما وضع أساسه القرآن، وأمامهم تقويم المرأة وقد سارت وراء المرأة الأوروبية في زينتها ومباهجها، وليس في جدها وثقافتها، وأمامهم وضع خطط مُحكمة لتثقيف النشء والمتعلمين والأمِّيين ثقافة دينية عصرية تستخدم وسائل التربية الحديثة وأساليب المدنية الحديثة، إلى كثير من أمثال ذلك.
وليس هذا عليهم ببعيد، فقد قطع هذا الشوط كثير من رجال الدين المسيحي في أوروبا وأمريكا، وكان لهم في شئون الإصلاح الاجتماعي ونشر الثقافة الدينية مجال فسيح، وأثر عظيم.
•••

أرجو أن يتقبل رجال الدين هذا النقد بصدر رحب، وأن يستزيدوا منه، وأن تقوم أمة منهم تجهر بمثل هذه الآراء في الإصلاح والدعوة إلى تحقيق هذه الآمال، وأن يوقنوا أن لا باعث له إلا حب الخير لهم وللناس.
كما أرجو أن يكون ذلك قريبًا جدًّا، حتى إذا سألني مثل هذا السائل أنطقتني أعمالهم، وانطلق لساني في عد مآثرهم، ووجوه إصلاحهم. والله يوفقهم.

الهدمُ والبناء


إذا نحن أردنا أن نلخص تاريخ الإنسان منذ نشأته إلى اليوم وإلى الغد في كلمة، قلنا: إن كل أعماله تنحصر في الهدم والبناء، وإذا نحن أردنا مقياسًا بسيطًا سهلًا نقيس به الأفراد والأمم فما علينا إلا أن نجمع عمل الفرد أو الأمة في البناء ونطرح منه عملهما في الهدم فباقي الطرح هو مقياسهما. وإذا أردنا أن نوازن بين شخصين أو أمتين نظرنا إلى مقدار باقي الطرح في كليهما فما زاد فهو أرقى، وإذا أحببنا الدقة في التقدير لم نكتف بتقدير الكمية في البناء والهدم، بل حسبنا في ذلك نوع ما يبنى وما يهدم، فإن قيم البناء وقيم الهدم تختلف اختلافًا كبيرًا بحسب نوعهما وصفاتهما وكيفيتهما، كالذي نفعله في البناء الحسي، فلسنا نقدر البناء بحجمه ومساحته فقط، بل نقدره كذلك بنوع هندسته وما إلى ذلك من أمور لا تخفى.
وقد أكثر الكتاب من القول في البناء. فالوعاظ الدينيون ورجال الأخلاق المصلحون ونحوهم إنما يتكلمون في البناء ويحذرون من الهدم، فلنأخذ نحن الآن جانب الهدم فننيره، فكثيرًا ما يكون الهدم مقدمة البناء؛ بل ربما كان خير بناء ما سبقه الهدم التام.
فيمكننا أن نقول: إن الرذائل الخلقية من كذب وظلم، والجرائم القانونية من قتل وسرقة؛ لم تعدّ رذائل ولا جرائم إلا لأنها هدم، إما هدم لمرتكب الرذيلة والجريمة، وإما هدم للمعتدى عليه، وإما هدم لبناء المجتمع. ونحن إذا نظرنا للرذائل والجرائم من حيث هي هدم، أفادنا هذا النظر فائدة جديدة في تقويم الرذائل والجرائم، فما كان منها أشد هدمًا كان أكبر جرمًا؛ ولذلك كان القتل أفظع من السرقة؛ لأن القتل يهدم النفس والسرقة تهدم الملكية، وقد يؤدي بنا هذا النظر إلى تعديل في قائمة الرذائل والجرائم؛ فهل من المعقول مع هذا النظر أن تعد الحكومة مجرمة إذا حصلت من الأهالي مالًا لا تستحقه، ولا تعد مجرمة إذا لم تمد قرية بالماء الصحي مع علمها أنها تشرب سمًّا زعافًا يقضي على عدد كثير من الأرواح ويذهب في سبيله كثير من الضحايا؟ — ليس هذا من المعقول في شيء؛ لأننا إن أقررنا عملها قومنا حق الملكية بأكثر من حق الحياة، وعددنا هدم الملكية مقدمًا على هدم النفوس؛ وليس ذلك بحق، وأمثلة ذلك كثيرة.
بل إن هذا النظر يعدّل رأينا في العقوبة، فالعمل الذي يهدم أمة أشد مما يهدم شخصًا، والذي يعرض النظام أشد مما يعرض ملكية الفرد للخطر، والذي يسرق لأنه جائع؛ ولأنه يريد أن يبني لنفسه بجزء مما يهدم ملكية غيره أقل خطرًا ممن يسرق لداعي الطمع والشره، فيريد أن يزيد ثروته لهدم ثروة غيره، وهكذا.
وعلى كل حال فمن الممكن أن نقول: إن الجرائم في الأمة هي عمليات من عمليات الهدم وليست كل هدم.
فلنترك الآن الجرائم والعقوبات لرجال القانون؛ ولننظر لأعمال الهدم الأخرى في المجتمعات.
فهناك هدم مادي لكل أمة يجتاح مقدارًا كبيرًا من ثروتها، فحوادث الحريق حوادث هدم، والأمة التي لا تحتاط لها تترك أعمال الهدم والتخريب في ساحتها، وكذلك كل أعمال القوى الطبيعية العنيفة الهادمة كالسيل والفيضان العالي والصواعق والرياح والعواصف. وكلما كانت الأمة أرقى كانت أكثر احتياطًا وتوفيقًا في منع أعمال الهدم الطبيعية وتوقيها.
وهناك هدم سلبي ليس أقل خطرًا من الهدم الإيجابي، وأعني بالهدم السلبي عدم الإنتاج مع القدرة عليه، فالأمة التي تترك أرضًا واسعة من أراضيها بورًا قائمة بعمل الهدم السلبي، ومثل ذلك ما إذا كان لديها مناجم لا تستغلها أو قوى طبيعية لتوليد الكهرباء لا تستخدمها أو نحو ذلك؛ فكل هذه أعمال هدم سلبية لا فرق في الضرر والأضرار بينها وبين الهدم الإيجابي.
ومن هذا القبيل أن يكون في الأمة قوى كثيرة لا تنتج، فالعاطلون في الأمة قوة للهدم سلبية؛ لأنهم يأكلون ولا يعملون، ويستهلكون ولا ينتجون، ويأخذون ولا يعوضون — وأمثال هؤلاء الأغنياء الذي لا يعملون والذين يصرفون أوقاتهم في الكسل والخمر والميسر، فهؤلاء — من غير شك — هدامون لا بناءون مهما كانت ثروتهم.
والمرضى في كل أمة قوة هادمة، بقطع النظر عما إذا كانوا معذورين في مرضهم أو ليسوا معذورين، فهذا شيء آخر غير الحقيقة الثابتة وهو أنهم هدامون. نعم إن بعض المرضى قد مرضوا اختيارًا بتصرفاتهم من إفراط في (الكيوف) أو إهمال لقوانين الصحة، فهؤلاء هدامون مجرمون معًا، ومنهم من مرض رغم أنفه كمن أدركته الشيخوخة، أو مرض مرضًا لم يكن في وسعه أن يتجنبه، فهؤلاء هدامون لا مجرمون.
إن كان ذلك كذلك فما بالك بقوم صناعتهم في الأمة الهدم والتخريب، كتجار المخدرات والمحرضين على الفجور، فهؤلاء وأمثالهم هدمهم وتخريبهم مضاعف، هم يخربون أنفسهم وغيرهم، هم مدرسة سيئة تخرج الهدامين وتسلحهم.
فإذا نحن ارتقينا من الماديات إلى المعنويات رأينا الأمر على هذا المنوال.
فمن طرق الهدم أن تكون النظم الاجتماعية في أمة مضيعة لكفايات أفرادها؛ كأن تعطي المناصب لذوي الحسب والنسب، أو ذوي الملق والمداهنة، أو نحو ذلك، ثم تنحي عنها ذوي الكفايات ممن ليس لهم سلاح إلا علمهم وخلقهم؛ فهذا — من غير شك — عمل من أعمال التخريب المزدوج؛ لأن من شغلوا هذه المناصب لا يمكنهم أن ينتجوا لعجزهم الطبيعي؛ ولأن من أبعدوا عنها لا يمكنهم أن ينتجوا وقد حيل بينهم وبين الإنتاج.
ومن هذا القبيل ألاّ يكون للتعليم في الأمة ضابط، فلا إحصاء ولا توجيه، ولا دراسة لحاجات الأمة ومقدار انتفاعها بأنواع التعليم المختلفة. فالأمة التي يكثر فيها دراسو القانون كثرة تزيد عن الحاجة، ويقل فيها الزارعون والصانعون وهي إليهم في أشد الحاجة، أمة مخربة، والأمة التي لا تسمح نظمها باكتشاف ذوي الاستعدادات الممتازة فيها وتزويدهم بما يحقق نبوغهم واستغلال نبوغهم في خيرها، أمة مخربة، وهكذا.
وكذلك من أعمال الهدم في الأمة أن تسود فيها أنواع من الآداب والفنون تحطم الغرائز وتميت الشخصية، وتبيد الحيوية. فالآداب والفنون التي تنفث اليأس وتبعث على الانتحار أو الرعب، أو التي تثير الشهوات إلى أقصى حدودها حتى إذا انغمس فيها الإنسان لم يعد يصلح لعمل، أو التي تدفع إلى الحب المائع والأخلاق المنحلة، كلها آداب وفنون مخربة، هي معاول للهدم لا أدوات للبناء، وقل مثل ذلك في روايات السينما والتمثيل وأنواع الجرائد والمجلات التي من هذا القبيل.
فإن شئت مثالًا أوضح من هذا كله في أعمال الهدم فانظر إلى (العداوات) وما تجره من تخريب، وأعني بها العداوات بين الأفراد والأسر، والعداوات بين الطوائف والأحزاب، والعداوات بين الأمم، فأكثر هذه العداوات ليس لها غرض صحيح ترمي إليه؛ وترتقي العداوات صعدًا حتى تأتي بأفظع أنواع التخريب، تخريب في النفوس وفي الأموال وفي الأخلاق وفي الحضارة. فكم جرَّت العداوة بين الأفراد والأسر من سفك دماء وضياع أموال وضياع زمن في الانتقام، وضياع زمن المحامي في إحضار الدفاع والمرافعة، وضياع زمن القضاة في قراءة الملفات وسماع المرافعات وتحضير الأحكام؛ فكل من في المحكمة من خصوم وكتبة ومحامين وقضاة إنما يشتغلون في الهدم، فإن أحسنت الظن قلت: إن هدمهم في الحاضر يحفظ البناء في المستقبل.
وكم جرَّت عداوة الطوائف والأحزاب من ويلات وخراب، فكم كانت العداوات الدينية سببًا لخراب ممالك وخراب حضارات، وكم عاق حرب الأحزاب الأمم من البناء، فوجه كل حزب همه لهدم الحزب الآخر، وكم انصرفت الجهود الجبارة في عرقلة الحزب الآخر ولو أردت بالأمة، وكم كانت هذه الجهود تأتي بخير بناء لو وجهت كلها لخير الأمة.
فإذا نحن وصلنا إلى العداوة بين الأمم — إلى الحرب — فهناك الطامة الكبرى والتخريب الفظيع والموت المبيد والفناء الذريع. وقل ما شئت من الأوصاف المرعبة والنعوت المفزعة، فحسبك أن تقرأ ما قام به العلماء من إحصاء لما سببته حرب سنة ???? من خسارة في النفس والأموال والأخلاق لتدرك صدق ما أقول.
بل إني لا أشك إن هذا الإحصاء ناقص؛ لأنهم يكتفون في الإحصاء بالخسارة الواقعة فعلًا، فما بالك لو أحصوا ما يحصل من الضرائب لتصرف في شئون الحرب حتى في أوقات السلم، وما يصرف من وقت الجند في الاستعداد، وتفكير رجال السياسة وأشياعهم في الاحتياط للحرب، وما يصيب الناس من فزع كلما ساءت الحالة الدولية، إلى كثير من أمثال ذلك. أليس كل هذا من أعمال الهدم والتخريب في العالم؟
قد يقولون: إنك تنظر في كل ما قلت إلى جانب واحد من جوانب المسألة، فتنظر إلى جانب الهدم في العداوات ولا تنظر إلى جانب البناء، فكم أفادت العداوة الشخصية، فحفزت النفوس، وشحذت العقول، وكم أفادت العداوات الحزبية من دراسات للمسائل وإظهار لعيوب السياسة وتوجيه الآخذين بزمام الحكم إلى وجهة صالحة، وكم أفادت الحروب من إذكاء روح الوطنية والمنافسة بين الأمم في التقدم، والمنافسة بين العلماء في الاختراع، إلى غير ذلك!
ولكني أقول: إني لم أنس كل هذا، ولكن السؤال الصحيح هو: هل ما بنت أكثر مما هدمت؟ وهل هذا البناء الذي بنت لا يمكن أن يتحقق إلا بهذه الوسائل الجهنمية؟ إن التاجر لا يكتفي بحساب ما دخل في مخازنه من السلع، بل لا بد أن يحسب ما أنفق في سبيلها من الثمن. وأظن، بل أؤكد، أن الثمن الذي ننفقه في هذه العداوات أكثر مما نربح، وما نهدم لها أكثر مما نبني، خصوصًا إذا آمنا بأن العقل البشري لم يعلن إفلاسه في إيجاد طرق شريفة للتنافس بين الأفراد والأحزاب والأمم، فنبني البناء الكثير بلا هدم أو بهدم قليل. وإلا فخبرني بربك: أي شيء في الوجود يساوي إفناء الملايين من الأرواح، وبث الفزع الهائل من حين إلى حين بين نفوس البشر، وتقطيع أكباد الأحياء حزنًا على من فقدوا من أبنائهم وأزواجهم، وما أصيبوا به في نفوسهم وأموالهم؟ أظن أن كل ما يطنطنون به من مخترعات — على فرض أنها لا تنتج إلا هذه الويلات — لا تساوي الدماء المسفوكة، والأنفس الكسيرة، والقلوب المحزونة.

محمد الرسول المصلح


كم من عظماء الرجال زالت عظمتهم أو قلّت قيمتهم بمرور الزمان عليهم، وتنبُّه الناس تنبهًا صحيحًا لأعمالهم، ووزنهم بموازين عصرهم. ولكن محمدًا ? ظلت قيمته قيمته، وعظمته عظمته، مهما اختلفت العصور، وتغيرت الموازين؛ بل إن الزمن ليزيد عظمته وضوحًا، والموازين الأخلاقية الجديدة تزيد مكانته رفعة.
وكم حاول خصومه في مختلف العصور أن ينتقصوا من قدره بشتى الأساليب، ومختلف الأكاذيب، فنالوا من أنفسهم ولم ينالوا منه، وحرموا لذة الحق وبقي الحق.
وكم لمحمد من نواحي عظمة ومظاهر سمو، ولكن لعل أروعها جميعًا ما جاء به من دعوة، وما قام به من إصلاح.
لقد نشأ في جو خانق، وبيئة مضطربة فاسدة، وحالة اجتماعية تبعث اليأس؛ فجعل من الشر خيرًا، ومن الاضطراب أمنًا، ومن الفساد صلاحًا؛ فالعرب قد وهبت نفسها للأصنام، وجعلت البيت الحرام — الذي بني ليعبد الله فيه — مباءة لثلاثة مئة حجر أو تزيد، تعبدها من دون الله. ومن تنصر منهم أو تهوّد كان قد تنصر أو تهوّد بنصرانية أو يهودية فقدت روحها، وتقسمتها المذاهب والشيع، ودخل على تعاليمها الأولى كثيرٌ من البدع، فلم تنجح فيهم يهودية ولا نصرانية، والحنفاء الذين ظهروا قبيل الإسلام كان صوتهم ضعيفًا خافتًا، عجزوا — كما عجزت اليهودية والنصرانية — أن يغيروا شيئًا من حياة العرب وعقلية العرب. ثم كانت حياتهم سلسلة سلب ونهب، كل قبيلة وحدة، بل كل فرع قبيلة وحدة، وكل قبيلة في عداء مع من جاورها، لا أمن على الحياة، ولا أمن على المال، لا يفقهون معنى «أمة»، ولا يفهمون معنى لحياة سياسية أو مدنية، ولا يعرفون معنى لعلم أو فن؟ فلو أنت قلت: إن أحدًا من الأنبياء والمصلحين لم يجد من اختلال أمته وفسادها ما وجد محمد من العرب، وإن أحدًا منهم لم ينجح في إصلاح أمته ما نجح محمد في إصلاح العرب وغير العرب، ما عدوت الصواب.
ففي عشرين عامًا استطاع بتأييد الله أن يغير كل هذه الفوضى، وأن يغير كل هذه المظاهر، وفوق ذلك أن يغير هذا الروح، فجعل من القبائل وأشباه القبائل أمة عربية واحدة، ورد الأصنام إلى أماكنها في الأرض، وساوى بينها وبين أخواتها من الحجارة، وحوّل عبادتهم إلى إله واحد فوق الأرض وفوق السماء، وفوق المادة كلها، هو وحده الصمد «لم يَلد ولم يُولد ولم يكن له كفوًا أحد»، فرفع من نفوسهم المرتبطة بالحجارة، والمتصلة بالأرض، لتحلق فوق السماء، ولتنظر إلى العالم كله نظرة سامية عميقة، ولتحتقر عرض الدنيا في سبيل نصرة الحق.
وجد نصف العرب (وهو المرأة) ضعيفًا فقواه، مسلوب الحق فرد إليه حقه، فهي كالرجل في العبادات، وهي كالرجل في المعاملات، ولها كالرجل كل الحقوق المدنية، فأكمل بذلك ترقية النصف الآخر وجعلها أقدر على إصلاح الجيل الجديد بما نالت من حرية جديدة.
آمن الرجال والنساء بتعاليم الإسلام الجديدة يعتنقونها ويذودون عنها، ويرون واجبًا عليهم نشرها وتضحية النفس والمال في سبيلها، تحمسوا للدين، ولكن لا كما يتحمس الرهبان في الصوامع، إذ هجروا دنياهم لدينهم، بل لم يمنعهم إخلاصهم لدينهم من تحسين دنياهم، فهم يدينون ولا ينسون نصيبهم من الدنيا، يتاجرون ويصلون، ويملكون المال ويزكّون، ويعملون للدنيا كأنهم يعيشون أبدًا، ويعملون للآخرة كأنهم يموتون غدًا، يبلغون الذروة في عالم الروح، ويبلغون الذروة في عالم المادة؛ ففي عالم المادة إن حاربوا الفرس والروم غلبوهم وأزالوا ملكهم، وفي عالم الروح إن سابقوا الأمم الأخرى في روحانيتهم سبقوهم، فلا وثنية ولا عبادة لصور، ولا عبادة لكائن، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا إله إلا الله.
•••

لئن فاخر المصلحون بتعاليمهم وبدعوتهم فمحمد ? يحق له أن يفاخر بذلك كله وبالنتائج العملية التي وصل إليها، فليس رسم الخطط وحده كافيًا في التباهي، إنما المباهاة الحقة في التنفيذ والنجاح في التنفيذ، وإلا فكل رجل فوق المستوى المألوف يستطيع أن يحلم بعالم خير من هذا العالم، ويرسم لهذا العالم السعيد صورة الخلابة البديعة. ولكن المصلح الحق من يضع الخطط الملائمة للحاضر والمستقبل، ثم يضع الخطط الصالحة لتنفيذ ذلك كله، ثم يصل من ذلك كله إلى الغاية. ولقد أظهر النبي (محمد) في ذلك البراعة الفائقة، فلم يكن حالمًا، ولكنه فكر ثم وصل ثم عمل.
كم أجهد نفسه في التفكير وأجهد روحه في البحث، وكانت عزلته في غار حِرَاء وسيلة تفكيره. وفيم كان يفكر ويطيل تفكيره؟ في سوء ما عليه العالم، وفي سوء ما يعتقد العرب وغير العرب، وفي سوء الحالة الاجتماعية في العالم الذي رآه في جزيرة العرب، وفي العالم الذي رآه في الشام. قد يكون هذا الفساد واضحًا، ولكن ما هو الحق وأين الحق؟ كان هذا هو زمن التفكير ونوع التفكير، ثم اهتدى وكان الوحي إيذانًا بالهداية.
ثم كان له بعد ذلك من الله قوة في التنفيذ لا تبارَى، يدعو إلى الحق ولا يحيد، ويعذّب من أجل الدعوة، فينال العذاب من جسمه ولا ينال من نفسه، فهو يُضرب وهو يُرمى بالحجارة وهو يسيل دمه، ولكن العذاب مع ذلك كله يزيد في دعوته قوة وفي نفسه عزيمة.
ثم هو لا ييأس أبدًا. فإذا أخفقت خطة وضع خطة، فإذا لم تنجح خطة الطائف فليدّعُ غير الطائف من الأوس والخزرج حتى يُكتب له النجاح.
ثم هو شجاع في كل ما تتطلبه الدعوة؛ تتوالى عليه الحداث وهو مطمئن، ويتفرق عنه أهله فلا يجزع، وتبدو عليه طلائع الهزيمة في وقعة أحد، وتكسر رباعيته ويشج في وجهه وتكْلَم شفته ويسيل الدم على خده، وينكشف المسلمون ويصيب فيهم العدو، ويُقتل عمه حمزة، وهو هو في ثباته، وهو هو في إيمانه، وهو هو في أمله، جميع الفؤاد رابط الجأش.
فلما أن أمكنه الله من عدوه لم يذكر دمه، ولم يذكر أفاعيل خصومه، ولم يذكر قتالهم لأهله وأصحابه، إنما ذكر دعوته وذكر خير السبل في الوصول إلى تحقيقها، وذكر ما يجب أن يفعل لإنجاحها؛ فلما فتح مكة كان همه أن يدخل الكعبة ومعه بلال فيؤذن فيها ويكسر الأصنام ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل» وهذا هو ما يذكره. أما الناس فليسوا موضع نقمته، وخير أن يستجلبهم لدعوته بعفوه، فيقول: «يا معشر قريش ما ترون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيرًا، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء»، فأسرهم بعفوه، وجعل منهم إلى قوة فعالة في سبيل دعوته؛ وهكذا لم نجد مثلًا يجمع بين القوة والرحمة، والصلابة والمغفرة، والإصرار واعتدال المازج كما رأينا في هذه الفعال.
•••

تعاليمه الإصلاحية إلهية خالدة. أما شخصه فإنسان يخضع لكل قوانين الإنسان من شباب وشيخوخة وموت وغير ذلك.
وسبب خلود تعاليمه أنها إنسانية عامة، لم تخضع في جوهرها وأسسها الأولى لظروف الزمان ولا ظروف المكان، فلم ينظر فيها إلى العرب وحدهم، ولا إلى الروم وحدهم، ولا إلى الناس في زمنه، إنما نظر فيها إلى الإنسان من حيث هو إنسان، فبقيت ما بقي الإنسان، ولم يفرَّق فيها بين عربي وغير عربي، ولم يتميز فيها غني عن فقير، ولا أبيض البشرة عن أسودها، ولا طبقة في الشعوب عن طبقة، ولا شرقي عن غربي، ولم يكن فيها نعرة جنسية، ولا نغمة أرستقراطية، ولكن فيها أن الإنسان أخو الإنسان، والأبيض أخو الأسود، والرجل أخو المرأة، والغني أخو الفقير، والملك أخو الرعية. وكانت كل رسالته وكل أقواله ترمي إلى غاية واحدة: ألَّا يفر الإنسان من هذا العالم بالعزلة، ولكن يكون قوة فعالة لاستئصال الشر وفعل الخير، وتمام الانسجام بينه وبين من يعيش معهم، وتحقيق العدل والإحسان له ولهم، وأن يعيش لخير نفسه وخير من معه وخير العالم؛ يجب أن تكسر الحدود الجغرافية والحدود الصناعية والفوارق الجنسية، وأن يعيش العالم وحدة تحكمه قوانين عادلة، وتسوده تعاليم حقة، ويعتنق أهله عقائد صحيحة أساسها كلها الخير العام للإنسانية؛ وهي إن اختلفت في الفروع بحسب الأقاليم وبحسب البيئة الطبيعية والاجتماعية، فلن تختلف في الأصول التي تربط الإنسان بالله خير رباط، وتربط الإنسان بالإنسان خير رباط، وتخضع العقل مجردًا عن التخريف والتضليل، ولحكم العواطف سليمة صحيحة قوية.
فأي شيء من هذه التعاليم لا يبقى ما بقي الإنسان؟ بل أي شيء من هذه التعاليم لا تعلو قيمته كلما علا الإنسان في قيمته ورقي في إدراكه؟
لقد كان كل نبي قبله يحمل مصباحًا لقومه، فجاء محمد يحمل مصباحًا للعالم.
آمن محمد بالأنبياء جميعًا، وبرسالتهم جميعًا، وبإصلاحهم جميعًا، ودعا من يؤمن به أن يؤمن بهم، وعَلَّم أن الحق في كل زمان واحد، قد دعا إليه كل نبي قبله، وأنه داع دعوتهم، مرسل بمثل رسالتهم، مطهر لما لحق تعاليمهم من الشوائب، مصلح لما أدخله الأتباع من الفساد، متقدم في رسالته تقدم الزمان في عقليته، مبعوث إلى الكافة، مرسل إلى العالمين.

مدرسة المروءة


طلب إليّ أخي الدكتور طه أن أضع له مشروعًا لمدرسة المروءة، أبين فيه اختصاصها ومنهاجها وتبعيتها إلخ. ولا بد أن أنزل على حكمه؛ لأني دعوته فأجاب بل كثيرًا ما يجيب من غير أن أدعوه، وكثيرًا ما يلاحقني في مقالاتي واقتراحاتي، فإهمال دعوته إذًا جريرة لا تغتفر؛ ولأن الموضوع في ذاته جد خطير، فلو ظفرنا بهذه المدرسة لأخرجت كما قال لنا: رجالًا يرتفعون عن الصغائر كلها أشد الارتفاع، ويتنزهون عن النقائص كلها أعظم التنزه» وأي شيء في الوجود أنبل من هذه الغاية، وأجدر منها بالقول؟
ولكن هذا التكليف شاق عسير، صادفتني فيه عقبات جمة أسرد لك بعضها: أولها — ما المروءة التي نريد أن ننشئ لها مدرسة! لقد تعب الناس قديمًا وحديثًا في تحديد معناها، فلم يصلوا فيه إلى قولٍ حاسم، وهي في كل عقل بمعنى، فقد عرَّفها بعض اللغويين بأنها «كمال الرجولة»، ولكني لم أرتض هذا التعريف؛ لأنه يريد أن يقصر المروءة على الرجل، ومعاذ الله أن أوافقه على ذلك بعد أن أصبحت المرأة تخيفنا في كل ما نقول، فإذا لم نقل ما يرضيها غضبت، وويل لنا إذا غضبت. وهناك آنسة وقفت لي بالمرصاد، فكلما تحدثت حديثًا في الراديو، أو كتبت مقالًا في مجلة، كتبت إلي تعنفني على اقتصاري على جانب الرجل، أو الاكتفاء بضمائر الرجل، أو استعمال جمع المذكر السالم دون جمع المؤنث السالم، بل ولم ترض مني بجمع التكسير الذي يشمل الرجل والمرأة على السواء؛ فكيف لو ارتضيت هذا التعريف في المروءة، وهو يقول: إنه كمال الرجولة ولم يقل: كمال الأنوثة، مع أن كمال الأنوثة مروءة ككمال الرجولة؟ وكأن صاحب «لسان العرب» خاف خوفي فأسرع، وقال: إن «المروءة هي الإنسانية»، فأرضى الرجل والمرأة ونجا بجلده.
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: «خذ الناس بالعربية، فإنه يزيد في العقل ويثبت المروءة»، وسئل آخر عن المروءة فقال: «أَلَّا تفعل في السر ما تستحيي منه في العلانية». وقال عبد الله بن عمر: «إنَّا معشر قريش لا نعد الحلم والجود سؤددًا، ونعد العفاف وإصلاح المال مروءة»، وروى العتبي عن أبيه أنه قال: «لا تتم مروءة الرجل إلا بخمس: أن يكون عالمًا صادقًا عاقلًا ذا بيان مستغنيًا عن الناس».
ولو عددت كل ما قيل في تعريفها لضاق المجال؛ وأنت أعلم به مني، فأي الأقوال نختار، وأي الآراء نؤسس عليه بناء المدرسة؟
ولكن هذا الإشكال يمكن حله بأن نأخذ كل هذه التعاريف وغيرها، ونمزجها وننخلها ونجعل خلاصة تكون برنامجنا؛ وسنصل في النهاية — فيما نظن — إلى تعريف أنها «كمال الإنسانية».
ثم وقعت في مشكلة أخرى؛ ذلك أني رأيت في التاريخ حادثة خطيرة حدثت للمروءة، وهي أن أهلها كلهم ماتوا في زمن من الأزمان، وأقامت المروءة عليهم الحداد، ولبست السواد، وأخذت تندبهم وتولول عليهم، ومر بها شاعر وهي على هذا الحال فقال:
مررت على المروءة وهي تبكيفقلت علامَ تنتحب الفتاة؟فقالت كيف لا أبكي وأهليجميعًا دون خلق الله ماتوا؟ فقلت: إذا كان أهل المروءة جميعًا قد ماتوا فكيف ننشئ مدرسة، ومن أين نأتي بالمدرسين؟ فإنهم إذا كانوا من أهل المروءة فقد كذبت المروءة في أنهم جميعًا ماتوا، والكذب ينافي المروءة، وإذا لم يكونوا من أهل المروءة فكيف يخلقون ذوي المروءات، والشيء لا يُخْلَق من لا شيء؟ وإخواننا الأزهريون يقولون: «فاقد الشيء لا يعطيه»؛ وبعد جهد جهيد تغلبتُ على هذه المشكلة بأن المروءة لم تكذب، وإنما كذب الشاعر؛ فهو لم ير المروءة بعينيه، ولم يحدثها وتحدثه، بدليل أن شاعرًا آخر مثله وقبله قال:
إن السمـاحة والمـروءة والنـدىفي قبة ضربت على ابن الحَشْرَج ثم مات ابن الحشرج وسقطت قبته على من فيها، ومع ذلك بقيت المروءة حتى لقيها الشاعر الثاني فيما يزعم.
إذًا فالمروءة بحمد الله موجودة لم يمت أهلها كلهم ولم تنتحب عليهم، فنستطيع أن نجد لها معلمين من أهلها.
•••

ثم أود قبل كل شيء، وبعد كل شيء، أن تبعد من ذهنك الفكرة الشائعة في المدرسة من أنها بناء ذو حجرات ومقاعد، وحصص وأجراس، وناظر ومفتش وفراش؛ فقد أصبح هذا (الطقم) كله ثقيلًا بغيضًا، أخشى أن ينفّر المروءة فتنتحب ثانية، وقد بذلنا غير المعقول في استرضائها وعودتها إلى الحياة.
إنما أريدها مدرسة من صنف آخر، على حد تعبيرنا أن «مجلة الثقافة» مدرسة، وعلى حد تعبير إخواننا المستشرقين مدرسة الشافعية ومدرسة الحنفية، أي: دراسات المذهب الشافعي والمذهب الحنفي، وكقولهم: مدرسة المعتزلة ومدرسة الشيعة، وهو تعبير طريف أظرف ما فيه أنه ينجينا من كل مشاكل المدارس الأميرية والحرة، وينجينا من وزارة المعارف بكل قيودها.
أريدها مدرسة لها حدود أربعة هي بعينها حدود القطر المصري شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا.
ولكن تأتي بعد ذلك مشكلة أعنف: كيف آتي بالمدرسين لكل هذا العدد، وقد عجزت وزارة المعارف أن تأتي بمدرسين يسدون حاجتها، مع أن عدد تلاميذ مدارسها لا يبلغ عشر معشار الأمة، ومع أن لها العدد الوفير من مدارس معلمين ومعلمات ومعاهد تربية للبنين والبنات، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله ووزارة المعارف؟
خطر لي خاطر جريء لست أدري أترتضيه أم لا ترتضيه!
خلاصة هذا الخاطر تنبني على نظرية بسيطة، وهي أنه إذا صلح الرئيس صلح المرءوس؛ وقياسًا على هذه القاعدة إذا كان الرئيس ذا مروءة أصبح المرءوس ذا مروءة! وبناءً على ذلك أشكّل لجنة صغيرة من ذوي المروءات وأمنحهم اختصاصًا واسعًا جدًّا لا تقف في سبيله وزارة المالية بقوانينها وقيودها التي تكتف كل حركة، وأمنح هذه اللجنة الإرادة التي لا حدّ لها في العزل والإحالة على المعاش، وأجعلها تستقصي أحوال كل رؤساء المصالح والدواوين، وكل المديرين والمأمورين، وكل العمد ومشايخ البلاد؛ فمن ثبت لها أنه أخل بالمروءة عزلته من غير هوادة، وأحلت محله من عرف بالمروءة، ونُبهت اللجنة إلى أن مقياس الكفاية للرياسة ليس العلم، ولا الذكاء، ولا الشهادة، ولا المحسوبية، ولا الحسب ولا النسب، ولكن المروءة؛ فإذا اجتمع علم ومروءة، أو ذكاء ومروءة فذاك، وإلا فالمروءة أولًا والمروءة وحدها.
إن فعلنا ذلك قلد المرءوسون الرئيس في المروءة، وقلد المأمورين المديرين، وقلد العمد ومشايخ البلد المأمورين، وقلد الفلاحون العمد والمشايخ، وسرت في البلاد كلها من أقصاها إلى أقصاها نوبة تسمى «نوبة المروءة»، وبذلك أجعل من الرؤساء معلمين للمروءة يعلمون بالمثل لا بمجرد القول.
ثم أجعل للجنة المروءة هذه اختصاصًا واسعًا في نشر ثقافة المروءة؛ فأحاديث تدوِّي في الراديو تصل إلى كل أذن تشيد بأعمال المروءة، وروايات تمثل أعمال المروءة، وكتب تؤلف في لغة سهلة عذبة في سير المروءات.
وشيء آخر لا بد منه، وهو تكوين رأي عام يتطلب المروءة ويقدرها ويقوِّمها ويكون شديد الحس بها؛ فهو يجلّ من أتى بأعمال المروءة ومن اتصف بها، وهو يحتقر أشد الاحتقار من حاد عنها وارتكب ما يخل بشرفها، مهما كان غنيًّا، ومهما كان وجيهًا، ومهما كان ذا سلطان، لا كرأينا العام الذي لا يعبأ بالمروءة كما يعبأ بالمنصب، والذي لا يعبأ بالنبل كما يعبأ بالمال، والذي إن احتقر أعمال اللؤم، ففي سره وفي خاصته، ثم هو حريص كل الحرص على ألا يشعر باحتقاره اللئيم المجرم، ولا أن يصل إلى سمعه شيء من أقواله في احتقاره، فهو يبطن الكره ويظهر الحب، ويبطن الاحتقار ويظهر الإجلال.
ولأعدْ سريعًا إلى المرأة خوفًا من الآنسة؛ فماذا يكون شأن المرأة في هذا البرنامج؟ في هذه المسألة قولان — قول يقول: إذا مَرُؤ الرجل مَرُؤت المرأة؛ فإذا أعددنا برنامجًا لمروءة الرجل، استتبع ذلك مروءة المرأة؛ ولكن المرأة ترفض هذا القول بتاتًا، وترى أنه ماس بكرامتها، وتصر على أنه إذا مَرُؤَت المرأة مَرُؤَ الرجل؛ لأنها هي التي ترضع الجيل الجديد المروءة؛ ولأنها لا ترضى أن تكون تبعًا، فهذه عقلية القرون الوسطى.
إن كان ذلك كذلك، فلنترك برنامج مروءة المرأة للمرأة تضعه هي ما دامت لا تقبل قول الرجل، فذلك أقرب إلى العدل.
•••

إن تم ذلك — يا أخي — امَّحى من مصر كل ما تشكو منه من صداقة تستغل الصديق ولا تفي للصديق، وتقابل جميلًا بنكران، وإحسانًا بإساءة، وامَّحى من الوجود رئيس يتخذ الرياسة وسيلة لإرضاء شهوته، ويستطيل على الناس بجبروته وسطوته، ورأيتهم وكأنهم أنشِئوا خلْقًا آخر: يتبارون في المروءة، ويفخرون بأعمال المروءة. والحكومة ترقيهم حسب ما أتوا من أعمال المروءة، وما ظهر منهم من نبل وشرف وكرم نفس ومروءة. ونحن إن لم نصل إلى هذا كله دفعة واحدة، ففي بعضه رِضى لي ورِضى لك. وحسبْنا أن يسير الناس إلى الغاية، وإن لم يبلغوا الغاية.
•••

تسألني بعد ذلك: لمن نتبعها؟ ألوزارة الشئون الاجتماعية؟ أم لوزارة المعارف العمومية، وأظنك بعد أن تقرأ إجابتي لا ترى معنى لهذا السؤال، فلقد جعلْتُ وزارة المعارف ووزارة الشئون الاجتماعية وغيرهما من الوزارات تبعًا لمدرستي، فكيف أتبع مدرستي لإحداهما وأنت تعلم أن الدور في الفلسفة محال؟
هذا — يا أخي — ما خطر لي اليوم في اقتراحك، وهو كما ترى مملوء بالأشواك. فإن ظهر لي جديد، اتبعت خطة وزارة المعارف في تعديل المناهج. والسلام.

جناية الأدب الجاهلي أو نقد الأدب العربي


?


كان الأدب الجاهلي صورة صادقة لحياة العرب في جاهليتهم؛ فحياة الجاهلي — غالبًا — حياة ظعن ورحيل؛ لذلك بدأ شعره بالوقوف على الطلال وبكاء الدِّمن، وكان يرحل على ناقته؛ فهو يصف رحلته ويصف ناقته، ومن كان من الشعراء بدويًّا خشن العيش وصف عيشته الخشنة بألفاظ خشنة، ومن كان حضريًّا مترفًا وصف عيشته المترفة بألفاظه الناعمة. موضوعات شعرهم هي موضوعات حياتهم من فخر وهجاء، وغزل ورثاء، ومن نزل منهم منزلًا ذكر اسمه وتغنى به، فمنازل نجد للنجديين، ومنازل تهامة للتهاميين، ومن استمتع بالخُزَامَى والعَرَار تغنى بالخزامى والعرار، ومن صاد الوعل وصف صيده للوعل؛ يلتزمون الحقائق، ويصدقون التشبيه والوصف؛ يجيدون وصف الشيء أكثر مما يجيدون وصف الحالة، فإذا وصفوا أسدًا أو ناقة أو غادة أجادوا، ولكنهم إذا وصفوا حالة نفسية لحبيب، أو حالة لجيشين متقاتلين، أو فقر قوم وبؤسهم، لم يبلغوا في ذلك مبلغهم من وصف الشيء؛ لأن وصف الشيء الخارجي أبسط وأيسر من وصف الحالة المعنوية أو الحالة النفسية، فهذه تتطلب رقيًّا عقليًّا، وقدرة على التحليل النفسي لم يصلوا إليهما.
وكانت أوزان شعرهم هي وحي نفوسهم، منسجمة مع غنائهم مؤتلفة مع آذانهم.
•••

ثم جاءت الدولة الأموية، وكان الأدب فيها صادقًا صدق الأدب الجاهلي؛ لأن كثيرًا من شعرائها لم تكن حياتهم إلا امتدادًا للحياة الجاهلية، وكان الذوق فيها ذوقًا عربيًّا يشبه الذوق الجاهلي إلا بما لطفته المدنية، فموضوعات الحياة هي موضوعات الحياة الجاهلية، إن كان ثم خلاف فهو أن الهجاء القبلي تحول إلى هجاء سياسي، والحياة الخشنة تحولت عند كثير من العرب إلى حياة نعيم تشبه حياة امرئ القيس في جاهليته، ونغمات الشعر الموسيقية التي كانت تلذ الأمويين هي التي كانت تلذ الجاهليين.
نعم إن الإسلام كان له أثرٌ كبير في حياة الناس، ولكن كان له أكبر الأثر في أوساط الشعب ورجال العلم ورجال الأعمال وأقله في الشعراء.
فلا عجب أن يأتي الشعر الأموي مصبوغًا بالصبغة الجاهلية في الأوزان والقوافي والموضوعات والروح.
إنما العجب أن يأتي الشعر العباسي على هذا النمط، وكثيرٌ من الشعراء فرس، والحياة حياة فارسية في أكثر ألوانها، والحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مخالفة كل المخالفة للحياة الجاهلية والأموية!
لقد كان من مقتضى هذا التغيير أن يأتي الشعر العباسي صورة صادقة لهذه الحياة الجديدة، ولكن لم يكن كبير شيء من ذلك، وعلماء الأدب يجهدون أنفسهم في بيان المميزات الجديدة للعصر العباسي، فلا يأتون إلا بأشياء لا أراها إلا سطحية ليست في الصميم، كالتنميق وكثرة الاستعارات والتشبيهات والإكثار من البديع وورود الألفاظ الأعجمية والتعبيرات العلمية، والإكثار من الخمر والغزل في المذكر ونحو ذلك، وهي في نظري ليست من الجوهر في شيء؛ إنما جوهر التغير أن يعدِّلوا أوزان الشعر بما يتفق ورقي آذانهم الموسيقية، وأن يصِفُوا أحوال عصرهم الاجتماعية والسياسية وصفًا صادقًا مستفيضًا، وأن يصفوا ترفهم وبؤسهم وصفًا تحليليًّا صادقًا، وأن يتغنوا بأماكنهم وطبيعة بلادهم، وان يصفوا مشاعرهم هم لا مشاعر غيرهم، وأن يفتحوا الفتوح في الأدب حتى يكون سجلًّا لأفكارهم ومشاعرهم الحقة، كما كان الشعر الجاهلي سجلًّا لأفكار الجاهليين ومشاعرهم الحقة وهكذا، وهذا الضرب لا نعثر منه في العصر العباسي إلا على القليل النادر.
أهم سبب في هذا — عندي — جناية الأدب الجاهلي عليهم.
لقد وجد في العصر العباسي لأول عهده معسكران: معسكر يدعو إلى القديم وعدم الحيدة عنه، ومعسكر يدعو إلى التجديد وعدم التقليد؛ فكان زعماء المعسكر الأول أمثال الأصمعي، وأبي عمرو بن العلاء، وابن الأعرابي، وكان هؤلاء رواةً أكثر منهم أدباء، وكانوا علماء لغة أكثر منهم نقدة أدب؛ فغلب عليهم بطبيعة ثقافتهم أن يتعصبوا للقديم وخاصة الشعر الجاهلي، وكان أبو عمرو بن العلاء يرفض الاحتجاج حتى يشعر الأمويين، ولا يقر بفضلٍ للمحدَثين: ويقول عن المحدَثين: «ما كان عندهم من حسن فقد سُبقوا إليه، وما كان من قبيح فهو من عندهم». وربما أعجبه شعر جرير أو الفرزدق فيقول: «لقد حسُنَ شعر هذا المولّد حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته».
وقرأ رجل على ابن الأعرابي أرجوزة لأبي تمام على أنها لبعض الهذليين فقال: اكتب لي هذه. فكتبها ثم قال له: إنها لأبي تمام فقال: «خَرِّقْ خَرِّقْ» ومثل هذا كثير.
وأما المعسكر الثاني فكان يدعو إلى استحسان الحسَن القديم كان أو لمحدَث، واستقباح القبيح لقديم كان أو لمحدَث، وكان من هؤلاء أبو نواس، فقد نادى: بألا يحق للشاعر أن يتغزل بليلى ولا هند إذا كنت محبوبته ليست ليلى ولا هند، فيقول:
لا تبْكِ ليلَى ولا تطرَبْ إلى هندواشرَبْ على الوَرْدِ من حَمْراء كالوَرْدِ ولا يحق له أن يبكي الأطلال ويقف على الديار فيقول:
لا جَفَّ دمعُ الذي يبكي على حَجَرولا صفَا قلبُ مَنْ يصْبُو إلى وتِدِ ويقول — وما أحسن ما يقول:
تصف الطلول على السماع لهاأفذو العيان كأنت في الفهموإذا وصفتَ الشيء متَّبِعالم يخلُ من زَلَلٍ ومن وَهْم ولكن هذه الحرب انتهت مع الأسف بنصرة الدعاة إلى القديم. والسبب في ذلك أنهم كانوا أكثر بالخلفاء اتصالًا، وأكثر أتباعًا وأشياعًا، وأنهم من مكرهم صبغوا دعوتهم صبغة دينية، فقالوا: إن الشعر الجاهلي هو أحد المصادر في تفسير القرآن، وعليه نعتمد في شرح المفردات وبيان الأساليب. وفاتهم أن الاحتفاظ بالشعر الجاهلي لهذه الأغراض لا ينافي مسايرة الأدب للزمان والمكان.
على كل حال نجحت دعوتهم، وأخفتوا صوت مخالفهم، وساد في هذا العصر تقديس الشعر الجاهلي وكل شيء جاهلي. وقد عجب الجاحظ عجبي هذا في كتاب «الحيوان»، فقد ذكر أن غالب بن صَعْصَعَة كان أكرم من حاتم، ولكنه لم يشتهر شهرته؛ لأن غالبًا كان إسلاميًّا وحاتمًا كان جاهليًّا «والناس بمآثر العرب في الجاهلية أشد كلفًا»، وتعجب فقال: «ما بال أيام الإسلام ورجالها لم تكن أكبر في النفوس وأجل في الصدور من رجال الجاهلية مع عظم ما مَلَك المسلمون وجادت به أنفسهم!»
ومهما اختلفت الأسباب فقد كانت هذه هي النتيجة: غلبة الأدب الجاهلي، وسطوته، وتقييد الأدب العربي بكل القيود التي قيد بها الأدب الجاهلي، ولعلني لا أجد أوضح تعبيرًا عن ذلك من ابن قتيبة، مع أنه كان يزعم أنه من المجددين، إذ يقول: «ليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين، فيقف على منزل عامر أو يبكي عند مشيد البنيان؛ لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر والرسم العافي، أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما؛ لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرِد على المياه العِذَاب الجارية؛ لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي، أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد؛ لأن المتقدمين جَرَوا على قطع منابت الشِّيح والعَرار».
اللهم إن هذه دعوة لم يُفسد الأدبَ مثُلها، فهو وأمثاله يطلبون إذا ركب الشاعر طيارة أن يتغزل في الناقة، وإذا شم وردًا أن يتغزل في العرار، وإذا سكن قصرًا أن يتغزل في الأطلال، وإذا عشق ثريا أن يتغزل في هند. فأين إذًا صدق العاطفة وصدق الوصف، وأين حرية الأديب، وأين دعوى أن الأدب سجل الحياة؟
•••

مما يؤسف له أن هذه الدعوة السخيفة لقيت نجاحًا كبيرًا وشلت الأدب العربي شللًا فظيعًا في العصور كلها إلى اليوم.
فقد هاجم هؤلاء الجامدون كل من حدثته نفسه بتجديد، فإذا خرج أبو نواس عن المألوف، ودعا إلى عدم البكاء على المدن والوقوف على الديار، هاجموه وسبوه، إلى ان اضطروه في مديحه للخلفاء أن يعدل عن رأيه، ويقف على الديار ويصف ناقته حتى يصل إلى ممدوحه.
وإذا انحرف أيو تمام عن المألوف قليلًا بابتكار بعض المعاني والتعمق فيها والتحليق بها في الخيال، قالوا: «إنه خرج على عمود الشعر»، وفضلوا البحتري عليه؛ لأنه ألصق بهذا العمود، حتى قضوا قضاءً على كل تجديد.
كان من أثر دعوتهم هذه انعدام حركة التجديد في الشعر، وعدم ملاءمته لروح العصر، وانحباسه في قوالب تقليدية لا يتعداها؛ حتى أصبح الناس والشعراء يلوون عقولهم ويلوون أذواقهم، ليستحسنوا الشعر ويتذوقوه، كما يلوي الشرقي ذوقه ليتذوق الموسيقى الأوروبية، وحتى أصبحت عيون الناس والشعراء في أقفيتهم لا في وجوههم، ينظرون إلى الخلف ولا ينظرون إلى الأمام، إذا ذكر لهم بيت من الشعر الجاهلي تهيئوا للإعجاب به قبل أن يسمعوه، وأعجبوا به بعد أن يسمعوه؛ وقد يكون في ذاته سخيف المعنى رديء اللفظ. ولكن مَلَكَ التقديس الجاهلي عليهم أنفسهم وأذواقهم، فاستحسنوا القبيح وأعجبوا بالسخيف، وكان مثلهم مثل هاوي السّجاد، يفضل الفتلة البالية من السجادة القديمة المهلهلة على كل سجادة جديدة، وإن كانت أجمل وأنفع وأصلح!
وعبادة القدم — دائمًا — تفسد الذوق، وتقلب الوضع، وتفسد التقدير؛ فهم يعجبون جدًّا بقول امرئ القيس: «تقول وقد مال الغبيط بنا معًا»، ويفضلونه على كل شيء في هذا المعنى، ويستلطفون قوله: «خطبة مسحنفرة وطعنة مثعنجرة» على وصف كل خطبة وطعنة، وهكذا وهكذا مما لا عدّ له.
أليس في الإعجاب بهذه المعاني وهذه الألفاظ إفساد للذوق وإهدار للعقل؟
•••

لقد كان لانتصار هذا الرأي المحافظ الشديد المحافظة أسوأ الأثر في الشعر من نواح متعددة، من حيث الشكل ومن حيث الموضوع، لا يسع المقام إلا أن أذكر طرفًا قليلًا منها.
فمن ناحية الشكل قيد الشعر بقيود الوزن والقافية كما رسمها الشعر الجاهلي؛ فالبحور الجاهلية هي البحور التي سار عليها الشعر العربي كله إلى الآن إلا أشياء قليلة، وكذلك القافية، مع أن البحور ليست إلا أوزانًا، والأوزان ليست إلا موسيقى، والموسيقى تختلف باختلاف العصور؛ فكما أن الغناء الجاهلي لا يناسبنا، فكذلك يجب أن تكون الأوزان والقافية مسايرة للزمن، وأن تحكِّم كل أمة عربية أذنها الموسسيقية في الوزان الشعرية التي تناسبها، والتي لا تناسبها، سواء وافق ذلك الوزان الجاهلية وقوافيها أو خالفها، أما أن نخضع آذاننا للأوزان الجاهلية والقافية الجاهلية فحسب، فنوعٌ من السجن لا يليق بأمة راقية تتحرر من القيود الثقيلة، وقد جنى هذا القيد علينا جنايات كبرى تتصل بالموضوع؛ فالتقيد بالقافية حرمنا من الملاحم الطويلة التي كانت عند الأمم الأخرى، وحرمنا من القصص الطويلة الممتعة؛ لأن اللغة مهما غنيت بالمترادفات لا تستطيع أن تقدم للشاعر مئات الكلمات على رويّ واحد وعلى حرف واحد، خصوصًا بعد أن قيدوا الشاعر أيضًا بألا يعيد الكلمة الواحدة إلا على مسافات بعيدة.
وكان لهذا القيد ضرر آخر لا يقل عن هذا خطرًا، وهو تحكّم الألفاظ في المعاني؛ فالشاعر في كثير من الحيان يبحث عن لفظ القافية — أولًا — ثم يبحث عن المعنى الذي يناسب القافية، وهذا قلب للأوضاع مفسد للأدب؛ لأن الواجب أن يتبع اللفظ المعنى لا المعنى اللفظ.
وأما من حيث الموضوع، فكانت مصيبتنا فيه أعظم؛ لأن تقديسنا للأدب الجاهلي حصر الشعر العربي في نفس الموضوعات التي صيغ فيها الشعر الجاهلي، من مديح وهجاء، وفخر وحماسة، وغزل ورثاء؛ ولم يمس الشعراء عواطفهم الحقيقة ولا حالتهم الاجتماعية إلا مسًّا رقيقًا. وإلا فخبرني: أين الشعر العراقي الذي تجد فيه الشعراء يتغنون بمناظر العراق الطبيعية، ويصفون فيه أحداثهم الاجتماعية؟ وأين الشعر الشامي أو المصري أو الأندلسي الذي يشيد بذكر مناظر الطبيعة وأحوال الاجتماع للشام ومصر والأندلس؟ إنك تقرأ الشعر العربي، فلا تعرف إن كان هذا الشعر المصري أو عراقي أو شامي إلا من ترجمة حياة الشاعر، أما القالب كله فشيء واحد، والموضوع كله واحد، مديح أو رثاء أو هجاء أو نحو ذلك مما قاله الجاهليون.
أليس عجيبًا أن يفتح المسلمون بلاد الدنيا ثم لا يقول الشعراء في ذلك شيئًا يذكر؟ أو ليس عجيبًا أن يكتسح التتار العالم الإسلامي، ثم لا يقولون في ذلك أيضًا شيئًا له قيمة؟ ثم تأتي الحروب الصليبية، وتكون عجبًا من العجب، وتستمر السنين تلو السنين، وتكون ملعبًا للعواطف، وتتوالى فيها الأحداث تذيب القلوب وتصهر النفوس، ثم يتحول أكثر ما قيل فيها إلى مدح الملوك الفاتحين أو المنتصرين، ولا يقال إلا القليل في المعنى السامي المجرد عن الأشخاص؟ وكل ما يلتمس من التعليل الصحيح أن يقال: إن الجاهليين لم يقولوا شعرًا في هذه المعاني فلم يقل في ذلك من بعدهم!
أليس من السخرية ومما يستوجب الحسرة والأسى أن يترك الشعراء هذه المواقف كلها وأمثالها مما يقع سمعهم وبصرهم، فلا يحركهم إلا «قفا نبك» و«مال الغبيط»، فإن جددوا في شيء فأن يكون الممدوح سيف الدولة بدل الغساسنة، وأن يكون المادح المتنبي بدل الأعشى؟
لا. لا. اللهم إن هذا منكر لا يرضيك. وهذه جناية قتلت الأدب العربي ووقفته أكثر من ألف سنة حيث كان، والزمن سائر والعالم متغير!
هل في ذوقنا الآن أن نبدأ الشعر في حادثة اجتماعية بالغزل؟ وهل في ذوقنا نحن الآن أن نملأ الشعر بأماكن البادية ومياه البادية وجبال البادية وأودية البادية؟ وهل في ذوقنا نحن الآن أن نتغنى برائحة العرار والخزامي، وأن نرعى الشيح والقيصوم؟ لا شيء من ذلك، ولكنه التقليد المخجل والحرية المفقودة.
أليس مما يستوجب الهزؤ والسخرية أن يكون تقسيم البارودي للشعر في القرن العشرين هو تقسيم أبي تمام للشعر في القرن الثالث؟!
أوَليس مضحكًا أن يترك الشعراء العراقيون والمصريون والشاميون بلادهم وأنهارهم ويتغزلوا في نجد وغير نجد؟ فابن الدمينة يقول:
«ألا يا صبا نجد متى هجتِ من نجد»
وابن الخياط يقول:
«أهيم إلى ماءٍ ببُرْقَةِ عاقِل»
وصُرَّدُرّ يقول:
«النجاءَ النجاءَ من أرض نجد»
ومِهْيارٌ الديلمي الفارسي يقول:
تظن لياليَنا عوّداعلى العهد من بُرْقَتَىْ ثَهْمَدَا إلى آخره، إلى آخره.
•••

لقد آن لنا أن نفك هذه الأغلال كما نفك قيود الاستعمار سواءً بسواء؛ لأن الأدب الجاهلي يستعمر عقلنا وذوقنا، فيشلنا شلل الاستعمار.
وآن لنا أن يكون شعر كل أمة عربية، وأدب كل أمة عربية، صدى لشعورها وسجلًّا لأحداثها وتغنيًا بعواطفها وتوقيعًا على موسيقاها، وآن لنا أن يكون موضوع الشعر خلجات نفوسنا وتمجيد طبيعتنا، وتاريخ ما يحدث بين أيدينا.
وهذا لا يكون إلا بتغيير نظرتنا إلى الأدب، وتغيير برنامجنا في الأدب، والتحرر من ربقة الشعر الجاهلي، وسيطرة الشعر الجاهلي.
وبعدُ فهذا موضوع من الخطر بمكان، لعل المفكرين والقراء يطيلون فيه التفكير، ويطيلون فيه الكتابة، حتى نصل فيه إلى الكلمة الأخيرة.
?


قدّس الناس الأدب الجاهلي تقديسًا أكبر مما يستحق، وذلك بفضل جماعة من العلماء ظهروا في آخر الدولة الأموية وأول الدولة العباسية، يجمعون مفردات اللغة وأساليبها وأدبها؛ وكان عملهم هذا يستحق الإعجاب والتقدير! ولكن ما لا يستحق الإعجاب ولا التقدير أنهم رفعوا من شأن الأدب الجاهلي، وفضلوه على كل أدب لمحدَث أو مولد، وأنهم وقفوا في وجه كل مجدِّد، وأنهم أرادوا أن ينطبع الأدب العربي بالطابع الجاهلي لا غيره، فكان لهم — مع الأسف — ما أرادوا.
رفعوا من قيمة كل شيء جاهلي وغلوا في تقديره؛ فالماء الحقير في مستنقع جاهلي أفضل من الذكر من دجلة والفرات والنيل وكل أنهار الدنيا، والجرادتان اللتان غنتا النعمان كان صوتهما وغناؤهما خيرًا من كل صوت وغناء، ودَوسَر كتيبة النعمان بن المنذر أقوى جيش عرفه التاريخ، وأيام العرب في الجاهلية ووقائعها الحربية لا يعادلها أي يوم من أيام المسلمين، وجبلا طيئ خير جبال الدنيا، وحاتم الطائي لا يساوي كرمه كرم، حتى الرذائل لا يصح أن يساوى برذيلتهم رذيلة. فليس أبخل من مادر، ولا أشأم من البسوس، ولا أسرق من شظاظ!
كل هذا طبع الأدب العربي على غرار الأدب الجاهلي في كثير من شئونه مع اختلاف البيئات، ومع اختلاف العصور!
كان غزل الأدب الجاهلي حزينًا بائسًا؛ لأن أرض الجاهليين بائسة فقيرة؛ ولأن سكانها كثيرو الرحلات وفي تنقل مستمر، والآباء يستنكرون من اجتماع الحبيبين؛ فما بال الغزل العباسي وغير العباسي حزينًا بائسًا، والخير وفير، والحبيب قريب؟ بل ما بال الغزل في الإماء حزينًا بائسًا والأمة في اليد ولا يستنكف مالكوها من حب ووصال؟
وكان أدباء الجاهلية يفتتحون قصائدهم بالنسيب إذا أرادوا مدحًا أو أرادوا هجاءً أو أرادوا أي غرض؛ لأن هذا يتفق وذوقهم؛ فما بال الأدب الذي أتى بعد ينحو هذا المنحى وقد تغيرت الظروف؟ وما بال الشاعر العباسي يقصد إلى الممدوح التركي أو الفارسي فيتغزل بدعد ويهيم بدعد، في أبيات طوال حتى يصل إلى الممدوح وقد أضناه التعب؟
وكان الشاعر الجاهلي يقطع الفيافي والقفار على ظهور الإبل، فيصف عناءه، ويصف طريقه الوعر، ويصف هزال ناقته، وهو في ذلك صادق كل الصدق؛ ولكن ما شأن مسلم بن الوليد وأبي نواس وأبي تمام والبحتري، والممدوح في بغداد والمادح في بغداد، والشاعر يسير على رجله خطوات ليصل إلى الممدوح فلماذا يحشر في الوسط ناقة وبيداء ونحو ذلك؟
وكان الشاعر الجاهلي يخرج للبادية، ويصعد الجبال ويهبط الوديان، ويصيد الوحش، ويرى المها والغزلان، وعيون المها وجيد الغزلان، فيشتق تشبيهاته مما يرى ومما يحس ويلمس؛ ولكن أين المها في بغداد أما عليّ بن الجهم حين يقول:
«عيون المها بين الرصافة والجسر»
وأين المها والوعل في مصر والأندلس، حتى امتلأ بذلك كله شعر مصر والأندلس؟
وكان الشاعر يرحل في صحبه، فإذا وقف على دار محبوبته استوقف أصحابه يعينونه على البكاء؛ وقد حدث لأمر ما أن قال «امرؤ القيس» الجاهلي: «قفا نبك» بصيغة التثنية، وكان في هذا صادقًا؟ فما بال «حافظ إبراهيم» في مصر، ولا دار ولا أطلال ولا صحب، يقول في مدح الشيخ محمد عبده:
بكّرا صاحبيَّ يوم الإيابوقفا بي في عين الشمس قفا بي ويطول بي القول لو أخذت في تعداد هذه الأشياء التي لا علة لها إلا سلطان الأدب الجاهلي على الأدب العربي.
ولعل هذا كان من الأسباب التي جعلتهم يقولون: «إن أجود الشعر أكذبه» أفليس كل هذا كذبًا في كذب؟
•••

وناحية أخرى لها خطورتها، وهي أن العربي الجاهلي انتزع صور تعبيراته وتشبيهاته ومجازاته واستعاراته من بيئته التي يعيش فيها، فكانت صورًا صادقة وتعبيرات صحيحة وابتكارات موفقة. ثم لما أتى من بعدهم تأثر بهم ودرج على أثرهم، ولم يلحظ الفرق بينه وبينهم، وانعدام الصدق في قوله دون قولهم.
كان العربي يعتمد على الإبل في معيشته، فاشتق منها ومما يحيط بها ومن طرق معيشتها كثيرًا من أدبه، فقال: «ألقى حبله على غاربه» و«أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب?»، وقال: «الصيف ضيعت اللبن» وقال: «أخذ الشيء برمته?» و«ليس في العير ولا في النفير» و«دون ذلك خرط القتاد» إلخ إلخ. فما لأدبائنا وطلبتنا وهم لا يعيشون عيشة الإبل، يستعملون هذه التعبيرات كلها، وهي بالنسبة لهم ليست تعبيرًا صادقًا، أو على الأقل لا يضيفون إليها التعبيرات المشتقة من حياتهم؟ وكان العربي في الجاهلية يعيش عيشة اجتماعية خاصة، عمادها اللبن والتمر والجزور، ونباتها الشيح والقيصوم، وحيواناتها الضب وما إليه، وعلاقة بعضهم ببعض علاقة ارتباط بالدم في القبيلة وعلاقة عداء مع غير القبيلة؛ فكان من ذلك كله أدبهم وتعبيرهم وفخرهم وهجاؤهم، ثم تغير ذلك كله؛ تغيرت معيشة الأمم وحيوانها ونباتها، وحلت الأمة محل القبيلة، كما حلت الحضارة محل البداوة. أفلا يكون من الحق أن يكون أدب كل أمة صورة صادقة لها؟
كان العربي يقول في المرأة: كأنها ظبي من ظباء عسفان، ورئم من آرام وَجْرة، ومهاة من مها الصَّريم، وجؤذر من جآذر جاسم؛ أفيحق لنا أن نقول هذا في تشبيه المرأة المتحضرة؟
وكانت لهم مقاييس في الجمال من سمن وردف، ولهم أوصاف خاصة بما يتصل بالجمال، كنئوم الضحى ومكسال، أليس من الحق وقد تغير المثل الأعلى لجمال المرأة أن يتغير الأدب تبعًا له؟
وكانوا يقولون: إن قده قد القناة وقوامه قوام الرمح، وكأنه النخلة السحوق. أيصح أن يظل هذا مستعملًا في الأدب، وقد بطلت القناة وسمج تشبيه القد بالنخلة؟
وكان عرب البادية يرون في باديتهم نبت الثمام، ورأوه لا يطول، فقالوا للشيء الذي يسهل تناوله: «هو مني على طرف الثمام»، فكانوا صادقين في قولهم مصيبين في تعبيرهم؛ فكيف يجوز لنا ولم نر ثمامًا قط أن نعبر هذا التعبير، إلا ان يكون تقليدًا مخجلًا؟
وكانوا يرون الضب في باديتهم ويلمسونه بأيديهم، ويعرفون نوع حياته، فكوّنوا لهم أدبًا حوله، رأوا الضبة تأكل أولادها فقالوا: «أعق من ضب»، ورأوا عقد ذنبه كثيرة فقالوا: «أعقد من ذنب الضب»، وعرفوا أنه يسكن جحره في الشتاء فقال قائلهم:
يباري الريح تكرمة ومجدًاإذا ما الضب أجحره الشتاء فكيف يسوغ لمصري أو عراقي أو شامي أن ينطق بهذه الأقوال وهو لم ير ضبًّا قط، ولا رأى عقد ذنبه، بل قد لا يعرف شيئًا عنه؟ والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى. كان لهذا التقليد أثران سيئان جدًّا: أولهما: استعاراتنا وتشبيهاتنا وقفت عند الاستعارات والتشبيهات الجاهلية، فقد حلت الطيارات محل الإبل، ولا زلنا نقول: ألقى حبله على غاربه. ووجدت الأسلاك الشائكة أشكالًا وألوانًا ولا زلنا مولعين بحسك السعدان. وأمدتنا المخترعات الحديثة بألوان وألوان يمكن العقل الخصب أن يستمد منها آلافًا من التشبيهات والاستعارات، ونحن لا نزال عند «الصيف ضيعت اللبن». وتغير نظرنا للحياة فأصبح كرم حاتم من النوع السخيف والإسراف الممقوت، ولا زلنا نقول: الكرم الحاتمي. وهناك آلاف من أنواع الخيبة التي تصلح للتشبيه، ولكن لا يزال «خفا حنين» وحدهما هما مضرب المثل. وكم في العالم من مجهولات يمكن التشبيه بها، ولكن لم يلق نجاحًا في التعبير إلا أنه «لا يعرف من أين تؤكل الكتف» وكم في الدنيا من أشياء يشبه بعضها بعضًا، ولكن ليس لشيء منها حظ كحظ «حماري العبادي». وكم في الدنيا من مؤتمرات أعدت أحسن إعداد وألقي فيها من موضوعات الأدب والفن ما كان غرة في جبين الدهر، ولكن كل ذلك لا يستحق أن يذكر اسمه بجانب «سوق عكاظ»!من أجل هذا كله افتقر الأدب العربية في باب التشبيهات والاستعارات التي تجاري الزمان، وتخترع من حوادث الأيام، ووقفت جامدة كما تركها الأولون إلا في القليل النادر.
والضرر الثاني: أن الأدباء ينطقون بما لا يعلمون، ويشبهون بما لا يبصرون ويتحدثون بما لا يفقهون؛ وإلا فكيف يجيز الكاتب لنفسه أن ينطق بالضب وهو لم يره، ويتغنى بريح الخزامي وهو لم يشمها؟ وكيف يطلق الحبل على الغارب وهذا ليس في حياته؟ وكيف يبكي الأطلال في مدينة القاهرة؟
إن كثيرًا من الطلاب والكتاب يستعملون كل يوم في كتاباتهم نوعًا من الصيغ المألوفة ولا يفهمونها؛ لأنها ليست مشتقة من حياتهم ولا تنطبق على نوع معيشتهم، وإنما هو التقليد المعيب والجمود المخزي.
ومن غريب الأمر أن القرآن الكريم عاب الجاهلية وحقر من شأنها ورماها بفساد العقل وفساد الذوق، ثم كان من مزاياه الجليلة أنه عبر تعبيرات إنسانية عالمية لا تعبيرات بيئة جاهلية؛ ومع هذا كله أشربت النفوس حب الجاهلية، ومجد العلماء الأشياء الجاهلية، واستعبد الناس الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي، وكان في ذلك البلاء العظيم!
•••

إن كان ما أقول حقًّا، وكان ما وصفت داء، وجب أن نضع له الدواء، والدواء في نظري أشياء.
أهمها: ألا يكون في برنامج المدارس الثانوية دراسة للأدب الجاهلي وما يشبهه كأدب جرير والفرزدق والأخطل. وبعبارة أدق — أن يكون لنا نوعان من الدراسة: نوع للخاصة كقسم اللغة العربية في الجامعة والأزهر ودار العلوم، وهؤلاء يدرسون كل شيء في الأدب العربي قديمه وحديثه، جاهليه وإسلاميه ما استطاعوا؛ فهم يدرسون الأدب الجاهلي كما يدرس رجال الآثار الآثار القديمة، وكما يدرس رجال التاريخ التاريخ القديم. أما غير المتخصصين كطلبة المدارس الثانوية وأشباههم فحرام أن يضيعوا أوقاتهم في دراسة الأدب الجاهلي وهم لا يعلمون من الأدب شيئًا، وحرام أن نلوي عقولهم وأذواقهم بالمعلقات وأشباهها، وهم لم يتكون ذوقهم الأدبي بعد؛ فيجب أن يقطعوا مرحلة التعليم الثانوي بدراسة نماذج من القرآن الكريم ونماذج من الأدب الحديث ومختارات سهلة عذبة من الشعر العباسي وأمثاله، على شرط أن يكون هذا الأخير متفقًا والذوق الحديث، ملائمًا في موضوعاته وفنه لحياتنا الحالية؛ فغن نحن قرأنا لهم شيئًا من الشعر الجاهلي فعلى شريطة أن يكون سهلًا عالميًّا لا صعبًا موضعيًّا؛ ولخير لهم ألف مرة أن يقرءوا أدب المعاصرين وشعر المعاصرين من أن يقرءوا للشنفرى وتأبط شرًّا وجرير والفرزدق؛ فإن هؤلاء المعاصرين يشعرون شعورهم، ويكتبون بلغتهم، ويتعرضون لموضوعات تهمهم، ويتذوقون بذوقهم، فإذا أكثر الطلبة من قراءة مؤلفاتهم استطاعوا أن يقطعوا مرحلة كبيرة في سبيل رقي لغتهم وتكوّن ذوقهم. وليس يفيدهم شيئًا أن يضيعوا سنة أو أكثر في دراسة مختارات من المعلقات، وسنة أخرى في دراسة مختارات من جرير والفرزدق والأخطل، وليت الأمر اقتصر على عدم الفائدة، بل إن ضرره محقق في إفساد ذوقهم وضياع زمنهم.
إن الأمم الأخرى الحية كإنجلترا وفرنسا تدرس لطلبتها شيئًا من الأدب القديم، ولكن قديمها ليس كقديمنا، فعمر الأدب الإنجليزي والفرنسي حديث لا يمعن في القدم إمعان الأدب الجاهلي، بل إن نحن وقفنا عند العصر العباسي كنا أقدم منهم.
وشيء آخر، وهو أن أدب هذه الأمم — مهما قدم — وليد حضارة تشبه حضارتهم التي يعيشون فيها، ووليد بيئة اجتماعية هي أصل لبيئتهم الاجتماعية الحالية، فهم إذا درسوا هذا الأدب القديم تذوقوه كما يتذوقون حضارتهم، ووجدوا فيه موضوعات من جنس موضوعاتهم. أما الأدب الجاهلي فوليد بيئة مختلفة تمامًا عن بيئتنا الحالية، وتحتاج في فهمها إلى تخصص تام لمعرفة البداوة وشئونها وأحوالها حتى نستطيع أن ندرك أدبها، وهذا القدر لم يدركه المتخصصون فكيف بالطلبة؟
إني أسائل رجال الأدب بإخلاص: ماذا استفاد طلبة المدارس من دراسة الأدب الجاهلي في إنشائهم وفي معلوماتهم وفي تربية ذوقهم؟ لا شيء إلا أن يمثلوا دور الببغاء، يحفظون ما يلقى عليهم حتى إذا نقشوه على ورق الامتحان تخففوا منه سريعًا، ولو أنهم صرفوا هذا الزمن في دراسة الأدب الحديث لنما الأدب الحديث وأزهر، ورقى ذوق الطلبة وأثمر.
بل إني أذهب إلى أكثر من ذلك وأرى أن معاجمنا اللغوية يجب أن يكون منها نوعان أيضًا: نوع للخاصة فيه كل لفظ وكل استعمال، ونوع للعامة نميت فيه الألفاظ الجاهلية التي لا حاجة إليها في حياتنا، والتي تدل على أشياء لا علاقة لها بنا، ونخلي مكانها للألفاظ الحديثة التي نحتاجها، لا نذكر فيها من النباتات البدوية، ولا الحيوانات البدوية، ولا الأدوات البدوية إلا ما لنا به علاقة ما، ونفتح صفحاته الكثيرة لندون فيها أزهارنا ونباتنا وحيواننا وأدواتنا التي تحيا بيننا بحياتنا.
نميت العرار ونحيي الزنبق، ونميت الكمأة ونحيي المانجو، ونميت القوس، ونحيي القنابل، وهكذا.
بل أذهب إلى أكثر من هذا، فأناشد الأدباء والشعراء أن يستمدوا تشبيهاتهم واستعاراتهم مما بين أيدينا من مخترعات، وألا يستعملوا ما لا يحسون ولا يعلمون من تشبيه، وأناشد المعلمين أن يعلموا بالخط الأحمر على الاستعمالات التي يستعملها الطلاب ولا يفهمونها، أو يفهمونها ولا يحسونها، فلا يجيزوا لطالب أني يقول: «ألقى حبله على غاربه»، ولا أن يقول: «أندر من الكبريت الأحمر»، وهم لا يعلمون ما الكبريت الأحمر، ولا أنا أيضًا، ولا «أعز من بيض الأنوق، ولا الأبلق العقوق»، ولا «عقود الجمان، ولا قلائد العقيان»?، فهي كلمات ضخمة لا مدلول لها، وليطالبوهم بأن يحركوا أذهانهم، ويهزوا عقولهم، فيصوغوا ألفاظهم وتعبيراتهم وتشبيهاتهم مما بين أيديهم، فذلك أليق بالحر وأجدر بالعاقل. إنا إن فعلنا ذلك فككنا أغلالنا، وتحررنا من سلطان الأدب الجاهلي، واستطعنا الجري إلى الأمام في أدبنا.
هذا ما أرى، فهل يجد هذا الموضوع من رجالاتنا ما يثير أذهانهم فيؤيدوه أو ينقدوه، حتى يتجلى فيه الصواب، ويظهر الحق، ويكون له نتيجة عملية في حياتنا الأدبية؟
?


أراني مضطرًّا قبل البدء في هذا المقال إلى التنبيه على خطأ وقع فيه بعض الكتّاب، وهو أنهم يرون أن الأدب العربي لا يخدم إلا من طريق التقريظ والإفراط في تبيين المحاسن والتغاضي عن ذكر المعايب. وغلا بعضهم فرأى أنه مقدس كل التقديس، لا يصح أن يمس بكلمة سوء، ولا يذكر بكلمة تجريح.
فهؤلاء وهؤلاء لا يحسنون إلى الأدب العربي بقدر ما يسيئون إليه؛ فكل أدب في العالم خاضع للنقد، ولا يرقى إلا بالنقد؛ كما أن كل أدب لا يمكن أن يحيا وينهض إلا باقتباسه من حين إلى آخر من الآداب الحديثة، والمقارنة بينه وبينها، حتى تعرف جوانب قوته وجوانب ضعفه، ثم يستفاد من هذه المقارنة بإدخال ما توحي إليه من إصلاح. وهذه الشواهد ماثلة أمام أعيننا؛ فالآداب الغربية من ألمانية وإنجليزية وفرنسية وإيطالية — على عظمتها وسيرها مع الحياة — لا يزال كتّابها يجهرون بالنقد اللاذع لها، ولا يزال كل منها فاتحًا عينيه لما يحدث في الآداب الأخرى؛ فإذا شعر بناحية قوية ظهرت فيها أخذها وطعّم بها أدبه، ولم يهدأ حتى يجاريها ويباريها.
وإن مثلنا مثل الطبيب الذي يرى المريض العزيز عليه، فلا يمنعه حبه وإشفاقه من تشخيص المرض كما يدعو إليه العلم ويدعو إليه الحق، ويذكر في صراحة خطر المرض، وإن كانت نفسه تذوب حسرات، ويصف العلاج وقلبه يبتهل إلى الله بالنجاح؛ ومثل هؤلاء الكتاب مثل العجائز يدخلن على المريض فلا همّ لهن إلا أن يكذبن ويقلن له: ما أحسن وجهك، وما أجود صحتك، وما أبين العافية عليك! ونحو هذا من معسول الكلام الذي لا يفيد؛ وقد يحمل المريض على الاستنامة لقولهن وعدم الأخذ بوسائل الاستشفاء الصحيح.
قد كان هذا الكلام الرخيص يجوز على الناس قبل أن ينتبه العالم الشرقي لمرضه، وأيام كان يغط في نومه؛ أما وقد استشعر المرض وأحس نفسه وحقيقة مركزه، فقد أخذ يستوصف المصلحين ويهزأ بالمقرظين، ويسترشد بالمنصفين، ويحتقر المتاجرين، ولا يعبأ إلا بالمخلصين.
•••

وبعد فنعرض اليوم لناحية أخرى قصر فيها الأدب العربي لشدة تمسكه بتقليد الأدب الجاهلي وهي «أدب الطبيعة».
ذلك أن الأدب الجاهلي — فيما نقل إلينا — لم يعن العناية الكافية بجمال الطبيعة، فلم يتغن بجمال الأزهار، ولا بتغريد الأطيار، ولا بخرير المياه، ولا بانسياب الجداول، ولا بمحاسن النجوم، ولا بجلال السماء، ولا بمناظر الأرض كما ينبغي أن يتغنى.
لقد أكثر الشاعر الجاهلي من وصف ناقته، أو وصف صيده، أو وصف فرسه، ولكنه لم يكثر من وصف منظر طبيعي جميل أخذ بلبه أو ملك عليه نفسه.
نعم رويت بعض القصائد الجاهلية في وصف الرياض كقول الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبةخضراء جاد عليها مسبل هطليضاحك الشمس منها كوكب شَرِقٌمؤزر بعميم النبت مكتَهلُيومًا بأطيب منها نشر رائحةٍولا بأحسن منها إذ دنا الأصل ولكنه — كما ترى — لم يقصد إلى جمال الروضة قصدًا، ولم يقل ما قال فيها عمدًا، إنما عمد إلى وصف من يحب، فقال: إن طيب رائحة حبيبته أطيب من ريح روضته، وتتابع الشعراء بعد على هذا المعنى وعلى هذا النمط.
وكذلك ورد بعض الشعر الجاهلي من هذا القبيل في وصف جمال الروضة تبعًا لا استقلالًا، كأن يتحسر الشاعر على أيام الصبا يوم كان يلقى حبيبته في مكان نزه يصفه، ثم تتابعت عليه أحداث الزمان فتركته خرابًا.
وقد أكثروا من وصف الرعد والبرق والسحاب، ولكني أقرؤها فلا أشعر فيها بقلب ينبض، ولا بعاطفة قوية، وإنما يقف فيها الشاعر عند تقييد ما يرى، فإن تعدى ذلك فإلى تشبيه يشتقه من بيئته.
وسبب قصور الشعر الجاهلي في هذا الباب أن الطبيعة في هذه البيئة طبيعة قاسية، لا طبيعة رحيمة، وطبيعة فقيرة لا غنية: حر مهلك، وبرد قارس، وصحراء مجدبة، وأرض شحيحة، وجبال جرداء، وأرض صمّاء، أو رمال لا يستقر فيها ماء.
فكيف توحي هذه الطبيعة بالتغني بالجمال؟ إن الطائر إذا لم يجد الغصون الناضرة، والأزهار اليانعة، لم يستطع أن يعيش فضلًا عن أن يغني.
وكذلك الشعور بالجمال والتغني به، إنما يأتي بعد الطمأنينة على العيش، والحصول على القوت. وأرض العرب في الجاهلية لا يتوافر فيها الرزق إلا بشق الأنفس؛ بل إن الحياة كانت في كثير من الأحيان تعتمد على السلب والنهب والقتال، فكيف يفرغ الشاعر إلى التغني بجمال الطبيعة، وأكثر مواقفه في تأليب قبيلة على قبيلة، والإشادة بمحاسن قبيلته، والتشهير بعيوب أعدائها.
إذًا لم يكن هناك مجال كبير للالتفات إلى محاسن الطبيعة والتغني بها. ولهم في ذلك كل العذر، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
ولكن ماذا حدث بعدُ؟
حدث أن فتح الله الدنيا على العرب وملكوا محاسنها على اختلاف أنوعها؛ ففي أيديهم خير الأنهار وأجمل البحار وأنزه الرياض، وتحت بصرهم الأراضي الخصبة الجميلة، والجبال المكسوة بالأشجار والبساتين الغنية بالثمار، والحدائق التي تختال بالأزهار — في أيديهم مصر بنيلها وحقولها وبحرها وسمائها، والشام بجبالها وأشجارها ومياهها وسحرها، وبلاد العرق بسوادها وبساتينها ودجلتها وفراتها، وفارس بنجادها ووهادها ومنازلها وثمارها وأزهارها، ثم كانت في أيديهم الأندلس بطبيعتها الفاتنة وجمالها الساحر.
فهل وفَّى الأدب العربي هذه المناظر حقها؟ وهل أدى للجمال الطبيعي واجبه؟ نعم نرى أبياتًا في الربيع لأبي تمام والبحتري، ونرى شعرًا جميلًا في وصف الرياض والأزهار والثمار لابن الرومي، ونجد أبياتًا متفرقة هنا وهناك في دواوين الشعراء، ولكنها قليلة نادرة ندرتها في الشعر الجاهلي، وأكثرها قيل تبعًا لا استقلالًا، كما هو الشأن في الشعر الجاهلي، وهي ليست إلا دررًا طغت عليها الأمواج المتدفقة من شعر المديح والهجاء، وما إليها.
إن كان للبدوي عذره في أنه لا يكثر القول في الطبيعة ولا يشعر بجمالها كما ينبغي، فما عذر الحضري والجمال وفير والمال كثير وتحصيل العيش سهل يسير؟ لا عذر إلا أنه أسير التقليد، لم يستطع أن يستقل في مشاعره ولا في تفكيره ولا فنه.
لقد كانت الأندلس أغنى بقاع المسلمين منظرًا وأوفرها جمالًا؛ أبدعها الخالق أيما إبداع، وصاغها خير صياغة، ولوّنها أجمل الألوان، فلا يستطيع من رآها إلا أن يغني، ولا من شاهدها إلا أن تفتنه. ومن الحق أن شعراءها غنوا أكثر من غيرهم، وتفننوا في ذكر محاسن الطبيعة أيما تفنن، ونبغ فيهم أمثال ابن خفاجة الملقب بشاعر الطبيعة، ولكني لا أكتم القارئ أني قرأت كثيرًا من شعره وشعر غيره من الأندلسيين، فكان شعوري نحو شعرهم أنهم أجادوا الصياغة ولم يوفقوا أن ينفخوا فيه الروح، شعرهم تمثال بديع لا حياة فيه إلا في القليل النادر، شعرهم من رأسهم لا من قلبهم، أكثر جهدهم موجه إلى البحث عن تشبيه رائع واستعارة بديعية تعجب علماء البيان، لا نتيجة شعور يتدفق، يريد أن يحتضن الطبيعة لجمالها، ولا هو صرخة إعجاب خرجت من أعماق القلب في بساطة فطرية، ولا هو تمجيد للجمال وتقديس لمناظره يخر أمامه الشاعر ساجدًا، ولا هو إحساس من الشاعر باندماج الطبيعة في نفسه واندماج نفسه في الطبيعة حتى كأنه هو وهي أو هي وهو، وحدة لا انفصام لها كالذي قال الحلاج:
أنا من أهوى ومن أهوى أنانحن روحان حللنا بدنًافإذا أبصرته أبصرتنيوإذا أبصرتني أبصرتنا كلًّا، ولا هو شعور بحياة الطبيعة وقوتها ونبضها كما ينبض القلب، ولا هو شعور الظمآن يريد أن يرتوي ولا يرويه إلا جمال الطبيعة ثم هو يعل منه وينهل، وكما عب ازداد لذة وازداد ظمأ.
لا شيء من ذلك، وإن عثرنا منه على شيء فهو القليل النادر الذي لا يروي ظمأ، إنما أكثره من قبيل الخيال المصطنع، يتعمق فيه الشاعر ليظفر باستعارة، أو يسبح في الآفاق ليأتي ببعض المحسنات البديعية.
•••

لقد يخيل إليّ أن من أهم أسباب النقص في هذا الباب الموقف الذي رسم للشاعر منذ العصر الجاهلي.
لقد رسم للشاعر أن يكون خادم السلطات، وبدأ بذلك في العصر الجاهلي فكان الشاعر شاعر القبيلة لا شاعر نفسه، إذ كانت السلطة للقبيلة، فهو يدافع عنها، ويحميها من أعدائها، ويعبر بلسانها، ولا يشعر لنفسه بوجود مستقل فيها، فقل التعبير بأنا وكثير التعبير بإنّا، وحتى إذا عبر بأنا، فقل أن يعني نفسه وحدها، وإنما يعني نفسه وقومه.
فلما انتقلت السلطة من القبيلة إلى الخلفاء والملوك والأمراء، وقف الشاعر الحضري منهم موقف أسلافه من القبيلة، فكان لا ينبغ النابغ من الشعراء إلا في قصور الملوك والأمراء، وقلَّ أن نرى شاعرًا نبغ في غير هذه البيئة؛ ومن أجل هذا كثر شعر المديح والهجاء وما إلى ذلك؛ لأن الشاعر ليس يعبر فيه عن نفسه، ولا هو مستقل بنفسه، إنما هو معبر عن أغراض من يخدمهم ويسعى في استرضائهم، ومن حرم الحظوة عند هؤلاء ظل دهره شاكيًا باكيًا، يذم الزمان، ويلعن تصاريف الدهر، كما فعل ابن الرومي وأبو العلاء.
من أجل ذلك لو أحصينا من كان شعره خادمًا للملوك والأمراء، كانوا هم الجمهرة العظمى، ومن عداهم كانوا في غاية الندرة، أمثال العباس بن الحنف وجميل بثينة.
فهذا الوضع الذي وضع فيه الشعراء أنفسهم من خدمة السلطات — مقلدين في ذلك الوضع الجاهلي — لوّن الأدب العربي بالألوان الزاهية في بعض مواضعه، والباهتة في بعض مواضعه؛ فحيث يكون الشعر في خدمة الملوك والأمراء كالمديح والهجاء والغزل والخمر، فهو كثير وفير، وحيث يحتاج الشعر إلى استقلال، وحيث يغني الشاعر لنفسه، كشعر الطبيعة، ووصف المشاعر النفسية ونحو ذلك فقليل نادر.
لم يفهم الشاعر نفسه على حقيقتها، ولم يفهمه الناس على حقيقته، فكلمة الشاعر تدل على أنه يشعر بالأشياء خيرًا مما يشعر غيره، وكان ينبغي أن يفهم من ذلك أنه يقول ليرضي شعوره أولًا، والناس ثانيًا، ولكن كان أول الشعراء شعراء الجاهلية، فقضت عليهم ظروفهم أن يقفوا موقف الجرائد اليوم من الأحزاب، وأن يقفوا من قبيلتهم موقف الخطباء؛ وهذا خطأ في فهم معنى الشاعر، إذ كان ينبغي أن يكون معناه من فاضت عواطفه من شعوره القوي، فجرى ذلك على لسانه، أو أن يكون معناه من منح عاطفة قوية وشعورًا مرهفًا يدرك به ما لا يدرك غيره، فيمزج ذلك بنفسه، ويخرجه لنفسه وللناس في أسلوب خاص؛ إن كان كذلك فكان ينبغي أن يستقل بنفسه، لا يخضع لسلطان ولا يوجّه حيث يراد، لا حيث يريد.
ولكن وجد الشاعر الجاهلي — مع الأسف — في ظروف جعلته لسان القبيلة، وكان مع الأسف الأشد أن تتابع الشعراء على هذا النمط لم يتعدوه؛ يختلف معاوية وعليّ، فيكون لهذا شعراء؛ ولهذا شعراء، ويختلف عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير، فينقسم الشعراء فيما بينهم قسمين، كما كانوا يختلفون أيام القبائل، وتأتي الدولة العباسية فقلّ أن ينبغ شاعر إلا في البلاط، ويقبل المعتصم على الأفشين، فيسخّر أبو تمام شعره لمدح الأفشين، ويغضب المعتصم على الأفشين فيسخر أبو تمام شعره لهجاء الأفشين، وهكذا.
أما التغني بالطبيعة وجمالها، وإدراك المعاني السامية للحياة والتعبير عنها، ونحو ذلك من ضروب الفن، فأكثرهم عنه في شغل بعبادة السلطات واتجاههم حيثما توجههم.
لم يتغير هذا الموقف في الشعر العربي إلا منذ سنوات، فأخذ الشاعر يشعر بنفسه، ويشعر لنفسه ولقرائه، ولكنه لا يزال في مفتتح الطريق — وفقه الله.
?


كان العرب في جاهليتهم، منحطين في عبادتهم، فعبدوا الأحجار من دون الله، وقال واصفهم: «كنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حفنة من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه، ثم طفنا به». وقال آخر: «كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه ونحلب عليه فنعبده؛ وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانًا ثم نرميه».
وإذا رأوا حجرًا فعلت فيه الطبيعة فعلها حتى جعلت منه شبيهًا بالإنسان، كانوا له أكثر تقديسًا وأحرّ عبادة، فكانوا يعبدون حجرًا «كجثة الرجل العظيم وهو من صخرة بيضاء، لها رأس أسود، وإذا تأملها الناظر رأى فيها صورة وجه الإنسان». وكانت طيئ تعبد «القلس» «وكان أنفًا أحمر في وسط جبلهم — الذي يقال له: أجا — أسود كأنه تمثال إنسان، وكانوا يعبدونه ويهدون إليه ويعقرون عنده».
ودعاهم إلى ذلك أن لم تكن لهم مهارة فنية يستطيعون بها أن يتقنوا النحت وصناعة التماثيل، فكانوا يتلمسون ما تخرجه الطبيعة من فن فيعبدونه، كحجر أبيض جميل، أو شبه تمثال، أو شبه صنم؛ فما كان عندهم من تماثيل متقنة فمجلوبة من الخارج — غالبًا — فيذهب بعضهم إلى أن «يغوث» كان على صورة الأسد، وأنه مجلوب من مصر، وأن بين آلهة المصريين صنمًا على صورة الأسد اسمه «يغنوت» إلخ.
وكما عبدوا الأحجار عبدوا الحيوان، قال ابن عبد البر: «إن العرب كانوا يأتون بالشاة البيضاء فيعبدونها، فيجيء الذئب فيأخذها، فيأخذون أخرى مكانها»، ولما وفدت طيئ على رسول الله ? قال لهم: «إني خير لكم من العزَّى ولاتها، ومن الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله». ولما أغار عمرو بن حبيب على بني بكر وجدهم يعبدون سقبًا من دون الله، فأراد إغاظتهم فنحره وأكله. وكانت لهم أصنام على شكل حيوان جلبوها من الخارج، على شكل أسد ونسر وفرس ويربوع.
فإذا ارتقوا من الحجر والحيوان عبدوا تمثال إنسان، فعبدوا «أسافا ونائلة» «وهما — فيما ذكروا — صنمان، زعموا أنهما رجل وامرأة من جرهم فجرا في الكعبة فمسخهما الله حجرين». ولست أدري ما حملهم على عبادتهما مع شنيع فعلهما، وهما إن استحقا شيئًا فالرجم لا العبادة.
وعبدوا اللَّات والعزى، واختلفت الأقوال فيهما، فمنهم من قال: إنهما صنمان لرجلين صالحين كان أحدهما يلت السويق للحجيج.
فإذا ارتقوا خطوة أخرى عبدوا النجوم كالشمس والمشترى والشعرى، ولكنهم نظروا إليها في عبادتهم نظرة مادية جامدة.
•••

سقنا هذا لنبين أن العرب في جاهليتهم كانت نظرتهم الدينية نظرة وثنية مادية وضعية.
وللدين أثر كبير في الأدب؛ لأنه — من ناحية — مصدر كبير من مصادر الإلهام الأدبي، ومن ناحية أخرى إذا كان الأديب ذا دين مادي وثني جامد، تأثر أدبه بعقليته، فخرج مثله ماديًّا جامدًا، وإذا كان دينه ضيق الخيال لاصقًا بالحجارة والأرض، كان خياله في أدبه غالبًا كذلك؛ لأن نفسية الإنسان وعقليته وحدة لا تتجزأ، وإن اختلفت مناحيها ومظاهرها.
من أجل هذا نرى الأدب الجاهلي في الكثير الأغلب ماديًّا، لا معنويًّا ولا روحيًّا.
فمن مظاهر ذلك ناحية التشبيهات والاستعارات في الأدب الجاهلي، فهي أدل ما تكون على ضعف الخيال أو قوته، فإذا استعرضناها وجدناها مادية لاصقة بالأرض في الأعم الأغلب، فالجاهلي يشبّه الحيوان بحيوان مثله، فيشبّه الناقة بالظليم، أو بالثور الوحشي، أو بالنعامة، أو بالأتان، ويشبّه امرؤ القيس الفرس بجلمود صخر حطه السيل من علٍ، والنجوم بالمصابيح، وبعر الآرام بحب الفلفل، وفرع الشعر بقنو النخلة المتعثكل؛ ويشبّهون السنام بقنطرة الرومي أو بالقصر؛ والسيد العظيم بفحل الإبل، والنساء ببيض النعام، والحرب وما يحلب منها من دماء بالناقة يحلب منها اللبن، أو بالناقة تحمل ثم ترضع ثم تفطم، ومثل هذا كثير؛ وكل الشواهد تشهد بما نقول من ولوعها بالتشبيه المادي الأرضي؛ وقلّ أن تجد لهم تشبيهًا سماويًّا أو معنويًّا، كما فعل غيرهم من تشبيه سرعة الفرس بالبرق، أو تلألؤ السيف بلمعان الشهب، أو جري الفصيل إلى أمه بدبيب الخيال إلخ. وهكذا كانت تشبيهاتهم مادية أرضية من جنس دينهم المادي الأرضي.
لقد كان اليونانيون وثنيين كالجاهليين، ولكنهم رفعوا آلهتهم من الأرض إلى السماء، ومنحوها الحركة والحياة، وجعلوا للحب والجمال والشعر آلهة، وجعلوا «أفروديت» تخلق من أمواج البحر وأولدوها إله الحب، وجعلوا له جناحين ذهبيين، وجعلوه يحمل سهامًا حادة، ومشاعل ملتهبة، ونسجوا حول آلهتهم أساطير في منتهى الخصب في الخيال، والبعد في السماء، والحركة في الحياة؛ وظلت هذه الخيالات والأساطير تسير سيرها وتعمل عملها في الحياة اليونانية، حتى حوّلها الأدب إلى قصص وتمثيل، وحوّلها العقل إلى فلسفة.
•••

ومظهر آخر من مظاهر المادية الأرضية في الأدب الجاهلي، وهو شعرهم في المرأة؛ نعم قد أكثروا من الغزل والنسيب، وافتتحوا به قصائدهم في كل غرض من أغراض الحياة؛ ولكن أعمِل النظر في أشعارهم، وأطل التفكير في غزلهم، تجد أنهم لم ينظروا في المرأة إلا إلى جسمها؛ لقد أدركوا تمام الإدراك جمالها الحسي، ولكنهم لم يدركوا جمالها الروحي، أولعوا بقدها الممشوق، وعيونها الدُّعج، ووجهها الوردي، وخصرها النحيل، وردفها الثقيل، وما شئت من أعضائها وأجزائها؟ فأما روحها السماوي، وجمالها الروحي، وتعشق روح الشاعر لروحها، والشعور بأنها مصدر وحيه وإلهامه، فشيء لم يستطع إدراكه الشعر الجاهلي.
لقد نظر الشعراء الجاهليون إلى المرأة كما ينظرون إلى لحم الجزور، وكأس الخمر، هي متعة جسمية لا غير؛ واستفتح هذه الآراء امرؤ القيس بقوله:
كأني لم أركب جوادًا للذةولم أتبطن كاعبًا ذات خلخالولم أسبأ الزّق الرويَّ ولم أقللخيلي كُرِّى كَرَّة بعد إجفال وقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤهاتمتعت من لهوٍ بها غير مُعجل فسار الشعراء على أثره يتخذون المرأة ملهاهم، ويقرنونها بالفرس والكأس. حتى وصل الأمر بأبي تمام في العصر العباسي إلى أن يقول:
كانت لنا ملعبًا نلهو بزخرفهوقد ينفّس عن جد الفتى اللعب استَقْرِ الشعر الجاهلي ما شئت، واستقر ما جرى على أثره من بعد، تلمس دائمًا شيئين واضحين في أدب المرأة: العناية بتشبيه أعضائها وأجزائها؛ فترائبها مصقولة كالسجنجل، وجيدها كجيد الرِّيم، وفرعها كقنو النخلة، وكشحها مصقولة كالجديل، وساقها كأنبوب السقى، وهي تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل، ووجهها كأن الشمس ألقت رداءها عليه، وأسنانها كالأقحوان … إلخ إلخ. هذه هي المرأة في ذاتها، أما موقفه منها فالمتعة واللهو إن استطاع، واللذة بذكرى المتعة، أو الألم من حرمانها، ثم لا شيء وراء ذلك.
إني لأفهم أن يكون ذلك بعض الأدب وبعض وجوه النظر إلى المرأة، أما أن يكون ذلك كل الأدب النسوي فشيء يدعو إلى الخجل! إن وراء هذا النظر المادي الأرضي نظرًا آخر روحانيًّا سماويًّا، فيه المرأة ملك كريم، وفيه المرأة مصدر وحي وإلهام، وفيه المرأة قلب؛ وحول هذا كله ينشأ أدب من طراز آخر، فيه العواطف السامية، والمعاني الراقية، وهذا ما لم نجده في الشعر الجاهلي، وقلّ أن نجده في الشعر الإسلامي.
ثم لكل أمة أساطير تدور حول عقائها وتقاليدها وأحداثها وتاريخها، وتختلف فيما بينها بقوة خيالها أو ضعفه، وإحكام نسجها أو هلهلته. وكان للعرب الجاهليين أساطير من هذا القبيل؛ والذي يمعن النظر في أساطيرهم يراها أيضًا تكاد تكون مادية أرضية لا تبعد في الخيال ولا تسبح في السماء، تدور حول المعمرين الذين عمروا مئات السنين، أو حول الجن وقد جسّدوها في حية أو نعامة أو قنفذ أو أرنب أو حيوان خرافي كالغول، أو حول المسخ، أو كالذي زعموا أن الضب والكلاب والأرانب كانت أممًا فمسخت، وأن الصفا والمروة كانا رجلًا وامرأة فمسخا، أو حول النجوم كالذي زعموا أن الغميصاء وسهيلًا كانا مجتمعين فانحدر سهيل فصار يمانيًّا وتبعته العبور فعبرت المجرة، وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت «وأن الزهرة كانت امرأة حسناء فصعدت إلى السماء ومسخت كوكبًا» إلى غير ذلك من الأساطير، وكلها تدل على ضرب من الخيال محدود.
والأساطير في الأمم مصدر كبير من مصادر الأدب القصصي، فلما ضعف الخيال القصصي تبعه بعد ضعف القصص العربي.
•••

رأينا من كل هذا أن الأدب الجاهلي كان يساير الدين الجاهلي إلى حد بعين، وأنه كان يقف في المستوى الذي وقفه الدين، وأن الدين كان ماديًّا أرضيًّا، فكان الأدب ماديًّا أرضيًّا كذلك.
ومن الواضح جدًّا أن الشعر العربي اتخذ قبلته الشعر الجاهلي قبل أي شيء آخر؛ وأوضح الأدلة على ذلك ما هو مدوّن في كتب الأدب وخاصة في باب السرقات والموازنات؛ فنجد فيها أن المعاني الأساسية للشعر الجاهلي اتخذت أساسًا سار على نهجها الشعراء الإسلاميون، فحوروا بعض معانيها مع احتفاظهم بالأساس، أو حافظوا على جوهر وغيّروا الشكل؛ مدح الجاهليون بالشجاعة والكرم، فكان أكثر المدح الإسلامي بالشجاعة والكرم، حتى الملوك والأمراء الذين يجب أول كل شيء — أن يمدحوا بالعدل قلّ أن يمدحوا بالعدل؛ لأن الجاهلي مدح بالشجاعة والكرم. وقال امرؤ القيس:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًالدى وكرها العنّاب والحشف البالي وقال:
كأن عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجذع الذي لم يثقب وقال:
وقد أغتدى والطير في وكناتهابمنجرد قيد الأوابد هيكل فأصبحت هذه وأمثالها مصدرًا للكثير من الشعر العربي، ورددوها وكرروا حتى صدّعوا. وكما قال ابن سعيد: «وهذه المعاني ولد منها شعراء المشرق والمغرب وتطارحوا في الأخذ منها»، وصار لكل شاعر من شعراء الجاهليين أبيات معدودات، ومعان محدودات، يعرفها العلماء بالأدب، هي الإمام في الفن وهي التي حددت القوالب التي يصب فيها الشعر العربي — أصبح امرؤ القيس إمام الشعراء في التشبيهات، والنابغة في الاعتذارات، والأعشى في الخمريات. إلخ.
ولقد أنصف العلماء إذ سموا المنهج الذي سار عليه الشعر العربي «عمود الشعر»، وفي الحق أنه متحجر، لم يلن ولم يتغير.
ومن أشد دواعي الأسف أن الزمان قد سمح بمن خرج عن هذا العمود أحيانًا وأراد أن يبني عمودًا آخر، أو أراد أن يغير العمود إلى شجرة تنتج فروعًا جديدة، فسمح قوله ولم يتبع، وصفق له بعض الناس ولم يقلد، والتف الناس حول عمود الشعر، وعمود الشعر وحده.
لقد ابتدع عمر بن أبي ربيعة فن القصص الشعري وأتى فيه بالمُرقص المطْرِب، ثم مات ولم يعقب.
وجاء أبو تمام فأبعد في الخيال وغاص على المعاني وعرضها بأسلوب فيه جدة، فقام علماء اللغة والأدب في وجهه وفضلوا عليه البحتري لالتزامه عمود الشعر فماتت طريقته من بعده.
وجاء ابن الرومي فابتدع توليد المعاني وتبسيطها، واستخرج ما فيها إلى النهاية كما اخترع الهجاء اللاذع بالتصوير الفكه وبالفن الذي يشبه الفن اليوناني؛ وتعصب له قوم من القدماء فقالوا: «إنه أحق الناس باسم شاعر لكثرة اختراعه وحسن توليده»، ولكن مات فنه بموته وبقي عمود الشعر، وعمود الشعر وحده.
وجاء «المعرِّي» فأراد أن يحوّل الشعر على غذاء عقلي ونقد اجتماعي، وينفخ فيه من روح فلسفي، فقالوا: إنه فيلسوف لا شاعر، وإنه في «سِقطه» أشعر منه في «لزومياته»، وأخيرًا سار في طريقه وحده.
•••

ثم جاء القرآن فغير العقلية العربية، ورفع النظر من الأرض إلى السماء، وإلى ما فوق السماء، وعلّم الناس أن يقرءوا كتاب الطبيعة في فصوله المختلفة من إنسان ونبات وجبال وسحاب وأمطار ونجوم وسماء، وأن يقرءوا ما بعد الطبيعة من إله فوق العالمين، هو نور السماوات والأرض، وكشف عن العيون غطاءها، فأصبح بصرها حديدًا؛ فنظرت إلى العالم من طيارة، بل من أعلى من الطيارة، ورأته وحدة متناسقة الجزاء تخضع كلها لإرادة الله. وأعلن الثورة على النظرة المادية الأرضية التي كان ينظر بها أهل الجاهلية؛ فكانت كل ضربة بالمعول في صنم ثورة على ذلك النظر، ودوّت كلمة لا إله إلا الله في جزيرة العرب تعلن ضياع الوثنية وعبادة المادية؛ فلا لات ولا عزَّى، ولا بعل ولا هبل.
وكان للقرآن بجانب ناحيته الدينية ناحية أخرى أدبية، فهو في تعبيراته وتشبيهاته يتناسب كل التناسب مع دعوته، يعالج شئون الأرض ويرتفع بالنظر إلى السماء، وهو في تعبيره وتشبيهه ومجازه كذلك لا يقتصر على التعبير المادي، ولا التشبيه المادي كالذي كان في الجاهلية، بل وجه النظر إلى المعاني أيضًا في كل ضروب بيانه.
وأتى بنوع من القصص بديع في تصويره وتعبيره، وجعله يخدم غرضه في وعظه وإرشاده.
ورفع شأن المرأة فجعلها إنسانًا عدلًا للرجل لا ملهاة له، لها كل حقوق الرجل وعليها واجباته، تحاسب على عملها كما يحاسب الرجل، وتدعى إلى جلائل الأعمال كما يدعى الرجال.
كان في القرآن كل هذا وأكثر من هذا، وكان من المعقول أن يتغير نظر الشعر في الإسلام كما تغيرت العقائد، وأن يرتفع نظر الشاعر الإسلامي ارتفاعه في عقيدته، وأن يكون له جانب روحي كجانبه المادي، وأن يستغل قصص القرآن فيقص هو ولو في اتجاهات أخرى، وأن يرى القرآن يدعو إلى العزة فيكف عن المبالغة في المديح، وأن يرى القرآن يدعو إلى عفة اللسان فيتحرج من الإقذاع في الهجاء، وأن يرى القرآن يرفع شأن المرأة فتعظم في شعره، ويسمو أحيانًا من الكلام في جسمها إلى الكلام في روحها.
فإن لم يجب أن يتغير الشعر الإسلامي كل التغير، فلا أقل من أن يجعل الشاعر الإسلامي له مصدرين: مصدر الشعر الجاهلي لاستغلاله خير ما فيه، ومصدر الإسلام لاستلهامه وتعديل منهاجه في شعره.
ولكن تعال معي ننظر ماذا كان؟ كان أن الشعر الإسلامي لم يتخذ له إمامًا غير الشعر الجاهلي؛ فقالبه قالبه، وموضوعاته موضوعاته، وماديته ماديته، وتشبيهاته من جنس تشبيهاته?؛ وإن كان هناك جديد فجدة في العرض لا في الجوهر، وفي الشكل لا في الأساس، في رقة اللفظ بدل الخشونة، وفي تحوير المعنى لا في خلقه، وفي تقصير الأوزان الشعرية أو تحويرها تحويرًا خفيفًا لا في تجديدها، وفي اقتباس بعض التشبيهات من أدوات المدنية لا في التحليق في جو جديد، وهكذا. قد تقول: إن القرآن ليس شعرًا، وإمام الشعر يجب أن يكون شعرًا، ومصدر الشعر يجب أن يكون شعرًا، ولم يكن إمام الشعر الإسلامي إلا الشعر الجاهلي، فطبيعي أن يقلده لا غيره.
ولكن هذا صحيح في الطبيعة القاصرة والملكات المحدودة، أما الطبيعة النابغة والملكات المبتكرة فتستمد فنها من كل شيء؛ من خرير الماء، وصفير الهواء، وحركات النسيم، وتموجات البحر، وتوقيعات الموسيقى، وأحاديث العامة، وجدال الخاصة، وأضاحيك المغفلين والماجنين وأقول الفلاسفة وخاصة المفكرين؛ فكيف لا تستطيع أن تستفيد من القرآن لأنه نثر، إلا أن يكون مرض الكسل والهرب من مشقة الابتكار؟
•••

وقريب من هذا في باب الغرابة أنه لما اختلط المسلمون بالأمم الأخرى في العصر العباسي، وعرضت عليهم آثار الأمم وخاصة اليونان، نقل الناقلون إلى اللغة العربية فلسفة اليونان وطبهم وجغرافيتهم ورياضتهم وهندستهم؛ ولكنهم لم ينقلوا أدبهم ولا شعرهم ولا قصصهم ولا تمثيلهم؛ فكان موقفهم غريبًا، إذ سمحوا للعقل أن يتغذى بأنواع أخرى من الغذاء، ولم يسمحوا للعاطفة أن تتغذى بأنواع أخرى من الفن! بل أمعن في باب الغرابة أن يسمحوا بنقل نظريات فلسفية تتعارض في صميمها مع الدين الإسلامي، ولم يسمحوا أن ينقلوا ضروبًا من الشعر والأدب اليوناني لا تتعارض مع الإسلام في شيء! ولقد كان يكون في هذا التصرف بعض العذر، لو أن منبعهم في الشعر الذي يستقون منه منبع إسلامي، أما ومنبعهم الوحيد هو الشعر الجاهلي الوثني بما فيه من لات وعزى، وخمر وميسر، وشرك وأوثان. فالأمر جد غريب!
أعتقد أن من أهم الأسباب في ذلك أنه لو كان حملة لواء الأدب في العصر العباسي عربًا خلصًا لسمحوا للآداب الأخرى أن تعرض عليهم، ولأخذوا منها ما تستسيغه أذواقهم، وتجيزه مداركهم؛ ولكن كان أكثر حملة لواء الأدب أعاجم استعربوا. والأعجمي إذا استعرب كان قصارى همه وغاية كده أن يصل في فنه إلى العربي الأصيل، ولا تحدثه نفسه أن يبتكر في القديم، أو يجدد في الشيء الأصيل. أترى المصري — مهما بلغ في إتقان اللغة الإنجليزية — تحدثه نفسه أن يبتكر في الشعر الإنجليزي؟ أو الشامي مهما بلغ في إجادة اللغة الفرنسية أن يبتكر في الشعر الفرنسي؟ إنما يبتكر في الإنجليزية والفرنسية الإنجليزي الأصيل والفرنسي الأصيل؛ لأنه من الناحية النفسية لا يشعر فيها بعجز طبيعي، فكذلك الشأن في العربي الأصيل والأعجمي الحامل لواء العربية في العصر العباسي، وهناك من غير شك أسباب أخرى تخرج بنا عن موضوع مقالنا.
•••

أما بعد، فكل قارئ كريم يلحظ ما أردت من معالجة في هذا الموضوع.
أرادت أن يتحرر الأدب من قيوده التي تثقله، وأن يكون الحكم في أدبنا أذواقنا لا أذواق غيرنا؛ فخير بيت عندي ما تذوقت أنا أنه خير بيت، لا مال قال فلان — ولو كان عظيمًا —: إنه أفضل بيت.
وأن يكون أدبنا معتمدًا على شيئين: خير ما في الماضي مما يتناسب وحاضرنا ويبعث على تحقيق أملنا في مستقبلنا. ودراسة حاضرنا واشتقاق أدبنا منه، لا أن نعيش في أدبنا على الماضي وحده، وعلى الماضي الذي لا يتناسب وحاضرنا؛ فإننا إن فعلنا ذلك كان أدبنا وقفًا على طائفة الخاصة فينا، وغزا أبناءنا في المدارس وجمهرة المتعلمين منا الأدب الأوروبي الحديث، وأصبح الأدب العربي لا حياة له إلا في مناهج المدارس وأسئلة الامتحانات وفئة قلية جدًّا من المتخصصين؛ وفي هذا أكبر إجرام على الأدب العربي.
أريد أدبًا عربيًّا يلذه الطفل في مدرسته، والبنت في مطالعتها، والشاب في غذائه العقلي والروحي، والكهل الناضج، والفتى الغر.
أريد أدبًا عربيًّا يشاهده النظارة في السينما ودور التمثيل، يعرض لحياتهم اليومية وأحداثهم التاريخية، ويصور حياتهم الاجتماعية.
أريد أدبًا عربيًّا يعرض لأسرنا وحياتنا العامة والخاصة ونفوسنا وخلجاتها، فيضع في ذلك قصصًا رائعًا وشعرًا بديعًا، ويهز نفوسنا ويلمس مشاعرنا، ويحركها نحو مثل أعلى ننشده ونسعى إليه.
أريد أدبًا عربيًّا يشعر كل فرد من أبناء العرب بجمال طبيعته، ويهز قلبه لإدراك الجمال الطبيعي والجمال الصناعي، فيرقى حسه وترهف نفسه، ويحركه ذلك إلى أن يكون جميلًا في سلوكه جميلًا فيما يصدر عنه؛ ليؤلف مع ما يشعر به من جمال نغمًا متناسقًا وتوقيعًا متناغمًا.
أريد شعرًا عربيًّا يغنيه المغني فيمثل ما في نفسه الحاضرة من حب ووطنية وإنسانية ومعان مستحدثة ومواقف مستجدة، ويتمثل به المرء في شتى عواطفه ومختلف شئونه.
أريد شعرًا عربيًّا ينشده الأطفال في رياض مدارسهم، والشبان في ألعابهم، والجنود في معسكراتهم، والأسرة المتدينة في صباحها ومسائها، والفتاة في تغذية آمالها.
ولا يتم شيء من ذلك إذا نظرنا إلى الخلف دائمًا، ولا يكون شيء من ذلك إلا إذا كسرنا عمود الشعر الذي وضعه الأدب الجاهلي، وجعلنا بدل العمود الحجري شجرة تنبض بالحياة، يكون أحد فروعاها فقط الشعر الجاهلي، وأهم فروعها نتاج حياتنا الواقعية، وآمالنا المستقبلة. ولا يكون شيء من ذلك ما دمنا نعد البيت الجاهلي خير الأبيات، ولو كان سخيفًا، وخير القصص القصص القديم؛ لأنه ورد في الكتب القديمة، وأحسن الأبيات في الغزل ما استحسنه ابن الأعرابي. ولا يكون شيء من ذلك ما دمنا نوقع الأنشودة القديمة: «إن الأدب العربي كامل ليس فيه نقص، وقوي لا يشوبه ضعف، وبناء مكتمل لا يحتاج إلى علو، ومتين الأساس لا يحتاج إلى دعامة».
إنما يكون ذلك كله يوم نزن الأدب العربي ككل أدب بموازينه الصحيحة من غير عصبية، ونصرح بالنقص في غير خجل، ونبني الجديد في غير هوادة، ونكسر قيود القديم في غير رفق. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
?


يقسم علماء المنطق العمليات العقلية إلى نوعين، عملية تركيبية وعملية تحليلية، ولهذا نظائر في الحسيات؛ فإذا أنت ألفت من ورد وفل وياسمين ونرجس ومنثور وبنفسج طاقة أزهار، فهذه عملية تركيب؛ وإذا أنت فرقت هذه الطاقة، وجعلت الورد وحده والفل وحده والنرجس وحده. فهذه عملية تحليل؛ وإذا ألفت من أكسجين وإيدروجين ماءً، فهذه عملية تركيب، فإذا حللت الماء إلى عنصريه فهذه عملية تحليل.
وفي النحو — مثلًا — بناء الجمل من ألفاظ، أو الفقرة من جمل، أو الفصل من فقر، عملية تركيبية. وتحليل الفصل إلى فِقَر، والفقرة إلى جمل، والجملة إلى ألفاظ، عملية تحليلية.
وفي البلاغة — مثلًا — عملية التشبيه والاستعارة عملية تركيبية؛ لأنه يراد منها ضم شيء إلى شيء والحكم عليهما حكمًا واحدًا من إحدى الجهات، ومثل ذلك الموازنة في باب الأدب.
•••

ويخيل إليّ أن الأمم في بدء أمرها أميل إلى التركيب منها إلى التحليل؛ لأن التحليل يتطلب دقة وحصافة، وخُلقًا علميًّا أكثر مما يتطلبه التركيب؛ والعقل البدائي يسرع في التركيب فيخطئ في الحكم؛ لأنه يكفي أن يرى حادثة تحدث مع حادثة أخرى، فسرعان ما يعقل علاقة بينهما ويعممها من غير تدقيق؛ فيرى الجاهلي — مثلًا — حادثة شفاء من كلب ارتبطت بدم ملك، فيعمم الحكم بأن دم الملوك يشفي من الكلب؛ أو يرى حادثة حدثت اتفاقًا في أن نوعًا من الشجر اسمه العشر احترق وذيل البقر، فأمطرت السماء، فيعمم ارتباط هذا الحادث بالمطر، ويستسقي المطر بتكريره، وربط العشر في أذناب البقر وإشعال النار فيها، وهكذا.
ومن أجل هذا كثرت الأساطير والخرافات بين الأمم في حالة بداوتها؛ لأنها أسرعت في التعميم من غير تحليل دقيق وامتحان لربط الحادث بالحادث.
وهذا ما حدث عند العرب في جاهليتهم، وحدث عند اليونان في جاهليتهم، فلما جاء فلاسفة اليونان كأرسطو، رأوا أكداسًا من الأحكام العامة الباطلة، وأكداسًا من الاعتقادات بارتباطات بين الأشياء زائفة، وأساطير تعمم في غير دقة؛ فوضع أرسطو قواعد وقيودًا للتعميمات، كمطالبته بالاستقراء التام قبل التعميم، ونحو ذلك، ولا يزال علماء المنطق إلى الآن يجدون في وضع الشروط الدقيقة لصحة التعميم.
•••

يظهر لي أن هناك نوعين من الأدب متميزين كل التميز: أدب تركيبي وأدب تحليلي؛ فالقصة التي تصف وصفًا دقيقًا حال عاشقين، وما ينتابهما من عواطف مختلفة، وما يعرض لنفوسهما من مواقف متباينة، وما يجري بينهما من أحاديث تتفق مع كل موقف، وما يبدو من تصرفات متناقضة تبعًا لتناقض العواطف ونحو ذلك، أدب تحليلي؛ والمقالات الاجتماعية تعرض لشرح حال أمة في موقف خاص من مواقفها، وتصف المرض وصفًا دقيقًا، وتضع العلاج في دقة وإحكام، أدب تحليلي؛ وقصيدة الشاعر يصف منظرًا طبيعيًّا، ويحلل موقف المنظر من نفسه وموقف نفسه منه، أدب تحليلي؛ ومقال الناقد يعرض للكتاب أو المقال المنقود. فيميز ما هو أساسي منه، وما ليس بأساسي، ويتبين أغراضه ومراميه، ثم يحلل هذه الأغراض ويبين ما فيها من ضعف وما فيها من قوة، أدب تحليلي، وهكذا.
والخطبة الوطنية العامة في تمجيد القومية والوطنية من غير بحث مسألة خاصة، أو دعوة إلى منهج وطني معين، أدب تركيبي، والمقالة الأدبية التي ليس فيها فكرة أو فيها أفكار عامة، وكل جمالها في تشبيهها واستعارتها وسجعها وبديعها، أدب تركيبي؛ ومقال الناقد يبني مقاله على أن الكتاب أو المقال المنقود يعجبه أو لا يعجبه، وأنه ينطبق أو لا ينطبق على أصول الفن المتعارفة، أدب تركيبي، وهكذا.
والأدباء أنفسهم ينقسمون هذين القسمين، فأديب تغلب عليه نزعة التركيب وأديب تغلب عليه نزعة التحليل.
•••

إن كان هذا صحيحًا فيُخيَّل إليّ أن أكثر الأدب الجاهلي أدب تركيبي لا تحليلي، ويتجلى هذا في مظاهر مختلفة.
فإنا لو استعرضنا الشعر الجاهلي وجدنا أكثره يعني بتصوير الأشياء صورًا عامة، ولا يعني فيها بالتفصيل والتدقيق، وأروع شيء فيه جمال الاستعارة والتشبيه؛ وقد سبق أن أشرنا إلى أن هذا كله من قبيل الأدب التركيبي، وأشهر أبوابه فخر ومديح وهجاء، وقد عرضت بشكل عام تركيبي، فهي في الأغلب فخر ومدح وهجاء للقبيلة جاءت في معان عامة مركبة؛ فخير المدح المدح بالكرم والشجاعة من غير تحليل لجزئيات؛ من خير أنواع المدح المدح بالمروءة وهو لفظ عام غير محدود، ومن شر أنواع الهجاء الهجاء باللؤم، وهو كذلك لفظ غير محدود. ونستعرض باب الصفات — وكنا نظن أن هذا باب يتأتى فيه التحليل الدقيق — فلا نجد تحليلًا ولكن نجد وصفًا مركبًا.
نعم نجد قطعًا متفرقة هنا وهناك فيها وصف تحليلي كوصف المُنَخَّل اليشكري:
ولقد دخلت على الفتاة الخدر في اليوم المطيرالكاعب الحسناء ترفل في الدمقس وفي الحريرفدفعتها فتدافعتمشى القطاة إلى الغديرولثمتها فتنفستكتنفس الظبي الغريرفدنت وقالت يا منخــل ما بجسمك من حرورما شف جسمي غير حبــك فاهدئي عني وسيري ووصف بعض أحداث لامرئ القيس، ولكنها ليست كثيرة في الأدب الجاهلي. إنما الكثير الغالب الأدب التركيبي، وحتى هذه الأمثلة التي ذكرت من الأدب التحليلي ليست طويلة النفس ولا مستقصية التحليل.
•••

جاء الأدب العربي فتأثر كل التأثر بالأدب الجاهلي، فكان أكثره أدبًا تركيبيًّا لا أدبًا تحليليًّا، ونستعرضه فنرى أن فيه كل مزايا الأدب التركيبي وكل العيوب الناشئة من قلة الأدب التحليلي.
نرى الأدب العربي قد نبغ نبوغًا عظيمًا في باب الأمثال والحكم، حتى قلّ أن يساويه في ذلك أدب، لأن ذلك نتيجة حتمية للأدب التركيبي، فهي تجمع التجارب وتركزها في جملة موجزة قوية جميلة؛ وكان من نبوغهم في هذا الباب وإعجابهم به أن نقلوا حِكم اليونان إلى العربية، مع أنهم أوصدوا الأبواب في وجه الأنواع الأخرى من الأدب اليوناني. وكان سيرهم في هذا الباب احتذاء لما فعل زهير بن أبي سلمى في حِكمه المشهورة. وكان من نبوغهم في الأدب التركيبي أيضًا ولوعهم الشديد بالجمل القصيرة القوية، حتى لتكون الخطب والكتب في كثير من الأحيان عبارة عن جمل قصيرة مركزة محكمة، كالذي نلاحظه في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، وكخطبة زياد وخطبة الحجاج. ولو تناول الأدب التحليلي كل جملة من هذه الجمل لصاغ منها صفحات؛ ونرى لهذا صدى في علم البلاغة العربية، فإنهم عنوا بالإيجاز أكثر من عنايتهم بالإطناب، وأعجبوا بجوامع الكلم أكثر من إعجابهم بالكلام الطويل المنبسط. بل إن بعضهم كأبي هلال العسكري فهم أن الإطناب تكرار المعاني وطول الألفاظ، وقال: «إن كتب الفتوح وما يجرى مجراها مما يقرأ على عوام الناس ينبغي أن تكون مطولة مطنبًا فيها»، فكأنه يريد أن يجعل الإطناب أدب العامة والإيجاز أدب الخاصة.
وألف العرب هذا النوع من الإيجاز في التعبير، حتى عدّوا عبد الحميد الكاتب الفارسي الأصل آتيًا بجديد عندما فصّل في كتابته وأطنب.
•••

وكما أن في الأدب العربي مزايا الأدب التركيبي، ففي معظمه عيوب نقص الأدب التحليلي.
نرى مظاهر ذلك في ضعف القصة، وقد أشرت قبل إلى بعض أسباب هذا الضعف، وأزيد هنا هذا السبب، فإن القصة تحتاج بجانب الخيال الواسع إلى إطناب في الوصف، وتحليل للموقف وإجادة للعرض المفصّل؛ ولذلك كان أكثر القصص العربي البحت — كالذي روي في العقد والأغاني عن الأدب الجاهلي وأيام العرب ونوادر المجان والممرورين — موجزًا قصيرًا يتفق وذوق العربي في حبه الإيجاز، وميله للتركيز والتركيب. أما ما عدا ذلك من قصص مطولة كألف ليلة وليلة، فليس من أصل عربي، أو هو من الحكايات الشعبية، لا من الأدب الرسمي.
كما نرى مظهر ذلك أيضًا من باب تراجم الرجال، كالذي في الأغاني، ومعجم الأدباء، ووفيات الأعيان؛ فالناظر في كتب التراجم العربية يمتلئ إعجابًا وروعة بعظم هذه الثروة وعمومها، وعناية جامعيها، وسلوكهم المسالك المختلفة في التراجم؛ ولكنه لا يعجب بها من حيث نظرها إلى المترجم كوحدة متماسكة ذات أجزاء مفصلة منسجمة، إنما هي حادثة هنا وحادثة هناك، وشيء في خُلُقه، بجانب شيء في شكله، ثم عودة إلى شيء في خلقه، ثم عودة إلى شيء في شكله، وحوادث جزئية جمعت حيثما اتفق، يحتاج الذي يريد الاستفادة منها أن ينظر إليها نظرًا جديدًا، ويرتبها ترتيبًا جديدًا، ويعمل فيها خياله ليكمل مواضع النقص فيها، ولم يأت هذا إلا بعد أن تثقفنا ثقافة جديدة فيها الكثير من منهج التحليل.
وما قيل في باب التراجم يقال مثله في كتب الأدب العربي: كالكامل، والبيان والتبيين ونحوهما، وكتب التاريخ: كالطبري، وابن الأثير. فعدم التزامها كلها منهج التحليل جعلها تعرض للأشياء والأحداث عرضًا مبعثرًا، وجعلها تستطرد استطرادًا مفرطًا، وجعلها أكداسًا فيها الذهب والفضة والنحاس، وفيها الحب والتبن، وفيها غطاء الرأس بجانب نعل القدم؛ ولو اتبعت المنهج التحليلي لكان لها شأن آخر.
وكما نرى مظهر ذلك في وفرة الشعر الذي سار على نمط الشعر الجاهلي التركيبي من مدح وهجاء وفخر، وضعفه فيما احتاج إلى التحليل، كالوصف الدقيق المستقصي لمظاهر الطبيعة وتحليل النفس.
•••

وقد يكون من الإنصاف أن نستثني بعض أدباء العرب، ولنمثل لذلك بأديبين في الأدب العربي، كان أدبهما أدبًا تحليليًّا واضحًا، وقد نبغا فيه نبوغًا عظيمًا: أحدهما شاعر، والآخر ناثر؛ فأما الشاعر فابن الرومي، فهو في شعره يعرض للفكرة أو الصورة فيحللها ويفصلها ويولدها، حتى لا يدع لأحد بعده فيها قولًا. وأما الكاتب فهو ابن خلدون في مقدمته، فهو يأتي بالنظرية العامة، ولا يزال يحللها ويضع فروضها ويقيم البراهين على صحتها، حتى يصل في ذلك إلى الغاية، شأنه في ذلك شأن الرياضي في التدليل على نظرية هندسية.
ولكن مع الأسف لم يكن أحد منهما زعيم مدرسة، وإنما كان معلمًا من غير متعلمين ومغنِّيًا لغير سامعين.
•••

إني أعتقد أن الأدب العربي مسئول إلى حد كبير عن انحطاط المسلمين في العصور الوسطى وما بعدها من الناحية الأخلاقية والاجتماعية.
فلما ساءت حالة المسلمين بعد العصر العباسي الأول، كان ينبغي أن يكون هناك أدب تحليلي وشعر تحليلي، يصف حال المجتمع السيئة وصفًا دقيقًا مستقصيًا، ويشرح أسباب الفساد وعلله شرحًا مستفيضًا وافيًا، ويرسم للناس المثل الأعلى الذي ينشدونه رسمًا دقيقًا شافيًا، ويحث الناس على أن يثوروا على من سبّب ما هم فيه من مذلة وضنك وبؤس، وأن يبيعوا أرواحهم في سبيل تحقيق مثلهم؛ ولو كان ذلك لكف الظالمون عن الظلم، وعملوا على إصلاح الفاسد، وتحسين المجتمع؛ ولكن تعال معي نستعرض الأدب العربي من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، فهل ترى ثائرًا ثار بأدبه على ظالم، وحلل موقف الناس في بؤسهم تحليلًا دقيقًا؟ وهل ترى أديبًا وصف مجتمعه وصفًا عميقًا مستقصيًا، يحرك النفوس؟ وهل ترى شاعرًا رسم المثل الأعلى للحكام والمحكومين ودعا إليه؟
إني — مع الأسف — لا أجد شيئًا من ذلك.
أجد الشعراء وشعرهم مملوء بالملق لكل خليفة، ولكل سلطان، وكل أمير؛ فهو الشمس، وهو القمر، وهو حاتم في الجود، وهو الأسد في الشجاعة؛ فأما ما أصاب الناس من ظلم على يديه، فقد ضاع في دراهم معدودة نالها منه الشاعر؛ ومن خرج على الخليفة أو السلطان هجاه هجاءً جاهليًّا مركبًا لا تحليليًّا مفصلًا.
انظر إلى قول دعبل الخزاعي في هجاء المعتصم:
ملوك بني العباس في الكُتْب سبعةولم تأتنا عن ثامن لهم كتبكذلك أهل الكهف في الكهف سبعةخيار إذا عدوا وثامنهم كلبوإني لأُعْلي كلبَهم عنك رفعةًلأنك ذو ذنبٍ وليس له ذنب فهل هذا نقد تحليلي يراد به الإصلاح، أو هو سب جاهلي مركب كقولهم:
تميم بترك اللؤم أهدى من القطافإن سلكَت سبل المكارم زلت وهل ترى كاتبًا عرض تفصيلًا وتحليلًا لحال الناس وبؤسهم وفسادهم، أو ترى أن أشجعهم جمجم ولم يفصح، وغمغم ولم يُبِنْ.
نعم قد تعرَّض لنقد الحالة الاجتماعية في عصره أبو العلاء المعري، ولكنه لم يحقق غرضنا من ناحيتين: من ناحية أنه فصل في تعديد نواحي الفساد، ولكنه لم يحلل كل ناحية كما ينبغي؛ قال بفساد القضاة وفساد رجال الدين وفساد الأمراء وفساد المرأة، ولكنه لم يحلل تحليلًا تفصيليًّا نواحي هذا الفساد وأسبابه وجنايته على العالم؛ وله بعض العذر في ذلك؛ لأن الشعر لا يفسح المجال لهذا التحليل؛ ولو عالج هذه الموضوعات نثرًا مرسلًا لتأتى له ذلك. وثاني الأمرين في شعر أبي العلاء أن نزعته لم تكن نزعة إيجابية في الدعوة إلى الثورة وإصلاح الحال، ولكنها دعوة سلبية إلى الزهد وترك الدنيا. ونحن إنما ننشد العمل الإيجابي والإصلاح الإيجابي والانغماس في الحياة لمعالجتها لا الهروب منها.
•••

إن المثل الأعلى لآداب الأمة يجب أن يكمل فيه النوعان من الأدب التركيبي والأدب التحليلي. والأدب العربي في حاجة إلى المزيد من الأدب التحليلي حتى يرقى فيه القصص والوصف الدقيق المفصل والنقد العميق الواسع ونحو ذلك. ولولا نزعة الجمود على القديم والالتزام الشديد للسير على مناهج الأقدمين، وتعمد المحدثين أن يصبُّوا الأدب في نفس القوالب التي صاغها الأقدمون لكان للأدب العربي شأن غير هذا الشأن.
إن الأمم الأخرى الحية وقفت زمنًا مثل موقفنا، ولكنها بعد برهة تحللت منه، وجارت الزمان، وسايرت الأذواق، واستغلت الحياة الواقعية. لقد سيطر الأدب اليوناني والأدب اللاتيني على الحياة الأدبية الأوروبية كل السيطرة حينًا من الزمان؛ وكان كل همّ الأديب أن يحذو حذو الأدب اليوناني أو اللاتيني حذوًا دقيقًا، وكلما كان التقليد أتم كانت القطعة الفنية في نظرهم أجمل وأروع. وكان الناقد الأدبي إذا نقد قطعة أدبية قاسها بمقياس قربها من هذين الأدبين، فكلما قربت منه كانت أجود وأرقى، وكلما بعدت كانت أضعف وأسمج، شأنهم في ذلك شأننا مع الأدب الجاهلي.
ثم وقفوا بعد ذلك موقفًا ينقصنا الآن، ذلك أنهم مخضوا الأدب اليوناني واللاتيني وأخذوا زبدتهما ورموا ثفلهما، وتناولوا هذه الزبدة فهضموها، وزادوا إلى طعامهم هذا — القديم في أصله، الجديد في استخلاصه — طعامًا جديدًا مشتقًّا من بيئتهم ومدنيتهم وحياتهم وأحداثهم وطبيعة أرضهم ونوع معيشتهم؛ فصنعوا من كل ذلك موائد مختلفة الألوان متعددة الطعوم تشتهيها أذواقهم وتستسيغها معدهم؛ وهذا ما ينبغي أن يحدث في أدبنا العربي حتى يحقق غايته.
? الجذيل: أصل الشجرة. والمحك: الذي تتحكك به الإبل الجربى.? الرمة: الحبل البالي في عنق البعير.? في القاموس: العقيان ذهب ينبت!? أستثني هنا الشعر الصوفي، ولي رأي فيه أعرضه فيما بعد.
يوم في القاهرة


?? يونيه سنة ????
كان الناس قديمًا يتشاءمون من نعيب البوم ونعيق الغراب، فحق لهم اليوم أن يجددوا فيتشاءموا من نعيق صفارات الإنذار. وأين البوم والغراب من صفارات الإنذار؟ لقد كان نعيب البوم نذيرًا بخراب بيت أو موت فرد، وكان نعيق الغراب نذيرًا بفراق حبيب أو رحيل قوم. أما صفارات الإنذار فنذير بحصد أرواح أو دك بنايات أو نسف ذخائر!
ومن الواجب أن يساير الأديب حالة الناس، فيشتق منها أدبه، ويجدد تشبيهاته واستعاراته، ويستعير منها خيالاته، وكما في مناظر الحرب من صور رائعة تهيج عواطف الأديب، وتحرك شاعرية الشاعر، وتمد قلم الناثر.
والناس مولعون — وخاصة في أيام الحرب — أن يقرءوا أخبار يومهم لا أخبار أمسهم، وأدب زمانهم لا أدب ما بَعُدَ من تاريخهم، ويجدون غذاءهم فيما يصور عواطفهم وخلجات نفوسهم ومناحي حياتهم وما يأتلف مع ظروفهم.
لقد أتتنا هذه الحرب بطائفة من الألفاظ والتعبيرات، كالتابور الخامس والدبابات والهابطات والكمامات وما إلى ذلك؛ وأتتنا بضروب من الأحداث الاجتماعية وصنوف من النكبات في الأنفس والأموال والثمرات، واضطربت نظم الحياة اليومية والسياسية والاقتصادية؛ فما أحرى ذلك كله أن يكون غذاءً صالحًا للأديب يستمد منه، ويعرض له، ويصدر عنه.
يجب أن يكون الفرق بين الأدب القديم والحديث كالفرق بين آلات القتال القديمة والحديثة، والنظم السياسية القديمة والحديثة، والحياة الاجتماعية القديمة والحديثة؛ لأن الأدب ليس إلا تصويرًا لحياة يرقى برقيها ويتلون بألوانها.
•••

على كل حال نعقت صفارات الإنذار لأول مرة في القاهرة أول أمس في الساعة الثانية صباحًا، وكانت هذه المرة جِدًّا بعد أن سمعناها مرات لَعِبًا، فهبَّ كل من في «العمارة» من نومهم، والظلام سائد، فجعلوا يتحسسون السلم حتى وجدوه ونزلوا ذاهلين؛ هذا يجر أولادَه، وهذا يجر أولادُه، وهذه تقود أمها، حتى اجتمعوا في «البدروم»، فانتحى النساء ناحية، وانتحى الرجال ناحية، وأخذوا يتحدثون، فكان من ذلك كله معرض أمزجة.
هذا فلان قد غلبه الخوف فسكت ولم ينبس بكلمة، ولم يشترك مع القوم في قليل ولا كثير، كان نائمًا حالمًا، فصار نائمًا ساهمًا واجمًا.
وهذا فلان الذي يرى الدنيا كلها نكتة، ويرى في كل شيء جانبه المضحك، ويستخرج منه الفكاهة اللطيفة، لم يفارقه في موقفه هذا مزاجه الخاص، فأخذ يقص على الناس كيف نبهته زوجته لصفارة الخطر، وكيف ألح عليها أن تتركه لينام، وألحت عليه أن يستيقظ، ويحكي ما دار بينهما من حوار، وأنه يريد أن يموت نائمًا ولا يريد أن ينجو مستيقظًا، وأنها تريده حيًّا لنفسها ولأولادها لا له، وأخيرًا نزل على رأيها فنزلوا إلى المخبأ؛ يمثل ذلك كله ويضحك فيتابعه بعض الحاضرين في ضحكه، وهكذا هو معين مرح لا ينضب، يشع على من حوله الطمأنينة والسرور حتى في أشد الأوقات حرجًا، يخيل إليّ أنه سيموت يوم يموت من الضحك، وأنه إذا شاهد عزرائيل مزح معه وبادله نكتة بنكتة.
وهذا فلان المحال على المعاش تحوّل رعبه إلى عاطفة دينية حادة، فهو يسبّح ويحوقل، ويتلو: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا — أينما تكونوا يدركْكم الموت ولو كنتم في بروجٍ مُشيَّدة — وأفوض أمري إلى الله — وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم» إلى غير ذلك من آيات في هذا الموضوع.
وآخران جلسا يستعرضان السياسة، أخبار صلح فرنسا مع ألمانيا، والأسطول الفرنسي وأثره، وهتلر ومقاصده، وموقف مصر من إنجلترا، وموقفها من إيطاليا، والوزارة الحاضرة وأخبارها، وماذا تكسب إيطاليا من هذه الغارة … إلخ.
وفي الجانب الآخر نساء العمارة وأطفالهن، فأما الأطفال فكانوا صورة صادقة من آبائهم، منهم من يصرخ، ومنهم من «يلبد» في حضن أمه، ومنهم من ينام كأن لا شيء؛ ودخل النساء في حديث مشترك ذهب مذاهب شتى في وجوب الهجرة من القاهرة، وكل تحدث بما عزمت عليه، وكيف انتبهت من النوم وأيقظت أولادها، ثم الدنيا ومصائبها، وكيف لم يعد فيها راحة.
وفيما كان الرجال والنساء في هذه الأحاديث المتشعبة والفنون المختلفة، إذا بصوت المدافع تطلق، والانفجار يدوِّي، فتعقد الألسنة ويسود الوجوم، ويسكت الناس، وتنبح الكلاب؛ ويلتفت بعض الحاضرين إلى سقف المخبأ هل هو متين؟ ماذا يكون شأنه لو دك ما فوقه؟ وإلى المنافذ، هل يحسن أن تبقى هكذا مفتوحة؟ هذه عملية العين؛ وأما الأذن فقد أرهفت لصوت القنابل، وما مقدار المسافة بيننا وبينها؟ هل هي آخذة في القرب منا أو في البعد عنا؛ ثم بدأت الألسنة تتحرك في تثاقل:
– هل اشتريت يا أخي كمامات؟
– لا والله.
– إنّا لم نسمع في هذه الحرب باستعمال الأعداء للغازات الخانقة حتى نحرص عليها.
– ولكنهم قد لا يستعملونها في الغرب؛ لأنها عرفت وعرف علاجها، واستعد لها الناس هناك، أما في الشرق فقد تستعمل فمن الواجب الاحتياط لها.
– سأنظر.
– متى تذهب إلى «الفلاحين»؟
– لا أنوي.
– لماذا؟
– لأني أرى الموت بالقنابل أفضل من الموت بالميكروبات.
– يمكنك أن تتقي الميكروبات بالتطعيم وغلي الماء وما إلى ذلك، ولكن لا يمكنك أن تتقي القنابل.
– الرب واحد والعمر واحد.
– إن مصيبة العمر أنه واحد، فلو كان اثنين لتشجعنا في واحد وجبنَّا في واحد (تبسم خفيف مشوب بمرارة).
سكتت القنابل وطال الانتظار، وفرغ الناس من الكلام، وبدأ النعاس — لا أقول: يداعب أعينهم فليس الوقت وقت مداعبة — ولكنه بدأ يغزو أعينهم، وانسللت من بين القوم إلى مضجعي فنمت، ولم أصح إلا على صفارة الأمان.
•••

وتلهفت على موعد الإذاعة اللاسلكية أستوضحها علم ما كان ليلة أمس، فكأنها أيضًا أصابها الإغفاء من طول ما أرقت، فمر موعد إذاعة الأخبار في صمت عميق كأنه صمت القبور؛ وانتظرت موعد بائع الجرائد أيضًا، فكأَنه تآمر مع محطة الإذاعة على كتم الأسرار، فنزلت واشتريتها، فرأيتها تأتي بما أعلم، ولا تذكر شيئًا عما لا أعلم، وكان المتكلم الوحيد الذي يأتيني بالأخبار هو الإشاعات المتضاربة المبالغة. ووقفت انتظر الترام فإذا بجانبي طائفة من باعة الجرائد، يفسر أحدهم هذه الغارات بالغريزة والإلهام، لا بالعقل والمنطق، ويرد عليه آخر فيصفعه ويجري.
وأذهب إلى مجتمع من الناس لعمل من الأعمال، فأسمع أحاديث طلية عن ليلة أمس: هذا رعب بيته وتشنجت بنته، وهذا فتح الشباك لينظر هو وزوجه إلى الطيارة وقد حبستها الأنوار الكشافة فكان منظرًا جميلًا في القمر الجميل! إلى كثير من ألوان الحديث المختلفة.
•••

وضرب الناس في الأرض وعادوا سيرتهم الأولى، حتى إذا جاء المساء وفرغنا من عملنا جلسنا إلى مقهى في رفقة من الأصدقاء، وأتى الغلام:
– نعم!
بطيخ — خشاف — لبن زبادي — «سندوتش» — «شيشة».
الجو طلق، والهواء جميل، والسماء صافية، والقمر مضيء، وأتى الفتى بكل ما طلبنا.
فأخذ هذا يكركر شيشته، وهذا يجيل الملعقة في خشافه، وذلك يعمل الشوكة والسكين في بطيخه؛ وإذا بصفارة الإنذار تنعق، فترك كلٌّ ما هو فيه، هرع إلى المقهى، وأطفئت الأنوار، وأغلقت الأبواب، ولم يدر كلٌّ منا أين أصحابه، فتفرقنا حيثما اتفق، وجلست بجانب من لم أعرفهم؛ ففي الجانب الأيمن نكتة لطيفة ضج لها الحاضرون بالضحك، وقام ضحكهم اليوم مقام قنابل أمس، والمصريون لا تفارقهم النكات، حتى في أحرج الأوقات؛ وفي الجانب الأيسر طائفة أكثر جدًّا وهَمًّا، يذكرون ما عسى أن يكون أهلهم وأولادهم في بيوتهم، وماذا عسى أن يتخيل أهلهم وأولادهم فيهم الآن، ويتبادلون هذه الخيالات، وينادي أحدهم من ركن المقهى: يا دكتور، اجلس بجانبي، فإذا جد الجد أسعفتني!
ولم يطل زمن الغارة، فصفرت صفارة الأمن لتمحو ما فعلت أختها صفارة الإنذار، وأسرع الناس إلى أهلهم يطمئنون على حياتهم ويطمئنونهم بحياتهم.
وأصبحت فأخذت القطار لشأن من الشئون، وتوقعت أن يكون الزمن مملًّا، فقطعته بكتابة هذا الحديث الممل.

الإصلاح الحديث


كان الإصلاح القديم يتجه إلى النتائج فيعالجها، ويترك المقدمات غير عابئ بها، تعمل عملها، فتنتج النتائج نفسها.
وعلى هذا جرى وعظ الواعظ، وتعليم المعلم، ونصيحة الوالد، وكثرة النواهي والأوامر؛ وعلى هذا النمط أيضًا عولج الفقر بالتصدق على الفقير، وعولج الإجرام بحبس المجرم، وهكذا.
ثم رقي الإنسان فظهر أن هذا الضرب من الإصلاح على الأقل لا يكفي، فالفقير يَسأل فيُمنح ثم يسأل فيمنح، ففقره دائم وسؤاله دائم، والمرض دائم، والعلاج لم يكن شافيًا، فما دامت المقدمات هي هي فالنتيجة هي هي.
إذا كان مجموع أربعة وخمسة تسعة، ثم استقللت التسعة فمن الحق إذا أدرت زيادتها وتكثيرها أن تحافظ على مفرداتها، فغيِّر المفردات يتغير الجمع، وإلا فالتسعة تسعة على الرغم من كل محاولة.
وإذا لم تعجبك ثمرة شجرة فمن الأمل الخائب أن تنتظر في المستقبل جودتها وحلاوتها ما دمت تحافظ على أصلها وتربتها وجوها وغذائها.
•••

كل عمل من أعمال الإنسان يظنه قصير النظر نتيجة وقتية، كان يمكن أن يكون، وكان يمكن ألا يكون، وكان يمكن عكسه، فمن اليسير نهي فاعله لينتهي أو أمره ليأتمر، وهذا كل ما في الأمر.
أما بعيد النظر فيراه كثمرة الشجرة اشترك في تكوينها — على هذا النحو دون ذاك — نوْع بذرتها وغذاؤها وجوها وكل ما يحيط بها، فمحال مع كل هذا أن تكون غير ما هي، ومحال أن يصدر عن الإنسان غير ما يصدر عنه، ما دامت كل مقومات العمل هي هي.
ماذا أنا، وماذا أنت؟
ثمرة ككل ثمار الشجر، ونتيجة لكثير من المقدمات.
جزء جَمَادِيّ يخضع لكل قوانين الجماد التي يخضع لها التراب والحجر والماء، وجزء عضوي يخضع لكل قوانين النبات في مختلف البقاع، وجزء حيواني يخضع لكل قوانين الحيوان في البر والبحر وفي الأرض والسماء، وجزء إنساني يخضع لكل قوانين الإنسان في البلاد الحارة والباردة وفي جوف الصحراء وعلى ساحل البحار أو شواطئ الأنهار.
ثم يأتي بعد ذلك جزء قليل من الشخصية اسمه «أنا» واسمه «أنت» واسمه «هو»؛ وهذه الشخصية قد غُمرت وقيدت بالجزء الأكبر من طبيعة الجماد والنبات والحيوان والإنسان.
وحتى هذا الجزء القليل من الشخصية الذي سبّب الفروق بين إنسان وإنسان قد عمل في تكوينه عوامل لا تحصى، اشترك فيه الأجداد من آدم وحواء — على الأقل — إلى اليوم، واشترك فيه ما تنقَّل فيه الآباء من بيئة وإقليم، وما تدينوا من دين، وما اعتنقوا من خرافات وأوهام، وما تبدوا وما تحضروا، وما أصابهم من رخاء أو شقاء؛ هذا شأن القديم، ولا يقل عنه شأن الحديث، فنحن كالمرآة ينطبع فينا كل ما يصل إلى صفحتنا، عن طريق كل حاسة من حواسنا ومن غير حواسنا، وبشعورنا ومن غير شعورنا، ثم يتفاعل كل هذا القديم، وكل هذا الجديد، فيكون نتاجه «أنا» و«أنت» و«هو». ومن المستحيل — مع هذا التفاعل — أن يكون «أنا» غير «أنا» و«أنت» غير «أنت» لا في الخَلْق ولا في الخُلق ولا في العقل ولا في الروح؛ فما أنا وأنت إلا حاصل جمع لأعداد محدودة، أو نتيجة مزج لحرارة وبرودة؛ إن كان كذلك فكيف يكون الإصلاح؟
إذا أردتُ الإصلاح فلأعمل ما أعمله إذا أردت تغيير حاصل الجمع فأغير مفرداته، وما أعمله في تغيير درجة الحرارة فأغير حرارة العناصر، وما أعمله في تغيير الثمرة بتغيير البذرة، فإن لم أستطع فبتغيير الغذاء.
لست بمستطيع أن أغير ما فيّ من عناصر جماد أو نبات أو حيوان أو إنسان، ولست بمستطيع أن أغيّر قوانين الوراثة، فأين أنا وآبائي الأولون الذين صبُّوا فيّ من نفوسهم وطبائعهم وأرواحهم، ثم تركوني وشأني أخضع لقوانين العالم؛ ثم إني — كمصري — أحمل بجانب طبيعة آبائي أعباء كل تاريخ مصر من قديم ومتوسط وحديث، أحمل ظلم الظالمين وعدل العادلين؛ ونصرة الحروب وهزيمتها وسيطرتها على الأمم وسيطرة الأمم عليها؛ وقد رسم كل ذلك خطوطًا في جبين كل مصري لا يقرؤها إلا الله والراسخون في العلم، وما أن بمستطيع تغيير هذه الخطوط أيضًا.
ولكن بجانب دائرة غير المستطاع دائرة المستطاع، وهو ما يتجه إليه الإصلاح. أُصلحُ المدينة التي أسكنها، والكتب التي أقرؤها، والروايات التي أشاهدها، والحكومة التي تحكمني، والدين الذي أعتقده، والمدرسة التي أتعلم فيها، والمحاكم التي تحاكمني، والناحية الاقتصادية التي تحيطني، والسياسية التي تسوسني، فتنفعل كل هذه مع وراثتي، فإذا نتيجة التفاعل مختلفة، وإذا حاصل الجمع مختلف، وإذا الإصلاح قد حدث، وبغير هذا لا يكون إصلاح.
ناد ما شئت بإصلاح القرية وإصلاح الفلاح، واخطب على منابر واكتب في المجلات واملأ أعمدة الصحف، فالقرية القرية والفلاح الفلاح، ولا قيمة لهذا كله إلا أن يكون توجيهًا للعمل؛ إنما تصلح القرية ويصلح الفلاح يوم تدرس مظاهر بؤسها، وأسباب تعاستها وتعاسته، ثم يخصِّص المال للإصلاح، وتوضع ميزانية الدولة على هذا الأساس وتعالج كل معضلة بإزالة أسبابها.
ومن الغفلة أن تحاول أن تتقي الفجور بإنشاء مكتب الآداب، وتترك أسبابه وعلله كما هي، من فقر وإثارة غريزة، وميل إلى العيش الناعم، وما إلى ذلك من أسباب.
وعالج الفقر بالتصدق على الفقير فسيظل فقيرًا، وسيظل الاستجداء كما هو؛ ولكن تعرّف أسباب فقر الفقير، فإن كان بطالة فأوجد له عملًا، وإن كان عجزًا فأوجد له ملجأ، وإن كان سوء تصرف فعالج سوء التصرف بتعليمه حسن التصرف يقل الفقر وينقطع السؤال.
كم وعظ يذهب هباءً، وكم نصيحة تضيع سدى؛ لأن الواعظ أو الناصح واجه النتائج وترك المقدمات، وتعرض لحاصل الجمع أو الضرب وترك المفردات، فكان مثله كمثل من ظن أنه بوعظه وإرشاده يستطيع أن يمنع القط أن يؤذي فأرًا أو الذئب أن يمس حَملًا.
إنما منهج الإصلاح الحديث أن يسير وراء المرض يتعرف علله، ثم يجتهد أن يزيل العلل فيزول المرض.
يرى المصلح الحديث أن الجريمة أو سوء الحال لم يأت عفوًا فلا يعالج عفوًا، إنما أتى من عوامل متعددة، فما بقيت العوامل بقي الإجرام، وبقي سوء الحال؛ فإذا تغيرت الظروف والبيئة انقطع الإجرام وحسن الحال.
يتلخص الإصلاح الحديث في الإيمان بقانون السببية، وبأنه شامل للظواهر الطبيعية، فحسن الأخلاق وسوءها، والإجرام وعدمه، والغنى والفقر، وحال القرية، وحال الفلاح، والفجور والعفة، كل أولئك ينطبق عليها قانون السببية، كما ينطبق على الأجسام المادية التمدد بالحرارة والانكماش بالبرودة، ونحو ذلك من قوانين.
•••

كان النمط القديم في الإصلاح يقول: «أطعم الجائع»، والنمط الحديث يقول: «لا يكن جائع» والنمط القديم يقول: «تصدق على الفقير»، والنمط الحديث يقول: «امح الفقر»، والنمط القديم يقول: «احبس المجرم»، والحديث يقول: «اجتث عوامل الإجرام»، والقديم يقول: «أصلح الفلاح وحسِّن القرية»، والحديث يقول: «أرصد في الميزانية المال لشرب الفلاح ماءً نقيًّا، وعلمه ليطالب بحقوقه، واعدل فيما يصيبه ويصيب المالك، وشرِّع القوانين حتى يصل إليه ما يكفيه، ورقّ عقله حتى يعرف كيف ينفق ما يصل إلى يده» تحسن معيشته.
نمط الإصلاح القديم يعتمد على البلاغة والخطابة، ونمط الإصلاح الحديث يعتمد على «معامل» كمعامل الطبيعة والكيمياء، فيه تحليل للظواهر الاجتماعية حتى نعرف أسبابها، وفيه درس عميق وإحصاء دقيق، وفيه تشخيص للمرض، ووضع للمريض تحت الأشعة، وإجراء لتجارب العلاج، وتعرّف للنتائج، ثم تنفيذ للعلاج حسي ما أرشد إليه البحث والدرس والفحص.
وعلى الجملة فالنمط القديم ينظر إلى ثمرة الشجرة، والنمط الحديث إلى جذور الشجرة.

في غار حِرَاء


في غار حراء — وهو غار يقرب من ثلاثة أمتار في مترين في قمة جبل على يسار السالك من مكة إلى عرفة — كان محمد وهو في سن الأربعين قبيل الرسالة يتحنث.
كان محمد في هذه الأيام يألف العزلة، «ولم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده».
«وكان يخرج إلى شعاب مكة وبطون أوديتها».
«وكان يقضي شهرًا مجاورًا في غار حراء».
هكذا تقول كتب السيرة.
فيم كان يفكر؟ وما الذي كان يطلب؟ وما هذه الحالة النفسية الجديدة التي استولت عليه؟ وما الذي جعله يهرب من الناس وقد كان بهم أنيسًا؟ يسعد بالوحدة، ويسعى إلى العزلة، ولا يطمئن إلا إلى نفسه وتفكيره! وما الذي جعله يختار قمة جبل يشرف منه على العالم حوله فتسبح نفسه في التفكير من غير أن يحدها حد أو يقف بها عند غاية؟
ما هذه الأفكار التي كانت تملأ نفسه شهرًا فلا يمل التفكير، ولعله كان يود أن يبقى كذلك أشهرًا لولا واجب أهله وواجب عشيرته؟
ولكن هل لنا أن نتساءل هذه الأسئلة؟ وإذا سألناها فهل في استطاعتنا أن نجيب عنها؟
هل في استطاعة الجاهل أن يشرح أفكار الفيلسوف؟ وهل في مكنة من لا يحسن الرياضة أن يتخيل ما يفكر فيه الرياضي؟ وهل للنملة أن تتساءل: فيم يفكر الإنسان؟
ولكن ما حيلة الإنسان وقد خلق طموحًا إلى أقصى حد وأبعد غاية، ولم يقنع في باب المعرفة بشيء؟ لم يقنع بالأرض ففكر في السماء، ولم يقنع بالظاهر ففكر في الباطن، بل لم يقنع بآثار الله فأراد أن يعرف ذات الله، وهيهات هيهات!
•••

أكبر الظن أن «محمدًا» في هذه الفترة، وعلى الأخص في غار حراء كان في حيرة ما أشدها من حيرة، عبر الله عنها بقوله: «ووجدك ضالًا فهدى».
لقد عرف قومه فلم يعجبه دينهم، ولا نوع حياتهم، ولا كفرهم ولا إيمانهم ولا أخلاقهم؛ وسافر إلى الشام فرأى فيها مدنية الرومان بمالها وأعمالها التجارية وترفها ونعيمها ودينها الرسمي ومظاهره، فلم يعجبه شيء من ذلك. لقد رآهم يعيشون كما يعيش السمك يأكل بعضه بعضًا، أو كما تعيش الذئاب والشياه في حظيرة واحدة. رحماك اللهم! ما هذه الحيرة الشاملة؟ لا البداوة بسذاجتها ونظامها أعجبته، ولا الحضارة بترفها وزخارفها أعجبته. لم يعجبه ما رأى من وثنية، ولم يعجبه ما رأى من نصرانية. فأين الحق؟
لقد اطمأن إلى شيء واحد، هو أن كل ما رأى ضلال؛ وحيَّره شيء واحد هو سؤاله أين الهُدَى!
حالة نفسية إذا تملكت نفسًا مرهفة وشعورًا دقيقًا ملكت نفسه وغمرت قلبه؛ فحلا له أن يعتزل الناس؛ لأنهم يحولون بينه وبين تفكيره، ويقطعون عليه سلسلة مشاعره.
لقد جرب العزلة الساعة واليوم فوجدها تفتح قلبه وتريح نفسه، ووجد فيها مفتاحًا لحيرته، واتجاهًا لهدايته، فبالغ فيها حتى بلغت الشهر!
إن الناس وضوضاءهم ومناظر حياتهم يُضْنون نفسه فليهرب منهم. وإن منظر الطبيعة بجمالها وبهائها ورونقها ليحيي نفسه فليطمئن إليها. يتعاقب عليه في عزلته الليل والنهار فيجد في كلٍّ غذاء نفسه: هذا الليل في أعلى الجبل بسكونه وهدوئه، وسمائه ونجومه، والعالم حوله كله نائم، وهو يناغي النجم، ويشاطره الاضطراب والحيرة، وهذا النهار — في أعلى الجبل أيضًا — يشرف منه على العالم من تحته، فيهزأ بالناس وسخافاتهم هزؤًا مشوبًا برحمة. واستخفافًا ممزوجًا بعطف.
كل ذلك أو أكثر من ذلك كان يخفق له قلب محمد في غار حراء.
لقد عرف البطل، ويريد أن يعرف الحق، وأدرك الضلالة ويريد أن يدرك الهدى، ولم يحب ما عليه الناس، ولكن يريد أن يعرف ما ينبغي أن يكون عليه الناس.
هذا الظلام فأين النور؟ وهذا العمى فأين البصر؟ وهذا ما يجب ألا يكون، فأين ما يجب أن يكون؟
•••

لقد طلب الحق — في غار حراء — بعد أن تهيأت نفسه، واستعدت روحه، وكملت مشاعره، وتُوجت بالحيرة، فكانت حيرته إرهاصًا لليقين، وضلاله إرهاصًا للهدى.
لم يطلب الحق من طريق الشعر؛ فالشاعر يتخيل ثم يخال، والشاعر يخلق ما لم يكن، ولا يدرك ما يجب أن يكون، والشاعر يغنِّي لنفسه — أولًا — ولا بأس أن يسمع الناس، والشاعر يعيش في جو خيالي يخلقه بنفسه لنفسه، وليس هذا من النبوة في قليل ولا كثير. ولم يطلب الحق من طريق الفلسفة أو العلم، فكلاهما عبْدُ المنطق، عبد الألفاظ، عبد الكتب، عبد النصوص. وقُصارَى أمرهما أنهما عبدان للعقل، والعقل معيب مغرور مضل؛ ولكل إنسان عقله، ولكل إنسان تفكيره، ولكل إنسان منطقه وقضاياه.
إنما طلب محمد الحق من طريق أسمى من ذلك كله، وأرفع من ذلك كله: طلبه من طريق القلب، وأعلن أنه لم يطلب علمًا ولكن طلب إيمانًا، فأعلن أنه أمي وفخر بأمّيته؛ لأن القلب فوق اللغة، وفوق الكتابة والقراءة، وفوق العلم، وفوق المنطق؛ وهو القدر المشترك بين الناس، لا يؤمن بحدود اللغة والجنس، ولا يؤمن بحدود اللسان والألوان.
من أجل هذا لم يذهب — وقد حار — إلى معلم يعلمه الكِتَاب، ولا إلى مثقَّف بالكتب والأديان، وإنما فضل على ذلك كله غار حراء حيث الطبيعة — على فطرتها — مفتوحة أمام قلبه، وحيث يتصل هو وهي بربها وربه.
لقد اهتدى إلى الصراط المستقيم، واتجه اتجاه الأنبياء، لا اتجاه الشعراء والعلماء، وتهيأ للأمر العظيم، فلمعت في قلبه الشرارة الإلهية، كما يتهيأ السحاب فيلمع البرق.
لقد أضاءت له هذه الشرارة الإلهية كل شيء، وكانت رسالته من جنس هدايته؛ فرسالته أن يبعث الحياة في القلب، ويبعث الضوء إلى النفس، كالقمر يستمد نوره من الشمس، ثم يعكس أشعته الجميلة على الناس، يشترك في الاهتداء به العالم والجاهل، والذكي والغبي، والفيلسوف والعامي، على اختلاف فيما بينهم؛ لأن لديهم جميعًا قدرًا مشتركًا من القلب صالحًا للاهتداء.
وليست العقول مسايرة في الرقي والانحطاط للقلوب، فقد يكون مريضُ القلب صحيح العقل، وقد يكون صحيحُ القلب مريض العقل، ومقياس صحة الاستفادة من النبوة صحة القلب لا صحة العقل؛ فلذلك آمن بلال قبل أن يؤمن عمرو بن العاص، وأسلمت جارية بني مؤمل قبل أن يسلم أبو سفيان.
•••

كانت فترة غار حراء الحد الفاصل بين محمد بشرًا، ومحمد بشرًا رسولًا. لقد صعد إليه إنسانًا حائرًا، وهبط منه إنسانًا نبيًّا، مهتديًا مطمئنًّا. صعد شاكًّا وهبط مؤمنًا. لمع في قلبه النور الإلهي فإذا كل شيء حوله شفاف يراه بقلبه ويكشفه بنوره.
نزل من الغار يدعو الناس أن يستضيئوا بضوئه، وأن يُحيوا قلبهم من حياة قلبه، وأن يسمعوا لصوت الله على لسانه، وأن يروا عظمة الله في كل أثر من آثاره.
•••

أي شهر كان هذا الشهر؟ لو وزن به الزمان لَوزَنه. وأي مكان غار حراء؟ لو فاضل كلّ مكان لفَضَله.

قانون الرّحَّالة


منذ نحو ألف عام نبغ في بيت المقدس عالمٌ جليل اسمه أبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي، نظر فرأى أن العلماء قد سبقوه في اختراع العلوم وترتيبها، ثم خلف من بعدهم خلفٌ شرحوا ما دونوا، واختصروا ما طولوا، فعز عليه ألا يبتكر كما ابتكروا، وألا ينفرد بشيء كما انفردوا، وعاف أن يكون صدًى لغيره، يجمع ما فرقوا، أو يفرق ما جمعوا، فأخذ يستعرض جوانب نقصهم حتى يكملها، ونواحي أغفلوها حتى يبتكرها. قال: «فرأيت أن أقصد علمًا أغفلوه، وأتفرد بفن لم يذكروه»، ذلك أنه رأى المملكة الإسلامية في القرن الرابع الهجري لم توصف وصفًا كافيًا شافيًا، لا من ناحية جغرافيتها، من مفاوز وبحار، وبحيرات وأنهار، ومدن وأمصار، ونبات وحيوان، ولا من ناحيتها الاجتماعية «من اختلاف أهل البلدان في كلامهم وأصواتهم، وألسنتهم وألوانهم، ومذاهبهم، ومكاييلهم وموازينهم، ونقودهم وصروفهم، وصفة طعامهم وشرابهم، ومعرفة مفاخرهم وعيوبهم، ومعادن السعة والخصب، ومواضع الضيق والجدب».
ورأى — كما قال — أن ذلك علم لا بد منه للتاجر والمسافر، والملوك والكبراء والقضاة والفقهاء.
نعم قد اتجه بعض العلماء قبله إلى هذا الباب، ولكنه رأى أنهم قصروا وما أنصفوا، فمنهم من نقل في كتبه ما سمع من أفواه الناس واكتفى بذلك، ومنهم من اقتصر على المصوَّر الجغرافي وشرحه، ومنهم من اقتصر على ذكر المدن المشهورة.
وعلى كل حال فقد استعرض كل ما ألَّف قبله في هذا العلم فلم يرتضه.
فانتدب مؤلفنا نفسه لهذه المهمة، وإكمال هذا النقص، وإحراز قصب السبق، ورسم لنفسه خطة محكمة أتم إحكام، دقيقة أكمل دقة، حتى ليصح — بحق — أن تعد «قانون الرحالة»، فهو يقول: «إني أسست هذا الكتاب على قواعد محكمة وأسندته بدعائم قوية»؛ ولكن ما هي هذه القواعد المحكمة التي وضعها؟
فأول كل شيء قرر أن يرحل إلى الأقطار الإسلامية ويشاهدها بنفسه ففعل، فإذا دخل بلدة درسها أتم درس، وعلى حد تعبيره «ذاق هواءها، ووزن ماءَها، ولقي علماءَها، وخدم ملوكها، وجالس القضاة والفقهاء، واختلف إلى الأدباء والقراء، وخالط الزهاد والمتصوفين، وحضر مجالس القصاصين، وتاجر فيها، وعاشر أهلها، ومسح إقليمها، ودار على تخومها، وفتش عن مذاهب سكانها، ودقق النظر في ألسنتهم وألوانهم».
وفي الحق أن الرجل كان في عمله المثل الأعلى للرحالة، فقد عمل كل ما يمكن عمله لدراسة البلاد والوقوف على عاداتها وأحوالها. ولا أدل على ذلك من أن أتركه يتكلم إلى القراء عما عمله في هذا الباب. قال: لم أترك شيئًا مما يلحق المسافرين إلا وقد أخذت منه نصيبًا، فقد تفقهت وتأدبت، وتزهدت وتعبدت، وفَقَّهت وأدَّبْت، وخطبت على المنابر، وأذّنت على المنائر، وأممت في المساجد، واختلفت إلى المدارس، وتكلمت في المجالس، وأكلت مع الصوفية الهرائس، ومع الخانقائيين الثرائد، ومع النواتي العصائد، وطُردت في الليالي من المساجد، وتهت في الصحاري، وسحت في البراري، وصدقت في الورع زمانًا، وأكلت الحرام عيانًا، وصحبت عُبَّاد جبال لبنان، وخالطت حينًا السلطان، وملكت العبيد، وحملت على رأسي بالزنبيل، وأشرفت مرارًا على الغرق، وقُطع على قوافلنا الطرق، وخدمت القضاة والكبراء، وخالطت السلاطين والوزراء، وصاحبت في الطرق الفساق، وبعض البضائع في الأسواق، وسُجنت في الحبوس، وأُخذتُ على أني جاسوس، وعاينت حرب الروم في الشواني?، وضرب النواقيس في الليالي، ونزلت في عَرْصة الملوك بين الأجلة، وسكنت بين الجهال في محلة الحاكة، وكم نلت العز والرفعة، ودبِّرَ في قتلي غير مرة، ولبست خلع الملوك وأمروا لي بالصلات، وعريت وافتقرت مرات، ورُميت بالبدع، واتهمت بالطمع، واتبعني الأرذلون، وعاندني الحاسدون، وسُعي بي إلى السلاطين، ودخلت حمامات طبرية والقلاع الفارسية، ورأيت يوم الغوارة وعيد بربارة، ولقد ذهب لي في هذه الأسفار فوق عشرة آلاف درهم، سوى ما دخل عليّ من التقصير في أمور الشريعة، ولم تبق لي رخصة مذهب إلا وقد استعملتها، وما سرت في جادّة وبيني وبين مدينة عشرة فراسخ إلا فارقت القافلة وانفتلت إليها لأنظرها، وربما اكتريت رجالًا يصحبونني، وجعلت مسيري في الليل لأرجع إلى رفقائي، ومثل هذا كثير. وإنما ذكرت هذا القدر ليعلم الناظر في كتابنا أننا لم نضعه جزافًا، ولا رتبناه مجازًا، فكم بين من قاسى هذه الأسباب وبين من صنف كتابه في الرفاهية ووضعه على السماع. هذا برنامجه فيما شاهده. أما ما لم يشاهده فبرنامجه فيه «أن يسأل ذوي العقول من الناس، ومن لم يعرف بالغفلة والالتباس، وأن يسأل عن الشيء الواحد جماعة مختلفة؛ فما اتفقوا عليه أثبته، وما اختلفوا فيه نبذه، وما حكوه ولم يقبله عقله أسنده إلى من وراءه أو قال فيه «زعموا».
وهذا منتهى الصدق والإنصاف، والدقة والتحري.
وجاءته فكرة «الخرائط» فعملها في كتابه، بل جاءته فكرة الخرائط الملوية واختيار الألوان المناسبة فقال: ورسمنا حدودها وخططها وحررنا طرقها المعروفة بالحمرة، وجعلنا رمالها الذهبية بالصفرة وبحارها المِلْحة بالخضرة، وأنهارها المعروفة بالزرقة، وجبالها المشهورة بالغبرة، ليقرب الوصف إلى الأفهام، ويقف عليه الخاص والعام.
غير أن هذه الخرائط — مع الأسف — لم تصل إلينا مع كتابه.
وقد ساح في جزيرة العرب والعراق والشام ومصر والمغرب ثم في بلاد فارس والسند والهند، ودوَّن ما شاهده حسبما وضع من قواعد، وألّف في ذلك كتابًا سنة ???هـ سماه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»?. وقد لخص رأيه في الأقاليم التي زارها، في جملة في ثنايا الكتاب فقال: «أظرف الأقاليم العراق، وهو أخف على القلب، وأحّد للذهن، وبه تكون النفس أطيب، والخاطر أدق. وأوسعها فواكه، وأكثرها علماء وأجلة «المشرق»?. وأكثرها صوفًا وقزًّا ودخلا على قدرة الديلم?. وأجودها ألبانًا وأعسالًا، وألذها أخبازًا وأمكنها زعفرانًا الجبال?. وأسفلها قومًا، وشرُّهم أصلًا وفصلًا خوزستان. وأحلاها تمورًا وأوطؤها قومًا كرمان. وأكثرها فانيذا وأرزازًا ومسكًا وكفَّارًا السند. وأكيسها قومًا وتجارًا … فارس. وأشدها حرًّا وقحطًا جزيرة العرب. وأكثرها بركات وصالحين وزهادًا ومشاهد، الشام. وأكثرها عبَّادًا وقرَّاءً وأموالًا ومتجرًا وحبوبًا، مصر. وأخوفها سبلًا وأجودها خيلًا وأوسطها قومًا أقور?. وأجفاها … وأكثرها مدنًا وأوسعها أرضًا المغرب». وقال في موضع آخر: لم أر أطمع من أهل مكة، ولا أفقه من أهل يثرب، ولا أعف من أهل بيت المقدس، ولا آدب من أهل هَرَاة، ولا أذهن من أهل الري … ولا أصح موازين من أهل الكوفة، ولا أحسن من أهل حمص وبخارى، ولا أحسن لحًى من الديلم، ولا أشرب للخمور من أهل بعلبك ومصر، إلخ … فإن سأل سائل: أي البلدان أطيب؟ نظر، فإن كان يطلب الدارين، قيل له: بيت المقدس، وإن كان يطلب النعمة والحيازة والرخص والفواكه، قيل له: كل بلد أجزاك، وإلا فعليك بخمسة أمصار: دمشق، والبصرة، والري، وبخارى، وبلخ. ومن أراد التجارة فعليه بعدن أو عُمَان أو مصر».
وقال في موضع ثالث: «واعلم أن بغداد كانت جليلة في القديم، وقد تداعت الآن للخراب، واختلت وذهب بهاؤها، ولم أستطبها ولا أعجبت بها، وإن مدحناها فللمتعارف. وفسطاط مصر اليوم كبغداد في القديم، ولا أعلم في الإسلام بلدًا أجل منه» إلخ.
ولما جاء مصر في رحلته أعجب بالفسطاط، وقال: إنه لم ير في الأمصار آهل منه، وأعجب بما فيه من كثرة العلماء، وقال: ليس في الإسلام أكبر مجالس من جامعه (جامع عمرو) وقد سرّته أطعمته وحلواه، وكثرة بقوله وفواكهه، وأعجبته نغمة أهله بالقرآن، ودهش من كثرة المراكب في النيل، ومن كثرة المصلين في المساجد، ولكنه لم تعجبه كثرة البراغيث بها، وانتقد عدم عناية المصريين بالنظافة، وازدحام مساكنهم بالسكان، وكثرة الكلاب فيها، كما انتقد شرب الخمور، وانتشار الفجور، وكثرة السباب.
وحدثنا أن أهل الشام يعيبون على أهل مصر ثلاثة: «أن مطرهم الندى، وطيرهم الحدا، وكلامهم رخو مثل النسا».
•••

وأيَّا ما كان فقد نخالفه ويخالفه المحدَثون فيما وصف من مزايا الأقاليم وعيوبها، ولكن عذره أنه وصف ما شاهد، كما وصف أثر هذه المشاهد في نفسه، وقد يكون اختلاف رأينا عن رأيه اختلاف زمان، فزماننا قد تغيرت فيه الأوضاع والأوصاف عما كانت في زمنه، وألف سنة ليست بالقليلة في تغيير الشعوب.
وعلى كلٍ فأهم ما للرجل برنامجه الدقيق الذي وضعه والتزمه، ولا يزال إلى الآن في نظري المثل الأعلى للرحالة، وقل أن يفوقه فيه الرُّحَّال المحدثون. فمن منهم يفعل ما يفعل؟ فيبيع في الأسواق ليعرف الحالة التجارية للبلاد التي رحل إليها، ويخدم ليعرف حال القصور، ودخائل البيوت، ويخالط التجار ويأكل مآكلهم ليتعرف عاداتهم، ويتشكل — كما قال — بكل الأشكال إلى الكدية؟
اللهم إن هذا — في بابه — لعظيم!
? الشواني: سفن كبيرة حربية.? طبع في مدينة «ليدن» سنة ????م.? يريد بالمشرق الدولة السامانية.? يطلق الديلم على الإقليم الذي فيه جرجان وطبرستان.? يريد بالجبال الإقليم الذي يشمل الري وهمذان وأصفهان وقاشان إلخ.? أقور: هي الجزيرة بين الموصل والفرات.
أسباب الضعف في اللغة العربية


?


رددت الجرائد والمجلات الشكوى من ضعف الطلبة وخريجي الجامعة في اللغة العربية — ولا شك أنها مسألة لا يصح أن تمر من غير أن يتداولها الكتّاب بالشرح والتعليل، ويقلبوها على وجوهها المختلفة، حتى يصلوا إلى علاج حاسم.
أما أن الطلبة ضعاف جدًّا في اللغة العربية فأمر لا يحتاج إلى برهان. فأكثرهم لا يحسن أن يكتب أسطرًا ولا أن يقرأ أسطرًا من غير لحن فظيع يكاد يكون بعدد الكلمات التي يكتبها أو يقرؤها؛ وهم إذا خطبوا أو قرءوا أو كتبوا أو أدوا امتحانًا رأيت وسمعت ما يثير العجب ويبعث الأسف. وأما أن الضعف في اللغة العربية نكبة على البلاد فذلك أيضًا أمر في منتهى الوضوح؛ لا لأن اللغة العربية لغة البلاد، والضعف فيها ضعف في القومية فقط؛ بل لأنها اللغة التي يعتمد عليها جمهور الأمة في ثقافتهم وتكوّن عقليتهم؛ فاللغة الأجنبية التي يتعلمها طلاب المدارس الثانوية والعالية ليست هي عماد الثقافة للبلاد، وليست هي التي تكوِّن أكبر جزء في عقليتنا، إنما الذي قوم بهذا كله هو اللغة العربية التي نتعلمها في الكتاتيب ورياض الأطفال، وندرس بها العلوم المختلفة في المدارس الابتدائية والثانوية والعالية. فالضعف في اللغة العربية ضعف في الوسيلة والنتيجة معًا، على حين أن الضعف في اللغة الأجنبية في كثير من الأحيان ضعف في الوسيلة فقط؛ ولهذا أعتقد أن معلم اللغة العربية في المدارس على اختلاف أنواعها عليه أكبر واجب وأخطر تبعة، وبمقدار قوته وضعفه تتكون — إلى حد كبير — عقلية الأمة.
وبعد، فما هي الأسباب التي نشأ عنها هذا الضعف؟
عندي أن الأسباب ترجع إلى أمور ثلاثة: طبيعة اللغة العربية نفسها، والمعلم الذي يعلمها، والمكتبة العربية.
فأما طبيعة اللغة فهي صعبة عسرة إذا قيست — مثلًا — باللغة الإنجليزية أو الفرنسية. ويكفي للتدليل على صعوبتها ذكر بعض عوارضها: فهي — مثلًا — لغة معربة، تتعاور أواخرَها الحركات من رفع ونصب وجر وجزم حسب العوامل المختلفة؛ ولا شك أن اللغة المعربة أصعب من اللغة الموقوفة، أعني التي يلتزم آخرها شكلًا واحدًا في جميع المواضع ومع جميع العوامل، كاللغة الإنجليزية والفرنسية.
وهي صعبة كذلك من ناحية أن حروفها وحدها لا تدل على كيفية النطق بها، بل لا بد لصحة النطق من الضبط بالحركات أو المران الطويل، على عكس اللغات الأوروبية التي تدل كتابتها على كيفية النطق بها في أكثر مواضعها. والضبط بالشكل عسير فلا نستعمله في الجرائد والمجلات ولا في أكثر الكتب الأدبية قديمها وحديثها.
وهي صعبة — أيضًا — من ناحية الاختلاف الكثير في الفعل الثلاثي، فله أشكال كثيرة لا يمكن إخضاعها لضوابط حاسمة، وكصيغ جمع التكسير، فهي كثيرة وضوابطها قلما تطّرد، وكنظام العدد والمعدود، فإنه معقد تعقيدًا شديدًا حتى لا يجيده إلا الخاصة وأشباههم.
كل هذا ونحوه يجعل اللغة العربية صعبة المنال، وإتقانها يحتاج إلى مران كثير ومجهود كبير من المتعلم والمعلم.
ولست أعرض هذا لبيان ما إذا كانت هذه الأغراض مظهرًا من مظاهر رقي اللغة أو ضعتها، فإن هذا لا يعنيني الآن، وأما الذي يعنيني فهو تقرير صعوبة اللغة العربية وحاجتها الشديدة إلى عناية كبرى لتذليل صعوباتها، ورسم أقرب خطة للتغلب عليها، حتى يحذقها المتعلم من أقرب سبيل.
•••

فإذا نحن وصلنا إلى المعلم فقد وصلنا إلى نقطة شائكة؛ ذلك لأننا اعتدنا دائمًا إلى أن ننقل النقد في الأمور العامة إلى مسائل شخصية، ونحول الكلام في المبادئ العامة إلى فئات وأحزاب، ونسيء الظن بالناقد، فإن كان من فئة خاصة ظنوا أنه يدافع عن فئته، وأنه يريد تنقص غيره. فهل يسمح لي المعلمون بأن أصارحهم القول مؤكدًا أن لا غرض لي إلا الإخلاص للحق؟
إن كان الأمر كذلك فإني أصدقهم القول بأن جزءًا كبيرًا من ضعف اللغة العربية يرجع إليهم. ولست أنكر أن منهم أفذاذًا نابغين يصح أن يكونوا المثل الذي ننشده، ولكن المنطق عودنا أن يكون حكمنا على الكثير الشائع لا على القليل النادر.
فالحق أن دار العلوم والأزهر وكلية الآداب لم تستطع أن تخرج المعلمين الأكفاء، الذين نتطلبهم والذين تتطلبهم اللغة العربية للأخذ بيدها والنهوض بها، ومحاربة الضعف المتفشي فيها.
فأما دار العلوم فقد تأسست، والذي دعا وزارة المعارف إلى إنشائها أنها أحست عجز الأزهر عن أن يمدها بالمعلمين الصالحين، إذ رأت أن الأزهر تنقصه — إذ ذاك — الثقافة الحديثة والعلم بمناهج التربية والتعليم، وقد نجحت الوزارة في تحقيق هذا الغرض إلى حد كبير، وأخرج رجالًا نهضوا باللغة العربية إلى حد ما، وأحسنوا التدريس على خير مما كان يدرسه الأزهريون، ولكن دار العلوم كانت سادَّة لحاجة الأمة في السنين الأولى من إنشائها، ثم تقدمت الأمة في ثقافتها ووقفت دار العلوم حيث كانت، فأصبحت لا تؤدي رسالتها كاملة، وأصبح خريج دار العلوم لا يحذق الأدب القديم ولا الأدب الحديث، ولا يستطيع تغذية الشعب بالأدب الذي هو في حاجة إليه، وليس له من المهارة في الوسائل ما يستطيع به أن ينهض بالطلبة النهوض اللائق، ولا هو يساير الزمن في ثقافته حتى يخضع الطلبة لشخصيته القوية؛ ودليل ذلك أمور كثيرة: منها ضعف المكتبة العربية وهو ما سأبينه بعد؛ ومنها عجز معلمي اللغة العربية عن تشويق الجمهور والطلبة إلى القراءة العربية، حتى إنا نرى الناشئ لا يكاد يستطيع القراءة في الكتب الأجنبية حتى يهيم بها ويفضلها ألف مرة على المطالعة العربية؛ ومنه نظر الطلبة في صميم نفوسهم على أن اللغة العربية مادة ثانوية، وإن وضعت في المناهج في أوائلها؛ ومنها أن ثقافة الجمهور فيما تتعلق بالتاريخ الإسلامي والأدب العربية والمعلومات العامة التي تتصل بذلك ضعيفة إلى حد بعيد، والمسئول عنها — كما أسلفنا — هم معلمو اللغة العربية؛ لأنها لغة البلاد وعليها يعتمد في تكوين العقلية، إلى كثير من مثل هذه الأسباب.
وأما الأزهر من ناحية اللغة العربية، فهو الآن وليد دار العلوم، والمشرف على تعليم اللغة العربية فيه هم خريجوها؛ فقصاراه أن يبلغ من الرقي ما بلغته مدرسة دار العلوم في تعليمها ونظمها ومناهجها، حتى يحل محلها؛ ويكفي هذا برهانًا على أنه لا يحقق الغرض الذي نرمي إليه.
وأما قسم اللغة العربية في كلية الآداب فكذلك ناقص ضعيف، فهو يعلم طرق البحث الجامعي، وهذا يضطره على أن يتوسع في مسألة وأن يهمل مسائل، فلا يخرج الطالب دارسًا لكل ما ينبغي أن يدرس. أضف إلى ذلك أنه يعتمد في طلبته على طائفة تخرّج أكثرها من المدارس الأميرية، وحصلوا على شهادة الدراسة الثانوية، وهؤلاء لا يصلحون صلاحية تامة لدراسة اللغة العربية إلا بعد عهد طويل لا تكفي له سنو الدراسة الجامعية؛ ذلك أن اللغة العربية — إلى الآن — متصلة اتصالًا وثيقًا بالدين، ولا يمكن أن يحذقها ويستطيع أن يفهم كتبها القديمة إلا من بلغ درجة عالية في فهم القرآن والحديث والفقه وأصول الفقه والتاريخ الإسلامي. والطلبة الذين تأخذهم الجامعة لهذا القسم لم يثقفوا هذه الثقافة، ولا تستطيع الجامعة أن تكمل هذا النقص مهما بذل المدرسون من الجهد. ومن أجل هذا ترى أن طلبته بينما يجيدون نهج البحث في بعض المسائل، يقصرون في مسائل تعد في نظر الأزهر ودار العلوم مسائل أولية وهي في الواقع كذلك.
•••

إذًا من الحق أن نقول: إن المعاهد التي تدرس اللغة العربية في مصر تعجز عن إخراج المعلم الكفء. ومن العجيب أن توجد هيئات ثلاث لتحضير معلمي اللغة العربية والبلد لا يحتاج إلا إلى هيئة واحدة؛ ثم كل هذه الهيئات معيب لتوزع قواها، ولو وحدت القوى في هيئة واحدة لاستطاعت أن تخرج خير أنموذج للمعلم، ولكن يعصف بهذه الفكرة الصالحة تعصب كل فئة لنفسها، وتدل السياسة عند حلها، فضاعت بذلك المصلحة العامة.
•••

ويتصل بأمر المعلمين مسائل كانت هي الأخرى سببًا في الضعف، وهي مناهج الدراسة والامتحانات والتفتيش.
فمناهج تدريس اللغة العربية متحجرة برغم ما يبدو من مدنيتها وأناقتها. خذ — مثلًا — منهج قواعد اللغة العربية والبلاغة تجد أنهما إلى الآن لا يزالان هما بعينيهما منهجي سيبويه والسكاكي على الرغم من زخرفتهما؛ فالتقسيم الذي قسمه سيبويه في النحو، والتعاريف التي وضعها، والمصطلحات التي ذكرها هي هي في كتب المدارس اليوم. وكل ما حديث حتى في الكتب التي ألفت منذ سنوات قليلة هو ذكر المثلة الرشيقة وتبسيط الشرح، ولكن لم يبذل مجهود موفق في معالجة النحو على أساس جديد كضم مسائل متعددة إلى أصل واحد حتى يسهل على الطلبة فهمها وتحصيلها. وكوضع مصطلحات جديدة أقرب إلى الفهم ونحو ذلك؛ وحسبنا دليلًا على ذلك ما نراه في أجروميات اللغات الحية الأخرى؛ فأجرومية اللغة الفرنسية أو الإنجليزية اليوم تخالف — في الجوهر — ما كانت عليه منذ عشرين سنة فضلًا عن قرن وقرنين.
ومصيبتنا في البلاغة أعظم، فبرامجنا لا توحي بلاغة، ولا تربي ذوقًا؛ وإلا فقل لي بربك: ماذا تفيد دراسة «الفصل والوصل» على هذا المنهج إلا تكرير مصطلحات فارغة ككمال الاتصال، وكمال الانقطاع، وشبه كمال الانقطاع، وشبه كمال الاتصال؟ وأخبرني: أي أديب يراعي ذلك عند كتابته؟ ومتى كانت هذه المصطلحات الفارغة وسيلة لرقي الذوق الأدبي؟
وليست برامجنا في الأدب بأقل سوءًا من هذين، فإنا نضع في البرنامج أول الأمر مسائل فلسفية وقواعد في النقد وتاريخ الأدب في العصور المختلفة قبل أن يلم الطالب بجمهرة كبيرة من الأدب يقرؤها ويحفظها ويتذوقها، وبذلك نقدم له نتائج من غير مقدمات، ونصعده على السطح من غير سلم.
والذين يضعون البرامج يكلِّفون وضعها في أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين. وماذا على وزارة المعارف لو كلفت من يضع لها البرامج المستقبلة في سنتين أو أكثر على ألا تضوع إلا بعد دراسة عميقة، ثم تنشر في الجرائد والمجلات وتتقبل الاعتراضات عليها ويعمل بالصالح منها، ثم تثبت الوزارة العمل بها عهدًا طويلًا حتى تتم تجربتها؟
ثم الامتحانات أمرها غريب! فمع هذا الضعف الذي نسمعه في كل مكان تظهر نتيجة الامتحانات في اللغة العربية باهرة، والسقوط فيها نادرًا، فشيء من شيئين: إما أن تكون الشكوى في غير محلها، وهذا ما لا يسلم به عاقل، أو تكون الامتحانات على غير وجهها، وهذا ما يقوله كل عاقل. وسبب هذا السوء في الامتحان كثير؛ فنظريات النحو واسعة تحتمل أن يكون لكل خطأ تأويل من الصواب، ومنها عدم تقدير وقة الامتحانات في جملتها، حتى يصح أن يسقط الطالب إن أتى بخطأ شنيع في موضع ولو أصاب في مواضع أخرى؛ ومنها الرحمة والشفقة في التصحيح، وأؤكد أن لو زالت هذه الرحمة سنة من السنوات وأدرك الطالب ما تعامل به ورقته من الحزم في الامتحان لخدم هذا الموقف اللغة العربية في المدارس جملة سنين.
ثم التفتيش. والمفتش معذور، فهو كالقاضي يطبق مواد القانون ولا يشرعها، فعليه أن ينظر كم موضوعًا إنشائيًّا كتبه الطلبة، وهل هذا يتناسب مع العدد المقرر في السنة، وهل ترك المدرس كلمة كتبها الطالب خطأ في كراسته، من غير أن يصححها، وهل أساء المدرس إساءة كبرى فاستعمل كلمة «التليفون» و«الراديو» أو على العموم استعمل كلمة ليست في «القاموس المحيط» أو «لسان العرب». فأما هل نجح المدرس في تعليمه اللغة العربية لطلبته، وما الوسائل التي استعملها، وهل تقدم الطلبة في القراءة والكتابة فأمر في المنزلة الثانوية؛ وأما ما ينبغي أن يدرس هنا أو لا يدرس، وما العوامل في الرقي باللغة العربية — على العموم — فأمر يرجع في الأغلب إلى المشرع لا إلى المفتش.
نعود — بعد — إلى الأسباب الأخيرة من أسباب ضعف اللغة العربية. وهي مسألة «المكتبة العربية» فالحق أنها مكتبة ضعيفة فاترة، هي مائدة ليست دسمة ولا شهية ولا متنوعة الألوان. والحق أيضًا أن القائمين بإحضارها لم يجيدوا طهيها؛ فدار العلوم — وقد أتى على إنشائها أكثر من خمسين عامًا خرجت فيها الألوف من أبنائها — هل أجادت في إخراج الكتب النافعة المختلفة الألوان والموضوع؟ أو هي قصرت كل التقصير، فأخرجت من الكتب ما لا يتفق وعدد خريجيها ومنزلتهم في الحياة الاجتماعية والأدبية؟
والأزهر — وهو أقدم عهدًا وأعرق أصلًا — لم يشترك في التأليف الحديث اشتراكًا جديًّا، ولم يساهم بالقدر الذي كان يجب عليه، ولم يعرف عقلية الناس في العصر الحديث حتى يخرج لهم ما هم في أشد الحاجة إليه.
وكلية الآداب — وإن قصر عهدها — لم تؤد رسالتها في هذا الموضوع كاملة، واتجهت أكثر ما اتجهت إلى الثقافة الخاصة لا العامة.
فمكتبتنا في كل نواحيها ناقصة من ناحية الأطفال، ومن ناحية الجمهور، ومن ناحية المتعلمين. وحسبك أن نقوم بسياحة في مكتبة إفرنجية وأخرى في مكتبة عربية لترى الفرق الذي يحزنك، ويبعث في نفسك الخجل والشعور بالتقصير.
ماذا يقرأ الطفل في بيته وفي عطلته؟ وماذا تقرأ الفتاة في بيتها؟ وأين الروايات الراقية التي يصح أن نضعها في يد أبنائنا وبناتنا؟ وأين الكتب في الثقافة العامة التي تزيد بها معلومات الجمهور؟ وأين الأدب القديم المبسط؟ وأين الأدب الحديث المنشأ؟ الإجابة عن هذه الأسئلة يعرفه كل قارئ لمقالتي. وواضح أن اللغة لا ترقى بكتبها في قواعد النحو والصرف والبلاغة بمقدار ما ترقى بالكتب الأدبية ذوات الموضوع.
سيقول المعلمون: وماذا نصنع وليس العيب عيبنا، فوزارة المعارف ترهقنا بالدروس، وترهقنا بنظام الكراسات وتصحيحها، وبنحو ذلك حتى لا نجد وقتًا لترقية نفوسنا والازدياد في معلوماتنا فضلًا عن المساهمة في تضخيم «المكتبة العربية» والمشاركة في إصلاح جوانب النقص منها.
ذلك حق، ولكنه ليس ردًّا على ما أقول، فإني في هذا المقال أكتفي باستعراض الأدواء استعراضًا خاطفًا سريعًا من غير أن أعني كثيرًا بتحديد المسئول.
?


قرأت في الصحف وصفًا لعلاج قيل: إن مكتب التفتيش في وزارة المعارف اقترحه؛ وخلاصته زيادة الحصص للغة العربية، وتوسيع مكتبة التلميذ. وأظن أن هذا علاج ليس كافيًا ولا شافيًا، وأنه لا يلاقي المرض في الصميم، وأنه لا يقدم في الموضوع ولا يؤخر، فلو ضاعفنا الحصص والمعلم على حاله من النقص، والمنهج كما هو من الضعف، لم نصل إلى نتيجة ولم تتحسن حالة المرض.
إنما العلاج الحقيقي في إصلاح المعلم وما إليه من منهج وامتحان وتفتيش؛ فالمعلم الآن تخرجه ثلاثة معاهد: دار العلوم والأزهر وقسم اللغة العربية في كلية الآداب، وكلها معيبة كما أبنت، فلا بد للإصلاح من توحيد تلك الجهود الموزعة والاقتصار على معهد واحد يسلح بكل أنواع الأسلحة الملائمة.
وعندي أن أصلح معهد لذلك هو «دار العلوم»، فتاريخها القديم في التعليم؛ وسبقها الأزهر في هذا الباب؛ يجعلان المصلحة في بقائها؛ وكذلك صبغتها الدينية، وما بين اللغة العربية والدين من صلة وثيقة يجعلها أصلح من قسم اللغة العربية في كلية الآداب، ولكنها في شكلها الحاضر غير صالحة، بل لا بد لصلاحيتها من أمور: (?) فصلها عن «وزارة المعارف» وجعلها معهدًا تابعًا للجامعة أسوة لها بكل المدارس العليا، التي كانت تابعة للوزارة كالمعلمين والهندسة والزراعة والتجارة. فالجامعة أوسع حرية وأكثر استقلالًا، والحرية والاستقلال أصلح للنمو العلمي والرقي العقلي.
(?) إعادة النظر فيها من جديد: في نظامها وبرامجها، فلم تعد أساليبها التي كانت صالحة منذ عشرين عامًا صالحة الآن؛ على أن يشرف على وضع هذه النظم جماعة من خيرة رجال مصر ثقافة وعقلًا وسعة تفكير وعلمًا بمناهج التربية.
(?) أن تكون الدراسة فيها مقصورة على المواد العلمية، وبعد الانتهاء يدرس المتخرج سنة أو سنتين أساليب التربية في معهد التربية.
(?) أن يعاد إنشاء تجهيزية دار العلوم لتغذي دار العلوم، ويعاد تنظيمها على خير مما كانت، فيتوسع فيها في الدراسة الدينية من قرآن وتفسير وحديث وما إلى ذلك، وتدرس فيها لغة أجنبية، حتى يخرج الطالب منها مساويًا للطالب في المدارس الثانوية الأخرى ومتفوقًا في اللغة العربية والدين الإسلامي، وخريجو هذه المدرسة يغذون دار العلوم وقسم الفلسفة في كلية الآداب ونحو ذلك، ويكون في دار العلوم دروس في اللغة الأجنبية أيضًا تتمم ما درسه الطلبة في المدرسة الثانوية.
(?) تكون الدراسة في دار العلوم دراسة قاسية شديدة دقيقة، في الانتقال وفي الامتحان. فلا يسمح لضعيف ولا متوسط الكفاية أن يخرج من هذه المدرسة؛ لأنها ستكون — على ما أعتقد — أفعل مدرسة في رقي الأمة وتكوين عقليتها والنهوض بحياتها.
وهذا هو في نظري أهم علاج لضعف اللغة العربية، فالحصة من هذا المعلم الكفء خير من مئة حصة من معلم غير كفء.
•••

ويلي هذا في الإصلاح برامج التعليم؛ فمناهج اللغة العربية — وخاصة في المدارس الثانوية — تحتاج إلى ثورة تقلبها رأسًا على عقب، تبسط فيها المصطلحات، وتحذف منها الأبواب العقيمة ويقتصر فيها على ما ينتج استقامة اللسان والقلم، ويترك ما عدا ذلك للخاصة.
ولو ألف في وزارة المعارف هيئة فنية «مراقبة» للبرامج ووضعها وطريقة تنفيذها لكانت أفضل من كل المراقبات الأخرى؛ لأن هذا هو العمل الأساسي للوزارة وما عداه تبع له.
وليس عمل برنامج اللغة العربية في المدارس الابتدائية والثانوية من الأمور السهلة، فهو يحتاج إلى دراسة المناهج السابقة من أول وضعها، ويحتاج إلى دراسة المناهج للغات الحية الأخرى في الأمم المختلفة للاستفادة منها، والاتصال بتلاميذ المدارس في مراحلهم المختلفة لمعرفة مقدار عقليتهم، وهكذا.
ثم الامتحان له كبير أثر في ضعف اللغة؛ لأن التلاميذ عندنا اعتادوا أن يقرءوا للامتحان، ويتعلموا للامتحان، وبقدر صعوبة الامتحان والتشديد فيه تكون عناية الطلبة.
والامتحان في اللغة العربية معيب من وجهين: من وجهة ورقة الامتحان، فإنها في أغلب شأنها نظرية لا عملية، وتعتمد على الذاكرة والحفظ أكثر مما تعتمد على التفكير والعمل، واللغة أداة للتعبير، والغاية منها تقويم القلم واللسان، فيجب أن يرمي الامتحان إلى هذه الغاية، أما أن تكون الأسئلة في ما هو التشبيه الضمني، وما هي الاستعارة المكنية، وما أثر الثقافة اليونانية في الثقافة العربية، فأسئلة لا يصح أن تكون في المرحلة الأولى ولا الثانية من التعليم، إنما تكون بعد أن يستكمل الطالب الجانب العملي.
وكذلك من جهة التصحيح، فقد استولى على مصححي اللغة العربية نوع من العطف أشبه ما يكون بالعطف على المجرم فلا يعاقب، وبعطف الأمر الجاهلة على ابنها فلا تؤدبه.
والمصححون يبنون تساهلهم على فكرتين باطلتين: أولاهما: أن اللغة العربية هي اللغة الأصلية، فلا يصح أن يرسب الطلبة فيها، وهذا خطأ؛ لأن لغتنا الأصلية هي اللغة العامية لا اللغة العربية الفصحى، وشتان ما بينهما، ولو كانت العربية لغتنا الأصلية ما شكونا هذا الضعف. وثانيهما: غلبة الرحمة عليهم وقد أبنا ضررها.
وليس أدل على فساد الامتحان من حسن النتيجة المئوية مع ضعف الطلبة ضعفًا نضجّ منه جميعًا بالشكوى. أمن المعقول أن نلمس هذا الضعف ثم تكون نسبة النجاح فوق الثمانين في المائة في أكثر السنين؟
كل هذا جعل التلاميذ يهزءون باللغة العربية ولا يعيرونها التفاتًا، ويحترمون اللغة الأجنبية والرياضة؛ لأن الاحترام عندهم تابع لنسبة النجاح، فكلما كانت النسبة قليلة كانت العناية بالعلم أقوى؛ وليس ينسى أحد منا العبارة التي تدور على ألسنة الطلبة، وهي أنهم إذا سمعوا طالبًا يجتهد في استذكار اللغة العربية قالوا له: «وهل يسقط أحد في العربي؟»
ثم لهم طريقة في التصحيح ليست صحيحة، فهم لا يقومون الورقة ككل، ولكن يجزئونها جزيئات صغيرة ثم يضعون درجة على كل جزيء، فيحدث أن الطالب يأتي بأخطاء شنيعة تدل على الجهل التام ومع ذلك ينجح، حتى يخيل إليّ أن التلميذ إذا أعرب «في البيت» في حرف جر والبيت مفعول به منصوب لأعطوه ??? على إعرابه «في» وخطئه في إعرابه «البيت».
أنا كفيل بأن سنة واحدة توضع فيها ورقة الامتحان عملية أكثر منها نظرية، ويشدد فيها في التصحيح شدة حازمة تساوي الشدة في تصحيح الرياضة واللغة الأجنبية، كافية في أن يوجه الطلبة عنايتهم الكبرى للغة العربية، فيزول الضعف وتحسن النتيجة.
ولا ننسى أن التفتيش بعد ذلك له أثره، فلو حدد الغرض منه لبانت قوته الحالية أو ضعفه، فليس المفتش جاسوسًا يضبط الجريمة، ولا هو عدّاد يعد موضوعات الإنشاء والتمرينات، ولا غرضه الأول أن يقول: إن كلمة كذا ليست في القاموس، كلا ولا غرضه الأول أن يكتب عن المدرس إنه جيد أو ممتاز أو ضعيف. إنما مهمته الأولى حسن توجيه المعلمين إلى تحقيق الغرض من دراسة اللغة العربية والوصول بالطلبة والمدرسين والكتب والمناهج إلى أرقى حد مستطاع، وبمقدار تحقيق هذا الغرض أو عدم تحقيقه يكون الحكم على قيمة التفتيش.
إذا أصلح المعلم والمنهج والامتحان والتفتيش صلحت اللغة العربية في المدارس، وهذا هو العلاج الوحيد الصحيح، أما عداه فعلاج غير حاسم ولا ناجع.

من وحيِ البحر أيضًا


 رأس البر 
من نهاية «اللسان» في «رأس البر» جلست أرقب اللانهاية في البحر.
كان الوقت وقت غروب الشمس.
ولا أدري لماذا كلما رأيت غروب الشمس في البحر، وددت لو خليت جسمي، وحللت بنفسي في ملك ذي أجنحة، أو طائر قوي يصل بي إلى حيث هذا المنظر بشمسه وشفقه، فأحتضنه وأتحد به، وأفنى فيه كما يفنى الفراش في النار، وأشعر بشعوره معنى الأزلية والأبدية، وأشهد في مرآته أحداث الزمان، وتقلبات العصور.
إيه هذا المنظر! لقد شهدت خلق آدم، وحوار إبليس، وشهدت الإنسان الأول في سذاجته، ومغاراته وكهوفه، وشهدت كل خطوة يخطوها في تقدمه، فيعثر أحيانًا، ويهتدي بعد أن يلجّ به العثار أحيانًا، وشهدته يبني الحضارة ويهدمها ليبني خيرًا منها، شهدت المدن تتكون شيئًا فشيئًا، وتشاد عليها الحضارات شيئًا فشيئًا، شهدت الأهرام وهي تبنى، ورمسيس وهو يحكم، وبابليون وهي تنشأ، وشهدت ميلاد كل مدينة، وموت كل مدينة، ونظرت إلى العلم وهو في مهده، والفلسفة وهي في بدئها، ثم ريعانها، وشهدت كل الأحداث على هذه الهنة الصغيرة التي تسمى «الأرض»، ولم تكن كل هذه المشاهدات إلا في لحظاتك الخيرة من عمرك الطويل الأزلي؛ هزأت بها كلها لأنك شاهدتها وليدة صغيرة، فلم توقرها كبيرة، شهدتها كلها وأنت شيخ هرم، فماذا رأيت في صباك وشبابك وكهولتك إذا كان كل هذا قد رأيته في لحظة من شيخوختك، على أنك ما شخت وما هرمت، فأنت في شيخوختك أنت في صبوتك، وأنت في شبابك لم ينل منك كرّ الغداة ومرّ العشيَّ؛ لأنك أنت فاعل الغداة، وفاعل العشيَّ.
وعلى الجملة لم يكن تاريخ الإنسان إلا جزءًا هينًا من تاريخك، بل ما تاريخ الأرض كلها منذ بدء تكوينها إلى اليوم إلا خطفة البرق من حياتك الطويلة، وما الأرض والإنسان إلا لون واحد من ألوانك التي لا عداد لها، ومنحة من منحك التي لا تحصى، وفوق هذا وذاك، سبحان ربي وربك.
•••

هذا الإنسان المتناهي يعجب بهذا البحر اللامتناهي، وهذا الأفق اللامتناهي أيضًا، ولكن. لا، ليس الإنسان متناهيًا محدودًا، فإن تناهى طوله وعرضه وحُدَّ مدى بصره، فله الخيال الذي لا يتناهى، والذي يطابق الأفق والبحر والسماء وما إلى ذلك مما لا يتناهى، بل قد يلف الخيال كل هذه الأشياء، ولا يزال فضفاضًا واسعًا يسع أمثالها وأمثالًا من أمثالها.
وفي هذا الجسم المحدود نفس لا محدودة، أعمق من هذا البحر، وأرفع من هذه السماء، وأغمض مما وراء هذا الأفق، وأعجب مما يقع عليه البصر أو يحيط به الخيال، تهيج كما يهيج هذا البحر، وتهدأ كما يهدأ، وتحوي الدرر والأصداف كما يحوي، وتتكسر موجاتها كما تتكسر موجاته، وترغى وتزبد كما يرغى ويزبد، وتطالعك بالجمال والعنف كما يطالعك بالجمال والعنف، وهي في كلياتها أزلية أبدية أكثر مما هو أزلي وأبدي، وعزت شمائلها وخصائصها على العلم أكثر مما عز، فلما توافقا في هذه الصفات تآلفا.
•••

غريبة هي اللغة، لم تعبأ بالعظم والسعة، ولم تعبأ بامتداد اللانهاية، فأرادت أن تنتقم من هذه السعة وهذه اللانهاية، فاختزلت اللفظ الدال عليها اختزالًا، طوّلت ومططت في الحرباء — مثلًا — وهي الدويبة الحقيرة ومنحتها خمسة حروف كاملة، ومدت كلمتها مدًّا لا يتناسب وخلقتها، وأتت إلى الممدود بطبيعته فقصرته، هذا البحر الفسيح إلى أبعد مدى، العميق إلى أبعد مدى، المملوء بالأعاجيب إلى أبعد مدى، ضنت عليه بألفاظها وامتدادها، فوضعت له كلمة مجزوءة مخطوفة من ثلاثة حروف فقط، وهكذا فعلت في «النفس» العميقة إلى ما لا نهاية، المتقلبة الأشكال والألوان إلى ما لا نهاية، وقل مثل ذلك في العقل والأفق وغير ذلك.
لا. لا، إنها كانت ماهرة كل المهارة، فأما ما حصرته فسمته في سهولة ويسر، وأما ما لم تحصره، فلم تقف أمامه طويلًا تقيسه وتقدره وتعيا بتسميته، فليس لها من الزمن والفراغ ما يمكنها من القياس والتقدير، وإنما وضعت بطاقة صغيرة على جزء منه صغير ليدل صغيره على كبيره، وجزؤه على كله، كما يفعل المؤلف في عنوان الكتاب، أو كما يفعل التاجر في إلصاق بطاقة باسم البضاعة ونوعها على ثوب من الصوف، طويل ملفوف، ثم جاء الخيال فارتبط بالكلمة وأكمل نقصها وقوى عجزها ومد قصرها.
•••

في حضرة اللانهاية ومناظرها يشعر الإنسان بالتسامي والرقي، ويشعر بلذة التغير من حياة مادية كلها أكل وشرب وشهوات، وتشع عليه اللانهاية من نفسها فيحن إلى اللامادية، ويسبح في التجرد، ويحتقر ما هو متقلب فيه أثناء حياته اليومية، وتلمع في نفسه لمعات برق مضيئة يود لو طالت، ولكنها لا تطول، فسرعان ما تجذبه أرضيته إلى الأرض، وماديته إلى المادة.
في هذه المواقف تتحرك العاطفة الدينية، فهذه اللانهاية الصغرى تذكر الإنسان باللانهاية الكبرى، وهذه الأزلية الأبدية المحدودة نوعًا ما، تذكر بالأزلية الأبدية المطلقة، وهذه ضعة الإنسان أمام جلال البحر والشمس والأفق وما إليها، تذكره بضعة هذه كلها أمام خالقها، وتجرُّد النفس أمام هذه المناظر يطمعها في الخلود، على حين أن انغماسها في المادة يبعث فيها الشره؛ لتنعم أكثر ما يمكن من النعيم قبل أن يدركها الموت، ثم هذا الغموض في هذه المناظر يذكرنا بالموضوعات الدينية التي دقت عن الفكر وسبح فيها الخيال، كالنعيم المقيم، والعذاب الدائم، والجنة والنار، واللوح والكرسي والعرش، وما إلى ذلك.
أمام هذه المناظر الجليلة، والمناظر الجميلة، والمناظر اللانهائية، تنبعث صرخة من أعماق القلب: «هنا موضع سجود».
تذكرنا بهذه اللانهاية كل حواسنا، فنشعر بها في رؤيتنا للسماء ولمعان نجومها، والبحر وتكسرات أمواجه المتتابعة المتلاصقة، ونشعر بها عند دقات الساعة في سكون الليل، وفي الموسيقى الجميلة السامية العلوية، وندركها في حضرة الله في الصلاة الحقة، ونحسها في رؤية الموت.
وهي في كل أشكالها وأوضاعها رهيبة، لا يأنس إليها إلا من مرن عليها، وحاول خوض غمارها ثم ارتد، وما زال بها حتى آنسها وأنس بها؛ وهي رهيبة لأنها مجهولة، والمجهول مخيف، وهي عظيمة والعظيم مرهوب، وهي غامضة والغموض ظلام، والظلام مرعب؛ وهي جليلة لأنها تشعر الإنسان بحقارته، وبقصر عمره في جانب طول عمرها، وبضعفه بجانب قوتها.
لذلك هرب الإنسان من اللانهاية إلى التحديد، فسكن إلى المنزل؛ لأنه يأويه من الفضاء، وأنس بالمسجد يحدد شيوعه ويحصر شروده، وحصر نفسه في دوائر محدودة فرارًا من اللامحدودة، حتى في عقله قد حكمه بالتعريفات؛ لئلا يسبح في الخيال، وجسّم المعاني، تمسك بالعادات والشعائر والتقاليد هربًا من اللامحدود واستئناسًا بالمحدود.
•••

فإذا نعمنا بك أيها الفضاء، وأيتها السماء، وأيها البحر في تموجاته، وأيها الأفق بحمرته، وأيتها الشمس في دمائها، فلذة التغير، ولذة إلى حين، ثم نعود سيرتنا الأولى نعيش في الحدود، ونبحث عن الحدود، ونألف الحدود.
•••

وعرف صغاري مكاني، فأتوا إليَّ يدعونني أن أريهم «مدينة الملاهي»، فشعرت بما يشعر به من كان في ماء ساخن ثم انغمس في ماء بارد.