Advertisement

فيض الخاطر الجزء الأول


فيض الخاطر (الجزء الأول)




فيض الخاطر (الجزء الأول)

مقالات أدبية واجتماعية

تأليف
أحمد أمـين




فيض الخاطر (الجزء الأول)

أحمد أمـين

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ???? ?? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



مقدمة


بقلم  أحمد أمين
? رمضان سنة ????
هذه مقالات نشر بعضها في مجلة «الرسالة» وبعضها في مجلة «الهلال» وبعضها لم ينشر في هذه ولا تلك. استحسنت أن أجمعها في كتاب؛ لا لأنها بدائع أو روائع؛ ولا لأن الناس ألحُّوا عليَّ في جمعها، فنزلت على حكمهم، وائتمرت بأمرهم؛ ولا لأنها ستفتح في الأدب فتحًا جديدًا لا عهد للناس به؛ ولكن لأنها قِطَعٌ من نفسي أحرص عليها حرصي على الحياة، وأجتهد في تسجيلها إجابةً لغريزة حبِّ البقاء، وهي — مجموعة — أدل منها مفرَقة، وفي كتاب أبين منها في «أعداد».
ثم لعلي أقع على قراء مزاجهم من طبيعة مزاجي، وعقليتهم من جنس عقلي، وفنهم من فني، يجدون فيها صورة من نفوسهم وضربًا من ضروب تفكيرهم، فيشعرون بشيء من الفائدة في قراءتها، واللذة في مطالعتها، فيزيدني ذلك غبطةً ويملؤني سرورًا.
بعض هذه المقالات وليد مطالعات هادئة، وبعضها نتيجة عاطفة مائجة، وكلها تعبيرات صادقة.
أصدق كاتب في نظري من احتفظ بشخصيته، وجعل أفكاره وعواطفه تمتزج امتزاجًا تامًّا بأسلوبه، وخير أسلوب عندي ما أدى أكثر ما يمكن من أفكار وعواطف في أقل ما يمكن من عسر وغموض والتواء، وراعك بجمال معانيه أكثر مما شغلك بزينة لفظه، وكان كالغانية تستغني بطبيعة جمالها عن كثرة حليها.
ولم يكن لي شرف إدراك هذه الغاية، ولكن كان لي شرف السير في سبيلها.

الرأي والعقيدة


فرق كبير بين أن ترى الرأي وأن تعتقده؛ إذا رأيت الرأي فقد أدخلته في دائرة معلوماتك، وإذا اعتقدته جرى في دمك، وسرى في مخ عظامك، وتغلغل إلى أعماق قلبك.
ذو الرأي فيلسوف، يقول: إني أرى الرأي صوابًا وقد يكون في الواقع باطلًا، وهذا ما قامت الأدلة عليه اليوم وقد تقوم الأدلة على عكسه غدًا، وقد أكون مخطئًا فيه وقد أكون مصيبًا. أما ذو العقيدة فجازم باتٌّ لا شك عنده ولا ظن، عقيدته هي الحق لا محالة، هي الحق اليوم وهي الحق غدًا، خرجَت عن أن تكون مجالًا للدليل، وسَمَت عن معترك الشكوك والظنون.
ذو الرأي فاتر أو بارد، إن تحقق ما رأى ابتسم ابتسامةً هادئةً رزينةً، وإن لم يتحقق ما رأى فلا بأس، فقد احترز من قبل بأن رأيه صواب يحتمل الخطأ، ورأيَ غيره خطأ يحتمل الصواب. وذو العقيدة حار متحمس لا يهدأ إلا إذا حقق عقيدته؛ هو حرج الصدر، لهيف القلب، تتناجى في صدره الهموم، أرق جفنه وأطال ليله، تفكيره في عقيدته، كيف يعمل لها، ويدعو إليها؛ وهو طلق المحيا مُشرِق الجبين، إذا أدرك غايته، أو قارب بغيته.
ذو الرأي سهل أن يتحول ويتحور، هو عبد الدليل، أو عبد المصلحة تظهر في شكل دليل. أما ذو العقيدة فخير مظهر له ما قاله رسول الله: «لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أدع هذا الذي جئت به ما تركته»، وكما يتجلى في دعاء عمر: «اللهم إيمانًا كإيمان العجائز».
لقد رووا عن «سقراط» أنه قال: «إن الفضيلة هي المعرفة». وناقشوه في رأيه، وأبانوا خطأه، واستدلوا بأن العلم قد يكون في ناحية والعمل في ناحية، وكثيرًا ما رأينا أعرف الناس بمضار الخمر شاربها، وبمضار القمار لاعبه؛ ولكن لو قال سقراط: إن الفضيلة هي العقيدة، لم أعرف وجهًا للرد عليه: فالعقيدة تستتبع العمل على وَفقها لا محالة — قد ترى أن الكرم فضيلة ثم تبخل؛ والشجاعة خيرًا ثم تجبن؛ ولكن محال أن تؤمن بالشجاعة والكرم، ثم تجبن أو تبخل.
العقيدة حق مشاع بين الناس على السواء، تجدها في السذج، وفي الأوساط، وفي الفلاسفة — أما الرأي فليس إلا للخاصة الذين يعرفون الدليل وأنواعه، والقياس وأشكاله؛ والناس يسيرون في الحياة بعقيدتهم، أكثر مما يسيرون بآرائهم؛ والمؤمن يرى بعقيدته ما لا يرى الباحثُ برأيه، وقد مُنح المؤمن من الحواس الباطنة والذوق ما قصر عن إدراكه القياس والدليل.
لقد ضلّ من طلب الإيمان بعلم الكلام وحججه وبراهينه، فنتيجة ذلك كله عواصف في الدماغ أقصى غايتها أن تنتج رأيًا؛ أما الإيمان والعقيدة فموطنهما القلب، ووسائلهما مدّ خيوط بين الأشجار والأزهار والبحار والأنهار وبين قلب الإنسان؛ ومن أجل هذا كانت أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ أفعل في الإيمان من قولهم: «العالم متغير وكل متغير حادث»؛ فالأول عقيدة والثاني رأي.
الناس إنما يخضعون لذي العقيدة، وليس ذوو الرأي إلا ثرثارون، عنوا بظواهر الحجج أكثر مما عنوا بالواقع، لا يزالون يتجادلون في آرائهم حتى يأتي ذو العقيدة فيكتسحهم.
قد يجود الرأي، وقد ينفع وقد ينير الظلام، وقد يُظهر الصواب؛ ولكن لا قيمة لذلك كله ما لم تدعمه العقيدة، وقَلَّ أن تؤتَى أمه من نقص في الرأي، ولكن أكثر ما تُؤتَى من ضعف في العقيدة، بل قد تؤتى من قِبَل كثرة الآراء أكثر مما تؤتى من قلتها.
الرأي جثة هامدة، لا حياة لها ما لم تنفخ فيها العقيدة من روحها، والرأي كهف مظلم لا ينير حتى تلقِي عليه العقيدة من أشعتها، والرأي مستنقع راكد يبيض فوقه البعوض؛ والعقيدة بحر زاخر لا يسمح للهموامّ الوضيعة أن تتولد على سطحه؛ والرأي سديم بتكوس، والعقيدة نجم يتألق.
ذو الرأي يخضع للظالم وللقوي؛ لأنه يرى أن للظالم والقوي رأيًا كرأيه، ولكن ذا العقيدة يأبى الضيم ويمقت الظلم؛ لأنه يؤمن أن ما يعتقده من عدل وإباء هو الحق، ولا حق غيره.
من العقيدة ينبثق نور باطني يضيء جوانب النفس، ويبعث فيها القوة والحياة، يستعذب صاحبها العذاب، ويستصغر العظائم، ويستخف بالأهوال؛ وما المصلحون الصادقون في كل أمة إلا أصحاب العقائد فيها.
الرأي يخلق المصاعب، ويضع العقبات، ويصغي لأماني الجسد، ويثير الشبهات، ويبعث على التردد؛ والعقيدة تقتحم الأخطار، وتزلزل الجبال، وتلفت وجه الدهر، وتغير سير التاريخ، وتنسف الشك والتردد؛ وتبعث الحزم واليقين، ولا تسمح إلا لُمرَاد الروح.
ليس ينقص الشرقَ لنهوضه رأي، ولكن تنقصه العقيدة؛ فلو منح الشرق عظماء يعتقدون ما يقولون لتغير وجهه وحال حاله، وأصبح شيئًا آخر.
وبعدُ، فهل حُرِم الإيمان مهبط الإيمان؟

الكيف لا الكم


رُوي أن ابن «سِينَا» كان يسأل الله أن يهبه حياةً عريضةً وإن لم تكن طويلةً؛ ولعله يعني بالحياة العريضة حياةً غنية بالتفكير والإنتاج؛ ويرى أن هذا هو المقياس الصحيح للحياة؛ وليس مقياسَها طولُها إذا كان الطول في غير إنتاج؛ فكثير من الناس ليست حياتهم إلا يومًا واحدًا متكررًا، برنامجهم في الحياة: أكل وشرب ونوم؛ أمسهم كيومهم، ويومهم كغدهم؛ هؤلاء إن عُمّروا مائة عام فابن سينا يقدره بيوم واحد؛ على حين أنه قد يقدّر يومًا واحدًا — طوله أربع وعشرون ساعة — بعشرات السنين إذا كان عريضًا في منتهى العرض؛ فقد يوفّق المفكر في يومه على فكرة تُسعد الناس أجيالًا، أو إلى عمل يسعد آلافًا؛ فحياة هذا — وإن قصرت — تساوي أعمار آلاف، بل قد تساوي عمر أمة؛ لأن العبرة بالكيف لا بالكم.
وليس على الله بمستَنْكَرٍأن يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ ولعل ساعة اجتمع فيها أقطاب الأمم الأربعة، فانتهوا فيها إلى السلم، وأنقذوا أرواح الملايين من البشر، ومنعوا من الكوارث ما لا يعلم هَوْلَه إلا الله، خيرٌ آلاف آلاف من سنين صرفت في التسلّح وما إليه.
وتقدير الأشياء بالكيف لا بالكم، منزلة لا يصل إليها العقل إلا بعد نضجه. أما الطفل في نشأته، والأمة في طفولتها، فأكثر ما يعجبهما الكم؛ فالريفي خير «الخيار» عنده ما كبر حجمه وبِيعَ بالكوم، والمدني خير «الخيار» عنده ما نحف جسمه وكان «كالقشة» وبيع بالرطل. والطفل وأشباهه يرغّبون بكثرة العَدَد لا بجودة الصنف؛ فحيثما مررت في الشارع أو زرت متجرًا رأيت أكثر الترغيب بالكم «فأربعون ظرفًا وجوابًا بتعريفه»، و«دستة أقلام رصاص بصاغ»، وهكذا؛ وسبب هذا أن البيع والشراء يعتمدان على أدق قوانين علم النفس، والباعة من أعرف الناس بهذه القوانين التي تتصل بعقلية الجمهور؛ فهم يعلمون أنهم أكثر تقويمًا للكم، وأكثر انخداعًا بالعدد؛ فهم يأتونهم من نواحى ضعفهم وموضع المرض منهم، وقَلَّ أن يرغّبوهم في الشيء بأنه من «العال» أو «عال العال»؛ لأن هذا تقدير للكيف، وليس يقدره إلا الخاصة.
وكل إنسان قد مر بدور الطفولة، والأمم جميعها مرت كذلك بهذا الدور؛ فعَلِق بأذهانهم تقدير الكم، ولم يستطيعوا أن يتحرروا منه مهما ارتَقَوْا؛ وأصبحوا — حتى الخاصة منهم — ينخدعون بالكم من غير شعور وبِلا وعي؛ وصار هذا مرضًا ملازمًا، إنما يتحرر منه الفلاسفة وإلى حد. ألا ترانا نرى الرجل الضخم حسن الهيئة جميل الطلعة فنمنحه الاحترام ولو لم نعرف قيمته؛ ونرى الرجل صغير الجسم غير مهندم الثياب فنحتقره أول وهلة من غير أن نعرفه؛ وأساس معاملتنا بالإجمال احترام ذوي المظاهر الجميلة حتى يثبت العكس، واحتقار ذوي المظاهر الوضيعة حتى يثبت العكس، وليس ذلك إلا من خداع الكم؛ ولو أنصفنا لوقفنا على الحياد من الجميع حتى نتبين الكيف.
ونرى ذا العمامة الكبيرة واللحية الطويلة، فنعتقد فيه العلم والدين، مع أنه لا علاقة بين كبر العمامة وطول اللحية وبين العلم والدين؛ وإن كانت ثمة علاقة فعلاقة الضدية؛ لأن الدين محله القلب، والعلم موطنه الدماغ؛ وإذا مُلئ القلب دينًا والدماغ علمًا احتُقر المظهر وأبى أن يدل على دينه أو علمه بمظهر خارجي؛ بل هو إن امتلأ دينًا وعلمًا أنكر على نفسه الدين والعلم، واعتقد أنه أبعد ما يكون عما ينشده من دين وعلم؛ وكذلك الشأن في اللباس الجامعي واللباس الكهنوتي.
وقديمًا أدرك العرب خداع الكم، فقالوا: «ترى الفتيان كالنخْل وما يُدْريك ما الد?خل».
وقال شاعرهم:
ترى الرجلَ النحيفَ فتزدريهوفي أثوابهِ أسَدٌ مَزِيرُ?ويُعجبك الطَّريرُ فتبتليهِفيُخْلِفُ ظنَّك الرجلُ الطريرُ وفي كل شأن من شئون الحياة، وضرب من ضروب العلم والفن ترى خداع الكم.
فالمؤلفون يعلنون عن كتبهم أنها في أربعمائة صفحة — مثلًا — من القطع الكبير، والمتعلمون كثيرًا ما باهوا بكثرة ما قرأوا، والكتَّاب
بكثرة ما كتبوا؛ والصحافة كثيرًا ما خدعت القراء بالكم، فكان مما اصطنعته زيادة عدد الصفحات في الجرائد والمجلات، مع أن الصفحات وحدها كمّ، ولا قيمة لها ما لم يصحبها الكيف. وكم أتمنى أن أرى جريدة أو مجلة تُرَغّب قراءها بالكيف فقط، وإن كنت أجزم بأن مصيرها الفشل؛ لأن أكثر الناس لم يُمْنَحُوا — بعدُ — ميزان الكيف.
وقد جرَت كثرة الصفحات في الجرائد والمجلات إلى تحوير الأسلوب إلى ما يناسبها؛ فكان الأسلوب أحيانًا كالعِهْن المنفوش، يصاغ منه في صفحة ما يصح أن يصاغ في عمود، وفي عمود ما يصح أن يصاغ في سطر واحد — ولست أدري لم كان الناس إذا أرسلوا برْقية، تخيروا أوجز الألفاظ لأغزر المعاني؛ ولم يفعلوا من ذلك شيئًا في كتبهم ورسائلهم ومقالاتهم؛ ولعلهم يفعلون ذلك؛ لأن الكلمات في البرقية تقدر بالقروش، وليس كذلك فيما عداها — إن كان هذا هو السبب دل على تقدير القرش أكثر مما يقدر زمن القارئ والكاتب؛ وفي هذا منتهى الشر، وفي هذا أقسى مثل لغفلة الناس في تقدير الكم لا الكيف.
وقديمًا عرض علماء البلاغة للكيف والكم في الأدب، وسموها اسمًا خاصًّا هو الإيجاز والإطناب؛ وعدُُّوا الإيجاز أشرف الكلام؛ والإجادة فيه بعيدة المنال؛ لما فيه من لفظ قليل يدل على معنى كثير، ومثلوا للإيجاز والإطناب بالجوهرة الواحدة بالنسبة إلى الدراهم الكثيرة؛ فمن ينظر إلى طول الألفاظ يؤثر الدراهم لكثرتها، ومن ينظر إلى شرف المعاني يؤثر الجوهرة الواحدة لنفاستها، ولا يعدل عن الإيجاز إلى الإطناب إلا لإيضاح معنى أو تأكيد رأي.
والحق أن الأدب العربي في هذا الباب من خير الآداب، فأكثر ما صدر في عصوره الأولى حبات من المطر تجمعت من سحاب منتشر، أو قطرات من العطر استُخْلصت من كثير من الزهر.
وبعد، فلست أحب أن تكون كتابتنا كلها بَرْقيَّات، وإذًا لعدمنا ما للأسلوب من جمال، وما لتوضيح الفكرة وتجليتها وتحليتها من قيمة؛ وإنما أريد أن يكون المعنى هو القصد وهو المقياس، فإن أطنبنا فللمعنى، وإن أوجزنا فللمعنى.
وأريد أن يقوم الناس الكيف للكيف، وإذا قدروا الكم فللكيف. ولعل من ألطف ما كان أني حين بلغت هذا الموضع من مقالاتي أخذت أعد صفحات ما كتبت، فوجدتها قليلة العدد، فآلمني ذلك؛ لأني لم أبلغ ما حذرت أن يكون، وفرحت بهذه الملاحظة؛ لأنها سدت فراغًا في المقالة، يكمل بعض ما فيها من قصر. ألسنا جميعًا عباد (كم)، أوليس هذا من نوع تقدير الخيار «بالكوم»؟
? المزير: الشديد القوي.
صديقٌ


لي صديق، اصطلحت عليه الأضداد، وأْتلفت فيه المتناقضات، سواء في ذلك خَلْقه وخُلُقه وعلمه.
حيي خجول، يغشى المجلس فيتعثر في مِشْيَته، ويضطرب في حركته، ويصادف أول مقعد فيرمي بنفسه فيه، ويجلس وقد لف الحياء رأسه، وغض الخجل طَرْفه، وتقدم له القهوة فترتعش يده، وترتجف أعصابه؛ وقد يداري ذلك فيتظاهر أن ليس له فيها رغبة، ولا به إليها حاجة؛ وقد يشعل لفافته فيحمله خجله أن ينفضها كل حين، وهي لا تحترق بهذا القدر كل حين؛ وقد يهرب من هذا كله فيتحدث إلى جليسه لينسى نفسه وخجله، ولكن سرعان ما تعاوده الفكرة فيعاود الهرب؛ وهكذا دوالَيْك حتى يحين موعد الانصراف، فيخرج كما دخل، ويتنفس الصُّعَدَاء حامدًا الله على أنه لم يخرَّ صعِقًا، ولم يدركه حَيْنه كربًا وقلقًا.
من أجل هذا أكره شيء عنده أن يشترك في عزاء أو هناء، أو يُدْعى إلى وليمة أو يدعو إليها. يشعر أنه عبء ثقيل على الناس وأنهم عبء عليه. يحب العزلة لا كرهًا للناس ولكن سترًا لنفسه، ويأنس بالوحدة وهي تضنيه وتَبريه.
ثم هو — مع هذا — جريء إلى الوقاحة، يخطب فلا يَهَاب، ويتكلم في مسألة علمية فلا ينضُب ماؤه، ولا يَنْدَى جبينه، ويعرض عليه الأمر في جمع حافل فيدلي برأيه في غير هيبة ولا وجل، وقد تبلغ به الجرأة أن يجرح حسهم، ويدمي شعورهم، فلا يأبه لذلك، ويرسل نفسه على سجيتها فلا يتحفظ ولا يتحرز.
يحكم من يراه في حالته الأولى أنه أحيا من مخدَّرة، ومن يراه في الثانية أنه أوقح من ذئب وأصلب من صخر، ومن يراه فيهما أنه شجاع القلب، جبان الوجه.
•••

وهو طموح قنوع، نابه خامل، يرمي بهمته إلى أبعد مرمَى، وتَنْزع نفسه إلى أسنى المراتب، وتحفزه إلى أبعد المدارك؛ فيوفر على ذلك همه، ويجمع له نفسه، ويتحمل فيه أشق العناء، وأكبر البلاء، ولا يسأم ولا يضجر؛ وكلما نال منزلة مَلََّها وطلب أسمَى منها. وبينا هو في جده وكده، وحزمه وعزمه، إذ طاف به طائف من التصوف، فاحتقر الدنيا وشئونها، والنعيم والبؤس، والشقاء والهناء. وسمع قول المتنبي:
ولا تَحْسَبَن? المجدَ زِقًّّا وقَيْنَةًفما المجدُ إلا السْيفُ والطَّعْنَة البكْرُوتركُكَ في الدُّنْيا دَوِيَّا كأنَّمَاتَدَاوَلَ سَمْعَ المرءِ أَنْمُلُهُ الْعَشْرُ فهزئ به وسخر منه، واستوطأ مهاد الخمول ورضي من زمانه ما قسم له. وبينا يأمل أن يكون أشهر من قمر، ومن نار على علم، يسافر في الشرق والغرب ذكره، ويطوي المراحل اسمه، إذا به يخجل يوم ينشر اسمه في صحيفة، ويذوب حين يشار إليه في حَفْل، ويردد مع الصوفية قولهم: «ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يُدْفَن لا يتم نتاجه» يَعْجَبُ من يراه مُجِدَّا خاملًا، ومعرفة نكرة، وعاملًا مغمورًا.
وأغرب ما فيه أنه متكبر يتجاوز قدره، ويعدو طوره، ومتواضع ينخفض جناحه، وتتضاءل نفسه. يتكبر حيث يصغر الكبراء، ويتصاغر حيث يكبر الصغراء. يتأله على العظماء حتى تظن أنه نسل الأكاسرة ووارث الجبابرة، ويجلس إلى الفقير المسكين يؤاكله ويستذل له؛ هو نَسر أمام الأغنياء، وبغاث لدى الفقراء، لا تلين قناته لكبير، ويخزم أنفه الصغير.
يحب الناس جملة، ويكرههم جملة. يدعوه الحب أن يندمج فيهم، ويدعوه الكره أن يفر منهم، حار في أمره فامتزج الحب بالكره، فاستهان بهم في غير احتقار.
صحيح الجسم مريضه. ليس فيه موضع ضعف. ولكن كذلك ليس فيه موضع قوة. يشكو المرض، فيحار في شأنه الطبيب، فيحنق على الأطباء ويرميهم بالعجز وما العاجز إلا جسمه لم يستطع أن ينوء بنفسه.
كذلك كان رأسه: مضطرب، مرتبك، كأنه مخزن مهوش، أو دكان مبعثر، وضعت فيه النعل القديمة بجانب الحجر الكريم، يؤمن بقول الفقهاء: القديم على قِدَمه، ثم يدعو إلى التجديد. ويتلاقى فيه مذهب أهل السنة بمذهب أهل النشوء والارتقاء، ومذهب الاختيار بمذهب الجبر، وحب الغنى بمذهب «أبي ذَرّ». وتجتمع في مكتبته كتب خطية قديمة قد أكلتها الأرضة، ونسج الزمان عليها خيوطه، وأحدثُ الكتب الأوربية فكرًا وطبعًا وتجليدًا. ولكل من هذين ظل في عقله، وأثر في رأسه. يسره «تأبَّط شرًّا» في بدواته وصعلكته، و«جوته» في حضارته وإمارته، ويؤمن بشاعرية هذا وذاك. يسمع إلى الملحدين فيصغي إليهم، وإلى المؤمنين فيحن شوقًا لذكراهم. ويهمل في صلاته ويحافظ على صومه، إن ألحد فكره لم تطاوعه طبيعته، وإن كفر عقله آمن قلبه. ومن أصدقائه السكير الزاهد، والفاجر الداعر والعابد؛ وكلهم على اختلاف مذاهبهم يصفه بأنه يجيد الإصغاء كما يجيد البليغُ الكلام.
•••

سرت معه سيرة من جنسه، فأحببته وكرهته، ونقمت منه ورحمته، وكنت آنس به وأستوحش منه؛ يبعد عني فأتوق إليه، ويطول مقامي معه فأتبرم به.
وأخيرًا، لم يقو جسمه على هذه الأضداد مؤتلفة، والمتناقضات مجتمعة. فعاجله الشيب في شبابه، وتقوس ظهره في ربيع عمره، وأصبح مترهل العضل، منسرقَ القوى، يظنه من رآه أنه بلغ أرذل العمر، ولِدَاتُه في رونق الشباب ومَيْعة النشاط.
بلغني مرضه، فلم أدركه إلا جنازة، فشيعته إلى أن أنزل حفرته، وأجِنَّ في رمسه ونفضت من ترابه الأيدي!
وعدت موجَع القلب باكيًا، ضيق الصدر، مكروب النفس، أخذني من الحزن عليه ما تنقض منه الجوانح، وتنشقُّ له المرائر؛ فعلمت أن حبي له كان أعمق من كرهي إياه، وأن نقمتي عليه لم تكن إلا مظهرًا من عطفي عليه، وأني كنت أقسو عليه رحمة به!
رحمة الله عليه فقد حطم بعضُه بعضًا، ومضى قتيل روحه وشهيد نفسه.

مشروعُ مقالة


جلست إلى مكتبي وأمسكت بالقلم واستعرضت ما مر علي أثناء الأسبوع لأختار منه موضوعًا أكتب فيه، فخطر لي:
?


أن أكتب في المساجلات الأدبية التي دارت بين شيخ العروبة والأستاذ مسعود في (الطرطوشي ولاَرِدَة)، وبين الدكتور زكي مبارك والأستاذ عبد الله عفيفي في كتاب (زهرات منثورة)، وبين الدكتور طه حسين والأستاذ العقاد في (اللاتينيين والسكسونيين)، وقلت: إن هذا موضوع طريف جدير أن يكتب فيه الكاتب ويعرض فيه لنوعي النقد اللذين ظهرا في كتابة هؤلاء الأدباء؛ فأحد النوعين قاس عنيف، حتى يخيل إلي أن أصحابه لم يبق لهم إلا أن يتسابوا بالآباء، أو يتضاربوا بالأكف، أو يتبارزوا بالسيوف! والآخر عفيف خفيف فيه لذع، ولكن بالإيماء والإشارة، وفيه مهاجمة عنيفة، ولكن للفكرة لا لقائلها؛ ويخيل إلي أنهما إذا تقابلا تعانقا، ومهما أطالا فلن يتباغضا. وليس في أسلوبها إدلال وفخر وإعجاب وعجب، وليس فيه إسفاف وتنابذ بالألقاب، وإدخال للعمامة والقبعة في وسط المعمعة، يدعو أحدهما الآخر إلى التلمذة له، ويلقي كلاهما درسًا في النحو على أخيه.
وقلت: من الحق أن تصرخ في وجه هؤلاء، وأن تعلن أن نقدهم يعجبك موضوعًا ولا يعجبك شكلًا، وأن الذوق إذا رقى اكتفى في الخصام بلمحة، وأن الأديب يعجبه التعريض والتلميح، ويشمئز من الهجو المكشوف والتصريح، وأن العامة إذا تسابُّوا أقذعوا، وأن أولي الذوق إذا تخاصموا كان لهم في الكناية ومراتبها، والإيماء ودرجاته، والتعريض ومقاماته، مندوحة من الأسلوب العريان والصراحة المخزية، وأن الحقيقة الواحدة يمكن أن تقال على ألف وجه، يتخير الأديب أحسنها، على حين لا يعرف العامي إلا وجهًا واحدًا يتلوه الضرب، وأن في أعماق شيوخ الأدب حقًا للناشئة من المتعلمين الذين يضربون على قالبهم ويسيرون على منوالهم، وإن هؤلاء الناشئة ليجدون في هذه الصحف والمجلات مدرسة تثقفهم وتغذيهم. ثم هم بعدُ قادة الأدب وهداة الأمة؛ فلو أنا علمنا النشء هذا النقد الذي لا يراعي صداقة ولا يأبه لوفاء كان علينا وزرهم ووزر الأجيال بعدهم، وكانت مدرستنا التي ننشئها قاسية البرامج فاسدة الطريقة.
وقلت: إن هذه الطريقة لا تخدم الحق كما يزعم أصحابها، فلسنا نطلب منهم أن يسكتوا على باطل، وأن يغمضوا عن خطأ؛ بل نحمد منهم جدّهم في خدمة الحق، وسهرهم في كشف الصواب، ولكنهم يسيئون إلى الحق إذا ظنوا أنه لا يؤدَّى إلا بهُجْر، ولا يكشف إلا بسباب. والحق إذا عرض في أدب كان أجمل وأجدى على رُوَّاده، وإذا عرض في سفه حمل الُمعَاند أن يصر على عناده وحمل الخجول أن يكتم آراءه في نفسه حتى لا يُنْهَشَ عِرْضُه ولا تُبتذَل كرامته، فقل التأليف وضعف الإنتاج.
جال كل هذا في نفسي، ولكني خفت أن أكتب مقالتي في هذا الموضوع، وقلت: إنك إن فعلت هاجوا بك، وتركوا خصومتهم لخصومتك، وتصادقوا لعداوتك، وقالوا: أتلقي علينا درسًا في الأدب ونحن أساتذة الأدب؟ ومن أنت؟ وما شأنك؟ وجلسوا مني مجلس الملَكين يسألون ويسفهون. وأنت ما أغناك عن هذا الموقف وما أبعدك من هذا المأزق! فتركت هذا الموضوع، وعدلت عن المشروع.
ففيم أكتب إذًا؟
?


كنت في الترام عصر يوم من هذا الأسبوع، فصاح بائع الجرائد: المقطم! البلاغ! فلم ألتفت إليه لأني كنت قرأتهما، فلم يصدق أني سمعت، فصاح صيحة أنكر من الأولى، فكان موقفي منه موقفي، فأمعن في الصراخ وأمعنت في البرود؛ فما وسعه إلا أن صعد الترام، ومسني بالمقطم والبلاغ، فاضطررت إلى أن أقول: إني قرأتهما ليصدق أني سمعت وفهمت.
وقلت: إن هذا الموضوع للكتابة طريف، أدعو فيه إلى دقة الحس ورقة الشعور وظرف المعاملة؛ فإن ذلك لو كان لأغنانا من كثير مما نلاقي من عناء وجفاء؛ وما معاملاتنا إلا كالآلة بلا زيت: تسير ولكن تصدّع.
على أني قلت: إن هذا الموضوع من جنس الأول، فلو أن أساتذة الأدب رقُّوا في نقدهم، لرق بائعوا الجرائد في عرضهم، فأعرضت عن هذه إذا أعرضت عن تلك.
?


وجلست في مجلس يجمع طائفة مختارة من الأدباء، فعُرضَت بعض القصائد والمقالات، فما من قصيدة أو مقالة إلا استحسنها قوم واستهجنها آخرون؛ ورأيت من استحسن لم يستطع أن يُقْنِع من استهجن، ولا من استهجن قد استطاع أن يقيم الدليل على من استحسن؛ ورأيتهم إذا تناقشوا في المعقولات أطالوا حججهم وسددوا براهينهم، وذكروا لقولهم الأسباب والنتائج، وهم أعجز ما يكونون عن ذلك في الفنون والآداب.
فقلت: هذا الموضوع جيد، أليس من الممكن أن يوضع للذوق منطق كما وضع أرسطو للعقل منطقًا، فلتكتب في «الذوق الفني»، ولتحاول أن تبين أسباب الخلاف ووجه الصواب ووجه الخطأ، وترسم سلمًا للرقي في الذوق تعرف به من أخطأ ومن أصاب، وتبين به علة الخطأ في المخطئ والإصابة للمصيب، وكيف تحكم على ذوق بأنه أرقى من ذوق، كما تحكم على عقل بأنه أرقى من عقل.
ولكني رأيت الموضوع عميقًا يحتاج أن أفرغ له، وأهجم عليه ابتداءً من غير أن أشتت فكري في موضوعات مختلفة، فأرجأته إلى حين.
وقلت: ما الذي يمنع أن أجعل مشروع المقالة مقالة؟ فليكن!

أدب القوة وأدب الضعف


يَروُون أن جماعة من آل الزُّبَيِر كانوا يجتمعون إلى مغنية فيسمعون ويطربون، حتى إذا استخف الطربُ أحدهم (وهو عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير) قال فيها:
أحلفُ بالله يمينًا ومنْيحلفُ بالله فقد أخْلَصَالو أنها تدعو إلى بَيعَةِبايعتُها ثم شَقَقتُ العصا فبلغت هذه البيات أبا جعفرِ المنصور، فدعاه إليه وعنفه على قوله، وعيره بضعف آل الزبير من هذه الناحية، إلى أن قال له: «حتى صرتَ أنتَ آخر الحمقى تبايع المغنيات، فدونكم يا آل الزبير وهذا المرتع الوخيم!»
وسخر المنصور من هذا الضرب من القول، وهذا النوع من الحياة، وقال: إنما يعجبني أن يُحدَى لي بهذه الأبيات:
إن قَناتى لنبعٌ لا يُؤَيّسُهَاغمزُ الثِّقَاف ولا دُهْنٌ ولا نَارُ?متى أُجر خائفًا تأمَنْ مَسَارِحُهوإن أخِف آمنًا تَقْلَقْ به الدارُ هذه القصة تمثل نوعين من الأدب: فنوع يصح أن تسميه أدبًا رقيقًا، وإن كنت أشد? صراحة فسمه أدبًا ضعيفًا أو أدبًا «مائعًا»، كما يصح أن تسمي النوع الثاني أدبًا قويًّا أو أدبًا رصينًا.
ولست أعني بالضعف أو القوة ضعف الأدب أو قوته من الناحية الفنية، وإنما أعني ضعفه وقوته من الناحية الخلقية والاجتماعية، فقد يكون هذا النوع الذي أسميه ضعيفًا أو مائعًا في منتهى الرقي من الناحية الفنية، كما قد يكون الأدب القوي ليس قويًّا بالمقياس الفني.
وهذه القصة تمثل لنا أيضًا أن الأدب المائع والقوي أثر من آثار الحوادث والظروف، فقد فشل آل الزبير سياسيًّا ولم تتحقق مطامعهم. فاستولى عليهم اليأس وانصرفوا إلى اللهو وأنِسُوا بالسماع وما إليه، واحتقروا الخلافة حتى ليهمون أن يبايعوا جارية مغنية؛ ويحدث عبد الله بن مصعب هذا عن نفسه فيقول:
إذا غنتنى هذه الجارية:
حسيتُ أني مالكٌ جالسحُفَّتْ به الأملاك والموكِبُفلا أبالي وإلهِ الورىأشرَّقَ العالَمُ أم غرَّبوا أما المنصور فنجح وأسس ملكًا ضخمًا، ووصل إلى هذا النجاح بقوته وحزمه، فكان أحب شعر إليه شعر القوة والعظمة والحَمِيَّة.
•••

يخيل إلي أنا إذا ألقينا نظرة عامة على الأدب العربي من هذه الناحية رأينا الأدب الجاهلي قويًّا — كجلمود صخر حطه السيل من عل — حماسة قوية، وفخر قوي، بل وغزل قوي؛ والأدب الإسلامي إلى آخر العهد الأموي، أدب قوي فيه عزة الفاتح، وإعجاب الظافر، ونشوة المنتصر؛ وإن كان فيه نغمات ضعف فنغمات الحزب الذي غُلِب على أمره، أو المحب الذي يئس في حبه؛ أما ما عدا هذا ففخر وإعجاب، وهجاء في أعلى درجات القوة.
فإذا نحن انتقلنا إلى العصر العباسي رأينا العزة العربية تأخذ في الضعف، ورأينا الانهماك في اللهو يبعث أدبًا جميلًا في فنه، ضعيفًا في روحه، فيقول رئيس المجددين في عصره بشارُ بن برد:
قد عشت بين الرَّيحان والراح والـمِزْهَرِ في ظل مجلس حَسَنِوقد ملأتُ البلاد ما بين فُغـْفور? إلى القيروان فاليمَنِشعرًا تُصَلى له العواتق والــثيبُ صلاة الغواني للوثن وتوالت النكبات على الشرق من ظلم وجور وسوء في كل نظم الحياة الاجتماعية؛ فكان الأدب العربي ظلًّا لهذه الحياة — كان أدبًا ضعيفًا، إن أنت حصرته وجدته بين باك على مصائب الدهر كأبي العلاء، ومادح للولاة والأمراء والأغنياء، ومستهتر يصف استهتاره وصفًا أنيقًا بديعًا يرضي الفن ولا يرضي الروح؛ وما اخترع من الفنون كان من هذا الضرب، مقامات للبديع والحريري بُنيت على التسول والاستجداء، وإفراط في المجون، أو إفراط في التصوف، وكلاهما فرار من حياة الجد، والنثر حُمَّل كل أنواع الزينة من سجع وبديع، فكان كالفتاة تسرف في التجمل الصناعي لما شعرت بنقص جمالها الطبيعي.
ولم يظفر العالم العربي من العهد العباسي إلا بأفراد قلائل منحوا من القوة في أدبهم ما كان موضع الإعجاب كالمتنبي والبارودي، وكلاهما كانت قوته صدى لحياته: فالمتنبي فارس شجاع، كان في أكثر شعره يسجل وقائع سيف الدولة مع الروم، ويدون مظاهر القوة والفروسية؛ والبارودي كذلك رب سيف وقلم، فكان قلمه مسجلًا لآثار سيفه؛ وأمثال هؤلاء قليل، وإلا فخبرني عن شعر البطولة والفروسية والحياة والقوة بعد؛ وأين الشعر الغنائي الذي صدر عن شعور بالعزة القومية في الأدب العربي؟ أليس عجيبًا أن نرى شعر «البهاء زهير» وقد كان في أسمى منصب من مناصب الدولة، وكان مشرفًا على الحروب الصليبية ومساهِمًا في تدبير شئونها — لا يذكر لنا في شعره بيتًا من أغاني الفروسية؟ ثم ينصرف بكله إلى الغزل المائع! على حين أن الصليبين خلفوا لقومهم أغانى وأشعارًا صليبية قوية؛ ولم يخلف لنا الأدب العربي في هذا الباب إلا ما كان تافهًا ضعيفًا — لعل السبب في هذا أن المسلمين كان موقفهم في هذا موقف دفاع لا هجوم «وما غُزِيَ قومٌ في عُقرِ دارِهِم إلا ذَلوا».
وبعد، فكل عاطفة من عواطف الإنسان — على كثرتها وتعددها — موضوع للأدب وخير الأدب ما انبعث عن عاطفة صحيحة لا مريضة؛ فالشعر المتناهي في وصف ما يلاقي المحب في عذاب والذي يذوب رقه وحنانًا، ليس — في نظري — مؤسسًا على عاطفة صحيحة، كالذي في شعر العباس بن الأحنف وأمثاله؛ وهذا الشعر إن أرضى الجمهور ولَذهم هو في كثير من الأحيان أجوف، وهو في كثير من الأحيان نتاج عاطفة مريضة. وليس من الحق أن يبيع الإنسان عواطفه بهذه السهولة — والشاعر المثير هو الذي يثير العواطف بقدر، ويبينها على أساس عميق؛ أما إن هو غالى في ذلك وأثار عواطف حادة لأسباب واهية كان أدبه أدبًا خفيفًا ضعيف القيمة مهما استلذه الناس وأعجبوا به.
هناك عواطف حنان، وعواطف إجلال، وعواطف جمال، وعواطف قوة؛ وهناك ما يثير الحزن، وما يثير السرور، وما يثير الشهوة، وما يثير البطولة، وما يدفع إلى المجد، وما يدفع إلى اللهو؛ وكلها صالحة للأدب، وكلها في نظر الأدب سواء، وإن اختلفت قيمتها في نظر الأخلاق ونظر دعاة الإصلاح؛ فالأخلاقي يرى أن الأدب الذي يثير لذة حسية أقل رقيًّا من أدب يثير شعورًا أخلاقيًّا، كالإعجاب بالبطولة، واحتمال الآلام في سبيل أعمال جليلة — وأرقى الأدب في نظرنا ما أحيا الضمير وزاد حياة الناس قوة.
وأغرب ما في الأمر أن أدباءنا الذين انتفعوا بالأدب الغربي، وعملوا على نقله إلى الأدب العربي أفرطوا في نقل هذا النوع من الأدب المائع، وفرطوا في نقل الأدب القوي؛ وسبب ذلك أنهم جاروا ميول الجمهور، وسايروا رغباته؛ فكانوا تجارًا أكثر منهم قادة؛ والجمهور إنما استلذ هذا النوع؛ لأنه من قديم ألِفَ البكاء، وكانت حالته الاجتماعية تدعو إليه؛ ولأنه ترك جده على كاهل غيره ففرغ للهو.
وكان هذا النوع من الأدب أضر بالشرقي من ضرره بالغربي؛ لأن الغربي عنده بجانب هذا الأدب الضعيف أدب آخر قوي؛ فإذا بعث الأول حنانًا ورقةً، بعث الآخر قوة وجَلَدا، فتعادلت حياته وتغذت نواحي عواطفه؛ أما الشرقي فليس له تراث حاضر من أدب قوي يسند ضعفه ويحيي نفسه. وسبب آخر وهو أن الشرقي — على العموم — ذو عاطفة أحد، وهو لها أقل ضبطًا؛ فإذا نحن غذيناه دائمًا بهذا الأدب الحاد، زادت عواطفه ميوعة، مع أنه أحوج ما يكون إلى ما يقوي عاطفته ويضبط جموحها.
•••

الحق أن الأدب عود ذو أوتار، ويجب أن تكون أوتاره على نظام ما عند الإنسان من عواطف جدية وهزلية، ورقيقة وقوية؛ وضاحكة وباكية، ورخيصة وغالية. والعود الذي يوقع عليه الأديب الشرقي ناقص الأوتار، تنقصه الأوتار القوية، والأوتار التي تبعث الحياة، والأوتار التي تبعث الضحك ليتلوه جد، والأوتار التي تهز النفس لتملأها أملًا، والأوتار التي تبعث النغم يصور بطولة، والتي تبعث النغم ليوقظ من سهاد — عود الأديب الشرقي على نحو عود المغني الشرقي — أشجى أغانيه أحزنها، وخير نغماته أبكاها.
فهل يتقي الله الفنانون والأدباء في الجيل الناشئ فيصلحوا أغانيهم ويكملوا ما نقص من أوتارهم، ويستدركوا ما فاتهم؛ وينشدوا طويلًا نشيد الحياة، كما أنشدوا من قبل طويلًا نشيد الموت؟
? أيس الفتاه: لينها? فغفور: ملك الصين.
من غَير عنوان


أكلت أكلةً ساء هضمها، فانقبضت نفسي، وغاضت بشاشتي، وتقطب ما بين عيني، وسئمت كل شيء حولي، وبرمت بمخالطة الناس كما برمت بالعزلة عنهم، وكرهت السكوت كما كرهت الكلام.
ونظرت إلى العالم فتجهمته، رأيته ثقيل الروح، فاسد المنطق، يمجُّ السمع نغماتِه، ويعاف الطبعُ منظرَه، وتأخذ بخِنَاقِى ألاعيبهُ وأحداثهُ.
أي شيء فيه يَسُر؟ إن هو إلا جيفة تنبحها الكلاب، وميتة يتساقط عليها الذباب، عدو كل ألفة، ومُصَدع كل شمل، يبُلِي الجديدَ ولا يُجِد البالي، ليست لذته إلا ألمًا مفضضًا، ولا مسرته إلا حزنًا مبهرجًا!
ودعَوتُ ربَّي بالسلامَةِ جاهدًاليُصِحنِي فإذا السلاَمَةُ داء •••

ما حالُ من آفتُه بقاؤهُنغصَ عيشِي كله فَنَاؤهُ أليس عجيبًا ألا تكون لذة حتى يَحُدها ألَمان، ولا راحة حتى يكتنفها عناآن؟
سعيد وشقي، وفقير وغني، وذكي وغبي، ليست إلا ألفاظًا اصطُلُحَ عليها، فإن أنت تأملتها لم تجد كبير فرق بين مدلولاتها.
ما الظافِرُون بعِز?ها وَيَسَارِهاإلا قريبُو الحال من خُيَّابها أكبرَ الناسُ قيمةَ الأشياء وأضاعها الموت! وتفاوتوا في الجاه والثراء وسوَّى بينهم القبر!
ومن ضمه جَدَثٌ لم يُبَلعلى ما أفَادَ ولا ما اقتَنَىيصيرُ ترابًا سواه عليــه مَسُّ الحرير وطَعنُ القَنَا! ليست الدنيا إلا قطرة من شهد في بحار من علقم، وذرَّة من سعادة في أمواج من شقاء، يمعن الدهر في بؤسه وعنَته؛ حتى إذا استيأست النفس وبلغت الروح التراقي سخا بقَبَس من نعيم ثم أطفأه بريح عاتية من عذاب!
قد فاضَتِ الدُّنْيَا بَأَدْنَاسِهَاعَلَى بَرَايَاها وأجْناَسِهَاوكلُّ حي فوقَهَا ظَالموما بِهَا أظلمُ مِن نَاسِها نظام كله فوضى! وحياة كلها فساد، رذيلة تُسعِد وفضيلة تُشقي!
والناسُ شَتّى فيعطَى اَلمقْتَ صادِقُهُمعَنِ الأمورِ ويُحبَى الكاذِبُ المَلِقُ بحار تشكو الري، وصحراء تشكو الظمأ، وماء ولا شارب، وشارب ولا ماء! وغني عقيم، وفقير عائل:
سبحانَ مَن قَسَمَ اُلحظُوظَ فلا عِتَابَ ولا مَلَامَهْ!أعْمَى وأعْشَى ثم ذُوبَصَر وَزَرْقَاءُ اليَمَامَهْ! عيش كله هذيان، أعاليل بأباطيل، والدنيا تلعب بنا لعب الكرة!
ترِينَا الدُّجَى في هَيئِة النُّورِ خُدْعَةوتُطْعِمُنًا صَابًا فنَحْسَبُه شَهْدًا كذب المؤرخون فسموا زمنًا سلمًا وزمنًا حربًا، وما السلم إلا حرب صامتة شر من الحرب الناطقة! كل شيء في العالم مفترس، أسد يفترس ذئبًا، وذئب يفترس حَملَا، وإنسان يفترس كل شيء حتى نفسه!
كان العالم عالم سوء فتوج الإنسانُ شروره:
كلما أَنبَتَ الزمانُ قَنَاةرَكَّبَ المرءُ في القَنَاةِ سِنَانَا عالم كله أحاجي وألغاز، وعقل قاصر عنيد، منذ خلقه الله يحاول أن يفهم فلا يفهم، يحوم حول العالم يريد أن يعرف الغرض منه فلا هو يصل ولا هو يعدل.
نفارِقُ العَيْشَ لم نَظْفَرْ بمعرِفةٍأيُّ المعاني بأهلِ الأرْضِ مقصود •••

الله صوَّرَني ولَسْتُ بعالِمِلِمَ ذَاكَ، سبحانَ القدير الواحدِ! حياة حار فيها الحكيم وضل فيها الفيلسوف؛ مبادئ تتضارب، وصور تتنازع، وكلام مزخرف، ظاهره جميل وباطنه مزيف. وكلما ظنوا أن قد حلوا مشكلة نجمت مشكلات. وقديمًا قضى الفلاسفة حياتهم في الجوهر والعرض والكمية والكيفية وأيس وليس، ثم عادوا آخر المطاف يعترفون بالفشل ويقرون بالعجز، ويقولون مع القائل:
نهايةُ إقدام العقولِ عِقَالُوأكثر سَعْيِ العالَمينَ ضَلَالُوأرواحُنا في وَحْشَةٍ مِن جسومناوحاصلُ دُنيانَا أَذًى وَوَبالولم نستفِدْ من بَحثِنَا طولَ عمْرنَاسِوَى أنْ جمعنا فيه قيلَ وَقَالُوا زاد تلبُك معدتي، فزادت من الحياة نقمتي!
فيا موتُ زُرْ إن? الحياةَ ذَمِيمَةٌويا نفْسُ جِدِّي إنَّ دهْرَكِ هازِلُ •••

تناولت دواءً هاضمًا فأخذت أهش للحياة وأبش، وبدأت أنظر إلى العالم بوجه منطلق، ومحيا منبسط. ها هو ذا قد تألقت صفحته، وأصفرت غُرتُه، وانقشعت غمامته.
الحق أن العالم جميل، فهذا نسيم يعطر الجو بعرفه، ويحيي النفوس برقته ولطفه؛ وهذا الربيع نزهة العين، ومنطق الطير؛ وهذه الحديقة عقد منظوم، وَوَشي مرقوم:
أصبحت الدنيا تروقُ من نَظَربمنظر فيه جَلاء للبَصَروالأرض في رَوض كأفوافِ الحِبَرتبرجت بعد حياء وخَفَر كل شيء حولي يضحك! ليس في الإمكان أبدع مما كان:
قلبي وَثاب إلى ذَا وذَاليس يَرَى شيئًا فيأباُهيهيمُ بالحُسنِ كما يَنبَغيويَرحَم القُبحَ فيَهوَاهُ إن الحياة غنية باللذائذ، وليست الآلام فيها إلا توابل تهيئ لاستمراء اللذة.
وَالشوكُ في شَجَرَات الَوردِ مُحتَمَلُ
ما الدنيا إلا قِيثارة يوقع عليها شجَى الألحان! أو مائدة شهية صُففت عليها صنوف الألوان!
وقد تُخمِدُ الشمسُ الصباحَ بضوئهاتفاوَتَتِ الأنوَارُ والكل رائقُ إن كان في الدنيا سخف وهذيان، فكن الفيلسوف الضاحك، ولا تكن الفيلسوف الباكي!
وإن كانت الدنيا ألغازًا وأحاجي، فكم نجح العقل في حلها واستجلاء غامضها، وكل يوم تتسع دائرة المعلوم، وتضيق دائرة المجهول، والعقل يَلَذه البحث، ولو لم يصل، ويشعر بالغبطة ولو لم ينل، وفي نجاحه فيما أدرك، عدة له فيما لم يدرك.
•••

رحماك اللهم! إن كان درهم من دواء هاضم يُغير وجه العالم، ويحيل السواد بياضًا، والشقاء سعادة، والقبح جمالًا، والظلام نورًا، والحزن سرورًا، فأين الحق؟

الإشعاع


كتب أخي الدكتور أحمد زكي في مجلة الرسالة مقالًا ممتعًا في الإشعاع العلمي، تكلم فيه عن إشعاع الشمعة والنجوم والشمس، والإشعاع اللاسلكي، وموجات الضوء واختلافها، فأوحت مقالته إلى معاني في الإشعاع النفسي.
إن للنفوس والعقول إشعاعات لا تقل جمالًا عن إشعاعات النجوم والكواكب، نشعر بها وقد لا نستطيع التعبير عنها، وهي أشد غموضًا وتعقدًا من الإشعاع الحسي، وهي مختلفة أكثر من الاختلاف بين أشعة الألوان، من حمراء وبنفسجية وتحت الحمراء وفوق البنفسجية وما بين ذلك، وهي مختلفة في القوة أشد من اختلاف المصابيح الكهربائية؛ فلئن كانت قوة المصباح شمعة أو شمعتين أو ألفًا أو ألفين، فللنفوس قوة تختلف إلى ما لا نهاية له صغرًا وضآلة، وإلى ما لا نهاية عظمة وسناءً.
لعلك تشعر معي أنك ترى الرجل أو تحادثه أو تجالسه أو تسمع لمحاضرته، فيُشِع عليك نوعًا من الإشعاع يخالف الآخر كل المخالفة، قد تحسن التعبير عنه وقد لا تحسن؛ فهذا يشع عليك سرورًا وأريحية واطمئنانًا، وهذا يشع حزنًا ووجدًا ورقةً وحنانًا، وذاك يشع هيبة وجلالًا ووقارًا، وآخر يشع ضعة وذلةً وهوانًا؛ وقد تحس من رجل بنوع من الأشعة تدركه وتستطعمه ولكنك لا تستطيع وصفه، كما إذا أكلت كُمثرى وتذوقتها وأردت أن تصف طعمها لمن لم يذقها.
في الناس من إذا جالسته أشع عليك نورًا أضاء لك ما بين جوانبك فأدركت نفسك، وأشع نورًا على العالم الذي حولك، فتبينته وعرفت محاسنه ومساويه، وأدركت مكانك منه، ورأيت كل شيء حولك صافيًا بينًا كأنك تنظر إليه من مصباح الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ? الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ.
وفي الناس من يجالسك فتتلقى منه أشعة مظلمة تنقبض لها نفسك، وتظلم جوانبها، وتحس بميل إلى الفرار منها، وتتنفس الصَعَداء إذا بعدت عنها ونجوت من ظلامها وخرجت إلى النور.
قديمًا قالوا: «دِرةُ عمر أهيب من سيف الحَجاج»؛ ذلك لأن عصا عمر كان معها يد عمر ومعها نفس عمر؛ وهي تشع جلالًا وعظمة، وتخضع أمام أشعتها نفوس الجبارة، ويُحس كل من وقعت عليه هذه الأشعة أنها صادرة من مستودع قوى دونه المصباح الكهربائي، البالغ ما وصل إليه العلم من القوة. وأما سيف الحجاج فمعه نفس الحجاج، وهي تشع من غير شك قوة، ولكنها قوة على الجسم لا على الروح، قوة تُخاف وترهب، ولكن لا تحترم ولا تحب؛ أشعة عمر كانت تطاع سرًّا وعلنًا، وأشعة الحجاج تطاع علنًا لا سرًّا؛ لذلك كفت عمر عصاه، ولم يغن الحجاجَ سيفه.
هذا الإشعاع هو السر في أنك تلقى عظيمًا فيملؤك حياةً ويملؤك قوةً، بهيئته وبنبرات صوته، وبطريقة تعبيره وبنظراته، وبإشارته وبهزة رأسه وبحركة يديه؛ فكأن في كل عمل من هذه الأعمال يوصل بينك وبينه تيارًا كهربائيًّا قويًّا يهزك هزًّا عنيفًا. قد لا يحدثك طويلًا، وقد لا يكون لكلامه في الواقع قيمة ذاتية؛ ولكنه يوقظ نفسك ويحيي روحك، وتبقى رنات كلماته في الأذن الأيام والليالي، تعمل عملها في هدوء حينًا وعنف حينًا. وأصدقك إني لقيت عظيمًا من هذا النوع يومًا فخرجت من مجلسه مملوءًا حماسة وقوة وحياة، حتى إذا بلغت إلى محطة الترام لأركبه إلى مسافة بعيدة عِفتُ الركوب؛ لأنه يبعث علي السكون، ونفسي ثائرة، والمشي في شدة القيظ ظهرًا أفضل لها وأكثر موافقة لما هي فيه من نشاط وقوة — إذا ذكرت الآن كلامه لم أجده ذا قيمة؛ وكثير من الناس يتكلمونه ويتكلمون خيرًا منه وأسمى وأعمق، ولكن أحدًا منهم ليس له هذا الإشعاع ولا قوته وعظمته. وحدثني من أثق به أن الأستاذ جمال الذين الأفغاني كان يرتطن عجمة، ولم يكن فصيح اللسان ولا سلِس القول؛ ولكن تجلس معه فيشعلك نارًا دونها فصاحة الفصيح وبلاغة البليغ؛ لأنها النفس مستودع كهربائي قوي يصعق أحيانًا، ويضيء أحيانًا، ويدفع للحركة أحيانًا.
والرجل العظيم، أو الكاتب الكبير، أو المؤلف القدير، يُخرج ما ينتجه كتلة من الأشعة من جنس نفسه. ألست تقرا المقالة أو الكتاب فيشع عليك معاني مختلفة، منها الهادئ الرزين، ومنها القوي المتين، منها المضحك، ومنها المبكي، منها الذي يأخذ بيدك فيصعد بك إلى السماء، ومنها ما يدفعك إلى الحضيض؟ وآية هذا الإشعاع أنك تقرأ المقالة أو الكتاب فيبعث عندك من المعاني ما لا تدل عليه الألفاظ من طريق الحقيقة ولا المجاز، بل ما بين السطور يشع كالسطور نفسها؛ أو لست ترى مقالة الإشعاع في باب العلوم أشعت عليَّ معاني في باب الأدب؟
ليسم هذا علماء النفس تداعي المعاني، أو ليسموه إيعازًا أو اقتراحًا، أو ليسموه ما شاءوا، فليست إلا إشعاعات نفسية من جنس الإشعاعات التي يشعها الأشخاص في كلامهم وحديثهم وحركاتهم فتلقف منها من المعاني ما يقرب وما يبعد.
وفي الأماكن كذلك أشعة مختلفة؛ فشارع عماد الذين يشع رغبة في اللهو وميلًا إلى مسرات الحياة، والمساجد تشع ميلا للعبادة، وتمجيدًا لله، والبحر الجليل يشع عظمة وجلالًا، ونجوم السماء تشع حسنًا وجمالًا، والبنك يشع حبًّا في المال، والجامعة تشع حبًّا في العلم، بل وكل بلد يشع نوعًا من الأخلاق؛ وإلا فلِمَ يذهب المصريّ إلى إنجلترا وقد اعتاد الفوضى في حياته ومواعيده وصحوه ونومه، فما هو إلا أن يطأ أرضها حتى ينقلب خَلقًا آخر، دقيقًا في نظامه، دقيقًا في معيشته؟ ويذهب المصريّ إلى ألمانيا فيكون في بيئة علمية، فيشرب من مشربهم ويسير سيرتهم؛ فإذا عاد هذا وذاك إلى مصر عادا سيرتهما الأولى! ما هو إلا الجو النفسي تلقى فيه أشعة نفسية مختلفة الأثر، مختلفة الألوان.
ومن قوانين هذا الإشعاع النفسي أنه في كثير من الأحيان يعتمد على الفاعل والقابل معًا، واعتماده على القابل أبين فيه من الإشعاع الحسي؛ فاللون الأبيض أبيض عند كل الناس، إلا من أصيب بعمى اللون؛ وليس كذلك الإشعاع النفسي؛ فالخطيب يخطب وإشعاعه يختلف باختلاف السامعين، والكلمة قد تهدي ضالًّا، وقد تضل هاديًا، كما يقول المثل الإنجليزي: «إن الليل الذي يغمض عين الدجاج يفتح عين الخفاش»؛ وهذا هو السبب في أنك تستخف روح إنسان وغيرك يستثقله، وتعجب بقول متحدث ومن بجانبك يستخفه، وتتفتح نفسك لكتاب وغيرك ينقبض منه؛ ما هذا إلا لأن الإشعاع الواحد يختلف باختلاف من وقع عليه الشعاع، وأن هناك تفاعلًا قويًّا بين مصدر الإشعاع وقابله؛ ومن أجل هذا قد ترى لصًّا في مسجد وعابدًا في حانة.
وموسى الذي رباه جبريلُ كافرٌوموسَى الذي رباه فرعونُ مُرسَلُ والأرض يمطرها السحاب، فمنها جنان ناضرة، ومنها صحراء مجدبة قاحلة، والنار تضيء للساري فيهتدي وللفراش فيحترق.
لقد أثبت العلم الإشعاع اللاسلكي، وأصبحنا نسمع الآن من الراديو أصوات الموسيقى في أوربا، وسنسمعها من أمريكا، وسنسمعها من أنحاء العالم؛ ومعنى هذا أن في جو مصر تموجات من أوربا وأمريكا وأنحاء العالم؛ وإذا كان هذا في المادة فإشعاع النفوس أبعد مدى، وأنفذ شعاعًا، وأسرع سيرًا؛ وإذا كان في حجرتي أمواج هوائية من مناحي العالم يظهرها الراديو، فإن في حجرتي ملايين وأكثر من الملايين من إشعاعات نفسية تشع من السماء ومن الأرض ومن النفوس البشرية، ومما لا يعلمه إلا الله. وما الفكرة تصدر عني، ولا الإلهام ألهم به فلست أعرف له مصدرًا وليس يخضع لقوانين المنطق، ولا نظريات الاستنتاج، ولا الظواهر النفسية تتعاقب عليَّ فلا أعرف تعليلها من انقباض وانبساط، وسمو وانحطاط، وكدورة وصفاء، وظلمة وضياء، إلا أثر من هذا الإشعاع.
إن وراء هذا العالم المادي عالمًا روحانيًّا نفسيًّا أسنى وأبهى؛ وإذا كان للأجسام والحواس جو يحيط بها قد امتلأ أشعة من نجوم وكواكب وشموع ومصابيح، فللنفس جو يحيط بها اشتبكت فيه أشعة نفسية لا عداد لها؛ وإذا كان للعين أفق يختلف باختلاف النظر قصرًا وطولًا، فللنفوس أفق يختلف كذلك؛ فبعضها ينفذ إلى ما وراء الحجب، ويستمد منه ما يستخرج العجب، وبعضها قصير المدى قريب المتناول؛ ولئن كانت قوانين الإشعاع الحسي لما يستكشف منها إلا قليل، فقوانين الإشعاع النفسي أشد تعقدًا وأكثر التواءً وغموضًا، والعاكفون على دراستها، والموفقون لاستكشاف بعضها أقل وأندر. خضع كل الناس للإشعاع المادي، وخضع كل الناس للإشعاع النفسي، ولكن آمن بالأول كل الناس، وما آمن بالثاني إلا قليل.
هل تنبعث من عالم النفس شرارة قوية تضيء جوانب النفوس؟ وهل يبعث العالم النفسي موجة قوية تعم العالم وتهزه هزة عنيفةً فتنبهه من سباته، ويهب علماؤه لتنظيم الحياة الروحية كما نظموا الحياة المادية، ويتخصص علماء النفس لاستكشاف قوانين الإشعاع النفسي كما استكشف الماديون قوانين الإشعاع الحسي، ثم ينتفعون وينفعون الناس، كما انتفعوا بقوانين الضوء وما إليه، وإذ ذاك يكون الناس أسعد حالًا وأهدأ بالًا وأكثر اطمئنانًا؟ من يدري؟!!

حلقة مفقودة


في مصر حلقة مفقودة لا نكاد نشعر بوجودها في البيئات العلمية، مع أنها ركن من أقوى الأركان التي نبني عليها نهضتنا، وفقدانها سبب من أسباب فقرنا في الإنتاج القيم والغذاء الصالح.
تلك الحلقة هي طائفة من العلماء جمعوا بين الثقافة العربية الإسلامية العميقة، والثقافة الأوربية العلمية الدقيقة؛ وهؤلاء يعوزنا الكثير منهم، ولا يتسنى لنا أن ننهض إلا بهم، ولا نسلك الطريق إلا على ضوئهم.
إن أكثر من عندنا قوم تثقفوا ثقافة عربية إسلامية بحتة، وهم جاهلون كل الجهل بما يجري في العصر الحديث من آراء ونظريات في العلم والأدب والفلسفة؛ لا يسمعون بكَانْت، وبرجسُون، ولا بأُدباء أوربا وشعرائها، ولا بعلمائها وأبحاثهم، إلا أسماء تذكر في المجلات والجرائد والكتب الخفيفة، لا تغني فتيلًا ولا تستوجب علمًا. وطائفة أخرى تثقفت ثقافة أجنبية بحتة، يعرفون آخر ما وصلت إليه نظرات العلم في الطبيعة والكيمياء والرياضة، ويتبعون تطورات الأدب الأوربي الحديث، وما أنتج من كتب وروايات وأشعار، ويعلمون نشوء الآراء الفلسفية وارتقاءها إلى عصرنا؛ ولكنهم يجهلون الثقافة العربية الإسلامية كل الجهل؛ فإن حدثتهم عن جرير والفرزدق والأخطل، أشاحوا بوجوههم وأعرضوا عنك، كأنك تتكلم في عالم غير عالمنا، وإن ذكرت الكندي والفارابي وابن سينا، قالوا: إن هي إلا أسماء سميتموها ما لنا بها من علم، وماذا نحصل من هؤلاء إلا على جمل غامضة ومعان مبهمة، لا تفيد علمًا ولا تبعث حياةً؟ وبالأمس كنتُ أتحدث مع طائفة من المتعلمين عن «البَيروني» العالم الإسلامي الرياضي، المتوفى سنة ???هـ، وما كشف من نظريات رياضية وفلكية، وأن المستشرق الألماني «سخاو» يقرر أنه أكبر عقلية عرفها التاريخ في كل عصوره، وأنه يدعو إلى تأليف جمعية لتمجيده وإحياء ذكره تسمى جمعية «البَيروني»، فحدثني أكثرهم أنه لم يسمع بهذا الاسم، ولم يصادفه في جميع قراآته، وهو يعرف عن ديكارت وبيكُون وهيُوم وجون ستوَارت مِل كثيرًا، ولكنه لا يعرف شيئًا عن فلاسفة الإسلام. ومثل ذلك قل في الأدب العربي والأوربي، والعلم العربي والأوربي؛ كل ثقافته العربية تنحصر في كتاب القواعد وأدب اللغة للمدارس الثانوية، إن كان قد بقي منها شيء في ذاكرته.
هاتان الطائفتان عندنا؛ يمثل الأولى خريجو الأزهر ودار العلوم ومدرسة القضاء، ويمثل الأخرى نوابغ خريجي المدارس العصرية والبعثات الأوربية. أما الذين حذقوا العربية والعلوم الإسلامية، ونالوا حظًّا وافرًا من الثقافة الأجنبية، فأولئك هم الحلقة المفقودة في مصر، وفقدانها سبب الركود في الحياة العقلية والأدبية.
ذلك أن الأولين إذا أنتجوا، فعيب إنتاجهم أنهم لم يستطيعوا أن يفهموا روح العصر، ولا لغة العصر، ولا أسلوب العصر؛ وإنما التزموا التعبير القديم في الكتابة، والنمط القديم في التأليف، وتحجرت أمثلتهم؛ ومَل الناس بلاغتهم، وعمادها رأيت أسدًا في الحمام، وعضت على العناب بالبرد، وعشرة أمثلة من هذا الطراز! ومَل? الناس نَحوَهُم، ومداره ضرب زيد عمرًا، ورأيت زيدًا حسنًا وجهه؛ وسئم الناس منطقهم، وكله الإنسان حيوان، وكل حيوان يموت، فالإنسان يموت؛ وهذا حجر، وكل حجر جماد، فهذا جماد — ضجوا بالشكوى؛ لأن الناس لا يسمعون منهم؛ وضج الناس بالشكوى لأنهم لا يأتون بجديد، ولا يضعون القديم في شكل جذاب، ولا يلمسون الحياة التي يحيَونها، ولا البيئة التي يعيشون فيها؛ فانصرفوا عن الناس، وانصرف الناس عنهم. ورضوا أن يعيشوا في جوهم الخاص، ورضي الناس منهم بذلك، وسلكوا سبيلًا غير سبيلهم، واتبعوا دليلًا غير دليلهم.
وأما الآخرون فضعفت ثقافتهم العربية الإسلامية، فلما أرادوا أن يخرجوا شيئًا لقومهم وأُمتهم أعجزهم الأسلوب والروح الإسلامي، فلم يستطيعوا التأليف ولا الترجمة، وحاولوا ذلك مرارًا، فلم يفهم الناس منهم ما يريدون، وسبُّوا القراء ورموهم بالضعف والانحطاط، وسبهم القراء ورموهم بالعي، وأنهم لا يفهمون ما يكتبون، فعاشوا في أنفسهم ولأنفسهم، ورضوا من ذلك بالإياب.
كان من نتيجة ذلك أن الأدب العربي الإسلامي، والعلم العربي الإسلامي، والفلسفة العربية الإسلامية على غناها، ظلت مهجورة لا ينتفع بها، تنتظر جيلًا جديدًا يسيغها ويهضمها، ويبرزها في شكل يألفه الناس؛ وأن الأدب الغربي، والعلم الغربي، والفلسفة الغربية، حُرم منها أكثر الشرقيين، ولم يصل إليهم إلا نوع خفيف ينشر في المجلات والجرائد وأمثالها، يقرؤه الناس ليطردوا به الضجر، أو يستعطفوا به النوم؛ وأما أدب غزير، وعلم عميق، وكتب محترمة، ومجلات قيمة، فقليل نادر.
والذي جر إلى فقدان هذه الحلقة أن التعليم عندنا سار في خطين متوازيين لم يلتقيا: فالتعليم العربي الإسلامي سار في خط، والتعليم المدني الحديث سار في خط آخر، ولم تكن هناك محاولات جدية لتلاقي الخطين أو ربط بعضهما ببعض.
لا أمل في إصلاح هذه الحال إلا بالعمل على إيجاد الحلقة المفقودة، وهي تذوق الثقافتين، والاغتراف من المنهلين، وإخراج أدب وعلم وفلسفة غذيت بما للعرب والإسلام من الثقافة، ولقحت بما للأوربيين من ثقافة ومنهج، فيها اللغة العربية قوية رصينة، وروح الإسلام قوية متينة. وفيها ما للأوربيين من عرض للمسائل جذاب، ونهج في الكتابة رشيق، وفيها مقارنة شهية بين ما أنتجه الأولون والآخرون.
لو تم ذلك لرأيت التاريخ الإسلامي يُعرَض على القراء في شكل محبوب يقرءونه ويستسيغونه، ورأيت الأدب العربي يقدم إلى الجمهور في ثوبه الجديد فيألفونه ويحبونه، ورأيت الفلسفة الإسلامية يغاص عليها غوصًا عميقًا، ثم تخرج من أصدافها وتجلي للقراء درة لامعة.
هذا هو السبب في نجاح رفاعة باشا ومدرسته، فأنتجت إنتاجًا غذى عصرهم بل كان فوق كفايتهم؛ فقد أرسل رفاعة إلى فرنسا بعد أن درس في الأزهر وتعمق في العربية والعلوم الإسلامية، فلما حصل على الثقافة الفرنسية وضع يده على المنبعين فأخرج هو ومدرسته للناس ما استساغوه وأحبوه ونهضوا به، ولم يكن كذلك من لحق بهم وخلف من بعدهم.
وقد كان إخواننا الهنود أسبق منا إلى إيجاد هذه الحلقة والانتفاع بها، أخرجوا التاريخ الإسلامي في ثوب جديد على نمط ما يكتب الغربيون ولكن بروح إسلامي، وكتبوا في الدين الإسلامي والفقه الإسلامي بلغة العصر، وروح العصر، ونظام العصر، كما فعل السيد أمير علي والسيد محمد إقبال؛ فقد تضلع هذان العالمان الجليلان من الثقافة الإسلامية والأوربية، وأُشرب قلباهما حب الإسلام، فأخرجا كتبًا يقرؤها الشباب المثقف فيحبها ويحب موضوعها، ويستزيد منها، ويقرأها الشباب المتعلم المتخصص في الطبيعة والكيمياء، فيجدها تتمشى مع العلم الذي تثقفه، والنهج الذي ألفه — وتقرأ للسيد محمد إقبال، فتجده يعرض لفلسفة «كانت»، فإذا هو فيها دارس عميق، والغزالي فإذا هو باحث دقيق، ويقارن بين النصرانية والإسلام فيكشف عن باحث خبير فيما يكتب، ويعرض لشعراء الألمان كجوته فيحلله تحليلًا يدعو إلى الإعجاب، ويتكلم في المعتزلة والصوفية فإذا هو قد تغلغل في أعماقهم، واستبطن دخائلهم، ثم عرض تعاليمهم كما يعرض الأوربي فلسفة قومه شائقة عذبة لذيذة.
ولكن الهنود يعرضون ذلك باللغة الإنجليزية، فلا يغذون جمهورنا، ولا يسدون حاجة العالم العربي؛ إنما يتغذى الشرق بهذا يوم توجد هذه الحلقة المفقودة في العالم العربي كمصر والشام، فتُحيي آثار الأولين بأسلوب الآخرين، ويوم يكسر هذا الحاجز الذي يحجز بين علم الشرق وعلم الغرب، ويوم يلوى الخطان المتوازيان فيلتقيان.

شاعر


شاعرنا اليوم نشأ جاهليًّا، ونشأ في الطائف. والطائف مدينة في الجنوب الشرقي من مكة، تبعد عنها خمسة وسبعين ميلًا، اشتهرت بطيب هوائها وجودة مزارعها. وقد اعتاد المترفون من العرب أن يقضوا الصيف بها، والشتاء بمكة. قال النُّمَيرِي يصف أخت الحجاج بالنعمة:
تشتو بمكةَ نِعمَةومَصيفُها بالطائف أخصبت أرضها، وجرى الماء في وديانها، فكثرت مزارعها، وجادت فواكهها. بها جبل يقال له: «غَزوان» كثرت كرومه، وكان عنبه العذب وزبيبه الحلو مضرب المثل جودة وكثرة، حتى ليروون أن سليمان بن عبد الملك لما حج رأى بيادر الزبيب فظنها حِرَارًا?. وقد حسدهم العرب على ما هم فيه من نعمة، فسوروا بلدتهم وحصنوها من أعدائهم، فصارت ملجأ الهارب ومَلَاذ الخائف، وضُرب المثل بمناعتها حتى قال القائل:
مَنَعْنَا أَرْضَنَا من كل حَيكما امْتَنَعَتْ بطائِفِهَا ثقيفُ كان يسكن الطائف قبيلة ثَقِيف، وقد أكسبتهم أرضهم وثروتهم وطبيعة بلادهم وجوهم رقيًّا في الحياة من الناحيتين الاجتماعية والعقلية، فاقوا فيهما مَن حولهم من السكان، وشعروا بعظمتهم فأكثروا من الفخر بأنفسهم؛ وقال قائلهم:
وقد عَلِمَتْ قبائل جِذْمِ قيْسوليس ذَوو الَجهَالة كالعليمبأنَّا نُصبح الأعداءَ قِدمًاسِجالَ الموت بالكأس الوخيموأنَّا نَبتَنِى شرف المعاليونُنعِشُ عثرةَ المولَى العديموأنَّا لم نزل لَجأ وكهفًاكذاك الكهلُ منَّا والفطيم وقد أنجبت ثقيف شعراءَ مجيدين في الجاهلية والإسلام، كما أنجبت سلسلة وقادة نبه ذكرهم، وعظم أمرهم، فاشتهر منها من شعراء الجاهلية الشاعر المتألَه أُمَيَّة بن أبي الصَّلت، وفي العصر الأموي الشاعر الشريف طُرَيح الثقفي، والشاعر الحكيم الأجرد الثقفي — واشتهر من أمرائها وساستها وقادتها الأمير القوي الحجاج بن يوسف الثقفي، والقائد الشاب محمد بن القاسم الثقفي فاتح السِّند ولم يكتمل العشرين، والذي قال فيه القائل:
ساسَ الجُيوشَ لسبع عشرَةَ حِجةًيا قُربَ ذلكَ سؤددًا من مَولِدِ كما أن ثروتهم وحضارتهم استتبعت شهرتهم بالفجور والربا، حتى إن رسول الله لما صالحهم كان من شروط الصلح أن يُسلِمُوا وألا يزْنوا ولا يُربوا.
كذلك كانت كثرة العنب والزبيب في بلادهم سببًا في شيوع الخمر بينهم وولوع أهلها بشربها.
وقد كانت الخمر شائعة بين العرب في الجاهلية، ولكن بين خاصتهم لا بين عامتهم، إذ إن عامتهم قد عَدِموا القوت وحُرِموا ضرورات العيش. أما المترفون فشربوا كثيرًا وقالوا في شربها كثيرًا. وقل أن نجد شاعرًا جاهليًّا لم يتمدح بشربها وإتلاف ماله في سبيلها.
وكانت الخمر تأتيهم من الشام ومن اليمن ومن الطائف، وكان الأعشى الشاعر يتجر فيها، وكان له بقرية في اليمن يقال لها: «أثَافِت» مِعْصَرة يعصر فيها ما يقدم له من أعناب.
ونلاحظ من تاريخ العرب في الجاهلية وتراجم رجالها أن قد كان هناك طبقة من الشباب اعتادت أن تتلف مالها في الشراب؛ هم فئة من أولاد السراة، نشأوا في ثروة وجاه، وألفت بينهم وحدة النزعة، يجتمعون في المواسم والأعياد والمناسبات فينحرون الجَزُور ويهيأ لهم، ويشربون عليه وتغنيهم القيان والموالي من الفرس والروم والأحباش؛ ولكن هذه الطبقة لم تفقد مع شربها ولهوها شرفها وإباءها؛ فهي مع ذلك كله نبيلة كل النبل، شريفة كل الشرف — ثارت على كل شيء إلا قانون المروءة، وقانون المروءة يتلخص في الشجاعة والكرم. لا يعبأون بالحياة يبذلونها — في سخاء — لإنجاد من استنجد بهم، ونصرة الضعيف يستصرخهم ويلجأ إليهم؛ لا قيمة لحياتهم إذا مُسَّت كرامتهم أو كرامة قبيلتهم أو اعتدى أحد على جارهم أو حليفهم أو عبدهم، ولا قيمة للمال يوم يسألهم سائل أو يدعوهم لبذله داع، ولا بأس بالفقر يَحُل بهم وينزل بساحتهم، ولا ضرر إذا خسروا المال وكسَبوا الشرف؛ وويل لزوجاتهم إذا لمنهم في الاستهتار بالحياة أو إتلاف المال، إذ ذاك يصبون عليهن نقمتهم، ويملأون الدنيا شعرًا في لومهن وتأنيبهن.
شاعرنا اليوم كان من هذه الطبقة، فتى، غني، من ثقيف، من الطائف، شجاع، كريم، يُكثر الشراب، ويُتلف المال ويحتفظ بالمروءة ويقول:
لا تَسْأَلي الناس عن مالي وكثرتهوسائلي الناس عن حَزْمي وعن خُلُقيالقوم أعْلَمُ أني من سرَاتِهِمُإذا تطيش يد الرِّعْدِيدَةِ الفَرِقِ?قد أركب الَهوْلَ مَسْدولًا عساكرهوأكتم السرَّ فيه ضَرْبة العنقعَفُّ المطالب عما لستُ نائلَهوإن ظُلمتُ شديدُ الحِقد والحَنقوقد أجودُ وما ماليِ بذي فَنَعٍ?وقد أكُر وراء المُجحَرِ البَرِق?سيكثر المالُ يومًا بعد قلَّتهويُكتَسى العودُ بَعدَ الجَدب بالوَرَقِ وظلت ثقيف على جاهليتها لا تذعن لدعوة الإسلام حتى أسلم من حولها ورأت نفسها بمعزل، فاضطرت إلى الإسلام في السنة التاسعة للهجرة. وسمع شاعرنا بالإسلام وتعاليمه فوقف حائرًا؛ إن الإسلام يدعو إلى المروءة، وهو ذو مروءة، والإسلام يدعو إلى الصدق ومكارم الأخلاق، وكل هذا حسن «فليسلم»، ولكنه يأمر المؤمنين أن يغَضوا من أبصارهم، ولا يمدوا أعينهم إلى نساء غيرهم، كما ينهى عن الخمر ويعاقب على شربها؛ فكيف يسلم وقد ألف الغزل؟ وكيف يهجر الخمر ولا حياة له بغير الخمر؟ وقف قليلًا ولكنه أسلم مع قومه وفوض إلى الله أمره؛ ولم نسمع عنه في حياة رسول الله وأبي بكر شيئًا، ولكنا نراه اصطدم مع عمر وهو الشديد في الحق لا تأخذه فيه هَوَادة؛ فعاد شاعرنا يتغزل ويشرب، يرى امرأة من الأنصار تسمى «الشمُوس» فيحبها ويحاول رؤيتها بكل حيلة فلا يستطيع، فيؤجر نفسه ويعمل في حائط يُبنى بجانب منزلها، ويُطِل عليها من كُوة البستان ويقول:
ولقد نظرت إلى الشمُوس ودونهاحَرَجٌ من الرحمن غير قليل ويشرب ويقول الشعر في الخمر:
إن كانت الخمر قد عَزَّت وقد مُنعَتوحَالَ من دُونِها الإسلامُ والحَرَجُفقد أباكِرُها صِرفًا وأَمزُجُهَاريًّا وأطرَبُ أحيانًا وأَمتَزجُ فيحده عمر حد الشراب، فيفكر شاعرنا ويطيل التفكير: هل يترك الغزل والخمر؟ — لقد كان ذلك قبل الحد أما بعده فلا. إن من العار أن يتحدث الناس أني تركت الخمر خوفًا من العقوبة وأنا الأبيُّ الشجاع الذي لا يعبأ بالحياة — إذًا فلأشرب وليحدني عمر — وفعلًا شرب فحُد، وشرب فحُد، وبلغ ذلك سبع مرات أو ثمانيًا، وهو لا يزال على رأيه، مصممٌ على تفكيره، ماض في غزله وشربه، حتى يئس عمر من علاجه وضاق به ذرعًا، فقرر أن ينفيه في جزيرة كانت تنفي فيها العرب في الجاهلية خُلعَاءها، وبعث معه حَرَسيًّا يحافظ عليه حتى لا يهرُبَ، وأوصاه ألا يأخذ سجينُه سيفًا معه؛ وقد عرف عمر كيف ينتقم، فلم يألم شاعرنا من شيء ألمه من هذا الرأي — سيكون في جزيرة وحده لا غزل ولا شراب؛ ولكن ليس هذا ما آلم نفسه وأدمى قلبه، إنما آلمه أن يعيش عيشة الضعفاء المساكين والرجال في غزوات الحرب يَقتُلون ويُقتَلون، وأن يعيش عيشة النساء في خدورهن وهو الفارس الكمِيُّ. لا. لا. الموت أهون من هذا.
تظاهر شاعرنا بأنه يحمل غِرَارتين ملئتا دقيقًا، وعَمد إلى سيفه فجعل نصله في غرارة، وجفنه في غرارة، ودفنهما في الدقيق؛ حتى إذا جاوز هو والحرسي المدينة ولقيا من سفرهما هذا نَصَبًا جلسا للغَذَاء، فقام شاعرنا يوهم أنه يخرج دقيقًا فأخرج سيفه ووثب على الحرسي فخرج يعدو على بعيره راجعًا إلى المدينة، وظل صاحبنا وحده. الآن، لا أعود إلى المدينة وفيها عمر، ولا أطوف في البلاد ألهو فلست بعد اليوم لاهيًا، ولكن إلى حيث يحيا الرجال والفرسان حياة النجدة والشهامة — إلى مواقع الغزوات، إلى أشدها هولًا، وأصعبها مراسًا، إلى «القادسية» حيث المواقع الفاصلة بين سيادة العرب وسيادة الفرس.
ولكن عمر الساهر على كل شيء في مملكته، لم يخفَ عليه أمر شاعرنا، فعرف أين توجه؛ فما وصل إلى القادسية إلا وقد سبقه كتاب عمر يأمر سعد بن أبي وقاص بحبسه، ففعل ذلك وحبسه في قصره وقيدَه؛ فمشى يرسُف في قيوده ويستعطف سعدًا أن يطلقه فيأبى؛ فذهب إلى سلمى زوج سعد وقال لها: هل لك إليَّ خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عنِّي وتعيرينني البلقاء (فرس سعد) فلله عليَّ إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى تضعي رجلي في قيدي. فأبت، فقام ثائرًا حزينًا، يرى القتال على الباب وهو يرسف في القيد، وانطلق لسانه بهذه الأبيات:
كفى حَزَنًا أن تُطْعنَ الخيلُ بالقَنَاوأُتْرَكَ مشدودًا عليَّ وثَاقِيًاإذا قمتُ عَنَّاني الحديدُ وغُلِّقتْمَغَاليق مِن دوني تُصِمُّ المنَادِيَاوقد كنت ذا أهلٍ كثير وإخوةٍفقد تركوني واحدًا لا أخَا لياهلمَّ سلاحي لا أبا لَكِ إنَّنيأرى الحربَ لا تزداد إلا تَمادياولله عهد لا أخيس بِعَهدِهِلئن فَرُجَتْ ألَّا أزورَ الحْوَانِيَا? سمعت سلمى هذا الشعر فرقَّت له، ورأت الصدق في قوله فأطلقته، واقتاد فرسَ سعد وخرج إلى موطن القتال وإذا به أمام الناس يقف بين الصفين ويحمل على العدو حملات صادقة، حتى عجب الناس من أمره، ورأوا الفرس فرس سعد والطاعن لم يشهد الحرب معهم قبل اليوم، حتى إذا انتصف الليل وتحاجز العسكران رجع صاحبنا إلى القصر وأعاد رجليه في القيد!
فلما أصبح الصباح تحدث الناس به وأخبرت سلمى سعدًا بما كان منه، فأطلقه وعاهده ألا يحُدَّه أبدًا إذا شرب.
الآن ظهرت نفس شاعرنا في شرفها ونبلها وقال لسعد: كنت آنف أن أتركها من أجل الحد، فأما إذا بَهرَجَتْني فلا والله لا أشربها أبدًا.
•••

لقد كان مما أخذه عمر عليه قوله:
إذا متُّ فادفنِّي إلى أصلِ كرْمَةتروِّي عظامي بعد موتي عُرُوقُهاولا تدفنَنِّي بالفَلاة فإننيأخافُ إذا ما متُّ ألا أذوقها ويشاء قاص من الظرفاء فيروي أنه رأى قبره بنواحي أذربيجان أو جرجان، وقد نبتت عليه ثلاث كروم قد طالت وأثمرت واعترشت، وعلى قبره مكتوب: هذا قبر أبي مِحجَن الثقفي
أفاض الله عليه سِجَال رحمته، فقد كان رجلًا وكان نبيلًا.
? الحرار: جمع حرة أرض بركانية سوداء، وببلاد العرب حرار كثيرة.? الرعديدة: الجبان، والفرق: الفزع.? الفنع: زيادة المال، ومال ذو فنع: «كثير».? المجحر: الهارب الذي ألجىء إلى الجحر، والبرق: الشاخص البصر المتحير.? خاس بعهده: نقضه، الحواني: جمع حانيه وهي الحانوت.
الذوق العام


يظهر لي أن للأمة ذوقًا عامًّا كما أن لها رأيًا عامًّا وعرفًا عامًّا، ولكل دائرة اختصاص لا يتعداها.
فالرأي العام مداره الآراء والأفكار والمعقولات، والعرف العام مداره العادات، أما الذوق العام فمداره الفن والجمال.
وكما أن هناك قدرًا مشتركًا بين المصريين في لونهم وتقاطيع وجهوهم وملامحهم، حتى لنستطيع في سهولة ويسر أن نميز المصري من الأجنبي؛ وكما أن هناك قدرًا مشتركًا في الرأي العام الأوربي، فكذلك الشأن في الذوق العام.
يتجلى هذا في كل أنواع الفنون كالطعوم، فلكل أمة أنواع من الطعوم تستلذها وتُغرَم بها، هي نتيجة ذوقها؛ ومن أجل هذا كان طهي كل أمة يخالف طهي الأمة الأخرى؛ ولا يقتصر هذا على نوع المأكول، بل يتعداه إلى كيفية إعداده، وبذا نستطيع أن نحكم على الأمة بأنها تستجيد كذا من ألوان الطعام وأنواعه، على حين أن الأمة الأخرى لا تستسيغه ولا تتذوقه.
ومثل الطعوم غيرها من الفنون، فالذوق العام المصري يقدر الموسيقى المصرية أكثر مما يقدر الموسيقى الغربية، بل لا يستلذها ولا يرى فيها جمالًا، كما أن أكثر الغربيين لا يجد في الموسيقى الشرقية طعمًا، ولا يقيم لها وزنًا.
وكذلك أشكال البناء وما يستجاد منها وما لا يستجاد، وأنواع الملابس وألوانها وما يُستجمل منها وما يستهجن: كلها خاضعة للذوق العام في الأمة، ولكل أمة في هذه الشئون ذوقها؛ يميزها من غيرها ويضعها في درجة خاصة من سلم الرقي.
وهذا الذوق العام في كل أمة هو الذي يقوم الأدب ويتذوقه؛ وهو الذي يجعل لكل أمة أدبًا خاصًّا؛ فالأدب المصري مثله مثل الطعوم المصرية، والغناء المصري، والبناء المصري، إنما يتذوقه المصريون بذوقهم العام، ولا يتذوقه الغربيون بذوقهم العام، كما لا يتذوقون طعومنا وغناءنا، فالنوادر المصرية التي تُعجب المصري حتى تبعثه على أشد الضحك وأعمقه، قد لا تحمل الأجنبي على التبسم، والقصص و«الحواديت» المصرية التي تسترق لب المصري وتستهويه، قد لا يأبه لها الأوربي ولا يعيرها التفاتًا إذا ترجمت له. نعم قد يعجب المصري بآيات من الآداب الغربية، ولكنه لا يتم له ذلك إلا بعد أن يحور ذوقه ويمرنه تمرينًا طويلًا على تذوق هذا الأدب، كما يمرن المصري ذوقه على استجادة الموسيقى الغربية، فيستجيدها بعد طول المران، ولكن هذا ليس من الذوق العام في شيء.
كما لا نستطيع أن ننكر أن هناك نوعًا من الآداب عالميًّا، إذا ترجم إلى أي لغة استجيد، كنوع من القصص ونوع من الأمثال، ولكن سبب ذلك أن هناك قدرًا مشتركًا بين الأذواق، كما أن هناك قدرًا مشتركًا بين العقول، فاستجادة المصريين لبعض الأدب الغربي، أو الغربيين لبعض الأدب العربي، شأنها كشأن اشتراك الناس جميعًا في استجادة بعض الطعوم أو بعض قطع الموسيقى، وهذا لا يغير فيما ادعينا شيئًا من أن لكل أمة ذوقًا عامًّا خاصًّا بها.
وهذا الذوق العام للأمة يستبد بالأفراد استبدادًا لا حد له، فالناس جميعًا خاضعون لأنواع شتى من الاستبداد، كاستبداد النظم السياسية، واستبداد العقول، واستبداد الرؤساء، ولكن هذه كلها محدودة الدائرة. أما استبداد الذوق العام فلا حد له، ولا سلطان يشبه سلطانه؛ ذلك أنه بجانب الذوق العام للأمة ذوق خاص بالفرد؛ فكل فرد له ذوقه الخاص يستجيد به بعض الأشياء ولا يستجيد بعضًا، ويستحسن به ويستهجن، ويستجمل ويستقبح؛ ولكنه في كل ذلك مسلوب الحرية، خاضع خضوعًا تامًّا للذوق العام. قد يشتد الحر فلا يطيق الإنسان نفسه، وقد يكون في نوع من الثياب ما يخفف وطأته ويكسر من حدته؛ ولكن لا بد أن يخضع للذوق العام، فيلبس الخناق أو رباط الرقبة وما إلى ذلك، خضوعًا للذوق العام وخشية من استهجانه؛ فليس إنسان يلبس ما يحب ولا يأكل ما يحب على النمط الذي يحب، ولا يتكلم كما يحب على النمط الذي يحب؛ إنما هو في كل ذلك عبد أسير ذليل مقيد مغلول، في كل خطوة يخطوها، وفي كل نفس يتنفسه. لقد قيدتنا القوانين بأعمال يجب أن نعملها، وأعمال يجب أن نتجنبها، ولكنها ليست شيئًا بجانب أوامر الذوق العام ونواهيه. وعقوباتُ الذوق العام سريعة فاتكة متنوعة، فهو يعاقب بالاحتقار والازدراء، ويعاقب بالنظر الشزر، والكلمة الجارحة القاسية، ويعاقب بالنقد والتجريح؛ وهو في كل ذلك لا يسمع دفاعًا، ولا يقبل عذرًا، ولا يؤجل عقوبة، ولا يقبل حكمة نقضًا، ولا يعرف حكمًا مع وقف التنفيذ — لا شيء من ذلك كله، ولكن حكمه حكم صارم، قاس ظالم.
وكذلك الشأن في كل نوع من أنواع الفنون؛ فإذا اشتهر مغنٍّ وأعجب ذوق الجمهور فلا حق لك أن تعيبه وإذا عبته فعبه سرًّا، وحذار أن تجهر بذلك فيكون دليلًا على فساد ذوقك وضعف حسك.
ومثل ذلك في الأدب — إذا قال الناس: إن سحبان وائل خطيب يضرب به المثل في البيان، فيقال: أفصح من سحبان، فقل مثلهم، وإن كنت لم تقف على شيء يثبت فصاحته ويبرهن على بلاغته، وإن فتشت عن كل أقواله فلم تجد إلا أسطرًا ثلاثة قال فيها: (إن الدنيا دار بلاغ، والآخرة دار قرار) إلخ. ولم تستجد هذا فإنهم ذوقك وكرر قولهم: «أبلغ من سحبان».
وإذا قالوا: إن من أبلغ خطب العرب خطبة قُسّ بن ساعدة: (أيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا) إلخ، فقل كما قالوا، وإن لم تتذوق.
وكذلك فاخضع دائمًا لحكمهم وذوقهم؛ فمن قالوا فيه: إنه إمام الأدب أو سيد الشعراء غير مدافع، أو قالوا: إنه شاعر متكلف، أو أديب متخلف، فإياك أن تحدثك نفسك بأن تقلب أوضاعهم أو تخالف إجماعهم.
هكذا استبداد الذوق العام، ولست تستطيع الخروج عليه وإعلانَ استقلال ذوقك عنه إلا بثورة عنيفة على الذوق، وتعرض لكل أنواع العقوبات الذوقية.
•••

ثم إن كل ما ترى في الأمة من مظاهر القبح علته ضعف الذوق العام؛ فإذا رأيت الأمة تصدف عما في بلادها من أزهار، ولا يخفق قلبها لرؤية جمالها وجمال طبيعتها، ولا تتغزل في محاسنها، فاعلم أن سبب ذلك ضعف الذوق العام؛ وإذا رأيت الأمة لا تقدس النظافة، ولا تشمئز من القذارة اشمئزازها من أبغض شيء وأقبحه، فعلل ذلك بضعف الذوق العام؛ وإذا رأيتنا في المجتمعات لا نرعى نظامًا، ولا ننصت لفن، ولا نتقيد بآداب اللياقة، فقل: إنه ضعف الذوق العام، وهكذا …
ومن غريب الأمر أن هذا الذوق العام، الذي يستبد بي في مأكلي وملبسي ومسمعي — كما رأيت — لا يستبد في هذه الأشياء، ولا يبدي أي سلطان على هذا النوع من الضعف، فهو لا يحتقر المرء لا يقوِّم الزهر، ولا يزدري من يسيء في المجتمعات العامة؛ ولكن يزدريني إذا خرجت من غير طربوش أو رباط رقبة في يوم حار؛ وسبب ذلك أن الذوق العام لا يعاقب إلا على ما يتذوق، وفي دائرة ما يفهم؛ فهو إذا قوم مناظر الطبيعة عاقب من لم يتذوقها؛ وإذا أدرك جمال النظام وآداب المجتمعات عاقب من مسها بسوء، ولمَّا يصل إلى هذه الدرجة.
•••

وبعد، فشأن الذوق العام شأن الرأي العام: كلاهما قابل للإصلاح والرقي؛ فالرأي العام ضعيف وسخيف إذا صدر عن أمة جاهلة، ويرقى الرأي العام بانتشار الثقافة وتعميم التربية؛ ويدل تاريخ كل أمة على أنها في أول أمرها لا يكون لها رأي عام، ثم تمنح أفرادًا قليلين أقوياء، زعماء مثقفين يوفقون في دعوتهم فيخلقون رأيًا عامًّا، وإن هؤلاء القادة يجب أن يسبقوا بنوع من الثقافة العامة في الأمة حتى تستطيع أن تَفهَم قادتها وآراءهم، فيأتي هؤلاء القادة فيكونون إرادة عامة للأمة، ويؤلفون بين تجاهاتها ويكونون منها وحدة.
ومما نأسف له أن مجهودات كبيرة بذلت في ترقية الثقافة العقلية، وبرامج كثيرة وضعت في تعميم التربية العقلية وفي تكوين الرأي العام، ولكن لم توضع برامج لتربية الذوق العام، ولا بذل مجهود في ترقيته ورفع مستواه، فكان لنا زعماء سياسيون وزعماء عقليون، ولكن لم يكن لنا زعماء فنيون.
وفي ظني أن الذين يبحثون في ترقية الفنون عامة من موسيقى ونقش وتصوير وأدب مخطئون كل الخطأ؛ لأنهم يحاولون أن يصلحوا النتائج من غير أن يصلحوا المقدمات؛ فليس الفنان في الأمة إلا صدى لذوقها العام، فإذا صح الذوق صح الفن وإلا فلا. ليس الفن والأدب من جنس النباتات التي تنبت من تلقاء نفسها، ولا هو مما يظهر مصادفة واتفاقًا؛ وإنما هو نتيجة لازمة لعوامل طبيعية سأحاول أن أبينها.

كيف يرقى الأدب؟


أشرت في مقالي السابق إلى العلاقة بين الذوق العام ورقي الأدب، وأعود الآن إلى هذه العلاقة، أزيدها بسطًا وإيضاحًا.
يذهب بعض المفكرين إلى أن الفنون — ومنها الأدب — ترتقي وتنحط، وتعلو وتسفل، وتتقدم وتتأخر، في الأمم اعتباطًا من غير أن يكون لذلك أسباب، أو على الأقل أسباب ظاهرة؛ فالناظر لتاريخ الفنون في العالم يرى أن أمة في عصر من العصور قد ترقى في فن من الفنون كالموسيقى أو الحفر أو التصوير أو الشعر، على حين أن أمة أخرى ترقى في فن آخر من هذه الفنون، ثم بعد رقي عظيم تنحط الأمة في هذا الفن، ويحل محل الفن فن آخر، أو لا يحل محله شيء؛ وتتبادل الأمم ذلك من غير أن يكون لهذا التقدم وهذا التأخر علة مفهومة. وشأن الفنون شأن النابغين الفنانين، فقد ينبغ النابغ في أمة ولا نعرف لِمَ نبغ وكيف نبغ؛ وتحاول الأمة أن تخلق نابغين فلا ينخلقوا — بل ترى الأمر عجبًا؛ فقد يوجد النابغة والأمة على أسوأ ما يكون من ضعف في الخلُق، وضعف في العقل؛ ثم ترقى الأمة عقلًا وترقى خلقًا وتتلفت فلا تجد نبوغًا، وكان مقتضى هذا أن يكثر عدد النابغين فيها ويزدادوا نبوغًا بازدياد الأمة رقيًّا؛ ولكن ينعكس الأمر حتى لتجد الأمة وأعضاؤها قوية ولا رأس، بينما كان لها في حال ضعفها رأس قوي ولا أعضاء — ما ذاك إلا؛ لأن النابغة يوهب ولا يخلق؛ وقد قال هؤلاء: إن الفنون في ذلك ليست كالعلوم، فالرقي في العلوم سبيله ميسور ممهد، وتستطيع الأمة أن تضع لها خطة تسير عليها لترقى في الطبيعة أو الكيمياء والرياضة، فإذا هي جدت في ذلك وصلت إلى درجة من الرقي تناسب جدها واستعدادها؛ ولكنها لا تستطيع أن تضع خطة تسير عليها للرقي في الشعر والموسيقى والتصوير؛ لأن ذلك نوع من الإلهام، والإلهام بيد الله، يمنحه من يشاء كيف شاء متى شاء. ولعل الكاتب يشعر بهذا تمام الشعور في نوع ما يكتب؛ فهو إذا أراد أن يكتب بحثًا علميًّا، أو يحقق لفظًا لغويًّا، أو يحرر حادثًا تاريخيًّا، فهو في أكثر أوقاته مستعد لذلك، ما لم يكن مريضًا أو مهمومًا؛ ولكنه إذا شاء أن يكتب قطعة فنية أدبية إنشائية لا يستطيع ذلك إلا ذاك إلا في حالة نفسية صافية، ومزاج يتناسب والقطعة الفنية التي ينشئها، من حزن أو سرور، وحلم أو غضب؛ ويصادفه وقت هو كما يسميه الصوفية — وقت تجل، يجيد فيه ويغزر، ويسمو فيه ويصفو. ويعجب كيف أجاد وكيف غزر؛ ثم هو يحاول بعد مرارًا أن يخلق مثل هذا التجلي، فيفشل ثم يفشل؛ ويحار في تعليل ذلك، وتعليله ما قاله علماء الكلام: «ولم تكن نُبوة مكتسبة» — هو في العلم مالك وقته يصرفه كما يشاء، وهو في الأدب ينتظر الإلهام.
وقالوا: إن رقي الأمة في الأدب لا يرتبط بدرجة ثقافتها، ولا برقيها العقلي، ولا بأي سبب من الأسباب؛ فالأمة المصرية — قديمًا — رقيت في فنون النحت والنقش والبناء رقيًّا بديعًا جعلها من أساتذة العالم في هذا الباب، وخلفت على مر الأزمان ثروة لا تقوَّم؛ ولا تزال قبلة الفنانين إلى الآن تستخرج إعجابهم، وتلهم أذواقهم؛ والمصريون الآن ليسوا أساتذة في الفن، حتى ولا تلامذة، مع أن أحدًا لا يستطيع أن يقول: إن المصريين القدماء كانوا أرقى منا عقلًا وأعلى ثقافةً؛ وكذلك يشكو كثير من الأوربيين من أن الفن — ما عدا الموسيقى — أخذ يتدهور من القرن السادس عشر، مع أن أنواع العلوم في رقي مستمر، وعقليات الأمم في تقدم دائم؛ ولو كان الأمر بالعلل والأسباب المنطقية لوجب أن يكون المصريون اليوم أعلى فنًّا وأكثر نبوغًا، ولكان الفن الأوربي الآن أسمى وأتم منه في القرون الوسطى. فأما وقد عجز المنطق عن تقديم مقدمات ونتائج صحيحة فليس إلا الإلهام، وليس للأمة إلا أن تنتظر ما يأتي به القدر.
هكذا قالوا، أو حاولوا أن يقولوا، وبذا احتجوا، أو حاولوا أن يحتجوا؛ ولكن هل هذا صحيح؟ — إن في هذا الرأي غلوًّا مفرطًا؛ فهو يخرج الأدب عن دائرة الإرادة، ويجعله مجرد انتظار للوحي والإلهام؛ ومن الحق أن للأدب خطة تُنتَهَج كمنهج العلم، وأن من نُعده للأدب يجب أن نثقفه ثقافة خاصة كالذي نعده للعلم؛ ولكن من الحق أيضًا أننا لا نخلق الأديب ببرنامجنا، بل لا بد أن يكون قد هيأته الطبيعة ومنحته استعدادات خاصة، وكفايات ممتازة، وهيَّأته لقبول الإلهام؛ ولكنه في كل ذلك كالعالم، فبرنامج العلم لا يخلق نابغة في العلم إنما يعُده، والعالم لا بد أن يكون مهيأ للإلهام كالأديب؛ وأكثر المخترعات والمستكشفات في العالم كانت نتيجة إلهام أكثر منها نتيجة لمقدمات منطقية وتجارب علمية؛ وإنما التجارب تهيئ للإلهام وتحقق ما يأتي به، وتبين صحيحه من فاسده، وتسمي هذه الإلهامات فروضًا.
ويظهر أن اتجاه هؤلاء الباحثين هذا الاتجاه سببه عقيدة سادت بين رجال الفن عهدًا طويلًا، وهي «أن الذوق لا يعلَّل»؛ فالناظر ينظر إلى الصورة فيستجملها أو يستقبحها، فإن أنت سألته: لِمَ استجملها أو لِمَ استقبحها؟ لم يُحر جوابًا؛ وإذا أجاب أجاب بكلمات منمقة، ولكنها جوفاء، لا تحوي علة ولا توضح سببًا؛ وإنما هي نفس الدعوى بألفاظ رشيقة جميلة؛ وإذا رأيت طاقة من الزهر قلت: ما أجملها، ولكن إن سألت: لِمَ كانت جميلة؟ قلت: إنها منسقة، إنها بديعة الألوان، إن نفسي لترتاح إلى رؤيتها، إنها لتسر النظر، وتَبْهَرُ العقل؛ وأنت غنّيٌّ بعدُ عن أن أقول لك: إن هذه ألفاظ وجمل قد تُرضي البلاغة، ولكن لا ترضي المنطق؛ وقد تُعْرَض صورة أو يظهر إنسان أمام جمع من النظارة؛ فهذا يستحسنه وذاك يستقبحه، وثالث لا يستحسنه ولا يستقبحه، فإذا سألت من استحسن لِمَ استحسن، ومن استهجن لِمَ استهجن، ومن حايد لِمَ حايد؟ كانت الإجابات مثارًا للعجب، وموضعًا للضحك. وقد ترى إنسانًا وكل عضو من أعضائه على انفراد جميل، ولكنه ليس جميلًا ككل، فما الذي كونه هذا التكوين؟ وما الذي وضعه هذا الوضع؟ ولِمَ استحسنْتَه مفرقًا، ولِمَ تستحسنه جملة؟ لا شيء في الحقيقة إلا الذوق الذي لا يعلل، وهذا هو الشأن في الأدب؛ وأظهر مثل لذلك ما فعله عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، فماذا صنع؟ إنه يأتي بالبيت الجميل ثم يقف ويتساءل: فيم كان جماله؟ فما هو إلا أن يصوغ لك جملًا رشيقةً، فيقول: إن هذا اللفظ يروقك ويؤنسك، وغيره يثقل عليك ويوحشك، وهذا الوضع يَبْهرُك جماله، وهذا النظم يأخذ بلبِّك ما فيه من نسج وصياغة، ووشي وتحبير؛ ويعلل سبب ذلك أحيانًا بالتقديم والتأخير، وأحيانًا بالفصل والوصل — وكلها علل لا تصلح، فأنا كفيل بأن آتيك بتقديم يُحسن، وتقديم مثله يُقبح، وفصل يروعك، وفصل مثله يسوءك، وقد تحاول أن تفرق بينهم فلا تستطيع، ثم تسلم سلاحك وتكتفي بأن تقول: هذا جميل، وهذا قبيح، وهذا يُحسَّن في ذوقي وهذا لا يُحسَّن، وبذلك تكون قد قطعت شوطًا بعيدًا، ثم في آخر الأمر عدت إلى النقطة التي بدأت منها سيرك. وما علوم البلاغة كلها إلا محاولة لتعليل الذوق الأدبي، ولكن هل أفلحَت في التعليل؟ إنا لنخشى أن تكون قد دارت حول نفسها، ولم تأت بشيء؛ «لأن الذوق لا يعلل».
وإذا كان الذوق لا يعلل فكل ما ترتب عليه لا يعلل، وإذا كان الفن وليد الذوق فالفن لا يعلل، لا يعلل كيف ظهر وكيف قَوِيَ وكيف ضعف.
هكذا أيضًا قالوا أو يصح أن يقولوا — وهذه الآراء — وإن كان فيها شية من الحق — ليست حقًّا كلها، وليست حقًّا في أساسها؛ وقد بذل بعض العلماء المحدثين مجهودًا حميدًا في بيان ما فيها من حق وباطل، وحاولوا أن يفلسفوا الذوق، ويفلسفوا الجمال، ووضعوا للذوق والجمال علمًا، وعدوه فرعًا من فروع الفلسفة، وحاربوا فيه الفكرة السائدة: «إن الذوق لا يعلل»، ووضعوا قواعد لتعليله نجحوا فيها أحيانًا وفشلوا أحيانًا، ولا يزال مجال البحث أمامهم فسيحًا؛ وكان لهذا الاتجاه الجديد في علم الجمال أثر كبير في خلق نظريات في الأدب، ووضع أسس جديدة للبلاغة والنقد الأدبي مما ليس هذا موضعه.
والذي أميل إليه أن الفن نتيجة الذوق لا محالة، وأن الذوق يمكن تربيته وترقيته؛ فالطفل إذا لُفِتَ نظره إلى الأزهار وجملها تكون فيه الميل إلى حبها والاستمتاع بها؛ فإذا كان بعدُ أدبيًّا اتصلت حياته الأدبية بها، وظهر في نتاجه الفني هذا الحب وهذا التقدير.
والذوق العام للأمة في قوته وضعفه ورقيه وانحطاطه، ليس يظهر فجأة ولا هو نتيجة المصادفة البحتة، إنما هو نتيجة لكل ما يحيط بالأمة من ظروف وأحداث، هو نتيجة النظم السياسية، والحياة الاقتصادية والاجتماعية، والثقافة العقلية وغير ذلك. وإن شئت فقل: إن ذوق الأمة هو تعبيرها عما تُقَوِّم؛ فالأمة إذا قومت المناظر الطبيعية تذوقتها، وإذا قومت جمال الأزهار تذوقته، وإذا لم تقوم النظام في المجتمعات لم تتذوقه، ولم يجرح ذوقها تهويش على محاضر أو مغن أو ممثل — والفنان ليس إلا معبرًا عن ذوق الأمة، والأديب ليس إلا الموقع للأصوات التي تستلذها الأمة.
ومن أهم أسباب ضعف الأدب العربي مسألتان تتصلان بهذه الحقيقة: الأولى أن الأدب العربي لا يتصل بالذوق العام للأمة اتصالًا وثيقًا؛ لأنه يصاغ بلغة غير لغة الشعوب، ولا يتصل إلا بذوق خاص وهو ذوق محترفي الأدب، ومن تكون ذوقهم تكونًا «كلاسيكيًّا»؛ ولا أمل في نجاحه إلا أن نعمل بأي شكل كان على أن نصل الأدب أو أكثره بالذوق العام. والثانية تتصل بالأولى، وهي أن.الآداب في أكثر الأمم كانت أرستقراطية النزعة يوم كانت القوة في يد الأرستقراطيين؛ فلما انتشرت الديمقراطية تبعها الأدب، فأصبح ديمقراطي الموضوع، ديمقراطي النزعة. أما الأدب العربي فقد أصبح أرستقراطيًّا منذ العهد الأموي، وأصبح أهم أنواع الأدب إنما ينشأ حول قصور الأمراء والأغنياء، وفي الموضوعات التي تناسبهم من مديح لهم وهجاء لأعدائهم؛ فلما عمت النزعة الديمقراطية العالم لم تؤثر في الأدب العربي أثرها في غيره من الآداب، بل ظل محتفظًا إلى حد ما بأرستقراطيته، وهذا قلل من غير شك اتصاله بالذوق العام للأمة.
على كل حال لا وسيلة لترقية الفن ومنه الأدب إلا بترقية الذوق، وربط الفن به، ولذلك وسائل: من أهمها التأذين في الناس بصوت عالي يهزهم هزًّا عنيفًا حتى يشعروا بأن أذواقهم مريضة، لا يشعرون بالجمال كما ينبغي، ولا يهيمون بالحسن كما يجب؛ ولست أعني جمال الوجوه وحدها ولكن جمال الأزهار، وجمال الطبيعة، وجمال الموسيقى، وجمال الحركة، وجمال النظام، وجمال النظافة، وجمال المعاني. ويجب ألا يقتصر دعاة الفن على الدعوة لجمال الكرنك وأنس الوجود والمساجد الأثرية؛ بل يجمعون إلى الدعوة لجمال الماضي جمال الحاضر — وهذا أكثر وضوحًا في الأدب، فدعوة الأدباء دائمًا وقول الأدباء دائمًا إنما هو إلى الماضي وفي الماضي، وهذا حسَن لدرجة ما، ولكن يجب أن يقرن به الدعوة القوية أيضًا إلى النظر إلى أنفسنا والقول في أنفسنا.
يجب أن نغير تسعيرة الأشياء، ونضع تسعيرة جديدة لما يدور حولنا، ونضع أمام ناشئتنا قِيَمًا جديدة لما يقع عليه نظرهم؛ فإذا كانت بيوتنا تعني بكمية الأكل وتعطيها أكبر قيمة، وجب أن نرفع قيمة الكيفية فنضع قيمة كبرى للأزهار على المائدة ولجمال الترتيب والنظام ولجمال الحديث.
يجب أن نوجه إرادتنا في ترقية الذوق كما نوجه إرادتنا لترقية العلم ولترقية النظام السياسي، ونضع للذوق برامج كالتي نضع لبرامج التعليم.
إنا إن فعلنا ذلك تمخض المجتمع عن فنان ماهر، وأديب قادر.

بين اليأس والرجاء


صوتان لا بد أن يرتفعا في كل أمة ويجب أن يتوازنا حتى لا يطغى أحدهما على الآخر: صوت يبين عيوب الأمة في رفق وهوادة، ويستحث على التخلص منها والتحرر من قيودها، وصوت يُظهر محاسنها ويشجع على الاحتفاظ بها والاستزادة منها. والصوتان معًا إذا اعتدلا كونا موسيقى جميلة منسقة تحدو الأمة إلى السير إلى الأمام دائمًا؛ هي موسيقى الجيش تبعث الرجاء والأمل، وتمني بالنصر والظفر؛ فإن بغى أحد الصوتين على الآخر كانت موسيقى مضطربة تهوش النفس وتدعو إلى الفوضى والارتباك؛ وإذا كان «الدور» في الموسيقى يكون منسجمًا كله، ويشذ أحد أصواته لحظة فيكون «نشازًا» يخدش السمع ويجرح النفس، فما ظنك «بدور» كله «نشاز»؟
•••

مما يدعو إلى الأسف أن صوتًا في الشرق علا كل صوت، وهو ليس خير الأصوات وأحبها إلى النفس؛ هو صوت اليأس والتثبيط يتغنى به كل أصناف الدعاة؛ فخطيب المسجد تدور خطبته دائمًا على أن من يخطبهم ليسوا مؤمنين حقًّا، فقد ارتكبوا من الأوزار، واجترموا من الآثام ما أخرجهم عن الإيمان الحق، وأبعدهم عن الدين الصحيح، ولو آخذهم الله بأعمالهم لأمطرهم حجارة من السماء، أو خسف بهم الأرض؛ ثم يَصُب هذا المعنى كل أسبوع في قالب، وكل القوالب متشابهة متقاربة، ويخرج السامع دائمًا وقد ملأه اليأس، وانقطع به الرجاء، إلا أن يتداركه الله بعفو ليس جزاءً على عمل.
ودعاة اللغة والأدب يلحون في أن اللغات الأجنبية خير من اللغة العربية، وأن الأدب الأجنبي أدب الثقافة والفن والعلم، ولا شيء من ذلك في الأدب العربي، وأن من شاء أن يفتح عينيه فليفتحهما على أدب أجنبي ولغة أجنبية، وإلا ظل أعمى؛ وموجز دعوتهم أن يتحول الشرق في لغته وأدبه إلى الغرب في لغته وأدبه، لا أن يختار من لغة الغرب وأدب الغرب ما تلقح به لغة العرب، وأدب العرب.
ودعاة الاجتماع أدهى وأمر، فليس في الشرق كله ما يسر، قد جرده الله من كل حسن، فلا طبيعته جميلة، ولا مناظره جذابة، ولا شيء فيه يأخذ باللب ويدعو إلى الإعجاب، والقمر في الغرب أنور منه في الشرق، والبحر الأبيض قد جمل منه ما لامس الغرب، وقبح ما لامس الشرق، وكل شيء في عادات الشرق وتقاليده تعافه النفس، وينفر منه الطبع؛ وعلى الجمله فالله تعالى الواهب ما شاء لمن شاء قد جمع الحسن كله في ناحية، وقال له: كن الغرب فكان، وجمع القبح كله في ناحية وقال له: كن الشرق فكان؛ وهم إذا لم يقولوا ذلك كله جهارًا آمنوا به إيمانًا، وصدرت عنه أفعالهم، واتجهت إليه حياتهم.
ودعاة العلم من هذا الطراز، فكتب العلم العربي إنما تصلح لدارس التاريخ أو طعمة للنار، وماذا فيها إلا تخريف وتحريف؟ قد كانت نتاج القرون الوسطى، ونحن نتاج العصر الحديث. ومجالسنا صدى لهذا الصوت، فإذا استثنيت عُشر معاشرها فكلها نقد للأخلاق، وطعن في حياة الشرق، وتهجم على حال أمتهم، وتجهمٌ لكل ما يصدر منهم، وقل أن تسمع صوتًا ينطق بمدح أو يعجب ببطولة، أو يتغنى بعمل مجيد.
هذه نغمة مملولة كانت أجنى على الشرق من كل عيوبه؛ ولن تفلح أمة من غير ذخيرة تعتز بها، ومجد طارف وتليد تعتد به، ونُعْرَة قومية تدعوها إلى الفخر والإعجاب. ولأمر ما قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. وليس عبثًا أن يكون في أناشيد الألمان «ألمانيا فوق الجميع»، وأن يعتقد بعض الأمم في أنفسهم أنهم شعب الله المختار، ونحو هذا مما ينعش الأمل، ويدعو إلى العمل.
تلك ظاهرة نفسية لا مجال لإنكارها؛ فاعتقد الغباوة في طفلك وكرر عليه اعتقادك تقتل كل ما فيه من ذكاء، وأعلن أنه ذكيٌّ وشجعه على ما يبدو منه من ضروب الذكاء تستخرج أقصى ما عنده من عقل. وفي المثل الإنجليزي: «دَعَوا الكلب عقورًا فشُنِق» بعنوان أنهم اعتقدوا في كلب سوءًا وسموه عقورًا وظلوا يطلقون عليه هذا الاسم حتى صدر منه من أفعال السوء ما استوجب قتله. وفي أمثالنا العامية «قالوا للفلاح: يا حرامي شرشر منجله» ذلك أن الاتهام يحمل على ارتكاب الجريمة من ناحيتين: من ناحية الإيعاز، فمن اتهمته فقد أوعزت إليه واقترحت عليه العمل، وأظهرت له الجريمة ماثلة أمام عينه حينًا بعد حين، ومن ناحية أن أكبر ما كان يمنعه من الشر خوفه أن يتهم بالشر، فإذا اتهمته فقد كان ما يخشاه، وأقدم على ما كان يتحاماه؛ هذا إلى ما يوحيه الاتهام الدائم من شعور باطني يسيره نحو العمل وفق الاتهام؛ وهذا هو السر في أن بعض القوانين تسَن لمعاقبه بعض أنواع الإجرام فتكون سببًا لكثرة الإجرام، ثم ترفع فيقل الإجرام فتكون سببًا لكثرة الإجرام؛ لأن وجود القوانين كان موعِزًا بارتكابها. ولعل أنواعًا من الآثام زادت بكثرة الكلام فيها من جهلة الوعاظ ممن لم يحسنوا دراسة النفوس وقوانينها.
إذا سقط الفتى فأريته أن سقطته قابلة للعلاج، وأخذت بيده لانتشاله، كفر عن سقطته وعاد إلى حاله؛ وإن أنت أريته أن سقطته لا تغتفر، وأنه لم يصبح إنسانًا، استمر يسقط أبدًا — وكثير من الساقطين والساقطات لو أحسوا في الناس استعدادًا لقبولهم، وشعروا أنهم يفسحون لهم في صدورهم، لعدلوا عن سقطتهم، ونهضوا من عثرتهم.
•••

وبعد، فليس الشرق بدعًا من الخلق، إن اعتز أحد بماض فليس أمجد من ماضيه. وإن كان لكل أمة غريبة محاسن ومَساو فللشرق محاسنه ومساويه، وإن كانت مساوي الغرب لم تمنعه من نهوضه فلم تمنع الشرق مساويه من نهوضه؟ ليس أعوق للشرق من هذا الصوت الكريه يصدر من دعاته فيبعث اليأس وينفث السم!
أيها الدعاة: كسروا قيثارتكم هذه التي لا توقع إلا نغمة واحدة بغيضة؛ واستبدلوا بها قيثارة ذات ألحان صنعها طَب بأدواء النفوس عليم؛ وأكثروا من ألحان تبعث الأمل، وتدعو إلى العمل، وتزيد الحياة قوة؛ ولا تُشَهرُوا برذيلة إلا إذا أشدتم بفضيلة، ولا تسمعونا صوت المعاول إلا إذا أريتمونا حجر البناء.

سيبويه المصري


شخصية غريبة كانت في مصر في عهد الدولة الإخشيدية قبل بناء القاهرة، وكان يدوي اسمها في الفسطاط والقطائع وما بينهما قبيل مجيء الفاطميين؛ كانت شخصية تُرْهَب وتُحَب، ويضحك منها، ويعتبر بها، إن شئت علمًا فعالم، أو شعرًا فشاعر، أو أدبًا فأديب، أو وعظًا فواعظ، أو فكاهة ففَكِه، أو نقدًا مقذعًا فناقد، أو جنونًا فمجنون.
وُلد بمصر سنة ???هـ، وعاش أربعًا وسبعين سنة، وأتقن النحو حتى لقب بسيبويه.
ألطف ما فيه لَوْثَة كانت بعقله؛ هي سر عظمته، فقد جَرُؤَ على ما لم يجرؤ عليه أحد في عصره؛ كان معتزليًّا يقف في المسجد وفي الشارع فيصرح بآرائه في الاعتزال، ويصيح بأن القرآن مخلوق، فيقولون: مجنون، ويتركونه يقول ما يشاء، حيث لا يقول أحد شيئًا من ذلك إلا همسًا، أو من وراء حجاب؛ ويتعرض للناس بالقول اللاذع، سواء في ذلك كافور الإخشيد أو وزيره، أو العلماء أو التجار، فيتضاحكون منه ويتقون لسانه ببره والإهداء إليه سرًّا وجهرًا.
كانت نوادره كثيرة، تتلقفها الألسنة، ويتناقلها الرواة، فتشيع في الناس، وتكون سلوتهم ومثار ضحكهم.
وقديما عرف المصريون بالفكاهة الحلوة والنادرة اللطيفة، كما عرفوا بالإعجاب بها والجد في طلبها والإمعان في الضحك منها.
من أجل هذا ألف ابن زولاق المصري كتابه اللطيف في نوادر سيبويه، لم يذكر فيه إلا قليلًا عن علمه، ولم يذكر شيئًا عن نحوه ولا عن جده، وإنما ملأه كله بفكاهته ولَوثته.
عُرف منذ شب بهذه اللوثة، تظهر في حركاته ورمش عينه، وزادت بترديه في بئر أمام بيته، يهيج أحيانًا فيطرح ثيابه ويمشي عاريًا في الطريق، على عورته خرقة، وعلى أكتافه خرقة، وبيده عصا ومصحف، ويروح إلى الجامع وهو على هذا الحال يعظ ويتزهد؛ وأحيانًا تهدأ ثأرته فينادم الأمراء والوزراء، ويعجبون بلطفه وظرفه، وتقول زوجه: إنه إنما كان يهيج إذا لم يأكل اللحم والدسم، فإذا أكلهما هدأ.
قلت: إن لوثته سر عظمته، فإذا هاج أتى بالنوادر الطريفة والكلم السيار؛ ولذلك قالوا فيه: «إنه إذا لم يكن له من يهيجه لم يخرج علمه».
سب مرة خازن الإخشيد أو وزير ماليته، فأخذه وعذبه، ثم أطلقه وأجرى عليه الرزق؛ فكان الصبيان أحيانًا إذا رأوه يتصايحون: «يا خازن اخرج عليه» فيهيج ما به وينطق بالقول اللطيف.
كان يقول القول على سجيته، لا يرهب أحدًا ولا يخشى سلطانًا، قد أدخل مرة مستشفى المجاذيب، ثم أخرجه كافور الإخشيد، فلما مثل بين يديه قال له سيبويه: «ما مثلك يصطنع بعشرين ألف دينار ولا بثلاثين ألفًا إذا كنت عادلًا، فأما إذا كنت جائرًا فأسود بعشرة دنانير يقوم مقامك».
وكان أكثر قوله سجعًا، ومن ثم كان أكثر دورانًا على الألسنة وأسهل حفظًا.
لقي المحتسب وبين يديه أجراسه فقال: «ما هذه الأجراس يا أنجاس، والله ما ثَم حق أقمتموه، ولا سعر أصلحتموه، ولا جان أدبتموه، ولا ذو حسب وقرتموه، وما هي إلا أجراس تسمع، لباطل يوضع، وأقفاء تصفع، وبراطيل تقطع، لا حفظ الله من جعلك محتسبًا، ولا رحم لك ولا له أمًّا ولا أبًا».
وكان مَخْشِي اللسان، يُهرب الوجهاء والأعيان إذا سمعوا صوته من بعيد، حتى لا يقذفهم بقذيفة من لذعاته تسير في الناس؛ وكان كافور يعجب كيف يسكت المصريون على سبه ويقول: «سبحان من سلط سيبويه عليكم ينتقم منكم وما تقدرون على الانتصار».
وما السبب في هذا إلا أنه كان يعمد إلى الرؤساء فيرميهم بكلماته القارصة، تصيب منهم مقتلًا، ويُسَر الشعب من هذا؛ لأنه يعبر عما في نفوسهم، وينتقم من خصومهم، ويجرؤ بجنونه على ما لم يجرؤ عليه عقلاؤهم؛ وكان يستطيع بلسانه أن يصل إلى ما يتحرج من ذكره المتدينون. لقد كان يومًا يؤاكل ابن المادراني الوزير وعنده هارون العباسي، فقدمت هريسة، فقال هارون: أكثِرْ منها يا سيبويه فإنها تذهب بالوسواس من رأسك؛ فكف سيبويه عن الطعام وأخذ يفكر، فقالوا: فيم تفكر؟ قال: أفكر في امتناع إبليس عن السجود لآدم، والآن ظهر عذره — علم إبليس أن هذا في صلب آدم فلم يسجد له، ولو عُرض على كلاب اليهود أن تسجد لنسبة هذا في ظهرها ما فعلت.
ونحو هذا من أنواع الهجاء القاسي.
وهو مع هذا أديب ظريف، له نظرات في الأدب جميلة. يقول: إن أفضل الكلام ما اعتدلت مبانيه، وعذبت معانيه، واستسلس على ألسنة ناطقيه، ولم يستأذن على آذان سامعيه.
وقد هجا بعضُ الناس شيخًا من شيوخه فقال سيبويه:
ما يَضُرُّ البحرَ أمسَى زاخرًاأن رَمَى فيه صبيٌّ بحجرْ وسمع بيت المتنبي:
وَمِنْ نكَدِ الدنّْيا عَلَى الحُر? أَن يَرَىعَدُوًّا له ما مِنْ صَدَاقته بُدٌّ فقال: هذا كلام فاسد؛ لأن الصداقة ضد العداوة، ولو قال:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرىعدوًّا له ما من مداراته بدٌّ لكان أحسن وأجود.
وبلغ المتنبي هذا النقد فذهب إلى سيبويه وسمعه منه فتبسم وانصرف؛ فصاح سيبويه: «انبكم!»
ومع هذا فلما سمع قول المتنبي:
ما كنتُ آمل قبل نَعْشِكَ أَنْ أَرَىرضْوَى عَلَى أَيْدِي الأنام تَسِير. إلخ صاح سيبويه: لبيك لبيك أنا عبد هذه الأبيات.
مما يدل على ذوق حسن ونقد صحيح وتقدير للأدب.
ولقد كان عالي النفس، دقيق الحس، يرى الناس كلهم دونه، فلا يذل لعظيم، ولا يهين لكبير. طلبه أبو جور بن الإخشيد أمير مصر لينادمه، فقال: على شرط أن أنزل حيث تنزل، وأركب حيث تركب، وأجلس متكئًا. فأجابه إلى شرطه.
وكان سيبويه يُحَدِّث عظيمًا فجاء خادم يُسِرُّ حديثًا إلى هذا الجليس فسمع له وقطع الاستماع لسيبويه. فقام سيبويه مُغْضَبًا، فسأله: إلى أين؟ قال: لا تجالسن من لا يرى مجالستك رفعة، ولا تحدثن من لا يرى حديثك متعة، ولا تسألن من لا تأمن منعه، ولا تأمرن من لا تأمن طوعه.
ولما ماتت أم سيبويه حضر في جنازتها كل كبير في مصر إلا ابن المادراني الوزير، وعاد والناس حوله، فأخذ سيبويه يطلق لسانه في هجاء ابن المادراني، وما نجاه من لسانه إلا أن لقيه في الطريق يأتي مسرعًا ليدرك الجنازة.
وعلى الجملة كان سيبويه طرفة مصر في عصره علمًا وأدبًا وفكاهة وجنونًا — كان يقوم فيهم مقام العالم والواعظ والأديب، ومقام الجريدة السيارة الناقدة اللاذعة، وكان منظره بديعًا، يدور في الأسواق على حماره أو حمار غيره، وما أكثر من كان يتقي لسانه بتقديم حماره!
فبحق قال «جوهر الصقلي» لما دخل مصر وذكرت له أخباره: «لو أدركتُه لأهديته إلى مولانا المعز في جملة الهدية».
وبحق لما سمع به «فاتك» ممدوح المتنبي قال: «ذكروني به لعلي أستدعيه فإنه نزهة».

القلب


رمتني آنسة «بأن لا قلب لي، وإن كان فليس يخفق»؛ لأني كتبت موضوعًا في مجلة الرسالة عنوانه «أدب القوة وأدب الضعف» سميت فيه الأدب الذي يضعف النفس ويمرض العاطفة أدبًا ضعيفًا مائعًا.
لك الله يا آنسة! أفتدرين أن أشنع سُبة يسب بها الإنسان: أنه لا قلب له؟ وهل المرء إلا قلبه؟
ليس الإنسان جسمًا بعضه القلب، لكنه قلب غلافه الجسم.
لقد قالوا: «إن المرء بأصغريه قلبه ولسانه»، ولكنهم — بقولهم — قد رفعوا شأن اللسان إذ قرنوه بالقلب، ووضعوا من قيمة القلب إذ قرنوه باللسان. وهل اللسان إلا حَاكٍ بكئ لأحط حركات القلب وانفعالاته؟ وكيف يعبر المُحْدَث عن القديم؟ أم كيف يحيط المحدود باللامحدود؟ وأين يقع معجم اللغة من معجم العالم.
إن القلب يقرأ ما رسمه الله على السماء والأرض من أشعار، ولا يسمح منها للسان إلا بالقليل التافه، وما الشعر الملفوظ بجانب الشعر المحسوس؟
القلب لا يكذب أبدًا واللسان لا يصدقُ إلا قليلًا.
لعلك يا آنسة إن فتشت عن أعجب ما خلق الله في السماء وفي الأرض لم تجدي أعجب ولا أروع ولا أدق ولا أجمل من قلب الإنسان — تصلح أوتاره فيفيض رحمة وشفقة وحبًّا وحنانًا، ومعاني لطافًا وشعورًا رقيقًا، حتى يتجاوز في سموه الملائكة المقربين؛ وتفسد أوتاره فينضج قسوة وسوءًا حتى يَهْوي إلى أسفل سافلين.
حوى على دقته كنه العالم، فما أدقه وأجله! وما أصغره وأعظمه!
يكبر — ولا نرى كبره — فيتضاءل أمامه كل كبير، ويصغر — ولا نرى صغره، فيتعاظم عليه كل صغير.
اتحد شكل القلب واختلفت معانيه؛ فقلب كالجوهر الكريم صفا لونه، وراق ماؤه، يتلقى الإشعاع ويعكسه وهو على أشد ما يكون ضوءًا ولمعانًا، وقلب كالصخر قوي متين، ينفع ولا يلمع، وقلب هواء، خف وزنه، وحال لونه، وقلب … وقلب … مما لا يحصيها إلا خالقها. إن اتحدت عيون الناس وآذانهم ووجوههم ورءوسهم نوعًا من الاتحاد فإن لكل إنسان قلبًا وحده، ينبض بنوع من حب وكره، وقسوة وحنان، وإعظام واحتقار، ورفعة وانحطاط لا يشركه فيه قلب آخر؛ وبهذا — وبهذا وحده — اختلفت قِيَمُ الناس وتعددت مراتبهم.
يموت القلب ثم يحيا، ويحيا ثم يموت. ويرتفع إلى الأوج، ويهبط إلى الحضيض؛ وبينما هو يساوي النجوم رفعة، إذا به قد لامس القاع ضعة، وهكذا يتذبذب في لحظة بين السماء والأرض والطول والعرض؛ وخير الناس من احتفظ برفعة قلبه، وسمو نفسه.
هو إن شئت فردوس، وإن شئت جحيم. هو إن شئت مَلَك، وإن شئت شيطان، هو إن شئت نار تتقد بالحب:
هَلِ الوَجدُ إلا أن قَلْبي لو دنامن الجَمْرِ قِيَد الرمْح لاحترق الجَمْرُ وإن شئت سلا فكان برْدًا وسلامًا:
وقلتُ لقلبي حين لَج به الهوىوكلفني ما لا أُطِيقُ من الحبألا أيُهَا القلبُ الذي قادَهُ الهوىأفِقْ لا أقر اللهُ عَيْنَكَ من قلْبِ القلب مركز العاطفة، والرأس مركز العقل، وما العقل لولا العاطفة؟ إن العقل أكثر ما ينفع للهدم، والقلب أكثر ما ينفع للبناء؛ إن القلب يؤمن والعقل يلحد، والقلب يحب، والعقل يحذر.
القلب يؤسس العالم، والعقل يسكنه، والقلب يخلق الشيء، والعقل يغضبه سلي التاريخ: أليس أعظم بناة العالم قد امتازوا بكبر القلب، وصدق الشعور، وقوة الإرادة، أكثر مما امتازوا بسعة العقل وقوة الإدراك؟
القلب بنى البناء والعقل نَقَدَه، والقلب أحيا الشعور والعقل حده.
هل تعلمين — يا آنسة — أن من وجد كل شيء وفقد قلبه لم يجد شيئًا، وأن من جُردَ من قلبه لا يعرف صداقة ولا يدين بوطنية ولا يشعر بحنان، ولا ينطوي على إيمان؟
أو تعلمين أن من سُلِب القلب فقد سُلب الفن والأدب؛ لأن الفن مناطه القلب، والعلم مناطه العقل؟ وقد سئل مصور ماهر: كيف تمزج ألوانك؟ فقال: أمزجها بدم قلبي؛ وكذلك الأدب الحق، هو ما كان ذوب القلب.
يا آنسة: لقد رَمَيْتِ فأصْمَيتِ، ولشد ما خفق قلبي لسُبَّتِك، كأنه يريد أن يثبت وجوده.

الجامعة كما أتصورها


للجامعة — كما أتصورها — وظيفتان: وظيفة علمية ووظيفة خلقية، وكلتا الوظيفتين متصلة بالأخرى أتم اتصال؛ فالضعف العلمي يتبعه ضعف خلقي والعكس، كما أن القوة العلمية تتبعها قوة خلقية والعكس.
فمن الناحية العلمية أرى أن وظيفتها تخالف الوظيفة العلمية للمدارس الابتدائية والثانوية؛ ففيهما توجه العناية إلى وسائل التعليم أولًا، وكمية من العلم أثبت العلم صحتها ثانيًا. أما في الجامعة فوسائل التعليم فيها ثانوية، وإنما القصد الأول إلى البحث العلمي ووضع القضايا العلمية والأدبية موضع البحث والنظر؛ من أجل هذا لا يمكنك أن تتصور مدرسة ابتدائية أو ثانوية من غير طلبة؛ لأنه لا يمكن تعليم من غير متعلم؛ ولكن يمكنني أن أتصور دراسة في كلية أو جامعة من غير طلبة، وذلك بعكوف طائفة من العلماء ومساعديهم يبحثون وينقبون — بل ولو كان هناك طلبة فالجزء الأهم من الجامعة لا يُقضى بين الفصول، ولكنه يقضى في مكاتب الأساتذة والمكاتب العامة والمعامل.
وقديمًا قالوا: «العلم لا يعطيك بعضه إلَّا إذا أعطيته كلك» وهذا أكثر انطباقًا على العلم الجامعي والبحث الجامعي.
فأستاذية الجامعة — كما أتصورها — نوع من الرهبنة؛ فكما ينقطع الراهب للعبادة في دير ينقطع الأستاذ للعلم وخدمته، أو بعبارة أخرى إن الراهب يعبد الله عن طريق الصوم والصلاة، وهذا يعبده عن طريق العلم أيضًا.
فإذا شغل الراهب بالمال وطرق تحصيله وحب الشهرة والرياسة والجاه فهو راهب فسد، كذلك العالم إذا شغلته العلاوات والدرجات وحب الشهرة والجاه فهو عالم فسد؛ إنما يجب على الأمة والحكومة أن توفرا له وسائل راحته الضرورية التي تتناسب مع تفرغه للعلم وتضحيته للذائذ الحياة من أجل العلم، فإن هو بعد ذلك ضل عن منهجه العلمي فاللوم عليه.
هذا العالِم — في هذا الوضع — قد وطن نفسه على خدمة العلم، وخدمة الأمة من طريق العلم، وخدمة الإنسانية من طريق العلم، لا غرض له في حياة إلا ذلك؛ العلم مثله الأعلى والعلم لذاته العظمى، والعلم يشغل أهم جزء في مخه، في أكله وشربه وراحته ورياضته وأحيانًا في نومه؛ هو يحب الحقيقة كما أحب المجنون ليلى؛ يرى أنه لا يخفف آلام الإنسانية إلا الإخلاص في الفكر، والإخلاص للعلم، ومواجهة الحقائق كما تبدو له، كائنة ما كانت ولو خالف الناس جميعًا.
من أجل هذا كله تتطلب حياته الاستقلال التام، بل إن الاستقلال له ألزم من الاستقلال السياسي؛ لأن العلم لا يمكن أن ينهض إلا إذا كان حرًّا؛ والعالم لا يعد عالمًا إلا إذا عشق الحق، سواء كان ما اعتقده حقيقة يرضي الحكومة أو لا يرضيها، يرضي السياسة أو لا يرضيها، يرضي الآراء الشائعة أو لا يرضيها. إن كانت السياسة تعترف بأن من وسائلها المشروعة تقريبَ وجهات النظر فالعلم لا يعرف ذلك، إنما يعرف أن هذا أسود أو أبيض ولا شيء غير ذلك. أما أن يكون أغبش فلا — لا يبيع رأيه بمال ولا بجاه ولا بمنصب، بل ولا بالدنيا كلها بل ولا بحياته، فكثير ضحوا حياتهم لنظريتهم العلمية.
هذا ما أتصوره في الأستاذ الجامعي، فإن انحرف عن هذا النهج لم يكن أستاذًا بحتًا، بل كان أستاذًا وتاجرًا، وكل ما في الأمر أنه تاجر بعلمه والآخر تاجر بسلعته؛ بل هو شر من التاجر البحت؛ لأنه اتخذ من العلم سلعة فقلبَ الوضع وتاجَرَ في غير متجر.
مثل هذا الأستاذ عزيز، وإذا ظفرنا بواحد من هذا الصنف في كل بيئة جامعية ضمنا نجاحها؛ لأنه إذ ذاك يصبح منارًا يهتدي به المدرسون والطلبة في الظلمات؛ هو مثل حي للتضحية، ومثل حي في سمو الخلق، ومثل حي لغلبة المعنويات على الماديات، هو خير على العلم والخلق جميعًا.
هناك عامل آخر في البناء الخلقي الجامعي يعين الأستاذ على تحقيق مَثَله، هو الجامعة ككل، ممثلة في مجالس كلياتها ومجالس جامعتها ومديرها وإدارتها.
وهي أن تكون متمشية مع الأستاذ في استقلاله، تصل الواجب بقطع النظر عن كل اعتبار آخر، لا تخدم إلا شيئين: العلم والخلق، ليست تخدم حزبًا سياسيًّا، ولا تخدم رغبة وزير؛ إنما تخدم العلم كعلم عالي لا وطن له، وتخدم الخلق كخلق إنساني؛ فإن كان ولا بد من حصر هذه الدائرة الخلقية فإنها تخدم أمتها ككل، تتخذ لنفسها مركز النجم في السماء يسترشد به الساري، سواء أكان مؤمنًا أو كافرًا، وسواء أكان لونه السياسي أبيض أم أسود، تعتقد أنها الجامعة المصرية لا الجامعة السياسية الحزبية؛ فإذا هي موضع التقديس من كل حزب، وموضع الإكبار من كل هيئة؛ ومتى اتخذت هذا الوضع كانت كل العواصف السياسية والحزبية تهُب بعيدًا عنها ولا تلمسها؛ تهب حولها لا عليها؛ فإن أريد منها أن تتنحى قَيدَ شعرة عن هذا النهج قال كل من فيها: «لا» بملء فيه، حرة في معالجة مسائلها، حرة في وضع برامجها، حرة في تصريف مالها في حدود ميزانيتها، حرة في معالجة مشكلاتها كما يتراءى لها؛ قد تخطئ في ذلك ولكنها تتعلم من الخطأ كما تتعلم من الصواب، وتسترشد بضلالها كما تسترشد بهدايتها، وهي بهذا تنمو من الداخل لا تنمو من الخارج، تكون كالإنسان يكبر ويترعرع من الأكل الصحي والهواء الصحي، لا كإنسان يضخم بكثرة الملابس عليه.
إن الجامعة إن فعلت ذلك كانت مثلًا للطلبة يحتذى في تصرفاتهم. إنهم يخجلون أن يتحزبوا إذا كان كل الجو الجامعي حولهم لا يتحزب. إنهم يعودون إلى آبائهم الروحيين إذا لعبت بهم الأهواء. إنهم يسمعون نبضات قلوب أساتذتهم كما يسمعون دقات ساعاتهم، يضبطون بأعمال أساتذتهم أخلاقهم كما يضبطون على ساعة الجامعة ساعاتهم. أما إن عكس الوضع وسير الخارج الأساتذة وسير الطلبة الأساتذة والخارجَ، كان ذلك هرمًا مقلوبًا أو كان رجلًا يمشي على رأسه، أو كان ضبطًا لساعة المرصد على ساعة رجل الشارع، وفي ذلك إنذار بالخيبة.
بجانب أستاذ الجامعة وهيئة الأساتذة والإدارة عامل آخر كبير سو عوامل الخلق الجامعي، هو تكوين رأي عام بين الطلبة يشعر بالواجب … المسئولية؛ وأعتقد أن تسعين في المائة من زلات الطلبة ترجع إلى فقِدان هذا العامل الهام؛ فلو أن هناك رأيًا عامًّا يحتقر الطالب إذا كلم فاه كلمة نابية أو نظر إليها نظرة شاذة فهل يجرؤ الطالب على ارتكاب هذا الخطأ؟ وإذا كان الرأي العام بين الطلبة يحتقر الكاذب ويحتقر المستهتر ويحتقر الهازل فما أعظم الإصلاح الذي يرجى من وراء ذلك!
إن معظم الزلات الخلقية من الطلبة لا تقع تحت سلطان القانون، فليس القانون يؤاخذ على كذبة ولا نظرة نابية ولا كلمة جارحة ولا ضحكة مستهترة ولا نحو ذلك من الشرور؛ إنما يترك ذلك كله للرأي الجامعي يعقب عليه بالازدراء والاحتقار والمقت؛ فما لم يوجد رأي عام من هذا القبيل واكتفى بالقانون فلا أمل في النجاح.
لا بد من الإكثار من اجتماع الطلبة بمناسبات مختلفة يتعرضون فيها للخطأ، ويهيأ الرأي العام فيها للنقد على هذا الخطأ، حتى يتبلور الرأي العام ويأخذ سبيله في سلطانه على النفوس — يجب أن يعودوا أن يحكموا أنفسهم بتكوين قضاة منهم يحكمون على زلاتهم وينفذون قضاءهم بأيديهم وألسنتهم؛ بهذا يسود في الطلبة الشعور بالشرف والندم على الهفوة — يجب أن تكون للجامعة تقاليد قد أسست على قانون الشرف، يخشى كل طالب من كسرها كما يخشى من ارتكاب السرقة أو الخيانة.
حكى لي أستاذي المرحوم عاطف بركات باشا، أنه لما سافر في بعثة إلى جامعة من جامعات إنجلترا، وكان حديث عهد بها، دخن في حجرة كان التدخين فيها محرمًا، فمر بعض رجال الجامعة في هذه الحجرة وشم رائحة الدخان، فسأل: مَن المدخن؟ فلم يجب أحد ولا عاطف بركات، فتركهم الأستاذ وانصرف. قال عاطف باشا: فأحسست أن كل من حولي من الطلبة ينظرون إلي نظرة فيها شيء كثير من الاحتقار. فمن ذلك اليوم عظم شأن الصدق في نفسي واستفظعت غلطتي ولم أعد بعد إلى مثلها.
ومما يتصل بهذا بث الروح بين الطلبة بشدة ارتباطهم بكليتهم؛ فيفخرون بأستاذهم الشهير بعلمه ومؤلفاته، ويفخرون بالنابغة فيها من أساتذتهم وطلبتهم، وبانتصار كليتهم في الألعاب وفي جميع أفعال البطولة وفي ميادين الأعمال الشريفة؛ ويستهجنون أعمال النذالة والسلوك الوضيع، وعلى الجملة يشعر كل طالب بأنه جزء من كل، يعتز بعزة الكل ويهون بهوانه.
•••

أستاذ صالح يقوم مقام المنارة في الكلية، وهيئة صالحة من الأساتذة والإدارة، ورأي عام من الطلبة له سلطان على نفوسهم، هي أهم ما أرى من عوامل الإصلاح للخلق الجامعي والعلم الجامعي.

سلطة الآباء


رحم الله زمانًا كان الأب فيه الآمر الناهي، والحاكم المطلق، والملك غير المتوج؛ ينادي فيتسابق من في البيت إلى ندائه، ويشير فإشارته أمر، وطاعته غُنم؛ تحدثه الزوجة في خفَر وحياء، ويحدثه الابن في إكبار وإجلال؛ من سوء الأدب أن يرفع إليه بصره، أو يرد عليه قوله، أو يراجعه في رأي، أو يجادله في أمر. أما البنت فإذا حدثها لف الحياء رأسها، وغض الخجل طرفها؛ قليلة الكلام، متحفظة الضحك، خافضة الصوت، تتوهم أنها أخطأت في التافه من الأمر فيندَى جبينها، ويصبغ الخجل وجهها؛ وإذا جاء حديث الزوج والزواج فإلى أمها الحديث لا إلى أبيها، وبالتلويح والتلميح لا بالتصريح، والأمر إلى الأب فيما يقبل وفيما يرفض، وفيما يفعل وما لا يفعل.
في جملة الأمر أن البيت ينقسم إلى قسمين: حاكم وهو الأب، ومحكوم وهو سائر الأسرة؛ منه الأمر ومنهم الطاعة، له السيادة وعليهم الخضوع، يرسم الخط وهم ينفذونها، يجلب الرزق ويتولى الإنفاق وهم يسيرون على ما رسم، وويل لمن عارض أو تبرم! فإن أحس الابن حاجة ملحة إلى مال، أو شعر بضرورة ملجئه إلى أكثر مما أخذ، لم يجرؤ أن يجابه بالطلب، إنما يحاور ويداور ويلمح ويرمز؛ فإن أعياه الأمر وسط الأم لعلها تستطيع أن تعبر تعبيرًا أوضح وأصرح، وقل أن تنجح.
وبجانب سلطة الأب الدنيوية كانت سلطته الدينية. فهو يوقظهم قبل الشمس ليصلوا الصبح أداءَ لا قضاءَ، ويسألهم في أكثر الأوقات عن صلاتهم كيف صلوا، وعن وضوئهم كيف توضأوا، يعلم الجاهل ويؤم المتعلم، ويجمعهم حوله من آن لآن يصلي بهم، ويذكرهم ويعظهم، ويقص عليهم قصص الأنبياء، وحكايات الأولياء والصالحين. وإن أنْسَ لا أنْسَ جمال المواسم الدينية — كيوم نصف شعبان، إذ تشعر في البيت من الصباح بحركة غير عادية: هذه ترتب البيت، وهذه تعد الأكل الحافل، ويتهيأ الجميع قبل الغروب استعدادًا لصلاة المغرب، قد لبس النساء البياض؛ وتقنعن بالشاش الأبيض، وإذا رب البيت يؤم جميع من في البيت، ثم يُخرِج دعاء نصف شعبان من جيبه ويتلوه عليهم، يقول جملة فيرددونها، ويبتهل معهم إلى الله أن يسعده ويسعدهم، ويصلحه ويصلحهم، ويبارك له في ماله وفي نفسه وفي ذريته، ثم يأخذون حظهم لبطونهم، كما أخذوا حظهم لأرواحهم، وشملتهم السعادة، وعمهم البشر والهناءة.
•••

لقد ودعنا ذاك الزمان بخيره وشره، وحلوه ومره، واستقبلنا زمانًا سار فيه الأبناء آباءَ، والمرءوس رئيسًا والرئيس مرءوسًا.
قالت الخطيبة لخطيبها: الناس أحرار، وأنا إنسانة وأنت إنسان، فإن اعتززْتَ بالكسب اعتززتُ بالإنفاق، وإن اعتززتَ بالرجولة اعتززتُ بالأنوثة، وإن اعتززت بأي شيء فأنا أعتز بمثله وبخير منه؛ فأنا وأنت شريكان لا سيد وأمة، ولا مالك ومملوك، لي كل الحقوق التي لك، وقد يكون علي بعض الواجبات التي عليك؛ فإن سفرتَ سفرتُ، وإن غشِيتَ دور الملاهي غشيتُها؛ عليك أن تحصل المال وعلي الإنفاق، ولك السلطان التام في اختيار طرق التحصيل، ولي الخيار التام في وجوه التبديد. أنت للبيت والبيت لي؛ وإن كان لك أم شَبِعَتْ سلطة في الماضي أيام كانت زوجة، فلا حق لها أن تنعم بسلطانها وسلطان غيرها، فليس لها الحق إلا أن تأكل، كما ليس لك الحق في حبها؛ فالحب كله للزوجة، إنما لك أن ترحمها. والدين لا شأن لك فيه بتاتًا، فهو علاقة بين العبد وربه؛ وكل إنسان حر أن يحدد هذه العلاقة كما يوحي إليه قلبه؛ فإن شئت أن تتدين فتديَنْ، على شرط ألا تقلب نظام البيت، وتقلق راحتي وراحة الخدم.
ورأى الرجل أن الأحكام قاسية، والشروط فادحة، وهام يبحث بين الممدنات عمن يرضى به زوجًا على الشروط القديمة فأعياه البحث.
وأخيرًا نزل على حكم القضاء، وأسلم نفسه لسلطان الزمان، وقدم الطاعة للزوجة، بعد أن كانت هي تقدم الطاعة له، ولا يزال في دار الآثار في المحاكم الشرعية قضايا اسمها قضايا الطاعة، يحكم فيها للأزواج على الزوجات، حفظ شكلها وبطل روحها؛ ولو كانت المحاكم محاكم عصرية لحكمت بالطاعة على الزوج لزوجته وحكمت بالنفقة على الزوجة لزوجها.
وتم الزواج، وفرحت الزوجة بالظفر فغالت في الطلب، وابتدعت كل يوم مطلبًا جديدًا، وأرادت أن تنتقم لأمهاتها من آبائه في شخصه، فطالما أَطَعْن وطالما خضعن، فليطع دائمًا وليخضع دائمًا، جزاءً وفاقًا على ما جنى آباؤه وأجداده.
قالت: إن رقصتَ رقصتُ، فذلك حقك وحقي. قال: نعم. قالت: بل إن لم ترقص رقصتُ؛ لأنك إن أضعت حقك لم أُضع حقي، وإن خاللتَ خاللتُ فالجزاء من جنس العمل، بل إن لم تخالل ربما خاللت؛ لأن حياة الزوجية البحتة قد يعتريها الركود والسأم والملل؛ فصرخ ولف الغضبُ وجهه، وحاول أن ينكل بها فتراجعت، وسجلت مطلبها الأخير، ورأت المحكمة أن تتريث بعض الشيء حتى يبلع ريقه من أثر الصدمة الأولى، ويستعد للصدمة الثانية، فإن لم يسعفها الزمان أوصت بناتها بشروطها الجديدة.
قالت: وسيكون أول ما أوصي به ابنتي أن تتخذ قياس خطيبها، ثم يكون من أول جهازها أن تفضل له بَرْدَعَة ولجامًا على قدره، فتضع البردعة عليه وتركبه إذا شاءت، وتشكمه باللجام إذا حاول أن يتحرك يمينًا أو شمالًا على غير رغبتها.
•••

وشاء الله أن يُرْزَقَا بنين وبنات.
وقد رأوا أن الأم لا تُجِل الأب فلم يُجِلوه، ولم تُعِره كبير التفات فلم يعِيروه، ورأوها تبذر في مال الأب فبذروا، ورأوها حرة التصرف فتحرروا، ورأوها تخرج من البيت من غير إذن الأب فخرجوا خروجها، وتعود متى شاءت ففعلوا فعلها، ورأوها لا تتدين فلم يتدينوا، ورأوها تطالب الأب ألا يفتح رسائلها فطالبوا، ورأوها تتكلم في المسائل الدقيقة أمام أبنائها وبناتها في صراحة فتفتحت شهواتهم، وتحركت رغباتهم، وجمحت تخيلاتهم.
وقال الأبناء لأبيهم: إنا مخلوقون لزمان غير زمانك فاخضع لحكم الزمان، وقد نشأنا في زمن حرية في الآراء، وحرية في الأعمال، وحرية في التصرف، لا كما نشأت في جو من الطاعة والقيد والأسر والتقاليد، فمحال أن يسع ثوبك الضيق أبداننا، وتقاليدك العتيقة البالية نفوسنا، فإن حاولت ذلك فإنما تحاول إدخال الثورة في قارورة، أو لف القصر الكبير بمنديل صغير! قال: نعم. قالوا: وأنت الذي سمح لنا بادئ ذي بدء أن نغشى دور السينما والتمثيل، وأن نسمع الأغاني البلدية، ونشاهد المراقص الأوربية، فإذا أقررت المقدمة فلا تهرُب من النتيجة، وأنت الذي عودنا ألا نضع للبيت «ميزانية» فأنت تعطي «ماهيتك» لأمنا تنفق من غير حساب، فإن انتهت في نصف الشهر طلبَتْ منك أن تقترض فاقترضت، وأن تشتري ما لا حاجة لنا به فاشتريت، وأن تقدم الكمالي على الضروري فأطعت؛ فليس لك أن تطالبنا بالاقتصاد في الجدول الصغير، والنهر الكبير ليس له ضابط. وخرق أن تحاول أن تضع ميزانية دقيقة لمصلحة، وميزانيةُ الدولة مبعثرة! قال: نعم. قالوا: وقد أضعت سيادتك على أمنا فلِم تفرض سيادتك علينا؟ ورضيت بالخضوع لها فلِم تأباه علينا، وهي أم الحاضر وأنت أبو الماضي ونحن رجال المستقبل؟ قال: نعم. قالوا: وأنت نشأت في زمن خضوع تام: خضعت لأبيك في المهد صبيًّا، وخضعت للفقيه في المكتب وللمدرس في المدرسة، فإذا قلت برأسك هكذا، قال الأستاذ بعصاه هكذا، فنكست رأسك، وغضضت بصرك، وأسعفتك عينك بالبكاء، ولم يسعفك لسانك بالقول؛ فلما صرت «موظفًا» وقفت من رئيسك موقفك من أبيك وأستاذك، تنفذ دائما وتطيع دائمًا؛ ولم يجْرِ على ذهنك يومًا تفكير في استقلال، ولا على لسانك نداء بحرية. أما نحن فحريتنا في بيتنا حرَّرْتَنا على أساتذتنا، ونادينا بالحرية القومية فتبعتمونا في شيء من الرياء، تظهرون الطاعة لرؤسائكم، وتبطنون الرضا عن حركاتنا، وتريدون أن تجمعوا بين الحرص على ماهيتكم والحرص على وطنيتكم المكبوته. قال: نعم. قالوا: فلما قدناك وقدنا رجالنا في السياسة فلنقدكم جميعًا في كل شيء. في البيت وفي المال وفي العلم وفي رسم الخطط، ولنقلب الوضع فنكون قادة وتكونوا جنودًا، وإلا لم نرض عنكم جنودًا ولا قادة.
وقالت البنات لأبيهن: يا أبانا الذي ليس في السماء! رقَصَتْ أمنا فرقَصْنا، وشربت أمنا فشربنا، وشربَتْ سرًّا فلتسمح لنا بحكم تقدم الزمان أن نشرب جهرًا، ورأينا في روايات السينما والتمثيل حبًّا فأحببنا، ورأينا عريًا على الشواطئ فتعرينا، وتزوجت أمنا بإذن أبيها فلنتزوج نحن بإذننا. قال: نعم. قلن: وقد أوصتنا أمنا أن نركب الزوج، ولكننا أمام مشكلة يشغلنا حلها. فإنا نرى شبان اليوم متمردين لا يخضعون خضوعك ولا يستسلمون استسلامك، فإرادتهم قوية كإرادتنا، وهم يحبون السلطة حبنا؛ فهم أحرار ونحن حرائر، وهم مستبدون ونحن مستبدات، فكيف نتفق؟ هل يمكن أن يبقى البيت بعدة استبدادات؟ ولكن لا بأس يا أبانا! هل البيت ضرورة من ضرورات الحياة؟ أو ليس نظام الأسرة نظامًا عتيقًا من آثار القرون الوسطى؟ قال: نعم. قلن: على كل حال فيصح أن يجرب جيل النساء الجديد مع جيل الرجال الجديد، فإن وقع ما خشينا عشنا حرائر وعاشوا أحرارًا، وطالبنا بتسهيل الطلاق وبهدم المحاكم الشرعية على رءوس أصحابها، وتعاقدنا تعاقدًا مدنيًّا. قال الأب: وماذا تفعلن بما ترزقن من أبناء وبنات؟ قلن: لك الله يا أبانا! إنك لا تزال تفكر بعقل جدنا وجدتنا! لقد كنت أنت وأبوك وجدك تحملون أنفسكم عناءً كبيرًا في التفكير في الأولاد، وتضحون بأنفسكم وأموالكم في سبيلهم، وتعيشون لهم لا لكم. أما عقليتنا أهل الجيل الحاضر فأن نعيش لأنفسنا لا لغيرنا. لقد ضحك عليكم الدين والأخلاق ففهمتم أن الواجب كل شيء، وكشفنا اللعبة ففهمنا أن اللذة كل شيء، فنحن نمنع النسل، فإذا جاء قسرًا فليعش كما يشاء القدر؛ ولنقدم حظنا على حظه، وسعادتنا على سعادته، ولا نفكر فيه طويلًا، ولا يتدخل في شئوننا كثيرًا ولا قليلًا.
قال الأب: وأمر المال كيف يدبر؟ كيف تعشن أنتن وأولادكن إذا كان طلاق وكان فراق؟ قلن: هذا ظل آخر ظريف من ظلال تفكيرك، دع هذا يا أبانا والبركة أخيرًا فيك.
•••

أما بعد، فقد خلا الأب يومًا إلى نفسه، وأجال النظر في يومه وأمسه، فبكى على أطلال سلطته المنهارة، وعزته الزائلة، ورأى أنهم خدعوه بنظرياتهم الحديثة، وتعاليمهم الجديدة — قال: لقد قالوا: إن زمان الاستبداد قد فات ومات، فلا استبداد في الحكومة، ولا استبداد في المدرسة، فيجب ألا يكون استبدادًا في البيت؟ إنما هناك ديمقراطية في كل شيء، فيجب أن يكون البيت برلمانًا صغيرًًا يسمع فيه الأب رأي ابنه ورأي ابنته ورأي زوجه، وتؤخذ الأصوات بالأغلبية في العمل وفي المال وفي كل شيء؛ وقالوا: تنازل عن سلطتك طوعًا، وإلا تنازلتَ عنها كرهًا، وقالوا: إن هذا أسعد للبيت، وأبعث للراحة والطمأنينة، وقالوا: إن هذا يخفف العبء عنك، فنحن نقسم البيت إلى مناطق نفوذ: فمنطقة نفوذ للمرأة، وأخرى للرجل، وثالثة للأولاد، وكلهم يتعاونون في الرأي ويتبادلون المشورة. سمعت وأطعت فماذا رأيت؟ رأيت كل إنسان في البيت له منطقة نفوذ إلا شخصي، ولم أر البيت برلمانًا، بل رأيته حمامًا بلا ماء، وسوقًا بلا نظام، إن حصلتُ على مال أرادَتْهُ المرأة فستانًا، وأرادته البنت بيانو، وأراده الابن سيارة؛ ولا تسل عما يحدث بعد ذلك من نزاع وخصام. وإن أردنا راحة في الصيف أردت رأس البر لأستريح، وأرادت الأم والبنت الإسكندرية قريبًا من ستانلي باي، وأراد الابن أوربا؛ إلى ما لا يحصى، ولا يمكن أن يستقصى؛ وأخيرًا يتفقون على كل شيء إلا على رأيي. فوالله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما تزوجت، فإن كان ولا بد ففلاحة صعيدية، لم تسمع يومًا بمدينة، ولم تركب يومًا قطارًا إلى القاهرة والأسكندرية، لها يد صناع في عمل «الأقراص» ورأس صناع في حمل «البلاص».
أيتها الزوجة! ويا أيها الأبناء والبنات! ارحموا عزيز قومٍ ذَل!

والراديو أخيرًا!


نشأتُ في حي وطني، لم يأخذ من المدنية الحديثة بحظ قليل ولا كثير، يعيش أهله عيشة وادعة هادئة بطيئة، لم تتغير عن معيشة القرون الوسطى إلا قليلًا. ولم تنقطع الصلة بينهم وبين آبائهم وأجدادهم؛ إذا عرضت عليهم صفحة من حياة مصر قبل بضع مئات من السنين فهموها حق الفهم، وقرءوها في أنفسهم وفي معيشتهم، فكانت الصلة بيني وبين سكان القاهرة في عهد الفاطميين أو الأيوبيين أو المماليك أقربَ من الصلة بين ابني وعهد إسماعيل؛ فالحياة في السنين الأخيرة غَيرت سكان المدن تغييرًا كبيرًا، ونقلتهم نقلة مفاجئة سريعة، حتى ليحملق الطفل في عينك استغرابًا إذا حدثته بحديث يتصل بالحياة الاجتماعية في عهد جده أو جدته، ويرى كأن الدنيا خلقت خلقًا جديدًا.
كانت حارتنا تمثل طبقات الشعب المختلفة: يسكنها البائع الجوال، يظل نهاره وشطرًا من ليله متنقلًا في الحارات والشوارع، ينادي على البلح في موسم البلح، والخيار في موسم الخيار. وأسرته وأقاربه يعيشون جماعات في بيت كبير عيشة بائسة تعسة، كل جماعة في حجرة.
وطائفة من الموظفين من رئيس قلم في وزارة الأوقاف، وكاتب في وزارة الأشغال يمثلون الطبقة الوسطى في حياتهم الاجتماعية والمدنية.
وبيت أرستقراطي واحد، كان ربه نائب المحكمة الشرعية العليا، وكان متقدمًا في السن، عظيم الجاه، وافر المال، له الخدم والحشم، يرهبه الكبير، والصغير، وله عربة فخمة، تضرب خيولُها الأرض بأرجلها فتملأ القلوب هيبة؛ وكان كل سكان الحارة يسمونه «الشيخ» من غير حاجة إلى ذكر اسم، فالشيخ ركب، والشيخ جاء، وعند بيت الشيخ — وكان الشيخ نعمة على الحارة، فلا تستطيع امرأة أن ترمي ماءً قذرًا أمام بيتها خوفًا من الشيخ، ولا يستطيع قوم أن يرفعوا أصواتهم في السباب والنزاع خوفًا من الشيخ؛ ولذلك امتازت حارتنا عن مثيلاتها وعما يجاورها بالنظافة والهدوء.
كان بين سكان الحارة رابطةٌ تشبه الرابطةَ بين أفراد القبيلة، يعتز الأولاد بحارتهم ويهتفون بها في النداء، ويكون بينهم وبين أولاد الحارة الأخرى منافرة فيحتكمون إلى القوة، ويعتزون بالناشئ الشجاع يظهر بينهم يذود عنهم، ويجلب النصر لحارتهم — ويرعى سكان الحارة حق الجوار بأدق معانيه، يعودون أحدهم إذا مرض، ويهنئونه إذا عوفي، ويواسونه في مأتمه، ويشاركونه في أفراحه، وهم في ذلك سَوَاسِيَة، لا يتعاظم غني لغناه، ولا يتضاءل فقير لفقره.
وكان لكل بيت من بيوت الطبقة الوسطى منظرة (مندرة) لاجتماع الأصدقاء في إحداها. فيسمرون فيها السمر الحلو اللطيف، وأحيانًا يجتمعون فيحلو لهم العشاء معًا فيرسل كل رسولًا إلى بيته يحضر منه خير ما عنده، وأحيانًا يحيون الليلة في سماع قرآن أو حفلة طرب؛ ولحسن حظي كان بجوار بيتنا موظف في الأوقاف يهوَى الناي ويتقنه، فكان كثيرًا ما يحيي أصدقاؤه في منظرته حفلات شائقة بديعة، إليها يعود الفضل فيما لي من أذن موسيقية، وميل لسماع الغناء والافتنان به.
•••

كان من المناظر التي لا أنساها طائفة من الرجال، قد لبس كل منهم على جلبابه الأزرق ميدعة من الجلد، يحمل القربة على ظهره ويمشي بها في ركوع، وهم يغدون في الحارة ويروحون، ينادي أحدهم بعد أن يُفْرِغ قربته في الزير: «سقا عوض»، وهي كلمة كنت أفهم منها المناداة على الماء، ولكن ما كنت أفهم معناها تفصيلًا، بل لعلني لم أفهمه إلى الآن. فإذا سمعته سيدة أطلت من الشباك وأمرته أن يأتي لها بقربة حلوة أحيانًا، ومالحة أحيانًا، وربما تصنعت في مناداتها فرققت من صوتها وتدللت في نغمتها، فكانت فتنة للسامعين.
وكثيرًا ما طال النزاع بين السقاء وربة البيت، فهو يقول: إن القِرَب صارت سبعًا، وهي تأبى إلا ستًّا، ويطول الحوار والجدل والقَسَمُ بالأيمان، وأحيانًا يتفادى السقاء هذا الجدل بطريقة من طريقتين: إحداهما أن يوزع خرزًا، من نوع خاص على صاحبة البيت عشرًا عشرًا، أو عشرين عشرين، وكلما أتى أخذ خرزة، فإذا فرغ الخرز علم أنه تم العدد فأخذ حسابه. وثانيتهما أنه كلما أتى بقربة خط على الباب بحجر أبيض خطًّا — ولم يكن يعرف الطباشير ولا كتابة الأرقام — وأحيانًا يتهم السقاء ربة البيت بأنها مسحت خطًّا، وأحيانًا تتهمه هي أنه خط خطين لقربة واحدة، فإذا تكرر مثل ذلك أبى السقاء معاملة هذا البيت إلا أن يأخذ نصف القرش ثمن القربة الحلوة قبل أن يتحرك من مركزه أمام باب الحارة.
وفي يوم من الأيام حول سنة ???? رأيت الحارة قد مزقت وحفرت فيها الحفر طولًا وعرضًا، ومدت المواسير وأدخلت في بيتنا الحنفية واستغنينا عن السقاء، وأراحنا الله من سماع النزاع حولنا، وأصبح الماء في كل طبقة من بيتنا، في أسفله وأوسطه وأعلاه، وشعرت أن البيت قد دبت فيه الحياة. فالله يقول: «وجعلنا من الماء كل شيء حي». وما أنْسَ لا أَنْسَ خادمًا أتت منزلنا إذ ذاك من قرية من قرى الفلاحين فَعَجِبَتْ أشد العجب من الماء يخرج من الحائط ثم لا ينقطع إلا إذا شئنا، وحارت في تعليل ذلك، وأظنها حائرة إلى اليوم إن كانت على قيد الحياة.
•••

وألفنا الماء يخرج من الحائط، وذهب لإلف بالعجب، ولكن ظللنا نستضيء بالجاز، وهو ما يسميه سادتنا العلماء زيت البترول، وكان لمضايقاته أشكال من العذاب وألوان، فيوم ضُرِبْتُ لأني أرسلت لأشتري زجاجة لمبة فكسرت مني في الطريق، وكثيرًا ما فسد … فإذا أدرناه يمينًا أخذ يرتفع اللهب ثم يرمينا بالهباب، وإذا أدرناه شمالًا أخذ يهبط حتى لا نرى، وهكذا دواليك، حتى يضيق الصدر ويذهب إلى النوم قبل الموعد. وكثيرًا ما نكون في سمر لذيذ أو حديث ظريف أو قراءة مُلِحة، ثم نسمع الزجاجة كسرت فيكسر قلبنا؛ لأن الوقت ليس وقت بيع وشراء، أو ننظر فإذا الجاز قد فرغ ولا جاز لنا!
ثم رأينا الأسلاك تخرم البيت، وتخرم كل حجرة فيه وتدخل بيتنا الكهرباء، فندير المفتاح مرة فتضيء الحجرة، ونديره مرة فتظلم. وأبى الله إلا أن يرزقنا هذه المرة أيضًا بخادم خطبت في قريتها وأرادت السفر لتتزوج، فطلبت منا أن نعطيها لمبة من اللمبات الكهربائية أو لمبتين لتنيرهما في حجرتها ليلة زفافها؛ وكان لهذا الخادم فصل أظرف من هذا وألطف؛ فقد نظرت أول ما أتت من قريتها إلى السقف فلم تر فيه عروقًا تحمل ألواح الخشب؛ (لأنه كان من الأسمنت المسلح) فصعدت إلى السطح لتحقق الأمر لعل السقف مقلوب، ولعل العروق من فوق والأخشاب من تحت، فلما لم تر عروقًا فوق ولا تحت، أحست بالخيبة في تعليلها، وفوضت إلى الله أمرها …
•••

ثم دار الزمن دورته وإذا بعامل يأتي ليخرم البيت من جديد، وإذا بالأسلاك تمتد وآلة صغيرة تركب وجرس يدق، وإذا بالتليفون، وإذا بنا نتصل بمن في القاهرة وضواحيها، بل بمن في أنحاء القطر، ويتصل بنا من أحب؛ وأحسست إذ ذاك أن البيت قد استوفى حظه من الحياة كما يستوفيها الجسم الحي الراقي من شرايين وأوردة على أدق ما تكون من نظام — وكان لي مع التليفون متاعب أود معها لو لم يكن، وأحيانًا محامد أحمد الله أن كان — فقد كنت قاضيًا، وبيتي وحده من بين القضاة فيه تليفون يصلني برئيس المحكمة، فقد يتغيب قاض فجأة عن الجلسة فيدق التليفون — آلو — انتدبنا كم اليوم لمحكمة العياط، ومرة أخرى لمحكمة الصف، وقد يكون الجو قاسيًا، حر يذيب رأس الضب، أو برد يقف منه الجلد. على كل حال، كثيرًا ما كان نذيرًا بِشَر، وكثيرًا ما كان بشيرًا بخير.
•••

وأخيرًا أتى العامل أول أمس يزيد الأحزمة حزامًا، ولكنه في هذه المرة حزام ناقص — خط رأس وخط أفقي، وآلة لا يأبه لها النظر، وفي ذلك سر عجب، هذا هو الراديو — فيه علم إن شئت، وفن إن أردت، وناطق إن أصغيت، وساكت إن أعرضت، ومتحدث بكل لسان، وواصلك بكل مكان. إن شئت معلمًا فمعلم، أو غناءً فمغن، أو فنًّا ففنان — يهزل حيث تحب الهزل، ويَجِد حيث تهوى الجد، يمتاز عن التليفون بأن التليفون طالب ومطلوب، فإذا كان طالبًا فقد يفجعك بخبر، أو يوقظك من نوم، أو يحملك مطلبًا يشق عليك. أو يصلك بمحدث يثقل على نفسك، ثم تريد أن تتخلص منه فلا تستطيع فقد لزم الأمر، وحُم القضاء. أما الراديو فليس إلا مطلوبًا، وهو عبد مطيع، وخادم أمين. إما ساكت أو متكلم بما أحببت، نديم ظريف، جُهَينة أخبار، وحقيبة أسرار، ترياق الهم، ورُقْية الأحزان، قد تكون له مساو لم أتعرفها، فإن جربتها فسأحدثك عنها.
أين أنت أيتها الخادمة التي عجبت من حنفية الماء، وأين أنتِ أيتها الأخرى التي عجبت من مصباح الكهرباء، ولو كنتما اليوم في بيتنا لشاركتكما العجب، ولوقفت معكما حائرًا من العلم الحديث، والفن الحديث، ولانفردْتُ عنكما بالحزن العميق على أن ليس لنا من هذه المخترعات إلا المشاركة في الاستهلاك لا في الإنتاج، وأننا — في مواسير الماء ومصابيح الكهرباء، وآلات الراديو والتليفون، وما إلى ذلك من شؤون المدنية — لنا أن نشتري وليس لنا أن نبيع لنا أن نكون من النظارة، ولكن ليس لنا أن نكون من الممثلين، ولنا أن نستورد ولكن ليس لنا أن نصدر.
إن كنت أيها الراديو قد دخلت البيت أخيرًا فلست آخر ما يدخل، فهم يحدثوننا عن سلك آخر سيدخل قريبًا يحمل الصور كما تحمل أنت الصوت؛ فإن كنا الآن نسمع لك فسنسمع بعدُ ونرى. ومن يدري! لعل أسلاكًا أخرى تدخل فتوزع الحرارة والبرودة بقدر، وأسلاكًا وأسلاكًا؛ بل لعل هذه الأسلاك لا تعجب الجيل القادم فيراها بعد أن يتحرر رمزًا لعصر بغيض أولع الناس فيه بالقيود حتى سلسلوا بيوتهم بهذه السلاسل، وسيهزأون بهذا النوع من الحياة الساذجة التي تستعين على الرغبات بالمواسير والأسلاك، وسينظرون إلينا كما ننظر نحن إلى سكان ما قبل التاريخ، وسيعجبون إذا فرحنا باتصالنا بأهل الأرض مع أنهم اتصلوا بأهل السماء. وستعود البيوت من غير أسلاك ولكنها وافية بالمطالب التي نستمتع بها. والتي نصبوا إليها، والتي لا يقدر أجيالنا الآن حتى على الحلم بها، ويخلق ما لا تعلمون.

عدوُّ الديمقراطية


لندع الديمقراطية السياسية، فلها نظرياتها ورجالها، ولها نزاعها الحار بين أنصارها وأعدائها.
ولنتكلم في الديمقراطية الاجتماعية وأعدائها — فأكبر مظاهرها الاشتراك في مرافق الحياة من غير أن تتميز طبقة من طبقة؛ فإذا رأيت في القطار درجة أولى وثانية وثالثة فهذا مظهر أرستقراطي، وإذا رأيت ذلك في عربات الترام والسيارات العامة والسينما والتمثيل فهذا أيضًا مظهر من مظاهر الأرستقراطية؛ وإذا رأيت أحياءَ يُعنَى فيها بالكنس والرش والنور، وأحياء لا يعنى فيها هذه العناية فهذا مظهر من مظاهر الأرستقراطية، وإذا رأيت في المآتم والأفراح كراسيَّ ضخمة مذهبة، وأخرى بسيطة ساذجة، وقومًا يستقبلهم آل الميت وآل العرس بالحفاوة فيجلسونهم في الصدر، وآخرين يُستقبلون في غير حفاوة فيُجلسون في الذيل؛ فهذا أيضًا مظهر من مظاهر الأرستقراطية؛ وإذا رأيت قاعات المحاضرات أماكن حجزت لكبار المدعوين وأخرى حقًّا مشاعًا للدهماء، فهذا كذلك مظهر من مظاهر الأرستقراطية؛ وإذا رأيت الحجاب على الأبواب يفتحونها لمن نزل من سيارة، ويغلقونها في وجه ذي الجلباب الأزرق، فذلك نوع من الأرستقراطية؛ وإذا رأيت مقهى أفرنجيًّا فيه فنجان القهوة بخمسة قروش أو تزيد، ومقهى بلديًّا فيه فنجان القهوة بخمسة مليمات أو تنقص، فهذا مظهر من مظاهر الأرستقراطية؛ ولا أسترسل في ذلك، فلعلك — يا صاحبي — فهمت مظاهر الأرستقراطية والديمقراطية، وعلمت أنك في كل خطوة تخطوها ترى هذه المظاهر في أشكالها المختلفة، وألوانها المتعددة.
وهناك دعاة يدعون إلى هذه الديمقراطية الاجتماعية، كما أن هناك دعاة يدعون إلى الديمقراطية السياسية، ولهم على ذلك حجج وبراهين.
ولكن لعل أعدى أعداء الديمقراطية وأهم طعنة توجه إلى دعاتها، وأقوى حجة يتسلح بها دعاة الأرستقراطية شيء واحد هو «القذارة»؛ فأكثر تصرفات الأرستقراطيين وأشباههم عذرهم فيها طلب النظافة والترفع عن القذارة.
قد يركب راكب الدرجة الأولى في القطار أو الترام أو السيارات طلبًا للوجاهة وخشية أن يراه الناس بين الناس بين جمهور الفقراء، أو نحو ذلك من أعذار كلها سخيفة، ولكن عذرًا واحدًا يصح أن يقام له وزن، وهو قذارة بعض ركاب الدرجة الثالثة والخوف من أذاهم ومن عدواهم.
وقد يتطلب بعض الناس أعلى مطعم وأغلى مقهى حبًّا في الظهور ورغبة في الجاه. وطلبًا لمخالطة العظماء، ولكن العذر صحيح أنه ينشد النظافة في هذا المطعم وهذا المقهى، ويفر من قذارة المطاعم الرخيصة والمقاهي الرخيصة.
فلو عني الناس بالنظافة، وكان من لَبِسَ لَبِسَ نظيفًا، ومن فتح مطعمًا أو مقهى عني بنظافته، وكان الفرق بين لبس الغني والفقير، والمطعم الغني والفقير ليس فرقًا في الكيف، فالكل نظيف، وإنما هو فرق في النوع والكم، لانهارت الأرستقراطية الاجتماعية في كثير من نواحيها، ولما تقززت أوساط الناس وخيارهم من أن يخالطوا الفقراء في مأكلهم ومشربهم ومركبهم، ولسلحوا الديمقراطية بسلاح قوي متين؛ ولهذا ترى الأمم التي عنيت بالنظافة والتزمتها في صغيرها وكبيرها، وفي فقرها وغناها قد أفسحت الطريق أمام محبي المساواة ودعاة الديمقراطية. وتراهم وقد قضوا على اختلاف الدرجات في السيارات العامة، وقل منهم من يركب الدرجة الأولى في القطار، وقل من يتطلب أفخم مطعم وأغلى مقهى، علمًا منهم بأن الكل نظيف والكل مريح. وأن الذين يركبون بجوارهم أو يجلسون بجانبهم لا يؤذونهم بمنظرهم ولا برائحتهم ولا بأي شيء فيهم، إنما تتميز هذه الطبقات بوضوح وجلاء، في مرافق الحياة الاجتماعية حيث تفشو القذارة.
إن عقلاء الناس يحتملون الديمقراطية الاجتماعية بل يتعشقونها، ولكن إذا وصل الأمر إلى احتمال عدوى مرض، أو آلمت أنوفهم رائحة كريهة، أو آلم عيونهم منظر بغيض، سهل عليهم بيع الديمقراطية للأرستقراطية.
•••

لو جرى الأمر على المعقول لكان المسلم من أنظف الناس في العالم، فقد رُبطت صلواته الخمس بالوضوء، وفُرض عليه الاستحمام في أوقات، وكان أول باب من أبواب فقهه باب الطهارة.
وأغتبط إذ أسمع وصف «ابن سَعِيد» لمسلمي الأندلس فيقول فيهم: «إنهم أشد خلق الله اعتناءً بنظافة ما يلبسون وما يفرشون، وغير ذلك مما يتعلق بهم. وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه فيطويه صائمًا، ويبتاع صابونًا يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعة على حالة تنبو العين عنها».
ويؤلمنى أشد الألم ما ذكره ابن سعيد نفسه، وقد زار القاهرة، وركب منها حمارًا إلى الفسطاط إذ يقول: «فأثار الحمار من الغبار الأسود ما أعمى عيني، ودنس ثيابي، وعاينت ما كرهت، وقلت:
لقِيتُ بمصر أشَد? البوارْركوبَ الحِمَارِ وكُحْلَ الْغُبَار» أَلِمَ من منظر الفسطاط، وقال: إنه رأى شوارعها غير مستقيمة، ورأى حول أبوابها من التراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النظيف، ويغض طرف الظريف، ورأى البياعين يبيعون في مسجد عمرو، والناس يأكلون فيه، ورأى في زوايا المسجد العنكبوت، قد عظم نسجه في السقوف والأركان والحيطان، ورأى حيطانه مكتوبًا عليها بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة من كتابة فقراء العامة، إلخ …
آلمني هذا الوصف لمصر، ولو زارها اليوم لما عثر بحماره، ولأقلته سيارة فخمة من باب زويلة إلى الفسطاط في أرض معبدة ممهدة، لا تثير غبارًا ولا تدنس ثيابًا، ولرأى مسجد عمرو نظيفًا، لا يأكل فيه آكل، ولا يكتب على حيطانه كاتب.
ولكن هل كان يعدل عن حكمه القاسي في مقارنته بين أهل مصر وأهل الأندلس في النظافة؟ ذلك ما أشك فيه كل الشك.
لست أدري: لِمَ لم يلتفت الدعاة إلى هذا الأمر في الأمة، فيدعون ويلحون في الدعوة إلى النظافة، ويضعون الخطط الدقيقة لها، فإنها خير وسيلة للتقريب بين طبقات الأمة، فلا يأنفُ بعد مثقف أن يجلس مع المثقفين، ولا متعلم أن يجالس غير المتعلمين، وفي هذا الاختلاط نشر للثقافة، ودعوة للآداب العامة وغلبة للعنصر المهذب.
يظن الناس أن النظافة غالية، وأنها مرتبطة بالغنى، وهذا خطأ بين، فكم من غني قذر، ومن فقير نظيف؛ والأمر يتوقف على تعود النظافة أكثر مما يتوقف على المال، فليست النظافة أن تلبس أغلى اللباس، وأن تأكل أفخم الطعام، وإنما النظافة أن تلبس نظيفًا ولو كان أحقر الثياب، وأن تأكل نظيفًا ولو كان أحقر الطعام.
هذه بديهيات أولية، ولكنا مع الأسف مضطرون أن نقولها.
•••

لعل الأمر في العلماء والأدباء على نحو ما بينا في الماديات؛ فالذي يفرق بين عالم أرستقراطي وعالم ديمقراطي، وأديب أرستقراطي وأديب ديمقراطي، هو نظافة آراء الأولين وأفكارهم وأسلوبهم؛ وعكس ذلك في الآخرين. ولو التزم كل العلماء والأدباء نظافة نظرياتهم، ونظافة كتاباتهم مهما اختلفت في النوع والقيمة لانهارت الأرستقراطية العلمية والأدبية أيضًا، ولكان الكل سواءً في الاحترام.

الموتُ والحياةُ?


أبت علي نفسي أن تكتب اليوم إلا في الموت، وهل نتاج الكاتب إلا قطعة من نفسه؟ يفرح فيرقص قلبه، وينقبض فيسيل قلمه بالدمع، وقد كرهت للقراء عنوان الموت، فأضفت إلى الموت الحياة. ولست أدري لِمَ يُلطف ذكر الحياة الموت، ولا يلطف ذكر الموت الحياة!
دعا إلى هذا أني فجعت هذه الأيام بموت أصدقاء كأنهم كانوا على ميعاد، وكأن لموت الأصدقاء أيضًا موسمًا كسائر المواسم وإن لم يحدد زمنه ويعرف مداه.
تنفـك تسمع ما حييــتَ بهالكٍ حتى تَكُونَهْوالمرء قد يرجـو الحياةَ مُؤَملًا والموتُ دُونَـهْ وكان آخر صديق استعجل الموت فأنشب في المنية أظفاره قبل أن تُنْشب فيه أظفارها، وقَطَعَ حظه من الدنيا قبل أن تستوفي حظها منه، لم يصبه سهم القضاء فأخذ السهم منه ورماه بنفسه في نفسه، فمضى سابقًا أجله — غربت شمسه ضحى، واستكملت ساعته دقاتها قبل ميعادها.
كان سريّ النفس، نبيل الخلق، طيب العنصر، يغبطه كل من عرفه على ما وهب من خلال، وما تهيأ له من وسائل الرفاهة وأسباب النعيم؛ وما دروا أن الأمر في السعادة والشقاء إلى ما في داخل النفس لا ما في خارجها، وأن نفوسًا قد تشقى في النعيم، ونفوسًا قد تسعد في الشقاء.
جزعت لموته واستكنت للعبرة، وفقدت بفقده السلطان على دمعي وقلبي، فرحمه الله ورحمني.
•••

ولكن ما الجزع من الموت وقد طال عهدنا به وعرفه بنو آدم منذ عرفوا الحياة؟ ولمَ لم يألفوه كما ألفوا كثيرًا من المُر حتى اعتادوه؟ وليس الموت في ذاته مرًّا ولا أليمًا، وكما قال أحد الرواقين: «إن الموت هو وحده المصيبة التي لا تمسنا، ففي حياتنا لا موت، وإذا جاء الموت فلا حياة». وقد نظم المتنبي هذا المعنى فقال:
والأسَى قَبْلَ فرقة الرُوحِ عَجْزٌوالأَسَى لا يَكُونُ بَعْدَ الْفِراقِ ولكن أعظمَ الناسُ شأن الموت لما أحاط به من ظروف، وما اتصل به من خيالات، وأثير حوله من رعب — بالغ بعض رجال الدين في تفظيع الموت، وهولوا من شـأنه تهويلًا تنخلع له القلوب، وتقشعر منه الجلود؛ لأنهم رأوا في ذلك درسًا قاسيًا يردع المجرم عن إجرامه، ويزع الآثم عن إثمه؛ ولكن أخشى أن يكونوا قد أفرطوا إفراطًا شل النفس وأشاع فيها اليأس، وأنهم — وقد عهد إليهم أن يعادلوا بين الترغيب والترهيب — قد أرهقوا كفة الترهيب حتى ثقلت وهوت، وخففوا كفة الترغيب حتى شالت وعلت؛ ولعل هذا كان من الأسباب التي جعلتنا نتسخط الحياة ونتبرم بها، ثم ما هذه الأخلاق التي هي أشبه ما تكون بأخلاق العبيد! لا نُدْعى للخير إلا بالعصا، ولا تطلب منَّا الفضيلة إلا بالسياط! — أليس خيرًا من ذلك أن يحدونا إلى خير الحب، لا أن يسوقونا إليه الرعب؟
ثم زاد الموت سوءًا ما أحاطه به الأحياء من مظاهر الفزع والألم؛ فصراخ تنفطر له المرائر، وبكاء يذيب لفائف القلوب، والناس حول الميت بين ساهم البصر، ومطرق الطرف، ومكروب النفس، وناكس الرأس، يتأوه الآهة تنقصف منها ضلوعه، ويزفر الزفرة تتصدع منها نفسه. لست أظن أن هذا وأمثاله من طبيعة الإنسان. قد يكون من طبيعته الحزن على فقد القريب والصديق، ولكن ليس من طبيعته الجزع؛ فلو اعتاد قوم أن يقابلوا الموت كما يقابلون أي ظاهرة طبيعية في الحياة لزال الجزع وخف الألم، كما حدث عند بعض الأمم، استطاعوا أن يضبطوا عواطفهم وينفقوا من الحزن بقدر، وأن يرددوا قول القائل: «مات الميت فليحيى الحي»، وتفاخروا بالجلد كما نتفاخر بالجزع، وتواسَوْا بالثبات، كما نتواسى بالهلع.
ثم كان من الأدباء ما كان من رجال الدين: حزنوا للشيب إذ فقدوا الشباب أكثر مما فرحوا بالشباب يوم أن كان، ووقفوا في مراثيهم موقف النادبات في المآتم، يعجبون كيف كان الموت وكيف نزل، ويلهبون عواطف الناس، ويثيرون أشجانهم، ويعدون أقدارهم على القول وأقربهم إلى الإجادة من عرف كيف يستخرج الدمع ويستنزف الشئون، فكان من هذا وذاك إفساد عواطف الناس من الموت ودفعهم إلى المغالاة في المشاعر.
ثم أخطأ الناس في القياس، فظنوا أن النفس تألم في الحياة الأخرى بما تألم به في الحياة الدنيا؛ ظنوا أن القبر يوحش بعزلته كما يستوحش الحي من عزلته، وأن القبر يرهب بضيقه وظلمته، كما يتبرم الحي بضيق المكان وظلمته، وأن الميت يألم من البرد القارس كما نألم، ويضجر من الحر القاسي كما نضجر، وغاب عنهم إدراك الفرق بين الحياتين، والاختلاف الواسع بين الطبيعتين:
إذا افترقت أجزاء جسمي لم أبَلحلولَ الرزَايَا في مَصِيف ولا مشْتَى •••

إن تفظيع الموت يدعو إلى نوع من الحياة لا هو حياة ولا هو موت. ولعل كثيرًا من رذائل الشرق سببه ما اعتاده قادتهم من تهويل الموت وتفظيع شأنه؛ وإلا فما الذي يجعلنا نرضى بالعيش الذليل بين أحضان آبائنا وأمهاتنا، ولا نتطلب العيش السعيد بالهجرة والارتحال؟ وما الذي يدعونا إلى الفرار من المغامرة في شئون الحياة، والركون إلى عيش الدعة والاطمئنان، إلى كثير من أمثال ذلك؟ لا شيء إلا المغالاة في الخوف من الموت، للمغالاة في تهويل الموت.
لقد جَل خَطْب الحياة إن كان كلما مات قريب أو صديق ذابت النفس حسرات، وأظلمت في وجوهما الدنيا، وتطرق إلينا اليأس؟
لا.لا. اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، وتبًّا لهؤلاء الذين يخلعون قلوبنا بالموت فنكون طعمة لمن يحبون الحياة.
ولنبدأ دعوة جديدة قوامها العمل للحياة «ولا بأس بالموت إذا الموت نزل».
? كتبت على أثر انتحار أستاذ في الحقوق صديق.
الضَّحِك


ما أحوجني إلى ضَحْكة تَخْرُج من أعماق صدري فيدوي بها جوي ضحكة حية صافية عالية، ليست من جنس التبسم، ولا من قبيل السخرية والاستهزاء، ولا هي ضحكة صفراء لا تعبر عما في القلب؛ وإنما تعبر عما في القلب؛ وإنما أُريدها ضحكة أُمسك منها صدري، وأفحص منها الأرض برجلي، ضحكة تملأ شدقي، وتُبدي ناجذَيَّ، وتفرج كربي، وتكشف همي.
ولست أدري: لماذا تجيبني الدمعة، وتستعصي على الضحكة، ويسرع إلي الحزن، ويبطئ عني السرور، حتى لئن كان تسعة وتسعون سببًا تدعو إلى الضحكة وسبب واحد يدعو إلى الدمعة، غَلب الدمع وانهزم الضحك، وأطاع القلب داعي الحزن ولم يطع دواعي السرور!
ولي نفس قد مَهَرت في خلق أسباب الحزن، ونبغت في اقتناص دواعيه، تخلقها من الكثير، ومن القليل، ومن لا شيء، بل وتخلقها من دواعي الفرح أيضًا؛ وليست لها هذه المهارة ولا بعضها في خلق أسباب السرور، كأن في نفسي مستودعًا كبيرًا من اللون الأسود، لا يظهر مَظْهر أمام العين حتى تسرع النفس فتغترف منه غَرْفة تسود بها كل المناظر التي تعرض لها؛ ثم ليس لها مثل هذا المستودع من اللون الأحمر أو اللون الأبيض!
يقولون لي: اضحك يدخل على قلبك السرور. وأنا أقول لهم: أَدْخِلوا السرور على قلبي أضحك. ففي المسألة «دَوْر»، كما يقول علماء الكلام، وكما يقول الشاعر:
مسالة «الدوْر» جَرَتْبيني وبين من أحبلولا مشيبي ما جَفَالولا جفَاه لم أشِب وإلى الآن لم أدر مَن المصيب! هل الضحك يبعث السرور، أو السرور يبعث الضحك؟ ودخلَت المسألة في دور من الفلسفة مظلم كالعادة، وانتقلَت إلى بحث بيزنطي، فلنغلق هذا الباب، ولنعد إلى «الضحك».
يقول المناطقة في أحد تعريفاتهم للإنسان: «الإنسان حيوان ضاحك»، وهذا عندي أظرف من تعريفهم الآخر: «الإنسان حيوان ناطق»، فالإنسان في هذا الزمان أحوج إلى الضحك منه إلى التفكير، أو على الأصح نحن أحوج ما نكون إلى التفكير والضحك معًا.
ولكن لِمَ خصت الطبيعة الإنسان بالضحك؟
السبب بسيط جدًّا. فالطبيعة لم تحمل حيوانًا آخر من الهموم ما حملته الإنسان، فهَم الحمار والكلب والقرد وسائر أنواع الحيوان أَكْلَة يأكلها في سذاجة وبساطة، وشربة يشربها في سذاجة وبساطة أيضًا؛ فإذا نال الحمار قبضة من تبن وحفنة من فول وغرفة من ماء، فعلى الدنيا العفاء؛ ولكن تعال معي فانظر إلى الإنسان المعقد المركب! يحسب حساب غده كما يحسب حساب يومه، وكما يحسب أمسه؛ ويخلق من هموم الحياة ما لا طاقة له به، فيحب ويهيم بالحب حتى الجنون، ويشتهي ويعقد شهواته حتى لا يكون لعقدها حل، فإذا حُلت من ناحية عقدها من ناحية؛ ثم إذا سذجت اللذة وتبسطت لم تعجبه، بل أخرجها من باب اللذة، وعقد أملًا على لذة معقدة؛ وإذا تفلسف — والعياذ بالله من فلسفته — خرج بها عن المعقول، وحاول أن ينال ما فوق عقله، ولم تعجبه الأرض والسماوات مجالًا لبحثه؛ إنما يريد الحقيقة والماهية والكُنْه، وويل له من كل ذلك! أستغفر الله؛ فقد نسيت أن أذكر هموم الموظف بالعلاوات والترقيات، وما كان منها استثنائيًّا، وما كان غير استثنائي، وما يترتب على ذلك من معاشات وحساب تمغة، وما إلى ذلك من أمور لا تنتهي، وهذا أيضًا من ضروب الفلسفة المظلمة، فلنعد إلى الضحك.
أقول: إن الطبيعة عودتنا أن تجعل لكل باب مفتاحًا، ولكل كرب خلاصًا، ولكل عقدة حلًّا، ولكل شدة فرجًا؛ فلما رأت الإنسان يكثر من الهموم ويخلق لنفسه المشكلات والمتاعب التي لا حد لها، أوجدت لكل ذلك علاجًا، فكان الضحك.
والطبيعة ليست مسرفة في المِنَح، فلما لم تجد للحيوانات كلها همومًا لم تضحكها، ولما وجدت الإنسان وحده هو المهموم المغموم، جعلته وحده هو الحيوان الضاحك.
•••

لو أنصف الناس لاستغنوا عن ثلاثة أرباع ما في «الصيدليات» بالضحك، فضحكة واحدة خير ألف مرة من «برشامة أسبيرين» وحبة «كينين» وما شئت من أسماء أعجمية وعربية؛ ذلك لأن الضحكة علاج الطبيعة، والأسبيرين وما إليه علاج الإنسان؛ والطبيعة أمهر علاجًا وأصدق نظرًا وأكثرُ خنْكة. ألا ترى كيف تعالج الطبيعة جسم الإنسان بما تُمده من حرارة وبرودة، وكرات حُمر وبيض، وآلاف من الأشياء يعالج بها الجسم نفسه ليتغلب على المرض ويعود إلى الصحة، ولا يقاس بذلك شيء من العلاج المصطنع.
فانفجار الإنسان بضحكة يُجري في عروقه الدم؛ ولذلك يحمر وجهه، وتنتفخ عروقه؛ وفوق هذا كله فللضحكة فعل سحري في شفاء النفس وكشف الغم، وإعادة الحياة والنشاط للروح والبدن، وإعداد الإنسان لأن يستقبل الحياة ومتاعبها بالبشر والترحاب.
ولو أنصفنا — أيضًا — لعددنا مؤلفي الروايات المضحكة والنكت والنوادر البارعة التي تستخرج منك الضحك وتثير فيك الإعجاب والطرب، وهؤلاء الذين يُضْحكون بأشكالهم وألاعيبهم وحركاتهم — أقول: لو أنصفنا لعددنا كل هؤلاء أطباء يداوون النفوس، ويعالجون الأرواح، ويزيحون عنا آلامًا أكثر مما يفعل أطباء الأجسام، ولعددنا من يستكشف الضحكات في عداد من يستكشف دواء للسل أو للسرطان أو نحو ذلك من الأدواء المستعصية؛ فكلاهما منقذ للإنسان من آلام، مصلح لما ينتابها من أمراض.
والضحك بَلْسم الهموم ومرهم الأحزان؛ وله طريقة عجيبة يستطيع بها أن يحمل عنك الأثقال، ويحط عنك الصعاب، ويفك منك الأغلال — ولو إلى حين — حتى يقوى ظهرك على النهوض بها، وتشتد سواعدك لحملها.
•••

ومن مظاهر رقي الأمم أن نجد نواحي المضحكات ملائمة لاختلاف الطبقات: فللأطفال قصصهم وألاعيبهم ومضحكاتهم، ولعامة الشعب مثل ذلك، وللخاصة وذوي العقول الراقية المثقفة ملاهيهم وأنديتهم ومضحكاتهم. فإن رأيت أممًا — كأممنا الشرقية — حُرِمَ مثقفوها من معاهد الضحك، وكانت مسلاتهم الوحيدة أن ينحطوا ليضحكوا، أو يرتشفوا من الأدب الغربي والتمثيل الغربي ليضحكوا، فهي أمم ناقصة في أدبها، فقيرة في معاهدها؛ وهذا أيضًا ضرب من ضروب الفلسفة المظلمة، فلنعد إلى الضحك.
•••

تعال معي نتعاهد على أن نرعى في حياتنا جانب الضحك كما نرعى جوانب الصحة والمرض، وجانب الهزل بجوار جانب الجد، ولنتخذ علاجًا في بعض أمورنا.
قال لي صديق مرة: إنه حاول أن يتغلب على همومه وأحزانه بعلاج بسيط فنجح؛ ذلك أنه إذا اشتد به الكرب، وتعقدت أمامه الأمور حتى لا يَظن لها حلًّا، انفجر بضحكة مصطنعة فسُري عنه وتبخرت همومه.
ويروى أنه كان عند اليونان فيلسوفان يلقب أحدهما الفيلسوف الضاحك، والآخر الفيلسوف الباكي؛ كان أولهما يضحك من كل شيء ضحِكَ جِد أحيانًا، وضحك سخرية أحيانًا. يضحك من سخف الناس ومن وضاعتهم وحقارتهم، ويبكي الثاني مما يضحك منه الأول.
وقرات مرة قصة لطيفة أن بئرًا ركب عليه دلوان، ينزل أحدهما فارغًا، ويطلع الآخر ملآن، فلما تقابلا في منتصف البئر سأل الفارغ الملآن: مِم تبكي؟ فقال: وما لي لا أبكي؟ أخذ الرجل مائي وسيأخذه وسيعيدني إلى قاع البئر المظلم! وأنت مم تضحك وترقص؟ فقال الفارغ: وما لي لا أضحك؟ سأنزل البئر وأمتلئ ماءً صافيًا وأطلع بعدُ إلى النور والضياء.
وقد أراد مؤلف القصة أن يصور نفس الموقفين اللذين وقفهما الفيلسوف الضاحك والفيلسوف الباكي، وأن الحياة مليئة بأشخاص يتولون عملًا واحدًا، ثم هذا ينظر إليه من الجانب السار الفرح، وذاك ينظر إليه من الجانب الحزين القابض.
فكن الفيلسوف الضاحك، ولا تكن الفيلسوف الباكي. وكن الدلو الراقص، ولا تكن الدلو الدامع. وجرب أن تلقى الحياة باسمًا أحيانًا، ضاحكًا أحيانًا، ولأجرب معك!

سيدنا


كان لسيدنا الشيخ «سيد عبد الرحمن» كتاب في حي وطني في قسم الخليفة، أسلمني له أبي وأنا في السادسة من عمري.
كان هذا الكتاب بيتًا من بيوت الوقف، يتكون من طابقين، طابق أرضي فيه حجرتان إحداهما «سبيل» لسقي الماء كان قد هجر عند ما ذهبت إليه، والأخرى لسيدنا ينام فيها أحيانًا؛ وفي الطابق العلوي حجرتان كذلك، إحداهما لأولاد الكُتاب يقرءون فيها، والأخرى لسيدنا أيضًا، وبين الحجرتين «فَسَحة» في أحد أركانها زير ماء لا تعرف لونه مما توالى عليه من أحداث الزمان، وعليه غطاء من خشب، قد كسر ولم يهتم أحد بإصلاحه، وعلى الغطاء كوز صفيح قد شد بحبل في مسمار في الحائط، حتى لا يذهب به الأولاد من مكان إلى مكان، وخشية أن يقع الكوز في أسفل الزير، فإذا كان مربوطًا ووقع استطعنا أن نشده بالحبل، والماء إن تلوث بوقوع الحبل فيه، فهو أقل ضررًا من مد اليد عارية وغوصها لاستخراجه.
وأدوات الكُتاب: حصير فرش على البلاط، يبلى أحيانًا فتتناثر عيدانه، ومع ذلك يبقى إلى أن يحنن الله على سيدنا فيشتري حصيرًا جديدًا، وصندوق من صناديق السكر أو الجاز وضع في زاوية من زوايا الحجرة، نضع فيها ألواحنا؛ وهذه الألواح أكثرها من صفيح، تسود أحيانًا ويذهب طلاؤها حتى لا نتبين الكتابة منها — وكيف يبين أسود من أسود؟ وأقلها خشب قد طلي بدهان أبيض، وله إطار لُون بلون بُني، وذلك خاص بأولاد الذوات وأشباههم.
هذا كل ما بالكُتاب من أدوات؛ ومعاذ الله أن أنسى شيئًا أهم من ذلك كله، وهو مجموعة عِصِى من جريد النخل، تختلف طولًا وقصرًا. أما القصيرة فيستعملها سيدنا لمن يُسمع اللوح أو «الماضي» فيخطئ فتدركه هذه العصا. وأما الطويلة فعندما يرى سيدنا طفلًا في آخر الحجرة لا يهتز وقت قراءته أو يتهاون في حفظه، فما يشعر إلا والعصا الطويلة نزلت عليه وصحبها من سيدنا «اهتز يا ولد». وقد كان لهذه العصا — ما طال منها وما قصر — أثر في نفوسنا لا ينكر؛ فكثيرًا ما رعبنا لأن خيالنا صور لنا أن سيدنا يريد أن يهوِيَ علينا بعصاه؛ وفي الواقع لم يكن شيء من ذلك، وإنما هو الرعب ملك نفوسنا؛ ويحصل هذا أحيانًا حتى في البيت، فننسى أننا خرجنا من الكتَّاب، وأننا بين أهلينا، فنرتجف بغتةً لحركة تشبه حركة سيدنا في الكُتاب.
وإلى جانب هذه العصى «فلقة»، وهي عصا غليظة من خشب متين قد ثقب في وسطها ثقبان يبعد ما بينهما نحو شبر، ورُكب في هذين الثقبين سير من جلد أو نحوه؛ فإذا شكا الولدَ أبوه أو غضب عليه سيدنا أدخل رجليه في هذا السير ولواه عليهما، وأمسك بطرفي الفلقة ولدان كبيران شديدان من أولاد الكُتاب، فلم تستطع الرجلان حركة، وانهال عليه سيدنا ضربًا بالعصا والولد يصيح: «في عرضك يا سيدنا» «حرمت» «أتوب»! ولست أنسى مرة أفرط فيها سيدنا فشق عقبي وسال منه الدم، وكان عزائي الوحيد أني مكثت بعيدًا عن سيدنا نحو أسبوعين.
وهذا كل ما كان في الكُتاب من «موبيليات».
كان سيدنا يحفظ القرآن حفظًا جيدًا، ويكتب كتابة عاجزة، وهذا هو ما له من ثقافة؛ كان يطوف في الصباح على البيوت يقرأ فيها ما تيسر من القرآن ويخرج من بيت إلى بيت حتى يتم دورته، وكان موظفًا في مسجد يؤذن فيه، فإذا حان وقت الظهر أو العصر خرج من الكُتاب للأذان والصلاة؛ وفي غيابه صباحًا أو ظهرًا أو عصرًا يتركنا لعريف يقوم مقامه، ولكن كان العريف ولله الحمد أهون علينا من سيدنا، فكنا نتنفس الصعداء إذا خرج، ونصاب بالرعشة إذا حضر.
وكان برنامج الكتاب ينحصر في كلمة هي «تحفيظ القرآن» فيبتدئ بتعليم حروف الهجاء على طريقة غريبة، فأول درس كان هو «أ ألف» وهي كلمة حفظتها ولم أفهمها إلا وأنا طالب في مدرسة القضاء؛ إذ فهمت أننا لو تهجينا كلمة ألف لكانت ألفًا ولامًا وفاءَ، وما أدري ما السر في هذا البدء على هذا الوضع — حتى إذ عرف الولد شيئًا من القراءة والكتابة بدأ بكتابة جزء من القرآن في اللوح يحفظه كل يوم، وهو في أثناء ذلك «يُثَبت الماضي» ويمضي النهار كله في هذا الباب، فلا إملاء ولا حساب، ولا يعرف سيدنا شيئًا من ذلك ولا نستريح من هذا الباب إلا وقت الغداء.
فإذا حان الظهر جمع «سيدنا» من كل ولد مليمين أو ثلاثة أو خمسة، ثم بعث بولد كبير فأتى له بماجورين مملوءين: أحدهما فيه قليل من فول نابت وكثير من مرق، والآخر مملوء مخللًا بمائه وخله؛ وتحلق الأولاد حلقة، وأخرج كل رغيفه، وكان قد أحضره معه في الصباح تحت إبطه، وضربوا بأيديهم في الماجورين وأكلوا هنيئًا مريئًا؛ وقد رحمني الله من تمثيل هذا الفصل إذ كان بيتنا بجوار الكتاب أستطيع أن آكل فيه وأعود — وبين هؤلاء المريضُ والقذِر ومن تلوثت يده بالحبر ومن أُصيب بعاهة.
لا تعجبنْ من هالك كيف ثَوىبل فاعْجَبَنْ من سالِمٍ كيف نجا •••

كان سيدنا غريب الأطوار، عرف في الحي باسم الشيخ سيد المجذوب، يلبس المرقع من الثياب، فلم أره يومًا يلبس «مركوبًا» جديدًا ولا عمة نظيفة ولا قباءَ ولا عباءة جديدين، فكأنه كان يتحرى القديم من كل شيء ويشتريه؛ كان يتزهد في أكله ولبسه وحديثه، ويهزأ بالناس ولا يعيرهم التفاتًا؛ فهو يمشي مشيًا يشبه الجري، ويأكل في الشارع وهو على هذه الحال، وإذا ناداه مناد لا يلتفت إليه؛ فكان بذلك يلفت أنظار الناس والأطفال، ويعجب منه بعضهم، ويتبرك به بعضهم، وكان في المجالس العامة غريبًا ينتحي ناحية وحده ويفر من الناس ويستوحش منهم، وفي مجالسه الخاصة واعيًا أنيسًا لطيفًا.
لم أره مرة يقرأ في كتاب، وما أظنه كان يعرف ذلك، ولكني مع هذا أذكر له حادثة حيرتني حقًّا — فقد خرجت من كُتابه، وأتممت التعليم في مدرسة ابتدائية، ثم قطعت مرحلة بعدها في التعلم، ثم ذهبت إلى مدرسة القضاء ومكثت فيها نحو أربع سنوات؛ ثم لقيت سيدنا في الطريق فسلمت عليه في احترام وإجلال اعترافًا بفضله علي في أول مراحل التعليم، ولكني أطوي بين جنبي إدلالًا بنفسي عليه، فأين هو الآن مني؟ لقد درست طبيعة وكيمياء، ودرست رياضة نظرية واسعة من حساب المثلثات وتوافيق وتراتيب لوغارتمات، ودرست علومًا دينية مختلفة الأشكال والأنواع، وعلومًا مدنية من تاريخ وأصول قوانين ونظام إدارة وما إلى ذلك — فأين سيدنا من هذا كله وهو لا حظ له من علم إلا أن يحفظ القرآن؟ ولكن ما أدهشني حقًّا أنه أخذ يسألني عن حالي، وجرى من ذلك إلى الإدلَاء برأيه في العالم وفلسفة الكون عن طريق صوفي، فإذا أنا أسير معه ملتذًّا من حديثه معجبًا بقوله إعجابًا يفوق ما كنت أضمره لأساتذتي في المدارس العالية، وإذا أنا أذهب معه حيث يذهب وأجلس معه حيث يجلس حتى أتم حديثه الممتع اللذيذ في ساعتين أو أكثر، ولوددت أنه أطال أكثر مما كان — لست أذكر الآن حديثه وقوله، ولا أذكر ماذا كانت نظراته في الحياة، ولكني أذكر لذة حديثه وفائدة درسه.
•••

ثم ذهبَتْ أيام وجاءت أيام، وإذا لي ولد، وإذا بي أرسله إلى «روضة الأطفال»، وإذا مكان الكُتاب ذي السبيل والحصر، بناء فسيح ذو حديقة غناء، وتخت وأدوات شتى، ومكان العصى و«الفلقة» بيانو وآلات موسيقية، ومكان مواجير الفول والمخلل، لبن وبسكوت في الساعة العاشرة، وأكل نظيف يشرف عليه الطبيب في الظهر، ومكان برنامج كتَّابنا الذي ليس فيه إلا حفظ القرآن برنامج دقيق مفصل محدود بالساعة والدقيقة، فيه غناء وفيه لعب، وفيه مبادئ القراءة، وفيه ما شئت من تنوع واختلاف، ومكان سيدنا الشيخ سيد عبد الرحمن آنسات عزيزات.
وأتى ابني يومًا يقول: إن «أبلة» فلانة علمتهم اليوم درسًا جديدًا قالت: هذه «سِتي» ا، وهذه «ستي» ب، وستي ا لا شيء عليها، وستي ب من تحتها نقطة؛ فقلت: «أين هذا مما كنا نتعلمه من أ ألف، با با ليف، بو با واو، بي بايه»؟
ورأيته ينشد أناشيد «سمير الأطفال» ونحوها، فقلت: أين أنت من أبيك، وقد كان ينشد في العصر قبل الذهاب إلى البيت الأناشيد الدينية.
ورأيته يزكم فيجلس في البيت، ثم يذهب إلى المدرسة فتأبى عليه إلا أن يأتي بشهادة طبيب بأنه برئ ولم يكن مرضه معديًا، فقلت: لحا الله زمانًا لم نكن نعرف فيه طبيبًا، وكان حولنا في الكُتاب مرضى لا يعرفون أن الزكام مرض، وكان أصحاؤهم ومرضاهم يشربون من زير واحد بكوز واحد.
ورأيته في سنه لا يحفظ شيئًا، وكنت وأنا في سنه أحفظ جزءًا كبيرًا من القرآن.
ورأيته يعرف من الأشغال اليدوية والرسم والتلوين ما لا أعرفه إلى اليوم. ورأيته ورأيته، ورأيتني ورأيتني.
•••

أخشى أنا نكون في كلا الحالين مُفْرطين ومُفَرِّطين، وأن نكون في (كتابنا) قد غلونا، وفي رياض أطفالنا قد غلونا.
أخشى أن يكون الكُتاب قَسَا وأسرف في القسوة، ورياض الأطفال ماعت وأسرفت في الميوعة. أخشى أن نكون في كتابنا قد وضعنا أمام الطفل كل العقبات فلم يستطع أن يجتازها إلا القليل، ونحينا في «رياض الأطفال» كل العقبات فاجتازوها جميعًا؛ ولكنهم خرجوا لا يعرفون كيف يجتازون عقبة عرضت، ولا يصبرون على شدة ألمّت، ولا يتحملون مشقات العلم ومعاناة الدرس، ولا يعالجون ما يعن من مصاعب الحياة؛ وآية ذلك أن الجيل السابق — مع كثرة من تخلف — كانوا أصبر على الدرس وأحمل للمكاره والمشاق، وأن الجيل الحاضر أنعم وأظرف وألبق، ولكنهم لا يصبرون على مكروه حتى العلم.

نعمةُ الألم


لندع الآن جانبًا وصف ما كان من الخلاف بين علماء النفس في الألم، والفرق بينه وبين اللذة؛ ولندع كذلك بحوثهم الطويلة في تقسيم الألم إلى أنواع: فنوع منه كالذي نشعر به عند وجع الأسنان، ونوع كالذي نشعر به عند الفشل في محاولة، ونوع كالذي نشعر به عند مواجهة ما نكره … إلخ.
ولندع أيضًا بحوث علماء الأخلاق في أن الإنسان في جميع أفعاله يطلب اللذة، ولا يطلب شيئًا غيرها، ويهرُب من الألم، ولا يهرب من شيء غيره؛ وأنه حين يفر من لذة فإنما يفعل ذلك لطلب لذة أكبر منها، وأنه حين يتحمل الألم، فإنما هو يفر من ألم أكبر منه، أو يتطلب بألمه لذة أكبر مما تحمل — ولندع التعرض لما قام حول هذه النظرية من نزاع.
لندع هذا كله، ولننظر إلى أثر اللذة في الحياة العامة وأثر الألم فيها، فيخيل إلي أنَّا مدينون للألم بأكثر مما نحن مدينون للذة؛ وأن فضل الألم على العالم أكبر من فضل اللذة.
إن شئت فتعال معي نبحث في عالم الأدب: أليس أكثره وخيره وليد الألم؟ أوليس الغزل الرقيق نتيجة لألم الهجر أو الصد أو الفراق؟ ذلك الألم الطويل العريض العميق تتخلله لحظات قصيرة من وصال لذيذ؛ وليس هذا الوصال اللذيذ بمنتج أدبًا كالذي ينتجه ألم الفراق. وإن الأديب كلما صهره الحب، وبرح به الألم، كان أرقى أدبا، وأصدق قولًا، وأشد في نفوس السامعين أثرًا. ولو عشق الأديب فوفق كل التوفيق في عشقه، وأسفه الحبيب دائمًا، ومتعه بما يرغب دائمًا، ووجد كل ما يطلب حاضرًا دائمًا لسئم ومل، وتبلدت نفسه، وجمدت قريحته، ولم يخلف لنا أدبًا ولا شبه أدب؛ ولو كان مكان مجنون ليلى عاقل ليلى لكان كسائر العقلاء — إنما فَضَّل المجنون؛ لأن نفسه كانت أشد حسًّا وأكثر ألمًا.
لولا علو همة المتنبي ما كان شعره، وما علو همته؟ أليست كراهية الحياة الدون، والألم من أن يُعَد من سَقَط المتاع، والتطلع لأن يكون له الصدر أو القبر؟ وعلى هذا المحور دارت حياته، ودار شعره؛ ولو نشأ قانعًا لما فارق بلدته، ولكان سَقَّاء كأبيه يروي الماء ولا يروي الشعر.
وما قيمة المعرِّي لولا ألمه من الفقر والعمى؟ لو كان غنيًّا بصيرًا لما رأيت لزومياته ولا أعْجِبْت بكلماته، ولكان إنسانًا آخر ذهب فيمن ذهب؛ إنما خلده ألم نفسه، وأبقى اسمه قوة حسه.
ولو شئتُ لعددتُ كثيرًا من أدباء العرب والغرب، أنطقهم بالأدب حينًا ألم الفقر، وحينًا ألم الحب، وحينًا ألم النفي، وحينًا ألم الحنين إلى الأوطان، إلى غير هذا من أنواع الآلام.
نعم قد أجْدَت اللذة على الأدب كثيرًا — لقد أنتجت لهو امرئ القيس وطَرَفَة، وخمر أبي نواس، وفخر أبي فراس، ومجون الماجنين، وفكاهة العابثين؛ وكان غِنَى ابن المعتز ولذته ينبوعًا صافيًا لحسن التشبيهات، وجمال الاستعارات — وخلفت لذة هؤلاء أدبًا ضاحكًا، كما خلف الألم أدبًا باكيًا. خلفت اللذة أدب المسلاة (الكوميديا)، وخلف الألم أدب المأساة (التراجيديا)؛ ولكن أي الأدبين أفعل في النفس؟ وأيهما أدل على صدق الحس؟ وأيهما أنبل عاطفة؟ وأيهما أكرم شعورًا؟ أي النفسين خير: أَمَنْ يبكي من رؤية البائسين، أم من ضحك من رؤية الساخرين! أَمَنْ رأى فقيرًا فعطف عليه، أو هُزْأَة فضحك منه؟!
•••

على أني خشيت أن تكون اللذة التي أخرجت الأدب الضاحك ليست إلا ألما مفضضًا أو علقمًا مبهرجًا. أليست خمر أبي نواس محورها «وداوني بالتي كانت هي الداء»؟ أوليس قد هام بها فرارًا من ألم الدنيا ومتاعب الحياة؟
ولو فتشت عن دخيلة ابن المعتز، لرأيت ألمًا قد بطن بلذة، وجحيمًا في ثوب نعيم.
•••

ثم تعال إلى الحياة الاجتماعية، ألست ترى معي أن خير الأمم من تألم للشر يصيبه، والضر يلحق به؟ وهل تحاول أمة أن تصلح ما بها إلا إذا بدأت فأحست بالألم؟ أوليس من علامة تماثل المريض للشفاء أن يحس بالألم بعد الغيبوبة؟ ثم من هو المصلح: أليس أكثر قومه ألمًا مما هم فيه؟ أوليس هو أبعدهم نظرًا وأصدقهم حسًّا! دعته رؤية ما لم يروا، وإحساسه ما لم يحسوا، أن يكون أعمق منهم ألمًا وأشد منهم سخطًا، فلم يسعه إلا أن يجهر بالإصلاح، وأن يتحمل عن رضى ما يصيبه من ألم؛ لأن ألم نفسه مما يرى بهم، أكبر من أي ألم يناله منهم؟ — وما الوطنية؟ أليست شعورًا بألم يتطلب العمل؟
ومن نعم الله أن أوجد أنواعًا من الألم هي آلام لذيذة تتطلبها النفوس الراقية وتتعشقها. ولو عُرض عليها أن تعوض عنها لذائذ صرفة لما قبلتها. فلو عرض على الفيلسوف المتألم لذة غنى جاهل لرفض في غير تردد، ولو خير المصلح المجاهد ينغص عليه قومه، وينغص عليه بُعْد نظره، وينغص عليه قوة شعوره، ما اختار من حياته بديلًا — ذلك لأن آلامه سرى فيها نوع من اللذة لا يدركه إلا العارفون، وأصبح يهيم بهذا الألم اللذيذ، ويرى اللذة الصرفة لذة أليمة — وكل مُيسر لما خلق له.

ديمقراطيةُ الطبيعةِ


يعجبني البحر في جماله وبهائه، وجلاله ولا نهايته؛ ويعجبني كذلك في ديمقراطيته، فهو لا يسمح لأحد أن ينغمس في مائه إلا إذا تجرد من كل المظاهر الكاذبة التي خلقتها المدنية: من ملابسه التي تميز بين الغني والفقير، ومن ريائه ونفاقه ومظاهره التي اصطنعها ليجعل من الناس طبقات يتحكم بعضها في بعض. ففي البحر تتساوى الرءوس، لا غني ولا فقير، ولا ذو جاه ولا عديم الجاه، ولا عَالِم ولا جاهل، ولا حاكم ولا محكوم، لا يتميزون بشيء إلا بلباس البحر. وفي الحقيقة ليس هو لباس بحر، وإنما هو لباس البر، فليس للبحر لباس إلا ماؤه. ودليل أنه لباس البر أن الناس حاولوا به أن يتميز بعضهم من بعض، واتخذوا منه شعارًا للغنى والأناقة واللباقة والوجاهة؛ والبحر لا يعرف شيئًا من ذلك. إنما يعرف ذلك البر؛ ومن أجل هذا لا يكاد ينغمس الناس في البحر، حتى يسدل — بمائه الأزرق الجميل — ستارًا على كل أثواب الرياء، فلا ترى بعد إلا رءوسًا عارية لا يميز بينهما شيء من الصنعة؛ ثم هو يرسل أمواجه تداعب الناس على السواء، فتغازل الأسود كما تغازل الأبيض، وتصفع الجميل كما تصفع القبيح وتعبث بلحية العالِم كما تلعب برأس الجاهل؛ وأحيانًا يهيج هائجه، وتثور حفيظته، فيزفر من الغضب، حتى ليكاد يخرج من إهابه، ويطفر من ثيابه ويربد وجهه فيلفظ بالزبد، وينتفخ ويرتعد، ويرقص من غير طرب؛ وهو في هذه الحال لا ينسى ديمقراطيته؛ يأتي للباخرة الضخمة قد أخذت زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها فيبتلعها في لحظة؛ لا تغني عنه محصنات العلم القديم ولا الحديث، كما يبتلع أحيانًا صبيًّا وديعًا وشيخًا ضعيفًا، ليبرهن أنه لا يعبأ بقوة ولا ضعف، ولا يخشى بأس كمي، ولا يرحم ضعف أعزل؛ سواء هو في هزله وجده، سواء هو في حلمه وغضبه. ما أجمل البحر، وما أجله، وما ألطفه، وما أقساه!
على أنه يظهر لي أن الطبيعة في جملتها ديمقراطية لا أرستقراطية، ولا أرستقراطية إلا في الإنسان الكاذب؛ فالشمس ترسل أشعتها الذهبية، والقمر أشعته الفضية على الناس سواء: على المؤمن والكافر، والأسود والأبيض، والغني والفقير، والكوخ الحقير، والقصر الكبير.
ويأتي الجو بريح سموم فتلفح وجوه الناس على السواء، لا تميز عظيمًا ولا حقيرًا، ولا شريفًا ولا وضيعًا؛ ثم يأتي بريح طيبة تنعش الناس كذلك، لا يعرف في شيء من ذلك محاباة، ولا يعرف طبقات، ولا يعرف أي نوع من أنواع التفاوت التي تواضع عليها الناس؛ ويرسل في الصيف شواظًا من نار فيدخل على الأمير في قصره، وعلى الفقير في كوخه، فلا يهاب عظيمًا، ولا يحتقر وضيعًا؛ ويرسل في الشتاء برده القارس، فلا يستطيع أن يتقيه الغني بصوفه وملابسه، ولا بمدفأته وناره، كما لا يتقيه الفقير في عدمه وبؤسه؛ ثم تطلع شمس جميلة، ويعتدل الجو، فتحضن الطبيعة الناس على السواء، وتكون لهم جميعًا أُمًّا حنونًا مشفقة بارة. إن تحدث الباشا أو البك في نفسه بأنه فوق طبقات العامة، وأنه يستطيع في شرع العرف والعادة أن ينعم بما لم ينعموا، فتُفسح له الطريق، وتخلي له السبيل، وتفتح له أبواب المجتمعات، ويعامل أولاده وأقاربه بما لا يعامل به الفقراء — فلن تحدثه نفسه أن يمتاز من الفقير في حر ولا برد، ولا نور وظلام؛ فإن أخطأ في ذلك وظن أنه يغالب الطبيعة في شيء من قوانينها صفعته صفعة آمن بعدها بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وأدرك أنه إن علا الناس بماله أو جاهه، وإن تلاعب بأوضاع الناس لسخف الناس، فهو أمام أوضاع الطبيعة حقير ذليل.
•••

ثم يأتي القدر فينثر نعمه ونقمه، وشره وخيره على الناس جميعًا، فصحة في الأغنياء والفقراء، ومرض في الأغنياء والفقراء. فتجد غنيًّا فاتر القوى منقوف الوجه، يبيت يتضور من الألم، ود لو خرج من كل ماله وجاهه لتعود إليه صحته؛ وبجانبه فقير مستحكم الخلقة، متين البنية، ممتلئ قوة وشدة وصلابة — وتجد جمالًا في الأغنياء والفقراء؛ وقبحًا في الأغنياء والفقراء؛ فهذه فقيرة مشرقة الجبين صافية الأديم، مفرطة الجمال، معتدلة القوام، لا تُفتح العين على أجمل منها حسنًا؛ وهذه سيدتها الغنية دميمة الخلقة، منكرة الطلعة، تنبو عن منظرها الأحداق، وتتفادى من مرآها الأبصار، تريد أن تتجمل بالصناعة والأصباغ والحلي والملابس فلا يزيدها ذلك كله إلا قبحًا، على حين أن جارتها الفقيرة جميلة في طبيعتها، جميلة في بساطتها، جميلة حتى في ثيابها المهلهلة.
وللقدر في ذلك بِدَع — فأشهر طبيب في القلب يموت بالقلب، وأعظم جراح يموت بالتسمم، وتلد الفلاحة الفقيرة في الطريق وهي حاملة جرتها مملوءة ماء على رأسها، وتحمل طفلها وتذهب إلى بيتها سالمة غانمة؛ وسيدتها الغنية يحلل دمها وغير دمها قبل الوضع، ويعقم كل شيء في حجرة ولادتها، ويقف مشهورو الأطباء والطبيبات على بابها؛ حتى إذا آذنت ساعة الولادة بالقدوم استخدم كل ما وصل إليه الطب الحديث، والكيمياء الحديثة، والعلم الحديث، وأمعنت جمهرة الأطباء في التطهير والنظافة واتخاذ وسائل الراحة والحصانة، وغير ذلك مما لم أذكر منه إلا قليلًا؛ ثم هي بعد تصيبها حُمى النفاس، ويقف كل من الطب والعلم دهشًا حائرًا، ثم تسلم الروح إلى ربها، والقدر يهزأ بكل ذلك.
•••

وهناك نوع من الأرستقراطية غريب، هو الأرستقراطية العلمية، فالمتعلمون ذوو الشهادات يعدون أنفسهم — وربما عدهم الناس أيضًا — نوعًا ممتازًا من الناس، يختلفون عنهم نوعًا من الاختلاف، ويرتفعون عليهم نوعًا من الرفعة، كما ترتفع طبقة الأغنياء وكما ترتفع طبقة الأمراء؛ فالمتعلم ينظر إلى أخيه الشقيق الجاهل نظرة فيها شيء من التعاظم، وشيء من الازدراء، وشيء من الغرور، وإن ساواه في الدم، وإن ساواه في الغنى أو الفقر؛ وهو لغروره يظن أن شهادته تخوله الحق أن تكون آراؤه في كل شيء خير الآراء، وأن غير ذوي الشهادات لا يحق له أن يبدي رأيًا بجانب رأيه حتى فيما ليس له اختصاص فيه.
وهو كذلك نوع من الأرستقراطية الكاذبة لا تعبأ به الطبيعة ولا تعيره أي التفات، فقد جعلت بين المتعلمين أذكياء وأغبياء، وجعلت بين الأميين أذكياء وأغبياء؛ بل من غرور المتعلمين أن يسموا من لم يقرأ ولا يكتب جاهلًا وأميًّا ونحو ذلك من الأسماء، ويسمُّوا من يقرأ ويكتب متعلمًا، كأن وسيلة العلم والحكمة والعقل القراءة والكتابة وحدهما! ونحن لو نحينا غرور المتعلمين جانبًا لهزئنا بالقراءة والكتابة في كثير من الأحيان، ولوجدناهما وسيلة من وسائل الرقي ولكن بجانبهما وسائل أخرى، ولوجدنا أنهما لا يستحقان هذا الغرور الذي ينشئ نوعًا من الأرستقراطية؛ فالحكمة في تصريف الأمور لا تعتمد على التعليم الجامعي وسعة العلم كما تعتمد على الفطرة البشرية، والغريزة الإنسانية؛ ومن ثم قد ترى الجامعي الحائز لأرقى الشهادات العلمية، وهو أخرق في الحياة، سفيه التصرف، وأخاه — الذي يسمونه جاهلًا أميًّا — حكيمًا في تصرفه مدبرًا لشئونه وشئون إخوته الجامعيين، وترى الأمة قد تصاب على أيدي متعلميها في أحوالها السياسية والاجتماعية أكثر مما تصاب على أيدي جاهليها؛ والفلاح القروي الأمي قد يرزق من الحزم في تصريفه، وبعد النظر في آرائه، وصدق الشعور في وطنيته، ما لا يرزقه أخوه الأستاذ في الجامعة أو العالم الحائز لأرقى الدرجات العلمية، بل قد يصدر من الرأي العام الجاهل في شئون وطنه وفي المسائل الهامة التي تعرض عليه ما يفوق رأي متفلسفة المشرعين، وحيل القانونيين.
إن نظرنا إلى الذكاء، فالذكاء مشاع بين المتعلم والجاهل؛ وإن نظرنا إلى حكمة التصرف، والحزم في إدارة الأمور، وتدبير شئون الحياة — فذلك أيضًا أمر مشاع بين الناس؛ ففيم غرور المتعلمين وإنشاؤهم أرستقراطية بجانب أرستقراطية الأموال والأعمال والطبقات؟ يطالبون أن يكال لهم المال جزافًا، ويطالبون ألا يهينوا أنفسهم في عمل، ويطالبون أن يكون ميراثهم من آبائهم أكبر نصيب، ويطالبون أن يكون زبدة ما تخرجه الأمة لهم، وحثالته لما يسمونه الجاهلين.
ما أسعد الأمة تخفف من غلوها في أرستقراطيتها — بجميع أنواعها — وتقلد الطبيعة في ديمقراطيتها واعتدالها.

ما فعلتِ الأيامُ


عرفته بالإسكندرية منذ عشرين عامًا، شابًّا رقيق البدن، ضئيل الجسم، مسنون الوجه، شاحب اللون، أظهر مميزاته الرقة والتواضع والتدين، حيي الطبع، شديد الخجل؛ إن جلس في قوم اعتقل لسانه، وأطرق رأسَه وأرخى عينيه، وإن صدرت منه هفوة أو شيء ظنه هفوة تمنى لو ساخت به الأرض، وظل يحاسب نفسه ويطيل تأنيبها؛ فآثر الانفراد وأخلد إلى الوحدة، واستأنس بالوحشة؛ فقلت معرفته بالناس، وقلت معرفة الناس به؛ لا يعرف من العالم إلا مدرسته التي يُدرس فيها، وبيته الذي يأوي إليه، ومسجده الذي يتعبد فيه؛ فأما الحياة وشئونها، وجدها وهزلها، وملاهيها وألاعيبها، فلا يدري منها شيئًا؛ لا يجلس في مقهى لأنه يخلُ بمروءته، ولا يذهب إلى تمثيل أو سينما؛ لأنهما لا يخلوان من امرأة سافرة، ولا يشتري شيئًا من بقال عنده لحم خنزير خوفًا من أن تكون سكينه التي يقطع بها الجبن والحلوى قد مست الخنزير، فلا يطهرها مسح، إنما يطهرها غسل سبع مرات إحداهن بالتراب، ويغض طرفه إذا سار حذر أن تقع عينه على امرأة.
أعز شيء عليه في الوجود دينه، ومثله الأعلى رجل ظهارته دين، وبطانته دين. تفتير عينيه في خشوع دليل على أنه قضى شطر ليله في عبادة ومناجاة. أسبل عليه الدين نوعًا لطيفًا من الرضى بالقضاء والقدر، فلا يأسى على فائت، ولا يجزع على ميت، ولا يستخفه الفرح لخير، ولا يغلو في الحزن على شر؛ راض بما كان وما يكون، فكل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس؛ الرجل الطيب عنده من تدين، ورجل السوء عنده من لم يتدين، ويستحيل على رجل أن يكون طبيبًا إذا شرب كأسًا من خمر، أو لعب لعبة ميسر، أو ترك صلاة أو زكاة. يوفق دائمًا بين أعماله في الحياة وأوامر الدين — إذا أراد الرياضة ذهب إلى سيدي بشر لزيارته، أو لسيدي جابر لصلاة الجمعة فيه، أو أخذ جزءًا من «الإحياء» وذهب إلى ربوة عالية يخلو فيها بنفسه ودينه وكتاب «الإحياء». وإن أراد أن يحفظ شيئًا من الأدب حفظ في «نهج البلاغة»؛ لأنه يجمع بين البلاغة والدين، وإن عرضت فرصة في دراسته للغة العربية خرج من اللغة إلى الدين، وانقلب واعظًا لتلاميذه، حتى استطاع أن يكون منهم فرقة دينية تلتزم الصلاة والصوم وشعائر الدين.
عرفته اتفاقًا، ولست أدري الآن سبب المعرفة وكيف كانت، وكل ما أذكره أني عرفته، وفي لمحة تحولت المعرفة إلى صداقة فحب، فكان من خاصة إخواني وأقربهم مودة إلى قلبي، يأنس بي وآنس به، ويُفضي إلي بدخيلة نفسه وكامن أسراره، عطفني عليه ظرف فيه، وأرأفني به رقة حواشيه، ملأ نفسي رحمة عليه قسوته على نفسه وأخذه لها في كل شيء بالأشد الأحزم، قد ملك الدين عليه نفسه، فروعه من كل نعيم خشية الحساب، وهول عليه كل لذة خوف العقاب، وغلبت عليه في كل تصرف فكرة الموت مخافة ما بعده، إن قال له قائل: «ولا تنس نصيبك من الدنيا» قال: «لَتُسأَلُن يومئذ عن النعيم».
على كل حال نعمنا بالصداقة حينًا تساهمنا فيه الوفاء، وتقاسمنا الصفاء، أسافر إلى الإسكندرية فأرى أول واجب علي أن أزوره، ويحضر إلى القاهرة فيرى أول واجب عليه أن يزورني، وأكتب إليه، ويكتب إليَّ، ثم عفى الزمان على الصداقة ففترت حرارتها، وخمدت جذوتها، لا لسبب إلا أن الصداقة ككل حي إذا لم تُغذ بالمقابلة والمكاتبة أسرع إليها الذبول فالفناء.
•••

ثم دارت الأيام دورتها، وتعرفت في الأسكندرية بإنسان جديد، فإذا هو صديقي القديم، هو في هذه المرة بدين بطين، مطهم الوجه، ريان السواعد؛ كنت في أيامي الأولى أقرأ في أرنبة أنفه وصفاء جبهته آيات السذاجة والإخلاص، وكنت أرى في وجهه وجلسته عزوفًا عن الدنيا، وزهدًا في الاستكثار منها، ورضى بميسورها؛ وكنت ألمح في فتور عينه حياء العذراء وخجل المخدرات؛ وكنت أرى في نبرات صوته وحركات جفونه ونظرات عينه دينًا وورعًا، فإذا كل ذلك قد استحال كما يستحيل الماء إلى ثلج؛ وعلمت أنه قد ورث من أبيه فأثري، وسمحت لي الظروف بمخالطته فأدهشني ما رأيت من تغير وانقلاب — رأيته وقد أماط عن وجهه قناع الحياء، وخلع ربقة الحشمة، يداخل الناس ويمازجهم، حسن الصحبة، جميل العشرة، يضرب بسهم وافر في المفاكهة والتنادر، جيد القصص، حسن الحديث، لا يأنف من حديث فاجر إذا كانت فيه نكتة حلوة، كثرت أصحابه على اختلاف منازعهم وطبقاتهم؛ وهو عند كل جماعة منهم قطب الرحى، يمتزج بأرواحهم ويتصل بقلوبهم، خبير كل الخبرة بأندية اللهو وما إليها، يعرف جد المعرفة برامج السينما في كل أسبوع، وما يمثل من روايات في كل فصل من الفصول، وعنده الخبر اليقين عن كل مغن ومغنية وفنان وفنانة أتت من مصر إلى الإسكندرية تغني أو تمثل، ذهب عنه خفر عينيه وأصبح يتعشق الجمال ويتتبعه، ويحملق فيه ويشتهيه؛ شغلت المسائل المالية جزءًا كبيرًا من عقله، فهو كثير التفكير فيها، له ديون وعليه ديون، وله قضايا وعليه قضايا، وله دفاتر حساب دقيقة، وله آمال مالية واسعة.
حادثته مرة، وكان أشد ما أريد استطلاعه منه أن أعرف حال دينه الذي كان يملك عليه قلبه وعقله، والذي كان يغمر حياته ويسيطر على كل خطوة من خطواته؛ فإذا عقله حر شديد الحرية في تفكيره، قد تحرر من كل قيد، يعجب بالمدنية الحديثة ويستلهمها الرأي ويستوحيها النظر، ويتخذ عماد منطقه ومصدر حكمه على الأشياء ما يفعله الأوربيون وما لا يفعلون. قد يعارض ما يراه من ضروب المدنية مبدأ من مبادئ دينه فيظهر عليه نوع من الارتباك والحيرة، ويجمجم في القول ويتبين في قوله الاضطراب بين دين خالط لحمه ودمه شطرًا من حياته، وبين عقل نزع إلى الحرية في آخر أيامه، ويشعر بثقل الموقف على نفسه فيجتهد في تحوير الحديث، وتغيير مجرى القول إلى حيث يسترد كامل رأيه، ومنتهى حريته. هذا عقله، وأما قلبه فدينه في رف من رفوفه، لم يملأه، ولم يخلُ منه؛ لذلك حِرت أن أسميه مؤمنًا أو كافرًا، ماشَيته مرة على البحر فرآه جميلًا جليلًا، ورأى القمر يسطع عليه بنوره الساحر، فصاح: هذا موضع سجود، فصلى على الرمل؛ ودعاني مرة إلى ملهى فكان فيه كمن لا يؤمن بحساب ولا عقاب؛ وهكذا تذبذبت حياته بين نزعة قديمة، ونزعة جديدة، ودين نشأ عليه، وتحرر مال حديثًا إليه؛ حينًا يتحرك دينه وينتفش حتى يعم قلبه، وحينًا ينكمش وينكمش حتى لا يكاد يرى أو يحس.
•••

حننت إليه لما بيننا من حب قديم، ولكن لست أدري: لِمَ لم تتأكد بيننا الصداقة في هذه المرة كما تأكدت من قبل، أكان يعطفني عليه دينه وقد رق؟ أم كان يحننني عليه ما فيه من ضعف — مظهره الحياء والخجل، وقد قوي فلا حياء ولا خجل؟ أم كانت تؤلف بيننا وحدة فتعددت، وأسلوب واحد في الحياة فتفرقت بنا السبل؟ لعله شيء من ذلك، ولعله كل ذلك، ولعله شيء غير ذلك؛ على كل حال تركته وبيننا ود دخله العقل فخف، وصداقة جال في نواحيها الفكر فنثرت.
لقد خليته، وأنا أفكر في شأنه. لقد عاش شيخًا وهو شاب، وعاش شابًّا وهو شيخ. عَصَى هواه صغيرًا وأطاعه كبيرًا، فليته وُلِدَ كبيرًا ثم عاد صغيرًا. وليت شعري هو في أي حاليه أسعد: أيومَ فر من العالم إلى دينه، أم يوم فر من دينه إلى العالم؟ — إنه ليمثل في حياته العالَمَ خير تمثيل، موجة دين تتبعها موجة إلحاد، وموجة روحانية تتلوها موجة مادية، وهكذا دواليك؛ وما أدري أيقف صديقنا في تطوره عند هذا الحد، أم يعود سيرته الأولى، أم يختلط مسلكًا جديدًا لا هو هذا ولا هو ذاك؟ الله أعلم.

لذةُ الشراءِ


بالأمس ضحك مني بائع الكتب القديمة، إذ رآني أقلب في الكتب، وأذهب ذات اليمين وذات الشمال، وأصعد على الكرسي وأنزل من عليه، والكتب بعضها بال عتيق قد غلف بالتراب وأكلته الأرضة، وكلها وضعت حيثما اتفق، لم يُعْنَ فيها بترتيب حسب الموضوع ولا حسب الحجم ولا حسب أي شيء، ولم يُبْذَل أي جهد في تنظيفها وعرضها؛ فكتب في الأرض، وكتب في السماء، وكتب في الرف، وكتب على المقاعد، وكتب في الممشى؛ والبائع رجل تقدمت به السن، زهدَ البيع وزهد الشراء، وإنما يبيع ويشتري لأنه اعتاد أن يبيع ويشتري؛ كل ما في أمره أنه فَضَّلَ أن يجلس في الدكان على أن يجلس في البيت، إذ يرى الرائحين والغادين، ويستقبل الزائرين، ومن حين إلى حين يبيع كتابا أو كتابين.
وسط هذه المكتبة المغمورة بالكتب، والمغمورة بالتراب، والمغمورة بالفوضى انغمست ببذلتي البيضاء، القريبة العهد بالكَواء، أبحث عن كتب نادرة أشتريها، وأتصفح كتبًا أتعرف قيمتها، فضحك إذ رأى غرامًا بالكتب يشبه الجنون؛ ورغبة في البحث والشراء تشبه الخبل.
لا تضحك — يا سيدي — فإنما هي لذة الشراء أصيب الناس بها جميعًا، وإن اختلفوا في مقدار الإصابة، فقد تهور فيها قوم، واعتدل فيها آخرون؛ وهي ظاهرة في منتهى القوة والغرابة، تتجلى بأجلى مظاهرها في الهواة؛ فهذا هاوي سجاجيد يُجَن جنونه إذ يرى سجادة قديمة، صنعت في أصفهان في القرن الخامس عشرن أو السادس عشر، يحتقرها الرائي العادي، ولا يرضى أن يأخذها ولا بالمجان، ويشمئز أن يراها في بيته، فإذا الهاوي يجري ريقه ويتحلب فمه، كأنه جائع سغب أمام أكلة لذيذة، ولا يجد ثمنها فيستدينه؛ وقد ينقصه الضروري من وسائل العيش ومرافق الحياة فيعمى عنه، ولا يرى أمامه إلا السجادة وشراءها ولتكن النتيجة بعدُ ما تكون، وسيتكفل الزمن بأداء الدين، وليحمل الزمن وحده عبء ما يحتاج إليه من ضرورات العيش، بل سواء أحلها أم لم يحلها، فليس في الوجود ما يعدل هذه السجادة.
وكذلك الشأن في هاوي طوابع البريد، وهاوي الكتب، وكل الهواة، نَمَتْ عندهم على مر الزمان لذة الشراء لما يهوون، وغذاها كثرة الشراء وأحاديث أمثالهم الذين يحيطون بهم وإظهارهم الإعجاب الشديد بما اقتنوا، فإذا نظروا إلى سجادة عجبوا من لونها الباهت، وخيوطها التي هلهلها الزمن، وصُوَرِها غير المنسجمة، ونحو ذلك مما يدل على إمعان في القدم؛ وكلما كان خيطها أبلى، ونسيجها أبسط، وتصويرها أتفه، كانت أشد استخراجًا للعجب؛ وكانوا أكثر لها تقويمًا، وأشد لها إعظامًا، وكانت لذة الشراء عند الهواة أشد طغيانًا، وهم أمامها أشد ضعفًا.
هذه اللذة — لذة الشراء — يستغلها أرباب «المزاد»، فهم يثيرونها إلى أقصى حدودها، ويبلغون بها مبلغًا جنونيًّا، فتحتدم اللذات، ويخضع الشارون لتأثير الاستهواء، ويغالون في أثمان ما يُعْرَض حتى قد تفوق أثمان الشيء الجديد؛ ولكن الشيء الجديد يُشْتَرى والعقل الواعي في سلطانه، وأما أشياء «المزاد» فتشرى والعقل الواعي قد أسدل عليه ستار من الاستغواء والاستهواء؛ ومن أغرب ما في هذا النوع أنك ترى الكثيرين يندمون إذا اشتروا، ويندمون إذا لم يشتروا!
ولذة الشراء هي السبب في أنك تشتري لزوجتك وبناتك الثوب الجميل، أو الحذاء الظريف، فتعرضه عليهن فلا يعجبهن، ثم يخرجن ويشترين ما هو أقل منه جمالًا وظرفًا ويعدْن راضيات؛ قد يكون السبب أن ما اشتريته ليس على ذوقهن، وأن هناك فرقًا كبيرًا بين ذوق الرجال وذوق النساء، وأنك إذ تشتري لهن تحكم ذوقك في ذوقهن؛ ولكن يظهر لي أن ذلك في كثير من الأحيان ليس السبب الصحيح؛ وإنما السبب الصحيح أنك إذ تشتري لهن تحرمهن لذة الشراء وهي في نفسها قد تفوق الشيء المشتري نفسه؛ ويفسر هذا أن السيدة قد تخرج وليس في نفسها شيء معين تشتريه، ولا تحس حاجة إلى شيء يُشترى، وإنما هي — في أعماق نفسها — تريد أن تغذي لذة الشراء عندها، فما هي إلا أن تمر في دكان سمعان أو شملا أو شيكوريل حتى تشتري، وتشتري كثيرًا، وتشتري ما لم يخطر لها على بال؛ ثم ترجع راضية لأنها أشبعت لذة الشراء عندها.
ولو أن الناس — وخاصة السيدات — اقتصروا على شراء ما هم في حاجة إليه لأغلقت دكاكين كثيرة، ولقل العرض وقل الطلب؛ ولكن لذة الشراء عندهم دفعتهم أن يشتروا ما لم يحتاجوا، وأوهمتهم في كثير من الأحيان بالحاجة إلى ما ليس لهم به حاجة؛ وإلا فما حاجتي إلى شراء كل هذه الكتب والمكتبات العامة مفتحة الأبواب؟ وما الحاجة إلى شراء نسختين من كتاب واحد والتعلل في ذلك بأتفه الأسباب؛ وما الحاجة إلى ملء البيت بهذا الأساس وأقل منه يكفي ويزيده حسنًا، وما الحاجة إلى شراء المرأة هذه الثياب المختلفة الألوان والأنواع، وقد لا تحتاج إليها مرة في الحياة؟ — لا شيء إلا لذة الشراء.
ويحدث في هذا الباب غرائب؛ فما وقوفك على الدكاكين واستعراضك ما فيها إلا نوع مما تدعو إليه هذه اللذة، فإن اشتريت فيها، وإلا فهو نوع من ظل اللذة كالسكير يتلذذ قليلًا من رؤية الشاربين ولو لم يشرب معهم، والمحب يسر بعض الشيء من رؤية المحبين يتواصلون ولو هجره هو حبيبه.
•••

قد كان من المعقول والطبيعي أن الناس — وهم يتلذذون هذه اللذة الشديدة القوية بالشراء — يتلذذون كذلك لذة شديدة قوية بالِملْكية ثم يستمرون على التنعم بها، والتمتع الدائم بملكها، ولكن جرى الأمر في هذا العالم على غير ما يُتوقع، فهم راغبون أشد الرغبة في ملك الأشياء، والملكية تذهب بلذتها. فالناس مولعون أشد الولع بالملكية حتى لو استطاعوا أن يملكوا القمر في السماء لملكوه، ولو ملكوه لحرموا جماله؛ وهم مولعون أن يملكوا كل شيء إلى درجة الجنون، حتى لو استطاعوا أن يسلبوا السماء زرقتها، والمزارع بهجتها، والبحار جمالها ليجعلوها في حوزتهم لفعلوا؟ وقد أدرك مَهَرة الباعة هذا الجنون في الإنسان فتفننوا في عرض ما يبيعون بحسن الوضع وتزويق المعروض وإيهام الترخيص؛ وكثرة الإعلان في شكل جذاب يوقع في الوهم أن الشراء فرصة لن تعود، وأن ملكية الشيء تملأ الحياة سعادة وغبطة. ولو أنك دخلت بيوت الأغنياء والطبقة الوسطى لرأيت كثيرًا مما فيها لا حاجة بالبيت إليه، بل قد حُمل أكثر مما يُطيق حتى ذهبت بساطته، وزاد تعقده، واحتاج إلى زيادة الخَدَم والأتباع للعناية بنظافته وترتيبه، وجَعَل الحياة أكثر تعقدًا وأشد ارتباكًا؛ وما دعا إلى هذا كله إلا لذة الشراء وجنون الملكية؛ وما قصر الفقراء في هذا إلا أنهم لا يجدون ما يطلبون، ولو أتيح لهم ذلك لأفرطوا في الشراء إفراط الأغنياء؛ ولولا جنون الملكية لكانت الحياة أبسط، ووسائل العيش أيسر، والتنعم بها أتم.
وكأن الطبيعة العادلة أرادت أن تعاقب على هذا النوع من الجنون فسلبت المالك أكثر ما يتصور من لذة؛ فالشيء جميل لذيذ ممتع، فيه كل ما يتمنى المرء من سعادة ما لم يُمْلك، فإذا مُلك لم يجد فيه المالك كل ما يتصور ويتخيل، وأصبح أقل قيمة مما أمل، ولا تزال قيمته في نقصان حتى يصبح عاديًّا تافهًا كأنه والحرمان سواء.
فالقصر الجميل هو أجمل ما يكون في عين من يمر به، ويقل جماله شيئًا فشيئًا في عين من له به علاقة ما، حتى إذا بلغت المالك وجدْتَ القصر لا قيمة له في نظره، ووجدت شعوره به كشعور الفلاح نحو كوخه، والفقير نحو عشه؛ وكلما طال الزمن بالغني تفه القصر في نظره، وحرم حرمانًا تامًّا من لذة الملكية، وصارت لذته خيالًا فقط لمن يمر به ويتصور نعيم سكانه أو ملاكه.
وهذه قاعدة الحياة؛ فأجمل أيام الزوجية قبيل الزواج، أيام يتخيل المرء أو المرأة ما ينتظر من نعيم مقيم، وأيام يسبح خياله أو خيالها في الآمال والأماني التي لا حد لها، ثم تصدمه أو تصدمها الملكية أو شبه الملكية، فإذا كل شيء مألوف.
وأُجَن بالكتاب قبيل شرائه وعند شرائه، وأبيت ليلة وأنا أحلم به، ولا أسمح لنفسي بالنوم ليلة الشراء قبل تصفحه ومعرفة ما فيه أو على الأقل عناوينه، ثم يوضع في المكتبة وينسى وكأنه لم يملك.
والأملاك الواسعة والغنى الوافر أمل الناس جميعًا؛ ولو درسوا — في دقة — حال الأغنياء وشعورهم لوجدوا الفرق الواسع بين ما يتخيلون وما يدرسون، ولوجدوا أن أكثر الأغنياء يعانون الكثير من غناهم؛ ولو عقلوا وخف عنهم جنون الملكية لنزلوا للمجتمع عن شيء مما يملكون ويعانون، فسعدوا وأسعدوا.
أليس عجيبًا في هذه الحياة أن ألذ شيء في الملكية هو خيالها.

صندوقُ الكتاكيتِ


كان أمس من أيام الشتاء المشهودة، ريح صِر، وليل قُر، حتى خَصِرَت اليد، وقفقفت الأسنان، ويبست الأطراف، وتجلى «أمشير» بأجلى ما وسم به من هَوَج ورَعَن، حتى لو كان طفلًا لسال لعابه، أو رجلًا لسقطت عنه التكاليف!
ثم انجلى الليل عن صبح بديع: سماء صافية، وشمس مشرقة، حاولت أن آتي لهما بتشبيه جديد، فكانت الشمس في السماء أجمل من كل تشبيه قديم وحديث.
غادرت حجرتى إلى حديقتي الصغيرة المتواضعة فوجدت خادمي قد سبقت، فأخرجت صندوق الكتاكيت إلى الشمس لينعم ما فيه بحرارتها ودفئها — وقع عليه نظري، وصادف ذلك مني تفكيرًا في موضوع أكتبه.
شعرت إذ ذاك بشخصيتين من نفسي تتناظران مناظرة عجيبة عنيفة أسجلها للقراء:
– لم لا يكون (صندوق الكتاكيت) موضوعًا طريفًا؟
– إنه موضوع تافه لا يليق بأستاذ في جامعة، ولا بمدرس ولا بمساعد مدرس. إن الجامعيين وأمثالهم يجب أن تكون موضوعاتهم في أعلى السماء، أو أعمق الأرض، ويجب أن تصبغ بصبغة ميتافيزيقية، ويكون فيها الجوهر والعرض، والكمية والكيفية، والأنية والعِلية. أما صندوق الكتاكيت فموضوع يثير الهزء والسخرية، ويستخرج من النفس عاطفة الازدراء والاحتقار.
– ليس ذلك بصحيح، فكل شيء في الحياة موضوع أدب، وخير الأدب ما مس الحياة الواقعية، واستخرج من تافه الأشياء فكرة بديعة، أو رأيًا طريفًا. لقد قال تعالى: إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا والكتكوت خير من البعوضة من جميع الوجوه؛ فالبعوضة منبع ألم، والكتكوت منبع لذة — والبعوضة إذا كبرت كانت أقوى على اللدغ وأقدر على الإيلام، والكتكوت إذا كبر كان دجاجة أو ديكًا، يسيل لعاب الإنسان إذا تصوره على مائدة أنيقة، أو تخيله وقد أنضجه طاه ماهر.
وضرب الله الذباب مثلًا، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ? وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ? ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. وأين الذباب من الكتكوت؟ وقد سُميَتْ في القرآن الكريم سور منه بالبقرة والنحل والنمل والعنكبوت!
وقرأت لأديب كبير لا أذكره الآن مقالًا بديعًا في زنبار أراد أن يخرج من شباك فاصطدم بزجاجه، وحاول مرارًا أن يخرج فلم يستطع، فاستخرج الكاتب من ذلك قطعة فنية طريفة في الحرية والاسترقاق، وكيف يبحث الزنبار عن حريته فلا يجدها، ثم هو لا ينساها مهما صادفه من عقبات، وتحمل من آلام.
وكتب فيكتور هوجو قصة طريفة عن برغوث أنقذ أمة من الأمم سُلط عليها حاكم ظالم لم تستطع حمله على العدل، ولا إبعاده عن الحكم.
وبعد هذا وذاك كتب مستشرق كبير معاصر كتابًا جمع فيه ما قيل في الأدب العربي عن «البراغيث»، واقتراح عليه مستشرق آخر أن يسمي الكتاب «صيحة المستغيث من البراغيث»، إلى ما لا يعد ولا يحصى.
إذًا فنظرتك في اختيار الموضوع وأنه يجب أن يكون «أكاديميًّا»، وأن يُعَنوَن عنوانًا ضخمًا يستعمل في اختياره كل ضروب التكلف والتعمق والفلسفة، نظرة أرستقراطية بغيضة يجب أن تتخلص منها وتهزأ بما جرى عليه العرف فيها.
على هذا النحو ظلت الشخصيتان تتناظران، وظلت أصغي إليهما وأقيد أفكارهما، إلى أن طال الأخذ والرد، وأشفقت على القراء استرسالهما في الجدل، وحاولت أن أبتعد عن الصندوق، وأهرب من الموضوع فلم أستطع.
أيها الكتكوت! فيك كل معاني الحياة ومشكلاتها ومظاهرها. فاسمك — أولًا — كتكوت، ويجمع على كتاكيت، ولم أدر من اين أتي لك بهذا الاسم، فقد راجعت القاموس المحيط ولسان العرب، وغيرهما من كتب اللغة، فلم أجد فيها هذا اللفظ للدلالة عليك، ولا يستعمله إلا أهل مصر. أما أهل الشام والعراق فلا يعرفونه. اعتمدت اللغة العربية إهمالك لحقارتك؟ ذلك ما لا أظن، لأني أعلم أن اللغة ديمقراطية تُغْنَى بالجليل والحقير على السواء، بل اللغة العربية مفرطة في الديمقراطية، فقد وضعت لأتفه الأشياء أسماءَ تعد بالمئات، واحتقرت أشياء عظيمة فلم تضع لها اسمًا للآن كالراديو والبيانو ومئات من المخترعات الحديثة؛ بل هم وضعوا لك اسمًا آخر هو «الفَرْح»، ولكن الفرخ غير مقصور عليك، شاركك فيه كل صغار الطيور حتى استعملوه أحيانًا في صغار الشجر والنبات. وأخيرًا علمت أنهم وضعوا لك اسم (الفَروج) فلم يطلقوه على غيرك من صغار الحيوان، ولكنهم أشركوا معك فيه نوعًا من الملابس وغيرها، ولعل العامة كانوا لك أشد إنصافًا فوضعوا لك اسمًا خاصًّا، ومن أولى بالتخصص منك؟
وبعدُ، فلا أدري من أين أتى اسمك «الكتكوت»، فسأتركك لعلماء اللغة والاشتقاق ومقارنة اللغات، من سريانية وآرامية وفارسية وعبرية وهيروغليفية، لعلهم يجدون لك أصلًا. وعلى كل حال فقد أثبت أن فيك مشكلة من مشكلة الحياة العظمى، وهي مشكلة اللغة، وستثبت أن لك مشكلة أخرى أعظم من هذا وأعقد. فهب أن علماء اللغة استنكروا هذه الكلمة، فأين سلطانهم على لفظك الذي تداولته العامة ونطقت به قرونًا؟
فهل إذا صدر قرار بمحو هذه الكلمة؛ لأنها ليست عربية يسمع ويطاع؟ على أي وجه من الوجوه أنت مشكلة حتى في اسمك.
هذه هي الخادم قد رمت الحب للكتاكيت، فلا تسأل عما كان بينها من خصام ونزاع، ومباراة وسباق، وضرب وطعان.
وهل الإنسان إلا هذا؟ وهل تاريخ حياته إلا نزاع وصراع! وقد عبروا عن ذلك أصدق تعبير فقالوا: إن الحياة جهاد — أوليس أكبر باب في كتب التاريخ هو تاريخ الحروب والفتوح، وإعلان الحرب، ومعاهدات الصلح! وكل الفرق بينك أيها الكتكوت وبين الإنسان أنك استعملت في جهادك ونزاعك منقارك الوديع، وجسمك اللين الغض، وجاء الإنسان الراقي، فاستعمل في الحصول على غذائه الكذب والخديعة والرياء والنفاق، واستعمل في مدافعة خصومه كل طرق الكيد والدهاء، واستخدمت الجماعات في حربها كل أنواع المدمرات والمهلكات — وقد أعطى الإنسان عقلًا أرقى من عقلك لينظم عيشه فأفسده، ولينظم السلم فنظم الحرب، وليعاون أخاه فعاداه.
أيها الصندوق!
فيك تنازع البقاء وبقاء الأصلح، فيك استكانة الضعيف وغلبة القوي، فيك الضعيف يكره العراك، وفيك القوي يصول ويجول ويدعو إلى النزال، فيك الجمال، وفيك القبيح.
– استأنستَ أيها الكتكوت بالإنسان صغيرًا، ثم علمتك التجارب ففررت منه كبيرًا.
وكنت مادة صالحة للغذاء، كما كنت مادة صالحة للأدب، فمن قديم استعيرت منك الاستعارات اللطيفة، والأبيات الجميلة، فقد قال الشاعر:
أرى فتنة هاجت وباضت وفَرخَتْولو تُرِكَتْ طارت إليها فراخُها وفي حديث عمر: «يا أهل الشام تجهزوا لأهل العراق فإن الشيطان قد باض فيهم وفرَّخ».
ثم قالت العامة: «الكتكوت الفصيح من البيضة يصيح».
وأخيرًا، فيك سر الحياة الغامض — كيف دبت الحياة فيك يوم كنت بيضة، وكيف تطورت جنينًا، وكيف نبض قلبك لأول مرة، وكيف خرجت إلى هذا الوجود، وكيف تموت، ولم خرجت ولم تموت؟ لو أفصحت لنا عن كل هذه الأسرار لكشفت سر الوجود، ولما كان هناك مجال لفلسفة ولا حكمة؛ ولكنك أعجزت الفلاسفة، إذ كتمت سرك بين جناحيك، فهامت الفلاسفة على وجوهها، وارتبكت في تفكيرها.
إذًا فيك أيها الصندوق الصغير، كل ما في العالم الكبير، من معاني الحياة وغوامضها وأسرارها، وفيك كل مظاهر الإنسان على تبجحه وغروره — وفيك ما حير العقول قرونًا، وأجهد الفكر أجيالًا. وهل العالم إلا لغز، لو حل جزؤه لحل كله؟ …

الأحنفُ بن قََيس


ضئيل الجسم، صغير الرأس، متراكب الأسنان، مائل الذقن، ناتئ الوجنة، غائر العينين، خفيف العارضين، أحنف الرِّجْل، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بحظ، تنبو عن مَرْآه الأحداق، وتتفادى من شخصه الأبصار؛ وهو مع هذا سيد قومه، سيد تميم، وهي ما هي في العظمة، إن غَضِبَ غضب لغضبته مائة ألف سيف لا يسألونه فيمَ غضب؛ خطير النفس، بعيد المرمى، ما زال يَسُود حتى بلغ مرتبة لا يسمو إليها أمل، ومنزلة لا يتعلق بها دَرَك؛ إذا أوفد وال وفدًا إلى خليفة فالأحنف أحد أعضائه أو رئيسه وخطيبه؛ وإذا اختلف الأمراء على الخلافة فالأحنف أول من يفكرون في اصطناعه، وإذا حزب الأمر وعظم الخطب، فالأحنف من يُفزَع إليه في المشورة. دوى اسمه بين المسلمين في الأحداث الأولى للإسلام، وخرج منها — على كثرتها وتعقدها واضطراب الهواء فيها — نقي السيرة يُقر بعظمته من كان له ومن كان عليه، وظل اسمه عَلَمًا رفيعًا في نواح مختلفة على مر الأزمان؛ إن أرخت الحروب الإسلامية فأحد قادتها وغزاتها، وإن ذُكرت الأخلاق فأحد أشرفها ونبلائها، وإن أُرخ الأدب والخطب والحكم والأمثال فهو ابن بَجْدَتها.
ولد قبل الإسلام، ولكن لم ينل شرف الصحبة، ووقف من أول أمره وهو فتى موقفًا يدل على قوة عقله وصدق نظره، فقد أرسل رسول الله (ص) رجلًا إلى بني سعد — رهط الأحنف — فجعل يعرض عليهم الإسلام؛ فقال الأحنف لقومه: «إنه يدعو إلى خير، ويأمر بخير، فلِمَ لا نجيب دعوته؟»
وسرعان ما ساد تميمًا، وهي قبيلة من أعز القبائل وأقواها وأشرفها، كانت تسكن مساحة كبيرة من جزيرة العرب، وانقسمت تميم لكثرتها إلى فروع كثيرة كانت تتعادى أحيانًا وتتحالف أحيانًا؛ ولذلك لم يكن عجيبًا أن يتهاجى الفرزدق وجرير شر هجاء، وكلاهما من تميم، ولكنهما من فرعين مختلفين. حاربت تميم نفسها ومن حولها في الجاهلية، وشغلت حروبها أيامًا كثيرة من أيام العرب؛ وكان لتميم راية في الحروب خاصة على صورة العُقَاب، كما كانت راية بني أسد على صورة الأسد — ثم أسلمت وحسن إسلامها، ولكنها ارتدت أيام الردة إلى أن ردها خالد بن الوليد إلى الطاعة، وكفرت عن ردتها بما بذلت من جهود في الفتوح، حتى إذا تم الفتح سكن بعضُها الكوفة وبعضها البصرة، وكان الأحنف بن قيس سيد تميم البصرة.
أنجبت تميم كثيرًا من نوابغ الشعراء لا يعنوننا الآن، كما أنجبت كثيرًا من السادة والأشراف والعظماء، وكانوا سلسلة كسلسلة الذهب متصلة الحلقات، يتعلم بعضهم من بعض خلق السيادة كما يُتعَلم العلم على الأساتذة، وكان أستاذ الأحنف بن قيس في ذلك «قيس بن عاصم» المِنْقَري التميمي، الذي قال فيه رسول الله (ص) لما رآه: «هذا سيد أهل الوبر»، وقد قيل لقيس هذا: صف نفسك، فقال: أما في الجاهلية فما هممت بملأمة، ولا حُمْت على تهمَة، ولم أُرَ إلا في خيل مغيرة، أو نادي عشيرة، أو حامي جريرة؛ وأما في الإسلام، فقد قال الله تعالى: «ولا تُزَكوا أنفسكم». وقد نزل في البصرة، وتعلم الأحنف منه الحلم، ولما مات قال فيه القائل:
عليك سلامُ الله قيسَ بنَ عاصمورحمَتُهُ ما شاء أن يَتَرَحمَاوما كان قيس هُلْكُهُ هُلْك وَاحِدولكـنه بنيانُ قوم تهـدما خلف الأحنف قيسًا في السيادة؛ وكان أبو موسى الأشعري واليًا على البصرة فبعث بوفد منها إلى عمر بن الخطاب، فكان الأحنف أحدهم، وخطب بين يدي عمر يسترعيه النظر لأهل البصرة، فأعجب به عمر وقال: «هذا والله السيد!» فدوت هذه الكلمة في الأنحاء.
أكثر الواصفون في ذكر الأحنف ومزاياه وسيادته، والسيادة أنواع، وقد ترى لكل سيد طعمًا لا تجده في سيد آخر، ولكل سيد نقطة تتركز فيها عظمته قد لا يشركه فيها سيد آخر؛ فسيد عظمته في شجاعته، وسيد عظمته في سخائه، وسيد عظمته في قول الحق يجهر به والسيف على رأسه؛ فإن نحن سئلنا عن مركز العظمة في الأحنف، فعظمته كانت تتركز في خصلتين تتصل إحداهما بالأخرى اتصالًا وثيقًا: أنه مُنِحَ نظرًا صائبًا يتعرف به المحاسن والمساوي، ومعالي الأمور وسفاسفها، وقَلَ أن يخطئ في ذلك؛ ثم منح إلى ذلك إرادة قوية يحمل بها نفسه على ما أدرك من معال ومحاسن مهما كلفه من مشقة، وحَمله من جهد؛ فلو علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه، وهي — كما ترى — نقطة ارتكاز تحمل فوقها كثيرًا من الفضائل، على حين أن نقطة الارتكاز عند كثير من الناس لا تحمل إلا فضيلة واحدة.
وهذا يفسر كل ما روي عن الأحنف: كان لا يعبأ بالمال، وكان لا يعبأ بالحياة، وكان يفر من الشرف والشرف يتبعه، وكان يخضع للحق إذا لزمه خضوع الذليل المستخذي، وإذا كان الحق بجانبه دافع عنه دفاع المستأسِد الضاري، يقف أمام عليّ وأمام معاوية وأمام زياد بن أبيه، فيجهر بالحق الصريح من غير مجمجة ولا مواربة ولا يبالي ما بعده.
تولى في زمن عمر بن خطاب فتح خراسان، فدوخ الفرس ومَلِكهم يزدجرد، ولقي من الحروب ما تشيبُ من هوله الولدان، ولكنه صَبَر وظفر، وأنجد ملكَ الفرس التركُ وأهل فرغانة والصُغْد، فلم يكن فيهم أمام الأحنف وجنده غناء.
ووقف الأحنف العربي البدوي وليد الصحراء في شملته يطارد يزدجرد المتوج، ربيب النعمة، وعُصَارة المدنية، وسليل الأكاسرة، ونتاج الحروب المنظمة بين فارس والروم، في العدد والعديد، والجنود والبنود، فظفر التميمي بسيد فارس، وطارده حيثما حل، حتى جاوز حدود بلاده وخرج منها لا إلى رجعة وأقبل أهل فارس على الأحنف فصافحوه ودفعوا إليه الخزائن والأموال وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم، على أفضل مما كانوا عليه زمن الأكاسرة.
فلما نشبت الحرب بين عليّ ومعاوية رأى الحق في جانب عليّ فانضم إليه بقومه، وأعانه بسيفه ورأيه؛ فاشترك معه في حرب صِفِّين ونصحه ألا يكون أبو موسى الأشعرى حَكمًا، وظل مخلصًا له العمل والقول حتى قتل عليّ. ودانت البلاد لمعاوية، فأطاع معاويةَ في شمم وإباء. دخل عليه يومًا فقال له معاوية: أنت الشاهر علينا سيفك يوم صفين؟ فقال له: يا معاوية لا تذكر ما مضى منا ولا ترد الأمور على أدبارها، فإن السيوف التي قاتلناك بها على عواتقنا، والقلوب التي أبغضناك بها بين جوانحنا، والله لا تمدُ إلينا شبرًا من غدر إلا مددنا إليك ذراعًا من ختر، وإن شئت لتستصفين كدر قلوبنا بصفو من عفوك، فقال له معاوية: فإني أفعل. ثم استرضاه ومن معه.
ولما أراد معاوية أن يبايع لابنه يزيد أخذ الناس يتكلمون في مدح يزيد والثناء عليه، ويمدحون معاوية على عمله، والأحنف ساكت. فقال له معاوية: ما لك لا تتكلم يا أبا بحر؟ — وكانت كنيته — فقال قولته المشهورة: «أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت». فكانت كنايته أبلغ من التصريح.
بعد أن قتل عليّ رأى من مصلحة المسلمين أن يشايع الأمويين، فإن هذا أقرب إلى الوحدة وأدعى إلى الألفة، حتى مع ما هم فيه من ظلم أحيانًا وطغيان أحيانًا، يدل على ذلك تاريخه وأقواله، فقد استنصر به الحسن بن عليّ على معاوية فلم يجبه، وقال: «قد بلونا حسنًا وآل حسن فلم نجد عندهم إيالة الملك، ولا مكيدة الحرب» — وكان بينه وبين عبد الله بن الزبير جفاء، فلم يشايعه في الخروج، ورأيناه ينصح قومًا من تميم أرادوا أن ينضموا إلى ابن الزبير ألا يفعلوا.
ولكنه كان يطيع الأمويين وولاتهم طاعة الحازم العاقل، ينقدهم فيما يرى ويمحضهم النصح في صدق وإخلاص؛ وله موقف مع زياد من خير المواقف أثرًا في تاريخ الإسلام، فقد هَم زياد أن يقتل الموالي لكثرتهم ومزاحمتهم العرب، فاستشار الأحنف فقال: إن ذلك ليس لك، إن رسول الله لم يقتل من الناس من قال: لا إله إلا الله وشهد أن محمدًا رسول الله، وإنهم غَلة الناس، وهم الذين يقيمون أسواق المسلمين، أفتجعل العرب يقيمون أسواقهم قصابين وقصارين وحجامين؟ فأذعن زياد لرأيه ونزل على إشارته؛ ويقول الأحنف: إنه ما بات ليلة أطولَ منها، خشية أن ينفذ زياد فكرته.
ووقف في البصرة موقفًا بديعًا يصلح بين القبائل المختلفة المتعادية من الأزد وبكر وعبد القيس، ويبذل من ماله دِيَات لما يقع من القتل حتى يلتئم صدعهم ويجتمع شملهم ويعيشوا في البصرة عيشة هادئة مطمئنة.
لقد عابوا عليه أنه ذُكر أمامه الزبير بن العوام عندما ترك القتال يوم الجمل ومر ببني تميم، وقال: جمع الزبير بين الناس يقتل بعضهم بعضًا ويريد أن ينجو إلى أهله! فتبعه رجل سمع هذا القول فقتله، فقال الناس: إن الأحنف قتل الزبير بكلامه.
كما عابوه بأنه كان سميعًا مطيعًا لجاريته «زَبْرَاء» حتى كان الناس يكنون عن وقوع الحرب بقولهم: «غضبت زبراء»؛ لأنها إذا غضبت غضب الأحنف، وإذا غضب الأحنف شُرِعَت الأسنة وانتُضِيَت السيوف.
ولكن أي عظيم لا يعاب؟ وكفى الأحنف نبلًا أن كانت عيوبه من هذا القبيل لا تخدش شرفًا ولا تجرح عرضًا.
وللأحنف ناحية أخرى بديعة، هي ناحية أدبية غزيرة أمدت كتب الأدب العربي بغذاء صالح قوي، هو ما روي عنه من جمل حكيمة جَمعت إلى حسن اللفظ وقوته، وجودة المعنى وصحته، ونضجت عليها صفاتُ الأحنف النبيلة الشريفة، وكانت خلاصة لحياة حافلة بالتجارب. كانت هذه التجارب والمعاني في رأس أرسطو اليوناني الفيلسوف فصاغها صياغة علم وفلسفة، وكانت في رأس الأحنف بن قيس العربي البدوي فصاغها في شكل حكم وأمثال وجمل موجزة، تحمل معاني غزيرة، فكان لكل مزايا منهجه في النظر، ومنهجه في القول. لقد وصل الأحنف في الإسلام ما بدأ به أكثم بن صَيفِي من الحكم في الجاهلية، وزاده الإسلام غزارة وفيضًا؛ وكانت حياته العملية من حروب واتصال بالسلطان والولاة وخبرة بالناس ونزاعهم وأنظارهم، وسيادته وكثرة سؤال الناس له عما سودَه — مدادًا صالحًا يستقي منها حِكَمه وأقواله.
من أجل هذا كله نال عند الناس منزلة قل أن يطمع فيها طامع؛ يعجب الناس بعقله حتى يقول سفيان: ما وُزن عقل الأحنف بعقل أحد إلا وزنه، ويعجبون بسيادته وهيبته حتى يقول القائل:
إذا الأبصار أبصرت ابن قيسظلِلْن مهابة منه خشوعا فلله الأحنف قائدًا في الحروب لا يبارى، ولله الأحنف سيدًا في قومه مطاعًا، ولله الأحنف حكيمًا مجربًا، ولله الأحنف بليغًا مفوَّهًا، ولله السعدية إذ رأته فقالت: «نسأل الله الذي ابتلانا بموتك، وفجعنا بفقدك، أن يوسع لك في قبرك وأن يغفر لك يوم حشرك، فلقد عشت مودودًا حميدًا، ومت سعيدًا فقيدًا؛ ولقد كنت رفيع العماد، وارِيَ الزناد، ولقد كنت في المحافل شريفًا، وعلى الأرامل عطوفًا، ومن الناس قريبًا، وفيهم غريبًا، وإن كانوا لقولك مستمعين ولرأيك متبعين. رحمنا الله وإياك».

أكاذيبُ المدنية


لكل مدنية جانبان: جانب يصح أن نسميه «الجانب المادي»، وجانب يصح أن نسميه «الجانب الروحي».
ونَعني بالجانب المادي القوة الحسية وما يتبعها وما يُمِدهَا؛ فالتسليح وما إليه قوة مادية، والمخترعات الحديثة — من كهرباء وبواخر وقطارات وطائرات وغواصات — قوة مادية، وما اخترع من صنوف الترف — كاستخدام الكهرباء في شئون الحياة، واستخدام القوى الميكانيكية في تنظيم الأعمال — قوة مادية؛ بل إن الوسائل التي تستخدم لهذه الغاية، كالعلوم الرياضية والطبيعية والكيمياوية والطبية هي أيضًا قوة مادية؛ لأن نتيجتها في الحياة هي هذه المخترعات والمستكشفات التي تزيد في ترف الناس ونعيمهم من الناحية المادية، بل المدارس والجامعات التي تعلم لهذه الغاية هي قوة مادية للدولة.
والقوة الروحية هي رسم الَمثَل الأعلى للإنسان، والسعي في الوصول إليه، وهي العمل على إصلاح النوع الإنساني بأكمله من الناحية الفردية ومن الناحية الاجتماعية والسياسية، وهي تعويد الإنسان أن يفكر ويشعر ويعمل لخير الإنسانية، حتى تقرُب من المثل الأعلى لها، وهي أن يخفق قلب الإنسان بحب الناس جميعًا، وبحب الخير العام لهم جميعًا، وهي أن يوضع من النظم ومن طرق التربية ومن القوانين ومن المعاهدات ما يحقق هذه الغاية أو على الأقل ما يقرب منها، وعلى الجملة هي تغذية الروح بحب الخير للإنسانية.
وليس يمكن أن تُعَد المدنية مدنية راقية إلا إذا وجد فيها الجانبان، وكانا معًا راقيين، وكانا متوازيين.
فلننظر — في ضوء هذا القول الجميل — إلى المدنية الحديثة، أهي مدنية صالحة؟ أهي مدنية راقية؟ أهي أمل الإنسانية؟
الحق — مع الأسف — أنها ليست كذلك.
لقد نجحت في الجانب المادي نجاحًا فوق ما كان يُنتظر، وفشلت في الجانب الروحي فشلًا أبعد مما كان ينتظر، فأما الذين يهمهم الرواة والمنظر وحُسن الشكل والمتعة المادية فقد صفقوا للمدنية الحديثة حتى كلت أيديهم من التصفيق، وبحت أصواتهم من نداء الاستحسان؛ وأما الذين يهمهم من الإنسان روحه لا جسمه، ومن المادية روحها لا مادتها، فنالهم شيء غير قليل من اليأس. أما المادية فحدث عنها ولا حرج، لقد حلقت الطيارات في السماء، وغاصت الغواصات في قاع الماء، وأتت الكهرباء بالسحر الحلال، تضغط على زر فتبعث ما شئت من أنوار، وتضغط على زر فتبعث ما شئت من حرارة، وتضغط على زر فتبعث ما شئت من حركة؛ هذا التليفون بين أوربا وأمريكا، وهذا اللاسلكى يفعل أعاجيبه، بل كيف أَعُد والمخترعات لا تحصى عددًا، والعجب منها لا ينتهي أبدًا، حتى ظننا أن العالم احتفظ بأسراره كلها منذ خُلق، ثم باح بها جميعها لرجال المدنية الحديثة، فلم يعد لديه سر، وكل ما في الأمر تصفية حساب الأسرار.
ولكن لا تخدعنك هذه المظاهر، فالمثل العامي يقول: «لا يعجبنَّك البيت وتزويقه، فساكنه قد جف رقيه»، لا تنظر إلى المكان وانظر إلى السكان.
هذه مشكلات العمال العاطلين، وهذه الملايين المملينة من البائسين، وهذه الحروب الطاحنة في أسبانيا، بين الشيوعيين والفاشستيين، وهذه الدول كلها تتسلح لتقذف بأبنائها جميعًا في أتون من نار مساحته الأرض كلها، وهذا وهذه، مما لا يعد من ضروب الشقاء.
هذا هو القصر السعيد، فأين سكانه السعداء؟ وهذه هي السفينة الجميلة المعدة بكل وسائل الإعداد، فأين بَر السلامة؟ وهذا «الفرح»، فأين «العريس»؟!
سر هذا الشقاء كله طغيان جانب المادة على جانب الروح. سر هذا كله أن المدنية الحديثة عجزت عن أن تنظر إلى الإنسان كوحدة على الرغم من أنها قربت بطرق المواصلات والمعاملات بين أجزاء العالم.
لقد قربت في المكان وباعدت بين السكان، تقدمت في علم الجغرافيا ولم تتقدم في علم الاجتماع، استكشفت الجبال والوديان والصحاري والأنهار والبحار، ولم تستكشف قلب الإنسان. عملت على وحدة الإنسان جغرافيًّا، وعملت على تفريقه اجتماعيًّا؛ فما أغرب شأنها، وما أصح عينها، وما أضعف ذكاءها!
لقد تساءلت المدنية: كيف نعيش؟ فحسنت كيف نعيش، ولكن لم تتساءل لِمَ نعيش، وكيف يجب أن نعيش، وما الغاية التي لأجلها نعيش، فلم تتقدم في هذا الباب شيئًا.
إن العلم كان وسيلة صحيحة لتحسين كيف نعيش، ولكن العلم لا يكفى للإجابة عن بقية الأسئلة، فلم يكن وسيلة صحيحة لها.
لقد ابتكرت المدنية الحديثة فكرة الوطنية فكانت سبب شقائها، ومصدر محنتها، وفقدانها روحانيتها.
لقد كانت الأسرة هي الوحدة، ثم كانت القبيلة، ثم كانت المدينة، ثم كانت أهلَ الدين الواحد، ثم كانت في المدنية الحديثة الأمة؛ ولكن في كل ذلك شقاء، ولا يمكن أن يسعد العالم حتى تأتي مدنية تجعل الإنسانية كلها هي الوحدة، وهي الغاية، وهي المثل الأعلى.
فكر في أكثر شرور هذا العالم، وكلما بدأ سبب فأرجعه إلى علته الأولى، تصل أخيرًا إلى أن علة العلل ضيق هذا النظر في جعل الأمة لا الإنسانية هي الوحدة؛ فالتسلح، والحروب الماضية، والحروب المستقبلة، وكثرة العاطلين، وغلاء الأسعار، والخصومات بين الأحزاب، والخصومات بين الأمم، وعدم وجود المال الكافي للإصلاح الاجتماعي، سببه كله هذه النظرة الضيقة، نظرة الساسة المستبدين إلى أمتهم، يؤيدهم من وراء ستار رجال الأموال والأعمال، وحتى الرجال الذين كانوا موضع الأمل في إعزاز جانب الروح، وهم رجال الدين أصبحوا — كذلك — رجال سلطة.
هذه المدنية التي شرحتها طغت على كل شيء؛ فالأخلاق أساسها هذه المادية، وبرامج التعليم أساسها الوطنية، ومالية الدولة مشلولة بالأغراض الحربية، والآلات المخترعة جعلت أصحاب الأموال والحكومات ينظرون إلى الإنسان نظرهم إلى ترس في آلة، واستغرقت المادة كل تفكير المفكرين، من اقتصاديين وماليين وعلماء وحكوميين؛ ومن اتسع تفكيره لإصلاح روحي أو لإصلاح اجتماعى صدم بميزانية الدولة التي أسست على النظرة المادية، وصدم بالحالة الدولية العامة، كالذي كان في عصبة الأمم؛ فقد خذلت وأصيبت في صميمها؛ لأنها حاولت محاولة بسيطة أن توجه تيار المدنية الحديثة إلى الناحية الروحية، فلما كانت البيئة التي حولها لا تساعدها اختنفت وأصبحت هي الأخرى جسمًا بلا روح؛ ثم أصبح الناس جميعًا وقد فقدوا حريتهم الحقيقية، على الرغم من الطلاء الكاذب من المناداة بالحرية؛ فالحالة الاقتصادية المادية سلبت الناس حريتهم، وجعلتهم يعانون أشد المعاناة وسائل العيش، ولا حرية لهم في التخلص منها؛ وكلما زادت المدنية زادت مطالب الحياة، وتعقدت سبل الحصول عليها، وشعر الناس بضيق من شدة الضغط؛ وهل مع هذا حرية؟ والناس يرون الحرب أزمة المدنية؟ ولكن هذا خطأ؛ فالحرب نتيجة سوء المدنية، ومظهر لحقيقة سوء الحال الاقتصادية والمادية، لا أن الحرب نفسها هي الأزمة؛ فالحرب هي عقرب الساعة التي نراها، ولكن العقارب نفسها ليست إلا مظهرًا للآلات الدقيقة المستورة تحت العقارب، وإذا رفعت العقارب لم يتغير سير الآلات في شيء، وكل ما فقدناه هو المظهر والعلامة.
لقد أعْلَت المدنية الحديثة شأن العقل وغالت في تقديره، وآمن رجالها بأنه وحده هو الأساس الصالح للحياة، فكان من نتيجة ذلك ازدهار العلم إلى حد بعيد، وزادهم تحمسًا له ما كان من نتائجه الباهرة في المخترعات والآلات؛ ولكنهم بعد سيرهم الطويل، ونجاحهم الباهر في هذه السبيل، اصطدموا بحقيقة مؤكدة، وهي أن العلم وحده وما تبعه لم يكن السبيل لإسعاد الإنسان.
وأظن أن قد ظهرت موجة علت نفوس الناس تشعرهم بأنهم لم يكونوا بعد العلم أسعد مما كانوا قبل العلم، وتشعرهم بأن المدنية ينقصها شيء كبير.
ما هو هذا الشيء؟
هذا هو الجانب الروحي الذي أشرت إليه؛ ولست أنكر مزية العلم، ولكني أعتقد أنه وحده لا يكفي. إني أفهم من المدنية معنى خاصًّا، هو أنها «التقدم الذي يقوم به الناس في كل جانب من جوانب الحياة، وفي كل وجهة من وجهات النظر المختلفة»؛ فإذا انحصر التقدم في المادة وحدها والعلم وحده، كانت المدنية ناقصة، كما إذا انحصر التقدم في الروحانية وحدها.
لقد رجحت في المدنية الحديثة كفة المادية، فيجب أن نضع في الكفة الخفيفة روحانية كثيرة حتى تتوازن؛ ولكن ما هذه الروحانية التي نريد وضعها؟
هي أن يخفق القلب بحب الإنسانية كلها؛ فليس هناك أمة مستعمِرة وأمة مستعمَرة، وليس هناك أسود وأبيض، وليس هناك أصحاب رءوس أموال يتخذون الملايين خَدَمًا وعبيدًا. هي أن يتجه من بيدهم زمام الأمور إلى الخير العام لا الخير الخاص.
هي أن تلغى الحدود الجغرافية، والحدود الجنسية، والحدود الوطنية، والحدود المالية ونحوها من حدود، ثم يكون المبدأ العام «الإنسان أخو الإنسان يكد ويعمل لخيره».
هي أن يكون مبدأ الإنسانية دينًا يُبَشر به ويعمل من أجله، وتحور مناهج التعليم وقواعد الأخلاق على حسبه.
لو فعلنا ذلك لزالت أكثر شرور المدنية الحديثة من حروب وعطلة وتناحر بين العمال وأرباب الأموال، ولتعاون الشرق والغرب، وتعاون أهل الأديان المختلفة، ولشعر الإنسان بأن أفق تفكيره اتسع، وأفق شعوره اتسع، وشعر أن الأرض كلها وطنه، والناس كلهم إخوانه، ولشاع الحب في جو الأرض، وأصبحنا نستنشقه مع الهواء.
وما لم نصل إلى هذا الحد فالمدنية مجموعة أكاذيب.

المصالحةُ


من الواضح أن اللغة الحية تتبع الحياة الواقعية للأمة التي تتكلم بها؛ فإذا استعملت الأمة آلة من الآلات أوجدوا لها اسمًا للتعبير عنها، وإذا اخترعوا مخترعًا أو استكشفوا عنصرًا أو ركبوا تركيبًا جاءت اللغة مباشرة فكملت نقصها بوضع اسم لذلك الشيء الجديد، فتمشت اللغة مع العلم والفن والصناعة؛ وكذلك الشأن في المعاني، فإذا استكشفوا ظاهرة في علم النفس وضعوا لها اسمها، وإذا شعروا بمعنى من المعاني فكذلك. ويكثر استعمال الألفاظ في اللغة ويقل بقدر وقوع الشيء في الحياة العملية وأهميته؛ على حين أن أمة أخرى لا تستعمل هذا اللفظ في لغتها ولا ما يرادفه ويقابله؛ لأنها لم تشعر بهذا المعنى ولم تستعمله.
سقنا هذه المقدمة لمناسبة أننا رأينا في اللغة الإنجليزية كلمة تدور على ألسنتهم كثيرًا، ويستعملونها في كتبهم كثيرًا، ثم لا نجد لها مقابلًا يستعمل في لغتنا العربية؛ وهذه الكلمة وأمثالها في اللغة الإنجليزية يصقلها الاستعمال، ويتحور مدلولها على مَر الأزمان، تبعًا لما يجري عليه العمل.
تلك الكلمة هي Compromise، وقد تنقلت في استعمالات مختلفة حتى صارت الآن تستعمل بمعنى حسم النزاع بين فردين أو أمتين أو حزبين، وذلك بتنازل كل منهما عن شيء من وجهة نظره ومن مطالبه، واتفاقهما بعد ذلك على نتيجة هي وسط بينهم، أخذت بطرف من هذا وطرف من ذاك، وقربت بين وجهة نظر هذا ووجهة نظر ذاك. وهذه الكلمة بهذا المعنى تدور في الكتب وعلى الألسنة دورانًا كبيرًا؛ لأن حياة الإنجليز الأخلاقية والسياسية تخضع لهذا المعنى كثيرًا، فهو مسلكهم في فض النزاع بين الأفراد في المعاملات اليومية، وفي الخلاف بين أفراد الأسرة، وفي الأحزاب السياسية، وفي المفاوضات بين الدول، وهكذا؛ وعلى الجملة فقد استعملوا هذا المعنى كثيرًا في حياتهم فكثر استعماله في لغتهم.
ولكنا لا نستعمله كثيرًا في حياتنا فلم نشعر بما يلجئنا إلى استعماله في لغتنا؛ فإنا إذا تنازع فردان منا أو حزبان صمم كل منهما على وجهة نظره إلى النهاية غالبًا مهما كانت نتيجة ذلك من الخراب، واعتقدَ الاعتقاد الجازم أن رأيه كله صواب لا محالة، ورأي مخالفه كله خطأ لا محالة؛ ولأجل هذا لا يسمح أن يدخل في صوابه شيء من خطأ مخالفه. أما هذا الخلق الذي تدل عليه هذه الكلمة الإنجليزية فيتطلب أن يحترم ذو الرأي رأي مخالفه، ثم يجيز في باطن نفسه أن يكون رأيه خطأ ورأي مخالفَه صوابًا، أو على الأقل يجوز أن يكون في رأيه بعض الصواب وبعض الخطأ، وفي رأي مخالفه بعض الصواب وبعض الخطأ، فيحملهما ذلك على أن يتقاربا ويتفقا على حل وسط.
لا أجد أقرب في اللغة العربية للدلالة على هذا المعنى من كلمة «مصالحة»، فمن معاني المصالحة القانونية في كتب الفقه أن يكون بين اثنين خصومة وكل منهما يدعي بحق، فيأخذ كل منهما بعض حقه وينزل للآخر عن بعض حقه، فإذا وسعنا هذا المعنى وجعلناه يطبق على المعنويات كما طبق على الحقوق المالية كانت هذه الكلمة أليق للدلالة على كلمة Compromise الإنجليزية، ثم إذا أكثرنا استعمال هذا المعنى في حياتنا اليومية اضطر الناس للتعبير عنه بهذا اللفظ فصقل وأخذ حيزه من الأفكار ومن المعاجم. وبعد، فما الدائرة التي يستعمل فيها هذا اللفظ، وأي مناحي الحياة يستخدم فيها؟
إني أرى أن الحياة العملية في جميع مناحيها مضطرة إلى استخدام المصالحة أو التصالح، وهذا من أهم القروق بين المنطق النظري والحياة العملية؛ فالمنطق بنظرياته يحكم أحكامًا صارمةً، فهذا أبيض وهذا أسود ولا شيء من الأبيض بأسود، وهذه القضية صحيحة أو خطأ ولا شيء بينهما، وهذا الرأي حق أو باطل لا محالة؛ أما الحياة العملية فليس فيها هذه الأحكام القاطعة الحاسمة، ولكن فيها المصالحة سواء كان ذلك في النواحي الأخلاقية أو القانونية أو السياسية، فكل — إنسان إن دققت النظر فيه — مسرح صغير تلعب فيه الفضيلة والرذيلة وتتحاربان، ثم تتصالحان على أن تتنازل الفضيلة عن بعض تشدداتها، وتتنازل الرذيلة عن بعض استهتارها. وما الفضيلة في الحقيقة إلا الرذائل معدلة أو منقحة.
فالإنسان المتوحش كان يعيش بغرائزه، فلما تمدن عدلت هذه الغرائز المتوحشة وسميت فضائل. فالفضائل بالنسبة للرذائل كالزهرة في البستان والزهرة في الوادي، أو كالقط المستأنس بالنسبة إلى القط المتوحش. فالرغبة الجنسية الفطرية عند المتوحش تحولت إلى حب لطيف في المدنية، والقتل والغارة والانتقام عند المتوحشين دخل فيها العقل والنظام فصارت قانونًا وسياسة وعدلًا عند المتمدنين. والأنانية عدلت فصارت الثقة بالنفس واحترام النفس ونحو ذلك مما يعد فضائل؛ والحرب بين الأفراد والجماعات دخلها التعديل فسميت منافسة مشروعة كالمنافسة بين التجار والعلماء والأدباء، والمنافسة بين الأمم.
وما لنا نذهب بعيدًا، ونظرية أرسطو في الأوساط وهي أن كل فضيلة وسط بين رذيلتين، ليست في الحقيقة إلا من هذا القبيل؛ أي أن هناك رذيلتين تعادلتا وتصالحتا فكان منهما الفضيلة، فالجبن والتهور تصالحا فكانت الشجاعة، والبخل والسرف تصالحا فكان الكرم، والفجور والخمود تصالحا فكانت العفة.
بل لعل هذا هو الشأن في العلم والأدب. فالخرافات وأوهام المتوحشين صارت خيالًا خصبًا عند المتمدنين ينتج الشعر والقصص، والتنجيم عند الأولين صار علم الفلك عند الآخرين، والسحر والكهانة في الجاهلية أصبحا علم النفس في العصور الحديثة، وتحويل المعادن إلى ذهب في القرون الوسطى أصبح الكيمياء في القرون القريبة، ووصفات العجائز والمعالجة بالتجارب أصبحت على مر الزمان علم الطب بعد أن دخلها كلها التعديل والمصالحة.
وهذا هو الشان في القضاء؛ ففي القضية يتولى محامون جانبًا من جوانب القضية يبذلون علمهم وفصاحتهم ومهارتهم الخطابية والقانونية في أحقية جانبهم، ويفعل مثل ذلك محامو الجانب الآخر؛ ثم يقف القاضي موقف الناظر إلى الجانبين ويفاضل بين وجهتي النظرين، فقد يقتنع بجانب منهما ويقضي به، ولكن في كثير من الأحيان يلجأ إلى المصالحة؛ ولست أعني أن يصلح بين الخصمين، ولكن أعني أن يرى لكل خصم جانبًا من الحق وجانبًا من الباطل فيصالح بين وجهتي النظر ويشتق منهما معًا حكمه، فهذا هو التصالح.
فإن نحن جئنا إلى السياسة فمجال القول ذو سعة؛ فالأحزاب السياسية البرلمانية تقوم في قضايا الأمة العامة مقام المحامين في القضايا الشخصية في المحاكم، كل يؤيد رأي حزبه ويدعمه بالحجج، ويبين الخطأ في وجهة نظر خصمه، ثم يقوم الاقتراع على الرأي مقام القاضي في المحاكم؛ وفي كثير من الأحيان تكون المصالحة أيضًا، أعني أن يتنازل كل حزب عن بعض رأيه ويأخذ ببعض رأي الآخر وهكذا، نزولًا على قاعدة أن كل حزب يجب أن تسيره مصلحة الأمة لا مصلحة حزبه الخاص.
فمعنى الحزب السياسي جماعة لهم مبادئ معينة يرون أن الحكومة يجب أن تسير عليها لتحقيق مصلحة الأمة، ولهم وسائل معينة في تحقيق هذه المبادئ، ولهم خطة معينة في ترقية الأمة من ناحية يرون أنها أهم النواحي، وهم يعملون للوصول إلى الحكم لتحقيق هذه الأغراض النافعة للأمة.
والحكم في صلاحية حزبهم — أو بعبارة أخرى في صلاحية مبادئهم أو عدم صلاحيتها — هو رأي الأمة في الانتخاب.
ولكن مبادئ كل حزب إذا نزلت من سماء نظريتها إلى حياتها الواقعية تبين أنها في حاجة إلى تعديل وإصلاح، وأن مبادئ الأحزب الأخرى قد يكون فيها من الخير ما ليس عند غيرها، فتتصالح المبادئ.
هنا النظر يلطف حدة كل من المتخاصمين، ويحمل كل خصم على احترام خصمه كما يحترم نفسه، وألا يعتقد أنه هو وحده العاقل الأمين وأن خصمه هو الجاهل الخائن، بل يعتقد أن له وجهة نظر جديرة بالاحترام، ولخصمه وجهة نظر أخرى جديرة بالاحترام كذلك.
وبعد، فلعل ما يصيب الشرق الآن من اضطراب سياسي سببه أنهم لم يعرفوا هذا الخلق ولم يفهموا سره؛ ولذلك لا يجدون أنفسهم في حاجة إلى البحث عن كلمة تدل عليه.
أعتقد أن الخصومات الفردية تتلطف كثيرًا بهذا الخلق، وأن الخلافات الحزبية تفقد حدتها إذا سارت عليه.
فهذا الخلق يجعل الأحزاب السياسية المتنازعة تحترم وجهة نظر خصومها. وتنظر إليهم كأشراف لا مجرمين، وتعاملهم الند لا معاملة المتهم، وترى أن الحزب إذا تولى الحكم فليس يحكم حزبه، ولكنه يحكم الأمة على اختلاف أحزابها، فهو مطالب أن يعدل في خصمه كما يعدل في مؤيده؛ وهذا الخلق يجعل صاحبه ينظر إلى خصمه كما تنظر كل فرقة في لعب الكرة إلى الفرقة الأخرى كلهم يتسابقون ويتراكضون، وكل فريق يود الغلبة، ولكن قانونهم جميعًا في اللعب هو قانون الشرف؛ فإذا انتهى اللعب صافح كل خصم خصمه، ولا غل ولا ضغينة، وتبين لهم أن الخصومة كانت مصطنعة، وأن الغرض قد تحقق للغالب والمغلوب معًا، وهو الرياضة البدنية للجميع.
كم أتمنى أن ينتبه الناس لهذا الخلق «خلق المصلحة» وأن يكرروه وأن يستعملوه في لغتهم وفي معاملتهم، وأن يضعوه في أول ثبت الأخلاق بجانب الصدق والشجاعة والعدل.

المادةُ لا تنعدمُ


هكذا يقول علماء الكيمياء ويشرحون قولهم، ويبرهنون عليه، ويرون أن المادة تتغير وتتحول وتعود إلى عناصرها الأولى، ولكن لا تنعدم؛ والعالم كله كساقية جُحا، تغرف من البحر، وتصب في البحر؛ فقد يحترق هذا المكتب الذي أمامي، لا قدر الله، ولكنه لا ينعدم، بل يتحلل إلى عوامله الأولية، وسيتغذي منها النبات، ويتكون منها خشب جديد، قد يكون مكتب المستقبل.
قال الكيميائيون ذلك، وقصروا قولهم على المادة؛ لأنها مادة عملهم، وموضوع تجاربهم.
ولو عَرَض لهذا فيلسوف واسع النظر، غير محدد البحث، لقال: «لا شيء ينعدم».
إن الأعمال من خير وشر لا تنعدم، بل تنمو وتتحول، وتؤثر وتتأثر، ولكن على كل حال لا تنعدم. إن كذبة واحدة تكذبها على أولادك في بيتك — من غير أن تعيرها اهتمامًا — لا تنعدم، فسوف تبيض وتفرخ وتنتج كثيرًا من أمثالها، وسوف يكذب أولادك، وستخرج الكذبة من حجرتك إلى سائر بيتك، وستخرج من بيتك إلى المدرسة، وستخرج من المدرسة إلى مصالح الناس ومعاملتهم، فكيف تنعدم؟
قد يدق العمل ويصغر حتى لا تراه أعيننا، ولا تسمعه آذاننا، ولا تشعر به نفوسنا؛ ولكنه موجود، يعمل عمله في هذا الوجود، ويفعل وينفعل، ويتسع نطاقه، ويعمل في دوائر مختلفة قد لا تخطر بالبال؛ وما أظنك تجهل أن حصاة ترميها في البحر الأبيض المتوسط لا بد وأن يتأثر بها المحيط الأطلنطي، وإن لم تر ذلك عيوننا؛ والدليل على ذلك بديهي، فلو كبرت هذه الحصاة ملايين المرات، أفلا تؤمن بهذا الأثر؟ إذًا فآمن بأن هذه من تلك، وعلى نسبتها ومقدار حجمها. وجزء من ألف من الشعرة له ظل حقيقي، وإن لم تره عيوننا، ولولا ذلك لما كان لألف ألف شعرة ظل، ولما كان لثوبك الذي تلبسه ظل.
وعملك الخير مهما صغر، له أثره في أمتك مهما صغر، أعلنته أو أسررته، نجحت فيه أو فشلت، علم الناس أنك مصدره أو لم يعلموا؛ وهل مقياس رقي الأمة وانحطاطها إلا عبارة عن عملية حسابية مركبة من جمع وطرح، جمع لما صدر منها من حسنات، وطرح لما صدر من سيئات؟ لتكن هذه العملية أشد ما تكون من صعوبة، ولتحتج إلى ما شئت من آلات دقيقة للجمع والطرح، فإن طريقة الحل لهذه المسألة في منتهى البداهة.
وليس الأمر مقصورًا على الأعمال؛ فإذا قلنا: «الأعمال لا تنعدم» فهو تكرير لقول الطبيعيين «المادة لا تنعدم»، وهل الأعمال إلا نوع من المادة؟
بل الأفكار والآراء من هذا القبيل، فالفكرة لا تنعدم، والرأي لا ينعدم؛ فإذا دعوت إلى فكرة، أو جهرت برأي، فقد أخرجت إلى الوجود خلقًا جديدًا ينطبق عليه القانون العام؛ قد ينجح الرأي وتعتنقه الأمة، بل يعتنقه العالم، وتظهر آثاره في أعمال الناس وحياتهم ونظامهم فتسلم معي بأنه لم ينعدم ولكنه قد يفشل؛ وقد يستعمل الناس في اضطهاده وحربه كل أنواع الأسلحة المشروعة وغير المشروعة، والرفيعة والوضعية، حتى يختفي ولا يظهر في الوجود، فتظن إذ ذاك أنه انعدم، وهو ظن غير موفق؛ فقد يخفى ليعود إن كان صالحًا، وقد يحدث قبل أوانه، فيستتر وينكمش، ويبقى حيًّا يتغذى في الخفاء، وتنميه الأحداث، حتى إذا تم نموه، وتهيأ الناس له، برز إلى العيون ثانية أو ثالثة، وهو أصبر على مقاومة الحرب، وأقوى على مصارعة الباطل، حتى يكتب له النجاح — وحتى إذا كان الرأي فاسدًا سيئًا لا يصلح لحال ولا لمستقبل فليس مما ينعدم، إنما هو يتحول ويتحور، كلوح خشب لا يصلح بحالته أن يكون شُباكًا فينجر، أو لوح زجاج ليس بالحجم الذي تريده فيصغر، أو حديدة لا ينساب شكلها وحجمها فتوضع في قالب جديد بعد أن تصهر؛ وهكذا في الرأي يغير ويعدل، ويطعم بآراء أخرى حتى يخرج خَلقًا آخر، ولكنه في كل ذلك لا ينعدم. وفرق كبير بين أن نقول: فشل الرأي وفشل المشروع، وأن تقول: انعدم الرأي وانعدم المشروع. فالفاشل موجود والمعدوم معدوم، وشتان بين الموجود والمعدوم. فالرأي الفاشل أو المشروع الفاشل شيء حي قد تلقى درسًا من الفشل ليصبح بعدُ رأيًا قويمًا ومشروعًا ناجحًا، وهذا لا ينطبق على المعدوم.
بل أذهب إلى أبعد من ذلك، وأرى أن العارض يمر على النفس، أو الخاطر يخطر بالذهن، لا يضيع ولا يذهب سدى ولا ينعدم، وإنما هو دخان قد يكون بعدُ سديما، ثم قد يكون السديم كوكبًا يلمع أو نجما يتألق، وقد يكون على العكس من ذلك صاعقة تحرق، أو وميضًا خلبًا يبرق؛ وعلى الحالين فسيكون مولودًا جديدًا، شقيًّا أو سعيدًا. أليس كثير مما يعترينا — من حزن يسبب الكسل والخمول والَملَل، أو فرح يدعو إلى العمل — سببه طائف مجهول طاف بالنفس، وخطرة متنكرة خطرت لها، فغيرت حالها وكيَّفتها تكييفا خاصًّا في هذا الوجود؟ أوليس كثير من الآراء التي أسبغت على هذا العالم نعمًا، وكثير من المشروعات التي عم الناس خيرها وشرها، بدأت خطرة ثم كانت فكرة، ثم أصبحت بعدُ عملًا؟ أليس مما يكون الإنسان خطراته، فهو خير أو شرير بخطراته، وهو بائس أو منعم بخطراته؟ ولو كشف عنا الحجاب لقرأنا في صفحات الإنسان خطًّا عميقًا خطته في نفس الإنسان خطراته وآراؤه، وهو أدل على الإنسان من مظاهره الكاذبة، ومناظره الخارجية الخادعة.
وعلى الجملة فإن قال علماء الكيمياء: إن المادة لا تنعدم، فكل ما في الوجود يقرر أن «لا شيء ينعدم». إن كان هذا حقًّا فويل للخير يقصده عن الخير أنه لم ير بعينه آثار عمله، وويل للخير صرفه عن خيره نكران الجميل وجحد المعروف، وويل للمجد عدل به عن جده أن لم يسبح الناس باسمه، ويشيدوا بذكره، ومرحى لمن كان مبدؤه «الخير للخير، ولا شيء ينعدم».

نجَّارٌ ونجَّارٌ


استأجر دكانًا أمام منزلنا الأسطى حسن النجار.
وهو شاب في نحو الثلاثين من عمره، مهزول الجسم، أصفر الوجه، ينتعل نعلًا بالية، ويلبس ثيابًا رثة، وعلى رأسه طربوش أسفله أسود، وأعلاه أحمر، قد دفعه إلى الوراء ليُظهر «قُصتَه» من شعره، فرعها فروعًا ورفعها إلى السماء لتناطح السحاب.
ينظر إليك بعين منتفخة كأنه قريب العهد دائمًا بنوم طويل ثقيل، ويمشي متطرحًا كأن في رأسه دائمًا فضلة خُمَار، وعلى وجهه غبَرة كأن الماء لم يمسه أبدًا؛ أقوى شيء فيه لسانه في السباب، وصوته في النزاع.
ليس لفتح دكانه أو إغلاقه موعد، ولا لعمله وراحته وقت محدد، يحلو له أحيانًا أن يغلقه في الصباح ويفتحه في الظهر إذا بدأ الناس يَقيلون، وأحيانًا يسره أن يتركه مغلقًا طول النهار ويفتحه ليلًا حيث يبدأ الناس في النوم، فيضيء مصباحه، ويخرج عدده وأدواته في الشارع، ويأخذ في نجارته ما حلى له ذلك، فحينًا إلى الفجر، وحينًا إلى الصباح؛ تحاول أن تصده عن ذلك وتنصحه فيظهر الطاعة ثم يستمر في خطته؛ وأحيانًا تنقلب دكانه في الليل حانة يجتمع وأصحابه فيتنادمون ويتشاربون؛ حتى إذا تمشت الخمر في مفاصلهم، ودبت في عظامهم، ذهبت بهم كل مذهب، وأخذت منهم كل مأخذ، فتغنوا أحيانًا، ووقع الغناء في نفوسهم أحسن وقع، وصاحوا جميعًا بصوت واحد: آه! ممدودة ما طاوعتهم أنفاسهم ? وأحيانًا يعدلون عن الغناء إلى تبادل النكات، ويعقبون كل نكتة بضحكة عالية تسر نفوسهم وتخرق آذان جيرانهم.
وإذا فتح الدكان نهارًا فمعرض غريب، لا لجودة المصنوعات، ولا دقة المعروضات، ولكن لأصحاب الحاجات قد أتو يطالبون بإنجاز أعمالهم، والشكوى من تأخير طلباتهم؛ ثم يصل الأمر في أغلب الأحيان إلى تدخل البوليس، وأحيانًا يكون ما هو أدهى وأمر، إذ يكون قد سلم إليه صاحب حاجة دولابه أو كرسيه لإصلاحه، فلم يجد دولابه ولا كرسيه؛ لأن الأسطى حسن اضطرته الحاجة الملحة فباعه وأضاع ثمنه.
وهكذا أصبح شارعنا بحمد الله معرضًا في النهار للسباب والمنازعات والخصومات والبوليس، ومنتدى جميلًا ليلًا لأهل السماح الملاح، إلى الصباح.
وأخيرًا عدت من عملي يومًا فرأيت الزحام شديدًا على دكان الأسطى حسن، وإذا جلبة وضوضاء، وصياح يملأ الآذان، وإذا المنادي ينادي لبيع عدد النجارة وأدواتها:
منشار في حالة جيدة!
عشرة قروش — أحد عشر — اثنا عشر.
ألا أونا — ألا دو — ألَا تريه.
وهكذا حتى تم بيع كل ما في الدكان، وفاء لأجرتها خمسة شهور تأخرت على الأسطى حسن.
وكان شعوري إذ ذاك مزيجًا من غبطة وألم، وحزن وفرح؛ فقد آلمتني خاتمته، وأفرحني ما منيت به نفسي بعد ذلك من نوم هادئ سعيد.
ودعوت ربي جاهدًا ألا يرغب في الدكان مستأجر بعدُ، فإن كان ولا بد فكَواء أو عطار، لا نجار ولا بائع فراخ ولا مبيض نحاس؛ وقصرت شكواي على الله بعد أن جربت البوليس فوجدته لا يأبه لهذه السفاسف، وليس له من الزمن ما يلفته لهذه الصغائر.
ولكن أبى القدر أن يستجيب دعوتي — وكأن الدكان وقف على سكنى النجارين — فقد سكنها هذه المرة أيضًا نجار، ولكنه من صنف آخر، هو نجار رومي، لم أشعر بسكناه إلا بعد شهر، إذ لم يكن في عمله شيء غير عادي، فهو يفتح دكانه وقت العمل، ويغلقها عند الغروب، وينجر فتندمج أصوات دقاته ونجارته في أصوات البائعين وحركات المارين.
دعوته يومًا لإصلاح دولاب، فإذا شاب يشترك مع الأسطى حسن في سنه، ويختلف عنه في كل شيء آخر، جميل الهندام، وإن لم يكن ثمينه، صفف شعره في أناقة ولمعان، بينما اعتنى الأسطى حسن «بقصته» فقط — عمل عمله في هدوء وإتقان، وكأنه يحترم نفسه ويحترم عمله، ويقدر نوع معيشته وما يلزم لها، فطلبَ ضعف ما كان يطلبه زميله فدفعته راضيًا.
له في جوارنا ستة أشهر أو تزيد، لم أسمع صوته، ولم أسمع شاكيًا من تأخر موعد أو تصرف سيئ؛ ولم يقلق راحتى كما أقلقها مَن كان قبله، فهو وإن لم يكن كواءً أو عطارًا كالذي رجوت، فليس شرًّا منهما، وتبين بعدُ أن الأمر ليس نوع الصناعة، وإنما هو نوع الصانع.
•••

ونزلت بيتًا في ضاحية من ضواحي الأسكندرية، فرأيت (فيلَّا) جميلة على شاطئ البحر، لا يسكن مثلها — عادة — إلا مَن ورمت جيوبهم، وانتفخت محافظهم، راديو، وبيانو، وما شئت من أسباب النعيم ورفاعة العيش؛ ولكن لفت نظري رجل يلبس قباء، ويحزم وسطه بحزام، وعليه جاكتة بسيطة نظيفة، قد أرخى لحيته، ودفع طربوشه إلى الوراء، يحمل أقمشة على كتفه يكاد ينوء بحملها، وهو من الصنف اليهودي الذي تراه يجول في الشارع كل يوم يبيع (الدمور) و(الزفير) و(الباتستا). حيرني أمر هذه الفيلا بجمالها ونظافتها، وأمر هذا الرجل يخرج صباحًا يحمل سلعته على كتفه وقد سمنت، ويعود مساء وسلعته على كتفه وقد هزلت؛ أمستأجر هذا الرجل حجرة صغيرة في البيت، أم قريب فقير لأصحابه عطفوا عليه وأووه، واحتملوا منه أن يعيش بينهم وينزل في مسكنهم؟ — وفي الحق كان هذا لغزًا شغلني شرحه، وأَعياني حله؛ ثم هدتني المصادفة البحتة إلى استكشاف الأمر وافتضاح السر: هو ربُّ البيت! وعميد الأسرة، وليس فيها إلا زوجه وأولاده؛ ولكن كلهم يعمل، وكلهم يكسب: هذه الخياطة، وإحدى بناتها معلمة بيانو، وهذا ابنه كهربائي، وهذا الآخر يعمل في مصلحة التلغراف، وكل كاسب يعطي ما كسبه لأبيه، ويجمعون من ذلك ما يجمعه موظف وسط أو فوق الوسط، ثم هم جميعًا يعلمون كيف يعيشون، وكيف ينعمون بالعيش بأقل نفقة، ويعلمون ما ينفقون وما يدخرون.
قارنت بين هذا الرجل ورجل مصري آخر، كان يجول أمام بيتنا أيضًا، ويحمل سلعة كسلعة اليهودي، وينادي على (حرير المحلة)، وتصورته وبؤسه، وتصورت أسرته وبؤسها، وكيف يتحد العملان، وتتباين المعيشتان.
•••

ثم نسمع الشكوى الحارة من العمال العاطلين، والمتعلمين العاطلين، ونسمع من يرجع العلة إلى تفشي الأمية حينًا، وإلى نوع الدراسة حينًا، وإلى غير ذلك من أسباب؛ وليس في نظري سبب أهم من نقص الأخلاق، ولست أعني أخلاق الكتب، ولكن أعني أخلاق العمل، من معرفة طرق الكسب، وإجادة العمل، وحسن العرض، وعدم الأنفة من مزاولة الحرفة مهما حقرت، وضبط الدخل والخرج، وفوق ذلك كله العلم بفن الحياة.

عاطف بركات


في مدرسةِ القضاء?
عزيز علينا أن نقف بالأمس بكرمه ونقف اليوم نؤبنه.
أتت البشارة والنعمى معًايا قرب مأتمه من العرس ولكنها الدنيا خط في ماء، أو أثر في بيداء. وما الحياة إلا مهزلة. عمليات حسابية مختلفة الأعداد نتيجتها صفر دائمًا، يرينا الموت هذه الحقيقة، ولكنها لمعة كلمة البرق، ثم يعود الناس إلى ضلالهم القديم.
تتلمذت للفقيد أربعة عشر عامًا، أيام كنت طالبًا في مدرسة القضاء وأيام كنت مدرسًا مساعدًا له في دروس الأخلاق، فطالعت بإمعان وإعجاب صحيفة من حياته غاية في الشرف والنبل والمجد. بل قرأت منه كتابًا في التربية والتهذيب ملئ حكمة وروحًا وحياة.
درس لنا الأخلاق فابتدع في المادة وفي الأسلوب جميعًا، أما في المادة فقد هجر ما كان متعارفًا من تدريس الأخلاق على شكل مواعظ تسرد سردًا، وانتحى النحو الفلسفي في بحثه بحثًا عقليًّا علميًّا، فكان يترجم خير ما يقرأ ويُمَصر ما يترجم، وأحيانًا وبالمناسبة ينحي البحث ناحية، ويقص علينا من تجاربه في الحياة ومن مشاهداته في العالم ما يكون خير تطبيق على نظريات العلم.
أما في الأسلوب فكان يرمي إلى أن يعودنا الاستقلال في الفكر والعمل، فكان يلقي الدرس ويشرح نظريته ثم يترك كل طالب يحمل عبء نفسه في كتابة ما سمع وربط الأفكار بعضها ببعض، فكان ذلك من أشق الدروس علينا أولًا، وأعودها بالفائدة أخيرًا — حتى شعر كل طالب أن درس الأخلاق منحه عينين أخريين نظر بهما للحياة من جديد، وأكسبه قوة على الحكم لم تكن له من قبل، ومنحه قدرة على تقويم الأشياء قيمًا جديدة.
كان للفقيد دروس أخرى قيمة، ولكن لا بالمعنى المتعارف من الدروس. طريقته فيها أشبه بطريقة سقراط، يظهر في الطلبة أوقات فراغهم فيلتف حوله الكثير منهم، فيتكلم معهم في موضوع تخلقه المناسبة، فيرد عليه الطلبة ويرد عليهم، ويدفع الحجة بالحجة حتى يصل في النهاية إلى تكوين فكرة واضحة عند الطلبة في الموضوع الذي يبحث فيه، فكان ذلك درسًا في المنطق العملى من ألذ الدروس.
رأينا منه كيف كانت تعرض الفكرة فيحللها تحليلًا في منتهى الدقة ويسلط عليها من أشعة ذهنه ما يضيئها من كل جانب. وكانت آراؤه تدوي بين الطلبة وتعارَض وتحاكَى وترن في الآذان حتى يأتي موضوع جديد يحل محل القديم.
كذلك كان شأنه مع الأساتذة، يتحين فرصة اجتماعهم فيجلس معهم يستمع لحديثهم، ثم يستمد من قولهم فكرة أو مبدأ يشرحه ويدلل عليه؛ وكثيرًا ما يستطرد لنقد فكرة شائعة، أو أسلوب في التربية أو نحو ذلك، وهو فيما يقول شجاع لا يبالي أكان سامعوه على رأيه أو غير رأيه، هشوا له أو امتعضوا منه.
قد كان في المدرسة أساتذة من خيرة المحافظين، وآخرون من خيرة الأحرار؛ وكان عاطف حرًّا في تفكيره، تحرر عقله من كثير من التقاليد. ليست عادتنا عنده خير العادات ولا آراؤنا خير الآراء، ولا كتبنا المؤلفة خير الكتب؛ فكان يهاجم المحافظين مع الأدب التام في نقده. ينزل إلى ميدان البحث وهو واثق بالظفر، لإمعانه في الفكرة قبل أن يعتنقها، ولوضوح الحقائق في ذهنه وضوحًا تامًّا، وتميز كل حقيقة عن أختها، فلا يختلط بها ما يشابهها، وأخيرًا لشعوره بقوة إقناعه؛ ومن ثم كان كبير الثقة برأيه، يندر أن يعدل عنه. وقد أدته هذه الثقة إلى قوته وصلابته في تنفيذ ما يرى؛ فليس يرجع في منتصف الطريق، ولا يبالي بالعقبات العظيمة تعترضه وتقف في سبيله؛ كما لا يعبأ بغضب الغاضبين وسخط الساخطين، ثقة منه بأن الناس سوف يتطعمون الحق، فينقلب غضبهم رضًا وكراهتهم حبًّا. سمعته قبيل وفاته يصف حفلة أقيمت في مدرسة الأمريكيين للبنات فيقول: إن خير ما سمعته في هذه الحفلة قول فتاة في وصف رجل: «إنه يضحي شهرته وجاهه في سبيل نصرة الحق»، فكان إعجابه بهذه الجملة معبرًا عما عرفناه عنه من تغلغل هذه الفكرة في نفسه ومصادفتها هوى في فؤاده.
تراه مع شدة وثوقه برأيه واسع الصدر جدًّا للرأي المخالف، فهو يصغي لكل ناقد، وأحيانًا يشتد الناقد في نقده، ويشوب نقده بشيء كثير من الحدة أو التعريض، فيقابل ذلك باطمئنان، ويستخرج الحدة أو التعريض وحده ويضعه جانبًا، ثم يستخلص ما في قول الخصم من رأي فيرد عليه.
ومع تمام حريته في التفكير لم يكن تام الحرية في العمل؛ فكان عند وضع الرأي موضع التنفيذ يراعي كل ما يحيط به من ظروف، ويرى الإصلاح تدريجيًّا لا طفرة؛ فكان يمزج فكرته الحرة بشيء غير قليل من تقاليد المحافظين عند العمل.
ودرس آخر أعظم من هذا كله وهو إدارة المدرسة، فإنها الجو الأخلاقي الذي يتنفس منه طلبة المدرسة وأساتذتها، وفي الحق كانت به مدرسة القضاء مـ تنبت فيه الأخلاق الفاضلة. أساس الإدارة عنده مصلحة المدرسة لا مصلحة شخصه. فخير أساتذة المدرسة أنفعهم لها ولو كان فيه جفاء، أكسد بضاعة عنده الملق والنفاق، إن دخلًا في تقدير العامل فسلبًا لا إيجابًا.
جدٌّ لا يعرف دعة ولا يستوطئ راحة؛ ألم تره قبيل وفاته قد خذلته قواه ولم يسعفه نشاطه، يمشي متطرحًا ويكاد يتساقط من الإعياء، وهو مع ذلك يتحامل على نفسه ويتطلب ما يأباه القدر عليه؟
رجل بين الرجولة، يكره السفاسف ولا يتدنى إلى الصغائر؛ لا تسمع له حديثًا في تافه من القول ولا سخيف من الهذر؛ إذا تدنى محدثه رفعه هو إلى مستواه فهو مملوء الهيبة موفور الكرامة.
طُبِعَ على أن يعشق العمل يسند إليه، فهو يعطيه كل قلبه وكل تفكيره وكل حديثه، وإن شئت فقل: وكل أحلامه؛ أسندت إليه المدرسة فكانت شغله الشاغل: هي أغنيته وهي أحدوثته وهي شكواه وهي مفخرته.
من أجل هذا تراه يستقصي دقائق عمله ويستشف بواطنه ويدير بيده دقيقه وعظيمه، ولا يطمئن لشيء لم يشرف هو بنفسه عليه؛ فالناس منه في راحة وهو من نفسه في عناء.
كان في المدرسة نحو أربعمائة طالب؛ ولست أكذبك إذا قلت: إن كل طالب كان يشعر أن ناظره يعرفه ويقدره ويزن كفاياته العلمية والخلقية، وأن نظره ينفذ إلى أعماق نفسه فيعرف بواطنه. قد أعد للطلبة دفترًا وجعل لكل طالب صفحة يقيد فيها بخطه ما يصدر عنه.
ظهرة يشف ظاهره عن باطنه ويتمثل قلبه في لسانه. عمله في النور دائمًا، ليس للدس ولا للجاسوسية رواج عنده.
صدق في القول حتى لم يأخذ عنه أستاذ ولا طالب كذبة، وإرادة جبارة تستهين بالشهرة والمنصب والمرض، وعدل دقيق مضمن مع من يحب ومن يكره، مع ذي الحول ومن لا حول له، لا يبالي من يعادي متى صادق الحق. من طلب منه غير الحق رده في أناة، فإن أعاد عليه الرجاء رده في جفاء.
هذا إلى صراحة في القول نادرة شعرنا بمرارتها لِمَا شاع عندنا من نعومة في المعاملة وغلو في المجاملة — لا يجد التردد إلى نفسه منفذًا، إن قال: لا فلا إلى الأبد أو نعم فنعم لا إلى حين.
وهو في سياسته سيكولوجي ماهر، يشتد ويلين، ويوعد ويعد، ويعبس ويبسم بميزان دقيق، يعالج فلا يخطئ في العلاج، تارة بالسم وطورًا بالترياق. شعر طلبته بأنه كبير العقل كبير النفس دقيق النظر دقيق العدل، فهابوه، وشعروا بأنه يستر وراء ظاهره غير الناعم قلبًا رحيمًا فأحبوه، فكان من ذلك هيبة وحب قل أن يجتمعا لرئيس.
هل رأيت مثله كثيرًا ناظرًا يرى كل طالب أن علم ناظره بجريمته أكبر من كل عقوبة، ويتمنى أن يعاقب على يد غيره ضعف العقوبة على يده؟ أو رأيت ناظرًا فزع طلبته لخروجه من بينهم كما فزعوا يوم خروجه حتى كاد يقضى عليهم من الغم؟ أو رأيت جزعًا يفتك بالصبر وحزنًا يقلقل الأحشاء كالذي كان عند وفاته؟
•••

ولم يكن ما يعانيه من شئون المدرسة في الخارج بأقل مما يعانيه في شئونها الداخلية؛ فما السفينة لعبت بها الأمواج وأشرفت على الغرق يحاول ربانها النجاة بها، ولا البيت تلتهم النيران ما حوله ويعمل صاحبه على الحيطة له، يعادل ما كانت تعاني مدرسة القضاء من أغراض عديدة وسلطات قوية تريد القضاء عليها، ومع ذلك ظلت المدرسة زهرة المدارس ما بقيت في حماه.
تسلمها نواة صغيرة وسلمها شجرة يانعة.
ومن غريب أمره أنه مع كل ما يعمل ويعاني لا تكاد تسمع له حديثًا عن نفسه! تكون المدرسة في أحرج أوقاتها وهو يعمل بجد، ويهرب بها من المعارف إلى المجلس الأعلى للأزهر، ومن المجلس الأعلى إلى الحقانية، ويعاني في ذلك الأمرين؛ فإذا جلست إليه سمعت كل شيء إلا أنه عمل أو عانى، وإذا ظفر بطلبته لم تظفر منه أنت بكلمة يحدثك بها عن نفسه.
هذا عاطف لمن يعرفه، وهذا عاطف الذي غاب عن مدرسة القضاء ليطلع في أفق المعارف فغاب في مشرقه.
فاللهم كما قدرت علينا عظيم الرزء فقدر لنا جميل الصبر، وكما سلبت الأمة عظيمًا فعوضها عظيمًا، وأحسن إليه كما أحسن إلى أمته.
? كان المرحوم عاطف بركات باشا ناظرًا لنا في مدرسة القضاء وظل فيها نحو أربعة عشر عامًا، ثم ساهم في الحركة السياسية، ونفي إلى سيشل وعاد منها فأقام له طلبته حفلًا بديعًا، ثم عين وكيلًا لوزارة المعارف، وما لبث أن مات، فقيلت هذه الكلمة في حقل تأبينه.
محضرُ جَلسة


تذاكر جماعة — من ذوي الرأي — في الأدب العربي وحاجته إلى الإصلاح، وفيما له من ثروة قديمة قيمة تحتاج إلى الإحياء، واقترحوا أن يكونوا جمعية للأخذ بناصر الأدب ونشر ذخائره؛ وكان من بينهم من ينتسب إلى الجامعة الأزهرية، ومن ينتسب إلى الجامعة المصرية، ومن ينتسب إلى المجمع اللغوي، ومن هو عضو في لجنة التأليف والترجمة والنشر، ومن يتصل بدار الكتب، وغيرهم؛ وصحت عزيمتهم على ذلك، وعهدوا إلى أحدهم بوضع مشروع قانون للجمعية يحدد غرضها، ويوضح نهجها، واختاروا يوم ?? ديسمبر سنة ???? الساعة الخامسة بعد الظهر لقراءة المشروع.
فلما حان الموعد حضر واحد فقط، وخُيل إليه أنه أخطأ اليوم، أو أخطأ الساعة، أو أخطأ المكان، فأعاد قراءة الدعوة فإذا كل شيء من الزمان والمكان صحيح. وبعد ربع ساعة حضر آخر. فتبادلا العجب من عدم حضور الأعضاء في الموعد.
وأخذ من تأخر يلقي محاضرة قيمة في المحافظة على الزمن، وكيف هي عند الإنجليز والفرنسيس والألمان، وما جرى له من أحداث في هذا الباب أيام كان في أوربا، وحاجة المصريين إلى معرفة قيمة الوقت؛ وقد استغرقت محاضرته القيمة ربع ساعة كان قد حضر أثنائه عضوان آخران فاشتركوا جميعًا في الحديث في هذا الموضوع، وكل يروي نادرة فيه طريفة، وقصة ممتعة؛ وتختم النادرة أو القصة بضحكات عالية يدوي بها المكان، وتتخلل الضحكات تعليقات على ما يُرْوَى تُسَلسلُ الضحك وتتابع الفكاهة.
ولا أطيل عليك، قفد تم اجتماع أغلب الأعضاء في الساعة السادسة والنصف وقد أعتذر بعضهم بزيارة صديق له عند خروجه، وآخر بتعطيل الترام له، وثالث بأنه من عادته أن ينام بعد الظهر وقد طال نومه على غير عادته، ورابع بأنه نسي الموعد لولا أنه لقي فلانًا مصادفة نذكره به.
أخذوا يتناقشون في هل يختارون رئيسًا للجلسة حتى يتم القانون؟ انحاز إلى هذا الرأي فريق؛ لأنه لا بد لكل جلسة من رئيس يدير المناقشة ويأخذ الأصوات؛ وعارض فريق بحجة أننا نريد أن نكون ديمقراطيين لا رئيس ولا مرءوس، وأنه حتى بعد أن يتم القانون لا حاجة لنا إلى رئيس، فكلنا سواسية في الرأي، ويكفي أن يكون للجلسة «ناموس» يدون الآراء ويأخذ الأصوات.
ولا أطيل عليك أيضًا فقد وافت الساعة السابعة والجدل على أشده في هذا الموضوع الخطير! وعند تمام الساعة السابعة ونصف انتصر الفريق الأول فكان لا بد من رئيس.
ولكن عرضت مشكلة أخرى أخطر من الأولى: هل يختار الرئيس بالسن أو بالاقتراع السري؟ قال قوم بهذا، وقال قوم بذاك. وكاد يحتدم الجدل على نمط المسألة الأولى لولا أن أحد الحاضرين قال: أختار فلانًا ليدير هذه الجلسة. فخجل الآخرون أن يطعنوا في هذا الاختيار، فسكتوا وكفى الله المؤمنين القتال.
•••

وطُلب من المقرر أن يقرأ المادة الأولى فقرأها، ونصها: «أنشئت بمدينة القاهرة جمعية تسمى جمعية إحياء الأدب العربي».
أ: هل يقال: «أنشئت» أو «تنشأ»؟ أظن الأصح أن يقال: «تنشأ»؛ لأن الجمعية لم تتكون بعد، فكيف يعبر بالماضي فيقال: «أنشئت»؟ب: هذا رأي في محله؛ لأن إنشاء الجمعية مستقبل، والذي وضع للدلالة على المستقبل هو الفعل المضارع والأمر لا الفعل الماضي. فإذا قلنا: أنشئت دل على أنها تكونت في الزمن الماضي، وليس ذلك بصحيح.جـ: الفرض في القانون أن يوضع في شكل يدل على أن الجمعية أقرته، فواضع القانون فرض أن الجمعية اجتمعت وأقرت القانون وألبسته ثوبه النهائي؛ ولذلك يوضع في صيغة الماضي.د: وأمثال ذلك كثيرة، فكاتب العقود يقول: «في تاريخه أدناه قد باع فلان لفلان كذا»، ثم يمضي البائع والمشتري العقد؛ وقبل الإمضاء كان البيع مستقبلًا، ومع ذلك عبر عنه بالماضي.هـ: ومع هذا فِلمَ تذهبون بعيدًا؟ والماضي يستعمل في المستقبل كما قال تعالى: أَتَى? أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ، فأمر الله هو يوم القيامة وهو لم يأت بعد، وإنما عبر عنه بالماضي للإيذان بأنه أمر محقق، أو للتنبيه على قرب مجيئه؛ فهنا كذلك، لما كان تكوين الجمعية محققًا إن شاء الله أو قريب الوقوع يعبر عنه بالماضي على سبيل المجاز.و: الأمر أبسط من هذا كله، فإذا قلنا: «أنشئت» أو «تنشأ» لا يترتب على ذلك ضرر، وهو لا يقدم الجمعية ولا يؤخرها؛ إنما ينهض بالجمعية عملها في تحقيق غرضها، فإذا حققته لا يضرها أنشئت أو تنشأ، وإذا لم تحققه لا ينفعها أنشئت أو تنشأ.أ (محتدًّا): ولكننا نجتمع لإحياء الأدب العربي، فأقل ما يجب علينا أن تكون عبارتنا صحيحة لفظًا ومعنًى، نحوًا وبلاغةً، وإلا أعطينا مثلًا سيئًا لإحياء الأدب العربي.الرئيس: أظن أن الأمر واضح؛ فلنأخذ الآراء على «أنشئت» أو «تنشأ».ز: لكن بقيت مسألة: أليست «تكونت» خيرًا من «أنشئت»؟ لأن الإنشاء في اللغة هو الخَلْق، والخلق يكون من العدم، وليس أفراد الجمعية معدومين حتى يقال فيها: أنشئت؛ إنما هي موجودة مفرقة، فهي تتجمع وتتكون لا تُنشأ.أ: ومن قال: إن التكوين لا يكون من العدم؟ ففي كتب المتكلمين «إن التكوين إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود»، وفي التوراة سفر اسمه سفر التكوين وفيه حكاية خلق العالَم، والعالم قد خلقه الله من العدم. (أراد «ز» أن يرد عليه فقاطعه الرئيس وأخذ منه الكلمة).
الرئيس (فى شيء من الضجر): أرى أن نكتفي بهذه المناقشة في هذا الموضوع، ونأخذ الأصوات على ما يأتي: هل نقول: أنشئت أو تنشأ، أو تكونت أو تتكون؟أ: لا، بل نأخذ الرأي — أولًا — على أن تصاغ الكلمة من مادة الإنشاء أو من مادة التكوين، وبعد ذلك نأخذ الرأي: هل نعبر بالماضي أو المضارع.الرئيس: وهو كذلك. (أخذت الآراء — أولًا — فكانت الأغلبية في جانب مادة الإنشاء؛ ثم أخذت — ثانية — فخرجت الأغلبية في جانب أنشئت).
الرئيس: إذًا ننتقل إلى المادة الثانية.أ: لا، بل لا تزال هناك مسألة في المادة الأولى على جانب كبير من الأهمية.الرئيس: وما هي؟أ: التعبير «بإحياء الأدب العربي» فإن هذا التعبير لا أقبله، وأحتج عليه بكل قوتي؛ فإنه يدل على أن الأدب العربي ميت ونحن نريد إحياءه، فهل كان الأدب العربي ميتًا؟ إنه حي، وكان حيًّا في العصور الماضية وسوف يبقى حيًّا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ وكيف نقول: إن الأدب العربي قد مات وعلى رأسه القرآن الكريم، وقد قال الله تعالى فيه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. إن الأدب العربي حي، وكل ما نريد أن تعمله الجمعية أن تنظمه أو تنشر كتبه القديمة؛ فأما لفظ الإحياء فلا؛ وأنا أنذركم أنكم إذا أصررتم على لفظ الإحياء انسحبت من الجمعية. (هنا ساد المجلس صمت رهيب).
جـ (تشجع وقال): في الواقع إن المسألة لا تحتاج إلى كل هذا، فلفظ الإحياء لا يدل على سبق الموت؛ ألا ترى يا أستاذ «أ» أن الغزالي سمى كتابه الكبير «إحياء علوم الدين»، فهل كانت علوم الدين قبله ميتة؟ كلا. إنما أصابها نوع من الركود والجمود، فأراد الغزالي أن يزيل عنها ركودها وجمودها، وأن يعرضها عرضًا جديدًا يتفق وذوق عصره؛ ولم يقل أحد: إن الغزالي صبأ أو كفر أو تزندق بتسمية كتابه هذا الاسم. وموقفنا الآن من الأدب العربي هو موقف الغزالي من علوم الدين؛ نريد أن نُنهض الأدب ونعرضه في شكل حديث يتفق وأذواق الناس في هذا العصر.د: وأيضًا فإن الإحياء ترجمة لكلمة «رينيسنس» Renaissance، وقد استعملها الفرنج للدلالة على حركة النهضة العقلية في أوربا وبعث المدنية من رقدتها، والمعنى الحرفي لهذه الكلمة «الولادة من جديد»، فاختار الكتاب المحدثون كلمة الإحياء للدلالة على ذلك.الرئيس: نأخذ الأصوات على بقاء كلمة «إحياء الأدب العربي» أو تغييرها.أ، هـ، ي (في نفس واحد): لا! المناقشة لم تستوف بعد.الرئيس: الساعة الآن التاسعة فلنؤجل المناقشة إلى الجلسة المقبلة.الجميع: موافقون. قال صاحبي: ومتى تنتهي قراءة القانون؟
قلت: في المشمش …!
(طبق الأصل)

أدبنَا لا يمثلنا


في رأيي أن الأدب العربي — بحالته التي هو عليها الآن — لا يصلح أن يكون غذاءً كافيًا للجيل الحاضر، سواء في ذلك الأدب القديم والأدب الحديث والأدبان معًا.
قد يكون الأدب الإنجليزي قديمه وحديثه صالحًا للإنجليز في الوقت الحاضر، وقد يكون الأدب الفرنسي والألماني كذلك. أما الأدب العربي فليس صالحًا للأمم العربية.
ذلك لأن الأدب إنما يعد صالحًا للأمة إذا كان مظهرًا تامًّا شاملًا صادقًا لحياتها الاجتماعية على اختلاف أشكالها، في جدها وهزلها، في صِبا أفرادها وكهولتهم وشيخوختهم، في آلامهم وآمالهم، في حياتهم اليومية، في البيت والمصنع ودور اللهو والتمثيل، في حياتهم السياسية وحياتهم الاقتصادية؛ فإذا استطاع أدب الأمة أم يملأ كل هذا الفراغ عُد أدبًا صالحًا كافيًا، وإلا لم يكف وحده.
فلننظر في ضوء هذه النظرية إلى الأدب العربي، فماذا نجد؟
نجد أن الأمم العربية — من مصريين وشاميين وعراقيين وغيرهم — بين أدبين: أدب عربي قديم، وأدب عربي حديث.
فأما الأدب العربي القديم: فلا يمثل إلا أجياله ولا يمثل جيلنا، وهو صورة للحياة الاجتماعية التي نشأ فيها، وليس صورة لحياتنا. إن الشعر الجاهلي صورة صادقة لحياة الجاهلية في لغته وعقليته، وإبله وأطلاله، وامرأته وأرضه، وليس شيء من ذلك يمثلنا. والشعر الأموي والأدب الأموي صورة من صور الحياة الأموية في نزاعها السياسى وعواطفها، وانقسامها إلى حياة بدوية وحياة حضرية وحياة بؤس بجانب حياة ترف، وعصاة يهددهم أمثال زياد بن أبيه والحجاج الثقفي، وحياة دينية يعظ فيها الحسن البصري وأمثاله، فلا خطب الأولين تمثل حياتنا، ولا مواعظ الآخرين أخذت وقائعها من أحداثنا. وكذلك قل في العصر العباسي وأدبه؛ لقد كان العصر العباسي لا يتحرج من ذكر أفحش الألفاظ وأفحش العبارات، فكان الأدب صورة من ذلك، وهذا لا يتفق وذوقنا؛ وكان الأدب يستمد حياته من حياة القصور ووقوف الشعراء بأبوابها يمدحون، وليست حياتنا في شيء من ذلك؛ وكان الشعراء يتغزلون في الغلمان، ونحن نستهجن هذا الضرب؛ وكانوا يتهاجون بأفحش الهجاء، ونحن لا نستسيغه؛ وكانوا ينقسمون سياسيًّا إلى من يؤيد البيت العباسي ومن يؤيد البيت العلوي، وقد ذهب ذلك كله.
وعلى هذا النمط يصح أن يقال في العصور التي جاءت بعد العصر العباسي إلى قبيل عصرنا.
هذا النوع من الأدب العربي القديم لا يصلح أن يمثلنا، ولا يسمى أدبًا لنا بالمعنى الدقيق للكلمة.
ولست أحب أن يفهم من هذا القول أني أنكر فائدة الأدب القديم وقيمته، فإن هذا القول لا يقول به عاقل، ولكني أريد أن أقرر أن فائدته كفائدة كل أدب «كلاسيكي»، هو أدب أرستقراطي يُعْنَى به الخاصة من أهل الأدب لا العامة، هو أدب لدراسة المتخصصين لا أدب للشعب عامة، يعنى به من يدرس تاريخ الأدب كما يعنى المؤرخون بدراسة التاريخ.
ولست أشك أن قسمًا منه صالح لكل زمان ومكان كالحِكَم والمواعظ، وما يمثل العواطف العامة المشتركة بين الناس كلهم كالسرور والحزن والوفاء والغدر؛ ولكن حتى هذا القسم إن كان عامًّا وصالحًا للناس كلهم بحسب موضوعه، فأكثره غير صالح لأهل زماننا من حيث أسلوبه وطريقة عرضه ونحو ذلك. ومن أجل هذا يستعين الجيل الجديد على تفهمه وتذوقه بشرحه وتفسيره، وهذا الشرح والتفسير يضعف من قيمته؛ إذ فرق كبير بين أن تكون مستعدًّا لتذوق الشيء مباشرة من غير شرح، وأن تتذوقه بعد عناء الشرح والاستعانة بلفظ على لفظ وجملة على جملة، وقل أن يسد الشرح مسد الأصل.
والنتيجة لهذا كله أن الأدب القديم ثقافة الخاصة لا ثقافة العامة، وثقافة العدد القليل لا الجم الغفير. وليس يكفي ذلك وحده في أداء رسالة الأدب العامة، إذ هو لا يؤدي رسالته حتى يجد الناس فيه — عامتهم وخاصتهم — التعبير الفني عن مشاعرهم، والصور الفنية التي تصور عواطفهم، وميولهم وأمانيهم، وأحزانهم وأفراحهم؛ وليس يستطيع الأدب القديم أن يحقق هذا الغرض إلا إذا عرض عرضًا فنيًّا جديدًا.
•••

أما الأدب الحديث العربي: فهو كذلك لا يكفي لغذاء الجيل الجديد؛ لأنه لم يملأ حياتنا، وإن شئت فاستعرض كل شئون الحياة تجده لم يحقق رسالته؛ فإن أحببت أن تضع في يد أطفالك في سِنِيهم المختلفة كتبًا في القصص أو في الثقافة العامة لم تجد إلا القليل الذي لا يكفي، على حين تدخل المكتبة الأوربية فيملؤك العجب والإعجاب من وفرة الكتب للأطفال على اختلاف أنواعها، ومما حليت به من الصور الجذابة، والأسلوب المشوق البديع؛ فالأوربي يحار فيما يختار لأطفاله لوفرته، ونحن نحار فيما نعطي لندرته. وإن توجهْتَ وجهة الأناشيد والأغاني رأيت فقرنا في هذا أبين من فقرنا في سابقه؛ وهي بين عامية مبتذلة سخيفة لا تمثل حياتنا ولا تساير نهضتنا. وبين عربية قليلة ضعيفة فاترة؛ وإن التفت إلى الكتب التي تغذي الشعب والجمهور رجعت بالخيبة، وحتى كتب المتعلمين إنما تكثر إذا كانت مقررة في المدارس ليؤدي الطلبة منها امتحاناتهم، أما ما عدا ذلك فقليل ضعيف. إنما نبتهج بالأدب الحديث يوم نرى الطفل يجد فيه غذاء صالحًا متنوعًا، ورجل الشارع يجد فيه ما يناسبه، وتلميذ المدرسة وخريج المدرسة يجدان الأدب وافرًا حسب استعداهما، ومن يريد أن ينشد نشيدًا أو يغني أغنية يجد مجال الأدب أمامه فسيحًا، ومن يجد الأدب في الجد والأدب في الهزل، ويجده في دور السينما والتمثيل، ويجده في كل شيء وفي كل ظرف وفي كل أسلوب.
وإذًا فما أبعدنا عن نيل هذا المثل!
والواقع أن أدب كل أمة يجب أن يساير نهضتها، وأدبنا الآن لا يمثلنا، وهو وراء نهضتنا، ويجب أن يكون أمامها، وهو كالثوب القصير للرجل الطويل، أو كالثوب المرقع للرجل الغني، أو كالثوب البدوي للمرأة المتحضرة.
•••

وأهم علاج لهذا النقص عناية العالم العربي بتكوين طائفة من الأدباء تكوينًا عربيًّا غربيًّا، وإمدادهم إلى أقصى حد بالأدبين معًا ليتولوا الإنتاج بعد.
فالأدب العربي فيه الأسلوب وفيه ثروة دفينة قيمة، ولكنها حبات من اللآلئ وسط أكوام من التبن، وحتى هذه اللآلئ لا يحبها الجمهور ولا يعرف قيمتها إلا إذا جليت وعرضت عرضًا جديدًا.
والأدب الغربي مملوء بالجواهر القيمة وبالموضعات المفيدة، ولكنه نتاج مدنية غير مدنيتنا، ويمثل أنواعًا من الحياة غير حياتنا. إن شئت فانظر إلى أكثر الرويات المترجمة تجد أسماء لا توافق ذوقنا، وتجد وقائع في البيوت لا يحدث مثلها في بيوتنا، وتجد أنواعًا من الحوار لا يمكن أن تقع بيننا، وهكذا الشأن في كل أنواع الأدب من نثر وشعر؛ وشأن الأدب الغربي شأن الموسيقى الغربية، هي نتيجة أذواق الغربيين وبيئتهم، وليس يستطيع العربي أن يتذوقها إلا بكثير من المران وكثير من تحوير الذوق.
هذه الطائفة التي أدعو إليها تستطيع أن تخدم الأدب العربي، لا من ناحية الترجمة، فالترجمة في الأدب وسيلة لا غاية، والترجمة في الأدب أصعب شأنًا وأقل تذوقًا من الترجمة في العلم؛ لأن العلم يخدم العقل، والعقل قدر مشترك بين الناس جميعًا، أما الأدب فليس قدرًا مشتركًا. وأدب كل أمة غير أدب الأخرى؛ لأنه يرجع إلى الذوق والعاطفة وهما مختلفان في الأمم؛ ولأن الأدب ظل الحياة فإذا اختلفت الحياة اختلف ظلها لا محالة.
ومن أجل هذا عُنِي العرب في أيام نهضتهم الأولى بترجمة العلوم، ولم يعنوا بترجمة الأدب، وترجموا بعض الشيء من أدب الفرس؛ لأنه كان قريبًا لذوقهم، ولم يترجموا الأدب اليوناني والروماني؛ لأنه كان بعيدًا عن ذوقهم.
فترجمة الأدب الغربي إلى الأدب العربي يجب أن تعد وسيلة لا غاية، إنما الغاية أن ننتج أدبًا لنا أدبًا يمثلنا، أدبًا يعبر عن عواطفنا. فدراسة الأدب الغربي تعين أكبر إعانة من ناحيتين: من ناحية أن دارسها يستطيع أن يتعلم منها كيف أدى الأدب الغربي عمله، وكيف استطاع أن يملأ فراغ أمته، وكيف نجح الأديب الغربي في أن يغذي شعبه، وكيف تفرعت أنواع الأدب فروعًا مختلفة أدى كل فرع منها وظيفته؛ ومن ناحية أخرى هناك نوع من الأدب هو قدر مشترك بين الأمم كلها لا خلاف بينهم إلا في أدائه، كالحكم والأمثال، وكالقصص التي تمثل أخلاق الناس، وكشعر الطبيعة ونحو ذلك؛ فهذا النوع صالح كل الصلاحية لأن ينقل إلى الأدب العربي، ولا يحتاج في تذوقه من القارئ العربي إلا إلى تحوير بسيط.
لست أعتقد أن الأدب العربي يرقى إلا بالجد في تكوين هذه الفرقة، وإمدادها بكل الوسائل، وتشجيعها بكل أنواع التشجيع.

ولودٌ وعقيمٌ


رَكِبَتْ من أول محطة لترام مصر القديمة، وهي كهلال الشك، جِلْد على عظم، وعلى يديها طفل قد جُلل بالبياض، وعصبت عيناه، وغطي رأسه ووجهه بشاشة زرقاء.
وركب في المحطة التالية سيدة نَصَف، أطيب شطريها الذي ذهب، ممتلئة البدن، سمينة الضواحي، فحيت الأولى، وتحادثتا.
والنساء سريعات التعارف، تراهُن في طرفة عين يتحدثن إلى من لم يعرفن قبلُ في أدق الأمور، وأعمق الأسرار، حتى كأنهن صديقات العمر، ورفيقات الصبا؛ فهن يتحدثن بعد دقيقة في السعادة والشقاء، وأوصاف الأزواج، وعيوبهم، والحَمَوَات ومصائبهن ومضايقتهن، والدخل والخرج؛ وقد ينتقلن إلى ما هو أدق من ذلك وأصعب، مما لا يستطيع الرجال أن يتكلموا في بعضه إلا بعد عمر طويل، وصداقة متينة، ومشاركة في السراء والضراء.
وبعد لحظة صرخ الطفل وأمعن في الصراخ؛ تحاول أن ترضعه ليسكت فلا يسكت، وتُنِيمُه فلا ينام، وتتبع معه كل الأساليب التي تعلمَتْها في إسكات الطفال فلا تنجح، وأخيرًا تدعو عليه بالموت فلا يستجاب لها!
الثانية: ما له؟الأولى: رمدت عيناه من أيام ثلاثة فشربني المر، وفي الليلة الماضية لم أذق طعم النوم، وأنا طول الليل واقفة على رجلي أذرع الحجرة من أولها إلى آخرها، ومن آخرها إلى أولها، وكلما هدأ وبدأ النوم ذهبت إلى السرير لأنيمه وأنام، فيصرخ ويكرر النغمة عينها ويمثل الدور نفسه إلى الصباح، حتى دار رأسي ومَلِلْتُ الحياة، وتمنيت الموت، ولم أر للحياة طعمًا مذ رأيت الأولاد، وها أنا ذاهبة إلى طبيب العيون. – أمعك أولاد أُخر؟
– نعم، معي خمسة وهذا سادسهم، وقد حاولت بكل الوسائل أن أمنع الحمل بعد أول ولد ففشلت وفشلت؛ ومرة حاولت أن أخلص من جنين فكدت أخلص من نفسي وبقي الجنين؛ ومرة أُصِبْت بنزيف شديد فعرضت نفسي على طبيب، فقال: إنه إجهاض، وليس من أمل كبير في بقاء الجنين، ثم أمرني أن ألتزم سريري ولا أتحرك، وأنام على ظهري دائمًا، وكتب لي دواء يمنع النزيف؛ فامتنعت من شرب الدواء، وأكثرت الحركة، وعملت كل شيء عكس ما نصح الطبيب رغبة في الإجهاض، ثم مع هذا كله انقطع الدم وثبت الجنين، وهذا هو الذي على يدي.
– و«اسم الله عليهم» كلهم ذكور؟
– لا والله! أربعة ذكور وبنتان، وكلهم في الهم سواء، وكل يوم نوع جديد من أنواع العذاب؛ ففي آخر السنة نضع يدنا على قلبنا عند الامتحان، وتظهر النتيجة، فهذا نجح، وهذا سقط بلا ملحق، وهذا له ملحق؛ ونمضي الإجازة في عناء! وتبتدئ السنة، فمن نجح في الشهادة الابتدائية ظهر متأخر الترتيب، فلا نجد له مدرسة أميرية تقبله، والشهادة في يد، والمصاريف في يد، والمدرسة في رفض! ثم هذا صحيح وهذا مريض، وهذا ذاكَرَ وهذا لم يذاكر. ولا تسألي عن وقت ذهابهم إلى المدرسة! هذا يبحث عن جزمته فلا يجدها، وهذا عن طربوشه فلا يجده، ونرى فرد جورب في حجرة وفردًا آخر في حجرة أخرى، فلا يكادون يذهبون إلا وقد بلغت الروح الحلقوم؛ وعند مجيئهم من المدرسة، هذا يغضب على الأكل وهذا يرضى، وهذا ينازع ذاك، ولا ينقذنا من كل هذا إلا نومهم؛ ثم هذا الشهر شهر أقساط المصاريف، وهذا الصيف كسوة الصيف، وهذا الشهر كسوة الشتاء؛ وماهية الزوج لا تكفي هذا وذاك، والعيش كله عناء في عناء. وأنت؟ اليس عندك أولاد؟
كان منظرًا غريبًا، فقد طفرت الدمعة فجأة من عين السيدة الثانية، فلما أخرجت منديلها ومسحت دمعتها، قالت: أبى الله أن يرزقني في حياتي ولدًا، وطالما دعوته وسألته! وحججت مرة، وكان أكبر همي من حجي أن أقف في أشرف بقعة وأسأل الله أن يهبني ابنًا أو بنتًا! وليكن الابن ذكيًّا أو غبيًّا، ولتكن البنت جميلة أو دميمة، فأنا راضية بكل مولود على كل حال، ولكنه — سبحانه وتعالى — لم يفعل. لتمنيت أن يكون لي أولاد، وأتحمل فيهم أضعاف ما ذكرت من عناء، ثم أراهنك أني أكون سعيدة مغتبطة لا أشكو ولا أتألم. لقد طرقت كل الأبواب لذلك فلم أنجح، ذهبت إلى الأطباء فعملوا لي عملية، واحتملت في سبيلها كل الآلام، وذهبت إلى المشايخ فرَقَوا وعزموا، وذهبت إلى الشيخات «فحضرن» وبحزن و«وصفن»، وقالوا: تخافين، فخفت ونزلت القبر، وركبت وابور «لوتابارك». وقالوا وقالو، وفعلت وفعلت، فذهب ذلك كله هباءً. ورزقني الله مالًا كثيرًا استطعت أن أفعل به كل ما وصفوا حتى السفر إلى أوربا واستشارة أطبائها، ولكن إذا أبى الله فماذا يفعل العبد؟
لم يبق لي من ذلك كله إلا التلهف على الولد والحسرة الدائمة؛ وكل شيء حولي يذكرني بالأولاد فيثير أشجاني وأحزاني. لقد رأيت في حديقتى أشجار البرتقال والليمون تحمل كل عام أثمارها فقلت: يا الله! أتسبغ نعمك على الأشجار فتحمل كل عام أثمارها وتضن على فلا أحمل مرة ثمرة؟ وعندي قطة تحمل دائمًا وتضع ما لا يعد من الأولاد، وكلما حملت ذكرتُ حملي، وكلما ولدت بكيت أولادي الذين لم يوجدوا بعدُ؛ وأرى الفقيرات البائسات العاريات في الشارع كل واحدة منهن تحمل في بطنها ولدًا، وترضع ولدًا، وتجر ولدًا، فيجتمع الحزن في قلبي، وتنفجر منه عيني؛ وأسمع «معارفي» وصواحبي، هذه ولدت، ثم هذه ولدت، ثم هذه ولدت، فأقول: لم يبق عقيمًا إلا أنا، ولم يتخصص للشقاء غيري! رزقني الله مالًا ولم يرزقني ولدًا، وليته رزقني ولدًا، ولو كان الولد يشرى بكل ما أملك لاشتريته وكنت سعيدة؛ بل لو كان يشرى بعينَي لاشتريته وكنت رابحة في صفقتي، وما الدنيا وما المال، وما الحياة بغير الولد؟
لقد كنت في أول أمري أطلب الولد خشية أن يتزوج زوجي غيري، فلما أمنت جانبه، واطمأننت من ناحيته طلبت الولد؛ لأنه طبيعتي؛ ولأنه حياتي بعدي؛ ولأنه موطن انتساخ روحي؛ ولأني امرأة قد خلقت للأمومة. لقد أحسست بهذه الأمومة في صغري فعملت العرائس إرهاصًا لأمومتي، ثم تزوجت تهيؤًا لهذه الأمومة؛ فلما تقدمت في السن ولم أجد الأمومة رأيتني فقدت طبيعتي، ورأيتني في الحياة مقدمة بلا نتيجة، أو قبة بلا شيخ، أو لوزة فارغة، وأنا والعروس من الحلوى والعروس من القطن سواء، كلنا لا يلد. ليس لي أمل في السلوة إلا بالموت فهو وحده بلسم الهموم، ومقبرة الأحزان!
وهنا ختمت حديثها — كما بدأته — بالدموع.
قالت الأولى: والله لو ذقتِ مرارة الأولاد ما تمنيتِهم، ولو جربت سهر الليالي ما اشتقتهم، ولكن أحب شيء إلى الإنسان ما منع، والقصر من بعد أجمل منظرًا من سكناه، والخيال دائمًا ألذ من الحقيقة. لقد كان مرة أكبر أولادي يبكي وهو رضيع ولا نعلم سببًا لبكائه، ويبكي ويشتد في البكاء حتى بلغ منا الهم مبلغه؛ وإذا بزفة عريس تمر من تحت بيتنا، فأضحكني زوجي أبو الطفل إذ قال للعريس: «غُر» غدًا تخلف «وترى» — ولو تمنيت الآن شيئًا لتمنيت أني لم أكن تزوجت، وإن تزوجت فلم أكن «خلفت». أتبادلنني؟ وضحكت.
قالت الثانية وتأوهَتْ: وكيف يمكن البدل؟ إنما أريد أولادًا مني لا منك، أريد كبدي تمشي على الأرض أربيها، ولا أريد كبدك أنميها وأغذيها — وأنت أيضًا لا تعبرين عما في نفسك تعبيرًا صادقًا، فمن تهون عليه أولاده؟ إنما ينفع البدل إن كان قدر الله أن أكون ولودًا وأن تكوني عقيمًا.
قالت الأولى: أتريدين الحق يا أختي؟ الدنيا كلها تعب، فلا ولود في راحة، ولا عقيم في راحة، ولا متزوجة سعيدة، ولا عزبة سعيدة.
ووصل الترام إلى العتبة فنزلنا، هذه إلى طبيب ابنها وتلك لبعض شئونها.
قال صاحبي: ولكن كيف أمكنك أن تسمع هذا الحوار؟
قلت: هذا سر الصنعة.

مقياسُ الرقيِّ


سألني أديب سوري: بم تعد أمة أرقى من أمة، وما العوامل التي نحسبها ونقيس بها الرقي؟ وفي الأمة الواحدة — إذا سئلنا أكانت بالأمس خيرًا منها اليوم، أم هي اليوم خير منها أمس — فأي النواحي نرعاها عند النظر؟
والحق أنها أسئلة في منتهى الصعوبة، يحار المجيب عنها: أي العوامل يحسب وأيها يترك، وأيها لها قيمة كبيرة الأثر، وأيها ضعيف الأثر؟
قد يجيب مجيب إجابة سهلة من طرف اللسان فيقول: «مقياس الرقي في الأمم الأخلاق»، فأرقى الأمم أحسنها خلقًا؛ ولكن هذه الإجابة لا تقنع، فالأخلاق متغيرة، وكل عصر له أخلاق يتطلبها وواجبات ينشدها، وما علينا الآن من واجبات أضعاف ما كان على أجدادنا منها — أصبح واجبًا علينا أن نعلم أولادنا في المدارس، وما كان ذلك واجبًا من قبل، إنما كان تبرعًا من الأب؛ وأصبح واجبًا علينا ترقية الوطن من جهات متعددة، وما كان ذلك واجبًا من قبل، وإن كان واجبًا فواجب غامض ليس محدود المعنى ولا معين الاتجاه؛ وكان آباؤنا يعدون من أرقى الأخلاق في الأمة حجاب نسائها وبناء سور متين بين الرجل والمرأة، فأصبحنا نرى الواجب أن تتعلم المرأة كما يتعلم الرجل، ومن حقها أن تسمع المحاضرات مع الرجل، وأن تتمتع بالحياة البريئة كما يتمتع الرجل؛ فإذا قلنا: مقياس الرقي الأخلاق كانت كلمة عامة تدل على كل شيء ولا تدل على شيء.
وقم يقيسون الرقي بالدين، وهي كذلك كلمة عامة يختلف مدلولها باختلاف أنظار الناس؛ فيضيق عند بعض الناس حتى لا يسع إلا الصلاة والصوم والزكاة والحج، ويتسع عند بعض الناس حتى يشمل كل شيء.
وفي الحق أن هناك مناحي للحياة مختلفة متعددة يجب أن يُنْظَر إليها كلها لتقويم الرقي؛ ففي كل أمة مجموعة من المرافق، يعد كل مرفق منها كالخلية في الجسم الحي: من حكومة وتعليم ولغة ودين وأسرة ونظام اقتصادي ونحو ذلك؛ كلها تتغير، وكلها ترقى أو تنحط، وكلها في حركة مستمرة دائمًا إما إلى الأمام وإما إلى الخلف؛ وكلها تتفاعل تفاعلًا قويًّا، ويؤثر قويها في ضعيفها، وضعيفها في قويها؛ وهذا التغير الدائم في كل هذه المرافق هو مقياس الرقي والانحطاط، فإن كان تغيرًا إلى سمو فرقي، وإن كان تغيرًا إلى تدهور فانحطاط.
وحسبان هذا ليس بالأمر اليسير؛ فقد تتدهور بعض المرافق لأسباب خاصة، وتسمو بعض المرافق لأسباب كذلك، ثم تتفاعل عوامل الضعف والقوة، فينشأ من ذلك عملية حسابية من أصعب المسائل حلًّا. والمثل الأعلى للأمة أن يكون كل مرفق من مرافقها الاجتماعية يؤدي عمله خير أداء، ويتنقل في سمو أبدًا، وأن يكون سيره ورقيه في حالة ملائمة ومناسبة لسائر المرافق الاجتماعية، لا يطفر عنها ولا يقعد بها. فالأمة التي تختار أحسن النظم في التربية والتعليم، ولا تساعدها اللغة على المصطلحات الحديثة، لا ترقى في التربية والتعليم حتى تحل مشكلتها اللغوية؛ والأمة التي تختار أحسن النظريات الفقهية وخير النظم القضائية، ثم لا يعنيها بعد ذلك حالة الأسر الأخلاقية، وحالة المعاملات بين الأفراد، لا يمكن أن ترقى بنظرياتها الفقهية من الناحية القضائية؛ والأمة التي تسن أرقى أنواع الإصلاحات الاجتماعية، ثم لا تعنيها الناحية الاقتصادية، تصبح وإصلاحاتها تسر القارئ، ولا تسر الناظر، وهكذا.
•••

وهناك دلائل قوية تدل الباحث على رقي الأمة وتدهورها وسيرهم إلى الأمام أو إلى الخلف، إما بمقارنتها بغيرها من الأمم في نواح معينة، أو بمقارنتها بنفسها في عصرها الحاضر وعصرها السابق؛ والمقارنة الأولى تدلنا على الدرجة التي تقف عليها الأمة في سلم الرقي العام؛ والمقارنة الثانية تدلنا على اتجاه سيرها إلى الأمام أو إلى الخلف.
ومن أهم هذه الدلائل تعرفُ موقف الأمة إزاء ما يحيط بها من ظروف طبيعية واجتماعية: هل هذا الجيل أحسن استخدامًا لبيئته وما يحيط به؟ هل استطاع أن يوجد منابع لثروته وسعادته أكثر مما استطاع أسلافه؟ هل استخدم المنابع القديمة خيرًا مما استخدمها آباؤه؟ هل كان في حله لما يعرض له من المشكلات الاجتماعية والطبيعية أكثر توفيقًا؟ لما عَرَضت هذه المشكلات أو أمثالها لنا ولآبائنا كيف حلوها وكيف حللناها؟ وما منهجهم في الحل وما منهجنا؟ ما مقدار تضافر الأفراد يومذاك في التغلب عليها؟ وما مقدار تضامننا اليوم؟ لكل أمة مقدار من الثروة، فهل زادت، وهل استطاعت اليوم أن تسعد بثروتها أكثر مما كانت تسعد بها من قبل؟ هل استخدمت العلم أحسن مما استخدمه آباؤها فقلت الوَفَيات وتحسنت صحتها، وجمل منظرها، ونظفت عيشتها، وأصبح نيل القوت أسهل وأيسر حتى تفرغ كثير من أبنائها وبناتها للعلم والفن والأدب؟ أظن أن هذه الأسئلة متى حددت بهذا الشكل لم تكن الإجابة عليها عسيرة، وبذلك نستعين على تعيين الاتجاه ومقدار الرقي، إن كان.
•••

ومن ناحية أخرى، ربما عد من أكبر دلائل الرقي في الأمة «تذليل العقبات أمام الكفايات». فخير الأمم من أفسحت السبيل أمام أفرادها ليرقوا كما يشاءون حسب استعدادهم وجِدهم، في التعلم، في الوظائف، في النواحي السياسية والاجتماعية. وقد قطعت الأمم المتمدنة في ذلك خطوات واسعة، فأزالت احتكار الأرستقراطية للمناصب العليا، وسهلت وسائل التعلم لمن شاء، واعتمدت في تقدير الأشخاص على مزاياهم لا على بيئتهم — إلى درجة كبيرة — وحاربت «المحسوبية» والنزاعات الأرستقراطية، وقضت على النظام الإقطاعى الذي يميز بين الطبقات، ويضع حدًّا فاصلًا بينهما لا يمكن تخطيه، ووضعت النظم الاقتصادية الحديثة، وفيها يمكن كل فرد بذكائه ومواهبه أن يصل إلى ما يستطيع من رقي ? وإن كانوا هم أنفسهم يصرحون بأنهم لم يبلغوا الغاية في ذلك، وأن أمامهم عقبات شاقة ومسافات طويلة يجب أن يقطعوها حتى يسهل على كل فرد تحقيق غايته وبلوغ شأوه.
•••

وربما كان كذلك من أهم دلائل الرقي النظر إلى ثروة الأمة، ومقدار ما يُنفَق منها على «الصالح العام» من مدارس ومصانع ومساجد ومتنزهات وحدائق وماء وإنارة ونحو ذلك. ولست أعني النظر إلى كمية ما يصرف فحسب، ولكني أعني أيضًا كيفية الإنفاق، وهل أنفق هذا القدر في أحسن السبل، وهل هناك وجه آخر خير منه؟ كذلك لستُ أعني ما ينفق في ذلك من ميزانية الحكومة فقط، ولكني أعني أيضًا مقدار شعور الأفراد في هذا الباب. ومقدار ما يتبرعون به من أموالهم لهذا الصالح العام؛ فليست ثروة الأمة مقصورة على ميزانية الحكومة، ولكنها تشمل ثمرة الأفراد؛ فالأمة التي لا يشعر أغنياؤها بواجب في أموالهم لفقرائها، أو يشعرون شعورًا ضعيفًا لا يقوى على استخراج المال من جيوبهم، أمة منحطة إذا قيست بغيرها من الأمم التي كثرت فيها المدارس والأندية والمستشفيات والجمعيات الخيرية من مال أغنيائها.
ومما يتصل بهذا الأمر، النظر في ميزانية الأسَر في الأمة وكيف تنفق، فأمة خير من أمة إذا عرفت أُسَرُها كيف توازن بين دخلها وخرجها، وكيف تفرق بين الضروري والكمالي، وما ليس بضروري ولا كمالي، ولم تسمح لنفسها أن تنفق في الكمالي حتى تستوفي الضروري، فذلك — من غير شك — يجعل الأسر أسعد جالًا، وأهدأ بالًا، وأكثر استعدادًا للرقي؛ وهل الأمة إلا مجموعة من الأسر؟ وهل رقي الأمة إلا حاصل جمع رقي الأسر؟ وكما أن أسرة قد تكون أسعد من أسرة، مع أن دخلها أقل وثروتها أضعف، ولكن عقلها أكبر، وتصريفها لمالِها أدق، فكذلك الأمم؛ ليس خيرها أغناها، ولكن خيرها من عرفت كيف تستخدم مالها وأحاطت ما تملك بنُظُم راقية، وكمية كبيرة من الإصلاح تجعل مالها يتضاعف في القيمة وإن لم يتضاعف في العدد؛ فكم من أمة لها ثروة كبيرة طبيعية، ولكن لم تعرف كيف تستخدمها ولا جزءًا منها، ولو حلت محلها أمة أخرى لصيرت صحراءها بستانًا، وجبالها جنانًا، ولجعلت ترابها ذهبًا، وأرضها عجبًا.
ومن أجل هذا لم يخطئ كثيرًا من حصر مقياس رقي الأمة في مقدار تغلبها على طبيعة بلادها، وتعديل نفسها حسب ما يحيط بها؛ لأنها لا تصل إلى ذلك إلا بمقدار كبير من العلوم الطبيعية يمكنها من الانتفاع بأرضها وجوهًا، وبقدر وافر من العلوم الاقتصادية يبين لها كيف تستغل منابعها، وبمقدار صالح من النظم السياسية والاجتماعية والأخلاقية يهيئ للأفراد سبل الانتفاع بما حولهم، ويعُهم خير إعداد للنظر في مصالحهم.
فليتساءل الشرقي في ضوء هذا: أين هو نفسه، وأين هو في أمته، وأين أمته في العالم؟

كتابةُ المقالاتِ


هنالك أنواع من المقالات يصح أن نسميها مقالات علميةً بالمعنى الواسع، فتشمل المقالات الاجتماعية كما تشمل بحث مسألة أدبية بحثًا علميًّا؛ وهذا النوع سهل على الكاتب متى تيسرت له أدوات البحث من كتب ومراجع ونحوها، وتوفر له حسن الاستعداد من معرفة بمناهج البحث وأساليبه؛ فكل وقت صالح لكتابة مثل هذه المقالات وإعدادها ما لم يكن الكاتب في حالة استثنائية من مرض ونحوه.
وهناك نوع من المقالات هي المقالات الأدبية بالمعنى الخاص، وأعني بها الأدبية أدبًا إنشائيًّا صرفًا لا أدب بحثٍ ودرس؛ وهذه أصعب من الأولى من حيث إنها تتطلب — فوق حسن الاستعداد — «المزاج الملائم»؛ فليس الكاتب في كل وقت صالحًا لها، بل لا بد أن يكون مزاجه ملائمًا للموضوع الذي يريد أن يكتب فيه؛ فإن كان الموضوع فَكهًا مرحًا فلا بد أن يكون مزاج الكاتب كذلك فكهًا مرحًا، وإن كان الموضوع عابسًا حزينًا فلا بد أن يكون مزاج الكاتب من هذا القبيل؛ ولذلك قد يمر على الكاتب الأديب أوقات وخلع ضرسه أهون عليه من كتابة مقال، وإذا هو حاول ذلك فكأنما يمنح من بئر أو ينحت في صخر؛ ذلك لأن هذه المقالة الأدبية لا بد أن تنبع من عاطفة فياضة، وشعور قوي؛ فإذا لم يتوفر هذا عند الكاتب خرجت المقالة فاترة باردة لا يشعر منها القارىء بروح، ولا يحس منها حرارة وقوة. ولا يكفي ـ عند الكاتب ـ وجود عاطفة قوية، بل لا بد أن تكون هذه العاطفة من جنس الموضوع الذي يريد معالجته. فويل له إن أراد رثاء وقلبه ضاحك مرح، أو أراد فكاهه وقلبه بائس حزين. ومن أجل هذا يحاول الكتَّاب أن يؤقلموا نفوسهم للموضوع أولًا، فيستلهموا كتابًا أو قصيدة أو منظرًا طبيعيًّا أو نحو ذلك من الوسائل الصناعية — إن عدموا الوسائل الطبيعية — حتى تهيج مشاعرهم من جنس الموضوع، ثم يأخذوا في الكتابة، فتتدفق معانيهم، وتغزر أفكارهم ومشاعرهم.
وشأنهم في ذلك شأن كل فنان من موسيقي ومصور ومثال، فهؤلاء لا يحسنون الإخراج إلا في ساعات خاصة هي ساعات هياج مشاعرهم من جنس موضوعهم.
•••

أما موضوع «المقالات الأدبية» فكل شيء في الحياة صالح لأن يكون موضوعًا، من الذرة الصغيرة إلى الشمس الكبيرة، ومن الرذيلة إلى الفضيلة، ومن كوخ الفلاح إلى قصر الملك، ومن الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، ومن أقبح قبيح إلى أجمل جميل، ومن الحياة إلى الموت، ومن الزهرة الناضرة إلى الزهرة الذابلة، ومن كل شيء إلى كل شيء.
والكاتب الفني من استطاع أن يجد من كل شيء موضوعًا يجيد فيه ويستخرج إعجاب القارىء، ومن استطاع أن يجد من كل شيء نواة يؤلف حولها ما يصلح لها حتى يخرج موضوعه منسقًا تنسيقًا يبهر السامع والقارىء؛ وهو في تأليفه قد يضم الشيء إلى إلفه، وقد يضمه إلى نقيضه، وقد يصل به الكلام في الذرَّة إلى الكلام في الشمس، وقد يصل به الكلام في النملة إلى الكلام في الله، ولكن القارىء لا يشعر بمفارقات ولا يشعر بهوة بين أجزاء الكلام، ويسير مع الكاتب كأنه في حلم لذيذ أو قصة محبوكة.
والفرق بين كاتب وكاتب في شيئين: التلقي والإذاعة؛ فالفرق في التلقى هو أن الكاتب قد يكون دقيق الحس، يسمع حفيف الأشجار ودبيب النمال، ويرى دقيق الأشياء في الظلماء، ويرى قلوب الناس في أعينهم، ودخائلهم في صفحات وجوههم؛ وقد يرى بأذنه ويسمع بعينه، وقد يرى ما لا يرى الناس، ويسمع ما لا يسمع الناس، وقد يدرك الجمال بتفاصيله، ويدرك القبح بتفاصيله، حتى كأنه قد منح من الحواس ما لا يمنحه الناس، وكأن حواسه ليست خمسًا وإنما هي خمسون أو خمسمائة أو ما شئت؛ على حين أن أخاه الكاتب الآخر لم يمنح هذا القدر من الحس، ولم يبلغ هذا المبلغ من الذوق، قد فاق المألوف من الناس، ولكن إلى حد، وتسامى ولكن بمقدار.
ويفضل الكاتب الكاتب أيضًا في التلقي من ناحية أن كاتبًا قد تعدد مناحي إدراكه تعددًا متشعبًا؛ فالطبيعة توحي إليه بأسرارها، والمجتمع يملي عليه بواطنه، والحياة كلها لا تضن عليه بخفاياها، والمُلَح والفكاهات تدخر له أحسن ما لديها، والجد لا يضن عليه بخير ما عنده؛ فهو مستودع الأسرار، وملتقى البحار والأنهار، ومن يأمنه كلٌّ على سره، ويفضي إليه بما يضن به على غيره؛ على حين أن أخاه الكاتب قد يصل إلى بعض الأسرار، ويدرك بعض الاتجاهات ويعجز عن إدراك البعض؛ قد يجيد فهم الطبيعة ولا يفهم للمجتمع سرًّا، وقد يجيد فهم الجد ولا يفهم الدعابة، ذكي في أمر وغبي في آخر، منير في جانب مظلم في جانب.
وأما اختلاف الكُتّاب في «الإذاعة» فعلى هذا النحو أيضًا: منهم من يجيدها إلى أقصى حد، فصوته صاف جميل يأخذ بالألباب، ويستخرج منك العجب والإعجاب، وهو في كل ما يغني معجب مطرب، سواء أحزن أو أسر، وأضحك أو أبكى، وسواء غنى على عود أو كمان أو البيان، وسواء غنى عاليًا أو واطئًا؛ ومنهم من يجيد نوعًا دون نوع، هو في أحد الأنواع ممدوح الصنيع حميد الأثر، وفي الآخر معيب مستهجن، يحسن العود ولا يحسن الكمان، يبني في ناحية ويقوض في أخرى، يواتيه الطبع في باب، فيأتي بالعجب العجاب، ولا يواتيه في آخر، فمهما اصطنع وتكلف فلا يأتي إلا بما تستك منه الأسماع.
•••

ومن اختلاف الكُتّاب في التلقي والإذاعة يختلفون في «القيمة»، ومع هذا فقد يختلفون في التلقي والإذاعة معًا ويتحدون في «القيمة» كالمغنيَِِيْن يختلفان في الصوت «الصوت» الذي يغنيانه وفي الآلات التي يوقعان عليها، ولكن لا تستطيع أن تميز أحدهما عن الآخر في درجة الرقي.
فهذا كاتب يجيد في ناحية من النواحي، وذاك يجيد في ناحية أخرى، وهما في درجة الإجادة سواء — هذا كاتب يعني كل العناية بشكل المقالة ومظهرها، فتخرج من يده مرتدية بالملاحة، موسومة بالظرف، لها بهاء مونق، ورونق معجب، قد قيست كل جملة منها بالمسطرة حتى تكون وفق قرينتها، إن كان في إحدى أذنيها قرط كان في الأذن الأخرى قرط مثله، يوافقه في الحجم والشكل والطول، وإن كحلت إحدى عينيها، فلا بد أن تكتحل الأخرى على نمط الأولى في دقة وضبط، حتى تبرز كأنها دمية عاج، ثم هي بعدُ خفيفة المعنى، فاترة الروح، تشغل الأفكار بالنظر إلى شكلها عن النظر إلى روحها — وهذا كاتب آخر لا يعني في مقالته بزي ولا شكل، فتخرج نظيفة في غير جمال، لا يقف عليها الطرف، ولا تأخذ بالأبصار، ولكنها عميقة المعنى، رائعة الفكر، جميلة الروح، هي كالغانية تستغني بحسن ذاتها عن زينتها، حُسْنها كما قال أبو الطيب (حسن غير مجلوب) وجمالها غير مصنوع.
ومع الاختلاف بين هذا وذاك فلكلّ جماله ولكلّ قيمته الأدبية، هذا يرضي الخاصة، وذاك يرضي العامة، ولا بد في الحياة الأدبية من النغمتين معًا.
•••

وليس يشترط في إجادة الكاتب أن يطرق موضوعًا جديدًا لم يسبق إليه، بل كل موضوع صالح لأن يَكْتُب فيه ولو تداولته أقلام الكُتّاب من قبل، فمن مبدإ خلق الإنسان وهو يحب، ومن مبدإ خلق الأدب والحب موضوع للأدب، ومع هذا لم تنفذ مادته، ولا يزال الشعر والنثر والغناء والتصوير تستقى من منابعه، وتكرر أناشيده؛ ولكن لا يُعَد الكاتب في الموضوع المعاد مجيدًا إلا إذا أتى بجديد غاية الأمر أنه لا يشترط جدة الفكر، بل يكفي في ذلك جدة العرض. وأكثر الأدب من هذا القبيل أفكار مألوفة وآراء معروفة؛ ولكن الأديب يستطيع أن يصوغها صياغة جديدة حتى يخيل للقارىء من جودة الصياغة أنها جديدة الفكرة؛ بل إن الكاتب إذا كثرت آراؤه الجديدة خرج عن أن يعد أديبًا شعبيًّا أو أديب أمة، وصار أديبًا للخاصة لا يقوّم إلا في أوساط قليلة. فالوردة الجميلة تعجب الناظر ولو سبق للحديقة أن أنبتت من قبل أمثالها، و«الدور» يغنيه المغني الحديث يطرب ولو سبقه أحد بغنائه.
وكل ما يطلب من الفنان أن يجيد العرض، وأن يكون عرضه ملائمًا لشخصيته. انظر في ذلك إلى الرويات الجيدة تجد معانيها في أغلب الأحيان معروفة ينطق بها العامة والخاصة، وتجري على ألسنة الجهلاء والعلماء، ومع ذلك استطاع الأديب الفنان أن يجعل منها رواية رائعة أو قصة بديعة أو مقالة شائقة، وليس له في ذلك إلا الصياغة وحسن العرض، قد أخذ الفكرة التي يراها كل الناس، ولكنه عرف كيف يلعب بها ويجيد اللعب، ويقلبها على وجوهها المختلفة ويلبسها لباسًا جديدًا، فقد أسبغ على الفكرة من عواطفه وشعوره ما جعلها جذابة أخاذة، وهذا هو الجديد في الموضوع، فإن لكل أديب نفسَه وعواطفه وأسلوبه وشخصيته؛ فإذا مزج الفكرة بذلك كله كان في الناتج جدّة، وفي الموضوع طرافة، كحروف الهجاء، كل الناس ينطقون بها، ولكن اختلفت مناطقهم وأصواتهم وحناجرهم، فكانت كأن كل إنسان ينطق بها نطقًا جديدًا، وكأن الحروف لم تخلق بشكلها الخاص إلا له. والقطعة من الذهب إنما يتفاوت الصائغون بالمهارة في صياغتها والذهب هو الذهب في أيديهم جميعًا.
•••

وأخيرًا خير الكُتّاب من استطاع أن يفهم نفسه ويعرف استعداداته، في أي النواحي يجيد وفي أيها يضعف، ومتى يرقى ومتى يُسِفّ، قد جرب نفسه أوّلًا في ضروب الأدب المختلفة من قصة وشعر وكتابة اجتماعية وكتابة أدبية ونقد وإنشاء، وقلّب نفسه على وجوهها المختلفة، ولاحظ ذلك في دقة وعمق، وعالج مواضع الضعف منها، ثم استقر بعد السياحة الطويلة الشاقة إلى شيء اطمأن إليه، وهو أن ملكاته واستعداداته يوافقها شيء ولا يوافقها آخر، وتنبع في مواضع وتجمد في أخرى.
فإن هو آنس من نفسه ذلك اكتفى بما منحه القدر، وغَنَّى فقط نوع الأناشيد التي يحسنها، وطلب السموّ في النواحي التي تواتيه فيها ملكاته، وإلا أضاع نفسه من كثرة ما يحاول فيما يعجز عنه ويقصر فيه؛ فالفلاسفة إلى الآن لم يعثرو على الإكسير الذي يجعل الفضة ذهبًا أو الحديد فضة؛ فخير لنا أن نبذل جهدنا في إظهار الفضة بخير مظاهرها من أن نحاول — مع الفشل الدائم — أن نقلبها ذهبًا.

الراحةُ في التغييرِ


خُلِق الإنسان ملولًا، يَمَلّ النعيم إذا طال، ويملّ الشقاء إذا طال؛ يملّ الحر إذا دام، ويمل البرد إذا دام؛ يمل الأكل الشهي اللذيذ إذا استمر عليه، ويمل الأكل الخسيس إذا استمر عليه؛ وقديمًا ملّ بنو إسرائيل أكل المنِّ والسَّلوَى، وقالوا: لَن نَّصْبِرَ عَلَى? طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا. ولست أدري: لِمَ لامهم موسى — عليه السلام — على ذلك والملل طبيعي في الإنسان، إلا أن تكون صيغة الطلب رذيلة مذمومة «فادع لنا ربك»، ليست الصيغة المؤدبة التي تصدر من المؤمنين.
من أجل هذا استعان الناس على درء الملل بالتنويع والتنقل، ولو من حسن إلى رديء؛ فاشتهوا أتفه الطعام بجانب أجوده، واشتهوا عشش رأس البر، وأكواخ أبي قير، فرارًا من القصور الشامخة والبنيان المشيد؛ وروعي هذا في برامج دراسية: فخط بعد لغة، ورسم بعد حساب، ولغة إنجليزية بعد لغة عربية، دفعًا للملل من الدرس ومن المدرس؛ وروعي كذلك في برنامج الحياة: فلعب بعد عمل، ومزاح بعد جد؛ وراعت الطبيعة هذا في برنامجها: فليل ونهار، وحر وبرد، وسلطان للقمر بعد سلطان للشمس، وهكذا؛ ولولا ذلك لعرَا الناس ملل لا يطاق، ولكانت الحياة عبئًا ثقيلًا لا يحتمل، ولفرّ الناس منها إلى الموت طلبًا للتغيير والتنويع.
•••

أخطأ الناس فظنوا أن الراحة معناها الانغماس في الكسل، والإضراب عن العمل، والتمدد على سرير مريح، أو الاتكاء على كرسيّ مُجَنّح أو نحو ذلك؛ وليس هذا بصحيح دائمًا، ولو كان كذلك لما ملّ الناس هذه الراحة، ولما فروا منها إلى العمل، واستراحوا بالجد والتعب؛ إنما الراحة التغيير من حال إلى حال، من عمل إلى لا عمل، ومن لا عمل إلى عمل؛ ولو كان عدم العمل هو الراحة لكان السجن أروح مكان. ألا ترى الراحة تكون في الأشياء وأضدادها باستمرار؟ فلو ركبت سيارة من مصر إلى الأسكندرية لأحسست التعب من الركوب، وأحسست الراحة في المشي، ولو مشيت طويلًا لأحسست التعب من المشي، والراحة في الركوب؛ وما أحلى النوم بعد التعب، وما أحلى اليقظة بعد النوم — وفي الجلوس راحة إذا طال الوقوف، وفي الوقوف راحة إذا طال الجلوس، وفي العمل راحة بعد طول الفراغ، وفي الفراغ راحة بعد طول العمل وفي نظر الصحراء لذة بعد طول النظر إلى البحر، وفي البحر لذة بعد طول النظر إلى الصحراء — ومنظر البحر أبعد عن السأم؛ لأنه تغير مستمر وحركة دائمة: موجة تعلو ثم تهبط، وموجة تنكسر على الصخر أو الرمل ثم تسير إلى الشاطئ وتفنى، وتتجدد أخرى، وهكذا؛ ومنظر الأرض حظه كذلك من التغيير، فالإنسان به أسرع مللًا وأقرب سأمًا — وهكذا كل نظام الحياة: الملل من الدوام، والراحة في التغيير.
•••

ما أصعب الحياة الراتبة وأشقها على النفس! إنها تميت القلب وتبعث على الخمود، ولا بد لعلاجها من التجديد، وليس التجديد إلا نوعًا من التغيير، يبعث عليه السأم من القديم؛ فإذا مل الناس الأدب القديم، جدد زعماء الأدب في الأدب، وأتوا للناس بفن جديد يستروحون به؛ وإذا مل الناس نوعًا من النظام الاجتماعي أتى المجددون بشيء جديد ونظام جديد يذهب بالملل ويجدد النشاط. وليس تغيير الأشياء — وخاصة عند النساء — إلا ضربًا من هذا، هن أسرع خلق الله إلى الملل، وأدعاهم إلى التغيير والتجديد؛ فهن يطْلُعْن على الناس كل عام بزي جديد والقبعات والأثواب وكل ما يتصل بهن: شعر قصير بعد شعر طويل، وفستان طويل بعد فستان قصير، وهكذا كثر مللهن فكثر تغييرهن، فرارًا من السأم وطلبًا للراحة لهن ولغيرهن.
•••

وأقدر الناس في هذه الحياة من استطاع أن يتغلب على السأم والملل بالتغيير المناسب في نفسه وفي غيره. فالأديب القدير من استطاع أن ينوّع نفسه وينوّع كتابته، حتى لا يُمِلّ ولا يُمَلّ. وخير المجالات ما استطاعت أن تجدد نفسها من حين إلى حين تجديدًا يتفق ومنفعة الناس، ويتفق والرقي؛ فتتغير في أسلوبها، وتتغير في موضوعاتها، وتتغير من حين لآخر في كتّابها حتى لا يسأم قراؤها. وخير القادة من استطاع أن يجدد في دعوته، فإذا كان له مبدأ واحد يدعو إليه استطاع أن يبرزه كل يوم في شكل جديد يلفت النظر، ويبعث فيه حياة جديدة إلى النشاط والحركة.
وكثير من شرور هذا العالم سببه الملل، فكسل التلميذ وانصرافه عن الدرس نوع من الملل، وخمول الموظف وقعوده عن الجد في العمل نوع من الملل، والخمود السياسي والفكري والاجتماعي نوع من الملل، والرغبة في الانتحار نوع من الملل؛ وكثيرًا ما يكون الميل إلى الكيوف والإدمان عليها نوعًا من الملل، وكثيرًا ما يكون الشقاق العائلي وشقاء المنزل والمشادة بين الزوجين أحيانًا والأبوين وأولادهما أحيانًا نوعًا من الملل، إلى كثير من أمثال ذلك؛ وكلها أمراض صعبة التشخيص صعبة العلاج، تحتاج إلى نوع من الطب النفسي أدق من طب الأجسام، وتحتاج إلى مهارة في علم النفس لا تقل أهمية عن المهارة في علوم الطب.
من أجل هذا أصبحت الحياة فنًّا يجب أن يدرس، وأصبحت طريقتنا في الحياة طريقة بالية؛ وكل شيء إذا ارتقى وتعقد أصبح فنًّا يحتاج إلى الدراسة، وأصبحت الطريقة الساذجة فيه لا تغني. فأمهاتنا يربين أولادهن حسبما اتفق، ثم أصبحت التربية فنًّا؛ ومعلمونا كانوا يعلموننا كيفما اتفق، ثم أصبح التعليم فنًّا؛ ومغنونا كانوا يغنوننا حسبما اتفق؛ ثم صار الغناء فنًّا — كذلك الحياة نفسها نحياها الآن حيثما اتفق؛ ولكنها تعقدت وأصبح حلّ عقدها يحتاج إلى دراسة ودراسات — وأصبحت المرأة في حاجة لأن تتجدد في بيتها حتى لا يمل زوجها، والزوج يتجدد حتى لا تمل زوجته، والمعلم يتجدد حتى لا يمل طلبته، ورئيس الحزب يتجدد حتى لا يمل أتباعه، وأصحاب الملاهي يتجددون حتى لا يملوا. والتغلب على الملل ليس من الأمور الهينة، فليس كل تغيير يصلح لإزالة السأم، إنما يصلح التغيير يوم تدرس النفس ويدرس نوع التغيير، كما يدرس المرض ويدرس نوع العلاج، ويكون الدواء طبق الداء.

فِي المَسجدِ


ساقني حسن الحظ إلى الحديث مع سيدة إنجليزية فاضلة، وكان ذهني مستغرقًا في برنامج «الأخلاق والتربية الوطنية للمدارس الثانوية». والمتحدثون — عادة — يلونون حديثهم — ولو من غير شعور — بما يشغل أذهانهم ويستغرق أفكارهم. ومهما بعد المتحدث عن الموضوع الذي يستولي عليه فسرعان ما يعود إليه، وينغمس فيه.
لقد بدأنا الحديث في الجو وانتقلنا إلى غيره، وإذا بنا نتكلم في «التربية والتعليم وشئونهما»، وإذا بي أسأل السيدة:
– ما برنامج الأخلاق والتربية الوطنية للمدارس الثانوية في إنجلترا؟
– ليس لهما في المدارس برنامج معين ولا دروس خاصة، ولكن تلقى فيهما محاضرات في مناسبات؛ وأهم ما يقوم بهذه المهمة «الكنيسة»، فهي تنظم دروسًا للشبان والشواب في هذا الموضوع، ويقوم بها رجالها، فيكفوننا بذلك مئونة الدروس في المدارس، وإلقاؤها في الكنائس يجعل لها معنى أجمل، واحترامًا أوفر وطعمًا أحلى.
•••

انتقل ذهني في سرعة البرق من الكنيسة عندهم إلى المسجد عندنا، وساءلت نفسي: ما الوظيفة الاجتماعية التي يؤديها المسجد للأمم الإسلامية؟
إني أفهم أن لمسجد الحي وظيفة اجتماعية هامة بجانب وظيفته الدينية؛ هي الإشراف على تجلية الروح وتهذيب النفس بتنظيم المحاضرات في الموضوعات التي تمس العصر، والمشكلات التي تعرض في كل زمن؛ كما أن من وظيفته الإشراف على حالة الحي الاجتماعية، وما يصاب به من بؤس وفقر وانغماس في المخدرات ونحو ذلك؛ ثم تنظيم الإحسان والقيام بالخدمة العامة بين الأغنياء والفقراء، وإسداء النصائح للأسر فيما يعرض لهم من متاعب وصعاب.
إني أفهم من مسجد الحي أن يكون كمستشفى الحي، غير أن المستشفى يداوي الأمراض الجسمية، والمسجد يداوي الأمراض الروحية والاجتماعية.
إني أفهم أن يكون إمام المسجد رئيس المستشفى يعرف مرضى الحي، ويعرف علاجهم، ويكون صلة تآلف وتعارف بين أهل الحي، يأخذ من غنيهم لفقيرهم، ومن صحيحهم لمريضهم، ويقضي على المنازعات والخصومات ما استطاع، ويثقف الجهلاء، ويتخذ من المثقَّفين من أهل الحي أعوانًا وأنصارًا، يخطبون ويعظون، ويعلمون ويثقفون — وإذ ذاك يشعر أهل الحي بأن المسجد ضرورة من ضرورات الحياة، يقوم لهم بما تقوم به المدرسة، وبما تقوم به المحكمة، وبما تقوم به جمعيات الإحسان، وبما هو فوق هذا وذاك.
بل لما لا يكون المسجد معهدًا للمرأة، كما يجب أن يكون معهدًا للرجل؟ فيخصص مسجد كل حي وقتًا لنساء الحي تعلم فيه المرأة واجباتها الدينية والاجتماعية، وتفقه فيه في دينها ودنياها، وترشد فيه إلى طرق إسعاد البيت، وتثار همتها إلى العطف والإحسان وتنظيمهما
فالمرأة الآن محرومة من غذائها الروحي والديني؛ لأنها بعيدة عن المسجد، حرمت منه من غير حق، وهو سلوتها في الأزمات، وهو منهل عواطفها وغذاء روحها. لقد حرمت المرأة من المسجد، فحرم أبناؤها وبناتها من العاطفة الدينية؛ لأن الأم — غالبًا — هي مصدر هذا الإيحاء؛ وإذا انحرفت مرة فلم تجد المسجد يهديها ويعزيها، جمحت وغوت؛ فهي الآن بين بيت وملهى، ولا مسجد بينهما يذهب بملل البيت ويكسر من حدة الملاهي.
هذا هو المسجد كما أتصوره، وكما ينبغي أن يكون — قوي الأثر في النواحي الروحية والاجتماعية والتعليمية، في الرجل والمرأة، قلوب الحي معلقة به، يغارون عليه ويعملون على ترقيته من حيث نظامه ونظافته وإمامه وخطباؤه، ويرون أنه لهم وهم له، وأن منارته ينبعث منها الإصلاح في جميع نواحيه؛ متعلمو الحي جنوده في نشر الثقافة، وأغنياؤه جنوده في محاربة الفقر، ونساؤه دعاة أبنائهن وبناتهن إليه.
هذا هو الوضع الصحيح للمسجد. فأين مسجدنا منا، وأين نحن من المسجد؟ لقد اعتزل الناسَ واعتزله الناسُ، ولم يشعر شعورًا قويًّا بوجودهم، ولم يشعروا شعورًا قويًّا بوجوده.
نظرت دار الآثار إلى بنائه فعدته «آثارًا»، ونظر الناس إلى نظامه فعدوه كذلك «آثارًا»؛ فليس يؤمه — مع الأسف — إلا الطبقة الفقيرة البائسة، أو الموظف الذي أحيل إلى المعاش، أو من تقدمت به السن من عامة الناس. أما الشباب المثقفون ومن أنعم الله عليهم بشيء من رغد العيش فلا يفكرون في المسجد ولا تحدثهم أنفسهم بزيارته، وإن دخلوا لا يعرفون كيف تؤدّى شعائره إلا القليل النادر؛ كأن السينما والمساجد اقتسما الناس، فخص المساجد بالشيوخ والعجائز والفقراء، وخص السينما بالفتيان والفتيات والأغنياء، وهي حال لا تشعر بأمل ولا تبشر بخير
ووزارة الأوقاف كذلك عدَّت المساجد «آثارًا»، فهي تسير في تعيين أئمتها وخطبائها وفي مراقبتها سير القرون الخالية، كأن الزمن لا يسير.
والأئمة والخطباء يعاملونها معاملة «الآثار»، فهم يقرأون غالبًا الخطب التي ألفت في القرون الماضية، فلا تحرك نفسًا ولا تحيي همة — كل ما فيها «اتقوا الله» إجمالًا بغير تفصيل. أما ما يحدث بيننا من أحداث، وأما ما نشعر به من مصائب وما ينتابنا من كوراث، فلا دخل لهم فيه؛ لأن دواوين القدماء لم تنص عليه.
الحق أن للناس بعض العذر في الانصراف عن المساجد؛ فلو عرف الخطباء كيف يكلمون الناس، وعرف رجال الدين كيف يصلون إلى قلوبهم، وشعر الناس أنهم يجدون في المسجد متعة روحية وغذاءً دينيًّا واجتماعيًّا، لتغير الحال وازدحم المسجد بالناس من جميع الطبقات.
وقد كان المسجد في الإسلام يقوم بهذه النواحي التي ذكرنا؛ فالخلفاء ونوابهم كانوا يخطبون في المشكلات الحاضرة، وكانوا يخطبون كلما حزَبهم أمر أو عرض لهم مُهِمّ، وكان المسجد مدرسة للعلماء والمتعلمين والشعراء والمتأدبين، وكان المسجد مكتبة للواردين والمترددين، وكان المسجد مجمع الناس في الأعياد والمواسم، وكان المسجد مكتب الصغار ومدرسة الكبار؛ ولو سار في طريقه وتأقلم مع الزمن لكان يؤدي كل الخدم الاجتماعية التي أشارنا إليها من قبل؛ ولكن فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ? فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَن تَابَ.

منطقُ اللغة


قال صديقي: ألا تنظر إلى هذه الظاهرة الغريبة؟ أنا في مجلس يتجادل أحيانًا فيما يُعْرَض عليه باللغة العربية، وأحيانًا باللغة الإنجليزية؛ فإذا تجادل باللغة الإنجليزية فالحجة تُقْرَع بالحجة في إيجاز، وداخِلَ حدود معينة، قلّ أن يكون هناك استطراد، وقلّ أن يكون لعب بالألفاظ، وقلّ أن يكون خروج عن الموضوع، وقلّ أن يكرر المجادل نفسه فيما يقول، فإما أن يأتي بحجة جديدة وأفكار جديدة، وإما أن يسكت؛ وما هي إلا هنيهة حتى يؤخذ الرأي ويفصل في الأمر. وإذا تجادلنا باللغة العربية فهناك يطول الجدل، ويكثر الحديث، وكثيرًا ما تقرع الحجة لا بأختها، ولكن ببنت عمها، وكثيرًا ما يستطرد من موضوع إلى موضوع لأقلّ مناسبة أو بدونها؛ وبعد طويل من الزمان يعودون إلى ما بدأوا فيه، وتثار مسائل كثيرة لا يفصل في واحدة منها، ويقول المجادل الآن ما قال من قبل، فبردّ عليه صاحبه بمثل ما ردّ من قبل، وتتشعب الآراء حتى يصعب حصرها، وحتى ينسى أخيرًا ما بدىء به أوّلًا، ثم يؤخذ الرأي وقد ملّ المتجادلون، وسئموا الجدل، وودوا أن يفصل في الأمر على أي شكل؛ ولذلك قد يكون الرأي يؤخذ أخيرًا شرًّا من الرأي يؤخذ أولًا، بل قد يكون الرأي الذي قرر لا علاقة له بالمسألة التي أثيرت من قبل!
نعم يا صديقي، أنا أعتقد أن لكل لغة منطقًا يخالف منطق اللغة الأخرى، وأن المسألة لا ترجع إلى عقلية المتجادلين وحدها؛ فقد يتجادل جماعة — كما ذكرتَ — باللغة الأجنبية، ثم هم أنفسهم يتجادلون باللغة العربية فيكونون في الأولى أكثر توفيقًا؛ وليس من الصحيح أن ترجع هذا إلى ضعفهم في اللغة الأجنبية وقوتهم في اللغة العربية؛ فهذا القول ينطبق تمامًا على من أجادوا اللغتين، وحذقوا اللسانين.
وتعليل ذلك قد يبدو غريبًا، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن أن اللغة ليست إلا وسيلة للتعبير عن المعاني، وليست إلا مظهرًا من مظاهر العقلية؛ فإذا كان التفكير صحيحًا سليمًا كان التعبير عنه كذلك ما دام صاحبة يجبد التعبير ويتقن اللغة، وإذا كان التفكير فاسدًا كان التعبير عنه فاسدًا متى وفق صاحبه للتعبير عما يريد؛ ولكن يظهر لي أن المسألة أعمق من ذلك، وأن هناك تفاعلًا بين اللغة والتفكير، فاللغة المنظمة تعمل في تنظيم الفكر، والفكر المنظم يعمل في تنظيم اللغة — وكذلك العكس — وأن المتكلم باللغة الإنجليزية أو الفرنسية خضع لمنطقها وطرق تفكيرها كما يخضع لاختيار كلمتها، واختيار أساليبها، وكيفية معالجة الموضوع، فيؤثر ذلك كله في تفكيره وجدله وحججه؛ وعلى الجمله فهو يحاول أن يكون إنجليزيًّا أو فرنسيًّا في تفكيره، كما هو إنجليزيّ أو فرنسي في لغته — يشعر بهذا تمام الشعور من أجادوا لغتين أو أكثر؛ فهم إذا تكلموا بلغة أجنبية راقية شعروا — مثلًا — بأن هناك غرضًا محدودًا واضحًا يرمون إليه في حديثهم وحججهم، وأنهم يضعون لذلك خططًا ثابتة معينة تشبه خطط الحرب يضعها قادتها لتسلم كل خطة إلى التي تليها، أو كالخطط التي يضعها لاعب الشطرنج الماهر، إذا لعب لعبة علم ماذا يريد منها، وما هي الألعاب التي تترتب عليها فتنتج الفوز، وهو هو إذا تكلم باللغة العربية لم يتضح القصد له وضوحه باللغة الأجنبية، ولم يرتب حججه ذلك الترتيب الذي يرتبه باللغة الأجنبية؛ ومن أوضح الأمثلة على ذلك أن مجيد اللغتين كثيرًا ما يفكر باللغة الأجنبية، ويترجم تفكيره إلى اللغة العربية، وقلما يعكس، مع أن اللغة العربية هي لغته الأصيلة؛ وهي التي نشأ عليها وتربى في أحضانها، فكان معقولًا أن تكون هذه لغة تفكيره؛ فإذا عبر بلغة أجنبية نقل تفكيره إليها — وليس من الهين تعليل هذه الظاهرة؛ ولكن يمكن أن يقال: إن السبب في ذلك أن اللغات الأجنبية الراقية قد استكملت أدواتها من حيث الألفاظ الموضوعة لكل آلة مخترعة ولكل معنى مستكشف، كما استكملت أدواتها من حيث أساليب التفكير وصياغة المعاني صياغات مختلفة أدخل في الذهن وأقبل للعقل وأجمل في الذوق؛ وأن اللغة العربية أبطأت في تاريخها الحديث ولم تسرع في السير، برغم ما يقوله الدعاة من أنها أغنى اللغات وأجمل اللغات، ثم ينامون على ذلك من غير أن يعملوا على تكميل نقصها، ومعالجة ضعفها؛ وكيف يعمل على معالجة الضعف من لم يشعر بألم المرض؟ وكيف يعمل على تكميل النقص من لم يشعر بنقص؟ — لهذا كان فكر المفكر إذا أجاد اللغتين يتبع — من غير اختيار — أرحبها صدرًا وأغزرها مادة وتغييرًا.
وسبب آخر: وهو أن الأمم الأجنبية الراقية قد مرنت طويلًا على المجالس النيابية والمناظرات المدرسية والجامعية، وتكونت لها مع طول الزمن تقاليد معروفة مألوفة غير مكتوبة، وأثرت في جدلهم ومناظراتهم ومجالسهم أثرًا كبيرًا، كما أثرت في طرق تفكيرهم ولغتهم التي يتبعونها في الجدل والمناظرة.
ثم — مما لا شك فيه — أن هناك ارتباطًا قويًّا بين اللغة والخُلق، فلست تجد في لغة أجنبية من ألفاظ الملق وعباراته ما تجده في اللغة العربية مما أدخله عليها الفرس والأتراك، ولا تجد من عبارات الحشو التي تدل على الذل والخضوع ما تجد في لغتنا العربية الحديثة. كانت اللغة ديمقراطية شريفة نبيلة يوم كانت اللغة العربية لغة العرب الديمقراطيين الذين لا يفرقون كثيرًا بين مخاطبة الأمير ومخاطبة بعضهم بعض، ثم أصبحت لغة العبيد يوم تسرب إلى أهلها الذل والعبودية. لقد جلست أول أمس إلى رجل يحدث «باشا» فكان ما أحصيت في حديثه من «سعادة الباشا» أكثر من كلماته في الموضوع. وما لي أذهب بعيدًا، ومدلول الكلمة في اللغة العربية أصبح غير مدلولها في اللغة الأجنبية؟ فإذا قال الألماني أو الإنجليزي: «نعم أفعل» لم تدل على نفس المعنى الذي يُفهم من قول المتكلم باللغة العربية: «نعم أفعل». «فنعم أفعل» العربية تدل على أنه قد يفعل وقد لا يفعل، والسامع إذا سمعها شك في مدلولها «هل يفعل أو لا يفعل»، فاحتاج إلى أن يكرر عليه الطلب والرجاء، واحتاج المتكلم أن يعيد «نعم أفعل» وربما أقسم، وربما استعمل كل صيغ التأكيد، وهي بعد هذه الأيمان وهذه التأكيدات كلها لا يزال مدلولها أنه قد يفعل وقد لا يفعل، وهو إذا لم يفعل لم يخجل؛ لأنه حق وجهًا من وجوه الجملة؛ بل المتكلم الشرقي إذا قال: «سأفعل» باللغة الأجنبية كانت أقوى في نظره وأكثر التزامًا مما إذا قالها باللغة العربية، والمتكلم هو هو، لم يتغير في الكلمة إلا التعبير عنها بإحدى اللغتين؛ فإذا قالها العربي الأجنبي كان لها أشد احترامًا ولتنفيذها أشد رغبة وأقوى إرادة. أليس في هذا كله دليل على شدة الارتباط بين اللغة والعقل واللغة والخُلق، وأن العقل واللغة والخُلق كلها تتفاعل، فإذا رقيت اللغة تبعًا — نوعًا ما — رقي العقل والخلق، وإذا رقي العقل تبعه — نوعًا ما — رقي اللغة والخلق، وهكذا. ومن هذا تنتج معادلات جبرية معقدة الحل.
إن الغيرة القومية والنهضة الشرقية تتطلبان أن يعني قادتها بهذه المظاهر، وأن يضعوا للأمة تعاليم جديدة في اللغة والتفكير؛ فهم مطالبون بكل الوسائل أن يميتوا ألفاظ الملق من اللغة العربية ويحيوا ألفاظ الأدب النبيل، وأن يربطوا أشد الربط بين الألفاظ ومدلولاتها، فلا يسمحوا أن يضيعوا مدلول الألفاظ كما هي ضائعة اليوم، وأن يضربوا الأمثال للناشئين في الجدل والمناظرات، فيعلموهم كيف تؤدى المعاني على وجوهها، وكيف تلتزم حدود الجدل فلا تُتَخَطى، وكيف يرسم الغرض الذي يرمي إليه الباحث، وكيف يختط السبيل إليه، وكيف يوفر الزمن إذا هو التزم ألا يقول إلا جديدًا في المعنى، وكيف يصل من أقرب طريق.
لو فعلنا ذلك لوفرنا على المجالس زمنها وتفكيرها، ولوصلنا في مسائلنا إلى نتائج خير مما نصل إليه الآن، بل عندي أن السرعة مع الخطأ أحيانًا خير من الإبطاء الممل والتفكير الراكد مع الصواب الدائم.

ظاهرةٌ وتعليلُها


أعرفه غزير العلم واسع المعرفة، ولكنه يأبى أن يجالس أمثاله من العلماء، ولا يلَذه إلا أن يجالس لفيفًا من صغار الناس في مهنتهم وعقليتهم؛ وليس الشراب هو الذي يجمعهم ويؤلف بينهم كما هو الشأن في كثير من الأحيان.
وأعرفها فتاة على جانب من الجمال، ولكنها لا تؤمن بجمالها؛ لأن أهلها أدخلوا في روعها من صغرها أن الجمال في البياض والحمرة والشعر الأصفر، وهي سمراء شديدة السمرة، وليس في وجهها حمرة، ولا في شعرها صفرة، فهي في اعتقادها ليس لديها من الجمال شيء؛ وأراها تصاحب فتاتين ليس فيهما من الجمال شيء، وتأبى أن تصاحب جميلة، وخاصة إذا كان جمالها في لونها الأبيض المشرب بحمرة.
وأعرفه فنانًا كبيرًا، ولكنه يأبى أن يجالس الفنانين الكبار أمثاله، ويفضل أن يجلس إلى مبتدئي الفن يعلمهم ويصلح من أخطائهم، وهم من جانبهم يتملقونه، ويفيضون عليه من ألقاب الثناء ما يملؤه غبطة وسرورًا.
وأعرف عشرات من هذه الأمثله أشاهدها كل يوم، وأسمع بها كل حين، وأقرؤها في وصف كثير من الرجال والنساء، فما سرها؟
سرها عندي أن من طبيعة الإنسان أنه يكره «الضعة» ويكره كل ما يشعره بالضعة، ويحب العظمة ويحب كل ما يشعره بالعظمة.
من أجل هذا تراه — في العادة — يكره أن يجالس من هو خير منه في علمه وفنه وأدبه؛ لأن ذلك كله يشعره بصغر نفسه؛ وهو أقل كراهية لمجالسة من هو مثله؛ لأنه لا يحط من شأن نفسه؛ وهو أشد حبًّا لمجالسة مَن دونه؛ لأن ذلك يجعله أكثر شعورًا بعظمة نفسه.
ويمكن تطبيق ذلك على كثير من الأحداث اليومية والمشاهدات المألوفة. ألست ترى أن «حَلْبة الكميت» أو جمعية الشراب تكره كل الكراهية أن يكون بينهم وقت شرابهم من لا يشرب، ويستثقلونه مهما ظرف، ويستسمحونه مهما لطف؛ لأنه يذكرهم بالفضيلة حين ارتكابهم الرذيلة، ويشعرهم بأنهم الوضعاء وهو الرفيع، وأنه العين النافذة، وأنه الرقيب عليهم، وأنه العادّ لسقطاتهم، وأنه المتحفظ بقوة إرادته عند ضعف إرادتهم؟ كل هذا يشعرهم بالضعة فيكرهونه ويبدءون بالإلحاح عليه أن يشرب لا حبًّا فيه ولكن حبًّا لأنفسهم، وإبعادًا لشعورهم بضعتهم، ولا يزالون يستحلفونه حتى إذا نجحوا أمنوا الشعور بالضعة، وإذا فشلوا مقَتوه ومقَتوا جلوسه بينهم؛ لأنه نغص عليهم بهجتهم؛ ومن أجل هذا أيضًا أحبوا أن يسمعوا أدب الخمر، وأحبوا أن يسمعوا من يفلسف لهم الحياة وأنها ليست إلا متعة الساعة وشهوة الوقت؛ فإن تجاوز المحدث ذلك إلا أنه لا يعبأ بحرام ولا حلال، وأن يقول كما قال أبو نواس:
فإن قالوا حرامٌ قل حرامٌفإن لذاذة العيش الحرامُ فذلك عندهم أظرف وأفكه؛ لأنه اجتث الشعور بالضعة من جذوره.
•••

هذا هو سبب العداء دائمًا بين الفضيلة والرذيلة أو بين الفاضل والرَّذْل، وهذا هو السبب في أن الرذل يكره الفاضل أكثر مما يكره الفاضل الرذل؛ لأن الرذل هو الذي يشعر بالضعة من رؤية الفاضل.
وهو السبب في أن الفقير يكره الغني أكثر من كره الغني للفقير؛ لأن الفقير هو الذي يشعر بالضعة إذا قاس نفسه بالغني.
وكثيرًا ما يكون سببًا في فساد الحياة الزوجية، أن تكون في أحد الزوجين صفات راقية ليست في الآخر، فيشعر هذا الآخر بالضعة عند قياس نفسه بنفس قرينه، فتسوء الحياة ويُجْهل السبب.
•••

بل أرى أن في هذا القانون تفسيرًا لكثير من الرجال والنساء الذين يحبون العزلة وينفرون من الناس.
فتفسير هذا أنهم يشعرون بنقص فيهم من ناحية من النواحي الخلقية أو العلمية أو الاجتماعية، كأن يشعروا أنهم لا يحسنون حديث المجالس، او أنَّ في جسمهم عاهة من العاهات، أو أنهم إذا جودلوا أفحموا، أو إذا نيل منهم لم يستطيعوا أن يأخذوا بحقهم. فتراهم يفضلون العزلة ويتغنون بمدحها، ويصبون جام غضبهم وسخطهم على الناس، ويطنبون في ذم الأخلاق وسوء المجتمعات؛ وهو نقص في محب العزلة جعله يشعر بضعة نفسه في المجتمعات، وهو يكره الضعة ويكره كل ما يسببها، وهو لا يحب أن يلوم نفسه وهي السبب؛ لأن في هذا ضعة أيضًا، فيلوم الناس ويلوم المجتمعات، ويكون مثله مثل من عجز عن أن ينتقم من عدوه، فانتقم من صديقه.
•••

أتدري السبب في أن الشباب لا يودون كثيرًا أن يجالسوا آباءهم ولا إخوتهم ولا أقرباءهم، ويفضلون — غالبًا — أن يجالسوا الغرباء؟
هو — أيضًا — هذا القانون، فإن آباءهم وإخوتهم وأقرباءهم يعلمون نشأتهم، وكل شيء فيهم، وكل شيء حولهم، وفي ذلك عيوب عرفوها، وزلات وقعت تحت أعين الآباء ومن إليهم؛ فالشباب يشعر بهذا التاريخ كله إذا جلس إليهم، وهذا يشعره بالضعة، فهو يفضل عليهم صداقة الغرباء؛ لأنهم يجهلون تاريخه، ويجهلون زلاته؛ فهو عندهم لا يشعر بالنقص، ولا يشعر بالضعة، فكان إليهم أميل، وبهم آنس؛ والمثل العربي يقول: «برِّق لمن لا يعرفك»، ومعناه تبجح وهدد من لا يعرفك؛ لأن من عرفك لا يعبأ بك.
لقد كان لي أستاذ في سن الخمسين، وكان جلساؤه أقلهم في السن الستين، فسألته في ذلك فقال: إني اخترتهم؛ لأنى أشعر وأنا معهم أني شاب.
•••

بل هذا هو السر في أن الرذيلة في كثير من الأحيان توثِّق الصداقة بين أصحابها؛ فالمقامر أقرب إلى صداقة المقامر، ومدمن الخمر إلى مدمنها، والغزل إلى الغزل، واللص إلى اللص؛ وقل أن ترى ذلك في الفضيلة، فالصدق قل أن يؤلف بين اثنين لصدقهما، والعدل قل أن يؤلف بين اثنين لعدلهما.
والسبب في هذا أن ذوي الرذيلة يشعرون بالضعة من رذيلتهم فيهربون إلى الأراذل مثلهم حتى يتجردوا من هذا الشعور؛ أما الشعور بالعدل أو الصدق فليس فيه هذا الألم فلا يحتاج صاحبه إلى البحث عن مهرب — وهو السبب في احتياج أصحاب الرذيلة إلى مخبأ، فحجرة المقامرة مستورة، ومجلس الشراب في مخبأ، والغزلون يتسترون، ومجال الحشيش والكوكايين في حِرز إلخ؛ وليس السبب في ذلك فقط أن رجال الأمن يطاردونهم، بل أكاد أوقن أن هذه الأمور لو أبيحت من رجال الأمن لتستروا أيضًا؛ لأنهم يريدون أن يهربوا بأنفسهم من الشعور بالضعة أمام من لم ينغمسوا في الرذيلة انغماسهم.
•••

ألست ترى معي أن الرجل الملتزم للأخلاق المتشدد فيها أقل الناس أصدقاء وأشد الناس وحشة، وكلما اشتد في تزمته اشتد الناس في كراهيته؟ وأن الرجل كلما سما عقله بعد عن الناس وبعدوا عنه، وأنهم قد يجلونه ولكن لا يحبونه، لأن سموه إعلان لضعفهم، وعلوه رمز لضعتهم؟
ولعل كثيرًا من صفحات التاريخ المملوءة باضطهاد العظماء، وقتل النبغاء، واغتيال الأبطال، تستر وراءها هذا السر الكامن الخطير، وهو أن الاضطهاد والقتل والاغتيال كان سببه الخفي شعور المدبرين بضعتهم أمام هؤلاء العظماء، فتخلصوا من الشعور بالضعة بالقضاء على من كانوا سببه — فلما انمحوا من الوجود كان لا بأس عند من قتلوهم أن يمجدوهم، وأن تمجدهم القرون بعدهم؛ لأن الحقيقة الواقعة أشد إشعارًا بالضعة من الذكرى الماضية.
•••

وبعد، فلا يستطيع الناس أن يتغلبوا على هذه الرذيلة، وأن يجلس عالمهم إلى من هو أعلم منه، وفنانهم إلى من هو أفن منه، وفاضلهم إلى من هو أفضل منه، يستفيد منه ويأخذ عنه في غير حقد ولا ضغن، إلا بكثير من مجاهدة النفس، وهيهات ثم هيهات!

أمس وغدًا


كان لسَرِيّ مصانع ومتاجر، كأفخم ما يكون من مصانعَ ومتاجر، أصابتها النار فأتت عليها، وقُدِّرَت الخسائر بالألوف.
وكان هذا السري في السنين الأخيرة من عمره، ليس له قوة الشباب، ولا أمل الشباب، وكانت ثورته الضائعة ثروة العمر، ومجهود العمر. جاءه من يسأله عن هذه الكارثة وأسبابها ومقدارها، فأجابه: «لست أفكر في شيء من ذلك، وإنما يملك عليّ كل فكري الآن: ماذا أنا صانع غدًا».
يعجبني هذا الاتجاه العملي في التفكير، فإنه دليل الحياة، وعنوان القوة، ومبعث النشاط، فما دمت حيًّا ففكر دائمًا في وسائل الحياة، ووسائل السعادة في الحياة؛ وتلك كلها أمامك لا خلفك، وفي الغد لا في الأمس.
لقد دل هذا السري على أنه يقتني عقلية أقومَ مما رعته النار، ونفسية خالدة لا تفنى بفناء المال.
إن الحياة الناجحة تفكر في الغد، والحياة الفاشلة تبحث في الأمس، وقديمًا قالوا: «إذا أفلس التاجر فتَّش في دفاتره القديمة». وقال الشاعر وقد رأى بني تغلب لا يعملون عملًا جديدًا مجيدًا، ويكتفون برواية قصيدة قالها عمرو بن كلثوم التغلبي في مدحهم:
أَلْهَى بني تغلب عن كل مكرُمةقصيدةٌ قالها عمرو بن كلثوميفاخرون بها مذْ كان أَوَّلُهميا لَلِّرجال لشعر غير مسئوم ولأمر ما خلق الله الوجه في الأمام ولم يخلقه في الخلف، وجعل العين تنظر إلى الأمام ولا تنظر إلى الخلف، وأراد أن يجعل لنا عقلًا ينظر إلى الأمام وإلى الخلف معًا، وأن يكون نظره إلى الخلف وسيلة لحسن النظر إلى الأمام؛ فعَكَس قوم الفطرة الإنسانية ونظروا بعقولهم إلى الخلف وحده، وقلبوا الوضع فجعلوا النظر إلى الخلف غاية لا وسيلة.
من هؤلاء الذين نُكِّسوا في الخَلق من إذا حدثتهم فيما هم صانعون غدًا، حدثوك عما صنعه آباؤهم الأولون، وكيف حاربوا، وكيف انتصروا، وكيف سادوا العالم، وكيف وكيف؟ وهذا حق لو اتخذ وسيلة لعمل مستقبل، واستُحثت به الإرادة لعمل مستقبل، وضُرب مثلًا لمعالجة مشكلات المستقبل؛ أما ان يكون غرضًا في نفسه، فحديث العَجزة ومن أصيبوا بالفقر العقلي وضعف الإرادة.
وممن نُكِّسوا في الخلق هؤلاء الذين يثيرون العداوات القديمة والأحقاد القديمة بين رجال الأمة وقادتها؛ فإذا طالبتهم أن ينظروا إلى الأمام، ويتكيفوا بما يتطلبه المستقبل، أبوا إلا أن يذكروا لك تاريخ الأمس وحزازات الأمس، وسخائم الأمس؛ وما درَوا أنهم بهذا يعطلون مصلحة المستقبل وخير المستقبل، أو درَوا ولكنهم الماكرون الخادعون. فليس يصح أن ينظر في الأمس إلا لتجنب أغلاط الأمس في المستقبل، والانتفاع بصواب الأمس وخطئه في المستقبل.
وممن نكسوا في الخلق هؤلاء الذين جمدت عقولهم فاعتقدوا أن كل شيء كان خيره في الأمس وشره في الغد؛ فخير النحو ما وضعه سيبويه، وخير البلاغة ما قاله الجاحظ، وخير الفلسفة ما قاله ابن سينا وابن رشد والفارابي، وخير عصور الدين ما سبق من العصور، وخير الأخلاق أخلاق آبائنا، وأنه لم يبق في هذا الزمن إلا الحُثَالة من كل علم وأدب ودين وخلق، وأن العالم في ذلك كله سائر إلى التدهور دائما، فأمس خير من اليوم، واليوم خير من الغد؛ فهذه العقلية لا تنفع للحياة وإنما تنفع للصوامع، ولا تنفع للجهاد وإنما تنفع للفناء، ولا تنفع لمن أرادوا أن يتبوءوا مكانًا في الحياة، وإنما تنفع من أرادوا أن يتبوءوا مكانًا في القبور. إن النحو الذي ننشده هو في المستقبل لا في الماضي، واللغة التي تصلح لنا وتؤدي مطالبنا في الحياة هي في المستقبل لا في الماضي، والأدب الذي يمثل نزعاتنا حق تمثيل هو في المستقبل لا في الماضي، والأخلاق التي تلائم الموقف الاجتماعي الذي نقفه اليوم هي في المستقبل لا في الماضي، وليس لنا من الماضي إلا ما يصلح للمستقبل بعد غربلته وإبعاد ما تعفن منه. إن موقفنا بين الماضي والمستقبل يجب أن يكون كموقف وجهنا فينا، وضعه الطبيعي في الأمام، ولكن الإنسان قد قد يلوي عنقه وينظر إلى الوراء إذا دعت الضرورة، ثم يعود سيرته الأولى من النظر إلى الأمام ويسير لوجهه ويمضي قُدُمًا لشأنه؛ ولن ترى إنسانًا طبيعيًّا لوي عنقه دائمًا، ونظر إلى الخلف دائمًا.
وممن نُكسوا في الخلق هؤلاء الذين وقفوا ينتظرون القدر؛ أولئك لم ينظروا للمستقبل، ولكن ينظرون إلى ما يفعل بهم المستقبل؛ أولئك أحجار ينفعلون ولا يفعلون، ويتأثرون ولا يؤثرون؛ وإنما مستقبلك في يدك ولك دخل كبير في صياغته، فإن شئت تكن فقيرًا، وإن شئت تكن غنيًّا — إلى حد كبير — وإن شئت تكن سعيدًا، وإن شئت تكن شقيًّا؛ وليس يستسلم للقدر إلا من فقد إرادته وأضاع إنسانيته.
لقد أتى على الناس زمان كان الاستسلام للقدر عنوان «الولاية» ورمز القداسة، وكلما أمعن الإنسان في التجرد عن الدنيا أمعن الناس في تعظيمه وتبركوا به ولثَموا يده، ولكن هذا تقدير الماضي؛ أما تقدير اليوم والمستقبل فالولاية والقداسة في العمل. والوليّ أو القِدِّيس هو المصلح، وهو الذي يبني المجد بعمله لأمته وللإنسانية، وهو الذي يواجه العمل في شجاعة وإقدام، لا الذي يفر من الميدان، وهو الذي يرسم خطة العمل وينفذها، لا الذي يعزّي عن الكوارث ويعود المرضي ويلطف وقع البؤس، وهو الذي يشق الطريق لمحو الفقر عن الفقراء والبؤس عن البؤساء، لا الذي يزرف الدمع ويوصي بالصبر على احتمال الفقر من غير حث على العمل، والتفكير في طرق الخلاص من البؤس؛ وليس الولي والقديس من يحلم بل من يعمل.
ومضى الزمن الذي كنا نرصد فيه النجوم لنطلب السعادة من سلطانها، ونجتنب الشقاء في أوقات نَحسُّها؛ وأصبحنا نشعر بأن النحس نحس الخُلُق وموت الإرادة، والسعادة حياة النفس وتَفَتُّح الأمل، والمشي في مناكب الأرض، وإعمال اليد والعقل في جلب الرزق، وجلب الخير، ودفع الشر ودفع البؤس والفقر.
•••

خير لك إن كنت في ظلمة أن تأمل طلوع الشمس غدًا من أن نذكر طلوعها أمس، فلكل من الظاهرتين أثر نفسي معاكس للآخر، ففي ترقبك طلوع الشمس غدًا الأمل والطموح إلى ما هو آت، وفي هذا معنى الحياة؛ وفي تذكرك طلوعَها أمس حسرةٌ على ما فات، وألمٌ من خير كنت فيه إلى شر صرت فيه، وفي ذلك معنى الفناء.
وفرق كبير بين من يُلطَم اللطمة فلا يكون له وسيلة إلا البكاء، وتَذكر اللطمة ثم البكاء، ثم تذكر اللطمة ثم البكاء، وبين من يلطم اللطمة فيستجمع قواه للمكافحة. والحياة كلها لطمات، وأعجز الناس من خارت قواه أمام أول لطمة فهرب. ولو أنصف الناس لقوّموا الناس بمقدار كفاحهم لا بمقدار فشلهم ونجاحهم.
•••

شرُّ ما ألاحظ في الشرق حنينه الشديد إلى الماضي، لا أمله القوي في المستقبل، واعتقاده أن خير أيامه ما سلَفت لا ما أقبلت، وإعجابه الشديد بأعمال الماضين وإهمال المعاصرين. له منظاران: منظار مكبِّر يلبسه إذا نظر إلى الماضي، ومنظار مصغِّر أسود يضعه إذا نظر إلى الحاضر والمستقبل. يلذه أن يطيل البكاء على الميت، ولا يلذه أن يتدبر فيما يجب أن يفعله الأحياء. يستسهل النفقات مهما عظمت على الميت، ويستكثر نفقات الطبيب وأثمان الدواء للمريض. يعجبهم أن يتمثلوا الأمثال تدل على عظم الماضي، ولا يعجبهم أن يتمثلوا الأمثال تبعث الأمل في المستقبل؛ ففي أعماق نفوسهم أن قول القائل: «ما ترك الأول للآخر» خير من القول: «كم ترك الأول للآخر»، ويلوكون دائمًا «لا جديد تحت الشمس»، ولا يعجبهم أن تقول: إن كل ما تحت الشمس في جدة مستمرة، والمستقبل مملوء بالجديد. وإذا رأوا كلمة في كتاب قديم تدل — ولو دلالة كاذبة — على نظرية جديدة طاروا بها فرحًا؛ لأن ذلك يلائم ما في نفوسهم من تعظيم الماضي وتحقير الحاضر والمستقبل. هم يعيشون في أحلام، ولا يريدون أن يعيشوا في حياة واقعة، وحول هذه المعيشة الحالمة ينسجون دائمًا ما يوافقها ويمازجها ويسايرها، ويكتفون بالأمل أن ينعموا بالآخرة؛ وماذا عليهم لو عملوا لينعموا بالدنيا والآخرة؟

ما نعلمُ وَمَا لا نَعلمُ


ظاهرة واضحة، وهي أن أجهل الناس أكثرهم ادعاءً للعلم وأعلمهم أكثرهم اعترافًا بالجهل.
كل شيء سهل واضح قابل للفهم، قابل للتفسير عند الجهلاء وأنصاف العلماء.
ما الذي نعلمه عن هذا الكون؟ لا نعلم إلا ظاهرة، ولا نعلم إلا سطحه؛ أما حقيقته، وأما أعماقه فلا نعلم منها إلا قليلًا، ونحن حائرون في أمرها، ولا يدري إلا الله متى تنتهي هذه الحيرة.
يجدّ العلم ويجدّ، ويظَفر كل يوم بقوانين يخرج بها بعض الأشياء من دائرة المجهول إلى المعلوم، ولكنها قوانين تتصل بالظواهر أكثر مما تتصل بالأعماق. أما حقيقة هذا العالم وكنهه فلا يتقدم العلم فيها تقدمًا يذكر.
يزعم المناطقة أنهم يستطيعون «تعريف الأشياء»، ويضعون قواعد وتفاصيل للتعاريف، ولكنهم في الواقع جدُّ جاهلين، ولا يمكن تعريف أي شيء.
قالوا: إن الإنسان حيوان ناطق، والفرس حيوان صاهل، وظنوا لغباوتهم أنهم بذلك عرّفوا الإنسان والفرس، واستناموا لهذا؛ وظل الإنسان مجهولًا بعد تعريفهم كما كان مجهولًا قبله، وظل الفرس مجهولًا بعد التعريف كما كان قبله. واجتهد علماء كل علم أن يُعَرِّفوا أشياء علمهم، فاختلفوا كلهم في تعريف الأشياء وخواصها، ولم يلمسوا حقيقتها مطلقًا؛ ولذلك كان من الحق أن يعدلوا عن كلمة التعريف إلى كلمة أخرى ليس فيها هذا الغرور، أو أن يغيروا تعريف «التعريف»، فلا يدعو أنه بيان حقيقة الشيء، وإنما بيان أهم صفاته.
هل استطاع أحد أن يعرّف ماهية الكهرباء؟ كلا، ولا أعلم الناس بها، ولا أكبر عالم بشئونها. إنما يعرف كيف يستخدمها ويعرف بعض قوانينها، ويعرف كيف ينتفع بهذه القوانين في الحياة اليومية من إنارة وتدفئة وتبريد، ومن تليفونات وتلغرافات وراديو، وما إلى ذلك. أما ما هي الكهرباء، فسؤال لم يستطع أن يجيب عليه عالم يحترم علمه.
والعالم مملوء بعناصر كثيرة، وقوى كثيرة، ولسنا نعرف حقيقة لأي عنصر منها، ولا أي قوة من قواها، إنما نعرف بعض خصائصها ومميزاتها. ما حقيقة الذّرّة، وما الجُزَيء، وما الخلية؟ أسئلة نجيب عليها بذكر الصفات لا بذكر الحقائق؛ لأنا نجهل حقائقها جهلًا تامًّا.
حتى أقرب الأشياء إلينا وأكثرها مساسًا بنا نشعر به ولا نعرفه. وهل أقرب إلينا من حياتنا، ولكن ما هي الحياة؟ لا نعلم. ليقل العلماء فيها ما يقولون، فلن يستطيعوا معرفتها إلا إذا خلقوها إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ? وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ? ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ.
فإذا انتقلنا إلى المعاني فالأمر فيها أصعب. فكلنا يعشق، وكلنا لذّه الوصلُ وآله الهجر، وكلنا أضناه العشق، ولكن ما هو العشق؟ لا ندري. بل ما الحرية؟ ما الجمال؟ ما الأمل؟ ما العدل؟ ما الشجاعة؟ ما الخير؟ ما الشر؟ أشياء نتحسس معانيها ولا نعرف كنهها.
ولم يتقدم العالم كثيرًا من ناحية استكشاف الحقائق، وإنما كان أكثر تقدمه من ناحية استكشاف الخصائص؛ وبعبارة أخرى لم يتقدم من ناحيته العلمية البحتة، وإنما تقدم من ناحيته الفنية، فقد عرفنا فن استخدام البخار، وإن لم نعرف حقيقته، وعرفنا فن الحياة، وإن لم نعرف الحياة نفسها، وعرفنا فن العشق، وإن لم نعرف ماهية العشق، وتفننا في نُظُم الحرية واستخدمناها في حياتنا السياسية والاجتماعية، وإن لم نعلم كُنه الحرية؛ وهكذا في كل شئون الحياة، نجح الفن وفشل العلم، وأمّل الفنان ويئس العالم أو كاد؛ وبعبارة أدق: إن الإنسان تقدم تقدمًا كبيرًا في الإجابة عن «كيف»، ولكنه لم يتقدم تقدمًا كبيرًا في الإجابة عن «ما».
•••

وهنا يحق لنا أن نتساءل: لِمَ وُضع الإنسان في هذا العالم هذا الوضع؟ وأحيط بألغاز عجز عن حلها؟ فهو يعرف ظاهرة المادة فإن تعمق قليلًا ليعرف كنهها أدركته الحيرة؛ وفيما وراء المادة من إلهيات ونحوها هو أشد حيرة، حتى لقد زعم بعضهم أن «الله» في اللغة العربية من: أَلَه يأْلُه، إذا تحير (لأن العقول تأله في عظمته).
الحق أن هذا الغموض في العالم مصدر كبير من مصادر اللذة للعقول الكبيرة، وأن حياة العلماء كانت تكون تافهة، لولا هذا الغموض والإلغاز — وموقف العالِم من ألغاز العالَم موقف الماهر في الشِّطْرَنج، ألذ ألعابه أصعبها حلًّا، وكالرياضي الحاذق لا يستلذ المسائل السهلة والنظريات البسيطة، إنما يستلذ أصعب التمارين حلًّا وأشدها تعقدًا، وهو في هذا ينسى نفسه، وينسى كل شيء حوله، ولا يعدل بلذته في حل الصعاب أي لذة أخرى.
العالم مجموعات من الغوامض تتطلب الحل، وإن شئت فقل: إنه رواية على شريط السينما ليست ناطقة ولا هي مفهومة الصور كل الفهم، ومنذ خلق الإنسان والعالم يتوارد عليه شخصيات كبيرة مختلفة الألوان: من أنبياء يعلّمون ما أوحي إليهم، وشعراء يتغنون بجمال الطبيعة، وعلماء يدرسون ويحللون ويستنتجون، وفلاسفة يتعمقون ويقلبون البحث على كل وجوهه الممكنة وغير الممكنة، ومتصوفة أدركوا فشل المنطق والعلم في معرفة حقائق الكون، فذهبوا ينشدون المعرفة من طريق الذوق والإلهام. وكل هؤلاء وهؤلاء قدموا للناس معارف صحيحة وقضايا أصبحت لا تحتمل الشك، ولكن حقائق الكون كلها بقيت مجهولة لدينا تتطلب الحل، وقد فسرت بعض صور الرواية؛ ولكن جوهر الرواية ومغزاها وسرها ظل غامضًا لدينا.
ومع هذا الغموض وهذه الحيرة يجب أن نتساءل: هل هذا العالم بني على أساس منطقي في تكوينه وفي تصرفاته، أو هو خابط خبط عشواء، يسير لا إلى غاية ويتجه في الأمر الواحد يمينًا أحيانًا ويسارًا أحيانًا من غير قانون؟ وهل الصورة التي يعرضها على شريط السينما تدل حوادثها على أن لها مغزى ترمي إليه، ويدل ما فهم منها إلى الآن على أنها منطقية في ترتيبها وإن لم تفهم كلها، أو هي مجموعة مفارقات لا تربط أجزاءها رابطة، وينقص آخرها ما أبرم أولها؟ وهل العالم مدرسة تتعلم فيها الحكمة، أو هو حجرة لألعاب الأطفال، أو مسرح تمثل فيه ألعاب نيرَنْجية وشعوذة وحركات بهلوانية؟ وهل العالم مسألة هندسية معقدة، بنيت على نظريات صحيحة يصعب علينا حلها، ولكن ظاهرها يدل على أنها معقولة ممكنة الحل، أو هو مسألة هندسية لم تبن على أساس صحيح ولا على منطق مرتب، وإنما هي مسألة اخترعت من هنا ومن هناك وقَصد واضعها حيرة من حاول حلها ثم لا حل لها؟
الحق أنه يتوقف على الإجابة عن هذه الأسئلة سيرنا العلمي واتجاهنا العقلي؛ فإن كانت مظاهر الحياة كلها مفارقات وأحداثًا مفاجئة غير خاضعة لقانون، كان البحث العلمي ضربًا من العبث، وكان كل قصاراه، أن يسجل ما حدث. أما إذا كانت مظاهر الحياة عبارة عن قوانين حكيمة تسلم مقدماتها إلى نتائجها كان البحث العلمي ممكنًا ومعقولًا ومدرسة للحكمة.
وقد دلتنا الدلائل كلها على أن العالم خاضع للمنطق، وأن له غرضًا يسير إليه وليس يسير حسبما اتفق، وأنه محكوم بقوانين ثابته لا تتغير، وأن كل مظاهره خاضعة لقانون العلة والمعلول، والسبب والنتيجة؛ فلمس النار يحرق دائمًا، والحرارة تمدد الأجسام دائمًا، والحب يستتبع سعادة دائمًا، والكره يستلزم شقاءً دائمًا.
ولكن بعض هذه القوانين واضحة ظاهرة لا تحتاج في فهمها إلا إلى التفاتة بسيطة ساذجة، وبعضها معقد كل التعقيد غامض كل الغموض، حتى ليظهر لنا من شدة غموضه وكثرة تعقده أنه لا يمكن حله؛ وبين هذا وذاك درجات في الغموض لا عداد لها. ومع هذا كله لو قارنا بين الإنسان الأول ومعارفه عن العالَم، والإنسان الآن ومعارفه عن العالم، وجدنا الفرق واضحًا جليًّا، ووجدناه قد وصل في بحثه إلى نتيجة هي أقوم مما حصله من العلم، وهي أن العالم وإن كان أكثره مجهولًا إلا إنه يخضع لقوانين ثابتة، بعضها قد علم وبعضها لم يعلم، وما لم يعلم تدلنا إشارته وإيماءاته على أنه قد يُعْلَم يومًا ما. وهب أنه لا يمكن أن يعلم إلا بعضه وأن هناك دائرة من العلم لا يستطيع الإنسان اجتيازها، وأن عقل الإنسان بتركيبه الحالي لم يسلح التسلح الكافي ليغزو هذه الدائرة، وإنما منح أسلحة يستطيع أن يستعملها في بعض الدوائر دون بعض، فحياة الكفاح العلمي التي يحياها العلماء هي ألذ حياة عرفت، بل لا أظن أن حياة العلماء تكون سعيدة لو أن كل شيء انكشف لهم من غير بحث ومن غير عناء؛ فالقليل ينال بعد التعب خير من كثير ينال من غير نصب. وما ألذ منظر العالم أو الفيلسوف يحار ثم يحار، ويدور حول الشيء ويدور، ويتجه يمينًا فلا يفلح، ثم يتجه يسارًا فلا يفلح حتى يُعمَّى عليه الأمر، ثم يبدأ في البحث مرة أخرى لا يكل ولا يمل، وأخيرًا يدرك منه الشيء القليل فيغتبط به الاغتباط العظيم، ويرى أن الدنيا بحذافيرها ولذاتها وسعادتها لا تساوي شيئًا بجانب ما ناله من المعرفة ولو بالشيء القليل بعد الجهد. ولو خُيّر بين مُتَع الحياة كلها وبين عنائه في بحثه ومشقته في درسه ما فضل على بحثه ودرسه شيئًا.
قد يقول قوم: إن هذا النظام نظام أَخْرَق، فقد خلق العالم لغزًا، وخلق عقل الإنسان بحيث لا يستطيع حل اللغز، وقد كان المعقول أحد أمرين: إما أن يخلق العالم أبسط من هذا أو يخلق العقل أكبر من هذا، أما أن يغمض العالم كل هذا الغموض ويقصر العقل كل هذا القصور فليس من المعقول! ولكني لا أرى هذا الرأي، فقد كان يكون هذا القول معقولًا لو أن طبيعة العالم وطبيعة العقل لا تلتقيان، أما وقد التقتا وأمكن للعقل أن يمس العالم ويحل بعض ألغازه ويوسع كل يوم دائرة المعلوم ويقلل من دائرة المجهول فلا محل لهذا القول. وإذا وضع مهندس مسألة صعبة الحل ولكنها منطقية وحار الطلبة في حلها فلا يلام المهندس إلا إذا آخذ الطلبة إن قصروا؛ أما إن وضعها لمجرد اختبارهم ولم يؤاخذهم على تقصيرهم إن تبين له عجز في كفايتهم فلا لوم عليه. على أن هذا الاعتراض قد يكون فيه شيء من الوجاهة إن قلنا: إن العالم خلق ليحله عقل الإنسان، فكان العالم معقدًا أكثر مما يلزم. والعقل قاصرًا أكثر مما يلزم؛ أما إذا كان العالم قد خلق لشيء آخر غير أن الإنسان يحله، بل العالم ومنه عقل الإنسان خلق لحكمة وراء ذلك، أصبح الاعتراض في ذاته سخيفًا.
وبعد، فإذا كان الإنسان يرى لذاته في هذا الغموض ومحاولة الحل والنجاح أحيانًا والفشل أحيانًا، فخير له أن يتمتع بهذه اللذة القوية الواضحة في هذا الجو الغامض!

فى رأْسِ البر


يعجبني في رأس البر بساطة العيش والقرب من الديمقراطية؛ يعيش الناس — كما كان يعيش آباؤهم الأولون — في أكواخ من الحُصُر، لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم، وغنيهم وفقيرهم، ويلبسون لباسًا ساذجًا، قريب الشبه بما كان يلبس آباؤهم، ويسبحون في البحر عراه، ويمشون على البر حُفاه؛ ملُّوا المدنية وزخارفها، والحضارة وبهرجها، وهربوا من المدن وضوضائها، والأرستقراطية وأوضاعها وتقاليدها وتعقيداتها، وارتموا في أحضان الطبيعة، فأفسحت لهم صدرها ينزلون إلى البحر فينفضون عنهم هموم الحياة، وينبطحون على الرمل، ويذكرون قوله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى?.
ليس فيها قصور شامخة بجانب أكواخ وضيعة، وليس فيها ثريات كهربائية بجانب أضواء زيتية أو غازية، ولا ملابس أنيقة بجانب أثواب مهلهلة؛ يصعب عليك التمييز فيها بين الغني والفقير، والعالم والجاهل، إلا في الآنسات والسيدات، فهن يأبين إلا الظهور، والتمسك بالفروق، وإلا في أمثالهن ممن حليتهن لباسهم، وقيمتهم مظهرهم.
خلف فيها الناس وراءهم المخترعات الحديثة بجلبتها ورذائلها؛ فلا سيارات تصم الآذان بأبواقها، وتأنف الأنوف من روائحها، وتربك السائرين لسرعتها وكثرتها واضطراب حركاتها؛ ولا «تليفون» يرن في الهجير وفي منتصف الليل، فيوقظك من نومك الهادىء، ويحمِّلك رجاءَ تنوء بحمله، أو يصلك بثقيل ينغص عليك الحياة بحديثه؛ ولا «راديو» يسمعك اللطيف والسخيف، ويأبى عليك النوم أحوج ما تكون إليه، وأشد ما تكون الرغبة فيه؛ لأن جيرانك يأبون إلا أن ينتفعوا به كاملًا من بدء يمين — شمال، إلى سلام الختام؟
•••

حياة حرة طليقة، وجو مفتوح، وهواء جديد دائمًا، لم تفسده الحضارة بدخانها وغازاتها، ولم تحبسه الأبنية الشامخة، ولم تحجزه الحيطان الأربعة؛ تتجدد النفس بتجدده، وتمتلىء نشاطًا من نشاطه؛ يغذي كل خلية غذاءً حلوًا طيبًا، ويخلع على الجسم لونًا نجاشيًّا ظريفًا، وينعش العواطف والروح، فهي قوية حادة، شديدة التنبه، شديدة الإحساس؛ حتى عاطفة الدين، فهي أقوى ما تكون، وأطهرها ما تكون، وأصفى ما تكون، حينما تتجلى الطبيعة في ثوبها النظري الجميل، في السماء والماء والمزارع والحقول؛ فليس الإلحاد والزندقة، والتعصب الذميم، وضيق النظر، إلا وليد الحضارة المعقدة، والجو الخانق، والفكر الراكد، ودوران الفكر حول نفسه لا حول الطبيعة.
في جو المدن لا يشعر الإنسان بالسماء إلا عند المطر، ولا بجمال الشمس، ولا جمال القمر؛ ولا يلمس الطبيعة إلا إذا ساءت من شدة الحر أو شدة البرد! كل ما حوله من جمال جمالٌ صناعي؛ قد استغنى بجمال طاقات الزهور عن الزهور في منابتها، وجمال الطبيعة، وجمال الخلقة؛ وهيهات أن يتساوى منتحَل وغير منتحَل، فليس التكحل في العينين كالكحل!
إنما يشعر الإنسان بجمال الطبيعة يوم يخرج من المدينة إلى الريف ويَفر من الحضر إلى البدو، فينكشف له الخَلْق بجماله القشيب، وتأخذ بلبه السماء في لا نهائيتها، والبحار في أبديتها؛ ويشعر شعورًا قويًّا بأنه ذرة من ذرات العالم، وجزء صغير من أجزائه، ضعيف بنفسه، قوي بكله، وأنه لا شيء يوم ينفصل عنه، وأنه نغمة من نغماته يوم يتصل به.
•••

لوددت أني خلعت نفسي في المدينة يوم فارقتها، فقد سئمتُ نفسي وسئمتني ومللتها وملتني، وتمنيت أن تكون النفس كالثوب تخلعه حينًا، وتلبسه حينًا، ويبلى فتجدده، وتكرهه فتغيره؛ إذا لاستبدلت بنفسي — ولو إلى حين — نفسًا مرحة، تستغرق في الضحك من الشيء التافه، ومن لا شيء، ولا تبكي على ما فات، ولا تحمل همًّا لما هو آت.
بل لتمنيت أن اكون كدودة القز تكون دودة حينًا، ثم تكون فراشة حينًا، أرشف من هذه الزهرة رشفة، ومن هذه رشفة، وأنشر جناحي في الشمس، أعيش في جمال وأغيب في جمال، كما تغيب الشمس الجميلة في الشفق الجميل، أو كما تفنى النغمة الحلوة في رنات الآلات، أو كما تنداح الابتسامة العذبة في الوجه الصبوح، أو كما تندمج الموجة العظيمة في البحر العظيم! ولكن أنَّى لي هذا؟ ولو كان لشكوت وبكيت، فأنا كما خُلق المتنبي:
خلقتُ ألوفًا لو رجعت إلى الصِّبىلفارقتُ شيبي موجَع القلب باكيا •••

وخرجت مبكرًا والناس نيام، أمشي على الشاطئ، وأرقب الشمس في طلوعها؛ والشمس على الساحل أجمل من الشمس على غيره، فليس لها تلك القوة العاتية، ولا الحرارة القاسية، ولا الأضواء المعشية؛ فيها شيء من الوداعة واللطف والحنان!
ها هي ذي قد طلعت، فأخذت الحياة تدب في النفوس، تلقي أشعتها على البحر فينعقد منه سحاب فمطر فأنهار، فجميع ما لذلك من أعمال باهرة، وقوى ساحرة، وأفعال عجيبة؟ أنظر يمينًا فأرى النيل، وأنظر يسارًا فأرى البحر وقد عاد النيل إلى البحر بعد أن أتم دورته، وأدى مهمته؛ قد خرج هذا العذب الفرات من هذا الملح الأجاج، كما يخرج اللبن من بين الفَرْث والدم. قد سلسلوا النيل فعدا عليه البحر فاغتصب مجراه، وأملح ماءه، ثم فكوا قيوده فاسترد حقوقه، وأراد أن ينتقم من أبيه، فحاول أن يحتل شاطئه، ويحلي ماءه، ويعكر صفاءه، ثم ندم على العقوق فتاب وأنام، وإذا هما مؤتلفان، بينهما بَرْزَخٌ لا يَبْغيان.
ثم تسطع الشمس، وودت أن تكون مذكرة في اللغة العربية، كما هي مذكرة فيما أعرف في اللغة الأوربية؛ لأنها تتزوج الأرض فتولدها ما شئت من أشكال وألوان وذكور وإناث، وكأن أشعة الشمس خمر معتقة تشربها الأرض فتنتشي وتبتهج، وتمتلىء قوة ونشاطًا وحركة.
وتقع أشعتها على الطير فيسرح ويمرح ويتغنى، وتحل في قلب الإنسان فيهدأ رَوعُه، ويذهب فزعه ويطمئن إلى حياته، وتتحرك إرادته، وتنتعش آماله.
دعني أتعَرَّ، فالعراء على الساحل مباح، فأملأ جسمي بأشعتها، وأملأ شعوري ودمي بقوتها، وأملأ نفسي بعظمتها وسحرها.
ومشيت إلى قلعة في رأس البر كنت آنس بها قديمًا، وكان في كل حَجَر من أحجارها صفحة من العزة القومية، والحميَّة الوطنية؛ أقامتها الأمة يوم كانت تشعر بنفسها، وتدافع بنفسها عن كيانها، وتحس بتبعاتها، وتدبر شئونها، وتدير أموالها كما يتراءى لها — فرأيتها وقد عدا عليها الزمان، وعلاها البِلى ونقض أحجارها، وليس من يعتز بها فيقيم أنقاضها؛ ورأيت بها «مدفعًا» قد هزأ به الرمل فغطاه، وسخر به الصدأ فعلاه. دفن كما يدفن عزيز أرداه الزمان بسهامه، وذل كما يذل السيد الكريم توالى عليه الدهر بأحداثه! ورأيتهم أقاموا في وسطها صهريجًا يخزن الماء لرأس البر، فقلت: سبحانك ربي، جعلت من مستودع النار ماءً، كما جعلت من الشجر نارًا! لقد كان مكانك رمز القوة فأصبح رمز الرقة، وكان بك جن يقذفون بالنار فبُدِّلت بهم ملائكة يوزعون الرحمة، وكان بك دم يغلي، فأحاله الزمان القاهر زُلالًا باردًا، وما أدري ماذا جاش بنفسي فدمعت عيني!
وقالوا قد جُننت فقلت كلاوربي ما جننتُ وما انتشيتولكني ظُلمتُ فكدت أبكيمن الظُّلم المبّين أو بكيتفإن الماء ماء أبي وجديوبئري ذو حَفَرتُ وذو طَوَيتُ ثم صحوت فقلت: أتندُب كل طلل مررت به، وتبكي كل شيء رأيته، وتحزن في معاهد الفرح، وتنقبض في مغاني المرح؟ من أجل هذا تمنيت — قبلُ — أن أخلع نفسي، ووالله لو أمكنتني الفرصة ثانية ما ترددت، ولسمحت وما حَرَصْت، فقد برمت بها وعجزت عن حملها.
هيا إلى البحر! فهناك الفرح والمرح، وهناك يضحك الناس له ويضحك لهم، ويداعبون أمواجه وتداعبهم، وأحيانًا ينسَون جلاله فيصفعهم! فيه الحياة، وفيه القوة، وفيه العظمة، وفيه أكبر مظهر لطاحون العالم، تطحن دائمًا، وتطحن ناعمًا!

بين الصحفِ والكتبِ


هنالك حرب عَوان بين الصحف والمجلات من ناحية، والكتب من ناحية أخرى. وهذه الحرب لا نراها ولا نشعر بها؛ لأنه ليس لها صليل السيوف ولا دوي القنابل، ولكنها مع صمتها شديدة قوية، يراها المفكر ويرتاع لمنظرها، ويَعْجب من هجومها ودفاعها؛ هي أشبه ما تكون بالحروب الاقتصادية، كالحرب بين السلع اليابانية والسلع الأوربية، وكالحرب بين الثقافة الإنجليزية والثقافة الفرنسية، تغيب عنك في كثير من الأحيان وسائلها، ولكن تبدو — في وضوح تام — نتائجها.
والحرب بين الصحف والكتب تدور على القراء؛ فهم ميادين القتال، وهم المستعمرات التي تحاول كل ناحية أن تشملها بنفوذها، وتبسط عليها سلطانها، وتأخذ صكًّا عليها بالاحتلال، أو كما يعبرون عنه باللغة الحديثة «الانتداب»، وحددت كل طائفة مطالبها واطمأنت إليها.
هناك طائفتان خرجتا من دائرة النزاع، وهما الطائفة المثقفة ثقافة دنيا، والطائفة المثقفة ثقافة عليا؛ فأما الأولى فقد احتلتها الصحف والمجلات وكسبتها كسبًا نهائيًّا؛ وهم بهذا الاحتلال راضون مطمئنون لا يضجون بشكوى ولا يرفعون احتجاجًا، ولا ينادون باستقلال، وقد يئست منهم الكتب وأخرجتهم من منطقة نفوذها، واعترفت بهزيمتها أمامهم هزيمة منكرة؛ هؤلاء هم طبقة العمال ومن في درجتهم، وتلاميذ المدارس الذين لم يتموا دراستهم، والطبقة الغالبة من الآنسات والسيدات المثقفات إلى حد ما. وأما الطائفة الأخرى وأعني بها المثقفين ثقافة عُليا، فلا غنى لهم عن الكتب؛ لأنهم يرونها غذاءهم الدسم وعمادهم في حياتهم الفكرية، وهي التي تحقق مطالبهم، وتحاول أن تحل لهم ما يعرض لهم من مشكلات عقلية؛ وهؤلاء أمثال رجال الجامعات والقضاة والفلاسفة والأدباء والعلماء ومن يتصل بهم ومن ينهج منهجهم، ويعد نفسه للوصول إلى درجتهم؛ وهم يقرأون الصحف لأخبارها والمجلات لطرافتها، واعتمادهم الحقيقي في علمهم وأدبهم على الكتب غالبًا.
وبين هاتين الطبقتين طبقات لا عداد لها هي محل الحرب بين الصحف والكتب، وهي موطن النزاع، وهي الغرض الذي يرمي إليه كلٌّ للاستيلاء عليه؛ والحرب على هذه الطوائف سجال، يومًا تنتصر المجلات والصحف فتشعر الكتب بالفشل، ولكن سرعان ما تتخذ التدابير للهجوم، ويومًا تنتصر فيه الكتب فتشعر الصحف بلذعة الهزيمة ثم تستعد للوثبة، وهكذا دواليك.
ولكل جبهة من هذين المعسكرين وسائل للقتال وآلات للحرب، تقوم لها مقام الطيارات والغواصات والدبابات والغازات الخانقة في الحروب البدنية. وأنا أسوق لك طَرَفا قليلًا من هذه الوسائل: فالصحف أخذت من جانبها تُعد صفحات فيها لأنواع الثقافة المختلفة: فصحيفة للأدب، وصحيفة للعلم، وثالثة للاقتصاد، ورابعة للقانون، وخامسة للفن وهكذا، تريد بذلك أن تغني القراء عن الكتب، وتملأ شهوتهم للمطالعة والقراءة، ثم هي تجذب إليها أعلام الكتاب والأدباء والعلماء، وتطلب إليهم أن يوافوها بفصول من علمهم وأدبهم حتى يقبل القراء على صحفهم، ويرووا لذائذهم من قادتهم فلا يحتاجوا بعدها إلى الكتب؛ ثم هم يثيرون النزاع بين الكتّاب في مسائل هامة، ويوقدون النيران ليزيدوا الحرب اشتعالًا؛ وهي كلما اشتدت نيرانها كثر قراؤها، وانقسموا قسمين أو أقسامًا، وتشيعوا شيعًا، فهذا مؤيد وهذا مفند، والخسران في كل ذلك على الكتب.
والمجلات من جانبها تحارب الكتب بشتى الوسائل؛ فأحيانًا تستغل شهوة الجمهور بالكتابة في النواحي الحساسة فيهم، فنقدم لهم ما يشتهون، وتعلمهم منها ما يجهلون، وأحيانًا تسلك سبيلًا أشرف من هذا، فترفع مستواها وتصل إلى حد الكتب في بحثها أو خير منها، وتقدم لقرائها صورًا جذابة، وخرائط مبينة، فتستهوي القراء، وتجذبهم إلى مطالعتها، ويجدون فيها من التنوع والتعرض لشتى الموضوعات ما لا يجدونه في كتاب؛ وأحيانًا ترقى إلى أكثر من ذلك كالذي نجده في الغرب من مجلات دورية للجغرافيا وللتاريخ وللطبيعة وللكيمياء وللأخلاق والاجتماع وهكذا؛ يعكف على الكتابة فيها خاصة الخاصة، ويفخر العالِم بأن المجلة قبلت مقالته فنشرتها، ويجد فيها القارىء أرقى ما وصل إليه العلم من نظريات ومكتشفات، فهي من هذه الناحية سمت على أكتاف الكتب وحلقت فوقها.
هذا قليل من كثير من حرب الصحف والمجلات للكتب. وأما حرب الكتب لها فأكبر مظهر لذلك ما نراه سائدًا في عصرنا من محاولة المؤلفين الوضوح والإبانة ليصلوا بمعلوماتهم إلى أكثر الأوساط وأقلها ثقافة، واحتيالهم في أساليب الكتابة حتى يتعرضوا إلى أعقد المسائل وأعوص المشكلات، فيعرضوها في شكل لذيذ جذاب، فتشعر كأنك تقرأ قصة أو تستمتع برواية، ثم هم يُشوِّقون القارىء بشتى الأشكال فيسمون الكتاب «قصة الفلسفة» أو يسمون كتب التاريخ «قصة الأمم» ونحو ذلك؛ ثم يودعون الكتب من الصور الملونة للمناظر العامة والأشخاص وعظماء الناس ما يسهّل عليك دفع الثمن واقتناء الكتاب، وهم من حين لآخر يهاجمون المجلات بإخراج الكتب على شكل مجلات دورية، فيخرجون «دائرة معارف الأطفال» عددًا في كل خمسة عشرة يومًا، ويستمرون في ذلك سنوات، حتى إذا فرغوا من ذلك عجبت أن أصبح لديك كتاب ضخم في عشرة مجلدات أخذته بشكل مجلة؛ فإذا انتهوا من ذلك عَمَدوا إلى كتاب آخر عنوانه «خلاصة العقائد الحديثة» ومن هذا القبيل كثير.
وبعد: فأي ذلك خير للأمم؟ أن تنتصر في هذه الحرب الصحف والمجلات أم تنتصر الكتب؟ وماذا أفادت هذه الحرب؟
الحق أننا استفدنا كثيرًا من هذا النزاع، وتحققت به الرغبات المختلفة، فإن صعبت قراءة الكتب في أوقات الرياضة وحين الانتقال من مكان إلى مكان، في الترام أو القطار أو البواخر، فالمجلات والصحف أوفى بتحقيق هذا الغرض، يسيرٌ ثمنها، سهل حملها، خفيفة موضوعاتها.
وإن صدعتنا الكتب أحيانًا بما فيها من ثرثرة ومن صفحات لا قيمة لها، ليست إلا تمهيدًا سقيمًا لفكرة قد تكون سقيمة، فقد نجد في المجلات المحترمة عصارة مركزة لأفكار قيمة هي خلاصة لشيء كثير ركزت في قول وجيز.
وإن أفرطت الكتب في الالتفات إلى الوراء بالبحث عما قبل التاريخ وما بعد التاريخ وثورات الأمم، وحروب الأعداء، وسيرة الملوك والخلفاء والأمراء، فالصحف كفيلة أن تلفتنا كثيرًا إلى الحاضر، وتضع يدنا على الواقع، وتقفنا على العالم الذي نعيش فيه، وتعرض علينا مشكلاتنا الحاضرة. وما عملته عقول المفكرين الأحياء في حلها.
وإن غلت الكتب في أكثر الأحيان في عرض النظريات العلمية والأدبية في شكل جاف وأسلوب بغيض، فالصحف والمجلات تأخذ على عاتقها أن تصوغ ذلك كله صياغة أدبية فيها كثير من الخيال الشعري، وفيها كثير من لباقة الأدب وطرافته.
ولئن كانت الكتب أرستقراطية في جميع نواحيها، أرستقراطية في ثمنها، أرستقراطية في معلوماتها وموضوعاتها، أرستقراطية في قرائها، فالصحف والمجلات ديمقراطية في كل ذلك. ومن أجل هذا انتشرت الصحف والمجلات، وانتصرت في عهد الديمقراطية، وكانت الكتب في أَوْجها وعزها في عصر الأرستقراطية.
ولكن من الحق أن نحتفظ بأرستقراطية الكتب وأرستقراطية العقول التي تتطلبها، فهؤلاء الديمقراطيون الذين يقرأون، وهذه الصحف والمجلات الديمقراطية تعيش وتنتشر وتتغذى بهؤلاء الأرستقراطيين الذين عاشوا على الكتب وأنتجتهم الكتب.
في الصحف والمجلات عيوب لا تصلحها إلا الكتب، ذلك أن الصحف والمجلات بحكم ديمقراطيتها وملابستها للجمهور ومراعاتها أكبرَ عدد ممكن من المثقفين، تضطر إلى تخفيف ما يتقطر من المعلومات إلى الشعب، فهي إن صلحت غذاءً للعقول البسيطة والعقول المثقفة ثقافةً واسعة غير عميقة، فلا تكفي وحدها للعقول القوية والعقول الشرهة والعقول التي تحترف هضم الأفكار وتتطلب دائمًا أفكارًا جديدة وأفكارًا عميقة، وتتطلب أن تلم بالشيء من جميع نواحيه، وبالنظريات في أطوارها المختلفة، وهي لا تجد ذلك إلا في الكتب.
خير للأمم أن تظل هذه الحرب قائمة أبدًا، وأن يكون النصر سجالًا أبدًا، وألا ينتصر أحدهما انتصارًا يبيد الآخر؛ فذلك أدعى أن يدخل أرباب الصحف والمجلات التحسينات على صحفهم ومجلاتهم دائمًا، وأن يتملق مؤلفو الكتب العقولَ بوضع مؤلفاتهم في شكل سائغ وأسلوب مقبول.

إلى أخي الزيات?


سعيت أمس لعزائك، في «رجائي» و«رجائك»، فرأيتك واجمًا ساهمًا، والهًا مدُلَّها، فانعقد لساني، وتخلف ذهني، وفاض دمعي.
وكيف أستطيع عزاءك وما استطعت أن أعزي نفسي؛ أو كيف أستطيع أن أخفف ما بك وما استطعت أن أخفف حزني؟
رأيت بك كمدًا باطنًا، وحزنًا مكتمنًا، فعلمت أنك تتجرع غصص الهم، وتختزن برَحاء الكرب، فتمنيت أن تخفف عنك بصرخة، وتنفس عن نفسك بدمعة، ولكن عز الصبر وعز الدمع، فما هي إلا زفرات تذيب لفائف القلوب وتنفطر لها المراثر.
وا رحمتاه لك! لقد كان «رجاء» قبلة رجائك، ومعقد آمالك، وحديث أحلامك، وملء سمعك وبصرك، تَشَوّفْته حياتك، وترقبته مطلع شبابك، حتى جاد به الزمان البخيل، فربطت أسبابك بأسبابه، وتطقت بأهدابه، فلما شِمْت مخايله، ورقبت منه النُّجح، عدا عليه الدهر الذي لا يرعى ميثاقًا، ولا يثبت على عهد، فأخلف ظلك، ونقض أملك، فإذا الدنيا أضْغاث أحلام، ووساوس أطماع.
ولكن يا أخي — ما الجزع مما لا بد منه، وما الهلع مما قدر، ومثلك من يعرف مقدار الحياة وهونها؟ أفليست إلا مرسحًا تمثل عليه أدوار مختلفة، مرة مهزلة، ومرة مأساة، ونحن في حين ممثلون، وفي حين ناظرون. وليس لنا أن نبالغ في الألم، ونغلو في الجزع؛ فقد كان يكون لذلك وجه من الحق لو ذهب من ذهب أبدًا، وعشنا بعده أبدًا، وإنما الأمر دور يعقب دورًا، ولا حق منا إثر سابق، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأي سعادة نجدها في هذه الحياة حتى نحزن على الراحل، ونبكي على الميت ونود أن لو بقي ليستمتع بها، ويتذوق طيباتها؟ إنما هي سلسلة عناء، وضروب شقاء، تنوعت ألوانها، واتحدت حقيقتها. ولو أنصفنا لغبطنا من مات، وأشفقنا على من بقي، ومن مات في صباه فقد اختصر الحياة واختصر همومها وأحزانها، ووفر على نفسه عبثًا ثقيلًا ينتهي مختصره بما ينتهي به مطوَّله، وخير للزهرة أن تذهب وهي ناضرة تعجب الناس، من أن تذهب، وهي ذابلة يعافها الناس.
فخذ الحياة كما هي، ليل ينقضي في إثر ليل، وقوم في إثر قوم، وحادث يستذرف الدمع، يعقبه حادث يخفف الهم، وقل كما قالت الخنساء:
فلولا كثرة الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسيوما يبكون مثل أخي ولكنْأُعَزِّي النفس عنه بالتأسي وليس الوفاء للميت بالإفراط في الحزن، والإمعان في البكاء، إنما الوفاء بمقابلة دواعي الحزن بدواعي الصبر. وليست الحكمة في إضعاف الحي من أجل الميت، إنما هي في إحياء الحي من أجل الحي والميت.
وقد أخطأ الناس فغلوا في استفظاع الموت والاحتفاء به، وهولوا في الاستكثار من مظاهره؛ ولو عقلوا لقابلوا كما يقابل كل قانون طبيعي في هذا العالم، زهرة تنضر وتبذل، وشمس تطلع وتغرب، ونجم يتألق ويأفل، وسماء تصحو وتغيم؛ ولو عقلوا أيضًا لرددوا هذا المعنى في نفوسهم، واطمأنت له عقولهم، فإذا كان فهو ما تخيلوه، وإذا حدث فهو ما توقعوه، وإذًا لخف الألم وانقطع الجزع.
أي أخي — ليكن ما أراده الله، ولنلوّن حياتنا بلون من ألوان التصوف، رضاءً بالقدر، واستخفاف بالعالم وما فيه، وطمأنينة إلى قوانينه، وإيمان بعظمة الله وسلطانه، والتجاء إليه أن يتولاك برحمته ويظلك بإحسانه.
أي أخي — لقد أصبحت منسرِق القوة، ضعيف البنية، مُرْهف الحس، رقيق الصحة. ولئن كان الانتحار جريمة لا تغتفر، وبأسًا لا يرضاه الله، فليس هو — فحسب — في إطلاق عيار ناري، أو إلقاء النفس في اليم، أو ما عهدت من ضروب إزهاق الروح؛ ولكن من ضروبه أيضًا الاستسلام للحزن، والتسمم بالغم، والاسترسال في أسباب الكرب، فهو انتحار بطيء ولكنه شر من الانتحار العاجل؛ أعيذك بالله منه، وأربأ بنفسك عنه.
فهوّن على نفسك، وإن خاب رجاؤك في «رجاء» فحقق الله أملك في «علاء»، وعش له ولنفسك وللناس.
أحسن الله عزاءك، وأجمل صبرك، وأجزل أجرك.
? احتسب الأستاذ الزيات صاحب (الرسالة) ابنه (رجاء) في مستهل عامه الخامس فكتبت هذه المقالة في عزائه.
إنسانٌ ناجحٌ


صخري الوجه صُلب الجبين، لم يعرف يومًا حمرة الخجل، ولا بُرقع الحياء، لا يتوقى شيئًا، ولا يبالي ما يقول.
إن كان لكل الناس وجه ولون ولسان؛ فلهذا المخلوق أوجه وألسنة وألوان. هو صديقك وعدوك حسب الظروف الخارجية، لا حسب ما يصدر منك، وهو مادحك وذامك حسب ما يدور في المجلس، لا حسب رأيه، وهو عابس لك يومًا باسم يومًا حسب ما يقدر هو أنه في مصلحته، لا حسب ما تستحق أنت منه.
له حاسه زائده عن حواس الناس الخمس هي سر نجاحه؛ ولهذه الحاسة خصائص: فهو يدرك بها أي نوع من الوزارات ستتولى الحكم ليحول نفسه على وفقها، وليتجهم لأعدائها، ويتقرب من أحبابها؛ ويشم بها مواطن المال في كل ظرف، ويرى بها من يجلب له النفع. ويؤقلم وفق ذلك نفسَه، فيتشكل بأشكال في منتهى الظرف والطلاوة، فإذا عدوُّه اللدود بالأمس صديقه الحميم اليوم.
ويعرف بها — في مهارة عجيبة — موضع الضعف من كل إنسان يهمه! فإن كان يعبد النساء حدثه أعذب الحديث في النساء والجمال وحسن الشكل، وبدع المحاسن، وجمال الملامح، واستعرض نساء البلد ونساء الفرنج، وأية حوراءُ العينين، كحلاء الجفون، ساجية الطرف، فاترة اللحظ، وأية أسيلةُ الخد، ممشوقة القد، وأية بيضاء اللون، شقراء الشعر، زرقاء العين، وأية سوداء العين، سمراء اللون، سوداء الشعر، وأية ممتلئة البدن، ضخمة الخَلْقْ، شَبْعَى الوشاح، وأية دقيقة الشبح، نحيلة الظل، مرهفة الجسم؛ وتفنن في ذلك ما شاء أن يتفنن حتى يملك لبه، ويستعبد عقله، فإذا هو طوع بنانه ومستودع أسراره.
وإن كان سكيرًا حدثه الحديث الممتع في الشَّرْب والشراب، والكئوس والأكواب وآداب النديم، وروى له أحسن الشعر في الخمر، وحدثه عما يمزج وما لا يمزج، وخير الخمور ومواردها وتواريخها، وما يلذ صَبوحًا وما يلذ غَبوقًا — وتعرف ما يستحسنه صاحبه فأفرط في مدحه وادعى الإعجاب به، وأنه لا يفضل عليه غيره، وأن ذوقه من ذوقه وشرابه من شرابه ومزاجه من مزاجه، وأسكره من حديثه كما أسكره من كأسه، فإذا هما صديقان وثَّقت بينهما الكاس والطاس. وإن كان شرها في المال حدثه عن الضِّياع ومحاسن الأراضي وكيفية استغلالها، والعمارات وجباياتها، ووازن بين أنواع العقار وكم في المئة يمكن أن تغل، وأعانه في مشكلاته، وبذل له كل أنواع معونته، فوجد فيه صديقه النافع وخليله المواتي.
وهدته حاسَّتهُ هذه أن يعمد إلى عدد من الرءوس الكبار ذوي النفوذ فينصب لهم حبالته، ويوقعهم في شبكته، بما يبذر من حب ذي أشكال وألوان؛ فإذا تم له ذلك خضع له الصغار من تلقاء أنفسهم وطوع إرادتهم، وضرب لهم مثلًا بقضاء حاجات لبعضهم ما كانت لنقضي من غيره؛ فهو مقصد جميِعهم ومحط آمالهم وموضع الرجاء منهم، يعملون كلهم في خدمته على أمل أن ينالوا شيئًا من جاهه؛ فإذا هو سيد على الصغار والكبار، وإذا هو عظيم حيث كان، يقابل بالإجلال والإعظام، ويُتَملَّق من أتباعه وإخوانه، ويحسب حسابه في دائرته وأوسع من دائرته.
إلى جانب هذه الحقائق القليلة قدر كبير من التهويش؛ فهو يزعم أنه في كل ليلة جليس الكبراء والوزراء، كم يتغزلون فيه ويطلبون القرب منه ويأبى عليهم، ويبتعد عنهم؛ وهو لو شاء لكفت إشارة منه لأن يرفع من شاء في أعلى عليين، ويخفض من شاء إلى أسفل سافلين — الوزارات في يده، ومصالح الحكومة في إصبعه، والإنجليز يخشون بأسه، والفرنسيون يقضون مصالحهم على يده، وبريده كل يوم من خارج القطر ينوء السعاه بحمله؛ ثم لا أدري كيف اتصل بالجرائد، فهي تشيد دائمًا بذكره، فإذا تحرك حركة أعلنّها على الناس كما تذاع حركات الملوك، فهو مسافر إلى الإسكندرية، وقادم من الإسكندرية، ومبحر إلى أوروبا، ومتنقل في عواصم البلدان، وعائد إلى مصر بعد أن رفع شأنها، وأعلى مكانها؛ حتى لم يبق إلا أن تخبرنا ماذا أفطر، وكيف أفطر، وفي أي ساعة تناول غداءه، وماذا كانت أصنافه، وهل غفا قليلًا بعد الغداء أو تحدث قليلًا إلى زوجه وأولاده!
وهو يستغل هذا كله في قضاء مصالحه؛ فطلباته ناجزة نافذة، والمستحيل لغيره جائز له، والأموال تكال له كيلًا، والهدايا تنهال عليه انهيالًا؛ وهو مع كل ذلك لا يشبع، كلما نال مطلبًا تفتحت له مطالب، فهو في طلب دائم، ومن بيدهم الأمور في إجابة دائمة، حتى ليوشك — إذ لم يتعود الرفض — أن يطلب النجوم تزين غرفته، والسحاب يمطر في الصيف حديقته، والحر والبرد يتأدبان في حضرته، والشمس تُكْسَف لطلعته.
ومن غريب أمر الناس فيه أنهم يكرهونه من أعماق نفوسهم، ويمقتونه من صميم قلوبهم، ويرون فيه السخافة مركزة، واللوم مجمعًا؛ فإذا لقوه فترحيبٌ وتهليل، وإعظام وملق، يبسطون ألسنتهم فيه بالسوء غائبًا، ويطنبون في مدحه حاضرًا؛ فهو معذور إذ يشعر أن الناس مجمعون على حبه، حتى ليخشى عليهم أن يموتوا به غرامًا أو يُجَنُّوا به هُيامًا. شهدته مرة وقد أتى عملًا شنيعًا حتى كان مضغة الأفواه ومعرة القوم، وظننت أن الناس إن رأوه ازدروه — على الأقل — بعيونهم، وكلموه ببعض شفاههم، واستهانوا بمَقْدمه، وأقل ما يفعلونه ألا يحفلوا به، ولا يأبهوا بمقدمه؛ فما كان أشد عجبي أن رأيتهم — إذ حضر — قد انتفضوا من أماكنهم، وأفسحوا له مجالسهم، وأجلّوا شأنه، وأعظموا قدره، ورفعوا منزلته فوق من يقدرون فضله ويجلون خُلقه.
فهو — حتى في هذا — ينتفع بإعظامهم وإجلالهم، ولا يضره كرههم الذي لا يعدو قلوبهم، فكرههم لأنفسهم، وإعظامهم له؛ وماذا يضره كرهٌ محنقن وخير منه حب مصطنع؟ وماذا يضيره سب صادق في إسرار، وخير منه مدح كاذب في إعلان؟ لا شك أنه في كل ذلك ناجح حتى في الكره والذم.
•••

قال صاحبي: وهل تعد ذلك نجاحًا؟ لو كان النجاح بقضاء المصالح والأغراض والحصول على المال فحسب، لعددنا السارق يجيد السرقة ويفلت من العقوبة ناجحًا، ولعددنا الذي يتاجر بشرفه وعرضه ناجحًا، ولكان أنجح الناس من حصل على المال من أقرب الوجوه، ولو كان من أخسها — إن هذا الذي ذكرت قد كسب المال وخسر الشرف، حَيِيتْ مطامعه ومات ضميره، وخدم من يظنهم كبراء أو عظماء بضعة نفسه وموت حسه، بأي مقياس أخلاقي قسته لم تجده شيئًا، إن قسته بمقياس الفضيلة الباته الحاسمة لم تجده فاضلًا، وإن قسته بمقياس السعادة لم تجده سعيدًا، إنه يتمتع ويأكل كما تأكل الأنعام، فإن كان الحمار أو الخنزير سعيدًا فهذا سعيد؛ وأين منه لذة ذي الضمير الحي ينعم بمواقف الشرف والنبل، ويلذها لذة لا يعدلهما ما ذكرت من مال وجاه؟ إن الرجل الفاضل سعيد حتى في آلامه؛ لأنها آلام لذيذة خصبة، هي كالنار تنضج النفس ولا تحرقها؛ أما لذة صاحبك فسم في دسم، ونار تحرق ولا تنضج وبعد قليل من حياته يفقد حتى لذة المال والجاه، وتصبح لذتهما كلذة من يتناول الحلوى صباح مساء تتهوَّع نفسه وتتقبض شهيته؛ فإن اللذة الباقية الدائمة هي لذة الروح لا الجسم، ومن عجيب أمر الروح أن لذتها لذة صافية وألمها ألم مشوب بلذة؛ ثم لذة هذا المخلوق لذة مشروطة بشروط: فهو يعتقد أن لذته مرتبطة ببقاء صاحبه في الوزارة، وصديقه في الوكالة، وحميمه في منصبه؛ لأن قيمته مستمدة من ذلك كله وليست مستمدة من نفسه، إذ ليست له قيمة ذاتية؛ ونجاح مثل هذا في أمة عنوان فشلها وسوء تقديرها، وضعف الرأي العام فيها؛ وهو مثل سيىء يشجع البذور السيئة على النماء والبذور الصالحة على الخفاء. قد يكون هذا المثال في كل أمة، ولكنه في الأمة الصالحة نادر، ويحتاج في نجاحه إلى كثير من الطلاء حتى يخدع الناس ويوهمهم بصلاحه؛ أما أن يجرؤ ويظهر بمظهره الحقيقي ثم ينجح فذلك فساد الأمة وسبة الدهر.
قلت: ربما كان ما تقول صحيحًا فدعني أفكر.

امتيازاتٌ من نوع آخر


هل لاحظت أنك إذا استعرضت مقاهي مصر وفنادقها، رأيت أن أعظمها بناءً، وأحسنها نظامًا، وأغناها رُوّادًا، وأجملها موقعًا، وأشدها إتقانًا للخدمة، وأكثرها تفننًا في إدخال الراحة والسرور على زوارها، وأمهرها في استدرار مال الجمهور عن رضى واختيار، إنما هي لسادتنا الأجانب؟
وأن أحقرها مكانًا — وأفقرها سكانًا، وشرها موقعًا، وأسوأها خدمة، وأرخصها سعرًا وأكثرها تفننا في إقلاق راحة زوارها، لا يغشاها إلا من هزل جيبه، أو فسد ذوقه، أو اضطرته حاجة ملحة، أو ضحَّى براحته ولذته وسعادته لفكرته الوطنية، ونزعته القومية، إنما هي لإخواننا المصريين؟
ثم هل لاحظت أن المقاهي والفنادق الأرستقراطية، وما يشبهها وما يقرب منها، صاحبها أجنبي، ومديرها أجنبي، والمشرف على ماليتها أجنبي، والذي يقدم إليك الخدمات الرفيعة أجنبي، ومن يقبض ثمن ما قدم، ويأخذ منك «البقشيش» أجنبي، ثم من يمسح الأرض مصري، ومن يتولى أحقر الأعمال مصري، ومن يمسح لك حذاءك في المقهى أو الفندق مصري، ومن يجمع أعقاب السجاير مصري؛ وأن الأجنبي له الخيار في الأعمال فما استنظفه عمله بنفسه، وما استقذره كلف به مصريًّا؛ ثم أنت لا تجد العكس أبدًا في المقاهي المصرية والفنادق المصرية، فلا تجد رئيسًا مصريًّا ومرءوسًا أجنبيًّا، ولا تجد الأعمال الرفيعة لمصري، والأعمال الوطنية لأجنبي؛ وإذا كان لكل قاعدة استثناء كما يقولون، فقد ظفرنا في هذه الحال بقاعدة لا استثناء فيها؟
•••

وهل تتبعت الصناعات في مصر، فرأيت أن كل صناعة رأسها أجنبي وقدماها مصريتان؟ فخير ميكانيكي في مصر أجنبي، والحثالة مصريون، وقل مثل ذلك في أعمال الكهرباء والنجارة والحدادة والخياطة، وما شئت من صناعة؛ حتى لقد زاحمونا في مصنوعاتنا الوطنية، ونشأت فرقة من الأجانب تجيد عمل «الطعمية» و«الفول المدمس» وبزت فيهما المصريين، وأصبحت الطبقة المصرية الأرستقراطية تشتهيهما من يد الأجنبي أيضًا، وتفضل ما يصنعه على منتجات «أبي ظريفة» و«الحلوجي» ومن إليهما؟
فالصناعات في مصر — على العموم — تتخذ شكل هرم، قاعدته التي تلامس الأرض للمصريين، وقمته التي تناطح السحاب للأجانب.
•••

وهل بلغك أن في بورسعيد — المدينة المصرية — حيين، يسمى أحدهما «حي الفرنج»، ويسمى الآخر «حي العرب»؟ فأما البناء الجميل، والنظافة والأناقة والعناية بالوسائل الصحية، ومظهر الغنى والنعمة، ومظهر المدنية والحضارة، فلحي الفرنج. وأما مظهر الفوضى والإهمال والبؤس والفقر وسوء الحالة الصحية ومأوى الفقراء ومسكن التواضع والرضا بما قسم الله فلحي العرب؟
وهل سمعت أيضًا أن «مصر الجديدة» — وهي ضاحية من ضواحي القاهرة — يسكنها كثير من الأجانب فينعمون بشوارعها الفسيحة، وبيوتها الضخمة الأنيقة؛ ثم في ركن متواضع من أركانها ناحية تسميها الشركة «عزبة المسلمين» فيها كل ما لا يخطر على البال من تكدس السكان في حجرة واحدة، ومن إهمال ومن أمراض، ومن فقر وبؤس، يفر منها من يسكنون بجوارها هربًا بأنفسهم وبصحتهم، وهربًا بعيونهم عن مناظر القبح، وبآذانهم عن ألفاظ الهجر، وبأنوفهم عن كربة الريح؟
أوليس مما يثير عجبك، ويبعث دَهَشك، أن كلمة «الأحياء الوطنية» في مصر تحمل من المعاني كل أنواع السوء والفوضى والإهمال، وكان يجب أن تحمل كل معاني العناية والنظافة والنظام؟
•••

ثم هل رأيت الأجنبي في وسط الفلاحين في العزبة، هو وحده النظيف في ملبسه ومسكنه ومأكله، وهو الذي له عقل يدبر ماله ويعرف كيف يستغله، وهم المغفلون الذين لا يعرفون كيف يحسبون دخلهم وخرْجهم، ولا يعرفون حساب أموالهم، ولا يعرفون كيف يديرون شئون حياتهم، فخضع هذا وهؤلاء لقانون الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح؟
•••

ثم هل علمت أن هناك امتيازات أخرى بجانب هذه الامتيازات المادية، هي امتيازات عقلية أو نفسية؟
فإن غلبة الأجنبي في الصراع بينه وبين المصري في مرافق الحياة المادية أوجدت حالة نفسية شرًّا من الحالة المادية، مظهرها قلة وثوق المصري بنفسه وقوة وثوقه بالأجنبي. فإذا تعسرت حالة مرَضية اتجه أهل المريض إلى الطبيب الأجنبي، وإذا أراد رب مال أن ينجح في إدارته قصد إلى مدير أجنبي، وإذا تعقدت مسألة حكومية أو أهلية اخْتِير لها خبير أجنبي، وإذا اختلف الباحثون في مسألة علمية كان الحكم الفَصْل قول المؤلف الأجنبي، وهكذا في كل شأن من شئون حياتنا؟
واستتبع هذا تقويمنا للأجنبي قيمة غالية، ودخل في التقويم أجنبيته أكثر مما دخل في التقويم فنه أو علمه.
ألم يبلغك الحادث الطريف الذي حدث بالأمس من مدرس ثانوي للغة الفرنسية يتقاضى أمثاله في وزارة المعارف فوق ثلاثين جنيهًا، فكان من سوء حظ هذا المدرس أن تجنس بالجنسية المصرية قبل أن يبت في مرتبه، فلما طبقت عليه القوانين المصرية واللوائح المصرية، كانت نتيجة ذلك أنه لم يمنح إلا اثني عشر جنيهًا؟ أولم يبلغك خبر المصري الذي اخترع بالأمس نوعًا من الآجُرّ فعرضه على الجهات المصرية فخاب أمله، ثم عرضه في إنجلترا فأقرت قيمة اختراعه، ثم تأسست شركة إنجليزية برأس مال إنجليزي لاستغلال هذا المخترع المصري؟
والأمثلة على ذلك كثيرة تحدث كل يوم، فيكاد يكون مغروسًا على أعماق نفوسنا أن القبعة لا توضع على رأس سخيف، وأن الطربوش لا يمكن أن يلف رأس نابغ.
•••

إن كان في مصر دائن ومدين، فالدائن الأجنبي والمدين المصري.
وإن كان في مصر غِنًى وفقر، فالغنى للأجنبي والفقر للمصري.
وإن كان في مصر ذكاء وغباوة، فالذكاء للأجنبي والغباوة للمصري.
وإن كان في مصر نعيم وبؤس، فالنعيم للأجنبي والبؤس للمصري.
•••

هذه الامتيازات في المادة والعقل والنفس شر مما اصطلحنا على تسميته بالامتيازات الأجنبية.
ومن الأسف أنها لا تحل بمؤتمر مثل مؤتمر مونترو، ولا باشتراك الدول ومفاوضتها، ولا بمعاهدة، ولا بقانون.
إن حلها أصعب من ذلك كله.
إنها تحتاج إلى عقول جبارة، وإرادات من نار، وحميَّة لا حدّ لها، ووطنية قوية وثابة.
إنها تحتاج إلى مؤتمرات لا من جنس مؤتمر مونترو، إلى مؤتمر يتكون من فطاحل في التربية، يعرفون كيف فشا فينا مرض العبودية حتى حبب إلينا العمل الدنيء وبغض إلينا العمل الرفيع، فرضينا من المقهى والفندق بمسح البلاط ولَمِّ أعقاب السجاير، ورضينا دائمًا بفتات الموائد، ولم نستطع أن نكوِّن العمل الرفيع ونجلس في صدر المائدة؛ ويعرفون كيف يقضون على أخلاق العبيد من ذل ومكر وخنوع واحتيال ودسائس، ويحلون محلها أخلاق السادة، من عظمة، وصراحة، وحب للعمل، وطلب للمجد، وعشق للصدارة؛ ويعرفون طبيعة المصري وتاريخة وبيئته، وأنواع الأسلحة العلمية والعقلية والخلقية التي يحتاج إليها ليستطيع الكفاح في الحياة والسير مع الأجنبي على قدم المساواة.
فهذا خير ألف مرة من لجان تؤلف وتؤلف لزيادة حصة في الحساب ونقص حصة في الجغرافيا.
ونحتاج لمؤتمر من القادة تكون مهمته العظمى إبادة روح المذلة الفاشية، وبذر روح الغَيرة النادرة، وتعهدها بالتقاليد الجديدة التي ترعاها وتضمن نموها.
نحتاج إلى مؤتمرات عديدة من هذا القبيل تغير وجه الحياة المصرية، وتخلق قلب المصري خلقًا جديدًا، فلا يخاف مرءوس رئيسًا، ولا يخاف مصري أجنبيًّا، ولا يخاف محكوم حاكمًا.
نحتاج إلى مؤتمرات تبيد الخوف إلا الخوف من الذل والعار، وتبيد السيطرة إلا احترامًا لخُلق أو قانون.
•••

ما أصعب هذه المؤتمرات، وما أشقها، وما أحوجنا إليها! إنها تتكون من رجال من أمة واحدة، ولكنها أصعب من مؤتمر مثلث فيه كل الدول؛ لأنها مؤتمرات لا تلغي قانونًا موضوعًا، ولكنها تلغي أخلاقًا موروثة، وتقاليد سمَّرها الزمان، وتحطم أوتادًا سَهِرَ عليها الحاكم الظالم المستبد حتى صلبت الأرض عليها.
•••

لست أومن بنظرية العمال العاطلين حتى يصعب على الأجنبي والمصري الحصول على العيش الرغد على السواء. فأما وقد سهل تحصيل العيش الأجنبي وصعب على المصري، فليست النظرية — إذًا — نظرية عمال عاطلين، ولكنها نظرية فقر في الأخلاق، وجهل بفن الحياة.
•••

فهل لنا وقد نجحنا في مؤتمر الامتيازات الأجنبية أن نوجه هممنا لمعالجة أختها الامتيازات التي هي من نوع آخر علنا ننجح أيضًا؟

علي بك فوزي


لم يتجل لي وفاء المصري وإخلاصه كما رأيته أول أمس في جنازة أستاذي وصديقى علي بك فوزي. فقد استقبل النعش في محطة مصر عدد كبير من أصدقائه، وساروا في مشهده يعزي بعضهم بعضًا، إذ أبى الفقيد أن يكون له ولد أو مال أو جاه، فكان أول مشهد عظيم رأيته لله وحده؛ وكان أنبل ما رأيت منظر أحمد باشا شفيق، وقد تقدمت به السن وصعب عليه السير، يتحامل على صديق ويسير من المحطة إلى جامع الكخيا، ثم أسلم عليه وأسأله: هل تعرف الفقيد؟ فيقول: لا، لم أره في حياتي، ولكني سمعت بنبل أخلاقه فرأيت وفاءً للفضيلة أن أسير في جنازنه.
•••

رحمة الله عليه، فقد كان أمة وحده، ولم أر له نظيرًا في كل من عاشرت. ولئن كان أكثر الناس نسخًا متشابهة من كتاب تافه مطبوع، فقد كان نسخة خطية من كتاب قيم نادر. متمدن على آخر طراز من طرز المدنية في ملبسه وأناقته وآدابه ولباقته، متصوف إلى آخر حدود التصوف في زهادته واحتقاره للمال والجاه والمناصب، وفوق ذلك كله في روحانيته السامية.
لم يفخر في حياته بنسب؛ على أنه كان جديرًا أن يفخر به لو وجد الفخار مدخلًا إلى نفسه، فقد كان جد أبيه المملوك الشارد الذي قفز بفرسه من القلعة. وناهيك بعظمة المماليك أيام سطوتهم.
ولم يفخر بعلمه وهو الواسع العلم العميق التفكير؛ يجيد العربية إجادة قل أن يكون له فيها نظير، ويتكلم الإنجليزية كأحد أبنائها، ويحذق الفرنسية والألمانية والتركية. ثم لا ينظر إلى اللغات على أنها مقاصد بل على أنها وسائل للثقافة، فاتخذ هذه اللغات كلها أداة يتعرف بها الثقافات المختلفة ويقف على أحسن ما ألف فيها؛ هذا إلى صحة في النقد وقوة في الملاحظة وشخصية بارزة لا تخضع لأي مؤلف مهما عظم، ومع هذا كله تجلس إليه إن لم تكن تعرفه فكأنه أمي غبي جاهل بكل شيء؛ فهو ذهبٌ خالص غطي بقشرة من طين لا تعرفه حتى تحكه وتصل إلى باطن نفسه، ولا يكون ذلك إلا لتلاميذه وخلصائه. وحتى مع هؤلاء يقدم إليك نتيجة معارفه الواسعة وتفكيره العميق وهو مختف وراء ذلك، يحاول ألا يشعرك بنفسه، وإنما يشعرك بالفكرة نفسها، فكأن كلمة «أنا» لم تكن في معجمه.
•••

عرفته أول أمره أستاذًا لي بمدرسة القضاء يدرس لنا التاريخ الإسلامي. وتطاير إلينا قبل قدومه أخبار منثورة عن تاريخ حياته: أنه تخرج في مدرسة المعلمين، ثم سافر في بعثة إلى إنجلترا، ثم عاد منها بعد أن نال إجازة من جامعتها، وهي أوصاف لم نتحمس لها كثيرًا، فكنا قد شاهدنا بعض من سافروا إلى أوروبا ورجعوا بشهاداتهم الضخمة وألقابهم العديدة، وكانوا كالبندقة الفارغة، منظر ولا مخبر، ورُواء في العين، ولا شيء في اليدين؛ فقلنا: لعله أحد أولئك الذين لم يكسبوا من أوروبا إلا اعوجاجًا في اللسان ورطانة في الألفاظ وإنكارًا لعظمة أي شيء مصري، وعصبية لكل تافه أجنبي.
وحبسنا أنفاسنا عند قدومه نستطلع طلعته.
دخل علينا رجل قصير القامة، يحاول أن يخفي قصره بطول طربوشه وارتفاع حذائه، أسمر اللون في وسامة، واسع العينين في خجل، كبير الرأس في عظمة. يتأبط كتبًا كثيرة العدد لا يتناسب حجمها مع حجمه، بين عربية وإنجليزية، ويأبى أن يحملها الفراش عنه كما اعتدنا أن نرى من غيره.
وأكبر ما راعنا منه أنه بدأ درسه بعبارة عربية فصيحة التزمها في كل درسه، وفي كل دروسه بعد، وفي كل أحاديثه معنا في الدرس، لا أعرفه شذ عنها مرة واحدة، في طلاقة وعذوبة واستشهاد بالأدب العربي والشعر العربي، مما لم أعرفه لأزهري ولا لمدرس من دار العلوم. يجيد فهم عبارة الطبري على صعوبتها، وابن خلدون على عمقها، والكتب الإنجليزية العميقة، ويوضح ذلك كله بصياغة شهية لذيذة، ويطبعها كلها بالطابع العربي، فلا تسمع لفظة إنجليزية، ولا تستعصي عليه عبارة يريد أن يترجمها من لغة أجنبية.
ومما زادنا إعظامًا له أنه لم يكتف بالدرس، بل اتصل أيضًا بنفوسنا، فكان يخرج من الدرس أحيانًا إلى شرح حالة نفسية أو ظاهرة اجتماعية يصل بها إلى أعماق نفوسنا. وأخذنا بالنظام الشديد، وكان يقدسه كل التقديس، فيشمئز من الكلمة النابية، ومن اللفظة تكتب منحرفة قليلًا عن موضعها، ومن النكتة إن كان فيها قليل من الشذوذ.
ولا تسل عنه في ورق الامتحان، فقد كان يصحح أوراقنا في دقة غريبة، ويأتي بالأوراق مدونة فيها ملاحظاته في اللفظ والمعنى والأسلوب والخطأ الإملائي والخطأ التاريخي، وينتقدنا انتقادًا لاذعًا لكن ظريفًا.
من أجل هذا كان الأستاذ المحبوب والأستاذ الجليل والأستاذ الظريف والأستاذ العالم.
لم تطل دراسته في مدرسة القضاء، وانتقل إلى وظيفة إدارية. ولم يطلب الانتقال لرغبة في مال فهو يحتقر المال، ولا في جاه فهو يحتقر الجاه ولا رغبة عن التعليم فهو يحب التعليم، ويصارحني أن أكبر غلطة ارتكبها أنه تحول من التعليم إلى الإدارة؛ ولكنه كان شديدًا، وكان عاطف بك ناظر المدرسة شديدًا، وكان لكلٍ شخصيته القوية، ولكل آراؤه في سياسة الطلبة، فتصادما تصادمًا نفسيًّا من غير أن يَنبس أحدهما بكلمة؛ وكان أن خرج «علي فوزي» من المدرسة، آسفين عليه كل الأسف، شاعرين أنه لا يمكن أن يعوَّض، وكان «عاطف» أول من حزن على خروجه بعد أن حاول كل محاولة في استبقائه.
كان حساسًا إلى درجة لا تتصور. تجرحه الكلمة الخفيفة لا يشعر بها أحد، والإشارة القليلة تصدر من رئيسه فيظنها بالغة منتهى الشدة، والإيماءة المعتادة فتحز في نفسه وتصل إلى أعماق قلبه.
فكيف يستطيع بعدُ أن يكون موظفًا؟ لقد تداول عليه وزراء عديدون لا أسميهم، كل منهم جرح نفسه جرحًا بل جروحًا. وأي الرؤساء يتحاشى حتى الهنات الهينات مع مرءوسيه؟ وأي الرؤساء يدرك مقدار السهام المسمومة التي يوجهها إلى نفس كنفس «علي فوزي» وهو لا يرى أنها سهام أصلًا، بل قد يظنها نوعًا من الملاطفة؟ — لقد رآه وزير يكتب خطابًا بالإنجليزية فأعجبته بلاغته فقال له: لعلك تحسن أن تكتب مثل هذا بالعربية! فما كان أشدها وقعًا في نفسه؟
ثم هو يعشق العدل المطلق الدقيق، ويؤلمه أشد الألم الظلم الخفيف. وكان كل يوم يرى تصرفات في الوزارات لا تتفق والعدالة التي ينشدها: هذا يحابي المتملقين، وهذا ينصر الأجانب على المصريين، وهذا يمنح ترقيات وعلاوات لغير المستحقين.
ثم ما هذا النظام السخيف للدرجات؟ فهذا موظف في الدرجة الأولى وآخر في الدرجة الثانية! إنه يفهم أن يبدأ موظف بمرتب صغير يزيد على القِدم والكفاية، ولكنه لا يفهم تقسيم الموظفين إلى طبقات يعلو بعضها بعضًا ويُدِل بها بعضهم على بعض.
لا. لا. ثارت نفسه على كل ذلك، ففي هدوء وسكون، ومن غير أن يشعر أحد من أصدقائه دبّر أمره وأعدّ عدته للخروج من الوظائف الحكومية، وألح في طلب إحالته إلى المعاش، فكان له ذلك. وفضَّل نحو خمسة وعشرين جنيهًا في الشهر على ثمانين وما كان يتبعها من علاوات وترقيات وحسبان معاشات.
•••

بل ليست الوظيفة وحدها هي التي يجب الفرار منها، فيجب الفرار أيضًا من مصر، فما مصر هذه التي يحكمها الأجنبي وتستسلم له؟ وما مصر التي يستمتع فيها صعاليك الأجانب بما لم يستمتع به سادة أهلها؟ وما مصر التي تجلس في مقهى من مقاهيها فتشعر أن الرومي الذي يقدم لك القهوة خير منك وأعز منك، ويستطيع أن يحتقرك وأن ينكل بك ولا تستطيع أن تفعل به ما يفعل بك؟ وما مصر التي لم تستطع أن تكون غنية في أطبائها وعلمائها وتجارها وصناعها، ولم تزل عالة في كل ذلك على غيرها؟ لا بد إذًا من الهرب من الوظيفة ومن مصر معًا.
وخرج من مصر ساخطًا غاضبًا آسفًا حزينًا، خرج هائمًا على وجهه يمثل دور حده. لقد كان جده المملوك الشارد، فكان هو الحر الشارد.
خرج إلى أوربا هائما في ممالكها، ولكنه كان فيها مستوحشًا. نعم إنه يتكلم لغاتها، ويفهم مدنياتها؛ ولكن ليس قومها قومه، ولا دينها دينه، ولا روحانيتها روحانيته. ثم ألقى عصاه في الآستانه عقب الحرب واطمأن إليها، فهي هي البلدة المستقلة بين مماليك البلاد الإسلامية، وهي هي التي لا تذلها الامتيازات الأجنبية، وهي التي يجد فيها غذاء روحه وعواطفه بمساجدها العظيمة ومآذنها التي تشق السحاب. من أجل هذا اختار السكن فيها، وفي الأحياء الوطنية لا الأجنبية، واتخذ مجلسه في مقهى تركي بلدي تحت شجرة زيزفون بجوار حائط مسجد «بايزيد».
ثم حاول أصدقاؤه جهدهم أن يحولوه عن رأيه ويعدلوا به عن غربته، فذهبت محاولتهم عبثًا. عرضوا عليه وظائف مختلفة الألوان كان آخرها مدير دار الكتب؛ فكان جوابه: متى عرفتم سبب خروجي من الوظيفة وسبب خروجي من مصر لم تعرضوا هذا العرض؛ فالأصل قبل الفرع، والحرية مع الفقر خير من الذل مع الغنى.
•••

قد رُزق عينًا يرى بها غير ما يرى جمهور الناس؛ فكثيرًا ما كان يحتقر من يجله الناس، ويجل من يحتقره الناس؛ لأن له مقاييس تقدير تختلف عن مقاييسهم. ليس في مقاييسه اعتبار لثروة ولا جاه، ولا منظر، ولا حسب، ولا نسب.
حتى مكانه العام الذي كان يختاره لمقابلة أصدقائه لا يختاره لوجاهته؛ وإنما يختاره لنظافته؛ ولأن صاحبه مسلم؛ ولأنه يتنفس فيه جوًّا شرقيًّا لا غربيًّا؛ ولأنه ليس فيه امتيازات أجنبية، وهكذا من اعتبارات متعددة لم أستطع أن أعرف منه إلا بعضها.
ويفضل أن يزور حلاقًا كان زميلًا له في المدرسة على أن يزور باشا من البشوات أو من يعده الناس كبيرًا من الكبراء.
•••

ليس للمال عنده إلا وظيفتان: قليلة يَتبلَّغ به ويسد حاجاته الضرورية، وكثيره للمروءة. وأعرف له في ذلك فصولًا غاية السمو، فلقد كان حينًا يسكن مع أسرة أوربية عميدها فرنسي، وربة الدار ألمانية، ولهما ابن وبنت، حتى إذا نشبت الحرب العظمى جُنِّد عميد الأسرة، فأحلت الأسرة فقيدنا محله على رأس المائدة. وكان كثيرًا ما يدور الجدال على المائدة في نظريات الحرب وخصوصًا بين الفتى والفتاة، فكان الفتى يذهب مذهب أبيه ويتعصب لفرنسا وحلفائها، ثم كان من الفتى أن طعن تركيا في سمعتها وقيمتها، ولم يكن يعرف عصبية الفقيد لتركيا، فلم يعد علي فوزي يطيق البقاء بعد في البيت؛ ولكن ماذا يصنع ووفاؤه يقضي بمراعاة هذه الأسرة بعد غياب عميدها، وعصبيته التركية تأبى أن يسكن في البيت بعد ما كان من الفتى؟ لا يحل هذا الإشكال إلا احتقار المال، فقد تظاهر بأنه يأخذ درسًا على السيدة الألمانية ودفع ما كان يدفعه أيام سكناه لم ينقص منه شيئًا وإن قلل ذهابه بعد ذلك لأخذ الدرس.
وكان منظره في استامبول غريبًا: يجلس في مقهى عرفه البؤساء والمحتاجون، فهو يمنحهم ما أمكنه، وهو الفقير الذي لا دخل له إلا معاشه الخمسة والعشرون جنيهًا، ينفق منها ثلثها على نفسه؛ وثلثيها على مروءته، وطويل أن نعد مآثره في هذا الباب.
أحب العزلة وأكثر التفكير؛ فهو في بيته وحده، إذ لا زوجة له ولا ولد، وفي تروضه وحده غالبًا، وهو وحده في أكثر أوقاته، صديقه الكتاب؛ ثم ضعفت أعصابه ففقد صداقة الكتاب أيضًا إلا نادرًا، وكان تفكيره في العالم حينًا وفي نفسه كثيرًا.
وهذه حالة تستتبع الوحشة، وتستتبع التشاؤم، وتستتبع الحزن والانقباض، وكذلك كان شأنه.
غلب عليه الخجل في غلو والخجل — كما يقول بعض علماء النفس — سببه كثرة تفكير الإنسان في نفسه، فهو إذا مشى ظن أن الناس كلهم ينظرون إليه وينقدون مشيته، وإذا تكلم ظن أن الناس كلهم ينصتون إليه وينقدون كلامه، وإذا تحرك أو سكن أو تنفس فالناس يعدون حركاته وسكناته وأنفاسه، فكان هذا الخلق فيه أكبر شقائه؛ وبلغت به الحالة أن كان في آخر أيامه إذا جلس في مقهى اختار مكانه وراء عمود، وإذا سكن في «بنسيون» صحا قبل أن يصحو الناس، وعاد بعد أن ينام الناس، حتى لا يراه الناس، وإذا عزم على الرياضة فليلًا حتى تستره ظلمة الليل، وإذا مشى في الشارع ليلًا اختار من الشوارع أخلاها من الناس.
•••

تملَّكه خلق الرحمة فظهر منه في كل شيء. رحم الناس فخرج لهم عن ماله، ورحم المرأة فأبى أن يتزوج، ورحم الحيوان فعاش نباتيًّا، وأخيرًا رحم نفسه. وويل للإنسان إذا رحم نفسه وأشفق عليها، إنه ليعذَّب في ذلك عذابًا لا يعذَّبه أحد؛ نعمة كبرى أن يرحم الإنسان غيره، وشقوة كبرى أن يرحم الإنسان نفسه؛ فالرحمة استضعاف للمرحوم، فإذا استضعف نقسه فهناك الألم والحسرة، وهناك فقدان الثقة بالنفس، وهناك انسحاب من الجهاد في الحياة، وهل الحياة إلا جهاد.
رحم الله «علي فوزي»، فقد عاش غريبًا، ومات غريبًا، وأخشى أن يُبْعث غريبًا.

الشَّمسُ


أي شيء أحب إلى النفس، من المتعة هذه الأيام بالشمس، والحديث عن الشمس؟
فقد أقرسَنا البرد حتى اصطَكَّت منه أسناننا، وانكمش جلدنا، ويبست أطرافنا، وحتى وددنا — إذا رأينا النار — أن نحتضنها، وإذا رأينا الجمرة أن نلتهمها. ولوددت في هذه الأيام أن أكون فرانًا، أو طباخًا، أو سائق قطار، حتى لا أفارق النار.
•••

كل شيء في الطبيعة جميل، وأجمل ما فيها شمسها.
وهي في شتائنا أجمل منها في صيفنا، ولها في كلّ جمال.
فلها — صيفًا — جمال القوة، وجمال القهر، وجمال السفور الدائم، نُعْظِمُها ونجلها؛ ونهرُب منها ولكن نحبها؛ تقسو أحيانًا ولكنا نرى الخير في قسوتها، فهي كالمربي الحكيم، تقسو وترحم، وتشتد وتلين، تلفحنا بنارها، ولكنها نار كنار الحب يكتوي بها قلب العاشق، ثم هو يرجو بقاءها ويخشى زوالها، ترسل علينا شُواظًا من نار، فتسفع جلودنا، وتكوي جباهنا، حتى إذا غلى جوفنا، ووغر صدرنا، غابت عنا، وأرسلت رسولها اللطيف الوديع (القمر) فخفف من حدتنا، ولطف من سورتنا، وأصلح ما أفسدَت، وضمَّد ما جرحت؛ فإذا خشيَتْ أن نطمئن إليه، أدركتها الغيرة منه فغيبته، وطلعت علينا ببهائها وجمالها وجلالها، وهكذا دواليك.
•••

وهي — شتاء — تطلع علينا بوجه آخر، ترينا فيه جمال الحنو، وجمال الدعة، وجمال الرحمة والعطف، وجمال الغادة اللعوب، تشاغلك فتظهر وتختفي، وتسفر وتتحجب، وتخرج من قناعها ثم تتقنع.
وتنتقم من رسولها الذي غارت منه صيفًا، فتطلعه علينا في جو بارد لا نطيقه، حتى لا نفكر إلا في دفئها ونعمتها، ولا نشتاق لشيء شوقنا لرؤيتها.
فما أجملها قاسية وراحمة! وما أجملها واصلة وهاجرة!
تتلون بشتى الألوان فتسحر العقول، وتبهر العيون؛ فهي تارة بيضاء، وتارة صفراء، وتارة حمراء؛ ثم لا تستطيع أن تحكم هي في أيها أبهى وأجمل، فهي تُزِين ثيابها بأكثر مما تزينها ثيابها.
فتحْتُ النافذة قبل أن أكتب مقالتي؛ فتَدَفقَتْ في حجرتي أشعتها الفضية اللامعة، وملأتها روحًا وحياة، وملأتني دفئًا، وملأتني معاني، وكانت حياتي في حجرتي قبل زيارتها حياة مظلمة باردة جامدة، لا معنى فيها ولا روح.
•••

خلعْتِ من جمالك على الزهر، فكان فتنة للناظرين؛ فجماله من جمالك، ولونه قَبَس من ألوانك، وحياته مدد من حياتك؛ فأبيضه وأحمره، وأصفره وأزرقه، ليس إلا نعمة من نعمك، وأثرًا من فيضك.
فالوردة الحمراء ليست إلا نقطة من دمك، والياسمين الأبيض ليس إلا لمحة من نورك، والنرجس الأصفر ليس إلا تبرًا ذائبًا من شعاعك.
لقد أبَيْتِ على الناس أن يديموا النظر على جمالك، فألهيتهم بالنظر إلى بعض آثارك، ولوّنت الأزهار بألوانك، وأريتهم قدرة على إبداعك، فشغل الجاهلون به عنك، وشغف به العارفون على أنه قبس منك، يطالعون جمالك فيه، ويقرءون معانيك في معانيه.
•••

ثم شأنك في البحر عجب أي عجب! تضربينه بشعاعك، وتلفحينه بنارك، فيتحول ماؤه بخارًا، يصعد إليك ليستجير منك، ويَمثُل بين يديك لتمنحيه عفوك، وتنيليه عطفك، حتى إذا شعر برضاك، وأمن من غضبك، دمع دمعة السرور، ففارقته ملوحته، وعاد إليه صفاؤه وعذوبته، واكتسب منك الحياة فكان ماءً جاريًا، بعد أن كان ماءً راكدًا، فجرى جداول وأنهارًا، فأرسلته إلى خدمك في الأرض من أزهار وأشجار يحيي ذابلها، ويستخرج دفينها، وينضج ثمارها.
•••

ثم تحركت فملأت الحياة حولك حركة؛ فكم من نجوم لا يعلمها إلا الله تسير حولك وتحذو حذوك؛ ثم تلعبين بالهواء من سخونة وبرودة، فيتحرك ويتعلم منك اللعب فيلعب بالبحار والأنهار والأشجار، وبكل شيء يمر به، فإذا الدنيا كلها لعبة في يده.
ثم أنت أنت حرقت الأشجار والنبات، وطمرتها تحت صفحة الأرض آلافًا من السنين بعد آلاف، حتى إذا تنبه الناس آخر الزمان فطنوا إلى أنه مستودع من مستودعاتك، فاستغلوه في كل ما نرى الآن من حركة، فهو سر حركة المصانع والبواخر، وسر حركة القطارات والآلات، فلو قلنا: إن كل حركة في الأرض أنت مصدرها لم نبعد.
•••

تلعبين بالناس فتنيمينهم وتوقظينهم، ترسلين أشعتك الجميلة على العالم فينتبه، وتغيبين عنه فينام؛ ثم تتداولين العالم فتنبهين قومًا وتنيمين قومًا، ويراك قوم شروقًا وقوم غروبًا، وقوم ليلًا وقوم نهارًا، وقوم صيفًا وقوم شتاءً.
وأنتِ أنتِ في عليائك، لا تَملِّين الحركة، ولا تشعرين بنوم أو يقظة، ولا بليل أو نهار.
•••

بل بك يجري الدم في عروقنا، فدمنا من غذائنا، وغذاؤنا من حرارتك، تسلطينها على الأرض فتخرجين منها حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا؛ بل ما أفكارنا إلا منك، أليست أفكارنا من دمائنا، أوليست دماؤنا منك؟
بل لقد كنت حينًا من الأحيان إله الناس ومعبودهم، فكنت مصدر وحيهم، ومصدر إلهامهم، ووجهة عبادتهم، رأوك مصدر الحياة فعبدوك، ورأوك مصدر النعم فمجدوك، ورأوك يحيط بك كثير من الغموض على جلائك ووضوحك فألّهوك، ورأوك أكبر النجوم فرَبَّبُوكِ.
ثم أتى الأنبياء، فرأوك تأفلين فسلبوك ألوهيتك، ورأوك تتغيرين فحولوا عبادتهم عنك.
ولكن إن سلبوك ألوهيتك فلم يسلبوك عظمتك وجمالك وجلالك، وكفاك ذلك فخرًا.
•••

لست أدري أأصاب العرب إذ أنّثوها، أم أصاب الإنجليز إذ ذكّروها! لعل الإنجليز رأوا القمر وادعًا جميلًا هادئًا رقيقًا فأنّثوه، ورأوا الشمس قوية قاهرة قاسية فذكّروها؛ ولكن لعل واضعي اللغة من الإنجليز لو عاشوا في عصرنا، ورأوا ما نرى من قوة المرأة وضعف الرجل، وجبروت المرأة واستكانة الرجل، لرجَعوا إلى رأي العرب، وآمنوا ببعد نظرهم، وقلبوا المذكر مؤنثًا، والمؤنث مذكرًا.
ولعل العرب أيضًا رأوا الشمس أمّ الأرض وأم القمر وأم الزرع فأنثوها، إذ لا يلد إلا امرأة؛ ورأوا القمر طفلًا يدور حول أمه فذكَّروه، واحتاط العرب أن يدرك الشمس شيء مما يلحق الأنوثة، فقال شاعرهم: «وما التأنيث لاسم الشمس عيب».
أما الشمس نفسها، فلم تعبأ بتأنيث ولا تذكير، كما لم تعبأ بمن أنَّثَها وبمن ذكَّرها.
فهي في سمائها تؤدي رسالتها، وتسير سيرتها، وتبهرنا بجمالها، وتوحي إلينا بأسرارها.
فما أعظمك! وأعظمُ منك مَنْ خَلَقَك!

الرجولةُ في الإسلامِ


لعل من أهم الفروق التي تميز المسلمين في أول أمرهم وفجر حياتهم عن المسلمين اليوم، «خلق الرجولة»، فقد غَنِي العصر الأول بمن كانوا هامة الشرف، وغرة المجد، وعنوان الرجولة.
تتجلى هذه الرجولة في «محمد» إذ يقول: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». كما تتجلى في أعماله في أدوار حياته. فحياته كلها سلسلة من مظاهر الرجولة الحقة، والبطولة الفذة؛ إيمان لا تزعزعه الشدائد، وصبر على المكاره، وعمل دائب في نصرة الحق، وهُيام بمعالي الأمور، وترفّع عن سفاسفها؛ حتى إذا قبضه الله إليه لم يترك ثروة كما يفعل ذو السلطان، ولم يخلف أعراضًا زائلة كما يخلف الملوك والأمراء، إنما خلف مبادىء خالدة على الدهر، كما خلف رجالًا يرعَونها وينشرونها، ويجاهدون بأموالهم وأنفسهم من أجلها.
وتاريخ الصحابة ومن بعدهم مملوء بأمثلة الرجولة. فأقوى ميزات «عمر» أنه كان «رجلًا» لا يراعي في الحق كبيرًا، ولا يبالي عظيمًا أو أميرًا. يقول في إحدى خطبه: «أيها الناس، إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه».
وينطق بالجمل في وصف الرجولة فتجري مجرى الأمثال، كأن يقول: «يعجبني الرجل إذا سيم خطة ضيم أن يقول: (لا) بملء فيه».
ويضع البرامج لتعليم الرجولة فيقول: «علموا أولادكم العوم والرماية، ومروهم فليَثِبوا على الخيل وثبًا، ورَوُّوهم ما يجمل من الشعر».
ويضع الخطط لتمرين الولاة على الرجولة، فيكتب إليهم «اجعلوا الناس في الحق سواء، قريبهم كبعيدهم، وبعيدهم كقريبهم، إياكم والرشا والحكم بالهوى، وأن تأخذوا الناس عند الغضب».
ويعلمهم كيف يسوسون الناس ويربونهم على الرجولة، فيقول: «ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم».
من أجل هذا كله كان هذا العصر مظهرًا للرجولة في جميع نواحي الحياة، تقرأ تاريخ المسلمين في صدر حياتهم فيملؤك روعة، وتعجب كيف كان هؤلاء البدو وهم لم يتخرجوا في مدارس علمية، ولم يتلقوا نظريات سياسية، حكامًا وقادة لخريجي العلم ووليدي السياسة — إنما هي الرجولة التي بثها فيهم دينهم وعظماؤهم، هي التي سمت بهم وجعلتهم يفتحون أرقى الأمم مدنية وأعظمها حضارة؛ ثم هم لا يفتحون فتحًا حربيًّا يعتمد على القوة البدنية وكفى، إنما يفتحون فتحًا مدنيًّا إداريًّا منظمًا، يُعلّمون به دارسي العدل كيف يكون العدل، ويعلمون علماء الإدارة كيف تكون الإدارة، ويلقون بعملهم درسًا على العالم، أن قوة الخُلق فوق مظاهر العلم، وقوة الاعتقاد في الحق فوق النظريات الفلسفية والمذاهب العلمية، وأن الأمم لا تقاس بفلاسفتها بمقدار ما تقاس برجولتها.
هل سمعت عطفًا على الرعية، وأخذ الولاة بالحزم كالذي روى أن معاوية قدم من الشام على عمر، فضرب عمر بيده على عضده فتكشَّفت له عن عضد بضة ناعمة، فقال له عمر: «هذا والله لِتَشاغلك بالحمامات، وذوو الحاجات تقَطّع أنفسهم حسرات على بابك!»
أو هل سمعت قولًا في العدل يحققه العمل كالذي يقوله عمر: «إذا كنتُ في منزله تسعُني وتُعْجز الناس، فوالله ما تلك لي بمنزلة حتى أكون أسوة للناس»؟ أو هل رأيت حزمًا في الإدارة كالذي فعل في مسح سواد العراق وترتيب الخراج، وتدوين الدواوين، وفرض العطاء.
حقًّا لقد كان عمر في كل ذلك رجلًا، ولئن كان هناك رجال قد امتصوا رجولة غيرهم، ولم يشاءوا أن يجعلوا رجالًا بجانبهم، فلم يكن عمر من هذا الضرب، إنما كان رجلًا يخلق بجانبه رجالًا؛ فأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص والمُثَنَّى بن حارثة، وكثير غيرهم كانوا رجالًا نفخ فيهم عمر من روحه كما نفخ فيهم الإسلام من روحه، وأفسح لهم في رجولتهم، كما أفسح لنفسه في رجولته.
وكان أدبهم في ذلك العصر صورة صحيحة لرجولتهم يتغنون فيه بأفعال البطولة ومظاهر الرجولة ويقولون:
وخيرُ الشعر أشرفهُ رجالًاوشرُّ الشعر ما قال العبيدُ يعتد الشاعر بنفسه ويسمو بها عن النعماء والبأساء فيقول:
قد عِشْتُ في الناس أطوارًا على طرُقشَتَّى وقاسيتُ فيها اللينَ والقَطَّعاكُلَّا بلـوتُ، فلا النعمـاء تُبْطـِرُنيولا تخشّعْت من لأوائها جَزَعالا يملأُ الهوْلُ صـدْرِي قبـل موقِعهولا أضـيقُ به ذَرْعًا إذا وَقَعَا ويعتز بشرفه وقوته وإبائه الضيم فيقول:
وكنت إذا القـوم رمَوْني رميتهمفهل أنا في ذا يا لَ همذان ظالِمُمتى تجمَع القلبَ الذًّكيَّ وَصارِمًاوَأنفًا حَمِيَّـا تَجْتَنِبْكَ المَظَـالِمُ ويمدح رجل قومًا فيقول: «إنهم كالحجر الأخشن، إن صادمته آذاك وإن تركته تركك».
ويقول أميرهم: «والله ما يسرني أني كُفيتُ أمر الدنيا كله». قيل: ولم أيها الأمير؟ قال: «لأني أكره عادة العجز» إلى كثير من أمثال ذلك.
وعلى الجملة فأدبهم تام الرجولة، قد شعَّت فيه الحياة، وامتلأ بالقوة، حتى اللاهي الماجن كأبي محجن الثقفي؛ كان يغازل، وكان يشرب، ولكن إذا جد الجدُّ وعزم الأمرُ كان رجلًا يبيع نفسه لدينه، ويبيع كل شيء لشرفه وشرف قومه.
ونستعرض الغزل في الجاهلية وصدر الإسلام، فإذا هو غزل قوي لا مُيُوعة فيه، ولا تخنث، لا يذوب صبابة، ولا يلتاع هُيامًا، ولا يفقد الرجل فيه رجولته لحبه.
وقلتُ لقلبى حين لجَّ به الهوَىوكلَّفنِى مَا لا أُطِيقُ منَ الحُبِّألا أيُّها القلبُ الذي قادَهُ الهوَىأفِقْ لا أقَر اللهُ عَيْنَكَ مِنْ قَلب •••

وما أنا بالنَّكْسِ الدَّنِيْ وَلاَ الذيإذا صَدَّ عَنِّي ذُو المَوَدَّةِ أحْرَبُوَلكنَنى إنْ دَامَ دُمْتُ وإنْ يكُنْلهُ مَذْهَبٌ عَنِّي فَلي عنْه مَذْهَبُ •••

ولم يَضِن التاريخ على المسلمين من حين لآخر برجال لفتوا وجه الدهر، وغيروا مجرى الحوادث، ودفعوا عن قومهم الخطوب، وأنزلوهم منزل العز والمنعة تضيق عن وصف أعمالهم الرسائل والكتب.
ثم توالت الأحداث، وتتابعت النوب، تفل من شوكتهم، وتفت في رجولتهم، حتى رأيناهم بذلوا الشرف للمال، وقد كان آباؤهم يبذلون المال للشرف، ولم ينظروا إلا إلى أنفسهم وذوي قرابتهم، وكان آباؤهم ينظرون إلى دينهم وأمتهم، وتفرقوا شيعًا وأحزابًا يذوق بعضهم بأس بعض، فكانوا حربًا على أنفسهم بعد أن كانوا جميعًا حربًا على عدوهم — ورضوا في الفخر أن يقولوا: «كان آباؤنا» مع أن شاعرهم يقول:
إذا أنت لم تَحْم القديم بحادثمن المجد لم يَنْفَعْكَ ما كانَ مِنْ قَبْل وناثرهم يقول: «لم يدرك الأول الشرف إلا بالفعل، ولا يدركه الآخر إلا بما أدرك به الأول».
ورأينا خير ما في الأمم حاضرها وخير ما فينا ماضينا.
•••

أريد بالرجولة صفة جامعة لكل صفات الشرف، من اعتداد بالنفس واحترام لها، وشعور عميق بأداء الواجب، مهما كلفه من نَصَب، وحماية لها في ذمته من أسرة وأمة ودين، وبذل الجهد في ترقيتها، والدفاع عنها، والاعتزاز بها، وإباء الضيم لنفسه ولها.
وهي صفة يمكن تحقيقها مهما اختلفت وظيفة الإنسان في الحياة؛ فالوزير الرجل من عد كرسيه تكليفًا لا تشريفًا، ورآه وسيلة للخدمة لا وسيلة للجاه، أول ما يفكر فيه قومه، وآخر ما يفكر فيه نفسه، يظل في كرسيه ما ظل محافظًا على حقوق أمته، وأسهل شيء طلاقه يوم يشعر بتقصير في واجبه، أو يوم يرى أن غيره أقوى منه في حمل العبء، وأداء الواجب؛ يجيد فهم مركزه من أمته ومركز أمته من العالم، فيضع الأمور مواضعها ويرفض في إباء أن يكون يومًا ما عونًا للأجنبي عليها، فإذا أريد على ذلك قال: «لا» بملء فيه، فكانت «لا» منه خيرًا من ألف «نعم» وكانت «لا» منه وسامًا تدل على رجولته وكانت «لا» منه خير درس للناشئين يتعلمون منه الرجولة — يقتل المسائل بحثًا ودرسًا، ويعرف فيها موضع الصواب والخطأ، ومقدار النفع والضرر، ثم يقدم في حزم على عمل ما رأى واعتقد، لا يعبأ بتصفيق المصفقين، ولا بذم القادحين، إنما يعبأ بشيء واحد هو صوت ضميره، ونداء شعوره.
والعالِمُ الرجل من أدى رسالته لقومه من طريق علمه، يحتقر العناء يناله في سبيل حقيقة يكتشفها أو نظرية يبتكرها، ثم هو أمين على الحق لا يفرح بالجديد لجدته، ولا يكره القديم لقدمه، له صبر على الشك، وإغرام بالتفكير، وبطء في الجزم، وصبر على الشدائد، وازدراء بالإعلان عن النفس، وتقديس للحقيقة، صادفت هوى الناس أو أثارت سخطهم، جلبت مالًا أو أوقعت في فقر، يفضل قول الحق وإن أهين على قول الباطل وإن كرم.
والصانع الرجل من بذل جهده في صناعته، فلم يشأ إلا أن يصل بصناعته إلى أرقى ما وصلت إليه في العالم، عشقها وهام بها حتى بلغ ذروتها، يشعر بأنه وطني في صناعته كوطنية السياسي في سياسته، وأن أمته تخْدَم من طريق الصناعة كما تخدم من طريق السياسة، وأن الصناعة لا تقل في بناء المجد القومي عن غيرها من شئون الدولة؛ فهو لهذا يحسن فنه، وهو لهذا يحسن سلوكه، وهو لهذا يرفض ربحًا كثيرًا مع الخداع، ويقنع بربح معتدل مع الصدق، وهو لهذا كله كان رجلًا.
وفي الرجولة متسع للجميع؛ فالزارع في حقله قد يكون رجلًا، والتلميذ في مدرسته قد يكون رجلًا، وكل ذي صناعة في صناعته قد يكون رجلًا، وليس يتطلب ذلك إلا الاعتزاز بالشرف وإباء المذلة.
•••

من لنا ببرنامج دقيق للرجولة كالبرنامج الذي يوضع للتعليم، يبدأ يرعى الطفل في بيته، فيعلمه كيف يحافظ على الكلمة تصدر منه كما يحافظ على الصك يوقع عليه، ويعلمه كيف يكون رجلًا في ألعابه، فيعدل بين أقرانه في اللعب كما يحب أن يعدلوا معه، ويلاعبهم بروح الرجولة من حب ومساواة ومرح في صدق وإخلاص.
ويسير مع التلميذ في مدرسته، فيعلمه كيف يحترم نفسه، وكيف لا يفعل الخطأ وإن غفلت عنه أعين الرقباء، ولا يغش في الامتحان ولو تركه المعلم وحده مع كتبه، وكيف يعطف على الضعفاء ويبذل لهم ما استطاع من معونة.
ويتمشى مع الطالب في جامعته فيعوده الاعتزاز بنفسه والاعتزاز بجامعته والاعتزاز بأمته، وببعثه على أن يفكر في غرض شريف له في الحياة يسعى لتحقيقة — حتى إذا ما أتم دراسته كان قاضيًا رجلًا، أو معلمًا رجلًا، أو سياسيًّا رجلًا، وعلى الجملة إنسانًا رجلًا.
ويتابع الأمة فيضع لها الأدب الذي يبعث قوة، والأناشيد والأغاني التي تملأ النفس أملًا. ويراقب في شدة وحزم دور السينما والتمثيل والملاهي، فلا يسمح بما يضعف النفس ويَثلم الشرف، ولا يسمح بما يحيي الشهوة ويميت العزيمة، ويأخذ على أيدي الساسة والحكام ورجال الشرطة، حتى لا يقسوا على الناس فيميتوهم، ولا يرهبوهم فيذلوهم.
من يبادلني فيأخذ كل برامج التعليم، وكل ميزانية الدولة، ويسلمني برنامجًا للرجولة وميزانية لتنفيذه ليس غير؟
ولي كَبِدٌ مقروحة، من يبيعنيبها كَبِدًا ليست بذات قُروح؟
قيمةُ الثقافةِ


للثقافة قيمة ماليه مقررة، فالليسانس والدكتوراه والدبلوم، وما إلى ذلك من الأسماء، هي عنوان للثقافة، أو بعبارة أخرى تتويج لمجهود سنين قضيت في تحصيل العلم. وتأتي «المالية» بعد فتقدر هذه الدرجات بالجنيه، وتجعل لكل منها قيمة مالية خاصة؛ ولها العذر في أن تخالف بين الدرجات، وتسوي بين حاملي الدرجة الواحدة وإن اختلفوا في مقدار الثقافة؛ لأنه لم يخترع إلى الآن مقياس دقيق يوزن به الفكر ومقدار استعداده وزنًا صحيحًا؛ ولو اخترع هذا الميزان لألغيت الدرجات، واكتفي بوزن الكفايات؛ لكن من لنا بذلك وقد عجزت المدنية القديمة والحديثة عجزًا تامًّا عن اختراع هذا الميزان؟
وللثقافة كذلك قيمة اجتماعية، فالثقافة ترفع من كان من طبقة وضيعة، إلى أن يكون أحيانًا مساويًا لمن كان من طبقة رفيعة، فحامل الشهادة العليا يرى نفسه — وقد يرى الناس معه — أنه صالح لأن يتزوج من طبقة راقية، مهما كان منشؤه ومَرْباه؛ وقديمًا قال الفقهاء في «باب الزواج»: إن شرف العلم فوق شرف النسب، والمثقف الراقي له الحق أن يكون عضوًا في الأندية الراقية من غير أن يسأل عن نسبه وحسبه، بل له أن يُدِلّ على أبناء الطبقة الأرستقراطية إذا نال درجة لم ينالوها، وعرف من أنواع الثقافة ما لم يعرفوا؛ وله من حرمة الناس في المجتمعات والأندية ما لا يناله غير المثقفين، وإن كانوا من بيت خير من بيته، وفي نسب خير من نسبه.
ولكن لا أريد أن أتحدث في شيء من هذا ولا ذاك، فليست تعنيني الآن الناحية المالية للثقافة، ولا الناحية الاجتماعية؛ وإنما أريد أن أتساءل: ما القيمة الذاتية للثقافة؟ إن المال واحترام الناس عرض خارجي، فما القيمة الثابتة التي تتصل بنفس المثقف ولا تفارقها في فقر أو غنى، وفي جاه وغير جاه؟
أهم قيمة — في نظري — لثقافة المثقف هي كيفية نظره إلى هذا العالم، ذلك بأن عيون الناس في نظرها إلى الأشياء وحكمها عليها ليست سواءً؛ فعيونهم الحسية وإن اتفقت في الحكم على الألوان بالسواد والبياض والحمرة والصفرة، وإن اتفقت في الحكم على الأبعاد قربًا وبُعدًا، وإن اتفقت في الحكم على الأحجام كبرًا وصغرًا، فإن العيون النفسية لا تتفق في نظرها ولا حكمها، فالشيء في نظر الأبله غيره في نظر الفيلسوف، وبين هذين درجات لا حدّ لها، وليس للشيء الواحد معنى واحد بل معان متعددة تتسلسل في الرقي، والناس يدركون من معانيه بحسب استعدادهم وثقافتهم وأذواقهم.
وقد حكوا أن عيسى — عليه السلام — مر هو وأصحابه بجيفة، فقالوا: ما أخبث رائحتها! وقال هو: ما أحسن بياضَ أسنانها! ونظرُ الرجل العادي إلى الحديقة مزهرة غير نظر الأديب الفنان. هذا ينظر إليها فيقرأ فيها من المعاني والجمال ما يمتزج بنفسه، ثم يسيل على قلمه كأنه قطع الرياض؛ وذاك ينظر إليها نظرة مبهمة، لا تُسفر عن معنى، ولا تُعْرَف لها وجهة، نظرة بليدة جامدة، لا يسعفها ذوق، ولا تخدمها قريحة.
ومثل هذا في كل شيء يعرض على العين، فكل شيء في السماء وفي الأرض لا يحمل معنى واحد، بل معاني متعددة، وقيمة الثقافة أن تنقل العين من أنظار سخيفة ومعان وضيعة إلى أنظار بعيدة ومعان سامية؛ فالأديب إذا لم ينظر في المرأة إلا إلى حسن جسمها وتناسب أعضائها، لم يكن أديبًا مثقفًا، وقلنا له كما قال المتنبي:
وما الخيل إلا كالصديق قليلةٌوإن كثرت في عين من لا يُجرّبإذا لم تشاهد غير حسن شِياتهاوأعضائها فالحسن عنك مغيَّب ففرق كبير بين أن تنظر إلى المرأة كشيطان وأن تنظر إليها كإنسان وأن تنظر إليها كملَك، وفرق كبير في كل شيء في الوجود يعرض على أنظار الناس.
وكل إنسان له نظراته في العالم من أسفل شيء إلى أرقى شيء، من مادة تحيط به ومال يُعْرَض عليه وأعمال تتعاقب أمام نظره وإله يعبده؛ هو في كل ذلك قد يكون سخيفًا في نظراته، وضيعًا في رأيه، وضيعًا في حكمه، وقد يبالغ في ذلك كله من السمو منزلة قل أن تنال، وعمل الثقافة أن تنتشله من تلك النظرات الوظيعة إلى النظرات السامية.
وليست نظرات الإنسان إلى الحياة قوالب من الآجر، كل قالب مستقل بنفسه، محدود بحدوده، إنما هي كسائل لطيف إذا لوَّنْتَ نقطة منه بلون، شع اللون في سائر السائل، وإذا سخنت جزءًا منه وزع حرارته على السائل كله حتى يتعادل، بل الرأي والنظرات ألطف من ذلك وأدق وأرق، فإذا رقى النظر إلى شيء أثر ذلك رقيًّا في سائر النظرات.
فكل نظرات الحياة متأثرة بنظرك إلى نفسك والعكس. بل نظرك إلى الله تعالى متأثر بنظرك إلى عالمك المحيط بك؛ وهذا ما يجعل الثقافة في أي ناحية من النواحي الأدبية والعلمية تؤثر أثرًا كبيرًا في النواحي الأخرى حتى ما نظن أن ليست له صلة به. وقد أصاب من قال: «إن رقي الأمة في الموسيقى وتذوقها الصوت الجميل والغناء الجميل يجعلها تتعشق الحرية وتأنف الضيم وتأبى المذلة»، فمحيط المخ والعقل والشعور محدود وشديد الحساسية، كل ذرة فيه تتأثر بأقل شيء، وتؤثر بما تأثرت. والفكرة الجديدة قد تدخل في الفكر فتقلبه رأسًا على عقب، وتجعل من صاحبه مخلوقًا جديدًا يقل وجه الشبه بينه وبين ما كان من قبل، فتجعله في أعلى عليين، أو أسفل سافلين.
إن كان هذا صحيحًا، وكانت قيمة الثقافة الذاتية في مقدار ما أفادت المثقف في وجهة النظر إلى الأشياء، وتقويمها قيمًا جديدة أقرب إلى الصحة، أسلمنا ذلك إلى نتائج خطيرة؛ فدين خير من دين بمقدار ما تحاول تعاليمه من رفع مستوى النظر إلى الله تعالى وإلى الحياة؛ وعلم خير من علم باعتبار ما يؤدي إليه من نظر راق صحيح؛ وثقافة الإنسان لا تقدر بمقدار ما قرأ من الكتب وما تعلم من العلوم والآداب، ولكن بمقدار ما أفاده العلم، وبمقدار علو المستوى الذي يشرف منه على العالم، وبمقدار ما أوحت إليه الفنون من سمو في الشعور وتذوق للجمال.

الرجلُ والمرأةُ


لعل الطبيعة شاءت ألا تجعل من الرجل إنسانًا كاملًا، ولا من المرأة إنسانًا كاملًا، بل جعلت منهما معًا إنسانًا كاملًا.
نقصت في الرجل ما أكملته في المرأة، ونقصت في المرأة ما أكملته في الرجل، وقوت في الرجل ما أضعفته في المرأة، وقوت في المرأة ما أضعفته في الرجل.
فحيثما وجدت نقصًا في المرأة فاطلب كماله في الرجل، وحيثما وجدت نقصًا في الرجل فاطلب كماله في المرأة.
فالمرأة والرجل كلْفقي الثوب تزيد في أحدهما ما تنقصه في الآخر، وتنحرف في أحدهما انحرافًا يهيىء مكانًا للآخر، أو ككل شيء فيه «عاشق ومعشوق» يُعدّ كل منهما إعدادًا يجعله صالحًا للآخر، أو كطاقة الزهرة لا تجمل إلا حيث تتعدد الألوان وتتناسق، أو كفرقة الموسيقى يكمل الطبل ما نقصه المزمار، ويكمل المزمار ما نقصه الطبل، ولا تجمل الموسيقى إلا بهما معًا.
فإذا رأيت في الرجل حبًّا في التعميم رأيت في المرأة حبًّا في التخصيص. هي تحب في العلم المثال الجزئي، وهو يحب القاعدة الكلية. هي إذا تكلمت عن المنزل تكلمت عن منزلها وقارنته بمنازل صديقاتها، وأما هو فسرعان ما يطفر إلى ذكر قاعدة عامة. وهي إذا تكلمت في الحب تكلمت في حبها أو حب مثيلاتها، وهو إذا تكلم في ذلك انتقل سريعًا إلى وضع قوانين للحب؛ فنظرتها — على العموم — نظرة جزئية نفاذة، ونظرته — على العموم — نظرة شاملة وقد لا تكون دقيقة. وإذا تكلم هو عن الجمال كفكرة مجردة تكلمت هي عن فلانة الجميلة أو فلان الجميل. وإذا قال هو: ما أحسن السماء! قالت هى: ما أجمل القمر؟
ومن أجل هذا كانت المرأة في العمليات خيرًا من الرجل. وكان الرجل في النظريات خيرًا من المرأة.
فلست ترى فلاسفة من النساء في الطبقة الأولى؛ لأن الفلسفة أساسها التعميم وهي لا تحسنه، وأساسها النظريات وهي لا تجيدها. وأهم أبوابها ما وراء المادة، والنظر الجزئي يتطلب المادة. قد تجد طالبات فلسفة، وقد تجد حائزات لشهادات فلسفية، ولكن قل أن تجد فيلسوفة خالقة لنظريات فلسفية، فذلك ليس من طبعها عادة.
هي تحسن تدبير المال أكثر مما يحسن الرجل، فلو أعطى مال للمتعلمات وأعطى نظيره للمتعلمين لكان الأغلب الأرجح أن تحسن المرأة استعماله أكثر من الرجل، ولا تنفقه في مشروعات خيالية كما يفعل الرجل، ولا تقامر به؛ لأن المقامرة نوع من المشروعات الخيالية، ولا تفنيه إفناءً سريعًا اعتمادًا على ما يأتي به المستقبل كما يفعل الرجل؛ لأنه أكثر نظريات، وأوسع خيالًا، وهي أحسن تقديرًا للواقع وأقرب آمالًا.
والأمر في الخيال كالأمر في النظريات، فالنظريات تحتاج إلى فرض يخلقه الخيال؛ ولذلك كان الرجل أوسع خيالًا وأبعد مرمى وأكثر تحليقًا في السماء. ومصداق ذلك نظرة إلى الشعراء، والشعر ميدان الخيال وقريب الصلة بالفلسفة. والمرأة لا تحسن الشعر كما لا تحسن الفلسفة، فإن فتشت في الأدب العربي فقلَّ أن تجد امرأة كالخنساء، ومع هذا فما الخنساء وما شعرها؟ إن هي إلا ندابة مؤدَّبة لم تحسن القول إلا في رثاء أخويها. وأكثر ما روي عن النساء في الشعر إنما هو من قبيل الرثاء القريب الخيال. وهو ليس إلا بكاءً على فقيد جزئي محسوس صيغ في قالب شعري محدود؛ فأما ما عدا هذا الضرب من الأدب فلم تنل منه حظًّا كما نال الرجل. وهذا في الأدب الغربي كما هو في الأدب العربي، وجدت فيه شاعرات ولكنهن، قليلات، ولسن مع ذلك من أرقى صنف.
وليس هذا مما يمس مكانة المرأة في شيء. فكلتا النغمتين من الميل إلى الواقع والخيال لا بد منه في هذا العالم، فإن سبق الرجل بنظرياته وخياله فهو في حاجة إلى امرأة تذكره بالواقع، وتحد من إمعانه في الوهم وإسرافه في الخيال؛ فهو يبني وهي تحافظ على ما بنى، وهو سفينة وهي صبارتها، وهو من الخيالة وهي من الرجالة، وهو يطير وهي تمشي في تؤدة. وكل لا بد منه في جيش الحرب، وكل لا بد منه في جيش العالم. هو يتقدم الجيش فيصاب في الصف، وهي تعنى به ممرضة في المستشفى. هو يتقدم في الحياة ويخاطر ويجمع المال، وهي تدبر وجوه إنفاقه. فهو له السلطان الأكبر خارج البيت؛ لأن ذلك مجال المخاطرة والنظريات والخيال، وهي لها السلطان الأكبر في البيت؛ لأنه مجال التجربة العلمية والنظريات الجزئية والخيال المحدود.
هن محافظات غالبًا، وهم أحرار غالبًا، فالثورات الاجتماعية والدينية والسياسية من الرجال أولًا — لا من النساء — حتى طلبُ تحرير المرأة كان من قاسم أمين — أولًا — قبل أن يكون من السيدة هدى شعراوي؛ ولعل ذلك في غير كما هو في مصر؛ الأنبياء رجال لأن النبوة دعوة والدعوة ثورة. والعالم مدين في المحافظة على الدين للنساء أكثر مما هو مدين للرجال؛ لأن المحافظة من طبعهن. والإلحاد في الرجال أكثر منه في النساء؛ لأن الإلحاد ثورة أيضًا. والثورات السياسية وليدة الرجال؛ لأنها وليدة الخيال، وهن يكرهن الثورة ويكرهن الخيال. قد تحسن المرأة الثورة على الأزياء، فكل يوم نمط في الأزياء جديد: شعر طويل بعد شعر قصير، وثوب طويل بعد ثوب قصير، وقبعات أشكال وألوان، وملابس وأوضاع أنماط وأنماط، ولكن تسمية هذه ثورة من قبيل قولهم: سهام العين وفتك اللحظ وقتل المحب ونار الجوى وحرقة الفراق.
ولكن ما بال المرأة وقد حافظت على التقاليد في السياسة والدين والاجتماع وكرهت الثورة عليها، تراها وهي في الأزياء وما إليها أسرع الناس تغييرًا وأحبهم تجديدًا وأكرههم للمحافظة؟ لعل الأمر أنها لم تخرج عن المحافظة قط ولكنها كانت بين محافظتين: محافظة على أسْر الرجل ومحافظة على أنماط الأزياء، فقارنت بين المحافظتين واختارت أهون الضررين.
لعل سعة خيال الرجل وضيق خيال المرأة، وجريه وراء النظريات وميلها إلى تحديد الحياة بالواقع؛ هو الذي جعلها تسيطر على حياة الحب. فبيدها المفاتيح لا بيده، هو يسبَح وراء خياله، فإن كان شاعرًا ملأ الدنيا غزلًا وتفنن في ضروب القول وأبدع؛ فأحيانًا يرتفع إلى السماء فيتغزل الغزل الروحي، ويخلق ممن يحب صورة ملك كريم؛ وأحيانًا يهبط إلى الأرض فيدق في وصف ملامحها ونظراتها وقوامها وكل شيء فيها، ويخترع في ذلك التشبيهات الرائعة، والتعبيرات الخيالية؛ وإن كان مصوِّرًا تفنن في صورة من يحب وخلع عليها من تخيلاته وتصوراته ما يجعلها فوق مخلوقات هذا العالم؛ وإن كان موسيقيًّا ألهمه الحب فأخرج قطعًا فنية بديعة أحيانًا تبعث على اليأس وتستذرف الدمع، وأحيانًا تستخرج البشر والسرور وتثير الأمل؛ أما هي فأملك لنفسها غالبًا، وخير منه في تقدير الواقع والاعتراف بالحقائق. ولعلنا إذا أحصينا المنتحرين لفشل الحب وجدنا أكثرهم رجالًا؛ ولعل أكثر من اندفع في سبيل الخيال من النساء كان بإغراء الرجل وبفضل ما أجاد من سحر القول وإتقان الغزل والبلاغة في الفن؛ فهو إن طار في الخيال فطبع، وهي إن جرت وراءه فتطبع، وربما كان هذا من الأسباب التي جعلت الناس رجالًا ونساءً يحمّلون المرأة من التبعة في الحب وتوابعه أكثر مما يحمّلون الرجل.
قد تبدو المرأة أحدّ عاطفة من الرجل؛ فهي سريعة الرضا سريعة الغضب، سريعة الحب سريعة الكره، ترضيها الكلمة وتغضبها الإشارة، قريبة الدمعة قريبة الابتسامة، ترق فتذوب حنانًا، وتقسو فما تأخذها رأفة، تحب فتصفي الود، وتعادي فويلاه من عداوتها.
ولكن حتى في عواطفها وعواطفه هي عملية وهو نظريّ. ترحم فتتحول رحمتها وحنانها إلى تمريض للجرحى وإعداد ملابس للمساكين. وتحب فترسم خطط الزواج، وتبغض فتطلب الفراق، وتُسَر فكل شيء يدل على سرورها، هي ضاحكة وهي مغنية وهي مرحة، وتحزن فكل شيء يدل على بكائها، فهي عابسة، وهي مكتئبة، وهي توقع نغمات محزنة. ثم هي تحب مشاركة الناس لها في سرورها وحزنها أكثر مما يحب الرجل. فليس للرجال مناحة كالتي للنساء، ولا حفلات مرحة كل المرح كالتي للنساء. أما هو فيغضب على النظام فيثور وهي لا تعرف الثورة، ثم يحب وكثيرًا ما يخلو ذهنه من زواج، ويكره فلا يطلب الفراق، ويسر ويكتم سروره، ويحزن ويكتم حزنه، ويقترن حبه وكرهه وسروره وحزنه بمشروعات خيالية لا تجيدها المرأة!
هذه ناحية واحدة من نواحي الرجل والمرأة وما أكثر نواحيهما.
ولكن إنصافًا للحق يجب أن نذكر أن المرأة في عصور التاريخ لم تتح لها كل الفرص التي أتيحت للرجل؛ فلا منحت من الحرية ما منح، ولا مهدت لها وسائل التعلم كما مهدت له، ولا تحملت من المسئوليات ما تحمل؛ ولم تبدأ تتمتع بحريتها وتتاح لها سبل التعلم إلا من عهد قريب، على حين أن الرجل ظل قرونًا طويلة حرًّا طليقًا يتعلم ما يشاء ويزاول الأعمال ويتحمل تبعاتها.
فهل إذا ظلت المرأة في سيرها تتعلم وتكافح في الحياة وتطالب بما نقص من حقوقها تبقى هذه الفروق العقلية والخلقية كما أبنَّاها قبل؟ أو تضمحل الفروق تبعًا لسير المرأة في سبيل المساواة؟ وبعبارة أخرى: هل هذه الخصائص العقلية التي شرحناها في كل من الرجل والمرأة هي خصائص طبيعية كالخصائص الجسمية، أو هي فروق كانت نتيجة ما مر على الرجل من أطوار اجتماعية؟
ذلك ما سيكشف عنه الزمن.

فنُّ الحكم


يعاني الشرق الآن محنة من أشد أنواع المحن، سببها أنه بدأ يحمل عبء نفسه، وقد كان يحمله عنه المحتل.
كان المحتل يصرف أمور الأمة كما يرى، فيحرِّم ما يشاء ويحلّ ما يشاء، ويُعز من يشاء، ويُذل من يشاء؛ فإذا استعان ببعض أفراد الأمة فبأيديهم لا بعقولهم، وقد يستعين بعقولهم أيضًا ولكن على شرط أن تكون في خدمة عقله، وفي الاتجاه الذي يرسمه قلمه؛ فمن حدثته نفسه أن يفكر تفكيرًا حرًّا طليقًا فالويل له. أمسك بيده المال وهو عَصَب الأمة، ينفق منه كما يشاء في الوجوه التي تخدم سلطانه، ويبخل كما يشاء فيما يعارض منهاجه؛ فهو شحيح كل الشح على التعليم العالي، وعلى الجيش وما إليه؛ وهو سخي فيما يصلح الأرض ويدر الثروة. وعلى كل حال لم يقف من الأمة موقف المعلم النزيه يؤهل تلميذه ليكون رجلًا يومًا ما، ويمرنه على أن يستقل بنفسه شيئًا فشيئًا؛ إنما وقف منه موقف السيد من عبده يسخره وله الغلة، ويطعمه ما يسد رمقه ليقوى على العمل له.
ثم كان أن جاهد الشرق جهادًا شاقًّا طويلًا جعل حكم الأجنبي له شاقًّا عسيرًا، وساعدت الأحداث الخارجية وما فيها من قلق واضطراب على أن يغير المحتل سياسته ويحمل الأمة أكبر عبئها، ويطلق لها اليد في التصرف في أكثر شئونها. فأصبحت الأيدي التي كانت تعمل بعقول غيرها غير كافية، واشتدت الحاجة إلى العقول المفكرة، وأساليب الحكم العادلة الحازمة، فإذا بالشرق أمام مدرس يلقي لأول مرة درسه، أو قاض يجلس على منصة القضاء أول عهده، حتى الذين تولوا الحكم في عهد الاحتلال والحكم بعد الاحتلال يشعرون بالفرق بين الحكمين، واختلاف الصعوبة في العهدين، فقد كانوا في عهد الاحتلال أيديًا مسخرة، وهم في عهد الاستقلال عقول مدبرة.
•••

أول درس يجب أن يتعلمه الشرق تضحية الحاكم؛ وأعني بذلك أن يضحي بشهواته في سبيل تحقيق العدل الدقيق، فلا تستهويه شهوة المال، ولا شهوة الجاه، ولا شهوة المنصب فتصرفه عن إحقاق الحق وإبطال الباطل. وطبيعي أن الشعب لا يرضيه من الحاكم في عهد الاستقلال ما كان يرضيه في عهد الاحتلال؛ فقد كان في عهد الاحتلال يصبر على الظلم كارهًا بحكم القوة، فلما رأى أن حكومته منه، وأنها تستمد قوتها من قوته، لم يرض عن ظلم، بل هو يشتط في طلبه فلا يرضى عن عدل مشوب بظلم، إنما يريد عدلًا خالصًا، ويتطلب منها المثل الأعلى في العدالة وإلا لا يمنحها رضاه.
ثم هو لا يرضى بتحقيق العدل السلبي وحده، مثل عدم الترقية لصلة أو قرابة، وعدم الظلم في توزيع مياه الري ونحو ذلك، إنما يطالب بتحقيق العدل الإيجابي أيضًا، مثل إصلاح نظم التعليم ونظم المال ونظم الصحة، ونظم الشئون الاجتماعية؛ فإذا قصر الحاكم في ذلك مل المحكوم وسئم، وشكا من أن العهد الجديد لم يفرق عن العهد القديم، إذ لم تتحقق آماله ولم يظفر بما كان يرجو من سعادة.
•••

على أن من الإنصاف أن نقول: إن تبعة صلاحية الحكم وعدمه لا تعود إلى الحاكم وحده، بل إن جزءًا كبيرًا يحمله الشعب المحكوم نفسه؛ فالحكم فعل وانفعال مستمران بين الحاكم والمحكوم، والنتيجة التي نراها من تقدم الأمة أو تأخرها هي نتيجتهما معًا لا نتيجة الحاكم وحده.
والأثر الذي يقول: «كما تكونون يولّى عليكم» ليس قانونًا للقَدر، بل هو قانون طبيعي. فحالة المحكوم تشكَّل الحاكم — لا محالة — بالشكل الذي يتفق وحالته. ولقد علّمنا التاريخ أن عسف الحاكم لا يتم ولا ينجح إلا إذا سبقه استنامة المحكوم وضعف إحساسه، وصلاحية الحاكم مسبوقة دائمًا بتنبه المحكوم وحسن تقديره للعدالة والظلم.
بل إن أساليب الحكم ونظرية الحكومات لم تتقدم على مر الزمان تقدم الشعوب في تقدير العدل والظلم؛ فنظم الحكم التي وضعها اليونان والرومان — وعلى رأسهم أفلاطون في جمهوريته وأرسطو في كتابه السياسة — لم تتقدم كثيرًا في عهدنا الحاضر، ولكن شعوب اليوم — في فهم الحكم ومدى سلطة الحاكم وإبائهم أن يتجاوز حده — أرقى بكثير في ذلك من شعوب الأمس الدابر. لقد كان الحاكم يستطيع أن يحكم — في سهولة ويسر وإلى عهد طويل — شعبه على رغم أنفه بسلطانه وجبروته، ثم هو يتحمل أعباء الحكم على كتفه وحده. أما اليوم فلا يستطيع حاكم مهما أوتي من العقل والقوة أن يحكم إلا برضا شعبه وبمعونته وبمشاركته إياه في حمل العبء؛ وإن وجدت حالات تخالف ذلك فحالات شاذة لا يسمح النظام الاجتماعي ببقائها طويلًا.
بل تبين فساد رأي أفلاطون وأرسطو وأمثالهما في أن هناك طبقة خاصة يجب أن تَحْكُم، وأنها وحدها الصالحة للحكم، وأن من عداها غير صالح؛ إلا لأن يُحْكَم؛ وتبين أن الحاكم الحق للشعب هو الشعب نفسه، وإنما يركز آراءه في الحكم في أشخاص؛ لأن الناس اعتادوا تجسيد المعاني والرمز إليها بمحسوسات تقريبًا لعقولهم وتبسيطًا لأفكارهم؛ ولا ينجح حاكم ولا مصلح إلا إذا مثّل رأي الناس أو على الأقل رأي طائفة صالحة منهم، فلو أتى مصلح بما لا يتهيأ له فريق من الناس لعد مجنونًا، بل إن الشعب أو الطائفة منه هي التي تخلق حاكمها وتخلق مصلحها، إذ هو ليس إلا مبلورًا لأفكارهم ومركزًا لآرائهم. وليس الحاكم أو المصلح جذر الشجرة ولكن زهرتها، إنما الجذر والساق والأوراق هي الشعب نفسه.
•••

يميل الشرق إلى أن يحكم حكمًا ديمقراطيًّا، وله الحق في ذلك؛ لأنه جرب أنواعًا من الحكم الاستبدادي على أنواعه المختلفة فكانت مميتة لمشاعره، عائقة لتقدمه، وكان الحكام المستبدون ينعمون بكل صنوف الترف والنعيم على حساب بؤس الشعب وفقره.
ويميل إلى الديمقراطية؛ لأنها على ما بها من عيوب لا تزال أرقى أنواع الحكم وأبقاه؛ وحكم الاستبداد إن رضيته بعض الأمم حينًا، أو فرض عليها فرضًا حينًا، أو ارتكن على بعض الظروف حينًا، فليس هو الحكم الصالح للبقاء أبدًا.
لقد انهار الاستبداد في مظاهره المختلفة، وحلت محله ديمقراطية بأشكالها المختلفة. انهار استبداد رجال الدين بعد أن سيطروا على الشعوب أزمانًا طويلة لقي فيها الناس من عنتهم ما كره إليهم الحياة.
وانهار استبداد الأب بأسرته، فلم يعد ذلك الأب الذي لا إرادة في البيت بجانب إرادته، ولا الأب الذي كلمته حكم، وطاعته غُنْم، وحل محله أب هين لين، يأمر حينًا فيطاع، ويؤمر حينًا فيطيع.
وتغيرت الغايات للسلطات فأصبحت الغاية من الحكومة لا أن تظهر بمظهر الآمر الناهي، ولكن أن تحقق العدالة والحرية للناس حتى للضعفاء، وأصبحت الغاية من الأب لا أن ينعم بسلطانه، وإنما الغرض منه ومن الأسرة كلها إيجاد جو صالح لنمو الطفل وتربيته ورقيه. وليس الغرض من المعلم أن ينفذ إرادته بالعصا، وإنما الغرض منه ومن الناظر والمدرسة كلها أن يمسكوا بدل العصا مصباحًا يضيء للتلاميذ حقائق الحياة وسبل الحياة.
ولكن هذا الحكم الديمقراطي ليس يصلح إلا بتنظيم دقيق، بل هو إلى النظام أحوج من الحكم الاستبدادي؛ لأن الحكم الاستبدادي يحمل عبئه فرد واحد وأعوانه أيديه، وهو الرأس المدبر، فطبيعي أن يكون ظلمه وعدله منظمًا، أما الحكم الديمقراطي فيحمل عبئه عدد كبير، فإذا لم يؤد كلُّ واجبه اختل البناء، ومثله مثل الآلة ذات الأجزاء المختلفة أو كالساعة ذات القطع المتعددة المتباينة، ولا ينتظم سير الآلة ولا سير الساعة حتى يقوم كل جزء بعمله.
وسبب آخر لحاجة الحكم الديمقراطي للنظام دون الحكم الاستبدادي، وهو أن الحكم الاستبدادي يرمي إلى تحقيق مصلحة فرد واحد أو طائفة محصورة، وذلك سهل يسير. أما الحكم الديمقراطي فيرمي إلى مصلحة الشعب جميعه وخاصة الضعفاء، كالفقراء والمرضى والفلاحين والعمال، وهؤلاء عددهم في كل أمة كبير، ولا يمكن تحقيق الخير لهم إلا بجهد كبير ونظام دقيق.
فإذا لم يتحقق هذا النظام فشل الحكم الديمقراطي، وظن قِصار النظر أن العيب يرجع إلى طبيعة الحكم، وهو في الواقع لم يرجع إلا إلى سوء تطبيقه واستعماله. ثم إذا اختل كان نذيرًا بعودة الاستبداد، وارتكن المستبدون وذوو السلطان إلى ما يبدو تحت أعين الأمة من سوء الحكم الديمقراطي وفساده، واتخذوا ذلك ذريعة إلى استرجاع سلطانهم واستعادة استبدادهم، وأعادوا الأمة إلى سيرتها الأولى يسخرونها لمنفعتهم ويستعملونها لمصلحتهم.
فإكسير الحياة للشرق الآن تحري العدالة في الحاكم، وتضحية شهواته، وتنظيم حكمه وحمل كل عبئه، وتنفيذ واجبه في دقة، وإلا كان تحت خطر الفوضى التي تقدِّم للأسد الرابض حجته وصياحه من جديد بأن الشرق أعطي حريته فلم يحسن استعمالها.

مِقْياسُ الشَّبابِ


أما الأطباء وعلماء الإحصاء فيقدرون الشباب بالسن، فمن بلغت سنه العشرين أو قبل ذلك قليلًا أو بعد ذلك بسنين فشاب وإلا فلا؛ فتحديد السن هو مقياس الشباب، كما هو مقياس الطفولة والهرم، فإن شئت أن تعرف المخلوق أطفل هو أم شاب أم شيخ فأغمض عينك وعد السنين، ولا تنظر إلى قوة أو ضعف، ولا إلى صحة أو مرض.
وسار على نمط علماء اللغة، فقالوا: ما دام الإنسان في الرحم فهو جنين، فإذا ولد فهو وليد، ثم ما دام يرضع فهو رضيع، ثم إذا قطع عن اللبن فهو فطيم، فإذا كاد يجاوز عشر سنين أو جاوزها فهو ناشئ، فإذا كاد يبلغ الحلم أو بلغه فهو يافع ومراهق، ثم ما دام بين الثلاثين والأربعين فهو شاب، ثم هو كهل إلى الستين.
ولكن هناك شاعرًا أراد أن يخرج على هذه التقاليد، وأراد أن يقيس الشباب والفتوة بالمعنى لا بالمبنى، وبالقوة لا بالسن، فقال:
يا عَزُّ هل لكِ في شيخ فَتى أبدًاوقد يكون شبابٌ غيرُ فِتْيَانِ؟ فهو لا يريد أن يعترف بأقوال الإحصائيين، ولا أقوال اللغويين؛ فقد يسمَّى الشيخ شابًّا متى حاز صفات الشباب، وقد يسمى الشاب شيخًا إذا حاز صفات الشيوخ، فالعبرة عنده في التسمية الصفة لا السن، وهي من غير شك نظرة جريئة ومذهب جديد ينظر فيه إلى الكيف لا إلى الكم، وإلى النتائج لا إلى المقدمات، وإلى الغاية لا إلى الوسيلة؛ فإذا عرضْتَ عليه رجلًا قد ناهز الستين أو جاوزها، قد لبس في حياته العمائم الثلاث: السوداء ثم الشمطاء ثم البيضاء، وعرضت بجانبه من يسمونه شابًّا، لم يلبس في حياته إلا العمامة الأولى. ثم سألت صاحب هذا المذهب: ما قولك دام فضلك في هذين: هذا أرْبى على الستين، وهذا في سن العشرين، فأيهما الشاب، وأيهما الشيخ؟ لم يستسخف سؤالك، ولم يعده بديهية من البديهيات، بل عده مجالًا للنظر الطويل والتفكير العميق، وقال: ليس الأمر بالسن أيها السائل، فمن رأيته منهما متهدمًا قد نضب ماؤه، وذهب رُواؤه، وذوى عودُه، وخَوَى عمودُه، ورق جلده، وانخرع متنه، وحطمته اللذات، وأنهكت قوته الشهوات، حتى صار لا يحمل بعضه بعضًا، فهو شيخ وإن كان ابن العشرين؛ ومن امتلأ قوة، وبلغ كمال البنية، واستوت قامته، واعتدل غصنه، وحفظت جدته، وأحكمت مِرِّته، وتجلت رجولته، واكتمل نشاطه، فهو الشاب ولو جاوز الستين. إنما يلجأ إلى السن في تحديد الشباب والشيخوخة من قصُرَ نظره، وضعفت قوة حكمه، وأراد أن يعالج الأمر من أسهل طرقه، وأقرب مسالكه، وذلك شأن الغِر الأبله، لا الفيلسوف الحكيم. ولمَ كنا إذا قسنا العلم وقسنا الكفاية، وقسنا الخلق والصلاحية للأعمال لم نرجع في شيء من ذلك إلى السن، وإذا قسنا الشباب والشيخوخة رجعنا إلى السن؟ ليست السن مقياس الشباب، وإنما أحسن أحوالها أن تكون علامة الشباب، وقد تتخلف العلامة، كحكمنا على الرجل بالعلم؛ لأن لديه شهادة الليسانس في الآداب أو الليسانس في الحقوق، وقد يكون معه الليسانس أو الدكتوراه وليس بعالم، كما يكون في سن العشرين وليس بشاب. إن الشباب أو الشيخوخة معنى لا مادة، وقد علمتنا قوانين الحياة أن المادة تقاس بمادة، والمعنى يقاس بالمعنى. فنحن نقيس الحجرة المادية بالمتر المادي، ونكيل القمح المادي بكيلة مادية، ونزن التفاح المادي برطل مادي؛ ولكن من السخف بمكان أن نقيس الفضيلة أو الجمال أو القبح بمتر أو رطل أو قدح، فلم نقيس الشباب وهو معنى بالسن وهي مادة؟
بل لو تعمقنا أكثر من ذلك لوجدنا أن حسن الرواء وجمال المنظر ومرح النشاط ليست هي المقياس الصحيح للشباب، إنما الشباب مزاج، هو محصِّل لمجموع قوى نفسية، هو حاصل جمع لصفات خلقية، إن شئت فقل: هو الإرادة قوية تعزم العزم لا رجوع فيه، وتزمع الأمر لا محيد عنه، وترمي إلى الغرض لا سبيل إلا إليه. تعترض الصعابُ فلا تأبه لها، وتخر السماء على الأرض فلا تتحول عنه. قد تعترف بأن هناك عقبه، ولكن لا تعترف بعقبة كئود، وقد تقر بصعوبة الأمر، ولكن لا تقر باستحالته، والشباب هو العاطفة القوية المتحمسة الصحيحة، ومظاهر صحتها أنها ثابتة، فليست «قشًّا» تشتعل سريعًا وتخمد سريعًا، وليست مضطربة تذهب مرة يمينًا ومرة يسارًا من غير غرض يحدد اتجاهها، وليست مائعة تحب فتذوب في الحب، وتغضب فتُجن في الغضب إنما ألجمها بعض الإلجام العقل والمصلحة والغرض، والشباب هو الخيال الخصب الواسع الأفق المترامي الأطراف الذي يرسم الأمل، ويبعث على الطموح، ويحمل المرء على أن يتطلب لنفسه ولأمته حياة خيرًا من حياتها الواقعية — هذا المزاج الذي يتجمع من إرادة قوية وعاطفة حية وخيال خصب هو الشباب، وبمقدار قوتها وتلاؤمها تكون قوة الشباب، وبمقدار نقصها تكون الشيخوخة؛ فالشباب موجب والشيخوخة سالبة، والشباب إقدام والشيخوخة إحجام، والشباب نُصرة والشيخوخة هزيمة.
وإذا كان الناس قد اعتادوا أن يصطلحوا على علامات للشيب والشباب حسب تفسيرهم الباطل فإن لنا علامات أخرى على تفسيرنا الصحيح.
لقد جعلوا الرأس موضع أهم الأمارات؛ فسواد الشباب وبياض المشيب أكثر ما دار عليه القول في الشيخوخة والشباب، وهو مركز القول في ذلك عند الأدباء والشعراء، حتى ألفوا في ذلك الكتب الخاصة، من أشهرها كتاب «الشهاب في الشيب والشباب». وقد التفت مؤلف هذا الكتاب في مقدمته إلى فكرة جليلة، ولكنه لم يحسن تعليلها، قال: «إن الإغراق في وصف الشيب والإكثار في معانيه، واستيفاء القول فيه، لا يكاد يوجد في الشعر القديم، وربما ورد لهم فيه الفقرة بعد الفقرة، فكانت مما لا نظير له، وإنما أطنب في أوصافه واستخراج دفائنه والولوج إلى شعابه الشعراء المحدثون».
وعلة ذلك في نظري أن الحياة في الجاهلية وصدر الإسلام لم تكن غالية، كانت تتطلب المجد وتسترخص الموت، غير أن المجد في الجاهلية كان مجد الذِّكْر وحسن الأحدوثة، والخوف من العار واتباع التقاليد؛ وكان في الإسلام ذلك، وعند بعضهم الاستشهاد في سبيل الدعوة وبيع النفوس لله برضاه وجنته، فليست الحياة تستحق البكاء الطويل عليها. أما في العصر العباسي فكانت أشبه بحياة الرومانيين، من أهم أغراضها اللهو واللعب، ومن أغراضها القرب إلى النساء والتحبب إليهن، وذلك يستدعي حب الحياة؛ فنذير الموت وهو الشيب بغيض إلى النفس، والنساء يكرهن الشيب فيجب أن يكره، ويعيرن به فيجب أن يبكى، ويمدحن الشباب ويحببنه فيجب أن يرثى؛ لهذا كثر القول في الشيب في العصر العباسي وما بعده، وقل فيما قبله.
أما علامات الشباب والشيخوخة في نظريتنا فليس موضعها الرأس؛ لأن موضعها القلب؛ فاليأس شيخ لأن اليأس ضعف في الإرادة وضيق في الخيال وبرودة في العاطفة، والشيب شيب القلب لا شيب الرأس؛ فمن لم ينفعل لمواضع الانفعال، ولم يعجب من مواضع الإعجاب، ولم يستكره في مواضع الاستكراه، ولم ينازل في مواضع الكفاح، ولم يطرب للموسيقى الجميلة والمنظر الجميل، ولم يهتج للأحداث، ولم يأمن ولم يطمح، فهو شيخ أي شيخ، شاب قلبه وإن كان أسود الرأس حالكه.
إن أردت أن تعرف أشيخ أنت أم شاب، فسائل قلبك لا رأسك: هل ينبض بالحب، حب الجمال، وحب الطبيعة، وحب الفضيلة، وحب الإنسانية؟ وهل ينفعل لذلك انفعالًا قويًّا فيهيم ويغار ويدافع ويضحي؟ هل يتصل بالعالم فيتلقى أمواجه الأثيرية من الناس، ومن الأرض، ومن البحر، ومن الجبل، ومن السماء، ثم يلقى بأشعته — كما تَلَقَّى — على كل من حوله، فينفعل ويفعل، ويتأثر ويؤثر، فهو كالقمر يتلقى من الشمس ضياءً وهاجًا، ويعكسه على الأرض نورًا وضَّاءً؟ هل يبادل من حوله حبًّا بحب، وعاطفة بعاطفة، وخيرًا بخير، وأحيانًا شرًّا بشر؟ وهل يترك العالم خيرًا مما تسلمه؟ أو أنه قلب بارد كالثلج، جامد كالصخر، لا طعم له كالماء، ميت كالجماد، مغلف كالخرشوف؟
إن كان الثاني فشيخ، وإن كان الأول فشاب.
قالت كبِرْتَ وَشِبْتَ قُلْتُ لهاهذَا غُبَارُ وَقَائِع الدّهْر
نظرةٌ فِي النُّجوم


مما أرثي له أن أرى الشرقيين — وخاصة سكان المدن — لا ينتفعون بسُطُوح منازلهم الانتفاع الواجب، فهم قلما يصعدون إليها إلا عند تركيب قوائم الراديو، أو حبال الغسيل، أو تخزين ما يستغنى عنه في حُجَر السطح، وهم يحبون أن يلتصقوا بالأرض، ولا يحلقوا في السماء، وينزلوا بحضيض المنازل ولا يسموا إلى أوجها.
وفاتهم أن من خير متع الحياة «سطوح المنازل» لاسيما في جو بديع كجونا، تصفو فيه السماء في أكثر أشهر السنة، ويهبُّ فيه النسيم العليل ليلًا، ويمتد فيه البصر، وتنشرح فيه النفس؛ ولياليه بين ليال مقمرة بديعة لا تمل العين جمالها، وليال غاب فيها القمر فقامت النجوم مقامه، تناغيك وتحدثك، وتملأ قلبك روعة ونفسك حياة.
تَبًّا للأعين التي تنظر دائمًا إلى الأسفل، ولا تنظر إلى الأعلى، ويلذ لها أن تنظر إلى المسافات القريبة وإلى ما تلمس، ولا تنظر إلى البعد السحيق والمنظر البعيد. إن العين إذا اعتادت ذلك قلدتها النفس، فلم تنظر إلى الأمل البعيد، ولم تلتذ بالطموح، ولم تسعد بالأمل، وقنعت بما هي فيه، ورضيت بالدون، وتشاغلت به، وصدها ذلك عن أن تنشد الكمال، للارتباط الشديد بين عالم الحس وعالم العقل وعالم الروح.
ولقد كان آباؤنا الأولون أكثر منا عناية بالسماء، حتى العرب في بداوتهم أطالوا النظر في النجوم وانتفعوا بجوهم المفتوح، وسمائهم الصافية، فعرفوا كثيرًا منها ووضعوا لها أسماءها، وكان لهم فيها ملاحظات دقيقة، وأشعار رقيقة. أما نحن فقلّ أن نعرف من أسماء النجوم إلا الشمس والقمر، وجهلُنا بأسماء المشهور منها جهل فاضح لا يتفق وسماءنا البديعة. وأما شعراؤنا — سامحهم الله — فأكثرهم لا يشعر في السماء والنجوم إلا تقليدًا، يبرِّح به ألم الهجر في غرفته المسقوفة، وقد أغلقت شبابيكها، وأسدلت ستائرها، ومع ذلك يشكو النجوم وثباتها، وهو لا يرى سماءً ولا نجومًا.
لو كان في أوروبا جو مكشوف دافىء كجونا، لعرفوا كيف ينتفعوا بالسماء كما انتفعوا بالأرض، ولاتخذوا من سطوح منازلهم مقامًا للسمر الحلو والتأمل اللذيذ، ولاتخذوا منها منتديات ومقاهي ومسارح للسينما والتمثيل وأماكن للمحاضرات، فانتفعوا بجمال الجو وجمال منظر السماء وجمال منظر السينما والتمثيل وجمال الحديث معًا؛ ولو فعلنا لارتحنا من عناء المتسولين والجوَّالين وماسحي الأحذية إلا أن يصعدوا إلينا في السماء.
•••

نعمت هذا الشهر بسطح منزلنا، وأكثرت من التحدث إلى النجوم، والإصغاء إلى حديثها، وملت إلى قراءة شيء من أخبارها، فملأت قلبي حياة، وعقلي هدوءًا وأعصابي راحة.
وكنت كلما شكيت من شيء بثثت شكواي إلى النجوم فتبخَّرتْ، وكلما تدنستُ في جو الأرض تطهرْت في جو السماء، فإن آلمتني السياسة بألاعيبها وخداعها، والأولاد بمضايقاتهم ونزاعهم، والخدم برذائلهم، والبيئة بمشكلاتها وصغائرها، علوت إلى السطح وانسطحت على سجادة، ووصلت أسباب ما بيني وبين النجوم، فزال كل ألم، واحتقرت كل ما ضايقني، وعشت في عالم جديد لذيذ مريح، ورأيت أني غسلت نفسي كما يغسل الثوب في البحر الواسع.
عظيمة هذه النجوم وجميلة وجليلة! فإن رأيت نجوم المجرة وعلمت أنها تبلغ عدتها الملايين، وأنها تسير بسرعة هائلة لا يتصورها الخيال، وأن بعضها بلغ من البعد عنا ما لا يصل إلينا ضوؤه إلا في آلاف السنين، أيقنت بهذه العظمة، وشعرت في أعماق نفسك بحقارتك وحقارة شواغلك وحقارة أرضك كلها — وإن علمت أن في السماء آلافًا من الشموس تكوّن كل شمس منها مجموعة من النجوم كمجموعتنا الشمسية، سبحت في عالم من العظمة لا حد له، وتساءلت في كثير من الحيرة والإعجاب: إلى أي طريق هي مسوقة، وإلى أي طريق نحن مسوقون معها؟ وقلت كما قال أبو الشبل البغدادي:
بربـك أيهـا الفـلك المدارُأقصدٌ ذا المسيرُ أم اضطرارُمَـدارُك قل لنا في أي شيءففي أفهـامنا منـك انبهـارُوفيك نرى الفضاء وهل فضاءسـوى هذا الفضاء به تدار؟ ثم رددت الطرف خاسئًا وهو حسير، ولكنها حسرة لذيذة لا ترضي بها بديلًا.
أيتها النجوم! كم من الناس نظروا إليك فأعجبوا بعظمتك وجمالك وجلالك، وكم من الشعراء تغنوا بك، وتفننوا في الإشادة بذكرك، وعابوا عليك سرعتك أيام الوصال، وبطئك أو وقوفك أيام الهجران!
وكم حارت فيك العقول فظنوك إلهة وعبدوك من دون الله، وأقاموا لك الهياكل والتماثيل، ثم تقدموا قليلًا فأنزلوك من مقام الألوهية قليلًا، وجعلوا لك أثرًا كبيرًا في أحداث الأرض! فلك أثر في الرياح والأمطار والسعادة والشقاء، وربطوا مواليد الناس بك، وجعلوا سعادتهم وشقاءهم من أجلك؛ وحتى الفلاسفة العظام أمثال أرسطو أعمتهم عظمتك عن أن يدركوا حقيقتك، فأسندوا إليك عقولًا كبارًا، وجعلوا منزلتك في الفكر والعقل فوق منزلة الإنسان، وسَبَحوا في الخيال فأسسوا نظامًا وهميًّا للأفلاك وتدرجها في الأثر حتى تصل إلى عالمنا، وخدع الناس بك فبنيت لك المراصد لمراقبة حركاتك، وأقنع المنجمون الناس بتأثيرك فسمعوا لقولهم، واتخذ الملوك المنجمين يعتمدون عليهم في تدبير مملكتهم، كما يتخذون الأطباء لتدبير أجسامهم، فلا يضعون بناءً إلا بعد رصدهم لك وإشارتهم بأنك ستمنحين السعادة لبنائهم، ولا يحاربون إلا برأي رجالك وتخير أوقات رضائك.
وكم شغل الناس بطوالعك، وتخيروا أوقات زواجهم محسوبة بحسابك، وتنبأوا — بمعونتك — بموت فلان وحياة فلان، وأنت أنت فوق ذلك كله لا تعبئين به ولا تلتفتين إليه. كأن أمرهم لا يعنيك، وشئونهم لا تهمك. وتتابعت الأجيال ومرت السنون، وفنيت أقوام وجدت أقوام وكلهم يمنحونك إعجابهم، وأنت في علاك وسيرك وسرعتك دائبة أبدًا.
وأتى العلم الحديث فغير فيك الأفكار، وساواك بالأحجار، وجعل قمرك الجميل كأرضنا غير الجميلة، وسلب عنك العقل والفكر، وأخضعك لنواميس الطبيعة، وأبان خرافات الأقدمين فيك — ومع ذلك أقر بجلالك وأخذ بدقة نظامك، وأقر بجهله أن يحيط بك، وأن يتعرف كل قوانينك؛ فأنت أنت أيام الجهل وأيام العلم، وأيامنا وأيام آبنائنا.
وبينا أنا في ذلك كله، وفوق ذلك كله، دعاني الخادم إلى التليفون فنزلت من السماء إلى الأرض.
– آلو!
– فلان! لعلك تذكرني؟
– أهلًا وسهلًا!
– أريد أن أقابلك!
– هل من شيء؟
– لقد تخرجت من كلية الآداب واشتغلت في عمل لا يناسبني، وماهية لا تليق بي، وإخواني كلهم خير مني، فلي سنوات لم آخذ علاوة، ولم أرق إلى درجة.
– نعم!
– والآن هناك حركة ترقية وأريد مساعدتك.
ثم حوار طويل، ورجاء مستمر، وشكوى بؤس، وعائلة يعولها، وماهية لا تكفيها، ودنيا ضاقت به وبها.
•••

فى أي تفكير كنت؟ وإلى أين صرت؟ هذه السماء، وهذه الأرض، أين هذا العالم العظيم السعيد الذي كنت أحلم به من هذا العالم الحقير التافه الذي نقلني إليه التليفون، والذي يمضي فيه أكثر الناس أكثرأعمارهم؟ لقد غطسني بحديثه في ماء مثلج، فلأصعد ثانية إلى السماء، ولأعاود ما كنتُ فيه … لا. لم تعد للفكر لذته، ولا لحديث النجم متعته.
•••

لقد قلب علم الفلك عقلية الإنسان رأسًا على عقب، فقد كان يظن أنه سيد العالم، وأن أرضه هذه هي مركز العالم، وأن الشمس والقمر والنجوم تدور حولها، فأبان له العلم أن أرضه ليست إلا هنَةً تسبح في الفضاء، وأنها شيء تافه في المجموعة الشمسية التي تدور حول الشمس، وأن كل العالم من أرض ونجوم خاضعة لقوانين واحدة كقوانين الجذب وما إليها، وأنه إن كانت أرضه هنة فكيف به هو! كل هذا غيْرَ عقلية الإنسان وأنزله من شماخة وسلبه غروره، فأخذ يفكر تفكيرًا جديدًا، وينظر لنفسه وللعلم نظرًا جديدًا، ويربط نفسه بالعالم ويرى أنه هو والعالم وحدة، وأن هذه الوحدة تخضع لقوانين ثابتة استكشف أقلها وغاب عنه أكثرها، ما استكشف منها يدل على عظمة باقيها وعمومها وسيطرتها، ولكن شيئًا واحدًا لم يتغير في الإنسان؛ وهو ارتباط عواطفه بالنجوم، وأنها تجد السبيل دائمًا لقلبه، وتوحي إليه بعظمة ربها وربه.

صفحةٌ سوداء


رووا أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب في وصف مصر أن: «نيلها عجب، وأرضها ذهب، وهي لمن غلب».
ورووا أن عتبة بن أبي سفيان كان عاملًا لأخيه معاوية على مصر، فبلغه أمور عن أهلها، فصعد عتبة المنبر مغْضَبًا وقال: «أيا حاملين ألأم أنوف ركبت بين أعْيُن، إنما قلمت أظفاري عنكم لِيَلِين مسِّي إياكم، وسألتكم صلاحكم لكم، إذ كان فسادكم راجعًا إليكم. فأما إذ أبيتم إلا الطعن في الولاة والتنقص للسلف فوالله لأقطِّعن على ظهوركم بطون السياط، فإن حَسَمت داءكم وإلا فالسيف من ورائكم».
وقبل هذا وذاك، جاء فرعون فَحَشَرَ فَنَادَى? * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى?. وجاء أبو نواس مصر بعد ذلك فقال:
مَحَضْتكُمُ يا أهل مصرَ نصيحتيألا فَخُذُوا من ناصح بنَصيبِرماكم أمـير المـؤمنين بحيَّـةٍأكـُولٍ لحيَّات الـبلادِ شَرُوبفإن يك باقِ إفـك فرعونَ فيكمُفإنَّ عَصَا مُوسى بكفِّ خَضِيب واشتهر المصريون عند المؤرخين بالانهماك في الشهوات وعدم النظر في العواقب. ولما رآهم ابن خلدون على هذه الحال قال فيهم: «كأنما فَرَغوا من الحساب» يريد أنهم لا يحاسبون أنفسهم على ما يصدر منهم، ولا يخافون من عاقبة أعمالهم، كأنما فرغوا من الحساب.
وظل مؤرخو العرب يرمون المصريين بالذل، وقبول الضيم في كل ما كتبوا، وكان من أشدهم المقريزي في أول خططه، فقد عقد فصلًا في أخلاق المصريين قال فيه: «وأما أخلاقهم فالغالب عليها اتباع الشهوات، والانهماك في اللذات، والاشتغال بالترهات، والتصديق بالمحالات، وضعف المرائر والعزمات، ولهم خبرة بالكيد والمكر، وفيهم بالفطرة قوة عليه، وتلطف فيه، وهداية إليه». ثم رماهم بالذل، وأخذ يحصي الأقوال في ذلك؛ فروي عن كعب الأحبار أن «الخِصْب قال: أنا لاحق بمصر، قال الذل: وأنا معك. وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصحة: وأنا معك»، وروي أن ابن القِرِّية وصف أهل مصر فقال: «عبيد لمن غلب، أكْيس الناس صغارًا، وأجهلهم كبارًا».
وجاء بعده السيوطي فلم يخجل من أن يضع كتابه «حسن المحاضرة» فصلًا عنوانه «السبب في كون أهل مصر أذلاء يحملون الضيم»، وقد جاء فيه «أن الشيخ تاج الدين كان يقول: إن الحكماء وأهل التجارب ذكروا أن من أقام ببغداد سنة وجد في علمه زيادة، ومن أقام بالموصل سنة وجد في عقله زيادة، ومن أقام بدمشق سنة وجد في طباعه غلظة، ومن أقام بمصر سنة وجد في أخلاقه رقة وحسنًا»، والرقة والذل قريب بعضهما من بعض. وقال القاضي الفاضل: «أهل مصر على كثرة عددهم، وما ينسب من وفور المال إلى بلدهم، مساكين يعملون في البحر، ومجاهيد يدأبون في البر».
ويذكرون الذل على أنه حقيقة ثابتة ثم يختلفون في السبب في ذلك: فمن قائل: إن المصريين غاظوا يومًا سعد بن أبي وقاص، فدعا عليهم أن يضربهم الله بالذل، وسعد عرف بإجابة الدعوة.
إن كان ذلك فالخطب هين، فمن الممكن أن يجتمع صالحو مصر وزُهَّادها فيقرءوا الفواتح والدعوات وما تيسر من القرآن الكريم، ويهبوها لروح سعد ويطلبوا إليه أن يعدل من دعوته، ويطلب إلى الله تعالى أن يرميهم بالعزة بعد الذل. وما أظن سعدًا يصر على دعوته، وقد عرف في حياته بالسماحة والسؤدد.
ومن قائل: إن فرعون لما غرق كان معه أشراف القوم وأعزتهم، فلما غرق غرقوا معهم، فلم يبق إلا الحثالة، فأتى من نسلهم الجبناء الأذلاء. وهل ينتج الذليل إلا الذليل؟ وهذا القول أيضًا سهل رده، فالمصريون قد نزل بين أظهرهم كثير من سادة اليونان والرومان، وسادة العرب وسادة الأتراك، وذابوا في مصر واختلطوا بأهلها؛ فلمَ يغلب الذل العزة وعهدنا دائمة غلبة الأعزاء؟
أخطر الأسباب ما يلمح إليه الماكر «المقريزي» فهو يريد أن يبعث في النفوس اعتقادًا بأن هذا سبب طبيعي يرجع إلى الإقليم وإلى الجو، وإلى طبيعة الأرض؛ هو يريد أن يقول: إن ذلك خلقة فيهم، بل هو في كل شيء حولهم فيقول: «إن هواء مصر يعمل في المعجونات وسائر الأدوية ضعفًا قى قوتها، فأعمار الأدوية — المفردة والمركبة، المعجون منها وغير المعجون — بمصر أقصر منها في غير مصر»، وأشد من ذلك وأصرح قوله: «إن قوي النفس تابعة لمزاج البدن، وأبدانهم سخيفة سريعة التغير، قليلة الصبر والجلد، وكذلك أخلاقهم يغلب عليها الاستحالة والتنقل من شيء إلى شيء، والدعة والجبن … ومن أجل توليد أرض مصر الجبن والشرور الدنيئة في النفس لم تسكنها الأسْد، وإذا دخلت ذلت ولم تتناسل، وكلابها أقل جرأة من كلاب غيرها من البلدان، وكذلك سائر ما فيها أضعف من نظيره في البلدان الأخر، ما خلا ما كان منها في طبعه ملاءمة لهذه الحال كالحمار والأرنب».
قول قاس أيها المؤرخ! ولو صح ما قلت لكان حكمًا أبديًا صارمًا؛ فإن لنا طاقة بتغيير كل شيء إلا الجو والإقليم فماذا نصنع فيهما؟ لو كان صحيحًا قولك لاستوجب اليأس في الإصلاح، فما تفلح أمة ضرب عليها الذل والخضوع، بل لوجب الرحيل من بلد يسمم جوه دائمًا أخلاق أهله.
وقديمًا قال الشاعر:
«وإذا نزلتَ بدارِ ذل فارحلِ»
أخشى أن تكون متأثرًا بآراء شيخك ابن خلدون، وقد كان في طباعه حدة وعنف، وفي المصريين دعة، فنظر إليها بطبعه الحاد نظرة فيها إفراط وفيها مبالغة ولو كانت نظرتك صحيحة لما تعاقبت الذلة والعزة على الأمة الواحدة، فتعز بعد ذلة، أو تذل بعد عزة، والجو واحد والإقليم واحد. وإن في تاريخ مصر نفسها صفحات بيضاء تتجلى فيها العزة بأجلى مظاهرها. الحق — يا سيدي — أن الإقليم عامل، ولكن ليس كل عامل، فإذا كان الجو سُمًّا فالتربية والتعليم ترياق. ألا ترى إلى مثلك نفسه؟ فقد ذكرت أن الأدوية والمركبات والمعاجين يسرع إليها الفساد في مصر لسوء الجو — لو عشت إلى عصرنا لعلمت كيف تغلب العلم على الأقليم، وصار من المستطاع في يسر وسهولة أن يحفظ الدواء — بأبسط المعالجات — في مصر كما يحفظ في أوروبا، وأن التربية كذلك تفعل في النفس الأعاجيب، وكل ما نستطيع أن نستفيده منك أنك نبهتنا أنت وأمثالك من المؤرخين إلى أن في مصر جبنًا وفي مصر ملقًا، إلى هنا نقبله منك، لا لنستسلم له، ولا لنقر أنه طبيعي فينا، ولكن لنريك الأمثال على خطأ تعليلك ولننبهك إلى نظرية ثبتت حديثًا، وهي: أن الأمم المبتدية الساذجة هي أكثر استسلامًا للطبيعة وشئونها، والأمم المتحضرة تستطيع بعلمها وتربيتها وقوة عقلها أن تسخر الطبيعة لمصلحتها، لا أن تخضعها الطبيعة لأمرها. فنحن نستطيع أن نستفيد من وداعة الطبيعة فنكون وديعين إلى حد، فإذا أرادت أن تتجاوزه إلى نفاق وملق وجبن قالت التربية: «لا» بملء فيها، وحق للتربية إذا قالت: «لا» أن يكون «لا».
وعبت كلاب المصريين بالضعف، ويظهر أنك لم تر كلاب «أرمنت» وما هي عليه من بسطة في القوة والجسم، ولو قدِّر عليك أن ينبحك واحد ما سلمت بجلدك، ولغيرت حكمك.
لقد أحسستَ بأن تعميم نظريتك خطأ بين، فاستدركت وقلت: «ومن المصريين من خصه الله بالفضل وحسن الخلق وبرأه من الشرور» أليس هذا — يا سيدي — نقصًا لقولك وتسليما لقولنا؟ فأنت تعلم أن «ما بالطبيعة لا يتخلف» ولو كان الذل ينفثه الإقليم وحده، لما رأيت شاذًّا من الشواذ. ألا ترى أن فعل الطبيعة في الأدوية — بإسراع الفساد إليها — مطرد، ومطرد دائمًا؟ فإذا اختلف الناس في الجبن والعزة والملق والصراحة، فهناك عامل آخر أقوى وهو عامل التربية نستطيع به أن نتغلب حتى على قوانين الطبيعة.
أرجو ألا يسمح الجيل الجديد والأجيال القادمة لمؤرخيهم أن يؤرخوهم كما أرخهم المقريزي والسيوطي.

هُمَا


«هما» إنسانان متباينان، لا يجمعهما إلا أني عرفتهما.
أما «هو» الأول، فنظيف الثوب في غير أناقة، لا يعنيه من ثيابه إلا أنه لا يتأذى بقذارتها، ولا يتأذى من أنها زاهية تلفت الأنظار؛ قد طبع على ما يود. فلا هو جميل يقيد النظر، ويفْترق البصر، ولا هو قبيح الشكل سمج المنظر، تتفاداه العيون، ويلفظه الطرف، لو عهد إليه أن يخلق نفسه ما اختار غير صورته وشكله؛ لأنه يأبى تكاليف الجمال وتكاليف القبح.
كثير التفكير في نفسه، كأن الله لم يخلق في العالم إلا هي، وإن كان قد خلق أشياء فنفسه مركزها، دائم المحاسبة لنفسه على ما صدر منها للناس، ودائم المحاسبة للناس على ما صدر منهم لنفسه؛ ففي نفسه محكمة منعقدة باستمرار، تطول فيها المرافعة، ويشتد فيها الخصام، وتكثر منها الأحكام، والنقض والابرام. حدثني أنه إذا جلس في مجلس استعرض بعد الفراغ منه كل ما دار فيه على الترتيب، كأن ذهنه «شريط ماركوني» ثم وقف عند كل كلمة صدرت منه بفحصها: هل مست شعور أحد، هل ظلمت أحدًا، هل جرحت كرامة أحد، ألم يكن غيرها خيرًا منها، أما كان يحسن أن يقال في مثل هذا الموقف غير هذا الكلام؟ ووقف عند كل كلمة قالها غيره يحللها: ماذا يريد منها؟ لقد جرح إحساسي بها، لقد كان يلتفت إليّ عندها، وما سبب ذلك والعلاقة بيني وبينه على خير ما يكون صديق لصديقه؟ لا بد أن يكون قد تأثر من كذا وغضب من كذا؛ ولكن إن كان هذا فلا حق له لأنه لم يفهم قصدي ولم يتبين غرضي. فإذا أتم ذلك وأوى إلى فراشه بدأ يعيد الشريط من جديد، ويعلق على الحوادث تعليقات جديدة، ويفسرها تفسيرًا جديدًا، حتى يدركه النوم، وقلّ ألا يحلم بما حدث، وقلّ ألا تأتيه الرؤيا بتفسيرات جديدة وتعليقات جديدة.
من أجل هذا يفر من الناس، ويفر من المجتمعات، حتى لا تكثر الأشرطة فيكثر عرضها، والتعليق عليها؛ فقل أن أجاب دعوة مع كثرة ما وجه إليه من دعوات؛ لأنه مع هذا ليس ثقيل الظل ولا جامد النسيم؛ فإذا اضطر إلى دعوة ذهب إليها كارهًا، وحسب حساب كل كلمة يتكلمها، وكل حركة يتحركها قبل أن يقدم عليها، تفضيلًا للحساب العاجل على الحساب الآجل؛ فقلّ أن يأخذ الناس عليه غلطة مع كثرة ما يتوهمه هو من غلطات.
أداه التفكير الكثير في نفسه إلى أن يكون عميق التفكير في كل ما يعرض عليه؛ فإذا عرض أمر قلبه على جميع وجوهه، وغاص في نواحيه، واستخرج منها أدق الأفكار وأصعبها وأعقدها. وشغف بالعلم فكان دائب الدرس كثير الاطلاع، تثقف بالثقافة الإنجليزية فهو يتكلمها ويقرؤها كأحد أبنائها، وسمع بعمق التفكير الألماني فعكف على اللغة الألمانية حتى حذقها، وحدثه الأدباء بالأدب الفرنسي وما فيه من دقة في تحليل العواطف وإجادة الوصف، فدرس اللغة الفرنسية حتى أجادها، وتضلع من آداب اللغات الثلاث، وعرف أشهر ما كتب فيها، فإذا حدثك في أي ناحية منها أبان لك عن علم واسع ومعرفة دقيقة، هذا إلى لغته العربية ومعرفته بها كأنه متخصص فيها؛ ثم هو بعدُ لا يرضى عن نفسه، فهو دائم الدرس، دائب العمل، كلما قطع شوطًا طمح إلى ما هو أرقى منه، فكأنه ومطامحه كالفرس وظله يجري دائمًا ليسبقه، وهيهات أن يلحقه.
وهو مع كل علومه وكل لغاته وكل عمقه خامل مجهول، لا يعرف حقيقته إلا خلصاؤه؛ إن جلس مع غيرهم فعييٌّ جهول لا يشاركهم في جدل، ولا يفضي إليهم بحديث، يعرف مواضع السخف من قولهم، ومواضع النقص في تفكيرهم، ويتظاهر بأنه لا يعي ما يقولون، ولا يرقى إلى ما يفكرون ويجادلون، يتغابى وهو الذكي، ويتعايى وهو الفصيح.
لا يعبأ بالمال إلا بمقدار ما يعيشه عيشة نظيفة في غير ما طرف ولا سَرف.
ثم هو — غالبًا — لا يحب رؤساءَه ولا يحبه رؤساؤه؛ فهو لا يحبهم لأنه يتطلب فيهم كمالًا لا تسمح به الدنيا إلا نادرًا، ويقيس الكمال بمقياس محدود معين، مع أن للكمال مناحي مختلفة. وقد يُتَسامح في نقص يستره كمال، ويُغتفَر ضعفٌ تسنده قوة، ولكنه في تقديره يجسم النقص، ويكبر الضعف ويريد في رئيسه الكمال صرفًا، والقوة خالصة، فكأنه يريده نبيًّا أو إلهًا، وأنى له بذلك؟ فهو في نقد لرؤسائه مستمر، وتجريح دائم؛ وأما هم فيكرهونه لأنه حنبلي في تصرفه متزمت في خلقه، صريح لا يلطف صراحته بلباقة، شديد لا يمزج شدته برقة. التصرف عنده كالخط إما أن يكون مستقيمًا أو أعوج ولا وسط بينهما، لا يأتمر بأمر رئيسه ولا ينتهي بنهيه متى خالف قانونًا؛ والقانون عنده هو القانون الحرفي الذي لا يحتمل تفسيرًا ولا تأويلًا. من أجل ذلك تَعاقب عليه رؤساء مختلفون، وتنقل من مصلحة إلى مصلحة، والنتيجة واحدة دائمًا في نظرهم إليه ونظره إليهم؛ حتى لقد كان رئيسه يومًا ما أقرب الناس إليه وأعرفهم به، ورجوت السعادة له أيام رياسته، فما لبثت أن رأيت الصداقة استحالت إلى فتور فكراهية، ثم كان أعدى له ممن لم يكن يعرفه.
•••

أما «هو» الآخر فجميل الصورة، ظريف الهيئة، حسن الحِلية، ممتلىء البدن، ريان الجسم، واسع البطن، أنيق الملبس إلى آخر حد الأناقة، دقيق الذوق في تناسب الألوان، وتناسق الأشكال، حتى يعد حجة فيما يلبس وما لا يلبس، وما يتناسب وما لا يتناسب؛ لأنه خبير بأحدث الأزياء، بل هو فيها مخترع فنان، يحدثك حديثًا مستفيضًا عن خير الخياطين ومزاياهم وعيوبهم ومواضع الإجادة والعيب فيهم.
وشيء آخر يجيد ذوقه، ويجيد التحدث فيه، ويجيد وصفه ويجيد نقده، وهو الطعام والشراب؛ فإن أردت أن تعرف لونًا من الطعام لا يناسب لونًا او أردت حديثًا شهيًّا عن طعام شهيّ أو عن المائدة وكيف تنظم، وعن بيوت مصر وما يجيده كل بيت من الأصناف، فهو في ذلك الذي لا يبارى، وله فوق ذلك العلم الدقيق الواسع في صنوف الشراب، فأيها قبل الأكل، وأيها على الأكل وأيها بعد الأكل، وأي ألوان الشراب يصح أن تجتمع وأيها لا يصح، وأي أنواع الشراب تجيده فرنسا، وأيها تجيده ألمانيا وأيها أسبانيا — بل كل هذه معلومات أولية بالنسبة إليه، فعنده ما هو أدق في ذلك وأعمق.
هذه هي الدنيا وهذه هي الحياة، وهل أنت آخذ من دنياك إلا ما طمِعت وما شربت وما لبست؟
وله كذلك حديث طريف عن النساء وأوصافهن؛ فهو يجيد الحديث عن سحر العيون، ورشاقة القد، ولطافة التكوين، وبراعة الشكل، وهَيف القوام إلى آخر ما هنالك، ثم يتبع هذا بالكلام على مغامراته وما شاهده في حياته، كأنه كان له في كل خطوة حادثة نسائية، وفي كل سفر عشق، وفي كل مجتمع غرام. والعشق العفيف، والهوى العذري والحب الأفلاطوني ألفاظ جوفاء، لا تدل على شيء إلا على جنون قائلها أو ريائه. ينظر للمرأة نظر الأفعى للعصفور، وله من وسائل الإغراء ونَصْب الشباك، ورسم الخطط ما يعجز عنه القائد الماهر والصائد الحاذق؛ فما هو إلا أن يضع عينه على فريسته حتى يخلق من الحركات والأفاعيل والأحاديث ما يلفت النظر، وإذا هو في حديث جذاب مع من أحب.
وإلى هنا ينتهي علمه الواسع وقدرته الفائقة.
ثم ما الخلق وما الفضيلة وما الحق؟ ليست إلا كلمات اخترعها الأقوياء ليستغلوا بها الضعفاء. ولا بأس من استعمالها أحيانًا متى جلبت خيرًا أو دفعت ضَيرًا، ولم يخلق الله أسخف ممن يزعمون أنهم يتمسكون بمبدإ؛ فليس في الدنيا مبدأ صحيح إلا المبدأ القائل: «الغاية تبرر الوسيلة» على أن تفسر الغاية بغايتي لا غاية غيري؛ فكن «وفديًّا» في دولة الوفد، و«شعبيًّا» في دولة حزب الشعب، و«حرًّا دستوريًّا» في دولة الأحرار الدستوريين، والعن في كل دولة أعداءها، وتغنَّ بمناقبها متى كان هذا ينيلك «درجة» أو على الأقل «علاوة»، واجعل مبدأك مشايعة الزمان، تقبل على من أقبل عليه، وتدبر عمن أدبر عنه؛ ولا تأخذ شيئًا «جدًّا» فما الحياة إلا لهو ولعب، فإن استطعت أن تجعلها كلها «مزحة» أو «نكتة» فافعل فهكذا خلقها الله.
صادفته يومًا في فندق، فلما نزل إلى البهو استرعى نظر الناس بشكله وأناقته ولباسه وأمره للخدم ونهيه، وتحدث بصوت عال قليلًا، فإذا ضحكٌ يتصاعد من هنا ومن هنا، وإذا الصوت يرتفع شيئًا فشيئًا والتفات الناس يزيد شيئًا فشيئًا، وإذا الحديث جذاب، وإذا هو محور من في المجلس وقيد أبصارهم وآذانهم.
وشأنه في «المصلحة» التي يعمل فيها شأنه قى الفندق، كعبة القصَّاد ونجمة الرواد، يقضي الحاجات لتُقْضى حاجاته، وينفذ أغراض من هو أكبر منه لينفذ أغراضه من هو أصغر منه، وهكذا اتخذ «وظيفته» تجارة، يحسب فيها في دقةٍ ما يشتري وما يبيع، وما يدخل وما يخرج، ومقدار الرصيد، وبكم هو دائن وبكم هو مدين.
لعل الذي جعل من الإنسان ذكرًا وأنثى، وجعل منه من يميل إلى الشعر والخيال، ومن يميل إلى الحقيقة والواقع، جعل الناس كذلك أحد هذين الرجلين، وكل ما في الأمر أنه قد يكون «هو» الأول صرفًا و«هو» الثاني صرفًا، وقد يكون خليطًا منهما، مزيجًا بينهما. هما رجل الآخرة ورجل الدنيا، ورجل الفلسفة ورجل المادة، ورجل الأخلاق والمبادىء، ورجل المصالح والمنافع.

الصدقُ في الأدبِ


شاع في الأدب العربي القول المأثور: «أعذب الشعر أكذبه» ويقول ابن رشيق القيرواني في العمدة: «من فضائل الشعر أن الكذب الذي اجتمع الناس على قبحه حسنٌ فيه»، وهكذا تجد في كتب الأدب كثيرًا من هذه الأقوال.
ويمكن تفسيرها بأحد أمرين أو هما معًا: (?) أن الشاعر في كثير من مواقفه يعتمد على المبالغة والغلو فيها كقول أبي نواس:وأخفْتَ أهل الشرك حتى إنهلتخافك النُّطفُ التي لم تخلقوقول أبي تمام:فقد بَثَّ عبدُ الله خوفَ انتقامهعلى الليل حتى ما تَدِبُّ عقاربهوقول الخبزأرزى:ذبت من الشوق فلوزُجَّ بيفى مقلـة النـائم لم ينتبهوكان لي فيما مضى خاتمفالآن لو شئت تمنطقت بهونحو ذلك كثير.والذي أرى أن المبالغة ليست كلها كذبًا ولا كلها صدقًا؛ فلو كان الممدوح شجاعًا فجعل الشاعر له جرأة كجرأة الأسد لم يكن كاذبًا، ولو كان العاشق هزيلًا فبالغ الشاعر في وصفه حتى جعله لا يُرَى إلا من صوته لم يكن كاذبًا. وقد عبر الله تعبيرات من هذا القبيل فقال في وصف الرعب والخوف: «وبلغت القلوب الحناجر»، فأما إن كان الممدوح بخيلًا فجعله الشاعر سحابًا فياضًا، أو عاشقًا سمينًا فجعله كعود الخلال، أو جبانًا رعديدًا فجعله أسدًا مقدامًا، فكل هذا كذب صريح يثير السخرية بالممدوح لا الإعجاب.
(?) والمعنى الثاني أن الشعراء يوصفون بالكذب؛ لأنهم ينسبون إلى أنفسهم أعمالًا جليلة لم يأتوا بها، ويزعمون مزاعم لا تستند إلى الحقيقة، ثم يهجون فيصفون المهجو بكل رذيلة، ويمزقون الأعراض، ويقدحون في الأنساب، ويتعرضون للحُرم، وهؤلاء اللذين عانهم القرآن بقوله: «والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون؟»
ولكن ليس هذا ولا ذاك من الشعر الراقي في شيء، فلا الغلو في المبالغة ولا نسبة شيء إلى غير فاعله مما يزين الشعر، وإنما نشأ قولهم: «إن أعذب الشعر أكذبه» من تصور ناقص لمعنى الشعر. لقد كان الشعر عندهم يجول أكثر ما يجول في المدح والهجاء، ورأوا أن هذا المدح وهذا الهجاء لا يجودان بذكر الحقيقة المجردة؛ إنما يجود المدح إذا جعل الشاعر من الحبة قبة، ويجود الهجاء إذا قال الشاعر فأفحش، وسب فأقذع، ولكن عفى الزمان على هذه النظرية، وأصبح هذا النوع من أحط أنواع الشعر، وأقلها استحقاقًا لاسمه. فالشعر كما يقول (وِرْدْسوِرْث): «هو الحق ينقله الشعور حيا إلى القلب»، وكما يقول (رَسْكن): «الشعر إبراز العواطف النبيلة عن طريق الخيال».
وليس هذا مقصورًا على الشعر، فكل الأدب من هذا القبيل، وتعريفًا وردسورث ورسكن هما تعريفان للأدب جميعه لا للشعر وحده.
فالذي أرى أن رسالة الأديب هي من جنس رسالة الفيلسوف، كلاهما يرمي أو يجب أن يرمي إلى إبراز الحقيقة ونقلها إلى السامع أو القارىء. وغاية ما بين الفيلسوف والأديب من فرق أن الفيلسوف ينقلها إلى عقل السامع أو القارىء، والأديب ينقلها إلى قلبه. ومن أجل هذا يستعين الفيلسوف بالمنطق وما يتبعه من مقدمات محكمة ونتائج مستلزمة، فهي بالعقل أليق. والأديب يؤدي الحقيقة من طريق الخيال الجميل والأسلوب الجميل؛ لأنهما بالقلب أليق.
والصدق بمعناه الواسع وبكل ما تحتمله الكلمة من معنى مجال للأدب وشرط من شروط قوته؛ فلو عبر امرؤ القيس عن شعورة نحو المرأة أو عبر أبو نواس عن شعوره نحو الخمر، فهو أدب صادق قوي، وإن كانت الأخلاق الاجتماعية لا ترضى عن النحو الذي سلكاه في التعبير، ولكنه من الناحية الأدبية أدب صادق قوي. وإن شَعَر شاعر في الورع والزهد ولكنه في نفسه ينطوي على دعارة وفجور، لم يكن شعره صادقًا ولا قويًّا وإن رضيت عنه الأخلاق الاجتماعية. نعم إن الأدب الذي ينبعث عن عاطفة إنسانية نبيلة أرقى وأسمى؛ ولكن ما دمنا نتكلم في دائرة الصدق، فكل ما يصف عواطف الإنسان أدب صادق.
والصدق يمنح الأدب قوة؛ لأن الأديب إذا عبر عما تكنه نفسه ويختلج به قوله أقوى تأثيرًا، وأشد حياة. والأديب الحق هو من تأثرت نفسه بالحياة ومظاهرها تأثرًا خاصًّا يتفق ونفسيته ومزاجه، ثم هو يحاول بأدبه أن ينقل هذا التأثر إلى الناس، ويجعلهم يشعرون بما يشعر وينفعلون بما ينفعل؛ فإن هو لم يتأثر وحاول أن يؤثر كان أديبًا زائفًا، وكان الفرق بينه وبين الأديب الحق كالفرق بين النائحة الثكلى والنائحة المستأجرة.
وهذا الصدق في التعبير هو الذي يسبغ على الأدب مسحة الخلود؛ فالشعر الذي قيل في المديح والهجاء أقل قيمة وخلودًا مما قاله الشعراء في وصف عواطفهم؛ فرثاء ابن الرومي لولديه أبقى من هجائه لخالد بن قحطبة، واعتداد المتنبي بنفسه في شعره أقوى من مدحه لغيره.
بل ما لنا نذهب بعيدًا ونحن نرى من الكتاب المحدثين من توزع أدبهم بين أدب سياسي وأدب قومي أو عالمي؟ فأما كتابتهم السياسية فقيمتها وقتية لا تقدر كثيرًا إلا في ظرفها وبيئتها وزمنها، وأما أدبهم القومي أو العالمي فكثير منه يستحق الخلود والبقاء، صالح لأن يقرأ ويردد على اختلاف الزمان والمكان.
•••

كتب كاتب أمريكي فقال: «يسألني كثير من الشبان أن أضع لهم مبادىء تساعدهم في الكتابة، فلهم أقرر هذا المبدأ وهو: «اكتب في الموضوع الذي تجيد معرفته والشعور به. ثم اكتب ولا تنظر أي النظر لما تحدثه كتابتك من نتيجه وأثر، وكل ما يجب أن تعني به أن تعتقد أن ما تكتبه حق، ولتكن نتيجته ما تكون، وليكن مرشدك في كتابتك الحياة، ولا تخش من نقد يوجه إليك إلا من ناحية أنه حق أو ليس بحق».
وهذا القول صحيح كل الصحة من حيث نصحه للكاتب ألا يكتب إلا ما يعتقده الحق، ولكنه غير صحيح من حيث ألا ينظر إلى ما يترتب على عمله من نتائج. فإن أراد أن الكاتب لا يهتم بنقد ناقد له من جهة الأسلوب ومن جهة العيب عليه والازدراء به ونحو ذلك، فهذا صحيح إلى حد كبير؛ فمتى أرضى الكاتب ضميره وعنى بالموضوع بحثًا ودرسًا وإخراجًا فلا ضير عليه من نقد الناقدين، وعليه ألا يخشى بأسهم، وأن ينتفع بما يوجه إليه من نقد صحيح. أما إن أراد هذا الناصح أن الكاتب يجب ألا يهتم إلا بقول الحق من غير نظر إلى الموضوع الذي يكتبه وما يترتب على كتابته فيه من نتائج فغير صحيح، إذ ليس كل الحق يقال، وليس يقال الحق للناس جميعًا في أدوار حياتهم المختلفة؛ فالكاتب الحق أو الفنان الحق يجب أن يسأل نفسه عن مقدار العواطف التي تثيرها كتابته أو فنه؛ فهناك قوم مرضَى بأعصابهم، ومرضَى بشهواتهم، ومرضى بحياتهم العقلية والاجتماعية، ومن الخطر أن يغذي هؤلاء بأنواع من الأدب تزيد في هياج أعصابهم وشهواتهم، وإن كان ما يقال حقًّا وصدقًا. فنحن إذا طالبنا الأديب ألا يقول إلا الصدق فنحن نطالبه أيضًا — لا من الناحية الأدبية بل من الناحية الاجتماعية — ألا يقول إلا الصدق الذي يتفق والصالح العام.
وربما خفي هذا الرأي على بعض الكُتّاب، فتعرضوا لشرح مخاز اجتماعية في رواياتهم أو مقالاتهم، واحتموا بأنهم يقولون صدقًا، ويصغون واقعًا، أو كما يفعل بعض كتاب السياسة، لا يتحرجون من أن يقولوا كل ما يعلمون عن خصومهم، واكتفى شرفاؤهم بالوقوف عند الصدق، واعتقدوا أنهم ما لم يختلقوا فقد أرضوا ضمائرهم وبرُّوا بأنفسهم.
وهذا وذاك خطأ بيّن، فكم من الحقائق لا يصح ذكرها ولا عرضها عرضًا أدبيًّا، وإذا قيلت أو عرضت فلا تقال لكل إنسان وفي كل زمان، وخير الكتاب من لم يعرض من مظاهر الحياة إلا لما يصح عرضه، واتجه في حياته الأدبية إلى أن يصور المثل الأعلى للحياة في صورة واقعية، وسخر قلمه ولسانه وعواطفه لخدمة القومية والإنسانية.

لحظاتُ التجلِّي


لكثير من الناس — وخاصة العقليين والروحانيين — لحظات تضيء فيها نفوسهم، حتى كأنها المرأة الصافية، أو الشعلة الملتهبة، كل جانب فيها مضيء، وكل العالم منعكس عليها، يراه فيها كما يرى السماء في الماء.
يحس بهذا الأديب، فتراه حينًا وقد غزرت معانيه، وتدفقت عليه من كل جانب، حتى ليحار في الاختيار، ماذا يأخذ وماذا يذر، وبم يفضل بعضها على بعض، وحتى كأنه يغترف من بحر، أو يملي عن حفظ، ويصدر عنه إذ ذاك القول السلس والمعاني الغزيرة، والشعر المتدفق؛ هذه اللحظات هي «لحظات التجلي». وتأتي عليه أوقات وقد جمدت قريحته، وأجدب فكره، يعاني في البحث ما يعاني، ثم لا يأتي إلا بحمأة وقليل ماء، ويصعب عليه القول كأنه يمتَح من بئر، أو يستنبط من صخر.
ويحس بهذا الفيلسوف، فيشعر بلحظات تنكشف فيها جوانب من حقيقة هذا العالم فيراها، ويستلذها، ويود أن تدوم، بل يود أن تعاوده الفينة بعد الفينة، ويتمنى أن يشتري عودتها بكل ما ملك، وينفق في ساعة منها كل متع الحياة الدنيا؛ يشعر في هذه اللحظات بذكاء في الفهم، وصفاء في النفس، ولطافة في الحس؛ تكفيه في فهم هذا العالم الإشارة، وتجزئه الإيماءة، يستشف العالم من وراء مظهره، ويلمحه من رموزه، ويشعر إذ ذاك بسمو في العقل، ورقي في الروح، لا يعدل لذتها شيء في الحياة.
ثم تذهب عنه لحظات التجلي على الرغم عنه، فإذا به في بعض أوقاته مظلم الحس، متخلف الذهن، بليد البصيرة، لا يتنبه للحن، ولا يفطن لمغزى، تستعجم عليه المدارك الظاهرة، وتَخفى عليه الأشباح الماثلة.
وتختلف لحظات التجلي عند الفلاسفة والصوفية كثرة وقلة، كما يختلف مدى التجلي بعدًا وقربًا، حتى ليحكى عن «أفلوطين» الفيلسوف الروحاني المشهور أنه حظى بهذه اللحظات بضع مرات في حياته، وحظي بها تلميذه «فورفوريوس» مرة واحدة.
وتعرض للفنان فيلهم معنى يصوره بريشته أو يوقع به على قيثارته، فثمَّ الإبداع والجمال الرائع، والحسن البارع، ذاك يملأ العين حسنًا بصورته، وهذا يملأ السمع والقلب عذوبة بنغمته، ثم تأتي على هذا وذاك أوقات ينضب فيها معينهما، ويفتر عنهما وحيهما.
وترى العلماء من رياضي وطبيعي وكيمياوي، يرزق أحدهم الحظوة بلمحة من هذه اللحظات، يلهم فيها فكرة يكون من ورائها مختَرَعٌ عجيب، أو استكشاف خطير، عرض له أثناء بحثه، وقد لا تكون هناك علاقة ما بين ما يبحث فيه وبين ما أُلهم، بل قد لا تكون هناك مقدمات مطلقًا لما ألهم؛ ويقف العلم حائرًا لا يستطيع أن يعلل كيف نشأت في ذهن هذا العالم تلك الفكرة، وكيف فطن لها، بل يحار المستكشف نفسه كيف عرضت له وكيف ألهم بها.
وبعدُ: فهل يمكن أن نضع قوانين لهذه اللحظات؟ وهل هناك عوامل معروفة إذا استوفيت أمكننا اقتناؤها والحظوة بها؟ وهل يمكن أن نجمَع هذه الشروط في زر كهربائي أو زر روحاني نفتحه فتفتح علينا لحظات التجلي إن شئنا؟
لو استطعنا هذا لتضاعف الإنتاج الأدبي والعلمي في هذا العالم أضعافًا مضاعفة، ولسهل على الأديب أن يستوفي الشروط، فما هو إلا أن يمسك بقلمه فيغزر ماؤه، ويسيل أتِيُّه، وتنثال عليه الألفاظ والمعاني انثيالًا.
لقد حاولوا من قديم أن يستكشفوا قوانين «التجلي» فقالوا: إن مما يعين عليه جودة الغذاء، وفراغ البال من هموم الحياة، وصحة البدن، وطمأنينة النفس، واستعانوا على نيل لحظات التجلي بمختلف الألوان، فقد قيل لكثيِّر عزَّة: يا أبا صخر، كيف تصنع إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال: أطوف في الربَاع المُخْلية، والرياض المعشبة، فيسهل عليّ أرصنه، ويسرع إليّ أحسنه. وقال الأحوص:
وأشْرَفْتُ في نَشْز من الأرض يافِعوقد تَشْعَف الأيْفاع منْ كَانَ مُقْصِدَا? ولجأ الأدباء من قديم إلى الأزهار والرياض، والمياة الجارية والمناظر الجميلة، كما لجأ بعضهم إلى الخمر يستلهمها ويستوحيها؛ وتكاد تكون لكل أديب عادة يرى أنها علة غزارته، ومفتاح إنتاجه، وأنه يستنزل بها العُصْم من الأفكار، ويستسمح بها الأبي من المعاني؛ ولكن هل نجحت كل هذه المحاولات في استكشاف قوانين التجلي؟ أظن أن نظرة بسيطة تكفي للقول بأنها لم تنجح؛ فقد تستوفي كل الشروط التي قالوها، فالصحة في أجود حالاتها، والغذاء خير غذاء، والكاتب أو الشاعر مطمئن النفس، هادىء البال، بين الرياض المزهرة والمياه الجارية والوجوه الناضرة، وهو مع هذا أجدب ما يكون قريحة، وأنضب ما يكون مَعينًا؛ ثم هو يكون على العكس من ذلك كله فيواتيه شيطانه، وتتزاحم في صدره المعاني، وتتبارى على قلمه الآراء والأفكار والألفاظ.
ثم هذا أديب أو شاعر يجود قوله وتتجلى نفسه، في الأماكن الخالية والسكون العميق، وذاك لا يتأتى له هذا الموقف إلا في الأوساط الصاخبة والحركة المائجة. وأديب لا ينتج إلا إذا امتلأ جيبه واطمانت نفسه لحاجات الحياة، على حين أن الآخر لا يجيد إلا إذا فرغ وِطابه، وعضه الفقر بنابه، وتكاثرت عليه الهموم.
فأين قوانين التجلي إذا كان يحدث في البيئة وضدها والظروف وعكسها؟ قد تكون كل المظاهر وكل ما يحيط بالنفس يؤذن بحال انقباض وجمود، وإذا النفس مع ذلك فياضة جياشة متجلية، وقد تكون المظاهر كلها تدل على نفس متفتحة للعمل، مليئة بالفكر، فإذا هي مجدية منقبضة. وترى الآراء القيمة والمعاني السامية قد تنبع من بيئة قاتمة، ونفس مظلمة، كما تخرج الزهرة من طين، أو كما يخرج الذهب من الرغام، والحرير من الدود.
أخشى أن يكون الذين قد وضعوا هذه القوانين وأمثالها للحظات التجلي قد تسرعوا في وضعها؛ فالإنسان معقد كل التعقيد، ولئن كان جسمه معقدًا مرة فنفسه وروحانيته وعقله معقدة ألف مرة بل آلافًا؛ وإن العوامل التي تؤثر في نفسه وروحانيته ليست الحالة البدنية، ولا الغذاء الصالح، ولا المناظر الجميلة، ولا الغنى والفقر وحدها، بل هناك عوامل أدق وأعمق وأغمض. إن الإنسان لا يعيش في بدنه وحده، ولا في محيطه فقط، بل إنه ليعيش في أصدقائه الأقربين والأبعدين، وإنه ليعيش في آبائه الذين كانوا وماتوا، وإنه ليعيش في ذريته الذين كانوا وسيكونون، وإنه ليعيش في أحلامه وآلامه وآماله، ويعيش في شبكات من تموجات نفسية دونها بمراحل شبكات التلغرافات والتليفونات، وتتسلط عليه أنواع من الأشعة لا عداد لها.
لعلنا لا نستطيع أن نستكشف قوانين التجلي إلا إذا عرفنا نوع النفس التي تتلقى هذه الأشعة، وعلمنا كل هذه المؤثرات، وهيهات!!
? اليافع: المرتفع، وشعفته الأيفاع حركت نفسه وهاجت عواطفه، والمقصد من يعمل القصائد.
أدبُ اللفظ وأدبُ المعنى


من قديم اختلف علماء البلاغة: أهي في اللفظ أم في المعنى؟ وقد عقد عبد القادر الجرجاني فصلًا ممتعًا في آخر كتابه «دلائل الإعجاز» ذكر فيه حجج الفريقين: فقد كان فريق يرى أن المعاني مطروحة أمام الناس، والبليغُ من استطاع أن يصوغها صوغًا جميلًا، وإنما يفاضل الأدباء بجودة السبك وحسن الصياغة. ويرى الفريق الآخر أن المعاني هي مقياس التفاضل، وأن الأديب يفضل الأديب بغزارة معانيه، وحدة أفكاره، وأظن أن الزمان فصل في هذه القضية، إذ أصبح واضحًا أن حسن الصياغة، وجودة المعاني، عنصران أساسيان لا بد منهما للأديب، وأن من تجرد من أحدهما لا يسمى أديبًا بحال، وأن المثل الأعلى للأديب معان غزيرة سامية، وصياغة جيدة محكمة.
غير أن هناك — ولا شك — مواضع تراعى فيها المعاني أكثر مما يراعى اللفظ وصياغته، كفصول النقد الأدبي، والمقالات العلمية الأدبية، والمقالات التاريخية الأدبية، وتراجم الأشخاص ونحوها؛ فالغاية من هذه الموضوعات ليست اللذة الفنية، وإنما الغرض الأول هو المعاني والحقائق، فيجب أن تكون غزيرة فياضة، وكل ما نتطلبه فيها من اللفظ أن يعبر عن هذه في دقة ووضوح؛ أما القصد إلى محسنات البديع ومجملات الصناعة فلا داعي له، وربما كان إفراط الكاتب في هذه المحسنات حجبًا للمعاني عن الأنظار، ومظلة للعقول عن الوصول إلى حقيقة المعاني، وهي أقوم ما في الموضوعات.
وهناك ضرب آخر من الأدب كالشعر والقصص فيه مراعاة اللفظ وحسن السبك في المنزلة الأولى، ولست أعني أن الحقائق والمعاني فيهما مجردة من القيمة، بل هي كذلك من مقدماتها. والشاعر الذي يجيد السبك ولا يجيد المعنى ليس من شعراء الطبقة الأولى. وخير الشعراء من صح حكمه، واتسعت تجارته في الحياة، وكان له علم عميق بكثير من الأشياء التي حوله، ثم صاغ ذلك كله صياغة جميلة. وهكذا الأدب الصرف كالشعر والقصص والقطع الفنية الأدبية. ليس الغرض الأول منه نقل المعاني كما في الصنف الأول، وإنما الغرض منه إثارة عواطف القارىء والسامع.
والألفاظ — كما يظهر لي — لم توضع لنقل العواطف، وإنما وضعت لنقل المعاني، والألفاظ أعجز ما تكون عن نقل عاطفة الأديب إلى القارىء؛ فكيف أنقل إعجابي بالطبيعة أو أنقل حبًّا ملأ جوانحي، أو غضبًا استفزني، أو رحمة ملكت مشاعري؟ لم توضع الألفاظ لشيء من ذلك، إنما وضعت لنقل مقدمات ونتائج منطقية؛ ولكن ما حيلتنا وقد خلقنا عاجزين، لم نمنح لغة العواطف، ولا بد لنا من التعبير عنها ونقلها إلى قارئنا وسامعنا؟ لذلك استخدمنا لغة العقل مرغمين، وأردنا أن نكمل هذا العجز بضروب من الفن، كموسيقى الشعر من وزن وقافية، وكالسجع وكل ضروب البديع، وليس القصد منها إلا أن تكمل نقص الألفاظ في أداء العواطف.
في هذا النوع من الأدب ليس من الضروري أن تكون معانيه جديدة، وربما يستطيع الأديب أن يجعل من المعنى المطروق قصيدة رائعة أو قصة ممتعة، وكل ما فيها من جديد صياغتها الجديدة، وخيالها المبتكر؛ وليست وظيفة الأديب فيها أن يعلم الحقائق، إنما وظيفته أن يثير مشاعر الناس بها، ويعبر عما لا يحسنون التعبير عنه، وإن كانت المعاني في نفوسهم، وبين سمعهم وبصرهم.
كل إنسان يشعر بجمال الوردة، ولكن الأديب يملأ مشاعرك بجمالها، ويوحي إليك بمعان ترتبط بها، مثل اقتران تفتحها بتفتح الشباب، ونشوة الأمل أو ما تبعث من شجن. وجودة الأسلوب وحسن النظم قد يرقيان بالمعاني المألوفة فيخرجانها في شكل جذاب؛ ولكن لا يمكن الأديب على كل حال أن يتبوأ مكانًا عاليًا إذا اعتمد على الأسلوب وحده وكان مصابًا بالفقر العقلي.
في أدب كل أمة نرى أدب اللفظ وأدب المعنى، وفي الأدب العربي أمثلة واضحة لذلك؛ فمقامات الحريرى والبديع أدب لفظ لا معنى، قلَّ أن تعثر فيهما على معنى جديد، أو خيال رائع، وهما من الناحية القصصية في أدنى درجات الفن، ولكنهما تؤديان غرضًا جليلًا من الناحية اللفظية، ففيهما ثروة من الألفاظ والتعبيرات لا تقدر، ويظهر أن مؤلفيهما قصدا إلى تعليم اللغة وإمداد المتعلم بثروة كبيرة من الألفاظ والأمثال والتعبير، وتحايلا على ذلك بهذا الوضع الجذاب؛ فإن كان قد قصدا إلى ذلك فقد نجحا نجاحًا تامًّا، وإن كان قصدهما غير ذلك فلا. وشعراء القرون المظلمة بعد سقوط بغداد وكتابها أدباء ألفاظ: رُواء في العين، ولا شيء في اليدين، بل إن أدب كثير منهم لا هو أدب لفظ ولا هو أدب معنى، يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا. والمعرِّي في لزومياته أديب معنى لا أديب لفظ، غزرت معانيه وقصرت ألفاظه، حاول أن يدخل المحسنات البديعية في شدة ففشل، قد التزم ما لا يلزم فأضاع ما يلزم. والمتنبي — على الجملة — أديب لفظ ومعنى، وقد وقع من معاني الحياة على ما لم يقع عليه من قبله، ثم صاغه صياغة قوية حببته إلى النفس.
وبعد، فيظهر لي أن الزمن سائر إلى تقويم المعاني أكثر من تقويم الألفاظ. وشأن الناس في تقويم الأدب شأنهم في تقويم الجمال في سائر الفنون؛ فمن لم يصلوا إلى درجة راقية من المدنية يعجبهم من الألوان اللون الزاهي كالأحمر القاني والأصفر الفاقع، ويعجبهم من الأجسام السمين القوي في ملامحه، ومن الأصوات الطبل والمزمار؛ فإذا بلغوا مبلغًا كبيرًا في الحضارة أعجبتهم الألوان المتناسقة والألوان الخفيفة، كما تعجبهم وحدة الفكرة التي تنسق الألوان المختلفة والمظاهر المتعددة، وأعجبهم من جمال الإنسان الرشاقة وخفة الروح، وأعجبوا بجمال الحركة، وقوَّموا جمال المعاني أكثر مما يقومون جمال الملامح، ونظروا إلى جمال الروح أكثر مما ينظرون إلى جمال الجسم، حتى في جمال الجسم يقوّمون وحدة التناسق والنسبة بين الأعضاء أكثر مما يقومون جمال الوجه وحده، وفي الموسيقى تعجبهم النغمات الهادئة، والنغمات المتناسقة، والنغمات التي تمثل المعاني. كذلك شأنهم في الأدب يكرهون السجع الدائم، والكتابة التي اختفت معانيها أو ضاعت وراء الزينة المفرطة والزخرف الكثير، والقافية الطويلة على وتيرة واحدة، وتعجبهم البساطة في القول والزينة بقدر، والألفاظ كوسيلة لا غاية؛ يكرهون النكت كلها لعب بالألفاظ، والنكت تلذع لذعًا صريحًا، وتعجبهم النكتة أسست على معنى، والنكتة تلذع في إيماء ورقة.
إن الأديب إذا رزق حظوة في السبك، وأصيب بفقر في المعنى كانت شهرته وقتية وقيمته محدودة الزمن، ولا يلبث الناس أن يدركوا ضعفه وفقره فينبذوه والأديب الخالد من زاد في معارفنا ومشاعرنا بما في قوله من معنى وقوة.
أديب اللفظ فارغ الرأس قليل العلم بما حوله، قريب الغور، قد ستر كل هذا بزخرف القول كما تستر الشوهاء عيبها بالأصباغ، رخصت بضاعته فبالغ في التجمل في عرضها، ولفت الأنظار إليها، وشعر أنها مزيفة فغضب لنقدها والتلويح بامتحانها. والأمة في طفولتها وشيخوختها يعجبها هذا النوع من الأدب؛ لأن خفة رأسها من خفة رأس أدبائها؛ ولأن العقول السخيفة يعجبها السحر والشعوذة وألعاب البهلوان، والأدب اللفظي المحض نوع من هذا اللعب. فإذا نضج عقلها تغير ميزاتها ونفذ نظرها إلى أعماق الشيء، لتعرف ما وراء الظواهر. وإذ ذاك تقدر المعاني أكثر مما تقدر الألفاظ، وترى الألفاظ جسمًا والمعنى روحه، وترى المعنى غاية واللفظ وسيلة، وتستحسن اللفظ لا لذاته؛ ولكن لأنه لفق المعنى.
تزين معانيه ألفاظهوألفاظه زائنات المعنى ما أحوج أدبنا العربي الحديث إلى المعنى القوي الغزير في اللفظ الجميل البسيط.

ندرةُ البُطُولة


قالوا: — إنا نلتفت يَمنْة ويَسْرة فلا نجد في عصرنا بطولة من جنس بطولة العصور الماضية، ولا نجد نبوغًا رائعًا قويًّا كنبوغ من نبغ في الأجيال السابقة. فتش — إذا شئت — في كل لون من ألوان البطولة، وفي كل ناحية من نواحي النبوغ تجد هذه الحقيقة واضحة.
فهل تجد في الشعر العربي أمثال بشار، وأبي نواس، وابن الرومي، وابن المعتز، وأبي علاء؟
وهل تجد في النثر أمثال ابن المقفع، والجاحظ، وسهل بن هارون، وعمرو بن مسعدة؟
وهل تجد في قيادة الحروب أمثال خالد بن الوليد، وأبي عبيدة؟
وهل تجد في سياسة الأمم أمثال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز؟
وهل تجد في الغناء أمثال إسحاق الموصلي، وإبراهيم بن المهدي؟
وهل تجد مؤلفًا في الأغاني كأبي الفرج الأصفهاني؟
وما لنا نذهب بعيدًا ويوم فقدنا السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده لم نجد عوضًا عنهما في العلم بالدين والأخلاق والسياسة؟
ويوم فقدنا البارودي، وحافظًا، وشوقى، لم نجد لهم خلفًا في شعرائنا؟
ويوم فقدنا عبده الحامولي، ومحمد عثمان صرنا نَتبلْغ من الغناء بالقليل.
ويوم فقدنا الشيخ علي يوسف لم نر من يسد مسده في الصحافة.
ومن الغريب أنهم يشكون في أوروبا شكايتنا، ويلاحظون عندهم ملاحظتنا، فيقولون: أن ليس عندهم في حاضرهم أمثال فجنر وبيتهوفن، ولا أمثال شكسبير وجوته، ولا أمثال رفائيل، ولا أمثال دارون وسبنسر، ولا أمثال نابليون وبسمارك.
فهل هذه ظاهرة صحيحة؟ وإن كانت فما سببها؟
قد كانت كل الظواهر تدل على أن الجيل الحاضر أحسن استعدادًا، وأشد ملاءمة لكثرة النبوغ وازدياد البطولة، فقد كثر العلم وسهل التعلم، ومهدت كل الوسائل للتربية والتثقيف، وكثر عدد المتعلمين في كل أمة، وفتح المجال أمام النساء كما فتح أمام الرجال، فأصبحت وسائل النبوغ ممهدة للجنسين على السواء، وتَقَطَّر العلم إلى العامة، فأصبحوا يشاطرون العلماء بعض معلوماتهم، وانتشرت الصحف والمجلات تغذي جمهور الناس بالعلم والأدب، واتصل العالم بعضه ببعض اتصالًا وثيقًا في المواصلات والعلم والسياسة والأقتصاد وما إلى ذلك.
كل هذا كان يجب أن يكون إرهاصًا لكثرة النبوغ والتفنن في البطولة، لا لقلة النبوغ وندرة البطولة. فلم أصيبت الأمم كلها بهذا العقم، وكان مقتضى الظاهر أن كثرة المواليد تزيد في كثرة النابغين، وكان مقتضى الظاهر أيضًا أن عصر النور يلد من الأشخاص الممتازين أكثر مما يلد عصر الظلام؟
•••

يظهر لي — مع الأسف — أن الظاهرة صحيحة، وأن الجيل الحاضر في الأمم المختلفة لا يلد كثيرًا من النوابغ، ولا كثيرًا من الأبطال، وأن طابع هذه العصور هو «طابع المألوف والمعتاد»، لا «طابع النابغة والبطل».
بقي علينا معرفة السبب في ذلك:
من الأسباب القوية — على ما يظهر — أن الناس سَمَا مثلهم الأعلى في النابغة والبطل، فلا يسمون بطلًا أو نابغة إلا من حاز صفات كثيرة ممتازة قلّ أن تتحقق، وهذا طبيعي، فكلما رقي الناس ارتقى مثلهم الأعلى.
قد كنا إلى عهد قريب نعد من يقرأ ويكتب، وبعبارة أخرى «من يفك الخط» رجلًا ممتازًا؛ لأنه نادر وقليل، فكان ينظر إليه نظرة تجلة واحترام؛ فلما كثر التعليم بعض الشيء كان من أخذ الشهادة الابتدائية شابًّا ممتازًا؛ فلما كثرت انتقل الامتياز إلى البكالوريا، ثم إلى الشهادة العليا، ثم إلى شهادات جامعات أوروبا، ثم أصبحت هذه أيَضًا ليست محل امتياز، وارتفعت درجة النبوغ إلى شيء وراء هذا كله.
والناس — على الجملة — استنارت أذهانهم إلى حد بعيد، واكتشفوا سر العظمة، فأصبحت العظمة المعتادة لا تروعهم، إنما يروعهم الخارق للعادة، وأين هو تحت هذه الأنوار الكشافة؟
ثم شعر الناس بعظمتهم هم أيضًا وبشخصيتهم؛ والبطولة تأتي — في الغالب — عندما يسلس الناس زمام نفوسهم للبطل، فهم بطاعتهم له واستسلامهم لأمره وإشارته يزيدون في عظمته، ويغذون بطولته — فإن كانوا هم أيضًا يشعرون بعظمة أنفسهم قلَّت طاعتهم وقل تبجيلهم وخضوعهم لكائن من كان، وبذلك لا يفسحون للبطل بطولته فلا يكون. فلو وجد اليوم شخص في أخلاق نابليون وصفاته ومميزاته ما حققوه في عصرنا، ولا كان إلا رجلًا عاديًّا أو ممتازًا بعض الامتياز؛ فأما أن تطيعه الخلائق هذه الطاعة العمياء، وتبيع نفوسها رخيصة في سبيل مجده، وتسفك دماءها أنهارًا لتحقق عظمته، فذلك ما لا يكون اليوم كما كان بالأمس.
قد تضرب لي اليوم مثلًا بموسوليني ومصطفى كمال وهتلر، ولكن الفرق عظيم جدًّا، فهؤلاء يؤثرون في شعوبهم من ناحية أنهم خدام للشعب لا سادة لهم؛ وأن الشعب إذا عظمهم فلأنهم يخدمونه، ويوم يثبت له أنهم لا يعملون لخيره ينفض يده عنهم؛ فأين هذا من الطاعة العمياء التي كانت لنابليون؟
ولهذا نرى كلًّا من هؤلاء يتملق شعبه ويحاول أن يقيم البرهان كل يوم على أنه عامل لخيره، ساع في سعادته، لشعوره التام بأنه إنما يحكم الشعب بإرادة الشعب لا بإرادته هو، فإذا هو لم يتمتع بهذه الثقة سقط من عرشه، وهذا — من غير شك — يقلل شأن البطولة.
•••

وهذه الأسباب التي ذكرت أنها كانت تؤذن بكثرة النوابغ هي بعينها التي قللت النوابغ؛ وتعليل ذلك معقول، فكثرة العلم واستنارة الشعب، جعلت النبوغ عسيرًا لا سهلًا يسيرًا.
ومصداق ذلك أن الأمم فيما مضى كانت تمنح المشعوذين والمنحرفين ألقاب البطولة، وتنظر إليهم نظر تفوق ونبوغ، من أمثال من كانوا يسمونهم «الأولياء» فيكفي أن يتظاهروا بالجذب ويتصنعوا الصلاح ويدّعوا معرفة الغيب ليهرَع إليهم الناس ويقبلوا أيديهم ويلتمسوا منهم البركة ويرفعوهم فوق النوابغ والأبطال، وأحيانًا يلقبونهم «بالأقطاب». فلما فتح الناس عيونهم وعقلوا بعد غفلتهم، واكتشفوا حيلهم ومكرهم لم تعد لهم هذه المكانة، وحل بعض محلهم المصلحون الاجتماعيون الذين يخدمون أمتهم بعملهم. ومعنى ذلك أن الشعوذة والمخرقة حل محلها مقياس المنفعة، وسار الناس في طريق التقدير الصحيح، وهو الاحترام والتبجيل على قد ما يصدر من الشخص من خير عام حقيقي.
•••

ومن أجل هذا أيضًا رأينا التيار في هذه الأيام يتجه إلى تقليل شأن البطولة في الأعصر الماضية؛ فلم يعد البطل القديم في الأدب والسياسة والفن والعلم يقدر التقدير الكبير الذي كان يقدر به من قبل؛ لأن الناس أخذوا يحللون كل بطل، ويبينون سر بطولته «ومتى ظهر السبب بطل العجب»، ولم يقنعهم ما كان يحيط به من غموض فألقوا أضواءً كثيرة على من كانوا يسمون الأبطال؛ فأحيانًا يؤديهم البحث إلى إنكار بطولة بعض الأشخاص بتاتًا، وأحيانًا يقللون من قيمة البطل، بل وأحيانًا يرون بطلًا من أنكر الناس قديمًا بطولته.
ذلك لأن مقاييس البطولة تغيرت، وأصبحت عند المحدثين خيرًا منها عند الأقدمين؛ ولأن المحدثين رأوا أن القدم نسج لكثير من الناس أثوابًا من البطولة لم تكن موجودة أيام حياتهم، وكلما تقدم الزمن منحهم الناس شارة بطولة جديدة، فلما عرض هذا كله للنقد وأزاح أهل العلم الحديث ستائر القدم، تبين البطل في صورته الحقيقية أو قريبًا من صورته الحقيقية؛ فأحيانًا يرتفع الستار عن لا بطل، وأحيانًا يرتفع عن بطل ولكن دون ما كان يقدره القدماء، ونادرًا ما يبقى البطل بطلًا كبيرًا حتى بعد ما ترتفع حجب القدم.
ولهذا نجد كثيرًا من المعاصرين هم في الحقيقة نوابغ، وهم يفوقون بمراحل بعض نوابغ الأقدمين، ولو كانوا في العصور الماضية لارتفعت منزلتهم فوق ما ارتفعت اليوم، ولكن لم نمنحهم نحن لقب البطولة للأسباب التي أشرنا إليها قبل، من أننا رفعنا إلى حد بعيد المثل الأعلى للنبوغ؛ ولأننا نحلل النابغ ونكتشف سره، وذلك يقلل من تقديره؛ ولأنه معاصر والمعاصرة أعدى أعداء الاعتراف بالنبوغ.
وقد يتصل بهذا أن كثرة النبوغ تضيع الاعتراف بالنبوغ، فكل أمة راقية الآن لديها عدد كبير من المتفوقين في كل فرع من فروع العلم والفن: في القانون — في الأدب — في الطبيعة — في الكيمياء — في الرسم — في التصوير. فلما كثر هؤلاء في كل أمة أصبح من العسير أن تميز أكبر متفوق منهم لتمنحه صفة النبوغ؛ ومن العسير أيضًا أن تسميهم كلهم نوابغ؛ لأن النبوغ بحكم اسمه ومعناه يتطلب الندرة، فلما كثر النابغون أضاعوا اسم النبوغ وعلى العكس من ذلك الأمم المنحطة، لما لم يوجد فيها إلا قانوني واحد أو أديب واحد أو موسيقي واحد كان من السهل أن يمنح لقب النبوغ.
•••

ثم إن الديمقراطية التي سادت الناس في العصور الأخيرة ونادت بالمساواة وألحت في الطلب أوجدت في الشعوب حالة نفسية كان لها أثرها في موضوعنا؛ إذ أصبح الناس لا يؤمنون بتفوق كبير، لا في المال فهم يريدون الاشتراكية، ولا في السياسة فقد يتبوأ الحكم حزب العمال فيدير الأمور كما يديرها الأرستقراطيون في السياسة بل أحسن منهم.
فدعتهم هذه الحالة النفسية إلى أن يكفروا بالتفوق، أو بعبارة أخرى يكفروا بالنبوغ؛ وبعيدٌ أن يُعترف بالنبوغ في جو يكفر به. لقد كان الناس قبلُ أكثر إيمانًا بالفروق في المال والكفاية والعلم، فكان هذا الإيمان وسيلة صالحة لظهور النبوغ، فلما جحدوا كل شيء كان النبوغ مما جحدوا.
وأخيرًا كان من أثر هذه الديمقراطية تعميم التعليم، والبحث في خير الوسائل لنشر العلم؛ فقامت النظريات المختلفة في التربية والتعليم، وأصبح العلم شعبيًّا بعد أن كان أرستقراطيًّا، واستخدمت الوسائل المختلفة لتبسيط العلم وتحبيبه إلى النفوس، وغيرت نظم المدارس، فأنشئت رياض الأطفال مكان الكتاتيب، والمدارس الناعمة بدل المدارس الخشنة، واخترعت البيداجولوجيا وسائل لتسهيل الدرس وإيصاله إلى الذهن من أقرب طريق.
كان من نتيجة ذلك كثرة المتعلمين وقلة النابغين، واتساع البحر وقلة عمقه؛ وذلك لأن من كان يتفوق في الماضي كان يصادف عقبات لا حد لعددها ولا حد لصعوبتها، فكان من الطبيعي ألا يجتازها إلا الأقلون، ولكن من يجتازها تكون لديه الحصانة الطبيعية، ويكون قد تعوَّد اجتياز العقبات واحتمل مشقة السير، فكان ذلك سبب النبوغ من ناحيتين: من ناحية قلة من يجتاز العقبات ومن ناحية من يجتازها.
أما وقد أصبح التعليم معبّدًا ميسرًا فقد زاد عدد المتعلمين وقل النابغون، وأصبح الفرق بين العهدين كبذرة تربى في حديقة بستان وبذرة تنبت في الجبال حيث الريح العاصفة والشمس المحرقة والمطر الذي لا نظام له. فأين نبت البستان من نبت الجبال؟ وأين الحيوان المستأنس من الحيوان المستوحش؟

السكونُ في الظلام


ما ألذه، وما أهنأه، وما أحلاه!
يذهب بالأوصاب، ويرد العافية إلى الأعصاب.
فترة سكون في ظلام يجب أن يقضيها كل إنسان في كل يوم.
وإذا كان كل الناس يحتاجونها فرجال الفكر إليها أحوج، هي راحة من عناء مجهودهم، واسترداد لما فقدوا من رءوسهم، واسترجاع لما قطّروا من عُصارة عقولهم.
وهي فوق ذلك أدعى لصفاء الذهن وصحة التفكير، وجودة الإنتاج؛ فالبذرة لا تنبت في جلبة وضوضاء وضياء، إنما تنبت في جوف الأرض، حيث لا تراها العين، ولا تؤذيها حركة، وحيث تستمتع بكل ما في السكون والظلام من قوة، حتى إذا تم نضجها خرجت إلى النور والهواء والحركة بساقها وفروعها لا بنفسها.
ولا تفتن وردة بجمالها ومنظرها وعبيرها قبل أن تدفن بذرتها، يجب أن تمر بها أيام وأيام، تشعر بنفسها ولا يشعر الناس بها، وحتى إذا أعجبت الناس ونفحتهم بنعيمها يجب أن يبقى أصلها منعمًا بظلامه وسكونه، فإذا أقلقْتَ مضجعها وسلبتها هدوءها سلبتك محاسنها.
وكذلك كل حي لا بد أن يموت ليحيا، وهل النوم إلا ضرب من الموت، ونوع من الفناء؟ دع الحي يحيا أيامًا من غير نوم تره وقد تهدلت أعصابه، وتهدمت قواه، وقرب من الفناء الأبدي.
وليس يكفي النوم للمفكر، فهناك ضرب خير من النوم هو أويقات يمضيها في هدوء وسكون وظلام، يكون فيها منتبهًا نائمًا، شاعرًا حالمًا، يلذ فيها لذة النوم، كما يلذ لذة الصحو، ويتعرض فيها لنفحات الله، ويلمع في روحه قبس أشبه ما يكون بالإلهام، وتأتيه بالفكرة الناضجة أو الخَطْرة الكاشفة، أو اللمحة الدالة فتكون خيرًا من ساعات وساعات يقضيها في العمل، وبين المحبرة والقلم، والصحف والكتب.
قرأت مرة أنَّ متعلمًا كان يقص على معلمه أنه يصبح مبكرًا فيقضي ساعات في استذكار دروسه، وساعات في تعلم لغات أجنبية، وساعات في أخذ دروس جديدة في علوم مختلفة، حتى يمضي جزء كبير من الليل فيذهب إلى فراشه وقد أنهكه التعب، وأخذ منه كل مأخذ؛ فقال له أستاذه: ومتى تفكر؟ وأين تجد نفسك؟
وهو سؤال له دلالته ومغزاه. فأكثر الناس لا يفكرون، وإن ظنوا أنهم فيما يقرءون ويكتبون يفكرون، وأكثر الناس يفقدون أنفسهم في ثنايا صحفهم وكتبهم.
ولأمر ما كان النبي ? «يخلو بغار حراء، ويتعبد فيه الليالي ذوات العدد يتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء».
في غار حراء حيث السكون والظلام، بعيدًا عن الخلق قريبًا إلى الحق، قد انقطع عن العالم وضوضائه، والدنيا وألاعيبها، قد صفت نفسه من صفاء محيطه، ووجد نفسه فوجد ربه، وتعرض للإلهام فجاءه الإلهام، وتهيأ للوحي فنزل عليه الوحي.
•••

لكَمْ تمنيت أن يكون للمسلمين تكايا أو خانقاهات في أمكنة نزهة منقطعة ليست من هذا النوع الذي يأوي إليه العاجزون والعاطلون، والذين يأكلون ولا يعملون، ولكنها من طراز حديث يهرع إليها من أراد أن يَسْتَجِم نفسه ويريح قلبه، ويسترد هدوءه، بعد أن أتلفتها ضوضاء المدنية، وجلبة الحياة العصرية — تكون مستشفى للنفوس بجانب مستشفيات الأبدان، ويترهب فيها من أضناه العمل، وأعياه الجهد، رهبانية مؤقتة يجدد فيها نفسه، ويغذي بهدوئها وسكونها عقله وحسه، ويبعث إلى العالم خلقًا جديدًا كما يبعث النوم الحياة — إذًا لقلَّت أخطاء الناس ومظالمهم، فأكثرها مبعثه فساد الأعصاب؛ وإذًا لقل إلحادهم فأكثره منشؤه الانغماس في المادة وشئونها، فإذا تجرد المرء منها زمنًا وخلا بنفسه وأتيحت له فرصة التفكير في هدوء وسكون وظلام، تحرك قلبه للعبادة، ونزع إلى الإيمان، فاستجاب لفطرته، واستمع لطبيعته؛ وإذًا لقلت مطامع الناس، وتكالبهم على الحياة، فحياة الهدوء والسكينة توحي بأن الحياة ظل زائل، ومرحلة مسافر.
لقد اعتاد الناس أن يفروا من عنائهم إلى المقاهي والفنادق في الهواء الطلق، وعلى شواطىء الأنهار والبحيرات والبحار، ولكنها كلها تفيد الجسم، ولا تفيد — كثيرًا — الروح والنفس، هي من نوع المستشفيات البدنية لا المستشفيات الروحية والنفسية، فيها — عادة — كل مظاهر المدنية وتعقيداتها وأخيلتها وتكاليفها، فهي لا تغني غناءً صحيحًا في العلاج النفسي والروحي، إنما يغني هذا الغناء أنواع المعاهد والمؤسسات قد بنيت على أساس نفسي وروحي لا تعبأ بزخارف المدنية وزينة الحضارة، تريح النفس من عناء التكاليف والتقاليد، وتسمو بها فوق المواضعات والمصطلحات، فتجد النفس راحتها الطليقة، وتعود إلى طبيعتها الحرة، وتسبح في تأملاتها، وبذلك تسترد حيويتها ونشاطها.
•••

في سكون الظلماء يرى الإنسان بعينه ما لا يراه في الضياء، ويسمع بأذنه ما لا يسمع في الضوضاء؛ على أنه هو لا يرى بعينه فحسب، ولا يسمع بأذنه فحسب، بل كل شيء فيه يسمع ويرى، يفهم منطق الطير، ويتذوق موسيقاه، ويدرك معاني المياه في خريرها، والرياح في هبوبها، والأشجار في حفيفها؛ فكأنه منح من الحواس أضعاف حواسه، وملك من الملكات ما لا يعد بجانب ملكاته؛ وكأن عالم الصخب والجلب يغشي عينه، ويثقل سمعه، ويبلد عقله، ويثلم ذوقه؛ فلئن كان الصوت في عالم الحس له حدود، فإذا قلت تموجاته عن حدوده أو زادت انعدم السمع، فليس في عالم الروح حدود للصوت؛ ولئن كانت العين في عالم الحس لا تدرك من الألوان إلا أقلها، وتعجز عن إدراك أكثرها، فعين الفكر لا يحدها حد ولا يعجزها لون؛ ولئن كانت عيوننا الباصرة لا تبصر إلا في ضياء، وآذاننا لا تسمع إلا من قرع هواء، فعيوننا وآذاننا الروحية تستعين بالسكون والظلماء، أكثر مما تستعين بالضوء والهواء.
•••

إنى لأرثي لهؤلاء الذين يضيعون كل حياتهم في هزل، بل أرثي كذلك لهؤلاء الذين بقضون نهارهم في وظائفهم وأعمالهم، ثم ينصرفون إلى لهوهم حتى يناموا، بل أرثي أيضًا لهؤلاء الذين يقضون أوقاتهم بين بحث علمي، وقراءة وتأليف وتعليم، ثم لهو قليل ونوم. وأعتقد أن هناك عنصرًا في الحياة ينقصهم وهو عنصر التأمل؛ ولست أعني بالتأمل ذلك الضرب من الأسلوب المنطقي العلمي في البحث والتفكير، إنما أعني ذلك الضرب الذي عناه القرآن بمثل قوله: قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هو نوع من العقل قد مزج بنوع من الشعور، وقد امتاز به الشرق عن الغرب قديمًا، ومن ثم كان مبعث الأديان ومصدر الإلهام.
في هذا الضرب من التأمل يجد الإنسان نفسه حيث لا يجدها في هزل ولا جد، وفيه يعرف نفسه على حين أنه يعرف غيره أكثر مما يعرف نفسه، وفيه يجلس إلى نفسه ويصادقها ويصارحها، على أن أكثر الناس يجالسون الناس ولا يجالسون أنفسهم، ويصارحون الناس ولا يصارحون أنفسهم، ويصادقون الناس وهم أعداء لأنفسهم.
وأظن أن في الاستطاعة أن يوضع برنامج متسلسل للتأمل كبرنامج القراءة والكتابة وتعلم اللغات وتعلم العلوم، يبدأ فيه بألف باء التأمل، وينتهي بائه إن كان له ياء، وتخصص له حصص يومية كحصص المواد العلمية، وإن كانت حصصه تمتاز بأنها في ميسور كل إنسان، ليست تحتاج إلى مدرسة يتردد عليها، ولا إلى معلم يؤجر، ولا أدوات وكتب يتداولها، إنما هي من قبيل تربية النفس بالنفس، وليست تحتاج إلى مران واعتياد وعرفان بكيفية السلوك.
أول دروسها أن تخلو بنفسك، ولا يكون ذلك إلا في هدوء وسكون، وخير أن يكون في ظلام، ثم تجرد في هذه الحصة من شواغل الدنيا وهمومها، واستعرض نفسك من حيث بدنك كيف تؤذيه ببعض عاداتك، وهل تدبره تدبير عاقل حكيم، أو مستبد جاهل، وما خير الوسائل لإصلاح ما تقع فيه من أغلاط؟
وتدرجْ من هذا التأمل في ناحية أخرى نحو علاقتك بعقلك، وعلاقتك بالناس واستعراض ما يكون منك ومنهم.
وأرقَ إلى خطوة ثالثة تسائل فيها نفسك: ما غايتك وما مبادئك في الحياة؟ وهل وضعت لها خططًا؟ وما مقدار تقدمك إليها أو تأخرك عنها؟
سيسلمك ذلك — من غير شك — إلى خطوات أوسع، وتأمل أعمق حسب جهدك واستعدادك؛ وستكون لك في النهاية فلسفة لا من جنس فلسفة أفلاطون وأرسطو، ولكنها فلسفة شخصية قد بنيت على تأملك وشعورك لا على حفظك وقراءتك. وستتصل من هذا الطريق بأفق أوسع وملكوت أعلى.
في الحديث: «الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا»، ولعل هذا الضرب من التأمل ينبههم في حياتهم، من غير أن ينتظروا أن يتنبهوا بموتهم.
ربما كان هذا ضربًا من التصوف يتفق وروح العصر، وإن شئت فقل: إنه نوع من التصوف على أحدث طراز وأبدع نمط، يبعث على الحياة لا الموت، ويدعو إلى النشاط والعمل لا إلى الخمول والسأم. ولعل الإنسان يجد في الركون إليه بعض أوقاته راحة مما رمتنا به المدنية الحاضرة من عناء، وما أرهقتنا من عنت. ولعلنا نستروح من هذا البرنامج نسيم الراحة فيراجعنا نشاطنا، وتثوب إلينا قوتنا، وتعود إلينا نفوسنا.

مَلَق القـادة


لست أعني بهذا العنوان أن يتملق الجمهور قادتهم فيظهروا لهم الود والإعظام بحق وغير حق، فذلك شيء قليل الخطر، فاتر الأثر، وإنما أعني أن يتملق القادة الرأي العام فيسيروا على هواه ويجروا مجراه، ويأتوا ما يحب، ويذروا ما يكره، فهذا هو الداء الدَّويّ والعلة الفادحة.
ومن أسوأ ما أرى في الشرق في هذه الأيام هذه الظاهرة، ظاهرة أن يحسب القادة حساب الرأي العام أكثر مما يحسب الرأي العام حساب القادة.
هذه الظاهرة جلية واضحة في قادة العلم، فهناك أوساط تقدس العرب كل التقديس، وتعتقد أنهم في حكمهم عدلوا كل العدل، ولم يظلموا أي ظلم، فقادتهم يتملقونهم ويستخدمون معارفهم للوصول إلى هذه النتائج التي ترضيهم، سواء رضي العلم أم لم يرض، وسواء أوْصَل البحث إلى هذه النتائج أو إلى عكسها. وهناك أوساط تعبد كل غربي من عادات وتقاليد وآداب، فقادتهم يختارون اللفظ الرشيق، والأسلوب الأنيق لتأييد هذه الآراء، ولا عليهم في ذلك أن كانوا يحقون الحق أم يؤيدون الباطل.
وهي ظاهرة في قادة الأدب؛ فإن أحب الجمهور روايات الحب والغرام ألَّفوا فيها وأكثروا منها، وإن أدركوا أن تصفيق الجمهور يكون أشد كلما كان الحب أحدّ، تسابق الأدباء إلى أقصى ما يستطيعون من حدة وعنف، ومهروا في أن يستنزفوا دموع المحبين، ويهيجوا عواطفهم، ويصلوا إلى أعماق قلوبهم. وإن كره الناس أدب القوة فويل لأدب القوة من الأدباء! هو سمج، وهو جاف، وهو لا قلب له؛ وإن كان الجمهور لا يقبل إلا على الأدب الرخيص فكل المجلات أدب رخيص؛ لأنه كلما أسرف في الرخص غلا في الثمن؛ وإن بدا الجمهور يتذوق الجد تحولوا إلى الجد وداروا معه حيث دار.
وهي ظاهرة في دعاة الإصلاح؛ فهم يرون — مثلًا — أن الشباب قوة فوق كل قوة، وهم عصب الأمة وإكسير الحياة، وفي استطاعتهم أن يرفعوا من شاءوا إلى القمة ويسقطوا من شاءوا إلى الحضيض؛ فهم ينظمون لهم الدار في مديحهم وإعلاء شأنهم، وملئهم ثقة بأنفسهم، فهم رجال المستقبل وعماد الحياة، وهم خير من آبائهم، وستكون الأمة في منتهى الرقي يوم يكونون رجالها؛ وقد يكون هذا حقًّا، ولكن للشباب أغلاطه الجسيمة التي تتناسب وهمته، وله غروره واندفاعه، وله تهوره وإفراطه في الاعتداد بنفسه؛ فكان على المصلحين أن يكثروا القول في المعنيين على السواء، فيشجعوا وينقدوا، ويبشروا وينذروا، ويرغِّبوا ويرهبوا، حتى تتعادل قوة النفس، وحتى يشعروا بمحاسنهم ومساويهم معًا؛ ولكن هؤلاء القادة — مع الأسف — وقّعوا فقط على النغمة التي تعجب الشباب وتحمسهم، ولم يجرءوا أن يجهروا بعيويهم، ولا أن يقولوا — ولو تلميحا — في مواضع النقد من نفوسهم؛ فكان لنا من ذلك شباب استرسلوا في الإيمان بقول الدعاة إلى أقصى حد، واعتقدوا أنهم كل شيء في الحياة، وأنهم فوق أن يسمعوا نصيحة ناصح أو نقد ناقد؛ وكان هذا نتيجة لازمة بعد أن وقف القادة منهم هذا الموقف؛ وقد يكون هذا رد فعل للماضي أيضًا، فقد كان طالب العلم في الجيل السابق يقدس قول أستاذه، وهو وأستاذه يقدسان ما في الكتاب الذي يتلى؛ وكان الشاب يجل الشيخ في قوله وفعله، لا يرى أن له صوتًا بجانب صوته، ولا رأيًا بجانب رأيه؛ فكان سلوك هذا الجيل انتقامًا من الجيل السابق، وذهابًا في الإفراط يعادل إفراط آبائه؛ ولكن أظن أنا وصلنا إلى حد يجعلنا نفكر جديًّا في تثبيت هذه الذبذبة ووقفها الموقف الحق.
إن وقوف القيادة من الجمهور موقف الملق قلب للوضع؛ فالعالِم إذا قال برأي الناس لم يكن لعلمه قيمة، والمصلح إذا دعا إلى ما عليه الناس لم يكن مصلحًا.
إني أفهم هذا الوضع في التاجر يسترضي الجمهور؛ لأن نجاحة في تجارته يتوقف على رضاهم، وأفهم هذا في المغنِّي يقول ما يعجب الناس؛ لأنه نَصَب نفسه لإرضائهم، واستخراج إعجابهم؛ ولكني لا أفهم هذا في قائد الجيش، فإن له مهمًا آخر، وهو أن يظفر بخصمه؛ فلو كان همه أن يسترضي جنده لا أن ينتصر على عدوه ما استحق لقب القيادة لحظة، ولكان الوضع الحقيقي أن الجند هم القادة والقادة هم الجند.
كذلك الشأن في قائد العلم وقائد الأدب، والمصلح الاجتماعي؛ فلكل منهم غرض يرمي إليه في علمه أوأدبه أو إصلاحه، وله خطة يريد أن يحمل الناس عليها رضوا أم كرهوا.
بل لا يعد المصلح مصلحًا حتى ينبه الناس من غفلتهم، يحملهم على أن يتركوا ما ألفوا ضار، أو يعتنقوا ما كرهوا من صالح، وهو في أغلب أمره مغضوب عليه ممقوت. واصطلاح الجمهور والمصلحين ليس علامة تبشر بخير، بل هي في الغالب تدل على تراجع من المصلح وانتصار للعامة.
وقد كان المصلحون في الشرق إلى عهد قريب أشد الناس تعبًا في الحياة، وأكثر تبرمًا بالجمهور؛ وأقربهم إلى عهدنا جمال الدين ومحمد عبده وقاسم أمين، لقوا في دعوتهم من العذاب ألوانًا، ولم يوفَّوْا حقهم إلا بعد أن وافاهم الموت. أما اليوم فلست أرى حركة عنيفة بين القادة والرأي العام، ولا بين المصلح ومن يراد إصلاحه؛ وربما كان سبب ذلك أن القائد ينظر إلى نفسه أولًا وقبل كل شيء وآخر كل شيء، قصد إلى أن يصفق له أكثر مما قصد لخدمة الحق، وقد وصل إلى درجة من إعجاب الجمهور يريد أن يزيدها أو يحتفظ بها، قد خلع ثياب القائد، وارتدى لباس التاجر؛ يبحث عما يعجبهم ليقول فيه شعره أو يكتب فيه مقالته، أو يطنب في وصفه، ويبحث عما يسوءهم ليحمل عليه حمله شعواء بقلمه أو لسانه، كما يبحث تاجر الأزياء عن آخر طراز في الزي يقبل الناس على شرائه.
تلك أشد حالات الانحطاط في القيادة؛ فأول درس يتلقاه القائد أن يكون قليل الاهتمام بشخصه، كثير الاهتمام بالغرض الذي يرمي إليه في الإصلاح، سواء أكان إصلاحًا لغويًّا أو أدبيًّا أو اجتماعيًّا أو دينيًّا، وأن ينظر إلى كل ما يجري حوله في هدوء، لا يسره إلا أن يرى الناس اقتربوا من غرضه ولو بسبه، ويضحي بالشهرة فتتبعه الشهرة، ويضحي بالحظ فيخدمه الحظ؛ بل سواء عليه عُرف أم لم يُعرف، وسواء عليه احتُقر أم كرِّم، ما دام سائرًا على المنهج الذي رسم، لا يشعر بأريحية إلا أن يصل إلى غرضه، أو يقرب منه؛ يحب المنتصرين لرأيه ويرحم الناقمين عليه، يرفض أن يلبس تاج الفخر إلا أن يكون من نسيج ما سعى إلى تحقيقه؛ إن كان هذا أول درس يتعلمه القائد فهو آخر درس أيضًا.
أخشى أن يكون قادة الرأي فينا قد مَلُّوا المقاومة فاستسلموا، وأن يكونوا قد استصعبوا الغاية فاستناموا، وأن يكونوا قد وقفوا مترددين قليلًا بين عذاب الضمير وعذاب المعارضة فاحتملوا الأول، وأن يكونوا لطول ما لقوا قد رغبوا عن النظر إلى الأمام والتفتوا وراءهم إلى الرأي العام، فساروا أمامه في الطريق الذي يحبه هو لا الذي يحبونه هم، إن كان هذا فيالها من هزيمة.
أنَّى لنا بقادة في الرأي لا يتملقون إلا الحق؟

اللون الأصفر


لفت نظري — وأنا أدرس الحياة الاجتماعية في العصر العباسي — ما رأيت من كثرة ما كتب عن اللون الأصفر في هذا العصر، وحلوله محلًّا كبيرًا غطى على كل الألوان الأخرى، وكثرة ما قيل فيه من أدب، فرأيت أن أعرض على القراء شيئًا منه وأترك لعلماء الجمال ما يدل عليه انتشار اللون الأصفر في الشعوب من تحديد درجة الذوق في الرقي، وعلاقته بانتشار الخلاعة، ودلالته على مقدار ما وصلت إليه الأمة من حضارة.
•••

رأيت العراقيين هاموا باللون الأصفر وتغزلوا بالوجوه الصُّفر، وصبغوا ثيابهم بالصفرة، وافتتنوا بالزهور الصفر، وأكثروا من اتخاذ الطعوم الصفر، ومدحوا الجواهر الصفر، وهكذا.
روى الجاحظ أنَّ من الأمثله المشهورة قولهم: «أهلك النساءَ الأصفران: الذهب والزعفران»، وهذا يدل على غرام النساء باللون الأصفر، وظهور هذا الغرام بحبهن للذهب والزعفران. أما حبهن للذهب فللونه؛ ولأنه خير أنواع المال. وأما الزعفران فقد كان له سلطان في بغداد أي سلطان، حتى لو سميْت بغداد في ذلك العصر مدينة الزعفران لم تُبعد؛ وقد جعلوا له قوة سحرية فقالوا: «إنه إذا كان في بيت لا يدخله سام أبرص»، وإذا حسن في عينهم شيء أصفر شبهوه بلون الزعفران كما قال آدم بن عبد العزيز:
شربت على تذكر عيش كسرىشرابًا لونه كالزعفران وأكثروا من تلوين الطعام به. قال بديع الزمان في إحدى مقاماته: «ومعنا على الطعام رجل تسافر يده على الخوان، وتأخذ وجوه الزعفران».
وكان البغداديون يلوّنون الطعام ويكرهون أن يقدموه بلا تلوين، ويسمون الطعوم الغير ملونة «الطعوم المعتدَّة» تشبيهًا بالمرأة في العِدّة؛ لأنهم يكرهون منها أن تلبس الثياب المُلونة، فكانوا يلونون الطعام بالزعفران وبالعصفر وهو أصفر أيضًا.
وصبغوا بالزعفران ملابسهم. حكي أن الرشيد دخل على أخته عليّة بنت المهدي في يوم قائظ، فوجدها قد صبغت ثيابًا بزعفران وصندل وجعلتها على الحبال لتجف، فجعلت الرياح تمر على الثياب فتحمل منها ريحًا بليلة عطرة، فوجد لذلك راحة من الحر.
وكتبت جارية على قباء معصفر:
وما البدر المنير إذا تَجَلْىهدوَّا حين ينزل بالعراقبأحسن من بُثَينة يوم قامتتهادَى في معصفرة رقاق وقد كثرت أسماء الثياب الصفر فسموا: التَّخْمَةَ: الثياب المخططة بالصفرة.
والرَّداعة: القميص لُمّع بالزعفران والطيب.
والسبنيَّة: نسبة إلى سَبَن قرية بنواحي بغداد، وهي ثياب من حرير فيها أمثال الأترجّ (الأصفر).
والثياب المحرَّضة: وهي المصبوغة بالإحريض وهو العصفر.
والثوم المُمصّر: قيل هو المصبوغ بصفرة خفيفة.
والثوب الموَرَّس: المصبوغ بالوَرْس وهو نبت أصفر يصبغ به.
وأكثر ما كانت العصائب التي تتزين بها النساء عصائب مصبوغة بالزعفران وشَيتْ بخيوط من الحرير وطرزت بسلوك من ذهب.
وقالوا: أجمل شيء غلالة معصفرة على جارية.
وحكى التنوخي في نشوار المحاضرة: «أن الخليفة المتوكل اشتهى أن يجعل كل ما تقع عليه عينه في يوم من الأيام شربه أصفر، فنصبت له قبة صندل مذهبة مجللة بديباج أصفر، مفروشة بديباج أصفر، وجعل بين يديه الدستنبو? والأترج الأصفر وشراب أصفر في صواني ذهب، ولم يُحضر من جواريه إلا الصفر، عليهم ثياب قصب صفر، وكانت القبة منصوبة على بركة مرصعة يجري فيها الماء، فأمر أن يجعل في مجاري الماء إليها الزعفران على قدر ليصفر الماء، ويجري من البركة أصفر، ففعل ذلك وطال شربه، فنفد ما كان عندهم من الزعفران، فاستعملوا العصفر، ولم يُقَدّروا أنه ينفد قبل سكره فنفد، فلما لم يبق إلا قليل عرّفوه وخافوا أن يغضب إن انقطع … فلما أخبروه أنكر أنهم لم يشتروا قَدْرًا عظيمًا، وقال: إن انقطع هذا تنغص يومي، فخذوا الثياب المعصفرة بالقصب فانقعوها في مجرى الماء ليصبغ لونه بما فيها من الصبغ … فحسب ما لزم ذلك من الزعفران والعصفر ومن الثياب التي هلكت فكان خمسين ألف دينار»?. ونسبوا إلى أفلاطون أنه قال: إن رائحة الزعفران تسكن الغضب، وإذا قرن اللون الأحمر بالأصفر تحركت القوة العشقية.
ولإعجابهم باللباس المعصفر أو المزعفر شبهوا به الخمر، فقال ابن الوكيع:
فاشْرَبْ مُعَصْفَرَةَ القميصِ سُلافةمن صنعه البَرَدَان أو قُطْرَبُّل وقال ابن المعتز:
لبَستْ صفـرًة فكـم فتَنَت منأعينٍ قد رَأيْنهَا وعقولمثل شمس الغروب تسحب ذيلًاصبغته بزعفران الأصيل وقال ابن الرومي في وصف شواء:
وسميطة صفراء ديناريةثمنًا ولونًا زَفَّها لك جُؤذر وأكثروا من مدح المرأة الصفراء واستحسنوها، ففي الأغاني أن مُتَيَّم الهاشمية، ومحبوب المتوكلية، ودنانير البرمكية، كن صفرًا مولدات، وسميت دنانير بذلك لصفرتها.
ومدحوا الزهور الصفر والثمار الصفر.
فمدحوا الآذَرْيُون وهو زهر أصفر وفي وسطه خمل أسود، قال فيه ابن المعتز:
كـأن آذريونهاوالشمس فيه كاليهمداهنٌ من ذهبفيه بقـايا غـاليه كما مدحو «الخِيرِي» وهو المنثور الأصفر.
وكان عندهم نوع من الياسمين أصفر قال فيه الشاعر:
كأنما الياسمين حـين بدايشرق من جوانب الكثبعساكر الروم نازَلَتْ بلدًاوكل صُلْبَانها من الذهب ومدحوا التفاح الأصفر والخوخ الأصفر.
وتغزلوا بصفرة الخمر فقال أبو نواس:
صفراء لا تنزل الأحزانُ ساحتَهالو مسها حجرٌ مسته سراء ويقول آدم بن عبد العزيز:
اسقِنِي واسْق خَليليفي مدى الليل الطويللونهَا أصفَرُ صَافٍوهي كالمِسْكِ الفَتِيلِ وبالغوا في حب الصفرة حتى كانت القَينة أحيانًا تلبس الثياب المعصفرة أو المزعفرة، وتطلي ما ظهر من يديها ومن عنقها بالورْس.
روى بعضهم قال: «رأيت جارية ببغداد وقد طلت يديها بالورس وفي عنقها طبل وهي تنشد:
محاسنها سهام للمنايامُرَيَّشَةٌ بأنواع الخطوب» وكثيرًا ما قرنوا هذا اللون بالدلالة على الميل إلى الشهوات والفجور، ورمزوا للخليع بقولهم: إنه «يلبس الموَرَّس».
هذه ظاهرة غريبة تستحق الدرس، وأحق الناس بالفتوى فيها علماء الجمال الاجتماعي.
? هكذا بالأصل، ولعله الدسنبويه، وهو بطيخ أصفر صغير مستطيل.? نشوار المحاضرة ???/?.
اللَّيلُ


في ليلة حالكة السواد، بعدْتُ عن ضوضاء المدينة إلى مكان قصيّ على شاطئ البحر، أهرب بنفسي من جراثيم المدنية ووباء الحضارة، وأغسلها من أدران التقاليد والمواضعات، وأطهرها بالانغماس في عالم اللانهاية: في السماء والماء والجو الفسيح الذي لا يحده حد ولا ينتهي إلى غاية.
غاب فيها القمر فلعبت النجوم، ولو طلع لكسفها وهي أكبر منه حجمًا، وأعظم قدرًا، وألمع ضوءًا، ولكن دنيانا هذه يسود فيها التهويش حتى في القمر والنجوم.
كان سواد هذه الليلة أحب إلى نفسي من ضوء الشمس ونور القمر، فللنفس حالات تنبسط فيها، فيعجبها البحر الهائج، والوسط المائج، واللون الأبيض والأحمر، والنكتة اللاذعة، وتنقبض فتأنس إلى الليل الساكن، والوحدة المريحة، والسكون العميق، واللون القاتم.
•••

لك الله أيها الليل! فما زلت بالفن حتى ملكته واحتويته، فجعل يشيد بذكرك، ويرفع من شأنك، حتى لم تجعل لأخيك النهار نصيبًا يقاس بنصيبك، فاقتسمتما الزمان عادلة، واقتسمتما الفن قسمة جائرة!
فالمغني يقصر مناداته عليك، ولا يلتفت في هتافه إلا إليك، فإذا غنى بالليل نادى الليل، وإذا غنى بالنهار لم يخجل فنادى الليل أيضًا، والآلات كلها تتبعه فتردد على أوتارها ما ردده المغني بكلماته؛ ثم كان اسمك على قلته وضئولته أداة طيعة في صوت المغني يوقع عليه ما شاء من نغمات: مرحة وحزينة، ومديدة وقصيرة، وعالية وهادئة، وباعثة للقوة والبأس والأمل، وداعية إلى الضعف والخمول والكسل.
وحتى المصور! لماذا شغف برسم غروب الشمس أكثر مما شغف بطلوعها؟ ما ذلك إلا لأن غروبها إيذان بقدومك وارتقاب لزورتك.
أما الأدب فله فيه الباع الطويل والقول الذي لا ينتهي. تداولت عليه الأدباء، فنقموا منه حينًا، وتذللوا له حينًا، من عهد الأستاذ امرىء القيس إذ يقول:
فيا لكَ من ليلِ كان نجومهبكل مُغَار الْفَتْلِ شُدَّتْ بيذْبُل إلى عهد الأستاذ محمد عبد الوهاب إذ يقول:
«بالله يا ليل تجينا، وتسبل ستايرك علينا»
شكوا طوله وتفننوا في ذلك ما شاءوا، فتخيلوا أن نجومه شدت بالحبال، وربطت في الجبال، أو أن النهار ضل طريقه فظل الليل لا يبرح ولا يتزحزح، أو أن النجوم حارت لا تدري أتتيامن أم تتياسر فوقفت فوقف الليل بجانبها. وشكوا قصره فأبدعوا في ذلك أيما إبداع، فشبهوه بعارض البرق، وأنكروا من قصره وجوده.
كان هؤلاء الذين يشكون طوله ويشكون قصره يتحدثون بعواطفهم، ويترجمون عن مشاعرهم؛ فجاء قوم على أثرهم يتحدثون بعقولهم، فيقول الفرزدق:
يقولون طال الليلُ والليلُ لم يَطُلولكنَّ منْ يبكي من الشوْقِ يَسْهَر ويقول ابن بسام:
لا أظلـمُ الـليلَ ولا أدعَّيأن النـجوم اللَّيلِ لَيْسَتْ تغورليلي كما شاءَت فإن لم تَجُدطال، وإن جادت فليلي قصير •••

أيها الليل! كما لففت ثوبك على متناقضات: حزن على الميت، وسرور لميلاد، ومحب مهجور يشكو طولك، ومحب واصل يشكو قصرك، وعابد متهجد يناجي ربه، وداعي فاجر يبغي حظه، ودمعة حرَّى تسبلها أمْ ولْهَى بجانب سرير مريض، وضحكة صارخة تخرج من فم سكير عربيد؛ ومجلس أنس تتجاوب فيه الأقداح والأوتار، ويلبس فيه الليل ثوب النهار، بين بدور، وكاسات تدور، كأنه مسرح صغير تمثل فيه الجنة بصنوف نعيمها، أو معرض تعرض فيه الملاهي بشتى ألوانها؛ ومجلس بؤس تتجاوب فيه الزفرات والحسرات، وتتساقط فيه النفوس، قد شرقوا فيه بدموعهم، وتلظى الهم في ضلوعهم، فهم بين كاسف بال، وساهم طرف، ومنقبض صدر، ولهيف قلب.
يترقب السارق ليحتمي بسوادك في سرقته، والعاشق ليفر في سكونك بعشيقته، والناسك ليبتهل إلى الله في صلواته، ويتحد معه في مناجاته، والشاعر لينظم شجونه في قصيدته، والملحن ليوقع لحنه على قيثارته، والسياسي ليدبر مؤامراته، والعالم ليفكر في نظرياته.
•••

ولكن لماذا استأثرت بكل هذا والنهار قسيمك في الخدمات، وعديلك في الحياة، بل هو أشد منك حياة وأكثر قوة، فسلطانه الشمس وسلطانك القمر، وسلاحه الضوء وسلاحك الظلام، وشعاره البياض وشعارك السواد، وهو مبصر وأنت أعمى، وطبيعته الحركة وطبيعتك السكون، وهو يدعو إلى النشاط والعمل، وأنت تدعو إلى الخمول والكسل؟ ولكن شاء الله أن يمن على اللذين استُضعفوا في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، فجعل من قوة النهار ضعفًا، ومن ضعفك قوة.
انتهزْتَ فرصة السكون الذي منحك الله، فجعلت منه حركة دونها حركة النهار، فحركتُه حركة جسم وآلات، وحركتك حركة عوطف وانفعالات، وشتان ما بينهما! لقد أطاق الناس مصائبه ولم يطيقوا مصائبك، فقال الشاعر:
وحُمِّلْتُ زَفْرات الضحى فأطْقتهاوما لي بزفرات العَشِيّ يدان واستعنت بسلطان الحب فجعلته من أعوانك، وأسرت العواطف فاتخذتها من خدامك، فلما اجتمع لك الحب والعواطف نازلت بها الزمان، وغلبت بها كل سلطان؛ فالوصل لا يلذ إلا في ظلك، والهجر لا يلذع إلا في كنفك، والسرور لا يشع إلا في حضرتك، والألم لا يضني إلا في هدءتك.
من تعب في النهار وجد فيك راحته، ومن أتعبته الحركة نَعِم فيك بسكونك، ولكن من تعب فيك لم يجد في النهار عوضًا عنك، ولم يرض به بديلًا منك.
•••

جالت هذه المعاني في فكري، وامتلأت بعظم الليل نفسي، فمنَّ علي بنومة لذيذة هادئة عميقة، فقابل جميل ثنائي بجميل صنعه، وأدى فريضة شكري بجزيل فضله.

فقدانُ الثقة


لعل أسوأ ما تُمْنَى به الأمة أن يفقد أفرادها الثقة بعضهم ببعض؛ فقدان الثقة يجعل الأمة فردًا، والثقة تجعل الفرد أمة. الثقة تجعل الأجزاء كتلة وفقدانها يجعل الكتلة أجزاءً غير صالحة للالتئام، بل يجعل أجزاءها متنافرة متعادية توجه كل قوتها للوقاية والنكاية.
كم من الزمن ومن المال ومن النظم ومن الخطط تنفق إذا فقدت الثقة؟ ثم هي لا تُغْني شيئًا ولا تعيد ثقة.
تصوّر أسرة فقدَ الزوج فيها ثقته بزوجته، والزوجة بزوجها، ثم تصوّر كيف تكون حياتها: نزاع دائم، وسوء ظن متبادل، وانتظار للزمن ليتم الخراب.
وهكذا الشأن في كل مجتمع: في المدرسة، في الجيش، في الحزب، في القرية، في الأمة.
بل ما لنا نذهب بعيدًا والإنسان نفسه إذا فقد الثقة بنفسه فقد نفسه؟ فلا يستطيع الكاتب أن يكون كتابًا مجيدًا ولا الشاعر أن يكون شاعرًا متفوقًا، ولا أي عالم وصانع يجيد علمه وصناعته إلا إذا وثق بنفسه لدرجة ما؛ وكم من الكفايات ضاعت هياءً؛ لأن أصحابها فقدوا ثقتهم بأنفسهم، واعتقدوا أنهم لا يحسنون صنعًا ولا يجيدون عملًا.
وكل ما ترى من أعراض الفشل في أمة سببه فقدان الثقة؛ فالحزب ينهار يوم يفقد الأعضاء ثقتهم بعضهم ببعض، والشركة تنهار يوم يتعامل أفرادها على أساس فقدان الثقة، والمدرسة تفشل يوم لا يثق الطلبة بأساتذتهم والأساتذة بطلبتهم، وكل جماعة تفنى يوم يتم فيها فقدان الثقة.
كل نظمنا — على ما يظهر — مبنية على فقدان الثقة؛ فوظائف «المفتشين» في جميع مصالح الحكومة والشركات أصبحت مؤسسة على فقدان الثقة، فالمفتش في الترام والسيارات العامة مبناه ضعف الثقة «بالكمساري» ومفتش المالية يراقب حركات مرءوسيه حتى لا يختلسوا أو يزوِّروا، ومفتشو الوزارات يرون إلى أي حد يطبق الموظفون تعاليم الوزارة.
قد كان الظن بالمفتشين أن يؤدوا عملًا آخر غير هذا، وهو أن يشرفوا على عمل المرءوسين ليوجهوهم وجهة صالحة، ويتعاونوا معهم على رسم الخطة القويمة، ويصححوا الخطأ، ويكملوا النقص، ولكنهم — في الأغلب وقفوا فقط موقف الضابط يضبط الجريمة، والصائد يرقب الفريسة، لا موقف الهادي المرشد والناصح الأمين.
فإن أردت «بندًا» واحدًا من «بنود» ما ينفق من الأموال في سبيل عدم الثقة فاجمع مرتبات المفتشين في جميع مصالح الحكومة.
وليس الأمر مقصورًا على هؤلاء، فالمراجعون ومراجعو المراجعين، والأوراق تمر من يد إلى يد، ومن قلم إلى قلم، ومن مصلحة إلى مصلحة، ومن وزارة إلى وزارة. كل ذلك له أسباب، أهمها «فقدان الثقة».
وإن شئت حصر ما يستهلك من الأموال لفقدان الثقة فلا تكتف بمرتبات المفتشين، بل أضف إليها مرتبات هؤلاء الذين ذكرنا، فلو قلنا: إن نصف مرتبات الموظفين ينفق في سبيل فقدان الثقة لم نبعِد.
وليست المصيبة كلها في الأموال، فلو كنا نقدر للزمان قيمة كغيرنا من الأمم لاستفظعنا ما يستوجبه فقدان الثقة من أيام وشهور وسنين تضيع في إجراءات وتدقيقات ومراجعات ومناقضات وتعليقات مبناها كلها «فقدان الثقة».
ثم هناك عقول للنابغين وكبار أولي الأمر في الأمة تفكر ثم تفكر، وتقدر ثم تقدر، وتضع الخطط تلو الخطط، والقوانين واللوائح والمنشورات تلو القوانين واللوائح والمنشورات، ويخيل إليها أنها بما فعلت تأمن الخيانة والسرقة والتزوير، وتظن بذلك أنها تعالج ما فسد وتصلح ما اختل، وهي إنما تزيد بذلك في «فقدان الثقة».
أضف إلى هذا ما تسبغه هذه المظاهر كلها على نفسية الموظف، فهو يرى كل هذه النظم واللوائح والقوانين والمراجعات والمناقضات، فيشعر أنها إنما شرعت له ومن أجله وبسبب فقدان الثقة به، وأنها كلما تنظر إليه كلص وكمجرم وكمزور؛ فيفقد الثقة بنفسه، ويعمل في حدود ما رسم له، ويشعر بالسلطان عليه فلا يجرؤ على التفكير بعقله، ولا يجرؤ على تحمل تبعة، ويفر من البت في الأمور ما وسعه الفرار، حتى يكون بمأمن دائم من الأسئلة والمناقضات — وهذا هو سر ما نراه من بطء في العمل، وركود في الحركة، وضياع لمصالح الناس؛ إذ لا شيء يبعث الثقة في المرءوس مثل أن يثق بع الرئيس، ولا شيء يبعث الحيرة والارتباك والاضطراب إلا ما يشعر به من «فقدان الثقة».
أنا كفيل بأنا لو قلبنا كل هذه النظم رأسًا على عقب وهدمناها من أسسها وأزلنا أنقاضها، ثم بنيناها على أسس جديدة من الثقة البحتة، ما خسرنا من الأموال وما خسرنا من الأزمان والأنفس ما نخسر الآن، ولو كثرت اللصوص وكثر الخائنون والمزورون.
هب أنا فتحنا مكتبة وأسسنا نظامها على الثقة بالموظفين والمترددين من المطالعين، فاستغنينا عن مراقب واستغنينا عم مراجع واستغنينا عن مفتش وهكذا، واكتفينا بمعير للكتب و«فتى» يضع الكتب كل يوم في أماكنها، فماذا يكون الشأن وماذا يكون حسابنا في المكسب والخسارة؟ لا شك أننا سنفقد كتبًا يسرقها بعض المترددين، وهذا هو كل الخسارة؛ ولكنا بجانب ذلك نوفر مرتبات كاتب ومراقب ومفتش، ونوفر أزمانًا طويلة تصرف في عمليات الجرد والحصر، وننشر الثقة بين المطالعين، ونشعرهم بأن المكتبة في حمايتهم هم وتحت إشرافهم، فننمي فيهم الشعور بالتبعة؛ فإذا كان هذا مكسبنا وهذه كل خسارتنا، فإلى النار هذه الكتب المفقودة، وخَسِئت عين كل من ينظر في عمليات الحساب إليها وحدها، ولا ينظرإلى كل هذه الأرباح التي ربحناها.
وهذا المثل الصغير يمكن تطبيقه تمام التطبيق على الأعمال الكبيرة في المصالح المختلفة. بل إني أشتري نشر الثقة بين الناس وتسهيل الأعمال، وشعور الناس بالطمأنينة بأي ثمن، بل لو أن التجارب دلت على أن ما نفقد من الأموال أكثر مما نربح إذا أسسنا النظم على أساس الثقة لاستمررت في تجربتي ونظريتي، وآمنت بوجوب الانتظار على هذا الأساس الجديد، حتى يذهب هذا الجيل الذي أفسده النظام القديم، وقضى على نفسه وعلى شعوره، ولأنتظر جيلًا جديدًَا نشأ في أحضان «الثقة» والشعور بالواجب وبالتبعة وبالحرية في العمل في دائرة ضيقة من القوانين المعقولة.
وهكذا الشأن في جميع الأمور السياسية والاجتماعية؛ فثقة أفراد الحزب بعضهم ببعض — ولو مراعاة للمصلحة — أضمن للنجاح، وأقرب لتحقيق الغرض؛ وثقة الجمعية برئيسها، والرئيس بأعضائها — ولو تصنعًا — أقرب لأن ينقلب التصنع خُلقًا.
وقد رأينا — دائمًا — أن العدوى في المعاني كالعدوَى في المحَسنات؛ فكما أن التثاؤب يبعث التثاؤب، والضحك يبعث الضحك، فكذلك الثقة تبعث الثقة، وعدمها يبعث عدمها. وبعد، فلا تزال ترن في أذني كلمة سمعتها من أستاذ إنجليزي كان في الجامعة: «إذا كنتم لا تريدون أن تولوا أموركم الأجنبي، ولا تمنحون ثقتكم المصري، فكيف تعيشون؟»

كيمياءُ الأفكارِ والعواطفِ


كان القدماء يفهمون من «الكيمياء» الإكسير المنشود الذي إذا عُثر عليه وأضيف إلى الزئبق أو الفضة بكمية محدودة، تحت حرارة معينة، انقلب الزئبق أو الفضة ذهبًا إبريزًا.
وليس يعنينا هنا أن نبين ما أنفق الناس من جهد في الوصول إليه ثم لم يصلوا، ولا ما أنفقوا من مال وزمان في سبيل العثور عليه ثم لم يعثروا، ولا ما ملئت به كتب الفلسفة الإسلامية من جدل في إمكان ذلك أو استحالته.
إنما يعنينا هنا أن نقول: إن العلماء والأدباء نقلوا استعمال هذه الكلمة إلى المعاني بعد أن كانت مقصورة على المادة؛ فسمى «الغزالي» كتابًا من كتبه «كيمياء السعادة» يعني بذلك الإكسير الروحي الذي إذا عثر عليه إنسان حظي بالسعادة.
وقد استعملها ابن الرومي استعمالًا ظريفًا في معنى قريب من هذا، فقال يهجو أبا الصّقر:
عَجب الناسُ من أبي الصّــقْر إذ ولي — بعد الإجارة — الديواناإنّ للجدّ كيميـاءً إذا مـَـامَسَّ كلبـًا أحـاله إنسانايفعل الله ما يشاء كما شاء متى شاء كائنًا ما كانا •••

ثم سار الزمن الذي يغير كل شيء، فغير — فيما غيره — مدلول كلمة «الكيمياء» وجعله قسيمًا للطبيعة؛ فكما أن الطبيعة اختصت بدراسة الظواهر التي تغير صفات الأشياء ولا تغير جوهرها، اختصت الكيمياء بدراسة الظواهر التي تغير جوهر الأشياء، فاتسع مدلولها، وصار آخر ما تفكر فيه تحويل المعادن إلى ذهب إن كانت تفكر فيه.
والحق أن هناك كيمياء في الأفكار والعواطف تشبه تلك التي في المادة، إلأ أنها أعقد منها، وأصعب حلًّا، وأغمض اكتشافًا. وإلى الآن لم توضع كتب — على ما أعلم — في كيمياء المعاني على كثرة ما وضع في كيمياء المادة، وإن كانت كتب علم النفس أحيانًا تمس هذا الموضوع مسًّّا رفيقًا.
•••

فلكيمياء الأفكار والعواطف فصول وأبواب لا عداد لها، قد ينطبق عليها في كثير من الأحيان فصول الكيمياء المادية وأبوابها؛ ففي كيمياء المعاني ترشيح وتبخير وذوبان كالتي في كيمياء المادة، وفيها تبلور وتقطير، وفيها عناصر ومركبات ومخاليط، وفيها أحماض وأملاح وقواعد، وفيها جزيئات وذرات لها أوزان وكثافات — ولها رموز وقوانين أدق من رموز الكيمياء المادية وقوانينها، ولها معادلات أصعب حلًّا وأبعد منالًا.
هل علمت — مثلًا — أن الماء يتكون من غازي الأوكسيجين والأيدروجين — بنسبة واحد من الأول واثنين من الثاني باعتبار الحجم؟ فكذلك الشأن في الأفكار والعواطف، فقد يكون لديك فكرة من نوع ما، أو عاطفة من نوع ما، ثم تسمع فكرة من محدث، أو تقرأ فكرة في كتاب، وتكون فكرتك من وزن خاص، والفكرة التي سمعتها أو قرأتها من وزن آخر، فتتحد هاتان الفكرتان، وتتولد منهما فكرة جديدة لا هي من النوع الأول وحده، بل هي نوع خاص، علاقته بالفكرتين كعلاقة الماء بالأوكسجين والأيدروجين.
وهل علمت أنك إذا ملأت قارورة ثلثها بالأوكسجين وثلثيها بالأيدروجين ثم قربت فوهتها من لهب تسمع لذلك دويًّا هائلًا؟ كذلك الشأن في العواطف، فقد يكون لديك عاطفة من نوع خاص، ثم تسمع خطبة من نوع يناسبها فتتفجر نفسك لهذا الاتحاد انفجارًا هائلًا، وتحس نارًا تملأ نفسك وتذكي حسك. أو ليس الغضب — يحمرُّ وجه صاحبه وتنقدح عيناه، ويجعله يقذف الكلمات الحادة العنيفة، ولا تهدأ ثائرته حتى ينتقم — ضربًا من ضروب هذا التفاعل الذي يشبه تفاعل الغازين؟ أوليست الحماسة — تدفع الجندي ليرمي بنفسه في خط النار، ولا يقيم للحياة وزنًا — أثرًا من آثار ما يسمع من كلمات القائد وما يشعر من جو وبيئة؟ أوليس الحب — يذيب النفس، ويرهف الحس، ويملأ القلب أسًى حينًا، وفرحًا وغبطةً حينًا — إلا نوعًا من هذا التفاعل دونه التفاعل المادي والاتحاد الكيمياوي؟
وكل ما ندرك من فرق بين التفاعل المادي والتفاعل الروحي أنا استطعنا أن نخضع المادة لبساطتها، فنحلل أجزاءها بالكهرباء أو ما أشبهها، ونقيس مقدار العنصرين أو العناصر المتحدة، ونعرف مقدار كل منها، ونرصد أثر التفاعل. أما في الأفكار والعواطف فليس الأمر بهذه السهولة، فلكل إنسان آراؤه وعواطفه، وهي تختلف فيما بينها كل الاختلاف، في جوهرها، وفي قابليتها لأفكار الآخرين وعواطفهم؛ فقد نلقي الكلمة على عدد محدود من الناس فنشعر بأن أثرها عند كل إنسان يخالف أثرها عند الباقين، كضوء النهار يفتح أعيننا ويغمض عين الخفاش؛ وقد يقرأ شخص كتابًا فيزعم أنه غيّر مجرى حياته، وقلب تفكيره رأسًا على عقب، وألهمه من المعاني ما استحال بها إنسانًا آخر، وأحدث في نفسه ثورة فكرية لم يحدثها أي كتاب غيره، ويقرؤه إنسان آخر فلا يشعر هذا الشعور ولا قريبًا منه، ولا يحس له ميزة ولا يجد له طعمًا. وهذا بعينه ما يحدث في الأجسام، تقرب عود ثقاب مشتعل من ورق فيشتعل، وتقربه من ثلج فيذوب، وتقربه من رخام فلا يشتعل ولا يذوب. وأؤكد لك أن الرواية تعرض في السينما أو تلقى في المسرح على عدد كبير من الناس تؤثر في كل ناظر بمقدار لا يتفق تمامًا وأثر الباقين، وإن كانت واحدة وممثلوها متحدين، فإن هناك عاملًا آخر من عوامل الوزن مختلفًا كل الاختلاف، وهو عواطف الناظر وآراؤه، وأن نتيجة التفاعل تختلف دائمًا باختلاف أحد الممزوجين المتفاعلين.
إن أردت التوسع في تطبيق هذه النظرية وجدت القول ذا سعة؛ فالبائع الناجح في المتجر ليس هو الذي يكثر الكلام أو يُقل الكلام، وليس هو الخفيف الحركة ولا هو المهندم الثياب، وإنما هو الذي يعرف شيئًا واحدًا ويتقنه وهو «قانون التفاعل»، ينظر إلى المشتري نظرة نافذة فيعلم نفسه، ويعلم نواحيها، ويعلم المواضع الحساسة منها، ويعرف في مهارة نقط التأثر عنده، ومقدار الأثر، ثم يستعمل في العرض وفي الكلام ما يتفق وما درسه من نفس المشتري، وإذا الذي يصدر من البائع مناسب لنفس المشتري ومنفعل معها على نحو خاص، وإذا الصفقة قد تمت في سهولة ويسر، على حين أن زميله ومن بجواره لا يبيع مثل بيعه؛ لأنه يخطىء في فهم نفس المشتري، فيتفاعل تصرفه تفاعلًا عكسيًّا مع نفس المشتري، فيتفاعل تصرفه تفاعلًا عكسيًّا مع نفس المشتري، فينتُج من ذلك نوع من الغضب أو نوع من الغضاضة ينتهي عادة بالإعراض عن الشراء. فإن سألت: كيف جهل هذا وعلم ذاك، وأين درس أحدهما ولم يدرس الآخر فنجح الدارس وفشل الجاهل؟ قلت: إن هذا الدرس لا يتعلم في المدرسة، وإنما يتعلم في السوق، وتعلمه من حسن استعداده الفطري وغريزته الطبيعية، بل إن شئت طبقت هذه النظرية على كل ناجح وفاشل في الحياة، فالمدرس الناجح من استطاع أن يتعرف نواحي تلاميذه ويعرف ما يلقى وما لا يلقى، وما يقال وما لا يقال، ويصدر عنه ما يتفاعل وهذه النفوس، فيصدر من ذلك التفاعل عطف وحنان وحب، ورغبة في المعلم، ورغبة في علمه، ورغبته فيما يقول، وتأثير بما يشير إليه.
وما الأسرة السعيدة؟ وما الأسرة الشقية؟ أليست السعيدة من عرفت فيها الزوجة نفسية زوجها والزوج نفسية زوجته، وعمل كل منهما على أن يصدر منه ما يتفاعل ونفس الآخر حتى ينتج هذا التفاعل تآلفًا، فإذا انحرف أحدهما عن هذا الوجه عن جهل أو عن علم ساء البيت ونشأ تفاعل من جنس آخر نتج عنه البغض والكراهية والشقاق.
الحق أن هذه كلها معادلات في الكيمياء النفسية تشبه تمام الشبه المعادلات الكيمياوية التي تجرب في المعمل. ومع الأسف لم يصل الناس إلى حد بعيد في دراسة الكيمياء النفسية، ولم ينشئوا لها المعامل الناجحة نجاح المعامل الكيمياء المادية. والخطأ في النفس كثير الوقوع لصعوبة تعرف الذرات النفسية وتكوين المعادلات الدقيقة.
وإذا أدرك الإنسان هذا التفاعل واختلافه ودقته أدرك خطورته، وخاصة فيمن يتصل مركزه بنفوس كثيرين كالصحفي والأديب، والمعلم والخطيب، والزعيم؛ فقد يصدر عنه ما ينفعل ونفوس الناس فيكون سمًّا ناقعًا، وقد ينتج عنه ما يكون دواءً ناجحًا.

في الحرِّ


اشتد الحر وشُغل الناس بالتفكير فيه، وبطرق التغلب عليه، وبالتأفف منه؛ فهذا يدبر المال للإقامة في مصيف فيوفق ويرحل، وهذا لا يواتيه المال فيقيم على مَضَض، وهذا نزاع عائلي بين ميزة الاصطياف في أوروبا والاصطياف في الإسكندرية، وهذا غني أفلس يأتي عليه الحر فيذكره بأيام هنيئة قضاها في أجود المصايف وأنزه الأماكن، فتجتمع عليه لذعة الحر ولذعة الذكرى — وهذا بائع مرطبات والمبردات يسأل الله أن يزيد في الحر حتى يكثر من بيعه، ويزيد ربحه، وهذا يرقب درجة الحرارة من حين لآخر ليعلم أتحسن الجو أم ساء، وهو يتبع المقياس في رضاه وسخطه، وهذا يقرأ نشرات مصلحة الطبيعيات ليقارن بين القاهرة والإسكندرية، والقاهرة وبورسعيد، فإن كان في الإسكندرية رثى لمن في القاهرة، وإن كان في القاهرة حسد من كان في الإسكندرية؛ وإن كان في أسيوط عزى نفسه بقلة الرطوبة وجفاف الهواء؛ ومن كان في مصر كلها حَمِدَ الله على أنه ليس في أمريكا حيث يختنق الناس — وهذه شغلها التفكير في المقارنة بين حمام ستانلي وسيدي بشر: أيهما أكثر ناسًا، وأنظف مرتادًا، وأحسن للعرض وأمتع للنفس. وهذا يرتقب غروب الشمس التي تكويه بنارها ليخرج إلى الجزر والأنهار والمقاهي المفتوحة والملاهي في الجو الطلق، فينتقم في ليله من نهاره — وهذا وهذا وهذه وتلك، مما لا يعد ولا يستقصى؛ ولكن لا بد من «هذه» أخرى أنسيتها، فهذا كاتب وشاعر شغله الحر من ناحية أخرى، فهو يريد تشبيهًا جميلًا للحر أو تعبيرًا بليغًا، فيقول: هذا الجو أحر من الرمضاء وأحر من دمع الصب، وأحر من قلب العاشق، ومن فؤاد الثاكل؛ ثم لا تعجبه هذه كلها فيريد تشبيهًا مخترعًا، أو عبارة مبتكرة، أو استعارة بديعة، فيسبح في الخيال، وينسى الحر، وهي حيله لطيفة للتخلص منه!
أما أنا فقد ضايقني الحر وحرت بين مصر والإسكندرية، تؤلمني الأول بحرها القاسي، وتؤلمني الثانية برطوبتها الثقيلة، ووددت أن لو كان لي من المال ما يمكنني من أن أطير صباحًا فأقضي النهار في الإسكندرية، وأطير مساء فأقضي الليل في القاهرة.
وأخيرًا رأيت أن أهرب من الحر حينًا بالتفكير في الكتابة فيه، وقلت: إنها فرصة جميلة أن أكتب في الحر، فإن خرج المقال قيما ممتلئًا حرارة وقوة ربحت ربح المحسن في عمله — وليس لي كبير أمل في ذلك — وإن خرج المقال باردًا أكون قد أحسنت إلى الناس فرفهت عليهم، وانتقمت من الحر، وأعنتهم عليه؛ وأي فرصة للكاتب خير من هذه؟ يحسن إذا أحسن، ويحسن إذا أساء، وللإنصاف لا بد أن أعلن أني لست مبتكرًا لهذا المعنى، إنما أخذته من نادرة لها اتصال بالحر، فقد أنشد بعضهم بيتًا من الشعر فقال سامعه: إن هذا البيت لو طوح في نار المتنبي لأطفأها، ويريد ببيت المتنبي قوله:
ففي فؤادِ المحب نارُ جَوّيأحرُّ نار الجحيم أبرَدُها فكذلك أردت أن أثأر لنفسي وللناس من حر هذا العام بكتابة مقالة تطفئه، وأخشى ما أخشاه أن تخرج فاترة، لا بالحارة فتعجب، ولا بالباردة فتطفىء.
•••

أول ما خطر لي في الحر أني الآن لابس ثوبًا أبيض واسعًا فضفاضًا، مكشوفُ الرأس عاري القدمين، جالس في حديقة، وأشجار عن يميني وأشجار عن يساري، وحوض زاهر أمامي، وقد رشت الأرض من حولي، وبجانبي إناء مما يحفظ فيه الماء مثلوجًا، لا أدري ما اسمه بالعربية؛ وكل شيء حولي يرطب الجو ويلطفه ويعدله، وأنا مع هذا كله برم بالحر، ضيق الصدر، مغيظ محنق، أتلمس أقل سبب، لأعلن الغضب — وعلى البعد مني أصوات ترتفع بالنداء، هذه تحمل قفصًا مملوءًا بالفراخ، وهذا يجر عربة ملئت بأصناف الخضر، وهذا ثالث يحمل على رأسه سفطًا كبيرًا قد ملىء بالتين أو العنب، وهو سائر طول نهاره في هذا القيظ ينادي، ولا يعبأ بشمس ولا حر، ولا يضجر كما أضجر، ولا يألم كما آلم، ولا يفكر في الحر كما أفكر — أليس في الأرض عدل؟ أليس الشقاء قد أكسبه مناعة وقوة؟ أوليست الرفاهية والمدنية والنعيم قد حرمتني الجلَد والاحتمال؟ إنه ليسعد بما أشقى به، إنه ليسعد بشربة ماء من كوز من حنفية، ويسعد بالارتماء في ظل بيت في الشارع بعد أن أعياه التعب وأضناه السير، ويسعد بقرش يكسبه ليشتري به خبزًا جافًّا يأكله فينعم به. إن كانت السعادة في اللذة والطمأنينة وهدوء البال، فمما لا شك فيه أن هناك مجالًا للتفكير العميق «أينا أسعد». وتَبًّا للعيش الناعم، والمدنية المعقدة، والرفاهية المترفة، التي أرهفت حواسنا وإحساساتنا، وأفقدتنا الصبر واحتمال المكاره، وجعلتنا نفر من نعيم إلى نعيم أدق منه نظن فيه السعادة، وما السعادة إلا في العيش البسيط والمران على الجلَد، واحتمال ألوان الحياة وصنوف التعب، وأقلها الحر والبرد. إن تحتمل الحر فلا حر، وإن تحتمل البرد فلا برد، وإن تعتد بساطة العيش تكره نفاق المدنية. وإن السعادة لخير ما يحقق مذهب «أنشتين» في النسبية، فكل شيء في الحياة من لذة وألم نسبي؛ وليست اللذة والألم يعتمدان على الشيء الخارجي فحسب، بل هما نتيجة تفاعل بين الشيء الخارجي والنفس، ويختلف هذا التفاعل اختلافًا كبيرًا باختلاف النفوس؛ فليس الألم من الحر والبرد يعتمد على درجة الحرارة وحدها، إن صلح الترمومتر أن يكون مقياسًا لحرارة الجو، فلا يصلح أن يكون مقياسًا لألم النفس من الحر، وليس لهذه الحال ترمومتر مشترك يتساوى فيه الناس، إنما لكل إنسان في الألم من الحر والبرد ترمومتره الخاص، وكذلك ترى من يموت من الحر، ومن يموت من الضحك على الحر. ومن الغريب أن يتوجه كل الناس بكل مجهودهم للتخلص من الحر بالاصطياف وسكنى الشواطىء والمراوح والمرطبات، ولا يبذلون أي جهد في الناحية الأخرى وهي الناحية النفسية بترويضها وتمرينها على الاحتمال، وتعويدها الصلابة! وهذا في نظري ليس أقل شأنًا ولا أصغر قيمة من العلاج الأول.
•••

وخطر لي أن علماء الجريمة يذكرون أن هناك أنواعًا من الإجرام تكثر في الصيف كالإجرام الجنسي، وأنواعًا تكثر في الشتاء كإجرام السلب والنهب، فقلت: لعل ذلك أيضًا في الأدب، فالأدباء يَهيج بعضهم على بعض صيفًا أكثر مما يهيجون شتاءً، ويهيجون في القاهرة أكثر مما يهيجون في الإسكندرية؛ إن شئت مصداق ذلك فانظر ما كان بين من يسمونهم أدباء الشيوخ وأدباء الشباب، وانظر ما كان بين أدباء الشيوخ بعضهم وبعض، وأدباء الشباب بعضهم وبعض، أليس هذا كله فعل الحر؟ أوليس من كان في الإسكندرية على شاطئ البحر كان يعجب من فعل الحر في أدباء القاهرة؟ ولئن كان الحر يؤاخَذ على ما جنى من تعريض العلاقات بين بعض الأدباء لخطر، فإنه يشكر على أنه استطاع أن يستخرج من الأدباء قطعًا فنية بديعة أكملت أبواب الأدب، فإن القدماء قد عدوا من أبوابه باب الهجاء كما عدوا باب المديح — كما أنه يشكر إذ لم يسلط ناره الحامية على الأدباء طويلًا، فقد حوَّل عدسته إلى غيرهم ليتنازعوا، فنجا الأدباء من ثورته، وهدأت عواطفهم وتصافت نفوسهم.
•••

وأخيرًا خطرت لي مَحْمدة جليلة للحر القائظ، والبرد القارس، وقلت: إن هذه المحمدة تفوق كل ما كان للحر والبرد من سوء، ولولاها ما تقدمت الإنسانية. وما رقي النوع البشري هذا الرقي، ولظل هائمًا على وجهه كالوحوش؛ ذلك أن الشمس بنارها اللافحة، والحر بشدته اللاذعة، والبرد بحدته القاسية، وأمطاره المنهمرة، وببَرده وثلوجه، والطبيعة العنيفة بعواصفها ورياحها، كل ذلك هو الذي ألجأ الإنسان قديمًا إلى أن يبحث له عن ملجأ يأوي إليه من الحر والبرد، فسكن الكهوف في نشأته الأولى، وظل يرتقي في ضروب من الارتقاء حتى أسس البيت، وأسس الأسرة، وكونت الأسر القبائل والمدن، وكونت هذه القبائل الأمم؛ ثم تعاونت الأمم على ترقية النوع الإنساني، فلولا الحر والبرد ما أظن أن قد كان بيت، ولولا البيت ما كانت الأسرة، ولولا الأسر ما كانت أمم. أليس الحر والبرد إذًا كان أفعل في ترقية النوع الإنساني من كل مظاهر الحياة وظواهر الكون؟ فإذا قلنا: إن تقدم النوع البشري مدين في تقدمه لرداءة الجو، وشدة الحر والبرد، لم نُبْعِد.
•••

خطر لي كل هذا حينما حاولت أن أكتب في الحر فبدأ الضجر يقل، والألم يحتمل، والنفس تهدأ، والعاصفة تسكن، والاحتمال يقوى. فهل هذا يستمر؟ سأجرب.
على كل حال قد هزئت بالحر ونسيته — ولو إلى حين — بكتابة مقال فيه.

الشَّخصيةُ


أعجب ما في الإنسان شخصيته، وقد تنوعت الشخصيات بعدد ما على الأرض من أشخاص، فترى الشبه الكبير بين الحجر والحجر، حتى يصعب عليك أن ترى بينهما فرقًا، وترى المطبعة تخرج آلافًا من الكتب تتشابه وتتماثل، لا تميز بين أحدهما والآخر، وترى الشبه كبير بين الوردة والوردة في رائحتها ولونها وكل شيء فيها، وترى الحيوانات من فصيلة واحدة تتشابه وتتقارب حتى ليلتبس بعضها ببعض. أما الإنسان والإنسان فلا، حتى ليكاد يكون كل إنسان فصيلة وحده؛ فإن كان علماء «الأثنولوجيا» استطاعوا أن يقسموا الإنسان إلى أنواع، وأن يضعوا لكل نوع خصائصه ومميزاته، فذلك عمل تقريبي محض؛ أما إن أرادوا الدقة التامة فلا بد لهم أن يضعوا كل فرد في قائمة وحده، له مميزاته الخاصة في جسمه وعقله، وروحه وخُلقه؛ فإذا أردنا أن نحصي الشخصيات في هذا العالم فعلينا أن نحصي عدد الناس فنضع ما يساويه من عدد الشخصيات — وكانت اللغة عاجزة كل العجز عن أن تضع لكل شخصية اسمًا خاصًّا، فاكتفت في الجسم بأن تقول: طويل أو قصير، وسمين أو نحيف، وأبيض أو أسمر؛ مع أن كل كلمة من هذه تحتها أنواع لا عداد لها، فهناك آلاف من أنواع الطول، وآلاف من أنواع القصر، وآلاف من الألوان؛ ولكنها عجزت فقاربت، ولو حاولت أن تضع اسمًا خاصًّا لكل نوع من الأنواع العيون وحدها، على اختلافها في الألوان، واختلافها في النظرات، واختلافها في السِّحر، واختلافها في السعة والضيق لوضعت في ذلك معجمًا خاصًّا، وهيهات أن يغنيها.
وعجز علماء الجمال فاكتفوا بقولهم: جميل وقبيح، مع أن هناك آلافًا من درجات الجمال، وآلافًا من درجات القبح، بل إنك لا تستطيع أن تُنْزل إنسانين في منزلة واحدة من الجمال والقبح، فلما أعياهم الأمر قنعوا بقبيح وجميل، واكتفوا بالإجمال عن التفصيل.
وعجز علماء الأخلاق فوقفوا في ذلك مثل موقف إخوانهم علماء الجمال، فقسموا الأعمال إلى خير وشر، وقسموا الصفات إلى فضيلة ورذيلة، وسموا الإنسان خيِّرًا أو شرّيرًا، وهيهات أن يكون ذلك مقنعًا، فالخير والشر يتنوع بتنوع الأفراد، ولو كان للأخلاق ميزان دقيق لاحتاج إلى نسج بعدد ما في العالم من إنسان.
الحق أن علماء كل علم عجزوا عجزًا تامًّا عن أن يجاروا الشخصيات في كل مناحيها، وأن يسيروا وراء تحديدها تفصيلًا، ووجدوا العمر لا يتسع لهذا ولا لبعضه، فعُنُوا بوجوه الشبه أكثر مما عنوا بوجوه الخلاف، وعنوا بالموافقات أكثر مما عنوا بالفروق، وفضلوا أن يضعوا مسميات شاملة، وإن شملها الخطأ، وأن يضعوا قواعد عامة، وإن عمها الغموض والإبهام، وقالوا: ليس في الإمكان أبدع مما كان.
•••

هذه الشخصية لكل فرد هي التي ميزته عن غيره من الأفراد، وجعلتني أنا أنا، وأنت أنت، وهو هو؛ ولولا هذه الشخصية لكان أنا وأنت وهو شيئًا واحدًا. هذه الشخصية هي مجموع صفاتك الجسمية والعقلية والخُلقية والروحية، تتكون من شكلك ونظراتك ونبراتك، وطريقة حديثك، ودرجة صوتك من الحسن أو القبح، وإيمانك وإشارتك، كما تتكون من عقليتك وكيفية قبولك للأشياء، وحكمك عليها ومقدار ثقافتك — كما تتكون من تصرفاتك، وموقفك نحو المال، ودرجة حبك له، وعلى الجملة كل علاقتك بالحياة، وكل علاقة الحياة بك. وإذ كان الناس مختلفين في هذا كله اختلافًا يسيرًا أو كثيرًا كانت الشخصيات كذلك مختلفة، وبين بعضها وبعض وجوهُ شبه في بعض الأشياء، ووجوه خلاف في بعضها، وكانت بعض الشخصيات تتجاذب وتتحاب وتتباغض وتتنافر. وفي الواقع أن معنى أحبك أو أبغضك، وأعْرِفك أو أُنكِرُك، أن شخصيتي تحب شخصيتك أو تكرهها، وتعرفها أو تنكرها، وصَدَق الحديث: «الأرواح جنود مُجنَّدة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». وليس معنى حُب الشخصية لشخصية أخرى أن الشخصيتين من جنس واحد، وأن ميولها متقاربة، بل إن ذلك يرجع إلى قانون أكثر تعقيدًا مما نظن؛ فقد يتحاب الشخصان؛ لأن ميلهما العلمي في اتجاه واحد، أو ميلهما إلى كيفِ من الكيوف متحد، وقد يتحاب الشخصان؛ لأنهما مختلفان ويكمل نقصُ أحدهما الآخر، كما يحب أحيانًا كثيرُ الكلام قليلَ الكلام، وكما يحب الساكنُ الهادىء المتحفظُ المرحَ النشيطَ المتحرك، وكما تتعاشق الكهربائية السالبة والموجبة.
على كل حال ليس قانون تجاذب الشخصيات وتنافرها قانونًا بسيطًا سهلًا يمكن الفصل فيه بكلمة.
•••

هذه الشخصيات الإنسانية تختلف قوة وضعفًا اختلافًا أكثر مما بين الآلات الميكانيكية والمصابيح الكهربائية، فهذه شخصية عاجزة ضعيفة ذليلة، لا يكاد يتبينها الإنسان إلا بعسر، ولا يكاد يراها إلا بمنظار، ولا يكاد يحسها إلا بمجهود، هي «كاللمبة» قوتها شمعة واحدة، بل هي فوق ذلك مغبشة لتضعف قوتها، هي من جنس ما يستعمل في حجر النوم، نور كلا نور؛ ووجود كعدم؛ لا تتعب نظر النائم لأنه لا يشعر لها بوجود، ولا تستهلك مقدارًا يذكر من التيار؛ لأنها كامنة الحياة، مسكينة في فعلها وانفعالها، ضعيفة في تأثيرها، وهذه شخصية أخرى قوتها ألف شمعة أو ألفان أو ما شئت من قوة، تضيء فتملأ البيت نورًا، بل هي أكبر من أن تضاء في بيت، إنما تضاء في شارع كبير أو ساحة عامة، إذا وضعت في البيت أقلقت راحة أهله بقوتها، وأعشت الناظر بضوئها، وعدّ وضعها غير ملائم لجوّها، وكان مَثل ذلك مَثل من وضع «فنارًا» في بيت أو أشعل أكبر وابورًا ليصنع عليه فنجان قهوة — وبين اللمبة الأولى الضعيفة الخافتة، والثانية القوية الباهرة درجات لا تحصى، فكذلك الشخصيات بل أكثر من ذلك. ولكن هناك فروقًا بين الشخصيات واللمبات، أهمها أن اللمبة الكهربائية لا يمكنك أن تنقلها من قوة إلى قوة، فاللمبة التي قوتها شمعة واحدة هي كذلك أبدًا، والتي قوتها مائة أو مائتان هي كذلك أبدًا، وكل ما تستطيع أن تفعله أن تنظف اللمبة وتجلوها حتى لا يضعف غبش من قوتها، ولا يقلل غبار من ضوئها. أما الشخصية الإنسانية فقابلة للتحول، بل هي قابلة للطفرة صعودًا وهبوطًا، علوًّا وانحطاطًا؛ فبينا هي خاملة ضعيفة إذ اتصل بها تيار قوي أشعلها وقوها حتى كأنها خلقت خلقًا آخر، وكأنه لا اتصال بين يومها وأمسها، هي اليوم مخلوق قوي فعّال يلقي أشعته إلى أبعد مدى، وكانت بالأمس لا يؤبه بها، ولا يحس بضوئها. كذلك ترى شخصيات أخرى يخبو ضوؤها، فإذا هي مُظلمة بعد نور، وضعيفة بعد قوة، ليس لها من حاضرها إلا ماضيها. وكذلك شاء الله: يُخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويخلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم يرده أسفل سافلين. وتاريخ الإنسان مملوء بالأمثال، فكم من نابغ بعد خمول، وخامل بعد نبوغ، وميّت في الحياة الأدبية والاجتماعية حي، وحي مات؛ وهكذا شخصيات الناس في مد وجزر دائمًا.
وهذا التغير المستمر في الشخصيات هو الذي أبقى على أمل المصلحين في إصلاح الناس، وباعد بينهم وبين اليأس.
•••

وكل شيء يواجه الإنسان في حياته يؤثر في شخصيته أثرًا صالحًا أو سيئًا؛ فالغنى بعد الفقر، والفقر بعد الغنى، واليأس بعد الأمل، والأمل بعد اليأس، وما يعتريه من شدائد وكوارث، وما يبذله في صراع الحوادث، وما يلاقيه من رخاء ونعيم، وما يبعثه ذلك من هدوء واطمئنان — كل هذا وأمثاله له أثرًا في تكوين الشخصية يختلف ضعفًا وقوة. وأهم غرض للتربية الصحيحة في نظري أن تجعل ممن تربيهم شخصيات هي أقوى ما يمكن أن يكون الأشخاص من حيث استعدادهم وأهليتهم؛ فأنجح مربي هو الذي يستطيع أن يصل بطلبته إلى أقصى ما في استعدادهم من رقي، ويبلغ بشخصياتهم إلى آخر حدودها الممكنة؛ ولكن بجانب هذا التأثير العادي اليومي تحت حوادث بارزة في تاريخ الإنسان وخاصة العظماء، يكون لها الأثر البالغ والتغيير الخطير؛ وهذه الحوادث يصعب ضبطها وتعليلها وحصرها؛ فقد تنقلب شخصيات الأفراد فجأة على أثر عقيدة دينية تملأ نفوسهم حماسة وقوة وعظمة، كما رأينا في فعل الإسلام في رجاله أمثال عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد؛ فلولا الإسلام ما كانت لهم هذه الشخصيات البارزة، ولكانت عظمتهم محدودة محصورة، ولو سبقوا زمنهم سنين لماتوا كأمثالهم من عظماء الجاهلية. وقد يكون بروز الشخصية وظهور النبوغ في الإنسان على أثر مقابلته عظيمًا، فيحس بعدها كأن عود ثقاب أشعل في نفسه فألهبها، وأضاء ما بين جوانبه وحفزه للعمل، وهون عليه الأخطار؛ بل قد تكون العظمة نتيجة لشيء أتفه من ذلك، فقد يقرأ جملة في كتاب، أو يسمع عبارة من خطيب، فكأنها كانت مفتاح عظمته، وكاشف حيرته؛ بل قد تكون العظمة لم تأت من شيء خارجي، وإنما أتت من تفكير الشخص في نفسه وتحليلها وتبين موقفها في العالَم، وموقف العالم منه، وتساؤله لها: ما رسالتها إلى العالم وكيف تؤديها — فإذا هو يشعر بعد طول تفكير كأن قبسًا من نور إلهي ألهب نفسه، وأضاء العالم أمامه، فهو يسير على هدى، ويؤدي رسالته كما بُلّغ، إلى كثير من أمثال هذا مما لا يستطاع حصره.
ويظهر أن النفوس إذا نضجت تلمست الوسائل المختلفة لبروزها، وظهور عظمتها. والصوفية يقولون: «صاحب الخصوصية لا بد أن يظهر يومًا ما». ولكن كم في العالم من شخصيات كامنة، لو هيىء لها عود ثقاب لاشتعلت، ولو أتيح لها القبس لأنارت! وكم من بذرة صالحة قوية لم تجد تربتها اللائقة بها، فغلبتها على الحياة بذرة فاسدة! وكم من زهرة بدأت تتفتح فأصابتها ريح هوجاء عصفت بها. وعمل المصلحين والشخصيات القوية في كل أمة أن يستكشفوا هذه الكوامن فيقدموا لها الغذاء، ويتعهدوها بالنماء.

ثروةٌ تضيع


هي ما خلفها لنا الجيل الماضي القريب، وتسلمناها منه يدًا بيد، ولست أعني ما خلفه من شعر ونثر وكُتب في مختلف العلوم والآداب، فهذه قد حفظناها ونشرنا بعضها وعنينا بها إلى حد ما؛ إنما أعني ما صدر عنهم من قول وعمل، وما كان يدور في مجالسهم من حديث ظريف أو نافع، وما وقع لهم من أحداث وكيف تصرفوا فيها، وأنماطَ مجالسهم وأحاديثهم ومجتمعاتهم، ونحو ذلك مما يدلنا على حقيقة شخصيتهم، ويفيدنا في تعرف مجتمعهم. ويعين المؤرخ بعد على رسم صورة صحيحة صادقة لحال المجتمع في ذلك العصر وقدر نابغيه.
كان لعلي باشا مبارك «صالون» كبير في بيته بشارع «المظفر» يغشاه عظماء الرجال والشبان وطلبة المدارس، وكان يدور فيه كل ليلة من ألوان الحديث وشتى المقترحات ما ينبغي أن يسجل، ومثل ذلك في منزل عبد الله باشا فكري ومحمد باشا قدري ورفاعة بك وأمثالهم؛ وكان نوع أحاديثهم ومباحثاتهم شائقًا ممتعًا يصور عصرهم خير تصوير؛ ثم كان صالون كصالون الأميرة نازلي هانم «بعابدين» يختلف إليه قادة الفكر وعظماء الرجال في العصر القريب، يتحدثون فيه عن الشرق والغرب، وتثار فيه أفكار لها قيمتها وخطرها، وكان نمطهم في أحاديثهم وتفكيرهم يخالف ما كان عليه رجال علي باشا مبارك وأمثاله. وكان غير هذه الصالونات مجتمعات وأحاديث ونوادر وفكاهات في البيئات المختلفة، من بيئة فلسفية كبيئة السيد جمال الدين، أو دينية اجتماعية كبيئة الشيخ محمد عبده، أو فكاهية كبيئة الشيخ حسن الآلاتي، أو بيئة المغنين أمثال عبده الحامولي ومحمد عثمان، وكان يجري في جميعها أقوال وأفعال هي أدل على الذوق المصري والتفكير المصري والخلق المصري من كل ما خلفوا من مؤلفات ومجلات وصحف.
هذه الثروة التي لا تقدر آخذة — مع الأسف الشديد — في الضياع، وليس يدون منها — فيما أعلم — شيء يذكر، وأكثر اللذين عنوا بترجمة هؤلاء الرجال أساءوا إليهم وإلى التاريخ كل الإساءة، إذ كانت ترجمتهم «ترجمة رسمية» اقتصروا فيها على اسم المترجم له والمولد وتاريخ الولادة، والمعاهد التي تعلم فيها والأعمال التي تولاها، والكتب التي ألفها وغير ذلك مما يعد من الأعراض فأما الجوهر، وأما شخصية الرجل، وأما حياته الاجتماعية التي تدلنا على مَن هو من قومه، ومن هو في نفسه، فلا يعرضون لها بشيء. وقد كان السابقون الأولون — على تقدم عصورهم — أصح نظرًا، وأحسن أداءً وأوفى للتاريخ؛ فبين يدي الآن جزء من كتاب الأغاني فتحته حيثما اتفق، فوقع نظري على ترجمة إبراهيم الموصلي، فذكر نسبه ونشأته، وذكر حكايات عدة حدثت له مع غلمانه وجواريه وأصحابه، وما وصل إليه من الأموال وما ورثه أهله، وأحاديث عن مروءته، وأحداثًا حدثت له مع الرشيد ويحيى بن خالد، وكيفية تعليمه الغناء للجواري، واتصاله بالخلفاء وسيرته معهم، وعدد الأدوار التي غناها، وعِشْقَه ومن عشق، وأثر أصواته في الناس، إلى آخره مما يستطيع الأديب أو المؤرخ أن يضع له صورة دقيقة تمثله، ويضع لمجتمعه، ويضع لمجتمعه رسمًا واضحًا يبينه. وبين يدي كذلك الجزء الأول من كتاب جامع التواريخ المسمى «نشوار المحاضرة» للتنوخي، يقول في سبب تأليفه: إنه قد اجتمع قديمًا مع مشايخ فضلاء، علماء أدباء، قد عرفوا أحاديث الملل، وأخبار الملوك والدول، وأحاديث البخلاء والظرفاء، والعلماء والفلاسفة، والأغنياء وقطاع الطرق والمتلصصين، (وعدد كل أصناف الناس) وكانوا يوردون كل فن من تلك الفنون على حسب ما تقتضيه المحادثة، وتبعثه المفاوضة، فلما تطاولت السنون، ومات المشيخة الذين كانوا مادة هذا الفن، ولم يبق من نظرائهم إلا اليسير الذي إن مات ولم يحفظ عنه ما يحكيه، مات بموته ما يرويه، عمد من أجل ذلك إلى تدوين هذه الأحاديث في كتابه، والتزم أن يذكر فيه فقط ما يدور في المجالس مما لم يذكر في كتاب — يقرؤه القارئ فيجده يصور عصره أجمل تصوير. وكتب الجاحظ لم تترك صغيرة ولا كبيرة من أخبار عصره وأحداثه الاجتماعية من الخصيان والغلمان، والبخلاء والظرفاء، والنبات والحيوان، إلا أحصته وشرحته في دقة وإسهاب.
وما لنا نذهب بعيدًا والعصر الذي نسميه مظلمًا أنتج مثل «الجبرتي» الذي دون من الأحداث وتاريخ الرجال في عصره ما لم نفعله نحن في عصرنا.
أما كتبنا نحن فقد عَمَدْتُ إلى خيرها وأخرجت منه ترجمة رفاعة (بك)، فوجدته يسرد ولادته وتاريخها والمدارس التي دخلها ورحلته إلى أوروبا، والوظائف التي تولاها بعد عودته، وأسماء الكتب التي ألفها أو ترجمها، وسنة وفاته. ولكنك تتساءل بعد قراءتها: من رفاعة (بك)؟ ما معيشته الاجتماعية؟ ما شخصيته؟ ما علاقته بقومه؟ فلا تجد شيئًا من ذلك — هذا حال رفاعة (بك) الذي ملأ اسمه كل مكان، فما بالك بأمثال المغمورين ظلمًا، أمثال الشيخ حسن الطويل والشيخ حسين المرصفي.
بل بالأمس القريب مات حافظ إبراهيم، وكانت حياته الاجتماعية أغنى ما تكون حياة، كل ليلة يغشى جمعًا أو يغشى بيته جمع؛ فيملأ المجلس بأحاديثه العذبة، وفكاهاته الحلوة، وهي — في كثير منها — تفوق ما دونه الأقدمون من ملح ونوادر؛ ولعلها إن جمعت ودونت أفادت تاريخ الأدب وتاريخ الاجتماع أكثر مما يفيده ديوانه، ومع هذا لم ينشط أحد لتدوينها، ولم يلتفت لقيمتها، وسيعفى عليها الزمن الذي عفى على ملح المويلحي والبابلي، وفي ذلك خسارة لا تقدر. ولقد حدثت بعض الأدباء في ذلك ورجوته في هذا العمل، فاعتذر بأن أكثر النوادر إنما تحسن إذا أديت باللغة العامية. وتفقد قيمتها إذا حكيت باللغة الفصحى؛ ولكن ما هذا الكبر على اللغة العامية، والسابقون من أعلام الأدب لم يكونوا يتحرجون من ذكر النادرة الحلوة باللغة العامية، إذا لم يحسن الأداء إلا بها، كما فعل الجاحظ في البيان والتبيين، وابن زولاق في أخبار سيبويه، والأبشيهي في المستطرف.
إن في ذمتنا للجيل القادم عهدًا أن نسلم إليه تاريخه كاملًا متصل الحلقات كما تسلمناه؛ فإذا نحن لم نفعل فقد أضعنا الأمانة وخُنا العهد. وفينا بحمد الله رجال شهدوا الجيل الماضي، وكان لهم من المنزلة ما استطاعوا معها أن يخالطوا البيئات المختلفة، ويطلعوا على خفاياها ودخائلها، ولهم من الذكاء وحسن النظر وصدق الرواية وقوة الحافظة وبلاغة اللسان والقلم. ما يمكنهم من الأداء على أحسن وجه، أمثال الهلباوي ولطفي السيد وعبد الوهاب النجار، والسيد محمد البيلاوي؛ فهل يشاركوننا في الشعور بما لديهم من ثروة حافلة، ووفي الشعور بما عليهم من تبعة، فيقدمون للجيل الحاضر والقادم أثمن عمل تاريخي، كما فعل أحمد باشا شفيق؟ فإن لم يفعلوا فهل للشبان أن يدركوا قيمة ما عندهم فينشطوا للاتصال بهم، وتدوين ما يأخذون عنهم، قبل أن تضيع الثروة. وتفلت الفرصة؟ أطال الله في أعمارهم.

النقدُ الأدبيُّ


أوازن بين النقد من نحو عشرين عامًا والنقد الآن، فأجده ليس خاضعًا لسنة النشوء والارتقاء، بل لسنة التدهور والانحطاط، حتى وصل إلى حالة من العجز يرثى لها.
فقد كان الكِتاَب إذا ظهر هبت الصحف والمجلات لعرضه ونقده؛ فاللغوي ينقده نقدًا لغويًّا، والمؤرخ ينقده نقدًا تاريخيًّا، والأديب ينقده نقدًا أدبيًّا؛ وتثور معركة حامية بين أنصار الكِتاب وأعداء الكِتاب، وتظهر في التأييد والتفنيد مقالات ضافية، وبحوث عميقة شائقة. ولست أنسى ما كان يقوم به الأستاذ إبراهيم اليازجي من نقده «لمجاني الأدب» و«أقرب الموارد» ونحوهما من الكتب، كما لست أنسى ما نُقد به كتاب «التمدن الإسلامي» والأخذ والرد اللذين قاما حوله؛ وكان شوقي أو حافظ يقول القصيدة، فيقوم ناقد معترض يبين معايبها، ومادح مقرظ يبين محاسنها؛ ومن هذا وذاك يستفيد الأديب، ويرقى الأدب، وتتجلى حقائق كانت خافية، وتتهذب أذواق كانت نابية. وكان يؤلف الكتاب الديني مثل كتاب «الإسلام وأصول الحكم» فتنشب معارك حامية، وينقسم المفكرون إلى معسكرين، وفي كل معركة شحذ للأذهان ودرس للمتعلمين، وتمحيص للحقائق. قد كان في نقدهم أحيانًا هُجر وقذع، وهجو وسباب؛ ولكن كان بجانب ذلك حقائق تذاع وبحوث تنشر؛ وكان كل من السباب والنقد العفيف علامة حياة أدبية، وثورة فكرية، وعقل باحث، وقلم نشيط.
تعال فانظر معي الآن إلى ما وصلنا إليه! لقد كثرت الكتب يخرجها المؤلفون وأصبح الإنتاج الأدبي أضعاف ما كان، في كل ناحية من نواحي الأدب، من قصص وقصائد وموضوعات اجتماعية، وكتب تاريخية؛ وكثر الكلام في الأدب، وخصصت أكثر الصحف صفحات للمقالات الأدبية؛ وكان معقولًا أن يساير النقد هذه الحركة فيرقى معها، ويتسع باتساعها، وتتعدد نواحيه بتعددها، ولكن كان من الغريب أن تحدث هذه الظاهرة، وهي رقي الأدب وانحطاط النقد.
نعم، أعتقد أن الأدب العربي ارتقى عما كان عليه منذ عشرين سنة في جملته لا في كل ناحية من نواحيه، فقد يجوز أننا لم نجد من يخلف «شوقي» و«حافظ» في ناحيتهما الشعرية؛ ولكن الأدب — بمعناه العام — أصبح خيرًا مما كان، فغزرت معانيه بعد أن كان لفظيًّا، وعمق بعد أن كان سطحيًّا، وجادت القصة فيه نوعًا ما، واتسع أفقه وموضوعاته قدرًا ما، وتأثر الأدب الغربي وقلده في مناحي رقيه. أما النقد فانكمش وانكمش حتى ضمر وذبل وأشفى على الهلاك.
وحسبك دليلًا أن ترى أشهر الكتاب في العالم العربي يخرجون الكتاب تلو الكتاب فلا تكاد تجد ناقدًا يعتد به، وتقرأ ما يكتب عن ذلك في أشهر الصحف والمجلات فلا تجد إلا سرابًا، وأكثرهم يكتفي باسم الكتاب وعرض موضوعه والاستعانة على ذلك بفهرسه ومقدمته ثم صيغة محفوظة متداولة من المدح والتقريظ؛ فإن كان نقد فمظهر لا مخبر، هو نتاج فقر عقلي وخمود ذهني، ثم ينتهي الأمر ويغلق الباب، فلا معارك ولا مساجلات، ولا بحوث حول الكتاب، ولا أخذ ولا رد، ولا مظهر من مظاهر الحياة الأدبية. لا يشعر الناقد أن عليه واجبًا يؤديه للقراء، وأن منصبه يتطلب منه قراءة عميقة وآراء صريحة، وتقديرًا دقيقًا، وأن ذمته لا تبرأ إلا ببحث شامل وافي ثم إبداء لرأيه في غير تحيز ولا مواربة، ولكن كل ما يشعر به أن المؤلف أهدى إليه الكتاب؛ فهو يلقى عن عاتقه العبء بكتابة كلمة خاملة، ووصف فاتر، ونقد سطحي.
ليس النقد مجرد استحسان الناقد أو استهجانه. فكل ما كان مبنيًّا على ذوق الناقد وحده، ومجرد ادعائه أن هذا بليغ وهذا غير بليغ، وهذا راق وهذا غير راق؛ لأنه يتذوقه أو لا يتذوقه، واكتفاؤه أحيانًا بأن يصوغ عبارته في الاستحسان أو الاستهجان في قالب جميل، كل ذلك ليس من النقد في شيء. إنما النقد ما عُلل وبينت فيه أسباب الحسن والقبح، وأسس على قضايا ثابتة. فبهذا يستفيد المنقود، ويرقى الأدب، ويسمو الذوق؛ وبهذا وحده لا يكون النقد فتاتًا لموائد الأدب، ولا متطفلًا على نتاجه، إنما يكون هاديًا للأديب، ومرشدًا للجمهور، وموجهًا للأدب نحو الكمال.
ولكن ما علة هذه الظاهرة في الأدب العربي، وليس من الطبيعي في الأمم أن الأدب إذا رقى ضعف النقد؟ فإننا نرى الظاهرة في الأدب الغربي أن يرقى الأدب فيرقى النقد، ويؤثر كلاهما في الآخر تأثيرًا محمودًا — فيجب أن تكون علة ضعف الأدب العربي علة محلية لا علة طبيعية.
يظهر لي أن هذا الضعف في النقد يرجع إلى أسباب عدة:
أهمها أن النقد الصريح الصحيح يحتاج إلى شجاعة أدبية قوية من الناقد، ورحابة صدر من المنقود. وقد حدث في تاريخ مصر الحديث أن جماعة تسلحوا بالشجاعة الأدبية فأظهروا آراءهم في صراحة تامة ولم يبالوا الرأي العام، سواء في ذلك بحوثهم ونقدهم، وكانت هذه البذرة الأولى للشجاعة الأدبية في مصر؛ فألفوا كتبًا عبروا فيها عن آرائهم في جلاء ووضوح، وكتبوا مقالات تعبر عما يختلج في نفوسهم وإن لم تكن على هوى الجمهور، ونقدوا أدب الأدباء وإن بلغوا القمة في نظر الناس؛ فكان صراع بين القديم والحديث، وبين التفكير الحر والتقاليد، وبين الأدب الناشئ والأدب الموروث. ولكن هذا الصراع انتهى بغلبة الجامدين، ونال الأحرار من العسف والعنت فوق ما ظنوا، وهذا يحدث مثله في كل أمة من الأمم الأوربية؛ ولكن هناك فرق كبير بيننا وبينهم، ذلك أن أصحاب الرأي الجديد في البلاد الراقية إذا أوذوا في العصر الحديث رأينا من مقلديهم وأتباعهم في الرأي من يمدونهم بالمال وبالمعونة. وكم رأينا من المال يجمع ليستعين به من نكب في منصبه بسبب رأيه أو بسبب سياسته، يتبرع به أغنياء اعتقدوا صحة رأيه أو وجاهة سياسته، فعطفوا عليه، وتحول عطفهم إلى اتخاذ وسائل لدرء الخطر عنه، فاستمر في شجاعته، وشعر بأن تضحيته يقابلها عطف، وأنه إن ضحى بالكماليات لا يصاب في الضروريات؛ بل وإن أصيب في الضروريات، فقد ضربت له أمثلة عدة أيام الثورة الفرنسية وقبلها وبعدها، فتأصلت الشجاعة الأدبية، ونمت بذرتها وأصبحت غير قابلة للفناء. أما في مصر فكانت بذرتها هي البذرة الأولى، وشعر القائمون بهذه الحركة الجديدة أنهم أصيبوا في سمعتهم، ثم رأوا أن أتباعهم تخلوا عنهم في أوقات الضيق؛ ومن عطف عليهم منهم فعطف أفلاطوني، عطف يتبخر، عطف لا يمكن أن يتحول إلى مال أو مجهود، وكان الرأي العام قويًّا مسلحًا فتغلب وانتقم وأصبح له السلطة التامة، وانهزم أمامه فريق المفكرين الصرحاء هزيمة منكرة؛ ولم تكن له أمثلة كثيرة في تاريخه القريب، فاضطر إلى التسليم، وتعود المجاراة بدل المقاومة، والمداراة مكان الصراحة، فلم يعد هناك معسكران، ولم يعد صراع، إنما هو معسكر واحد ولا قتال. وتعلم الجيل اللاحق من الجيل السابق، فاختط خطته ونهج منهجه، وأخذ الدرس عن أخيه الأكبر ففضل السلامة. وبذلك اختنق النقد الأدبي في مهده، وأصبح الأدب مدرسة واحدة يختلف أفرادها اختلافًا طفيفًا، في العرض لا في الجوهر. لا مدارس متعددة تتناحر وتتعاون، وتتعادى وتتصادق وفي عداوتها وصداقتها الخير، ولا أمل في عودة النقد الصريح إلا ببذرة جديدة وروح جديد على شرط أن تكون البذرة صلبة تتحمل حوادث الدهر وعوادي الأيام.
ويتصل بهذا أن الأدباء عندنا صنفان: صنف نضج وتكون واستوى على عرش الأدب، وهؤلاء هم القادة، وهم أفراد معدودون تسالموا وتهادنوا، وحرمنا ما بينهم من خصومة أدبية وعلمية، وأصبح كل منهم كالعُشَراء، لا تميل إلى النطاح ولا ترجو إلا السلامة. وصنف ناشئ هو في طور التكون، وهو يخشى أن يتعرض لمن استوى على العرش، فيبطش به بطشة جبارة تقضي عليه، فلما جامل الكبراء بعضهم بعضًا، وخاف الناشئون من الكبراء، ضاع النقد بين هؤلاء وهؤلاء.
ولعل من أسباب ضعف النقد أيضًا السياسة قاتلها الله، فقد تدخلت أولًا فنصرت الجمهور على القادة، وعاونت الرأي العام على المفكرين؛ وما كان الجمهور والرأي العام ينتصران هذا النصر لو وقفت السياسة على الحياد، ولو فعلت لكانت الحرب سجالًا، ولظل المعسكران في قتال؛ وفي هذا تمحيص كبير للآراء، فيصعد الرأي العام المتطرفين، ويدفع القادة غلاة المحافظين؛ والأمة من هذا وذاك في استفادة دائمة. أما أن تدخل السياسة فتبيد معسكرًا بأكمله، فكان الضرر كل الضرر. ثم إن السياسة — ثانيًا — دخلت في الأدب، وقومت الأديب بلونه السياسي، ولم يستطع الناس التفرقة بين موازين الأدب وموازين السياسة، فأفسد ذلك الأدب والنقد معًا. قد تقول: إن السياسة تلعب هذا اللعب في الأمم الممدنة ولم يكن لها هذا الأثر. ولكنا نقول: إن الأمم الناشئة تتضرر من تدخل السياسة أكثر مما تتضرر الأمم القوية، وأكبر مظهر في ذلك أنه ليس بين أحزابها تنافر كالذي بين أحزابنا، ولا ينكل حزب بالأحزاب الأخرى كما يحدث بيننا؛ فالخصومة السياسية عندهم لا تفقد الصداقة في أغلب الأحزاب، وكذلك الشأن في الخصومة الأدبية. أما الأمم الناشئة فلا تفهم من الخصومة السياسية والأدبية والعلمية إلا العداء العنيف. وفي العداء العنيف قتل للحرية.