Advertisement

الفصول


الفصول




الفصول

تأليف
عباس محمود العقاد




الفصول

عباس محمود العقاد

رقم إيداع ??????/?????
تدمك: ???? ??? ??? ??? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2014 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



مقدمة وإهداء


في سبيل الحقِّ والجمالِ والقوةِ أحيا، وفي سبيل الحقِّ والجمالِ والقوةِ أكتب، وعلى مذبح الحقِّ والجمال والقوة أضع هذه الأوراق المخضلة بدم فكر ومهجة قلب، قربانًا إلى تلك الأقانيم العلوية، وهدية من السحاب إلى العباب.
•••

في الدنيا الحق، ولو كان كل ما نشهد من الدنيا باطلًا لوجب أن يكون وراء هذا الباطل المموه شيءٌ صحيحٌ لا تمويه فيه، وهذا الشيء هو جوهر الحياة؛ نصيب كل امرئ من الحياة على قدر نصيبه منه، وهو الحق، فمن عرفه لا يسعه أن يعرض عنه، ومن لم يعرفه فهو من هاوية الهلاك عنصره وإلى غير السماء قبلته. وكل ما لم يُقصد به وجه هذا الحق فهو من قشور الحياة المنبوذة لا من لبابها المدخر.
•••

وفي الدنيا الجمال، لا بل الجمال غاية الدنيا التي لا غاية بعدها، قد نعرف لكل شيء نفعًا يرمى إليه، ولسنا نعرف للوجود نفسه نفعًا نبتغيه من ورائه، ولا غاية نخلص إليها بعد مفارقته. كلا لا نفع ولا غاية وراء الوجود غير العدم! وإنما هو أمنية نتمناها لذاتها، وحالة نتطلع منها ولكن إلى صفة أخرى من صفاتها، إنما هو صورة تتملاها النفس لأنها تهواها، وليس بسلعة تطلبها لأنها تفتقر إليها. والكون كله ما كنهه وما ميسمه؟ أهو آية صانع مبتدع، أم مسعاة كادح منتفع؟ كذلك خير ما في النفوس ما كان جماليًّا كهذا الكون ولم يكن نفعيًّا كعروضه؛ لأن النفع عرضي ينتهي بغايته، وأما الجمال فأبدي لا نهاية له.
•••

وفي الدنيا القوة، لا بل هما شيء واحد. فما ضمنت الدنيا قط إلا قوة، وما عرفت الدنيا قط ضعفًا، لأن الضعف ما كان سبيلًا إلى فناء، ولا فناء على الحقيقة في هذا العالم الباقي. إنما يشكو الضعف مَنْ يعرض له الفناء بصورة من الصور، ومَنْ تتغير به الحال من حين إلى حين.
•••

قد تختصم القوة الصغيرة والحق الصغير، وقد يختلف الجمال المحدود والحق المحدود. ولكن القوة الكبرى والحق الأكبر لا يختصمان، والجمال الشامل والحق الخالد لا يختلفان. على أنه لا حق وراء هذه الحدود ينفرد عن قوة ولا جمال، ولكنها كلها عناوين شتى لقدرة واحدة، هي القدرة التي يبدأ منها كل شيء وإليها يعود.
فإلى تلك القدرة أتوجه بقرباني ليكون لها نصيب من عملي، وعسى أن يكون لعملي نصيب منها.
عباس محمود العقاد

نظرات في فلسفة المعري? (?)


مذهب النشوء

إن مذهب دارون حديث ولكن تنازع البقاء قديم، شعر به الناس منذ وجدوا، وصرَّح به حكماؤهم وشعراؤهم في الأمثال والأشعار كلٌّ على طريقته ومنواله. فمنهم من وصفه ولم يفطن إليه، ومنهم من فطن إليه ولم يعممه، ومنهم من شعر به شعور المتألم منه المنكر عليه.
ولعل أشد شعراء الأمم نقمة على تنازع البقاء وذكرًا له في نظمه ونثره أبو العلاء المعري، ولا عجب في ذلك؛ فإن المعري نزل إلى معترك هذه الحياة العصيب أعزل من الأسلحة المنجحة فيه، نزل إليه يتيمًا فقيرًا سوداوي المزاج مفرطًا في الحس، وكان أرفع خُلُقًا من أن يسف إلى منافسة أمثاله الشعراء على ما يتكسبون به. وكان رحيمًا رحمة كادت تكون مرضًا، وناهيك بمن يشفق على البرغوث أن يُقتل، وعلى النحل أن يشتار عسله. وليس بواحدة من هذه الخلال يحمد المرء غب تنازع البقاء، أو يكون ممن يغفلون عن وطأته وينظرون إليه بعين الرضا والارتياح، وهو ما هو عنفًا وقسوة وأثرة وخداعًا وانتهاكًا في معظم الأحيان لحرمات الأخلاق الفاضلة والمبادئ الرفيعة. فلذلك شعر به المعري شعور المقاتل الأعزل بالهزيمة، وأوحى الألم والإشفاق إلى وجدانه قبل تسعة قرون ما أوحاه الاطلاع والاستقصاء والتنقيب إلى فكر دارون في الزمن الأخير.
ولو كانت إشارة المعري إلى تنازع البقاء كلمة بنت لحظة ابتعثها الألم فسطرها القلم، لما كان في هذه الإشارة ما يجيز لنا أن نقرن اسمه بتنازع البقاء، ولكان الأحرى بتلك الإشارة أن تردد في معرض الاستشهاد كغيرها من الخواطر الشعرية. ولكن إشارات المعري في هذا المعنى كانت أشبه بالتدقيق العلمي منها باللمحة الشعرية، وأقرب إلى التأمل الدائم المتسلسل منها إلى النظرة العارضة التي لا تبدأ في الخلد حتى تنتهي وينطوي أثرها. فإنك لا تُقلِّب صفحة من اللزوميات أو غيرها إلا سمعت منها أنة أو أنات يتغير موضوعها ومبناها، ولا يختلف مضمونها وفحواها، وكلها نعي وتبكيت للعالمين على ظلمهم وتنافرهم ومكر بعضهم ببعض، وكأن الآلام المبرحة التي يعرفها المخذول في كل حرب ويجهلها الظافر، قد جسَّمت هذه الحالة له وغلظتها، فأحاط بدقائقها البعيدة، ولم تخف عليه خافية من وجوهها المختلفة بين أنواع المخلوقات، فبدأ بالشكوى من التنازع بين الناس ولحظه على حقيقته، وهو أقرب الأشياء إلى أذهان الناس لو التفتوا إليه، ولكنك على كثرة الشعراء لا تقرؤه مُمثَّلًا في شعر أحد، كما هو مُمثَّل في شعر المعري، فمن قوله في ذلك:
أما لكمو بني الدنيا عقولتصد عن التنافس والتعاديأذاة من صديق أو عدوفبؤسًا للأصادق والأعادي وأوضح منه في هذا المعنى قوله:
تنازع في الدنيا سواك وما لهولا لك شيء في الحقيقة فيهاولم تحظ في ذاك النزاع بطائلفمتفقوها مثل مختلفيها وأوضح من قوليه هذين قوله:
تناهبت العيش النفوس بقوةفإن كنت تسطيع النهاب فناهب وزاد على ذلك فبيَّن ضرورة هذا الخلاف فقال:
لولا التخالف لم تركض لغارتهاخيل ولم تقن أرماح وأسياف وأحسبه استطرد من النظر في أطوار الإنسان إلى النظر في أطوار المخلوقات كافة، فأجمل الحكم عليها في هذا البيت الجامع:
ولا يُرى حيوان لا يكون لهفوق البسيطة أعداء وحسَّاد وفصل هذا القانون العام في عدة مواضع من لزومياته فقال:
يغادر غابه الضرغام كيماينازع ظبي رمل في كناسسجايا كلها غدر وخبثتوارثها أناس عن أناس وقال:
تدري الحمامة حين تهتف بالضحىأن الأجادل لا تطيل جدالها وقال وفيه إلماع إلى توارث الخوف بين الحيوانات:
تتبع آثار الرياض حمامةويعجبها فيما تزاوله النقرتهم بنهض ثم تثني برغبةفما شعرت حتى أتيح لها صقر وهو لا يُفرِّق بين الأقوياء والضعفاء في هذا النزاع، بل يشملهم به جميعًا كما جاء في قوله:
ظلم الحمامة في الدنيا وإن حسبتفي الصالحات كظلم الصقر والبازي ومن كلامه ما يصح أن يعد تلميحًا إلى غاية هذا النزاع وهي بقاء الأصلح، وانتفاع الغالب برجحانه على المغلوب كما يؤخذ من قوله:
ولو علمتم بداء الذئب من سغبإذن لسامحتم بالشاة للذيب ومثله قوله:
ولولا حاجة بالذئب تدعولصيد الوحش ما اقتنص الغزال ومثله أيضًا:
وسخط الظباء بما نالهاتولد منه رضى الحابل وأحيانًا يتجاوز القول بتنازع البقاء وبقاء الأصلح إلى تقرير هذا الرأي الذي قرره النشوئيون حديثًا؛ وهو أن لكل حي على الأرض سلاحًا خاصًّا يتقي به عدوه ويكدح به لنفسه، وليس أصرح في هذا الرأي من هذا البيت:
وما جعلت لأسود العريــن أظافير إلا ابتغاء الظفر وأقل منه صراحة في ذلك البيتان:
إذا كف صل أفعوان فما لهسوى بيته يقتات ما عمر الترباولو ذهبت عينا هزبر مساورلما راع ضأنًا في المراتع أو سربا فإذا راجعت الأبيات المتقدمة مع كثير من أمثالها التي اكتظت بها دواوين المعري، أمكنك أن تجزم بأن الرجل سبق أسبق المتأخرين إلى إدراك تنازع البقاء وما يلابسه من الأفكار. أدركه متكررًا جامعًا لا متفرقًا طارئًا. فإذا قيل: إن دارون واضع المذهب في عالم العلم، ساغ لنا أن نقول: والمعري واضعه في عالم الأدب والشعر.
ويظهر أن فرط الشعور بتنازع البقاء لا ينفك عن فرط الشعور بالمحافظة على الذات. وهذا أمر طبيعي معقول. ولا يعرف قيمة الشيء كمن يعرف مقدار التزاحم عليه، ولذا كثر كلام المعري في حب الحياة والافتتان بالدنيا، كما كثر كلامه في التنافس والتباغض. فهو يردده في قصائده ولا يبرئ منه نفسه، ويتهم من يُظهر خلاف ذلك بالكذب والمراء كما قال في لزومياته:
شقينا بدنيانا على طول ودهافدونك مارسها حياتك واشقهاولا تظهرن الزهد فيها فكلناشهيد بأن القلب يضمر عشقها وكما قال أيضًا:
ومن العجائب أن كلًّا راغبفي أم دفر وهو من عيابها إلى كثير غير ذلك. وهو لا يكتفي هنا أيضًا بالحكم على الإنسان فحسب، بل يشمل بحكمه الأحياء جميعًا فيقول:
أرى حيوان الأرض يرهب حتفهويفزعه رعد ويطمعه برق ويقول كذلك:
تسريح كفك برغوثًا ظفرت بهأبر من درهم تعطيه محتاجًاكلاهما يتوقى والحياة لهحبيبة ويروم العيش مهتاجا وتعميم المعري الحكم على الإنسان والحيوان معًا كلما نسب إلى الإنسان خُلُقًا من الأخلاق طريقة ذهنية عجيبة لا نستطع تأويلها، إلا إذا قلنا بأن الرجل كان يعتقد أن الإنسان والحيوان من عنصر واحد، وأنه كان في صميم نفسه نشوئيًّا بالغريزة، وإن لم يُعلم بذلك فكره علمًا يصح الاستدلال به.
في التشاؤم

على أن هذا الارتباط بين الشعور بتنازع البقاء والشعور بحب البقاء يفسر لنا سر فلسفة المغالين في التشاؤم المبالغين في النقمة على الوجود، فليسوا هم بأشد الناس كرهًا للحياة، كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، ولكنهم أشد الناس حبًّا لها وضنًّا بها. وهم لا يسبون الحياة سب المحتقر المزدري، بل سب الرجل المرأة التي يتوله بها ويعبدها، ثم لا يحظى بطائل منها، ولا يجد عندها صدى غرامه بها.
وقد انتهى النظر في هذا المعترك الضروس بالمعري، كما انتهى بعده بإمام المتشائمين أرثر شوبنهور إلى نهاية واحدة، فكلاهما يقول لك ما خلاصته: ما دامت الدنيا كفاحًا لا راحة فيها، وما دام الغالب اليوم يُغلب غدًا، والموت يهلك الغالب والمغلوب على السواء، فالحياة وقر فادح، والعيش عبث، والعدم أفضل من الوجود. إلى آخر ما اتفق عليه مزاجهما من إيثار العزلة، والاستئناس بالحيوان، والقول بإرادة الحياة مع التنفير منها واحتقار النساء وتحريم الزواج. ومن هنا يظهر خطأ الاثنين، بل خطأ المتشائمين جميعًا في التعقيب على تنازع البقاء. إذ لا شك أنه لو وقعت هذه الخواطر لأناس ذوي مزاج مختلف عن مزاجهم لما استخلصوا منها هذه النتيجة، ولرأوا أن الأولى بهم أن يقولوا: ما دامت الدنيا غلابًا فكن أنت الغالب، وما دام الموت قضاء لا مفر منه، فلا يهممك أمره، وليهممك أن تنال من الحياة أقصى ما ينال فلان، يدركك الموت سيدًا خيرًا من أن يدركك مسودًا، وليس العجيب أن يتفاوت حكم الناس في المسألة الواحدة من النقيض إلى النقيض، ولكن العجيب أن نعلم بما للدنيا من ألوان لا عداد لها، وبما للناس من حالات وميول لا يحصرها الفكر، ثم نطالبهم بالاتفاق على الكبائر والصغائر، أو نقدح مثلًا في فلسفة المتشائمين؛ لأنهم يرون الحياة من جنبها المظلم، ونحن لا نراها إلا من الجانب الأبيض المنير. ومن الخطأ أن يرفض النُّقاد فلسفة التشاؤم جملة لبعد أصحابها عن حياة الأعمال الدنيوية، ولا يذكروا أن هذه الدنيا غاصة بالنقائص، وأن هناك جبلات أسرع إلى استكناه هذه النقائص من سواها، وأنها ليست بطبيعة الحال جبلات أهل الأعمال؛ لأن هؤلاء مصروفون بأعمالهم عن مشاهدة ما يقع حولهم، ومن أين للمقاتل المنهمك في المعركة أن يحيط بما يجري في غضونها؟
وإنما قلنا: اتفق مزاج المعري وشوبنهور، ولم نقل اتفق عقلهما؛ لأننا نعتقد أن المتشائمين كلهم من مزاج واحد، وأن هذا هو علة اتفاقهم في الأقيسة التي يذهب فيها الناس مذاهب شتى، وإدراكهم المسائل على وتيرة واحدة، وإن كانت مما تتشعب فيه الأفكار. فقد اتفق المعري وشوبنهور على كل رأي اشتركا في الإلمام به، ولو لم يكن من أصول فلسفة التشاؤم، وإليك مثلًا إدراكهما للزمان؛ فإن المعري يتصوره كأنه نَفَس طائر في أثر نَفَس، وكأنه أجزاء متفرقة يجمعها كل واحد فيراقبه مراقبة من لا يسهو عنه، ويتبع كل نفس يمر بحسرة المشيع الآسف، ومن هذا النحو قوله:
نفس بعد مثله يتقضىفتمر الدهور والأحيان قوله:
لهفي على ليلة ويومتألفت منهما الشهور وقوله:
أما المكان فثابت لا ينطويلكن زمانك ذاهب لا يثبت ويلحق به قوله:
قدم الزمان وعمره إن قستهفلديه أعمار النسور قصار وكذلك يقول شوبنهور مع الفرق بين الأسلوبين الشعري والفلسفي: «الزمن هو ذلك الذي يفتأ يجعل الأشياء لا شيء في أيدينا، فتفقد بذلك قيمتها.» ويقول: «نحن نسلب يومًا كل مغرب شمس.» ويقول: «إن وجودنا مستقر على الحاضر الذي ما يني أبدًا متسربًا طائرًا فلا بد له؛ أي لوجودنا، من أن يتلبس بالحركة الدائمة الدائبة بلا أمل في الوصول إلى الراحة التي ننشدها، مثلنا في ذلك مثل المنحدر من جبل عالٍ فهو يسقط إذا حاول الوقوف.»
ولا يشعر بالزمن هذا الشعور إلا الذي يحصي كل لحظة تمر به سآمة وألمًا، كأنه السائر المتعب يلتفت بعد كل خطوة يخطوها إلى المسافة التي خلَّفها وراءه والمسافة التي لا تزال أمامه. ولا تخطر فكرة استقرار الوجود على الزمن إلا لمن يرى أن الحياة إن هي إلا زمن يمر لا تكوين يستتم قواه وجزء من الطبيعة يأخذ منها وتأخذ منه. ولسنا نقول: إن الزمن ثابت، والمتشائمون يخطئون إذ يتصورونه غير ذلك، وإنما نقول: إن تصورهم هذا خاص بمزاجهم، فكم من الناس حتى الفلاسفة والمفكرين والعلماء لا يشعرون بالوقت منعزلًا عن الحياة؛ لأنهم يقيسون الحياة بحركاتهم التي هم مستغرقون فيها، لا بحركات الأفلاك والسيارات. وكم من الناس في قرار وجدانهم لا يتصورون للوقت وجودًا فضلًا عن تصورهم أن الوجود مستقر عليه.
والمعري وشهوبنهور سيان في الرأفة بالحيوان واستطلاع أطواره وعاداته. ولقد رأينا كيف كان المعري يستعرض أخلاق الإنسان في طبائع الحيوان، فانظر رأي شوبنهور في ذلك، يقول هذا الفيلسوف: «أي لذة تداخلنا عندما نرى حيوانًا مطلقًا يدبر شئونه بنفسه غير معترض ولا مسوق. تراه إما يتلمس طعامه، أو يتعهد صغاره، أو يخالط الحيوانات من جنسه إلى نحو ذلك. وإن هذا لهو الذي ينبغي أن يكون، وهو الذي لا يمكن أن يكون سواه. فإن كان ذلك الحيوان طائرًا متَّعتُ نفسي بالنظر إليه برهة من الزمن، لا بل فليكن فأرًا مائيًّا أو ضفدعًا، فذلك لا ينقص من سروري بالنظر إليه. ويعظم سروري به إن كان قنفذًا أو عظاة أو أيلًا أو غزالًا. وما كان التأمل في أحوال الحيوانات ليسرنا لولا أننا نأنس فيها حياتنا مصغرة بسيطة.»
ولم يعدُ شوبنهور الصواب في هذا التعليل، إلا أننا لا نجد الناس كلهم يسرون بالتأمل في أحوال الحيوانات كما يسر بذلك المتشائمون. ونظن هذا السرور آتيًا من فرط إحساسهم بالحياة، فلذلك يعطفون على كل حي، ويبحثون عن مظاهر الحياة في جميع طبقاتها. وسيطول بنا الشرح لو تمادينا في المقارنة بين المعري وشوبنهور على هذا النمط، وما المقارنة بينهما إلا بمثابة تحليل لمزاج واحد. ولكن لعل أعجب ما اتفقا عليه وفاؤهما لوالديهما وفاء لم نعهده في الفلاسفة الذين يغتبطون بالحياة ولا يشكون غصصها. فشوبنهور أهدى كتابه الدنيا كإرادة وفكرة إلى والده وأثنى عليه أطيب ثناء في كلمة الإهداء، والمعري رثى أباه أبلغ رثاء وهو القائل:
على الولد يجني والد ولو أنهمملوك على أمصارهم خطباء? نشرت هذه المقالة والتي بعدها في عددي سبتمبر ونوفمبر من مقتطف سنة ????.
نظرات في فلسفة المعري (?)


زَهِدَ المعري في الدنيا واعتزل الناس؛ لأنه — كما أسلفنا — لم يكن له في الدنيا حظ ولا بمعاشرة الناس طاقة، والعزلة مضادة لطبع الإنسان، بل لطبع كل حيوان أليف؛ لأن الحيوانات الاجتماعية تحن بالرغم منها إلى رفاقها ولا تطيق الابتعاد عنها. حتى لقد تؤثر الوحدة في بنيتها، كما تؤثر فيها قلة العلف ومواصلة الإجهاد. ولقد روى شارل مرسييه صاحب كتاب العقل والجنون وروايته مشاهدة محققة «أن الجلابين العارفين بعادات الماشية والأنعام يذكرون أن البقرة المعزولة لا تدر اللبن ولا تسمن، ولا تصلح لشيء مما تصلح له البقرة وسط الصوار»، فالاجتماع ضرورة جسمية في الحيوان الأليف قبل أن يكون حاجة نفسية أو ميلًا قلبيًّا.
ولن يلجأ إلى العزلة رجل متسق البنية متوازن القوى؛ لأن اتساق البنية يبتغي من صاحبه استكمال ضروراته التي من أولها — كما قدمنا — الاجتماع والتآلف. وإنما يرغب في العزلة الشاذون عن استواء الخلق إما ليتنسكوا ويتبتلوا، أو ليقطعوا الطريق ويخرجوا على نظام الاجتماع شاهري الحرب عليه وعلى أوضاعه. ويغلب في أهل النسك والتبتل أن يكونوا من ذوي المزاج السوداوي الذين ينقبضون عن عشرة الناس وينقبض الناس عن عشرتهم؛ لتباينهم عنهم في المشارب والأطوار، ولأن أهل النظر وأهل العمل قلما يتفقون في الآراء والأفكار. ولا شك عندنا في كون المعري من أصحاب المزاج السوداوي؛ لأن السوداء معروفة بأعراضها وهي الوجوم، والحزن الملح المجهول السبب، والإكثار من ذكر الموت، وسوء الظن بالناس وبالنفس أحيانًا في أزمان النوبة التي تحرج الصدر وتغيم على العقل. أما الأعراض الأولى فقد طفح بها شعر المعري ونثره، فلا نستطيع أن نستشهد لها ببيت من دواوينه دون بيت. وأما سوء الظن بالنفس، فقد جهر به المعري مرارًا فقال:
إن مازت الناس أخلاق يعاش بهافإنهم عند سوء الطبع أسواءأو كان كل بني حواء يُشبهنيفبئس ما ولدت في الخلق حواء وقال:
رويدك لا تغترر يا أخيبي فأنا الرجل الساقطولو كنت ملقى بظهر الطريقلم يلتقط مثلي اللاقط وقال:
كلاب تعاوت أو تغاوت لجيفةوأحسبني أصبحت ألأمها كلبا وقد يبلغ به اتهام نفسه أحيانًا أن ينكر عليها العلم والعقل، ويرى أنه امرؤ لا نفع فيه لأحد إذ يقول:
ماذا تريدون لا مال تيسر ليفيستماح ولا علم فيقتبسأنا الشقي بأني لا أطيق لكممعونة وصروف الدهر تحتبس ولو كان ما يعلمه المعري من الفقه والفلسفة والأدب واللغة والسير في صدر رجل آخر مبرأ من نوب السوداء لملأ الأرض بعلمه غرورًا وتطاولًا؛ لأن غاية العلم عنده أن يسأله الناس فيجيبهم وهم لا يسألون عن شيء لا جواب له عنده. ولكن المعري القائل:
إذا كان علم الناس ليس بنافعولا دافع فالخسر للعلماءقضى الله فينا بالذي هو كائنفتمَّ وضاعت حكمة الحكماء يرى للعلم أحيانًا وظيفة أجلَّ من الإجابة عن الأسئلة، ويرى أن أقصى العلم ينتهي بصاحبه إلى باب المجهول الأبدي الذي يرد كل طارق، ولا يطرقه إلا كل حائر ضللته ألغاز الحياة وبهرته مصاعبها فترك الناس يحيون، وذهب يبحث عن مغزى الحياة وأسبابها وغاياتها، فما استطاع أن يجيب نفسه، وعلم أنه بالسكوت عن إجابة غيره أولى، وقد يمكننا أن نتصور حالة التلاميذ الذين كانوا يسمعون من المعري هذا الإقرار بالجهل، وهم لا يتمنون من العلم إلا أن يبلغوا فيه مبلغه. فلا بد أنهم كانوا يرمونه بالبخل بالعلم ولا يصدقونه حتى كان يضيق بهم صدرًا فيقول:
أتسألون جهولًا أن يفيدكموتحلبون سفيًا ضرعها يبسما يُعجب الناس إلا قول مختدعكأن قومًا إذا ما شرفوا أبسوا ولعمري إن كلمة البخل بالعلم التي شاعت في العصور العربية المتوسطة لتدل على جهل الناس يومئذ بالعلم الحقيقي ولباب المعرفة؛ لأن العلم الصميم هو الذخيرة الفذة التي لا قبل لحاملها بالبخل بها، كما أنها تدل على نوع العلم الذي كانوا يطلبونه في ذلك الزمن وعلى غرضهم منه. وأحسبهم لم يستنبطوا هذه الكلمة إلا بعد أن أصبح العلم تجارة يحملها العلماء إلى الأمراء متوخين فيها مآربهم ومداركهم، وأصبح للبخل بالعلم معنى بخل الصانع الحاذق بسر صنعته. ولعل هذا أيضًا مما حبب العزلة إلى المعري وأضجره من قاصديه الذين كانوا يفدون إليه من أقاصي البلاد، وأولعه بذم العلماء والتشهير بالمشعوذين والسفسطائية والمجربزين من المنجمين الذين يشغلون فراغ العلم إذا خلا منه مكانه.
بيد أن السوداء لا تهدي إلى العزلة دائمًا، وقد تهدي إلى نقيضها فيكون السوداوي خليعًا ماجنًا مستهترًا بالشهوات، مغلوبًا على عقله بهواه، ولكنه على كل حال شبيه المعتزل في الشذوذ عن الخلقة العامة المعتدلة، وكثيرًا ما تتقارب العلل وتتباعد المظاهر في تقدير الناس. فأين التصوف والجذب مثلًا من التهافت على المرأة والجنون بغرامها؟ ولكنهما في نظر الطب متشابهان في مصدرهما إن لم نقل: إن مصدرهما واحد عند بعض الأطباء. ومما يقوله مرسييه المتقدم ذكره بعد شرح طويل: «إن إنكار الذات أساس يلتقي عنده الهوى الديني بالهوى الجنسي، ولا يزال كل منهما يشبه الآخر حتى بعد تكوينه ونضجه، فهما متماثلان في طبيعتهما الشاملة المتشعبة، وهما يتماثلان قبل هذا التكون والنضج في غموض الأوصاف والخصال. ولاتفاقهما في الأصل وتقاربهما في الطبيعة يسهل أن يتحول أحدهما من مجراه إلى مجرى الآخر. ومن ثم نرى أن إنكار الذات والمفاداة بالنفس اللذين يحتملهما العاشق عن طيب خاطر مرضاة لمعشوقه ظاهران في عاشق الكنيسة بمثل تلك الغيرة أو بأشد منها، وإن كان ظهورهما من شكل آخر، فكأن الكنيسة حلت محل المعشوق في هذه الحالة. وكذلك متى استعصى على العاطفة أن تنحصر في فرد واحد اتسع نطاقها فأعربت عن نفسها في أعمال البر وخدمة البشر. ولكن لا بد من دخول عنصر المفاداة بالنفس في هذه الأعمال، أو تظل العاطفة متطلعة غير مقتنعة، ويظل الإعراب عنها ناقصًا. وهذا هو السر فيما نشاهده من أن أعمال البر القائمة على الهوى الديني والتي تشتق مصدرها البعيد من الهوى الجنسي، لا تزال تبدو بأساليب شتى كلها ينطوي على المفاداة بالنفس والإيثار عليها.»
وهذا قول بمنزلة البدائه عند أكثر الأطباء المشتغلين بطبائع العقل، فلا نخال سواد القراء يستبعدونه؛ لأن الوقائع التي تؤيده كثيرة، ويندر ألا يرى أحدهم أناسًا من الغالين في الدين انقلبوا إلى الغلو في اللهو، أو أناسًا من الغالين في اللهو انقلبوا إلى الغلو في الدين. يرون ذلك فيهم ولا يرونه في المعتدلين القاسطين إلا في الفرط القليل. وهم يعجبون لذلك ولكنهم يقولون: غلبت عليه الشقوة أو تاب عليه الله، وبعدُ فليس أشهر من رمز المتصوفة والزهاد إلى الجمال وكلفهم به إعجابًا بصنع الله، ومزجهم بذلك بين حب الله وحب الجمال الإنساني. ومن الناس من تتعاوره الحالتان؛ للغي آونة، وللتقوى آونة أخرى، كأبي نواس الذي نظم في الوعظ ما يزجر المارد، ونظم في الغواية ما يفسد العابد. وما كان في إحدى حالتيه مرائيًا يعبر عما لا يشعر به، ولكنه كان متقلبًا لا يندم حتى يأثم، ولا يأثم حتى يندم. وكأبي العتاهية الذي قضى شطر عمره الأول منغمسًا في لذاته وصبواته، ثم قضى شطرًا من أيامه مبالغًا في التنطس والتقشف، ثم حضرته الوفاة فكانت آخر حاجة له في الحياة أن يسمع غناء مخارق. ولقد كان أحرص الناس على عرض الدنيا، وهو أكثرهم بباطلها عرفانًا وأشدهم للموت ادكارًا.
وينبغي لنا هنا أن نقول: إنه قد مضى الوقت الذي كانوا يقارنون فيه الأخلاق والعادات بأسمائها في اللغة. فالهوى الديني والهوى الجنسي متناقضان أيَّما تناقض في عرفنا، مع أنهما متصلان في المنشأ كما قد رأينا. والسرف ضد الشح في اللغة، وإن كان أحدهما أشبه بالآخر من القصد بالسرف مثلًا، أو من القصد بالشح. هذا وهم يقولون: إن القصد هو الحد الوسط بينهما، فكان ينبغي على هذا القول أن يكون أقرب إلى الطرفين من أحدهما إلى الآخر، ولكنه بخلاف ذلك بعيد جدًّا عن الخلتين المذمومتين. أما هما فمن القرب والمساواة بحيث يكاد أحدهما يحل محل الثاني، ويظهر هذا التقارب أوضح ظهور بين العائلات الشاذة في أخلاق أفرادها، فإن شذوذ هؤلاء الأفراد لا يبرز لنا في وجهة واحدة، بل يجمع فنونًا مختلفة من البدوات والأخلاق، فيكون الرجل غاية في التقتير وأخوه غاية في التبذير، ويكون فيهم الزاهد المتحرج والجشع المتقمم. وقد يترهب أحدهم وله أخ أو قريب قد خلع العذار وركب رأسه في الفجور والفحشاء. وقد ذكر «نسبت» صاحب كتاب جنون العبقرية عائلات عدة من هذا القبيل؛ منها عائلة «ديجرين» التي قال عنها: «إن الشره في هذه العائلة عرض من أعراض الخبل العصبي، يلوح إلى جانب البخل والورع الشديد.» وكذلك الطمع ضد بذل المال، ولا سيما البذل في سبيل البر، ولكنهما في حكم الطب فرعان من شجرة واحدة، أو كما يقول نسبت أيضًا: «إن الطمع وحب البر حالة جسمانية لا يزال ارتباطها بالاضطراب في النخاع الشوكي باديًا جليًّا.» ولاستواء هذه الخلال المتعارضة في الشذوذ، تقترن أحيانًا بشذوذ العبقرية فيقل في العبقريين الاعتدال، ويكثر فيهم الطرفان؛ أي التبذير والشح، ولا حاجة بنا إلى عد العبقريين المبذرين؛ لأنهم الفريق الغالب بينهم. أما الأشحاء فعندنا جماعة نذكر منهم جريرًا، وسهل بن هارون، وأبا العتاهية، والبحتري، ومروان بن أبي حفصة، والمتنبئ، وأبا الفرج الأصبهاني، وهم من فحول شعرائنا وكتابنا. وممن ذكرهم نسبت عائلة اقترنت فيها العبقرية في القانون، والشعر، والموسيقى، والأدب، بالحذق في تدبير المال، وهي عائلة نورث الشهيرة. فبعد أن ألمع إلى علاقة الحرص بالعبقرية استطرد فقال: «لقد كان فرنسيير نورث خازن جيمس الثاني أحد إخوة خمسة لهم أخت واحدة، وكان أبو هذه العائلة يقرض الشعر، ويباشر المسائل المالية، فورث عنه أبناؤه هذه الملكة الأخيرة، وظهرت فيهم مظاهر شتى، فمنهم هذا الخازن وكان أديبًا مدبرًا، وقد وصفه ماكولي بالأثرة والجبن وخسة النفس …» ومضى يسرد أسماء الإخوة ويصفهم بما لا يخرج عن مفاد هذه الأوصاف. وأراد بهذا وبما تقدمه أن يثبت أن للشذوذ أصلًا واحدًا، وإن تنافرت ألوانه واختلفت فيه آراء الناس فمدحوا بعضًا منه، وذموا بعضًا.
ونحن لم نعرض لهذه الآراء لنبخس آراء المعري ونحط من قدر أخلاقه وخصاله، أو نسوي بين ما يمدحه الناس وما يشنئونه من الأخلاق الشاذة، لأن تقارب أسباب الشذوذ لا يمنع أن يحب الناس منه ما ينفعهم ويحسن عندهم، ويكرهوا ما يضرهم ويقبح في نظرهم. ولكنا رأينا فريقًا من الكُتَّاب يتلمس المشابهات بين فئات الشعراء من كل طريق غير طريق المشابهة في الأمزجة. فبعضهم يُقسِّم الشعراء حسب اختلاف العصور مع أن اختلاف سني الولادة لا يستلزم في معظم الأحيان الاختلاف في المشرب الشعري. كما يلاحظ في شعر عدي بن زيد المتوفى قبل مولد المعري بنحو خمسة قرون، فإنَّا نجده أقرب إليه في نحيبه على الشعوب الهالكة ونعيبه على الدنيا من الشريف الرضي، ومهيار الديلمي وهما من شعراء عصره. وبعضهم يُقسمهم حسب الأسلوب اللغوي، وهو تقسيم لا بأس به إذا كان الغرض منه لغويًّا، ولكنه لا يغني في نقد الشعر وتقدير الشاعر. وبعضهم يُقسمهم حسب الموضوعات التي يتناولونها في أشعارهم، وكان الأحرى أن يعنوا بكيفية تناول تلك الموضوعات، لا بمجرد تناولها. ومنهم من إذا بحث في الأخلاق أغفل البواعث الباطنة وتمسك منها بعنواناتها المنكشفة. ومن هؤلاء من قارن بين المعري وأبي العتاهية فأبعد البون بينهما؛ لأن أبا العتاهية كان يكنز المال وهو يذم الدنيا ويُذكِّر الناس بالموت، ولم يكن المعري كذلك. ولعمري إن كنز أبي العتاهية للمال لأدل على صحة خوفه من الموت وأبين لمزاجه السوداوي من القصد وتصديق القول بالعمل. والعجيب أننا كنا نناقش بعض الأدباء في هذا الصدد، فقال: إن المعري نفسه كان يكره أن يُقارن بأبي العتاهية واستشهد بقوله فيه:
أبدى العتاهي نسكاوتاب عن ذكر عتبهوالخوف ألزم سفيان أن يغرق كتبه كان رأي الشاعر في نفسه حجة على الناس في النظر إليه، وكأن المعري كان يُحسن الظن بنسك أحد غير أبي العتاهية وهو الذي شمل الأتقياء جميعًا بقوله:
قد حجب النور والضياءوإنما ديننا رياءيا عالم السوء ما علمناأن مصليك أتقياءلا يكذبن امرؤ جهولما فيك لله أولياء ولا نخالنا نُغضب روح المعري إذا قلنا: إنه لولا عماه وتربيته الأولى، وبيت العلم الذي نشأ فيه، والكوارث التي نكبته في صباه، والقلاقل التي فشت في زمانه، وشيء من ضعف البنية وما خلفه الجدري في جسمه منذ طفولته لما كان بعيدًا أن ينحو به المزاج السوداوي نحوًا آخر غير الزهد والعزلة.
كراهته للبشر

وقد يرتكب بعض نُقاد الغرب مثل هذا الخطأ في تقسيم الشعراء إلى فئتين: محبي البشر Philanthropist وكارهي البشر Misanthrope لأنهم يعدون من كارهي البشر أولئك الشعراء الذين يسخطون على الناس ويتبرمون بهم ويجتنبون مخالطتهم، وعلى هذا التقسيم يصح أن يعد المعري أكره الناس للناس لقوله على الأقل: هل يغسل الناس عن وجه الثرى مطرفما بقوا لم يُبارح وجهه دنسوالأرض ليس بمرجوٍّ طهارتهاإلا إذا زال عن آفاقها الأنس والحقيقة أن أكره الناس للناس وأضرهم بهم ليسوا بمعزل عنهم، ولكنهم هم الذين يعيشون معهم حيث يصل إليهم أذاهم. وإذا استعملنا المجاز قلنا: إنه لا يقهر الناس إلا رجل يخوض معهم غمار هذا المعترك ويقاتلهم بسلاح أمضى من سلاحهم، أما المتبرم بهم المتنائي عنهم فكثيرًا ما يكون رجلًا قليل الشر قد طرح السلاح والتزم موقف الحيدة. ولنعلم أن الإنسان لا ينفر من الناس؛ لأنه لم يستطع أن يكرههم وهو عائش بينهم، بل لأنه لم يجد فيهم من يحبونه كما يحبهم. ولكم كان المعري يعدل عن سوء ظنه بالناس ويسترسل إليهم فيرده أذاهم إلى سوء الظن بهم، ويعجب لنفسه كيف ذهل عن رأيه وهو القائل في ذلك:
طهارة مثلي في التباعد عنكموقربكم يدني همومي وأدناسيوأعجب مني كيف أخطئ دائمًاعلى أنني من أعرف الناس بالناس وإنه لقول رجل لا يتمالك نفسه أن يتبسط بالمودة لأبناء جنسه، ثم لا يلبث طويلًا حتى ينقبض مكرهًا، فيذوق لهذا الانقباض ألمًا يجري على لسانه سخطًا وتذمرًا، وما هو بسخط ولا تذمر. وهل ترى في قوله:
إذا كان إكرامي صديقي واجبًافإكرام نفسي لا محالة أوجب أو قوله:
إن ترد أن تخص حرًّا من الناس بخير فخصَّ نفسك قبله إلا قول رجل يرى أن الأنانية خلاف الواجب، ولكنها أمر تدعو إليه الضرورة، وإلا مجاهدة منه لإقناع نفسه بخلق جديد لا ترتاح إليه؟
وهل قال المعري في الحفيظة على الناس أكثر مما قال في الحفيظة على نفسه؟ أو هل تمنى هلاكهم أكثر مما تمنى هلاكه هو نفسه؟ فهل يقال إذن: إن المعري كاره لنفسه بالمعنى المفهوم من كراهة الإنسان للبشر؟ ولقد أوصى الإنسان بالطير على حين كان يحذر بعضهم من بعض فقال:
تصدق على الطير الغوادي بشربةمن الماء واعدُدها أحق من الإنسفما جنسها جانٍ عليك أذيةبحال إذا ما خفت من ذلك الجنس ومن هذا وأشباهه ترى أن الرحمة ثابتة في طباعه، ولكنه يتنقل بها من موضع إلى موضع كما يتنقل المرء بالهدية المردودة.
اشتراكيته

على أن للمعري أبياتًا في الرثاء لحال الفقراء كادت تسلكه في عداد شعراء الاشتراكية كقوله:
لقد جاءنا هذا الشتاء وتحتهفقير معرًّى أو أمير متوجوقد يرزق المحدود أقوات أمةويحرم قوتًا واحد وهو أحوج وقوله:
كيف لا يشرك المضيقين في النعــمة قوم عليهم النعماء وقوله:
إن شقًّا يلوح في باطن البرةقسم بيني وبين الضعيف نعم إن الاشتراكية لا تعتمد في حقوقها على الرحمة، ولكنها لا تطلب من شعرائها أكثر مما قال المعري.
الجبر وتحريم اللحم

وقد قصرنا الكلام إلى الآن على درس مزاج المعري؛ لأننا لا نعود بفلسفة الرجل، إلا إلى مرجع واحد وراء كل مرجع، وهو مزاجه وما أضافه إليه تأثير البيئة والحوادث، فكل ما يُؤثر عنه من التقشف والتشاؤم والقول بتنازع البقاء والنهي عن الزواج، إنما هو نتيجة خُلُق متأصل فيه لم يزده الاطلاع والتحصيل غير صيغة العبارة واصطلاحات العلم. وما قلناه عن هذه الآراء نقوله عن رأيه في الجبر وتحريم اللحوم. أما الجبر فهو سبيل كل رجل يشعر في نفسه بتضارب الإحساسات وتحكم الطبائع، ويعلم بعد مكابدتها أنه لا حيلة له فيما يرضى أو فيما يأبى، وأنه لا اختيار لعقله فيما ينوي وفيما يصنع، وما كابد التضارب في الإحساس والفكر أحد كما كابده المعري، فذاك هو الذي أمضه وأرهقه حتى انتهى به إلى الجزم بأن الإرادة مغلولة، والأهواء مستبدة، والعقول مسخرة، فكان يقول:
وقد غلب الأحياء من كل وجهةهواهم وإن كانوا غطارفة غلبا ويقول:
والعقل زين ولكن فوقه قدرفما له في ابتغاء الرزق تقدير وعلى هذا فهو مبتكر في مذهب الجبر لا مقلد. أما تحريم اللحوم فليس أعجب من القول بأنه اقتفى فيه مذهب الهند أو غيرهم من المتدينين به! ولو أن المعري كان كاهنًا هنديًّا برهميًّا متريضًا لما عجبنا للأمر؛ لأنه إنما يخضع لسلطان عقيدة دينية ويخشى عقاب قدرة إلهية. أما وهو رجل قد شك في الديانات وهزأ بشعائرها وفرائضها، فمن العجيب حقًّا ألا يكون له باعث على ترك اللحم أربعين سنة إلا الإيمان بمذهب البراهمة. وعندنا أن المعري كان لا يشتهي اللحم بطبعه، وكان فقيرًا مع رحمة مفرطة فيه، وكان به ميل إلى تعذيب النفس كما هو شأن بعض أصحاب الأمراض العصبية في رأي ماكس نوردو وغيره من الأطباء، ولم يفده عرفانه بمذهب الهنود البراهمة إلا إخراج هذه الميول في صبغة مذهب فلسفي. ولهذا بدأنا مقالنا ونختمه بالقول بأن مفتاح البحث في فلسفة المعري إنما هو درس مزاجه ورد أفكاره وخواطره إلى خواص هذا المزاج التي ساعدتها البيئة على الظهور.
خاتمة

وقبل أن نختم هذا البحث نستحسن أن نُنبِّه إلى بعض مآخذ لاحظناها على أحد أشياخنا الكاتبين عن المعري بيانًا للفرق بين النقد النظري والنقد الاستقرائي. ونقول: إن ذلك الكاتب، مع عنايته بتتبع الآثار التاريخية وشرح أحوال العصر الذي عاش فيه المعري، لم يُوفَّق إلى إنصاف المترجمين له ولم يقدر آراءهم قدرها.
فمن ذلك أنه أشار إلى ما ارتآه جورجي زيدان من أن سبب سخط المعري على الدنيا هو عسر الهضم، فتعجل برفضه وقرر استحالته، ولا برهان لديه ينقضه، ولا ندري نحن لماذا يستحيل عسر الهضم على رجل دائم الكآبة سوداوي المزاج مدمن لأكل البقول ملازم داره لا يبرحها، وأنه قارن بين أبي العلاء وأبي العتاهية فقال: «مرجليوث اجتهد في أن يُقارن بين أبي العلاء وأبي العتاهية في هذا الشعر الفلسفي، فزعم أن بين الرجلين تشابهًا وتابعه على ذلك سلمون. ولقد كنا نحب أن نجتهد في بيان هذا الوهم الذي وقع فيه هذان العالمان لولا أن دائرة المعارف الإسلامية التي يكتبها المستشرقون سبقت إلى هذا فجعلت قياس أبي العلاء إلى أبي العتاهية ظلمًا وحيفا؛ إذ كان أبو العتاهية يستقي من الدين ويتقيد به، وكان أبو العلاء يستقي من الفلسفة ولا يتقيد بالدين، وهذا الفرق ظاهر الأثر في شعر الرجلين. وخصلة أخرى لم تلتفت إليها دائرة المعارف وهي أن أبا العتاهية على كثرة ما استعان بالدين في زهده الذي ملأ به ديوانه كان فاسقًا مستهترًا بالمجون بخلاف أبي العلاء الذي استملى الفلسفة واتهمه الناس بالزندقة والإلحاد، فإنه لم يمل إلى الهوى، ولم يذهب مذهب المجون.»
وترى الكاتب هنا يُوافق دائرة المعارف ليخالف مرجليوث وسلمون، ولكنه لم يشأ أن يوافق الدائرة كل الموافقة، فذكر أنه التفت إلى شيء لم تلتفت إليه وهو مجون أبي العتاهية. على أنه عاد بعد ذلك فاقتدى بالدائرة في مقارنتها بين المعري وأبيقور وقال: «أبو العلاء يرى رأي أبيقور هذا كما تدل عليه اللزوميات في مواضع كثيرة نجتزئ منها بقوله:
ولم أعرض عن اللذات إلالأن خيارها عني خنسنه فليس من الغريب بعد ذلك أن يشير أبو العلاء بالاشتراكية في النساء … إلخ.» فكيف إذن تكون مجاراة اللذات روح فلسفة المعري الأخلاقية، ولا يكون ثمة شبه بين شعره وشعر أبي العتاهية لأن هذا ماجن مستهتر باللذات؟ أما نحن فلا يسعنا إلا أن نعجب برأي دائرة المعارف الإسلامية، وأن نسوقه شاهدًا على ما فصَّلناه قبل في تحليل أطوار المزاج السوداوي وما ينتاب أصحابه من الأطوار المتناقضة، ولا نقول كما قال الكاتب: إن المنطق لا يقبل المتناقضات، فيلزم من ذلك أن يكون كل عقل منطقيًّا في كل حالة من حالاته، وأن يكون الطبع جاريًا على منهج العقل في أهوائه ورغباته. وهو خطأ ظاهر لا يقبله المنطق.
وقد حرص هذا الكاتب على أن يوصف بالتدقيق في استقصائه، ومع هذا لا يبالي أن يزعم أن المعري «كان على مذهب الباحثين من علماء الإفرنج في هذه الأيام»؛ أي إنه «يمنع أن يكون الناس مشتقين من سنخ واحد» ولا نعلم نحن أن هذا مذهب الباحثين من علماء الإفرنج، وإنما هو خاطر مرجح عند طائفة منهم، ولا نحسب الكاتب كان يقبل أن ينسب إلى المعري رأيًا كهذا لو أنه قاس درجة العلم في عصره قياسًا دقيقًا (أولًا) لأن القائلين بهذا الرأي من علماء اليوم لم يعمدوا إليه إلا بعد إنعامهم الطويل في درس مسألة الأنواع والأجناس درسًا علميًّا استقرائيًّا، (وثانيًا) لأن كلام المعري كله خلو من كلمة أخرى تسنده، ولعله لم يرد بقوله:
وما آدم في مذهب العقل واحدولكنه عند القياس أوادم إلا أن آدم هذا المذكور في الكتب الدينية ليس بأقدم آباء البشر — يفسر هذا المعنى قوله في بيت آخر:
جائز أن يكون آدم هذاقبل آدم على إثر آدم فليس الخلاف بين المعري والمتدينة خلافًا على عدد أصول النوع البشري، ولكن على قدم أولها. وأين هذا من رأي تلك الطائفة من علماء اليوم؟
ونكتفي بهذا القدر إذ كنا لا نقصد إلى نقد الكتاب، وإنما مررنا منه بما له مساس بموضوعنا.

السلوى?


نعمة من أنعم الله الكبرى، وترياق للنفس الحزينة مركب في الطباع ترجع إليه في بلواها، كما يرجع الجمل إلى سنامه يغتذي منه كلما طال عليه السغب، ومسه الضر، وأقفرت من حوله الديار. وخير الدواء ما كان من مكمن الداء منبته، ومن مادة النفس عنصره، ومن جرثومة الشكوى طبيعته. لا يعرف صدق ذلك أحد كما يعرفه أطباء الأجسام والأرواح، أو أشباه الأطباء ممن عالجوا في أنفسهم ما يعالجه الأطباء في أنفس الآخرين. قال ابن الرومي:
إن من ساءه الزمان بشيءلجدير إذن بأن يتسلى وما أظنه جديرًا بالسلوى فحسب، فإنما هو مفتقر إليها ومرغم عليها وغير مصروف بأي صارف عنها. وإلا فما تراه صانعًا إن لم تثب نفسه إلى أمل في السلوى، أو إلى سلوى في الأمل؟ إنه لم يصنع خيرًا من هذين شيئًا.
ولقد تقارب الشبه بين الأمل والسلوى حتى لقد حسبتها أخته، أو حسبته توءمها على خلاف المألوف في التوائم، وإن كان لا بد من نسب فأبوهما الفقدان وأمهما الرغبة. أخذت هي من خشوع أبيها أكثر مما أخذت من جمال أمها، وأخذ هو من جمال أمه أكثر مما أخذ من خشوع أبيه، وكما أن من الأمل صادقًا وآخر كاذبًا، كذلك السلوى منها الصحيح المقبول، ومنها الزائف المغشوش. فأما السلوى الصحيحة؛ فهي التي تُغني صاحبها عما فقده إلى أن يجد سواه، أو يجد ما هو خير منه. وأما السلوى الزائفة فهي التي لا يزال صاحبها فاقدًا خاسرًا، ولا ينتقل بها من خيبة إلا إلى خيبة أفدح منها، فهو يتسلى عما ليس يملكه بما ليس يملكه. ليس في دفتره حساب، بل ليس له دفتر يصلح للمحو والإثبات، بل هو نفسه مضاف على حساب الخسارة في دفتر هذا الوجود.
والسلوى كالأمل دليل غنى النفس، وغزارة مواردها، ووفرة ذخيرتها، واستكمال عدتها لملاقاة الخطوب ومنازلة الحوادث، فمن كانت ذخيرته من السلوى ناضبة، كان كالتاجر الفقير الذي تعصف برأس ماله أول صدمة من صدمات السوق، ثم يقعد بعدها خاوي الوفاض منقطع الأسباب. وليس كذلك التاجر العامر؛ فإنه لن يعدم من ماله أو من الثقة به حيلة يتلافى بها خسارته ويصلح شأنه، ويترقب من ورائها الربح الجزيل، بما يكون له منه سداد لدينه، وعوض ينسيه ما فاته.
على أن الأمل لا يؤذن له في كل مكان تدخله السلوى. وقد يكل الأمل عن غاية من الغايات، فيقف دونها أو يُحجب عنها، وتبلغها السلوى فتنزل فيها بين الرضا والحفاوة، وماذا يجدي الأمل شيخًا فانيًا فُجع في وحيد له أودعه من الدنيا كل أمله وغاية مطامعه؟ أو ماذا يجدي الأمل مكفوفًا ذهب عنه بصره إلى حيث لا يرده عليه طب ولا مال ولا يرجو له معجزة تخرق نظام الحياة من أجله؟ أو ماذا يجدي الأمل ملكًا خُلع عن عرشه وأُبعد عن ملكه إلى حيث لا نجاة ولا رجعة لغير التراب؟ عند السلوى لهؤلاء ومن شاكلهم زاد كثير، وليس لهم شيء عند الأمل. فليتبلغوا بزاد السلوى إذا ارتد عنهم الأمل يائسًا. وويل للنفس إذا يئست من السلوى بعد يأس الأمل منها، فإنها تكون قد نضبت واصفر نصيبها من الدنيا، فلم يبق لها إلا الموت أو الجنون، وطوبى للنفس السالية، فإن المصائب لن تأخذ منها كل ما يؤخذ من النفوس.
ومن الغرائب البينة في خيال الناس أنه مهما توالى من تجربة الإنسان لحوادث الأيام، وبالغة ما بلغت خبرته بلواعج الحزن، فإنه لا يبرح يستخف حمل المصائب البعيدة عنه، ولا يتمثلها على حقيقتها، ولا يشعر بالألم في نفس غيره كما يشعر به في نفسه. قال روشفكول: «كلنا أولو قدرة كافية على حمل مصائب سوانا.» وكأني به يعيب على الناس هذا الخُلُق وما به من عيب، ألسنا نحب أن تخف عن عاتقنا مصائبنا؟ فما بالنا نطلب أن تثقل علينا مصائب غيرنا؟
ولو فكرنا قليلًا لرأينا الطامة الكبرى التي تحيق بالناس لو أنهم طُبعوا على غير هذا الخُلُق. فإننا نرى كثيرًا من الضعفاء والأقوياء يبهظهم أن ينهضوا بحصتهم من الأثقال، ويشق عليهم ما يمسهم من الشدائد والأهوال، فكيف بهم لو ألقيت عليهم مع حصتهم حصص الخلق جميعًا، فأصبح كل ميت عزيز لسواهم، كأنه ميت عزيز عليهم، وكل أمنية يفقدها أحد، كأنما هي أمنية ضائعة منهم، وأصبح ما يشكي العالمين فردًا فردًا يشكيهم على السواء في لذعة الحزن وحرارة الأسف؟ إذن تقتل الهموم ذويها وغير ذويها، ثم لا يجدون من يكشف عنهم غمتها ويسري لوعتها.
وليس بنا من حاجة إلى أن ترهق الناس أعباؤنا كما ترهقنا، وإنما حاجتنا أن يشعروا بأعبائنا ويتلطفوا في تهوين وقعها علينا. وهل تراهم يفعلون ذلك إلا حين يجدونها خفيفة شائعة من حيث نجدها نحن جسيمة نادرة، أو حين يكونون أقل منا جزعًا لها ودهشة من طروقها؟ ولعل أحب أصدقائنا إلينا هو الذي يكون مع عطفه وخلوص نيته أقدر على تلطيف آلامنا ساعة نحمد له ذلك، وإن بدا منه في تلك الساعة أنها لا تؤلمه، كما تؤلمنا ولا هو يكبرها كما أكبرناها.
أعرف صاحبًا ظريفًا كان إذا روَّح عن مهموم أو عاد مريضًا، يمزح فيظهر العجب ممن يجزعون من الهم، أو يشتكون المرض ويتأففون منه ويقول: إني والله لأحسب المرض سميرًا مسليًا ورفيقًا مؤنسًا، وكأنما مع الإنسان شخص آخر في إهابه يناجيه ويتسمع له، ويتحرى رضاه فيلطفه بالطعام المنتخب والشراب الموصى عليه، وينفرد به في ليله ونهاره. وكنا نقول له: وما رأيك في مرارة العقار، وحبسة الدار، والإقصار عن الأوطار؟ فكان يقول: وماذا في هذا؟ أليس لكل صداقة قيود؟
وألَّمت بصاحبنا هذا ضائقة فأفرط في الاهتمام لها والاشتغال بها، وقطعته عن عاداته من الدعابة والتبسط في الحديث، وأردنا العبث به فقلنا له: لشد ما احتفيت بصاحبك هذا الجديد، فعساك تحمد عشرته؟ فاستلقى ضاحكًا وقال: قاتل الله الأصدقاء! ما بقي في الدنيا صاحب موافق قط.
وعندي أن المرء يغبط على هذا المزاج الذي لا يعيي صاحبه أن يتخذ من الهموم والسقام رفقاء وسمارًا، يحفظ عهدهم وإن لم يحفظوا عهده، ويأبى رفدهم وهم يطلبون رفده. وليس كلامنا هنا إلا على الذين يحتاجون إلى السلوى، فأما الذين لحظتهم العناية وحالفتهم الجدود المقبلة، فأصبحوا يتقلبون في حياتهم من نصر إلى نصر، ومن نجاح إلى نجاح، لا يقفون لحساب خسارة، ولا للتدبر بموعظة، فأولئك يغنيهم الله عن صداقة الأوصاب والشجون، ومشاورة الأحقاب والقرون، وأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
? نشرت في العدد الثامن من صحيفة الرجاء.
آراء في الأساطير?


المذهب التشخيصي اللغوي

الرأي التشخيصي هو أصوب الآراء في تعليل منشأ الأساطير، وأقربها إلى الإقناع، وأجمعها لأوجه التطبيق والتأويل. وفحوى هذا الرأي أن من ديدن الإنسان أن يخلع شخصيته على الموجودات، ويتمثل ذاته في القوى والعناصر المجردة، فيرى لها — عامدًا أو غير عامد — شخصًا كشخصه، ونية كنيته، وحياة كحياته، وإن هذا الوهم الذي لا محيص للمرء عنه، يظهر أشد الظهور في الطفل والرجل الشرس السيئ الخلق، فترى الطفل يضاحك الأشياء ويغاضبها ويحنق عليها، والرجل الشرس يصيح بها ويسبها ويقتص منها، كأنها تفهم ما يقول أو تقصد ما تعمل.
وقد يظهر في الرجل الرشيد إذا ملكه الحزن أو الغيظ، فيخاطب ما لا يعقل خطاب العقلاء. ومنذ زمن لا عهد لنا بمبدئه وصفت اللغات الأشياء بصفات الآدميين، ونحلتها أعضاءهم وأفعالهم، وحمدت منها أو ذمت ما يحمد أو يذم من الناس، وقسمت ما ليست له ذكورة ولا أنوثة إلى ذكر وأنثى. ولولا غريزة التشخيص لما سُمِّيت بعض الأشياء بأسماء المذكر وبعضها بأسماء المؤنث حسب ما يتصوره فيها الإنسان مما يقابل صفة الرجل عنده أو صفة المرأة، وقد أسهب في تحليل هذه الغريزة الأستاذ الإيطالي تيتو فينولي? في رسالته الموسومة «بالخرافة والعلم» ولخصها في قوله: «لم يفتأ علماء الناس وجهلاؤهم يتكلمون عن الجمادات كأنها تعقل وتشعر، وفي ذلك إشارة إلى الأصل البعيد للمذهب القائل بتشخيص الإنسان لجميع المواد الطبيعية، كما فيه إشارة إلى أن عقولنا لم تتخلص بعدُ من هذه العادة، ولذلك تتردد الكلمات عفوًا على ألسنتنا في سياقها العتيق فنسمعنا نقول: جو طيب وجو رديء، وريح خرقاء أو هوجاء، وبحر غدار، وصخر عنيد إذا صعب علينا تحريكه. وقد نُعنِّف الموانع والعراقيل كأنها تسمعنا. ونقول: فصل متقلب أو خداع، وأن الشمس كئيبة لا تشاء أن تضوء، وأن السماء تتوعد بالثلج، وهذا نبات قد خنقه الحر، وهذه تربة عصية، وتلك تربة ليست بالمستوحشة؛ أي إنها تصلح للزرع. والأرض تضحك خصبًا وإيناعًا، وتختال زهوًا وإمراعًا، ويقال: نهر سوء، وبركة تبتلع الناس، وصعيد عطشان يترشف الماء، وإن النبات يخاف البرد. ويقول أهل بستوجا: إن بعض أشجار الزيتون لا تتوجع للضرب، ولا تخاف كيت وكيت، أو إنها تعيش ولا تأبه لمر السنين. ويقولون أيضًا: إن شجر الزيتون لا يهاب المناجل ويلتذ قطعها فيه إذا أعملتها يد ماهرة. وغير هذا ألوف من الأمثلة يمكن إيرادها. فمن رام التوسع من قرائنا فعليه بكتاب جيلياني (اللغة التوسكانية الحية). ولا نقنع بأن ننحل الأشياء أفعالنا وشعورنا، بل ننحلها كذلك هيئاتنا وجوارحنا، فنقول: رأس الجبل وكتفه وخلفه وقدمه وأضراسه وأحشاؤه، ونقول: ذراع من البحر، ولسان من الأرض، وثغر المرفأ أو الكهف أو البركان، ووجه المنزل، وقرن الهوة، وعين السماء، وشريان المنجم، وإن جبال الألب صلعاء؛ أي جرداء، والثرى أجعد، وهذا شيء ميمون الطالع أو منحوسه، وجبل عملاق أو قزم … إلخ إلخ.»
ومن هذه الغريزة تولدت الأساطير والحكايات التي يرويها القدماء عن الكواكب والأشجار والبحار، وما ينسبونه إليها من خلائق الإنسان كالغرام والولادة والانتقام ورغبات أخرى مما لا يحصل من غير بني آدم.
مذهب سبنسر

وللفيلسوف الإنكليزي هربرت سبنسر رأي غير الرأي التشخيصي في منشأ الخرافات والأساطير، فعنده أنها ترجع إلى عبادة الموتى، وتفسير ذلك أن الهمج كانوا يعبدون أرواح أسلافهم وآبائهم، ويعزون إليها ما يصيبهم من الخير والضر، ويعتقدون أنها تتغذى مثلهم وتنكح وتشتهي من متع العيش ما يشتهي الأحياء، فيتقربون إليها بما يرضيها، ويدفنون النساء مع الهالكين ليلحقن بهم. وأن قومًا من هؤلاء الأجداد كانوا يُدعون باسم الشمس والقمر والعناصر الطبيعية، ثم يموتون وينسى الناس تواريخهم وأشخاصهم، فينسبون ما حفظوه عنهم من النوادر والأخبار إلى مسمياتهم؛ يعني الشمس والقمر والعناصر الطبيعية، فيقولون: الشمس أحبت، والقمر صنع كذا وكذا. والحقيقة أن الرجل الذي كان اسمه القمر أو الشمس هو الفاعل الأول لتلك الأفعال.
وهذا رأي وجيه يسهل به تعليل كثير من الأساطير الهمجية، ولكنه لا يُعارض الرأي التشخيصي، ولا ينفي أن الإنسان قد جُبِل على أن يفترض للكائنات شخصًا يرسمه في مخيلته على مثال شخصه، ويجعل له إرادة ورغبة مثل إرادته ورغبته، ويأنس بها ويحاذرها أحيانًا. ومتى كان مجبولًا على ذلك، فلماذا يُستغرب منه اختراع تلك الأساطير، ثم الإيمان بها، ولا سيما إذا عرفنا أن الغريزة التشخيصية عريقة في الحيوان قبل الإنسان؟ ونحن نعرف ذلك لأنه ظاهر من عدة مشاهدات ملحوظة نسوق منها ما قصَّه دارون في كتابه أصل الإنسان عن كلبه حيث يقول: «كان الكلب راقدًا على العشب في يوم قائظ، وعلى مسافة قريبة منه مظلة مفتوحة هبت عليها نسمة رخية فحركتها حركة كان لا يلتفت إليها الكلب لو أنه أبصر بجانب المظلة إنسانًا، ولكنه كان كلما اهتزت المظلة عوى عواءً شديدًا، وأظنه خطر له بسرعة وعلى وجه غير محسوس أن الاهتزاز بغير محرك ظاهر يشير إلى وجود فاعل خفي.» واستنتج دارون من ذلك أن للحيوانات إلهامًا بالأرواح، وهو بعيد، وكل ما يؤخذ من عمل الكلب أن الحيوان يوجس من الجماد إذا اضطرب أو تقلقل؛ لأنه لا يسعه الحكم باستحالة صدور الأذى منه. وقبل أن نلجأ إلى استنتاج دارون، ينبغي أن نتأكد من أن بديهة الحيوان تفصل بين طبيعتي الحياة والجمود. فهل هذا معقول؟ ومن منا لم يرَ سنورًا يعبث بالخرق والريش كما يعبث بالفأر، أو يرَ جوادًا يجفل من الأغصان كما يجفل من الثعبان أو يتحاشى بعض الأشجار كلما دنا منها كأنه يتوقع عندها مكيدة؟ وقد أورد صاحب كتاب الخرافة والعلم مشاهدات كهذه شهدها في بعض الحيوانات لا حاجة بنا إلى إيرادها لكونها مألوفة مسلمة.
على هذا درج الإدراك الحيواني مشخصًا في العجماوات قبل الإنسان، فلا داعي إلى القول بأن ما يُتحدث به من أساطير الأقمار والكواكب والعناصر منقول عن رجال عرفوا بأسمائها في الزمن القديم، وليس من الجائز أن يكون الإنسان قد تبطن كنه الأجرام السماوية حين عبد موتاه، فعرفها تمام المعرفة، ولم ينظر إليها نظره إلى الحي الذي يريد ويعمل ويناط به السعد والنحس. وعلى أن تسميه الناس بأسماء الكواكب يشهد بصحة المذهب التشخيصي وعمق مصدره من المخيلة، وإلا فهل كان الهمج يسمون زعماءهم بأسمائها أو يسمونهم بسيمائها إن كان ليس لها في نفوسهم شخصية، وليس بينها وبين زعمائهم مشاكلة؟
المذهب اللغوي

ورأي ثالث في منشأ الأساطير للبحاثة اللغوي ماكس مولر. يقول هذا البحاثة: إن وصف الكائنات بصفات الإنسان ضرورة أوجبها ضيق اللغة في الأيام الفارطة. فكانوا إذا جعلوا الشمس أمًّا فعلى سبيل الاستعارة، كقولنا مثلًا: إن إيطاليا أم الفنون، ولكنهم لضيق اللغة كانوا يعممون ذلك في حديثهم، فيسري منه إلى المخيلة عفوًا وعلى غير قصد، وهذا القول من المذاهب المعوَّل عليها في تفسير طائفة من الأساطير الإغريقية والهندية. إذ لا ريب أن الاستعارة اللغوية أصل وشيج من أساطير الأمم نابت بعضها من بعض كما يقول مولر. ولكن ضيق اللغة إذا جاز أن يكون سببًا لتسمية الجمادات بأسماء الإنسان فما هو بمغنٍ في تأويل خوفهم منها وتأميله فيها فضلًا عن تأويل ذلك في أطفال لا يتكلمون، وفي عجماوات لا تعوزها اللغة، ومولر نفسه قد أتى في عرض كلامه على مقابلة الأساطير بشذرات هي مؤدى المذهب التشخيصي برمته فقال: «كيفما صرفنا اللغة لم نجد كلمة مجردة إلا وجدنا أنها في أصل اشتقاقها كانت صفة ثم صارت اسمًا، وإن من أعسر المسائل على الذهن أن يدرك الصفة في هيئة ما مجردة إن لم نقل: إن ذلك محال من الوجهة المنطقية. فإذا قال قائل مثلًا: «أنا أحب الفضيلة» لم تقترن بكلمة الفضيلة أية صورة؛ لأن الفضيلة ليست كائنًا، ولا هي بحال من الشخصية أو القالب أو الصورة الخارجية، وليس لها هيئة تؤثر في عقولنا أثرًا ملموحًا، وإنما هي تعبير مختزل من جملة طويلة. وأول ما قال قائل أحب الفضيلة فإنما كان يعني «أحب كل شيء فاضل»، وقال مولر أيضًا: «ليس في طاقتنا أن نستحضر في أخلادنا العاطفة التي بها كان ينظر الأقدمون إلى آيات الطبيعة إذ كل شيء عندنا بقانون قاهر وحسبان مقدور، وفي استطاعتنا أن نحصر قوة الجو العكسية ونذرع مد الفجر في كل سماء، وشروق الشمس عندنا حقيقة نحن لا نشك فيها إلا كما نشك في أن اثنين واثنين أربعة. ولكن هب أننا استطعنا أن نعود كأسلافنا فنؤمن بأن في الشمس ربًّا على مثالنا، وأن في الفجر روحًا يشاطرنا العاطفة، واستطعنا برهة أن نتخيلها كائنات مطلقة من ربقة النواميس، معبودة كما تعبد الآلهة، فما أشد ما يتغير إحساسنا ببزوغ النهار.
فاعلم أن قولنا: إن الشمس ستشرق حتمًا جزم لم يفهمه الأقدمون من عباد الطبيعة. وإذا طرأ عليهم شبهة من انتظام الشمس والأفلاك في دورانها فما أن يزالوا يحسبون أنَّها أسرى مغلولة إلى أجل مسخرة في طاعة قدرة أعلى وأكمل، ولسوف يخلى عنها في يوم من الأيام كما سيخلى عن هرقل فترقى إلى المقام الأسنى. وقد يلوح لنا من السذاجة الصبيانية ما نقرؤه أحيانًا في «الفيدا» من أمثال هذه الأسئلة: ترى هل تطلع الشمس غدًا؟ أيرجع صاحبنا القديم الفجر؟ أيظفر إله النور بجنود الظلام؟ ومتى ذر حاجب الشمس عجبوا لها كيف تقوى في المهد على تجديل أفاعي الليل، وكيف تطيق الوليدة عبور السماء. وسألوا ما بال طريقها نقية من الغبار، وكيف لا تنقلب فتسقط؟ ثم لا يلبثون أن يحيُّوها تحية الشاعر العصري «مرحبًا أيها الظافر الشرقي بالليل العبوس» … إلخ إلخ.»
وخلاصة هذه الآراء أن الإنسان مشخص برغمه، فهو إذا تمثل قوة مجردة أو محسة، وهبها زيَّه وبسط عليها زواله ونحلها أعماله.
? من كتاب «ساعات بين الكتب».? Myth and Science by Tito Vignoli.
أساطير العرب


وعسيت تقول: إن كان هذا هكذا، فملكة الأساطير مستقرة في كل نفس، مشاعة في كل جنس، فما بال أمم نراها لا تلزم بالأساطير حدًّا، وأمم أخرى كالعرب مثلًا تنزر بينها جدًّا، وتعد فيها مشخصات الطبيعة عدًّا؟
نقول: إن هذه الملكة وإن كانت من الملكات المشاعة، إلا أن ظواهر الطبيعة التي بها تتلبس الأساطير وعليها تدور حوادثها، لا تتراءى في كل إقليم على وتيرة واحدة، ولا تطرق خيال الأمم على نسق فرد، وإنما تتفتق الملكة وتسخو على قدر ما يعروها من هول تلك الظواهر، وتوالي طوارقها عليها.
وما أحسن ما كتب المسعودي في هذا المعنى إذ يقول: «إن ما تذكره العرب وتكني به من ذلك، إنما يعرض لها من قبيل التوحد في القفار، والتفرد في الأودية، والسلوك في المهامه الموحشة؛ لأن الإنسان إذا صار في مثل هذه الأماكن يوجد له تفكر ووجل وجبن، وإذا هو جبن داخلته الظنون الكاذبة والأوهام المؤذية الفاسدة، فصوَّرت له الأصوات، ومثَّلت له الأشخاص، وأوهمته المحال بنحو ما يعرض لذوي الوسواس، وقطب ذلك وأسُّه سوء التفكير وخروجه على غير نظام قوي أو طريق مستقيم سليم؛ لأن المتفرد في القفار مستشعر للمخاوف، متوهم للمتالف، متوقع للحتوف؛ لقوة الظنون الفاسدة على فكره، وانغراسها في نفسه، فتوهم ما يحكيه من هتف الهواتف.»
فهذا كلام سديد، ولكنه شتان مخاوف البطحاء المكشوفة والأودية المعروفة، ومخاوف بلاد كالهند مثلًا — بلاد تجللها الأسرار فكل ما فيها رائع فخم — فمن أطواد سامقة يعمر سفوحها الخراب، وينقطع دون رءوسها السحاب، إلى آجام تمادى بها القدم حتى غاب من جذوعها في التاريخ أكثر مما غاب في التراب، إلى بروق ورعود فيها من الوعيد أضعاف ما فيها من الوعود، إلى تماسيح في الأنهار وتنانين في القفار، إلى أسود ونمور، وبزاة ونسور، وكهوف وصخور، وطوفانات وبحور، إلى غير ذلك مما يجسم الوهم الطفيف، ويفسح للمخيلة مجال التصوير والتكييف.
ألم ترَ أن العرب لما ابتدعوا أساطيرهم كانت مما يجيء من قِبل الحواس، لا من قِبل الخيال، وكانت هواتف وأصداء وهاما تسمعها الأذن ولم تكن أشباحًا تبرز للمخيلة؟ وما هكذا كانت أساطير الآريين الذين قد يصفون لك الشبح من أشباح الأساطير وصف العيان والتحقيق، ويفصلون لك من سماتها كيف كانت أرؤسها وأبدانها، وكيف أظافرها وأسنانها، وكيف شياتها وألوانها. ثم يتلون عليك من الحوادث ما يوافق تلك الملامح والمخايل مع براعة وقوة مستمدة من روح نباضة وطبيعة فياضة.
ولم نعرف في أساطير العرب روحًا جبارًا يهيمن على فلك من الأفلاك، أو يشتمل على ظاهرة طبيعية رائعة مدهشة، فحتى شياطينهم شياطين هينة يؤاكلونها ويزاملونها، ولا يختلف خوفهم منها عن خوف الرجل من الفرس العائر أو الكلب العقور، فكأنما هي فصيلة داجنة من الجن، وأما الغول والرخ والسعادين فهي إن كانت اختراعًا فلا تنطوي على رمز جليل، وإن كانت مبالغة في جوارح وكواسر موجودة، فللمخيلة فيها عمل ضئيل، ولهم خلال ذلك أقاويل في النجوم تشبه الأساطير، كزعمهم في رواية ابن دريد أن الشعريين أختا سهيل، وكانت كلها مجتمعة، فانحذر سهيل فصار يمانيًّا، وتبعته الشعرى اليمانية، فعبرت البحر أو المجرة فسميت عبورًا، وأقامت الغميصاء مكانها، فبكت لفقدهما حتى غمصت عينها، أو أن العيوق عاق الدبران لما ساق إلى الثريا مهرًا وهي نجوم صغار نحو عشرين نجمًا فهو يتبعها أبدًا خاطبًا لها، ولذلك سموا هذه النجوم القلاص … إلخ إلخ. فهذه الأقاويل على كونها من باب الحدس Fancy لا من باب الخيال Imagination ليست هي بالمستكثرة على العرب وهم ما هم ترصدًا للأجرام ومواقيتها، وترقبًا للأنواء ومهابها لما هم مضطرون إليه من متابعة الإساد ومواصلة الارتياد. وكالعرب في هذه الخصلة كل أمة تقطن السهول والدياميم القاحلة، لا فرق بين آريين وساميين. فالأمة الميدية — وهي أمة آرية — كانت قليلة الأساطير جدًّا، ولم تكن في ديانتهم آلهة للشر لقلة ما يرهبون من قوى الطبيعة، وكانوا لا يلبسون معبوداتهم بالقوى الطبيعية، ولا ينصبون لها نصبًا وأصنامًا، وفي زعمهم أن إلههم الأكبر يقيم بمكان بعيد عن هذه الأرض لا يدنو إليه أحد من الناس، ويهبط إليهم منه بالوحي ملائكة يرون الناس من حيث لا يرونهم — تلك كانت عقائد الميديين في الإلهيات والعالم الأخير، فهم والعرب في هذا المجال سواء.
•••

وهناك سببان آخران لندرة الأساطير عند العرب؛ أولهما يظهر من تطبيق رأي سبنسر والثاني من تطبيق رأي مولر — وهما رأيان لا يخفى أنهما لا يرفضان كل الرفض — فسواء أخذنا بعبادة الموتى وهي رأي سبنسر، أو أخذنا بالاستعارة اللغوية وهي رأي مولر فالنتيجة واحدة، وهي أن الأمة العربية لا تكون بحسب واحد من هذين الرأيين كثيرة الأساطير والحكايات التي تجري مجراها.
فإذا أخذنا بتعليل عبادة الموتى فالعرب لم ينسوا حديث آبائهم الذين كانوا يعبدونهم، ولم يزل معمروهم إلى ما بعد الإسلام يذكرون أن اللات إحدى آلهتهم كانت في الأصل رجلًا صالحًا يلت السويق للحجاج، فلما مات مثَّلوا له مثالًا وعبدوه، وهذا ابن القيم يقول في كتابه إغاثة اللهفان: فطائفة دعاهم الشيطان إلى عبادتها «الأصنام» من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم، كما يُروى عن هشام عن أبيه أنه قال: كان ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر قومًا صالحين، فماتوا في شهر، فجزع عليهم ذوو قرباهم، فقال رجل من بني قابيل: يا قوم، هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم غير أني لا أقدر أن أجعل فيها أرواحًا؟ قالوا: نعم، فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم ونصبها لهم، فكان الرجل يأتي أخاه وعمه وابن عمه فيعظمه ويسعى حوله حتى ذهب ذلك القرن الأول. ا.?.
وأما الاستعارة اللغوية فمولر يبني رأيه فيها على أساسين: أولهما قدم الاستعارة: ونضرب لها مثلًا كلمة الطبيعة التي أصل معناها الحبلى — سموا الطبيعة بهذا الاسم لأنها أكثر الأشياء إنتاجًا وولادة، ثم نُسي سبب التسمية حتى صاروا إذا قال القائل «الطبيعة» لم تدل عند السامع على الحبلى كما كان يفهم واضعو هذا الاسم، وإذا قال: إن الطبيعة تلد النبات والماء والحيوان عسر على الذهن أن يذهب إلى ذلك المجاز البعيد، وسبق إليه أن صاحبة «العلم» أم حقيقة، وأن هنالك أسرة أمها الطبيعة وأبناؤها وبناتها الأنهار والأشجار والأنعام. ثم تنشأ الأسطورة بهذا المعنى.
وثانيهما المترادفات: وذلك أنهم كانوا في إبان طفولة اللغة يسمون الشيء بأشهر أعماله وأظهر أوصافه، فكان يقال للأخت: «التي تحلب»؛ لأن عملها في البيت حلب الماشية، ويُقال للأخ: «الذي يحمل»؛ لأنه يعاون أباه في حمل الأثقال، ثم تُنسى هذه الأعمال والأوصاف ولا تبقى منها إلا أعلام منوطة بمسمياتها. فمن ذلك أنه كان للأرض في السنسكريتية واحد وعشرون علمًا كلها صفات كالعظيمة والواسعة والعريضة … إلخ، ولما كانت الأشياء تتشابه في الصفات فقد كان يتفق أن يُسمى الشيئان المختلفان باسم واحد. فإذا اتفق الأسد والشمس مثلًا في الاسم ألحق الناس بالشمس كل ما هو للأسد من الصفات، فتسمع حينئذ بلبد الشمس وبراثنها وبفرائسها وعرينها، وتسمع بالشمس الفاتكة، والشمس المزمجرة، والشمس المرعبة، ثم يتألف من ذلك قصص تسير مسير الأسطورة، ويتعهدها الخيال فلا تزال حتى تخفى جذورها في فروعها.
ولنرجع إلى الألفاظ المستعارة عند العرب، فقد نجد أنها في الغالب كلمات ما برح معنويِّها يمتزج بحسيِّها إلى الآن، ويندر بين مفرداتها كلمة تجردت لما استعيرت له دون ما استعيرت منه، فأنت تقول: خجل فلان من الفعل القبيح، ثم تقول: خجل في الثوب؛ أي تعثر فيه، وخجل البعير في الوحل؛ أي تحير، وكتب القلوص أو كتب الكلمة قيَّدهما. وهكذا لب اللبيب ولب الفاكهة، وعقل الرجل وعقل الناقة، وزاملت الرجل صادقته، وزاملته أيضًا رافقته على الزاملة، وبايعت المَلِك على المُلك، أو بايعت التاجر على السلعة. وتقول: رجل محب وامرأة محب، كقولك: جمل محب؛ أي بارك لا ينهض، كأنهم يكنون عن حب المرأة بإناخة الإبل عند خبائها.
ونحن نقول: الجمال أو العفاف، ونعني بهما شيئًا معنويًّا، والجمال عندهم مأخوذ من الجميل؛ أي الشحم، والعفاف من العفافة؛ أي بقية اللبن.
وحسبك أن الميول والعواطف والحقائق هي في اللغة العربية كلمات لم تغلب عليها الصبغة المعنوية بعد فتسند إلى أنزه المعاني، كما تسند إلى أكثف الأجسام. بل إن الروح والنفس والنسمة لا تزال مشتركة بين مدلولاتها وبين الهواء? كأقدم ما سميت به في لغة من اللغات، ولم تكد تبدأ بينها الفوارق كما بدأت في اللغات الأخرى. وأما المترادفات في كلام العرب فما كان منها جامدًا فهو منقول بحروفه عن اللغات التي تفرعت منها اللغة العربية، وما كان مشتقًّا فهو حتى اليوم صفات شتى لاسم أو أكثر. خذ مثلًا لذلك مرادفات السيف: اليماني، والهندواني، والقساسي، والحسام، والمشطب، والعضب، والصارم، والجراز، إلى آخرها، فهل ترى إلا أنها صفات مشتقة أو منسوبة؟ وقس عليها أغلب المترادفات التي لم تتغلغل في القدم بحيث تخفى أصولها فتتوالد منها الأساطير على نحو ما ألمع إليه مولر. إذ كلها حديثة الاشتقاق لا يدخل البحث عن جذورها ومصادرها في عمل الباحث اللغوي؛ لأنه عمل يستطيعه النحويون والصرفيون.
ولو استبحر بالعرب الذين وصلت إلينا لغتهم عمران، أو استتبت لهم مدن وأمصار ورفعت لهم فيها البيع والهياكل تتلى فيها الصلوات بالغداة والعشي ويصدر منها الكهنة إلى الناس بالأسرار والألاقي، لكان لهم على الأقل أساطير وتخرصات على منوال الإسرائيليات التي عادوا فاقتبسوها بعد الإسلام، وإن كانت لهي أدخل في باب الرؤى المباحة لكل نائم منها في باب الخيالات التي لا تجود بها إلا قريحة يقظة جوالة، ولكنهم كانوا قبائل رحلًا يؤمون المدن في مواسم تتقسمها العبادة والتجارة والخطابة، فائتمر التاريخ والإقليم واللغة على أن يكون العرب أمة بلا خيال، وأهون بذلك لولا أن سعة الدنيا من سعة الخيال، وأن حلى الحياة إنما تصاغ من معادنه وكنوزه.
? كان المتوحشون لا يفهمون من الروح إلا أنها هي النَّفَس المتصاعد بين الزفير والشهيق؛ لأنهم يرون الواحد منهم بخير ما تنفس، فإذا مات أو أغمي عليه سكن صدره. قال جرانت ألن في كتابه «نشأة العقيدة بالله»: «ما هو ذلك الجزء الذي يغادر الجسم وينأى عنه في الأحلام، إلا أن يكون هو الروح أو النفس الذي يرى الوحشي أنه شيء منفصل قائم بذاته. ثم إذا مات الإنسان ألا يشاهد الوحشي أن هذه الروح أو النفس يبتعد عنه؟ وإذا جرح جرحًا بالغًا ألا يتوارى وقتًا ما ثم يرتد إليه؟ ثم أليست هي تخلي الجسد أو تعبث به أحيانًا في حال الإغماء والتشنج وغيرهما من الحالات الطارئة؟ ولا حاجة بي إلى الإفاضة في هذه الفكرة فقد فصَّلها المستر هربرت سبنسر والدكتور تيلور. وبحسبنا أن نقول: إن الإنسان الأول أخذ يعتقد من تاريخ سحيق بأن الروح أو الحياة شيء مرتبط بالتنفس، وأنها شيء يبرح الجسم أو يحل فيه حسب مشيئته.»
الألعاب الرياضية?


إن حاجتنا إلى العناية بالألعاب الرياضية ليست مما يجوز أن يوضع موضع الخلاف؛ إذ هي لا تقل في لزومها للتلامذة عن مواد التعليم نفسه، ولا نكون مغالين إذا قلنا: إنها مقدمة عليها في كثير من الاعتبارات؛ لأننا نعد الألعاب الرياضية الصحيحة تمرينًا نفسيًّا عقليًّا قبل أن نعدها تمرينًا يعود صلاحه على الجسد وحده، ولا نكاد نعرف أمة شعرت بالتقدم والتفوق إلا رأينا فيها مع شعورها هذا شغفًا شديدًا بالرياضة البدنية.
وهذه إنجلترا واليابان شاهدان على ذلك في التاريخ الحديث، فقد بلغ من اهتمام الإنجليز بالألعاب أن يترك أعضاء مجلس النواب الجلسة ليشهدوا إحدى مسابقاتها، واشتهر من عادات أهل اليابان أنهم كلفون بهذه الألعاب، ولا سيما المصارعة بفنونها كلفًا لا يضاهيه كلف أمة أخرى في الشرق. ولا غرابة في انتباه الأمم الحية إلى مزية هذه التمرينات الجسدية، فإن أول ما يحسه الإنسان من يقظة الحياة الميل إلى الحركة وطلب القوة، وقد يكون هذا الميل من دوافع النفس قبل أن يكون من دوافع الجسد؛ لأننا كثيرًا ما نرى في الشعوب الخاملة أناسًا من أقوى الناس وأصحهم بدنا ولكنهم كسالى، فاترو الحس، ثقال الطبع، لا تلمح عليهم خفة الحياة وتفززها، وربما رأينا العجاف الضعاف في أمم ناهضة تواقة إلى الكمال، وكأنما نفوسهم تستحث أجسادهم إلى أكبر مما تطيقه من النشاط والمراح. فليس من التجوز البعيد أن نقول: إن النشاط ملكة نفسية تستقر في طبائع الأخلاق قبل أن تشاهد مستقرة في صلابة البنية ووثاقة التركيب.
ونحن نعزو إلى إهمال الرياضة البدينة غير قليل مما يُعاب على معظم شباننا من كسل النفس، وقلة الإقدام على المخاطر، واقتحام المسالك النادرة والفجاج الغريبة في الأعمال الاقتصادية والأدبية وغيرها، فقليل في هؤلاء الشبان من يحسب الحياة أوسع من هذه المعالم المطروقة التي يتناولها حساب الحيطة والتقية المحفوظة عن ظهر قلب. وعندهم أن المخاطرة في كل أحوالها شعبة من الجنون، وضرب من الخطل إن أفلح فإنما هو الخطل الموفق. وأقرب ما نئول به ذلك أن السلامة هي الفضيلة العليا عند هذا الفريق من الشبان، وأن الدنيا برحبها في رأيهم هي هذه الطرق المعبدة من العيش التي يسير فيها المرء مغمضًا كما يسير مفتوح العين بصيرًا. وليس أدل على الجمود وركود العقل من غلبة هذا الاعتقاد لأن المخاطرة عامل لا يمكن إغفاله في باب من أبواب العمل. وروح المخاطرة عميقة في الحياة، لا بل الحياة نفسها مخاطرة في عالم مجهول، وكل فتح جديد فيها إنما هو مخاطرة جديدة. فمن لم يخاطر مختارًا بالإقدام على ما يخاف خاطر مكرهًا بالزهد فيما يطمح إليه ويهواه.
وقد يُضحك ويُبكي أن تسمع رأي أولئك الشبان في المخاطرين الذين تصل إليهم أخبارهم على سبيل التفكهة والتنادر بالغرائب. أذكر أن رجلًا أمريكيًّا كان من همه أن يحمل الناس على التحدث بعمل مدهش يُقدم عليه، فدخل في برميل من الحديد ودفع بنفسه في جنادل «نياجرا» ليعبرها من شط إلى شط، ولم يكن على رهان ولا موعودًا بجائزة، فما كاد البرميل يمس الماء حتى تقاذفته اللجة فتحطم ومات الرجل. وهي ميتة قاسية لم يُقدم عليها ذلك المخاطر إلا لأن النجاة منها كانت تعد أعجوبة في العالم من أندر الأعاجيب. ولا نشك في أن الأمريكان أنفسهم استحمقوا الرجل ورموه بالسخف والجنون، ولكننا لا نشك أيضًا في أنهم قد أدركوا جميعًا «مسوغًا» لتلك الحماقة وتمثل لهم حظ جميل كان ينتظر الرجل عند محبي الغرائب ومحباتها من أبناء أمريكا وبناتها. وفهموا أن هذا الولع بالمخاطر على شذوذه واعوجاجه ينتمي في النفس الإنسانية إلى عاطفة كريمة هي صاحبة الفضل في كل ما بلغه الناس من التقدم على أيدي المجازفين والشهداء، وإليها يجب أن ينسب كل معلوم كان مجهولًا، وكل مألوف كان محذورًا، وكل سهل كان صعبًا، وكل حق كان نهبًا، وكل أرض كشفتها رحلة مرهوبة، وكل شر دلت عليه تجربة متلفة، بل كل دين أو رأي أو اختراع أنكره الناس قبل أن يسلموا به، وذادوه قبل أن يذودوا عنه. فما كان شيء من ذلك ميسورًا لو لم يتقدمنا مخاطرون في كبائر الأمور وصغائرها، وعاملون لا يستثيرون دفتر الربح والخسارة في كل خطوة يخطونها. وأقرب هذه التجارب إلينا تجربة الطيران، فهل تظنون أن أول مجازف بركوب طيارة كان أرجح حلمًا (من وجهة النظر إلى السلامة) من صاحب برميل نياجرا؟
وهذا هو الذي لم يفهمه ظرفاؤنا الذين نما إليهم حديث ذلك الرجل، فجعلوا يضحكون منه ما طاب لهم الضحك، أو يصرفونه بكلمات تأفف يوشك أن يكون تباهيًا بسلامة عقولهم وطهارة قلوبهم من خزي التورط في هذه المعاطب، وكان أعذرهم للرجل من كان يسأل: ألم يطمع في ربح يجنيه من الاشتهار بالمخاطرة؟ ويجوز أنه كان طمع في شيء من هذا. ولكن ما سؤالهم عن المال في علة هذا الخلق الذي أودى بحياته؟ ما سؤالهم عنه في البحث عن علة ولوعه بركوب الغرائب؟ إن الفارس ليجازف في طلب الأسلاب، وليس الحطام المسلوب هو علة شجاعته وفروسيته ومجازفته لحياته. والجبان كالشجاع في الشوق إلى لذة السلب، فلماذا لم يكن كل الناس شجعانًا إذ كانوا كلهم طامعين؟
والأمر الذي فات ظرفاءنا هو أن العاطفة إما أن توجد وفيها السليم والسقيم أو لا توجد بتاتًا، وأنه خير لنا أن يكون منا مجازفون متهوسون من أن لا يكون بيننا مجازفون على الإطلاق. فيقتلنا حب السلامة، ونحسبنا ناجين وادعين ونحن في الحقيقة نُعرض أنفسنا لأرذل الأخطار. وأي خطر أرذل من استكانة النفس وتقلصها في قشورها؟
وسيعلمون لذة المجازفة الساحرة يوم يعلمون لذة الحياة الشريفة، فعلِّموهم كيف يلعبون فإنه لا أمل في الجد القويم لمن لا يعرف اللعب القويم.
? من مقال نشر في جريدة الأفكار يوم ?? سبتمبر سنة ????.
المواكب?


قصيدة شعرية نظمها جبران أفندي خليل جبران من أدباء السوريين في أمريكا، وطبعها في كتاب مستقل كبير الصفحات مزدان بالرسوم الرمزية، ويظهر أنه جرى في وضعها وطبعها على أسلوب رباعيات الخيام؛ لأنه وضعها في المعاني التي طرقها الخيام، وطبعها على الشكل الأنيق المصور الذي اختاره الناشرون من الإنجليز والأمريكان لطبع رباعياته.
وللكتاب مقدمة بقلم نسيب أفندي عريضة نراها من ألزم المقدمات؛ لأنها فسرت من أغراض القصيدة ما لم تفسره أبياتها ومنها قوله: ليتصور القارئ قبل إقدامه على مطالعة الكتاب مرجًا واسعًا في سفح جبل، هنالك يتلاقى رجلان على غير ميعاد أحدهما شيخ والآخر فتى. الأول خرج من المدينة والثاني من الغاب، أما الشيخ فيسير بخُطا ضعيفة متوكئًا على عصاه بيد مرتجفة، وفي غضون وجهه وشعره الشائب المسترسل ما ينم على أنه عرك الدهر وعرف أسرار الحياة ومخبآتها فذاق، منها مرارة أوصلته إلى التشاؤم منها. يصل هذا الشيخ إلى المرج، فيستلقي هنالك على العشب قصد الراحة، وإذا فتى جميل غض الإهاب قد لوحت الشمس بشرته وأكسبته الحياة جذلًا وانبساطًا، خرج من الغاب يحمل نايه فيسير حتى يصل إلى مكان راحة الشيخ فيضطجع بجانبه. فلا تمر دقيقة سكون إلا تراهما قد بدآ بالحديث، فيأخذ الشيخ بإبداء نظراته في الحياة كما يراها طرفه المتشائم وخبرته المحنكة، فيرد عليه الفتى شارحًا عن الحياة كما تراها عينه الجذلة المتفائلة.
هذا هو محور القصيدة كما فسَّره صاحب المقدمة. وقد أحسن كاتبها في مراعاة المقام لولا ما في كتابته من قليل الغلط النحوي والصرفي، وما يتخللها من روح النقد العتيقة التي احتذى بها أمرسون وأشياعه من متصوفة الأمريكان.
أما القصيدة فليس في استطاعتنا أن نسميها شعرًا صحيحًا كما وصفها صاحب المقدمة، وإن كنا نتبين منها أن ناظمها يفكر تفكير شاعر. وأول ما نشير إليه أن مبنى القصيدة ليس مما يوصف بالصحة؛ لما فيها من الخطأ اللغوي، وما يعتورها من ضعف التركيب وغلبة العبارة النثرية على النغمة الشعرية في أبياتها. وقد فتحنا الكتاب فوجدنا في أول شطرة من أول بيت خطأ من هذا القبيل في قوله:
الخير في الناس مصنوع إذا جبروا
يريد أجبروا. ولم ننتهِ من الصفحة إلا على خطأ ثانٍ في قوله:
فأفضل الناس قطعان يسير بهاصوت الرعاة ومن لم يمش يندثر والواجب جزم يندثر في البيت. وهذا وليس في الصفحة إلا أربعة أبيات! ولا نشك في أن ناظم القصيدة كان يحترس من الوقوع في مثل هذا الخطأ لو كتب بإحدى اللغات الغربية، فالاحتراس في الكتابة العربية أولى.
أما المعنى فمعيار صحته عندنا أن يكون موافقًا للفطرة الصحيحة والطبيعة الصادقة، ولا نرى معاني الناظم كذلك. نعم إن صاحب المقدمة يقول: إنه — أي الناظم — متمرد على الحياة نفسها. ولكن التمرد على الحياة لا يدل في كل حالة على رغبة في حياة أسمى وأفضل، وكثيرًا ما يدل على انتصار المتمرد لجانب الموت والفوضى على جانب الحياة والمثل الأعلى، خصوصًا إذا لم يكن هذا التمرد مبنيًّا على أساس من الشعور الصميم بقوانين الحياة الراسخة في دخائل الطباع وأعماق الإحساس. ونرجح مما قرأناه في مواكب الناظم أن تمرده على الحياة من هذا النوع؛ لأنه كما يقول صاحب المقدمة: «يتمرد على كل قيد ويود الرجوع إلى الغاب»، أما الغاب التي يقصدها في قصيدته، فليست غابًا بمعناها الضيق، بل هي الطبيعة بأسرها، فمن قال: إن الطبيعة تحل الإنسان من قيوده؟
ألا ليت الطبيعة كذلك! ولكنها في الحقيقة أم القيود والأغلال، وما من عادة متحكمة في نفوسنا ولا غريزة غالبة أو شهوة متمكنة إلا وفي يد الطبيعة طرفاها وإليها مرجعها.
فإذا قال الناظم متغنيًا بطلاقة الطبيعة وتسامحها:
ليس في الغابات دينلا ولا الكفر القبيحفإذا البلبل غنىلم يقل هذا الصحيح قلنا على الرغم منا: حقًّا إن البلبل لا يزعم أن غناءه هو الصحيح وغناء غيره الشاذ السقيم، ولكنه لسوء حظ العشاق: عشاق الطبيعة يدين بالأنانية القاسية التي يدين بها المتعصب لمعتقده الزاري على معتقد غيره، ويعمل في إطاعة هذه الأنانية كل ما يستطيع عمله من عبث وضر. ويؤيد قول المعري:
ظلم الحمامة في الدنيا وإن حسبتفي الصالحات كظلم الصقر والبازي وإذا قال الناظم في الإشادة بمساواة الطبيعة وعفتها:
ليس في الغابات حرلا ولا العبد الذميمإنما الأمجاد سخفوفقاقيع تعومفإذا ما اللوز ألقىزهره فوق الهشيملم يقل هذا حقيروأنا المولى الكريم قلنا: إنه لا يقول ولكنه يفعل، إنه يقتل كل شجرة ضعيفة تجسر على النمو إلى جانبه وتشرئب إلى مكان لها من الفضاء والنور، وكذلك نجد قيود الطبيعة وقوانينها، ويجدها كل حي في هذا العالم المسخر، فهي قيود أثقل وأظلم على من يشعر بها من قيود المدنية، وقوانين أشنع وألأم عند من يشكوها من قوانين الإنسانية. وربما لطَّفت المدنية قيودها وزوقتها وصقلت جوانبها ولكن الطبيعة لا يعنيها القيد ولا حامله ولا تلقي إليك قيدها إلا حديدًا أسود كالحاثم تضاعفه لك، وقد لا تقبلك في حظيرتها إذا أنت حطمته أو زحزحته عنك.
فليس من الشعور الصحيح ولا من الإحساس العميق أن يعبر الإنسان عن ألمه من قيود المدنية هذا التعبير، أو يظن أن بساطة الحياة تنجو بالحي من أحكام الوجود، وقد تكون المدنية شوهاء، ولكن ليس معنى ذلك أن الحياة الهمجية مليحة الوجه حسناء، أليست شياطين ساكن الغابات وأرواحه الخبيثة ترجمانًا لوساوسه ومخاوفه؟ أليس هو أسوأ ظنًّا بالطبيعة وقوانينها منا؟ هذا وهو طفلها النازل في كنفها، ونحن عصاتها الخارجون عليها المتحصنون دونها في حصون المدنية؟
وبعدُ فنحن لا نغمط ناظم المواكب حقه إذا قلنا: إن شعره ليس من الشعر الصحيح لهذا السبب، ولكننا لا ننسى أن نذكر أننا قرأنا في مواكبه أبياتًا من أصدق الشعر وأحكمه مثل قوله:
وما السعادة في الدنيا سوى شبحيُرجى فإن صار جسمًا ملَّه البشر وكقوله في العدل:
والعدل في الأرض يبكي الجن «لو» سمعوابه ويستضحك الأموات لو نظروافالسجن والموت للجانين إن صغرواوالمجد والفخر والإثراء إن كبرواوقاتل الجسم مقتول بفعلتهوقاتل الروح لا يدري به البشر وأصاب إذ قال: «العدل في الأرض» ولم يقصره على الناس.
وقوله:
إنما الناس سطوركُتبت لكن بماء وقوله:
والحب في الناس أشكال وأكثرهاكالعشب في الحقل لا زهر ولا ثمر وعندنا أنه لو طرق باب الشعر المنثور، لكان ذلك أفسح مجالًا لآرائه وأقرب إلى سليقته وقدرته اللغوية من معالجة الشعر الموزون. وحبذا لو أقل من المعاني الرمزية؛ فإنها بقية من بقايا إبهام الكهان الأقدمين، لا يقبلها في العصور الحديثة إلا أشباه أتباع الكهان فيما تصرم من العصور.
? نشرت بجريدة الأهالي في مايو سنة ????.
الثقة بالناس?


الثقة بالناس عقيدة كثير من حكماء الناس وبلهائهم. وهي إن أريد بها الثقة بما في الإنسانية من خير مودع وآمال مرجوة، مذهب لا سلطان لنا عليه، ولا خوف علينا منه، ولا مطمع للرأي في تفنيده؛ لأنه هوى متمكن من فطر النفوس، راسخ في جبلاتها.
أما إن أُريد منه الثقة بهؤلاء الناس الذين نُبصر وجوههم، ونسمع أصواتهم، ونغدو ونروح معهم، فلنا فيه قول قد لا يوافقنا عليه إلا الذين عجموا عود الناس كما عجمناه، وبلوا من مواربة الإنسان بينه وبين غيره وبينه وبين نفسه ما بلوناه.
الناس أشرار أو أبرار. فأما الأشرار فحكمهم معروف وأمرهم مفروغ منه.
وأما الأبرار فهم على الفضيلة طرائق، وفي اجتناب الرذيلة مشارب.
فرجل طيبته جهل بالشر، فلو عرفه لاندفع فيه.
ورجل طيبته عجز عن الشر، فلو قدر عليه لما قعد عنه.
ورجل طيبته مغالبة للشر، فهو يصرع الشر والشر يصرعه. ويملك نفسه آنًا ويخذله الطبع أحيانًا. وأنت لا تعرف متى يكون غالبًا فتأمنه وقت غلبته، ومتى يكون مغلوبًا فتحذره وقت هزيمته.
ثق بالجاهل حتى يعرف الشر، وبالعاجز حتى يقوى عليه، وإياك أن تثق بمصارع الشر وإن كان لهو أصوب من رفيقيه فكرًا وأرحب منهما نفسًا، فإنك إن وثقت به كنت كمن يخاطر على المعركة بغير بينة، وكنت كمن يصحب الغارة ليغنم فيصبح وهو في يد الأعداء غنيمة.
وما ظنك بمعركة لا يعرف القلب الذي هو ميدانها كيف تدور الدائرة فيها، ولا يدري شاهدها موقف الخصمين منها، إلا كما يدريه غائبها. وإنما هي حرب البراقع — ولو ظهر كلا العدوين لكان للحدس مجال وللتقدير حساب، ولكنهم لا يظهرون إلا خلف قناع من العثير المثار، ولا يضربون بسلاح تعرفه إلا ريثما يتقلدون سلاحًا غيره قد تجهله.
ذلك أن «العارف» عرضة للشك وهدف للحيرة. ولا ينتاب الشك نفسًا إلا زعزع أركانها، وأحال معالمها، فلا تدري أيها جانب الشر، وأيها جانب الخير.
فإن كان لا بد من الثقة بهذا فثق به حيث يكون نفعك نفعًا له، وضررك راجعًا ولو بعضه إليه.
وإن أردت الأمان، فثق بالناس جميعًا وكن على حذر من الإنسان.
? نشرت في مؤيد ? يونيه سنة ????.
مغني المجالس?


قيل للجمل زمِّر فاعتذر قائلًا: «بماذا؟ لا شفة ملمومة ولا أصابع مفسرة.»
كذلك سمعنا الفلاحين يروون عن الجمل، فإن كان ما يروون عنه صحيحًا فقد والله ظلمه العباس بن مرداس حين قال فيه:
لقد عظم البعير بغير لبفلم يستغن بالعظم البعير فإن الجمل — والحق يُقال — لهو إذن ألبُّ وأكيس من هؤلاء الذين يحترفون الزمر والغناء وينسون أنهم من ذوي المشافر المشقوقة والأصابع المضمومة، بل هو أعقل من كثير من أبناء آدم الذين يزمرون لك ويستبيحون أذنك من غير أن تقترح عليهم الزمر أو تدعوهم إليه، وهو على الأقل أعقل من مغنينا الذي أنا محدثكم عنه فيما يلي: والجمل يحمل أوزارنا، ويلم شملنا، ويصبر على العطش ليروينا، ويجود لنا بالوبر ليكسونا، فليس من الضروري بعد هذا كله أن يكون له أيضًا مشاركة في الفنون الجميلة. وحسبه هذه الفوائد التي لا يستغنى عنها، ولكن أي فائدة لإنسان لا عمل له في الدنيا غير الغناء وهو لا يحسن الغناء؟
دُعينا ليلة إلى مجلس سماع، فوجدنا المغني الذي سنسمعه قد سبقنا إليه وقد تولى عن صاحب الدار الترحيب بالمدعوين ومصاحبة القادمين إلى أماكنهم من المجلس. ولا عجب فهو صاحب الليلة ولا خسارة على صاحب الدار في أن ينزل له عن زائريه ليلة من لياليه. فحيانا عند قدومنا وبش لنا وأجلسنا بالقرب من مكانه احتفاء بنا، ورأيناه يتكلم وهو يبتسم، ويسكت وهو يبتسم، ويقعد ويقوم ويأسف ويعبس وهو يبتسم، وبالغ في اللطف، فكان يبتسم للراح وهي كما يقول الأقيشر: «لوجه أخيها في الإناء قطوب» ولا تشتغل شفتاه عن الابتسام إلا بالترحيب أو السلام.
لا بأس بالابتسام يزيل الكلفة ويبسط النفوس للمعرفة، ونعم التحية هو يسترعي الأبصار ويستميل نوابي الآذان. وكأي من رجل يمهد سبيله في الحياة بابتسامة تلازم شفتيه فيملك بها القلوب، ويفتح أصفاد الصدور. ولا نغمط مغنينا اقتداره في هذه الصناعة الشفوية، فلقد أثرت في أكثرنا ابتساماته أثر السحر أو أعظم، فسقطوا في يديه أسرى دماثته ورهائن بشاشته، قال أحدنا: ما أظرف المغني! إنه والله للظرف المجسد. وقال آخر: ما أحسبنا إلا سنسمع الليلة ما لا أذن سمعت، ونرى من مغنينا هذا ما لا عين رأت، ولا شك عندي في أنه مكين في فنه، بعيد العهد بممارسته، فأقل ما في الأمر أنه أطال مصاحبة أهل الفن حتى اقتبس منهم وتأدب بأدبهم، وهذه إشاراته وآدابه في التحية والملاطفة شاهد بذلك. وأهل الفن بمصر — كما تعلمون — لطاف لطاف لطاف إلى النهاية في اللطافة — لطف الله بهم — فإنهم ليكادون يتلاشون من اللطافة كما تتلاشى ألحانهم في الهواء.
ومضت بعد ذلك برهة في التشوف والانتظار، ثم مضت برهة ثانية في النقر وإصلاح الآلات، ومضت البرهة الثالثة ولا ندري كيف مضت؛ لأننا فوجئنا بزعقة هائلة لم نعلم أمن السماء هبطت، أم من الأرض صعدت، وصوت صارخة هي تعدد أم صوت قتيل يستنجد. أستغفر الله، بل لم نعلم أهي صوت إنسان أم عزيف طائفة من الجان. ولما أفقنا من غشيتنا وجدنا بعضنا ينظر إلى بعض وإذا بالمغني يصيح: يا ليل يا ليل، فما شككنا في أنه ينادي ليلة الحشر أو أبعد ليلة فيما وراء التاريخ، وأيقنا أنه صاحب الزعقة الأولى، يا ضيعة الأمل، أهذا هو المغني الظريف اللطيف ذو الشفة الملمومة والأصابع المفسرة؟ وانطلق الرجل يعوي وينهق ويصهل ويموء ويثغو وينعق ويصيح بصوت كل حيوان مزعج في الأرض، أهي بدعة جديدة في الغناء المصري، وهذا الرجل صاحب مذهب في الموسيقى قد أراد أن يقلد صياح هذه الحيوانات محاكاة لأصوات الطبيعة؟ لا فقد كنا نسمع منه صوت الإنسان مرة على الأقل في هذه المحاكاة.
وبعدُ، ألا يكون الرجل مازحًا؟ إنها إحدى اثنتين؛ فإما أن يكون مازحًا أو مجنونًا، وإلا فإن رجلًا معافى سليم العقل في شناعة صوته، وقبيح تلحينه، ورداءة طريقته لا يعقل أن يخدع نفسه في الغناء، وفي الغناء لا غير. فلقد كان أسهل له أن يدَّعِي الإمارة من أن يدعي الغناء؛ لأن بين الأمراء كثيرًا ممن هم أقل كفاءة منه، ولم أرَ من غير المغنين من هو أشنع منه صوتًا وأقبح تلحينًا وأردأ طريقة.
ترى لو سمع هذا المغني مثل غنائه هذا من أحد الناس، أكان يغطي على سمعه كما غطى عليه الآن، فلا يفهم أن مثل ذلك الصوت مما لا يسر سماعه، ولا يحسن إيقاعه، أم تراه كان يقدح فيه ويعيبه؟ ما نظنه إلا كان قادحًا فيه عائبًا له، وربما كان اشتداده على غيره بقدر اعتداده بنفسه. أما وهو مغنٍ وليس بسامع فقد تغير الحكم وكان الواجب أن لا يتغير، ولكن يظهر أن الإنسان قد أعطي حواسَه ليدرك بها غيره، ولم يعطها ليدرك نفسه. وصدق من قال: إن الإنسان لا يرى وجهه بعينيه.
وطفق الرجل يلحم دورًا بدور، ويضرب لحنًا بعد لحن، وكلما قلنا: قد انتهى، إذا هو يبتدئ أو قلنا: «ينجلي» إذا هو يجلو لك ويظلم. ونحن بحال لا يعلمها إلا مَن ابتُلي بمثل بليتنا في ليلة كان يظن أن ستكون من أسعد لياليه، فإذا هي كأنحس ما مر به من الليالي، فلا نحن نسمع شيئًا يحسن السكوت عليه، ولا يخلى بيننا وبين أنفسنا فنتسلى عن السماع بالسمر. ولما يئسنا من سكوته من لدن نفسه أوعزنا إلى أحد إخواننا أن يمازحه لعله ينصرف عن الغناء إلى المزاح، فما زاد على أن رد مزحته بابتسامة ومضى في صريخه. قلنا: يا سوء ما دبرنا إن كان ينوي أن يقابل كل حيلة لنا بابتسامة منه، فإنه ليس أكثر لديه من الابتسام. فأوعزنا إلى صاحب الدار أن يخفف عنا بعض ما قيضه لنا على غير قصد فيميل عليه بالراح لعلها تلجمه وتفل من غرب صوته، فما زادته — قاتله الله — إلا احتدادًا واشتدادًا كأنه الآلة البخارية يزيدها الماء ضوضاء وصريخًا. فلم يبق لنا من حيلة إلا أن نفاتحه مازحين أو جادين بطلب السكوت، فبعثنا إليه من يُذكِّره سرًّا بضرر موالاة الغناء على الحناجر، ويذكر له أناسًا أصيبوا في أصواتهم لكثرة إجهادها وضنهم عليها بحظها من الراحة، فكان كأنه لا يسمعه، وكأنما حال زعيقه بينه وبين أذنه التي في رأسه، كما حال بين أفواهنا وآذاننا فلم يصغِ إليه ولا أبه له. ولما لم يُجدِ تذكيرنا إياه بواجب الرأفة بنفسه لم نر بُدًّا من أن نُذكِّره بواجب الرأفة بنا، فقال له أحدنا: أيها الشيخ، إن كنت لا تعلم ماذا صنعت بنا فاعلم أنك قد أفسدت علينا الهواء، وضيقت بنا رحب الفضاء، وقال الثاني: نعم وقد أضجرتنا.
وقال الثالث: وقد أبرمتنا.
وقال الرابع: وقد أزهقت أرواحنا.
وهكذا دار الدور بالحاضرين فلم ينتهِ إلا وقد أتينا على جميع ألفاظ الضجر ومعانيه في اللغة العربية.
أما هو فإنه نظر إلينا هازئًا وقال وهو كأهدأ ما يكون: «يا للأسف ما كنت أحسب أن يبلغ بكم الجهل بأحكام الصناعة ما أرى، ولقد نسيتم أيها السادة أنكم لا تنقدونني أجرًا على غنائي، ولتعلموا بعد أنني لست متكفلًا بسروركم، وأنني إنما أغني لأسر نفسي فأنتم وشأنكم» ثم عاد إلى ابتسامه وغنائه.
إي وربك. إنه ليس متكفلًا بسرورنا كما قال، وقد صدق، ولكن أتراه كان متكفلًا بتنغيصنا؟ ونحن لا ننقده أجرًا، وهذا صحيح، فهل يكون في حِلٍّ من مضايقتنا لأنه يضايقنا مجانًا؟ كذلك قضى لنفسه علينا ذلك المشئوم ولم يستمع لنا مراجعة ولا اعتراضًا، فلا أراح الله آذاننا من صوته ملحنًا ومتكلمًا إن لم نرحها نحن بأنفسنا، وإن لم نصنع له بأيدينا ما لم يصنعه به عقل رجيح ولا ذوق سليم.
ولا نعلم بِمَ كنت قاضيًا عليه أيها القارئ لو كنت في موضعنا من الابتلاء به، ولكننا نعلم أن الأربطة والكمائم تكون قد خُلقت في الدنيا عبثًا إن لم يكن لها نفع في كف مثل هذه اليد عن التوقيع، وكم مثل هذا الفم عن الصريخ والتقريع. وكذلك صنعنا به، فقد عمدنا إليه، فكممنا فمه، وربطنا يديه، وأوثقناه بالمقعد الذي كان جالسًا عليه، والله يعلم أننا لم ننل منه بهذه المثلة بعض ما نال منا، فإنه ليس أضنى للنفس ولا أحق بالنقمة ممن يجبرك على سماع ما تكره أن تسمع، ويمنعك الحديث مع من تحب أن تُحادث، وليس أقدر من المغني الممرق على أن يجعل مجمع الأخلاء ومجلس الأصفياء شرًّا من العزلة والانفراد.
ولقد أتممنا سهرتنا فطاب لنا ما بقي منها بفضل المناديل والحبال بعد أن أبت أن تطيب لنا على يديه بفضل المعازف والمزاهر، ثم تركناه على تلك الحالة لا يقدر على أن ينبس بكلمة أو يحرك يده بنغمة، وخرجنا واحدًا بعد واحد وبودنا لو ننظر إلى مواضع ابتساماته تحت تلك الأربطة الكثيفة! ولكنا كنا ننظر إليه فنثق أنه كان يشتمنا بعينيه شتمًا لا يقل عما يعاقب عليه قانون العقوبات.
? نشرت في العدد التاسع والعشرين من صحيفة الرجاء.
كتاب البؤساء? (?)


نظرة في أدب هيجو
«والآن ماذا يكون عطيل؟ إنه الليل، جرم شاسع رهيب، فالليل قد أغرم بالنهار، والظلمة تعشق الفجر، والأفريقي يعبد المرأة البيضاء، وعطيل يكون له من ديدمونة نور وخبال مهيج. ومن ثم فما أسهل دبيب الغيرة إليه؟ إنه لعظيم وإنه لمبجل مهيب، إنه يسمو برأسه على جميع الرءوس، ويمشي في حاشية من الشجاعة والحرب وقرع الطبول وألوية الوغى والصيت الذائع والمجد الفاخر، يتلألأ عليه عشرون انتصارًا، وترصعه الدراري في حلكته، ولكنه بعد أسود الأديم، فما هو إلا أن تنفث الغيرة نفثتها فينقلب البطل وحشًا والأسود عبدًا ويتصل ما بين الليل والموت.
وإلى جانب عطيل وهو الليل، ترى «أياجو» وهو الشر، هل الشر إلا صورة أخرى من صور الظلام؟ على أن الليل ليل الدنيا، وأما الشر فهو ليل الروح. فما أعمق ظلمة الخيانة والنفاق، لسواء كان ما يجري في خلال العروق مدادًا أسود أو غدرًا ذميمًا — فكلا هذين واحد.
يعرف ذلك من قُضي عليه بمدافعة المين والبهتان، فإن الإنسان ليخبط مع اللؤم في ظلمة كظلمة الأعمى، ولو أن الرياء أريق على طلعة الفجر لانطفأ منه نور الشمس، وهذا بعينه هو الذي يعرض لنور الله من أثر الديانات الكاذبة.
إن «أياجو» بجانب عطيل لكالهاوية بجانب الجرف المنهار، يهمس في أذنه أن تقدم، فإذا الفخ ناصح بالعمى، وعاشق الظلام يقتاد الأسود والخداع يهب الليل بديلًا مما يحتاج إليه من ضياء، والرياء يصحب الغيرة صحبة الكلب للمكفوف.
فعطيل العبد وأياجو الخائن يأتمران بالبياض والطهر. وأي شيء لعمري أهول من ذلك؟ إن هذين السبعين الضاريين من سباع الظلمة يعملان على وفاق. إن هذين المظهرين المتقاربين من مظاهر الخسوف ليتمالآن بين زمجرة من أحدهما وتهاتف من الآخر على خنق فاجع للضياء.
وتعال نسبر غور هذا الأمر العميق. إن عطيلًا هو الليل، وإذ كان ليلًا وكان يريد أن يقتل فأي سلاح يا ترى يختاره لفعلته؟ السم؟ الهراوة؟ الفأس؟ المدية؟ كلا. بل الوسادة، فالقتل عنده هو أن يستهوي من يقتله إلى الهجوع. ولعل شكسبير نفسه لم يقصد هذا الذي نشير إليه، ولكن العقل المبدع ينساق على غير إرادة منه في معظم الأحيان إلى ما هو خليق بقالبه، فيكون هذا القالب قوة. وعلى هذا النحو ماتت ديدمونة قرينة الليل مكظومة الأنفاس تحت وسادتها التي تلقت عليها قبلتها الأولى ولفظت عليها النفس الأخير …»
انتهى ما أردنا نقله من كلام فكتور هيجو. نقلناه من كتابه على ويليام شكسبير، واخترنا هذه الكلمة بغير كثير بحث ولا مقارنة؛ لأنها أجمع ما رأينا لشتات ما يُعاب على هذا الأديب في شعره وكتابته، ويكاد يتفق عليه أئمة النقاد من أنصار المدرسة الحديثة. أما هذه العيوب على الجملة؛ فهي إطنابه في غير طائل، وإيثاره القشور المموهة على اللباب المثمر، والتفاته من الأشياء إلى علاقاتها الوهمية دون علاقاتها الصحيحة، وأنه عظيم الشغف بالأخيلة الضخمة يستحضرها، ويحتفل بتزويقها، والتزيد منها تقديمًا لوقع الكلام في السمع على مغزاه في الذهن، ومسراه في النفس، ومصدره من القريحة المنزهة والسليقة الخالصة. وترى هذه العيوب ظاهرة على هذه الكلمة في طريقة تناوله لشخصية عطيل، وفي عكوفه على جانب واحد سطحي من هذه الشخصية، وهو سواد لونه الذي جعله محور وصفه، وطفق يبدأ منه ويفتأ يعود إليه، ويفتن في تكريره ويدخله في ضروب شتى من المجاز والطباق واللعب بالألفاظ. وهكذا كان سواد الرجل هو السر في حبه لديدمونة، وهو السر في الصلة بين عطيل و«أياجو»، وهو السر في اختيار الوسادة لقتل حبيبته، وهو القرينة التي جلبت ذكر الخسوف، وسباع الظلمة، والشر، والمداد الأسود، وكلب المكفوف وكل ما أفاضه الشاعر على وصفه من كنوز خياله الغني بهذه الثروة الزائفة. فأي علاقة لهذه الأشياء كلها غير الوهم والتمحل؟ ولم تخل من المآخذ التي سردناها هنا وتكثر وتختلف حسنًا وقبحًا حسبما يسعفه الحدس ويمده اللفظ. ونظنه لا يقل منها إذا أقل إلا عن عوز إلى المادة وعلى أسف لنزارتها وضيق موردها، وبعد يأس من توفيرها والإغراق فيها، وليس ترفعًا عن هذا السفساف أو كراهة لما فيه من عوار وتشويه.
ولو كان هيجو كتب تلك الكلمة في إبان حداثته لكان له شفيع من نزوات الصبا وما فُطر عليه الشباب من الاغترار ببهرج الأشياء، وقلة التمحيص والكلف بأول زينة تطالعه وتجذب نظره دون التفطن إلى دخيلتها أو البحث عن سر علاقاتها وروابط معانيها، ولكنه كتبه بعد إذ نيف على الستين وبلغ غاية النضج. فالعيب في طبيعة مواهبه لا في غرارة سنه وحداثة تجاربه.
كذلك لا نرى الاعتذار له بتقدم زمنه وغلبة الميل إلى الزخرفة في أهل جيله، وأن الآداب كانت عند ظهوره متخلفة والعلوم قاصرة والنظريات الخلابة فاشية في أبحاث العلماء فشوها في قصائد الشعراء وإنشاء البلغاء. فهذا عذر لا يخلي صاحبه من النقص، ولا يبرئه من وصمة الزغل الذي انغمس فيه عصره، وكأي من أديب مطبوع نبغ في عصر هيجو أو في عصور تماثله ولم تؤخذ عليه هذه العيوب ولا قاربها كأنه صاحب البنية القوية يعيش بين المرضى ولا تنتقل إليه عدواهم؟ ولا حاجة بنا إلى الاستشهاد بأدباء الإنجليز والألمان والطليان الذين عاصروا هيجو وشاركوه في فنون الكتابة وسلموا من عيوبه، فإن في نشأة المتنبي وسلامة شعره من سخف الصنعة وبهرج المحسنات في إبان رواجها وعنفوان نشأتها ما يغني ويدل على أن الفطرة الصادقة تعصم صاحبها من مثل هذا الزلل، أو تصده عن الإيغال فيه على الأقل أيًّا كان الوسط الذي يحيط به.
وأعجب ما في الأمر أن ترد العبارة التي اقتبسناها وعشرات من أمثالها في عرض كتاب عن شكسبير يتضمن نقد أدبه وتقدير فحولته، فهل درس هيجو أدب شكسبير حقًّا؟ ليخيل إلينا أن النفي أولى بأن يكون الجواب على هذا السؤال مع غرابته وصعوبة توجيهه، وإلا فإن الذهن الذي يدرس شكسبير ولا يتثقف به ولا ينتفع منه بما يزيح عن بصره غشاوة الفتنة بالظواهر والتخايل بالصنعة الباطلة والزخرف الملفق، لهو ذهن من أفشل الأذهان وأبعدها عن استقامة الفطرة في الفهم والأداء، وليس ذهن هيجو من الاعوجاج والخباء بهذه المنزلة؛ لأننا نُبصر له وميضًا يخطف الأبصار أحيانًا، ونجد بين سطوره من براعة الفهم وحسن الإيحاء والإلمام ما يونق ويعجب. فكيف نُوفِّق بين هذا الذكاء وبين هذا العجز عن الاستفادة والقصور عن الفطنة إلى مواطن الجمال الحقيقي ومزايا الأدب العالي؟ أم لعله ذكاء المنار الذي شبهه به نيتشه إذ يقول: إنه منار ولكنه مقام على أوقيانوس من الكلام الفارغ؟
على أننا لا نحب غلو نيتشه في النقد ولا نحسبه يعني كل ما يقوله، ولا نذهب مذهب الآخرين الذين يتهمون هيجو بالسرقة واصطياد جميع محاسنه المأثورة من غيره، ونرجح أن الرجل لو أصاب من يُفهمه شكسبير فهمًا جيدًا في شبابه لانتفع به كثيرًا.
•••

وكيفما كان الرأي في مواهب هيجو، فمما لا شك فيه عندنا أنه حرم في كتابته مزيتين من مزايا الأدب الرفيع والعبقرية العالية؛ وهما مزية الفطنة إلى الجمال البسيط الصادق، ومزية التعمق في الفكر. وليست هاتان المزيتان بضدين كما يتوهم بعض المقلدين الآخذين بأطراف الآراء الواقفين عند القريب من حدودها. إذ نحن لا نفهم لماذا لا يكون الفكر العميق جميلًا؟ ولكننا نفهم أن شهود الجمال والشعور بالتعب منه لا يتفقان ولا يجتمعان في لحظة واحدة، وأن الجميل شيء غير المتعب في النظر. فالذين يكد رءوسهم ويشق على بصائرهم أن يدركوا بواطن الأفكار الكبيرة، يحق لهم أن يحسبوا الفكر العميق والجمال متناقضين، وأن لا يروا بينهما نسبة ولا صلة، ولكن الذنب في ذلك ذنبهم واللوم عليهم. وليس هذا القصور منهم بمانع أحدًا ممن لهم قدرة على التبصر واستكناه خبايا الأمور أن يستروح أجمل الجمال من أعمق الأفكار.
•••

ولا بد من كلمة موجزة قبل الختام في التفرقة بين الجمال البسيط الصادق، وزخرف الصناعة الكاذبة، فمما لا يقبل الجدل أن النفوس مجبولة على أن تطلب الجمال، وأنها لا تكتفي بالنافع. ونحن لا نشرب اليوم في قعب من الخشب؛ لأننا لا نقتصر في صنع أدواتنا على تحري المنفعة البحتة منها، ولكننا نشرب في آنية تحمل الماء كما يحمله القعب مع جمال في اللون والصنعة والملمس والمنظر، ولكن هل ترى أننا لو جئنا بالقعب الأول ووشيناه بالحرير الناعم، وحليناه بالذهب البراق، وعلقنا على حواشيه من الجواهر النفيسة ما تغلو قيمته وتسر رؤيته، أتظنه يكون بهذه الحلية المصطنعة أجمل رونقًا مع اعتباره آنية للشرب مع كوب الزجاج المتقن البسيط؟ كلا. وسبب ذلك أنه لم يعد قعبًا ولا كوبًا، ولكنه عاد شيئًا مستعارًا له الجمال من غيره لتكلف الإعجاب والنفاسة، وأما الكوب فهو بخلاف ذلك؛ لأنه جميل وهو كوب لم يُستعر له شيء من خارجه.
وكذلك يجب أن تكون المعاني، جمالها في ذاتها، وفيما تؤدي به وظيفتها، وفيما تلزم به طبيعتها، وليس فيما يضاف إليها من ألفاظ منمقة وأخيلة مستعارة متكلفة.
? نشرت بالعدد الصادر يوم ?? أكتوبر سنة ???? من جريدة الأفكار.
كتاب البؤساء? (?)


ترجمة الجزء الثاني
وبعد ما بيناه من الرأي في أدب فكتور هيجو، هل أحسن حافظ أو أساء بترجمته هذا الكتاب أو هذه الرواية — إن صح أنه رواية — وليس هو كذلك؟ ولنعلم قبل البدء بالجواب أن كتاب البؤساء كسائر كتب هيجو محشو بما يؤخذ عليه من عيوب الصنعة والفكر، وأنه في رأي كثير من النقاد أضعف مصنفات الشاعر من الوجهة الفنية؛ إذ ليس فيه صورة شخصية واحدة كاملة الشكل صادقة التحليل، وقلَّ فيه ما يطابق الحقيقة من أوصاف النفوس وأطوار الفكر والجسد وأكثره مما لا يقره كتاب الطريقة «النفسية» ولا يرضى عنه الثقات من نقاد فن الروايات.
ومن الأمثلة على أخطائه في هذا الجزء الصغير الذي أبرزه حافظ اليوم وصفه لفانتين في مرضها وما يتخلل سياق الفصول أحيانًا من تحليل السرائر وتعليل الخوالج والخواطر، فإنه لم يفلح فيما تعمل له من هذا القبيل إلا نادرًا، وكان فلاحه فيه قريب المدى قليل الجدوى. فهل أصاب حافظ أو أخطأ في انتقائه هذا الكتاب للترجمة؟ قد يُقال: إنه لم يخطئ؛ لأنه أخرج لنا كتابًا من جنس الأدب الذي تعود قراؤنا أن يعجبوا به، ولا سيما في العهد الذي ظهر فيه جزؤه الأول، وأنه إذا كان الشغف بالزخرف وخلابة اللفظ مما يُعاب على فكتور هيجو، فإنه عيب لا ينكر من عيوب الأدب عندنا في الجيل الماضي. ولسائل أن يسأل: هل هذه وظيفة المعربين يا ترى؟ وهل كل ما يُطلب منهم أن ينقلوا إلينا ما هو قريب من عيوبنا موافق لأذواقنا، وإن كانت على خطأ وضلال؟ هذا هو موضع النظر. وقد يقال من ناحية أخرى: إن حافظًا أخطأ خطأ مضاعفًا؛ لأنه في هذا الوقت الذي أخذت فيه العقول تتفتح على الصواب، وتفطن إلى فضائل الآداب الصحيحة وأصول النقد الحديث، جاءنا بكتاب يضلل النشء ويدس في روعهم أن ما يعجب به المعجبون من آداب الغرب لا يختلف في روحه ومنهجه عما يعجبنا نحن من الآداب العتيقة وصنوف البلاغة الغثة الممجوجة، فيختلط عليهم الأمر ولا يتبين لهم فاصل ظاهر المعالم بين الصدق والتمويه والأصالة والتقليد، قد يقال هذا، وقد يقال ذاك، ولا يخلو القولان من قسط من الصواب.
على أننا لا نعني بهذا القول أن العمل ضار لا نفع فيه، ولا أنه قليل النفع أو ضئيله، فإن للكتاب محاسنه كما لا يخفى، وفيه الجيد كما فيه الرديء، وليس من الصعب أن يُتَلافى خطؤه بلفت النظر إليه وتصحيح وهم الواهمين أنه مثال للأدب الأوروبي المختار وقدوة يقتدي بها المحدثون من أنصار الأساليب العصرية. فإذا قرأه القارئون وهم على علم بمآخذه فقد لا يتسرب إليهم كثير من خطئه. ومن يدري فلعل هذا الخطأ لا يضرهم إلا ريث أن يشعروا به فيصلحهم وينفعهم؛ لأنهم على الأكثر بين غافل عنه لا يدقق في فهمه فهو بمعزل عن خيره وشره، وبين متنبه له فهو محترز منه. ومن هنا تهضمه المعدة القارئة وتستخلص منه ما يفيد ممزوجًا بقليل من الضرر الذي لا يشعر به إلا ساعة التهيؤ للخلاص منه.
ولكننا نعود فنقول: إن غير هذا الكتاب قد كان أولى بالعناية والمشقة التي صبر عليها حافظ حتى ترجم ما ترجمه إلى الآن في جزأيه. وهو أقل من ثلثه. وليست اللغة الفرنسية بالفقيرة في مؤلفات أبنائها وغير أبنائها، وليس قليلًا فيها من آثار العبقرية ما يجمع بين الاقتدار والبلاغة واللذة الأدبية.
•••

أما هذا الجزء الثاني من حيث هو ترجمة من عمل حافظ، فلا خلاف في أنه ذخيرة طيبة بين ذخائر اللغة العربية، وصفحة نادرة من صفحات البلاغة فيها. ولا نغالي إذا قلنا: إننا نرى الترجمة العربية أعلى طبقة في البلاغة من طبقة بعض التراجم الإنجليزية في لغتها. وهنا نقف …
نعم نقف هنا لأننا لا نستطيع أن نزيد على ذلك مزية أخرى للترجمة العربية، ولا يسعنا أن نقول: إنها تضاهي الترجمة الإنجليزية التي بين أيدينا في الدقة وضبط العبارة. واللوم في ذلك على حافظ؛ لأنه اختار أن يتصرف بلا ضرورة تلجئه إلى التصرف سوى الاسترسال مع طنين الألفاظ أو تحاشي ما يحسبه نابيًا عن السمع منافرًا للاستطراد. وأول ما لفتنا من ذلك أننا قرأنا في الكتاب عبارة خيِّل إلينا أنها لا تكون في الأصل، وهي: «فلم يكد يلمح تلك التحايا لأنه وقع في ذهول قد افترس طائر حلمه»، ولو أننا وجدناها في الأصل لما استغربنا كثيرًا لأنها شبيهة بنمط هيجو في الكتابة. وخطر لنا أن نراجعها فلما رجعنا إلى الكتاب إذا هي زائدة لا أثر لها، فكأن حافظًا لم يكفه ما في عبارة هيجو من هذا المجازات والاستعارات على وفرتها حتى أراد أن يتمها، وليته وفِّق إلى صواب في زيادته، فإن الحلم يُوصف بالرجاحة والوقار ولا يُشبَّه بالطائر المستوفز الخفيف.
وقد راجعنا جملًا متفرقة هنا وهناك، فألفينا بعض الحذف والتحريف في أكثر الفقرات التي بحثنا عنها اتفاقًا للمقابلة. ومنها هذه الجملة في الصفحة الرابعة وهي: «ولبث ما شاء الله يرى السعادة في يقظة الضمير، فكان كلما بضع الندم على ماضيه من فؤاده بضعة شعر في نفسه بوفر تلك السعادة، ولقد تكفلت حسنات الشطر الثاني من حياته بغسل حوبات الشطر الأول»، وترجمتها نقلًا عن النسختين الفرنسية والإنجليزية: «وكان سعيدًا بما كان يخامر ضميره من حزن يعتريه من أثر ماضيه، وبأن يرى شطر حياته الثاني على نقيض من شطرها الأول، فعاش في دعة، وقد عاودته الثقة واطمأن»، ومن قوله في الصفحة الخامسة: «على أنه لم يشهد مشهدًا لهذا العراك كان أشد هولًا وأعظم مراسًا من ذلك الذي مر به حين دخل عليه جافير ولفظَ أمامه ذلك الاسم الذي درج في أثناء النسيان، فاضطربت له نفسه من داخل الجسد، واستخذى عند سماعه، وعجب لذلك الجد الذي لا يفارقه العثار»، وأصلها: «ومما ينبغي أن يُقال: إنه لم يعرض له عارض كهذا الذي مر به في حاضره. وما اشتد العراك بين الفكرتين المسيطرتين على ذلك الرجل المنكود الذي نصف عذابه كما اشتد بينهما في ذلك الحين، وقد خطر له ذلك على شيء من الإبهام ولكنه على غموضه بعيد القرار، خطر له مذ لقيه جافير بكلماته الأولى عندما دخل عليه مكتبه، فبهت حين فاه أمامه بذلك الاسم الذي تعمق في قبره، وكأنما أسكرته غرابة جده المنحوس»، ومنها وصفه للعجلة في (صفحة ??) فإنه حذف في ثلاثة أسطر أكثر من سطر مع لزوم ما حذفه من الوجهة التاريخية، ومنها قوله عن فانتين في (صفحة ??): «ولقد كان لتشويه خلقها أثر في تشويه خلقها»، والذي يقوله هيجو: «إن ألم الجسد قد أتم ما بدأه ألم النفس»، وقوله في (صفحة ??): «وكان رئيس الجلسة في أراس ممن يعظمون مادلين ويبجلونه»، والذي في الأصل: «أنه كان يسمع باسمه المبجل في كل مكان»، وقوله عن حاجب الجلسة في الصفحة نفسها: «فسلَّم وانحنى حتى كاد يمس الأرض بجبهته، وحتى تبين مادلين إعظامه في حماليق عينيه»، والذي في الأصل نقيض ذلك؛ وهو «أن مادلين سمع في ذهوله قائلًا يقول له إلخ ولم يتبينه ولا رأى شيئًا في حماليق عينيه». وقد كان الواجب على المُعرِّب أن يُنبِّه إلى هذا التصرف وليس عليه كبير حرج؛ لأنه لم يمس جوهر المعنى في عمومه إلا في مواضع محصورة مما قابلناه، ولكنه سكت عن التنبيه وزاد على ذلك أن قال في هامش الصفحة الثامنة والثلاثين: إنه في «هذه الصفحة وحدها قد أضاف كلمات من عنده دعاه إليها حسن المقابلة في المعاني واطراد القول» وهذا خلاف الحقيقة كما ترى.
•••

ولا نأخذ على حافظ بعد ما سبق إلا مأخذين قد يَسُرُّه أن يُعابا عليه؛ وهما الحرص على إرضاء الجامدين من بقايا المدرسة العتيقة، والمبالغة في الخوف من الابتذال حتى كاد هذا الخوف يكون جبنًا أدبيًّا في بطلنا الجندي القديم.
أما إرضاء الجامدين فإنه لم يظفر به ولن يظفر به بعدما أعنته طلابه وأجهده تحريه ولا نخالهم يقيلون له عثاره، فقد سقط في بعض الأغلاط التي كان لا يتعذر عليه اجتنابها، وسيحاسبونه عليها، فلا يحسبون له ما تجاوزه من المفردات والعبارات التي يتحرجون منها بلا حرج فيها غير الحرج الذي في عقولهم والضيق الذي في حظائر نفوسهم.
وإنا لنعجب غاية العجب من رجل يمارس ترجمة صفحة واحدة من لغة أجنبية، ثم يأبه بعدها لتجني هؤلاء القاعدين المتشدقين الذين لا يحسنون أن يكتبوا ولا يدعون غيرهم يكتب. وهل في لغة العرب كلها منذ ألَّف فيها المؤلفون إلى اليوم كتاب واحد أو بعض كتاب وافق شرطهم في الكتابة أو خلا من مآخذهم فيها؟ أليس في القرآن الحكيم كلمات من جميع اللغات التي عرفها العرب وحروف على غير القياس الذي اخترعه النحاة بعد ذلك؟ بلى! ولكن هؤلاء القاعدين المتشدقين لا يروقهم أن يكون في الكلام حرف أعجمي أو وضع على خلاف السماع. فمن لحافظ إذن أو لغير حافظ بإرضائهم؟ وماذا يعنيه من رضاهم وغضبهم وإنهم لأحرى بالخجل ممن يعيبون عليهم؟ وهل مُمَاشاة سُنَّة الأحياء في اللغات، ونبذ الجمود الذي لا تقر عليه حياة، عيبٌ يُعاب؟!
وأما الابتذال فقد أخطأ حافظ فهمه، وينبغي أن نحاول تعريفه قبل أن نُبيِّن وجه الخطأ في فهم معناه. فالابتذال عندنا هو أن تتكرر العبارة حتى تألفها الأسماع فيفتر أثرها في النفس، ولا تفضي إلى الذهن بالقوة التي كانت للمعنى في جدته، ومن ثم فالابتذال مقصور على التراكيب ولا يصيب المفردات. وما دام للكلمة معناها الذي يُفهم منها، وهي سرية مصونة؛ فلن يتطرق إليها الابتذال ولو طال تكرارها، وإلا فنيت اللغة وانقرضت جميع مفرداتها بعد جيل واحد.
وعلى هذا ليس مما يُشكر عليه حافظ، ولا مما يُعد توقيًا منه للابتذال أن يستبدل «عابا» بعيب في قوله: «وقد كان أيسر عاب بها أنها حدباء» أو معناة بمعنى في قوله: «وهذان أيضًا لا معناة للإبقاء عليهما»، أو خرصت بظننت في قوله: «ثم رفعت لي قرية فيممتها فخرصت عليها أنها قرية رومانفيل»، أو بسل بحرام في قوله: «بسل على أن تموت فانتين» إلى أمثال ذلك مما هو بالحذلقة أشبه. وما عناؤك أن تسلم من ابتذال اللفظ فتقع في فكرة مبتذلة؟
ولنا أن نلوم حافظًا على شيء آخر؛ ذلك أنه حذف عناوين الفصول وأدمجها كلها في فصل واحد فوزع من الكتاب ما قسمه صاحبه، وقد أفسد عليه هذا الولع بالوصل الذي ظنه من لوازم الأسلوب العربي جملًا كثيرة سمعناها منه ثم عدنا فقرأناها على وضع آخر. ومنها هذه الجملة في وصف أهل الجلسة حين قام بينهم مادلين يعترف على نفسه بالجريمة: «فذهب بأهل القاعة وحالوا إلى عيون تنظر، وأفئدة تخفق، فلم تعد ترى فيها قضاة ولا مدعين، ولا تلمح أشراطًا ولا مدافعين — أُنسِيَ كلٌّ غرضه — نسي الرئيس أنه جاء للرئاسة، والمدعي أنه قام للاتهام، والمحامي أنه مثل للدفع، والحرس أنهم أقيموا للحراسة»، فقد سمعناها منه هكذا ثم لج به وسواسه فأضاف «الواو وقد» قبل نسي فذهب بما لمفاجأة الاقتضاب من معنى بليغ في هذا المقام. وغريب هذا منه مع أنه أحسن الفصل في غير جملة من الكتاب.
ولكن لا ننسى أن حافظًا جهد لاجتناب النقص والخلل، وأنه أراد خيرًا وصنع خيرًا؛ فاستحق عذرًا جميلًا وشكرًا جزيلًا.
وإنا لعاذروه وشاكروه، وحامدون له ما أفاد به من فضل وعناية.
? نشرت في العدد الصادر يوم ?? أكتوبر سنة ???? من جريدة الأفكار.
على أطلال المذهب المادي?


كلما انحط الإنسان في القوة العقلية قلت مساتير الوجود في نظره، فكل شيء عنده يحمل معه تفسيرًا لكيفية وجوده وسبب حدوثه.
شوبنهور للأستاذ البحاثة فريد وجدي فضيلة خاصة قلَّ أن رأيناها لأحد غيره من كُتَّاب مصر وعلمائها في هذا العصر، وهي فضيلة المثابرة على العمل وخلوص النية للعلم والبحث، فهو لا يفرغ من تأليف مؤلفاته العديدة إلا ليشرع في تأليف جديد. وكفى من آثار هذه الخصلة النادرة أنه استطاع أن يتم دائرة معارفه في وقت لم يكن أصعب فيه من تأليف الكتب، والمطول منها على الخصوص؛ لأنه وقت الحرب. وناهيك بمشاق الطبع في ذلك الوقت واستجلاب كتب المراجعة، وما هو أعظم من ذلك في عقبات الحياة الأدبية عندنا وهو ضيق الصدور وقلة صبر الناس على المطالعات الجدية المطولة، وانكباب أكثرهم على القصص التافهة والموضوعات الفارغة التي لا محصل لها من علم أو خلق أو ذوق، ويقيننا أن الأستاذ وجدي على تقدير الكثيرين بيننا لفضله وثنائهم على جده وإخلاصه وإعجابهم بنزاهته لا يزال مغموط الحق، لا يستوفي حظه الواجب من الإنصاف، وسيعرف له المستقبل عمله أكثر من معرفة الحاضر به.
والكتاب الذي بين أيدينا اليوم من مصنفاته الكثيرة الميمونة هو كتابه «على أطلال المذهب المادي»، وهو سِفر قيم في ثلاثة أجزاء تبلغ زهاء خمسين وثلثمائة صفحة من القطع الكبير. واسم الكتاب ينم على موضوعه، فهو مخصص لنقض المذهب المادي، وإيراد أقوال طائفة من كبار الفلاسفة والعلماء على بطلانه، والدلالة على قصر نظر المتشبثين بالمادية البحتة يظنونها آخر ما يُعرف من حقائق هذا العالم، ويُخيَّل إليهم أن «لا» التي يقولونها ليس بعدها «نعم» ولن يأتي بعدها جواب آخر. ويكاد يكون محور الكتاب معنى الجملة التي اقتبسناها من شوبنهور وصدرنا بها هذا المقال.
وأقل ما لهذا السِّفر من الأثر هو أنه يُعلِّم مَن له استعداد للتعلم كيف يشك في شكوكه، وكيف يستضخم هذا الكون الأزلي الأبدي عن أن يكون له حل واحد بسيط يقنع بقبوله أو رفضه، ثم يستريح منه بنعم أو بلا كما يستريح من حل مسألة حسابية عرف جوابها وروجع ميزانها. وجزى الله الأستاذ خير الجزاء على هذه الأريحية العلمية، فإنه أراح طائفة أغرار الملحدين من عبء النظر في عشرات الكتب النفيسة التي لا تصل إليها أيديهم، ولا يظنونها تنفعهم شيئًا، أو تحول نظرهم إلى اتجاه جديد بعد الحكم المبرم الذي أمضوه على هذا الوجود وفرغوا من شأنه. ولو سُئلت رأيي لأبيت إلا أن أكلفهم ثمن الإفاقة من هذا الغرور بكد عقولهم وتلظي نفوسهم؛ لأن الخروج من الجهل الذي أسبغوه على أنفسهم ليس بالمطلب السهل الرخيص المنال. ألا تراهم يمنون على الناس بإيمانهم وتصحيح عقولهم ويجلسون مجالس القضاء فيقولون: «إن العقائد التي رويتموها لنا مشوبة بالأوهام والترهات والخطأ الظاهر للحس، فلا حرج علينا من رفضها حتى يجيئنا من العقائد ما يقوم البرهان على صحته؟» وإنه لقول ينبئ عن قصور في فهم الواجب على الباحث خاصة وعلى الناس عامة؛ إذ أي سلطان في الدنيا يلزم طائفة من الناس واجب التنقيب عن الأدلة المثبتة للعقائد الصحيحة ويطرح عبء هذا الواجب عن الطائفة الأخرى؟ ولماذا تنتظر هذه الفئة من أغرار الملحدين في مكانها كأنها الشاري في الحانوت يجلس على كرسيه ويقوم البائع بعرض السلع عليه واحدة بعد واحدة، فيقبل ويرفض وهو متكئ في موضعه؟ لِمَ يكون هذا البحث واجب ذلك البائع ولا يكون واجبها؟ لِمَ تنتظر أن يجيئها اليقين من غيرها ولا تعمل لاستخراجه من ذات نفسها؟ وهب كل دليل أتى به الناس من قبل على صحة الإيمان قد بطل وانتفى، فهل هذا مسقط عن أحد منهم فريضة التماس الهداية؟ أترى هذا الكون شركة مساهمة لسمسار أو سماسرة قد استأثروا بمصادره وموارده ليروجوا له ويقنعوا الناس بفلاحه وربح أسهمه، فيشتري منهم من يشاء، ويعرض عنهم من يشاء؟ كلا! فإنما الكون شركة الجميع، ولكل من الناس حصته فيه وعلى كل منهم واجب البائع، والشاري، والمروج، والرابح، والخاسر، والوسيط في آن واحد. فلنطلب الحقيقة كلنا ولا يحتج أحد منا إلى زخرفتها وتمويهها فما هي ببضاعة لأحد، ألا ولتكن قليلة أو كثيرة، ومشوبة أو خالصة، ومرة أو عذبة، وكريهة أو شهية، فمن استقلها فليكثرها، ومن رأى فيها الزغل فلينقها، ومن عافها أو كرهها فليصلح منها ما عاف أو كره، وليس لامرئ أن يقول: أروني أصل كونكم هذا لأقول لكم هل أصبتم أو أخطأتم، وهل أفلحتم أو حبط سعيكم. بل تعالَ أنت فاخدم نفسك معنا، فليس أحد منها بخادم لك ولا أنت بضيفنا في الكون، فنمهد لك منه ما لا تريد أن تمهد بيدك.
ولكن الأستاذ وجدي مشفق على هؤلاء الأغرار، يستصعب عليهم هذا الطعام القوي، فيسوي لهم اللقمة ويجهزها للتناول، فلعلهم يزدردونها سائغة، ولعلها تنفعهم على سهولة متناولها. ولو أدى هذا الكتاب الغرض المؤلف لأجله، لكانت فائدته الوطنية الأخلاقية أكبر من فائدته الدينية، لأني أعتد إلحاد الطائشين آفة في الأخلاق وطبيعة النفس ولعنة فادحة تعتور أعمال الإنسان قبل أن يكون لها أثر في معتقده وفكره. إذ ما هو الكفر في معناه الحقيقي؟ إنه الارتياب في نظام الوجود، في حكمة الحياة، في نفس الإنسان، في غاية أعماله وأهوائه، في حبه وبغصه، وأمله ويأسه، وسعادته وشقائه، وشرفه وضعته، وفي كل ما هو فيه وما هو خارج عنه أنه وقفة الإنسان بين عوالم لا يأمنها على نفسه ولا يطمئن منها إلى ملاذ قرير. فهو فيما بينها طريد شريد غاضب مغصوب عليه. ولكم خطر لي — لهول معنى الكفر في نفسي — أن الإنسان لن يكون في طاقته أن يجحد الله صدقًا ولو قال ذلك بلسانه واعتقده في روعه، كما ليس في طاقته أن يجحد نفسه ولو أنكرها بقوله واعتقد أنه كاره لها متبرم بوجودها. ولم يخطئ الأقدمون في هربهم المرعب من الكفر، بل ربما كنا نحن أحق منهم بالرعب؛ لأنهم كانوا يكفرون بإله ليؤمنوا بإله آخر، وينبذون نحلة ليأخذوا بنحلة غيرها، كانوا يكفرون بألسنتهم وقلوبهم مطوية على اليقين، أما نحن فمن يكفر منا فقد أراد أن يجتث نفسه اجتثاثًا من شجرة الوجود، وباء بلعنة دونها تلك اللعنة المعهودة في نذر الأقدمين. فإن كان الكافر منهم على نظرة من خسارة الحياة المقبلة، فالكافر منا معجل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة.
ولقد قلنا: إن فائدة كتاب وجدي الوطنية الأخلاقية أكبر من فائدته الدينية؛ لأننا نعلم أننا لم نصب في نهضتنا الوطنية من ناحية أضر من ضعف اليقين وقلة الثقة بمبادئ الأخلاق السامية، وهي عيوب في النفس — قلنا — قبل أن تكون عيوبًا في طرق التفكير. ولولا هؤلاء الهلافيت الذين ملأهم جهلهم حتى لم يبق فيهم فراغًا لجهل أو لعلم، والذين لا غفلة عندهم إلا غفلة الاعتقاد بأن هذا الكون فيه ربح للنفس غير الغذاء والكساء وغلائظ الشهوات، لما كانت حالتنا الآن ما ترى.
فعلى هذه الفوائد المضاعفة نشكر الأستاذ الجليل، راجين له التوفيق في جهاده الصادق، ولنا بعدُ كلمة نظنه على رأينا فيها وهي أن أخطر الشكوك ما داخل الفكر من ناحية العقائد الباطنة، لا من ناحية المشاهدات الحسية، وأن أنجع البراهين ما يحسم شكوك النفس، لا ما يقنع ظاهر الحس. فالعناية بهذه البراهين العقلية النفسية مقدمة على العناية بما كان من قبيل تحضير الأرواح وما يُروى عن أعمال المحضرين، ولو كان كل ما يُروى عنهم صحيحًا.
•••

نقول ذلك لأننا نشك في أكثر الروايات من هذا القبيل، غير أننا لا نشك فيها تغليبًا للمادة وإنكارًا للمغيب المجهول كبعض الذين ينكرون الأرواح وتحضيرها، وإنما يعترينا الشك من ناحية واحدة؛ وهي تنزيه العالم المغيب والتماس الوحدة والارتباط بين ما نستشفه من قوانينه وأغراضه، وبين ما نراه من ظواهره التي يقع الحس عليها، وقد يبدو لنا أن انتهاء البحث القديم المعضل في أمر الروح بإظهار الروح نفسها للباحثين فيها لهو كالاختبار بامتحان يعطى فيه نص الجواب مع السؤال، أو كالفراغ من دست الشطرنج برفع الشاه ووضعه في العلبة بدلًا من متابعة اللعب إلى النهاية. ولنفرض مثلًا أن رجلًا أمر أبناءه بالسفر في رحلة مجهولة، وجعل على كل منهم مبلغًا من المال يكسبه لتصلب على العمل أجسامهم وتحصف بمزاولته عقولهم، وليختبر بتحصيلهم ذلك المبلغ ما استفادوه من علم بمسالك الأقطار، ومصاعب السفر، وتقليب الأسعار والسلع. وأنهم لما تفرقوا عنه وبلغوا من الرحلة عقبتها، ومن التجربة معضلتها، أنفذ إلى كل منهم أن اذهب إلى مكان كيت وكيت تجد المبلغ الذي فرضته عليك فخذه واحمله إليَّ لتسرني بنجاحك فيما أخرجتك من أجله. ولا يكون ذلك غريبًا؟ ألا نراه مبطلًا لغرض الرجل من تدبيره، معطلًا لسعي أبنائه، ملغيًا لرحلتهم من مبدئها إلى معادها؟
وهذا العالم الإنساني قد درج في كل عهد من عهوده، وفي كل عمر من أعمار وجدانه وجماعاته على أن يمارس الحقائق ممارسة ولا يلقنها تلقينًا.
وما كشف سرًّا للطبيعة، ولا اتقى لها ضررًا، ولا استخدم قوة فيها، ولا فض الأغلاق عن أصغر قانون من قوانينها إلا بعد أهوال شداد، وأغلاط تبدأ وتُعاد، وغصص تجرعها قطرة قطرة ثم توارثها فترة بعد فترة، وليس بين تواريخ الإنسانية ذات الشِّعِب والمناحي المختلفة ما هو أحفل بالضحايا والآلام من تاريخ العقيدة، ونعني به تاريخ الروح الباطنة، أو تاريخ البحث عن الروح في الإنسان وفي الوجود. ويا له من سجل دموي رهيب.
فلقد خاض الإنسان نار الجحيم في معراجه إلى تلك السماء، فلوثته دماء القرابين الآدمية، وشقي دهورًا بالمذابح والحروب الدينية، واقترف أشنع الآثام وأبشع الفظائع وهو يزعمها هداية وصلاحًا، ويتقرب بها خاشعًا متبركًا، ويرجو المثوبة عليها وهو في ظاهر الأمر بالعقوبة أولى. ففي أي شيء حمل تلك الجهالة، وفي أي سبيل ذهبت تلك الضحايا؟ لقد كان يخوض جهنمَ بعد جهنم من تلك التجارب لينتقل من عبادة خشبة إلى عبادة خشبة غيرها قد تكون مثلها من جميع الوجوه، وقد تفضلها من وجهة نظرة خفية بعيدة لا تستحق في الظاهر كل هذا الشقاء والمطال. وكانت له صرعات تتكرر ومحن تتوالى في شوط الوثنية وحده، فما تنقل من أسفل دركاتها إلى أعلاها حتى صلي منها ألوانًا من العذاب لا يحصرها الوصف، ثم وراء ذلك جهاده في التوحيد والتنزيه، ووراء جملة تاريخ العقيدة الخاص بها تواريخ ضحايا أخرى؛ هي ضحايا العلوم والفنون والصناعات وهي التي ساعدت على تصحيح النظر إلى الكون، وتثقيف العقول، وتهذيب المشاعر، وتقويم الأديان، ومن ثم امتزجت بتاريخ العقيدة الذي لا تاريخ للإنسان في الحقيقة سواه، فلو أنه كان ينفع الإنسان أن يلقن سر الحياة بلمحة واحدة من العين أو بلفتة واحدة من الأذن، وأن ينتقل من الجهل إلى المعرفة، ومن الضلالة إلى الهدى بدفعة واحدة من قوة خارجة تدفعه، كما تدفع الآلات وليس بجهاد نفسه وعناء فكره، لكان عبثًا طول ذلك الانتظار، ولكان قسوة بالغة كل تلك الآلام والأخطار، ولكان باطلًا ما اقترن بها ونشأ عنها وأنشأها من تجاذب في الأفكار، وتفاوت في الأقدار، وتباعد في الأقوام والأمصار.
نعم فجميع أولئك كانوا خلقاء أن يطلعوا على السر الأعظم بلمحة واحدة في لحظة واحدة، ولكن الله لم يشأ ذلك، وإنما شاء أن لا يرتقي الإنسان إلى درجة من المعرفة أو الدين حتى يستحقها بعمله واستعداده واعتماده على نفسه، وما به جلت قدرته وتعالت حكمته من عجلة. فالأبد مديد، وساحة التجربة واسعة، والتكمل الحر المهتدي في ظاهره بالاختيار دون الاضطرار جدير بضحاياه وبأكثر منها. ولا ضحايا في الحقيقة لأن التضحية هي الفقد ولا يُفقد شيء في هذا الكون المحكم الرحيب.
على أن الناس إما مقلد يؤمن بالقدوة، أو مجتهد يؤمن بالبحث. فأي هذين يصلحه ظهور الأرواح له عيانًا؟ فأما المقلد فإنه في غنى عن ظهور الأرواح؛ لأن كلمة أئمته عنده كالبينة الملموسة أو أشد وقعًا، وأما المجتهد فقد شككته أسباب لا يكون لإيمانه قيمة أو يقتنع ببطلانها ويتدارك علة الزيغ فيها، والذي نعرفه أن الذين تظهر على أيديهم الأرواح ليس لسوادهم فضل يؤثر لا في الإيمان التقليدي، ولا في الإيمان الاجتهادي، ولا في الإيمان اللدني، فما معنى اختصاصهم بهذه المقدرة؟
تخطر لي هذه الخواطر فأشك في تحضير الأرواح، ولكني لا أقطع الشك باليقين؛ لأننا قد نخطئ في استقصاء القياس من الماضي، وقد نكون على أبواب طور للإنسانية لا يُقاس على ما سلف، وكل ما هو مجهول فحجته فيه.
? نشرت في عدد يوم ?? أغسطس سنة ???? من جريدة الأفكار.
الوضوح والغموض في الأساليب الشعرية?


قرأت للأديب الحاذق «صدقي» مقاله في الهواء الطلق، واستوقفني منه إشارته إلى الفرق بين عبارات الأفهام وعبارات المشاعر، وأراه على صواب بيِّن في هذه التفرقة، فإنه مما لا يقبل الجدل أن للعلميات وما نحا نحوها أساليب تختلف عن أساليب الشعريات وما يخرج من ينبوعها ويتولد من معدنها، ولكل منهما نمط من القول لا يساغ ولا يصلح في سواه. وهذا الذي أردت إجمال الكلام عليه في هذه الكلمة.
يقول الأديب: «ولربما يدين الريحاني بأن العبارة الواضحة المعتادة تخاطب الأفهام وأن المشاعر تُخاطب بلغة أخرى، وبهذه اللغة الأخرى نحن ندين ولكن غير مطموسة الرموز، بل تتراءى معانيها خلف نقاب من الشف لا هو يسترها إلى حد أن يخطئها العيان، ولا هو يبديها إلى حد لا يعود معه لخيال القارئ عمل.»
وهذا صواب لا شية عليه، ولا سيما الإلماع إلى سبب استهجان الوضوح المفرط في عبارات الشاعر وهو أن يشل حركة الخيال ويبطل عمله — بيد أنه يجب أن يقال هنا: إن رفع ذلك «النقاب الشفاف» واجب، بل فرض مقضي على الشاعر كلما تسنى رفعه دون إخلال بالمعنى أو تعطيل لمتعة الخيال؛ إذ ليس الفرق بين أسلوب العلم وأسلوب الشعر في درجات الوضوح والغموض، وليس ذلك النقاب الشفاف بالحائل بين ما هو من سبيل العقل، وما هو من سبيل الخوالج النفسية. وإنما الفرق الذي بينهما أو الحائل الذي يفصلهما كائن في طبيعة الأشياء التي يتناولها كل من العقل والخيال وفي طريقة التناول وكيفيته. فلو أننا جئنا بدرس من كتاب الكيمياء فلففناه بالغلائل والحجب وأطلقنا حوله من البخور والدخان كل ما في جعبة الطلاسم والسحر لما صار شعرًا، ولو أننا جئنا بفن من فنون الشعر فغمرناه في بحر من النور لا تخفى فيه خافية، وبسطناه حتى لا موضع فيه لالتفاتة لما صار علمًا، وإنما يبقى الأول علمًا غامضًا ناقصًا، ويبقى الثاني شعرًا مبتذلًا ناقصًا كذلك.
ولا أذكر أنني قرأت بيتًا أو جملة قط لفحل من فحول الشعر والبلاغة فأحسست للقائل اختيارًا في وضوح عبارته أو غموضها، فإن المعنى إما أن يكون واضحًا بطبيعته فلا يكون تعمد إخفائه للمبالغة والترويج إلا شعوذة ينبو عنها، بل يستحي منها كل طبع نزيه، وإما أن يكون غامضًا بطبيعته فليس للشاعر أو الكاتب حيلة فيه، ولا يُقال حينئذ للذي يحتوي كلامه الغموض: إنه ذاهب فيه مذهبًا خاصًّا يقصده ويُؤْثِره على سواه. وهذه آثار أئمة الشعر وفحول البلاغة في الشرق والغرب بين أيدينا فليبحث فيها من شاء، فهل تظنونه يجد في أطوائها معنى واحدًا مما يعد من آياتهم وغرر أقوالهم وشواهد بلاغتهم حجبوه قصدًا أو على غير قصد؟ إن وجد فإنما يكون ذلك بين سقطهم الذي يعتذر له ويتمحل فيه التأويل، لا في المميز المنتقى الذي يُشاد به فضلهم وتذيع لأجله شهرتهم.
ولقد تقترن العبارة البليغة بمعاني جمة لا تزال تسترسل في الذهن حتى يحتويها الغموض في ظلال الفكر البعيدة، وشعاب الخيال المستسرة، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون لهذا الكلام البليغ نصيب من الغموض الذي لا بد تنتهي إليه معانيه ذهابًا مع الخيال ومطاوعة لتداعي الخواطر وتلاحق الصور. انظر مثلًا إلى هذه الآية الكريمة: وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ فلعمر الله أي ثروة معنوية فيها وأي وضوح وإيجاز؟
ثلاث كلمات موجزات هيهات تأنس لكل ما قيل وصفًا لأول طلوع الفجر ما تأنسه فيها من إعجاز التعبير ووفرة المدلول وتنوع الصور واتساع مجال السبح للخيال. وما خطرت لي هذه الآية مرة إلا تفتحت أمامي فجأة صورة كاملة للفجر البهيج، بعضها تهم به العين في ضحوة النهار، وبعضها يلوذ بعالم الأحلام من غرابة ونفار، فيهب على نفسي نسيم الصباح الندي، وأتمثل الطبيعة يتنهد به صدرها كأول ما تدب الحياة في الجسم بعد طول السبات، وأستروح أنفاس الرياض شائعة في كل مهب ومطار، سيارة بنفحات الرياحين والأزهار، وتتبادر من هنا وهناك طيور طار عنها النعاس وخلائق فارقها كسل الظلام وشملها من «نفس» الصبح ما يشملها من نوره فإذا هي حية صادحة، مستوفزة صائحة، وإذا الفجر كله كأنه نفس عميم من أنفاس القدرة الخالقة المبدعة: قدرة الحياة الأبدية المتجددة.
وهذه الصور الكاملة تلهمك إياها كلمة «تنفس» بسرعة البرق وخفة السحر ولذة الحلم. فهل حفلت قط كلمة بمثل ما حفلت به هذه الكلمة الواحدة في موضعها من الأشكال المأنوسة والخواطر القريبة والبعيدة؟ وهل في هذه الكلمة أو في الكلمات الثلاث أثر لأقل تعمل أو غموض؟ فمن هنا نعلم أن القدرة في التعبير لا يعوقها الوضوح أن تبتعث الخيال إلى آخر مداه ونهاية سبحه، وأن الذي يهرب إلى الإبهام فرارًا من الجلاء إنما يهرب من عجز ظاهر إلى عجز مستور.
وانظر كذلك إلى هذه الآية القرآنية في الإنذار بيوم القيامة: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى? وَمَا هُم بِسُكَارَى? وَلَ?كِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ فأي هول لا يسبق إلى الروع من هذه الآية المعجزة؟ وأي دهشة تفوق دهشة العقل من تلك الصورة الموجزة؟ أي بلاء ذاك البلاء الذي يذهل الوالدة عن رضيعها ويتغشى الناس بحيرة السكر وهم مفيقون؟ ليخيل للإنسان أن جهنم نفسها قد جنت من ضراوة وجوع فزحفت بأهوالها تلتهم الخلق التهامًا، وما لهم من مهرب وما هم بمهتدين إليه لو أصابوه، وأن الخيال ليهجم عليه الهول من هذه الصورة الداهمة حتى ليكاد يحجم عن استفسارها كما تحجم الفريسة عن التأمل في وجه آكلها، فهو يبلغ أوج الشعور في وثبة واحدة، ولكنه لا يحرم قليلًا ولا كثيرًا مما هو مدمج في تفاصيلها. والآية كما تراها ليس في مفرداتها أو تركيبها أو معناها مسحة من خفاء أو كتمان.
كذلك ترى بلاغة هذا التمثيل حيث وجدتها على تفاوت في الدرجات والمناهج والأساليب، فإذا التفتنا من القرآن إلى الشعر في لغتنا ألفينا شواهد كثيرة على هذا الوضوح الحافل بالأشباه والخواطر: ومن هذا الباب استهلال البحتري في وصف الربيع:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًامن الحسن حتى كاد أن يتكلما وبيت مسلم بن الوليد يصف مجهلًا من الأرض:
تمشي الرياح به حسرى مولهةحيرى تلوذ بأكناف الجلاميد ولا يقل عن هذه الطبقة قول ابن الرومي يذكر بلدًا «بغداد»:
فإذا تمثل في الضمير رأيتهوعليه أغصان الشباب تميد أو قوله الفكه الذي تناهى في ضبط الشبه حتى لا مزيد للعيان، ولكنه يخلي للخيال منصرفًا سهلًا إلى تصور الهيئة النفسية ومعاني الملامح، فيعطيها حقها من التأمل المضحك المطلوب. ونعني بيتيه المشهورين في تشبيه الأحدب:
قصرت أخادعه وطال قذالهفكأنه متربص أن يصفعاوكأنما صفعت قفاه مرةوأحس ثانية لها فتجمعا وقول أبي تمام يتحسر على عهد نعيم فقده:
لحظت بشاشتك الحوادث لحظةما زلت أعلم أنها لا تسلم وقول قطري بن الفجاءة يفتخر بمواقفه:
ويوم لهو لأهل الخفض ظل بهلهوى اصطلاء وغى نيرانها تقدمشهرًا موقفي والحرب كاشفةعنها القناع وبحر الموت يطرد وقول المعري:
قال صحبي في لجتين من الحندس والبيد إذ بدا الفرقدانتحن غرقى فكيف ينقذنا نجــمان في حومة الدجى غرقان ولا يكاد يخلو كلام شاعر أو كاتب مجيد من أمثلة حسنة على هذه البلاغة المكشوفة السافرة؛ ومن هذه الأمثلة يظهر لنا أن ازدحام المعنى قد يعبر عنه بلفظ لا ازدحام فيه، وأن الكلمة لا تحضر في الذهن معناها المراد بها ولا تطلق أعنة الخيال إلى أبعد غاياته لغموض يشوبها أو لوضوح يبديها ويسطع عليها، ولكنها تحضر المعنى وتطلق الخيال متى وقعت في موقعها واستوت في سياقها؛ فمن اقتدر على ذلك فليعالجه، وليعلم أنه مستغن عن ظلل الغمام وسدل الإبهام بنصوع بيانه وصفاء وجدانه، وأما من يلوح له معناه الواضح صغيرًا فيثقله بالسجف المصطنعة والتعاويذ الملفقة، فإنه إنما يلجأ إلى الاحتيال، ويبيع على الناس بضاعته بأغلى من ثمنها الحلال.
? نشرت في العدد السابع من صحيفة الرجاء.
الاشمئزاز?


إذا حضرت مجلسًا تذكر فيه قصة رجل من أهل الدنس والسيرة القبيحة فانظر إلى السامعين وراقب سحنتهم، فإنك ترى أكثرهم يظهرون التقزز والاشمئزاز، فيشدون مناخرهم، ويطبقون شفاههم، أو يشيحون أحيانًا عن المحدث بأبصارهم ووجوههم. وربما اشتد الانفعال ببعضهم فيتفل على الأرض ويمتقع لونه. وإذا توالت هذه الانفعالات في النفس ثبت منها على الوجه لمحة يُعرف بها أهل الترفع والعزوف.
وإذا رأيت أحدًا يمر بشيء مما تعافه الأنفس، وتكره رائحته الأنوف، فانظر إليه تره يفعل ذلك أيضًا، ولكنه هنا يشد منخريه ليعلق أنفاسه فلا تصعد إليهما الرائحة الكريهة، ويطبق شفتيه لئلا ينفذ من بينهما الهواء الفاسد، ويدير وجهه كي لا يبصر مبعث ذلك النتن، ويتفل إذا دخلت الرائحة إلى جوفه فهاجت فيه غدد اللعاب.
فالأصل في الاشمئزاز أنه حركة جسدية، ولذلك كان أثره في الوجه جسدانيًّا جُبلت عليه الأعضاء للوقاية مما يضر الجسد ويكدر الحواس، وذلك بعض ما يُستدل منه على أن كل معنوي في عواطف الإنسان وخلائقه، فإنما أصله من الجسد أولًا، وأن الإنسان عاش زمانًا في مبدأ خلقه لا حكم عليه لغير الجسم، ولا محرك له غير مطالب الطبع الحيواني من جلب رضى أو دفع أذى. فلما تولد فيه الإدراك العالي والإحساس المعنوي تخلفت عليه مسحة من الحس الجسداني، وبقيت هذه المسحة ظاهرة في أطهر العواطف وأنزه الآداب، وهذه الأنفة مثلًا أليس أرقى ما يسمو إليه أدب النفس ونبلها أن تنفر عن الدنايا، وتتأذى من ذكر المعائب والمخازي، وتأنف من كل وضيع ذميم؟ ولكنك تنظر فلا ترى على وجه الرجل الشريف فرقًا بين أثر الأنفة من خُلُق وضيع وأثر الأنفة من جيفة منتنة. فكلا الأثرين في السحنة سواء كما رأيت. وقد عُرف العرب بدقة وصفية في وضع أسماء المحسوسات واختيار ألفاظها قبل أن يشاركهم فيها غيرهم من أصحاب اللغات، فمن يسمع كلمة الأنفة ولا يتبادر إليه أن فيها معنى مما يتعلق بفراسة الأنف؟ وذلك لأنه ليس في جسم الإنسان جارحة تظهر عليها سمة الترفع ظهورها في الأنف، وإنما علة ذلك ما قدمناه — وربما كان سبب هذه الدقة في هذا النمط من كلمات العرب أنهم كانوا قوم بادية تكثر بينهم الفراسة والقيافة لحاجتهم إليهما في حياتهم. والفراسة كما تعلم هي رد الملامح المعنوية إلى أصولها الجسدية، واستكناه شيء في النفس بشيء في الجسد.
وكما يكون الاشمئزاز المادي داعيًا لصاحبه إلى الصد عن مبعثه وكراهة التطلع إليه، كذلك يلزم أن يكون الاشمئزاز المعنوي صارفًا للعزوف عما يأباه من خبائث الناس وفضائحهم، ومانعًا له عن إطالة النظر إلى أدران نفوسهم وقذر أخلاقهم، وإلا فهو اشمئزاز طبع أبخر لا يشم ما يشمئز منه، ولهذا كان أكبر برهان على احتقارك إنسانًا أن لا تُعرِّض به ولا تخوض في مثالبه، وليس البرهان عليه ذمك إياه ونيلك منه، إلا أن يكون ذلك لغرض تحتمل من أجله محنة النظر إلى ما نعافه، ولهذا أيضًا كان أكثر الناس وقوعًا في أعراض الناس وجدًّا وراء صغائرهم وخسائس جبلاتهم هم أكثرهم فضائح وأرذلهم مروءة، إذ كانت النفس الكريمة تتأذى من انكشاف هذه العورات لها ولا تطيق النظر إليها، وما يطيق النظر إليها إلا الذين لا يخجلون منها لو انكشفت للناس فيهم، وهم في ذلك كالأطفال في جهلهم، وإن لم يكن لهم عذر الأطفال.
? نشرت في إحدى الصحف الأسبوعية.
ساعات بين الكتب (?)


قصر ملا
الآن، وفي أسوان، أي سبيل إلى غير الوحدة ومناجاة الأحلام؟ وأي مشغلة للفراغ أجمل من قضاء الوحدة في قصر ملا، أو بين صفحات كتاب؟
وقصر ملا هذا هو طلل دارس منصوب للرياح من أينما أقبلت:
درسته الريح ما بين صباوجنوب درجت حينًا وطل جمع منظره بين وحشة القدم المتبدد، ونضرة الصبا المتجدد، وقامت حوله وديفة منيفة? تعرف باسمه ويرتاح إليها الطارق من سآمة ذلك الشبح المهجور في أكمته؛ وهي رباوة? أثرية ذات طباق يعلو بعضها على بعض، في كل طبقة منها حياض الأزهار والنوار، ومنابت العشب والبهار، تنتهي من بحبوحتها إلى العليا إلى جانبها الغربي فتشرف من ثم على النيل، ويستقبلك الجبل الغربي تليه الجزر والجنادل المعترضة في جوف النهر، وهو ينساب بينها انسيابًا، فروعًا وشعابًا، وتجلس هناك بعد الغروب فتنظر أمامك إلى المقياس في هيكله القديم، وإلى النيل يجري وكأنه لا يجري، وإلى الجنادل قد اطلعت رءوسها على متنه كأنها بعض حيوانه يتنسم هواء الليل، وإلى الجبال ممتدة على طول الأفق كالديباجة السوداء حول تلك المناظرة الساحرة. فيجلو لك ضوء الكواكب منها صورة قاتمة، كأنها الصورة الفحمية رسب فيها الظل من جانب وطفا من جانب، فإذا كانت الليلة مقمرة أخذ القمر يرفع عنها سدفة? بعد سدفة، ويزحزح منها رواقًا بعد رواق، كمشاهد الحلم البعيد العهد بالذاكرة تستعيده، فيتألف في ذهنك شتاته، وتبرز لك غوامضه، حتى إذا اتسق الضياء وانجابت عن تلك المواضع ظلال الغسق، مثلت أمامك وهي إلى مشهد حلم غابر أقرب منها إلى مشهد تراه بين يديك، وتحس صلابة أرضه تحت قدميك، فإذا نظرت في تلك الساعة إلى القمر، ثم نظرت إلى تلك الأماكن، آنست بينهما ألفة وسرارًا، وعرفت لهما حرمة وجوارًا، ورأيت من عزلة الأماكن وانفرادها، وبعد الجالس فيها عن استشعار الصلة بغيرها، ما يوهمك أن القمر لا يطلع في تلك الساعة على غير تلك البقعة من الدنيا. وقد كنت أتوردها الفينة بعد الفينة? أقضي هزيعًا من الليلة — هناك — فأجلس على صخر قديم ساوره? النيل أعصارًا ثم قنع بمسح أقدامه، وطغى عليه أعوامًا فلم يظفر بغير المرور من أمامه، وأعوض العزلة بمساجلة بنات الأحلام، ومسامرة عرائس الشعر. ولله هن ما أجدلهن وأطربهن! وما أشد امتزاجهن باللحم والدم وأقربهن إليك في نسب النفس من بنات وعرائس! فهن والله خفيفات ظريفات، أخف من كواعب الأنس وأظرف وأعز منهن في القلب وأشرف، لأن القلب بخلقهن كما يشاء ويرضى، وكما يرسم الأمل ويملي الهوى، ومن له بأن يجد من حسان الإنس من توافق الأمنية وتنزل على حكم الوفاء؟ وأنى له منهن بمن يصطفيها وتصطفيه على العلات، ومن لا يفترق لها أمل عن أمله، ولا ينفصل لها ضمير عن ضميره، ولا خاطر عن خاطره؟ ولقد كن لا يغببني في ليالي الصيف القصار، ولا يفترن عني على شحط المزار، وتوسط المهامه والقفار، وكأنما يكذبن لي وصف دعبل حين قال في هذه الديار: هبطت محلًّا يقصر البرق دونهويعجز عنه الطيف أن يتجشماوإن امرأ أضحت مساقط رحلهبأسوان لم يترك له الحزم معلما وسامح الله دعبلًا ما أقل حمده ورضاه وأكثر تجنيه وشكواه! أتراه كان لا يلمح الطيف في لياليه بأسوان ولا يسري إليه البرق في سمائها، أم كذلك دأبه لا يزال يهجو الديار وسكانها ويجتوي الأرض ومن عليها، ويستبعد البعيد والقريب منها؟
أوَلم يتأوبك يا دعبل في ليالي غربتك طيف من بغداد ولياليها، ومجالس الأنس فيها؟ أوَلم يبلغك وأنت مستلق على ساحل النيل ليلة من ليالي الصيف، صدى المزاهر في قصور الخلفاء، وشدو القيان الفاتنات المفتونات يغنين للجمال والحياة، ويغني الجمال والحياة فيهن أنشودة الفوز للحب والسعادة؟
أوَلم تحمل البرق عشية من عشيات نأيك، وقد ذهب بك الشوق، وقعد بك النوى، رسالة إلى حبيب فارقته في ربوع دار السلام؟ أو تحية إلى أخ من مقارضيك الشعر على شواطئ دجلة؟
ولكن من لك بالإخوان وأنت القائل:
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهمالله يعلم أني لم أقل فنداإني لأفتح عيني حين أفتحهاعلى كثير ولكن لا أرى أحدًا ولك العذر يا دعبل، فأحسبك قد صدقت على كره من الصدق وبئست الشكوى الصادقة، ولقد يحق لك أن تضع أسوان بحيث يعجز الطيف عن تجشمها ويقصر البرق دونها؛ لأن خليقًا بلحظك الشزر أن لا ينام، ولعمري لا يعجز الطيف إلا عن تجشم مكان واحد؛ هو سرير الساهر! فهو أهول من عرين الأسد وأخوف للمدلج إليه من وادي التيه.
نعم وللبرق أجدر أن يقصر عن مكان لا يجوده السحاب، ولا يحمله إلى جوه ركاب!
? روضة عالية.? أي: رابية.? ظلمة.? أزورها الحين بعد الحين.? واثبه.
ساعات بين الكتب (?)


الليل في قصر ملا
تقول الولادة لصاحبها:
إني رأيت الليل أكتم للسر
وكذلك تقول لي العرائس الزائرات، الدانيات النافرات. عرائس الشعر وبنات الأماني.
عهدتهن لا يلممن نهارًا بصاحب، ولا ترسلهن السماء إلا على أشعة صباح ندي البكورة أو مساء سري الأصيل، ويا لهما من ساعتين فيهما للنفس جذل وكآبة، وحركة وسكون، وضياء وظلام، ونهار وليل، فأما إذ تنصب أشعة الشمس على الأرض كأنها وابل من السهام المحماة، أو كسيل من النار، فهن مقصورات في المقاصير، لائذات بحوافي الأنهار، ناعسات في أفياء الرياض والبساتين. وهن في جو مدار السرطان أجدر أن يشفقن على أجنحتهن الهفافة من سعير القيظ وهجيره، وعلى وجوههن الناعمة أن يسفعها الهواء المضطرم بهوجه وزفيره.
فكنت إذا انفردت بذلك المكان، أقبلن عليَّ من كل صوب مع همس النسيم، ومنامسة الشجر، ورقرقة النهر، وشذى الرياحين، ووسوسة النجم. وحدثنني بكل لسان، وناجينني بكل بيان، لا يخطئن لغة من اللغات مما ينطق به الطير أو يومئ به النبات. فكم جرس شجي لهن كأنه صدى الوتر المقطوع في الغرفة المهجورة. وكم ضحكة ذات رنين يدور في مسامع النفس كما يدور فيها هزج الابتسامة الصامتة. وكم لثمة تلمسها الأيدي قطرة ندى وتحسها الشفاه رضاب ثغر برود اللمى. وكم نظرة تشخص بعينيك لها ثم تمحى عنك في لألاء الضوء، فإذا أنت شاخص إلى الفضاء ممتلئ العين بالهواء. وكم عبث لهن وكم دلال وكم صد لا يبلغ أقبح الهجر حتى يرتد إلى أحسن الوصال. لا أملُّ عبثهن ولا يمللنه، ولا أقطع حديثهن ولا يقطعنه. وربما لج بهن العبث والمراح فيختبئن عني ساعة في ألفاف الروضة حتى إذا أمعنَّ هربًا، وأعيينني بحثًا وطلبًا، خرجن إليَّ من جانب الطلل ضاحكات، أو أقبلن على أكف الموج سابحات، وتسابقن إليَّ كما يتسابق الأطفال الغيارى، وكلهن حبيبات إليَّ أثيرات لدي، خلا واحدة منهن كانت مولعة بالأذى، مسلطة على النكاية، قد دلها اللعب والفضول على سهم قر في جانب القلب، وكاد يندمل جرحه، فما زالت منذ عرفته تدمن اللعب فيه، وتنكأه حتى تدميه، لا يزيدها النهي إلا إغراء، ولا الغضب إلا استهزاء، ووالله لا أعلم أأنا أحبها أم أقلاها، وهل هي أود أخواتها إليَّ أم أقساهن عليَّ. ولا أدري أدلها اللعب والفضول على ذلك السهم، أم أنا قد دللتها عليه، وكانت تعصاني إذ أنهاها عن مسه أم كانت تطيعني بتلك المخالفة وترضيني بذلك الإغضاب؟ لا أعلم. وكثيرًا ما يجهل الإنسان أسرار نفسه.
•••

كذلك تنصرم الليالي. فإما تنصف الليل أو كاد لبثت برهة أنظر إلى الدنيا تغرق في جوف الليل الحالك العميق، وأنصت إلى لاغية المدينة تهبط رويدًا رويدًا في ذلك الجب الأسود، فما هي إلا هنيهة ثم لا يسمع منها السامع إلا أنين ساقية يضربون بها المثل في طول الأنين والنحيب، والأهتاف النواتية يجأرون في شمال المدينة بأصوات هي بأصوات العناصر أشبه منها بغناء بني الإنسان.
•••

أيها الليل: إن ظلمًا من الفلك الدائر أن جعلك مهجع الحواس، ومخدع العقول، وإن فيك يا ليل من مسارح النظر، ومطارح الفكر، لما هو أرفق بالحواس من النهار وأحلى، وأحوج إلى العين والفؤاد وأجلى.
أيها الليل: لئن أنامت فيك الطبيعة أبناءها لقد أسهرت عشاقها وأخلاءها — أولئك تأويهم إلى أحضانها، وتكنفهم بحنانها. وهؤلاء تظهرهم على ظاهر زينتها وباطن جنانها، وتمتعهم بمباهج خدرها ثم تطلعهم على سرائر وجدانها، وكلًّا أرضت بما قسمت، فلا عقَّت الأبناء، ولا ظلمت العشاق والأخلاء.
أيها الليل: أنت رب الأرباب الأقدمين وإله الآلهة الأولين. فيك فلا بدع يتهجد العباد، وتنطلق أروح الآلهة المحبوسة، وفي ظلامك الذي يشرق فيه نور الضمير يجد الكافر إلهه ويظفر التائه المضلل بقطبه. قال يونج: «بالليل يعود الملحد نصف مؤمن بالله.» وقد صدق. فما من شك في أن نجومك وظلامك هما من نور الله ووقاره، وهما أول من علم الإنسان الوحي، وصوب أذنه وعينه إلى عالم الغيب. ثم خالك الناس أيها الليل ماردًا يروضه الله ولا يحله من قيده سواه، فقال أيوب ساهرك المعذب وراعيك المقيد يروي للناس تبكيت الله له على شكواه: «قل أين منازل النور ومكامن الظلمة، فتقودها إلى مقرها وتدلها على سبيل بيتها؟» وهل أحوج من هذا المارد الأعمى إلى الدليل؟
ولو أن أيوب كان ينطق بلسان امرئ القيس لرأى ذلك المارد وقد:
… … تمطى بصلبهوأردف أعجازًا وناء بكلكل أو رآه وهو جاثم كما قال ابن جندق المري:
ليلى تحير ما ينحط في جهةكأنه فوق متن الأرض مشكول وحاشا لك أيها الليل أن تحار، وإنما تحار وتهتدي فيك الأفكار، ومن أين ينالك القيد وأنت مطلق النفوس من القيود والآصار، إنك أيها الليل لأهيب من أن تقيد، وأجل من أن تحد، إنك لأشبه الوقت بالأبد: ساكن مظلم سحيق. أو ألست ابنه البكر كما خبرنا أجدادنا القدماء؟ فلا جرم أراني كلما دخلتك كأنما قفلت آلافًا من السنين إلى الماضي الدائر البعيد أو وثبت آلافًا من السنين إلى المستقبل. فأنا فيه كالطارئ الوحيد.

ساعات بين الكتب (?)


الكتب
الكتب كالناس؛ منهم السيد الوقور، ومنهم الكيس الظريف، ومنهم الجميل الرائع، والساذج الصادق، والأريب المخطئ، ومنهم الخائن والجاهل والوضيع والخليع. والدنيا تتسع لكل هؤلاء. ولن تكون المكتبة كاملة إلا إذا كانت مثلًا كاملًا للدنيا.
يقول لك المرشدون: اقرأ ما ينفعك. ولكني أقول: بل انتفع مما تقرأ، إذ كيف تعرف ما ينفعك من الكتب قبل قراءته؟
إن القارئ الذي لا يقرأ إلا الكتب المنتقاة كالمريض الذي لا يأكل إلا الأطعمة المنتقاة. يدل ذلك على ضعف المعدة أكثر مما يدل على جودة القابلية.
واعلم أن من الكتب الغث والسمين، وأن السمين يفسد المعدة الضعيفة، وأنه ما من طعام غث إلا والمعدة القوية مستخرجة منه مادة غذاء، ودم حياة وفتاء. فإن كنت ضعيف المعدة فتحامَ السمين كما تتحامى الغث، وإن كنت من ذوي المعدات القوية، فاعلم أن لك من كل طعام غذاء صالحًا.
وإن من منظر أنت تراه فلا تود أن تراه بعدها، أو صوت تسمعه ثم لا تحب أن تسمعه آخر العمر. فلا أدري من أين داخل القراء أن الكتاب إنما يُقرأ قراءة واحدة، مع أن الكتاب أخفى رموزًا وأكثر مناحي نظر من المنظر والصوت. وأنت تنمو بعقلك أكثر من نموك بحواسك، فأنت أحرى أن تعاود النظر فيما يُمتحن به نمو الفكر، ومن كان يفهم أن قراءة الكتاب شيء غير الإتيان على كلماته، وأن درسه مطلب غير استظهار صفحاته، فعليه بلا ريب أن يكرر قراءته كلما استطاع؛ لأن كتابًا تعيد قراءته مرتين هو أغنى وأكثر من كتابين تقرأ كلًّا منهما مرة واحدة.
ثم اعلم أنه ليس بأنفس الكتب ولا بأجلها الكتاب الذي تتوق إلى إعادته بعد قراءته، وليس بأفرغ الكتب ولا بأقلها الكتاب الذي تقنع بتركه بعد الفراغ منه. فإنك ربما صادفك الكتاب الأجوف المغلق فأعجبتك رنته فجعلت تقلبه على كل جنب لعلك أن تخلص إلى لبابه ولا لباب له، وربما صادفك السِّفر القيم الشافي فانتهيت إلى آخره مرتاحًا مصدقًا فقنعت بذلك منه. وقد عهدنا الناس يمنعهم البخيل فيراجعونه ويلحون عليه ويعطيهم المنعم الكريم فيهجرونه ويعرضون عنه، وتلك ضرائبهم في مصاحبة الكتب. فلا تكن في المطالعة من هؤلاء.
وطريقتي في القراءة أن لا أذهب مع الطرف في الصحيفة إلا ريثما أذهب مع الفكر في نفسي. فقد أتناول الكتاب أبدأ فيه حيث أبدأ إذا كان من غير الكتب التي يلتزم فيها الترتيب والتعقيب، فيستوقفني رأي أو عبارة تفتح لي بابًا من البحث والروية، فأمضي معها وأطويه فلا أنظر فيه بقية ذلك اليوم أو أنتقل منه إلى كتاب آخر، وأجد هذا التوجيه في أنفس الكتب كما أجده في أردئها، فلا أميز بينها في الابتداء، ولا يكاد يستدرجني إلى المضاء في المطالعة غير موضوع يستوعب ذهني ويأخذ عليَّ المؤلف فيه باب الانفراد بالفكر دونه.
فأما وقد عرفت رأيي في الكتب وطريقتي في المطالعة فهلمَّ نقرأ.

ساعات بين الكتب (?)


ابن زيدون
يروج الأدب في أيام السقوط، كما يروج في أيام الرفعة. والمعول في الحالين على نوع الأدب ومادته لا على كثرته أو ندرته. ولقد راج الأدب رواجه المعروف في أيام اضمحلال الأندلس وإدبار دولتها، وما راج فيها ذلك الأدب الخاص بأيام ملوك الطوائف إلا لاضمحلال وإدبار الدولة، فإنه قد شاعت على عهدهم مجالس المنادمة واللهو بين الرؤساء والكبراء، بل نزلت إلى مصاف السوقة والعامة، وقعد الناس لها ولاقتناء آلاتها والتباري فيها، ثم دعت الحاجة إلى النظم والمطارحة في هذه الملاهي، فدار أدبهم كله على هذا المحور. فكان الغلام أو الجارية لا يساوم فيهما إلا على قدر حظهما من الأدب، وكان الفتى لا يظرف محضره ويعذب سمره حتى يروي من ملح النظم والنثر ونوادر الشراب والمجون ما يناسب تلك المجالس، ويصلح أن يدور مع الكأس على الندماء، فانعدم الشعر الفحل، وكسد الأدب الجزل، وراجت سوق الأدباء والمؤدبين في الأندلس لهذا السبب، لا لشوكة الدولة، ومنعة الملك والأمة.
ومن الشعراء المبرزين في أيام ملوك الطوائف أبو الوليد بن زيدون، أديب كانت قصائده مروية في أنحاء الجزيرة، وكان إمامًا يتحداه أدباؤها ويأخذون عنه، وهو شاعر سلس المذهب متخير اللفظ، تقرأ شعره فيطرفك ويروقك، ولكنه لا يستحوذ على لبك، ولا ينطبع في نفسك. قال أبو محمد عبد الواحد المراكشي في تلخيص أخبار المغرب: «نسيبه يختلط بالروح رقة، ويمتزج بأجزاء الهواء لطافة.» وقال ابن بسام في الذخيرة: «إن له حظًّا من النثر غريب المباني شعري الألفاظ والمعاني.»
والأصح عندنا أن يُقال: إن النثر في نظمه أكثر من الشعر، وإن ذوقه كان أقل من ظرفه، وكان ذكاؤه أظهر من عاطفته، وإن الصنعة أبين في شعره من الطبع. ألا ترى أنه في أحر قصائده التي نُسب فيها بولادة لم ينسَ الطباق والمقابلة بين ابتلال الجوانح وجفاف المآقي في قوله:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحناشوقًا إليكم ولا جفت مآقينا أو بين سواد الأيام وبياض الليالي في قوله:
حالت لبعدكم أيامنا فغدتسودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا أو بين السدرة والكوثر، وبين الزقوم والغسلين في قوله:
يا جنة الخلد أبدلنا بسدرتهاوالكوثر العذب زقُّومًا وغسلينا وقد لهج ابن زيدون بولادة أيما لهج، وأربت قصائده فيها على قصائد المجنون في ليلاه، ولكنك يندر أن تعثر بينها ببيت غلب فيه عشق الرجل للمرأة على صحبة الوزير لبنت الأمير وإخاء الأديب للأديبة. وهكذا كانت محبة ابن زيدون لولادة. فإنه يلوح لنا من قصته معها ومن شعره فيها أنه تحبَّب إليها منافسة لابن عبدوس الذي كان يزاحمه على الرئاسة، ويقارعه في الشرف، ويسابقه على الصدر في نادي ولادة. ولا يندر بين الرجال من يهوى المرأة لئلا يهواها عدوه، فلا يتوقف هواه لها على جمالها أو على تبادل الهوى بينهما، ولكن على المنافسة بينه وبين أقرانه ونظرائه.
وكان لولادة نادٍ مشهود كأندية الأندلس في ذلك الوقت، وهو أشبه شيء «بالصالونات» التي كانت تعقدها النساء المتأدبات في إبان الثورة الفرنسية، فيؤمها الأدباء ليتنافسوا على الحب والشهرة، ويجمعوا بين مطارحة الغرام ومطارحة الكلام، ويمثلوا من الروايات الهزلية ما ليس يخلو منه مجلس فيه نساء يدعين العلم، ويشتهين تحبير الرسائل الغرامية. ولا بد للإنسان في أندية كهذه من أن يعشق ويساجل من له علم بالأدب، ومن لا علم له به، فإن لم يشعر في نفسه بلوعة العشق، ولم يحسن المساجلة فعليه أن يتصنع حتى يتقن دوره، ولا يعفيه من هذا الواجب تقدم السن ولا الخجل من مخالفة الطبع والعرف، كلا! فإنه لم يمنع عجوزًا عمياء في السبعين من عمرها أن تتدله بكهل من دهاة السياسة في الخمسين من عمره،? ولا أبى عليها أن تقضي بقية حياتها الصالحة تئن من الصبابة لا من أدواء الشيخوخة، وتبث فاتنها لواعج الوله والهيام لا دعوات الشفقة والحنان! وأين أديبات الأندلس من هذا المضمار؟! وكان ابن زيدون ممن وهبوا ذلاقة اللسان، ورزقوا الفصاحة وحسن المحاضرة. فكان حدثًا? لبقًا وخطيبًا لسنًا. قال ابن بسام: «عهدي بابن زيدون قائمًا على جنازة بعض حرمه والناس يعزونه على اختلاف طبقاتهم، فما سمعته يجيب أحدًا بما أجاب به غيره لسعة ميدانه وحضور جنانه.» وهبة الذلاقة والفصاحة قلما تتيسر لأحد مع عمق العاطفة وغزارة الشعور، ويقول جون ستوارت ميل في فصل له على تعريف الشعر: إنهما لا تتفقان في الأمة الواحدة، ففرق بين الفرنسيين والإنكليز بأن الأولين أمة الفصاحة والآخرين أمة العاطفة. وقريب من هذا قول سهل بن هارون: «اللسان البليغ والشعر الجيد وبلاغة القلم» والفصاحة أليق ما تكون حلية من حلي النثر، وشقاشق الخطابة، وإنما كان ابن زيدون شاعرًا فصيحًا كما كان كاتبًا فصيحًا، وكما كان متكلمًا فصيحًا، ولم يكن كذلك لمزية له في الشعر على غير الشعر، ولا لأن فصاحته التي لم تكن تفارقه كانت تنم على قوة عاطفة فيه، إذ المعهود أن قوة العاطفة لا تملك الإنسان في كل حين ولا تلازمه في حيث يتكلم جادًّا ولاهيًا، وفي حيث يُلقي الخطب ويقرض فنون الشعر، ولكن لأنه كان حسن موهبة الكلام، وكان كلامه طوع إرادته لا طوع خوالجه وأطواره.
وهذه الفصاحة فيه هي التي خُيِّل لابن بسام أنها رونق الشعر في كلامه المنثور، فوحد الشعر والفصاحة، وهما جد مختلفين، وشتان معدن الشيء وطلاؤه.
فاقرأ له النبذة الآتية من الكتاب الذي سطره إلى ابن عبدوس على لسان ولادة: «ولا شك أنها قلتك إذ لم تضن بك،? وملتك إذ لم تغر عليك، فإنها قد أعذرت في السفارة لك، وما قصرت في النيابة عنك. زاعمة أن المروءة لفظ أنت معناه، والإنسانية اسم أنت جسمه وهيولاه، حتى خيلت أن يوسف حاسنك فغضضت منه، وأن امرأة العزيز رأتك فسلت عنه» … إلخ. وهي مثل صالح لنثره كله. فهل تعد لشعر ابن زيدون حسنة في عذوبة اللفظ وصفاء العبارة ولطف الاستهزاء أحيانًا، إلا عددت شرواها في هذا النثر؟ والشاعر ما لم تكن لشعره مزية على نثره، فالنثر به أجدر، وهو على غير الشعر أقدر. لكنك لا تخطئ أن تصادف في ديوان ابن زيدون البيت أو الأبيات فيها الوصف الصادق والشعر المطبوع؛ كقوله:
واهًا لعطفك والزمان كأنهصبغت غضارته ببرد صباكوالليل مهما طال قصر طولههاتي وقد غفل الرقيب وهاكيدنو بوصلك حين شط مزارهوهم أكاد به أقبل فاك ومثل قوله:
ورد تألق في ضاحي منابتهفازداد منه الضحى في العين إشراقًا ومثل قوله في الذكرى:
ودع الصبر محب ودعكذائع من سره ما استودعكيقرع السن على أن لم يكنزاد في تلك الخطى إذ شيعكيا أخا البدر سناء وسنىحفظ الله زمانًا أطلعكأن يطل بعدك ليلي فلكمبت أشكو قصر الليل معك وهي أبيات نقية بارعة ليس عليها شيء من تمويه الصنعة، ولا يتخللها شيء من الشعور المكذوب والإحساس المدعى، فهي تسبق القارئ إلى نفسه وتذكره لأول نظرة بأمثال موقفها من مواقفه. وقد بلغ من سوء فهم الشعر قديمًا أن بعض الرواة نسب هذه الأبيات إلى ولادة، وزعموا أنها أنشدتها ابن زيدون بعد أول لقاء لهما! ولا نعلم ماذا يصنع هؤلاء الرواة بقوله: «كم بت أشكو؟» وهل هذا مما ينشد بعد اللقاء الأول؟ وقال أحد باشوات مصر المحسوبين على الأدب في محاضرة ألقاها على تاريخ ابن زيدون: إنه ارتجل هذه الأبيات وهو يودع ولادة ذات يوم، ولو أنه كان يفهم الشعر ولو كما يفهم الحفاظ آي القرآن لأدرك أنها أبيات لا تقال في موقف الوداع. إذ كيف يقرع السن على أنه لم يكن زاد خطوة في تشييعها وهو لم يزل بعد في موقف التشييع؟
أما سائر شعر ابن زيدون مما لا يتعلق به الاختيار فهو كشعر عصره، وكشعر كل عصر من عصور الاسترخاء والترف، لا يخرجه عن الطريقة وكونه من أحسن أهلها متاعًا، وأطولهم في النظم باعًا.
وما يدريك عصر الاسترخاء والترف؟ إنه عصر تزيغ فيه الأبصار والبصائر، فتكل عما وراء القشور والظواهر، عصر تكون البهائم فيه أصدق حبًّا من الناس؛ لأن البهائم لا تلعب بحبها ولا تبتذل غرائزها. تهجع المشاعر في أمثال ذلك العصر فتعربد الحواس، ويموت الحب الفطري فتمرح في رفاته ديدان الشهوات، ويأخذ الناس من كل شيء بأيسره، ويقنعون من كل مطلب بأقربه إلى الحس وأصغره، فلا يكون الجمال إلا صبغة في البشرة تلحسها الألسنة حتى تزول، ثم تمجها كما يمج البصاق الملوث من فرط التقزز والاحتقار، ولا تكون البساتين والأمواه إلا مجالس شراب ومراوح هواء، ولا الطبيعة بكلئها ورياحينها وثمارها إلا طنفسة مطرزة بمختلف الألوان والأشكال، ولا الشعر إلا بهرجًا براقًا لو صور بشرًا سويًّا لنالت منه العيون ما لا تنال النفوس، ولا الأخلاق والمروءة والشرف إلا آدابًا يصطلح عليها المعاقرون ليدوم لهم صفو المجلس، ثم ما شاء المعاقر بعد ذلك من غي وشنار، وما طاب له من عبث واستهتار لا يشينه ذلك ولا يقدح في آدابه.
فكانت ولادة يومئذ تلقب ابن زيدون بالمسدس، وتفسر هذا اللقب بهذا البيت:
فلوطي ومأبون وزانوديوث وقرنان وسارق وتكتب على طرازها الأيمن:
أنا والله أصلح للمعاليوأمشي مشيتي وأتيه تيها وعلى الأيسر:
وأمكن عاشقي من صحن خديوأعطي قبلتي من يشتهيها ويجيء المؤرخ الأندلسي فلا يرى في شيء من هذا ما يدنس عرض المرأة، ويغض من حيائها، ولا يبالي أن يصفها بالصيانة والعفة والكمال.
ومما يدل أبلغ دلالة على حالة الأخلاق والأذواق في ذلك العصر ما حدَّث به أبو عمر المالقي حيث قال: «كنت جالسًا بمنزل بمالقة فهاجت نفسي أن أخرج إلى الجبانة، وكان يومًا شديد الحر، فراودتها على القعود فلم تمكني من القعود، فمشيت حتى انتهيت إلى مسجد يعرف برابطة الغبار وعنده الخطيب أبو محمد بن عبد الوهاب بن علي المالقي، فقال لي: إني كنت أدعو الله تعالى أن يأتيني بك وقد فعل فالحمد لله، فأخبرته بما كان مني، ثم جلست عنده فقال: أنشدني، فأنشدته لبعض الأندلسيين:
عصبوا الصباح فقسموه خدودًاواستوعبوا قصب الآراك قدودًاورأوا حصا الياقوت دون نحورهمفتقلدوا شهب النجوم عقودًالم يكفهم حد الأسنة والظباحتى استعاروا أعينًا وخدودًا فصاح الشيخ وأغمي عليه وتصبب عرقًا، ثم أفاق بعد ساعة وقال: «اعذرني فشيئان يقهرانني، ولا أملك نفسي عندهما: النظر إلى الوجه الحسن، وسماع الشعر المطبوع».»
وقد ألف الضرب على هذا اللحن شعراء الأندلس، فقال بعضهم فيه أيضًا:
سلبوا الغصون معاطفًا وقدودًاوتقاسموا ورد الرياض خدودًاتخذوا البنفسج في الشقيق عوارضًاوالياسمين معاطفًا وزنودًابدلوا الخصور من الخناصر دقةواستبدلوا حقق اللجين نهودًا فهل عرفت في هذا النحو قط أغرب من صبوة ذلك الشيخ الخطيب، وتواجده واضطرابه حتى أغمي عليه طربًا لسماع تلك الأبيات وتصبب جسمه عرقًا؟ وهل رأيت عمرك أملح من هؤلاء الشبان ذوي النهود أو الشواب ذوات العوارض في الخدود؟
كذلك كانت صبوة القوم ومشربهم، وكذلك كان الشعر الذي كان يطربهم، إذا أرادوا أن ينبهوا بصائرهم الكليلة أو يحركوها وضعوا أمامها الصباح والشهب واليواقيت وكل ساطعة ولامعة صبرة واحدة؛ لأنها لا تنتبه لما دون ذلك من المناظر الطبيعية. وتنظر إلى أشعارهم وأوصافهم ودواعي السرور والحزن عندهم فيذكرك كل ما تراه منها بحال المختبل السقيم أو المخدر المذهوب العقل، تراه مثاقل الأعضاء، بطيء النفس، راكدًا يفسده السكون ولا تصلحه الحركة، وتلمح في طبعه روحًا تتوهمه سماحة وما هو بسماحة، وفي خلقه مجونًا تحسبه فطنة وهو نقيض الفطنة، ينعكس النور على عينيه فيملأ الدنيا أمامه رهجًا ووميضًا، وهو إذا سار في طريقه صدمته المحسوسات كأن الدنيا ظلام دامس وليل أليل، وما تشاهد عدا هذا من عرض من أعراض التخدر في الرجل، فهو أيضًا عرض من أعراض السقوط في الأمة. هما في ذلكم سواء.
? هو الوزير الإنجليزي هوراس والبول وعاشقته هي مدام ديفان من أديبات الصالونات الفرنسية.? أي: حسن الحديث.? يشير إلى امرأة كان قد دسها ابن عبدوس إلى ولادة لترغبها فيه.
ساعات بين الكتب (?)


الغزل الطبيعي
من الأوهام التي شاعت بين قراء الشعر عندنا، وبعض قرائه في الأمم الأخرى، أن الرقة هي الصفة الأولى للشعر كله، أو هي مزيته على النثر والكتابة والمباحث العقلية البحتة، وأن شعر الغزل على الخصوص ينبغي أن يكون مفرطًا في رقته، بعيدًا عن الخشونة، وعن كل ما يُذكِّر السامع بالعنف والقوة، فلا يحسب من شعراء الغزل المجيدين إلا من كان ظريف النسيب، خافت الصوت والوجيب، مكثرًا من الشكاية والنحيب، فإن بدرت منه كلمة جامحة؛ وأفلتت من وقدة صدره نفثة لافحة، فليس ذلك بغزل، وليس الشاعر بمطبوع على العشق ولا بمدرب على «العواطف»، ولكنه دخيل في هذه الصناعة متكلف لها.
إن هذا الوهم لا يقف ضرره عند حد الخطأ في فهم الشعر، أو في الحكم على مقاييس الآداب والفنون عامة، ولا يدل على فساد ذوق ونقص في ملكة التمييز بين صنوف الجمال فحسب، ولكنه يدل قبل ذلك على مرض في المزاج، وضعف في الأخلاق، وسخف في مدارك الفكر، وإذ دلَّ على هذه الخلال فقد دل على ما يلازمها من سقوط الهمم، وخبث الطباع، وأعراض التأخر والفتور في الأمم، لأن النفس التي تحس الحياة حق الإحساس وتجاري الطبيعة في قوانينها ومقاصدها لا يمكن أن تجهل العشق هذا الجهل، ولا تخطئ في وصف التعبير عنه إلى هذا الحد. ولا حظَّ في الحياة لمن انقطعت بينه وبينها صلة الشعور الصحيح المستقيم.
ونعتقد أنه ليس أعون لنا على فهم طبيعة العشق الصادق من الالتفات إلى نقطة واحدة؛ وهي علة استئثار الرجل بالغزل دون المرأة. فلماذا انفرد الرجال بالغزل ولم تنفرد به النساء إن كان مصدره الرقة واللين والنعومة، وكان براء من العنف والقسوة والخشونة؟ ولماذا يُباح للرجل أن يطلب المرأة ويُحمد منه الإلحاح في طلبها ولا يباح لها أن تطلبه ولا يُحمد منها أن تستجيب لأول دعوة منه؟
إن الرجل لا يستأثر بذلك عبثًا، ولكن لأنه أقوى عاطفة وأقدر على التغلب برغبته من المرأة، ولهذا السبب استأثر في أول الأمر بالزينة والحلي? ثم شاركته المرأة فيها، فانفرد دونها بالكشوط والندوب لأنها شارة الأيد والبسالة، ولهذا أيضًا استأثر بالنداء على المرأة واستدعائها إليه بالغناء الصوتي، أو الغناء المقسم بالحروف، وهما أصل الغزل في الأحياء جميعًا. ولست أرى أن المرأة كانت تطرب حينئذ للأصوات من حيث هي جميلة وأجمل، ولكنها كانت تسمع أكثر الأصوات تنوع نبرات، وتفاوت مقامات، فتجدها أكثرها انفعالًا وحرارة وأدلها على القوة والرجولة؛ فتهيج فيها العاطفة العاطفة، وتبعث الرغبة الرغبة، وتنقاد للرجل الذي استطاع أن يزعج فيها رغبة العشق انقياد المجبر، لا انقياد المنصت المميز بين توقيع حسن وتوقيع أحسن منه، ولهذا كان الرجل هو البادئ بالصياح، إذ كان هو الأقوى صدرًا، والأشد من ثمَّ تأثيرًا. فإذا امتلأ صدره بالهواء الحار أزجى به صوتًا يردده الانفعال بين الارتفاع والهبوط والاستقامة والاهتزاز على الرغم من صاحبه، فيكون الغناء في أبسط حالاته، ويغلظ لأجل ذلك صوت الرجل بعد البلوغ، ولا يكاد صوت المرأة يتغير.
وقد تلمس دارون علة الطرب من ناحية الرقة والرخامة فعسر عليه الوصول إلى مصدرها، وقال في كتابه أصل الإنسان: «لو سأل سائل: ما بال بعض الألحان والأوزان يرتاح إليه الإنسان وأنواع من الحيوان؟ لما كان في وسعنا أن نجيب عن ذلك إلا بجواب السؤال عن سبب ارتياحها إلى بعض المذوقات والمشمومات.»
وليس الأمر كذلك؛ لأننا إذا تلمسنا علة الطرب أولًا من جهة التأثر بقوة الصوت، وجدنا الجواب على ذلك السؤال سهلًا قريبًا، وأمكننا أن نجيب من يسألنا: لماذا يؤثر أعمق الأصوات ارتجافًا وتمويدًا، وأكثرها تنوعًا وتجويدًا؟ فنقول له: لأنها ترجمان العاطفة الشديدة، والعاطفة من شأنها أن تبعث العاطفة.
ولا يزال الغناء كذلك حتى يتعلم الناس الكلام، وينعقد الصوت ألفاظًا وحروفًا، فيتدفق الغزل من النفس المحتدمة تدفقًا قويًّا عارمًا. ويكون أجهر الرجال رغبة أهيجهم لرغبة المرأة، وأبلغهم إلى نفسها كلامًا، وأغلبهم على طبعها سلطانًا. ويكون الشاعر الأول في عصور الفطرة هو أعنف الرجال عشقًا، وأضراهم هيامًا.
•••

فالعشق في طبيعته الأولى بعيد عن الرفق والسلاسة، وإنما هو شواظ لاذع يلتف دخانه بناره، ويتلهب شوقًا إلى وقوده، فإن أصابه خمد وعاد الشاعر يترنم بهناءة نفسه، ويغتبط بالراحة من سورة طبعه. وإن لم يصب وقودًا كان نقمة لا تُطاق. وأي رقة في قول المجنون:
كأن فؤادي في مخالب طائرإذا ذكرت ليلى يشد به قبضًاكأن فجاج الأرض حلقة خاتمعليَّ فما تزداد طولًا ولا عرضًا إن قلب السامع لينقبض، وإن صدره ليحرج لهذا الوصف. ومع هذا أي شعر أبرع من هذا الشعر، وأي شاعر أطبع وأعشق من المجنون؟ وليس العشق الصادق، حين يشب أواره وتتأزم حلقاته، بالعاطفة التي يود صاحبها دوامها ويستريح إلى مناجاتها. كلا. وإنما هو غمة مطبقة يود المبتلى بها لو تنقضي لساعتها، ويقوم في نفسه عراك لا تهدأ ثائرته، ولا يهنأ بالغلبة فيه، لأنه هو الغالب وهو المغلوب، وكأنما ينزع نفسه من نفسه فيضيق ذرعًا ويغوث من كرب هذا النزاع، نزاع الحيرة التي يقول فيها المجنون:
فوالله ما في القرب لي منك راحةولا البعد يسليني ولا أنا صابرووالله ما أدري بأية حيلةوأي مرام أو خطار أخاطر وكان كاتيولس? الشاعر الروماني يدعو الآلهة قائلًا: «أيتها الآلهة، إن كانت لك رحمة بالقلوب الصديعة المشفية، فبحق براءتي عليك إلا ما نظرت إلى عذابي، ورثيت لما بي، ومسحت عني هذا الوباء الماحق، والبلاء اللاحق، وهذه اللوعة التي تسربت رعدتها في عروقي، فنفت الهناء عن قلبي.» وهي رعدة عروة بن حزام التي يقول فيها:
وإني لتعروني لذاكراك رعدةلها بين جلدي والعظام دبيب ووهلة المجنون التي يصفها بقوله:
دعا باسم ليلى غيرها فكأنماأطار بليلى طائر كان في صدري فإن طاوعته نفسه في نزاعه ذاك وإلا حنق عليها، وذهب به الحب إلى كره ذلك المخلوق المسلط عليه، الذي حرمه نعمة الطمأنينة، وجلب عليه هذا الشر، وفرَّق بينه وبين نفسه، فيحب ويكره في آن، وربما تمنى لحبيبه الموت لعل اليأس منه أن يشفيه كما قال جنادة العذري:
من حبها أتمنى أن يلاقينيمن نحو بلدتها ناع فينعاهاكيما أقول فراق لا لقاء لهوتضمر النفس يأسًا ثم تسلاهاولو تموت لراعتني وقلت ألايا بؤس للموت ليت الموت أبقاها وكان كاتيولس يقول: «إني لأكره وأحب. تسألني كيف ذلك؟ من يدري، ولكني أحس بحقيقة هذا الأمر وشدة برحائه.»
وكذلك كان يقول المجنون:
فيا رب إذ صيرت ليلى هي المنىفزني بعينيها كما زنتها لياوإلا فبغضها إليَّ وأهلهافإني بليلى قد لقيت الدواهيا وليس في نعت الحب بالداهية شيء من الرقة والدماثة، ولكنها حقيقة اتفق عليها شاعران ليس بينهما جامعة من ذوق لغة، أو مشرب قوم أو وحدة زمن، ولكنهما اجتمعا على عاطفة إنسانية صادقة؛ بل اتفق عليها كل شاعر عالج من العشق ما عالجه هذان الشاعران.
وأحيانًا يثوب العاشق إلى نفسه، فيبدو له كأنه مختار في شغفه وسلوته، وكأن الأمر لا يعني غيره، فإن شاء سدر في الحب وإن شاء صدف، وإن شاء مضى مع قلبه وإن شاء وقف. فلا ينشب أن يستيقن عجزه وقلة حيلته، وأن الأمر فوق يده ووراء مشيئته، وهذا الذي يصفه جميل إذ يقول:
ألا قاتل الله الهوى كيف قادنيكما قيد مغلول اليدين أسير وهنا يُخيَّل إليه أو إلى الناس أن قوة فوق قوة الإنسان تقهره على مشيئته، وأن رقية من رقى السحر أو طائفًا من طوائف الجن يحول بينه وبين حريته. كما خُيِّل لذلك الشاعر الروماني حين قال: «أيتها الساحرة، لئن جملتك طلاسمك في عيني لتعلمن أن الوجد أطول أجلًا من الإجلال. وإني لأهواك ولست بعد إلا محتقرًا لك. وإن عد هذا ضربًا من الخيال.»
وكما يقول المجنون:
هي السحر إلا أن للسحر رقيةوإني لا ألقى لها الدهر راقيًا أو كما يقول جميل:
يقولون مسحور يجن بذكرهافأقسم ما بي من جنون ولا سحر وما الجنون والسحر إلا ما به. وإلا فهل للعشق وصف أصدق من أنه مزيج من جنون وسحر؟ هل هو إلا جنون يعتقل العقل ويهزأ بالحذر ويطير مع الأهواء، فإن ثقلت عليه النُّهى أزاحها عن عاتقه ومضى لطيته؟ ألا يعرف العاشق ما يوبقه ولكنه لا يحيد عنه، ويبصر ما يشفيه وهو يأبى أن يذوقه؟ وهل العشق المبرح إلا أن يغطي على السمع والبصر، وأن ينفث النفثة التي لا ينجع فيها طب طبيب ولا نشرة عراف، فإذا بالفريسة المغلولة مأخوذة بين يديه كما يؤخذ المسحور إلى حيث أراد الساحر، وكما يثب الوسنان من وساده على غير هدى، وهو المفيق الخادر والنائم الساهر؟
ولا داعي للعجب من وجود عاطفة في نفس الإنسان تأسره هذا الأسر المؤلم الشديد، ولا من وقوع الإنسان في أسر هذه العاطفة باختياره وأسفه عليها بعد زوال صرعتها وانفثاء لوعتها، ولا من حنينه إلى ما يعانيه من عسفها كما يقول البحتري:
ووددت أني ما قضيت لبانةمنكم ولا أني شفيت غليليوأعد برئي من هواك رزيئةوالبرء أكبر غاية المكبول نقول: لا داعي للعجب من ذلك؛ لأن الغرض من العشق غير مقصور على لذة الفرد ومصلحته، ولكنه غريزة يُراد بها بقاء النوع كله واتصال حبل الحياة جيلًا بعد جيل، فلا عجب إذا صغرت حيلة الإنسان، وعيت مداركه عن مناصبة هواه فيه، لأن المدارك مدارك فرد واحد، والهوى هوى نوع بأسره.
•••

ومن محاسن جميل وإخوانه من الشعراء الغزليين أمانتهم في الإعراب عن النفس والبث بالعاطفة، انظر إلى قوله:
أرى كل معشوقين غيري وغيرهايلذان في الدنيا ويغتبطانوأمشي وتمشي في البلاد كأنناأسيران للأعداء مرتهنان فهكذا ظن جميل، وهكذا يظن كل عاشق يسمع بلذة العشق، ولا يرى أين هي، فيحسب أنه هو الشقي وحده وأن العشاق كلهم سعداء. والحقيقة أن العشق لا يخلو من الشقاء أبدًا، ولو خلا منه لكان أشبه باللهو الذي يتشاغل به البطالون والمجان، كعشق عمر بن أبي ربيعة، والعباس بن الأحنف وأضرابهما من المخنثين. عشق أملس وقشعريرة ناعمة حلوة. فأما ما يبلغ منه الصميم، ويخترق الشغاف، وتتقاتل فيه الأهواء، وينتهب من النفس أخفى خفاياها، وأعمق دفائنها، فبعيد أن يكون لذيذًا بالمعنى المعروف من اللذة.
وما هو إلا أن تخبو في النفس تلك الشعلة وتترك فيها رمادها، حتى يشعر العاشق ببرد الفراغ، ويذوق لذة الاحتراق بعد شفاء الكي واندمال القرحة، ويعلم حينئذ أن السعادة التي سمع بها هي تلك القوة التي كانت تصطرع للظهور، وتتأجج للسطوع. وأن الإنسان يسعد بقدر ما تأخذ نزعاته وعواطفه من مجراها، وتنطلق في مداها، ولو كان في ذلك هلاكه. وأنه خير له أن تكون هي قبره من أن يكون هو قبرها، فيطرح نفسه مرة أخرى بين جناحي العشق الذي كان يجاذب ما يجاذب للإفلات من أوهاقه، ويود لو أتيح له أن يستعيد تلك الغرارة التي استقبل بها العشق للمرة الأولى. وهذا لون من الجنون، ولكنه جنون ليس لإنسان أن يفخر بسلامته منه أو تغلبه عليه؛ لأن التغلب عليه قد يدل على ضعف الطبع لا على قوة العقل. ولا يصعب على أضعف الناس عقلًا أن يكبح هذه العاطفة إذا كان طبعه أضعف من عقله.
وليس مرادنا بأن العشق غريزة نوعية أنه محصور في معنى معين ومحبوس في شعور واحد، إذ لا يخفى أن الغرائز النوعية متداخلة متوشجة، والعشق منها على وجه التخصيص يدخل في كل ما ليس بأناني صرف من الطباع والأخلاق. ولذا سادت الأنانية على الطفولة والشيخوخة؛ لأنهما خاليتان منه، وكانت الشبيبة وهي سن العشق سن الغيرية والإيثار والمفاداة.
فليس تأثير العشق مما يقف عند الغرض الأول منه، ولا هو بمقصور على العلاقة النسلية بين الرجل والمرأة، ولكنه يمتد إلى كل غريزة، سواء أكان لها ارتباط بالشوق الجنسي أم لم يكن. وربما ملك النفس وتمكن منها ولم يبلغ من تأثيره النوعي عليها إلا أن يذكي فيها الغرائز الغيرية التي تقوم عليها علاقات المجتمع، وأن ينمي الأذواق النوعية الأخرى التي تترجم عنها الفنون الجميلة من شعر وتصوير وغناء، ولذا كان أهل هذه الفنون ممن لا يستغنون عن العشق؛ لأن موت عاطفته في نفوسهم يميت أذواقهم الفنية. وقد كان الفرسان في القرون الوسطى لا ينون بين حب وحرب، يوري فيهم الحب نار الشجاعة، وتشعل الشجاعة فيهم قبس الحب، ويستحون أن يكون أحدهم محبًّا، ثم لا يكون بطلًا مغوارًا ينضح عن ملته ومليكه، لما بين الحب وحماية القبيلة أو الأمة من العلاقة الخفية، وكان العرب لا يشهدون قتالًا أو ييممون بلدًا إلا ذكروا ذلك لصواحبهم في شعرهم، واستهلوا به قصائدهم، وافتخروا به في غزلهم ونسيبهم، كأنما هم لم يقاتلوا ولم يرحلوا إلا لأجلهن وابتغاء مرضاتهن. وما جُعل للحب هذا السبق على العواطف النوعية ولا صيره حافزًا لها يثيرها كلما ثار إلا كونه أصلها طرًّا، فهو بلا شك أول غريزة دعت إنسانًا إلى إنسان غيره.
هذه هي العاطفة التي ردها أرقاء الرقة إلى ذلك الغزل المرذول الذي تقرؤه للمتأخرين من شعراء الأندلس والعباسيين.
? قال لورد أفبري في كتابه نشأة المدنية: «للهمج شغف عظيم بالزينة. وإنه ليندر بين قبائل من أوضع البشر من يتزين من النساء لأن الرجال يخصون بالزينة أنفسهم.»? Gaius Valerius Catullus شاعر لاتيني ولد في فيرونا سنة ?? قبل الميلاد ومات سنة ??، وهو من أكبر شعراء العشق في اللغة اللاتينية، ومن أمثال قيس وعروة وجميل وكثير عندنا.
ساعات بين الكتب (?)


الأدب العصري
إذن فهل تُستهجن الرقة في الشعر كله؟ كلا، فليس هذا ما نقوله، وإنما نقول: إن الرقة تُعاب في غير موضعها، وإنها تملح بعض الأحيان في الشعر بقدر ما تملح في الرجل. ولكنها إذا كانت شرطًا من شروطه، وغرضًا يبحث عنه إن لم يوجد فيه، فقد ينم هذا الكلف على داء دخيل، ويشف عن ذبول في الطباع غير جميل.
فمَن ذا الذي يسمع الأغاني الشائعة في أيامنا هذه ممن استقامت فطرتهم، وسلمت من المسخ أذواقهم، فلا يخجله أن يكون هذا الطنين الخافت صدى نفوس آدمية ينتسب إليها وتنتسب إليه، وأنه كل ما تستطيع تلك النفوس أن تعبر به عن إحساساتها، وأن تترجم به عن أسرار حياتها في اللغة التي خلقها الله للأحياء جميعًا، والتي استطاعت الطير وغيرها من خلائق الله العجماء أن تعبر بها عن إحساسات مختلفة، ومطالب منوعة، واستطاع أن يتعاطف بها من لا يتعاطفون بالكلام لقوة دلالتها وشيوع معانيها وعمق مصدرها من غرائز النفس وخوالجها؟
أم مَن ذا الذي لا يؤسفه أن يسمع نقادنا وقراءنا يتسكعون في لطائفهم ورقائقهم الغثة، فيعجبهم الهذر إذا وافق ما يتحرونه من أصول الرقة، ويثقل عليهم الكلام الفحل إذا خلا من تلك الأصول التي يتمحلونها، ويقولون: هذا مما لا يسيغه الذوق، ولا ينبغي أن يُخاطب به المحبوب أو يُشبه به، وهذا يزري من لطافة الشعر وحلاوته، وهذا قبيح بالغزل والتشبيب، وهذه كلمة غليظة أو لهجة خشنة؟ إلى غير ذلك مما يخيل إليك أن القوم خلقوا من الشمع الذائب لا من الطين اللازب.
مَن ذا الذي يسمع هذا وذاك ثم يخطر له أن هذه النفوس خليقة أن يحوك فيها شعور نبيل أو أمل كبير أو عاطفة قوية شريفة، وأنها جديرة أن تصبر على خطب داهم أو تذلل عقبة كئودًا أو تقمع نزعة طائشة؟
لقد حارت الموسيقى والغناء عندنا إلى مثل أنين السقيم الحرض في طلب الممرضة، وبات ينشدنا المغني، وكأنه يشفق أن يذود النعاس عن عيوننا. وجاءنا الغناء الإفرنجي فسخر منه أكياسنا وتنادروا به وتقرر عندهم أن الإفرنج محرومون من لذة السماع، عاطلون عن حاسة الذوق، كيف لا وهم يطربون لهذا الضجيج والصريخ؟ ولأكياسنا العذر، إذ من أين لهم أن يعلموا أن هذا هو الغناء وهم يخافون على آذانهم هذا الخوف؟ ولو كانوا أقل خوفًا عليها من ذلك لعلموا أن الرجل يخالجه الغضب كما يخالجه الطرب، وأن النفس تدوي جوانبها بهزيم الرعد ويتجاوب في نواحيها زفيف الإعصار كما يرن في سمعها قطر الندى وزقاء الأطيار، وأن الغناء هو صدى الطبيعة في النفس، ولم يقل أحد: إن الطبيعة لا تنطق إلا همسًا ولا تطرب إلا بما يخدر وينيم.
وقد نجحف بالريفيين وسكان السواد إذا نحن عممنا القول ولم نخصصه بالحضريين أو بالفئة التي تدعي لنفسها الظرف والفهم منهم، فإن الريفيين برآء من هذه الرقة، وقلَّ فيهم مَن يهتز لأغاني الحضر، ولا سيما الفني منها، وربما تظاهروا بالطرب مجاراة وتقليدًا وخوفًا من أن يرميهم الحضريون بالجفاء وقلة الدراية، وهم في الباطن يمجون هذا الضرب من السماع ولا يتحركون له كما يتحركون لأناشيدهم الشجية الساذجة. وقد سمعت أحدهم في محفل غناء يقول: ما بال الرجل، ألعله يحتضر؟ فضحك الذين حوله وعدوها جلافة قروية! ولولا أن أغاني القرويين لا تجري مجرى الفنون لسذاجة واضعيها ونشوز ألحانها لكانت مثلًا في الغناء بما فيها من روح صريحة صحيحة مفعمة بالرجولة، مع بلاغة في الأداء واستقامة وقصد في العبارة.
لقد كاد عبد الحمولي يحيي فن الغناء المصري وينفخ فيه روحًا جديدًا بمزجه بين الغناءين المصري والتركي? فانتعش بعض الانتعاش بهذا اللقاح. لكنه عاد فاستفل بعد موته، إلا ما جدده بعض المغنين. وفي يقيننا أن الغناء المصري لن يصبح فنًّا عاملًا في حياة هذه الأمة ما بقيت المعازف والآلات التي يوقع عليها الآن على قصورها عن حكاية أصوات الطبيعة وترجيع شتى العوارض النفسية. أما الأدب — فمع أن الشعر لا يتغنى به منذ زمن بعيد — فقد أصابه ما أصاب الغناء وزاد عليه فساد الفكر فوق فساد الذوق وبقايا التقاليد الموروثة، فكانت قيوده أثقل وقرًا، وجموده أصعب مراسًا.
ورثنا آداب الأمة العربية على حين قد خارت عزائمها، ومارت دعائمها، واستحال شعرها إلى كلام من فوقه كلام من تحته كلام. سوى أن لكل كلام — ولو كان دارجًا مبتذلًا — أغراضًا يقصد إليها المتكلم ويتعمد الإفضاء بها إلى سامعه منزهة عن الخلط والعبث. وأما الشعر فكان لا يُقصد به غير الوزن والاستكثار من محسنات الصنعة، فملئوه بالتورية والكناية والجناس والترصيع، وجعلوا قصائدهم كلها كأنها شواهد نظموها ليذيلوا بها كتب البيان والبديع، وظهر في الشعر التطريز والتصحيف والتشطير والتخميس، وراح الشعراء يتبارون في اللعب بالألفاظ وجمعها كما يتبارى الأطفال في جمع الحصى الملون وتنضيده، وكان الشاعر منهم يلاحك البيت بالبيت، أو يشبك المصراع بالمصراع، ويخلط كلامه بكلام غيره وهو لا يحسب أنه يخل بروح الشعر؛ لأنه يلتزم حرف الروي في كل بيت وعروض البحر في كل قصيدة …
ورثنا هذه الآداب على حين فترة من اللغة، فزادها سقوط الأسلوب ورذالته سقوطًا على سقوط، ورذالة على رذالة، حتى صار أهون على الإنسان أن يرفع بيده خرقة ملوثة منتنة من أن يجيل نظره في ديوان شاعر من شعراء هذا الطراز.
ولا تعد فطنة الشعراء في العشرين سنة الأخيرة إلى حقارة النكات والمحسنات الصناعية تقدمًا يُذكر في الأدب بعد ما نشرته المطابع من مخبآت اللغة وودائع الأدب العربي القديم، وبعد تداول الناس أشعار الفحول الأوائل وكتب الأساتذة الفطاحل، لأنها نتيجة قريبة لا بد منها على أثر ذيوع الأدب القديم ومضاهاته بهذا الأدب المعتل السقيم. وهي أقل ما ينتظر من أدبائنا عامة والذين لم يشربوا في صغرهم الشغف بتلك المحسنات خاصة، ومن ثم نرى أكثر المطرحين للمحسنات ممن لم يعكفوا على دراستها في صغرهم، فليس يعد إقلاعهم عنها تغلبًا على جمود ولا تغييرًا لمذهب قديم بمذهب حديث، إذ كانوا قد حطموا قيودًا لم يتقيدوا بها، ونبذوا مذهبًا لم يعتنقوه، وزد على ذلك أن معظم الأدباء إذا استقبحوا هذه المحسنات فلا يستقبحونها ترقيًا منهم في عرفان لباب الشعر وأنفة من كد الأذهان سدى في هذا السفساف، ولكن تعصبًا للقديم واستخفافًا بكل ما هو حديث، وأحسبهم لو تقدم الأوان بالشعراء المصنعين فلحقوا بالجاهليين أو المخضرمين لما وجدوا في شعرهم ما يعاب.
وإنما الحري بأن يدعى تقدمًا مثمرًا التقدم في الإحساس بالأشياء على ما هي عليه، والاستعداد لتمييز أصدق الفنون المترجمة عنها؛ إذ إن هذا في الحقيقة هو التقدم الذي يشمل الأدب وغير الأدب. والأمة التي تباشر حقائق الدنيا بحواسها الظاهرة والباطنة لا يكون قصاراها أن تُخرج للعالم أدبًا صادقًا، وإنما يكون هذا الأدب فيها كالزهرة اليانعة علامة على حياة سائر أجزاء الشجرة، وقد تعددت تعريفات الفوارق بين الآداب الرفيعة والوضيعة، ولكني لا أرى أصوب من ردها جميعًا إلى الفارق بين القائلين والكاتبين، لأنني لم أتبين قط فضيلة تميز رجلًا على رجل أو أمة على أمة إلا تبينت لهذه الفضيلة أثرًا في التمييز بين شعريهما، ولست أرى بين أجود الشعر وأردئه سوى فرق واحد جوهري؛ وهو أن الشعر الجيد ما لم يحل بين قائله والطبيعة حجاب من التقليد أو عوج الطبع، وأن الشعر الرديء ما ليس كذلك.
وإذا عرفنا ذلك فانظر إلى أشعار هذه الطائفة التي يسمونها الشعراء في مصر — أيمكنك أن تصدق أن ما نقرؤه من كلامهم هو كل ما تدخره الطبيعة لابن القرن العشرين من بدائع الآيات وروائع المضامين والأسرار، وهل تدرك من مدحهم وهجائهم وتشبيبهم غاية ما تدركه النفوس من محاسن الحياة ومساويها ومن معاليها وخسائسها؟ ألا ما أضيق الطبيعة إذن وما أحقر الحياة!
وربما سمعت اليوم بعض المتأدبين يُقسِّمون الشعر إلى اجتماعي وغير اجتماعي، ويعنون بالشعر الاجتماعي شعر الحوادث العامة، وبغير الاجتماعي ما يعني قائليه وحدهم، هؤلاء يزعمون أن الشعر زاد عليه في عصرنا باب مبتكر واتسعت منادحه بالنظم فيما يهم الأمة، فلم يعد مقصورًا على الأبواب الخمسة المألوفة في الدواوين القديمة وهي على الجملة: المدح والفخر والهجاء والوصف والرثاء. وهذا جهل وخلط بين أغراض الشعر الحقيقية التي تُفهم من معناه وبين عناوين أبوابه في الكتب، وإلا فأي شعر أقدم من الشعر الاجتماعي عند العرب؟
فهذه دواوين شعرائهم الأقدمين والمحدثين هل خلا أحدها من عدة قصائد في كل واقعة من الوقائع التي كانت تهمهم يومئذ؟ وهل مجرد حدوث الوقائع في القرن العشرين لا في القرن العاشر أو الخامس جاعل للشعر المنظوم فيها روحًا جديدًا أو نمطًا مبتكرًا؟
ثم إننا لا نعرف شعرًا يرويه الناس ويقال: إنه يعني قائله وحده؛ لأن شعر النفس يعني كل نفس، والشعر الذي لا يعني قراءه لا يستحق أن ينظم، وما من شعر نظم إلا وهو بهذا المعنى شعر اجتماعي؛ لأنه يبين عن حالة المجتمع ويؤثر فيها. وإن لم يكن اجتماعيًّا بمعنى أنه يخاطب الأمة أو يدوِّن حادثًا قوميًّا أو عملًا من أعمال الجماعات، وربما خدعك الشعر الاجتماعي عن حالة الأمة لخطأ في رأي صاحبه وانحراف في نظره إلى الحوادث وتقديره لها، ولم يخدعك شعر الغزل مثلًا، وهو أخص القول بقائليه؛ لأن الغزل هو في آن واحد مسبار نفس الرجل ومعيار قيمة المرأة. ومن رأي ماكولي نقادة الإنجليز ومؤرخهم أن أغاني بترارك الشاعر الإيطالي الغزل قد جلت عن المرأة الإيطالية هوانها، ورفعت من شأنها نهضة إيطاليا، وليس هذا الرأي بغريب عند من يعلمون العلاقة بين الغزل وحالة المرأة ونهوض الأمة.
ومما تقدم يبدو لي أنه ربما نشط فن الموسيقى المصري من عقاله، وربما ولد التصوير المصري على أحدث طراز وأحكمه وأتمه، والأدب رهين قيديه بين مزدحم الآراء ومشتجر الأهواء، يختلف عليه الأرقاء الذين لا يريدون أن يسمعوا كلمة لا تمسكها الأصابع بأطراف أناملها، أو تلتقطها الجفون بأهدابها، والجامدون الذين يؤثرون أن يدبروا بالدنيا إلى الوراء، ولا يتزحزحون قيد شعرة عن القديم، وليس لهذا الاختلاف فائدة؛ لأنه لا يدني أحد الفريقين من الأدب الصراح، ولا يهديه إلى خطئه. فالذين ينكرون الذوق السخيف لا يحجمون عن استحسانه متى صيغ لهم في الأسلوب الجاهلي أو المخضرم، والذين ينكرون مذاهب الجاهلية ومعارض النظم عندهم لا ينكرونها متى صيغت لهم في الأسلوب المهلهل الرقيق الذي يستحسنونه. وإذا انتهى الخلاف بينهما بإقناع أحدهما وتحوله إلى رأي مخالفه، فإنه لا يتحول حينئذ إلى ما هو خير من رأيه الأول؛ لأنهما سواء في الخطأ وسواء في البعد عما نسميه بالأدب الصراح.
•••

وما علمت في تاريخ الآداب حالًا أعجب ولا مسلكًا أوعر من حال الأديب العصري في مصر ومسلكه، وإنما عجب حاله وتوعر مسلكه لأن في مصر الأدباء العصريين، وليس فيها القراء العصريون، أو ربما كان فيها القراء العصريون، ولكن الصلة بينهم وبين الأديب العصري مقطوعة.
والقراء في مصر واحد من ثلاثة: قارئ الأقاصيص والنوادر، وقارئ الأدب العربي، وقارئ الأدب الإفرنجي.
فأما قراء الأقاصيص والنوادر فهم أغبى من أن يقرءوا أدبًا قديمًا كان أو حديثًا، وهم أجهل إن قرءوه من أن يميزوا بين زهيده وثمينه، وزيفه وصحيحه. وبغية هؤلاء من الكتب إنما هي تمرين ألسنتهم على الهجاء أو تبديد الوقت في البطالة والفراغ.
وأما قارئ الأدب العربي فإن كان ممن يقرأ فلا يُرَوِّئ في المطالعة بصره، ولا يصير من تلاوة الشيء إلى الحكم عليه، فما أشبهه بقراء الأقاصيص! وإن كان يقرأ ويحكم فهو إنما يحكم بطراز ألفه وشبَّ عليه فلا معدل له عنه، ولا مقياس للأدب العصري غير آداب الأمم التي سبقتنا في أدوار الحياة والفنون، وهو — أي قارئ الأدب العربي — معزول أتم العزل عن آداب تلك الأمم، لا يستطيع نقدها وتقديرها أو يستطيع أن يميط الحجاب عن عالم الغيب، لأن حكم الرجل على ما ليس يعرف، وتوهمه في نفسه القدرة على نقد أدب لا يلحن لغاته، ولا يقرأ كتبه، ولا يلم بسير أدبائه وأخلاقهم وبمحاضراتهم ومساجلاتهم، أو يحيط بآراء النقاد فيهم وأقوال بعضهم في بعض، ويعارض بين عصورهم ومذاهبهم ثم لا يعلم الميزان الذي يزنون به إجاداتهم وملاومهم، هو بمثابة حزر الغيب والخوض في عالم المجهول.
وقد يُحسن هؤلاء الأدباء المقارنة بين الأدبين من جهة واحدة هي جهة المشاركة بينهما، وهي أخس ما في الأدب العصري وأبعده عن جوهره وزبدته، وكأن ترى منهم من يقارن بين أديب محدث وأديب مقلد فيرجح هذا على ذاك لأنه أرجح من قبل المشاركة، ويصفح عما سوى ذلك من الحسنات التي استدق سرها عليه، بل يتعجل فيقضي للأدب القديم جملة على الأدب العصري جملة، وهو إن كان له عذر في جهله بفضائل الآداب الأجنبية، فلا عذر له في الحكم على ما يجهل.
وربما أعجبك من بعضهم أن يأنق للفصل الأنيق أو يستجيد قصيدًا جيدًا، فإذا سألته عما راقه أضحكك أن تراه ينتخب ما لم يخطر للكاتب أو الشاعر على بال، ويسهو عما عمل له وتحراه كأنه ليس في الفصل أو القصيد.
هذا محك أولئك الأدباء على ما علمت من الزلل والانحراف، وهم كما رأيتهم ليسوا بأخبر من قراء الأقاصيص بغرر هذا الأدب وعرره.
وأما قراء الأدب الإفرنجي فأيسر لهم أن يقتبسوه من أمهاته ويرتادوه في لغاته، وأكثرهم لا ذوق لهم ولا بصر باللغة العربية، فما هم بأفهم للمعاني المودعة فيها من سواهم.
كانت حياة الأدب بالقبيلة ثم صارت حياته بالرؤساء في القرون الوسطى. وليست مصر في حال من هذين. ثم صارت حياته اليوم بالقراء، وهم في مصر كما عهدت فهل بقي للأديب العصري إلا أن يجاهد لنفسه، وهل لصنف من هؤلاء القراء حق عليه؟
? قالت اللادي مونتاجو في رسائلها: «أؤكد لك أن موسيقى الترك بليغة مؤثرة جدًّا، وقد أراني أميل إلى تفضيل الموسيقى الإيطالية. إلا أن هذا ربما يُنسب إلى التحيز، وأعرف قينة رومية تغني أحسن من الآنسة روبنصن وتتقن كلًّا من موسيقى الترك والطليان، وهي ترجح الأولى على الثانية» وهذه شهادة امرأة مهذبة، وقد سمعنا نحن ما أيد لنا أن للترك موسيقى حية.
ساعات بين الكتب (?)


عجائب المخلوقات
قلنا في الفصل الذي تقدم على الكتب: إن القارئ الحريص على الفائدة البصير بالاستفادة لا يزهد في قراءة الكتب الغثة، ولا يقصر قراءته على الكتب السمينة، وإنه يجب أن تتم الفائدة من الكتاب والقارئ لا من الكتاب فقط. وهذه خطة قد يكون لقراء بعض اللغات بد من اتباعها، ولكنها مما لا بد منه للقارئ العربي لاختلاط المؤلفات وقلة العناية بتقسيمها، وقد يوجد الغث والسمين في كل لغة، ولكنا لا نراهما ممزوجين مزجًا تامًّا كما نراهما في المؤلفات العربية، فالكتاب العربي خليط يجمعه صاحبه من هنا وثم، ويحشر فيه من جميع ما يحفظ من قصة تاريخية أو نادرة فكاهية أو قصيدة مأثورة أو حادثة مشهورة — فلا يسعك أن تميز بين ما يقرأ وما لا يقرأ لأول نظرة، ولا تجد في نسق التأليف وطريقته تفاوتًا بين كتاب وكتاب، فإن كان هناك تفاوت فهو في الحجم والعبارة لا في التأليف والتقسيم.
وكلمة التأليف وحدها كافية لمن يجهل اللغة العربية ويريد أن يحكم على طريقة التأليف فيها من كلمة واحدة، إذ التأليف هو الجمع، والتأليف العربي إنما هو الصيغة التي ظهرت بها أخبار الرواة وأسانيد النسابين بعد أن تعلم العرب الكتابة واشتغلوا بتدوين الكتب، فكان المؤلف العربي خليفة الراوية أو النسَّابة في هذه الصناعة، وكان الرواة والنسَّابون يجمعون الأخبار والقصائد ويذكرون المحامد والمثالب والأنساب والمفاخر، فلما ذهب الراوية وجاء المؤلف جرى على هذه الطريقة، فكان يضع الكتاب المطول لا يكون له فيه غير توطئة يستهل بها بابًا أو جملة يعطف بها خبرًا على خبر، ولم يشذ عن ذلك غير القليل، وأكثر هؤلاء الشاذين من كُتَّاب الأخلاق والفقه.
وعذر العرب في هذه الطريقة هو عذرهم في كل نقص آخر في السياسة أو الاجتماع، وأعني به انتقالهم فجاءة من البداوة إلى المدنية، وأنهم لبسوا رداء المدنية على طباع البداوة وبقوا بدوًا في دولتهم، وبدوًا في معيشتهم، وبدوًا في تأليفهم وأدبهم، مع ما شيدوا من الآطام وأثلوا من الآثار الجسام.
أقول هذا وبين يدي كتاب وضعه صاحبه «القزويني» على هذه الطريقة، وسماه عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، وهو لو سماه عجائب المختلقات وغرائب المعدومات لأنصف، ولكان الكتاب قطعة جميلة من إبداع الخيال ووحي الفكاهة تشهد لصاحبها بالافتنان في القصص والقدرة على التصور.
وما كنا ننتظر من كاتب ينشأ في عصر كعصر القزويني أن يُصنِّف كتابًا في التاريخ الطبيعي أو في علم الأحياء صحيح البحث جيد الاستقراء، ولكنه كان يسعه على الأقل أن يفرغ تلك الترهات والأساطير في قالب الموضوعات العلمية المبوبة، فلا يفوته الترتيب إن فاته التحري والتدقيق.
ولسنا نريد أن نبحث في موضوع الكتاب، ولكنا ننظر فيه هنا من جانب آخر، فيلوح لنا أنه لم يتجرد من الحقيقة البعيدة وإن تجرد من الحقائق الملموسة القريبة، ونستعرض فيه ما يستحق من أجله القراءة، ولعله يصلح أن يعد جرثومة لمذهب النشوء والارتقاء، نشأ منها في القدم ثم ارتقى عنها ذلك المذهب، فمن ذلك قوله في ترتيب الكائنات بعد أن قسم الأجسام إلى نامٍ وغير نامٍ، وهو ما نسميه اليوم العضوي وغير العضوي: «أول مراتب هذه الكائنات تراب وآخرها نفس ملكية طاهرة. فإن المعادن متصلة أولها بالتراب أو الماء وآخرها بالنبات، والنبات متصل أوله بالمعادن وآخره بالحيوان، والحيوان متصل أوله بالنبات وآخره بالإنسان، والنفوس الإنسانية متصلة أولها بالحيوان وآخرها بالنفوس الملكية.»
وهذا قول لا يعزز بتجربة ولا يدعم ببرهان، ولكن ما ظنك بمكان الفروض والأظانين من معارف الإنسانية بأسرها؟ وهل كانت قضايا دارون نفسها قاطعة في تأييد مذهبه وإثبات نتائجه؟
وعلى أن ترهات الكتب القديمة وفروضها تنفعنا الآن أكثر مما تنفعنا حقائقها؛ لأنها هي البقية الباقية لنا من تلك الأوهام التي تسلطت على العقل البشري في أزمانه الخالية، وهي المفتاح الذي ليس لدينا مفتاح سواه لخزانة المخيلة، وما أكنته من تصورات الإنسان ووجداناته وما انطبع فيها من البدائه العميقة المتغلغلة التي عودتنا أن تنطق بالأحاجي والألغاز وتبهم حتى على صاحبها وهو الذي أوجدها وصورها.
فقد حفلت كتب السلف بروايات المسخاء والمبدولين، وتناقلوا في الحكايات أن الحيوانات المختلفة يتناسل بعضها من بعض، ويتسلسل بريها من بحريها، أجمعت على هذا كتب العرب وغير العرب، واتفقت عليه كتب الدين وكتب الأدب، وهذا الكتاب الذي نحن بصدده مكتظ بتفصيل أنواع هذه الحيوانات وما يتشاكل منها في البر والبحر. فمنها كلب الماء، وقنفذ الماء، وبقرة الماء، وفرس الماء، وزعموا أنها تلد من خيل الأرض، ومنها إنسان الماء، قال القزويني: «يشبه الإنسان إلا أن له ذنبًا، وقد جاء شخص بواحد منه في زماننا في بغداد فعرضه على الناس وشكله على ما ذكرناه، وقد ذكر أنه في بحر الشام ببعض الأوقات يطلع من الماء إلى الحاضرة إنسان وله لحية بيضاء يسمونه شيخ البحر ويبقى أيامًا ثم ينزل، فإذا رآه الناس يستبشرون بالخصب، وحُكِي أن بعض الملوك حُمِل إليه إنسان مائي فأراد الملك أن يعرف حاله فزوجه امرأة، فجاء منها ولد يفهم كلام الأبوين، فقيل للولد: ماذا يقول أبوك؟ قال: أذناب الحيوان كلها على أسافلها ما بال هؤلاء أذنابهم على وجوههم …» ونقل عن يعقوب بن إسحاق السراج: «أن رجلًا ركب البحر فألقته الريح إلى جزيرة، قال: فلم نستطع أن نبرح عنها، فأتى قوم وجوههم كوجوه الكلاب وسائر أبدانهم كأبدان الناس» إلى آخر ما هو مشهور من هذه الأساطير.
فما مغزى هذا الإجماع والتواتر؟ وماذا في طي هذا الاعتقاد بأن الإنسان يتحول أحيانًا من هيئته إلى هيئة حيوان أدنأ منه، أو أن في عالم الحياة مخلوقًا بعضه إنسان وبعضه حيوان؟ هذا شعور لم يرد إلينا من ناحية الحواس، ولكنا لا نجهله. وصحيح أن الخيال مفطور على مزج أشكال الحس وإلباس الموجودات لباس الإنسانية، ولكن لماذا فُطِر الخيال على ذلك؟ أكان يستحيل أن يُفطر على غير هذه الفطرة؟ وهل لو خُلق الإنسان من غير عنصره المعروف كان يتخيل هذا الخيال بعينه؟ ألا يجوز أن يكون مغزى هذا الإجماع والتواتر أن في جبلة الإنسان شعورًا راسخًا بوحدة الخلق وتلاحم سلسلة المخلوقات في النسب على تباين أشكالها وتباعد مراتبها وبناها، وأنه لا حاجز في التكوين بين حيوان البحر وحيوان البر، ولا بين الإنسان وعامة الحيوان؟ شعورًا أعمق من الفكر، لا بل أعمق من الخيال نفسه، يتكلم باللسان فيكني ويلفق ويتكلم بالبديهة فيصرح ويصدق؟ ولماذا ننفي وجود شعور كهذا يصل الإنسان على وجه ما بشيء من أسرار الحياة مع علمنا أن الإنسان قد اتصل بالحياة قبل أن يصله بها عقله وحواسه؟ أليس ترجيح وجود هذا الشعور أولى وأحرى بقدم العلاقة بين الأحياء والطبيعة؟
فلا يبلغن من قصور العقل أن لا يصدق إلا بالعقل وحده، ولا يبلغن من ضيق النظر أن نُفسِّر حواس النفس كلها على أن تنحو نحو الحواس الخمس، كأن الإنسان لا يتصل بالدنيا إلا بها، وكأنما الخيال ليس جزءًا من الإنسان كما هي جزء منه، فربما كانت هذه الترهات والخرافات أقطع في الدلالة على وحدة الخلق من كل شبه ظاهر واستقراء بعيد، وربما كانت كتب الأساطير أسبق من كتب العلم كلها إلى إبداء مذهب النشوء والتمثيل له بلغة لا يتخللها الباطل، وكل ظاهرها باطل وتلفيق.?? هذا آخر ما ينشر في هذا الكتاب من المقالات التي سبق طبعها باسم «ساعات بين الكتب» وهو اسم كتاب ألفناه في منتصف سنة ???? وطبعنا منه خمس كراسات على نفقتنا، ثم اتفقنا مع بعض الكتبية على إتمام طبعه وأسلمناه عدة كراسات من مسوداته التي لم تطبع. وما كدنا نبرح القاهرة إلى أسوان حتى ضم الكتبي ما سبق لنا طبعه وأخرجه في شكل كتاب تام وأغلق المكتبة فلم نقف له بعدها على أثر.
جمال الطبيعة?


نحن الآن في إبان الربيع — جمال الطبيعة على أتمه، والدنيا في زخرف العرس، والأرض قد أخرجت زخارفها، وكشفت السماء عن جبينها، وفتح الليل صدره للساهرين بعد إذ كان كأنما يذودهم عنه إلى الجحور والمخابئ زبانية الزمهرير — فمن باب التحية الفكرية لهذا الجمال الفائض على كل شيء، وهذه الحياة المالكة لكل نفس أن نرجع إلى أنفسنا، فنسبر فيها غور تلك الروعة وذلك الأنس اللذين نشعر بهما بين يدي الطبيعة، وأن نسألها عن سر ما تستهول من جلالها وعظمتها، ومعنى ما تستجمل من روائها وزينتها. وذلك أقل ما يجب علينا للربيع من صلاة الفكر وتسبيحه.
وللطبيعة سر مقترن بسر الحياة لست أتعرض له، وفيها جانب يتصل بإحساسنا ووعينا هو الذي سأبحث فيه هنا. ولست مستهديًا في البحث بالعلم الطبيعي وحده ولا بخيال الشاعر وحده، ولكني أمزج بينهما؛ إذ لا غنى عن تدقيق العلم، وعن سليقة الشعر معًا لمن يود البحث في أمر ينظم طرفاه بين عناصر الطبيعة، وسرائر النفس الإنسانية.
نحن نعلم أن حب الطبيعة من الغرائز، وأن الغرائز مما لا يدخل في حيزة الفكر والقصد، ولكننا نعلم كذلك أن منها ما هو موروث عن الأجداد والآباء، وأنهم كانوا يتعمدون بعض أفعالهم التي صارت غرائز فيما بعد تعمد الإرادة الروية، ثم انتقل الشعور بهذه الأفعال إلى نفوسنا بالوراثة كما يتوارث الحَمَل خوف الذئب ولم يره، أو يتوارث الأرنب خوف كلب الطراد وما أحسَّ له بسطوة.
فإذا خطر لنا أن نقف على سر ميلنا أو نفورنا من شيء من الأشياء، وغُمَّ علينا طريق السبب، فقد يسهل علينا أن ننقب عن موقع ذلك الشيء من نفوس أجدادنا، ثم نقابل بينه وبين موقعه في نفوسنا. وسنجري على ذلك في تعليل الميل إلى الطبيعة، فماذا نرى؟ ماذا كان يبغي أجدادنا الأولون من الطبيعة؟
يخافون الطبيعة ويرجونها كما يخاف الرجل ربه ويرجوه، وكانوا يرتادون فيها الكلأ والري لهم ولأنعامهم، وكانوا يشاركونها في مواسمها وأعيادها؛ لأنهم بعض عناصرها وأجنادها.
خلقت مخيلة الإنسان الأول خلاقين لا يُحصر لهم عدد ولا يُؤمن لهم شر، فكان يخطو من هذه الأرض في عالم حافل بالآلهة والأرواح، مكتنف بالمردة والشياطين، في كل كوكب إله، وفي كل نسمة خافقة روح هفاف، وفي كل عنصر من عناصر الطبيعة رب متصرف. وكان مع هذا محوطًا بالأوابد والضواري يجالدها وتجالده، وينازعها آجامها وتنازعه، فإذا أدلج تمشى كالسارق المتحفز، ونزل به جزع المروع على حياته، تصفر الريح، فإذا هو واجم متربص يحسبها روحًا سارية، فلا يدري أناقمة هي أم راضية، وروح خير هي أم روح شر عاتية. ويسمع حفيف الأشجار فيخالها وجس الجِنِّة والعفاريت تأتمر به، ويومض البرق فيحسبه إلهًا حانقًا ينذره بغضبه، ويختلج كوكب فوقه فيظن له نبأ عنده فيخشع، أو يسمع زئير الأسد وهو لا يبصر مكمنه فينتفض جسده ويهلع، فهو لذلك يرهب الليل كما يرهب المنون.
خرجنا ذات ليلة نستروح الهواء في أرباض بعض المدن، وكان البدر في تمامه، والرمل يلتمع في نوره الشاحب كما يلمع التبر في نار البوتقة، وكان الوقت صيفًا والليلة شديدة الحر، ركد فيها النسيم، وخرست الأشجار، فباتت ظلالها — كما يقول هيني: كأنما دُقت في الأرض بمسمار. فجلسنا عند أحفاف النهر ثم قال أحدنا: هلموا إلى النهر نبترد.
قلنا: هلموا، ونهضنا إلا صاحبًا لنا كان يطربنا برخيم صوته وشجي غنائه، فلم يشأ أن ينهض معنا، وقال: لست معكم في هذا.
قلنا: ولِمَ؟
قال: إن لهذه الأماكن حفظة من الملائكة والجن، وأنهم يسرحون في النهار ثم ينسلون إلى مخادعهم بالليل. ثم قال مازحًا: فإن وطئ أحدكم ذنب عفريت أو داس على جناح ملك، فلا يلومن إلا نفسه!
ما هؤلاء الحفظة الذين تحاشاهم صاحبنا إلا سلالة تلك الأرواح التي عبدها آباؤنا في غسق التاريخ، لدن كان أولئك الآباء يقدسون الأنهار والعيون والينابيع، ويجعلون لها أربابًا تُدعى وتخاف وترجى، ويضعون في كل منها أرواحًا وعرائس يقربون إليها القرابين، ويرتلون باسمها ترانيم الصباح والمساء.
ولسنا اليوم نُؤلِّه العناصر، أو نخشى غارة السباع، ولكنا نشأنا في هيكل قدسه آباؤنا فاقتفينا آثارهم. وربما بلغ أحدنا غاية الجرأة وتنزه عقله عن هذه الأوهام، فجعلها هزؤًا ومجونًا ولم يُؤمن بشيء منها، ولكنه مع ذلك لا يطرق المكان نهارًا كما يطرقه ليلًا، من أثر ذلك الخوف القديم.
•••

والطبيعة بعدُ مرتاد كلأ ومؤنة كما قلنا في أول هذا المقال، لا يتصور كيف كانت تهش لها نفس الهمجي ويهتز لها قلبه، إلا من تخيل نفسه مرة في ركب ضل سبيله في فلاة ديموم، وقد نفد ماؤه وفرغ زاده، فبلغ منه العطش والسغب، وأتلفه القيظ والكلال، حتى يئس من النجاة؛ وأيقن بالهلاك. ثم ارتفعت له بعد ذلك رءوس الأشجار تمتد من تحتها الظلال، ولمعت لعينيه الجداول تترقرق بالماء الزلال. إنه ليعلم حينئذ أن هذه المناظر خليقة بأن يرقص لها قلب الهمجي، فقد كان أبدًا في مثل ذلك الركب، كان يتنقل من بقعة إلى بقعة طلبًا للري والمرعى، فلا يصل إليهما إلا بعد أهوال يتجشمها، ومخارم وجبال تقطعه قبل أن يقطعها، وبعد أن يصارع الضواري العادية، والكواسر الجارحة، أو يقاتل على تلك المراعي والمراتع عشائر يحرصون حرصه عليها. فإذا هو أشرف بعد هذا النصب على وادٍ خصيب لا جرم أشاع في نفسه إحساسًا لا يقارن به إحساسنا الآن بالطبيعة، إلا كما يقارن الصوت بصداه، والوجه بصورته في قرار الغدير. فنحن نخف اليوم إلى الخضرة وإن كنا لا نتزود منها طعامًا، ونفرح بالماء وإن كنا لا نتخذ منه شرابًا. ولكن في باطن هذا الفرح بقية من فرح الظمآن بالري والجائع بالقوت، وما هو في الحقيقة إلا صدى ذلك الفرح القديم وصورة منه باقية في قرارة نفوسنا.
•••

على أن من أحسن ما يروقنا في الربيع أزهاره، وليست هي مما يُخاف فيعبد، ولا مما يُستطعم فيؤكل. فأي شأن لها في نفوسنا؟ بل قل: أي شأن لها في نفوس كثير من الأحياء، فإنها لا تروقنا وحدنا ولكن تروق الحشرات والطيور أيضًا. ومن هذه الحشرات والطيور ما يستهويه جمال الأزهار فيجعله واسطة لتلقيح إناثها من ذكرانها، ومنها ما تعجبه هذه الألوان التي تزدهي بها الرياحين كما تعجبنا، وفي كتب دارون وغيره من النشوئيين شواهد وأمثلة على هذا الإعجاب. فقد ثبت أن إناث بعض الطيور لا تميل إلا إلى آنق ذكورها ريشًا، وأبهاها نقوشًا، وأحسنها في الألوان اختلافًا وترقيشًا، فأية علاقة يا تُرى بين هذه الألوان وبين الانتخاب الجنسي؟
نُرجئ هذا قليلًا لنسأل: ما هو الربيع؟ أليس هو فصل الحب؟ أليس هو الموسم الذي تشرق فيه ألوان الأزهار، فتتزاوج كما يتزاوج الأحياء؟ ألا تنكشف للعشاق علاقة هذه الأزهار بالغرام فيتراسلون بالأنوار الندية، والرياحين الشذية، ويخرجون إذا أقبل الربيع إلى المنازه والخلوات، فيختارون من الأماكن ما تحف به الورود المتعانقة والطيور المتعاشقة، وتفاجئهم بهجة الحب من داخل نفوسهم ومن خارجها في نفثة واحدة من نفثات الطبيعة الحية؟ وأي ميلاد يُؤلِّف بين نسبها ونسبنا، وأية قربى تمت بها الأزهار إلينا ألصق من القربى التي تجمع في موسم واحد بين توالدنا وتوالدها، وحياتنا وحياتها، وامتزاج الجمال والحب فيها بامتزاج الجمال والحب فينا؟
ولم يحقق لنا العلم ما هو سر تأثير الألوان في الزهر على أبصارنا، ولا ما هو سر تأثير الزهر بذاته في شعورنا. ولكنا قد نرى علاقة النور بالألوان، ونرى علاقة الحرارة بالنور، ونرى علاقة الربيع بالحرارة، ثم نرى علاقة العواطف الغرامية بالربيع. فكلها عناصر ربيعية تظهر بباعث واحد في زمن واحد، ولا نرى منها إلا ما هو من الحرارة قابس وبالضوء مزدان ولابس، وفي الحب مغروس وغارس.
الحرارة تنبعث من الشمس إلى جوف الأرض فتتخللها فتنبت البقل والثمرات، ذلك هو الربيع.
والحرارة تبسط نورها على الأزهار فينسج على أورقها اللطيفة ألوانه، يجليها بأصباغه ونقوشه. ذلك هو سحر الألوان وبهجة الأزهار، والحرارة تجري الدم في العروق فتتيقظ العواطف التي أنامها الظل، وتتحرك الحياة الكامنة فيملكها الشوق إلى تجديد الحياة في مخلوق جديد، ذلك هو الحب.
فالربيع والأزهار والحب أشقاء لم يولد بعضها بعضًا، ولكنها تولدت على السواء من أم واحدة هي الحرارة. أو هي الشمس؛ أم الحب والحياة في هذا النظام.
•••

قال ابن الرومي يصف الأرض في فصل الربيع:
تبرجت بعد حياء وخفرتبرج الأنثى تصدت للذكر وقد أخذ عليه صديقنا المازني خلطه في التشبيه بين المذهب الحسي والمذهب النظري. أما أنا فلا أميل إلى رأي الصديق في مؤاخذة الشاعر، وقد أرى أنها لطافة حس فيه جعلت نفسه تشعر بتلك العلاقة الخفية بين تبرج الأزهار وتبرج النساء، ويلوح لي أن المسألة لم تكن عند ابن الرومي مسألة تشبيه جاءت به المناسبة العارضة، وإنما هو شعور غامض في نفسه لا يفارقها. وآية ذلك أنه كرر هذا المعنى في غير ما موضع، فقال في بعض رثائه:
لمن تَسْتَجِدُّ الأرض بعدك زينةفتصبح في أثوابها تتبرج وقال أيضًا:
لبست فيه حفل زينتها الدنيا وراقت بمنظر فتانفهي في زينة البغي ولكنهي في عفة الحصان الرزان وربما كان علة هذا الشعور الغامض اضطراب في جهاز التناسل هيَّج جميع أجزائه المستدقة فهز خيوطها، ونبَّه أقدم وشائجها، ومنها الإحساس بذلك التبرج كما هو في قلب الطبيعة. أما هذا الاضطراب الذي أومأنا إليه، فمما يسهل الاستدلال عليه من شعر ابن الرومي، ولا نخاله يخفى على من يقرأ ديوانه فيطلع على شهوانيته الظاهرة في وصف محاسن المرأة، والتغني بما ظهر وما بطن من أعضاء جسمها، وربما دل عليه رثاؤه لأبنائه واحدًا بعد واحد، وما يشير إليه ذلك من ضعف نسله واضطراب جهازه. أضف إلى هذا ما يؤخذ من أهاجيه فيمن اتهموه بالعنة وأشياء أخرى لا حاجة إلى ذكرها. وفي جملة هذه الأشياء ما تعرف منه أن الرجل لم يكن من هذا الجانب سليمًا، وأنه كان خليقًا بطبيعة تركيبه ومزاجه أن يشعر بتلك الحقيقة، ويستنبط من أغوار نفسه تلك الأحفورة الشعرية النفيسة. ولا غرو فإن النفس إذا شفت كالبحر إذا شف يتراءى لناظره ما خفي في أعماق قراره.
•••

ذلك مجمل رأينا في هذا الذي نشعر به من روعة الطبيعة وحسنها، إنما هو كما يبدو لنا مزيج من العبادة والامتيار والغرام.
? نشرت في المؤيد ?? مايو سنة ????.
الرسائل


الرسالة الأولى?

لم أفتح رواية جوتييه في الأقصر؛ لأنني كنت قد أمعنت في كتاب «سادهانا لتاجور» فأنفت له أن أخلط قراءته بقراءة أي موضوع مما يجول فيه قلم جوتييه وأشباهه، ورأيت أن لا أكون بخلطي بين الكتابين كمن يغازل في المحراب أو يكتب الخمريات على هامش القرآن، فأقبلت على الكتاب حتى أتممته فإذا سِفر من أجل أسفار الدنيا وأحقها بالدرس والتأمل، ولم أكد أفرغ منه إلا على شوق إلى إعادته. ولست أعني أنني تلقيت الكتاب بالإيمان الكامل، ولا أنه اشتمل على كل ما يُعرف من سر الحياة، فإنني لا أنتظر ذلك من كتاب قط، وحسب المؤلف عندي أن يكون في كلامه ما يصح أن يشغل حصة واحدة في مدرسة الحقائق التي تكشفها الحياة لأبناء الفناء.
ولا شك عندي في استمداد تاجور من أصول الفلسفة الهندية القديمة، ولكنه مهما كان مبلغ استفادته من تلك الفلسفة التي استمد منها العالم أجمع، فقد برع في التفسير والإقناع براعة تقرب من الابتداع، وعندي أن المستشرقين الذين قضوا أجيالًا في نبش دفائن العقائد الهندية وإذاعة كتبهم المقدسة لم يظهروا من روح الهند القديمة لمحة مما استطاع تاجور إظهاره في هذا الكتاب الصغير.
أول نوفمبر سنة ????الرسالة الثانية

كتاب «سادهانا» الذي سبقت مني الإشارة إليه هو مجموعة محاضرات تتضمن آراء شتى في الفلسفة الصوفية والدين، كان يشرحها تاجور في مدرسته التي أنشأها ببلدة بلبار من إقليم البنغال للمذاكرة في الحكمة والأدب وفقه الدين، وموضوع الكتاب «تحقيق كنه الحياة» من حيث شعورها بوجدانها، وإحساسها بالخير والشر والجمال، وظهورها في العمل والحب، واتصالها بالكون عامة واللانهاية من وراء ذلك، وقد ألقى بعض هذه المحاضرات بجامعة هارفارد الأمريكية إجابة لطلب الأستاذ جيمس وود، ثم ضمها إلى هذا الكتاب ووسمها بالاسم المتقدم، فكانت بمثابة تفسير لعقيدة تاجور وفلسفته، وهي بعينها عقيدة البراهمة القديمة، لأن الرجل نشأ في بيت اشتهر كباره بالتقوى والورع وإدمان التلاوة في الكتب المقدسة. ولكن تاجور استخدم ملكته الكتابية وموهبته الشعرية في التوضيح والتقريب بضرب الأمثال، وحل الرموز، واستخبار الألفاظ عن معانيها العويصة التي لا تضبطها اللغات إلا بما يشبه الإشارة والتلميح لقلة من يفضي إلى أسرارها، فكان هذا العمل من الشاعر مأثرة على سمعة قومه، بل على قرائه جميعًا، وإن كنت أشك كثيرًا في قدرة سواد الغربيين على فهم وجهة النظر الهندية؛ لأن القوم مغرورون بمدنيتهم غرورًا لا يفيقون من سكرته التي تطمس البصيرة وتكل الإلهام، إلا بعد أن تزول عنهم قوتها وصولتها.
وقد حدثتني على تلك الفئة التي تنعت نفسها بالتحرر من قيود الأدب القديم، وما تقيدت قط بأدب قديم ولا حديث فيكون لها فضل الإفلات من الأسر. وعندي أن هؤلاء الذين يتهجمون على أساطين الآداب الشرقية، ولا يدينون بالشاعرية لغير الغربيين لا يدلون على حرية فكرية أو جرأة أدبية، إنما يدلون على خلو وإقفال وخداج في العقل، مثلهم في ذلك مثل السوائم والأوابد في حريتها؛ فإنها لا تفعل ما تريد علوًّا عن ربقة الأوهام ونبوًّا عن أحكام التقاليد، بل لخلوها من قابلية التقيد حتى بالأوهام الباطلة والتقاليد المهجورة، وعجزها عن فهم الصحيح وغير الصحيح على السواء، وقد يكون لهم بعض العذر إذا قرءوا وتفهموا وقارنوا ثم أخطئوا أسباب المقارنة، واختل معهم ميزان الحكم، فأما وهم ينقدون ما لا يحسنون له مزية، ويرفضون ما لا يعرفون له وزنًا، فهم مسيئون إلى أنفسهم وإلى الناس، بيد أني لا أظن إساءتهم ذات خطر؛ لأنهم لا يقنعون أحدًا بصدق هرائهم إلا كان مثلهم في الغباء وخفة الأحلام، والذي أراه أن ذلك الشيخ الذي كان يحدثك عن كتاب الديوان، ومَن حذا حذوه في الرأي والاطلاع، هم أحق بالخوض في أحاديث الأدب وإبداء الآراء في الشعر والكتابة من أولئك السائمين الهائمين على وجوههم في تيه الخيلاء الفارغة والدعوى الكاذبة، وبودي لو استطعت إزالة اللبس عن عقول أولئك الذين يحسبوننا في عداد الغامطين لكل شعر غير شعر الغربيين، فإنهم يخطئون فهمنا خطأ كبيرًا، فلعل الأيام تسمح لي بالإفاضة في هذا البحث وإظهار معيار الجودة في اعتقادنا إظهارًا يعينهم على معرفة رأينا في كل قصيدة قبل سؤالنا عنها، وينفي عن أفكارهم شبهة التحيز التي لا يعلمون حقيقتها.
?? نوفمبر سنة ????الرسالة الثالثة

أخي الفاضل

لم أشك في أنك كنت تعني مقالة «الخصائص» لكارليل عندما أخذت في قراءة وصفك لأثر مقالته التي كنت تقرؤها، وما استجاشته من خواطرك وشجونك، وأفعمت به نفسك من المعاني والتصورات، فإنني لا أعرف للرجل مقالة تستحوذ على لب قارئها استحواذ هذه المقالة الجزلة الممتعة — ولا غرابة — فهي بلا ريب مفتاح فلسفته ومقياس جميع تقديراته للحوادث والرجال، ولا يكمل درس كارليل بغير دراستها واستقصاء أسبابها من تطورات فكره ووقائع عصره. وإن كان لهذه المقالة عيب فهو أنه جعل فيها الحد بين القوة والضعف فاصلًا حاسمًا لا يعتوره وهن ولا يأذن بثلمة أو منفذ. فالذي يقرؤها يتوهم أن هناك عصورًا قوية لا يتخللها ضعف، وأشخاصًا جبابرة لا يلم بهم فتور أو شك، والحقيقة خلاف ذلك، فإن أقوى العصور عرضة لنوبات الحيرة والخوف، وأقدر الرجال قمين أن يتسرب إليه الخور في بعض هجسات نفسه وأوهام خياله، ومن المستحيل استحالة مطلقة أن يسود الإيمان الملهم عصرًا كاملًا أو رجلًا قويًّا في جميع أدوار حياته وأطوار تفكيره؛ لأن الإلهام لا يوحي التفصيل المسهب، وإنما يوحي خاطرًا مجملًا أو عقيدة غامضة، وللفكر أن يُعمل فيها تحليلاته وأقيسته ويُجيل فيها شكوكه أيضًا، ولهذا لن تجد كاتبًا أو شاعرًا أو فيلسوفًا على مستوى واحد في فيض ذلك الوحي وإغداقه، ولهذا كانت مقالة كارليل نفسها مزيجًا من الإلهام والتفكير العميق والاستنتاج المختلف صوابًا وخطأ وحكمة وشططًا، وأنتم مصيبون فيما لحظتموه من كثرة التفكير فيها على غمطة لقيمة والتفكير في كثير من عباراتها — وهو معذور في ذلك — ألم تعرض للأنبياء والقديسين وساوس وشكوك تقبض الصدور وتشغل الأفكار؟ وليست هذه الوساوس والشكوك التي كانوا يسمونها إغواء وخداعًا من الأبالسة والشياطين إلا فترات الضعف في الإيمان واحتجاب الإلهام، وإلا ذلك التردد الذي كان يشكوه كارليل ويقول من شدة بغضه له: إنه وقف على العصور الخابية والنفوس الخافتة، ويسميه أحيانًا لجاجة، وأحيانًا جدلًا، وأحيانًا سفسطة، حتى ليكاد يخلط بينه وبين المنطق الصحيح القويم. ولكن كارليل قليل التدقيق في توجيهات ألفاظه بحيث يظلمه من يحكم على منطقه بكلماته الظاهرة، ولا بد من تجريد النفس من أسر المفردات والخوض معه في عباب المعاني حتى يعطيه القارئ حقه من الإكبار والإنصاف.
قلت في آخر خطاب لك: إنك أحببت أن تسألني عن قولي — أقصد الغربيين: «إن القوم مغرورون بمدنيتهم … إلخ»، فالذي أقصده بهذه العبارة هو أنني لا أقيس مدنية الغرب بعدد مخترعاتها الحديثة، ولكن بالملكات والمواهب التي أنتجتها. فهل بين هذه الملكات ما هو أعظم وأجل وأرفع من الملكات التي أبدعت صناعات المدنيات الغابرة وعلومها وفنونها؟ إن كان ثمت فرق فهو يسير جدًّا. نعم يسير جدًّا بالنسبة إلى غطرسة المدنية الغربية ودعاواها؛ وأنا أعتقد اعتقادًا جازمًا أن القمة الروحية التي ارتقى إليها نساك الشرق وفلاسفته لم يبلغها غربي ممن نعرفهم ونقرأ كتاباتهم، وإن هذا التقصير عيب كمين فيهم، ويكفي أن أوروبا لم تنبت نبيًّا، وأنها عالة على الشرق فيما تدين به. إن من يقرأ فلسفة البراهمة ليشعر بصغر أكبر أبطال الغرب الروحيين بجانب أولئك المردة الأشداء، إنني لأحسب أن كل مهمة المدنية الغربية هي أن تستحث حياتنا المادية أو الحيوانية على اللحاق بتلك الغاية البعيدة التي أوغلت إليها روحانية الشرق، أما أن تسبقها أو تبتكرها فلا، وكأنما الغرب اليوم خادم قوي يبدأ بأن يقطع الطريق نفسها: الطريق التي سبق السيد? فاجتازها، ولكنه لم يجلب معه مؤنة رجلته وأسباب وقايته، فإذا ما التقى الركبان يومًا تبين السابق من المسبوق، وعرفت لكل قيمة مزيته. حبذا لو تكرمتم فأطلعتموني من أنباء العاصمة الأدبية والسياسية على ما يفوتني علمه بسبب مقامي في أسوان، وسلامي إليكم وإلى الإخوان جميعًا.
الرسالة الرابعة

أخي الفاضل

تسلمت روايتي بلزاك ومرديث وقد شوقتني إليهما، وسأبدأ بقراءة رواية مرديث قريبًا، ولكن ربما مضت برهة قبل إتمامها لأن الرواية طويلة ولست أمعن في القراءة اليوم إلا قليلًا، وسألقاك قريبًا في كل موضع التفات من الرواية، فإن للروايات والكتب معالم تعبرها الأفكار فتلتقي عند الاشتراك في القراءة، وهي بهذا المعرض تلتقي مواجهة لا بالذكرى التي لا يتلاقى بغيرها الجائزون بمعالم الطريق.
الخلاف في أمر المدنية الغربية الحديثة يمكن حصره، فإن كان القصد من تعظيمها أنها بلغت بالصناعات والمعلومات حدًّا لم يتقدمها إليه متقدم معروف، فذلك حق لا ريب فيه ولها الشكر الجزيل عليه. أما إن كان القصد أن هذا التقدم يستلزم حتمًا تفوقًا في الملكات وطاقة العقول، فهنا يقع الخلاف الكثير، فقد يخترع الرجل أداة لطبع ألف نسخة في الساعة ثم يجيء غيره فيخترع آلة أخرى تطبع عشرة آلاف نسخة، ولا يُفهم من هذا إن له من الذكاء والفطنة عشرة أضعاف ما للأول لأن اختراعه أسرع بهذه النسبة. وقد يبتعد السائر عشر مراحل عن نقطة فلا يؤخذ من هذا أنه أقوى على السير ممن لم يبتعد عنها إلا بتسع مراحل؛ لأن الأول ربما لم يسر إلا مرحلة واحدة بدأها من حيث انتهى سابقه، وخلاصة رأيي أن مدنية الغرب الحديثة ليست ببعيدة الغور في نفس الإنسان، فإن اليابان قد أصبحت لها في مدى ثلاثين أو أربعين سنة مدنية مصنوعات ومعلومات كمدنية أوروبا على العموم، فهل يقال: إن مدنية تنقل في أقل من عمر رجل واحد تعد شوطًا كبيرًا في تقدم النوع الإنساني؟ وماذا في صحة المعلومات في ذاتها من الدلالة على عظم القوة المفكرة؟ إن التلميذ الصغير اليوم لأصح علمًا فيما يلقنه من الدروس من أبي الطيب أو أفلاطون، ولكن أين عقل الصبي من عقل الشاعر الحكيم أو الفيلسوف المبتكر؟ وإذا نظرنا إلى الرفاهة المادية نفسها فهل يسعنا الجزم بأن مدنية أوروبا الحديثة زادت سعادة الإنسان أو خففت من شقائه؟ قارن بين رجلين أحدهما ممثل لمدنية قديمة عالية، والثاني ممثل لمدنية العصر الحاضر، فلا يبعد بل الأرجح أنك تجد الأول أفخر ثيابًا، وأشهى طعامًا، وأجمل مسكنًا، وأصح جسدًا من رفيقه، ولا تعرف لمدنية الآخر مزية حتى تسأل في كم من الزمن صُنعت ثيابه أو بُني بيته. هنالك تظهر لنا مزية السرعة، ولكن ماذا وراء ذلك؟ سرعة المخترعات لا تستلزم تفوق القوى المخترعة، وأما بعد ذلك فلا الصانع الحديث ولا المستفيد بصناعته أسعد حالًا من زميليهما في القدم. أزيد على ما تقدم أن الصانع القديم كان أصنع يدًا وأدق حاسة وأكثر مرانًا على استخدام أعضائه من الصانع الحديث الذي صيرته المخترعات آلة تدير آلة، وإني لأعرف في الريف نجارين ينظر أحدهم إلى الخشبة فيقول: إنها زائدة، فإذا قاسها لم يجدها تزيد بأكثر من نصف قيراط، ولم أرَ نجارًا واحدًا تعود الاعتماد على القياس في جميع أعماله يدرك ضعف هذا الفرق.
أما كتب الديانة البرهمية فأشهرها على ما أذكر: Vedas Ramayna, Mahabharata. وهناك كتب أخرى لا أضبط أسماءها لكثرة حروفها وحركاتها. وليست للكتب المذكورة طلاوة كتاب كسادهانا ولا إمتاعه الشعري والأدبي لأنها لم تكن إلا مجموعة شعائر وقصص، وأمثال ومحاورات، هي الديانة البرهمية كما شاء كهان الهند أن يبرزوها للأنظار، لا كما هي في لبابها المجرد، لكن لا يؤخذ من هذا أنها خالية مما يدل على سمو الروح وعلوها في سبحات الفلسفة الدينية وتعطشها إلى إدراك أعلى الكمال المقدور لها في دنياها. خذ مثلًا عقيدة تناسخ الأرواح ثم اتصالها بعد التطهير بالروح الكلي الأعلى، فأي فرض أو أي استدراك مما يرد على الباحث في مصير الروح الإنسانية لم يلحظ في هذه العقيدة المضحكة لمن لم يجشم نفسه هذه المباحث، ففي هذه العقيدة ملحوظ ضعف القول بقسمة الحياة إلى دورين في أحدهما النعيم السرمد أو الشقاء السرمد وفي الآخر التجربة والتحضير، مع العلم بأن هذه التجربة لا تتساوى فيها الفرص ولا الحظوظ ولا النتائج، وملحوظ فيها الرد على الذين يقولون — أوليفر لودج يقول بهذا الآن: إن الروح الحرة أُرسلت إلى العالم لتتقوى بمصادمة قيود المادة، إذ يُرد عليهم بأن الطفل قد يعمر وقد يموت صغيرًا، فماذا يكون نصيب المعاجل في حياته من ذاك التقوي المقصود من الأزل؟ وملحوظ فيها عدم اطمئنان الفكر إلى بقاء الروح منفصلة عن الروح الكلي في العالم الأخير مع بعدها عن مرتبة الكمال وهي مفطورة على طلبه، وملحوظ فيها غرابة القول بالشقاء السرمد أو حصول الجزاء في عالم غير العالم الذي امتُحن فيه الإنسان بالذنوب أو تطهر فيه من العيوب، وملحوظ فيها ما في القول بالقضاء والقدر من التناقض الكثير الذي لا يخلص العقل من شبكته، مهما أجهد نفسه، ومهما بلغ من ميله إلى التسليم، وملحوظ فيها وحدة الحياة من أسفل مظاهرها إلى أرفع كمالاتها المطلقة. وقصارى القول أن هذه العقيدة قد لحظ فيها كل باب موصد ينتهي إليه الباحث في أمر الروح، ثم يرجع عنه طائعًا أو مكرهًا.
قارن هذا بقنوع العالم الغربي بعقيدة الخلاص على كونها مقتبسة بقضها وقضيضها من البرهمية، واذكر أن البرهمية كملت قبل ثلاثة آلاف سنة، وأن الإنسان بطيء في تغيره من عقيدة إلى عقيدة ومن فرض إلى فرض، وانظر بعد المسافة الهائل الذي يفصل هذين العالمين من هذه الوجهة. أما الفلسفة اليونانية فأعظم فلاسفتها الإلهيين أفلاطون. فأما خلود الروح فقد نُقل القول به من الشرق، وأما فكرة ا? Ideas التي أخاله انفرد بها بين فلاسفة قومه فهي لعبة أطفال بجانب ذلك المحيط الزاخر العميق. ومن هنا أعذر شوبنهور في تقديس البرهمية حتى لقبوه البرهمي الحديث، وإن كنت لا أحسبه فهمها على الوجه الذي أفهمنيه منها كتاب سادهانا، فإنني لم أقدر حقيقة المقصود با? Nirvana الهندية إلا بعد قراءة هذا الكتاب. يطول الكلام في هذا المضطرب، وأرى أننا متى التقينا أمكننا التقارب في النظر والحكم، فإن ما يقال في جلسة واحدة لا يفي بشرحه عشرات الرسائل. وسلامي إليك وإلى الإخوان جميعًا ???/???/?????.
الرسالة الخامسة

أخي الفاضل

لم أتمكن بعدُ من البدء في قراءة رواية مرديث؛ لأننا في أسوان وفي هذا الموسم الذي لا ربيع للمدينة سواه نؤثر الجولان في الخلاء على الجولان في ميادين الأفكار، والتفرج بالنظر إلى وجوه الغربيات الحِسَان على التفرج بالنظر إلى رءوس الغربيين المتفلسفين. ولا أكذبك أن للمدنية الغربية لدينا الآن شفيعات كثيرات، فإذا رأيتني أجور عليها فقد يكون الجور مبالغة في الحذر وخوفًا من المحاباة!
إني أبسط لك ما أنكره على المدنية الغربية وما أعترف به لها، وما أجدني غير مستطيع الاعتراف به توضيحًا للجوانب المختلفة من رأيي في هذه المدنية، فأما الذي أنكره عليها فأن تكون قد أنشأت من عندها تقدمًا روحانيًّا يضاهي تقدم الشرق أو يلحق به. وأما الذي أعترف به فهو أنها أبدعت في الصناعة والعلوم مبدعات لم تُسبق إليها، وربما كان من نتائج هذه المبدعات التقريب بين قوى الإنسان المادية وقواه الروحية بعد دورة تحس فيها القوة المادية غاية جهدها فتقصر عند حدها. وأما الذي لا أستطيع الاعتراف به فالقول بأن للغربيين طاقة فكرية لا تلحق بها طاقة الشرقيين ارتكانًا إلى ما يُشاهد من مخترعات وعلوم في مدنية أوروبا الحديثة، لأنني أعتقد أن الطاقة البدنية لا تقاس بنفاسة الحمل، بل بوزنه، فالرجل الذي يحمل قنطارًا من الحديد كالرجل الذي يحمل قنطارًا من الذهب على بعد الفارق بين الحملين في القيمة، وكذلك الطاقة الفكرية لا تقاس بفائدة الشيء المخترع، ولكن بالمجهود الذي استدعاه إظهاره في ظروفه المحيطة به. وإني حين قلت لك: إن اليابان اقتبست مدنية أوروبا في ثلاثين أو أربعين سنة لم أقصد إلا أن هذه المدنية لا يدل ظهورها على خطوة واسعة في طاقة الفكر تخطوها الفطرة الإنسانية قبل أن تصطبغ بصبغتها. وقد قلت: إن هذه السرعة من مفاخر مدنية العصر الحاضر؛ لأنها تختصر الوقت وتعجل قضاء المطالب، فهل المقصود أن مدنية القوم اخترعت لليابانيين عقولًا غير عقولهم، فبفضل هذه العقول الجديدة اختصروا الوقت، فاكتسبوا في جيل واحد ما لم يكونوا كاسبيه لولا ذلك في عشرات الأجيال، وأنهم أسرعوا في التفكير قياسًا على الفرق بين كتابة اليد الواحدة وكتابة المطبعة الحديثة، أو على الفرق بين نسج النول القديم ونسج المعمل البخاري؟ إنك لا تعني ذلك طبعًا. وما دام العقل لم يتغير فتغير المصنوعات له قيمة محدودة لا يعدوها.
وأحول نظرك إلى أن انفراد الأمم الهندوجرمانية — التي لا شك في شرقيتها — بالنبوغ الخاص في عالم الفلسفة والشعر، بل في عالم الصناعات أيضًا لهو أكبر معين على إعطاء المواهب الشرقية حقها من تراث الإنسانية الخالد وإنصاف الغرب والشرق معًا، حدثني شاب أديب مجتهد يقيم الآن في أسوان، ويعنى بالمباحث الكهربائية والتلغرافية منها على الخصوص، قال: إن رجلًا هنديًّا اسمه «رامسارا جام بلتورا» أدخل على التلغراف اللاسلكي تحسينًا مهمًّا مأخوذًا به الآن في جميع البلاد المتمدينة، فلما شرع في تسجيله بالهند غالطوه وتلكئوا في إجابة طلبه واضطهدوه حتى يئس، فالتجأ إلى اليابان ومنها إلى الولايات المتحدة وهناك سجَّل اختراعه، وقال: إن مصريًّا اسمه … عدَّل جهاز الإشارات في السكة الحديدية تمكن من تحويل كلتا دائرتي التلغراف إلى الأخرى بأسهل وسيلة، فأهملوه وثبطوه وهو الآن في الخمسين من عمره لم يتجاوز مرتبه أربعة عشر جنيهًا، فإذا كان فتح المعامل في الشرق وهي مكان التجربة والاختبار ممنوعًا أو معرقلًا، وكان هذا نوع المكافأة التي يلقاها المجتهد خارج المعامل فنحن الشرقيين أولى من غيرنا بالتريث الطويل قبل اتخاذ الركود الصناعي في بلادنا عرضا من أعراض النقص الملازم والقصور الدائم. وقد تكون رواية الشاب محدثي صحيحة برمتها وقد يكون بعضها غير صحيح، ولكني على كلتا الحالتين لا أرى لماذا نحكم على رجل بعيد عن الماء بأنه لن يحسن السباحة؟ ولماذا نصدق القائلين بذلك ممن لا يدلون ببرهان معقول ولا يسلمون من شبهة الغرض؟ وأي حجة كانت عند سكان إنجلترا قبل الميلاد على من يصمهم بالعجز الأصيل عن تمريد الصروح ودرس الفلسفة؟ لا حجة البتة، فما قيمة حجتهم علينا ونحن سبقناهم بتاريخ يدحض هذه الحجج، وليس فينا من آفة قط لا يمكن ردها إلى سبب عارض قريب؟ وقد سألتني: هل المدنية إلا مصنوعات ومعلومات؟ فجوابي أن المدنية بمعناها الحرفي هي أقل من ذلك، ولكن معناها العام يشمل كل ما يوضع مع الإنسان في الميزان إذا أريد تقديره، فهي بهذه المثابة أقرب إلى معنى ا? Culture في العرف الحديث. عقيدة الانتهاء بالنيرفانا بوذية، ولكنها برهمية أيضًا؛ لأن البوذيين يُنسبون إلى «بوذا» الرسول البرهمي في كل شيء إلا في تقاليد الطبقات، ولا يخفى أن بوذا يعبد «برهما» فليست نحلته إلا نحلة برهمية.
إنني معك في ضرورة الاهتمام بتعهد الحركة الأدبية المصرية، وقد قلَّبت مشروع إنشاء مجلة على جميع الوجوه، فإن كانت لديكم فكرة عن مشروع آخر يخلو من بعض صعوبات المجلة المعلومة فأرجو أن تشرحوه لي، لأنني لا أرى إنشاء المجلة من السهولة بحيث يُقدَّم على كل فكرة سواه. ولا أكتمك أنني أرتاب في علة رواج كتاب الديوان، فأرى أن حب الأدب وحده لم يكن بأقوى البواعث على لفت الأنظار إليه، فهل تراه كان يُحدِث هذه الزوبعة التي أحدثها لو خلا من حملة معروفة الهدف شديدة الرماية؟ وإذا كان ذوق الجمهور لا يُستفز بغير هذه الوسيلة، فهل تفيده المجاراة فيه؟ وإن أفادته فهل يحتمل كاتب أن يقصر قلمه على هذا الباب من الكتابة؟ ولست أعدد هذه الصعوبات لميل إلى ترك المشروع، بل لشدة ميل إلى حياطته ووقايته.
سلامي إليكم وإلى جميع الإخوان، وأظن أنه لم يبقَ بيننا إلا شهر فبراير القادم، إذا اعتدل الجو، ثم تجمعنا القاهرة ومجالسها المستطابة وأنديتها الجميلة.
?? يناير سنة ????? كتبت هذه الرسائل الخمس من أسوان إلى صديق أديب بالقاهرة ردًّا على أسئلة أو آراء تُفهم من قراءة الرسائل. وقد أثبتها هنا نقلًا عن صحيفة الرجاء التي نشرتها لأول مرة.? أي: الشرق.
نهضة المرأة المصرية?


قبل عامين أو نحو ذلك، كنا نعمل في مكتبنا الصحفي كالعادة إذ طرق مسامعنا من وراء زجاج النافذة هتاف رخيم ولكنه عالٍ، ضعيف ولكنه سريع متدارك لا يني ولا يهدأ، فعرفت أنه هتاف الأوانس الصغيرات، لأنني عهدتهن في مواكبهن من قبل لا يتمهلن في دعائهن ولا يرحمن حناجرهن وأصواتهن، يرددن أن يحيا الوطن، ويحيا الوطن، ويحيا موات الدنيا قاطبة، في نفس واحد وفي لمحة واحدة، ولا أظلم الجنس اللطيف إذا قلت: إنه إذا طلب لم يصبر على التريث في الإجابة، حتى في الطلب من الأقدار!
ألقينا الأقلام وأطللنا ننظر هذا الموكب الجميل، وما هو بالموكب الذي تمر به لحظة وتطوي هتافه نسمة هواء، ولا هو بالموكب الذي يعصى عليه سمع الدهر فما ظنك بسمع الإنسان، ولا هو بالموكب الذي تمهده ساعة وتطمس آثاره ساعة. إنه موكب أنصتت مصر مئات السنين لتسمع أولى بشائره، فلما سمعتها سمعتها الدنيا كلها معها وتلفت الزمن ونودي في عالم التاريخ بميلاد عصر جديد. إنه موكب لا يعلم إلا الله كم جيل دأب على تنظيمه في ظلام الماضي، ولا يعلم إلا الله كم جيل سوف يثب وثبة النصر والسعادة على توقيع هتافه في أضواء المستقبل؛ وإن الذين سيمرحون في سعادة مصر بعد عشرات الأعوام ومئاتها قلما يعلمون أننا رمقنا مجدهم كله يتتابع أمامنا فوجًا بعد فوج في هذه الطليعة.
أطللنا فرأينا ما لا ينقله إلى السمع ذلك اللجاج المحبوب وتلك اللهفة الطاهرة، رأينا وجوهًا تُشرق من الحماسة بما لا يقوى على نقله النداء والدعاء، رأينا مركبة الأوانس الغاضبات تتقاطر منها الدعوات لمصر كما يتقاطر التغريد من الدوحة الباسقة في نور الصباح الباكر، وإن الشبه لقريب، فما كنا نرى إذ رأينا إلا عصافير الحرية قد انتبهت تحيي فجر مستقبل موموق.
قال أديب كان معنا: لن تضام أمة هؤلاء بناتها، والحق أقول: إنني أردت أن لا نتعجل الفوز فنفقده. فقلت لصاحبي: أوَليس الأولى أن يقال: «هؤلاء أمهاتها»؟
وأتت بعد ذلك أيام مفعمة بالحوادث المنسيات، والخطوب المذهلات، فنسيت كثيرًا وذهلت عن كثير. ولكني لم أنسَ تلك اللحظة ولم أرَ من شبيهاتها إلا ما يذكرني بها، ففي هاتين السنتين توالت دلائل نهضة المرأة المصرية، وشجعت بوادرها أشد الناس حذرًا من تصديق الأمل وأكثرهم توجسًا من ظواهر الأمور، وأصبحت أجد من نفسي طربًا صادقًا لأعلى تهليلات الرجاء بعد أن كنت أتردد في الإصغاء إلى أضعف همساته، ولم أرَ داعيًا لانتظار اليوم الذي يكون فيه أوانسنا الصغار أمهات لجيل جديد، فإنهن منذ اليوم خليقات أن يؤتمن على مجد مصر، وإنهن منذ اليوم ينشئن لمصر مستقبلها العظيم، ولا ريب أن من أبصر الغاية فقد أخذ في إدراكها، ومن عرف الصعوبة فقد شرع في تذليلها.
•••

أين هو الرجل الذي يفهم الحرية وهو يسكن إلى شريكة في الحياة مستعبدة؟ وأين هو الرجل الذي ينعم بثمرة الحرية وهو وليد أم مقيدة؟ وأين هو الرجل الذي تحيا نفسه وقد مات فيها الجانب الذي خلقت المرأة لتحييه؟ إنها العنقاء التي يتحدثون عنها في أساطير الأولين.
ولم يودع الله في نفس الإنسان بعد حب ذاته غريزة هي أقوى من الحب ولا أشد منها تغلغلًا في أطواء نفسه، وابتعاثًا لكوامن استعداده وخفايا مواهبه، ولا أغلب منها سلطانًا على مجامع هواه وبواطن خوالجه وقواه. فالرجل الذي تستولي على قلبه هذه الغريزة النبيلة يريك من العجائب ما لا تراه من غير أولئك الجبابرة الذين تستولي عليهم الآلهة، أو المسحورين الذين يستخرج منهم الاستهواء? قوى لا علم لهم ولا للناس بها، وهل الحب إلا ضرب من التنويم المغناطيسي؟ هل هو إلا تنويم تتغلب به إرادة نوع على إرادة فرد؟ فبهذا التنويم العجيب ينقل النوع إلى الفرد إرادته وزكانته وجملة إحساسه، وبهذا التنويم يتسلط عليه تسلط الأحياء على المادة الصماء، فترى العاشق في قبضته أكبر من فرد بشجاعته وإصراره وشفوف نفسه وتوقد جنانه، وأقل من حجر بطاعته وانقياده لما يراد به وعماه عن أوضح الشبه وأظهر الظنون، يمده النوع بوحيه فيحس من القوة والجمال في نفسه ما لا يكون لفرد أن يحسه، ويجعله في تيقظ الحس كالنائم المستهوي الذي يبصر بأعصاب بشرته ما لا يبصره المفيقون إلا بالعيون. ثم هو يدفعه إلى بغيته كما يدفع النائم المستسلم، يأمره فيطيع، ويزين له المحال فيصدقه، ويريه الحلو مرًّا والمر حلوًا فلا يشك فيما يخيله إليه، بل يقول له: ألقِ نفسك في الهلاك فيلقي بها لا محجمًا ولا وجلًا، وعنده أنه يعمل على لذة قلبه وراحة خاطره. كذلك خُلقت غريزة الحب النوعي، فهي تستحث في نفس أسيرها كل ما فيها من استعداد وكل ما تتسع له من شعور، بحيث لا يخطئ من يقول: إن العاشق يولد مرة أخرى، وإن من لم يعشق فقد حُرم هذا الميلاد ومات بعض الموت وهو في قيد الحياة.
هذه هي القوة الغلابة التي يلغيها من ميدان العمل جهل المرأة، وهذا هو الينبوع الزاخر الذي خُلقت المرأة لتفجره في قلب الرجل، والذي يجففه في قلبه حرمانه من شريكة مهذبة عارفة بكرامتها وكرامته تبادله العطف وتشاطره الحب وتعطيه مثل الذي تأخذ منه من إحساس وشغف ونورانية، فإذا أنكرت على المجتمع ضلالًا في الأذواق، وفتورًا في العزائم، ونكوصًا عن التسابق إلى الأمثلة العليا والمراتب الفاضلة، وكسادًا في العقول، وجمودًا في الشعور، وصبرًا على الهوان، وخللًا في العرف والآداب، فلا تعجب ولا تذهب بعيدًا في البحث عن السبب، إذ أي نقص لا يحدثه في الأمة خلوها من تلك العوامل البعيدة الغور، وأي قحط لا يسلطه على النفس فراغها من نتائج تلك الغريزة المخصبة؟
•••

لن تضام أمة عرف نساؤها الحرية. أجل فهذه قولة حق لا شك فيها، ولكن كم من الشك في قول من يزعم أن عرفان الرجال بالحرية هو حسب الأمة ضمانًا لها من الضيم؟ فإن حرية لا يعرفها غير الرجال أحرى أن تكون حرية شوهاء؛ لأنها كالتربة الشحيحة التي لا يسري غذاؤها إلى كل فرع من فروع أشجارها، فلا نباتها كله بمروي، ولا المروى منه بسابغ فيه الرواء على جميع أجزائه. والمرأة في أمثال هذه الأمم فرع يابس لا خير فيه، وقد يكون الرجل أندى منها حالًا، ولكنها حال لا تنفعه إلا كما ينتفع بالفرع تتمشى فيه الخضرة واليبوسة فلا هو للإثمار ولا هو للوقود، وليس هذا شأن الأمم التي يظفر نساؤها بقسطهن من الحرية، فإنها أمم تستقي الحياة من أبعد أطرافها وترسلها إلى أبعد أطرافها. فهي شجرة يانعة لا حطبة لينة.
وعلى أننا كثيرًا ما عرفنا رجالًا خطبوا الحرية ثم خانوها ونذروا لها أعمالهم ثم كفروا بها ولم يؤدوا حقوقها. وربما استحبوا النفاق لضمائرهم أو اضطروا إليه اضطرارًا يخجلون منه ويتلمسون له المعاذير من مضائق العيش ومتناقضات الأيام. أما المرأة فما الذي يمنعها أن تؤدي ما عليها للحرية من حقوق؟ لا يمنعها منها إلا من يمنع اللبن أن يسيل من ثديها سائغًا إلى ثغر رضيعها، وإلا من يمنع المهد أن يهتز على أشجى ترانيم الوطنية والفضيلة، وإلا من يمنعها في كسر بيتها أن تربي صغارها التربية التي تختارها وأن تناغيهم باللغة التي تحبها. وليس على الأرض قوة تمنعها من شيء من هذا إذا أرادته. وإن امرأة تريد هذا ولا يمنعها مانع منه لهي معقل للحرية لا تزعزعه الطوارئ ولا يُخشى عليه من «مضائق العيش ومتناقضات الأيام».
ومن البديهي أن للمرأة خصائص لا يشاركها فيها الرجل جعلتها أصلح منه لأداء كثير من الواجبات المدنية فضلًا عن واجباتها الطبيعية؛ فهي على الجملة ألطف منه شعورًا، وأدق حسًّا، وأصدق زكانة في العلاقات الجنسية، وأحرص على تقاليد الدين وأحكام العرف، وأشد احتفاظًا بما يصون هناءة البيت، وغير ذلك من الخصائص التي تنفرد بها أو ترجح على الرجال فيها. وسنرى اليوم الذي تظهر فيه آثار هذه الخصائص البارزة في المجتمع المصري، ويتبارى فيه كل من الجنسين في تنويل مصر أنفس ما يملك من مزايا جسمه وعقله وروحه. وهي في حاجة إلى جهد أصغر صغير من أبنائها وبناتها. وربما سبقتنا بعض الأمم إلى تقسيم الفروض الاجتماعية بين الرجل والمرأة على قدر معلوم وبقانون مرسوم، وربما سمعنا في هذا الباب من الغرائب ما لا يخطر الآن على البال. ففي السويد مثلًا كاتبة كبيرة تدعى «ألن كي» تقترح أن يُفرض التجنيد على الفتيات كما يفرض على الفتيان، فتقضي كل فتاة تبلغ الثامنة عشرة من عمرها مدة سنتين في الخدمة العمومية. وفيم تقضي هذه المدة؟ لا في حمل السلاح طبعًا، ولا في التدرب على إطلاق المدافع وحفر الخنادق، ولا في شن الغارات وتدويخ المستعمرات. وإنما تقضيها في التدرب على وظائف الأمومة بين مدارس الأطفال وملاجئ المرضى ومستشفيات الولادة ومعاهد الفنون الجميلة وما هو من هذا القبيل.
ولا يبعد أن يُنفَّذ هذا الاقتراح وأغرب منه في أمم الشمال، ولكننا هنا لا ننتظر حتى يعلم نساؤنا واجباتهن من القوانين الموضوعة والأوامر المشروعة، فإن المرأة المصرية في وسعها أن تتدرب على أشق أعباء الأمومة، وأن تؤدي أشرف الفرائض القومية دون أن تضطر إلى المبيت في الثكنات والارتداء بالكسوة العسكرية ولو في جيش مسالم!
وسيغضب عليَّ أنصار القديم. لا لأني قلت شططًا في ابتهاجي بنهضة المرأة المصرية، ولكن لأمر صغير بسيط: وهو أنني قرنت بين كلمة الحرية وكلمة المرأة، وهم يكرهون جد الكره أن تقترن هاتان الكلمتان في وقت من الأوقات. لا في العصر الحاضر ولا في مستقبل قريب أو بعيد.
ولو سألتهم: هل تحبون الحرية لأنفسكم؟ لقالوا: نعم نحبها. ولأبنائكم؟ نعم ولأبنائنا. ولأمهات أبنائكم؟ هنا يسكتون.
فهم يتمنون لأنفسهم العلم والحرية والجاه والسيادة والحول والطول ولا يجودون على نسائهم من هذه الدنيا الفسيحة بغير الحلي والثياب. وحتى هذه ما كانوا ليجودوا بها عليهم لو لم يكن لهم فيها حظ كبير.
يريدون أن يكونوا ملوكًا مستبدين، ولكنهم يأبون لأمهات ولاة عهودهم أن يكن ملكات، فسبحان الله! هذا ليس من العدل، هذا مخالف على الأقل لأحكام القصص المرعية وأصول الخرافات المدونة، فإننا نعلم أن الملوك في تلك القصص يهبطون من سماء عليائهم ليحبوا الراعيات الفقيرات ويتزوجوا منهن، ولكننا نعلم كذلك أن الطقوس المسطورة لا تنتهي هنا. إن الحب الملكي يرفع أولئك الراعيات إلى مرتبة ملكات، فيجلسن على العروش ويلبسهن التيجان ويتعلمن الأمر والنهي كما يتعلمن السمع والطاعة، وهذه سنة الخرافات وهي عندكم لها المنزلة العليا فوق كل منزلة، فإذا نظرنا اليوم راعياتنا بالأمس يمددن أيديهن إلى التاج فيلبسنه ويتقدمن إلى العرش فيرتقينه، فمن مظاهر الأبهة إن لم نقل من قواعد الإنصاف أن نحييهن ونصفق لهن، لئلا نكون ملوكًا بغير ملكات، أو لئلا يكنَّ ملكات على رغم أنف الملوك.
ولكن ما لنا ولأنصار القديم نُسوِّد بهم بياض الصحيفة، لقد خرجت نهضة المرأة المصرية من أيديهم وانتقل لواؤها من صفوفهم، فليتقدم في أيدي رافعاته ورافعيه على بركة الله إلى قبلته المنشودة. قبلة النجاح والرفعة إن شاء الله.
? نشرت في العدد الثاني عشر من الرجاء.? التنويم المغناطيسي.
سر تطور الأمم


كتاب من الكتب القيمة وضعه عالم فرنسي جليل، وعرَّبه وزير مصري عامل. والكتاب على صغر حجمه وإيجاز أبوابه من الأسفار التي قلَّ أن يلج مثلها إلى عقول المصريين من جانب اللغة العربية. وأيسر ما يقال فيه: إنه سيعود القراء أسلوب البحث الجديد فلا يركنون إلى تلك المباحث التي مدارها على التلفيق، والتي هي براء من المعنى براءتها من صدق النظر والتحقيق. وما أكثر الكُتَّاب الذين كانوا ينظرون عندنا إلى أعضل مسائل الاجتماع وأغلق أبواب المستقبل، فيشكلونها أشكالًا كما يتخيل الواهم صور الجمال والثعابين والحيتان في قطع السحاب المذعذعة في السماء. وما هو إلا أن تتم في ذهن أحدهم صورة ملفقة على هذا النمط حتى يبرزها للناس قضية مسلمة، ويبني عليها النتائج البعيدة والنظريات الخطيرة.
أفرد المؤلف أكثر فصول الكتاب لتجلية الفكرة التي يحوم حولها في أكثر كتاباته؛ وهي أن لكل أمة روحًا تُسيِّر أعمالها، وأن هذه الروح هي التي تكيف أطوار الأمة وتشكل ملامحها الظاهرة، وإليها يُعزى سبب كل حركة من حركاتها. وقد غالى في وصف ما لهذه الروح من الأثر في كافة أحوال الأمة إلى حد يوهم أنه يُنكر ما للعوارض الطارئة من الأثر الثابت في حياة كل أمة، والحقيقة أن هذه العوارض ذات شأن كبير في تاريخ الأمم لا يحسن إغفاله، ولا سيما من وجهة النظر السياسي؛ لأن السياسي الحاذق يجلس مجلسه من السفينة ليرقب ما يهب عليها من الأعاصير، ويثب إليها من الأمواج، ولا يغنيه علمه بأدوات سفينته وفجاج البحر الذي تسلكه عن الدربة على قيادتها بين تلك العوارض، وإلا فإن ثورة واحدة منها خليقة أن تهوي بالسفينة إلى القرار. وهل العوارض الطارئة إلا الخيوط التي يُنسج منها روح الأمة ويتكون من مجموعها سلسلة اختباراتها وذكرياتها الماضية! فهي لا تجعل في الأمة شخصًا غير شخصها، ولكنها تغير بنية ذلك الشخص، ولا شك أن لروح الأمة دخلًا في تاريخها، ولكن بقدر ما للإرادة في تاريخ الفرد، وكثير ما تكون الإرادة منفعلة بما يطرأ عليها ولا تكون هي الفعالة إلا إذا جاءت الحوادث بما يوافقها. فالمؤلف مبالغ في تقدير طول الزمن الذي يرسخ فيه المبدأ فيصير عقيدة موروثة وجزءًا من أجزاء تلك الروح، وهي مبالغة غير محمودة؛ لأنها تقف المصلحين موقف الحذر الشديد عند كل حركة جديدة، وتصغر من قيمة الفرص الوقتية في حسابهم. لا سيما إذا علمنا — كما يقول المؤلف — أنه لا سبيل إلى تشخيص روح الأمة ومزاجها تشخيصًا يقطع الشك باليقين، فيعتمد عليه السياسي دون الاعتماد على الفرص العارضة الوقتية، وذلك واضح من غموض الفكرة في كتابه ومن إلمامه بها إلمامًا لا يضبط دقائقها. حتى إن القارئ ليخرج من الكتاب وهو لا يدري حد الفارق بين روح الأمة الإنجليزية والأمة الفرنسوية، مع أن هذا المبحث يكاد يكون موضوع الكتاب الذي جاهد المؤلف غاية الجهد لتبيينه وتفصيله، ولا ريب أن مثل هذه الفوارق التي لم يعتمد فيها المؤلف على الحس القريب لا يصح أن تكون أساسًا للأحكام العريضة التي سجلها على أكبر مبادئ العصر، بل على الدين الجديد في عرفه ونعني به الاشتراكية، فإن كان الغرض من تقرير تلك الفكرة المبهمة الإشارة إلى اختلاف الأمم في الأمزجة فذلك ما لا نزاع فيه، أما إن كان يرمي به إلى أبعد من ذلك فالحق يقال: إن قدمي هذه الفكرة لا تحملانها إلى أبعد من تلك الغاية؛ إذ ليس في الكتاب ما يبين بيانًا جازمًا أن الحادث الذي يقع في هذه الأمة لن يقع مثله في أمة أخرى، وليس فيه حجة دامغة تنفي القضايا التي قررها علم مقابلة التواريخ وأيد بها قول القائلين: إن للأمم أطوارًا تمر بها كل أمة حية، وإنه إذا اختلفت الأزمان بعدًا وقربًا فذلك لاختلاف المناسبات والطوارئ ولشيء قليل من تباين الأمزجة، ولكن هذا التباين لا يمنع الأمة أن تعتنق كل رأي في حينها المقدور لها، وإن كانت ربما دعته بغير ما يُدعى به في الأمم الأخرى. تبعًا لاختلاف اللغات، وتفاوت الأحوال والعادات.
فليس في مجلس إنجلترا مثلًا حزب اشتراكي كحزب فرنسا الاشتراكي، ولكن فيه حزبًا للعمال، وكلا الحزبين غايته واحدة ومطالبه متشابهة وهي إنصاف طبقات العمال من أصحاب الأموال. والدكتور لوبون يقول مع ذلك: إن الاشتراكية شاعت في فرنسا لأن مزاج أهلها يميل بهم إلى الاعتماد على الحكومة، ولم تشع في إنكلترا لأن الإنكليز أهل استقلال لا يعولون على غير أنفسهم، دع ذلك وانظر صوب ألمانيا، فإنك ملاقٍ فيها شعبًا اشتراكيًّا صريحًا وحزبًا يمثل الاشتراكية في مجلسها هو أقوى الأحزاب وأوسعها نفوذًا. والألمانيون — كما تعلم — شعب سكسوني قريب مزاجه من مزاج الأمة الإنجليزية، فما باله في هذه الحالة أشبه بفرنسا اللاتينية منه بإنكلترا السكسونية؟ وكأن الدكتور آنس ركة في تعليله في هذه النقطة، فجعل الاشتراكية آفة أوروبية عامة، وعبر المحيط الأطلسي ليجد له في الدنيا الجديدة برهانًا يدعم به رأيه، فقال: «وإذا أردنا أن نعرف بكلمة واحدة ما بين أوروبا والولايات المتحدة من التفاوت قلنا: إن الأولى مثال ما يمكن أن تنتجه الأمة التي قامت فيها الحكومة مقام الفرد. والثانية مثال ما يمكن أن تنتجه همة الأفراد الذين خلصوا من كل ضغط رسمي. وليس لهذه الفروق الكلية منشأ إلا الأخلاق، ومن المحقق أن الاشتراكية الأوروبية لا تجد لها مكانًا تنزل به في البلاد الأميركية؛ لأن الاشتراكية آخر دور من أدوار استبداد الحكومة، فلا تعيش إلا في الأمم التي شاخت بعد أن خضعت قرونًا طويلة إلى نظام أفقدها الأهلية لحكم نفسها …» ا.?.
ولكنا نقول للدكتور: إن الاشتراكية قد سبقته إلى الولايات المتحدة أيضًا، وأنها ليست في بلد من البلدان أجهر صوتًا مما هي هناك.
فقد طاردت حكومة الولايات المتحدة منذ سنوات أكبر شركات الاحتكار، فحلتها وألزمتها غرامة فادحة. وكان الجمهور الأميركي يهلل لها ويثني عليها. وربما ظهر ميل الجمهور الأمريكي إلى الاشتراكية بمظهر أقوى من هذا في برامج الأحزاب أيام الانتخابات، وفي تسابقها جميعًا إلى إرضاء طوائف العمال ومهاجمة كبار الماليين، وفي تحبير الصحف الفصول الطوال في تقبيح مطامع الأغنياء والعطف على الفقراء، فإن كان الدكتور يعنى بالاشتراكية فليهدأ بالًا فليس في أمريكا ولا في أوروبا، لا بل ولا في الدنيا بأجمعها اشتراكية.
•••

أما فيما خلا وصف روح الأمة وشرح ما لهذه الروح من التأثير في تكوينها، فالكتاب بجملته حملة منكرة على المساواة والاشتراكية، يخيل إليك أن الدكتور لوبون يكتب عن المساواة بقلم شارل الأول أو لويس السادس عشر، وأنه يكتب عن الاشتراكية بإيعاز من روتشيلد أو روكفلر، فتراه ينعي على مبدأ المساواة، ولكنك لا تعلم منه كيف يكون عدم المساواة، وتراه يتشاءم من الاشتراكية كما يتشاءم الناس من نعيب البوم. لا يعلمون لذلك التشاؤم سببًا.
فمن أقواله عن المساواة: «غاب عن بعض الفلاسفة تاريخ الإنسان، وتقلب ماهية قوته العاقلة، وتغير قوانين تناسله الطبيعية، فقاموا ينشرون في الناس فكرة المساواة بين الأفراد وبين الشعوب.»
«خلبت هذه الفكرة أذهان الجماعات، فارتكزت في عقولهم ارتكازًا قويًّا، وآتت أكلها بعد زمن يسير، فزعزعت أسس الجمعيات الأولى، وولدت أعظم الثورات، ورمت أمم الغرب في اضطرابات شديدة لا يعلم مصيرها إلا الله.» ثم يقول: «إلا أن العلم تقدم وأثبت بالبرهان بطلان مذاهب المساواة، وأن الهوة التي أوجدها الزمان في عقول الأفراد والشعوب لا تزول إلا بتراكم المؤثرات جيلًا بعد جيل.» ثم يقول بعد ما تقدم: «ما من عالم نفسي، ولا من سائح ذي نظر، ولا من سياسي مجرب إلا وهو يعتقد الآن خطأ ذلك المذهب الخيالي؛ أعني مذهب المساواة الذي قلب الدنيا رأسًا على عقب، وأقام في القارة الأوروبية ثورة ارتجَّ الكون منها، وأذكى في القارة الأميركية نار حرب الأجناس، وصيَّر جميع المستعمرات الفرنسوية في حالة محزنة من الانحطاط، ومع ذلك فقل ما يوجد بين أولئك المفكرين من يقوم في وجهه بمعارضة ما …»
كل ذلك جرى من سريان مذهب المساواة! على أن دعاة المساواة لم يشطوا في مذهبهم، ولا قالوا: إن الناس طبعوا على غرار واحد في العقل والفضل. وهل ترى أن دعوتهم إلى تساوي الناس في الحقوق أمام القانون تعطل تنازع البقاء بينهم، وتذهب بمزايا التفاوت بين قادرهم وعاجزهم؟ أليست هي أحرى أن تفسح المجال لهذا التنازع، وترفع العوائق التي يضعها في طريق المنافسة استئثار بعض الناس ببعض المنافع بلا موجب للاستئثار؟
يحق لأعداء المساواة أن ينكروا على دعاتها كل الإنكار، ويحق لهم أن يحتجوا عليهم بأن العلم تقدم وأثبت بالبرهان بطلان مذاهب المساواة، يحق لهم ذلك إذا كان دعاة المساواة في شك من هذه الحقائق، أو إذا كان قد قام منهم قائم يمني العامل الجاهل بأن يتبوأ منصة الفيلسوف في الجامعة، أو يُسوِّل له أن يُطالب بوظيفة الطبيب أو المهندس. ولكننا نعلم أن داعيًا كهذا لم يقم ولن يقوم؛ لأن مديري البيمارستانات لا يفرطون في مثله إذا ظهر. وكل ما يُمني به الداعي إلى المساواة ذلك العامل الفقير أنه يكون متساويًا مع سائر الناس في الأمن على حياته. وهل في ذلك من ضير؟ ومتى كان مبدأ المساواة لا يمنع إنسانًا حق التمتع بثمرة تفوقه في المعارف أو المواهب العقلية على سواه فأي ضير فيه؟
يَصِم الدكتور هذا العصر بأنه عصر الجماعات، وأنه يبيح الفرد الجاهل من الحقوق السياسية ما يبيحه المتعلم، وأن صوت الدكتور الفيلسوف كصوت الزارع الغبي في إنابة النواب وانتخاب الحكام … إلى آخر ما يقول في تنديده بروح الديمقراطية، ولكنه ينسى أن التساوي في أصوات الانتخاب ليس إلا تساويًا صوريًّا، وأن لكل إنسان من الأصوات في الواقع بقدر ما له من العقل والقدرة على إقناع سواه باختيار من هو أفضل من غيره للنيابة، وكذلك يصبح أكبر الناس عقلًا واستعدادًا للإقناع أكبرهم قسطًا في سياسة بلاده. فإن كان بعض الموسرين يستعين بالمال على شراء الأصوات، ويستخدم تلك الأصوات المتعددة في غرض واحد، فذلك ما يشكو منه الاشتراكيون الذين ينقم عليهم الدكتور لوبون.
وهبنا أبطلنا اليوم مذهب المساواة. فمن يا ترى يحكم بين الناس ويُقدر لكل منهم ما هو أهل له من الحقوق السياسية والأدبية؟ أترانا نلجأ في ذلك إلى الحكومة؟ ذلك ما يأباه الدكتور؛ لأنه يريد أن يقصر عمل الحكومة على الضروري الذي لا يسع الأفراد القيام به. فأولى به — وهذه إرادته — أن لا يدعها تتدخل بين الناس حتى في ترتيب أقدارهم وتمييز درجاتهم، كأنما هم كلهم موظفون في دواوينها — فلم يبق إذن إلا أن نترك الناس يدعي كل منهم من الحقوق ما يقدر على تحصيله بذراعه — وبمثل هذا النظام نثوب إلى الصواب ولا نكون قد تركنا أضغاث أحلامنا بالمساواة العامة تغشى بصائرنا، لأننا «إذا تركنا أضغاث أحلامنا بالمساواة العامة تغشى بصائرنا كنا أول ضحاياها، فما المساواة إلا بين المنحطين وهي مطمح آمال صعاليك العقول يحلمون بها وهم بأحلامهم من التعساء» … إلخ إلخ، أليس كذلك؟
•••

ذلك حديث صاحب الكتاب عن المساواة. أما الاشتراكية فهو كما يرى من الشذرات التي نقلناها عنه شديد الطيرة منها، وهو يمثلها تمثيلًا مشوهًا، ويعمد إلى شر مذاهبها فيعرضه على القارئ في حالة مشنوعة ثم يعمم حكمه على مذاهب الاشتراكية بحذافيرها. فتارة يحكم بأنها ستؤدي بالأمم إلى أرذل درك الانحطاط حيث يقول: «نعم لا حاجة لأن يكون الإنسان ضليعًا من علم النفس ولا من علم الاقتصاد لينبئ بأن العمل بمقتضى مبادئ الاشتراكية يفضي بالأمم إلى أرذل درك الانحطاط وأخزى صور الاستبداد.»
وتارة يعرضها لك كما تتصورها أذهان الجهلاء الواهمين، فيسبق إلى ظنك أن هذه الاشتراكية صنف من الأفيون استورده أئمة الاشتراكية من بكين. فهي كما يقول الدكتور: «تُمثِّل في ذهن النظري الفرنساوي صورة جنة تساوى الناس فيها فتمتعوا بالسعادة الكاملة في ظل الحكومة، وتُمثل للعامل الألماني حانة طبق دخانها وطفق رجال الحكومة يقدمون لكل قادم أطباقًا من لحم الخنزير والكرنب المملح ودنانًا من الجعة … إلخ».
ولا يخلو كلام الدكتور من بعض الصواب، ولكن أي مذهب من مذاهب الاجتماع، أو دين من أديان الأمم سلم مما تعرضت له الاشتراكية من التحريف والتشويه؟ وأي فكرة كبيرة أمكن أن تصل إلى أذهان العامة على حقيقتها دون أن يمزجوها بأحلامهم ويضيفوا إليها من تفسيراتهم وخطرات أوهامهم ما هي بريئة منه؟ فمن الظلم أن تعد هذه الأحلام أكثر من ظل للاشتراكية يقترن بها ويحاكيها، ولكنه شيء آخر منفصل عنها. وقد تكون هذه الأحلام لازمة لها كما تلزم الأحلام كل نحلة ورأي، ولكنه يجب أن لا يخلط في الحكم بينها وبين مبادئ الاشتراكية وقواعدها العملية. وهذه المبادئ والقواعد لا تُدحض بالسفسطة، ولا تُنقض بالتعوذ والحوقلة؛ لأنها نشأت من حاجة ضرورية شعر بها الناس وتكلموا فيها قبل أن يعلنها الفلاسفة وأهل النظر. وكيف تدفع الحاجة إلى الاشتراكية بالسفسطة والمغالطة أو بالمنطق والبينة، وهي كما يقول الدكتور: سر «لا يعرفه إلا علماء النفس الواقفون على أسرار الحياة» و«لا تأتي الأدلة التي تقنع به من طريق العقل»؟
يقول بعض الكُتَّاب كما يقول الدكتور: إن الاشتراكية نذير الانحلال والضعف، وإنها لا تفشو في الأمم إلا على وشك من إدبار مجدها واختلال نظامها ونفاد ما فيها من قوة حيوية. وبين القائلين بما يقرب من هذا الرأي رجل يقتبس آراءه في الاجتماع من أطوار التاريخ المصري وهو العلامة فلندرس بتري الباحث الأثري المشهور. فهذا العلامة قد استخلص من أبحاثه في تقلبات الدولة المصرية أن الدول تنشأ في مبدأ ظهورها على يد فرد قوي مستبد، ثم تنحدر منه إلى فئة من العلية والمقربين، ثم تنحدر إلى الحكم الديمقراطي أو حكم الطبقات الوضيعة فيعتريها من هنا الضعف فالسقوط في قبضة مستبد جديد. وهكذا دواليك. وقد طار أعداء الاشتراكية فرحًا بهذه الشهادة وراحوا يقذفونها في وجوه الاشتراكيين معتدلين ومتطرفين، وحملوهم وزر إسقاط الدول والجناية على الحضارة. كأنما هذا الترتيب الذي استنبطه بتري — على فرض صحته — قاطع في الدلالة على أن الاشتراكية أو الديمقراطية هي علة السقوط الذي يعتري الدول، وأنها لا يجوز أن تكون عرضًا من أعراضه ونتيجة من نتائجه! وكأنما يكفي لمداواة ذلك السقوط أن تُمحى الاشتراكية ويُمحق الاشتراكيون، ولا يجوز أن يكون الدواء الناجع مرتبطًا بدواء العلة الدفينة التي أطلعت الاشتراكية وأطلعت أعراض السقوط معًا، وإذا كانت الاشتراكية على هذا التقدير عرضًا للعلة وليست هي العلة نفسها، فماذا يجدينا أن نمحوها ونكم أفواه الداعين إليها؟ وماذا في محوها من الدواء للانحلال والتدهور الذي لا مفر منه؟ ألا يكون ذلك كمعالجة الجدري بنزع قشور طفحه من ظاهر البشرة وترك جرثومته تسري في الدم وترتع في باطن الجسم ولا من يلتفت إليها فيعمل عمل الجد على استئصال شأفتها أو تخفيف ضررها؟ فإن كان ثَمَّ دواء فليكن الدواء للعلة الأصلية، وإلا فلا معنى للقدح في الاشتراكية ولا فائدة من اضطهاد دعاتها.
والحقيقة أن نظام مجتمعنا الحاضر مشتمل على نقائص ومثالب لا ينفرد بالسخط عليها وطلب تبديلها الاشتراكيون. ومن العلماء من لا يحسبون أنفسهم من الاشتراكيين، ولا يحسبهم الاشتراكيون منهم وهم مع هذا يشكون ظلم النظام الحاضر شكوى غلاة الاشتراكية، ويرون رأيهم في بعض الحلول التي يقترحونها؛ ومن هؤلاء العلماء السير أوليفر لودج، رجل لا يُتهم في هواه ولا في تفكيره من هذه الناحية، ولا شبهة عليه من جانب الاشتراكية، ولا من جانب أي حزب اجتماعي آخر، ولكنه يقترح في فصل كتبه عن وظائف المال أن تهتم الحكومة بشخصية الحائزين للمال، كما تهتم بشخصية الحائزين للسلاح؛ لأن المال ربما كان أخطر في يد الشرير من السلاح في يد القاتل، وفي رأيه أن الثروات العظيمة خطر على المجتمع، وأن هذه الثروات تكثر من جراء أنظمة مصطنعة يمكن تبديلها، وليست هي مما تفضي به طبيعة سير الأمور، وأنه يجب أن يُعاد النظر في قانون التوريث وأن يُنقَّح، أو يقول في فصل آخر عن «الإصلاحات الاجتماعية» بعد التساؤل عن علة مصاعبنا الحاضرة في ملكية الأرض: «ولا يسعني إلا القول بأن عادة السماح للأفراد بحق الملك المطلق على الأرض بدلًا من المجاميع هي أساس كثير من هذه المصاعب.» وليس السير أوليفر لودج بالوحيد بين العلماء المخلصين الذي يصفون أدوية الاشتراكية ولا يدخلون في غمار أهلها.
فالواجب على ولاة الأمر في كل أمة أن يعترفوا بنقائص المجتمع، ولا تفتنهم عن إصلاحها عصبية الطبقات؛ لأن الكثير من هذه النقائص قابل للإصلاح والتخفيف لولا تعنت من بعض الطبقات القوية يجر إلى تعنت الطبقات الأخرى وتفاقم النزاع بينها على غير جدوى. ومن حق جميع الطبقات أن تنال كل حظها من المعيشة الصحية، وأن يُسوَّى بينها في فرص العمل التي تؤهلهم لها كفاءتهم الطبيعية، ولا نذهب بالمساواة إلى أبعد من هذا الحد، فإن كل مساواة لا يُنظر فيها إلى الفوارق الطبيعية بين أخلاق الناس ومداركهم ومواهبهم المختلفة لا تكون عدلًا ورحمة، بل ظلمًا وإجحافًا معكوسًا مناقضًا لسنن الطبيعة.
إن الاشتراكية الصحيحة ليست أسطورة من الأساطير، ولا هي وعد خيالي يُبشر الناس بالتعادل في الأقدار والتشاكل في المنازل والأرزاق. كلا! فليست المساواة بين الناس من همها، ولكنها إنما تدعو إلى المساواة بين الأجر والعمل، وتطلب أن يُعطى كل عامل ما يستحقه بعمله، وأن ينتفع المجموع بأكبر ما يمكن الانتفاع به من قوى الأفراد.
فإن كانت الدنيا قد حم أجلها وكارب يومها لأن جائعًا يريد أن يشبع، ومنهوكًا يتمنى أن يستريح، ومظلومًا يود لو ينتصف، فلشد ما هزلت هذه الدنيا وضعف مزاجها وتبدل حالها بعد أن احتملت في ماضي العصور طغيان الجبابرة وبطر النبلاء، وبعد أن صبرت على دسائس الدعاة وأكاذيب الدجالين.
ومن العجيب أن الدكتور لوبون لا يستقبح من أنظمتنا الحاضرة شيئًا إلا كان له دواء حسن، أو علاج لا بأس به في الاشتراكية، فإذا تجاوز هذا الدواء إلى غيره وقع في الحيرة والتضارب. مثال ذلك: أنه يصف الدواء لنهوض الأمم المائلة إلى السقوط فيحيلها إلى النظام الجندي ويقول: «فأهم الشروط التي تلزم لنهوض الأمم المائلة إلى السقوط تعميم نظام الجندية، وجعله قاسيًا جدًّا، وأن تكون الأمة على الدوام مهددة بحروب طاحنة.»
ويعتقد الدكتور أن الجندية سوف تُرجع للرجل المتحضر رجولته واستقلاله، وتشفيه من مرض الاشتراكية التي هي «فناء الفرد في الدولة»، والتي «تفضي بالأمة إلى أخس درجات الاسترقاق، وتقتل في نفوس من خضعوا لحكمها كل همة وكل استقلال». ولكنا لا نخاله يجهل أن الرجل أضيع ما يكون استقلالًا في الجندية، وأن الجندي في الجيش ليس إلا آلة تتحرك بإشارة من القائد، وليس لها أن تعرف إلى أين هي مسخرة، ولا في أي غرض يسخرونها. فإن كان في الجندية شيء من الخشونة، فليست كل خشونة تعد رجولة واستقلالًا، ولا نخاله نسي أيضًا أن ألمانيا هي أكثر الأمم جندية، وهي كذلك أكثر الأمم اشتراكية. فكيف اجتمع فيها هذان النقيضان المتباعدان في رأيه؟
ويقول الدكتور في الفصل الرابع من الباب الأول: «أشار توكفيل إلى تدرج الفرق الذي نبحث فيه بين طبقات الأمم في زمن لم تبلغ الصناعة فيه من الارتقاء مبلغها في الوقت الحاضر فقال: كلما توسع الناس في تطبيق قانون توزيع العمل ضعفت قوة العامل، وحد عقله، وزادت تابعيته لغيره. فالصناعة تتقدم والصانع يتأخر، والفرق ينمو كل يوم بين العامل ورئيسه.»
وهي ملاحظة صادقة من توكفيل؛ إذ لا مراء في أن النظام الاقتصادي الحاضر قد صيَّر العامل قوة آلية وسلبه كل وسيلة لاستخدام ذكائه وحذقه، فبعد أن كان العامل يصنع الأداة وحده، فيفرغ ذكاءه في تجويدها ويتفنن في تكميلها وتحسينها، إذا هو الآن يتناول الجزء الصغير من تلك الأداة فيصنعه بلا روية، ويجيء المهندس أو رئيس الصناع فيؤلف من تلك الأجزاء تلك الأداة على الوجه الذي رسمه. فإذا خرج الصانع من المعمل لم ينتفع بصنعته، وعجز عن العمل على انفراد، ففقد مزية الاستقلال.
وهذا النظام الاقتصادي المودي بالمواهب، المعطل للعقول، هو النظام الذي تثور عليه الاشتراكية، فما قامت الاشتراكية إلا لترقي مدارك العامل وترفع عنه حيف صاحب المعمل، وتجعله إنسانًا ذا رغبة في عمله وغيرة عليه، وليس كما هو الآن آلة تدير آلة. وخير للدكتور أن يُفتش عن الاستقلال الذي يريده للفرد في مبادئ الاشتراكية من أن يفتش عنه في ثكنات الجنود.
•••

والاشتراكية ليست من مصطنعات هذا الجيل، ولكنها قديمة ظهرت في كل مكان يحرم فيه العامل ويغنم العاطل، وتطور هذا العصر في فهمها وتوسع في تطبيقها تبعًا للتطور الشامل لكل مرافق الحياة، ومن بينها علاقات الأفراد والأمم.
وهكذا كانت تدور دورتها فيما مضى: كانت الأمم الغازية تفتتح البلاد، فيستأثر قواد الجيش الفاتح وجنوده بأطيب الأرزاق، ويميزون أنفسهم عن سائر الأمة بمزايا يحرسونها بالقوة ويذودون عنها بالسلاح، ثم تئول هذه المزايا بالوراثة إلى أعقابهم، فتصير حقوقًا ثابتة، ويجنح هؤلاء الأعقاب إلى الدعة والكسل جيلًا بعد جيل، فيجنون ثمرة ما لا يزرعون، ويجشمون غيرهم مشقة السعي وهم نائمون، وتفسدهم البطالة فيتمادون في اللهو والخلاعة، ويتهالكون على المجون واللذة، ولا يزالون ذلك دأبهم حتى يضجر الناس منهم ويحنقوا عليهم، فتنقض عليهم في هذه الآونة جارة ترقب غفلتهم، فلا تصادف فيهم إلا سراة لاهين ورعية ساخطين.
كذلك ثار أرقاء الرومان على سادتهم، وكذلك ثار الفرنسيون على نبلائهم. فقال المؤرخون في الأولى: عبيد تمردوا، وقالوا في الثانية: سوقة عربدوا. وما هي إلا الاشتراكية تبدو وتخفى في تاريخ الناس من حين إلى حين.
لسنا نحن في عصر يتحكم فيه سادة على عبيد، أو يستبد فيه شرفاء على سوقة. ولكن المسألة ظهرت في طورها الجديد، وكان ظهورها في هذه المرة بين أصحاب الأموال وطوائف العمال.
ومنذ أخرج العلم للناس تلك الآلات الضخمة، أصبح كل صاحب معمل يتمتع بتعب الألوف من الصناع الذين يستخدمهم في معمله. فكان التعب والحرمان من نصيب فريق، والراحة والربح من نصيب الفريق الأقل، فتجددت الشكوى القديمة، وعادت الاشتراكية، ولكن هل تراها عادت اليوم لتشهد خاتمة هذه المدنية؟ وهل لا مفر من هذه الخاتمة بعد عودة هذه الاشتراكية الجديدة؟
لا نظن ذلك؛ لأننا اليوم في مأمن من غارات القرون الأولى، ولأن العلم والنظام قد أصبحا في هذه العصور مِلكًا للإنسانية عامة، وليسا من خواص أمة يذهبان بذهابها.
•••

وإذا صح رأي نوردو في كتابه التأخر والاضمحلال Degeneration فهذا الضعف الذي استولى على الجيل الحاضر أثر من آثار النظام الاقتصادي، فلقد أفرط الناس في إجهاد أبدانهم إفراطًا حطَّ من قواهم وأتلف أعصابهم. وكلما أحسوا بالضعف انكبوا على المنبهات من خمر وحشيش وتبغ وقهوة إلى أشباه ذلك فزادتهم ضعفًا على ضعف. ولو أُنقصت ساعات العمل قليلًا، وزيدت الأجور زيادة تُمكِّن العامل من تعويض خسارته اليومية بالطعام وأسباب الراحة، لكانت الاشتراكية قد أنقذت الجيل القادم من غوائل هذا الاضمحلال. وبهذا الرأي — أي: رأي نوردو — يسهل تعليل قول الدكتور في ختام الفصل الأول من الباب الثاني، إذ يقول: «فالأمم تموت متى ضعفت صفات خلقها التي هي نسيج روحها، وضعف هذه الصفات يكون على قدر حظ الأمة من الحضارة والذكاء.» إذ لا تخفى علاقة بعض أنواع الضعف العصبي بالذكاء. قال عبد الله بن معاوية: «ما رأيت تبذيرًا قط إلا وإلى جنبه حق مضيع.» وغريب أن يهتدي كاتب من كتاب القرن الثاني الهجري إلى هذه الحكمة الجامعة. ولو شاء زعيم من زعماء الاشتراكية اليوم أن يتخذ لمذهبه شعارًا لما زاد على تلك الحكمة حرفًا. فالاشتراكية الصحيحة تقوم اليوم لتسترد ذلك الحق المضيع، ولا مطمع لها في العدوان على إنسان.
•••

يتذمر الدكتور لوبون تارة «من انحطاط الخُلُق العام وفقدان أفراد الأمة ملكة ضبط نفوسهم وانصرافهم عن المرافق العامة إلى حب الذات»، ويأسف حينًا لتلك الحقائق القاسية التي «جلبت على أهل العقول الصغيرة فوضى الأفكار التي يمتاز بها المرء في هذا الزمان، وغيَّرت تلك الشكوك أطوار الشبيبة المشتغلة بالآداب والفنون، فغرست فيها جمودًا مشوبًا بالكآبة وذلك أفقدها الإرادة، ونزع منها القدرة على الاهتمام بأي أمر، وجعلها تعبد المنافع الذاتية الوقتية دون سواها.»
وقد تكلم ماكس نوردو في كتابه المتقدم عن هذا الخُلُق الذي دعاه الدكتور لوبون عبادة المنافع الذاتية. ومن رأيه أنه ناشئ عن أمراض الاضمحلال التي ألمعنا إليها، وأنه شعبة من جنون الأنانية Egomania، ونقول: إن حب الذات ينشأ عن ضعف حاسة الواجب، وهو مرض من الأمراض العقلية. ولكن يزيده إعضالًا تأكد الناس من فقدان التوازن بين حقوق العاملين وواجباتهم، فيرون كيف يُثرى الوسيط ويُعدم التاجر، وكيف يُكرم القوَّاد الوضيع، ويُهان العامل الأمين، وكيف أن الكسب المباح يُحسب بالدانق والسحتوت، وأن ربح الاحتيال يُعد بالدنانير والبدر، ومتى رأوا ذلك فأي أمل لهم في الاعتراف بما لهم من حقوق، وأي باعث عندهم على القيام بما عليهم من واجبات؟ وكيف بعد ذلك لا تغلب عبادة المنافع الذاتية على روح الواجب وصوت الضمير؟ لا أمل في الخلاص من هذه السوءات إلا إذا ساد اعتقاد الناس بتضامن الإنسانية، وأيقن كل فرد أن على حقوقه حارسًا من أمته، وأنه موضع عناية الإنسانية أجمع، بذلك تثوب الخواطر ويرعى الناس حرمة الواجب. وإلا فلو ظن الإنسان أنه ليس ثمت ضمير عام يؤنب الناس كافة على ما يحل به من الغبن والأذى، وأنه لا حق له في الرحمة أينما يمم وجهه، فقد مات ضميره وغلبه الحرص فتعلق بالجشع، ونبذ المبادئ والفضائل، إلا ما وافق منها هواه، وفشت فوضى الأخلاق، فارتفعت الحدود، واندثرت معالم الشرائع، إلا في الدفاتر والأوراق.
يقول الدكتور لوبون: «اليوم تميل الأمم القديمة إلى السقوط، فهي تهتز من الوهن، ونظاماتها تتداعى واحدًا إثر واحد، وعلة ذلك فقدانها كل يوم شيئًا من إيمانها الذي قامت عليه حتى الآن، فإذا فقدته كله قامت حتمًا مقامه حضارة جديدة مؤسسة على معتقد جديد.»
نعم فلا بد للأمم من معتقد جديد. أفتدري ما هو هذا المعتقد؟ نحسبه هو وحده الإخاء، أو هو التضامن الإنساني، أو هو — في بعض مظاهره التي يفهمها سواد الناس — الاشتراكية.
ذلك أنك إذا زرعت في قلب الإنسان ثقته بعطف الإنسانية أكبرته في عين نفسه، ومسحت عن قلبه ذلة المخلوق الذي نبذته السماء ولم تعبأ به الطبيعة إلا كما تعبأ بأحقر المخلوقات.
وينبغي أن يعتقد الإنسان أنه يعمل للإنسانية لا ابتغاء المثوبة أو خوفًا من العقوبة، ولكن مسوقًا بمحرض من غرائزه التي لا طاقة له بالخروج عنها. فإذا عمَّت هذه العقيدة رضي كل إنسان بحظه، ولم يطلب الجزاء على عاطفته النوعية في غير إرضاء تلك العاطفة ومطاوعتها فيما توحي به.
للإنسانية اليوم حاسة تسمى «الضمير العام» ولكنها ضيقة الحدود، لا يحتمي بها في كل أمة غير أبناء تلك الأمة. وقد أشار الدكتور إلى ذلك في قوله: «إنك لا تجد بين ساسة الإنجليز واحدًا لا يرى جواز استعمال أمور في جانب أمة أجنبية لو أتاها في بلاده لأنزلت به السخط من كل ناحية.» والحقيقة أن ذلك دأب ساسة الأمم كلها وليس الإنكليز وحدهم. بيد أننا نرى حدود ذلك الحرم تمتد يومًا بعد يوم حتى يوشك أن يشمل كل أمة جديرة بالدخول في لحمة الأخوة العامة. وكذلك كانت عهود الأخلاق في مبدأ أمرها، فإنها لم تكن مرعية إلا في حق أبناء القبيلة وحدهم. قال دارون في كتابه أصل الإنسان: «ولكنها — أي: أصول الأخلاق — لم تكن معتبرة إلا فيما بين أبناء كل قبيلة على حدتها، وكانوا لا يعدون مخالفتها في حق أبناء القبائل الغريبة جريمة مستنكرة، ثم ما زالت هذه الأصول تنداح من نطاق إلى نطاق أوسع منه حتى شملت أبناء الجنس الواحد، ثم شملت أبناء كل دين على تباين أجناسهم، ثم أصبح الناس يسلمون بها نظريًّا في حق نوع الإنسان بأسره، وإن خالفوها عملًا. وهم سائرون في طريق الوحدة، والطبيعة تقوم بعملها لهذه الغاية فتقرض الشعوب الذابلة ولا تذر منها إلا ما هو أهل للرعاية والبقاء؛ تمهيدًا لوحدة الإنسانية وشمول أحكام الضمير العام.»
•••

لا يفوتنا بعد أن نقدنا ما خلنا فيه شيئًا من الغلو من آراء الدكتور لوبون أن نعرض لما في كتاب «سر تطور الأمم» من الآراء الصائبة والأفكار القويمة الحقيقة بإنعام النظر وطول التدبر. ونقول على وجه الإجمال: إن المؤلف لو أخلاه من الأحكام والنتائج وقصره على الملاحظات والآراء لما كان فيه مأخذ يُنتقد. فإنه لا العلم ولا الفن ولا الأدب جمع حتى الساعة الأدلة والمقدمات التي تكفي لإصدار تلك الأحكام المبرمة والنتائج المحتمة.
ومن تلك الملاحظات والآراء ما يهمنا نحن المصريين؛ لأنه ينطبق على حالتنا تمام الانطباق.
فيظهر أننا لا نفهم بعدُ معنى الوطن حق الفهم. قال الدكتور: «كان وجود الروح أولًا في العائلة، ثم انتشر منها في القرية، ثم في المدينة، ثم في الإقليم، ولم يعم جميع السكان إلا في أزمان قريبة منا. هنالك وجدت فكرة الوطن بالمعنى المفهوم لنا في هذا العصر؛ لأنها لا تصير واضحة إلا إذا تم تكوين الروح، ولهذا لم تترق فكرة الوطن عند الإغريق إلى أبعد من فكرة المدينة، ودامت مدائنهم في حرب مستمرة؛ لأن كل واحدة منها كانت أجنبية في الواقع عن البقية. كذلك لم تعرف الهند منذ ألفي عام غير وحدة القرية، فعاشت من ذلك الحين تحت حكم الأجنبي تقوم فيها ممالكه بسهولة كما تدول بسهولة.»
وذلك شبيه بمعنى الوطنية في مصر، فإنها لا تعرف غير وحدة القرية، وما أظن هناك أن أمة غير الأمة المصرية تُقام فيها المناحات لسفر قريب أو صديق من إقليم إلى إقليم يجاوره، ويُقْسِم فيها الرجل بغربته وهو في عاصمة وطنه. ولا أحسب أن لهذه الحالة دواء أنجع من نشر الكتابة والقراءة وذيوع الأدب المصري بين قراء المصريين في كل قرية ومدينة.
والمصريون لا يكاد يُؤلف بينهم شيء من وحدة المشاعر، ويكاد يكون أبناء النيل اثني عشر مليون فرد ولا أمة. ولا ريب أن ذلك إنما نجم عن اختلاط العناصر وتوالي الأمم الفاتحة، كما أنه يُعزى إلى سوء فهم الوطنية الذي قدمنا ذكره. ومن الحكمة استحياء أشد العصبيات أخذًا بقلوب هذه الشراذم المبددة، ولا فرق بين أن تكون عصبية مصلحة، أو عصبية تاريخية، أو عصبية وطنية? ما دامت تفضي إلى لمِّ شعثهم وتوجيه نفوسهم إلى وجهة واحدة. ومن عيوب الأمة المصرية فقدان التخصص وشدة التقارب بين الصنائع والصناع وهو نقص بيِّن «فإن مستوى العقل — كما يقول الدكتور — يكاد يكون واحدًا عند جميع أفراد الأمم الدنيا ذكورًا وإناثًا … وأما عند الأمم الراقية فالقاعدة هي اختلاف الأفراد وكذا النوع اختلافًا كبيرًا.»
وقد نرى أن للخصوبة دخلًا في هذا النقص. فإن الزراعة في البلاد المخصبة لا تبعث الحاجة إلى المنافسة كما تبعثها الصناعة؛ والمنافسة هي باب التفاوت والتنوع في الحرف والمصنوعات. ولن يطول الزمن حتى تضطر الأمة إلى الصناعة؛ لأن الزراعة لا تقوم في هذه الأيام بمطالب الناس. وربما رجعنا بشيء من إحجام الأغنياء عن فتح باب المنافسة بإنشاء المصانع وتبادل النفع مع الأمة إلى احتفاظهم حتى اليوم بنحلهم الغريبة عن البلد، فقد ظل أكثرهم إلى زمن غير بعيد ينظر إلى القطر المصري نظرة المهاجر إلى هجرته، ويعامل المصريين معاملة الأجانب عنه. وكان أهل الثروة من أبناء النيل في الجيل الماضي أقل شأنًا من أن يستقلوا بعمل، وأجهل من أن يُقدِموا على غير الزراعة. ولكنا أصبحنا نرى سراة مصر يستوطنونها ويولون وجوههم صوبها وترتبط مصلحتهم بمصلحتها، فلا يبعد أن يكون شأنهم في المستقبل غير شأنهم في الماضي، ولا سيما متى عمَّت الوطنية سكان مصر على السواء، وعُدَّ من أبنائها كل من ينفعها وينتفع فيها من الوطنيين والنزلاء. فإن مصر بحاجة إلى تآلف الأغراض ألفة تشبه ما يعوزها من وحدة المشاعر.
•••

ولا ننسى الأخلاق. فقد لحقتنا كل أضرار المدنية الغربية ولما نصل إلى شيء كثير من مزاياها. ولا جرم فقد سهل على حواسنا أن تدرك ملذاتها فانغمست فيها وقصرت عقولنا عن إدراك معانيها فحيل بيننا وبينها. ولا يخفى أن اقتباس ظواهر المدنية سهل على من يريده لا يكلفه قسطًا كبيرًا من الدراية والمزايا النفسية. فلو أنك حملت زنجيًّا حقيرًا إلى باريس لتمتع بكل رذائلها في أسبوع واحد، ولكنه لن يقدر على التمتع بمعارفها وآدابها ولو طال عمره؛ لأن الفرق في الحواس قريب بين أرفع الناس وأحطهم، ولكنه بعيد جدًّا في العقول والسجايا.
فنحن اليوم نعب من إباحية المدنية الأوروبية ومنكراتها، ولا نذوق قطرة من عظمتها وطيباتها، وما كنا لننتظر أن نجني ثمرة المدنية بغير شوكها. فإن المدنية شباب الإنسانية، وفي سن الشباب تتولد الشهوات كما تتفتح القوى وتنمو المدارك. وليست طهارة الفطرة إلا كطهارة الطفولة التي لا تأثم؛ لأنها فارغة من الشهوات كما أنها فارغة من القوى والمدارك. ولكن الرزيئة أن نضيع سلامة الفطرة ولا نبلغ رقي المدنية، وذلك ما نوشك أن نصنعه.
ولقد أصاب الدكتور لوبون كل الإصابة إذ يقول: «الخُلُق لا العقل هو الذي تقوم عليه الجمعيات البشرية وتُؤسس الديانات وتُبنى الممالك، وهو الذي يجعل الأمم تحس وتعمل، وما كان كسب الأمم كثيرًا من شحذ الأذهان والتعمق في التفكير.»
إي والله، فإن الإنسان بغرائزه، وإن الحياة بخيرها وشرها لا شيء إذا نظرنا إليها من ناحية الطبع، ولكنها من ناحية الغرائز كل شيء، بل لا شيء سواها. وليست الفضيلة ما سلم به الإنسان بتعليل عقله، ولكن الفضيلة ما نشأ عليها وتضمنه طبعه وزجلته إليه فطرته.
فلتكن عنايتنا بالأخلاق فوق عنايتنا بالعلوم، ولتتضافر على هذا العمل المدارس والمحاكم والكتب. ومما يُهوِّن الأمر أن الإصابة محصورة في طائفة قليلة من ناشئة المدن، فإذا وقيت الأمة من عدواها كان الأمل في الجيل القادم وثيقًا.
ولا ننكر أن الأمر يلزمه شيء غير يسير من التضحية والمفاداة. ولا بد له من قادة من عظماء الأخلاق والنفوس يقفون في وجه أهل الفساد ولا ييأسون من إصرارهم، فإنهم على التفاتهم لتسرح فيهم كلمة الحق، كما تسرح شرارة النار في ألفاف الأجمة اليابسة.
يقول الدكتور لوبون: «إن الفارق بين الأوروبيين وبين الشرقيين هو اختصاص أولئك بفريق راقٍ من العظماء دون هؤلاء.»
كلا. بل لكلٍّ نصيبه من العظماء؛ فللغرب عظماء العقول وللشرق عظماء النفوس. وما أحوج الشرق اليوم إلى عظيم من أولئك العظماء الذين كان يجود بهم أحيانًا، فيقوم من أوده، ويعزر من أيده، ويأخذ في طريق الحياة بيده.
? وجدت هذه العصبية القوية — والحمد لله — في الحركة الوطنية الحديثة التي بدأت ظواهرها على أثر الحرب الكبرى.
الفضائل الجنسية?


كانت صيحة القرن الثامن عشر بتحكيم العقل صيحة قوية عاتية، صاح بها فاقتلع من الجهالة أوتادًا، ودك من العقائد أطوادًا، واجترف دعائم وسدودًا، وأزال معالم وحدودًا، ثم غيَّر من ذلك ما غيَّر وأبقى ما أبقى فأحسن كثيرًا، وأساء كثيرًا.
أحسن بما أزاح من طريق الإنسانية من ركام دارس كان يعتاق خطاها ويضل بصيرتها، فخلا ما بينها وبين الفضاء، واتسع لها سنن الهداية لو أحسنت إليه الاهتداء.
وأساء بما هدم من قواعد راسخة، واجتاح من حوائط شامخة، ظنها القوم عراقيل فألفوها فيما بعد حصونًا، وحسبوها من عبث الخرافة فعلموا أنها من تدابير الحكمة، ثم عادوا يبنونها من جديد بعد جهد بذلوه في الهدم والبناء كانوا هم في أشد الحاجة إليه.
والفضائل الجنسية أول ما أصابه معول الهدم من دعاة ذلك القرن الكثير المعاول. فقد ولع بها أدعياؤه ومجانه يعرضونها لتهكمهم الأبله وضحكاتهم الخرقاء؛ فظنوها من عسف رجال الدين وبقايا القيود الأولى، وجعلوا يعجبون من الرجل الحر المستنير العقل كيف تقف بينه وبين تسويل نفسه ورقة يكتبها قسيس أو موثق يتعارف عليه القوم بلا مسوغ من الفكر، ولم يروا لتلك الفضائل أصلًا أبعد من العرف، وأقوى من سيطرة الكنيسة، فسخروا منها واستخفوا بها. ثم وجدوا مسلك الإباحة سهلًا وطيئًا فأوغلوا فيه وهم يزعمون أنهم في وجهة العقل يوغلون، وعن وجهة الوهم والجهالة يصدفون. فكأنما المؤتم بالعقل عندهم هو كل من لا يزعه من نفسه وازع، وكأنما الواهم أو الجاهل عندهم هو كل من له خلق ينهاه أو عقيدة تكبح جماح هواه.
ولا أشك في أنهم مصيبون في بعض الشيء، على ما يشين صوابهم من العجلة وقصور النظر وخفة الأحلام. فهم مصيبون في قولهم: إن الفضائل الإنسانية يجب أن لا يكون معولها كله على ورقة مكتوبة أو أمر يمليه واعظ باسم خالق أو مخلوق، ومن الزراية بالإنسانية حقًّا أن يكون التمايز بين فاضلها ومفضولها تمايزًا في باب الخضوع والتسليم الأعمى، وإنما الذي يليق بالإنسان أن يكون رجحانه رجحانًا في خصائص النفس والفكر، فإن لم يكن كذلك ففي خصائص الخلق والجسد، وهكذا يجب أن تكون الميزة بين كل صاحب فضيلة، وكل صاحب رذيلة، فهل الشأن غير ذلك في الفضائل الجنسية؟
لست أعتقد ذلك، ولكني أعتقد أن الفرق بين الناس في الأهواء الجنسية لم ينجم عن فرق في الانخداع للوهم أو التمرد على القيود، ولكنه نجم عن فرق في مناعة النفس ووثاقة الخُلُق، وفي الصلاحية للأبوة وبقاء الذرية، بحيث يمكن أن يقال — بل يقال على التحقيق: إن الفضائل الجنسية الصحيحة كانت في أول نشأتها مزايا جسدية فسيولوجية قبل أن تكون مزايا أدبية أو دينية.
فالذي نراه أن لكل من الجنسين شروطًا معلومة، أو مجهولة، يشترطها في الجنس الآخر حتى يتم بينهما الحب والتآلف، وأن هذه الشروط هي بمثابة التعاقد الفطري على المزايا الضرورية للغاية التي تعنيهما معًا، وهي إنجاب أوفق النسل وأمثله.
وكلما تعددت هذه الشروط كان تعددها في الأمة عنوانًا على ترقيها ونضجها ووفرة مزاياها، ووصولها من التقدم إلى منزلة يضن بها على الضياع ويرجى النماء من بعدها. فلا يجيء نسلهم اعتباطًا بلا احتراس ولا اعتصام، كفعل الذين يعتقدون في قرارة غرائزهم ويشعرون من دخيلة أنفسهم بأن كل نسل لائق بهم، وأنهم بفطرتهم لا يأنفون من أن يكونوا آباء لأي صنف من الأبناء.
وأي قوام لتلك المزايا في أخلاق أصحابها المحسوسة؟ وأي ضمان لبقائها مصونة في أهلها؟ قوامها وضمانها هو العفة. ومعناها الترفع عن العلاقات التي لا تجمل بمزايا صاحبها.
فليس أدل على اضمحلال أمة أو على قرب اضمحلالها من سهولة الشروط «الفطرية» التي تُبنى عليها العلاقات بين الجنسين وشيوعها في جميع الناس على السواء. فالرجل الذي لا يتخير لعاطفته الجنسية يقول بأصدق لسان ينطق به — لأنه لسان كل ذرة من ذرات جسمه: إنه أب حقير لا خير للعالم في نسله، ولا موجب للتمييز والتدقيق في ذريته. ولا يصدق هذا على الهمج والزعانف وحدهم، ولا على الذين لا يشك في ضعة شأنهم وضعة شأن أبنائهم من باب أولى، ولكنه يصدق عليهم كما يصدق على أناس غيرهم ممن تبوئهم الأمم مكانًا عليا، وتحتفي بهم وبأسمائهم وأعمالهم وتحسبهم خلقاء أن يكونوا أحسن الآباء لأحسن الأبناء، وهم على خلاف ذلك في الحقيقة. أولئك الذين ينخدع فيهم الناس والطبيعة بهم أعرف وأخبر، ويضل فيهم حكم العقل، والغريزة عليهم أدل وأظهر، فربما شوهد بين المستخفين بالعفة أفذاذ من ذوي العبقرية أو المعرفة أو اللسن أو الشهرة يبهرون الناس بمواهبهم، فيخالونهم أهلًا لأكمل الأبوة وأنجب البنوة، وينتظرون منهم أحسن الأزواج وأفضل الأصهار، حتى إذا تُركوا لأهوائهم نمَّ فعلهم على مقدار استحقاق ذريتهم للاشتراط والانتقاء، وأظهرت التجارب أنهم عقماء أو كالعقماء، فيما يرزقون من ولد ضاوي وخلف ضعفاء.
وعلى الجملة فكل عيب مهما خفي في تكوين الإنسان، فله محك من هذه الشروط التي تتقيد بها ميوله الجنسية. فإذا كان عيبه هبوطًا في مستوى الأمة ظهر في إباحية الهمجى وتساوى النساء عنده، وإن اشتد أسره وتوثقت بنيته. وإذا كان شذوذه في الخُلُق ظهر في غواية ذلك الشاذ، وإن أتى شذوذه بالفلق المعجز في معاريض الفنون والآداب. وإذا كان نقصًا في التكوين ظهر في إسراف الفتى الغر الذي لم تنضج ميوله ولم يكمل استعداده، وإن سلم من عيبي التأخر والشذوذ. وإذا كان فسادًا في مزاج الأمم، ظهر في تهالك أبنائها على الرذيلة، وإن ظفروا من الحضارة بأوفى نصيب. وليس لواحد من هؤلاء نسل يستحق أن يُبالى بالتمهيد والحرص عليه، فهم سواسية في طلاقة الميول الجنسية من القيود، سواسية في كفاءة الأبوة، سواسية في نقص المزاج على تباينهم في الأجناس والأذواق والأعمار.
فحيثما برز في الرجل أو المرأة امتياز يتلاشى إن لم ينتقل بالوراثة، برز بإزائه شرط أدبي لضبط العلاقات الجنسية، يترتب عليه بقاء ذلك الامتياز عقبًا بعد عقب، ويتبعه حتمًا الإحجام عن بعض هذه العلاقات والرغبة في بعضها، وحيثما امتنع الإحجام انعكست الآية وصارت الرغبة بلا ضابط دليلًا على أن ليس في الفرد أو الأمة امتياز يُنقل بالوراثة، وقديمًا كان شيوع الرذيلة في بلد مؤذنًا بانقراض الدولة وضياع الشوكة، ومرادفًا لقول الأمة بلسان حالها: إن جيلها المقبل همل لا يُعتنى به، ولا تُصان حوزته.
على هذا ليس الاستعصام كما يزعم بعض المتفلسفة من الإباحيين تحكمًا فضوليًّا من وضاع العرف والشريعة، ولكنه أصل في خلقة الجسم يُعاب فقدانه وينطوي على مغازي كثيرة؛ أقربها في الفرد أن له خُلقًا مكينًا قادرًا على صد ميوله والقبض على عنان أهوائه، وأقربها في الأمة أن لها مستقبلًا ناميًا وخصائص لا تبذل جزافًا. والذين يقولون: إنهم حكَّموا العقل فحكم لهم بنبذ الفضائل الجنسية، يظلمون العقل ويتقولون عليه ما لم يقله ولن يقوله؛ لأنه لا يحكم العقل مَن لا يُحصي جميع العوامل المختلفة ويدخل في تقديره حساب كل قوة مؤثرة في قضيته، ومن العوامل المسيطرة على الحياة الإنسانية ما يجهله العقل ولا يفقه من مراميه إلا قليلًا، كالغرائز مثلًا. فالذي يريد أن يُخضع الناس لسلطان العقل دون سواه لا يهمل الغرائز وحدها، ولكنه يكون أشد من ذلك إهمالًا للعقل نفسه، وهو يظن أنه باسم العقل يدعو وبدين العقل يدين.
? نشرت في العدد الحادي عشر من الرجاء.
مصطفى كمال?


بطل الشرق ورجل الساعة
رجل وثيق الإيمان، نقي الإخلاص، محصد العزيمة، حازم في مشتجر الفكر، ناضج الرأي، مجبول على الكفاح، عزيز الأمل، قيضه الله لوطنه في محنة مطبقة قلما تهوى إلى مثلها الأوطان فنصره نصرًا مؤزرًا قلَّ أن يذكر التاريخ مثله. وكان جهاده الوطني كله أعجوبة، بل معجزة لو كان في نظام الوجود خوارق للعادات لقلنا: إنها من خوارق الطبيعة.
وللذين يتحدثون اليوم بنصر مصطفى كمال — والعالم من مشارقه إلى مغاربه يتحدث به — أن يسألوا سؤال المعجب من توقف الحوادث الخطيرة بعض الأحيان على صغار الصدف: ما الذي كانت تئول إليه حركة الأناضول لو لم يغفل الإنجليز عن مصطفى كمال عند احتلال الآستانة فلا يعتقلوه مع من اعتقلوا من رجال الترك الذين كانوا يخشون صولتهم ويحترزون من تمردهم وانتقاضهم؟ وما الذي كانت تئول إليه هذه الحركة لو لم يهف فريد باشا على كره منه هذه الهفوة السعيدة التي ملكت مصطفى ناصية الأناضول، وألقت في يديه مقاليد مستقبله؟ وكيف كانت تتقلب الحوادث لو لم يأمنه على قيادة جيش في قلب ذلك الوطن القديم الذي نشأت فيه دولة بني عثمان وما استمدت جيوشهم القوة إلا منه، فيطلقه من الآستانة في الساعة التي كان يصبو فيها إلى الابتعاد عنها، ويخلي بينه وبين ميدان العمل الفسيح كمن يبحث عن حتفه بظلفه؟
ونظن أن الفضل في ذلك راجع إلى صفة في مصطفى كمال هي سر عظمته كلها، وهي «اكتمال جوانب العقل»، فهذه الصفة جنحت به إلى إيثار العمل المنظم القائم على أوطد الآساس وأبعد الغايات. فليس هو برجل القحم والقلاقل ولا ببطل الفتن والنزوات. ولو كان كغيره من المتهجمين القوالين الذين تغلب القوة المرتعدة على جانب واحد من جوانب عقولهم ونفوسهم، فيندفعون في كل ثائرة ولا يزنون الأمور بميزان الحكمة وصدق النظر، لسمع الإنجليز من أنباء هجماته وشططه ما خوفهم بأسه، ولكان عندهم حينئذ الرجل «الخطر» الذي يُرهب شره، وتُخشى بوادره، ولحبسوه مع من حبسوا فأضاعوا عليه فرصة هي فرصة الحياة لرجل عظيم ولأمة مستبسلة. وربما انقضى بذلك تاريخ هذا المجاهد الكبير، وخسر الشرق بطلًا من أجل أبطاله القدماء والمحدثين. ولكنهم جهلوا موضع «الخطر» الصحيح فأطلقوه ولم يحذروه؛ لأنه مسالم موادع، ولو دروا لأطلقوا كل معتقل واعتقلوه، على أنه حظ للترك جاءهم من طريق المصادفة، وما يعلم أحد كيف كانوا يعوضون عنه لو فقدوه.
ولعل هذه الصفة التي طبقت الخافقين بذكر بطل الأناضول، هي نفسها سبب خموله وخفاء قدره في إبان القلاقل والطوارق التي كانت تجري على أيدي المشهورين من رجال تركيا الفتاة وجماعة الاتحاد والترقي. مع أنه كان من أوائل المنشئين لجماعتهم، ومن أخلصهم نية، وأسماهم مطلبًا وأشدهم عزمًا، ولكنه كان لا يتهجم ولا تستخف حلمه الراجح صغائر الأمور، ولا يزج بنفسه في أعمال مقتضبة لا يلم بأطرافها وخواتيمها ومواقع الحزم والتدبير فيها. فلذلك خمل ونبهوا، وتأخر وتقدموا، وتريث وتعجلوا، وكانت له في آخر الأمر الفرصة العليا لحسن حظ بلاده. ومن غرائب جهل الناس بحقائق النوابغ الذين يعيشون بين ظهرانيهم، أن هذا الرجل الذي كدنا نحسبه من «العمليين» الخالين من صفات النظر والخيال، كان عند رؤسائه يعد من الحالمين تُبَّاع الخيالات حتى بعد الثورة الرجعية التي أثارها عبد الحميد على الدستور في سنة ????. وفي ذلك العهد كان مصطفى كمال قد ناهز الثلاثين وأوفى على سن أتم فيها كثير من العظماء خيار أعمالهم. ولكنه كان يقترح الرأي البعيد، وينظر النظر السديد، فيهملونه ولا يعبئون به؛ لظنهم أنه من أبعد الناس عن إدراك الوقائع، وسبر غور الحقائق، وروى هو ذلك عن نفسه في حديث نُقل عنه فقال: «كنت كثيرًا ما أرفع الاقتراحات النافعة والانتقادات المفيدة لإصلاح شأن الجيش، فكان ذلك من الأسباب الجوهرية في حقد بعض القواد القدماء عليَّ، وقد ذهب بهم قولهم أنني أقرب إلى النظريين مني إلى العمليين.» وكذلك يعدون كل رأي لا يفهمونه حلمًا أو وهمًا، ولو كان في اعتقاد صاحبه من المحسوسات المتحجرة.
واكتمال الجوانب العقلية في مصطفى كمال ظاهر من تعدد ميوله ومواهبه، وتيقظ الأذواق المختلفة في نفسه. فهو مع ميله إلى الرياضيات مولع بالأدب والشعر، ومع براعته في فن الحرب حسن الدراية بالسياسة ينفذ بنظر منه ثاقب في خلال شباكها المعقدة ومعضلاتها الملتوية، ومع صلابته وإصراره يأخذ بالرأي النافع إذا اقتنع بصوابه وأصالته، ومع شظفه وشدة طبعه واعتياده الجلد والخشونة في معيشته، لا يحرم نفسه جمال الطبيعة ولذة الأنس بخلائقها اللطيفة؛ من طير صادح، وزهر نافح، ومحاسن لا تلج إلى النفس إلا من أسلس مداخلها وأجمل نواحيها، ومع إحاطته بحقائق الحياة ونقائص الطبائع البشرية وثَّاب الأمل يُخيِّل إليك أنه مسلوب الروية عازب اللب إذا نظرت إلى مرمى بصره ومطامح قلبه.
وليس على شخصية هذا البطل حجاب غامض، أو سر من الأسرار كما يغلب على كثير من عظماء الرجال. فأنت تسمع بأعماله فتعرف مَن هو، ويغنيك ظاهرها عن باطنها وآثار الرجل المسموعة عن ترجمته المجهولة. وكذلك عرفناه حين سمعنا بمآثره، عرفنا أن الرجل الذي يجمع من الفلول المبددة جيشًا منظمًا خطيرًا لا بد أن يكون قائدًا قديرًا، وأن الرجل الذي ينشئ من الفوضى حكومة دستورية يستخرج لها الثروة من بلاد محصورة مجتاحة لا بد أن يكون إداريًّا خبيرًا، وأن الرجل الذي يبرم المعاهدات، ويعقد الاتفاقات ناظرًا في ذلك إلى مصالح بلاده وعلاقاتها بأمم الشرق والغرب لا بد أن يكون سياسيًّا حازمًا، وأن الرجل الذي تأبى عليه حميته مطاوعة التيار الطاغي فيجازف بمغاضبة سلطانه وأكبر دول أوروبا من ورائه لا بد أن يكون وطنيًّا مخلصًا، وأن الرجل الذي يقف ساعات في مجلس الأمة يبسط الخطط ويسوغ التدابير لا بد أن يكون خطيبًا مبينًا، وأن الرجل الذي تسبق حكومته الأمم الأوروبية إلى اتخاذ الوزراء من النساء لا بد أن يكون مستنير الذهن بصيرًا بعوامل التأثير في نفوس الأوروبيين الذين يتهمون أمته وينعون عليها الشهوانية واحتقار المرأة، وإذا عرفت من رجل أنه قائد قدير، وإداري خبير، وسياسي حازم، ووطني مخلص، وخطيب مبين، وبصير مستنير الذهن، فالسر الذي خفي عليك من ترجمة حياته قليل.
ووضوح الشخصية نافع في المواقف العصيبة التي يجب إنقاذ الأمة منها ودرء أخطارها في حينها. فليس يجدي في هذه المواقف رجل لا تظهر آثار شخصيته في حياته، ولا يحس سواد الناس معالمها حين ظهورها، أما مصطفى كمال فمن هؤلاء الذين يشهد كل من لمحهم ولو لمحة واحدة أنه في حضرة رجل فوق مستوى الرجال. ولسيماء الرجل هيبة ناطقة، ولا سيما نظرات عينيه، فإني ما قرأت وصفًا له إلا رأيت في مقدمته التفات الواصف إلى وقع تلك النظرات. فهي نظرات تنفذ من خلال زرقة العينين، حادة كالسهم كما قال مكاتب «اللستراسيون» الفرنسية، وهكذا وصفته الأميرة قدرية في قولها: «وهو مربوع القامة، رقيق، أبيض اللون، مشرب بالحمرة الوردية، له عينان زرقاوان حادتان، نظراتهما تكتنه الخفايا وتخرق الحجب الكثيفة، وجبينه العالي آية النبوغ»، وهكذا وصفه كلود فارير الكاتب الفرنسي المعروف، والجنرال تونشند القائد الإنجليزي، فدلالة تلك النظرة واحدة في نفس الرجل، والمرأة، والكاتب الأديب، والقائد الحربي على اختلاف في الجنس والنحلة.
وقد جرت العادة عند ترجمة رجل عظيم من رجال الحرب المحدثين أن يقارن بينه وبين رجل يعد أعظم أساتذتها في العصور الحديثة، وهو نابليون بونابرت، ويتخذون هذه المقارنة محكًّا لكفاءة كل قائد كبير، ومقياسًا لمواهب النابغين ممن جمعوا بين الخبرة بالفنون العسكرية والقدرة على زعامة الشعوب. ونحن لا نرى حرجًا من المقارنة بين مصطفى كمال ونابليون أو أي عظيم من العظماء المخلدين الذين أنجبهم العالم قديمًا وحديثًا. وليس يعنينا في إظهار فضل مصطفى كمال وتقدير شخصيته النبيلة أن نعقد المفاضلة بينه وبين نابليون في أساليب القتال والمعرفة بفنون تعبئة الجيوش، ورسم الخطط، وابتداع الحيل، فهذا خارج عن بحثنا، وليس هو مما يتيسر لنا، ولا مما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإبانة عن شخصية الرجل وعظم نفسه، ولكننا نقول: إن مصطفى كمال لا يخسر شيئًا في أي مفاضلة تعقد بينه وبين نابليون من وجهة الصفات النفسية والعظمة الخلقية، بل لعله يربح كثيرًا ويرجح عليه رجحانًا ظاهرًا.
إن نابليون خان بلده «كورسيكا» وخذله في النزاع الذي كان قائمًا بينه وبين فرنسا. ولما شرع في فتوحاته ومغازيه ألفى أمامه روح الثورة تكاد تلتهم الدنيا وحيوية الشعب الفرنسي تتفزز للنهوض والعمل، فاستغلهما أسوأ استغلال، واتخذ منهما وسيلة لإشباع نهمته وتشييد مجده وتأثيل ملكه. ولم يأتِ منه النفع إلا عفوًا أو على سبيل الاضطرار.
أما مصطفى كمال فماذا استغل من الفرص، وأي أمل كان أمامه يغريه بالعمل ساعة شمر لتلك الغاية البعيدة التي تكلُّ عنها الهمم وتظلع دونها الآمال؟ إنه استغل الضعف والفوضى والفقر ودسائس الخونة في داخل بلاده قبل دسائس الأعداء في خارجها. إنه استغل الهزيمة الفاضحة فاستخرج منها فوزًا باهرًا ومجدًا سامقًا. ولكنه فوز لقومه لا لنفسه، ومجد دولة لا مجد زعيم، لم يصبه منهما إلا ما لا بد منه من فخر يعود على صاحب العمل الصالح الضخم، أراده أم لم يرده، وسعى للوصول إليه أم سعى للتخلص منه.
وهذا الرجل على اهتزاز الشرق كله وجل أوروبا بقوة حركته لا يعرف الصخب ولا الخيلاء، وقلَّ أن يرى في أوقات فراغه إلا ساكنًا صامتًا. توالت عليه كما تقول الأميرة قدرية: «عوامل الإخفاق وخيبة الأمل والمرارة اللازبة وأحوال شتى تركت لها أثرًا بينًا في حياته، إن لم تكن قد غمرتها برمتها فصارت عاملًا مهمًّا في تكوين خلائقه.» على أنه قد يبتسم فيريك الحديد يفتر فجأة عن الورد كما يقول كلود فارير، وربما شبهه بعضهم بالنمر كما يقول مكاتب اللستراسيون ويحسبهم المكاتب مصيبين في هذا التشبيه «إلا أن ابتسامات كابتسامات الأطفال تُغيِّر أحيانًا ذلك الوجه وتُكسبه عذوبة مدهشة»، وهذه الابتسامة الطفلية معروفة على أفواه كثير من العظماء، حتى الذين تمرسوا منهم بآلام الحياة واكتووا بنارها، ولا غرابة فيها، فإن النابغ لا يزال عمره كله طفلًا؛ لأن شباب عقله ونفسه لا يقترن بالتجارب الشخصية والسنين المحدودة التي يحياها على هذه الأرض، وإنما يقترن بحياة أمم متجددة، بل بحياة العالم أجمع في بعض الأحايين، وأظن تلك الابتسامة الصغيرة التي تتردد على شفتي مصطفى كمال أدل على عظمته من كل ما تجشمه من الأهوال، وما امتاز به من كرائم الخصال.
هذا هو الرجل الذي تدوي الدنيا باسمه في هذه الأيام، والذي يشعر الآن بسعادة ما مثلها سعادة في هذا العالم المترع بالهموم، ويكرع من كأس نشوة نادرة هي نشوة الشعور بأن الحق ينتصر بين مصارع الشهوات والمطامع، وما أندرها من نشوة سماوية! السعيد من ظفر برشفة من كأسها. ولكنها سعادة لا يستحقها إلا القليلون، ولا ينالها إلا الأقل من هؤلاء القليلين.
? الأفكار ?? سبتمبر سنة ????.
مهاتما غاندي? (?)


لا يجد الكاتب بعد الكتابة عن مصطفى كمال صورة هي أبعد منه شبهًا من صورة الزعيم الهندي، أو النبي «غاندي» سجين الحكومة البريطانية اليوم. وليس بين الرجلين بعد جامعة الدعوة الوطنية من مناسبة تذكرك بأحدهما إن ذكرت الآخر غير مناسبة التباين في نوع القوى النفسية والصفات الخلقية، فكلاهما زعيم وكلاهما عظيم، ولكن شتان نبعاهما من الزعامة والعظمة. والفرق بينهما في الحقيقة هو فرق بين نموذج عالٍ من الجنس التركي ونموذج عالٍ من الأمة الهندية، فهذا مثل الشجاعة والبأس ووضوح الشخصية والأخذ بالحقائق الملموسة، وهذا مثل التضحية وإنكار الذات من نوع آخر، وما شئت بعد ذلك من غموض في قوى النفس وأسرارها يتصل بغوامض الهند القديمة الأسرار، أحدهما بطل والآخر نبي، وما البطولة في أعم أشكالها عند الهنود إلا ضرب من النبوة لا معجزة له غير القدرة النفسية الخارقة.
فإذا طلب السامي أو الطوراني من الرسل المبعوثين إليه أن يقيموا له البرهان على صدق دعواهم بنقل الجبال وتحويل الأفلاك والأنباء بما يجري في الأماكن البعيدة؛ أي بما يستطيعون عمله لو تضاعفت قدرتهم المادية أضعافًا معينة، كأن يزدادوا في الطول أو القوة أو السمع أو البصر آلافًا مؤلفة من الأضعاف، فالهندي لا يُطالب نبيه ببرهان كهذا، ولا يكلفه هذا النوع من القدرة، إنما يكلفه معجزة نفسية بحتة تسبر له غور قدرته على قدع شهواته واحتمال آلامه وإنكار جسده، ففريق يميل إلى التسليم بحاسته، وفريق يميل إلى التسليم بضميره.
إن أعمال مصطفى كمال تدل عليه — كما قلنا — ولكن أي دلالة على غاندي تصل إليها من مجمل أعماله؟ إنه حمل فريقًا عظيمًا من الهنود على الإعراض عن زخارف المدنية الغربية، وألَّف في كثير من المواطن بين أصحاب الديانات المختلفة، ونصح وخطب ونُقلت عنه أخبار شتى من بعيد، ولكنها في جملتها أعمال قد يأتي بها عشرة من الرجال مختلفون لا يشابه أحدهم الآخر وكلهم من الزعامة بالمنزلة المطاعة، قد تجتمع فيهم الشجاعة والمراوغة، والدهاء والصراحة، والنبل والضعة، والإخلاص والرياء، والطمع والعفة، والانتقام والمروءة، وقد ترى أحدهما من البعد عن الآخر بأقصى ما يكون عليه الرجلان المتباعدان، ولا سيما في بلاد قديمة شاسعة الأطراف مختلطة كالهند يتسع فيها المجال لعوامل متناقضة. فأي هؤلاء العشرة يكون غاندي يا ترى؟
لم يظهر بعد «طيلاق» الزعيم الهندي الذي مات في الأعوام الأخيرة زعيم كان أجل خطرًا، وأبعد صيتًا، وأكثر أتباعًا من غاندي هذا الذي لقبه قومه بالنبي أو القديس. وقد اعتاد غاندي أن يقول عن سلفه الراحل: «إنه لو ظهر في القرون الغابرة؛ لأنشأ له دولة وعرشًا»، وهو إنما قال فيه هذا القول لما عرفه من شدة مراس «طيلاق»، وقوة شكيمته، وبُعد أمله، واعتداده بنفسه، وبروز شخصيته. ولا نظنه إلا كان شاعرًا بالتفاوت بينه وبين صاحبه في هذه الخلال حين التفت إليها ونوَّه بها أكثر من مرة. فإن الاختلاف في الخلق من هذه الناحية هو أوضح مواضع التباين بين الرجلين؛ صاحب العرش الذي تأخر به الزمن عن عرشه، والنبي الذي لم يتأخر به الزمن عن شرف النبوة!
والعهد بالأغلب الأعم من أبطال النهضات وقادة الحركات الاجتماعية والسياسية أن يكونوا صعاب الطبائع، ضخام الأنانية، أولي طماح وكبرياء، وأنهم إلى أخلاق الغزاة الفاتحين أقرب منهم إلى أخلاق الأنبياء والنُّسَاك، ولو قُدِّر للهند أن لا يتولى الزعامة فيها أحد من غير ذلك الطراز الذي نبغ منه طيلاق لما سمعنا باسم غاندي قط، ولما كان له دور يؤبه له في رواية الهند الحديثة، نعم فليس غاندي بذلك الرجل الجبار بشخصيته الغلاب بجبلته! ولا هو بالمزاول المداور القوي العارضة الخلاب الفصاحة، ولا هو بالرجل الذي تروعك هيئته، وتستحوذ على إعجابك هيبته. لا بل خلاف ذلك يراه واصفوه من أتباعه وغير أتباعه. يقولون: إنهم يبصرونه في ضواه ونحافة جسمه ورخامة صوته ووداعة نظراته، فكأنما يبصرون طفلًا صغيرًا لا بطلًا مسموعًا يقود الملايين، وينهض لمناوأة أكبر دولة في الأرض. وقد رأيت له عدة صور مطابقة لهذا الوصف، وقرأت أخباره مع حكومة الهند وأساليبه الغريبة في مصاولتها، فلم أشك في أن رؤساء الحكومة هناك كانت تمر بهم لحظات لا يتمالكون فيها من الابتسام من هذا القدر الذي امتحنهم بكفاح هذا النبي السياسي، فأصبحوا أمام حملاته التي كان يصبها عليهم صبًّا لا يدرون في أي باب يسلكونها: أفي باب اللدد في الخصومة، أم في باب عناد الطفولة الطاهرة البريئة؟ ولا يكادون يعلمون هل يجدُّ هذا الخصم العنيد، أم هو يداعب حكومة الهند برهة، ثم هو تاركها وشأنها حين يلهمه هواه.
إلى هذا الحد يتصور الفكر غاندي غير مطبوع على إثارة البغضاء، وهي خصلة أفادته أجل فائدة في مهمته التي قيضته الظروف لها، وما كانت لتقيض لها رجلًا هو أخلق بها منه. إنها كانت مهمة صاحبها في غنى عما يتصف به الزعماء الجبابرة من خلق غضوب يستنفرون به في جانبهم وجانب خصومهم أقصى ما عند الفريقين من نعرة الجنسية وعداوة العصبية، فهي مهمة جهاد سلمي: سلاحها الرفق والصبر، وأصلح الناس لقيادتها ذلك الرجل المسالم بطبعه، الوديع بحكم تكوينه، الذي يُحذِّر أتباعه أشد الحذر من مقارفة العدوان والعنف ويقول لهم: إذا كان لا بد من العدوان فكونوا أنتم ضحاياه، ولا تكونوا أنتم جناته، ويعظهم أن يعلوا بأنفسهم عن غضب السباع وشراسة الحيوانية. وهي كذلك مهمة تأليف بين عنصرين فرقتهما ترات تاريخية كانت إلى عهد قريب تسيل الدماء وتذكي ضرام البغضاء وتبعث الأنفة والاعتزاز بالآباء، فكلما كان القائم بها سهل العريكة، بعيدًا عن الكبرياء الشخصية والخنزوانة الدينية، كان ذلك أعون له على الإصلاح والتوفيق ومسح الترات ولمِّ الصفوف. وهي مع هذا وذاك مهمة قناعة وإعراض عن لذات المدنية وغواياتها، ومن لها غير غاندي المتواضع المتقشف القانع باليسير من الغذاء والرخيص من الكساء؟ ولو أنه كان من رجال المطامع وعُشَّاق الدنيا المفتونين بجاهها وزينتها ولذاتها وملاهيها أتراه كان يخطر له أن يتخذ نفسه قدوة لأتباع دعوته، فيغدو ويروح في ثياب من أرخص ما تنسج الهند، أو يعيش على الفاكهة والأرز المسلوق؟ ولقد صار للدين ومكارم الأخلاق كل ما عمله غاندي ونطق به، حتى الدعوة إلى نبذ مظاهر المدنية الغربية وجد لها حجة من مكارم الأخلاق تحث عليها، فكان يقول لجماعته: «إنني لأستحي أن أخاصم رجلًا يمن عليَّ بنسج ملابسي» وما هو بهازل ولا متكلف فيما يقول.
ويُخيل إليَّ أن ضمور الشخصية أفاد غاندي أكثر مما أضر بنفوذه، وأكسبه من الأنصار أكثر ممن أبعد عنه. إذ كانت الشخصية الضامرة هي التي ساعدته على بلوغ تلك المنزلة الدينية الرفيعة التي مهَّدت له سبيل التمكن من أقوى جوانب النفس الهندية — وهو جانب الشعور الديني — ومن أبرز سمات النُّسَاك والروحانيين بساطة المظهر وخشوع النفس والجسم والبعد عن صور السطوة والوجاهة الدنيوية. بذلك يتسم النُّسَاك الصادقون. وكذلك يتراءى للناس النساك المتصنعون، فصاحبنا غاندي في بنيته النحيلة وقده الصغير أصدق عنوان للزهد والورع وأقرب صورة إلى الصلاح والتقوى. ويمكن أن يُقال على سبيل المجاز: إن الطبيعة تورعت في تركيبه فلم تعمد إلى البذخ والروعة؛ فكان الرجل متقشفًا في الحياة وكانت الحياة متقشفة فيه!
وكثيرًا ما رأينا الكبراء من ذوي الصلف والنفوذ يقبلون الطاعة لأمثال غاندي ممن لا سلطان لهم في ذواتهم، ولكنهم مظهر من مظاهر سلطان الله الذي لا يتعالى على سلطانه عظيم ولا حقير، يقبلون الطاعة له ولا يقبلونها لمن يتقدم إليهم بمزايا من جنس مزاياهم؛ لأن الأول يترك لهم الدنيا التي هي موضع تفاخرهم وتناحرهم ومثار التنافس والحسد بينهم، فيخرجونه من ميدان المنافسة، ولا يرون على أنفسهم غضاضة من تقديمه عليهم جميعًا. والثاني يتقدم إليهم بحظه من تلك المزايا لينافسوه أو ليستكبروه عن منافستهم، فيسلمون له عند العجز مجبرين ومختارين كمجبرين.
وللضعيف الهيئة في بعض الأحيان أن يغتبط بضعفه الظاهر ويحمد عواقبه؛ لأن الناس لا يكلفونه ما يكلفون القوي، ولا يقيسون أعماله بمقياس ذوي القدرة والخطر. يستكثرون منه القليل إذ يستقلون من غيره الكثير، ويعجبون منه بما ليس يعجبهم من سواه. مثله في ذلك كمثل الطفل الصغير يرفع اللبنة فتسير بحديثه الأمثال، وليس هذا ولا أضعافه مما يُذكر للرجل الكبير. وتراهم قلما يستغربون الإساءة من الضعيف إذا أساء، ولا يلتفتون إلى إساءته إلا عاطفين أو غير مبالين، وإذا أحسن لم ينفسوا عليه إحسانه لقلة ما يحفزه من دواعي العداء في النفوس.
? الأفكار ?? سبتمبر سنة ????.
مهاتما غاندي? (?)


ظن بعض قرائنا أننا غمطنا البطولة حقها وأصغرنا من قدرها حين قلنا في عرض الكلام على مصطفى كمال: إن البطل لا يزال طول عمره طفلًا، وخيِّل إليهم أن الأخلق بالبطولة والأشرف لها أن توصف بالحنكة والحصافة والنضج قبل الأوان. فكتب إلينا قارئ أديب يستغرب ما قلناه ويستفسره ويحسبنا أخطأنا الرأي فيه وعدونا الصواب. ولو فطن إلى حقيقة ما أردناه لرأى أن الغمط لحق البطولة والإصغار من قدرها هو ما توهمه وقارًا جديرًا بها حين خطر له أنها أسرع من غيرها إلى إدراك تلك الحكمة الدنيوية التي أساسها أن لا يدخل المرء في ما لا يعنيه، وأن لا يعنيه إلا ما يعود على شخصه من خير وشر. فإن هذه الحكمة الرخيصة إنما يجاد بها على من ليس يرجى منهم خير لغير أنفسهم، ولا تفضل من قواهم بقية تزيد على مصالحهم. وأما الذين ندبهم الله لنفع أممهم أو لنفع الناس عامة، وأنساهم في الغيرة على هذا النفع العام غيرتهم على أنفسهم فقد سُلبوا — والحمد لله — هذه الحكمة، وجُردوا من هذه الحصافة، ولم يسلم منهم أحد من مظنة الجنون والغرارة، لا لأنهم أقل من غيرهم عقلًا وأبطأ إدراكًا، ولكن لأنهم أكبر نفسًا، وأبعد مطلبًا، وأعلى شأوًا في الحياة من عامة الناس.
ولسنا نند عن موضوعنا إذا نحن فصَّلنا هذا الرأي بعض التفصيل على القدر الكافي لدفع الالتباس والخطأ، فإن غاندي أيضًا ممن شرفتهم العناية الإلهية بروح الطفولة الخالدة. فلننظر هنا ما معنى الغرارة التي يوصف بها الأبطال، ولننظر قبل ذلك في معنى غرارة الطفولة ومعنى الحكمة الفردية التي تؤدي إليها التجربة.
يكون الطفل غرًّا لأنه لم يزن طاقته، ولم يقس نفسه على القوى المحيطة به، فهو لا يعرف أين يقف بهواه، ولا كيف يكبح شوقه؛ لأنه لا يعرف القدرة الضرورية لتحصيل مطالبه. ولا يزال يصادم «الظروف» والظروف تصادمه حتى يقيس ذرعه بمعيارها، ويلائم بين قوته وقوتها، ولا يذهب إلى أبعد من الحد الذي عرفه لقوته، فيقال حيئنذ: إنه رشد ونضج عقله وتعدى طور السذاجة الأولى؛ لأنه وفَّق بين نفسه والوسط الذي يعيش فيه. ولكن هل هذا النضج الذي يتاح لعامة الناس مما يمكن أن يتاح لنوابغ الأبطال؟ وهل في وسع بطل أرسلته العناية لإصلاح وسطه أن يُوفِّق بين نفسه وهذا الوسط الذي ليس يرضى عنه ولا همَّ له إلا أن يُغيِّره ويُهذِّبه على حسب ما يبدو له أنه الكمال والصواب؟ إنه إن فعل ذلك لم يكن أكبر من بيئته، والتهمته البيئة كما تلتهم اللجة غريقها، فلا يخرج من جوفها، ولا يبين له أثر في غمارها. وما كان العظيم عظيمًا إلا لأنه أكبر من البيئة المحيطة به، وأعلى مطلبًا من أن يندس فيها كما يندس سائر الناس. فإذا رأيته بعد تجربته للحياة «غرًّا» يقدم على تجربتها مرة أخرى وثالثة ورابعة فذاك لأن قوته لا يحدها زمنه، ولا ينتهي أملها عند معرفة ما يطلبه لنفسه. وما هو في الحقيقة بغر إلا من وجهة النظر إلى مصالحه الخاصة. أما إذا كان مقياس الحكمة في اعتبارنا هو أن يقيس الإنسان قوته على قوة بيئته، فالبطل هو المثل الأعلى للعقل الحي؛ لأنه في الحقيقة لا يمنعه أن يخضع للواقع إلا هذا السبب. وهو أنه قاس قوته على القوى المحيطة بها فوجد — شاعرًا بذلك أو غير شاعر — أنه قمين أن يكافحها ولا يخضع لها، وما دام بينه وبين دنياه هذا الكفاح فهو الطفل الكبير الذي تعاوده الغرارة ولا يفرغ في التجربة.
•••

ونستأنف الكلام على غاندي فنقول: إن غاندي — كما رأينا مما تقدم — صاحب زعامة خاصة بموقفه ومهمته؛ أي: إنه لم يُخلق ليكون زعيمًا على كل حال. ولا نقول ذلك بخسًا لشمائل الرجل ولا تنقصًا من قدرته، فإنه فضلًا عن فصاحته وسهولة اجتذابه للسامعين حاصل — كما نعتقد — على صفتين من ألزم صفات الزعامة على الناس، بل هما ألزم صفاتها قاطبة، ولولاهما لما أفلح داعٍ قط، ولا استحق الكرامة زعيم. وهاتان الصفتان هما الإخلاص والإيمان.
فإخلاص غاندي فوق كل شبهة، وإيمان غاندي قد صفته المحن، ومحضه النسك، وتنزه عن الشكوك الهادمة والوساوس القائمة. عرف له إخلاصه وإيمانه أبناء قومه فعظموه وأكرموه ورفعوه بينهم مكانًا لا مطمع فوقه لطامع. وما أدراك ما مكانه عندهم؟ إنهم يلقبونه النبي أو الروح العظيم «ماه-آتما» وهي منزلة ليس بعدها ولا أرفع منها في دين البراهمة إلا منزلة واحدة؛ هي الروح الكلية «بارام-آتما» وهي روح برهما: روح الله.
ولم ينفرد بتنزيه غاندي عن التُّهم أبناء وطنه من البراهمة والمسلمين، فقد شهد بنزاهته كذلك كل من رآه من الأوروبيين، حتى أنصار الاستعمار من الإنجليز، بل شهد له قاضيه الذي أمضى الحكم بالسجن عليه. ورأينا بين كُتَّاب الإنجليز من يقول في مجلة «نيشن» غير متلعثم ولا محترس: «إنه ليس من التجديف أن يُقارن بين غاندي والمسيح»، وهي كلمة كبيرة من إنجليزي مسيحي! ولم يستطع السير فالنتين شيرول أن يلقي عليه الغبار الأسود الذي لا يعيبه إلقاؤه على مخلوق يناهض الاستعمار البريطاني؛ فقال: إنه في الحركة الهندية «بلا فأس يشحذها لنفسه»، وهذه الفأس عندهم هي كناية عن المصلحة الشخصية والأغراض المريبة، وكم من فأس خلقها شيرول وشحذها على حسابه لأناس لا يحملون الفئوس!
وغاندي الآن يمشي في أول الحلقة السادسة من عمره، ولا يدري أحد كيف يتم هذه الحلقة. أيعود إلى الحياة العامة قريبًا، أم يتم أيامه في السجن فيكاد ينقضي من الآن دوره في سياسة بلاده؟ على أنه قضى في هذه الحياة العامة ما هو حسبه، قضى ثلاثين سنة في أشرف الأعمال وأطهرها لم تؤخذ عليه في أثنائها سيئة واحدة تشينه، ولم يخامر الشك أحدًا في صدق نيته، وإذا كان لا بد من الاستقصاء، فنحن نستثني تلك الحادثة التي جرت له في أفريقيا الجنوبية في أول عهده بالأعمال العمومية. فقد قيل: إن الهنود كادوا يقتلونه هناك لسوء ظنهم به واتهامهم إياه بالخيانة، وأنهم أوسعوه ضربًا حتى أغمي عليه وتركوه وهم يحسبونه قد مات. وهي ريبة غريبة يُعذرون عليها لفاقتهم وحاجتهم إلى الإنصاف، ولعلها خامرتهم من فرط تشدده في إنكار العنف، وكثرة إلحاحه بتوخي المسالمة والتزام حدود الاعتصاب الرصين. وكان القوم لا يفهمونه يومئذ فاتهموه وأضمروا له السوء، ثم ألفوا منه هذه الدعوة فزال ارتيابهم فيه.
ولقد رأيت أناسًا كثيرين كانوا يعتقدون حتى بعد محاكمته أنه إنما كان يوصي بالسلم والمودة احتيالًا على القانون وهربًا من العقاب، وليس أظلم للرجل من هذا الاعتقاد، فإنه لأرفع من أن يخشى عقابًا وهو الذي يدين بإنكار الذات والصبر على الآلام، ويرى المثل الأعلى للحياة في الاستخفاف بأكدارها وشرورها. وعدا هذا فإن وصايا غاندي قد نشأت قبل أن يولد غاندي، وقبل أن يضع الإنجليز قدمًا في الهند، وقبل أن ينشق حجاب التاريخ عن كيان الدولة الإنجليزية، نشأت من عبادة بوذا المبشر بدين الرحمة والإخاء القائل لتلامذته: «إن الواصل إلى الله لا يغش أحدًا، ولا يضمر حقدًا لأحد، ولا يحركه الغضب إلى الإضرار بأحد»، وأن «عليه أن يطوي قلبه على حب لا يحصر لجميع المخلوقات، يحبهم كما تحب الوالدة ولدها الذي تحميه بحنانها. ومن فوقه ومما دونه، ومن حوله فليمدد رواق حبه، وليكن حبًّا لا تعترضه الحواجز والعقبات ولا مسحة فيه من قسوة أو تحزب، وعليه واقفًا كان أو قاعدًا أو ماشيًا أو مضطجعًا إلى أن ينام أن يظل فكره عاملًا على الخير لجميع العالم.»
وهذه وصايا تكررها كتب الهند المقدسة بلا ملل ولا اختلاف، ولنذكر أن غاندي رجل متعبد ولدته أم متعبدة في أمة الديانات والنساك، فليس يجوز لمنصف أن يئول كلامه على غير معناه الصحيح.
بيد أننا لا نعجب من هذا الخطأ عجبنا من كُتَّاب الصحف الأوروبية الذين يأبون إلا أن يضطروا غاندي إلى اقتباس قواعد دينه من كتاب أو قصة يخترعها الغربيون أو أشباه الغربيين. فإنه لمن المضحك حقًّا أن يسترسل هؤلاء القوم في الغرور بمدنيتهم إلى هذا الحد فلا يسلمون لشرقي بمأثرة لا يكون لواحد من أبناء الغرب أصبع فيها. وهل تدرون من صاحب الفضل على غاندي في فلسفته وآدابه، ومن الذي لقنه أصول دين البراهمة؟ إنه هو تولستوي! كذلك قال شيخ صحافتهم لورد نور ثكليف غفر الله له بعد عودته من الهند!
وما لنا نلوك كُتَّاب الصحف وهذا رينان المؤرخ اللبيب والباحث النزيه يقارن بين الشرقيين والغربيين فيخالف المعروف المتفق عليه، ويميز الغرب على موطن الأديان ومهبط الوحي بخلوص النية وصفاء العقيدة وبراءة العاطفة الدينية من الزغل والمواربة! ويقول في هذا المعنى في صدد كلامه على معجزات السيد المسيح: «إننا نحن بما لنا من طبائع باردة مترددة، قلما نفهم كيف تستحوذ على الإنسان إلى هذا الحد فكرة كان هو صاحبها الذي ندب نفسه للدعوة إليها. فنحن أبناء الشعوب التي تأخذ الأمور مأخذ الجد، نفهم أن الاقتناع معناه إخلاص الإنسان بينه وبين نفسه. ولكن الإخلاص للنفس شيء ليس له كبير معنى عند الأمم الشرقية، فاليقين الصادق والادعاء نقيضان في عرفنا لا يقبلان التوفيق، أما في الشرق فالمنافذ الخفية والسراديب الملتفة التي تصل بين هذين النقيضين كثيرة لا تحصر. وكم من رجل من أرفع الناس نفوسًا كأصحاب الأسفار الدينية الضعيفة السند — ولنذكر منهم مثلًا دانيال وأخنوخ — قد اقترفوا بغير حرج من ضمائرهم أعمالًا قصدوا بها تأييد دعوتهم، لا يسعنا نحن إلا أن نسميها افتراء. فالتدقيق في الصدق الحرفي خصلة قليلة القيمة جدًّا في نظر الشرقي، وهو مفطور على أن ينظر إلى كل شيء من خلال خواطره ومصالحه وخوالج نفسه.»
وإذا كان هذا رأي مؤرخ بعيد عن الشبهات السياسية كرينان، فالحق أن نور ثكليف وغيره من سماسرة السياسة لهم العذر الواضح إذا هم خلطوا بين الحقائق والأهواء، وعبثوا بحرمة التواريخ والوقائع الملموسة، واقترفوا بغير حرج من ضمائرهم أعمالًا قصدوا بها تأييد دعوتهم لا يسعنا نحن إلا أن نسميها افتراء!
وعلى أنه إن كان لا بد من فضل للمدنية الغربية على غاندي، فإنه فضلها إذ علمته كيف يشمئز منها، ويحتقر أباطيلها وما يستوعب نفوس أبنائها وعقولهم من صغائرها وشهواتها. وهذا وايم الله فضل ليس بالقليل، وما فتئ النبي الهندي يشكره لها الشكر الجدير به.
? الأفكار ?? سبتمبر سنة ????.
المتأنقون


في التاريخ حوادث عظام لا تعد، أحدثها رجال على حالات مختلفة من الأخلاق والمواهب، ولكن لم يكتب لأحد من المتأنقين أن تجري حادثة منها على يديه، ولا أتيح لأحدهم أن يكون ذا قوة منشئة أو أثر دافع في تاريخ عصره، وقد يصل منهم من يصل إلى مقاوم الرفعة والنفوذ بفضل النسب والحسب، أو بفضل المال أو الصدف، ولكنه يظل بعد وصوله إلى تلك المقاوم ذلك العاجز الحصر الخابي النفس والعقل، الميئوس من همته واجتهاده. وتراه في دست الأحكام كما تراه في مجلس المدام: إنسانًا مستظرف المحضر، إن كان به ظرف، وإلا فمشجب حي عليه من أدوات الزينة ما كان قبل هنيهة على مشاجب أخرى من الخشب والحديد.
وفي تاريخ الكياسة والتأنق والأدب مثلان واضحان على هذا العجز الذي يبدو عند التصدي لعظائم الأمور وجسام الأعمال ممن جعلوا همهم في الحياة التأنق واللباقة، واتخذوهما وظيفة في الدنيا ينصبون لها ويزدهون بها، أحد هذين المثلين عصري والآخر أقدم منه بنحو قرنين.
فأما الأول فهو «دي شانل» الأديب السياسي الكيس الذي ارتقى إلى رئاسة الجمهورية في فرنسا بعد بوانكاريه. كان هذا الرجل كاتبًا بارع الإنشاء، مصقول العبارة، وسياسيًّا يُسمع له رأي في دوائر الأحزاب، وكان متأنقًا جد التأنق تتوجه إليه الأنظار ويقتدي به أنداده في هندامه وآدابه، فلما صعد أو صعدت به الظروف إلى دست الرئاسة، ظنوا به خيرًا وانتظروا منه الشيء الكثير، ولكنه لم يوفق لسوء حظه إلى تصديق ظنونهم وإرضاء تشوفهم، ولم تمضِ عليه هنيهة حتى ظهر عليه ضعف العقل الذي كان مكنونًا فيه قبل ذلك، والذي هو من طبيعة هذه الأمزجة المشغولة بالأناقة والمظاهر.
أما الآخر فهو لورد شسترفيلد الذي يعرفه كل دارس لآداب الإنجليزية، صاحب الرسائل البديعة التي خط بها لولده دستور الكياسة والظرف، فجاءت طرفة من طرف البلاغة وآية في جمال اللفظ والأسلوب، وُلد هذا الأديب في بيت من بيوت المجد والغنى، وتثقف عقله كأحسن ما تثقف العقول في عصره، ووصل إلى مجلس النواب، فحسب عارفوه ممن كانوا يلتفون به ويكبرون لباقته في الأندية ومجالس السمر أنه سيشرق على المجلس نجمًا ساطعًا، وسيرقى منه إلى أرفع منزلة في المملكة بجده وأناقته وحسن تخريجه للأمور! فما كان إلا أن خيب فيه كل أمل، ولم يُسمع له صوت يُذكر في المجلس، وقد لزم الصمت في دور نيابته، وكان خطيبًا مقبولًا، لسبب مضحك مزرٍ لكنه ملائم لطبيعة مزاجه. ذلك أنه كان بين الأعضاء رجل هزأة يحسن محاكاة الخطباء في حركاتهم وجرس أصواتهم ولهجاتهم، وكان إذا خطب الخطيب قام فردَّ عليه بصوت كصوته ولهجة كلهجته وإيماء كإيمائه، فيعرضه للضحك والسخرية أحيانًا، ويتغلب على سخريته الأعضاء الأقوياء كثيرًا.
فمن هذا الرجل خاف لورد شسترفيلد وقبع في المجلس لا يتكلم. فكان هذا السكوت منه خوفًا من الضحك، كتلك العناية الدقيقة التي يعنى بها في انتقاء كل قطعة من ملابسه لئلا تُعاب أو لا يستحسنها الناظرون.
ليس بعجيب أن يخفق أمثال دي شانل وشسترفيلد في عالم الجهاد السياسي، أو يظهر منهما ضعف العقل عند المعمعة. إذ ما هي طبيعة التأنق في لبابها؟ أليست هي أن يعيش الإنسان عند ما يستحسنه الناس منه ويلفت أنظارهم إليه؟ فالمعقول في هذه الحالة أن لا تكون للمشغولين بالتأنق تلك القوة الدافعة المتجبرة التي لا تحفل بآراء الناس، ولا يكرثها رضاهم وغضبهم، ولا يصدها عن طريقها استحسانهم واستهجانهم، والمعقول أن لا يكون منهم زعماء فاتحون لعهود جديدة، أو معتسفون أطوارًا كانت مجهولة؛ لأن الزعامة لا تتم بغير تلك القسوة الدافعة، فلا جرم يكون محل المتأنقين في السياسة إذا ولجوا بابها محلًّا خاملًا لا يؤبه له. نعم إن التأنق يستدعي بعض الغرابة للفت الأنظار، فيخيل إليك أن أصحابه على نصيب من الجراءة، ولكنها جراءة كاذبة، وغرابة مرجعها إلى ما يرضي الناس ويبهرهم ويروقهم. فهي منوطة بهم ومولية إليهم.
إن التيار الجارف هو الذي يشتق لنفسه طريقه ويقذف فيه بأمواجه، أما الماء الفاتر فلا محيص له عن الوقوف عند الشطوط يدور معها وينحصر في نطاقها، ومهما ظهر لك من مظاهر المتأنقين وقيامهم بما يغضب الناس منهم أحيانًا، وصبرهم على المخالفة في بعض المعضلات، فلا يغرك هذا من أخلاقهم وأذواقهم، فإنما أساسها كلها فقدان تلك القوة الدافعة التي يُقدم بها المرء على اقتحام العقبات، وقرارها كلها ذلك الماء الفاتر في طباعهم الذي يقف بهم أبدًا عند الشطوط.
والمتأنقون لأجل هذا كانوا أقل الناس صلاحية لقيادة الأمم، ولا سيما في عهد النهضات القومية؛ لأن النهضة تحتاج في كل عصر إلى المجددين المقتحمين، لا إلى الفاترين المتدللين، وتريد النفوس الطامحة القلقة، ولا تريد النفوس الوادعة المترفقة. وليس قوانين النهضات التوفيق بين الإنسان وبين ما يجده من ميسور حاله، وإنما قوانينها أن يتمرد الإنسان على حاضره شوقًا إلى ما يرجوه من مآله.
ولعلماء الجرائم الذين ليس أمامهم مثل للشذوذ ومخالفة البيئة غير أمثلة المجرمين وحثالة الناس أن يعتبروا الملاءمة بين المرء وبيئته نموذجًا لما ينبغي أن تكون عليه آداب الفرد في الجماعة، ومثالًا للحياة المستوية السليمة، ذلك لأنهم يطلبون سلامة المجتمع ويحرصون على أن تجري الأمور في مجراها، ويحسبون ذلك غاية الأمم التي لا تنزع إلى أبعد منها، وقسطاس الشرائع والأنظمة الذي لا يقبل التغيير والتحول. لكنهم يظلمون العلم، ويظلمون أنفسهم، ويظلمون الحياة إذا جعلوا الملاءمة بينها وبين البيئة التي هي فيها قانونها الأسمى، أو حسبوا هذه الملاءمة طبيعة عنصرها والمحرك الأول لها. فإنما قانون الحياة الأسمى وعنصرها الأصيل قائمان على الشذوذ لا على مشابهة البيئة، وأول ما نشأت الحياة كانت شذوذًا مخالفًا لما حولها، وكذلك أول كل ارتقاء فيها كان اختلافًا مباينًا لسنة البيئة وثورة قائمة على النظام المألوف في الطبيعة، فكلما كان الإنسان أقرب إلى الحياة وأبعد عن الآلة الميتة كان شوقه إلى التجديد والاقتحام أشد وأقوى، وكلما كان أعمق مستقى من ينبوع الحياة وأوفر نصيبًا من دفعة تيارها كان الاختلاف بينه وبين عامة الأحياء كبيرًا بعيدًا، والاندفاع فيه إلى التغيير ملحًّا شديدًا، تلك سُنَّة الحياة منذ نشأت، وتلك هي الروح الإلهية التي تستفزها إلى طلب الكمال، وتحثها أبدًا على التوغل في أسرار الوجود والتزيد من حظوظه وأفراح فتوحاته. ولولا هذه الروح لركدت الحياة، وأسن ماؤها، وانعزلت في بؤرة حاضرها عن المجرى المطرد بين الماضي والمستقبل، ولولاها لكانت الحياة كالتربة القاحلة تلقى فيها الحبة، فتأخذها كما ألقيتها حبة واحدة لا تزيد ولا تتغير، اللهم إلا أن تكون زيادتها وضرًا ورجسًا، وأن يكون تغيرها تعفنًا ويبسًا، وإنما وظيفة الحياة أن تعطي أضعاف ما تأخذ، وأن تكون في داخلها أكبر مما يحيط بها من خارجها، لا أن تجعل ما تعطيه على قدر ما تأخذه، ولا أن تكون هي وما يحيط بها على حال سواء.
أليس من الغريب إذن أن يكون الوادع المتأنق الذي لا يشغله من الدنيا إلا الرضى من نفسه ومن غيره، قائدًا للأمم في نهضاتها وقدوة لها في إبان انطلاق آمالها ونشاط حياتها؟
بلى والله إنه لغريب طريف، وإنه لبدع في التأنق، ولكنه غير جميل ولا ظريف!

تقدير الشيخ علي يوسف?


لا يقنعني بأن الصحافة المصرية لم تتجاوز بعدُ سن الحداثة مثل آفتين مما تبتلى به كل صحيفة: إحداهما مماطلة المشتركين، والثانية إعارة الصحف والمجلات.
وكثيرًا ما سأل الصحفيون: ما بال الصحافة المصرية مبتلاة بداء المطل من مشتركيها حتى لا تكاد تظهر صحيفة إلا صادفها من ذلك عقبات تقضي عليها أو تلجئها إلى غير مواردها؟
ولا علة لذلك سوى أن الصحافة لم تدخل بعدُ في عداد الضروريات في حساب المصري، وأنه لا ينتظرها كما ينتظر الرجل شيئًا لازمًا لا غنى عنه، ولا يتعقب آراءها تعقب من يعتقد أن لتلك الآراء مساسًا به ودخلًا في حياته.
تبلغ الصحافة هذه المنزلة في «البلاد الاجتماعية»، وأريد بالبلد الاجتماعي ما تتكون فيه جامعة قومية محسوسة تربط بين سكانه بصلة من التضامن في الشعور والمرافق العامة، وليس للمصريين هذه الجامعة اليوم، ويكاد لا يدور لها خيال في أذهان الكافة من أبناء هذه الديار. فإنهم لا يزالون يرددون اسم المصري ويقصدون به المولود في مدينة القاهرة، وليس عندهم إلى اليوم كلمة للقومية المصرية، اللهم إلا ما تلقفه بعضهم أخيرًا من مستحدثات الكتابة، وما هم بالكثيرين.
أما في الأوطان الاجتماعية، فالصلة بين أهلها أقرب من ذلك، هناك يترقب القارئ الصحيفة كما يترقب الرسائل الشخصية، ويرى في كل خبر رسالة من الأمة إليه أو منه إلى الأمة. فلا يخطر لمثل هذا القارئ أن يماطل الصحيفة في أجرها، ولا يستحسن أحد أن يستعير منه صحيفة ليقرأها كما يفعلون هنا؛ لأن الناس يخجلون من استعارة الشيء الضروري الذي يعتقدون أنه لازم لكل فرد من الناس.
ليست المماطلة من طبيعة المصري، ولا الاستعارة من ديدنه، فإننا لا نسمع بالمماطلة في ثمن الخبز إلا نادرًا، ولا نراهم يستعيرون الملابس مثلًا، إلا أن تكون محلاة أو نادرة (وذلك في القرى التي تعد الحلى من قبيل الزينة الكمالية). ولكن النفوس مجبولة على أن لا تحسب حسابًا لغير ما يلزمها. والمصري اليوم لا يحس الحاجة الماسة إلى الصحافة، فلا جرم نراه يسقطها من حسابه، ولا يفرد من دخله قدرًا يدفعه إلى الصحيفة متى طالبته بحقها عليه.
نقول ذلك بمناسبة موت ذلك الصحفي الذي قال بعضهم في رثائه: إنه كبر بالصحافة، وإنه استمد نفوذه منها، لنقول: إن الصحافة المصرية ليست من القوة بحيث تكسب صاحبها نفوذًا صحفيًّا كالذي يكسبه بأقلامهم كُتَّاب الإفرنج. وإنه على كون الصحافة الإفرنجية لا تنهى ولا تأمر، ولا تنصح ولا تزجر، فالكاتب فيها أكبر شأنًا من الوجهة الصحفية من كاتبنا الذي لا يعول في الصحافة على غير قلمه.
ليس الشيخ علي يوسف صحفيًّا كبيرًا. كلا ولا هو بالرجل الكبير. وإن كنا لا ننسى أنه ولد خاملًا فمات شهيرًا، ونشأ نشأته الأولى متربًا ثم قضى نحبه مسموع الكلمة وجيهًا.
ولكن هل ذلك حسب الرجل من حياته؟ أوَليس على المرء إلا أن يسعى لينجح فيُذكر اسمه على كل لسان، ثم لا يسوغ لأحد بعد ذلك أن يذكره لغير المدح والتبجيل؟
ذلك ما لا يقوله قائل. فإنما للنجاح وسائل كثيرة وأكثر من وسائله غاياته. وقد ينجح الرجل فلا يكون له حظ من العظمة غير اسمها وزيها، وينجح غيره أقل من نجاحه فيكون نجاحه عرضًا غير مقصود لذاته، وكأنه مخرج لما يمتلئ به صدره من الرغبة في النفع، وكراهة النقص، وحب الكمال.
كنا ليلة دفن الشيخ علي يوسف في مجلس مع بعض الأصدقاء فقال واحد منا: اليوم يحزن فلان وفلان، وعدَّد أسماء جماعة ممن كان الشيخ علي سببًا في إيصال النفع إليهم، وتمهيد سبيل الوظائف لهم. قلت: بل اليوم فليفرح هؤلاء لأنهم لا يدينون للشيخ بالحب والإخلاص، ولكنهم يدينون له بربا ذلك النفع، وقد استراحوا اليوم من الغريم الذي كان يستأديهم ذلك الربا. وما مساعدة هؤلاء الناس لأصحابهم إلا كمقارضة المقامرين، يقرض أحدهم زميله ليسترد ماله وقرضه قبل أن يبرح مكانه، فلا بدع أن كان أحدهم يفرج عنه بعد صاحبه، كما يفرج عنه بعد الغريم الملحاف.
قال بعض الجالسين: لكأنك سمعت معي ما قاله أحد أصدقاء الشيخ الأقربين، فقد سمعته يعجب لنفسه كيف لم يغتم لوفاة رجل كان موضع سره، وشريكًا له في أكثر مساعيه، ويقول: إنه على جلده لفراق الأصحاب وصبره على كوارث الموت، ما كان يحسب أن يقابل موت ذلك الصديق بمثل هذا الفتور.
وقال: لقد حضرت اليوم الجنازة فرأيت فلانًا يتأبط ذراع بعض إخوانه وهما يتغامزان ويضحكان، وكنت أتوقع أن أراه في ذلك المشهد باكيًا أو خاشعًا، أما فلان هذا الذي رآه محدثنا فرجل جرى له على يد الشيخ رزق لا يقل عن خمسين جنيهًا في الشهر.
ولا عجب في هذا الكنود، فإن الناس يحبون من ينفعهم إذا كان بره بهم صادرًا عن حب لهم، أما إن كان لغير ذلك فهم يقبلون بره ويحافظون على ظاهر الود له ليستزيدوه منه، ولكنهم لا يحفظون له جميلًا، إذا كانوا يعلمون أن جدواه عائدة عليه قبل أن تعود عليهم.
فالشيخ علي قد أفاد بعض الناس، ولكنها فائدة لا تنتمي إلى عاطفة من حب الخير، فلم يفجع الموت فيه صديقًا مخلصًا، ولم يقم له من أسدى إليهم البر بحق الوفاء. وفرق بين هذه الحالة وحالة العظماء الذين يخرجون من الدنيا وما تركوا فيها صديقًا يبكيهم. لأن الناس ربما جهلوا قدر أولئك العظماء فلم يفهموهم ولم يحزنوا لفقدهم، وأما هؤلاء فليس جمود الناس عن بكائهم إلا لأنهم قد فهموهم حق الفهم.
ولقد أراد أكثر من كتبوا عن الشيخ علي يوسف أن يستدلوا بوصوله إلى منزلة يضر بها وينفع على نبوغ عظيم فيه، وهذا جهل عظيم بمعنى النبوغ، فما يليق بهذه الهبة السماوية وهي ثمرة الإنسانية جمعاء وبنت الخلود بأسره أن تقاس بمقياس المهارة في الوساطة عند فئة من الناس في فترة من الزمن، ومن شاء فلينظر إلى أضراب الشيخ علي ممن وصلوا معه إلى مثل منزلته يجد بينهم من ليس له في النبوغ أقل دعوى، ومن ليس هو من رجال الأدب ولا من رجال العلم أو العمل، ومن لم يفكر قط في أن يكون واحدًا من هؤلاء. ولكنه مع هذا ينفع ويضر، والناس يزدرونه وإن كانوا يرجون منه ويخشون.
إنما يعين هؤلاء على النجاح نشأة نشئوها لم تجعل لمبادئ الكرامة سلطانًا على عقولهم، فخف على أقدامهم وقر الذمم، فنهضوا، وهذه سير العظماء الأجلاء نراجعها وننعم النظر فيها، فنرى أن أصعب ما كانوا يعانونه من العراقيل والعقبات، إنما هو ما أرصدته لهم ضمائرهم وأقامته أمامهم وجداناتهم، لا ما يقيمه في طريقهم أعداؤهم ومنافسوهم. ولذلك يقل بين ذوي الخصال الكريمة والسجايا النفسية العالية من ينجح في هذه السبيل نجاح أناس هم دونهم ذكاء وقدرة وأخلاقًا.
ولا ننكر على الشيخ علي ذكاءه واستنارته، لكنه ذكاء رخيص المعدن، ونور مختلس كالمصباح الذي يحمله المدلج المتسلل في الظلام. فليس هو من النبوغ المشرق، ولا مما يلحق بسموِّ اللب وسعة الذهن. وعندي أنه أشبه بالحذق في حرفة من حرف الكسب، وأقرب إلى السر المحتكر الذي يحتفظ به صاحبه منه إلى المواهب المباحة التي يشرك فيها غيره، وهناك نسبة بين هذا النوع من الذكاء، وتلك الحيلة التي يبثها الله في طباع مخلوقاته؛ لتستعين بها على مراوغة أعدائها، والأمن على حياتها.
لو كان الرجل سامي اللب واسع الذهن، لكان تقديره للعظمة أسمى وأكبر من تلك الغاية التي نصبها غرضًا له في حياته، وبذل كل ما يعز على النفس بذله لأجل دركها.
ولو أن الشيخ علي جدد سيرته هذه الأيام لما قدر على أن يعيدها كما بدأها، ولما كان مستطيعًا أن ينال من السمعة مثل ما ناله بين أرباب الأقلام، أو قريبًا منه.
أصدر الرجل جريدة الآداب في أول نشأته، وكان كل من يكتب من أبناء مصر يومئذ كاتبًا كبيرًا؛ لأنه لم يكن ثمة من هو أصغر منه، وكان الأدب لذلك العهد في حضيض من الضعف والتدلي يقرب من الموت، فلا كُتَّاب في البلد ولا شعراء، ولا تصنيف فيها ولا قراء. ولم تكن المطابع قد أخرجت دقائق الأدب العربي القديم، فيتخذها الناس معيارًا يقيسون عليه مقدرة الأدباء إذا أعوزهم المثل من كُتَّاب عصرهم وأدبائه، فكان الذوق الأدبي معتلًّا والحاجة إلى الكتاب شديدة. وفي ذلك العهد كتب الشيخ علي يوسف فاستحق التفات رياض باشا، وفتح له ذلك الالتفات باب الأمل، فلم يقصر في السعي إلى غايته.
وكان الشيخ علي يقرض الشعر ليمدح به السراة والأغنياء، فلما حصل من الكتابة على ما يزهده في طرق هذه الأبواب رأى أنه استغنى عن الشعر ولم تعد به حاجة إليه، فتركه ومضى في الكتابة، وكأنما صارت هذه له حرفة رابحة بديلًا من تلك الحرفة الكاسدة، لا أكثر ولا أقل، فأصبح بعد مزاولتها عشرين عامًا أخصائيًّا في الباب الذي اختاره من الكتابة الصحفية. إذا تخطاه زلت به القدم.
وقد عنَّف بعضهم عليه في حياته لانتقاضه على رياض باشا، وقالوا: لقد رأينا الرجل أيامًا لم يبق أحد من أصحاب الأيادي إلا أحسن إليه، ثم رأيناه أيامًا لم يبق فيمن أحسنوا إليه أحد إلا قد أساء إليه بقلمه أو بكيده. ونحن لا يهمنا نكرانه جميل هذا الإنسان أو ذاك، ولكننا نعيب عليه هذه الخلة. ثم نحن نرى له بعض العذر في الارتداد على فريق ممن أسلفوا له الخير؛ لأنهم ساعدوه وهو فقير خامل، فلما أصبح من أهل الرتب والوجاهة أبوا أن ينسوا خموله وفقره وظلوا يرون فيه ذلك المجاور القديم الذي كانوا يعرفونه من قبل، وأبى هو أن ينسى مكانته الجديدة التي جاهد لها ذلك الجهاد كله، فقلب لهم ظهر المجن، وكانوا في امتنانهم عليه أحق باللوم منه في جحوده لأياديهم عنده.
وإني ليشق عليَّ أن لا أجد له عذرًا من نقيصة غير هذه، وأن لا أراني قادرًا على أن أنعته بتلك النعوت التي جمع فيها مؤبنوه كل مزية من المزايا الموزعة بين كبار رجال العالم، يفعلون ذلك وهم لا يؤمنون بصدق ما يكتبون، ولماذا؟ لأن الرجل ليس بحي اليوم، فهل حقيقة أمس وغد تتغير اليوم؟ وهل يسوي الموت بين جميع الأعمال؟ أما أنا فلست أعلم كيف يمحو الموت السيئات ويكبر الحسنات. ولا لأي شيء ندع الحكم للتاريخ البعيد الذي يجهل الرجل ونحن أقدر على أن نرى الحقيقة كما هي عن كثب، وعلينا قبل غيرنا واجب الصدق في تأبينه وتقديره.
ألا إن أحق موقف بأن تقيد فيه السيئة إلى جانب الحسنة هو موقف الرثاء. وأولى الأوقات بأن تتمثل فيه عبرة الحياة هو الوقت الذي تنتهي فيه الحياة. وذلك أمر هُدي إليه الناس منذ فقهوا معنى الثواب والعقاب، ألم تكن عقيدة الحساب بعد الدفن من أوليات العقائد التي تخيلها الناس في أقدم الأديان الوثنية؟ فلو تغاضينا عن النقائص والمعائب لبطلت حكمة الذكر، ولحق الخبيث بالطيب. وما كان التساهل في النقد والمؤاخذة محمودًا في وقت من الأوقات، فكيف به في وقت طمس معالم الضمائر، وضلل الأبصار والبصائر، فحسبنا هذا، ولا يبلغن من فساد وقتنا أن يغنم فيه المرء غفلة الفضيلة حيًّا وميتًا.
وغاية ما يقال أن الشيخ علي يوسف جد في حياته وراء مآرب تستهوي أمثاله، فاستطاع قضاءها، ولم يستطع أن يكون عظيمًا حتى في قلوب أشياعه وأتباعه.
? نشرت في يوم ?? نوفمبر سنة ???? بإحدى الصحف الأسبوعية.
البخيل?


كان فيمن أعرف من الناس رجل لا يعرف الناسُ أبخل منه. كان هذا الرجل إذا اشتهت نفسه الشيء مما تشتهيه الأنفس من طيبات المأكل والملبس أخرج القرش من كيسه، فنظر إليه نظرة العاشق المدنف إلى معشوقه، ثم رده إلى الكيس وقال: هذا القرش لو أضيف إليه تسعة وتسعون مثله لصار جنيهًا، والجنيه بعد الجنيه يجلب الثروة العريضة ويجمع المال الحير،? وهبني تهاونت بإنفاقه اليوم وسمحت نفسي به، فلا آمن أن تسخو بغيره غدًا. فإنما القروش كلها واحدة في القيمة، وليس قرش بأغلى من قرش، والشهوات حاضرة في كل وقت، فكأنني أنفقت اليوم بإنفاقي هذا القرش جميع ما سوف أملكه وأدخره من المال، وفتحت على نفسي باب الفاقة الدائمة والعوز المستمر مطاوعة لشهوة حمقاء، إن أنا وقمتها? الآن ماتت واسترحت منها، وإن آتيتها على ما تدعوني إليه كل ساعة، كنت كمن يرمي الوقود في النار ليخمدها، وكنت كمن يشتهي الفقر ويتمنى الإعدام، وتلك والله الحماقة بعينها. وكان إذا تم عنده الجنيه على هذه الكيفية أسقطه في صندوق ثقب له ثقبًا في غطائه، ولم يجعل له مفتاحًا لئلا يتعود الفتح والإقفال، ويجرأ على ذلك الذخر بالكشف والابتذال، وخوفًا من أن تراوده نفسه لفرط شغفه بالذهب على مس جنيه من تلك الجنيهات، فيجر المس إلى التحريك، ويجر التحريك إلى الأخذ فالإخراج فالصرف، وهناك الطامة العظمى والداهية الشؤمى، ويقول: إن سلمًا أنت واقف على قمته حريٌّ أن تصل يومًا ما إلى أسفله. وما لك أن لا تغلق الشر من بابه وترقع الفتق من أوله وتتلافى الأمر في بدايته قبل أن تتعذر عليك نهايته! وكان يرى الفقر من بعيد فيظنه أدنى إليه من حبل الوريد. فالفقر عنده محيط بكل مكان، شامل لكل زمان، وما دام في الأرض درهم فهو فقير إليه، وما دام فقيرًا فالاطمئنان محال عليه.
ولقد ألفنا أن نسمي البخلاء عبيد الذهب، وكان الأصوب أن نسميهم عبيد الفقر؛ لأنهم يضحون الذهب للفقر. وهم يحبون الفقر ويخشونه، يحبونه فيعيشون عيشة المعدمين والبؤساء، مع تمكنهم من الثراء، ويخشونه فيتقونه، وعندهم له من كل دينار وقاء.
فإذا سقط الجنيه في ذلك الصندوق، لا بل في تلك الحفرة، كانت تلك السقطة آخر عهده بالهواء والنور، وآخر عهده بالهبات والبيوع، وآخر عهده بالأنامل والكفوف، وهوى من ذلك الصندوق في منجم كالمنجم الذي كان فيه. وشتان المهد واللحد. ومات ميتة لا تنشره منها إلا يد الوارث إن شاء الله. وقد فعل.
ولو أتيح لتلك الجنيهات أن تتحادث في ذلك السجن المطبق عن ماضيها كما يفعل السجناء، إذن لسمعت من أحاديثها العجب العجاب. بين جنيه رحالة جواب، يتنقل بك من السويد إلى الكاب، وينبئك عن الأعاجم تارة وتارة عن الأعراب. وجنيه فرار غدار، ما سلم بالليل إلا ودع بالنهار، وجنيه نشأ في الحانات والمواخير، فاسترق رنته من رنات الكئوس والقوارير. وجنيه عاشر الأبرياء والجناة، ورافق النُّساك والغواة، وجاور المعوزين والسراة، ومر بالمساكين والعتاة، وطفر من الأصدقاء إلى الأصدقاء، ومن العداة إلى العداة. وكلها تشهد شهادة لا بهتان فيها أن مالكها الأخير أقدر من قَنصَ الدينار؛ من الأبرار والفجار، وأخبر من صادر النضار؛ من الشطار والأحبار، وأول من راض هذا المعدن السيار، على السكينة والقرار.
ولو أتيح لك أن تشهد ذلك البخيل وقد مَثُل عند صندوقه وألجأته الضرورة إلى الاستمداد منه — وناهيك بها من ضرورة — إذن لحسبت أنك تشهد في جنح الليل الأعكر سارقًا ينبش القبور عن أكفانها، وقد تملكه الهلع من حراسها وسكانها، أو لحسبت أنك تشهد كاهنًا متحنثًا يقوم عند صندوق النذور يهم بأن يمد إليه فيتحرج من أن يستحل ودائعه؛ لئلا يحل عليه قصاص الله ويحيق به غضبه، فإن ألحت عليه الحاجة أقسم أن لن ينام، ولن يهدأ أو يرد إلى الصندوق ما استعاره منه. وقد لا تجد بين ألف كاهن كاهنًا واحدًا يقسم هذا القسم ويبر به، ولكنك لا تجد بين ألف بخيل بخيلًا واحدًا يحنث في هذه اليمين.
ففي وقفة من تلك الوقفات اقترض البخيل من صندوقه جنيهًا وآلى بالطلاق من عرسه أن لا يدخل البيت إلا والجنيه معه. وذهب إلى السوق، فكدح فيها ما كدح واحتال حتى استرجع الجنيه نصفًا ذهبًا والنصف الباقي قطعًا فضية. وكانت تلك عادته إذا أبدل الفضة بالذهب، كي تكون كل قطعة صحيحة صمامًا حديديًّا يحبس فيها ما تحتويه من القطع الصغيرة أن تتناثر وتتسرب إلى إحداها نزغات الجود ووساوس النفس الأمَّارة بالجميل، والخبيث يسيء الظن بنفسه ويتهمها بالسخاء عن القليل الطفيف مداعبة لها وإدلالًا عليها. وإلا فقد وثق وثوق المؤمن بإيمانه أنه لو انثالت? عليه نقود المشرقَيْن والمغربَيْن دراهم ودوانق وسحاتيت لما سوَّلت له نفسه أن ينفق سحتوتًا منها في غير ما يدفع التلف جوعًا والهلاك عريًا، فما تمهل حين صار الجنيه في يده إلا ريث أن هرع إلى الصيرفي فناوله إياه مفرقًا وقال: أعطني به جنيهًا ذهبًا. قال له الصيرفي: هات خمسة ملليمات.
قال البخيل: وعلامَ هذه الملليمات الخمسة؟ إنك تأخذ هذا الجعل من الناس على أن تنقدهم الفضة بدل الذهب، وأنا أعطيك فضة وأطلب ذهبًا، أفلا تحمد الله على أنني صفحت لك عن حقي وجئتك ساعيًا إلى مكانك؟
فما زاد الصيرفي على أن وكزه في صدره وكزة قذفت به إلى الجانب الآخر من الطريق. فما تململ الرجل ولا تأفف، بل وقف حيث قذفت به الوكزة صامتًا، والصيرفي لا يشك في أنه ينتظر أن يمر الشرطي فيستعديه عليه. فمر شرطي وثانٍ وثالث لا يدعوهم ولا يبرح مكانه. والناس يظنون أنه يُحدِّث نفسه بالانقضاض على الصيرفي فيوسعه ضربًا ولكمًا، فيخطئونه ويلومونه وينصحون له بأن يعتذر إليه ويسترضيه، وبينا هو كذلك إذ أقبل على الصيرفي شيخ ريفي، فكذب البخيل كل ظن وعاجل الشيخ، فكان أسبق من يده إلى جيبه وصاح به: رويدك يا هذا. إنك تريد أن تبدل جنيهًا وهذا اليهودي يتقاضاك خمسة ملليمات، وأنا أقنع منك بملليمين، فهاك الفضة وهات الذهب. والتفت إلى الصيرفي فقال: بارك الله فيك، فقد قيضت لنا رزقًا كنا في غفلة عنه، ولا يزال هذا دأبنا كلما اجتمع جنيه عندنا، ثم ولَّى والصيرفي يكاد ينشق عن جلده من الغيظ والناس يضحكون.
وكأني بك أيها القارئ تظن أن الرجل آلى بالطلاق وحرص على أن لا يمين فيه وفاء لزوجه وضنًّا بذات فراشه واحتفاظًا بأم بنيه، فإياك أن تظلم الرجل بهذا الظن. إن الاحتفاظ والضن بشيء غير المال ضعف يربأ بنفسه عنه، ولكنه تحرى أفدح الأيمان كفارة وأصعبها كلفة، فرأى أن كفارة الحلف بالله سهلة، وربما كان في الصيام من الاقتصاد ما يغريه بالحنث كلما أقسم بالله. فاختار يمين الطلاق يهدد نفسه به ويخوفها من مؤخر الصداق ومئونة الأولاد ومصاريف القضايا، ثم لا بد له من زوجة تكفيه نفقة الخادم وشراء الطعام من السوق، وهذه الزوجة لا بد لها من مهر قلَّ أو كثُرَ، دع عنك الأعراس وما تستدعيه من الخروج عن العادة في الإنفاق ليلة أو ليلتين. فإذا آلى بالطلاق ذكر كل ذلك وأكثر منه، فكان قيدًا لا يستطيع منه فكاكًا. ولا يفوته مع هذا أن يصانع نفسه بأنه من القابضين على دينهم الذين يجتنبون حدود الله، ولا يلعبون بيمين كيمين الطلاق. والحقيقة أنه لا يجتنب حدود الله، إلا لأن اجتنابها يوافق هواه، ولو كلفه خوف الطلاق معشار ما يصون من ماله لجار عن كل حد لله وللخلق. وعلى أنه لم يضطر يومًا إلى امتحان دينه ولم يقف بين ارتضاء الطلاق وجرائره، وانتهاك حدود الله وأوامره؛ لأنه لم يكذب على صندوقه مرة، فإذا استعار منه في الصباح سدد له الحساب في المساء.
ومرض هذا البخيل مرض الموت، فجزع جزعًا شديدًا، وكان جزعه لأنه سيموت عن أقل من عشرة آلاف جنيه كاملة، وكان ذلك كل أربه من الحياة. واستحضر الطبيب بعد أن نهكته العلة، ودبَّ السقم في أوصاله وعظامه، فأمره أن يتعاطى دواء، وأن يقصر طعامه على لحم الطيور. وكان صاحبنا على مذهب النباتيين اقتصادًا لا فلسفة. فتملص يحايل الداء ويتملق الطبيب، عسى أن يعدل عن وصفته، والداء يأبى إلا لحوم الطير، والطبيب مصر على رأيه. ولما كان أربه في العيش لم ينتهِ، والعشرة الآلاف لم تكمل فقد رضي أهون الشرين وأصاخ لقول الطبيب، وصار يأكل كما أمره وهو يتلهف ويتغصص ويتبع كل لقمة يزدردها بعملية حساب، وهل أصعب في الهضم من الحساب، وأثقل على المعدة من الأرقام الصماء؟ ولم يزل يقول بعد كل أكلة: الله الله على الصحة! لو كنت الآن صحيحًا أما كانت تكفيني أكلة بدرهم! فلم يسعفه الدواء ولم يمرأه الغذاء. وما ذاك إلا لأن الطبيب داواه بالطب الذي يداوي به الناس، ووصف له ما كان يصفه لكل مريض مصاب بمثل مرضه، ونسي أنه يداوي داءين لا داءً واحدًا، وفاته أن داءين أحدهما مزمن والآخر طارئ لا يصلحان بفرد دواء، ولو سمعه كيف كان يأسف على الصحة، ولماذا كان يأسف عليها، لعلم أن صحة هذه البنية غير صحة سائر البنى، وأن لها مرضًا غير أمراضها، وأن الغذاء الذي ظن أنه يشفيه ويقويه قد حز من بدنه وأضاف مرضًا على مرضه. فقد مات المسكين بدائه ذاك، وما أحسبه ندم على شيء وهو يفارق هذه الدنيا ندمه على تلك الدراهم التي أطاع فيها الطبيب جزافًا. وماذا عليه لو قد عصاه فلم يفقد سوى حياته؟!
ولهذا البخيل نوادر عديدة يذكرها معارفه، فكان لا ينقضي له يوم إلا على نادرة ظريفة مع بائع أو زميل أو شريك أو مدين، وكنت أستظرفه فأتودد إليه وأشايعه على مذهبه، فلا أقتصد في إطراء الاقتصاد، ولا أبخل بكلمة في مدح البخل، وإذا طارحته الأدب أو طالعت معه في الكتب لم يكن أحقر على لساني من أسماء هرم بن سنان، وحاتم طيء، وكعب بن مامة، ومعن بن زائدة، وأبي دلف وغيرهم من أجواد العرب، فأشنع بهم وأسأل الله السلامة من مثل مصيبتهم في عقولهم وأموالهم، وأقول: ما أجدر مادرا بتمثال من الذهب! فيقول: أي وأبي! لولا ما في ذلك من الإسراف.
ولشد ما كان يتهلل وجهه حين أتلو عليه نكبة البرامكة. فيقول: حيا الله الرشيد ما أحكمه وأحزمه، وقبَّحهم الله ما أخرقهم وأحمقهم، بادوا وخلفوا وراءهم للناس مثلًا سيئًا وقدوة ذميمة. وكانت له في أسباب نكبتهم فلسفة خاصة لم يفتح الله بها على أحد قبله. يقول لك: لا تُصدِّق ما يتمشدق به كذبة المؤرخين عن أسباب نكبة البرامكة. فوالله، ما نكبهم ولا قتلهم إلا الإسراف والتبذير. أسرفوا في البذخ وبذروا أموالهم في الصلات، فحسدهم الموصول، وسخط عليهم المحروم، فترصدت لهم العيون وتوغرت عليهم الصدور، واستعظم الرشيد عليهم ما هم فيه فمثل بهم ذلك التمثيل، وفجعهم في أرواحهم وأموالهم وآمالهم، فلم يغنِ عنهم صنائعهم وذووهم. ولو أنهم بخلوا لنامت عنهم الأنظار، وخرست عنهم الأفواه، لأن من نعم الله على البخلاء أنه يجمع لهم بين مزيتي الغنى والفقر، فلهم من الغنى المال الكثير، ولهم من الفقر الأمان من حسد الحاسدين، ولهم من الغنى القدرة على ما يبتغون، ومن الفقر القناعة بيسير ما يأكلون ويلبسون. وهما مزيتان لا يجمعهما الله إلا لمن رضي عنه من عباده!
بيد أنني في صحبتي له كنت لا أستطيع ساعة أن أفكر بأنني أصاحب إنسانًا له عليَّ مثل الذي لي عليه، وكنت أحمل نفسي على أن تُصدِّق أنه من البشر كما تراه عيني فلا تذعن. وكيف وهي لا تحس أدنى اختلاف بين ملاطفتي إياه وملاطفتي الكلب أو القرد الأليف ليأنس بي ولا ينفر مني؟ ولقد ضل والله من يتألف الكلاب والقردة ويلهو برؤية الحيوانات العجيبة وعنده البخلاء يضمهم وإياه جنس واحد ومدينة واحدة، فلا يتألفهم ولا يخف إلى رؤيتهم. أليس لو جاءك رجل فأخبرك بأن في مدينة كذا دابة تموت من الطوى? وبين يديها الطعام الفاخر؛ ويُفرش لها المهاد الوثير فتجفوه إلى الأرض الخشنة، وتُطلق في الفضاء الفسيح فتزمجر وتئن، وتُسجن في قفص الضيق فتضطرب وتطمئن، وقيل لك: إن هذه الدابة منفردة بهذه الأطوار بين بنات جنسها. أما كنت تبادر إلى تلك المدينة أو تتمنى أن تُساق إليك تلك الدابة؟ فالبخيل هو تلك الدابة الغريبة في تكوينها الشاذة في أطوارها، التي تعد من الناس وليست منهم، وتجانسهم في الصورة والقوام ولا تشاكلهم. إن الناس يُعرِّفون البخل بأنه الحب المفرط للمال، وهذا تعريف ناقص من جميع أطرافه. فهل العلاقة بين البخل والمال إلا كالعلاقة السطحية بين العلم والأوراق، وبين الشجاعة والسيف، وبين الزمن والساعات؟ وقد وُجد البخل قبل أن تحتجن الأموال وتسك النقود، كما سلف العلم قبل أن تُصنع الأوراق، وتقدمت الشجاعة قبل أن تُطبع السيوف، ودار الفلك قبل أن تُخترع الساعات. ولو أصبحت الدنيا قد انقرضت منها الأموال وفني من أيدي الناس الذهب والفضة لما قضى ذلك بفناء البخل من قلوب البخلاء، لما قدمنا من أن البخل شيء بمعزل عن المال.
وإنما البخل عاهة تحجب الفكر وتفسد الطبع، وتفرد المرء عن الفطرة العامة بين بني جنسه بفطرة منكوسة عوجاء، وتذره خلقًا عجيبًا كل حظِّه من الحياة أن يحرم نفسه حظوظ الحياة. يستغرق الوسع في طلب الوسيلة، ثم لا هو يقنع بالوسيلة، ولا هو يطلب بها الغاية. وليس البخل عاهة واحدة، بل هو جملة عاهات ممثلة في هذه العاهة، فهو مزيج من الجبن الدنيء الذي يُصوِّر للمرء الخطر المستحيل كأنه قضاء حتم لا مرد له، ومن الخسة التي يتساوى عند صاحبها الفخر والعيب، وتلحق عنده مراغة الهوان بمقاوم السؤدد، ومن البلادة التي تميت فيه كل أريحية حتى لا تهتز في نفسه أمنية أو عاطفة تقوى على كسر قيود شحه وجبنه.
وقد ظهرت هذه الخلال للناس قبل أن يتمدينوا بآلاف السنين، ومقتوها فمقتوا البخل متفرقًا قبل أن يمقتوه مجتمعًا. وغاية الفرق بيننا وبينهم أنهم كانوا يستضعفون من تكون فيه خلة من هذه الخلال فينبذونه عنهم، ويهضمون حقه، ويدوسون حرمته، ولربما طلوا دمه وتبرأ منه ولاة ثأره، وأما في مدنيتنا هذه التي وضعت سُنَّة المال موضع سُنَّة الحياة، فقد صار البخيل فيها يحل ويبرم، ويؤخر ويقدم، ويحلل ويحرم، ويستشفع إليها بيد فيها المال ويد فيها جُبنه وخسته وبلادته، فتقبل منه هذه لتلك. وإنها لعمري لمن الخصال التي انحطت بها المدنية عن الهمجية، وما هي بالقليلة، فكم من خصلة في المدنية يستحب المدني الهمجية لأجلها، ويأنف الهمجي بحق أن يتصف بها؟
? من مقالات الشذور التي طُبعت سنة ????.? مال حير؛ أي: كثير جدًّا.? ردعتها.? انهالت.? الجوع.
اللغات والتعبير?


لولا أن الناس من أصل واحد في الخَلْق، ومن لحمة قريبة في النسب، بحيث إن ما يعرو أحدهم يعروهم جميعًا، وما يصدق على جميعهم يصدق على كل واحد منهم، لما أجدت عنهم اللغات في كتابة أو كلام، ولاعتقلت ألسنتهم عن كل فهم وإفهام.
ولو كان التقارب بينهم تامًّا، والشبه في السن والميل والسليقة محكمًا، لما افتقروا إلى اللغة، ولكان يستشعر أحدهم في روعه ما يقوم في روع الآخر من غير حاجة إلى الشرح والبيان.
ولا ريب أن الناس يتفاهمون ببواطنهم أكثر مما يتفاهمون بظواهرهم، وإن لاح لنا أن الأمر خلاف ذلك، لطول عهدنا باستخدام اللغة في الإعراب عن مرادنا، فما اللسان إلا الموضح والمفسر لما عساه أن ينبهم على السامع من مجمل سر المتكلم، ومما قد تحتويه أفكاره ولا يمكن أن تعبر عنه تمام التعبير وجداناته. أما حالته النفسية فهي أفصح من أن يفصح عنها اللسان، بل أفصح من أن يخفيها إذا حاول إخفاءها.
وما كان الإنسان قبل آلاف الحقب أيام هو بعدُ بهيم سارح في مراتع العجمة، يعول فيما يراه من رضى صاحبه أو غضبه، ومن صدقه أو مكره، ومن أمانته أو خيانته، على شيء غير ما يتفرس في أسارير وجهه، وغمزات طرفه، وحركات أعضائه. وكان إذا كلمه لم يكد يثق بكلامه ويأمن اغتياله، أو? يطابق مدلول أقواله ما وقر في قلبه من مغزى إشارته ومعنى ملامحه، فهو يأتمن السليقة ويرتاب في اللسان. وهذا سبب إعجاب الناس بالأشعار والخطب والكتب التي مصدرها السليقة وامترائهم فيما تعبث به يد الصنعة؛ لأنهم يقرءون نتاج السليقة فينفذ إلى سلائقهم ويصيب مواقعه منها، ويحرك من نفس القارئ مثل ما حرك من نفس الشاعر أو الكاتب، فيعلمون أنه صدقهم وحسر لهم عن سريرته فيركنون إليه. ويقرءون نتاج الصنعة فلا يجاوز ألسنتهم؛ وكأنهم يقرءونه وهم ينظرون الشاعر أو الكاتب وهو يتعمل للظهور لهم بغير مظهره، ويتنقب لهم بنقاب يخفي وجهه أو يبديه في غير صورته، أو يرائيهم بتجميل هيئته وتدميم طلعته فيخالجهم الشك فيه ويعرضون عنه، إلا إذا كان القارئ من الغرارة بحيث يُصدِّق كل ما يقال، أو من الجهل بحيث لا يميز بين السليقة والصنعة، فإنه يقبل حينئذ كل قول على علاته، فلا تمنعه المماذقة عن المصادقة، وتنكسر خزانة نفسه بمبرد اللص أسهل مما تنفتح بمفتاح صاحب المال.
ولقد والله أحسن جولد سمث إذ يقول في إحدى رواياته: «لسنا نستعمل الكلام للإفصاح عن حاجاتنا بقدر ما نستعمله لمداراتها». فقد طمس الكلام إلى اليوم من الحقائق أضعاف ما فنَّد من الأكاذيب، وضلل من المهتدين أكثر مما هدى من الضالين، وإنك ربما تقترب من الرجل فتطلع من سيماه على ما يريبك فتتوجس منه، فإذا سألته وكان من ذوي اللباقة والبراعة في المراء والمخادعة لبَّس عليك الحقيقة وأزال الريب من نفسك، فينصحك لسان حاله ويغشك لسان مقاله. وكان آمن لك لو أنك صدقته ساكتًا ولم تصدقه ناطقًا.
هذا فيما يملك الناس أن يبينوه أو يكنوه. وإن هناك لأفكارًا تلتوي على اللغات وتشمس عن التقيد بالكلمات. فما فضل الناطق في هذه الأفكار على الأعجم؟ وما زيادة الفصيح على الأبكم؟ لا فضل ولا زيادة.
ومن الأفكار ما هو أعوص من أن يعبر عنه، ولكنه أقوى من أن يكتم السكوت عنها ممض والتعبير عنها ممتنع. لم يتغلغل الكلام إلى أعماقها فيخرجها، وليست هي بالتافهة الضئيلة فتدفنها في مهدها وتدرجها، وقد خصت ولم تعم، فلم يكن لها حظ من اللغات العامة، وتفرقت ولم تجتمع، فليس من أصحابها المتفرقين لغة متبادلة. فاعلم أنه لا يريحك من هذه الأفكار إلا سكوت كالخطاب، وذلك أن تجد ولو على البعد من يعاني مثل هذه الأفكار، فيحيط بكتابك من عنوانك، وتلهمه الكلمة العاجلة ما تضيق به الفصول المذيلة، ويسبح معك برهة في عالم لا ألسنة فيه ولا آذان.
يتحادث الرجلان وبينهما تنافر في الأماني والأذواق، فيفرغ أحدهما جعبة بلاغته، ويمتهي غرار حجته، ويستنفد أفانين حيلته، ويحسب أنه أقنع جليسه واستولى على لبه، ثم ينهض هذان الجليسان وإن بينهما من البعد لما هو أبعد مما بين الميت ومناديه، والنجم ورائيه، ويجلس غيرهما وقد توافيا على أمنية، وتمازجا في الطوية، فيقضيان الساعات لا ينبسان إلا بالكلمة بعد الكلمة، ثم ينهضان وقد نقل كلاهما إلى أخيه خلاصة نفسه وطبع صورته في صدره. وما منا مَن لم يُشاهد الحالتين فتبين له لغة الصمت أحيانًا مقدار حداثة لغات الكلام.
وإني لأصغر شأن هذه العلوم والآداب القائمة كلها على تفاهم اللغات كلما تأملت فرأيت الأشياء الكثيرة التي تقوم بوجدانات الإنسان ولا يحس بها، والتي يحس بها ولا يعبر عنها، والتي يعبر عنها ولا تصل برمتها إلى عقل سامعها، فيتأكد لي أن الناس في حاجة إلى تفاهم أرقى من هذا التفاهم اللغوي. ولعل هذا النقص هو علة كثير من المشاكل التي تقع بينهم أممًا وأفرادًا، وتزول لو كان التفاهم بينهم كاملًا.
فليتخذ الناس اللغات رموزًا وإشارات تنوب عن المعاني لمن يعرفها، ولا تمثلها لمن لا يعهدها أو يأنس بها. وليعلموا أنهم ما داموا لا يقولون كل ما يريدون أن يقولوه فهم خرس وإن نطقوا. وإنما البليغ المبين من الناس رجل يجيد الإشارة بلسانه أو يراعه، ولن تغنيه هذه الإجادة عن أن يكون سامعه ممرنًا على التنجيم والتخمين. وأما من أخطأه هذا المران، فسيان عنده الإشارة باللسان، والإشارة بالبنان!
? من مقالات الشذور التي طُبعت سنة ????.? أو هنا بمعنى حتى.
قوة الإرادة?


خطر لي أن أبتدع في التجارة بدعة حسنة، فاخترت أن أتاجر بالأخلاق النافعة للمصريين، فاقتديت بأولي الخبرة والنظر البعيد من التُّجار إذا عزموا الاتجار بسلعة من السلع في بلد من البلدان، توخوا حاجة السوق، واستقصوا عادات أهل البلد، ثم يقدمون على بصيرة من عملهم وأمل وطيد في رواج بضاعتهم. فتوخيت حاجة السوق في مصر، وتقصيت عادات المصريين، وفتشت عن الخلق الذي ينقصهم أكثر من أي خلق سواه، فعلمت أنه قوة الإرادة، فعوَّلت على أن يكون اشتغالي بهذا الصنف من الأخلاق.
وراقني هذا الخاطر، فمنيت نفسي رواجًا سريعًا وربحًا جزيلًا، وأنني سأكون أنفق تجارة وأكثر عائدة من المتاجرين بيننا بالوطنية والدين؛ لأن حاجتنا إلى الوطنية والدين أقل من حاجتنا إلى الأخلاق ولا سيما قوة الإرادة. وفي مصر كثير من الوطنيين والمؤمنين، ولكن قلَّ فيها من كملت عليهم نعمة الأخلاق فغنوا فيها عن المزيد. وذهبت أُحصي أرباحي ومكاسبي في السنة الأولى، فالسنة الثانية، وفي السنين التالية فضاق بها الحصر ولم يستوعبها الحساب، وسرني أن أحلم بأنه سوف لا يكون في الاثني عشر مليونًا الذين يسكنون وادي النيل مصري واحد إلا لديه مقدار كبير أو صغير من تجارتي، فقلت: إنها والله للتجارة التي لا تبور.
واكتريت الدكان في أوسع أحياء العاصمة وأحفلها بالسابلة والقطان، وزخرفته أيما زخرفة، فصفحته بالبلور، وغشيت جدرانه بالذهب، وصنعت رفوفه من خشب الهند، ونقشت عليه لوحة من أجمل ما خط الكاتبون، كتبت عليها «هذا دكان قوة الإرادة. يعطيك على نفسك سلطانًا لا حد له»، ثم جلست على بركة الله أشمر للتعب والعمل وأخففهما عني بما أرجوه من المنفعة لي وللناس.
فكان أول من سنح لي في صباح أول يوم فتحت فيه الدكان رجل سكران قد تخالعت أعضاؤه من الوهن، واحمرَّت عيناه من السهر، وانعقد لسانه من الخمر، فوقف قبالة الدكان يترنح ذات اليمين وذات الشمال، وأوشك أن يميل على ألواح البلور، فيحطمها ويكدر علينا صباح الاستفتاح بطلعته المشئومة. ولو كنت ممن يتطيرون لأغلقت دكاني لساعتي وجزمت بالفشل، ولكنني تصبرت ولبثت ألاحظه وهو تارة يحملق إليَّ وتارة يتهجى العنوان حرفًا حرفًا حتى أتى على حروفه بعد شق النفس، ثم قال لي وكأن روحه تصعد مع كل كلمة: أأنت صاحب الدكان؟ قلت: نعم، قال: أنت بعينك؟ قلت: أنا هو بعيني لا سواي، قال: وتبيع قوة الإرادة؟ قلت: من جميع الأصناف والأثمان. قال: ولنا أيضًا تبيعها؟ لا تؤاخذني فإني أحب أن أسأل، قلت: أجل، لك ولكل من يشتريها.
قال: فأنا أسهر كل ليلة كما ترى وأسكر وأقامر وأجيء في هذه الساعة فيثقلني النوم ولا أحب أن أنام، فهل عندك صنف من الإرادة أتسلط به على النوم ويقويني على السهر ليل نهار؟
قلت: ليس هذا الصنف من الأصناف الموجودة، ولو وُجد لما بعناه ونحن باعة الأخلاق لا نقل في الأمانة لصناعتنا والحفاظ بذمتنا عن الصيادلة. وقد تعلم أنت أن الصيادلة لا يبيعون كل دواء لكل طالب، ولكن عندنا أصنافًا أصلح لك من هذا الصنف، فهل لك فيها؟
قال: أرنيها.
فسردت له أسماء الأصناف التي في الدكان، وأريته كل صنف منها في علبته ولم آله تفصيلًا لفوائدها وترغيبًا فيها، وبسطت له أسماء الإرادة المانعة وخواصها منع الناس عن مقارفة العادات الضارة؛ من التدخين إلى المقامرة، ومن الكذب إلى الوقيعة. وتختلف المقادير والأثمان، باختلاف الإدمان والأزمان.
وأصناف الإرادة العاملة وخواصها إيلاء الناس عزيمة وصبرًا على تذليل مصاعب الأعمال وتحقيق همامات الأنفس. وأرخصها قضاء المرء واجبه، وأنفسها قضاؤه واجب أمته ونوعه. وهي أغلى من الإرادة المانعة؛ لأن القدرة على أداء الواجب أندر من القدرة على اجتناب المحظور. وأعلى من هجرك ما تؤاخذ به، فعلك ما تحمد عليه. وعددت له أسماء نفر من عظماء الرجال الذين دفعتهم قوة الإرادة ودفعت بهم أممهم إلى ذروة من الشرف تتقاصر عنها الذرى، وأطنبت في الوصف والتحسين وهو يصغي إليَّ بما بقي في حواسه من الانتباه، فأطمعني إصغاؤه في أن يكون أول تجربة ناجعة وأصدق إعلان عن الدكان. ورأيته يطرق مليًّا ثم قال: ولكن من يضمن لي جودة الأصناف، ويكفل نقاوتها من الأخلاط والأوشاب؟
فقلت في نفسي: سبحان الله! هذا الذي يذهب كل ليلة إلى الخَمَّار لا يسأله أيسقيه سمًّا أم خمرًا، ويغشى موائد القمار يخسر كل ليلة صحته وماله ثم ينساق إليها بغير سائق لا يريد أن يشتري قوة الإرادة إلا بضامن؟ ولكنني جاريته وقلت: لا خوف عليك من هذه الجهة، فسأعطيك علبة نموذجًا فجرِّبها وسل من شئت من التجار، ولك بعد ذلك الخيار.
•••

انصرف السكران بالعلبة ذلك اليوم وعاد إلي في اليوم الثاني مفيقًا صاحيًا، فجلس بتؤدة وأدب وقال لي: لقد تعاطيت أمس علبتك ولم أعاقر ولم أقامر، ولا أدري أبفضل العلبة ذلك أم لنفاد المال مني. وكنت إذا نفد المال مني اقترضت، فلم أقترض أمس، فلا أدري أيضًا أكان ذلك قوة في الإرادة أم حياء من الرفض. وكنت لا أستحي فلا أدري والله أكان حيائي خُلقًا جديدًا اكتسبته منذ تعاطيت قوة الإرادة أم هو لتكرار الطلب واليأس من الإجابة:
سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتمومن أكثر التسآل يومًا سيحرم على أنني سألت التجار تاجرًا تاجرًا، فاستغربوا اسم الصنف ولونه ورائحته ومعدنه، واتفقوا على أنهم لم يسمعوا به لا في الشرق، ولا في الغرب، ما عدا التاجر فلانًا فقد عرفه وفحصه قليلًا فرده إليَّ مشمئزًّا وهو يقول: خذ يا شيخ! فقد سئمنا هذا السخف والتدجيل! وهل فرغ الناس من سلطان الهموم، فيسلطوا عليهم قوة الإرادة أيضًا؟ وإذا كانت عوائق الدهر تحرمك شطرًا من ملذات الحياة، وأنت تحرم نفسك الشطر الباقي، فأنت لا شك الذي يقال فيه: إنه عدو نفسه، فخل عنك هذه الأضاليل، ولا يغرنك ما تقرأ من العناوين وما تسمع من المواعيد، فلو كان في هذه التجارة خير لما غفل عنها الناس إلى اليوم، ولم ينسها دهاقين التجار الأزمان المتطاولة لتكون بدعة من بدع هذا الزمان المنكود.
فأسكتُّ هذا المهذار وندمت على التفريط في العلبة، وكان أعجب ما عجبت له كلام ذلك التاجر؛ لعلمي بأنه ممن يميزون أمثال هذه الأصناف ويحسون نقص السوق فيها. ولم يكن بيننا مجاورة أو مشاركة، فخفي عني غرضه من تبغيض الناس في بضاعة ليس بيني وبينه منافسة عليها، ولكني وقفت فيما بعد على سبب ذلك، وهاك بيان ما وقفت عليه: رأى فلان المذكور هذه التجارة المستحدثة فقدَّر لها الربح الطائل والرواج السريع، ورأى أنه ليس أيسر عليه من تقليدها. شأن الأعلاق النادرة؛ تزييفها كثير والغش فيها جائز؛ وذاك لأن عارفيها معدودون، ولأن جاهليها يحكمون عليها باللون والرونق، وليس بالثمرة والجوهر. فقرر بينه وبين شيطانه أن يستفيد من هذه الفرصة، ويختص نفسه بذلك الربح، فما وني دون أن فتح له دكانًا تجاه دكاني، وتأنق في تزويقه وتنظيمه، وكتب عليه: «هذا دكان قوة الإرادة الصحيحة، يعطيك سلطانًا لا حد له على ملذات الحياة.»
فتح الدكان واستأجر له دلالًا سليطًا يفتأ سحابة النهار، يصرخ بصوت كقصف الرعود أو قرع الطبول: يا طالب الإرادة الصادقة، حي على الغنيمة قبل فواتها، يا عُشَّاق العزيمة الماضية، هلموا إلى أعظم معمل للعزيمة الماضية من معدنها، هيا إلى أرخص سلعة سعرًا، وأسرعها فعلًا، وأصمدها على الطوارئ أثرًا. إرادة لا تتكاءدها? عقبة، ولا تصدها عن غايتها طلبة. فمن اشتهى السكر فصدته عنه مرارة الراح فليشترِ من هذا الدكان فيستعذب تلك المرارة، ويعاف عندها كل حلاوة، ومن صبا إلى الشهوات فأشفق من عقابيلها ومغباتها زودناه بقوة إرادتنا، فأصبح لا يحفل بالعذل والملام، ولا يبالي بالضيم والسقام. ومن تورط في القمار ثم تهيب خشية الإملاق والدمار، ومخافة الفضيحة والعار، فعندنا ما ينزع منه تلك المخافة، ويضحكه من هواجس تلك الخرافة. وعندنا لكل مريد إرادة، ولكل إرادة شهادة. فالبدار البدار! قبل غلاء الأسعار؛ فاليوم بدرهم وغدًا بدينار. فما شككت في أن المسكين معتوه قد خسر رأسه، وسوف يخسر رأس ماله، وتوقعت له الخراب الجائح القريب، إذ من أين له أن يزاحمني في تجارتي وأنا مبتدع التجارة وهو المقلد، وأنا أبيع إرادة الجد والعمل، وهو يبيع إرادة اللهو والكسل. ولكن سرعان ما أخطأ حسابي وارتد عليَّ تكهني. وما راعني إلا الجماهير على أبوابه يتكوفون? وبضائعه في كل وادٍ تسير، بحيث لم تخلُ منها المدينة والقرية، والبيت والحانوت، والحانة والنادي، ولم ينتهِ الشهر حتى فتح دكانًا جديدًا إلى جنب دكانه، ودار الحول فكان له في الحي خمسة دكاكين، وأصبح أعظم تاجر في الديار. أما أنا فقد أعطيت في اليوم الأول تلك العلبة لذلك السكران، فكانت أول وآخر ما صدر من دكاني. ومرت أيام وأيام، وتلتها شهور وشهور، وتمت ثلاث سنوات مجرمات،? وأنا بتلك الحال أراقب التلف يدب في بضاعتي، وأعاين السوس ينخر في إرادتي — وما الإرادة إلا كالسيف يصدئه الإهمال ويشحذه الضراب والنزال — فدهشت وغضبت، ثم صبرت وتعللت، ثم يئست وسلمت، فأقفلت الدكان وطلقت التجارة، وها أنا ذا أسأل عن المحكمة لأودعها الدفاتر والمفاتيح. ? من مقالات الشذور التي طبعت سنة ????.? تكاءدته العقبة: وقفت في طريقه.? يجتمعون.? السنة المجرمة: الكاملة.
مواضع الملاحة?


مهما تعمقوا في تعريف الملاحة، ووصف محاسن الوجه وقالوا فيها ما يشبه قولهم في السحر أو الروح واليوم الآخر، فلا أخالها ترد في بادئ أمرها إلا إلى أنها شارة في أظهر عضو من الجسم — أعني الوجه — كانت ولا تزال في بعض الأحيان تدل على فضيلة جنسية في جسم الرجل أو المرأة.
إن أظهر ما تظهر الملاحة من معارف الوجه في العين والشفة؛ لأنهما الجارحتان اللتان ترتسم فيهما حالة النفس وإحساسها بغاية الوضوح والجلاء، وبهما تختلف أمة عن أمة وجنس عن جنس. فالعربي والمصري والصيني والإنكليزي والألماني وغيرهم من الملل والأمم، يتماثلون في كثير من ملامح الوجه وقسماته، ويندر أن يتماثلوا بالعيون والشفاه. وكذلك الرجل والمرأة. وأصدق وأوجز ما يقال في هاتين الجارحتين أنهما نافذة النفس، فمنها تطل على العالم، ومنها يطل العالم عليها. ولعل ما تكشفه منا للناس أكثر مما تكشفه من الناس لنا.
لا بد من صلة محكمة دقيقة بين العين والرأس لأن نظرة العاقل غير نظرة المجنون. وقُلْ مثل ذلك في الغادر والأمين، والفظ والوديع، والسقيم والسليم، والشهوان والعفيف، فإن لكل منهم نظرة غير نظرة الآخر. أما صلة الرأس بالجسم وما يندمج فيه من الطبائع فمعلومة ملحوظة، فالعين بهذه المثابة هي عنوان صفة النفس ومزاج الجسد.
ولا بد من صلة بين الشفة والإحساس؛ لأن الشفة هي ملتقى أعصاب الوجه، وهي أدق أعصاب الجسم، فلا تهيج في الجسم هائجة، ولا تسكن به ساكنة إلا يبدو لها أثر على الشفة، فتفتر أو تتهدل أو تنقبض أو تتقلص أو ترتجف. وترى الإحساس في الشفة يتوق إلى مقابلة مثله؛ لأن الإحساس يبلغ فيها أشده، وهذا هو الميل إلى اللثم والتقبيل.
نعم إن الأعضاء كلها تميل إلى المماسة، ولكن الميل إنما يكون على قدر إحساس كل عضو. فلا تميل اليد إلى اليد كميل الشفة إلى الشفة؛ لأن الفرق بينهما في الإحساس، كالفرق بين المصافحة والتقبيل.
وقد وُضعت هذه الحساسية في الفم؛ لأنه هو باب الجوف، والجوف بحاجة إلى حاسة ظاهرة تجيد له جس الأشياء قبل وصولها إليه، ولهذا نرى الأعمى أكثر ما يعتمد في جس الأشياء على شفتيه؛ لأنه حين فقد البصر وأصبح معتمده على الحس وحده لا يشعر في جسمه بما هو ألطف على المس من شفتيه.
فالشفة هي ترجمان الإحساس ومجس العواطف. وإذا كان في الإنسان خاصة تتصل بالإحساس فهي أحرى الجوارح أن تظهر عليه تلك الخاصة.
فقليلًا ما يلتبس عليك الصابر الكظوم بالقلق اللجوج، أو الأريب الكيس بالحميقة الأبله، من التأمل في شفاههم وهيئة أفواههم، وربما التبسوا عليك ساعة الهدوء والصفو، ولكنهم لا يلتبسون ساعة الغضب والاهتياج.
ولرب وجه صبوح جميل يروقنا استواء خلقه واعتدال تقسيمه، ويحيرنا نقد معارفه وقسماته. ولكنا يؤلمنا أن لا نتملى من ذلك الوجه بحظ الاستحسان الذي شوقنا إليه منظره. ووجه أقل منه جمالًا وصباحة وأخفى روعة ورواء، لكنه يسبينا ويثير بلابلنا، ويستولي على إعجابنا، وهذا ما نعلله أحيانًا باختلاف الأذواق أو خفة الدم، على أننا لو أنعمنا النظر في ذينك الوجهين لم يطل بحثنا عن السبب، وعلمنا أن ما نسميه تارة باختلاف الأذواق، وتارة بخفة الدم هو معاني تتضمنها العيون والشفاه ليست هي من جمال الصورة، ولكنها هي شطر الجمال الأكبر، وهي التي تفيض على ذلك التناسب الهندسي المملول روحًا حيًّا جذابًا.
إن لكلِّ عضو جماله الخاص به، وجمال العيون والشفاه عام لا يجمل الجمال إلا به. ولو نظرنا إلى مزية في العيون والشفاه تجعل لها هذا الشأن في تقدير الجمال غير اتصالها بالإحساس ذلك الاتصال الذي ألمعنا إليه، لما أبصرنا لها أية مزية سواها. فلماذا لا نقول: إن الأصل في حب الجمال هو امتحان قابليات الجسم بأظهر أجزائه للناظر؟ أفي ذلك بخس للجمال؟ ما الجمال إلا صبغة لا تفارق الجسوم، فكيف نُوفِّق بين احتقار الجسم وتنزيه صبغته؟
هذا كلام لا يرضي عشاق الجمال، وليس يروق هؤلاء العشاق أن يكون حبهم له نوعًا من جس النبض وفنًّا من الفراسة. فإن كان إرضاؤهم لا بد منه، فليذكروا أن جمال أجدادنا لا يستحق أكثر من ذلك، وأننا لم نرث جمالنا وعواطفنا من غير أولئك الأجداد.
? من مقالات الشذور التي طُبعت سنة ????.
تمثال نهضة مصر?


في ميدان باب الحديد حيز من الأرض يبنون فيه تمثال نهضة مصر؛ ليكون غدًا عنوانًا خالدًا للفن المصري، ومثالًا باقيًا لما يفهمه المصريون من مقدرة الفن، ومن معنى التخليد بآثار الفنون.
وتمثال نهضة مصر هو — كما يعلم القراء — من صنعة الشاب المجتهد محمود أفندي مختار، أحد شباننا المشتغلين الآن بالفنون الجميلة. وقد رحبنا بصنعته، ورحبت بها الأمة يوم عرضت في معرض باريس، وسكتنا يومئذ عن عيوبها، وعما فيها من مواطن الضعف؛ لأننا أردنا أن نرى فيها باكورة يانعة يحق لها التشجيع والتحبيذ، وأن تعفيها الأقلام من النقد الممحص حتى تنضج وتقوى على احتماله والانتفاع به. فأما وقد عنَّ لهم أن يرتفعوا بها عن قدرها، ويحملوا على الأمة زينها وشينها، فقد وجب أن تقال فيها كلمة على غير ذلك المنحى الذي قوبلت به عند ظهورها. فاليوم لا نرى صنعة مختار أفندي أمامنا، ولكننا نرى ذوق الأمة وإدراكها يراد بهما أن يمثلا إلى ما شاء الله في صورة ذلك التمثال. فمن الواجب أن نُبرئ ذمة الأمة بكلمة نقد لا ننظر فيها إلى تشجيع أو مجاملة.
فكرة التمثال مسروقة. وهذا أول ما ينبغي لنا أن نتحرى التنبيه إليه ونتوقاه؛ لأن مصر المقدسة بفنونها وآثارها لا يحسن بها إذا هي شاءت أن تصور نهضتها الحديثة أن تختلس الفكرة التي تصورها بها اختلاسًا من فضلات الفن في أمة أخرى، وإنها لبئس النهضة نهضة تُسجل في تاريخ الأمم بفكرة مختلسة، وليس بنا ها هنا أن نُشهر بسرقة لمختار أفندي، فإن سرقاته وسرقات أضرابه غلطات فردية يحاسبون عليها وحدهم، ولكننا لا نجيز لأنفسنا أن نسكت عن سرقة تلصق بالأمة على غير علم منها، فيلزمها منها سبة في فنونها وعار على أخلاقها.
أما الفكرة التي بُني عليها التمثال فمأخوذة من صحيفة مصورة نشرت في أوائل الحرب العظمى، صورة رمزية تمثل موقف إنجلترا حيال فرنسا. وكان الجيش البريطاني في ذلك الحين يستكمل أهبته ويرسل المدد إلى فرنسا فرقة بعد فرقة، فمثلت الصحيفة هذا الموقف في صورة رمزية هي صورة الحرية تضع يدها على رأس الأسد البريطاني الرابض وتستنهضه للمعونة، وهو يتحفز من مربضه في بطء رصين وتعازم مخيف، وهذه — كما لا يخفى على القارئ — هي فكرة تمثال نهضة مصر بعينها لولا أن لهذه الصورة معنى، وأن الصورة كما اقتبسها مختار أفندي لا معنى لها.
فأما معنى هذه الصورة فظاهر لمن يعرف أن في فرنسا تمثالًا للحرية كاد يكون من الأعلام الفنية على الأمة الفرنسية، وأن رمز الأسد يدل على الدولة البريطانية بين الدول، كما كان يكنى بالدب عن الدولة الروسية، والنسر عن الدولة الألمانية. ولا نعلم ما هو أدق في تمثيل استنجاد فرنسا بإنجلترا من تصوير الحرية تهز نخوة الأسد، ولا سيما حين نذكر أن فرنسا كانت تنادي في هذه الحرب باسم الحرية والمدنية، وأن إنجلترا كانت في ذلك الوقت بالأسد الرابض المترفق أشبه منها بالأسد الصائل المهتاج، فالفكرة على هذه الدلالة دقيقة والتمثيل جميل.
وليست كذلك فكرة «نهضة مصر»، لأننا لا نعلم ماذا تُمثِّل الفتاة فيه، وماذا يُمثِّل أبو الهول. فإن كان أبو الهول هو مصر الناهضة فمَن تكون الفتاة الماثلة بجانبه؟ وإن كان أبو الهول هو مصر الأولى، فما معنى حركة تاريخها الباقي وهو مصون مجيد سواء نهضت مصر الحديثة أو لبثت قيد الجمود والهوان؟ ونعود إلى تفسير آخر، فنقول: إن الفتاة هي مصر بتاريخها القديم ونهضتها الحديثة، فهبها كذلك، فما شأن أبي الهول؟
ومن ثم ترى أن فكرة التمثال مسروقة أو مسبوق إليها، وأنها على ذلك غير متقنة، وهذا هو التمثال الذي يقيمونه باسم الأمة المصرية ليصور نهضتها لا لهذا الجيل وحده، بل لكل جيل يأتي عليه في المستقبل، ولا لمصر وحدها بل للعالم قاطبة.
•••

وفي التمثال عدا هذا عيب آخر يُحسب من عيوب النظر الفني والنظر التاريخي معًا؛ ذلك أن أبا الهول المصور فيه لا يشبه في شيء من ملامحه أبا الهول القديم الذي بناه الفراعنة، وإنما هو صورة منقولة عما في معابد البطالسة من هذه النصب، وإنه لمن الخطأ في فقه الفن والتاريخ أن يُختار لتصوير نهضة مصرية نصبًا بنته في مصر أسرة أجنبية، وعندنا تمثالنا ذاك العريق المهيب قائم لمن يريد النقل عنه بلا حاجز ولا رقيب، ولكننا نحسب صاحبنا مختار أفندي لما عقد النية على إخراج تمثاله رجع إلى كتاب المسيو ماسبيرو ففتحه على صفحة تماثيل أبي الهول فاختار أقربها إليه، ثم أقفل الكتاب وحمد الله على الظفر بنموذج سهل لا يكلفه انتقاء ولا أجرًا!
وعيب آخر في التمثال أنه يوهمنا كأنما أبو الهول الرابض كان رمزًا إلى الجمود والتأخر؛ لأنه يتخذ من نهوضه وتحامله رمزًا إلى الحياة والتقدم، وليس أضل من هذه الفكرة؛ لأن أبا الهول قد بُني رابضًا هكذا في دولة مصرية كان لها من البأس وعلو الكعب في الفنون والصناعات ما لم يكن لدولة غيرها في تاريخ الأسر العشر الأولى. وقد أرادوا أن يرمزوا بربضته هذه إلى الركانة والثبات والمهابة، فليس من دقة المغزى الفني أن نقابل الثبات بالجمود والهيبة بالمذلة، وإلا فلو شاء أحد أن يقارن بين أبي هولنا القديم وأبي هول النهضة الحديث فأي معنى يتجلى في هذه المقارنة؟
•••

كل هذا — لا بل بعضه — كافٍ لفتح الأعين وتنبيه أصحابنا الذين يحسبون أنهم يكرمون الفن أو يشرفون مصر بإقامة هذا التمثال مقام العنوان الخالد على نهضتها وشعور الفن في نفوس أهلها. وما هم بمكرمين الفن فيه ولا بمشرفين مصر! إنما هذا عنوان على فقر في الفن قد نسلم به طائعين لولا أن يضاف إليه فقر في الإدراك لا حاجة بنا إلى التسليم به، فاجعلوا تمثال نهضة مصر باكورة محمودة، وأفيضوا عليه ما يروقكم من التشجيع والاستبشار، ولكن لا تنصبوه في الميادين العامة؛ إذ ليست ميادين الأمم محلًّا لعرض خطوات التدرج في تعلم الفنون وترتيب النماذج في أطوار مرانها. محل هذا في مدارس الفن أو في المتاحف الخاصة، أما الميادين فلا تتسع لغير الأعمال الصحيحة التامة التي تجاري الأمم في حياتها، وتستمد حقها في البقاء من المقدرة الخالدة، لا من التغاضي والمحاباة.
? نشرت بعدد جريدة الأفكار الصادر يوم ?? أغسطس سنة ????.
ريا وسكينة?


بين لومبروزو وأناتول فرانس
من عادة الناس أن يربطوا بين باطن المرء وظاهره بسبب، فإذا أعجبتهم أو أدهشتهم مقدرة فائقة من رجل أو صفة شاذة في خلقه تاقوا إلى رؤية وجهه ليعرفوا من تقاسيمه وملامحه أي رجل هو، ويشهدوا مكان تلك المقدرة أو الصفة من ذلك الوجه. فإن لم يتمكنوا من رؤيته عيانًا سألوا عن أوصافه وبحثوا عن صورته، وكلنا نعلم مقدار أسف الأدباء على أنهم لا يرون اليوم صور ملوك العرب وشعرائهم وعظمائهم ممثل إلى جانب سيرهم وأخبارهم، مقرونة بأشعارهم وآثارهم. وهم لا يستفيدون من صورهم شيئًا وإنما هي العادة، بل نكاد نقول الغريزة تشعرهم بالحاجة إلى مشاهدتها وإجالة النظر في معارفها.
وأنت قد تسمع المغني يردد غناءه فتلتذه وتطرب له، ولكنك إذا حال حائل بينك وبين وجهه استشرفت له ولم تقنع بسماع الصوت الذي هو بغيتك منه، وربما كان دميم الوجه لا يزيدك النظر إليه سرورًا بغنائه، بل قد تعرض عنه إن رأيته صامتًا، ولكنه الإنسان قلما يشغف بمعنى مجرد أو صفة محجوبة، ولا غنى له عن تشخيصها وتجسيمها في شكل من الأشكال المنظورة. ولو شئنا لرددنا إلى هذا الطبع فيه تخيل أربابه الأولين ورفع النصب والأصنام لعبادتها، بل لرددنا إليه حبه للجمال في الوجوه الآدمية؛ لأننا مهما أبعدنا في تفسير هذا الجمال فلن نخرج به عن كونه مظهرًا تتعلق به غريزة حب البقاء والخلود في نوع الإنسان.
ولا نغالي إذا قلنا: إن هذا الطبع عريق في الحيوان قبل الإنسان، فإنك قد ترى حيوانين يتقابلان فيحدق أحدهما بصاحبه ويطيل النظر إلى عينيه، كأنما يريد أن يستشف منهما نيته وكمين قوته. وهي عادة ترجع في الحيوان إلى غريزة حب الذات والحيطة لسلامتها، وتترقى في الإنسان وراء ذلك مراحل شتى.
ولا أظن هذا الميل وجد في الإنسان عبثًا، أعني به الميل إلى رؤية أولئك الذين يسمع عنهم ما يدهشه ويلفت عنايته. فلا بد أن تكون ثمة صلة بين البواطن والظواهر، وبين قوى النفس وملامح الوجه. أقرب مظاهرها إلى الحس الفرق بين نضرة الصبا وغضون الشيخوخة، وأخفاها الفرق بين نظرة العالم ونظرة الجاهل، والاختلاف بين سمة الرزانة وسمة البلادة. وصدق لافاتر منشئ الفراسة الحديثة إذ يقول: إن بين لحظات الفيلسوف ولحظات النجار الساذج تباينًا لا يستطاع إنكاره، فإن لم ينفذ العلم اليوم إلى سر هذا التباين أو تعذر على الباحثين تقسيم حدوده وترتيب أنواعه، فليس لأحد منهم أن يجزم بإنكاره أو يقلل من شأنه. وربما كان تقسيم تلك الحدود وترتيب تلك الأنواع مستحيلًا، بيد أن الفرق بينهما يبقى مع ذلك ثابتًا محققًا، كثبوت الفرق بين الأجناس البشرية مع استحالة تمييزها بفواصل قاطعة في العصر الحاضر.
اشتغل لمبروزو العالم الإيطالي الكبير بهذا البحث في عصرنا هذا، وألَّف فيه كتبًا عدة أشهرها كتاب «الرجل العبقري» وكتاب «الرجل المجرم»، وفي كلا الكتابين يثبت المؤلف علامات في الوجوه والأجسام يستدل بها على العبقرية أو طبيعة الإجرام. ولقد استرسل في التعميم حتى تناول الجسم جارحة جارحة، وأظهر ما يتوسمه فيها من الخواص المميزة، فأتى بحقائق لا نقول: إنها كل الصواب، ولكننا لا نراها كذلك كل الخطأ. فإلى أي حد يا ترى تفيد حقائقه وتُجدي ملاحظاته؟
أسأل هذا السؤال وبين يدي صور أربعة من كبار المجرمين: أربعة لم نسمع بأبشع من جرائمهم وآثامهم في بلدنا هذا وفي وقتنا هذا، تهافت الناس على صورهم كما يتهافتون على صور العظماء، لا حبًّا في اقتنائها ولا إعجابًا بأصحابها، بل لكي يروا كيف تكون تلك الوجوه التي تخفي وراءها قلوبًا تعيش فيها شياطين الجرائم، وأسرار الدماء، وتستقر فيها الجيف في هاوية عميقة من الشرور? يسألون أنفسهم: أتكون تلك الوجوه كوجوه الناس؟ تلك هي صور المرأتين سكينة وريا، وزوجيهما محمد عبد العال وحسب الله سعيد، وهم المتهمون في جرائم إخفاء النساء بالإسكندرية. فماذا يتوسم الناظر فيها؟ يُخيل إلى بعض القراء أنه سيرى في تلك الصور وجوهًا يفر منها هلعًا ورعبًا كما يفر من أشباح جرائمهم وبشاعة نفوسهم. وهذا هو مصدر الخطأ في إنكار الفراسة، ونفي العلاقة بين سمات المرء وأعماله، فقد يقترف المجرم أشنع الكبائر، ثم لا يكون ذلك متأتيًا عن نفس مرعبة تغلي بالشر وتتوثب إلى العدوان، بل يكون كل ما في الأمر أنها نفس ميتة يمر بها الناظر فينقبض لمرآها، كما ينقبض لمرأى العظام النخرة والجثث المشوَّهة، فإذا لم يجد في صورها من بواعث الرعب والهلع مثل ما تبعثه في خياله جرائمها وذنوبها توهم الخطأ في آراء القائلين بالفراسة وخفي عنه مصدر الخطأ من تصوره.
وكذلك صور هؤلاء المجرمين، فإنها لا تشف عن طمع قوي، أو غيظ سريع، أو حيوية ضالة جهنمية، وإنما تشف عن بلادة الموت وخمود العقل. وكلما اندس منظرهم بين المناظر العادية التي تُشاهد في كل يوم، كان ذلك أدل على اختلاف طبائعهم وتميز نفوسهم؛ لأن الذي يقترف أفظع الآثام ولا تبدو على وجهه آثارها جلية شاخصة، لا يكون مخلوقًا عاديًّا من عامة الناس.
ولا يفوتنا أن نُنبِّه هنا إلى الذي نعنيه بكلمة الجريمة في هذا البحث فنقول: إننا لا نعني جرائم العرف لأنها مما يتغير بتغير القوانين والمجتمعات التي تسنها، فما يكون جريمة في عصر من العصور أو مجتمع من المجتمعات قد لا يكون كذلك في عصر آخر، أو في مجتمع غير ذلك المجتمع. ومن البديهي أن مثال هذه الجرائم العرفية لا يلزم أن تصدر عن طبيعة خاصة، ولا أن تبدو لها على ظاهر الجسم علامة موسومة؛ لأنها جرائم ترجع إلى مصطلحات الوقت لا إلى طباع الناس، ونحن لا نعنيها — كما قلنا — حين نذكر الجريمة، ولكننا نعني تلك الجرائم التي ينافي شيوعها سلامة الإنسانية بأسرها، والتي يستنكرها جميع الناس بالفطرة ولا يتعلق استنكارها بعصر دون عصر، ولا بقبيل دون آخر.
يتساءل أناتول فرانس: «أنقول مع مودسلي: إن الجريمة تستكن في الدم، وإن في المجتمع طائفة مجرمة، كما أن بين الغنم شياهًا سوداء الرءوس، وإن تمييز الأولين من السهولة بحيث لا يختلف عن تمييز تلك الشياه من قطيعها؟ أنخوض في آراء رجل من أشد الباحثين اقتناعًا بمذهبه؟! ذلك الإيطالي مؤلف «الرجل المجرم».
ثم يقول: «الحق أن الباحث الإيطالي لن يُوفَّق إلى حصر جميع المجرمين في صنف معين، وعلة ذلك أن المجرمين بطبيعتهم مختلفون بعضهم عن بعض، وأن الاسم الذي يجمعهم لا يحضر في الذهن شيئًا واضحًا. والسنيور لمبروزو لم يفكر في تعريف كلمة المجرم، فلهذا تراه يقبلها على معناها الدارج، وبهذا المعنى يسمى الرجل مجرمًا إذا اقترف بدعًا خطيرًا في الآداب وشذوذًا عن أحكام الشريعة. ولما كانت الشرائع كثيرة والآداب غير محدودة، فقد صارت أصناف المجرمين بلا قيد ولا حد. والواقع أن ما يسميه السنيور لمبروزو مجرمًا إن هو إلا مرادف لكلمة السجين، ولا بد أن يتشابه السجناء، فإن تشابههم في المعيشة يُحدِث بينهم على الأقل تماثلًا يميزهم عمن يعيشون أحرارًا. وقُلْ مثل ذلك في جميع الطوائف المستقلة بأزيائها، فإننا قد نعرف أفرادها وإن خلعوا ملابسهم.»
وفي هذا القول الذي يقرره أشهر المنكرين اليوم جانب صحيح؛ وهو تعذر الفصل بين طبقات المجرمين وحصرهم في صنف واحد. أما قوله: إن التشابه بين مجرم ومجرم يأتي من تشابه المعيشة في السجن فرأي سطحي بعيد عن الحقيقة؛ لأن الاستعداد للقتل أو السرقة أولى بأن يخلق الشبه من الاشتراك في المطعم والمسكن سنة أو عدة سنين.
على أن أناتول فرانس يوغل في الإنكار إلى أبعد مداه فيقول: «إن الجريمة في أصلها ملتبسة بالفضيلة، وهي لم تنفصل عنها إلى اليوم بين القبائل السوداء في أواسط أفريقيا. فهنالك كان يقتل الملك متيزا ملك طوارج ثلاثًا أو أربعًا من نسائه كل يوم، وقد أمر بإحدى نسائه أن تُقتل لأنها أجرمت بتقديم زهرة إليه. على أن متيزا هذا حين اتصل بالإنجليز أظهر ذكاء عجيبًا واستعدادًا يُذكر لفهم أفكار الشعوب المتحضرة. ولعمري كيف نستطيع الإنكار؟ إن الطبيعة لهي التي تعلم الجريمة. فالحيوانات تقتل مثيلاتها لتلتهمها أو غيرة منها أو لغير سبب قط. وإن بينها لعددًا عظيمًا من المجرمات، تلك هي الجريمة، فإن كانت العجماوات المسكينة غير مسئولة عنها، فلا مناص من اتهام الطبيعة.»
هنا نرى أن تعميم لمبروزو مهما توسَّع فيه أجدر بالمتابعة من تعميم أناتول فرانس؛ لأن الأول يقول شيئًا والثاني لا يقول.
وليس يزعم أحد أن الصفات التي يذكرها العلامة الإيطالي ستغني الحكومات عن الشهود والقرائن والتحقيقات وتتخذ أدلة ينص عليها في القوانين. بل لا أنكر أن صور المجرمين الذين نتكلم عنهم قد تمر دون أن يُلتفت إليها، ولا سيما صورتي الرجلين. فإن بلادة الشر على وجهي المرأتين أظهر منها على وجهي زوجيهما، وأثر الإدمان فيهما أقبح وأبلغ. ولكن الأمر الذي لا أشك فيه أن بلادة الحس ظاهرة على وجوههم جميعًا ظهورًا لا يتخطاه النظر أحيانًا، إلا لأن البلادة من طبيعتها أن لا تلفت الأنظار، ولا حاجة بنا إلى أكثر من هذا الأثر البارز للدلالة على ما وراءه من النفوس.
? نشرت هذه المقالة في الأهرام يوم ?? نوفمبر سنة ????.? كان هؤلاء المجرمون ومن معهم يقتلون النساء ويدفنونهن في حُجر النوم، ويأكلون ويقصفون فوق رفاتهن.
ضروب الإلحاد


يقولون: إن نواميس المادة غفل من القصد الأدبي، فالنار تحرق من يقتحمها سواء أكان المقتحم متطوعًا للخير رحيمًا بالضعفاء يغيثهم ويجازف بحياته من أجلهم، أم كان لصًّا أثيمًا يسطو عليهم ويسلبهم متاعهم، والسيل قد يسقي الأرض البور، وقد يجرف الأرض العامرة، ولا حساب في حركة من حركات هذا العالم لوجود الأحياء كأنما هم واغلون فيه ينزلون من ساحته في غير العنصر الذي خُلق لهم. ليس يختل قانون من قوانينه قيد شعرة لإعفاء نفس صالحة من أحكامه الصارمة، ولا للإبقاء على أمة كاملة ولا نوع بأسره. يقولون ذلك ويستدلون به على خرق هذه النواميس المادية وجريانها على حكم الضرورة العمياء، ثم لا يقفون عند هذا الحد، بل يتخذون منه دليلًا على خلو الكون من الحكمة المدبرة والنظام المقصود!
والظاهر من قول هؤلاء المعترضين أنهم يريدون من المادة أن تحابي، وأن تقف موقف الحكم بين الأخيار والأشرار، فتساعد على عمل الخير وتُمانع في عمل الشر. وحينئذ يخرج الرجل فيقتحم النار إذا نوى الخير فلا تحرقه، ويخوض الماء فلا يغرقه، وتصادفه العقبات فتتطامن له، والمصائب فتتنحى له عن طريقه. ويخرج الشرير فيجد أمامه من السهل جبلًا، ومن الفضاء أسدادًا، ويجرد السلاح الرميض فيكل في يمينه، ويعالج تسخير المادة فتلتوي عليه، فيتوب مجبرًا عن نيته.
هب ذلك كان، فهل يسمونه حينئذ نظامًا مقصودًا وحكمة مدبرة؟ وهل يكون الخير خيرًا والشر شرًّا على هذا التصريف؟
كلا! بل الذي يكون أن تنتقل حرية الإرادة من النفوس الحية الناطقة إلى المادة الميتة الصماء، ويصبح الإنسان في العالم وهو أحط ما فيه من الأشياء، تختار له وهو لا يختار لها، وتحكمه وهو لا يحكمها، وتسوقه فينساق، وتوصد أمامه الطريق فيعتاق. فلا مشيئة له بل لا حياة. فهل هذا ما يؤثرون؟
ويقولون: إن الإنسان نفسه لا يتبين في حادثة من حوادث العالم ما يشتم منه علو الخير على الشر ورجحان الحق على الباطل. فقد يعيش الرجل كئيبًا محسورًا، ثم يموت بغصة المغبون وهو في صف الحق عاش وفي صفه مات، وقد يعيش سعيدًا موفقًا إلى النجح، ثم يموت ظافرًا قرير النفس، وما قرت نفسه بغير التشفي من ذي حق، ولا نجح إلا في مؤازرة باطل، فأين الله وما هي الغاية؟
وكأن هؤلاء يرضيهم أن يعيش كل إنسان حتى يرى حادثة يغلب فيها الخير غلبًا تامًّا، ويفشل فيها الشر فشلًا تامًّا، وتكون الوقعة الفاصلة التي لا يُخشى بعدها مساجلة، ولا تُنتظر لها بقية، إذن يؤمنون بالغاية في الوجود!
ولا نجيب هؤلاء بأن تحققهم من غلبة الخير دائمًا، وفي كل حالة، هو تحقق ينفي معنى العقيدة ويخالف طبيعة الثقة بالمجهول، ويثبط بواعث الجهاد في الحياة، ولا نقول لهم: إن بواعث العمل في الحياة لا تتوقف على ما يطلبون، وإن الرغبة في التحقق من غلبة الخير إنما هي رغبة عقيمة لا تؤدي إلى عمل. لأن الشكوكيين الذين تعوزهم الأدلة لا يعملون، واليقينيين الذي يعملون لا تعوزهم الأدلة، لا نجيبهم بهذا ولا بذاك، ولكنا نسأل: هل البرهان الذي يطلبونه ليؤمنوا معقول وجيه؟ وهل البصيرة الرشيدة تحتمه ولا يقر قرارها إلى سواه؟
ولكي نجيب على ذلك نفرض أن الإنسانية كُتب لها من العمر على هذه الكرة مليون عام. فالمعقول هو أن الغاية من هذا العمر القصير في سياق الأبد لا تتحقق إلا في أواخره، وأنه إذا وُضِع نظام لسياسة هذه الإنسانية كلها، فإنما يُحسب في أدواره وتقلباته حساب مليون عام لا عشرة ولا مائة ولا ألف. فإذا طلب كل إنسان أن يرى تحقق هذه الغاية ليوقن بها في أثناء حياته، ألا تراه كأنما يطلب أن تنتهي سياسة الكون ثم تبدأ من جديد مرة في كل ستين أو سبعين سنة؟ لا بل مرة كل يوم، بل كل ساعة! لأن السنة التي توافق السبعين من حياة إنسان قد تكون السنة الأولى من حياة إنسان آخر، والعاشرة من حياة غيره وهلمَّ جرَّا.
وفيم كل ذلك؟ فيم يختل اطراد القوانين الطبيعية؟ وفيم تنشأ الحوادث ليستدل بها الإنسان لا لتعمل عملها؟ في شيء هو إلى العبث والتلهي والفرجة أقرب منه إلى الجد والحكمة، في منظر عارض تتوق إليه نفس فارغة، في حجة جدلية إذا كانت هي المؤسس الوحيد لبواعث الإيمان في هذه الدنيا فلا حاجة إليها؛ لأن الدنيا على ذلك لا تكون مستحقة أن يؤمن بها، ولا تكون في ذاتها إلا دليلًا ناقصًا على لا شيء. وإذا لم تكن النفس من التمكن من ينبوع الوجود بحيث يسري إليها الإيمان به من داخلها، كما يسري عصير الحياة إلى الشجرة اليانعة من مغرسها، فسريان الإيمان إليها من الخارج مستحيل.
إن القلب ليشك، ولكنه إذا شك بحق فلن يلبث أن يؤمن بحق أكبر وأعلى، وليس بقليل عدد أولئك الذين سلكوا هذه الطريقة من الإيمان الأعمى، إلى الشك، إلى دفع الشكوك، إلى الإيمان البصير.
ومن المنكرين غير من أشرنا إليهم آنفًا من يغريه الخيال بالإلحاد، فلا يجيء إلحاده عن بحث ولا وسواس ضمير، وذلك إذ يسترسل الخيال في تصور هذا الكون متروكًا إلى نفسه متخبطًا في دياجير الأبد المجهول، لا عين تراه، ولا رائد يرسم له خطاه. كون ضال حائر في ظلمات اللانهاية! يا لها من صورة يرتع فيها خيال الشاعر فترة، فتلهيه عما وراءها من اليبوسة والعقم والخواء. وما من شاعر ألحد، إلا كان له من تلك الصورة شراك خلابة واستهواء.
ومن الإلحاد ما تدعو إليه الرغبة في التمرد وحطم القيود الموضوعة. وكلما كانت القوة التي يناصبها الملحد أهول وأعظم، كانت المعركة أجل وأشبه بالبطولة الرائعة المعجبة التي يُسمع عنها في أساطير المردة ووقائع الجِنَّة والشياطين. وهذا إلحاد يفرض صاحبه وجود القوة التي ينكرها ليوثب نفسه بمعاندتها وتحديها. وهذا أيضًا من الإلحاد الشعري، وهو إلحاد لا يُدفع بالحجة، وإنما يدفعه الخيال الذي أتى به.
•••

ولحكمة ما شاعت كل هذه الضروب من الإلحاد في القرن الماضي. فقد كان الناس في حاجة إلى من يقيمهم على صراط الإيمان السوي. كانوا يؤمنون بالله ولا يدركون عظمة الكون، ولا يفقهون شيئًا من أسراره، ولا يشعرون بجمال الله في خلقه، ولا يملئون نفوسهم من نشوة هذه الحياة التي يبثها في وجوده. ولكنهم كانوا يؤمنون به على النسيئة انتظارًا لعالم آخر تتجلى فيه قدرته، ويرون فيه من آياته ما لا يرونه هنا. كأنما ليس في هذا العالم الكفاية للإيمان القوي الصحيح، وكأنما ليس لله حق الإيمان عليهم إلا من طريق ذلك العالم الذي ينتظرونه، وهذا ضلال شنيع. بل هذا هو الكفر بعينه. أليس الكفر هو الجهل بالله؟ فأي جهل بالله أشنع من هذا الضلال الذي يتراءى لنا في ثياب الرشاد؟ وإنما الإيمان الذي يُبنى على غير تقدير من النفس كالإعجاب الذي يُبنى على السماع، وكالحب الذي يُبنى على الوهم، كلها شعور فارغ لا يصدر عن صميم النفس ولا يدل على عطف بعيد الغور، ولكنه عبث وقشور. وتعالى الله أن يرضى من أحد بالعبث والقشور، ولا سيما في الإيمان بأسرار الحياة ولباب الوجود.
إذن كيف كانت النفوس تهتدي إلى الصواب وتتجه في عقائدها إلى الوجهة المُثلى؟ كان لا بد لها من الالتفات بكل ما تملك من أمل وشعور إلى هذه الحياة. كان لا بد لها من أن تقصر عليها الرجاء زمانًا؛ لترجع إلى كهوفها المهملة وسراديبها المهجورة ومحاسنها المجهولة فتنقب عنها، وتجلو الغبار عن نفائسها، وتدفعها الحاجة إلى الرضى بخيرها وشرها، فتعرف قدر ما كانت تزهد فيه من غير تجربة، وقيمة ما كانت ترفضه من غير روية، وتستكشف من ثمَّ هذه الحياة التي كانت تعيش فيها وكأنها من غير أهلها، فتنكشف لها معالم الإيمان الصحيح من هذه الطريق، ولا طريق سواها إلى الله.
وهذا ما تكفلت به المادية في القرن التاسع عشر، وتلك هي رسالتها في هذا العالم! وهكذا ما من شيء في هذا العالم إلا له رسالة يدعو إليها، وعليه فريضة يقوم بها. حتى الكفر قد تكون له رسالة يؤديها في سبيل الإيمان الذي لا إيمان أصدق منه ولا أسمى؛ لأنه إيمان بعظمة هذه الحياة. وكل شعور بعظمة الحياة، فإنما هو شعور بعظمة الله الحقيقية، وهو الإيمان الحق المقصود، وكل ما عداه فمن جرثومة الكفر وإن هتف باسم الله، ومن معدن الإلحاد وإن صلَّى وصام.

في الزورق?


جولة في الماء محدودة وجولة في السماء غير محدودة. مسافة على الأرض تُذرع بالأشبار والأميال، ومسافة أخرى في عالم لا تعرف أوائله ونهاياته ولا تُقاس أعماقه وآفاقه. تلك هي الرحلة المزدوجة التي أقضيها كلما ركبت الزورق الصغير على النيل.
وربما استخدمت هذا الزورق كما كان «دارون» يستخدم سفينته «البيجل»؛ أي لتبديل الهواء وجمع المواد الأولية لتبديل المذاهب والأسماء، ولعمرك أين الزورق النكرة من «البيجل» المعرفة؟ وأين راكبه من «دارون»؟ شتان شتان، وهيهات هيهات، ولكن فيما عدا ذلك فجولتي في زورقي هذا رحلة، وجولة دارون في سفينته تلك رحلة مثلها! وقد أتى هو بنتيجة ولم أعد أنا بغير نتيجة. فماذا كشف دارون في سفينته؟ ألا يقولون: إنه احتقب في أوبته ألف حجة وحجة على أن الصالح للبقاء يبقى وأن غير الصالح للبقاء لا يبقى؟ ألا يقولون: إن الأحياء يتخاصمون كثيرًا ويتنازعون البقاء فيما بينهم كبيرًا وصغيرًا؟ ألم يقولوا … لا أظنهم قالوا أكثر مما تقدم.
إذن أؤكد لهم أن الزورق الصغير قد يصل بهم إذا شاءوا وشاءت لهم الأقدار إلى حقيقة أصدق من حقيقة دارون، وأرفع منها قدرًا، وأقدم منها عهدًا، وألطف على السمع وقعًا. وأن الزورق الصغير لا يبعد عليه الكرسي الذي تسأل أمامه الطبيعة عن أسرارها، ولا المنبر الذي تخطب من فوقه قائلة بأفصح ألسنتها وأجهر أصواتها: إن الصلاح للبقاء كلمة لست أعرفها لأنني لست أعرف الصلاح للفناء! وإن الأحياء لا يتنازعون ولكنهم يلعبون، نعم يلعبون بملء نفوسهم مرتاضين رائضين، كما يتصارع الصبية جذلين ضاحكين، وكما يتناجز ممثلو المسرح جادين أو هازلين. وإن استغراقهم في اللعب حتى تخال لعبهم جدًّا، ونسيان أنفسهم في تمثيل الخصومة حتى تحسب خصومتهم حربًا، إن هو إلا الشغف بإجادة الصنعة وبراعة الإتقان، وإنه هو هذا الذي يجعلهم أحق بنشوة الرياضة وتصفيقة الاستحسان.
لم تقل الأعشاب ولا الهوام ذلك لدارون! ولكن هل تراه سألها عنه أو استقصى خبرها فيه؟ لو طلب منها أن تقول لقالت، ولكنه اكتفى بما وعى فسكتت. وهي لا تجيب حتى تسأل، ولا تبذل جوابها كله لأول سؤال.
نعم يلعب الأحياء ولا يتنازعون، وليس الأمر بمجهول فيُعلم، ولا بمخفي فيظهر، ولا بمردود فيُقام عليه البرهان. ألا نرى الفرسان يتهالكون شوقًا إلى قصبة منصوبة في العراء يسعد بها من يحرزها ويتحسر عليها من يخذله الجد دونها؟ بلى نراهم فلا نقول: إن أولئك الفرسان المغاوير يقلقون بالهم، ولا أن الناس يُهلِّلون لهم ويعجبون بهم من أجل تلك القصبة. ولعلهم بعد إذ يحرزونها يلقونها في التراب.
وهذه السماء والأرض وما بينهما تنبثق كلها عن حياة لا نظير لها في تراكيب هذه الأكوان، ثم يذهب أبناء الحياة يتخاطفون بينهم لقيمات من الخبز، أو أشبارًا من الأرض، أو قطعًا من الحجارة اللامعة، فماذا يقول الناظرون؟ يقولون: إنها بغيتهم التي فيها يتنازعون، وإليها يتسابقون، ومن أجلها يخلقون؛ يقولون: إنهم يجدون ولا يلعبون …
فحذار! فلعلهم أيضًا يلقونها بعد إذ يحرزونها في التراب.
•••

زورقي الصغير لم يُغيِّر خريطة الأرض، ولكني قانع به وراضٍ عنه. فما كشف لي موقع قدم لم تطأه قبلي ألف قدم وزيادة، ولا مر بي على حبة رمل واحدة يحق لي أن أطلق عليها اسمي دون أسماء الرحالين من قبلي. ولكنه ضاق من ناحية واتسع من نواحٍ لا عداد لها. فكم من بقعة في السماء ضللت عنها فهداني إليها، وكم من ساحة من ساحات الرفيق الأعلى قربني إليها وكان قد أقصاني عنها غبار الدهر وعجاجة وقائعه! ولقد أفسح الرحالون رقعة الأرض وضيقوا شقة الخيال، فاليوم تسكن أصغر جزيرة في أقصى الدنيا، ولكن لا جبال قاف بمأهولة، ولا قصور المردة بمعمورة. كلا، ولا بحار العجائب بمطروقة الأثباج، ولا هي بزخارة الأمواج، من وراء ذلك الرتاج. تداعت وأقفرت ونضبت فهي اليوم طلول دارسة، وبلاقع خاوية، وبقايا متصدعة، وحاشا لزورقي أن يصنع ذلك الخراب أو يغير على ذلك العالم العجاب، فلا يزال له إلى عالم الخيال منفذ، وبينه وبين وادي الجنة سلام، ورب قارة رهيبة يُحار فيها الدليل ويسكت فيها سليمان طرقتها به ولم يعرف لنا خبر، ولم يسمع لتسليمنا ولا لتوديعنا نأمة أو صدى، ولئن صدقتني الذاكرة لقد عرفت في جولة من جولات هذا الزورق أين كان مولد الجن الأولى، أو عرفت على الأقل كيف ينبغي أن يكون.
ففي مفترق الجزائر الثلاث? وُلدت بلا شك قبيلة كبيرة من قبائل الجن الوسيمة الوادعة، وفي تلك البقعة بلا شك هي قائمة إلى اليوم تعيش وترتع وتتوالد وتقضي حقوق الحياة، وإنها وايم الله بقعة خليقة بالجن والجن خليقة بها. يشارفها القادم من بعيد فيغلبه الصمت فلا يتكلم إلا همسًا ولو كان من أصخب خلق الله لسانًا وأطوعهم للثرثرة عنانًا، وإنه ليضحك ويطرب ويتغنى ويصفق ويهلل ما شاءت له خفة الهواء في انطلاقه ومرح الماء في اصطفاقه، حتى إذا اقترب من تلك البقعة الحرام تبدلت حاله حالًا، ونزع عن خفته مختارًا، وسرى إلى أجزاء نفسه السكون مسرى النعاس في مفاصل النائم المكدود، فإذا هو مقبل بجوارحه كلها ينصت ويُصغي، ثم ينصت ويُصغي، ثم ينصت ويُصغي؛ درجات من الصغو تهبط كل طبقة منها إلى طبقة أعمق منها غوارًا وأظلم جوفًا وأبعد ركزًا — وهل يُصغي الإنسان إلى لا شيء؟ إن اللاشيء يصبح شيئًا متى أصغى إليه الإنسان. وأذكر أنني طرقت مرة ذلك الوادي الصامت. أذكر كيف احتوانا نطاقه المسحور كما تحتوي حبائل الطلسم أسيرتها، وشملنا منه ما يشمل وراده من سكينة مخيمة على جوانبه، ومن همسات تتخلله تزيد الصمت صمتًا، والهيام هيامًا، وتسمعها أو هي تسمعك نفسها على غير انتباه منك، فكأنما ترد عليك في الحلم بين وسوسة خافتة من جانب الشجر، أو هتفة مفردة من طائر محلق في الجو لا يكاد يتبعها بثانية، أو خفقات الفراش فوق ورقة طافية تتهادى في النهر، أو غمغمة الماء على قاب ذراع منك، وكأنه في أقصى الأرض؛ حركات ترسلها الأذن قبل أن تمسكها، وتعليقات على حواشي السكون تمر لحظة بعد لحظة، وكأنما هي الجيل يمر بعد الجيل.
وفاضت هذه السكينة على نفس النوتي فتسايلت منها في صورة حكاية مبتكرة لطيفة. حكاية ذات وقائع ومفاجآت جرت له مع الجان في هذه البقعة، على مشهد من أمه التي ماتت وأخيه الذي لا يزال صبيًّا. وقد أطمعه السكوت مني فأطال وأطنب وافتنَّ وأغرب، ثم رابه هذا السكوت فأردف حكايته بأقسام كثيرة على صدق كلامه.
قلت: لا عليك يا أخا النوبة، ولا ريب عندي في صدقك. إن المكان مهيأ لسكنى أصحابك كما أرى، فإن كانت الدنيا تعوزها بعد هذه الخلائق المقنعة فأي ذنب في ذلك عليك؟ إنه ذنب الدنيا.
•••

وفي ذات يوم، قبل مرسانا على بر المدينة شاء الله أن يختبرنا بمحنة من محن السندباد البحري، فتغيَّر الجو، وغامت أطراف الأفق، واختلف مهب الريح، فكثر قيام النوتي وقعوده بين مقدم الزورق ومؤخره، وراح الزورق يترنح ذات اليمين وذات الشمال، ويتكفأ بين الشرق والغرب تكفؤ السكران، وأصبحنا نتقدم عشرين خطوة في كل ميل نعبره من هذا الشاطئ إلى ذاك، فقلت للنوتي: ما لك لا تستقيم في السير؟
قال: لو استقمنا لغرقنا، أوَلا ترى الريح؟
لو استقمنا لغرقنا! ذكرتني كلمته هذه برأي في الإصلاح الاجتماعي والأدبي لعالِم من علماء القطرين المعدودين مثله لي على أثر اختلاف على طرق الإصلاح ومذاهب الناس فيه، فكان يقول: أعرف لعبور التيار طريقتين؛ فطريقة المجازفة، وهي أن يلقي الإنسان بنفسه في غمار اللجة فيندفع من جانب إلى جانب لا تثنيه زمجرة الموج، ولا خديعة الدوامات، وليس يرتد عن عقبة ولو كان فيها الهلاك، ولا يحيد قيد خطوة عن الخط القويم إلا مغلوبًا على أمره، فقصاراه بعد الجهد أن يلتهمه الماء غريقًا، أو يبلغ الشاطي منهوك الجسد خائر العزيمة، وقد أضاع من راحته أضعاف ما كسب من الوقت والمسافة.
والطريقة الثانية طريقة الأناة والهوادة، وهي أبطأ سيرًا وأقل جرأة، ولكن نجاحها مضمون والخطر فيها قليل. وهي أن ينزل السابح في الماء على مهلٍ، فإذا أحسَّ صدمة من التيار انحرف عن طريقها، وإذا بصر بموجة عالية لا مفر منها تطامن لها، وإذا قذفت به اللجة بعيدًا عن وجهته لم يعاندها مخافة أن تعطبه، وإذا استوثق من السهولة والرفق عاد فاقترب مما كان يزور عنه، فقد يطول على ذلك صبره ومحاولته، ولكنه بالغ في نهاية الأمر مكانًا قريبًا أو بعيدًا من الشاطئ الآخر وهو على يقين من السلامة.
أصاب ذلك العالم الحكيم؛ فإن للسلامة طريقًا غير طريق الغيرة، ولقد نظرت إلى النيل في تلك الساعة، فكأنني أتمثل فيه لجة الإصلاح الدافقة تزأر زئير الضياغم في غابها، وكأنني أشهد سباق المصلحين فيها من قديم العصور؛ فسابح جاش تيار الدم الحي في عروقه بأقوى وأجسر من تياراتها، فخرج ظافرًا على استقامته يهزأ بالعطب وبالتعب، وآخر يتخبط يائسًا ثم يهوي إلى القاع صامتًا لا تفلت منه صيحة استغاثة. هذا على مدى وثبتين من الغاية يجمد كالمشلول لا ترفع يده لتناول كأس النجاة. وذاك على حافة البداية يسرف في ضرباته ولا يدخر منها ضربة لساعة كلاله وفتوره. وأينما ارتمت عيناك قابلتك أذرع ممدودة توشك أن تلحق بأجسادها، وجثث طافية أغمضت أجفانها على هذه الحومة الصاخبة، وغائصون تأكلهم الحيتان فلا تبقي لهم أثرًا، وسابقون يسترهم مثل العثير من رشاش ضرباتهم العاتية، وصرخة واحدة تسمعها من جميع الجهات وهي: إلى الأمام، إلى الأمام.
تلك هي لجة الإصلاح.
وإني لشارد اللب في غوامض هذه اللجة إذ صفرت باخرة، ثم أرسلت إلينا من دواليبها العريضة موجًا كغليان القدر ترك زورقنا المسكين يعلو ويهبط، كأنه كفة ميزان خبطتها يد هوجاء، ثم خرجت في طريقها تشق النهر شقًّا ولا تلتفت يمنة ولا يسرة. فقلت للنوتي: ما بال هذه الباخرة تستقيم في سيرها، ألا تخشى الغرق؟
فابتسم أخو النوبة ولم يزد، ولو أنه اطلع على ما في نفسي لزاد قائلًا: نعم إن للإصلاح طريقتين: طريقة الزورق، وطريقة الباخرة، ولكن الأقوياء لا يعرفون إلا طريقة واحدة وهي طريقة الباخرة.
•••

على أنه يحسن صنعًا إذ لا يطلع على ما في نفسي. فإنه يحاسبني الآن على رحلة واحدة، ولو أنه عرف إلى أين أذهب بزورقه في رحلتي الثانية لعظم الأجر وطال الحساب.
الحياة القلقة

ما أتعس حياة الفطناء المسترشدين بإحساسهم، المهتدين بعاطفة الميل إلى الجمال في نفوسهم، الذين يرون في كل شيء حسنًا، ويرون في كل شيء عيبًا.
إنهم يرغبون في كل شيء؛ لأنهم يعرفون حُسنه، ولا يرضون عن أي شيء؛ لأنهم يلمسون قبحه، ويحيون حياة لا تستقر بين الطلب والنفرة، والشغف والزهد، والراحة والألم، والغبطة والندم.
في الخطابة

الخطباء اثنان: خطيب يسوق الكلام، وخطيب الكلام يسوقه. والأول يملك السامعين ويتصرف بهم ويلعب بعقولهم، وأما الثاني فلا ينال منهم أكثر من إعجاب كإعجاب الأستاذ بتلميذه، أو ثناء يلفظه اللسان ولا يتحرك له الوجدان.
الدين بين الخاصة والعامة

ما حاجة السابح في الجدول إلى نجم القطب؟ إنما يحتاجه الماخر في المحيط، وكذلك العامة لا يحتاجون إلى الدين احتياج الخاصة إليه.
? نشرت في العدد العاشر من الرجاء.? كتبت هذه المقالة بأسوان.
لحظة مع نيتشه?


أيام من التوعك نحب أن نشرك القارئ في خيرها، ونسأل له الله أن يجنبه شرها. وما خيرها إلا صفحات من القراءة المتفرقة نُزجي بها الوقت، ونُسري عن الفكر بقدر ما تستطيع النفس العازفة والطبيعة المنحرفة. وليست هي — والحمد لله — من القراءة السياسية، فإننا نعتد جو السياسة كجو المدن مما ينبغي أن لا يخوضه المرء أو يقر فيه إلا على أكمل صحة؛ لأنه جو تختلط فيه الأنفاس، وتزدحم المناكب، وتكثر الجلبة والصخب، وينتشر عليه من مجاجة النفوس الكريهة، ونفث الضمائر الموكوسة ما يحتاج الصبر عليه إلى مناعة وحيطة لا يطيقهما من يطلب العافية والمعافاة. وأي جو من الأجواء السياسية هو أكدر وأسرع عدوى وأخبث جرثومة وأدنى إلى تغثية النفس من جو مصر السياسي في هذه الأيام؟
وسنقتصر فيما نورده هنا على خلاصة مما تصفحناه من مجلة أمريكية قديمة وقعت في أيدينا مصادفة، وهي مجلة أسبوعية ممتعة تقرأ في العدد الواحد منها ما لا تقرأه في مجلات مختلفة من طرف الأدب والعلم والفن، ويجمع لك ناشروها على سبعين صفحة أو قراب ذلك موضوعات بينها من الاختلاف والتنوع ما بين الكلام مثلًا على التصوير الياباني الحديث ووصف زيارة لنيتشه في مرضه، أو ما بين «توجيه دورة الحياة» ومقال في نقد المواطن الضعيفة من الأدب الأمريكي، أو ما بين «مشاهدات ماكس نوردو» في إسبانيا والنظر في مآل ألمانيا الجديدة. وهكذا ما ينشط النفس إلى القراءة، ويدفع عنها سآمة التشابه. وقد نكتفي بما نورده في هذا المقال، وقد نعود وقتًا بعد وقت إلى موضوعات أخرى إذا رأينا في العودة فائدة، وأبى القارئ إلا أن يشركنا في محصولنا كله.
أما حديثنا اليوم مع القارئ ففيم يظنه يكون؟ لا نخاله يجهل ما هو حري بأن يقع عليه اختيارنا لأول وهلة من بين هذه الموضوعات؛ إذ ماذا عسى أن يكون أدعى إلى السلوى والاعتبار من وصف مريض نابه كان في كتاباته من أشد الناس قسوة على المرضى، وكان في حياته من أحوج المرضى إلى العطف والرحمة؟ ذلك هو فردريك نيتشه المفكر الألماني الذي حارب المرض أعنف حرب حتى غلبه هذا العدو الغاشم فصرعه بعد أن قيده في أسره اثني عشر عامًا مجرمات من أعوام الجحيم، وبعد أن سلبه كل ما منحته الحياة والصحة، حتى فكره وقلمه الذي كان أمضى أسلحته في هذا العراك الوبيل.
وليس نيتشه بحاجة إلى التعريف — ولا سيما بعد الحرب الكبرى — فنُعرِّفه إلى القارئ، ولكنا نومئ إلى أسباب مرضه الذي لزمه هذا الزمن الطويل. وهي على الجملة سوء الهضم المزمن، وكد الذهن، وما كان يقاسيه من صراع عاصف في أعماق نفسه، ومن عنت ملتف بين أبناء قومه، وقد يضاف إلى ذلك أثر من الوراثة؛ إذ كان أبوه كما جاء في بعض الأسانيد مصابًا بمرض في الدماغ. وظلت هذه الأسباب تتعاوره حينًا حتى ألقته طليح آلامها، فخولط في عقله، ثم جُنَّ جنونًا مطبقًا وظهرت عليه دلائل هذا الجنون في أوائل سنة ???? عقيب نوبة عصبية. ومن ثم بقي مذهوب العقل منهوك الجسد، لا يفيق فترة حتى يتنكس ويعود إلى ما كان فيه أو إلى شر منه. ولبث على هذا الحال من الضنى والعذاب اثني عشر عامًا طوالًا، كان في أثنائها كالطفل الرضيع لا حول له ولا حيلة موكولًا إلى ما يشمله من حنان أمه وأخته وعطف الأصدقاء من مريديه والمعجبين به، حتى أدركه الموت براحته في أواخر شهر أغسطس من سنة ???? فقضى بذات الرئة، وكانت خاتمة علله.
والمقال الذي نشير إليه يصف زيارة قصيرة له في خلال هذا المرض، كتبته مؤلفة ألمانية معروفة في قومها اسمها جابرييل روتر، وهي كما قالت ممن اتخذوا نيتشه معبودًا أدبيًّا لهم. ولا يخلو من بعض العجب أن يكون لنيتشه عابدات بين النساء المطلعات، لما يعلمه قراؤه من سوء رأيه في المرأة وتعييره للمخدوعين بدعواها ودعاوى أنصارها. فقد كان يستصوب في كلامه عليها آراء الجامدين من الشرقيين، وكان يستكثر عليها الاشتغال بالعلم وطلب الحق، ويقول: «ما للمرأة وللحق؟ إنه من مبدأ الأمر لم يكن شيء أغرب عن طبعها، ولا أكره مذاقًا لديها، ولا أعدى لها من الحق. وإنما صناعة المرأة الكبرى التزييف، وهمها الأعظم الظهور والجمال»، وكان من قوله في موضع آخر: «إن الرجل الذي يجمع بين عمق الروح وعمق الشهوات، والذي فيه من الخير العميق ما هو أهل للقسوة والخشونة، وما يسهل اختلاطه بهاتين الخلتين لا يسعه أن يرى في المرأة إلا ما يراه الشرقيون، لا يسعه أن ينظر إليها إلا نظره إلى قينة مملوكة وحرز مدخر ومخلوق مقضي عليه بالخدمة وأداء واجبه بهذا الاعتبار. ولا مناص له من أن يتخذ موقفه في هذه المسألة من مرتقى الحكمة الآسيوية الزاخرة معتمدًا على تفوق ما في آسيا من بداهة … إلخ.»
فما الذي أعجب المؤلفة الذكية من هذه الآراء في بنات جنسها؟ أتراها شعرت في صميم وجدانها بصدق حكمه، فكان ذلك من بواعث إعجابها به؟
ولكن ترجمة نيتشه وفلسفته وحياته كثيرة المتناقضات، فليست هذه ولا غيرة تلميذاته الأخر على التبشير بفلسفته بأغربها وأدعاها إلى الدرس والتأمل. وكفى أنه هو نفسه ابن قسيس وامرأة متعبدة يشن الغارة على الدين ورجال الدين ويقول في النعي على عقيدة آبائه ما لم يقله أحد قبله. وإليك كلام المؤلفة الألمانية فيما وصفته من خلق أمه وسمتها: «وكانت أرملة القسيس لا تريك في بادي هيئتها أعوامها السبعين، ولا يتخلل شعرها الأسود أثر من الشيب، وقلَّ أن تلمح على جبينها القوي تغضن الأسارير. وكانت جالسة إلى مائدة للخياطة فاحمة اللون على مقربة من النافذة، وعلى النافذة لوحة مكتوب فيها هذه الآية: «إن الجبال تزول والهضاب تتحول، ولكن لا تزول عنك رحمتي ولا يتحول عنك عهد سلامي» وهي تذكار عطف أرسله إليها بعض الأصدقاء حين علموا بمرض ولدها الشديد. ولطالما استقرت على هذه الأسطر عينان غشتهما الدموع والتفت أمامها ذراعان مطويتان للصلاة!»
فكم من نقيضة في الحياة يقرؤها الفكر في هذه الكلمات القليلة! أم تناهز السبعين ولا تشيب، وولد تبرح به الأسقام في عنفوان الصبا، وعزاء تجده الأم في تلك الآية يخفف عنها ما يكرب نفسها من رزيئة ولدها، وقد أطار البحث في هذه الآية وأشباهها صواب الولد، وأقلق راحة نفسه وجسمه، ورمى به في ظلمة لا يغني عنده فيها إيمان ولا عزاء، والنفسان بعد أقرب ما تكون إحداهما إلى الأخرى!
ومما حدثتنا به الكاتبة أن هذه الأم الصبور كثيرًا ما خطر لها أن تلتمس الغفران في الدار الآخرة لولدها بإحراق مخطوطاته التي لم تُطبع. وكادت تفعل لولا أن ابنتها عادت إذ ذاك من أمريكا فألفت أمها على هذا العزم تهم بإبادة كل ما فيه خروج على الدين من تلك الكتب، فلقيت عناء كبيرًا في صرفها عن هذا العزم وأقنعتها بعد مشقة بترك هذه المخطوطات في صندوقها؛ لأن كتابة العبقري ليست بملك لأهله، ولكنها ملك العالم أجمع.
ثم تعود الكاتبة فتحار في اختلاف أهواء القلب الإنساني، وتعجب لزهو الأم بشهرة ولدها التي كانت تسوق إلى منزلها كثيرًا من الزوار المعجبين به. وما كانوا يعجبون من آرائه إلا بما كانت تود هي إحراقه ومحو آثاره!
أما الزيارة التي قصدت الكاتبة وصفها فقد جاءت اتفاقًا على غير انتظار، وكانت لا تطمع هي فيها ولا تطلبها؛ إذ كان المريض معزولًا وحده في حجرة منفردة لا يدخلها غير أمه وأخته والطبيب الذي يعالجه، ولا يسمح بالدنو منها لأحد غير هؤلاء. وكان لا يُسمع له صوت في المنزل غير ما يتردد بين حين وآخر من أنين خفيض مكتوم ينطلق منه على غير إرادة ولا شعور في معظم الأحيان. وسبب الزيارة أن أحد المصورين رغب في تصوير نيتشه في بعض فترات صحوه حيث كان يجلس ساعات طويلة تحت دالية من دوالي الحديقة الصغيرة. فأجيب إلى طلبه ولكنه لم يُوفَّق إلى إرضاء أم المريض ولا أخته، وجاءت أعراض السقم في الصورة أظهر مما أحبت تلك الأم المسكينة أن تراه على ملامح ولدها الذي انقطع الرجاء من شفائه، وكان لا يزال من أسباب العزاء لقلبها أنه على خطورة سقامه وثقل وطأته، كان فيما ترى من ظاهره مشرق الطلعة، وضَّاح الجبين، لا تشف سحنته عن داء كمين. فلما كملت الصورة أرادت أن تتحقق صديقتها بالمشاهدة خطأ المصور وتقصيره، فدعتها إلى زيارة حجرته.
قالت الكاتبة: «فتبعت السيدة العجوز على الدرج إلى الطبقة الثانية، وكانت ركبتاي — ولا أكتم ذلك — ترتعدان، وفتحت الأم بابًا وقالت وهي تدخل الحجرة: اقتربي، إنه لن يشعر بك. فدنوت فإذا بي أرى قبالة الباب بحيث يتجه بصري عند دخولي فردريك نيتشه جالسًا على كرسي مائل إلى الوراء، فوقفت لحظة أتأمل تلك المعارف المسمرة من لفح الشمس البالغة في لطافتها على ما فيها من القوة، وأنظر إلى لحيته الغزيرة وأنفه الدقيق الأقنى وجبهته النبيلة. وكانت عيناه الواسعتان مصوبتين إليَّ بنظرة نافذة ملحة جادة، وكانت يداه الشاحبتان البديعتان مكتوفتين على صدره كأيدي الصور المنحوتة على المقابر القديمة. وقفت ثمة أرتجف من وقع نظرته التي كانت تنبعث إليَّ كأنما هي شعاع يومض من هاوية للألم والعذاب بعيدة القرار. ثم ارتخت عيناه بعد هنيهة وأغمضهما إغماضة خفيفة، فلم يبق باديًا منهما غير البياض يروغ تحت الأجفان المسدلة في عماية مخيفة.
ونادت أمه وكانت واقفة بجانبه: تعالي، فنظرت فإذا على ذلك الجبين الذي يحكي جبين الموتى خلجة مؤلمة تخفق عليه، وإذا بصوت يقول: «لا. لا يا أماه، كفى! كفى!» وكأنه يخرج من أعماق ضريح. وما كان في الدنيا من قدرة كانت تستطيع هنالك أن تسول لي إزعاج ذلك المناضل في سبيل الحق وهو في سكينته تلك يفنى على مهل. فتراجعت. ومضت برهة قبل أن تثوب إليَّ نفسي وأقوى على مفاتحة أمه بكلمة.»
وهكذا كانت خاتمة أيام هذا الداعية الناقم على الرحمة والرحماء، القائل أن ليس للضعفاء من معونة لدينا، إلا أن نهديهم إلى طريق الفناء، شاءت الأقدار أن ينفق من عمره المنغص المضطرب اثنتي عشرة سنة لا معول له فيها على شيء غير ما كان يحوطه من رأفة ذويه وأصحابه. ولسنا ندري كيف كان ينظر نيتشه إلى تلك الرأفة لو قدر له أن يتناول قلمه مرة أخرى ويكتب فلسفته من جديد: أكان ينظر إليها من جانب أنانيته فيحمدها ويزكيها، أم ينظر إليها من جانب فكره فيأسف لها ويشكوها؟ ولا ندري كذلك أيهما كان خيرًا له في الحقيقة: أن تزهقه القسوة لأول عام من مرضه، أم أن يثوي في قبضة المرض معذبًا ميئوسًا من صلاحه هذا الثواء الذي يمل فيه النعيم والدعة فضلًا عن المحنة والبلاء؟ تلك مسألة فيها نظر.
على أنه مما لا شك فيه أن الطبيعة لا تستغني عن فضيلة الرحمة، ولو كان يسعها أن تستغني عنها لما احتاجت إليها في أهم أغراضها، وهو حفظ النوع، فأودعت قلوب الوالدين هذه الرحمة الخالصة بالبنين.
تهويل المصلحين

معظم المصلحين — حتى الكبار منهم — لا يقدرون مناعة الإنسانية حق قدرها، ولا يحيطون بقوة قابليتها للتوليد والتشكل على حسب الأحوال، ولا يعرفون ذلك الينبوع الزاخر الذي منه استمدت وجودها، ومنه تستمد العون كلما تقطعت بها الأسباب وخيف عليها الهلاك، تلحظ جهل المصلحين هذا في شدة وجلهم على الإنسانية وهول إنذارهم لها كلما رأوا منها ما يحسبونه انحرافًا أبديًّا عن الصواب، أو شططًا بائنًا عن سبيل النجاة. وشكرًا لذلك التهويل منهم. فإنهم لو فطنوا إلى قوتها وصلابة عودها، وأن لها بنية على طول الزمن تهضم الأدواء، كما يهضم الشاب القوي وعكات الهواء لتبدلوا من غيرتهم تراخيًا، ومن غضبهم تغاضبًا. وأنى يكون لهم أن يفلحوا في دعوة خير بغير تلك الغيرة وذلك الغضب؟
? الأفكار في أول أكتوبر سنة ????.
معرض الصور المصري


للفن دلالة على مزاج الأمة وخواصها لا يدلها العلم ولا الصناعات؛ لأن العلوم تُنقل والصناعات تُقتبس فتتساوى فيها الأمم من علم منها ومن تعلَّم، وإذا هي تفاوتت فيها فشبيه أن يكون تفاوتها في المقادير لا في الصفات والكيفيات؛ لأن القضايا العقلية كالماء الطهور لا لون لها ولا طعم ولا رائحة. والمصنوعات اليدوية آلية يكاد يتماثل فيها الإنسان والأداة الجامدة، فلا فرق بين نظريات أوقليدس يدرسها السويدي في أقصى الشمال، أو الأفريقي في أقصى الجنوب، ولا خلاف بين الآلات يُركِّبها الأمريكي من مواد معروفة وبمقادير محدودة، أو يُركِّبها الزنجي من تلك المواد وبتلك المقادير، وإنما تتفاوت خصال الأمم وتتمايز ملامحها الباطنة بالفنون والآداب. فالنغمة الموسيقية تترنح لها أعطاف أمة طربًا وزهوًا.
والصورة البارعة تتراءى فيها نماذج الجمال في نفوس أبناء تلك الأمة، والقصيدة البليغة تلمس بها مكامن شعورهم ونجوى ضمائرهم، والرواية الصادقة تعرض لك علاقاتهم وأواصرهم، وتمثل لنفسك طبائعهم ومآلفهم، هذه المبدعات الفنية أو واحدة منها تنبئك عن أخلاق الأمم ومبلغ رقيها النفسي بما لا تنبئك عنه جميع علومها وصناعاتها ومخترعاتها، فلا تؤمن برقي أمة بلغت فيها المعارف العقلية والصناعية أوجها الأعلى إذا هي كانت مع ذلك مقفرة الفنون ضئيلة الآداب، إذ لا عبرة في رقي الشعوب بغير الرقي الذي تشترك فيه المشاعر والخوالج النفسية، ولا فائدة من علم سامٍ لا تستخدمه نفس سامية. وعلى أنه هيهات يتقدم شعب في علم أو صناعة إن لم يصحب تقدمه هذا تقدم في فنونه وآدابه؛ لأن نهضة العلوم لا تتأتى بغير دوافع نفسية، وهذه الدوافع لا تكون حيث لا تفقه النفوس محاسن الحياة ومغازي الشعور الصحيح ثم تعرب عنها فيما تتغنى به أو تنشده أو تصوره أو ترمز إليه.
لذلك يسرنا ما نراه من بوادر النهضة الفنية في مصر، ونستبشر بمظاهر هذه النهضة؛ لأنها الدلالة الصحيحة على تطور الأمة المصرية في مشاعرها الباطنة. وليس من اتفاق المصادفات هذه النهضات نراها في آن واحد تظهر في غنائنا وتمثيلنا وتصويرنا وشعرنا الحديث، فالشعب المصري اليوم يفهم ما يغنيه فلا يجعل الكلمات مطايا بكماء لا معنى لها إلا أن تحمل إلى آذانه الألحان السقيمة والنغمات الفاترة، وهو يشهد على مسرحه تغيرًا يتدرج إلى الوصف الاجتماعي الصادق، ويرى من أبنائه من يشتغل بالتصوير ويعنى بإتقانه والتبريز فيه حبًّا في الفن لا طمعًا في الكسب ولا تطلعًا إلى الشهرة بين الجماهير، وقد أخذ الشعر المصري ينطق بلسان آدمي بعد أن كان يروي عن تماثيل جوفاء صاغتها البلادة والقدم، حدث هذا الانتقال في أوقات متقاربة ترجع كلها إلى أوائل العقدين الأخيرين من الجيل الذي نحن فيه، فكان التوافق في تنفس الفنون كلها تنفس الحياة واستيقاظها دليلًا على تنبه قد شمل الأمة بأسرها، وحق للمتفائلين أن يستشفوا من وراء هذه اليقظة الفنية روحًا قومية ناشطة من سبات الجمود، كما يستدل الفاحص على جيشان الماء في جوف الأرض بانحباس ينابيعه في الأماكن المختلفة دفعة واحدة.
ومن أقرب شواهد هذه اليقظة الفنية افتتاح معرض الصور المصري الذي أعده في هذه الأيام عُشَّاق التصوير وطلابه، وقصروه على الصور من صنع المصريين وحدهم؛ ليكون عنوانًا خاصًّا تمتزح فيه الروح الفنية بالروح القومية، فأحسنوا صنعًا ودلوا على ذوق سليم.
زرت هذا المعرض أمس فرأيت زرعًا ينجم في منبت خصيب، وأملًا يشرق في سماء صافية. فإذا سلم الزرع من لوافح السموم، وخلت السماء من دواهم الغيوم، أصبحنا بعد قليل ولنا فن مصري رائع يُذكر كلما ذُكرت فنون الأمم، ويسمع الناس اسمه فلا يكون عندهم وقفًا على مخلفات مجدنا القديم، وبقايا فن الفراعنة المهجور.
لا أقول: إن معرض الصور المصري بلغ الغاية وتنزه عن المأخذ، فهذا ما لا يقال في معرض من معارض العالم. ولكني أقول: إنه في طريق التقدم والإتقان وفي النهج القويم إلى التكمل والنضج، وهذا كل ما يُطلب منه اليوم.
وعندي أن فن التصوير يُترقى في ثلاث درجات لا يصعب على مصورينا الأماثل بلوغ ذروتها العليا مع المثابرة والتوفيق. فأول هذه الدرجات درجة النقل البحت، والثانية درجة النقل بتصرف يوحي إلى الناظر إحساس المصور بما ارتسم في نفسه وجرت به ريشته، والثالثة درجة الابتداع والرمز المعنوي، وهي القمة التي لا يتسنمها مقلد، ولا يسمو إليها إنسان من غمار الناس، مهما بلغ من فرط تعلقه بالفنون وإعجابه بظواهرها.
في الأولى يظهر نظر المصور ويده، وفي الثانية يظهر ذوقه وشعوره، وفي الثالثة تظهر روحه وعبقريته، ولعل هذه المرتبة هي التي يقصدها جيتي بقوله: «إن أسمى وظائف كل فن هو تمثيل صورة لحقيقة سامية في زي شكل محسوس»، والقدرة كل القدرة إنما هي في إدراك الحقيقة السامية، فإنها لا تحتاج إلى حاسة مضافة في الإنسان، ولكنها تحتاج إلى فطرة تُحسن تصور المحسوسات المدركة رفيعها ووضيعها. فمن استطاع تمثل الحقائق السامية وتمثيلها كان لبصائر الناس بمثابة المجهر لأبصارهم؛ يريهم ما كانوا يحسبونه ضبابًا مبهمًا، فإذا هو أمامهم نجوم واضحة مستقلة تدور في أفلاكها بحساب ونظام مقدور. فلا يلتمسن الناس نفائس الفن النادرة في عالم الضباب والأوهام، ولا في عالم الأنفاق والسراديب، فإن عالم الفن مشرق السماء واضح النهار، لا تلوح الأشباح والعفاريت في لياليه إلا لأطفاله وجُهَّاله، وإنما هي آفة النظر القصير تُري صاحبها الضباب حيث تسطع النجوم، وتُبدي له الخيالات الوهمية حيث تبدو الحقائق السامية.
وفي المعرض المصري الكثير من صور النقل المحكم، وليس بالقليل بين معروضاته ما توخَّى فيه أصحاب التصرف المؤذن بالنجاح والإتقان المبشر بالاختراع والإبداع. فنهنئهم بما بلغوه ونرجو لهم المزيد المطرد. ونقول لهم: إن بين أيديهم وأيدي عُشَّاق التصوير عامة أمانة كبرى يؤدونها لمصر، فليبذلوا جهد المطيق، وليؤدوها على أحسن ما يُستطاع من الإخلاص والوفاء.
لقد كان لمصر فن جليل نشأ في حجر الموت المقدس والخلود، فخلا من بهجة الفن الإغريقي، ورشاقة الفن البيزنطي، وبذخ الفن الفارسي، وتنسيق الفن العربي. ولكنه امتاز بالضخامة ومسحة الدوام والثبوت، فلم يضارعه في هذه الميزة فن من الفنون. بيد أن مصر اليوم غير مصر الفراعنة الأقدمين، فمن الرجوع إلى الوراء أن نبني على أساسهم وننسج على منوالهم ونحن في القرن العشرين.
نشأن الفن المصري القديم في ظلال الموت والخلود، فلينشأ الفن المصري الجديد في كنف الحياة والمثل الأعلى. وإنه لن يخسر بذلك، بل هو لا شك يكسب وينمو ويقوى؛ لأن الحياة أعمق من الموت والمثل الأعلى أسمى من الخلود.
الوصف الشعري

تذكرني آراء كُتَّابنا في الوصف الشعري بقصة ذلك الحاكم الأمي الذي جيء له برجلين يمتحنهما في الخط، فأمرهما بكتابة كلمة ثور، وكان أحدهما أميًّا مثله فرسم الثور رسمًا ساذجًا، وكتب الثاني الكلمة بأجود خط وأحسنه، فاستجهل الحاكم صاحبنا هذا وقضى للأول عليه؛ لأنه رأى قرني الثور وذنبه وأظلافه في ورقة الأمي، ولم يرَ أثرًا لذلك في ورقة الكاتب الخبير.
وكذلك يظن كتابنا — عفا الله عنهم — أن الوصف الشعري من شأنه أن يُمثِّل المناظر للعين فيغنيها عن النظر، ويجهلون في أميتهم الفكرية أنه وصف يرمز إلى العواطف والإحساسات التي في النفس كرمز الحروف إلى الصور المعنوية، فإذا وصف الشاعر الوردة فليس المقصود من وصفها أن تعلم أي شيء تشبه، بل المقصود أن تعلم أي شيء هي في النفس. والشاعر المطبوع لا يعنيه أن يشبه حبيبه، كما يشبه الشرطةُ المجرمين في أوراق تحقيق الشخصية، وإنما يعنيه أن يشبه كلفه به وهيامه بمحاسنه. وما يأتي في خلال ذلك من تمثيل تلك المحاسن فإنما يأتي عرضًا لإظهار مبلغ ذلك الهيام، أو للدلالة على استحقاق المحبوب له إن كان لتلك الدلالة قيمة.
الحق والباطل

كثيرًا ما يكون الباطل أهلًا للهزيمة، ولكنه لا يجد من هو أهل للانتصار عليه.

كتاب الأخلاق?


هو عجالة مفيدة في الأخلاق ألَّفها لطلاب هذا العلم الأستاذ الفاضل الشيخ أحمد أمين المدرس بمدرسة القضاء الشرعي، وسنَّ بها سُنَّة محمودة لمدرسي الأخلاق في مدارسنا ومعاهدنا العلمية، فقد كان العهد بالفصول الأخلاقية أن تكون موضوعات إنشائية فارغة يفتتحها مؤلفوها بأبيات من الشعر أو مقتبسات من الحكمة في الحث على هذه الفضيلة أو التنفير من تلك الرذيلة، وكثيرًا ما يمدحون الخلة الواحدة ويذمونها في صدد واحد، ويعدون ذلك من آيات البراعة والافتنان. وكانوا إذا كتبوا في مناقب النفوس أو مثالبها نظروا إليها كأنها أجزاء مودعة في النفس بعناوينها، كما تُودع العلب والحقاق رفوف التجار. وكأنما ليس عليهم إلا أن يرفعوا حجاب النفس فيروا فضائل الشجاعة والصدق والعزم والمروءة ماثلة في أماكنها، أو يروا هذه الأماكن خاوية منها تنتظر إيابها إليها. وما أحقر علم أخلاق يكون على هذا المثال.
أما العجالة التي بين أيدينا فقد خالف فيها مؤلفها ذلك النمط العتيق، وعالج رد الأخلاق إلى عللها الطبيعية، فجمع بين النفس والجسم بسبب، ولحظ طبائع الحيوانية وهو يتكلم في خصائص الإنسانية، ورأيناه يكتفي بالقواعد المجملة ولا يستطرد إلى ما وراءها من المسائل الخلافية والشكوك التي لا آخر لها، وحسنًا فعل، فإن خليقًا بالطالب أن لا يتعلم طلاسم وشكوكًا تضل لُبه، وتبلبل قلبه، وحسبه أن يجد من مادة التعليم ما ينتهي منه بحثه واطلاعه وتجربته وتفكيره إلى حيث يقوده استعداده.
ومع ثنائنا على هذا النحو الذي نحاه المؤلف نُنبِّه إلى تساهل في العجالة وددنا لو خلت منه، وهو تحميل التعريفات والضوابط فوق ما يتحمله لفظها، ومثال ذلك قوله في تكوين العادة: «كل عمل خيرًا كان أو شرًّا يصير عادة بشيئين؛ ميل النفس إليه وإجابة هذا الميل بإصدار العمل مع تكرار ذلك كله تكرارًا كافيًا. أما تكرار العمل الخارجي وحده؛ أعني مجرد تحرك الأعضاء بالعمل فلا يفيد تكوين العادة. فالمريض يتجرع الدواء المر مرارًا وهو في كل مرة كاره له، يتمنى اليوم الذي يُشفى فيه فلا يتجرعه ولا يصير شربه الدواء عادة له.»
ولقد كان يصح إطلاق هذا القول لو أننا شاهدنا رجلًا يُكرهونه على تجرع الأفيون فيتجرعه مرة بعد مرة كارهًا مجبرًا، ثم لا يرغب فيه مختارًا بعد الامتناع عن إكراهه عليه، أو لو رأينا رجلًا يُصاب بالصرع فتجري منه أعمال وأقوال تعودها كلما أخرجته النوبة عن طوره، واستطعنا أن نقول: إنه يميل ويجيب داعي الميل في هذه الحالة، أو لو أمكنا أن نجزم بأن مشي النائم في نومه لا يسمى عادة يصدق عليها كل ما يُصدق على العادات من مران الأعصاب على تكريرها وسهولة إتيانها بها. فأما قبل أن يثبت شيء من ذلك فلا يصح أن نجعل العادة رهينة بالميل والإجابة بإصدار عمل. ثم إن المعروف أن العادة تكون في العجماوات كما تكون في الإنسان، فإذا سيرنا حيوانًا في طريق واحدة مرارًا متوالية صعب تحويله منها إلى غيرها، ولا نحسب نظرية الميل وإجابته بإصدار العمل تفسر العادة في هذا الحيوان.
ومما يؤخذ على المؤلف استشهاده بغير الثقات أحيانًا، ونقله أقوالًا لرجال مشهورين كتبوها في أعمار لا يحتج فيها برأي الرجل مهما كان نصيبه من العبقرية وخصوبة الذهن، من ذلك ما استشهد به من كتاب آلام فرتر للشاعر جيتي إذ يقول: «ما أولى انقباض النفس أن يكون غيظًا كمينًا من نقص كفاءتنا وسقوط قدرتنا وسخطًا على أنفسنا مصحوبًا برذيلة الحسد التي تهيج فينا الزهو الشديد والعجب المفرط … إلخ إلخ.»
فقد يستظرف المقال أو القصيد يصنعه الشاعر النابغ في الرابعة والعشرين من عمره يصف فيه عشقه وهواجس فؤاده، ويتمنى فيه ويتخيل ما شاء له الصبا ونجابة العقل، فأما الحكم على حالات النفوس وأصول الأخلاق فمما لا يُستفاد من فتى في هذه السن ليُلقى على الطلبة أو يُدرَّس لهم كما تُدرَّس صفوة الحقائق وخلاصة التجارب، ولا سيما إذا كان ذلك الفتى يسوق بطل روايته إلى بخع نفسه حزنًا وانقباضًا وأسفًا على شيء يفوت الكثيرين ولا يقتلون أنفسهم أسفًا عليه.
? الأهرام ?? مايو سنة ????.
الرجاء?


إن الرجاء طبيعة الحياة، لا بل هو اسم آخر من أسمائها، فما كانت الحياة إلا أملًا يتحقق لصاحبه على غير إرادة منه، وما كان حي قط إلا أمنية في ضمير الغيب، غلب فيها الإقدام على الإحجام، والتوفيق على الحبوط، وسنة الخلق على فوضى الإهمال. فإذا هي ذات سوية، ونفس شاعرة ظهرت يسبقها الرجاء ويحدوها الرجاء ويستاق ركابها الرجاء، ولو كان غير الرجاء عنوانًا للطبيعة لما كان لنفس حية من سبيل إلى الوجود.
أرأيت حبة البُرِّ الضئيلة متروكة في حيث يترك الرفات السحيق؟ أين هي في قلتها وصغرها من عناصر الشك المحدقة بها، وزواجر الخوف المترصدة لها، تثقلها الأرض بأديمها، وتنذرها الرياح بسمومها، ومن فوقها منجل للحصاد كم حصد من قبلها سنابل وحبوبًا، لا بل قبائل وشعوبًا، وألوانًا من نبت الحياة وضروبًا، فما كان يعوزها في كل ذرة من التراب نذير جهير، وفي صوب من الفضاء عدو قدير.
تلك الحبة لو وقفت لحظة في مكمنها تزن قوتها إلى تلك القوى، وتقسم جرمها على تلك الأجرام، وتقيم حقها في النماء على ما يظهر لها من هذه الفروق، وتبني أملها في الفلاح على ما أصاب الزروع الفانية من قديم، فأي مثوى كانت تراه لمداراة ضعفها وذلتها أرأف بها من التراب؟ وأي مقر كان أحق بها من ذلك القبر المستور؟
إنه مأمنها الذي لا تخاف فيه، وفي القبر يأمن الأموات!
•••

لكن الرجاء لا يدين بهذا المنطق العقيم. إنه يقول لها: انهضي فتنهض، مزقي غلافك فتمزقه، وشقي أديم الأرض فتشقه، وكافحي الرياح فتكافحها، وابلغي حظك من التمام فتبلغه. فإذا هي زرع بهيج مستوٍ على سوقه يُعجب الزراع.
وما أحسن حظ الأحياء!
إن تلك الحبة لا تستشير الفلاسفة، ولا تأخذ بنصح الحكماء، إنها لا تسمع لأولئك القادة المفكرين، الذين إنما يبيحون أممهم من حق الحياة على حساب ما بينها وبين القوى المقاومة لها من الفروق، والذين يقولون لأممهم في كل مطلب تطلبه: إنك ضعيفة وإنهم أقوياء، والذين يستحمقون تلك الحبة في مجازفتها ولو أنها كانت مثلهم في حذرهم وأناتهم لما نبت على ظهر الأرض نابتة، ولماتوا جوعًا قبل أن يولدوا في هذا العالم الطائش المجنون!
•••

أيها الرجاء!
ما أحوج الناس إليك وما أسهل طريقك إليهم، كذلك عهدنا بألزم حاجات الأحياء: الهواء والماء والضياء، ولعمري إن حاجتهم إليك لأكبر، وإن طريقك إليهم لأسهل وأيسر، لقد تخطيت بهم سدود الموت فمددت لهم من ورائها رواقًا رحيبًا ينعمون بانتظاره قبل أن ينعموا بجواره، وفتحت أبواب السماء، فعمرها الإنسان بأحبابه وأنصاره، واتجه إليها بصلواته وأفكاره، واستأنست له أعالي الكون وأسافلها، فكأنما هو منها في قرارة داره، وكأنما أنت الأثير المفروض لا يخلو منه فضاء، بل أن أثير الروح لولاك لما أشرق عليها ضياء، ولما جال في نواحيها جمال السماء.
ولقد قيل لأحدهم: كيف تكون جهنم؟ فقال: مكان لا رجاء فيه. وقد صدق. فحيث يسود القنوط فهناك عذاب أليم وشيطان رجيم، وحيث يقيم الرجاء فهناك جنة نعيم، ووحي من الله وتسليم.
حزن المصريين

يَعْجبُ بعضهم لشدة حزن قدماء المصريين على موتاهم وفرط تعلقهم بذكراهم، ولا يرون ذلك يوافق الاعتقاد الثابت بخلود الروح وبقاء الحياة بعد الموت، والحقيقة أن هذا التعلق الدائم هو الدليل على الاعتقاد بوجود الميت واتصال حقوقه على ذويه فلا ينسونه ولا يهملونه. كأنما هو قريب مغترب لا تنقطع عنه الرسائل والهدايا.
العصرية في الشعر

إن وصف الطيارة لا ينم على روح عصرية، إلا كما ينم وصف قطار من الجمال دخل مدينة لوندرة أو باريس على جاهلية الشاعر الإنجليزي أو الفرنسي، فإذا مثل الطيارة بدوي قادم من جوف الصحراء، فليس يستخرج أحد من ذلك أنه حديث الذهن مدني النفس؛ إذ ليس المعول في معرفة عصرية الشاعر على وصفه الاختراعات العصرية. ولكن على كيفية الوصف ووجهة النظر.
? العدد الثالث من الرجاء.
فائدة من أفكوهة?


ذكرني الجزء الثاني من كتاب الرافعي بجزئه الأول، وكنت قد رأيته ولم أقرأه إلا إلمامًا. فلما تناولته هذه المرة كان أول ما انفتح لي فيه فصل في مناطق العرب.
فقرأت منه إلى قوله: «وكذلك وجدوا اللغة الهيروغليفية القديمة، وهي من أقدم اللغات المعروفة ليس من حروفها في المنطق «ب ج د ز ظ ض» بل أنت ترى الدليل الذي لا سبيل إلى رده في هذه الحروف الطبيعية الخالدة التي لا يُزاد فيها ولا يُنقص منها، وهي ما يتهيأ في منطق الحيوان السائم فإنها على قدر الحاجة الحيوانية مما لا يتجاوز معنى الإحساس الذي هو النطق الباطني.»
وكأنما بدا للمؤلف أن بين القول بصدور اللغة في الحيوان عن الإحساس، وبين كونه يتعلم حرفًا أو أحرفًا من لغة الناس، تناقضًا ولبسًا لا يحسن أن يترك بغير تفسير واستدراك، فكتب في الهامش: «أما الحيوان المروض المأخوذ بالعناية والتعليم والتلقين فقد يقتبس جملة من حروف اللغة التي يعلم بها، وبذلك تأتي لبعض الألمانيين أن ينطق كلبه بألفاظ خالصة من اللغة الألمانية، ولكنها في الجملة من حاجات الكلب الطبيعية كالأكل والشرب فلا تخرج عن معنى الإحساس أيضًا.»
وهذه أفكوهة لا ضير على الأديب الرافعي، ولا على أحد سواه في أن نتخذ منها فائدة أو نقيس عليها مثلًا نبين به طريقة بعض الناس في القياس.
•••

الكلام في مخارج الحروف. فكان سبيل الرافعي بعد أن ذكر لغة الهمج وأتى على ما ينطقونه من الحروف وما لا ينطقونه، ثم أطنب فذكر لغة الحيوان «الطبيعية الخالدة» أن يقارن بين اللغتين، فإن توسع فليبين كيف ترقت لغة الهمج عن لغة الحيوان ويُظهر منزلة الأصول الصوتية الأولى من اللغات قاطبة، وإلى أي حد تتقارب فيها أصوات الحيوان وأصوات الإنسان. ولكنه جاء إلى هذا المسلك المأبور فأغلقه حين قضى على حروف الحيوان بأنها لا يُزاد فيها ولا ينقص منها. وإنما كانت جملة معترضة جاء بها لتحلية الكلام فاعترضت كما ترى بينه وبين سبيله. وأحب الرافعي أن يكون عميقًا في حكمه، بعيد الملاحظة في رأيه، فأعرض عن آلات النطق في الحيوان ونزل إلى مقر الإحساس منه. فمد بسبب بين خفة الحرف أو ثقله على اللسان، وبين ما سماه النطق الباطني، ولما علم أن العلماء سهلوا على جهاز النطق في الكلاب أن يتحرك ببعض الألفاظ الأوروبية لم يعلل ذلك بأن جهاز النطق في الحيوان مهيأ للتحسن والاكتمال، ولا بأن الأصوات الحيوانية أصل نمت منه فروع اللغات الإنسانية. بل رأى أن ذلك إنما كان لأن الكلمات التي تعلمها الكلب «كانت في الجملة من حاجاته الطبيعية كالأكل والشرب فلا تخرج عن معنى الإحساس أيضًا.»
وعلى هذا فالكلب لم يعِ من الألفاظ إلا ما هو من معنى الطعام؛ لأن إحساس الحيوان قاصر على ما يتصل بمأكله ومشربه، وما ناسب ذلك من الشهوات التي يضيق نطاقها كلما انحط المخلوق في مرتبة الخلق، وليس لأن العالِم الألماني خفف عليه نطق الكلمة بالتعود والمران. كذلك يقول الرافعي! فلو أن العالم عالج تلقينه اصطلاحًا هندسيًّا أو أخلاقيًّا لما نبس به؛ لأنه ليس من حاجاته الطبيعية. نعم ولو كان هذا الاصطلاح قريبًا في حروفه من كلمة في معنى الطعام كالمقاربة التي بين كلمتي سمك وسمك وعظم وعظم! كذلك لو عالج العالم الألماني أيضًا أن يلقن نملة أو برغوثًا ما لقنه ذلك الكلب لما استعصى عليه ذلك؛ لأن الأكل والشرب من حاجات النمل والبراغيث كما أنها من حاجات الكلاب، ولا عبرة بالبون البعيد بين آلات النطق في الكلب وبين آلاته في النملة أو البرغوث، فإن هذا لا يضعف من ذلك الإحساس الطبيعي أو النطق الباطني!
وكما سهل على الكلب أن يتلفظ بكلمات الأكل والشرب في اللغة الألمانية، كذلك يسهل عليه أن يتلفظ بما يقابل هذه الكلمات في لغات العالم أجمع، وهي كلمات يتألف من مجموعها معجم ضخم يشتمل على مخارج الحروف الآدمية من أثقلها إلى أخفها. فمن أين للكلب هذه القدرة؟ أوَيكفي أنه يسغب ويظمأ لتكون قوة النطق فيه كما هي في الإنسان؟
•••

هذا مثال من أقيسة الرافعي. وإن الرافعي ليعلم كما نعلم أنه منشئ مكين، ولكنه يحس من نفسه اضطراب القياس، ويظن أن الناس يحسون منه ما يحسه من نفسه، فيُكثر من القياس كما يُغالي الفقير بظاهره ليستر فقره، وهو كلما عمد إلى الاستقراء والاستنتاج وقع في مثل هذا الخطأ.
ونحن لم نقل عبثًا في مقالنا عن جزئه الثاني أنه أعمل القلم ولم يُعمل الرأي، ولكننا نقول الآن: إنه ما كان ليستطيع أن يصنع غير ذلك. فإن شاء عددنا كتابه كتاب أدب، ولكنا لا نعده كتابًا في تاريخ الأدب؛ لأن البحث في هذا الفن متطلب من المنطق والزكانة ومعرفة «النطق الباطني» ما يتطلبه الرافعي نفسه ولا يجده في استعداده.
الظواهر والبواطن

ليس بين ظواهر الأشياء وبواطنها حد فاصل، فكل البواطن ظواهر مكشوفة لو أحسن النظر إليها من الجهة المثلى، وكل الظواهر بواطن خفية لو أسيء النظر إلى تلك الجهة منها. ومن البديهات عند قوم ما يعد أسرارًا مغلقة عند قوم آخرين.
الشر الدخيل

من الناس من يفعل الخير لأنه لا يجد حجة يسوغ بها عمل الشر، أو يواري بها فعل السوء، وليس يزعه عن اختلاق تلك الحجة إلا بلادة حس وجمود عقل. أما من هم أمهر من ذلك من الأشرار وأطبع على الأذى فيخلقون الحجة في كل حين، ويفعلون الشر كلما وجدوا حجة له.
ذم الحياة

إن الذين يذمون الحياة هم الراغبون في حياة خير منها، لا الراغبون في الموت كما يتوهم الكثيرون، وربما كان ذو النقمة والسخط على الحياة أرغب فيها ممن يرضون عنها ويرتعون في صفوها ونعيمها. كما يكون المقامر الخاسر أرغب اللاعبين في ملازمة مائدة اللعب إلى النهاية.
كل ذي عاهة جبار

يُؤْثر الإنسان أحيانًا أن يكون عرضة للمقت والغيظ على أن يكون عرضة للرحمة أو الاستخفاف، وهذه علة ما يرى من أصحاب العاهات والمثالب المقبوحة من تعمد إسخاط الناس واستنفاد صبرهم. يحاولون الهرب من رحمتهم إلى نقمتهم، ومن إحسانهم عليهم بالعطف إلى مساواتهم لهم بالمنازلة.
? المؤيد ?? مايو ????.
خطرات وشذور?


الشرق والغرب

الفروق بين أساليب الشرقيين والغربيين في التفكير كثيرة، ولكن لعل أوجزها وأجمعها فرق واحد؛ هو أن الشرقي طُبع على النظر إلى غايات الأشياء، وأن الغربي طُبع على النظر إلى عللها، وربما كان سبب هذا الاختلاف أن الشرقي وجد ثمرات الطبيعة مجهزة أو سهلة التجهيز فنظر إلى معناها وفحواها، وأن الغربي احتاج إلى استخراجها فنظر إلى أسبابها ومناشئها.
العدل والقوة

أيهما خير للناس جميعًا وللأقوياء والضعفاء معًا: أن يكون القوي عادلًا ينصف الضعفاء من نفسه، ولا يستأثر بحظ من حظوظ الحياة دونهم، فيظل قويًّا بلا منفعة له من قوته، ويظلون هم ضعفاء بلا ضير عليهم من ضعفهم، أم أن يكون مفتئتًا طاغيًا يؤرث باستعلائه وكبريائه نيرانهم، ويتغلغل بسطوته في دخيلة نفوسهم وفي حيث يخامر الذل قلوبهم، فلا يدع ثَمَّ موضعًا من مواضع الدعة إلا زلزله، ولا عدة من عدد النهضة إلا شحذها، حتى يضطرهم اضطرارًا إلى تنكب أسباب الضعف والأخذ بأسباب القوة؟
الذي يحصل هو هذا، والذي يتمناه الناس هو ذاك، ولكن الذي يحصل هو الخير والرحمة، والذي تمنوه هو الضير والوبال.
ما دام في الأرض ضعف وقوة فمن الرحمة بالعالم أن لا يتساوى الضعفاء والأقوياء.
نشر الدين

الغيرة على نشر الدين مقصورة على الموحدين، ولا أظن الوثنيين كانوا يرتاحون إلى مشاركة الأجناس الأخرى لهم في نحلهم وأديانهم؛ لأنهم يعتزون بامتيازهم بدين خاص لهم اعتزازهم بجنسهم ونسبهم ولغتهم، ويرون آلهتهم كآبائهم وأجدادهم ينبغي أن تكون لهم بلا شريك.
محاكاة الطبيعة

القول بأن الشاعر يُغني محاكاة للطير في شدوه لا يقل في الغرابة عن القول بأن الإنسان يطهي الأطعمة محاكاة لأكلة البرسيم ونهشة اللحوم من الدواب. إن حاجة الشاعر إلى الغناء كحاجة الطير إلى التغريد، فلِمَ يكون أحدهما حاكيًا؟
حكم طبيعة المرأة عليها

الله مذكر في اللفظ. ولو أمكنك أن تخطف أجوبة الرجال والنساء من قرارات أفكارهم وعلى غير انتباه منهم وسألتهم: هل الله مذكر أو مؤنث؟ لأجابوك على الفور: بل هو مذكر. فللإله صفة الذكورة الوهمية في بدائه الرجال والنساء على السواء؟ ونعني بالبدائه ذلك الجانب الذي لا يعيه الذهن، حيث مستودع التصورات والأخيلة التي لا سلطان للبحث ولا للروية عليها. فالمرأة لن تستطيع أبدًا أن تتصور في أبعد خبايا نفسها أن يكون هذا الإله الفرد بصورة الأنثى، ولن ترى من حق تنزيه الإله عليها أن تتصوره كذلك. فكيف تراها تصدق في الإعراب عن حكم طبعها إذا قالت: إنها لا ترى فرقًا بين الرجل وبينها؟
شواغل الحاضر

شواغل الحاضر الضئيلة قادرة على أن تحجب عن بصيرة الإنسان جلال الأزل والأبد بما تهيج من عواطفه وتبلبل من خواطره. كما تحجب الكف القريبة من العين اتساع الفضاء الذي لا نهاية له.
أمن الصغير

لا يهز الإعصار الجارف ماء الحوض الصغير، ولكنه يقيم الخضم الواسع ويقعده.
المجاملات

الصادقون في عواطفهم لا يبالون بالتحيات ومظاهر المجاملة. والذين لا يشعرون بصدق العاطفة يحسبون أن هذه المجاملات هي الإخلاص بعينه والحب في لبابه. وقد يتفق أن يرغب المخلصون في مجاراة الناس فيتكلفوا المجاملة، فيبدو عليهم كأنهم يراءون في إشاراتهم وأقوالهم وكأنهم يظهرون من العطف للناس غير ما يبطنون لهم، على أن غيرهم يجامل بلا كلفة فيلوح عليه الإخلاص والصدق وهو بعيد عنهما.
ولسنا نقصد بالإخلاص هنا ما يقابل الختل والغش، وإنما نقصد به اشتمال العاطفة على النفس وشيوعها في كل جزء من أجزائها، ونقصد بما يقابله ذلك الشعور السطحي الذي لا تعرف النفوس الضئيلة نوعًا من الشعور غيره، وهو شعور لا يبالي صاحبه قبلته منه أو رفضته؛ لأن محوه أو استئصاله لا يكلفه إلا أن ينزع عن نفسه غشاء رقيقًا مفصولًا عنها لا يمس نزعة اللحم والدم. أما شعور الإخلاص الحق فشديد على نفس صاحبه أن يفارقها؛ لأنه يخرج منها خروج الحياة من أوصال الجسم، فيزعجها من أعماقها، وكثيرًا ما يُساء الظن بالمخلصين فيكون احتقارهم لمن يسيء بهم الظن شديدًا ويزيدهم احتقارًا للمرتابين فيهم أن يروهم يحسنون الظن بغير المخلصين. ومن ثمَّ خرج أصلح الناس للحب الطاهر من هذه الدنيا وهم متهمون جهلًا باحتقارهم الناس وبغضهم إياهم، وقل في عارفيهم من يعلم أن لهذه الجفوة سببًا هم منصفون فيه غير ملومين.
الشر النافع

لا يندر أن يكون القضاء على رجل شرير قادر في شره، أضر بالعالم من القضاء على رجل غفل لا يُرجى نفعه ولا يُرهب له أذى.
العصبية

لا يقدر أحد على أن يخدم الناس جميعًا، وإذا نصب نفسه لذلك أوشك أن لا يخدم أحدًا. فلا بد من العصبية التي تجعله قوة فاعلة في جانب من الجوانب، فيؤدي ما عليه من واجب عام من طريق الواجب الخاص.
أنانية الإنسانية

العالم الإنساني شديد الأثرة، فهو لو علم أنه ينال الخير ممن يسديه إليه ولكن بعد تحطيمه وإتلافه لم يحجم عن ذلك، ولم يذكر للمحسن إليه حق الشكر، ولا خطر له أنه مدين به لذلك المحسن المغمور. وكثيرًا ما يكون الانتفاع بالخير وإهلاك جالبه أقرب طرق الإنسانية إلى اغتنام ذلك الخير.
بين الموت والحياة

أقمت زمنًا في «الإمام»، وكنت أرى الموت هناك في كل ساعة، فكان يتمثل لي كأنه وحش فاتك، لكنه من الدواجن التي تقيم بين البيوت، وكان يخالجني في معظم الأوقات شعور لا أدري أهو الاستهزاء بالموت أم الاستهزاء بالحياة، ولعل الشعورين بعد متقاربان، فما استهزأ أحد بالموت، إلا كان للحياة نصيب من ازدرائه.
وكان يوم عيد. فقيل لنا: إن هذه المدافن كثيرًا ما تكون مواخير للفجور يغشاها الفُسَّاق أيام الأعياد والمواسم قضاء للبانات الهوى بين العظام النخرة والجثث البالية والذكريات المحزنة، فقال أحد الحاضرين ولعله كان متهكمًا: هذا حسن! هذا انتصار للحياة على الموت، أليست الشهوة من الحياة؟
ولا أدري بعدُ، لِمَ لا يكون هذا الفجور في المقابر انتصارًا للموت على الحياة؟ أليس هو انتصارًا للدعارة على الخُلُق الوثيق والطبع السليم؟ نعم، وما أقرب الدعارة من الموت، وما أضيع الحياة بغير خُلق وثيق وطبع سليم.
إرادة الراحة

لو كانت الراحة غرض الحي من الحياة لوجب أن يكون الكسل أصلح حالة يستقيم عليها نظام الجسم، وهذا خلاف المُشاهد، فإن الكسلان المتراخي تتداعى قواه النفسية والعقلية والجسمية ويهبط شيئًا فشيئًا إلى الضعة والعته والسقم. فإذا كان قولهم: إن المادة تقتفي الطريق المريح صحيحًا في الجمادات، فليس بصحيح أن تقاس حركات الحياة على هذا الحكم كما فعل سبنسر، ولا بد من تعديله عند النظر إلى الأحياء، ومع هذا أرى أي قول من الأقوال في بيان المحرك الأكبر للحياة سواء أكان قولهم بإرادة الوجود أم بإرادة القوة أم بإرادة المعرفة أو السعادة أو الاتصال، خيرًا وأشرف من القول بإرادة التطفل التي ذهب إليها «نوردو» غلوًّا في تطبيق رأي سبنسر. لأن الأقوال الآنفة تُعيِّن لنا أغراضًا نسعى إليها، وأما قول سبنسر أو قول نوردو فلا يُعيِّن لنا إلا مهربًا من أغراض شتى. وإلا فماذا في قولك: إن الإنسان يريد أن يستريح من العمل أو يريد أن يعمل له غيره؟ ثم ماذا يعنينا أن نعلم أن المادة في الإنسان خاضعة لأحكام المادة العامة إذا كنا نعلم أن الحياة هي قوة تحرك مادته فتنقاد لها، وأن هذه القوة لا تملك زمامها حيال قوى أخرى مجهولة؟ نعم ماذا يعنينا أن نعلم أن الحجر يُؤْثر السكون وهو لا يملك لنفسه الحركة أو السكون، ولا مناص له من قوة تقذف به مرة من المرات لأنه لا يقذف بنفسه؟ إن الذي ينبغي أن نبحث عنه هو طبيعة هذه القوة لا طبيعة الحجر. فهل هذه القوة تُؤْثر الراحة؟ كلا، فالذي يبني علم الأخلاق على حب الإنسان للراحة ويجعلها مرمى كل حركاته وسكناته هو كمن يبني علم «الميكانيكا» على طبيعة الثقل في الأجسام، لا على أحكام القوى المحركة لها. وهذا الذي فعله سبنسر ومن حذا حذوه في علم الأخلاق.
حب المرأة

كل اهتمام قوي وشيك أن ينقلب في نفس المرأة إلى حب، حتى الاهتمام بالاحتقار، على أن الاحتقار شعور قلما يتفق للمرأة أن تطيل فيه إلى أن يبلغ حده؛ لأنها إذا أخذت في احتقار رجل لم يلبث أن يتحول احتقارها إلى مقت أو شفقة، وبين المقت والشفقة وبين الهوى في نفس المرأة حجاز لا تطول شقته، ولا سيما إذا كان المحتقر رجلًا لبق اللسان بصيرًا بأهواء القلوب.
الأنانية

اعتاد الناس أن ينظروا إلى الأنانية كأنها أحبولة ينصبها الحي ليصطاد بها الحياة. فلماذا لا ينظرون إليها كأنها أحبولة تنصبها الحياة لتصطاد بها الحي؟ إننا نعلم أن الحي لم يطلب الحياة ولم يدعها إليه، ولكنها هي التي طلبته ودعته إليها. فالأولى أن تكون هي التي تخدعه بالأنانية لتقنعه بأنه رابح منها، وتضطره إلى الصبر على ملازمتها. وليتقرر ذلك في أفهامنا نفرض أن الأحياء خُلقوا بلا أنانية، ألا تراهم حينئذ يخلعون ثوب الوجود لأول صدمة يلقونها في سبيله ويرونه أهون عليهم من أن يصبروا له على ألم أو يتعللوا من أجله برجاء؟ وإذا فعلوا ألا تكون الخسارة إذن كونية عامة لا أنانية محصورة؟ فالأنانية الصحيحة هي الإيثار الأكبر في هذا الوجود. والذي يعمل «لمصلحته» إنما يعمل لشيء أكبر منه في الحقيقة، ولهذا تتقارب الأنانية والغيرية في النفوس العظيمة حتى يوشك أن لا يختلفا ولا يمكن الفصل بينهما.
جناية آداب المدنية

كل اضطراب نفساني شديد لا يظهر أثره على العضلات والأعضاء ينقلب إلى شعور مكظوم. ومن هنا نرى جناية المدنية على الأخلاق؛ إذ تضطر الناس إلى كتمان غضبهم وامتعاضهم فتغرس في نفوسهم الحقد والضغينة، وتبدلهم من عدوان الغضب عدوانًا هو شر منه وأضعف. وعندي أن كظم الغيظ ما لم يكن مظهرًا من مظاهر ضبط النفس وغلبة الإرادة على الأهواء فهو هزيمة لا انتصار، ورذيلة اضطرارية لا فضيلة مختارة.
طلب السعادة

إن طلب السعادة — إن صحَّ أنه العامل الوحيد في حياتنا — لا يفسر في الترفيه عنهم. فلا بد أن يكون هناك غرض آخر وراء السعادة إذا اصطدم بها أهملها الإنسان مختارًا أو مكرهًا لأجله. وقوام هذا الغرض الضمير.
الرياء والصراحة

بعض الرياء خير من بعض الصراحة. أما الرياء الذي يُفضَّل على الصراحة فهو رياء من يحس في قلبه مثلًا أعلى للأخلاق، ويشعر من نفسه بالتقاصر عن شأوه فيتجمل بستر عيوبه ليظهر للناس على مقربة من مثله الأعلى. وهو رياء مبعثه حب الكمال وحسن الظن بمستقبل الإنسان.
وأما الصراحة المذمومة فهي صراحة من لا يرجو للناس أملًا وراء حاضرهم المحسوس. يرى العيوب فاشية، والعصمة معدومة، ولا يجد أحدًا براء من نقيصة، أو مستجمعًا لكل ما يحمد من فضيلة، فيخلع العذار ويجهر بالفجور كأنه في حِلِّ من إتيان ما يشتهي من منكر إذ كان الناس لا يخلون من مثله، وهذا خلق أشبه بالرياء منه بالصراحة؛ لأنه يجعل قوام الفضائل كلها موافقة الناس، فلا يشعر صاحبه في قلبه بحب الفضيلة لذاتها ولكنه يحبها إذا وجد حوله من يشاركه في حبها.
فذاك رياء أصحاب الطبائع الصادقة الذين ينظرون بعين البداهة فيعلمون أن الناس على نقصهم الحاضر أملًا في الكمال، وأنهم ما زالوا يتكلمون منذ خُلقوا.
وهذه صراحة أصحاب النفوس الناضبة التي تمشي ضمائرها وراء حواسها ولا تسبقها، فعالمها كله مشاهد محسوس وليس لها عالم مغيب مأمول؛ وخلائقها تستمد القوة من خارجها وليس لها من قوة دافعة في باطنها.
لهذا لا نعجب من اقتران رياء الإنجليز بقوة السليقة في الشعر، والدهاء البديهي في السياسة، ولا نعجب من اقتران الصراحة الفرنسية بالفصاحة المزوقة التي لا عمق لها، والجري في السياسة وراء «النظريات» التي تعوزها الخبرة العملية والأصالة الفطرية، وتتعالى عن منطق الطبائع الفعال في شئون الأمم على ما فيه من غرارة ظاهرة وبساطة مضحكة.
الكد والترف

إن في الشغل الشاق من البهيمية بقدر ما في الترف والتهالك على الشهوات، وما أقرب الكادح المستغرق في عمل بدنه من المترف المخلد إلى لذاته! ذاك يحتمل التعب؛ لأنه جسد صرف، وهذا يخلد إلى الدعة واللذة؛ لأنه كذلك جسد صرف. فهما شبيهان على بعد ما بينهما في الظاهر، ولذلك يوجدان جنبًا إلى جنب في المدنية المضمحلة، وكلاهما تنبئك حاله عن روح ميتة لا مطلب لها وراء مطلب اللحم والدم.
الدم المهدر

كان الملوك الأقدمون يهدرون دم من يغضبون عليه فلا يُطالب أحد بحقه، وهذه العادة باقية. فالعرف اليوم يهدر دم من يخرجون عليه ولا يقرونه على عيوبه، فإذا حقوقهم كلها مضيعة، وإذا الإساءة إليهم محللة لمن يشاء. وكأنما الناس لا ينتظرون إلا الترخيص من العرف ليستجيزوا هذه الإساءة التي لا تجوز.
المذبذبون

إذا كان الرجل خليطًا من الشرف والنذالة لم يكد يصنع في الحياة شيئًا ذا خطر؛ لأن الخُلقين يتجاذبانه من ناحيتيهما فيقف في موضعه كالمشلول أو كمن شد إلى الحبل بين متنازعين على قوة متقاربة، وإنما يندفع إلى الأعمال الكبيرة من غلب عليه الشرف أو غلبت عليه النذالة.
السخر بالحياة

من الناس من يسخر بالحياة سخر الممعود بالمائدة. ومنهم من يسخر بها سخر المتخوم المكتظ بطعامها. فالأول يسخر بالحياة؛ لأنه لا حظ له فيها، والآخر يسخر بها؛ لأنه أصاب منها جميع حظوظها. وربما كان الأول أفطن إلى العيوب وأسرع وقوعًا على القبائح المتوارية من صاحبه؛ لأن رغبته في إظهار هذه العيوب والقبائح مقرونة بألم السخط والحرمان.
خداع الأغبياء

إن خداع الأغبياء قد يحوج الخادع إلى قسط كبير من الغباوة، وإلا لم يكن سبيلًا إلى التفاهم، ولم يتح له التسرب إلى جهات الغفلة التي يُؤتى المخدوع من قِبَلِها وينفذ منها إلى شكوكه وظنونه ومهاد ثقته وطمأنينته، فالأوروبي مثلًا لا يتأتى له خداع الزنجي كما يتأتى ذلك لزعيمه الجاهل، لا لأنه أضيق من ذلك الزعيم عقلًا وأقصر حيلة، ولكن لأنه أوسع منه عقلًا وأرفع حيلة. وما يقال عن هذا الزعيم يقال عن زعماء الغوغاء في كل أمة، فإنهم أقدر على إقناع أتباعهم من أقوى المناطقة حجة وأصدقهم بيانًا.
العقل الصحيح

العقل الصحيح في الجسم الصحيح — كلمة حق — ولكن لها تعقيبًا يجب أن يتبعها ويتممها، وهو أن العقل الصحيح والعقل الممتاز ليسا بشيء واحد.
قد يكون العقل صحيحًا ولكنه غير ممتاز، وقد يكون ممتازًا ولكنه غير صحيح. ولا بد للناس من تصحيح الأجسام والعقول، ولا غنى لهم عن ثمار العقول الممتازة. فلنطلب كلًّا منهما في موضعه ولا نرجح الصحة على الامتياز إذا كانت لا تغنينا عنه ولا تبلغ شأوه في كل حال.
الطاعة

الطاعة من دلائل النظام وفضائل الأمم القوية، والأمم التي لا طاعة فيها لا يعرف أفرادها الواجب ولا يلتزم أحد فيها حده. إذ الطاعة هي أن يعرف كل إنسان حدًّا لنفسه يلتزمه وحدًّا لغيره يحترمه، وحيث لا واجب ولا تبعة لا يكون عمل شريف ولا فضيلة نبيلة. على أن هناك فرقًا بين الخوف والطاعة؛ فإن الخوف اضطراري، والطاعة اختيارية.
الحقائق والشعر

ليس الشاعر مطالبًا بالقضايا العلمية ولا بالدقة التاريخية، ولكن هل هو مطالب بنقض القضايا المقررة ومسخ الأخبار الثابتة؟ ليس من الضروري أن يقول لنا الشاعر: إن (? + ? يساوي ??). ولكن هل من الضروري أن يقول: إن (? + ? يساوي ? مثلًا أو ??)؟ وإذا لم يذكر الشاعر في قصيده أن نابليون وُلد في سنة ???? بجزيرة كورسيكا فليس من يلومه على هذا الإهمال، ولكن هل لو ذكر أنه وُلد في القرن الخامس للميلاد ببلاد اليابان أتراه كان يسلم من اللوم لأنه ليس بالعالِم الممحص للقضايا ولا بالمؤرخ المحقق للأخبار والأقدار؟
يجب أن لا يخالف الشاعر ظاهر الحقيقة إلا ليكون كلامه أوفق لباطنها، فأما أن يتخبط في أقاويله يمينًا وشمالًا مخالفًا ظاهر الحقيقة وباطنها، مدابرًا أحكام الحس والعقل والصواب لغير غرض تستلزمه خدمة الحقائق النفسية، أو تصوير الضمائر الخفية، فذلك سخف ليس من الشعر ولا من العلم.
المذاهب الحديثة

إذا نجم للمذهب أعداء فقد ولدت فيه جرثومة الانتصار؛ لأنه لا يثير العداوة إلا القوة، والقوة تجذب وتدفع.
طرق المزاحمة

طريقتان للمزاحمة في الحياة؛ أن تجذب مزاحمك إلى الوراء فلا تمكنه من سبقك، وأن تتجاوزه في خطوه فتسبقه. والظاهر أن أولى الطريقتين هي الطريقة الغالبة في بلاد الشرق.
اليأس والأمل

اليأس الكبير خير من الأمل الصغير، ومن العجائب أن الأمم الممعنة في الضعف والاضمحلال لا يكثر بينها اليأس فيما تزاوله من شئونها؛ لأن مطالبها صغيرة، والوسائل إلى هذه المطالب خسيسة لا تعجزها، بل هي مما يعين عليه الضعف وفسولة الطبع.
الزهد المريض

قد تمرض النفس فلا تشتهي شيئًا فإذا شُفيت طلبت غذاءها، كما يمرض الجسد فيعاف الطعام فإذا اشتهاه كان ذلك من علامات الإبلال.
مزية الخطأ

إن الحيوانات لا تخطئ في أعمالها، وإنما الخطأ مزية الارتقاء، وكلما عظم الإنسان كثر تعرضه للخطأ في أعماله؛ لأنها تعظم وتتعدد جوانبها وتتباعد أقيستها فيطرقها الزلل من حيث تداخلها أسباب الكمال.
تنازع البقاء

رجلان دخلهما متساوٍ وبيئتهما واحدة. أحدهما يفقه مطالب الحياة فيُربِّي أبناءه تربية حسنة، ويروح عن نفسه، ويروض جسمه وعقله، ويلتذ جمال الفنون والأذواق. والآخر غبي ثقيل الطبع، يدخر ثلثي دخله ولا يفهم للرياضة والمطالب النفسية معنى، أي هذين يصرع صاحبه في ميدان الحياة؟
خطأ المذاهب

مصدر الخطأ في مذاهب الإصلاح الاجتماعي أو الديني أن دعاة هذه المذاهب يبنون مذاهبهم على النظر إلى غرض الإنسان من أعماله، لا إلى الدافع الذي يستاقه إلى الإتيان بتلك الأعمال، ولو فطنوا إلى قوة سلطان الدوافع، وأن أغراض الإنسان بنت دوافعه في الحقيقة لأصلحوا كثيرًا من أغلاطهم النظرية، أو لالتفتوا على الأقل إلى الجهة التي يجب الالتفات إليها والصدور عنها.
الكتب

إن الكتب قماقم سليمانية لا تزال الأرواح والوجدانات محبوسة فيها حتى تفك أرصادها فتنطلق من معقلها، وتنشب في قارئها فتستعيد حياتها فترة قصيرة في نفسه. ولو كانت تلك الوجدانات والعواطف تجيش في صدور الكتب كما كانت تجيش في صدور أصحابها لأحرقت صفحاتها زفرات الوله والوجد، ولسوَّدت وجوهها لواعج الغم والعذاب، ولأصم الآذان ما ينبعث من أحشائها من التأوه والأنين، وفتت الأكباد ما يرتفع من جلودها من النشيج والحنين، بل لكان يفزع الناس منها فزعهم من أشباح الموتى، ويهون عليهم أن يمروا بساحة الوغى بعد مقتلة شنعاء ولا يمروا بباب مكتبة.
لذة المطالعة

إننا نقدر الكتاب بما يوحيه، لا بما تدل عليه حروفه ومعانيه. وإن القارئ وهو يتلو الكتاب قد يؤلف في ذهنه كتابًا غير الذي يقرأه، ويفهم فيه من المعاني غير ما أراده مؤلفه، ولكنه يحسب أنه يقرأ كتاب المؤلف وينسب الفضل فيما يشعر به من اللذة إليه، وربما تناول أحدنا الكتاب الثمين في ساعة ضجره ثم أقفله وهو يتأفف، ويتناول الكتاب الغث وهو منشرح الخاطر مفتح نوافذ الذاكرة فيرتاح إليه وتتوارد على ذهنه الخواطر والطرف من كنوز الذاكرة المدفونة، فيُثني على الكتاب وكاتبه، وإنما اللذة لذته لا لذة الكتاب أو صاحبه، ومن ثم كان الكتاب لا تعرف قيمته البتة من قراءة واحدة، ووجب على الناقد أن يكرر قراءته في حالي سآمته ونشاطه قبل أن يحكم عليه.
وأذكر أنني أعوزتني الكتب يومًا، فعمدت إلى قائمة بعض المكاتب الإفرنجية فجعلت أتصفحها بشوق وتأمل كأنها سفر مفعم بطلي الأخبار وحلو الفكاهة.
وكنت إذا استوقفني اسم كتاب فيها تمثل لي مصنفه وسنحت لي آراؤه ومواقفه في حياته ولطائف ما يؤثر من نكاته وأعماله، فكنت كأنني عاشق قديم يراجع أسماء أحبابه فيقف عند كل اسم منها وقفة تسترسل فيها نفسه، ويهيم خياله في فجاج الماضي، فيجمع تاريخ أشواقه في لحظة، ويستشعر لذة كل قبلة والتزامة، وغبطة كل نظرة وابتسامة، ولو أننا نحكم على الكتاب بما يولينا من المسرة والرضى لكان طابع تلك القائمة من أئمة الكتاب في العالم.
كلام الناس

من الناس من يعلم براءتك من وصمة، فإذا سمع قومًا يصمونك بها صغُرت في عينه وهو أعلم بكذبهم وافترائهم عليك.
المكابرة

المكابرة قرينة الضعف في كل حال، وهي تمويه لا حقيقة، وحيلة لا قوة، وتسليم لا مقاومة. وكل الفرق بين مكابرة وتسليم؛ أن التسليم صريح واضح، ولكن المكابرة تسليم مراءٍ يخاف ظهور ضعفه فلا يعترف بنفسه، مثلها كمثل الدخان الذي يفشيه المنهزم بينه وبين عدوه مداراة لهزيمته، ومن عكف على أن يقول: لست ضعيفًا لست ضعيفًا، فإنما يقول بلسان أفصح وأصدق: لست قويًّا لست قويًّا، وما رأيت إنسانًا يكابر فاحتجت بعدها إلى دليل على صغر عقله وضعف نفسه.
شارلي شابلن

عجبت إحدى الصحف الفرنسية من الحفاوة التي قُوبل بها شارلي شابلن في لندن، وقارنت بين فتور الجماهير قبل أصحاب الفضل عليها من المخترعين والمصلحين وبين شغفها بالمضحكين وتهليلها لهم وإقبالها العظيم عليهم، وضربت الصحيفة مثلًا بالطبيب فنسان صاحب لقاح التيفوس، فقالت وهي تستغرب ما تقول: ترى لو كان هذا الطبيب بين الجموع المهللة لشارلي شابلن أما كانوا ينحونه عن الطريق ويزورون عنه ليقبلوا على بطلهم العزيز؟
نقول: ليس ذلك ببعيد، ولكن هل من الظلم حقًّا أن يظفر شارلي شابلن بذلك الإعجاب، وأن يُحرمه أمثال فنسان في حياتهم؟ لعمري إن الإنسان ليرى شيئًا من العدل في هذه الأطوار التي تُشاهد في الجماهير، فإن الممثل الهزلي لن يظفر بعد موته بكثير ولا قليل من الإعجاب الذي هو حقيق به. فمن الإنصاف أن يكافأ في حياته هذه المكافأة على إضحاك الناس وتسرية همومهم وتنشيط عقولهم وقلوبهم، وما هو بالعمل الحقير ولا القليل الشأن في هذه الدنيا المفعمة بالشواغل والهموم، والأمر على خلاف ذلك مع فنسان وأمثاله، فإن ذكرهم لا يُنسى بعد موتهم، والإعجاب بهم يبقى زمانًا وهم تراب في لحودهم. وليس هذا الإعجاب بالعملة الزائفة، وإنما هو عملة صحيحة مقومة يقبلها كل إنسان جزاء لأعماله.
وهناك ضرب من الاقتصاد الشعوري غير مقصود في حركات الجماهير من هذا القبيل. فالطبيب فنسان يفيد بعلمه ولو لم يلق هتافًا وتهليلًا، أما شارلي شابلن فهل تراه يسخو بمواهبه بغير الهتاف والتهليل؟ أو هل يمكن التفريق بين الوقت الذي يضحك الناس فيه والوقت الذي يهللون له فيه ويهتفون؟
? نشرت طائفة من هذه الشذرات في صحيفة الرجاء.