Advertisement

الرسائل الزينبية


الرسائل الزينبية




الرسائل الزينبية

تأليف
زينب فواز




الرسائل الزينبية

زينب فواز

رقم إيداع ??????/?????
تدمك: ???? ??? ??? ??? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
تصميم الغلاف: وفاء سعيد.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2014 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



تقاريظ


بقلم  قاسم الشامي
جاءنا هذا التقريظ من حضرة الأستاذ الفاضل السيد قاسم الشامي الأزهري الشاعر الشهير حفظه الله.
باطِّلاعي على هذه الرسائل التي بها لسلوك الطريق المستقيم من رسائل وجدتها دراري ألفاظ تتحلى بها أجيال العلى، كيف لا وروض ما بها يانع الأزهار بالحلى، قد أشرقت معانيها لمعانيها شروق الشمس في متابعة النهار، ودلت على ما تضمنته ما لصاحبتها الأديبة الفاضلة من الانتدار، فلا غرو أن أصبح يباهَى بفضلها فضلاء الأنام؛ فهي السيدة زينب الحائزة بالفطانة كل احترام، وبما بذلته من الهمة في هذا السبيل الخيري، وقرت بعنايتها السامية النواظر، وقد انطلق مني اللسان مؤرخًا تمام فراغها من جمع رسائلها الزاهرة الفرائد الثمينة البديعة الفاخرة، فقلت:
رسائل قد تبدت زينبيهْمحاسنها البديعة يوسفيهْبأجمل رونق صافت محبًّاغدا يصبو لطلعتها البهيهبها روض البها يزهو ابتهاجًاوأضحى حائزًا شرف المزيهلبارعة الزمان لها انتماءبه فينا المدائح عبقريهبها حلت لأجياد المعاليوصاغتها عقودًا لؤلئيهوها هي في الملا تسمو اعتبارًاوفاقت بالمزايا الحاتميهلفوَّازٍ كريمةُ ذات فضللها صيت يمجَّد بالسجيهبأجمل مقصد حازت ثناءًوأرضت ربها هذي التقيهلذا أثنت صحافيون مصرعليها في فطانتها السنيهوأهل الشام كم حازوا فخارًابفاضلة الزمان اللوذعيهفما أبهى رسائلها وأزهىوما أعلى أدلتها القويهبكل فطانة قد أودعتهاتحائف في لطائفها جليهولما فاق معناها اجتلاءًورائق لفظها أبدى حُليَّهولاحت مثل شمس في نهاروصافتها مدائح أزهريهفقال الشكر في تاريخ باهفخار حلي رسايل زينبيه جاءنا هذا التقريظ من حضرة الشاب النجيب معدن الفضل والأدب عزتلو محمد علي بك غالب نجل المرحوم علي باشا غالب، فتلقيناه شاكرين فضل النظم وآدابه … حفظه الله.
سحر البيان كرشف لأعين النجلوالفضل يزهي جمال الغد عن كحلأن قلت زينب قال الكل وا عجباما جاء باسمٍ لحور العين في الأزلورقاء لطف جنت من روض فكرتهاما للأوائل من علم ومن عملكثر العفاف وشمس العلم قد لبستثوب الوقار لتعلو دارة الحملتلك الرسائل قد أوجت لنا حكمًاكالطيب يعدو شذاه سائر الكللجمعت رقيق المعاني في تصرفهاحتى أزانت رقيق القول بالحلللا تعجبوا من سنايا درة سطعتفالشمس إن أشرقت تعلو على زحل
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله مانح الفضل والأدب، موفق من قال وكتب، ومُظهر محاسن أحاسن لغة العرب، والصلاة والسلام على من أُنزل عليه الكتاب، وأُوتِي الحكمة وفصل الخطاب، وعلى آله الكرام وأصحابه العظام، أبد الآبدين، ودهر الداهرين.
أما بعد، فأقول وأنا الفقيرة إلى العنايات الربانية المعتمدة على المواهب الصمدانية: إنه بالنظر لكثرة توارد الرسائل، وتكرار الطلب الواقع من حضرات الفضلاء والنبلاء، قد طلب مني أحد أرباب الأدب أن أجمع ما تشتت منها حرصًا على مجموعتها، لاشتمالها على مباحث جليلة في المدافعة عن حقوق المرأة، ووجوب تعليمها والنهي عن العوائد السيئة، وحضها على التقدم واكتساب المعارف، وما يتعلق بفضائل أخلاق النساء، وما لهن من التأثير على العالم الإنساني وغير ذلك مما نشرته الصحف الدورية، والجرائد المصرية العصرية، وحاز حسن التوجيهات من الأفكار العمومية، ليكون منهاجًا قويمًا بين أفراد الجنس اللطيف، ليقتبسن من نور مشكاته، ويردن من عذب منهله ولذيذ عبارته.
فبناءً على هذه السبب وكون الامتثال من شعائر الأدب، قد جمعت شتات تلك الرسائل على حسب ترتيب تواريخ النشر في تلك الصحف. قد آن أوان عرضها على حضرات الفضلاء راجية منهم عفوًا عما يجدونه من الخلل والخطل؛ لأن العصمة من الزلل غير داخلة في دائرة الأمل، والمعونة من الله عز وجل، وهو المسئول في بلوغ المأمول، إنه نعم المولى ونعم النصير.

الرسالة الأولى


كتبت المقالة الآتية تحت عنوان: «ليست السعادة بكثرة المال»، فنشرتها صحيفة لسان الحال في العدد ???? الصادر بتاريخ ?? رمضان سنة ????، وهذا نصها: مضى زمان والمرأة منا — نحن الشرقيات — مغلق أمامها باب السعادة، لا تعرف نفسها إلا آله بيد الرجل يُسيِّرها أنَّى سار، ويديرها كيف شاء، ويشدد عليها النكير بأغلاظ الحجاب، وسد أبواب التعليم، وعدم الخروج من المنزل، وبحرمانها من حضور المحافل النسائية العامة، إلى حد أنه كان يخيل لها أن تلك الأفعال من الموبقات، لو اتبعتها لخلت بنظام شرفها وناموس صيانتها، وحجة الأزواج في ذلك أنها لو علمت المرأة كنه الهيئة الاجتماعية وأحوال طبقات الناس، فإنها تصير على زعمهم غير راضية بعيشها كارهة لحكم زوجها الجائر؛ فيوجهها العلم والتعلم إلى أن تشق عصا الطاعة، وتخرج من ربقة العبودية إلى ميدان الحرية، هذا إذا كانت المرأة فقيرة والرجل غنيًّا.
وأما إذا كان الرجل فقيرًا والمرأة غنية، فإن زوجها يتمكن من أن يُمضيَ عليها أوامره المار ذكرها بدعوى أنه يحبها الحب المفرط، وأنه لا يقدر على مقاومة الغَيرة الناشئة عن هذا الحب الذي يحكم عليه بإمضاء ذلك الحكم، فتُضطَر المرأة إلى الإذعان لسماع أوامره؛ فتعيش تحت طيِّ الخمول مطروحة زوايا الغفلة؛ ولهذا السبب ترى القليل من أولادنا من يتصف بالنجابة والنباهة، وأما الآن فقد انقشعت تلك الحجب الكثيفة والحمد لله، وسطعت أشعة شمس الشرق من ورائها، وعاد عصرنا للتقدم والإصلاح، وانبثت في عرصاته أنوار المعارف والنجاح، وقد شُيِّدت المدارس والندوات، وأُذن لنا بتعلُّم العلوم واكتساب الآداب والفنون، فعلينا الآن أن نشمر عن ساعد الجد، ونجتهد في تحصيل سعادتنا، وحيث لا تتم سعادة المرأة إلا إذا اتصفت بصفات تمدح بها وتشعر بكمالها، كالأخلاق الحميدة المهذبة ولين العريكة والعفة والذكاء والرصانة والآداب، والخبرة بفن تدبير المنزل وحسن السلوك والاقتصاد في معيشتها وحسن تربية أولادها، إلى غير ذلك من الصفات التي لا يتم شأن المرأة بدونها، فإذا اتصفت المرأة بهذه الصفات حسن ذكرها عند العموم وكثُر مادحوها، وزاد اعتبارها بين بني جلدتها وذويها؛ فتشعر حينئذٍ بلذة الحياة وحلاوة العيش، وهذه هي السعادة الحقيقة لا كنز المال والحرص على الدرهم والدينار كما كان يزعم البعض.
قال بعضهم: إن السعادة هي الكمال العقلي الذي نيط به الثواب والعقاب والتكليف، ومن هنا نعلم أن هذا هو السعادة المقررة؛ ولذلك نرى كل أمة من الأمم إنما تُمدح بأتمِّها عقلًا، حتى إنها تتغالى فيه بحسب درجته؛ فمنهم من جعله إلهًا كاليونان في بادئ أمرهم، ومنهم من جعله نبيًّا، ومنهم من جعله وليًّا، ومنهم من جعله عالمًا فيلسوفًا ونبيهًا وذكيًّا وفاضلًا، فمنشأ هذه المراتب المتفق عليها وجرثومة هذه الدرجات هو العقل، الذي بكماله يتم للإنسان ما أراد به ويسود على من هو دونه؛ فالسعادة الحقيقة هي انقياد البهيمية للنفس الناطقة، وانقياد الهوى للعقل، فعلى هذا يكون طريق السعادة إنما هو التخلق بالفضائل واجتناب الرذائل، والترشح للكمالات القدسية والتطهر من رجس الأعمال الدنيوية الحاصل للطبع، فلنجهد النفس لاستحصال هذه الخصال لندرك بها السعادة، ونتحصل على استحقاقنا بأن نغدوَ أهلًا لأن نشيد دعائم أساس النوع الإنساني كما هو مطلوب منا — معشر النساء — أمام الهيئة الاجتماعية على أني أقدم معذرتي لحضرات القراء الكرام؛ حيث إني تطفلت على نادٍ لست من أخدانه، وجاريت في ميدان لست من فرسانه.

الرسالة الثانية


كتبت في العدد ا? ??? من جريدة المؤيد المصرية الصادر في ?? شوال سنة ???? تحت عنوان «تقدم المرأة» ما يأتي:تأمل سطور الكائنات فإنهامن الملأ الأعلى إليك رسائل لا يخفى أن في الزمان أدوارًا، والأيام أطوار؛ فدور للصلاح وطور للفساد، ودور للراحة وطور للنشاط، ودور للعلم وطور للجهل، وقد مضت هذه الأطوار في القرون البالية، والأعصار الخالية؛ إذ كان ليل الجهل أرخى سداله ومدَّ فيها شراعه، وأقام الاستبداد حجابًا بين الشرق والعلوم، فجزى الله الأعصُر الأخيرة خيرًا عن الإنسان كيف أدَّبته وهذَّبته، ورقَّته إلى مدارج السعادة والخير، ولقَّنته دروس الحياة والمعارف، ولولاها لبقي — ولو عُمِّر عمر نوح — وحشيًّا جاهلًا كما كان في النشأة الأولى، وكيف لا نشكرها وقد هذَّبت الإنسان ودرَّبته، ومرت به على الحوادث وحثَّته على حفظها فتذكَّر وسمع، وشهد فقاس، واستنبط من مجموعها عبرةً صوَّرها أمامه في الأعمال حتى صار يقدِّر الأمور حق قدرها؛ فكدَّ واجتهد فوصل إلى إتمام المبادئ العلمية، وما زال هكذا سائرًا في طريق التقدم، وسبيل النجاح حتى تكوَّن من مجموع المجهودات الشخصية ارتقاء النوع الإنساني إلى ذرى الحضارة والتمدن، ولما كان الإنسان في الواقع ميَّالًا إلى الأثرة والاستبداد، فكان مفتقرًا إلى مرشد آخر غير ما اكتسبه من تلك الأعصُر وحوادثها، يكون ممثلًا في عين كل فرد من أفراد بني آدم، وليس هذا المرشد الأخير — فيما أرى — سوى الشريعة، التي تدعو كل واحد إلى الوقوف عند حده في المعاملات والأخلاق؛ فلا يبخس أحدًا حقه، ولا يغتصب منه ماله ولا يخدش ناموسه وشرفه، وما دام هذا المرشد نصب الأعين، ومَلَكة راسخة في النوع الإنساني حسن حال الأمم فصاروا أبناءً بررة، وآباءً أتقياء، وأمهات شفوقات، وإخوانًا أصفياء، وعاشوا عيشة راضية على أحسن حال وأصفى زمان، فأفضى بهم حسن حالهم وتمكُّن الائتلاف من قلوبهم إلى السعي وراء منافعهم العامة والخاصة، وصرْف الجهد المستطاع إلى تأييد سعادتهم حالًا ومآلًا.
ومن الشواهد على ذلك أن من قابل بين القرون الماضية والحقوب الحالية حكم بالفرق الواسع والبَوْن الشاسع بينهما؛ إذ بعد أن كان الظلم ضاربًا أطنابه، والاستبداد سائدًا على جميع العالم، أصبح كلٌّ منهما وقد غشيتهما عناكب الاضمحلال، ونبتت عليهما أعشاب الزوال، وتنفس صبح العدل من فجر الحرية، وافتر ثغره عن در المساواة، وبدأ منه عمود نور غمر الأنام في بحر ضيائه، وكاد يخطف أبصارهم من سنائه؛ هو الحرية والمساواة اللتان هما منار العمران، وعلم الرواج، وحجة التمدن، والحصن المنيع دون حب الاختصاص والأثرة الذميمة، وبهما يحيى الحق ويزهق الباطل، ولقد أُنشئت المحاكم على اختلاف أنواعها، فصارت تحكم بين الناس بالعدل، ولا فرق هناك بين الكبير والصغير، والغني والفقير، والصعلوك والأمير، وأُسست المدارس ورُفع لواء العلوم والمعارف، واتسع نطاقها في جميع الأنحاء حتى بلغ أقاصيَ المسكونة بعد أن كان لا يُسمَع إلا اسمها، ولا يوجد سوى رسمها، وكان يتعذر وجود فرد واحد في المائة من الناس يعرف القراءة والكتابة، أما الآن وقد تحسنت الأحوال وقويت الآمال، وتعددت المدارس في جميع النواحي لبثِّ روح الحياة الأدبية في عقول الولدان من الجنسين القوي واللطيف، وصار لا غنية عن شرب رحيق المعارف والعلوم بأكواب الاجتهاد والجد والنشاط، كما لا مندوحة لحفظ الجسم من الفناء والفساد عن تناول المطاعم في مواعيدها المقررة؛ إذ لا يخفى أن ارتقاء أي أمة كانت لا يكون إلا بارتقاء أفرادها وتهذبيهم، ولقد صدق من قال وأحسن في المقال: إن أطفال أي أمة عنوان مستقبلها، ولقد أنشأت الجرائد العلمية والسياسية وتداولتها أيدي الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين أعمارهم ولهجاتهم، فصاروا يقتطفون من أشجارها النضيرة وثمارها اليانعة وأزهارها المفيدة.
وللنساء اليد الطولى والفضل الأعظم في تحرير هذه الجرائد ومكاتبتها، فلطالما سمعنا بأنه يوجد الكثير من النساء في الأقطار الأوروبية والبلاد الأمريكية؛ فاز بأعظم سهم وأكبر نصيب في إشهار الفوائد العلمية والصناعية في الجرائد الدورية التي يتولين تحريرها وإدارتها بأنفسهن، وكثيرًا ما اتصل بنا خبر من جاب الأقطار وطوى القفار واجتاز الأنهار منهن متزييات بزي الرجال، ومتجشمات أقوى المصاعب سعيًا وراء اقتطاف فائدة علمية يكاتبن بها الجرائد، أو حبًّا في استطلاع أحوال البلاد، والاستفسار عن عادات أهلها ومعتقداتهم، ولقد كان بين ظهرانينا في السنة السالفة امرأة إفرنجية زارت مدائن الشرق بأكمله، والبلاد الإسلامية من المغرب الأقصى إلى ما يلي بلاد الهند لتكتب بما تراه لإحدى الجرائد الأوروبية الخطيرة، وتُوُفِّيَتْ في السنة الماضية نفسها، وهذه المرأة الفاضلة هي المدام أوليمب إدوار صاحبة امتياز جملة صحف دورية شهيرة في فرنسا، ولها عدة مؤلفات، منها ما هو على مصر قد توخت فيه البحث عن عميق أسرارها، ولم يختص بهذا الامتياز نساء الغرب فقط، بل كان من الشرقيات أيضًا في القرون الوسطى القريبة منا من كان لهن في عصرهن ذكر على توالي الأيام ومدى الأعصار، منهن السيدة مزنة التي اشتُهرت بحسن الأداء في الصوت، ورقة المعنى في الأشعار الغنائية التي كان الخليفة عبد الرحمن الثالث الأموي بمدينة الزهراء في الأندلس يميل إلى سماعها كل الميل. والسيدة عائشة التي قال في شأنها المؤرخ ابن حيان: إنها أعقل وأجمل وأعلم بنات عصرها. والسيدة صفية التي ملكت ناصية الشعر وذللت صعاب المعاني. والسيدة مريم كانت تعلم الشعر والعلوم لخرائد أمراء إشبيليا، وقد تخرج من مدرستها كثير منهن، والسيدة راضية — الملقبة بالنجمة السعيدة — معتوقة الخليفة عبد الرحمن كانت أعجوبة عصرها في الشعر والتاريخ، وقد جابت آفاق المشرق بأكمله عقب موت سيدها، وغيرهن من نساء التاريخ اللواتي لو عددتهن لضاق بنا المقام.
وأمامنا في هذا العصر الحاضر من النساء الفاضلات من امتاز البعض منهن بالشعر الرقيق، والبعض بالإنشاء الرشيق، والبعض بالمباحث الجدلية، والبعض بالاستنباطات المفيدة الجلية، هذا وقد كثرت الاختراعات في هذا العصر حتى عجزت الأعداد عن حصرها، وللنساء أعظم نصيب في استنباط جزء عظيم منها، ونحن نضرب عن ذكرها هنا؛ إذ إن من أراد الاطلاع عليها بأكملها فعليه بالجرائد العلمية والنشرات الدورية، وإنما نذكر هنا منها مثالًا أن امرأة أمريكية اخترعت آلة لحياكة الملابس توضع في جيب الحامل لها، وقد بلغت اختراعاتهن في هذه القارة منذ خمس سنين مبلغًا عظيمًا، حتى قيل إنها تزيد على العشرين ألف اختراع عدًّا كما ذكرته إحدى الصحف الإخبارية، فإذا أضفنا هذه الاختراعات إلى اختراعات الرجل الذي لم يخرج عن كونه ابن المرأة وثمرة أتعابها، لتبيَّن للقارئ درجة التقدم في هذا العصر، وزيادة الفرق بينه وبين العصور الخالية، ولما كان الفضل في ذلك عائدًا إلى ما أسسته المرأة من حسن التربية، فلماذا تُحرم من حقوقها يا تُرى؟ ولماذا تلام إذا طالبت بحقها المسلوب ومالها المنهوب؟ على حين أن السواد الأعظم من رجالنا الشرقيين يعلم أن الأمم الغربية ما عقدت خناصرها، واتفقت آراؤها وخواطرها على وجوب احترام المرأة، وإنزالها المنزلة التي تجب لها إلا بعد أن تيقنوا أنها العضو المهم في جسم العالم الإنساني.
وما اشتُهر به منشأ العالم الغربي غني عن أن يُذكر، وشاهدنا على ذلك أيضًا ما تناقلته الصحف عن أعمال النساء في معرض شيكاغو، وعما أظهرته من حسن البناء، وما اشتُهر به نساء روسيا من إتقان صناعة الطب ومزاولته برخصة من مجلسها الطبي، وهن يجرين العمل كالرجال؛ بحيث قرر مجلسها الشورى أن تُفتح لهن جمعيات لهذا الخصوص، وما منحته النساء الباريزيات من حقوق الانتخاب في مجالس فرنسا، إلى غير ذلك من الشواهد التي لو أوردناها لما كفى لنا حجم مجلد كبير.
والحاصل أنه ما من أمة انبعثت فيها أشعة التمدن في أي زمان كان إلا وكان للنساء فيه اليد الطولى، والفضل الأعظم كما لا يخفى ذلك على من اطلع على تواريخ المصريين واليونان القدماء؛ فكل هذه الأمم المتمدنة كانت تعتبر النساء كعضو لا يتم العمل إلا بمساعدته.
نعم، وإن كان بيننا وبين نساء الغرب بَوْن بعيد من حيث الحجاب والمنعة، والبعد عن مخالطة الرجال بحكم الشرع، إلا أنه لا حجاب بيننا وبين درس العلم واكتساب المعارف التي نرفع بواسطتها راية الفخر بأنفسنا إظهارًا لعلو منزلتنا.
وما المانع يا تُرى بعد أن علم الكل من الرجال مزية تعليم المرأة لو قام البعض منهم بتشييد مدارس لتعليم البنات على مقتضى القواعد الدينية؛ لأننا نعلم علم اليقين في شريعتنا الغراء متوفرة أسبابه، وأن «كل الصيد في جوف الفراء.»
ولعلنا باتباع هذا المنهج المفيد والطريق المستقيم ندرك في المستقبل رفعة وشأنًا في الحضارة، ونسترجع ما سُلب منا ظلمًا وعدوانًا، ونتحصل على حقوقنا بعون الله وهمة رجالنا، وليس ذلك على الله بعزيز.

الرسالة الثالثة


وكتبت رسالة أخرى نُشرت في جريدة الاتحاد المصري بعددها الصادر في ذي الحجة سنة ????، وفي جريدة المؤيد، وها هي بنصها تحت العنوان الآتي: قالت الجريدة المذكورة: وردتنا هذه الرسالة الغراء من قلم الفاضلة الأديبة السيدة زينب فوَّاز، وهي الرسالة التي أشرنا إليها في أحد أعدادنا، وردتنا على قصد نشرها فلبَّيْنا الطلب فرحين قيامًا بواجبات الخدمة العمومية. قالت حفظها الله:
العزوبية والزواج

قد اطلعت في جريدة الأحوال الغراء على سؤال تحت عنوان «أي الأمرين أفضل للمرأة: أن تعيش عزباء في البيت كل عمرها، أم تقترن برجل سيئ الأخلاق؟» وقد نقلته الجريدة المذكورة عن إحدى المجلات الفرنساوية، طرحه أحد الكتاب الفرنسيين، وذكر أنه أجيب عليه بما يزيد على ثلاثة آلاف وتسعمائة رسالة وكلها من أقلام النساء، وإن قسمًا منهن فضَّل الأمر الأول وقسمًا فضَّل الثانيَ وهذا الأكثر. وقد طلب الكل من صاحب السؤال الحكم في المسألة، فأجاب بأنه لا يستطيع الوقوف على شعور قلب المرأة بالتمام، وأنه يجب على كلٍّ من الفريقين أن يدرس أخلاق الآخر، فعنى بقوله أنه ترك الحكم لهن يحكمن بما يرينه، ويعلمنه من بعضهن ممن علمن كلتا الحالتين.
وبما أني قد درست كلًّا من العلمين، ومارست كلتا الحالتين، فأقول: إنه من المعلوم لكل فرد من الجنسين أن الأشياء متى كانت محجوبة عن الإنسان، توهَّم أن كل خطوة يخطو نحوها هي التي تقربه إلى أوج السعادة وترفعه إلى ذروة المجد، فيبلغ ما في النفس من أمنية، وبقدر ما يعترض المرء من المصاعب والمشاق يكون له رغبة وتشوق لنوال المرغوب؛ وذلك بمقتضى المنعة والحجاب، وقد قيل: كل محجوب محبوب.
والمرأة أيضًا إذا كانت غير متزوجة لا تدري ما تتكبده المتزوجات من المصاعب، وحتى إنها إذا نُقل لها خبر من أخبارهن هزأت به، وظنت أنه من سوء تصرف المرأة المتزوجة وعدم سياستها مع زوجها بما يجلب حساسياته نحوها «ولم تعلم أن المعدن الخبيث لا يؤثر فيه الصقل، ولو صُقل فلا يلبث أن يرجع لأصله»، وتود لو أنها تزوجت بأي رجل كان خيرًا لها من أن تعيش عزباء، أو تخيل لها أمانيها أنه إذا كان شريرًا تهذبه بآدابها، وتغنيه عن الغير بجمالها، ولكن ماذا تؤثر الآداب في نفس الرجل السيئ الأخلاق؟! وما يفعل الجمال بمن لا هم له غير الاستحصال على ما عند المرأة من الثروة لينفقه في طريق غروره؟!
والمرأة إذا اقترنت بالرجل السيئ، ووافقت قلبها عليه وسلَّمت أمرها إليه، واجتهدت في مرضاته وعملت على تهذيب أخلاقه، ولم ترَ منه إلا النفور والتماديَ في طريق اللهو والغرور واتباع خطة الشهوات والشرور، فتصير كمن كتب على صفحات الماء أو تعلق بالهواء؛ فتندم من حيث لا ينفع الندم، ويصعب الخلاص إذا زلَّت بها القدم، وتلازم الحزن الدائم الذي لا ينقطع إلا بانقطاع حبل التواصل بينهما، ولو أني أذكر تفصيل ذلك لمُلِئت الصحف ولكني أكتفي بهذا، وأكل الباقي لفهم القراء الكرام.
وإذا كان الحال كما وصفت بأن كانت المرأة تتجرع مرارة المعاشرة مع الزوج السيئ، وتتذكر ما كانت فيه من النعيم في زمن العزوبية، فَلِمَ لا تفضِّل حالتها الأولى على قرين السوء، وتعيش في رغد متمتعة بلذيذ الراحة، بعيدة عن تلك الأفكار التي كانت مستحوذة على عقلها طامسة على بصيرتها، مالكة قيادها داعية إياها للافتكار بسوء ما يَئُول إليه مستقبلها، متبعة خطة الآداب، متمتعة بثمرة العفاف في دوحة الشباب إلى أن يقضيَ الله بأمره، وتود لو انطلقت من تلك القيود أن لا تعود إلى مثلها أبدًا.
ولا يسهل لها أن تميز الحالة الأولى ويظهر لها الفرق إلا بعد أن تغادر الحالة الثانية، كمن لا يعرف حلاوة العافية إلا بعد الوقوع في المرض، كما وأني لأرجو من فضل العقائل والأوانس اللواتي يرين غير ما أرى أن يتكلمن بما يستصوبنه في هذا الشأن.

الرسالة الرابعة


وكتبت في عدد ?? من جريدة النيل الصادرة في ?? من ذي الحجة سنة ????، وقد اطلعت في جريدة المؤيد الغراء على تقرير لسعادة يعقوب أرتين باشا — وكيل المعارف العمومية — يتضمن ذكر زيارة سعادته لمدرسة البنات الأهلية، وأنه قد استحق شكر العموم على هذا الاهتمام الشريف الذي يغرس النشاط في قلوب التلامذة، ويحضهم على اكتساب الآداب وبث روح المعارف.
وقد عبر سعادته عن نظام تلك المدرسة وحسن اهتمام ناظرتها بما يشرح الصدور ويقوي الهمم.
وأثنى على الناظرة بما هي أهله بالنسبة للهمة التي بذلتها في تذليل الصعاب التي تقف عقبة في سبيل مثل هذا المشروع، على أنه قال في أثناء الكلام على الناظرة: «إنها لم تتربَّ لأن تكون معلمة فضلًا عن كونها لم تدرس من الآداب ما يلزمها بتضحية نفسها لصالح الغير»، فعنى بقوله هذا أنها لم تكتسب من العلوم درجة تجعلها أهلًا لفتح مدرسة، بل هذا العمل ناشئ عن الفطرة الغريزية، نعم وإن كان هذا القول غاية في الاستحسان إلا أنه لا يخلو من الانتقاد، خصوصًا وأنه صادر عن أفكار رجل المعارف والآداب، على أني أرى أن فتح مُدرسة مثل هذه المدرسة في القاهرة بين أهاليها الراغبين في تهذيب بناتهم الساهرين على تثقيف عقولهن بكل اجتهاد لا يستصعب، بل أراه في غاية السهولة، بالمدارس التي تُفتح في ضواحي أفريقيا أو غيرها من البلاد المتوحشة، والتي يصعب قلع جراثيم العادات من صدور أهلها.
فمصر الآن أخذت بسرعة عظيمة في طريق التقدم والصعود إلى أعلى درجات المجد، والأمل وطيد أن سيرجع لها تقدمها بعد تلك الفترة، وتحصل على تمدنها الغابر — بإذن الله تعالى — وعناية حضرات أولي الأمر العظام.
وأما كون الناظرة لم تتربَّ لأن تكون معلمة، فإني أقول: إن النوع الإنساني لم يُخلق لأن يستبد كل فرد من أفراده بما يعلمه أو يكتفي بما اكتسبه من العلوم، ولا يُعلمه لأحد، ولا يُضحي نفسه في صالح غيره، وإلا فكيف تزداد العلوم ويعم التمدن في أقطار الأرض؟! ومن أين للشرق بتلقي علوم الغرب إذا كان كل إنسان يبخل بما عنده من المعارف؛ فهؤلاء الأمراء والعلماء ومشاهير رجال العلم وأكابر الفضلاء لم يُخلق الواحد منهم ليكون أميرًا أو رئيس مصلحة أو مدير إدارة وما أشبه ذلك، وإذا كان لم يتلقَّ العلوم لأجل أن ينفقها في صالح الغير، فلماذا يخدم الإنسانية بنصح، ويعزز النزعات العلمية باجتهاد وهِمَّة إلى هذا المقدار؟!
ولم أدرِ إذا كان سعادة الباشا أراد بقوله هذا احتقارًا لنسائنا الشرقيات، ولم يرَ عندنا لياقة لأن نأتي بعمل مثل هذا أم لا … لا وأبيك فإن فينا كفاءة لأن نأتيَ بأعظم من ذلك، وإننا إذا تتبعنا أي فن من الفنون نتقنه كما تتقنه الرجال إن لم أقل أحسن.
وإني أقدم واجبات الشكر بلساني، ولسان أخواتي الشرقيات عمومًا، والمصريات خصوصًا لحضرة الناظرة على اهتمامها بتربية البنات اللواتي هن أساس النوع الإنساني، وأرجو أن تضرب عن الشكاية من الأمور التي تعدها صعوبات في طريق نجاحها من مثل قولها: إن القليل من الأهالي الذين يرغبون في ترك بناتهم اللاتي تجاوزت أعمارهن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة لما أنهن يُضرب عليهن الحجاب في مثل هذا السن. ووافقها سعادة الباشا على ذلك بقوله: إن الناظرة المذكورة في عشمها أن تذلل هذه الصعوبة بمجرد معرفتها لكثير من الأهالي. مع أن في المدرسة من تلميذات داخلية وخارجية يبلغن من العمر ?? و?? سنة — كما أوضحه سعادته بتقريره — والحال أن هذا المقدار كثير على تعليم البنات الشرقيات من أوجه: الوجه الأول: أن التعليم الواجب لبنات المسلمين لم يخرج عن دائرة تدبير المنزل، وعن كون البنت مربية لأولادها مهذِّبة لأخلاقهم مدبِّرة لمنزلها، لا لأن تكون مشاركة للرجال في أعمالهم السياسية والتجارية والصناعية، وغير ذلك مما يلزم له كثير من الزمن للمكث في المدرسة، وهذه الغاية من التعليم يكفي فيها أن تمكث البنت إلى أن تبلغ السن الخامس عشر، وهي مدة كافية لأن تدرس من العلوم ما يلزمها، وبعد ذلك تجنح إلى المطالعة.
والثاني: أنها متى بلغت الخامسة عشرة يتسنى لها أن تصير ربة بيت وأمًّا أيضًا.
والثالث: أن العوائد المصرية لا تسمح للبنات أن تبقى خارج الحجاب إلى هذا السن، ولو لم تكن هذه العوائد من مقتضى القواعد الدينية لكان يمكن نزعها من النفوس، وقالت أيضًا: إن أربعة أخماس الأهالي لا يدفعون القسوط المدرسية بانتظام، بل في العشرة أيام الأُوَل من كل شهر، وهذا القول أيضًا لا أهمية له؛ إذ إن الأمر ليس من الصعوبة في شيء إذا دُفع القسط في أول شهر أو في نصفه، وهذا التأخير ليس بضار، ولا يخل بنظامها بوجه ما.
وأما قولها: إنها إذا رفتت بعض التلميذات بسبب عدم دفع المصروفات، فإنها تخسر شهرًا أو شهرين، فهذا لا بد منه في مدرسة جامعة مثل هذه، وهو ليس شيئًا أيضًا بالنسبة لنجاحها الذي صرحت به لسعادة وكيل المعارف، وإذا كان مدخول المدرسة السنوي البالغ نحوًا من ألف جنيه متحصلًا من ?? تلميذة فقط ألم يكن كافيًا لأن يمنع حضرة الناظرة عن بث شكواها من عدم دفع الأجور.
وأما قولها: «إن معظم البنات في غاية الذكاء، لكن حينما يدخلن المدرسة تراهن متوحشات عاريات من مبادئ الآداب، وأنهن يدخلن المدرسة بحالة رثة.» فهو قول في غاية الغرابة لصدوره من سيدة مثل حضرة الناظرة؛ لأنه لا يليق بها أن تنطق بمثل هذه الصفات على البنات المصريات؛ لأنهن أرق طبعًا، وألطف صفة، وأزكى ذوقًا من غيرهن من بنات الأقاليم الأخرى، ومتى كن كذلك فكيف لا يلتقطن التمدن من شوارع القاهرة قبل أن يدرجن في سلك المدرسة، ويخرجن من درجة التوحش الذي وصفتهن به حضرة الناظرة!
وأما الرثاثة التي عبرت عنها، فإنها ليست بمكانة من التصديق؛ إذ من المعلوم أنه لا يهتم بتربية أولاده إلا كل ذي ثروة مقتدر على دفع المصاريف المدرسية؛ فهو لا يتكلف لهذه المصاريف إلا بعد سد الاحتياجات المنزلية، فالذي يقدر على دفع مصاريف المدرسة لأجل تعليم بنته وتهذيبها، كيف يرضى لها الرثاثة التي وصفتها بها حضرة الناظرة مع أن أمهاتهن يبذلن الجهد لهذه الغاية. «انتهى».
فزيلتها جريدة النيل بما يأتي، فقالت: الحق يقال أن تقدم حضرة ذات العفاف الفاضلة إلى ميدان مسابقة اليراع ومجاراة الأدباء يأتي بدور جديد بين يدي النشأة الأدبية لحضرات المخدرات المصريات، وهي من المساعدات العزيزة المثال على إدراك نصف الحقائق الأخلاقية، التي هي عنا بمعزل مصونة الجوهر المكنون تحت نقاب الاحتجاب؛ فظهور مخدرات الأفكار المترجمة عن أفكار المخدرات محوطة بلهجة البلاغة مصونة بحارسَي العصمة والوقار أمر لا نجد بدًّا من استقباله بكل تجلة وترحاب، والذي يهمنا جدًّا أن نستبشر به هو احتمال أن تكون حضرة السيدة الفاضلة قدوة سواها في الاهتمام نجدة الفضائل الأخلاقية والآداب والمعارف، ونعم نعمة النشأة العلمية بين نصف المجتمع المحتجب.
وقد كنا اطلعنا لحضرة الست الفاضلة على رسالة العزوبية والزواج، والمحاكمة بين الحالتين في العدد ا? ??? من جريدة المؤيد ببعض تلخيص، ثم اطلعنا عليها بالنص التفصيلي في العدد ??? من جريدة الاتحاد المصري الصادر بتاريخ ?? يوليو سنة ????، جاءت فيها بما رق لفظًا وراق معنًى، ومن أراد الوقوف فعليه أن يراجع العددين من الجريدتين، فإنه يُسَرُّ بما يطالع من طلائع النشأة العصرية في المخدرات المصرية.
ومما علمنا من أعمال حضرة الست الفاضلة أنها اهتمت بتأليف كتاب سمته «الدر المنثور في تراجم ربات الخدور»، ضمنته عدة عظيمة من تراجم خدمت به بنات جنسها، وقامت فيه بواجبات المجتمع الخدري، فنسأل الله تعالى لها العناية والنجاح.
أما ما ورد في هذه الرسالة من الاستشكالات التي أوردتها على حضرة الست الناظرة، فلا نرى فيه إلا إحساسًا وداديًّا يشعر بتبدل الأفكار على اتحاد النتيجة، وهي سلامة القصد في تربية البنات، ولنا من ذلك نصيب الاهتمام لما نعلم أنهن أمهات العالم الاستقبالي؛ فلذلك سنغتنم فرصة قريبة لبيان أفكارنا في هذا الخصوص.
وكتبت في العدد ??? من جريدة النيل بتاريخ ?? ذي الحجة سنة ???? مقالة تحت عنوان «الإنصاف» ردًّا على حضرة السيدة هنا كوراني، قالت الجريدة المذكورة: «وردت لنا هذه المقالة الشائقة ذات المعاني الرائقة من حضرة الأديبة السيدة زينب فواز فادر جناحها بحروفها.»

الرسالة الخامسة


الإنصاف
قالت لبنان الغراء تحت عنوان «المرأة والسياسة» لحضرة الأديبة الفاضلة هنا كوراني: فهي وذمة الحق غاية في المبنى، وأعجوبة في رقة المعنى، إلا أنها جارت في حكمها، وشددت النكير على بنات جنسها، وضربت عليهن الحجر المنزلي، وعملت على منعهن من التدخل في كل الأمور الخارجية المختصة بأعمال الرجال من مثل قول حضرتها: «إن المرأة لجهلها شرفَ مقامها تظن أن مساواتها بالرجل لا تتم إلا بعملها لما يعمله، وإن المرأة لا تقدر على عمل خارجي مع أداء واجبات ما يلزم لخدمة الزوج والأولاد.» وقول حضرتها في هذه الخطة — أي الخطة المنزلية: «طبيعية للنساء، ولا يجوز لهن أن يتخطينها لأن هذه سُنة قد سنَّها الله لهن، ولو تجاوزنها لَتغيَّر نظام الكون، وتبدلت نواميس الطبيعة، ولو حاول الإنسان إبدالها لخاب أملًا، وفشل عملًا، ولا يمكن إبدالها وتغيُّر القصد فيها إلا بالهلاك العاجل أو الآجل.» وقول حضرتها: «لم يفقهوا بعد كالواجب ما هي المرأة وما هو الرجل، بل تراهم يحاولون أن يساووا بينهما بمجرد الأعمال، وهذا بهتان ووبال على الجنس عميم، لا بد أن ينتج منه ويل شديد وبلاء جسيم؛ لأن الطبيعة تجازي من يتعدى نظامها بالحزن والألم.» إلى غير ذلك من مثل هذه الأقوال.
ووجَّهت سهام اللوم على نساء إنكلترا كيف أنهن طلبن التداخل في الأمور السياسية، وهو الطلب الذي لا يخفى على القُرَّاء الكرام المتضمن ما كان من أمر لائحة الانتخاب المختصة بطلب النساء، وكيف أبطلها المستر غلادستون في مجلس نواب إنكلترا، فخطَّأتهن حضرة الفاضلة ووافقها على ذلك حضرة الأديب الفاضل صاحب جريدة لسان الحال؛ وإني لأبدي ما جال بفكري من هذا القبيل فأقول:
دواؤك فيك وما تُبصرُوداؤك منك وما تشعرُ تأمل أيها العاقل كيف أن الإنسان صغير بالجرم كبير في العالم، ضعيف في نفس الأمر، قوي بالفعل يُقدِم على الصعاب يذللها بقوة ذكائه، ويهجم على الأمور بِهِمَّة فتنقاد له طوع بنانه جميع الموجودات بحسن تدبيره وقوة حزمه، لا يثني عزمه شيء متى ثبَّت قدمه في طلب ما يرغب الاستحصال عليه والوصول إليه، ولولا الحزم لما ازدهى العمران كما هو الآن، ولا سطعت أنوار العلم والعرفان، ولا خفقت أعلام التقدم في هذا العصر، ولا استحصلت أوروبا على قصورها الشاهقة وأبنيتها الفاخرة وسككها الحديدية وأسلاكها البرقية، ولا خرجت من وراء ضباب توحُّشها الأصلي إلا بالحزم والإقدام، ولا كثرت الاختراعات والاكتشافات إلا بعد الخوض في عباب الأقدار وتجشم الأخطار، ولولا ثبات عزم الإنسان لأرجعته عن مقصوده أقلُّ عثرة، وأوقفته في طريق بلوغه إلى الغاية أدنى صدمة، ولا كان يتسنى له أن يخرج من ربقة التوحُّش إلى ميدان التمدن، ولو كانت كل عثرة في طريقه يحسبها خيبة، وانهزم منها متقهقرًا يجر ذيول الخجل وبعض أنامل الخيبة والفشل، لما عمَّر الكون، ولا ظهر شيء مما تراه اليوم من هذه الموجودات التي تدهش العقول وتحير الأفكار، وببركة الإقدام فُتحت الفتوحات وعُمرت البلدان.
وما من أمة فشا فيها داء الكسل وسرت إليها علة الخمول إلا دمرتها وهدمت أركان عزها ودكَّت حصون تمدنها، ومما يؤيد لنا ذلك هو ما ظهر لنا من تقدم الغرب على الشرق في هذا العصر حينما عولج أهله، وشُفي جسمهم من داء الكسل والخمول؛ فازدهى عصرهم على جميع العصور وفاق كافة الدهور، إلى حد أنه صار النساء فيه يبارين الرجال ويشاركنهم في الأعمال، وحيث قد أجمع السواد الأعظم منهم على أن الرجل والمرأة متساويان بالمنزلة العقلية، وعضوان في جسم الهيئة الاجتماعية لا غنية لأحدهما عن الآخر، فما المانع إذنْ من اشتراك المرأة في أعمال الرجال، وتعاطيها الأشغال في الدوائر السياسية وغيرها متى كانت جديرة لأنْ تؤديَ ما نُدبت إليه، وإلا فما فائدة تعلُّم المرأة الغربية جميع العلوم التي يتعلمها الرجال من فلسفة وحكمة ورياضة وهندسة، وتدرس القوانين السياسية إذا كانت لم تعمل بمقتضاها وتخدم النوع البشري، وتعد من أعضاء الهيئة الرئيسية؛ لأنها ما خلقت لكيلا تخرج عن دائرتها المنزلية، وأن لا تتدخل فيما يختص بالأعمال الخارجية سوى ما يلزم من تدبير المنزل وتربية الأولاد والطبخ والعجن وما أشبه ذلك فقط — كما تعتقد حضرة الفاضلة. لا لعمري، بل عوائدهن تسمح لهن بأن يكتسبن كل فن من الفنون ويعملن به، وأما تدبير المنزل وتربية الأولاد فإنها مَلَكة في النساء طبيعية غريزية، لا يلزم لها درس ولا تعليم ولا سَن قوانين ولا قواعد، بل من أراد أن يعرف قوانينها يأخذها عنهن بدون أن يرى كبير عناء، سواء كن في حالة التوحُّش أم لا، حتى إن المتوحشات من النساء يدبِّرن منزلهن، ويربِّين أولادهن بقدر الإمكان.
وأما قول حضرتها: «إن تجاوزنها لَتغيَّر نظام الكون وتبدلت نواميس الطبيعة.» نعم، إن للوجود طبيعة لا يمكن إبدالها، ولله في خلقه نواميس لا يتسنى تغييرها، وهذا التغيير ليس باستخدام المرأة بأشغال الرجال أو باستخدام الرجال بأشغال النساء كما تتوهم حضرتها؛ لأن ذلك ليس من المستحيل الذي لا يتأتَّى للإنسان أن يجريَه، ولا من الأمور التي يحصل منها ما يكدر راحة النوع الإنساني كما توهمت من استحالة ذلك بقولها: «كما لا يتأتَّى للإنسان أن يُحوِّل من البخار ذهبًا أو حديدًا، كذلك لا يتسنى للمرأة أن تخرج من خطتها المنزلية.» والحال أننا لم نرَ شريعة من الشرائع الإلهية أو قانونًا من القوانين الدينية قضى بمنع المرأة أن تتداخل في أشغال الرجال، وليس للطبيعة دخل في ذلك، وما أظن بأن الشمس تحوَّلت غربًا، ولا ماء البحار صار عذبًا، ولكن المرأة إنسان كالرجل ذات عقل كامل وفكر ثاقب وأعضاء متساوية، تُقدِّر الأمور حق قدرها، وتفصل بين الزمان والمكان، وكم من امرأة حكمت على الرجال وساست الأمور، ورتبت الأحكام وجندت الجنود، وخاضت المعامع ومارست الحروب، كالملكات اللواتي سُسْنَ ممالكهن أحسن سياسة! كما أنبأنا التاريخ عمن تقدمنا من قبلُ منهن، مثل كليوباترا والملكة زنوبيا ملكة تدمر، واليصابات وغيرهن ممن سلف، وما رأينا من تداخلهن في شئون الرجال ما أخلَّ في نظام الطبيعة، أو نقص تدبير منازلهن، بل إن النظام العائلي ما زال باقيًا على ما كان عليه هو، وكأني بها تعترض عليَّ بقولها إن هؤلاء ملكات وقادرات على تأدية وظائفهن المنزلية والإدارية، فأقول: نعم، ولقد أنبأنا التاريخ أيضًا عن نساء العرب كيف شاركن الرجال بالأعمال والحروب، وتكبدن الأخطار ومعاناة الشدائد والأهوال مع أنهن كن زوجات وأمهات، وكم درج من عشهن رجال وأي رجال؛ رجال ملكوا الدنيا بأجمعها، ولم تُخِلَّ بنظامها زوجاتهم وأمهاتهم، بل كن يساعدنهم على إعمارها وحسن نظامها.
ومن الشواهد أيضًا في عصرنا هذا أن الرجل لو مرَّ في شوارع أي مدينة كانت من المدن الشهيرة، وجد مخازنها غاصة بالنساء الأوروبيات يتعاطين الأعمال التجارية وحسابها والأشغال اليدوية وإتقانها على ما ينبغي، وكلهن زوجات وأمهات تدبرن أمورهن المنزلية، وأشغالهن الخارجية على أحسن نظام، ثم إذا نظرنا إلى النساء الفقيرات عندنا في مصر وإسكندرية وجميع الأنحاء، نجد أغلبهن يتعاطين الأشغال كالرجال، فمنهن تاجرات وصانعات، ومنهم من يشتغلن مع الفعلة في البناء، وغير ذلك مما يختص بأمر المعاش المطلوب من الرجال؛ فنجد العائلة من رجل وامرأة وأولاد، فالرجل يتوجه إلى مهنته، والمرأة تتوجه إلى حرفتها، وإن كانت تاجرة إلى حانوتها بعد أن تنظر في صالح منزلها، وما يلزم أولادها من طبخ وعجن وغسيل وما أشبه ذلك؛ فنجد الأسواق غاصة بالنساء يبارين الرجال بالمعاملات والأخذ والعطاء وغيره من هذا القبيل، ثم إننا إذا حولنا النظر إلى جهة الأرياف نجد الغيطان والحقول عامرة بالنساء بعدد الرجال وأكثر، وكلهن يساعدن أزواجهن وأبناءهن، وجرين الأعمال كالرجال من زرع وقلع وحصد، وغير ذلك مما يختص بأشغال الزراعة التي هي حياة العالم، وهؤلاء أيضًا لهن أزواج وأولاد، فالعاقل ينظر في أمور هذه الدنيا يجد الجنسين متساويين، وإنما الإهمال أوجب تأخير المرأة ليس إلا.
وإني لا أُخطِّئ نساء إنكلترا بتداخلهن في أمور السياسة وطلبهن حق الانتخاب، بل أقول: نعم، لهن حق أن يطلبن هذه الخطة ما دُمن قادرات على أداء واجبها كما يؤديه الرجال.
ومن المعلوم أن تعاطيَ أمور السياسة لا يكون إلا بعد درس القوانين السياسية، والاجتهاد في أخذ العلوم الإدارية وغيرها مما يلزم لهذا المركز الخطير. والمرأة في الغرب لا فرق بينها وبين الرجل في درس العلوم وتعليم كل ما يلزم للرجل من العلوم السياسية والتجارية، وغير ذلك مما يدور عليه محور العالم الإنساني، فَلِمَ لا تطلب الاشتغال بالسياسة كاشتغالها بالتجارة والصناعة وغيرها مما يلزم الإنسان في هذه الحياة الدنيا؟!
وليس إبطال اللائحة التي قدمتها متضمنة ذلك الطلب أمرًا يوجب عليهن اللوم والتعنيف، لا لعمري؛ لأن الإنسان لا بد وأن يصادف في سبيل إدراك المقصود موانعَ تصده عن الغرض، ولا لوم عليه فيها ولا تثريب، وعليَّ أن أسعى وليس عليَّ إدراك النجاح، ولولا معارضة الذين بيدهم مقاليد الأمور كالمستر غلادستون وغيره، لما كانت صادفت لائحة النساء ما صادفته من المنع، ولم يكن إبطالها عن سبب يشير إلى نسبة العجز إليهن أو للتحذر من العقبى، لا لعمري، بل نظروا لها بعين الحقد، وظنوا أنها من باب المنازعة في الحقوق؛ فكثر اللغط وزاد القيل والقال، واستفحل الأمر واشتدت الأزمة وكان ما كان.
وهذا ليس بأول أمر صادف معارضة، بل هي عادة الله في خلقه وسُنة الزمان في كل أمر بُدئ به، كما لا يخفى على كل من اطلع على تواريخ الأمم، وحيث إن تداخل النساء في السياسة هو أول أحدوثة، فلا بد أن يستعظمه كل من لا يعرف كنه المسألة لا سيما إذا كان من الحاسدين، وأما النساء اللواتي استحسنَّ رفض هذه اللائحة، فهن — ولا مؤاخذة — أحق باللوم من غيرهن؛ لأنهن اخترن العزلة والكسل، وفضَّلن البطالة على العمل، ورضين بالفخفخة وجر الذيول على بساط الخمول، ولو اجتهدن كأخواتهن لَكُنَّ فعلن ما تقتضيه واجباتهن، وَكُنَّ أبدين ما عندهن من الحزم والرغبة في خدمة النوع والوطن، وهو الأليق بهن وإن لم يصادف نجاحًا، وعلى كل حال فإن مثابرة المرأة على طلب التقدم حتى تنال حقوقها لا يعد ذنبًا عليها، بل يُفتخر بها مدى الدهر، وتكون مذكورة بلسان الشكر على فتحها باب النجاح لأخواتها.
وكتبت حضرتها في العدد ??? من جريدة النيل بتاريخ ? محرم سنة ???? اقتراحًا على علماء الشريعة الغراء تحت عنوان «ملخص التفسير»، قالت الجريدة المذكورة: «وردت إلينا هذه الرسالة بقلم حضرة الأديبة الفاضلة الست زينب فواز، فأدرجناها بنصها الفائق، إنما نتشكر لهذه السيدة الكاتبة على ما أبدته فيها من المقاصد الدينية الشريفة، ونستلفت لذلك نظر رجال نظارة المعارف العمومية.» قالت …

الرسالة السادسة


ملخص التفسير
لا أَثبت في الأفكار، ولا أشد تأثيرًا في النفوس، ولا أقوى زاجرًا عن المنكرات، ولا أقرب للتقوى؛ من غرس القواعد الدينية في قلوب الأطفال في مبادئهم على مقتضى القوانين الشرعية، وليس ذلك سوى حفظ القرآن وتفسيره؛ لأنه هو قوام الدنيا والدين، كما لا يخفى على ذوي الأبصار والبصائر.
وحيث إنه يهمني البحث في هذا الموضوع كما يهم كافة أفراد الأمة الإسلامية، فلا محل إذنْ للغربة إذا تطفلت في هذا المقام على نصراء العالم والعلماء وأرباب الشريعة الغراء باقتراح يهمنا الحصول على نتيجته والوصول إلى فائدته، لِمَا فيه من المنافع العمومية؛ فأقول بعد الاستسماح من حضرات علمائنا الأفاضل: إنه من المعلوم عند أولي الألباب ما نحن في احتياج إليه من الوصول إلى تأثر الأخلاق، ورسوخ الفضيلة في مَلَكات أفراد الأمة، وغرس الأخلاق الملية في قلوب أبنائها وبناتها منذ نعومة أظفارهم، وحيث إنه يصعب على الطالب البحث في تلك التفاسير الجليلة؛ لعظمها واتساع شروحاتها وكثرة تعدادها، فماذا على أئمتنا الأفاضل لو اهتموا في جمع مختصر من تلك التفاسير المتعددة، يكون صغير الحجم عظيم الفائدة واضح العبارة سهل المسالك قريبًا لإفهام العامة، يصير نشره في عموم المدارس لترشف من عذب منهله أفراد الأمة الإسلامية، ويعم نفعه في الأقطار الشرقية؛ إذ لا يخفى على القارئ ما بيننا وبين لغتنا العربية الأصلية واللغة المستعملة الآن من الفرق الشاسع! وكيف أنه لا يُستحصل عليها إلا بالكد والاجتهاد بخلاف ما كان عليه أسلافنا في ذلك الوقت؛ فإن القرآن نزل بلسانهم، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه، ويعلمون معانيَه في مفرداته وتراكيبه، وكان ينزل جملًا وآياتٍ لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع، منها ما هو في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدَّم، ومنها ما يتأخَّر ويكون ناسخًا له، وكان النبي ? يبيِّن المجمل، ويميِّز الناسخ والمنسوخ ويعرِّف أصحابه، فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولًا عنه، ثم نُقل ذلك عن الصحابة ثم تناوله التابعون من بعدهم، ثم نُقل عنهم ولم يزل يُنقل بين الصدر الأول والسلف حتى اتَّسع نطاق المعارف والعلوم ودُوِّنت الكتب، فكُتب الكثير منها، ونُقلت الآثار الواردة فيها عن الصحابة والتابعين إلى أن انتهى ذلك إلى الطبري، والواقدي، والثعالبي، وغيرهم من المفسرين، فكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوه من الآثار، ثم صارت علوم اللسان صناعية من الكلام في موضوعات اللغة وأحكام الإعراب والبلاغة في التراكيب، فوُضعت الدواوين في ذلك بعد أن كانت مَلَكات للعرب لا يُرجع فيها إلى نقل ولا كتاب، فتُنوسي ذلك وصارت تُتَلقَّى من أهل اللسان فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن، وصار التفسير على صنفين؛ تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف، وهي معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومقاصد الآي، وكل ذلك لا يُعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.
قال العلامة ابن خلدون: «وقد أجمع المتقدمون في ذلك، وأوعَوْا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود؛ والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة، وإذا تشوَّقوا إلى معرفة شيءٍ مما تتشوق إليه النفوس البشرية من أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب من قبلهم، ويستفيدون منهم، وهم أهل التوراة ومن تبع دينهم والنصارى. وأهل التوراة الذين كانوا بين العرب يومئذٍ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، وهؤلاء مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم، وهُم لا تعلُّق لهم بالأحكام الشرعية سوى ما يتعلق بأخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك، فامتلأت التفاسير عندهم من المنقولات في أمثال هذه الأغراض أخبارًا موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام فتتحرى في الصحة التي يجب بها العمل، ويتساهل المفسرون في مثل ذلك، ومَلَئُوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها عن التوراتيين الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنهم لِمَا كانوا عليه من المقامات في الدين والملة تُلُقِّيَتْ بالقبول من يومئذٍ، فلما رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص، وجاء أبو محمد بن عطية من المتأخرين بالمغرب، لخَّص من تلك التفاسير كلها، وتحرَّى ما هو أقرب إلى الصحة منها، ووضع ذلك في كتاب تداوله أهل المغرب والأندلس، وتبعه القرطبي في تلك الطريقة على منهاج واحد في كتاب آخر مشهور بالشرق، وأما الصنف الآخر من التفسير، فهو ما يرجع إلى اللسان من معرفة اللغة والإعراب والبلاغة في تأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب، وهذا الصنف من التفاسير قلَّ أن ينفرد عن الأول؛ إذ الأول هو المقصود بالذات، وإنما جاءنا بعد أن صار اللسان وعلومه صناعة، ومن أحسن ما اشتمل عليه هذا الفن من التفاسير كتاب الكشاف للزمخشري، إلا أن مؤلفه من أهل الاعتزال في العوائد؛ فيأتي بحجج على مقتضى مذاهبهم حيث تعرض في آي القرآن من طرق البلاغة بما أوجب انحراف المحققين من أهل السنة عنه، وتحذيرهم الجمهور من مكامنه مع إقرارهم برسوخ قدمه فيما يتعلق باللسان …» ولو اختُصر من تلك التفاسير كتاب لكان هو الطريقة المُثلى لحث طالبِي العلم على السير في طريق النجاح، والوصول إلى درجة الفلاح.
وإننا نطلب إلى نظارة المعارف أن تعضد علماءنا وتحثهم على جمع شتات مثل هذا الكتاب ونشره، كما عودتنا على نشر العلوم والفنون وشد أزر أربابها؛ وبذلك نكتسب رضاء العموم مع الشكر الدائم.

الرسالة السابعة


وكتبت سؤالًا إلى مجلة الأستاذ في العدد الخامس بتاريخ ?? صفر سنة ????، وقد أجابها عليه حضرة الفاضل صاحب المجلة المذكورة. قالت المجلة:سؤال

ورد إلينا هذا السؤال من درة صدف الحجاب الجامعة بين فضيلتَي العلوم والآداب السيدة زينب هانم فواز، ونصه:
«قد علم السواد الأعظم ما لفلاسفة العصر الحاضر وأشهر العلماء من البحث في أمر المرأة، والمساواة بينها وبين الرجل في العقل والذكاء والقدرة على الأعمال، ولم نعلم أن أحدًا منهم بحث في الموضوع الآتي، وهو: أيهما أشد تعبًا في هذه الحياة الدنيا، الرجل بتعاطيه الأشغال من تجارة وصناعة وسياسة وزراعة وغير ذلك، أم المرأة في حملها ووضعه وتربيته وتدبير منزلها ومشاركتها للرجل أحيانًا في عمله؛ فأرجو من حضرتكم يا حضرات علمائنا الأفاضل جوابًا شافيًا؛ فقد سطعت علينا أنوار علوم الأفاضل فأضاءت الخافقين، وأتت تتهادى على أكف نسيم رياض الصحف مبشرة بإدراك درجة الفلاح وارتقاء أريكة التقدم، وإننا ننهى الطرس والقلم ببزوغ شمس معارفكم بعد الأقوال، ولكم مني ومن الجنسين خالص الشكر والثناء.»
فقال حضرة عبد الله نديم:
الجواب

وأعط أباك النصف حيًّا وميتًاوفضِّل عليه من كرامته الأُمَّاأقلك خفًّا إذ أقلتْك مثقلًاوأرضعَت الحولين واحتملَت تمَّاوألقتك عن جهد وألقاك لذةوضمَّت وشمَّت مثل ما ضمَّ أو شمَّا
الرسالة الثامنة


وكتبت حضرتها في العدد ??? من جريدة النيل بتاريخ ? محرم سنة ???? صورة رسالة قد أرسلتها إلى رئيسة قسم النساء في معرض شيكاغو، وهي بنصها:إلى واشنغطون «أمريكا» في ?? يوليو

إلى حضرة الأديبة الفاضلة السيدة برثاهونور بالمر رئيسة قسم النساء في معرض شيكاغو.
من بعد إهدائكم أزكى التحيات أُبدي أنني هزتني أريحية الشوق إلى مساعدة القسم النسائي، الذي صار إعداده لعرض مصنوعات النساء في معرض شيكاغو سنة ????، ولعلمي أن التقدم الأمريكاني والأوروباوي لم يتركا لنا — نحن الشرقيات — شيئًا من تقدُّم الصناعة التي يمكن للنساء أن يعلمنها، ونظرت في التاريخ العام فلم أرَ أحدًا ألَّف تاريخًا خاصًّا باللغة العربية يحتوي على ذكر شهيرات النساء وأدبهن وتقدمهن في السنين الغابرة والحاضرة، ولم أرَ هدية تُرفع للمعرض النسائي من مثلنا — نحن الشرقيات — أجدر من هذا الكتاب الذي يحتوي على تراجم النساء وطبقاتهن في الهيئة الاجتماعية، فعقدت العزم واستعلمت الحزم وألَّفت كتابًا في هذا الباب، فجاء بحمده تعالى على طبق المرام، وجمعت فيه من تراجم شهيرات العرب ومتقدمات الإفرنج ومَلِكات الشرق والغرب، من كل أديبة فاضلة وملكة عاقلة وفارسة وشاعرة وخطيبة وثائرة؛ فرأيت أن أقدم نسخة منه لأجل حصرها ضمن معروضات القسم النسائي في المعرض، وبما أنني لا أعلم كيفية تقديم المعروضات بأي صفة تكون، ولم أطَّلع على تفصيل ذلك في الجرائد العربية، فأرجو أن تفيدوني عن كيفية إرسال الكتاب المنوَّه عنه حتى أرسله مع مزيد الشكر والممنونية، ولو كانت عوائدنا — نحن النساء المسلمات — تسمح لنا بالحضور في مثل هذه الاجتماعات، لكنت سعيت بنفسي لتقديمه، وحضرت المعرض مع من يحضرون فيه من النساء، ولكنْ إطاعةً لأمر الدين لا يمكنني ذلك؛ وعلى هذا فإني أقدم لكم مزيد الشكر المقرون بالممنونية على حسن مساعيكم في تقدم النساء أمام الهيئة الاجتماعية.
وإذا تفضلتم عليَّ بالإفادة باسمي زينب فواز عن يد شقيقي محمد أفندي علي فواز الأفوكاتو بمصر، وأرجوكم العفو عن قصوري حيث كتبت تحريري هذا باللسان العربي، وإني أعلم أنه يسهل عليكم معرفة أي لسان من أي لغة كانت.

الرسالة التاسعة


وكتبت حضرتها في العدد ??? من جريدة النيل بتاريخ ?? محرم سنة ???? ردًّا على عقيلة كوراني لأنها على غير مذهبها في تقدم جنسها اللطيف، قالت: قد اطلعت في عدد ??? من جريدتكم الزاهرة على قطعة تحت عنوان «إنصاف الحق» لحضرة السيدة الفاضلة الأديبة هنا كوراني، قصدتْ بها المدافعة عن نفسها، والرد على مقالتي التي عنوانها «الإنصاف» المندرجة في عدد ??? من جريدة النيل الغراء؛ فوجدتها لا تستحق الرد لِمَا فيها من المشابهة في بعض المواضع من المقالة التي قصدت بها الرد عليها، والشرود عن الموضوع في بعضها، وهي لا تدري، فتبسمت تبسم الاستغراب من ذلك، وتذكرت المثل السائر «أُريها السها وتُريني القمر.»
فلذلك تركت الأمر لحضرتها حتى تمعن النظر وتقدح الفكر فيما كتبته إن قدرت هي على ذلك، وإلا فلنترك الحكم لحضرات القراء الكرام ومن يهمهم الحق ونصرائه أن يجمعوا بين العددين المذكورين ويحكموا بما يقتضيه العدل، وإلا لو خضنا في بحر المناظرات في هذا الموضوع، فإننا نخرج عن المعنى، وهذا مما تأباه أسماع الأدباء الأفاضل، ولكني أخذني العجب مما تراءى لي من الحدة التي أخذت حضرة الكاتبة المشار إليها حين اطلاعها على مقالتي، حتى إنها لم تدرِ ما كتبت، ولم تميز بين المعاني التي ألقيتها بين أمواج النيل، ولو أنها علمت أن مقالتي هي مبنية على اهتمام واجتهاد النساء الغربيات لا الشرقيات، وكان استشهادي ببعض النساء المصريات لَمَا كانت تنفث من فمها إلى قلمها عبارات التقليد وألفاظ التشديد، ويكفيها تصديقها لمقالتي فيما جاء في العدد ???? من لسان الحال الأغر، وعند اطلاعها عليه ربما ترجع إلى الصواب، وتتبع الحلم لأنه سيد الأخلاق، وإن لم تكتفِ بذلك فسأُبين لها خطأها في فرصة أخرى إن شاء الله تعالى، وأوضح كيف أن قولها في المرأة والسياسة المندرجة في عدد ?? من جريدة لبنان الغراء، هو مضاد لقولها في «إنصاف الحق»، وأُريها أي حق هو الذي تنطق به بدون تروٍّ ولا انتباه.

الرسالة العاشرة


وكتبت حضرتها رسالة في عدد ??? و??? من جريدة النيل الصادرة في ? و? صفر سنة ???? ردًّا على رسالة الست هنا كوراني المندرجة في جريدة النيل أيضًا بحقيقة إنصاف الحق، قالت الجريدة المذكورة: جاءتنا هذه المقالة الضافية الذيل بقلم حضرة الكاتبة الفاضلة والأديبة النبيلة السيدة زينب فواز، فأدرجناها كما هي:حقيقة إنصاف الحق

لا نميل مع الهوى ولا نسير مع الغرض ولا ننطق إلا بالحق، وغايتنا المنفعة العامة لبنات جنسنا، والقصد منا خدمة العلم والأدب، وهي خدمة نباهي بها مفتخِرات، ونجاري بها معتزات، ولا تأخذنا في الحق لومةُ لائم، ولا نقول إلا بعد العلم والبحث في الأمور، فماذا على المرأة منا لو شمَّرت عن ساعد الجد لتنشيط النوع النسائي عوضًا عن التعنيف والتبكيت والتنكيت الذي تتخذه من باب الخلاعة، وإن قامت منا ذات غَيرة ونشاط وحمية، كتَّفنا يديها عن العمل، وأوثقنا قدمَيْ مساعيها عن المسير في طريق النجاح، وقلنا: لا يجوز لها أن تتخطى حدها لئلا تميد الأرض بمن عليها، وأتينا بالأخبار والأمثال عن الأقدمين، وقلنا قال فلان وحدَّث فلان، وجئنا محتجين بالحجج التي لا حاصل لها ولا فائدة، والقصد بذلك كسر حدة الهمم، وصد النفوس عن العمل، وقد رضينا والله بالعزلة والكسل، ولم نختَرْ عنهما عوضًا كما قال البارع الأديب نقولا أفندي إلياس: «ولكن لا يخفى على كل ذي لب سليم أنَّ من أُوصِدت دونه أبواب الرجاء والسعي، عاش كسلانَ بليدًا لا يُبدي حراكًا، وتعَود التواني والتقاعد حسب ذلك شأنه، وتلك وظيفته ومكانته، وهذه حالة نساء شرقنا.» وقد أجاد من قال:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عِرضهفكل رداء يرتديه جميلُوإن هو لم يحمل على النفس ضَيمهافليس إلى حُسن الثناء سبيلُ وقد كنت أسلفت في مقالتي الأخيرة أني لم أجد في مقالة الست الفاضلة هنا كوراني المسماة «إنصاف الحق» ما يستحق الرد، ولكن ذكرت لحضرتها أني سأُبين خطأها إن لم تكتفِ، وها أنا — بكل أسف — أمسك القلم؛ لأني لا أُحب أن أُظهر خطأ إحدى بنات جنسي، ولكن الضرورة أحوجتني.
فلنبدأ أيتها السيدة بمقالتك الأولى التي هي تحت عنوان «المرأة والسياسة»، ألستِ حضرتك القائلة في مقدمتها استهزاءً بنساء إنكلترا حين إبطال اللائحة: «فينهزم البطل متقهقرًا يجر ذيول الخجل، ويفر البهتان ناكصًا يَعَضُّ على أنامل الخيبة والفشل.» إلى آخر ما تقدم من هذا القبيل؟!
وقلت أيتها الفاضلة في «إنصاف الحق»: فقد ابتدأت — أي المرأة — أن تثبت أقدامها في مقام الرفعة، وتطالب بحقوق حُرِّمت عليها بظلم السالفين؛ أعني بها التهذيب والإكرام في دائرة الاجتماع، واعتبارها كمخلوق مساوٍ للرجل في الإنسانية، وما شاكله في الحقوق الشرعية والطبيعية للمرأة، وقد كان لصوتها في البلاد رنة تتردد في قلوب الرجال الأفاضل، فأحلوه منزلًا رفيعًا لعلمهم أن ذلك هو الحق، ولا يعاند الحق إلا القوم الضالون، ومن ختم الله على قلوبهم وأبصارهم فلا يفقهون.
فأرجوك أيتها السيدة أن تفتكري قليلًا أي حق للمرأة بعد أن كان بهتانًا باطلًا، وما هذه الحقوق الشرعية والطبيعية للمرأة، أليست هي العلم والعمل مع الحمل والوضع والتربية والطبخ والعجن وما أشبه كما أوضحت — أيتها الفاضلة — في المرأة والسياسة؟! وكنت شهدت للمرأة بالعقل بقولك: «فالمرأة — والعاقل يدري — لها حظ كبير من العقل والذكاء، ولكنها لم تُعطَ ذلك لمصادمة الأعمال الشاقة، وتقلُّد أزِمَّة السياسة، بل لتربيَ أولادها أطفالًا رجال المستقبل، ومركزها الحقيقي — لو تدري — أشرف من مقام الملكات على العروش.» فإن كانت هذه حقوقها الطبيعية فإنها لم تكن مسلوبة، ولا أحد ظلمها من السالفين.
وإن كانت حقوق المرأة هي العلم والعمل، فيجب أن تُقِري على وجوب عمل المرأة، كما أقرَّ بذلك غيرك من الرجال الأفاضل أولي العلم والاقتدار، والنساء العاقلات الفاضلات ذوات العلوم والآداب؛ فإن الجنسين أجمعوا على وجوب عمل المرأة بكل ما تقدر عليه.
فمن ذلك ما قاله حضرة العالم النحرير صاحب امتياز، ومحرر جريدة النيل السعيد في إحدى نظراته المندرجة في عدد ??? من الجريدة: «نحن نعلم أن العالم قسمان يتساويان.» إلى أن قال: «إن نصف الكمية من الرجال والنصف الآخر من النساء.» وقال سعادته: «نتأمل ما عليه هذا القسم العظيم من الأحوال المحبوبة، فنجده يشارك القسم الآخر في كافة أفعال الحياة من التأثر والإدراك والعمل في جميع ما يمكن أن يمتاز به النوع الإنساني، ثم نتصور في العلة التي جعلت للرجال حقوقًا فلا نجدها طبيعية، وإنما هي لحصول الإدراك، وهما طبيعيان في النساء أيضًا، فالقسمان والحالة هذه شريكان في حق تعين الحقوق لأنفسهما.» إلى أن قال: «إن الذي عين لهن ما لهن من الحق، وقضى عليهن بما عليهن من الواجبات هو قسم الرجال بدون أن تؤخذ آراؤهن، أو تُستشار ميولهن، أو أن ينوب نائب عنهن بتنويبهن.» وقال أيضًا: «وانتزع الرجال من النساء حق الحكم والتشريع والقوة الفعالة والملك من قديم الزمان وحديثه، فقضَوْا لغاياتهم لما سوَّلته أفكارهم، وعجز النساء عن مقاومة القوة القهارة فخضعن وتوارثن ذلك الخضوع حتى عددنه من أنواع الرفاه والنعمة انقيادًا لحكم الألفة والعادة.» وهذا دليل كافٍ على أن الطبيعة لا تمنع النساء شيئًا مما ذكرته حضرة الكاتبة.
وأما قول حضرتها في «المرأة والسياسة»: «فلو بذل الإنسان جُلَّ قواه في إبدال النظام الطبيعي أو استخدامه لغير شأنه، لخاب أملًا وفشل عملًا.» وقد أوضحت عنها في مقالتي «الإنصاف»، فلتراجع فإنه مضاد لقول حضرتها في «إنصاف الحق»، وهو قولها: «ولا يخفى أن كثيرات من النساء قمن بأعظم الأفعال وأخطر المشروعات، ولكن عددهن لا يُذكر بالنسبة للرجال الذين قاموا بمثل هذه العظائم.» فليت شعري بماذا كان عمل المرأة من المستحيل، وبماذا صار لهن وجوب العمل، فأشكر فضلها على ذلك الإقرار.
ولم أقل في الإنصاف إن النساء اللواتي قمن بأعباء السياسة هن بعدد الرجال، ولكن قلت: هن قادرات على العمل كما تعمل الرجال لو تعلمن كما يتعلمون، مع اقتدارهن على تدبير المنزل وتربية الأولاد. ولم يزل هذا دأبي، وقولها هذا مشابه لنص ما قلته، فكيف ردت على شيء استصوبت الرأي فيه ثم قابلته بالمضادة والرفض.
وأما قولها: «بُلينا — نحن الشرقيات — بداء عضال سرى سُمُّه في كل عروقنا، حتى صار يُخشى علينا من هلاك قريب، وهذا يُعرف بداء التشبه.» إلى أن قالت: «إذ ترانا جميعًا قد أخذنا نتشبه بالغربيين بدون تروٍّ أو إمعان نظر.» فإن هذا القول ليس من موضوعنا في شيء، بل ما أرادت حضرة الكاتبة أن تزيد الأسطر بشيء لا طائل تحته، ولا موجود في مقالتي معنًى مثل هذا، وهلَّا أمعنت النظر فيها حتى كانت تَسلَم من الخطأ واللوم، ويتضح لها أن كلامي كان مختصًّا بالمرأة الغربية لا الشرقية بشاهد قولي: «وإلا، فلماذا تتعلم المرأة الغربية جميع العلوم التي يتعلمها الرجال من فلسفة وحكمة ورياضة وهندسة وتدرس القوانين السياسية إن لم تعمل بمقتضاها، وتخدم النوع البشري، وتعد من أعضاء الهيئة الرئيسية؟ وإلا فما خُلقت قط إلا لكونها لا تخرج من دائرتها المنزلية، مثل ما نحن فيه من العوائد.» إلى أن قلت: «لا لعمري بل عوائدهن تسمح لهن بأن يكتسبن كل فن من الفنون ويعملن بها.»
فمن أين فهمتِ أيتها الكاتبة أني قصدت بمقالتي المنوَّه عنها التشبه بالنساء الغربيات؟! أغرب عن فطنتك أنه لا يليق بنا — نحن النساء المسلمات خاصة — التشبه بنساء الغرب، فضلًا عما حده لنا الدين الإسلامي.
وإن الفطرة الغريزية فينا لا تبيح لنا أن نسعى وراء التقليد الغربي، لا كما زعمت بلا مؤاخذة يا حضرة الكاتبة بقولك، ولكني أراها قد ذهلت فورًا عن أمرين مهمين؛ أولهما: مقامها الطبيعي، وثانيهما: حالة البلاد إذا قامت تناضل الرجل في أعماله ظنًّا منها بأن هذا من جملة حقوقها المهضومة، واقتداءً ببعض النساء الغربيات اللواتي قد تقلدن الأعمال الخارجية من تجارة وصناعة وما شاكل ذلك، وقد غاب عنها أن اللواتي وضعتهن مثلًا للاقتداء أكثرهن من الكاسدات في سوق الزواج.
فتفرغي يا حضرة الكاتبة لسماع ما أقول ولا تأخذك الحدة كما أخذتك من قبل.
أما حالة المرأة الطبيعية، فقد سبق القول عنها ولا فائدة بالتكرار، وأما حالة البلاد فالظاهر أن هذه أحدوثة أخذتها حضرة الكاتبة على لسانها فيسبق بها قلمها، حتى صارت تُدخلها في كل نوع من الكلام إن كان باللزوم أو بغير اللزوم، مثل التشبه والتقليد والعوائد والتفرنج والأزياء، وغير ذلك من هذا القبيل الذي هو خارج عن موضوعنا الذي نحن في صدده؛ إذ نحن كلامنا عن وجوب عمل المرأة بأعمال الرجال وعدمه، فما أدخل هنا حالة البلاد، ومن هي المرأة التي قامت في بلاد الشرق تناضل الرجل في طلب أعماله، وأية جمعية جمعت بهذا الخصوص! وهذا غلط فاحش، ويا حبذا لو صحت أحلام حضرة الفاضلة حتى يكون لنا الافتخار الأبدي، وليتنا نجد من يعضدنا حتى كنا نجتهد ونُرجع لشرقنا نشأته الأولى، ونعيد له ذكر شهيرات العرب، وعالمات الشرق اللواتي ذهبن ولم يذهب لهن ذكر، وشمس آدابهن محفوظة من الزوال، وذكر أعمالهن باقٍ على مرور الليالي لا يمحوه تعاقب الدهور والأعوام.
وأما بعض النساء المصريات اللواتي قد استشهدتْ بهن وجعلتْهن حضرتها بحجتها الدامغة كاسدات في سوق الزواج لم يقمن اليوم، بل هن من قديم الأزل، وهن على هذه الخطة لم يبدلنها، فإن كان تقلدهن الأشغال سببه كسادهن، فكيف كان تداخلهن في العمل مستحيلًا ويترتب عليه فساد الكون واختلال نظام الطبيعة — كما قالت سيادتها؟! والوجه الثاني كيف كثر التناسل في مدة هذه القرون الغابرة إن كانت كل هذه النساء لم يتزوجن، وإن كان على زعم حضرة السيدة أنهن لا يقدرن على أداء أشغال مع تدبير المنزل؟! فإن هذا الكلام صادر عن عجز في الفطرة الغريزية ولا تثريب، وقد يكون العاجز والقوي والفرق ظاهر وأراها، وللكتابة آداب لا يمكنني أن أتعدى حدودها كما فعلت تلك الفاضلة، وقد وجَّهتْ إليَّ أشد اللوم لقولي إن التربية لا يلزم لها درس قوانين ولا قواعد، واستهجنَت الأمر، ولكن لم تدحض حجتي بشيء قريب للعقل سهل التصديق غير أنها قالت: «ذلك لأن أعظم فلاسفة العصر الحاضر، وأشهر العلماء من المتقدمين والمتأخرين قد صرفوا العمر في شأن التربية، وزبدة بحثهم في المجلدات.» فهذا القول مَكسوٌّ بالحق، مع أنه لم يوجد من هذه المجلدات شيء كافٍ على الحقيقة، تختص بتعليم النساء أصول التربية، ولا لها تأثير، ولا نشر منها شيء في المدارس العامة ليقتبس من نورها النساء ذوات المنازل، بل هي اسم بدون فعل في الأغلب، ولم توجد مدرسة فُتحت بهذه الصفة، ويا للعجب كيف استعظمت قولي: «والمتوحشات من النساء يربين أولادهن بقدر الإمكان.» وغاب عن فطنتها أننا لم نبلغ درجة التمدن إلى الآن، وأن أمهاتنا لم يعلمن شيئًا مما نعلمه، ولا يعرفن القراءة والكتابة سوى ما جُبلن عليه من الفطرة الغريزية التي ربيننا عليها، فلماذا لم نكن برابرة كما قالت حضرة الأديبة: «أجل، إن المتوحشات يربين الأولاد، ولكن أولادهن برابرة.» وها نحن والحمد لله انقشع عن أبصارنا ضباب الجهل، وأشرقت أمامنا شمس المعارف، وسنهتدي بنورها إن شاء الله إذا ثابرنا على الجد والاجتهاد، ولو افتكرت أن التربية يلزم أن تكون جسمًا قبل العقل، لعلمت أن كل امرأة يمكنها ذلك، ولم تقل إن أولادهن برابرة.
ولي من رسالتها «إنصاف الحق» أعظم شاهد؛ إذ قالت: «مرَّ حين من الدهر على المرأة الشرقية لم تكن فيه شيئًا مذكورًا.» ولعلها عندما تكتب آخر السطر تنسى أوله حتى تجمع بين الضدين في آنٍ واحد، ولكني ألتمس لها عذرًا لدى القراء؛ لأنها مشتغلة بالتربية وتدبير المنزل، فلا لوم على سيادتها ولا تثريب، وهو من رأي حضرتها حيث؛ قالت: «إذ يستحيل على من كانت ذات ولد أن تتعاطى الأعمال الخارجية بدون أن تهدم بنيان عائلتها.» فأقول أيضًا: إن الكتابة أيضًا يلزم أن تكون للعازبات فقط؛ لأنها تحتاج إلى خلو الفكر من عدمه كما تحتاج الأعمال الخارجية للفراغ من تدبير المنازل، فلماذا تأمريننا بها؟! وعلاوةً على كل خبر أن حضرة الأديبة وجَّهتْ إليَّ كل تعنيف بدعواها أني اخترت الظلم والشتم في مقالتي «الإنصاف» بقولي: «وإن النساء اللواتي استحسنَّ رفض اللائحة هن أحق باللوم من غيرهن.» وذلك ردًّا على قول حضرتها: «وقد صادق على قول المستر غلادستون عدد من الإنكليزيات، ولم يحسبن معارضته إجحافًا بحقوقهن واستخفافًا بشأنهن، بل شكرنه على خدمته الخاصة.» فأي ظلم بهذا أو أي شتم شخصي وجهته إلى حضرة الكاتبة؟! حاشا لله أن أدنس قلمي بالشتم كما فعلت هي بقولها: «تطلب الإنصاف وهي لا تنصف غيرها، فضلًا عن أنها تجهل ماهيته وشروطه.» وقول حضرتها: «أبطلت بدعوى فارغة ما تضمنته من الحجج الدامغة.» وقولها: «قد أقرت بعد المكابرة.» وقولها: «كافر غبي لئيم.» فإن كانت دعواي فارغة كما زعمت، فسلوها لِمَ أبطلت حجتها الدامغة، وإن أبطلتها كما قالت، فإنها لم تكن دامغة، بل مبنية على أساس غير متين.
وأراها لم تقصد بمقالاتها هذه المناظرات والمباحثات العلمية، بل قصدت المخاصمات والمشاحنات، وهذا لا يحسن بأهل الآداب اللواتي هي منهن كما زعمت بقولها: «وهذا كما لا يخفى على المطالع ادِّعاء باطل وتحامُل على الحق، وازدراء بذوات الفضل والآداب وربات العرف والدراية.» أتمدحين ذاتك الشريفة؟! وهلَّا قارنت هذا القول بالعمل، ولم تستعملي حدة اللسان — إن لم أقُل سفاهته — آلة لتُزكِّي نفسك الطاهرة، ولكن يا صاحبة الحقيقة كيف تأمريننا بمسك القلم بقول سيادتك: «ولما كان القلم آلة خفيفة الحمل لا يُكلِّف استعمالها ركوب الأخطار، كان أَولى بالمرأة أن تتقلده.» فهذا كلام لطيف في غاية ما يكون من التركيب على قواعد الحقيقة، إلا أنه يا أيتها العزيزة يلزم لمن يمسك القلم أنه يدرس علم الآداب الكتابي قبل كل شيء، حتى إنه إذا كتب شيئًا تثمر أغصان قلمه ثمارًا غير قابلة الاستنكار لدى فكر المخاطب بلفظ من مثل هذه الألفاظ، وهلَّا فعلت ذلك قبل أن تنهينا عن شيء، وقبل أن تأمرينا باتباع هذا الفن حتى كنا نتبع نصائحك عن طيب نفس وانشراح خاطر، وتكوني لنا قدوة أيتها الفاضلة؛ «طبيب يداوي الناس وهو عليل». والوجه الثاني: أظننتِ أن الأشغال التي يلزم أن تتعاطاها النساء هي حفر الآبار ومد السفن وقطع الأشجار وما أشبه ذلك حتى إنك استخففتِ بالقلم دون غيره؟! وهل الأشغال السياسية خارجة عن استعمال القلم؟! فلماذا استعظمتِها واستخففتِ آلتها؟! أوليس علم الكتابة هو من أشغال الرجال التي نحن بصددها، فأراكِ قد وافقتِني واجتمعت آراؤنا على غير قصد منك؛ لأن طريق الحق واضح.
وأما قول حضرتها: «والأوروباويون وإن كانوا قد سبقونا بمراحل في سبيل الارتقاء، وكانوا هم البادئين في تعزيز شأن المرأة.» إلى أن قالت: «إن تعاطيَ المرأة في معاناة الأعمال مع الرجال قد نتج عنه من الكبائر والفواحش ما لا يُحصى ولا يُستقصى، فضلًا عن أن مزاحمة المرأة في العمل قد تركت كثيرًا من الرجال بطالي الأشغال فارغي الأكياس، يئنون تحت أثقال الفاقة وآلام الحاجة، سوى ما حدث من سوء تدبير المنازل.» وقالت: «الأشغال المختلطة بالرجال والنساء كشباك لاقتناص طهارة المرأة.» قد علم العموم أن اختلاط النساء والرجال في الغرب ليس بممنوع، ولا مختصًّا بالعمل خاصة بل هو عادة مألوفة، فإذا كان اختلاط الجنسين مع العمل فإنه يُلهي النفس عن اتباع الشهوات، بخلاف ما إذا كانت المجتمعات في محافل الأنس والسرور والمتنزهات العامة، فإنها أقرب لما ذكرته حضرة الكاتبة، وأيضًا فالمرأة العاقلة التي درست العلوم ونشأت في مهد الآداب وغُذيت بلبان التهذيب، فإنها تجهل أن تسحق شرفها تحت أقدام الشهوات والأغراض، وأما قول حضرتها إن مزاحمة المرأة للرجال تركت كثيرًا من الرجال فارغي الأكياس إلى آخر ما تقدم؛ هذا دليل على اقتدار المرأة في العمل وإتقان ما نُدبت إليه من الأعمال، حتى إنها غلبت الجنس القوي وفاقت عليه، وقد أقرت حضرة الكاتبة أن الجنسين متشاركان في الحياة والمعيشة، وأن ذوات الأعمال هن ربات منازل بقولها: «سوى ما حدث من سوء تدبير المنازل.» فكيف يكون حرمان الرجال من المعايش وهن المساعدات لهم بدليل قول حضرة الأديب الفاضل صاحب جريدة لسان الحال الغراء: «وإننا لا نغار على صنائعنا من مشاركة النساء لنا فيها، بل يجب أن نتفق سويًّا فنقوى على صعوبات جمة بصبر المرأة لم يقوَ عليها الرجال.»
وهذا دليل كافٍ صادر عن مثل هذا الفاضل، وقول حضرة البارع نقولا أفندي إلياس حداد في مقالته «منزلة المرأة» المدرجة في عدد ???? من لسان الحال: «إن الله قد خلق الإنسان ذكرًا وأنثى ليتعاونا على هذه الحياة في تدبير أمر المعيشة؛ فهما في أمر السعي وراء الرزق في رتبة واحدة.» وقول حضرته: «وكان أكثر النساء أفَدْنَ المجتمع الإنساني الفوائد التي تزيده عما هو عليه في الراحة والثروة والعلم.» إلى أن قال: «المرأة تساوي الرجل عقلًا، ويمكن أن تساويَه عملًا إن مُهدت لها السبل.» فكل هذه الأقوال دالة على أن عمل المرأة مساعد للرجل؛ فحينئذٍ لا محل للشكوى بأن الرجل يُحرم بسبب اشتراك المرأة له في العمل.
وأما ما ذكرته من أمر فساد منازلهن، فهذا شيء بعيد؛ لأن الأطفال يخرجون من دور القول إلى حيز العمل؛ إذ يرى الطفل أمه مجتهدة بالعمل فيقتدي بها، كما أنَّا نرى من أطفالنا الآن، فإنه لو وجد أمه تغسل مثلًا لاجتهد أن يغسل معها، وذلك اقتداءً بأمه ورغبةً بأن يجاريَها في ميدان العمل، كما أنه يحسب أن يقلد أباه في كل أعماله، فهذا دليل كافٍ على أن عمل المرأة لا ينتج عنه فساد كما زعمت حضرة السيدة، بل العكس يدور عليه محور العالم الإنساني، وإني لأعجب منك يا عزيزتي هنا، كيف أنك تتكلمين بالضدين! فمن برهة أنكرت عليَّ قولي، وقلتِ إن اللواتي وضعتهن محلًّا للاقتدار هن كاسدات في سوق الزواج، والآن قلتِ إنهن ربات منازل. فأنا — واللهِ — احترت أرد عليك بأي نوع، وإلا فلنجعلها كا … فيها من كل معنًى طرب حتى لا يمل القارئ من هذه الفكاهات المتنوعة.
هذا وقد أظهرت العجب من قولي بأن المعاش منوط بالرجال بقولها: «وقد أقرت صاحبة الإنصاف أن أمر المعاش منوط بالرجال.» فإنها فهمت من مقالتي أني أردت بها أن الرجل مختص بأمر المنزل، والمرأة مختصة بأمر المعاش، ثم وجدت لها حجة من عين كلامي تحجني بها، أن هذا لشيء عجاب! كيف تأتي بالحجة التي هي أوهى من حبل العنكبوت وكأنها لم تطَّلع على قولي؟! فالعاقل ينظر في أمر هذه الدنيا يجد الجنسين متساويين، وإنما سبب تأخير المرأة الإهمال ليس إلا.
وقد نسبت لي المكابرة — سامحها الله على قدر ما تستحق — ولم أقل إنها قالت بعد المكابرة حين قولها: «ولا يخفى أن كثيرًا من النساء قمن بأعظم الأعمال … إلخ.» بل قابلتها عن مثل هذه المزايا، والحاصل سيتساهل الأمر، والحمد لله قد قربت أن تقر بوجوب عمل المرأة بعد أن كانت جزمت باستحالته، فأفسحت للعازبات منهن بالعمل، والأمل وطيد أن حضرتها ستتمم لهن واجبات العمل، وفي المقالة الآتية يصدر الأمر إن شاء الله تعالى، وتنفرج الأزمة إن لم يأخذ الغضب سيادتها، وتشحنها بالشتم والسب.
وملخص كلامنا أني أقول بوجوب عمل المرأة بأعمال الرجل متى تعلمت أي فن من الفنون التي تختص بالرجال والنساء، وأن تأخيرنا عن العمل غير طبيعي بل من الإهمال فقط، وإذا وجدنا التعليم والانتباه فإننا نعمل كما يعمل الرجال ولا تؤخرنا أشغالنا المنزلية عن شيء من الأعمال، اللهم إلا ما كان خارجًا عن أصول الخدر والحجاب الإسلامي؛ حيث نحن مسلمات فإنه يُستثنى من ذلك بالطبع، وخير لنا أن نتعلم العمل ونعمل به، ولا يحصل العلم إلا بالعمل، وقول حضرة الفاضلة: إنه لا يجب للمرأة أن تتداخل في أعمال الرجال، بل تبقى مثابرة على أعمال المنزل. وذلك ظنًّا منها أن الخطة التي نحن فيها هي طبيعية، وأنه لا يجوز لنا أن نتجاوزها، وأننا نتعلم العلوم لنُعلِّمها أولادنا فقط لا لنعمل بها؛ هذا موضوع الخلاف بيننا، فليحكم الحاكمون أولو الفضل، وذوو المعارف والعلوم.

الرسالة الحادية عشرة


وكتبت في العدد ??? و??? من جريدة النيل الصادرة بتاريخ ?? و?? صفر سنة ????، تحت عنوان «باعث العجب»؛ وبناءً عليه كتب حضرة الفاضل محمود أفندي شكري — مدير جريدة البستان — رسالته المسماة ? «كشف الإزار عن مسألة الزار»، وقد أخذناها لِمَا فيها من الحِكم، وكانت درجت في عدد ??? من النيل، وقد أخذها حضرة الأديب الفاضل صاحب كتاب طب الركة في الجزء الأول من كتابه المذكور، وقد جاء في جملة رسائل إلى جريدة النيل تتضمن إهداء الشكر إلى صاحبة الرسالة لِمَا فيها من المنفعة العامة على القطر منها من الفيوم والإسكندرية وأسوان وغيرها، قالت الجريدة المذكورة: أتتنا هذه الرسالة من حضرة الكاتبة الأديبة السيدة زينب فواز، فأدرجناها بحروفها.
قالت مخاطبة صاحب جريدة النيل:
باعث العجب

إنني — بلسان قاصر عن أداء واجب الشكر — أقدِّم لحضرتكم شكرًا زائدًا منبعثًا عن فؤاد مملوء امتنانًا على ما خدمتم به الإنسانية، وهي خدمة يثني على سيادتكم بها لسان الدهر، وإن كانت آثاركم أجلَّ من أن تقوى وصفها الأقلام، إلا أنكم قلدتم جيد جريدتكم بهذه الدرر الباهرة؛ إذ كشفتم النقاب عن مُحيَّا الحقائق بما أظهرتموه من أخبار هذه الطائفة التي يسمونها بعلماء الروحانية، وقلَّما كان سوادنا الأعظم يكترث بهذا الأمر الذي عمَّ ضرره على جميع الأقطار الشرقية، ولطالما سمعنا عن أخبارهم المريعة وعاينَّا من أفعالهم الفظيعة ما يدهش العقول ويضيق الصدر، وبالأخص الذين يتصفحون الطرق والأزقة وهم مستترون تحت جلباب التقوى متخذين كلمة التوحيد شعارًا لاقتناص أموال عباد الله، مستحوذين على عقول أولي السذاجة والبساطة، وقد رأيت ذلك عيانًا في ذات يوم وأنا في حجرة مشرفة على إحدى أزقة القاهرة، وإذ بامرأة يظهر من حالها أنها قادمة من عند الطبيب لمرض ألمَّ بعينها الواحدة، وإذ برجل ربع القامة نحيف الجسم متعمم بعمامة خضراء وعليه حلة الدراويش، وفي عنقه سبحة طويلة وعلى عينيه رباط أزرق، يقوده غلام يناهز الخمسة عشر، فلما رأى تلك الساذجة نطق بكلمة «الله الله» وأقبل نحوها، وألقى يده على رأسها وهو يزيد من كلمة الجلالة، فنفرت منه المرأة إلى الوراء، فلما رأى الغلام نفورها قال لها: «لا تُغضبي الشيخ لئلا يتصرف فيك، ودعيه يضع يده على رأسك لأجل أن يزيح الحملة عن عيونك.»
فلما سمعت تلك المسكينة ما قاله الغلام تقدَّمت إلى الشيخ، وأخذت يديه تقبلهما وتضعهما على رأسها وتقول: «ادعي لي ادعي لي يا سيدي الشيخ لأجل أن يشفيَ الله عيني؛ لأنها منذ مدة وهي مريضة، وأنا أصرف عليها النقود الكثيرة، وها أنا آتية من عند الحكيم.» فقال لها: لا تخافي أنا أحمل عنك الألم. فقال الغلام أعطي الشيخ «قرشًا» لأجل أن تحصل البركة في نقودك؛ فأخرجت الكيس من جيبها وهي بغاية البشاشة مستبشرة بشفاء عينها، وفتحت الكيس لأجل أن تُخرج له قرشًا كما طلب الغلام؛ لأنه كان أخبرها أنه لا يقبل الدراهم، وأنه يصرف من تحت السجادة، وإنما طلب منها هذا القرش لحسن حظها، وأنها مقبولة عنده لعظم سعدها، وكان في الكيس ثلاثة جنيهات أفرنكية، وثلاثون قرشًا صاغًا وريال، فلما رأى الشيخ ذلك قال: هاتي النقود حتى أقرأ لك عليها لأجل البركة، وأنت مسعدة وقد أخذت عنك الحملة «الله الله يا حي»، وجعل يقرأ على رأسها ويكبسه حتى سلمت له المسكينة وناولته الكيس، وكان الغلام قد قبض قبضة من التراب ورماها بها وفر كلاهما؛ فصرخت المسكينة صرخًا يفتت الأكباد ويذيب الجماد، وهممتُ أنا أن ألقيَ نفسي من النافذة لِمَا حصل عندي من التأثير والغيظ الشديد، وناديت الخادم وأمرته أن يُدخل تلك المسكينة إلى داخل منزلنا، فدخلت وهي على آخر رمق مما أصابها من فقْد عينها الطيبة من تأثير التراب الذي أصابها وملأ عينها، وكل ذلك حصل ببركة الشيخ، حيث إنه رفع عنها الألم، ثم سألتُها عن حالها، فأخبرتني أنها أم أيتام وأنها مضطرة لهذه النقود جدًّا لسد احتياجاتها، وأخبرتني أخبارًا محزنة، فأحضرنا لها عربة وأرسلناها إلى منزلها وهي عمياء لا تبصر الضوء؛ وذلك بسبب الطبيب الروحاني.
ولم أعلم أية الطائفتين أشد نكالًا على الجنس البشري؛ أطائفة اللصوص وقطاع الطريق، أم هذه الطائفة الروحانية التي عقدت العزم على سلب أرواح العالم عن الأموال! وكيف سها عنها بعض رجال الحكومة السنية مع أنها بذلت الجهد في تدمير طائفة اللصوص واستتباب الراحة وبث روح الأمن بين أفراد رعيتها.
وكذلك توجد طائفة من النساء يسمونهن الكديات، هن اللواتي يعملن الزار، وهؤلاء أفظع وأشنع من طائفة الدجالين؛ إذ هن دجالات أيضًا، ولهن أفعال تشمئز منها النفوس وتقشعر منها الأبدان، وأما النساء اللواتي على شاكلتهن فيكَدن أن يعندنهن لعظم ما يزخرفن لهن من القول حتى يُدخلن في اعتقادهن أنه لو تكلمت إحدى النساء في محلها لسمعت الكودية وهي في منزلها؛ وذلك بسبب الشيخ أو العفريت الذي على الكودية، فإنه ينقل الكلام إلى مريدته، وبهذا السبب لا تقدر أن تتكلم، ولا إذا طلبت الكودية شيئًا تقدر أن تخالفها لئلا يغضب عليها الشيخ الكبير الذي كل العفاريت تحت حكمه، فتأتي حينئذٍ إلى زوجها بالرقة أو بالعنف، فإن قدرت على سلب شيء منه، وإلا التزمت بأن تبيع شيئًا مما تملكه، وتسدد طلبات الكودية بأية طريقة كانت، وأما إذا اقترحت على إحداهن عمل الزار فإنها لا تقل كلفته ومصاريفه عن العشرين أو الثلاثين جنيهًا، فضلًا عن المصوغ والحلي والملبوسات الثمينة التي تقترحها عليها الكودية بدعوى أن العفريت جاءها في الرؤيا، وطلب منها ما هو كذا وكذا، فتلتزم أن تفيَ بالطلب خوفًا من أن يعاكسها ويوقعها في المرض.
وها أنا أشرح لحضرات القراء الكرام ما رأيته رؤية العين، وهو أنه دعتني ذات يوم إحدى صديقاتي أن أحضر عندها في يوم كذا لأنها ستعمل الزار، وكنت في أشد الشوق لرؤيته؛ لأني لم أكن رأيته قبلها أبدًا، بل كنت أسمع به فقط، فلما دخلت ذلك المحل وجدت فسحة متسعة مفروشة، وفي جوانبها الفرش مطروحًا على الأرض بدون أن يكون شيء منه مرتفعًا عن شيء، وذلك احترامًا للكوديات اللواتي لا يتسنى لهن أن يرتقين على الأَسِرَّة، ولا يجوز لأحد أن يكون مرتفعًا فوقهن، ذلك إطاعة لأمر الدين؛ إذ اعتقادهن أن الذي يعلمنه هو من نص الشريعة، وذلك ناشئ من جهل النساء، وعدم اطِّلاعهن على الحقائق؛ إذ إنهن لا يعرفن من أمر الدين شيئًا سوى أسماء الأولياء، مثل السيد البدوي والرفاعي والبيومي والمتولي ومثل هذه الأسماء، فإذا حصل لإحداهن أدنى مرض أوهمتها الكودية أنه سيحضر عليها السيد البدوي، أو أي اسم من هذه الأسماء — ولا يخفى على العاقل ما للوهم من التأثير على إحساسات الإنسان — فيتبركن بها، ويأتينها من كل جانب، وعددن احترامها من أعظم شروط الديانة لأجل أنها يسكن في جسمها الطاهر السيد البدوي، أو الشيخ محمد أو غيره من الأولياء، وهذه نتيجة الجهل الذي هو من عدم تربية البنات.
ولَمَّا استقر بنا الجلوس قامت الكودية ووضعت كرسيًّا في وسط المجلس، وأجلست عليه صاحبة المنزل التي نحن في ضيافتها، وأحضرت فرختين وديكًا، وربطت أرجلها ووضعت الديك على رأسها والفرختين على أكتافها، وصارت تتلو قراءتهن المعهودة وتنشد الأناشيد، والفراخ لخوفها تقابل إنشادهن بالصراخ والنقيق حتى ارتج ذلك المحل، وجميع الجالسات يمسحن وجوههن ويقلن «دستور يا أسيادي، مدد يا أهل الله، نظرة يا أسيادي» وهي تتلو، وفي يدها الدف الذي يسمونه البندير في عُرف أهل الطريقة، ثم صارت تضرب عليه، وتأتي بالأناشيد التي على تلك الطريقة، حتى إذا فرغت من ذلك أنزلت الديك والفرختين، وخرجت إلى صحن الدار، وأحضرت كبشًا من أحسن الموجود وأمرت بذبحه، فلما نُحر أحضرت طبقًا، واستقلت فيه الدم، وأمرت الست أن تشرب من ذلك الدم وتدهن به أعضاءها؛ ففعلتْ ذلك، ونحن كلنا ننظر إلى شيء تقشعر منه الجلود وتشمئز منه النفوس الأبية؛ إذ نحن نعلم أن الدم محرم كالميتة ولحم الخنزير، ولما فرغن من تلك الفعلة الشنعاء احتطن بها، وفي أيديهن الدفوف والصنوج، وأدخلنها بالاحتفالات العظيمة التي ما أظن أنها نالتها حين زواجها، ملطخة بالدماء عوضًا عن حلة الزفاف، إلى أن أجلسنها أمام محل الكودية وأتباعها، فجلسن جميعًا كلٌّ منهن في محلها، والسيدات المدعوات أيضًا جلسن، وانتظم المجلس، وجيء بالقهوة وأخذن الراحة قدر نصف ساعة، ثم مسكن الدفوف، وضربن ضربًا مزعجًا مع الإنشاد المدهش، والست راكعة أمام الضاربات منكِّسة رأسها إلى الأرض إلى أن جاءت إحداهن، ومعها بقجة فيها بدلة من ملابس الرجال، وهي عباءة مزركشة بالقصب على أحسن ما يكون، وأسبلتها وأخرجت ملاءة من الحرير الهندي مشغولة أطرافها بالكنتير الفضي، وطربوش مكلل باللؤلؤ، وأخرجت لها سيفًا وخنجرًا ملبسين بالفضة، فتقلدت بالسيف ومسكت الخنجر بيدها، ووقفت تتمايل في وسط ذلك الجمع العظيم والآلات تضرب، ثم انتفضت وقالت السلام عليكم، فقيل لها أهلًا وسهلًا من أنت؟ قالت «أنا الشيخ عبد السلام»، ثم ضربن لها على الطريقة المعتاد عليها الشيخ المومأ إليه.
فرقصت رقصًا يعجب ويطرب، حتى إذا فرغ الدور قامت زعيمة القوم وكبستها، وبذلك انصرف الشيخ إلى حال سبيله، ثم حضرت زوجته واسمها السيدة رقية ودخلت في جسم المرأة، وقالت «السلام عليكم يا ستات» بصوت رفيع عليه آثار التصنع، فسلمت على الجميع وطلبت الملبوس والحلي، فأحضرت لها سبع بدل من الحرير كل بدلة لون، وكلها مزركشة بالقصب، وعلى كل بدلة قطعة من البرنجك بلون البدلة يسمونها «الطرحة»، وعلى أطرافها الخيريات الذهب، وأحضرن لها المصوغ من أطواق وأساور وخلاخل وكرادين ومعاضد وخواتم كبار خلاف الخواتم المعتادة وأحجبة وغير ذلك، فدققن لها على السبع طرائق، وكل طريقة تلبس لها بدلة وصنفًا من الحلي، وفي أثناء ذلك قام بعض المدعوات ورقصن معها، وكلهن لا تقل ملابسهن ومصوغهن عما وصفت، والفقيرات مصوغهن فضة، ولو أحصينا أثمان ما في ذلك المحل لزاد عن السبعمائة جنيه من حلي وحلل وغيره.
ولما فرغن من ذلك انصرفت الست زوجة عبد السلام بعد أن ودَّعت الجميع، ثم إن ابن الشيخ عبد السلام الصغير حضر ولبس جسم المرأة، وحينئذٍ تغيرت أحوالها ورجعت إلى حال الطفولية، وقعدت في الأرض تلعب كالأطفال، ولكن التصنع ظاهر، فعملن لها الطريقة التي اعتادت عليها، وهي تنط كنط الأطفال حتى فرغت الطريقة، ثم انصرف عنها إلى أمه، وحضر بعده العبد، واسمه مرجان، وتكلم بلسانٍ كلسان العبيد، ورقص على الطريقة التي اعتاد عليها، ثم انصرف هو وجاءت الجارية زوجته فحلت جسمها ووقفت في وسط المرسح، وصرخت صراخًا مزعجًا يشوش الأفكار ويرعب القلوب، وقالت: لا أطبخ إلا بالمغرفة الفضة، ولا أمسك إلا الجندرة الفضة، وإن لم تحضروها لي، وإلا أعميها وألقي عليها المرض ولا أتركها تقوم من الأرض. فقامت السيدات من كل جانب واحتطن بها وكلٌّ منهن تقبِّل أيديَها، ويستسمحنها لتعفوَ عنها، وهي لا تزداد إلا جماحًا ونفورًا حتى قامت الكودية الكبيرة، وتعهدت لها أنها في الأسبوع الآتي ستحضر لها ذلك.
وحينئذٍ ضاق صدري، والتفتُّ إلى إحدى السيدات وكانت إلى جانبي وسألتها: ما هذا الجسم الذي يسع كل هذه العائلة حتى العبيد والجواري أيضًا، وأين كانوا من قبل، ولماذا لم يحضروا الزوج والزوجة والولد مع بعضهم، والجارية والعبد يقفون لهم بالخدمة، ولماذا الجارية لها سلطة بهذا المقدار؟! فلما سمعتْ كلامي رمقتْني بعين التعجب وقالت: اسكتي يا أختي لئلا الأسياد يغضبوا «دستور يا سيادي»، فقلت: ما هذا قصدي، وإنما قصدت الاستفهام لماذا لم تمتثل وتفعل كما فعلوا، وترجع من حيث أتت؟ قالت: إن المريدة عملت لهم الأشياء اللازمة إلا هذه الست ريحانة لم تعمل لها شيئًا؛ فلذلك هي غضبانة «شيء لله يا ستي ريحانة».
ثم بعد ذلك أُعِدَّ الطعام، وقامت السيدة صاحبة الزار تحيِّي الضيوف بكل أنس ولطف وإنسانية ورقة على غاية ما ينبغي حتى انصرفن، وكلهن لها من الداعيات ولفضلها من الشاكرات.
هذه طريقة الزار هي الداهية الدهماء، والمصيبة العظمى التي هي أشد نكالًا ووبالًا على سخيفات العقول، هي التي جديرة بأن تُذكر، ويبحث فيها الباحثون من ذوي الفضل والآداب.

الرسالة الثانية عشرة


رسالة حضرة الفاضل محمود أفندي شكري مدير جريدة البستان الغراء.
كشف الإزار عن مسألة الزار

ونشرت في العدد ??? من النيل بتاريخ ?? صفر سنة ???? أيضًا هذه الرسالة:
«بينما أنا أسبح — كعادتي — في جداول النيل المبارك لالتقاط درره القيِّمة، إذ عثرت فيه على درة مصوغة بيد الحكمة مفرغة في نموذج الكمال، لصائغتها ربة الفضل واليراع الكاتبة الشهيرة الست زينب فواز، التي نبهت الأفكار بدرتها هذه على أفظع العوائد المصرية، ألا وهي مسألة الزار ذي الثقل الفادح على كاهل الهيئة الاجتماعية، وحينما تأملت تلك الدرة همَّ لساني في الحال بالشكر أولًا للنيل الذي لا تفتأ تأتينا فوائده يوميًّا فلا نهاية لها، وثانيًا لحضرة الكاتبة الفاضلة، ولكل ما أتَوْه من باهر الآيات.
رفعت يدي عن شكر فضل شكرتهوما فرق شكري في الثناء مزيدولو كان مما يستطاع استطعتهولكن ما لا يستطاع شديد هذا ولقد أسفت كل الأسف على ما هو مبثوث في عقول بعض أبناء الوطن من اعتقاد الأمور المخالفة للشرع والعقل مثل هذه المسألة الوخيمة، وأخذتني لذلك الحمية الوطنية، وكنت وقتها معتقلًا بالقلم، فجرى ما جاش في فكري معربًا عن حقيقة هذا الأمر، من حيث إنه مخالف للقواعد الدينية والنواميس الطبيعة، مبينًا أن ما كان كذلك كان آفة على الإنسانية تستوجب العلاج لاستئصال شأفتها، ومنع سريان سُمِّها في بدن الهيئة الاجتماعي، وهذا ما كُتب:
الأدلة الدينية على بطلان الزار

الدعامة التي يعتمد عليها من يعتقدون في الزار هي أن الجسم مصاب بأرياح، يزعمون أنها مؤمنة تحدث فيها مؤثرات ناتجة عن عدم رضائها على الشخص، وباستعمال الزار تزور تلك الأرياح عن الجسم، فيحصل الاتفاق معها على الطريقة التي ترغب فيها، وبتنفيذ ما اتُّفق عليه يرتاح من مؤثراتها.
هذا محصل قولهم، ولعمري إذا كانت هذه الأرياح مؤمنة كما يزعمون، ويسمونها بأسماء المشايخ، ويقولون بولايتها، ما بالها توقع بالجسم هذه الأضرار الجسيمة، وتكلفه فوق الطاقة من حيث لبس الحلي وغيره، وكل ذلك بدون أدنى سبب، ألم تكن — والحالة هذه — من الأرياح الشريرة؟! ولنضرب صفحًا عن كونها شريرة أولًا، ونبحث في هل تدخل تلك الأرياح بدن الإنسان وتتلبس كما يزعمون؟
نقول: لا تدخل هذه الأرياح الجنية أبدان البشر، وما ورد موهمًا لذلك من النصوص تأولته العلماء بما يناسبه من التأويل، قال في الجوهرة:
وكل نصٍّ أوهمَ التشبيهَاأوِّلْه أو فوِّض ورُمْ تنزيهَا فما ورد موهمًا كون الشياطين تتلبس بجسم الإنسان قول النبي ?: «إن الشيطان يتمكَّن من وسوسته كتمكُّن الدم من العروق.» لقائل يقول: إن النصوص سواء أن كانت قرآنية أو نبوية لا يجب تأويلها إلا إذا استحال تطبيقها على ظاهرها، وهذا الحديث لا يستحيل أن يكون على ظاهره، فقد قال القاضي عياض: لا مانع من أن يجريَ الشيطان في باطن الإنسان في مجاري دمه، أقول قال النبي ?: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها.» فإذا كان الإنسان يستهل صارخًا من مس الشيطان إياه، فما باله لو سرى في مجاري دمه. إذن لا محالة في أنه هالك، وقد أوَّل الزمخشري هذا الحديث بأن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومَين، وإلا المخلصين لقوله تعالى حكاية عن إبليس: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، وأما استهلاله صارخًا فتخيُّل وتصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول هذا ممن أغويهم، لكن هذا التأويل لا يعكر علينا جوابنا عن قول القائل القائل المار الذكر، فإن قوله تخيُّل وتصوير يؤخذ من فحواه أنه لو حدث حقيقة لكان مصحوبًا بالصراخ.
ومذهب الزمخشري في هذه المسألة أن الشيطان فضلًا عن كونه لا يدخل باطن البدن، لا يمسه أيضًا، وفسَّر قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، بأن هذه الآية نزلت على حسب ما تزعمه العرب من أن الشيطان يخبط الإنسان فيُصرع، فكأن الله — سبحانه وتعالى — قال: «الذين يأكلون الربا يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين.»
وقال في تفسير قوله تعالى: إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أي: من إغوائه.
وقال في آخر كلامه على هذه الآية: «وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلَّط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخًا وعياطًا مما يبلونا به من نخسه.» وقد عارض ابن المنير الذي كتب على الكشاف للزمحشري، وعرض عند تفسير آية الذين يأكلون الربا إلخ، فقال: «اعتقاد السلف وأهل السنة أن هذه الأمور على حقائقها واقعة كما أخبر الشرع، وإنما القدرية خصماء العلانية، فلا جرم أنهم ينكرون كثيرًا مما يزعمونه مخالفًا لقواعدهم، من ذلك السحر وخطبة الشيطان، ومعظم أحوال الجن، وإن اعترفوا بشيء من ذلك فعلى غير الوجه الذي يعترف به أهل السنة، وينبئ عنه ظاهر الشرع في خبط طويل لهم، فاحذرهم قاتلهم الله أني يؤفكون.» هذا نص كلامه.
وعندي أن الزمخشري مصيب كل الإصابة فيما أتي به من التأويل؛ إذ به طابق بين الحقائق الثابتة والنصوص الشرعية؛ لأنه لا يخفي أن الأطباء والحكماء الفزيولوجيين متفقون على أن الصرع مرض عصبي سببه ليس مس الجن، بل مؤثرات أخرى مبسوطة في كتبهم يضيق بنا المقام لو سردناها هنا، وكون القرآن الشريف يأتي بما ظاهره يفيد المغايرة بينه وبين تلك الحقائق أمر يجعله مضغة في أفواه أولئك الأقوام؛ ومن ثَمَّ رأى الزمخشري — ومعه الحق — أن لا مندوحة عن التأويل؛ حيث لا ضرر، ويمكنني أيضًا أن أجاوب عن الزمخشري بأن الأطباء والحكماء الفزيولوجيين كما لا يسلِّمون بأن الصراخ ناشئ عن مس الجن، لا يسلِّمون أيضًا بأن الصراخ كذلك، أي من مس الجن، بل إنهم يقولون إنه ناتج عن تنبيه الجلد من تأثير الهواء الجوي فجأةً في بدن المولود. وحينئذٍ يكون تأويل الزمخشري لهذا الحديث من باب المطابقة أيضًا.
هذا، وعلى فكري أن ما تقدَّم كافٍ في إثبات أن الجن لا تدخل بدن الإنسان ولا تمسه، وفقط الدخول والمس المستفادان من القرآن والحديث ليسا إلا أمرين معنويين ينحصران في الإغواء والوسوسة؛ ومن ثم تكون مسألة الزار التي هي عبارة عن زيارة الجن بدن الإنسان باطلةً بطلانًا دينيًّا، وسأتكلم في فرصة أخرى عن بطلانها من حيث العلوم الطبيعية، ذاكرًا نوع المرض المعمول لأجله الزار، مفسرًا للحوادث التي يُظن أنها خارقة للعادة، وذلك على قدر ما تهديني إليه المطالعة، والله الهادي إلى الصراط المستقيم.»

الرسالة الثالثة عشرة


وكتبت حضرتها في العدد ??? من جريدة النيل تستنهض نساء الشرق إلى العمل في رسالة تكلمت فيها بوجوب النهضة العلمية للمرأة الشرقية، وها هي: قالت الجريدة المذكورة: وردت إلينا هذه الرسالة بقلم حضرة الأديبة الفاضلة السيدة زينب فواز فأدرجناها بنصها:
وجوب النهضة العلمية للمرأة الشرقية

بقدر الكسب تكتسب المعاليومن طلب العلا سهر الليالي قد خُلقنا للجد والاجتهاد في هذه الحياة لا للكسل والرقاد، وبالحزم يرتفع شأن المرء بين أقرانه، ويحمد بين عترته وخلانه، وبالمثابرة والمداومة على الأعمال وواسطة الثبات والإقدام يبلغ الإنسان المراد، ويتسهل لديه كل عسير، ويهون عليه كل صعب خطير، وحيث إن الهيئة الاجتماعية مؤلفة من الجنسين الذكر والأنثى، وكلٌّ منهما مرتبط برباط وثيق مع الآخر في كافة الإحساسات الحيوية والأعمال الدنيوية، فيجب علينا — نحن الجنس النسائي — المساعدة للرجال في الأعمال أيضًا.
نعم، وإن كنا — نحن النساء المسلمات — من داخل الحجاب إلا أنه لا مانع يَحُول بيننا وبين العمل، وإلا أُوصدت دوننا أبواب الأمل، بل نحن كأننا في كامل المجتمع الإنساني، وإن كنا نصف العالم إلا أنه لا يعزب عنا شيء مما يجريه النصف الآخر في منتدياته ومجتمعاته، وكافة الأمور التي تختص بالأعمال وغيرها؛ وذلك بسبب انتشار الصحف التي عمَّت فائدتها، وخصوصًا في هذه الأيام الجديرة بأن تُذكر فتُشكر، فما بال المرأة منا لا تُقدِم على العمل بكل نشاط حيث إننا — والحمد لله — قادرات على كل عمل لو تركنا الكسل، وتوشحنا بالحزم في دائرة العمل!
فهذا المعرض الكلومبي قد فُتحت أبوابه لكل عمل يُعرض في القسم النسائي من أعمال النساء، وهذه النساء الغربيات قد سبقن إلى أشياء لم نقدر على مجاراتهن فيها، ولكنَّ لدينا أشغالًا يدوية لا يعلمها نساء الغرب، وهي الأشغال القديمة التي لا يُعمل بها الآن، وقد تركناها بمصنوعات الغرب مثل الأويات والأنتيكة والظرافة وشغل التلي والترتر والشورات والقصب والحساب بالحرير وغير ذلك، والأشغال متعددة لا لزوم لتعدادها، ولكني أحثكن — يا بنات جنسي — على هذه الأعمال التي تعود علينا بالشرف العظيم، وانظرن إلى البنات السوريات اللاتي بيَّضن وجه التاريخ بأعمالهن واجتهادهن باكتساب العلوم والفنون والعمل بها، فلو اجتهدتن لحففتن عن رجالكن بعض الأشغال الدنيوية، فلتجتهد كلٌّ منكن لعمل شيء مما تقدرن عليه، وتهتم بإرساله إلى القسم النسائي الذي سيصير عرضه سنة ????؛ حيث إن حضرة الفاضلة السيدة برثاهونوري رئيسة قسم النساء في معرض شيكاغو ساعية في تنشيط النساء عمومًا، وقد أرسلت تشكراتها إلى النساء السوريات، ووجَّهت كلامها إليكن — معشرَ النساء المصريات — أيضًا؛ فيجب عليكن أن تلبين نداءها يا معشر النساء الفاضلات؛ حيث إنها جعلتكن محلًّا لثقتها فلا تخيِّبْنَ فكين ظنها الجميل، وقد لا يكلفكن هذا العمل شيئًا لا تقدرن عليه، بل هو خفيف جدًّا، وسأوضح لكن في فرصة أخرى — إن شاء الله تعالى — متى وجدت منكن نشاطًا وحمية.

الرسالة الرابعة عشرة


وكتبت حضرتها رسالة تكلمت فيها عن فن التشخيص ودرجته في النيل في العدد ??? بتاريخ ?? ربيع أول سنة ????، قالت الجريدة المذكورة: وردت إلينا هذه المقالة من حضرة الفاضلة الكاتبة السيدة زينب فواز فأثبتناها بنصها: بينما كنت أتفكر في فن التشخيص وما له من الفوائد الجمة، التي لا تخفى على أُولي الألباب النيرة والأفكار الرائقة، وما يشتمل من خدمة الآداب، وكيف أنه هو الوسيلة الوحيدة لتهذيب النفوس وتمرين الأخلاق على قواعد الفضيلة وصيانة الأبدان من تولُّد الأمراض؛ إذ عليه مدار قسم مهم من الصحة أيضًا، فضلًا عن اكتساب الآداب.
إذ إن الإنسان بعد أن يأتيَ في محل أشغاله متألمًا من ثقل الأعمال أو متكدرًا من أمر يهمه تدبيره أو شيء يحزنه … إلخ، فإنه إذا أوى إلى منزله وهو بصفة من هذه الصفات، فلا بد أن تتراكم عليه الأفكار وتتكاثر عليه الأكدار، فيلتزم أن يلقيَ بنفسه إلى إحدى الحانات يتعاطى شراب العقار ليصرف عنه ما يكابده من الأكدار — هذا إن كان من أهل هذه الطبقة — فتضر المداومة عليه بصحته، وربما استهدف به ذلك إلى الأمراض الشديدة والآلام المستمرة.
وإن لم يكن من أهل ذلك، يلازم الحزن بسبب ملازمته للأفكار والأكدار والأتعاب حتى يمل ويكل؛ وحينئذٍ يضر ذلك بصحته أيضًا وربما كانت هي شرًّا من الأولى.
أما إذا كان وُجد جوق عربي بلسان أهل الوطن ترتاح له النفس، وتشنف به الأسماع، وهو جدير بأن يُذكر فيُشكر لحسن انتظامه وجدارة وإتقان مشخصيه ومشخصاته؛ فإنه يكون أعظم طريق للتخلص من هذه الويلات العظمى، وأجمل وسيلة لجلاء الصدأ عن صفحات القلوب؛ حيث إنه جامع لكل فن من الفنون الأدبية والتاريخية والسياسية وغيرها، وللمناظر فيه مواعظ لا تُنكر.
إذ يرى كأنه في ذلك الزمان الذي فيه الرواية الموجودة، فإن كانت سياسية تخيل للناظر ما يظهر من حلم ذلك الملك إن كان حليمًا فيشكر عليه، وإن كان ظالمًا فيتعظ به، وحسن سير الوزراء والأمراء، وصدق ولائهم بمليكهم، أو ضد ذلك، وكيف تدور الدوائر على الباغي، وكيف يجازَى الصادق على صدقه، فإذا كان الرائي من أرباب السياسة، فبالطبع تتوق نفسه إلى الشيء الذي يُشكر ويتجنب الذي يُذم، ويعتبر بأحوال من سلف.
وإن كانت الرواية تاريخية فإنه يرى ما كان عليه أهل ذلك العصر من العادات والأخلاق، وكيف كان سيرهم وأديانهم وعباداتهم؛ فيكتسب منها الرأي المستحسن ويترك المستقبحات، فضلًا عن اكتساب شفاء النفس من دون الأكدار، وصرف الهموم عن مخيلة الإنسان، والاطلاع على أحوال من سبقونا بجملة قرون، وعلى ما كانوا عليه في أيامهم الغابرة.
وقد يعلم أن من يرى أحوال التشخيص بخلاف من يطَّلع على فصول التاريخ؛ لأن الأولى تُرى رؤية العين الواقع، والثاني يُسمع عنه بالنقل، وليس الخبر كالنظر.
وإذا كانت الرواية محزنة، تُكسب الرائيَ رقة القلب والرأفة، وتُهوِّن عليه المصائب التي هو فيها؛ وإن كانت وعظية يلتقط ما يُنثر في ذلك المرسح من الدرر الأدبية والألفاظ الجوهرية، فيكتفي الإنسان عما سواه من الملاهي.
ولقد كنت أطلقت للقلم العنان إلى أن وصل إلى هذا الحد، وإذا بالنيل قد أقبل تتلاطم أمواجه على دركات الأفكار مشحونة بالفوائد الأدبية، فتركت القلم وتلقيته لالتقاط ما فيه من الدرر، وإذا أنا بنظرة ??? ساطعة الأنوار يتلألأ منها نور الحقيقة، وتُخبر تفصيل ما للجوق العربي من الفوائد وما يلزم له من امتداد يد المساعدة، فتركت ما كنت فيه من تفصيل فوائده؛ إذ إن نظرتكم مستوفية التفصيلات، واشتغلت بأداء الشكر الذي لم أقدر أن أقوم بواجباته.
نعم، إن من الضروريات الالتفات لهذا الجوق، والاستنهاض له بالمساعدة المادية والأدبية مع الشكر لهمة مديره ومشخصيه؛ حيث إنه أوجد من الضعف قوة ومن العدم وجودًا بحسن مثابرته على الجد والاجتهاد، وتوشُّحِه بالحزم والسداد.
فإليكم أوجِّه سؤالي يا أعيان الوطن، وأرباب الهمم العالية، ومحبي نشر الفضيلة وبث روح التمدن والآداب في قطرنا السعيد، الذي سيفوق على جميع الأقطار الشرقية في ظل عناية سموِّ خديونا المعظم وهمم رجاله الكرام، إلى تلبية ما نشره النيل الأغر في عدد ??? من خصوص مساعدة الجوق العربي، الذي ستزيد فوائده ما زادت مساعداتكم له وتبقى منافعه للعموم.

الرسالة الخامسة عشرة


وهذه صورة الكتاب الذي أرسلته لها رئيسة قسم النساء في معرض شيكاغو، ودرج في العدد ??? من جريدة النيل بتاريخ ?? ربيع أول سنة ????، قالت الجريدة المذكورة: كنا نشرنا صورة الرسالة التي بعثت بها حضرة الأديبة الفاضلة الكاتبة الست زينب فواز إلى حضرة الست بارثا هونوري بالمر رئيسة القسم النسائي في معرض شيكاغو، وعن إرسال كتابها الذي أنشأته في تراجم أحوال النساء تحت عنوان «الدر المنثور في تراجم ربات الخدور» برسم تقديمه إلى مكتبة القسم النسائي في المعرض، وقد وقفنا اليوم على رقيم الست بارثا هونوري الوارد إلى حضرتها فآثرنا درجه، وهو شيكاغو في ?? سبتمبر سنة ????:حضرة السيدة الفاضلة زينب فواز

أيتها الست العزيزة، وصلني كتابك في ?? يوليو سنة ????، وأنا مسرورة كل السرور بقبول هديتك اللطيفة لمعرض النساء، وهو الكتاب الذي كتبتِه عن أحوال النساء، ويمكنك إرساله عندما تشائين تحت عنواني، وأنا أُسَرُّ بأن يفسح له مكان في مكتبة النساء، وأؤَمِّل منكِ أن تكتبي عن وصول مكتوبي هذا، وأُسَرُّ جدًّا إذا كنتِ تخبرينني عن السبب الذي يمنعك من المجيء إلى المعرض في ديانتكم الإسلامية، هذا وإنني أشكرك على الفائدة التي تكرمتِ بها، وأنا محبتك.
بارثا هونوري بالمر
رئيسة القسم النسائي في معرض شيكاغو

الرسالة السادسة عشرة


وقالت حضرتها في رسالة أرسلتها إلى مجلة الفتى اقترحت فيها على علماء العربية، ودرجت في العدد الثاني الصادر بتاريخ ?? صفر سنة ????، ودرجت أيضًا في النيل في العدد ??? منه، وبِناءً عليه صنف سعادة فيلسوف العصر حسن بك حسني رسالته المسماة بخط الإشارات.
قالت المجلة المذكورة: جاءتنا هذه الرسالة من حضرة الأديبة البارعة والكاتبة الفاضلة السيدة زينب فواز، فنشرناها مع الشكر والثناء:
«قد علم العموم أن لغتنا العربية أشرف وأوسع اللغات وأرقها، وللمتفنن فيها مجال واسع وطرق متعددة، فأية طريق سلكها الكُتَّاب يجدوا منها مسالك واسعة وفيافيَ شاسعة، ولكني أرى الغربيين — مع ضيق مسالكهم وقلة بضاعتهم — قد سبقونا إلى أشياء نحن أحق بها منهم؛ لأن المفازة الواسعة تحتاج إلى أدلة، وإن كانت هذه الأدلة قليلة جدًّا، ولكنها عظيمة الفائدة؛ تجعل للكلام رونقًا لطيفًا، ولا تكلف القارئ إطالة الفكر وإمعان النظر بما يراد باللفظ من المعنى المقصود، فالفرنساويون إذا كتبوا جملة تظهر للقارئ بتشخيصها وإشاراتها الدقيقة، وذلك بوضع علامات تدل معانٍ خفية لا تظهر من تركيب الحروف فقط، كوضعهم الصفرين «:» إشارة للإيضاح وزيادة البيان، والألف والصفر «!» علامة للتعجب أو للانفعال من أمر للاندهاش منه، أو للاشمئزاز أو للنداء، ووضعهم أيضًا هذه العلامة «؟» للاستفهام، والقوسان لجملة إذا حُذفت من الكلام لا تضر بالمعنى.
وأصفار التعليق التي توضع في وسط جملة تكون إما لكون الذي حلت محله مفهومًا بالبداهة، أو لا يليق ذكره فيتبادر الذهن إلى فهمه بدون تكليف، وتوضع أيضًا في آخرها لهذا السبب نفسه مضافًا إليها شيء من التعجب يدعو القارئ إلى الاعتبار والتذكُّر، وغير ذلك من مثل هذه الإشارات العظيمة النفع التي نحن أشد احتياجًا إليها من غيرنا؛ لأن اللغة تحتاج إلى إشارات كهذه لكونها كثيرة المعاني؛ ففي لفظ واحد تجد معانيَ متعددة، وقد تكون للفظ إشارات خفية لا يفهمها القارئ، بل ما ظهر من الحروف المركب منها اللفظ، وأما «المعنى الزائد على ذلك في قلب الشاعر»، وهذا يحتاج إلى بيان، فإذا أراد الكاتب أن يكتب شيئًا يوجب الاشمئزاز مثلًا، ولم يقدح القارئ فيه الفكرة لا يفهم المقصود منه بمجرد المرور على الأسطر، فُلو وضعت له علامة لاكتفى المطالع بها مشقة البحث، وظهر له معنى الجملة من عنوانها، وما هو المقصود منها من الحركات الدقيقة والإشارات الرقيقة. نعم، وإن كانت الجرائد استعملت البعض من هذه العلامات الأجنبية، إلا أنها ليست كافية ولا ذات أهمية؛ إذ قلما يفهم القارئ المقصود منها وما هي الفائدة، فإذا كان ولا بد توضع علامات مخصوصة خلاف النقط والأصفار تتخلل الأسطر، وتدل على الأشياء المشار إليها بعد أن يشرح كلٌّ منهم كيفية استعمالها.
وقد أوجبني هذا الفكر أن أقترح على علمائنا الأفاضل آملة أن يلبوا دعوتي، ويعتنوا بهذا الأمر القليل التعب العظيم الفائدة، ولهم خالص الشكر الدائم منِّي ومن كل ناطق بالضاد.
«الفتى» يشارك حضرة الأديبة بهذا الاقتراح المفيد، ويؤَمِّل أيضًا من علمائنا أن لا يبخسوا هذا الطلب العادل؛ لأننا إذا طالعنا جملة نكون كمن هو في بحر عديم القرار إلا بعد مشقات وأتعاب، يمكن لعلمائنا أن يوفروها عنا بدون عناء، وفي الوقت نفسه نكرر الثناء على حضرة الفاضلة المشار إليها لما أنها لا تألوا جهدًا من البحث عن كل ما يعود على الوطن بالمنافع الأدبية الجمة، وهذه نهضة نذكرها للجنس اللطيف لما أننا نرى فيهن من الحماسة الوطنية والنخوة العربية، والسعي لنيل حقوق، فلله دَرُّ وقت نهضت النساء فيه من خمولها مشجعة بالأنوار الحميدية العباسية.»

الرسالة السابعة عشرة


وقالت حضرتها في العدد الثاني من الفتاة مقرظة لتلك الجريدة بتاريخ ?? جُمادى الثانية سنة ????، وها هو كما يأتي: قد أشرقت علينا زهرة الفتاة بازغة من أفق أفكار المخدرات تُعرب عن در مقال كأنه الجريال، وتوضح عن معانٍ كأنها السلسال خطت بيراع العقائل والأوانس، وتوشحت بما زانها عن عرائس الأفكار وأفكار العرائس، وتدبجت بمحاسن الفرائد والنواهد، وتجلت عن مُحيَّا العوانس والخرائد.
فيا لها من مجلة حَوت فرائد الفوائد ما لم يَحوِه غيرها من المجلات ذات المحامد؛ حيث ظهرت في سماء الشرف تزيده نورًا وبهاءً عن الشمس والبرق، ولرقة معانيها وحسن مبانيها رأيت عليها من الناس الإقبال، وهم بغاية الإعجاب بها والإدلال، فنسأل الله تعالى المتعال، أن يجعل لها النجاح مدى الدهور والأعوام، في ظل مولانا الأفخم ودوارينا المعظم، من صارت العلوم والآداب في عصره تنمو، مولانا وعزيز مصرنا عباس باشا حلمي — حفظه الله لنا، وجعل مدة ملكه صفو وهناءً — وإليك بإربة الأدب أقدِّم هذه الأبيات:
عِز الفتاة يزينُ أرباب الأدبوبها ازدهى الجنسُ اللطيف كما أحبجاءت لنا هندٌ تزف فَتاتهاحور المعاني المسفرات ولا عجبوغدت مُحلاةً بكل فضيلةجمعتْ حضارتها فَصِيحات العربوصفتْ فلو وصفتْ جمالَ سماتهاأفكارُنا مالت وملنا في طربلله دَرُّ فَتاتِنا وفنونهافلقد حَوتْ من كل معنًى منتخبفلْيهنأِ الجنسُ اللطيف بنشأةما كان يبلغها الزمان ولو طلببُشرى بنات الشرق إنَّ فتاتناوفَّت بما ترجو وتمَّ لنا الأدبوزهت فقلت مع الهنا تاريخهاعِز الفتاة يزينُ أرباب الأدبسنة ????

الرسالة الثامنة عشرة


وكتبت حضرتها رسالة مختصة بأعمال الدجالين، ودرجت في العدد ??? من جريدة النيل بتاريخ ? ربيع الآخر سنة ????. وها هي: قالت الجريدة المذكورة: وردت إلينا هذه الرسالة من حضرة الكاتبة الفاضلة زينب فواز فأدرجناها بنصها:مصائب الدجالين على المجتمع الإنساني

لا تعجبوا من هذا العنوان؛ لأنه بِناءً على ما ذكرتموه في أحد أعداد نيلكم المبارك من أنكم تريدون من كل شخص اطلع على شيء من أفعال الدجالين، أو حصل له ضرر بالذات أو بالواسطة فليخابركم، وها أنا إجابةً لما طلبتم أخبركم بما رأيته وسمعته من هذا القبيل، وهو أنني سمعت عن إحدى السيدات — وهي صديقة لي — أنها مريضة، فتوجَّهتُ لعيادتها على حسب العادة، فوجدتها طريحة الفراش شاحبة اللون منحطة القوى، فسألتها عن حالتها فأخبرتني أنها منذ ثمانية أشهر كان حصل لها مرض خفيف لا يستحق الذكر، فلما رأتها والدتها بهذه الحالة ألزمتها الشفقة الوالدية أن تأخذ أثرها، وهو منديل أو شيء فيه أثر العرق يسمونه «الأتر»، وتوجَّهت به إلى أحد الدجالين، فلما رآها وتأمل فيه قال لها: إن صاحبة هذا الأثر معمول لها سحر، وأنها لا تُشفى إلا إذا أزيل عنها السحر، وسيزيد عليها المرض إن لم تتدارك هذا الأمر. وبما أن الشفقة الوالدية لا تقدر قالت له: يا سيدي الشيخ، أرجوك أن تعمل لها شيئًا يزيل هذا السحر، وتشفي ابنتي، ولك مني ما تريد، وانكبَّت على يديه تقبلهما، فلما رأى الأستاذ منها ذلك أخذه الطمع، وطلب منها خمسة جنيهات، وقال: إن الأمر صعب يلزم له سهر بالليل ومراقبة الأفلاك، وأنا أكارمك بهذا المقدار من النقود، فأعطته بكل ممنونية «اثنين جنيه»، وأبقى الباقيَ لبعد ما تُشفى ابنتها الشفاء الذي ما بعده مرض، وطلب منها أن تأتيَه بطبق نحاس أحمر جديد بدون بياض، فأحضرته بكل فرج وانشراح، فكتب عليه وأمرها أن تضعه فوق السطح بعد أن تملأه خلًّا فيبيت في الندا إلى الصباح، وبعد ذلك تشرب من ذلك الخل مقدار فنجال، وتغتسل بالباقي، وحينئذٍ يبطل السحر، وتُشفى البنت. ولا يخفى على كل ذي فكر ثاقب أن صدأ النحاس هو سم قاتل، وبالأخص إذا وُضع عليه الخل؛ فإنه يُخرجه من معدنه إخراجًا كافيًا لأنْ يُقتل به الإنسان، والحاصل أن أوامر الشيخ لا تُرد، والتماس البركة منه أوجب تلك الوالدة أن تُسرع لإتمام العمل، وقد حصل وفعلت ما أمرها به، وجاءت بالدواء الشافي لبنتها، وملأت لها فنجالًا من ذلك الخل الذي لونه كلون الحبر مما امتزج به من صدأ النحاس، ثم قالت لها: اشربي يا بنتي بالشفا إن شاء الله. قالت البنت: لَمَّا أخذته من يد والدتي وأدنيته من فمي، لم أقدر على شربه سوى أني أخذت منه بقدر ما يؤخذ من فنجال القهوة لا غير، وحينما استقر في جوفي وجدت كأن السم قد سرى في جميع أعضائي، وشعرت بألم شديد في صدري وأمعائي من ذلك، وأنا على هذا الحال؛ أخف يومًا وعشرة مريضة، فما بالك لو كنت شربت الفنجال كله، فما كنتِ ترينَنِي الآن في هذه الدنيا، وكانت والدتي جنت ما كسبته يداها ونالت نتيجة سعيها؛ فهذه فوائد الطب الروحاني الذي عمَّت منافعه جميع الأنحاء الشرقية.
وفي أثناء ذلك بلغني أيضًا — ونحن في ذلك المجلس — ما هو أدهى وأمر، وهو ما أخبرتني به إحدى السيدات اللواتي كن في ذلك المحل؛ هو أنها كانت منذ ثلاث سنوات في وجه قبلي بمدينة قنا، وقد رأت ذلك رؤية العين، وهو أن أحد العُمَد في قنا مستعد لاستقبال الضيوف في منزله، فدخل عليه أحد الدجالين، وحينما استقر في المحل جعل يشم كأنه يشم رائحة شيء، فسأله صاحب المنزل عن السبب الذي أوجب له ذلك، فأخبره قائلًا: إني أشم هنا رائحة كنز، وأشار إلى محل خرب في جانب الدوار، وهو حاصل قديم، فلما سمع الرجل ذلك داخله الطمع، وقال: كيف يكون إخراجه؟ فقال: أنا أخرجه، ولكن يلزم لنا مصاريف، ويلزم لنا جارية سوداء صفتها ما هو كذا وكذا. ووصف له جارية كان رآها في منزل الرجل، وقا: هي التي يظهر على وجهها الكنز، قال ويلزم لنا شيء من الغوازي الذهب؛ لأنه كله غوازٍ وبنادقة، وهو لا يخرج إلا على شيء من جنسه، ويلزم لنا البخور، وهو تفاح الجان «وهو الكزبرة على اصطلاح أئمة الروحانيين»، ولا يوجد إلا في مصر، وثمنه غالٍ يلزم قدر ثلاثة جنيهات. فأحضر الرجل — بكل انشراحٍ — كل ما طلب، وأحضر الأربعين قطعة من الذهب الغوازي ومن البنادقة ما لا أعلم له عددًا، ودخل هو والجارية إلى ذلك الحاصل، وأحضر برميلًا فارغًا، وأمر الجارية أن تجلس تحت البرميل، وقَلَبه فوقها، وعلَّمها اسمًا تتلوه، وأمرها أن لا ترفع عنها البرميل إلا إذا رُفع لوحده، وأراها أنه وضع الذهب فوق البرميل، وأخرج الرجلَ من المكان بعد أمر بأن يأتوه بالطعام من طاقة صغيرة، ولا يفتحوا عليه الباب إلا بعد أسبوع من الزمان فامتثلوا أمره، وعملوا له المرتب من الطعام فأحضروه له أول يوم فأخذه من داخل، وفي اليوم الثاني أحضروه على حسب العادة فلم يأخذ طعامًا ولا غيره، فظنوا أنه داخل الكنز، فانتظروا أربعة أيام فلم يأخذ طعامًا، فكسروا الباب ودخلوا فوجدوا الجارية ميتة، وحضرة الأستاذ أخذته الشياطين على أجنحة اللعنة، وليس له أثر ولا خبر.
فهذه أعمال تلك الطائفة الفظيعة التي هي أشد من الوحوش الضارية على العالم الإنساني، هي التي تُرعب القلوب، وتقشعر لذكرها الجلود، ويتفتت من فظاعة أفعالها الحجر الجلمود، ولكنها ليست ظاهرة إلا لمن انبلج أمامه شيء من نور الحقيقة، وأما البقايا منهم تراهم كل يوم يقع منهم في شَرَك هؤلاء الوحوش خلق كثير.

الرسالة التاسعة عشرة


وكتبت حضرتها لحضرة الست برثا هونوري بالمر، رئيسة قسم النساء في معرض شيكاغو، وقد كانت الست المذكورة أرسلت إليها من شيكاغو تسألها عن بعض مسائل تختص بالدين الإسلامي والعوائد الشرقية، فأجابتها على ما سألت، وقد درج في العدد ??? من جريدة النيل بتاريخ ?? ربيع الثاني سنة ????، وها هي تحت عنوان مصر: صورة الرقيم الذي بعثته حضرة الفاضلة الكاتبة السيدة زينب فواز إلى حضرة الست بارثا هونوري بالمر، رئيسة قسم النساء في معرض شيكاغو، جوابًا لها عن رقيمها الذي نشرناه في أحد أعدادنا، وهي قالت — حفظها الله — بعد الديباجة: قد وصلني كتابك العزيز المؤرخ ?? سبتمبر وتلوته، وأنا في غاية السرور والممنونية، وشكرت لك إنسانيتك المزدانة بحلية الآداب التي أتت من معدنها، وزادني سرورًا قبولك لهديتي، والذي ضاعف مسراتي وقلدني قلائد الممنونية هو سؤالك عن السبب الذي يمنعني من الحضور إلى المعرض في ديانتنا الإسلامية، وها أنا أشرحه لك شرحًا موجزًا، ولي في كل جارحةٍ لسان ناطق بالثناء على همتك العالية.
ولْأبدأْ أولًا بذكر العادات الإسلامية التي نشأنا عليها، ونحن نجدها من الفروض الواجبة، ونتوارثها فنتلقاها بغاية الانشراح، حتى إن المرأة منا لو أُجبرت على كشف وجهها الممنوع عندنا، لوجدته من أصعب الأمور، مع أن كشف الوجه واليدين ليس محرَّمًا على قول فريق عظيم من العلماء، ولكن منعته العادة قطعيًّا، وهي التي توارثناها؛ إذ إن البنت منا لا تتجاوز الثانية عشرة من سنها إلا وهي داخل الحجاب، والولد متى بلغ الحلم لا يحل له قطعًا النظر إلى النساء.
وإن من عاداتنا المحترمة عندنا عدم حضور المرأة في المجتمعات العامة التي يجتمع إليها الرجال كالقهاوي والملاعب والتياترات إلا من وراء حجاب، والبالوات والكلوبات وكل ما كان كذلك، ولكن للنساء محافل خصوصية لا تختص إلا بهن، ليس للرجال فيها محل، حتى إن الرجل لا يجوز له أن يدخل دائرة النساء من منزله ما دُمْنَ فيها إلا بالإذن عند الحاجة؛ حتى لا يرى إحداهن.
وهذه المحافل قد تكون للأفراح والدعوات العامة، والأحوال الاستثنائية كالمآتم وما أشبه، وأكتفي بشرح البعض منها مثلًا لغيرها، وهو أنه إذا صار عندنا الاهتمام بفرحٍ لزفاف خصوصًا بين أحد الشبان وإحدى الآنسات، تجتمع النساء في دائرة الحرم من داخل المنزل، ويجتمع الرجال في الخارج كي لا يختلط الجنسان، وإذا أراد النساء أن يسمعن ما عند الرجال من آلات الطرب، يجلسن في النوافذ المشرفة على المحل؛ بحيث إنهن يرين ولا يراهن أحد من الخارج؛ وذلك بسبب الأستار المسدولة على تلك النوافذ — والنوافذ مصنوعة من الخشب، شرقية الصنع، مركبة تركيبًا محكمًا، وفائدتها أن تحجب ما وراءها فيرى الذي في داخلها من كان خارجًا عنها ولا عكس — وهي بعض عادات الشرق المختصة بالحجاب، ولها فوائد أخرى لمنع الحر والبرد، ولا أعلم إن كانت مستعلمة عندكم على هذه الصفة أم لا.
وتتولى النساء أمر العروس من كافة ما يلزم لها من أمرَي الزينة والزفاف، وضرب الآلات والترنم بالألحان المطربة، كما يتولى الرجال شأن العريس ويأتون به، ويتم الزفاف وكلٌّ من الجنسَين المجتمِعَين لا يرى الآخر، وهكذا سائر الاحتفالات المعتادة.
والحجاب عندنا مأمور به في الدين بنصوص الكتاب الكريم، كقوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى? جُيُوبِهِنَّ ? وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ إلخ الآية، قال بعض العلماء: المراد بها مواضع الزينة لا الملابس والحلي؛ ولذلك وجب علينا الستر والحجاب.
وأما عدم الإباحة لنا بالسفر، فعلى ما يفهم من أقوال بعض العلماء والأعلام لأنَّ عندنا في شريعتنا الغراء لا يباح مس جسم المرأة لرجل أجنبي عنها، قالوا وهذا إذا كانت شابة، ولو حل النظر فيها في مثل الوجه مثلًا. وعلى رأي من قال: بأنه ليس عورة فإنه يحل النظر إليه دون الشعر، ولكن لا يحل مسه إلا إذا كان لذي محرم، بخلاف العجوز الشوهاء، فإنه يجوز للأجنبي أن يمسها ويسافر بها أيضًا، أما الشابة فلا يحل لها السفر إلا بصحبة أحد ذوي قُرباها إن لم يكن الزوج، وأعني بذوي قرباها ذوي محرم منها؛ الذين لا يحل لها التزوج بهم، كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم إلخ، فإذا سافرت المرأة مسافة ثلاثة أيام فأكثر يلزم أن يكون معها أحد من هؤلاء المذكورين في الآية الشريفة، كالأب والابن والأخ والعم والخال … إلخ، أو الزوج؛ وذلك لأنه إذا مس جسمها في وقت الركوب والنزول أو غير ذلك لا يكون محرمًا، وهؤلاء بخلاف غيرهم من ذوي القربى الذين لا يحرم الزواج بينها وبينهم، كابن العم وابن الخال وابن العمة وابن الخالة … إلخ، فإنها تحتجب عنهم أيضًا؛ فلذلك لا تسافر مع أحدهم من حيث المسألة مبنية على المس، ومتى جاز المس جاز السفر؛ فهذا الذي يمنعني من الحضور إلى المعرض من وجه، والوجه الآخر هو ما تقدَّم من عدم تعودنا على الخروج إلى المجتمعات العامة؛ إذ إن المرأة منا لا يجوز لها الخروج إلى خارج المنزل إلا مؤتزرة بإزار يسترها من الفِرق إلى القدم — وهو من الحرير الأسود نسميه عندنا الحبرة — وبرقع يستر وجهها حتى لا تبين منه إلا العيون، وإذا مرت إحدانا على قهوة — أو مجتمع مع أنها مؤتزرة لا يظهر منها شيء — يستولي عليها الخجل حتى تكاد لا ترى أحدًا ولا الطريق، وهذا كله ناشئ عن التمرن من الصغر على حسب العادة المألوفة.
والشروح المختصة بأمر الحجاب كثيرة والعادات جمة، قد اكتفيت منها بهذا القليل. وأُخبرك أيتها العزيزة الفاضلة بأنني ألفت رواية تشخيصية من حوادث عصرنا الحالي، وأشخاصها من أعز أصدقائي، فإن سمحتِ لي أن أرسلها لك لتأمري بترجمتها وتشخيصها في المعرض، تصيريني ممنونة بقبولها وأني رهينة أوامرك، ويمكن إرسالها قبل إرسال الكتاب؛ لأنني فرغت من تأليفها، فإنها صغيرة جدًّا بالنسبة للكتاب، فاقبلي مني سلامًا عاطرًا صادرًا عن فؤاد شاكر، وأرجو من عواطفك العلية أيتها الفاضلة أن تشرفيني بكل ما يلزم الاستخبار عنه من عاداتنا الشرقية، فأفيدك منها بكل ما أقدر عليه، مع شكري لك وممنونيتي منك، ودُمت لمُحبتك.

الرسالة العشرون


وقالت حضرتها تعيب بعض عادات المصريات، وتبكيتًا لبعض الشبان الخارجين عن دائرة الآداب، وقد أدرجت في العدد ?? من النيل بتاريخ ?? ربيع الآخر سنة ????: وها هو من المعلوم لكل ذي لب أن كل أمة من الأمم المتمدنة لا يتم تمدنها إلا بنشر القوانين والنظامات الإدارية، وبث روح الأمن بين أفرادها والمحافظة على الأعراض والأنفس والأموال.
وهذه — والحمد لله — حكومتنا السنية ورجالها العظام ساهرون على استتباب راحة الأمة وبث روح الأمن، مجتهدون في قطع جراثيم فساد الأخلاق والمعاملات، متيقظون لكل قضية تعرض عليهم فيجرونها بكل عدالة ويفحصونها بكل دقة وانتباه.
لكن يوجد في مصرنا عادة، وهي لعمر الحق مخلة بالآداب وأي خلل، ومزرية بالشرف والفضيلة أي إزراء، خارجة عن دائرة الإنسانية وأي خروج، وإني لأرى أن الجرائد قد سهت عنها فلم تذكر منها شيئًا مع أنها لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها.
ألا وهي أن العادة المألوفة عند بعض المصريين، ولا أقول الكل، حاشا! بل عند أولئك الذين لم يمر عليهم اسم الأدب، ولا يعرفون ما هي الفضيلة وواجبات الإنسانية، ولا يفهمون إلا ما جُبلت عليه أنفسهم من الدنايا والسعي وراء شهواتهم البهيمية؛ فهم بذلك يطوفون في الأَزِقَّة والشوارع، وحين يرون أي سيدة كانت من السيدات المخدرات تمر يرمونها بكلام تشمئز منه النفوس ويأباه كل ذي ذوق سليم، مثل قولهم: «يا سلام يا سيدي»، «ما فيش كدا أبدًا.» وما أشبه، فإذا كانت السيدة مارة أمام قهوة أو مجتمع وسمعت ذلك، يستولي عليها الخجل حتى تكاد تضطرب من شدة الحجاب والغيظ من تعديات ذلك المتكلم.
وإذا كانت في طريق منفرد عن المجتمعات، يستولي عليها الخوف أنها لا تكاد تجد إلى الأمن سبيلًا.
ولا عجب من هؤلاء المهذبين الذين ختم الله على قلوبهم حتى إنهم لا يعلمون الفرق والتمييز بين السيدات المخدرات الشريفات وبين غيرهن، ولا يقتنعون إذا رأَوْا منهن دقة التحفظ على شرفهن، بل يزيدهم ذلك فجورًا وغرورًا.
ومن الغريب أنهم يتبعونهن إلى حيث يقصدن، ولا يأخذهم في ذلك كسل، ولا يصدهم توانٍ ولا ملل، سواء قَرُب الطريق أو بَعُد، ولا يؤثر فيهم كلام ولا شتم ولا شيء من ذلك، بل مثلهم كمثل الحيوان الضاري لا يريد إلا أن تُرجعه القوة القهارة، وهنَّ لا يقدرن على استعمالها لما رُبِّين عليه من الحشمة والأدب وصيانة الحجاب.
بل هي من خصائص رجال البوليس المنوطين برعاية الأمن العام والآداب المرعية العمومية وحفظ النواميس المحترمة، ولكني أرى من بعض الأفراد عدم الاكتراث بشيء من ذلك في أغلب الأحيان، فلو شدَّد عليهم ضباطهم بالمواظبة على تلك الواجبات، وأصدروا التنبيهات اللازمة على أفراد البوليس المنبثين في أنحاء المدينة، لكان أوقى لنواميس العائلات الشريفة من ذلك التصدي والازدراء؛ إذ إن ذلك كثيرًا ما يتم للكبير والصغير، ويشمل الغني والفقير؛ إذ ما من فرد من أفراد الأمة إلا وله حرم مصون ساهر على حفظه متيقظ للذب عنه بدمه وماله، وهذه عادة لعمر الحق جديرة بأن يُنظر فيها، وتتلفَّت إليها أنظار حضرات الذين من شأنهم المحافظة على الأمن وراحة العموم.

الرسالة الحادية والعشرون


وكتبت حضرتها سؤالًا وجَّهت به إلى حضرة العالم العلَّامة عزتلو حسن حسني بك، صاحب جريدة النيل، مذيلًا باسم «درة المشرق»، أُدرج في العدد ??? من الجريدة بتاريخ ?? جمادى الأولى سنة ????، وها هو: قد علمتم أن للطبيعة طوارق تسطو على جسم الإنسان فتفترسه وتسحقه؛ فيتضرر منها أي ضرر، ويتألم منها كل الألم، وهي تتألف من ثلاثة أنواع، وهي: «المرض» و«الجوع» و«الحب».
ولكلٍّ من هذه الأنواع وطأة قوية على جسم الإنسان تذهب بحياته؛ فالأمراض على اختلاف أنواعها تتولَّد عن أسباب لا يسع المقام شرحها، والجوع وهو عظيم الفعل في جسم الإنسان أيضًا، والحب وهو مختلِف الأنواع أيضًا يتولد منه جملة أشياء قاتلة، كالغَيرة والحسد والشوق، وغير ذلك مما لا يساعدنا المقام على شرحه أيضًا.
«إذ المقصود غير هذه الشروحات»، والحاصل أن كلًّا من هذه الأنواع له تسلُّط على الوجود الإنساني، وصولة عظيمة في ميدان الحياة النفسانية، وقد ترى أن العالم الإنساني قد تسهل لخدمة النوع البشري في دفع الداءين الأولين، وهما المرض والجوع، فأما المرض فقد جعلوا له أعظم مدافعة من أعظم الرجال، ومهَّدوا لمدافعته المدارس لتلقِّي العلوم الطبية والاكتشافات الكيماوية وغير ذلك؛ وأما الجوع فقد استنبطوا له كل ما يلزم لدفع غائلته من زراعة وغيرها من التحفظات اللازمة لذلك، وقد تجد لكل مبتَلًى بأيِّهما من مساعدين ومعضدين مباح له بث شكواه وتألمه، فيجد من الشفقة والحنان ما لا مزيد عليه؛ وأما الداء الثالث — وهو داء الحب — فإننا نجد المصاب به بعكس ذلك وإن كان منزهًا عن كل دنس خاليًا عن البهيمية مقدسًا لا يشوبه أدنى شيء يشينه، فإننا نجد الناس عوض المساعدة والانتشال من وطأة الداء يوجِّهون إليه سهام اللوم ويرشقونه بنبال التعنيف، حتى إنه لا يجد مساعدًا ولا معينًا ولو من أقرب الناس إليه كالأب والأم وغيرهم من الأقارب، حتى إنهم يستعملون له عوض الشفقة والحنان كل فظاظة وقساوة، فيلتزم فوق تكبده العظيم بالكتمان وعدم بث شكواه إلى أحد؛ فيكون ذلك عليه سمًّا ناقعًا.
وبما أني أعلم ما لسيادتكم من غزير العلم في كل فن من الفنون وقد عمَّ فضل عرفانكم، كتبت إليكم هذا السؤال أستفيد من بحر علمكم الطامى راجية أن تمُنُّوا عليَّ بالجواب عن السبب الذي جعل المصاب بالداءين الأوَّلين يُعذر، والثالث يلام مع أنه هو الرابطة العظمى لكل أمر، وهو السبب في عمار الكون؛ إذ لولا العلائق بين الأفراد ما تألفت الممالك، ولا كثر الاتفاق بين الأمم وبعضها إلا بروابط الحب، ولولا ذلك ما عُمِّر الكون البتة؛ فأكرر رجائي لديكم آملة من فضلكم أن تُبدوا في هذا الأمر فكركم الخصوصي.

الرسالة الثانية والعشرون


صورة الجواب الذي كتبه صاحب السعادة حسن حسني بك صاحب جريدة النيل على سؤال «درة المشرق»، وقد أدرج في العدد ??? من جريدة النيل بتاريخ ?? جمادى الأولى سنة ????، وها هو كما جاء في الجريدة:جواب سؤال درة الشرق

أوردنا سؤال حضرة البارعة الأديبة الست درة المشرق في عدد يوم الخميس، ونحن اليوم نُجيب ولو على غير رأي أبي العتاهية إذ يقول:
وقال رجال لو نعتَّ لنا الهوىووالله ما أدري لهم كيف أنعتإذا زاد ما بي كان أعظمَ حيلتيله وضعُ كفي فوق خديَ أسكت لأن البحث فلسفي، والغاية الوقوف على شيء من الحقيقة، وخلاصة السؤال أن العوارض التي تطرأ على صحة الإنسان ثلاثة: المرض والجوع والحب، وقد اعتنى البشر بالأمرين الأوَّلين دون الثالث، وأن المصاب بهما مرحوم، وبالثالث ملوم.
والحق يقال، إن هذه النقطة نقطة اختراق الأفكار ذات الأشعة المستمرة من شموس فلك المعقولات.
والذي يظهر لي، وما أدرى المصيب أو المخطئ، أن البشر لم يهمل الرحمة على المصاب مهما كانت درجته من القوة إلا لبواعث وقياسات، أصاب في بعضها وأخطأ في البعض، شأنه في كل عاداته وأعماله.
ولما كان المرض وامتناع الغذاء الذي هو الجوع والعطش يخالفان الحب في أحوال جوهرية في الأغلب؛ استدعيا الرحمة من كل الوجوه؛ الأول: أنهما لا يَحدثان إلا عن اضطرار لا اختيار فيه، الثاني: أنهما يُنتجان العجز والضعف الظاهر، الثالث: أن ضررهما بمصابهما مادي محسوس، الرابع: أنهما لا يَقبلان شبهة الاحتيال، الخامس: أن دفع ذلك مقدور عليه بدون أن يتعلق بحقوق شخص آخر. أما الحب فهو مفارق لكل هذه الأحوال: أولًا: لأنه غير اضطراري لوسائل على الأصح، وإن كان هنالك بحوث تطول شروحها، فإنه لا ينشأ إلا بعد رؤية أو سماع، وكلاهما تعرُّض لحق الغير من جهة الرجال، وخروج عن واجبات العصمة، والتمنع من جهة النساء؛ فنشأته اختيارية خارجة عن الشِّرعة التي تقتضي الشفقة في الأغلب بمقتضى العادات التي نما عليها النوع، وقوانين الشدة واللين في معاملة ذلك المصاب تابعة لقوانين العادة والمألوف.
ثانيًا: أن أفعال الحب في الجسم لا تظهر إلا بمظهر الأمراض الجسمية، فلم يعتد البشر على تقدير الضرر الحاصل منه إلا العالِم أو المُجرِّب؛ فهو على ريب من موافقته ما يرى في غيره لما جرى بذاته، وأما العالم فهو مسلِّم بنوع الضرر مرتاب في صحة الدعوى، وعلى كلٍّ فاتفاق الكل على عدم استحسان جناية النشأة واتهام الغاية يمنعهم من الرحمة.
ثالثًا: أن ضرره بالمصاب مشعور بصور الاتهام والأسباب كما تقدم؛ فلذلك قلَّ أن يعطف عليه أو يرحمه راحم.
رابعًا: أن الارتياب فيه يغلب على الحقيقة، والريبة متعلقة بحقوق الغير من الأعراض التي اتَّفق البشر على حمايتها.
خامسًا: أن علاجه غير مقدور عليه من كل الوجوه؛ إذ تَحُول المراسم دون الغاية ولو كانت منزهة شريفة.
ولا يصح إنكار أن الحب قد يكون على شِرعة نزاهة وطهارة وعفة، ولكن ذلك مشرب بتزاحم الظنون لكثرة المتسترين على مفاسدهم بهذه الدعوى، وصعوبة التفريق بين المصلح والمفسد، ولله دَرُّ أبي الطيب إذ يقول:
وقد يتزيَّى بالهوى غيرُ أهلهوقد يصحب الإنسان من لا يلائمه ولولا هذه العلل وتغلُّب الشبه والظنون، وشدة خفاء الفرق العظيم بين الحب والشهوات الباطلة، ما خِلت أن العالم الإنساني يقابل هذا المصاب المدهش بأشد أعمال القسوة.
وكيف كان يسوغ له أن يجتمع على صرامة العمل لولا هذه العلل! على أن الحب والبغض هما أساسا هذا النظام العام، ولولاهما ما صح شيء من التعامل بين فردين من البشر.
فالحب أساس الارتباط الوجودي وأكبر مؤثرات العالم الحيوي، به قامت المنازل ونما النوع، وتأصلت العائلات وارتبطت الأمم، وعُمِّرت المجتمعات وترقت الأقوام، وعليه دار مدار هذا العمران، وهو كذلك إلى انقضاء الزمان.
ولو ساعد المقام على إطالة المقال لاستطردنا البحث، ولكن سنغتنم بحول الله فرصة لتفصيلات مهمة في هذا الباب، والله الموفِّق للحكمة وفصل الخطاب.

الرسالة الثالثة والعشرون


وكتبت حضرتها معترضة على جواب صاحب السعادة حسن بك حسني باسم «درة المشرق»، وقد أدرجت في النيل في العدد ??? بتاريخ ?? جمادى الأولى سنة ????، وها هي: قد تفضلتم بالجواب ولكنه على غير قصدي؛ إذ إن سؤالي كان عن الحب الطاهر الشريف، وأما الذي يستوجب الاتهام فإنه لا يُعبأ به ولا يُسمَّى حبًّا، وليس له تأثير على الجسم ولا له سلطة على حياة الإنسان.
ومن العجب أنه منذ نشأة العالم إلى هذا العصر لم نجد من يميِّز بين الحب الحقيقي والحب الاحتيالي، ولم نجد من يشخصه كما يشخصون الدقائق من الأمراض، ويكتشفون حقيقة حاله ونتيجة أمره؛ ولذلك تجدنا نعتقد بقول أبي العتاهية في هذه الخطة، فكيف يكون وقد كانت العرب إذا عشق أحدهم يُعزُّون أهله فيه لعلمهم أنه ميت لا محالة، ومع ذلك كانوا يمنعون عنه المحبوبة كل المنع مع علمهم بخطر ما هو فيه وبما هو عليه من العفاف والطهارة، وقد نجد في عصرنا هذا مَن هو قريب من هذه القسوة؛ إذ نجد من هو ذا ثروة مثلًا وأَحبَّ ولده إحدى الفقيرات، ولو كانت أجمل الناس وكابد فيها الأهوال، فإنه لا يُسلِّم له فيها ولا تأخذه عليه شفقة ولا رحمة، ويجتهد أن يزوجه بغيرها، ولا يبالي إذا ضعف ولده أو مات، بخلاف ما إذا كان مريضًا أو فقيرًا؛ فإنه يُشفق عليه ويساعده كل المساعدة، ويتعب لأجل أن يجمع له المال ويدخره له ميراثًا من بعده، مع المحافظة على صحته من الأمراض، حتى إنه يقيه بنفسه إلا من ذلك الداء المهول الذي هو أمام المجتمع الإنساني من أفظع الأمور وأشدها شناعة.
وأما قول سيادتكم: «إن المرض والجوع يخالفان الحب؛ لأنهما لا يَحدثان إلا عن اضطرار، وأن الحب غير اضطراري لأنه لا ينشأ إلا بعد رؤية أو سماع، وكلاهما تعرُّض لحقوق الغير.» فأقول إن هذا لا يستوجب القسوة لهذه الدرجة.
لأننا نجد الجائع يتعرض للسطو — مثلًا — والسرقة من مال الغير، فلماذا لم تشمل القسوة على كل جائع بسبب أفعال الفِرقة الفاسدة منهم كما شملت نوع المُحبِّين بسبب أفعال المحتالين منهم، وأما الاضطرار الذي أشرتم إليه فإنه شامل لكلٍّ من الثلاثة أنواع على ما أرى، وكلٌّ منها لا يأتي إلا بسبب؛ فإننا نرى أن الجوع لا يأتي إلا بسبب منع الغذاء، كما أن الحب لا يأتي إلا بسبب النظر أو السماع، والمرض أيضًا أسبابه كثيرة لا وقت لشرحها هنا.
وأما قول سيادتكم: «إن أفعال الحب في الجسم لا تظهر إلا بمظهر الأمراض الجسمية، فلم يعتد البشر على تقدير الضرر الحاصل.» فإني أرى أن هذا العذر غير كافٍ؛ لأن البشر قدروا على تقدير الدقائق الرفيعة من الأمراض، فكيف يعجزهم هذا المرض الظاهر لكل إنسان؟!
وأما إذا كان يلزم الارتكان على العالِم به أو المُبتَلى، فلماذا لم نرتكن في المرض إلا على المُبتَلى أو المُجرِّب الداءَ عينه؟! لماذا نسمع قول الأطباء، ونقبل تشخيصهم في الأمراض بدون تجربة، واستخراجهم الأدوية إن كان كذلك؟!
وإلى هنا نقف، وقد كاد القلم يسرح في هذا الموضوع لولا أن المقام لا يساعدنا على ذلك، وبهذا القدر كفاية، مع تقديم رجائي لسيادتكم أن تعفوا عن جراءتي على مناظرتكم في ذلك، وقد جرَّأني ما علمته عنكم من غزير العلم وحبكم لإظهار الحقائق، ما زلنا ننتفع بعلومكم ما طلع النيران.

الرسالة الرابعة والعشرون


رد عزتلو حسن حسني بك على اعتراض «درة المشرق» في عددَي ??? و??? من جريدة النيل بتاريخ ?? جمادى الأولى سنة ????، و? جمادى الآخرة سنة ????: لقد أبدعت مقالة درة المشرق الأولى، وبرأت إجابتها الثانية حتى تركتنا في تمام حيرة وانبهار لا ندري أنفتخر برقة هذه الأفكار، أم نقاوم بخشونة ألفاظنا وشماسة حكمتنا لطافة هذه الآثار، أم نحن نتلقَّى راح مقالات ذي علم وفضيلة في كئوس عنوان درة المشرق ولا نعلم من الغالب، وعلى أي حال فنشكر هذه الأفكار التي تنزلت أَهِلَّتها إلى نيلنا في مطلع العفاف والحجاب، وأقدر الآثار التي زينت حدائق مباحثنا بزهرات هذه الآداب.
وكنا نود أن نسلك بكل ما أوردته من الاعتراضات بلا اعتراض، ولكن حكم قانون المناظرة، وحرص ذات المعترضة البارعة على بيان الحقيقة يجبرنا إلى الكلام فنقول:
قالت الفاضلة: «قد تفضلتم بالجواب، ولكنه على غير قصدي؛ إذ إن سؤالي كان عن الحب الذي يأتي بالمرض لا غيره، وذلك هو الحب الطاهر الشريف، وأما الذي يستوجب الاتهام فإنه لا يُعبأ به ولا يُسمَّى حبًّا، وليس له تأثير على الجسم، ولا له سلطة على حياة الإنسان.» ونقول:
وقد يتزيَّى بالهوى غيرُ أهلهوقد يصحب الإنسان من لا يلائمه فكان الجواب عليه من حيث آثاره وما يتعلق به، ولعل الفاضلة ظنت أن الحب لا يؤثر على الأجسام إلا إذا كان طاهرًا بدليل ما قالته، فنبت عنه أساس القضية وهو فكرٌ اعتاد علو العفاف فلم يعرف ما يجني غيره على الحياة؛ فهو مشكور من جهة هذه الدلالة، ولكنه منقوض من حيث الحقيقة.
لأن المحب إما هو من أهل النزاهة أو غيرهم، وكلا الفريقين معتاد على اعتيادات مخصوصة لا يتأثر إلا بمقتضاها؛ ففريق يرى أن الحب مُنَزَّه عن الفجور، وبُعد التصدي لما يشين كمال المحبوب من أكبر أنواع العداوة والجناية، ويرتاح للعفاف فلا يتألم منه، لأرباب هذا الرأي أحوال لا يُصدِّق بها غيرهم لغرابتها عنهم وبُعدها، فقد قيل لهم لا خير في لذة من بعدها سقر، وقيل:
ولست من السوائم مهملاتفأتخذ الرياض من المراعي وهي أقوال لا تحصى، ومن ذلك ما قلت:
أهوى لُقاها ويصْبيني توددهامع العفافِ وهذا القدرُ يكفيناألهو بها وهْي تلهو بي على شرفما أقدسَ الحبَّ في قلب العفيفينالا أبتغي جنةً في طيِّها سقرإذنْ يساوي أعادينا محبيناوما علينا إذا ما لامنا بشرنحن المجانينُ إن لُمْنا المجانينا وأما الفريق الآخر فلا يألم من شيء هو أشد عليه من فضيلة العفاف، ولكلٍّ من أيامه وأفكاره ما تعوَّد، ولكن التأثر بالآم الهوى ودرجاته وشدة فعله في الحياة لا يتوقف على العفة والفجور، بل على درجة تمكُّن المحبة، وقد تبيَّن لأرباب البحث والتحرِّي أن قتلى الهوى وصرعى الغرام ألوف مؤلَّفة في كل عصر، ما بين منتحر بالسم والسلاح الأبيض والناري والغرق والشنق، وبين من يُبتَلَى بالأمراض والأسقام إلى الجنون، ولكن أهل العفاف من هذه الجماهير أقل من القليل.
فيُعلم من هذا أن الغرام الفاسد أشد تأثيرًا من الحب الطاهر النزيه؛ لأن للمحب العفيف تسلية وتعزية إما من الشرف وإما من الدين، فالآثار التي تتسلط عليه آثار شريفة مقدسة الأرواح.
فهذا هو السبب الوحيد في تعميم التهمة على المحبة لكثرة وجودها وقلة أهل العفة في المصابين بها.
ولو تأملتْ حضرة الفاضلة إلى هذه الحقيقة ما برأت أهل الجرائم من الأسقام، ولا حمت ملائكة فراديس العفاف من مهاجمات جيوش الاتهام، ولولا أن حجم الجريدة لا يساعد لبيان الفروق العظيمة بين سكان جحيم الفجور ومنعَّمي جنات العفاف، ولكنْ في هذا القدر كفاية وإنصاف، وأما ما أُورِدَ من الاستشكالات فيما يتعلق بعدم اهتمام النوع البشري بعلاج الحب والهوى، فالكلام على ما يأتي.
وبعد أن اعترفت الفاضلة بأن العالم منذ نشأته لم يفرِّق بين الحب الحقيقي والاحتيالي قالت: «وأما قولكم: إن المرض والجوع يخالفان الحب لأنهما لا يحدثان إلا عن اضطرار، وأن الحب غير اضطراري لأنه لا ينشأ إلا بعد رؤية أو سماع … إلخ. فأقول إن هذا لا يستوجب القسوة لهذه الدرجة؛ لأننا نجد الجائع يتعرض للسطو والسرقة، فلماذا لم تشمل القسوة كل جائع بسبب أفعال الفرقة الفاسدة منهم كما شملت نوع المحبين بسبب أفعال المحتالين؟! وأما الاضطرار الذي أشرتم إليه فإنه شامل لكلٍّ من الثلاثة أنواع على ما أرى، وكلٌّ منهم لا يأتي إلا بسبب … إلخ. وأما قولكم: إن أفعال الحب في الجسد لا تظهر إلا بمظهر الأمراض الجسمية، فلم يعتد البشر على تقدير الضرر الحاصل، فإني أرى أن هذا العذر غير كافٍ؛ لأن البشر قدر على تقدير الدقائق من الأمراض، وأما إذا كان يلزم الارتكان على العالِم به أو المُبتَلَى، فلماذا لم نرتكن في المرض إلا على المُبتَلَى أو المجرِّب بالداء عينه، ولماذا لم نسمع قول الأطباء … إلخ، بدون تجربة؟»
ونقول هذه خلاصة اعتراضات حضرة الفاضلة، وعليه نجيب فنقول: إن الاضطرار الواقع في المرض والجوع يغاير الاضطرار الذي يحصل في الحب؛ لأن العادة حظرت الرؤية والتقرب بين فريقَي الإناث والذكور في الأغلب، والتصدِّي لذلك تَعَدٍّ على الحدود، بخلاف المعارضين الأولين؛ لأن الأصل في الجوع العجز عن القوت، والأصل في المرض العجز عن حفظ الصحة أو العجز عن مقاومة المرض، وأما الأصل في الحب فليس إلا لرؤية، وهي ممنوعة؛ فاختيارها ممنوع، وقد يكون الأصل السماع، ولكن ذلك نادر، والنادر لا حكم له، وليست الرؤية الفجائية كاملة حتى تحمل على الصدفة التي تأتي بلا تعمُّد، بل لا بد بعد وهلة النظر من أُلفة أو تكرار حتى يتحكم الهوى.
فإن المؤثرات الروحية أولها الحال النفسية ثم إرادة، ومتى اعتيد، فعادة ثم ميل فمودة فحب فهوى فعلاقة فكلف فملكة فعشق وهَلُمَّ، إلى أن يصير شغفًا فشغفًا فغرامًا إلى أن ينتهيَ بالدله، والدله وهيام النفس، ومراتب بين ذلك كثيرة، من ثَمَّةَ يُعلَم أن الحب لا يبلغ ما تذكره الفاضلة من الدرجة إلا بعد مراتب قلَّت أو كثرت، وتركها والتخلي عنها مقدور عليه بنسبة جدة الأثر، ثم يتعاظم بتعاظم نسبة التحكم والثبات.
وبهذا يُفهَم أن الحب لا يصير اضطراريًّا إلا بعد تجاوز درجاتٍ تَرْكُه فيها داخلٌ تحت حكم الإرادة والاختيار.
وأما ترك البشر تحرِّي معضلات الهوى، فهو مقبول من جهة، ولكنْ فيه نظر من جهات؛ لأن الأطباء الجديدين، وبالأخص أهل الطب القديم، فإنهم فحصوه فحصًا دقيقًا، وتكلموا عنه بتفصيلات وإن لم تبلغ الحد النهائي، ولكن الذي منع الرأفة والرحمة ليس جهل آثاره وضرره، بل الباعث الوحيد إليه إنما هو اعتياد البشر الغيرة والأنفة مما يُتعلق به، لا صدًّا للمحب عما أحب، ولكن دفعًا لما يشوب نوع المحبة من المفاسد؛ فليس هنالك من اعتراض إلا على العادة والنظامات الاجتماعية؛ إذ هما الحَكَمان في إيجاب هذه القسوة، وفيهما نظر عميق؛ فالظاهر أنهما لم يهملا حق الشفقة إلا رعاية للحكمة، وهي ترتيب الأحكام على ما يناسب أغلب الواقع وطرح حكم النادر حتى يتبين، ولما كان أغلب الواقع في نوع الحب غير منزه من مفاسد التعرُّض للأعراض وجب أن تُستعمل فيه القسوة ردعًا لغير المنزهين، وتحقيقًا لأسباب كثرة الوقوع، ولا يتعرض على العادات والمشروعات لما يلحق المنزهين والمنزهات من الضرر والتلف لندرة وجوده، وصعوبة التفريق فيما بينهم وبين غيرهم لدلالة أن العفة والنزاهة لا تتحقق إلا في الضمائر، ولا حجة بها، ولا في خلوات المحبين، ولا شاهد على البراءة إلا ذممهم، وهي متهمة في نظر غيرهم؛ وذلك لعدم أرجحية شهادة المرء لنفسه أو لشريك عمله، وهي قاعدة الدنيا في أغلب الأحوال، ولولا ضيق المقام لأوسعنا المقال، ولكن نكتفي بهذا القدر الآن.

الرسالة الخامسة والعشرون


وكتبت حضرتها رسالة تكلمت فيها بعدم وجود الحرية، وقد أُدرجت في العددين ??? و??? من جريدة النيل: قد ذهب بعضهم أن الحرية موجودة في العالم الحيوي، وأنها بمجرد الاقتدار على التصرف بالأعمال، وعدم تسلط البعض على البعض. وقال آخرون: إنها بمطلق الإرادة حيث إن الإنسان يكون حرًّا في كل ما أراد أن يفعله لا مرد لأمره ولا ممانع لحكمه؛ فبذلك يستحوذ على الحرية. وقال البعض الآخر: إن الحرية لا وجود لها البتة، بل هي اسم بدون مُسَمًّى. وقد يُرى أن هذا المذهب الأخير قد وافقته المسائل الطبيعية كل الموافقة؛ لأننا نرى الإنسان في ربقة الأَسْر أكثر مما يظنه البعض أنه حر، ودليلنا على ذلك هو ما نشاهده أساسًا من أن الإنسان لا يمكنه التخلص من الأَسْر من حين نشأته إلى حين وفاته؛ إذ نرى من وقت خروجه إلى عالم الحياة إلى حين بلوغه الرشد يكون أسير أمه أو مربيته، ثم من بعد ذلك تستلم أفكاره عوارض الحياة وتهديدات الطبيعة، مثل الأمراض والأكدار والأوهام وغير ذلك من هذا القبيل.
وهذه القوانين التي عليها نظام العالم الإنساني تفيدنا أن لا حرية في هذا الوجود؛ حيث لا يتم انتظام الممالك إلا إذا كانت أفرادها طبقة فوق طبقة، كالجهادية — مثلًا — تراها طبقات بعضها فوق بعض، من النفر إلى القائد الأكبر، ولا لزوم للتفضل إذ الأمر واضح.
وكذلك القوانين الإدارية؛ حيث إن الرعية لولا بث الشرائع والأحكام الصارمة لسطت على بعضها البعض، ولكانت الأمم تفنى من جراء ذلك، فأين تكون حينئذٍ الحرية؟! وكيف بالإنسان لو أطلقت له الحرية لافترس القوي الضعيف!
وأما احتياج الإنسان إلى الاجتماع لأجل تحصيل المعاش والانتفاع بما هو ضروري ولا بد منه، مثل الفلاحة في الأرض من غرس وزرع، والبناء والتجارة والصناعة، وغير ذلك من الأشياء التي يحتاجها الإنسان في هذه الحياة.
فانظر يا أيها البعض القائل بوجود الحرية، ترى كيف أن الزارع منقاد إلى من هو فوقه، أو كيف احتياجه إلى الحيوان الذي هو أدنى منه، والصانع مذعن لأمر معلمه أو صاحب معمله، والتاجر لا تدور تجارته إلا بعملة وكتبة وجمعيات مؤلفة من أفراد ورءوس كلمتهم فوق كلمة البعض الآخر، وهَلُمَّ جَرًّا. أما ترى أيضًا أن الإنسان مفتقر لذاته مسترق لذاته بذاته، فإن كل عضو من أعضائه يحتاج للآخر، فترى أن بنيته لا تدافع غلبة المؤثرات والهوام الدقيقة التي ليس لها قوت إلا من جسمه الرهيف، كالبعوض والبرغوث وغير ذلك من مثل هذه الحيوانات الصغيرة الجسم إلا إذا كان سليم الحواس متناسب الأعضاء، وله مَلَكة ترشده إلى استعمال الموجودات في صالح ذاته حتى تدوم بنيته سليمة من العوارض، التي تذهب برونقها إلى زمن يسير.
وكذلك لا يقوم العمران إلا بتعاضد وتعاون النوع الإنساني الذي هو متغلب على باقي الموجودات في هذا الكون، والبعض منه متغلب على البعض الآخر لتمام الانتظام؛ وهكذا تجد جميع المخلوقات يحكم بعضها بعضًا، فانظر إلى الحيوانات كيف تسترق لخدمتها جميع جماهير الوجود النباتي، وكيف أن القوي منها يستعبد الضعيف.
أما ترى كيف تجمع القوات الجاذبة ما بين المتفرقات العنصرية، وتُخضعها لسلطان الاجتماع والتراكم تحت عبودية الفواعل الكيماوية، وأسر قوات التماسك بحيث لو أمكن للعناصر الهيولية أن تأخذ حرية الانفراد لما أمكن قيام النظام الطبيعي أصلًا.
وانظر كيف تدخل السيارة تحت سلطة الثوابت فتجذبها بقوة قهارة فتنقاد خاضعة، وقم بنا لنطير بأجنحة التصورات ونرتفع ببخار الأفكار إلى سماء الحقيقة، وهنالك أريك كيف أن هذه الكرة الأرضية تظهر لنا عن بعد سابحة في أعماق الفضاء، وهي تدور منحنية على نفسها كشيخ أحنت ظهره أثقال السنين! وكيف أن هذا الجرم العظيم منقاد بسلاسل سرية إلى الخضوع لنظام الفلك الشمسي، لا يمكن له الخروج عن حدود دائرته المضبوطة بأقطار من تشعشع جاذبية ذلك المركز الثابت!
وكيف أن جميع الأجسام المنتشرة على سطحه خاضعة لحكم تقلب الفصول والأوقات حسبما يقتضي حلوله في إحدى جهات تلك الدائرة! فإذا كانت جميع الموجودات قد خلقها الله تعالى تحت ربقة الأسر خاضعة لأحكام الطبيعة، فكيف بالإنسان ومن أين له التمتع بالحرية! وأين الفرار من العبودية! ولو لم يكن أمامه سوى تحكم النفس عن أمياله مثل الجوع والحب لكفاه ذلك استرقاقًا، «ولولا خوف الإطالة لشرحت ما لهذين الأمرَين من قوة التغلب على جسم الإنسان».
ومع ذلك فقد يمكن للإنسان أن يحصل على شبه الحرية ويتمتع بلذة الحياة على نوع «ما»، نعم، إذا طرح ثقل العالم عن عاتقه وارتضى بما قُسم له من الله تعالى لقيام وجوده، خالعًا كل أمارة تزيد في عبوديته وأَسْره لمن يتعالى عليه، وذلك كالحسد والطمع والكبرياء والحقد، وهَلُمَّ جَرًّا، فإذا أدرك أن سِنِي حياته مهما كانت عديدة ليست إلا كبرق طفيف لمع في ليل دامس، وأن جميع مصائب الدنيا وأكدارها تحيط بهذه الفترة الحقيرة والحياة التي يجب أن تحذف منها أوقات نومه وطفوليته وشيخوخته، وهي الأوقات التي تُحسب عدمًا، وأن جميع المحيطات به تجتهد في هدم بنيته لتسترد منه ما سرق من فؤادها بالاغتصاب، ولا تُغتفر السرقة إلا بالرد الذي هو حكم المغتصب.
فإذا عرف هذا جميعه يعود شبيه حر معتوقًا من عبودية الزمان؛ فلا يلبث معرَّضًا للأكدار والأحزان لعدم مبالاته بها؛ حيث إنه يرى كل ذلك بخارًا يصعد قليلًا ثم يضمحل، ومن لا يبالِ بالألم لا يشعر بمضضه، ومن لا يعبأ باللذة لا يدرك بهجتها، ولقد أجاد من قال:
إذا كان وقع السيف ليس يُمضِّنيفعندي سواء غمده وغرارهوإن كان جمر الخطب ليس يصيبنيفلا خوف لي مهما يهب شرارهأنا لا أرى في الأرض شيئًا يروقنيلذلك نور العمر عِنديَ نارهأيطربني هذا الزمان وكلهعراك على الدنيا يثور غباره نعم، إذا نشر شراع التعقل لسفينة أفكاره، وأطلقها في بحار هذه الموجودات لدى مهب أرياح الحوادث، فهنالك يظهر له نور الحقيقة، ويعلم أنه لا حرية في هذا العالم إلا بتركه.

الرسالة السادسة والعشرون


وكتبت حضرتها رسالة اعتراض على جواب عزتلو حسن حسني بك صاحب جريدة النيل، ودرجته في العدد ??? من الجريدة المذكورة، وها هي: قد صيَّرتموني ممنونة فوق العادة مما أظهرتموه من الحقائق الغامضة، ولكن قد ذكرتم أن الاضطرار الواقع في الجوع والمرض يغاير الاضطرار الذي يحصل في الحب، لأن العادة حظرت الرؤية والتقرب بين فريقَي الإناث والذكور، وإن قلتم: لأن الأصل في الجوع العجز عن القوت، والأصل في المرض العجز عن حفظ الصحة أو مقاومة المرض، وأما الأصل في الحب فليس إلا الرؤية، وهي ممنوعة، إلى أن قلتم: وليست الرؤية الفجائية كافية حتى يحمل على الصدفة التي تأتي بلا تعمد، بل لا بد بعد وهلة النظر من أُلفة أو تكرار حتى يتحكم الهوى، إلى آخر ما عددتم من درجات الحب، وحينئذٍ فكل ذلك مبني على التأثرات النفسية؛ فأقول: نعم، قد نطقتم بالحقيقة، ولكن هل ممكنٌ منع الجنسين الذكور والإناث عن بعضهما مهما أغلظ البشر من الحجاب بين الفرقتين حتى يمتنع ذلك الأصل المسبب لإيجاد الحب بهذه الصفة التي ذكرتموها.
وهل ممكنٌ للإنسان إذا حصل من نظرة فجائية أن يتغلب على حاسيات النفس وإرجاعها عما تحبه وتنجذب إليه بعوامل الطبيعية، أم يعجز عن إرجاعها كما عجز عن إرجاع ما تأباه نفسه من انفعالات الجوع والمرض، أوَليس الموجب لتكرار النظر وتمكُّن الألفة التي توصل الحب إلى درجة الشغف هو انجذاب القلوب بسلاسل سرية عجز عن مقاومتها كلٌّ من الجنسين، وقد علمتم أن مقاومة النفس قوية جدًّا، وهي المتغلبة على العالم الإنساني، وأنه قد يمكن للإنسان أن يعلم أن ما يقصده عمله وتشتهيه نفسه مضر بجسمه وماله وشرفه بل ودنياه وآخرته، ومع ذلك كله لا يقدر على مقاومة نفسه ومنعها عن إجراء ما تطالبه به؛ فنرى أن الولد يقتل أباه طمعًا بما يمتلكه، والأخ يقتل أخاه خوفًا من مزاحمته على الشيء الذي تطالبه النفس بامتلاكه، فكيف أن كل هذه الأعمال ناشئة عن تغلبات النفس وحكمها على حاسيات الإنسان، وقد يجوز احتمالها ويُغفر لمرتكبيها أمام الهيئة الاجتماعية، ولا يُغتفَر ذنب العاشق الذي امتلكت حواسه العوامل الطبيعية التي بدونها قد يعجز عن مقاومات هجمات جيوش العالم الحيوي! وكيف يُلام بعد ذلك ويُنسب له الاختيار بما حصل له، ويكون غير اضطراري.
وقد ذكرتم أن أغلب الإصابة بهذا الداء مبني على الرؤية إلا ما ندر، فأرجوكم السماح لأني أحب أن أبديَ فكري من هذا القبيل، وعلى هذا فأقول: نعم، إن للنظر القسم الأكبر من هذا الأمر، ولكن قد يمكن للإنسان أن يعشق بدون أن يرى أيضًا كالمتكلم من وراء الحجاب مثلًا؛ فإنه يعشق بغير أن يرى من محاسن المحبوب شيئًا سوى ما سمع من ألفاظه، فانجذب لها وطار قلبه شَعاعًا إلى ذلك المحبوب، وعجز عن إرجاع أفكاره، وارتسمت في مخيلته تلك الكلمات التي سمعها، ولم يجد منها مفرًّا ولا مهربًا، والأعمى كذلك، فما حكمه إذنْ؟!
ومنهم من يعشق بمقتضى نظرة واحدة؛ بحيث إنه يرى شيئًا يستحسنه من المحبوب، ومع ذلك فلو رآه أحد غيره لا يجد فيه ذلك الاستحسان الذي رآه هو، وإنما حسَّنه له الانعطاف والجاذب السري الطبيعي الذي يتحوَّل إليه بسبب نظرة واحدة، وهذا الجاذب هو الذي أوجبه بأن يعيد النظر إليه حتى تتعالى درجته إلى تبلغ الشغف وغيره من الدرجات الحبية؛ لأن أول الغيث قطرة، وهل ممكنٌ إرجاع تلك القطرة حتى لا تتكون منها كل هذه المياه؟!
ولذلك إنك لا تجد للجمال من مشبه، ولا أحد يقدر أن يُحصيَه بوصف؛ لأن النظر فيه مختلف على قدر انعطافات القلوب؛ لأنها هي المسخرة لنعت الجمال ودقيق أوصافه، وهي تحكم بقدر ميلها وعلى مقتضى شهواتها؛ حيث إن الذي يراه المحب لا يراه غيره من الناس؛ فعلى ذلك نرى أن النظر يتبع القلب وهو من جملة عُمَّاله، لا القلب يتبع النظر كما هو مشهور، وعلى هذا فإني أرى أن الحب اضطراري لا اختياري كما أشرتم سعادتكم في ذلك، وأرى أن المُبتَلَى به أعجز من العاجز، وكيف يقوى على ترك مقتضيات هذه الجواذب السرية التي تقوده بسلاسل مغناطيسية، وتُهوِّن له الصعاب في سلوك هذا الطريق المحبوب منه المرغوب لديه؟! وأما قول سيادتكم إن الأطباء قد فحصوه فحصًا دقيقًا، وتكلموا عليه إلى آخره، فأقول: إن ذلك الفحص لا يجدي نفعًا في شيءٍ ما؛ لأنهم لم يسنوا له قوانين طبية، ولا أحكامًا سياسية، ولا قواعد يلجأ إليه المصابون به «وقد ينفع المرء عدوه إذا اقتضت الحاجة»، مع أن العالم الإنساني أجمع يلذه ويطربه سماع حوادث المحبين وشكواهم، حتى إن التأليف والكتب التاريخية لا تحلو لديهم إلا إذا كانت غرامية فتلذ سامعيها، ويتهافت عليها كبار القوم وصغارهم، وأما ما ذكرتم من عدم إثباته فهو عين الحقيقة، فأشكر فضلكم على إظهار هذه النفائس من ذخائر أفكاركم السامية.

الرسالة السابعة والعشرون


وأرسلت حضرتها لجريدة النيل تهنئة على حلول عامها الجديد، فدرجت في العدد ??? بتاريخ ?? جمادى الآخرة سنة ????، وها هي كما قالت: إليك أقدم فروض التهاني أيها النيل السعيد بقدوم عامك الجديد، واتساع جداولك الراوية لرياض الأفكار الجارية على صعيد مصر الأفئدة بما ترسمه على المخيلات من الفوائد والأخبار. إليك أقدم رسوم التهاني يا منبع الحكم، ومُروِّي غرائس العلوم، ومُورِق أزهار الفضيلة والفنون، فلا زال موردك العذب منهلًا لكل صادر ووارد، تسقي برائق علومك حدائق النفوس، وتكشف بنسمات معارفك غمائم الجهل بما ترقمه من صفحات هاتيك الطروس «أقول»:
ونيل قد جرى في أرض مصريحاكي نيلها الطامي الجليلافهذا مده من بحر علموذاك مسلسل يروي العليلاتهنأ أيها المولى بعامأفاض اليُمن والعز الجميلايبشرنا بأن العلم ينمووأن الجهل شارَف أن يزولافلا زالت لنا الأيام تزهوويجرى نيلنا بالصفو نيلا فأرجوك أيها البحر الطامي أن تقبل معذرتي عما أقدمه، مع علمي أن ما أوردته إليكم إنما هو كمن أخذ بفمه جرعة وأراد أن يزيد بها ماء البحر.

الرسالة الثامنة والعشرون


صورة جواب عزتلو حسن بك حسني صاحب جريدة النيل على اعتراض «درة المشرق»، وقد درج في عددَي ??? و??? من النيل بتاريخ ?? و?? جمادى الآخرة سنة ????، وها هو كما جاء في الجريدة:لقد أفصحت حضرة الكاتبة في رسالتها عن جملة مضامين عالية المآل، وتوسَّعت فيها بأدلة باهرة لا يسعنا إلا الاعتراف بشكرها عليها؛ فقد أبرزت بدقائق أفكارها على ما نعهده من رشاقة مدارك الجنس اللطيف، ولكن منحتنا حق الإجابة؛ فنحن بِناءً على تلك المساعدة نبني مدار المقال، ونفتتح بحثنا بعد الْتِماس السماح. (?) استفهمت حضرة الفاضلة عن إمكان منع خطر وقوع الرؤية … إلخ بين الجنسين مهما أغلظ الحجاب حتى يمتنع الحب الذي هو مدار البحث.ونقول: إن امتناع الشرور بالكلية غير مستودع في طبيعة هذا العالم؛ فجميع أحكامه مبني على التغلب، ولو امتنع الشر لامتنع الخير، والعكس بالعكس، فإن أهم الخيرات في الدنيا متوقف على وجود أهم الشرور؛ فالعدل خير ولكن لا تَحقُّق له إلا بوجود المظالم، وحسن الشمائل خير ولا حقيقة لها إلا بعد تبيُّن نقائضها، وكافة أنواع الفضيلة خير ولا معنى لها إلا بوجود نقائضها.وإنما توضع نواميس التعامل على قاعدة التغلب، فكذلك أمر الحب وأحكام الهوى في هذه القضية، فإننا متى علمنا أن المسبَّب لا يقع إلا بحدوث السبب نعلم أنه متى امتنع السبب امتنع المسبَّب قطعًا؛ فبقي النظر في إمكان منع ذلك أو استحالته أو وجوبه؛ لأن الأمر لا يخرج عن هذه الثلاث، والأول هو المتعين لعدم إمكان قبول الآخرين، فهو ممكن ولكنه يختلف صعوبةً وسهولةً بمقتضى الوضعيات الاجتماعية والاستثناءات؛ فهو ممكن التخفيف أو التقليل إذا لم يمكن منعه بالكلية، وعليه فتشديد المنع معين على تقليل الخطر، وكلما ترقى ذلك تلاشى ما يترتب عليه.
(?) استفهمت البارعة الكاتبة عن إمكان تغلُّب الإنسان على حواسه إذا أحب من أول نظرة فجائية كما يحصل من الانفعالات النفسية … إلخ. أقول: الإنسانُ أقدر على إرجاع النفس في الوهلة الأولى منه بعد التكرار؛ لأن الوهلة المذكورة لا تورث إلا خطرة وحالات نفسية، فلا تتملك النفس إلا بعد ترقِّي أحوال المحبة، وصيرورتها مَلَكة راسخة كما قدَّمنا في المقالة الأولى؛ ولهذا لا يُعذر الإنسان عما يأتيه انقيادًا لوهلات النفوس، فإن النفس قد تشتهي شهوات كثيرة سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة، فلو تُركت وما اشتهت فسد العالم أجمع؛ ولهذا لم تُجعل شهوات النفوس حجة للتشريع ولا دليلًا على الصواب، ولو جوَّزوا ذلك ما أمكن للبشر أن يحفظ حقًّا أو يقوم بواجب أو يقف عند حد، وهو عين دمار العالم! نعم، يمكن أن يحصل من الوهلة الأولى أثر على طريق الاستثناء، ولكن قاعدة رعاية الأغلب التي هي أس التعامل العلمي لا تسمح أن تقضيَ بذلك الاستثناء إلا بعد تبيُّن وتعميق بحث قد لا يتم إلا بعد طول تروٍّ وتدبُّر.
(?) ثم استفهمت — حفظها الله — بصفة احتجاجية عن تكرار النظر الذي يقتضي تكرار الألفة، واحتجت بأن ذلك حس سري عجز عن مقاومته كلٌّ من الجنسين … إلخ.ونقول: إذنْ قد اعترفت حضرة الفاضلة بأن الأمر يبلغ حدًّا لم يكن في الأول، وإن احتجت بأن داعيَ التكرار حس سري، فدلها على أن المعذرة أبعد قبولًا في الوهلة، وهي أقرب إليه بعد التمكين، فهلا ترى وجوب العناية بقطع سبيل التكرار قبل التمكن رعاية للأحوط في الأمر، وتوصلًا لمنع ما يُحدثه التكرار؛ وهو الأمر الذي بنى عليه البشر منع الامتزاج بين الجنسين إذ لم يجدوا وسيلة سواه، ولا سبيل لترك الأنفس وكل ما أرادت.
(?) ثم قالت: وقد علمتم أن مقاومة النفس قوية جدًّا، وهي المتقلبة على العالم الإنساني، وأنه قد يمكن للإنسان أن يعلم أن ما يقصد عمله وتشتهيه نفسه مضر بجسمه وماله وشرفه، بل ودنياه وآخرته، ومع ذلك كله لا يقدر على مقاومة نفسه ومنعها … إلخ. ونقول: إن كل الأعمال التي تقتضي الحكم وتستلزم الجزاء ليست إلا صادرة عن عمد ولزم نفساني، فلو كان ذلك عذرًا مشروطًا لتعطلت مصالح العالم، ولصحت شرعة البغي، وهو ضد نظام الحياة العمومية، ولم توضع القوانين، ولم تشرع الشرائع إلا لمقاومة عمديات الأنفس، حتى إن الشرع يمنع العاجز عن حسن التصرف من استعمال ماله، ويقيم عليه القيِّم مع أنه لا يبذر إلا ماله، ولا يتلف إلا حقه، وكذلك شارب الخمر، فقد يجازى على مجرد الشرب ولو لم يسكر أو يضر غيره بسكره، أو لعب القمار المتفق عليه بين الطرفين على مالهما، والمتوافقون على الأعمال التي تُنافي المشروعية كالزنا وسائر الفاحشة، ولو لم يكن للفريقين علائق خاصة يحتج بالتعرض لحقوقها، وكذلك مُمْرض نفسه ومتلفها، فإنه لا يُترك لغرضه بل تكون الهيئة الاجتماعية هي الحائل بينه وبين ذاته؛ فليس هنالك من صحة إلا إذا أنكرنا مضار الحب، وحضرتها أقرت بها؛ فلم يكن للاحتجاج من سبيل على ما يظهر.
(?) ثم قالت ما مفاده أن الولد قد يقتل أباه والأخ يقتل أخاه … إلخ، فكيف أن كل هذه الأعمال ناشئة عن تقلبات النفس، وقد يجوز احتمالها، ويغتفر لمرتكبيها أمام الهيئة الاجتماعية، ولا يغتفر ذنب العاشق … إلخ.نقول: هذا الحجاب العاصم — أيَّد الله الفاضلة — وأن العاشق لم يقرر له جزاء خاص على العشق غير اللوم والنصح فقط، ولكن هاتيك الأعمال التي ذكرتها يُلام الجاني فيها، ويُحبس ويُقتل شرعًا وقانونًا، ولكل عمل من الأعمال اللاحقة بالحقوق لم يغفل جزاؤها، ولو أردنا توازن الحقيقة لوجدنا العشاق أقل الجانين جزاءً، وإنما ينالهم الضرر على أعمال وأقوال وأحوال مخصوصة لا على ذات العشق.
(?) ثم وافقتنا حضرتها — أدامها الله — على كون النظر أغلب أسباب الهوى، وتنزلت لطلب الحكم عن حال المحب للتكلم من وراء حجاب، أو حب الكفيف. ونقول: ذلك دليل على الألفة وعدم حكم الوهلة الأولى؛ لأن الوهلة لا تُخوِّل حق الكلام الذي يرتسم في المخيلة فلا يوجد منه مفر، وهو عين ما عرضناه في المقالة الأولى.
(?) ثم قالت: ومنهم من يعشق بنظرة واحدة … إلخ. ونقول: ذلك وارد على ألسنة الشعراء وتغالي الأدباء فقط، ولا يخفى على حضرة الكاتبة البارعة أنهم يبالغون في تخيلاتهم؛ فالاحتجاج بهم أدبي مجرد عن الأحكام الحقيقية؛ لأن العشق له مراتب طبيعية لا يمكن أن يخترق القلب طبقاتها بوهلة النظر، وقد أضل الشعراءُ بمقالاتهم كثيرًا من العقول؛ فالأَولى عدم الاقتداء بهم.
(?) ثم بعد البحث عن اختلاف الأذواق في الجمال قالت إنها ترى أن الحب اضطراري لا اختياري. كما قلنا ونقول: إن الاضطرار إن كان المقصود به الهوى المجرد؛ أي: ميل النفس وإرادتها، فهي قضية تنطبق على كل المرادات من الخير والشر، ولكنها ليست بحجة مشروعة، وإلا يتم انفساخ عموم الأحكام التعاملية كما تقدم؛ وإن كان المراد به الاضطرار المشروع؛ أي: الذي لم يكن في الإمكان العدول عنه إلا بضرر عظيم، فوهلة النظر لا توصل إليه، ولا يصير اضطراريًّا إلا بعد الوصول على أن يُهلك الحبُّ القلبَ، ولكنه مسبوق الإرادة والميل، فالأصل فيه الاختيار.
(?) ثم اعترضت حضرتها بأن فحص الأطباء لم يفد لأنهم لم يسنوا له قوانين طبية أو سياسية، ولا قواعد يلجأ إليها المصابون … إلخ. ونقول: إن الأحكام السياسية قد تناولت الأمور التي يمكن ثبوتها؛ إذ لا إمكان لتحديد المعاني الجائلة في الأذهان، فقررت ما يلزم لما يتعلق بالتعامل، ومع ذلك فإنها تركت حرية لأهل القضاء تشتغل عند قناعة الضمير بها، وهي محكمة في المعنويات التي من جملتها البغض والحب والصحبة وغيرها، وقد تعلقت بهذه الأحوال أحكام كثيرة لا محل لتفصيلها هنا، وإني لأختم الكلام أولًا بالْتِماس السماح من حضرة البارعة مع جزيل شكري وجميل ثنائي على هذه الاستشكالات المهمة، التي يجب أن نقدرها قدرها من الفضيلة، ونطلب العفو عما قدَّمنا من الأجوبة؛ فإنها لم تصدر إلا بقهر قانون المناظرة، ونرجو من حضرتها أن تقل منا مراسم الاحترام، وأن لا تؤاخذنا على ما أطلنا الكلام فيه من المباحث بحسب ما اقتضاه المقام.

الرسالة التاسعة والعشرون


وكتبت حضرتها رسالة بعنوان «العلم نور» تعترض فيها على عدم تعليم البنات، ودرجت في العدد ??? وها هي: يجب علينا أن نقوم بواجب الشكر أولًا لله — سبحانه وتعالى — وثانيًا لرجال عصرنا الذين منحونا حقوقنا، وأمروا بتشييد المدارس لتعليم البنات، وأفرجوا عنا ما كنا فيه من الضيق الذي نرى غمامه متلبدًا فوق البعض منا يحجب عنه نور الحقيقة، ولم تزل تلك السراديب المعتمة تتخلل ديارنا الشرقية، حتى يتخيل للمار فيها أنه في ليل داج من الجهل، وقد يعسر على أعظم الفلاسفة أن يكشف حجاب الغفلة عن عقول ذلك البعض ويجرهم إلى ميدان الحقيقة، وقد رأيت ما أذهلني وسمعت مجادلة لم أسمع بمثلها؛ فأحببت أن أشرحها للقراء إقرارًا بالنعمة التي أنعمها الله علينا من إظهار نور المعارف أمامنا، وإلا لكُنَّا مثل هؤلاء الجاهلات اللواتي لا يعرفن إلا ما علَّمتْهن الطبيعة؛ وذلك أنني سمعت بأن إحدى السيدات من معارفي قد وضعتْ فتوجهتُ لزيارتها والتبريك لها على حسب العادة، فلما دخلت إلى منزلها وجدت هناك جمًّا غفيرًا من السيدات، وقد أتت والدة النفسة إلى المجلس الذي نحن فيه بوجه بشوش ورحَّبت بنا، وجلسنا نتذاكر عن المولود، وحينئذٍ سألتها: هل هو أنثى أم ذكر؟ فمالت نحوي وقالت بصوت منخفض: هو ولد ولكن اسكتي، فأنتِ عزيزة عندي؛ ولأجل ذلك أخبرتكِ، وأما نحن فلا نُظهر أنه ولد إلا بعد أسبوع. فقلت لها: لماذا تخفون الولد إلى هذا الوقت؟ قالت: لأن الولد مفضَّل على البنت. فقلت: بماذا يفضل عنها؟ قالت: لأن الولد حينما يولد تهتز له السبع سماوات وتفرح له الملائكة، وأما البنت فتبكي الملائكة حين خروجها إلى الدنيا. فقلت: ولماذا إذنْ لا تريدون أن تُظهروا خبرًا تفرح من سماعه الملائكة وتهتز منه السماوات؟! والبنت ماذا يضر الملائكة منها، وما الذي فعلته لهم حتى يتكدروا من مجيئها إلى الدنيا؟! قالت: إن البنت إذا قعدت في البيت تقل بركته، حتى إن الفيران يدخلون في الشقوق يوم ولادتها.
قلت: وما السبب في ذلك؟ قالت: لأن النبي كان يكره البنت لأنها ناقصة عقل ودين، حتى إن ربنا جعلها في الرزق على قدر نصف الولد، ولا يخرج من يدها أن تعمل شيئًا غير أنها تأكل وتشرب وتقعد فقط، وأما الولد فهو الذي يشتغل ويصرف على البيت. قلت: نعم، وهو ذلك ولكن لو تعلَّمت البنت لصارت مثله تعمل كل ما يعمل وتكسب كما يكسب هو. فقالت بعد أن رمقتني بعين الاستغراب: لا لا يا بنتي، أنتِ عندي عزيزة، أستغفر الله! هو نحن نصارى حتى نُعلِّم بناتِنا مثل الرجال؟ معاذ الله! فقلت: كيف أن النصارى يجوز لهم أن يُعلِّموا بناتهم، ونحن ما الذي يمنعنا من تلك الإجازة؟ قالت: لأنهم يُخرجون نساءهم بدون تستُّر. قلت: وما دخل الستر في التعليم؟ أهي العلوم لا تدخل من وراء الحجاب! كيف؟ أفيديني أفادك الله يا سيدتي! قالت: نعم يا بنتي سألتني ربنا يهديك أنا أخبرك بالحقيقة، هو أن تعليم البنت القراءة والكتابة مكروه عندنا، وهذا لا يصح إلا عند النصارى فقط، وأما عند المسلمين لا يجوز أبدًا. فقلت: ولماذا فُتحت المدارس لتعليم النبات إذا كان كذلك؟ قالت: لأن الناس صارت تقلد النصارى في كل شيء حتى صاروا يغيرون لسانهم، ومن غيَّر لغته غيَّر دينه، وعندنا لا يمكن ذلك؛ لأن سيدنا محمد كان يكره المرأة التي تفك الخط وتعرف القراءة. قلت: ومن أخبركِ يا سيدتي بذلك ونساؤه ? كن عارفات راويات الحديث، وكانت أحبهن إليه أكثرهن رواية؛ وهي السيدة عائشة؟! قالت: نعم، ولأجل ذلك كان يحب زوجته آمنة أكثر من عائشة. فأجابتها إحدى النساء الحاضرات أن آمنة أمه لا زوجته، فقالت: لا لا، الأم اسمها خديجة، أخبرني بذلك الأفندي — تعني زوجها — فقد قرأ في الكتاب أن أم النبي اسمها خديجة. فقالت لها أخرى: تعلمي أننا لما نقوم من النفاس تعلمنا الداية بقولها نويت طهر ستنا عيشة، وستنا خديجة، وستنا آمنة أم الرسول، فكيف تقولي إن أمه اسمها خديجة؟! وإن كنت لا تصدقيني فاسألي الداية فإنها موجودة. وكثرت بينهن المجادلة وارتفعت الأصوات وكثر اللغط، ونحن في مثل هذه الحالة وإذ بالأفندي المذكور قد شرف إلى غرفة ثانية، ووصل إلينا الخبر بقدومه، فحمدت المولى الذي أتى به ليكون السبب في حل هذه المباحث العلمية والمجادلة الفلسفية، فهرعت زوجته إليه لتسأله وتستفتيه أيتهما أم النبي ?، أهي خديجة أم آمنة، فقال لها: إنني لا أعلم، وسأكشف على الكتاب، ولكني أظن أنها خديجة. فجرعت إلينا تلك السيدة فرحة بما قاله زوجها، وقالت: ألم أقل لكم إنها خديجة؛ لأن الأفندي عارف، وهو الذي أخبرني بأن القراءة مكروهة للنساء، حتى إنه لما ذهبنا إلى زيارة تربة المرحومة بنتي، وقعد ابني محمد يقرأ سورة مريم أمام النساء فمنعه والده؛ لأنه لا يجوز أن يسمعوها. فقلت لها: وما الذي في سورة مريم من المكروه للنساء؟ قالت: لأنها كانت أصلها نبية، وكانت لنا ثم أخذتها النصارى وعملوها نبيتهم؛ فلأجل ذلك لا يجوز لنا أن نسمع سورتها. فلما سمعتُ هذا النبأ العظيم نهضتُ وخرجتُ وأنا أحمد الله الذي عافانا وفضلنا على كثير من خلقه تفضيلًا.
وتركت هذه المجادلة والمناظرة التي لا ينفع فيها أسانيد، ولا أدلة حتى، ولا شهادة الداية التي استشهدن بها في مناظرتهن، فتأملوا يا رجال الشرق كيف أن الإهمال يوقع بالخسران، وكيف تأملون النجاح والراحة لأرواحكم وأنتم تتقلبون على فُرُش الهمجية والجهل، وكيف يجد المرء منكم لذة الحياة وقعيدة بيته، لا بل شريكة حياته ومنبت جرثومة بنيه بهذه الصفة؟!
مع أني أعلم أن لثلاثة من هؤلاء النساء اثنتي عشرة بنتًا؛ فلصاحبة المنزل — وهي المتكلمة — أربع بنات، ولسلفتها التي استشهدت بالداية ثلاث بنات، ولابنتها خمس، فإذا كان يخرج من بيتٍ واحد اثنتا عشرة بنتًا، وعمَّرن اثني عشر بيتًا على أساس من الجهل، فلينظر ذوو الألباب!

الرسالة الثلاثون


وكتبت حضرتها في العدد ??? من جريدة المؤيد الصادرة بتاريخ ? شوال سنة ???? و?? أبريل سنة ???? بعنوان:لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى? تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ

من المعلوم لكل فرد من أفراد هذا العالم الإنساني، بل وإن عوالم المخلوقات بأجمعها لا كون لها ولا وجود إلا بتألفها في الهيئة والتركيب والتعاضد، فيُعِين بعضها البعض الآخر على مصاعب هذه الحياة، وقد شرَّف الله الإنسان وميَّزه عن جميع المخلوقات بما خصه به من المزايا التي لم يخص بها غيره؛ وهي: العقل والنطق والإحساس والإدراك والرأفة والحنو، وغير ذلك من الصفات التي تربط أنواع البشر بروابط الجنسية، ثم كانت قوانين المذاهب والديانات، فتوثقت عُرى تلك الروابط، وبهذا العقد الوثيق صارت الأمم يقصد بعضها بعضًا، وصار القوي يُعِين الضعيف، والقادر يساعد العاجز، وها نحن — ولله الحمد — قد جمعتْنا الروابط الإسلامية الوثيقة، وضمَّتْنا الجامعة المحمدية في عقد نظام لا ينفرط أبدًا بعونه تعالى؛ فنحن بهذا أحق وأولى أن نكون عضدًا مساعدًا للمضطرين منا، وقد علمت الأمة المصرية — ولا شك — صعوبة المجاعة الحادثة في عمالة الجزائر في بلاد الغرب التابعة لحكومة فرنسا؛ بسبب القحط الذي حل بتلك البلاد، فألمَّ بإخواننا في الإنسانية والدين خطب فادح عظيم، وبلاء كادح جسيم.
وما تناقلت السنة الجرائد هذا البلاء الفاجع حتى عم تأثيره على الكثير، وكنت أنا ممن استحوذتْ عليه الغَيرة الإسلامية والنخوة العربية؛ فقمت لأحث إخواني وأخواتي أرباب المروءة والشهامة، وأنبههم لاغتنام هذا الأجر العظيم، وإعانة إخواننا المسلمين، وإن تكن سبقتْني إلى ورود حياض هذا الشرف السامي صاحبة العواطف الشريفة حضرة عقيلة المسيو كامبون الحاكم العام في بلاد الجزائر، فوقفت نفسها لإغاثة الملهوفين، وألقت خطبة صادعة تحث فيها العالم الإسلامي طيَّرتها الصحف في الآفاق، وقد نشرتها لنا جريدة المؤيد الغراء في عددها الصادر يوم السبت ?? رمضان الماضي.
فإليكم أوجه خطابي يا رجال الشرق جميعًا، وعلى الخصوص رجالنا المصريون أولو الحزم والإقدام والمروءة والإنسانية على إعانة إخوانكم المسلمين، وانتشالهم من مخالب الجوع حتى لا يفترسهم وأنتم تنظرون، وإنكمإِن تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ، وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا، فكيف يهنأ لنا العيش ونتمتع بالنعم التي أنعم الله بها علينا وإخواننا في الإنسانية والدين يموتون جوعًا؟!
كيف تكون حالة الرجل والمرأة منهم إذا نظرا إلى أولادهما تنتهشهم أنياب الجوع فيتساقطون الواحد منهم بعد الآخر كالأثمار من الأشجار، ووالداهم ينظران إليهم وقد خانتهما الوسائل فلم يقدرا على دفع هذا البلاء المبين عن فلذة كبدَيهما!
أم كيف بنا — والعياذ بالله — لو أصابنا مثل ما أصابهم من الفاقة وجائحة القحط! فهل كنا نستغيث فيغيثنا حنو الأخوة من الجزائر بين الذين أصبحوا يستغيثون بنا؟ تالله إنه لم يكن يخطر ببالنا إلا استنجاد مروءتهم، ولا سبيل إلا إلى إنجادنا منهم.
فهُبُّوا يا إخواني، ولَبُّوا استغاثة إخوانكم، واعقدوا الجمعيات كعوائدكم بعمل الخير، واجمعوا الدرهم النفيس، واشتروا نفسًا نفيسة يكاد الجوع يوردها حياض المنايا، واقتدوا بإخوانكم أعضاء الجمعيات الماسونية؛ فإنهم قد شمروا عن ساعد الجد وأداروا العمل بغاية السرعة، وكان في مقدمتهم محفل الثبات الذي جمع كمية وافرة من النقود بقصد إغاثة أولئك الملهوفين، فجزاهم الله عن الإنسانية خيرًا، ونرجو أن يكونوا قدوة لباقي الأمة.
وكذلك يليق بكن يا بنات الشرق ومخدرات الإسلام أن تقتدين بما فعلته عقيلات فرنسا من الأفعال الخيرية، التي تخلد لهن الذكر الجميل والفضل العميم، ويفتخر بهن العالم النسائي أجمع، وقد كنتن قدوة العالم في الزمان السالف، وأَمَلي فيكن وطيد بأن تعود لكُنَّ تلك النخوة وتلك النشأة بإذن الله تعالى.
كيف لا وعهدي بالكثير منكن مضارعة الرجال شهامة ومروءة! وقد برهنت لنا عن ذلك شهامة وكرم صاحبة العصمة البرنسيسة زبيدة هانم أفندي، حين أرسلت إلى مدرسة النيل ?? جنيهًا تبرعًا من مالها الخاص إعانة لتلك المدرسة، ولا بدع فهي ربيبة المجد والكرم الجديرة بأن تعطر الأندية بذكرها وشكرها.
وهذه فرصة قد وجدتُنَّها لترتقين بها درجات المجد، وتدركن بها أوج الشرف، فهيَّا شمِّرْنَ عن ساعد الجد، واجمعن أنفسكن برئاسة من ترينها أهلًا لذلك، حتى إذا جمعتن شيئًا من المال لإعانة أخواتكن المصابات بالفاقة كان جزاؤكن الشكر إلى آخر الأبد، وليس يلازم أن تتكلفن ما لا طاقة لكن به، بل التي تقدر على الدرهم تجود به والتي تقدر على الدينار تجود به عن طيب خاطر، وما على المحسنين من سبيل، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

الرسالة الحادية والثلاثون


وأرسلت إلى مجلة «المهندس» رسالة تقترح على علماء زماننا في بعض مسائل فلسفية، ودرجت في العدد السابع بتاريخ ?? محرم سنة ????، وهي هذه كما جاءت حرفيًّا: قد اطلعت على بعض مسائل متضمنة حكمًا من كلام بعض فلاسفة الإسلام وعلماء الكلام، مثل أبي سليمان محمد بن طاهر، وأبي بكر القوسي، ويحيى بن عدي، وأبي زكريا الصيمري، وعيسى بن علي، وأبي محمد الأندلسي، وأبي حيان التوحيدي، وغيرهم من علماء المنطق الذين قالوا الكلام المحكم. وبما أن مثل كلام هؤلاء العلماء الذين تقدموا بالعلم والفضيلة، ونشروا العلوم الفلسفية، وتقدم منهم الشرح لمثل هذه المسائل العلمية، وحيث إن فيها تقدُّم الجنس البشري، وتهذيب النوع الإنساني رأيت أن أجمع ما أستطيع جمعه من كلام الفلاسفة وأنشره على التوالي، ضاربةً الصفح عما شرحه به العلماء السابقون من الشروحات المختلفة، وراجيةً من علماء زماننا أن يمدونا بما عندهم من الشروحات المفيدة المقنعة على هذه المسائل الجليلة العظيمة الفوائد، والكشف عن مُحَيَّا تلك الكلمات الجوهرية؛ لأن الضن بها يعد جريمة عظمى من حيث العقل والنقل، وقد جعلتها متسلسلة إلى النهاية، والله الموفق إلى الصواب.
السؤال الأول

لِمَ خلا علم النجوم من الفائدة والثمرة، وليس علم من العلوم بهذه الصفة؟ فإن الطب على غير ذلك؛ لأن الناظر فيه والباحث عنه والكامل من أهله لم يقصد به سوى استدامة الصحة ما دامت الصحة موجودة، وصرف العلة إن كانت العلة عارضة، وكذلك النحو قد قصد به الماهر فتق المعاني، وصحة النطق بالألفاظ، وتوخِّي الإعراب، واعتبار الصواب، ومُجانبة اللحن على حدود ما في غرائز العرب وطبائعها، وكذلك الفقه الذي قصد به صاحبه إصابة الحُكم، واقتضاب الفُتيا، وإيجاب الحق، ودفع الخلاف وإقماع الخصم، وحسم مواد التنازع، ورد أهله إلى الرِّضَى والتسليم.
وكذلك الشعر الذي هو قائم في النفس ثابت في قريحة صاحبه يجيش به صدره، ويجود به طبعه، ويصح عليه ذوقه من مدح مأمول، وترقيق غزل، وهجو لئيم، واستدرار كريم، وتوشية لفظ، وتحلية وزن، وتقريب مراد، وإحضار خدعة، واستمالة عزيز، وضرب مثل، واختراع معنًى، وانتزاع تشبيه مع تصرف في الأعاريض بيِّن، وقيام بالقوافي ظاهر.
وكذلك الحساب الذي نفعه ظاهر، ومحصوله حاضر، وفائدته عامة، ونتيجته منجذبة، وثمرته دانية، وغنيه محمود، وجدواه موجودة، به صحت المعاملة، وقامت الدولة، وحُرس الملك، وجُبي المال، وقَوِي السلطان، وقرت الرعية هذا مع أسرار فيه عجيبة، وغوامض ترجع إليه شريفة، وخواص لا توجد في غيره غريبة.
وكذلك البلاغة التي قد علم صاحبها وطالبها ما ينتهي إليه، ويقف عليه تنميق لفظ، وتزويق غرض، وتغطية مكشوف، وتعمية معروف، وإحضار نية، وإظهار بصيرة، واختصارات وتقليلات، وتألُّف شارد، وتسكين مارد، وهداية متحير، وإرشاد مستطلع، وإقامة حجة، وإدارة برهان، واستفادة مريد، وتلطيف قول في عتب، وتسهيل طريق، وتهنئة مسرور، وتسلية محزون، وتلهية عاشق، وتزهيد راغب، ونصح عن غرض، وحسم مادة من طمع، وقلب حال عن حال، حتى تُضم بها أمور منتشرة، وتندمل بها صدور منفطرة، وتتسق بها أحوال متعاندة، وتُستدرك بها حسرات فائتة، وتُخمد بها نيران ملتهبة، وكالصنائع كلها كالهندسة في شرفها، والهيئة في علو رتبتها. وصدور هذه العلوم بعيدة وفوائدها جمة، وليس هذا القدر آتيًا على حقائقها، ولكنها مشيرٌ إلى موضوع المسألة والبحث عنها؛ فقد وضح لكل ذي حس مفيد، وعقل متَّئِد، ورأي صحيح، وذكاء صريح أن هذه العلوم كثيرة المنافع عامة المصالح حاضرة المرافق، وأن الناس لو خلوا منها وعروا عنها لتبدد نظامهم، وانقطع قوامهم، وكانوا تهيبًا لكل يد، وحيارى طول الأبد.
وليس علم النجوم كذلك؛ فإن صاحبه وإن استقصى وبلغ الحد الأقصى في معرفة الكواكب، وتحصيل سيرها واقترانها ورجوعها ومقابلتها وتربيعها وتثليثها وتسديسها، وضروب مزاجها في مواضعها من بروجها وأشكالها، ومقاطعها ومطالعها ومشارقها ومغاربها ومذاهبها، حتى إذا أحكم أصاب، وإذا أصاب حقق، وإذا حقق جزم، وإذا جزم حتم؛ فإنه لا يستطيع البتة قلب شيء عن شيء، ولا صرف أمر إلى أمر، ولا تقييد حال قد دنت، ولا نفي ملمة قد كُتبت، ولا رفع سعادة قد حمت وأظلت؛ أعني أنه لا يقدر أن يجعل الإقامة سفرًا، ولا الهزيمة ظفرًا، ولا العقد حلًّا، ولا الإبرام نقضًا، ولا اليأس رجاءً، ولا الإخفاق دركًا، ولا العدو صديقًا، ولا الولي عدوًّا، ولا البعيد قريبًا، ولا القريب بعيدًا.
وهذا باب طويل، والحديث فيه ذو شجون، وكان العالِم به الحاذق فيه المتناهي في حقائقه بعد هذا التعب والنصب، وبعد هذا الكد، وبعد هذه الكلفة الشديدة، والمؤنة الغليظة؛ مستسلمًا للأقدار ومستجديًا بما يأتي به الليل والنهار، وعادت حالته — مع علمه الكبير وبصيرته النقادة — إلى حال الجاهل بهذا العالم الذي انقياده كانقياده، واعتباره كاعتباره، ولعل توكُّل الجاهل به أحسن من توكُّل العالِم، ورجاء في الخير المتمتع، والشر المتوقَّى أقوى وأرسخ من رجاء هذا المدل بزيجه وحسابه وتقويمه.
حالة كون صوابه شبيهًا بالحدْس، وخطئه شديدًا على النفس، ومتى قضى هذا الفاضل النحرير والحاذق البصير إلى هذا الحد والغاية، كان علمه عاريًا من الثمرة خاليًا من الفائدة حائلًا عن النتيجة لا عائدة ولا مرجوع، وإن أمرًا على ما قررنا، وآخره على ما ذكرنا لحري بأن لا يُشغَل الزمان به، ولا يوهَب العمر له، ولا يُعار الهم والكدر، ولا يعاد عليه بوجه ولا سبب؛ هذا إذا كانت الأحكام صحيحة، ومدركة محققة، ومصونة ملحقة، ومعروفة محضة، ولم يكن المذهب على ما زعم أرباب الكلام، والذين يأبَوْن تأثير هذه الأجرام العالية في هذه الأجسام السافلة، وينفُون الوسائط والوسائل ويدفعون الفواعل والقوابل.

الرسالة الثانية والثلاثون


وكتبت حضرتها رسالة أرسلتها إلى جريدة فرصة الأوقات ردًّا على حضرة الكاتب البارع حسين أفندي فوزي أحد مستخدمي الكمرك بإسكندرية، وصاحب كتاب السراج الوهاج، الملقَّب بأبي المحاسن، وذيلتها بإمضاء «حاملة لواء العدل»، فدرجت في عددها الرابع الصادر بتاريخ ?? رجب سنة ????: قد أطلعت جريدتكم الغراء على نبذة لحضرة الفاضل الأديب حسين أفندي فوزي تحت عنوان «السراج الوهاج عن ذكر العوائد وحقوق الزواج»:
«وهو يظهر فيها كل تعصبه إلى جنسه، حتى إنه ظهر منه التحامل على جنسنا النسائي، وغير ذلك مما سأُظهر له حقيقته إذا حفظ الأدب الكتابي، وإلا أترك المناظرة، وأنبذ كلامه ظهريًّا، وأعده من ضمن المتحاملين على هذا الجنس؛ إذ إنهم غير قليلين، إلا أن يرجع لنا تمدننا الأصلي، وإلا فالتمدن ضعيف لأنه أول نشأته فينا، ولم يعلم هذا الفاضل أن النساء دعامة كل أمة متمدنة، وإني لأعجب من سيادته كيف أنه ترك النساء الفاضلات، واستشهد بالنساء البراريات كأنهن يقترفن الذنب بدون مشاركة الرجال، أو أنه مباح للرجال كل شيء بدون أن يُلاموا عليه، والمُلام النساء فقط، أوَغرُب عن فهْم سيادته أن الجنسين فيهما الطيب والخبيث، فعلى المُباحث أن يتتبع الحقائق ولا يأخذه فيها لومة لائم، وإلا ضاع بحثه أدراج الرياح. إن وجدت منه أهلًا للمناظرة، فإني أُريه من قلم المرأة كيف يكون الشَّعير من البُرِّ، وأُريه أيضًا كيف أن فتيات هذا الزمان يناضلن شيوخ الزمن السالف، ويبارينهم بكل علم حتى يجعلن شعيرهن قمحًا مغربلًا، وزعمهن يقينًا.»

الرسالة الثالثة والثلاثون


وقالت في العدد السادس من جريدة فرصة الأوقات ردًّا على حضرة الأفندي المذكور الصادر بتاريخ ?? شعبان سنة ????، وها هو كما جاء في الجريدة بالحرف الواحد: قد اطلعت على الجملة التي كتبها أبو المحاسن في العدد الخامس من جريدتكم الزاهرة، وقد ذكر فيها بأنه سيحفظ آداب المناظرة، ولكنه قد جعل «يا أيتها الحاملة» مِجَنًّا يتقي به ضربات قلم تلك الحاملة، وغاب عنه أنه لولا ذلك لم يكن هو في هذه الحياة.
ومن أعجب العجاب أن الرجال أفهمونا أن ذلك الحمل هو العار الأكبر؛ حيث أنكروا فضله، وقلبوا موضوعه، ولم يعلموا أننا به نفتخر، وبه أخصنا الله، وأكرمنا بالفضيلة، وقد أثبتوا ذلك في أذهاننا حتى صرنا نفهم أنه حقيقة أمر وضيع خالٍ من الفضيلة لتراكم الجهل على عقولنا؛ بسبب حرماننا من بث روح المعارف بين أفرادنا من الأصل … إلى أن يسر الله لنا فرقة من الرجال الذين شربوا رحيق التمدن، وتوشَّحوا بوشاح الفضيلة، واستناروا بنور الحقيقة، حتى ظهر لهم ما لنا من الحقوق المندثرة هم باحتياج لها، فوطد العزم على رد هاتيك الحقوق إلينا بعد أن كانت أرباب الغايات من الرجال الذين سولت لهم أنفسهم باستعباد المرأة، وقد صنفوا الكتب ووضعوا الأحاديث في خفض شأن المرأة، حتى جعلونا نرى في أنفسنا ذلك النقص المنتمي إلينا كما سمعناه عن الرجال، وقد أثبتوا بأننا ناقصات عقل ودين، وأن النبي ? نعتنا بذلك، فأقول: حاشا أن يكون قصد بهذا الحديث — إن لم يكن موضوعًا — أن للنساء نقصًا في عقولهن أو دينهن، وهو أعدل وأكرم من ذلك، وقد كنا مضطهدي الجانب في الجاهلية، فعُزِّزنا بعد ظهوره، وأيضًا قال: «خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء.» يعني عائشة، فكيف يأمر أن تأخذوا نصف دينكم عن شيء ناقص، وأيضًا لو قال ذلك ? لكان خالف حديثُه القرآنَ الشريف؛ إذ إن الله تعالى فرض على النساء ما فرض على الرجال من صلاة وصيام وحج وزكاة، وكافة المفروضات، لم ينقص منها شيء ليقال إننا ناقصات، هذا من جهة الدين، وأما العقل فأي نقص في عقولنا ونحن علينا مدار الكون مع ما نحن فيه من الجهل بالأشياء وعدم التعليم، فما بالك لو تعلمنا كالرجال! وكفاك شاهدًا ما عليه نساء الغرب، وكيف أنهن فُقْنَ أفعال الرجال، وقد تنبئك الصحف والجرائد بما فعلته النساء في أمريكا، وما أظهرن من عجائب الفنون والاختراعات في فرنسا وبريطانيا وغيرها من الأقاليم الغربية، فليت شعري أكان الحديث على عامة النساء أم على المسلمات فقط؟! وكأني بك تقول: إنه لم يبعث منكن أنبياء ولا رسل. فأقول: نعم، ولكنه كلفنا بأشياء خصنا بها دونكم، وهي — إن نظرتمونا بعين الحقيقة — توازي فضل الأنبياء أو تكاد؛ إذ إن الأنبياء — عليهم السلام — فضَّلهم الله على باقي المخلوقات لأنه اصطفاهم وخصَّهم بالرسالة لأجل أن يهديَ بهم عباده، وقد صبروا على البلاء من الجهلاء، واحتملوا العذاب في إهداء العالم إلى سواء السبيل، وبث الشرائع بين الناس والقسط، حيث إنهم مسخرون لذلك من قِبل الله تعالى، وكلَّف النساء ليَكُنَّ السبب في وجود العالم وتأسيس دعائمه، وهن الأصل في إيجاده، وما من نبي إلا وهو ابن امرأة، وقد خلق الله عيسى — عليه السلام — بدون أب، ولم يخلق الله أحدًا بدون أم، وخلق الله آدم — عليه السلام — بغير أم ولا أب أيضًا حتى تقول ساوى بين الجنسين بأفضلية الإيجاد.
وقد صبرت المرأة على البلاء المستمر كصبر الأنبياء — عليهم السلام — لابتلائهم بالجهاد لتدويخ الضلال، وإشهار الحق، وقد ابتُلِيَت المرأة بالجهاد الأبدي، وهو الحمل والوضع، وتربية النوع البشري، وقد صبرت على ذلك كله مع الشكر الأبدي؛ فالعاقل يرى أن الأول قد جعله الله لإصلاح ما فسد من الكون، والثانيَ لتأسيسه وعماره، والله أكرمُ من أن يجمع على المرأة أثقال النبوة مع أثقال تأسيس هذا العالم الحيوي.
ومع ذلك فالمِجَنُّ الذي اتخذتَه لك أيها الأديب، وأردتَ به إيقافي عن المناظرة قد أظهر لي ما في نفسك، ولكنه به أحمل لواء الشرف ولا تثريب عليك، ولك الأمان ما دمت متبعَ خطةِ العدد الخامس من فرصة الأوقات؛ فأنت إذنْ آمن من الطامة والبلاء يا سيدي أبا المحاسن.

الرسالة الرابعة والثلاثون


وكتبت رسالة تحت عنوان «يا سلام يا أبو المحاسن»، وهي رسالة ضافية الذيل، ودرجت في سبعة أعداد من فرصة الأوقات، ابتداءً من العدد الثامن الصادر بتاريخ ?? رمضان سنة ???? إلى العدد الرابع عشر الصادر في أول محرم سنة ????؛ وذلك ردًّا على حضرة حسين أفندي فوزي، وها هي كما جاءت في الجريدة تحت هذا العنوان:يا سلام يا أبو المحاسن

قد أخذتك الحدة والغضب الشديد يا صاحب المحاسن، حتى جعلتك لا تقدر على رد جماح القلم إلا بعد الرجاء الشديد، وقد أوجبتك العظمة أن تخرج عن شروط المناظرة إلى الشتم والسب الشخصي، وظننتَ أيها العالم الشهير — أيدك الله — أن المغالبة بالمشاتمة هي بعض أبواب فن المناظرة، وأن الانتصار حق لأشتم المتناظرين، وغَرُبَ عن فهمك أنك لو شتمت أحد الملوك — مثلًا — لا ينقص شتمك من شرفه شيئًا، بل ترجع السفاهة على الشاتم فقط. نعم، فبهذا الشتم ظهر لي أن فيلسوف العصر، ونخبة الدهر الغابر والحاضر، وقد شهد لك كل من اطلع على فرصة الأوقات بالفضل والعلم، وحُقَّ لهم أن يشهدوا؛ «أوَلستَ أبو المحاسن؟!»
أولست أسطا ليس إنذُكر الفلاسفة الأكابروأبو حنيفة ساقطفي الرأي حين تكون حاضروكذاك إن ذُكر الخليــلُ فأنتَ نحْوي وشاعرمن هرمسٍ من سيبويــهِ من ابن فورك إن تناظر نعم، كل هذه السجايا التي تشهد لك بكل ذكاء وفطنة يحق لك أن تفاخر بالشتم والسب أكثر فأكثر، حتى تبلغ الدرجة القصوى من الافتخار لأنك رجل ذو عقل ذكي.
قد ذكَّرتني بقول الشافعي حيث قال ما معناه: «ما ناظرني عالم إلا وغلبته، ولا جاهل إلا وغالبني.» ولا غرو إذا أردت أن تغلبني بكل هذه المقدمة التي قدمتها في العدد السابع من الفرصة؛ لأن الذي يكون على الحق يأنف من التلفيق.
وأما الآن فقد أوجبت لي أن أُظهر لك أنك مخطئ، ولا مؤاخذة أيها الفيلسوف الشرعي أني لم أخرج عن الموضوع من العجز كما زعمت، لا وأبيك، بل لما رأيتك امتثلت من أول رد، ووجدتُ كلامك مناقضًا بعضه لبعض؛ وذلك لما قلته في الجزء الخامس من فرصة الأوقات، وقد نوهتُ لك عنه، وهو بعد مقالتي الأولى، وقد نسبت لي العجلة، ولكن لو لم أسارع بالعجلة لم تكن تقع في الارتباك وتجمع بين الضدين في آنٍ واحد، وها أنا سأرد على كل لفظ لأُرِيَك أني غير عاجزة على الرد لضعفي — كما زعمت أيها الأستاذ الشهير — بل أرد عليك من عين كلامك المناقض بعضه بعضًا، ولْنبدأ بمقالتك الأولى التي أوجبتني أن أناضل عن حقوق النساء لما وجدت فيها من الإجحاف، واستنادك على الخرافات، وإنكارك الحق الظاهر للعِيان، وأُظهر لك أن حجتك التي اتخذتها غير كافية لأنْ تُثبت أفضلية الرجل على المرأة يا حضرة الأستاذ؛ فإنك قلت في العدد الثالث: «إن الرجل قوَّام على المرأة، فأمر الله — عز وجل — إسرافيل فقبض … إلخ.» وهي العبارة المعلومة لدى كل إنسان إلى أن قلت: «أن تكون أفضلية الرجل على المرأة؛ وذلك لكونه أصلًا والمرأة فرعًا.» فهذا — أيها النحرير — لا يُثبت أفضلية الرجل، وإنما أضرب لك مثلًا صغيرًا، وهو أمام كل إنسان معقول غير منقول «هل إذا نظرت إلى شجرة النخل، تُفضِّل الثمرة على أصل الشجرة وهو الخشب، وأنه لولا ذلك الخشب لم يكن الثمر؟» فهل يجوز تفضيله بمجرد كونه أصلًا لذلك الثمر أم لا؟ وأيضًا، فإن آذار والد إبراهيم هو الأصل في الوجود، هل بذلك يفضل عنه أم لا؟ فلماذا لم تفضله عنه يا أخا المحاسن؟ وأما قولك: «إن ذلك النوع وُجد لإيناس ذلك الأصل.» فهذا الذي يُثبت الأفضلية للمرأة على الرجل شأن المحسن البار؛ لأنها أزالت عنه الوحشة وآنَسَته، وحبَّبَت إليه الحياة؛ فلذلك هو مدين لها. وأما قولك: «من تغلب على شيء وقهره وكان أقوى منه مدركةً وذكاءً كان أفضل منه.» إلى أن قلت: «وكذلك الرجل قد تغلب قديمًا.» إلى آخره، لا يا حضرة الأستاذ، ليس الأمر كما تظن، ولو كان كما زعمت لكان الأسد أفضل من الإنسان؛ لأنه أقوى منه، ولو أنك طالعت تواريخ الأمم لاكتفيت بهم، ووجدت لك أعظم شاهد لما تعلم أن أكثر الأنبياء — عليهم السلام — قد قُتلوا من يدي الكفار، فإذنْ لو كان كما زعمت لكان القاتل أفضل من المقتول لأنه أقوى منه! ولماذا لم تَرضَ عن يزيد بن معاوية حيث قتل ابن الزهراء إذا كان كذلك؟! وأما الإدراك والذكاء فقد شهدتَ لها بهما — أيها الأديب — بقولك في أول مقدمة سراجك: «وأدار محور الأمور بدائرة أعمالهن، فهن لصلاح الأخلاق خُلقن.» وهل يتيسر لأحد أن يدير محور هذه الأمور التي ذكرتها بدون إدراك أو بغير ذكاء؟! أم تريد أن تصلح الأخلاق الفاسدة بشيء غير صالح؟! يا سبحان الله! «يا عشتنا على علمك يا أبو المحاسن!» وهل المصلح أفضل أم المصلوح؟! ولعلك نسيت هذه العبارة حتى إنك كتبت ضدها، ولكن لا لوم؛ فالحدة تفعل أكثر من ذلك. وأما قولك عن أغلبية الرجل بأعماله الشاقة إلى أن قلت: «حتى وكل إليه سياسة سلطنته الخارجية، وإدارة حركة منزله.» وقلت: «وناهيك قصة آدم؛ فإنه لما هبط من الجنة مع أُمِّنا حواء، وكان ما كان من ضرب البقرة وغيبوبته عن حرث الأرض، فقامت حواء لتمام الحرث فما استطاعت إتمامه، فبكت وأشفقت من هذا العذاب.» والحاصل إلى أن «نزل عليها جبرائيل وبشَّرها بالراحة، والذي حرثته كان شعيرًا، والذي حرثه آدم كان بُرًّا نقيًّا.» إلى آخر ما ذكر.
فأصغِ إلى قولي أيها الفيلسوف، أما الأعمال الشاقة التي ميَّزت بها الرجل عن المرأة فقد كذَّبها ما قلتَه يا حضرة السيد في الجزء الخامس: «المرأة تفوق عن الرجال في أمور شتى.» إلى قولك بعدما أوردت الحديث الشريف: «فشعر بزيادة اعتبار الأم وأفضليتها، وما ذلك إلا لكونها كُلفت بالمشاق كالحمل والفصال وغير ذلك.» إلى آخر ما عددت من أتعاب المرأة. فإني أرى أن هذه الجملة قد كذَّبت الأولى، وبشارة سيدنا جبرائيل أيضًا التي بشرها لحواء بالراحة، فأين الراحة إذا كانت على الحالة الذي ذكرها حضرة الفيلسوف؟! وأريد أن تفيدني في بحر علمك — أيها الشرعي — عن مسألة البُرِّ والشَّعير التي أثبتَّ بها أفضلية الرجل، في أية سورة من القرآن نزلت حتى أتبعها وأقر على قولك بدون مراجعة؟ أفدني أفادك الله أيها الفاضل، وأما مسألة السلطنة التي وُكلت للرجال، فإنها لم تخرج إلا من سلطنتها الداخلية، وقد شهدتَ بها أنتَ يا حضرة الفاضل؛ إذ قلت قائمة بأمور حسنة كشئون المنزل، وهي الأمور الداخلية، فإنها إدارة على حدتها تديرها بسامي فكرها وعقلها إلى آخر القول، فإذا كانت هي البادئة في الْتِئام سياسة العالم الإنساني، فلماذا يفتخر عليها الرجل بسياسته الخارجية مع أنها لا تخلو من الاشتراك معه فيها؟! وهذه الملكة فيكتوريا قد ساست أعظم الممالك أحسن سياسة؛ إذ لم أذكر لك غيرها من ملكات التاريخ؛ حيث إني لم أتعرض للمنقول، بل يكفينا المعقول والمعايَن، وهو أثبت حجة؛ لأننا في عالم كالعالم الذي تنقل لي عنه، بل الحوادث والعجائب تزيد عن ذلك الزمان. وأما قولك: «يا هذه وقاكِ الله من أقلام الرجال.» فقد أضحكتني كثيرًا وشعرتُ بالحالة التي كنتَ فيها عندما كتبتَ هذه الجملة تبين لي ما تفعله أقلام النساء في أجسام الرجال، وتذكَّرتُ ما قيل لعمرو بن العاص بعدما فرَّ من أمام سيدنا علي في حرب صفين بطل … ولا أذكر ذلك لئلا يعمل في جسمك تأثيرًا عظيمًا، فتشحن المجلة بالشتم والسب، وتضيع المزية بالفصل المضحك يا أخا المحاسن، وتبدل قولك فيها:
وتزينت صفحاتها ببدائعقد نظمت كالدر من حسن البنا وتهدم بعد ذلك ما بنيت.
وأما مسألة الحمل التي ردَّدتها وزعمتَ أنك فضلتني بها، فإن الله قد فضلني بها عليك؛ لأنك ما تكوَّنت إلا في جوف المرأة، وتكملت من دمها، وربيت وتغذيت من لبنها؛ فلذلك لها فيك القسم الأكبر، وأما لو بقيت على عزمك الأصلي في عدم الرد عليَّ لكان أحسن لك؛ حيث إني سأدحض حجتك بالحق لا بالشتم وتلفيق الخرافات شأن القوي يا حضرة العالم، والله لا أدري من منا العاجز، وأما قولك: «إن النساء لو كانت قادرات على رد حقوق أنفسهن لفعلن، بل إنهن ضعيفات.» وهذه الجملة قد أظهرت لي ما عندك من العلم؛ إذ إنها تكررت مرات عديدة، وقد سبق الرد عليها فلا لزوم لإعادته، وأما الفضل الذي ذكرته في رد حقوقنا أنه عائد للرجال، نعم، وإن كنتُ أقرُّ للمتمدِّنين منهم إلا أنه في الأصل ليس الفضل للعموم، ولا لذلك البعض إلا في الإنصاف فقط؛ لأن الذي سلب شيئًا ظلمًا وعدوانًا ثم رده لأهله، فلا فضل له إلا لكونه أنصف في رد حقه فقط، وذلك بخلاف ما إذا كان منحه إياه من عنده، وأما إذا كان حقه وأرجعه له فلا فضل له فيه، فتفكَّر.
وإن لسان المرء ما لم يكن لهحصاة على عوراته لدليلوكأن ترى من لوذعي مخضرموليس له عند العزيمة حول وأما قولك: «إن السيوطي استنبط من الكتاب العزيز نقصان عقل المرأة بقوله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ? فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى? قال: تضل بمعنى تنسى الشهادة لنقص عقلهن، فإن كثرة النسيان لا ينشأ إلا عن نقصٍ في العقل.» أما هذه حجتك يا فارس السباق، وأنا أقول: إنك أخطأت المرمى؛ فإن النسيان لا ينشأ إلا عن صعوبة المركز، وكثرة الاشتغال، وهذا يؤيد قولي في صعوبة مركز المرأة، وعظيم جهادها الطبيعي الذي هو أعظم من اشتغال الرجال؛ إذ إن القوة الحافظة والقوة الذاكرة متضادتان، فكلما قويت إحداهما بكثرة الاستعمال ضعفت الأخرى، فالنسيان إنما ينشأ من كثرة الاشتغال كما قرره جمهور العلماء، ومع ذلك فإن الرجل أعظم نسيانًا من المرأة، فإذا كان منشغلًا في شيء من الأشغال لا يفتكر في سواه ولو كان من أعظم الفلاسفة، وما سُمِّيَ الإنسان إنسانًا إلا من النسيان؛ وذلك لقوله تعالى: نَسِيَا حُوتَهُمَا، وقال: فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ، ولم يذكر النسيان من النساء بل أكابر الرجال «وكان أول ناس أول الناس»، فتجد المحرر مثلًا إذا اشتغل بالتحرير نسي كل شيء، وقد اطلعت في إحدى الجرائد أن أحد فلاسفة السياسة الطايري الصيت قدم إليه زائرٌ من أصدقائه فجلس للحديث، وفيما هما كذلك وإذا بالفيلسوف تغيَّر بغتة وقال: لقد حق قول الطبيب الذي أنذرني به منذ عشر سنوات. فقال الزائر: وما هو ذلك الإنذار؟ قال: قال لي إنه سيصيبني شلل، وها هو قد حصل؛ لأني منذ برهة وأنا أضغط على فخذي فلم أجد حسًّا. قال له: خفِّض عنك يا صاح؛ لأن الذي تضغط عليه هو فخذي لا فخذك. وقام الرجل وتركه وانصرف؛ فانظر إلى هذا الفيلسوف، هل تجد النسيان طارقًا عليه لنقص عقله أم لكثرة أشغاله بالعلوم التي جعلته ينسى نفسه لا الشهادة فقط يا حكيم مصر.
وكيف يكون بالمرأة نقصان وقد أخرجت الكامل من الرجال؟! وما أظن أن الكامل يخرج من ناقص، فدع عنك الاستشهاد بالآيات للراسخين يا صاحب المحاسن؛ لأنهم يعلمون أين يضعونها.
وأما قولك: «من جهة الدين فهذا الحديث يؤيد نقص دينهن، وهو: «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها فقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء».» وقد حكمت أيها المحدِّث أن من كان أكثر دخولًا في النار كان أكثرهم معصية وأقلهم دينًا … إلخ، فمن أنبأك أن النساء أكثر الناس معصية؟! وما أدراك أن الحديث غير موضوع لأنه مناقض لما كان عليه رسول الله ?: «حُبِّبَ إليَّ من دنياكم ثلاث: النساء والطيب، وجُعلتْ قرة عيني في الصلاة.» ومن كان أول شيء أحبه الرسول وقدَّمه على غيره فلا ينبغي أن يشهد له بالنار، وبمَ تستدل على أن النساء أكثر من الرجال معصية ولم تَرَ عصابة تألفت من النساء لقطع الطرق وسلب الأموال والأرواح؟! أم رأيت أن الرجال أقل من النساء في ارتكاب المنكرات، وتتبُّع الشهوات، وشرب الخمور، وفعل الفواحش؟! هذا لعمري أعجب من العجب! وأيضًا إذا حكمت يا حضرة المرشد أن المعصية نقصان في الدين، فحينئذٍ يكون قد اضمحل منذ ألف وثلاثمائة سنة، ولم يبقَ في قلب أحد مثقال ذرة من الإيمان مِن فِعل الجنسين من رجال ونساء، أم تريد أن تنسب لهن اتباع الشهوات بدون أن يكون للرجال فيها اشتراك، فإذا كانت المرأة ارتكبت المعصية لنقص في عقلها أو دينها، فما بال الرجل وهو كامل العقل والدين يشاركها فيها إن لم أقل يجبرها على ارتكابها، ويُحسِّن ذلك لها! وهل وجدت امرأة أرغبت رجلًا على فعل المنكرات، وإلا تُرِدْ أن تستشهد بامرأة العزيز من مضي الألوف من السنين كما استشهدت بالشعير وغيره، ونترك ما هو ظاهر لنا عيانًا.
وإني أعجب لك — يا صاحب العقل الكامل — كيف أنك كتبت بدون فكر وتأمُّل في الكائنات ومجراها، حتى إنك كتبت هذه الجملة اتباعًا للوهم فقط: «والنقص الذي عرض لهن من تتبع هوى النفس أكثر من الرجال.» إلى أن قلت: «وهذا لا تنكره الفاضلة.» كيف لا أنكره أنا وكل عاقل لبيب؟! نوَّر الله عقلك يا أخي، انظر إلى الحقيقة بعينك النقَّادة؛ حيث ترى أن الواحدة من النساء لو أنها نظرت إلى رجل، فأعجبها كيف يمنعها الحياء من مكالمته الصريحة فضلًا عن أشياء أخرى، ونقدر على رد جماح النفس بما تقتضيه من العفة والناموس، ولو فرضنا أنها اتبعت هواء نفسها فتجد لها من ضميرها معنفًا، وما أظن أن العقلاء من الرجال ينكرون أن للرجال خلاف هذه المزايا؛ لأن الرجل لو نظر إلى امرأة فأعجبته اقتحم لأجلها الأهوال دون مداراة ولا محافظة من الانتقاد أو غيره، ولا يُرجعه شيء عن غايته؛ وإذنْ لأنه لائم قال أنا رجل لا يعيبني شيءٌ ما، وربما افتخر بفعل المنكرات! وما فُتحت الحانات و«محلات اللهو» إلا للرجال، ولو أنه لا يخلو من وجود بعض النساء في محلات الملاهي كالبراريات وغيرهن، إلا أنك لا تجدهن لا للرجال إذ ترى الواحدة منهن تسقي الألف من الرجال وهي واحدة! ألم يكن فيهم عقل يوازي عقلها حين يمنعهم عن مشاركتها في ذلك العصيان وردع النفس عن غيها إلا أنهم من أرباب الشرف وكاملي العقل والدين.
وقد ذكرت لك ذلك لأن النساء ليس لهن ذنوب إلا باشتراك بعضهن مع الرجال في الأمر غير المشروع، وفي الجنسين الطيب والخبيث. وأما قولك عن السيدة عائشة: «فهذا نادر والنادر لا حكم له شرعًا ولا يعتد به.» يا سبحان الله يا سيدي أبو المحاسن! كيف لك حكمت بالنادر حيث رجحت صبر الرجل على صبر المرأة واستشهدت بصبر أيوب! أليس هو نادر في الرجال، ولكن لا تثريب عليك؛ لأنك كنت زعلان لأجل أن القلم لم يطاوعك، ويرجع عن مناضلة ذات الخدر يا أكبر فحول العلماء.
وأما قولك: «وفي هذا الحديث إشارة تُشعر بالمرغوب، وهو قوله — عليه السلام — خذوا نصف دينكم لا دينكم بحذف النصف، وهذا حديث يزيد الرجل رفعة … إلخ.» فمن هذه العبارة ظهر لي أنك كامل العلم، ورائق الأفكار؛ لأنك فسَّرت الحديث كأنك في ضمير المراد، أم تخيل لك أنها لكونها امرأة قسم لها نصف الدين وذلك لنقص دينها، وجعل للرجل دين كامل! يا لك من نحرير! فإذا كان ذلك فقد صرتم أفضل منا بمراحل؛ لأنكم صار لكم دين ونصف؛ فمنا النصف ومنكم دين كامل، فلكم الحق في ذلك، ولكن اسمع يا عالم الشريعة هو أن المراد بأخذ نصف الدين عن عائشة، والنصف الآخر يؤخذ عن باقي الأمة؛ لأنها حفظت من الأحاديث ما يوازي نصف الدين الإسلامي؛ فلذلك قال — عليه السلام — في حقها هذا الحديث. وأما قولك: «إنها أم الحروب والفتن.» فهذا يدل على كمال عقلها — رضي الله عنها — ولو لم يكن ذلك لَمَا انقاد لطوعها صناديد الرجال وأولي العقول الكاملة. وأما قولك في حديث عمر — رضي الله عنه: «كمَّل الله به الدين وعزَّ به المسلمين، ومن كان الدين كمل به فمن باب أولى أن يكون كامل الدين، ونأخذ ديننا عنه.» صدِّقني أني ما أتيت على هذه الجملة إلا وأنا لا أكاد أملك نفسي من الضحك والاستغراب، ولمت نفسي على الرد الذي رددته على هذا العالم الشهير، وتذكرت هذه العبارة، وهو أن أعرابيًّا مرَّ على أحد القراء وهو يقرأ القرآن، فوقف يسمع إلى أن انتهى القارئ إلى قوله تعالى: وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي، قال الرجل: ليس لي أخ اسمه هارون، بل أخي اسمه أحمد، فلو كانت الآية على هذا الوزن: واجعل لي وزيرًا من أهلي أحمد أخي، لكنت حفظتها، فليحفظها من كان له أخ بهذا الاسم، فلا لزوم لها عندي. وولى مدبرًا؛ فانظر لنفسك يا أبو المحاسن فإن لم ترضَ بأخذ النصف عن عائشة، وإلَّا فَوَلِّ مدبرًا؛ لأنه لم يأمرك بأخذ الدين الكامل عن عمر، وإنما قال هذا من قِبل النصر والإعزاز؛ لأن عمر كان تمام الأربعين، وكان إذ ذاك الإسلام مضطهدًا، وكان عمر شديد البطش لقومه؛ فلذلك قال كمل الدين؛ أي كمل النصر للدين الإسلامي؛ إذ إن الدين كان تمامه بتمام نصره، وهو بخلاف الحديث المختص بعائشة؛ لأن هذا من قَبل التشريع والتفقُّه في الدين والاستمساك بقواعد الشريعة، كما لا يخفى على أولي العلم.
وأما قولك: «وما رأينا من النساء من كمل بها الدين أو عز بها المسلمون، بل رأيناها أم الحروب والفتن من عهد قابيل.» الله يهديك يا أبو المحاسن؛ فقد كذبت نفسك بنفسك، وذلك بقولك في العدد الثالث من الفرصة صحيفة ?? «فلما كان من تمام دين المرء أن يتزوج، ويعصم نفسه من كل نزعة شيطانية.» فعلى ذلك تكون كل امرأة منا قد جعلها الله لتمام دين الرجل، فبأي شيء تفتخر علينا برجل واحد، ونحن خلقنا الله كلنا لتمام دينكم؟! ولها الإعزاز فقد سبق لك أن قلت: «خلقن لكثرة النسل الذي تفاخر به الأمم بعضها بعضًا، ينتج من تلك المحصنات رجال يسبحون الله ويحمدونه.» وأي إعزاز تريد بعد هذا يا أيها اللبيب؟! فليحكم بيننا أولو النهى بالعدل. وأما كونها أم الحروب، فهذا لا ينقص من عقلها ولا من دينها شيئًا، بل يزيدها رفعة؛ لأن الرجال هم الذين يقتل بعضهم بعضًا لأجلها، فما الذي ينقص من قدرها إذا كان الأمر كذلك، أم فما ذنبها فيه؟!
وأما قولك: «جُعل حظ الرجل كحظ الأنثيين.» هذا — يا صاحب الذوق السليم — لا يخل بناموس منزلها؛ لأنه — سبحانه — عوَّضها عنه من جهة أخرى؛ لأنه كلف الرجل بالصرف عليها، وسد جميع احتياجاتها؛ فهنا تقع المساواة بينهما لأنها هي يتكفل بها رجل آخر، وشقيقها الذي ناله ضعف ما نالها يتكفل بامرأة أخرى؛ فيصير الميراث معادلًا بعضه فلا غرو، وإذا كنت تُخرج أسرار الشريعة وتناضل بها، فإنك أبو المحاسن يا بطل، وأما إسقاط الجزية عن المرأة الذمية فهذا افتخار لها بخروجها عن حكم الصَّغار الذي اشتُرط على من يؤدي الجزية بيدٍ وهم صاغرون، وقد فات حضرة الفاضل أن الجزية مرفوعة عن أهل التعبُّد والزهد من الذين يؤدونها.
وأما بطلان ائتمام الرجل بالمرأة، فلذلك يبطل اعتقادك في أن المرأة لا تقدر على رد جماح هوى نفسها؛ فالله أعلم بعفتها من غيره؛ فلذلك جعلتها تؤم الرجال، ولا تطلبه نفسها، ولو أمَّها لطلبتها نفسه فيخرج من الصلاة، وللشريعة أسرار خفية فافهم معناها ثم ناضل يا حضرة الفاضل. وقد عجبتَ من قولي: «وكفاك ما عليه نساء الغرب.» فلله درك يا أبو المحاسن! ما أقوى حجتك إذ قلت: «فعليها إقامة الدليل بعد عشرين امرأة أو ثلاثين أن واحدة فاق عملها عمل رجل آخر، وأنها أتت بشيء لم يأتِ به رجل فضلًا عن إمكاننا عد الألوف من الرجال … إلخ.» فنحن في محاورتنا كمحاورة الأطفال، لكن لا مانع من أن أبسط لك شيئًا من هذا الخصوص؛ اعلم يا أخا الحسن أنه من المعلوم أن كل أمة لم يتم نموها وارتقاؤها إلا بعد أن تتقدم نساؤها، وتدرس العلوم كما تدرس الرجال، وحيث إن الرجال هم المتقدمون لدرس العلم وماسكون زمام الصنائع، سارت فيهم مَلَكة، وصار دأبهم الاهتمام بما انقطعوا إليه؛ فكثر فيهم الارتقاء، وأخروا النساء عن العلم فقلَّ منهن ذلك النجاح، إلى أن تمدنت أوروبا فتفتقت نساؤها آثار العلوم، فنبغن وتقدمن تقدمًا كليًّا، وكثرت منهن الاختراعات، ونمت بينهن الصنائع فمِن هذه الأشياء يُفهم أن كل تأخر المرأة غير طبيعي، بل إهمال لا غير. ولولا خوف الإطالة لعددت لك جملة اختراعات خرجت من أفكار النساء، ولكن عليك بمطالعة الجرائد؛ فهي تخبرك بما فعله النساء في معرض شيكاغو، فإنها أمام الرأي لم يفت عليها الآلاف من السنين، ولم تختلف فيها الرواة، وكذلك الرجال، فالذي تعلم منهم شيئًا انتفع به، والذي رُبِّي على الهمجية كان من الخاسرين، وتراه والمرأة الجاهلة متساويين؛ فلذلك نجد الأمم الشرقية رغمًا عن اجتهاد أفاضلها في كبح جيوش الجهل وردع الهمجية من أنحائها، لا تكاد تنمحي مع أنهم يقتلعون الجهل من أذهان أفرادها كقلع الصخور، فلو كانت نساؤها متنورة كانت رجالها النابغون أكثر من الألوف كما قلت؛ لأن أطفالها ترضع لبن الحقائق من حين الصغر.
وكما أن الرجال الأفاضل قليلون، كذلك النساء الفاضلات، وهذا ليس كذلك شرط أفضلية الرجل من عدمه التي نحن بصددها، فهل ظهر لك أن كل الرجال حازوا الأفضلية وساوَوْا بعضهم بالفضل، فلو كان كذلك لضاع الفضل وذهب التميز، وقد أنكرتَ عليَّ قولي: «وكلف الله النساء لِيَكُنَّ السبب في وجود العالم.» وقد أخذ منك الغضب كل مأخذ حتى جعلك تظن أني أنكرت المادة التي يتكون منها الطفل في جوف المرأة، ولكن سل والدك ووالدتك كيف وضعك، فتجد والدك وضعك من ماء مهين، وأخرجك بطريق لا يكرهه أحد، وأما والدتك فقد أخرجتك كرهًا بعد أن تكوَّنت، وصرت بشرًا ذا روح مع ما كابدتْه من ثقل الحمل فضلًا عن التربية. أما مسألة الولد فهو مشترك بين الوالدين، كما أجمع عليه محققو العلماء الفاحصين، وخصوصًا الباحثين عن الأنسجة الصغرى المكروسكوبية وغيرها، فليطالع أبو المحاسن بعض كتب التشريح وما يتعلق بالمسألة من طرقها العلمية، وكيف تريد أن تبطل قولي: إن الله خلق عيسى بدون أب. وقلت: إن حواء خلقت بدون أم. وظهر لي أنه بهذه العبارة قد حزت قصب السبق، أو صرت من فرحك تكاد أن تبلغ عنان السماء لأني لم أعلم حقيقة أمي، ولا كيف خلقت «يا سلام خالص»، ولكني أقول على سبيل البساطة إن خلق حواء ليس كخلق عيسى «يا موسيو»؛ لأنها خُلقت من ضلعه الأيسر بدون أن يشعر بألم، بل قام من نومه فوجدها إلى جانبه، ولم يجد ثقل الحمل ولا ألم الوضع، بخلاف مريم؛ فإنها وجدت ثقل الحمل وألم الوضع، واختارت الموت على البقاء إلى غير ذلك؛ فبأي وجه تجد لك حجة تحتج بها، وأما شتمتك لي على أثر هذه العبارة فهو شيء يفرحني كثيرًا لعلمي بالتأثير الذي حصل لك في تلك البرهة التي كتبت فيها هذه الجملة، ولولا أن ضربات القلم قوية لما كانت أظهرت حدتك بعد أن اشترطت عليك حفظ آداب المناظرة ليكون عليك حجة دامغة.
وأما قولك: «تريد تفضيل جنسها.» لست أنا أريد ذلك فقط، بل الله فضل جنسي، وأَثبت ذلك أولو الفضل من الرجال العلماء والفلاسفة، ولا نبالي بالجهال وأولي الغايات إن فضلوا أم لا.
وأما قولك: «إنها خلقت من ضلع أعوج.» فهذا لا يعنينا إن خُلقنا من ضلع أعوج أو قويم، بل الذي نعلمه أننا وُجدنا في هذه الحياة ذوات عقول كاملة، وأفكار وإدراك وإحساس كما للرجال، لا تنقص عنهم شيئًا كما يزعم ذوو الغايات — رحمهم الله.
وأما قولك: «وتفرغ النسل منها بسبب الرجل.» فهذا شيء لا يُنكر يا أديب، ولكنك قدرت أنه بمثابة الغيث على الأرض، ولو فرضنا أن ماء الغيث نزل على صخرة أو فوق ماء البحر — مثلًا — أكان ينتج منه نبات كما ينتج من الأرض الصالحة لذلك؟! وليس مرادي أن أتكلم في هذا الموضوع؛ لأني تكلمت عنه في الأعداد السابقة.
وأما قولك: «فأين هذا الصبر من صبر الرجال وناهيك صبر أيوب.» وذلك على أثر قولي: «وقد صبرت المرأة على البلاء المستمر كصبر الأنبياء على الجهاد، والقصد بذلك الحمل والوضع.» «الله يهديك يا أبو المحاسن»، ما أحسنَ تشبيهَك للأشياء وأقربَها للعقل! لأنك شبهت تشبيهًا كافيًا لأن يدحض حجتي ويعجزني الرد على هذه البلاغة المقامة على أساس من ملح، أو منساب عليها جدول الحقيقة، أثبت أنك جعلت النادر لا حكم له، فما لي أراك كريشة في مهب الريح طائرة لا تستقر حال من القلق تتكلم بالضدين في آنٍ واحد، وكيف تنسب التعب الدائم المستمر على الجنس كله، وتقيسه بصبر واحد من الأنبياء مضى عليه الآلاف من السنين؟! ولو أردت أن أعد لك من نساء التاريخ من صبرن على هذا البلاء لزِدْنَ على الحصر، وأيضًا صبر أيوب — عليه السلام — كان على بلاء الخالق، وهن قد صبرن على بلاء المخلوق، وبلاء أيوب كان على ما قيل مدة سبع سنوات يعاني فيها المرض، وهذه امرأة مصابة في جوارنا بداء الفالج منذ واحد وعشرين سنة لا تقدر على القيام البتة، وليس لها من يقوم بخدمتها سوى ابنة ابنها، وهي التي متكلفة بسد احتياجاتها، وها هي صابرة على هذا البلاء الذي لو ابتُلي به رجل لشرب السُّمَّ وارتاح من هذه الحياة المُرة. وأيضًا قد أجمعت الرواة أن صبر أيوب كان مقرونًا بصبر زوجته التي حملته في مرضه، وجازاها بالجلد لولا أن الله — سبحانه — قد نهاه عن ذلك الفعل، وجازاها من فضله وكرمه على صبرها كما هو معلوم.
وأما قولك واستشهادك بالآية الشريفة: فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَ?ذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى?، وقلت: «فكان مقتضى الكلام فتشقيا؛ أي: آدم وحواء، ولكن اقتصر على شقاء الرجل أنه أجلد منها لكونه يسعى على زوجته، ويتعلم الحرث والزرع والحصد وغيره مما لا تصبر له المرأة.» وقد فضلت الرجل بهذه الأسباب ومعاناة المشاق، أليس كذلك؟ وكم استحسنتُ قولك وتشبيهاتك المحكمة المصاغة من معدن الحكمة، ومفروغة في قالب الحقيقة حتى فرغ مني الاستحسان.
وإلا فأقول: إن الذي قدر على تفضيل الرجال بسبب زرع النبات وجمع الأرزاق يقدر أن يميز بفكرته الثاقبة، ويفضل النساء بزرع النوع الإنساني والسعي في استدراك نموه، ولكن فلْنَدَعِ الحكم في ذلك لأولي الألباب؛ لأنهم يعلمون أن الرجل لم يحصد هذا الزرع بانفصال كل عضو من أعضائه كما أن المرأة تفعل ذلك بالبيت.
وأما قولك: «ولو لم يكن كذلك لما عادت المرأة طوعًا إلى هذا البلاء بعدما قاست أهواله، ولكن هيهات هيهات.» وقد جعلتها موضع التعجب «يا سلام قوي قوي أتابيك يا أخي تعرف تتكلم بالألغاز، ولا حدش زيك أبدًا» «ما فيش كدا أبدًا»، فهذا الكلام اللطيف لا ينطق به إلا كل عالم حنَّكه العلم، وهذَّبه الأدب، فقد غرب عن ذهنك أنك شهدت للمرأة بالصبر الجميل على البلاء الدايم، وأنت غير عالم وبدون قصد منك، ولولا رجوعها إلى هذا البلاء لانقرض النوع الإنساني يا فطين، وهذا شاهد قولي: إنها هي أساس العالم بهذا التحمُّل الشديد؛ وذلك لإيجاد جرثومة الإنسان لا كما ظننت بما التقطته من كلام جهلاء العامة من أن رجوعها لرغبتها في البهيمية، كلا فلا تعجب، والشاهد على ذلك هو أن المرأة لو حصل لها تأخير عن الحمل بذلت كل جهدها للاستحصال عليه مع أن الأمر الذي ظننته غير ممنوع عنها يا عاقل، فمن هذا السبب يظهر لك الحقيقة، وهو أن الرأفة والحُنُوَّ اللذين وضعهما الله — تعالى — في قلبها يجبرانها على التحمل؛ وذلك لأجل عمار الكون الذي كلفها الله بتأسيسه.
وأما قولك: «وإما أن تكون المرأة أفضل من الرجل مطلقًا، وإما أن يكون الرجل أفضل من المرأة مطلقًا.» فبهذه العبارة قد ذكَّرتني عبارة أخرى، وهي أن رجلًا سأل عن عدد الأنبياء، فبدأ بعدهم فقال: سيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا هارون وسيدنا فرعون. فقيل له: إن فرعون ليس بنبي، وإنما هو رجل كافر. فقال: أكان هو راضيًا بالنبوة ولو رضي بها لم يمانعه أحد، وإنما كان مرتقيًا عرش الألوهية. وكذلك أنت يا أبو المحاسن، هل أنت راضٍ بالمساواة بين المرأة والرجل، حتى إنك ترضى بأفضليتها، وها نحن نطلب من عظمتك المساواة فلم نقدر على الاستحصال؛ لأنك قلت: «وإما أن تكون بعض أفراد المرأة والرجل أفضل من بعض، فأما الأول — يعني بذلك «أفضلية الرجل» — فظاهر الوضوح لما بيَّنَّاه، وأما الثاني فمحال لأنه يقتضي تفضيل عامة النساء على الرجال، ومن الرجال الأنبياء … إلخ.» فأقول: يا أخي — ولا مؤاخذة — إن الذي بيَّنته غير كافٍ لإثبات حجتك، وقد أبديته لك بما كلفتني وألزمتني من الجواب؛ لأنك أثبت ذلك على أساس غير متين كالباني على الهواء، أو الكاتب على صفحات الماء، وأما كون الرجال منهم الأنبياء، نعم هذا شيء معلوم، ولكن أفضل من بعض؛ فقد سبق أن أخبرتك في الأعداد السابقة أن من الجنسين الطيب والخبيث، ولولا ذلك ما عُرف الفضلوَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً، وليس المقصود من هذه المناظرة بخصوص طائفة من النساء أو الرجال، لا بل عن عموم الجنسين، ولو أردنا التخصيص لاحترنا في التعداد ولملأنا الصحف ولم نبلغ المراد، ولكن يمكن أن يقام الشاهد بأحد أفراد كل الجنسين، فلا مانع كما استشهدت بسيدنا أيوب وعثمان وغيره، وهكذا فيهما من الخبيث، ولكل معدن صدئ من ذاته، وأما من جهة إعطائك الحق لي على تفضيل البعض من الجنسين فهذا بالرغم؛ لأن منا مريم وفاطمة وخديجة وآسية وسارة وهاجر وامرأة فرعون وغيرهن من النساء الفاضلات، وإذا نجب شخص واحد من الجنس، فلا يجوز إسقاطه كما كانت قبائل العرب إذا اشتُهر أحدها بشيء من الفضل انتسبت له كل القبيلة؛ فبَنُو طيئ اشتُهرت بالكرم منذ ظهر فيها حاتم، وبنو وائل اشتُهرت بالفصاحة والخطابة بظهور سحبان، وبنو ثقيف اشتُهرت بالظلم كالحجاج، وهكذا إذا ظهر شاعر في قبيلة قالوا بسبب بني فلان أشهر العرب، ولكن هذه القبائل لا تخلو ممن تكون خصاله مضادة لهذه الشهرة، كما أن قريشًا فضت محمدًا ? وفيهم أبو جهل وغيره من كفار قريش، فإذا عددنا — ونحن في عصرنا هذا — الطيب والخبيث من الجنسين لوجدناه يعادل بعضه البعض، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا حُرمنا من المساواة، ونحن نصف العالم الإنساني علينا القسم الأكبر من إدارته، أثابك الله يا أبو المحاسن!

الرسالة الخامسة والثلاثون


وكتبت حضرتها رسالة تستلفت فيها أنظار رجال الأوقاف على إصلاح الوقف الخيري وتوزيعه على فقراء المسلمين، وقد درجت في العدد ??? من جريدة النيل الصادرة بتاريخ ?? صفر سنة ????، وها هي: قد اطَّلعت في جريدتكم الزاهرة عدد ??? على ما ذكرتموه من خصوص الليلة التي يهتم بعملها حضرات أعيان العاصمة العامرة في ظل سمو خديونا الأفخم، وتوزيع ريعها على الفقراء، وما أبديتموه من الرأي في هذا الخصوص، ووضع المصاريف في كل الشوارع والأزقة لجمع الصدقات وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين عن يد لجنة مخصوصة لهذا العمل الخيري، ولَعَمري لَنِعم الرأي ما رأيتموه، ولو تم ذلك لعمَّت فائدته على الفقراء بدون أن تستقل كلفته الأغنياء، وإذا حصل منه في مبدأ الأمر تعب إلا أنها ستحمد عاقبته، ولكنه غير مضمون الدوام أيضًا.
وهاكم رأيًا آخر يستوجب استلفات أولي الأمر؛ وهو أنه يوجد في الأوقاف أوقاف خيرية مختصة بالفقراء والمحتاجين، وهي متروكة لا تُكترث بها، وقد دثر البعض والبعض الآخر منهدم، والبعض الآخر في يد أناس ليسوا من أهله ولكن استولَوْا عليه، وقد أهمل بالكلية، ولولا الإهمال لَمَا وُجد الفقر في قُطرنا السعيد، فلو اهتم رجال الأمر بجمع شتات هذه الأوقاف، ورُتب لها مستخدمون، وجُمعت بقلم مختص بها، وأُقيم المنهدم منها بما يُجمع من محصولات المحلات العامرة، وذلك بأن تُشكَّل لها لجنة لجمع المحصول منها، ويوزَّع منه شيء، ويقام بالباقي ما كان منها يلزم له القيام؛ لكانت في قليل من السنين تقوى محصولاتها، وتستحق أن يُطلق عليها اسم أوقاف خيرية تحت رعاية سمو الحضرة الفخيمة العباسية، ولو أن هذا المشروع يرى أنه صعب الملك إلا أنه بسمو عناية الحضرة الفخيمة الخديوية يتسهل الاستحصال عليه بدون كبير عناء ولا عظيم مشقة. فلو اتُّخذت على الوجه اللائق بها لكان أدوم وأثبت من جمع الصدقات وغيرها، وحبذا لو تم كلٌّ من هذين الأمرين لكان أعظم فائدة، وكان خفف عن كاهل الحكومة أثقال ما تتكبده من المصاريف بخصوص المحتاجين من أمر مستشفيات وغيرها من هذا القبيل، ولدامت هذه الخيرات ما دامت الحياة، وما زالت على مر السنين والدهور مع المثابرة والمداومة على العمل، وعمت فوائدها على كافة فقراء الأمة، وتصير مأثرة مستمرة على الدوام إلى الأبد.

الرسالة السادسة والثلاثون


الأفراح الرياضية
وكتبت حضرتها رسالة تشرح فيها زفاف شريفة هانم كريمة المرحوم حسن باشا راسم، على سعادة محمود باشا رياض نجل دولتلو الوزير الخطير مصطفى باشا رياض، ومن ذلك وصف جهاز العروس، وقد درجت العدد الثالث والرابع والخامس من مجلة الفتاة الصادرين بتاريخ ?? رجب و?? شعبان و?? رمضان من سنة ????، وها هي كما جاءت في الجريدة:حضرة الأديبة الفاضلة مديرة جريدة الفتاة الغراء

قيامًا بالواجبات، وبما وعدتم به من إرسال تفاصيل الأفراح الرياضية، هاكم هذه العجالة معربة عن باقي الأخبار التي لم يصر درجها في الجرنالات العربية ولا غيرها، وهي أنه لما كانت الساعة ? بعد ظهر يوم الخميس أقبل القطار الخصوصي المقل لحضرة ذات العصمة عروس العزة والإقبال، وكانت المحطة مزدانة بأنواع الزينة في غاية الانتظام، والموسيقى الميري تصدح بألحانها المطربة مصحوبة بأورطة من العساكر المصرية السواري، وكان في انتظارها ثلاث وخمسون عربة من عربات الفاملية يجرها أربعة رءوس من جياد الخيل — وهي المختصة بركوب العروس — وراءها عربتان مجللتان بالأغطية الكشميرية، وعلى أطرافها السجافات الفضية، إحداهما لوالدة العريس، والثانية لوالدة العروس، وأمام كلٍّ منهما اثنان من السياس، وهكذا سار الموكب، وبجانبه فرقة من الخيالة البوليس، وكان أمام عربة العروس أربعة سياس، وأربعة من خدم الحرم — أغاوات — راكبين الخيل محاطين بالعربة، وحارسان واقفان من وراء العربة، والسائق وكل هؤلاء بملابس التشريفة المختصة بمثل هذا الموكب، ومخلقين بالكشامير، وقد هرع الناس رجالًا ونساءً إلى الشوارع المار بها الموكب، وقد اجتمعت العالم من محطة السكة الحديد إلى الحلمية، وهم مبتهجون متهللون بالفرح والسرور كأنه يوم عيدهم، والنساء من النوافذ يبتهلون بالدعاء لوالدة العريس أن يتم لها ذلك الفرح السعيد.
وذلك لِمَا لدولة ذلك الوزير من اليد البيضاء لدى الرعية وحبه لهم، ولم يزل الموكب سائرًا على هذا النظام إلى أن وصل بالعروس إلى دار الوزير؛ حيث كان هناك من زخارف الزينة والمصابيح الكهربائية، والنجف والمفروشات الباهرة ما يقصر عنه الوصف، وقد تركنا تفصيل ذلك؛ حيث إنه جاء في أكثر الجرائد.
وهنالك نزلت العروس، وقد وقفت أغوات الحريم ماسكين كشامير مظللين عليها من الجانبين من محل العربة إلى عند باب الحريم، وكان العريس واقفًا عن يمينها وشقيقها من جهة اليسار، فسنداها من الجانبين، وسارت إلى أن دخلت فسحة القصر حيث كان اجتماع السيدات، وحينما دخلت بذرت خلفها والدة العريس — وكذلك والدتها — النقود الذهبية، وزفتها العوالم بالدفوف والصنوج إلى أن أجلستها فوق الكوشة — المنصة — المعدة لها، وهناك رجع العريس وشقيقها بعد أن بذر أمامها النقود الذهبية أيضًا.
وبعد أن أخذت الراحة برهة أحضرت الخادمات الطعام، واصطفت الموائد وتهيأت على أحسن ما يكون من الانتظام، وبعد أن انتهيا من الطعام قامت السيدات إلى مراتبهن، وكانت نساء الإفرنج كما أخبرتكم مائتي سيدة، فجلسن ودارت عليهم القهوة، وكانت انتدبت صاحبة العصمة والدة العريس من بنات الذوات عشرين خريدة من عقيلة وآنسة، وكلهن من المهذبات أحسن تربية بحسن اللغات الأوروبية من فرنساوية وإنجليزية وتليانية وغير ذلك، ووقفن لاستقبال نساء الإفرنج ومؤانستهن؛ بحيث إن كل فريق يختص بالفريق الذي يعلم لغته، وبعد أن شربن القهوة، وأخذن راحتهن فقمن سيدات الإفرنج، ومعهن السيدات التشريفاتجية، ودخلن إلى محل العروس لينظرن إلى الجهاز، وهن معهن يترجمن لهن عبارات الترحاب الصادرة من والدة العريس وأهل العروس، وينقلن ما يلقين لهن من واجبات الشكر والممنونية على ما حصل لهن من السرور في تلك الليلة الزاهرة.
وبعد ذلك قامت طائفة العوالم ورقصن الرقص المصري بناءً على طلب نساء الإفرنج، فطربن من ذلك غاية الطرب، وكانت سيدة الفرح قد أمرت العوالم أن لا يقبلن النقوط المعتادات على أخذه من أحد؛ حيث إنها قد أرضتهن بما يكفيهن من النقود، وكانت العادة إذا رقصن العالمات تنزل عليهن النقود من المدعوات من ذهب وفضة وكشامير وما أشبه، فمنعت هذه السيدة كل ذلك ولم تقبل هدية أحد، وكانت العادة عند أهل العريس أن يهادوهن بالكشامير أيضًا كما يهادون العروس، فمنعت هذه العادة، وأرسلت لكل المدعوات وأخبرتهن بأنها لا تقبل هدية أحد، ولا من اللواتي لها عليهن سابق نقوط من قبل.
والحاصل قد كانت الليلة بغاية الانتظام، وكن كل الواقفات في الخدمة من بنات أكابر القطر يطفن بين الجموع، وبأيديهن السبات المصنوعة من الفضة للسجاير يحيون الضيوف بما رُبِّين عليه من التواضع وحسن الأخلاق حتى انصرفن، وكلٌّ منهن على غاية ما يرام من السرور شاكرات داعيات للعروسين بالرفاهية والبنين، ولوالديهما بدوام البقاء مدى الأيام والسنين.
وبعد انتهاء الفرح توجهت إلى قصر الوزير لمعاينة الجهاز؛ فقوبلت بغاية الأنس من قِبل ذاك النادي الرحب، وبعدما استقر بنا الجلوس أقبلت ذات العصمة شريفة هانم المومأ إليها ترفل بثياب العز والدلال، وسلمت بغاية اللطف والإنسانية، فنظرت إلى ملك سماوي حل بمثل ذلك الهيكل الإنساني الذي صاغه الله من معدن اللطف والرقة، وبعد أن تبادلنا التحية على حسب العادة، وتذاكرنا في بعض الأشياء، وكانت والدتها جالسة أيضًا، فإذا هي سيدة جليلة قد وهبها الله من العقل وحسن الإدارة والرقة والبشاشة ما صيَّرها بأن تكون جديرة لأن يدرج من بين يديها وتحت تربيتها من مثل هذه الغادة الهيفاء المهذبة، وعلى ما بلغني أن التي لها اليد الطولى في تثقيفها وتهذيبها هي والدة إحسان هانم زوجة والدها، وحينما طلبت بأن أنظر إلى الجهاز قامت والدة العروس، وأخذتني من يدي بكل لطف، وتمشينا مع جملة من سيدات القصر حتى دخلنا إلى محل العروس.
ولما دخلنا من الباب وجدنا فسحة بأربعة لواوين، وجميعها مفروشة بالقطيفة والحرير، وفي وسطها نجفة — ثريا — بثمانين شمعة، وفي كل ليوان مرآة متوسطة الحجم.
ثم دخلنا إحدى الغرف فوجدناها مفروشة كالأولى بالقطيفة والحرير والكرانيش المذهبة، والشمعدانات الفضية، والنجفات البلورية، وكنبات وكراسٍ مختلفة الشكل والجنس، والزهور الصناعية، وفيها رسم والد العريس ووالد العروس، ورسم شقيق العروس.
ثم انتقلنا بعد ذلك إلى غرفة الفضيات التي حدِّث عنها ولا حرج؛ ففيها ضمن دواليب من خشب الجوز المنقوش ثلاث صوانٍ، كلٌّ منها أكبر من الثانية دائرة، وعلى كل جنب منها ?? صحنًا بأغطيتها ومعها ملاحات، و?? ملعقة، و?? شوكة، و?? سكينًا، و? كاسات للشوربة، و? طشوط، و? أباريق لغسيل اليدين، وصينية للمربى كاملة بأدواتها، وطاقم للشاي.
ورأينا فيها ?? قطعة لأغطية القلل، و?? قطعة منافض للسجاير، و? قطع على شكل سبت من خوص، و? مرايات من الفضة، و? أناجر كبار لوضع الخرفان، و? للحلوى، و? للسمك، ومنجرتين، وصنيتين للشربات على كلٍّ منهما ?? كباية بأغطيتها، و?? كباية للماء، ومنقدًا موضوعًا على صينية، وفوقه مكبة، وجميع ذلك من الفضة الخالصة.
ثم دخلنا إلى غرفة الطعام فوجدنا فيها مائدة مربعة الشكل وعليها كرسيان، وهي كاملة متممة بدواليبها، ومصابيحها ومفروشاتها، وستايرها.
ثم انتقلنا منها إلى غرفة الحمام، فرأينا كل ما يلزم للرجال والنساء من مرايات ومفروشات ومصابيح وقباقب فضة مذهبة، إلى غير ذلك مما لا يسعنا وصفه.
ومنها إلى غرفة الصيني فوجدنا ما يعجز القلم عن وصف ما فيها من الأواني الصينية والهندية والأوروبية الفاخرة، ومن أعظم ما رأيت بها طاقم صغير للطعام، وقد كان لحضرة شريفة هانم وهي صغيرة، وقد رتبته بيدها فحفظته تذكارًا لأيام طفوليتها.
ثم صعدنا إلى الدور الأول العلوي فوجدناه كأنه جنة فوق الأرض متممًا كاملًا بمفروشاته وأدواته، وتتضمن مفروشاته مخدتين مستديرتين — شغل الطارة — وهما شغل يد العروس؛ ولهذا لا أقدر أن أصف ما رأيته من المفروشات الثمينة والأواني العظيمة.
ثم دخلنا إلى الغرفة المختصة لجلوس العروس، فرأينا فيها ما يُذهل العقل ويخطف الأبصار، حتى يخال للداخل فيها أنه في جوف الشمس بما بها من بهارج الأواني الذهبية والفضية والجركاش والمصابيح المختلفة، والأزهار البديعة بشكلها وألوانها وصفاتها التي تستوقف الأبصار وتدهش الأفكار.
أما الغرفة ففيها سرير من المعدن الأبيض كأنه عرش بلقيس، وفوق سطح السرير كرنيش عريض كأنه التاج على رأس الحسناء، وعليه ناموسية من الحرير الأحمر مشغولة بالقصب الأبيض ذات سجف يتدلى بوشاح فضي جميعه كأنه سبيكة من ذهب، وفوق المرتبة ملاية مصنوعة من الزرد الفضي — شغل الإبرة — وهي من شغل يد العروس، وكل ما فيها يمثل ضوء القمر، كما أن غرفة الجلوس تمثل نور الشمس.
وفوق طاولة غسيل الوجه أربع فوط من الحرير الهندي مشغولة بالقصب الفضي يتخلل أطرافها اللؤلؤ المنظوم، وإلى جانب السرير طاولتان، على إحداهما الجواهر والحلي المختصة بالعروسين.
فالحلي التي أهدتها العروس للعريس موضوعة على صينية من الفضة، وهي طاقم زرار للقميص من ماس، ودبوس من الماس لرباط الرقبة، والعلبتان للسجائر مرصعتين بالحجارة الكريمة، وفم سيجارة من ماس، وأربعة منافض سيجاره من الذهب المرصع بالماس، وثلاثة أكياس لوضع الدراهم من ذهب وفضة، وكلها باللؤلؤ الكبير، وفرشة «سواك» للأسنان ملبسة ذهبًا، وقالب للطربوش فضة — صب — ومغطًّى بغطاء مشغول بالقصب واللؤلؤ، وثلاث بقج لؤلئية.
وأما حلي العروس وجواهرها، فهي من أبدع الحلي والجواهر موضوعة ضمن صينية من فضة، وعليها تاج بالزمرد والياقوت والماس كتاج إمبراطوري، وكردان الماس يملأ الصدر، وفي منتصفه حجر الماس قدر ربع ريال مصري، وحزام ذهب قفله الماس، وفيه حجر من الزمرد قدر ربع ريال، وأساور من الماس، وساعة، وسلسلة ذهبية ذات حجارة كريمة، وبروش الماس نظير الكردان، وبروش ثانٍ أصغر منه، ودبوس الماس على شكل زهرة الياسمين، وجوز حلق الماس كبير، وآخر زمرد، ومشط لشبك الشعر وهو على رسم التاج — من ذهب — وسلسلة ذهب بندقي وست وعشرون أسورة ذهب — غويشة — وثمانٍ أكبر منها — ذهب — محلاة باللؤلؤ، و? دبابيس في رأس كلٍّ منهم لؤلؤة، وبأسفلها ماسة على رسم اللوزة عارية عن شيء يمسكها، بل إنها مشبوكة بسلك رفيع، ومدلاة وهي تلمع بنورها كالنجم الساطع.
ثم دخلنا إلى غرفة ثالثة للنوم وهي أقل درجة من الأولى، ووجدت تحت السرير هذا «شبشب» مشغول باللؤلؤ، وعليه رسم الوردة من الماس، وهو غير الحذاء الذي ذكرته في الرسالة الأولى، ومنها دخلنا إلى الغرفة الرابعة فوجدناها على أتم نظام، وأحسن إتقان، وفيها من المفروشات والأواني الفضية كما وجدنا بالأولى، ومنها دخلنا إلى غرفة الفرش فوجدنا من صنف المراتب ?? منهم ?? بالقماش المختلف الألوان، و??? لحاف من حرير وقصب، و??? وسادة، و?? بقجة منها ثلاث مطرزات باللؤلؤ، و? محارم مشغولات باللؤلؤ أيضًا.
وفي يوم الخميس ? يناير خرجت العروس شريفة هانم أفندي لزيارة حرم والدها المصون، بعد أن قدمت واجب الشكر لصاحبة الدولة والعصمة والدة الجناب العالي العظيم.
ولا يخفى أن حضرة حرم حسن باشا راسم كان لها ابنة اسمها إحسان هانم خطيبة سعادة محمود باشا رياض، ولَمَّا توفاها الله برحمته طلبت والدة العريس حرم صاحب الدولة رياض باشا أن تلبس النيشان إلى شريفة هانم، وكانت إذ ذاك صغيرة السن؛ فامتنعت والدتها في بادئ الأمر إكرامًا لأم الفقيدة، فألحت والدة المرحومة إحسان هانم لإتمام زواج شريفة هانم إلى محمود باشا، وألبستها النيشان، ووهبتها كل ما كان عندها من جهاز ابنتها «إحسان هانم»، وعليه عندما توجهت لزيارتها — كما ذكرنا على حسب العادة — أهدتها هدية عظيمة، وهي أربع قطع من الحلي: ساعة الماس، وعقد لؤلؤ ذو أربعة فروع وفي وسط كل فرع زمردة قدر بيضة الحمام، وجوز أساور، وخاتم ياقوت ثمين يحتاط به البرلنت. ثم أهدت للعريس سابحة وسلسلتها مرصعة بالماس والياقوت، وكيس دراهم من سلك الذهب، وجميع ذلك غير الذي أهدى للعروس النيشان تاج مرصع بالماس وقيمته ???? جنيه غير التكاليف وما يتبعه من الملبوسات، وهذا التاج أصغر من تاجها الذي سلف ذكره.
وأما المهر الذي دفعه العريس فهو ??? جنيه، والهدايا التي أهديت للعروس ليلة الحناء فمن دولة حميها عقد لؤلؤ، وفيه ثلاثة محاسب ياقوت مرصع حولها بالماس ثلاثة فروع، ومن والدة العروس دبوس موضوع فيه رسم للعريس من الماس، وهو غاية في الإتقان، ودبوس آخر ماسي على رسم الهلال يشبك في الصدر، ومن خالة العريس أمينة هانم دبوس ماسي رسم الهلال أيضًا، وقد فرش كلٌّ من المشار إليهم تحت أقدام العروس شالين من الكشمير الفرماش الأبيض. وأما هدايا ذوي العروس فمن شقيقها سعادة محمد بك راسم دبوس ماسي شبيه بالغزال يضيء كأنه النجم اللامع، ومن والدة المرحومة إحسان هانم ريشة مرصعة بالماس هو من أثمن ما يوجد في جواهرها، ومن شقيقتها بروش الماس، ومن شقيقها الأصغر جوز أساور الماس، ولم تقبل والدة العروس هدية من أحد، والذي أهدته والدة العروس ??? بدلة، و??? شال، و?? قطعة من الأساور، وأقراط وساعات وسلاسل وخواتم، وغير ذلك للأتباع والخدم من رجال ونساء، وفي الصبحية أهدت للعريس خاتمًا من الماس على قدر البندقة الكبيرة.
وأما الذي وهبته والدة العريس ??? بدلة، و?? شالًا توزعت على الأتباع والخدم من الجنسين، ولم تقبل من أحد هدية، وعملت — كما بلغني — لكلٍّ من المغنيات بدلة بقيمة خمسة وعشرين جنيهًا كلها بالقصب الفضي، وأعطتهن من النقود كفايتهن حتى لا يأخذن من نقوط على حسب العادة كما قدمنا.

الرسالة السابعة والثلاثون


وقالت مجيبة لاقتراح حضرة الفاضل الأديب أحمد بك أباظة في تشطير هذين البيتين، وقد درج في العدد التاسع عشر من جريدة الهلال لسنتها الثانية الصادر في ?? ذي القعدة سنة ????:وما من كاتب إلا سيبلىويبلغ بدء غايته انتهاهوتمحوه الليالي في سراهاويُبقي الدهر ما كتبت يداهفلا تكتبْ يمينُك غير شيءبه يرضى لك الزُّلفى الإلهولا تعمل سوى عمل مفيديسرك في القيامة أن تراه
الرسالة الثامنة والثلاثون


وكتبت حضرتها رسالة عن زفاف وجيدة هانم كريمة سعادة محمد بك مختار، وقد درجت في العدد ?? من مجلة الفتاة الصادرة بتاريخ ?? شعبان سنة ????، وها هي كما جاءت في الجريدة:زفاف سعيد

في ليلة ?? شعبان الجاري احتفل بزفاف حضرة الآنسة المصونة ذات العصمة، وربيبة المجد والشرف وجيدة هانم كريمة محمد مختار بك طبوزادة إلى الشاب النبيه عبد العزيز بك، فتلألأت الدار بالأنوار الساطعة، وازدانت بالثريات اللامعة، واجتمع فيها خلق كثير من نخبة الوجوه والموظفين وذوات الأوروبيين على ما يقر الناظر ويشرح الخاطر.
وقد أظهرت والدة العروس داخل الحرم من البشاشة والمؤانسة ما أطلق ألسنة المدعوَّات بالشكر والثناء، وخصوصًا على المائدة التي كانت زاهية بكمال النظام والإتقان، وكانت المغنيات يطربن جميع الحاضرات، وتخت الآلات يشنف الأسماع من الخارج، وبعد الفراغ من الطعام أتت إحدى الراقصات، وأخذت تتفنن بأساليب الرقص والرشاقة؛ تارة ترفع الكرسي بأسنانها، وطورًا تضيء الشمعدان وتضعه فوق رأسها، وهي كالغزال في تنقيل أقدامها حتى أدهشت العقول من الحاضرات، واستلفتت إليها جميع من حضر من ذوات الخدور وربات الستور.
ولَمَّا كانت الساعة الخامسة تقريبًا زُفت العروس، فأُنيرت الشموع، واصطفت السيدات من الجانبين كأنهن الأقمار يكاد يخطف نورهن الأبصار، وقد تحلين بالماس وأثمن الجواهر، ينعكس عليهن ضوء الشموع، فيزددن نورًا على نور مما يخاله الناظر كأنه نور كهربائي أو شفق من الدراري والبدور، وأوقفن العروس بينهن كأنها الشمس وهن الأقمار، أو كعبة يطوف حولها الزوار، ومشين بها والمغنيات يضربن بالدفوف أمامها إلى أن أتين بها إلى الغرفة المعدة لجلوسها؛ حيث نثرت السيدات أمامها النقود من الذهب والفضة جريًا على العادة، وتمت تلك الليلة الزاهرة على أحسن نظام.
وفي اليوم التالي انتظمت الزينة، واصطفت العربات تتقدمها الموسيقى، وجلست العروس في عربة من عربات العائلة الخديوية، وسارت الزفة بها سيرًا حثيثًا حتى بلغت دار العريس فاستقبلتها الموسيقى العسكرية بالسلام العباسي، ودخلت العروس وإلى جانبها العريس ووالده فأجلساها على الكوشة — المنصة — في الغرفة المعدة لها، وقد كانت مفروشة بالمخمل — القطيفة — الأرجواني المزركش بالفضة من ستائر وكنبات وكراسٍ، وجميعها مصنوعة في الأستانة العليا، والكوشة قائمة على يمين الداخل محلاة أيضًا بالقطيفة المزركشة الأرجوانية، وإلى جانبها طاولتان فوق كلٍّ منهما مرآة كبيرة وما يتبعها من الزينة، وفي قلب الغرفة طاولة كبيرة مزدانة بأبهى زينة، وقد غص فناء الدار والغرف بالمدعوَّات، ثم مُدت موائد الطعام فأكلنا مريئًا، وشربنا هنيئًا، ثم زُفت العروس أيضًا كالليلة الأولى — المعروفة بليلة الحناء — وكان بين المدعوات جملة من سيدات الإفرنج من مستوطنات وسائحات، منهن ابنة أحد اللوردات الإنجليز، وقد علمنا يقينًا أنها سُرَّت كل السرور مما رأت من حسن النظام والترتيب، ولوقوفها على عوائد الشرقيين في الزواج، وأظهرت كل امتنانها مما رأت وسمعت، ولكنها تعجبت لاحتجاب النساء عن الرجال، وقالت بلطف وابتسام: كيف تنتظم الهيئة الاجتماعية في محافلكم ولا اختلاط بين الجنسين — القوي واللطيف — وأنها ما أتت بملابس الرقص إلا لعلمها أن الأفراح لا تخلو من قاعة مخصوصة للرقص، فأفهمناها عن بعض عوائدنا بواسطة الترجمة، وبعد أن اعتذرت عن عدم معرفتها عادة الحجاب؛ إذ لم يكن لها في مصر سوى ستة أيام فقط، طافت بالغرف كلها لتطَّلع على جميع الجهاز، وسار معها ثلاث من أوانس وجهاء مصر يتكلمن بالإنجليزية ليجبنها عما تريد الاستفهام عنه، وأصبحت هي وجميع النساء الأوروبيات على غايةٍ من الامتنان، وشكرن لأهل العروسين حسن ذاك الانتظام، وانتظرن الزفة، وبمرورها تفرجن من النوافذ، وقد ألقى بعض الخطباء خطبة في ساحة الدار الخارجية وختم ذلك بالدعاء للحضرة الخديوية، ثم دخل العروسان بعدئذٍ إلى داخل الحرم، فنُثر عليهما الذهب والفضة أيضًا، وتم الاحتفال على ما يرام، وانصرف المدعوُّون والمدعوات شاكرين داعين للعروسين بالرفاء والبنين. وقد بلغني أن الذي وزعته والدة العروس وجدَّتها على الخدم والأتباع ما يزيد عن الأربعين بدلة، وستين شالًا من الكشمير، وثلاثين قطعة من الحلي، وغير ذلك مما أوجب الشكر والثناء.
الفتاة تشارك حضرة الفاضلة الأديبة زينب فواز هانم المصونة بتهنئة العروسين وأسرتهما الكريمة.

الرسالة التاسعة والثلاثون


وكتبت هذه الأبيات تمدح بها حضرة محمد بك غالب نجل المرحوم علي باشا غالب، وقد أرسل لها تقريظًا على كتابها المسمى ? «حسن العواقب»، فعجبت به لصغر سن الناظم؛ حيث إنه لم يتجاوز الرابعة عشرة من سنه؛ فمدحته لأنه بالمديح جدير:
يا واحدًا في علاهلك الثناء المؤبدأوتيت في الصغر رشدًاقد قلَّ في الناس يوجدوخاطبتْك المعانياهنأ وسُدْ يا محمدلا زلت تعلو وترقىلكل مجدٍ وسُؤْددها قد بدا منك نورأسمى وأسنى وأسعدأصبح كبدر مضيءحسن العواقب يشهد
الرسالة المتممة للأربعين


وكتبت إلى مديرة جريدة الفتاة تهنئها باقترانها، ورجوع الجريدة، وقد كانت تأخرت مدة أيام الجهاز: عزيزتي، قد سررت واللهِ كثيرًا، وما أدري ماذا أقدم من الأعذار لسيادتك، وما الذي ينوب عن تقصيري في التأخير عن تقديم واجبات التبريك أمام خدرك المصون، مع أني على الدوام أطلب إليه تعالى أن يجعله قرانًا سعيدًا مقرونًا بالرفاهية والبنين، وقد أخذتني نشوة الطرب حينما رأيت سناء فتاتنا العلمية بارزة تتجلى من وراء ضباب ذاك الحجاب فقلت:
قران سعيد بالمسرات مقبلومستقبل رغد بخير وإقبالوإشراق شمس من فتاة عزيزةتجلت لنا في أفق عز وإجلاللهذا نهني المجد والفضل والنهىبعود فتاة العلم في مظهر عالي
الرسالة الحادية والأربعون


وقالت وقد اقترحت عليها إحدى السيدات من صويحباتها أن تنظم لها تاريخ والدتها الذي كان سنة ????؛ لتضعه في لوح من ذهب وتجعله من ضمن الحلي:زها مطلع العليا بشمس منيرةسَمَتْ أفقًا تروي المعالي مكارمهْوجاءت بإقبال فقلت مؤرخًاألا وافت البشرى بميلاد فاطمهْ عزيزتي قد تشرفت بنظم تاريخك السعيد، فأرجو قبوله مع عاطر تحياتي، وتقديم واجب احترامي الزائد، ودمتم، ?? ربيع أول ????.

الرسالة الثانية والأربعون


وقالت متغزلة:
لا زال قلبي مدى الأيام خفاقًاوبدر حسنك يجلو العين إشراقًاتكوَّن الجسم منه من سنا قمرحتى تكامل إلماعًا وإيناقًانور تجلَّى على الأرواح منفردًاحتى جلى منه في الأحشاء إحداقًاسرى غرامك في قلبي وفي جسديلذاك أثَّر أسقامًا وأحراقًاكُلِّي بكُلِّك مشغول ومرتبطفلست أشكو إلى لقياك أشواقًاوأصبح القلب من وجد يُذوِّبهنور الشبيبة تهيامًا وإشفاقًا
الرسالة الثالثة والأربعون


وقالت أيضًا:
جمعتْنِ يومًا والحبيب منازلوتعطَّف الدهر الذي هو باخلدارت كئوس الأُنس فيما بينناوبدا لدينا في الغرام دلائلوغدا يعاطيني مُدام حديثهواللحظ بالسحر الحلال يغازلمالت بنا الصهباء في سنن الهوىحتى وجدنا للكلام أوائلجاذبتُه نحوي وكان مُقنَّعًافتمايل القدُّ الرطيب العادلفلمست بدر التمِّ بين أنامليلكنه قد حال دوني حائل وقد خمسهم حضرة العلامة حسن بك حسني فقال:
يا طِيبَ يوم والحبيبُ مواصلُوالشمس تزهى والتقرُّب حاصلُفلذا أقول ولي فؤاد مائلجمعتْنِ يومًا والحبيب منازلوتعطَّف الدهر الذي هو باخل
رقَّت صبابتنا وراق لنا الهناوصفت لنا أيامنا وصفت بناحتى إذا سمحت بخيلات المنىدارت كئوس الأُنس فيما بينناوبدا لدينا في الغرام دلائل
وشكا المُحبُّ هيامه لمُحبِّهوغدا يذكِّره على تأنيبهمزج الهيام قديمَه بحديثهوغدا يعاطيني مُدام حديثهواللحظ بالسحر الحلال يغازل
لذَّت شكايات الصبابة والجوىوقد اهتدى القلب ُالمحب بما غوىحتى إذا باح الضمير بما حوىمالت بنا الصهباء في سنن الهوىحتى وجدنا للكلام أوائل
أفديه من ملك الحشى وتمنعَاوبلحظةٍ جرح الفؤادَ وروَّعَالما انثنى غصنًا وأشرق مطلعَاجاذبتُه نحوي وكان مُقنَّعَافتمايل القدُّ الرطيب العادل
وحلا الهوى منا بطِيب وسائلوخلا اللقا من كاشحٍ أو عاذلوهنالك اهتاج الغرام بلابليفلمست بدر التمِّ بين أنامليلكنه قد حال دوني حائل

الرسالة الرابعة والأربعون


وقالت ارتجالًا في مجلس العلام حسن بك حسني وطلبت الإجازة، فقالت:
بلا ذنب إذا أنظر إليه فيغضبألا فانظروا هذا الفؤاد المعذب فقال:
يعذب في وجد فيستعذب الجوىويغلبه حكم الغرام فيغلب فقالت:
قضى الدهر في حكم الغرام وجوره
فقال:
مضى في ذوبه فهو عذب معذب
فقالت:
ففي دولة العشاق يستعذب الردى
فقال:
لصرعاه فيهم موكب ثم موكب
فقال — وقد ترك لها القافية:
إذا ما جرت أحكامها في حشاشه
فقالت:
جرى مدمع صب ورق التشبب
فقال:
فيا للهوى كم يؤلم اللب والنهى
فقالت:
وكم يفرح الولهان ويطرب
وقالت: مهنئة أحد الإخوان بمولود له:
بشرى محمد رفعة بعليهإذ جاءه بالطالع المسعودوافاه بدر نجابة موروثةمن والد عالٍ إلى مولودفليهبهن منه بتقبل في سؤدديرقى العلا بعزائم وجدودشبل يبشر والديهِ بالهناوبظل سعد دائم ممدودلا زال ينعم منهما في غرةوصفاء منهل منهما مورود
الرسالة الخامسة والأربعون


وقالت مهنئة بعض الإخوان بقدومه من السفر:
نعم سرت سير الشمس والله وافيًاوأُبت إياب البدر والدهر يشهدوأقبلت يا فخر الكمال لموطنيفاخر بنيه في علاك ويسعدفأهلًا لقد شرفت يا منبع العلاوثغر الأماني قال يا قلب أحمد وقد زار شقيقها أحد الشعراء وأرسل إليها هذه الأبيات:
يا فتاة قد تجلىعن سجاياها الصلاحمن بها مصر تباهتوبدا منها الفلاحيا مهاة الفضل فيناأسعد الله الصباح فأجابته على الفور:
أسعد الله صباحكيا أميرًا لا يتاحعشت في الدنيا سعيدًافي أمانٍ وانشراحشمس فضلك في ضحاهاأشهرت علم النجاحلا يداهمها زوالما تلا الليل الصباح
الرسالة السادسة والأربعون


وكتبت حضرتها رسالة عنوانها: «المصريون والمدارس» تستلفت بها أنظار أولي الأمر لفتح مدرسة صناعية، وقد درجت في العدد ??? من جريدة النيل بتاريخ ?? جمادى سنة ????، وها هي كما قالت:المصريون والمدارس

قد كثرت — والحمد لله — المدارس، وكثر راغبوها، وصرنا نرى اجتهاد الآباء في تعليم يجل عن الوصف، حتى لو كان الأب معسرًا اجتهد في استرحام أولي الأمر للإعانة على تعليم أولاده رغبةً في تحصيل العلوم والاستحصال على المنفعة العامة التي يتثنى له بها، وخدمة الوطن ونفع ذويه؛ فهم يصرفون الزمن المديد في درس العلوم حتى إذا ترشحوا صاروا أهلًا لأن يتقدموا لخدمة وطنهم وتأمين معاشهم، وجد أكثرهم أو سيئ الحظ منهم أن الأجانب تقدَّموا إلى ما هم أحق به من الخدمات الأميرية، وتركوهم يتلظَّوْن على بساطَي الفاقة والندامة.
ومن الغريب أن الأهالي مع ما يرون من هذه الأحوال، وأمثالها جوع الكثير من شبانهم الذين رضعوا ثدي العلوم عن التشرف بخدمة أوطانهم، حتى إن الواحد منهم قد لا يجد المحل الذي هو أقل مما يستحق، ترى كل ذلك لا يثني عزمهم عن دروس العلوم، ومن المقرر في دوائر الحكومة أنه إذا لزم لأية مصلحة كاتب أو غيره جمعوا الجم الغفير من المتخرجين، وقدموهم للامتحان، فيمتحن الكل لأجل واحد، والوظيفة لا تستحق، وقد لا تزيد على ثلاثة أو أربعة جنيهات في الشهر.
وسمعت غير مرة أن مصلحة البوسطة طلبت مستخدمَين اثنين أو أكثر، وأُعلن ذلك في الوقائع، فتهافت الشبان من الوجه البحري والقبلي وإسكندرية طمعًا في نوال تلك النعمة، فرجعوا لبلادهم بخُفَّيْ حنين فضلًا عما تكبَّدوه من مصاريف الذهاب والإياب، والحاصل بهذه الطريقة يكون قد ضاع زمن الأولاد في المدارس على غير جدوى في الغالب، فضلًا عما يتكبده الآباء من المصاريف المدرسية.
وبعد ذلك يأتون من المدارس إلى البيوت فرحين بالشهادة التي أمضَوْا عليها أعز أوقاتهم، وقد قلَّ في الأيام الأخيرة من يتحصل على الشهادة أيضًا، وما أدري إن كان ذلك من انكسار قلوب الشبان لعلمهم بما يئول إليه أمر أغلبهم والاتعاظ بمن قبلهم، أو هو لتأخير حاصل من المعلمين.
فمن الموافق للأمة المصرية ليس إلا تشييد المدارس للصناعة؛ فهي التي تليق وتساعد على تمدُّن البلاد واتساع نطاق الثروة، فنأمل من رجال حكومتنا السنية أن يوجهوا أنظارهم العلية إلى هذا الأمر؛ إذ عليه مدار عظيم من الأهمية.
ولقد اطلعت في إحدى الجرائد المحلية أن صاحب الدولة ناظر المعارف العمومية، وصاحب المآثر الوطنية قد أمر بإنشاء خمسين مدرسة زيادة على ما في القطر المصري من المدارس، وزيادة مائة تلميذ في كل من مدرسة طنطا والإسكندرية لتعليم الصنائع، حتى إذا درس التلامذة العلوم الابتدائية يدخلون في المدارس الصناعية، فيُتقنون ما فيها من الصنائع؛ وبذلك تعم الفائدةُ القطرَ كلَّه الحكومةَ والأهاليَ معًا.
وقد بلغني أن في الأستانة العلية مدرسة صناعية يخرج منها كل ما يلزم للجنس البشري من ملبوس ومفروش، وجميع الأدوات المنزلية وغير ذلك، والتلميذ فيها متى صار يَقدِر على إتقان ما في يده من المصنوعات قدَّرت المصلحة له قيمة أتعابه، وتضعه في صندوق الاقتصاد، حتى إذا أتم أيام التحصيل سلمت له تلك النقود المتوفرة مع الشهادة، وقدر ذلك خمسون جنيهًا، وإذا لم تتم أتمَّتها المصلحة من خزينتها، وبعد ذلك يُطلَق سراحه، فيشتغل ويجعل النقود رأس ماله.
وهذه لَعمر الحقيقة من المنافع العمومية التي تشبه الشفقة الأبوية من أوجه؛ أولًا: أنها تؤدي إلى تنشيطهم وترغيبهم في أخذ الصناعة باهتمام كلي، وثانيًا: ينتفعون بما توفر من النقود، وثالثًا: تنتفع الحكومة بما يخرج من تلك المدرسة من الإيراد الذي يُجمع من ثمن المصنوعات فتضيفه إلى مصاريف المدرسة، ورابعًا: يعم التمدن ويرتفع شأن الأمة.
فالآن نحن في احتياج كلي إلى مثل هذه المدرسة لتستغنيَ بها الأهالي عن غيرها؛ فنأمن من غوائل الفاقة في ظل سمو خديونا المعظم؛ إذ ليس عندنا من الصنائع سوى الزراعة والخدمة الأميرية فقط والأولى فهي غير كافية لأبناء الوطن فضلًا عن مزاحمة الأجانب فيها.

الرسالة السابعة والأربعون


وقد كتبت حضرتها رسالة تحت عنوان «تحرير الرق واسترقاق الأحرار»، وقد درجت في العدد ??? من جريدة النيل الصادرة بتاريخ ?? جمادى الأولى سنة ????، وها هي:تحرير الرق واسترقاق الأحرار

الأول أنه مضر بالوفاء، فإنهم حيث إنهم يخرجون من عند المالك الذي كان بمنزلة الوالد المتكفل باحتياجات المملوك إناثًا كانوا أو رجالًا، حيث يستوفي أيام خدمته ثم يُعتَق، فإن كان رجلًا اعتنى بأمره مولاه وأولاه ما يناسب حاله إذا كان ذا ميسرة، ومعلوم له أنه لا يُقتنى الرق إلا للثري.
وإن كانت أنثى، واستُرقت في أيام سِنيها الأولى، فإنها لا تمكث في منزل مواليها إلا بقدر ما تمكث البنت في بيت أبويها، ثم ينتخب لها الزوج بقدر ما قدر له عليه يجرى عليها مرتب شهري وما أشبه ذلك.
هذا إذا مضت أيامها مع مواليها في استقامة، وإن كان الأمر على العكس، وأنها تخرج على غير هذه الصفة كالولد العاقِّ لوالديه، فإنهما حُرَّان حتى يحرماه من ميراثهما، وإذا حصل شقاق بينها وبين زوجها رجعت لمواليها، ولو كانت ذات أولاد رباهم لها مواليها كأولادهم بدون أن تحمل لهم أدنى هَمٍّ بخلاف الآن؛ فإن الواحدة منهن إذا تكدرت من أقل كلمة من سيدتها أو من غيرها، فإنها لا تلبث حتى تكون خارج المنزل، حيث تجد لها بابًا مفتوحًا تظنه الجنة، فإذا نُبذت وعضها الفقر بأنيابه عضت بنان الندم، وإذا تزوجت التزمت أن تدخل في بيوت الخدم، وتساعد زوجها، وتربي أولادها، ويسومها الزوج أنواع العذاب حرصًا على أجرتها، وهو آمن من زجر سيدها الذي أَبَقَتْ منه، وكثير ما سمعت من الندم واللوم على سهل ذلك الخروج، فاسترقهن في ميدان الحرية هذا من جهة الأرقاء.
وأما من جهة الأحرار فإن مصيبتهم أعظم؛ إذ إن البيوت جميعها من صغير وكبير كلها في ارتباك من جهة الخدم؛ إذ لكل حِرفة رابطة ونظام يمشون على مقتضاه، وطريق يسلكونه كسائر الحِرف. على بعض المحترفين نمر وعلايم حتى يُعرفوا بها، إذا وقع من أحدهم جناية ينال جزاءه بقوة الضامة التي هو مقيد بها، إلا الخدم الذين عليهم القسم الأعظم من عمار البيوت — إذا لم نقل البلاد — حيث إن الخادم والخادمة بأيديهم كافة أحوال المخدومين وحياتهم، بخلاف الحَمَّار والعربجي؛ فإنه لا يكون تحت يده سوى الشيء الذي لا يقدر على التصرف به، فأما الخادم فيقدر أن يختلس أموال سيده بدون رقيب أو ممانع، وليس له من ضامن يسأل عن فعلته، ولا قانون خصوصًا يعاقَب بموجبه، وكثيرًا من حصلت الجنايات من الجواري والخادمات.
فقد بلغني أن إحدى السيدات استأجرت سودانية، ولم تتم الشهر حتى استأذنت لتحضر الزار فأذنت لها، وذهبت ولم تعد حتى إذا كان عصر ذلك اليوم دخلت غرفة نومها، فوجدت دولاب الملابس مفتوحًا ووجدت مصوغاتها مسروقة، فخافت أن يعلم بذلك زوجها وكتمت الأمر، وبحثت عنها فلم تجد هذه الجارية، فاستحضرت المخدمة فلم تدل عليها، وهذه الحرفة أشد من نساء الزار على الناس؛ لأن الضرر في الأول عام، وفي الثاني خاص.
فإذا طُلب من إحداهن خادمة أحضرتها، ولا تخرج إلا إذا أخذت معلومها، ولا تقنع باليسير أعجبت الخادمة أم لم تعجب، وقبل أن تتم ثلاثة أيام تخرج الخادمة بأي سبب من الأسباب إذ يكون الرباط مع المخدمات، فتأخذها وتذهب بها لمحل آخر، وتأخذ عليها المعلوم وتأتي بغيرها، وتتنصل عنها وتشتمها أمام ربة المنزل، وتغريها بأن تنقدها معلومًا آخر، فتلتزم بأن تنقدها خوفًا أن لا تسعفها إذا احتاجت إليها فيما بعد.
وقد رأيت إحدى السيدات جعلت للمخدمة مرتبًا شهريًّا، ورجتها ألا تأخد الجارية التي تأتيها بها إلا بعد ستة شهور، فأبت وقالت إنها تكسب بها في هذه المدة أكثر من هذا المرتب.
هذا بعض ما سمعت من هذه الأزمات التي تشد وطأتها على الأحرار في كل يوم، فإذا أنعمت الحكومة السنية، وجعلت رابطة لهذه الحِرفة ترتبط بها ليرتاح بها الخادم والمخدوم، فيرفع عن عاتق الأول نبذ المخدومين، ويأمن الثاني من غش الخادمين، فإنها تكون قد أحسنت إلى العموم، واستوجبت الشكر العميم.

الرسالة الثامنة والأربعون


وكتبت حضرتها رسالة بخصوص «الخدامين»، وقد درجت في العدد ??? من جريدة النيل الصادرة بتاريخ ?? رجب سنة ????، وها هي كما قالت: سبق أني استلفتُّ أنظار حكمة رجال حكومتنا السنية إلى مسألة خدمة المنازل، وشكوت من عدم ترتيب أحوال معاملاتهم كسائر الحِرف المنتظمة، والآن أعيد رجائي بلسان أغلب سيدات العاصمة؛ إذ الكثير منهن كلفني بهذه الخدمة المهمة، وهن يشتكين من عدم انتظام أحوال البيوت، ولا يخفى أن تدبير المنازل منوط بهن، وقد اختل النظام المنزلي بسبب عدم ترتيب أحوال الخدمة على أسلوب منتظم، وتسبب عن ذلك كثرة السلب والسرقات من الخادمات، وخصوصًا السودانيات اللواتي كثيرًا ما يقص عليَّ ما أخبارهن الشنيعة التي لو عددتها لضاقت بها جداول النيل، لكنني آتي بالبعض على سبيل التذكار.
أخبرتني إحدى السيدات، قالت إنها كانت لها جارية سودانية بقيت لديها من جَوارٍ كثيرة أُعتقن، وأعتقتها أيضًا وأعطتها ورقة العتق، وخيرتها بين الإقامة في المنزل والخروج منه، ففضلت الإقامة واستأجرت السيدة عدة خادمات أخريات لخدمة دائرتها غير القليلة، فكان من جملة من استأجرتهن خادمة سودانية أقامت في المنزل نحو شهرين، أغرت فيها السودانية الأولى على سرقة بعض حلي مولاتها، وإخراج مالها هي أيضًا من الحلي والملابس بصورة خفية تدريجية بواسطة هذه الدخيلة؛ لأنها كانت اشترطت لنفسها حق الخروج مرتين في الأسبوع، وكانت الجارية الأولى كاملة الحلي على حسب عادة بيوت الأكابر مع الجواري، فلما أتمت النقل، وأحكمت السرقة خرجتا معًا إلى حيث شاءتا، وليس هذا بأعجب من جواري إحدى السيدات ممن لي معهن صحبة تامة، فإن ثلاث جَوارٍ أغرتهن إحدى الداخلات بعد أن رُبين في نعمة مولاتهن وأعتقتهن عن طيب خاطر، فسرقن مائة جنيه من خزنة مولاتهن، وساعة مرصعة بالأحجار الكريمة ذات سلسلة ذهبية، ودبوس ماس، وخمس لبات — عقود — ذهبًا، وحلقين — قرطين — ذهبًا، وبعد أن أخذن ذلك، وأخرجن مالهن من الحلي والملابس سرقن خمسة وعشرين جنيهًا أخرى وفررن، ثم حوكمن في المحكمة الابتدائية فحكمت عليهن بثلاث سنوات، ولكنهن استأنفن الحكم فحكمت محكمة الاستئناف ببراءتهن، وحكمت بالمصاريف على سيدتهن؛ فكان ذلك نصيبها من الدعوى.
هذه وأمثالها بالطبع ليست إلا نتيجة عدم تقرير نظام مخصوص لسير الخدم في المنازل.
وأي أمنية لربات البيوت مع تكرار مثل هذه الأحوال؟! فلذلك نجد أصوات الشكاوى في كل بيت من بيوت العاصمة فضلًا عن باقي البلاد، فبلسان السيدات عمومًا أستنهض معاليَ همم باقي البلاد، فبلسان السيدات عمومًا أستنهض معاليَ همم حضرات أولي الأمر العظام الذين يهمهم — ولا شك — راحة الأمة أن يعيروا هذه المسألة جانب الاهتمام؛ لأنها في حد ذاتها من الأمور المهمة، ولها شطر من أقسام الصالح العام.

الرسالة التاسعة والأربعون


وكتبت حضرتها رسالة في العدد ???? من جريدة المؤيد الصادرة بتاريخ ? صفر سنة ????، تخص بها الجامعة الإسلامية على إغاثة المصابين بالزلازل في الأستانة، وها هي كما قالت:مصاب عظيم الصدع في النفس هائل

مصاب عظيم وكرب جسيم بدَّد الأفراح، وجدد الأتراح، وهيج الأشجان، وولَّد في النفوس الأحزان. لقد كنا بالأمس نندب مصاب إخواننا الجزائريين، ونأسف على نكبة اليونانيين، فكيف بنا الآن، وقد برحت الصدمة القوية في قلب جسم العالم الإسلامي بسبب هذا الحادث المهول الذي وقع في دار الخلافة العظمى، وفتكت به أيدي الزلازل في تلك النوادي الفاخرة والضواحي الناضرة، منبع فخار العالم الشرقي عمومًا، والإسلامي خصوصًا، ولو كان هذا الخطب فعَله عدو من البشر لتزاحمت إلى تنكيله الجامعة الشرقية — فضلًا عن العالم الإسلامي — مضحية بالنفائس تحت أقدام مليكها الأعظم وخقانها الأفخم، مفضلة على البقاء شرب كأس الحتوف، ولكنه قضاء الله المبرم الذي لا راد له إلا بأمره، وقد فرض علينا معاضدة بعضنا بعضًا بقدر ما نستطيع، وعلى موجب الإمكان.
فهبوا يا رجال الشرق وبناته وإلى المصريين أنادي، فتدرعوا بدرع النخوة الشرقية، وتسربلوا بالشهامة العربية؛ فقد أخذتني واللهِ الغَيرة الإسلامية حينما علمت بما فعلته رجال ونساء أوروبا من إغاثة إخوانكم، ونجدة دار عزكم وحديقة فخركم، وأريد بذلك أن أذكركم بما فرضه الله عليكم من هذه الإعانة التي كان الواجب عليكم أن لا يسبقكم إليها أحد، ولكن سبق السيف العذل فيها، وبادروا إلى أداء ما فُرض عليكم من قِبل الله والإنسانية، واسترجعوا ما سبق، واستدركوا ما فات.
وأنتن يا نساء الشرق عمومًا، والمصريات خصوصًا، تقدَّمن إلى هذا الفضل، لا أقول تصدَّقن بل أقول بادرن إلى عمل ما يجب عليكن من تأليف الجمعيات، وجمع المال، وبذل النفائس لإنقاذ تلك النفوس وإقامة هاتيكة المعالم العالية، فلا يأخذكن التواني والكسل في ذلك الفضل العظيم والفرض الواجب.
وانظرن من خلال ضباب الحجاب إلى سناء ما فعله أهل باريس يوم خيَّم المصاب على دار الخلافة العظمى.
ليت شعري ماذا ينفعكن، بل ماذا ينفعكم كنز الدنيا، وقد ابتلعت الأرض ما كان لإخوانكم وأخواتكم من أموال وذخائر ونفائس وحلي وجواهر كريمة ثمينة، وأنفس عزيزة! فماذا كنتم تفعلون أيها المتغافلون لو كان — لا قدر الله ذلك — حدث فيكم هذا الأمر؟! ألم تكن الأستانة العلية أول من يسعى إلى انتشالكم من مخالب المنون؟! ألم يكن مولانا الخليفة الأعظم هو أول مغيث لكم كالأب الشفوق الحنون؟! فكم أغاث من أمم! وكم فعل من خير! وكم أنفق من ماله الخاص على عمارة البلاد ومنافع العباد! فاقتبسوا يا رجال الشرق من نور مكارم أخلاق مليككم العظيم، واعملوا على مرضاته بإغاثة بعضكم بعضًا كالوالد البر الرحيم الذي يرى من أولاده البر، والشفقة على بعضهم، فينظر إليهم مبتسمًا مفتخرًا مباهيًا بها العالم أجمع.
فبذلك تطيب لهم الحياة بما ينالون من حسن رضائه، وتعطُّفاته الأبوية، فما لي أراكم الآن عن هذه النعمة غافلين، وفي غاية الخمول ترتعون، وتناسيتم هذا الخطب الجلل، وأنتم تسمعون ضجيج الغرب، وصفقاته تأسفًا وحزنًا على مصابكم، وما لي أراكم صم الآذان عن سماع صياح المخدرات وعويل الأطفال وأنين الشيوخ وندب الشبان، وقد كنت أسمع أن في بلادنا جمعيات خيرية، فليت شعري ما فعل الدهر بها، وأين هي الآن، وكم جمعت وأرسلت إلى دار السعادة؟! فإني لم أرَ على وجنات الصحف ما بيض وجوهها من أعمال جمعياتنا وهمم رجالنا وشفقات نسائنا الفاضلات ذوات الشفقة والحُنُوِّ، لعمري ماذا يضركن أيتها السيدات المصونات لو خففتن من الأزياء، وقلَّلتن من أصراف التبرج مدة يسيرة من الزمان، وعملتن على مساعدة أخواتكن وإخوانكن الذين أصيبوا بمصاب تصدَّع منه قلب العالم الغربي عمومًا! فعجبي منكن كيف تجدن لذة الحياة من غير أن تعملن عملًا يمدحكن عليه الزمان والمكان، ويخلد لكن الذكر الجميل على مر الأزمان، فهبوا من رقادكم أيها النائمون لتأخذكم على أبناء دينكم الغَيرة الوطنية، والحمية الجنسية، والنهضة الأدبية حتى يكون لكم ما كان لآبائكم من المجد، وتخلدوا لكم الذكر الجميل والسيرة الحسنة في تاريخ حياتكم.
وكتبت إلى بعض محرري الجرائد منتقدة على رأي أبداه في جريدته، وأرسلته تحت إمضاء «درة المشرق» وهو: حضرة الأديب الفاضل صاحب جريدة الغراء، قد ذكرتم في العدد السابع من جريدتكم الغراء تحت عنوان باب العلم والتاريخ أنه تواردت عليكم رسائل من أفاضل العلماء، فوجدتم بعضها غير موافق مشرب الجريدة، والبعض الآخر مطول، والبعض مبتور؛ ولذلك شرطتم الشروط الآتية: أولًا: أنكم لا تدرجون إلا ما يوافق مشروب الجريدة.
ثانيًا: أنكم تفضلون ما قلَّ ودلَّ.
ثالثًا: إذا كان الموضوع يستدعي للتطويل يرسل مرة واحدة.
فأقول في الأولى: إنه يجب على الجريدة أن توافق مشرب الأمة؛ لأن محررها شخص واحد، وفكرة واحدة، والآراء والأفكار تختلف باختلاف الطبائع؛ فيلزم اختلاف المواضيع أيضًا حتى تحلوَ للجاني من أثمارها الشهية، ولا يمل المطَّلع عليها من موضوع واحد.
وأما الثانية فلكم فيها الحق، ولكن قلَّ من يوجد بهذه الصفة؛ لأن الكُتَّاب على ثلاثة أنواع؛ النوع الأول منها وهو أن الكاتب إذا قبض على عنان القلم تدافقت عليه جداول البلاغة حتى يأتيَ بما يملأ معه حدائق الطروس؛ فيطول الكلام، ويستوجب تأخيره إلى جملة أعداد من الجريدة، وذلك لو شق لنفوس القراء، إذ ينتظرون ورود ذاك المنهل العذب.
ومنهم من إذا أراد أن يكتب جملة غلب على ظنه أن القراء لا يفهمون ما كتب؛ فيريد أن يجعل للقارئ زيادة إيضاح، فيحصل التكرار، وتطول العبارة أو تقل المزية بهذا السبب، وهذه لكم الحق في رفضها لئلا تشغل قسمًا من الجريدة بدون طائل. ومنهم من لو عزم على كتابة شيء جمع الموضوع في فكرة، واقتطف منه ثمار المعنى، وأخرج منه الخلاصة، واستعمل الإيجاز في العبارة فيأتي كسلاسل الذهب، أو الدر المنتظم تتلألأ من خلال الأسطر ضياء در معانيها، فتأتي بما يقل ويدل كما ذكرتم، ولكن فضل ذلك لا يعود على الجريدة بشيء سوى لذة القارئ بما نقلته من وجيز العبارة، والفضل كله للكاتب فقط، كما أن الركاكة في الكتابة لا يتصل عارها إلا بالكاتب ما دامت تحت اسمه، والاستبداد بالرأي ينفِّر القلوب كما أن الامتثال يجلب المودة.

الرسالة الخمسون


وكتبت في عدد ??? و??? من جريدة النيل رسالة تحت عنوان «مخبات الزار»: وقد سبق لي أني نشرت على صفحات النيل الأغر مما اطَّلعت عليه من مخبات الزار والبعض من أحواله، وعلمت الآن أن ما سبق لم يكن شيئًا مذكورًا بالنسبة لِمَا اطَّلعت عليه الآن؛ إذ إن الزار على أربع طرائق، وكل طريقة لها أعمال تختلف عن أعمال الآخر إلا فيما يندر.
وهم مصري، وصعيدي، ومغربي، وسوداني. وكل واحد من هؤلاء الأربعة له مزية، ولما كان في بعض الأيام دعتني إحدى صويحباتي إلى الحضور في الزار، وكنت قد رجوتها جملة مرات، فلبيت طلبها مسرورة، وتوجَّهت معها إلى محل العزومة، ولما صرت داخل المحل وجدت السيدات على أحسن ما يكون من النظام، وهنَّ بالملابس الفاخرة والحلي المنظم من فضة وذهب وحرير وقصب، ووجدت سيدة المنزل جالسة على إحدى المراتب، وعليها ثوب أبيض مصبوغ بالدم، ووجهها مطلي بالدم أيضًا ورأسها ملطخ، وجميع ما عليها كأنها سابلة حلة أرجوانية، فجلست ولم أسلِّم على سيدة المنزل إذ إن العادة أن صاحبة الزار لم يسلِّم عليها أحد ويسمونها العروسة.
وكان هذا الزار صعيديًّا، ومن عادته أن الكودية متى تأكدت المريدة رغبتها في عمل الزار، عيَّنت لها يومين بلياليهما يعملن فيها ما سأذكره للقراء إن شاء الله تعالى.
وهو أنه في اليوم الأول تأتي الكودية وأتباعها، وهن سبعة أنفس، ويُحضرن جميع ما يلزم مثل سكر وبن وصابون وأرز وغير ذلك، ثم تقف الكودية الكبيرة، وتتلو على تلك الأشياء العزيمة المعروفة عندهم، وتطلق البخور، وتستحضر كبشين عظيمين سالمين من كل عيب، وتقدمهما إلى أمام الجميع، وتزين أحدهما بالحلي، وتُكسي قرنيه بالبهرجان الأصفر، وتُلقي عليه قطعة من البرنجك الأحمر، وتمتطيه العروس، وتقف الكودية وأتباعها يعزفن بالمزاهر، ويمشين أمام الكبش والعروس فوقه، حتى إذا دُرْنَ بها جميع غرف المنزل، وهن يزغرطن من خلفها إلى أن يأتين بها إلى المحل الذي أُعد لنحر الكبش، ويسمونها زفة الخروف.
ثم يأتي الرجل الجزار فينحره، وينزل الدم، فتستلقاه في إناء، وتدهن به العروس، وتسقيها منه، ويدخل بها إلى القاعة المُعدة للرقص، وتجلس السيدات، وتنتصب الحضرة ثم تعزف العازفات بالدفوف، وتقوم السيدات الواحدة بعد الأخرى يتمايلن، وعليهن الحلي والحلل الفاخرة، وكلما وقفت واحدة منهن يلقين عليها مُلاءة من الحريرة من اللون الذي تختاره الكودية، ومن حضر عليها العفريت تتقدم إليها إحدى العازفات — وأظنها وكيلة الكودية — وتقول: «يا سيدي اعفو عنها وهي تعمل لك كل ما تطلبه.» ولما سمعت ذلك سألت — وكانت قريبة مني — عن اسم الشيخ الذي عليها، فقالت إنه ليس بشيخ لأن اسم الشيخ بطل يا بنتي، واسمه الآن «رومانود» والست اسمها مرومة، ولما سمعت تأسفت جدًّا على إبطال المشيخة حتى من طائفة العفاريت، ولا قوة إلا بالله، ثم قامت الواحدة بعد الأخرى وأتممن رقصهن … ولمَّا رأيت أن البعض ممن يعلمن عقيدتي في هذا الفن امتنعن عن الرقص احتشامًا وحياءً مني طلبت العربة وودعتهن، وتوجهت إلى منزلي بعدما وعدتهن بالحضور في صباح تلك الليلة، وكانت الساعة الخامسة بعد الغروب.
وفي اليوم الثاني توجَّهت على حسب الوعد فقابلتني بكل تجلة واحترام، وكن قد أحضرن الكبش الثانيَ وألبسنه كاليوم الأول، وجعلت عليه الحلي والبهرجان، وأطلقت البخور، وأركبن العروس، وزففنها على حسب العادة حتى دخلت بها الفرقة التي فيها الحضرة، ودُرْنَ بها حول الصينية المزدانة، وكان الكبش اندهش من كثرة الأصوات، فوقف متحيرًا في أمره لائج العينين ينظر يمينًا وشمالًا يصرخ صراخ المستغيث، ولما رأينه على تلك الحالة هللن وكبرن، والبعض منهن يقول: «شيء لله يا أسيادي، هذه كرامة الأسياد.» والبعض يتبرك به، والبعض يعدها كرامة للسيد الأكبر، وهكذا حتى تمت زفة الخروف، وصار ذبحه، وشربت العروس من الدم كاليوم الأول، وأدخلنها إلى محل الحضرة بالزفة أيضًا، وصار الرقص، وكانت إحدى السيدات واقفة تدعو كل واحدة بنوبتها، وهن يتمايلن كأغصان، وكأنهن في مرسح التشخيص يقلِّدن طائفة من الرومان، وعليهن من الملابس الحريرية المزركشة بالفضة والذهب ما يدهش العقول، وهو من ملايات حرير هندي، وعليهن الشرائط القصب الفضي المحلَّى بالذهب، وعبيان من الحرير الملون، وطرابيش مكسوة بالقصب أيضًا، وترح أي قطع من البرنجك الحريري الرفيع جدًّا منظومة الأطراف بالخيريات الذهب، والفقيرة تضع عليها قروش صاغ محلاة بالذهب أيضًا، والبعض يضع القروش بِيضًا، وفي صدورهن قلائد الذهب والفضة التي هي على رسم الأصابع والكف، وفي أطرافهن الأجراس الرنانة ذات الصوت، وهو على شكل هندسي منتظم؛ لأن في وسط القلادة قطعة كبيرة كرسم الكف بالأصابع، ثم بطرفي السلسلة من الجانبين في تصغير القطع شيئًا فشيئًا إلى أن تصل إلى جهة العنق، وطولها يقارب نصف متر، وأما القلائد الكبيرة فإنها سلسلة من فضة أيضًا، وفيها قطع مسلسلة الشكل، وكل قطعة تزيد عن الأخرى أيضًا كالقلادة الأولى، ولكنها أطول منها؛ لأنهن يلبسنها ثم يُخرجن يدهن اليمنى فتصير القلادة في الجانب الأيمن.
وأما الكمر — الحزام — فإنه من فضة، وكله أجراس حتى إذا رقصن يكون له صوت، والمعاضد وهي مختلفة الأشكال في الصنعة، فمنها المبروم، ومنها العريض، ومنها المقطع كل قطعة مشبوكة بحلقة من فضة وشكلها مربع الأركان، والخلاخل وهي مختلفة الأشكال أيضًا، وأما الحلقان — جمع قرط — فإنها من الذهب على اختلاف الأجناس، ويعلقن على رءوسهن شيئًا يُسمِّينه الحجاب، وهو من الذهب الخالص، وهو قدر الكف مربع الشكل، ومنهم من يصنعه كنصف دائرة، وفي طرفيه طرفا سلسلة من ذهب، وفي وسط السلسلة مشبك معوج يشبكنها به على رءوسهن.
وأما الخواتم وباقي الحلي فقد كان سبق لي أن تكلمت عنها في بعض أعداد جريدة النيل، والحاصل فإنهن وقفن للرقص، وصارت كلٌّ منهن تلبس ما أعدت للأسياد كلٍّ على قدر مقامه، للرجل لباس الرجال، وللنساء لباس النساء أيضًا؛ لأن الزار الصعيدي عفاريته في غاية الأدب، حيث إنه وقت الرقص ينزل السيد، وبعد خروجه تدخل الست في جسم المريدة، وإن كان لهم أولاد يدخلون بعد أمهم، وأما العبيد والجواري فإنهم يحضرون على حدتهم في آخر الرقص، وسنأتي على ذكرهم إن شاء الله تعالى.
وهكذا دامت الحضرة إلى وقت الظهر، وإذ ذاك وقفت العازفات عن الضرب، ووقفت السيدات عن الرقص.
وحينئذٍ قامت الكودية الكبيرة، وصارت تكبس كلًّا من الرقصات، وتتلو عليها عزيمة على قدر رتبتها في الزار … ثم تهيأن لإخراج الاسم على الكيفية الآتية:
وهو أن الكودية طلبت أن يؤتَى لها بلحاف جديد لم يكن استُعمل، فأحضرت لها فأمرت أن يفرشنه في وسط الغرفة، وأجلست على أطرافه أربعًا من السيدات اللواتي عملن الزار الخصوصي، وذبحن له، وأخرجن الاسم أيضًا، ويقال لهن «مضيفات»؛ أي عملن وليمة للزار، وقامت الكودية وأجلست العروس، ووضعت ما بقي من الشمع العسلي الكبير والصغير في حجرها، ووضعت الصحن النحاس الذي فيه المصاغ فوق ذلك الشمع الذي هو من فضلات الاحتراق، والأعقاب التي جمعت حتى صار يوازي صدرها، وإلى جانبيها جملة من رءوس السكر، وجملة أوراق فيها بن، وجملة دست شمع من الشمع العادي، وما ينوف عن العشرة أرطال صابون، وجعلت الكل في غاية الترتيب وأحسن نظام، ثم قامت الكودية وأسبغت الوضوء، وكل ما عليها من الملابس ملطَّخ بالدم، وبعد إتمام الفريضة تقدَّمت إلى فوق اللحاف المبسوط أمام العروس، وجلست لتصليَ ركعتين، ولكن لم أرَها صلَّت فظننت أن الأسياد حجبوها عنا وقت الصلاة.
ثم طرحت عليها مُلاءة من الحرير الهندي، وسجدت في الأرض، وفردن فوقها مُلاءة من قطن، ومسكت كلٌّ من الأربع سيدات طرف المُلاءة، وصارت تزحف على صدرها، وتنفخ بصوت تقشعر منه الجلود، وتارة تغط كغطيط النائم، وتارة تتكلم بكلام لا يفهمه، ولكن قبل أن تبتدئ بالعمل قامت إحدى تلميذاتها وصرخت بصوت عالٍ جهوري قائلة: «يا ستات، لا أحد يدخل بشبشب أو حذاء، ولا مصاغ له صوت، ولا تتكلم بشيء فإن الأسياد يغضبون، والتي تفعل ذلك فلا تلُمْ إلا نفسها.» فسكت الجميع أو كأنهن أعجاز نخل خاوية، ثم ما زالت الكودية تلف على ذلك اللحاف حتى أتمت سبع مرات، وبعد ذلك قامت جالسة ورفعها رأسها، وكشفت الملاية عنه، وكانت متلثمة بطرحة من الشاش الأبيض، ووجهها لا يظهر منه سوى أنفها، وعينيها التي لا يكاد الناظر إليهما أن يعلم محلهما إلا بالجهد، وصارت تلتفت يمينًا وشمالًا، والدم يدفق من فمها، وهي تُخرجه بغاية التصنُّع ثم تنظر إلى الجهة التي نحن فيها، وتهدر كالجمل الهائم.
وكانت سمعت أنني لا أعتقد بأحوال الزار، فأرادت أولًا أن تُريَني الدم الذي وضعتْه في فمها بواسطة السفنجة؛ لأجل أني إذا رأيت هذه الكرامة آمنت بسماحة رومانود، وثانيًا لأجل أن ترغِّبني فلا أتجاسر على تكذيبها في شيءٍّ مما أرى، وتقدَّمت إحدى السيدات من أتباعها، وجعلت تقبِّل يديها وتقول: «العفو يا سيدي ليس هنا أحد غريب، وكل من في الحضرة منا وإلينا، فيصرخ حضرة الأستاذ رومانود، وينظر إلى السيدة التي كانت السبب في حضوري كأنه يتهددها، وهو لا ينطق بكلمة، وتلك تُبدي له الأعذار بأن لا يخاف من الفضيحة، وتكلمت بصوت منخفض أنها ستطلب إليَّ أن لا أبيح بالسر، كل ذلك والتلميذة تتوقع على أقدامها بقولها عفوك يا سيدي لطفك يا سيدي، أهل السماح عاشوا ملاح، العفو من شيم الكرام. وهكذا مثل الأقوال المدهونة؛ كل ذلك وأنا أنظر إليهن بعين الانتقاد، ثم إني تقدَّمت إلى نحوها، وقلت كن مطمئن يا حضرة الأستاذ فلا تخَفْ، فإن حضوري لأجل البركة فقط. فقلت ذلك خوفًا من أن يتكتم عني شيء من أسراره، ولَمَّا سمع مني ذلك انشرح، ونطق وسكن الهيجان، فأخذته التلميذة على صدرها، وقالت: «العاشق للنبي يصلي عليه، زغرطوا يا ستات، زغرطوا يا ستات.» فأطلقن الزغاريط، وبعد برهة وهي تمسح الدم الخارج من فمها، وهو ظاهر أنه دم قديم متجمد كقطع الكبدة.
سألتها التلميذة قائلة: «يا سيدي الاسم إيه.» قالت الكودية بلسان متلعثم كلغة الأجانب الذين لا يحسنون اللغة العربية: «الاسم ممه.» قالت: وما اسم الست يا سيدي؟ قال: «مستغيثة.» قالت: والعبد والجارية؟ قال: «ندى، وطياب.» أي: الجارية ندى، والعبد طياب.
فأطلقت الزغاريط، وكانت إحدى السيدات جالسة، فقالت للعروس: إني كنت أعجب من محبتي لك، وما كنت أعلم أن اللذين عليَّ عليك. فنظرت إليها وقلت كيف ذلك؟ وهل يصح أن يكون الواحد من الأسياد اثنتين من النساء؟ قالت: نعم، إن ممه ومستغيثة عليَّ أنا، وأما العبد والجارية فإنهما غير ندى وطياب. قلت: بالطبع لا بد أن يكون الخدم أكثر لأن كل منزل يلزم له خدم غير الذي في المنزل الآخر. قالت: يا حبيبتي ربنا يوعدك في مكة المكرمة لما كنا نطوف حول الكعبة «شيء لله يا كعبة ربنا.» يوقفوا الأغوات ينادوا اصبروا يا زوار بيت الله حتى تزور الأرياح، فكنا نراهم وحياتك يا ستي مثل الخيال، كأنهم في ناموسية من الشاش الرفيع (فقلت في سري: لا أعز الله لك قسمًا يا ملعونة) يطوفون حول الكعبة عقبالك يا حبيبتي.
ثم إنها سألتها وقالت: وما الملبوس يا سيدي؟ قال: أصفر وأزرق. قالت: والخروج في أي يوم من أيام الأسبوع؟ قال: لا تخرج يوم الخميس، ولا تلبس السواد، وإن خرجت أذبحتها. أي: أذبحها. قالت: ذلك بكلام معجم، وصوت مصنوع مثل قولها «اسمعتوا.» أي: سمعتِ و«اشودو.» أي: أسود، وغير ذلك من الكلام الملفق. ولما أنها ضجرت مما في فمها، وأرادت التخلص من تلك السفنجة الْتَفتت إلى جهة السيدات قالت: «اقدمتوا.» أي: تقدمن. فتقدمت الواحدة بعد الأخرى، وصارت تكبس رءوسهن لأجل البركة، وتقدمتُ أنا من جملتهن، فكبست رأسي بلطف، وقالت الله يهديكِ يا بنتي ثم قامت، وقسمت الأشياء الموجودة من شمع وغيره على عائلتها، ثم نامت وشدت يديها ورجليها وتثاءبت، ووضعت الملاءة على وجهها وغطت فمها، وجعلت تتظاهر بالقيء حتى أخرجت ما في فمها، ولفَّته في الملاءة، وأخرجه أتباعها، ونزعت الطرحة الملطخة بالدم، ومسحت فمها وجلست، بعد ذلك جيء بالقهوة فشربت ووضع الطعام، وجلست العروس، وقامت الكودية وصارت تأخذ من كل طبق لقمة من الطعام وتضعه في فمها حتى مرت على جميع الطعام، وذلك على حسب عادتهن، ولم أعلم المزية من ذلك، ثم إن تلك السفرة وضعته أمام الكوديات، وعادتهن أن يضعن الصينية على الأرض بدون كرسي على سبيل التواضع؛ إذ إن ذلك احترامًا للكوديات والمدعوات كذلك، وبعدما أكلن وشربن، ودخلن إلى الحضرة، ودخل جميع السيدات، وتهيأنَ للرقص ثم لبسن جميعهن أحمر، وكشفن رءوسهن، ووقفن للرقص جملة واحدة، فسألت إحدى السيدات عن سبب تغيرهن وتغير أزيائهن.
فقالت: إنها حضرة العبيد والجواري السودانيات وهم يرقصون جميعهن معًا، وعزفت العازفات، وصارت كلٌّ منهن تتنطط كنط الصغار، ويرعشن أكتافهن، ويضربن بأرجلهن الأرض، وينشد لهن الكوديات الأناشيد المختصة بالعبيد. وفي أثناء ذلك جاءت البوظة، وتناولتْ منها الراقصات فشربن وغسلن رءوسهن، فدُهشت من هذا المنظر، وبعد برهة خرجت إلى خارج الغرفة فوجدت إحدى السيدات جالسة على مقعد في الفسحة، فقلت لها: لم تنزلي حضرة العبيد مع من نزلن؟ قالت: يا سيدتي العبد الذي عليَّ نفسه كبيرة لا يقبل أن يكون مع هؤلاء العبيد. قلت: وما اسمه؟ قالت: اسمه «فيروز»، وهو أسمر اللون «شيء لله يا سيدي.» وعنده الآن رتبة وزير. فقلت لها: هو وزير أية مملكة من الممالك؟ قالت: وزير مملكة الأسياد. قلت: وكل الممالك أسياد؟ قالت: مملكة الدستوريين «شيء لله يا سيدي، دستور الله الله.» وكنت قصدت بسؤالي أن تعترف وتقول: مملكة العفاريت، فلم تقل واقتصرت على الأسياد والدستوريين.
وبينما نحن كذلك، وإذا بالكودية قد أتت، وكانت الحضرة قد انتهت، والعبيد قد انصرفوا سكارى مما شربوا من البوظة، والسيدات شعورهن تقطرها، فأسفت على تلك القدور هاتيك الشعور من هذا المنظر الشنيع، ثم بعد مُضي ساعة من الزمن بقدر ما أخذن راحتهن وغيرن ملابسهن، قامت الكودية الكبيرة وأخذت بيد العروس وأجلستها على وسادة في وسط الغرفة، واجتمعت جميع العازفات والبعض من السيدات المضيفات، وأخذن الدفوف والمزاهر في أيديهن، وضربن وأنشدن الأناشيد، وما فهمته من أناشيدهن «النمنم يكفيه بالعافية واديه، وإن جاني رومانود بالشربات أسقيه، وإن جاني ممه بالقهوة أسقيه.» وهكذا حتى عددن جميع الأسياد «دستور.» وكل ذلك، وهن يطُفن حول العروس، وكلما وصلت إليها الكودية تجلس فوق ظهرها على أكتافها، وتنقر بالدف، وتترنم بصوته المطرب، وهكذا إلى أن أتمَّت الطواف فوقفن وقامت، وقد أمرتها الكودية أن لا تغتسل من الدم إلا بعد أسبوع.
ثم ودعنا وانصرفنا شاكرين فضل العروس، وقد سألت عن مصروفات هذا الاحتفال فقيل لي أربعون جنيهًا. فلينظر العاقل إلى هذه المصائب التي تطرق على سخيفات العقول، بل وعلى العائلات أيضًا بسببهن؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقالت:
عزيز علينا يا أعز الأحبةينظم الولهان غير المودةِولم آتِ ذنبًا في هواك اقترفتهعلى الحب غير الاتشاح بعفةِفتلك سجايا الغانيات فضيلةوقد خصني الرحمن منها بمنحةِغرامي وسقمي في هواك أبحتهوإعلان هذا الوَجد در مقالتيبحقك لا تصغي لتفنيد عاذلفمن عادة العذال إلقاء فتنةِفجدلي بلطف من محياك يا رشابإشراق تلك الطلعة المستهلةِيباهي المحيا والغرام وعاذليلقد صار ذلي والهوان وشقوتيأعاتب دهري فيك يا غاية المنىعسى تسمح الأيام منك بنظرةِمتى تنقضي تلك الليالي تكرمًافقد أرجف اللاحي بعين وجفوةِ
الرسالة الحادية والخمسون


هل للنساء أن يطلبن كل حقوق الرجال؟
كثيرًا ما خاض العلماء في عباب البحث عن شأن المرأة والرجل والمساواة بينهما، وكثرت في ذلك الأقوال العقلية والنقلية، واستُعملت الاكتشافات الطبية؛ فمنهم من ذهب إلى أن المرأة لا تساوي الرجل بالعقل ولا بالقوة البدنية، بدليل أنها تخالفه في الأوضاع البدنية. ومن ذهب هذا المذهب الدكتور بسكوف في رسالته التي برهن فيها على أن المرأة لا تستطيع التفرغ لدراسة العلوم العالية؛ وذلك لأن مخها لا يساوي مخ الرجل في درجة النمو، وقد استند في حكمه على وزن مخ المرأة الذي يبلغ ???? جرامًا، وأن مخ الرجل يبلغ ???? جرامًا، فيكون الزيادة مائة جرام، وهذا فرق عظيم في نمو العقل.
فبهذا السبب أثبت أن المرأة أقل من الرجل عقلًا وإدراكًا، ولكنه — لخيبة الأمل — أوصى لأجل إثبات حجته وتأييد البرهان أن يوزن مخه بعد وفاته، ولما مات وُزن مخه تنفيذًا للوصية، فوُجد أنه ينقص عن مخ المرأة خمسة جرامات.
«يا ليته كان حيًّا حتى كان يقتنع ويموت قرير العين.» وأما الفريق الآخر فإنه ترك القياس الطبي ولم يعبأ به، ووجَّه فكره إلى القياس العقلي، واستشهد بالأعمال الصادرة من النساء والرجال في وقتنا هذا فضلًا عما سبق من الأجيال السابقة والسنين الغابرة، واستعمل الاكتشاف بالعمل حتى ثبت لديه أن تأخير المرأة ناشئ عن حرمانها ليس إلا؛ فأشهر عَلَم العدل ووقف أمام الهيئة لإزالة ذلك الحرمان. ولو أردنا أن نسرد الأدلة والبراهين التي للعلماء في ذلك لضاقت بنا الصحف، ولكنني أقتصر على ما نحن بصدده الآن؛ لأنني اطلعت على مقالة في عدد ?? من جريدة الهلال لسنتها الثانية مذيَّلة بإمضاء زكي، ولم أكن اطَّلعت عليها من قبل؛ فألتمس من لدن ذلك الفاضل عذرًا، وأرجو أن لا يعد سكوتي إهمالًا، وقد أورد فيها من البراهين والأدلة التي لا ترد، وأظهر نورًا ساطعًا لذوي العيون لو كانوا يبصرون، وهي:هل للنساء أن يطلبن كل حقوق الرجال
ثم وجدت في العدد الثاني عشر من الجريدة مقالة لحضرة الأديب الفاضل الدكتور أمين أفندي الخوري ردًّا على المقالة الأولى، وقد تحامل فيها كل التحامل على جنسنا النسائي، وأظهر ما في قلبه من الحقد، وذلك بدليل قوله: «أوقفت نبذة الفاضل الأديب زكي من فكري، وأهاجت ما كمن في صدري.» فقد أثبت من هذه الجملة أن في صدره حزازات كامنة، وضغائن دفينة أظهرتها تلك النفخة التي نفخها ذلك الفاضل في بوق الحقيقة.
وإذا كان الأمر كذلك، فلا يجوز له أن يكون حَكمًا بين الجنسين؛ لأنه صار خصمًا للفريق الآخر، والخصم لا يُقبل حُكمه، وإني على يقين أن جمهور الفضلاء يقرون على ذلك هذا إذا كانت براهين حضرة الدكتور ثابتة فضلًا عن كونها أوهى من بيت العنكبوت، ولولا أن يقال إننا عجزنا عن الرد لما تكلمت لعلمي أنها حجج غير متينة، ولكنني سأرد مع الرفق به.
لا تكسرنه إذا حركت نسبتهلأنه عربي من قوارير ولست أزيده لئلا يظهر أني استعملت الحدة، ويحتج على جنسنا بذلك، عفا الله عن حضرة الآنسة استير أزهري ما كان أغناها عن الاعتذار، وليعلم حضرة الدكتور أني سأجيبه بالبراهين العقلية بقطع النظر عن المباحث الطبية التي هي من خصائص الأطباء.
قال حضرة الدكتور معترضًا على ذلك الزكي: وقد خرج من الاستفهام مثبتًا لهن الحق بعد أن بنى إثباته على براهين لو صحت لكانت فصل الخطاب، وأيدها بحجج لو ثبتت لما كان لها جواب، وأتى بأدلة لو صحت لبلغتهن الآمال وفضلت النساء على الرجال. هذه الفقرة قيلت في زمن كان أهله على مذهب حضرة الدكتور في دفن حقوق النساء، أما قوله خرج من الاستفهام، فقد ظن حضرة الدكتور أن السؤال من حضرة الزكي والرد منه، مع أنه رد على سؤال، كان من السنة الأولى، وقد وضح عن حضرة المناظر الأولى. وأما قوله: لو ثبت فإني أرى أن إثبات هذه البراهين أوضح من شمس النهار. وأظن أنه لا ينكرها أحد من الذين يعرفون الحق، وأي برهان له غير ثابت، أليس استشهاده بنساء البدو حقيقًا، وهو أوضح من نار على علم، وقد أقر به حضرة الدكتور، وهو مع التعجب القطعي بقوله: «نعم، إن من يرى ظواهر أعمال نساء البدو يتعجب لها، والفلَّاحة المصرية قد تعمل ما لا تعمله نساء البدو.» وأنا أقول: وتعمل ما لا تعمله الرجال أيضًا؛ حيث إنه منوط بها الأعمال المنزلية، واشتراكها معه بالأشغال أيضًا، فيتضاعف لها العمل فضلًا عن عملها الطبيعي الذي هو الحمل والوضع والتربية؛ إذ إنها تضع الجنين وهي في الغيط أو على شاطئ النيل، فتضع البلاصي في الأرض، وتستكن للمخاض حتى تضع حملها، ثم تقطع الخلاص بحجر، وتلف الولد بقطعة من ثوبها أو ما أمكنها وتحمله على ذراعها، والبلاصي على رأسها، وتذهب إلى محلها بدون أدنى شيء يضرها بخلاف نساء الحضر؛ فإنهم لا يقوين على الخروج من أماكنهن، ولو تعدَّين شروط النفاس لأضر بصحتهن، وربما أضر بالولد أيضًا لتغير اللبن، فما ظن حضرة الدكتور، هل هذا الاختلاف من فلتات الطبيعة أم من العادة التي نوَّه عنها حضرة الزكي؟ وإني لأعجب كل الإعجاب من قول حضرة الدكتور: فإن «الفلاحة» في أكثر الأحيان تتبع زوجها الراكب على حمارة مسافات بعيدة، وهي حاملة حملًا تكاد تعجز عنه الحمارة.
وأسند ذلك الفضل والمقدرة لزوجها الجالس على ظهر الحمارة بجلال قدره بمجرد كونه صاغيًا لحديثها، وأنه إن لم يصغ لها كلَّت وطلبت الراحة، وظن أنه ألقى عليها شيئًا من قواه العقلية والبدنية بسب ذلك الإصغاء، يا للتحامل والظلم المستبد! لا غرو إذا قامت المرأة تناضل عن حقوقها المندثرة.
نعم، قد أقرَّ حضرة الدكتور بأن العوائد لها تأثير على الإنسان، ولكنه أتى بحجة واهية «ولقد تفضل حضرته بنسبته إلى العادة والتربية في الجنسين، وهذا حقيقي. غير أن عادة الرجال لا يلزمها طويل زمن، وأما لتعود المرأة يلزمها أن تكون ولدت فيها وشبت عليها»، ولم يأتِ حضرة الدكتور بدليل يؤيد صدق حجته، ويثبت برهانه، ولم يعلم حضرته أن كل دور من أدوار الحياة لا يأتي على البنت إلا وتتغير أحوالها فيه، وتُقبل على النمو في أحوالها العقلية والنقلية، حتى إننا نرى البنت تدخل في دور التعليم فتدرس العلوم الابتدائية، ثم تنتقل إلى العلوم العالية ثم الأشغال اليدوية على اختلاف أنواعها وفنونها، ثم تنتقل إلى استلام الإدارة المنزلية، وهناك تقبض على زمام العالم الداخلي، وذلك في أقل من وقت الولد لأنه بخلاف ذلك؛ حيث إنه لا يتعلم مهنتين في آنٍ واحد، ولو تعلم ذلك لكان بعيدًا عن الإتقان كما هو معلوم؛ لأن الطبيب لا يتعلم الهندسة، ولا الحداد يشتغل بالنجارة، ولا الخياط يصير صائغًا، وهلم جرًّا، فكلٌّ مكتفٍ بمهنته، ومع ذلك تجدهم يمضون الزمن المديد في تلقِّي العلوم وإتقان الصنعة، وأظن حضرة الدكتور لا ينكر ذلك.
وقد نبأتنا التواريخ أن بعض الأمم السابقة كانوا لا يأذنون للأطباء إلا بدرس عضو واحد من الإنسان؛ فالذي يشتغل بأمراض الرأس لا يتعرض لأمراض المعدة، والذي يشتغل بالأمراض الجلدية لا يشتغل بالأمراض الباطنة، وكذلك اليد والرجل والعين أو الأذن، وهلم جرًّا، كما أن قدماء المصريين كانوا يحجرون على الصانع أن يتعلم إلا مهنة واحدة؛ ولذلك نرى أن المصريين تقدموا في الصنائع أكثر من غيرهم كما لا يخفى، فما قول حضرة الدكتور في هؤلاء الناس؟ هل كانوا نساءً أم رجالًا ذوي عقول كاملة، أم هم من فلتات الطبيعة؟
وأما قول حضرة الدكتور: «إن ما عدده حضرته — أي الزكي — من تلك الأعمال لا دليل على القوة البدنية، إنما هو شاهد على جلدهن ظاهريًّا، وبالحقيقة هو دليل على قوة الاستمرار.» يالله! العجب من هذا القول السديد؛ لأني ما كنت أعلم أن الطبيعة تغلب باستمرار الجلد إلا من كلام حضرة الدكتور، ولم أعلم كيف يكون لهن جلد بدون قوة بدنية تساعدهن على ذلك الجلد، مع أني أرى الرجل المترهف الذي رُبي في دائرة الرفاهية لا يقوى على قطع المسافة اليسيرة في شوارع القاهرة بدون مظلة «شمسية» بخلاف الرجل الذي يشتغل بقطع الأحجار ونقلها من الجبال، والفلاح الذي يقضي يومه أمام المحراث يفلح الأرض، ويمضي غابر أيامه في حر الشمس وبرد الشتاء اللذين لا يقدر على مقاومتهما المترفهون، فما بال حضرة الدكتور غفل عنهم، ولم يقل إنهم من فلتات الطبيعة؟ وكيف لا يشبه الرجل المستمر على عمله مثل البنَّاء والنجَّار والخبَّاز وما أشبه ذلك بالنملة التي يحملها الاحتياج على العمل كما قال: «فهي أشبه شيء بالنملة التي تحملها سليقتها على جر الحبوب، وخرق الأرض لمبيتها.» لله در هذا الدكتور ما أقوى حجته حيث قال: «فالاحتياج يولد فيها قوة وجلدًا غير منتظرين»! قال ذلك وهو يعلم أنها غير مكلفة بأمر المعاش؛ حيث إنه مطلوب من الرجال في كل ملة ومذهب، فمن أين وجد هذه الحجة المتينة — سامحه الله — وما الذي اضطرها للعمل فوق طاقتها وهي غير مكلفة به؟! وأنا أبرهن أنه لولا احتياج العالم للسكن والمأكل والملبس لما كان يتعاطى الأشغال والفنون، ولولا احتياج الإنسان لما شاد القصور العالية لتقيَه من عوارض الطبيعة، ولا اتخذ من الجبال بيوتًا كاتخاذ النملة مسكنًا في الأرض. أما قول حضرة الدكتور: «فلو كُلفت تلك البدوية بعمل غير مضطرة إليه لوهن عزمها عن مجرد مباشرته.» فهذه مسألة عمومية من الجنسين، وهو كما أن البدوية والحضرية لو كُلفت بشيء غير مضطرة إليه وهن جلدها، يُوهَى جلد الرجل إذ لم يكن مضطرًّا إلى العمل، وكلٌّ من الجنسين له اضطرار أو رغبة أو نهضة. أما قول حضرة الدكتور: «والجَلد البدني سليقة بالأنثى ناشئة عن بلادة أعصابها المحركة، فالناقة والفرس أبطأ سيرًا وأضعف قوة من الجمل والحصان، غير أنهما أصبر وأجلد على طوله من هذين، فحمل الجمل لا تقوى عليه الناقة، وسرعة جرى الحصان تقصر عنه الفرس.» وأما قول لو كُلف الجمل بحمل الجنين في بطنه سنة كاملة — كما كُلفت الناقة — ثم وضعه وأرضعه مع الدوام على استخراج اللبن من جسمه والمزيد لكان أبلد أعصابًا، وأقل حملًا وأبطأ سيرًا من الناقة.
وأما الصبر المختص بالأنثى، فهو دليل على فوزها في كل الأمور؛ لأن الفوز والظفر موكل بالصبر والجلد، ولو كان الرجل الشجاع بدون صبر لذهبت شجاعته أدراج الرياح.
وكذلك في الصنائع والاختراعات، لولا الصبر والجلد لما فاز المخترعون والصانعون. أما قوله: «والإنسان ما خرج عن كونه حيوانًا؛ فالحكم واحد في القوة البدنية في الإنسان والحيوان، وبالتشريح يعلمون أن عَظم الذكر أثخن وأكثر اندماجًا، وألياف عضله أمتن وقوة لحمه أغزر وهيكله أكبر.» أما كبر الهيكل وغلظ العظم، فليس بدليل كافٍ لزيادة القوة؛ لأننا نرى الشخصين أحدهما طويل القامة كبير الرأس والجسم ضخم الأعضاء، والآخر نحيف الجسم صغير الأعضاء، وإذا تقدما للصراع والمغالبة غلب أصغرهما الأكبر، وهذا أمر معلوم وكثيرًا ما نشاهده، ولا يخفى على العموم، وأما كون الإنسان حيوانًا، نعم كل حي حيوان، ولكن فضل الإنسان على كل حيوان بحاسات العقل والإدراك وقوة التبصر؛ فلذلك نراه غلب كل حيوان، وعلت همته إلى ما فوق خوارق العادات.
وأما كون الذكر أقوى من الأنثى، وقد بنى حكمه حضرة الدكتور على علم التشريح، ونحن نبني هذا على التجارب، وهو أن البنت قوتها تعادل قوة الغلام إلى بعد دخلوها في مصاف النساء، ثم إذا بدأت بالحمل والوضع تتناقص قوتها شيئًا فشيئًا إلى أن تبلغ النهاية، وأما إذا لم تنشغل به دامت قواتها على ما هي عليه إلى ما شاء الله، والتمرين بالعمل يعيض لها ما نقص من قوتها، ويقوم مقام الرياضات، وأما النقص فلا يكون إلا بالتقاعد عن الأشغال كما هو معلوم؛ لأننا نرى السيدة الغنية المخدومة التي حر لها الخدم والحشم لا تقوى على المشي من غرفتها إلى غرفة الطعام إلا وهي لا تكاد أن تلتقط أنفاسها لعدم قواها مع أنها في سن الثلاثين أو الأربعين من سِنيها، ونجد الدلالة والبلانة التي مرنت جسمها العمل تفوق السبعين من سنيها، وهي لا تكاد تُلقي جسمها إلى الأرض، ولا تشكو من تعب، ولا تمل ولا تكل من المشي ولا من العمل، وليس عندها زوج ولا حمارة.
وأيضًا ليس للمرأة مانع من صغر جسمها ورفاهية قواها يمنعها من التداخل بأشغال الرجال، وإنما جعل الله هذا لرقة في جسمها زيادة في جمالها، لا لأجل أن يمنعها بها عن الاشتراك في أعمال الرجال. وأما قول حضرته بعد أن عدد الديك والفرخة والفرس والجمل وما أشبه: «هذا بشأن القوة البدنية فقد ثبت أنه لا نسبة بينهما.» مع أنه كان يلزمه أن لا يؤكد الإثبات إلا بعد أن يرى حجته وبراهينه إن كان الأقل من الماء يطهرها أم لا، وإلا ضاعت هذه البراهين تحت صواعق الحقيقة. وقال حضرة الدكتور: «وأما القوة — أعزك الله — أشد فرقًا؛ فإن عقل المرأة محدود لا يتخطى ما تربت عليه وتلقته في السنين الطوال، فالخيَّاطة لا مكنها إدارة المطبخ، والداية لا تفهم التفصيل، وهلم جرًّا.» فهذه الجملة قد سبق القول عنها، وقد بيَّنت له عند ذكر الصنائع أنه مخطئ في ظنه؛ أنا أظن — أيها الدكتور — أنك تتهكم على نفسك، وتتجاهل في الأمر مع أنك تعلم — أو يعلمه كل جاهل — أن الإدارة المنزلية ليست قاصرة على نوع واحد من الأعمال، وتعلم أيضًا أنه ليس موجودًا في كل منزل سوى سيدة واحدة إلا ما ندر، فإذا كانت تقوم بكل ما يلزم لبيتها وزوجها وأولادها، فمن تُراه — أعزك الله — يقوم بأود هذا الكون الصغير؟ وأما قول حضرة الدكتور: «فهي ذات عقل محدود، وبالأكثر أن فيها خاصية التقليد التميزي، فيكون ذلك تميزًا لا عقلًا.» بعد أن شبهه التشبيه المحكوم بكلاب الصيد والبلبل والحسود والببغاء والقرد والفرس وجدت له عذرًا عظيمًا؛ لأني علمت دائرة فكره، وبُعدها عن محل الإنصاف.
ولا أدري ما قصدت بقولك: «ولكن أعطها المقص.» إلى آخره، هل تعني بذلك عجزهن عن إدراك ما يصنعن بأيديهن، أم من الغي عن الكلام وعدم إمكانهن من شرح ما يعلمنه من الأعمال، ولعلك نسبت لنا العمل بغير علم مثل قولك: «بخلاف الرجل فهو العالم والعامل.» فإذا المرأة عاملة بدون علم، أليس كذلك أيها الفاضل؟ نِعم الحكم العادل حكمك هذا! وإني أقول: «الماء يكذب الغطاس.» على رأي المثل السائر؛ فهذه الأعمال أعمال النساء تشهد لهن بدون شك، فانظر كيف يخترعن الأنواع العديدة من الملابس وغيرها، ومما يلزم للمنزل وتربية النوع؛ فكل هذه الأعمال هل يصح أن تكون تُعمَل بغير عقل، وإذا كان كذلك فالعقل لا لزوم له في شيء ما دمنا في غنًى عنه ونحن في هذا الفوز العظيم من أعمالنا يا حضرة النظامي، ولو كان كما قلت لاندثرت صنائع النساء كافة؛ لأننا لا نقدر أن نعبر عما في أيدينا من الصنائع، فإذا ماتت المرأة ماتت صنعتها معها، فترانا كل يوم في خلق جديد — أعزك الله — ما أوسع هذا الفكر وأغرر هذا العالم، وبالأخص في أعمال النساء! وأما قولك: «هذا إذا كانت المرأة بصحة عقلها وسمو إدراكها، وكم تكون في صحة عقلها.» وحسابك المتكرر الذي استشهدت فيه بمن توهمت أو تأخر حيضها، هذا ولم تأتِ بشيء إلا — يا أخا الأطباء — لأنك «حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء.» وهذا المثل الذي استشهدت به من كلام بقراط غير ذلك من الشواهد العديدة، مع أني لا أنكر ما على المرأة من الأتعاب في الحمل والوضع، أما الحيض فإنه ليس كما فهمت أو عبره لك بقراط أو غيره؛ لأننا نحن أعلم بحقيقة حالنا أكثر من كل عالم «وصاحب البيت أدرى بالذي فيه.» لأن المرأة لا تشعر بألم الحيض إلا قبل الوضع، وأما إذا حملت ووضعت ولو مرة واحدة فلا تجد للحيض ألمًا بعدها أبدًا على ما اتفق عليه جمهور النساء؛ فحينئذٍ يكون حسابك غير صحيح. نعم، إذا كانت في وقت الوضع أو وقت ألم الطمث منشغلة بنفسها، فلا عجب أن الرجل أيضًا إذا كان مريضًا أو فيه أدنى ألم لا يمكنه معاطاة الأشغال، وأن صحة عقله تبعًا لصحة جسمه، فإذا خصصت المرأة، وأضعفت عقلها، وضربت صفحًا عن ذلك، ولعلك لم تدرس الطب إلا في هيكل جسم المرأة، وإذا كان كذلك يكون حكمك غير ثابت؛ لأنك لم تعلم القياس بين الطرفين.
وأما بحثك في كم يكون هذا العضو سليمًا، وقد نسبت له الأعمال المختص بها أنها مرض، وهو غير ما تزعم يا أخي لأن هذه الأشياء التي ذكرتها من جميع أيام الحيض وغير ذلك لا يعدُّ مرضًا؛ لأن المرض طارق على صحة الإنسان، وأما الشيء الطبيعي فإنه لا يحسب كما تظن، وأنه لا يكون ذلك العضو مريضًا إلا أن يتعطل فيه شيء يمنعه عن وظائفه، وأما ما دام على حالته الطبيعية فلا يعد مريضًا، ولا يغير في عقل المرأة سوى أنها في الوضع تجد ألمًا مؤقتًا، وبعده لا يكون شيئًا مما ذكرت؛ لأنها بغاية كل دراية تربي ولدها، وتصنع كل ما يلزم للوقاية وحفظ صحته وغير ذلك مما تعلمه؛ فتراها طبيبة علم وعمل خياطة غسالة طباخة وغير ذلك من الأعمال، بخلاف الببغاء والقرد وغيرهما من الحيوانات، لا ليس عندك ذلك العمل الذي شبهته بعمل المرأة، وبخلاف الرجل أيضًا لأنه ملتزم بمهنة واحدة، وهي المختصة بأمر المعاش فقط.
وأما تكلُّمك عن العمر الذي لها فيه المطالبة بحقوق الرجال وهو سن العشرين، وجعلت يأسها بعد الخامسة والأربعين، وأثبت لها بحكمك العادل خمسًا وعشرين سنة، وأسقطت منها خمس سنوات أيام الحيض.
ومن رأفتك على هذا الجنس اللطيف أوصيت المتزوجين بالرأفة بنا، وأنهم يراعوا هذا الأسبوع، جزاك الله عنا كل خير لأنك رأفت بنا كثيرًا، وجعلتنا كالطفل الذي يلهى بلعبة.
ولكن يا عادل «ليس بعد حرق الزرع جيرة.» عودًا فأقول إنك فهمت خطأً، وأخطأت المرمى لأنك زعمت أن الأسبوع من الشهور ينقص من قوانا العقلية والجسمية معًا، وهذا بخلاف الحقيقة لأنها حالة طبيعية، وليس على الطبيعة حساب، وليس ينقص من عزم المرأة وقواها سوى الحمل والوضع، وليس للعقل فيه دخْل لأنها كلما تقدمت في السن تقدمت في العقل إلى أن تبلغ السن الذي يتناقص فيه العقل، وذلك في الجنسين معًا؛ لأن الرجل أيضًا يخرق إذا بلغ السن المذكور إذا كنا ننسب ذلك للحيض وغيره، وإذا نسبنا لها ضعف القوى بسبب الحمى التي تأتي من الحيض، فإن الأسد تطرق عليه الحمى يومين ولا تنقص من قواه شيئًا؛ حيث إنها صارت فيه طبيعية، وأيضًا ليس يمنعهن هذا الأسبوع عن العمل، وليس يطرق الألم فيه إلا على غير الوالدات، ولماذا تيأس المرأة إذا بلغت سن الخامسة والأربعين، وهي حينئذٍ بلغت سن العقل الذي يتيسر لها أن تجنيَ به ثمرات أتعابها وما درسته من مدرسة الحياة الهيولية؛ فهذه أمهاتنا يبدين من الآراء ما نعجز عنه نحن، وهن فوق الخمسين والستين، وهن بمعزل عن العلوم التي درسناها نحن، غير أنهن على حكم التجارب ومرور الأيام قد حفظن العلم بالعمل، لا بالدرس والأوهام الخيالية واستشهادهن بقول فلان قال، وفلان عمل، بل بعملهن الناشئ عن حكم الطبيعة وسذاجتهن، وليس يأسها في سن الخامسة والأربعين، بل تلد إلى الخمسين وما بعد، وأيضًا هذا ليس له دخل في أشغال الرجال الذي نحن بصدده لأنه لا يمنع، وأما سن العشرين الذي خولت لها الحق فيه أن تشارك الرجل في أعماله فهو خطأ محض؛ لأن هذه السن سن الزهو والطيش حتى من الرجال والنساء معًا، وأي رجل في سن العشرين يتقن عمله ولا يحتاج إلى تهذيب ما تعلمنا في العشر سنوات الأوائل بعد الطفولية، حتى إن المرأة يتيح لها أن تتقن العمل، وتشارك به الرجل، نعم، إذا قلت بعد هذا السن يجوز أن تتقدم للعمل وتستمر إلى ما شاء الله، جائز لأنها كلما تقدمت زادت في إتقان الصنعة وتهذيبها، كما تزيد في الكمال وتهذيب النفس لو أرادت أن تتعلم شيئًا وهي في سن السبعين تقدر على حفظه ما لم تكن ذات مصائب وهموم، فيكون حساب حضرة الدكتور في غير محل، وهي مدة العشر سنوات التي منحتها للنساء في العمل، ويا ليتها كانت متجمعة إلا فرَّقتها أيدي سبأ، وما أدري لماذا قصرت أعمارهن ونزعت منهن بركة الحياة أيها العالم لتكوين العالم الإنساني. وأما قولك في أمر العقيم إنها دائمة في حالة التلهف على الأولاد، فنَعم، وكذلك تجدها مشتركة مع الرجل في هذه الخطة الطبيعية؛ لأن الرجل إن لم يُرزق بالبنين تكدَّر عيشه، وسعى في إيجاد من تلد إذا أمكنه الأمر، ومن تجد من زوجها ذلك يتكدَّر صفو حياتها؛ لأنها شريكة في الحياة كعضوين في جسم العالم الإنساني، وإذا رأت منه أنه غير مكترث بهذا الأمر اطمأنت، وتركت الهموم، وأما البنت البكر التي فات زواجها فإن حكمها كحكم الرجل الذي فات زواجه، بل هي أبصر في الأمور وأبعد عن التهتك؛ وذلك لأجل عمار الكون وضع الله فيها هذه الرغبة لا لشيء تعلمه أنت ولا أنا. وأما قوله: «إن اللاتي اشتُهرن بالفضل فيه لمركزهن وحاشيتهن ومستشاريهن.» فهذا كلام معتوب عليه، ويحق لك أن تفتخر به لأنك أثبته بحجة متينة.
اسمع يا أيها الدكتور، إننا لا ننكر هذا الفضل لأننا لم نجد معلمين ومستشارين ولم نجد علومًا، ولا أتين إلى سواء السبيل فأضرب لك مثلًا بنفسك، وافتكر أنك لو لم تجد من يعلمك فن الطب ويعتني بأمرك، لم تكن العالم الماهر بهذا الفن، وكأن حكمك كرجل جاهل مثل الذين نجدهم في غيابة الجهل.
أما قولك: «إنهن من فلتات الطبيعة.» نعم، كانت هذه الفلتات في الوقت الذي كان الناس على مذهب حضرة الدكتور من الاستبداد والتسلط على حقوق المرأة، التي حُبست في قفص الجهل وراء حجاب الفظاظة مسبول عليها ستار التوحش إلى أن قيض الله تعالى ذلك الفريق المتمدن العالم، الذي أزال تلك الصعوبات وفتح ذلك القفص انسيابًا لا فلتات، يا أخا الأطباء فلا غرو إذ كان في ذاك الحين نُقلت من القفص المذكور إلى ميدان الحرية بعد هذا الاستبداد، الذي سميته طبيعة، فيكون إذنْ الفضل لهن إذا قوين على الخروج من ذلك المركز العصب. أما قولك: «كجسم حيوان برأس إنسان، أو كرَجل برأسين.» عجبت لحسن تشبيهك للأمور، ووضعك الأشياء في مواضعها، لو أنك خصصتنا بالتمييز وجاء قولك في محله، إلا أنك في هذه المرة أخطأت ولم تُصب الغرض، هلا كنت قبل أن تقول هذا اللفظ قلبت العناصر، أو زدت فيها لتساعدك على تغير الطبيعة إلى هذا الحد ليثبت قولك، وأما الآن فلم تأتِ بشيء مفيد، بل أضعت بحثك أدراج الرياح وأوجبتك المسألة للإقرار، ولو مع الأسف وتحديد الذكاء بقولك: «هذا وإنني لا أنكر على بعضهن الذكاء المحدود.» كيف أنك بعد أن جعلته مستحيلًا وشبهته الشيء الذي لا يمكن حدوثه، ثم بعد هذا النفي الكلي تشهد بأن عند بعضهن الذكاء؟ يا سبحان الله! يا أمين أفندي، ما أكثر غلطك! ومن عظم تحاملك لم تبصر في دقيق معاني ألفاظك، وكيف أن الكلام مناقض بعضه في مواضع كثيرة، ولكني مضطرة أن أرد على حضرتك من جنس كلامك.
وأما قولك: «ولكني آسف جدًّا على استعماله بغير ما فيه فائدة لهن ولا للهيئة الاجتماعية، فبدل التطبيب والمحاماة وعلم الفلك والعروض … إلخ.» أمرتنا بالاقتصاد، ولندبر ثمن الورق والحبر، وأن نكسيَ به أولادنا، وأن الخدامين تنهب البيت والست غائبة، أثابك الله أيها النصوح؛ فقد جدت بما عندك بالنصائح المفيدة، ولكني أقدم لك العذر بلساني ولسان بنات جنسي بعد قبول نصائحك لأنها غير مقبولة؛ وذلك لأسباب أوضحها لك، وهي أن ما ذكرته من عدم الفائدة لهن ولا للهيئة، فهذا غلط فاحش أو حسد مفرط، أرجوك المعذرة في قولي لأن الحالة توجب ذلك؛ فأنا أريك كيف أنك غلطان لو أغضبك ذلك، ولا يجب أن تعلم أننا نصف العالم الإنساني أو نزيد، فإن كنا كذلك فقد أتعبنا المتكلين بأرزاقنا من جهة، وبتحمُّلنا أثقال الفاقة من جهة أخرى، فإذا وجدت الطبيبة مثلًا تتعاطى صنعتها، فانظر إلى منفعتها للهيئة أولًا، وكم تنفع نفسها وزوجها وأولادها ثانيًا.
أما منفعتها للهيئة فكما تعلم أنها في الولادة لو تعثر الأمر على الداية استعانت بالطبيبة، فيكون بحسن صناعتها وتوفيق الله نجاة الوالدة والجنين معًا، ولها مسائل خصوصية في مداواة النساء وفي أشغال الأقسام، مثل كشفها على المتوفَّيات وغير ذلك، ولولا منفعتها لما اختصتها الحكومة في خدمتها، ولقد تكلمت الجرائد منذ زمن قريب أن مولانا الخليفة الأعظم انتخب امرأتين من نساء الأستانة العلية، وأرسلهما إلى أوروبا لدرس الطب، فلماذا لا يكون كما زعمت أنهن لا منفعة فيهن للهيئة ولم تتكبد هذه المصاريف فضلًا عن الحبر والورق، وإلا ليس فيهم رجل يفهم ما فهمه حضرة الطبيب. وأما المنفعة الخصوصية فهي لا تخفى على أحد؛ لأن مرتبها الذي تأخذه مجبورة أن تصرفه على بيتها وأولادها، وتصرف رواتب الخدم وما اختلسته أيدي الخدامين من فضلة ذلك الراتب، فلا تأثير له إذ ذاك يا أيها الأديب.
وأما المؤلفة ففضلها عظيم ونفعها عميم، وليس يختل بنظام منزلها شيء في أثناء عملها، كما أن الرجل صاحب الوظيفة إذا شرع في تأليف كتاب جعل له أوقاتًا مخصصة توافق وقت الفراغ من عمله، وليس ذلك علينا بعسير، فكذلك المؤلفة تقدر على التأليف، ولا ينقص من أحوالها المنزلية شيئًا، ولا يتمكن الخدم من اختلاس شيء من منزلها ما دام المصروف تحت يدها فضلًا عما تكسبه من أثمان التأليف وما تجمعه من ثمرات ما تتمقه يدها، وأظن أنه يجمع ثمن الحبر والورق أيها الفاضل، ويكسي الولد والابنة، ويقيم براتب الخدامين، وعلى ما أظن أنك لا تنكر ذلك، فهذه فائدة من جهتها الشخصية، وأما الفائدة التي من جهة الهيئة، فإنها غير منكورة، وما من امرأة أخرجت كتابًا أو رسالة إلا وجدتها حكمًا، ولو كان يساعدنا الموضوع لسردت لك شيئًا من تأليفهن ودرر ألفاظهن المفيدة، وما من كتاب يظهر إلى عالم الوجود إلا وتجد له فائدة، حتى كتاب ترويح النفوس لحسن الآلاتي، وإن كان معدوم الفائدة من حيث الوضع، إلا أنه جليل الفائدة بالحالة المعنوية، وهو مفيد للصحة جدًّا؛ إذ إنه ينفي الأكدار ويفعل بالنفوس أعظم مما تفعله بنت الحان، وهكذا كلٌّ لا يخلو من فائدة أدبية أو غيرها، والأفكار تتفاوت، وكل فكر له مزية، وأما تدبير المنزل الذي تأمرنا به، فإنه عامر منذ وجود العالم بهمم النساء فلا تحتاج إلى توصية، ولك الفضل وعلم المرأة نفعه عائد على النوع أجمع، وأما علم الرجل فمقتصر على نفسه فقط كما لا يخفى.

الرسالة الثانية والخمسون


وكتبت في عدد ???? من جريدة المؤيد الصادرة في ? رمضان سنة ????، رسالة تحت هذا العنوان، قالت الجريدة المذكورة:جمعية الرفق بالحيوان

بقلم حضرة الكاتبة الأديبة النابغة بين طبقاتها من النساء السيدة زينب فواز.
قد اطَّلعت في بعض الجرائد العربية على عبارات تختص بهذه الجمعية، وبإمعان النظر فيها ألفيتها — وأيم الحق — جمعية شريفة جامعة لعدة منافع خيرية، منزهة عن الغايات الشخصية، مقامة على دعائم الرفق والحنانة القلبية، شاهرة على كتائب التوحش مرهفات الشهامة الإنسانية، تصول وتطعن بأسنة عزائمها صدور فرسان القساوة البربرية، رُفع ستار مخبآتها فظهر لنا من تحت ما يروق لدنيا سمعه بل سماعه، فيا ليت شعري ما يمنع أبناء الجامعة الشرقية، وذوي العائلات الوطنية — الإسلامية منها والمسيحية والموسوية — من عقد الخناصر على تشكيل جمعية تحت عنوان «الرفق بالإنسان»، الذي فضَّله الله على الحيوان تكون مجارية لهذه الجمعية في أعمالها، وحُسن نظامها، وشرف مبدئها، وتنزُّهها عن الغايات! لعمري إنهم لو شمَّروا عن ساعد الجد في تشكيل جمعية لتعاون الإنسان لعمَّت المنفعة، وسلمت الغايات، وساد التمدُّن، وانقشعت عن القطر غيوم الفاقة والضنك. نعم، إننا سمعنا بذكر جمعيات كثيرة مختلفة الأسماء، لكننا نراها تسعى وراء المنافع القاصرة والفوائد الشخصية التي تعود على أهل جنسها وملتها فقط، مثل الجمعية الخيرية الإسلامية، والجمعية التوفيقية القطبية، والجمعية المارونية الخيرية، وغيرها من باقي الجمعيات التي ما من واحدة منها إلا وتقصد معاونة أبناء جنسها أو ديانتها، ويا ليتها على ذلك كافية لسد حاجاتهم، أفلا يكون من المستحسَن واللائق أن تنهض الجامعة على قدم الاجتهاد وساق الهمة، وتشمِّر عن ساعد الجد، وتعقد النية على تشكيل جمعية عمومية يكون منها لعميم الفائدة على المعوزين والمحتاجين؛ فإنها بذلك تكون قد بلغت الدرجة القصوى من الشهامة لنفع بني الإنسان، الذي فضَّله الله على سائر الحيوان كما قال في كتابه العزيز: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا؛ فلذلك هو أحق بالمعونة من الحيوان الذي جعل الله فرشه الأرض وغطائه السماء، وجعل قوته التبن وما إلى ذلك، وقدَّره على الْتِقاطها من الفيافي الشاسعة؛ فالطيور البرية مثلًا تجد ما تسد به رمقها بدون مشقة، والحيوانات الآنسة لها أصحاب يهتمون بشأنها غاية الاهتمام لأنها من أموالهم، وبنموها تنمو أرزاقهم وتكثر ثروتهم، فهم حينذاك مضطرون إلى الاعتناء بأمرها والمحافظة عليها حرصًا على منافعها العميمة، ومعلوم أن الحيوان إنما يوفَّى حقه وغيره من قِبل صاحبه، سواء أدَّى عمله أو لم يؤدِّه، بخلاف الإنسان، وعلى الخصوص الفلاح الذي هو أفقر وأضعف من غيره، فإنه على العكس من ذلك لا صاحب له يغنيه إن أعدم، وهو جدير حينئذٍ بالشفقة عليه ومساعدة جانبه؛ لأنه لا يخفى على كل لبيب أن هذا المسكين يعاني مشقات الأعمال في الزرع والقلع والحصد، وإقامة الجسور وما يشبهها مما هو مضطر إلى عمله طول عامه، وفي آخره لم يجد عنده متوفرًا ما يقوم بحاجته وحاجات أولاده الذين يطالبونه على الدوام بالأكل والملبس الذي يقيهم شر زمهرير البرد في الشتاء، ولهيب الحر في الصيف، والمأوى الذي يأوونه.
وقد مرَّ على المصريين حين من الدهر تعطلت فيه التجارة، وكسدت كسادًا عظيمًا، ولحقهم من الضنك والفاقة ما لم يرَوْه في السنين الغابرة؛ كل ذلك ولم نسمع بمن شكَّل جمعية تنظر في هذه الحالة، وتساعد من حل بهم الضنك، وتصلح ما فسد منهم، وتبني ما تَهدَّم.
وحيث إن إقامة دعائم الغنى في مصر تتوقف على شيئين؛ هما التجارة والزراعة، فالأَوْلى أن تكون الشفقة والرحمة على نظام حالتهما؛ إذ هما أساس العمران، ولا يمكن أن يقام بناء بغير أساس، والسلام.

الرسالة الثالثة والخمسون


وقالت ترثي شقيقها المرحوم محمد علي أفندي فواز، المُتوفَّى في ?? ذي القعدة سنة ????، وقد طُبعت على حِدَتِها في مطبعة الآداب، قال مصحح المطبعة: نسج بردها يراع حضرة الفاضلة المصونة الغنية عن التعريف السيدة «زينب فواز» رثاءً لشقيقها المحفوف برضوان ربه محمد علي أفندي فواز، وها هي ومبناها الرائق:
مصاب عظيم الوقْع في النفس هائلوخطْب جسيم الصدْع للقلب غائلوحزن به فاضت دموع وهُيِّجتشجون توالتها الرزايا النوازلبها القدَر الأعلى تَنزَّل حكمهفصبرًا وإن عزَّ المعين المجاملولكنها الدنيا حدوث وزهوةبها الناسُ ركبٌ والمطايا قوافلنعم يُحمد الصبر الجميل وإنمايُذم إذا بالبَيْنِ جدَّت رواحلإذا نحن لم نجزعْ لبَيْنٍ وفُرقةففي أي وقتٍ يستبينُ المخاللحرامٌ على الأجفانِ صَوْنُ دموعهاإذا الشمل غالتْه الخطوبُ الغوائلفيا عينُ جودي ثم يا نفسُ فاجزعيوإلا فدعواكِ الأخوةَ باطلويا لمتي عُودي على غير عودةلعلَّ الليالي أغفلتْ ما تحاولوهيهاتَ ما عادَ الزمان يُراجعإليَّ وقد ضنت بحمقي المحافلسرى البَيْنُ في أطنابِ بيتي فهدَّهوقد أظلمتْ منِّي العيونُ الهواملألا يا غرابَ البَيْنِ جُوزيتَ بالذيفعلتَ ولم يشغلك عَنِّيَ شاغلفحبك ما ألقيت بين جوانحيفتلك شجونٌ في الفؤاد شواغلولو بث ما لُقِّيت من ألم النوىلجال على الغبراء منه الزلازلفيا شهرنا ذا القعدة الوافر الرَّدىلقد هطلتْ فيك الدموع الهواطلفلا كنت من شهر تحامل ظلمهولا أشرقتْ فيك الشموس الكواملولا هبَّت رياح فيك ولا زهتبكور ولا طابت لديك الأصائلولا لاح نجمٌ في سمائِك زاهرًاعلى الكون إلا قابلتْه الأوافلحرمت السنا من شهر أنك خائبيتركت ليَ الأحزان والعقل داهلوفي التسع والعشرين منك تبادلتكئوس المنايا والخطوب الصوائلفنال أخي ريب المنون ونالنيبه حسرات شأنها أن تشاغلتطاول فيه سقمه فتطاولتلياليه حتى ليس يرجوه آمِلوجاء طبيب العصر بشَّر بالشِّفاوقال اصطبر يا صاح فالبُرء حاصلفقال له المحزون ويك ألم يكنإلى فحص جسمي من سبيل تحاولفعجِّل ببرئي حيث إنك عارففدون عنائي ثابت الجأش واجلولما رأى يأسي الطبيب تناثرتعلى الخد مدرارًا من الدمع سائلونادى إلى الأخت الحزينة قائلًاإلى الله ما أرجوه والعمر زائلأظن طبيبي ملَّ عودي وفاتنيبطرف حسير والتعلل باطلويا حسرة الأم الحزينة ما رأتعليل على فرش المنون يزاولويا أخت قد عز اللقا بتجلديفقد بطلت دون الحياة الرسائلفوالله ما أشكو مماتيَ يافعًاولا أنني قد ضمَّنتْني الجنادلولكنني أبكي عليكِ وحيدةوقد حال ما بين الأخوة حائلوقد ضنت الأيام في الشمل بالبقاومن عادة الدنيا جموع زوائلفقلت له والنار تلتهم الحشىوفي الجفن أنهار الدموع سوائلسأبكيك ما الأطيار تألف وَكْرَهاوما صدعت بين الصدور البلابلوما ناحت الخنسا على فقْد صخرهاوإن عز في حزني عليك المماثلسأبكي وما يغني البكاء مودهابه ذهبت تلك المنايا مراحلسأبكي عليك الدهر مني بحسرةأواخرها في كل حين أوائل وقالت ترثيه أيضًا بهذه القصيدة وأرسلتها إلى محفل الثبات، فتلاها خطيب المحفل على مسمع من الإخوان، فكان لها وقع عظيم في نفوس الإخوان وحزن شديد، وقد طُبعت على حِدَتِها في مطبعة الآداب أيضًا.

الرسالة الرابعة والخمسون


بدء الحياة وجود حيث نغشاهنظل نرجو وما نرجوه نخشاهوالمرء في جوهر الدنيا حكى عرضًايزول عنها وتبقى عنه دنياهوالعيش في كرة الغبراء مشغلةبين الحوادث والعقبى قصاراهوالجمع مهما صفَتْ أيام نضرتهفإن تبديد ذاك الشمل عقباهوالسعي في الدهر آمال يمر بهعمر تحيل أمانيه مناياهلا شيء من زينة الدنيا لساكنهاسوى محاسنِ ما تبقيه ذكراهيطوي التراب بنيه فهو مضجعهموجوهر النفس تعليه مزاياهآلَ الثبات أطال الله عمركموفواز سار إلى فردوس مولاهفواز فاز بفردوس النعيم فلازالت له رحمة الرحمن مأواهقضى الحياة على ما تقتضي هممعلت وتاهت بها في الدهر علياهما زال يسعى إلى الخيرات مستبقًاإليه نهجًا قديمًا وهْو أوفاهحتى سما نحو عليين في ملأهبر تولاه مولاه فأولاهمضى وأبقى من الذكرى حديث ثنًاتفنى الليالي وتبقيه بقاياهوحسبه إخوة أحيت بموتتهرسم الإخاء وصانت عنه عقباهباسم الثبات تراهم أثبتوا شيمًاغراء للمجد أصفتهم وأصفاهغر ميامين حيَّا الله إخوتهمأحيوا الإخاء الذي قد كان أحياهإني سأذكر إخواني بفرقتهذكرى لعهد ثبات صانه اللهفأشتكي الدهر فيما نابني وأرىأن الثبات تعزيني سجاياههذا وذاك عزائي أن سيرتهبرَّت وعقباه في خير توخاهولو أعاد بُكى الباكين مَن فقدوالم يسكن الترب ثاوٍ طال مثواهولو أعان على حمل المصاب عزالم يشكُ مِن حسرةٍ مَن طال مبكاهلكن يُهوِّن أعباء المصائب مافي الدهر من قدر بالقهر أجراهيُهوِّن الصعب فيها أن غاية مافيها زوال لما نخشى ونهواهفلا النعيم بها يبقى لنائلهولا الشقاء بباقٍ حيث نلقاهوكل حي إلى موت وكل لقاإلى فراق وأن الدائم اللهسبحان من جمَّع الدنيا وفرَّقهاويبعث الكل في ميقات لقياهطال البقاء لكم آلَ الثبات كماطاب النعيم له عفو مولاه
الرسالة الخامسة والخمسون


وقالت هذه المرثية أيضًا، وقد أرسلتها إلى محفل الإصلاح فتُليت بين عدد عديد من الإخوان، وكان لها درجة عُظمى وتأثير شديد تفطرت له القلوب أسفًا وحزنًا؛ إذ كان الفقيد من كبار ذلك المحفل ومآثره فيه ظاهرة، وقد طُبعت في مطبعة جريدة المؤيد على حِدَتِها:
لكم البقاء معاشرَ الإخوانفواز فاز بترْك هذا الفانيأبكى بفرقته الحياة وطيبهاوسرَتْ به البشرى إلى رضوانأسفي عليه مودعًا بسكوتهنطقتْ له بدموعها أجفانيسلك السبيل إلى خلودٍ دائمفيه تناهى عالم الأكوانفكأنه مل الهَيُولى منزلًافما لمجلي العالم الروحانيأبكيه ما الخنساء تبكي صخرهاأوما بكته محافل الإخوانأبكيه ما بكت السموات العُلىوجه التراب بِوابل هتَّانأبكيه ما ذكر الشقيق شقيقهوأنوح ما ناح الحزين المانيوأعاتب الأيام فيهِ أنهاجارت بحر جريرة الحدثانولوَ ان دنيانا تفي لمعاشرما فارقت أجيال كل زمانلكنها جُبلت على كدر فلاتصفو من الأكدار والأحزانفالنفس بين غرورها وهمومهاتلقى نقائض فرقة وتدانوأخو الحياة مروَّع بصروفهاما بين خيفة حادث وأمانتسعى به آماله في مجهلللغيب يفنى دون كل أمانويد المنون حريضة إن أغفلتيومًا تراها استدركت في الثانيوبقية الدنيا حديث خالديبقي بني الإنسان للإنسانأين الحدوث له حديث سائريستقبل الآثار عن أعيانطوبى لمن تَخِذَ الحياة مطيةلمزية تروى لناءٍ فانيسبحان من أضحك وأبكى ما يشاوقضى بحكم قاهر ديانوالموت حق والحياة سبيلهوالعيش ظل زائل الإدمانلكننا أسرى جبلة خلقةفُطرت على الحسرات والأحزانفلذاك نشقى بالحياة ففاقدباكٍ ومبكيٌّ عليه وفانيولوَ اننا ندري الحقيقة لم يهلخطبٌ ولم تفد الغرور معانيفابن التراب إلى تراب مآبهوالبعثة الأخرى الوجود الثانيولئن مضى فواز وهو أخوكموفلقد وجدت بكم عزا الإخوانعززتموه بنزهة أخويةتعزيز أنصار العلا أعوانوسعيتمو سعي الكرام بشيمةهيهات يبلغ حقها شكرانيشاطرتموني في المصاب وجئتمولبني الثبات بصحة البرهانوبشيمة الإصلاح قد وفَّيتموحقًّا يقصر دونه عرفانيفله من الرحمن منزل رحمةولكم بقا مجد عظيم الشان
الرسالة السادسة والخمسون


الوطنية
وكتبت سؤالًا في جريدة الأهالي الصادرة في ? مايو سنة ????: سؤال أوجه به إلى حضرات أرباب الأقلام، والعلماء الأعلام من رجال العصر وأبناء مصر الذين خاضوا في عباب العلوم، وبحثوا في أدق الكلم وأرق المعاني، وأظهروا للناس من نور مشكاتها قبسًا ليهتدوا به في غياهب الجهل وظلمات الهمجية، وهم «مرهم الوطنيين الذين يقضي عليهم القانون بالانتظام في سلك القرعة العسكرية؛ لأن الوطن يجمع الكثير من الناس؛ فمنهم السوريون والأتراك والبربر والهنود والمغاربة وغير ذلك، والبعض من هؤلاء الأجناس تابع للدولة العلية، فهل يوجب القانون عليهم الانتظام في سلك العسكرية ويطلق عليهم اسم الوطنية أم لا؟»
وقد أشكل على أفكار العموم معنى نسبة الوطنية وحقيقتها، وأبهت على كل إنسان حتى على أرباب الجرائد الذين يلزم أن يكونوا أعلم الناس بها؛ لأني أرى أن كل الجرائد منتسبة إلى أنها وطنية، وإن كانت أجنبية الأصل كالفارد الكندري، والإجبسيان والبسفور والأهرام والمقطم وأمثالها؛ فالمعنى في هذه النسبة أرجو الإفادة عن ذلك؟ نعم، وإن كانت لائحة المستخدمين خوَّلت الحق في الوطنية لكل من أقام في القطر المصري خمس عشرة سنة فأكثر، ولكن هذه غير كافية للتعريف عن حقيقة الوطنية، فأكرر رجائي مرة أخرى وأستمنح الإفادة.
زينب فواز
الرسالة السابعة والخمسون


رد لأحد الأفاضل على سؤالها الذي عنوانه «الوطنية»: وقفنا في جريدة الأهالي على سؤال عن حد الوطنية وتعريفه ليتبين به كلٌّ من معنى الوطنية والوطن والمستوطن؛ فلا يختلط على عقول العامة شيء من تلك المعاني ويزول عنها الالتباس، وتبني ما عساه يترتب عليها من الأحكام على أمتن أساس، وقد كنت أحببت أن أرجئ ذلك إلى حيث يتيسر لي الاطِّلاع على كتب الأصوليين من السياسيين ساسة القوانين وواضعيها؛ إذ كلامهم في هذا الباب هو أَوْلى ما يُعتمد عليه؛ فإنهم فيه أهل النقد، بل أرباب الحل والعقد، ولكن سنح بخاطري سانح نظري في ذلك الغرض، ووددت أن أعجل به حفاوةً بهذا السؤال واهتمامًا بشأنه، كما يتعجل بقارئ ضيف طارئ بحسب حاضر الوقت وميسوره، وإن لم يوفِّ القارئ حقه إذ لا جود فوق الموجود، وكيف لا أبادر بجواب هذا السؤال تلبيةً له، وأنه بنت فكرة تلك الكاتبة الأديبة النبيلة حضرة السيدة زينب أفندي فواز؟! وقبل أن أقدم لحضرتها ذلك الجواب أسألها أن تسدل على الهفوات من فضل سترها المصون، حتى لا أقدم على هذا الدستور إلا بعد أن أكون في حِل من كل هفوة وذلل.
عنَّ لي أيتها الفاضلة أن أُعرِّف الوطن بجملة قصيرة المبنى، ولكنها على ظني كثيرة المعنى، على أنها جامعة مانعة كما يُشترط في مثلها من الحدود، فإن سألَنا سائل وقال: ما هو الوطن الحقيقي للإنسان؟ فنقول له في الجواب: «هو ما تثنيه عاطفة النسب إليه للقيام بواجبه عليه.» فهذا الحد للوطن بذلك المعنى هو ما سنح بخاطري عند أدنى نظر، وقبل أن أشرح معانيَه شرحًا يشير إلى مخدرات معانيه، وإن كانت لا تخفى على ذوات القناع، أستطرد إلى تمهيد عام تمس حاجة هذا التعريف إليه فأقول: إن الإنسان إذا أتم خلقه بإدراكه الحسي والعقلي — أو إن شئت قلت بمداركه الظاهرة والباطنة — كان أول معلوم له ذاته التي هي أقرب الأشياء إليه، فيعرفها حينئذٍ معرفة حب وعشق مفرطين فطريين، ثم يتدرج من معرفة ذاته بذاته إلى معرفة أقرب شيء لذاته، وألصقها انتفاعًا به كوالديه وأفراد عشيرته فأبناء بلده، ثم من يجمعه وإياهم قطر ينتسبون إليه على وجهٍ مخصوص، ثم الأقرب فالأقرب ممن جور هؤلاء إلى نهاية سكان البسيطة، فتفاوت ائتلافه بالأشياء، ونسبه بها بنسبة تفاوت حال معرفته لها من الشدة واللذة؛ بسبب درجات القُرب والبُعد، ولا سبب لذلك الأنس والائتلاف بهذه الأشياء سوى كونها مصدر منافعه، ومحل ارتفاقاته المتوقف عليها حفظ ذاته، ولما أن كان ائتلافه بوالديه وأقاربه أشدَّ بكثير من ائتلافه بغيرهم لهاتيك الأسباب صار يفرط في شيء من واجب نسبه إليهم بحسب درجته في التمييز وكمال الإدراك، كما أنهم لا يفرطون من شيء من واجبه.
كذلك فالاهتمام المتبادل بين ذوي القربى كلٌّ منهم يضحي في سبيله مصلحة الغير، ولا يفضل عليه شيئًا سوى ما يختص بذاته، فتولد من هذا أن صار الأقرباء كلٌّ منهم أمينًا على مصلحة الآخر حفيظًا على نفسه وماله وعِرضه لذلك الارتباط القوي، الذي لا يُتوهَّم معه سوى مظنة بينهم، بخلاف الغير؛ فإنه لما لم يكن حاصلًا على ذلك الارتباط كان بعيدًا عن ذوي القربي؛ لأنه مظنة الإهمال والخيانة فلا يولونه شيئًا من مهماتهم، وقِسْ على ذلك سكان البلدة الصغيرة، فالمصر الكبيرة، فأهالي كل قطر جمعتهم فيه وحدة المكان والجنسية واللغات؛ فإن أولئك قد اشتدت فيهم روابط ذوي القربي بأسباب تلك الجامعات، وطول أمد التعارف، وتكرار عوائد التعامل والتعاون حتى صاروا في ذلك القطر جميعًا كما صار ذوو القربى في منزلهم من جميع الامتيازات والوجوه؛ وهم لذلك كله أمناء بعضهم على بعض لهذه اللحمة التي لا توجد إلا فيهم، وهي طبيعية النشأة وطنية النزعة عريقة في قومها، لا يمكن أن تكون داعية عن آخرين ممن لم ينصبغوا بصبغتها الطبيعية، وينبتوا فيها نباتها الأصلي حتى لا يُشم فيهم شيء من رائحة غيرها، فإن ادَّعاها نزيل فهي منه في حرز وحصن حصين، وإن بلغ من أمره في سبيل ادِّعائها ما بلغ، فإن الطباع تأبى على الناقل حتى إذا قال هذا المدعي طالما خدمت أولئك القوم خدمة وطنية حقة يعجزون عنها لو كانوا بأنفسهم، ومع ذلك فقد أبى بخلهم أو تعصبهم أو لؤمهم — أو كما يقول — أن ينسجوني في سلك لحمتهم، ويجعلوا لي نصيبًا من وطنيتهم، فذلك منه أن كان لا يجدي إلا الإيذان بالعجز، وتسلية النفس، وإظهار العذر عن أمرٍ كان يرغبه لو كان مما يستطلع، فاللائم هنا مُليم والملوم لا ذنب له.
فإن أمثال هذه الصبغة الوطنية من نواميس الطبيعة التي لا تدخل تحت مقدور البشر واصطناع الصناع؛ فهي كسواد الزنجي وبياض الشركسي، لا توهب ولا تباع، وهم إن تورطوا لهذا الذي يحاول الانصباغ بها فوهبوه حق الوطنية واعتبروه بحالتها الطبيعية، فإن تلك مجاملة على حِدَتِها، وفي وادٍ غير ما نحن فيه. نعم، قد تصير هذه وطنية بالمعنى الحقيقي إذا أنضجها صروف الأزمان، فتمحضت لصرف الحقيقة المعلومة، وهيهات هيهات.
بقي أن نحلل أجزاء التعريف إلى مفهوماتها لنتصل بذلك إلى الحكم عليه بأتمة جامعة لأفراده مانعة من دخول شيء مما سواها، فقولنا: «هو ما يثنيه عاطفة النسب إليه.» المعنى أن الوطن الحقيقي هو البلد والقطر الذي يجد الإنسان من نفسه نزعًا إلى القيام بواجباته بمجرد ما تتأثر نفسه بسبب الانتساب إليه فقط تأثيرًا يحملها على الدفاع عن حوزته والقيام بخدمته.
فمدار هذا التعريف على إضافة «عاطفة» إلى النسب؛ إذنْ فخرج عن ذلك ما يكون ميل الإنسان إليه وإن تفانى في حبه بسبب مالي أو سياسي مثلًا، فإن السبب المالي ينعدم أو يتغير، وكذلك السياسي، وعلى أثره تنعدم هذه العاطفة المالية أو السياسية أو تتغير. أما عاطفة النسبة فإنها لا تنعدم بحال من الأحوال؛ فالمصري لا ينسلخ عن نسبته، وإن انسلخ عن إهابته (جلده). نعم، لكلٍّ أن يتجنَّس بجنسية أجنبية، ولكن هذا شيء من غير هذا الموضوع؛ لأنه لا يغير من النسبة الحقيقة شيئًا، ولا يبدل فيما يلوح على الوجوه من سيما الوطنية وشعارها، بل تبقى سلطتها في القلوب كما يدل على ذلك حنين الغريب إلى مسقط رأسه، ولا نجد فردًا من أفراد الإنسان إلا وهو كافٍ بحب أوطانه، سيما إذا طوحت به طوائح البَيْن والفِراق إلى الأقطار النائية والبلاد القاصية، وربما فارق الابنْ أباه أو العكس إبقاءً على ملازمة الوطن العزيز، إلا من كان فاسد المزاج بعلة طارئة على فطرته، ومثل هذا لا يكون قياسًا، والسلام.

الرسالة الثامنة والخمسون


وكتبت في جريدة الأهالي عدد ?? بتاريخ ?? ذي القعدة سنة ????، قالت الجريدة: لقد وصلنا رسالة ضافية الذيل في موضوع الصداقة تناولناها من جانب الشاعرة الناثرة، والفاضلة الأديبة، حجة النساء في سائر مدعياتهن بأسرها على الرجال، ورافعة لواء فضلهن في كل ساحة ومجال، وبرهان القائلين بوجوب تعليم البنات في كل أمة شاءت أن تكون أطفالها في مقام الأبطال، حضرة السيدة «زينب أفندي فواز» الكاتبة الشهيرة، والمؤلفة الخطيرة؛ فأثبتنا الرسالة المنوَّه عنها بحروفها كما وصلتنا من قِبلها، وها هي تزهو بقد مبناها الباهر وترفل في ثوب معناها الزاهر:
الصداقة

قد اختلفت الأقوال في وجود الصديق، وكثر اللغط، وتعددت أقوال الفلاسفة؛ فمنهم من أنكر وجوده، وجزم بأنه مستحيل لا وجود له البتة (الصديق هو أنت إلا أنه بالشخص غيرك) إشارة إلى أن الصديق قد لا يكون صديقًا إلا إذا توافرت فيه الخصال التي في نفس الآخر؛ لأن الإنسان وإن كان واحدًا بالنظر لشكله، إلا أنه كثير بالنسبة لتعدد صفاته؛ فالكثرة حينئذٍ هي التي حالت بين الإنسان وبين وجود صديق له في جمهور أحواله واختلاف طبائعه وخلاله، ولولا ذلك لما كنت تجد إنسانًا يخالف الآخر، ولكان الكل على هيئة واحدة، وشكل واحد، أعني أنك ترى الإنسان دائمًا إما طلق الوجه باسم الثغر سهل الخُلق جوادًا بالمال طارحًا للخلاف لين العريكة حسن المعاشرة، وإما على خلاف ذلك كله عابس الوجه شرس الخُلق عديم البِشر، بخيلًا بالمال عسر المرام مولعًا بالخلاف.
أو فيما بين هذه الأضداد بالزيادة والنقصان والانحراف والاعتدال، فلما وجد الإنسان على هذه الأحوال المختلفة الأشكال المفترقة من اختلافات لا تتلاحم ولا تتلاءم، حصل الخلاف، وقلت الصداقة بين الفريقين، وصار الاتفاق عنهما بمعزل، ووقع النفور.
وأما إذا وجد الإنسان شخصًا آخر على شاكلته وطينته وجبلته، وكان جامعًا لخصاله وسائرًا على منواله، لكان إذ ذاك يميل إليه بكليته، ويكثر إليه حنينه في صدر كلٍّ منهما برد الدين والطمأنينة نحو صاحبه، وتلتئم حينئذٍ القلوب بدون افتراق لِما يجده الواحد في الآخر من طلاوةٍ في السمع وحلاوةٍ في المنظر؛ لأن صحة الظاهر بالموافقة، وسلامة الباطن في المؤالفة، واستقرار النفس على وجدان المواصلة والإسعاف وإيثار الصديق على نفسه، والاستفهام عن كل دقيقة وجلية من شئونه، والاحتياط في كل ما حرس على أسباب القوة والزلفة، وطرْح ما أشار إلى المئونة والكلفة؛ كل هذه الأشياء من شروط الصداقة، وقيل: «إن غزل الصداقة أرق من غزل العلاقة.» ثم فإننا نرى الكثيرة ممن بينهما علاقة حبية لم يكن بينهما علامات مما اتصفت به الصداقة؛ لأنها مأثورة بالعقل، ومجراة على أحكامه، ومجبولة على رسومه.
فأما العلاقة فهي من قِبل الحس والطبيعة غالبة على أمرها، وآثارها فيها ظاهرة، والحاصل ينبغي أن يُعلَم أن الفرق بينهما من هذا القبيل، وإلا فماذا نرى أن المتحابين إذا افترق أحدهما عن الآخر الْتَهب بنار الوجد، وإن اقتربا وقع بينهما الخلاف وحصلت المشاجرة، هذا ولم نجد لذلك من سبب إلا ما قدمناه من اختلاف الخصال، وتفرُّق الأشكال، ولم تتسبب هذه العلاقة إلا من ائتلاف البعض من هذه الخصال؛ مثلًا إذا كان ذو الطبيعة مشاكلًا لذي الطبيعة، وكذلك ذو النفس مشاكلًا لذي النفس، وذو العقل كذلك، وهذه التفرقة لم تقع من جهة الطبيعة الأولى لأنها واحدة سارية في الجميع، وقعت من جهة المواد والقوابل بالزوائد والنواقص.
وهكذا الحال في النفس والعقل؛ لأن شأنهما أعلى، ومحلهما أسنى وأسمى، وذلك أن ننهيَ الشيء اليسير مما نحصِّله من ناحية النفس والعقل، والطبيعة نفس في الأصل، والنفس عقل في الأول، ولولا أن الإطالة تكاد أن تُخرجنا عن الموضوع لامتددنا في البحث من هذا القبيل؛ لأن كل عبارة من هذه تستوعب فكر النفس، وتفرقة بال الإنسان في أقفار البحث، وبالجملة فإن الصداقة تفوق العلاقة.
وسأل بعضهم عن الحد الذي حدَّه الفيلسوف في أمر الصديق، وهو «الصديق آخر هو أنت.» فقال: الحد صحيح ولكن المحدود غير موجود.
فيكون قد أنكر وجود الصديق بالكلية؛ وذلك لتعذُّر الخصال التي تتألف منها الصداقة. وقيل له: ما العشق؟ قال: «تشوُّق إلى كمالٍ ما بحركة دالة على صبوة ذي شكل إلى شكله.» فيكون بذلك قد أثبت العشق، وأنكر وجود الصداقة، وعلى ذلك قد صح قول الشاعر:
أيقنتُ أن المستحيلَ ثلاثةٌالغولُ والعنقاءُ والخِلُّ الوفي فالصداقة إذ أخذها الإنسان من جانب اشتقاق اسمها كانت من الصدق، والصدق ميزان النفس، وحوزة العقل، وكمال الجملة، وزينة الفضل. فإذا صادق الإنسان إنسانًا آخر فقد أجراه فوق كل ما يألفه من الأشياء؛ لأن الإنسان قد يألف ثوبًا وحليًّا وهدايا وطعامًا ومنزلًا ومتنزهًا والمألوفات كثيرة، ولا يصادق شيئًا منها لأن الفرق بين الصداقة والألفة عظيم، وبَوْن بينهما بعيد، فإذا صادق الإنسان صديقًا فقد رفع شأنه، وأعلى مكانه فوق كل ما يألفه، وميَّز قدره، وأفرد حاله عن كل شيء حتى إنه يؤثره على نفسه.
ونقل بعض الحكماء عن أخبار الإسكندر أنه كتب إلى أرسطوطاليس وصف له ما رآه في بلاد الهند من العجائب، فكان من ضمن ما كتب له: أيها الحكيم إننا انتهينا من خليجٍ من البحر من ورائه مدينة عظيمة من مدائن الهند، ورأينا في اللُّجَّة من ذلك الخليج شيئًا شاذًّا بارزًا كهيئة الجزيرة، فمنعني صديقي «فيلون»، وقال: بل أعبر أنا أولًا، فإذا كان هناك مكروه كان دونك، فإنه إن هلك «فيلون» وجد الإسكندر منه خلفًا، وإن فُقد الإسكندر لم يكن على وجه الأرض له خلف، فعَبَر فيلون وعدة من خلاني، فإذ ذلك الذي رأيته في البحر دابة عظيمة من دوابه، فلما دنى منها أصحابي غاصت في البحر فاضطرب الماء وغشي الموج سفائن أصحابي فأغرقها، فلما شاهدت ذلك اشتدَّ جزعي على صديقي «فيلون»، ومن غرق معه، وانصرفتُ بقلب مصدوع، وطرف مولع بالدموع.
فعلى هذا القياس يكون الصديق غير معدوم، ولكنه نادر، ولا حكم له، وعلى ما أظن أن الفلاسفة شبَّهوه بالعدم لقلته، وذلك مبالغة في القول على وجه الإجمال، وقد قال بعضهم:
تمسكْ إن ظفرتَ بذيلِ حُرٍّفإنَّ الحُرَّ في الدنيا قليلُ وهذا الشاعر ممن أثبت وجوده، ولكن مع التقليل؛ وبذلك يكون أقرب للعدم من الوجود؛ لأن الطالب له غير آمل لوجوده لأنه قال: «إن ظفرت»، ولفظة إن للشرط أو للتعليل، فيكون أوصاه بحفظ الصديق إن ظفر به، وهذه الوصية غير لازمة؛ لأنه كما قدمنا في الأول أن الصداقة لا تكون إلا بائتلاف الطباع واتفاق الخصال، وإذا كانت على هذه الصفة، فإنه لا يلزم لها التحريض على حفظها؛ لأن القلوب تلتئم من طبيعتها، فيصير الافتراق بينهما بعيدًا، والله أعلم بالصواب.

الرسالة التاسعة والخمسون


وكتبت في العدد السادس من مجلة أنيس الجليس في ?? صفر سنة ????:مجمل حياة النساء

إليك أيها الجنس القوي ساق الحديث، ولا ندري أنناضلك وأنت مستودع الأمل أم نقاسمك أشطر الحياة وأنت الشريك الرفيق، أم ننحني عليك وأنت القوي الظالم على الجنس اللطيف، وقد استأثرتم دوننا بجميع القوى وتساعدتم علينا بكل الممكنات، فلك دوننا كل قدرة سيفية وقلمية وتشريعية، قيدتم هيكلنا الباهر بقيود كل استطاعة وسطوة، وحرَّمتم علينا كل إمكان بالجبروت والقوة.
ولكن هيهات هيهات! إن هذا الجنس المستضعَف قد سخَّر الأرواح بلطفه، وقيد الأشباح برقته وقسوة لين شمائله، فهبنا وهبنا لك سلطتك الظاهرة، فمن ذا الذي يعصمك من قهر سلطانه اللطيف، أو يذود عنك صولة الكائنات وأحكام النواميس الطبيعية؟! رفقًا بنفسك لا تُحمِّلها ما لا تقوى عليه، ولا تسمح لك به قوانين الفطرة التي لا ترقُّ لحالك، ولا ترهب من أفعالك، واعلم أنك مشترك بالذات وإن اختلفت فيك الصفات، فاقنع بما قسم إليك ولا تضرب الأمثال؛ فمقام الخليقة مقام امتثال، واعلم أن للروح جوهرًا مجردًا لا ذكر ولا أنثى، ولكنه يتأثر بحلة التقويم البدني، فتختلف قابلية الرجال والنساء، وكلٌّ منهما نصف العالم، وأهمية موقعه على هذه النسبة العادلة، وشأن الحياة العمل مطلقًا، وهو إما أن يكون على ما تقتضيه الحكمة فيضمن السعادة في الأغلب، وإما على مجرى العبث فيؤدي إلى الشقاء.
والإنسان مكلَّف بعملين لبقاء الشخص والنوع، وكلا القسمين عاجز عنهما بانفراده؛ فكلٌّ منهما ناقص من جهة زائد من جهة أخرى، ولكنهما متى انضمَّا كان منهما ماهية إنسان كامل، ويجوز قيام كلٍّ منهما بعمل بقائه الشخصي، ولكنه يئول إلى الفناء، ولا يضمن السعادة البشرية، والأعمال الحيوية هي كسب وتصرف وادِّخار، فيلزم تقسيمها على حسب الاستطاعة والصحة حتى لا يتعطل القيام بما هو أهم منها، والذي يهم طبيعة العالم، ولا يقوم به غير النساء هو بقاء النوع، فإن عمل الرجال فيه لا يستلزم أدنى تكلُّف، وهو أشق الأعمال وأكثرها تعبًا على النساء، يقتضي راحة القائمات به من كل الوجوه، وسنضرب مثلًا على ذلك فنقول: تحسب للمرأة إلى الخامسة عشرة من سنها في طيش الطفولة، وبعد الأربعين في متاعب الكبر، فليس لها على ذلك من زخرف الحياة إلا خمس وعشرون سنة، فلو فرضنا أنها ذات زوج لم تلد إلا اثنتي عشرة مرة، ولم يَعِشْ لها إلا ستة أولاد، فيكون عمرها على النسق كما يأتي:
? سنين حملًا، وسنة و? أشهر نفاسًا، و? سنوات إرضاعًا، و? سنين و?? يومًا أمراضًا ممكنة؛ فتكون المتاعب مستمرة على البدن والنفس عشرين سنة و? أشهر و?? يومًا، والباقي لها من كل أيام القوة والحياة النضرة ? سنين و? أشهر و?? أيام؛ هذه إذا كانت الصحة والراحة البدنية والفكرية متوفرة لها على الدوام، وهو محال؛ فأي فضل للرجال على النساء، وأيهما أشد أتعابًا في هذه الحياة؟! فإذا تعاطت المرأة شيئًا من الأمور الخارجية، تكون فاقت على الرجل بمراحل؛ فبِناءً عليه يجب على الرجل أن لا يفتخر بأعماله الخارجية، وعليه ضمانة حقوق النساء متفرغات لتلك المهام.
وقد ابتُلي النساء والرجال بقضيتي الطلاق وعدمه، فأما الطلاق المجعول في يد الرجال بلا قيد، فإنه يسلب أمن المرأة؛ لأنها لا تدري بأي سلطة تضمن البقاء مع زوجها، ولو عمرت معه عمر نوح، فتُضطر إلى كثير من الخيانة لعدم وثوقها بالبقاء معه، وسلب أسباب الأمانة من قِبلها لأن الرجال لا يُجرون الطلاق على مجراه الأصلي، بل لأسباب صغيرة، أو لأقل هفوة لأجل عيوب ليست شرعية من الطرفين.
وأما عدم الطلاق البتة فيؤدي عند عدم الامتزاج إلى المضار والعداوة في حياة الزوجين؛ لأنها هي علة الارتباط المشتكى منه، ولو اتَّخذ الناس بين هذين السبيلين منهجًا وسطًا تنفيذًا للشرائع الإلهية العادلة لأراحوا واستراحوا.
وأما تعدد الزوجات فإنه وبالٌ على الطرفين؛ لأنه يقضي على المرأة بالغَيرة، وهي الطامة الكبرى ينتج منها أتعاب تفوق الأتعاب الآنف ذكرها، وعلى الرجل بنكد الدهر، ويورث الأولاد العداوة لبعضهم البعض أشد من عداوة الأمهات، وبيان ذلك يطول شرحه، ولنا فيه كلام في فرصة أخرى إن شاء الله تعالى.

الرسالة المتممة للستين


وكتبت في جريدة اللواء ? رمضان سنة ???? قالت حضرتها:رجال المستقبل وتعليم البنات

قد اعترض حضرة الفاضل صاحب رسالة التربية والتعليم المندرجة في عدد ?? من اللواء الأغر على معلمي المدارس بقوله: «سلَّمتكم مصر بنيها لتعلموهم فجهلوا، وترجلوهم فمرءوا، وتصلحوهم ففسدوا … إلخ.» وله الحق، ولكن لم يذكر حضرته من أين ينشأ ذلك الفساد الذي أعيا المعلمين إصلاحه، وتحيرت الأفكار في وجود الطريقة التي تصلح بها الأخلاق الفاسدة، ولو تأمل العاقل بعينٍ بصيرةٍ لظهر له الحق كظهور الفجر، ولكن نبذوا هذا الفكر ظِهريًّا فصعب التخلُّص، وسرى الداء.
الأمر الذي هو الأساس الأكبر إنما هو تربية البنات اللواتي هن قاعدة كل تربية، ولطالما تكلَّمتُ في هذا الموضوع، فلم أجد من يسمع ولا من يلبي، ولكني أعيد الكَرَّة مرة أخرى، وأذكر لعل أن تنفع الذكرى فأقول: كيف يصلح شبابنا، وقد تغذَّوْا بلبان الجهل ونشَئوا في مهد الهمجية، حتى إذا شب الطفل في حِجر امرأة جاهلة أخذ عنها ما درسته عن أمها من الحسد والشحناء والبغضاء والغواية والتعصب العائلي، وهلمَّ جرًّا، سلموه إلى المدارس لتصلح من شأنه ما فسد، وتغير من أخلاقه ما صار فيه طبعًا غريزيًّا، وهذا لا يتيسر أبدًا؛ لأن مَثَلَ الطفل الذي أحسنتْ أمه القيام عليه كَمَثَلِ البناء الذي رُفع على أساسٍ متين، ثم سلَّمه مهندسه إلى نقاش ماهر فحلَّاه بالنقش البديع والزخرف حتى أتقنه على أحسن شكل؛ فصار كأنه أثر لا يفنى متحليًا بتلك الفضائل مُتَّشحًا بهاتيك الزخارف الأدبية التي طُبع عليها وهو في سن الطفولية. أما البناء المختل الأساس الذي رفعته أيدي مهندس عديم الدراية بمنافع التأسيس لو سلَّمتَه لأعظم نقاش لحار في إصلاحه، وصار إذا أصلح جانبًا انهال الجانب الآخر، ثم لا يمضي عليه زمن حتى يُمحى ذلك الأثر، أو كلابس ثوب بهج فوقه أطمار بالية رثة، كلما هزه النسيم ظهرت رثاثته، وانبعث منه ما لا يُحمد ذكراه.
وهكذا مَثَلُ شبابنا وأولاد مصرنا، فإذا كانت الأم على شيء من العلم أثَّر ما عندها في ذلك الولد، وإذا كانت جاهلة لا تعلم سوى ما تقدَّم ذكره فسدت أخلاق الولد، وتمكَّن منه سوء الخلق، وصار عنده كعادة مقدسة لا يمكنه التحوُّل عنها، ولا يفيد تعب الوالد، ولا علاج المعلم داءً عياءً شيئًا، ويصح فيه قول الشاعر:
إذا كان الطباعُ طباعَ سَوْءٍفليس بنافعٍ أدبُ الأديبِ فليهتم فضلاؤنا في تعليم الفتيات ثم ينتظرون نتاج المستقبل، فيرون منه رجالًا وأي رجال! كنضال ابن الحلاج بل أشد ارتباطًا وأقوى عزيمة، لا تغرهم زخارف العصر الأوروبي، ولا يهمهم سوى السعي في منافع بلادهم، والذب عن أوطانهم، والاجتماع تحت لواء مليكهم، وجمع ما تشتت من نفوذهم المفقود، وسيطرتهم الضالة.
واعلموا أن بث روح المعارف في النساء نفعُه لا يعود إلا على الرجال، وخصوصًا في تربية الأولاد وتدبير المنزل ومعاشرة الزوج وغير ذلك، ولا تظنوا أنهن مزاحمات لكم كما يقول البعض، لا بل إنما نحن جنسان مشتركان في هذه الحياة لا ثالث بينهما، ولا يمكن لأحدنا الاستقلال دون الآخر، ولكلٍّ منا ملهًى في مرسح الحياة ما يلهيه عن مزاحمة الآخر، وهكذا نحن شركاء في السراء والضراء.

الرسالة الحادية والستون


وكتبت في جريدة اللواء في ? شوال سنة ????:المدارس والدين أو الدين والمدارس

قالت حضرتها: أُسست المدارس في مصر على أمل أن يخدم أبناؤها الوطن، وقد رفعت منها الدروس الدينية، والبنود الشرعية، واعتاضته بالعوائد الأوروبية، وناهيك عن عوض فرَّق الشعوب، وضاعفَ الكروب، وشتَّت القلوب. أرادت مصر أن تدخل في دائرة التقدُّم فتأخرت، وشدت العزم لترتقيَ أوج المدنية فهبطت، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كان في بادئ الأمر إذا تخرَّج أحدهم من المدرسة يتسنَّى له أن يخدم وطنه وينفع بلاده بقدر الإمكان، وكانت الأهالي بهذا الأمل يُدخلون أولادهم المدارس ليخدموا وطنهم، وينالوا الرتب، وقد اجتهد العالم في ترقية أبنائهم، وتسابقت الأمة حتى ظن الشعب أن لا عيش له إلا في الخدمة الأميرية، وصار الخبَّاز والطبَّاخ والسقَّاء والبنَّاء يقدِّمون أولادهم إلى المدارس أملًا بأن يصير لهم نصيب مما اكتسب غيرهم من الرُّتب، وأهملوا دراسة العلوم الشرعية والصنائع، مما حتى صار إذا ذُكر الأزهر الشريف في مجالسهم أو مجالسهن اشمأزوا من هذه الذكرى؛ لأنها صارت «أنتيكة» بلبس العمة والجبة، وكثرة الصلاة والصوم، وغير ذلك.
ولما تمت هذه الشروط الموضة كثر الحسد، وتنافرت القلوب، وتهافت الشبان والشابات على التقليد الأوروبي، وأُبيح شرب الخمر والمقامرة والرباء والتزين بأزياء القوم، وللنساء التفاخر بجر الذيول و… «ولم نأخذ عن الإفرنج خصلة حميدة تُشم منها رائحة المدنية الحقيقية.» وبينما نحن في هذا اللهو المفرط احتل الإنكليز بلادنا وأقفلوا دون الشبان أبواب الخدمات، فصار الناس حيارى سكارى لا يَعُونَ ماذا يفعلون، ولا إلى عوائدهم الأصلية يرجعون، فقلَّت المكاسب، وكثرت المصاريف، واختل النظام العائلي حتى صار الرجل همه الوحيد أن يبحث له عن امرأة غنية ذات ثروة ليقترن بها — ولو كانت عديمة الشرف — حتى يتستر تحت جلباب مالها بين إخوانه المتمدنين؛ لئلا يفوته من شروط المدنية شيء؛ فهذه هي نتيجة التمدُّن.
فهُبُّوا يا رجال العصر، وتلافُوا هذا الأمر، وتعاونوا على إزالة هذا الداء العياء من أفكار البنين والبنات، واعلموا أن الشفاء من داء التفرُّق والحسد لا يزول إلا أن تدفنوه بين دفتَي المصحف، وتغسلوه بصابون الأحاديث النبوية، وتتحصَّنوا من هول هذه الحيرة بالقواعد الشرعية.
واعلموا أن التمدن كله في شريعتنا الغراء، وهي التي لا تبطل، ولا يُستغنى عنها إلى يوم القيامة، وما وصل إلى أوروبا التمدن إلا من طريق الشرق، وما كان في الشرق يومئذٍ سوى الملة الإسلامية يوم كانت أوروبا تواصل الغارات الصليبية، وهي إذ ذاك ترفل في جلابيب الهمجية، وبالاجتهاد وجمع الكلمة واتحاد القلوب نالوا ما قصدوه، وارتقَوْا إلى هذا المقام الأسمى من الحضارة، لا بما بُلينا به نحن من مصيبة التفرُّق والحسد، حتى إن الرجل من أبناء جلدتنا إذا رأى أخاه ترقَّى في أمر من الأمور أخذته الغَيرة، وظن أنه مزاحم له في معيشته أو في وظيفته حتى يُخيَّل له أنه يقدر أن يدير الكون بمفرده، كما أن تعليم البنات يراه بعضهم من هذا القبيل ظنًّا منه أنهن مزاحمات لهم (لا أدري أفي الوظائف أم ماذا)، ولم يعلموا أن كل ما يتعلمن من علم نفعُه لا يعود إلا عليهم كما تعود ثروتهن التي يبحثون عنها اليوم. أما الفائدة المطلوبة، والغاية المرغوبة التي هي من لزم ما تحتاجه الأمة، فليست إلا أن تهتم علماؤنا الشرعيون بإلقاء كتب المبادئ الدينية بين أيدي تلامذة المدارس الأهلية، فأرجو من صميم فؤادي إغاثة الأمة بإخراج هذا القول إلى حيز العمل؛ لأنه ليس مرادي أن يقال كتبت فلانة على صفحات الجرائد، بل المراد أن يقال أثَّر كلامها في رءوس ممتلئة بالنخوة العربية، وقلوب تهزها الحمية الإسلامية و«رأس الحكمة مخافة الله.»

الرسالة الثانية والستون


وكتبت في جريدة اللواء ?? ذي الحجة سنة ????:الإسلام والمسيو هانوتو

قد ظن الكثير من الناس أن ما قاله وزير خارجية فرنسا مضرٌّ بالإسلام والمسلمين، ولو أنه شفى الغليل بما أظهره كلام المسيو كيمون ضد الديانة الإسلامية الغراء. لا وحرمة الحق هو بخلاف ذلك؛ إذ إنه نفخ في الصدور، فأيقظ من في القبور، وقد نبَّه الأمة الإسلامية لما أضمرته الأمم الأوروبية نحوها. نعم، كنا في غفلة من دهاء أوروبا ووضعها لنا السم في الدسم حيث كنا نظن أن الغرب، وعلى الأخص فرنسا هي معدن التمدُّن والحرية والمساواة، وكنا نتمنى التشبه والسير على منوالها؛ وذلك لحسن ثقتنا بها وبأعمالها، ولكن الآن قد ظهر لنا من خلل الرماد وميض جمر كان كامنًا لولا ما هبَّ من تلك النفثات التي خرجت من فم هانوتو، فأظهرت ما خفي من ذلك السعير. عملت أوروبا ولم تزل تعمل على تفريق الكلمة الإسلامية.
ظهر المؤيد في ذلك اليوم، وكنا في جمعية نسائية فتناولته إحدى السيدات، وأخذت في تلاوته، ونحن صاغون إلى أن انتهى الأمر إلى كلام المسيو كيمون، وما تعرض به إلى قبر النبي ?، وما رمى به الدين الشريف من الحطة والخمول، وأكثر من مثل هذا الهذيان الذي يدل على جهل كيمون بالديانة الإسلامية إن لم أقل بالتاريخ.
ولما تمت هذه الجملة المثيرة للأحقاد المشوشة للخواطر ثارت النخوة في رءوس السيدات، حتى إنهن تمنين لو أنها تقوم حرب ويحاربن فيها كنساء البوير ويعضِّدن رجالهن، ويغرسن بذور النخوة والحمية في قلوب أبنائهن، حتى يَنشَئُوا على حب الشهامة وكرم النفس والمدافعة عن الدين القويم، وقد عزم النساء أن يربين أبناءهن على المبادئ الدينية، والصناعة الوطنية، وترْك ما أهدته لنا أوروبا من زخارف التمدُّن، والمودة التي أحرمتنا لذة العيش وطيب الحياة، وقد تهافتنا على العلوم الغربية، وتقلدنا بالعوائد الأوروبية، وتركنا العلوم الشرعية التي هي المدنية الكبرى.
نعم، ننتبه من غفلة طويلة طالما لعبت بنا أيدي الأجانب في خلالها، واستحلَّت لنا المُحرَّم، وبثت في أنحائنا شرب الخمر والميسر اللذين حرَّمهما الله في كتابه العزيز، فتهافت عليه شباننا الذين نَشَئُوا في حِجر مدنية أوروبا، وذاقوا لذة زخارفها السمية، وربما سأل سائل: وماذا يخرج من أيدي النساء في مثل هذا الأمر العسير الذي حارت فيه الرجال، وهن داخل الحجاب لا يقدرن على حَلٍّ ولا ربْط؟
أقول: نعم، نحن داخل الحجاب، ونحن قليلات الآن، ولكن أول الغيث قطرة، فاعلم أيها السائل أن مَثَلَنَا كَمَثَلِ الأرض الصالحة للنبات، فإذا أحسن إنباتها، وجاءت بالصحيح الطيب في أيدي أصحابها أنتجت ما يقوم بأودهم، وإن سلمتها للغير عاث في الزرع على حسب فائدته، وما تخول له المطامع.
وهكذا نحن انتخبنا الذرية، وسلمناها صالحة إلى المدارس الأوروبية، فنَشَئُوا على حب التمدُّن، ولما سلمت إليهم الأحكام لعبت بها وبهم أيدي الأجانب المزخرفة لعب الرياح بالهشيم، واتَّخذوا رجالنا آلة صماء حتى تفرقت الممالك الإسلامية، ونحن ننظر من خلال ذلك الحجاب، ونعض نواجز الندم تأسفًا وحسرة على ما كان منا.
نعم، لعبوا في نهب الممالك ما سمح لهم مكرهم، ورجالنا غافلون سكارى بلذة المدنية، ولما تمَّ لهم ما قصدوا من ذلك الدور ونالوا ما يتمنونه، صمموا أن يلعبوا في دور الدين، فبثوا رسلهم في أنحاء الممالك الإسلامية الأفريقية، ورجال حكومتنا غافلون، وهم مع «الرائجة وستين سنة» هذه نتيجة التمدن الأوروبي وثمرات الزخرف الغربي، فليعلم الجاهل والعاقل معًا أن الدين الإسلامي مُقام على أساس متين أسَّسته يد القدرة الإلهية، وثبَّتته بالدعائم المحمدية، وقد غرست جذوره في تخوم الكرة الأرضية، وتفرعت غصونه ما بين مشارق الأرض ومغاربها حتى لا تقدر على اقتلاعه يد المخلوق، ولو تعاون على هدمه شياطين الإنس والجن، فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.
لقد صممت جمعية السيدات على أن يمتنعن عن التقليد الأوروبي ما أمكن، وأن لا يعاملن أحدًا من تجار أوروبا، بل يعاملن المسلمين، ويغرس هذه الفضيلة في قلوب بناتهن، فلا يتم ربع القرن والتجارة الأوروبية أثر في الشرق.

الرسالة الثالثة والستون


وكتبت في جريدة المؤيد الصادرة في ? محرم سنة ????:يا لله للمرأة من الرجال!
حضرة مدير جريدة المؤيد الغراء

قرأت أنا وكثير من السيدات من بنات جنسي تلك القصة الغريبة التي نشرها مكاتبكم في الأستانة العلية تفكهة لقرائكم، ألا وهي قصة الفتاة الصينية التي كانت تهز بمروحتها على قبر زوجها حتى يجف ترابه فتتزوج، وغرض الكاتب من ذلك أن يبيِّن قلة وفاء المرأة للرجل بأسلوب غريب يتفكَّه به القراء، ولكن لا يتفكه به إلا الرجال الذين يظلمون دائمًا النساء بكل أفانين الظلم.
ترك مكاتبكم في الأستانة كل ما يأتيه الرجال مع النساء، وجنح لهفوة صغيرة استشهد بها عليهن جميعًا، وضمَّ الكل في رداء واحد.
ولو أحببت أن أسرد لك أيها الكاتب اللبيب بعض ما يأتيه الرجال مع النساء من الخيانة وعدم الوفاء، لملأت الصحف وأفرغت المحابر من مدادها، ولكني أقتصر على القليل، واللبيب تكفيه الإشارة فأقول: أي صبر للرجل على الوفاء مهما كان بينه وبين الزوجة من الحب، ويا ليت الرجال يصبرون على الزوجة حتى تموت، ولكنهم — ويا للأسف — يبدلونها بأخرى قبل أن تخطوَ إلى تلك الدار فضلًا عن أن ينتظر جفاف الجسم في التراب؛ حيث يتركونها تتلظى بنار الغَيرة وتحمل مضض الهجر.
وكم امرأة فقدت الحياة وهجرت لذة العيش بسبب زواج زوجها عليها بعد أن يظهر لها من الحب ونهاية الإخلاص ما يرغمها به أن تسلم له كل نفيس، وتفضله على كل عزيز من الأهل والأقارب حتى تؤسس له في فؤادها مسكنًا، ولِمَا ترى منه ما يسرها يصعب عليها إذ ذاك اقتلاع تلك الجرثومة من ذلك الفؤاد النقي الطاهري؛ فيؤدي بها ذلك إلى الهلاك أو المرض.
والمرأة قلما تتزوج عقب وفاة زوجها إلا من كانت غير قادرة على أمر معاشها، وها نساء الذوات والأكابر عندنا لا تُرى في المائة عشر يتزوجن بعد وفاة أزواجهن حتى ولو كانت الواحدة في نضرة الشباب وزهرة الحياة الغضة، والتي تتزوج على غير حاجة للزواج تعرِّض نفسها للملام بين كافة أترابها.
وكثير من النساء يتجسر عن مرارة الفاقة، ويربين ما ترك لهن أزواجهن من الأولاد، وليس لهن ما يسد الرمق، فيصبرن على أحر من الجمر من الفقر.
وأي رجل تُوفِّيت زوجته ولم يتزوج ولو كان في سن الشيخوخة، وكم رجل ترك زوجته وهي على قيد الحياة وأولاده معها واعتنق زواج غيرها، وربما تركهم عالة عليها حيث لا يبكته ضميره، فيسأل بشيء ما «وقد قيل في المثل العامي: الأب يطفش والأم تعشش.»
ولا يعزب عن الأفكار السامية أن بالنساء تأسس بناء العائلات، وعليهن مدار الكائنات، وبهن تلتئم القلوب، وتعمر الدور بل الممالك، ومن بين أيديهن يخرج الرجال، وأن التي تهز المهد بيمينها تدير الكون بشمالها.
إن للرجال عقولًا وفي النساء من هي أعقل وأقوى عزيمة من الرجل، لا يغرها شيء، ولا تزحزحها عن جادة الشرف زخارف الدنيا ولا زينتها، ولا تتبع خطوات الشيطان مهما أدَّت بها الحالة.
ومقابلة للمثل بالمثل أقصى على قراء المؤيد حكاية ربما كانت أغرب في وقعها من حكاية الفتاة الصينية.
وذلك أن رجلًا بئيس الحال قد مرَّ في الأيام الأخيرة بشارع محمد علي بالقاهرة، وكان يُرى من هيئته أنه فقير حائر، واتفق أن رآه أحد المبعوثين المسيحيين فسأله عن قصده وحاجته، فقال: إني أبحث عن عمل أو ملاذ عيش ألوذ به. واسترزق وأكثر له من الشكوى، وبيان مُرِّ البلوى، فأجابه: إني أكفيك شر شكواك وبلواك إذا دخلت معي إلى المحل الذي أقيم به، وقد حصل، ولما صار معه وحده في محله عرض عليه الدخول في الدين المسيحي على أن يدفع له مبلغ ستين جنيهًا مقدمًا، ثم يعيِّن له مرتبًا بعد ذلك كل شهر، أما الرجل فقد أخذ يفكر في المسألة ثم قال في نفسه إن الدين في القلب، وما يضرني لو أخذت هذه النقود أطرد بها فاقتي، وأتظاهر له باعتناق الدين الذي يدعوني إليه، وبعد حديث النفس الطويل قال له: إني أيها القس المحترم قابل ما تقول، فمُرْني بما تشاء، وهات الجنيهات.
ثم قبض المال كما أراد حضرة القس، وتوجه إلى زوجته مسرعًا طلق الوجه مسرورًا، وأراها النقود ذهبًا وضاحًا فقابلته مغضبة، ولكنه رأى أن يشرح لها القصة، وما أتمها حتى ثارت في رأسها نخوة الشرف، وقالت له: يا رجل كنت أظنك بادئ بدء أنك اختلست هذا المال من أحد فغضبت لذلك، ولكني الآن علمت أنك بعت دينك بثمن بخس فاغرب عني، ولا تُرني وجهك أبدًا، ثم رجمته بالنقود، وصاحت عليه: اخرج أيها الشقي من عندي فإني خرجت من عصمتك ما دمت أنت خرجت من دينك، إني أحب أن أعيش بالفقر وأموت بالفقر ولا أغير ديني. فخرج وهو يتعثر في أذيال الخجل آسفًا على ما فرط منه؛ لأنه كان يحب أن يفرحها بهذه الثروة الطائلة العاجلة بعد هذا الفقر المؤلم، فخاب ظنه وساء فأْله.
فبالله كم يُقدَّر وفاء المرأة هذا مع زوجها الذي لم يَفِ عهده معه، ولا مع نفسه، ولا مع الله؟!

الرسالة الرابعة والستون


وكتبت في جريدة رائد النيل بتاريخ ? ربيع الأول سنة ????:النهضة الإسلامية

قد كنت فيما مرَّ من الأيام لا أحب الكلام في شيء يختص بالأديان، ولا بالمسائل السياسية حتى ظهرت المسألة الهانوتية، أو الحملة الكيمونية، فأيقظت الأفكار، وأثارت الهمم الساكنة.
ولقد صار الإنسان لا يمر على نادٍ من الأندية ولا حفلة من الحفلات النسائية إلا ويسمع فيها ما يشوش الأفكار ويكدر الخواطر، بعد أن كنت لا تسمع في تلك الحفلات سوى الكلام عن تمدُّن أوروبا واختراعاتها الصناعية مما تنقله ألسنة الجرائد من مثل تلك الأخبار السارة التي اكتسبها الإنسان بذكائه، واستخرجها من وهدة العدم بفطنته، وكنا نريد التقرب بكليتنا من المسيحيين، والاختلاط بينهم، وبالأخص الفرنساويين منهم الذين كنا نأمنهم على تعليم أبنائنا بكل طمأنينة؛ وذلك لما كنا نعلمه من رجال فرنسا، وما يشهدونه من الشهادات الحقة في الديانة الإسلامية، وأنهم لا يبخسون الإسلام حقه مثل القس لوزان وغيره، وما أظهره حضرة القس في خطبته التي ألقاها في الأوبرة الخديوية سنة ????، فكان لها رنة فرح في قلوب المسلمين أثارت عبارتها الأفئدة حتى سهلت لنا سلوك طريق السلام الفرنساوي. ولقد ثبت لنا بما قاله نابليون الأول تلك الأماني التي صرنا نحسبها أضغاث أحلام، وهاك قوله: «الفرنساويون هم المسلمون الحقيقيون.» ولقد جعلها حضرة القس لوزان بطهارة قلبه نبوءة تنبَّأ بها نابليون، وأن المستقبل سوف يُظهر معناها الخفي، وها هي الحوادث والأحوال قد برهنت على ما للمسيحيين عمومًا — ورجال فرنسا خصوصًا — من الحب الخالص للأمة الإسلامية، فلم نلبث — ويا للأسف — إلا قليلًا حتى دهمتنا المسألة الهانوتية، وانبث المرسلون في أنحاء الإسلام فأظهروا للناس من خلال ذلك التمدن الزاهر الزاهي ظلمة من التوحش المدلهم الداهي.
ولقد عجبت كيف ذهب عن الأفكار الجامعة الأوروبية أن تغيير الأديان من أشد الأمور حتى لو كانت الأمم على الوثنية، ولقد علم كل عالم ما كانت تعانيه الرسل الإلهية من الصعوبات في تقويم الأفكار المعوجة عن الحق، وفي أيديهم الكتب الإلهية، فضلًا عن إظهار المعجزات الحقة، فذهلوا عن كل ذلك، وعمدوا إلى تغيير الدين الإسلامي القويم الثابت الذي هو كشجرة فرعها في السماء، وأصلها في تخوم الأرض لا تزعزعها رياح المفسدين، ولم يرسَل لذلك رسول يأتي بمعجزة كما أوتي الأنبياء من قبل، ألم يعلموا بأن الدين الإسلامي لم يفتح بوريقات طبع من أيدي المبعوثين، ولا بمذمة القرآن الشريف ومدح الإنجيل، فإن للعالم عقول يميزون بها، ويفرقون الحق من الباطل، وكلنا نعلم أن المسيح ومحمدًا — عليهما السلام — نبيان من أُولِي العزم، وكلاهما مرسَل ولَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ.
وإن ظن القوم أن انحطاط الأمة الإسلامية، وعدم تقدمها في الحضارة هو من سبَّب كون أهلها مسلمين ليس إلا، لا فقد ساء ظنهم، فليعلم العالم الغربي أنهم ما نالوا المدنية والتقدم إلا بتقليده يوم كان الإسلام يرفل في حلل الحضارة والرفاهية، وكانت أوروبا تتخبط في غياهب الهمجية، وترفل في ثوب التوحش القشيف، وقد كان يومئذٍ الإسلام هو الإسلام، والنصرانية هي النصرانية، وهي أقدم من الديانة الإسلامية، فلماذا لم تسبقنا بالتمدن إن كان الأمر كذلك؟! ظهر الإسلام في جزيرة العرب كعمود نور يُستضاء به بين قوم جهلاء لا يعلمون من الحضارة شيئًا، تائهين في غيابة التوحش يدفنون بناتهم أحياءً، ويشنون الغارات على بعضهم بعضًا، والفضل في ذلك من غلب.
كانت العرب في غاية الوحشية، وهم على الوثنية، وبينهم اليهودي والمسيحي، فلماذا لم يدعوهم إلى دينهم؟ ولِمَ لَمْ يأتِهم التمدُّن من جهة دينهم، ولا رَفعَتْهم أديانهم من دركات الجهل والخمول إلى درجات التمدن والحضارة إلى أن ظهر الإسلام وحيدًا فريدًا غريبًا؟ وقد أراد الله أن يفرد أطنابه على البسيطة، ويُحكِّم أهله على كافة الأمم، وقد انحصرت أوروبا في بقعة من الأرض تحت نير الجهل والخمول. ألم يكن يومئذٍ وجود الدين المسيحي الذي يدعوننا إليه تحت اسم المدنية المحضة؟! ولينتبه المسلمون! ولينتبه حماة الدين!

الرسالة الخامسة والستون


وكتبت في جريدة رائد النيل ?? ربيع الأول سنة ????:حالة أبناء الوطن

لماذا تصبرون ولأي شيء تنتظرون؟! إني ليُحزنني ما أراه في حالة أبناء الوطن من الذل والامتهان، ويُحزن واللهِ القلوب، ويُفتت الأكباد، ويُذيب المُهج تأسفًا وحسرة على أمة تقطعت بها الأسباب، وحُرمت ظلمًا وعدوانًا من منافع بلادها، وقد تمتعت الأجانب بتلك المنافع دون أبناء الوطن، حتى إن الوطني يُطرد من محل خدمته، ويخوض في بحار الفقر، وقد يلهونه برتبة أو نيشان ليفتخر بها على أقرانه، وقد بذلوا المناصب العالية الحقة بالمناصب الكاذبة الملفقة … فيا للأسف!
فأي عين لا تدمع، وأي قلب لا يتقطع على حالة الشبان ذوي العيال الذين يتجرعون مرارة الفقر، ولن يقدروا على تعاطي مهنة يرتزقون منها حيث إنهم لم يدرسوا من العلوم إلا ما يؤهلهم لخدمة وطنهم العزيز وإدارة شئونه.
هذا وحكومتنا ساهية غافلة لاهية، وقد شلت منها الأفهام، وغلبت عليها الأوهام، وهي خاضعة لعوامل الاحتلال متناسية مصالح الأمة متمسكة بمنافع رجالها نابذة أحوال الأمة ظِهريًّا (والفضل في ذلك لمن كسب.)
هل تخشَوْن أيها الرجال أن تُسلب منكم المناصب لو أنصفتم هذه الأمة التعيسة التي توليتم شئونها، ويتولاها غيركم من الأجانب؛ فالأسف كل الأسف على أمة ضاعت سُدًى لأجل منافع بعض أشخاص منها.
ألم تنظروا إلى الأمة البويرية، وما فعلت في سبيل استقلالها، وكيف أنها اختارت الموت أو تعيش حرة لا تقبل السلطة البريطانية، ولقد خلدت لها ذكرًا بين تواريخ الأمم يفتخر به هذا الجيل على الأجيال كلها.
ألم ترَوْا أن الحكومة البويرية ألَّفت من الضعف قوة وقاومت هذا الطود العظيم، وبذلت في سبيل رده عن بلادها الأنفس والنفائس حبًّا في استقلالها، وراحة ورعاية، وهل إلى ذلك من سبيل؟!
لم أسمع بأن حكومتنا عارضت رجال الاحتلال في شيءٍ ما، ولو عارضت في أي أمر يعود نفعه على أبناء الوطن لنجحت، كما نجح المعارضون على رقابة المحكمة الشرعية، ولكن وجدكم رجال الاحتلال لقمة لينة هينة المأكل فابتلعوكم، وأنتم لا تشعرون.
وإني ليسرني أن أرى في أبناء وطني روح الحياة فيؤلفون الأحزاب، ويدافعون عن حقوقهم المهضومة فتلقوا منكم العزائم أيها الرجال، فأقدموا على العظائم، وقد علمتم كيف يقترن العلم بالعمل، وإني لأرى من خلال الحجاب فيكم الكفاءة لأنْ تقفوا أمام العالم الدولي، وتناضلوا مدافعين عما لكم من الحقوق، فإن لم تقدروا على إخراج هذه الدولة العاتية الآن، فإنكم تُلزمونهم أن يحفظوا لكم حقوقكم المسلوبة، وتجبرونهم على إبقائكم في وظائفكم التي تتساقطون منها كتساقُط أوراق الشجر في فصل الخريف، فهبوا من رقادكم أيها المسلمون، وانظروا كيف أن الأجانب طمعت بأن تمس دينكم الشريف بعد ثباتكم كل هذه الأجيال الطويلة، واعلموا أن الحكومة لا تسعى ولن تسعى في ترقيتكم ما دمتم ودام النيران، بل الأجدر لكم أن تسعَوْا بأنفسكم، والله المستعان.

الرسالة السادسة والستون


وكتبت في جريدة رائد النيل ?? ربيع الأول سنة ????:خطاب لكل مسلم ومسلمة

فلْتُشدَّ الهمم ولْتَسْعَ القدم، ولمثل هذا فليعمل العاملون، فلم يرِد في تاريخ مآثر الخلفاء إلى يومنا هذا مآثر ينتفع بها مسلمو الأرض قاطبة مثل هذا الأثر الحميدي، ونريد به إنشاء سكة حديد الحجاز الذي برهن عما لمولانا الخليفة الأعظم من مضاء الهمة، وجليل المسعى، وما لنا وللتمدن الإسلامي الغابر نفتخر به كحضارة بغداد وتمدن قرطاجنة لأن كل أثر خلَّفوه قائمًا في مكانه لا ينتفع به سوى من كان في ذلك المكان، وكل زخرف أقامه الخلفاء من قَبلُ كان لا يتعدَّى البقعة التي هو فيها، أما الحَرَمان الشريفان هما كعبة الإسلام ومنبع حياته؛ فهما باقيان على حالتهما الأصلية إلى يومنا هذا، ولم تتطرق إلى ذلك الإقليم الطاهر يد الإصلاح؛ لأن كل تمدن كان لا يتجاوز مقره في ذلك المهد، ولقد رأى مولانا الخليفة الأعظم — أعز الله نصره — أن الأقطار الحجازية، وهي منشأ شريعتنا الوضاء في حاجةٍ إلى خط حديدي يصلها بباقي أجزاء السلطنة السنية يُهوِّن على حجاج بيت الله الحرام أداء فريضة الحج، ويُسهِّل المواصلات التجارية والزراعية بين البلاد، وهي مثل الروح في جسم الحضارة، ويطوي الأبعاد بين الحرمين الشريفين الأقصى والأدنى، فأمر — أعزه الله — بتنفيذ هذا المشروع الجليل الفائدة والكبير العائدة.
وعلى ذلك فقد وجب على كل مسلم ومسلمة مد يد المساعدة والإسعاف لتنفيذ هذا المشروع، فلنشكل اللجان، ولتجمع الإعانات لهذا المشروع النافع لنا كلنا على السواء كانا في ذلك أولاد أب وأم واحدة، فليس هذا المشروع مثل مشروع إقامة تمثال للادى كرومر وغيرها، بل هو فرض واجب على كل ذي مروءة في قلبه ذرة من الإيمان، فإليكن أيتها السيدات الفاضلات أوجِّه الكلام، فهلم إلى البدء أمر يخلد لكن ذكرًا حسنًا إلى الأبد، ويرفع بكن إلى أوجد المجد والفخار، فشكِّلن لجنة، وافتحن بابًا لجمع إعانة يشترك فيها كل مسلم ومسلمة، وابذلن منتهى الجهد في شيء فرض عليكن، وسبقكن عليه سكان الأقاليم الأخرى فلتأخذكن الغَيرة، وفي مثل هذا الأمر تُحمد الغَيرة.
أجل، فإن سكة حديد الحجاز من أجَلِّ وأعظم المشروعات المصرية، وليست فوائدها الحسية الظاهرة الشيء في جنب فوائدها المعنوية الخافية، رعى الله مولانا وسلطاننا أمير المؤمنين، وخلد ملكه وأعز نصره ما دام الدوران.

الرسالة السابعة والستون


وكتبت في عدد ???? من جريدة المؤيد الصادرة في ? ربيع الآخر سنة ???? تحت هذا العنوان:القسم المصري في معرض باريس

قد اطلعت في عدد ??? من جريدة اللواء الصادر في ? ربيع الآخر على رسالة شائقة لعظيمٍ من عظماء المصريين، تكلم فيها عن معروضات مصر في معرض باريس، وقد أظهر كل شهامة وغَيرة على ما فات مصر والمصريين من السباق في هذا المضمار الذي استعدت له كافة الأمم من سنين ممده، ونحن غافلون لا نبدي حراكًا ولا نلوي على شيء، دأبنا الافتخار بما فعله أسلافنا الأقدمون، نباهي بالرمم البالية كلما نظرنا إلى أهرام مصر وتربا الصعيد، ونرتاح لما يُحدِّثنا به التاريخ عن عمل الخلفاء الراشدين، وارتقاء بني أمية، ومدنية بني العباس؛ فيُخيل لنا أننا في ذاك العصر، فنرتكن على وسادة الارتياح شامخين بأنوفنا إلى السماء نفتخر على كل الأمم، ونباهي أوروبا ونعايرها بتوحشها الغابر ونتألم منها إذا احتقرتنا بسبب توحشنا الحالي. أبهذا نفتخر ولهذا نغضب أيها العظيم؟! ألم يكن في مصر عشرة أشخاص من ذوي الحمية والغَيرة على الوطن والدين، حتى إنهم يحركون الهمم بأقلامهم على الأقل إن لم يقدروا على العمل؟ أو تشكلت لجنة لهذا الشأن واجتمع فريق من المصريين لتشغيل البضائع المصرية من مثل حرير أخميم الذي تعتز به الإفرنج، ومنسوجات المحلة الحريرية ومصنوعات الأخشاب الدقيقة (المشربية) الذي يستعمله الأوروباويون وأكبر مصر في مفروشاتهم ومقتنياتهم من كنبات وكراسي وترابيزات وبراويز للستائر وغير ذلك، وعاج أسيوط الذي تتهاداه السياح إلى بلادهم يعدونه من أعظم المصنوعات الشرقية، وغير ذلك من المصنوعات المصرية التي نرى السياح يتهافتون عليها كتهافت الذباب على الشراب.
ألم تعلموا أيها الفضلاء أن المعرض مَثَلُهُ كَمَثَلِ المحشر كل شخص فيه مسئول عن عمله، تبيضُّ فيه وجوه وتسودُّ وجوه، ولا يسود المرء إلا بعمله؟ ألم تفتكروا أنكم ستبرزون إلى العالم الإنساني أجمع في ذلك المحشر الذي لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها، والفضل في ذلك لمن حاز الفضل بعمله؟ نعم، هذا المعرض الذي اهتزت له أركان المعمورة وتحرَّكت لذكره النساء في خدورها وأنتم غافلون. أتلومون رجال سورية أيها الفضلاء وأنتم أحق باللوم منهم حيث فرطتم والتفريط سبب كل خراب؟ تلومون بعض المسيحيين الذين يقلدون علماءكم في أوروبا وقد أُهينَ دينكم بين ظهرانيكم وانتشرت الرسل المسيحية في عرضات البلاد يجذبون جهلاء الأمة إلى دينهم تارة بالقوة وطورًا بالرشوة وأنتم تنظرون، وشُكلت المدارس لاقتناص أبناء المسلمين وإدخالهم المسيحية جهرًا وأنتم غافلون!
لم أسمع عن أهل الوطن والجامعة الإسلامية من تحرَّك ودافع عن دينه سوى بعض الجرائد والبعض من أرباب الأقلام.
قد أكثر الناس أجمع من اللوم على الذين استأجروا الراقصات إلى المعرض، وما قصدهم إلى هضم شرف الإسلام والمصريين من جهة، ومن وجهٍ آخر يقصدون به الكسب، وأن الذي تهون عليه نفسه أن يفتح له محلًّا بين هذه الجموع المختلفة الأجناس ويجمع فيه الحرف الدنيئة، لا يلام أيها العظيم، بل اللوم كل اللوم على حكومتنا السنية التي صرَّحت له بهذه الرخصة، بل العجب كل العجب من رجالنا وأكابر الحكومة والوزراء كيف لا يخجلون إذا نظروا إلى القسم المصري من المعرض، ووجدوه مقامًا على إردبَّين فولًا وكيلتين شعيرًا وقمح وذرة وما أشبه، وفي بلادهم من المصنوعات ما يُخوِّل لهم الافتخار لولا داء الكسل العضال … فالأسف … كل الأسف على أمة ضاعت سُدًى.

الرسالة الثامنة والستون


وكتبت في جريدة اللواء الصادر ? جمادى الآخر سنة ????:هل يحيى الإسلام

قد اطلعت على رسالة في صدر عدد ??? من جريدة اللواء الأغر لصاحبه الفاضل تحت عنوان «كيف يحيى الإسلام»، وكنت في تلك الساعة أفكر في حالة الإسلام وما يئول إليه الأمر في إصلاح شأنه مع اختلاف بنيه، وتفرُّق كلمتهم وعدم الارتباط حتى في أمورهم الخصوصية، وكنت أقلب الطرف حائرة آسفة على حال تحير العقول، وتذيب القلوب، وحزنًا لما آل إليه أمر هذه الأمة التي طالما فاخرت الجوزاء، وناظرت الأرض بوجودها السماء.
كنا إذا اطلعنا على تواريخ الأمم نجد لنا بينهم أعظم ذكرى تنعش القلوب وتحيي الهمم، أما الآن — ويا للأسف — فقد صرنا إذا نظرنا حولنا نُطأطئ الرأس خجلًا، ونُصعد الزفرات حزنًا على ما نحن فيه من التفرق والشتات والحيرة، وعدم الثبات في الأمور التي تثبِّت قدم الأمة.
كيف نحيي الأمة أيها الشهم وأبناؤها لاهون ساهون لا يلوون على أمر يختص بصالح الإسلام، ولا بصوالحهم الخصوصية أيضًا؟!
كيف يتجهون جهة الخلافة العظمى وهم يتوهون في غياهب الجهل والحيرة كالفراش المنتشر يرى النار ويتهافت عليها بدون روية.
هذا وقد غرهم ما لأعداء الدين من الزخارف الكاذبة، وما لديهم من الآمال الموهومة التي جعلوها خدمة للإسلام والمسلمين توصلًا بها إلى ما يبتغون من تنفيذ سهام سياساتهم في جسم العالم الإسلامي.
يسعَوْن في تفرق الكلمة ويريدون إصلاحها؛ إن هذا لشيء عجاب! ألم تعلم تلك الفئة أن «يد الله مع الجماعة» ولو كانوا ضعافًا، أم لم نفهم معنى قول القائل: «وضعيفان يغلبان قويًّا.»
علامَ هذا التفرق وماذا ينتظرون من ورائه، ونحن نعلم أن الأمة البويرية ما ألَّفت من الضعف قوةً وقاومت هذا الطود العظيم، وبذلت في سبيل رده عن بلادها الأنفس والنفائس حبًّا في استقلالها وراحة رعاياها إلا باجتماع الكلمة، وانضمام الأصوات المثابرة على الجَلَد والثبات في الأمور! وهل إلى ذلك سبيل؟!
قد أصيب دينكم أيها الإخوان ولم تتحرك الهمم لهذه الإصابة، ولم تهزكم النخوة الدينية والشهامة الإسلامية حتى صرتم إذا فُتحت مدرسة دينية لتهذيب أطفالكم على الأساس الديني تتضرَّرُون ظنًّا منكم أنكم تتعدَّوْن قانون التمدن الأوروبي، وترجعون إلى الوراء في خطتكم المدنية بسبب التعليم.
فأي عين بعد ذلك لا تدمع وأي قلب من الأسف والحزن لا يتقطع، وأي فؤاد لا يتضعضع حينما يرى أعداء الإسلام باسطين أكف الترحيب لتلقى بيننا وتعليمهم على غير دينهم وكلنا غافلون عن وخامة العاقبة، وعلماؤنا لاهون عن إرشادنا مكتفون بما جمعته الدفاتر من فضل أسلافنا القدماء.

الرسالة التاسعة والستون


وكتبت في عدد ? من جريدة الشام ? ربيع الآخر سنة ????: لقد اطلعت على رسالة منشورة في العدد السابع من جريدتكم الغراء لإحدى السيدات الدمشقيات، فألفيتها جديرة بأن تُذكر فتُشكر لما اشتملت عليه من الألفاظ الدرية، وما تفضلت به صاحبتها الأديبة من النصائح العالية لبنات جنسها، وما اقترحته على الأدباء من لزوم تسليم بناتها وتثقيفهن وتعريفهن ما يجب عليهن.
وسرَّني ما رأيت من الغَيرة والنشاط بإحدى بنات جنسي الدمشقيات، وستهدى هذه المزية إلى غيرها إن شاء الله؛ بحيث يكون للمعارف والآداب في دمشق بضاعة رائجة بين نسائها، وهي أمنية يتمناها كل من له قلب؛ لأن النساء أساس العمران والمدرسة الأولى لكل من دبَّ على الأرض من جنس الرجال، فيهن يتقدم وبهن يتأخر، ودليل ذلك أن ما يكتسبه الولد من أمه حال طفوليته من خير وشر ينفطر عليه، ويصبح غريزيًّا، فإذا كانت الأم منطبعة على الكمال متَّشحة برداء العفاف متَّسمة بمكارم الأخلاق متحلية بحلي الآداب كان لولدها نصيب من هذه الأخلاق يشربها مع اللبن ويشبُّ عليها، وإذا كانت من الأمهات اللواتي رُبِّينَ في حضرة البساطة ورضعن لبن الجهل لا تفرق بين الفضيلة والرذيلة، يتخلق ولدها بأخلاقها، ويدرج على تلك الأخلاق، ومتى أُريدَ تهذيبه بواسطة المدارس تعب فيه المعلم، وإذا أصاب حظًّا من العلوم والآداب يكون كلابس ثوب البهج من تحته ثوب خَلِقٌ كلما هزه النسيم ظهرت رثاثته وبانت رداءته.
وفضلًا عن هذا فإن الولد الناشئ على الجهل والرذيلة أقل شيء يُظهر أخلاقه الأصلية التي رُبِّيَ عليها.
وما ينطبق على الذكور في هذا البحث ينطبق على الإناث، فإن المرأة المهذبة هي التي تُعاون زوجها في كل أمر من الأمور الدنيوية، فتخدم أفكاره وتراقب أحواله من جهة معاشه وتربية أولاده، وتكون سميرته في أفراحه وقسيمته في أتراحه، حافظة أسراره حاملة ثقاله، حارسة أمواله شريكته في ما يضره ويسره.
ولما كانت الهيئة الاجتماعية مؤلَّفة من الجنسين الذكر والأنثى، وكان كلٌّ منهما مرتبطًا مع الآخر في كافة إحساساته الحيوية وأعماله العائلية، كان من المتحتم علينا من أن نجتهد في تحصيل العلوم والمعارف بالواجب علينا من خدمة ذلك الجنس، ونحن — أعني بنا معاشر النساء المسلمات — وإن كنا محتجبات عن الأنظار مترفعات عن الاختلاط، فالحجاب لا يَحُول بيننا وبين تلقِّي العلوم والمعارف؛ إذ إن مدارسنا مفتوحة الأبواب ونوالها متيسر لنا ونحن تحت حكم الحجاب.
ومتى تمت لنا هذه الأمنية وسلكنا الطريق التي نتوصل بها إلى مدارج الكمال، ضاهينا الرجال في سمو مداركهم، وحاكيناهم في كل ما نستطيع، ونحن نصف هذا العالم الإنساني؛ فلا يفوتنا العلم بكل ما يُجريه النصف الآخر من الكمالات الإنسانية، بل نلم بكل شيء من أعماله بما تنشره علينا صحف الأخبار التي عمَّت البلاد والأمصار وصارت:
كمرآة المنجم وهي صغرىترينا كل مهمة وقفرى فعلينا الآن أن نُقدِم على تعلُّم العلم بكل جد وجهد، وننبذ الكسل ظِهريًّا ونقتديَ بمن سلف من فاضلات الشرقيات اللواتي خلَّد التاريخ لهن ذكرًا تهتز له عصورهن تيهًا وفخرًا، وتماثل النساء الغربيات في الهمة والإقدام؛ فقد برعن بأعمالهن وفُقن باختراعاتهن ونلن بما اكتسبن من العلوم والمعارف منزلة أجَلَّها الكبير والصغير، ومدحها الأمير والحقير.
فالعلم بحر من يخضــه يغص على درر الحكموالجهل يزري بالفتىوالعلم يجعله علم ورجاؤنا منه تعالى أن تكون جريدتكم الغراء واسطة عظمى في تحريك الهمم الباردة والأفكار الجامدة؛ فنرى لنسائنا الدمشقيات نهضة أدبية تُرفع لها الرؤوس وتنبسط منها النفوس، ومسئولنا منكم أن تُخصصوا محلًّا في جريدتكم للكاتبات منهن ليزاولن فنَّ الكتابة، ويُعرِّفن من لا يعرف منهن واجبات النساء البيتية؛ فتنتفع بذلك مَن ذهبت أيامها سُدًى، وتنشط للعلم مَن لها بالعلم رِضًى، ومَن علمت أن:
العلم يحيي قلوب الميتين كماتحيا البلاد إذا ما مسَّها المطروالعلم يجلو العمى عن قلب صاحبهكما يجلي سواد الظلمة القمر
الرسالة المتممة للسبعين


وكتبت في مجلة المنار، العدد ?? بتاريخ ?? رمضان سنة ????.
لنادرة العصر وأميرة النظم والنثر السيدة زينب فواز — حفظها الله:
ومصباح كأن النور منهيحاكي ثغره البسام جهلًازها منه ضياء كي يضاهيمحيا من أحب إذا تجلىأغار على الدجى بلسان أفعىفبدد شمله خذلًا وذلَّاوبارز كوكب الجوزاء منهفشمر ذيله فرقًا وولى ولها أمد الله في حياتها:
أمنت إلى هذا وذاك فلم أجدمن الخلق من أرجوه في عالم الحسوما رمت من أبناء دهر معاندأخا ثقة إلا استحال إلى العكسفأصبحت مرتابًا بمن شط أو دناولو كان في المريخ أو جبهة الشمسوأيقنت أن لا خل في الكون يُرتجىمن الناس حتى كدت أرتاب في نفسي
الرسالة الحادية والسبعون


وكتبت في جريدة اللواء، عدد ???? بتاريخ ?? جمادى الآخر سنة ????:تهنئة سلطانية

«ثغر التهاني بالأماني باسم»والنصر للملك المؤيد خادمهذا الإمام الفرد عاش لأمةتغدو على أعتابه تتزاحملا غرو قد يحيا الأنام بواحدبحرُ الندى في كفه يتلاطمهذا أمين الله شمسٌ للورىفيهِ بدت للراشدين علائمقد أرعب الإسلام يوم طغى العداوتبددت خوفًا عليه عزائموتشاخصت أبصار مصر جميعهاتدعو وتضرع أن يجازى الظالمنرجو لروتر همة برقيةليزول عنها خطبنا المتفاقمنأتي يبشرنا بحفظ مليكناوبه وقى شرع ودين عاصميهنأ بك الإسلام يا طود النهىهو سالم إذ كنت أنت السالمأنت الزعيم لديننا وحفيظهفي الأرض بل أنت الإمام القائمأما الذين استُشهدوا كانوا الفدالمليكهم فلهم هناء دائمفي جنة إذ أنقذوا الإسلام منأمر عظيم شرُّه متعاظماهنأ وعش للشرع تحييه كماحفظ البرية إذ وقاك الراحم