Advertisement

الباب المرصود

 الباب المرصود



الباب المرصود

تأليف
عمر فاخوري



الباب المرصود

عمر فاخوري

رقم إيداع ??????/?????
تدمك:
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون:
تصميم الغلاف: سحر عبد الوهاب.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2014 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.


مقدمة


هذه فصول تلم بموضوع الشعر من بعض نواحيه، اختارها المؤلف مما نشره في الحقبة السعيدة من عمره، ما خلا «المأدبة» فهي حديثة العهد جدًّا، ويصح أن تكون خاتمة الكتاب إذا جاز أن نعد مقدمته «الشاعر وأبناؤه» التي يستسقي فيها لعهد الصبى، قد لا يكون لها قيمة في ذاتها، ولكن لها على الأقل قيمة تاريخية، في حياة صاحبها وحده، أما قيمتها في «حياة الأدب» فللقارئ الكريم أن يردها إلى «ما قبل التاريخ».
الشاعر وأبناؤه


رُوي أن أبا تمام أنشد أحدهم قصيدةً له أحسن في جميعها إلَّا في بيت واحد ليس كسائرها، فقال له: يا أبا تمام! لو أسقطت هذا البيت ما كان في قصيدتك عيب.
فأجاب الشاعر قائلًا: أنا والله أعلم منه مثلما تعلم، ولكن مَثَل شعر الرجل عنده مثل أولاده، فيهم القبيح والجميل، والرشيد والساقط وكلهم حلوٌ في نفسه، فهو إن أحب الفاضل لم يبغض الناقص، وإن هوي بقاء المتقدم لم يهو موت المتأخر …
ويُشبه هذه الحكاية ما يُروَى عن أحد كتاب الفرنسيس، وذلك أنه بعد إذ نضج واكتمل فنه، استمر على إجلال تآليفه الأولى والمبالغة في الإعجاب بها، ويقول الناقد الذي يروي هذه النادرة: إن ذلك لم يكن من «رنه بازان» بعامل من الغرور الأدبي بل بباعث من الحنان الأبوي، «ولقد أخطأت ذات يوم وسألته: أي قصصك أفضل عندك؟ فأخذَتْه الحدة وأجاب بقوة قائلًا: الحقيقة هي أنَّ كل كتبي — كلها — وُضعت واشترك في وضعها قلبي … خرجت من صميم نفسي، فلا أستطيع أن أفضل بعضها على بعض.»
•••

هذا المساء، في إحدى ساعات الْمَلَلِ التي يتساءل المرء فيها، وقد هادنته الحياة: «تُرى، ماذا يراد بنا، في هذه الدنيا، وهل لوجودنا غاية؟» يتساءل متبرمًا بأمسه ويومه وغده، دون أن يوفق إلى جواب أو شبه جواب على سؤاله، بل السؤال الذي طرحته سآمته على الوجود وعلى الحياة.
جلست إلى منضدتي مُضْرِبًا عن الأعمال والجهود الباطلة، ويداي تعبثانِ جادَّتين في البحث عن لا شيء، وهكذا عثرتْ يُمناي، ويُسراي لا تعلم، بدفتر أسودَ صغيرٍ هو بعض ما بقي لي من عهد الصبى، أخذت في تقليب أوراقه الرَّثَّة الصفراء، فانبعثت منها رائحة القدم والبِلَى كأني دخلت غرفة أُحْكمَ قَفلُ أبوابها ونوافذها وهُجرت زمنًا مديدًا.
ودفتري هذا، على ضآلة حجمه، كالقَدَح الملآن لا تزيد على ما فيه قطرة إلا طفح: ليس بين سطوره وهوامشه موضعٌ لكلمة، فيه آراء وأبيات شعر وخلاصات كتب، بالعربية والفرنسية والإنكليزية، وبعض مفردات الإسبرانتو … وفيه أيضًا خواطر لي وشروح وتعليقات، ولا فخر! فهي التي عَقَدَتْ الآن لساني وكمَّتْ فمي، إذ هممت بأن أنادي، على جاري العادة في مثل هذه الأحوال: سقيًا لك يا عهد الصبى ورعيًا!
من خواطري في ذلك العمر السعيد بجهله وغروره، وإيمانه وحماسته، ما أنقله إلى القراء بين أهلَّة كأني أنسبه لآخر … قال — رحمه الله: عاطفة الشاعر في بدْء حياته الشعرية: ترددت زمنًا في نظم الشعر خشيةَ أن لا يتسعَ له ما فيَّ من خيال، ثم أقدمت، الأسباب: ما رأيته عند الغربيين وضيق نطاق ما طالعته في كتب العرب، وعلى الأخص المعاصرين منهم، لقد رأيت هؤلاء غير جديرين بأن أقول فيهم الكلمة التي قالها أحد كتاب الفرنجة في بعض العصور الزاهرة: إذا لم أكن عظيمًا فإني على الأقل معاصر للعظماء!
هل هذا غرور؟ ربما …
بعد أن كتبت أبياتًا معدودة من قصيدتي الأولى بقيت أيامًا لا أجرؤ على الدنوِّ منها بزيادة أو تنقيح، أنظر إليها كما ينظر المحب إلى حبيبته، مع علمي بأنها غير تامة وأن فيها ما يجب بَتْرُه بحق وعدل.
ما أشبه هذه العاطفة بعاطفة الأب والأم أمام «طرفتهما» في أسبوعه الأول! يعلمان أن شدَّ العصائب على أعصاب الطفل الرطبة مما يقويها، ولكنهما يخافان أن يؤلماه ويسمعا بكاءه … بَيْدَ أنهما بالرغم من ذلك سيقدمان بعد الإحجام …
وإني لمقدم أيضًا على شد أعصاب طفلي (القصيدة)!
في ? تشرين الثاني سنة ???? هذا ما جاء في ذلك الدفتر الصغير ذي الأوراق الصفراء كأوراق الخريف، وهو لفتًى كان فيما مر من أعوام، لا يعرف السآمة المتسائلة: «ماذا يراد بنا في هذه الدنيا؟» يؤمن بأشياء كثيرة، منها أنه سوف «يجدد» الشعر العربي، لم يكد ينظم شعرًا. لقد جنتْ عليه اليوم، فبعثته من مرقده، المقابلة بين أبي تمام الشاعر العربي ورنه بازان الكاتب الفرنسي اللذين اتفقا على بعد الشُّقة بين عصريهما، وأجمعا على القول: بأن القصائد عند ناظمها، والكتب عند مؤلفها، هي كالأبناء عند الوالد الحنون … ليس الأمر بذي بال، وهو لن «يكسر» بيتي الشاعر الإنكليزي كبلنغ القائل:
الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقي الاثنان! لكن نبشنا قبر ذلك الفتى المسكين الذي كتب فيما بعد — ربما بعد أيام معدودة — على هامش خاطرته هذه العبارة، قال — رحمه الله: ومن هنا قول العرب عن الشاعر المبتكر «هو حسنُ التوليد»، ومنه أيضًا تسميتهم المعاني «بنات الفكر»، ثم ختم بسذاجة تَفوقُ حدَّ الوصف قائلًا: «ما أعظم فرحي بوقوعي على هذه المقارنة الجميلة!»
•••

سقيًا لك يا عهد الصبى ورعيًا! لقد كنت تسكر بزبيبة …
????
الباب المرصود


شَهِدْتُ ليلة أمس في إحدى سينماوات البلد فِلمًا يقص علينا القصة الأبدية: نفسان فاضلتان — رجل وامرأة، تُجزيان في الختام، بعد عذاب شديد ونصب طويل، بالهناء المقيم والراحة الشاملة، وكان الفلم مؤثرًا — لو لم أجد فعله في نفسي لوجدت برهان ذلك في الدموع التي ذرفها، ذات اليمين وذات الشمال، فتًى من بني قومنا وعجوز من نساء الإفرنج. لست أزعم أني كنت كالجزيرة بين الفرات ودجلة حتى خشيت الطوفان، ولكني أشهد أن صاحبي الفتى وجارتي العجوز بكيا، ولقد خيل إليَّ أن الأقدار ساقتني نحو محرومين من نعم الحياة، فهممت أن آخذ بيده اليسرى ويدها اليمنى فأعقد بينهما، لولا أن منعتني كراهتي الدخول فيما لا يعنيني، وحسنًا فعلت!
أما الفتى فما أوشكت القصة السينماوية أن تنتهي، ويرجع النور إلى القاعة حتى رأيته يبادر إلى مسح عينيه كالمستحي من ضعف نفسه، الخائف من سَخَر الناس الذين سيعلمون أنه «صدَّق» ووقع في حبائل الفن، وأما العجوز فإني رأيت في أعلى خديها زهرتين ذابلتين تلمع فيهما قطرتان من ذلك الندى الحي، وكانت أكثر تمهلًا في كفكفة عبرتها، كأنما تود لو يستمر هذا السحر قليلًا، أو ترجو أن لا تستيقظ من ذلك الحلم.
•••

هكذا الفن، سواء الموسيقى والشعر وغيرهما، يخرج المرء عن طوره إلى طور ثانٍ وينقله من عالمه إلى عالم آخر، ولعل في البشر إلى هذا الانتقال حاجة طبيعية تلح عليهم حينًا بعد حين، فهم يكفونها بمختلف الوسائل التي اسْتُنْبِطت من أقدم الأزمنة. وهل الأديان التي تحمل الأنفس من هذه الدنيا المنظورة إلى تلك الآخرة المغيبة بما فيها من جنة ونار، إلا المظهر الأسمى لتوق النفوس وشوقها وحنينها إلى صور غير المرئيات، وحياة كما يقول أناتول فرانس: «تُصلح فيها مساوئ هذه الحياة ويكفر عن ذنوبها؟» هل الأديان إلا وسيلة إلى كفاية تلك الحاجة الطبيعية الدائمة في هذه الأنفس الساخطة المتبرمة؟ ولا عجب. فالبداهة هي أن البشر ينشدون السعادة العظمى، وأنهم لا يوفقون إليها في الواقع الذي يعرفونه ويحسون نقصه وعدم مؤاتاته، وقد حسبوا أنهم يحظون بها — أين؟ — في غيبوبة عن هذا الواقع ونسيان له وخروج منه.
إن البشر في حياتهم هذه لكرفاق سفرٍ استيقظوا بغتة على غير موعد، في حجرة حبيسة الهواء خابية النور، تتجاوب في نواحيها الأصداء المنكرة، وتتطاير الأشباح المخوفة: هذا يبيع وذاك يشتري، هذا يتزوج وذاك يطلق، هذا يلعن وذاك يستغفر، هذا يولول وذاك يغني … فهب كل واحد من هؤلاء المغضوب عليهم، ضيق الصدر طائر البصر، إلى كوة من كِوَى الحجرة يفتحها؛ ليطل منها على عالم مسحور تسبح فيه الملائكة وتلمع الدراري، وترقص الجنيات الحسان؛ في مروج من سندس، تحت سماء من لازورد، حيث الهناء المقيم والراحة الشاملة.
ولذلك رأينا بعضهم يُدمن الخمر مؤمنًا بباخوس، أو يشم الكوكايين واجدًا فيه ريح الجنة، ورأينا البعض الآخر يقبل على الحشيش، أو الأفيون الذي زعم الكاتب الإنكليزي «دو كوينسي» في دعائه المشهور إلى هذا الرب المعبود، أنه قادر على أن يشيِّد، بأبرع صنعة من فيدياس وأبلغ فنًّا من براكسيتيل، مُدنًا ومعابد تفوق بابل وإرم ذات العماد، عظمة وسناء: «أنت وحدك تهب الإنسان هذه الكنوز، وبيدك وحدك مفاتيح الجنان، أيها الأفيون العادل القدير ذو السلطان!» وكل هؤلاء يسلكون في مشارق الأرض ومغاربها سبلًا مختلفة إلى غاية واحدة: السكر، أو الغيبوبة التي تُنسى فيها هموم الحياة اليومية، وليست تلك السموم القاتلة إلا مفازات يقطعونها إلى عالم الغيب والغفلة والطمأنينة، أو كِوًى يفتحونها في الحجرة الحبيسة الهواء، الخابية النور، التي تتناكر فيها الأصوات وتتزاحم الأخيلة.
والحب متى يبلغ أشده ويصل إلى ذروته؟ ألم يقل العارفون: إنه يكون حينئذ كنشوة السكارى يغيب بها المرء عن نفسه، ويغفل عما حوله، وينسى حاضره وآتيه، حتى ليحسب أنه يضم إلى صدره حبيبه، حبيبه بعينه، وهو لا يضم لو يعلم إلا صورة يتخيلها أو مثالًا يتمثله، في برزخ بين الموت والحياة، بل حيث لا موت ولا حياة! هو الفقير فإذا به الغني، وهو المنكود فإذا به المجدود، وهو في الأرض فإذا به في السماء.
•••

سئمتْ نفس «بودلير» الشاعر الفرنسي فطفق ينقلها من قطر إلى قطر، وهو يمنِّيها بالنعيم والطمأنينة وهي لا تزداد إلا قلقًا وملالة ولهفة إلى الرحيل، وكان لا يفتأ يسألها في إحدى قصائده المنثورة: «إلى أين تريدين يا نفسي؟» فلما فرغت حيلته ونفد صبرها أجابت قائلة: «حيثما كان، ولكن في خارج هذه الدنيا!» ولبودلير قصيدة هي آية في الإبداع عنوانها «الرحيل» قص فيها قصة تلك النفس الظامئة أبدًا، ووصف جهوده في الفرار من ذاته، لقد عاذ الشاعر بالفن والجمال والطيوب والموسيقى؛ لأنها على حد قوله: «لِقلوب أبناء آدم أفيون إلهي»، ولكن لم يُجْدِهِ عياذُه بها جميعًا، فلجأ إلى الحب والدين ثم جرب كل الوسائل التي اهتدى إليها البشر لتنويع اللذة وإرواء النفس، فإذا بالسعادة في مراحل هذه الهجرة الكبرى رغم بهجة الطريق، سراب خادع لا يتلاشى في أفق إلا ليظهر في أفق أبعد فأبعد، وأخيرًا عرف «الأفيون العظيم»! وله كتاب في وصف الجنات، لا جنات عدن، بل «جناته المصطنعة»، فقال لنفسه: إذا كان النعيم في الموت، في الموت وحده، فليكن المرحلة الأخيرة يا نفسي! وهنا يلتقي بودلير وأفيونه بالبوذيين و«نرفانا» هم، لتمام كروية الأرض … وأن قوافل البشرية المتنقلة من أزل الآزال إلى أبد الآباد، في سبلها المختلفة؛ لتقف جميعًا عند غاية واحدة مزدحمة على عتبة الباب المرصود، حاسبة أن السعادة الكبرى والطمأنينة العظمى خلف الباب، متسائلة في حيرة ولهفة: ولكن من، تُرى، يفك الرصد؟
•••

ما أكثر ما رأيتني كالشيخ يعود إليه مرح الشباب بغتة، أُمنِّي نفسي بالنعيم لأني ممسك إلى صدري كتابًا، أسرع في خطاي كأني وحبيبتي على موعد لقاء!
????
كنوز الفقراء


بقرة، وليست كالبقر ضخامة جسم، بل هي أقرب إلى العجل الصغير، تلمع عيناها في الليل البهيم كأنهما جمرتان أو نجمتان، مسرجة بالذهب، نعالها وخلاخلها من ذهب، وعلى ظهرها عِدْلان مُلئا بالدر والياقوت والحجارة الكريمة، تجيئك في ساعة متأخرة من الليل فتناديك قائلة: تعال يا فلان، وخذ نصيبك!
فلا تخف ولا توقظ أحدًا من أهلك النيام، تقدم نحوها رابط الجأش وانزع نعالها وخلاخلها وسرجها، وأفرغ العدلين من كنوزهما، ثم املأهما بما تيسر، والأفضل أن تجعل في أحدهما خبزًا وفي الآخر ملحًا: علامة المودة والشكران، فهي تمضي في سبيلها تاركة في دارك الذهب والدر والياقوت والحجارة الكريمة، طوبى لك فأنت الغني السعيد!
… وفي النصف الأخير من القرن الثاني عشر للهجرة زارت البقرة «حاملة النصيب» جدَّة والدي السيدة صفية، وكانت — رحمها الله — «سبعينية»، فسمعتْ طقطقة النعال ورنين الخلاخل على درجات السلم، فنظرت من ثقب الباب الموصد عليها في حجرتها، فرأت البقرة المذهبة تخطر في باحة الدار، وعيناها تضيئان كأنهما جمرتان أو نجمتان، وهي تنادي بصوت أشبه بالخوار: تعالي يا صفية وخذي نصيبك!
أما المرحومة فجمدت في مكانها معقودة اللسان، وأما البقرة فقد نادتها ثلاثًا، ثم انصرفت كالمستكبرة، آنفة من هذا الجبن الشديد الذي ما عليه مزيد! ولكنها انتقمت منَّا بأن تركت على إحدى درجات السلم نعلًا من نعالها الذهب، دليلًا على الثروة التي لم تمتدَّ يد لأخذها، وباعثًا على الحسرة الدائمة، ويروى أن جدتنا قالت إذ نطق لسانها هذه الكلمة المأثورة: «الشحادة، ولا السعادة!» وهكذا كنا ولم نزل فقراء، عزاؤنا الوحيد، بل عزائي أنا وحدي هو أني كدت في النصف الأخير من القرن الثاني عشر للهجرة أكون، في ظهر الغيب، غنيًّا، فإذا لم أكنه؛ فذلك لأن جدتي السيدة صفية، عليها رحمة الله، ما أرادت …
بهذا وأمثاله كنا نتسامر في إحدى ليالي الشتاء ونحن، كبارًا وصغارًا، جلوس حول الكانون صديقي المؤنس المحيي الأمين، وبغتة شهدت في هذه الغرفة الصغيرة، كيف تخلق دنيا غير دنيانا يقطنها أقوام غير أقوامنا، دنيا عجيبة ملأى بالأرواح الخيرة والشريرة، تفيض منها على دنيانا الأعاجيب، وفيها يجد العامة تأويل كل الأسرار، وأحسست كأن هذا الجو الذي كنت أحسبة مهجورًا هو على الضد من ذلك مأهول لا تكاد تجد فيه، من شدة الزحام، شبرًا واحدًا لم يحله جني أو عفريت.
وليس أعجب ولا أبلغ دلالة من الصلة التي جعلها العامة بين عالمنا وذلك العالم، أأقص عليك قصة «الداية» التي دُعيت ليلًا إلى امرأة في الوضع، فاعترضت سبيلها سيدة محجبة سألتها أن تشعل لها شمعتها المطفأة، فلما تناولتِ الشمعة من يدها اختفت السيدة بين الأرض والسماء، ونظرت الداية فإذا الشمعة «إصبع مخضوبة بالحناء»!
أم أقص عليك قصة الرجل الصالح الذي التقى ذات ليلة بالجنية العروس، المحلَّاة بالذهب من قمة رأسها إلى قدميها، فقالت له: عرِّني من ثيابي وهي لك! فلما ذكر أنه ينبغي أن يخلع عنها كل ثيابها وينظر إليها وهي عارية؛ حول بصره لأنه لم يكن امرأ سوء، وقال لها: استتري يا أختي … استتري! ثم انصرف، لم يغنم ولم يأثم!
أم ماذا أقص عليك؟ لقد انتقلنا من أسطورة عجيبة إلى أسطورة أعجب، ومن أقصوصة جميلة إلى أقصوصة أجمل، حتى خيل إليَّ أن ليلتنا هذه ليلة «شاردة» من طرفة الشرق الكبرى، أعني كتاب ألف ليلة وليلة … وأخذت أفكر فيما فكرت فيه من قبل إذ كتبت «الباب المرصود».
ليس خلق عالم على هامش عالمنا هذا، أو تصور وجود غير هذا لوجود العادي، وقفًا على وحي الأنبياء وخيال الشعراء، فإن للعامة في هذا الخلق والإبداع اليد الطولى، بل لعل الأنبياء والشعراء يستقون من هذه الينابيع التي لا تفتأ تفيض في كل عصر ومصر، ولا يغيض ماؤها أبدًا: الآداب العامية. فإذا كان في الأمر بعض الشك فإن الشعوب، بالأقل، تلتقي مع أنبيائها وشعرائها في صعيد واحد لكفاية الحاجة الإنسانية العامة الدائمة إلى الخوارق والأعاجيب؛ أي إلى كل ما هو «في خارج» هذا العالم ونواميسه المعروفة وحقائقه المألوفة، وإن في الآداب العامية أو «الفكلور» كما يسميها الإفرنج لطرائف شائقة ممتعة غزيرة المعاني، سواء الأقاصيص والأمثال أم الأساطير والعقائد، تَوفَّر على العناية بها، جمعًا وترتيبًا وتأويلًا، كثير من اختصاصيي الغرب، اعتقاد أنها فنون غير الفنانين وآداب غير المتأدبين ودواوين غير الشعراء، لا يتجلى فيها الروح القومي فحسب، بل تترجم من جهة ثانية عن النفس الإنسانية على إطلاقها، فهي كالبقرة المسرجة بالذهب تحمل كنوز الفقراء.
… وأسرَّتْ إلى أكبرهن سنًّا قولها: هل تعلم لماذا أورثتْ فلانةٌ بنيها (وذكرت أُسْرة معروفة في البلد) سُوقًا برمتها هي السوق الفلانية؟ ذلك لأن البقرة زارتها فأخذت منها نصيبها … وإلا فمن أين لهم هذه الثروة الطائلة؟
وقالت أصغرهن سنًّا وفي عينيها الخوف والرجاء: إذا جاءتني البقرة، هذه الليلة، ونادتني: يا سلوى، قومي وخذي نصيبك! فسأقول لها من تحت اللحاف: يا بقرة، أنا أخاف؛ لأني صغيرة، فضعي نصيبي على عتبة الباب، أرجوك!
ولكنَّ أم سلوى ضمت صغيرتها، وعوَّذتها قائلة: بسم الله الرحمن الرحيم!
????
حنين شاعر الشعب


(?) مقدمة مرسلة

صديقي حنين

لا أحييك وأنا كل يوم أحييك … وبعد فما إخالك نسيت كلمة من «رنان» قرأناها منذ أيام في كتاب مختاراته: «الأدب الحق في زمن ما، هو الذي يصور ذلك الزمن ويعرب عنه». كلمة جامعة من فصل قيم في حقيقة الأدب وعلاقته بالعصر؛ في الأصول التي منها يستمد ميزات الجمال والتأثير والبقاء.
وهذه قصائدك بمبانيها ومعانيها وأغراضها، لن تضيرها تلك اللهجة الوسط بين الفصحى والعامية، بل إنها في هذا الثوب المنوع الألوان البهيج الزي، لأحسنُ استيفاء لشروط البلاغة في المعنى والفصاحة في التركيب، من بدائع كثيرين من أدباء العصر الذين يحيون في منظومهم ومنثورهم على هامش الحياة، فقصاراهم إذن أن ينطرح «أدبهم» جثة على هامش الأدب الحق الذي لا يصدر، سواء كان فصيحًا أم عاميًّا، إلا عن مورد واحد.
أما الجثة فيبالغون في تنميقها وتزويقها وتأنيقها، لكنه «تواليت» الميت الذي لن يخدع طويلًا، لن يخدع في صفوفنا هذه الفئة الفتية التي تطمع فيما هو خير من نسْخ الأقدمين وأعسر من تقليدهم، وتطمح إلى ما وراء صب الألفاظ في القوالب الجاهزة.
•••

هذه الجنة الخراب — وطننا، بما يسمع في جوه وفي بحره، على أطواده وأنجاده، ببواديه وحواضره، وحول غدرانه الراكدة وسيوله الراكضة، من همس وقصف، وتهليل وعويل، وحفيف وعزيف، وصيحات وأصداء.
وهذه العروس النائحة حياتُنا، بما فيها من مسرات تعقب حلاوتها مرارة الأحزان، ومن آمال خائبة لا ترضى استسلامًا للقنوط، ومن المخازي المتلبسة بالشرف، والشرف الأشبه بالعار، ومن سيوف مفلولة بأيد مغلولة.
وهذه الغانية المهجورة لأنها لا تعرف الدلال؛ عاميتُنا، بنكاتها الطريفة وحكمتها الحصيفة، بحقائقها الجارحة وأساطيرها الساذجة، وبمولدها ومحدثها من أوضاع ومفردات دقيقة الدلالة، وتراكيب وأساليب طلية مأنوسة.
وهذه الشجرة الشرقية الغربية ثقافتُنا، بما تحمل من هدى إلى حسن الاختيار، ومن حث على فضل الانتقاد، ومن توفيق إلى ثواب الإصلاح …
•••

تلك جميعًا أيها الصديق، هي الينابيع التي تفجرت بأغانيك الجميلة وضعًا، الرقيقة لحنًا، الرفيعة مقصدًا، مستقر الحقيقة وملعب الخيال، ملقى الطبع الصادق والصنعة الجيدة، وهل أدل على ذلك من إعجاب العامة والخاصة بها على السواء، وطربهم لها في كل ظرف وبكل ناد؟
لو كنت أيها الصديق، في ديار الغرب لكان الكلام في رسالتي هذه على نوع من أنواع الأدب والموسيقى له شأنه … ولكن على هذا النوع فحسب. بيد أننا لحسن حظك وسوء طالعنا، في بلاد أكثرُ من فيها المتأدبون وأقل ما فيها الأدب الحق؛ لذلك عددت نفسي سعيدًا بتقديم هذا النموذج العالي لا للأغاني الشعبية، بل للأدب على الإطلاق. فقد جئت لتذكرنا بأنه ينبغي أن تكون الصلة بين الأدب والحياة غير منقطعة حينًا من الأحيان، وأن يُفتح مسيل بين الفصحى الجامدة بأهلها والعامية التي تعين على تزيينها، أسوة باللغات الحية. ولا أحسب هؤلاء الذين يريدون سد هذا المسيل بأيديهم إلا كأولئك الذين أرادوا حجب الشمس بأكفهم حجبوها عن أعينهم وظلت تضيء. ليسوا أقوى من الزمان، وطبيعة العمران.
هذا، والله يحفظك لأخيك …
مقدمة لأغنية باللهجة العامية نظمها عمر الزعني بعنوان: صندوق العجايب.
????
(?) حنين والشعر القومي

حنين رجل الوقت، لم يؤتَ أحدٌ في الأعوام الأخيرة مثل شهرته الواسعة في عالم الأدب، وفي غيره أيضًا؛ ذلك أنها لم تقتصر على العامة الذين ينظم بلهجتهم الحية ويحدثهم عن أعلق الأشياء بنفوسهم وأمسها بحياتهم، فقد عرفه الخاصة، بل ربما كان هؤلاء أسبق إلى معرفة القيمة الفنية الجليلة في أغانيه الجميلة. كان في إحدى قرى الجبل، صيف عام ????، ينشد نفرًا من إخوانه، فسمعه «الريحاني» لأول مرة، فمشى إليه قائلًا: «يا رجل! ألست الزعني؟» قال: «بلى»، فقال له: «ما أنت بمغنٍّ: أنت مربٍّ.»
•••

يحتاج كل عصر إلى من يشهد له أو عليه، وأغاني حنين هي الشهادات الصادقة على زمن لا يؤدي أدبه الزور هذه الخدمة الواجبة. هي شهادات على العصر وعلى أهله تكشف عن عوراتهما ومساوئهما حتى ليمكن القول أن حنينًا هو دائمًا من «شهود الاتهام»، ولكنَّ الأصح أن يقال: إنه أعظم الهجَّائين بين شعرائنا؛ لأنه استحدث نوعًا من الشعر الهجائي هو الهجاء الاجتماعي.
وإذا كان حنين مربيًا فليس كسائر المربين، أو هو مرب يتوسل إلى مطالبه بوسيلة عجيبة: السخرية، ونعم الوسيلة هي! في مقدورك أن تقول ما تشاء لأيٍّ كان، فتذمه أقذع ذم وتشتمه أقبح شتم، ولكن على شريطة أن تضحكه، فإنك إذا أضحكته جردته من سلاحه، ألم تغالب ذات يوم من هو أضعف منك — ولدك الصغير مثلًا — فغلبك لأنك تضحك وهو يجد؟ كذلك الأمر في المعنويات. فإذن لا عجب لحنين يستغل فينا هذا الضعف الإنساني، فيغلبنا ونحن نضحك وهو يجد، بل لو لم يكن إلا الضحك لكفاه فضلًا: إنا لفي عصر نظلم الذين ينعمون علينا بالضحك إذا جعلناهم في مرتبة دون مرتبة باستور وأمثاله من المحسنين.
•••

لحنين كرامات في حياته وما هو من الأولياء، فإن كرامات هؤلاء لا «تظهر» في الأغلب إلا بعد وفاتهم. لقد سمعت أحدهم — لا أحد الأولياء بل «أحدهم» — يقول لصاحبه أمس وهما يتحدثان عن الفرنك وصعوده بعد ذلك الهبوط السريع: يا ما ارتفعت وزارات وسقطت وزارات، وعُملت مناورات ونظمت ميزانيات، فذهب كل ذلك باطلًا، ولكن ما كاد حنين يصرخ في أغنيته الجديدة من قلب مجروح، قائلًا: «حاسب يا فرنك!» حتى وقف بمثل كن فيكون.
(يَسمع الليل في الصبح منه يا ليل! فيصغي مستمهلًا في فراره.)
وقد «سمع» الفرنك منه، على ما يظهر.
هذه كرامة. ولكن الإعجاز هو، لا مراء، في صنعة حنين، لست أعني صنعته الموسيقية، فإني في الموسيقى من الذين يعلمون أنهم لا يعلمون، بل صنعته الشعرية. إلى القارئ ترجمة قطعة للكاتب الفرنسي «بيار لويس» من ديوانه المشهور «أغاني بيليتيس»: لما رجع إليَّ سترتُ وجهي بكلتا يديَّ، فقال لي: «لا تخافي ولا تحزني، فمن رأى قبلتنا؟» قلت له: «من رآنا؟ الليل والقمر، والنجوم والسحر، لقد نظر القمر إلى خياله في البحيرة، فحكى للماء الذي تفيء عليه أغصان الحور، وماء البحيرة حكى للمجذاف، والمجذاف حكى للمركب، والمركب حكى للصياد، وا حسرتاه، وا حسرتاه! ليت الأمر انتهى عند هذا الحد، ولكن الصياد حكى لامرأة! حكى الصياد لامرأة، فإذن سيعلم بذلك أبي وأمي وإخواتي وكل البلد!»
من هذه الأغنية اقتبس حنين أغنيته «كلمة حكاها القمر …» المنشورة في هذا الجزء، وما إخال القارئ إلا قائلًا معي: أن الاقتباس يفضل الأصل من كل الوجوه، ولكن أحب أن أدس في المقابلة عنصرًا آخر قد يكون في ذكره بعض الفائدة، وهو هذه الأغنية الساذجة التي تَضْحك بها على ذقوننا، إذ نحن في مهد الطفولة الحالمة؛ أمهاتُنا اللواتي يردن إيهامنا أنها قصة عجيبة ملأى بالحوادث والوقائع، اقرأ أيها القارئ، باللهجة العامية — وكأنك تقرأ شعرًا موزونًا — هذه الآية من ديوان الطفولة: حدُّوته ما حدوته! طلع الشيخ عالتوته، والتوته بدها فاسه، والفاسه عند الحداد، والحداد بدو بيضه، والبيضه ? … الدجاجه، والدجاجه بدها قمحه، والقمحه بالعليَّه، والعليه مسكره، والمفتاح مع أبو صلاح: راح ليجيب حملين تفاح، نقي المليحه المليحه، عطاني ياها، والمتخه المتخه، ضربها بركبتو، طلعت من لحيتك للحيتو!
عفوًا أيها القارئ. هذه «أَحْدوثة» قد يكون لها معنًى يغيب عنا، ولا غرو فإن من الأشياء ما يفهمه الصغار ولا يفهمه الكبار، ومن يعلم ما الأحلام التي كانت تلك «السخافات» تحمل على غاربها نفوسنا، ولكن ألم تر كيف أن حنينًا الذي ينظم اليوم «أحدوثاته» للكبار، اختار هذا القالب الشعري العامي؛ ليودِعَه اقتباسه من قصيدة غربية؟ وهنا الإعجاز في صنعته التي يسمو فيها ما شاء، ويهذبها ما وجد إلى تهذيبها سبيلًا، لكنه لا يترك «الأرض» التي منها نشأتنا وإليها معادنا، فإذا استمد عنصرًا غريبًا تمثله أولًا، ثم زفه إلينا وكأنه بضاعتنا، وهكذا تحيا الآداب القومية في الأمم.
????
(?) العمود الهادي

للكاتب الإنكليزي «دكنز» قصة عنوانها: «مارتن تشوزلويت» استهلها بهجوٍ مرٍّ للرذيلة التي كان يدعوها أذكياء الإنكليز «رذيلتنا القومية» أعني: الرياء، وفي تلك القصة وصفُ رجلٍ اسمه المستر بكسنيف، لا يزال إلى يومنا هذا مضرب المثل في الرياء الإنساني عند الإنكليز، كما أن «ترتوف» لا يزال منذ مثَّله «موليار» على المسرح الفرنسي رمز الرياء الديني عند الفرنسيس.
إن بكسنيف هذا «يعطيك من طرف اللسان حلاوة»، ويخفي تحت جمله المنمقة المفعمة كرمًا وحنانًا، أقسى أنواع الأَثَرة وأفحش مظاهر البخل، ويقول دكنز: إن في هذا الرجل من «الحكم الفاضلة» أكثر مما يحتويه كتاب مدرسي في الأخلاق، وإن بعضهم يشبهه بالعمود الهادي الذي يرشد أبناء السبيل إلى الجهة التي يجب أن يمشوا فيها، لكنه لا يمشي قط في تلك الجهة؛ لأنه العمود!
ولقد كان في نية دكنز بادئ بدأة أن يجعل في الصفحة الأولى من كتابه هذه العبارة الموجزة البسيطة: «المكان: بيتكم، الأشخاص: أنتم»، لكنه عدل أخيرًا، ولعله أصاب فيما فعل.
فإن الإنكليز قلما يرضون عن الذين يصارحونهم بالحقائق الموجعة المزرية، أو يصبرون على تسفيه رذائلهم ونقائصهم، ولو على سبيل المزاح. كذلك فإن القراء لم يتقبلوا تلك القصة قبولًا حسنًا، ولم يتهافتوا على قراءتها تهافتهم المعتاد على تلقف مؤلفات دكنز السابقة، كان القصاص الإنكليزي ينشر قصصه في أجزاء متتابعة، وكان يبيع ?? ألف نسخة من كل جزء، فلم يبع من «مارتن تشوزلويت» إلا ?? ألفًا. وهكذا ألزمت الأمة البريطانية كاتبها المختار، الحد الذي لا ينبغي أن يتجاوزه، فلزمه صاغرًا.
•••

ما أكثر الأعمدة الهَوَادي في مجتمعنا! هي قائمة في كل طريق، يبل في كل عطفة طريق، ولو كانت هذه الأعمدة تهدي حقًّا، لم يكن بين الأمم أهدى منا سبيلًا، فإن مجتمعنا غابة من الأعمدة البكسنيفية الترتوفية، لا يدعك بكسنيف واحد إلا ليسلمك إلى ترتوف آخر، حتى لو أن امرأ أراد أن يضل فعلًا لما استطاع! والحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه.
قلت: ما أكثرها في مجتمعنا! والآن أقول: ما أقلها في أدبنا! والأصح أن يقال: إنها غير موجودة البتة، غير موجودة، لا هي ولا غيرها، فإن أدبنا مشغول بما لا أدري عن تمثيل نواحي الحياة وتصوير أخلاق الأحياء، أدب لفظي، لا أدب حي.
أليس عجيبًا أن لا تجد في غير أغاني حنين العامية تمثيلًا صحيحًا لنواحي حياتنا، وتصويرًا صادقًا لأخلاقنا الاجتماعية؟ في هذه الأغاني يجسد العامة صورًا واضحة بارزة لآلامهم وآمالهم ومختلف أحوالهم، ونكاد لا نجد شيئًا من ذلك فيما عداها، حتى لو أن مؤرخًا بعد خمسين سنة حدثته نفسه باستشهاد أدبنا على زماننا، أو بالتماس صورة لعصرنا في أدبنا، لكان أكثر تعويله على ديوان شاعر الشعب حنين. لولا حنين لكان هذا العصر أبكم، ليس فيه من يشهد له أو عليه؛ هو إذن شاعر العصر …
في أغاني حنين، كما قلت في كلمة سبقت، كثير من الهجو لكثير من الرذائل والنقائص التي يصح أن ندعوها «رذائلنا ونقائصنا القومية»، ولا يُنكر أن هجوه، على الأغلب، مر شديد؛ فهو يرمي الناس بأوجع القول وأنفذ السهام، والناس يضحكون ويتقبلون أغانيه أحسن القبول، قد يَغَص بعض الضاحكين بضحكهم أو تَتَجَّهم أساريرهم بابتسامة صفراوية، ولكن أكثرهم يستسلمون لضحك حر طليق، أو تزدان وجوههم بابتسامة غير متكلفة، وكأني بهم يقولون للسهام التي تتساقط عليهم: «حوالينا ولا علينا!» ويومئون إلى جيرانهم من طرف خفي غامزين، عملًا بالوصية المأثورة: «جارك قبل نفسك» في الضراء، لا في السراء!
????
(?) حنين والهجو الاجتماعي

لقد استحدث حنين نوعًا من الهجو هو الهجو الاجتماعي. كان شعراء العرب يهجون أشخاصًا بعينهم لمآرب وحزازات خاصة، ولا يهمهم أكانوا في أقوالهم تلك صادقين أم كاذبين. فجاء حنين وتناول بهجوه رذائل الناس ومساوئهم يصورها لنا ويضحكنا منها، ولا يهمه إلا أن يكون في وصفه صادقًا على الجملة، ليس الذنب ذنبه إذا قام يطلب مادة لفنه الشعري، فوقعت يده على هذه القروح المصدأة، وليس الذنب ذنبه إذا كشفت له بصيرته عن عورات الاجتماع فمثلها لنا بصورة لطيفة بل «ملطفة»، من قال: إن الفن رداء يجب أن يُطرح على سوأة نوح في غفلته، ومن قال: إن الفن طبيب جاهل دجال يخدع العليل عن علته؟
كان الرياء الاجتماعي والحياء الكاذب، وما زالا، اليدين القويتين الأثيمتين اللتين تأخذان بعنق الفن فتخنقانه خنقًا.
كان الرياء الاجتماعي والحياء الكاذب، وما زالا، السدين المنيعين المخوفين اللذين يمنعان «الفساد» أن يناله «الإصلاح» بسوء.
فسواء علينا أنظرنا في المسألة من جهة الفن وحريته، أم من جهة الإصلاح وضرورته، وسواء علينا أأخذنا برأي أبي الفرج قدامة بن جعفر إذ يقول في رسالته «نقد الشعر»: إن المعاني كلها معرضة للشاعر، وله أن يتكلم منها فيما أحب وآثر … وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى كان من الرفعة والضعة والرفث والنزاهة، والبذخ والقناعة، وغير ذلك من المعاني الحميدة أو الذميمة، أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة …
أم ذكرنا ضحكة فولتير الهازئة الموجعة، الصالحة المصلحة، التي كادوا يؤرخون بها العصر الجديد أو يرمزون عنه بها، فلا بد لنا في كلتا الحالين من أن نحمد إلى حنين هذه النزعة المباركة في أغانيه العامية. هو أولًا الشاعر المجيد فنًّا، وهو أخيرًا المصلح المحسن أخلاقيًّا واجتماعيًّا.
إن وراء هذه الأغنية «الخفيفة» التي لا تكاد تملأ صفحة من كتابٍ قصةً بتمامها فاجعةً بفصولها، ولا بأس أن نسميها: «القرنان» (وهو لغة الرجل المشارَك في قرينته)، تلك ناحية من نواحي الحياة لا يجرأ الأدب في بلادنا على دخولها، كأني به يخاف أن يُتهم «بسوء الأدب»، تُرى! أهذه الأجمة التي تأوي إلى أدغالها الرذائل والمفاسد والمساوئ والخيانات بأنواعها «حَرَمٌ» من دخله فهو آمن؟
تريدون أدبًا صحيحًا؟ إذن فلندع الحياء الكاذب، وتريدون إصلاحًا أخلاقيًّا؟ إذًا فلندع الرياء الاجتماعي.
????
الأحلام


?


للأحلام في الحياة شأن كبير، أو هي على الأقل نصف الحياة. والأحلام عالم على حدته، تصح المقايسة بينه وبين عالم اليقظة أو الواقع، من حيث الاتساع وترامي الأطراف ومن حيث الغنى بالحوادث والصور، بل إن عالم الرؤيا لأعظم سعةً من عالم اليقظة وأكثر ثراء. ومن قديم الزمان أخذ العلماء وغير العلماء، وما زالوا، يضربون في مجاهل هذا العالم، كما يستكشف الرحالون دنيا جديدة.
وإذا صحت المقايسة بين عالمي اليقظة والحلم من وجوه عدة، فليست تصح المعارضة بينهما تمامًا كما يعارض الشيء بنقيضه، ولا يمكن الفصل بينهما إلا بمثل ما يفصل الأُقيانوس الدنيا القديمة عن الدنيا الجديدة اللتين تصل بينهما السفن الماخرة في عبابه، والأنباء الطائرة في جوه، وفي هذا المعنى، معنى المقاربة أو المماثلة بين اليقظة والحلم، يقول الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال»: أما تُراك تعتقد في النوم أمورًا، وتتخيل أحوالًا، وتعتقد لها ثباتًا ولا تشك في تلك الحالة فيها؟ ثم تستيقظ فتعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل … كذلك يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك، فتكون يقظتك نومًا بالإضافة إليها، فإذا أوردت تلك الحالة تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها.
وقد تبع العالم الفيلسوف «ديكارت» الفرنسي، حجة الإسلام الغزالي في رأيه هذا، فقال ما ترجمته:إذا اعتبرنا أن كل هذه الأفكار التي تقوم في أذهاننا إذ نحن في اليقظة، قد تخطر لنا أيضًا ونحن في سنة النوم، دون أن تكون هذه أو تلك على السواء صحيحة، فينبغي إذن أن أضمر كون جميع الأشياء التي في ذهني ليست أصح من تخيلات أحلامي»، وبعد أن يذكر ديكارت أنه كان إذا نام، يتخيل في أحلامه نفس الأشياء التي فكر فيها وهو يقظان، يستنتج هذا الاستنتاج الأخير: «اتضح لي أن لا أمارات يقينية يستطاع بها التمييز بين اليقظة والنوم، أو بين الحقيقة والحلم، بوضوح وجلاء.? وليس الحلم، كما يتبادر للذهن وهلةً أولى، قاصرًا على المنام وهو الحال المعروفة بشروطها الخاصة، بل إن من الأحلام ما يُدعى بأحلام اليقظة، كما أن من الناس من يُدعون بالحالين أيقاظًا وهم الذين يفكرون، ويتخيلون في يقظتهم كما يفكر ويتخيل الحالم المقصود بالذات، ويكادون «يرون فيما يرى النائم…» وما من امرئ إلا مرت وتمر عليه أحيان يتملكه فيها شيء من الذهول، فيغيب عن العالم المادي الظاهر، فبينما هو مع إخوانه يتحدثون إذا به قد «تركهم» بغتة بقوى نفسه جميعًا، و«راح» مع أحلامه، فيشعر جليسه بأنه انتقل إلى عالم آخر، عالم الرؤى والأحلام، فيلتفت نحوه ويقول هازًّا ذراعه كمن يوقظ نائمًا، باسمًا له كالمعاتب على أنه فارق إخوانه دون استئذان أو وداع: أين أنت يا؟ أين صرت؟
فهو حينئذ لا يجيب قط بأنه هنا، حيث تراه، بل يبتسم كالمعتذر عن ذنب فرط منه، وإن يكن في أقصى ضميره آسفًا، ناقمًا على هذا الثقيل الذي قطع عليه «حلمه الجميل».
وهؤلاء الحالمون الأيقاظ على درجات متفاوتة، أولها درجة «رجال العمل» الذين يستغرق الجهاد حياتهم أو يملؤها، ما خلا سويعات قصيرة نادرة تضيع في الحالة النفسية التي أتينا على وصفها، فيكون من ذلك ملهاة لهم وترويح لنفوسهم، وآخرها درجة «رجال الحلم» الذين تستغرق تلك الحالة حياتهم اليقظى كلها أو تملأ جميع شعابها، حتى يصبحوا عاجزين عن القيام بأي عمل مطرد؛ لأنهم — إلا فيما ندر — غائبون عن العالم المادي المحسوس، غرقى في بحر الرؤى والأحلام والخيالات والأوهام، وقد لا يجدون طمأنينة نفوسهم وسعادتها إلا في ذلك العالم، فإذا اضطروا للعود إلى عالم المادة أو الواقع بقوة من قواه القاهرة، عادوا إليه مكرهين متبرمين يساورهم خوف وحيرة كأنهم فيه غرباء مساكين، ثم لا تلبث تلك القوة القاهرة أن تزول حتى يعوذوا بعالمهم الذي ألفوه، وعرفوا «جغرافيته» ووجدوا السعادة والطمأنينة في رياضة الغناء المسحورة.
يقول الشاعر العربي لحبيبته:
إن كان واديك ممنوعًا فموعدنا وادي الكرى، فلعلي فيه ألقاك وكأي من رجل آذته الأقدار بالمنع والحرمان من رغائبه العزيزة، وعجز عن تحقيق مثله الأعلى لبعد الشقة بينه وبين الواقع الذي كتب له، لكنه لم يستطع أن يوطن نفسه على الرضى بهذه الخيبة المريرة، فانكمش وبنى من أحلامه المذهبة قصرًا يلوذ بفيئه من هجير الحياة اليومية، فهو يقول لمثله الأعلى أو للسعادة، محبوبةِ كل إنسان، ما قاله ذلك الشاعر المتيم لحبيبته، ضاربًا لها موعدًا في وادي الكرى والأحلام.
ومن «أهل الحلم» بل من أولهم وأولاهم بالذكر، الشعراء الذين يهيمون في كل واد، لا سيما في ذلك الوادي حيث تمرح الطيوف وتسرح الأخيلة، ومن هؤلاء الشعراء السيد شفيق المعلوف الذي نشر منذ أيام قصيدة عنوانها «الأحلام».
?


في مجلس ضم بعض إخوان الأدب، تناول الحديث قصيدة السيد شفيق المعلوف أو مجموعته الشعرية الصغيرة التي سماها «الأحلام». فما أخذه عليه أحدهم، بل أكثر من واحد منهم، هو أن فيها غموضًا وإبهامًا وتشويشًا، وإني لأذكر كلمة قيلت يومئذ في هذا المعنى: لا مراء في أن لدى هذا الشاعر الفتى شيئًا يريد أن يقوله، لكنه لم يوفق هذه المرة توفيقًا حسنًا، أو كل التوفيق.
قلت: لا أرى هذا الرأي، إنكم تنظرون في ذلك الشعر بعين العقل وتحللونه تحليلًا منطيقيًّا، وتنسون أنها «أحلام» وأحلام شاعر، وليست ميزة الأحلام في أنها عقلية منطيقية، كما لا يخفى، فأنا وإن لم أقرأ القصيدة بعد، أرد حكمكم هذا عليها، أرده أصلًا (أو مبدئيًّا كما يقال)؛ ليقيني أن الأحلام إنما تمتاز عن الحقائق بكونها عاريةً من حلل المنطق، منحرفةً عن جدد المعقول. وإلا لم تكن أحلامًا. إذا كنا نقيس عالم الرؤيا بمقاييس عالم الحقيقة فلن يصح لنا حساب قط، وإذا كنا نتحدث عن الأحلام بلغة اليقظة فمن المتحتم أن لا نتفاهم أبدًا، ولعمري لو أن هذا الشاعر قصَّ عليكم في «أحلامه» كيف أنه في ساعة من ساعات الشيطان (أو سوء الهضم) قتل أحد خلق الله الأبرياء، فهل كنتم ترون أيضًا أن من حق القضاء، أو من واجبه أن يُدين الشاعر بإقراره، ويعاقب «القاتل» على ما جنته يداه؟
يقول علماء النفس: إن الرؤيا فوضى ذهنية تلهو فيها ملكات النفس وتلعب، في نجوة من رقابة الملكة الناظمة ويعنون العقل، فالحوادث والصور تكون في الحلم مشتتة متبلبلة، غير متسقة ولا متسلسلة، بينما تكون في اليقظة منتظمة موجهة نحو غاية من الغايات، متصلًا بعضها ببعض على الصورة المعتادة المعقولة.
قد ترى، فيما يرى النائم، أنك سقطت من أعلى المِئذنة على أم رأسك، ولكن هذا لا يعوق الحلم عن أن يستمر، فإذا أنت — لم تمت ولم تنزعج — مشغول بأمر آخر. كذلك لا بأس عليك وعلى المنطق إذا رأيت فيما يرى النائم، النار تضطرم في وسط الماء، أو غير ذلك من الخوارق التي تعد في عالم الرؤيا أمورًا بسيطة مألوفة غير خارقة. فهل من العدل والعقل في شيء أن نقيس الحلم بمقياس الحقيقة، وأن نطالب شاعر «الأحلام» بوضوح أكثر وانتظام أتم؛ هذا على فرض أن قصيدته تشتمل، حقيقة، على «أحلام» سواء مما يراه النائم أم مما يراه الحالم اليقظان؟
ولا يحسب القارئ أني أردت تفكهته بانتحال الأعذار لشاعر قد يكون في غنى عن الاعتذار، أو أني عقدت النية على الكتابة في موضوع الأحلام، فانتهزت فرصة سانحة يضن الدهر بمثلها، إذ استعرت عنوان تلك القصيدة لمقالاتي. كلا، فأنا لم أغرق في بحر الأحلام بعيدًا عن ساحل الأدب والشعر، بل لم أخرج عن دائرة رسمتها لنفسي قيد شعرة. وليس الذنب عليَّ إذا كانت السبل تطول وتقصر، وتستقيم وتلتوي، فتؤدي جميعًا في النهاية إلى تلك الدائرة؛ كما تؤدي الدروب في القرية، كل الدروب إلى الطاحون.
في فرنسة مذهب أدبي جديد يسمونه مذهب «ما فوق الحقيقة والواقع» Surréalisme، ويقول دعاة هذا المذهب: إن النفس الإنسانية خلال العصور التي توالت عليها، قد اكتسبت كثيرًا من العادات، وتقيدت بكثير من التقاليد، وخضعت لكثير من المواضعات، حتى أصبحت وراثية فيها أو تنزلت منها بمنزلة الوراثة. ويزعمون أن هذه حجب لا تمكن من رؤية الحقيقة الأصلية العليا التي ينبغي أن تتغذى بها الآداب والفنون، والتي لا تبدو من طيِّ الخفاء إلا إذا تملَّصت النفس من عادات تفكيرها وأقيسة منطقها، وانطلقت من قيود التقاليد الأخلاقية والمواضعات الاجتماعية، الملازمة لها في إخراجها الآثار الفنية والأدبية، إن العقل ملكة ناظمة تصل بين الأشياء بصلات مصطنعة توهم الحقيقة إيهامًا، وإن العقل ملكة نقَّادة تتخير بين الأشياء، فتقصي شطرًا من الموجود أو تغفله، ولعله هو الشطر الأفضل، وإن العقل رقيب على سائر ملكات النفس مسيطر عليها، فهو يأسر الخيال مثلًا ويكبح جماحه، والأحسن أن يُترك الخيال المبدعُ يسرح ويمرح، وحبله على غاربه. والخيال المبدع، كما يقول داعية هذا المذهب، هو الذي يوفق إلى الفرار مما تواطأ الناس على تسميته بالواقع الذي لا واقع سواه، والحقيقة التي لا حقيقة غيرها، إلى واقع أخصب أرضًا وحقيقة أكثر ثراء؛ إلى حيث لا يساوي اثنان واثنان أربعة!
لذلك كان دعاة «الحقيقة العليا» يجدِّون في انتهاز الحالات التي تكون فيها رقابة العقل على سائر الملكات النفسية ضعيفة أو لا أثر لها، كما يجِدُّ الصوفي في طلب حالات الوجد والكشف.
ولا مشاحة في أن الأحلام، سواء أحلام اليقظة أم أحلام النوم، هي الحالة المثلى لهذا الفريق من الأدباء والشعراء، منها يستمدون فنهم وأدبهم، وشعرهم ونثرهم.
إذن فالسيد شفيق المعلوف صاحب «الأحلام» هو من هؤلاء؟ أتحسب أنه فكر في هذه الأمور أو خطرت له ببال؟
قد يكون ذلك وقد لا يكون، قلت لكم منذ تناولَ حديثُنا قصيدتَه إني لم أقرأها بعد … سوف نرى.
?


كنت أقرأ قصيدة «الأحلام» فوقفت عند هذا البيت الذي يقوله الشاعر معتذرًا، لا عن ذنب أو خطيئة، بل عن أنه «يشرب» من عبراته، ولعل اعتذاره عن ملوحتها:
وما الماء إلا دموع تجمـَّـع منذ الخليقة من مقلته فقلت: إذن لا حرج على المرء أن يذهب إلى النبع رأسًا، فيكسر عطشه بزلال «العين» الأصلية!
وهذه مبالغة تذكرني قول أحد الفلاسفة الأقدمين: «قد تقرصنا إذ نحن نيام ذبابة، فنحلم بأننا قد طعنا بسيف هندواني»، ذلك أن النائم يكون عرضة لعوامل خارجية تؤثر في حواسه، فتعظم الرؤيا هذه الصغائر وتبالغ في تجسيمها، والمبالغة إلى حد الخروج عن دائرة المعقول إحدى صفات الأحلام.
ما أن بعاتب من السيد شفيق المعلوف تشاؤمه الذي خيل إليه «أن الماء دموع الإنسان تجمعت منذ الخليقة»، وإلا كنت مطالبًا إياه بتبديل طبيعته، حالمًا أنا أيضًا بأن هذا المستحيل من الممكنات، بل إني لأوثر كل متشائم سوداوي الرأي في الحياة على كل متفائل يرجي لخير منها، وكثيرًا ما أحشر المتفائلين في زمرة الحمقى فأتمثلهم، بالرغم مني، يضحكون جماعة ضحك البلهاء، ثم كيف أجرؤ على لوم هذا الشاعر الفتى وهو يدعي لإمام المتشائمين، المعري القائل:
إلى الله أشكو أنني كل ليلةإذا نمت لم أعدم طوارق أوهاميفإن كان شرًّا فهو لا بدَّ واقعوإن كان خيرًا فهو أضغاث أحلام! لست ألومه ولكني أرثي له من نوع رثائي لنفسي، فإن أحلامه مأهولة بأفاعي تنفث سمها في قلبه، ولا تنقلب هذه الأفاعي، ولو لحظة واحدة، بفعل الرؤيا الساحرة القادرة على كل شيء، ذراعي حبيبة ترشف ثغره رحيق النعيم، ولكن يلوح لي أن صاحبنا ينعم بيأسه، نعيم غواة المخدرات بما يعلمون أنه قاتلهم، فيقول:
وما روَّعتني رقطاء قمتأداعبها مدمنًا لثمها! أما هذه «العشيقة الرقطاء» فهي … أَحَزَرْتَ أيها القارئ ما هي؟ إني دالُّك على الطريق: اذكر «قرص الذبابة وطعنة السيف الهندواني»، أَحَزَرْتَ الآن؟ نعم، هو نربيج النرجيلة:
فنربيجها بين هذي الأنامــل رَقْطاء تنفث بي سمَّها ولعمري هل في الوجود شيء تقدر الأحلام أن تقلبه بسحرها المبين حية تسعى، كما كان يفعل موسى — عليه السلام — في عهد النبوءات؛ غير النربيج؟ فإن لم يكن ما تضمنته قصيدة السيد شفيق المعلوف أحلامًا فماذا تريد أن يسميها، أو كيف أنكر عليه هذا التسمية، وقد شهدت في شعره تلك الاستحالة المعجزة، استحالة النربيج إلى حية؟ لا مراء في أنها، إن لم تكن أحلامًا، شبيهة بها كأنها هي، وإلا فكل قياس باطل.
ستقول: إنه خيال الشاعر. فأجيبك: أجل، وهو «الخيال المبدع» الذي عرضت له في الفصل السابق. وأزيد اليوم أنه لا يكون مبدعًا الإبداع كله إلا في حالات انطلاق النفس — ملكاتها — من أسر العقل الكسبي الذي لا يحيد قيد شعرة عن القاعدة القائلة: «اثنان واثنان تساوي أربعة»، وأمثالها من القواعد، ولو ترك له الأمر جميعًا لما رضي قط بأن يخلط — مثلًا — بين نربيج النرجيلة والحية الرقطاء، بيد أن الخيال، لحسن الطالع، يوفق في غفلة العقل عنه، إلى ابتداع أقيسة ومقاربات غير منطقية، فكأنه يخلع، حينًا بعد حين، على هذا الوجود حُلَّة جديدة، والحالة المثلى لإبداع الخيال، كما تقدم، هو الحلم الذي كأنه العالم الآخر، بجنته وناره …
في «أحلام» السيد المعلوف، ما عدا تلك الأفعى، زنبقة في جمجمة وكرة نار ونفخة صرر وهلم جرا، وفيها أيضًا قبور، إن العامة لم يدعوا شيئًا إلا قالوه، والمثل: «من نام بين القبور لم يأمن الأحلام المرعبة» مشهور. وأحسب أن الشاعر إذا وصف تلك الرؤى بقوله: «أحلام مقلقة» يتواضع قليلًا أو يبالغ في التجلد، وإلا فهي، على الحقيقة، أكثر من «مقلقة».
•••

الآن والضرورات تقضي عليَّ بختم هذا البحث في الأحلام — ولم أتناول الموضوع إلا من بعض نواحيه، بإيجاز — فلا بد لي من إظهار ما خالط نفسي، وأنا أقرأ القصيدة، من لذة ومن إعجاب بمواهب ناظمها المطبوع وصوره الرائعة، لقد فتح هذا الشاعر الفتى في الشعر العربي بابًا، فولجه بذهنية غريبة على روحه التاريخي التقليدي، غريبة السمة والطابع، ولعل عنايته بمتانة السبك وجودة التعبير اللتين تُخيِّلان أن تلك الذهنية ليست غريبة بهذا المقدار، أن كانتا لا توهمان «القرابة» أيضًا، أقول: لعل عنايته هذه خير شفيع له.
تعرفت إلى السيد شفيق المعلوف منذ أيام، وجلست وإياه جلسة قصيرة أهداني فيها مجموعته الشعرية الصغيرة، فهذا — وهو قليل جدًّا — يحملني على أن آذن لنفسي بإسدائه نصيحة يغلب على ظني أنه في غنًى عنها: أما وأنت يا شاعر «الأحلام» سوداوي المزاج، يائس من الحياة الدنيا هذا اليأس الأسود، فقل: «أعوذ بفني، إن في الفن عزاء وسلوى!»
????
? راجع كتاب (آراء غربية في مسائل شرقية) ترجمة المؤلف. المرأة المَجْلُوَّة والمرآة الصدئة


?


في ذات يوم من أيام الصبى علمت أن الشاعر قد يُغِير على الشعراء المتقدمين، فيأخذ أبكار معانيهم ومبانيهم «سبايا» بلا قتال. ولعل أول شعرة بيضاء نبتت في رأسي هي التي أرَّخت هذه المعرفة الرائعة، فإني رأيت يومئذ في الحلم، لص الدواوين يتسلل خفية في الليل بين الأضرحة الموحشة، ثم يعود بغنيمته سرقة من أمتعة الموتى، ويا للهول! لا أذكر من قال لي بعد ذلك: إن أمر هذا الشاعر — الشاعر اصطلاحًا — هين جدًّا، يكفي أن تقول إنه ليس بشاعر، حقيقةً! وما هذا بنقد، بل هو حكم بالإعدام.
وما لبثت أن خُبِّرت ذات يوم آخر، خبر الأديب الذي لا يسرق قاصدًا متعمدًا، ولكن لا ذاتية له واضحة، فليس يبرز من ذاتيته شيء في شعره أو نثره، وليس شعره أو نثره إذن إلا كالأمواج التي لا تفور حتى تغور زبدًا وتذهب جفاء.
وأجل شأنًا من هذه الحوادث المفردة حادث الجيل الأدبي الذي يقتل التقليدُ والصنعةُ والبيانياتُ روحَ الصدق والبراعة والطبع فيه، فإنه تَأتِي على آداب الأقوام أزمنةٌ لا تُخرج إلا الزائف، ويصح فيها القانون الاقتصادي القائل: إن النقد الرديء يطرد النقد الجيد من السوق، بل يلاشيه.
قرأت في كتيب قديم عن الأدب الروسي ما خلاصته: تأثرت أوربة في عصر الانبعاث؛ أي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بأدبين عظيمين هما أدبا الإغريق واللاتين، فبعثت النماذجُ والأنماط الجليلة التي خلَّفها هذان الأدبان؛ شعورًا في النفوس بسلطان الشعر الحي والصناعة الدقيقة، شعورًا قويًّا هاج في الأمم الغربية رغبة التوليد والابتكار. وكانت لهذه الأقوام شروط في المعيشة وآراء وعقائد خاصة، ومثل عليا في الحياة تختلف عما كان للإغريق واللاتين في عصورهم؛ لذلك لم يكن نتاج الأمم التي ورثت كنوز اليونان والرومان تقليدًا محضًا، بل أصبحت لها آداب حيَّة طريفة ذات معانٍ ومناحٍ خاصة.
وتأثرت روسية في القرن التاسع عشر بآداب أوربة الغربية، وخاصة بأدبي الفرنسيس والإنكليز، لكن شروط الحياة الروسية تختلف بالكلية عما في فرنسة وإنكلترة من ذلك، فلم تر مسحة التقليد على ثمار قرائح المؤلفين الروس، بل إنهم كانوا يلاحظون ويختبرون، ملاحظة خاصة واختبارًا صادقًا مطبوعًا جعلا نتاجهم الأدبي مستقلًّا متميزًا قائمًا بذاته، حتى قيل إنه أثر كرد الفعل، في ذات تلك الآداب التي بعثت فيه الحياة من قبل.
فرنسة وإنكلترة قطران عريقان في المدنية التالدة، وبقدر عراقتهما ابتعدا عن الفطرة الخالصة، ومن ثمار المدنية فيهما تعدد الطبقات الاجتماعية وكثرة المصطلحات أو المواضعات، ولهذين العاملين أكبر الأثر في موقف الأديب وفي مناحي أدبه، فهو منفعل الذهن بهما، خاضع لسلطانهما، لا يمكن أن يصدق الصدق كله وأن يصدر شعره ونثره عن طبعه، خاصة. هذا هو شأن الكاتب في فرنسة رغم اعتقاده أن الصدق والطبع من العناصر الجوهرية في الأدب الحي الخالد، ورغم الحرية الواسعة التي ينعم بها الناس في دائرتي الأخلاق والعادات. فإنه لا يصدق خيفة السخرية، وأكبر همه أن تستر الصنعة والكلفة أدبه. كذلك هو الكاتب الإنكليزي الذي يراعي، ما وجد إلى ذلك سبيلًا، جانب الأحكام المقررة في الأخلاق والعادات فلا يتعرض لها بسوء. أما الكاتب في روسية فهو يتحرى الصدق جهده، وما يكتبه يتحدر عن طبعه، وطبعه سليم لا يشوبه كدر المواضعات الاجتماعية، أو رياء الأخلاق السائدة والعادات المستحكمة. وهذه الخاصة — خاصة الصدق — في الأدب الروسي ناشئة عن كون طبقات الناس أقل في البيئة الروسية منها في أوربة الغربية، وعن ضعف أثر المواضعات فيها، ثم عن حسٍّ أخلاقي صارم دقيق لا يحجم عن إظهار المساوئ، وعن كشف عورات الاجتماع، وليس أدل على هذا مما يذهب إليه تولستوي من أن السكوت عن رذيلة كتمان لها ونصح وإغراء بها.
?


ليس بهين ولا يسير وصف الأثر الذي تؤثِّره المواضعات الاجتماعية والأخلاقية في أدبنا الحديث. واترك الأدب القديم جانبًا، فليس في نيتي أن أعرض هنا للأدب العربي في مجموعه؛ لئلا تضيع هذه الخواطر الضئيلة في رحاب ذلك الأفق العظيم، ولكن قبل الكلام عن المتعارفات الاجتماعية والمواضعات الأخلاقية التي تقوم حياتنا عليها والتي تفعل، عن هذه السبيل، فعلها في حياة أدبنا، أحب أن أمهِّد لذلك بكلمة وجيزة في ما أسميه المواضعات البيانية، أو «العرف والعادة» في الشعر نفسه.
من آثار هذا العرف الأدبي التغزل في مطلع القصيدة ثم التخلص الحسن أو السيِّئ، إلى المديح أو الرثاء، والغلو في توهم صلات «هوائية» بين حادثات طبيعية لا يد لأحد فيها وبين شئون لا يضيق بها صدر الطبيعة، لكنها قد تهم شاعرًا أو شويعرًا، وقد لا تهمه، في الأحزان والمسرات، وحينًا تصور كهذيان المحموم أنه كان يجب أن تقع حادثات كونية جسيمة لا تقع عادة، أو يمتنع وقوعها فعلًا، مشاركة في حادث بسيط أو مركب هو موضوع تلك القصيدة، والشكوى من الزمان الخصيم ومن صروفه «المتعمدة» في مواضع معينة من قصائد معينة … إلخ.
صورة الكمال في تاريخ الأدب كما يفهمه أكثر رجاله صورة غابرة في الأدب القديم؛ لذلك كانت خلائق أدباء العصر، في الغالب على تلك الصورة. وما أدري أمن حسن حظ الأدب أم من سوء طالعه أن يكون — أو أن يُرى — أفضله نتاج طفولته، بمعنى أنه إذا صح هذا الرأي كان الأدب العربي في مجموعه كالهرم قاعدته ضخمة، دق ودق حتى صار رأسه كالمسلة، يضؤل ويضؤل حتى يضمحل! وفي تاريخ أدبنا، هذا العصري ربيب ذلك القديم، ويكاد يكون هو، لولا الفواعل الطبيعية التي لا حيلة للناس في دفعها، ألست ترى الشعراء يتزاحمون بالمناكب في الطريق الموطَّأة الرود التي يمشي فيها العميان بلا أدلة ولا عكاكيز؟ ما أكثر المقولات المكررة والأكاذيب المقررة في أدب لا يفتأ يرجع ترجيع الطير الوحيدة النغم، أو يجتر اجترار الإبل ذوات المعدتين!
إذا كنا في حجرة حبيسة الهواء لا ينفذ إليها النور، أو إذا كنا لا نعطي إلا المتماثل من مصنوعات مصنع أدبي واحد، فليس السبب أن سلطان الأنماط والنماذج الأولى كبير، ولا أن الشخصيات الأدبية القادرة الواضحة تكاد لا توجد في ظهرانينا؛ ليس هذا ناتجًا عن هذين السببين فحسب، فإن ثمة عاملًا جليل الأثر، وليست تعدله العوامل الأخرى، هو الاعتقاد بأن في حياتنا ما لا يصح نقله بالصورة الفنية، أو إذا قُدِّر ونقل فلا يصح نقله على حقيقته، ولعل في أدبائنا من تحدثه نفسه بتصوير وقائع الحياة دون تَوْشِية، أو زخرف أو «تمويه» ولكن لا جرأة له على ذلك، وهنا يبدو سلطان المواضعات الاجتماعية والأخلاقية على الأدب العصري، فإن أدبنا لا يصور حياتنا إلا كما تصور المرآة الصدئة العروس أو المرأة المجلوة.
وعلى ذكر المرأة المجلوة وما تنقله من محاسنها صفحة المرآة الصدئة، نضرب في هذه السياق مثلًا: المرأة في أدبنا العصري وكيف أن الحلال والحرام، وما يقال وما لا يقال، هي وحدها هموم الأديب، في الغرفة الحبيسة الهواء التي لا ينفذ إليها النور، أو في الطريق الموطأة الرود التي يتخبط فيها العميان من غير أدلة أو عكاكيز.
?


قلت يومًا في سياق الكلام: «المرأة «محجوبة» عن أدبنا بقدر ما هي محجوبة عن حياتنا»، وأنا الآن أقر بخطئي وأقول: كلا، ليس من العدل أن يقاس حجاب المرأة في الحياة بحجابها في الأدب، هو هنا أكثف منه هنالك ببضعةَ عشرَ سنتمترًا. إن أحسنت التقدير. فإذا كنت تحسب المرأة في دنيانا الشرقية الفانية «مرتين»، ظلًّا خفيفًا لا تحسه يقظاتنا، أو خيالًا فرارًا لا تعيه أحلامنا، فهي في هذا الأدب «المذكر» ظل الظل وخيال الخيال.
لا نزعم أن المرأة في مجتمعنا قد أُحلت في المحل الأرفع الذي يقول النساء كلهن والرجال بعضهن إنها جديرة به، فهي لا تزال بعيدة عنه جدًّا، وإذا كنت لا تكاد تفقد المرأة في ديار الغرب طرفة عين، أو إذا كانت آثارها لا تغيب عنك، حتى كأن المدنية بكل ما فيها من جليل فخم ومن دقيق لطيف لم توجد إلا لها، وإلا موسومة بطابعها، فإنك تكاد لا تلقاها أو تعثر على آثارها هنا، في «مدنيتنا»، وفي كل ما فيها أيضًا من لطيف دقيق ومن فخم جليل، لكنك على كلٍّ، واجِدٌ في حياتنا من ذلك شيئًا، واجد بالأقل «الشيء الحيواني»، بل أنا على يقين من أنك قد تعثر بهمامات من أشياء منزهة عن تلك الحيوانية التي لا نذهب إلى وجوب استئصالها من الطبيعة الإنسانية، وإنما نجرؤ على القول: إن في هذه الحياة الدنيا «غيرها» أيضًا.
فهذه الصلة الأولية بين الرجل والمرأة، لا مراء، موجودة في حياتنا، ولسنا نجد لها في أدبنا أثرًا. وإذن فهذه المرآة الصدئة لا تنقل من محاسن المرأة المجلوة ولا المحجوبة قليلًا أو كثيرًا، بل يخيل إليَّ أن أدبنا هو من تلك المرائي الخبيثة الخداعة التي تمسخ الوجوه وتشوهها، فتقصر وتطول ما شاءت من رقة وضخامة، حتى لتنكر الوجوه المسكينة صورها الكاذبة، حانقة متسائلة في حيرتها، قائلة: من الشيطان الذي لعب علينا هذه اللعبة؟
وبعد، فأية صورة من المرأة تتجلى على مرآة أدبنا؟ يخطر ببالي الآن أن أسأل أحد الرسامة المُجَّان الظرفاء تمثيل تلك الصورة التقليدية التي حفظها الشعر العربي، ونقلها إلينا «دون تصرف» كأنها أثمن الكنوز وأغلاها: من «الوجه كالقمر» إلى «القامة كغصن البان»، المركز في «كثيب الرمل»، ثم اطْرَح على الصدر المرمر ما شئت من «رمان النهود» أو اثبت ما طاب لك من «حقاق العنبر» … إلخ، ما أنا بمنكر من الغزلين هذه التشابيه الجاهزة، فما كان أحسنها وأبلغها — على ما نتصور — لأول عهد اللغة بها! ولقد قال أول من قالها شيئًا جديدًا أثر في نفوس السامعيه أبلغ الأثر.
كانت قوالب، وكان كل شاعر يأخذها على سبيل العارية، فيصب فيها استعارات وتشابيه أخذها بالدين أيضًا: هذه هي القصة من فاتحتها إلى خاتمتها.
صورة المرأة في أدبنا: مي ودعد وهند أو (سعاد التي بانت) كل هؤلاء أو إحداهن أو لا أحد؛ صورة غامضة مبهمة ضائعة، لا ذاتية ولا ميزة ولا شيء تعرفها به، أو هو ذلك «الشيء» الذي لا شكل له يوصف: تراه ليلًا في أزقتنا الملتوية الضيقة كصدر المغموم في ملاءة سوداء، فتحس لأول وهلة أنه يهم أن يتضاءل ويتصاغر ويتخبأ متسلِّلًا في ظلال الجدران القاتمة الموحشة، ويقولون إنه «امرأة!»
أما الجمال وما يوحيه إلى النفس من معاني السمو، الجمال بلطفه وأنوثته ونعومته … وأما الحب وما يبعثه من متعة ونعيم لا يحدان، الحب بذُلِّه وكِبْره، وقوته وضعفه، وطمأنينته وقلقه، وبرده ولذعه، بل بكل متناسباته ومتناقضاته، فلست واجدًا بعض ذلك. ولعمري إذا ما قضي على عنصر الجمال في الأدب ونَضَب معين الحب، إذا فقدت ذائقة الجمال وخبرة الحب، فهل يظل الأدب حيًّا طليًّا ممتعًا؟ لن يكون ذلك «الصدر المرمز» إذن إلَّا قبرية كتب عليها: (هو الحي الباقي!)
المرأة: الأم والأخت والزوج والعشيقة، والقوادة سفيرة الحب التي يدعوها الترك: دلالة الهوى. هل رأيتها وهل عرفتها؟ إن أدبنا لم يرها ولم يعرفها. كتب الجاحظ عن لصوص الليل ولصوص النهار، ووصف جماعة الشحاذين في عصره، الذين نبغوا في الشحاذة. طبقة من الناس على حدة، لها مراسم ومصطلحات ولهجات وعادات وأخلاق خاصة. ارجِعْ إلى كتاب البخلاء يبدُ لك الهدف الذي نرمي إليه، لقد وصف الجاحظ الشحاذين في عصره بدقة وبراعة، وأنطقهم وأحياهم، فماذا علينا أن يكون هو الإمام الذي به نأتمُّ، إن كان لا بد من إمام؟
ماذا عليَّ إذا حدَّثتْني نفسي يومًا: النفس الأمارة، بأن أصف دلالات الهوى … ماذا علي إذا طمُعتُ أو أطْمعْتُ إخواني بأن نصف المرأة كما هي في الحياة على أنواعها، وفي جميع أحوالها، وفي المباح والمنكر على السواء من صِلاتها بالرجل؟
تغضب «الأخلاق» ويتميز «الحلال والحرام» من الغيظ، ويخاف فلان مثلًا سطو حماة المجتمع وآدابه عليه، إذا هو نوى صقل المرآة الصدئة لتنقل محاسن المرأة المجلوة كلها، فيُحْجِم عن وضع قصة «دلالة الهوى» وإذاعتها بين الناس.
?


رحم الله امرأ القيس قائد الشعراء إلى النار، كما في الحديث. سأهتدي في هذه النقلة من فصل المواضعات إلى فصل الأخلاق بهدي الملك الضليل، الشاعر المغامر المقامر، الشارب الخمر واللاعب بالنرد، صاحب دارة جُلْجُل، بنفسي دارة جُلْجُل! والملهي المرضع عن محولها ذي التمائم: حياة وثنية جاهلية «لا أخلاقية». لو كانت رواية موضوعة لعدت في الطرف القصصية أو في الصور الفنية الجميلة. وإني لأتساءل أيهما أحسن: شعره الذي نظمه أم حياته التي بددها؟ ولست على يقين من أن شعره يفضل حياته، كيف؟ وهو جزء منها، ليس إلا: من يستطيع أن يفصل بينهما أم من يستطيع أن يجد في حياته عناصر لم توجد في شعره، وعكس ذلك أيضًا؟ لعل الأصح أن تقول: كانت حياته شعرًا في «حالة العمل» وكان شعره حياة «منظومة». هنا أقِفُ القلم هنيهة لأعتذر عما سبق به من رد العجز على الصدر، فبرغمي أن الحياة والشعر والشعر والحياة، لعبا على حبل امرئ القيس.
محا الغلوُّ في إظهار فضائل الإسلام كثيرًا من فضائل الجاهلية، وطمست المبالغة في الإشادة بمحاسن الدين الجديد على كثير من محاسن الوثنية، إذ صور ذلك العصر البائد بأشد الألوان سوادًا؛ ليطلع منها العهد المحدث بأشرق وجه وأصبحه. ويغلب على الظن أنهم لم يفكروا في الرجوع إلى ذلك التراث المهجور إلا بعد أن انفرجت الأزمة الدينية قليلًا، ومرت السنون على الوهلة النبوية الأولى، فاضطروا بقيام الشعوبية واستفحالها إلى النبش عن تلك الدفائن، ويخيل إليَّ أنهم وجدوا عصرئذ ما كان موجودًا، وما لم يكن له وجود، فغالوا أيضًا وأفرطوا من بعد، كما فرَّطوا من قبل.
فضائل الجاهلية ومحاسن الوثنية! أتقول: كَبُرَتْ كَلِمَةً؟ لا، فلست أعني: دينيًّا أو أخلاقيًّا، وليس هنا موضع معارضة ذلك القديم الماثل في الحجارة بهذا الجديد الحي في القلوب، ولا مقايسة ذلك الأول الأقرب إلى الفوضى بهذا الآخر الأدنى من النظام، إنما عنيت المادة الأدبية أو الفنية التي استمدتها المعلقات مثلًا. وأعيد القول دفعًا للالتباس وزيادة في التأكيد: لا يذهب الفكر إلى القيم الدينية والأخلاقية، فإني قصرت وأقصر الكلام على القيم الأدبية والفنية الصِّرف.
إذا ذكرنا الآن ما سبق ذكره من فعل المواضعات البيانية والاجتماعية والأخلاقية والتقاليد والأحكام السابقة، وخوف السخرية وتعدد طبقات الناس في سلم الاجتماع — أي العوامل المختلفة التي وصفنا آثارها في الآداب، وضربنا لها الأمثلة — كان أول ما يتبادر إلى الذهن أن العهد الجاهلي من وجهة نظرنا في هذا البحث هو العهد الأدبي الأمثل، لضعف أثر تلك العوامل جميعًا فيه، وإذ كانت حياة امرئ القيس صورة مصغرة لذلك المجتمع العربي، فإن شعره هو النموذج الأعلى لأدبه، الأدب الجاهلي الوثني الطليق، لم تغمَّ عليه المواضعات والتقاليد والبيانيات، فتقصيه عن الفطرة السليمة والطبع الصادق، ولم يوقر بالهموم والمقاصد الأخلاقية التي تحول سياقه من الفن الخالص إلى الوعظ المشوب، والوعظ إن جاز إدخاله في الأدب فأحر به أن يعتبر أبعد الأنواع عن حقيقة الأدب وطبيعته.
نجد في كتب الأدب القديمة أن امرأ القيس أول من صنع في شعره كذا وكذا، وهو أول من شبه كذا بكذا … إلخ. فإن لم نأخذ هذا القول على حقيقته أو لم نؤمن بصحته «تاريخيًّا»، فلا أقل من حسبانه رمزًا أو اتخاذه مثلًا لما يستطيع الشاعر العبقري أن يؤثل من ذاته المعنوية في لغة قومه وأدبهم، وهو المراد بالطابع الذي يقال: إنه خاص ولا يعفى أثره، بيد أنه لا يكاد «يقع في الملكية الشائعة» حتى يتهافت عليه فقراء الشعراء، يستعيرونه كما يستعير فقراء التجار «توقيع» ذي الاعتماد الموثوق يفتحون به لسندهم باب السوق، ثم يشيع استعمال ذلك الطابع ويكثر تداوله، منافسًا العملة الدارجة، فيتألف من ذلك ما يسمونه المواضعات البيانية، أو العرف الأدبي أو «كليشه» الكلام. ثم تختم هذه الفترة الفاترة بنبوغ شاعر عبقري آخر يكون هواه في أن يحكم بطلاق تلك الألفاظ بعضها من بعض، مفسدًا موقعًا البَيْنَ هادمًا «البيوت» المتداعية ناقمًا من طول العشرة الألفة المخدرة، ثم يتحول هواه إلى عقد زواجات بين تلك الألفاظ جديدة عجيبة، غير مُحْتذٍ مثالًا، بل موقعًا توقيعه طابعًا بطابعه، ويقولون في ترجمته: هو أول من فعل في شعره كذا وأول من شبه كذا بكذا، وهكذا …
ابتدع امرؤ القيس ووضع، وتواطأ الشعراء من بعده وتواضعوا؛ ابتدع لأنه — ولست أعلم هل عمَّر طويلًا — عاش كثيرًا وشقي ونعم، هو «العيَّاش» صاحب عفراء والعذارى والحبلى والمرضع. فجع بأبيه فلما «أتاه الحديث» لم يشأ أن يفجع بدست النرد الذي كان بدأ به، وقال كلمته المأثورة: اليوم خمر وغدًا أمر! هوى تاج الملك عن رأسه المزهو المتخايل عجبًا، فهو شريد طريد. لقي حتفه بحلة قيصرية مسمومة؛ لأنه رفع عينه إلى ثريا الروم فقتلته الشهوة. لقب «ذا القروح» وقبل كانت له كبد مقروحة دلل عليها، فأباها عليه الناس لا يشترونها، حياة فيها عناصر التراجيديا جميعًا، وكانت زهرة الأرستقراطية العربية في ذلك العمران الوثني. كذلك في شعره مذهب فلسفي في الحياة: النزعة الأبيقورية، وتقوم أبيقوريته على أربعة أركان، مثل كل بيت: الصيد والخمر والمرأة والحرب. لعله الآن يدور مع الشعراء في أحد بروج الجحيم — رحم الله قومًا يقودهم الضليل — وهو ينشد وهم ينشدون:
كأني لم أركب جوادًا للذةولم أتبطن كاعبًا ذات خلخالولم أسبأ الزق الرويَّ، ولم أقللخيلي: كري كرة بعد إجفال! فإذن لم يعرف امرؤ القيس، سواء في حياته أم في شعره، الواضعات الأخلاقية التي تورث صفات الجبن والمداجاة والرياء في حياة الناس وفي أدب الأدباء، أو فلنقل إنه كانت في عصر امرئ القيس «أخلاقية» خاصة طوتها الأخلاقية الإسلامية الجديدة.
لنا صديق زعم أنه يهم بتمجيد تلك الجاهلية الوثنية، ويميل إلى الإشادة بمحاسنها؛ لا لأنها شطر من تاريخ العرب وعنصر في قوميتهم — شطر جليل وعنصر نفيس أقصيا عن التاريخ والقومية — بل لأنه حرج الصدر جدًّا بتلك «الطفرة» الإسلامية كما يقول، يؤلم نفسَه غلوُّها في النعي على ذلك الطور أخلاقه وعاداته وأوضاعه وعباداته. زعم أنه سيعمل على «إحلال الشيطان في صدر الإنسان» وسيعين على إرجاع إبليس الذي أخرج — كما يقول — من جنة الأساطير الدينية، إلى جنة الآداب الرفيعة، يريد أنهم أفرطوا في تنفير الخلق من طيبات العيش حلالها وحرامها، وبالغوا في تزهيدهم في ملذات هذه الدنيا العاجلة، وغلوا في الحث على قتل الشهوات الطامحة، وإخماد الأطماع المضطرمة، يقول: إن إبليس عنصر لازم في الأدب وعنصر لازم في الحياة، فإذا أخرج منهما طردًا بالسياط أو رجمًا باللعنات، كانت الحياة ثُؤْباءَ ممتدة بين القطبين تصل الأزل بالأبد، وكان الأدب أنشودة السآمة.
هذا رأي فتًى متطرف مولع بالأغراب في الرأي. ولست أدري ما نصيبه من صحة الحكم، ولا ما سيكون حظه من إنجاز الوعد، ولكن أحب أن أشرح في هذا الصدد ما أعنيه هنا بكلمة «لا أخلاقية»، لست أعني ما كان منافيًا للأخلاق المصطلح على أنها فاضلة أو ما كان داعيًا إلى نقيضها، حاثًّا عليه، كلا، فأنا أعني ما كان خلوًّا من الهموم الأخلاقية مجردًا من نية الوعظ وقصد العبرة، وأعني هذا ليس غير. قد تأتي العبرة الواعظة عفوًا، وقد تكون أبلغ كذلك، لكنها إذا لم تأت، فيا للقرد! ليس هذا بضار الأدب من جهة أنه أدب صرف، كثيرًا ما سمعت إخوانًا لي يتساءلون منكرين: ما المغزى من ذلك كله؟ وماذا يريد هذا المؤلف؟ وأين العظة والعبرة … إلخ؟ فما يدريهم، لعل الشرط الذي تقتضيه طبيعة الأدب هو أن لا يكون مثقلًا بالهموم الأخلاقية، وعسانا إن مدَّ الله في عمر هذا البحث فبعد المدى، نلتقي في منعطف الطريق، بين الدخول فحومل، بأولئك الحكماء الذين لا يرون في الأدب إلا لهوًا ولعبًا ولذة ومتاعًا، ولا يحبون الأدب إلا كذلك، وقد نلتقي في منعطف آخر بمن يقولون: إن الأدب لا يناقض الدين والأخلاق فحسب، بل يناقض الحياة أيضًا، والمشهور أنه مرآتها وصورتها وترجمانها.
كلمة أخيرة يضعها القارئ في الحاشية: هذه امرأة قبيحة غاية في القبح، وهذا رسام فنان، نسخت الريشة الحاذقة الصناع تلك الصورة «القبيحة» — نقول: يا لها صورة فنية «جميلة»! وهذا القصاص الجهبذ الألمعي وصف رجلًا من شذاذ الناس، الخوارج على النظم والشرائع، الذين يحيون ويموتون على هامش المجتمع وتقاليده الدينية والأخلاقية، وصفه بدقة ومثله لنا ببراعة — نقول: تالله لقد أجاد وأحسن!
في الفنون والأدب إذن غير قيم وغير أحكام.
?


الله، ما أجمل هذا الحجاب!
كان أول التفاتي إلى صديقي الذي همس بهذه «الصرخة»، قال كلمته بلهجة تضمنت معاني الإعجاب والتلذذ والشوق، وكنا بانتظار الترام في عرنوس، ظهر يوم وضاح يشعثه الغبار، متردد بين الشتاء والصيف لكنه إلى لذع الحر أميل. رأيت الدهشة في عينه، وبصرت به وهو يكاد ينجذب إلى حيث ينظر، مأخوذًا. أتبعت نظري نظره فتسابقا خلف ذلك الطيف الذي مر معجلًا، على بضع خطوات منا، وكأن بيننا وبينه لج بحر خضم، كنا في مثل اليقظة الخائبة التي تعقب حلمًا هانئًا رغيدًا انقطع فجأة. حقًّا، ما كان أجمل ذلك الحجاب!
وأخذ صديقي المفتون يصف تلك القامة الهيفاء في ملاءة لا تكاد تحجب من خطوطها شيئًا، بل تزيدها دقة ووضوحًا: الجسم مفرغ فيها كأنها منه وكأنه منها لجلدها جلد، وهي في إزارها السماوي كحورية استعارت في هبوطها إلى الأرض، زرقة الجو الصافي، على أحدث زيٍّ وأرشقه وألطفه.
وأخذ يصف ذلك البرقع الأسود الذي يكاد يشتعل بنور ما تحته، لا يكتم من الحسن إلا بمقدار، ولا يشف عنه إلا بمقدار، ليس هذا بشرًا، إن هو إلا لغز جميل يفتنك منه ما ترى، ويغريك بما لا ترى؛ بما ترجوه وتتخيله.
من لي بعلم ما أصاب يومئذ صديقي؟ خيل إلي ونحن واقفان عند عمود الترام أنه انقلب بفعل السحر المبين شجرة من أشجار الربيع، مزهرة، أوت إليها صغار الطير ليلًا، ونامت قريرة مطمئنة سكرى بعبير الأزهار، لكن راميًا رمى الشجرة بحجر عابثًا، ففزع الطير وتناوحوا، فهم ذاهبون صعدًا في الجو بينما الأزهار منثورة على الثرى أشتاتًا، وكأنه سلك من الطيوب والأنغام انفرط في يد الطبيعة. لقد أخذت الخواطر والعواطف تتزاحم في صدر صديقي، وتتوارد على لسانه متتابعة متدافعة، فمنها ما كانت الأماني تحمله على أجنحتها فيحوم في الفضاء الطلق المشرق، ومنها ما كان يسقط على الأرض بثقل الخيبة والقنوط والعياء كأوراق الخريف الصفراء. هكذا بسم صديقي في برهة وعبس، وأزهر وصوح، و«عاش ومات». لكنه على كل، أفاض في حديث عذب شائق مستحب ملأ انتظارنا ذلك الترام الذي لا أراه مقبلًا إلا أحسبه يتلكأ، ويهم بالقفول (هذا من عبث الخيال؛ لأن الترام بطيء ليس إلا، ويزيد في بطئه انتظاري إياه، أما أنه أخيرًا يأتي فمما لا ريب فيه).
وأخذ صديقي يحدثني عن فلسفة الملابس والأزياء، ملمًّا بوجهتي الفن والأخلاق أو الجمال والنفع، قائلًا: إنهما على طرفي نقيض والغلبة ليست في النهاية للأخلاق أو للأخلاقية السائدة في هذا العصر على هذا المجتمع. ومما أشار إليه إشارة خفية أن الحجاب لا «يؤدي وظيفته» في الحاضر أو يؤديها معكوسة: أصبحنا فإذا بالحجاب الذي وضع لدرء الفتنة لا يحجب شيئًا، بل يكشف عما قد لا يكون لو لم يكن حجاب. يقول دون جوان زير الغرب أو تقول أسطورته: «إن النصرانية إذا حرَّمت العشق أضافت إلى ملذاته لذة جديدة وضاعفت المتعة به»، ومَن ينكر غواية الأعراض الذي ترجو إقباله، وإغراء المنع الذي تطمع بقبوله، ونعيم الحرمان الذي يمني بالعطاء؟ وهمَّ صديقي أن يزيد: كذلك فتنة هذه الأحجية التي مرت بنا معجلة مغمورة بالأسرار كالطيف الشارد من حلم. لكن الترام أتى — ألم أقل إنه آت لا ريب فيه وإن أبطأ؟ … العجلة من الشيطان لا من الترام — فاكتفى بأن قال، خاتمًا الحديث: عن ذلك عزاء أيها الصديق، هو أن الحجاب الذي يفتن العالمين ليس أول وضع اجتماعي أخلاقي انتهى إلى غير غايته … وبعدُ؟ إنه لجميل، والطبيعة لن تغلب، والناس إلا قليلًا مراءون، ثم سقطت بيننا هذه الكلمة: «الله، ما أجمل هذا الحجاب!» مترددة وجلة كورقة من أوراق الخريف. فإذا بصديقي المفتون، أمامي في مقدم «الحافلة» كشجرة تعرت من زينتها، يحدث صامتًا عن كآبة الحرمان المقلق، وألم الشوق المذيب وعذاب النفس والحواس.
أحسست أن صديقي في تلك الظهيرة لا فيء له أتفيؤه فانصرفت عنه، لكن ظللت زمنًا أسمع في نفسي صدى تلك الأنغام التي انبعثت من الشجرة المزهرة، تحت طالع مسعود.
????
فصل من كتاب الشيطان في الإلهام الشعري


?


الشاعر ليس له شيطان كالرجل لا ظل له …
قد يكون ثمة عالم آخر، غير عالمنا المادي المنظور، مأهول بالأرواح الخيرة والشريرة، لا يطلع عليه الناس جميعهم. ليس ما يمنع وجود ذلك العالم وقواه العجيبة، فإن ثبات البشر على الإيمان به في صوره المختلفة لدليل قاطع، لا أقول على وجوده، بل على الحاجة إليه، وشيء يؤمن المرء به ويحس إلى الإيمان به حاجة؛ لهو — وإن يكن غير موجود فعلًا — أعظم خطرًا وأكبر أثرًا في حياته، من موجود لكنه يجهله ولا يؤمن به، ولا يجد من جراء الكفر به نقصًا، ولعمري هل للأشياء في ذاتها وجود أم هي ظلال الفكر الإنساني في هذا الفضاء؟ وهل للأشياء في ذاتها قيمة أم هو الفكر الإنساني يعطي القيم ويحرم منها، كما يشاء؟
وسواء أصح وجود ذلك العالم العجيب أم لم يصح، فليس أجدر من الشعراء أن يكونوا به على اتصال، وهم في كل عصر وجيل، حملة الإلهام العلوي الناطقون باللغة القدسية، الذين يسترقون السمع من عالم الغيب استراقًا ليعودوا منه بأنغامهم الساحرة، ويملئون من محاسنه أعينهم؛ ليخلعوا على الكون، كلما أبلى من حلل الجمال حلة، جمالًا طريفًا، فلو لم يكن ذلك العالم موجودًا لأوجده الشعراء.
•••

سألت ذات يوم: كيف صرنا لا نرى الجن والشياطين بعد أن كانوا على اتصال دائم بآبائنا وأجدادنا؟
فقيل لي: لقد رأوا الإنس في هذا الزمن «أشطن» منهم فلاذوا بالفرار، وهالهم ما في عالمنا من الشرور والآثام فهجروه … وعلى كلٍّ فإن الجن ما زالوا «يظهرون» لكنكم لا ترونهم أنتم!
هذا جواب امرئ متشائم يريد أن يبدي أسفه على العهود الخالية وحنينه إليها. والحقيقة أن العرب كانوا أسعد منا في فلواتهم حظًّا، وآنس في خلواتهم بصحبة تلك المخلوقات العجيبة. فإن أحدنا ليجد أحيانًا، من شدة الشوق إلى سماع أحاديث غير هذه الأحاديث اليومية، التي تعوَّد سماعها من هؤلاء الأناسي؛ ما يرضى معه النزول:
ببلدة، مثل ظهر الترس، موحشةللجن بالليل في حافاتها زجلُ وليس أكبر فضلًا ومنة على الناس من المفاجآت التي تقطع هذا السياق المملول في حوادث الحياة العادية، فتذكرهم بأنهم أحياء، بل إن هذه المفاجآت هي التي تغلي ثمن الحياة.
أتوا ناري فقلت: منون؟? قالوا:سراة الجن! قلت: عموا ظلامًا! ألا إن هذا الرجل الذي طرقته الجن، وقد أوقد نارًا لطعامه، لسعيد! بوركت الجن الذين آنسوه في وحشته! هو سمير بن الحارث الضبي، أعني أنه ليس صديقنا السيد حليم دموس (مثلًا) الذي لم يطرقه الجن مرة واحدة، ولن يطرقوه، لا إذا أوقد نارًا لطعامه، ولا إذا أشعل مصباحًا لنظم قصائده، فإن المسألة مسألة مزاج.
كان لكل شاعر من العرب شيطان يلقي إليه الشعر، يسمونه «التابع» أو «الرئي». فكان لحسان بن ثابت صاحب من بني الشيصبان (وهم قبيلة من الجن) فكانا يتناوبان قول الشعر:
… فطورًا أقول وطورًا هُوَه
ولا مراء في أن أجود شعر حسان ما كان يلقيه إليه تابعه الشيصباني، ولكن أنَّى لنا اليوم بعلامة في الشيطانيات يميز بعض القولين من بعض؟
كذلك «أبو النجم»، فإن سألتني: من أبو النجم هذا؟ أجبتك: لا أدري سوى أنه الرجاز القائل مفتخرًا:
إني وكل شاعر من البشرشيطانه أنثى وشيطاني ذكر! وهذا بيت من الشعر أهديه إلى القائلين بعدم المساواة بين الرجل والمرأة في مجتمعنا الإنسي، فإنهما على ما يظهر، ليس بمتساويين أيضًا في عالم الجان. ولكن لا ننسى أن في شعرائنا من يؤثر أن يكون شيطانه أنثى: بشارة الخوري مثلًا الذي قال (أو قوله شيطانه) طائفة من أحسن الشعر في المرأة والحب وما إلى ذلك،? والمسألة مسألة مزاج أيضًا: هذا شاعر يُلقى إليه واحد، وما أكثر الذين يسمون بالشعراء وهم في الحقيقة طواحين ألفاظ! قلَّ في هذا البلد السعيد من ليس يقول الشعر؛ إلا لأن شيطانه يغريه بقوله، فإذا لم يقل كان وقرًا على صدره، أو أحس بمثل دبيب النمل في سويداء قلبه. – ألك أيها الشاعر شيطان؟ إذن فقل ثم قل! وإلا فانقلب طاحونًا على ضفاف العاصي …
دعوة مستجابة، في ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر!
?


نظر رسول الله إلى زهير بن أبي سلمى فقال: اللهمَّ، أعذني من شيطانه …
وليس في شياطين الشعراء أعظم شأنًا من «مسحل بن أثاثة» هاجس الأعشى صنَّاجة العرب الذي كان — على رأي بعض نقدة الشعر — أغزل الناس في بيت، وأشجعهم في بيت، وأخنثهم في بيت.
ولقد اجتمع الشاعر وشيطانه ذات يوم، وجهًا لوجه، فتحدثا كما يتحدث الرجل إلى خياله في المرآة.
قال الشيطان ولم يعرف الأعشى بنفسه: من أنت، وأين تقصد؟
قال الشاعر: أنا الأعشى، أقصد قيس بن معديكرب.
– حيَّاك الله! أظنك امتدحته بشعر، فأنشدنيه.
فأنشد الأعشى مطلع القصيدة:
رحلت سمية، غدوة، أحمالهاغضبًا عليك، فما تقول بدا لها؟ قال الشيطان: حسبك! أهذه القصيدة لك؟
– نعم.
– من «سمية» التي تنسِب بها؟
– لا أعرفها، وإنما هو اسم أُلقي في روعي.
فنادى الشيطان: يا سمية، اخرجي! فإذا جارية خماسية خرجت، فقالت: ما تريد يا أبت؟
– أنشدي عمك قصيدتي التي مدحت بها قيس بن معديكرب ونسبت بك في أولها.
فاندفعت تنشد القصيدة حتى أتت على آخرها، لم تخرم منها حرفًا، ثم انصرفت، فقال الشيطان للشاعر: هل قلت شيئًا غير ذلك؟
– نعم، قلت أهجي يزيد بن مسهر:
ودِّعْ هريرة إن الركب مرتحلوهل تطيق وداعًا، أيها الرجل؟ – حسبك! من «هريرة» هذه التي نَسَبْت بها؟
– لا أعرفها، وسبيلها سبيل التي قبلها.
فنادى الشيطان: يا هريرة! فإذا جارية قريبة السن من الأولى. فقال لها: أنشدي عمك قصيدتي التي هجوت بها يزيد بن مسهر.
فأنشدتها من أولها إلى آخرها، لم تخرم منها حرفًا.
ويقول الأعشى، وهو راوي هذا الحديث الذي تجده في كتاب «الأغاني» بسنده المتصل: فسقط في يدي وتحيرت وتغشتني رعدة، ولكن الشيطان رَثَى لحاله، فقال له وهو يضحك: ليفرخ روعك يا أبا بصير! أنا هاجسك مسحل بن أثاثة الذي ألقى على لسانك الشعر.
وفي شعرائنا نفر لا يفتئون «ينفخوننا» بأحاديث مكذوبة عن «سميات» و«هريرات» لم يعرفوهن قط، لعلة بسيطة هي أنهن لم يوجدن إلا في الغزل العربي الذي يقلدونه تقليد القردة.
وما جزاء هؤلاء الشعراء — اصطلاحًا، أو كما يسمون أنفسهم — إلا أن يقفوا، في حضرة مارد من الجان كمسحل بن أثاثة، وقفة الممتَحن الذي «لم يحفظ درسه». فلن يقولوا له حينئذ: «إن شيطاننا ألقى في روعنا هذا الاسم أو ذاك، فهو يعلم من سمية وهريرة وهند ودعد ومي وهلم جرا» يقينًا لن يقولوا له ذلك، ومن أدرى من مسحل بأنه ليس لهؤلاء شيطان؟ والمسألة مسألة مزاج، فإن الجن ما زالوا يظهرون أو يعزفون، وإن لم يكتب لعامة الناس أن يروهم أو يسمعوا عزيفهم، كما أن عبقر? لم يذهب به زلزال، ولكن ليس بعبقري من أراد أو من ادَّعى العبقرية. وممن اعترف من شعراء العرب بأن شيطانًا كان يلقي الشعر على لسانه جرير القائل:
إني ليلقي عليَّ الشعر مكتهلمن الشياطين … … فاستطاع جرير، بعون شيطانه، على مهاجاة مائة شاعر وشاعر، أسكتهم وأخزاهم جميعًا، وكذلك الفرزدق، أقر بأنه كان يستغيث بشيطانه كلما أعياه قول الشعر، فإذا أغاثه قال وأجاد.
أما «السنقناق» فهو شيطان بشار بن برد الأعمى. وهنا مسألة: كيف كان السنقناق يظهر لبشار؟ الجواب — إن كان لكل مسألة جواب — هو أن عيني الأعمى، لا سيما إذا كان بشارًا، تكونان مفتوحتين على باطنه، فكان بشار يرى شيطانه في نفسه.
ولم يختص بالجن الشعراء وحدهم، بل كان للمغنين منهم نصيب. وهذا «زرياب» إمامهم في الأندلس، الذي زاد في أوتار العود وترًا خامسًا، اختراعًا منه؛ يقول إن الجن كانت تعلمه، ولعل الوتر الخامس مما آتاه شيطانه ليزيد في سحر الفن، وهذا مصداق ما يذهب إليه بعضهم من أنَّ الفنون الجميلة، وخاصة الشعر والموسيقى، هي من صنع إبليس وكيده، إن كيده لعظيم!
?


لم ينفرد العرب بمعرفة هذه الأرواح الخيرة التي تعين الخلق على احتمال آلام الحياة ودواعي السأم فيها، بما توحيه إلى هؤلاء الميامين الذين نسميهم بالموسيقيين والشعراء وأرباب الفنون. فقد كان للإغريق القدماء إله يُدعى «أبوللون» هو إله الموسيقى والرقص والشعر والإلهام، يعنو لعزته وجلاله شاعرهم ونبيهم على السواء، إذ كان يكشف للنبي عن المغيبات ويجري على لسان الشاعر أغاني الحماسة، وكان موطن أبوللون على الأكثر، جبل «البرناس» المكسوة جنباته بالغابات والرياض، الريانة مروجه بماء الينبوع الأقدس.
هنالك كانت ربات الوحي Muses يحففن بالإله العظيم، عازفات على الأوتار، منشدات، مسبحات بحمد الآلهة. وكانت صواحب أبوللون تسعًا، منهن «أوترب» ربة الشعر الغنائي، و«كاليوب» الموحية إلى الشعراء بأساطير الأولين، فهل تعجب من أن الإغريق في العصور الخالية سموا إلى سماء الفن والشعر، وهؤلاء الآلهات والآلهة جميعًا في عون فنانيهم وشعرائهم؟ •••

ذكر لي الأستاذ الريحاني أن العرب في «عسير» الأعلى يقولون اليوم عن الشاعر: «هو رجل سقته الجن»، وإنه سأل أحدهم كيف يكون ذلك؟ فأجابه إن الشاعر إذا أراد نظم قصيدة، يصعد إلى قمة جبل هناك ومعه شاة يذبحها ويقربها قربانًا، ثم يضطجع في ظل شجرة، فإذا تُقبِّل قربانه أحس في نومه كأنه يسقى شيئًا، فينهض ويقول الشعر … في عسير الأعلى إذن «برناس» عربي تسرح فيه الجنيات الحسان اللواتي يرضعن الشعراء من لبانهن الزلال، لتعذب ألسنتهم …
•••

يروى أن الإله الإغريقي «ديونيزوس» كان يأتي الشاعر «أشيل» في منامه فيملي عليه قصصه التراجيدية. فإذا لم نصدق بهذا، فهل نكذب أيضًا سقراط الذي أقر، وهو الحكيم، بأن له شيطانًا؟
والشاعر الإيطالي «تاتسو» كان يزوره في ليالي الأرق روح عجيب، فيعطف على وسادته ويجاذبه أطراف الحديث. ويقول «فوربس» من معاصري شكسبير إن السحر كان في أسرة الشاعر الإنكليزي الأشهر، وإنه كان يتعاطى فنونه التي تلقاها عن أهله، فالجيد الذي في قصصه التمثيلية هو من وحي شيطانه.
أما الشاعر الفرنسي «بوالو» القائل في قصيدة هجاء باللاتيني الحديث: «شيطان الشعر! كيف تأمرني، وأنا الغريب المنبت، المولود وراء الألب، إن أعسف النظم اللاتيني لا أنفك أتخبط في معاميه؟» فهو صاحب أرجوزة في صناعة الشعر، فيها من الشعر بقدر ما في «ألفية ابن مالك»، ولهذا نقول إنه يكذب في زعمه أن شيطان الشعر أمرَه بشيء، إلا أن يكون أمره بأن يسكت؛ رحمة بالناس.
إني لأكاد أسمع القارئ يقاطعني وهو يبتسم، غير مصدق شيئًا من هذا الحديث، بقوله: وبعد؟ أكثر ما شئت من الشواهد النقلية، وعزز ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، أقوال العرب بأقوال الإفرنج … فلن أؤمن قط بأن الشاعر يوحي إليه إله من آلهة البرناس، أو يلقي على لسانه الشعر شيطان من شياطين الفلوات، بل إيش تلك الآلهة الإغريقية وإيش هذه الشياطين العربية؟
فأنا أجيب بقولي: عفوًا يا سيدي القارئ … أما إذا أردتني على طرح هذه الأقوال والشواهد جميعًا، يقين أنها صرف كذب ومحض اختلاف أو ضرب من الهذيان لا يقوم على أساس، فلا. وأما إذا اعتبرتها «واقعًا» لا يسعنا إنكاره على الصورة القطعية، بل ينبغي النظر فيه وتأويله علميًّا إذا أمكن؛ لأن الهذيان نفسه «حقيقة» تقوم على أساس ويستطاع تأويله علميًّا، فأنا معك. ولكن هذا بحث تضيق به مقالة اليوم وسأعقد له مقالة أخيرة تكون ختام الكلام في الشعر وشياطينه. وأحب — قبل ذلك — أن أنقل إليك نادرة طريفة من نوادر الميثولوجيا العربية، على رجاء أن تجد فيها لذة وفائدة: نشأ بسجستان في أواخر القرن الثاني للهجرة رجل يدعى سهل بن أبي غالب الخزرجي ويلقب بأبي السري، ادعى رضاع الجن (مثل شاعر جبل عسير الأعلى)، وأن صلته بهم محكمة، ثم وضع كتابًا ذكر فيه كثيرًا من أخبارهم ووقائعهم وحكمتهم وأنسابهم وأشعارهم، وزعم أنه بايعهم للأمين بن هارون الرشيد بولاية العهد، فقربه الرشيد وزبيدة وابنهما الأمين، وأجازوه جوائز سنية، ثم أخذ ينقل إليهم، حينًا بعد حين، شعرًا جيدًا من نظم الجن والشياطين والسعالى …
– وهل صدَّق الرشيد هذه الخرافة؟
– إن الرشيد لم يصدق ولم يكذب، بل قال له: «إن كنت رأيت ما ذكرت فقد رأيت عجبًا، وإن كنت ما رأيته فقد وضعت أدبًا»، ولست أسأل القارئ الآن، إلَّا أن يقول بقول الخليفة العباسي، فهو حسبي.
?


يقول أبو إسحق المتكلم من أصحاب الجاحظ ما خلاصته: «إذا استوحش الإنسان مَثُل له الشيء الصغير في صورة الكبير، وارتاب وتفرق ذهنه، فيرى ما لا يُرى ويسمع ما لا يُسمع … فإذا توسط الفيافي واشتلمت عليه الغيطان في الليالي الحنادس، تجده عند أول وحشة أو فزعة وعند صياح بوم ومجاوبة صدى، وقد رأى كل باطل وتوهم كل زور …» على هذه الصورة يشرح الاعتقاد بالكائنات الخارقة، كالجن والشياطين والسعالى، التي آمن العرب بها وآمن بمثلها أقوام آخرون، ولعل أبا إسحق لم يجد في شرحه هذا مقنعًا، فلم يلبث أن زاد عليه قوله: «وربما كان في الأصل كذابًا صاحب تشنيع وتهويل، فيقول في ذلك من الشعر على حسب هذه الصفة: رأيت الغيلان وكلمت السعلاة، ثم يتجاوزه إلى أن يقول: رافقتها، ثم يقول: تزوجتها …» وهكذا؛ أي إنه — رغم إجادته في تصوير الظرف المادي الذي قد يكون له بعض الأثر في تلك الظاهرة السيكولوجية — انتهى بشرح إحدى العقائد العامة التي عاش عليها البشر وما زالوا، أوهن شرح بأهون حجة، نعني حجة الكذب، فهو إذن لم يشرح شيئًا. وليس أيسر على المرء الذي يحدث حديثًا لا يفهمه، ولا يجد تأويله من أن يَجْبَهَ محدثه بهذه الكلمة الموجزة التي تغني عن كل تطويل، وتدفع كل هم إنك لكاذب!
ولا يلتبس الأمر على القارئ! فلست بالناعي على أبي إسحق إنكاره الجن والشياطين وسواها، كما أني لم أرم إلى إثبات أن لهذه العجائب وجودًا حقيقيًّا فعليًّا مستقلًّا عن الأناسي الذين رأوها أو «توهموها»، ولكني أسأل نفسي، إذ لم أجد مقنعًا في ذلك «التكذيب»: كيف يرى الإنسان (كما يقول هو) ما لا يُرى، ويسمع ما لا يُسمع؟ أليس هذا أمرًا عجيبًا جديرًا بأن نعرف تأويله؟ هل للعلم الحديث كلمة يقولها، في هذا الباب، غير كلمة «كذبت»؟ فأما وقد ذكرت «العلم الحديث» فإني أعتذر إلى أبي إسحق المتكلم الذي عاش في القرن الثالث للهجرة، عن مطالبته بما لم يُعلم إلا بعد ألف سنة، وحسبه أنه طرح — في صورة الجواب — ذلك السؤال.
•••

كان القدماء من الإغريق والرومان يقولون إن للشاعر الملهم بصرًا ينفذ إلى ما وراء العالم المادي الظاهر؛ إلى عالم الغيب، وكان الشاعر يسمى باللاتينية Vates ومعناه «النبي»، ولقد عكس العرب القضية إذ وصفوا النبي محمدًا ? بأنه شاعر وقالوا: أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ، فأنكر النبي أنه شاعر: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ? إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ، وتحدى العرب بسورة منه، بل بآية من سورة. وروي أنه كان إذا تمثل بيتًا من الشعر لا يقيم وزنه بل يكسره، ويتمثل البيت مكسورًا؛ مبالغة في دفع التهمة، ويقول الجاحظ في هذا المعنى: «سمَّى الله كتابه اسمًا مخالفًا لما سمى العرب كلامهم، على الجملة والتفصيل: سمى جملته قرآنًا كما سموا ديوانًا، وبعضه سورة كقصيدة، وبعضها آية كالبيت، وآخرها فاصلة كقافية.» أتُرى الجاحظ يشير في عبارته هذه إلى أمر ما؛ إلى الاعتذار للعرب عن خلطهم بين الشعر الذي يعرفونه وهذه الآي المنزلة، دون أن يؤخذوا باختلاف الأسماء؟ ليس ذلك على خبثه بعزيز، ولكن رأيي هو أنهم بزعمهم أن القرآن شعر والنبي شاعر؛ تجاوزوا الصور والمباني — أي السورة والقصيدة، والآية والبيت، والفاصلة والقافية — إلى الجوهر؛ جوهر الشعر، على نحو ما فعل الرومان القدماء إذ سموا شاعرهم نبيًّا يوحى إليه. •••

سموا الشاعر الملهم نبيًّا، اعتقاد أنه ليس بشرًا مثلهم بل هو بشر وزيادة، وهذه الزيادة إنما تأتيه من الشيطان العربي الذي يلقي الشعر على لسانه، أو من «الموز» اليونانية التي توحيه إليه، أو من الإله الروماني الذي يُنَزِّل الآيات عليه تنزيلًا، وهذه الزيادة هي أنه يرى ما لا يُرى ويسمع ما لا يُسمع، كما قال أبو إسحق المتكلم. ولا يندر في الشعراء والفنانين — الفحول العبقريين — من يعتقد مثل هذا الاعتقاد، فإن الشاعر العبقري الذي يبهر عامة الناس ببديع معناه ويسحرهم برائع قوله حتى يسمعوا كالصوت الهابط من الملكوت الأعلى، يكبر هو أيضًا هذا الإعجاز، ويعجب من أنه هو مستودعه ومظهره، ويتساءل مشدوهًا: من أين، ممن هذه الأمانة العظيمة؟ ذلك أن العبقرية شذوذ، شذوذ بلا مراء، لكنه أدى ببعضهم إلى اعتبارها مرضًا أو عاهة في الجهاز العصبي، ويذهب «لومبروزو» إلى أنها صورة ملطفة من داء الصرع، تصحبها نوبات مفاجئة عنيفة، يتبعها خور جسماني شديد.
أجل، إن كثيرًا من العلماء يَردُّون اليوم هذا الرأي قائلين: إن أغلب العبقريين المرضى كانوا أولي عبقرية رغم الأمراض التي أصيبوا بها، لا بسبب تلك الأمراض، سواء أكانت عصبية أم غير ذلك، فالمرض في الرجل العبقري ليس قاعدة عامة بل حالة استثنائية. ولكن هؤلاء العلماء — على كل — ليسوا بمنكرين أن العبقرية بحد ذاتها، سواء الصحيحة والعليلة، شذوذ كما سبق القول، شذوذ يراه صاحبه في نفسه ويراه فيه عامة الناس، فيشدههم ويبهرهم، ثم تعييهم الحيلة ولا يجدون تأويله، فيحيلونه على عالم غير عالمنا الظاهر ويعزونه إلى قوى غير قواه المعروفة: الجن وموحية الشعر والآله، وهي رموز سننظر فيما وراءها أو أسماء لعلنا نوفق إلى معرفة مسمياتها.
?


أبو عامر بن شهيد من عيون أدباء الأندلس وشعرائها عاش في القرنين الرابع والخامس للهجرة. له رسالة اسمها «التوابع والزوابع» كثيرة الشبه برسالة «الغفران» للمعري، يقول في أولها: إن شيطانه زهير بن نمير زاره يومًا فتذاكر معه أخبار الخطباء والشعراء مع التوابع والزوابع،? وأظهر رغبة في لقائهم والتحدث إليهم، فأركبه الجني متن جواد أدهم «سار بنا — كما يقول — كالطير يجتاب الجو فالجو، ويقطع الدوَّ فالدو، حتى لمحت أرضًا لا كأرضنا، وشارفت جوًّا لا كجونا … فقال لي زهير: حللت أرض الجن، أبا عامر!» وهناك في أرض الجن، لم يجتمع الأديب الأندلسي بخطباء العرب وشعرائهم (وفي هذا أحد الفروق بين رسالته ورسالة أبي العلاء)، بل بأصحابهم الذين كانوا يلقون رائع الشعر وبديع القول على لسانهم، من شيطان امرئ القيس إلى شيطان أبي نواس، كأن هؤلاء الشعراء ليسوا شيئًا مذكورًا، لكنهم ظلال أولئك التوابع والزوابع في عالم الغيب؛ ظلال تُلقى على عالمنا هذا: الشاعر هو ظل شيطانه على الأرض.
لم نذكر ابن شهيد لنأتي على ذكر رسالته الممتعة عن شياطين الشعراء، ثم نقف عند حد التنويه بأسلوبه الطريف. كلا، فإن له فيما عدا ذلك رأيًا في الأدب قيمًا، ذا صلة بما نحن في صدده، يقول من كلام له على الطبع والشعراء المطبوعين: «ومقدار طبع الإنسان إنما يكون على مقدار تركيب نفسه مع جسمه،? فمن كانت نفسه من أصل تركيبه مستولية على جسمه كان مطبوعًا روحانيًّا يُطلع صور الكلام والمعاني في أجمل هيئاتها … ومن كان جسمه مستوليًا على نفسه من أصل تركيبه، والغالب عليه جسمه، كان ما يطلع في تلك الصور ناقصًا عن الدرجة الأولى في التمام والكمال وحسن الرونق، فمن كانت نفسه المستولية على جسمه، فقد تأتي منه في حسن النظام صور رائعة من الكلام تملأ القلوب وتشغف النفوس. فإذا فتشت لحسنها أصلًا لم تجده، ولجمال تركيبها وجهًا لم تعرفه، وهذا هو الغريب: أن يتركب الحسن من غير الحسن، كقول امرئ القيس: تنوَّرتها من أذرعات، وأهلهابيثرب، أدنى دارها نظر عال! فهذه الديباجة إذا تطلبت لها أصلًا من غريب معنى لم تجده، ولكن لها من التعلق بالنفس والاستيلاء على القلب ما ترى.»
ويقول الدكتور أحمد ضيف في كتابه «بلاغة العرب في الأندلس»: «وهو — أي ابن شهيد — يميل إلى أن الافتنان في الكلام أو البراعة في النظم والنثر، أو ما يسمونه بالبلاغة، نوع من الإلهام أو شيء من الغيبيات أو سر من أسرار النفوس …»
سر من أسرار النفوس! فما هو هذا السر الذي سماه الأولون: الشيطان و«الموز» Muse والآله؟ أو ما هي حقيقة الوحي والإلهام في الإبداع الفني والشعري، والجواب على المسألتين واحد؟ يقول الكاتب الفرنسي بول بورجه: «إن النفس الإنسانية لكالأرخبيل الذي تبرز جزره على سطح البحر، وما الجزر إلا ذروات بادية للعيان من آساس غير ظاهرة، بل من جبال تغمرها الأمواج، فكذلك تقوم أفكارنا وعواطفنا وإرادتنا على بناء سيكولوجي عظيم خُفيت آساسُه عنا وعن سوانا.» وهذا البناء الخفي أو الباطن هو ما يسمى في السيكولوجيا الحديثة باللاوجداني Inconscient، ومن أعماقه يصعد الوحي الفني والإلهام الشعري اللذان لا يهبطان، كما ترى وكما هو الشائع، من عليين. والاعتقاد بأن للشاعر شيطانًا يلقي الشعر على لسانه لا «موزًا» من بنات الآلهة توحيه إليه، أقرب إلى هذا الرأي العلمي؛ لأن الشياطين، كما هو معروف، هي من العوالم «السفلية». فكل فاعلية فنية أو شعرية عظيمة — في الفنانين والشعراء العبقريين على الأخص — لها جذور تستشري فيما وراء الإدراك؛ أي في المنطقة اللاوجدانية من النفس الإنسانية، ومن هذا اللاوجداني مادة الإبداع في الفن والشعر، وفيه تأويل ما كان القدماء لا يعرفون تأويله من حالات الوجد والكشف، والوحي والإلهام، فيرمزون عنه بالموز والإله والشيطان؛ ولذلك كان كثير من الفنانين يتوسلون لإيجاد تلك الحالات في أنفسهم، بضروب من المهيجات: كقهوة فلتير وبلزاك، وكحول بوو وهوفمان وموسه، وكوكايين موبسمان، وغيرهم، وهي مهيجات لما في أعماق اللاوجداني من العناصر الكامنة التي تثور حينئذ، وتطفو على سطح الوجدان، فتتألف منها آيات الفن والشعر؛ كما تبدو أحيانًا في عرض البحر، بين بكرة وضحاها، جزيرات لم يرها الرحالون من قبل، ولكنها برزت فجأة بفعل النشاط الخفي العظيم في بطن الأرض، فهم ينظرون إليها مشدوهين ولا يكادون يصدقون.
وليس يعني هذا أن العبقرية، لاستمدادها من اللاوجداني وهي المنطقة التي لا سلطان للإدراك عليها، تكون فوضى بلا نظام، أجل إنها تصعد من تلك الأعماق البعيدة خليطًا من شتى العناصر، إلا أنها لا تلبث أن تدخلها في الوجداني، وهي المنطقة التي يسيطر العقل عليها، وفيها تعمل بعناء أو من غير عناء، بجهد أو من غير جهد، على تحقيق أجمل نظام وحدة في أكثر العناصر اختلافًا، وهذه هي معجزة العبقري.
????
? قوله: «منون» أي: من أنتم؟ ذكر علماء اللغة أن هذا اللفظ نادر الاستعمال، ورأيي أن قيمته هنا في ندرة استعماله، فهي التي جعلته خليقًا أن يخاطب به الجن، ولعل الإنس لا يتخاطبون به فيما بينهم، والله أعلم.? أما شعره السياسي فقد غلبت صفات الذكورة في شيطانه.? عبقر: موضع يكثر فيه الجن، ثم نسب العرب إليه كل شيء تعجبوا من قوته وحسنه، ومعنى لفظة Genie في أصلها اللاتيني «الشيطان المؤاتي أو المفضل»، فإذن هي ولفظة «عبقري» العربية أصلًا واصطلاحًا، أختان.? تقدم أن العرب كانوا يسمون شيطان الشاعر: الرئي والتابع، فكذلك الزوبعة هو الشيطان أو رئيس الجن.? ألم نقل أكثر من مرة: إن المسألة مسألة مزاج؟ الشاعر الشهيد


هذه كلمة صديق في صديقه:
كنا في المدرسة وبعدها، ثلاثة أو أربعة من الفتيان لا نكاد نفترق، وكان يجمع بيننا الصلة التي تجمع بين المسافرين أو رفاق السفر، وكانت رحلتنا إلى «المستقبل» في طريق سهل مهدته طيوف الخيال، وكان في «زوادتنا» كثير من الأماني والأحلام.
وكان عمر حمد أحد هؤلاء الثلاثة أو الأربعة؛ خير رفيق، يؤنسنا بشعره الذي لا يفتأ يترنم به كأنه يستحث عزائمنا، ويستفز قوانا، حتى نصل إلى الغاية التي كنا نتخيلها تخيلًا، بل نتوهمها، وها قد تصرمت الأعوام ولم ينته واحد منا حيث كان يرجو، ولله ما أطول الشقة! لقد انتقلنا من عالم الخيال إلى عالم الحقيقة.
أعدْتُ ذات يوم ذكرى ذلك العهد البعيد القريب، ذكرى الصبي، فقلت: إن أحد أصدقائنا، لما سئل: ماذا يطمع أن يكون في المستقبل؟ أجاب: الخليفة! وكان عمر حمد يرجو أن يكون شاعر الخليفة، أما «الخليفة» فقد استيقظ من هذا الحلم كما استيقظ من مثله الصياد، أحد أبطال «ألف ليلة وليلة»، وأما «شاعر الخليفة» فقد نام — رحمه الله — نومة لا تؤنس وحشتها طيوف الأحلام.
•••

وبعد، فهذا المختار من شعر عمر حمد نزفه إلى أبناء الضاد، إحياء لذكرى الشهيد وتكريمًا له، فهو ترجمان الروح التي كانت سائدة على النشء في تلك الأيام، وكان إذ يتلوه ناظمه، يثير في نفوس السامعين حماسة لا توصف، وإعجابًا ليس له حد، ولو مد الله في عمر صاحب الديوان لأصبح من فحول شعرائنا، فقد كان مطبوعًا على النظم، وكان منصرفًا إليه بكليته، وكان له كثير من المشجعين. لكن عمر حمد في حياته القصيرة، لم يكن سوى شهاب سطع بغتة في سماء الشعر ثم هوى، أو زهرة ما تفتحت عن نضرتها حتى ذوت.
•••

ولد عمر حمد في بيروت حوالي سنة ?????، وجده السيد حمد، مصري الأصل هاجر إلى هذه البلاد في زمن الأمير بشير الشهابي، وكان في الثامنة من عمره إذ ختم القرآن الكريم للمرة الرابعة متتلمذًا للشيخ شاتيلا المشهور في هذا البلد، وتوفي والده السيد مصطفى حمد قبل أن يجاوز الفقيد التاسعة من عمره، فاضطر إلى ترك المدرسة، واشتغل في السوق نحو أربع سنوات، ثم أدخل الكلية الإسلامية، فتلقى فيها دروسه على اختلاف أنواعها، وأخذ ينظم الشعر، وأكثر القصائد المجموعة في هذا الديوان هي مما ألقاه الفقيد في نادي تلك الكلية العزيزة، وإني لأتمثل الآن عمر حمد — رحمه الله — واقفًا على المنبر، يتغنى بمجد العرب الغابرين، ويندب سوء حالهم الحاضر، مستحثًّا العزائم، مستفزًّا الهمم، فأتمثل الحماسة متجسدة في ذلك الفتى الأسمر، الطويل القامة، الجهوري الصوت.
وفي سنة ????م أتم الفقيد دروسه في الكلية الإسلامية، ونال شهادة «البكالوريا» فألقى في حفلة توزيع الشهادات عامئذٍ قصيدته القصصية «المروءة والوفاء» المنشورة في هذا الديوان. لكنه لم يترك المدرسة التي أنجبته وقضى فيها سني صباه العذبة، فقبلته معلمًا للعربية وتاريخ الإسلام في القسم الاستعدادي، وكان في الوقت نفسه يحرر في بعض الصحف المحلية.
ثم نشبت الحرب العامة، فحمَلَتْه عاصفتُها الهوجاء إلى دمشق ضابطًا احتياطيًّا، فمكث فيها نحو ثلاثة أشهر، وكان الطاغية جمال باشا قد بدأ بتنفيذ مشروعه الدموي الذي يرمي إلى القضاء على كل نزعة استقلالية في البلاد العربية قضاءً مبرمًا، وألقى القبض على نفر من أبناء الوطن الأحرار، وزجهم في سجن عالية، وكان عبد الغني العريسي والأمير عارف الشهابي وعمر حمد — رحمهم الله — متيقنين أن دورهم آت لا بد منه، ففروا من دمشق في بدء سنة ???? مُرتَدِين ثياب البدو، سالكين سبل البادية العربية، وظلوا شريدين طريدين نحو ثمانية أشهر حتى قبض الترك عليهم في مداين صالح، إذ أوشكوا أن ينجو بأنفسهم، ويبلغوا «أم القرى» مهد الثورة.
وقضى صاحب هذا الديوان في غيابة السجن نحو أربعة أشهر، معذبًا مضطهدًا، لكن نفسه الأبية لم تَهن ولم تهُن، ولا يزال من عرفه في ذلك الجحيم السياسي يذكر جرأته، وصبره ورباطة جأشه وقوة إيمانه.
وفي السادس من أيار سنة ???? جيء بالفقيد ورفاقه إلى بيروت، ثم قادتهم الزبانية إلى ساحة الشهداء، فمشوا يهتفون للعرب ولاستقلالهم، ويتغنون بأناشيد الحماسة، وفاضت روح المرحوم عمر حمد بين أرواح صحبه الطاهرة على أعواد المشانق، فكان ميتًا أبلغ منه حيًّا، ولعل شهادة عمر حمد لإعلاء كلمة أمته، أشجى قصيدة ينظمها شاعر، وأروع نشيد ترفعه الأرض إلى السماء، رحمه الله رحمة واسعة.
????
الشاعر في السوق


الأدب صناعة، وإذا كانت صناعة الأدب تختلف عن سائر الصناعات من بعض الوجوه، فهي تشبهها من وجوه أخرى: تشبهها من جهة أن محاصيلها، ونعني «المصنوعات» الأدبية لا بد أن تطرح للبيع في أسواقها الخاصة، أو بالأقل أن تعرض على الجمهور وتقدَّم إليه خالصة بلا مقابل، اللهم إلا رضاه وتحبيذه واستحسانه، وليس هذا بالثمن البخس عند كثيرين.
هل تعرفون شاعرًا يكد قريحته ليلَ نهارَ، فينظم قصيدة عصماء فلا يهمه بعد ذلك إلا أن يتغنى بأبياتها في خلواته، راضيًا ناعم البال؟ أو خطيبًا يجهد ذهنه ساعات طوالًا، فيؤلف خطبة بليغة، فلا يهمه بعد ذلك إلا أن يحملها معه في «الترام» إلى ساحل «شوران» حيث يلقيها على تلك الأمواج الزاخرة كالجماهير، سعيد النفس باصطفاق الماء، مستغنيًا به عن تصفيق الأيدي؟ أو كاتبًا رواية يقضي الأيام باحثًا متفكرًا متخيلًا، فيدبج قصة ممتعة شائقة، فلا يهمه بعد ذلك إلا أن يمضي بدفتره إلى غابة الصنوبر؛ ليتلو على مسامع أشجارها وكل أوراقها آذان، ما كتب، فيخيل إليه أنها تتحرك طربًا، أو تبسط أغصانها لمصافحته، أو تقوم على ساقها من فرط الإعجاب به؟
إذا كنتم تعرفون هذا الكتاب وذاك الخطيب وذلك الشاعر فدلوني عليهم، ولا تنسوا أن كل قصيدة عند ناظمها عصماء، وكل خطبة عند صاحبها بليغة، وكل قصة عند مؤلفها ممتعة شائقة، والله أعلم.
•••

كان لي صديق من الشعراء? كنت أدعوه «شاعري» ويدعوني «راويته»؛ لأنه — رحمه الله — كان إذا نظم القصيدة أو بيتين منها لا يقر له قرار، ولا يرتاح باله حتى يُسمعني القصيدة أو البيتين «أولًا بأول» قبل أن ينشدها في الحفلة، أو ينشرها في الصحيفة، وكثيرًا ما كان يجيئني في ساعة متأخرة من الليل، فيوقظني وأهلي النيام، بحجة أن «عليه بيضة» كما يقول العامة، ويجب أن يبيضها. فكنت أقول له: حسن! لقد «بيَّضتها» … نراك بخير! وفي يوم من الأيام تقدم نحوي كالمغضب مهرولًا، فقال لي دون سلام: أين أنت؟ أنا في طلبك منذ أمس. انتهت القصيدة ولم أجدك … لم أجد واحدًا من إخواننا، كأنكم اختفيتم بين الأرض والسماء. لقد ضقت ذرعًا … كدت أموت. هل تعلم ماذا صنعت؟ لم أظفر في بيتنا إلا بجدتي العجوز «على البركة»، فأنشدتها القصيدة من أولها إلى آخرها دون شفقة، فكانت تُهَوِّم عند كل بيت ورأسها على صدرها، ولكني لم أقطع الحديث إلى النهاية، ثم سألتها رأيها: «كيف؟ يا جدتي»، فأجابت: «رح! الله يرضى عليك»، ولكن ما لنا ولهذا … اسمع الآن.
وقد سمعت، سمعت وأنا أفكر في الحيزبون الجليلة التي لم تفهم من ذلك الكلام إلا أن حفيدها «عالم … يقرأ ويكتب»، وفي ذلك الشاعر الخِنْذيذ الذي ينشد الجمهور، ممثلًا في جدته الوَسْنَى، قصيدته العصماء.
•••

إذن فالأدب صناعة مثل كل الصناعات، يتوجه أهلها إلى الجمهور ابتغاء مرضاته، ويعرضون عليه «بضاعتهم» رجاء أن يتقبلها قبولًا حسنًا، أن يقبل عليها، أن تنفق في السوق. وإذن فلا مناص للأديب — سواء الشاعر على أنواع شعره، أم الناثر على أنواع نثره — من أن يعرف حاجة الجمهور وطلبه؛ ليكفي تلك الحاجة ويلبي هذا الطلب: إن للناموس الاقتصادي المشهور شأنه هنا.
ولكن أي جمهور؟ هل يوجد جمهور واحد أم جماهير مختلفة؟ إن المسافة بين الذين لا يفهمون إلا قصة «أبي زيد الهلالي» وأمثالها، وبين الذين تسمو نفوسهم إلى «لزوميات» المعري وأشباهها؛ إن المسافة بين هؤلاء وأولئك لبعيدة، جد بعيدة، وليس أدعى إلى الضحك ولا أبلغ في الهجنة من أن نشهد «أبا زيد الهلالي» بحجة أنه بطل صنديد، وقَرْم عنيد، ومدجج بالحديد؛ هاجمًا على أبي العلاء الأعمى المسكين، ولسان حاله يقول: «مت! لا حاجة بنا إليك!»
ولا أحسب «أبا زيد» هذا، مهما كثر عديده، قادرًا ذات يوم، على قتل المعري، كما أن المعري لن يوفق إلى نسخ آية «أبي زيد» كل التوفيق. بيد أن الأدب في كل أمة وكل عصر يظل، بين أهل اليمين وأهل الشمال متجاذبًا؛ كلٌّ يشد إلى ناحيته، ويعمل على شاكلته.
وإذا كانت الآثار الأدبية بضاعة معروضة في السوق، معرضة لأن تنفق أو تكسد، فليس من الواجب أن تكون بأجمعها بضاعة مزجاة أو رديئة، وإن تكن الرداءة في هذا «الصنف» على الأغلب، شرطًا في رواجها أو «عدم وقوفها»، بلغة السوق …
????
? عمر حمد. ساعة مع العامليِّ


كنت في مكتب إحدى الصحف إذ دخل الأستاذ العامليُّ، وعلى وجهه أنوار البشاشة والهشاشة، وظلال الجد والتفكير، فلما بسط إليَّ يده مصافحًا، أحزنني أنه يقبض ذراعه اليمنى «مكوعًا» كأنه يشير بمرفقه إلى ناحية، ويتأهب لدفع صدمة، فقلت في سري: «لأمر ما …» وتمثل لي حينئذ أستاذنا الريحاني الذي نعرف جميعًا أنه لا يقدر على بسط يمناه، ولست أدري كيف ذكرت أيضًا أن العاملي في الزمن الأخير استحدث توقيعًا خطيًّا «زنكيًّا» يذيل به أحيانًا قصائده المنشورة في الصحف والمجلات، وهو على مثال توقيع للريحاني أيضًا، خطي «زنكي» لكن هذا أقدم عهدًا، وهممت بأن أقول لنفسي: لعل انقباض الذراع اليمنى والتوقيع الخطي من قبيل توارد الأفكار الشائع بين الشعراء؟ ولكن الأستاذ العاملي قال، وقوله الحق: هو «العصبي» بليت به أخيرًا … وليس الألم في الذراع فحسب، بل في جنبي كله. أصبحت إذا كتبت أربعة أسطر أحتاج بعدها إلى «هدنة».
– هدنة من صراع شياطين الشعر … شفاك الله يا أستاذ!
وتناول حديثنا الأدب والأدباء، فطرحت سؤالًا أجاب شاعر «الحماسيات» عليه بما يلي: إني بدأت في نظم الشعر ولي من العمر ستة عشر ربيعًا، ويبلغ ما نظمته حتى اليوم نحو ???? بيت في أربعة دواوين، أكثرها تحت الطبع.
– إذن لو قسمنا هذا العدد على الأيام …
وفعلًا أخذنا القلم، فجمعنا وطرحنا وقسمنا، فإذا بالأستاذ العاملي قد نظم خلال سبعة عشر عامًا، في كل يوم، بيتًا وربع بيت، وليس هذا بكثير، فما أضل أولئك الذين يأخذون عليه أنه مكثر! قال الأستاذ: وعلى كلٍّ فإن المكثر خير من المقل، هذا رأي ذكرته لبشارة الخوري … لو أخذت الجيد من كثير الشاعر المكثر لكان أكثر من جيد الشاعر المقل؛ بالطبع، هذه حقيقة حسابية في غاية البساطة والوضوح.
•••

قضيت مع الأستاذ العاملي ساعة ملأى بالفوائد، وكنت أود لو يتسع المجال لنقل آرائه سواء في أدباء مصر وشعرائها، أم في أدباء سورية وشعرائها؛ آرائه كلها التي كان يبديها بكثير من الحرية الحميدة دون أن يخشى في الحق لومة لائم، ولكن إذا لم يتسع المجال لجميع تلك الآراء، فلا مناص من ذكر بعضها ليعم الانتفاع بها، قال — حفظه الله: استفتاء «الأحرار المصورة» في أكبر شعراء سورية؟ سخافة وأي سخافة! لا رأيي ولا رأي أحد من المعاصرين يقام له وزن. الحكم للمستقبل! فقد تُطرح «حماسياتي» بعد مائة سنة في البحر، وقد ينشدها الناطقون بالضاد، ويتغنون بها بصوت واحد … من يعلم؟
– ولكن لو ألححنا عليك بأن تجيب على الاستفتاء — بالطبع بعد أن تُخرج نفسك من الموضوع — فما تقول؟
– أنا لا أرشح نفسي … المسألة بين خليل مطران وبشارة الخوري، وآخرهما أقرب إلى نفسي، أما أشعر المعاصرين على الإطلاق فشوقي، ولكن شوقي له عشر قصائد من طبقة عالية، وبها أُفضِّله على الشعراء جميعًا، على حين أن سائر شعره رديء كشعر …
وهنا أغفل اسمًا ذكره الأستاذ العاملي؛ لأني لا أحب أن أكون حامل الحكم بالإعدام «الشعريِّ» على فتى ربما كان وحيد أبويه … أليس كذلك يا أستاذ؟
ثم قادنا الحديث، والحديث شجون، إلى ذكر الحملات المنكرة التي كان الأستاذ العاملي يُفاجأ بها، حينًا بعد حين، في طائفة من صحف البلد، فقلت وأنا أهم بإمساك طرف الحديث: مثل هذه الحملات يدل عادة على أحد أمرين: إما أن يكون الرجل الذي يُحمل عليه عظيمًا، وإما أن يكون «لا شيء» يطمع في أن يَعُدَّه الناس شيئًا.
لكن الأستاذ لم يمكنني من إتمام كلمتي، فقال: لو أن عشر معشار هذه الحملات نزل بالسيد حليم دموس لخر صعقًا …
– الحملات العنيفة أيها الأستاذ، لا تكون إلا على الحصون المنيعة.
– نعم؛ لذلك ما كنت لأبالي بها قط، بل إن أول عمل آتيه، إذا طعن فيَّ — أريد في شعري — أحدُهم، هو أن أقوم بواجب زيارته كأن لم يك بيننا شيء مطلقًا، والشيء بالشيء يذكر: لقد قيل لي إنك نشرت منذ عامين في صحيفة «البيان» مقالة بتوقيع «المغربل» انتقدت نظمي بها …
– كلا، فأنا أوقع كل ما أكتبه باسمي، ولست «المغربل» بل صديقه.
– ولكن هل قلت لك كلمة في هذا الصدد؟ كن على يقين إن ذلك لم يَسُؤْني، ألم أقل لك مرات: إني سأزورك؟
وبينما كنت أجل وأكبر — من غير كلام — هذه الأريحية في الأستاذ العاملي، الواسع الذراع — كما يقول العرب — رغم انقباض ذراعه اليمنى بفعل العصبي المشئوم الذي لولا علمي أنه لا يُعدي، لقلت إنه أخذه من «الريحاني» إذ سمعته يقول كلمة هي مسك الختام لهذا الحديث الممتع، قال بصوت بعيد القرار: «إنك لا تعرفُني جيدًا. أنا رجل «تعبتْ» فيه الطبيعة كثيرًا.» ولقد أعجبني هذا القول من رجل يقول العارفون إنه أعظم مرتجل للشعر في سورية، لكنَّ الطبيعة لم ترتجله، على زعمه ارتجالًا.
ولله في خلقه شئون.
????
الشعر والداما


قالت العرب: من «أَلَّفَ» فقد استهدف، وقال الزهاوي: أما رباعياتي فعددها ألف رباعي.
وا أسفاه! لم يسعدني الحظ بالاطلاع على كتاب (أشراك الداما) للأستاذ الزهاوي، وفيه كما قيل: «جمع ??? لعبة لغيره من المشاهير و??? لعبة من مخترعاته، واستنبط لتصوير هذه الألعاب طريقة بالأرقام … إلخ»، وا أسفاه! لا لأني شديد الولوع بالداما فأطمح إلى جعل الزهاوي في إحدى طبقات اللاعبين وناصبي الأشراك، كما أني لا أطمع الآن بجعله في إحدى طبقات الشعراء ومقيمي الأوزان، كلا … وا أسفاه! لأني كنت إذن أتيقن من صحة رأي يجول في ذهني، الساعة وقد طالعت رباعياته مقارنًا إياها بالأثر الذي بقي في نفسي من مطالعة ما سبق له نشره من قصائد ودواوين في حينها. وهو (أي الرأي) إنَّ خَيْرَ ما صنفه الأستاذ وأبقاه على الدهر هو هذا المخطوط في أشراك الداما، أو هو خير (أقل ما يكون) من كل ما وفق إلى طبعه حتى هذه الأيام؛ لئلا يقال: إنا نعدو الحد بالحكم على المجهول، وإن يكن ثمة افتراض معقول أن الصانع يعرض، بل يقدم أفضل مصنوعاته.
آه لا! مائة شرك مخترع ليست بالشيء اليسير: كل شرك من المائة وليد جهد جهيد، وسهد طويل، وأوجاع كأوجاع الوضع، ولتعظمن هذه المخترعات في عينك إذا ذكرت أنها أتت بعد الخمسمائة — والفضل هنا للمتأخر — التي «عرقت» البشرية لاستنباطها خلال قرون متمطية بصلبها.
فالزهاوي — لا مراء — مدين لنا بكتاب ذي أبواب: في نشأة الداما وتاريخها، وفي طبقات لاعبيها وأهل الاختراع منهم، وفي المفاضلة بين الداما والشطرنج مثلًا: أيهما أفيد في فن تعبئة الجيوش وأكفل للنصر في الحروب، ثم تكون خاتمته، أنشأ الله، في «رأي تنازع البقاء فبقاء الأصلح» الذي لا يفتأ يراه الزهاوي، ولا نفتأ نعثر عليه نحن في منظومه، في صورته الدائمة الواحدة، والذي نحسب أنه اهتدى إليه — لكل شيء في دنيانا علة — من لعبة الداما وكم لعب جر إلى جد، لا من مذهب النشوء الدرويني عن طريق الرسائل الشميلية.
ليست الأشراك المائة المخترعة وحي الخاطر وثمرة الارتجال وبنت الساعة، بل هي كما أسلفنا، وليدة التفكير والاجتهاد والزمن، ولكن الزهاوي في الشعر ورباعياته نقيض الزهاوي في الداما وأشراكها، بطبيعة الحال ولضرورة الموضوع. هو في الشعر مكثر (قال له أحد مناقضيه المصريين في مطلع قصيدة: أقلَّ!) مرتجل فلا ينضج الشواء إنضاجًا بل يلوحه تلويحًا، مستقل عن الزمان فلا يشاوره في أمر ما يذهب جفاء وما يبقى لينفع الناس. وإذا كان كثير الاختراع في الداما فهو قليل التوليد في الرباعيات، وإذا كان للداما أن تخلد اسمًا فهي التي ستخلد اسمه: صاحب المائة اختراع بعد الخمسمائة، وسيقال في ترجمته في ذلك الموضع: وكان «أيضًا» ينظم الشعر …
لأحد أئمة الأدب (غوتي) الألماني كلمة جديرة بأن تذكر هنا، قال: «ليس الأدب إلا جزءًا من أجزاء، فإنه لا يكتب مما صنع أو قيل، إلا طرف يسير، ثم لا يحفظ مما كتب إلا طرف يسير أيضًا.»
ويقول صديقه الشاعر (شلر): «بينما نحن نجهد أنفسنا لنظم قصيدة لا بأس بها، إذا بغوتي وليس عليه إلا أن يهز بجذع الشجرة فتساقط على قدميه ثمارًا جميلة يانعة، ويغلب أن تنشأ الأشعار في ذهنه من تلقاء ذاتها ولا دخل لإرادته في ذلك، بل رغم إرادته أحيانًا. ولقد نشأت طائفة من غرر قصائده تامة فلم تكلفه إلا مؤنة كتابتها، ولكن منها ما نام أربعين أو خمسين سنة في رحم أبكار معانيه، أعني ذلك الدماغ الذي حمل بتراجيدية (فاوهت) الشعرية ما ينيف على ستين عامًا.»
هذا نموذج الشاعر الذي لم ينظم إلا بدافع من القوة الباطنة، وإلا بوحي من قلب غنيٍّ سخيٍّ وإحساس فيَّاض وذهن قادر، هو لم ينظم لينظم بل كَمَنْ يضع عن كاهله حملًا ثقيلًا.
لذلك حُقَّ لنا العجب من أن عدد الرباعيات التي أتحفنا الزهاوي بها ألف رباعي دون زيادة ولا نقصان، وحق لنا أن نتساءل: لِمَ لَمْ تكن (???) أو (????)، بل كانت كأصناف البضاعة التي تخرجها المصانع حسب الطلب من الأحذية إلى الأمشاط؟ البضاعة والرباعيات الجاهزة؟
لعل ذلك ليكون بينها وبين ألفية ابن مالك وجه شبه. فإذا جاز لأستاذنا أن يفرض على نفسه نصب مائة شَرك من مخترعاته في الداما، فحرام أن يعامل الشعر معاملة الداما، فيقيم وزن ألف رباعي أو يجندها طابورًا … للموت.
لعمر الخيام شاعر الرباعيات الفارسي المشهور في الشرق والغرب نحو ??? رباعيًّا هي ما أثبتَ نَقَدَةُ الإفرنج أنها من نظمه، فإذا كانت طبعات كلكتا ويومباي الأخيرة تتضمن نحو ??? رباعي، فقد نحل الخيام إذن ضعفي الأصل الذي له، وفي هذا دليل على سلطان الرباعيات الخيامية، وعظيم أثرها في النفوس، وعالي مقامها في دولة الأدب، أما الآن وقد ذهب عصر الإنحال بقيام دولة الطباعة، فلم يعد من سبيل إلى التساؤل كم تصبح رباعيات الزهاوي بعد كذا من القرون؟ ولكن لو … فهل كانت تزيد رباعيًّا واحدًا! نعم في قدرة صاحبها أن يزيدها آلافًا من هذا الطراز.
??? رباعيًّا خياميًّا، كل واحد منها جوهرة بتمام المعنى وجِدَّته وكمال الأسلوب ودقته، فيها خلاصة حياة الخيام متبلورة كالماس: فكره النفاذ وإحساسه الرقيق وعاطفته الحية، وطبع غير متكلف وصدق لا يعرف الرياء، كان يهز إليه بجذع الشجرة فتساقط على قدميه ثمارًا جميلة يانعة.
لو عاش الخيام في «عصر الزهاوي» لقال الأول للآخر: لا، بالله عليك! لا تقل في مقدمتك على هذه الرباعيات المتأخرة: وقد أخذت طرفًا من الدساتير الاجتماعية لغوستاف لوبون متصرفًا فيها تصرفًا يقربه من النظم، وعدد هذا لا يتجاوز الثلاثين رباعيًّا، بل لا «تأخذ» اجتماعيات … ذلك العالم: أولًا لأن هذا يُذكِّر الناس بنظامي علوم اللغة والطبيعيات والشرع في عصور الانحطاط اللفظية؛ وثانيًا لأن الراغبين في اجتماعيات لوبون يرغبون عن (رباعياتنا) إلى تصانيفه … ولكن لا بأس! في قولك: «وعدد هذا لا يتجاوز الثلاثين رباعيًّا» لهجة الاعتذار، وإذن كان الخيام يقول للزهاوي أشياء كثيرة غيرها.
وبعد، فلماذا اختار الزهاوي هذا النوع من أنواع النظم أو هذه الصورة، صورة الرباعي؟ بالطبع لا للتنويع فحسب؛ ولا لأن صيت الخيام ملأ الآفاق وحبه ملك القلوب، كلا، فالرباعي في ذاته لا يكفي لحصول هذه النتيجة، وما كان لصيت الخيام أن يفيء ظله في هاجرة النسيان على غير ما نظمه هو، فينبغي إذن أن يكون ثمة ما أغرى الزهاوي باختيار هذه الصورة أو القالب الشعري، فكيف كان كذلك؟
الجواب في كلمة لأحد حكماء العصر الشعراء «نيتشه» الذي يقال إنه أكبر شعراء الأفكار تمييزًا لهم عن شعراء العواطف، والذي كان لأسباب صحية لا يصنف، إلا فيما ندر، كتابًا متماسك الأجزاء الآخذة بعضها برقاب بعض، بل كان يقيد آراءه واحدًا واحدًا بعد التفكير الطويل والنضوج الوافي، في جمل موجزة لبابية يسمونها «أفوريسم» أو جوامع الكلم، لست أذكر ما قاله بنصه، ولكنه يشبه هذه الكلم الجوامع بقمم الجبال، قائلًا إن الجبار وحده قادر على سلوك أقصر طريق من قمة إلى قمة، بتخطي الوديان.
فيمكن الآن القول: إن نوع الرباعي في الشعر هو كالأفوريسم في النثر وإن الزهاوي اختاره ليودعه زبدة تفكيره وشعوره، فتكون الرباعيات أعلى مظاهر التفكير والشعور؟! أجل، ومن هذا القبيل قوله في القطار:
مشى بنا فوق خطينينهب الأرض نهبًا وقوله في الكهرباء «أساس الحضارة»:
به التراسل فيه الشـْـشِفاء منه الضياء وقوله في «نسب» الشمس:
فإنها أم دنيانا وابنة اللا تناهي إلى غير ذلك من التعاريف العلمية المفيدة وهي كثيرة.
أما التضمينات العجيبة النادرة، فإنك لا تكاد تقلب صفحة إلا عثرت ببعضها: «ولكم في القصاص حياة، نظرة فلفتة فسلام، ما كل مرة تسلم الجرة»، وغاية الإبداع في قوله «مضمنًا»:
إن المدارس إما امــتلأن تخلو السجون وفي قوله:
افعل بغيرك ما تريد ليفعلوابك مثله وكما تدين تُدان حجر أصاب به عصفورين: الآية الإنجيلية والقاعدة الإسلامية، وما سوى ذلك آراء في … كل شيء، توفق إلى مثلها المرحوم جدك إلا أنها في هذه الرباعيات خسرت لهجة الصدق والسذاجة، دون أن تعاض عنها، اللهم إلا بالوزن.
لا حول ولا … ها نحن هبطنا من قمم الجبال، ولكن لا بأس فقد عرفت في الوادي السبب في أني ما سمعت، ولا تلوت يومًا قصيدة جديدة من نظم الزهاوي إلا أحسست إحساسًا غامضًا، كأنما سبق لي سماعها أو تلاوتها أكثر من مرة، قبل هذه المرة … حِسٌّ لا يُخدع عما هو جديد، وعما هو مُدَّعٍ للتجديد.
أما التواضع فشاعر الرباعيات قدوة فيه، قال:
أيها الحب كنت ليقبلما كنت للبشرقبلما كنت للكواكب والفجر والقمر ومن هذا النوع قول مصطفى صادق الرافعي:
لو يسمى في الأنام الــحب ما اختار سوى اسمي بينما (دوبورتوريش) الشاعر والتراجيدي الفرنسي، الذي أجمع النقاد على أنه من أبرع المعاصرين وصفًا للقلب الإنساني في حالات الحب، لا يقول «في الفخر» غير هذا البيت:
عسى أن يكون لي اسم في تاريخ القلب!اسم في تاريخ القلب أو اسم في تاريخ الداما؟المهم أن يكون لك اسم في تاريخ «شيء» …????
بين شاعرين


(?) سوللي برودوم وإلياس فياض

إني كثير المطالعة قليل الكتابة، وقد أوتيت بسطة من العيش وكثيرًا من الفراغ يسَّرا لي الانصراف إلى كتبي ودفاتري، أقرأ وأُقَيِّد ما يَعُن لبالي، وقلما أغفل شاردة أو واردة لاعتقداي أنها تفيد يومًا من الأيام، ولو شئت الآن أن أعيد النظر في حياتي الماضية وأحصي ما مر عليَّ من حوادث جديرة بالذكر؛ كي أكتب سيرتي بنفسي، لاستطعت دون عناء، اختصارها في هذه الجملة الجامعة «مطالعات في زاوية بيت»، فإن الكتب التي طالعتها هي أعظم حوادث حياتي.
كذلك لست أعرف واحدًا من أدبائنا «المعروفين» معرفة شخصية، غير محاول التعرف إليهم، مكتفيًا بقراءة ما يكتبون وما يكتب عنهم، متصورًا «ذاتياتهم» المادية والمعنوية من خلال كتاباتهم، وكتابات النقاد عنهم، وبقدر ما تكون كتابات الأدباء شفافة صادقة تكون تصوراتي واضحة، ولكن هذا نادر؛ لأن أغلبهم يطرحون بينهم وبين القراء، بغلبة الصنعة والتقليد على شعرهم ونثرهم حجابًا كثيفًا، وإني لأجد في تصور كُتابنا وشعرائنا المعاصرين على هذه الكيفية، لذة تذكرني بما كنت أجد من لذة وأنا حدث السن، في حل الألغاز والأحاجي الرائجة بين النشء، بيد أني لم أحاول مرة أن أجرب صدق فراستي، فأتعرف إلى فلان الشاعر مثلًا؛ لأقارن بين صورته في ذهني وصورته في حقيقته، لسببين: أولهما الكسل عن معايشة الناس لا سيما طائفة الأدباء منهم، وثانيهما الخوف من أن أفجع بصور لي في خلقها أكبر نصيب، وقد يكون ثمة أسباب أخرى لا أتبينها الآن.
زرت مصر منذ نحو عشرين سنة، فسمعت حافظ إبراهيم يلقي في إحدى الحفلات قصيدة لشاعر مشهور لا أذكر أهو شوقي أم إسماعيل صبري أم غيرهما، فأحدثت لهجته في نفسي أثرًا بليغًا، وبقيت زمنًا طويلًا لا أقرأ «بعينيَّ» شعرًا إلا كان يخيل إليَّ أني أسمع لهجة حافظ، كأنما نبرات صوته ترن في أنحاء نفسي، فكانت صورة حافظ تخالط في ذهني صور الشعراء الذين أقرأ لهم، فتكدر صفاء تصوري، كالأخيلة التي يراها الحالم في رؤياه ولا يفلح في إبعادها إلا إذا استيقظ، بل قد يبقى شيء منها حتى بعد اليقظة، حينًا قليلًا ثم تضمحل. وأخيرًا أنستني الأيام لهجة حافظ وصورته، فكنت كمن أفاق من حلم مزعج فإذا أعضاؤه سليمة، وحياته في أمان، ولا أشباح تعذبه مكشرة عن:
… مسنونة زرق كأنياب أغوال
إني إذن منذ سنين طويلة منصرف إلى مطالعة الكتب في زاوية بيتي، وقد أتت عليَّ أعوام لم أقرأ في خلالها إلا دواوين الشعر من عربية وإفرنجية، قديمة وحديثة، فأولعت زمنًا بالمقارنة والمقابلة بين الشعراء؛ لاكتشاف أوجه الشبه أو الاختلاف بينهم، مغتبطًا كلما وُفِّقْت في مسعاي اغتباط الرحالة الذي يستكشف مجاهل الأرضين والبحار، ويظهر أنه كان لي شيطان يلهمني ويسدد خطواتي، وإلا فكيف قرأت في وقت معًا ديوان الشاعر العصري إلياس بك فياض وديوانًا صغيرًا للشاعر الفرنسي (سوللي برودوم) يتضمن قصيدة عنوانها (المجرة) تشبه قصيدة (النجوم) لشاعرنا العربي شبهًا عجيبًا؟
إلياس فياض شاعر مطبوع رقيق، وليس بضاره أنه مقل، فلعل له في إقلاله عذرًا، أو لعل ذنبه الكسل، أو لعله نظم كثيرًا في شبابه ثم ناله شيء من العياء (ولا أقول: العي)، فأحب أن يأخذ لنفسه شيئًا من الراحة، كالمسافر الذي قطع مسافة طويلة، عني كثيرًا بالترجمة عن الفرنسية لا سيما ترجمة القصص التمثيلية، وعرَّب أيضًا بعض القصائد مثل (سقوط الأوراق) للشاعر الفرنسي (مللفوا) و(اذكريني) لألفرد دو موسه، و(النسيم العاشق) التي أخذها من قصة تمثيلية شعرية اسمها Les Bouffons، ويدعى صاحبها ميكال زاما كويي وتعريبه هذه القصائد حسن، رغم ما يعانيه المترجم، على الأخص إذا أراد أن يترجم الشعر الفرنسي في شعر عربي مبين. أذكر أن الأستاذ فياض نشر منذ بضعة أشهر في صحيفة المعرض مقالة ممتعة طلية انتقد بها قصيدة من نظم محمد كامل شعيب العاملي، وهي قصيدة فلسفية أو علمية أو إلهية، يقول صاحبها فيها أشياء عن النجوم؟! وكان الأستاذ فياض مصيبًا في نقده ذاك الإصابة كلها، لكنه قابل في مقالته الانتقادية بين أبيات العاملي، وأبيات لشاعر لم يذكر اسمه، وإن يكن أغلب القراء عرفوا أنه إلياس فياض نفسه صاحب قصيدة النجوم المشهورة، المنشورة في ديوانه.
إن قصيدة النجوم، لإلياس بك فياض، هي قصيدة المجرة La Voie Lactée لسوللي برودوم، ولا أدري لماذا لم يذكر الشاعر العربي أنها منقولة عن أصل فرنسي، كما ذكر أنه نقل تلك القصائد الثلاث المعروفة: سقوط الأوراق، واذكري، والنسيم العاشق؛ ألأنه لم يراع الأصل في الترجمة مراعاة تامة؛ أم لأنه حور آخرها تحويرًا طفيفًا؟ وعلى كلٍّ فإن تلك «الخلقة» الفرنجية لم تتنكر في حلتها العربية تنكرًا يضيع عنا حقيقتها: قد عرفناها وهل يخفى القمر؟ وإليكم قصيدة المجرة ترجمتها نثرًا عن الفرنسية متقيدًا بالأصل عاية جهدي، وبإزائها قصيدة النجوم كما نظمها إلياس بك فياض بأسلوبه الرائق:
المجرة (للشاعر الفرنسي سوللي برودوم)

قلت للنجوم ذات مساء:لا إخالك سعيدة،إن لأنوارك في اللانهاية السوداءحنينًا شجيًّا.فكأني أبصر في السماءجنازة بيضاء يتقدمها عذارىيحملن شموعًا لا تحصىويتبع بعضهن بعضًا بفتور.أأنت أبدًا في صلاة؟أم أنت كواكب جريحة؟إن هذا الذي تُريقِينهلدموع من ضياء لا أشِعَّة.أنت النجوم، جدةالخلائق والآلهة،أأنت تبكين؟أجابت: نحن في عزلة …كل واحدة منا بعيدة جدًّاعن أخواتها وإن خلتها قريبة!ونورها اللطيف الضئيللا شاهد له في موطنها.وهكذا فإن توقد أشعتهايضمحل في سماوات لا تبالي.قلت لها: قد فهمت ما تقولين،فإنكن تشبهن الأنفس.كذلك هي: كل نفس تضيءبعيدة عن أخوات نخالهن علىكثب منها،وهذه الخالدة في عزلة،تحترق صامتة، في الظلام …النجوم (لإلياس بك فياض)

قلت للنيرات ذات مساء:أترى أنت مثلنا في شقاء؟ساهرات الجفون — هل لفراق؟خافقات الضلوع — هل للقاء؟هائمات مع المجرة تجرين إلى غير غاية أو رجاءمثل سرب من المها، ظامئاتحول ماء يمنعن ورد الماءأو عذارى من حول نعش حيارىفي صلاة ما تنقضي ودعاءإن في لحظك الشجي حنينًانافذًا سهمه إلى أحشائيوأرى نورك الضئيل كدمعسائل من محاجر بيضاءأثغور كئيبة أم جراحأنت في اللانهاية السوداء؟أنت يا جدة الخلائق، أم الدهر يا ربة الهدى والضياء!أنت تبكين يا نجوم؟ أجابتنحن في عزلة بهذا الفضاءبيننا الهجر من قديم فلا يغــررك منا تقارب الأضواءكل نجم منا يعيش بعيدًاعن أخيه في وحشة وجفاءمحرقًا نفسه بغير انتفاعذاهبًا نوره سدى في السماءقد فهمت الذي تقولين يا شهــب فأنتن أنفس الشعراءهكذا نورها يضيع بأفْقنزلت منه منزل الغرباءلا ترى الأنفس القريبة منهاما بها من توقد وذكاءفتنير الظلام حينًا وتمضيفي ثياب الخلود نحو الفناء هذان هما الأصل الفرنسي والاقتباس العربي، ولا أحسب القارئ واجدًا لذة في قراءة ترجمتي المنثورة إلا هو واجد أضعافها في قراءة الاقتباس العربي المنظوم، ولكنه يحسن كذلك صنعًا إذا أخذ في مقابلة القصيدتين، فرأى كيف يقدم الأستاذ فياض ويؤخر، وكيف يختصر المعاني أحيانًا وأحيانًا يفصلها، وكيف يجتهد لإبراز تلك الصور الفرنجية في حلة عربية، وأين وفق وأين لم يسعده التوفيق، أدع ذلك لغواة الشعر من القراء، ولا يخفى ما فيه من اللذة والفائدة على السواء.
إن الأستاذ فياض، لما قابل في نقده العاملي، بين أبيات هذا الفاضل وأبيات الشاعر الذي لم يذكر اسمه، والذي حسبه الناس يومئذ الأستاذ فياض نفسه؛ لأن الأبيات من قصيدة منشورة في ديوانه؛ نقول: لعله لم يذكر اسم الشاعر يومذاك؛ لأنه «تذكر» فجأة أن قصيدة النجوم هي في الحقيقة قصيدة المجرة.
ولكن الشاعر الفرنسي برودوم يتكلم في قصيدته عن الأرواح أو الأنفس، عن أرواح بني آدم جميعًا ولا يخص أناسًا دون آخرين، فلِمَ حصر الأستاذ فياض المسألة في طائفة واحدة من الناس هي طائفة الشعراء؟ ألأن الشعراء وحدهم ذوو أرواح وأنفس؛ أم لأنهم أصحاب وجدان؟
دمشقي
(?) كتاب مفتوح

سيدي الأستاذ الريحاني — حفظه الله:

إذا كان شيخكم شيخ الفلاسفة أفلاطون، أخرج من جمهوريته الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، وفي كل واد يهيمون، فلماذا عصيتم أمره؟ ألا ترون يا سيدي رأيه أنهم يعيثون في المجتمع، وفي أخلاق الناس فسادًا؟ أقول ذلك لأن الشعراء ما كادوا يبلغون في هَيامهم الطويل واديَكم، وادي الفريكة، إلا كنتم إلى لقائهم خفافًا، فأحسنتم وفادتهم وأنزلتموهم على الرُّحب والسَّعة، كأنكم تريدون تطييب خاطرهم فينسوا آلام النفي الجائر الذي حكمت به عليهم منذ أجيال وقرون، الحكمة — لا المحكمة — حكمة الإمام أفلاطون — عفا الله عنه.
ومن قبل يا سيدي أكرمتم المعري إذ ترجمتم شعره في الإنكليزية رباعيات، فزعم بعض المحبين — وهم كثر — أن الترجمة أفضل من الأصل العربي، ولكني أجد عناءً كبيرًا في تصديق هذا الزعم؛ لأني أحب المعري في عروبته كما هو، حبًّا جمًّا وأعجب به إعجابًا لا حد له، ولعمري هل يستطيع مترجم مهما يكن مجيدًا — وإن يكن الريحاني — أن يترجم في لغة أجنبية شعر الشاعر العبقري، فتأتي هذه الترجمة خيرًا من الأصل؟ وعلى كلٍّ فإني لأرجو أن يكون المعري — يوم نشرت رباعياتكم الإنكليزية — قد حملت إليه نسخة منها في ظلال الجنة التي وعد المتقون، فخف إلى «ملتون» يقرئه إياها، ثم جلسا يتعاكظان.
أقول: في الجنة، أجل، فالجنة ليست — بمشيئة الله — كجمهورية أفلاطون خلاء من الشعراء، بل إذا كان هؤلاء الذين يقضون عمرهم متوجعين من حياتهم الدنيا، شاخصي البصر متطلعين إلى جنات النعيم حتى إذا لمحوها لمحًا، أو هبت عليهم منها نفحة عادوا إلى أنفسهم يجهدونها؛ ليصوروا للناس ما رأوا؛ وليودعوا شعرهم تلك النفحة العلوية، إذا كان هؤلاء لا يفوزون بالجنة فمن الفائزون؟ وتالله إن لم يكن الشعراء في الجنة فأين يكونون؟ ألا ترون يا سيدي الريحاني أنه ليس من الحكمة جعلهم في دركات الجحيم؛ لئلا يفسدوا على الموكل بعذاب الأشقياء عمله، فيسلوا المعذبين عما هم فيه من العذاب، كما يَسْلُون البشر في هذه الدنيا؟
•••

لنعد الآن، إذا أذنتم، إلى حبكم الشعر والشعراء رغم أنف أفلاطون، صاحب تلك الجمهورية الحزينة. قلت إنكم أكرمتم المعري من قبل، وأقول إنكم تكرمون إلياس بك فياض من بعد، أو تحسبون أنكم تكرمونه فإذا أنتم في الحقيقة تكرمون الشاعر الفرنسي سوللي برودوم، ولا أدري لمن الذنب في هذا، بل يُخَيَّل إلي أن الذنب لشيطاني أنا، وإليكم القصة: كتبت منذ أسبوعين في هذا (النديم) المؤنس مقالة قابلت فيها بين قصيدة (المجرة) البرودومية وبين ترجمتها (النجوم) الفياضية، وقلت يومئذ إن لي شيطانًا يلهمني في المقارنة أو المقابلة بين الشعراء، ويسدد خطواتي، وإلا فكيف قرأت معًا ديوان الشاعر العربي فياض وديوان الشاعر الفرنسي برودوم؟ ويلوح لي أن هذا الشيطان بينما كنت أكتب مقالتي تلك، سول لكم أن تجلسوا حول طاولة المُدام، على رواية مجلة «مينرفا» في جزئها الأخير، فتذكروا الشعر والشعراء والمتشاعرين، فينشدكم الأستاذ فياض قصيدته «النجوم» فتفعل القصيدة في نفوسكم، ويحملكم الإعجاب بمعانيها ومبانيها على أن تهتفوا: «الله! الله! هذا شعر خالد، هذا شعر الأمم»، ثم تبرعتم يا سيدي الريحاني بنقلها إلى الإنكليزية، أو اقْتُرح عليكم ذلك، ولا فرق فالمهم أنكم فعلتم: ترجمتم قصيدة «النجوم» العربية في لغة شكسبير.
ولماذا؟ بالطبع لا ليقرأ هذه الترجمة الجيدة في مجلة مينرفا، قُرَّاؤها من الناطقين بالضاد، كما أنكم لم تقتبسوا بعض لزوميات المعري وتُودُعوها رباعياتكم الإنكليزية لأتمتع أنا بمطالعتها. لقد أردتم في كلتا الحالين أن تُظهروا الإفرنج على آدابنا بنقل طائفة من نماذجها العالية.
ولكن … أرأيتم يا سيدي، لو أن شيطاني نشر غدًا أو بعد غد، في إحدى المجلات الأمريكية التي تزدان بمقالاتكم، بعد مقدمة وجيزة يُطْري فيها الأدب العربي في هذا العصر، ويذكر فضل الأستاذ فياض عليه … أجل، لو أن شيطاني نشر قصيدة النجوم بالعنوان الآتي:The Stars
By Elias Fayad
Translated by Ameen Rihani
على نحو ما فعلت «مينرفا»، ثم أخذ المجلة فتًى أمريكي يطلب العلم في كلية الآداب بباريس، ويشتغل في أطروحة — كما يقول صديقي المجمع العلمي العربي — موضوعها: «الرأي الفلسفي في شعر سوللي برودوم» أو «سوللي برودوم والمذهب البرناسي»؛ لينال بأطروحته شهادة الدكترة في الآداب، فوقع نظر صاحبكم على «نجومنا»، فقرأها فذكر أنه قرأ شيئًا من هذا القبيل في غير هذا الموضع، ثم ذكر أخيرًا أنها «مجرة» شاعره سوللي برودوم … أرأيتم يا سيدي الريحاني لو أنَّ القصة تختم بقول الفتى الأمريكي وهو يضحك: ولكن … ولكن هذه بضاعتنا ردت إلينا!
•••

إذن، لقد هتفتم يا سيدي ليلتئذ: «هذا شعر خالد. هذا شعر الأمم!» أما إنه شعر الأمم، فلا عجب: قصيدة إفرنجية التصور والإحساس والتفكير، اشترك في وضعها قلب غربي ودماغه. ولكنكم تغفرون لي جرأتي إذا قلت إن أكثر إعجابكم بها ناتج عن أنَّ هذا النوع من الشعر نادر في أدبنا العربي بل يكاد يكون معدومًا، وإلا فإن للشاعر الفرنسي سوللي برودوم في دواوينه الشعرية العشرة مئات من القصائد تماثل قصيدة المجرة أو النجوم وتفضلها، وليس سوللي برودوم في الطبقة الأولى ولا الثانية بين شعراء الفرنسيس. كان إمام البرناس وهو مذهب في الشعر تقوم دعوة أهله على تجويد المبنى ولا مذهب لهم سواه، وكان في حياته ذائع الشهرة، وكانت كتبه متداولة، لكنه بعد سنة ???? ترك نظم الشعر، ورغم أنه توفي سنة ????؛ أي من عهد غير بعيد، فلا يقرأ الناس اليوم شعره كثيرًا، ما خلا بضع قصائد يجدها الطلاب في كتب المختارات الشعرية، وإحدى هذه القصائد — إذا لم أكن مخطئًا — قصيدة «الإناء المكسور» التي عرَّبها بشارة الخوري.
وعلى كلٍّ فإني لأرجو أن تكونوا صادقين في تنبُّئِكم عن هذا الشعر، فيكون خالدًا بإذن الله؛ لا لأني أضن بدواوين سوللي برودوم أن تعصف بها ريح الزمان، فتذريها كورق الخريف، كلا فإن للشاعر الفرنسي ربًّا يحميه أو يتخلى عنه؛ هو وشأنه، بل أرجو أن تصدق نبوءتكم؛ لأنكم تكلفتم شيئًا من العناء، وحملتم مؤونة هذه الغريبة الدار: القصيدة الإفرنجية المعربة، فنزعتم عنها الحلة المُوشَّاة التي كان خَلَعَها الأستاذ فياض، ثم أعدتموها في زيها الأصلي لتردوها إلى أهلها، كما ترد الأمانات، سالمة غانمة، ولكن متغيرة بعض الشيء بفعل المناخ — عافاها الله — وإذا كان نفر من الناطقين بالضاد قد ألفوا هذه الغادة الفرنسية التي قضت في ربوعهم نحو أربعة عشر ربيعًا، وشغفوا بمحاسنها الغريبة حبًّا، فلا بأس أن يودعوها بدمعة، قولوا لهم معي يا سيدي الريحاني: عزاء يا إخواننا! لا بد من أن يرجع الشيء إلى أصله، مهما يطل العهد ويبعد المزار. وإذا كان مكتوبًا لهذه الغادة الحسناء أن تهرم ويذهب جمالها، فخير لنا ولها أن تكون عند أهلها، فإن هؤلاء أحق بإيوائها يوم لا تصلح لشيء.
•••

ما العمل يا سيدي؟ لقد كانت النِّيَّة، إذا أردتم إطلاع الغرب على نموذج حسن من أدبنا العصري، حسنة صالحة، فإذا لم توفق النية هذه المرة؛ فلأن شيطاني أفسد عملها المشكور، قاتله الله وحفظكم الله!
وفي الختام يسألكم الصفح الجميل امرؤ أراد أن يتشرف بالكتابة إليكم، فإذا بمئات من قراء (النديم) حول منضدته يقرءون من غير استحياء ما يكتب — إذ هذا هو الكتاب المفتوح على ما يظهر — والسلام عليكم من معجب بكم وبفياض، بل بكل نزعة مباركة إلى التجديد في عالمنا العربي.
الصالحية في ? مارس سنة ????
دمشقي
يوسف غصوب


(?) القفص المهجور

يقول «ريمي دو غورمون» من نقدة الفرنسيس: «كل تبديل يطرأ على أدب أمة من الأمم، فلا بد أن يكون ناشئًا عن علة خارجية» أو أجنبية.
بهذا الرأي الحصيف أحب أن أستهل كلمتي الوجيزة في المجموعة التي يُتْحِف بها يوسف غصوب أدبنا العصري، ولا ينكر أن الذين يُلقَّبون (أو يلقبون أنفسهم، أو يلقب بعضهم بعضًا) بالمجددين هم رهط من الأدباء تأثروا بالآداب الغربية تأثُّرًا بليغًا (أو غير بليغ) ذلك هو الواقع الذي لا محيص عنه، ولا ينكر أيضًا أنَّ الخلاف بين هؤلاء وبين خصومهم (ويدعون بالمحافظين، أو بالمقلدين إذا أُريد الزراية عليهم) يقوم على هذه المسألة: هل تورث الآداب الغربية الأدب العربي غنًى ونماءً وجِدَّةً، أم أنها تدخل عليه الفوضى، وتَسِمُه بالرَّطانة، وتشوه محاسنه؟
فأما أن يصم دعاة التجديد (أو أدعياؤه) خصومهم بالتقليد، لتأثرهم بالأدب العربي التليد؛ فهو حق وصدق. للمحافظين بعد ذلك أن يقذفوا المجددين بهذه الكُرَة نفسِها، لتأثرهم بالآداب الغربية الطريفة؛ فهو عدل وصواب، ونحمد الله على أن الكرة لن تصيب من هؤلاء ولا من أولئك مقتلًا، وإلا بَطَلَ اللعب وخلا الميدان، لكن بين المجددين والمحافظين في تقليدهم جميعًا، هذا الفرق الظاهر وهو أن هؤلاء يأتوننا بنماذج متشابهة من أمثلة معروفة مألوفة، في حين أن أولئك يأتوننا على الأغلب بنماذج طريفة من أمثلة غير معروفة ولا مألوفة، وليس ما يُتْحِفنا به المجددون من أمثلة غير معروفة «منكرًا».
•••

لقد بنى «دوغورمون» رأيه الذي ذَكَرْنا على شواهد صحيحة من تاريخ الأدب الفرنسي، وفي أوربة اليوم علم قائم بذاته يسمونه «تاريخ الآداب بالمقابلة» موضوعه التأثيرات التي تقايضتها الآداب الإنسانية في مختلف الأزمنة (من هذا التاريخ فصل ضاف في انفعال آداب الغرب بالآداب الشرقية عامة، والأدب العربي خاصة. وقد نجد شيئًا من هذا القبيل في تاريخ أدبنا: العصر العباسي – الإغريقي الفارسي، مثلًا).
فإذن الأدب العربي بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يظل محافظًا يحيا بمادته، متأكلًا مجترًّا، ويعيد ذاته كرجع الصدى، ويتقمص رجاله بعضهم بعضًا، وإما … بل ثمة أمر واحد ليس لأحد في دفعه يدان، نعني التبديل الطارئ على أدبنا الحديث، بفعل عناصر خارجية أجنبية: ليس الأدب العربي جزيرة في عُرْض الأوقيانوس تنتظر كولمبوس، ولا روحنا صخرة تتحطم عليها هذه الثقافات الغربية الجائحة الفاتحة، الهائجة المائجة، وإذا كان التبديل طارئًا على حياتنا في كل مظاهرها، فأين نجعل أدبنا كي لا يناله تبديل؟ هو هذا الطوفان، و«لا عاصم اليوم»!
•••

يوسف غصوب أحد شعراء العصر الذين تأدبوا بآداب الفرنجة واقتبسوا من ثقافتهم، وإن القراء ليجدون في مجموعته هذه آثارًا واضحة جلِيَّة من تلك الآداب والثقافة، فقصيدة «الانتظار» مثلًا تذكرنا إحدى قصائد «ألفرد دو موسه» الأربع المشهورات، أعني «ليلة أكتوبر» التي يصف فيها الشاعر المُدْنَف آلام نفسه ولواذع غيرته، وهو ينتظر حبيبته «الفاجرة» طوال ليلة من ليالي الخريف حتى إذا وافته ضحى، خاطبها بمثل قول شاعرنا العربي:
بينما مهجتي تذوب انتظارًاهي في خمرة وفي أوتارترشف اللهو في ذراعي حبيبضم من جسمها شرارة نار ولله ما أقرب الشبه بين أمنية يتمناها يوسف غصوب في قوله:
هذه غاية الأماني! هلارقدة في ظلالها بسلامتتلاشى نفوسنا في هدوءدون ما حسرة ولا آلاممثلما تفقد الزهور شذاهاحائنات وفي جنة الأحلام وبين مثل هذه الأمنية للشاعر الفرنسي Albert Samaint القائل: Oh! S’en aller sans ViolenceS’évanouir Sans qu’on y penseD’une suprême dèfaillance …Silence … Silence … Silence ليست هذه الهنات مما يحمل على الظن بأن يوسف غصوب قد احتذى عن روية تلك المثل الشعرية، أو أنه يحتذي أي مثل غيرها، سواء من أدب العرب أم من أدب الفرنسيس، وأحسب أن لا داعي إلى القول إني عرفته شاعرًا مطبوعًا تربأ به كرامته وكرامة الشعر عنده، عن تقليد الأولين والآخرين، بل عن مجاراة الشعراء الذين يحبهم حبًّا جمًّا ويعجب بهم إعجابًا لا حد له. كذلك فإن تأثره بالأدب الغربي أبلغ من أن يُقصر على هذه الظواهر، وأعم من أن يُحصر في حادثات مفردة.
من آثار الأدب الغربي في شعر يوسف غصوب هذه الوحدة، معنى ومبنى، التي يجسدها القارئ في مجموعته القفص المهجور (وليست الوحدة مما يباهي به الأدب العربي آداب الأمم الأخرى) حتى ليصح القول إنها قصيدة واحدة. وفي هذه القصيدة قصة نفس قلقة موحشة في حياه غير مؤاتية ولا راضية، تحس نقص الحياة وعدم مؤاتاتها إحساسًا موجعًا أليمًا، فهي تفر من هذه الدنيا المملة المحزنة، لائذة بجنة الأحلام، حيث الهناء المقيم والراحة الشاملة. وهي لعمري قصة النفس الإنسانية على إطلاقها، من البداية إلى النهاية، تقصها علينا الأديان تارة والفنون تارة أخرى؛ النفس الإنسانية التي لا تفتأ تنقل ظمأها إلى النعيم، من سراب إلى سراب لا تروى ولا تبرد غلتها، حتى تقع على السراب الأعظم … جزى الله الأنبياء والشعراء عن البشرية كل خير، فهم المَعْزُوُّن بصور الكمال، في الدنيا وفي الآخرة؛ ولهذا نقول إن لِشعرِ يوسف غصوب دلالة إنسانية بليغة عامة، وهي أول مزايا الشعر وسائر الفنون.
•••

من الألفاظ الشائعة عند الفرنسيس: «شقيقة النفس àme-soeur»، وهم يعنون بها ما يقوله الشاعر في قصيدته «وحشة القلب»: بَرَأ الله أنفس الناس أزواجًا تداعى، فكل نفس لنفس ولقد كنت أحسب هذا الاصطلاح غريبًا عن اللغة العربية، حتى قرأت قول أبي نواس (أو قول والبة بن الحباب لأبي نواس في رواية):
يا شقيق النفس من حكمنمت عن ليلي ولم أنم بل أعجب من هذا قول أبي نواس أيضًا في موضع آخر:
وشقيقة النفس التي حجبتعن ناظريك … … فهو يمثل ما نحن بصدده أجود تمثيل، لولا أنه عني الخمر، ولكن هل الحب والخمر والإيمان إلا سبل متفرقة، يسلكها الناس إلى غاية واحدة: النعيم؟
ولا بد هنا من القول إن تلك الآثار من الآداب والثقافة الغربية التي يجدها القارئ في شعر يوسف غصوب ليست بضائرة أسلوبه في شيء، فهو أسلوب عربي مبين، لا سمة للعجمة عليه، ولقد وُفق هذا الشاعر إلى حسن الملاءمة بين معانيه ومبانيه (ليس حسبنا أن يكون ثمة انسجام في الألفاظ وانسجام في المعاني، بل ينبغي أيضًا أن يكون الانسجام بين المعاني والمباني)، زد على ذلك أن له حظًّا من الموسيقى اللفظية غير يسير يهيئ نفس السامع، ويجعله في «الحالة الشعرية» الخاصة، وأنه مقتصد في الكلام يومئ على الأغلب إيماء لطيفًا ويوحي وحيًا خفيًّا، لكن لهذا الوحي في جوانب النفس أصداء شتى بعيدة القرار.
•••

هذا … وبعد فإن (القفص المهجور) حادث أدبي ذو شأن: زهرة نضرة في هذه الأيام الجديبة، في بيداء حياتنا الأدبية، وزهرة واحدة — في عالم الشعر — تكفي لأن تملأ البادية أرِجًا طيبًا، وحٌسنًا فاتنًا، وحياة بهيجة. إن في هذا الديوان الفريد لعزاء لنا عن كثير من رزايانا، لا سيما تلك القصائد والدواوين، التي (نُطعن) بها كل حين، ولَلشعرُ أول المرزوئين، أجارنا الله وإياه — آمين.
(?) المأدبة

لا مأدبة أفلاطون أعني، ولا المأدبة التي أدبها ليوسف غصوب منذ بضعة أيام إخوانه الأدباء — كدت أقول: الآدبون — ولم يدر فيها حوار سقراطي؛ لأن سقراطها ما كان. أنا أعني، بعد «القفص المهجور» هذه «العوسجة الملتهبة» التي طلعت علينا كعروس شقراء، كما جلتها يد الماشطة، بل الطابعة.
أليس من فضل الله علينا أن يأتينا يوسف غصوب داعيًا، كرة بعد كرة، إلى إحدى المآدب الملكية التي يأدبها الشعر لأبنائه صفوة الخلق، والتي لا تعدل لذاتها عندي لذة ما بلغت، في هذه الحياة الدنيا، فإذا على تلك المائدة السنية كل فاخر وطريف، وكل شهي مستملح، وكل حسن معجب، كيف لا؟ وهذه الألوان النفيسة من طعام وشراب، وأزهار وأنوار، وآنية؛ أقسم أنها لمما أعده جن عبقر لتطوف علينا به ملائكة الجنان، بقضاء من مالك السموات والأرضين.
وقديمًا كنت أتعاطى مع الشعراء الشعر كما يتعاطى الندامى المُدام، فلا أتعدى في ثَمَلِي حدود الوقار، بل وقع لي مرة أو مرتين أنْ أَخَذَ مني السكر حتى خرجت إلى السوق متغنيًا بقصائد شاعري المختار، معربدًا. ولكني على الأغلب كنت أمكث في مجلسي كالمشدوه، في عينيه رؤى السحر من ذلك العالم الآخر.
وبين عشية وضحاها سولت لي النفس الأمارة تجارب سوء في النظم، فسقطْتُ في حمأة الخطيئة، إذ نظمت، ولا فخر، قصائد مطوية منسية، بل «ارتكبت» وهو الأصح، بعض أبيات دارسة طامسة، ثم لم ألبث، لحسن الطالع، أن تبت توبة نصوحًا، فكنت كعاصر الخمر الذي ما كاد يختم زجاجته؛ ليقربها قربانًا على أنها «لذة للشاربين» حتى كتب عليها: «خل» وألقاها في زاوية المطبخ.
ولقد كنت قبل عهدي بالنظم فتى كالفتيان، مولعًا بأعمال المجد والفروسية، لم تؤاته أحوال الدنيا ليكشف عن سريرته بعمل مجيد أو مأثرة غراء في إحدى نواحي الحياة، فلما لم يجد صبرًا على لجاج هذه الحاجة الملحاح، عكف على قراءة سير الأبطال، وقصص الفرسان خداعًا لنفسه وتمويهًا عليها، يغير غاراته الشعواء في عالم الخيال.
واستمر على ذلك زمنًا، حتى جمعته الأقدار «بدون كيخوتي» الذي خرج من قريته شاكي السلاح، مغامرًا مفاخرًا، فلما لم يلقَ من يجاوله ويناضله ويقاتله أغار على طاحون الهواء، وكفى الله المؤمنين القتال … ولست أذكر هل أسعد الحظ «دون كيخوتي» في حياته، أو في حكايته، بفارس مغوار يعمل في جثمانه الحق لا الباطل، سيفه أو رمحه طعنًا وضربًا، لكنه بعد موته بقرون، ظفر في ضمير ذلك الفتى الذي كنته، بعنترة المتحرك في إهابه، فقتله شر قتلة: لقد شفاني من داء البطولة.
وما كدت أرتاح من هياج عنترة حتى تحرك فيَّ السندباد، إذ أصبحت بمثل التناسخ، فتى يقضي وقته على أُهْبَة الطواف حول الأرض ضاربًا في مجاهلها ومعالمها، جوابة تتقاذفه الفلوات والحواضر. فكنت في ذلك العهد السعيد وقصاراي قراءة كتب الأسفار آناء الليل، ورحلة بالترام على خط المنارة ذهابًا وإيابًا، أطراف النهار. ولا أعلم من قتل في نفسي هذا السندباد الذي لم يكن بريًّا يُعرف، ولا بحريًّا يُوصف، ولا جويًّا على التأكيد، المهم أنه لحق بعنترة في عالم الذكرى:
… كما قر عينًا بالإياب المسافر
ويلوح لي أن في نفس كل امرئ ثلاث جثث من هذا النوع على الأقل: عنترة عبس، فسندباد ألف ليلة وليلة، فمجنون ليلى، في ثلاثة أضرحة، مكتوب على قبرياتها: «هو الحي الباقي!» دون تاريخ.
فلا عجب إذا قلت الآن إني أصبحت في النظم ثالث ذينك الرجلين أو صنوهما: يتلجلج الشعر في خاطري ويتلعثم به لساني، ويهم بي وأهم به، ثم تدركني رحمة ربي فأمسك، معزيًا النفس كلما دعيت إلى مآدب الشعراء، أو تطفلت عليها وكثيرًا ما أفعل، بوقفة عند طرف المائدة، على عتبة الباب.
هكذا كنت على عتبة الباب، منذ نحو عشرة أعوام، في مأدبة «القفص المهجور»، فكتبت مقدمة تلك المجموعة الأولى التي نظمها يوسف غصوب. لا أقول هذا مُذكِّرًا، فليس في الأمر كبير طائل، ولكن المجموعة الثانية «العوسجة الملتهبة» التي أتحفنا بها الشاعر بَعثت الساعة، في خاطري، صورًا غامضة من ذلك العهد البعيد، تتسلل في خفاء الجدران خَجِلة وَجِلة، بين زخارف العصر الجديد.
وإخال أني كنت يومذاك قادرًا على مسايرة الجيل خطوة خطوة في مناحي أدبه، فقلت في هذا الشعر ما قلته عن دراية وبصيرة، ثم بلغ مني الإعجاب فخرجت من تلك المأدبة الملكية إلى السوق متغنيًا بقصائد الشاعر المختار. فحبذا لو أستطيع اليوم، وقد مشى الجيل وأنا لا أزال في مكاني، حيث تركني، وعلى كاهلي عشرة أعوام، أن أصطنع العربدة في مأدبة «العوسجة الملتهبة»، بل هذا العرس الأشقر، بلغة العصر.
حسبي اليوم أن أمكث في مجلسي، عند طرف المائدة، على عتبة الباب، كالمشدوه، في عينيه رؤى السحر من ذلك العالم الآخر.
????