Advertisement

أسواق الذهب


أسْوَاقُ الذَّهَبِ




أسْوَاقُ الذَّهَبِ

تأليف
أمير الشعراء أحمد شوقي




أسْوَاقُ الذَّهَبِ

أحمد شوقي

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ???? ?? ? ?

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



مقدمة


الحمدُ لله الذي عَلَّم بالقَلَم، وأَلْهَمَ نوابغ الكَلِم، وجعل الأمثالَ والحِكَم: أحسنَ أدبِ الأُمَم، وصلى اللهُ وسلَّم على محمدٍ دِيمَة البيان المنسَجِمة،? وعلى موسى الكليم وعيسى الكلمة.? وبعدُ؛ فهذه فُصولٌ من النثر، وما زعَمتُ أنها غُرَرُ زياد،? أو فِقَرُ الفصيح من إياد،? أو سَجْعُ المُطوَّقةِ على فرعِ غصنها الميَّاد،? ولا توهمتُ حين أَنشأتُها أني صنعْتُ «أطْواقَ الذهب» للزَّمَخْشَرِي،? أو طبعتُ «أطباقَ الذهب»، للأصفَهانيّ، وإن سميْتُ هذا الكتاب بما يُشبهُ اسميهما، ووسمتُه? بما يّقْرُبُ في الحسن من وسْمَيْهما — وإنما هي كلماتٌ اشتملَتْ على معانٍ شتَّى الصُّوَر وأَغراض مختلفةِ الخَبَر، جليلةِ الخَطَر؛ منها ما طال عليه القِدَم، وشاب على تناوُلِه القَلم، وألَمَّ به الغُفْلُ? من الكُتَّابِ والعَلَم.? ومنها ما كثُرَ على الألسنة في هذه الأيام، وأصبَح يَعْرِضُ في طُرُق الأقلام، وتجري به الألفاظُ في أعِنَّةِ?? الكلام؛ مِن مثْل: الحرية والوطن، والأمة، والدُّستور، والإنسانية وكثيرٍ غير ذلك من شئون المجْتَمَع وأحوالهِ، وصفاتِ الإنسان وأفعالهِ، أو ماله علاقة بأشياءِ الزمن ورجالهِ؛ يكتَنفُ ذلك أو يمتزجُ به: حِكَمٌ عن الأيام تلقيْتُهَا، ومن التجاريب استَمْلَيْتُها، وفي قوالب العربيةِ وعيتها?? وعلى أساليبها حَبَّرْتُها ووشَيْتُها؛?? وبعضُ هذه الخواطر قد نَبَع من القلب وهو عند استِجْمَام عفْوِه،?? وطلَع في الذهن وهو عند تمام صحْوِه وصفْوِه؛ وغيرُهُ — ولعله الأكثر — قد قيل والأكدارُ ساريَة، والأقدار بالمكاره جارية، والدار نائية، وحكومة السيف عابثة عاتية؛ فأنا أستقيل القارئ فيه السَّقَطَات، وأستوهِبُه?? التجاوُزَ عن الفَرَطَات.?? اللهمَّ غيرَ وجهكَ ما ابتغَيْت، وسوى النفعِ لخلقكَ ما نَوَيْتُ، وعليك رجائي ألْقَيْت. وإليك بذُلِّي وضَعْفي انتهيت.
? الديمة: مطر يدوم في سكون بلا رعد ولا برق والمنسجم السائل المنصب. ? الكليم: لقب موسى لأنه كلم الله. والكلمة: لقب عيسى، عليهما السلام. ? زياد بن أبيه من أشهر خطباء الدولة الأموية.? هو قس بن ساعدة الأيادي، ويكاد يكون أخطب خطباء الجاهلية. والفقر: جمع فِقرة، وهي من النثر بمنزلة البيت من الشعر. ? المياد: الكثير الميد، والميد، الميل والتحرك.? أطواق الذهب، وأطباق الذهب: كتابان من كتب المقامات في الوعظ والإرشاد، وكلاهما في عليا مراتب البلاغة: الأول لجار الله الزمخشري. والثاني للعلامة الأصفهاني عليهما رحمة الله. ? وسم الشيء: جعل فيه أثرًا. والوسم: الأثر والعلامة.? الغفل: المجهول.? العلم: المقدم.?? أعنة: جمع عنان.?? وعى: حفظ.?? حبر الكلام ووشاه: حسنه وزينه.?? استجم الماء استجمامًا: كثر واجتمع. والعفو من الماء: ما فضل عن الشاربة وأخذ من غير كلفة ولا مزاحمة.?? استوهبه: سأله الهبة.?? الفرطات: جمع فرطة، وهي ما فرط من الشخص من تقصيره.
الحَقيقَةُ الوَاحِدَة


يا مُتابعَ المَلاحِدَة، مُشايِعَ العُصْبةِ الجاحدة، منكرَ الحقيقة الواحدة:? ما للأعمى والمرآة، وما لِلمُقْعَد? والمِرْقاة،? ومالَكَ والبحثَ عن الله؟ قُم إلى السماءِ تَقَصَّ? النظر، وقُصَّ الأثر،? واجمع الخُبْرَ والخَبَر? كيف ترى ائتلافَ الفَلَك، واختلافَ النسور والحَلَك.? وهذا الهواء المشترك، وكيف ترى الطيرَ تحسَبُه تُرِك، وهو في شَرَك،? استهدَف فما نجا حتى هَلَك،? وتعالى الله! دلَّ المُلْك على المَلِك!. وقِفْ بالأرضِ سَلْهَا من زَمَّ?? السحابَ وأجراها، ورَحَل?? الرياحَ وعَرَّاها،?? ومن أقعد الجبالَ وأنهضَ ذُراها،?? ومن الذي يَحُلُّ حُباها،?? فتخِرُّ له في غدٍ جِباها؟ أليس الذي بدأها غَبَرات،?? ثم جمعها صخّرات، ثم فرَّقها مُشمَخِرَّات؟?? ثم سَلِ النملَ مَنْ أدَقَّها خَلْقا،?? ومَلأها خُلُقا،?? وسَلَكهَا طُرُقا?? تبتغي رزقا؟ وسلِ النحلَ مَنْ أَلْبَسَها الحِبَر،?? وقَلَّدها،?? الإبَر، وأطعْمَها صَفوَ الزَّهر، وسخَّرَها طاهيةً?? للبشر؟ لقد نبذتَ الذَّلولَ?? المُسْعِفَة،?? وأخذتَ في معامِي?? الفَلْسَفَة، على عَشواءَ من الضلالِ مُعْسِفَة.?? أوْلاَ فَخبِّرْني: الطبيعةُ من طبَعَها?? والنُظُم?? المتقادمَةُ مَنْ وضَعَها، والحياةُ الصانِعَةُ مَنْ صَنَعهَا، والحركة الدافعةُ مَن الذي دَفَعَها؟! عرَفْنا كما عرفتَ المادَّة، ولكنْ هُدينا وضَلَلْتَ الجادّة،?? وقُلنا مِثَلكَ بالهَيولَى?? ولكنْ لَمْ نَجْحدِ اليدَ الطُّولَى?? ولا أنكرْنا الحقيقةَ الأولى.?? أتينا العناصرَ مِنْ عُنْصُرها،?? ورَدَدْنا الجواهرَ إلى جوهرِها؛?? اطَّرَحنا?? فاستَرَحْنا، وسلَّمْنا فَسَلِمْنا، وآمَنَّا فأُمِنَّا؛ وما الفَرقُ بيننَا وبينَك إلا أنكَ قد عَجَزْتَ فقلتَ: سرٌّ مِنَ الأسرار، وعَجزنا نحن فقلنا: اللهُ وراءَ كل سِتار!! ? الحقيقة الواحدة: وجود الله سبحانه وتعالى، ولعل المؤلف يشير إلى قول لبيد:ألا كل شيء ما خلا الله باطل
? المقعد: الذي يشكو القعاد: وهو داء يقعد المصاب به عن المشي.? المرقاة: السلم.? أرسله إلى أقصاه.? قص الأثر: اقتفاه.? الخُبر: الاختبار بالمشاهدة والخبر: الرواية بالسماع.? الحلك: الظلام.? تظنه حرًا طليقًا، وهو أينما حل في متناول قبضة الصياد.? استهدف: أصبح غرض السهام. والمراد أنه لا يكاد ينجو من سهم مصوب إليه حتى يدركه الموت من سهم آخر. ?? زم الناقة: خطمها.?? رحل البعير: شد على ظهره الرحل تمهيدًا للمسير.?? عراها: جردها مما فيها من أمطار.?? أقعد الجبال: ثبت قواعدها في الأرض. وأنهض ذراها: أي رفع عاليها شامخة في السماء.?? يحل حباها: أي يفكها من حبوتها وينهضها من ربضتها.?? غبرات: جمع غيرة — بتسكين الباء — وهي ذرة الغبار.?? فرقها: في الأرض. ومشمخرات: أي باذخات.?? أدقها: صيرها دقيقة.?? خلق النمل: تلك النظم المتسقة التي يوحي لها بها الإلهام.?? سلكها طرقًا: جعل لها طرقًا تسلكها.?? الحبر: جمع حبرة كعنبة، وهي برود يمنية ملونة، وقد شبه بها المؤلف تلك الألوان الزاهية التي يتخايل بها النحل تحت أشعة الشمس.?? قلده السيف: وضع حمالته في عنقه.?? طاهية: طابخة تطبخ للناس في بطونها عسلاً.?? الذلول من الدواب: ما كانت سهلة القياد، والمراد بها هنا الشريعة السمحة.?? المسعفة: التي تسعف أبناءها باليقين والإيمان.?? المعامي: المجاهل.?? العشواء: العمياء وأعسف: خبط في السير.?? طبعها: خلقها وهنا يبدأ المؤلف في تعجيز الملحدين.?? النظم المتقادمة والحياة الصانعة والقوة الدافعة، وكل هذه قوى يظن الملحدون كفرًا أنها هي الأصل في الكائنات.?? الجادة: الطريق القويم.?? الهيولى: مادة، وشبه الأوائل طينة العالم بها.?? اليد الطولى: يد الله التي أبدعت هذه الطينة ونفخت فيها الروح.?? الحقيقة الأولى: وجود الله.?? العناصر: جمع عنصر، وهو أولاً بمعنى المادة البسيطة، وثانيًا بمعنى الأصل وأتيناها: أي بحثنا فيها.?? الجواهر: جمع جوهر، وهو الحجر يستخرج منه شيء ينتفع به. والجوهر ثانيًا بمعنى الأصل والجبلة.?? اطرح الحمل: ألقاه عن عاتقه، والمقصود من هذه الجملة وما بعدها: آمنا بالله وتركنا ما دون هذا من التفكير العقيم الذي لا نهاية له والبحث الضال الذي لا يؤمن فيه العثار..
الوَطَنُ


[حبّ الوطن والتفاني في سبيله سجية كل نفس كبيرة. وقد أوحت هذه العاطفة بأعظم ما حفظه لنا التاريخ من المآثر وجليل الأعمال، وأبلغ ما جادت به القرائح من روائع الآيات والأقوال.]
ولقد طالما أشاد «المؤلف» في شعره بذكر الوطن وتغنى بوصف آثاره الخالدة بقصائد تضمن لها بلاغتها من الخلود ما لتلك الآثار. ولطالما استخلص من بيانه سحرًا أحيا مفاخر الآباءِ والأجداد، فبعثها من لحود الأجيال الغابرة تتمثل عظمتها ورَوْعتها للأبناءِ والأحفاد.
لم يقف «المؤلف» من آثار وطنه وقوف العرب على الطلول يبكيها ويرثيها، بل مسحها بدموع قلبه ليُحييها ويستوحيها. فجعل من تغنيه بما كان من المفاخر للوطن في الغابر من الزمن حُداءً منه للخلف لاحتذاءِ آثار السلف.
ولو جمع جامع ما قال المؤلف في مفاخر الوطن من يوم قال منذ ثلاثين سنة:
وبنينا فلم نُخَلِّ لبانٍوعلونا فلم يَجُزْنا علاءُلاجتمع لديه خير سِفْرٍ شامل للدروس الوطنية.
وهذه القطعة من الشعر المنثور أنشودة عذبة للوطن جمع فيها كاتبها جميع الأنغام التي يثيرها ضرب الوطنية الصادقة على أوتار القلوب كما سنبينه في ما نعلقه عليها من الحواشي: الوطن موضعُ الميلاد، ومجمعُ أوطارِ الفؤاد، ومضجعُ الآباءِ والأجداد،? الدنيا الصُّغرى، وعتبةُ الدار الأُخْرى، الموروث الوارث، الزائلُ عن حارث إلى حارثٍ، مؤسِّسٌ لبانٍ، وغارسٌ لجانٍ، وحيٌّ من فانٍ، دَواليْكَ حتى يُكسَفَ القَمران، وتَسكنَ هذي الأرض من دوران. أول هواءٍ حرَّك المْروحتين،? وأول تُرَاب مسَّ الرَّاحَتيْن، وشعاعِ شمس اغترق العين؛ مَجرى الصِّبا وملعبُه، وعُرسُ الشباب وموكِبُه، ومرادُ الرزقِ ومَطْلَبُه، وسماءُ النبوغِ وكوكبُه، وطريقُ المجد ومركَبُه؛ أبو الآباءِ مُدَّتْ له الحياةُ فخلَد، وقضى الله ألاَّ يبقى له ولد؛ فإن فاتك منه فائت فاذهب كما ذهب أبو العلاء عن ذكر لا يفوت، وحديثٍ لا يموت. مدرسة الحقِّ والواجب، يقضي العمرَ فيها الطالب، ويقضي وشيء منهما عنه غائب؛ حقُّ الله وما أقدسَه وأقدَمَه، وحقُّ الوالدين وما أعْظَمَه، وحقُّ النفس وما ألْزَمَه؛ إلى أخ تُنصفُه، أو جار تسعفُه، أو رفيقٍ في رِحال الحياة تتألَّفُه، أو فضل للرجال تُزيِّنه، ولا تزيِّفه،? فما فوق ذلك من مصالح الوطن المقدَّمة، وأعباءِ أماناتِه المعظَّمَة؛ صيانةُ بِنائِه، والضنَّانةُ? بأشيائِه، والنصيحةُ لأبنائه، والموتُ دونَ لوائه؛ قيود في الحياة بلا عَدد. يكسِرُها الموتُ وهو قيدُ الأبد. رأسُ مال الأُمم فيهِ من كلِّ ثَمَرٍ كريم، وأثرٍ ضئيل أو عظيم، ومُدَّخَرٍ حديثٍ أو قديم؛ ينمو على الدِّرهم كما ينمو على الدِّينار، ويَربو على الرَّذاذِ كما يَرْبُو على الوابِل المِدرار، بَحْرٌ يتقبَّلُ من السُّحُب ويتقبلُ من الأنهار.
فيا خادمَ الوطَن ماذا أعدّدْتَ للبناء من حَجَر، أو زِدْتَ في الغَنَّاءِ من شَجر؟ عليك أن تبلُغَ الجُهد، وليس عليك أن تَبْنَي السدّ؛ فإنما الوطن كالبُنيانِ فقيرٌ إلى الراسِ العاقلِ، والساعدِ العامل، وإلى العتَبِ الوضيعة، والسقوفِ الرََّفيعة، وكالروضِ محتاجٌ إلى رخيصِ الشَّجر وثمينِه، ونَجيبِ النباتِ وهجينِه، إذ كان ائتلافُه في اختلافِ رياحينه، فكلُّ ما كان منها لطيفًا مَوقِعُه، غير نابٍ به موضعُه، فهو من نوابغِ الزَّهرِ قريب، وإن لم يكنْ في البديعِ ولا الغريب.? حظيرة? الأعراض والعُروضِ، ومحرابُ السُّنَنِ والفُروض، سيدُ اأديم، صفحاته التاريخ الكريم، وبوغاؤه عِظَمُ الأُبُوَّةِ وإنه لعظيم، وعلى جوانبه الدولةُ وهي حَسَبُ الأُمَمِ الصميم؛ وثَمَّ كرائم الأَموالِ والأَنْفُسِ وهي غَوَال، وثم ثمراتُ الرِّجال وضنائنُهم اللاتي خَلْفَ الحِجال. فيا عجبَا كيفَ يَجْحَدُ الأوطانَ الجاحد، أو يزعمُ أن الأرضَ كلَّها وَطَنٌ واحد؛ قضيةٌ تُضحِكُ النمَ في قُراها، والنَّحلَ في خلاياها؛ وينبئُك عنها السَّمكُ إذِ اتخذَ من البحر وطنًا شائعًا، فوُلِدَ مهدورًا وعاشَ ضائعًا، صِغارُه طرائد، وكِبَارُه موائد، ويَتَصيَّدُ بعضُه بعضًا إن أبطأ الصَّائد. والوطنُ شَركَةٌ? بينَ الأوَّلِ والآخِر، وبين الحضِرِ والغابر، لا يرِثُّ لها عَقْد، وإن تطاول العهد، مؤسَّسةٌ بالمهد حينًا وباللَّحد؛ يُدْخِلُك فيها الميلاد، ولا يخْرِجُك منها النفاد، فقد تُضرِمُ النارَ وأنت هامدٌ كالرَّماد، وقد تَحْيا بك الدِّيارُ وأنتَ بوادٍ والحياةُ بواد. والوطنُ مستودَعُ المفاخر وصِوَانُ المآثر، وَخِزَانَةُ الأعْلاَقِ والذَخائر، لكلِّ مُتقنٍ منها موقِعه، ولا يَنبو بصالحٍ فيها موضِعُه؛ الهرمان لديها معظَّمان، و«وشيخُ البلد» شيخ الصناعةِ على الزمان؛ وعندها سيفُ «عليٍّ» ومغارِسُه، وقناةُ «إسْمَاعيلَ» ومدارِسُه، وفيها القصائدُ الباروديَّة، وليس فيه الخُطب النَّديميَّة؛ تلك لقُرْبها من كلامِ الحكمة، وهذي لبُعدها عن الإتقان والحِشمة؛ فيا لكِ خِزانةً تُميَّزُ الصِّحاح من الزيوف، وتعرفُ الضَّيْفَنَ من الضيوف، وتحجُبُ العِصِيَّ وتأْذَنُ للسيوف.? صحيفةُ الأخبار، وكِتابُ الأبْرار، وسِجِلُّ الهِمَمِ الكِبار، أسماءُ المحسنين فيه مَرْفوعة، وأفعالُهم مَثلٌ للخَلَفِ منصوبة، وحروفٌ بماءِ الذهب مكْتوبَة؛ فإذا أتت السنون، ودارت على الرِّجال المنون، ولحِقَتْ بالمشايعِ الشِّيَع، وذهب المتبوعُ والتِّبَع؛ ونامت الحَرَابيُّ? عن الشموس، وحِيلّ بين النارِ وبينَ المَجوس؛ انفتح كتابُ الوطن من نفسهِ وإذا لحسناتُ ثَمَّ على الصدق مُحْصاة، فلا الحصاةُ دُرَّةٌ ولا الدُّرَّةُ حصاة؛ وإذا الرجالُ يُعظَّمُون على الأفْعال، وإذا الوقائعُ قد نُحِتَ منها الأبطال؛ على قدر العمل يأتي الجزاء، وبِقَدْر جمال الأثر يكونُ حسنُ الثناء. وليس أحَدٌ أوْلى بالوطن مِنْ أحَد، فما «باستورُ»?? والشفاءُ في مَصْلِه، ولا «كمالُ» والحياةُ في نَصْلِه: أولى بأصل الوطن وفصلِه؛ من الأجير المحسن إلى عِيالِه، الكاسِبِ على أطفالِه، الفادي الوطنَ بأشبالِه، وهم رأسُ ماله؛ فلا تتَحَمَّدْ?? على الأوطان بآثار كرم، وإن حَمَلْتَ عليها الهَرم أو نَفَلْتَ إليها إرم، فإنك لم تَزِدْ على أن أقمت جِدارَك؛ وحسَّنْتَ دارَك؛ ولا تنسَ أنها الآلةُ التي رفعتْك، والهالةُ التي أطلعتْك؛ ولا تحجُبْ ذات الوطن بذاتِك، أو تَطْرِف العيونَ عن وجههِ بقَذاتك؛ ولا تكنْ كالسَّرح العظيمِ إذ نسِيَ خلقَه إذا علا على الأرض وهي أمُّه، ماؤها عُصارةُ عودِه، وطينُها جُرثومة وُجودِه؛ حتى إذا ترعْرَعَ وكَبِر أخفاها وظهَر، وحجبَ عنها الشمسَ والقَمر؛ خلعَتْ عليه ما نضَرَ ورَفَّ، وألقى عليها ما يَبِسَ من الورق وجفَّ. والوطنُ لا يَتِمُّ تمامُه. ولا يَخْلُص لأهله زِمَامُه؛ ولا يكونُ الدارَ المستِقلَّة، ولا الضَّيْعَةَ الخالصةَ الغَلَّة؛ ولا يقالُ له البلدُ السيد المالك، وإن تحلَّى بألقاب الدُّوَل والممالك؛ حتى يُجيل العلْمُ فيه يَدَ العمارة. ويجمع له بينَ دُولاب الصِّناعةِ وسوق التِّجارة.?? فيا جيل المستقبل، وقبيلَ الغد المؤمَّل؛ حاربوا الأُمِّيةَ فإنها كَسْحُ الأمم وسَرَطانُها؛ والثَّغرةُ التي تُؤتى منها أوطانُها، ظُلماتُ يُعَرْبدُ فيها خُفَّاشُ الاستبداد، وقبورٌ كلُّ ما فيها لَضَبُعِه غنيمةٌ وزاد؛ وتَذرَّعوا?? بذرائع العلْم الصحيح، اطْلبُوه في مدارس الزمان وحلَقَاته، وخذوهُ عن جهابذَتِه وثِقاتِه؛ واعلموا أنَّ أنصافَ الجُهَّال: لا الجهلَ دفعوا، ولا بقليل العلم انتفعوا؛ وبَنو الوطن الواحد إخوةٌ وإن ذَهَبَ كلُّ فريقٍ بكتاب، ووصلَتْ كلُّ طائفةٍ من باب؛ واتَّبَعَ أُناسٌ الإنجيل، وأُناسٌ اتَّبعوا التَّنزيل، وكلُ بلادٍ تسوسُها حكومةٌ فاضِلة، وتُقَيِّدُها القوانينُ العادِلة، وتَعْمُرُها جماعةٌ عاقِلةٌ عامِلة، إنما يُفْرَقُ فيها بين الوطن الذي هو الحياةُ وشُئونُها، والدُّنيا وشُجونُها، والحكومة نُظُمُها وقانونها، والممْلكة سُهولها وحزُونها، والدُّولة أطرافها وحُصونها، وبينَ الدِّن الذي هو السَّماءُ الرفيعة، والذَّرْوَة المنيعة؛ ولاية الضمائر، وسياسة السرائر.?? وما وطنُ المحسنينَ إلا الأُسْرة الكبرى، والسقفُ الواحد والمنزلُ الحاشد، القومُ في ظلالِه، على البِرِّ وخلالِه؛ إخوانٌ مُتصافُون، وأهلٌ مُتَناصفُون، وجيرانٌ مُتآلفون، قَصْدٌ في البَغضاء، وبُعدٌ عن الشَّحْناء؛ ألسنةٌ عفيفة العَذَبات،?? وصدورٌ نظيفة الجَنبات؛ تراهم كالنَّحْل إن سُولمتْ عَمِلَت العسل، أو حُورِبَتْ أعْمَلَتْ الأسَل؛ فاطْبَع اللهُمَّ كِنَانَتَك على هذا الغِرار، وأعِدْها كما بدأتها مَحِلَّةَ الأبرار، واجعل أبناءَنا أحرارًا ولا تجعلْهم أنصافَ أحرار. رَبَّنَا وأنزِلْهُمْ على أحكام العقول وقضايا الأخلاق، ولا تُخْلِهمْ من العواطِف، وإن كنَّ عواصِف؛ ولا تَكِلْهُمْ للأهواء، فإنها هواءُ؛ وخُذْهُمْ بروحِ العصرِ وسُنَّةِ الزمان، واجعلْهُم حَفَظة العَرش وحَرَسَةَ البرلمان.??? جاء في مقدمة الجزء الأول من الشوقيات: «إنها «مصر» بلادي، وهي مَنْشَئِي ومهادي، ومقبرة أجدادي؛ ولد لي بها أبوان، ولي في ثراها أب وجدان، وببعض هذا تحبب إلى الرجال الأوطان». والوطر: الحاجة والغرض. والحارث: الزارع. ودواليك: أي مداولة بعد مداولة. تناول الكاتب في هاتين الفقرتين وصف الوطن عن طريق التحديد، وهو كما حدده ابن سينا في رسائله: الحد الجامع المانع، أي الوصف المحيط بمعنى المعرف المميز له عن غيره. فوصف الوطن بالمؤسس للباني، والغارس للجاني، وبمجرى الصبا وملعبه، وعرس الشباب وموكبه … إلى غير ذلك من الأوصاف، كما وصفه بموضع الميلاد. ومضجع الآباء والأجداد، وأول هواء حرك المروحتين، وأول تراب مس الراحتين. إلى غير ذلك من الأوصاف المانعة المميزة له عن سواه. وهكذا جاء بخواص المعرف وأوصافه وأعراضه التي من شأنها أن تبين حقيقته.? المروحتان: الرئتان. والراحتان: الكفان. واغترق العين. أي شغلها عن النظر إلى غيره.? زيف الرجل: صغر به وحقر.? الضنانة بالشيء، كالضن به: البخل والحرص عليه. تناول الكاتب في هذه الفقرة حقوق الوطن على أبنائه أو واجبات الوطنيين نحو وطنهم ففصلها أجمل تفصيل، دون أن يفوته وصف كل حق بوصفه الملازم: من حق الله وحق الوالدين وحق النفس إلى حق الإخوان وسائر أبناء الوطن: مجموعة حقوق يتألف منها حق الوطن على كل إنسان، ولو أدى القيام بهذا الحق إلى التضحية بالنفس دفاعًا عن الوطن. ثم قال: إن هذه الواجبات ينبغي للإنسان القيام بها في جميع أدوار الحياة، فلا ينعتق منها إلا بالممات. ? الرذاذ: المطر الضعيف والمال القليل. والوابل المدرار: المطر الشديد الضخم القطر والنجيب: الكريم الحسيب من الإنسان والحيوان. والهجين: من أبوه خير من أمه، وناب: أي نافر. يريد: أن كل إنسان مهما ارتفع شأنه أو اتضع مكانه قادر على خدمة الوطن بل هو مطالب بتلك الخدمة. فعمد موفقًا إلى التشبيه والاستعارة فقال إن البناء محتاج إلى العتب الوضيعة والسقوف العالية وإن الروض لا يتم بهاؤه وجماله إلا بمختلف الأزاهير والرياحين. وقد انتقال من الأخبار إلى الخطاب فقال: فيا خادم الوطن ماذا أعددت … وهو التفات بليغ. ? الحظيرة — في الأصل — مأوى الإبل والغنم. والأعراض جمع عرض وهو المتاع. والعروض: جمع عرض وهو الشرف. البوغاء: ما يثور من الغبار ودقاق التراب. والضنائن: جمع ضنينة، وهو ما يضن به. والحجال: جمع حجلة، وهي ستر العروس داخل بيتها. يفند الكاتب مزاعم أصحاب مذهب اللاوطنية القائلين بأن الأرض جميعها وطن للناس جميعًا. وضرب السمك في البحر: مثلاً لضرر الشيوعية في الوطن. وقرى النمل. وخلايا النحل، وأوكار الطير، وأحجار السباع: أماكنها ومنازلها. ? كنى عن ارتباط حاضر الوطن بماضيه بشركة معقودة بين السلف والخلف. يرث: يبلي. ويرد بإضرامك النارو أنت هامد كالرماد، وبإحيائك الديار بعد خروجك من الحياة: أن الأموات كثيرًا ما يكونون بمثل حياتهم العالي أكبر حامل للأحياء على حميد الفعال. وبهذا المعنى قال أحد فلاسفة الفرنجة: يتألف الوطن من الأموات أكثر مما يتألف من الأحياء. ? صوان الشيء: وعاؤه؛ وأعلاق الأشياء: نفاسها. والزيوف: الدراهم المغشوشة. والضيفن: من يجيء مع الضيف متطفلاً. والمراد: أن الوطن يحفظ مآثر الرجال، وقد ضرب ما تراه في المتن من الأمثال عما يحفظه الوطن المصري للمصريين، ثم انتقال في الفقرة التالية من التخصيص إلى التعميم. وشيخ البلد: آية من آيات فن النحت عند قدماء المصريين، يجده الناظر في دار الآثار. وقناة إسماعيل: قناة السويس. والبارودية نسبة إلى محمود سامي باشا البارودي. والنديمية: نسبة إلى عبد الله نديم. ? الحرابي: جمع حرباء: حيوان معروف يستقبل الشمس ويدور معها كيفما دارت ويتلون ألوانها.?? «باستور» عالم كيماوي فرنسي (????–????) صاحب مباحث نظرية الميكروبات في الأمراض المعدية، ومخترع المصل الواقي والشافي، وهو من أكبر الرجال الذين خدموا الإنسانية بعلمهم، «وكمال» هو الغازي مصطفى كمال باشا أسد أنقرة وبطل تركيا المشهور. والقذاة: ما يقع في العين ويوجعها. والسرح: شجر: وقد أبدع في تشبيه من يمن على الوطن بخدمته: بالشجرة التي ترتفع عن الأرض وتتعاظم عليها، وهي إنما تمص منها مادة الحياة. ?? تتحمد: تمتن. وحمل عليه الشيء: ألحقه به. والهالة: دارة القمر. وطرف البصر عنه: صرفه. ?? رف النبات اهتز، والدولاب: الآلة. والكسح: داء في اليدين والرجلين يثقلهما عن الحركة. وقد انتقل الكاتب من الوصف والتحديد البياني إلى ذكر الدعائم التي تبنى عليها عظمة الوطن ويشاد عليها صرح استقلاله وهي العلم والتجارة والصناعة، وحذر بنوع خاص من أنصاف الجهال أو أنصاف المتعلمين كما حذر من الجهل. وبمناسبة ذكر «باستور» في الفقرة السابقة نذكر أن هذا الرجل العظيم كان يقول «قليل من العلم يبعد عن الله، وكثير من العلم يعيد إلى الله». ?? تذرعوا: أي توسلوا.?? ألا يكون الدين داعية تفرقة في الوطن، ولله در المؤلف حيث يقول شعرًا كما يقول هنا نثرًا:الدين لله من شاء الإله هدىلكل نفس هدى في الدين يعنيهاالتنزيل: القرآن. الحزن: من الأرض: ما غلظ.?? العذبات: الأطراف. والأسل: الرماح، وهنا بمعنى الإبر.الغرار المثال الذي تضرب عليه النصال.?? ونعم ما ختم به من الدعوة إلى الوئام والتصافي حتى تعود الكنانة إلى سابق مجدها. ولم يكن يسعه أن يختم نشيد الوطن هذا دون النقر على وتر الأخلاق، وهو الذي طالما دعا إلى الأخلاق، بل هو القائل ذلك البيت المشهور الذي لا نعرف بيتًا كان أكثر منه موضوع استشهاد للكتاب والأدباء في ربع القرن الماضي: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيتفإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
الجُنْدِيُّ المَجهُول


[تكريم الجندي المجهول: فكرةٌ أوحت بها الرغبةُ في تمجيد البطولة الصامتة: البطولة التي تعمل في الخفاء، ولعلَّ هذه الفكرة أجمل ما ولدته الحربُ الكبرى من الأفكار.]
مَن هو الجنديّ المجهول؟ وما هي حكايتهُ؟
اسمع تلك الحكاية ففيها عبرةٌ وذكرى: أودت الحرب العالمية الأخيرة بآلاف من الجنود البُسَّل، وكل منهم يدافع عن قومه وبلاده، فسجلت أسماؤهم على ألواح البرونز وقطع المرمر تخليدًا لذكرهم. ولكن هناك من بينهم مئات الألوف ماتوا كذلك ميتة الأبطال ولكن أسماءَهم ضاعت لأن جثثهم الممزَّقة اختلطت بجثث رفاقهم فلم يكن من سبيل إلى تبيُّن شخصهم أو تحقيق هويتهم؛ لذلك أرادت فرنسا — وحذت سائر الدول حَذْوَها — أن تتخيّر واحدًا من هؤلاء الأبطال المجهولين ترفعه إلى ذِروة المجد وتقيم له من معالم التكريم ما لم تُقمه لأكبر الغزاة الفاتحين، فتُكرم في شخصهِ المجهول مئات الأُلوف من الأبطال الذين تنكَّرت جثثهم على الناس.
هذا منشأ تلك الفكرة النبيلة؛ فاسمع الآن كيف كان تنفيذها في فرنسا: كانت موقعة «فردان» أعظم مَوْقِعَةٍ دارت رحاها بين أعظم جيشين في العالم، دامت شهورًا طوالاً وسالت فيها مهج مئات الأُلوف على شظايا القنابل وظبى السيوف حتى أصبحت أرجاؤها جبانة مترامية الأطراف.
ومن القتلى الراقدين في ثراها تقرّر اختيار الجندي المجهول، فأخذوا من أنحاء ذلك الميدان العظيم ثماني جثث لم تعرف لمن هي. اختاروا ثمانيةً من بين خمسمائة ألف قتيل، ووضعت كل جثة في نعش ونقلت النعوش الثمانية في ليل ?? نوفمبر سنة ???? إلى حصن «فو» حيث أُوقدتْ حولها الشموع وقامت الجنود تحرسها، ثم تقدم القائد وأشار إلى أحد جنود الفرقة ??? فخرج الجندي من الصف ودفع إليه القائد باقةً من زهر القرنفل الأبيض والأحمر وقال له أن يدور دورتين حول النعوش الثمانية فيلقي بالباقة على نعش منها، ففعل وما كاد يلقي زهرات القرنفل على أحد النعوش حتى عزفت الموسيقى بنشيد المرسليز ورفع الضباط سيوفهم للتحية. ومن تلك الدقيقة أصبح الراقد في ذلك النعش مثال التضحية والتفاني، وصار تكريمه تكريمًا للمليون ونصف المليون من الجنود الذين قتلوا في الحرب دفاعًا عن فرنسا وطِنهم.
ثم نقل ليلاً إلى باريس. وفي اليوم التالي أُقيم له احتفال نَدَرَ أن شَهِدت تلك العاصمة العظيمة ما يضارعه فخامةً وأُبهةً وتأثيرًا في النفوس، مشى في موكبه الوزراءُ والقوّاد ورجال الدولة وعشرات الأُلوف من الناس تتقدمهم ??? راية من رايات فِرَق الجيش المختلفة حتى وصلوا به إلى «قوس النصر» حيث قام ضريحُه، وعلى أثر ذلك أصبح الآباءُ والأمهات والأزواج والأخوات يحجون إلى هذا الضريح وكلّ يعتقد أن فيه ابنًا أو زوجًا أو أخًا. وما زار باريس ملك أو وزير أو كبير إلا عَدَّ من أول فروض المجاملة زيارة قبر الجندي المجهول وتحيته ووضع الزهر عليه.
وما كان للمؤلف أن يترك مثل هذا الموضوع بلا جولة لخياله فيه، وقد أراد أيضًا أن يضع زهرة من زهر أدبه الرائع على ضريح الجندي المجهول، فكتب هذا الفصل: ذلك الغُفْلُ في الرِّمَم، صار نارًا على عَلَم، جَمَعَ ضحايا الأُمم، كما جَمَعَ الكتابةَ القلم، أو الكتيبةَ العَلَم.? تِمثالٌ من إنكار الذَّات، والفناء في بقَاءِ الجمَاعات، وصورة من التَّضحيةِ المبرَّأة من الآفات، المنزَّهةِ عن انتظار المُكَافَاة، وهَيْكل على الواجب من عِظامٍ أو رُفات؛ تَقرأُ على صفحاتِه العَجَبَ العاجب، تَفْسير الجلالين من موتٍ وواجِب. وتَتنقَّلُ من آية على آية، وترى كيف جَرَى الإيثارُ للغاية. وكيف سَالتِ النفوس على جنَبات الرَّاية.
ولا يعلمُ إلاَّ اللهُ لِمَنِ الجِيفة المحظوظة، أو تلكَ البقايا المصونَة المحفوظة؛ أَلِرِعْديد، أم لصِنديد؟ ولبطلٍ مَشُوق، أم لمُكْرَهٍ مَسوق؟ ولشيطان استعماريّ، أم هي لِرِبِّيٍّ حَوَارِيّ؟ ولمَغْمور من سواد الجُند، أم لمأثورٍ من بيضِ الهند؟ وهل كانتْ لِبْدَةَ أُسامة، أم كانت جِلدَة النَّعامة؟ وهل هي هيكل المتنبي أم وِعاءَ أبي دُلامة.? وكيف تعرفُ جثة نكرتها الأيام، وسارت الأرض فيها سنتها في الرمام، إلى أن وقعت عليها يدٌ في الرجام، كما تقعُ على النصيب الرابح يدُ الغُلام؛ فخرجت بها من غمرة الرِّمم، وحُفرة الأُمم، وبؤرة العدم.? وإذا هي تنفصل عن سواد الهامدين، وتتصل بالأفراد الخالدين؛ تَهجُر مغموراتِ الكفور، وتعمرُ مشهوراتِ القبور؛ وبين ذلك جنازةٌ للعصر حولها ضجَّة، وللأرض تحتها رجَّة، مواكبُها ملءُ اليبَس واللُّجَّة؛ أعلامٌ منكوسة، وقنًا صُمٌّ، وكتائب خُرْس، وأنغامٌ محزونة، ودموعٌ مذروفة وملوكٌ أو رُسُلُ ملوك، وبَرقٌ يروح ويغدو في السلوك، وينعى الزاجليَّة والألوك، فهل شيَّعت نابليون، أو ولنجتون, هل بلَّغت هوجو البانثيون؛ سوَّى الحظُّ بين هؤلاء، وبين ذلك النَّكِرة في الأشلاء، وأجزل للَقيط الموتى من العطاء، كما يجزل أحيانًا للّقطاء.? اسأل العصر: فيم نَبَشَ القُبور، وقلَّب الهامدين البُور، من أجل هذا الشِّلو المتبور؛ حتى التقطه بيد الحظ الوهوب، أو يد السيَّارةِ المباركة على ابن يعقوب؟ (يُجِبْكَ): أليس كلٌّ من شهد النفير العام فهو ذائد الوطن وحاميه! وكل من وجد في الحفير الجامع فهو مشتريه بمهجته وفاديه، مجهول بذل المجهود، وجاد بالنفسِ وذلك أقصى الجود، في موطن سوّى بين القائد والمقود، والسائد والمسود، توحَّدت النار وتشابه الوقود؛ وما حَمَل أعباء الجهاد مثلُ الميّت، كالأساس دُفن فكان قِوَامَ البيت.
كلُّ حيٍّ يموت، وكل ذخيرة تفوت، وكلُّ راحلٍ عن قومه وإن وجدهم بالأمس شتَّى فألَّف، أو نكرات فعرَّف وخلَّف فيهم من فضل ما خلَّف، لا يَسْلَم على الموت من حاسد يزوِّر في الصحيفة، أو حاقدٍ يتشفَّى بالجيفة؛ فيا لكَ مُضْغَةً تقرض الكفن الجديد، وتَسْبِق الدود إلى الصديد، إلاَّ هذا الجنديَّ المجهول، فقد خلت جنازته من الهامس والهامز، والغامط والغامز؛ فقل لمن لم يعرفْه الناس: طوبى لك، ما أنعم بالك، وما أنقى كفنك وسربالك.? قبرٌ بين «حنيةِ النصر» وبِنْيةِ النَّسر، وفوق طريق العصر، لو كان لعيسى ضريح، لقلتُ قبر المسيح. كلُّ جريحٍ إليه يَسْتريح، يقف به المحزون المتهالك، يقول هذا كلُّه قبر مالك؛ وكأنَّ كلَّ أختٍ حوله الخنساء، وتحت ذلك الحجر صخر؛ وكلَّ أمٍ ذات النطاقين أسماء، وعبدُ اللهِ في ذلك القبر؛? دروسٌ عاليةٌ تُلْقَى على الشباب، تعلِّمهم كيف جعل آباؤهم حمايةَ الغاب، فوق تفاتن الأحزاب، وفتنة الأسماء والألقاب؛ حتى قَرُب تقديس الوطن الكريم، من عبادة العليِّ العظيم؛ وحتى تقرّبوا إلى الأوطان، بالذَّبْح المنكر، كما ذُكِرَ اسم الله على القرْبان، واسم القربان لم يُذكَر. والمجدُ أبعدُ أسفار الرجال، وله أزْوَادٌ وله رحال؛? جِهادٌ طويل، وصبرٌ جميل، وعقباتٌ بكلِّ سبيل؛ والجنديُّ المجهول ما سار من لَحْدٍ على لَحْد، حتى رَقِيَ أسوارَ المجد، ودخل مملكةَ الخُلد، وكان الطريقُ نقيٍّا من الشَّوكِ وكلُّ ورْد؛ ذهبَ رَحِمَهُ الله لا عن ولد يرمينا بجَنَادل أبيه، ولا أخٍ يسحبُ علينا أكفان أخيه، وكفانا تَجَنِّيَ الشِّيعَة، وإدلال الصنيعة، وكلَّ حِرباءَ يتسلَّقُ الناسَ شجرًا إلى الشمس، يعبدها على مناكبهم من المهد إلى الرمس. ? الغفل: ما لا علامة ولا وسمة فيه، وهو أيضًا الشاعر المجهول أو الكتاب الذي لم يسم واضعه. والرمة — جمعها رمم ورمام: العظام البالية: أي إن هذه الجثة المجهولة بين الجثث قد أصبحت عنوان الشهرة ورمز التضحية كما فصل ذلك في الفقرة التالية.? المحظوظة: من حظ: كان ذا حظ. والرعديد: الجبان الكثير الارتعاد. والصنديد: السيد الشجاع. والمغمور: المجهول الخامل النسب، وغمرة القوم: علوه شرفًا. والربي: واحد الربيين، وهم الجماعة من الناس. والحواري: ناصر الأنبياء. وأسامة: الأسد، وهو مضرب المثل في الشجاعة كما أن النعامة مضربة في الجبن: أي أن الله وحده يعرف لمن هذه الجثة التي كان لها كل هذا الحظ في التكريم: أهي جثة رجل كريم عظيم؟ أم جثة واحد من سواد الناس؟.? الرمام: جمع رمة كما تقدم. والرجام: جمع رجم: القبر. والغمرة: المزدحم؛ أي أن الحظ أصابه حين اختاروه من بين الألوف من الجثث، كما تقدم في وصف الحفلة التي أقيمت لاختيار الجندي المجهول.? ملء اليبس واللجة، أي تسير برًا وبحرًا، الكتيبة الخرساء: الفرقة من الجند لا يسمع لها صوت لوقار أهلها في الحرب. والبرق الذي يغدو ويروح في السلوك هو الرسائل التلغرافية: والزاجلية: الحمام الزاجل حمام الرسل. والألوك والألوكة: الرسالة. وهذا وصف المواكب التي أشرنا إليها يوم نقل رفات الجندي المجهول إلى قوس النصر. و«نابليون»: بطل فرنسا الكبير وأشهر القواد العسكريين. و«ولنجتون» من مشهوري قواد الإنجليز: اكتسب شهرة بعيدة بانتصاره على نابليون في موقعة واترلو. و«فيكتور هوجو»: هو أشهر شعراء فرنسا في القرن التاسع عشر. والبانثيون: اسم هيكل أقيم في روما القديمة لتكريم «جميع الآهة» والبانثيون المعنى به هنا: هو الصرح العظيم المشيد في باريس الذي يضم رفات مشهوري الرجال. والأشلاء: جمع شلو وهي الأعضاء بعد البلي.? أي كل ميت عم فضله لا يخلو من حاسد أو حاقد يعمل على انتقاص قدره، إلا هذا الجندي المجهول فقد كان بمأمن من الغمز والهمز.? حنية النصر أو قوس النصر: هو أفخم بناء من نوعه قام في وسط ميدان من ميادين باريس يتشعب منه اثنا عشر شارعًا. وقد أمر ببناء هذا الصرح «نابليون» الملقب بالنسر، ولهذا سماه المؤلف: بنية النسر، وكان ذلك في فبراير سنة ????، ولم يتم فتحه إلا في يوليو سنة ????. وعلو هذا البناء ?? مترًا بعرض ?? مترًا وسمك ?? مترًا. وهو مزين بأبهى النقوش وأجمل الرموز، وقد حفرت عليها أسماء مشهوري القواد والمواقع الكبيرة. وذات النطاقين: أسماء بنت أبي بكر الصديق، وقصة عبد الله بن الزبير حينما نصحته أمه أسماء بالمضي في الحرب بعد أن خذله أنصاره وخاف من أن يمثل به الأعداء: معروفة. ? الأزواد: جمع زاد. والرحال: جمع رحل وهو مركب البعير أو ما تحمله في سفرك من متاع.
قَنَاةُ السّويس


[كتب المؤلف هذه القطعة بمناسبة اجتيازه قناة السويس في طريقه إلى الأندلس التي اتخذها محل إقامة له إبَّان الحرب. وهي درس جميل بليغ في تاريخ مصر منذ أقدم العصور، نسج فيها نثرًا على المنوال الذي نسج عليه شعرًا في قصيدته الهمزية المشهورة التي قدّمها إلى المؤتمر الشرقي الدولي الذي عقد في مدينة جنيفا في سبتمبر سنة ????. ولئن أشار فيها أكثر من مرة إلى إسماعيل فلأنّ فتح هذه القناة تمَّ على عهد ذلك الأمير العظيم بعد تذليل صِعاب كثيرة. وكان افتتاحها في ?? نوفمبر سنة ????م–????هـ وقد دعا الخديو إسماعيل إلى هذا الافتتاح جميعَ ملوك أوربة وأُلوفًا من الأمراء والسفراء وأقطاب السياسة وحملة الأقلام وأرباب الفنون والصنائع والتجارة حتى ضاقت بهم القصور، فنصب لهم في الصحراء ألف سرادق، وأنزل الإمبراطورة أوجيني «عقيلة الإمبراطور نابليون الثالث» وسائر الملوك وأمراء الأُسرات الملكية في قصر منيف شاده خصيصًا لهم. وفي ?? نوفمبر أٌيمت حفلة دينيّة اشترك فيها مشايخ الإسلام وأساقفة النصارى وكهنة اليهود. وفي الصباح التالي ابتدأ الاحتفال بإطلاق المدافع ثمَّ تقدم يخت الإمبراطورة «أوجيني» في القناة وتبعه يخت «فرنسوي جوزيف» إمبراطور النمسة ويخت «فردريك غليوم» أمير برسية، فيُخُوت سائر الملوك والأمراء فالسفن المقلة للمدعوّين والمتفرجين وعددها ?? سفينة. ولما بلغ اليخت الإمبراطوري بحيرة التمساح حيَّتْه ثلاثة مراكب حربية مصرية بإطلاق المدافع، فجاوبتها مدافع البرّ وعزفت الموسيقى وهتفت الجماهير المحتشدة على الشاطئ من القبائل والأقوام المختلفي الجنسيات. وكان الخديو إسماعيل قد جمعهم في الإسماعيلية من كل أنحاءِ مصر والصحراء والسودان ومعهم نساؤهم وأولادهم ونوقهم ومواشيهم وغزلانهم فكان منظرُ تلك الأُلوف — من بدو وحَضَر ودراويش ومغاربة وسودانيين.. الخ بأزيائهم وألوانهم المختلفة — مشهدًا فريدًا في بابهِ قلما أُتيح للعين أن تقع على مثله وفي يوم ?? خرجت السُّفن من بحرية التمساح إلى البحيرات المرّة. وفي اليوم التالي بلغت البحر الأحمر قبيل الظهر بعد أن اجتازت القتال. ومن ذلك العهد فُتِحَت هذه الطريق للمراكب]:
تلكما يا ابْنَيَّ القناة، لقومِكما فيها حياة، ذكرى إسماعيلَ وريَّاه، وعُليا مفاخر دُنياه، دولة الشرق المَرجَّاة، وسلطانُه الواسعُ الجاه؛ طريقُ التِّجارة، والوسيلة والمنارة، ومَشْرَع الحضارة.? تَعبُرَانِها اليومَ على مُزجاة، كأنها فُلْكُ النجاة؛ خرجتْ بنا بين طوفان الحوادث، وطُغيان الكوارث؛ تفارق برًّا مغتصبُه مضري الغضبة، قد أخذ الأُهْبَة، واستَجْمَعَ كالأُسد للْوثبة، وتُلاقي بحرًا جنَّت جواريه، ونزَّت بالشَّرِّ نوازية، وتمثَّلت بكل سبيل عواديه؛ مملوءًا ببَغتات الماء، مترعًا بفُجاءَات السماء؛ مِنْ نُور ينسفُ الدَّوارع، أو طيرٍ يقذفُ البيضَ مصارع.? فقلت: سيري عوَّذْتُكِ بوديعة التابوت، وبصاحِب الحوت، وبالحيّ الذي لا يموت؛ وأَسْرِى يا ابنةَ اليم زمامُكِ الرُّوح، ورُبَّانُكِ نوح، فكم عليكِ من منكوبٍ ومجروح.? وإن للنَّفْي لَرَوْعة، وإن للنَّأي للَوعة، وقد جرتْ أحكامُ القضاءِ، بأن نَعْبُرَ هذا الماء؛ حينَ الشرُّ مُضْطَرم، واليأْسُ محتدمِ، والعدوُّ منتقم، والخَصْمُ مُحتكم، وحين الشامتُ جذلان مبتسِم، يهزأُ الدمع لم يَنْسَجِمْ، نفانا حكَّامٌ عُجْم، أعوانُ العدوان والظُّلم، خلَّفناهم يفرحون بذهب اللُّجم، ويمرَحون في أرسانٍ يُسَمُّونها الحُكم.? ضربونا بسيفٍ لم يطْبعوه، ولم يملِكوا أن يرفعوه أو يضعوه؛ سامَحُهمْ في حقوق الأفراد، وسامحوه في حقوق البلاد، وما ذَنْب السيفِ إذا لم يَسْتَحْيِ الجلاَّد.? ماذا تهمسان؟ كأني أسمعُكما تقولان: أيُّ شيءٍ بَدا له، على هذه الضاحية؟ وماذا شجا خيالَه، من هذه الناحية؟ وأيُّ حُسْن أو طِيب، لِمِلْحٍ يتصبَّبُ في كثيب؟ ماءٌ عَكِر، في رملٍ كَدِر، قناةٌ حمِئَة، كأنها قناةٌ صَدِئة؛ بل كأنها وعَبْرَيْها رمال، بعضُها متماسكٌ وبعضُها مُنهال، وكأنّ راكبَ البحرِ مُصحِر، وكأنّ صاحبَ البرِّ مُبحِر.? رويدَكما ليسَ الكتابُ بزينةِ جلدِه، وليس السيفُ بحليةِ غمدِه؛ تلك التَّنائف، من تاريخِكم صحائف؛ وهذه القِفار، كتبٌ منه وأسفار؛ وهذا المجاز هو حقيقة السِّيادة ووثيقة الشَّقاءِ أو السعادة؛ خيط الرَّقبة، من اغْتصبه اختصَّ بالغلّبة، ووقف للأعقاب عَقَبة؛ ولو سَكتُّ لنطقت العِبَر، وأين العِيانُ وأين الخَبر؛ اُنظرا تريا على العَبرين عِبرةَ الأيام: حصونٌ وخيام، وجنودٌ قعودٌ وقيام؛ جيشٌ غيرنا فُرسانُه وقوَّادُه، ونحن بُعرانُه وعلينا أزوادُه؛ ديكٌ على غيرِ جداره، خَلا له الجوُّ فصاح؛ وكلبٌ في غير داره، انفردَ وراءَ الدَّار بالنُّباح.? القناةُ وما أدراكما ما القناة؟ حظ البلادِ الأغبر، من التقاءِ الأبيضِ والأحمر؛ بَيْدَ أنَّها أَحلامُ الأُوَل، وأماني الممالكِ والدُّول، الفراعنة حاولوها، والبطالسة زاولوها، والقياصرة تناولوها، والعَرَبُ لأمرٍ مّا تجاهلوها؛ إلى أن جرى القدّرُ لغايتِه، وأتى إسماعيلُ بآيِته، فانفتح البرزخُ بعنايِته، والْتَقى البحرانِ تحَ رايتِه، في جَمْعٍ من التيجان لم يشهدْه إكليلُه، قد كن يُتوِّجُ فيه لو شهِدتْه جيوشُه وأساطيلُه؛ وما إسماعيلُ إلا قيصر لو أنَّه وُفِّق، والإسكندر لو لم يُخفِق؛ تَرَكَ لكم عِزَّ الغد، وكنزَ الأبد، والمَنْجمَ الأحد، والوقفَ الذي إن فات الوالد فلن يفوت الولد.? ماذا على هذه الرمال،? من لَمَحاتِ جلالٍ وجمال؟ ارجَعا القَهْقرى بالخَيال، إلى العصرِ الخال؛ واعْرضا في حداثتِها الأجيال؛ تريا على هذا المكانِ وجوهًا تتمثَّل، وركابًا تتنقَّل، وتَرَيَا النُّبوَةَ تتهلَّل، والآياتِ تتنزَّل، وتَريَا المَلكَ?? يترجَّل، حتى كأنكما بالزمان الأوّل؛ فها هنا ُضع للنُّبوّة المهد، وابتدأ بها العهد. فأقبل صاحبُ المقام، ومُحطِّمُ الأصنام، وبنَّاءُ البيت الحرام، خليلُ ذي الجلالِ والإكرام. هاجر إلى مصر أَكرمَ مَنْ هاجرَ، ثم انقلبَ منها بأمِّ العرب «هاجَر». ومن هذه الثنيَّات طلعَ يوسفُ يرسُفُ في القيد، وهو للسيارة?? يسيرُ من كَيْدٍ إلى كَيْد؛ قلبٌ جرحَتُه الإخْوَة، وجنبٌ قرَّحتْه النِّسوة؛ فيا لكَ يوسفُ من أُسوة؛ عِزٌّ بعدَ هُون، ودولةٌ بعد المنزل الدُّون، وشئونُ أقدارِ وشجون، وسهولُ حياةٍ وحزون، وسجوفُ القصور بعد السجون؛ إلى سجود الشَمسِ لك والقمر، والكواكب الأُخَر. وإلى هذا الفضاء خرج موسى حين زِيلَ زَويلُه?? وطلبَهُ قتيلُه، وزيَّن له الفِرَارَ خليلُه؛ فحوته هذه الرِّمَالُ فإذا الأمنُ سبيلُه، واليُمْنُ دليلُه، والسلامةُ زاملته?? والسِّلمُ زميلُه؛ ولو أطلعه الله على غيبِه، للمَس النبوّة بين يدِه وجَيْبه، إلى أن رُفِع له المنار، واكتحلَ بالنور واقَتَبَسَ من النار، وقيل له كن من الأحرار الأحبار، وارجِعْ فسلَّط الحقَّ على فرون الجبَّار، فكان عليه السلام أولَ من اقتحم على الفردِ جَبروتَه، وهتَك على المستبِدِّ طاغوتَه، وخَطَمَ?? المتألّهَ وحطَمَ عظموتَه؛ ماءُ الحقِّ على لُطفه، َفِر بنار الباطل على عُنفه؛ ظهر العدلُ على الحَيْف. وكسرتِ العصا السَّيف. وعلى هذه الأرض مشت السماءُ الطَّاهرة، والنيِّرة الزاهرة، والآيةُ المتظاهرة؛ أمُّ الكلمة،?? وطريدة الظَّلَمة؛ سرحوا في عِرْضها؛ يوسف حاديها، وجبريلُ هاديها، والقُدْسُ ناديها، والطَّهارةُ أرجاءُ واديها؛ وعلى ذراعها مصباحُ الحكمة، وجناحُ الرحمة، والإصباحُ من الظُّلمة؛ حتى هبطتْ به أكرمَ الأديم، فنشأ بين الحكيم والعليم. وترعرع حيث ترعرع بالأمس الكليم. فيا لكِ من دار، لَعِبَتْ على عَرَصاتِها الأقدار، ناويتِ موسى، القريب؛ وآويْتِ عيسى، الغريب، نَبَوْتِ بالنَّبيّ، وحَبوتِ الأمنَ عيسى وهو صبيّ، عُذرُك لا تُنْضَي غليه المَطيَ، فإنما غَضبْتِ لابِنك القبطيّ.?? ثم انظُرَا تريا إبِلاً صِعابًا، وخيلاً عِرَابا،?? وتريا الرُّعاة?? انقضُّوا على الوادي ذئابا، فأخافوا القرى الآمنة، وأخرجوا من مصر الفراعِنة، واستبدّوا بالمُلْك فيها آونة. وتريا الوحوشَ الضاريَة، والجوارحَ الكاسرة، يقودُها شر الأكاسرة،?? ملأتْ هذه الفِجاج،?? وكأنها حَرجاتُ?? السَّاج، أو حركاتُ الأمواج؛ ثم تدفَّقتْ تكتسِحُ الدِّيار، باغيةَ السَّيف طاغيةَ النَّار، تَدكُُّ الهياكل والمعاقل، وتهتكُ العقائد والعقائل. وتريا الإسكندرَ الكريم، قد لمَعَ كالصارم من هذا الصريم?? يحملُ الحملات النجائب. ويفتح بالكُتب وبالكتائب. وتريا ابنَ العاص والصَّحابة، مَرُّوا من هذه الأرجاء مَرَّ السَّحابة؛ يفتحونَ للحقّ، ويفتكون بالرِّقّ؛ حتى أخلَوْا القصورَ من القياصرةَ، وأراحوا مصرَ الصَّابرة، من صَلَف الجبابرة. وتريا صلاحَ الدِّين يَخْفَى كالبدر ويبدو، ويروحُ كالغيث ويغْدو؛ بُعوثٌ بلا عدد، ومَدَدٌ إثرَ مَدَد، وذخائرُ وعُدَد، وبشرى كلُّ يومٍ بفتُوحٍ جُدُد.
وترَيًا «نابليون» قد ركبَ طيشَه، وأركبَ الغَرَرَ?? جيشَه. وترَيَا إبراهيمَ بنَ عليٍّ مشهورَ الجُراز،?? موفورَ الهاز، مَلَكَ سوريا وضَبطَ الحِجاز. وتريا إسماعيلَ بعثَ الحاشرين، وحشدَ الحافرين، وقَرَّبَ المسافة للمسافرين؛ غيّرَ وجْهَ السفر، فقيل: بلغَ غايةَ الظَّفَر، وقيل: وقع الحافرُ فيما حَفَر.
ثم انظرَا اليوم تريَا القناة في يد القَوْمِ إن أَمنوا ركَّزوها،?? وإن خافوا هَزُّوها. ? ذكرى إسماعيل: راجع ما ذكرناه في التوطئة. والمشرع: المورد.? المزجاة: السفينة، من أزجى الفلك: ساقه وأجراه. ونزت: وثبت. و«طوفان الحوادث وطغيان الكوارث»: يكني بها عن ويلات الحرب الكبرى. والغضبة المضريةِ: نسبة إلى مضر بن نزار أبو القبيلة المعروفة باسمه. والجواري: السفن. والنون: الحوت. ويقصد به الغواصة. أي إننا نغادر اليوم برًا تحكم فيه الغاصب لنلاقي بحرًا بدت الويلات في كل جنباته: من غواصات تغرق السفن، وطيارات تلقي بالقذائف فيكون منها الموت.? وديعة التابوت: هو موسى. وصاحب الحوت: يونس.? انسجم الدمع: سال. وكنى بذهب اللجم وأرسان الحكم. عن ذل الحكومة تحت الحماية.? طبع السيف: عمله وصاغه. والمراد أنهم اتخذوا الحكومة ذريعة في يدهم لإلحاق الأذى بنا. وتركوا هذه الحكومة تفعل ما تشاء بحقوق الأفراد لأنها أباحت لهم حقوق البلاد.? شجا: حزن. والكثيب: التل من الرمل. والقناة الأولى: الترعة. والثانية: الرمح. وحمئة — من حميء الماء: أي خالطته فكدر. والحمأة والحمأ. الطين الأسود ومنه في الآية الشريفة وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ. وصدئة — من صديء الحديد: أي ركبه الطبع والوسخ. وعبر الوادي وعبره: شاطئه وناحيته. قال النابغة في الفرات. ترمي أواذيه العبرين بالزبد
وأواذيه: أمواجه. ومصحر: سائر في الصحراء. وصف القناة على لسان ولديه كما تبدو للعين، فهي في الظاهر لا شيء سوى ماء ملح يسيل بين الرمال، أو كأنها بمائها العكر رمح علاه الصدأ ملقى على الرمل. ولكن يجب أن لا نأخذ بالظاهر كما بين الكاتب ذلك في الفقرة التالية التي رد فيها على ولديه.? التنائف: جمع تنوفة: وهي المفازة، أو الأرض الواسعة التي لا أنيس بها. والمجاز: المعبر والمسلك، وهو في البيان: اللفظ المنقول من معناه الحقيقي إلى معنى يلابسه. وفي قوله: «وهذا المجاز هو حقيقة السيادة» تورية لطيفة. وخيط الرقبة: نخاعها. يقال: دافع عن خيط رقبته: أي عن دمه. رد على ولديه فقال: لا تأخذا بالظواهر، فما قيمة الكتاب بغلافه، ولا قيمة الحسام بقرابه، وهذه القناة الكدرة هي خلاصة تاريخ مصر، ومن استولى عليها فقد ضمن النصر؛ لما لموقعها من الخطر. وقد عني بمن ذكر من الجنود: جيش الأجنبي المحتل. ? التقاء الأبيض والأحمر: أي التقاء البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر بواسطة قناة السويس، وقد سبق المؤلف فنظم هذا المعنى شعرًا في همزيته المشهورة قال:جمع الزاخرين كرهًا فلا كانا ولا كان ذلك الالتقاءأحمر عند أبيض للبراياحصة القطر منهما سوداءالرزخ: قطعة أرض بين بحرين. وقيصر: هو يوليوس قيصر الروماني الذي احرز مجدًا عظيمًا بانتصاراته وإصلاحاته. والإسكندر: هو إسكندر المقدوني الملقب عند العرب بذي القرنين، وهو مؤسس مدينة الإسكندرية المنسوبة إليه ويعد من أعظم الفاتحين. كثيرون حاولوا نقض برزخ السويس من أيام الفراعنة — ولو كان فتح القناة لم يتم إلا على عهد إسماعيل في جمع من التيجان كما مر بك وصف الاحتفال في المقدمة.? أخذ المؤلف يروي لولديه تاريخ تلك البقاع، وهو درس تاريخي جميل بليغ جمع إلى سرد الوقائع والحوادث شيئًا كثيرًا من فلسفة التاريخ وعبر الأيام.?? الملك: الملائكة.?? السيارة: القافلة.?? زيل زويله: أي زال جانبه ذعرًا وفرقًا.?? زاملته: رافقته. وأصل «زامله» عادله على البعير في المحمل: أي كان هو في جانب وصاحبه في آخر.?? خطمه: ضربه على أنفه.?? السيدة مريم.?? إشارة إلى القبطي الذي قتله موسى وغضبت له مصر فلم تقبل فيه من عذر.?? العراب: الكرائم.?? الهكسوس أو الملوك الرعاة.?? هو قمبيز أحد ملوك الفرس حكم من ??? إلى ??? قبل المسيح، وهو ابن قورش: فتح مصر واستبد بأهلها، وقد ذكره المؤلف في قصيدته المؤتمر فقال:لا رعاك التاريخ يا يوم قمبيزولا طنطنت بك الأنباءدارت الدائرات فيك ونالتهذه الأمة اليد العراء?? مفردها فج: وهو الطريق بين جبلين.?? حرجات: جمع حرجة: وهي مجتمع الشجر. والساج: شجر يعظم جدًا وخشبه أسود.?? الصارم: السيف القاطع. والصريم: الرمل.?? الخطر.?? السيف.?? ركز الرمح: غرسه في الأرض، وفي القناة هنا تورية، إذ تحتمل معنى الرمح وقناة السويس.
الذِّكْرَى


[هذه قصيدة من الشعر المنثور تغزل فيها المؤلف بالحرية، وأهداها إلى روح صديقه المرحوم مصطفى كامل باشا بمناسبة ذكرى وفاته.]
قلْ لا أعرِف الرِّقّ، وتقيَّد بالواجب وتقيَّد بالحقّ؛ الحرية وما هِيَه؟ «الحُمَيراءُ»? الغالية، فِتنةُ القرون الخالية، وطَلِبةُ النفوسِ العالية؛ غِذاءُ الطّبائع، ومادّةُ الشرائع، وأُمُّ الوسائل والذَّرائع؛ بنتُ العلم إذا عمّ، والخلق إذا تمّ، وربيبة الصبر الجميل والعمل الجمّ؛ الجهلُ يئدُها،? والصغائرُ تُفسدُها، والفُرْقةُ تُبعدُها؛ تكبيرةُ الوجود، في أُذُن المولود؛ وتحية الدُّنيا له إذا وصل، وصيْحة الحياة به إذا نَصَل؛? هاتِفٌ منَ السماءِ يقولُ له: يا ابنَ آدم؛ حَسْبُكَ من الأسماءِ عبدُ الله وسيّدُ العالَم،? وهي القابلة التي تستقبله، ثم تسرُّهُ? وتُسَرْبلُه،? وهي المهدُ والتميمَة،? والمُرضعُ الكريمة، المنجبة كـ«حليمة».? ألبانُها حياة، وأحضانُها جنَّات. وأنفاسُها طيِّبات. العزيزُ من وُلدَ بين سَحْرِها? ونَحْرها،?? وتعلق بصدرِها، ولعِبَ على كَتِفها وحِجرها، وترعرعَ بين خِدرها وسِترها.. ضجيعةُ موسى في التابوت،?? وَجاوَرَتْه في دار الطاغوت،?? والعصا?? التي توكأ عليها، والنَّارُ التي عشَا إليها،?? جبلّةُ المَسيح، السِّيدِ السَّميح، وإنجيلُه، الذي حاربُه جيلُه،?? وسَبيلُه، الذي جانَبَهُ قَبيلُه، طِينةُ?? محمدٍ عن نفسِه، عن قومِه، عن أمسِه، عن يومه، أنسابٌ عالية، وأحسابٌ زاكية، وملوكٌ بادية، لم يَدنهم طاغية، وهي رُوحُ بيانِه، ومُنحدَر السُّوَر على لسانِه، الحرِّية، عقدُ الملك، وعهدُ المَلْك، وسًكان الفُلْك، يدُ القلم، على الأمم، ومِنحة الفكر، ونفحة الشعر وقصيدة الدهر، لا يُستَعْظَمُ فيها قرْبان، ولو كان الخليفة عثمان بن عفان، جنينٌ يحمَلُ به في أيام المحْنَة، وتحتَ أفياء?? الفتنة، وحينَ البغي سيرة السَّامَّة،?? والعدوان وتيرة العامَّة، وعندَما تناهى غفلة السواد، وتفاقم عَبث القوَّاد، وبين الدَّم المطلول، والسيف المسلول، والنظم المحلول، وكذلك كان الرُّسلُ يولدون عندَ عموم الجهالة، ويُبعثون حين طمُوم الضلالة؛ فإذا كَملَتْ مدَّتُه. وطلَعتْ غُرَّتهُ، وسطعَتْ أُسِرَّتُه، وصحَّتْ في المهد إمرتُه، بدّلت الحالَ غيرَ الحال، وجاءَ رجالٌ بعدَ الرِّجَال؛ دينٌ ينفسحُ للصادقِ والمنافق، وسوقٌ يتَّسع للكاسِد والنَّافق،?? مولودٌ حمْلُهُ قرُون، ووضعُهُ سِنُون، وحَداثتُه أشغالٌ وشئون، وأهوالٌ وشجون، فرحِمَ الله كلَّ من وطَّأ ومهَّد، وهيَّأ وتعهَّد، ثم استشهدَ قبلَ أن يشهَد. إذا أحرزت الأُممُ الحرِّيَّة أتت السيادةُ من نفسِها، وسعت الإمارةُ على رأسِها، وبُنِيَت الحضارةُ من أُسِّها؛ فهي الآمرُ الوازع، القليلُ المُنازِع، النبيلُ المشاربِ والمَنَازع؛ الذي لا يتخذ شِيعة، ولا صنيعة، ولا يَزْدهي بخديعة؛ خازنٌ ساهر، وحاسبٌ ماهر؛ دانقُ الجماعة بذمةٍ منهُ وأمان، ودِرْهَمُهم في حِرْزهِ دِرْهَمَان.
«فيا ليلى»?? ماذا مِن أترَاب، وارَيْتِ التراب؟ وأخدان، أسلمتِ للديدان؟ عُمَّالٌ للحق عُمَّار، كانوا الشُّموسَ والأقمار، فأصبحوا على أفواه الرُّكَّاب والسُّمار؛ وأين قيسُك المعولِ؟ ومجنونُك الأوَّل؟ حائطُ الحقُّ الأطوَل، وفارسُ الحقيقةِ الأجوَل؛ أين مصطفى؟ زينُ الشباب، ورَيْحان الأحباب. وأوَّلُ من دَفع الباب، وأبرزَ النَّاب، وزأرَ دون الغاب؟… ? الحميراء: يريد أنها حمراء كالدم، وصغرها للتعظيم. وقد تكون إشارة إلى الروح التي يعبرون عنها بسريان الدم في الجسم.? يئدها: أي يدفنها حية.? نصل: السهم خرج نصله والمراد خروج الولد من بطن أمه كخروج السيف من غمده.? عبد الله: معناه أن الإنسان وهو في الدنيا لا يكون عبدًا إلا لله، وهو سيد العالم المنتفع بكل شيء فيه.? تسره: تقطع سرره. والسر: ما تقطعه القابلة من سرة الصبي، ولا تقل: سرته؛ لأن السرة لا تقطع، وإنما هي الموضع الذي قطع منه السر.? تسربله: تلبسه السربال وهو القميص.? التميمة: عوذة تعلق على الإنسان.? حليمة هي مرضع رسول الله، وهي من قبيلة بني سعد.? السحر: الرئية، والمراد ما فوقها.?? النحر: موضع القلادة من الصدر.?? ضجيعة موسى في التابوت: حكاية التابوت أن المنجمين أخبروا فرعون مصر أن مولودًا من بني إسرائيل قد أظله زمانه الذي يولد فيه يسلبه ملكه ويخرجه من أرضه ويبدل دينه، فأمر بقتل كل مولود يولد من بني إسرائيل من الغلمان. ولما قيل له: أفنيت الناس وقطعت النسل وهم خبالك وعمالك: أمر أن يقتل الغلمان عامًا ويستحيوا عامًا فولد هارون في السنة التي يستحيا فيها الغلمان، وولد موسى في السنة التي فيها يقتلون، فحزنت أمه، فأوحى الله إليها: أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم — وهو النيل — ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. فلما وضعته أرضعته ثم دعت نجارًا فجعل له تابوتًا وجعلته فيه وألقته في اليم، فأقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة ويخفضه أخرى حتى أدخله بين أشجار عند بيت فرعون،، فخرج جواري آسية امرأته يغتسلن فوجدن التابوت فأدخلنه إلى آسية، فأحبته وحالت بينه وبين الذبح، فلما بلغ أشده وأصبح في المدينة خائفًا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين. ولما توجه تلقاء مدين قال: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل. ثم كانت رسالته، فالحرية التي اضطجعت مع موسى في التابوت وجاورته في دار الطاغوت، هي التي اعتمد عليها في إنقاذ قومه من ظلم فرعون.?? الطاغوت: الكفر.?? العصا: هي عصا موسى، وهي معجزته التي كانت إذا ألقاها انقلبت حية تسعى، وأراد أن يثبت لفرعون مصر أنه مرسل من عند الله لتحرير أمته بني إسرائيل من الرق والعبودية، فعصا موسى. هي عصا الحرية، لأن الله حرر أمته على يده.?? عشاها: قصدها ليلاً يوم سار بأهله، فآنس من جانب الطور نارًا، فكانت رسالته بذلك الوادي المقدس إلى فرعون لينقذ بني إسرائيل من رق الفراعنة إلى بحبوحة الحرية.?? جيله: قومه، وقد أبوا أن يتبعوه إلا قليلاً منهم وهم الحواريون.?? طينة محمد عنه نفسه.. الخ، أي أن محمدًا خلق من الحرية وقبل أن يخلق كان سارحًا في فضائها، ولما بعث محمد دعا الناس جميعًا إلى الحرية.?? الأفياء: هي الظلال.?? السامة: الخاصة.?? النافق: الرائج.?? يناجي الحرية باسم ليلى، ويسألها عن «قيسها» و«مجنونها».
الشَّمْسُ


سَلِ الشَّمْسَ مَنْ رَفَعها نارًا، ونصبَهَا? منارًا، وضَرَبها دينارًا? ومَنْ عَلَّقها في الجوِّ ساعة،? يَدِبُّ عقرباها على يوم الساعة؟? ومَن ذا الذي آتاها مِعْراجَها،? وهداها أدْراجَها،? وأحلَّها أبراجَها، ونقَّلَ في سماءِ الدنيا سراجَها؟ ومَن الذي وكَّلَها بهذه الكُرة، وشَغَلَهَا بهذه الدَّسْكَرَة،? حتى اتَّخَذَتْها مَجَرَّ ذيلها? وتصرفَتْ بنهارِها وليلِها؛ تَنْهَضُ في السماء مُسْتَملَحَة، وتمشي على الأرض مُصلحَة، وتغدو منْجحَة،? وتروح مُرْجحَة؛?? كلُّ إياة،?? حياة أو ائتناف،?? حياة، وكلُّ شُعاع صانع صَنَاع، وكلُّ رائد، مالٌ فائد،?? وخيرٌ رائد؛ هيّ المصباحُ الأنْوَر، والمِغْزَل الأدْوَر،?? والمِرْجَلُ الأزْهَر،?? والصَّباغُ الأمْهَر،?? والرَّاوُوق?? الأطْهَر، والطبيب الأقْدَر الأشْهَر. الزمانُ هي سببُ حصولِه،?? ومُنْشَعَبُ?? فروعِه وأصولِه، وكتابُه بأجزائِه وفصلوِه؛ ولِدَ على ظهرها، ولَعبَ على حِجْرِها، وشاب في طاعتها وبِرِّها؛ لولاها ما اتَّسَقَتْ?? أيامُه، ولا انتظمتْ شهورُه، وأعوامه، ولا اختلف نوره وظلامُه؛ ذَهَبُ الأصيل مِن مناجِمها،?? والشفقُ يسيلُ مِنْ محاجِمها؛?? تحطَّمَت القرونُ على قرْنِها،?? ولم يَعْلُ تطاولُ السنينَ بسنِّها،?? ولم يمحُ التقادم?? لمحةَ حسنِها؛ أُتَتْ دُونَها الأيامُ وهي كَعاب،?? في غرْب الشباب،?? تصبِحُ تَبْرزُ من حجاب، وتُمسِي تتوارى بحجاب؛ طالما ردَّتْ الغِربانَ حمائم،?? ونَسَجتْ الثلاث العمائم،?? وغزلتْ الأكفان، لحيٍّ فَان، وطلعتْ على عَزَبٍ?? وغربَتْ على بانٍ،?? قامتْ على غير قَدّم، حتى طال عليها القِدَم، وقيل: ما لهذه عدَم، كلا لتخرَّنَّ عمادًا،?? ولتذْهبنَّ رمَادا، وليبعَثَنَّ الله جَمادا.??? نصبها: أقامها.? أي كالدينار صفرة واستدارة.? أي كالساعة التي يعرف بها الوقت.? عقربا الشمس: هما الليل والنهار تشبيهًا لهما بعقربي الساعة.? المعراج: السلم.? جمع درج: وهو الطريق.? الدسكرة: القرية العظيمة والمراد بها هنا: الدنيا.? المراد بالذيل: الأشعة، أي أنها اتخذت الدنيا مكانًا تجر عليه أشعتها.? غدو الشمس: إشراقها.?? الرواح: الغروب. ومرجحة: أي تجزل العطاء.?? الإياة، والشعاع، والرائد: كلها بمعنى واحد.?? ائتناف: أي تجديد.?? المال الفائد: الثابت على الزيادة والربح.?? الأدور: شديد الدوران، وتشبيه الشمس بالمغزل لأنها تفتل الأشعة وترسلها بسرعة.?? المرجل: القدر. والأزهر: النير المشرق، وشبه الشمس بالمرجل بجامع الإنضاج في كل.?? تصبغ النبات فتجعله أخضر، وتحبو الحيوان ألوانه المختلفة، ثم تعطي بأشعتها كل شيء لونًا.?? الراووق: المصفاة، والغرض أنها مطهرة.?? الليل والنهار والفصل والأربعة: هي مظهر الزمان، ولولا الشمس ما كانت ولا كان الزمان.?? المشعب: المفترق.?? اتسقت: أي انتظمت.?? المنجم: المعدن، والمؤلف يشبه الأصيل بالذهب بجامع الصفرة في كل.?? المحجم: مكان الحجامة، وهي أخذ الدم من الجسم، والمؤلف يشبه الشفق بالنسبة إلى الشمس بالدم بالنسبة إلى شخص يحتجم بجامع الحمرة في كل.?? قرن الشمس: أعلاها، وقيل: أول ما يبدو من أشعتها.?? السن: العمر، والمعنى أن طول الزمن لم يؤثر فيها شيئًا.?? التقادم: القدم.?? كبعت الجارية: نهد ثديها، فهي كعاب.?? غرب الشباب: حدته ونشاطه.?? أي تحليل الشباب شيبًا.?? العمائم الثلاث: كناية عن شعر الشباب الأسود واختلاط السواد بالبياض في الأشمط والبياض في الشيوخ.?? العزب: الذي لم يتزوج.?? الباني: المتزوج.?? لتسقطن.?? أي يبعث على أثرها من العظام أحياء. ويشير بهذا إلى أن الشمس تبقى ولا تفنى إلا قبيل الساعة، حتى إذا ما فنيت نشرت الخلائق بعد ذلك، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ.
المَوْت


راكبَ الأَعوادِ? إلى أَيْن؟ يا بُعْدَ غايةِ البَيْن،? ويا قُرْبَ الميلادِ من الحَيْن؛? وَيْحَ قَومِك! هل انتبهوا مِنْ نومِك،? ولمسوا عِبْرَةَ الدهرِ بيومِك؟? حَمَلُوكَ على حَدْباء،? يقعُد الأبناءُ منها مَقْعَدَ الآباء، هي أعدلُ — إذْ تضَعُ? — من حَوَّاء، تُلْقِي حَمْلَها فإذا الملَكُ والسُّوقَةُ سواء؛ حقيبةُ المنيَّة? كلَّ يومٍ في ركاب، من مناكبَ? ورقاب، تحمِل الشِّيبَ والشباب، إلى رَحَى البِلى في اليباب،?? فيدورُ عليهم الدُّولاب،?? فإذا هم حَصًى وتُرَاب؛ ومن عَجب يعدلونَها بك إلى السَّبيل،?? وما هي لعَمْرُ أبيك إلا الدَّليل، في موكَبٍ غيرِ ذي صوت، أَضْفى?? عليه جلالَهُ الموت؛ أنت فيه جِدٌ في لَعِب، وصِدقٌ في كذِب؛?? لكَ فيه عُلُوُّ المتبوعِ في التَّبَع،?? واللواءُ في الخميس?? والخطيبُ في الْجُمع، بَيْدَ أن ذلك لا يمنَعُك من الأرض،?? ولا يَنْفَعُك يومَ العَرْض،?? لستَ والله صاحِبَ الآخرة،?? وإن كنتَ صاحبَ الجِنازة الفاخرة، حتى تُشَيَّعَ بيتيمٍ مُضَيَّع، أو بائس، من ورائك يائس، أو وَطن يبكيكَ عقلاؤه، ويضجُّ عليك فضلاؤه، ويمشي بنورك أبناؤه، ويُضيءُ حُفْرَتَكَ ثناؤه، انظر — رحِمك اللهُ — هل ترى غيْرَ باكٍ كضاحِك المزْن،?? ليس وراءَ دمْعَه حُزن؟ أو وارثٍ مشغولٍ بما مَلك، أو فضوليٍّ، يسألُ كم تَرك؟ زُخْرُفُ جنازة، وينفضُّ دونَ المفازة،?? وضجَّةُ الخروج من الدُّنيا وزورِها، وآخر عَهْدِكَ بباطلِ الحياة وغرورِها، ولو أطلَلْتَ على فانٍ طالما حمَلَك،?? وباطلٍ بالأمس شَغَلَك، وقليلِ متاعٍ قَتَلك، ثم لَمْ يبق لك: لم تر غير حُلْمٍ بُتر،?? ومَلْعَبٍ سُتِر، وماءٍ عُبِر،?? وظِلَّ هُجِر، ومالٍ خُسر، ووارثٍ مُنْشَمِر؛?? يسيرون بك إلى المُنْفَرَق،?? وسواءِ الطُّرُق؛ ويأخذون بك ناحيَةَ الحق، وسبيلَ الخَلْق، وقصبَةَ السَّبْق؛ هُوَّةُ البِلى، وغَمْرَةُ الفَلا؛?? والميعاد، ومدينةُ عاد، وعَرَصَاتُ المعَاد،?? والبلدُ الذي ابْيَضَّت فيه الأكباد،?? وخُلِّفَتْ بظاهرة الأحقاد، وصحَا الفؤاد، عن الأموال والأولاد؛ كلُّ مكانٍ فيه مَضْجَع، وكلُّ زمان فيه رُقاد،?? ثم إذا أنتَ ببيت?? لا ينزلُه إلا مَيْت؛ اختطَّهُ الباطلُ وبناه، لنزول الحقّ وسُكناه؛?? كل حجَرٍ فيه من جدار، مشاعٌ?? بين الدَّارِ والدَّار؛ حتى إذا أُطرق?? الجَمْع، وأُطلِق الدَّمْع، وفَرِق البصرُ والسَّمْع؛?? قُذِف ما في السَّرير،?? فتلقَّفَهُ الحَفير،?? ووُكِلْتَ لِمُنْكَرٍ ونكير، لا بل لرحمة الملِك القدير. فيا عَبْدَ المال، أضرَّك أنَّك عُتِقْت؟?? ويا أسيرَ الآمال، أما سَرَّكَ أنكَ أُطْلِقْت؟?? ويا كثيرَ التحوُّلِ والتقَلُّب، قَلِّبْ إن استَطَعْتَ جَنْبَيْك؛ ويا مُديمَ التَّطَلُّعِ والتَّطَلُّب، اطلب من البِلى نورَ عينيك؛ ويا مُزَحْزح الصمّ?? الصِّلاب، زحْزحْ عن رأسكَ هذه الظُّلمة؛ ويا فاتحَ المغالق الصِّعاب، افتَحْ لَكَ اليومَ ثُلْمةَ.?? كأني والله بالدَّهر وقد خلا، وبالمحزون وقَدْ سَلا،?? وكأني بِكَ وقد فَرَغَ مِنكَ الثَّرى، وقامتْ عنكَ الرَّحى،?? فإذا أنت عِظامٌ، كما اخْتُرِطَ العُنْقُود؛?? ثم إذا رَغامٌ?? جَفَّ الماءُ وذَهبَ العود. ? الأعواد: كناية عن النعش، والخطاب للميت.? البين: الفراق، وهذه الجملة إشارة على بعد الزمن ما بين الموت والنشور.? الحين: الموت، وهنا إشارة إلى قصر الحياة.? أي هل اتعظوا به.? العبرة: العظة. ويومك: أي يوم موتك.? نعش.? أي تلد، والمراد إذ تسلم الأموات إلى القبور.? كناية عن النعش.? المناكب: الأكتاف.?? اليباب: القفر والخراب. والمراد برحى البلى هنا: القبر، إذ فيه يتم الفناء.?? الدولاب: الآلة الدائرة، والمراد بها هنا: دولاب الفناء.?? يسيرونها كيفما شاءوا، مع أنها هي التي تقودهم إلى طريق الحق.?? أضفى: أفاض.?? الآخرة جد والدنيا لعب، وهي صدق والدنيا كذب. فهو بينهم ميت في وسط أحياء، فوصفه بأوصاف الآخرة كما وصفهم بأوصاف الدنيا.?? التابعين.?? اللواء: العلم. والخميس: الجيش.?? الأرض: القبر.?? القيامة.?? أي صاحب الجزاء الحسن فيها. والمراد بهذه الجملة وما يليها: أنك لن تنال ما ترجوه من نعيم الله حتى تشهد لك دموع اليتامى من بعدك، وبكاء اليائسين على قبرك، وعبرات الفضلاء يوم مصرعك، وأحزان الوطن لفراقك.?? المزن: السحاب الغزير الماء، والغرض أنك لا تجد حولك إلا دمعًا كذبًا وحزنًا كله رياء.?? المفازة: الفلاة المهلكة لعدم وجود الماء، والمراد بها هنا: موضع المقابر. يقول: كل ما خرجت به من الدنيا موكب مزين ينفض قبل أن يواروك التراب.?? جواب «لو» قوله «لم تر غير حلم بتر».?? قطع.?? عبر الماء: قطع من شاطئه إلى شاطئه.?? انشمر: مر جادًا أو مختالاً.?? مكان الفصل بين الدنيا والآخرة، والمراد بهذا وما بعده: أوصاف للمقابر عامة، أما وصف القبر خاصة فسيأتيك بعد قليل.?? الفلا: الأرض القضاء الموحشة. والغمرة: المزدحم، والمراد أن المقابر هوة يكون فيه الإفناء وأرض يزدحم فيها الأموات.?? العرصات: الفضاء بين الدور، والمعاد: موضع العود والنشور.?? سواد الكبد: كناية عن الحقد والحسد، وبياضه: طهره من كل هذه الأرجاس.?? يقضي الميت مدته فيه كلها في رقاد طويل.?? القبر.?? الإنسان الموجود في الدنيا دار الحق والإرشاد.?? مشاع: مشترك.?? أطرق برأسه: أماله إلى الأرض حزنًا.?? فرق: فزع وخاف.?? السرير: النعش.?? الحفير: القبر.?? الاستفهام هنا إنكاري.?? الاستفهام هنا تقريري يقرر ما بعده.?? الصم: الحجارة الصماء.?? ثلمة فتحة، وكل ما تقدم الغرض منه إظهار نهاية عجز الإنسان بعد الموت، وكأنما يقول (وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه).?? سلا: أي تعزى وترك.?? أي لم يبق منك ما يصلح للطحن كناية عن تماما لفناء.?? اخترط الرجل العنقود: وضعه في فيه وأخرج عوده عاريًا.?? الرغام: التراب.
دُعَاءُ الصَّلاة الْعَامَّة


[في سنة???? هبت البلاد في ثورة عامة تطلب استقلالها المغصوب، وأوفدت لذلك وفدًا ليرفع هذا الصوت في مؤتمر «فرساي»، فأُوصد الباب في وجهه، واضطر إلى أن يلبث في فرنسا سنة كاملة بين تعب ناصب، وجهاد طويل؛ ثم تلقى دعوة إلى المفاوضة مع الإنكليز في عاصمة بلادهم؛ يومئذ وضع المؤلف هذا الدعاء البليغ، فأجمع الناس من كل دين على أن يتوسلوا إلى الله أن يُعزَّ به نوّاب البلاد. وعقب صلاة الجمعة من يوم ?? رمضان سنة ???? — ? يونيو سنة ???? — ارتفعت أصوات المسلمين من كل مسجد في كل بلد من بلاد القطر تهتف بهذا الدعاء الحارّ، وملء القلوب أمل، وملء الأنفاس توسل ورجاء.]
اللهمّ قاهرَ القياصر، ومُذلَّ الجبابر، وناصرَ مَن لا له ناصر؛ ركنَ الضعيف ومادَّةَ قُواه، ومُلهِمَ القويّ خَشْيَتَهُ وتَقْواه، ومَنْ لا يحكم بين عِباده سواه؛ هذه كِنانَتُك فَزِعَ? إليك بَنُوها، وهَرَعَ إليك ساكنوها؛ هلالاً وصليبًا،? بعيدًا وقريبًا، شُبَّانًا وشِيبا، نجيبَةً ونجيبا؛? مُستَبِقِين? كناش سَك المكرَّمة، التي رفعْتَها لقدسك أعْتَابا، مُيَمِّمين مساجدك المعظمة، التي شرعْتَها لكرمك أبوابا؛ نسألك فيها بعيسى روح الحق، ومحمد نبيّ الصدق، وبموسى الهرب من الرق؛ كما نسألك بالشهر الأبَرِّ والصائِميه،? وليله الأَغرِّ والقائِميه، وبهذه الصلاةِ العامَّةِ من أقباط الوادي ومُسْلميه: أن تُعزَّنا بالعتق? إلاَّ من وَلائِك، ولا تُذِلَّنا بالرق لغير آلائِك، ولا تحملنا على غيرِ حكمِك واستعلائِك،? اللهم إنَّ الملأ? مِنَّا ومنهم قد تداعَوْا? إلى الخُطَّة الفاضلة، والكلمة الفاصلة، في قضيتنا العادلة، فآتنا اللهم حقوقَنا كاملة، واجعل وفدَنا في دارهمْ هو وفدَك، وجندَنا الأَعزل إلا من الحق جندَك؛ وقلِّده?? اللهمَ التوفيق والتسديد، واعْصمْهُ في ركنك الشديد. أَقمْ نوَّابنا المقامَ المحمود، وظَلِّلْهُمْ بظلِّك الممدود، وكن أنت الوكيل عنَّا توكيلاً غير محدود، سبحانك لا يُحَدُّ لك كرمٌ ولا جود، ويُرَدُّ إليك الأمر كلُّهُ وأمرُك غير مردود؛ واجعل القوم محالفينا ولا تجعلهم مخالفينا، واحمل أهل الرأي فيهم على رأيْك فينا. اللهم تاجَنا منك نطلبُه، وعَرْشَنا إليك نخْطُبُه، واستقلالَنا التامَّ بك نستوجبُه؛ فقَلِّدْنا زِمَامنَا، وولِّنَا أحكامَنا، واجعل الحق إمامنا، وتممْ لنا الفرح، بالتي ما بعدها مُقْتَرح، ولا وراءَها مُطَّرح،?? ولا تجعلنا اللهمََّ باغين ولا عادين، واكتبْنا في الأرض من المُصْلحين، غيرِ المفسدين فيها ولا الضالين.. آمين. ? فزع إليه: استغاثه.? أي من يحملا لهلال ومن يحمل الصليب.? النجيب: الكريم. والنجيبة: مؤنثة.? استبقوا: أي تسابقوا إلى.? أي الذين يصومون فيه، وكذلك القائميه، وهنا «أل» موصولة.? العتق: التحرير من الرق.? الاستعلاء: الغلبة.? الملأ هنا: بمعنى أشراف الناس.? اجتمعوا.?? قلده السيف: وضع حمالته في عنقه.?? اطرح الشيء: أبعده وطرحه.
الشّبَابُ


الشَّبابُ أيامُ آذار،? ودولَة العذار،? وأعِنَّةُ الأوطار،? وليلةُ العُرس في هذه الدار، سِنَةٌ كالطيف سُراها،? وكقُبْلة الخَلْس? حُلمٌ كراها، ونشْوَةٌ يتلفَّت المستفيق لا يراها، وجنَّة لَو خُيِّر لمُقْبلُ? بالعقل اشتراها، العشقُ في غير جنَاحه،? طائرٌ لا ينهض به جَنَاح؛ والكأس من غير راحِة، غبيَّة الساقي بليدة الراح؛? والمالُ في غير خزانته غريب، ويتحوَّلُ عن قريب رؤيا الوارث في نومِه، وشغله في يومه، وملْكُ يدِه، في غدِه، السلطانُ والدَّوْلة، والإمكان والصَّوْلة، والملْكُ وكلُّ ما حوله، نعَمٌ إذا لم تُحرز في الشباب فما هي في الحِرْز الحريز،? ودُوَلٌ إذا لم تعتَزَّ به فليست في الذَّرا?? العزيز؛ ولذاتٌ إذا لم يشهدْها غادَتْها حسْرةُ الفَوْت، وراوَحَتْها فكرةُ الموت. أروعُ الشهرة ما طار في سمائه، وأَمْتَعُ الصيت ما سار تحت لِوائِه، وأحسنُ الثناء ما أُتي في أثناءه، ورفَّ على قشيبِ ردائه؛?? في مطالعه يَرُوع النبوغ، كما تروعُ الشمسُ في البزوغ، أو الهلاُل الغلام?? في البلوغ. فيا ناهبَ شبابه، قاعدًا للتَّجْر?? ببابه، يسرفُ في الرَّحيق وحُبَابِه?? ويُتْلِفُ الصِّبَا بين صبابته وأحبابه.. أفِقْ! تلك دِنَان،?? لا تَقْوَى على الإدمان،?? ولا يملؤها مرتين الزمان، كَرْمٌ لا يوجدٌُ في الجنان، ولا ينبت في «مالقَةَ» ولا «شَمْبَان»،?? عناقيدُهُ مُختَضَرَة?? الثمار، مختصَرَةُ الأعمار، بريئة الخمر من الخُمار،?? حلَبُها?? الأفراح، وجَلَبُها المِرَاح، وهي فارضيَّة?? الراح، لم تَطَأْها الأقدام ولم تمسَسْها الرَّاح،?? فلا تعُبَّ الرَّاقود،?? واشْرَبْهُ نُغْبَةً نُغبَةً،?? ولا تخترطْ العنقود،?? وكُلْهُ حَبَّة حَبَّة. ? «آذار» في الشهور العبرية يقابل «مارس» في الشهور الأفرنجية، وهو مستهل الربيع.? العذار: جانب اللحية.? الأوطار: الأغراض.? السنة: الغفلة أو فتور يتقدم النوم. والسري: السير في الليل.? الخلس من خلس الشيء: أخذه في مخاتلة.? الجِنة، الجنون، والمقبل: المجنون يشفى من جنونه.? في غير كنفه.? غباوة الساقي وبلادة الراح: كتابة عن ضآلة فرحها وضعف نشوتها.? الحرز الحريز: الحصن المنيع.?? الذرًا: الكنف والملجأ.?? الرداء القشيب: الجديد النظيف.?? أي الصغير.?? التجر: بائع الخمر.?? الرحيق: الخمر. والحباب: الحب.?? الدنان: جمع دن وهو إناء الخمر.?? الإدمان: مداومة الشراب.?? شمبان: مقاطعة في فرنسا اشتهرت بجودة الخمور. ومالقة: مدينة في أسبانيا، في ضواحيها كروم يستخرج منها نبيذ «ملقا» المشهور. وقد استعاض المؤلف بهذين البلدين عن «بابل» و«أندرين» وعما اعتاد العرب أن يذكروا من البلاد إذا ذكروا الخمور.?? اختضر الكلأ. قطع وهو أخضر.?? الخمار: صداع الخمر وأذاها.?? الحلب: اللبن المحلوب.?? فارضية: نسبة إلى ابن الفارض.?? الأكف.?? عب الماء: شربه بلا تنفس. والراقود: دن الخمر.?? جرعة جرعة.?? اخترط العنقود: وضعه في فمه ثم أخرج عود عاريًا.
الخَيْرُ


شجَرةٌ مرْآها جَميل، وظِلُّها مَقِيل،? وأعاليها هَدِيل،? وهي مُذَللَةُ السبيل، الطيرُ على جَوانِبِها تميل، والناسُ في ظلَّها الظليل؛ فأما الطير فتنزِلُ مُجمِلات،? وترحَلُ غيرَ مُحَمَّلات، تسقُط مُشفِقات، وتَلقطُ مُترفِّقات، وتشدو بشُكْرِ الصَّنيعِ مُنطَلِقات؛ وأما الناسُ فلا يتَّئدون في الثَّمَرة،? ولا يُرَفِّهون عن الشجرة،? يهزّون أُصولَها بعنف، وينَفضُون فروعَها بغيرِ لُطْف؛ يساقِطون الجنَى،? بطَرفِ العصا، ويستنزلون الثمَر، بَرمْي الحجر؛ يلمُّون ويلومون،? ويطعمون ويطعنون، ويَلْعقون? ويَلْعنون؛ يجنون الثمر، ويَلحون? الشجر. ? المقيل: الذي يؤوي إليه عند الظهر.? الهديل: صوت الحمام.? أجمل في الطلب: رفق.? لا يتمهلون في جنيها.? رفه عنه: نفس وخفف.? يساقطونه: أي يتابعون إسقاطه. والجني، ما يجني من الشجر ما دام غضًا.? يلمون الثمر ويلومون الشجر؛ لأنه لم يشبع نهمهم.? لعق العسل: لحسه والمراد التمتع بحلاوة الثمر.? لحا الشجرة: قشرها؛ ولحاه أيضًا: سبه وعابه.
الظُّلْمُ


قليلُ المدّة، كليلُ العُدّة،? وإن تظاهر بالشدَّة، وتناهَى في الحِدَّة، عَقْرَبٌ بشَوْلتها? مختالة، لا تَعدَمُ نعلاً قتَّالة، ريحٌ هَوْجَاءُ لا تلبثُ أن تتَمزَّقَ في البيد،? أو تتحطَّمَ على أطراف الجلاميد،? فتَبيد، جامحٌ? راكبُ رأسِه، مُخايِلٌ ببأْسِه، غايتُه صخرةٌ يُوافيها، أو حُفرةٌ يَتَردّى فيها، سيلٌ طاغ لا يعدَمُ هضابًا تِقفُ في طريقه، أو وهادًا? تجتمِعُ على تفريقه، جِدارٌ مُتداعٍ أَكْثَرُ ما يتهدَّد،? حين يَهُمَّ أن يَتهدَّد،? هو غدًا خراب، وكوْمةٌ من تراب، نارٌ مُنقطِعَةُ المَدد، وإن سدّت الجَددَ،? وملأت البلد، يأكُل بعضها بعضًا كنار الحسد. ? السيف الكليل: الذي لا يقطع.? الشولة: ما ترفع العقرب من ذنبها.? جمع بيداء وهي الفلاة.? جمع جلمود: وهو الصخر.? أي فرس جامح.? جمع وهدة: وهي الهوة في الأرض.? أي أكثر ما يخاف منه.? أي يسقط.? الجدد: الطريق الواسع.
القَلْبُ


يا طبيبَ الجَمَاعة: قُمْ ألق السَّمَّاعة، وسَلْ هذه السَّاعة،? من أدقَّ اللَّحمَ صِناعة، ومَنح الدَّمَ المناعة؟، مُضْغةٌ? إذا فتَرَتْ? سُلِبْتَ البراعة، ولَبِسْتَ العَجْزَ والضَّراعة،? تدابيرُك عِندئذ مُضاعة، وعقاقيرُك مُزجاة? بِضاعة. ? المراد بالساعة هنا: القلب، شبه بها بجامع الدق المنتظم في كل.? قطعة لحم.? فتر: سكن بعد حدته.? الضراعة: الضعف.? البضاعة المزجاة: أي الرديئة.
الذِّكْرى


من البِرِّ يا قلبُ أن تََّّذََّكِرْ،? فَمِلُ بي على الفائتِ المُنْدَثِرْ، ولا تَألُ? ذكرىَ ولا تَدَّخِرْ. هَلُمَّ نَنشُرْ مَطْوِيَّ الصَّفَحَات، ونُقَرِّبْ نازح? اللذات، ونَؤُبْ من سَفَرِ الأيَّامِ بغائب اللُّبَانات.? أَعِدْ عَلَيَّ من دَقَّاتِ نَاقوسِكَ ترنيمًا،? كان لذيذَ الحواشي رخيمًا، ومن دقائق ساعتِك ما رنَّ في أُذني قديمًا، فما زِلتَ يا قلبُ تقْضِي الحُقوق، وتذكر العهودَ فتَجْزيها التَّلَفُّتَ? والخفوق، حتى كأنَّك قلبان، اثنان، قلبٌ مع الماضي مُتخلِّفُ العِنان، وقلبٌ يساير رَكْبَ? الزمان، بِعيشِك قلْ لي: من علَّمَك ردَّ الأحلام، ورجوعَ القَهْقَرَى في نَواحي الأيام؟؛ ومن رَسَمَ لك الإلْمام،? بدِمًنة عَيْش أو برَسْمِ غرام؟،? ومن علَّم الدَّمَ وِصْلَ الحبال،?? وَحمَّل اللَّحمَ ما يوهن الجبال، من الحنين إلى سالفٍ خال، أو البُكاء على دارسٍ بال؟، وما سُلطانُك يا قلْبُ حتى تُدْنِيَ المُمْعنَ?? في بُعْده، وتجِدَه وإن تطاولَ العهد على العهدُ على فَقْده؟ ومن علَّمك أن تتحدَّث، وتقلبَ الأقْدَمَ والأحْدَث،?? وتذكرَ الصِّبَا وأيامَه، وواديَهُ وآرامَه،?? وبِساطَه ومُدامَه؟ … هو اللهُ الذي صَوّرك فأدَقَك، وقدّر خفوقَك ودقَّك، ومهَّدَك وزقَّك،?? وكتب عليك في الضُّلوع رِقَّك؛?? وما أنت لولا التذكرُ والفكر، إلا كبعْض القلوبِ إذا هي حَجَر، ينفجرُ بالعَذْبِ ولا يَعلمُ كيف انفجر، ولا متى نَبَعَ ولا أين انحدر، أو كالأرضِ يذهبُ شَجرٌ ويأتي شَجر. فلا تذكرُ ما غاب، ولا تشعُرُ بما حَضَر. ? اذكر الشيء: ذكره.? ألا في الأمر يألو: قصر فيه وأبطأ.? النازح: البعيد.? آب يؤوب: رجع، واللبانات: الحاجات.? الترنيم: تطريب الصوت.? تلفت القلب: كناية عن الشوق.? الركب: ركاب الخيل أو الإبل.? رسم له كذا. أمره به وألم بالقوم إلمامًا: زارهم زيارة قصيرة.? الدمنة: آثار الدار، والرسم: ما كان لاحقًا بالأرض من هذه الآثار.?? المراد بالحبال هنا: العهود.?? الممعن: المبالغ.?? مبالغة في القديم والحديث.?? الآرام: جمع وثم وهو الظبي الخالص البياض.?? زق الطائر فرخه: أطعمه بمنقاره.?? إشارة إلى سجنه تحت الضلوع من يوم الميلاد إلى يوم الوفاة.
شَاهِدُ الزُّور


يا شاهدَ الزُّور، أنت شرُّ مَوْزُور؛? ضلَّلْتَ القُضَاة، وحَلَفْتَ كاذبًا بالله؛ ونِلْتَ الأبريَاءَ بأذاة،? وحُلْتَ بين القِصَاص والجُناة، والله يقول: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ.? الموزور: الذي يحمل الإثم.? المكروه.
الصَّبْرُ


بعضُ الصْبرِ تجَلُّد، وثَمَّ الحزْمُ والرِّضا؛ وبعضٌ تبَلُّد،? وهنا العجزُ والاستِخْذاء،? ليس الصبرُ غِلْظةَ القلْب، وبلادةَ اللُّبّ؛ أو الجهلَ على الأقدار، وإنكارَ الإيراد عليها والإصْدار؛ ولا هو اكتظاظ الأندية،? وألفاظٌ تَجري بالتعزية؛ ورجلٌ يُحدِّثك بالصَّبر، وإذا أُصيبَ تمنَّى القبر؛ إنما البرُ استِرْجاعُك? في النفس الحزينة، حتى تَفيءَ? إلى السكينة، وتجيء? من نفسِها إلى الطُّمأنينة، إيمانٌ يَزَع،? عند الجَزَع، وعقلٌ يَزِن، إذا القلبُ حَزِن؛ ومقابلةُ الأحكام بالحِكْمة، والعلمُ بأن النِّعمة نَذير النِّقمة؛ وبأن الدَّهرَ حالتان، والدنيا حُلَّتان؛ وأن من ينتفَعْ بالضَّجَرِ رَِي، وأن لكلِّ شيءٍ غايةً ويَنقَضي. ? التبلد: الحيرة والتلهف.? الاستخذاء: الخضوع.? امتلاء المجامع بأخلاط المعزين.? قولك «إنا لله وإنا إليه راجعون».? ترجع.? تلتجئ.? يمنع من الحزن.
شَهَادَةُ الدِّرَاسَة وشَهَادَةُ الحيَاة


ما بالُ النَّاشِئ وَصَل اجتهادَه، حتى حَصَلَ على الشَّهادَة؛ فلما كَحَّلَ بِأحْرُفِها عينَيْه، وظفِرَتُ بزُخرُفِها كِلتا يدَيْه؛ هَجَرَ العلمَ ورُبوعَه، وبَعََثَ إلى معاهِدِهِ بأُقْطوعة؛? طَوَى الدَّفاتِر، وتركَ المحابِر، وذهب يُخايِلُ? ويفاخِر، ويدَّعي عِلْمَ الأوَّلِ والآخر؟ فمن يُنْبيه،? بارَك اللهُ فيه لأَبيه، وجَزى سَعْي مُعلِّمِهِ ومُربِّيه: أن الشَّهادةَ طَرَفُ السَّبَب،? وفاتِحهُ الطَّلب، والجواز? إلى أقطار العلمِ والأَدب، وأنَّ العلمَ لا يُمْلَكُ بالصُّكوكِ والرِّقاع،? وأنَّ المعرفةَ عند الثِّقاتِ غيرُ وثائق الإقطاع.? ومن يقولُ له أرشدَهُ الله، إن شَهَادًةَ المَدْرسةِ غيرُ شهادةِ الحياة؟ فيا ناشِئَ القَوْمِ بَلَغْتَ الشباب، ودَفعْتَ على الحياة الباب؛ فهل تأهَّبتَ للمَعمَعة،? وجهَّزْتَ النفسَ للمَوْقِعَة، ووَطَّنْتَها? على الضيِّق بعد السَّعة، وعلى شظّفِ العيشِ بعد الدَّعة؟ دعت الحياةُ نَزَال،?? فهلُمَّ اقتحِمِ المجال، وتوَرًَّد?? القتال؛ أعانك الله على الحياة، إنها حَرْبُ فُجاءَات، وغدرٌ وبَيات،?? وخداعٌ من الناس ومن الحادثات؛ فطوبى?? لِمنً شهدَها كامل الأدوات، موفورَ المُعدَّات؛ سلاحُه، صَلاحُه؛ وتُرْسُه، دَرْسه؟، ويَلَبُه،?? أدبُه؛ وصَمْصماتُه،?? استقامته؛ وكِنانتُه،?? أمانته؛ وحَرْبته، دُرْبَتُه.??? الأقطوعة: شيء تبعث به الجارية إلى الأخرى علامة المقاطعة والخصام.? خايل زميله: باراه وفاخره.? أي يخبره.? السبب: هو الحبل، وطرف السبب يراد به مبدأ الحياة.? الجواز: علامة المرور وصك المسافر.? الصك: الكتاب، والجمع صكوك. والرقاع: جمع رقعة، وهي القطعة المكتوبة من الورق.? الإقطاع: أن يجعل الأمير غلة البلد للجند.? المعمة: صوت الأبطال في الحرب.? وطن نفسه على الأمر وله: مهدها لفعله وحملها عليه.?? اسم فعل أمر بمعنى: انزل.?? تورد الماء: ورده.?? البيات: الإيقاع بالعدو ليلاً.?? شجرة في الجنة كما يقال. وهي الجنة عند الهنود.?? اليلب: الدروع اليمانية.?? الصمصام والصمصامة: السيف: السيف الذي لا ينثني.?? الكنانة: جعبة السهام.?? الدربة: الاختبار والتجربة.
الْحَيَاة


القَبَس،? والنَّفَس، والرُّوحُ القُدُس؛ ظاهِرُها هذه الجيفة،? وباطِنُها النفسُ الشريفة؛ تَبِعَةُ الذَّنْبِ القديم،? وأَثرُ آدمَ على الأديم؛? فيا طريدَ القَدَر،? ونَفيَّ الحُظُر،? وأبا البَشَر؛ ما أطوْل ذَماءَك،? وأَدْوَمَ ماءَك، وما أكثرَ بنَاتِكَ وأبناءَك، وأقل اهتمامَك بهم واعتناءَك!، وَلدْتَ للمَوْت، وأوْجَدْت للفَوْت؛ تَقَسَّمَ القبَسُ نُفوسًا بلا عَدَد. وتفرَّق النَّفَسُ في شَتَّى الوَلَد؛ فليت شِعري كيف استقلَّهما صَلْصَالُك،? وكيف قوِيَتْ عليهما أوْصالك؟? آمَنَّا بأنَّكَ الجدّ، فهل لهذا التدفُّّقِ حد، أم ما لأَمْر الله مَرَدّ؟ الحياة كعهدِكَ بها مَعْصيَة، عن الحظيرة مُقْصِية؛ وخَلْوة، حُلوة؛ عواقُبها نَغَص،?? ومَشارِبُها غُصص،؛ أفْعَى خدَّاعة، ولذَّة لذَّاعة؛ شَوْكٌ بَغَّضَ الوَرْد، وقذًى نَغَّصَ الوِرْد،?? أمُورٌ شتى الأعنَّة، وحوادثُ وُقَّعٌ وأجنَّة؛?? فقل لمن أطال التفكير، وبالغ في النكير?? وكَدَّ بَالَه، ومدَّ بِلْباله،?? واحترق احْتراقَ الَّبالة: خَلِّ اهتمامَك ناحيهوخُذِ الحياةَ كما هيَهْ? شعلة تؤخذ من معظم النار.? المراد بالجيفة: الجسم الذي لا يلبث أن يموت حتى يجيف.? ذنب آدم يوم أكل في الجنة من الشجرة التي نهى عن أكل ثمرها.? الأديم: وجه الأرض.? الخطاب لآدم.? النفي. ما جفأت به القدر عند الغليان، والحظر: جمع حظير، والمراد بها هنا الجنة.? الذماء: بقية النفس.? استقل الشيء: حمله والصلصال: الطين الحر خلط بالرمل.? الأوصال: الأعضاء.?? نغص الرجل نغصًا: لم يتم مراده فهو قلق حزين.?? الورد: الإشراف على الماء للاستقاء.?? الوقع: جمع واقع، وهو الحاصل. والأجنة: جمع جنين، وهو المستور من كل شيء.?? النكير: الإنكار.?? البلبال: الهم ووسواس الصدور.
الحَيَاةُ أيْضًا


أحقٌ أنها هيَ الدَّمُ حتى يَجمُد؟ وأنها هي الحرارة حتى تبرد؟ وأنها هي الحَركةُ حتى يَقطعَها السُّكون؟، وأنها هي الجاران? حتى تُفَرِّقَ بينهما المنون؟ الحقُ أن افتئاتَ? الفلسفة، على ضنائن الله? سَفَه، وأن عِلْم الحياةِ عند الذي يَهَبُها ويَستردُّها، والذي يقصِرُّها? ويمدّها، والذي يُخْلِقُها? ويَسْتَجدُّها: والذي كلُّ حيّ سواه يموت، وكلُّ شيء ما خلاه يفوت. ? الجاران: الروح والجسد. والمتنبي يقول: ومفترق جاران دارهما العمر.? افتأت عليه: اختلق عليه الباطل.? ضنائن الله عز وجل: ما اختص ذاته بعلمه من الأمور.? قصر الشيء يقصره: جعله قصيرًا.? يخلقها: يبليها.
الحيَاةُ أيْضًا


ماذا أقولُ في ابنة الموتِ وأمِّه، وعِلَّةِ حُكمِه، ونَبْعةِ سَهْمه،? ومَنْقَعةِ سُِّمه؟? وكيفَ القَولُ في صاحِبة،? لم تُمَلَّكْ عن خِطْبَة،? ولم يُبْنَ بها? عن رغبة، ولم تَبِنْ? لملالِ صُحْبة، أو بِغْضَةٍ? بعد محبَّة؛ تسيء ولا تُفْرَك،? ولولا الموت لم تُتْرَك؟ ? النبعة: القوس.? منقعة السم: الإناء الذي يوضع فيه.? المراد بالصاحبة هنا: الزوجة. والمقصود بها الحياة. وقد شبه الجسم والروح في هذه الجملة وما بعدها، ثم مضى في التشبيه يبين وجوه الخلاف.? أي لم تزوج للجسم بعد طلب يدها كالعادة في كل زواج.? بنى الرجل على أهله: زفت إليه.? بانت المرأة عن الرجل: انفصلت عنه بطلاق.? البغضة: شدة البغض.? أي لا تبغض، والفرك خاص ببغضة الزوجين.
اللِّسَانُ


مضغةُ? لحم: في عَظْم؛ سمَّاها الناس اللسان، وعظموها لفضيلة البيان، فقوّموها بنصفِ الإنسان؛ عضلٌّ نبت من الحُلقومِ وقناتِه، وثَبَت في أصل لَهَاتِه،? ولبَث في السجن ظِمْءَ حياته،? لا يتحرّك منه سوى شبَاتِه؛? رسولُ العَقل، في النَّقل؛ وأداة الدِّماغ، في البلاغ؛ وتَرْجمانُ النفس في رواية العاطِفة، وحكايةِ الصَّحْوِ والعاصفة؛ الوَحْيُ على عَذبَاته? ظَهَر، ومنْ جَنَبَاته انحدر؛ فكان أوَل من سَفَر،? بين الخالق وبين البشر، ثم فُجِّرَ بالحكمة فانفجر، ثم علم الشعر فشَعَر، فسبحان الذي خلقه وعلَّقه، والذي قيَّدَه وأطلقه، والذي اسكنه وأنْطقَه. والذي يُميتُه فيندّثِر، والذي هو على بعثه مُقتدر. ? المضغة: القطعة.? اللهاة: اللحمة المشرقة على الحلق في أقصى سقف الفم، أو ما بين منقطع اللسان إلى منقطع القلب من أعلى الفم.? ظمء الحياة. من الولادة إلى وقت الموت.? الشباة: الطرف.? العذبات: الأطراف من كل شيء.? سفر الرجل: خرج إلى السفر.
الْبَيَانُ


رَحيقُ النبيِّين،? وإبريقُ العَبْقَرِيّين،? وحظُّ المرْزُوقين، ونصيبُ المُوفَّقين، وذَرَا الجمال،? وذُرَا الكمال،? والتوفيقُ الذي لا يُنال، بسلطانٍ ولا مال، والخُلْدُ? الذي يُؤخَذ باليمين وغيرُه يُؤخّذُ بالشِّمال؛ صديقُ البشَريَّة، وعَدُوُّ الجَبَريَّة،? حادي الإنسانية، والسائِقُ بالمطيَّة، حتى تَبْلُغَ الطِّيَّة،? يمرُّ بها على الخير ورُبوعه، والبرِّ وَنْبُوعه، ويُقْبلُ بها على الحقِّ وقبيلهِ،? ويَعدِلُها على العَدْل وسبيله، ويُلِمُّ بها على الجَمَالِ ومَغْنَاه، وغُرَف لفْظِه تحتَ حول معناه،? ويلجُ بها على العَواطف، حنايا الضُّلوع اللَّواطف،?? وهو المَلِكُ على كلِّ اللُّغات، قد انتظمَ سُلطانُه أقطارَ البَلاغات؛ إذ انتقلَ من لسان إلى لسان، في أمانةٍ من الناقل وإحسان، أسْرَعَ في مُضَاهاته،?? وتمكَّنَ في جهاته، تمكُّنَ اللِّسانِ من لَهاتِه،?? فكأنه التغريدُ أو البغام،?? أو منطِقُ الأنْغام، ترجعُ له الأمم، وإن ذهَبتْ كلُّ أُمَّة بكلام. ? الرحيق: الخمر، وقد شبه بها المؤلف بلاغة الأنبياء بجامع التأثير في كل؛ هذا في العقول، وهذه في الأرواح.? أي الإبريق الذي يشرب منه العبقريون فيمطرون الناس روائع الحكمة وفصل الخطاب.? الذَّرا: الملجأ.? الذُّرا: جمع ذروة، وهي القمة.? الخلد: دوام البقاء، والمقصود به هنا الذكر الخالد.? الجبرية: الجبروت.? الطية: الجهة التي إليها تطوى البلاد.? القبيل: الجماعة من أقوام شتى.? يقال: هذا البيت تحت ساكنه فلان، وعلى هذا القياس يكون اللفظ تحت معناه.?? اللواطف من الأضلاع: ما دنا من الصدر.?? أي أسرع في مشاكله اللسان المنقول إليه.?? اللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم.?? البغام: صوت الظبية.
الْمَالُ


يا مالُ: الدُّنيا أنت، والناسُ حيث كُنْت، سَحَرْتَ القُرون، وسَخِرْتَ من قارون، وسَعَرْتَ النارَ يا نيرون؛? تَعَوَّد الحِقدُ أن يحالفَك، وأبى الحسدُ أن يُخالِفَك، وكُتِبَ على الشَّرِّ أن يخالطَكَ ويؤالفَك؛ الفتنة إن حرَّكْتَها اتَّقَدت، وإن تركتَها رَقدَتْ؛ والحَرْبُ وهي الحَرَب،? تَبْعَثُها ذات لَهَب، منك الرِّياحُ ومنك الحطب؛ تزْري بالكرام، وتُغري بالحَرام، وتُضْري? بالإجْرام؛ فقدانك العُرُّ? والضُّرّ، ونكَدُ الدُّنيا على الحُرّ؛ حالك وحال الناس عَجَب: تمِلكهم من المهْد، ويقولون أصَبْنا وملَكْنا؛ وتَرِثُهُم عند اللَّحد، ويقولون ورّثْنَا وتركنا! من عاشَ قوَّموه بما مَلَك، ومن هَلَكَ تساءَلوا: كم تَرَك؟ المحروم من أوْثَقَك، والضَّائع من أطْلَقَك، وهما فقيران: مَنْ جَمَعَك ومَنْ فرَّقك؛ كثيرُك هَمّ وقليلُك غمّ؛ ومع التوسُّط الخوفُ والطَّمَع، والحِرْصُ والجشَع، حذَرَ النفاد، ورَغْبَةً في الازدياد، المَلِكُ سوقَةٌ إذا نزل إليك، والسُّوقَة مَلِكٌ إذا عَلا عليك، أَرخَصْت الجمال، ونَقَصْتَ الكمال، وخطّبْتَ لِهُجنِ الرِّجال، هِجانَ? ربَّاتِ الحِجَال، صوَيْحِباتك هُنَّ المُفَضَّلات، وغَيْرُهنَّ المتروكات المعضلات؛? العريان من ليْس دونَكَ منه سترة، والمستضْعَفُ من ليس له منك قدْرة، فسبحانَ مَنْ قَهَر بك الخلْق، وقهَركَ برجال الخُلْق. ? سعر النار: وقدها. ونيرون: قيصر من قياصرة الرومان أشعل النار في روما، وأشرف عليها من جبل ليبتهج بمنظر الحريق، وقد ضرب به المثل من هذا اليوم في القسوة والطغيان.? الحَرَب: الهلاك.? أضرى فلانًا بالشر: أغراه به.? العُر: الجرب.? هجن. جمع هجين، وهو اللئيم، والهجان من كل شيء: خياره.? عضل المرأة: حبسها عن الزواج.
الأهْرَامُ


ما أنتِ يا أهْرام؟؟ أشواهِقُ أجرام،? أم شواهِدُ إجْرَامٍ؟? وأوْضاحُ مَعالِم،? أم أشْباح مَظَالِم؟ وجلائلُ أبنيَة وآثار، أم ذلائلُ أنانيةٍ واستِئْثَار؟? وتمثالٌ مُنَصَّبٌ من الجَبَرية،? أم مِثالٌ ضاحٍ? من العَبْقَريّة؟ يا كليلَ البصر، عن مواضِعَ العِبَر، قليلَ البَصَر? بمواقِع الآياتِ الكُبَر؛ قفْ ناجِ الأحجارَ الدَّوارس، وتعلَّمْ فإن الآثارَ مَدارس؛ هذه الحجارة حجورٌ لَعِبَ عليها الأُوَل، وهذا الصّفَّاحُ صَفائح ممَالكَ ودُوَل،? وذلك الرُّكامُ? من الرِّمال، غُبَارُ أحْداجٍ?? وأحْمَال، من كلِّ رَكب ألَمَّ ثمَّ مال،?? في هذا الحَرَمِ درجَ عيسى صَبيّا،?? ومن هذا الهَرَم خرجَ مُوسى نبيّا، وفي هذه الهالَةِ طلعَ يوسفُ كالقمر وضيّا،?? ووقعتْ بين يديه الكواكِبُ جِثِيّا،?? وهاهنا جلالُ الخُلْقِ وثبوتُه، ونفاذ العقل وجبَروتُه، ومَطالعُ الفنِّ وبُيوته، وهاهنا تتعلَّمُ أن حُسْنَ الثناء، مرهونٌ بإحسان البناءِ. ? الأجرام: الأجسام. والشواهق: المرتفعة.? يشير المؤلف إلى ما ارتكب بانوها من ظلم وإرهاق وتسخير.? الأوضاح: الغرر. والمعالم: ما يستدل بها على الطريق من آثار.? استأثر بالشيء على غيره: استبد به وخص به نفسه.? الجبروت.? الضاحي هنا: بمعنى البارز.? البصر: العلم.? الصفاح: الحجارة العريضة. والصفائح: حجارة عراض رقاق تسقف بها القبور، والمراد بها هنا نفس القبور، من تسمية الكل باسم جزئه.? الركام: المتراكم.?? الأحداج. جمع حدج وهو الحمل، أو مركب من مراكب النساء.?? الركب: ركاب الخيل والإبل. وألمَّ بالقوم: زارهم زيارة قصيرة، في أجزاء هذه الفقرة استعارة شبهت فيها كل دولة بركب لا يلبث أن يحط حتى يشد الرحال، وشبهت الرمال في أرض الأهرام بما يتخلف عن أحمال هذا الركب من غبار، ولا يخفى ما في الفقرة بأكملها من مراعاة النظير.?? يشير المؤلف إلى المدة التي أقامها السيد المسيح مع أمه وهو طفل في المكان الذي يطلق عليه الآن: «شجرة مريم» بمطرية الزيتون.?? الوضيّ، الوضيء، وهو الحسن النظيف.?? جثيا: جمع جاثٍ، وهو الجالس على ركبتيه، وهنا إشارة إلى حلم يوسف عليه السلام: يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ.
الأمْس


أمسِ ما أمس؟ خَطْوَةٌ إلى الرَّمْس،? خرزة هَوَتْ عن السِّلْك، أغلى من خَرَزاتِ المُلْك؛? صحيفةٌ طُوِيَتْ والصحف قلائل، من كتاب العُمُر الزائل؛ ثُلمةٌ? في الجدار، وهَتْ لها الدار، وأنت غيْرُ دَار؛ جزءٌ من عمرك حَضَرْتَ وفاتَه، وقَبَرْت بيدك رُفاتَه،? لم تُرِقْ عليه عَبرة ولم تشيِّعه بالتفاتة؛ وهو القاعِدة? التي يُبْنَى عليها العُمُر، والحَبُّ الذي يَنْبُتُ عليه الشجر، ويخرج منه الثَّمر؛ وهو الخبر والأثر، والكتب والسِّير، والأُسى? والعِبَر، وهو أبو يَوْمِك، والولدُ سرُّ أبيه، وجَدّ غدك، فاجْعَلْه النبيلَ في الجدودِ النبيه. ? الرمس: القبر مستويًا مع وجه الأرض.? خرزات الملك: جواهر تاجه.? الثلمة في الجدار: الخلل.? الرفات: الحطام.? قاعدة البيت: أساسه.? الأُسى: جمع أسوة: وهي ما يتعزى به الحزين.
اليَوْمُ


طَلَعَتِ الشَّمس، ونُفِضَتْ الخَمْس،? من تُراب أمْس، وانصرف بنو الأيام من الجنازة، وقد هان عليهم اليوم الراحل، كما هان على المسافر مَطْوِيُّ المراحل،? فلا العَبْرةَ أراقوا، ولا على العِبْرة أفاقوا؛ شغَلَتْهم دُنياهم، وأمِنوا مناياهُم، وألهاهمْ هواهم؛ فهلكوا دون مناهم؛ فسبحان الذي ألْهَى بالأمل، وشغَل بالعمل، واستنهض الإنسان لأعباء اليومِ فحمل؛ والَّذي جَعَل الأمس أحاديث، ومواريث؛ وجَعَلَ اليومَ مجال الناهِض الناهز،? وجعل غدًا يومَ العاجز؛ فيا ابن الأيام لا تعقِدْ مناحة الأمس، ولا تقعُدْ تحرس الرمس؛ ولا تُفْسد شُغْلَ اليوم بالإرجاء،? ولا تُلْقِ على غدٍ كُلَّ الرجاء؛ واعمل في يومك ما أمكَنَ العمل، وتمتَّعْ به ما تَسنَّى التمتع؛ فما تعلم ما قُدَّامك من عوائق، ولا ما دونك من بوائق،? وما تدري: أعْوَامٌ حياتُك أم دقائق؟ ? الخمس: أصابع اليد.? طوى المرحلة: قطعها.? الناهز: الذي يغتنم الفرص.? الإرجاء: التأخير.? البوائق: المصائب.
الْغدُ


عُيُوبٌ محجوبة، وحُجُبٌ مضروبة، وأقْدَارٌ مكتوبة؛ أعمارٌ موهوبة، أو منهوبة، وأرزاقٌ مجلوبة، أو مسلوبة؛ بريدُ المَلِك القَهَّار، مَوْعدُه حواشي الأسحار،? أو غُرّة النهار؛? حملت الفجاءَات نجائبُه? واشتملت على المستجدات حقائبُه،? وبلغت مُستقرَّها مُغَرِّبَاتُه? وجوائبُه؛? أقبل فَفَضَّ المختوم، وظهر المكتوم، وانفجر المحتوم؛ وإذا مَنَاعٍ وبشائر، وإذا دَوْلاتُ? ودوائر.? واعلم يا ابن الأيام أن الغد أعدّه الله لك خيرَ ما أعدّه، ومدّه لك أيْمَنَ? ما مدّه؛ هو الشخص الثالث، في رواية الأيام والحوادث،?? والخَلفُ من صاحبيه والوارث؛ وهو مَعْقدُ الآمال،?? ومَوْعِد استئناف الأعمال، ومَرْمَى همّة?? المال، تنام الأنفس وفي إيمانها منه شَكّ، وفي أيْمَانها منه صَكّ،?? فاعمل له ما استطعت، وانتظره أتى أم لم يأت؛ وقل سبحان الذي أتى به، والذي هو قادرٌ على طَيِّ كتابه، يوم يأتيه أمره، فلا يَبْرُزُ من حجَابه. ? السحر: قبيل الصبح.? غرة النهار: أوله.? النجائب: جمع نجيبة، يقال: ناقة نجيبة، أي كريمة الأصل.? الحقائب: جمع حقيبة، وهي خريطة يعلقها المسافر في الرحل للزاد ونحوه.? المغربات: الأخبار الطارئة، والجوائب كذلك.? المغربات: الأخبار الطارئة، والجوائب كذلك.? دولات الأيام: انقلابها من حال إلى حال.? الدوائر: الدواهي.? أيمن ـ من اليمن: وهو البركة.?? شبه الحياة برواية أبطالها ثلاثة: الأمس واليوم والغد.?? معقد الآمال: موضع انعقادها.?? يريد بهمة المال: فوائده.?? الصك: كتاب الإقرار بالمال ونحوه، يريد أنه واثق بقدومه.
المَسْجدُ الحَرَامُ


الساحةُ الكُبرى، والدار اللَّمُوم،? والمَوْسِمُ الحاشر،? المُنْتَدى والمؤتَمر، ومثابَةُ الزُّمَر؛? غبرَةُ المُبْحِر، ونَجْمُ المُصْحِر؛? قِبْلَةُ البَدَوِيِّ في قَفْرِه، ووجهةُ القَرويِّ في كَفْره؛? حَرَمُ الله المُطَهَّر، وبَيْتُهُ العتيقُ المُسَتَّر؛? الذي وجَّهَ إليه الوُجوه، وفَرَضَ على عباده أن يَحُجُّوه؛ نَظَرتْ إليه المساجِدُ في كلِّ خَمْس،? وقامَت إليه قيامَ الحِرْبَاء? إلى الشَّمْس؛ بناهُ الله بمكة على فضاءٍ زكيّ لم يتنفَّسْ فيه الناس،? وخلا إلا من جُحر أو كِناس؛?? فلا الدُّنْيا سَحَبَتْ عليه غُرُورَها، ولا النفوسُ نَقَّلَتْ فيه شُرُورَها، ولا الحياةُ أزَارَتْهُ باطِلَها وزُورَها، لو شاءَ اللهُ لبنَى بيتَهُ بالشام بين الجدَاوِل المظلَّة، والرُّبَى المكَلَّلة?? والغصون المهدَّلة، والقُطوف المذَلَّلة،?? ولو شاء اللهُ جلَّتْ قُدْرَتُهُ لرفَع بيتَهُ على أُنوفِ الجبابِرَة، ملوكِ الأعْصرِ الغابرة، وفوقَ هام آلِهَتِهِمْ وهي ممهَّدةُ مُنضَّدَة،?? في الغُرَف المشَيَّدَة، والقِبابِ المُمَرَّدة،?? ولكنه — تعالى — نظر إلى أمِّ القرى،?? فرأى بها ذُلاًّ لعِزِّ سُلطانِه، وافتقارًا إلى غناهُ وإحسانه، ورأى خُشوعًا يستأنِس به الإيمان، وتَجَرُّدًا تسكنُ إليه العبادَة، ورأى انفرادًا يجري في معنى التَّوحيد، فأمرَ إبراهيم حَواريَّه،?? ونبيَّه وخَليلَه وصَفِيَّه: أن يرفع بذلك الوادي رُكْنَ بَنِيَّتِه،?? وينصُبَ بين شِعابِه?? مَنارَ وحدانِيَّتِه، بُنيانٌ قَامَ بالضَّعْف والقوّة،?? ونَهضَ على كاهِل الكُهولةِ وساعدِ الفُتُوَّة، واشتركتْ فيه الأبُوَّةُ وبالبُنُوَّة، فكنتَ ترى إبراهيمَ يزاوِل،?? وإسماعيلَ بينَ يديْهِ يُنَاول، حتى بنيا حقًّا أعْيَا المعاول، وعَجَز عنه الذي دمَّر تَدْمُرَ وأبلى بابل،?? فانظر إلى صُفَّاحِ البَاطلِ كيف باد، وإلى آجُرِّ الحقِّ?? كيف أفنى الآباد؛ وتأمَّلْ عجائِبَ صُنْع النِّيِّة، وكيف ظفرتْ لبنَةُ?? التوحيدِ بصَخْرةِ الوَثنيَّة؛ بُنِيَ البيتُ وإذا الجلال حُجُبُه وأستارُه، والحقُ حائِطُه وجدَارُه، والتَّوحيدُ مَظْهرهُ ومَنَارُه، والنبيُّون بُنَاتُه وعُمَّاره.?? واللهُ عزَّ وجلَّ ربُّه وجاره؛ اطَّلعت به «صلاح»،?? اطِّلاعَ المشكاةِ?? بالمصباح، فَزهَرَ فأضَاءَ البَرَاح، وانتظمَ الهِضابَ والبِطَاح؛ أضْوأ من الشمس ذبالَة، وأبْهر من القمر هالَة، في منازلِ الشَّرفِ والجَلالَة؛ قد حازَ الله له من نباهةِ الذِّكر، وفخامة الشَّأن، ما لم يَحُزْ لقَديمٍ من معالمِ الحقِّ ولا حديث — بِرُّ العِبادة، وفضيلُة الحج، وشرف الباني، ورَوْعةُ العِتْق، وجلالَةُ التاريخ؛ يقول الغُوَاة: لو كانتِ الكعبةُ من ذهبٍ أو فضَّة، ويقولون: لو كانت كبيع النَّصارَى في عواصم الغَرْب: رفعةَ بناء، وديباجةَ فنّ ووَشْيَ زُخْرُف!. وأقولُ للغُواة: لو تُرِكَتْ الكعبة على فِطْرتِها الأولى، فلم يُطَوَّلْ بناؤها، ولم تُزيَّنْ بالذهب أجْزَاؤها، ولم تتعدَّدْ في الزُّخرُف أشياؤها؛ لكانَ بعبقريَّتها، وبروحَانيَّتِها أشبه؛ وأخلق؛ وفي تقدير قُدُسِها?? غاية ونهاية. ? اللموم: التي تجمع الناس.? الحاشر: الجامع.? المثاب: مجتمع الناس بعد تفرقهم ومنه المثابة. قال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا والزمر: الأفواج المتفرقة بعضها في إثر بعض.? المبحر: راكب البحر. والمُصحِر: المسافر في الصحراء، وعادة المبحر أن يهتدي إلى سبيله ببيت الإبرة «البوصلة»، وعادة المصحر أن يهتدي إلى غايته بالنجوم، وقد شبه المسجد الحرام بالإبرة والنجم، بجامع هداية السائر الحائر فيهما.? الكفر: القرية.? المستر: المغطى بالأستار.? الخمس هنا: الصلوات.? الحرباء: حيوان يستقبل الشمس ويدور معها، ويتلون بلونها.? القضاء الزكي: الصالح، وتنفس الناس كناية عن وجودهم.?? الكنائس: بيت الظبي في الشجر.?? الربى. الأراضي المرتفعة. والمكللة. المتوجة، والمراد أنها متوجة بالزهر والأعشاب.?? القطوف: الثمار، والمذللة، المدلاة، ومنه قوله تعالى: وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً.?? الهام: الرءوس. والمنضدة: المتراصفة، والمراد بالآلهة هنا: الأصنام.?? الممردة: الطويلة الملساء.?? مكة المكرمة.?? الحواري: الرسول.?? البنية: الكعبة.?? الشعب: الطرق.?? ضعف الكهولة وقوة الشباب الماثلان في إبراهيم وإسماعيل.?? زاول الشيء: عالجه.?? تدمر: قلعة مشهورة، وبابل: بلد بالعراق ينسب إليه السحر والخمر، والذي أهلك «تدمر» وأبلى هو الدهر.?? الصفاح: الحجر العريض. والآجُرّ: ما يبنى به، وهو المعروف «بالطوب».?? اللبنة: ما يضرب من الطين للبناء.?? العمار: السكان.?? لقب من ألقاب مكة المكرمة.?? المشكاة: الطاقة.?? القدس: الطهر.
الشَّهَادَةُ


قصيدةٌ عُلْويّةُ الرَّوِيَ، مطْلَعُها ومقطَعهُا النبيّ؛ كلمةٌ هي الدِّين، وهي كنْهُ? اليقين، وهي الحقُّ المُبين؛ أرسلَها الأذان سَمْحَة، فَقرَّت في الأذهان أوَّلَ وَهْلة، ولِم لا؟ وهي الحقيقةُ العُريانة، والصبحُ الذي عَرضَ عِيانَه،? فكفى العُيونَ بُرهانَه وبيانَه؛ كانت شعار? الدَّاخلِ في الدِّين الجديد، وجوازَ? الخارج إلى أقطار التَّوحيد؛ ولم نَزَلْ مُقدِّمَةَ الكتاب، وفاتِحةَ الخطاب، ومفتاحَ الباب، وحافَةَ الغاب؛? إذْنٌ سَهْل، وحجابٌ سَمْح، وساحة فَضل لا تحجُبُ مستأذِنًا، ولا تتصعَّبُ على مُعالج، ولا تضيقُ بنزيل، ومن عبقريَّةِ الشَّهادة — أماتنا اللهُ وإياك عليها — إنَّ حُسْنَ الظنِّ بالله طالما أوقعَ في نفوسِ الجماعاتِ أنَّها أفضل عملِ العبدِ عند ربِّه، وأنهار بما قامتْ مقامَ الأداءِ عن سائر الفرائِص، حتى فرَّط المفرِّطون، وهُمْ عليها يتَّكِلون، وتكثَّرَ من الخطايا المذنِبون، وهم يرجُون عندها النجاةَ ويأمُلون. إذا حضرَ الموتُ هوَّنتْ لِقاءَه، وقلَّلتْ هَوْلَ ما وراءَه، وجعلَها الخائفُ أمْنَه ورجاءَه، والقليلُ العزاءِ أُسْوَتَه? وعَزاءَه. وقدَّمَها المُقلُّ?» بين يديهِ عملاً يرجو جزاءَه. ? الكنه: الأصل والغاية.? العيان: الشخص.? الشعار: ما يعرف عند المولدين (بسر الليل).? الجواز: صك المسافر.? الحافة: الجانب، والمراد بالغاب هنا: مأوى الحق والتوحيد.? الأسوة: ما يتعزى به الحزين.? قليل الحسنات والصالحات.
الصَّلاَةُ


الطهارة: كمالُ أدبِ الصَّلاة، وتمامُ الخدمة والتعظيم لله، عند توجُّه العبدِ إلى مولاه. شُرعَتْ وسيلة، وسُنَّةً جميلة، وصالحةً وفضيلة؛ حُكْمٌ حِكمتُهُ لا تَتم، حتى ينتظمَ النَّفْس والجِسْم؛ فإن جَمَعْت نَقاءَ الباطن والظاهر، فأنت الذي صَلَّى له? وهو طاهر. ولو قُصرت الطهارة على وجُوهٍ تغْسَل، وأرساغٍ? تُبَلَّل، وثياب تُنَظَّفُ وتُجَمَّل؛ لكانَ الميْتُ أطهرَ من الحيّ؛? فيا أصحابَ الوُضوءِ غسلتُم الجوارح،? فهل غَسَلتُم الجوانِح؟ ورَحَضْتُم? الأطراف، فهل رَحَضْتُم الأجواف؟ طَهَّرتم الرَّاحَ من الأنجاس،? فهل طهَّرتموها من أشياءِ الناس؟، ونَظَّفتُمْ من الطُّرقِ? الأقدام، فهل نظَّفْتُمُوها من سبل الحرام، ومسالِكِ الإجرامِ؟ وتلكَ الوجُوه الممسوحَة بالماءِ، هل تَرقْرَق فيها الحياء؟ وهل نُقِّيت من وَضَرِ? الرياء؟
الصلاة: لو لم تكُنْ رأسَ العبادات، لعُدَّتْ من صالحة العادات؛ رياضة أبْدان، وطهارةُ أردان،? وتهذيبُ وجدان، وشتى فَضائِلَ يَشب عليها الجوارِي والوِلدان. أصحابُها هم الصابرون، والمثابِرون، وعلى الواجب هُم القادرون، عَوَّدَتْهم البُكور، وهو مِفتاحُ باب الرزق، وخيرُ ما يُعالج به العَبْدَ مناجاةُ الرازق، وأفضلُ ما يرودُ به المخلوق التَّوجُّه إلى الخالق؛ ولهم إليها بعد البُكورِ رواح؛ فإذا هي تصرفُهم عن دواعي الليل ومغرياته، وتعصِمُهم فيه من عوادي الفَراغِ ومُغوياته. والليلُ خلواتٌ وشهوات، وبيتُ الغَوايات.وتجزئَةُ الوقت مع الصلاةِ ملحوظَة، وقيمته عند الذين يُقيمونها مَحْفُوظَة، عوَّدتْهم أن يذكروه، ويُقَدِّروه، وأن يسوسوه في أعمالهم ويدبِّروه، والوقتُ ميزان المصالح، ومِلاك الأمور، ودولابُ?? الأعمال.انْظُرْ جلالَ الجُمَع، وتأملْ أثَرها في المُجْتَمَع، وكيف ساوَتْ العِلْيةَ بالزَّمَع؛?? مسَّت الأرض الجبَاه، فالناس أكفاءٌ وأشباه، الرعية والوُلاة، شَرعٌ?? في عتبةِ الله؛ خرَّ الجمعُ للمناخِر؛ فالصفُّ الأوَّلُ كالآخِر، لم يرفَع المتصدِّرَ تصدُّرُه، ولم يضع المتأخِّرَ تأخُّرُه.
? الهاء ضمير الشأن.? جمع رسغ: وهو المفصل ما بين الساعد والكف.? لأن غسل الميت تام وكفنه من ثياب جدد.? جمع جارحة: وهي العضو المكتسب من أعضاء الإنسان.? غسلتم.? الراح جمع راحة: وهي الكف.? المراد بالطرق هنا: ما يعلق بالقدم من أقذارها.? الوضر: الوسخ.? الردن: الغزل أو الخز، والجمع أردان، والمراد بها هنا: الثياب.?? الدولاب: الآلة الدائرة.?? الزمع: الرعاع.?? أي سواء.
الصَّوْمُ


حِرْمَانٌ مشْرُوع، وتأديبٌ بالجوع، وخُشُوعٌ لله وخُضُوع، لكلِّ فريضةٍ حِكمة، وهذا الحُكْمُ ظاهرُه العذابُ وباطنُه الرحمة، يستثير الشفقة، ويحضُّ على الصَّدَقة؛ يكسِرُ الكِبْر، ويُعلِّمُ الصَّبر، ويَسُنُّ خلال البِر؛ حتى إذا جاع مَنْ ألِفَ الشِّبَع، وحُرِمَ المُتْرَفُ أسباب المُتَع، عَرَفَ الحِرْمَانَ كيف يقع، والجوعَ كيف ألمُهُ إذا لذع.

الزَّكَاةُ


حِزْبُ? الاشتراكية، وحزبُ البُلْشفيَّة. أيُّهَا النَّاس:

أمَرَ اللهُ فَصَلَّيْتُمْ، ونَهَى المالُ فما زكَّيتم؛ فرَّقْتُم بين الخْمْسِ? وكلُّها حُكْمُ الواحد؛ فلكلِّ ألف مُصَلِّ مُزكٍّ واحد! استسْهلْتُم فأخذتُم، واستصْعَبْتُم فنبَذْتم؛ فلو دَخَلَ المالُ في الصلاة، لأقْفَرَتْ منكم مساجدُ الله! ولو غُرِّم أحدُكم على الشهادة، لكان به عن نُطقِها زهادة!? أعَلِمتم أن الزكاةَ قُرُوض؟? وأنها وقِاءُ الأعراضِ والعُروض؟? وأنها ليستْ بالعَبَثِ المفروض؟ هي مالُ الفقير خَلَسْتُموه،? ورزقُ المحرومِ حَبَسْتموه، وحقُّ العاجزِ في الحياةِ بَخَسْتُموه، وحُكْمُ اللهِ الذي أغناكم قد دُسْتُموه؛ تُقْرِضُون? الولاة، ولا تُقْرِضون الله، وتُنفِقون تملقًا لأهل الجاه، ولا تُنفقون تعلَّقًا بالنجاة.? الحزب: النصير.? المراد بالخمس: أركان الإسلام.? زهد فيه زهادة: رغب عنه.? القروض: جمع قرض، وهو ما أسلفت من إساءة أو إحسان.? الوقاء: الدرع. والعروض: الأمتعة. والأعراض: مواضع المدح والذم من الإنسان.? خلس الشيء: أخذه مخاتلة.? أقرضه: أعطاه قرضًا.
الحَجُّ


مَوْكِبُ الإسلامِ ومَظْهَرُه، ولُبَابُ حَسَبِه وجَوْهرُه، ومَوْسمُه الحرامُ أشْهُرُه. مِهْرجانُه العظيم، وعُرْسُه الفخيم، وندِيُّه? الكريم، والنّظْمُ الذي قَرَنَ فيه الدّنيا إلى دينِهِ القويم، فجعَلَه لها صلاحًا وعِمارة، ومَلأَها بيُمنِهِ نماءٌ ويسارة،? وأفاض بَرَكاتِه على التِّجارة؛ وسخَّرها لخدمَتِه، وإظهارِ دَعْوتِه، وجَمْعِ كَلِمتِه، وتَوْثيقِ عُرْوَتِه؛ فإذا أظَلَّتْ أيام الحجِّ المباركَات نظرْتَ إلى البلاد فرأيْتَ أسواقًا ماجت، ومتاجرَ راجَتْ، ومَطايا من مرابِضِها اهتاجَت؛ ورأيْتَ الحِجازَ مُهتَزَّ المناكب، يموجُ المواكب؛ مفتَرَّ المباسِم، في وُجوهِ المواسِم؛ أخلَفَهُ الغيث? فمَطِرَ الذهب، ويبسَ الزرع فطَعِمَ الرُّطَب؛ أزوادٌ? تُعدّ، ورحالٌ تُشَدّ، وشُرُعٌ تُمدّ، وحاجاتٌ تنشأُ وتَسْتَجِدّ؛ وأُمَم أتَوا من نواحي البلاد يضعون التُّحف المجلوبة، ويأخذون الأجْرَ والمَثُوبة. فيا أيُّها المعتزم حجَّ البيت، المُشَمِّر لأداء الفريضة: لقد أطعْت، فهل استطعت؟ وأجبْت فهل تأهَّبْت؟ وهل علمتَ أن الإسلامَ شِرْعَةُ السَّماحة، وأن ربَّ البيت واسعُ الساحة؟ يُعْفِي المريضَ حتى يُعَافَى، ويُقيل المُعْدِمَ حتى يجِد، ولا يؤاخِذُ أخا الدّين حتى يَقْضِيَ دَيْنَه، ولا يُنْكِر على الخائف القرار? حتى تأمَنَ السبيل من وباءٍ مهتاج، أو لصوص قد أخذوا الفجَاج،? أو حُكومةِ جائرة تَبْتَزُّ الحُجَّاج؟ كُبْرَى الكبائر أن تلْقى اللهَ في بيْتِه، وبين وَفْده، بمالٍ خَلَسْتَه من أحدِ اثنين يُحبُّهما اللهُ حبًّا جمًا، اليتيم — وأنت تعلمُ أن مالَه نار، وأنَّه نَحْسُ الدِّرهم نُحَاسِيُّ الدينار.? والفقير — وقد فَرَضَ اللهُ له في مالكِ حصَّةً سمَّاها الزكاة، فتغابيْتَ يا مُخادِعَا لله، وخرجْتَ بها تحُجُّ للتظاهر والمباهاة؛ وهل علمتَ أن اللهَ لا يقبلُ منك مالاً ونَفَقَةُ المطلقة، من مَطْلٍ مُعَلَّقة؛ وذو القُربى وراءَك جائع، والولَد طريدُ المدارسِ ضائع؛ وتِجارتُك مُختَلَّة، وأمانتُك مُعتلَّة؛ وجارُك الضعيفُ يَضِجُّ من حَيْفِك، وخصيمُك الأعْزَلُ يَشكو سَطوةَ سَيْفك؛ فإن لم يكن شيءٌ من ذلك أو مما إليه فَسِرْ على اسمِ الله، وحُجَّ بيْتَ الله، وارجعْ برضْوان من الله. ? الندى: المجلس.? اليسارة: الغنى. ? الغيث: المطر. وأخلفه: لم ينزل به.? الأزواد: جمع زاد: وهو طعام السفر.? المكث في داره.? الفجاج: الطرق الواسعة بين الجبال.? المراد بالدرهم النحس: أنه شؤم على كل من اغتصبه. والدينار النحاس: الذي لا قيمة له؛ لأنه حرام، والحرام لا يدوم.
خطيبُ المَسَاجد


يا مُرشدَ العابد، ورادّ الهوَى الشَّارد: أعلمتَ أيَّ مقامٍ أُقِمْت، ولأيِّ بلاءٍ قُدِّمْت؟ إنما نُدبتَ للوعظِ والإرشاد، وتعليم العِلْيةِ والسَّواد، أدبَ المعاش والمعاد،? وخلَفْت الخلفاءَ على تلك الأعواد؛? الآذانُ لك مُرْهِفَة، والأذهانُ إليك مُتَشَوِّفة، فماذا عندَكَ للأتْقياء، من الأغنياء؛ ولكُلِّ مُموّل، في الصفِّ الأوَّل؛ من إشارةٍ إلى الذهب المدَّخَر، والقريبِ الضّجِر، والوارث المنتظِر؛ وإلى الخيرِ وجمعيَّاتِه والبرِّ وقضيَّاته؟ وماذا أعددْت للتاجر، من الوعظ الزَّاجر، تحضُّه فيه على الأمانة، وتُحَذِّرُه عواقبَ الخيانة، وتُوصيه بسُمعتِه ضنًّا وصِيانة؟ أو الذي بذلْتَ للعامل والصانع، من لفظ رائع ووَعظٍ جامع، في السُّلوكِ الحَسَن والدَّعوةِ إليه، وإتقانِ العمل والحضِّ عليه؟ وهل ذكرى للعامَّة أن ضربَ النِّسْوة، ضربٌ من القسوة؟ وأنَّ البغيَ بالطلاق، يمقتُه الدينُ والأخلاق؟ وأنَّ الطفلَ مِن حقِّه أن يهذَّب، لا أن يُضرَبَ ويُعَذَّب، وأن يُكسَبَ عليه، لا أن يَكسِبَ هو على أبويه؟،? وأن التَّيْسَ لو عَقَل ما اتَّخذَ نعجتين، فكيف يتزوّجُ الفقيرُ العاقل اثنتين!؟ أم أنتَ كما زعموا ببَّغَاء لم تحفظْ غيرَ صوت تردِّدُه إلى الموت، كلماتٌ محفوظة، في كلِّ مكتوبةٍ ملْفُوفة، سيفٌ من خشب، وخطوبٌ في صورة خُطَب؟ ? المعاد: الآخرة.? الأعواد: الأخشاب، والمراد بها هنا المنابر.? المراد بهذه الجملة: أن الآباء عليهم أن يعملوا؛ حتى يمهدوا لأبنائهم سبيل العيش والحياة، لا أن ينتظروا السعي من أبنائهم وهم أطفال.
الطَّلاَقُ


أزمةٌ تمنعُ أزَمات، وملِمَّةٌ تدفع مُلِمَّات؛ دواءٌ ساءَ استعمالهُ فصارَ هو الداء، ودِرْعٌ للتوقِّي عادتْ آلةَ اعتداء؛ نَظْمٌ على غير أصُولِه مُتَّبَع، عَبثَ به الجَهْلُ حتى انقطع، وضاعت على الشارع حِكمة ما شرَع؛ حلالٌ عليه بَشَاعة الحرام، وحقٌ يشرَهُ?» إليه اللئام، ويُكرهُ عليه الكرام؛ منعَ الله به الظلم، رأْفةً بكم ورحمة؛ فما بالكم قلبتُم الحُكم، وعكستم الحِكمة؛ تختَلِقون الرِّيَب، وتُطلِّون على غضب، وتُسَرِّحُون بلا سبب؟ أيُّها الناس: إن كان الكتابُ تسمَّح،? فإن الحديث قد لَمَّح؛? هَبُوا أن الشارعَ أطلقَ الطلاق، اتكالاً على الدين والأخلاق؛ أليس الموْقِفُ مَوْقِفَ حَذَر، والمسألة فيها نظر؟ أمرٌ تبعاته على ضمائركم، وسوءُ استعمالِه عل سرائركم، وفضيحة بعضِكم به واقعةٌ على سائركم!،? أولئك أمَمُ النَّصرانيةِ أصحابُ الحضارةِ الحاضرة، حرّم الطلاقَ دينُهم، ثم حلَّلتْه قوانينهم، ولكن في دائرة الحقّ، ووُجوهِ الرفق، وبإشرافِ قضاةٍ يَحْمون نُظمَ الزواج من عبث الخاصة، وجهالة العامّة. ? شره إلى الطعام وعليه. اشتد حرصه عليه.? تسمح: تساهل.? يشير إلى الحديث الشريف: «إن أبغض الحلال عند الله الطلاق».? إذا انتشرت عادة الطلاق في أمة، فليست الفضيحة واقعة على رءوس المطلقين وحدهم، ولكن الأمة مأخوذة بها جميعًا، والسمعة السيئة لا تعرف مذنبًا من بريء.
البَحْرُ الأَبَيِضُ المُتَوَسِّطُ


سيِّدُ الماءِ، وملكُ الدَّأماء،? مهدُ العِلْيةِ القدماء؛ دَرَجت الحكمة من لُجَجِه،? وخرجتِ العبقريَّة من ثَبَجِه،? ونشأتْ بناتُ الشعرِ في جُزُره وخُلُجه؛ بدتِ الحقيقة للوجود من يَبَسه ومائه، وجَرَّب ناهضُ الخيال?» جناحيه بين أرضِه وسمائه؛ العُلومُ نزلتْ مُهودَها من ثراه، والفنونُ رَبَيت في حجال رُباه،? والفلسفة تَرعْرعَتْ في ظلِّه وذَرَاه؛? «بنتَاءُورُ» وُلِدَ على عِبْرِه،? و«هوميرُ» مُهِّدَ بين سَحْرِه ونَحْره،? ونَحَتَ الإلياذة? من صخره، و«هيرودوتُ»?? دوَّنَ مُتونَهُ على ظَهْره، و«الإسكَندرُ» انتهى إليها بفَتْحِهِ ونَصْره. الموسيقى دبَّتْ في أحْناء?? هياكلهِ، وشبَّتْ في أفياء خمائِله؛?? ثم لم يزَلْ بها تَرسُّلُ?? الرُّهْبان، وترتُّلُ الأحبار والكهَّان، حتى جاوزت الحناجر إلى المعازف، فنَزلت اليراعَ المطرِّبَ?? والنحاسَ الهاتف؛?? لم تخلُ ثُكْنة?? من بوق، أو طبلِ مدقوق؛ ولم يخْلُ كوخٌ من يراعٍ مثقوب، ولا قصرٌ من وتَرٍ مَضْرُوب. وعلى أديم الأبيض المتوسِّط مشى المثَّالُ الأوَّل،?? وبحجارتِه وقف فتخيَّل؛ فَلاَنَ لبنانِهِ الحجَر، ودان لمِنْحاتِهِ?? الصخر، حتى زيَّنَ الزُّونَ?? بالبديع والغريب، ونثرَ الدُّمَى على المحاريب،?? وجاء في الفنَّ بالأعاجيب؛ صَنَع أبا الهوْل، فجاءَ بالهوْل والزّوْل؛?? كان ذلك حينَ سائرُ المعمور مجاهل، والناسُ جُهَّال؛ عالَمٌ غافل، يَهيمُ في أغْفَال.??فيا ناشئ الكِنانة:

إذا وقفتَ على لجَّة «الرمل»، أو نقَّلتَ القدمَ على رملة «المكْس»؛ في أصيل لدَّتْ حواشيه، وحلَّى جِلْبابَهُ بالذََهب واشيه، وفضاءً اصفرَّ من نَعيِّ الشمس ضاحِيه،?? وقُرِّبَتْ لها الأكفان من زَعْفران نواحيه،?? فتبصَّر! هلْ ترى غيرَ ساحلٍ طيِّب البُقْعَة، وأديمٍ جيِّد الرُّقعةَ؟ وهل تُحسُّ غَيْرَ بحر ضاحك الماء. مُتَهلَّلِ السماء، حُلْوِ بشاشة القضاء؛ يصحبُ الصَّحْو، ويسحب الزهو،?? ويلهو وما عرفَ اللَّهْو،?? وخريرُهُ تسبيحٌ وما هو بِلَغْو؟?? لآبائكَ عنده — مُنذُ ماجت أمواجه، ولجَّتْ لِجاجُه،?? وهدَرَ عَجَّاجه،?? وأنشئ للرِّياحِ شِراعهُ وساجه?? — جِوَارُ الأكرمين، وصحبةُ المحسنين، وكنَفُ السِّماح الخيِّرين: شمسٌ متوقِّدَة، وطبيعة مُتَوَدِّدة، ولجَّةٌ غيرُ مُتمرِّدة، وغيرُه من البحار ذميم الجِوار، لئيم النِّجار؛?? ضبابٌ مخيِّم وسحابٌ مُدَيِّم؛?? أعاصيرُ مُرسلَة، وصواعِقُ مُنزَلة؛ زمنٌ مُضطَرِب الفصول، وطبيعةٌ تَختِلفُ وتحول، كما تَلوَّنُ في أثوابِها الغُول.?? تلكَ اللُّجَّة — أيُّها الناشئ — هي من أوطانِكَ عُنوانُ الكتاب، ومِصْراعُ الباب، ووجهُ الخميلة، وظاهِرُ المدينة، وعَوْرةُ الحصْن؛ وإنَّ قومًا لهم على البحرِ مُلك، وليس لهم فيه فُلك: لقَوْمٌ دُولتُهم واهية السِّلْك، وسلطانهم — وإن طال المدَى — إلى هُلْك!
ويا أيُّها الأبيض الأعزُّ سلامٌ، وإن أنزَلَتنا عن صَهْوَتكَ الأيام، وأبدَلتْنا من سلطانك الخافق الأعلام، بممالكَ من كلام، ودُوَل من أمانيٍّ وأحلام! ويا عَرْشَ الأبُوَّة ثناء، وإن ثلَّك الأبناء، ثم لم يُحسِنوا البناء؛ أين دُوَلٌ كانتْ مطالعَ أنوارك، ومعاصم سُوارك، وما الذي نأى بجَواريها?? عن جِوَارك، وهوى بسواريها?? في أغْوارك؟ أين الفراعنة وما جدَّفوا من بُروجٍ مشيَّدة،?? والبطالسة وما مدُّوا من شُرُعٍ كالصُّروح الممرَّدة؟،?? وأين الشَّوْنات الأيُّوبيَّة،?? والبوارج العَلَويّة؟?? هيْهات! أزْري الدَّهر بالإسكَندريَّة، فحجَبَ ذلك المنَار،?? ونصبَ على الفنار، وأين الليلُ والنهار، وأين الظلماتُ من الأنوار؟ ذلك كان أضوأ هالة،?? وأسْطعَ على التَّمَكُّنِ في الأرضِ دَلاَلة، وأضْفَى على مناكب البَرِّ والبَحْرِ جلالة؛ يهتدي به الداخِلُ والخارج، ويستأمِنُ الدابُّ في حِماهُ والدارج، وتنيفُ?? عليه البُروجُ وتطيفُ به البوارج؛ وهذا?? سراجُ بَيْت، وذبالة زيْت، وشعاعٌ كنَفَسِ المحتَضَرِ حيٌّ مَيْت! مُلْكنا الواسِعُ من ورائه بابٌ ولا بوَّاب، وسُدَّة ولا حجاب، غابٌ ولا ناب?? ووكرٌ ولا عُقاب؛ تعاقَبَتْ عليهِ حُكومات ألقت السِّلاح، وألْغت الإصلاح؛ تقول فتَجِدُّ وتعملُ فتهزِل، ولا تُحسنُ من سياسَة الملكِ غيرَ أن تولِّي وتعزل، وتَجبي القطنَ ولا تفكرُ في المغْزل! تخايلُ بالبَحريَّة والوزير، وتأتي قبلَ الماء بالزير!! ? الدأماء: البحر، والمراد به هنا المياه.? اللجج: جمع لجة. وهي معظم الماء.? الثبج من كل شيء: وسطه ومعظمه.? الناهض: فرخ الطائر إذا نشر جناحيه وتهيأ للطيران.? ربيت الفنون: أي نشأت ونمت. والحجال: الخدور — الربا — جمع ربوة. وهي ما ارتفع من الأرض.? الذرا: الملجأ.? بنتاءور: شاعر مصر القديم. وعبر البحر: شاطئه.? هومير: أقدم شعراء اليونان. والسحر والنحر. هما الرئة، وموضع القلادة على الصدر.? الإلياذة: ديوان من شعر هومير، جمع فيه مفاخر الأبطال القدماء.?? هيردوت: هو المؤرخ المصري المشهور.?? الأحناء: الجوانب.?? الأفياء: الظلال، والخمائل: جمع خميلة: وهي مكان يلتف فيه النبات.?? الترسل: الترفق.?? اليراع: القصب الذي يزمر به الراعي والمطرب: الذي يرجِّع الصوت ويُحسنه.?? هتاف النحاس: ترجيع الصوت في أبواقه.?? الثكنة: معسكر الجند.?? أديم البحر: صفحته. والمثال — بالتشديد — صانع التماثيل، ولعل المؤلف أوَّل من نبه إلى استعمال هذا اللفظ الدفين.?? المنحات: آلة النحت.?? الزون: مجمع الأصنام.?? الدمي: جمع دمية وهي الصورة المزينة أو الصنم المنقوش. والمحراب: صدر البيت أو أكرم مواضعه، والجمع محاريب.?? الزول: العجب.?? الأغفال: جمع غفل، والأرض الغفل: التي لم ينصب عليها علم ولم تقم عليها عمارة.?? ضاحيه: ظاهره وباديه. ونعي الشمس: مجاز يراد غروبها. واصفرار الفضاء لنعي الشمس استعارة شبهت فيه الشمس بميت، وشبه الفضاء بمن أصيب فيه، فانتابه من صفرة الروع ما ينتاب الثاكل المرزوء.?? الأكفان من زعفران: كناية عن صفرتها، ولا يزال المؤلف مستمرًا في مجازه الذي ابتدأه في الجملة السابقة.?? الزهو: العجب والتخايل.?? لهو البحر: تلاعبه بما على صفحته من السفن.?? اللغو من الحديث: الباطل، والمراد بتسبيح الحرير: ما يلقي في النفس من أثر اليقين في صوته العجيب.?? اللجاج: جمع لجة وهي معظم الماء.?? العجاج. من الماء: ما سُمع له عجيج.?? الساج: شجر عظيم ينبت في الهند، وخشبه رزين أسود لا تكاد الأرض تبليه، والمراد به هنا: ما يصنع منه سفين.?? النجار: الأصل.?? سحاب مديم: أي ممطر.?? تلون: أصلها تتلون، ثم حذفت التاء للتخفيف، والغول: من يتلون ألوانًا مختلفة من الجن والسحرة.?? الجواري: السفن.?? السواري: عمد ينصب عليها الشراع.?? البروج المشيدة هنا: يراد بها السفن الضخمة. والتجديف: تسيير السفن بالمجداف.?? الشُرُع: القلوع. وتمريد البناء: تمليسه وتسويته.?? الشونات: هي سفن الحزب، وقد كان لبني أيوب منها أسطول عظيم.?? التي أنشأها محمد علي باشا جد الأسرة المالكة.?? المنار: الذي أقامه البطالسة في الإسكندرية، فكان سراجها الوهاج.?? هالة القمر: دارته، والإشارة هنا للمنار.?? تنيف: تشرف.?? الإشارة للنار الموجودة الآن.?? الناب: يطلق على الأسد، من تسمية الكل باسم جزئه.
صفَةُ الظَّبْي


عروسُ البيد، الفاتن كالغيد، بالمقلة والجيد، الفروقة الرَّعديد،? وصفته فقلت: عينان سوادُهما داج، وبياضُهُما عاج، وإنسانُهما حائر ساج، في رأس كأَنه قدم الكَعَاب، أو كأنه خزفيّ من الأكواب، رُكِّب في عنق كإبريق الشراب؛ وله روقان، كأنهما نَصْلان صَدِئان، وكأن إبرتيهما مِرْود،? انتشر عليه الأثمد،? وكأن قوائمه السمر الخفيف، وكأنَّ زجاج أرماحِها الأظلاف. كل ذلك في إهاب أغبر اللون كَدِر، كأنه الثوب السويّ المُنْقَدر، ليس بفَضْفَاض ولا بالمُنْحَسر؛ وإذا عدَا فَسَهْم، وإذا أخذه المدى فَوَهْم؛ وثباتٌ تنتظم الربوةَ والحفرة تُثْبت وجودَ الطَّفْرة، وإذا قام على ظِلْفيه، وأرهف للرياح حرتيه،? وشرع في السماء روقيه، خلْتَهُ دُمْية مِحْراب، أو شُجَيْرة عليها تُراب. ? الفروقة الرعديد: الشديد الفزع الجبان.? المرود: الميل الذي يكتحل به.? مسحوق الكحل.? أي أذنيه.
صفَةُ الأسَد


طاغيةُ الصحراء، وجَبَّار العراء، وأجرأ من وطِئَ الغبراء، عَرْشه غابته، وحجابه مهابتُه، والوحدة مجلسه وصحابته؛ ابنُ الصحراءِ البكر نحتت أجلادَه من صخرها، واستوقدت بأسَه من حَرِّها، وطبعته على انقباضها وكبرها؛ وكأنَّ? الصُّورَ حنجَرَته، وكأنَّ نفخة الصور زَمْجَرَتُه؛ إذا سُمِعت خفتت? العقائر،? ولاذت الهوامّ بالحفائر، وطار الواقع ووقع الطائر. وصَفْتُه فقلت: هامة من أضخم القمم،? جلست على المنكب العمم،? ولبست تاج الشهرة في الأمم؛ وراءَ الهامة غفرة? كأنها اللامة،? هي اللبدة وهي عمامة أُسامة؛? دارت على وَجْهٍ كوجه الموت بادي الشِّرَّة، منقبِض الأسِرَّة؛ ذي جبهة مغبرة؛ كجبهة القتال مكفهرة؛ وكأنها صفحة السَّيف؛ تلقى الحتف دون الحَيْف؛ في الجبهة عيان كاللهب؛ في حجابين? كالحطب؛ بينهما أنف غليظ القصبة، منتشرُ الأرْنَبَة؛ كأنه الأفعوان افتَرش الحَجَر؛ أو اضطجع في هشيم الشَّجَر؛ حول الأنف كلحة،?? كأنها خزانةُ أسلحة؛ إذا انطبقتْ فعلى كوامن الغيوب، وإذا انفتحت فعن القضاءِ بارز النُّيُوب؛ ومن عجب الخلق رأسٌ كأنه صخرة، أو كأنه أرُومة يابسة نَخِرة؛ ينهض به ساعد جدْل،?? لا هزيل ولا عبْل؛ كما تنهض أسطوانة الحديد على قلتها بالكثير الضخم من البناءِ؛ وللأسد كفٌّ كأنها المدجج،?? أو كأنها الحجر المدمج: «إذا مَسَّت قفار الفرس قطعت نظمه، ونَثَرتْ لحمه وعَظْمَه»?? كل ذلك في إهاب أغْبَر، وجلباب أكْدَر، كأنما صُنِعا من القَفْر، أو قُطِعا من الصَّخْر، أو كأنما كُسِيا لون الصحراء كما تكسى البوارجُ لَوْنَ البحر، وإذا قام على برثنه?? فتمثال، وإذا انقضَّ فهضب منهال؛ وإذا تراءَى بالسهل فدعامة، وإذا طلع من الحَزْن فَغَمامة. ? الصور: القرن الذي ينفخ فيه يوم البعث.? خفتت: سكنت.? العقائر: الأصوات.? القمم: واحدها قمة: وهي أعلى الرأس.? العمم: التام الهيئة.? غفرة: اللبدة.? اللامة: الدرع.? أسامة: علم جنس على الأسد.? الحجابين: عظما الحاجبين.?? الكلحة: الفم وما حواليه.?? الجدل: الحسن الفتل.?? المدجج: القفذ.?? هذه الجملة عن (لاروس) الكبير.?? البُرثُن: المخلب.
الأسَدُ في حَديقَة الحَيَوَانَات


يا جارَ الجيزة وأسير الحديقَة، سَرَت الهُمومُ فلم تَنَمْ؛ أرَّقَتْني شئونٌ وشجون، وذكرياتٌ مما تَرَكتِ السَّنُون، وأرَّقَك حَزُّ القيد، وضَغطُ الحديد؛ وأثارَكَ ذكرى الصَّيْد، والحنين للبيد؛ سبحان المعزِّ بالحرية المذلِّ بالرّق؛ ما أرَّقك بالأسحار، وكان غَطيطُكَ أرَقَ الصَّحار،? وفَرَقَ? السُّمَّار? في الأكوار، وما بالُ زَئيرك ينام عليه الطيرُ ملءَ جفونِه، ولا يتحرَّك له ليلُ الجيزة من سُكونِه؛ أصبح أقلَّ من النُّباح؛ وأذلَّ من النِّياح، وكان بالأمس يُرْعِدُ البطاح، ويُسقِطُ من يد البطل السلاح؛ وأين أبا لِبْدَة طلعةٌ كانت تَعقِل الفرس والفارس، فأصبَحتْ يدعو العيونَ إليها الحارس؛ يُطيفُ بها النَّشَأ،? ولا تخفيف الرشَأ. عزاءً مَلِكَ البيد، ابنَ الفاتك الصِّنْديد، وأبا الخالة? الصِّيد؛ وإن لم تَزِدْني علمًا بالدُّولة كيف تزول، ولا بما عند الناس للنعمة المنكوبة، والبطولة المقهورة، والأخلاق المخذولة، والعروش المثلولة، فقَبْلَك ضاقتْ «أغمات» على سجينها، وأخنتْ «أمير جُون»? على قطينها،? وأضرَّت (القديسة هيلانة) برهينها،? أجوادٌ نزل بهم الدَّهْر، وأحرارٌ أناخ عليهم الأسر، وأملاكٌ? جرى عليهم النهي والأمر؛ وأنت في صَحَارِك أطول في الملك بنيانًا، وأعرض في الأرض سلطانًا، وأوسع شهرة وأنْبَهُ مكانًا؛ عرشك أبا الأشبال، على السهل والجبال، وكل دابٍ?? على الرمال، رعية لك أو مال؛ تمثال القوة، ومثال المروَّة؛ نَفْسُ بهيمة، وأخلاق عظيمة؛ ألست أبا لِبْدَة تحمي العرينة، وتُحْسِن عشرة القرينة، وتبني الذُّرِّيَّة المتينة؛ وتعفُّ عند الشِّبَع، وتفضلُ على التَّبع؛ وتذهب مذهَبَ الأقمار، فتطلع بالليل وتستسرُّ بالنهار؛ ولك قبل البطش جَلجَلَة?? منذرة، وبهنسةٌ?? مَحذِّرَة؛ وغيرك في السباع خَتَل وخَتَر،?? وجاء القَرَن?? على خمر،?? من أجل هذا ومثله في الأخلاق ضَرَبت الأممُ بك الأمثال، ونحتوا على صورتك التِّمثال، واستعاروا أسماءَك للأبطال، وأشباه الأبطال، حتى قيل للإخشيدي??: أسد القلب، وقيل للصليبي??: قلب الأسد، شُبِّه بِك كلُّ شجاع ولم تُشَبَّه من الشجعان بأحد؛ عطف بقلبي على صغارك أبا الأشبال، أنهم كصغاري ولدوا في الرق وشبوا على مسِّ هوانه، كلا النشأَين مغلوبٌ على دياره، مَرْزُوء بالتشريك في وجاره،?? مغامرٌ في صحراءِ الحياة بغير أظفاره؛ وألان لك فؤادي أبا لِبدة هذا الذلُّ بعد العز، وهذا الرسف?? في الضيق بعد المَرَح في السِّعة؛ واستأواني قيدُ الحديد، بَعْد تاج البيد. وما أسفي والله على ظُفرك المقلوم، ولا على نابك المحْطُوم، فإني وجدتُ البغيَ ليس يدوم؛ ولَسْت أُنكُر عليك شدّة لم ينكرها الناس على الحضارة وهم يروْن ظُفْرَها يقطر من دم الجبل،?? ويَرَوْنَ نابهًا يَقْطُر من دم الريف؛?? وإنما أسَفي أبا الأشبال على تلك الشخصية المتظاهرة، وتلك الروحة القاهرة؛ وعلى حضْرَة كأنها مجلس الحكم. ونظْرَةٍ كأنها الأمرُ النَّافذ، وعلى صيحة تأتيكَ بالصَّيْد مشكولاً، متهيئًا من نفسه مأْكولاً؛ أدوات زعامة، وآلات سيادة؛ مما يهب الله لأفراد البشر أحيانًا، ويُلْقي على آحاد الرجال آنًا فآنا؛ فإذا هم القامة والسادة، وإذا الأمم تأتيهم منقادة؛ وقد زادك الله عليهم رعيةً سُلِبَتْ منها العقول، فاسترحت من الرأي وصراحته، والفكر وشجاعته، والمبدأ وصلابته؛ وكُفِيتَ سيوفًا بيْنا هي لك، إذا هي عليك؛ وأقلامًا مأجورُها أسيرك، وطليقها أنت أسيره؛ أعلمت أبا الأشبال إلى أي الآجام نُقِلْت، وفي أي الآطام اعْتُقِلت، أسمعتَ عن أسَدٍ نَجَم،?? في هذا الأجم، وضرغامةٍ غاب، عن هذا الغاب؛ أذلَّت الحوادث بالأمس عرْنينَه، واحتلت الخطوب عَرينَه، وعطَّلَتْ نكبتُهُ الدنيا من زينَة، وغادَرَتْها بَعْدَ فَرَح حزينة؛ وكان أكثر من آبائك أسماء، وأطول من عشيرتك في العز سماء، وأمنع واديًا وأعزَّ ماء؛ منَعكم القرارَ بالصحراء صهيلُه،?? وخَلَفَ زئيركم عليها صَليلُه؛?? وغلبكم على أطرافها؛ فكل ماء بها ماؤه، وكل يبس غيلُه؛ وكانت هذه الحرجات?? تحته أجَمَة الأغلب الهصور، وكانت نَظْمًا من قصور، لم تر أمْثاله العصور؛ فلا «الجعفري»?? حكاه، ولا «الزهراء»?? أُعْطِيَتْ حُلاَه، ولا الإيوان ساواه، في شَرَفه وعُلاه. وكانت هذه الجنات وَشْيَ دوره، وحِلْيَ قصوره، وكانت هذه العيون محاجر العين من حُوره، ومعاصم ريمه ويعفوره؛?? وكانت الساحة، سماءَ الندى وأرض السماحة؛ جناتٌ وقصور، ونعيم وحُبُور، وعِينٌ حُور، يطأن المسك والكافور؛ مرمرٌ راع مسنونة بلقيس?? الزمان، فكشفَت عن ساقَيْها بين يَدَيْ سُلَيمان. ? الصحار: واحدها صحراء.? الفَرَق: الخوف.? السمار: أي المتسامرين في الرحال.? النشأ: الأحداث.? الخالة: المتخايلون من الخيلاء.? أمير جون: قصر الخديو إسماعيل في منفاه بالآستانة.? القطين: القاطن.? رهينها: يعني به نابليون.? الأملاك: جمع ملك.?? داب: ساعٍ.?? الجلجلة: الزئير.?? البهنسة: التبختر.?? ختل وختر: أي غدر.?? القرن: الخصم.?? على خمر: على غفلة.?? الإخشيدي. هو كافور. وقوله: «أسد القلب» هو من قول المتنبي: أسد القلب آدميّ الرواء?? الصليبي: هو ريتشارد ملك إنكلترا الملقب بقلب الأسد.?? الوجار: جحر السبع، والمراد به هنا الوطن.?? الرسف: مشي المقيد.?? الجبل: هو جبل الدروز.?? الريف: هو وطن عبد الكريم وقومه.?? نجم: ظهر. والمراد بالأسد هنا: الخديو إسماعيل.?? صهيله: أي صهيل خيله.?? صليله: أي صليل سيوفه.?? الحرجات: الخمائل.?? الجعفري: قصر المتوكل.?? الزهراء: قصر الخليفة الأموي بالأندلس.?? اليعفور: الظبي.?? يشير ببلقيس: إلى الإمبراطورة «أوجيني» نزيلة هذه القصور بالأمس.
الجَمَالُ


جَمَعت الطبيعة عبقريَّتها فكانت الجمال، وكان أحسنَه وأشرَفَهُ ما حلَّ في الهيكل الآدميّ، وجاور العقلَ الشريفَ والنفسَ اللطيفةَ والحياةَ الشاعرة؛ فالجمالُ البشريُّ سيدُ الجمال كلِّه.. لا المَثَّالُ البارعُ استطاع أن يخلعَه على الدُّمَى الحسان، ولا للنيِّرات الزُّهْر في ليالي الصحراء ما له من لمحةٍ وبهاء، ولا لبديع الزَّهر وغريبه في شباب الربيع ما له من بشاشةٍ وطيب. وليسَ الجمال بلمحة العيون, لا ببريق الثغور، ولا هَيَفِ القدود، ولا أَسالة الخدود، ولا لؤلؤ الثنايا وراءَ عقيق الشفاه، ولكن شعاعٌ عُلْوِيٌّ يبسُطُه الجميلُ على بعض الهياكل البشرية، يكسوها روعةً ويجعلها سحرًا وفتنةً للناس.

الأمُومَةُ


الأمومة هي رسالةُ المرأة على هذه الأرض، وشأنها الأوَل في الحياة، وهي حجرُ الأساس في الأسرة، وقواعد المجتمع وأركانه منذ قام إلى يوم ينفض. وفي الأمومة اجتمعت خلالُ البِرّ ونوائبُ الحق وتبعاتُ الواجب، وصورُ البطولةِ وفضائل الإيثار، ومواطن الصبر الجميل. وكأنَّ الأمومة في البيت الملكة في الخلية أو العذراءُ في البيعة؛ فيا أيتها الفتاة المُدِلَّة بصباها، المزهوَّة بحسنها، المترقبة من ورائهما لذة الحب وفيض السعادة: اذكُري أن الجمال حُر طليق إلا من قَيْدَيْن كلاهما أجمل منه: الشرفُ؛ والعَفَاف؛ إذا انسلَّ منهما عَثُرَ في خطاه الأولى، وذَوَى في إبان النضرة. وسَلي ذواتِ الشَّعر الأبيض ممن حَوْلك من غواني أمس: هل دولة الحسن إلا كدولة الزَّهَرْ، وهل عُمر الصِّبا إلا أصيل أو سَحَرْ، وهل غيرَ الأمومة تاجٌ للمرأة تلبسه من مختلف الشعر ألوانًا.
جمالُ الأمومة لمحةٌ من جمال الحياة، وشعاعٌ من عبقريَّتِها، وهوَ أحفلُ أيامًا، وأطولُ مقامًا، وأصدق أحلامًا.
حُبُّ الأمومة أشْهُرٌ وسِنون، وبناتٌ وبنون، وأشغال وشئون، ويبقى مع الثُّكل، ويتَّقد عند حَشْرَجة الصَّدر، ولا يَنْطَفئُ إلا بانطفاء القلب.
لذةُ الأمومةٍ معنى قُدْسيٌّ، وسرٌّ خفيّ، وحَال كمناعم الخلد ولذاتهن ليسَ منا إلا من قَرأه في تلك العيون التي رَعَتْنا في المهود صغارًا، وسهرَتْ علينا في فراش المرض كبارًا.

الكَاتبُ العُمُوميُّ


تِمثالٌ من الجهل العام صنعتهُ القرونُ والأجيال، حفَّاره عبث الحاكم، وطِينَته غفلة المحكُوم، وهُو الأُميِّة على قارعة الطريق، لا يجمعه والحضارة مكان.

الحَيَاةُ وَهْمٌ وَلَعِبٌ


الحياة توهُّم، عِشنا بالوهم الزَّمنَ الرغد، وعِشنا بالوهم الزمن النكد؛ طافَ بنا الوهم على السعادة أحيانًا، ومرَّ بنا على الشقاء آنًا فآنا؛ وبالوهم عادَيْنَا، وبالوهم والَيْنَا، وبالوهم مرضنا، وبالوهم تداوَيْنَا؛ حتى إذا جاءَت سكرةُ الموْت كانَ ذلك أوّل العهد بالحقِيقَة؛ والحياة لعب، قضينا الطفولةَ باللعب، وقَطَعْنا الشَّباب مَلاهيَ وملاعب، ولعبنا في ظلِّ المشيب؛ حتى إذا جاءَت سَكْرَةُ المَوْت؛ كان ذلك أولَ العهد بالجِدِّ.

العَلَمُ


شعارُ الأمم وفخارهم، اتخذ الناسُ في شَبَابِ الدولِ الأعلام ولا يزالون في ظل هذه الحضارة الكبرى يبلغُونَ في محبة العلَم وإجلاله إلى التقديس، فهو — حيث يخطُر وحيث يخفق — شبحُ الوطن المنظور، وماضِيه المنشور، وتاجُ الرءُوسِ كُلِّها، وقِبْلَةُ الوجوه جميعًا؛ إذا نُشِرَ في السِّلْم خلع على أيامها الجمال، وكسا مواكبَها المهابةَ والجَلال؛ وإذا رُفعَ في الحرب كانَ نَظْمَ الصفوف وأُلفَة القلوبِ ومَثَار الحماس وداعيَا لتضحية، وسحب النسيان على الأحقاد، وحسم ما اشتهته الأَعادِ. منديلٌ طالما رُفع على أيد الآباء فكفكفَوا به دمع الحزن، وتلقَّوْا فيه دمع الفرح، ضحكوا وراءَه كثيرًا في نصيبين، وقعدُوا حوله في عرس، وبكوا حوله كثيرًا في التلِّ الكبير وقاموا وراءه في مأتم.
فيا أيُّها العَلَم الأخضر؛ كديباجة السِّلْم أو كظِلال الخِصب، المستعير الهلال غزّة، المفَصَّلُ بنجوم السعد، الموسوم بالحضارَة مِن عهد خوفو ومينا، المُحَلَّى بالفتح مِن زمَن ابن العاص، النابه الأيام والوقائع بين يدي إبراهيم، لا زلتَ تُرْفع لِمَجْد، ولا زالت الأجيال تتلَقَّاك يمينًا، ولا نُشِْرت إلا في حق؛ ولا طُوِيتَ إلى على حق.
ويا ابن مصرَ على قَدَم؛ حيِّ العَلَم!

السَّجْعُ


السجعُ شِعْرُ العربية الثاني، وقوافٍ مرنة ريِّضة خُصَّت بها الفصحى، يستريح إليها الشاعر المطبوع، ويرسل فيها الكاتب المتفنِّن خياله، ويسلو بها أحيانًا عما فاته مِن القدر، القدرة على صياغة الشعر، وكل موضع للشِّعر الرَّصين محلٌّ للسَّجْع؛ وكلُّ قرار لموسيقاه قرارٌ كذلك للسجع؛ فإنما يوضع السجعُ النابغ فيما يصلح مواضع للشعر الرصين، من حكمةٍ تخترع، أو مَثَلٍ يُضْرَب، أو وصفٍ يساق؛ وربما وشِّيَت به الطوالُ من رَسائل الأدب الخالص، ورُصِّعتْ به القصار من فِقَر البيان المحْض؛ وقد ظلم العربية رجالٌ قَبَّحُوا السجع وعدُّوه عيبًا فيها، وخَلَطوا الجميل المتفرّد بالقبيح المرذول منه: يوضَع عنوانًا لكتاب، أو دلالة على باب، أو حشوًا في رسائل السياسة، أو ثرثرة في المقالات العلمية؛ فيا نَشْءَ العربية؛ إن لغتكم لسريَّة مثرية؛ ولن يَضِيرَها عائبٌ ينكرُ حلاوة الفواصل في الكتاب الكريم، ولا سجع الحمام في الحديثِ الشريفِ، ولا كل مأثور خالد من كلام السلف الصالح.

النَّقْدُ


فَنٌّ قديم كريم وتالد من رأس مال الحضارة في علوم الأدب وفنونه، تَوَارَثَهُ الأواخر عن الأوائل، فأخذته حضارتُهُم فحسَّنْتُه على عادتها، وضَخَّمَتْ كتابَهُ، ووَسَّعتْ أبوابَهُ، وهذَّبت أصوله، ووَضعتْ قيوده، حتى صار مِن دعائم الصحافة؛ وأضحى ظل التألِيف ومعرِض العبقريات ومرآة آثارها في مسائل الأدب وشتى مطالبه؛ والنَّقدُ حارسُ الأدب ومكمّلُ الكتَّاب والكتب، وهو آلةُ إنشاء، وعُدَّة بناء. وليسَ كما يزعمُهُ الزاعمون مِعْوَل هَدْم، ولا أداة تحطيم.
والناقد مُستهدفٌ يعرضُ عقله وبضاعته وخُلُقَه وحكمه على الناس، وربما ارتدَّ مِعْوَله إليه ما يرتدُّ سلاح البَغْي إلى صاحبه فهدمه على المكان، والناس يرون وهو لا يرى من سَكرة الغُرور، ومَنْ نقد على غضبٍ أسْخَطَ الحقّ، ومن نقد على حِقْدٍ احترق، وإن ظنَّ أنه حَرَق، ومَن نقَدَ على حسدٍ لم يَخْفَ بغيُه على أحد، ومَن نقَدَ على حبِّ حابي وجمح به التَّشيُّع.

الزَّهْرَةُ


صُورةُ الرِّقَّةِ ورمزُ العاطفَة، وهيكل الخير والحب والجمال. قديمًا أُولع بها الناس وقديمًا ظلموها؛ أما هي فطالما ملأتْ حدائقَهم بهاءً وحسنًا، وحُجُراتهم زينةً وطيبًا؛ وجمَّلَت عُرْي ثيابهم وحَسَّنتْ أعراسهم وولائمَهُم؛ فكانت منصَّة للعروس وإكليلاً، وشارة للمائدة ومنديلاً، وسفَرت بينَ العشَّاق فحسُنَتْ رسالةً ورسولاً.
وأمَّا هم، فما أشدَّ ما جَنَوْا عليها! فطَمُوها عن عُصَارَة العُود، وفجعوها في وثير المُهود، وأَبْدَلوها مِن طول الفضاءِ وعَرْضه بالبواطي الضيقةِ، ومن سماءِ الروض وأرضه بالجدران المزهقةِ، ومِن ماءِ العيون بماءِ الجِرار، ومِن شعاع الفضاءِ الطَّلْق بشعاع النافذة والكوّة.. ظلمٌ عبقريٌّ، وإحسان، جُزِيَ بَغيْر إحسان.

السَّاقيَةُ


أصَوْاتُ السواقي في سماءِ الليلِ، وعلى فضاءِ الريفِ، أم تنغيمُ الملائكة في الأراغيل؟ أمْ خُوَار الثَّوْر خَرَج مِن الأرض وقدْ أخذه الضجَر، وناءَ قرناهُ بذنوبِ البشَر؟
نَغَمٌ كالنفخ في الغاب، طبيعةٌ قادرةٌ ساحرَةٌ لها في كل شيءٍ موسيقى حتى في الليفِ والخشبِ، فيا قَيْنَةَ الأجيال، ما هذه الدمُوعُ الفوَاجر، التي لم تُغْرَفْ مِن شئون ولم تُرْسلها محَاجر؟ وما هذه الضلوع الهاتفة بالشكْوَى، الصارخةِ مِن البلوى، وما عَرَفَتِِ الهوَى، ولا باتت ليلة على الجَوَى؟ حدِّثينا عَن القرون الأُولى، قُرُون خُوفُو ومينا.

الشِّيْخُ المُهَنْدَمُ


أيها الشيخ المَهَنْدَمُ المقَذَّذُ: ما غَرَّكَ بالسِّنِّ حتى لبست للصِّبَا ثيابه، ونازعْتَ حفيدَك شَبَابه. إنما مَثَلُك في هذا البريق المزوَّر وهذه النضارة المُصْطَنَعة، كَمثَل الضِّرْس المحْشُوّ المكسُوِّ، نُزعَ منه العَصب، وخُلِعَ عليه الذهب.

خَوَاطِر


مَنْ بَغَى بسلاح الحقِّ بُغِيَ عليه بسلاح الباطل.
قُبِّح الدَّيْنُ نطق فَفَضَح، وسكت فَفَدح.
يستريح النائم من قيود الحياة كما يتروّح السجين ساعةً في فِناءِ السجن.
ما نبَّه على الفضل الكاذب، مِثْل الثناء الكاذب.
نخوة الكلب من الراعي، ومَنَعة الديك من السطح.
إذا بالغ الناس استعاروا للهِرّ شوارب النمر.
قضاءُ السماءِ بقضاءِ الأرض اختلط، وهذا معصوم، وهذا عرضة للغلط.
الفضائل حلائل، والرذائل خلائل.
هلكتْ أمّة تحيا بفرد، وتموت بفرد.
في الغمر تستوي الأعماق.
فراش المُتْعَب وطيء، وطعام الجائع هنيء.
تغطي الشهرةُ على العيوب؛ كالشمس غطَّى نورها على نارها.
للرياسات أذناب، فلا يكن ذَنَبُك كذنَبِ الطاووس.. فيذهب ببهائك كله لنفسه، ولا كَذَنَب الفأر فينقطع عنك عند العسل، ولا كَذَنَبِ النجم فيصبغك بنحسه.
من عَجَزَ عفَّ، ومن يئسَ كفَّ، ومن جاع أسَفّ.
الأمَمُ بنيان الهِمَم.
الصالحون يَبْنُون أنفسهم، والمُصلِحون يَبْنُون الجماعات.
المدرسة تُعلِّم ولا تحلِّم، والحياة تحلِّم وتُعلم.
المتحيز، لا يُميِّز.
عاش العالم فمات، ونَفَقَ الجاهل كالسَّائمات.
الخاصة أذوَق لحكمة البيان، والعامة أذوَق لحكمة الألحان.
المال عُرْضة للآفات، فلا تتعجَّلوها بالسَرَف.
وَلَدُ البخيل مرحوم، وولد المبذر محروم.
الثقيل جَبَل إذا تلطّفَ سقط.
يَدُ القاتل حمراءُ، تنمُّ عليه في الدنيا وتشهد عليه في الآخرة.
آسِ ثم انْصَحْ.
ربما تقتضيك الشجاعة، أن تَجْبُن ساعة.
الخير فيه ثوابه وإن أبطأ، والشرُّ فيه عقابه، وقلما أخطأ.
الخير تنفحك جوازيه، والشرّ تلفحك نوازيه.
عليك أن تلبس الناس على أخلاقها، وليس عليك ترقيع أخلاقها.
العتاب رفاءُ الودّ.
لا سلطانَ على الذَّوْق فيما يُحبّ ويكره.
ذَنَبُ الطاووس رفع له رأسًا، وذَنَبُ النجم جرَّ له نحسًا.
الغَنِيُّ مع الفقير في كَبد، إذا منعه حَسَد، وإذا أعطاه حَقَد.
النصح ثقيل فلا تجعلْه جَدلا. ولا ترسله جَبَلا.
الروح اللطيفة تستشفُّ، والنفسُ الشريفة تستَشرف، والضمير النقيّ مرآة، لو التمس فيها المرءُ وجه الغيب لرآه.
رَبَّ قارض للأعراض، وعِرْضُهُ بين شِقَّيْ المقراض.
الحكمة قِوام الخير الخاص، ودِعامة الخير العام.
البصائر كالأبصار: إذا توجَّهت في وجه، ثم لم تتحوّل عنه، رَجَعَتْ حَوْلَى.
أكثر الفضائل اصطلاح، وجوهرُها كلها الصلاح.
الذليل بغير قيد متقيِّد، كالكلب لو لم يُسَدْ بَحَثَ عن سيِّد.
تحسُن المرأة نصف عليمة، ويقبُح الرجل نصفَ جاهل.
من أثرى أو ساد، فلا يَعُدَّنَّ الحُسَّاد.
إذَا خدع الطبيبُ المريضَ أعان الدواء، وإذا خدع المريض الطبيب أعان الداء.
العامة أذنابُ من يمسَح رءوسَهم.
يهدم الصدرُ الضيق، ما يبني العقلُ الواسع.
العاقل من ذكر الموت ولم ينسَ الحياة.
يستأذن الموت على العاقل، ويدفع الباب على الغافل.
قد يداويك من المرض اتقاؤه، ولا ينجيك من الموت إلا لقاؤُه.
الغلط إذا أُدرك تبدَّد، وإذا تُرك تعدَّد.
المسيح بكر الحكمة.
على كتب السماء، تَهَجَّى الحكمةَ الحكماء.
كل غائب يُسلَى، إلا غائب الثكلى.
قَلَّما طار اسمُ الشاعر في حياته، فَوَقَعَ بَعْدَ ممَاته.
إذا كَثُرَ الشعراءُ، قَلَّ الشِّعر.
أكثر الشعراء هتافًا بشعره، أقلهم راوية.
الحقيقة ثقيلة، فاستعيروا لحقائق العلم خفةَ البيان.
ما راعَ البيض الرعابيب، مثل رواعي المشيب.
تحمل المليحة ثكل الجمال، كما يحمل البخيل ثكل المال.
الشباب أعراس الجمال، والمَشِيبُ مآتمه.
عِنْدَ الكمال، يبتدئُ الجمال.
للجمال حين يزول، جلالة الملك المعزول.
العلماءُ أشباه، إلا من زاد في العلم حرفًا.
السَّقْيُ بعد الغَرْس، والتربيةُ قبل الدَّرْس.
اجْتَنِبِ التفريطَ والإفراط، تَسْتَغْنِ عن بُقراط.
بُغِّضَ الكبر إلى النفس الكبيرة، وحُبِّبت الصغائر إلى النفس الصغيرة.
يا أخا العُزْلَة، أنت لو طرتَ عن الناس ما وَقَعْتَ إلا عليهم.
من استقام استدام.
الكسَل فالجُ النَّفْس.
الوقت مُصَارعٌ لا يزال بك حتى يصيِّرك أجلادًا رثَّةَ، ولا يدعك إلا وأنت جثة.
في شَهْوَة النَّفْس، شِقْوَةُ الجَسَد.
العادة شهوة لازمة قاهرة.
تهرم القلوب كما تهرم الأبدان، إلا قلوب الشعراء والشجعان.
الشعر فكر وأسْلُوب، وخيال لَعُوب، ورُوحٌ مَوْهُوب.
منْ ذهَبَ يَسْتَقصي سرائر النفوس لم يَرْجع.
رُبَّ استحياء، تحته رياء.
من عَرَف نفسَه بعد جَهْل وَجَدَها؛ ومن جَهلَ نفسَهُ بعد معرفة فقدها.
من ظنَّ أنه يُرضي أبدًا، يوشك أن لا يُرْضي أحدًا.
من ذهب بنفسه فَقَدَها، ومن ذهب بولده ضَيَّعه.
السجون إذا امتلأت، انفجرت.
للنفسِ على كل ما عَمِلَتْ عِلَلٌ من هواها.
ربما منعتْك الحقوقُ الكلام، وألجمتِ العهودُ فاك بلجام.
البلشفية قيصرية.. لها جبروت الملك وسَرَفُه، وليسَ لها جَلالُه ولا شرفه.
الوقت عدوٌّ مجتهد، لا يدافعه إلى مجتهد.
الولد ثقلٌ إذا فَسَد، ثُكْلٌ إذا فُقِد.
لو لم يرقص الدينار في النار، ما رقص على الأظفار.
قَيْد الحديد عَسِر، وقَيْدُ الحرير لا ينكسر، لَعَنَ الله القَيْدَ كُلَّه.
لا يقع الملق إلا في نفسِ غرِّير أو مغُرور.
قادة الثورة مقودونَ بها، كالجلاميد تقدَّمت السيل تحسبها تقوده، وهي به مندفعة.
الثورَةُ جنونٌ، طَرفاه عَقْل.
من استقلَّ بنفسه استوحش، ومن استقلَّ برأيه ضلّ.
خطة العاقل في رأسه، وخطة الجاهل في نفسه.
عادةُ السوءِ شَهْدٌ آخرُه عَلْقم، ووَرْدٌ في أصوله أرْقَم.
الحظ طيرٌ يقع غير مستأذن، ويطير غير مؤذن.
من أحبَّ المالَ تعب بجمعه، ومن أحَبَّهُ المالُ تعب بتبديده.
أبى الله أن يتساوى عبادُه إلا في النَّوْم والمَوْت.
الأمية شلل الأمم؛ الناس معها مُقْعَدُون، وإن خُيِّل إليك أنهم يَعْدُون.
الرأي المسيَّر، إن قَعَدْت عنه تَغَيَّر.
العامّة تدَع صاحبها عند باب التاريخ.
الحقُّ مَلِكٌ وإن مُلِك، عزيزٌ وإن أُهِين، ديَّان وإن دِين.
صبرُ الحازم تجلُّد، وصبر العاجر تبلُّد.
القَدَمُ إلى جاري المقدور، أسرعُ من الماء إلى الحدور.
الماضي يُسلّ عليك يومًا.
اخْدَعْ من شئتَ إلا التاريخ.
ما مات الحقُّ في قوم، وفيهم رجلٌ حيّ.
أصدقاءُ السياسة، أعداءُ عند الرياسة.
حِيَلُ العقول تجري في وجوه المنفعة، وحِيَل النفوس في وجوه المضرَّة.
التاجر في حانوته بينَ يدي الرازق، فلا يُنازع ولا ينازق.
من لم يتحرّك جمد، ومن جمد همد.
محاسنُ وجه الدار.. الخميلة، ومحاسن وجه البلد.. الفنون الجميلة.
خُلقت المرأة تنبل بالجمال، فإن فاتها التمست ما ينبل به الرجال.
عجبتُ من الصدر يَسَع الحادث الجليل، ويَضيقُ بحديث الثَّقيل.
الحكمة مصباحٌ يَهْديك حتى في وَضَح الصباح.
حُبِّبَتْ إلى الشيوخ أحاديثُ الشباب: حنين الرجل في علَّته، إلى أيام صحته.
خدع العقل الأمم، ويخدع الهوى العقل.
رُبَّ حُسْن سَمْت، أتى الرجال من الصَّمْت.
حُبُّ القلوب يزول، ويبقى حب العقول.
مجد السياسة عرضة للأحداث، وقد ينهدم على أهله في الأجداث.
إذا طال البنيانُ عن أُسِّه، انهدم من نفسه.
سلطانُ الفضيلة أعزُّ من سلطان العشق، سل عُذرة? عن العفاف كيف قتلها، وسل الأديرة عمن دخلها؟
مَنْ فَقَدَ الضَمير، لم يَجد مسّ التحقير.
ارحمْ نفسَك من الحقد؛ فإنه عَطَب، نارٌ وأنت الحَطَب.
كل نار طاهرة مطهِّرة، إلا نار الحقد.
كاد صفحُ الوالد، يَسْبق ذَنْبَ الولَد.
لو حطَّمت السِّنُّ المرأة، ما حطْمت مرآتها.
إنما المرءُ مروءته.
لا رعد مع صحو، ولا كوعيد العاجز لغو.
القُمَّل في لبدة الأسد وهو مُطْلق: أعز من الأسد وهو وراءَ الحديد.
الحق المسلح أَسَدُ عرينه، والحقُّ الأعزل أسد زينة.
لا يُبحث عن القتلى والقتال دائر.
الحق كبير فلا تُصَغِّروه بالصغائر.
من حمل نوائب الحقِ حمل الأمانة كلَّها.
العالم في كل زمان بلد، المال فيه أمير آخر الأبد.
الأعمى من يرى بغير عينه، والأصم من يسمع بغير أُذنه.
التواضع المتَكَلِّف زهرٌ مصطَنَع، لا في العيون نَضِر، ولا في الأُنوف عَطِر.
كُلُّ بنيانٍ يُهْدَم من رأسه. وبنيانُ الأوهامِ يُهدَم من أُسِّه.
يُؤذي العاقلُ المفتون، كما يُؤذِي المجنون.
الحكمة أن تُحْسن قَوْلاً وفعلاً.
زواج العشق وِرد ساعة، وزواج المال ورد صناعة؛ والبركة في زواج موَفَّق يكون لعمارة البلد، وفي سبيل الولد.
ثلاثة مُسَخَّرُون لثلاثة آخر الأبد: الفقير للغنيِّ، والضعيف للقويّ، والبليد للذكيّ.
قلما رفعتْ رَجُلاً نفسُه فوُضع، وقلما وضعتْ رَجُلاً نفسُه فرُفع.
من ساء خُلُقه اجتمع عليه نكدُ الدنيا.
ضِيقُ الرِّزق من ضيق الخُلُق.
نَسْج القلوبِ من شهوات.
دودُ الحرير أخرق، هلك تاركًا للناس خير ما لبسوا، فما تركوا له منه كفنًا؛ والنحل حكيم؛ طَعِم من كل الثمرات ثم أَطْعَم.
الشباب مُلاوة، كلها حلاوة.
لا أعلم لك منصفًا إلا عملك؛ إذا أحسنته جمَّلك، وإذا أتقنته كملك.
إذا رأيت ساعيًا مجتهدًا تمطله الأسباب، وتطاوله الغايات، فاعلم أنَّ حظه قاعد.
القويُّ من قَوي على نَفْسه.
العقولُ الكبار: دُرَرٌ كبار، لا تخلو واحدة من خَدْش؛ يظْهره الخلق أو يُخفيه.
جلائل الرغائب مخبوءَة في كبار الهمم.
يتقي الناس بعضهم بعضًا في الصغائر، ولا يَتَّقون الله في الكبائر.
من علم من نفسه الكرم، ربأ بها عن مواقف اللؤم.
كفى بزوال الألم لذة، وكفى بفطام اللذة ألمًا.
مَنْ لم يكن في عنان لذة، أو تحت مهماز ألَم، فليس على مَيْدان الحياة.
من عاش وعاشر، أمَلَّ محبًا أو ملَّ محبوبًا.
الجماعات مطايا أهل المطامع، تبلغهم إلى منازل الشهرة.
في الثورة لا يُقبلُ الرأي من أهل المشورة، على أصالة رأيهم وصدق نصيحتهم، ولكن على أسمائِهم في الأُلسنة، وموقعهم في القلوب.
الناس في الألم والموت سواءُ، لم تسلم من الدمع جفون، ولم يتمنع على الصديد مدفون.
الفتيات نائمات فإذا تَزَوَّجْن انتبهن، والفتيان سُكَارَى فإذا تزوَّجوا صَحَوْا.
شَبَحُ الفقر غادٍ رائح على اثنين: زوج المضيِّعة، وامرأة المقامر.
باني نفسه لا يُبالي ما هَدَم.
رُبَّ باكٍ كضاحك المُزْن؛ دمعٌ ولا حُزْن.
من قَعَد به المال لم يَقُم به شيء.
ثورةُ النفوس تقطع الحبال، وثورة العقول تقلع الجبال.
المقْعَدُ خَيْرٌ من القاعد، والكسيح خيرُ من الكسلان.
إذا صَدَقَت النية؛ فكلُّ مذهبٍ جميل، وكل رأي أصيل.
عجِزَ المغتابُ أن يكون سَبُعًا، فرضي لنفسه أن يكون ضَبُعًا.
رَأيُ الجماعات بعضُه من بعض، وكلُّه من الفرد كموج البحر؛ بعضه من بعض، وكله من الريح.
من رَفَعَ شِرَاع العلمِ، بلغَ ساحلَ الحياة وهو في أول اللجة.
الجميلُ إلى الجميل يميل، والحكمةُ تُحب الفن الجميل.
مَثَلُ الشاعر لم يرزق الحكمة؛ كالمغنّي: صناعةٌ ولا صوت.
العاقلُ يكلِّمُ أناسًا ببعض عقله، وأناسًا بعقله كلِّه.
ذكروا للبُخْلِ مائةَ عِلَّة، لا أعرفُ منها غير الجبلًَّة.
الاعترافُ أوْجَهُ الشُّفَعَاء.
اعترافُ الخاطئات استبسال، وفرارٌ من الاسترسال، فانتشلوهن بعَفْوكم من الهُوَّة، وأحيطوا ضعفَهنَّ من حِلمكم بقُوة.
الحكمة في أفواه العلماء، وعلى شِفاه الدهماء؛ كالدرِّ يكون في قاع البحور، ويكون في نواعمِ النحور، وكشُعاع الشمسِ يقعُ على الْوَحل كما يقعُ على الزهْر.
الموتُ أولُ المخاوف وآخرُها.
مَنْ نَقَضَ مَوْثِقه، نَفََض عنه الثقة.
إذا ذهبت الأمم بقيت الرمم.
إذا زاد تواضع الكبراء؛ كان تلطفًا في الكبر.
لا يزال الشعر عاطلاً حتى تُزَيَّنه الحكمة، ولا تزال الحكمة شاردة حتى يُؤويها بيت من الشعر.
الوقف من حرص النفوس، ويراد به المال لا البنون.
بين الحلم وَالخَوَر.. جسرٌ أدق من الصراط.
ثلاثة لثلاثة بالمرصادِ: الموت للحياة، والشقاء للذكاء، والحسد للفضل.
خَفِ اليائسَ فإنه لا يَخَاف.
كِبْرُ الصغير قبيح كتواضعه، كلاهما في غير موضعه.
حظ النفسِ من الحرص، حظ المقاتل من السلاح؛ إذا زاد عن حاجته تخبَّل، وناءَ بما حمل، وإذا قصر عنها تقهقر وانخذل.
اثنان في النار دنيا وأخرى: الحاقد والحاسد.
الدين السمح في الرجل السمح، والجنس الكريم في الرجل الكريم، فأحبب من ليس من دينك؛ تُحَبِّبْ دينَك إليه، وأكرم من ليس من جنسك؛ يَكْرُم جنسُك عليه.
آفة النصح أن يكون جدالا، وأذاه أن يكون جهارًا.
في الدنيا مزيد من العقل للعاقل، ومتمادَى في الجهل للجاهل.
اثنان معاديهما في خسرٍ: القوي المغلَّب، والرجل المحبَّب.
شرف الكبراء كالورد في إبان غضاضته: إذا نزعت منه ورقة انحل وانتثر، وانتقض جميعه على الأثر.
تَجْمَع اللغات على اختلافها الحكمة، كما تجمع شتى المعازفِ النغمة.
لا يكن تلطُّفُك مُذالا، ولا تحُّبُكَ ابتذالاً؛ فإن الطُّفْيليين أعذب الناس كلامًا، وأكثرهم ابتسامًا.
أساطين البيان أربعة: شاعر سارَ بيتُه، ومصوِّر نطق زيتُه، وموسيقيٌّ بكى وترُه، ومثَّال ضحك حجره.
من الأمهات تُبنى الأمم.
الأمية في العقلاءِ شكائم، تتأسى بها البهائم.
الشباب من الموت خطوة أو ما فوقها، والمشيب من الموت خطوة أو ما دونها.
الطير لا يقرب أفقًا فسد فضاؤه، والحرية تهرب من بلد اختل قضاؤه.
إذا ضغط قاضي الأرض في بلد، ضغط عليه قاضي السماء.
شُورَى من الحَجَّاج وزياد، خير من الفَرْد ولو كان عُمر.
خُذْ من مال الناس ما شِئتَ، فإن وارثَكَ رادُّه إليهم.
ليس العلم لك بِسِفر، حتى يكون لك فيه سطر، وليس الأدب لك كتابًا، حتى تزيد فيه بابًا.
الإنسان لولا العقلُ عجماء، ولولا القلبُ صخرةٌ صَمَّاء.
من وضَع نفسَه قصر عن فضيلةِ التواضع.
المرءُ كَلِفٌ بما ألِف.
المغرورُ مِن يظنُّ الناس لا يستغنون عنه؛ والمخدوعُ مَن يظنُّ أحدًا من الناس لا يستغني الناس عنه.
من أخلَّ بنفسه في السِّرِّ، أخلت به في العلانية.
إذا رأيت المرأةَ لا تَدَعُ صَلاتها، فلا تَثق بها كلَّ الثقة؛ وإذا رأيتها لا تضعُ مرآتها فلا تتهمها كلَّ الاتهام.
العاقل لا يثقُ حتى يُجرِّب، ولا يَتَّهمُ حتى يَتَبَيَّن.
ثقةُ العاطفة شَهْر، وثقة العقل دَهْر.
الثقةُ وَثاقُ الأحرار.
الثقة مراتب، فلا تَرفعْ لعُليا مراتبها إلا الشريك في المُرّ، المعين على الضّرّ، الأمين على السرّ.
من أحسن الثقة بنفسه، فليثق بعدها بمن شاءَ.
الوقتُ آلةُ الرزق إذا استُعْمِل، وآفةُ الرزق إذا أُهْمل.
يا عدوّ الزواج: لو كنتَ العَزَبَ القُدْسيَّ عيسى ابن مريم، ما استطعت أن تقطعَ له نَظْمًا، أو تُعطِّل له سُنَّة.
ليس للدنيا بَبعل مَنْ خطبها بلا عمل، وصَحِبها بلا أمل.
الحقُّ نبيٌّ قليل التَّبع، والباطلُ مُشعوِذٌ كثيرُ الشِّيَع.
جئْني بالنَّمِر العاقل؛ أجئْكَ بالمستبدِّ العادل.
لو طُلِبَ إلى الناس أن يحذفوا اللغو وفضول القول من كلامهم، لكاد السكوت في مجالسهم يحلُّ محلَّ الكلام. ولو طُلِب إليهم أن يُنَقُّوا مكاتبهم من تافه الكتب وعقيمها، وألا يدَّخروا فيها إلا القيِّم العبقريّ من الأسفار؛ لما بقي لهم من كل ألف رف إلا رف.
? بنو عذرة: قبيلة اشتهر بها الهوى العذري.