Advertisement

أخلاقيات الرأسمالية


أخلاقيات الرأسمالية




أخلاقيات الرأسمالية

ما لن يخبرك به أساتذتك

ترجمة
محمد فتحي خضر
تحرير
توم جي بالمر
مراجعة
محمد إبراهيم الجندي



أخلاقيات الرأسمالية

The Morality of Capitalism

الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
بالمر، توم جي.
أخلاقيات الرأسمالية/تحرير توم جي بالمر.
     تدمك: ???? ??? ???? ?? ??
?
     ?- الرأسمالية
          أ- العنوان

???????

تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

يمنع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
Arabic Language Translation Copyright © 2013 Hindawi Foundation for Education and Culture.
The Morality of Capitalism
Copyright © 2012 by the Atlas Economic Research Foundation.
All rights reserved.



مقدمة: أخلاقيات الرأسمالية


بقلم توم جي بالمر


يدور هذا الكتاب عن التبرير الأخلاقي لما أسماه الفيلسوف روبرت نوزيك «أفعال رأسمالية بين بالغين متراضين».1 إنه يتناول نظام الإنتاج التعاوني والتبادل الحر الذي تميزه هيمنة مثل هذه الأفعال. وربما كان من الملائم أن نتحدث قليلًا أولًا عن العنوان؛ «أخلاقيات الرأسمالية». تدور مقالات هذا الكتاب عن «أخلاقيات» الرأسمالية، وهي ليست مقتصرة على الفلسفة الأخلاقية المجردة، بل تعتمد أيضًا على علم الاقتصاد والمنطق والتاريخ والأدب وغيرها من مجالات المعرفة. علاوة على ذلك، تتناول المقالات أخلاقيات «الرأسمالية»، وليس فقط أخلاقيات التبادل الحر. فمصطلح «الرأسمالية» لا يشير فقط إلى أسواق تبادل السلع والخدمات، الموجودة منذ قديم الزمان، لكنه يشير أيضًا إلى نظامٍ، من الابتكار وتكوين الثروة والتغير الاجتماعي، جلب لمليارات البشر رخاءً لم يخطر ببال الأجيال السابقة.
تشير الرأسمالية إلى نظام قانوني واجتماعي واقتصادي وثقافي يتبنى المساواة في الحقوق و«إتاحة فرص العمل أمام المواهب» ويستحث الابتكار اللامركزي وعمليات المحاولة والخطأ — ما أسماه الاقتصادي جوزيف شومبيتر «التدمير الإبداعي» — من خلال العمليات الطوعية للتبادل السوقي. تحتفي الثقافة الرأسمالية برائد الأعمال والعالِم والمُخاطر والمبتكر والمبدع. ومع أن بعض الفلاسفة (أبرزهم الماركسيون) يسخرون من الرأسمالية بوصفها مذهبًا ماديًّا، مع أنهم أنفسهم من الموالين للمذهب المادي، فإن الرأسمالية في جوهرها مشروع روحي وثقافي أيضًا. وكما ذكرت المؤرخة جويس أبلباي في دراسة حديثة لها بعنوان «الثورة القاسية: تاريخ الرأسمالية»: «لما كانت الرأسمالية نظامًا ثقافيًّا، وليست نظامًا اقتصاديًّا وحسب، يستحيل تفسيرها من خلال العوامل المادية وحدها.»2 الرأسمالية نظام من القيم الثقافية والروحية والأخلاقية. وكما ذكر عالما الاقتصاد ديفيد شواب وإلينور أوستروم في دراستهما المؤثرة، القائمة على استخدام أسلوب نظرية الألعاب، عن دور الأعراف والقواعد في الحفاظ على الاقتصاديات المفتوحة، فإن الأسواق الحرة ترتكن بقوة على الأعراف التي تمنعنا من السرقة والتي «تعزز الثقة».3 فالرأسمالية ليست بحلبة تتصارع فيها المصالح دون أدنى اعتبار للأخلاق، كما يصورها من يسعون لتقويضها أو تدميرها، بل إن التفاعل الرأسمالي منظم تنظيمًا كبيرًا بمجموعة من الأعراف والقواعد الأخلاقية. وفي الواقع، تقوم الرأسمالية على رفض سلوكيات السلب والنهب، وهي الطريقة التي تكونت بها ثروات الأثرياء في النظم السياسية والاقتصادية الأخرى. (في الواقع، في كثير من الدول اليوم، وعلى امتداد السواد الأعظم من تاريخ البشر، كان من المفهوم على نطاق واسع أن سبب ثراء الأثرياء هو أنهم أخذوا من غيرهم، وتحديدًا بفضل اقترابهم من القوة المنظمة، أو بمصطلحات اليوم، الدولة. مثل هذه الصفوة الناهبة تستخدم هذه القوة لكسب حقوق الاحتكار ومصادرة منتجات وسلع الآخرين من خلال الضرائب. إنهم يقتاتون على خزينة الدولة ويستفيدون من الاحتكارات والقيود التي تفرضها الدولة على المنافسة. وفقط في ظل الرأسمالية يستطيع الشخص العادي تحقيق الثراء دون أن يكون مجرمًا.) فكر فيما تسميه عالمة الاقتصاد والمؤرخة ديردري ماكلوسكي ? «الحقيقة العظمى» التي تقول: «الدخل الحقيقي لكل فرد اليوم يفوق دخل الفرد نحو عام ???? أو ????، في بريطانيا وغيرها من الدول التي شهدت نموًّا اقتصاديًّا حديثًا، بما يصل إلى ستة عشر ضعفًا، على الأقل.»4 هذا أمر غير مسبوق في تاريخ البشر بأسره. وفي الحقيقة فإن تقديرات ماكلوسكي متحفظة تمامًا. إنها لا تضع في الاعتبار التطورات المذهلة في العلم والتكنولوجيا التي وضعت ثقافات العالم عند أطراف أصابعنا. تسخّر الرأسمالية قدرة الإبداع الإنسانية في خدمة البشرية، وذلك باحترامها للابتكارات المغامرة والتشجيع عليها، وهذا هو العامل المراوغ الذي يفسر الفارق بين الطريقة التي نعيش بها الآن والطريقة التي عاشت بها أجيال وراء أجيال من البشر قبل القرن التاسع عشر. فالابتكارات التي غيرت الحياة البشرية إلى الأفضل لم تكن ابتكارات علمية وتكنولوجية وحسب، بل كانت مؤسسية أيضًا. تنسق منشآت تجارية جديدة من كل نوع جهود العمل الخاصة بأعداد مهولة من الموظفين طوعًا، وتربط أسواق وأدوات مالية جديدة المدخرات وقرارات الاستثمار الخاصة بمليارات البشر على مدار أربع وعشرين ساعة يوميًّا، وتقرب شبكات الاتصال عن بُعد بين الناس من كل أرجاء الدنيا. (اليوم أجريت محادثة مع أصدقاء من فنلندا والصين والمغرب والولايات المتحدة وروسيا، كما وردتني تعليقات واتصالات على صفحتي على فيس بوك من أصدقاء ومعارف في الولايات المتحدة وكندا وباكستان والدنمارك وفرنسا وقرغستان.) وتوفر المنتجات الجديدة سبلًا للراحة والبهجة والتعليم لم تتخيلها الأجيال السابقة. (أكتب هذه الكلمات الآن على حاسب آبل ماكبوك برو.) هذه التغيرات جعلت مجتمعاتنا مختلفة اختلافًا شديدًا، وبصور لا حصر لها، عن المجتمعات البشرية التي سبقتنا.
ليست الرأسمالية معنية فقط ببناء الأشياء، مثلما كان الطواغيت يحضون عبيدهم على «بناء المستقبل»! فالرأسمالية معنية بخلق القيمة، وليس فقط العمل بكد أو تقديم التضحيات أو الانشغال بالعمل. إن من يفشلون في فهم الرأسمالية سريعًا ما يدعمون برامج «خلق الوظائف» لتوفير العمل. لقد أساءوا فهم المغزى من العمل، ناهيك عن مغزى الرأسمالية. في موقف كثيرًا ما اسْتُشْهِد به، شهد الاقتصادي ميلتون فريدمان حفر قناة ضخمة بإحدى الدول الآسيوية. وعندما عبر عن تعجبه من أن ينقل العمال كميات كبيرة من الأتربة والصخور بمجارف صغيرة، وليس بمعدات لنقل الأتربة، قيل له: «أنت لا تفهم؛ هذا برنامج لتوفير الوظائف.» فكان رده: «حسن، لقد اعتقدت أنكم تحاولون حفر قناة. فإذا كان هدفكم هو توفير الوظائف، فلمَ لم توزعوا على العمال ملاعق، بدلًا من المجارف؟»
حين كان إتش روس بيرو، المؤمن بمذهب التجاريين (المركنتيلية) والمحاباة، يخوض سباق الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة عام ????، تحسر أثناء المناظرات الرئاسية على أن الأمريكيين يشترون رقائق الكمبيوتر من تايوان، بينما يبيعون لها رقائق البطاطس. بدا وكأن بيرو خجلان من أن الأمريكيين يبيعون رقائق البطاطس وحسب؛ فقد كان مقتنعًا بنظرة لينين القائلة إن القيمة تضاف فقط من خلال الإنتاج الصناعي في المصانع. لكن الاقتصادي مايكل بوسكين من جامعة ستانفورد ذكر، محقًّا، أنك لو كنت تتحدث عن رقائق كمبيوتر قيمتها دولار، أو رقائق بطاطس قيمتها دولار، فأنت في كل الأحوال تتحدث الدولار عينه. فإضافة القيمة من خلال زراعة البطاطس في إيداهو لا تختلف عن إضافة القيمة من خلال تصنيع رقائق السليكون في تايبيه. إن تحقيق مزية نسبية5 هو أحد أسس التخصص والتجارة، ولا يوجد ما يخزي في إنتاج القيمة، سواء كمزارع، أو كناقل أثاث (استعنت بثلاثة من ناقلي الأثاث اليوم لنقل الجزء الأعظم من مكتبتي، ولدي شعور قوي بالقيمة التي أضافوها لحياتي)، أو كخبير مالي، أو غير ذلك. فالسوق — وليس السياسيون المتعجرفون المؤمنون بمذهب التجاريين — هو ما يبين لنا أننا نضيف القيمة، ودون الأسواق الحرة سنعجز عن معرفة ذلك. ليست الرأسمالية مجرد عملية يتبادل فيها الناس البيض بالزبد في السوق المحلي، وهو ما دام عليه الحال لآلاف السنين، بل هي معنية بإضافة القيمة من خلال حشد الطاقة والبراعة البشريتين على مستوى غير مسبوق عبر تاريخ البشر، وذلك من أجل خلق ثروة لعامة الشعب من شأنها أن تبهر وتذهل أغنى ملوك وسلاطين وأباطرة الماضي وأوسعهم سلطانًا. إنها معنية بالخلاص من نظم السلطة والسيطرة والامتيازات الضاربة بجذورها عبر الزمن، وإتاحة «فرص العمل أمام المواهب». إنها معنية بالاستعاضة عن القوة بالإقناع،6 والاستعاضة عن الحسد بالإنجاز.7 إنها معنية بما يجعل حياتي وحياتك ممكنة. (الشيء الوحيد الذي امتلكه الملوك والسلاطين والأباطرة — ولا يملكه عامة البشر اليوم — هو السلطة على غيرهم من البشر، والقدرة على إصدار الأوامر لهم. كان لديهم قصور فسيحة بناها العبيد أو مولتها الضرائب، لكنهم لم يملكوا نظمًا للتدفئة أو التبريد داخلها. كان لديهم عبيد وخدم، لكنهم لم يملكوا غسالات الملابس أو الأطباق الكهربائية. كان لديهم حاشية ملكية كبيرة العدد، لكنهم لم يملكوا هواتف محمولة أو شبكات بث لاسلكي فائقة السرعة (واي فاي). كان لديهم أطباء وسحرة للبلاط، لكنهم لم يملكوا مسكنات تخفف آلامهم أو مضادات حيوية تشفي أمراضهم؛ كانوا ذوي سلطان، لكنهم كانوا فقراء بائسين بمعاييرنا.)
تاريخ كلمة

تعد الأسواق الحرة — التي تعني نظمًا للتبادل الحر للموارد الضئيلة بين الأشخاص ذوي الحقوق المحددة تحديدًا دقيقًا والمضمونة قانونًا والقابلة للتنازل — شرطًا أساسيًّا لتحقق ثروة العالم الحديث. لكن كما بين لنا المؤرخون الاقتصاديون، وأبرزهم ديردري ماكلوسكي، على نحو مقنع، فإن هذه الشروط ليست كافية. فثمة حاجة لشيء آخر؛ أخلاقيات للتبادل الحر وإنتاج الثروة من خلال الابتكار.
ومن الملائم هنا التحدث قليلًا عن استخدام مصطلح «الرأسمالية». تتبع المؤرخ الاجتماعي فرناند براودل مصطلح «رأس المال» حتى الفترة الممتدة بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، حين كان يشير إلى «الودائع، أو مخزون السلع، أو المبالغ المالية، أو المال الذي يحمل فائدة».8 وعلق براودل على الاستخدامات العديدة التي أوردها لمصطلح «رأسمالي» باقتضاب قائلًا: «إن الكلمة … لا تُستخدم بمعنى ودود على الإطلاق.»9 ظهرت كلمة «رأسمالية» مصطلحًا، معبرًا عن الاستغلال بصورة عامة، في القرن التاسع عشر، كما حدث حين عرف عالم الاجتماع الفرنسي لوي بلان المصطلح على أنه «استيلاء البعض على رأس المال وحرمان غيرهم منه».10 استخدم كارل ماركس مصطلح «طريقة الإنتاج الرأسمالية»، لكن تابعه المتحمس فيرنر سومبارت هو مَن أشاع مصطلح «الرأسمالية» من خلال كتابه المؤثر الصادر عام ???? بعنوان «الرأسمالية الحديثة»، (اعتبر فريدريك إنجلز، رفيق ماركس، أن سومبارت هو المفكر الوحيد في ألمانيا الذي فهم ماركس حقًّا، ولاحقًا صار سومبارت مؤيدًا لشكل آخر من أشكال الفكر المعادي للرأسمالية؛ الاشتراكية القومية؛ أي: النازية.) وفي خضم هجومهما على «الرأسماليين» و«طريقة الإنتاج الرأسمالية»، أشار ماركس وإنجلز إلى أن «الطبقة البرجوازية» (وهو المصطلح الذي أطلقاه على «الطبقة» التي ملكت «وسائل الإنتاج») غيرت وجه العالم تغييرًا جذريًّا: أوجدت البرجوازية، إبان فترة حكمها الهزيلة التي لم تتجاوز المائة عام، من قوى الإنتاج الضخمة والجبارة أكثر مما أنتجته الأجيال السابقة مجتمعة؛ كإخضاع قوى الطبيعة للإنسان، والآلات، واستخدام الكيمياء في الصناعة والزراعة، والمحركات البخارية، والسكك الحديدية، والتلغراف الكهربائي، وإزالة غابات قارات بأكملها لغرض الزراعة، وشق الأنهار، وظهور مجمعات سكانية كاملة من الأرض؛ هل راود الناس في القرن الماضي ولو شعور بعيد بأن مثل هذه القوى المنتجة تقبع في كنف الطبقة العاملة؟11 أظهر ماركس وإنجلز إعجابهما ليس فقط بالابتكار التكنولوجي، بل ? «ظهور مجتمعات سكانية كاملة من الأرض»، وهي طريقة لافتة لوصف انخفاض معدلات الوفيات وارتفاع مستوى المعيشة وزيادة المعدلات العمرية. لكن رغم هذه الإنجازات، دعا ماركس وإنجلز، بطبيعة الحال، إلى تدمير «طريقة الإنتاج الرأسمالية»، أو، على نحو أدق، ظنَّا أنها ستدمر نفسها وتبشر بنظام جديد في غاية الروعة حتى إنه لن يكون من الضروري — بل حتى من غير العلمي في واقع الأمر — تقديم أبسط التلميحات بشأن الكيفية التي سيعمل بها.12 الأهم من ذلك هو أن ماركس وإنجلز بنيا نقديهما للرأسمالية — وهو النقد الذي لا يزال يحظى بتأثير استثنائي بين مفكري العالم، رغم فشل الأنظمة الشيوعية كافة في الوفاء بما تعد به — على قدر كبير من الارتباك بشأن ما قصداه بمصطلح «البرجوازية»، التي ربطاها ? «طريقة الإنتاج الرأسمالية». فمن ناحية، استخدما المصطلح ليعنيا ملاك «رأس المال» الذين ينظمون المشروعات الإنتاجية، لكن من ناحية أخرى استخدماه للإشارة إلى من يعيشون على موارد الدولة وسلطتها، وهو ما أورده ماركس في واحد من أشهر مقالاته عن السياسة: إن المصلحة المادية للطبقة البرجوازية الفرنسية متشابكة [يقصد «متداخلة»] عن كثب مع المحافظة على تلك الطبقة الحاكمة الواسعة والمتشعبة. فهذه الطبقة هي التي تزود الفائض من أفرادها بالوظائف، وترتضي بالرواتب الحكومية بديلًا لما تعجز عن اختلاسه على صورة أرباح وفوائد وإيجارات وأتعاب. وقد أكرهتها مصلحتها السياسية على زيادة القمع يوميًّا، وبالتالي زيادة موارد السلطة الحكومية وموظفيها.13 وهكذا رأى ماركس، من ناحية، أن «الطبقة البرجوازية» مساوية تمامًا لطبقة رواد الأعمال التي أوجدت «شخصية عالمية للإنتاج والاستهلاك في كل دولة»، وجعلت «الانحياز وضيق الأفق القوميين» «أكثر استحالة»، وأوجدت «أدبًا عالميًّا»، وأحدثت «التحسن السريع في كل أدوات الإنتاج» و«سهلت وسائل الاتصال على نحو كبير» وتغلبت على «كراهية الهمج العنيدين للأجانب» بواسطة «الأسعار الرخيصة للسلع» التي قدمتها.14 لكن على الجانب الآخر، استخدم مصطلح «الطبقة البرجوازية» للإشارة لمن يستغلون «المال العام» (بمعنى: الدين الحكومي): إن سوق المال الحديث بأسرها، وكل الأعمال المصرفية، متشابكة على نحو وثيق بالمال العام. إن جزءًا من رأس مال أعمال السوق يُوظَّف بالضرورة بفائدة في صناديق حكومية قصيرة الأجل، وودائع هذه السوق — رأس المال الموضوع تحت تصرفها بواسطة التجار ورجال الصناعة ويوزع من قبلها بين الأشخاص عينهم — تتدفق على نحو جزئي من أرباح حملة السندات الحكومية.15 اعتبر ماركس أن «الطبقة البرجوازية» متورطة بشدة في صراع السيطرة على نظام الدولة، وتستفيد منه كذلك: كل التغيرات السياسية أتقنت صنع هذا النظام بدلًا من أن تحطمه. والأحزاب التي جاهدت تباعًا من أجل السلطة والسيادة اعتبرت أن امتلاك هذا البنيان الحكومي المهول هو الغنيمة الأساسية لانتصارها.16 وبحسب كلمات المؤرخ شيرلي جرونر: «شعر ماركس بأنه تفهم الواقع حين عثر على «الطبقة البرجوازية» لكنه في الحقيقة وضع يده على مصطلح مراوغ بدرجة كبيرة.»17 ففي بعض النصوص استخدم ماركس هذا المصطلح للإشارة إلى رواد الأعمال المبتكرين الذين ينظمون المشروعات الإنتاجية ويستثمرون في صناعة الثروة، واستخدمه في نصوص أخرى ليشير إلى من يتجمعون حول الدولة ويعيشون على الضرائب ومن يضغطون بهدف منع المنافسة والحد من حرية التجارة؛ أي باختصار من يستثمرون، ليس في صناعة الثروة، بل في تأمين السلطة لأنفسهم بغرض إعادة توزيع ثروات الآخرين على أنفسهم أو تدميرها، وإبقاء الأسواق مغلقة، والفقراء على حالهم، والمجتمع طوع بنانهم. بفضل تأثير ماركس وتابعه المخلص سومبارت، شاع استخدام مصطلح «الرأسمالية». وهنا يجدر بنا أن نتذكر أن المصطلح شاع على أيدي أناس لم يخلطوا وحسب بين ريادة الأعمال الإنتاجية والتبادل السوقي وبين العيش على الضرائب المأخوذة من الغير، بل دعوا كذلك إلى إلغاء المِلْكية والأسواق والمال والأسعار وتقسيم العمل وبنيان الليبرالية بالكامل؛ حقوق الفرد والحرية الدينية وحرية التعبير والمساواة أمام القانون والحكومة الديمقراطية التي يحكمها الدستور.
ومن غير المستغرب أن مصطلح «الرأسمالية»، شأن غيره من المصطلحات المقصود من ورائها معنى سلبي، تبناه بعض المفكرين المدافعين عن الأسواق الحرة، التي استُخدم المصطلح ضدها. ونتيجة لتاريخ مصطلح «الرأسمالية»، صار من تبنوه عنوانًا لما ينادون به، أو حتى كمصطلح محايد في المناقشات العلمية الاجتماعية، في موقف ضعف لأن (?) المصطلح استُخدم على نحو مبهم (للإشارة إلى ريادة المشاريع في السوق الحرة والعيش على الضرائب والاستفادة من سلطة الحكومة ومحاباتها)، و(?) لأنه استُخدم دومًا على نحو سلبي واضح.
يقترح البعض التخلي عن المصطلح كليًّا؛ لأنه محمل بالمعاني والدلالات الأيديولوجية المتضاربة.18 لهذه الفكرة وجاهتها، لكن تظل أمامنا مشكلة. فمجرد السماح للناس بالمتاجرة بحرية وبأن توجههم الأرباح والخسائر، مع أنه أمر ضروري للتقدم الاقتصادي، ليس كافيًا لتشكيل العالم الحديث. فالأسواق الحديثة نشأت من عاصفة من المبتكرات المؤسسية والتكنولوجية والثقافية والفنية والاجتماعية التي تتجاوز النموذج البسيط المتمثل في تبادل الزبد بالبيض بين البشر، وهي تغذي هذه العاصفة بدورها. فرأسمالية السوق الحرة الحديثة تبتكر وتجدد، ليس على نحو هادئ يمتد عبر آلاف السنين، بل على نحو أسرع وأسرع، وهو تحديدًا ما وجده الاشتراكيون (وأبرزهم ماركس) وحلفاؤهم، من المحافظين المعادين للسوق، أمرًا مرعبًا في العالم الحديث. وقد انتقد جوزيف شومبيتر، في كتابه «الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية»، مَن يرون أن «المشكلة التي تراود الخيال عادة هي كيف تدير الرأسمالية البُنى الحالية، في حين أن المشكلة الحقيقية هي كيف تخلق الرأسمالية البُنى وتدمرها».19 ليست الأسواق الحرة الحديثة مجرد أماكن للتبادل، كالأسواق القديمة. فهي تتميز بوجود موجات من «التدمير الإبداعي»؛ فما كان جديدًا منذ عشر سنوات يعد قديمًا الآن، وحلت محله نسخ محسنة، بواسطة معدات وترتيبات مؤسسية وتقنيات وطرق تواصل جديدة لم يتخيلها أحد من قبل. هذا هو ما يميز الأسواق الحرة الحديثة عن مثيلاتها في الماضي. وأفضل مصطلح متاح لتمييز علاقات السوق الحرة التي شكلت العالم الحديث عن تلك التي سبقتها هو، في رأيي: «الرأسمالية».
غير أن الرأسمالية ليست شكلًا من أشكال الفوضى، بل هي شكل من النظام التلقائي، الذي ينشأ نتيجة عملية مستمرة. (يشير بعض الكتَّاب لمثل هذه النظم باسم «النظم الناشئة».) والثبات المتوقع لسيادة القانون وتأمين الحقوق يجعل مثل هذا الابتكار أمرًا ممكنًا. وكما أشار ديفيد بواز في مجلة «المستقبلي»: واجه البشر دائمًا صعوبة في رؤية النظام في أي سوق يبدو فوضويًّا. وحتى بينما يحرك نظام الأسعار الموارد على نحو ثابت صوب أفضل استخدام لها، يبدو السوق ظاهريًّا وكأنه على النقيض تمامًا من النظام؛ فالشركات تفشل، والوظائف تُفقَد، والأشخاص يحققون الثروة بمعدلات غير متساوية، ويُكتشف ضياع الاستثمارات. وسيبدو عصر الابتكار سريع الخطى أكثر فوضوية مع نشأة شركات عملاقة وتداعيها على نحو أسرع مما سبق، واحتفاظ عدد أقل من الأشخاص بوظائف طويلة الأمد. لكن الكفاءة المتزايدة في النقل والاتصالات وأسواق رأس المال ستعني في الواقع وجود قدر من التنظيم أكبر مما استطاع السوق تحقيقه في العصر الصناعي. المغزى هو تجنب استخدام الإجراءات الحكومية القسرية ? «تشذيب الزوائد» أو «توجيه» السوق نحو النتائج التي يرغبها شخص معين.20رأسمالية السوق الحرة مقابل رأسمالية المحاباة

لتجنب الخلط الناجم عن الاستخدام المبهم لمصطلح «الرأسمالية» من جانب المفكرين الاشتراكيين، ينبغي التفريق بين «رأسمالية السوق الحرة» و«رأسمالية المحاباة»؛ ذلك النظام الذي جعل أممًا عديدة تغوص في مستنقعات الفساد والتخلف. ففي دول عديدة، إذا كان الشخص غنيًّا، فمن المرجح أنه (أو أنها في أحوال نادرة) يملك سلطة سياسية أو له قريب أو صديق أو مؤيد — أي شخص يحابيه — ممن يملكون السلطة، وأن ثروة هذا الشخص لم تتحقق لأنه أنتج سلعًا ذات قيمة، بل من التمتع بامتيازات تمنحها الدولة للبعض على حساب البعض الآخر. المحزن في الأمر أن مصطلح «رأسمالية المحاباة» أصبح قابلًا للتطبيق بدقة متزايدة على اقتصاد الولايات المتحدة؛ الدولة التي «تُنقَذ» فيها الشركات المتعثرة على نحو روتيني بأموال مأخوذة من دافعي الضرائب، والتي لا تختلف عاصمتها كثيرًا عن خلية نحل عملاقة من أعضاء جماعات الضغط والبيروقراطيين والسياسيين والمستشارين والمستغلين الباحثين عن الريع غير المستحق، والتي يتولى فيها الموظفون المعينون بكل من وزارة الخزانة والبنك المركزي (بنك الاحتياطي الفيدرالي) مهمة مكافأة بعض الشركات ومعاقبة البعض الآخر. لا ينبغي الخلط بين ممارسات المحاباة الفاسدة هذه و«رأسمالية السوق الحرة»؛ التي تشير إلى نظام من الإنتاج والتبادل مبني على سيادة القانون، وتساوي الجميع في الحقوق وعلى حرية الاختيار وحرية التجارة وحرية الابتكار، وعلى نظام الربح والخسارة الإرشادي، وعلى حق المرء في التمتع بثمار عمله ومدخراته واستثماراته دون الخوف من المصادرة أو الحظر من جانب من استثمروا في السلطة السياسية، لا في إنتاج الثروة.
كثيرًا ما تستاء النخب المحافظة من موجات التغيير التي تحدثها رأسمالية السوق الحرة. فمن منظورهم للعالم صارت الأقليات أكثر استعلاءً ولم تعد الطبقات الدنيا تعرف مكانها. والأفظع من هذا، من منظورهم، أنه في ظل رأسمالية السوق الحرة، صارت النساء يدافعن عن حقوقهن. قوّضت المكانة، وصار الناس يقيمون العلاقات على أساس الاختيار والقبول، وليس المولد أو المكانة.21 إن كراهية المحافظين لرأسمالية السوق الحرة، التي لخصها ماركس بأناقة بالغة ودمجها في كتاباته، تعكس الغضب حيال مثل هذا التغير، وعادة ما يكون سبب الغضب هو فقدان الامتيازات. اعتمد ليو ميلاميد (الرئيس الفخري لمجموعة سي إم إي [شيكاجو للتبادل التجاري سابقًا] الذي تجسد قصة حياته المتمثلة في الهرب من الجستابو والمخابرات الروسية، كي جي بي، ثم إحداث ثورة في عالم التمويل معاني الشجاعة والرؤية)، على خبرته حين قال: «في أسواق المال بشيكاجو، لا يهم من أنت — نسبك وأصل عائلتك وعللك البدنية ونوعك — بل المهم هو قدرتك على تحديد ما يريده العملاء، وإلى أين تتجه السوق. ولا شيء يهم تقريبًا خلاف ذلك.»22 إن اعتناق رأسمالية السوق الحرة يعني اعتناق حرية التغيير، والابتكار، والاختراع؛ يعني التكيف مع التغيير واحترام حرية الآخرين في فعل ما يشاءون بما يملكون؛ يعني إفساح المجال للتقنيات الحديثة، والنظريات العلمية الجديدة، وأشكال الفن الجديدة، والهويات الجديدة، والعلاقات الجديدة؛ يعني اعتناق حرية تكوين الثروة، السبيل الوحيد للخلاص من الفقر. (للثروة أسباب، لكن ليس للفقر أسباب؛ فالفقر يوجد إذا لم تحدث عملية إنتاج الثروة، بينما لا توجد الثروة إذا لم تحدث عملية إنتاج الفقر.)23 إنه يعني الاحتفاء بتحرر البشر وتحقيق الإمكانات البشرية. الكُتّاب المعروضة مقالاتهم بين دفتي هذا الكتاب يأتون من مجموعة متنوعة من البلدان والثقافات، ومن مهن ومدارس فكرية متنوعة. كل منهم يبدي رؤيته للكيفية التي تضرب بها الأخلاقيات في جذور تبادلات السوق الحرة، والكيفية التي تعزز بها هذه التبادلات السلوك الأخلاقي. تضم هذه المجموعة المختارة مزيجًا من المقالات، بعضها قصير إلى حد ما، وبعضها أطول؛ بعضها يسير الفهم، والبعض الآخر أكثر تخصصًا. يضم الكتاب مقالين تُرجما للمرة الأولى من الصينية والروسية إلى الإنجليزية خاصة لهذه المجموعة. كما يضم إسهامات اثنين من الحاصلين على جائزة نوبل، أحدهما روائي والثاني عالم اقتصاد، إضافة إلى مقابلة أُجريت مع رائد أعمال ناجح يعد نصيرًا صريحًا لما يطلق عليه «الرأسمالية الواعية». لا تضم المقالات جميع الحجج المؤيدة لرأسمالية السوق الحرة، بيد أنها تمدنا بمقدمة لكتابات غنية للغاية عن هذا الموضوع. (أُدرجت عينة صغيرة من هذه الكتابات في مسرد الكتب المختصر الوارد في نهاية الكتاب.)
لماذا لا يضم الكتاب سوى دفاع شرس عن رأسمالية السوق الحرة؟ لأن هناك مئات الكتب — بل آلاف في الواقع — عن السوق تدعي أنها تقدم مناقشات «متوازنة»، لكنها في الحقيقة لا تحمل سوى الإدانة لعملية تكوين الثروة، وريادة الأعمال، والابتكار، ونظام الربح والخسارة، ورأسمالية السوق الحرة بصفة عامة. عبر حياتي المهنية قرأت مئات الكتب التي تهاجم رأسمالية السوق الحرة، وقد تدبرت الحجج وكافحت لإثبات خطئها. وعلى النقيض، من غير المعتاد أن تجد بين منتقدي رأسمالية السوق الحرة من قرأ لأكثر من مؤلف واحد تجرأ وقدم دفاعًا عنها. إن أكثر مؤلف يُستشهد بكلامه، على الأقل في عالم الفكر الأنجلوساكسوني، هو روبرت نوزيك، وحتى حينها يصير من الجلي أنه لم يُقرأ سوى فصل واحد من كتاب واحد؛ الفصل الذي عرض فيه تجربة فكرية افتراضية مثيرة للتحدي لاختبار أعداء رأسمالية السوق الحرة. يعتقد أغلب الاشتراكيين أنه يكفي قراءة مقال واحد وتفنيد تجربة فكرية واحدة.24 وبعد قراءة حجة ما وتفنيدها، إذا ظن من يستهجنون رأسمالية السوق الحرة أن مواصلة النقد أمر يستحق العناء، فعادة ما يعتمدون على عبارة مغلوطة أو رواية مبتورة لما آمن به ميلتون فريدمان أو آين راند أو إف إيه هايك أو آدم سميث، ويقدمونها دون ذكر مصدر الاستشهاد. لنأخذ مثالًا حديثًا بارزًا على هذا الأمر؛ إذ قدم مايكل ساندل، الأستاذ بجامعة هارفارد، تفنيدًا لحجة رأسمالية السوق الحرة في كتابه الحديث «العدالة: ما الشيء الصائب فعله؟» وقد استشهد، بجانب نوزيك، بكل من فريدمان وهايك، لكنه أوضح أنه لم يقرأ لهما. وقد استشهد بتساؤل فريدمان: «هل يحق لنا استخدام القوة الجبرية لمنعه [شخص لن يدخر من أجل تقاعده] من فعل ما يختار فعله؟»25 لكنه لم يذكر أن فريدمان قدم في الفقرة التالية مباشرة أسباب استخدام مثل هذه القوة الجبرية26 وقال: «إن ثقل هذه الحجة يعتمد بشكل واضح على الحقيقة.»27 (كان فريدمان يحتكم إلى مبدأ الحرية الكلاسيكي القاضي ? «افتراض الحرية»،28 ولم يعن إصدار تصريح مطلقًا عن الحقوق، كما زعم ساندل مخطئًا.) يقول ساندل أيضًا إنه «في دستور الحرية (????)، نادى الفيلسوف الاقتصادي النمساوي المولد فريدريك إيه هايك (????–????) بأن «أي محاولة لإحداث مساواة اقتصادية أعظم مقدر لها أن تكون جبرية ومدمرة للمجتمع الحر»، وهو الزعم الذي لم يصدر، في واقع الأمر، عن هايك؛ الذي نادى بالفعل بأن «الضرائب التصاعدية» (التي بموجبها تزيد معدلات الضرائب مع زيادة الدخل) لا تتوافق مع مبدأ سيادة القانون؛ لأن «التصاعد، على عكس التناسب، لا يوفر أي مبدأ يخبرنا بما ينبغي عليه أن يكون العبء النسبي للأشخاص المختلفين»29 لكن هذا ليس مساويًا للقول إن أي محاولة لإحداث مساواة اقتصادية أعظم (مثلًا من خلال إلغاء الإعانات الخاصة والمزايا المقدمة للأغنياء) هي جبرية قطعًا. (إن زعم ساندل الخاطئ ووصفه يوضحان أنه لم يهتم حتى بالرجوع لكتاب هايك، وهذا يجعلنا نتساءل عما إذا كان سيصف كتاب آدم سميث «بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم» بأنه كتاب عن كيفية تصنيع المسامير.) على الجادين أن يفعلوا ما هو أفضل من هذا. وأنا أشجعك عزيزي قارئ هذا المقال وهذا الكتاب على أن تفعل ما هو أفضل من هذا. اقرأ أفضل الانتقادات الموجهة لرأسمالية السوق الحرة. اقرأ لماركس، واقرأ لسومبارت، واقرأ لرولز، واقرأ لساندل. تفهم ما يقولون. كن منفتحًا للاقتناع بآرائهم. فكر فيها. لقد قرأت من الحجج المناهضة لرأسمالية السوق الحرة أكثر مما قرأه غالبية أعداء رأسمالية السوق الحرة أنفسهم، وأعتقد أنني أستطيع الدفاع عن قضيتهم أفضل منهم؛ لأنني أعرف أكثر. ما أقدمه هنا هو الوجه الآخر من النقاش، الجانب الذي نادرًا ما يقر أحد حتى بوجوده.
تقدم إذن، وجرب حظك. حاول أن تدحض الحجج المقدمة في مقالات هذا الكتاب. فكر فيها. ثم احسم أمرك بنفسك.
واشنطن العاصمة

القسم الأول
فضائل الرأسمالية المغامرة



مقابلة مع رائد أعمال


ضيفها جون ماكي، أجراها توم جي بالمر


في هذه المقابلة، يشرح جون ماكي، رائد الأعمال وأحد مؤسسي شركة هول فودز والمدير التنفيذي المشارك لها، فلسفة «الرأسمالية الواعية» التي يعتنقها، ويعرض أفكاره عن الطبيعة البشرية والتحفيز وطبيعة العمل، والفارق بين رأسمالية السوق الحرة و«رأسمالية المحاباة».
شارك جون ماكي في تأسيس شركة هول فودز ماركت في عام ????، وكان من الرواد الداعين لتناول الطعام الصحي والمعاملة الأخلاقية للحيوانات والمشاركة الإيجابية للشركات في المجتمع. وهو عضو بمجلس أمناء معهد الرأسمالية الواعية.
***

بالمر: من النادر وجود شخص مثلك يا جون في عالم الأعمال؛ رائد أعمال لا يخجل من الدفاع عن أخلاقيات الرأسمالية. ومعروف عنك أيضًا أنك تقول إن المصلحة الذاتية ليست كافية للرأسمالية. ما الذي تعنيه بهذا؟ماكي: وضع كل شيء على عاتق المصلحة الذاتية يعني الاعتماد على نظرية غير مكتملة بالمرة عن الطبيعة البشرية. الأمر يذكرني بالمناظرات الجامعية التي يحاول فيها البعض الزعم بأن كل ما تفعله لا بد وأن ينبع منطقيًّا من المصلحة الذاتية وإلا ما كنت لتفعله. وتلك حجة يستحيل دحضها، وفي نهاية المطاف ما هي إلا هراء؛ إذ إنك حتى إذا فعلت أشياء ليست في مصلحتك، فسيظل أصحاب تلك الحجة يقولون إنها كانت في مصلحتك وإلا لما فعلتها. إنها أشبه بالحلقة المفرغة.بالمر: بأي صورة تعتقد أن الدوافع الأخرى خلاف المصلحة الذاتية مهمة للرأسمالية؟ماكي: لا أحب هذا السؤال؛ لأن البشر لهم تعريفات متباينة للمصلحة الذاتية، وغالبًا ما يتحدث كل منهم عن الأمر من منظوره عند إثارة هذا الموضوع، ولهذا ذكرت تلك النقاشات غير الناضجة في أيام الجامعة والقائلة إن كل ما نفعله ينبع من المصلحة الذاتية. ما أعنيه هو أن البشر معقدون، وأن لدينا محفزات عديدة، المصلحة الذاتية أحدها، لكنها ليست المحفز الوحيد. ثمة أشياء كثيرة نهتم بها وتحفزنا، منها المصلحة الذاتية، لكنها لا تقتصر عليها. وأعتقد أن الحركة الليبرتارية [مذهب مؤيدي مبادئ الحرية] وصلت — ربما بفضل التأثير المشترك لآين راند والعديد من الاقتصاديين — إلى ما يشبه الطريق الأيديولوجي المسدود الذي لا أظنه ينصف عالم الأعمال التجارية أو الرأسمالية أو الطبيعة البشرية.
إذا فكرت في الأمر فستجد أن أكثر وقت في حياتنا نكون مهتمين فيه بمصلحتنا الذاتية هو حين نكون صغارًا وغير ناضجين من الناحية العاطفية. أغلب الأطفال والمراهقين إما مهتمون بأنفسهم فقط أو نرجسيون. إنهم يتصرفون من منطلق مصلحتهم الذاتية، كما يرونها. لكن ونحن نكبر وننضج نصير أكثر قدرة على إظهار التعاطف والرحمة والحب ونطاق أوسع من المشاعر الإنسانية. يتصرف البشر بدافع من أسباب عديدة. وكثيرًا ما يُفصَل، على نحو مضلل، بين المصلحة الذاتية، أو الأنانية، وبين الإيثار. لكني أرى أن هذا الفصل خاطئ؛ لأنه من الجلي أننا نتسم بالسمتين في الوقت ذاته. فنحن مهتمون بمصلحتنا الذاتية، غير أننا لسنا مهتمين «فقط» بمصلحتنا الذاتية. نحن نهتم أيضًا بغيرنا. فعادة ما نهتم اهتمامًا كبيرًا بسعادة أسرنا. وعادة ما نهتم بمجتمعاتنا المحلية وبالمجتمع الأكبر الذي نعيش فيه. ويمكننا أيضًا أن نهتم بالحيوانات وبالبيئة الأوسع. إن لدينا مُثُلًا عليا تحفزنا على أن نحاول أن نجعل من العالم مكانًا أفضل. وبعض المُثل، في تعريفها الصارم، ستبدو منافية للمصلحة الذاتية، إلا إذا عدنا إلى حجة الحلقة المفرغة القائلة إن كل ما تهتم به وتريده ينبع من مصلحتك الذاتية.
لذا لا أظن أن المصلحة الذاتية تكفي وحدها. ولا أظن أن وصف كل فعل بأنه نابع من المصلحة الذاتية يعد نظرة صائبة للطبيعة البشرية. بل أعتقد أن الرأسمالية والمشروعات التجارية ينبغي أن تعكس على نحو وافٍ تعقيد الطبيعة البشرية، وأعتقد أيضًا أن المصلحة الذاتية تسيء لسمعة «مصطلحات» كالرأسمالية والمشروعات التجارية؛ لأنها تمكن أعداء الرأسمالية والمشروعات التجارية من تصويرها كأنشطة أنانية جشعة مستغلة. هذا يزعجني بحق يا توم؛ لأن الرأسمالية والمشروعات التجارية هي أعظم القوى الهادفة للخير في العالم. لقد كان الأمر كذلك طوال الثلاثمائة عام الماضية على الأقل … ومع ذلك لا تحظى بالثناء الكافي للقيمة المدهشة التي خلقتها.بالمر: ما الذي يهدف المشروع التجاري لتحقيقه، إلى جانب المصلحة الذاتية أو الأرباح؟ماكي: بصفة عامة، المشروع التجاري الناجح يخلق القيمة. الأمر الجميل في الرأسمالية هو أنها مبنية في جوهرها على التبادل الطوعي للمنفعة المشتركة. لنأخذ شركة مثل هول فودز ماركت كمثال: إننا نخلق القيمة لزبائننا من خلال المنتجات والخدمات التي نقدمها لهم. إنهم ليسوا «مجبرين» على التعامل معنا، بل هم يفعلون هذا لأنهم يرغبون في ذلك، ولأنهم يرون أن هذا يصب في مصلحتهم. إننا إذن نخلق القيمة لهم. ونحن نخلق القيمة لمن يعملون لدينا أيضًا؛ أعضاء فرق العمل بالشركة. إنهم ليسوا عبيدًا، بل هم يعملون لدينا طواعية لأنهم يشعرون أن هذه هي الوظيفة التي يريدون العمل بها، ولأن الراتب مجزٍ، ولأنهم يستقون منافع عدة من العمل بشركة هول فودز، سواء على المستوى النفسي أو المادي. وبهذا نخلق القيمة لهم. ونحن نخلق القيمة لمستثمرينا أيضًا؛ فرأسمالنا السوقي يصل اليوم إلى ?? مليارات دولار، وكنا قد بدأنا بلا شيء! أي إننا خلقنا قيمة قدرها عشرة مليارات دولار لجميع مستثمرينا على مدار النيف وثلاثين عامًا المنقضية. المساهمون ليسوا مجبرين على شراء أسهمنا، بل هم يفعلون هذا طوعًا لأنهم يؤمنون بأننا نخلق القيمة لهم. ونحن نخلق القيمة لموردينا، الذين يتاجرون مع شركتنا. لقد شاهدتهم على مر السنين، وشاهدت أعمالهم تنمو، وشاهدتهم وهم يحققون الرخاء، وكل هذا سار طوعًا واختيارًا. إنهم يساعدون على جعل شركة هول فودز أفضل، ونحن نساعد على جعل حالهم أفضل.بالمر: أنت تسمي فلسفتك «الرأسمالية الواعية»، فما الذي تعنيه بهذا؟ماكي: إننا نستخدم هذا المصطلح لتمييزه عن بقية المسميات التي تولد كثيرًا من الحيرة حين يوضع بعضها مع بعض، مثل «المسئولية الاجتماعية للمؤسسات» أو فلسفة «الرأسمالية الإبداعية» لبيل جيتس أو «الرأسمالية المستدامة». لدينا تعريف واضح للغاية للرأسمالية الواعية، وهو قائم على أربعة مبادئ:
المبدأ الأول: هو أنه يمكن أن يكون للمشروع التجاري هدف سامٍ، قد يضم في ثناياه جني المال، لكنه لا يقتصر على ذلك. وهكذا يمكن أن يكون لكل مشروع تجاري هدف سام. إذا فكرت في الأمر فستجد أن كل المهن الأخرى في مجتمعنا يحركها هدف ما، خلف التأويل الضيق للهدف بوصفه مقتصرًا على زيادة الأرباح. فالأطباء من أعلى الناس كسبًا للمال في مجتمعنا، ومع هذا فلديهم هدف، وهو شفاء الناس، وهذه هي أخلاقيات المهنة التي يجري تدريسها في كليات الطب. لا يعني هذا أنه لا يوجد أطباء جشعون، لكن كثيرًا من الأطباء الذين أعرفهم يهتمون بمرضاهم بصدق وإخلاص ويحاولون شفاءهم حين يمرضون. ويحاول المعلمون تثقيف الناس، ويصمم المهندسون المعماريون المباني، أما المحامون — إذا تغاضينا عن الدعابات التي تسخر منهم — فيسعون لإعلاء العدالة والإنصاف في المجتمع. لكل مهنة هدف يتجاوز مجرد زيادة الأرباح، والأمر عينه ينطبق على الأعمال التجارية. شركة هول فودز شركة أغذية، لهذا نبيع أغذية عضوية طبيعية عالية الجودة للناس، ونساعدهم على العيش لمدة أطول وبصحة أفضل.بالمر: والمبدأ الثاني؟ماكي: المبدأ الثاني للرأسمالية الواعية: يخص الأطراف ذات الصلة، التي ألمحت إليها آنفًا، ويقضي بأنك يجب أن تفكر في مختلف الأطراف التي يقدم مشروعك التجاري القيمة لها والتي قد تؤثر عليه. عليك التفكير في درجة تعقيد مشروعك عند محاولة خلق القيمة لكل الأطراف التي ترتبط معك بعلاقات؛ كالزبائن والموظفين والموردين والمستثمرين والمجتمعات المحلية.
المبدأ الثالث: يقضي بأن المشروع التجاري يحتاج إلى قادة يتمتعون بأخلاقيات راسخة ويستطيعون وضع هدف المشروع في صدارة أولوياتهم. إنهم يسعون لخدمة هذا الهدف ويسعون لاتباع مبدأ الأطراف ذات الصلة. لهذا عليهم أن يفعلوا ما في مصلحة المشروع.
أما المبدأ الرابع للرأسمالية الواعية: فيقضي بأنك يجب أن تخلق ثقافة تدعم هدف المشروع، والأطراف ذات الصلة، والقيادة، حتى تعمل كل هذه العناصر على نحو متناغم.بالمر: هل تحفزك هذه المبادئ على المستوى الشخصي حين تنهض في الصباح؟ هل تقول لنفسك: «سأذهب لكسب المزيد من المال» أم «سألتزم بمبادئي الأساسية»؟ماكي: أعتقد أنني مختلف قليلًا في هذا الصدد؛ لأنني لم أتقاض أي راتب، أو مكافآت، من شركة هول فودز لما يقارب الخمس سنوات. وحتى خيارات الأسهم، المستحقة لي، فتوجه لمؤسسة هول بلانيت فاونديشن لاستخدامها في منح القروض متناهية الصغر للفقراء في العالم. إن هدف شركة هول فودز، وليس مقدار المال الذي قد أجنيه منها على صورة مكافآت، هو ما يحفزني إلى حدٍّ بعيد. وأنا أؤمن بأنني أملك من الثروة أكثر مما يكفيني من واقع الأسهم التي لا أزال أملكها في الشركة.بالمر: مجددًا، ما تعريفك لهذا الهدف؟ماكي: هدف شركة هول فودز هو … حسنًا، لو كان لدينا المزيد من الوقت كنا سنتحدث بصورة مطولة عن الهدف السامي لهول فودز. لقد ألقيت كلمة على مجموعة القيادة منذ حوالي أسبوعين، وما يمكنني قوله فيما يقارب الدقيقة هو أن شركتنا تقوم على سبع قيم جوهرية؛ أولى هذه القيم الجوهرية: هي إرضاء الزبائن وإسعادهم. والقيمة الجوهرية الثانية: هي سعادة فريق العمل وتفوقه. (بالمناسبة، كل هذا مذكور على موقعنا الإلكتروني، حتى نُعرّف الجميع به.) القيمة الجوهرية الثالثة: هي خلق الثروة من خلال تحقيق الأرباح والنمو. والقيمة الجوهرية الرابعة: هي أن نكون مواطنين صالحين في المجتمعات التي نعمل فيها. والقيمة الجوهرية الخامسة: هي أن نحاول إنجاز عملنا مع الحفاظ على البيئة. والقيمة الجوهرية السادسة: هي أننا ندرس موردينا وشركاءنا ونحاول الانخراط معهم في علاقات مربحة لكل الأطراف. أما القيمة السابعة: فهي رغبتنا في تعريف كل الأطراف ذات الصلة بنمط الحياة الصحي وتناول الطعام الصحي. وهكذا فإن أهدافنا السامية هي امتداد مباشر لهذه القيم الجوهرية. من هذه الأهداف: محاولة مداواة أمريكا؛ إذ إن أمتنا تعاني السمنة والمرض؛ فنحن نتبع أنظمة غذائية سيئة ونموت بسبب أمراض القلب والسرطان والسكر. هذه الأمراض مرتبطة بنمط الحياة، وبالإمكان تحاشيها بقدر كبير أو الشفاء منها؛ لذا يعد هذا أحد أهدافنا السامية. ولدينا أهداف سامية تخص نظام الزراعة؛ وهي محاولة إيجاد نظم زراعية أكثر استدامة تكون ذات إنتاجية أعلى أيضًا.
يرتبط ثالث الأهداف السامية بمؤسسة هول بلانيت فاونديشن التابعة لنا، ويتمثل في العمل مع مؤسسة جرامين تراست وغيرها من المؤسسات المانحة للقروض متناهية الصغر في محاولة للقضاء على الفقر في العالم [ملحوظة المحرر: يدعم بنك جرامين ومؤسسة جرامين تراست التمويل المصغر في الدول الفقيرة، خاصة للنساء، كسبيل للتنمية]. إننا نعمل الآن في ?? دولة — وسيصل العدد إلى ?? دولة في عامين — وهذا يعني ترك أثر إيجابي على مئات الآلاف من الأشخاص بالفعل. ورابع أهدافنا السامية هو نشر الرأسمالية الواعية.بالمر: لقد تحدثت عن أهداف المشروع التجاري، لذا … لماذا تحصدون الأرباح إذن؟ أليس المشروع التجاري مغامرة لزيادة الأرباح؟ ألا يمكنكم فعل كل هذا دون تحقيق أرباح؟ ألا يمكنكم كسب ما يكفي من المال لتغطية نفقاتكم وحسب؟ماكي: إحدى الإجابات هي أنك لن تكون فعالًا بما يكفي وقتها؛ لأنك إذا سعيت فقط لكسب ما يكفي من المال لتغطية النفقات، فسيكون تأثيرك محدودًا للغاية. إن لشركة هول فودز اليوم تأثيرًا أكبر من تأثيرها منذ ثلاثين أو عشرين أو خمسة عشر عامًا أو حتى عشرة أعوام مضت. وسبب هذا هو أننا حققنا أرباحًا كبيرة، ولأننا استطعنا تحقيق المزيد من النمو والمزيد من الأهداف، صرنا قادرين على الوصول لملايين البشر ومساعدتهم، بدلًا من الاكتفاء بعشرات الآلاف من الأشخاص وحسب. لهذا أرى أن الربح أمر أساسي من أجل تحقيق أهدافك. أيضًا، تحقيق الأرباح يوفر رأس المال الذي يحتاجه عالمنا للابتكار والتقدم، وإذا انعدمت الأرباح انعدم التقدم. فالأمران معتمدان أحدهما على الآخر اعتمادًا تامًّا.بالمر: لكن إذا ذهبت الأرباح لجيوب المساهمين بشركتكم، فهل يعني هذا أنكم تنجزون مهمتكم على الوجه الأمثل؟ماكي: بالطبع لا يذهب أغلب الربح لجيوب المساهمين. فقط نسبة أصغر نسبيًّا ندفعها على صورة حصص أرباح هي التي تذهب للمساهمين. ويعاد استثمار ما يربو على التسعين بالمائة من المال الذي نكسبه في الشركة مجددًا. باختصار، لو أننا كنا ندفع مائة بالمائة من أرباحنا كحصص أرباح للمساهمين، لكان هذا صحيحًا، لكني لا أعرف أي شركة يمكنها عمل هذا باستثناء صناديق الاستثمار العقارية. وباستثناء هذه الصناديق، تعيد جميع الشركات استثمار أرباحها بغرض النمو. إضافة إلى ذلك، فإن تحقيق الأرباح للمساهمين هو ما شجعهم على الاستثمار في الشركة من الأساس، ودون ذلك لن يكون لديك رأس مال على الإطلاق لتحقيق أهدافك السامية. إن القدرة على زيادة رأس مال الشركة تعني القدرة على خلق القيمة، ومن المقاييس الجيدة لذلك سعر سهم الشركة. هذا ما قصدته عندما قلت إننا أوجدنا قيمة بما يساوي عشرة مليارات دولار على مدار النيف وثلاثين عامًا الماضية.بالمر: يقول الناس أحيانًا إن الأسواق الحرة تخلق عدم المساواة. ما رأيك في هذا الزعم؟ماكي: لا أعتقد أنه صحيح. لقد ظل الفقر المدقع الحالة الطبيعية للبشر على مر التاريخ. كان البشر جميعهم متساوين في الفقر، وكانوا يعيشون حياة قصيرة. ومنذ مائتي عام كان ?? بالمائة من السكان يعيشون على كوكب الأرض على أقل من دولار واحد يوميًّا بمعايير اليوم؛ ?? بالمائة! قلَّ هذا الرقم إلى ?? بالمائة اليوم، وبحلول نهاية هذا القرن من المفترض أن يصل إلى الصفر تقريبًا. إنه اتجاه متصاعد إذن. فالعالم يصير أكثر ثراءً، والناس يخرجون من حالة الفقر. البشرية تتقدم من غير ريب. ثقافتنا تتقدم، وذكاؤنا يزداد. نحن نسير في منحنى صاعد، هذا إذا تمكنا من ألا ندمر أنفسنا، وهو خطر قائم بالطبع؛ لأن البشر ينزعون للحرب في بعض الأحيان أيضًا. وهذا، بالمناسبة، أحد الأسباب التي تدعونا لتعزيز الأعمال والمشروعات التجارية وتكوين الثروة؛ بحيث تكون متنفسًا صحيًّا للطاقة عوضًا عن السياسة العسكرية والصراع السياسي وتدمير الثروات. لكن هذا موضوع كبير آخر.
هل يزيد هذا من عدم المساواة؟ لا أعتقد أن الرأسمالية هي التي تزيد من عدم المساواة، لأنها تساعد الناس على تحقيق المزيد من الرخاء، وهذا يعني حتمًا أن الجميع لن يزيدوا بالقدر نفسه، لكن في نهاية المطاف سيحقق الجميع المزيد من الرخاء. لقد شهدنا حدوث هذا، على مدار العشرين عامًا الماضية تحديدًا؛ إذ شهدنا مئات الملايين من البشر وهم يخرجون من هوة الفقر في الصين والهند مع اعتناقهم للرأسمالية بشكل أكبر. الحقيقة هي أن بعض الناس يهربون من براثن الفقر ويحققون الرخاء أسرع من غيرهم، لكن هذا ليس معناه أن الرأسمالية تسبب الفقر، بل هي تقضي عليه. وهي لا تسبب عدم المساواة على النحو الذي يدور في خلد أغلب البشر. فعلى مر التاريخ، لطالما وجدت عدم المساواة في أي نوع من التنظيمات الاجتماعية. حتى الشيوعية، المعنية بإنتاج مجتمع تتساوى فيه ملكية الثروة، كانت طبقية بشكل كبير وتمتعت فيها طبقات النخبة بمزايا خاصة. لهذا لا أرى أنه يجب اعتبار الرأسمالية مسئولة عن عدم المساواة. الرأسمالية تمكن البشر من الهروب من الفقر وتحقيق الرخاء والثروة، وهذا أمر طيب. هذه هي القضية التي يجب أن نركز عليها.
إن الفجوة الكبيرة الموجودة في العالم هي بين تلك الدول التي تبنت رأسمالية السوق الحرة، وبالتالي حققت الثراء، والدول التي لم تتبنها، وقبعت في الفقر. المشكلة ليست في تحقيق البعض للثراء، بل في أن غيرهم ظلوا فقراء. وما من داع يحتم حدوث هذا!بالمر: لقد فرقت بين رأسمالية السوق الحرة وغيرها من الأنظمة التي يحقق في ظلها الناس الربح ويقيمون مشروعاتهم التجارية، لكنها توصف بأنها «رأسمالية المحاباة». ما الفارق بين رؤيتك الأخلاقية وبين ما يحدث في دول كثيرة في العالم؟ماكي: لا بد من تحقيق مبدأ سيادة القانون. فمن المحتم أن يملك البشر قواعد تنطبق بالتساوي على الجميع، وهذه القواعد يجب أن يفرضها نظام للعدالة يضع هذا الهدف نصب عينه على الدوام. إننا بحاجة لوضع تطبيق القانون على الجميع بالتساوي هدفًا أساسيًّا؛ بحيث لا تكون هناك مزايا خاصة نمنحها للبعض دون الآخر. وعلى هذا فإن ما يحدث في مجتمعات كثيرة، وأظن أنه يحدث على نحو متزايد هنا في الولايات المتحدة، هو أن ثمة امتيازات خاصة تُمنح لمن يتمتعون بنفوذ سياسي. هذا أمر خاطئ ومضر. وكلما عانى أي مجتمع رأسمالية المحاباة، أو ما يسميه صديقي مايكل سترونج «رأسمالية الهراء»، زاد ابتعاده عن مفهوم مجتمع السوق الحرة وتعزيز الرخاء؛ إذ إنك بهذا تبقي عددًا كبيرًا من الناس في مستوى أقل رخاءً مما سيحققون لو أنك امتلكت حقًّا نظامًا للسوق الحرة مدعومًا بسيادة القانون.بالمر: لنعد إلى الدولة التي نعيش فيها، الولايات المتحدة. هل تعتقد أن المحاباة موجودة فيها؟ماكي: دعني أذكر لك مثالي المفضل من الحاضر. حسن، لدي مثالان في الواقع. أولهما: هو أن لدينا الآن أكثر من ألف إعفاء منحتها إدارة الرئيس أوباما بالفعل من القواعد والتنظيمات ومرت بموجب خطة الرعاية الصحية المعروفة ? «أوباما كير». هذا نوع من رأسمالية المحاباة. فالقواعد لا تُطبق بالتساوي على الجميع. وهذا يعني أن سلطة منح الإعفاء تعني سلطة حجبه بالمثل. وبإمكانك حجبه عن من لا يقدمون التبرعات الملائمة لحزبك السياسي أو حتى عن من لا يروقون لك لسبب أو لآخر. فلدينا قانون تعسفي تستطيع تطبيقه على نحو انتقائي على البعض دون البعض الآخر.
ثانيًا: أرى رأسمالية المحاباة في كل هذه الإعانات الحكومية الموجهة ? «التكنولوجيا الخضراء» مثلًا. إنهم يمدون بعض الشركات بإعانات، وهو ما يعني في نهاية المطاف، نظرًا لأن الحكومة لا تملك أي مال خاص بها، أنهم يأخذون أموال دافعي الضرائب ويعيدون توزيعها على ذوي الحظوة. أرى هذا يحدث مع شركة جنرال إلكتريك الآن، من خلال نوعية الضرائب التي يدفعونها، مع كل تلك الإعفاءات والاستقطاعات الخاصة التي تُدرج في قوانين الضرائب. وبما أنهم منغمسون بشدة في تقنيات الطاقة البديلة هذه، أو بعضها، فإنهم يصلون إلى نقطة لا يتعين عليهم فيها أن يدفعوا أي ضرائب على الجزء الأكبر من دخلهم، وهذا بسبب أنهم يحظون بعلاقة طيبة مع ذوي السلطة. هذا يزعجني. وأرى أنه أمر سيئ.بالمر: هل تصفه بالأمر غير الأخلاقي؟ماكي: نعم، أصفه بذلك. غير أخلاقي … نعم، غير أخلاقي. لكن هنا يتعين عليك تحديد ما يعنيه هذا. بالتأكيد هذا الأمر يخالف أخلاقياتي وإحساسي بما هو صواب وخطأ. لكن من العسير معرفة هل هذا الأمر يخالف أخلاقيات الآخرين. أنا بالتأكيد لا أحبه، وأعارضه، وهو لا يتماشى مع فكرتي عن الصورة التي ينبغي أن يُحكم المجتمع بها. فمثل هذا الأمر لا ينبغي أن يحدث في مجتمع يطبق مبدأ سيادة القانون بقوة.بالمر: في رأيك، من الرابحون الأساسيون من رأسمالية السوق الحرة التي تعتنقها؟ماكي: الجميع! كل فرد من أفراد المجتمع يستفيد. وهذا ما أخرج أغلب البشر من هوة الفقر، وجعل هذا البلد ثريًّا. لقد كنا فقراء معوزين. كانت أمريكا أرضًا للفرص، لكنها لم تكن بلدًا ثريًّا. ومع أن أمريكا لم تكن مثالية بالتأكيد، فإنها تمتعت بأحد أكثر الأسواق حرية في العالم على مدار مائتي عام، ونتيجة لذلك انتقلنا من الفقر المدقع إلى دولة مزدهرة ثرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.بالمر: ذكرت ديردري ماكلوسكي في كتابها «كرامة الطبقة البرجوازية» أن تغير نظرة الناس للعمل التجاري والابتكار المغامر مَكَّنَ من تحقيق الرخاء لعامة البشر. هل ترى أننا نستطيع استرداد ذلك الاحترام للمشروعات التجارية التي تخلق الثروة مجددًا؟ماكي: أعتقد أن بمقدورنا فعل هذا؛ لأنني رأيت ما حدث حين انتُخب رونالد ريجان رئيسًا. كانت أمريكا تمر بمرحلة ذبول في سبعينيات القرن العشرين؛ لا شك في هذا، فقط انظر إلى معدل التضخم، ومعدلات الفائدة، والناتج المحلي الإجمالي وقتها، ومدى تواتر فترات الركود، كنا نعاني «انهيارًا تضخميًّا» كشف عن عيوب خطيرة في الفلسفة الكينزية، ثم حظينا بقائد تدخل وقلص الضرائب، وحرر صناعات كثيرة من نير القيود الحكومية، وشهدت أمريكا نهضة حقيقية؛ بعثًا جديدًا، وهذا ما منحنا القوة الدافعة على مدار الخمس وعشرين عامًا الماضية أو أكثر. لقد مررنا، جوهريًّا، بمنحنى متصاعد من النمو والتقدم. لكن مع الأسف، نكصنا على أعقابنا في الفترة الأخيرة مجددًا، ورجعنا ما لا يقل عن خطوتين إلى الوراء. الأولى، في ظل إدارة … حسن، يمكنني أن ألقي باللوم على كل واحد من هؤلاء الرؤساء والسياسيين، وحتى ريجان لم يكن مثاليًّا هو الآخر، لكن حديثًا تسبب بوش في تسريع هذا التراجع، والآن يقطع بنا أوباما مسافات لم يستطع أي رئيس آخر قطعها على هذا الطريق.
لكن، كما تعرف، أنا رائد أعمال، وبالتالي أنا شخص متفائل. أعتقد حقًّا أنه من الممكن علاج ما حدث. ولا أعتقد أننا وصلنا بعد إلى نقطة اللاعودة، لكني أظن أنه سيتعين علينا إجراء بعض التغييرات الخطيرة سريعًا جدًّا. إننا على شفير الإفلاس، هذا أحد جوانب المشكلة. وما لم نكن مستعدين لأخذ هذا على محمل الجد والتعامل معه دون زيادة الضرائب وخنق المشروعات التي تقوم عليها أمريكا، ما لم نكن مستعدين للتعامل مع هذا، عندئذٍ سيكون السقوط حتميًّا. لكنني في الوقت الحالي ما زلت متمسكًا بالأمل!بالمر: هل تعتقد أن الرأسمالية تخلق التطابق، أم إنها تخلق مساحة للاختلاف؟ أقصد بهذا من يحبون الطعام المباح وفق الشريعة اليهودية أو الحلال وفق الشريعة الإسلامية، أو الأقليات الدينية أو الثقافية أو العرقية … ماكي: لقد أجبت تقريبًا على نفسك حين ذكرت هذه الأمثلة. فالرأسمالية في جوهرها أشخاص يتعاونون معًا لخلق القيمة لغيرهم، إضافة إلى أنفسهم. هذه هي الرأسمالية. للمصلحة الذاتية دور في الأمر بطبيعة الحال، لكن السر هو أن تكون قادرًا على خلق القيمة من خلال التعاون، وأن تفعل هذا لنفسك وللآخرين أيضًا. هذا يؤدي لتنوع في الجهود الإنتاجية؛ لأن البشر متباينون من حيث احتياجاتهم ورغباتهم. والرأسمالية — أو التعاون في السوق — تهدف لإرضاء هذه الحاجات والرغبات. وهذا يوجد مساحة مهولة للتفرد. إذا كنت تعيش في مجتمع فاشي، تستطيع بعض الجماعات ذات المصلحة الخاصة، سواء على صورة سلطة دينية أو مجموعة من المفكرين الجامعيين أو جماعة من المتعصبين الذين يظنون أنهم يعرفون ما في مصلحة الجميع، أن تفرض قيمها على الجميع. إنها تملي على الآخرين ما يفعلونه. لكن في المجتمع الرأسمالي لديك مساحة أكبر بكثير للتفرد. فهناك مساحة لمليارات الأزهار كي تنمو وتزدهر في المجتمع الرأسمالي، وسبب هذا ببساطة أن ازدهار البشر هو الهدف أو الغاية الجوهرية للرأسمالية، وهو أعظم إبداعاتها كذلك.بالمر: ما رؤيتك لمستقبل مزدهر مبتكر عادل؟ماكي: أول ما أود رؤيته هو أن يبدأ المدافعون عن الرأسمالية في فهم أن الاستراتيجية التي ظلوا يستخدمونها صبت في واقع الأمر في مصلحة خصومهم. لقد تخلوا عن موقف التفوق الأخلاقي، وسمحوا لأعداء الرأسمالية بتصويرها على أنها نظام أناني جشع مستغل يخلق عدم المساواة ويستغل العمال ويخدع الزبائن ويدمر البيئة ويسبب تآكل المجتمعات في الوقت ذاته. لا يعرف المدافعون كيف يردون على هذا الهجوم لأنهم تخلوا بالفعل عن أغلب أرضهم لمصلحة منتقدي الرأسمالية. وبدلًا من ذلك، هم بحاجة للابتعاد عن هوسهم بالمصلحة الذاتية والبدء في رؤية القيمة التي تخلقها الرأسمالية، ليس فقط للمستثمرين؛ مع أنها تفعل هذا بطبيعة الحال، بل القيمة التي تقدمها لكل من لهم علاقة بالمشاريع التجارية: فهي تخلق القيمة للزبائن، والعمال، والموردين، والمجتمع ككل، وللبيئة. أعني، كيف سيكون حال حكومتنا دون وجود قطاع أعمال قوي يخلق الوظائف والدخل والثروة التي يمكنها فرض الضرائب عليها؟ ولا يعني هذا أن فرض الضرائب يسعدني على الدوام.
الرأسمالية مصدر للقيمة. إنها أروع وسيلة للتعاون الاجتماعي وجدت على الإطلاق. وهذه هي القصة التي نحتاج لروايتها. إننا بحاجة لتغيير القصة. من المنظور الأخلاقي، نحن بحاجة لتغيير قصة الرأسمالية لنبين أنها معنية بخلق القيمة المشتركة، ليس لقلة من الناس، بل للجميع. وإذا استطاع الناس رؤية الأمر على النحو الذي أراه، فسيحبون الرأسمالية مثلما أحبها.بالمر: أشكرك على وقتك.ماكي: بكل سرور يا توم.
الحرية والكرامة تفسران العالم الحديث


بقلم ديردري إن ماكلوسكي


في هذا المقال، تنادي المؤرخة الاقتصادية والناقدة الاجتماعية ديردري ماكلوسكي بأن نمو الرأسمالية الحديثة والعالم الذي صنعته لا يمكن تفسيرهما كما ينبغي بواسطة «العوامل المادية»، مثلما حاولت أن تفعل أجيال سابقة من المؤرخين. لقد كان التغير في نظرة الناس إلي الأعمال التجارية والتبادل التجاري والابتكار والربح هو ما خلق الرأسمالية الحديثة وحرر المرأة والمثليين والمنشقين عن الأديان وجموع المضطهدين، الذين كانوا يحيون حياة قاسية ومؤلمة وقصيرة قبل اختراع سبل الزراعة والطب والكهرباء الحديثة وغيرها من الكماليات التي وفرتها حياة الرأسمالية الحديثة والمتاجرة بها.
تعمل ديردري إن ماكلوسكي أستاذة للاقتصاد والتاريخ واللغة الإنجليزية والتواصل بجامعة إلينوي بشيكاجو، وقد ألفت ثلاثة عشر كتابًا في الاقتصاد وتاريخ الاقتصاد والإحصاء وفن الخطابة والأدب، وكذلك مذكرات بعنوان «العبور». شاركت ديردرى في تحرير «صحيفة التاريخ الاقتصادي» ونُشرت لها مقالات عدة في صحف أكاديمية. وقد صدر حديثًا أحدث كتبها بعنوان «كرامة الطبقة البرجوازية: لماذا يعجز علم الاقتصاد عن تفسير العالم الحديث».
***

تسبب التغير في الكيفية التي «احترم» الناس بها الأسواق والابتكار في حدوث الثورة الصناعية، ومن ثم أوجد العالم الحديث. وعلى النقيض، لا تفسح المعارف التقليدية القديمة مكانًا لتوجهات الناس حيال التجارة والابتكار، أو مكانًا للفكر الليبرالي الحر. وتخبرنا قصة المادية القديمة بأن الثورة الصناعية قامت لأسباب مادية، كالاستثمار أو السرقة، أو بسبب معدلات الادخار العالية أو الاستعمار. لقد سمعت على الأرجح مقولات مثل: «أوروبا غنية بفضل إمبراطورياتها»، «بُنيت الولايات المتحدة علي أكتاف العبيد»، «الصين تحقق الثراء بفضل التجارة».
لكن، ماذا لو كان قيام الثورة الصناعية عائدًا، بدلًا من كل ما سبق، إلي التغير في طريقة «تفكير» الناس، وبالأخص طريقة تفكيرهم بعضهم في بعض؟ ماذا لو افترضنا أن المحركات البخارية والحاسبات نتجت عن «احترام» المبتكرين، وليس عن طريق وضع حجر فوق آخر، أو جثة أفريقي فوق أخرى؟
بدأ علماء الاقتصاد والمؤرخون يدركون أن الأمر تطلب ما هو أكثر بكثير من مجرد السرقة أو تكديس رأس المال لقيام الثورة الصناعية؛ فقد تطلب الأمر تحولًا كبيرًا في طريقة تفكير الغرب بشأن التجارة والابتكار. تعين على الناس البدء في تقبل «التدمير الإبداعي»؛ أي استبدال فكرة جديدة بأخرى قديمة. يشبه الأمر ما يحدث في عالم الموسيقى؛ حيث تطرأ علي فرقة موسيقية فكرة جديدة متعلقة بموسيقى الروك، وتحل هذه الفكرة محل الفكرة القديمة إذا تقبلها عدد كافٍ من الناس طوعًا. إذا رأى الناس أن الموسيقى القديمة أسوأ من الجديدة، يتم «تدميرها» بواسطة الإبداع. بالطريقة نفسها، «دمرت» المصابيح الكهربية المصابيح التي تعمل بالكيروسين، و«دمرت» أجهزة الكمبيوتر الآلات الكاتبة، وكل هذا صب في مصلحتنا.
يسير التاريخ الصحيح على النحو الآتي: إلى أن غَيَّرَ الهولنديون تفكيرهم في مطلع القرن السابع عشر تقريبًا، والإنجليز في مطلع القرن الثامن عشر، لم يكن من سبيل أمامك لتحظى بالاحترام إلا بطريقتين لا ثالث لهما؛ أن تكون جنديًّا أو كاهنًا؛ تعمل في القلعة أو في الكنيسة. وكان يُنظر لمن يمارسون البيع والشراء كمهنة لكسب الرزق، أو للمبتكرين، على أنهم محتالون آثمون. رفض سجان في القرن الثالث عشر توسلات أحد الأغنياء طلبًا للرحمة قائلًا: «أخبرني يا سيد أرنو تيسييه، كيف لك أن تحيا مثل هذه الحياة المترفة، وتكون بلا خطيئة؟»
في القرن التاسع عشر، كان متوسط دخل الفرد في اليوم على مستوى العالم، وفق القيمة الحالية للمال، يتراوح ما بين دولار واحد وخمسة دولارات. يمكنك القول إن المتوسط كان يبلغ ثلاثة دولارات في اليوم. تخيل أن تحيا في العصر الحاضر في مدينة ريو دي جانيرو أو أثينا أو جوهانسبرج على ثلاثة دولارات في اليوم. (يحيا البعض بالفعل بهذا المبلغ الآن.) إن هذا المبلغ يكفي لشراء ثلاثة أرباع كوب من الكابتشينو في مقهى ستار باكس. كان هذا، ولا يزال، أمرًا مروعًا.
بعد ذلك تغير شيء ما، في هولندا ثم في إنجلترا؛ إذ وهبت الثورات السياسية وحركات الإصلاح الديني في أوروبا، ما بين عامي ???? و????، حرية التعبير للناس العاديين خارج طبقة الأساقفة والأرستقراطيين. أُعجب الأوروبيون، ثم غيرهم، برواد الأعمال من أمثال بن فرانكلين وأندرو كارنيجي وبيل جيتس. بدأ النظر إلى الطبقة الوسطى بوصفها «طبقة صالحة»، وسُمح لها بأن تفعل ما في مصلحة المجتمع، وأن تنجح. ومنذ ذلك الحين والناس يوافقون على «صفقة الطبقة الوسطى»، التي ميزت أماكن أصبحت الآن ثرية مثل بريطانيا والسويد وهونج كونج، والتي مفادها: «دعني أبتكر وأكدس المال من الابتكار على المدى القصير، وسوف أجعلك ثريًّا على المدى الطويل.»
وهذا ما حدث. بدأ الأمر في القرن الثامن عشر باختراع فرانكلين لمانعة الصواعق واختراع وات للآلة البخارية، وازدادت قوته في القرن التاسع عشر، ووصل إلى ذروته في القرن الحادي والعشرين، وأصبح الغرب — الذي تخلف عن ركب الحضارتين الصينية والإسلامية لقرون طويلة — موطن الابتكارات المذهلة.
حين مُنحت الطبقة الوسطى الكرامة والحرية للمرة الأولى في تاريخ البشرية، كان هذا ما حصلنا عليه: المحرك البخاري، ونول النسيج الآلي، وخط التجميع، والأوركسترا السيمفوني، والسكك الحديدية، والنظام المؤسسي، وتحرير العبيد، والمطابع البخارية، والورق الرخيص، والمعرفة الواسعة بالقراءة والكتابة، والصلب الرخيص، والزجاج الرخيص، والجامعة الحديثة، والصحافة الحديثة، والماء النظيف، والخرسانة المسلحة، وحركة المرأة، والمصباح الكهربي، والمصعد، والسيارة، والبترول، وقضاء العطلات في منتزه يلوستون، والبلاستيك، ونصف مليون كتاب جديد باللغة الإنجليزية كل عام، والذرة المهجنة، والبنسلين، والطائرة، وهواء الحضر النظيف، والحقوق المدنية، وجراحات القلب المفتوح، وأجهزة الكمبيوتر.
كانت النتيجة هي أنه للمرة الأولى في التاريخ تحسنت أحوال الأشخاص العاديين — خاصة الفقراء فقرًا مدقعًا — تحسنًا عظيمًا؛ تذكر «صفقة الطبقة الوسطى». أصبحت نسبة الخمسة بالمائة الأشد فقرًا من الأمريكيين ينعمون بالهواء المكيف ويملكون السيارات تمامًا كالخمسة بالمائة الأغنى من الهنود.
إننا نشهد الآن التحول نفسه في الصين والهند، اللتين تمثلان معًا ??? من إجمالي عدد سكان العالم. ليست الأزمة الاقتصادية العالمية التي حدثت بين عامي ???? و???? هي الحدث الاقتصادي الأهم في عصرنا الحالي؛ على الرغم من بغاضتها الشديدة. بل الحدث الاقتصادي الأهم هو تبني الصين، منذ عام ????، ثم الهند، منذ عام ????، الأفكار التحررية في اقتصاد كل منهما، إلى جانب الترحيب بمبدأ التدمير الإبداعي. والآن تتضاعف المنتجات والخدمات المخصصة للفرد بمقدار أربعة أضعاف كل جيل.
وفي الوقت الحالي، في الأماكن العديدة التي تبنت تحرر الطبقة الوسطى وكرامتها، تخطى متوسط دخل الفرد اليومي ومصروفاته ??? دولار. تذكر: منذ قرنين كان متوسط دخل الفرد اليومي ? دولارات، بمقياس أموال العصر الحالي نفسها. وهذا دون الأخذ في الاعتبار التحسن الكبير في مستوى جودة الكثير من الأشياء، من المصابيح الكهربية إلى المضادات الحيوية. وقد أصبح الشباب في اليابان والنرويج وإيطاليا، وفق التقديرات المتحفظة، في حالة مادية أفضل بحوالي ?? مرة عن أسلافهم القدامى. إن جميع القفزات الأخرى نحو العالم الحديث — المزيد من الديمقراطية، وحرية المرأة، والمعدلات العمرية الأعلى، والتعليم الأفضل، والنمو الروحي، والانفجار الفني — مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ? «الحقيقة العظمى» للتاريخ الحديث؛ ألا وهي: الزيادة بنسبة ????? في كل من الغذاء والتعليم والتنقل.
هذه الحقيقة العظمى حقيقة مهولة وغير مسبوقة، حتى إنه من المستحيل أن نتخيل أنها نتجت عن أسباب نمطية مثل التجارة أو السخرة أو الاستثمار أو الاستعمار. وهذا هو ما يبرع الاقتصاديون في وصفه؛ الأشياء النمطية. غير أن جميع الأشياء النمطية حدثت على نطاق واسع في الصين والإمبراطورية العثمانية والدولة الرومانية وجنوب آسيا. شاعت العبودية في الشرق الأوسط، وجرت التجارة على نطاق واسع في الهند، وكان الاستثمار في القنوات الصينية والطرق الرومانية مهولًا، إلا أن الحقيقة العظمى لم تحدث في أي منها. لا ريب إذن أن تفسيراتنا الاقتصادية التقليدية يشوبها قدر كبير من الخطأ.
وبعبارة أخرى، إن الاعتماد على نحو حصري على المادية الاقتصادية لوصف العالم الحديث، سواء كانت مادية تاريخية يسارية أو اقتصادية يمينية، أمر خاطئ. فأفكار الكرامة والحرية الإنسانية هي التي أحدثت التغيير المنشود. وكما يقول المؤرخ الاقتصادي جويل موكير: «يعتمد التغيير الاقتصادي في جميع الحقب — أكثر مما يعتقد معظم الاقتصاديين — على ما يؤمن به الناس.» لقد كانت التغييرات المادية الهائلة هي النتيجة، لا السبب. الأفكار، أو «البلاغة»، هي ما تسبب في إثرائنا، ومع هذا الثراء حصلنا على حرياتنا الحديثة.

المنافسة والتعاون


بقلم ديفيد بواز


في هذا المقال يستعرض ديفيد بواز، الناقد والمدير التنفيذي بأحد بيوت الخبرة، العلاقة بين المنافسة والتعاون، اللذين يقدمان عادة كبديلين متناقضين: فالمجتمع يقوم على أحدهما أو الآخر. لكن على النقيض، كما يوضح بواز، في الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية ينافس الناس كي يتعاونوا مع غيرهم. ديفيد بواز هو نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كاتو ومستشار لمؤسسة طلاب من أجل الحرية. ألف بواز كتاب «الليبرتارية: تمهيد»، وحرر خمسة عشر كتابًا آخر من بينها «القارئ الليبرتاري: كتابات كلاسيكية ومعاصرة من لاو تزو حتى ميلتون فريدمان.» كما كتب لعدد من الصحف مثل نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال وواشنطن بوست، وهو معلق دائم في برامج التليفزيون والراديو، ويكتب بصورة منتظمة في مدونات Cato@Liberty، ذي جارديان، وذي أستراليان، والموسوعة البريطانية. ***

عادة ما يشدد المدافعون عن عملية السوق على فوائد المنافسة؛ إذ تمكن العملية التنافسية من الاختبار والتجريب والتكيف الدائمين استجابةً للوضع المتغير باستمرار. تُبقي المنافسة الشركات في حالة استعداد دائم لخدمة المستهلكين. وباستطاعتنا أن نلاحظ، على المستويين التحليلي والتجريبي، أن الأنظمة التنافسية تحقق نتائج أفضل من نظيراتها المركزية أو الاحتكارية. لهذا السبب يشدد المؤيدون للأسواق الحرة، في الكتب والمقالات الصحفية والبرامج التليفزيونية، على أهمية السوق التنافسية ويعارضون تقييد المنافسة.
لكن كثيرًا من الناس ينصتون لعبارات الثناء على «المنافسة» فيسمعون كلمات مثل «العداء» و«الوحشية» و«القسوة»، ويتساءلون: ألن يكون التعاون أفضل من هذا الموقف العدائي من العالم. مثال على هذا ما كتبه الملياردير والمستثمر جورج سوروس في مجلة أتلانتيك مانثلي حين قال: «المنافسة الزائدة عن الحد والتعاون الأقل من الحد قد يسببان ظلمًا وعدم استقرار لا يحتملان.» ويستطرد قائلًا: «النقطة الرئيسية … هي أن التعاون جزء لا يتجزأ من النظام، مثله مثل المنافسة، وشعار «البقاء للأصلح» يشوه هذه الحقيقة.»
ينبغي هنا أن نذكر أن عبارة «البقاء للأصلح» أصبح نادرًا ما يستخدمها المدافعون عن الحرية والأسواق الحرة؛ فقد صيغت في الأساس لوصف عملية التطور البيولوجي بحيث تشير إلى بقاء الصفات التي تناسب الطبيعة على النحو الأمثل، ويمكن أن تنطبق أيضًا على المنافسة بين المؤسسات في السوق، لكنها بالتأكيد لا تعني بقاء الأفراد الذين يتوافقون مع النظام الرأسمالي على النحو الأمثل وحدهم. لا يستعمل مؤيدو عملية السوق مصطلح «البقاء للأصلح»، بل المعادون لها هم من يستخدمونه لوصف المنافسة الاقتصادية.
ما يحتاج للتوضيح هو أن مَن يقولون إن البشر «خُلقوا ليتعاونوا، لا ليتنافسوا»، يفشلون في إدراك أن السوق تقوم على التعاون، وأن البشر، كما نناقش فيما يلي، يتنافسون ليتعاونوا.
الفردية والمجتمع

بالمثل، سارع معارضو الليبرالية الكلاسيكية إلى اتهام الليبراليين بتفضيل الفردية «الانعزالية»، التي تنص على أن كل فرد جزيرة قائمة بذاتها، وأنه يهتم فقط بمكاسبه دون الالتفات إلى حاجات الآخرين ورغباتهم. كتب إي جيه ديون الابن، من صحيفة واشنطن بوست، أن الليبرتاريين الجدد يؤمنون بأن «الأفراد يأتون إلى العالم بالغين مكتملين، ويجب أن يتحملوا مسئولية أفعالهم منذ اللحظة التي ولدوا فيها». أما الكاتب الصحفي تشارلز كراوتهامر فكتب في استعراضه لكتاب «ما يعنيه أن تكون ليبرتاريًّا» الذي ألفه تشارلز موراي، أنه حتى مجيء موراي كانت رؤية الليبرتاريين أن «البشر جنس من الفرديين الغلاظ، يعيش كل منهم في كوخ أعلى قمة جبل، ويحيط نفسه بسور من الأسلاك الشائكة معلق عليه لافتة تقول «ممنوع الدخول».» ولا أعرف كيف أغفل أن يذكر أن كل واحد منهم «مدجج بالسلاح».
دون شك، لا يوجد من يؤمن بهذا النوع من «الفردية الانعزالية» التي يحب أن يسخر الأساتذة الجامعيون والنقاد الخبراء منها. نحن نحيا معًا ونعمل في مجموعات، وليس واضحًا كيف يمكن أن يكون المرء منفردًا منعزلًا في مجتمعنا الحديث المعقد؛ هل يعني هذا أن تأكل ما تزرع فقط، وترتدي ما تصنع فقط، وتحيا في منزل بنيته بنفسك، وتتناول الأدوية الطبيعية التي استخلصتها من النباتات بنفسك؟ قد ينادي بعض منتقدي الرأسمالية أو المدافعون عن فكرة «العودة إلى الطبيعة» — مثل تيد كازنسكي، الشهير باسم عدو التكنولوجيا ومفجر الجامعات والطائرات، أو آل جور، لو أنه كان يعني حقًّا ما كتبه في كتابه «الأرض في لحظة الحسم» — بصحة هذا النظام. لكن قلة نادرة من الليبرتاريين هم من يرغبون في الانتقال إلى جزيرة صحراوية والتبرؤ من فوائد ما أطلق عليه آدم سميث «المجتمع العظيم»؛ ذلك المجتمع المعقد المنتج الذي نشأ بفضل التفاعل الاجتماعي. لهذا قد يخطر على الذهن أنه حري بالصحفيين العقلاء أن يتوقفوا، وينظروا فيما كتبوه، ويفكروا في أنفسهم قائلين: «لا بد أنني أسأت فهم هذا الموقف. يجب عليّ أن أقرأ ما كتبه الكتاب الليبرتاريون مرة أخرى.»
في وقتنا الحالي أصبحت هذه الشائعة الكاذبة — عن الوحدة والانعزال — تصيب المدافعين عن عملية السوق بضرر بالغ. وعلينا أن نوضح أننا نتفق مع جورج سوروس في مقولته: «إن التعاون جزء لا يتجزأ من النظام، مثله مثل المنافسة.» في حقيقة الأمر نحن نعتبر أن التعاون أمر أساسي لازدهار الإنسانية، حتى إننا لا يجب أن نتحدث عنه فحسب، بل أن نعمل على إنشاء مؤسسات اجتماعية تجعله ممكنًا. وهذا هو الهدف وراء حقوق الملكية والحكومة ذات السلطات المحدودة وسيادة القانون.
في المجتمع الحر ينعم الأفراد بحقوق طبيعية لا يمكن أن تسقط عنهم، ويجب أن يوفوا بالتزامهم العام باحترام حقوق الأفراد الآخرين. أما التزاماتنا الأخرى فهي تلك التي نختار تحملها بموجب العقود. ليس من قبيل المصادفة أن يثمر المجتمع القائم على أساس الحق في الحياة والحرية والملكية عن السلام الاجتماعي والرفاهية المادية أيضًا. وكما أثبت كل من جون لوك وديفيد هيوم وغيرهما من فلاسفة الليبرالية الكلاسيكية، فنحن نحتاج إلى نظام للحقوق لإنتاج التعاون الاجتماعي، ودون هذا النظام لن يتمكن الناس من تحقيق إلا أقل القليل. كتب هيوم في مقالة بعنوان «مقال عن الطبيعة البشرية» أن الظروف التي يجابهها البشر هي: (?) مصلحتنا الذاتية، و(?) سخاؤنا المحدود بالضرورة تجاه الآخرين، و(?) ندرة الموارد المتوفرة لتلبية احتياجاتنا. بسبب هذه الظروف من الضروري أن نتعاون فيما بيننا لوضع قواعد للعدالة — خاصة فيما يخص الملكية والتبادل — لتحديد كيف يمكننا فعل ذلك. تحدد تلك القواعد مَن يمتلك الحق في تقرير كيفية استخدام ملكية معينة. وفي حالة عدم وجود حقوق ملكية محددة جيدًا سنواجه صراعًا دائمًا حول هذه القضية. إن اتفاقنا على حقوق الملكية هو ما يسمح لنا بالشروع في تنفيذ المهام الاجتماعية المعقدة الخاصة بالتعاون والتنسيق، التي من خلالها نتمكن من تحقيق أهدافنا.
كم سيكون من الرائع لو تمكن الحب من إنجاز تلك المهمة دون كل هذا التأكيد على المصلحة الذاتية والحقوق الفردية، وقد عرض كثير من معارضي الليبرالية رؤية جذابة لمجتمع قائم على رغبة شاملة لفعل الخير. ولكن كما أوضح آدم سميث: «في المجتمعات المتحضرة يحتاج [المرء] في جميع الأوقات إلى التعاون مع المجتمع الأكبر أو تلقي العون منه»، ومع هذا، فطوال حياته لن يستطيع أبدًا أن يقيم صداقات إلا مع نسبة بسيطة من الأشخاص الذين يحتاج إلى التعاون معهم. إذا انصب اعتمادنا بأكمله على الرغبة في فعل الخير لتحقيق التعاون، فلن يمكننا إنجاز المهام المعقدة. إن الاعتماد على المصالح الذاتية للبشر، في ظل نظام من حقوق الملكية واضحة المعالم والتبادل الحر، هو الطريقة الوحيدة لتنظيم أي مجتمع يزيد في درجة تعقيده عن القرية الصغيرة.
المجتمع المدني

إننا نحتاج إلى الارتباط بالآخرين لتحقيق أهداف مساعدة — مثل إنتاج طعام أكثر، وتبادل السلع، وتطوير تقنيات جديدة — وأيضًا لأننا نشعر بحاجة إنسانية عميقة للتواصل والحب والصداقة والحياة ضمن مجتمع. والروابط التي نقيمها مع الآخرين هي ما نسميه المجتمع المدني. يمكن أن تأخذ هذه الروابط عددًا مدهشًا من الأشكال المتنوعة؛ عائلات، وكنائس، ومدارس، ونوادٍ، ومجتمعات أخوية، وجمعيات ملكية مشتركة، ومجموعات أحياء سكنية، وعددًا مهولًا من أشكال التجمعات التجارية، كشركات التضامن والمؤسسات واتحادات العمال والروابط التجارية. تخدم جميع هذه الروابط الحاجات الإنسانية بمختلف الطرق. يمكن تعريف المجتمع المدني إجمالًا بأنه جميع أشكال التجمع الطبيعية والاختيارية في المجتمع.
يفرق بعض المحللين بين المؤسسات التجارية والمؤسسات غير الربحية، بحجة أن المشاريع التجارية هي جزء من السوق، وليست جزءًا من المجتمع المدني، لكنني أتبع الرأي التقليدي الذي يقول إن الفارق الحقيقي هو بين الروابط الجبرية — الدولة — والروابط الطبيعية أو الطوعية، وهي كل ما سوى الدولة. وسواء أنشئ كيان بعينه بغرض تحقيق الربح أو لأغراض أخرى، فإن السمة المميزة له هي أن مشاركتنا به تكون اختيارية طوعية.
وفي ظل كل هذا الارتباك حول المجتمع المدني و«الغاية الوطنية»، علينا أن نتذكر النقطة التي ذكرها إف إيه هايك، والتي قال فيها إن الروابط الموجودة داخل المجتمع المدني تُنْشَأ لتحقيق هدف محدد، لكن المجتمع المدني ككل ليس له هدف واحد؛ إذ إنه النتيجة العفوية غير المخطط لها لكل هذه الروابط الهادفة.
السوق كحالة تعاون

يعد السوق عنصرًا رئيسيًّا من عناصر المجتمع المدني. ينشأ السوق من واقع حقيقتين: الحقيقة الأولى هي أن البشر يستطيعون أن يحققوا عن طريق التعاون فيما بينهم أكثر مما يمكنهم تحقيقه عندما يعملون فرادى، والحقيقة الثانية هي أننا ندرك هذا. فلو كان التعاون لا يقدم لنوعنا أي ميزة على العمل الفردي، أو لو كنا لا نستطيع تمييز فوائد التعاون، لبقينا منعزلين منفردين. لكن الأسوأ، كما أوضح لودفيج فون ميزس، هو أن: «كل شخص كان سيُجبَر على رؤية غيره من البشر كأعداء، وكانت رغبته الشديدة لإرضاء شهواته ستضعه في صراع لا يهدأ مع جميع جيرانه.» فدون إمكانية وجود فائدة متبادلة ناتجة عن التعاون وتقسيم العمل، لم تكن مشاعر التعاطف أو الصداقة، أو حتى نظام السوق، لتظهر.
في شتى أرجاء نظام السوق يتنافس الأفراد والشركات من أجل التعاون على نحو أفضل. تتنافس شركتا جنرال موتورز وتويوتا كي تتعاونا مع المسافرين على تحقيق أهداف التنقل. وتتنافس شركتا إيه تي آند تي وإم سي آي كي تتعاونا مع المستخدمين على تحقيق أهداف التواصل مع الآخرين. في الحقيقة، تتنافس الشركتان على التعاون معي بعدوانية شديدة دفعتني إلى التعاون مع شركة اتصالات أخرى وفرت لي راحة البال عن طريق جهاز رد آلي على المكالمات الهاتفية.
غالبًا ما يشكو منتقدو الأسواق من أن الرأسمالية تشجع المصلحة الذاتية وتكافئها. لكن حقيقة الأمر هي أن الناس يهتمون بمصلحتهم الذاتية في ظل أي نظام سياسي. الأسواق توجه مصلحتهم الذاتية في اتجاهات مفيدة اجتماعيًّا. ففي السوق الحرة يحقق الناس أهدافهم الخاصة عن طريق اكتشاف ما يريده الآخرون ومحاولة تقديمه لهم. قد يعني هذا أن يعمل عدد من الأشخاص معًا لصناعة شبكة لصيد السمك أو شق طريق. في النظم الاقتصادية الأكثر تعقيدًا يعني هذا سعي المرء لتحقيق الربح لنفسه عن طريق تقديم البضائع أو الخدمات التي تلبي احتياجات الآخرين أو رغباتهم. وسينعم العمال ورواد الأعمال الذين يلبون تلك الاحتياجات على الوجه الأمثل بالأرباح، أما من يعجزون عن ذلك فسرعان ما سيكتشفون ذلك ويُشجَّعون على محاكاة منافسيهم الأكثر نجاحًا أو تجريب طريقة جديدة.
إن جميع المؤسسات الاقتصادية التي نراها في السوق ما هي إلا تجارب لإيجاد طرق أفضل للتعاون من أجل تحقيق أهداف مشتركة. ووجود نظام من حقوق الملكية وسيادة القانون والحكومة ذات السلطات المحدودة كل ذلك سيوفر مجالًا أكبر للناس ليجربوا أنواعًا جديدة من التعاون. وقد سمح تطور المؤسسات بتنفيذ مهام اقتصادية أكبر من تلك التي يستطيع الأفراد أو الشراكات تحقيقها. فمؤسسات مثل جمعيات الملكية المشتركة والصناديق المشتركة وشركات التأمين والبنوك والتعاونيات المملوكة للعمال، وغيرها الكثير، ما هي إلا محاولات لحل مشكلات اقتصادية معينة عن طريق إيجاد أشكال جديدة من الروابط. وقد ثبت عدم فعالية بعضها؛ فعدد كبير من المؤسسات المختلطة في ستينيات القرن العشرين، على سبيل المثال، ثبت أنها غير قابلة للإدارة، وفقد المساهمون بها أموالهم. يوفر رد الفعل السريع من جانب عملية السوق المحفزات إما لتقليد أشكال المؤسسات الناجحة أو تثبيط الأشكال غير الناجحة منها.
إن التعاون جزء لا يتجزأ من الرأسمالية، مثله مثل المنافسة، كلاهما من العناصر الرئيسية لنظام الحرية الطبيعية البسيط، وأغلبنا يقضي من الوقت في التعاون مع شركاء وزملاء العمل والموردين والزبائن أكثر مما يقضيه في التنافس.
يمكن أن تكون الحياة بغيضة وقاسية وقصيرة إذا قضيناها في عزلة. ولحسن حظنا جميعًا هي ليست كذلك في المجتمع الرأسمالي.

العلاج الاستثماري ودافع الرحمة


بقلم توم جي بالمر


في هذا المقال يقدم محرر هذا الكتاب تأملًا شخصيًّا مبنيًّا على خبرته في العلاج من الألم. وهو ليس مقدمًا كمبدأ عام، أو يقصد منه أن يكون إسهامًا في العلوم الاجتماعية، بل هو محاولة لاستيضاح العلاقة بين العمل التجاري والرحمة.
***

لا بد أن العلاج الاستثماري الهادف للربح أمر بشع وغير أخلاقي. فعلى أي حال، هو عرضة للهجوم طوال الوقت باعتباره كذلك. في الواقع، بينما أكتب هذه الكلمات أسمع هجومًا شرسًا على المستشفيات الخاصة عبر هيئة الإذاعة الكندية. وكما يقول الناس، فإنه حين يهتم الأطباء والممرضات ومدراء المستشفيات بالدخل فقط، تغيب الرحمة وتحل محلها الأنانية وقسوة القلب. لكني حظيت بفرصة رؤية الموضوع من منظور جديد حين وجدت نفسي مضطرًّا لزيارة مستشفيين — أحدهما استثماري، والآخر غير استثماري — لتسكين الألم المصاحب لحالة مرضية مؤلمة مُقعِدة.
عانيت مؤخرًا من فتق بغضروف إحدى فقرات العمود الفقري، وهو ما سبب لي ألمًا لم أتخيله ممكنًا من فرط شدته. ذهبت لأخصائي بأحد المستشفيات المحلية الاستثمارية، ورتب لي إجراء تصوير بالرنين المغناطيسي في غضون ساعة في مركز أشعة استثماري قريب. بعدها رتب لي الحصول على حقنة لتسكين التهاب الأعصاب الداخلة إلى العمود الفقري، التي كانت سببًا للألم. كنت في حالة من الألم الشديد حتى إنني كنت عاجزًا عن الحركة تقريبًا. كانت عيادة علاج الألم الاستثمارية بالمستشفى الاستثماري الذي ذهبت إليه عامرة بالأطباء والممرضات الذين أظهروا قدرًا كبيرًا من الشفقة وعاملوني بكل لين. وبعد أن تأكدت الممرضة من تفهمي للإجراء الطبي الذي سأمر به وأنني فهمت كل التوجيهات، قدمت الطبيبة التي ستعطيني الحقنة نفسها لي وشرحت كل خطوة، ثم بدأت العمل باحترافية وباهتمام واضح براحتي في الوقت عينه.
بعد عدة أسابيع شهدت حالتي تحسنًا كبيرًا، لكن استمر الألم والوهن. نصحني طبيبي بالحصول على حقنة مسكنة أخرى للتعجيل بالوصول إلى حالتي الطبيعية. لكن لسوء الحظ، كانت العيادة الاستثمارية محجوزة بالكامل لثلاثة أسابيع تالية. لم أشأ الانتظار كل هذه المدة واتصلت بمستشفيات أخرى في المنطقة. تمكن أحد المستشفيات الشهيرة المحترمة غير الاستثمارية من ترتيب موعد لي بعد يومين. وبالفعل حجزت الموعد بكل سرور.
حين دخلت المستشفى غير الاستثماري، تحدثت إلى بعض الرجال والسيدات المتقاعدين الخدومين الذين كانوا يرتدون زي المتطوعين الأنيق. كان من الواضح أنهم أشخاص محبون للخير، كما يتوقع المرء من مستشفى غير استثماري غير هادف للربح. بعد ذلك مشيت مستندًا على عكازي صوب عيادة علاج الألم، وهناك سجلت اسمي. جاءت ممرضة ونادت اسمي وبعد أن عرفتها بنفسي جلست إلى جواري في حجرة الانتظار. جرت المقابلة وأنا محاط بأشخاص غرباء. ولحسن الحظ لم تكن هناك أية أسئلة محرجة. لكني لاحظت أن الممرضات الأخريات كن يحدثن المرضى بلهجة آمرة. أمرت إحدى الممرضات مريضة، كان من الواضح أنها تتألم، بالجلوس في مقعد آخر، وبعد أن قالت المريضة إنها كانت مرتاحة أكثر حيث هي أشارت الممرضة نحو المقعد الآخر وقالت: «كلا، اجلسي هناك!» وحين اقتربت مني الممرضة عينها، أعتقد أن مظهري أخبرها بأنني لن أقبل بأن تعاملني كتلميذ في مدرسة. ودون أن تنبس بكلمة أشارت إلى غرفة الفحص، فدخلت إلى هناك.
دخل الطبيب المعالج، ودون مقدمات أو تعريف باسمه أو مصافحة، نظر في ملفي وغمغم ببضع كلمات لنفسه ثم أمرني بالجلوس على الفراش، وأن أنزل بنطالي وأرفع قميصي. أخبرته أنني عندما أخذت الحقنة المرة السابقة كنت مستلقيًا على جانبي، وأن هذا الوضع أكثر راحة لي؛ لأن الجلوس كان يسبب لي الكثير من الألم. لكنه أخبرني أنه يفضل أن أجلس، فرددت عليه بأنني أفضل الاستلقاء. قال إن جلوسي سيجعل دخول الحقنة أسهل، وهو أمر في مصلحتي كما هو في مصلحته، لذا أذعنت. بعد ذلك، وعلى عكس الطبيبة بالمستشفى الاستثماري، دفع الإبرة بعنف وحقنني بالدواء بشكل آلمني بشدة، حتى إنني صرخت، وهو ما لم يحدث في المرة السابقة. ثم أخرج الإبرة ودَوَّنَ شيئًا في ملفي واختفى عن ناظري. ثم ناولتني الممرضة ورقة ما وأشارت إلى طريق الخروج. دفعت المبلغ المطلوب وغادرت.
الربح والرحمة

هذه خبرة محدودة للغاية يصعب على أساسها المقارنة بين العلاج الاستثماري والعلاج غير الاستثماري، لكنها قد توحي بشيء عن دافع الربح وعلاقته بالرحمة. هذا لا يعني أن المستشفيات الاستثمارية هي وحدها التي تجتذب الأفراد الرحماء الحنونين؛ لأن المتطوعين كبار السن بالمستشفى غير الاستثماري كانوا رحماء حنونين لا ريب. لكني لا أملك أن أمنع نفسي من التفكير في أن الأطباء والممرضات العاملين بالعيادة الاستثمارية داخل المستشفى الاستثماري لديهم دافع للرفق بالمرضى أثناء العمل. وعلى أي حال، إذا احتجت علاجًا آخر أو طلب مني أحدهم أن أرشح له مستشفى، فسأفكر في المستشفى الاستثماري. بيد أنني لن أعود إلى المستشفى غير الاستثماري أبدًا، أو أرشحه، وأعتقد أنني أعرف السبب؛ فالأطباء والممرضات هناك لم يكن لديهم سبب يجعلهم يرغبون في أن أفعل ذلك. والآن صرت أدرك لماذا كان من السهل على المستشفى غير الاستثماري أن يستقبلني بهذه السرعة. فأنا أشك أن من يُعالج لديهم يعود إليهم مرة ثانية.
لا يعني هذا أن الربح شرط أساسي، أو حتى كاف، لوجود الرحمة أو الشفقة أو الكياسة. فأنا أعمل في مؤسسة غير هادفة للربح، وهي تعتمد على الدعم المتواصل لقاعدة عريضة من المتبرعين. وإذا فشلت في الوفاء بالتزاماتي المؤتمن عليها، سيتوقفون عن دعم عملي. ويتصادف أنني أعمل هناك أنا وزملائي لأننا نتشارك في الاهتمامات نفسها التي تهم المتبرعين، لذا يسير العمل على نحو متناغم. لكن حين لا يتشارك المتبرعون والموظفون و«العملاء» (سواء المرضى الذين يعانون الألم أو الصحفيون والمعلمون الذين يحتاجون المعلومات والرؤى) في القيم أو الأهداف عينها، كما هو الحال في المستشفيات غير الاستثمارية، يعمل دافع الربح بقوة ليخلق التناغم بين تلك الأهداف.
الأرباح المكتسبة في سياق حقوق قانونية محددة بدقة وموضوعة موضع التنفيذ (على عكس الأرباح التي يجنيها المرء نتيجة كونه لصًّا بارعًا) قد توفر الأساس للرحمة، لا للقسوة. يتطلب البحث عن الربح أن يضع الطبيب في اعتباره مصلحة المريض، وذلك بوضع نفسه مكان المريض، وأن يتخيل معاناة الآخرين، وأن يتحلى بالرحمة. وفي اقتصاد السوق الحرة، قد يكون دافع الربح مجرد اسم آخر لدافع الرحمة.

القسم الثاني
التفاعل الطوعي والمصلحة الذاتية



مفارقة الأخلاقيات


بقلم ماو يوشي، (ترجمه للإنجليزية جود بلانشيت)


في هذا المقال يفسر الاقتصادي والمفكر ورائد الأعمال الاجتماعية الصيني ماو يوشي الدور الذي تلعبه الأسواق في إحداث التناغم والتعاون. وهو يكشف عن فوائد البحث عن الأسعار المنخفضة والأرباح من قبل مَن ينخرطون في عملية التبادل من خلال المقارنة بين سلوك «المصلحة الذاتية» هذا والتصورات الخيالية التي يقدمها منتقدو الرأسمالية. إنه يستقي أمثلته من التراث الأدبي الصيني ومن خبراته الخاصة (وخبرات ملايين الصينيين غيره) التي مر بها خلال تجربة الصين الكارثية لإلغاء الرأسمالية.
ماو يوشي هو مؤسس معهد يونيرول ورئيسه، ومقر المعهد في بكين بالصين. ألف ماو كتبًا عدة وكتب العديد من المقالات المتخصصة والمبسطة، كما درّس علم الاقتصاد بعدد من الجامعات وأسس بعضًا من أوائل المؤسسات الخيرية غير الحكومية ومؤسسات مساعدة الذات المستقلة في الصين، وهو معروف بوصفه مناصرًا شجاعًا للحرية. في خمسينيات القرن العشرين عوقب بالعمل بالسخرة وبالنفي و«إعادة التعليم» وكاد يلقى حتفه جوعًا لقوله: «إذا لم نجد مكانًا نشتري منه اللحم فينبغي أن ترتفع أسعار اللحم.» وقوله: «إذا أراد الرئيس ماو مقابلة أحد العلماء، فمن ينبغي أن يذهب إلى الآخر؟» وفي عام ????، قبل طباعة هذا الكتاب مباشرة، كتب وهو في سن الثانية والثمانين مقالًا مبسطًا نُشر على موقع كايشين باسم «إعادة ماو تسي تونج إلى الشكل البشري»، تسبب هذا المقال في تلقيه تهديدات عدة بالقتل وأكسبه سمعة طيبة كصوت عظيم للأمانة والعدالة. ماو يوشي هو أحد أعظم الشخصيات المناصرة لليبرتارية في عالمنا المعاصر، وقد عمل دون كلل على نشر الأفكار الليبرتارية والحرية بين أفراد الشعب الصيني والعالم أجمع.
***

صراع المصالح في أرض السادة المهذبين

بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كتب المؤلف لي روزين رواية بعنوان «أزهار في المرآة». تصف الرواية شخصًا يدعى تانج آو يضطر بسبب نكسة في حياته المهنية إلى اتباع صهره في رحلة عبر البحار. وأثناء الرحلة يزوران عددًا كبيرًا من البلدان المختلفة التي تحتوي على مناظر وأصوات رائعة وعجيبة. وكان أول بلد يزورانه هو «أرض السادة المهذبين».
جميع سكان «أرض السادة المهذبين» يعانون عن قصد كي يضمنوا إفادة الآخرين. يصف الفصل الحادي عشر من الرواية ناظر المزرعة (يتعمد لي روزين هنا استخدام هذه الشخصية الصينية على النحو المفهوم في الصين القديمة، حين كانت تتمتع بامتيازات خاصة وعادة ما كان أصحاب هذا المنصب يتنمرون على العامة) وهو يمر بالموقف الآتي أثناء شراء بعض السلع: بعد أن عاين ناظر المزرعة مجموعة من السلع قال للبائع: «صديقي، لديك هنا بعض البضائع عالية القيمة، ومع هذا فثمنها بخس للغاية. كيف سأشعر بالراحة لو أنني استغللتك هكذا؟ إذا لم ترفع الثمن فستمنعنا من الشراء منك بعد اليوم.»
يرد البائع: «إن مجيئك إلى متجري هو منة تسديها إليّ. يقال إن البائع يطلب ثمنًا عاليًا كعلو السماء، ويرد المشتري بتقليل الثمن إلى الأرض. إن الثمن الذي أطلبه عالٍ كعلو السماء، ومع ذلك فأنت تطلب مني أن أرفعه أكثر. يصعب عليّ الموافقة على ذلك. من الأفضل أن تذهب لمتجر آخر لتشتري منه.»
يرد ناظر المزرعة، بعد أن يسمع رد البائع، بقوله: «لقد طلبت ثمنًا بخسًا لمثل هذه السلع عالية القيمة. ألن يعني هذا خسارتك؟ علينا أن نتصرف دون خداع وعلى نحو متزن. ألا يمكن أن يقال إن بداخل كل واحد منا عدادًا مغروسًا فيه على نحو فطري؟» وبعد الجدال لبعض الوقت يستمر إصرار البائع على عدم رفع الثمن، بينما يشتري ناظر المزرعة، وهو يشعر بالغضب، نصف السلع التي كان ينوي شراءها في الأصل. وبينما كان على وشك الرحيل، يقف البائع في طريقه. وهنا يتدخل رجلان عجوزان، وبعد تقدير الموقف يحكمان بأن يأخذ ناظر المزرعة ?? بالمائة من البضائع ويرحل.
بعد ذلك تصف الرواية عملية بيع وشراء أخرى يرى فيها المشتري أن السعر المطلوب في البضاعة بخس للغاية لأن قيمتها عالية، بينما يصر البائع على أن البضاعة ليست طازجة وينبغي أن تُعتبر عادية. وفي النهاية يختار المشتري أسوأ البضائع التي يعرضها البائع، وهو ما يجعل الواقفون بالجوار يتهمونه بالظلم، وبالتالي يأخذ المشتري نصف احتياجاته من البضاعة عالية القيمة والنصف الآخر من البضاعة منخفضة القيمة. وفي عملية البيع والشراء التالية يبدأ الطرفان في التنازع أثناء تقييم وزن العملات الفضية وجودتها. فالمشتري الذي سيدفع بالعملات الفضية يؤكد أن عملاته ذات جودة منخفضة ووزنها منقوص، بينما يصر البائع الذي يتلقى العملات الفضية على أنها ذات جودة ووزن ممتازين. وبعد أن يغادر المشتري يجد البائع نفسه مضطرًّا لإعطاء العملات التي يرى أنها تزيد عما يستحقه إلى شحاذ قادم من بلد غريب.
ثمة نقطتان تثيرهما الرواية تستحقان المزيد من التدبر:
أولاهما: أنه حين يقرر كلا الطرفين التخلي عن نصيبه في الربح أو يصر على أن نصيبه في الربح مرتفع أكثر من اللازم، ينشب خلاف. في الحياة الواقعية تنشأ أغلب الخلافات من سعينا وراء مصالحنا الخاصة. ونتيجة لذلك عادة ما نقع في خطأ الافتراض بأننا لو أخذنا جانب الطرف الآخر، فلن يقع أي خلاف. لكن في أرض السادة المهذبين يمكننا أن نرى أن تبني مصالح الغير، كأساس لقراراتنا، يؤدي بدوره إلى نشوب الصراع، ونتيجة لذلك لا يزال علينا البحث عن أساس منطقي للمجتمع المتناغم المتجانس.
بالمضي خطوة إضافية في بحثنا سندرك أنه في الصفقات التجارية في العالم الواقعي يسعى كلا طرفي التعامل وراء مكاسبه، ومن خلال إعادة التفاوض على الشروط (بما فيها الثمن والجودة) يستطيع الطرفان الوصول لاتفاق. لكن على النقيض، في أرض السادة المهذبين، يستحيل التوصل لمثل هذا الاتفاق. وفي الرواية يتعين على المؤلف الاستعانة بالعجوز والشحاذ، بل يلجأ إلى الإجبار لحل الصراع.1 وهنا نواجه بحقيقة عميقة ومهمة: هي أن المفاوضات التي يسعى كل طرف فيها إلى تحقيق مصلحته الخاصة يمكنها الوصول لحالة من التوازن، بينما لو سعى كل طرف لمصلحة الطرف الآخر فلن يصلا إلى اتفاق أبدًا. والأدهى من ذلك أن هذا سيخلق مجتمعًا في حالة خلاف دائم مع نفسه. هذه الحقيقة تناقض تمامًا توقعات أغلب البشر. ولأن أرض السادة المهذبين عاجزة عن الوصول لحالة من التوازن في العلاقات بين سكانها، ستتحول في نهاية المطاف إلى «أرض الفظاظ الغلاظ». ولأن أرض السادة المهذبين موجهة نحو الاعتناء بمصالح الآخرين تصير منبتًا ملائمًا للشخصيات الفاسدة. وحين يفشل السادة المهذبون في إتمام أي صفقة يكون الفظاظ الغلاظ قادرين على الاستفادة عن طريق استغلال حقيقة أن السادة المهذبين يسعون للربح من خلال تقويض مصالحهم الخاصة. وإذا استمرت الأمور على هذا النحو من المرجح أن ينقرض السادة المهذبون وأن يحل محلهم الفظاظ الغلاظ. من النقطة السابقة يمكننا أن نرى أن البشر يستطيعون التعاون فقط حين يسعون وراء مصالحهم الخاصة. فهذا هو الأساس الآمن الذي تستطيع البشرية الوقوف عليه في صراعها من أجل الوصول إلى عالم مثالي. وإذا سعى كل بشري، على نحو مباشر وحصري، وراء مصلحة الآخرين، فسيستحيل تحقيق أي مثل من المثل العليا.
إذا استعنا بالواقع كنقطة بداية فسنجد أننا لكي نقلل الصراع سيتعين علينا جميعًا بطبيعة الحال أن نولي الاهتمام لإخوتنا من البشر، وأن نجد السبل لكبح رغباتنا الأنانية. لكن إذا صار الاهتمام بمصلحة الآخرين هو هدف جميع سلوكياتنا، فسينتج هذا الأثر عينه الذي وصفه لي روزين في أرض السادة المهذبين. هناك من قد يقول إن عناصر الحياة الهزلية المصورة في أرض السادة المهذبين يستحيل أن توجد في العالم الحقيقي، لكن كما تؤكد لنا الرواية، فإن لأحداث العالم الحقيقي وأحداث أرض السادة المهذبين أسبابًا مشابهة. بعبارة أخرى، يفتقد كل من العالم الحقيقي وأرض السادة المهذبين للوضوح حيال مبدأ السعي وراء المصلحة الذاتية.
ما دوافع سكان أرض السادة المهذبين؟ علينا أولًا أن نتساءل: «لماذا يرغب البشر في التبادل؟» سواء كان التبادل على الصورة البدائية لنظام المقايضة أو على الصورة الحديثة لمبادلة السلع بالنقود، فالدافع وراء التبادل هو تحسين حال الفرد، وإضفاء المزيد من الراحة والرفاهية على حياته. فبدون هذا الدافع لِمَ يختار الناس التبادل بدلًا من أن يكدح كل فرد في عمله؟! إن كل المتع المادية التي نتلقاها، من الإبر والخيط إلى الثلاجات والتليفزيونات الملونة، لا تتوافر إلا بالتبادل. وإذا كف الناس عن التبادل فلن يكون بمقدور أي شخص سوى زراعة الحبوب والقطن في الريف، وأن يستخدم الطوب اللبن في بناء المنازل، وأن يكافح كي ينتزع من التربة كل الأشياء التي يحتاجها للعيش. وبهذه الصورة كل ما سيقدر الفرد على عمله هو العيش عيشة الكفاف مثلما فعل أسلافنا لعشرات الآلاف من السنين. لكننا بالتأكيد لن نستمتع بأي من المنافع التي تقدمها لنا حضارتنا الحديثة اليوم.
إن سكان أرض السادة المهذبين لديهم بالفعل دولة وسوق، وهو ما يبين أنهم هجروا اقتصاد الاكتفاء الذاتي واختاروا السير على طريق التبادل من أجل تحسين ظروفهم المادية. في هذه الحالة، لماذا يرفضون التفكير في مصالحهم الخاصة عند الانخراط في معاملاتهم الاقتصادية؟ بطبيعة الحال، لو كان هدف التبادل من البداية هو تقليل مزايا الفرد وتعظيم مزايا الآخرين، فإن السلوك «المهذب» قد يكون له وجود. لكن كما يدرك أي شخص شارك في عمليات تبادل، أو له خبرة بها، فإن كلا طرفي التبادل يشترك فيه من أجل مصلحته الخاصة، بينما مَن يتصرفون على نحو مناقض لمصلحتهم الذاتية أثناء عملية التبادل يعانون تشوشًا في دوافعهم.
هل من المجدي تأسيس المجتمع على المنفعة المتبادلة دون التفاوض حول الثمن؟

إبان الفترة التي كانت فيها حياة لي فينج2 وأفعاله محل تأييد في الصين، كان من المعتاد أن نرى على شاشات التليفزيون صورة لأحد مقلدي لي فينج المخلصين العطوفين وهو يصلح الأواني والقدور لحشود من الناس. وسنلحظ وقتها طابورًا طويلًا من البشر يصطف أمامه، وكل واحد منهم يحمل إناءً متآكلًا يحتاج لإصلاح. الرسالة المقصودة من هذه الصور كانت تشجيع الآخرين على محاكاة هذا التابع عطوف القلب للي فينج، وتركيز انتباه العامة على هذا النموذج. لاحظ أنه لولا ذلك الطابور الطويل من الأشخاص، لم تكن الدعاية لتتمتع بأي قوة إقناع. علينا أيضًا أن نلحظ أن من اصطفوا لإصلاح قدورهم وأوانيهم لم يأتوا للتعلم من لي فينج، بل على العكس، لقد كانوا هناك للبحث عن مكسب خاص بهم على حساب غيرهم. مع أن هذه الدعاية يمكنها أن تعلم البعض كيفية إسداء أفعال الخير للآخرين، فإنها في الوقت ذاته تعلم الناس كيف يستفيدون على نحو شخصي من عمل غيرهم. في الماضي، كان يُعتقد أن الدعاية التي تحث الناس على العمل لخدمة الآخرين دون مقابل يمكنها تحسين الأخلاقيات الاجتماعية. لكن هذا أمر مغلوط لا ريب لأن من يتعلمون كيف يسعون خلف نوع معين من المزايا الخاصة سيفوقون في العدد من يتعلمون كيف يعملون في خدمة الآخرين. من منظور المكاسب الاقتصادية يعد الالتزام العام بخدمة الآخرين أمرًا هدامًا. فمن ينجذبون لعرض خدمة الإصلاح المجاني من المرجح أنهم يحملون أشياء تالفة لا تستحق في واقع الأمر الإصلاح، بل ربما تكون آتية مباشرة من القمامة. لكن لأن سعر إصلاح هذه الأشياء أصبح الآن يساوي صفرًا، فإن الوقت القليل المخصص لإصلاحها سيزيد، والأمر عينه ينطبق على الخامات الشحيحة المستخدمة في إصلاحها. وبما أن عبء إصلاح هذه الأشياء يقع على عاتق الغير، تكون التكلفة الوحيدة التي سيتحملها الشخص العادي الساعي للحصول على إصلاح مجاني هو الوقت المستغرق في الوقوف في الطابور. من منظور المجتمع ككل، فإن كل الوقت والجهد والخامات المستهلكة في إصلاح هذه الأشياء التالفة سينتج عنه قدور وأوانٍ تكاد تكون غير صالحة للاستخدام. وبدلًا من ذلك، إذا سُخر الوقت والخامات في أنشطة أكثر إنتاجية، فسيخلق هذا قيمة أكثر للمجتمع بكل تأكيد. ومن منظور الكفاءة الاقتصادية والمصلحة العام، فإن أعمال الإصلاح الإلزامية التي تتم دون مقابل ستكون أضرارها أكثر من فوائدها.
والأدهى من ذلك أنه لو عرض تابع آخر عطوف القلب للي فينج أن يقف في الطابور مكان أحد الأشخاص الذين يحملون القدور وينتظرون خدمات الإصلاح، وبالتالي يوفر على الشخص المسكين مشقة الانتظار، فإن طابور الواقفين المنتظرين إصلاح أشيائهم سيصير أطول. سيكون هذا في الواقع منظرًا عبثيًّا، تقف فيه مجموعة في طابور حتى يتسنى لمجموعة أخرى ألا تقف هي. مثل هذا النظام من الالتزام يفترض مسبقًا وجود مجموعة مستعدة لتلقي الخدمة كشرط مسبق. ويستحيل أن تكون أخلاقيات الخدمة هذه عامة. ومن الجلي أن من يفاخرون بسمو مثل هذا النظام للخدمة المتبادلة دون ثمن لم يفكروا في الأمر جيدًا.
والالتزام بإصلاح أغراض الآخرين مجانًا أمر له نتيجة أخرى غير متوقعة. فإذا فاق عدد أتباع لي فينج من يعملون في مهنة الإصلاح، فسيفقد هؤلاء العاملون وظائفهم ويعانون كثيرًا.
إنني لا أعارض بأي صورة دراسة لي فينج؛ إذ إنه ساعد المحتاجين، وهو نشاط إيجابي للمجتمع، بل ضروري أيضًا. لكن الاشتراط بأن تكون خدمة الآخرين أمرًا ملزمًا يتسبب في عدم التجانس والفوضى ويشوه الروح التطوعية للي فينج.
في مجتمعنا يوجد أشخاص مولعون بالانتقاد، وهم يمقتون المجتمع الذي، وفق تقديرهم، يعلي من قيمة المال فوق أي شيء آخر. إنهم يظنون أن مَن يملكون المال أشخاص لا يطاقون وأن الأغنياء يرون أنفسهم في منزلة أعلى من بقية المجتمع، بينما يعاني الفقراء من أجل البشرية. إنهم يؤمنون بأن المال يشوه العلاقات الطبيعية بين البشر. ونتيجة لذلك هم يرغبون في خلق مجتمع قائم على الخدمات المتبادلة، خال من أي حديث عن المال أو الأسعار. في مثل هذا المجتمع سيزرع الفلاحون الطعام دون تفكير في العوائد، ويحيك العمال الملابس للجميع، أيضًا دون انتظار لعائد، ويقص الحلاقون الشعر دون مقابل … إلخ. هل هذا المجتمع المثالي عملي؟
للإجابة على ذلك نحن بحاجة للعودة إلى النظرية الاقتصادية الخاصة بتخصيص الموارد، التي تتطلب منا الانحراف عن موضوعنا قليلًا. ولتسهيل الأمر يمكننا البدء بتجربة فكرية. فكر في عمل الحلاق. في الوقت الحالي يقص الرجال شعرهم كل ثلاثة إلى أربعة أسابيع، لكن لو كان قص الشعر مجانيًّا، قد يذهبون للحلاق كل أسبوع. إن تقاضي المال مقابل قص الشعر يحقق استفادة أفضل من عمل الحلاق. وفي السوق يحدد ثمن الخدمات التي يقدمها الحلاق حصة العمالة المخصصة لهذه المهنة. فإذا جعلت الدولة سعر قص الشعر منخفضًا فسيزيد بالتالي عدد من يسعون لقص شعرهم، وبالتبعية ستكون هناك حاجة لزيادة عدد الحلاقين، ويتحتم تقليل الوظائف الأخرى إذا أردنا الحفاظ على قوة العمل الإجمالية ثابتة. وما ينطبق على الحلاقين ينطبق بالمثل على المهن الأخرى.
في العديد من المناطق الريفية بالصين من الشائع تقديم خدمات مجانية. فإذا أراد أحدهم بناء منزل جديد يذهب أصدقاؤه وأقرباؤه لمساعدته في عملية البناء. وعادة ما يتم هذا دون أجر، عدا الوجبات الكبيرة المقدمة لمن مدوا يد العون. وفي المرة التالية التي يبني فيها أحد أصدقاء الشخص المستفيد منزلًا، يقدم من استفاد من قبل عمله المجاني كنوع من رد الجميل. وكثيرًا ما يصلح رجال التصليح الأجهزة الكهربية دون تلقي أموال مقابل ذلك، ويتوقعون فقط الحصول على هدية خلال إجازة رأس السنة الصينية كنوع من التعويض. مثل هذه التبادلات غير المالية لا يمكنها أن تقيس بدقة قيمة الخدمات المقدمة. وبالتالي، لا تُطوَّر قيمة العمل على النحو الفعال، ولا يتم التشجيع على تقسيم العمل في المجتمع. يلعب المال والأسعار دورًا مهمًّا في تطور المجتمع. لا ينبغي أن يأمل أحد في أن يحل المال محل مشاعر مثل الحب والصداقة، لكن لا يعني هذا أن الحب أو الصداقة يمكنهما أن يحلا محل المال. إننا لا نستطيع الاستغناء عن المال لمجرد أننا نخشى أنه سيتسبب في تآكل روابط المشاعر البشرية. في الواقع، تعد الأسعار المعبر عنها بالمال الطريقة الوحيدة المتاحة لتحديد الكيفية التي نخصص بها الموارد لأعلى الاستخدامات قيمة. وإذا حافظنا على كل من الأسعار المالية وأسمى مشاعرنا وقيمنا، نستطيع أن نأمل في بناء مجتمع يتسم بالكفاءة والإنسانية في الوقت ذاته.
توازن المصالح الذاتية

افترض أن شخصين، (أ) و(ب)، يريدان اقتسام تفاحتين كي يتناولاهما. يبادر الشخص (أ) بالتحرك أولًا ويمسك بالتفاحة الأكبر. يسأله الشخص (ب) في ضيق: «كيف لك أن تكون بمثل هذه الأنانية؟» وهنا يرد (أ) بقوله: «إذا بادرت أنت بأخذ التفاحة أولًا، أي التفاحتين كنت ستختار؟» يرد (ب): «كنت سآخذ التفاحة الأصغر»، هنا يرد (أ) ضاحكًا: «في هذه الحالة يتماشى اختياري تمامًا مع رغباتك.»
في هذا السيناريو يستغل الطرف (أ) الطرف (ب)؛ لأن (ب) كان يتبع مبدأ «وضع مصلحة الآخرين قبل مصلحتي»، بينما لم يتبع الطرف (أ) المبدأ نفسه. وإذا اتبعت شريحة من المجتمع هذا المبدأ بينما لم تتبعه الشرائح الأخرى، فمن المؤكد أن هذه الشريحة ستعاني خسائر بينما يحقق الباقون المكاسب. وإذا استمر ذلك الوضع دون رقابة، فمن المحتم أن يؤدي إلى صراع. ومن الواضح أنه لو قدم البعض مصلحة الغير على مصلحتهم، فلن يولد مثل هذا النظام سوى الصراع والفوضى.
وإذا سعى كل طرف من الطرفين، (أ) و(ب)، وراء مصلحة الطرف الآخر، سيكون من المستحيل حل مشكلة التفاحتين سالفة الذكر. فسيسعى كلاهما لتناول التفاحة الأصغر، وهنا ستنشأ مشكلة جديدة، مماثلة للمشكلة التي شهدناها في أرض السادة المهذبين. وما ينطبق على الطرفين (أ) و(ب) ينطبق على الجميع. فإذا كان المجتمع كله، باستثناء شخص واحد، يتبع مبدأ إفادة الآخرين بحذافيره، فسيكون المجتمع ككل في خدمة رغبات هذا الشخص، ومن الممكن منطقيًّا وجود مثل هذا المجتمع. لكن لو أن هذا الشخص اتبع هو الآخر المبدأ المذكور أعلاه والخاص بخدمة الآخرين، فسيتوقف المجتمع عن الوجود كمجتمع؛ أي كنظام للتعاون. إن مبدأ خدمة الآخرين لن يجدي إلا في حالة تفويض مهمة الاعتناء بمصالح المجتمع ككل إلى آخرين. لكن من منظور الكوكب بأسره، سيكون هذا مستحيلًا، إلا إذا أمكن تفويض مهمة الاعتناء بمصالح سكان كوكبنا إلى القمر.
سبب هذا التضارب هو أنه من وجهة نظر المجتمع ككل، لا فارق بين «الآخرين» وبين «الذات». بطبيعة الحال من منظور أي فرد بعينه فإن «ذاته» هي «ذاته»، بينما «الآخرون» هم «آخرون» ولا ينبغي الخلط بين الاثنين. ومع ذلك، من المنظور المجتمعي، كل شخص هو «ذاته» و«آخر» في الوقت عينه. وعند تطبيق مبدأ «خدمة الآخرين قبل خدمة الذات» على الشخص (أ)، على هذا الشخص أن يفكر أولًا في مكاسب وخسائر الآخرين. لكن حين يجري تبني المبدأ عينه من قبل الشخص (ب)، يصير الشخص (أ) هو الشخص الذي توضع مصالحه في الأولوية. وبالنسبة لأفراد المجتمع نفسه، فإن قضية «هل ينبغي عليهم التفكير في الآخرين أولًا أم ينبغي على الآخرين التفكير فيهم أولًا» تقود مباشرة إلى الحيرة والتناقض. ولهذا يصير مبدأ الإيثار في هذا السياق متضاربًا ومتناقضًا من الناحية المنطقية، وبهذا سيعجز عن حل أي مشكلات قد تعتري العلاقات الإنسانية. لا يعني هذا بالتأكيد أن الروح التي تحركهم لا تستحق الإطراء، أو أن مثل هذا السلوك المراعي للغير غير جدير بالثناء، وإنما يعني أنه لا يمكن أن يوفر أساسًا عامًّا يسعى أفراد المجتمع لتأمين مصالحهم المتبادلة بواسطته.
سيذكر كل من عاش خلال فترة الثورة الثقافية أنه حين كان الشعار «كافح ضد الأنانية، انتقد التعديلية» يتردد في أرجاء البلاد، كان عدد المتآمرين والوصوليين في ذروته. في ذلك الوقت آمن أغلب العامة من الشعب الصيني بأن الشعار «كافح ضد الأنانية، انتقد التعديلية» يمكن أن يكون ناموسًا مجتمعيًّا، ونتيجة لذلك بذلوا قصارى جهدهم لتطبيق قواعده الناقدة. في ذلك الوقت استخدم الانتهازيون هذا الشعار كوسيلة لاستغلال الآخرين. فقد سخروا الحملة ضد الاستغلال مبررًا للإغارة على منازل الآخرين ووضع ممتلكات الآخرين في جيوبهم. طلبوا من الآخرين التخلي عن الأنانية وأن يعترفوا، لمصلحة الثورة، بأنهم خونة أو جواسيس أو معادون للثورة، وبالتالي أضافوا نقطة إلى سجل عيوبهم. ودون تفكير كان هؤلاء الانتهازيون يضعون الآخرين في السجون كي يؤمنوا لأنفسهم منصبًا حكوميًّا رسميًّا. حتى هنا، حلّلنا المشكلات النظرية التي تعتري مبدأ «خدمة الآخرين قبل خدمة الذات»، لكن تاريخ الثورة الثقافية يثبت لنا أيضًا مدى تناقض هذا المبدأ حين يجري تطبيقه عمليًّا.
أصبحت الثورة الثقافية نسيًا منسيًّا، لكن علينا أن نذكر أنه في ذلك الوقت خضعت كل الشعارات للنقد والتدقيق. لم يعد الحال كذلك؛ إذ يبدو أن مسألة تحديد المبدأ الأنسب عند التعامل مع مشكلات المجتمع لم تعد محل تدقيق. ولا نزال نستخدم الدعاية القديمة لحث الناس على حل الخلافات، وحتى حين تُنظر القضايا في المحاكم، فإن تلك الطرق التي عفا عليها الزمان لا تزال تتمتع بقدر كبير من التأثير.
لا ريب أن القراء المتمرسين بالتجارب الفكرية سيكون لديهم أسئلة إضافية يسألونها عن القضية سالفة الذكر والخاصة بتوزيع التفاحتين على الشخصين. فإذا اتفقنا على أن مبدأ «خدمة الآخرين قبل خدمة الذات» لن يصلح كقاعدة لحل مشكلة التوزيع الأمثل للتفاحتين، فهل يعني هذا أنه لا يوجد سبيل أفضل لحلها؟ تذكر أن هناك تفاحة كبيرة وأخرى صغيرة، وأن هناك شخصين فقط يشتركان في عملية التوزيع. هل يعقل أن يعجز حتى الخالدون الصينيون الأسطوريون عن التوصل لحل ملائم؟
في مجتمع التبادل من الممكن حل الإشكالية المذكورة سابقًا. فمن الممكن أن يتشاور الشخصان أولًا أحدهما مع الآخر من أجل حل هذه المعضلة. على سبيل المثال، يمكن أن يأخذ الطرف (أ) التفاحة الأكبر، على أن يتفق الطرفان أنه في المرة التالية سيأخذ الطرف (ب) التفاحة الأكبر، أو من الممكن أن يتلقى الطرف (ب) نوعًا من التعويض مقابل حصول (أ) على التفاحة الأكبر. قد يساعد التعويض المالي على حل المشكلة؛ ففي أي مجتمع يستخدم المال، من المؤكد أن أطرافًا عدة ستكون مستعدة لاستخدام الطريقة الأخيرة. بداية بمبلغ متواضع (لنقل سنت واحد)، يمكن زيادة المبلغ تدريجيًّا إلى أن يكون الطرف الآخر مستعدًّا للقبول بالتفاحة الصغيرة إضافة إلى مبلغ التعويض. فإذا كان المبلغ المبدئي صغيرًا للغاية، يمكننا الافتراض بأن كلا الطرفين سيفضل أن يأخذ التفاحة الأكبر وأن يدفع مبلغ التعويض الهزيل. لكن مع زيادة مبلغ التعويض سنصل إلى نقطة يقبل عندها أحد الطرفين بالتفاحة الأصغر إضافة إلى التعويض. ويمكننا القول بكل تأكيد إنه لو قيّم كلا الطرفين المشكلة على نحو منطقي، فسيعثر على وسيلة لحل الخلاف. وهذه إحدى الطرق السلمية لحل مشكلة تعارض مصلحتي الطرفين.
بعد ثلاثين عامًا من الإصلاح والانفتاح بالصين، أثيرت مسألة الثروة والفقر مجددًا، في ظل الحقد المتزايد على طبقة الأغنياء كل يوم. وخلال الفترة التي كان التركيز فيها منصبًّا على الصراع الطبقي، وذلك في بداية كل حركة عظمى، كانت معاناة الماضي تُقارَن بسعادة الحاضر. كان مجتمع الماضي محل اتهام، واستُخدمت عمليات الاستغلال التي جرت به في السابق بذرة لحشد كراهية الشعب. وحين بدأت الثورة الثقافية في عام ???? (وهي الحركة المقصود منها الخلاص من كل شرور النظام الطبقي القديم)، دُفن أحفاد ملاك الأراضي في مناطق عديدة أحياء، مع أن أغلب ملاك الأراضي أنفسهم كانوا ميتين بالفعل. لم يُرحم أحد؛ لا الكبير ولا الصغير، ولا حتى النساء أو الأطفال. يقول الناس إنه مثلما يوجد حب بلا سبب، توجد بالمثل كراهية بلا مبرر. من أين أتت روح الحقد الموجهة نحو أطفال ملاك الأراضي هذه؟ جاءت من الاعتقاد الانفعالي بأن أحفاد طبقة ملاك الأراضي اعتمدوا على الاستغلال من أجل إيجاد مكانهم في العالم. واليوم صارت الفجوة بين الأغنياء والفقراء أكثر وضوحًا. ومع أنه لا يمكن لأحد أن ينكر أن البعض استخدم وسائل غير قانونية لكسب الثروة، فإن الفجوة بين الأغنياء والفقراء في أي مجتمع هي ظاهرة يستحيل تجنبها. وحتى في الدول المتقدمة التي تكون فيها السبل غير الشرعية محدودة للغاية، من المعتاد وجود فجوة بين الأغنياء والفقراء.
إن المنطق القائم وراء السخط على الأغنياء منطق واه متصدع. فإذا كان المرء ساخطًا على الأغنياء لأنه لم يصر بعد واحدًا منهم، فستكون الاستراتيجية المثلى التي يمكنه تبنيها هي أن يطيح بالأغنياء أولًا، ثم ينتظر حتى يأتي الوقت الذي يحقق هو نفسه فيه الثراء، وبعد هذا يمكنه التحول لتأييد حماية حقوق الأغنياء. بالنسبة لمجموعة معينة من الأشخاص، تعد هذه أكثر السبل عقلانية للارتقاء. لكن بالنسبة للمجتمع ككل، ما من سبيل لتنسيق هذه العملية بحيث يستطيع كل أفراد المجتمع تحقيق الثراء بالسرعة نفسها. فالبعض سيصيرون أثرياءً قبل غيرهم، وإذا انتظرنا حتى يصبح الجميع أثرياء بالمعدل نفسه، فلن يحقق أحد الثراء أبدًا. إن معارضة الأغنياء ليس لها ما يبررها؛ لأن الفقراء لن يحصلوا على فرصة أن يصبحوا أغنياء إلا إذا كانت الحقوق التي تمكن أي شخص — وكل شخص — من كسب الثروة مضمونة، وإذا كانت ثمار جهد الفرد لا تُنتهك، وإذا كانت حقوق الملكية محل احترام. والمجتمع الذي يحقق فيه المزيد والمزيد من الأشخاص الثراء ويتفقون على أنه «من الرائع أن تصير غنيًّا» هو في الحقيقة مجتمع يمكن بناؤه بالفعل.
كتب العالم الصيني لي مينج ذات مرة يقول: إن تقسيم البشر إلى فئتين، «أغنياء» و«فقراء»، هو السبيل الخطأ للتفريق بين الاثنين. وبدلًا من ذلك، ينبغي أن ينقسم البشر إلى «من يملكون» حقوقًا و«من لا يملكون» حقوقًا. وما يعنيه هو أنه في المجتمع الحديث تكون مسألة الغنى والفقر مسألة حقوق بالأساس. فالأغنياء وصلوا لما هم فيه لأن لهم حقوقًا، بينما الفقراء محرومون من حقوقهم. وما يعنيه بالحقوق هو حقوق الإنسان، وليس الامتيازات؛ فالامتيازات لا تتاح إلا لقلة قليلة من البشر. فإذا أردنا حلًّا لقضية الأغنياء والفقراء، فعلينا أولًا إرساء حقوق إنسان متساوية للجميع. إن تحليل لي مينج عميق وشامل.

المنطق الأخلاقي للمساواة وعدم المساواة في مجتمع السوق


بقلم ليونيد في نيكونوف


في هذا المقال يُخضع الفيلسوف الروسي ليونيد نيكونوف فكرة «المساواة» في التبادل لدراسة نقدية وافية، ويجد أن معظم الانتقادات المعارضة للرأسمالية التي تعتمد على مطالبات المساواة، سواء من حيث الهبة المبدئية أو القيم أو النتائج، غير منطقية.
يعمل ليونيد نيكونوف محاضرًا للفلسفة في جامعة ألتاي الحكومية في بارناول، في روسيا، حيث يُدرّس مقررات الفلسفة الاجتماعية وعلم الوجود ونظرية المعرفة وفلسفة الدين. ويعمل نيكونوف حاليًّا على مشروع كتاب عن «المقاييس الأخلاقية لليبرالية»، وقد نُشرت له مقالات في عدد من الإصدارات الأكاديمية الروسية. وفي عام ???? أسس مركز فلسفة الحرية وصار مديرًا له، وهذا المركز ينظم مؤتمرات ومسابقات ومناظرات وبرامج أخرى في كل من روسيا وكازاخستان. وقد انخرط أكثر في هذا العمل بعدما فاز بالجائزة الأولى في مسابقة المقال لعام ???? (في روسيا) عن «الرأسمالية العالمية والحرية الإنسانية»، التي رعت مؤسسة طلاب من أجل الحرية مسابقة مشابهة لها عام ????، وحضر الدورة الصيفية عن الحرية في ألوشتا بأوكرانيا (نُظم البرنامج وقتها بمسمى Cato.ru، ويُعرف الآن ? InLiberty.ru). وفي عام ???? دُعي نيكونوف لينضم إلى جمعية مونت بيليرين، التي تأسست عام ???? على يد ?? عالمًا بغرض إحياء الفكر الليبرالي الكلاسيكي، كأصغر أعضائها. ***

ليس من الضروري أن تحقق الأسواق نتائج متساوية، ولا هي تتطلب هبات متساوية. وهذه ليست مجرد تكلفة مؤسفة لوجود السوق؛ فعدم المساواة ليست نتاجًا طبيعيًّا للتبادل السوقي وحسب، بل هي شرط ضروري للتبادل، ومن دونه لن يكون للتبادل معنى. إن توقع أن ينتج عن التبادلات السوقية مساواة، وبالتالي ينتج عنها مجتمعات تكون ثرواتها مقسمة بين أرجاء السوق، ليس إلا عبثًا. تعد الحقوق الأساسية المتساوية، ومن بينها المساواة في حرية التبادل، شرطًا ضروريًّا لوجود الأسواق الحرة، لكن لا يجب أن ننتظر من الأسواق الحرة أن تحقق نتائج متساوية، أو أن تقوم على تساوي ظروف أخرى عدا الحقوق القانونية.
قد يشير مفهوم التبادل المتساوي إلى مساواة الهبات المبدئية أو مساواة النتائج. وإذا كان المعنى الأول هو المقصود، فوحدها الأطراف المتساوية في كل جانب له صلة يمكنها أن تشارك في التبادل المتساوي؛ إذ إن أي اختلاف سيخل بمساواة التبادل، ولهذا السبب يرفض البعض عقود العمل بين أصحاب العمل والموظفين ويعدونها غير متكافئة (وبالتالي ظالمة). وإذا كان المعنى الثاني هو المقصود، فقد يعني هذا أن القيم المتساوية يجري تبادلها، أو أن نتائج التبادل متساوية في قيمتها. على سبيل المثال، إذا جرى تبادل كمية البضائع نفسها ذات الجودة المتماثلة من طرف لآخر، فقد يستوفي حينها التبادل شروط المساواة. تخيل مشهدًا سرياليًّا تتبادل فيه هيئتان بشريتان متماثلتان تمامًا (أي خاليتان من أي فروق شخصية ذات صلة تعبر عن عدم المساواة)، أشياء متماثلة فيما بينهما. بصرف النظر عن شعور النفور الذي سينتابنا من هذه الصورة غير الطبيعية، فإن الحس المنطقي نفسه سيخبرنا بأن فكرة «التبادل» المتساوي تقوم على تناقض عميق. فمثل هذا التبادل لن يغير أي شيء، ولن يحسن موقف أي من الطرفين، بمعنى أن كلا الطرفين لا يمتلك سببًا للقيام بهذا التبادل من الأساس. (أصر كارل ماركس على أن التبادلات التي تجري في الأسواق تعتمد على تبادل القيم المتساوية، الأمر الذي نتج عنه نظرية اقتصادية تافهة وغير منطقية.) إن تأسيس التبادل السوقي على مبدأ المساواة يجرد التبادل من سببه الجوهري، وهو جعل الأطراف المشاركة في التبادل في حال أفضل. تقوم اقتصاديات التبادل على إقرار أطراف التبادل بعدم المساواة في تقييم البضائع والخدمات التي يجري تبادلها.
ومع ذلك، من المنظور الأخلاقي، قد تروق فكرة المساواة في نظر البعض. فالسمة الشائعة لكثير من الأحكام الأخلاقية هي أنها تُشكل وفق منطق الواجبات فقط. فهي معنية فقط بما يجب فعله، بصرف النظر عن المنطق الاقتصادي أو عما هو موجود أو حتى عما سيوجد بسبب ما يجب فعله (كما يمكننا أن نؤكد). يرى إيمانويل كانط، على سبيل المثال، أن وجود الواجب يتطلب تحقيقه، بصرف النظر عن نتائج ما يجب فعله وعواقبه وحتى إمكانياته. فالقول بوجوب فعل شيء ما يعني إمكانية فعله. لذا، حتى وإن كانت مساواة التبادل هذه منافية للعقل من المنظور الاقتصادي، فإنها قد تظل قائمة كمفهوم أخلاقي (وهي كذلك بالفعل).
تعتبر المساواة كقضية أخلاقية أمرًا معقدًا إلى حد ما. ويمكننا أن نفرق بين وجهات النظر التي يكون اهتمامها المسيطر هو تحقيق المساواة وتلك التي لا تهتم بذلك، وبناءً على ذلك يُطلَق على الأولى وجهات النظر المنادية بالمساواتية والثانية وجهات النظر المنادية باللامساواتية. المنادون باللامساواتية لا يؤكدون بالضرورة على أن المساواة أمر غير مستحب، ولا هم بحاجة للتأكيد على أن عدم المساواة أمر مستحب، بل هم فقط يرفضون تركيز المنادين بالمساواتية على نحو حصري على المساواة كهدف، خاصة التركيز على ضمان مساواة الثروة المادية، لدرجة إقصاء الأهداف الأخرى. يؤكد الليبراليون الكلاسيكيون (أو الليبرتاريون) المنادون باللامساواتية على أهمية نوع معين من المساواة، وتحديدًا، المساواة في الحقوق الأساسية، وهو النوع الذي يعتقدون أنه يتعارض مع مساواة النتائج، لذا يمكن اعتبارهم من المنادين بالمساواتية لكن من نوع آخر. (تعد المساواة في الحقوق أساس كثير من خبرات القانون والملكية والتسامح حتى إن شعوب المجتمعات الحديثة والحرة تأخذها كأمر مسلم به.) يدافع الليبرتاريون المنادون باللامساواتية والليبراليون الكلاسيكيون عن نظرتهم بوصفها أنقى أنواع المساواة أو أكثرها اتساقًا أو أكثرها استدامة، لكن المدافعين عن المساواة في «توزيع» الثروة عادة ما يزعمون أن مثل هذه المساواة التي ينادي بها الليبرتاريون مجرد مساواة شكلية؛ مساواة في الكلمات، لا الأفعال. (وهم محقون في هذا؛ فالمساواة أمام القانون معنية أكثر بما يعتقده الناس وكيف يتصرفون، وليس بحالات واقعية قابلة للوصف أو توزيعات ثابتة للأصول. ويعتمد كون تلك المقاربة الخاصة بالمساواة شكلية لا أكثر، وليست واقعية، على الكيفية التي ينظر بها المرء لأهمية الإجراءات القانونية ومعايير السلوك.)
ليس من المستغرب أن تُناقَش المسائل الفلسفية الصعبة بنشاط وحماس قبل أن تُصاغ بوضوح أو تُطرح على نحو ملائم. فقد اقترح فلاسفة الشرق والغرب المذاهب الأخلاقية قبل أن يوجد كثير من التحليل المنهجي للأحكام التي تخص الواجب والمنطق اللفظي بآلاف السنين. بدأ هذا العمل على نحو جدي على يد ديفيد هيوم، وتبعه إيمانويل كانط، ثم لاحقًا على يد الفلاسفة الوضعيين أمثال جورج مور وألفريد آير وريتشارد هير وآخرين، ولا يزال البحث في منطق الواجب والمنطق اللفظي جاريًا حتى وقتنا الحالي. ومع أن النزاع بين المنادين بالمساواتية والمنادين باللامساواتية ليس مقصورًا وحسب على التفكير في العلاقة المنطقية الملائمة بين المساواة والأخلاقيات، فإن فهم العلاقة بين المساواة والأخلاقيات قد يسهم على نحو قيم في الجدل المحتدم — المستمر حتى الآن — حول هل إعادة التوزيع الإجبارية للثروة غير المتساوية الناتجة عن التبادل السوقي أمر مطلوب أم مرفوض من الناحية الأخلاقية. (وهذه قضية منفصلة عما إذا كانت الموارد التي سُرقت من ملاكها الشرعيين، سواء بواسطة حكام الدول أو بواسطة مجرمين «مستقلين»، يجب أن تعود إلى من سُلبت منهم.)
دعونا نفكر في مشكلة أخلاقيات المساواة عن طريق طرح سؤال بسيط: لماذا تتفوق المساواة، سواءً كانت مساواة الهبات المبدئية أو النتائج، أخلاقيًّا على عدم المساواة (أو العكس)؟ تتطلب المحاولة الصادقة للوصول لحل أخلاقي لهذا النزاع أن يُطرح مثل هذا السؤال المباشر على كل من المنادين بالمساواتية والمنادين باللامساواتية.
إن نطاق الإجابات الممكنة محدود. قد يحاول المرء في البداية أن يبرهن على أن نسبًا عددية معينة (خاصة بالمساواة أو عدم المساواة) أفضل من غيرها. على سبيل المثال، تكون نسبة المتغير (س) إلى المتغير (ص) أعلى من الناحية الأخلاقية إذا كانت قيمتا المتغيرين متساويتين، وتكون أدنى من الناحية الأخلاقية إذا لم تكن كذلك؛ بمعنى أن النسبة «??:??» أعلى أخلاقيًّا من النسبة «??:??» (وبالتأكيد أعلى من النسبة «??:???»). ومع ما قد يبدو عليه هذا الموقف من وضوح بديهي، فإن قضية السمات الأخلاقية ليس من السهل حسمها. فالقيم لا تُشتق من واقع النسب الرياضية، التي تعتبر بطبيعتها محايدة أخلاقيًّا. ومن التعسف أن نؤكد على رفعة إحدى النسب الرياضية على نسبة أخرى، مثلما فعلت الممارسات الفيثاغورثية العجيبة التي صنفت الأرقام إلى ذكور وإناث وودودة وكاملة وناقصة وهكذا.
بدلًا من توجيه الاهتمام لمساواة الهبات المبدئية أو نتائج التبادل، قد يكون من المنطقي أكثر أن نركز الاهتمام على مساواة منزلة الفرد الأخلاقية الشخصية، أو عدم مساواتها، كأساس لتقييم العلاقات (بما فيها التبادلات) بين الأشخاص. وعلى هذا، لا يملك أي شخص منزلة أخلاقية أعلى (أو أدنى) من أي شخص آخر، أو، بدلًا من ذلك، قد يكون بعض الأشخاص أعلى أخلاقيًّا (أو أدنى) من أشخاص آخرين. على مثل هذا الأساس قد يخلص المرء إلى أن الإصرار على مساواة الهبات المبدئية أو النتائج قد يكون أمرًا مستحبًّا أو غير مستحب. قد تتفق كلتا وجهتي النظر على إعادة التوزيع الإجباري للثروة، سواء للخلاص من عدم المساواة أو إقرارها، وفي كلتا الحالتين سيدور الجدل حول المنزلة الأخلاقية للطرفين، بصرف النظر عن الفجوة المفاهيمية التي يستحيل رأبها بين فكرة المنزلة الأخلاقية نفسها والمواقف الواقعية التي تواجه الناس.
بصياغة القضية على هذه الصورة يكون السؤال المحوري هو السؤال عن العلاقات بين منزلة البشر الأخلاقية من جانب، وجودة أو كمية أو قيمة البضائع التي يحصل عليها الشخص من جانب آخر. وهكذا يمكننا المتابعة بطرح سؤال عن سبب وجوب أن يشرب شخصان متساويان من الناحية الأخلاقية القهوة بالكمية، أو الجودة أو القيمة، نفسها في الصباح؟ أو عن وجوب امتلاك الرجل الكريم وجاره البخيل — وكلاهما على المكانة الأخلاقية نفسها — بساتين مزدهرة متساوية تنتج محاصيل متساوية القيمة من عدمه؟ لا يبدو أن المنزلة الأخلاقية المتساوية لها علاقة واضحة بتساوي الهبات، أو الاستهلاك أو الممتلكات. تصور العلاقة بين لاعبي شطرنج، كلاهما متساويان في المكانة الأخلاقية؛ هل تقتضي مكانتهما الأخلاقية أن يملكا المهارات نفسها، أو أن تنتهي كل مباراة بينهما بالتعادل؟ أم هل تقتضي أن يلعبا بالقواعد نفسها، وهي الحقيقة التي لن تفرض قط أن تنتهي المباريات بينهما بالتعادل. لا توجد صلة مباشرة بين المنزلة الأخلاقية المتساوية والهبات المبدئية أو النتائج المحددة.
إذا ركزنا على السلوكيات والقواعد بدلًا من الهبات أو النتائج، فسنجد أن المواقف تحكمها سلوكيات البشر، واختيارهم، ونواياهم (في الحالات الإجرامية تحديدًا). إن مقدار المال الموجود في جيب أحد الأشخاص وهل يزيد أو يقل عن مقدار المال الموجود في جيب جاره ليس عنصرًا ذا دلالة أخلاقية في الحياة البشرية. بل المهم هو كيفية الحصول على ذلك المال. يمكن الحكم على رجل الأعمال الكبير وسائق السيارة الأجرة بأنهما إما عادلان أو ظالمان، بناءً على توافق أفعالهما مع المعايير الأخلاقية العامة، مثل هل يحترمان قواعد العدالة وحس الصواب والخطأ الموروث داخلهما وداخل الآخرين. لا يُستحَق الإطراء، أو اللوم، على أساس الغنى أو الفقر في حد ذاته، بل على أساس الأفعال التي يقوم بها الناس. تقدم المواقف المختلفة فرصًا مختلفة للسلوكيات الصالحة والسيئة، للفضيلة والرذيلة، للعدل والظلم، لكن هذه المعايير هي التي تحكم السلوك البشرى، لا الهبات ولا النتائج. إن التطبيق المتساوي للمعايير هو التحقيق الأخلاقي للمنزلة المتساوية معنويًّا، التي على أساسها يحق لنا أن نحكم على السلوكيات من المنظور الأخلاقي. ستعني المساواة الأخلاقية أن الجريمة جريمة، بصرف النظر عما إذا كان مرتكبها سائق سيارة أجرة أو رجل أعمال كبير، وأن التجارة النزيهة التي تدر الأرباح تجارة نزيهة، بصرف النظر عما إذا جرت بين سائِقَيْ سيارات الأجرة أو رجليْ أعمال كبيرين أو سائق سيارة أجرة ورجل أعمال كبير.
لنعد إلى التفكير في العلاقة بين الثروة والمساواة. يمكن أن تأتي الثروة نتاجًا لسلوك شريف أو تكون مغتصبة عنوة. وقد ينتج عن تبادلات السوق الحرة المزيد من المساواة أو المزيد من عدم المساواة، وبالمثل قد ينتج عن تدخلات الدولة وعمليات إعادة التوزيع إما المزيد من المساواة أو المزيد من عدم المساواة. لا يتسم أي من هذه التعاملات بالمساواة أو عدم المساواة بطبيعته. يستطيع رائد الأعمال أن يكوِّن ثروة، وبالتالي يملك أكثر مما يملكه شخص آخر، حتى وإن كانت عملية تكوين الثروة قد عادت بالنفع على ذلك الشخص الآخر أيضًا. قد ينتج عن تبادلات السوق الحرة مساواة أكبر، عن طريق نشر الرخاء وتقليص الامتيازات الظالمة لأصحاب السلطة، التي ورثوها من أنظمة سابقة. وقد يسرق لص من شخص ما، ووقتها يملك أموالًا أكثر من الضحية، مما يتسبب في زيادة عدم المساواة، أو قد يملك مثل ما تمتلكه الضحية، مما يتسبب في زيادة المساواة. بالمثل، قد ينتج عن تدخلات السلطة الجبرية المنظمة للدولة توزيعًا جائرًا للثروة، سواء عن طريق تجاهل اختيارات المشاركين بالسوق (عن طريق سياسات حماية الإنتاج الوطني والإعانات الحكومية و«السعي لتحقيق كسب غير مستحق») أو عن طريق ممارسة القوة الجبرية والعنف فحسب، كما حدث في الدول التي خضعت للحكم الشيوعي. (إن الالتزام الرسمي بتحقيق المساواة ليس مساويًا لإنتاج المساواة على أرض الواقع، وهو ما أظهرته التجارب المريرة على مر العقود.)
إن قدرة نظام قانوني واقتصادي بعينه على الاقتراب بدرجة أكبر أو أقل من المساواة في الدخل، على سبيل المثال، هي مسألة تجريبية، لا تصورية. يقيس «تقرير الحرية الاقتصادية في العالم» (www.freetheworld.com) درجات الحرية الاقتصادية، ثم يقارن النتائج بمجموعة متنوعة من مؤشرات الرفاهية الاقتصادية (طول العمر، انعدام الأمية، درجة الفساد، دخل الفرد … إلخ). لا تظهر البيانات أن قاطني الدول المتمتعة بأعلى درجات الحرية الاقتصادية أغنى من قاطني الدول ذات الحرية الاقتصادية الأقل وحسب، بل أيضًا أن عدم المساواة في الدخل (خاصة، حصة الدخل القومي التي تكسبها نسبة ا? ??? الأفقر من إجمالي السكان) لا يتباين باختلاف السياسات الاقتصادية، في حين يتفاوت مبلغ الدخل كثيرًا. فإذا قسمنا دول العالم إلى أربع شرائح (يمثل كل منها ??? من دول العالم) سنجد أن متوسط نسبة ا? ??? الأفقر من سكان شريحة الدول ذات الاقتصاديات الأقل حرية من الدخل القومي (من بينها دول مثل زيمبابوي وميانمار وسوريا) في عام ???? (آخر سنة توافرت فيها المعلومات) بلغ ?????، وفي الشريحة التالية (ثالث أعلى الاقتصاديات من حيث الحرية) ?????، وفي الشريحة التي تعلوها (ثاني أعلى الاقتصاديات من حيث الحرية) ?????، وفي أعلى الشرائح من حيث الحرية ?????. لا يسعنا تقريبًا أن نلحظ أي فارق ملحوظ بينها. يمكننا القول إن عدم المساواة تبدو محصنة ضد التأثر بالسياسات الاقتصادية. وعلى النقيض، يتفاوت مبلغ الدخل الذي يحصل عليه أفقر ??? من السكان بشكل ملحوظ؛ لأن هذا المتغير غير حصين ضد التأثر بالسياسات الاقتصادية. فإذا كنت ضمن نسبة ا? ??? الأفقر في أقل الدول من حيث الحرية الاقتصادية سيبلغ متوسط دخلك السنوي ??? دولارات، في حين أنك إذا كنت ضمن نسبة ا? ??? الأفقر في أعلى الدول من حيث الحرية الاقتصادية فسيبلغ متوسط دخلك السنوي ???? دولارًا. يعني هذا للفقراء أنه من الأفضل أن تكون فقيرًا في سويسرا عن أن تكون فقيرًا في سوريا. ليست قضية امتلاكي أنا وأنت هبات مبدئية متساوية قبل التبادل الحر، أو ملكيات متساوية بعده، بمشكلة أخلاقية في حد ذاتها. لكن من ناحية أخرى، يعد رفض معاملة الأشخاص المتساوين معنويًّا معاملة أخلاقية ورفض تطبيق القواعد المتساوية عليهم، كل هذا في محاولة لتحقيق المزيد من المساواة في النتائج (وهو، على ما يبدو، ليس بالمسعى الناجح؛ لأن هذه النتائج لا يمكن السيطرة عليها بسهولة) مشكلة أخلاقية بكل تأكيد. فذلك انتهاك للمساواة المعنوية الحقيقية.
إن الفضيحة الكبرى في العالم فيما يخص عدم تساوي الثروات ليست عدم المساواة بين الأغنياء والفقراء في المجتمعات الحرة اقتصاديًّا، بل الفجوة الهائلة بين ثروة شعوب المجتمعات الحرة اقتصاديًّا وثروة شعوب المجتمعات غير الحرة اقتصاديًّا. لكن بالإمكان رأب هذه الفجوة بين الغنى والفقر عن طريق تغيير القواعد؛ أي عن طريق تغيير السياسات الاقتصادية. إن تحرير شعوب المجتمعات غير الحرة اقتصاديًّا سينتج ثروات هائلة من شأنها تضييق الفجوة بين أغنياء العالم وفقرائه أكثر من أي سياسة يمكن تخيلها. علاوة على ذلك، سيتحقق هذا كنتيجة إيجابية لتحقيق العدالة، عن طريق الخلاص من المعاملة غير المتساوية لشعوب الدول المحكومة بوسائل فاسدة؛ كالمحاباة والمركزية والحكم العسكري والاشتراكية والفساد والقوة الجبرية. فالحرية الاقتصادية، بمعنى وجود معايير عدالة متساوية واحترام متساوٍ لحق الجميع في الإنتاج والتبادل، هي المعيار الصحيح للعدالة في نظر البشر ذوي الأخلاقيات.

آدم سميث وخرافة الجشع


بقلم توم جي بالمر


في هذا المقال، يهدم الكاتب الصورة المغلوطة التي تقضي بأن الغر الساذج آدم سميث آمن بأن الاعتماد على «المصلحة الذاتية» وحده سينتج عنه الرخاء. يبدو أن من يستشهدون بآدم سميث بهذا المعنى لم يقرءوا أكثر من بضع عبارات مأخوذة من أعماله، وهم غير واعين لتأكيده العظيم على دور المؤسسات وعلى الآثار المضرة للسلوك الهادف للمصلحة الذاتية حين يوجَّه من خلال مؤسسات الدولة الجبرية. إن سيادة القانون والملكية والاتفاقات والتبادل توجه المصلحة الذاتية نحو الفائدة المشتركة، بينما غياب القانون وعدم احترام الملكيات يعطي المصلحة الذاتية معنى مختلفًا تمامًا ويجعلها متنفسًا مؤذيًا للغاية.
***

كثيرًا ما نسمع بأن آدم سميث آمن بأنه لو كانت أفعال الناس مبنية على الأنانية وحدها، فسيسير كل شيء على ما يرام في العالم، وأن «الجشع هو ما يجعل العالم يدور». بالطبع لم يؤمن سميث بأن الاعتماد على المحفزات الأنانية فحسب سيجعل العالم مكانًا أفضل، كما لم يشجع السلوك الأناني أو يناصره. ومن شأن مناقشته الشاملة لدور «المراقب المحايد»، التي أوردها في كتابه «نظرية المشاعر الأخلاقية»، أن تحسم أمر هذا التأويل المغلوط تمامًا. لم يكن سميث مناصرًا للأنانية، لكنه بالمثل لم يكن ساذجًا بحيث يظن أن التفاني المنكر للذات في خدمة الآخرين (أو التصريح بمثل هذا التفاني) سيجعل العالم مكانًا أفضل بالمثل. وكما ذكر ستيفن هولمز في مقاله التصحيحي بعنوان «التاريخ السري للمصلحة الذاتية»1 فإن سميث كان يعرف جيدًا التأثيرات المدمرة لكثير من المشاعر «اللامبالية»، كالحسد والحقد والانتقام والتعصب وما شابهها. فالمتعصبون المنكرون لذواتهم القائمون على محاكم التفتيش الإسبانية فعلوا ما فعلوا على أمل أن يتوب المهرطقون وهم في آخر لحظات عذابهم، وبالتالي ينعمون برحمة الله. عُرف هذا بمذهب التبرير المخلّص. وقد أصر أومبرت الروماني، في تعليماته إلى القائمين على الاستجواب بمحاكم التفتيش، على أن يبرروا للرعايا العقوبات المنزلة بالمهرطقين، لأننا «نرجو الله، ونرجوكم أن ترجوه معي، بأن يسبغ نعمته على من سيعاقَبون حتى يتحملوا في صبر العقوبات التي سننزلها بهم (سعيًا للعدل، وإن كان بأسى)، وأن يسهم ذلك في خلاصهم. ولهذا السبب نحن ننزل بهم مثل هذا العقاب».2 من وجهة نظر سميث، كان من الجلي أن مثل هذا التفاني المنكر للذات في خدمة الآخرين ليس أسمى من الناحية الأخلاقية من السلوك الأناني المزعوم للتجار الساعين لإثراء أنفسهم عن طريق بيع الجعة والسمك المملح للزبائن العطاشى والجوعى. ليس سميث نصيرًا للسلوك الأناني؛ لأنه سواء كان مثل هذا الدافع يؤدي «كما لو بفعل يد خفية» إلى تعزيز المصلحة العامة أو لا إنما هو أمر يعتمد بالأساس على سياق الأفعال، وخصوصًا على السياق المؤسسي.
أحيانًا تدفعنا رغبتنا الأنانية في أن يحبنا الآخرون إلى تبني منظور أخلاقي، وذلك بأن تجعلنا نفكر في الكيفية التي نبدو بها في نظر الآخرين. وفي عمليات التفاعل الشخصي محدود النطاق الموصوفة في كتاب «نظرية المشاعر الأخلاقية» قد يسهم هذا الدافع في تعزيز المصلحة العامة؛ لأن «الرغبة في أن نصير نحن أنفسنا محط مشاعر الإعجاب المحببة، وأن نكون ودودين وفاتنين مثل أكثر من نحبهم ونفتتن بهم» تتطلب منا أن «نصير مشاهدين محايدين لشخصياتنا وسلوكنا».3 وحتى الاهتمام الزائد بالمصلحة الذاتية يبدو أنه — حين يوضع في السياق المؤسسي السليم — يمكن أن يفيد الآخرين، كما هو الحال في القصة التي يحكيها سميث عن ابن الرجل الفقير الذي يجعله طموحه يعمل بدأب من أجل مراكمة الثروة، لكنه يكتشف بعد عمر طويل من العمل الجاد أنه ليس أسعد من الشحاذ البسيط الذي يجلس ليتشمس على قارعة الطريق؛ فالسعي الطَّموح الدءوب وراء المصلحة الذاتية جعل ابن الفقير يفيد بقية البشرية، وذلك بأن قاده إلى إنتاج الثروة ومراكمتها، تلك الثروة التي جعلت وجود أشخاص كُثُر آخرين ممكنًا؛ لأن «جهود البشر أجبرت الأرض على مضاعفة خصوبتها الطبيعية، وإعالة أعداد أكثر من السكان».4 وفي السياق الأعظم للاقتصاد السياسي الموصوف في فقرات عديدة بكتاب «بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم»، خاصة تلك التي تتعرض للتفاعل مع مؤسسات الدولة، ليس من المرجح أن يؤدي السعي وراء المصلحة الذاتية إلى آثار إيجابية. فالمصلحة الذاتية للتجار، على سبيل المثال، تؤدي بهم إلى الضغط على الدولة من أجل تكوين اتحادات احتكارية وفرض سياسات حماية المنتج الوطني، بل حتى شن الحرب: «في الواقع، إن توقع استعادة حرية التجارة بالكامل في بريطانيا العظمى يومًا ما هو أمر مساوٍ في السخف لتوقعنا أن تتأسس أوشينا أو يوتوبيا بها. فليس فقط تحامل العامة هو ما يعارض هذا دون كلل، بل أيضًا المصالح الخاصة للعديد من الأفراد.»5 إن المكاسب التافهة التي يحققها التجار من الاحتكار تتحقق على حساب الأعباء المروعة التي يتحملها العامة في حالة الإمبراطوريات والحروب: في نظام القوانين الذي وضع لإدارة مستعمراتنا في أمريكا وجزر الهند الغربية، ضحينا بمصلحة المستهلك الداخلي لمصلحة المنتِج ذي الوفرة المفرطة أكثر مما حدث في أي من قواعدنا التجارية الأخرى. لقد تأسست إمبراطورية عظيمة لغرض وحيد وهو خلق أمة من المستهلكين المجبرين على أن يشتروا من محال منتِجينا المختلفين كل السلع التي يستطيع المنتجون تزويدهم بها. ولتعويض الزيادة الطفيفة في السعر التي يتكلفها منتجونا مقابل هذا الاحتكار، حُمّل المستهلكون الداخليون بجميع نفقات الحفاظ على الإمبراطورية والدفاع عنها. ولهذا الغرض، ولهذا الغرض وحده، أنفقنا في الحربين الأخيرتين أكثر من مائتي مليون، واستدنا مبالغ تتجاوز قيمتها المائة وسبعين مليونًا فوق كل ما أُنفق لتحقيق الغرض ذاته في الحروب السابقة. إن فائدة هذا الدين وحدها ليست فقط أكبر من الربح الإجمالي المذهل الذي تحقق، كما يُزعم، بفضل احتكار تجارة المستعمرات، بل هي أكبر من القيمة الإجمالية لهذه التجارة أو من القيمة الإجمالية لمتوسط السلع التي كان يجري تصديرها سنويًّا للمستعمرات.6 وعلى هذا يكون رأي سميث في مسألة كون «الجشع أمرًا طيبًا أم لا»، حسب كلمات جوردون جيكو — الشخصية الخيالية في فيلم أوليفر ستون «وول ستريت» — هو بلا شك «أحيانًا نعم، وأحيانًا لا» (على فرض أن كل سلوك للمصلحة الذاتية هو «جشع»). الفارق هو السياق المؤسسي.
ماذا عن النظرة الشائعة القائلة إن الأسواق تعزز السلوك الأناني، وإن التوجه النفسي الذي يولده التبادل يشجع على الأنانية؟ لا أملك سببًا مقنعًا يدفعني للاعتقاد بأن الأسواق تحض على الأنانية أو الجشع، بمعنى أن تفاعلات السوق تزيد من كمية الجشع داخل البشر أو ميلهم للتصرف بأنانية بأكثر مما يحدث في المجتمعات التي تحكمها دول تقيد الأسواق أو تعيقها أو تتدخل فيها أو تعطلها. في الواقع، تمكن الأسواق أكثر الأشخاص إيثارًا، مثلما تمكن أكثرهم أنانية، من السعي وراء أغراضهم في سلام. فمن يكرسون حياتهم لمساعدة الآخرين يستخدمون الأسواق لدعم أهدافهم، تمامًا كما يفعل من يكون هدفهم اكتناز الثروة. بل إن بعضًا ممن يكتنزون الثروة يفعلون هذا بغرض زيادة قدرتهم على مساعدة الآخرين. جورج سوروس وبيل جيتس مثالان على هذه النوعية من الأشخاص؛ فهما يربحان أموالًا طائلة، وجزءٌ من دافعيهما لعمل ذلك هو زيادة قدرتهما على مساعدة الآخرين من خلال أنشطتهما الخيرية الواسعة. وخلق الثروة والسعي وراء الربح يمكنهما من أن يكونا سخيين.
يرغب رجل الخير أو القديس في استخدام الثروة المتاحة له في إطعام أكبر عدد ممكن من البشر وكسوتهم وتزويدهم بسبل الراحة والرفاهية. وتمكنه الأسواق من العثور على أرخص أسعار البطاطين والطعام والدواء للاعتناء بمن يحتاجون للعون. وتسمح الأسواق بتكوين الثروة التي يمكن استخدامها في مساعدة المعوزين وتمكن الخيِّرين من تعظيم قدرتهم على مساعدة الغير. وتمكن الأسواق المحسنين من أداء أفعال الإحسان.
ثمة خطأ شائع يتمثل في حصر أهداف الناس في «مصلحتهم الذاتية» وحسب، التي يتم الخلط بعد ذلك بينها وبين «الأنانية». صحيح أن أهداف الناس من السوق تتعلق بشخصهم، لكننا بالمثل، كأشخاص ذوي أهداف، مهتمون بمصالح الآخرين وسعادتهم؛ كأفراد أسرنا وأصدقائنا وجيراننا، بل حتى الغرباء الذين قد لا نقابلهم أبدًا. في الحقيقة، تساعد الأسواق على تعويد الناس على التفكر في احتياجات الآخرين، بمن فيهم الغرباء.
قدم فيليب ويكستيد معالجة دقيقة للفوارق بين الدوافع الموجودة في تبادلات السوق. وبدلًا من استخدام كلمة «الأنانية» لوصف الدافع للانخراط في تبادلات السوق (فقد يذهب المرء للسوق لشراء طعام للفقراء مثلًا)، صك مصطلح «اللاغيرية».7 فقد نبيع منتجاتنا بهدف كسب المال كي نكون قادرين على مساعدة أصدقائنا، أو حتى الغرباء، لكن حين نساوم بغرض الوصول لأقل الأسعار أو أعلاها، فنادرًا ما نفعل هذا من منطلق الاهتمام بمصلحة الطرف الذي نجري الصفقة معه. وإذا فعلنا، فنحن نجري تبادلًا ونمنح عطية في الوقت ذاته، وهو ما يعقد طبيعة التبادل إلى حد ما. ومن يتعمدون أن يدفعوا أكثر من اللازم نادرًا ما يكونون رجال أعمال ناجحين، وكما ذكر إتش بي أكتون في كتابه «أخلاق الأسواق»،8 فإن إدارة مشروع تجاري يخسر هي طريقة حمقاء، بل غبية، لعمل الخير. ولمن يفضلون الانخراط في السياسة عن الانخراط في الصناعة والتجارة، من الجدير أن نتذكر أن السياسة قد تتسبب في قدر كبير من الضرر، ونادرًا ما تفعل أي خير. رأى فولتير، الذي كتب عن الأمر قبل سميث، الفارق بوضوح. وفي مقاله بعنوان «عن التجارة» المأخوذ من كتابه «خطابات عن الأمة الإنجليزية» (الذي كتبه فولتير بلغة إنجليزية رشيقة بحق، ثم أعاد كتابته بنفسه بالفرنسية ونشره بعنوان «خطابات فلسفية») ذكر أنه: في فرنسا يُمنح لقب المركيز مجانًا لأي شخص يقبله، ويستطيع أي شخص يصل إلى باريس من مجاهل أبعد المقاطعات ويحمل مالًا في جيبه، ولقب عائلة ينتهي بالأحرف «اك» أو «إل»، أن يختال في مشيته ويصيح قائلًا «أنا الرجل!» أو «رجل في مرتبتي وقامتي!» وينظر في تعالٍ لأي تاجر في احتقار، بينما التاجر على الجانب الآخر، بسبب سماعه المتوالي عن الازدراء الذي تقابل به مهنته، يكون من الحماقة بما يكفي لأن يخجل منه. ومع ذلك، لا أعرف أيهما أكثر إفادة للأمة، السيد النبيل، المتزين على أحدث موضة، الذي يعرف تحديدًا الساعة التي يستيقظ فيها الملك والساعة التي ينام فيها، والذي يمنح نفسه مظهر العظمة والمكانة، بينما هو في الوقت نفسه يتصرف كالعبد في غرفة انتظار مكتب رئيس الوزراء، أم التاجر الذي يثري بلده، ويرسل الطلبيات من مقر عمله إلى سورات أو القاهرة الكبرى، ويسهم في بهجة العالم.9 ليس التجار وأصحاب رأس المال بحاجة للخجل حين يعاملهم السياسيون والمفكرون المعاصرون بتعالٍ، ويختالون وهم يتحدثون بصورة خطابية عن هذا ويشجبون ذاك، في الوقت الذي يطالبون فيه التجار وأصحاب رأس المال والعمال والمستثمرين والحرفيين والمزارعين والمخترعين وغيرهم من المنتجين بإنتاج الثروة التي يصادرها السياسيون ويبغضها المفكرون المعادون لأصحاب رأس المال لكنهم يستهلكونها بجشع.
لا تقوم الأسواق على أنانية الناس، أو تفترض هذا، بأكثر من السياسة. ولا تشجع تبادلات السوق على المزيد من السلوك الأناني أو الدوافع الأنانية. لكن على عكس السياسة، فالتبادلات الحرة بين المشاركين الراغبين تولد الثروة والسلام، وهما الشرطان اللذان يزدهر السخاء والصداقة والحب في ظلهما. يجب أن يقال شيءٌ في هذا الصدد، وهو ما فهمه آدم سميث جيدًا.

آين راند والرأسمالية: الثورة الأخلاقية


بقلم ديفيد كيلي


في هذا المقال يدعو الفيلسوف ديفيد كيلي، المناصر للفلسفة الموضوعية، إلى «ثورة رابعة» لإكمال أساسات العالم الحديث وتأمين المكاسب التي جعلتها الرأسمالية ممكنة التحقيق.
ديفيد كيلي هو المدير التنفيذي لجمعية أطلس، التي تشجع على تنمية الفلسفة الموضوعية ونشرها. ألف كيلي كتب «أدلة الحواس» و«فن الاستدلال» (وهو أحد أكثر الكتب تدريسًا عن المنطق في الولايات المتحدة)، و«حياة خاصة: الحقوق الفردية ودولة الرفاهية»، وكتبًا أخرى. درَّس كيلي الفلسفة في كلية فاسار وجامعة برانديز، ونشر مقالات عديدة في صحف واسعة الانتشار، مثل هاربرز، وذا ساينسز، وريزون، وهارفارد بيزنس ريفيو، وبارونز.
يعاد نشر هذا المقال بتصريح من كاتبه، وهو مأخوذ من مجلة ذا نيو إنديفيديواليست، عدد ربيع عام ????.
***

«إن بمقدورنا الآن أن نعيد كتابة تاريخ العالم من جديد.»
توماس بين،
المنطق السليم، ????
أطلقت أزمة الأسواق المالية وابلًا متوقعًا من المشاعر المعادية للرأسمالية. فمع أن الضوابط الحكومية كانت سببًا كبيرًا لوقوع الأزمة، فإن المعادين للرأسمالية ومناصريهم في وسائل الإعلام ألقوا باللائمة على السوق ودعوا لفرض قيود جديدة. وقد تدخلت الحكومة بالفعل على نحو غير مسبوق في الأسواق المالية، ويبدو واضحًا الآن أن الضوابط الاقتصادية الجديدة ستمتد لما وراء وول ستريت بكثير.
إن تنظيم الإنتاج والتجارة أحد أمرين أساسيين تقوم بهما الحكومة في اقتصادنا المختلط. والأمر الثاني هو إعادة التوزيع؛ بمعنى نقل الدخل والثروة من أيدي البعض إلى أيدي غيرهم. وفي هذا المضمار، أيضًا، انتهز المعادون للرأسمالية الفرصة للدعوة إلى استحقاقات جديدة مثل الرعاية الصحية المضمونة، إلى جانب فرض أعباء ضريبية جديدة على الأثرياء. وقد كشفت الأزمة الاقتصادية، إلى جانب انتخاب باراك أوباما، عن مخزون ضخم من المطالبات بإعادة التوزيع. من أين تأتي هذه المطالبات؟ للإجابة عن هذا السؤال على نحو شافٍ، علينا النظر إلى أصول الرأسمالية ثم إلقاء نظرة أكثر قربًا على الحجج المؤيدة لإعادة التوزيع.
بلغ النظام الرأسمالي أشده في القرن الممتد بين عامي ???? و????، وذلك نتيجة لثلاث ثورات. أولى هذه الثورات كانت ثورة سياسية: وتمثلت في انتصار الليبرالية، وبالتحديد تعاليم حقوق الإنسان، والنظرة القائلة إن الحكومة يجب أن تقتصر في عملها على حماية الحقوق الفردية، بما في ذلك حقوق الملكية. وكانت الثورة الثانية هي مولد الفهم الاقتصادي، الذي تجسد في كتاب «ثروة الأمم» لآدم سميث. أوضح سميث أنه حين يُترك الأفراد أحرارًا في السعي وراء مصالحهم الاقتصادية، لن تكون النتيجة هي الفوضى، بل نظامًا تلقائيًّا؛ نظامًا للسوق تُنسَّق فيه أفعال الأفراد وتُنتَج فيه ثروات أكبر عما سيكون عليه الحال لو أدارت الحكومة الاقتصاد. أما الثورة الثالثة فهي، بالطبع، الثورة الصناعية. فقد زاد الابتكار التكنولوجي من قدرة الإنسان على الإنتاج أضعافًا مضاعفة. ولم يتمثل تأثير ذلك في رفع مستوى معيشة الجميع وحسب، بل في توفير الفرص للأفراد المغامرين المتيقظين لكسب ثروات كان يستحيل تخيلها في الأزمنة السابقة.
أتت الثورة السياسية؛ انتصار تعاليم الحقوق الفردية، مصحوبة بروح من المثالية الأخلاقية. كان في هذا تحرير للإنسان من الاستبداد، وإقرار بأن كل فرد، بصرف النظر عن مكانته في المجتمع، هو غاية في حد ذاته. لكن الثورة الاقتصادية كانت مصاغة بمصطلحات أخلاقية غامضة: فالرأسمالية، كنظام اقتصادي، كان يُنظر لها على نطاق واسع على أنها خطيئة. وكانت الرغبة في اكتناز الثروة تقع تحت مظلة تحذيرات العقيدة المسيحية من الأنانية وحب المال. وكان أوائل دارسي النظام التلقائي واعين بأنهم يشددون على تناقض أخلاقي؛ التناقض الذي مفاده، حسب تعبير برنارد ماندفيل، أن الرذائل الفردية يمكنها أن تنتج منافع عامة.
أكد منتقدو السوق على هذه الشكوك الأخلاقية دائمًا. وقد قامت الحركة الاشتراكية على مزاعم مفادها أن الرأسمالية تحض على الأنانية والاستغلال والعزلة والظلم. وفي أشكال أكثر اعتدالًا، أنتج المعتقد ذاته دولة الرفاهية، التي تعيد توزيع الدخل من خلال البرامج الحكومية تحت مسمى «العدالة الاجتماعية». لم تفلت الرأسمالية قط من الغموض الأخلاقي الذي اكتنف طريقة تصورها. فهي محل تقدير بفضل الرخاء الذي تتسبب فيه، وهي محل تقدير بوصفها شرطًا أساسيًّا للحرية السياسية والفكرية. لكن قلة نادرة من المدافعين عنها هم المستعدون للتشديد على أن طريقة الحياة التي تقوم عليها الرأسمالية — السعي وراء المصلحة الذاتية من خلال الإنتاج والتجارة — هي طريقة محترمة من المنظور الأخلاقي، إن لم تكن طريقة نبيلة أو مثالية.
ما من لغز وراء النفور الأخلاقي من السوق. فهو ينبع من أخلاق الإيثار الضاربة بجذورها في الثقافة الغربية، وغيرها من الثقافات في حقيقة الأمر. وفق معايير الإيثار يُنظر إلى السعي وراء المصلحة الذاتية على أنه فعل محايد على أفضل تقدير، خارج نطاق الفضائل، بينما يُنظر له على أسوأ التقديرات بوصفه خطيئة. صحيح أن النجاح في السوق يتحقق عن طريق التجارة الطوعية الاختيارية، وبالتالي الوفاء باحتياجات الآخرين. لكن صحيح أيضًا أن من ينجحون مدفوعون بتحقيق مكاسب شخصية، والأخلاق معنية بالدوافع مثلما هي معنية بالنتائج.
في حديثنا اليومي عادة لا يعني مصطلح «الإيثار» أكثر من اللطف أو الكياسة. لكن معناه الحقيقي، من المنظور التاريخي والفلسفي، هو التضحية بالذات. ومن منظور الاشتراكيين الذين صكوا المصطلح، هو يعني انغماس الذات التام في الكل المجتمعي الأكبر. وقد عبرت آين راند عن الأمر بقولها: «المبدأ الرئيسي للإيثار هو أنه ليس للإنسان حق في العيش لذاته، وأن خدمة الآخرين هي المبرر الوحيد لوجوده، وأن التضحية بالذات هي أعلى الواجبات والفضائل والقيم الأخلاقية.» وبهذا المعنى المحدود يكون الإيثار أساسًا لمفاهيم «العدالة الاجتماعية» المتنوعة المستخدمة للدفاع عن البرامج الحكومية الهادفة لإعادة توزيع الثروة. هذه البرامج تمثل تضحية إجبارية من جانب الأفراد الذين تؤخذ منهم الضرائب لدعمها. وهي تجسد استخدام الأفراد كموارد جمعية، بحيث يستخدمون كوسائل لخدمة غايات الآخرين. وهذا هو السبب الجوهري الذي يحتم على أي مدافع عن الرأسمالية أن يعارض تلك البرامج على أساس أخلاقي.
المطالبات بالعدالة الاجتماعية

تأخذ المطالبات بالعدالة الاجتماعية شكلين مختلفين، سأطلق عليهما الرفاهية والمساواتية. وفق مبدأ الرفاهية لكل فرد الحق في ضروريات معينة للحياة، بما في ذلك الحدود الدنيا للطعام والمأوى والملبس والرعاية الطبية والتعليم وغيرها. والمجتمع مسئول عن تأمين هذه الضروريات لكل أفراده. لكن النظام الاقتصادي الرأسمالي القائم على مبدأ عدم التدخل لا يضمن هذه الأشياء لكل شخص. وعلى هذا، كما ينادي دعاة الرفاهية، تفشل الرأسمالية في الوفاء بمسئولياتها الأخلاقية، وبالتالي يجب الحد منها من خلال إقدام الدولة على توفير مثل هذه السلع لمن يعجزون عن الحصول عليها بجهودهم الخاصة.
وفق مبدأ المساواتية يجب إعادة توزيع الثروة التي ينتجها المجتمع على نحو عادل، ومن الغبن أن يكسب البعض خمسة عشر أو خمسين أو مائة ضعف ما يكسبه غيرهم. لكن الرأسمالية القائمة على مبدأ عدم التدخل تسمح بمثل هذه الفوارق في الدخل والثروة، بل تشجع عليها، وبهذا تصير ظالمة. السمة المميزة للمساواتية هي استخدام الإحصائيات الخاصة بتوزيع الدخل. فمثلًا في عام ???? حصل أعلى ?? بالمائة من سكان الولايات المتحدة على مقياس الدخل على ?? بالمائة من الدخل الإجمالي، بينما حصل أقل ?? بالمائة على ??? بالمائة فقط. إن هدف المساواتية هو تقليل هذا الفارق، وأي تغير نحو مساواة أكبر يعد مكسبًا للعدالة.
الفارق بين هذين التصورين للعدالة الاجتماعية هو الفارق بين المستويات المطلقة والنسبية للرفاهية. فدعاة الرفاهية يطالبون بحصول الناس على حد أدنى معين من المستوى المعيشي. وما دامت وُجدت هذه الأرضية، أو «شبكة الأمان»، لا يهم مقدار الثراء الذي يملكه أي شخص آخر، أو مقدار الفارق بين الغني والفقير. وعلى هذا يكون دعاة الرفاهية مهتمين بالأساس بالبرامج التي تفيد الأشخاص الواقعين تحت مستوى معين من الفقر، أو المرضى أو العاطلين عن العمل أو المعوزين بأي شكل آخر. أما دعاة المساواتية، على الجانب الآخر، فيهتمون بالرفاهية «النسبية». وكثيرًا ما قال دعاة المساواتية إنهم لو خيروا بين مجتمعين، فسيفضلون المجتمع الذي تتوزع فيه الثروة على نحو متساوٍ أكثر، حتى لو كان مستوى المعيشة الإجمالي فيه أقل. وبهذا يميل دعاة المساواتية إلى تفضيل الإجراءات الحكومية مثل الضرائب التصاعدية، التي تهدف لإعادة توزيع الثروة على امتداد مقياس الدخل كله، وليس فقط في قاعدته. وهم يميلون أيضًا لدعم تأميم أشياء مثل التعليم والدواء، بحيث يأخذونها من السوق بصورة كلية ويجعلونها متاحة للجميع بدرجات متساوية نسبيًّا.
لنلق نظرة على مفهومي العدالة الاجتماعية هذين على الترتيب:
الرفاهية: الالتزام غير المختار

القاعدة التي يقوم عليها مبدأ الرفاهية هو أن للناس الحق في أشياء معينة، كالطعام والمأوى والرعاية الطبية. إنهم «يستحقون» هذه الأشياء. ووفق هذا الافتراض، فإن من يتلقى مساعدات من الحكومة إنما يحصل على ما يستحق لا أكثر، مثله مثل المشتري الذي يحصل على حقه في السلعة التي دفع ثمنها. وحين توزع الحكومة المساعدات الاجتماعية، فهي بهذا تحمي الحقوق، تمامًا كما تحمي المشتري من الاحتيال. وفي كلتا الحالتين ما من ضرورة لإظهار العرفان.
إن مفهوم حقوق الرفاهية، أو الحقوق الإيجابية كما يطلق عليها، مصاغ على شاكلة الحقوق الليبرالية التقليدية، وهي الحق في الحياة والحرية والملكية. لكن هناك اختلافًا معروفًا جيدًا. فالحقوق التقليدية هي حقوق للتصرف دون تدخل من الآخرين. فالحق في الحياة يعني حق الفرد في التصرف بهدف الحفاظ على حياته. وهو لا يعني الحق في الحصانة من الموت لأسباب طبيعية، حتى ولو حدث في سن مبكرة. وحق الملكية يعني الحق في البيع والشراء بحرية، والتنعم بنعم الطبيعة التي لا يملكها أحد. إنه يعني الحق في السعي لاكتساب الممتلكات، لكن ليس الحق في تلقي هبات من الطبيعة أو من الدولة، وهو ليس بضمان أن الفرد سينجح في امتلاك أي شيء. وبالتالي، هذه الحقوق تفرض على الآخرين الالتزام السلبي بعدم التدخل، وعدم إعاقة الفرد بالقوة من التصرف على النحو الذي يختاره. فإذا تخيلت نفسي وقد ابتعدت عن المجتمع — كأن أعيش على جزيرة منعزلة مثلًا — فستكون حقوقي مؤمنة بالكامل. قد لا أعيش طويلًا، وبالتأكيد لن أعيش حياة طيبة، لكني سأعيش بحرية تامة في أمان من القتل والسرقة والاعتداء.
وعلى النقيض من ذلك، يُفهم من حقوق الرفاهية أنها حقوق امتلاك بعض الأشياء والاستمتاع بها، بصرف النظر عن تصرفات المرء؛ فهي تعني حق الفرد في الحصول على الأشياء التي يقدمها الآخرون إذا عجز الفرد عن كسبها بنفسه. وبالتالي، تفرض حقوق الرفاهية التزامات إيجابية على الآخرين. فإذا كان لي الحق في الطعام فسيكون شخص آخر ملزمًا بزراعته. وإذا عجزت عن دفع ثمنه فسيكون شخص آخر ملزمًا بالدفع نيابة عني. أحيانًا يحاج دعاة الرفاهية بأن الالتزام هنا مفروض على المجتمع ككل، وليس على أي فرد بعينه. لكن المجتمع ليس كيانًا، ناهيك عن كونه شخصًا ذا حس أخلاقي، يعلو ويسمو فوق أعضائه الأفراد، وبهذا سيقع أي التزام على كاهلنا كأفراد. وبالطريقة التي تُطبق بها حقوق الرفاهية إلى الآن من خلال البرامج الحكومية مثلًا يوزع الالتزام على جميع دافعي الضرائب.
من المنظور الأخلاقي إذن يكون جوهر الرفاهية هو الافتراض بأن حاجة أحد الأفراد هي حق مطلوب من شخص آخر. هذا الحق المطلوب قد يمتد إلى حدود البلدة أو الأمة وحسب، لكنه قد لا يشمل الإنسانية كلها. ومع هذا ففي جميع صور هذا المعتقد، لا تعتمد المطالبة على علاقتك الشخصية بالمُطالب، أو على اختيارك تقديم المساعدة، أو تقييمك لمدى استحقاق الشخص للمساعدة من عدمه؛ إنه التزام غير مختار ينبع من حقيقة احتياجاته وحدها.
لكن علينا المضي في تحليلنا خطوة إضافية. فإذا كنت أعيش على جزيرة منعزلة، فبطبيعة الحال لن أتمتع بحقوق الرفاهية، نظرًا لعدم وجود أي شخص آخر يوفر لي ما أحتاج. وللسبب نفسه، إذا كنت أعيش في مجتمع بدائي لا يعرف الدواء، فلن يكون لي الحق في الرعاية الطبية. إن محتوى حقوق الرفاهية يرتبط نسبيًّا بمستوى الثروة الاقتصادية والقدرة الإنتاجية لأي مجتمع. وبالتبعية، يعتمد التزام الأفراد بالوفاء بهذه الاحتياجات على قدرتهم على ذلك. فلن يلومني أحد كفرد لعدم إمداد الآخرين بشيء أعجز عن إنتاجه بنفسي.
لكن ماذا لو أنني قادر على إنتاجه، لكنني ببساطة أختار ألا أفعل ذلك؟ لنفترض أنني قادر على كسب دخل أكبر بكثير مما أكسب بالفعل، وستذهب الضرائب المفروضة عليه لمساعدة شخص سوف يجوع إذا لم يحصل عليها. هل أنا ملزم بالعمل بكد أكبر، وكسب مال أكثر، في سبيل مصلحة هذا الشخص؟ لا أعرف أيًّا من الفلاسفة الداعين للرفاهية يقول إنني ملزم بهذا. فالمطلب الأخلاقي المفروض علي بدافع من حاجة شخص آخر لا يعتمد فقط على قدرتي، بل على «استعدادي» للإنتاج أيضًا.
وهذا يخبرنا بشيء مهم عن التركيز الأخلاقي للرفاهية؛ فهي لا تشدد على التزام بالسعي وراء إشباع الاحتياجات الإنسانية، ناهيك عن الالتزام بالنجاح في هذا، بل إن هذا الالتزام مشروط: فمن ينجحون في خلق الثروة قد يفعلون هذا بشرط أن يُسمح لآخرين بالاشتراك معهم في ثرواتهم. فالهدف ليس إفادة المحتاج بقدر ما هو إلزام القادر. والافتراض الضمني هنا هو أن قدرة الفرد وتفوقه على الآخرين هي مزايا اجتماعية، لا يُسمح بحيازتها إلا بشرط أن تكون موجهة لخدمة الآخرين.
المساواتية: التوزيع «العادل»

إذا تحولنا للمساواتية فسنجد أننا نصل إلى المبدأ عينه لكن عبر طريق منطقي مختلف. فالإطار الأخلاقي للمساواتية محدد من قبل مفهوم العدالة، وليس الحقوق. فإذا نظرنا للمجتمع ككل فسنرى أن الدخل والثروة والسلطة موزعة بطريقة معينة بين الأفراد والجماعات. والسؤال الأساسي هنا هو: هل التوزيع القائم عادل؟ إن لم يكن كذلك، فلا مناص من تصويبه من خلال البرامج الحكومية الخاصة بإعادة التوزيع. بطبيعة الحال لا ينتج اقتصاد السوق الخالص عدالة بين الأفراد. لكن قلة من الداعين للمساواتية زعموا أن المساواة الصارمة في الدخل أمر تفرضه العدالة. وأكثر المواقف شيوعًا هو التسليم بأن الدخول المتساوية أمر مستحب، وأن أي حياد عن المساواة يجب تبريره من خلال الفوائد التي يقدمها للمجتمع ككل. ومن ثم، كتب الكاتب الإنجليزي آر إتش تاوني أن «عدم المساواة في الظروف تعد أمرًا منطقيًّا، بل هي شرط أساسي لتأمين الخدمات التي يحتاجها المجتمع». وما «مبدأ التفاوت» الشهير لجون رولز — الذي يقضي بأن عدم المساواة مسموح به بشرط أن يخدم مصالح أشد المحرومين في المجتمع — إلا مثال حديث العهد على هذا المنهج. وبعبارة أخرى، يدرك دعاة المساواتية أن المساواة الصارمة ستكون لها آثار كارثية على الإنتاج. وهم يقرون بأن الجميع لا يشاركون على نحو متساوٍ في ثروة المجتمع. ولهذا، يجب أن يُكافأ الناس، بدرجة ما، بما يتوافق مع قدراتهم الإنتاجية، كدافع لهم على بذل مزيد من الجهد. لكن يجب قصر حالات التفاوت هذه على المواقف التي تفيد المصلحة العامة وحسب.
ما الأساس الفلسفي لهذا المبدأ؟ عادة ما يحاج دعاة المساواتية بأن مبدأهم ينبع على نحو منطقي من مبدأ العدالة الأساسي: أن الناس يجب أن يُعاملوا على نحو متفاوت فقط إذا كانوا متفاوتين على نحو له صلة بالأخلاق. لكن إذا كنا سنطبق هذا المبدأ الأساسي على توزيع الدخل، فعلينا أولًا أن نفترض أن المجتمع منخرط حرفيًّا في فعل توزيع الدخل. ومن الجلي أن هذا الافتراض مضلل. ففي اقتصاد السوق تتحدد الدخول من خلال اختيارات ملايين الأفراد؛ من مستهلكين ومستثمرين ورواد أعمال وعمال. ويجري التنسيق بين هذه الاختيارات بواسطة قوانين العرض والطلب، وليس من قبيل المصادفة أن يكسب رواد الأعمال الناجحون مثلًا أكثر بكثير مما يكسبه العامل باليومية. غير أن هذا ليس نتاجًا لأي نية واعية من جانب المجتمع. ففي عام ???? كانت أوبرا وينفري أعلى الشخصيات العاملة في مجال الترفيه في الولايات المتحدة دخلًا؛ إذ حققت قرابة ??? مليون دولار. لم يحدث هذا لأن «المجتمع» قرر أنها تستحق هذا المبلغ، بل لأن ملايين المعجبين قرروا أن برنامجها يستحق المشاهدة. وحتى في الاقتصاد الاشتراكي، كما نعرف الآن، لا تقع النتائج الاقتصادية تحت سيطرة المخططين الحكوميين. وحتى هناك يوجد قدر من النظام التلقائي، مع كونه فاسدًا، تتحدد فيه النتائج وفق الصراعات البيروقراطية والأسواق السوداء وغيرها.
رغم غياب أي فعل توزيع بالمعنى الحرفي، كثيرًا ما يحاج دعاة المساواتية بأن المجتمع مسئول عن ضمان أن يفي التوزيع الإحصائي للدخل بمعايير إنصاف معينة، لماذا؟ لأن إنتاج الثروة عملية اجتماعية تعاونية. يُنتج المزيد من الثروة في المجتمع الذي يتسم بالتجارة وتقسيم العمل عما هو الحال في المجتمع ذي المنتجين المكتفين ذاتيًّا. وتقسيم العمل يعني أن كثيرًا من الناس يساهمون في الناتج النهائي، والتجارة تعني وجود دائرة أوسع من الأشخاص الذين يتحملون مسئولية الثروة التي يحققها المنتجون. وبهذا يتغير وجه الإنتاج بفعل هذه العلاقات، كما يقول دعاة المساواتية، حتى إن المجموعة ككل يجب اعتبارها كوحدة إنتاج حقيقية وكمصدر حقيقي للثروة. على الأقل هي مصدر التفاوت الموجود في الثروة بين المجتمع المتعاون والمجتمع غير المتعاون. ولهذا، على المجتمع أن يضمن توزيع ثمار هذا التعاون على نحو منصف على المشاركين كافة.
لكن هذه الحجة تصح فقط إذا اعتبرنا الثروة الاقتصادية منتجًا اجتماعيًّا مجهول المصدر يستحيل فيه عزل المساهمات الفردية. في هذه الحالة فقط سيكون من الضروري ابتكار مبادئ لعدالة التوزيع من أجل تخصيص حصص الإنتاج، وذلك بعد حدوث الإنتاج بالفعل. غير أن هذا الافتراض، مجددًا، خاطئ تمامًا. فهذا المنتج الاجتماعي المزعوم هو في الواقع نظام واسع من السلع والخدمات المنفردة المتاحة في السوق. فمن الممكن بالطبع معرفة الخدمة أو المنتج الذي ساهم الشخص في إنتاجه. وحين يُنتَج المنتَج على يد مجموعة من الأفراد، كما هو الحال في مزرعة مثلًا، من الممكن تحديد من فعل ماذا. فعلى أي حال، لا يوظف صاحب العمل العمال دون سبب؛ فالعامل يُوظَّف بسبب الفارق المتوقع أن يحدثه جهده في المنتج النهائي. يقر دعاة المساواتية أنفسهم بهذه الحقيقة حين يسمحون بقدر من عدم المساواة إذا كان هذا سيحفز على المزيد من الإنتاجية التي ستزيد من الثروة الإجمالية للمجتمع. ولضمان ذهاب المحفزات إلى الأشخاص المناسبين، كما لاحظ روبرت نوزيك، حتى الداعي للمساواتية نفسه عليه أن يفترض أننا قادرون على تحديد دور المساهمات الفردية. وباختصار، لا يوجد أساس لتطبيق مبدأ العدالة على التوزيع الإحصائي للدخل أو الثروة عبر الاقتصاد ككل. وعلينا أن نتخلى عن صورة الفطيرة الكبيرة التي يقسمها الأب الخيّر الذي يتمنى أن يعدل بين جميع أبنائه المتجمعين على المائدة.
بمجرد تخلينا عن هذه الصورة، ما الذي سيحدث للمبدأ الذي يروج له تاوني ورولز وآخرون؛ المبدأ القائل بأن عدم المساواة مقبول فقط إذا كان يخدم مصالح الجميع؟ إذا لم يكن بالإمكان تأسيس هذا المبدأ على العدالة، فلا بد من أن ينظر إليه كنوع من الالتزام الذي يحمله بعضنا تجاه بعض كأفراد. وحين نفكر في الأمر من هذا المنطلق سنرى أنه المبدأ عينه الذي حددناه كأساس لحقوق الرفاهية. المبدأ القائل إن المنتجين يحق لهم الاستمتاع بثمار جهودهم، بشرط أن تفيد جهودهم الآخرين بالمثل. لا يوجد إلزام بإنتاج الدخل أو خلقه أو كسبه. لكن لو أنك فعلت، فستظهر حاجات الآخرين قيدًا على أفعالك. إن قدرتك وتفوقك وذكاءك وتفانيك نحو أهدافك وجميع السمات الأخرى التي تمكن من النجاح هي مزايا شخصية تضعك تحت التزام نحو من هم أقل قدرة أو تفوقًا أو ذكاءً أو تفانيًا.
وبعبارة أخرى، كل صورة من صور العدالة الاجتماعية تقوم على الافتراض بأن القدرة الفردية هي مزية اجتماعية. لا يقضي هذا الافتراض فقط بأن الفرد قد لا يستخدم مواهبه للتعدي على حقوق من هم أقل قدرة، ولا يقضي فقط بأن الفضل والكرم من الفضائل، بل يقضي بأن على الفرد أن يعتبر نفسه، ولو جزئيًّا على الأقل، وسيلة لخدمة مصالح الآخرين. وهنا أصل المشكلة؛ فعندما أحترم حقوق الآخرين أدرك أنهم غاية في حد ذاتهم، وأنني لا يحق لي أن أعاملهم كوسيلة لإشباع حاجاتي، مثلما أعامل الجمادات. لماذا إذن لا يحق لي من الناحية الأخلاقية أن أعتبر نفسي غاية أنا الآخر؟ لماذا ينبغي علي ألا أرفض — من منطلق احترامي لكرامتي كبشر ملتزم بالمعايير الأخلاقية — اعتبار نفسي وسيلة لخدمة الآخرين؟
نحو أخلاقيات فردية

ترتكن دعوة آين راند المناصرة للرأسمالية على الأخلاقيات الفردية التي تقر بالحق الأخلاقي للفرد في السعي وراء مصلحته الخاصة وترفض الإيثار رفضًا جذريًّا.
يحتج دعاة الإيثار بأن الحياة تقدم لنا خيارًا أساسيًّا: فعلينا إما أن نضحي بالآخرين لمصلحة أنفسنا أو أن نضحي بأنفسنا لمصلحة الآخرين. والخيار الأخير هو العمل الإيثاري، والافتراض هنا هو أن البديل الوحيد له هو أن نعيش الحياة كحيوانات ضارية. لكن راند ترى أن هذا البديل غير صحيح؛ فالحياة لا تتطلب منا التضحيات في أي من الاتجاهين. ومصالح الأشخاص المتعقلين لا تتصارع، والسعي الصادق وراء مصلحتنا الذاتية يتطلب منا أن نتعامل مع الآخرين من خلال التبادل الاختياري السلمي.
لمعرفة السبب، دعونا نلق نظرة على الكيفية التي نقرر بها ما في مصلحتنا الذاتية. المصلحة هي قيمة نسعى لكسبها؛ كالثروة أو المتعة أو الأمن أو الحب أو تقدير الذات أو أي شيء آخر طيب. وفلسفة راند الأخلاقية قائمة على المفهوم القائل إن القيمة الجوهرية، أو «الخير الأعظم»، هو الحياة. فوجود الكائنات الحية، وحاجتها للحفاظ على أنفسها من خلال العمل المتواصل على إشباع حاجاتها هو ما يسبب وجود ظاهرة القيم بأسرها. فالعالم دون حياة سيكون عالمًا من الحقائق، لا القيم، عالم لا يمكن فيه القول إن حالة ما أفضل أو أسوأ من حالة أخرى. وبهذا يصير المعيار الجوهري للقيمة، الذي في ضوئه يجب على الفرد أن يحدد ما في مصلحته، هو حياته: ليس البقاء وحسب من لحظة لأخرى، بل الإشباع الكامل لاحتياجاته من خلال الممارسة المتواصلة لملكاته.
والملكة الرئيسية للإنسان؛ وسيلته الرئيسية للبقاء حيًّا، هي قدرته على التفكير. فالتفكير هو ما يمكننا من العيش بواسطة الإنتاج، وبالتالي الارتقاء فوق مستوى الصيد وجمع الطعام على نحو غير مستقر. والتفكير أساس اللغة، التي تمكننا من التعاون ونقل المعرفة. والتفكير أساس الأنظمة الاجتماعية التي تحكمها القواعد المجردة. وهدف الأخلاقيات هو توفير مستويات معيشية متوافقة مع التفكير، وذلك لخدمة حياتنا.
كي نعيش بالتفكير العقلاني، علينا القَبول بالاستقلالية كفضيلة. فالتفكير ملكة للفرد. ومهما تعلمنا من الآخرين، يحدث فعل التفكير في عقل الفرد، ولا بد أن يبدأ داخل كل فرد فينا باختيارنا وأن يوجَّه بجهدنا العقلي. لذا يتطلب التفكير العقلاني منا القَبول بمسئولية توجيه حياتنا وتعزيزها.
كي نعيش وفق ما يمليه علينا التفكير العقلاني، علينا القَبول أيضًا بالإنتاجية باعتبارها فضيلة. فالإنتاج هو فعل خلق القيمة، والبشر لا يمكنهم أن يعيشوا حياة آمنة مشبعة من خلال العثور على ما يحتاجون إليه في الطبيعة، كما تفعل الحيوانات. كما لا يمكنهم العيش ككائنات متطفلة على غيرهم. تقول راند: «إذا سعى بعض الرجال للعيش بواسطة القوة الغاشمة أو الاحتيال أو النهب أو السرقة أو الغش أو استعباد من ينتجون، فلن يغير هذا من حقيقة أن بقاءهم قائم على جهود ضحاياهم، هؤلاء الذين يختارون التفكير وإنتاج البضائع التي يستولي عليها أولئك الناهبون. هؤلاء الناهبون هم كائنات متطفلة عاجزة عن البقاء، ويعيشون على تدمير من يملكون القدرة، من يسلكون سبيل العمل الملائم للإنسان.»
عادة ما يصوَّر الشخص المحب للذات على أنه شخص يفعل أي شيء للحصول على ما يريد؛ شخص يكذب ويسرق ويسعى للهيمنة على الآخرين لتحقيق رغباته. ترى راند، شأن أغلب الناس، أن نمط الحياة هذا غير أخلاقي. لكن ليس بسبب أنه يؤذي الآخرين، بل لأنه يؤذي الذات. فالرغبة الشخصية ليست المحك الذي يحدد هل شيء ما في مصلحتنا أم لا، والخداع والسرقة واستخدام السلطة ليست وسائل تحقيق السعادة أو عيش حياة ناجحة. فالفضائل التي ذكرتها هي معايير موضوعية، وهي متأصلة في طبيعة الإنسان، ولهذا فهي تنطبق على كل البشر، لكن هدفها هو تمكين كل شخص من «تحقيق تلك القيمة النهائية الأسمى والحفاظ عليها وإشباعها والاستمتاع بها؛ تلك الغاية المطلوبة لذاتها؛ حياته نفسها». لذا يكون هدف الأخلاقيات هو أن تخبرنا بكيفية تحقيق مصالحنا الحقيقية، وليس كيفية التضحية بها.
مبدأ التاجر

كيف ينبغي لنا أن نتعامل مع الآخرين؟ تعتمد الأخلاقيات الاجتماعية لراند على مبدأين أساسيين: مبدأ الحقوق ومبدأ العدالة. يقضي مبدأ الحقوق بأن علينا التعامل مع الآخرين على نحو مسالم، من خلال التبادل الاختياري الطوعي، دون المبادرة باستخدام القوة ضدهم. وبهذه الطريقة وحدها نستطيع العيش باستقلالية، على أساس جهودنا الإنتاجية، ويصير الشخص الذي يحاول العيش من خلال السيطرة على الآخرين بمنزلة كائن متطفل. وداخل المجتمع المنظم علينا أن نحترم حقوق الآخرين إذا رغبنا في أن تُحترم حقوقنا. وبهذه الطريقة وحدها نستطيع الحصول على الفوائد العديدة التي تنتج عن التفاعل الاجتماعي؛ فوائد التبادل الاقتصادي والفكري، إلى جانب قيم العلاقات الشخصية الأكثر حميمية. ومصدر هذه الفوائد هو العقلانية والإنتاجية وتفرد الشخص الآخر، وهذه الأشياء تحتاج الحرية كي تزدهر. لكن إذا عشت بالقوة، فأنا بهذا أهاجم جذور القيم التي أسعى إليها.
أما مبدأ العدالة فهو ما تسميه راند بمبدأ التاجر: العيش بواسطة التجارة، وتقديم القيمة مقابل القيمة، وعدم السعي للحصول على ما لا نستحق أو منح الآخر ما لا يستحقه. والشخص المحترم لا يقدم حاجاته كمطالب يلزم بها الآخرين، بل يقدم القيمة كأساس لأي علاقة. كما أنه لا يقبل بأي التزام غير مختار لخدمة حاجات الآخرين. فلا يستطيع أي شخص يقدر حياته أن يقبل بتحمل مسئولية لا نهاية لها بأن يكون راعيًا لأخيه. كما لن يرغب الشخص المستقل في أن يرعاه أحد؛ لا سيد ولا وزارة الصحة والخدمات الإنسانية. وكما تلاحظ راند فإن مبدأ التجارة هو الأساس الوحيد الذي يمكن أن يتعامل البشر وفقه بعضهم مع بعض كأنداد مستقلين.
إن الأخلاق الموضوعية، باختصار، تعامل الفرد كغاية في حد ذاته، وذلك بالمعنى الكامل للكلمة. يعني هذا ضمنًا أن الرأسمالية هي النظام الأخلاقي والعادل الوحيد. فالمجتمع الرأسمالي قائم على الاعتراف بالحقوق الفردية وحمايتها. وفي المجتمع الرأسمالي يكون الإنسان حرًّا في السعي وراء غاياته، بواسطة قدراته العقلية. وكما هو الحال في أي مجتمع، يكون البشر مقيدين بقوانين الطبيعة. فالطعام والمأوى والملبس والكتب والدواء لا تنمو على الأشجار، بل يجب أن تُنتَج. وكما هو الحال في أي مجتمع يرضخ البشر لقيود طبيعتهم نفسها، وحدود قدراتهم الفردية. لكن القيد الاجتماعي الوحيد الذي تفرضه الرأسمالية هو المطالبة بأن من يرغبون في الحصول على خدمات الآخرين لا بد وأن يقدموا القيمة بدورهم. ولا يحق لأحد أن يستغل الدولة في استباحة ما أنتجه الآخرون.
تعتمد النتائج الاقتصادية في السوق — توزيع الدخل والثروة — على الأفعال والتفاعلات الاختيارية بين المشاركين. ومفهوم العدالة لا ينطبق على النتائج فحسب، وإنما على آلية النشاط الاقتصادي أيضًا. فدخل الفرد يكون عادلًا إذا اكتُسب من خلال التبادل الاختياري، كمكافأة على القيمة التي قدمها، كما يراها من تُقدَّم لهم القيمة. عرف الاقتصاديون منذ زمن أنه لا يوجد ما يسمى بالسعر العادل للسلعة، وأن المحدد الوحيد هو حكم المشاركين في السوق على قيمة السلعة في نظرهم. والأمر عينه ينطبق على سعر الخدمات الإنتاجية البشرية. ليس مقصودًا بهذا القول بأن دخلي هو ما يحدد قيمتي، بل إنني لو أردت أن أعيش وفق مبدأ التجارة مع الآخرين فلا يمكنني المطالبة بأن يقبلوا شروطي على حساب مصلحتهم الذاتية.
الإحسان كقيمة مختارة

ماذا عن الفقير أو المعاق أو العاجز عن إعالة نفسه؟ يحق طرح سؤال كهذا، ما دام أنه ليس أول سؤال نطرحه عن أي نظام اجتماعي. من الأمور التي أورثتها لنا عقلية الإيثار التفكير بأن المعيار الرئيسي لتقييم أي مجتمع هو الطريقة التي يعامل بها أقل أفراده إنتاجية. وقد ورد على لسان المسيح قوله: «طوبى للمساكين بالروح، طوبى للودعاء.» لكن لا وجود لقاعدة من قواعد العدالة تبرر منح المساكين أو الودعاء أي تقدير خاص أو وضع احتياجاتهم في موضع الصدارة. وإذا كان لنا أن نختار بين مجتمع جمعي لا يملك فيه أحد أي حرية لكن لا يوجد فيه جوعان، وبين مجتمع فردي يكون الجميع فيه أحرارًا لكن تتضور قلة منه جوعًا، أرى أن المجتمع الثاني، الحر، هو الخيار الأخلاقي. فلا يمكن لأحد أن يطالب بالحق في أن يخدمه الآخرون قسرًا، حتى لو كانت حياته تعتمد على هذا.
لكن ليس هذا هو الخيار الذي نواجهه. في الواقع، يصير الفقراء أفضل حالًا بكثير في ظل الرأسمالية عن الاشتراكية، أو حتى دولة الرفاهية. ومن واقع التاريخ، فإن المجتمعات التي تنعدم فيها الحرية، كالاتحاد السوفييتي السابق، هي المجتمعات التي يجوع فيها عدد كبير من الناس.
إن القادرين على العمل لديهم اهتمام حقيقي بالنمو الاقتصادي والتكنولوجي، الذي يحدث في أسرع صوره في ظل نظام السوق. فاستثمار رأس المال واستخدام الآلات يمكن من توظيف أشخاص كانوا خلاف ذلك سيعجزون عن إنتاج ما يكفي لإعالة أنفسهم. والحاسبات وأجهزة الاتصالات، على سبيل المثال، مكنت في وقتنا الحالي من يعانون إعاقات بالغة من العمل من منازلهم.
أما بخصوص من يعجزون عن العمل، فلطالما وفرت المجتمعات الحرة أشكالًا عدة من مؤسسات الإعانة الخاصة وأعمال الخير خارج السوق: كالمؤسسات الخيرية وجمعيات الإحسان وما شابهها. وفي هذا الصدد، دعونا نؤكد على أنه لا يوجد تعارض بين حب الذات والإحسان. ففي ضوء المنافع الكثيرة التي نجنيها من التعامل مع الآخرين، من الطبيعي أن ننظر لأشقائنا في الإنسانية بروح من الإحسان، وأن نتعاطف مع بلاياهم، وأن نقدم المساعدة حين لا تتطلب منا التضحية بمصالحنا الخاصة. لكن ثمة فارقًا كبيرًا بين مفهوم المحب للذات ومفهوم المؤثر عن الإحسان.
من وجهة نظر المؤثر يأتي السخاء مع الآخرين كأولوية أخلاقية، وينبغي أن يمتد حتى حدود التضحية، وفق مبدأ «أعط إلى أن يؤلمك العطاء». فالعطاء واجب أخلاقي، بصرف النظر عن أي قيم أخرى يحملها المرء، والمتلقي له حق في هذا العطاء. أما من منظور المحب لذاته، يأتي السخاء كواحد من السبل العديدة التي نسعى بها لتحقيق قيمنا، بما فيها القيمة التي نضعها لسعادة الآخرين. وينبغي أن يمارس العطاء في سياق القيم الأخرى التي يعتنقها المرء، وفق مبدأ «أعط حين يساعد العطاء». إنه ليس بواجب، ولا يملك المتلقي أي حق فيه. يميل المؤثر للنظر إلى السخاء كتكفير عن الذنوب، على افتراض أن ثمة شيئًا مريبًا أو آثمًا في كون المرء قادرًا أو ناجحًا أو منتجًا أو ثريًّا. أما المحب لذاته فيعتبر هذه السمات من الفضائل ويرى في السخاء وسيلة للتعبير عن اعتزازه بها.
الثورة الرابعة

ذكرت في البداية أن الرأسمالية أتت كنتيجة لثلاث ثورات، وكل ثورة منها تسببت في انفصال جذري عن الماضي. أرست الثورة السياسية أولوية الحقوق الفردية والمبدأ القائل إن الحكومة هي خادم للإنسان، لا سيده. وأرست الثورة الاقتصادية فهمنا للسوق. أما الثورة الصناعية فوسعت على نحو جذري تطبيق الذكاء على عملية الإنتاج. لكن لم ينفصل البشر قط عن ماضيهم الأخلاقي. والمبدأ الأخلاقي القاضي بأن القدرة الفردية ما هي إلا مزية اجتماعية لا يتوافق مع المجتمع الحر. وإذا أردنا للحرية أن تبقى وتزدهر فسنحتاج إلى ثورة رابعة؛ ثورة أخلاقية ترسي الحق الأخلاقي للفرد في أن يعيش لنفسه.

القسم الثالث
إنتاج الثروة وتوزيعها



اقتصاد السوق وتوزيع الثروة


بقلم لودفيج لاكمان


في هذا المقال يستعرض الاقتصادي البارز لودفيج لاكمان انتقادات «العدالة الاجتماعية» الموجهة لرأسمالية السوق الحرة ويكشف النقاب عن عدم منطقيتها. وهو يوضح الفرق بين «الملكية» و«الثروة» ويبين كيف أن احترام الممتلكات الخاصة (الملكية) يتوافق مع إعادة التوزيع الشاملة للثروة في أرجاء السوق. لهذا المقال أهمية كبيرة من أجل فهم الطبيعة النشطة للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية في الأنظمة الرأسمالية.
حصل لودفيج لاكمان (????–????) على شهادة الدكتوراه من جامعة برلين. وقد ترك ألمانيا عام ???? ليستقر في إنجلترا، حيث أكمل أبحاثه في كلية لندن لعلوم الاقتصاد. كان للاكمان إسهامات جوهرية في نظرية رأس المال والنمو الاقتصادي والأسس المنهجية لعلمي الاقتصاد والاجتماع. وقد ألف لاكمان عددًا من الكتب منها «رأس المال وبنيته» و«إرث ماكس ويبر» و«فكر الاقتصاد الكلي واقتصاد السوق» و«رأس المال والتوقعات وعملية السوق» و«السوق كعملية اقتصادية».
هذا المقال هو نسخة مختصرة قليلًا من النسخة الأصلية، التي نُشرت للمرة الأولى عام ????.
***

مَن يستطيع أن يشك الآن في أن كل تدخل من جانب سلطة سياسية يستتبع تدخلًا أكبر لمنع الآثار الاقتصادية الحتمية الناتجة عن الخطوة الأولى من الحدوث، وذلك كما أشار الأستاذ ميزس منذ ثلاثين عامًا؟ مَن ينكر أن الاقتصاد الموجه يتطلب مناخًا من التضخم الاقتصادي حتى يعمل من الأساس، ومَن ليس على دراية اليوم بالتأثيرات المهلكة ? «التضخم المحكوم»؟ ورغم اختراع بعض الاقتصاديين في وقتنا الحالي للمصطلح الإطرائي «التضخم الممتد» لوصف التضخم الدائم الذي نعرفه جميعًا حق المعرفة، فمن غير المحتمل أن ينخدع أي شخص به. إننا لم نحتج في واقع الأمر للنموذج الألماني الحديث ليثبت لنا أن اقتصاد السوق سوف يخلق النظام من الفوضى «المُتحكَّم بها إداريًّا» حتى في أسوأ الظروف. ويعد شكل التنظيم الاقتصادي المعتمد على التعاون الاختياري والتبادل العالمي للمعرفة أرفع منزلة لا محالة من أي بنية هرمية، حتى وإن وُجد في الأخيرة محك عقلاني لمؤهلات مَن يملكون الأمر والنهي. لقد عرف القادرون على التعلم من العقل والخبرة بهذا الأمر من قبل، أما العاجزون عن التعلم فمن غير المرجح أن يتعلموه، حتى في وقتنا الحاضر.
في مواجهة هذا الوضع غَيَّرَ المعارضون لاقتصاد السوق موقفهم؛ إذ أصبحوا يعارضونه من منطلق «اجتماعي» لا اقتصادي. فهم يتهمونه بالظلم، لا بعدم الفعالية، ويركزون الآن على «التأثيرات المشوِّهة» لملكية الثروة ويجادلون بأن «الإجماع العام على السوق رجح بسبب التصويت الجماعي». وهم يوضحون أن توزيع الثروة يؤثر على الإنتاج وتوزيع الدخل لأن أصحاب الثروة لا يحصلون فقط على «حصة جائرة» من الدخل الاجتماعي، بل يؤثرون أيضًا على تركيبة المشكلات الاجتماعية؛ ازدياد الكماليات عن الحاجة وقلة الضروريات عن المطلوب. علاوة على ذلك، نظرًا لأن هؤلاء الملاك هم مَن يقومون بالجزء الأكبر من الادخار، فهم أيضًا مَن يحددون معدل تراكم رأس المال وبالتالي معدل النمو الاقتصادي.
لا ينكر بعض هؤلاء المعارضين تمامًا أنه من المنطقي أن يكون توزيع الثروة هو النتيجة التراكمية لعمل القوى الاقتصادية، لكنهم يتمسكون بفكرة أن هذا التراكم يعمل بأسلوب يجعل الحاضر عبدًا للماضي؛ فهو بمنزلة عامل قديم اعتباطي في الحاضر. فتوزيع الدخل اليوم يتشكل من واقع توزيع الثروة اليوم، ومع أن ثروة اليوم تراكمت جزئيًّا بالأمس، فإنها تراكمت بواسطة عمليات تعكس تأثير توزيع الثروة في وقت سابق على الأمس. وإجمالًا، تقوم حجة المعارضين لاقتصاد السوق على نظام «الوراثة»، الذي حصل بفضله أغلبية أصحاب الثروات، حتى في المجتمعات المتقدمة كما يقال لنا، على ثرواتهم.
يبدو أن هذه الحجة تلقى قبولًا واسعًا اليوم، حتى من جانب كثيرين ممن يؤيدون الحرية الاقتصادية بصدق. فقد آمن هؤلاء الأشخاص بأن «إعادة توزيع الثروة»، على سبيل المثال من خلال ضرائب التركات، قد تكون لها نتائج اقتصادية مرغوبة اجتماعيًّا، وإن كانت لا تخلو من النتائج السلبية. وعلى النقيض، بما أن مثل هذه الإجراءات ستساعد على تحرير الحاضر من «القبضة الحديدية» للماضي، فستساعد أيضًا على تعديل الدخول الحالية تبعًا للاحتياجات الحالية. يعد توزيع الثروة أحد معطيات السوق، وعن طريق تغيير المعطيات يمكننا تغيير النتائج دون التدخل في آلية السوق! ويستتبع هذا أن عملية السوق ستكون لها نتائج «مقبولة اجتماعيًّا» فقط حين تصاحبها سياسة مصممة على الدوام بهدف إعادة توزيع الثروة الحالية.
كما قلنا، يعتنق الكثيرون وجهة النظر هذه في الوقت الحاضر، ومن بينهم حتى بعض الاقتصاديين الذين يتفهمون سمو مكانة اقتصاد السوق على الاقتصاد الموجه وقدر الإحباط الذي تسببه سياسات التدخل، لكنهم يكرهون ما يعدونه عواقب اجتماعية لاقتصاد السوق. فهم مستعدون لقَبول اقتصاد السوق فقط عندما تصاحبه سياسة إعادة توزيع كتلك.
هذا المقال مكرس لنقد الأساس الذي يقوم عليه هذا الرأي.
في المقام الأول، تقوم هذه الحجة بأكملها منطقيًّا على الخلط اللفظي النابع من المعنى المبهم لمصطلح «مُعطى». فالمصطلح «مُعطى» يعني في الاستخدام الشائع، وكذلك في أغلبية العلوم كعلم الإحصاء، الشيء الذي «يُمنح» لنا، في لحظة من الوقت، بوصفنا مراقبين للموقف. وبهذا المعنى يكون من البديهي اعتبار أسلوب توزيع الثروة أحد المعطيات في أي لحظة بعينها، بمعنى أنه يتصادف وجوده عن سواه من الأساليب. لكن في نظريات التوازن التي باتت تعني الكثير للفكر الاقتصادي في الوقت الحاضر وشكلت محتواه بشكل كبير، حملت كلمة «مُعطى» معنى ثانيًا مختلفًا تمام الاختلاف عن المعني السابق؛ فالمُعطى هنا يعني حالة ضرورية من التوازن، أو متغيرًا مستقلًّا بذاته، وتعني صيغة الجمع «معطيات» إجمالي الحالات الضرورية والكافية التي من خلالها، بمجرد أن نعرفها كاملة، نستطيع دون الكثير من اللغط أن نستدل على سعر وكمية التوازن. ووفق هذا المعني الثاني يكون توزيع الثروة، إلى جانب المعطيات الأخرى، أحد «العوامل المُحدِّدة»، لكنه ليس العامل المُحدِّد الوحيد، لأسعار وكميات الخدمات والمنتجات المختلفة التي تُباع وتُشترى.
وستكون مهمتنا الأساسية في هذا المقال أن نُظهر أن توزيع الثروة ليس «مُعطى» بالمعنى الثاني. فتوزيع الثروة، على النقيض من كونه «متغيرًا مستقلًّا بذاته» عن عملية السوق، يخضع باستمرار للتعديل بفعل قوى السوق. بالطبع ليس في هذا إنكار لأنه في أي لحظة بعينها يعد التوزيع أحد القوى التي تشكل مسار عملية السوق في المستقبل القريب، لكننا ننكر أن أسلوب التوزيع نفسه يمكن أن يملك أي تأثير دائم. ومع أن الثروة توزَّع دائمًا بطريقة محددة، فإن أسلوب هذا التوزيع يتغير باستمرار.
فقط لو ظل أسلوب التوزيع على حاله لفترة بعد أخرى، بينما تنتقل أجزاء منفردة من الثروة من فرد لآخر عن طريق التوريث، يمكن أن يعد مثل هذا الأسلوب الثابت قوة اقتصادية دائمة. لكن في الواقع هو ليس كذلك؛ إذ إن توزيع الثروة يتشكل بواسطة قوى السوق بوصفه غرضًا، وليس عاملًا، وأيًّا كان أسلوبه في الوقت الحاضر فسوف يُصبح عن قريب عتيقًا وغير مناسب.
لذا لا يملك توزيع الثروة مكانًا بين معطيات التوازن. ومع هذا، فما يحظى باهتمام اقتصادي واجتماعي كبير ليس أسلوب توزيع الثروة في فترة زمنية بعينها، بل الأسلوب الذي يتغير به بمرور الزمن. هذا التغير، كما سنرى، يجد مكانه الحقيقي بين الأحداث التي تقع في هذا «المسار» الصعب الذي قد يؤدي، وإن كان نادرًا على أرض الواقع، إلى إحداث التوازن. إنها ظاهرة «ديناميكية» نموذجية. والحقيقة اللافتة للنظر هي أنه في الوقت الذي يُسمع فيه الكثير عن الحاجة للسعي وراء الدراسات الديناميكية وتدعيمها، لا يجذب الأمر إلا قدرًا قليلًا للغاية من الاهتمام.
إن الملكية مفهوم قانوني يشير إلى أشياء مادية ملموسة. أما الثروة فهي مفهوم اقتصادي يشير إلى الموارد الشحيحة. إن جميع الموارد القيمة هي إما أشياء مادية، أو انعكاس لها أو تجسيد لها، لكن ليست جميع الأشياء المادية موارد؛ المنازل المهجورة وأكوام النفايات أمثلة واضحة على ذلك، وبالمثل أي أغراض يتخلى عنها أصحابها عن طيب خاطر إذا وجدوا من يرغب في تخليصهم منها. علاوة على ذلك، فإن موارد اليوم قد تنضب غدًا، بينما الأشياء عديمة القيمة اليوم قد تصير قيمة غدًا. وعلى هذا عادة يكون تحديد حالة المواد المادية كموارد أمرًا صعبًا، ويعتمد إلى حد ما على بعد النظر. فالشيء يعد ثروة فقط إذا كان مصدرًا لتدفق الدخل. وقيمة الشيء في نظر مالكه، الفعلي أو المحتمل، تعكس في أي لحظة قدرته المتوقعة على إدرار الدخل. وهذا بدوره سيعتمد على الاستخدامات التي قد يوجه لها هذا الشيء. إن امتلاك الأشياء وحده ليس من شأنه بالضرورة أن يولد الثروة، بل استخدامها الصحيح هو ما يولد الثروة. ليست الملكية هي مصدر الدخل والثروة، بل استخدام الموارد. فقد يعني امتلاك مصنع للمثلجات في نيويورك ثروة كبيرة لمالكه، لكن إذا وجد المصنع ذاته في جرينلاند فلن يعد من الموارد.
في عالم مليء بالتغيرات غير المتوقعة يصبح الحفاظ على الثروة أمرًا صعبًا، وعلى المدى البعيد يمكن القول إنه مستحيل. فلكي تكون عائلة ما قادرة على الحفاظ على كمية بعينها من الثروة، التي يمكن نقلها بالوراثة من جيل للذي يليه، سيتعين عليها امتلاك الموارد التي ستدر فيضًا دائمًا من الدخل الصافي؛ بمعنى فيض من القيمة المُخرجة الزائدة عن تكلفة الخدمات المصاحبة للموارد المملوكة. يبدو أن هذا الأمر ممكن الحدوث إما في عالم مستقر؛ عالم يشبه فيه الحاضر الماضي والمستقبل، وبالتالي سيحصل ورثة الموارد على نفس العائد الذي حصل عليه ملاكها قبلهم يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام، أو إذا كان جميع ملاك الموارد يملكون بعد نظر مثالي. ولأن كلتا الحالتين بعيدتان تمامًا عن الواقع فسيمكننا تجاهلهما دون قلق. ماذا إذن يحدث للثروة في عالم مليء بالتغيرات غير المتوقعة؟
تتكون جميع الثروات من أصول رأسمالية التي، بحال أو بآخر، تجسد أو تعكس على الأقل الموارد المادية للإنتاج؛ أي مصادر المُخرجات القيّمة. تُنتَج المُخرجات كلها بواسطة الأيدي العاملة البشرية بمساعدة مزيج من هذه الموارد. لهذا الغرض يجب استخدام الموارد بمزيج معين؛ إذ إن التكامل هو جوهر استخدام الموارد. لا «تُمنح» أساليب هذا التكامل بأي حال من الأحوال لرواد الأعمال كي يضعوا خطط الإنتاج ويبدءوها وينفذوها. فلا يوجد في الواقع شيء يُعرف بوظيفة الإنتاج. على النقيض، تقتصر مهمة رائد الأعمال تحديدًا على أن يجد، في ظل هذا العالم دائم التغير، مزيج الموارد الذي سينتج، في الظروف الحالية، أقصى فائض للمُخرجات على القيمة الداخلة، وأن يخمن ما سيفعل ذلك في الظروف المستقبلية المحتملة، عندما تكون قيم المُخرجات، وتكلفة المُدخلات التكميلية والتكنولوجيا قد تغيرت جميعها.
إذا كانت جميع موارد رأس المال متعددة الوظائف على نحو لانهائي، فستقتصر مشكلة ريادة الأعمال على متابعة تغيرات الظروف الخارجية عن طريق تحويل مجموعات الموارد إلى سلسلة متعاقبة من الاستخدامات التي تجعلها تلك التغيرات مربحة. في الوضع الحالي، تملك الموارد، كقاعدة، مجالًا محدودًا من تعدد الوظائف؛ إذ إن كل جانب منها مقتصر على عدد من الاستخدامات.1 وبالتالي ستستلزم الحاجة إلى التوافق مع التغيير دائمًا الحاجة إلى تغيير تركيبة مجموعة الموارد، بغرض «إعادة تنظيم رأس المال». لكن كل تغيير في أسلوب التكامل سيؤثر على قيمة الموارد المكونة عن طريق زيادة أرباح رأس المال وخسائره. سيقدم رواد الأعمال عروضًا أكبر للحصول على خدمات تلك الموارد التي وجدوا أن لها استخدامات مربحة أكثر، وعروضًا أقل للموارد التي يجب توجيهها إلى الاستخدامات الأقل ربحية. في الحالة المحدودة التي لا يمكن فيها إيجاد استخدام (حالي أو مستقبلي محتمل) لأحد الموارد — الذي شكل إلى الآن جزءًا من مزيج الموارد المربح — يفقد هذا المورد صفته كمورد تمامًا. لكن حتى في الحالات الأقل تطرفًا، تكون أرباح رأس المال وخسائره المتحققة على الأصول المعمرة مصاحبة على نحو حتمي للعالم المليء بالتغيرات غير المتوقعة. بناءً على هذا يُنظر إلى عملية السوق على أنها عملية تسوية. ففي اقتصاد السوق تجري عملية إعادة توزيع الثروة طوال الوقت وتفقد العمليات المشابهة من الظاهر، التي يرسيها السياسيون المحدثون باستمرار، رونقها ويتضح مدى تفاهتها بالمقارنة، وإن كان ذلك لسبب وحيد هو أن السوق يمنح الثروة لمن يستطيعون المحافظة عليها، بينما يمنحها السياسيون للناخبين الذين، عادة، يعجزون عن ذلك.
إن عملية إعادة توزيع الثروة تلك لا تحفزها سلسلة من المخاطر. فالمشاركون فيها لا يلعبون لعبة حظ، بل لعبة مهارة. تعكس هذه العملية، مثل كل العمليات الديناميكية الحقيقية الأخرى، انتقال المعرفة من عقل لعقل. وهي ممكنة فقط لأن بعض الأشخاص يملكون معرفة لم يكتسبها آخرون بعد؛ لأن المعرفة بالتغيير وتداعياته تنتشر تدريجيًّا وعلى نحو غير متساوٍ في أرجاء المجتمع.
في هذه العملية، الناجح هو من يفهم قبل أي شخص آخر أن موردًا بعينه، يمكن إنتاجه اليوم عندما يكون جديدًا، أو شراؤه، عندما يكون موجودًا بالفعل، بسعر محدد قدره «أ'»، سيصبح في المستقبل جزءًا من مزيج منتِج، ونتيجة لهذا ستساوي قيمته «أس». تشكل أرباح رأس المال أو خسائره — التي حدثت بسبب تصادف، أو الحاجة إلى، تحويل الموارد من استخدام لآخر، أعلى أو أقل مرتبة من سابقه — الجوهر الاقتصادي لما تعنيه الثروة في عالم متغير، وهي تعتبر المحرك الرئيسي لعملية إعادة التوزيع. في هذه العملية من غير المرجح أن يستمر الرجل نفسه في التخمين الصحيح بشأن الاستخدامات الجديدة المحتملة للموارد الحالية أو المحتملة مرة بعد أخرى، إلا إذا كان متفوقًا بحق. وفي الحالة الأخيرة من غير المرجح أن يحقق ورثته نفس النجاح، إلا إذا كانوا متفوقين أيضًا. في عالم مليء بالتغيرات غير المتوقعة تكون خسائر رأس المال حتمية مثل أرباحه. إن المنافسة المحتدمة بين أصحاب رأس المال والطبيعة الخاصة للموارد المعمرة تستلزم أن تُتبَع الأرباح بخسائر والخسائر بأرباح.
لهذه الحقائق الاقتصادية عواقب اجتماعية محددة. وكما يفضل منتقدو اقتصاد السوق اليوم أن يبنوا موقفهم استنادًا على الأرضية «الاجتماعية»، فلن يكون من غير الملائم هنا أن نوضح النتائج الاجتماعية الحقيقية لعملية السوق. لقد تحدثنا بالفعل عنها كعملية تسوية. ومن الملائم الآن أن نصف هذه النتائج كمثال على ما أطلق عليه باريتو «دوران النخب». فمن غير المرجح أن تستمر الثروة لفترة طويلة في حوزة المالك عينه؛ إذ إنها تنتقل من يد لأخرى بينما يضع التغير غير المتوقع القيمة لمورد معين، ثم مورد آخر لاحقًا، مسببًا حدوث أرباح وخسائر في رأس المال. إن ملاك الثروة، كما يمكننا أن نتفق مع شومبيتر، يشبهون نزلاء أحد الفنادق أو ركاب قطار؛ فهناك ركاب موجودون على الدوام، لكنهم ليسوا الأشخاص أنفسهم.
رأينا في اقتصاد السوق أن طبيعة جميع الثروات تتسم بالجدلية والصعوبة. فكلما زادت الأصول المعمرة وزادت خصوصيتها، وكلما صار نطاق الاستخدامات التي يمكن تحويلها إليها محدودًا، باتت المشكلة أكثر وضوحًا للعيان. لكن في مجتمع ذي رأس مال ثابت ضئيل أخذت فيه أغلب الثروة المتراكمة هيئة بضائع مخزنة، بضائع زراعية وقابلة للتلف في الأساس، ومخزنة لفترات متفاوتة، مجتمع ندر أن توجد فيه منتجات استهلاكية معمرة، ربما باستثناء المنازل والأثاث، لم تظهر المشكلة على نحو واضح. كان هذا، بشكل عام، المجتمع الذي عاش فيه الاقتصاديون الكلاسيكيون، ومنه استقوا الكثير من السمات. وبالتالي وفق ظروف زمنهم كان موقف الاقتصاديين الكلاسيكيين مبررًا، إلى حدٍّ ما، حين اعتبروا أن جميع رءوس الأموال متجانسة فعليًّا ومتعددة الوظائف تمامًا، وذلك بمقارنتها بالأرض؛ المورد الوحيد المحدد غير القابل لإعادة الإنتاج. لكن في الوقت الحاضر لا مبرر تقريبًا لمثل هذا الفصل. فكلما زاد رأس المال الثابت، وكلما زادت استمراريته، زاد احتمال استخدام موارد رأس المال هذا قبل أن تنضب، لأغراض تختلف عن الأغراض التي صُممت للقيام بها في المقام الأول. يعني هذا عمليًّا أنه في اقتصاد السوق الحديث، لا يوجد ما يسمى بمورد الدخل الثابت؛ لأن الاستمرارية وتعدد الوظائف المحدود يجعلان من هذا أمرًا مستحيلًا.
الحقيقة الرئيسية التي ركزنا عليها في هذا المقال هي أن عملية إعادة توزيع الثروة التي تتسبب فيها قوى السوق في عالم مليء بالتغيرات غير المتوقعة هي حقيقة ملحوظة شائعة في كل مكان. لماذا إذن يتم تجاهلها باستمرار؟ يمكننا تفهم سبب اختيار السياسيين تجاهلها؛ ففي نهاية المطاف من غير المرجح أن يتأثر السواد الأعظم من ناخبيهم بها على نحو مباشر، وكما يتضح كثيرًا في حالة التضخم، يمكنهم بالكاد تفهمها إذا تأثروا بها. لكن لماذا يختار الاقتصاديون تجاهلها؟ قد يظن المرء أن كون أسلوب توزيع الثروة ناتجًا عن عمل القوى الاقتصادية هو افتراض قد يروق لهم. لماذا إذن يستمر الكثير من الاقتصاديين في اعتبار توزيع الثروة «مُعطى»، بالمعنى الثاني المذكور سابقًا؟ إننا نسلم بأنه يجب البحث عن السبب بينما نحن منشغلون للغاية بمشاكل التوازن.
رأينا من قبل أن الأساليب المتتابعة لتوزيع الثروة تنتمي إلى عالم عدم التوازن. فمكاسب وخسائر رأس المال تحدث في أغلب الأحوال بسبب أن الموارد المعمرة يجب أن تُستخدم بطرق لم تُصمم من أجلها، وأن بعض الأشخاص يستوعبون أفضل وأسرع من غيرهم ما يتضمنه تغير الحاجات والموارد في عالم دائم الحركة. يعني التوازن اتساق الخطط، ولكن إعادة توزيع الثروة عن طريق السوق عادة ما يأتي كنتيجة لأفعال غير متسقة. ومن منظور مَن تدربوا على التفكير بأسلوب متوازن، قد يكون من الطبيعي ألا تبدو مثل تلك العمليات، كما شرحنا من قبل، «جديرة بالاحترام» تمامًا. فالقوى الاقتصادية «الحقيقية» من منظورهم هي تلك التي تميل إلى إنشاء التوازن والحفاظ عليه. أما القوى التي تعمل فقط في ظل عدم التوازن فلا تُعتبر مثيرة للاهتمام وبالتالي كثيرًا ما يتم تجاهلها.
بالطبع لا نقول إن عالم الاقتصاد المعاصر، الدارس بتعمق لقواعد التوازن، والجاهل للغاية بحقائق السوق، غير قادر أو غير مستعد لمسايرة التغير الاقتصادي، فهذا سيكون ضربًا من السخف. بل نقول إنه مستعد استعدادًا جيدًا فقط للتعامل مع أنواع التغيير التي يتصادف أنها تتوافق مع نماذج جامدة إلى حدٍّ بعيد.

الحريتان السياسية والاقتصادية تنتجان معًا معجزات البشرية


بقلم تيمبا إيه نولوتشونجو


في هذا المقال يستشهد الاقتصادي الجنوب أفريقي تيمبا إيه نولوتشونجو بتاريخ بلاده الحديث للتفريق بين حكم الأغلبية (الذي انتُزع بعد عقود من الصراع مع الأقلية المحتكرة للسلطة) والحرية، ويوضح الآفاق الرحبة للحرية الاقتصادية.
تيمبا إيه نولوتشونجو هو مدير مؤسسة السوق الحرة بجنوب أفريقيا. وهو يدرّس ببرامج التمكين الاقتصادي في جميع أرجاء البلاد وتُنشر كتاباته على نحو دائم في الصحافة الجنوب أفريقية. كان أحد أعضاء اللجنة التي أصدرت «أوراق زيمبابوي»، وهي مجموعة مقترحات خاصة بالسياسات تهدف لتعافي دولة زيمبابوي بعد الكارثة التي تسببت فيها سياسات موجابي وقُدمت لرئيس وزراء زيمبابوي مورجان تسفانجيراي. وفي شبابه كان نولوتشونجو عضوًا بارزًا في حركة الوعي الأسود بجنوب أفريقيا.
***

في يوليو من عام ????، حُكم على ماكسيميليان روبسبير، الجمهوري الثوري والديمقراطي المتطرف والقوة المحركة لعهد الإرهاب في فرنسا ما بعد الثورة، الذي قُتل خلاله نحو ?? ألف فرنسي بالمقصلة بوصفهم «أعداء الأمة»، بالإعدام من قِبل خصومه السياسيين. وقبل وفاته بلحظات خاطب روبسبير العامة، الذين اعتادوا التزلف له لكنهم الآن ينادون بمقتله، بالكلمات التالية: «لقد منحتكم الحرية، والآن تريدون الخبز أيضًا.» وكانت هذه نهاية عهد الإرهاب.
المغزى الذي يمكن أن نستقيه من هذا هو أنه على الرغم من أن الكثيرين يربطون بين الحرية السياسية والرفاهية الاقتصادية، فإن الاثنين ليسا بالشيء نفسه.
الرفاهية الاقتصادية تأتي نتيجة للحرية. وفي جنوب أفريقيا، في ظل معدلات البطالة المسجلة رسميًّا والبالغة ???? بالمائة (وهو رقم لا يضم من توقفوا عن البحث عن عمل)، يعكس الفصل بين الحرية السياسية والرفاهية الاقتصادية وضعًا كارثيًّا محتملًا؛ خطرًا استفحل على يد الإدارات السياسية المتعاقبة التي وعدت على نحو متكرر بتحقيق كل أنواع الفوائد لناخبيها.
وللتعامل مع التحديات التي تواجهنا، علينا أولًا أن نستجلي بعض المفاهيم المغلوطة:
خلق الوظائف ليس دور الدولة. فكي تكون الوظائف دائمة يجب أن يخلقها القطاع الخاص. أما الوظائف التي توجدها الحكومة فيتحمل تكلفتها دافعو الضرائب ولا تتعدى كونها وظائف مقدمة كمعونة. ولأنها غير دائمة، ليس لها أي نتائج اقتصادية إيجابية. فالقطاع الخاص هو الخالق الوحيد للثروة، أما القطاع الحكومي فهو مستهلك لها.
المال ما هو إلا وسيط لتبادل السلع والخدمات، ولهذا يجب أن يرتبط بالإنتاجية ويعكسها. حين زرت روسيا وتشيكوسلوفاكيا ما بعد الشيوعية في عام ????، كانت الدعابة السائدة هي أن العمال يتظاهرون بالعمل بينما تتظاهر الحكومة بدفع الرواتب لهم. ولهذا، في رأيي، حين نتحدث عن عملية ذات مغزى لخلق الوظائف، علينا بالتركيز على القطاع الخاص وحده.
يستدعي هذا التساؤل عن السياسات التي ينبغي تطبيقها على مشروعات القطاع الخاص. أي السياسات سيحسن الإنتاجية وأيها سيعوقها؟ ما الذي ينبغي عمله؟
لندرس المبادئ التي تقوم عليها أبسط عمليات التبادل بين أي طرفين. يمكن للمعاملات التجارية البسيطة أن تفيدنا كمثال على الاقتصاد الأكبر وكنموذج مصغر له. ومن المفترض أن ترشد واضعي السياسات بشأن أكثر السياسات توافقًا مع الطبيعة البشرية؛ لأن العامل البشري عامل محوري في السياق الاقتصادي. لنعد بالزمن إلى الوراء حتى رجل كهوف افتراضي يملك مهارة في الصيد لكنه عديم الخبرة بصناعة أسلحة الصيد. يقابل رجلنا صانع أسلحة ماهر ويتفق معه على منحه جزءًا من طريدته مقابل السلاح. يخرج كل منهما من المعاملة وهو يشعر بأنه استفاد من خلال الحصول على شيء أعظم في القيمة مما منحه. وعاجلًا أو آجلًا، يجد صانع الأسلحة أنه لو تخصص في صناعة الأسلحة، بدلًا من الصيد، فسيقدر على مقايضة الأسلحة مقابل الفراء واللحم والعاج وغيرها. لقد صار له عمل تجاري. وهو يحقق الرخاء، وكل زبائنه يحققون الرخاء، بفضل استخدامهم لأسلحة الصيد الأعلى كفاءة.
ما يجب ملاحظته في هذا السيناريو هو أنه لا يوجد إجبار أو احتيال في الأمر. ولا وجود لمشاركة من طرف ثالث. فلا وجود لطرف يملي قواعد العمل؛ فالقواعد التي يسير الطرفان عليها تأتي على نحو تلقائي، وهما يطيعانها كما لو كانت قواعد لنظام طبيعي. هذا هو ما أشار الاقتصادي الراحل فريدريك هايك إليه بالنظام التلقائي، وجزء من هذا النظام يقضي بالاحترام المتبادل للملكية الخاصة.
من هذا المثال البسيط يمكننا أن نستنتج أنه في اقتصاد الوقت الحاضر، في أي دولة تحجم فيها الحكومة عن التدخل في المجال الاقتصادي، سيكون هناك نمو أكبر ومنافع اجتماعية اقتصادية مصاحبة. وبعبارة أخرى، إذا شجعت الحكومة على الحرية الاقتصادية للمنتجين والمستهلكين، ومكنتهم من الانخراط في معاملات لا ينتج عنها إجبار أو احتيال، فستحقق الدولة وشعبها، الرخاء. وهذا سبيل مؤكد لتقليل البطالة وتحسين التعليم وتقديم رعاية صحية أفضل.
هذه المبادئ الجوهرية تنطبق على جميع الاقتصاديات، بصرف النظر عن السياق الثقافي الذي تبلورت داخله. وخرافة «ثقافة العمل» الموجودة دائمًا تستدعي الانتباه لها على نحو حاسم. فهذه النظرة تعزز على نحو ضمني الأفكار النمطية عن القوميات أو الجماعات العرقية بوصفها إما تملك أخلاقيات العمل أو تفتقر إليها، ويكون الاستنتاج المنطقي المترتب على هذا هو أن الفقراء فقراء لأنهم يفتقرون إلى ثقافة العمل وأن الأغنياء أكثر نجاحًا لأنهم يملكونها، وهي نظرة من الخطر الشديد اعتناقها، خاصة حين ترتبط بالنظرة العرقية.
قبل هدم حائط برلين في عام ????، كانت ألمانيا الغربية ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بينما كانت ألمانيا الشرقية منطقة كوارث اقتصادية. كانوا شعبًا واحدًا، وثقافة واحدة، بل أسرًا واحدة في بعض الحالات قبل الانقسام عقب الحرب العالمية الثانية. يمكن إصدار حكم مشابه على الكوريتين؛ فكوريا الجنوبية عملاق اقتصادي، بينما كوريا الشمالية جحيم اقتصادي لا يتوقف عن امتصاص المساعدات الخارجية. ومرة أخرى، شعب واحد، وثقافة واحدة. وماذا عن التناقض بين الصين وهونج كونج قبل عام ???? حين أجرى دينج شياو بينج إصلاحات جذرية لدعم السوق الحرة عقب الإعلان بأنه من الرائع أن تكون غنيًّا وأنه لا يهم هل القط أسود اللون أو أبيض اللون ما دام يصطاد الفئران؟ مجددًا، شعب واحد، وثقافة واحدة، والفوارق الاقتصادية الدالة عينها. في كل مرة كان ما يصنع الفارق هو درجة الحرية المسموح بها لعناصر الاقتصاد.
منذ عام ????، وبفضل أكثر إصلاحات السوق الحرة جذرية في السنوات الأخيرة، تبزغ الصين اليوم ثالث أعظم قوة اقتصادية في العالم. والمحزن في الأمر، حسب كلمات بيرتل شميت، أن «الولايات المتحدة التقطت كتاب الاقتصاد الاشتراكي الذي كان دينج شياو بينج من الذكاء بما يكفي للخلاص منه».
إن الإطار التشريعي والمؤسسي الذي يحدث النشاط الاقتصادي داخله، وعلى الأخص مقدار الضوابط المفروضة على الاقتصاد، هو ما يحدد مدى ثراء الدولة وسكانها. وبعبارة أخرى، فإن درجة الحرية التي تسمح بها الدولة للأفراد بممارسة الحرية الاقتصادية هي ما سيحدد النتائج الاقتصادية.
تلخص الكلمات التي أوردها الأستاذ الجامعي والتر ويليامز عام ???? في كتابه المثير للفكر «حرب جنوب أفريقيا ضد الرأسمالية» الأمر كله، حيث قال: «… إن حل مشكلات جنوب أفريقيا ليس في البرامج الخاصة، ولا التصرف الإيجابي، ولا النشرات، ولا المعونات، بل في الحرية. لأنك لو نظرت حول العالم وبحثت عن الأغنياء؛ الأشخاص المتباينين الذين يملكون القدرة على العيش على نحو طيب، فستجد أنك تنظر إلى مجتمع يوجد به قدر كبير نسبيًّا من الحرية الفردية.»

القسم الرابع
عولمة الرأسمالية



الرأسمالية العالمية والعدالة


بقلم جون أرونجا


في هذا المقال تنادي جون أرونجا بنشر رأسمالية السوق الحرة في أفريقيا، وتواجه من يعارضون السماح للأفارقة بالانخراط في الاقتصاد العالمي من خلال حرية التجارة. تدعم آراؤها التجارة الحرة على نحو منهجي، وهي تنتقد من يدعمون «مناطق التجارة» المحددة التي تقدم امتيازات خاصة (وأحيانًا تنتهك حقوق ملكية أبناء البلد) للمستثمرين الأجانب أو نخبة من المحليين ذوي الامتيازات وتنكر على غيرهم حرية التجارة أو الاستثمار على أسس متساوية. وهي تنادي باحترام حقوق ملكية الشعوب الأفريقية وبتطبيق رأسمالية السوق الحرة التي لم تشوهها الامتيازات وسلطات الاحتكار.
جون أرونجا هي سيدة أعمال ومنتجة أفلام من كينيا. وهي مؤسسة شركة أوبن كويست ميديا ذات المسئولية المحدودة والمديرة التنفيذية لها، كما عملت في عدد من مشروعات الاتصالات في أفريقيا. وقد أنتجت فيلمين تسجيليين لشبكة بي بي سي عن أفريقيا وهما «ممر الشيطان»، الذي وثقت فيه رحلتها التي امتدت على مدار ستة أسابيع، لمسافة خمسة آلاف ميل من القاهرة حتى كيب تاون، و«من الملوم؟»، الذي عرض لمناظرة/حوار بين أرونجا والرئيس الغاني السابق جيري رولينجز. وهي تكتب لموقع AfricanLiberty.org وشاركت في تأليف كتاب «ثورة الهاتف الخلوي في كينيا». حصلت أرونجا على شهادتها الجامعية في الحقوق من جامعة باكنجهام بالمملكة المتحدة. ***

من واقع خبرتي أجد أن الجزء الأكبر — ربما ?? بالمائة — من الخلافات ينبع من نقص معلومات أحد الجانبين أو الآخر. وهذا أمر شديد الأهمية حين ينتقل الناس من ثقافة إلى أخرى. إننا نشهد موجة عظيمة من التجارة في أفريقيا، بين الأفارقة، بعد فترة طويلة من الانعزال بعضهم عن بعض بسبب سياسات حماية الإنتاج الوطني والقومية وسوء الفهم. وأعتقد أنه ينبغي علينا الاحتفاء بنمو التجارة هذا. يخشى البعض من زيادة التجارة، لكني أرى أنهم بحاجة للمزيد من المعلومات.
العولمة أمر قائم، وأعتقد أنه يجب علينا الترحيب بها؛ فقد مكنت من نقل المهارات، ووفرت التكنولوجيا الآتية من أرجاء العالم، وغير هذا الكثير. ومع ذلك، لم تصل العولمة للكثيرين. والسؤال هنا هو لماذا؟ قابلت الاقتصادي السويدي يوهان نوربرج، الذي ألف الكتاب المدهش «دفاعًا عن الرأسمالية العالمية» في عام ????، وفوجئت بالكيفية التي تعامل بها مع المعلومات. فهو لم يقابل معارضي التجارة الحرة باستخفاف، بل استمع لهم، وتدبر وجهات نظرهم، وتحقق من معلوماتهم. واهتمامه بالمعلومات الواقعية هو ما قاده منذ البداية إلى اعتناق الرأسمالية.
كما أدهشتني الطريقة التي تبنَّى بها وجهات نظر أكثر الأشخاص تأثرًا؛ الفقراء. لقد سافر نوربرج حول العالم طارحًا الأسئلة. وهو لا يخبر الناس بما ينبغي أن تكون عليه آراؤهم، بل يسألهم عن آرائهم. وبسؤال الفقراء الذين منحوا الفرصة للعمل في التجارة — إما كتجار أو بائعين أو كموظفين في شركات تعمل في التجارة العالمية — كشف عن الحقائق التي غفل عنها المسئولون ذوو السلطة. هل جعلت تلك الوظيفة في المصنع الجديد حياتك أفضل أم أسوأ؟ هل جعل هاتفك المحمول الأول حياتك أفضل أم أسوأ؟ هل زاد دخلك أم نقص؟ كيف تسافر؛ على الأقدام، أم بالدراجة، أم بالدراجة النارية، أم بالسيارة؟ هل تفضل ركوب الدراجة النارية أم المشي؟ يصر نوربرج على النظر للحقائق على أرض الواقع. فهو يسأل الأشخاص المعنيين عن آرائهم وعما إذا كانت التجارة الحرة حسنت حياتهم أم لا. إنه يريد معرفة الآراء الفردية.
علينا أن نتساءل عما تفعله حكوماتنا بنا، لا ما تفعله من أجلنا وحسب. فحكوماتنا تؤذينا: فهي تسرق منا، وتمنعنا من التجارة، وتبقي الفقراء على حالهم المتدني. ليس مسموحًا للمستثمرين المحليين بالمنافسة بسبب انعدام سيادة القانون في الدول ذات الدخول المنخفضة. وربما هذا هو ما تسبب في جعلها دولًا ذات دخول منخفضة؛ لأن شعوبها ليست محل احترام من جانب حكوماتها.
تركز حكومات دول فقيرة عديدة على جذب «المستثمرين الأجانب»، لكنها لا تسمح لأبناء البلد بدخول السوق. إن فتح أبواب السوق والمنافسة أمام أبناء البلد ليس من أهدافها. يملك أبناء البلد الرؤية والفهم و«المعرفة المحلية»، لكن حكوماتنا في أفريقيا تبقي أبناء بلادها خارج السوق لمصلحة الأجانب أو الجماعات المحلية ذات المصالح الخاصة.
على سبيل المثال، القيود الثقيلة الموجودة حاليًّا وتكبل المنافسة، مثل الأعمال المصرفية وإمدادات المياه، تتجاهل قدرة أبناء شعبنا على استخدام معرفتهم المحلية بالتقنيات والتفضيلات والبنية التحتية. ليس من «العولمة» في شيء أن تمنح امتيازات خاصة ? «المستثمرين الأجانب» بينما أبناء البلد مهمشون وغير مسموح لهم بالمنافسة. إذا كانت «المناطق الاقتصادية الخاصة» التي تقيمها الحكومات لجذب «المستثمرين الأجانب» فكرة طيبة، فلماذا لا يسمح للسواد الأعظم من الشعب بالاستفادة منها؟ لماذا تعتبر مناطق امتيازات خاصة، وليس جزءًا من التجارة الحرة المتاحة للجميع؟ يجب أن تعني حرية التجارة المنافسة الحرة لخدمة الشعب، لا أن تكون امتيازات خاصة ممنوحة لنخبة من أبناء البلد الذين لا يريدون منافسة أو لمستثمرين أجانب يحظون بلقاءات خاصة مع الوزراء.
ليس من «التجارة الحرة» أن تستطيع الشركات العالمية الحصول على امتيازات خاصة من الحكومات، وليس من «التجارة الحرة» أن تُمنع الشركات المحلية، على يد حكوماتها، من دخول السوق. فالتجارة الحرة تتطلب سيادة القانون على الجميع، وحرية الجميع في الانخراط في أكثر الأفعال طبيعية؛ التبادل الاختياري الطوعي.
لن يأتي رخاؤنا كأفارقة من المساعدات الأجنبية أو الأموال السهلة. لقد حظينا بكثير من هذه الأمور في أفريقيا، لكن لم يكن لها تأثير إيجابي على حياة الفقراء. إن هذا النوع من «المساعدات» يزيد الفساد ويقوض سيادة القانون. فالمساعدات تأتي مشروطة بشراء الخدمات من أشخاص بعينهم في الدول المانحة للمساعدات. وهذا يشوه العلاقات التجارية. وأسوأ ما في الأمر أن «المساعدات» تفصل الحكومات عن شعوبها؛ لأن من يسددون ثمنها ليسوا في أفريقيا، بل في باريس أو واشنطن أو بروكسل.
يمكن أن تشوه التجارة وتصير غير حرة على يد النخب المحلية التي تسيطر على الوزراء بطرق ليست بخفية. فيمكن أن تشوه التجارة من خلال منح حقوق الاحتكار بغرض إقصاء المنافسين المحليين والأجانب على حدٍّ سواء. والأدهى من ذلك أنه يمكن تشويه التجارة حين تحصل النخب الأجنبية على حقوق الاحتكار من الحكومات المحلية من خلال صفقات المساعدات المشروطة بالتواطؤ مع حكوماتها نفسها؛ صفقات تقصي المنافسين المحليين والأجانب لأنها نهائية. كل هذه القواعد تحد من الأسواق ومن حريتنا. وهكذا نجبر على شراء السلع والخدمات التي قد لا تكون بأعلى جودة أو بأفضل سعر؛ لأننا لا نملك حرية الاختيار. وانعدام الحرية هذا يكبحنا ويديم الفقر.
ومع ذلك فنحن لا نُسلب الأسعار الأقل والجودة الأعلى وحسب، بل نُسلب من فرصة الابتكار، والاستفادة من عقولنا من أجل تحسين أحوالنا بواسطة طاقتنا وتفكيرنا. وعلى المدى البعيد تكون هذه الجريمة أعظم في حقنا. إن سياسات حماية الإنتاج الوطني والامتيازات لا تديم الإفلاس الاقتصادي وحسب، بل تسبب أيضًا جمود الفكر وفقد الشجاعة والشخصية والإرادة والتصميم والإيمان بأنفسنا.
إن ما نحتاجه هو المعلومات. نحن بحاجة للتحدث إلى الناس على أرض الواقع، وبحاجة للتحقق من الحقائق نفسها. في أغلب الأحيان لا تكون هذه الأمور أسرارًا، لكن يندر أن يوجد من يهتم بالنظر. والأدلة دامغة على أن رأسمالية السوق الحرة وحرية التجارة والمساواة في الحقوق تحت سيادة القانون تؤدي إلى رخاء جموع البشر.
إن ما نحتاجه هو رأسمالية السوق الحرة التي تمنحنا المساحة لتحقيق ما بوسعنا. يوضح عالم الاقتصاد هرناندو دي سوتو، من دولة بيرو، في كتابه «لغز رأس المال» كيف أن الفقراء يمكنهم تحويل «رأس المال الميت» إلى «رأس مال حي» لتحسين حياتهم. ليس نقص رأس المال قدرًا محتومًا، ونحن في أفريقيا نملك الكثير من رأس المال، لكن أغلبه لا يمكن استخدامه لتحسين حياتنا؛ فهو «ميت». إننا بحاجة لتحسين حقوق الملكية كي نجعل رأسمالنا الوفير «رأس مال حي» يمدنا بالحياة. إننا بحاجة للتملك، وبعبارة أخرى، نحن بحاجة لأن تُحترم حقوقنا. إننا بحاجة للمساواة أمام القانون. إننا بحاجة لرأسمالية السوق الحرة.

تحسين أحوال البشر بواسطة العولمة


بقلم فيرنون سميث


في هذا المقال يتتبع فيرنون سميث، الاقتصادي الحاصل على جائزة نوبل، خطوات نمو الثروة البشرية عن طريق انتشار الأسواق، ويشرح لماذا تؤدي الرأسمالية العالمية إلى تحسين أحوال البشر.
يعمل فيرنون سميث أستاذًا للاقتصاد بجامعة تشابمان في كاليفورنيا، وهو من رواد مجال «الاقتصاد التجريبي» الناشئ. ركزت أبحاثه على أسواق رأس المال والبضائع، وظهور فقاعات الأصول، ودورات الأعمال، والماليات، واقتصاديات الموارد الطبيعية، ونمو مؤسسات السوق. في عام ???? حصل فيرنون على جائزة نوبل في الاقتصاد مناصفة من أجل «ترسيخ التجارب المعملية كأداة للتحليل الاقتصادي التجريبي، خاصة في دراسة آليات السوق البديلة». نُشر لفيرنون كتابات عديدة في الصحف الأكاديمية، عن الاقتصاد ونظرية الألعاب والمخاطرة، وهو مؤلف كتاب «أبحاث في علم الاقتصاد التجريبي» و«المقايضة وسلوك السوق: مقالات عن علم الاقتصاد التجريبي». أيضًا يحظى سميث بشهرة عالمية كمعلم، وقد طور برامج للاستفادة من علم الاقتصاد التجريبي ليس فقط في توليد رؤى جديدة عن عمليات الاقتصاد، بل أيضًا في تدريس مبادئ علم الاقتصاد.
هذا المقال مقتطف من خطبة ألقاها في «ليالي في مؤسسة التعليم الاقتصادي»1 في سبتمبر ????. ***

رسالتي اليوم رسالة متفائلة، وهي عن التبادل والأسواق، التي تسمح لنا بالتخصص في المهام والمعارف. هذا التخصص هو سر خلق جميع الثروات والمصدر الوحيد للتحسين المستدام لأحوال البشر. إنه جوهر العولمة.
التحدي الذي يواجهنا هو أننا نعمل جميعًا في الوقت عينه في عالمي تبادل متداخلين؛ الأول: أننا نحيا في عالم من التبادل الشخصي الاجتماعي قائم على المعاملة بالمثل والأعراف المشتركة في جماعات صغيرة وعائلات ومجتمعات. إن عبارة «إنني مدين لك» عبارة شائعة تجدها في الكثير من اللغات، التي يقر بها الناس طواعية بدينهم لغيرهم من البشر. منذ العصور البدائية مكن التبادل الشخصي من وجود التخصص في المهام (الصيد، وجمع الطعام، وصناعة الأدوات) ووضع حجر الأساس للإنتاجية والرفاهية المعززتين. سمح تقسيم العمل هذا للبشر بأن يهاجروا إلى جميع بقاع العالم. وبهذا يكون التخصص هو ما بدأ العولمة قبل ظهور الأسواق الرسمية بزمن طويل.
والعالم الثاني الذي نعيش فيه: هو عالم من التبادل السوقي غير الشخصي، يتطور التواصل والتعاون فيه تدريجيًّا من خلال التجارة بعيدة المدى بين الشعوب الغريبة بعضها عن بعض. في أفعال التبادل الشخصي ننوي دائمًا أن نسدي الخير للآخرين، أما في السوق يضيع هذا المفهوم؛ إذ يميل كل منا إلى التركيز على مكاسبه وحسب. ولكن، تؤكد تجاربنا المعملية المنهجية أن نفس الأشخاص الذين يحاولون التعاون في التبادل الشخصي يجاهدون من أجل زيادة مكاسبهم الشخصية في سوق أكبر. ودون قصد منهم يزيدون أيضًا في تعاملاتهم السوقية من الفائدة المشتركة التي تعود على المجموعة. لماذا؟ بسبب حقوق الملكية. ففي التبادل الشخصي تنبثق القواعد السائدة من الموافقة الطوعية لأطراف التبادل. أما في التبادل السوقي غير الشخصي تكون القواعد السائدة — مثل حقوق الملكية، التي تمنع أخذ شيء دون إعطاء شيء آخر في المقابل — مدمجة في إطار العمل المؤسسي. وبهذا يعمل عالما التبادل بطريقة متشابهة؛ عليك أن تعطي لكي تأخذ.
أساس الرخاء

تحدد أسواق البضائع والخدمات، التي تعد أساس تكوين الثروة، مدى التخصص. ففي الأسواق المنظمة يواجه المنتجون بتكاليف متوقعة نسبيًّا للإنتاج، ويعتمد المستهلكون على مخزون متوقع نسبيًّا من البضائع المثمنة. وأنشطة السوق المكررة على نحو ثابت هذه فعالة بدرجة هائلة، حتى في علاقات السوق المعقدة للغاية التي تشهد المتاجرة في بضائع متعددة.
اكتشفنا أيضًا من خلال تجاربنا في الأسواق أن الناس ينكرون بشكل عام أن يستطيع أي نوع من النماذج التنبؤ بأسعارهم التجارية النهائية وحجم البضائع التي سيشترونها ويبيعونها. في حقيقة الأمر، لا تحتاج كفاءة السوق إلى عدد كبير من المشاركين، أو معلومات كاملة، أو إلمام بعلم الاقتصاد، أو أي تفاصيل معقدة بعينها. فعلى أي حال، لقد ظل الناس يتاجرون في الأسواق لوقت طويل قبل وجود أي علماء اقتصاد ليدرسوا عملية السوق. كل ما عليك معرفته هو متى حققت ربحًا أو متي منيت بخسارة، وهل تمتلك الفرصة لتعديل طريقة تصرفاتك.
إن السمة المميزة لأسواق البضائع والخدمات هي التنوع؛ تنوع الأذواق والمهارات البشرية والمعرفة والموارد الطبيعية والتربة والمناخ. لكن يؤدي وجود التنوع دون حرية تبادل إلى الفقر. فلا يوجد إنسان، حتى وإن كان يملك مهارة واحدة كبيرة أو موردًا وحيدًا وفيرًا، يستطيع تحقيق الرخاء دون تجارة. إننا نعتمد عن طريق الأسواق الحرة على أشخاص آخرين لا نعرفهم أو نتعرف عليهم أو حتى نفهمهم. ومن غير الأسواق سنصير فقراء وبائسين وهمج وجهلة دون أدني شك.
تتطلب الأسواق تطبيق قواعد التفاعل الاجتماعي والتبادل الاقتصادي بالتراضي. ولم يعبر أحد عن هذا الأمر أفضل من ديفيد هيوم منذ ??? عامًا خلت حين قال إن هناك ثلاثة قوانين وحسب للطبيعة: حق الامتلاك، والتبادل بالتراضي، والوفاء بالوعود. هذه هي الأساسيات الجوهرية للنظام الذي يجعل الأسواق والرخاء أمورًا ممكنة التحقيق.
استمد هيوم قوانين الطبيعة الخاصة به من الوصايا القديمة: لا تسرق، لا تشتهي ما يملكه جارك، لا تشهد زورًا. ? «السرقة» تستهلك الثروات وتثني البشر عن إعادة إنتاجها. واشتهاء أملاك الغير يدعو لوجود دولة قاهرة تعيد توزيع الثروة، مما يعرض محفزات إنتاج حصاد الغد للخطر. وتقوض شهادة الزور أساس المجتمع ومصداقية الإدارة وثقة المستثمر والربحية بعيدة المدى والتبادلات الشخصية التي تضفي علينا السمة البشرية.
وحدها الأسواق توفر السلع

يرتبط التطور الاقتصادي بالأنظمة الاقتصادية والسياسية الحرة التي ترعاها سيادة القانون وحقوق الملكية الخاصة. وقد فشلت الأنظمة الشمولية، أينما حاولت، في توفير السلع. إلا أن هناك أمثلة عديدة على دول كبيرة وصغيرة (من الصين إلى نيوزيلندا وأيرلندا) أزالت حكوماتها بعض معوقات الحرية الاقتصادية على الأقل، وشهدت هذه الدول نموًّا مذهلًا عن طريق السماح للناس بالسعي وراء تحسين حالتهم الاقتصادية.
أخذت الصين خطوات عظيمة على طريق الحرية الاقتصادية. ومنذ ما يربو على عام مضى عدلت الصين من دستورها لتسمح لشعبها بامتلاك الممتلكات الخاصة وبيعها وشرائها. لماذا؟ لأن إحدى المشكلات التي كانت تواجه حكومة الصين هي أن الناس يشترون الممتلكات ويبيعونها رغم عدم اعتراف الحكومة بمثل هذه المعاملات. دعا هذا المسئولين المحليين إلى أخذ الرشاوى ممن يتاجرون بالمخالفة للقانون. وبالاعتراف بحقوق الملكية تحاول الحكومة المركزية أن تزيل مصدر الطاقة التي تدعم الفساد البيروقراطي المحلي. يعتبر هذا التحول المؤسسي، كما أراه، وسيلة عملية للحد من الفساد المستشري بالحكومة والتدخل السياسي في التنمية الاقتصادية.
مع أن هذا التحول لم يأتِ نتيجة أي استعداد سياسي لتحقيق الحرية، فإنه قد يمهد الطريق جيدًا نحو الوصول للمجتمع الحر. وقد ظهرت منافع فورية بالفعل: إذ تستثمر حاليًّا ??? شركة من الشركات ا? ??? الكبرى بقائمة مجلة «فورتشن ???» في وادي البحث والتطوير الهائل بالقرب من بكين، بفضل عقود الإيجار الممتدة لخمسين عامًا ذات البنود المرضية للغاية التي أعطتها لهم الحكومة الصينية.
تؤكد حالة أيرلندا على مبدأ أنه لا يجب أن تكون الدولة كبيرة حتى تحقق الثراء وذلك عن طريق استخدام سياسة اقتصادية حكومية تحررية. ففي الماضي كانت أيرلندا موردًا كبيرًا للثروة البشرية، وهو ما صب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى اللتين استقبلتا الكثير من المهاجرين الأيرلنديين اللامعين الهاربين من الظروف القاسية في بلدهم الأم. ومنذ عقدين فقط من الزمان كانت أيرلندا تعتبر من دول العالم الثالث الفقير، لكنها الآن تفوقت على مستعمرها السابق في متوسط دخل الفرد، وأصبحت دولة ذات ثقل بين دول الاتحاد الأوروبي. وطبقًا لإحصائيات البنك الدولي قفز معدل نمو أيرلندا لإجمالي الناتج القومي من ??? بالمائة في الثمانينيات إلى ??? بالمائة في التسعينيات، وأصبحت حديثًا ثامن أعلى دولة من حيث نصيب الفرد من إجمالي الناتج القومي على مستوى العالم، في حين احتلت المملكة المتحدة المركز الخامس عشر على مستوى العالم. عن طريق تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر (بما فيه من رأس المال المغامر) وتحسين الخدمات المالية وتكنولوجيا المعلومات، شهدت أيرلندا هجرة عكسية كبيرة للعقول؛ إذ يعود الشباب مرة أخرى إلى بلدهم الأم.
يعود هؤلاء الشباب إلى وطنهم مرة أخرى بسبب الفرص الجديدة التي توافرت بفضل التوسع في الحرية الاقتصادية. وهم خير مثال على رواد الأعمال المغامرين العازمين على تحقيق النجاح الذين يخلقون الثروة ويحسنون حالة البشر، ليس فقط في وطنهم، بل أيضًا في الولايات المتحدة الأمريكية وسائر دول العالم. تثبت قصص هؤلاء الأشخاص كيف يمكن تغيير السياسات الحكومية السيئة لخلق فرص اقتصادية جديدة من شأنها التصدي لنزيف العقول في الدولة.
لا يوجد ما نخافه

جزء رئيسي من عملية التغيير والنمو والتحسن الاقتصادي هو السماح لوظائف الماضي بالاندثار، كما حدث مع تكنولوجيا الماضي. فمنع الشركات المحلية من التعهيد — بمعنى إيكال جزء من أعمالها لشركات في دول أخرى بتكلفة أقل — لن يمنع المنافسين الأجانب من فعل الأمر نفسه. يستطيع المنافسون الأجانب أن يقللوا من تكاليفهم عن طريق التعهيد، ويستخدموا الوفورات في خفض الأسعار وتطوير التكنولوجيا التي يستخدمونها، وبهذا يحظون بميزة كبيرة في السوق.
أحد أكثر الأمثلة شهرة عن التعهيد كانت نقل صناعة النسيج من ولايات إقليم نيو إنجلاند إلى جنوب الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية بسبب انخفاض الأجور في الولايات الجنوبية. (كما كان متوقعًا، رفع هذا الأمر من الأجور في الولايات الجنوبية، وانتقلت الصناعة في نهاية المطاف إلى مصادر الثروة البشرية الرخيصة في آسيا.)
لكن لم تختفِ الوظائف في ولايات نيو إنجلاند، حيث استُبدلت بصناعة النسيج صناعات التكنولوجيا المتطورة: كقواعد البيانات الإلكترونية والتكنولوجيا الحيوية. أدى هذا إلى تحقيق نيو إنجلاند أرباحًا صافية هائلة رغم فقدانها ما كان في وقت ما صناعة مهمة. في عام ???? استحوذ وارين بافيت على شركة بيركشاير هاثاواي، إحدى شركات صناعة النسيج المتعثرة بولاية ماساتشوستس. استخدم بافيت التدفقات النقدية الكبيرة، ولكن المتناقصة، للشركة كمحطة انطلاق لإعادة استثمار المال في مجموعة من المشروعات المغامرة المقدرة بأقل من قيمتها الحقيقية. حققت تلك الشركات نجاحًا طاغيًا، وبعد ?? عامًا أصبحت شركة بافيت تملك رأس مال سوقيًّا قدره ??? مليار دولار. يحدث الأمر عينه الآن مع شركتي كيه-مارت وسيرز روباك. لا شيء يدوم للأبد؛ فمع أفول الشركات القديمة تنتقل مواردها إلى شركات أخرى جديدة.
أجرى المكتب القومي للأبحاث الاقتصادية للتو دراسة جديدة عن الاستثمار المحلي والأجنبي الذي تقوم به الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات. أظهرت الدراسة أن هذه الشركات تستثمر ??? دولار في الولايات المتحدة الأمريكية مقابل كل دولار تستثمره في الخارج، مما يثبت وجود علاقة تكاملية بين الاستثمار المحلي والخارجي؛ فعندما يزداد أحدهما، يزداد الآخر بالتبعية. وتقدر شركة ماكينزي وشركائه أنه مقابل كل دولار تستثمره الشركات الأمريكية في الهند، يذهب ???? دولار لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية. ويعود حوالي نصف هذا الربح للمستثمرين والمستهلكين ويُنفَق معظم المبلغ المتبقي على توفير فرص عمل جديدة. على النقيض، في ألمانيا، يُنتِج كل يورو مستثمر في الخارج ??? فقط من قيمته ربحًا للاقتصاد المحلى، وهو ما يرجع بالأساس إلى أن معدل إعادة توظيف العمال الألمان المسرحين من أعمالهم أقل بكثير بسبب عدد الضوابط الحكومية الهائل.
أعتقد أنه ما دامت الولايات المتحدة الأمريكية على رأس قائمة الابتكار في العالم، فلا يوجد ما نخافه من التعهيد، بل علينا أن نخاف كثيرًا إذا نجح ساستنا في مقاومته. طبقًا لمعهد الاقتصاديات الدولية فإن أكثر من ??? ألف وظيفة ذات أجر مرتفع في مجال البرمجيات قد خُلقت في الفترة ما بين عامي ???? و????، في حين ألغيت ?? ألف وظيفة بسبب التعهيد. وبالمثل في قطاع الخدمات حلت ?? مليون وظيفة جديدة محل ?? مليون وظيفة قديمة. إن ظاهرة التغير التكنولوجي السريع والاستعاضة عن الوظائف القديمة بأخرى جديدة هي جوهر التطور الاقتصادي.
عن طريق العهد بالعمل إلى الدول الأجنبية، توفر الشركات الأمريكية المال الذي يمكنها من الاستثمار في التقنيات الجديدة والوظائف الجديدة حتى تحافظ على قدرتها التنافسية في السوق العالمية. ومع الأسف، لا يمكننا الاستمتاع بالفوائد دون تحمل بعض آلام التغيير. إن التغيير مؤلم دون شك؛ فهو مؤلم لمن خسروا وظائفهم ويجب عليهم أن يبحثوا عن مهن أخرى. وهو مؤلم لمن يخاطرون بالاستثمار في التقنيات الحديثة ويخسرون. لكن الفوائد التي يجنيها الناجحون ستخلق ثروات جديدة تفيد الاقتصاد ككل. هذه المنافع، بدورها، تُعَزَّز في السوق عن طريق عمليات الاكتشاف وخبرات التعلم التنافسية.
إن العولمة ليست بالأمر المستحدث؛ فهي كلمة حديثة تصف حركة إنسانية قديمة؛ كلمة تعبر عن سعي الجنس البشري لتحسين ظروفه عن طريق التبادل واتساع دائرة التخصص على مستوى العالم. إنها كلمة سلام. وكما قال عالم الاقتصاد الفرنسي العظيم فريدريك باستيات في عبارته الحكيمة: إذا لم تعبر السلع الحدود فسيعبرها الجنود.

ثقافة الحرية


بقلم ماريو بارجاس يوسا


في هذا المقال يبدد ماريو بارجاس يوسا، الروائي الحاصل على جائزة نوبل في الأدب، المخاوف القائلة إن الرأسمالية العالمية تفسد الثقافات أو تسبب تآكلها، ويحتج بأن أفكار «الهوية الجمعية» تجرد البشر من إنسانيتهم، وأن الهوية تنبع من «قدرة البشر على مقاومة هذه التأثيرات ومعارضتها بأفعال حرة من إبداعهم».
ماريو بارجاس يوسا روائي عالمي ذائع الصيت ومفكر شهير. في عام ???? نال جائزة نوبل في الأدب عن «رسمه هياكل السلطة والتصوير الواضح لمقاومة الفرد وثورته وهزيمته». ألف روايات مثل «وليمة الماعز» و«حرب نهاية العالم» و«العمة خوليا والناسخ» و«الفتاة السيئة» و«الحياة الحقيقية لأليخاندرو مايتا» وغيرها كثير.
يعاد نشر هذا المقال، الذي ورد في الإصدار الأول من يناير لعام ???? من مجلة فورين بوليسي، بتصريح من كاتبه.
***

ليست أكثر الهجمات فعالية ضد العولمة في المعتاد هي تلك المرتبطة بالاقتصاد، وإنما هي هجمات اجتماعية وأخلاقية، وفي المقام الأول، ثقافية. ظهرت هذه الحجج على السطح إبان اضطرابات سياتل عام ????، ووجدت صدى مؤخرًا في دافوس وبانكوك وبراج. وهي تقول: سيوجه اختفاء الحدود القومية وتأسيس عالم تترابط جوانبه بفعل الأسواق ضربة قاضية للثقافات القومية والإقليمية، وللعادات والتقاليد والأساطير والأعراف التي تحدد الهوية الثقافية لكل دولة أو إقليم. وبما أن أغلب العالم عاجز عن مقاومة غزو المنتجات الثقافية الآتية من الدول المتقدمة — أو، بالأحرى، من القوة العظمى، الولايات المتحدة — الذي يستتبع على نحو حتمي وجود شركات ضخمة متعددة الجنسيات، فستفرض ثقافة أمريكا الشمالية نفسها لا محالة، بحيث تصوغ العالم على الشكل نفسه، وتبيد ثقافاته المتنوعة. وبهذه الصورة ستفقد جميع الشعوب الأخرى، وليس فقط الشعوب الصغيرة والضعيفة، هويتها وروحها وتصير مجرد مستعمرات في القرن الحادي والعشرين؛ أي ستصير شعوبًا ماتت أرواحها أو صورًا هزلية مصاغة وفق المعايير الثقافية للقوة الاستعمارية الجديدة التي — بالإضافة إلى السيطرة على الكوكب برأسمالها وقوتها العسكرية ومعرفتها العلمية — ستفرض على الآخرين لغتها وطريقة تفكيرها وإيمانها واستمتاعها وحلمها.
هذا التصور الكابوسي، أو اليوتوبيا السلبية، لعالم يفقد بسبب العولمة تنوعه اللغوي والثقافي وتسيطر عليه الولايات المتحدة ثقافيًّا ليس شائعًا في أوساط ساسة اليسار، الذين يحنون لماركس وماو وتشي جيفارا، وحسب. فهذه المعاداة الجامحة — التي تستحثها مشاعر الكراهية والضغينة الموجهة للعملاق الأمريكي الشمالي — تظهر بالمثل في دول متقدمة وفي أمم ذات ثقافة غنية، وتتشاركها توجهات سياسية مختلفة، من اليسار والوسط واليمين.
أشهر الأمثلة على ذلك هي فرنسا، التي كثيرًا ما نرى فيها حملات حكومية تدافع عن «الهوية الثقافية» الفرنسية من التهديدات المفترضة للعولمة. ونطاق واسع من المفكرين والسياسيين منزعج من إمكانية تعرض الأرض التي أنجبت مونتين وديكارت وراسين وبودلير — والدولة التي ظلت لوقت طويل موطن الموضة في الملبس والفكر والطعام وكل ميادين الروح — للغزو من قبل مطاعم ماكدونالدز وبيتزا هات ودجاج كنتاكي المقلي، وموسيقى الروك والراب، وأفلام هوليوود، والجينز الأزرق والأحذية الرياضية والقمصان قصيرة الأكمام. وقد أدى هذا الخوف، على سبيل المثال، إلى منح الحكومة الفرنسية لمعونات ضخمة لصناعة السينما المحلية ومطالبة دور العرض بعرض عدد محدد من الأفلام القومية والحد من استيراد الأفلام من الولايات المتحدة. وهذا الخوف هو أيضًا السبب وراء إصدار البلديات لتعليمات مشددة بفرض غرامات مرتفعة على أي إعلانات دعائية تكتب لغة موليير بالأحرف الإنجليزية. (لكن يبدو، بالحكم من منظور من يمشي في شوارع باريس، أن هذه التعليمات لم تُحترم تمامًا.) ولهذا السبب صار جوزيه بوفيه، المزارع والمناضل ضد ما أسماه «الطعام القذر» بطلًا شعبيًّا في فرنسا. ومن المرجح أن تزيد شعبيته بعد الحكم الأخير عليه بالحبس لثلاثة أشهر.
مع أنني أؤمن بأن هذه الحجة الثقافية ضد العولمة غير مقبولة، فإننا يجب أن نقر بأنها تحمل في أعماقها حقيقة لا يرقى إليها الشك. ففي هذا القرن ستكون صورة العالم الذي سنعيش فيه أقل غنى وأقل تشربًا بالألوان المحلية عن القرن الماضي. فالمهرجانات والملابس والعادات والاحتفالات والطقوس والمعتقدات التي أمدت البشرية في الماضي بتنوعها الفلكلوري والعرقي تختفي على نحو متواصل أو تقيد نفسها في قطاعات محدودة، بينما يهجرها السواد الأعظم من المجتمع ويتبنى أشياء أخرى تتوافق على نحو أفضل مع واقع عصرنا. وجميع الدول في كوكبنا تمر بهذه العملية، بعضها على نحو أسرع من الأخرى، بيد أن هذا ليس راجعًا إلى العولمة. بل السبب في هذا هو التحديث، الذي تعد العولمة أحد تأثيراته، لا أسبابه. بطبيعة الحال، يمكننا الانتحاب والعويل بسبب حدوث هذه العملية، وأن نشعر بالحنين لأفول أساليب حياة الماضي التي تبدو، على الأخص من منظورنا المريح في الحاضر، مليئة بالتسلية والأصالة والألوان. لكن من المحال تجنب هذه العملية. إن الأنظمة الشمولية في دول مثل كوبا وكوريا الشمالية تنغلق على نفسها، خوفًا من أن يدمرها أي انفتاح، وتصدر المحظورات بجميع أنواعها وتستنكر الحداثة. لكن حتى هذه الدول عاجزة عن إعاقة التسرب البطيء للحداثة إلى هوياتها الثقافية المزعومة وتقويضها تدريجيًّا. من الناحية النظرية، ربما تستطيع الدولة الحفاظ على هذه الهوية، لكن هذا لن يحدث إلا إذا قررت العيش في عزلة تامة — مثل بعض القبائل في مجاهل أفريقيا أو الأمازون — بحيث تمتنع عن أي تعاملات مع الأمم الأخرى وتمارس الاكتفاء الذاتي. لكن الهوية الثقافية من هذا النوع من شأنها أن تعود بالمجتمع إلى المستويات المعيشية لعصور ما قبل التاريخ.
صحيح أن التحديث يتسبب في اختفاء أشكال عديدة من الحياة التقليدية، لكنه في الوقت ذاته يوفر الفرص ويمثل خطوة مهمة للأمام للمجتمع ككل. ولهذا السبب، حين يُمنح الناس فرصة الاختيار الحر، فإنهم أحيانًا يعارضون ما يحبذه قادتهم أو مفكروهم التقليديون، ويختارون التحديث دون أدنى لبس.
تكشف الدعاوى المضادة للعولمة والمؤيدة للهوية الثقافية عن إدراك متحجر للثقافة ليس له أساس تاريخي. فأي ثقافة تلك التي ظلت كما هي ولم تتغير مع الزمن؟ للعثور على ثقافة كهذه علينا البحث في المجتمعات البدائية القائمة على خليط من السحر والدين، التي تعيش في الكهوف وتعبد الرعد والوحوش، وبسبب بدائيتها هي أكثر عرضة للاستغلال والإبادة. وجميع الثقافات الأخرى، وتحديدًا تلك التي لها الحق في أن تطلق على نفسها ثقافات حديثة ونشطة، تطورت حتى وصلت إلى درجة أنها لم تعد سوى انعكاس بعيد لما كانت عليه منذ جيلين أو ثلاثة أجيال خلت. هذا التطور ظاهر بوضوح في دول كفرنسا وإسبانيا وإنجلترا، حيث كانت التغيرات على مدار النصف قرن المنصرم تغيرات مذهلة وعميقة، حتى إن مارسيل بروست أو فيدريكو جارثيا لوركا أو فيرجينيا وولف كانوا سيجدون صعوبة في التعرف اليوم على المجتمعات التي ولدوا فيها؛ المجتمعات التي ساعدت أعمالهم بقوة على تجديدها.
إن فكرة «الهوية الثقافية» فكرة خطيرة. فمن المنظور الاجتماعي هي مجرد مفهوم مصطنع محل شك، لكن من المنظور السياسي هي تهدد أثمن إنجازات البشرية؛ الحرية. لا أنكر أن من يتحدثون اللغة نفسها، وولدوا وعاشوا في المنطقة نفسها، ويواجهون المشكلات نفسها، ويعتنقون الديانات نفسها، ويمارسون العادات نفسها يملكون سمات مشتركة. لكن هذا القاسم المشترك يستحيل أن يحدد هوية كل فرد منهم على نحو تام، وكل ما يفعله هو إنزال مجموع السمات والخصائص المتفردة التي تميز أحد أفراد الجماعة عن الآخرين إلى مستوى أدنى محل ازدراء. إن مفهوم الهوية، حين لا يوظف على مستوى فردي مانع، ينتقص بطبيعته من قدر البشر ويجردهم من سماتهم الإنسانية، فهو تجريد جمعي أيديولوجي لكل ما هو أصيل وإبداعي في الإنسان، لكل ما لم يُفرض بفعل الوراثة أو الجغرافيا أو الضغوط الاجتماعية. بدلًا من ذلك تنبع الهوية الحقيقية من قدرة البشر على مقاومة هذه التأثيرات ومعارضتها بأفعال حرة من إبداعهم.
إن فكرة «الهوية الجمعية» وهمٌ أيديولوجي، وهي أساس القومية. ويرى كثير من علماء الأعراق البشرية ودراسة الإنسان أن الهوية الجمعية لا تمثل الحقيقة، حتى في أقدم المجتمعات البائدة. قد يكون للممارسات والعادات المشتركة أهمية كبيرة في الدفاع عن الجماعة، لكن هامش المبادرة والإبداع بين أفرادها — الذي يدفعهم لتحرير أنفسهم من الجماعة — أكبر بلا ريب، وتسود الاختلافات الفردية على السمات الجمعية عند دراسة الأفراد كلٍّ على حدة، لا كمجرد عناصر ثانوية لوحدة جمعية. توفر العولمة على نحو جذري لجميع مواطني هذا الكوكب إمكانية صنع هوياتهم الثقافية الفردية من خلال الفعل الاختياري، وذلك وفق تفضيلاتهم ودوافعهم الشخصية. الآن ليس المواطنون مجبرين دومًا — كما كان الحال في الماضي وفي أماكن عديدة في الحاضر — على احترام هوية تجعلهم أسرى معسكر اعتقال لا مفر منه؛ تلك الهوية المفروضة عليهم بواسطة اللغة والجنسية والكنيسة وأعراف المكان الذي ولدوا فيه. وبهذا المعنى يجب أن تكون العولمة محل ترحيب لأنها توسع آفاق الحرية الفردية على نحو ملحوظ.
تاريخان لقارة واحدة

ربما تعد أمريكا اللاتينية أفضل مثال على صعوبة وعبثية محاولة إرساء الهويات الجمعية. أي هوية ثقافية يمكن أن تكون لأمريكا اللاتينية؟ ما الذي سيُدرج ضمن المجموعة المتماسكة من المعتقدات والعادات والتقاليد والممارسات والأساطير التي تمنح هذه المنطقة نقطة تفردها المتميزة الراسخة؟ لقد تشكل تاريخنا من خلال مجادلات فكرية — بعضها شديد الضراوة — تسعى للإجابة عن هذا السؤال. وأكثر هذه المجادلات شهرة هي تلك التي بدأت مع أوائل القرن العشرين وألبت مناصري الهوية الهسبانية ضد مناصري الهوية الهندية وتردد صداها في أرجاء القارة.
فمن منظور مناصري الهوية الهسبانية أمثال خوسيه دي لا ريفا وفيكتور أندريس بيلاوندي وفرانسيسكو جارسيا كالديرون، ولدت أمريكا اللاتينية حين توحدت القارة، بفضل الاكتشاف والغزو، مع اللغتين الإسبانية والبرتغالية، ثم صارت جزءًا من الحضارة الغربية مع اعتناقها للمسيحية. لم يسفه مناصرو الهوية الهسبانية من ثقافات ما قبل الوجود الإسباني، لكنهم اعتبروا أنها لا تؤلف سوى طبقة — وليست حتى طبقة أساسية — من الواقع الاجتماعي والتاريخي، وأنها استوفت طبيعتها وشخصيتها فقط بفضل التأثير المفعم بالحيوية للغرب.
ومن ناحية أخرى، رفض مناصرو الهوية الهندية بسخط أخلاقي المنافع المزعومة التي جلبها الأوروبيون لأمريكا اللاتينية. فمن وجهة نظرهم، تضرب هويتهم بجذورها وروحها في الثقافات والحضارات السابقة على الوجود الإسباني، التي أعيق تطورها وتحديثها بقسوة بفعل العنف، وخضعت للنقد والقهر والتهميش ليس فقط خلال ثلاثة قرون من الاستعمار، بل أيضًا لاحقًا، بعد حلول الحكم الجمهوري. يرى المفكرون المناصرون للهوية الهندية أن «التعبير الأمريكي» (إذا استخدمنا عنوان كتاب خوسيه ليزاما ليما) يكمن في كل التجسيدات الثقافية — من اللغة الأم إلى المعتقدات والطقوس والفنون والأعراف الشعبية — التي قاومت الاضطهاد الثقافي الغربي وصمدت إلى يومنا. بل إن مؤرخًا شهيرًا ينتمي لهذا التيار، وهو المفكر لويس إي بالكارثيل من بيرو، أكد أن الكنائس والأديرة وغيرها من آثار العمارة الاستعمارية ينبغي أن تُحرق لأنها تمثل «بيرو مضادة». إنها تنتحل الهوية الأمريكية الأصلية التي ليس لها سوى الجذور الهندية وتنكرها. وقد روى خوسيه ماريا أرجيداس، أحد أكثر الروائيين الأمريكيين المبدعين، في قصص ذات رقة عظيمة واحتجاج أخلاقي رنان، ملحمة نجاة ثقافة الكيشوا في عالم جبال الإنديز، رغم الحضور الخانق والمشوِّه للغرب.
أنتجت النزعتان الهسبانية والهندية مقالات تاريخية ممتازة وأعمالًا أدبية بالغة الإبداع، لكن بالحكم عليهما من منظورنا الحالي، يبدو كل معتقد منهما ضيق الأفق واختزاليًّا وخاطئًا. كلاهما عاجز عن احتواء التنوع الفسيح لأمريكا اللاتينية في عباءته الأيديولوجية المقيِّدة، وكلاهما يضج بالعنصرية. فمن ذا الذي يجرؤ على الزعم في وقتنا الحالي بأن ما هو «هسباني» أو «هندي» وحده يعد الممثل الشرعي لأمريكا اللاتينية؟ مع هذا تتواصل جهود تشكيل «هويتنا الثقافية» وعزلها إلى اليوم بحماس سياسي وفكري يستحق التوجيه في سبيل قضية أكثر قيمة وأهمية. إن السعي لفرض هوية ثقافية على البشر يعادل حبسهم في سجن وحرمانهم من أغلى حرياتهم؛ حرية اختيار ما وكيف ومن يريدون أن يكونوا. ليس لأمريكا اللاتينية هوية واحدة، بل هويات عدة، وليس بوسع إحداها الزعم بأنها أكثر مشروعية أو نقاءً من سواها.
بطبيعة الحال، تضم أمريكا اللاتينية عالم ما قبل الوجود الهسباني، وثقافات هذا العالم لا تزال تملك قوة اجتماعية كبيرة في المكسيك وجواتيمالا ودول جبال الإنديز. لكن أمريكا اللاتينية هي أيضًا مكان احتشاد أعداد كبيرة من المتحدثين بالإسبانية والبرتغالية، الذين يملكون تقاليد تمتد لخمسة قرون، وكان وجودهم وأفعالهم حاسمين في منح القارة سماتها الحالية. أيضًا، ألا تحمل أمريكا اللاتينية مسحة من أفريقيا، التي وصل مواطنوها لشواطئنا مع وصول الأوروبيين؟ ألم يترك الوجود الأفريقي بصمته على بشرتنا وموسيقانا وسماتنا المتفردة ومجتمعنا؟ إن المكونات الثقافية والعرقية والاجتماعية التي تتكون منها أمريكا اللاتينية تربطنا بجميع ثقافات العالم ومناطقه تقريبًا. إننا نملك هويات ثقافية متعددة، حتى إن الأمر صار أشبه بعدم امتلاك أي هوية على الإطلاق. وهذا الواقع، على عكس ما يؤمن به القوميون، هو أعظم كنوزنا. وهو أيضًا مؤهل ممتاز يمكننا من الإحساس بأننا مواطنون ذوو مكانة متميزة في عالمنا المتحد بفضل العولمة.
أصوات محلية ومدى عالمي

إن الخوف من أمركة الكوكب هو نوع من جنون الارتياب الأيديولوجي أكثر من كونه واقعًا. لا شك بالطبع في أنه في ظل العولمة صارت اللغة الإنجليزية اللغة العامة لزماننا، كما كان حال اللاتينية في العصور الوسطى. وسوف تواصل صعودها؛ لأنها أداة لا يمكن الاستغناء عنها في المعاملات الدولية والتواصل. لكن هل يعني هذا أن اللغة الإنجليزية تتطور بالضرورة على حساب اللغات العظيمة الأخرى؟ بالقطع لا. في الواقع، العكس هو الصحيح. فاختفاء الحدود والعالم المعتمد بعضه على بعض على نحو متزايد أوجد الدوافع كي تعرف الأجيال الجديدة الثقافات الأخرى وتتفهمها، ليس فقط كهواية، بل أيضًا بدافع من الضرورة؛ لأن القدرة على تحدث لغات عديدة والتبحر بسهولة في الثقافات المختلفة صارت متطلبًا ضروريًّا للنجاح المهني. خذ إسبانيا كمثال: منذ نصف قرن، كان المتحدثون بالإسبانية مجتمعًا منغلقًا على ذاته، وكنا نظهر أنفسنا خارج حدودنا اللغوية على نحو محدود للغاية. واليوم صارت اللغة الإسبانية لغة نشطة ومزدهرة، وأقامت جسورًا، بل كسبت أراضي شاسعة في القارات الخمس كافة. ووجود من خمسة وعشرين إلى ثلاثين مليون متحدث بالإسبانية في الولايات المتحدة اليوم يفسر لنا سبب استخدام اثنين من مرشحي الرئاسة في الولايات المتحدة حديثًا، وهما حاكم تكساس جورج دابليو بوش ونائب الرئيس آل جور، ليس اللغة الانجليزية وحدها في حملاتهما الانتخابية، وإنما الإسبانية كذلك.
كم مليون شاب وفتاة في العالم استجابوا لتحديات العولمة بأن تعلموا اليابانية أو الألمانية أو الصينية الفصحى (الماندارين) أو لغة إقليم كانتون الصيني أو الروسية أو الفرنسية؟ لحسن الحظ، سيتزايد هذا الاتجاه في السنوات القادمة. ولهذا السبب يكون أفضل دفاع عن ثقافاتنا ولغاتنا هو بالترويج لها بقوة في أرجاء هذا العالم الجديد، وليس الإصرار على التظاهر الساذج بتحصين نفسها من خطر اللغة الإنجليزية. إن من يقترحون مثل هذه العلاجات يتحدثون كثيرًا عن الثقافة، لكنهم على الأرجح أشخاص جهلاء يخفون دعواهم الحقيقية؛ القومية. وإذا كان هناك شيء على النقيض تمامًا من النزعة العامة لنشر الثقافة، فهي الرؤية المرتبكة الإقصائية ضيقة الأفق التي تحاول وجهات النظر القومية فرضها على الحياة الثقافية. إن أكثر الدروس التي تعلمها لنا الثقافة إثارة للإعجاب هو أنها ليست بحاجة لحماية البيروقراطيين أو المسئولين أو أن تكون حبيسة خلف قضبان حديدية، أو معزولة بفعل مصلحة الجمارك كي تظل حية ومفعمة بالنشاط، بل على العكس، مثل هذه الجهود من شأنها أن تجعل الثقافة تذبل أو حتى تقلل من شأنها. يجب أن تعيش الثقافات بحرية، وأن تنخرط باستمرار في صراع مع الثقافات الأخرى. هذا الأمر يحييها ويجددها ويمكنها من التطور والتكيف مع تيار الحياة المستمر. في العصور القديمة لم تقتل اللاتينية الإغريقية، بل على العكس، تغلغلت الأصالة الفنية والعمق الفكري للثقافة الهيلينية في أواصر الحضارة الرومانية، ومن خلالها وصلت قصائد هوميروس وفلسفات أفلاطون وأرسطو إلى العالم أجمع. لن تتسبب العولمة في اختفاء الثقافات المحلية، ففي إطار عام من الانفتاح العالمي، سيجد كل ما له قيمة ويستحق البقاء في الثقافات المحلية أرضًا خصبة يزدهر فيها.
يحدث هذا في كل أنحاء أوروبا، وعلى وجه الخصوص في إسبانيا، حيث تعاود الثقافات الإقليمية الظهور بحيوية شديدة. فأثناء الحكم الديكتاتوري للجنرال فرانسيسكو فرانكو، رضخت الثقافات الإقليمية للقمع وحُكم عليها بالعيش في الخفاء. لكن مع عودة الديمقراطية انطلق التنوع الثقافي الغني لإسبانيا وسُمح له بالنمو في حرية. وفي ظل نظام الحكم الذاتي الذي تتمتع به البلاد شهدت الثقافات المحلية ازدهارًا هائلًا، خاصة في كاتالونيا وجالسيا وريف الباسك، إضافة إلى سائر أنحاء إسبانيا. بطبيعة الحال علينا ألا نخلط بين ذلك البعث للثقافة الإقليمية، الذي يعد أمرًا إيجابيًّا مثريًا، وبين ظاهرة القومية، التي تهدد ثقافة الحرية تهديدًا خطيرًا.
تنبأ تي إس إليوت في مقاله الشهير المكتوب عام ???? بعنوان «ملاحظات نحو تعريف الثقافة» بأنه في المستقبل ستشهد الإنسانية نهضة للثقافات المحلية والإقليمية. بدت نبوءته في وقتها جريئة إلى حدٍّ بعيد، إلا أنه من المرجح أن تحققها العولمة في القرن الحادي والعشرين، وعلينا أن نسعد بذلك. فبعث الثقافات الصغيرة المحلية سيعيد للإنسانية وفرة السلوكيات والتعبيرات التي أفنتها الدول القومية في سبيل خلق تلك الهويات القومية المزعومة قرب نهاية القرن الثامن عشر، وتحديدًا في القرن التاسع عشر. (هذه الحقيقة يسهل نسيانها، أو نحاول نسيانها بسبب دلالاتها الأخلاقية الخطيرة.) عادة ما شُكلت الثقافات القومية بالدم والنار، ومنعت تعليم اللغات الإقليمية أو النشر بها، أو ممارسة الشعائر الدينية والعادات المعارضة لما اعتبرته تلك الدول القومية مثاليًّا. وبهذه الطريقة فرضت دول قومية عديدة في جميع أنحاء العالم ثقافة مهيمنة على الثقافات المحلية التي تعرضت للاضطهاد والإقصاء من الحياة الرسمية. لكن، خلافًا لتحذيرات من يخافون العولمة، ليس من السهل محو الثقافات تمامًا — مهما كانت صغيرة — إذا وقفت خلفها تقاليد غنية وأشخاص يمارسونها، حتى ولو سرًّا. واليوم، بفضل ضعف الدول القومية، بتنا نشهد ثقافات محلية منسية مهمشة مقموعة وهي تعاود الظهور وتبدي علامات قوية على الحياة ضمن التناغم العظيم لهذا الكوكب المتحد بفضل العولمة.

قراءات إضافية من أجل الاستمتاع والاستفادة (ودراسات بحثية أفضل)


ثمة كم هائل من أدبيات أخلاقيات الرأسمالية، بيْد أن معظمها عديم القيمة. وفيما يلي عدد من الكتب الشائقة التي سوف تساعدك على فهم المشكلات التي تحيط بالرأسمالية. من الممكن أن تصبح هذه القائمة أطول بكثير، لكن العديد من الكتب والمقالات الأخرى قد اقتُبس بالفعل في مقالات هذا الكتاب: «أخلاقيات الرأسمالية»، ومنها أعمال سميث، وميسز، وهايك، وراند، وماكلوسكي، وغيرهم ممن دافعوا عن رأسمالية السوق الحرة. ولذلك لا تخش متابعة التعليقات الختامية في المقالات الواردة بهذا الكتاب. ومع هذا، تقدم الكتب الواردة أدناه وفقًا للترتيب الهجائي الإنجليزي لاسم مؤلفها أو محررها بعض التدريبات الذهنية المفيدة.
توم جي بالمر ***

«أخلاقيات الأسواق والمقالات ذات الصلة»، بقلم إتش بي أكتون (إنديانابوليس: ليبرتي فاند، ????)، وفيه يسلط إتش بي أكتون الضوء بوضوح وعقلانية على الربحية والمنافسة، الفردية والجماعية، والتخطيط، إضافة إلى موضوعات أخرى كثيرة.
«الأخلاقيات والأسواق: تقرير تطوري عن العالم الحديث»، بقلم دانيال فريدمان (نيويورك: بالجراف ماكميلان، ????)، وفيه يقدم المؤلف رؤى وأفكارًا تتعلق بالتطور المتوازي للأسواق والأخلاقيات ويطرح بعض المقترحات الجدلية من أجل تحسين كل منهما.
«الخداع المهلك: أخطاء الاشتراكية»، بقلم إف إيه هايك (شيكاجو: شيكاجو يونيفرستي برس، ????). حصل هايك على جائزة نوبل في الاقتصاد ولكنه كان أكثر من «مجرد عالم في الاقتصاد». وهذا الكتاب الموجز الذي يمثل آخر ما كتب المؤلف يجمع في طياته العديد من اهتماماته البحثية لعرض رؤية قوية التأثير داعمة لرأسمالية السوق الحرة.
«أخلاقيات إعادة التوزيع»، بقلم برتراند دي جوفينيل (إنديانابوليس: ليبرتي فاند، ????). يعتمد هذا الكتاب شديد الإيجاز على المحاضرات التي ألقاها علماء السياسة الفرنسيون المشهورون في جامعة كامبريدج. فصول الكتاب قصيرة وموجزة، وهي تتناول الأسس والآثار الأخلاقية التي تنطوي عليها محاولات إعادة توزيع الدخل لتحقيق مزيد من المساواة فيه.
«الاكتشاف والعملية الرأسمالية»، بقلم إسرائيل كيرزنر (شيكاجو: شيكاجو يونيفرستي برس، ????)، وفيه يتناول عالم اقتصاد نمساوي الرأسمالية ومذهب التدخلية والاشتراكية بمنظور تنظيم الأعمال والمشروعات، ويتحدث باستفاضة عن أمور مثيرة للاهتمام تتعلق باليقظة والابتكار والحوافز والأرباح.
«أخلاقيات السوق»، بقلم جون ميدوكرافت (نيويورك: بالجراف ماكميلان، ????)، ويقدم هذا الكتاب نظرة عامة وشديدة الإيجاز على المشكلات التي يطرحها مختلف أعداء رأسمالية السوق الحرة.
«أصول الفضيلة: الغرائز البشرية وتطور مفهوم التعاون»، بقلم مات ريدلي (نيويورك: فايكينج، ????)، ريدلي متخصص في علم الحيوان وكاتب محترف في مجال العلوم حيث استخدم فكره لفهم السلوك البشري بمنظور البيولوجيا التطورية، كما أن أفكاره الخاصة بالفضيلة والمِلكية والتجارة مفيدة وشائقة في قراءتها.
«اقتصاد الحقوق والتعاون والرفاهية»، بقلم روبرت سودن (لندن: بالجراف ماكميلان، ????)، وفيه يقدم المؤلف نظرة مبسطة على أخلاقيات الملكية والتبادل بمنظور نظرية الألعاب. فالرياضيات أساسية جدًّا (في واقع الأمر) وتساعدنا على فهم الأفكار والآراء العظيمة لديفيد هيوم.
«الأسواق الأخلاقية: الدور الجوهري للقيم في الاقتصاد»، حرره بول جيه زاك (برينستون: برينستون يونيفرستي برس، ????). تتناول مقالات هذا الكتاب العديد من الموضوعات المتعلقة بأخلاقيات الأسواق كما تقدم آراءً وأفكارًا علمية متقدمة من نظرية الألعاب والبيولوجيا وعلم النفس وغيرها من فروع المعرفة.

الهوامش


مقدمة: أخلاقيات الرأسمالية

(1) Robert Nozick, Anarchy, State, and Utopia (New York: Basic Books, 1974), p. 163. (2) Joyce Appleby, The Relentless Revolution: A History of Capitalism (New York: W. W. Norton and Co., 2010), pp. 25-26. (3) David Schwab and Elinor Ostrom, “The Vital Role of Norms and Rules in Maintaining Open Public and Private Economies,” in Moral Markets: The Critical Role of Values in the Economy, ed. by Paul J. Zak (Princeton: Princeton University Press, 2008), pp. 204–27. (4) Deirdre McCloskey, Bourgeois Dignity: Why Economics Can’t Explain the Modern World (Chicago: University of Chicago Press, 2010), p. 48. (5) For a simple arithmetic explanation of the principle of comparative advantage, see tomgpalmer.com/wpcontent/uploads/papers/The%20Economics%20of%20Comparative%20Advantage.doc. (6) For a remarkable account of the general decline of the experience of force in human affairs, see James L. Payne,A History of Force (Sandpoint, Idaho: Lytton Publishing, 2004). (7) Envy as an impulse harmful to social cooperation and inimical to free-market capitalism has been studied by many thinkers. A recent and interesting approach that draws on the Indian classic epic The Mahabharata can be found in Gurcharan Das, The Difficulty of Being Good: On the Subtle Art of Dharma (New York: Oxford University Press, 2009), esp. pp. 1–32. (8) Fernand Braudel, Civilization and Capitalism, 15th–18th Century: The Wheels of Commerce (New York: Harper & Row, 1982), p. 232. (9) Ibid., p. 236. (10) Louis Blanc, Organisation du Travail (Paris: Bureau de la Societé de l’Industrie Fraternelle, 1847), cited in Braudel, Civilization and Capitalism, 15th–18th Century: The Wheels of Commerce, op. cit., p. 237. (11) Karl Marx and Frederick Engels, Manifesto of the Communist Party, in Karl Marx and Frederick Engels, Collected Works, Volume 6 (1976: Progress Publishers, Moscow), p. 489. (12) For a devastating seminal critique of Marx’s economic theories, see Eugen von B?hm-Bawerk, Karl Marx and the Close of His System (1896; New York: Augustus M. Kelley, 1949). A better translation of B?hm-Bawerk’s title would be, “On the Conclusion of the Marxian System.” B?hm-Bawerk refers in his title to the publication of the third volume of Capital, which “concluded” the Marxian system. It should be noted that B?hm-Bawerk’s criticism is altogether an internal critique, and does not rest in any way on the results of the “marginal revolution” in economic science that took place in 1870. See also the essay by Ludwig von Mises, “Economic Calculation in the Socialist Commonwealth,” in F. A. Hayek, ed., Collectivist Economic Planning (London: George Routledge & Sons, 1935) on the inability of collectivism to solve the problem of economic calculation. (13) Karl Marx, “The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte,” in David Fernbach, ed., Karl Marx: Surveys from Exile: Political Writings, Volume II (New York: Vintage Books, 1974), p. 186. I describe the contradictions and confusions of Marxian economic and social analysis in “Classical Liberalism, Marxism, and the Conflict of Classes: The Classical Liberal Theory of Class Conflict,” in Realizing Freedom: Libertarian Theory, History, and Practice (Washington: Cato Institute, 2009), pp. 255–75. (14) Karl Marx and Friedrich Engels, Manifesto of the Communist Party, p. 488. (15) Karl Marx, “The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte,” p. 222. (16) Karl Marx, “The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte,” p. 238. (17) Shirley M. Gruner, Economic Materialism and Social Moralism (The Hague: Mouton, 1973), pp. 189-190. (18) See, for example, Sheldon Richman, “Is Capitalism Something Good?” www.thefreemanonline.org/columns/tgif/is-capitalism-something-good/. (19) Joseph Schumpeter, Capitalism, Socialism, and Democracy (London: Routledge, 2006), p. 84. (20) David Boaz, “Creating a Framework for Utopia,” The Futurist, December 24, 1996, www.cato.org/pub_display.php?pub_id=5976. (21) The legal historian Henry Sumner Maine famously described “the movement of the progressive societies” from inherited relations, based on family membership to personal liberty and civil society as “a movement from Status to Contract.” Henry Sumner Maine, Ancient Law (Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2003), p. 170. (22) Leo Melamed, “Reminiscences of a Refugee,” in For Crying Out Loud: From Open Outcry to the Electronic Screen (Hoboken, NJ: John Wiley & Sons, 2009), p. 136. (23) I address the issue of poverty and free-market capitalism more systematically in “Classical Liberalism, Poverty, and Morality,” in Poverty and Morality: Religious and Secular Perspectives, William A. Galston and Peter H. Hoffenberg, eds. (New York: Cambridge University Press, 2010), pp. 83–114. (24) This is an especially common attitude among philosophers, perhaps the saddest of whom was the late G. A. Cohen, who devoted much of his intellectual career to attempting, but failing, to refute Nozick’s one thought experiment. Citations to Cohen’s articles and a demonstration of the failure of his critique can be found in “G. A. Cohen on Self-Ownership, Property, and Equality,” in Realizing Freedom, pp. 139–54. (25) Quoted in Michael Sandel, Justice: What’s the Right Thing to Do? (New York: Farrar, Straus, and Giroux, 2009), p. 61. (26) Milton Friedman, Capitalism and Freedom (Chicago: University of Chicago Press, 1962), p. 188: “A possible justification on liberal principles for compulsory purchase of annuities is that the improvident will not suffer the consequences of their own action but will impose costs on others. We shall not, it is said, be willing to see the indigent aged suffer in dire poverty. We shall assist them by private and public charity. Hence the man who does not provide for his old age will become a public charge. Compelling him to buy an annuity is justified not for his own good but for the good of the rest of us.” (27) Milton Friedman, Capitalism and Freedom (Chicago: University of Chicago Press, 1962), p. 188. (28) For an explanation, see Anthony de Jasay, “Liberalism, Loose or Strict,” Independent Review, v. IX, n. 3, Winter 2005, pp. 427–432. (29) F. A. Hayek, The Constitution of Liberty (Chicago: University of Chicago Press, 1960), p. 313.القسم الثاني: التفاعل الطوعي والمصلحة الذاتية

مفارقة الأخلاقيات

(1) Luckily the beggar was an outsider, for if he were from the Land of Gentlemen, the dispute would have continued indefinitely. (2) Lei Feng (December 18, 1940–August 15, 1962) was a soldier in the People’s Liberation Army who became a national hero after his death in 1962 in a traffic accident. A national campaign to “Learn from Comrade Lei Feng” began in 1963; it called on the Chinese people to emulate his devotion to the Chinese Communist Party and to socialism.آدم سميث وخرافة الجشع

(1) “The Secret History of Self-Interest,” in Stephen Holmes, Passions and Constraints: On the Theory of Liberal Democracy (Chicago: University of Chicago Press, 1995). (2) Quoted in Christine Caldwell Ames, Righteous Persecution: Inquisition, Dominicans, and Christianity in the Middle Ages (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2008), p. 44. (3) Adam Smith, The Theory of Moral Sentiments, ed. D. D. Raphael and A. L. Macfie, vol. I of the Glasgow Edition of the Works and Correspondence of Adam Smith (Indianapolis: Liberty Fund, 1982). Chapter: a chap ii: Of the love of Praise, and of that of Praise-worthiness; and of the dread of Blame, and of that of Blame-worthiness; Accessed from http://oll.libertyfund.org/title/192/200125 on 2011-05-30. (4) Adam Smith, The Theory of Moral Sentiments, ed. D. D. Raphael and A. L. Macfie, vol. I of the Glasgow Edition of the Works and Correspondence of Adam Smith (Indianapolis: Liberty Fund, 1982). Chapter: b chap. i b: Of the beauty which the appearance of Utility bestows upon all the productions of art, and of the extensive influence of this species of Beauty; Accessed from http://oll.libertyfund.org/title/192/200137 on 2011-05-30. (5) Adam Smith, An Inquiry Into the Nature and Causes of the Wealth of Nations, Vol. 1 ed. R. H. Campbell and A. S. Skinner, vol. II of the Glasgow Edition of the Works and Correspondence of Adam Smith (Indianapolis: Liberty Fund: 1981). Chapter: [IV.ii] CHAPTER II: Of Restraints upon the Importation from Foreign Countries of such Goods as can be Produced at Home. Accessed from http://oll.libertyfund.org/title/220/217458/2313890 on 2010-08-23. (6) Smith, An Inquiry Into the Nature and Causes of the Wealth of Nations, Vol. 1 ed. R. H. Campbell and A. S. Skinner, vol. II of the Glasgow Edition of the Works and Correspondence of Adam Smith (Indianapolis: Liberty Fund: 1981). Chapter: [IV.viii] CHAPTER VIII: Conclusion of the Mercantile System. Accessed from http://oll.libertyfund.org/title/200/217484/2316261 on 2010-08-23. (7) “The specific characteristic of an economic relation is not its “egoism,” but its “non-tuism.” Philip H. Wicksteed, The Commonsense of Political Economy, including a Study of the Human Basis of Economic Law (London: Macmillan, 1910). Chapter: CHAPTER V: BUSINESS AND THE ECONOMIC NEXUS. Accessed from http://oll.libertyfund.org/title/1415/38938/104356 on 2010-08-23. (8) H. B. Acton, The Morals of Markets and Related Essays, ed. by David Gordon and Jeremy Shearmur (Indianapolis: Liberty Fund, 1993). (9) Voltaire, Letters Concerning the English Nation, ed. Nicholas Cronk (Oxford: Oxford University Press, 1999), p. 43.القسم الثالث: إنتاج الثروة وتوزيعها

اقتصاد السوق وتوزيع الثروة

(1) The argument presented in what follows owes a good deal to ideas first set forth by Professor Mises in “Das festangelegte Kapital,” in Grundprobleme der National?konomie, pp. 201–14. [English trans. in Epistemological Problems of Economics (New York: D. Van Nostrand, 1960), pp. 217–31.]تحسين أحوال البشر بواسطة العولمة

(1) The Foundation for Economic Education. www.fee.org.
عن المؤلف


د. توم جي بالمر هو نائب الرئيس التنفيذي للبرامج الدولية بشبكة أطلس، والمشرف على عمل الفرق التي تعمل في العالم على نشر مبادئ الليبرالية الكلاسيكية. د. بالمر هو زميل معهد كاتو، حيث شغل من قبل منصب نائب الرئيس للبرامج الدولية ومدير مركز إرساء حقوق الإنسان. كان بالمر زميل إتش بي إيرهارت في كلية هيرتفورد كوليدج بجامعة أكسفورد، وشغل منصب نائب رئيس معهد الدراسات الإنسانية بجامعة جورج ماسون. وهو عضو المجلس الاستشاري لمؤسسة طلاب من أجل الحرية. وقد نُشرت له مراجعات ومقالات عن السياسة والأخلاقيات في صحف أكاديمية مثل هارفارد جورنال أوف لو آند بابليك بوليسي، وإثيكس، وكريتيكال ريفيو، وكونستيتيوشنال بوليتيكال إيكونومي، إلى جانب مطبوعات مثل سليت، وول ستريت جورنال، ونيويورك تايمز، وداي فيلت، والحياة، وكايشينج، وواشنطن بوست، وذا سبكتاتور بلندن. حصل بالمر على بكالوريوس العلوم الإنسانية من كلية سانت جونز في أنابوليس بولاية ميريلاند، وحصل على درجة الماجستير في الفلسفة من الجامعة الكاثوليكية الأمريكية بواشنطن العاصمة، ودرجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة أكسفورد. وقد ظهرت كتاباته في كتب لدور نشر أكاديمية مثل برينستون يونيفرستي برِس وكامبريدج يونيفرستي برِس وروتليدج ودور نشر أكاديمية أخرى، كما ألف كتاب «تحقيق الحرية: النظرية الليبرتارية، تاريخها وتطبيقها» الذي نشر عام ????.