Advertisement

أحاديث المازني


أحاديث المازني




أحاديث المازني

تأليف
إبراهيم عبد القادر المازنى




أحاديث المازني

إبراهيم عبد القادر المازنى

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ???? ?? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



ذكرى المازني


«بعد أن كنت آخذ الآراء من الكتاب أو الناس صرت آخذها من الحياة بلا واسطة وأعرضها على عقلي بلا مؤثر فاعتدت الاستقلال في النظر والحرية في التفكير … وصار نظري إلى الناس نظراً إلى مادة تدرس.. وتذهب عن الموضوع الصبغة الشخصية فكأني أمتحن نظرية ولست أرى صنع إنسان أساء أو أحسن..».
هذا ما يقوله الأديب العربي الكبير إبراهيم عبد القادر المازني الذي نحتفل اليوم بذكراه الثانية عشر.
وهذا هو المازني الذي نقدمه إلى قراء العربية في يوم ذكراه في كتاب جديد لم يسبق نشره.
لقد أعطى المازني للناس من حياته وقلبه وخلجات فكره مادة غزيرة بأسلوبه الذي تفرد به.
لقد شاءت المصادفات أن يكون تاريخ مولد المازني هو نفس تاريخ وفاته فقد ولد يوم ?? أغسطس سنة ????م وتوفي يوم ?? أغسطس سنة ????م. والمازني الساخر لم يرهب الموت بل ودع الحياة بنفس الابتسامة التي واجه بها الحياة.
إن أدب المازني سيظل محفوظاً في صدر التاريخ.. وسيظل ثروة لوطنه ولأبناء العروبة.
عبد الواحد الوكيل
مقدمة


بقلم  إبراهيم المازني
أترى يرضى كل امرئ عن نفسه.. أحسب أن الجواب نعم، وقد يتمنى ما أوتي سواء من جاه أو مال أو فصاحة أو غير ذلك، ولكنه لا يقبل أن يغير شخصيته، وأن يستبدل بها سواها. ولعل العادة هي السبب، فإن المرء يألف نفسه كما لا يألف شيئاً غيرها. والذين قرأوا «جبل الهموم» لأديسون الكاتب الإنجليزي المشهور — أم ترى القصة لغيره وأنا ناس — يذكرون أن الكاتب تصور أن الله أذن مرة للناس في إلقاء ما لا يرضون عنه من خلقهم، فراح كل واحد يلقي ما كره، فهذا يرمي أنفه، وذلك يقذف بأذنيه، وثالث يخلع ساقيه إلخ إلخ حتى عظم الجبل، ثم أمره الله أن يختار كل منهم بديلاً مما ألقي. ففعلوا، ولكنهم نظرواً بعد ذلك في مراياهم فسخطوا وتذمروا وتوسلوا إلى الله أن يسمح لهم بأن يستردوا ما ألقوا — ولا أعرف أصدق من هذا التصوير لرضى كل امرئ عن نفسه.
وسؤال آخر يخطر لي «أترى مع ذلك يعرف المرء عيوبه أم تخفى عليه» والجواب أني لا ادري، والأرجح أن الإنسان يفطن إلى عيوبه، وإن كانت الفطنة لا تمنع أن يغالط نفسه فيها. وآية هذه الفطنة ما نرى من سعي كل امرئ لتعويض ما يحسه من نقص أو ضعف. على أن الذي أدريه أني أنا لا تخفى عليّ عيوبي، وأني لأعرفها جميعاً وأنكرها وأشمئز منها وأنا راض بما قسم لي الله، ولكني لا أراني أستطيع أن أغضي عما أعرف من عيوبي ونقائصي. وقد سمعت صوتي مرة فاستقبحته، وكانت محطة الإذاعة قد طلبت مني كلمة لمناسبة احتفال نسيت بأي شيء كان. فاعتذرت بأني سأكون مشغولاً في وقت الاحتفال، فاقترحوا أن يسجلوا الكلمة على شريط كهربائي، فقبلت. واتفق أن فرغت من الشأن الذي كان يشغلني قبل الوقت المقدور، فعدت إلى البيت وفتحت المذياع، فسمعت كلمتي، فنظرت إلى زوجتي وقلت «هل تعرفين هذا الصوت» قالت وهي تحسبني أمزح «أولا تعرف صوتك» قلت «أعوذ بالله يا امرأة … أعرف أن صوتي منكر ولكن لا إلى هذا الحد.. يا حفيظ.. ولكن قولي جادة، أهذا هو الصوت الذي تسمعينه منى؟» قالت «لا شك..» قلت «ولكنه في أذني غير ذلك حين أتكلم.. فإذا كان هذا الصوت الذي أسمعه الآن هو صوتي المألوف فإن البكم يكون والله خيراً».
وأرى وجهي أحياناً في المرآة فأنكره — وأمط له بوزي أيضاً — وأنا أعلم أن الجمال لا يطلب في الرجل، ولكن مثل هذا الوجه لا يليق أن يحمله إنسان. ولو كنت أقول الشعر الآن لقلت فيه مثل ما قال الحطيئه في وجهه، بل لقد قلت في وجهي قديماً شعراً أذكر منه مطلعه:
«أنظر إلى وجهي هذا اللعينوأحمد على وجهك رب الفنون» إلخ …
وما أصبحت يوماً على وجهي إلا لقيت ما أكره، ولهذا أتحرى أن أرى أي وجه آخر قبل أن تطالعني هذه السحنة.. وأراني أقتصد في ذم الوجوه الدميمة لفرط شعوري بما «حباني» الله إن صح التعبير بهذا اللفظ. وما وقفت أمام المرآة — لا جزى الله خيراً من اخترعها — إلا ذكرت قول ابن الرومي:
«أقصر وعرجوثقل في واحد» وأعتقد أن في رواية البيت خطأ، ولكن هذا هو المعنى العام ولا وقت عندي للمراجعة.
ومن المصائب أن ما كان خليقاً أن يعد من محاسني ومزاياي هو الذي أقعدني عن الغايات، فإن فيّ حياء شديداً سببه دقة الشعور بالذات، ومن متناقضاتي أني على حيائي أراني في كثير من الأحيان ثقيل الصراحة وهذه الصراحة مرجعها إلى البلاهة — ولا أدري ماذا غيرها — فإني أقول الشيء فأحسبه لا يسوء إنساناً لأن مثله لو قيل لي لما حفلته، وإذا بالدنيا تقوم ولا تقعد وأنا مذهول لا أفهم سبب هذه الثورة، وهذه إما أن تكون بلاهة وإما أن تكون غباء أو شيئاً يجري هذا المجرى.
ويطيب لي أن أجالس الفقراء والعامة والأميين وأشباههم، ولا يطيب لي أبداً أن أجالس الأغنياء والأعيان والكبراء أو من يعدهم الناس كبراء، ولاسيما إذا كانوا من ذوي الألقاب فما أعرفني أكره شيئاً مثل كراهتي للألقاب، وهي عندي تفقد المرء شخصيته، فيصبح «سعادة الباشا أو البك» بعد أن كان محمداً أو علياً أي شخصاً متميزاً باسمه الخاص الذي لا يشاركه فيه مشارك، ويصبح واحداً من جماعة بعد أن كان إنساناً قائماً بذاته، وتخاطبه فتقول له «يا باشا» وتهمل اسمه، والغريب أن البعض يسره أن يكون باشا أو بك بغير اسم..
وفي الهند طائفة يحقرها بعض الهندوكيين ويعدونها من المنبوذين وأنا لا أحتقر أحداً، ولكن ذوي الألقاب عندي منبوذون — أعني أني أنفر منهم وأكره مجالسهم وأتقي مخالطتهم وأوثر عليهم البسطاء الفقراء بل حتى الجهلاء والأميين، وأرى لي عطفاً عليهم وحباً لهم وفهماً وإدراكاً لأساليب تفكيرهم وسروراً بحديثهم، وإن كان كله تخليطاً.
وقلما أطيق المحافل والاجتماعات الكبيرة التي يكثر فيها الناس، والعزلة والاستفراد أحب إليّ فإذا كان لابد من الناس فيكونوا اثنين أو ثلاثة أو أربعة على الأكثر على شرط أن يكونوا ممن ألفتهم وإلا شعرت أن على عنقي حبلاً يأخذ بمخنقي. وأنا ثرثار ولكني أمام من لا أعرف طويل الصمت نزر الكلام، ولهذا أفر من معرفة الناس لأني أحب أن أثرثر، واغتبط بأن أرى نفسي مرسلة على سجيتها، ولكني لا أستطيع ذلك مع إنسان أنا به حديث العهد.
وأحسبني من أسوأ الناس ظناً بالناس، وقد تعبت في رياضة نفسي على حسن الظن فلم أفلح، ولهذا لا يخيب لي فيهم أمل. على أن هذا لا يثيرني عليهم لأني لا أزال أسأل نفسي «هل أنت خير منهم» ولا أجد إلا جواباً واحداً هو «لا» بالثلث. ومن طول ما اعتدت محاسبة النفس صرت عظيم التسامح، ومن طول ما وطنت النفس على معاناة الشر والأذى والمتعبات والمنغصات صرت لا يروعني حادث مهما جل. والذين يعرفونني يظنون هذا جلداً ولكنه ليس من الجلد في شيء، وإنما هو ثمرة ما تقرر في نفسي من سوء الظن بالدنيا والناس.
وأنا في العادة أوثر الاحتشام أمام الناس، ولكني حين أكون بين أخواني وخلصائي أطلق لنفسي العنان ولا أبالي ما أقول أو أفعل مادمت أريد أن أقوله أو أفعله ولو وسعني أن أملأ الدنيا سروراً واغتباطا لفعلت، فإني عظيم الرثاء للخلق، وأحسب أن هذا تعليل ميلي للفكاهة، فإني أتسلى بها وأنشد أن أدخل السرور على قلوب الناس لاعتقادي أن عند كل منهم ما يكفيه من دواعي الأسى. ومادام في الوسع أن نعرض عليهم الناحية المشرقة الضاحكة فلماذا نغمهم ونحزنهم.. ثم إن للفكاهة مزية أخرى هي أنها من أقوى ما أعان على احتمال الحياة ومعناة تكاليفها والنهوض بأعبائها الثقال، فهي ليست هزلاً ولا تسلية فارغة، وإنما هي تربية للنفس. والرجل الذي يلقى الحياة بابتسامة المدرك الفاهم — لا الأبله الغافل — خير وأصلح ألف مرة من الذي لا يزال يدير عينيه في جوانبها الحالكة ويندب ويبكي ويعول. ولو نفع السخط والغضب والبكاء لقلنا حسن فلماذا لا ننظر إلى الجانب الوضاء.. أو لماذا نعمى عنه وهو موجود.. أي لماذا نفقد القدرة على الاحتفاظ بالاتزان أو صحة الوزن للأمور؟
لو كان إنسان يستطيع أن يعرف نفسه معرفتها، لكنت أنا خليقاً بذلك، فما أنفك أدير عيني فيها وأحاول أن أغوص إلى أعماقها. ولكنه مطلب عسير، وأعترف أني كثيراً ما أفاجأ من نفسي بألغاز تحيرني وتهدم كل ما بنيته من الآراء والنظريات، ومع كثرة الإخفاق وتواليه لا أزال أعتقد أن كل إنسان صورة من غيره، فمن عرف نفسه، فقد عرف الناس جميعاً. ولكنه مثال بعيد كما قلت، غير أن مطلبه على بعده جميل فاتن، وقد صار هذا نهجي في الوصول إلى المعرفة، وهو ليس بأشق ولا بأيسر وأسهل من نهج سواي. ولكل امرئ سبيله، وإذا كانت سبيلي تنأى بي عن الناس، فإنهم معي وفي قلبي، ألم يقل الشاعر:
«وفيك انطوى العالم الأكبر».

الفصل الأول
أعياد الأمة


لما قال لي إخواني في محطة الإذاعة أنهم يريدون مني أن ألقي كلمة في أعياد الأمة لم أتردد في القبول. مضت أيام وأنا لا أعد الكلام الذي يلقى ولا أفكر في الموضوع الذي رضيت أن أدير عليه حديثي.. وكلما تذكرت وعدي قلت لنفسي على سبيل الاعتذار لها أو عنها إنه لا تزال هناك أيام باقية فلا بأس من هذا الكسل الذي يقضي به الحر، وظللت أجري على عادتي حتى لم يبق إلا أقل ما يكفي. وعادتي هي أني كالمسافر الذي لا يذهب إلى المحطة إلا والقطار يوشك أن يتحرك. ومن الغريب أني إذا سافرت بالقطار أكاد أبيت في المحطة من فرط الحرص على التبكير وعلى ألا يفوتني القطار. ولكني إذا أردت الكتابة لا أتناول القلم إلا في اللحظة الأخيرة. وأحسب أن عملي في الصحافة وضجري منها عوداني ذلك. على أني أؤمن بأن الكسل طبيعي وأنه هو الأصل في الإنسان لأنه راحة ومن ذا الذي يؤثر التعب على الراحة إذا كان له الخيار.. وقاعدتي في حياتي هي أن أخالف ما علمني أساتذتي في المدرسة وكانوا يحثونني عليه من عدم إرجاء الأمر إلى الغد فأنا أرجئ إلى الغد كل ما يسعني إرجاؤه ولا أصنع في يومي إلا ما لا أرى لي حيلة فيه أو وسيلة للهرب منه.
وضاق الوقت بكر الأيام وألح الإخوان أن هات الحديث الموعود فلم يبق لي مفر وقعدت أكتب فإذا رأسي ليس فيها شيء أو أنا لا أحس أنه فيه شيئاً فما العمل؟
وتمنيت في تلك اللحظة لو أن في وسع الإنسان أن يتناول رأسه بكفيه وينزعه عن كتفيه ويرفع عنه غطاء العظام وينظر ليعرف ماذا فيه.. ولكن هذا لا سبيل إليه فلابد من وسيلة أخرى للجس والاختبار.. فجردت من نفسي شخصاً آخر وجلست أحادثه وأسأله واستخيره فقلت له ما هذه الأعياد التي تتخذها الشعوب. ما داعيها أو فائدتها. قال: أولاً راحة لأنها أيام بطالة وخلو من العمل وارتفاع لتكاليفه عن الناس وإعفاء لهم من واجباته.
وفتح لي هذا الجواب البسيط أبواباً كنت أحسها موصدة فقلت لنفسي إن هذا صحيح فإن هذا أول ما يفهمه الإنسان من العيد؟
أنه يوم راحة، والمرء يحتاج إلى فترات يكف فيها عن العمل المألوف ليمتنع الضجر الطبيعي من مزاولة العمل الواحد أو المتشابه يوماً بعد يوم بلا انقطاع أو اختلاف، وليستعيد الجسم بعض ما فقده من العمل المتواصل ويستجم فيسترد نشاطه.
وللراحة مزية أخرى غير تعويض الخسارة البدنية هي الرضى فإن المرهق المكدود لا يكون إلا متسخطاً أو في خير الحالات متبرماً فمن المصلحة وحسن السياسة وحزم التدبير إعطاء الناس جرعة من الرضى الذي تفيده الراحة بعد فترات معقولة من الكد لا يشقى بها الصبر ومن هنا كانت الراحة من حين إلى حين مكسباً لا تشوبه شبهة خسارة لأصحاب الأعمال وللحكومات أيضاً في سياسة الشعوب لأن المرء يعود بعدها أقدر على العمل والنشاط فيه وأحسن إقبالاً عليه وأكثر انشراحاً ورضى وماذا يطلب أصحاب الأعمال أو حكام الشعوب أحسن من أن يكون الناس راضين مستبشرين.
ومزية أخرى لهذه الأعياد متفرعة على مزية الراحة هي أنها حث على السرور وحض على التماس أسبابه. لأن مجرد القول بأن اليوم يوم راحة معناه انتفاء التعب وهذا وحده مدعاة سرور وبعث اغتباط وأخلق بالمرء وقد علم أنه خلا من المتعبات المألوفة المملولة أن يغريه ذلك بالاستزادة من دواعي الغبطة وحشد كل ما يدخل في وسعه من أسباب السرور في يومه هذا وليس أنفع من السرور للأمم ولا ألزم لها منه لأنه ينعشها ويجددها ويجعلها حسنة الاستعداد للنهوض بما يطلب منها من الأعباء الجسام ويفرض عليها من التكاليف الشاقة.
والأمم التي لا تعرف السرور لا تكاد تقوى على شيء وأي الرجلين يكون أقوى وأجلد وأنفذ في المهمات وأنشط في العمل — الرجل المهموم المكروب المحزون الذي تحنيه وتبريه وتثقله الأشجان، أم الفرح الجذلان الراضي عن الحياة المستبشر بها.
أعتقد أن الثاني هو الأكفأ والأصلح حتى ولو كانت مواهبه أقل وأضعف من مواهب صاحبه المكروب الساخط.
وكذلك الأمم — أكفؤها وأقدرها وأكثرها نجاحاً وتوفيقاً تلك التي تنشد السرور وتحسن التماس أسبابه وتستمتع بدواعيه وتترك نفسها له في مناسباته. فإن من يعرف سرور الحياة يعرف قيمتها، ويحرص على مطالبها، ولا يقصر في فرائضها، ولا يستكثر ما تتقاضاه من نفسه وجهده، ولكن الذي لا يعرف هذا السرور ماذا تكون قيمة الحياة عنده؟ ولماذا يكلف نفسه شيئاً في سبيلها؟ وماذا يبذل لها أكثر من الحد الأدنى من جهده؟ وأين العدل في مطالبته بجهد استثنائي أو بذل فوق حدود الطاقة العادية في سبيل حياة لا يعرف له سرور فيها؟
ومن هنا كانت أقدر الأمم على الجهود الضخمة أو الجبارة كما يقولون في تعابيرهم الحديثة تلك التي تنعم بالحياة وتفوز فيها بحظ واف من السرور. والذي لا يحسن أن يلهو لا يحسن أن يجد. والسرور بعد ذلك هو صمام الأمان.
وقد كان شكسبير حكيماً حين جعل قيصر يقول وهو ينظر إلى بعض من حوله من الذين يكبتون عواطفهم ولا يسمحون لشعورهم أن يظهر على وجوههم أنه لا يحب هؤلاء النحاف الصفر الوجوه، وإنه يؤثر عليهم أهل البدانة والطلاقة والبشر وليست هذه عبارته بحروفها ولكنه معناها وقد كان يعني أن هؤلاء الصفر الضاوين هم الذين تخشى مكائدهم وتدابيرهم ومؤامراتهم، أما الراضون عن الحياة المقبلون عليها الناعمون بالعيش، فهؤلاء يمكن أن يأمن المرء جانبهم، لأن الكبت يشيع النقمة والنقمة تغري بالانتقام وتجري الخواطر في مجار غير مأمونة. وقد كان هؤلاء الذين خافهم قيصر وتوجس منهم ولم يرتح إلى وجوههم هم الذين ائتمروا به فصح رأيه فيهم. والسرور صراحة، والصراحة تؤمن ولا يخشى شر منها وإن كانت تزعج أحياناً وتربك. أما الوجوم فستار يخفي وراءه ما لا علم به لأحد ويدور تحته في النفس ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه والحذر منه.
وأحسب أن قد آن أن تكون لمصر أعياد تسر فيها وتفرح وترسل نفسها على السجية بلا تكلف أو اتقاء لذم الخروج عن مألوف الاحتشام المتكلف والوقار المستعار، الذي لا يعد من الوقار في شيء إذا أردت الحق وإنما هو ثوب من البلادة.
وقد كانت أكثر أعيادنا إلى ما قبل هذا العهد مقرونة في الذهن بالموت وما إليه من المعاني.
وأذكر أني في حداثتي ما قضيت عيداً إلا في المقابر ومن التناقض العجيب أني كنت ألبس الجديد من الثياب في أيام العيد التي لا ملعب لي فيها غير ما بين القبور من مسافات وأبعاد. ولم يكن يسعني إلا أن أشعر أن هذه المقابر وأن اللعب بينها والفرح غير لائقين فكنت أشعر بفتور طبيعي فأكف غير راض. ولا داعي للخوض في الأسباب التي قرنت الأعياد عندنا على هذا النحو بالقبور وساكنيها فإن الحديث في هذا يطول. وقد جاء العهد الحديث بأعياد لم يكن لها فيما مضى وجود أو داع.
ولا بأس بكثرة هذه الأعياد بل إن كثرتها هي التي تجعل لها معنى وتكسبها الدلالة المنشودة. ولا أحتاج أن أقول أن هذه الأعياد ليست للحكومة التي تقررها وإنما هي للشعب.
نعم إن الحكومة تكف عن العمل في هذه الأيام فتغلق دواوينها ويرتاح موظفوها ولكن هذا ليس هو المقصود بالتعييد وإن كان لا مفر منه، وإنما المقصود بالتعييد هو الشعب. هو الذي يراد الخير له بهذه الراحة وبما هو خليق أن يفوز به فيها من السرور، وهو الذي يراد منه أن يفهم معنى العيد وأن يتأثر بهذا المعنى ويجعل له شأناً في حياته.
لقد عاشت الأمة زمناً طويلاً وهي لا تعرف أن لها شأناً في الحياة أكثر من السعي وراء الرزق والتماس وجوه العيش الفردي، ولم تكن للجماعة المصرية وجود ولا للحكومة صلة بهذه الجماعة. وكانت الحكومة لا تحس أنها من الأمة والأمة لا تحس أن الحكومة لها.
هذه الأعياد صفحات في تاريخ الأمة ومراحل في طريقها الذي سلكته إلى غايتها أو على الأصح معالم في مراحل الطريق والأمم عبارة عن أجيال متعاقبة.
فإذا قلنا أن هذه الأعياد تذكير بأيام السعي وأيام القطاف فلسنا نخطئ. وإذا قلنا إنها دروس شعبية تتلقاها الأمة بين مظاهر السرور في تاريخها فلسنا نخطئ أيضاً. وشبيه بذلك مع الفارق بطبيعة الحال أن تكون مدرساً فتجمع أطفالك وتقول لهم سنذهب غداً نتنزه في القناطر الخيرية مثلاً. ثم يجيء الغد فتصحبهم إلى هذه القناطر التي لم يسمعوا بها والتي لا يحدث اسمها في أذهانهم الصغيرة أي معنى أو صورة وتركبهم القطار أو الباخرة فيعرفون بالتجربة ما القطار أو ما الباخرة ثم تمر بهم على القناطر فيرون ماء النيل تحتها والبوابات المجعولة لحجز الماء أو إطلاقه وتستطيع وأنت تريهم هذا وتدعهم يستمتعون به أن تعرفهم ما القناطر وما داعيها والحاجة إلهيا ومن أنشأها بعبارة قريبة المتناول سهلة الورود على النفس ثم تخرج إلى البساتين الواسعة والرياض الجميلة فيلعبون وينطون ويضحكون ولا تعدم مع ذلك فرصاً كثيرة تعرفهم فيها بعض ما ترى أن يعرفوه عن الزروع وعن الحاجة إلى البساتين العامة لرياضة الشعب وتجميل حياته. وتكون هذه نزهة حقيقية نعم بها الأطفال وعادوا منها فرحين جذلين ولكنها تكون كذلك دروساً شتى نافعة تلقوها وهم لا يشعرون ولهذا تكون خير الدروس وأجداها عليهم وأبقاها أثراً في نفوسهم. وقد ينسون كل ما نعلمهم من الحساب والجغرافيا واللغتين العربية والإنجليزية وغير ذلك من العلوم والمعارف ولكنهم لا يمكن أن ينسوا القناطر والنيل والبساتين التي نعموا برؤيتها واللعب السعيد فيها وما اغتنمت الفرصة لتلقينهم إياه وهم ساهون يحسبون أنك تكلمهم كلاماً عادياً ليس المقصود به أن يحفظوه ويعوه وإنما المقصود به أن يتسلوا به ويقضوا الوقت.
وكذلك أرى هذه الأعياد دروساً شعبية عامة تلقي على أجيال الأمة وهي فرحة مسرورة بالراحة وبما حرصت عليه من أسباب المتعة والسرور في أيامها.

الفصل الثاني
أثر الراديو في الموسيقى والتمثيل والأدب


الإخلاص شرط جوهري للأديب
أستأذن السامعين الأفاضل — إذا كان هناك من يعني بالاستماع وشكي في ذلك غير يسير — في كلمة وجيز إلا أنها مخلصة، أحيي فيها شعب العراق الشقيق.
وبعد فقد كنت في القاهرة قبل أيام وإني لهنا الآن إلى أيام ومررت في طريقي بدمشق عاصمة الأمويين فمن هم الأمويون والعباسيون والفاطميون؟ أحسب أني لا أخطأ جداً إذا أنا أغضيت عما كان بينهم من تفاوت ورددتهم إلى أرومة واحدة وأصل لا يتعدد أو يتجزأ هو العروبة التي نمتنا جميعاً وامتددنا منها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً فتفرعنا عليها في كل اتجاه ولست مبالغاً أو مؤثراً للمجاملة حين أقول أني لأشعر وأنا في بغداد إلا كأني في القاهرة وبين أهلي وقومي وليت أهلي يترفقون بي ويحتفون كما أراكم تفعلون إذاً لعادت الحياة أطيب وأمتع.
وكان أول ما جرى في الخاطر أن أتحدث إليكم في الأدب المصري الحديث فإنه موضوع كنت أحسبني أدري به من سوانا وكان أكبر ظني أني سأعرفكم ما تجهلون غير أني عدلت وآثرت السلامة فما كدت أجالس بعض رجالكم وشبابكم حتى أدركت أني جاهل بهذا الذي كنت أتوهم أني به عالم.
فقد كانوا يذكرون لي كتاباً وشعراء وكتباً حديثة من شتى الموضوعات ما سمعت بهم ولا بها حتى ليخيل إلى أني من أهل الكهف الذين لبثوا في كهفهم سنين لا يعلم عدتها إلا الله ثم فتحوا عيونهم على دنيا غير التي شبوا وشابوا بها فكنت أتلجلج وأتلعثم وأهرب من الجواب الصريح وأحاول أن أعدل بالكلام إلى موضوع آخر غير هذا الذي لا يقبل مني الاعتذار بجهله.
وسمعت فيما سمعت أن أهل العراق يعرفون أدباء مصر من أصواتهم فقلت لنفسي (قاتل الله هذا الراديو) وذهبت أفكر في الراديو وأثره في الآداب والفنون أو بعضها على الأقل مثل الموسيقى والتمثيل. واستطردت من هذا التقريب بين الأمم المبعثرة على رقعة الأرض إلى ما هو أبعد أثراً وأمس بالأصول والجوهر ورحت أتساءل.
أترى الأدب والموسيقى قد اختلفا — أو يوشك أن يختلفا — في عصر الراديو عما كانا من قبل؟ يبدو لي أن الجواب يستوجب تصور الحالين فماذا كانت الحال قبل عصر الراديو؟ كان الموسيقي يعزف للجمهور أو يغنيه؟ وهو يسمع ويرى فكان عليه أن يجعل باله إلى ما يتبين من وقع الأصوات في نفوس السامعين وكان من السهل أن يعرف ذلك من تصفيقهم أو آهات الاستحسان التي تند عنهم، أو طلب الإعادة، أو غير ذلك من مظاهر الطرب مرئية ومسموعة فكان بينه وبين السامعين تفاعل وتجاوب هو يؤثر فيهم بأصواته وهم يؤثرون فيه بما يأخذهم من هزة الطرب أو ما يعروهم من فتور الاستهجان فيضطر إلى مسايرتهم، ويروح يدور من ورائهم طالباً رضاهم، محاولاً أن يستولي على هواهم فهو يبدو حراً فيما يصنع من أصوات ويصوغ من ألحان ويصور من أنغام ولكن الجمهور يكرهه — إذا لم يطب له السماع — عل التغيير والتبديل والتصرف حتى يبلغ من ذلك مناه إذا كان هذا مما يدخل في وسعه.
ومن هنا كان أهل الموسيقى يتوسعون في الاستعداد ويتوفرون على اتخاذ الأهبة لمواجهة الجمهور على سبيل الاحتياط أو يروضون أنفسهم على الارتجال وهو صعب ولكنه ليس بالمستحيل إذا كان الموسيقي ذا ملكة مواتية وسجية مسعفة أو طبع ملهم، أما الآن فالموسيقى المذاعة ينقصها عنصر الجمهور المشهود المحشود. وصحيح أن العازف أو المغني يتخيل الجمهور ولكن الخيال غير الحقيقة ووقعهما متفاوت، ولا سبيل على كل حال إلى تبين ما يجده السامعون لأنهم ليسوا هناك. الوقت أيضاً محدود فلا معدى عن جعل الصوت أو اللحن على قدر الزمن المضروب — فالموسيقي إذن يستعرض أموراً أولها مسافة الزمن وثانيها أن صوغ اللحن بحيث يجيء مع مطابقته لمقتضيات الفن، موافقاً في تقديره هو لهوى الجمهور وثالثها أن أعفى عند العزف أو الغناء من المفاجآت فلا حاجة به إلى غير ما صور من نغم ولا موجب للاستعداد بشيء آخر يدخر لوقت الحاجة ولا اضطرار إلى تكلف الارتجال. وفي وسع الموسيقي إذن أن يحرص على وحدة الموضوع ومطالب الفن وأحكامه، ولكنه من جهة أخرى غير ذي صلة مباشرة بالجمهور فمن السهل جداً أن تنأى الموسيقى من جراء ذلك عن المزاج أو الذوق العام ولاسيما إذا اقترن احتجاب الموسيقي عن جمهوره بالرغبة في التنويع الذي هو مطلب كل إذاعة لاسلكية اتقاء للملل ونفياً للضجر، إغراءً للجمهور بالإقبال على الاستماع. والتنويع مطلب الموسيقي أيضاً حتى لا يظل فنه على غرار واحد لا يختلف إلا قليلاً، فإذا لم يكن متمكناً من فنه غاية التمكن ومعتزاً به وحريصاً على صبغته وذا ثقة بنفسه أيضاً، وكانت غايته إرضاء الجمهور ليس إلا فإنه خليق في هذه الحالة أن يجنح إلى التقليد والاقتباس من موسيقى الأمم الأخرى فتجيء موسيقاه خليطاً أو رقعاً شتى كثياب المتسولين، وليست لها صبغة خاصة، أو طابع معروف أو سمة تتميز بها أو لون معهود أو طعم مألوف — إذا جاز استعمال لفظ الطعم في هذا المقام — وتعود لا هي شرقية ولا هي غربية وإنما هي أشبه بقول ابن الرومي في شاعر كثير الغلط يجعل قوافيه شتى في القصيدة الواحدة:
يحشد القافات واللاماتوالميمات حشداًمثل ما ضمت سبيلمن صنوف الناس وفداً وليس هذا الذي أصفه تخيلاً فإنه هو الحاصل عندنا مع الأسف.
وأنتقل الآن إلى التمثيل، عذري في الإيجاز، أن المقام لا يتسع للإسهاب والتبسط في الكلام، فأقول إن التمثيل قوامه ثلاثة أمور، الموضوع أولاً، ثم الأداء أي الإلقاء وتمثيل الشخصيات ثانياً، ثم المناظر ثالثاً. فأما الموضوع. فإن أثر الإذاعة فيه أنها جنحت به إلى الإيجاز والتركيز، لأن هم الإذاعة، كما أسلفت التنويع، فهي لا تستطيع أن تهب وقتها كله لرواية تذاع فلابد من الاكتفاء من الكلام بأقل قدر، دون أن يفسد الموضوع أو يغمض فلا محل للحشو وما يجري مجراه، واللمحات الدالة خير من التبسط الذي يضيع الوقت وهذه هي نزعة العصر الحاضر في كل باب — أعني السرعة والاقتصار على ألزم ما يلزم، ولا أظن أن في هذا خسارة أو جناية على الأدب أو القصة، بل رأيي أن العكس هو الصحيح — أي أن تفصيل الألفاظ على قدود المعاني والعبارة عنها ما يكفي في أدائها بغير زيادة، خير من جهتين الأولى أن هذا اقتصاد محمود وإهمال واجب للثرثرة الفارغة التي لا محصول وراءها، والثانية أن هذا يعود القارئ أو السامع أن يكد ذهنه وينفي عنه الكسل العقلي، فلا يعود يعتمد على أن الكاتب أو القائل يبسط له المعنى أو الموضوع بسطاً وافياً شافياً كأنه يشرح درساً لتلميذ جاهل.
وفي الإذاعة يستغنى عن الفترات التي تكون بين الفصول لإعداد المناظر وهذا ينشط خيال السامع ويعوده الوثب والانتقال بسرعة مع فصول الرواية، ولما كانت المناظر لا سبيل إليها إلى الآن، ولن يتيسر عرضها إلا بعد أن يشيع استعمال التلفزيون فإن على السامع أن يتخيل هذه أيضاً أو يكتفي بوصفها ويروح هو يصورها لنفسه، وليس السماع كالمعاينة ولكن فضل السماع أنه يستحث الخيال فيقوي هذه الملكة وينميها ومازال أنفع للقارئ أو السامع أن يعمل فكره وأن لا يكون كل عمله أن يقنع بالتلقي دون أن يحتاج إلى جهد يبذله من ذات نفسه فخير الأدب ما دعاك إلى التفكير والتدبير، وأحوجك إلى احتثاث خيالك وخير آيات الفنون على اختلافها من موسيقى وتصوير وغير ذلك ما أيقظ عقلك وحرك نفسك وابتعث رقادك أما ما يتركك كما كنت، جامداً أو مسترخياً متفتراً، ولا يشعرك بحاجة إلى تخيل أو تأمل فهذا لا خير فيه ولا عناء له.
وأما الأدب من شعر ونثر فكان عهدنا به أنه ينشر ليقرأ وقلما كان يلقى إلقاءً إلا في المحافل أو المناسبات العامة. وفرصة التدبر عند القراءة أوسع وأرحب منها عند السماع، والوزن من أجل ذلك يكون أضبط، والنقد أدق، والتقدير أصح. ومازال الأدباء ينشرون ما يكتبون أو ينظمون فالحال لم تختلف من هذه الجهة، بيد أن الإذاعة جاءت بعاملين جديدين هما الإلقاء ومراعاة الزمن المحدود. فأما الإلقاء فعامل سيء الأثر لأن من يحسنه يسعه أن يعول عليه في التأثير في السامعين فيخدعهم بجودة الإلقاء ويغالطهم في القيمة الحقيقية لما يسمعهم من نثر أو شعر، ومما هو من هذا بسبيل أن الإذاعة ليست للخاصة وحدهم والمثقفين دون غيرهم وأهل العلم والرأي بمجردهم، بل للجمهور الأكبر والسواد الأعظم، وهو خليط من طبقات متفاوتة تفاوتاً عظيماً ففيها الخاصة والعامة والمتعلمون وأنصاف المتعلمين والأميون وأشباههم والجهلة أو من في حكمهم هم الأكثرون، وقد تكون عناية هؤلاء بالاستماع إلى ما يذاع أعظم من عناية الخاصة إلا إذا كان الموضوع يعنيهم، أو كان المتحدث من ذوي الشهرة أو ممن ترجى الاستفادة منه ومن هنا يميل الأدب المذاع إلى تناول ما هو أقرب إلى الإفهام وأدنى إلى الإدراك وأخلق بأن يكون مرغوباً فيه، مرضياً عنه مقبولاً من الجمهور على العموم فلا تعويص ولا عمق، ولا تناول لما يعسر فهمه فالموضوعات سهلة قريبة المنال، وليس بالنادر أن تكون من ذلك الضرب الذي هو أسرع تحريكاً للنفوس. واللغة أيضاً، الأغلب فيها أن تكون أشبه بلغة الجرائد منها بلغة الأدب. وهذا وحده من شر العوامل وأضرها بالأدب لأن الأدب رسالة وليس بتجارة ومن غاياته رفع النفوس والسمو بها وترحيب آفاقها وتعميق مشاعرها وليس من حقه ولا مما ينفعه أو ينفع الناس أن ينحط إلى مستوى الأواسط أو من هم دونهم أو أن يتوجه إلى الغرائز الساذجة التي لم يصقلها العلم والفهم والعقل.
وأما عامل الوقت فأراه محمود الأثر في الأدب والموسيقى والتمثيل على السواء لأنه كما أسلفت يعود المتحدث والسامعين جميعاً الاقتصار على الجوهر والاستغناء عن اللت والعجن ويدرب السامعين على استعمال عقولهم.
على أنه لا خوف على العموم من أن تسيء الإذاعة إلى الأدب وتضر به لأن الأديب المخلص أو الموهوب لا يستطيع أن يخون فنه أو يستخف به وهو لا غنى به عن النشر، لأن ما يذاع يذهب مع الرياح الأربع، أما ما ينشر فيبقى إذا كان فيه ما يؤهله للبقاء. غير أنه يمكن أن يقال من ناحية أخرى أن الإذاعة أجلب للشهرة وانتشار الصيت إلى حيث لا يطمع المرء أن يصل كتبه، والشهرة مع الأسف بلاء وداء عياء، وهي طلبة كل إنسان، وإن أبدى الزهد فيها والعزوف والإعراض عنها ولعل الذي يظهر الصد عنها أطلب لها في قرارة نفسه ممن يبغيها علانية. والإنسان طينه خرع ضعيف، وكم أغرت الرغبة في الشهرة بما تنهي الحكمة ويزجر العقل عنه. وكل ما يمكن أن يطمئننا من هذه الجهة هو أن إخلاص الأديب المطبوع خليق أن يكبحه عن التضحية بأدبه من أجل الشهرة العاجلة. وأقول إخلاص الأديب، لأن الإخلاص شرط جوهري وإلا انقلب فنه صناعة، وحاله تجارة، بل هو شرط أيضاً للعالم والسياسي والمصلح. وكل من ينشد الخير للجماعة وما أدري كيف كانت الدنيا خليقة أن تكون لولا إخلاص فئة قليلة من الأدباء والعلماء والحكام والقادة. والإخلاص لا يخلو من تضحية، والتضحية من جانب القلة المخلصة هي التي يسرت للعالم أن يبلغ المرتبة الحاضرة وهي التي ستأخذ بيده، على مراتب أخرى أسمى وأكرم.?? أذيع هذا الحديث من إذاعة بغداد في أكتوبر سنة ????م.
الفصل الثالث
الأدب والجمهور


كان الأمير أو الوزير أو الثري الغني الوجيه في قومه هو الذي عليه معول الأديب في الزمن الغابر، ينظم فيه شعره ويقصد به إليه، أو يؤلف له أو بأمره الكتب، وكان مقياس النجاح مبلغ ما يظفر به الشاعر أو الكاتب من حظوة ونعمة وقبول عند صاحب السلطان أو المال.
كان هذا هو الأغلب والأعم، وقد بقي منه شيء إلى أيامنا هذه، فكان شوقي شاعر الأمير وكان حافظ يلوذ بطائفة من أهل السماحة والوجاهة والندى، وكان مصطفى صادق الرافعي يطمح أن يكون شاعر القصر في عهد الملك فؤاد، كما كان عبد الحليم الحصري يسعى ليخلف شوقي في إبان الحرب الماضية، وكان خليل مطران — وهو من شيوخ التجديد في الأدب وأستاذ شوقي — ينظم القصائد يحيي بها والدة الخديو عباس لا استجداء بل بدافع من الوفاء وباعث من مروءة النفس.
ومازال لنا ولوع بتلقيب الشعراء. فشوقي كان أمير الشعراء، وكان حافظ يسمى شاعر النيل، وما انفك مطران يدعى شاعر القطرين وقد سمعنا بشاعر الأهرام، وبدأنا نسمع بشاعر العروبة. ويرجع حب التلقيب إلى أمرين فيما أرى: ما ورثناه من عادة الاتصال باسم له شأن، والمعهود في شرقنا من حب الألقاب وما يجري مجراها، وكل ما في الأمر أن الانتساب صار إلى غير الأشخاص. وقد كان هذا بداية التطور الذي انتهى بحلول الجمهور محل الأمراء والأغنياء. فما لقولهم شاعر النيل مثلاً من معنى إلا أن أبناء وادي النيل يعدونه شاعرهم الذي ينطق بلسانهم ويعبر عما في نفوسهم، أو لقولهم أن مطران شاعر القطرين من مدلول سوى أن أبناء القطرين — مصر ولبنان — مجمعون على توقيره وتعظيمه وتقديمه. وهكذا …
وقد كان من الطبيعي أن يحدث هذا التطور الذي أحل الجمهور محل ذوي السلطان أو المال، وأسبابه كثيرة أذكر منها على سبيل المثال ظهور الطباعة، فصار في وسع الشاعر أو الكاتب أن ينشر شعره أو تواليفه على الملأ ولا يخص بها واحداً، ومتى أذعت على الناس كلاماً فأنت مضطر أن تخرج به من الخصوص إلى العموم، أي أن تجعله مما يعنيهم جميعاً وما يعقل أن تكون لهم مشاركة فيه. وإلا فما حاجتهم إليه.
ثم إن التعليم ينتشر، وهو والطباعة يسيران معاً، والمتعلم أقدر على النقد والتمييز والموازنة وأطلب للاستفادة من الجاهل، والطباعة والتعليم يخلقان التنافس بين الأدباء، والتنافس يدعو إلى التجويد وإخراج كل ما عند المرء من قدرة، وإلى الافتنان والتنويع، فيصبح المرء كالجواد الأصيل كلما ذهب منه إحضار جاء إحضار.
ومن العسير مع ذيوع التعليم والإقبال على الاطلاع أن يقنع الجمهور باقتصار الشعر مثلاً على المدح والرثاء والهجاء والعتاب وما إلى ذلك من الأغراض القديمة، بل من العسير أن يحتفظ الشعر بمنزلته القديمة، وتظل له مكانته الأولى يستأثر بها وينفرد على نحو ما كان يفعل في العصور الماضية، ولهذا طغى النثر على الشعر في هذا الزمان، لأن مجال الكاتب أوسع، وهو أكثر حرية وأقدر على البيان وعلى الدخول فيما لا يدخل فيه الشعر، أو يستطيع تناوله من الأغراض، يضاف إلى هذا كله أن الأمة صار لها شأن ومعنى لم يكونا لها من قبل، وصارت هي صاحبة السلطان، والتي إليها مرد الأمور، ولم يعد الأمير أو الوزير أو الغني هو الذي يسعه أن يشد أزر الشاعر أو الكاتب أو يرزقه القبول بين الناس، ففي وسع الأديب أن يتخلى لفنه الذي يؤثره، وأن ينصرف إلى تجويده. ثم يطرحه على الجمهور، وينتظر حكمه ورأيه، وهو واثق أنه لن يعدم منصفاً، وأنه سينال حقه من التقدير من فريق منه إذا لم ينله من كل فريق.
وليس ثم في الحقيقة غمط أو غبن. لأن الجمهور ليس كله من طبقة واحدة، وليس من المعقول أن يوافق الكتاب أو الديوان كل فرد أو طبقة، فإن الناس ليسوا سواء في العلم والفهم والذوق والمزاج، وما من كتاب أو ديوان إلا وهو يجد قبولاً من طائفة ونفوراً من طائفة أو طوائف أخرى، لأنه قد يدق عن أفهامها، أو يغمض عليها أو ينافي ذوقها أو مزاجها، أو يصدم آراءها وما شبت ونبتت عليه من عادات أو معتقدات أو غير ذلك.
فكل أديب يفوز بحظه المعقول من القبول، ولما كان الجمهور يتغير من جيل إلى جيل، وتختلف نظرته تبعاً لذلك، ويزداد علمه وفهمه، ويتفاوت ذوقه، فإن الذي يرضى عنه الناس في زمن قد يسخطون عليه في زمن آخر، والذي يعرضون عنه في جيل قد يقبلون عليه في جيل آخر، وشواهد ذلك كثيرة في كل عصر ومصر.
وإنه لمن دواعي الأسف أن يحرم الأديب حقه في حياته، وأن لا ينصفه الناس إلا بعد فوات الأوان، ولكنه لا حيلة في هذا إلا أن ينال كل فرد من أفراد الجماعة حظاً كافياً من التعليم فيتسنى أن ينال كل أديب ما هو جدير به.
وإذا كان في وسع الأديب في زماننا أن يتفرغ لفنه ويتوجه به إلى الجمهور، ويستغني عن ذوي السلطان أو المال، ولا يمني نفسه بالطمع في مؤازرتهم، ولا يبالي أأنصفوه أم غبنوه. وكان هذا التطور أعون على التجويد والإخلاص فإن هذه المزية يقابلها شر ليس من الهين اتقاؤه في كل حال. وأعني به مصانعة الجمهور وتحري ما يوافقه ويرضى عنه ويتقبله بقبول حسن.
وكما أن الشاعر القديم كان يقصد إلى ذي الجاه أو المال أو السلطان فيمدحه ويسرف ويبالغ تملقاً ونفاقاً، واستدراراً لنواله، كذلك الأديب في هذا العصر قد يغريه طلب الرواج والإقبال بتملق الجمهور، فقد صار هو الذي يعطي ويمنع، ويفيد الأديب الغنى والجاه والمجد أو يضن بذلك عليه، وكل أديب طالب شهرة، ما في هذا في شك، والشهرة غاية ووسيلة في آن معاً، هي غاية لأنها حال تنعم بها النفس وفيها عزاء كاف للمرء حتى إذا حرم طيبات الحياة. والشهرة هي الذكر، والذكر باب الخلود المرجو لاسم الإنسان المقضي عليه بالفناء والإنسان يتعزى بهذا الذكر لما يعلم علم اليقين أنه لا مفر من الموت. ولكنها أيضاً وسيلة إلى ما يتطلع إليه كل إنسان من نعيم الحياة وطيب العيش ورغده.
وقد يستطيع الأديب أن يزهد في الشهرة وما تتيحه وتيسره إذا لم تجيء إلا بمجافاة الإخلاص، وصدق السريرة، وخيانة أمانة الفن، ومصانعة الجمهور وتملق آرائه ونزعاته وغرائزه الساذجة ومزاجه، وما إلى ذلك، وقد يكون من قوة الإرادة وسمو الروح وصلابة العود بحيث يستطيع أن يقهر نفسه ويصدها ويزجرها عن طلب الشهرة والحياة الرخية من هذا الطريق الهين، ولكنه قد يكون اشتهاؤه أقوى من إرادته، أو يكون في حال تقصره على التسهل والترخص أو تدفعه المنافسة إلى طلب التفوق بأية وسيلة، أو يغالط نفسه فيزعم أنه يداور الجمهور ويحتال عليه كما يحتال الطبيب على المريض بحلاوة طعم الدواء ويسايره قليلاً أو كثيراً ليطمئنه ويدفعه إلى الإقبال ثم يعود فيدور به إلى حيث يريد.
ومهما يكن الباعث على الترخص فإنه مفسدة للأدب. فإن شرط الأدب الأول هو الإخلاص وصدق السريرة، ولا إخلاص مع المصانعة والمداهنة والملق، وإذا فقد الأدب الإخلاص فقد أهم عنصر، والإنسان يحترم القوة التي يكون مبعثها الإخلاص، وقد تروعه في البداية وتصدمه وتنفره. ولكنه لا يلبث متى تبين الإخلاص أن يقبل بعد النفور وأن يتشيع في نفسه الإكبار والتبجيل.
وقد يطول الأمر. وتبطئ الجمهور على الأديب. ولكن كل شيء يحتاج إلى زمن يؤتي ثمرته.
وأنت تغرس البذرة في الأرض فلا تصبح شجرة بين صباح ومساء، وتربة النفوس أيضاً تحتاج إلى زمن حتى تنشق فيها البذرة ويمتد منها ما يكون جذوراً معرقة، ثم تخرج لها ساق يذهب في الجو ويتفرع عليه الأغصان وتورق وتنور وتثمر. ومازال صحيحاً أن في العجلة الندامة والذي يستعجل الشهرة خليق أن يفوته ما هو أولى منها بالحرص عليه وأعنى به المجد الأدبي الصحيح.

الفصل الرابع
في الاتجاهات الحديثة


في النثر العربي بمصر
الاتجاهات الحديث في النثر العربي بمصر موضوع واسع لا أستطيع أن ألم بأطرافه في حديث أو اثنين ولست أقول هذا على سبيل الاعتذار أو من قبيل التواضع أو لستر العجز بل أقوله بياناً للواقع ولأني أنوي — لضيق الوقت — أن أقتصر على الذي هو أوضح وأبرز وأود أن أنبه في فاتحة الكلام إلى أن قولنا «الاتجاهات الحديثة» ليس معناه أنها بنت اليوم أو الأمس ولعل هذه الاتجاهات إنما وضحت وبانت في السنوات الأخيرة وكانت بداياتها قبل نصف قرن وزيادة. وعسى أن تكون هناك بدايات أخرى لاتجاهات جديدة لا نتبينها الآن ولابد من مرور زمن طويل قبل أن نكون من أمرها على يقين كالطفل تراه فلا تستطيع أن تعرف ماذا سيكون بعد أن يبلغ مبالغ الرجال وهل يكون طبيباً مثلاً أو مهندساً أو من رجال الدين أو القانون أو صانعاً أو غير ذلك.
ويجب أن يكون مفهوماً ومقرراً في الأذهان أن الأدب كائن حي خاضع لنواميس الطبيعة وسنن الحياة وقوانينها ككل مخلوق من حيوان ونبات وأن له على ذلك تاريخ حياة وله طفولة وشباب وكهولة وشيخوخة وإذا نحن لم ننظر إليه هذه النظرة فلسنا نستطيع أن نفهمه فهماً صحيحاً ولا أن ندرسه درساً مفيداً. وكلنا يعرف مثلاً أن الشجرة لا تنبت في يوم ولا تظهر بأغصانها وأوراقها وثمارها بين يوم وليلة ولكن منا من يتوهم أن الأدب يمكن أني تحدث فيه هذه المعجزة التي تحدث في خلق آخر. وكلنا يعرف أن البذرة التي تضعها في التربة أو العود الذي تغرسه في الأرض يحتاج إلى ما يتغذى به ويقوى ويحتاج إلى العناية والتعهد وإلى التقليم والتشذيب وأحياناً إلى التطعيم والتلقيح وكذلك الأدب وليس يخفى على أحد منا أن الشجرة المهملة غير الشجرة التي وجدت من يسقيها ويسمدها ويرعاها ويوفر لها أسبابا الحياة ويساعدها على الازدهار والإثمار. وكذلك الحال في الأدب بل في كل شيء. وأنا أحب أن أؤكد هذا المعنى وأقرره فإن كل فهم للأدب يكون خطأ محضاً وضلالاً صرفاً إذا لم نعتبره كائناً حياً تجري عليه سنن الخلق جميعاً بلا استثناء.
ونعود إلى موضوعنا الذي استطردت عنه فأقول أن الأدب كهذه الشجرة التي ضربنا بها المثل — له أرومة أي أصل في جوف الأرض ثم تنبت له ساق تسمو بنفسها صعداً وتستغني بنفسها عن غيرها أو لا تستغني وتحتاج أو لا تحتاج إلى ما تتعلق به وترقى فيه ثم تتشعب من هذا الساق أغصان دقاق وغلاظ ثم يخرج من هذه الورق ثم ينور إذا كان مما ينور وثمر إذا كان مما يثمر.
والشجر يخرج من الأرض فهي تربته أما الأدب فتربته هي الحياة نفسها — الحياة الإنسانية في جملتها وتفصيلها. وكما أن التربة لها أثر في تكوين الشجرة وقوتها ومبلغ صلاحها. كذلك حياة الجماعة وعاداتها وتقاليدها وألوان تفكيرها ودرجة تهذيبها ومبلغ تثقف عقولها ونفوسها أثر في الأدب الذي يخرج منها وينبت فيها. وكما أن الأرض القوية تخرج نباتاً قوياً حتى بغير عناية كبيرة من الإنسان كذلك الجماعة الإنسانية القوية وإن كانت ساذجة يمكن أن يظهر فيها أدب قوي فطري لا تقلل قيمته نقص الثقافة الخاصة وكما أن الشجرة في الأرض الضعيفة يمكن أن تجد مما يهدي إليها العلم عوضاً عما ينقصها من الأرض كذلك الأدب يستفيد من الثقافة ما يعوض نقص عوامل القوة في التربة التي نشأ فيها.
وهنا ندع مثل الشجرة لأنها غير مدركة — ولا الأرض — لما هو حاصل. أما الأدب فصادر عن إدراك وإن لم يكن في بعض الحالات صادراً عن «وعي» تام. ونأخذ في تشبيه آخر. ولكل تشبيه عيبه ولكنه يعين على الفهم والتبسيط. فنقول إن الإنسان في طفولته يكون في الأغلب والأعم مغرى باللعب والعبث وبالزينة والمنظر والرونق وما إلى ذلك أكثر مما هو مغري بالجد والفائدة. والطفل لا يعرف نفسه معرفة صحيحة. وهو يعرف أن له أبوين وقد يعرف أن له جدين أو جدوداً ولكنه ربما كان لا يعرف كيف انحدر من هؤلاء جميعاً. ثم يشب ويكبر فيزداد معرف بنفسه وقد لا يسلم من العبث ولكنه يكون في شبابه أكثر نظراً وأصح فطنة وأطلب للجد من الأمور. ويزداد نضجاً مع ارتفاع السن واتساع التجربة والمعرفة ويزداد نظره بعداً وعمقاً وتصبح صلته بالحياة حوله أوثق والميزان على العموم أكثر اعتدالاً وليس من الضروري أن يكون الكهل أصدق نظراً في الحياة من الشاب فقد يؤتى الشاب ما لا يؤتاه الكبير العارف المجرب من استقامة النظرة وقوة الفطنة وحسن الإدراك بالفطرة والاستعداد. ومن الناس من ينضج قبل الأوان وهذا لا حكم له لأنه من الشاذ ولا قاعدة تجري عليه وتضبطه.
ولا نظن أننا نخطئ كثيراً إذا شبهنا تطور الأدب في الأمة — على العموم والجملة — بحياة الإنسان وتطورها من الطفولة إلى الكهولة الناضجة ثم الشيخوخة الضعيفة الفاترة ففي الطفولة يكون الأدب أقرب إلى الزينة والعبث ثم يشب ويترعرع ويقوى وتتدفق فيه الحياة القوية ولا يخلو في هذه الفترة من اندفاع واجتراء ولف وشطط ولكن هذه هي طبيعة الشباب. وفي هذا الطور يشرع الأدب في معرفة نفسه ودرس أصوله ولا يمنعه هذا التلفت إلى الأصول من الجري في مضماره الذي يغريه به شبابه وشعوره بقوته. ثم يجيء طور الكهولة الناضجة المجربة الحكيمة العارفة المدركة.
وحديثنا عن النثر دون الشعر فلندع الشعر ولندع أيضاً عهد الطفولة في النثر العربي الحديث فقد كان النثر في ذلك العهد أشبه بعبث الأطفال ولهوهم وكان الناس يتظرفون ويتزينون كما تتزين المرأة بالعقد أو الرجل بمظاهر الغنى. ثم جاء شباب فرأينا الأدباء في هذا العهد يتلفتون باحثون عن الأصول البعيدة والقريبة ومعنيين بدرسها وفحصها من جديد مع إرسال العين فيما حولها وإجالة النظر في الحياة. والماضي للأمة أشبه بالذاكرة للفرد وليس يستطيع المرء أن يعرف نفسه وماذا هو إذا فقد ذاكرته لهذا عني الأدب في هذا العهد من الشباب بتقصي الماضي وتدبره ودرسه وكان الذين فعلوا ذلك ممن جمعوا بين ثقافتين — الثقافة العربية التي أفادوها من تحصيلهم الخاص في الأغلب لا مما تلقوه في المدارس فما كان لهذا غناء أو فضل يستحق الذكر نقول هذا من غير غمط لفضل طائفة قليلة كان الذين انتفعوا بآثارهم من غير أن يتلقوا عليهم شيئاً أكثر من انتفاع تلاميذهم بدروسهم.
والثقافة الأخرى ثقافة غربية — فرنسية وإنجليزية — وبفضل الجمع بين الثقافتين العربية والغربية استطاع الأدباء في هذا العهد من الشباب أن يدرسوا الأدب درساً جديداً وأن ينظروا فيه نظرات أعمق ومن هنا نشأ ما يسمى النقد الأدبي على قواعد أصح ووفق أصول أعم وأثبت. والنقد الأدبي ليس معناه إظهار العيوب والكشف عن مواطن الضعف والنقص وإنما معناه الوزن الصحيح الدقيق للأثر الذي فيه البحث. والاهتداء إلى الأصول والقواعد التي ينبغي أن تراعى. ولم يحل الاشتغال بالنقد الأدبي دون الإنتاج الخاص ونعني به الإنتاج الذي يجيء ثمرة النظر المستقل والتدبر الخاص وأكبر مزية استفادها الأدب في هذا العهد هي التحرر من التقليد في الموضوع وفي الأسلوب فذهب وكان مشغوفاً به من قبلهم من احتذاء مثال العرب والافتياس بهم والضرب على قوالبهم وصار الموضوع هو الذي يفكر فيه الأديب نفسه والأسلوب هو الذي يفي بالعبارة عما يريد فكان هذا تجديداً لا شك فيه ولا في قيمته وستتاح لي فرصة أخرى فأورد لكم نماذج من الأساليب الحديثة تبين الفرق بينها وبين الأساليب القديمة التي كان تقليدها شائعاً فيما سميته عهد الطفولة وإن كان التقليد في تلك الطفولة للمتأخرين لا للقدماء من العرب.
ولا يزال النقد الأدبي مستمراً إلى الآن وسيستمر بلا شك ولابد من ذلك لأن الإنسان لا يستطيع أن يحيا حياة تامة بغير ذاكرة والماضي هو مصدر الحاضر والقاعدة التي يقوم عليها ولا سبيل إلى بت هذه الصلة ومن درس الأدب في أوسع نطاق وعلى أدق وجه وأصحه يمكن أن يستخلص الأصول الصحيحة والقواعد السليمة. ثم إن هذا الدرس بعض الوسيلة إلى معرفة النفس. فغير مستنكر أو مستغرب — بل واجب — أن يظل النقد الأدبي ماضياً في طريقه.
غير أن النقد الأدبي — كما قلنا — لا يمنع — وهو لم يمنع الإنتاج الذاتي أو ما يسمى الأدب الصرف وأوضح اتجاه جديد هو الاتجاه إلى القصة وهو اتجاه طبيعي وليس من قبيل التقليد للأدب الغربي ونعني بالقصة أنواعها من قصة طويلة وأقصوصة قصيرة تكون كاللمحة أو المنظر والقصة التمثيلية. والإنسان مفطور على القصص. وأكثر ما تدور عليه أحاديث الناس في حيث يجتمع بعضهم ببعض هو رواية ما جرى أو ما رأوا أو ما سمعوا به أو ما يتخيلونه أو يتمنونه. وحديث الناس حوار ووصف وتصوير وتعليق وتحليل وتعليل. وليست القصة أكثر من انتزاع جانب أو بعض جوانب من الحياة وعرضها ورفعها قبل العيون وهي أشبه بذلك الضرب من التصوير الذي يسمونه «الامبرشنزم» وأصله كما هو معروف أن تنظر إلى الشيء وتتأمل تفاصيله وتدير عينك فيه على مهل لتأخذه في جملته وتفصيله — أو تنظر إليه نظرة عامة لا تتوخى فيها تأمل التفاصيل — أو تنظر إلى جزء معين منه تعلق فيه عينك وتترك ما حوله يبدو لك في غير وضوح لأنك لا تقصده بنظرك ولا تجعل بالك إلا إلى الجزء الذي عليه عينك.
والمصورون على طريقة الامبرشنزم يتوخون الحالتين الأخيرتين دون الأولى أي أنهم لا يعنون بالجملة والتفاصيل. وإنما يؤثرون النظرة العامة التي لا تفصيل فيها أو العناية بجزء دون بقية.
والحياة أوسع من أن يستطيع إنسان أن يحيط بجوانبها جميعاً بنظرة واحدة وفهمها كلها في جملتها وتفصيلها وعلاقة ظاهرها بباطنها واستجلاء كل نواميسها وأثرها ونتيجة تفاعلها في كل آية من آياتها فوق طاقة البشر. ولكن الخلق واحد والسنن لا تختلف ولا يشذ فعلها فإذا استطاع إنسان أن يقتطع جانباً من الحياة ويصور وجهاً من وجوهها فهو يكون كأنما استطاع أن يصور الحياة كلها وهذه مبالغة ولا شك.
ولكن فهمنا للحياة وللطبيعة الإنسانية يزيد ويعمق ويتسع كلما زاد اطلاعنا على أكثر ما يمكن من جوانبها.
وليس المعول في القصة على الحادثة أو الحوادث التي تروى وكل إنسان يستطيع ذلك بغير عناء لأن كل إنسان وقعت له حوادث أو شهد حوادث أو سمع بحوادث والحادثة ليست أكثر من مشجب يعلق عليه الكاتب آراءه وخواطره ونظراته وغير ذلك من الخوالج والإحساسات والتحليل والتعليل.
والمعول في القصة على رسم الشخصيات والتفطن إلى البواعث والقدرة على تصوير نتيجة التفاعل بين الوراثة والبيئة وبين الإنسان والجماعة ونوع استجابة الإنسان لوقع الحياة في نفسه وكثيرون يستسهلونها لأنها أقرب إلى الفطرة ولكنها من أعسر ألوان الأدب لأنها تتطلب فهماً للحياة ونظراً فاحصاً وملاحظة دقيقة وإخلاصاً وصدق سريرة ولا غنى في أي لون من الأدب عن الإخلاص وصدق السريرة ثم تتطلب أداء محكماً وقدرة عليه وافية لأن الكاتب يحتاج أن يتناول فيها كل باب من أبواب الأدب — من الفلسفة فنازلاً إلى الكلام الفارغ في ذاته وأن سوقه في القصة يراد به الاستعانة على تصوير النفوس واتجاهات خواطرها ونزعاتها وعاداتها في التفكير وغير ذلك.
والقصة توجد في كل أدب قديم. والغزل نفسه قصة لأنه عرض جانب من النفس في حالة خاصة. ولكنها باعتبارها عملاً فنياً قائماّ بذاته تعد حديثة نسبية وقد نشأت في الأدب العربي كما نشأت في غيره ولكنها وقفت عند حد ولم يمض فيها الذين جاءوا بعد الذين فتحوا بابها.
أما الآن فإنها لون مقرر من ألوان الأدب الحديث بأنواعها جميعاً وقد عالجها كل الأدباء تقريباً دون أن ينصرفوا عن الأبواب الأخرى مثل البحوث والدراسات التي يعنون بها. وقصر عليها بعضهم أدبه تقريباً وبذلك بدأ الاتجاه إلى التخصص في أبواب الأدب وسيزداد هذا ظهوراً وبروزاً على الأيام.
ولا يتسع الوقت لأكثر مما تناولنا في حديثنا وما كنت أرجو أو أطمع أن يتسع وإنما أردت أن أجعل طريقتي في البحث من شأنها أن تساعد السامع على لمضي وحده في تعيين الاتجاهات الحديثة.
والبحث لا يتم إلا إذا تناولنا أساليب الكتابة بعد أن تناولنا أغراضها على هذا النحو العام المجمل. وموعدنا الحديث الآتي إن شاء الله.

الفصل الخامس
حديث عن الهجرة


يبدو لي من مراجعة السيرة النبوية الشريفة أن الهجرة إلى المدينة لم تجيء عفواً ولا كانت من وحي الساعة وإنما كانت خطة محكمة التدبير طال فيها التفكير بعد أن اتجه إليها الذهن اتجاهاً طبيعياً أعانت عليه الحوادث.
وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر يشير على المسلمين الذين ضاقوا ذرعاً بما كانت قريش تنزله بهم من الأذى أن يتفرقوا في الأرض وينصح لهم أن يذهبوا إلى الحبشة ليأمنوا الفتنة عن دينهم ويرتاحوا من العذاب الغليظ الذي كانت قريش تصبه عليهم حتى يأذن الله بالفرج وأكبر الظن أنه كان يريد أن يؤمن هؤلاء المسلمين على دينهم من ناحية وأن يحمل قريشاً على التوجس من عاقبة هذه الهجرة الأولى إلى الحبشة عسى أن تفيء إلى الاعتدال والهوادة.
ومن الثابت على كل حال أن قريشاً أزعجها هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة فبعثت إلى النجاشي برسولين منها ومعهما الهدايا ليقنعاه برد هؤلاء المهاجرين إلى مكة.
ولكني لا أظن أنه كانت لهذه الهجرة إلى الحبشة غاية أبعد من ذلك فما كانت أكثر من معاذ إلى حين وتدبير ألجأت إليه الحاجة لما اشتدت المحنة بالمسلمين وتلويح لقريش بإمكان العون والمدد من هذه الناحية. على أن بعد الحبشة واختلاف أهلها ولغتها ودينها ثم الثورة التي ما لبثت أن شبت على النجاشي وكان من أسبابها إيواؤه المسلمين والعطف عليهم — كل هذا كان من شأنه أن يصرف عن الحبشة ويدعو إلى التفكير فيما هو أصلح منها.
واختلفت الحال في مكة أيضاً إلى حد ما بعد أن أسلم عمر ورفض الاستتار والاستخفاء وشرع يناضل قريشاً ويدفع المسلمين إلى الصلاة في الكعبة نفسها وأسلم رجال غير قليلين من قريش فصارت لجاجة قريش في تعذيب المسلمين وتقتيلهم كما كانت تفعل غير مأمونة العاقبة. نعم ظلت قريش تؤذي المسلمين وتسيء إليهم ولكن المسلمين كثروا وصار محمد يعرض نفسه على القبائل وأن كان لم يفز بطائل كبير ولا كفت قريش عن مساءاتها إليه.
وقد كبر الشأن واتسعت رقعة الأمل ولكن التفكير في أمر قريش وفي الراحة من عنتهم وفي الوسائل المؤدية إلى نشر الدين بأسرع مما ينتشر بقي واجباً ملحاً. ولاسيما بعد أن حوصر المسلمون في الشعب ونقضت الصحيفة ومات أبو طالب وخديجة وازداد أذى قريش وردته القبائل عما كان يدعوها إليه من الدخول في الإسلام.
وتوالت السنون على هذا الحال. فكان من الطبيعي أن يفكر النبي عليه الصلاة والسلام في مخرج حاسم يفرج الكرب ويزيل المحنة ويفسح مجال الأمل ويوطد الأمر. وأحسب أن من الطبيعي والمعقول أن يفكر في يثرب أول ما يفكر وأن تكون هذه أبرز ما يبرز وأول ما يخطر على البال وأسبق ما يرد على الخاطر فقد كانت يثرب طريقه في الزمن السالف أيام كان يعمل في التجارة، ولم تكن طريقه فقط بل كانت له بها علاقة تجارة أيضاً، وله فيها عدا ذلك بعض ذوي القربى ونعني بهم أخوال جده من بني النجار ثم إن أباه عبد الله بن عبد المطلب مدفون فيها وقد كانت أمه في حداثته تزور هذا القبر في كل عام وكانت تستصحب ابنها معها وقد شاء القدر أن تمرض أمه وهي عائدة من إحدى هذه الزيارات وأن تموت وتدفن في الطريق بين مكة ويثرب.
فما من شك في أن يثرب كان لها نوطة بقلبه وعلوق بنفسه فما يسعه أن ينسى طفولته ويتمه وأباه الدفين هناك وأمه الراقدة في الفلاة على طريقها.
وقد كان النبي صلوات الله عليه يعرض نفسه على القادمين من يثرب كما كان يعرض نفسه على رجال القبائل الأخرى فأسلم أولاً من الأوس واحداً ثم أسلم من الخزرج نفر استجابوا لدعوته وحدثوه بما بين الأوس والخزرج من العداوة التي بثها اليهود فيهم ليظفروا بهم ويتحكموا فيهم وكان اليهود قد نجحوا في إيقاد نار الفتنة بين هاتين القبيلتين ولكنهم نجحوا في آمر آخر لم يكونوا يقصدون إليه فقد كان اليهود وهم أهل كتاب يذمون إلى الأوس والخزرج ما هم فيه من الوثنية والشرك ويحدثونهم عن دينهم وكتابهم فتركوا في نفوسهم أثراً روحياً لم يكن لمثله وجود في أهل مكة.
وقد عرف النبي ? هذا كله وعرف أيضاً أن الفريقين المتعادين — الأوس والخزرج — قد فطنوا على ما هم فيه من الشر واشتهوا أن يجمعهم الله بعد طول العداوة وأدرك أن دعوته خليقة أن تلقى هناك من حسن الإصغاء وطيب القبول ما لا تظفر بمثله في مكان آخر وبلد غير يثرب وقد صدق ظنه وتفتحت القلوب في يثرب لدعوته ولم يمض إلا عام واحد حتى جاءه رجال من يثرب يبايعونه البيعة التي تعرف ببيعة العقبة الأولى على ألا يشركوا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يكذبوا ولا يعصوا الله. ومما يدل على قيمة هذه البيعة أن النبي احتاج أن ينفذ إلى يثرب من يقرئ المسلمين بها القرآن ويعلمهم ويثقفهم في الدين. وكانت هذه فاتحة ميمونة لانتشار الإسلام في يثرب على صورة جدية وفي نطاق واسع.
وكان مقام المسلمين في يثرب طيباً محموداً لا أذى فيه ومشقة فغير معقول أن لا يفكر النبي في اتخاذ يثرب مهجراً للمسلمين الذين يعانون الأمرين في مكة ولنفسه أيضاً إذا كان لابد من ذلك ولا معدى عن ذلك.. إن التفكير في ذلك هو تفكير يبعث عليه ويوحي به واجب الدفاع عن النفس.
يدل على ذلك أن النبي في العام التالي — لما قدم مكة عشرات من مسلمين يثرب — لقيهم واقترح أو طلب أن يعقد مع مسلمي يثرب حلفاً دفاعياً لرد عدوان المشركين وقد تم له ما أراد وعقدت بيعة العقبة الثانية وهي أول تدبير عملي في سبيل الدفاع عن النفس.
وقد أزعج خبرها قريشاً جداً فاضطربت وأشفقت وذهبت تسعى لتستوثق من الخبر فإن صحة الخبر معناها ذهاب كل أمل في التغلب على النبي. وقد بلغ من جزعهم من هذا الحلف وصحة تقديرهم لعواقبه المحققة أن قريشاً ائتمرت بالنبي تريد قتله ودبرت ذلك فعلاً وأحكمت التدبير كما هو معروف مشهور فأدى ذلك إلى التعجيل بهجرة النبي نفسه.
وقد كانت الهجرة في سبيل الله وللدفاع عن النفس ولكنها أدت إلى أمور شتى. فقد كان النبى في مكة حسبه أن يتقي أذى قريش ويتجلد ويصبر على عنتهم واضطهادهم فلما هاجر لم يبق لمثل هذا الصبر مسوغ ولا بالمسلمين إليه حاجة وقد كثروا وصارت لهم قوة من جموع الأنصار والمهاجرين معاً. ففي وسعهم أن يردوا الأذى ويقابلوا العدوان بالعدوان. ثم إن كثرة المسلمين في يثرب جعلتهم جماعة يجب فضلاً عن تثقيفهم في الدين تنظيم أمورهم والنظر في مصالحهم وإقامة علاقاتهم بغيرهم على قواعد مرضية.
وقد بدأ التشريع الإسلامي بعد الهجرة وبدأت كذلك الحروب باللسان ثم بالسلاح وبدأ التعرض لتجارة قريش. ولا حاجة بنا إلى التفصيل فإنه تاريخ معروف ويكفي أن نقول إن الهجرة أتاحت للمسلمين أن يكونوا أمة وأن ينتظموا كما تنتظم الأمم وأكسبهم مركزاً تسنى لهم بفضله أن يتحكموا في مكة اقتصادياً وحربياً أيضاً وقد انتهى الأمر بالفعل بفتح مكة وإعلاء كلمة الله.
ويكفي للدلالة على ما كان للهجرة إلى يثرب من قيمة في التاريخ الإسلامي أنه لما أريد بعد ذلك تأريخ الحوادث أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه باتخاذ عام الهجرة مبدأ لهذا التاريخ. والواقع أن هذه الهجرة كانت هي الباب الذي فتحه الله لنشر الدين وإعلاء شأنه والقضاء على الشرك والكفر وجعل من العرب أمة لها في العالم مقام وفي حياته أثر.
ولو أن الهجرة كانت إلى الحبشة لما أثمرت شيئاً من هذا ولخرج الأمر على كل حال من جزيرة العرب ولكان الأرجح ألا ينتقل العرب إلى حال أخرى. ولو أنها كانت إلى اليمن مثلاً لكان الأغلب أن تبقى مكة بمعزل عن الإسلام ولكن المدينة كانت على طريق التجارة إلى الشام، فالذي يستولي على الأمر فيها يتسلط على مكة ويتحكم في حياتها كما حدث بالفعل.
ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفكر في المدينة من زمان طويل قبل أن يقصد إليها فقد كان كل شيء يدعو إلى ذلك — حنين قلبه ومصلحة المسلمين في الدفاع عن أنفسهم أولاً ثم في التغلب على مكة والقضاء على شرك قريش. ولعل من الدلائل على طول التفكير واتجاه النفس وعلى الإيحاء أيضاً أن النبي كان أول الأمر يتجه في الصلاة إلى المدينة جاعلاً قبلته المسجد الأقصى. فلما انتهى هذا الدور جعل الكعبة قبلته في الصلاة فوجه المسلمين صوب مكة حتى استولى عليها.

الفصل السادس
مصرع الحسين


كان لنا، قبل الحرب، صديق معمر، من بني الفرس — أو من أجدادهم الأولين على الأصح — فقد كان عمره فوق المائة، وكنا نحاسبه فيكون تارة مائة وعشرين، وأخرى مائة وبضع سنوات، فِأضحك وأقول: «يجب أن نقيد هذه الأرقام الرواغة». وأتناول القلم، وأقيم سنه على الورقة، وأنظر إليه، وأقول: «تفضل قبل أن يغرق الطوفان الأرض كنت سعادتك سفيراً لدولتك عند بروسيا، ولما صعق موسى عند دك الجبل، كنت …» فيتكلف الغضب، ينهرنا عن هذا العبث ويقول: «اختش يا ولد!»
وكان على عظم ارتفاع سنه قوي البنية، متين الأسر، وكنا نسأله عن سر ذلك، فيقول إنه لم يتزوج قط، فأضحك وأقول: «هات شيئاً آخر، فإن هذا معلوم، مفهوم بالبداهة!» فيرفع عصاه الغليظة، يلوح بها كأنما يهم بضربي، فينقلب ضحكنا قهقهة عالية مجلجلة، ويسره سرورنا فيفيء إلى الرضى.
ويقول لنا أحياناً: «تعالوا نتمشى، فنسأله: أين؟ وإلى أين؟». فيقول: «في طريق الجيزة»، وكان بيته في «باب الخلق»، فنخرج معه إلى الزمالك ويقف بنا على جسره هنيهة، يحدثنا ويروي لنا أخبار القرون الأولى، أو يرتجل شعراً فكاهياً نجيزة، أو نشطر قصيدة لواحد من شعارير ذلك الزمان تشطيراً يخرج بها إلى الهزل الصريح والمجانة الشديدة، أذكر من مطالع قصائده المرتجلة:
«قفي حديثني عند كوبري الزمالكوروي غليل القلب يا أم مالك» ثم نستأنف السير بعد أن نميل إلى طريق الجيزة، حتى نفتر ونكل، وتخذلنا أرجلنا، وهو لا يزال كما بدأ، فيسخر منا، ويوسعنا تقريعاً وتعييراً، فلا نبالي، ونقعد على الأرض من شدة التعب. ويتفق أن تمر بنا سيارة، تخطف، فيشير إليها ويقول مازحاً: «خذونا، أخذكم الله».
ولم يكن هزالاً، وإنما كان يوسع لنا صدره، ويتقبلنا على علاتنا، ويأنس بنا كأنسنا به، وكانت الدنيا كلها أصدقاء له، ولكنا نحن كنا نلازمه بعد أن نفرغ من أعمالنا، وكان بيته نادينا، وفيه نعقد حلقتنا الأدبية الخاصة، وما أكثر ما كنا نقول له: «نريد أن نأكل أرزاً فارسياً» فيمضي بنا إلى المطبخ لنساعده، فهذا يقشر بصلاً، وذاك يغسل آنية، وثالث يضرم النار، وهكذا، حتى يطبخ الأرز ويغرف في الصحون، ثم نحف به — أعني بالأرز — ونقبل عليه فنلتهمه.
وكان لنا خيراً من الأب، وأخلص من الصديق وأوفى، وكان ريما رأى أحدنا ساهماً أو واجماً، فيسأله عن سبب ما يبدو عليه، فيفتح له صدره، ويبثه ما فيه، ويقول له بشجوه، حباً كان ذلك أو هماً أو غير ذلك فيشير عليه بالرأي الناضج، ويخلص له النصح، ويقوي ضعفه ويشجعه، ولا يزال به حتى تعود إليه البشاشة.
وقال لنا يوماً: «خذوا» وناولنا بطاقات فيها دعوة إلى ما كان يسمى «زفة الحسين»، وما هي بزفة، وإنما هي مأتم، ولكنها هكذا كانت تدعى على ألسنة العامة، فذهبنا في الموعد المضروب إلى بيت رحيب في زقاق ضيق، فوجدنا هناك كثيرين من رجال مصر المعروفين، أجلسنا معهم، ثم دعينا إلى مائدة مثقلة بألوان الآكال الشهية، وكان الأستاذ البرقوقي إلى جانبي، فظمئ على الطعام، وأسر إلي بذلك — لا أدري لماذا — فأومأت إلى الخادم، فناوله كوباً رفعه إلى فمه، وما كاد يفعل حتى رده عنه، وقال: «بفففف!»، ذلك أنه كان سكراً مذاباً لا ماء، فعجبنا واتقينا أن نشرب.
وانحدرنا إلى صحن الدار، وكان فيها منبر، ارتقى إليه شيخ فارسي وانطلق يقول كلاماً لم نفهمه، ولكن صوته كان يتهدج وكانت الدموع تتسايل على خديه وتبل لحيته الكثة، وقيل لنا إنه يرثي الحسين ويندب مصرعه، وكان الذين يفهمون كلامه من بني جنسه يبكون، بل يعولون ومنهم من كانت تهيج حرقاته فيلطم، أو يضرب صدره أو ظهره العاري بسلسلة غليظة من الحديد، أو يضرب جبينه ببطن سيف مسلول، أو بكله — أي قفاه الذي ليس بحاد — ولكن أحدهم اضطرب وهو يفعل ذلك فأصاب حد السيف جبينه فانفجر الدم كأنه نافورة، وقد خفوا إليه، وضمدوا جرحه، وعصبوا له رأسه؛ وهال أحدنا منظر الدم وظن أن الرجل لا محالة هالك، فأغمى عليه، وسقط على الأرض كما تسقط الخشبة، أنشقوه شيئاً في زجاجة أنعشه ورد إليه روحه.
ولا أحتاج أن أقول شيئاً في وصف الموكب الذي يخرجون به ويطوفون بالشوارع وهم يدقون صدورهم العارية أو يضربونها بالسلاسل أو يخبطون وجوههم أو عواتقهم ببطون السيوف، فإن ذلك كله معروف مألوف، وإن كان قد انقطع، والأكثر من الناس قد رآه في زمانه، ولكني أقول إني بعد بضعة أيام من شهود هذه «الزفة» وقعت على مقال في مجلة إنجليزية لكاتب إنجليزي أو ألماني — لا أذكر، فإن العهد بها بعيد، وقد فقدتها على الرغم من حرصي عليها وتحفظي بها — وفي هذا المقال يذهب الكاتب — والأرجح أنه ألماني — إلى أن الحسين بن علي رضي الله عنهما، تعمد أن يضحي بنفسه؛ وأذكر أنه قال إن الحسين لم يكن أبله، فقد حاول أمراً عرف مبلغ استحالته، ومع ذلك أصر على الزحف وليس معه إلا النساء والأطفال وحفنة صغيرة من الرجال، مضى بهم وبنفسه معهم إلى بوار محقق.
وقد دارت في نفسي هذه المقالة، فذهبت بها إلى صديقنا الفارسي، فقد كان عالماً واسع الاطلاع، غزير المعرفة وترجمتها له، وسألته عن رأيه فيها، فلم يتردد في الموافقة عليها، وقد فكرت بعد ذلك في أمر الحسين وفي مغامرته العجيبة، فلم يزدني ذلك إلا اقتناعاً برأي هذا المستشرق الألماني، وبغير ذلك لا أدري كيف يستطيع المرء أن يفسر إقدامه على طلب الخلافة وسعيه لانتزاعها من بني أمية، فقد عرض نفسه على كثير من القبائل فما وجد منها إلا إعراضاً وانصرافاً، أو على الأقل فتوراً شديداً عن نصرته، من حقه أن يثبط، وليس من شأنه أن يشجع؛ ولم يكن حوله من الرجال من يطمع أن يديل بهم من بني أمية، وحمل معه النساء حتى لكن أكثر من الرجال، ولم تصده عن السير خيبة مساعيه عند القبائل، ووضوح خذلانها له؛ والتقى برجال بني أمية فعرضوا عليه ما لم يحلم بالفوز به بمجهوده، فأباه وأصر على المغامرة، فوقعت الواقعة، وكانت هذه المجزرة الخالدة التي لا يزال أثرها باقياً إلى اليوم.
ولم يكن الحسين مجنوناً، ولا طياشاً، ولا عرف عنه ما يحمل على سوء الظن بعقله ونظره، فكيف هم بأمر كان من استحالته على يقين جازم؟؟ وهبه كان مخدوعاً في أول الأمر فقد رأى من الإعراض عنه والخذلان له، والزهد في الانتفاض على بني أمية، والخوف من بطشهم وانتقامهم، ما يدفع إلى اليأس ويغري بالقعود؛ ولا يمكن أن يقال إنه كان يرجو فلاحاً فما كان معه في زحفه إلا النساء وإلا عشرات لا تغني، ولا يعقل أن تصبر على قتال دولة ذات بأس وصولة، وما رأى أحداً استجاب لدعوته، أو أبدى استعداداً للحاق به حتى يقال إنه كان ينتظر نجدة ومدداً، وهؤلاء النسوة من آل بيته لم أصر على حملهن معه وزحفه بهن؟ وقد كان خليقاً بعد أن رأى كيف خذلته القبائل أن يشفق عليهن ويردهن ليقيهن أن يصرن إلى ما هو صائر إليه لا محالة. ألا يعذر من يذهب إلى أن استصحابه لهن إلى المذبحة، إنما هو مقصوداً به أن يحف المصرع الذي مضى إليه عامداً بكل عوامل الاستفزاز وعناصر الإيلام المثير؟؟
لقد ألقى بهن معه على القتل أو الإذلال والتحقير والهوان، وهن آل بيت الرسول صاحب هذا الدين، فلولا أنه تعمد أن يضحي بهن معه ليقيم القيامة على بني أمية، لكان أيسر التفكير كافياً لحمله على إقصائهن عما سعى إليه ووطن نفسه عليه، ولكنه نظر فرأى أن استرداد الدولة من بني أمية مطلب لا سبيل إليه ولا مطمع فيه، فيئس من إمكان ذلك بالوسائل المألوفة، فقال أنسف الدولة الأموية من قواعدها، وأكون أنا اللغم الذي ينفجر تحتها، فيزلزلها ويدك بنيانها، ويطير أنقاضها، ويجعل عاليها سافلها؛ ولابد لذلك من أن تكون التضحية تامة.
وعلى أبشع صورة من الصور، وأرغم بني أمية على أن يقتلوني أقبح القتل، وأن يمثلوا وينكلوا بي وبأهلى أشنع التمثيل والتنكيل، فيستفظع المسلمون منهم ذلك — على قرب العهد بالرسول — وتضطرم نفوسهم بالموجدة والنقمة عليهم، وينقلب العالم الإسلامي بركاناً يظل يفور ويغلي في جوفه الحقد والبغض، ثم ينفجر فلا يبقي ولا يزر؛ وإني لميت ميت، طال الأجل أم قصر، ولخير من أن أموت حتف أنفي، أن أجعل ميتتي تكلف بني أمية ملكهم كله ودولتهم أجمعها؛ ولقد خرج الأمر من أيدينا وصرنا رعية لبني أمية، فإذا رضينا وقنعنا من الحياة بالطعام والشراب. وقعدنا ننتظر الأجل في أوانه، ثبتت الدولة ورسخت قواعدها وإني لأعلم أنه ليس لي حول ولا قوة، ولكن في وسعي أن أملأ نفوس المسلمين قيحاً وصديداً من كره بني أمية، إذا بذلت دمي، وما دمي؟ وهو سيجمد في عروقي يوماً ما، فأولى لي أن يخضب الأرض فلا تلبث أن تنقلب جحيماً عليهم؛ وما خير أن اكون سبط الرسول إذا أنا لم أرج الدنيا بذلك؟ وإن الأمر لراجع إلينا لا محالة إذا أنا جعلت من نفسي ومن أهلي ضحايا لبني أمية، ويجب أن يكون قتلنا استشهاداً مروعاً لتكون الدية هذه الدولة كلها.
لهذا أصر على المغامرة، وهو على يقين من نهايتها، وأعرض عن ذكر العواقب التي كان يعرفها معرفتها، ولم يكترث بخذلان من دعاهم إلى نصرته، بل اغتبط بذلك، وحمل أهل بيته ليحيق بهن كل مكروه من الأذى والهوان، وليكون ما يصيبهن أبلغ في إشعار العرب هول الفجيعة، وأبى أن يجعل أذنه إلى الذين أشفقوا عليه أو سعوا عنده ليترضوه ويحملوه على العدول، أو وعدوه ما شاء غير الخلافة، ولم يكن يخفى عليه انه يعاند ويكابر ويتحدى الأقدار، ولكنه كان يدرك أن هول المصرع الذي يسير إليه مصمماً عليه سيطوي كل ذكر لما عداه، فلا يبقى إلا أن بني أمية قتلوا سبط الرسول وآله، ومثلوا بهم أقبح التمثيل.
وكان يعرف أن بني أمية لابد أن يعدلوا عن محاسنته إلى المخاشنة لشدة ما يرون من عناده وصلابته، إذ كان لا يسعهم أن يتركوه يحرض الناس على الخروج عليهم، بلا كابح، وقد عرضوا عليه كل ما دون الخلافة فازدراه، فلم يبق مفر من رده بالقوة، كما شاء هو، وكان هو يعول في سياسته هذه على إحراجهم وإكراههم على البطش به، ويتعمد على ما تدفعهم إليه لجاجته في استفزازه لهم، فتطيش حلومهم، فتكون الطامة عليهم بعد أن تدور الدائرة عليه.
وقد جرى كل شيء على ما قدر ورسم، وحدث ما كان ينشد، فأسرف الأمويون في القتل والتمثيل والتنكيل، كما كان يتوقع، وصدقت فراسته القوية في رجال الدولة على عهده، ولم يخب له ظن أو رأي فيهم فريعت الدنيا، وهالها الأمر على ما كان قدر، وصارت كل قطرة من دمه، وحرف من اسمه، وهاتف من ذكراه، لغماً في أساس الدولة الأموية.
وقد ذهبت الدولة الأموية في سبيل من غبر، وجاءت بعدها دول أخرى لحقت بها.
مضى أربع وخمسون وثلاثمائة وألف سنة، ولا تزال لذكرى مصرع الحسين هزتها الأولى في كثير من البلاد الإسلامية، ومأتمه يقام كل عام في كربلاء كأنما هو لم يقتل إلا الساعة، ويموت الشيعي في بغداد أو سواها فيحمل منها إلى النجف ليدفن هناك.
وأحب آل البيت إلى النفوس وأعزهم عليها هو الحسين، ولا تزال العيون تغرورق بالدمع، والقلوب تخفق، والصدور تعلو وتهبط لحكاية هذا المصرع فمن كان يصدق أن الحسين فعلها عن طيش أو سوء تقدير، أو تورط فإني لا أصدق إلا أنه أقدم عليها متعمداً لها.
ولو أن ميتاً استطاع أن يضحك ساخراً لضحك الحسين ورأسه بين أيدي قتلته البلهاء.
ولست أعرف ميتة أخرى أبلغ أثراً في حياة الناس، ومستقبل الدول والأمم، ولا أطول منها — مع عمق الأثر — عمر ذكرى.

الفصل السابع
الجزيرة والتاريخ الإسلامي


منذ بضع سنوات — ست أو سبع — زرت الحجاز وقضيت فيه أياماً أنظر وأسمع وأفكر. فرأيت أني أصبحت أحسن فهماً للتاريخ الإسلامي والأدب العربي وأقدر على تمثيل الصور والحقائق فيهما وإدراكها على نحو لم يكن يتيسر لي من قبل ذلك ولهذا اقترحت على صديقي الأستاذ الدكتور هيكل بك — لما شرع يكتب «حياة محمد» وينشرها فصولاً في «السياسة الأسبوعية» أن يزور الحجاز فليس أعون على كتابة التاريخ الإسلامي من ذلك.
والحجاز بلاد متحضرة ولكني مع ذلك اهتديت إلى كثير.. وسأحاول أن أتخير طائفة من الأمثلة تجلو ما أعني وتبين ما أقصد إليه. فمن ذلك أني دعيت في جملة من دعوا إلى الغداء في «وادي فاطمة» وهو واحة جميلة في صحراء جرداء وهناك نصبت لنا الخيام وصفت الموائد وقد وصفت ذلك كله في «رحلة الحجاز» فلا أعيده هنا. ولكنه اتفق أني ذهبت أتمشى بعد الأكل مع بعض الإخوان فلقينا جماعة من البدو فقال لهم أحدنا أن في السرادق آكالاً طيبة كثيرة ودعاهم إلى الذهاب فذهب أكثرهم وبقي واحداً تخلف معنا معتذراً بأنه «أكل البارحة» فاستغربت قوله هذا ولكني كنت مثقل الرأس من كثرة ما أكلت فلم أستطع أن أجعل بالي إلى كلامه أو أن أعيره التفاتاً.
ومضت السنون وجاء إلى مصر صديق من أبناء سورية جاب بلاد العرب وطوف فيها كثيراً ولا يزال يؤثر المقام في الجزيرة فهو أكثر الوقت مع الملك العظيم ابن السعود. فجلسنا إليه نستمع إلى حديثه الممتع ووصفه البارع لتجاربه ومشاهداته العديدة الدقيقة. وأعني به «خالد بك الحكيم» فتذكرت قول ذلك البدوي في وادي فاطمة «أكلت البارحة» وقلت لنفسي أني قد وقعت على الخبير لأسأله فلن أجد أدرى منه وأعرف فقال لي أن هذا معقول ولو أن البدوي قال «أكلت أول من أمس فأنا لا أستطيع أن آكل اليوم» لما كان ذلك إلا طبيعياً. وذكر لي أن البدوي يذهب في الصحراء ماشياً على قدميه أو راكباً ناقته وعلى رأسه العقال وتحتها اللفافة — ويسمون العقال عقالاً لأنه في الحقيقة حبل يعقل به البعير — ويلتف بالعباءة ويتلثم ولا يكاد ينبس بحرف فأما السكون وقلة الكلام فليدخر كل ذرة من قوته للجهد الذي تتطلبه الصحراء — والكلام جهد فهو إنفاق — وأما التلفف فيحتفظ برطوبة جسمه فيكون أقدر على احتمال الحر والصبر عليه. ويظل ماضياً حتى يبلغ مضارب عشيرة أو قبيلة فيسقى ما يشاء من اللبن ويمضي عنها إلى سواها وكلما نزل على قوم بروه وسروه وسقوه اللبن لأن مثله ليس ممن ينحر لهم القوم، ثم يتفق أن يأتي قوماً نحروا لضيف كريم فإذا قام الضيف وإخوانه عن الطعام أقبل على اللحم والأرز من هم دونهم مقاماً فيقعد الرجل ويهبر من اللحم ما شاء ومن الأرز ما أحب. قال صديقي «وصدقني حين أقول لك أن هذا البدوي يأكل بضع أقات من اللحم وملء كيلة من الأرز. وهو يأكل كل هذا بعد أن لبث أياماً — عشراً أو عشرين أو أكثر أو أقل — لا يجد من الطعام إلا اللبن وقليلاً من التمر أحياناً. فإذا أكل هذا اللحم والأرز وأثقل به معدته بعد ما يشبه الصيام أو فطام النفس كظها واحتاج إلى يوم كامل أو أيام للهضم».
فلم يسعني إلا أن أفكر في أمر هذا البدوي الذي يصبر على الصحراء وحياتها المرهقة ومطالبها المجهدة وعنائها الشديد ولا طعام له سوى اللبن والتمر أحياناً. إن هذا جلد لا أكاد أعرف له مثيلاً ومن كان يحتمل هذه الخصاصة ولا يعجز مع ذلك عن مطالب الحياة التي لا رفق فيها من حرب وسعي وأسفار في الفيافي المهلكة فإن مثله يعدل ولا شك ألف جندي من جنود الدولة الرومانية المتخنثة.
ولا عجب إذن إذا كان بضعة آلاف من هؤلاء البدو الأشداء الخشنين المعروقين قد عصفوا بمئات من الآلاف من جنود الدولة الرومانية التي كان تقيد جنودها وتصفدهم لتمنعهم أن يهربوا ويفروا.
وأحببت أن أعرف قيمة الحياة فيما يحس العربي — أعني البدوي — فلم أجد لها قيمة. وما عسى أن تكون قيمتها عندما لا يكاد يجد طعاماً أو ماء. ومن لا يكاد يأمن غدر الصحراء وعصف رياحها. أو لم نقرأ عن واقعة الخندق أن الرياح عصفت بجيش المشركين وقلبت قدورهم وهدمت خيامهم حتى يئس أبو سفيان ودعا قومه إلى الانكفاء إلى مكة. وحدثني غير واحد ممن لقيت في الحجاز أن المرء — بعد المعركة — يجيء إلى الواحد من هؤلاء البدو فيسأله عن صاحب له أو قريب أو ابن ماذا فعل الله به ويتفق أن يكون قد قتل في المعركة فلا يزيد على أن يقول لك «بح» يعني «ذبح» ولكنه يأكل الذال في النطق فلا تسمح منه إلا (بح) ثم لا دمع ولا أسف ولا حسرة ولا لهفة ولا جزع ولا غير ذلك مما ألفنا أن نقرن به الموت. فكأن حياة البدوي الشاقة تفقدها قيمتها وتسلب الموت لذعه وتفتر وقعه وما قيمة القتل في حرب أو نحوها والحياة معرضة للبوار والتلف فى كل ساعة.
وتصور كيف يكون إقبال مثل هؤلاء البدو على الحرب وقس إليه ما عسى أن يكون من إقبال غيرهم من أبناء المدنية والترف والبذخ على القتال.. إن الذي يقبل عليه البدوي ليس خيراً فيما تحس نفسه من الحياة التي كان يحياها.
وإذا أضفت إلى هذا فعل العقيدة والإيمان الراسخ بحياة أخرى أطيب وأعز وأكرم فهل يستغرب أحد أن هؤلاء البدو العراة الحفاة الذي لا يملكون إلا السيف والرمح والإيمان المستغرق اكتسحوا دولاً كبيرة وممالك عظيمة وهدموا بناء كان يبدوا شامخاً.
ولست ترى في الصحراء قبراً أو صوى منصوبة تدل على أن فلاناً أو علاناً دفن هنا. والناس يعيشون في هذه الصحراء ويموتون فيها ويفنون تحت رمالها ثم لا شيء بعد ذلك. لأنهم لا يعرفون المغالاة بقيمة الحياة إذ كانت لا قيمة لهم عندها ولو أنهم اتخذوا المقابر وأعلوها ورفعوا وعنوا بها وكانت عندهم مقبرة مثل مقبرة «جنوي» التي يزورها الناس ليعجبوا ببراعة الفن فيها لما أمكن أن تخرج من جزيرة العرب تلك الأمة التي انحدرت على العالم المتحضر في زمانها كما ينحدر السيل الجارف فأغرقته ولم تغرقه فقط ولم تفتح البلدان أو تحكمها فحسب بل قلبتها عربية صرفاً.
وقد استطاع الفرس أن يحتفظوا ببعض صفاتهم وخصائصهم وبروحهم القومية — كما لم يستطع البيزنطيون أن يفعلوا فيما استولى العرب عليه من بلادهم — لأن الفرس كانوا أقل تخنثاً من البيزنطيين.
ولست مؤرخاً ولكني أظن أن هذا هو السبب يضاف إليه أن البلاد التي فتحها العرب من دولة الأكاسرة كانت فارسية وأهلها من الفرس على خلاف ما فتح العرب من بلاد الدولة الرومانية فإنها كانت أجنبية لا رومانية ولا بيزنطية فبقاء الشعور القومي في بلاد فارس طبيعي ومعقول والفتح لا يمكن أن يقتله وانعدام مثل هذا الشعور فيما فتحه العرب من أملاك الدولة الرومانية معقول أيضاً لأنه لم يكن هناك في الأصل. ولهذا بقيت فارس شوكة في جنب الدولة العربية.
وقد زرت العراق وسورية — كما زرت الحجاز فلم أستغرب أن ينتقل مركز الثقل في الدولة العربية من الحجاز إلى غيرها. فإن طبيعة الأراضي الحجازية تجعل من المستحيل عليها أن تكون مقر دولة مترامية الأطراف عظيمة الرقعة نعم تستطيع بسهولة أن تحتفظ باستقلالها وعزتها ولكنها لا تقوى على حكم أقطار أخرى بعيدة.
وقد بقى الحجاز مقر الدولة العربية في صدر الإسلام وعلى عهد الخلفاء الراشدين.
ولكن هذا كان زمن التوسع والامتداد لا زمن الاستقرار والنظام الدائم فلما انتهت الفتوحات أو معظمها وأهمها وصارت الفتوح بعد ذلك عبارة عن توسع طبيعي لدولة مستقرة تغريها ما أنست من نفسها من القوة والبأس والشوكة بالتوسع والزحف وتدفعها مقتضيات المحافظة على ما في اليد إلى هذا الزحف صارت جزيرة العرب لا تصلح أن تكون هي مركز الدولة.
أما في زمن أبي بكر فقد كانت الحاجة تدعو إلى توطيد الأمر في قلب الجزيرة أولاً قبل إمكان التفكير في غيرها.
وأما في زمن عمر فقد كانت الجيوش تزحف فلا يعقل أن تنقل العاصمة قبل أن يستتب الأمر. نعم فتحت البلاد في عهده ولكن الفتح يستدعي التمكين والتوطيد أولاً. ثم إن عمر كان يشق عليه أن يخرج من الجزيرة وكانت صلته بالنبي ? أوثق من أن تسمح له بترك الجزيرة حتى لو كان كل شيء قد استقر وانتظم. ولم يكن قد عاش في الشام أو مصر أو العراق حتى تبدو له مزية التحول بقاعدة الدولة إلى جهة أخرى.
وأما زمن علي وعثمان فقد كان زمن اضطراب ونزاع وانقسام وكان هذا حسبهما شاغلاً عن إقامة مركز الدولة إقامة ثابتة نهائية في مكان آخر غير الحجاز.
ولما انتهى النزاع بفوز معاوية كان قد أدرك مزية البلاد وعرف فضلها كمركز للملك ومقر للدولة التي شادها بفضل ما تولى منها في الفترة السابقة.
وبلاء جزيرة العرب أنها مجدبة قاحلة فإذا امتدت لها رقعة الملك أسرع أهلها إلى التحول عنها إلى غيرها لأن الحياة في غيرها تكون أرغد والعيش أطيب. والمرء يحن إلى الراحة والدعة مهما بلغ من اعتياده الخشونة والمشقة والشظف.
وفرق بين هجرة تدعو إليها كثرة السكان وهجرة تدعو إليها الفاقة والمحل. ولابد لبلاد تريد أن تكون مقر دولة كبيرة أن تكون هي ذات موارد كافية إلى حد ما.
ولهذا لم يكد العرب يفتحون الأمصار المجاورة حتى كثرت هجرتهم إليها طلباً لرغد العيش والراحة ومن ألف التنقل وكثرة الرحيل من ناحية إلى أخرى انتجاعاً للرزق لم تشق عليه الهجرة إلى بلاد بعيدة لأنه لا يزال أبداً مهاجراً في قلب بلاده.
وما دامت الدولة واحدة في الحجاز ومصر والشام والعراق فأخلق بهذا أن يكون مشجعاً على الهجرة ومستحثاً على النزوح. وبذلك صارت الجزيرة أخلى من الناس وأقل صلاحاً لأن تكون مركز الدائرة ومقر الدولة. وقد تغير حال الجزيرة في المستقبل وقد ظهر فيها موارد طبيعية تغنيها ولكنها محل أرضها عقبة في سبيل الحياة ومهما يبلغ من غناها في المستقبل فإنها ستظل أحوج إلى غيرها من غيرها إليها — إلى حد بعيد — على أن كلامنا على الماضي الذي لم يكن يعرف البترول والمعادن وما إلى ذلك مما جد في الدنيا لا على المستقبل الذي هو غيب.

الفصل الثامن
الرأي العام المصري


أرجو أن تأذنوا لي قبل الدخول في الموضوع. في كلمة شكر وجيزة أتوجه بها إلى قسم الخدمة العامة بالجامعة الأمريكية على اختياري لهذا البحث. فإنه مظهر ثقة. ولأنا أولى في الحقيقة بلوم قسم الخدمة والعتب عليه لزجه بي في هذا المأزق الذي لا يعلم إلا الله كيف أخرج منه ولكن عادة هذا الورى جرت بتبادل الشكر لا اللوم على الملأ. وإن كانت النفوس محرجة.
وشكري بعد ذلك لحضراتكم على ما تجشمتم من عناء الحضور. وما تتجشمون من عناء الإصغاء إلى كلام قد لا يكون وراءه محصور. ولعل غير ذلك كان أجدى عليكم وأعود بالفائدة. أو على الأقل بالمتعة.
ولا مندوحة لي عن شكر محطة الإذاعة على ما أبدت من رغبة في إذاعة هذا البحث. وما أعرف لرغبتها هذه من داع. ولست بمغتبط لذلك. فإن إذاعة الحديث معناه زيادة الحرج الذي أنا فيه. وقد كان حسبي حضراتكم تسمعون. وتغضون وتتجاوزون فيما أرجو عن التقصير أو الإخفاق فالآن ماذا يبلغ من أملي في تسامح السامعين في الشرق والغرب والشمال والجنوب؟ على أني غير قانط من رحمة الله. فإن المألوف والمعهود أن ينصرف الناس أو معظمهم عن الراديو إذا كان ما يذيعه حديثاً. والله المسئول أن يلهم الناس ذلك في ليلتنا هذه.
•••

ولابد من تنبيه استهل به الكلام: هو أني أهملت الجانب السياسي في بحثي هذا. وأنا أول من يعترف أن هذا نقص. وأنه يضيق مجال الكلام. ويأخذ على الباحث متوجهاً رحيباً كان يستطيع أن يركض فيه ركضاً طويلاً. ولكنا في زمن الحرب. وللحرب مقتضياتها التي لا مفر منها، ولا حيلة فيها ولا فائدة من محاولة تجاهلها. والحرب عرض أو مرض إذا شئتم. يعتري الأمم ويقلب الأوضاع فيها. ويعكس الآيات كلها. فهي حالة لا يقاس عليها لأنها الشذوذ والاستثناء وفترات تمر. وتترك أثرها ولا شك. ولكن المعول على حياة الأمم في أزمنة السلام وحياة الأفراد في أوقات الصحة. وإن كان الحرب. أو العلة قد أورثتها ما لا يخفى ولا يتعذر رده إلى أسبابه. في الأغلب والعم. من الآراء والاتجاهات وغير ذلك.
والذي فهمته من العنوان الذي اختاره قسم الخدمة العامة بالجامعة الأمريكية. وهو «الرأي العام المصري» هو أن المراد بيان خصائص هذا الرأي العام. وما يتميز به.
وليس الجانب السياسي إلا مظهراً يتخذه الرأي العام. في حالات وأوقات معينة. والمظهر شيء والخصائص شيء آخر. والعبرة بالخصائص التي تجعل هذه المظاهر ممكنة. كالثمرة تخرجها الشجرة وتطرحها. ولا سبيل إلى ثمرة بغير شجرة. وقد تطيب الثمرة أو لا تطيب. والمرجع في ذلك إلى الشجرة. وإذا أردت أن تجعل الثمرة أطيب وأنضج وأحلى. فإن عليك أن تعالج الشجرة. لا الثمرة.
من أجل هذا لا أرى أن إهمالنا الجانب السياسي للرأي العام في مصر. وفي زمن الحرب. يضير البحث. وإن كان لا ريب في أنه يترك الحلبة أقل سعة.
•••

وقد سبقني إلى الكلام عن الرأي العام وبيان حقيقته والعناصر التي يتكون منها أستاذان جليلان هما الدكتور إبراهيم بيومي مدكور. والدكتور محمد مظهر سعيد. ولكنه فاتني لسوء حظي أن أسمع محاضرتيهما لعوائق لم تكن لي في تخطيها أو تذليلها حيلة. وكان بحثهما خليقاً أن يكون عوناً كبيراً لي. ولكني حرمته فلم يبق لي إلا أن أتوكل على الله وأسأله أن يستر ضعفي وقصوري.
سئل بعضهم عن الرأي العام وما هو؟ فكان الجواب أنه الناس جميعاً ما عدانا نحن — أي المتكلم والمخاطب.
وهذا الجواب يشي بالرغبة في التظاهر بالاستخفاف بما يسمى الرأي العام. وقد قلت «التظاهر بالاستخفاف» لأن الحقيقة — على قدر ما أعلم — هي أنه ما من أحد في أطواء ضميره يستخف أو يرى من حقه أن يستخف بقوة الرأي العام وإن تظاهر بخلاف ذلك. ولعل أصح التعبيرين أن نقول إن جواب صاحبنا مظهر للرغبة الطبيعية في التميز. أي الخروج من العموم. والدخول في الخصوص. فإن كل إنسان يشتهي أن يعد منفرداً بمزية تبوئه مرتبة خاصة، وتسلكه مع القليلين المتفوقين وترفعه عن طبقة الأكثرين العاديين أي الأوساط.
ولجواب صاحبنا على الرغم مما انطوى عليه. وجه صحيح. هو أن الرأي العام هو رأي الكثرة من الناس. أو الجمهور. أو الجماعة الكبيرة ولكنه ليس رأي الفرد الذي ينتهي إليه فيما بينه وبين نفسه. أو الذي يقتنع به ويذهب إليه بعد البحث مع واحد أو اثنين أو عدد قليل محدود من الناس.
وعسى أن يسأل سائل: هل معنى هذا أن رأي الفرد وهو وحده فى أمر ما. يخالف رأيه حين يكون في جماعة كبيرة؟ وهل وجوده في جماعة كبيرة يدفعه إلى غير ما كان خليقاً أن يذهب إليه وهو خال بنفسه؟
وجوابي أن أسوق عبارة للباحث المشهور ماكس نورداو. بمعناها لا بلفظها. وهي من فصل له في كتابه «الأكاذيب المقررة في المدينة الحاضرة» وفي هذا الفصل يتكلم عن المجالس النيابية وجدواها — وقد فرض أن مجلساً نيابياً كل أعضائه من طبقة العظماء والعباقرة في كل باب. مثل شكسبير. وبيكون. وجوتيه. وكانت. وداروين. وبيتهوفن. ونابليون. والإسكندر الأكبر. وهرمر. وسقراط. وأفلاطون. وأرسطو. وأضراب هؤلاء من جميع الأمم والعصور.
وقال لنفرض أن خمسمائة من هذه الطبقة التي لم تنجب الإنسانية أرفع منها. اجتمعوا في صعيد واحد. فماذا تكون النتيجة؟ وقال في جواب ذلك أن كل واحد من هؤلاء العظماء الذي يعي الزمان مكان أندادهم. ينفرد بمزية. ويشبه الآخرين فيما عدا ذلك. مما يعد صفات أو طباعاً إنسانية عامة مشتركة. فلشكسبير شاعريته. ولكانت فلسفته. لبيتهوفن نبوغه في الموسيقى. وللإسكندر عبقريته الحربية. وكل واحد من هذه المزايا أو المواهب قائمة بنفسها مستقلة عما عداها. لا تشبه الأخريات لا تماثلها أو تقاربها أو تأتلف معها. ولكن هؤلاء جميعاً على تفاوت مواهبهم. خلق واحد فطرته واحدة. فإذا رمزنا إلى العنصر الإنساني المشترك بحرف «ع» وإلى كل موهبة ينفرد بها واحد منهم ويتميز بحرف خاص مستقل. اجتمع عندنا خمسمائة «ع» وألف واحدة وباء واحدة وجيم واحدة وهكذا. القاعدة الحسابية التي تعلمناها في المدارس هي أن المختلفات لا تجمع لأنها لا تأتلف. وإنما يجمع ما هو من نوع واحد. وكما أنك لا تستطيع أن تقول عندي خمس برتقالات. إذا كان عندك برتقالة واحدة وتفاحة واحدة إلى آخره. كذلك لا تستطيع أن تجمع هذه المواهب المتفاوتة. فالنتيجة إذن هي أن خمسمائة عين مجتمعة. مؤتلفة. تتكون منه كتلة أو قوة تقابل وتواجه وتقاوم مواهب متنافرة لا تتساير. ولا تتعاون. ولا تتجمع. ولا تتآلف منها قوة واحدة متآزرة. ومؤدى هذا أن العنصر الإنساني المشترك بين هؤلاء العظماء المحشودين يتغلب بقدرته على الائتلاف على المواهب المتفرقة المختلفة التي يتميز بها كل منهم. فلا يبقى لهذه المواهب فعل أو تأثير فيما يسفر عنه اجتماعهم من رأي. وإنما يكون الفعل والأثر والعامل الإنساني المشترك ولا داعي إلى مسايرة ماكس نورداو إلى غايته وهى أنه لا فرق بين مجلس نيابى من الأوساط العاديين ومجلس آخر من العظماء إذا اعتبرنا النتيجة وهذا بحث آخر لا يعنينا هنا فلا نستطرد معه إليه. وحسبا الحقيقة الثابتة وهي أن الجماعة تتأثر بقوة العوامل الإنسانية المشتركة لا بالمزايا والمواهب الفردية. لأن هذه لكونها مفردة لا تستطيع أن تقاوم ما اجتمع من تلك. ومن هنا ما يسمونه روح الجماعة وقد لا يرضى الفرد عنها وهو بمعزل. ولكنه وهو في الجماعة ينساق معها عن رضى واختيار أو بقوة اندفاع التيار الذي لا يملك وحده صده.
ويجوز لنا الآن أن نقول أن الرأي العام هو مظهر روح الجماعة لا روح أفرادها كل على حدة. أو هو التيار الذي تحدثه الخصائص المشتركة بين الشعب. وقد لا يكون هذا تعريفاً علمياً مضبوط الحدود. وما أظن أن في الوسع تعريف الرأي العام على وجه الدقة. ولكني أظن أن ما وصفته به، وإن خلا من الدقة والإحكام، كاف في التعريف به وبيان المقصود منه.
وأعود إلى جواب من سئل عن الرأي العام فقال أنه الناس جميعاً ما عدانا. فأقول إنه لا سبيل إلى إسقاط هذا الرأي العام من الحساب لأنه يسيرنا برغمنا ما دمنا مخلوقات اجتماعية بالطبع. وليس في وسع أحد أن يحيا في عزلة تامة. ومهما بلغ من استقلال الفرد فإنه مضطر أن يحسب لهذا الرأي العام حسابه. في كل ما يصدر عنه من قول أو عمل. وليكن المرء منا أديباً أو سياسياً. أو محامياً. أو طبيباً. أو معلماً. أو عالماً. فإن للرأي العام حسابه عنده. سواء اعترف بذلك أم أنكره وكابر فيه.
وليس من الضروري أن يكون الرأي العام مخطئاً في كل حال. أو مصيباً في كل حال. فإنه يخطئ ويصيب. ويضل ويهتدي. ولا ضابط لهذا ولا قاعدة. ولكنه، أخطأ أم أصاب، يفرض علينا اتجاهات عامة يتعذر التعرج عنها. ولا معدى لنا عن مراعاتها إلى حد ما إذا أردنا أن تكون حياتنا محتملة. ودع عنك النجاح فإن رضى الرأي العام شرط له ولا سبيل إليه بغيره.
والآن نستطيع أن نقول كلمة في رأينا العام المصري. فكيف هو. وما هي خصائصه؟
وأبدأ فأقول أن خصائص الشعوب معظمها موروث. وليس في وسع شعب أن يتخلص من أثر التاريخ والعقائد والتقاليد التي يتلقاها جيل عن جيل وما خلفته في نفسه أطوار الحكم المختلفة التي تعاقبت عليه ولا شك أن للتعليم والتربية أثرهما في التهذيب والصقل. ولكن الصقل لا يغير الأصل ولا يعدل بالطباع عن متوجهها.
والذي يعرف المصريين معرفتهم يستطيع أن يفطن إلى اتجاه الرأي العام في كل حال فلا تخطئ فراسته. وهذا كلام يصدق على كل أمة في الحقيقة. ومن أجل هذا نرى كثيرين يستطيعون أن يعرفوا سلفاً هل يقبل الرأي العام هذا الأمر أو لا يقبله. وماذا عسى أن يكون مبلغ رضاه عنه أو تسامحه فيه.
والمصري بطبيعته لين العريكة. شديد التسامح. طويل الأناة عظيم الصبر. ولكن فيه عناداً شديداً. ولجاجة قوية فيما يأخذ فيه. وله قدرة عجيبة الاحتمال. وفيه فكاهة يركب بها كل شيء وروح فتية وإيمان عميق. وسوء ظن تركته في نفسه وكادت تطبعه عليه. حقب طويلة من الحكم الظالم المتعسف.
وليس في الوسع بطبيعة الحال أن يرتب الإنسان الخصائص القوية على نحو ما ترتب الكتب على رفوفها. فإنها تتزاوج وتتفاعل ويتسرب بعضها في بعض كما تتسرب الموجة في الموجة. ويكون أثر بعضها أوضح وأبز في حالات منه في حالات أخرى. ولن أعتقد أن ما ذكرته من الخصائص الكبرى هو أبز ما يتميز به المصريون ويختلفون به عن غيرهم من الشعوب ولست تعدم هذه الصفات في أمم أخرى ولكنها في المصريين معرقة في القدم.
وعناد المصريين وقدرتهم على الاحتمال إلى حد حمل البعض على وصفهم بالبلادة. وعادتهم في تهوين الأمور بالفكاهة. وركوب ما يكرهون بها — هذا فيما أعتقد هو الذي حماهم أن يندمجوا في الأمم الأخرى التي فتحت بلادهم وحكمتهم أزمنة مديدة. وصان عليهم شخصيتهم. بل أفنى فيهم الأمم الفاتحة. وذلك على الرغم من عظم تسامحه وفرط اللين في عريكته.
ونستطيع أن نقول أنه لا تناقض هنا. فإن شدة تسامحه مرجعها إلى شعوره الباطن بقوته الكامنة وقدرته على المقاومة إلى ما شاء الله بغير عناء. ولين عريكته راجع إلى الذكاء الفطري الذي يحول دون المغالاة بشيء. ويعين على أخذ الأمور مأخذاً سهلاً وركوب الحياة بالفكاهة يوسع الصدر ويهون الأمور وييسر الاحتمال. ومتى أطلقت على عدوك نكتة تجعله موضع استهزاء ومضغة في الأفواه فإنك تشعر له باستخفاف ولا تشعر بغضب يحتدم ويدفعك إلى النزق والعمل الأخرق.
ومن هنا نرى الرأي العام المصري يظهر بعاطفته — أي بالإعجاب أو الحب. أو المقت والنفور. أو الاحترام أو الاحتقار — وبحكمه على الأمور ورأيه فيها أكثر مما يظهر بعمله. أي أن الرأي العام المصري يجترئ في الأغلب والأعم بالعاطفة يظهرها. والرأي يبديه. والحكم يتجلى من موقفه ويندر جداً أن يجاوز ذلك إلى فعل يفعله.
وقلما تتغير عاطفته. لأنه يألفها ويحبها. ولأنه ينفر من التحول عما اعتاد كما يدل على ذلك تاريخه الطويل الحافل. ويصعب أني يغير رأيه لهذا. لأن فيه كما أسلفت عناداً ولجاجة. ثم لأنه سيء الظن يتلقى كل جديد أو طارئ بنظرة المستريب غير المطمئن.
وقد قيل فيه أنه سريع النسيان. وقد يكون هذا من التسامح. أو لعله من الإهمال أو الجهل. أو لأنه يشغل بالحاضر عن الماضي. على أني أشك في نسيانه وأرد ما يبدو من ذلك إلى الكسل العقلي. وعسى أن تكون التربية القويمة كافية في علاج ذلك.
وتمتاز سيرة المصري بعمق إيمانه بالقضاء والقدر. وقد طوفت في بلاد كثيرة. وخالطت أقواماً كثيرين من غير المصريين فلم أر مثل إيمان المصري بالقضاء والقدر. وأحسب أن هذا هو الذي يكسبه هذا الجلد الذي لا نظير له. ويحمي صبره أن ينفد. ويهون عليه كل ما يعاني ويعينه أيضاً على التغلب على ما يكره.
وفكاهته مضرب المثل في البراعة وإصابة المحز وفي سرعة الخاطر بها. ولا أظن أن بي حاجة إلى كلام في هذا. وما أكثر ما محا المصريون أثر عمل. بل ضيعوا رجالاً بنكتة. والفكاهة كما تعلمون مظهر لصحة الإدراك. ودقة الفطنة. ولتعدد جوانب النفس. وكثير من فكاهة المصريين لفظي. أي أن مداره على اللعب بالألفاظ المتشابهة أو المقاربة ولكن كثيراً منها معنوي. ينفذ إلى الصميم. ومن ولع المصريين بالفكاهة أنهم اتخذوا من النكتة فناً. وكانوا يتساجلون فيها. ويتبارون وكانوا يعقدون لذلك حلقات. وأكثر ما كانت تشاهد في هذه المساجلات في الأفراح التي كانت تقام في الجيل الماضي. ولا تزال لهذا بقية في الأرياف. وقد انحط هذا الضرب من النكتة حتى صار محفوظاً لا فضل فيه للابتكار أو سرعة الخاطر وحضور الذهن. ولكن النكتة المصرية ارتقت بعد أن خرجت من هذا النطاق التقليدي. وعادت من وحي الفطرة وإلهام السجية. ومن اشتهار المصريين بالفكاهة قال فيهم قائل إنه لو كانت الحرب بالنكتة لفتح المصريون لندن.
والفكاهة المصرية مظهر لروح الفن الأصيلة العريقة في المصريين. وقد ينكر البعض أن المصريين مطبوعون على روح الفن. لقلة ما يرون من مظاهرها في عصرنا هذا. ولكنك لا تستطيع أن تنكر على مصر. روح الفن وهذه آثار أجدادهم الأقدمين مازالت قائمة. وليس من المعقول أن ينعدم روح الفن في أمة هذه براعات أسلافها الباقية على الزمن.
وتأمل طرب المصريين للغناء. وكيف يستخفه الصوت الشجي والشدو الجيد والإيقاع الحسن. بل تأمل كيف يؤثر الأصوات المرتجلة على الأصوات المصونة المعدة. ويفضل المغنى الذي يستطيع أن ينتقل من نغمة إلى نغمة على البديهة. وارتجالاً. أليس هذا من روح الفن التي طبع عليها المصريون؟ وليس معنى هذا أن غير المصريين لا يطربون. فإن هذا يكون هراء. ولكن حب المصريين للارتجال وتفضيلهم ذلك على الأصوات المحضرة التي يلتزمها المغني ويتقيد بها ولا يخرج عنها. دليل على ما أذهب إليه من انطباعهم على روح الفن.
وقد يعلل تفضيل الارتجال بأن الموسيقى مازالت عندهم فناً لم يرتق إلى مرتبة العلم المضبوط كما صارت في الغرب على قول أهل العلم بذلك وقد يكون هذا صحيحاً أو غير صحيح فما أدري. فإن مبلغ علمي بالموسيقى أن أسمع فأطرب. ولكن الذي أعلمه أن موسيقانا وإن كانت لا تزال فناً مضبوطة القواعد والأصول وليست فوضى. وإني. على جهلي. أشك في أن تستطيع الموسيقى أن تصبح علماً محكماً كالحساب والجبر أو أن تحتفظ بقيمتها الفنية ووقعها البالغ في النفس إذا خرجت من الفنون وانتظمت في سلك العلوم من أمثال الكيمياء والطبيعة وما إلى ذلك.
وقد تكون مظاهر الفن في حياة المصريين قليلة ولكن هذا من الجهل والفاقة. والعبرة على كل حال ليست بما عسى أن أقتنى في بيتي من صور وتحف وأنسق هنا وهناك من زهر وورد، وأقتني من أثاث جميل فقد يتيسر لي كل هذا إذا كنت صاحب مال. ولا يكون هذا دليلاً على إدراكي لقيمتها الفنية. والعبرة بالإدراك والشعور ونزعة النفس. وقد تكون من مظاهر ذلك ساذجة أو في نطاق ضيق. غير أن الذي عليه المعول هو وجود الإدراك وحصول الشعور. أما المظاهر فقد تكون راجعة إلى الطاقة والقدرة.
وكل هذا يبدو أثره في الرأي العام. لأن الرأي العام مرجعه إلى الخصائص القومية والمزاج الذي هو أغلب.
وقد لوحظ على رأينا العام أنه طويل اللسان. ولست أرى هذا مستغرباً أو بدعاً. فإن مثله يمكن أن يقال في كل رأي عام آخر. ولطول اللسان خير من طول اليد. على أن الأمر طبيعي لأن الجماعة أجرأ. والمعهود أن الجماعة تكون أيضاً أحط مستوى من الفرد. وفي كل أمة أفراد ممتازون بسمو الأخلاق والآداب وعلو النزعة. والأفراد هم الذين يرتقون بالجماعات. وليست الجماعات هي التي ترتقي بالأفراد.
وقد يكون هذا البحث غير ما كنتم تتوقعون. ولكن الحقيقة أن الرأي العام ليس شيئاً مادياً تستطيع أن تتناوله وترفعه قبل العيون وتديره أمامها وتعرض جوانبه عليها. وإنما هو تيارات من العواطف والآراء تصدر عن الخصائص التي فطرت عليها الأمة أو اكتسبتها على الزمن. وتؤثر بمجردها أو بما تدفع إليه من عمل. وأرجو أن لا أكون قد أخطأت خطأ كبير حين حاولت أن أرد الرأي العام المصري إلى هذه الخصائص. ولا أستطيع أن أدعي أن هذه هي كل خصائص المصريين من موروثة ومكتسبة فإن الإحاطة عسيرة والاستقصاء شاق ولكنها حسبنا كمثال يقاس عليه.
وأرجو أن لا أكون قد أمللتكم جداً. وإن كنت أخشى. وشكراً لكم على الصبر وسعة الصدر.

الفصل التاسع
مبادئ عامة في النقد


ما أظن بالقارئ إلا أنه سيستغرب أن أقول أن الأصل أن يذم الإنسان أخاه ويعيبه بما فيه من نقص لا أن يمدحه ويثني عليه، ولكن قولي هذا لا غلو فيه ولا وجه لاستغرابه لأن النقص حاصل ومسلم مفروغ منه، وكل ما تقوم عليه نظم الجماعات الإنسانية على اختلافها وتفاوتها ليس إلا وسائل لعلاج هذا النقص في الإنسان.
فالمدارس والسجون والقوانين والشرائع والعادات والتقاليد والمساجد والكنائس، إلى آخر ما هنالك غايتها العلاج وقد صدق ابن الرومي حين قال:
والناس إن فكرت من طينةيصدق في الثلب لها الثالبلولا علاج الناس أخلاقهملفاح منا الحمأ اللازب ولو اختار كلمة غير «الأخلاق» أعم منها وأشمل لكان قوله أجمع وأوعى، على أني لا أستقلها مع ذلك ولا أراها من الضيق بحيث لا تغني فإن أخلاق الناس مصدر كل ما يكون من أحوالهم وأعمالهم ففيها الكفاية ونحن نقتنع من الشعراء بما دون ذلك ونكتفي منهم باللمحات الدالة، لا لقصور خاص فيهم بل لأنهم يلزمون أنفسهم من القيود ما لا يلتزم غيرهم فليس عجباً أن يعيوا أحياناً بالتعبير وأن يجيء اللفظ أقصر من المعنى قليلاً والمعنى أكبر وأضخم من اللفظ الذي يكتسبه ويحاول أن يتبدى فيه.
وأنا أعرف هذا معرفة، فقد كنت أعالج النظم قديماً، فأطار عقلي وسود عيشي، ما كنت أعانيه من مشقة الأداء الوافي الدقيق، وما كنت أحس به من العجز عن التعبير الصحيح وما كنت أراني أقع فيه من اللغو والحشو والتزيد الفارغ ولهذا كففت وتبت إلى الله أو رشدت إذا شئت، فما تنقص الإنسان في حياته القيود العارقة حتى يضيف إليها قيود الوزن والقافية، فليعذر الناس الشعراء فإنهم بشر مساكين وليغضوا عن تقصيرهم فإنه اضطراراً، وليكبروا توفيقهم فإنه والله اقتدار.
وأهون شيء أن يبسط المرء لسانه فيما شاء بما شاء. ولكن المزية ليست في إرسال اللسان بالانتقاص والغض، فما في هذا مجهود من العقل أو النفس يتكلفه المرء وإنما المزية أن يفكر، ويتدبر ويقيس ويوازن، ويعدل، ويكبح نفسه عما يغريه به أول الخاطر، ويصدها عما يدفعها إليه الهوى.
والرجل الذي يجري مع أول الخاطر ويطيع في كل حال ما تهيب به غرائزه ونوازعه الفطرية هو رجل لا مهذب ولا مصقول ولا مثقف ولا انتفاع للدنيا به ولا خير للناس فيه.
وسبيل المدنية أو الثقافة أن تتناول الغرائز الفطرية أو النزعات الطبيعية فتدفعها في مجار تحبسها عن الانسياح، وتمنعها أن تتبدد سدى وتوجهها وجه الخير العام أي أنها تقيم الضوابط، وترفع الأحباس والسدود لينتظم التدفق على قدر ويعظم الانتفاع ويتقي شر التحدر بغير كابح، أي الفوضى. مثال ذلك أن الحب هو الذي يغري الرجل بطلب المرأة، والمرأة بطلب الرجل، والغاية منه حفظ النوع. فهو الأداة التي تحرك النفس وتثير فيها الرغبة أو الاشتهاء. فإذا لم يكن ثم نظام كابح فإن كل رجل يكون لكل امرأة، بلا حساب أو تمييز، ويكون الأمر مرجعه إلى القوة في صورة من صورها المتعددة — قوة الساعد أو قوة الحيلة وما أشبه ذلك، وهذا حال الجماعات المستوحشة أي التي لا تزال على الفطرة. ولكن الإنسان ارتقى قليلاً وارتفع عن هذه المرتبة الفطرية، فنشأ نظام الزواج والأصل فيه أنه يقوم على الحب. وأن الغرض منه هو تنظيم الجماعة. وتدبير أمر النسل لخيرها كلها.
والكبح يتطلب مجهوداً لأنه لا يتأتى بغير ذلك، إذا كان الإنسان غير مهذب بالطبع، وآية ذلك الطفل فإنه — إذا لم نتعهده بالتربية والتوجيه لا يبالي ماذا يصنع مما نعده نحن الكبار سوء أدب ولا يخطر له أن فيما يفعل أو يترك شيئاً يعاب أو لا يليق.
وأنت بتربيته تعوده شيئاً فشيئاً أن يبذل جهداً من ذات نفسه ومن عقله الذي ينمو تدريجياً، ليتأدب ويحسن سلوكه وتطيب سيرته فالأصل في الإنسان أنه على الفطرة. كالشجرة أو كالحيوان والانتفاع قليل بما هو على الفطرة، وإنما يريد النفع ويبلغ أقصاه بالتعهد والرعاية، والشجرة المهملة تهيج، ولكنها لا تؤتي كل ما يمكن أن تؤتي من ثمر إلا بالتقليم والتشذيب والتطعيم والتسميد والسقي وما إلى ذلك، ومثلها الإنسان يقل خيره وينحط إذا ترك وأهمل، ولأنه يبقى قوة طائشة والفضيلة والمزية أن تعالج هذه القوة وتنظم وتوجه ليحسن الانتفاع بها ويعظم.
فالكبح إذن مزية، وليس مجرد قيد يتململ منه الإنسان ويستثقله وأجيلوا عيونكم في الأمم تجدوا أن أرقاها وأقواها وأعظمها شأناً، أكثرها نظاماً، وأشدها حرصاً على النظام في كل شيء.
وكل نظام قيد، ولكنه قيد لازم لخير الجماعة وليس عبثاً أو تحكماً أو ظلماً.
وأعود الآن إلى موضوع النقد فأقول أن النقد مفروض فيه أن الناقد ند للمنقود وكفء له، على الأقل، فعلى الذي يهم بنقد كتاب أو غيره أن يسأل نفسه. أهو كفء لهذا؟ هل أوتي من العلم والفضل والمزية ما يؤهله لتناول الكتاب أو الناس بالنقد؟
وقد أوتي كل امرئ حظاً كافياً وافياً من الغرور وما أكثر ما يكون نصيبه منه فوق الكفاية ولولا الغرور لضاق المرء ذرعاً بالحياة ولما أطاق العيش، فهو نعمة على الإنسان ولكنها نعمة تنقلب نقمة إذا لم يكن لها كابح من العقل وصحة الإدراك.
فعلى الذي يريد النقد أن يصدق نفسه، فإن صدق النفس أولى وأحجى، لو يهون، وما أراه مع الأسف يهون، غير أنه إذا جاز أن يغالط المرء الناس، فإن من الغفلة وسوء الرأي وضلال العقل أن يغالط نفسه، ولا ينبغي أن يشعر المرء بغضاضة إذا هو صدق نفسه فإن معرفة المرء بمواطن النقص والقصور في نفسه، خليقة أن تستحث همته وتدفعه إلى تقوية الضعف، وسد النقص ومعالجة القصور، وذلك خير وأرشد من الاغترار والاستنكاف من الإقرار لنفسه بالضعف فيبقى كما هو، بل يزداد كل يوم قصوراً.
والنقد عبارة عن رفع ميزان، والميزان ذو كفتين، في واحدة يوضع الإحسان وفي الأخرى توضع الإساءة أو التقصير أو ما يجري هذا المجرى. والكفة الراجحة هي التي يكون لها الحكم فإذا شالت كفة النقص كان الرجل فاضلاً أو محسناً أو مجيداً وإذا رجحت كفة التقصير هوى صاحبها معها.
ومؤدى ذلك أن قيمة الكتاب مرجعها إلى قيمة ما فيه من الإجادة وكذلك قيم الناس. فليس من العدل أن ننظر إلى العيب أو المأخذ وحده. وأن نقول أن هذا رجل سوء أو هذا كتاب رديء. لأنه فيه كذا وكذا من العيوب فما أوتي الإنسان الكمال وقد يؤتاه بعد أدهار أخرى طويلة. ولكنه لم يرزقه إلى الآن، وما من كتاب إنساني يخلو من مأخذ أو مآخذ، فمن العنت أن نتعلق بالعيوب وإن كثرت، دون الحسنات، ومن الغرور القبيح أن نقول أساء الرجل في فعله أو كتابه وأن نغضي عما أجاد فيه ووفق إليه، ووجه الغرور هنا أننا نزعم ضمناً أننا نحن لا يمكن أن نقع في خطأ، أو أن نرتكب فعلاً مذموماً أو معيباً وأننا ننحل أنفسنا قدراً من الفضل لا يتاح للإنسان.
ومن مقتضيات العدل في النقد أن يضع الناقد نفسه في موضع المنقود، وأن يسأل نفسه ويخلص في الجواب «ماذا كنت خليقاً أن أصنع لو كنت مكانه وماذا كان يسعني أن أكتب في هذا الموضوع لو تناولته أنا؟»
جاءني ذات يوم شاب فانتقلنا من بحث إلى بحث حتى خضنا في حديث شكسبير الشاعر الإنجليزي فقال إن رواياته مأخوذة من قصص قديمة. فقلت «هذا صحيح والأصح أن نقول معظمها وأهمها، ولكن ماذا تعني، قال أعني أن فضله قليل فيما أخرج فلو لم تكن هذه القصص القديمة لما كان شكسبير».
قلت إني كبير الشك في هذه النظرية، وعندي أنه لو لم يجد شكسبير هذه القصص لابتكر غيرها أو لانتزع مادة لقصصه من الحياة حوله. ولكن دع هذا الآن وأنا أشير عليك أن تأخذ قصة من هذه القصص القديمة التي انتفع بها شكسبير، وأن تدرس أيضاً روايته فيها. وأن تضع الاثنين معاً أمامك.
وتحاول أنت أن تكتب رواية تبنيها على هاتين شعراً أو نثراً كما تشاء أو حتى باللغة العامية إذا أردت، وانظر ماذا يدخل في وسعك وحينئذ تعرف فضل شكسبير وتستطيع أن تقدر عبقريته.
إن النقد النافع هو الذي يتوخى فيه صاحبه القصد والاعتدال. والاعتدال واجب في كل أمر، ولكنه في النقد أوجب، فيحسن بمن يزاول النقد أو يبدو له ما يغري به أن ينام على الرأي الذي يعن له ليلة أو ليلتين. ويديره في نفسه يوماً أو يومين قبل أن يجري به لسانه أو قلمه. فإن النفس تسكن والوجوه تتفتح، والغوامض أو الخافيات تتبدى والراسب يطفو والغائب يحضر. والرأي في النهاية يكون أقرب إلى الاتزان وأشبه بالعدل.
وقد علمتني تجربتي الطويلة أن أنام هذا النوم ليلة وليالي على كل ما يخطر لي من قول أو فعل وكثيراً ما رأيتني أعدل عما كنت هممت به.
والسؤال الذي ينبغي أن يلقيه المرء على نفسه وهو يتدبر كتاباً هو هذا. ما هي الفائدة المباشرة التي خرجت بها من لغة أو فكرة، أو معنى، أو حقيقة أو ما هو من ذلك بسبيل.
ومن الإنصاف للكاتب أن لا نبخل عليه بالاعتراف بما أفدنا منه، إذا كنا أفدنا شيئاً ولو قليلاً.
على أنه قد يتفق أن لا يكون في الكتاب ما يستفيده القارئ مباشرة فلا يخرج منه جديداً أو معرفة طريفة أو فائدة حسنة ولكنه قد يستطيع على الرغم من خلوه من هذه الفوائد المباشرة أن يحرك خيالنا، ويوقظ أذهاننا، ويبتعث نفوسنا، وينشطنا على العموم إذ يوحي إلينا شيئاً — عفواً لا عمداً — ويخطر على بالنا أمراً، أو يعرفها وجهة ما، فهذه أيضاً لا تستقل ولا تستخف بها، وحسبنا هذه الاستثارة لكوامن نفوسنا، حتى ولو أغضبتنا، فإن إغضابنا يكون كأنه وخز لنا يستفزنا.
والوخز تحريك وتنبيه، وإنه ليكون من فضل الكاتب علينا أنه استطاع أن ينهضنا بعد الرقاد، ويفتح عيوننا بعد الإغماض.
وما أكثر ما يسأل السائلون عن بواعث التأليف؟ لم رأى الكاتب أن يتناول هذا الموضوع خاصة بالبحث؟ وماذا زين له ذلك وأغراه به؟ والإنسان بطبيعته فضولي؟ فلا استغراب لمثل هذا السؤال.
ولكني أقول أن البواعث كثيراً ما تخفي حقيقتها حتى على صاحبها، فمن العسير الاهتداء إلى الصحيح منها، ومن الصعب الغوص في قرارات النفوس على المستكن المستخفي في أعماقها وخير لنا أن لا نعني أنفسنا بهذا التساؤل.
وليكن الباعث ما يكون فإن المهم هو الكتاب الذي أمامنا وسيموت المؤلف ويلحق بمن غبر، ويذهب جيله كله أيضاً، ويجيء جيل جديد ولا يعرف الصداقات والعداوات التي كانت تحف بالمؤلف، ولا يدري إلا القليل عن الأحوال التي كان يعيش فيها ويتأثر بها، فلا يعنيه إلا الكتاب ذاته إذا كان قد قسم له البقاء.
ومن الذي يسأل عن بواعث الجاحظ حين ألف البيان والتبيين أو الحيوان؟
وما قيمتها الآن وما قيمة أن نعرف لماذا ترجم ابن المقفع كتاب كليلة ودمنة؟
إن القيمة الحقيقية للأثر لا لما أغرى به وحمل عليه. وقد تكو البواعث سيئة ولكن الأثر يجيء حميداً والعكس أيضاً يحدث.
فلندع البواعث وإن كانت لا تخلو من فائدة إذا استبانت؟ هل في الدنيا شيء يخلو من نفع؟

الفصل العاشر
في اللغة


اللفظ والمعنى
اللغة أداة ليس إلا، ووسيلة للعبارة عما في النفس لا أكثر ولا أقل فإن للأخرس أداة غيرها هي جملة من الإشارات والإيماءات والحركات مع أصوات ساذجة يخرجها للتنبيه أو التوكيد، والتقرير أو التوضيح. ولكن أداة الأخرس قاصرة جداً لا تعدو حد الدلالة على المراد، ولا يبلغ من وفائها بالحاجة أن تجلو رأياً حضر، أو حكمة نبعت أو عاطفة جاش بها الصدر. نعم تدل على ذلك وتشير إليه، ولكن كما يشير الفهرس إلى جملة مشتمل الكتاب.
وقد كانت هذه الإيماءات وما يجري مجراها — ومازالت — بعض ما يتوسل به الإنسان من قديم الزمان إلى التعبير، فلم يبلغ بها إلا أيسر الحاجات وأدناها منالاً. وعلى قدر الحاجات تكون الخواطر والخوالج وعلى قدر كثرتها ومبلغ إلحاحها يكون طلب الإبانة والرغبة في الإفصاح. وقد ألفى الإنسان نفسه تكثر حاجاته وتقوى غريزة عقله ويترامى أفقه ولكن أداة الإيماء لا تسعفه لأنها تعجز الرقي، والتعبير الوافي بها يفوت الذرع، والاكتفاء بها خليق أن يورث نفسه التثاقل وطبيعته التقاعس، والخاطر يبطئ بها. والعجز يظهر ووجد أن الأصوات ألين وأسرع مؤاتاة، فمضى على الأيسر والأصلح.
وما زالت سنة الطبيعة أن كل موجود يؤثر الذي هو أسهل، ولن تجد ماء يجري إلى فوق، وله متسرب إلى تحت وهكذا كانت اللغة.
•••

وقد شبهوها بالوعاء، والظرف، والجسد، والثوب — يعنون أنها تضمن بالمعاني وتحويها، وأن المعاني تحل فيها، وتكتسبها، فتظهر بها.
ويقول الجاحظ في رسالته في «الجد والهزل»: «إن الله تعالى علم آدم جميع الأسماء بجميع المعاني، ولا يجوز أن يعلمه الاسم ويدع المعنى، ويعلمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه، والاسم بلا معنى لغو، كالظرف الخالي، والاسم في معنى الأبدان، والمعاني في معنى الأرواح. واللفظ للمعنى بدن، والمعنى للفظ روح، ولو أعطاه الأسماء بلا معان لكان كمن وهبه شيئاً جامداً لا حركة له. وشيئاً لا منفعة عنده. ولا يكون اللفظ اسماً إلا وهو مضمن بمعنى».
وهذا صحيح. ثم يقول «وقد يكون المعنى لا اسم له، ولا يكون اسم إلا وله معنى».
والشق الأول من هذه العبارة خلط. فأما أن اللفظ وحده وبمجرده ومن غير أن يكون في كلام مؤلف منظوم، «شيء جامد لا حركة له، ولا حس فيه» فصحيح إذ كان المعنى لا يستفاد إلا من تأليف الكلام. وأما أن المعنى يكون، ولا عبارة عنه، ولا لفظ يؤديه، فهذا هو الذي لا يكون.
وقد يستطيع الإنسان بعد بضعة آلاف من السنين أن يستغنى عن اللغة جملة، وأن يبلغ من اقتداره على التعبير أن يرسل خوالجه — من معان وإحساسات — موجات في الهواء يتلقاها ويتلقفها غيره كما تتلقى أجهزة الراديو الموجات التي تطلقها في الجو محطات الإذاعة. وأنا أعتقد أن هذا سيكون بعد أن يبلغ الإنسان من العلم المبلغ الذي يجعل ذلك ميسوراً.
وإن أحدنا ليفهم عن صاحبه مراده بنظرة ولا يحتاج في هذا إلى كلام أو إشارة، فلست أرى ما يمنع التوسع في هذا إلى آخر المدى. ولكن هذه منزلة لاتزال بعيدة.
وليس بنا عن اللغة إلى الآن، وإلى زمان آخر طويل، غني وما دمنا عاجزين عن التعبير بغير هذه الأداة فلا سبيل إلى معنى إلا بلفظ، ومن كان يتوهم أن من الميسور أو من الممكن أن يحصل المعنى بغير لفظ فليجرب وليحاول أن يتصور معنى يدور في رأسه، أو إحساساً يضطرب به صدره من غير أن يكون له لفظ يتبدى فيه، أو فليحدث نفسه بأمر ما، فإنه خليق أن يجد أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا إذا اهتدى إلى اللفظ الذي يفرغه فيه ويصبه منه في مثل القالب، وإنه بغير ذلك لا يشعر بأكثر من جيشان أو اضطراب فكأنه ينظر إلى سحاب غليظ متراكب لا تنفذ العين فيه، أو شيء ملفف. ولا سبيل إلى الرؤية الواضحة إلا بعد أن يتفتق السحاب أو ينقشع، ولا يتبين المرء ما يدور في نفسه إلا إذا صار لما يخالجه لفظ يكتسبه ويبدو فيه، وهذا هو السبب في غموض الكلام ووضوحه فالغموض هو قصور اللفظ، والوضوح هو حلول المعنى في لفظه، أو قل أن الغموض مرجعه إلى أن المرء لم يمهل معانيه أو خوالجه أو إحساساته حتى تصفو مما يخالطها ويعتورها، أو تطرحه عنها، وتخرج منه، ويتسنى لها أن تتخذ ما يبررها ويميزها. أما لماذا يدع المرء الإمهال، فمسالة أخرى، فقد يكون عجولاً بطبعه، أو يكون به كسل عقلي، أو تكون المعاني أو الخوالج أدق أو أعوص عليه من أن تحيط بها عبارة، أو يكون قد ركبه الوهم فظن أنه فهم وأدرك، وما أدرك شيئاً على وجهه، وما وسعه لهذا أن يعرب، إذ لا إعراب إلا بعد إدراك. أو يكون فاهماً ولكنه مغتر أو ذو بطر، كحديث العهد بالنعمة، فيسرف في البيان أو يقصر.
ونعود بعد هذا الاستطراد فنقول إن المعنى لا يمكن أن يحصل أو يتيسر تصوره إلا بلفظه، ومن هنا كان الخطأ في تشبيه اللفظ بالوعاء أو الظرف أو الثوب أو غير ذلك مما يجري هذا المجرى، وذلك أن اللفظ ليس شيئاً مستقلاً عن المعنى، وقائماً بذاته، وإنما هو والمعنى كل لا يتجزأ، وليس للمعنى وجود بغير لفظ ولا للفظ بمجرده حقيقة تدرك، وكل ما يقال في الإيجاز والإطناب هراء ما لم يفهما على وجهيهما الصحيحين.
فليس الإيجاز إلا صب المعنى في لفظه المعبر عنه والاكتفاء به دون الاستطراد إلى غيره، أما الإطناب فليس إلا استطراداً إلى معاني «أخرى» غير الذي إليه القصد وعليه القول. فإن المعنى لا يؤدي إلا بلفظه، فإذا تغير اللفظ تغير المعنى لا محالة.
ومن هنا كان الترادف في اللغة الواحدة خرافة، إلا إذا كان المراد أن قوماً اتخذوا لفظاً لمعنى، وقوماً آخرين اتخذوا غيره، ومؤدى هذا أن هناك لغتين لا لغة مفردة، وإن كانتا من أصل واحد.
وقد قيل ما قيل في الشبه بين الإنسان والحيوان، وفي النشوء والتحول وما إلى ذلك أو ما ليس إليه، وذهب بعضهم إلى أن الخط الفاصل بين الإنسان والحيوان يبدو أنه رهن بطية واحدة في حشو الدماغ، ولكن بينهما فاصلاً واحداً لم يستطع أن يزيله أو يستهين به حتى أولئك الذين يردون الفكر إلى الإحساس، ويقولون أن الحيواني يشارك الإنسان في الملكات التي هي الأسباب المنتجة للتفكير. وهذا الفاصل هو اللغة فما استطاع الحيوان — إلى الآن — أن يتخذ لغة مثل لغة الإنسان.
وفي هذا يقول «لوك» ومن الممكن أن يعد من الفلاسفة الماديين: «وأنا على يقين جازم من أن القدرة على التفكير لم يعطها الحيوان، وأن استنباط الآراء العامة وتصفحها يميز الإنسان تميزاً تاماً من الحيوان.
ومن الجلي أننا لا نسير على آثار غيرنا في استخدام رموز عامة لآراء عامة. ولنا أن نقول إن الحيوان تعوزه ملكة التفكير والارتياء لأنه لا يستعمل «ألفاظاً» أو رموزاً أخرى عامة».
ومؤدى هذا أن اللغة أكثر من وعاء، أو ظرف، أو ثوب، أو جسد، وأن هذه ليست إلا ألفاظاً يراد بها تقريب وظيفة اللغة من الإفهام، وأن اللغة آلة يعمل بها العقل ولا يستطيع بغيرها أن يعمل، وينظر، ويتدبر، ويستنبط، ويستبين، ويستشف إلى آخر ذلك. فليست وظيفتها بمقصورة على العبارة عما يدور برأس الإنسان أو يضطرب به صدره، أي أنها ليست أداة للبيان فحسب، وإنما هي أيضاً أداة للتفكير نفسه وآلة كما أسلفنا، لحركة العقل.
ولست تجد لغة حيث لا تجد إنسان، ولا نعرف إنساناً ليست له لغة ما، فهي من عمله، بمعنى أنها نشأت معه، ونمت واتسعت، تبعاً لاتساع حياته.
ومع قدم اللغة — كل لغة — لم يستطع الإنسان على كر الدهر أن يضيف جديداً على أصولها أو يغير مناهج تأليفها وتركيبها، أو يبدل أوضاعها ومقاييسها، أو يعدل بها عن طرائقها في المجاز والاستعارة إلى آخر ذلك، وكل ما استحدثته الأجيال المتعاقبة لا يعدو الكل إلى الجوهر، ولا يمتد من الفرع إلى الأصل، حتى ليمكن أن نقول إننا مازلنا نستعمل الألفاظ نفسها التي دار بها لسان الإنسان حتى سمى الأشياء أسماءها.
ولا شك أن اللغة تتطور ولكن أصولها ومناهجها وطرائقها لا يلحقها تغيير، والقانون الذي يجري حكمه على اللغة هو قانون الطبيعة نفسها، ولا دخل فيه لإرادة الإنسان الحرة، أو اختياره، فهو لا يستطيع أن يستحدث فيها ويغير، ويزيد وينقص، على هواه، كما لا يستطيع أن يغير قانون الدورة الدموية في بدنه، أو أن يضيف إصبعاً بله شبراً إلى قامته.
وكما أن الإنسان لا يتسنى له أن يقبض على زمام الطبيعة إلا إذا عرف قانونها وتوخاه، كذلك لا يستطيع الكاتب أو الشاعر أن يقبض على ناصية اللغة ويتصرف فيها ويبلغ بها حيث يريد إلا بعد أن يحيط بقانونها وينزل على حكمها.
وقد حكوا عن الإمبراطور تيبريس أنه أخطأ مرة في كلمة فرده بعضهم إلى الصواب، فقال منافق إن الإمبراطور نطق بها صحيحة وجاء بها على وجهها، فإذا لم يكن هذا كذلك. فأحر بأنه يصبح ما قاله هو الصواب.
فعاد الأول يقول: «هذا كذب ونفاق أيها القيصر، فإنك تستطيع أن تمنح الناس الجنسية الرومانية، ولكن الألفاظ فوق سلطانك».
وهنا موضع التحرز، فإن اللغة لغتان، واحدة تستقر وتثبت على صورة فلا يلحقها التغيير إلا في النادر وإلا فيما لا يمس الأصول، وهذه هي التي تكتب ولها آداب، وأخرى هي اللهجات، أي لغات الكلام وهذه دائمة التغيير، ولا ثبات لها على حال، لأنها لم ترزق ما يفيدها الضبط ويصدها عن التبدل والتحول المستمرين. واللهجات أسبق من اللغات الثابتة، أو لغات الكتابة والأدب.
وليست لغة الكتابة والأدب إلا إحدى اللهجات، وما كانت لغتنا العربية إلا واحدة من لهجات العرب في الجاهلية، وقد كتب لها السيادة وقسم لها الاستعلاء، قبل الإسلام بقليل، ثم ثبت لها ذلك بنزول القرآن الكريم بها، فاندمجت فيها اللهجات الأخرى، ولولا القرآن لما عجزت اللهجات الأخرى عن الحياة، ولكان من الممكن — إذا ساعفت إحداها الأحوال — أن تفيد قوة، تسترد بها مكانتها.
واللهجات ليست محلية أو إقليمية فحسب، فإن هناك لهجات طائفية أيضاً لا عداد لها، مثل لهجات الرعاة والفرسان، والجنود، والزراع، والبحارة، وأصحاب الحرف.
ومن هنا — على سبيل المثال — كثرة أسماء السيف وغيره من ضروب السلاح، وما يطلق على الخيل وحملها ونتاجها وأسنانها وخلقها وصفاتها ونعوتها وألوانها وشياتها وأصواتها وعيوبها وأدوائها وعدوها، وربطها وعلفها وسرجها. ونعوت الإبل في إخلافها وحلبها وكثرة ألبانها أو قلتها وضعفها أو هزالها وأسنمتها وألوانها وأوبارها إلى آخر هذا وأمثاله ومن هنا أيضاً هذا التدقيق الشديد في أسماء الجماعات من الناس وغيرهم. ومرجع هذا إلى نوع الحياة التي تحياها الجماعة أو القبيلة وانحصارها في نطاق ضيق. فتصبح العناية بالتفاصيل ميسورة، كما لا يمكن أن تكون في جماعة كبيرة متحضرة جوانب حياتها عديدة.
وبعد، فإن ابن لغة الكتابة والأدب لا يسعه إلا أن يلم بها وبأصولها وأدبها — أي بقانونها الذي اكتسب صفة الثبات، وروحها الذي يكن أن نسميه «الغريزي» إذا هو أراد أن يمضي على النهج القويم، فما يمكن أن يتصرف فيها تصرف الأقدار أو أن يقضي فيها بأمره كما كان يقضي. سلاطين الأتراك، أو أصحاب الحكم بأمرهم في زماننا. حتى العامية أو اللهجات، لا يتسنى فيها مثل هذا التعسف.
وصحيح أن الفرد هو الذي يستحدث الألفاظ أو الصور الجديدة، ولكنه إنما يستطيع أن يفعل ذلك بعد أن يتسرب بروحه في الجماعة، ثم هو لا يفعل هذا عن عمد وبعد إعمال فكر، وطول تأمل وتدبر، وإنما يصدر عنه ما يصدر وهو غير مدرك أو دار، لأنه إنما يتصرف وفق قوانين طبيعية لا سلطان له عليها ولا سيطرة، وبعد تهيؤ روح الجماعة أو الطائف التي هو منها.

الفصل الحادي عشر
من دروس الحياة


أول ما علمتنيه الحياة أن أتلقى كل حال بالتسهل والرضى، وأن أكون في كل ساعة كما تشاء الساعة، وأن أقصر همي على ما أنا فيه، ولا أكر بالطرف إلى ما خلفته ورائي، ولا أحاول أن أمده إلى ما تحجبه أستار غيب الله فأنا أحيا من يوم إلى يوم كالعامل الفقير يكسب رزقه بكدحه ولا ذخيرة له من مال يتكئ عليها ويحور إليها عند الحاجة، ولكنا إذا اعتبرنا الحقيقة فقير، ونصيبنا من الحياة تقتير، وإن عظم الجاه وكثر الوفر، وما تأملت وجوه العيش وأحوال الدنيا إلا تبسمت سخراً من نفسي، ومن الناس، وإلا بدا لي أننا أطفال صغار أغرار، وإن ارتفعت السن وشاع الأبيض في الأسود، تعاملنا الحياة كما نعامل نحن صغارنا فتسرنا تارة، وتؤدبنا طوراً، وتهزل معنا مرة، وتجد أخرى، وما رأيت طفلاً يلبس في يوم عيد ثوباً جديداً يختال فيه مزهواً إلا قلت لنفسي «ما أشبهنا نحن الكبار في نظر الحياة بهذا الطفل الغرير الذي لا تكاد الدنيا تسعه من فرط سروره بهذه الحلة الجديدة.
وسنرى هذا الطفل بعد قليل يبكي ويعول لأن كرته ضاعت أو خطفها طفل آخر، فيذهله الأسى لفقد لعبة رخيصة لم تكن على كل حال بالدائمة، عن جديد ما اكتسى في عيده، كما نأسى نحن الكبار لأن شيئاً من عرض الدنيا فاتنا أو خسرناه».
أي نعم، علمتني الحياة أن أهمل العرض وأجعل بالي إلى الجوهر على قدر ما يدخل ذلك في طوقي، وأن أعد نفسي وأعد الناس جميعاً أطفالاً أغراراً، عبثهم أكثر من جدهم، ومطالبهم فوق قدرتهم وعقلهم دون إحساسهم أو أهوائهم، وجدهم أبعث على الضحك من لهوهم.
وتعلمت شيئاً آخر. هو أنه ما من شيء في هذه الدنيا يستحق أن نقيم له القيامة، أو نغالي به ونهول على نفوسنا، فقد مر بي خير كثير، وشر كثير، وما كنت أراني إلا شقياً في الحالتين، لأني كنت إذا أصابني خير أسر به، ولكني كنت مع ذلك أشفق أن يزول وأخشى أن لا يتكرر فأعذب نفسي بما لا موجب له من القلق، وإذا أصابني سوء شق عليّ واستكبرته، وخفت أن يطول أمده، وكبر في وهمي أني سألقى مثله مرة بعد أخرى، ونسيت ما فزت به من خير، وأشفقت أن لا يطول احتمالي لما أنا فيه من الضراء، وتجلدي عليه، فصارت الحياة كالجحيم، ثم رأيت كل شيء يزول، وتبينت أن الإنسان أوتي من المرونة قدراً كافياً وأنه ما من حال إلا وهو قادر على رياضة نفسه على السكون إليه، وأن الخوف من ازدياد الألم نفسياً كان أو بدنياً، ومجاوزته حد الطاقة، ليس إلا وهماً كما أن الماء إذا بلغ درجة الغليان لا تتجاوز حرارته المائة ولو أوقد عليه نار جهنم، كذلك الألم لا تطرد زيادته إلى غير نهاية، لأن الإنساني يقف شعوره به عند حد معين فكل زيادة فيه تجاوز ذروة الطاقة الإنسانية على الاحتمال، تذهب بغير إحساس بها، والأيام لا تزال تنتقل بالإنسان من حال إلى حال، وكل شيء يمضي وإن خيل في وقته أنه سرمد، فخير للإنسان وجلب لراحته أن يستقي تعذيب نفسه في غير طائل فيشتهي ولا يتلهف، ويتشدد ولا يجزع.
وتعلمت من أجل ذلك كله أن أحاسب نفسي وأنصب لها الميزان، أنفة من الغرور المضحك، وزهادة في مغالطة النفس، وإيثاراً لمواجهة الحقيقة السافرة، وأفادني ذلك أن صرت لا يكربني أو يثقل عليّ، سوء رأي الناس فيّ، لأن رأي في نفسي أسوأ، وميزاني لها أدق وأضبط.
ومحاسبة النفسي عسيرة، ولكنها واجبة، حتى لا يتكرر الخطأ، ويطول الجهل، ويتمادى المرء في الضلال، وهي على أهون وأخف من محاسبة الغير.
وتعلمت ألا أكون أسير رأي أو كتاب فإن مؤدى هذا الأسر الإفلاس العقلي والعاطفي. وفائدة الكتب أن يقرأها الإنسان ويدرسها ويفكر فيها، ويضيف عقول أصحابها إلى عقله، لا أن يظل أسيرها، ولست أحتاج إلى مثل هذه الوصية، لأني أنسى ما أقرأ والنسيان آفة، ولكن ضيره يسير. وكون المرء قد نسي شيئاً ليس معناه أنه لم ينتفع به، أو أن هذا الشيء اندثر وانمحى، فإنه يبقى وراء الوعي وإن كان لا يطفو على السطح ولا تلم به الذاكرة فلا يسعفها حين تطلبه، والفائدة العقلية تحصل على الحالين، سواء نسي المرء ما قرأ أم تذكره، كما تحصل الفائدة من الطعام وإن نسي المرء ما أكل.
والمعول على الهضم، فإن العقل ليس رفوفاً يصف عليها ما يقرأ المرء أو يدرس، وقد لقيت غير واحد في مصر وغيرها من الشرق والغرب تروعك كثرة محفوظهم، ولكني كنت إذا استطردت معهم إلى البحث يدهشني عجزهم على التفكير السديد، فهؤلاء قد حفظوا كثيراً، وزادت ذاكرتهم قوة بالمرانة، ولكنهم لم يهضموا ما قرأوا ولم يثقفوا به، فصاروا أشبه بمكتبة متحركة، لا خير فيها لنفسها، وما من أحد يستطيع أن يحفظ كل ما يقرأ، غير أن ما من أحد يعينه أن يفهم ما يقرأ، إلا إذا كان بليداً غبياً أو كان الموضوع من غير بابه، فيجيء فهمه ناقصاً، وقدرته عليه محدودة. والفهم هو المهم، والرياضة العقلية هي التي عليها المعول، وهي الغرض من قراءة الأدب ودرسه. وأعني بالرياضة العقلية تزويد المرء بالمعارف اللازمة وتوسيع أفقه، وشحذ قريحته، وإرهاف حدها، وتعويده التفكير المستقيم وتدريبه على التأمل والنظر.
وتعلمت ألا أطالب أحداً بأن يذهب مذهبي أو يصدر عن رأيي، فإن هذا مطلب بعيد المنال، ولو كان قريبه لما ارتضيته، ذلك أن شر آفة تصيب جماعة إنسانية، هي أن تصب عقولها في قالب واحد، فتغدو الجماعة كأنها نسخ متعددة من كتاب مفرد أو صحيفة واحدة، ولا تعود غنية أو قوية بكثرة العدد لأنها ليست إلا فرداً مكرراً، ولا نبقى ثم مجال للانتفاع بالمواهب الخاصة والملكات الفردية، لأنها كلها على غرار واحد، ونسق لا يختلف أو يتفاوت أو يتعدد. والأدب فردي، وهو لا يحيا وينمو ويرتقى إلا في ظل الحرية التامة في التفكير والارتياد.
وصحيح أنه كان في بداية نشأته من عمل الجماعات حين كانت على الفطرة، ولم تأخذ من المدنية بنصيب، ولم تقسمها الصفات الشخصية والملكات العقلية طوائف، ولم يفرق بينها اختلاف المراتب وتباين الأعمال وتعدد الآراء.
في هذه الجماعات يكون كل امرئ أشبه بجاره ورفيقه، وتكون حدود الفرد هي حدود التقاليد المشتركة بين الجماعة كلها.
فإذا نشأ فيه الشعر كانت نشأته عملاً من أعمال الجماعة كلها وملكاً لها لا للفرد، فلا حقوق للتأليف، والشعر أسبق من النثر الفني، وهو يظهر تالياً للرقص والغناء وتابعاً لهما ومتفرعاً عليهما وغير منفصل منهما.
وأقول أن الشعر يتلو الرقص في الظهور والنشوء لأن الحركة أسبق من اللغة في تاريخ الإنسان، فإن الإنسان استطاع أن يتحرك ويمشي ويقفز ويعدو قبل أن ينطق ويعرف أن له لساناً يمكن أن يكون أداة لإخراج أصوات تنقل الإحساس أو الخاطر إلى زميله. والشعر قوامه الوزن الموسيقي، وليس الوزن إلا انتظام الحركات، فهو أوثق ارتباطاً بحركات الجسم ومساوقة لها، ومازالت الإشارات وحركات الوجه من متممات التعبير اللفظي، ولا تنسوا ما قاله بعض علماء العرب من أن بعض علماء العرب من أن بعض أوزان الشعر مستمدة من سير الإبل.
وفي كل جماعة إنسانية بدائية كان الرقص يسبق الشعر، ومتى انتظمت حركات المجتمعين واتسقت على مقتضى العاطفة المشتركة كان من المعقول بعد ذلك أن تخرج الألفاظ مستوية في ترتيبها على وزن هذه الحركات. فأول ما عرف الإنسان من الأدب هو الشعر، وكان الشعر في بدايته عبارة عن لحن موزون يند عن أفواه المجتمعين إذا كان جارياً على ما تتطلبه وتؤدي إليه الحركات التي يشتركون فيها ويؤدونها معاً على نسق واحد وعن عاطفة عامة شائعة بينهم على السواء.
وليس من الضرورى أن يكون لهذا اللحن معنى معقول لأن كونه معقولا أو غير معقول مرجعه إلى الفكر والعاطفة أسبق في تاريخ النشوء الإنساني من الفكر ثم يحدث التميز تدريجياً بين أفراد الجماعة ويقوى الشعور بالذات، ويزداد الإحساس بالاستقلال، ويبرز الفرد شيئاً فشيئاً ويأنس من نفسه ما لا يأنس غيره من نفوسهم فلا يقنع بأن يبقى في حلقة الجماعة يردد ما يقولون، ويندفع مجترئاً على التقاليد، ويعلو صوتهم أصواتهم فيروعهم فتخفت أصواتهم قليلاً ويستحدث ما لا عهد لهم به، ثم تتوالى الخطوات متتابعة فيتضاءل عمل الجماعة من حيث الاشتراك في التأليف إلى الاقتصار على معاونته بحركاتها للمحافظة على الوزن، على نحو ما نرى الآن في حلقات الذكر وما إليها.
ولا تزال الجماعات تتطور ويختفي أثرها ويظهر الفرد حتى إذا تألفت تأليفاً سياسياً ظهر الشاعر الفني المستقل عن الجمهور، وصار أمر الشعر كله إلى الفرد. ثم يظهر النثر الفني بعد ذلك على الأيام.
فالأدب فردي، وقوامه خصائص الفرد، ومواهبه ومبلغ حريته في التعبير عن نفسه. ولا غنى عن شرط الحرية، وإلا ذبل ومات.
ولقد فرضت ألمانيا وإيطاليا في هذا العصر فلسفة معينة على شعبيهما وجعلتا من البلدين ثكنتين، ومن الأمتين جنوداً يسير أبناؤهما خطوة واحدة، ويفكرون على نسق واحد، ولا يؤذن لهم في رأي يخالف الرأي المقرر، أو فلسفة تشذ عن الفلسفة المفروضة، فكانت النتيجة أن صارتا دولتين حربيتين، ولكنه لم ينبغ فيهما شاعر واحد من الطبقة الأولى، ولا كاتب عظيم، ولا فيلسوف عبقري. من أمثال الذين نبغوا في العصور السابقة أو في الأمم الأخرى التي ينعم فيها الفرد بحريته الشخصية، ولا يحول فيها حائل دون التعبير الصادق عن النفس.
وما دام أن هذا هكذا فإن من حق الإنسان أن يغتبط إذ يرى لرأيه مخالفين — لا عن تعنت بل عن تفكير وتدبير، ولما كان من المتعذر أن نتبين حقيقة البواعث على المخالفة في كل حال، فيحسن أن نحترمها وندع للناس حقهم فيها لأنها في خير حالاتها مظهر اجتهاد وآية إيثار لحرية الارتياء، ودليل على أن الأمور لا تؤخذ مأخذ التسليم والآراء لا نقبل بغير اقتناع.
هذا بعض ما تعلمته وحذقته ورضوت نفسي عليه من دروس الحياة، وقد كانت التجربة طويلة وشاقة وكثيرة الرجات والصدمات، ولكني غير آسف لأن الثمرة التي خرجت بها تستحق العناء، وحسبي من ذلك سكينة النفس وصحة الإدراك، وعسى أن لا أكون مخدوعاً.

الفصل الثاني عشر
السيد جمال الدين الأفغاني


لم أدرك السيد جمال الدين الأفغاني في حياته، ولكن الله أكرمني بأن يسر لي الوجود في بغداد يوم ممر رفاته بها إلى مسقط رأسه في بلاد الأفغان. وما له في الحقيقة موطن خاص فإنه رجل الشرق كله، وابن الإسلام والعروبة أجمع، فلكل بلد عربي وإسلامي حق فيه لا ينازع ولا ينكر.
وليس من عادتي الأسف على ما يفوتني بالغاً ما بلغ، ولكن ما عرض ذكر السيد جمال الدين إلا أدركني الأسف وشاع في نفسي لن الزمن لم يتقدم بي بضع عشرات من السنين فأصل أسبابي بأسباب هذا الرجل النادر، وأقتبس من روحه الساحرة التي كانت كأنها مولد كهربائي ضخم يبعث الحرارة والقوة والحيوية في حيثما حل.
فما كان السيد جمال الدين أوحد أهل زمان في العلم أو الفلسفة أو الذكاء وحدة الفؤاد، ولكنه كان على التحقيق، وبلا أدنى مراء، أوحد رجال عصره في قوة الشخصية وسحرها، وفي إيمانه بنفسه وبقدرته على إدراك ما يسعى له وتحقيق ما يدعو إليه، وتنزه عن كل غاية شخصية أو مأرب ذاتي.
فما كان يسعى لمجد يفيده، أو مال يصيبه، أو حكم يتولاه، وما جنى هو من مساعيه إلا الأخطار والتشريد، وإنما كان همه ومنى نفسه جميعاً أن يوقظ هذا الشرق من رقاده الطويل، وأن يبتعث همته الدانية، ويصدع عنه أغلال الظلم والاستبداد والاستعباد التي كان يرسف فيها، وينشله من وهدة الجهالة التي أخمدت روحه، ويجمع كلمته، ويدفعه إلى التماس القوة والعزة؛ ولا سبيل إليهما بغير الحرية والعلم.
ولم تكن دعوته مقصورة على العرب وإن كان منهم فقد كان أبعد من ذلك مطارح همة؛وكانت دعوته إسلامية عامة شاملة تنتظم البلدان والأمم الإسلامية من حدود الصين إلى شاطئ المحيط الأطلسي.
ولم يكن هذا منه طموحاً نظرياً؛ أو مجرد أمل يحلم به؛ فقد كان يجوب الأرض ويركب البحر، ويزور بلاد العرب والإسلام واحداً واحداً.
وما دخل بد إلا ترك فيه حركة قوية، وكان له فيه أثر عظيم باق إلى يومنا هذا. فإذا قلنا أنه عظيم «يعي الزمان مكان نده» كما يقول البحتري، لم نكن مبالغين.
وقد جاء إلى مصر قبل الثورة العرابية بزمن غير وجيز، وكان هو الذي هيأ النفوس وأعد الأذهان لها ولما تلاهما إلى يومنا الحاضر.
ولم يكن وهو بمصر يقصر همه عليها بل كان معنياً كذلك بتركيا وإيران والأفغان والهند وغيرها.
وإذا قلت تركيا فإني أعني الدولة العثمانية كلها بما كان يدخل فيها من بلاد العرب قاطبة، وقد اتصل في مصر برجال الدين والسياسة، وبعث فيهم روحه، وكانت له حلقة يلقي فيها دروسه الدينية، ومبادئه السياسية الحرة التي سبق بها كتاب الغرب الأحرار، وقد تولى عن المصريين مطالب الخديو إسماعيل بإعلان نظام الحكم الدستوري، ونصح للخديو توفيق بإقامة حكم البلاد على قواعد الدستور، لا كمنحة بل كحق. ولم يعلن الدستور، في أيامه، بمصر ولكنه هو أقصي عن مصر.
ولما استقل السفينة من مصر، جمع له لفيف من تلاميذه والمعجبين به مبلغاً من المال يستعين به، وقدموه إليه. فأبى أن يتقبله، وشكرهم وقال لهم كلمته المشهورة «إني كالأسد لا أعدم قوتاً أينماً كنت».
وأشهر تلاميذه المصريين وأعظمهم وأرفعهم قدراً الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ومما يستحق الذكر لعظم دلالته على قوة شخصية السيد جمال الدين أن الشيخ محمد عبده كان يرى في الفترة التي سبقت الثورة العرابية التدرج في الإصلاح حتى تنضج البلاد سياسياً لحكم نفسها بنفسها، وقد ادخل إصلاحات كثيرة في مصر في عهد وزارة رياض باشا الذي كان يثق به ويكله إلى رأيه، ثم قامت الحركة العربية، وسارت بأسرع مما كان ينتظر، وكان غرضها تحرير المصريين والتخلص من عناصر الترك والشراكسة المتحكمين المستولين على المناصب في الإدارة والجيش، ومضت إلى غايتها في جو من الدسائس الأجنبية والأطماع الدولية، فخشي الشيخ محمد عبده العاقبة، وكان بعيد النظر سديد الرأي، فتوقع إذا لج العرابيون فيما هم فيه، ولم يتحرزوا أو يتوخوا الاعتدال أن ينتهي الأمر باحتلال الإنكليز لمصر، فكان لهذا يقاوم العرابيين مقاومة شديدة وينعي عليهم قصر نظره وقلة تبصرهم، ويبسط فيهم لسانه حتى ضجوا وهددوه بالقتل إذا ظل يتعرض طريقهم ويناوئهم، وأراد بعض العرابيين من أصدقاء الإمام أن يصلح ما بينه وبينهم، وأنا أعرف هذه القصة لأن الذي حاول إصلاح ذات البين من أقربائي، ولن بيت جدي كان هو مكان الاجتماع.
وتكلم العرابيون، وتكلم دعاة التوفيق ثم تكلم الأستاذ الشيخ محمد عبده، فأصر على رأيه أن العرابيين باندفاعهم سيجرون على البلاد الاحتلال الأجنبي فأخفقت المساعي للصلح والتوفيق.
وكان أبي من رجال الأزهر، وزملاء الشيخ محمد عبده في الدراسة وتلاميذ السيد جمال الدين، وإن كان لم ينبغ كما نبغوا، فسأل الشيخ محمد عبده «أكنت تلج هذه اللجاجة في عنادك مع العرابيين لو كان السيد جمال الدين في مصر؟» فكان جواب الشيخ محمد عبده هذه الكلمة المترعة «يا محمد (فقد كان أبي اسمه محمد) لو كان السيد جمال الدين هنا لما قامت الحركة العرابية ولا احتاج أحد إليها، لأن السيد كان يغني بشخصه عن كل ذلك».
وتمثل ببيت من رثاء المتنبي.
«كان من نفسه الكبيرة في جيش وإن خيل أنه إنسان» ولما استفحلت الحركة العرابية وضرب الأسطول الإنجليزي الإسكندرية، انضم الشيخ محمد عبده إلى العرابيين، ووضع يده في أيديهم لأن الواقعة قد وقعت، وكان ما خاف أن يكون، فلم يسعه إلا أن يكون مع قومه — ولو كانوا مخطئين — على الغريب، وكان يتمثل ببيتي الحماسة:
بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوىفلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغذوهل أنا إلا من غربة إن غوتغويت، وإن ترشد غربة أرشد؟ والواقع أن السيد جمال الدين كان كما وصفه تلميذه الأكبر الشيخ محمد عبده، من نفسه الكبيرة في جيش. وهو الذي يرجع إليه الفضل الأول في قيام الحركة الدستورية في تركيا ومصر وإيران، وهو الذي أثار نفوس الهنود المسلمين على الاستعمال الإنكليزي، وقد خشيه سلطان تركيا وشاه إيران وخديو مصر والإمبراطورية البريطانية. ومما يذكر في هذا الباب أن شاه إيران شقي بما كان يقول فيه السيد جمال الدين، فوسط سلطان تركيا، فدعاه السلطان إليه وشفع عنده للشاه، فقال السيد كلمته المشهورة «عفوت عن الشاه» أو قيل أنه قال عفوت الشاه!
ولم يكن السيد ذا مال، أو دولة أو جيش، أو عصابة، وإنما كان ذا روح عظيمة، وشخصية قوية، وسحر لا قبل لأحد بمقاومته، ولسان عال، وبيان خلاب؛ وبهذه الشخصية الفذة استطاع أن يبث روح الثورة ويضرم نارها في كل بلد حل به؛ وأقام فيه، ولو شهوراً ولم تكن دعوته في الفوضى؛بل إلى الحرية والإصلاح والدستور ولم شمل العالم الإسلامي وتبويئه مكانة بين أمم الأرض؛ وكان ما قام في البلاد الإسلامية إلى اليوم من حركات في سبيل الحرية والاستقلال والدستور؛ راجع في مرد أمره إليه.
وعهدنا بالدنيا أنها لا تجود بأمثاله كل يوم؛ ومن المصادفات الميمونة أن رفاته يمر بالعراق في الوقت الذي قويت فيه حركة الجامعة العربية؛ وزخر تيارها؛ وآذنت بالثمرة المشتهاة. ولو كان السيد دارياً لطاب نفساً بهذا؛ فقد كان همه إيقاظ هذه الأمم عربية كانت أو غير عربية وابتعاثها من نومها؛ وإنهاضها؛ وتوجيهها وجهة الخير والصلاح؛ وإيتائها حقها في الحرية؛ وتزويدها بالعلم وتسليحها بالمعرفة.
رحمه الله، ونفعنا بذكراه؛ فإنه من القليلين الذين يؤثرون بعد أن ضحى ظلهم ومضوا في سبيل من غير مثل تأثيرهم لما كان على قيد الحياة.

الفصل الثالث عشر
فائدة هندسية


كيف تقيس المسافة بين نقطتين.. أما أنا وأنت — أو أنت وأنا كما يقضي الأدب الحديث أن أقول — فإن الواحد منا يقف ثم يروح يخطو بين النقطتين كالجندي الحديث العهد بالتدريب العسكري ويقول وهو يفعل ذلك «واحد.. اثنين.. ثلاثة.. إلخ» ثم يضرب عدد الخطوات في طول كل خطوة فيكون الناتج هو المسافة التي يراد قياسها — أو يفعل شيئاً آخر.. يجيء بحبل ويمده بين النقطتين ثم يعقده عقدة في كل ناحية ثم يجيء بمقياس كالمتر ويقيس به ما بين العقدتين فإذا لم يكن ثم متر فإن المسافة بين أنامل يمناك — حين تمد ذراعك — والكتف اليسرى طولها متر.
ولكن لي صاحباً يعرف طريقة أخرى في قياس المسافات المستقيمة أبرع مما نعرف وقد حدثني بها ووصفها لي ونحن نتغذى معاً منذ أيام قال: «لا علم كالهندسة.. أعني أنها علم مضبوط لا موضع للخطأ فيه».
وأنا — كما يعرف القارئ — لا علم لي بالهندسة ولا بسواها مما هو بسبيل ولست أدري إلى هذه الساعة كيف أمكن أن أجتاز الامتحانات المدرسية التي كانت تعقد لنا في المدارس أو في السرادقات وقد كان مما نمتحن فيه الهندسة — بأنواعها فإنها كثيرة — والجبر والحساب وحساب المثلثات إلى آخر هذا الذي نسيت حتى أسماءه.
وأحسب أن الذين كانوا يراجعون أوراق الإجابات كانوا يقولون أن هذا المازني سيكون أديباً كبيراً والأدب لا يتطلب العلم بالرياضة ومن الخير للأدب أن ندعه يخرج بشهادته وأن لا نعطله بالرسوب. فإن لم يكن هذا هكذا فليقل لي من يدري كيف أمكن أن أجتاز هذه الامتحانات في علوم الرياضة والكيمياء أيضاً والطبيعة كذلك. فإني أذكر — الآن — أني كنت أملأ أوراق الإجابة عن أسئلة الرياضة وما إليها من المعارف المستحيلة بالرسوم والتصاوير — رسوم فتيات وطيور وبقر وجمال وكنت أفرد الصفحة الأخيرة من ورقة الإجابة لأساتذتي في علوم الرياضة فأرسم بضعة خطوط هنا وأكتب تحتها «المستر فلان» معلم الحساب وخطوطاً أخرى تحتها وأكتب إلى جانبها «المستر علان» مدرس الجبر وهكذا. ومن يدري.. لعل رسمي لأساتذتي كان يرضيهم ويعجبهم فيدعون جواب المسائل ويمنحونني الدرجات على الرسم الجيد من الذاكرة.
وقلت لصاحبي «يا سلام.. صحيح».
فقال: «بالطبع. اسمع كيف تقيس المسافة بين شاطئي النيل».
قلت: «أوه. المسألة لا تحتاج إلى هندسة أو غيرها، أمشي على كوبري قصر النيل وأعد خطاي ثم أضرب العدد في طول الخطوة.. مسألة بسيطة جداً».
فقال «لا لا لا لا. افرض أنك تريد أن تقيس المسافة بين شاطئين حيث لا كوبري ولا شبهه».
قلت: «آه.. هذه مسألة أخرى.. أقول لك. أركب زورقاً ومعي حبل أثبته على شاطئ وأدليه الماء ونحن نمرق حتى نبلغ الشاطئ الآخر ثم نقيس الحبل».
قال: «يا أخي ألا تعرف أن الزورق لا يستطيع أن يمضي من شاطئ إلى شاطئ في خط مستقيم».
قلت: «صحيح.. والله فاتتني.. طيب.. وما العمل.. أما أنا فلا أرى طريقة أخرى فيحسن بالنيل أن يقنع بأن يبقى بغير قياس لعرضه.. يكفي طوله».
قال: «لا تمزح».
قلت مقاطعاً: «والله أني أتكلم جاداً.. ثم أني لا أدري لماذا أتعب نفسي وأكلفها أن تقيس النيل».
قال: «اسمع.. أنا أعرفك طريقة. ألم نتعلم في المدرسة أن ضلعي المثلث المتساوي الضلعين أكبر من الضلع الثالث أي القاعدة.»
قلت: «جايز».
قال: «جائز.. ماذا تعني.. هذه حقائق».
قالت: «جائز.. الحقيقة أني تعلمت أشياء كثيرة في المدارس ولكني لا أذكر الآن شيئاً منها فأنا مضطر أن أصدقك. ولكني أخشى أن يكون غرضك أن تضحك مني ولهذا أوثر الحذر وأقول لك جائز..على كل حال تفضل».
قال: «حسن.. اسمع.. هذه حقيقة لا شك فيها.. ضلعا المثلث المتساوي الضلعين أكبر من القاعدة.. فكيف ينفعنا هذا في قياس عرض النيل.. أنا أقول لك. تأخذ ثلاثة أوتاد وثلاثة حبال وتذهب إلى أحد الشاطئين وتثبت فيه — على الأرض — وتدين. تدقهما دقاً قوياً ليثبتا ولا يتزعزعا.. ونذهب إلى الشاطئ الآخر وتدق هناك الوتد الثالث.. هذا الوتد الثالث هو رأس المثلث.. وما بين الوتدين الآخرين على الشاطئ الآخر القاعدة.. فاهم.. ثم تصل الأوتاد بالحبال.. مسالة سهلة جداً.. ثم تقيس وتحسب فتجيء النتيجة مطابقة للحقيقة».
قلت: «غريب.. ولكن اسمع.. ما العمل في المراكب والزوارق التي تمخر.. هل نؤخرها حتى نفرغ من الحساب.. أليست هذه مشكلة عسيرة الحل.. أم لها يا ترى حل هندسي أيضاً».
قال: «يا أخي لا تمزح.. لقد فعلت هذا مرات كثيرة».
قلت: «صادق.. صادق.. والله أن هذا لذكاء.. لو كان الذي اهتدى إلى الحقائق الهندسية يعرف أن ستستغلها على هذا النحو العملي المفيد …».
قال: «لقد ورثت هذه الدقة عن أبي.. ولكني لم أبلغ مبلغه مع الأسف.. مع التدرب آمل أن أكون مثله.. إن حسابي الآن — طبقاً لهذه الحقيقة الهندسية لا يجيء مخالفاً للواقع إلا بمقدار خمسين أو على الأكثر سبعين متراً فقط.. شيء تافه كما ترى».
قلت: «ولكن هل من الضروري أن يكون المثلث متساوي الضلعين أو لا أدري ماذا تسميه».
قال: «لا.. أبداً.. ليس هذا ضروري..».
ثم شردت نظرته وعلا وجهه السهوم فتركته لخواطره. ولم يلبث أن رد عينه إلي وقال: «أبي لا يكاد يخطئ.. صياد ماهر جداً. وأغرب ما في الأمر أن يقول لك أنه أخطأ الهدف بمقدار متر أو نصف متر أو سنتي.. خرجنا مرة إلى الصيد فأدهشني بدقته وإحكامه.. أطلق البندقية على بطة ثم نظر إلي وقال يا فريد الطلق مر من تحتها على مسافة ثلاث سنتيات.. ثم رمى أخرى وقال يا فريد الطلق مر من فوقها على مسافة ملليمترين.. ورمى ثالثة وقال آه يا فريد هذه طلقة لا مثيل لها.. شعرة فقط بينها وبين البطة.. وهكذا يا أخي.. فهل سمعت بمثل هذه البراعة العجيبة.. مقدار شعرة فقط.. لا أكثر ولا أقل.. تصور الشعرة ماذا يبلغ من سمكها.. ومع ذلك عرف.. استطاع أن يقدر المسافة بين الطلق والبطة على هذا البعد العظيم.. ما قولك. أليس آية..».
قلت: «والله شيء مدهش حقيقة.. ومن أين جاءته هذه البراعة».
قال: «العلم نور يا أخي.. وما فائدة العلم إذا كان الإنسان لا يطبقه ولا ينتفع به في حياته».
قلت: «صدقت.. ولكن هل أبوك يعرف المسافات بين الطلقات وبين الطيور التي لا يصيدها بالهندسة — أعني بواسطة المثلث المتساوي الضلعين أو غير المتساوي الضلعين».
قال: «وهل هذا كل ما في الهندسة.. يظهر أنك نسيت دروسك».
قلت: «كل النسيان.. نسيتها قبل أن أحفظها».
قال: «صحيح. هذا يحدث كثيراً».
قلت: «إنه يحدث دائماً».
قال: «لا. أنا لم أنس دروسي قبل حفظها. ولا بعد الحفظ».
قلت: «أنت أعجوبة.. وهل في الناس اثنان مثلك».
فصار وجهه كالجمرة من شدة الحياء والخجل من سماع المدح وكأنما أراد أن يصرفني عن نفسه فقال: «ولكن أبي ليست له مثل هذه الدقة حين تكون الحيوانات أليفة والطيور داجنة».
قلت: «وكيف كان ذلك».
قال: «إن نظره بعيداً جداً. يبصر كل شيء — أي شيء — على مسافة ميل ولكن إذا كان الشيء قريباً منه صعبت عليه الرؤية الدقيقة وأذكر أنه قام بيني وبينه خلاف على مسافة رجلي الدجاجة».
فصحت به «إيه».
فقال: «لا تصح هكذا.. إننا في مطعم.. فهل تريد أن يلتف حولنا الناس».
قلت: «معذرة.. لقد نسيت أن ههنا ناساً.. الحق أن كلامك استبد بعقلي»..
قال: «أشكرك.. نعم اختلفنا على المسافة بين رجلي الدجاجة.. هو يقول إنها خمسة سنتيات وأنا أقول أنها أقل بكثير.. وأخيراً اتفقنا على قياسها بالضبط والدقة فقال أبي هات الدجاجة فجئته بها.. تناولها من رجليها فقال كيف تريد أن تقيس وقد ضممت رجليها فتناولته من عنقها فصارت تلعب، وتحاول أن تفلت وتضرب برجليها فاستحال قياس ما بينهما ثم سكتت ولكن رجليها بقيتا مضمومتين فاتفقنا على تركها على الأرض وحاولنا أن نغريها بالسكون بقليل من الحب رميناه لها لتلتقطه ولكنها يا أخي كانت لا تسكن أبداً.. حركة دائمة..».
قلت: «لماذا لم تنتظرا حتى تنام وحينئذ يتيسر القياس كما تشاءان».
قال: «والله فكرة».
قلت: «هل تعني أن تقول أنك لم تفكر إلى الآن أيكما المصيب وأيكما المخطئ».
قال: «بالطبع أبي هو المخطئ.. ألم أقل لك أن نظره بعيد».
قلت: «آه صحيح..».
قال: «طبعاً».
قلت: «طبعاً».
وكانت هذه نهاية الحديث في يومنا ذاك فعدت إلى البيت وقيدته لئلا أنساه.

الفصل الرابع عشر
النحو


النحو، علم لا أعرف منه إلا اسمه، وما أكثر ما أجهل وأضأل ما أعرف ولو كنت وجدت من يعلمنيه لتعلمت وما قصرت، وكيف بالله تنتظر مني أن أعرفه بالفطرة والإلهام..؟
كان أول من قيل لنا أنه معلم نحو رجلاً قاسيا سيء الطباع سريع البادرة، وكانت له عصى قصيرة من الخيزران يدسها في كمه حتى إذا أمن أن يراه الناظر أخرجها وسلطها عل أجسامنا الصغيرة وأهوى بها على أيدينا، وجنوبنا، ورؤوسنا فلا يتركنا إلا بعد أن ينقطع نشيجنا وتخفت أصواتنا وتذهب عنا القدرة على الصراخ والاستنجاد فلم يكن أبغض إلينا من درسه.
ومن المضحك أن ذلك لم يكن يخيفا منه أو يزيدنا إلا إلحاحاً في معابثته، وكنت أنا أثقل التلاميذ عليه وأبغضهم إليه، لأني كنت — وأحسب أني مازلت — شيئاً صغيراً جداً وخفيفاً مستدقاً لا أستقر في مكان ولا أزال أنط من هنا إلى هنا ولا يكف لساني عن الدوران. فكان نصيبي من هذه العلقات النصيب الأوفر وحظي هو الأجزل.
وكان الناظر فيه سذاجة عجيبة لم تفتنا نحن الأطفال، وكيف كان يمكن أن يفوتنا التفطن إلى سذاجته ونحن مئات من الأطفال لنا مئات من العيون نفحصه بها، ومئات أخرى من الآذان والرؤوس تسمعه وتتدبر أمره وتجسه وتختبره.. فكنت أذهب إليه وأقول له على سبيل الملق والدهان «يا سعادة البك».
فيلتفت بوجهه الكبير إلي ويقبل علي بابتسامته البلهاء فقد كانت الرتبة جديدة وفرحه بها عظيماً. ويسألني «مالك يا إمن (بالميم فقد كان أخنف) عبد القادر».
فأقول له «يا سعاد البك الشيخ فلان يا سعادة البك معه عصى يخفيها في كم القفطان ويضربنا بها يا سعادة البك».
وكنت صادقاً ولكنه لم يكن يعرف أني صادق غير أنه كان يسمع «سعادة البك» تصافح أذنه مرات عديدة في نصف دقيقة فيطرب ويصرفه الطرب عن التثبت فيقول لي — متأمراً معي — «طيب. رح إنت إلى الفصل وعاكسه».
أي والله كان يحرضني على معاكسة الشيخ المسكين ليضبطه — كما يقال — متلبساً بالجريمة. أو كان يكتفي بأن يأمرني بالعودة إلى الفصل.
ثم يدخل هو ويفاجئ الشيخ بانتزاع العصى من كمه ويوبخه أمامنا — وينصرف. فتصيح أربعون حنجرة جديدة «هيه»! فيكاد الشيخ يجن وينهال علينا ضرباً باليدين والرجلين، فتنكشف سراويلاته، فيعلو الصياح من جديد! ولكنه يكون قد تعب وأضناه الجهد وبهر أنفاسه العدو وراءنا فيقف وهو ينهج ويخرج المنديل من جيب القفطان ويمسح به العرق المتصبب ونحن جميعاً نتكلم وليس بيننا واحد يصغي إلى ما يقال.
هذا كان أستاذنا في النحو. ولو أنه كان موفقاً في التعليم لكان الناظر وحده كفيلاً بإفساد الأمر عليه. فقد كان يتظاهر بالعلم بكل شيء وهو لا يعرف شيئاً. فإذا تورط ولم يسعه إلا الاعتراف بجهله.
قال: «جاهل جاهل. لكن إداري تمام».
ومن طريف ما أذكره من نوادره أنه دخل علينا في درس ترجمة وكان المعلم غائباً.ولم يكن هو يعرف ذلك وإن كان فيما يزعم إدارياً حاذقاً. ولكن سمع ضجتنا العالية فسأل فقيل له أن هذه الفرقة ليس فيها معلم فلم يندب غيره بل جاء هو إلينا بنفسه وبطوله وعرضه وسألنا: «ما لكم يا أولاد؟»
قلنا: «يا سعادة البك المعلم غائب».
قال: «الدرس إيه».
قلنا: «ترجمة يا سعادة البك».
فانشرح صدره واغتبط وأيقن أنه سيظل يسمع منا ما يسره!
فقال: «طيب وإيه يعني؟»
فقلنا: «يا سعادة البك لم نفهم الدرس السابق يا سعادة البك».
فسأل عن هذا الدرس السابق الذي استعصى علينا؟
فقلنا له أنه كان يحاول أن يعلمنا النفي في اللغتين العربية والإنجليزية ولكنا لم نفهم منه.
فأعرب لنا بعبارات صريحة عن دهشته وتعجبه لوزارة المعارف التي تعين مدرسين لا يحسنون تفهيم التلاميذ. وأكد لنا أنه يعطف علينا لأننا نؤدي للوزارة أجور التعليم كاملة ولا نتعلم مع ذلك شيئاً.
ثم قال: «إن المسألة بسيطة، وأن النفي سهل جداً، وأن أدواته في اللغة معروفة وهي «لا ولم ولن إلخ إلخ» والأمثلة سهلة ومعروفة».
وشرع يسوق الأمثلة، فلما بلغ (لم) قال: «مثلاً: لم كتب، لم ضرب. لم ذهب»!
فانفجرنا ضاحكين. وكان لنا العذر. وكيف لا نضحك من «لم كتب ولم ضرب»..!
فلما سكنت العاصفة بعض السكون قال يوبخنا ويزجرنا ويعظنا: «تضحكون.. ابكون.. ابكون..».
فلم يبق منا طفل على مقعده من شدة الضحك ولم يسكتنا الخوف منه وإنما أسكتنا الألم الذي صرنا نحسه في بطوننا من الضحك الطويل!
هذا في التعليم الابتدائي. أما في التعليم الثانوي فقد كان أول معلم لي فيه مصاباً بالربو، فكان لا ينفك يسعل ويتفل حتى توجعنا بطوننا، ولهذا كنا ننام في درسه أو نهرب منه اتقاء لوجع البطن!
ثم صار لنا معلماً آخر وكان سياسياً ولكنه كان في هذا نسيج وحده فكان يغلق النوافذ ليأمن أن يسمع أحد ما ينوي أن يقول — أعني ما ينوي أن يفضي إلينا به من الأسرار.
ثم يشرع في الحديث فيصف لنا كيف كان الحكم المصري على عهد الخديو إسماعيل ظالماً، فنجادله، وينقضي الدرس كله في هذا الجدل العجيب.
ولست أدري لماذا كان يجشم نفسه إغلاق النوافذ. ولو أن الناظر الإنجليزي سمعه لكان حقيقاً أن يسر لا أن يغضب ولكني أحسبه كان يفعل ذلك ليكون تأثير كلامه في نفوسنا أبلغ والعجب بعد ذلك أن تلاميذه كلهم صاروا وطنيين متطرفين في وطنيتهم لا خونة لبلادهم كما كان يشتهي هو أن يكونوا.
فممن كنت أتعلم النحو بالله وما الذي كان يمكن أن يغريني أن أتعلمه وحدي. ثم ما فائدة هذا النحو الذي أتعلمه ولم أحتج إليه.
وعسى من يسأل «وكيف كنت تصنع في الامتحانات»؟
فأقول أني كنت أقرأ ورقة الأسئلة وأترك النحو إلى آخر الوقت ثم أتناوله وأروح أجمع طائفة من الأمثلة أستخلص منها القاعدة فأجعل هذا جوابي. ولا شك أنه كان لا يخلو من نقص ولكنه لم يكن خطأ كله.
هذه كانت طريقتي وقد استغنيت بها عن حفظ ما في كتب النحو. وأراني الآن أصبحت كاتباً — وقد كنت في زماني شاعراً كذلك — وقد وسعني هذا وذاك بغير معونة من النحو. بل من غير أن أتعلم العروض.
وأذكر أني وأنا في مدرسة المعلمين العليا كان الشيخ حمزة فتح الله هو الذي يتولى امتحاننا في اللغة العربية — على الأقل في إحدى السنين — وكان من أعضاء اللجنة التي هو رئيسها الشيخ عبد العزيز شاويش وفتح الله بركات بك وأستاذنا في المدرسة وكنا ندخل على اللجنة واحداً واحداً كما هي العادة فأخبرني الذين سبقوني على أداء الامتحان أن الشيخ حمزة عليه رحمة الله يفتح كتاب النحو والصرف ويأمر الطالب أن يسمعه الباب الفلاني وكانت هذه مبالغة ولكنا صدقناها فأيقنت أني مخفق ووطنت نفسي على معركة. وجاء دوري فدخلت فناولني مقدمة ابن خلدون وقال افتحها في موضع واقرأ ففعلت فأمرني أن أضع الكتاب وشرع يسألني عن كلمة «العدوان» ما فعلها الثلاثي ولماذا يقال «اعتديا» — بفتح الدال للماضي — واعتديا بكسرها للأمر.
فلم أعرف لهذا جواباً فقلت «هكذا نطق العرب وعنهم أخذنا». فألح في طلب الجواب المرضي.
فقلت: «إن اللغة نشأت قبل القواعد. وأنا أنطق وأكتب وأقرأ كما كان العرب يفعلون من غير أن يعرفوا قاعدة أو حكماً».
فساءه جوابي ونهرني وخشي الشيخ شاويش العاقبة فقال له «يا مولانا. العصر وجب» فنهض الشيخ حمزة لصلاة العصر وتركني لزملائه فأسرعوا في امتحاني قبل أن يفرغ الشيخ ويعود.
وأحسب أن ما وسع العرب الأولين من معرفة العربية بلا نحو لا يعجز عنه أبناء هذا الزمان.
ومن الميسور فيما أعتقد أن تحل قراءة الأدب العربي محل النحو.
وليس يعجز رجال العربية عن وضع مختارات صالحة لكل سن.
وإذا كان لابد من النحو فليكن ذلك عرضاً وأثناء القراءة وعلى سبيل الشرح وللاستعانة به على الفهم. وعلى ألا يكون ذلك درساً مستقلاً يؤدى فيه امتحان.
أما الطريقة التي يتعلم بها أبناؤنا العربية فإني أراها مقلوبة لأنها تبدأ بما يجب الانتهاء إليه ومن ذا الذي يتصور أن صبياً صغيراً يستطيع ان يفهم ما الفعل وما الاسم وما الحرف وإن هذا يكون حكمه كيت وكيت وذاك يجري عليه كذا وكذا وأن هذه الفتحات والضمات والكسرات علامات إعراب أو لا أدري ماذا هي، وأن لفظاً يكون مسنداً ولفظاً آخر يكون مسنداً إليه إلى آخر هذه الألغاز التي لا يعقل أني يدركها طفل صغير، بل غني أنا الكبير أردت منذ أيام أن أراجع شيئاً فى النحو ففتحت كتاباً وقرأت فيه شيئاً ثم وضعته يائساً من الفهم ولجأت إلى وسيلة أخرى كانت أجدى عليّ من هذا الكلام الذي أراه لا يفهم وذلك أني كتبت الوجهين اللذين حرت بينهما واختلط عليّ الأمر فيهما فلم أعد أدري أيهما الصواب وأيهما الخطأ ثم ذهبت أنظر إليهم فالذي سكنت إليه نفسي أخذت به وتبينت بعد ذلك أن ما أخذت به كان هو الصحيح وأن عيني لم تخدعني وأن نفسي إنما اطمأنت إلى ما طال عهدها به من الصواب أما ما لم تألفه أثناء مطالعتي فقد رفضته.
والطريقة التي أشير بها تجعل العربية سليقة على خلاف ما هو حاصل الآن فإن أبناءنا يتعلمون العربية كما يتعلمون الإنجليزية أو أية لغة أجنبية أخرى لا يشعرون بصلة بينها وبين نفوسهم وكثيراً ما يتفق أن يخرج التلميذ وهو أعرف باللغة الأجنبية منه بالعربية. وليس بعد هذا فشل والعياذ بالله.
واسأل من شئت فلن تجد أحداً لا يقول لك أن اللغة العربية انحطت — أعني ضعف العلم بها — في هذا الجيل ولست أعرف لهذا سبباً إلا أن التلاميذ لا يتعلمون اللغة وإنما يحفظون نحواً وصرفاً وبلايا كثيرة أخرى مثل البلاغة إلخ لا تعلمهم اللغة وإنما تبغضها إليهم فإذا كان التبغيض هو الغاية المنشودة فلا شك أن المعلمين قد وفقوا إلى ما لا مزيد عليه. أما إذا كان الغرض هو التعليم فخير الأساليب هو الأسلوب الطبيعي الذي يتعلم به الطفل الكلام.

الفصل الخامس عشر
القطط


القط حيوان مغرور جداً. وله العذر يا أخي والله.. ولو أن أمة من الأمم بدا لها في عصر من العصور أن تعبد أجدادي أو أن تعتقد أن روح الله حالة في أجسادهم لكنت حقيقاً أن أزهي وأتكبر وأتغطرس وأرفع رأسي حين أكلم الناس وأزم بأنفي وأتبجح عليهم بما ليس عندي وأتمدح بما ليس في وأكون على العموم — وباختصار — نفاجاً فياشاً، إذا كنت تفهم ما أعني!
ولست أتخذ القط ولا أحبها أو أطيقها لأن آبائ لم يكونوا ممن عبدوها وآمنوا بحلول روح الله فيها إن كانوا قد عبدوا في جاهليتهم ما هو أحط منها في مراتب الحياة — الأصنام والحجارة — ولكنك تكفر بالحجر فتكسره وتفرغ من أمره، أما القطط فتفيء في أمرها إلى الرشد ولكنها هي لا ترشد أبداً ولا يفارقها الغرور العظيم الذي داخلها مذ رأت نفسها معززة مكرمة — بل معبودة — بلا موجب فالبلاء لهذا مقيم والمصيبة خالدة والعياذ بالله.
ومن غرور القطط أنه لا يستأنس أبداً — يسكن بيتك ويأكل طعامك، برضاك أو على الرغم منك ومع ذلك لا يكون معك إلا على حرف.. تمسح له شعره فيثني أرجله تحته ويرخي جفنيه ويروح يزوم أو «يقرأ» كما يقول العوام فكأنك تستلم حجراً مقدساً من فرط ما يكون من انصراف هذا الحيوان المتكبر عنك، وتدغدغه فلا يعني بأن ينظر إليك ليرى من أنت — أغريب أم صاحبه الذي يطعمه ويؤويه — بل ينحني عليك بأظافر يده وبفمه في آن معاً. وتقدم له اللقمة فينظر إليها شزراً ويعرض عنها محتقراً ويحول رأسه عنك بكبر دونه كبر وترفع لا يطاق حتى لكأنك تغلو في حضرة البابا. فإذا كان ما تعرضه عليه لحماً أو سمكاً أهوى عليه بأسنانه وهو معبس متجهم وانتزعه منك كأنما أنت تدنسه بلمسه أو حمله.
ولا يكون معك أبداً إلا متحرزاً متوثباً متوقعاً منك الغدر ومتهيئاً لمباغتتك بالخيانة. وليس أطغى منه ولا أغلظ كبداً.
وما أظن بالقارئ إلا أنه رأى ما يصنع القط بالفأر وكيف يمسكه بين يديه حتى يكاد يميته من الفزع ثم يطلقه ويقصر عنه فيقف الفأر المسكين جامداً لا يتحرك ولا يكاد يصدق أنه حر وأن في وسعه أن يذهب ويجري. والقط ساكت لا يمد إليه يداً ولا يبرز مخلباً فيطمئن الفأر ويشرع في الهرب وهو يتلفت حتى إذا وثق أنه آمن وثب عليه القط وهو يضحك في سره وغرس في جنبه مخالبه وراح يشكه بها شكاً يكون خفيفاً تارة وثقيلاً أخرى ثم يكف عنه مرة أخرى — وعينه عليه — ويكتفي بأن يربض ويتربص له وأن يلاحظه وهو يتلوى من الألم.
ويدرك الفأر أن الشك قد انقطع وإن كان آخر ما لقي منه لا يزال شديد فيتشهد ويقول «يا حفيظ. أعوذ بالله.. على وجه من أصبحت في يومي المنحوس هذا يا ترى.. على كل حال.. الحمد لله.. قدر ولطف.. ترى أين ذهب هذا الوحش الضاري.. يا حفيظ يا حفيظ. الله استرنا.. المهم الآن أن أذهب إلى جحري فإنه على ضيقه خير ألف مرة من ميدان هذه الغرفة التي لا آمن أن يثب عليّ فيها قط آخر — والعياذ بالله».
ويتوكل المسكين على الله يقول «هيه. يا معين ويروح يجر رجليه رجلاً بعد رجل، وذيله مسحوب وراءه على الأرض، ولا تبقى له قدرة على التلفت من فرط الإعياء ومن كثرة ما نزف منه من الدم القاني، فيمضي إلى الجحر وهو لا ينظر إلى اليمين ولا إلى الشمال ولا قدامه ولا خلفه، حتى إذا قارب الجحر وانتعشت نفسه قليلاً وعظم أمله في النجاة والسلامة وطول العمر وهم بوثبة أخيرة إلى حيث لا تدركه القطط ولا تستطيع أن تتبعه إذا بالقط المتربص على ظهره ومخالبه في لحمه الطري فيدرك الفأر اليأس ويستسلم ويقول في سره وهو يؤكل عسى الله أن يعوضني يوم النشور داراً أخرى لا قطط فيها.. ويلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يحلم بجنة الفيران.
والقطط تولد عمياء مطبقة الأجفان فيدركنا العطف عليها وترق قلوبنا لها فنعني بها ونتعهدها ونسقيها اللبن الذي هو لطعامنا ونبرها ونسرها سنة بعد سنة ونفرح بها ونعجب بمنظرها ونباهي الجيران، ثم يتفق أن نخرج يوماً وأن توصد الأبواب ونحن لا ندري أن القط في إحدى الغرف ونغيب شيئاً ثم نعود إلى البيت ويدخل أحدنا حجرة النوم ليخلع ثيابه فيغلق الباب وراءه كعادته وإذا بالقط على السرير ويتحفز للوثوب عليه وتمزيق لحمه — ما في ذلك شك — فكأنه ليس أمام قط صغير وإنما هو أمام نمر مفترس فيضطرب الرجل وتتخلخل ركبتاه ولا يعود يعرف أين الباب والقط يموء بل يعوي ويتوثب كالمجنون وقد نسي كل ما كان من سابق النعمة ولم يبق له هم إلا الخروج من الغرفة أو افتراس هذا الذي دخلها عليه وإن كان سيده وصاحب الفضل عليه.
وقد لقيت من قطط الجيران الأمرين فما أحب القطط كما أسلفت. وما أكثر ما يحدث أن أنسى نافذة مفتوحة أو باباً موارباً فيدخل القط ويمضي إلى أواني الطعام ويكشف عنها الغطاء — أي والله ولو كانت من النحاس الثقيل — ويلتهم كل ما بقي..
وقد كان لي جيران ما رأيتهم قط ينامون إلا بعد أن يغلقوا الأبواب والنوافذ جميعاً..
وكنت أضحك إذ أسمع رب بيتهم يصيح في الليل — والصوت في الليل يسري — «يا حنيفة.. هل أغلقت باب المطبخ» فتصيح حنيفة من مرقدها والنوم يغالبها «أيوه يا سيدي..» فلا يقتنع ويخشى أن يكون الكسل قد أغراها بالكذب فيقول «يحسن أن تقومي وتستوثقي وبعد قليل اسمعه يؤنبها ويقول لها «ألم أقل لك هذه النافذة لم تكن محكمة الإيصاد.. وهذا الباب.. أنظري.. لو دفعه إنسان بيده لانفتح» فتحلف أنها أوصدت كل الأبواب والنوافذ فيقول «لا يا بنتي.. دوري قبل النوم على كل باب وكل نافذة وامتحني كل منفذ بيدك لتتحققي».
«وكنت أعجب لهذا المتفزع وأسأل نفسي عما يخيفه وهو في عمارة لها بواب لا ينام إلا بعد أن يدخل كل السكان يغلق بابها بالمفتاح ويضعه — أعني المفتاح لا الباب — في جبيه.
فإذا تأخر أحد السكان احتاج أن يدق ويقرع الباب.. ثم زال عجبي لما بلوت قطط الجيران.. وأيقنت أنه لا يخاف اللصوص وإنما يخاف القطط.. وله العذر.
والعامة تعتقد أن للقط سبع أرواح وما أظنهم إلا صدقوا ومن كان يشك في ذلك فيتأمل كيف يسقط القط من فوق السطح العالي فلا يزيد على أن ينظر يمنة ويسرة — فإن في القطط تحرزاً شديداً — ثم ينهض ويمضي كأنما كان قد انحدر على بساط كهربائي. وتضربه بالحجر فلا يهيبه بل يرتد عنه. وهو مثال الفردية الصارخة والأثرة المجسدة.
وما رأيت قطتين اتفقتا قط وما اجتمع قطان في مكان إلا تحفزا للقتال فترى كلاً منهما قد رفع ذيله وقوس ظهره وراح يجس الآخر بعينه وهو يزوم ويقول «واووووووو» ويدور حوله ليغافله وينشب فيه أظفاره.
والقطة هي الدابة الوحيدة التي تأكل صغارها فتأمل ذلك. ومن كان يعرف أن حيواناً مستأنساً آخر يفعل ذلك فليخبرني فإن العلم بهذا ينقصني.
ومن غرور القط أنه يعتقد أن ريقه ترياق فتراه يضطجع على جنبه ويلوي عنقه ويقبل على شعره بلسانه ويلحسه ولا يخجل أن يستحم على هذا النحو أمام الناس بل لعله يباهي بذلك ويفخر قبحه الله. وهو مفطور على الغدر والخيانة فلا أمان له ولا اطمئنان منه لأحد من الخلق ولا لشيء من الأشياء فهو لهذا سيء الظن حتى إنك لتراه إذا صار على رف أو لوح من الخشب يخطو كأنهما هو يمشي على الجمر فيضع كفاً وينتظر ويخيل إليك من وقفته أنه يختبرها بكفه ويقدر مبلغ ثباتها وقدرتها على احتمال ثقله.
ثم يمد يده الأخرى وينتظر شيئاً زيادة في الاستيثاق ومبالغة في الحذر ولا يجد ما يبعثه على الشك ومع ذلك يظل يتريث حتى تزهق روحي وأنا أنظر إليه وإذا رابه شيء رد يده وسحبها من موضعها بسرعة وخفة ولو كان الإنجليز قد خلقوا قبل القطط وسبقوها إلى الدنيا والحياة لقلت أن القطط أخذت ذلك عنهم وقلدتهم فيه فإنهم مثلها يقدمون على الشيء متحرزين ويخطون خطوة ثم يقفون ينظرون ما يكون فإذا جرت الأمور على غير ما يحبون أو يتوقعون ارتدوا بخفة وبسرعة وإلا نقلوا رجلاً أخرى وهكذا فيظهر أنهم هم الذي يتقيلون القطط ويحاكونهم في هذا والله أعلم.
ولم يسرني قط وجود قط في بيتي إلا مرة واحدة وكان قطاً ملعوناً لا يزال كلما أوينا إلى مضاجعنا يتسلل — لا أدري من أين — إلى المطبخ ويرفع غطاء كل وعاء ويقلب كل صحن ويروح يعبث بما في المكان.
وليست نقمتي عليه من أجل ما يسرق فقلما يجد شيئاً في المطبخ لأن عادتنا أن نأكل كل شيء ولا نبقي شيئاً قبل أن ننام فلا نبيت الأوعية والصحون إلا فارغة نظيفة والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. وإنما نقمتي عليه من أجل الضجة المزعجة التي يحدثها والصحون والأطباق التي يكسرها فنهب مذعورين من فرط الضوضاء ونذهب نعدو إلى المطبخ عسى أن ندرك شيئاً قبل أن يتحطم وإذا بالقط اللعين يثب من الرف حين يرانا إلى النافذة دفعة واحدة.
وأقسم أني كنت أغلقت النافذة واستوثقت منها قبل أن أنام كما رأيت جاري يفعل ولكن من يصدق.
وتروح زوجتي تكذبني وتزعن أنى لا شك أهملت كعادتي أو أني اكتفيت بأن ألمس النافذة بيدي وباركها ثم قفلت راجعاً وأنا واثق أنها ستغلق نفسها بقدرة الله ومن غير حاجة إلى معونتي.
ونظل في هذا الخلاف السخيف الذي سببه لنا القط إلى الصباح.
واتفق يوماً أن دخل علينا قط ضخم بلا استئذان فهممت بطرده إذ حسبنا ما يصيبنا من القطط بالليل.
ولكني لمحت قطاً آخر واقفاً بالباب يشاور نفسه ولم أكد أراه حتى كانت المعركة ناشبة بين القطين وكانا يدوران وذيلاهما مرفوعان وكل منهما يتحين الفرصة للوقوع في خصمه وكانت أصواتهما المنكرة كأنها المسامير في آذاننا ولكنها كانت لهما كموسيقى الحرب على ما يظهر ثم اشتبكا بعد أن وزن كل منهما صاحبه وأخذت المخالب تطول وتنغرز في أجسامهما والأسنان تساعدها وكانا يتقلبان على الأرض — أعني على البساط — وهما يتصايحان بصيحات الحرب وأنا واقف من فرط السرور أشجعهما وأستحثهما وأقول للذي أراه يفتر منهما «عليك به أغرز مخلبك في عينه.. افقأها له ليعمى ولا يعود يرى النافذة.. برافو.. برافو.. أحسنت هكذا تكون البطولة وإلا فلا.. أيوه.. أعد.. أعد.. بارك الله فيك.. مزق جلده.. أسلخه.. تمام.. مضبوط.. عضه.. عضه.. يا أبله.. لا لا لا.. لا تبعد.. عد إليه تذكر الدجاجة التي خطفها وحرمني وحرمك لذتها.. تذكر — إذا كنت لا تعبأ بالدجاج — الفيران الطريقة السمينة التي يصيد كل ليلة ويأكل لحمها الغريض ويشر دمها القاني..
أقدم يا شيخ. أقدم.. أو لم تسمع بقول الشاعر الحكيم «وفاز بالطيبات الفاتك اللهج»..
وهكذا صرت أهيجهما حتى أوسع كل منهما صاحبه عضاً ونهشاً ولاذ أحدهما بالفرار.. ولكن الغريب أني لم أرد ما يسيل أو يقطر ولم تأخذ عيني تمزيقاً في جلد أحد القطين على الرغم من عنف القتال.. فهل كان هذا مزاحاً.. ومهما يكن من ذلك فقد استرحت من القطط المتلصصة بعد هذه المعركة ولله الحمد.. وبقيت الفيران قوانا الله عليها إنه سميع مجيب..

الفصل السادس عشر
التنكر


قلت مرة لنفسي: «لماذا لا أخرج للناس متنكراً كما كان يفعل الولاة والسلاطين والخلفاء وفيما تحدثنا الروايات أو الخرافات؟»
وليست لي رعية أتفقدها، ولا لي شعب أتعهد مرافقه ومراشده، ولكن هذا الخاطر استبد بي مع ذلك فلم يسعني إلا أن أجري معه إلى حيث يومئ؛ والتنكر فن، وإتقانه لا يتسنى إلا بالتدرب، ولكن قلت إن الله ركب لي في وجهي عينين أنظر بهما، وعندي مرآة تستطيع أن تريني هل وفقت أو أخفقت، وفي وسعي أن أعيد التجربة مرة وأخرى فلا أبرز للناس إلا وأنا مطمئن القلب.
وقد كان. اشتريت لحية كثة طويلة — شبراً وبعض شبر إذا أردت الدقة — وشاربين وحاجبين، ومسحوقاً أبيض أنفضه على شعر رأسي، وشرعت أجرب — أعني ألصق هذه الأشياء بوجهي وعيني على المرآة وكنت أوصد الباب علي، وأنا أفعل ذلك، لأضمن الوحدة، ولأني اعتزمت أن أجعل التجربة الأولى في بيتي. فلما وثقت أني قد أحكمت التنكر، وأني أستطيع أن أقوم وأقعد وأمشي، وأحرك رأسي، وألمس لحيتي، وافتح فمي، وأرفع حاجبي على هيئة المستغرب، وأضحك وآكل وأشرب من غير أن تسقط اللحية أو ينحرب أحد الحاجبين عن قوسه أو يتدلى شارب،على حين يبقى الآخر مفتولا — خرجت على أهلي، وعلى وجهي هذه الأشياء. وفي يدي عصا غليظة أتوكأ عليها وقد تقوست قناتي من الهرم، فلم تكد تقع علي العيون في مدخل الباب حتى صرخت أمي وجدتي وأسرعتا فسترتا وجهيهما عن هذا الشيخ الغريب؛ وكان أخي الصغير معهما فوثب إلى قدميه وصاح بي يسألني أنا من؟ ويأمرني أن أخرج. وينعتني بقلة الحياء وسوء الأدب ويهددني بالشرطة، وأنا أقول له بصوت يرعش من الكبر وما يجره من الضعف «حلمك، حلمك يا بني!» فيأبى أن يكون حليماً، ولا يعبأ بشيخوختي، ولا يترفق بوهني البادي، ويدفعني عن الباب فأكاد أسقط على الأرض فإنه صبي قوي، وأنا شيخ هرم أقوم على العصا، فلم تبق لي حيلة إلا الخروج من البيت كما أمر …
خرجت مطمئناً واثقاً؛وإذا كان أخي ابن أمي وأبي — لم يعرفني فكيف يعرفني الإخوان والخلان؟ ومن ذا الذي يمكن أن يفطن إلى أن هذه الغابة التي زرعتها حول وجهي وسترت بها شبابي جليبة؟ وكان انخداع أخي — لا أمي ولا جدتى — هو الذي أراح بالي، ونفى عني الخوف لأن فزعهما واستحياءهما منعاهما أن ينظرا ويحدقا؛ أما أخي فامره مختلف جداً، وقد كان يمسك بكتفي ويهزني ويدفعني ويحقد في وجهي متعجباً لجرأتي منكراً لتطفلي. ومع ذلك لم يعرفني!
ومضيت إلى شارع الدواوين، وكنا — أخواني وأنا — نختلف إلى «قهوة» فيه، ونقضي هناك بعض الوقت، نشرب «الخشاف» ونتبارى في لعب «الطاولة» ونصغي إلى الفوتغراف وننظر إلى الرائحين والغادين فلقيت في بعض الطريق أحد هؤلاء الإخوان، فوضعت يدي على كتفه وابتسمت له وقلت: «هل تستطيع يا بني أن تدلني على لاظ أو غلي».
فقال: «يظهر أنك لست من أهل الحي؟! هذا هو أمامك مسافة مائة متر لا أكثر».
قلت: آه! لعن الله الشيخوخة! وقاتل الله الضعف! مائتا متر! يا سلام! أقول لك.. ربنا المعين … نعم ربنا المعين».
وهممت بأن أنصرف عنه، فقال: تسمح بأن أتناول ذراعك وأساعدك على السير قليلاً؟»
فدعوت له بخير، وبشرته، وأكدت له أن الله سيجزيه أحسن الجزاء، وتركت له ذراعي، وسرنا معاً بعض الطريق، وأنا أدب بالعصا وأقول من الضعف «إه! إه» كما يفعل الشيوخ الذين انقطعت أنفاسهم، فقد كانت اللحية التي لففت فيها وجهي عظيمة جداً وبيضاء كالقطن. وبلغنا «القهوة» المألوفة فهمست في أذنه بصوت خافت: «أقول لك يا بني؟ سأستريح هنا قليلاً.. نعم فإن العجلة من الشيطان، ولا خير في أن يحمل المرء على نفسه ويكلفها فوق وسعها».
وجلست إلى أقرب مائدة ووضعت العصا عليها واضطجعت مغمض العينين حتى انتظمت أنفاسي وسكن اضطراب صدري، وهدأت دقات قلبي، ثم التفت إلى صديقي وقلت «الله يرحم أيام الشباب!! هل تعرف يا بني؟ لقد كنت أصعد درجات السلم — مائدة درجة — خمس مرات أو ستاً في اليوم، جرياً بلا تمهل أو ترفق؛وكنت أستحم في الشتاء القارس البرد من بئر في البيت، مرتين. مرة في الفجر ومرة في العصر؛وكنت أستطيع أن التهم نصف الخروف وحدي فضلاً عن غيره من الألوان.. أين هذه الأيام؟ إيه؟
وتنهدت: فقال: «يظهر أنك كنت قوياً متين الأسر في شبابك!»
قلت: «قوي؟ ولو لم أكن قوياً في شبابي لما عشت إلى هذه السن. أنا أقول لك. كنت أتناول عيدان القصب. سبعة وأربطها ثم أتناولها من الطرفين وأضرب بها ساقي، فتنكسر.. أعني العيدان هي التي كانت تنكسر لا ساقي بالطبع.. هأ هأ.. تنكسر ولا تبقى قشرة واحدة تصل قطعتي عود.. فهل تستطيع الآن — وأنت شاب — أن تصنع هذا؟»
فهز رأسه وابتسم، فقلت: «وعلى الرغم من ضعفي الظاهر وشيخوختي العالية، لا أزال محتفظاً ببعض القوة، ولولا أن الدخان قطع نياط قلبي لما رأيتني أنهج.. احذر يا بني أن تعتاد التدخين! إنها نصيحة شيخ مجرب. نصيحة لوجه الله. نعم لا تزال في القوة باقية.. هذه يدي.. أقبض عليها. احتفظ بكل قوتك وانظر».
وفتحت له كفي، ومددت غليه ذراعي فتناول يدي كماي فعل المرء عند المصافحة، ثم قبض عليها وقبضت على يده، وضغط وضغطت. ثم بدت عليه الدهشة، وقد نسيت أن أقول إني كنت وما زلت قوي الذراعين جداً إذا اعتبرنا ضآلة جسمي، وكل قوتي في يدي، فلا عجب إذا كان قد دهش، فقلت له: أرأيت؟ ألم أقل لك؟ وتصور كيف كنت خليقاً أن أكون لولا الدخان الملعون؟ لقد خرب صدري من سوء تأثيره».
وسحبت يدي وفركتها فقد كانت ضغطته قوية لا رفق فيها قبحه الله؛وجاء في هذه اللحظة واحد آخر من إخواني وكان كثير العبث، فوقف ينظر إلينا ويعجب، ثم سأل صاحبه بصوت عال كأنما كان قد وثق أني أصم.
من هذا الرجل الفظيع؟
قال: «هذا شيخ يستريح. اسمع. (لي) أعطه يدك ليمتحن قوتها.»
فقلت: «لا يا بني. تعبت.»
وقال اللعين الواقف: «ماذا تصنع بكل هذه اللحية؟ أليس في بيتك مقص؟ أو مخرطة؟ أو منشار؟»
فخطر لي أن أمازحه — وليتني ما فعلت — فقلت: «لا فائدة. وما غناء المقص؟؟ إنه يتقصف إذا لامسها.. والمنشار ما حيلته في هذه الخيوط الحديدية؟؟ لا.. لا تطمع في محوها، فقد أعياني أمرها مذ جئت إلى هذه الدنيا. وقد كنت حين بدأت أتعلم المشي بعد الحبو أتعثر بها.»
فقهقه اللعين ثم مد يده إليها وتناول شعرات منها وفتلها كما يفتل الحبل وأنا صابر جامد لا أتحرك مخافة أن أرتد برأسي فتتزحزح عن موضعها أو تسقط في يده، وكنت أبتسم أيضاً لأتألفه وأخجله عسى أن يكف عن لحيتي فأطمعه حلمي، فكف عن فتل الشعرات، وتناول منها قبضة، فاضطربت وجذب هو، أو ارتددت أنا — لا أدري — فإذا هي في يده؟
وقلت بعد أن سكتت العاصفة: «ما قولكما الآن؟ ألم أخدعكما؟» وبدأت أقلد نفسي وأقول: «هل تستطيع يا بني أن تدلني على لاظ أوغلي؟ لقد قطع الدخان أنفاسي، فيحسن أن أستريح هنا برهة. احذر يا بني الدخان فإنك ترى ما صنع بي. والآن أعترف أني كنت بارعاً.»
فقال اللعين: «بارع؟ أنت كنت بارعاً؟ لقد عرفتك على بعد عشرة أمتار. يقول إنه كان بارعاً؟ وأين المغفل الذي يمكن أن تخدعه هذه اللحية السخيفة؟. وعلى فكرة. ألا تنوي أن تخلف الشاربين والحاجبين؟ فانا أخاف أن يجتمع علينا الأطفال ويتدخل الشرطة وتسوء العاقبة بهما».
فنزعتهما، فما بقيت إليهما حاجة بعد زوال اللحية، ولكني لم أستطع أن أصدق أن يكون قد عرفني كما زعم بعد أن نكرني أهلي — وأخي على الخصوص. وقد أعياني أن أعرف الحقيقة، فسكت. وآليت بعد ذلك ألا أبرز للناس إلا في جلدي الذي خلقه الله لي …

الفصل السابع عشر
بركة «الإمام» …!


كان هذا منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وكنت يومئذ مدرساً للترجمة في المدرسة السعيدية الثانوية، وأقبل الامتحان العام — للبكالوريا والكفاءة — وعقدت له لجان شتى عينت، كغيري، مراقباً أو ملاحظاً في إحداها وكان أخي طالباً، وعليه أن يؤدي الامتحان في إحدى هذه اللجان.
واتفق أن دعيت أسرتنا كلها إلى عرس قريب لنا، بيته مجاور لبيت صهري، فذهبنا مغتبطين جذلين، ولكني كنت في قرارة نفسي مشفقاً من سهر الليل، وكيف يؤدي أخي امتحانه وهو لم ينم؟ وكيف أقوى أنا على المراقبة والكرى مرنق في عيني؟ غير أني لم أر لي حيلة، فتركت الأمر للمقادير.
وألفيت في بيت قريبنا هذا نفراً من الإخوان، فانتحيت بهم ناحية من الحديقة، وجلسنا بين الخضرة والماء، نسمر ونضحك، والعريس وأبوه يلحان علينا أن نخرج فنكون مع الجمع الحاشد لنسمع غناء الشيخ يوسف المنيلاوي — بلبل زمانه، ونحن نأب كل الإباء ان نتزحزح عن مكاننا لجماله، ونطلب أن يقدم إلينا الطعام، حيث كنا بلا كلفة.
وجاء — قبل الطعام — رجل من أهل طنطا لا أعرفه، يرتدي جبة وقفطناً وطربوشاً مثل طرابيشنا نحن «الأفندية»، وعليه لفة مزركشة، فحيا وقعد، وكان له معرفة ببضع الإخوان، فصفق أحدهم ودعا بالقهوة — قهوة البن — فلما أقبل الخادم بإبريقها في يد، والفناجين في يد، وصب من ذاك في هذه وناولنا، مال أحد الإخوان على الرجل الطنطاوي وسأله: «معك خلطة؟»
ولم أكن أعرف ما «الخلطة» يومئذ، فسألت عنها، فقيل لي: إنها عنبر ومسك.. ولا أدري ماذا أيضاً، قطرات منها تطيب بها القهوة، فقلت: هاتوا إذن من هذا المسك والعنبر، فأخرج الرجل زجاجة صغيرة، ومددنا أيدينا بالفناجين، فجعل يصب قطرات لكل واحد منا، فنشكره.
وكنا جلوساً على الحشايا والوسائد فوق سجادة على الخضرة ن فحسوت حسوة من فنجانتي، فكرهت طعمها على لساني، فقد كانت كلها زيتاً ثقيلاً — أو هكذا خيل إلي — فأرقت ما بقي في الفنجانة على الخضرة، وصحت بالرجل الطنطاوي: «ما هذا يا شيخ السوء؟ متى كان العنبر والمسك شراً من زيت الخروع؟»
ومضمضت فمي بالماء، وجيء بالطعام، فأقبلنا عليه كأن لنا عاماً ما طعمنا فيه شيئاً، وأكلنا ما لا يحسب الحاسب، وما كنت أنهض عن المائدة حتى شعرت بكظة مزعجة، فذهبت أتمشى بين الشجر، ولكني أحسست بدوار، فعدت إلى مكاني وملت بشق على الأرض، فإذا بها تدور كرأسي، وترقص أيضاً، وتعلو بي وتهبط، ففزعت، وانتفضت قائماً، وقد أيقنت أني لا محالة ميت ما لم أفرغ ما في جوفي، وعبثاً حاولت أن أفعل ذلك. على فرط اجتهادي، فجزعت، ولم يبق عندي شك في أن الذي صبه لنا الرجل الطنطاوي على القهوة من هذه «الخلطة»، ليس إلا نوعاً من المخدرات «كالمنزول»، فآليت لأخنقنه قبل أن أموت! وهمت به، وأنا كالمجنون، فحالوا بيني وبينه، وصرفوه، بالتي هي أحسن، أو بالتي هي أخشن — لا أدري — فما أخذته عيني بعد ذلك!
وجاءوني بليمون زعموا أن عصيره يفسد فعل هذه «الخلطة» فلم انتظر حتى يعصروه، وخطفته من أيديهم، وجعلت آكله بجلده، ثم قصدت إلى باب الحديقة وأشرفت على حشد المدعوين وتخت الشيخ يوسف، وقلت أتسلى بالنظر والسماع، ولكن كنت لا أري شيئاً واضحاً، وكان «قوس» الكمان يبدو لي كأنه يرسم في الجو دوائر ومربعات ومستطيلات، وكان صوت الشيخ يوسف كالطبل في أذني، فعدت أدراجي وانطرحت على الأرض، وكنت أغيب عن وعيي ثم أفيق، والقوم حولي كأنهم أصنام، لا ينطقون ولا يتحركون. فأدركت أنهم مثلي أو شر مني حالاً، سوى أنهم أقوى أجساماً أو أقدر على الاحتمال، أو لعلهم اعتادوا هذه «الخلطة» فهم لا يتأثرون بها كما تأثرت!
ودعوت أحدهم — وكان أهل بيته مدعوين في العرس فالبيت فارغ — أن يذهب بي إلى داره، وأن يعبث في طلب طبيب، فهز رأسه وبقي حيث هو، وعاودني الإغماء لحظة، فلما أفقت ورأيت أني باق حيث كنت، تبينت أن لا أمل في معونة من هؤلاء القوم، أشرت إلى خادم لمحته خارجاً وطلبت أن يجيئني «بخلطة» أخرى: سكر وخل.. فاستغرب ولكنه جاءني بما أمرت، فأذبت السكر في الماء، وخلطته بالخل، وشربت وقمت أعدو إلى ركن في الحديقة، فكان الفرج. فقد اضطربت نفسي ورمت ما فيها يتبع بعضه بعضاً، حتى خفت أن لا ينقطع.
ونمت بعدها ساعات، فلما كان الفجر. قمت إلى بيت صهري لأغتسل وأتهيأ للخروج إلى لجنة الامتحان، لأضمن ألا يتخلف أخي عن امتحانه، وخلعت ثيابي لأستريح قليلاً.
وإذا بي أرى أخي كالمجنون يصيح بكلام غير مفهوم، وكان رأسي لا يزال ثقيلاً مما مر بي في ليلتي، فسألته عن الخبر، فإذا هو معذور، ذلك أن خادماً في بيت صهري سرق سترته وحذائه، وسرق بنطلوني وطربوشي، فصار من المستحيل علينا أن نخرج من البيت، فما لنا فيه ثياب أخرى، ولا جئنا إلا بما على أبداننا فما العمل؟ لقد ذهب اللص بثيابنا، وكأنما تعمد أن يسرق منها ما يكفي لمنعنا من الخروج. وكيف بالله يخرج أخي بغير سترة وحذاء؟ وكيف أخرج بغير بنطلون وطربوش؟
وأضحكني هذا، فإنه أشبه بالنكتة، أو بما يسميه العامة «المقلب».
ولم يبق إلا أن نحاول أن نستعير من بعض الجيران ثياباً نعود فيها إلى بيتنا، وهناك نستطيع أن نرتدي غيرها، ويذهب كل كنا في سبيله.
وفعلنا بعد عناء، فقد كان الناس نياماً بعد طول السهر، فأزعجناهم وكلفناهم شططاً، ولكن المضطر يركب الصعب.
وقد نسيت أن أقول أن بيت صهري كان على «تخوم العالمين» وعلى مقربة من مسجد الإمام الليث بن سعد، فارتدينا الثياب المستعارة، وتوكلنا على الله، ومررنا بالمسجد، ووقف أخي يقرأ الفاتحة، لعلها تنفعه في «الامتحان» ببركتها: وكنت أنا مغيظاً محنقاً، فلم يخطر لي أن أقرأ لا الفاتحة، ولا سواها، وإني لأنظر وإذا بالخادم قاعد على باب المسجد.
ولم أعرفه في أول الأمر، لأنه كان في ثياب غير معهودة نكرته في عيني — ثيابنا المسروقة.
فلما استثبت جذبته من ذراعه فنهض، وعدنا به إلى البيت ونزعنا ما عليه من أشيائنا، ثم سألناه: فاعترف أنه سرق — وهل كنا ينقصنا أن يعترف؟ — قال: إنه لما بلغ المسجد أحس أنه مقيد، وألفى نفسه يجلس على الباب، ولم يستطع بعد ذلك أن يبرح مكانه!
فقال كل من سمع هذه القصة إنها بركة الإمام؛وقلت أنا في سري: لعل هذا هكذا، فما أدري، ولكني أحسب أن إيمان هذا الخادم بما لأولياء الله الصالحين من البركة والسر، قد فعل فعله، وكان له أثره حين مر بالمسجد، فاضطرب وارتبك، ولزم مجلسه حائراً، وكبر في وهمه أن «الإمام» قيده وأقعده عن الحركة.
وقد أصرت زوجتي يومئذ — رحمها الله — على أن تصنع «خبزاً وفولاً» لفقراء «الإمام»، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ فلم أعترض. وكيف كان يقبل مني اعتراض؟

الفصل الثامن عشر
في رأس السنة


دهش الثلاثة ووقفوا حيث هم — آذانهم مرهفة، وأحداقهم ثابتة وأنفاسهم معلقة، وكان الليلة ليلة العام الجديد — أو رأسه — وقد تهيأ حامد للخروج ولبس ثياب السهرة وأدار الراديو وراح يتمشى في الغرفة المفتوحة، فيمضي بها إلى العشاء والرقص والمرح.
وكانت الإذاعة في تلك اللحظة رواية متخيرة، ولكن حامد لم يكن باله إليها، وإنما أراد أن يغرق ضجات الطريق المتقطعة في ضجة أخرى أكبر لأنها أدنى لا تنقطع ولا تفتر فيألفها ويتسنى له أن يفكر، بعد أن تسكن أعصابه إلى وقعها المتصل، في أمره مع جارته، وفيما ينبغي أن يصنع ليحمل أباه العتيق الطراز على الرضى بما تقتضيه حياة العصر الجديد. ولم تكن به حاجة إلى أبيه، ولكنه لم يكن يريد أن يفسد بينهما الحال ن أو أن يضيف إلى عبء السنين التي يحملها، عبء الشعور بخيبة — إذا وسعه ألا يفعل، وكان أبوه في تلك اللحظة قد دخل بالمفتاح الذي أعطاه إياه حامد ليروح ويجيء كما يشاء. ولم يشعر به حامد لأن خواطره كانت تستغرقه، ولأن الراديو كان أعلى من يسمح بالالتفات إلى باب يفتح أو يغلق، ثم لأن الرجل لم يكد يرد الباب حتى وقف مذهولاً فقد سمع ضحكات نساء ولغط رجال، وكان ريفياً ساذجاً فيه ورع وتقوى، يعرف الراديو ويصغي بخشوع إلى ما يذاع من كتاب الله وقد يتفق أن يسمع بعض المقطوعات الموسيقية، ولكنه لم يشهد في حياته رواية تمثل، ولم يخرج عن عادته في التبكير في النوم إلا في الفلتات القليلة، فإذا كان قد وقف الآن مستغرباً منكراً فلا شك أنه كان معذوراً. ولم يكن يفهم شيئاً من الأصوات التي تتأدى إليه أو يفطن إلى دلالة الكلام.
وكان المذيع يصف حركة «الروليت» بعد أن توضع النقود وتذهب العجلة تدور وتخفت الأصوات انتظاراً لوقوف الكرة عند الرقم السعيد ولكن الرجل لم يكن يعرف أن هذا مذيع يصف للسامعين ما لا يرون، بل كان يظنه أحد رفقاء حامد ابنه في سهرة جمع فيها طوائف شتى من الرجال والنساء — نعم والنساء فما في هذا شك.. أليست هذه امرأة تقول: «أسرع يا ميمي. أسرع.. بين ا?? وا? ?..».
وهذا صوت رجل يصيح: «لا لا لا.. هذا من حق لولو.. نعم فقد رأيت ما حدث.. البك نقل الورق عن موضعه بكلمة وهو لا يدري».
وها هي الفتاة تعود إلى الكلام مرة أخرى وتقول: «مرسي يا حبيبي.. ميل مرسي».
فيقول الرجل الأول — هو بعينه بالتأكيد فإن الصوت واحد: «العفو.. لقد رأيت كل شيء وإذا كنت تسمحين بأن أقدم إليك نصيحة رجل مجرب فنصيحتي أن تكفي عن اللعب فإن مثل هذه الغلطة تكون في العادة إيذاناً بانتهاء حظ اللاعب».
لعب.. نصيحة.. حظ.. نساء ورجال.. ما معنى كل هذا يا ترى؟؟ في هذا وقف الرجل المسكين يفكر وكان يفكر في شيء آخر هو هل يدخل فيعرف الحقيقة كائنة ما كانت؟ أو يخرج فيدع ابنه لشأنه؟ ولكن كيف يستطيع أن يخرج ويدع ابنه؟.. وكيف يدخل ومعه نساء غريبات؟؟
ولم يكن هذا الأب الساذج هو الحائر الوحيد في تلك اللحظة، فقد كان هناك رجل آخر من طراز غير طرازه وجد باب المطبخ موارباً فتسلل منه ودخل على أطراف أصابعه وفي مرجوه أن يخفف عن صاحب البيت وعن نفسه أيضاً — ولم يكد يبلغ باب الدهليز حتى صافح سمعه هذا اللغط الكثير المنبعث من غرفة الاستقبال، ولم يكن كالآخر ساذجاً، فلم يلبث أن فطن إلى أن هاهنا ناساً يقامرون فسمرته الدهشة والحيرة، فقد كان يظن البيت خالياً فإذا هو عامر، بل غاص بالخلق. وكان سبب حيرته أن وجود هؤلاء اللاعبين جميعاً يجعل فرصة الغنم في ليلته هذه أكبر. والورق أخف محملاً وأخفى أمراً وحامله أقل تعرضاً للاعتقال، ولكن كثرة الموجودين يجعل تعرضه للوقوع في المحذور، أشد، فماذا يصنع؟.. أيأخذ بالأسلم فيعود من حيث جاء؟ أم يذعن للإغراء فيبقى؟ ولاسيما والأرجح أن القوم يشربون وبعد قليل يسكرون؟ على أن الأمر خرج من يديه فقد جاء اللبان في هذه اللحظة ووقف بباب المطبخ كعادته ورفع صوته بكلمة واحدة ولكنها طويلة ممطوطة «لبن!» فريع الرجل ووثب ودار حول نفسه، فقال اللبان: «اللبن.. عايزين لبن الليلة؟» فمشى إليه الرجل كالمضروب على أم رأسه فعاد اللبان يسأله «عايزين لبن ولا إيه؟. ما ترد!»
فأفاق الرجل وأشار إليه وقال: «هس.. هس» فاستغرب اللبان وقال: «هس إيه؟. عايز لبن؟ أنت مين قبله؟
فألهم أن يقول: «أنا الخدام. الجديد».
فقال اللبان: «طيب ما تقول كده من الصبح. عايز كام؟»
– «واحدة».
فناوله سلطانية ووقف ينتظر وصاحبنا ينظر إلى الدهليز ثم قال: اللبان: «ما تجيب أمال خليني أروح لحالي».
فقال المسكين «أجيب؟ أجيب إيه؟»
– «حق السلطانية!»
فألهم مرة أخرى أن يقول: «الصبح. عندنا ضيوف. ما أقدرش أنادي سيدي الوقت».
فمضى اللبان ومسح الرجل عرقه ووقف يستعيد انتظام أنفاسه وقد دار برأسه أن خير ما يصنع هو أن يخرج وراء اللبان وأمره لله في هذه الليلة المنحوسة. ولكن القدر أبى إلا أن يعد له مفاجأة أخرى أدهى وأمر.
ذلك أن الفتاة كانت قد وصلت ونقرت على حافة النافذة فخف إليها حامد وانثنى على النافذة يقبلها ثم اعتدل وهم بأن يقول لها أنه سيخرج لها حالاً، وإذا بها تستوقفه وتسأله: «من عندك؟» وتشير إلى الدهليز، فقد رأت بابه يفتح ويختفي فيه شبح، فعجب حامد لسؤالها ونفى لها أن أحداً عنده ثم نظر إلى حيث كانت تنظر، محدقة، فخيل إليه أنه يسمع أصواتاً فقال انتظري وخرج … ولكنها لم تنتظر فقد كانت فتاة عملية وكانت تحب حامداً وتقرأ الروايات البوليسية فجمع بها خيالها وجسم لها الأمر، وأوهمها أن خطراً عظيماً قد أحدق بفتاها، فذهبت تعدو إلى أقرب شرطي وجرته من ذراعه جراً فقد كانت خطوته بطيئة وهي تريد أن تطير.
وفي أثناء ذلك كان حامد قد خرج فألفى أباه واقفاً وراء باب الشقة فقال حين رآه يا شيخ ظنناك لصاً!
فسأله أبوه: من «عندك؟» فخطر لحامد أن هذا هو، الليلة سؤال الناس كلهم فضحك وقال: «لا أحد. لماذا لا تدخل؟ لماذا تقف هكذا؟»
وتذكر أن الفتاة واقفة عند النافذة ولم يدر كيف يفسر لأبيه وجودها — نعم يستطيع أن يقول أنها جارته — وهذا صحيح — وأنها مرت به، فوقفا يتبادلان التحية، ولكن أباه رجل محافظ ثم إنه يريد أن يعرف أباه بها أحسن تعريف.
على أن تفكيره في هذا لم يطل فقد سمع حركة في المطبخ فمشى إليه مستغرباً وضغط زر الكهرباء فإذا صاحبنا الذي تركناه هناك حائراً بين البقاء والهرب يمد يده إلى سلطانية اللبن وقد خطر له أن خير ما يصنع هو أن يأكلها قبل الخروج فلا يكون قد خرج من المولد بلا حمص كما يقول المثل.
وبقيت يد الرجل ممتدة لا هي تصل إلى السلطانية ولا هي تنثني إلى صاحبها فقال حامد: «ماذا تصنع هنا؟»
فتلعثم قليلاً ثم قال «جوعان».
قال حامد «أهو ذاك؟ ومن أين دخلت؟»
قال: «رأيت اللبان داخلاً فلما خرج وقفت أنادي فلم يرد أحد فدخلت».
فمال حامد إلى تصديقه، وكان مستعجلاً، فقد ترك الفتاة عند النافذة قال: «طيب كل واخرج. خدها كلها على السلم».
ودفعه وأغلق الباب وراءه وهم بأن يعود فسمع وقع أرجل ولكنه لم يعبأ بذلك وكر راجعاً إلى الغرفة فإذا أبوه واقف ينظر إلى الراديو ويضحك فلم يفهم ومضى إلى النافذة وأطل فلم ير أحداً فالتفت إلى أبيه يريد أن يسأله ثم آثر العدول وسمع دقاً على باب المطبخ وصوتاً ناعماً يناديه فذهب يعدو وفتح الباب وإذا به يرى شرطياً ضخماً مفتول الشاربين وفتاته والرجل بينهما وفي يده السلطانية فارغة فارتد حامد خطوات وقال: «ما هذا؟»
قالت صفية: «لقد صح ظني. الحمد لله».
فقال حامد ببلاهة: «تفضلوا.» وأفسح لهم الطريق «ولكن لماذا الشرطي؟»
فقال صفية وهي تدخل: «لماذا؟ أو تسأل لماذا؟ ألا تعلم لماذا؟ اللص يا روحي».
فكاد يضع يده على فمها ولكن أباه كان قد دخل فلم تبق ثم فائدة.
وقال حامد: بابا. هذه صفية. جارتنا. بنت أحمد بك. لا ليس هذا لصاً. أنا أعطيته السلطانية ليأكلها».
فقال الشرطي: «إذا كان الأمر كذلك فلا داعي لوجودي. سعيدة» وخرج وهو ينظر إلى صفية نظرة محنق.
وقالت صفية: «شرفت يا عمي».
فتمتم الرجل وهو مطرق وقال حامد: «أ. أ. نحن. أعني صفية وأنا. أ… خطيبان. واتفقنا على الزواج. بعد موافقتك طبعاً.»
فدنت منه صفية ومالت على كتفه وهمست في أذنه «قل إنك موافق».
فقال الرجل: «أنا متوضئ إبعدي قليلاً».
فضحكت وقالت: «إذا لم توافق فإني أنقض لك الوضوء.»
ففزع الرجل ونهض قائماً وقال: «لا لا لا احذري. الدنيا برد وأنا رجل كبير ضعيف وأريد أن أصلي العشاء».
فقالت له: «قل أولاً أنك موافق. وإلا. هه».
فلوح الرجل بذراعه وقال: «أنا مالي! مفلوقين في بعض.. فين السجادة يا حامد..».

الفصل التاسع عشر
في النسيان


أعوذ بالله من قولة «أنا» ولكني مصاب بنفسي وهذا عذري. وشر ما أصبت به منها النسيان وحسبك به بلاءً عظيماً. وقد صرت بفضله أو من جرائه — امرءاً له الساعة التي هو فيها فأعفيت من الهموم كما أعفيت من اللذاذات أو المسرات ومن ذكرياتها الحلوة.
ولا أسف على ذلك فقد تكافأ الربح والخسارة. ولو أراحني الناس كما أراحتني نفسي لتمت لي السعادة في هذه الدنيا الدنية.
ويبلغ من نسياني أني أكون ذاهباً إلى فراشي في الليل فأراني أقف أمام السرير متردداً حائراً لا أدري ماذا جاء بي إلى هنا.. أهي علبة السجائر أم أريد المعطف أو العباءة هذا في الشتاء — أم ماذا يا ترى.. ثم أستخير الله وأقول لنفسي «نم يا شيخ وأرح نفسك من عناء المحاولة فما فيها فائدة».
وأرقد على فراشي فتدور في نفسي معان وتمثل لذهني صوراً أتعلق منها بما يروقني فأغمض عينين — وقد قررت وأقول إن شاء الله في الصباح أكتب الفصل أو أرسم الصورة أو أقص القصة.. وأقرأ الفاتحة للموتى وآية الكرسي ليحفظني من العين وأنام.
ويطلع الصبح فأستيقظ مع الدجاج فإذا بي قد نسيت كل شيء وإذا بالصور والمعانى قد مسحت بقدرة ربك من اللوح ولم يبق منها ولا أثر ضئيل يدل عليها ويهدي إليها ويساعد على رجع ما ولى منها فاتعزى بأن الذي لا أجده لا يزال هناك وأنه غاب ولكنه لم يمح وقد تنتعش الذاكرة فجأة فيطفو ما رسب.
ويتفق أن أقف أمام المرآة لأسرح شعري أو أسوي ربطة الرقبة أو أفعل غير ذلك من الشئون التي تحوج في العادة إلى المرايا — وإن كنت أنا أستطيع ذلك كله بغير معونتها — حتى إذا صرت أمامها ووقفت متعجباً متسائلاً «لماذا يا ترى أنظر في المرآة، وأرفع يدي إلى جبيني وأفركه وأحاول أن أتذكر ولكن الأمر يعييني فأهز رأسي وأمضي لشأني.
وأقول وأنا ماض إلى عملي اليومي أني سأكتب كيت وكيت ويشغلني ذلك طول الطريق وأصعد إلى مكتبي وألتقي إخواني وزملائي ويجر اللقاء إلى التحدث في أمور شتى من عامة وخاصة حتى إذا خلا المكان وتناولت القلم وأقمت سنه على الورقة رأيتني أتساءل في أي شيء كنت أنوي أن أكتب يا ترى.. وكيف أمكن أن أنسى بهذه السرعة العجيبة وقد كنت مشغولاً به طول الطريق.. وأحتاج أن أبحث عن موضوع آخر.. ومن يدري.. فقد يكون الموضوع الذي أهتدي إليه بعد العناء هو بعينه الذي نسيته وأنا أحسبه غيره.
ومن كثرة نسياني تحتاج الخادمة أن تحاسبني كلما هممت بالدخول أو الخروج فإني أفقد مناديلي لأني أنسى أين أتركها أو ألقيها ولا أذكر ماذا صنعت بها. وزوجتي تعدها مسئولة عن هذه المناديل التي لا ينتهي الخلاف عليها ولا ينقطع الجدال من جرائها. فأنا أزعم أني تركتها حيث ينبغي أن تترك هذه الأشياء والخادمة تنفي ذلك وتؤكد أني لم أفعل — بأدب طبعاً — وتقسم أنها عدتها فألفتها ناقصة. وزوجتي تحدق في وجهي وتسألني هل أكون مستريح الضمير إذا صدقوني. ومن وصل الأمر إلى الضمير والذمة فإنه لا يسعني إلا أن أتردد وأقول بالأرجح والمعقول كأنها قضية منطقية.
فتشير زوجتي إلى الخادمة وتقول «يكفي.. إذهبي يا بنت» فتذهب البنت ولكنها تواجهني حين أهم بالخروج وتسألني كم منديلاً معي فأصيح بها «أوووه.. وهل أنا أعرف.. سبحان الله العظيم ألا يمكن أن يستريح المرء في هذا البيت.. ما معنى هذا التعطيل.. تنحي من فضلك».
فتقول: «أرجو أن تعدها».
فأقول: «وما الفائدة ما دامت تضيع.. هه» وأخرجها من الجيوب وأعدها وأقول «ثلاثة» مثلاً فترجوا ألا أن أنسى أنها ثلاثة فأقول «طيب.. طيب».
وتفتح لي الباب وأنا عائد وتسألني عن المناديل فأخرج ما أحمل منها وأرمي به إليها وأمضي عنها فتدركني وهي تصيح وتقول «هذه أربعة.. من أين الرابع؟»
فأتعجب وأقول: «من أين جاء.. ماذا تعنين.. ربما كنت اشتريته».
فتقول: «ألا يمكن أن تكون أخذت منديل صديق وأنت.. أنت..».
ويمنعها الأدب والحياء أن تنطق باللفظ فأنوب أنا عنها وأقول «ذاهل. أليس كذلك. كلا لم يبلغ الأمر هذا الحد».
فتلح وتقول: «ولكن من أين جاء إذن».
فأقول متململاً: «أووووه. إن شكواك لا تنقطع من أن المناديل تنقص وأنت الآن تزعمين أنها زادت واحداً فاحمدي الله إذن وأريحيني».
ولكني لا أرتاح لا منها ولا من ستها ولا من الأطفال ولا أزال أرى من يجري ورائي منهم ويخبرني أني نسيت الجورب أو لبست اثنين مختلفين أو تركت الطربوش ويوشك أن أخرج برأسي عارياً إلى آخر هذه التوافه التي لا أعرف لها آخراً.
وأحسب أن نسياني إنما يشتد لأن رأسي لا يخلو من شيء يدور عليه تفكير ويستغرقني ذلك حتى لأذهب عما عداه وقد كانت أمي — عليها رحمة الله — تتعجب لأمر وتقول لي «يا بني ما الذي يطير عقلك».
فلا يعجبني هذا وأقول معترضاً «إن عقلي لم يطر. ثم إن هذا غير معقول. أم تظنينه حمامة».
فتقول غير عابئة بملاحظتي «لم يكن أبوك هكذا. ولا أنا مثلك. إنك لا تتذكر شيئاً أبداً».
فأقول: «أني من صنعكما — أنت وأبي المحترم — فأين ذنبي بالله».
فتقول مستاءة: «لماذا لا تتكلم خيراً».
فأقبلها وألثم يدها وأسترضيها وأقول معتذراً «ماذا أصنع إذا كان ربي قد خلقني هكذا. واسع خروق الرأس. كالغربال القديم».
فتبتسم وتدعو لي الله أن يرد علي ما غرب من عقلي فأتقبل دعاءها بالشكر وأمري إلى الله.
والأم تحتمل ابنها وتصبر على ما يكون من ذهوله ولا تسيء به الظن وليست هكذا الزوجة فإنها تحمل ذلك على غير محمله وتؤوله بأنه قلة اكتراث وعدم مبالاة وأن الرجل لا يفكر فيه ولا يفرض لها وجوداً ولا يقيم لها وزناً إلى آخر هذا الهراء. وهي سليمة لا تخونها الذاكرة فليس في وسعها أن تدرك بلاء النسيان وأن تعذر المنكوب به. ومن العبث أن يقول لها المرء أن كثرة المشاغل هي التي تطير من الرأس كل ما عسى أن يكون فيه إذن لماذا لا يشغل الرجل بها هي ولا ينسى ما عداها هي.. هذا هو المشكل.
وما دخلت البيت مرة إلا شعرت أني لابد أن أكون قد نسيت شيئاً أوصتني به زوجتي فأقول لنفسي سترك الله.. وعونك أيضاً «وقد أكون مخطئاً ولكن الخطأ لا يمنع الشعور الثقيل وكثيراً ما يتفق أن يكون ظني في محل فلا تكاد ترى وجهي الناطق بتوقع اللوم حتى تبتدرني بقولها «بالطبع نسيت».
فأقول وأنا أتكلف الضحك: «أي والله.. صدقت.. الحق أن فراستك قوية».
فتقول: «وما العمل».
فأسأل متحرزاً: «في أي شيء».
فتقول: «في أن تذكر. كيف نحملك على التذكر».
فأقول: «اربطي لعبة في رجلي فاضطر أن أتذكر كلما سمعت كركرتها».
فتقول: «إني جادة».
فأقول: «نكتب الشيء في ورقة وأضعها في جيبي أو مع الساعة».
فتقول: «وتنساها في جيبك. وتخرج الساعة فترى الورقة فترميها وأنت ذاهل».
فأقول «فأقول» ألبسيني الجاكتة مقلوبة.. أزرارها إلى الخلف».
فتهز رأسها وتقول آسفة «كلا.. لا فائدة.. الأمر لله.. لو كان شيئاً يعالج.. ولكنه مستعص.. لا علاج له».
فأقول متشهداً: «صدقت يا امرأة.. أما والله إنك لمنصفة.. جزاك الله خيراً وقواك على احتمالي».
وأعترف أني كثيراً ما أنتفع بالمعروف المشهور من نسياني فإذا سألتني عما لا أريد أن أبوح لها به أو أذكر الحقيقة فيه تظاهرت بالبلاهة وقلت: «وهل أنا أعرف.. وأين العقل الذي يتذكر..».
وما قرأت كتاباً إلا نسيت ما فيه — نسيته جملة وتفصيلاً. حتى اسمه واسم كاتبه وقد أعود إليه فكأني ما قرأته ولا سمعت به فهو في كل مرة أعود فيها إليه جديد ولو كنت قرأته عشر مرات وهذا نافع لأن فيه اقتصاد. وكم من كتاب اشتريته ثم نسيت أين وضعته ثم يتفق أن أعثر عليه فأقف مستغرباً متسائلاً أتراني قرأت هذا الكتاب من قبل.. أم لم أفتحه.. على كل حال.. الأمران سيان.. توكلنا على الله».
وأحسب هذا يجعل العلم والجهل سيين ولولا أني أعرف أن ما أقرأ لا يضيع وإنما يختفي لأغراني ذلك بالانقطاع عن القراءة لقلة ما يبدو لي من فائدتها المحسوسة.

الفصل العشرون
الحظ المعاكس


الذين يعتقدون أنهم مضطهدون في الحياة وأن كل من في الدنيا وما فيها من ناس وأشياء يناوؤهم ويكيد لهم ويناصبهم معذورون وإن كان الأطباء يقولون أن هذا مرض فقد تتوالى المصادفة على وتيرة واحدة لا تختلف أو تتنوع حتى يكبر في وهم المرء أن هناك عمداً. فيروح بعذر ابن الرومي الذي حكوا أنه كان إذا رأى النوى مبعثراً أمام البيت يرتد داخلاً ويقعد عن التصرف في يومه ذاك إيثاراً لطلب السلامة مما يتوهم أنه لا محالة ملاقيه من السوء والشر.
حدث يوماً أني بكرت في القيام من النوم وليتيسر لي أن أكتب ما ينبغي أن أكتب في ذلك اليوم ثم أخرج لقضاء عدة حاجات لا سبيل إلى إرجاء واحدة منها. فأما الكتابة فاستحالت لأن الآلة الكاتبة تعطلت لعلة لم أستطع أن أهتدي إليها ولأني لم أجد في البيت كله لا حبراً ولا قلماً ولا شيئاً مما يستطيع المرء أن يكتب به فابتسمت — فما بقيت لي حيلة — وقلت «صدق المثل. باب النجار مخلع» وحدثت نفسي أن هذا يفسح الوقت لقضاء الحاجات الأخرى فارتديت ثيابي وخرجت من الشقة متوكلاً على الله فلم أكد أضع رجلي على الدرج حتى زلت قدمي ونهضت متوجعاً على يدي ورجلي فقد هاضني الاصطدام بالدرجات وحدثت نفسي أن ساقي على الأقل لا ينقصها هذا الرض الجديد ثم نفضت التراب عن ثيابي — بحكم العادة فإن السلم نظيف — ومضيت متحاملاً على نفسي إلى « الجراج» ولكن السيارة أبت كل الإباء أن يدور محركها ولست حديث عهد بالسيارات ولا أعرفني عجزت عن علاج حرانها إذا كان لأسباب عارضة ولكن الأمر استعصى عليّ في ذلك الصباح حتى كدت أجن فتركتها واستأجرت سيارة وفي ظني أنها أسرع من الترام وما إليه فلم نكد نقطع كيلو واحداً من الطريق حتى عرض للسائق راكب دراجة خرج فجأة من زقاق فأراد السائق أن يتقي أن يدوسه ويزهق روحه فاصطدم بحافة الرصيف وكاد يقتلني أنا أو يحطمني على الأقل. فأنقدت الرجل ما استحق من الأجر وقلت الترام أسلم وكنا عند محطته فوقفت ثلث ساعة أنتظره وهو لا يجيء لسبب لا أدريه، وأنا أحتمل المشي مهما طال ولكني لا أحتمل الوقوف خمس دقائق فأحسست أن بدني قد تضعضع وأن ساقيي أصبحتا لا تقويان على حملي وإن كنت دقيقاً خفيفاً — وزناً لا دماً — ورأيت مركبة خيل مقبلة فأسرعت إليها وركبتها والقارئ أعرف بمركبات الخيل وأكبر الظن أنه رأى كيف ينام الجواد وهو يوهمك إنه يجر المركبة.. ما علينا.. سرنا دقائق بسرعة كيلو وربع في الساعة وإذا بالترام الذي نفذ صبري وتهدم جسدي وأنا أنتظره يدركنا ويمر بنا كالبرق الخاطف ويتركني أتحسر على العجلة التي صدق من قال إنها من الشيطان لعنه الله..
وأوجز فأقول إن كل باب طرقته في ذلك اليوم الأسود ألفيته مسدوداً وإن أي رجل أردت أن ألقاه وجدته مسافراً أو مريضاً فأقصرت خوفاً على الباقين الذين كنت أريد أن أقابلهم أني يدركهم الموت.
ولا شك أن ابن الرومي كثرة تجربته لأمثال هذه المصادفات فصار يؤثر اختصار الأمر والنكوص من البداية اتقاءاً لمعاناة الخيبة التي مل تكرارها ولم يكن يجد فيها لذة وله العذر.
وأذكر أنه كان معنا في المدرسة الابتدائية تلميذ مجد مجتهد وذكي بارع وكان حرياً بالنجاح والسبق في أي امتحان ولم يكن لأحد منا أمل في مزاحمته ولكنه قبل كل امتحان يصاب بمرض يقعده عن أداء الامتحان وكنا نحن على نقيضه لا نصاب بمرض حتى ولا بزكام خفيف، وكان يتفق أن ينذرنا المدرس انه مختبرنا غداً في الجغرافيا فتهبط قلوبنا إلى أحذيتنا فقد كانت الجغرافيا أثقل ما نتلقاه من المعارف والعلوم في المدارس الابتدائية لأنها كانت عبارة عن أسماء خلجان وأنهار وجبال ورؤوس وبلدان ليس إلا وكان حفظ هذه الأسماء التي لا آخر لها يسود نور الضحى في عيوننا ولا أعلم ماذا كان يفعل سواي ولكني أعرف أني كنت أنشد المرض بكل وسيلة أعرفها فأروح أقف ساعة وساعتين في تيارات الهواء وأصب الماء البارد على رأسي في الشتاء وأترك رأسي مبلولاً للهواء وفي مرجوي أن أزكم أو أحم فلا يحدث من ذلك شيء وأضطر إلى الذهاب إلى المدرسة فما بي بأس يصلح أن يكون مسوغاً للتخلف وأعاني الاختبار الذي أنذرنا به وألقى جزاء العجز عن الحفظ.
وتمضي الأيام وأنا صحيح معافى وإذا بأحد المدرسين يبشرنا أنه سيذهب بنا إلى حديقة الحيوانات في يوم كذا فنفرح ونعد طعامنا ونمنى النفس بيوم جميل نلعب فيه وننط ونمتع العين بمنظر القرود والفيل ذي الخرطوم — أو أبو زلومة كما نسميه — والأسود.
ويصبح الصباح الذي أحلم به فأهم بأن أرفع رأسي عن الوسادة فإذا به أثقل من حجر الطاحون فأستغرب وأتحسسه فلا أجده مشدوداً إلى شيء فأسأل أمي فتقبل علي وتجسني ثم تقول «أنت سخن.. لابد من شربة حالاً «فأصيح» ولكن كيف أذهب إلى جنينة الحيوانات إذا شربت شربة «فتقول» جنينة الحيوانات.. أنت مجنون.. نم نم.. لا جنينة حيوانات ولا غيرها.. «فأتحسر وأقول لنفسي» بقي يا ربي تشفيني يوم امتحان الجغرافيا وتمرضني يوم جنينة الحيوانات.. الأمر لله «وأرقد وتجيء الشربة فأتجرعها بكرهي وبعد ساعتين اثنين تهبط درجة الحرارة إلى الحد الطبيعي..
ومن غرائب الدنيا أن فيها متزوجين يسخطون على نسائهم ولا يريدونهن — ولا يدري أحد لماذا تزوجهن إذن — ورجالاً يطلبون الزواج ولا يجدون النساء الموافقات، وفقراء لا يكادون يجدون الكفاف ولهم من البنين تسعة أو عشرة أصحاء يأكلون الزلط كالنعامة، وأغنياء يسر الله لهم الرزق وأدر عليهم أخلاف الثروة يشتهي الواحد منهم أن تكون له طفلة واحدة ولو كانت عوراء أو كسيحة.
وترى بنا دميمات ثقيلات الدم والروح يتزاحم الشبان عليهن ويطرحون أنفسهم تحت أقدامهن وهن لا يردنهن ولا يشجعنهم ويرفضن أن يكن زوجات لهم وأن كانوا صالحين وأحوالهم حسنة وسيرتهم مرضية.
وترى بنات جميلات رشيقات ممشوقات يفتن العابد بالحسن والظرف وحلاوة الطبع وطيب الحديث وبراعة الذكاء ولكنهن مسكينات لا يرغب فيهن أحد ولا يبالينهن مخلوق ولا يحلم بوجودهن شاب ولا كهل.
قالت لي مرة واحدة من هؤلاء الجميلات المسكينات — أعني المنبوذات — أن أغلب ظنها أن العنس هو كل حظها من الدنيا فتألمت وقلت لها «يا شيخة حرام عليك.. أهكذا كلام تقوله شابة في العشرين من عمرها «هذا اعتقادي. وأي شيء هناك يغري بالأمل.. أن للناس يطلبون المال «قلت» مالك جمالك وعقلك وحسن تدبيرك وأخلاقك الطيبة «قالت» أشكرك ولكنك لن تستطيع أن تحيي أملاً مات.. إني أدرى منك..» فتذكرت فتاة هي مثال مجسد للدمامة وثقل الدم وقلة العقل فقلت «إذا كانت فلانة قد وفقها الله إلى زوج صالح كريم.. فقاطعتني وقالت «هذا هو الذي يحدث دائماً.. أليس حظ فلانة هذه مدهشاً.. من كان يتصور.. اللهم لا اعتراض.. «قلت» إنك مازلت صغيرة فاصبري «قالت» بالطبع.. ثم أنه لا حيلة لي إلا الصبر ولكنه لا يسعني إلا أن أرى وأتعجب.. هل تعرف أن كل من زارتنا خاطبة — وإن كانت لم تصرح ببواعث الزيارة — ذهبت ولم تعد.. وليس هذا فقط بل سمعنا من معارفنا أن هؤلاء الزائرات الخاطبات عبنني بكيت وكيت (وذكرت لي عيوباً ليس في شيء منها) وإن كل حديث جرى مع أبي في أمر زواجي انتهى بالانقطاع بلا سبب نعرفه «فلم يسعني إلا أن أرثى لها. فليس كل ما تعانيه إبطاء الحظ عليها بل شر من ذلك الإيلام الذي يحدثه صدة الخيبة كلما نشأ الأمل وقد كان من أثر ذلك أنها صارت تجنح إلى التمرد أحياناً على المجتمع وعلى حالاته وما يكون بين الناس فيه فلولا أن لها من عقلها وحسن تربيتها وازعاً قويا.
وقالت لي مرة وأنا ماض بها إلى بيت خالة لها: «شف. أنا لا أخرج قط إلا مع أبي أو أخي أو معك أحياناً. ولكني واثقة أن ناساً يعرفون وجهي ولا يعرفون صلتك بنا سيرونني اليوم وواثقة أيضاً أنهم سيعتقدون أنك.. أنك غريب.. وأني خارجة معك للنزهة أو.. وأني بالاختصار بنت فاسدة الأخلاق.. وواثقة فوق هذا أنهم سيعنون بأن يذيعوا هذا عني كأن لهم ثأراً عندي.. فما رأيك».
فقلت لأخفف عنها: «المصيبة واحدة.. أنا أيضاً رجل تقي ورع أخاف الله وأتقيه ولي زوجة وأولاد. وأنا واثق أن ناساً يعرفونني ولا يعرفونك سيروننا فيقولون كل منهم في سره أو لصاحبه شف. شف. أما أن معه لبنتاً.. يا ابن ا?..».
فضحكت فقلت: «هذا أحسن.. ليس في وسعنا أن نصلح الكون إذا صح أن به حاجة إلى الإصلاح ولكن في وسعنا دائماً أن نتلقى ما تجيء به الحياة بابتسامة حلوة كابتسامتك وأن لم يرزق كل إنسان مثل هذا الفم الجميل».
وهكذا الدنيا دائماً..

الفصل الحادي والعشرون
في الحب..


غضبت على ذات دل وحسن. ومن النساء من تدلل ولا حسن لها. ومنهم الجميلة التي لا تدرك قية ما وهبها الله ولكن هذه عارفة مدركة أصح إدراك وأدقه وآية ذلك أنها لا تنفك تؤكد خصائص جمالها وتبرزها بألوان الثياب وأسلوب التفصيل وبطريقة تسريح الشعر وفرقه وبحركاتها ومشيتها ولفتة وجهها والجانب الذي تؤثر أن تمنحكه منه وبابتسامتها وخطرتها ووقفتها وبالصورة التي تعرضها على عينك وهي متكئة على ظهر كرسي أو حافة شرفة إلى آخر ذلك إذا كان له آخر.
وسر هذا الغضب أنها تؤمن بالدلال — كما لا يسعها إلا أن تفعل — وإني أنا أؤمن بقول المتنبي عليه ألف رحمة
زودينا من حسن وجهك مادام فإن الجمال حال تحولوصلينا نصلك في هذه الدنيا فإن المقام فيها قليل فلها عقلها وطبيعتها ولي عقلي وطبيعتي ومن أجل ذلك نحن مختلفان متجافيان — تراني فتعرض عني وأراها فأتجاوزها بعيني كأنها ليست هناك وتراجع نفسها أحياناً فتصفو وتقول عفا الله عما سلف وتومئ لي إيماءة خفيفة خفية من الكبر والتردد فأتجاهل وأتعامى وأتباله فترجع إلى شر مما كانت فيه من الغضب والسخط وتمنحني كتفها أو توليني ظهرها.
وتمضي الأيام على هذا التقاطع الشديد — أخرج إلى الشرفة وتكون هي مطلة من النافذة فتأخذني عينها فما أسرع ما تتناول صراعي الشباك وتغلقهما بعنف لا داعي له سوى أنها تري أن تسمعني صوت الإغلاق لأدرك معناه. وأكون أنا في الشرفة فتظهر في نافذتها أو شرفتها فلا أكاد أراها حتى أعبس وأمط بوزي كان من سوء حظي ألا أستطيع أن أقف في الشرفة دقائق من غير أن تسد الفضاء أمامي. ثم أدور دورة سريعة وأرتد إلى الغرفة ملتمساً الوقاية من جدرانها.
ولم يكن هذا حالنا من قبل بل كنت أقبل عليها فتهش لي وتريني وميض أسنانها والتماع عينيها وكنت ألقاها فتدنو مني حتى لأحس أنفاسها العطرة على وجهي وتضع راحتها البضة على قلبي وتقول لي «كيف حال هذا المسكين الذي لا يمل الدق بل الوثب».
فأقول: «أتريدين أن يمل».
فتقول: «أعوذ بالله.. ما هذا الكلام يا شيخ..».
فأصرف الكلام عن وجهي وأقول «إنه يدق لي ولك فلا عجب إذا كان يتوثب».
فتبتسم لي — في عيني — وتقول «ألا يمكن أن يفتر ذكرك لي — يفتر قليلاً — ليرتاح هذا القلب بعض الراحة إنه عنيف الدق وأنا أشفق عليه».
فأقول: «لا تخافي عليه ولا تجعلي إليه بالك.. دعيه يدق فإن هذا عمله وواجبه في الحياة».
ثم نمضي معاً إلى حيث يروق القعود ويطيب الحديث وتحلو النجوى ويحسن الغزل ونرجع ضاحكين وننام ملء عيوننا.
وقلت لها مرة: «لماذا هذه المساحيق كلها.. ما حاجتك إليها كيف يمكن أن يفتقر إلى زيفها هذا الوجه الخارج من الفردوس».
فضحكت وقالت «أهو زيف..».
قلت مغالطاً: «إنه تأكيد لا حاجة بك إليه».
قالت: «يا خبيث..اعترف أنك تريد أن تقبل فمي وتخشى أن يعلق بشفتيك الأحمر».
قلت: «ألا يكون مجنوناً أو أعمى ذاك الذي لا يشتهي أن يقبل هذا الفم الجميل».
قالت: «لا تغالط.. دع العموم إلى الخصوص».
قلت: «أتتعمدين أن تضعي هذا الأحمر إذن».
قالت: «لا. هي عادة ليس إلا..».
قلت ملحاً: «أتكرهين أن أقبلك.. أو بعبارة أصرح فإن عفريت الصراحة ركبني اليوم.. ألا تشتهين هذه القبلة التي تقيمين في سبيلها الحواجز وتضعين الأسلاك الشائكة أو الأصباغ العالقة».
قالت: «مالك اليوم.. ماذا جرى لك».
قلت: «إن الذي جر لي هو هذا.. أنت تعرفين أني أحب فمك.. وأنت لا تكرهين أن أضع شفتي على شفتيك.. وتعرفين أيضاً أني شديد الكره لهذا الأحمر السخيف وتعرفين فوق هذا أن إزالته سهلة إذا هو علق بفمي منه شيء يسير أو كثير ولكني مع ذلك أكرهه لله..
هكذا أنا.. خلقني الله كذلك ولا حيلة لي.. فلماذا تصبغين به شفتيك على الرغم من ذلك.. ليس الأحمر في ذاته هو الذي يضايقني ولكن تعمد وضعه.. إذا كان الدلال هو الباعث على ذلك فإن الدلال ميسور بغير أحمر..
وعلى أن الدلال حسن وجميل وهو يشحذ الرغبة ويقوي الحب إذا كان في حدود الاعتدال ولم يجاوز المعقول أو المحتمل.. أي ما يسهل على الرجل احتماله بلا عناء شديد أو مرهق..
ولكن المرأة لا تفهم هذا مع الأسف وهي لا تزال تلح في الدلال وتلح وتلح حتى يسأم الرجل وتنتفخ مساحره ويتعذر عليه الصبر ويضيق صدره فيفتر حبه لأنه يكلفه فوق ما يطيق أو ما يمكن أن تحتمل طبيعته فتذهب المرأة تقول غدر الرجال وعدم وفائهم وتقلبهم ولو أنصفت للامت نفسها ولأدركت أنها هي التي أزهقت روحه».
فقطبت وقالت «أهذا تهديد».
قلت: «وهذا خطأ آخر. فليس فيما أقول تهديد وإنما هو عجب واستغراب يدعو إليهما اختلاف الطبيعتين..».
فقاطعتنى وقالت: «قل إن طبيعتك المتجبرة تريد أن تجعل منى ملهاة لنفسك لاتخالف لك إرادة ولا تعصى لك أمراً..».
فقاطعتها وقلت: «كلا.. ليس هناك تجبر ولا شبهه إنما أشرح لك ما تغريك به طبيعتك وما تغريني به طبيعتي..».
ولا أحتاج أن أروي كل ما قالت وقلت فإن في مقدور القارئ أني يتصور ذلك وأكبر الظن أن تجارب مثل هذه مرت به وعاناها فما تعيش المرأة بغير رجل ولا الرجل بغير امرأة إلا في الندرة القليلة والفلتة المفردة ومتى عاش رجل وامرأة فلامفر من أن تسوقهما الطبيعتان إلى الشجار والنقار في بعض الأحيان. وأكثر ما يحدث ذلك من جراء توافه لا قيمة لها ولا يجري في الخاطر أن تجر إلى خلاف.
وقدحاولت يومذاك أن ألاعبها وأمازحها بعد فتور الحدة وذهاب السورة ولكن تعبي ذهب عبثاً ورجعنا وقد أيقن كل منا أن هناك سراً أعوص لما أبدى صاحبه من الجفاء وضيق الصدر.
ولقيتها بعد ذلك فقلت لنفسي أن العتاب يجدد مرارة الخلاف ولم يكن لي ولا لها مفر من الكلام والنفاق فقد كنا في حفل حاشد من المعارف والأهل، وانفض السامر فناولتها ذراعي وقلت «تعالي فإن بي حاجة إلى الهواء الطلق «فابتسمت فتوهمت أنها نسيت ما كان بيننا أو آثرت مثلي أن تطويه. وإذا بها تقول لي أول ما تقول ونحن في السيارة «إنك مستبد» فعجبت وقلت «كيف.. لقد كنت أظن أني من ألين خلق الله وأسلسهم قياداً «فصاحت بي» أنت.. تقول أنك لين سلس القياد.. أعوذ بالله..».
قلت وأنا أحاول أن أصرفها عن هذا الموضوع الشائك: «طيب.. هنا وسلمنا.. مستبد مستبد كما تشائين.. والآن يا جاحدة.»
وكنت أنوي أن أمازحها ولكنها قاطعتني بسرعة وحدة: «جاحدة لماذا بالله.. هه».
فقلت لنفسي أن ليلتي لا شك سوداء.. وأنا رجل أكره هذا الجدل العقيم ولا يثقل على نفسي شيء مثله ولست أعرف لي صبراً عليه غير أني ضبطت نفسي ولم أدع عنانها يفلت من بين أصابعي.
فقلت: «معذرة.. إني أضحك ولا أعني ما أقول».
قالت: «أعترف أنك مستبد».
قلت: «إذا كان الاعتراف بما ليس في يرضيك فهاأنذا أعترف وأمري إلى الله».
قالت: «كلا.. إنما أريد اعترافاً صريحاً لا مكابرة ولا تحفظ فيه».
قلت: «فليكن ولكن ما خيره.. ماذا يفيدك أن أقر لك بأني مستبد أما أن هذا لغريب».
قالت: «اعترف والسلام.. لست أريد فلسفة».
قلت: «اعترفنا يا ستي.. فهل راق مزاجك ورق».
فضحكت وقالت «نعم».
قلت: «إذن امسحي الأحمر الذي صبغت به شفتيك أو دعيني أمسحه لك بهذا المنديل.. إنه نظيف».
قالت: «كلا» وأصرت على الرفض والتأبي.
فقلت: «ألا تدركين أنك مغرورة» فاحمر وجهها كأنما أفرغت على وجنتيها كل ما في الدنيا من الأحمر.
فقلت وتعمدت أن أثقل عليها: «نعم مغرورة.. ولم أكن أحسب شوقي رحمه الله صدق في قوله والغواني إلخ.. تعرفين الباقي.. وأحسبك تتوهمين أن حياتي رهن بأن تمسحي هذا الأحمر.. أو أن روحي معلقة بشفتيك وما يكون أو يكون عليهما من الأصباغ السخيفة.. ثقي أن الأمر ليس كذلك.. إنما أنصح لك بمسح الأحمر لأنه..».
وأمسكت إشفاقاً عليها من اللفظ القاسي الذي كان على لساني فسكتت ولم تقل شيئاً.
والغريب أنها بعد أن نزلت أمام منزلها وودعتها تعمدت أن تقد هنيهة قبل أن تدخل من الباب وتخرج منديلاً صغيراً وتمسح به الأحمر عن شفتيها وفي يدها الأخرى مرآة الحقيبة..
وكان هذا آخر عهدي بلقائها وكلامها.
ولا تزال المعركة ناشبة وأحسبنا سنمل هذه الحرب الباردة — حرب الشفاه الممطوطة والأكتاف المهزوزة والإشاحة بالوجه والإعراض بالعين وتقطيب الحواجب وتجعيد الجبين إلى آخر هذه المناظر المضحكة ولولا أني لا أعدم القدرة على رؤية الجانب المضحك لانفلقت ولكنت حرياً أن ألقي السلاح وأعدل عن الكفاح ولكنها هي متكبرة.. أوه جداً جداً.. وأنا كما تعرف.. دائم الضحك — هذا أولاً — وأما ثانياً فإني لا أنفك أقول لنفسي لقد عشت قبل عهدها دهراً طويلاً لا تحس بالحاجة إليها ولا تعرف أنها موجودة. وأنك الآن تحيا بغيرها ولا تعدم نعيماً تفيده بدونها ومن غير طريقها فماذا ينقصك ولماذا تعني نفسك بالتفكير في الأمر كله.. دع كل شيء للظروف والمصادفة.. وليكن ما يكون..
ولكن يخطر لي أحياناً أني قد ألقاها ولا أرى على شفتيها هذا الأحمر فماذا يكون العمل حينئذ.. أقول لك.. دع هذا أيضاً للمصادفة وإلهام الساعة فإن التدبير هنا قلما يجدي أو يصح..
ولكن ضحكي يحنقها وابتسامي يثير سخطها وأنا لا أستطيع أن أكره نفسي على التعبيس بلا موجب وهذا هو البلاء والداء العياء فإنها تتوهم أني أسخر منها فتزداد لجاجة في الصد والإعراض. وأحسبني سأظل هكذا أبداً.. أفسد على نفسي متع الحياة بسوء تصرفي وقلة حكمتي فلا حول ولا قوة إلا بالله.

الفصل الثاني والعشرون
كلمة عن الشعر


يقول الشاعر:
الشعب صعب، وطويل سلمه
إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
هوت به إلى الحضيض قدمه
فأما أنه صعب فصحيح، ووجه الصعوبة فيما يبدو لي، أن الملكة وحدها لا تكفي، وأنه لا معدى عن الأداة التي يتسنى بها للملكة أن تظهر وتتبدى، ولكل فن أداته، فأداة الموسيقى مثلاً الأصوات المؤتلفة أو المتسقة أو المتجاوبة التي تلائم المعاني المقصودة وتصورها في نفس السامع على قر ما يدخل في طاقة الصوت الصرف أن يفعل ذلك، وأداة التصدير الألوان من بسيطة ومركبة أو متزاوجة، وأداة الشعر تأليف الكلام على نحو يفيد القارئ أو السامع معاني الجمال أو الجلال التي يراد العبارة عنها.
وأما أن السلم طويل فأحسب أن المراد به — أو على الأقل ما نفهم نحن في زماننا أنه المراد به — هو اكتساب المرانة والمرونة في الأداء، فإن كل فن — ككل صناعة — تكتسب المرونة فيه على الأيام، ولا يخلو أمره في البداية من بعض العسر، وأذكر أن المرحوم حافظ إبراهيم كان في مجلس شهدته، فأوحي إليه الحديث الدائر معنى ارتجله في بيتين، فقال له بعضهم «ارتجلتها أم كنت نظمتها من قبل؟» فقال حافظ: لي أربعون من السنين وأنا أنظم الشعر فكيف لا أقدر على ارتجال بيتين اثنين؟
وقد كان حافظ شاعراً ليس إلا، ولم يكن ممن يعنون أنفسهم بالبحث، ولكنه أصاب في جوابه، الذي نطق به على البديهة، فإن سهولة النظم أو سهولة الإعراب عما يدور في الذهن أو النفس، من ثمرات المزاولة الطويلة، ولا احتاج إلى أن أقول أن السرعة في النظم لا علاقة لها بجودة المعنى أو سموه، فإن هذا شيء آخر مختلف جداً، وإنما أردت أن أقول أن القدرة على الأداء — سواء أكان المعنى جيداً أم سفسافاً — تزداد بطول المرانة حتى ليمكن أن يقال أن الأمر من هذه الناحية يصبح صناعة.
وليست العبرة في حسن الأداء ووفائه بكثرة المحفوظ، وإنما هي بالقدرة على تخير الرموز الدالة على المراد أو في دلالة، وكما أن الغني الواسع الثراء لا يحتاج إلى كلما ماله في مطالب العيش، كذلك لا يحتاج الكثير المحفوظ إلى كل ما حفظ أو عرف، وكل ما تفيده الكثرة هنا هو الخبرة بأساليب التعبير وألوانه، والثقة بالنفس، والاطمئنان إلى توفر المادة، على أنها — أي الكثرة — قد تكون مبعث حيرة؛ أو تغزي بالإسراف والتظاهر والانحراف، فيجني ذلك على الدقة والإحكام، ويشوه جمال المعاني، أو يفقدها جلالها وروعتها، ويصبح الشاعر أو الكاتب أشبه بالمرأة التي تظهر في حفل من الزينة، وتحمل كل ما ملكت يداها من حلي ولو اقتصدت أو آثرت العطل لما كان ذلك ضائرها، ولا كان من شأنه أن يغض من حسنها الطبيعي.
في قصائده ورواياته الشعرية قليلة، ولكنه استطاع بهذا القليل أن يؤدي معانيه جميعاً أحسن أداء، وأجمله، وكان جوتيه معاصره وزميله يمتاز بالثراء اللغوي، ومع ذلك لا يخلو كثير من شعره من الغموض المتعب، لا لأنه كان أعمق، فإن العمق ليس عذراً للعجز عن الإبانة.
وما من معنى يدور في النفس بوضوح إلا وفي وسع اللغة أن تكشف عنه، وذلك لأننا لا نستطيع إلى الآن أن نفكر إلا بمعونة اللفظ، فإذا دار في النفس معنى فإنه لا يمكن أن يتضح إلا إذا اتخذ صورته اللفظية، إذ كان لا يمكن أن يتبدى بغير ذلك، أي مجرداً من الفظ الذي يكشف عنه، فإذا جاءت العبارة عن المعنى غامضة، فإنما يكون ذلك لأن صاحبه لم يستطع أن يجلوه لنفسه، ولذلك تجيء عبارته عنه مضطربة أو غير دقيقة، أو غير كافية الإبراز المعنى.
ولا ذنب للغة، ولا قصور فيها، لأنك حين تريد العبارة عن شيء، فإما أن يكون هذا الشيء قد تجلى لك ووضح وضوحاً تاماً، وحينئذ يكون قد اكتسى لفظه، لأنه لا سبيل إلى معنى بغير لفظ يكتسبه، وإما أن يكون هذا الشيء لا يزال غامضاً في نفسك، ومعنى ذلك أنك لم تستطع أن تحيط بجوانب هذا الشيء وأن تتبينه على وجه جلي، وأنك لهذا لم تستطع أن تكسوه الثوب الذي يتبدى فيه لك وللناس.
وليس الشعر «علماً» كما يمكن أن يتوهم الذي يقرأ قول الشاعر «إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه».
وعسى أن تكون القافية قد جنت عليه في هذا التعبير، ولو كان الشعر علماً لكان أولى بالنبوغ فيه المتأخر دون المتقدم، ولكن الأمر «يكاد» يكون على النقيض، على أنه ليست هناك قاعدة مطردة، فالشعراء ينبغون في عصور البداوة وفي عصور الحضارة على السواء تقريباً، ولا ضابط هناك ولا قاعدة ولا مقياس يعول عليه لأن الأمر في الشعر ليس مرجعه إلى العلم أو الثقافة أو الحضارة، بل إلى المواهب الشخصية وإلى الأحوال الاجتماعية التي تساعد على ظهور هذه المواهب.
والحقيقة الوحيدة التي يمكنني، فيما أرى استخلاصها من تاريخ الأدب في الأمم المختلفة، هي أن نهضة الأدب في بلد ما، تكون إيذاناً بنهضة عامة في هذا البلد، في كل باب.
وقد رأينا مصداق هذا في تاريخ اليونان، والرومان، والعرب، والفرس، وإيطاليا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وروسيا، فما من نهضة قومية في بلد من هذه البلاد إلا وقد سبقتها نهضة أدبية.
ولهذا يخيل إلى، وإن كنت لا أستطيع أن أجزم بصحة هذا الرأي أن حالة البداوة لعلها أعون على ظهور المواهب الشعرية، على أني أوثر أن أضيق نطاق هذا الرأي فأقول إن حالة البداوة أعون على رواج سوق الشعر، وأبعث على الإقبال عليه والاستمتاع به، وتعليل ذلك يسير، ولكن شرحه يطول، والمجال ضيق.
ويكفي أن أقول الآن — وإن كان هذا في الحقيقة لا يكفي — أن الشعر في هذه الحالة يكون أشبه بعمل من أعمال الجماعة وأوثق صلة بحياتها العامة، وهو يقترن في هذه المرحلة التي تعد إلى حد ما، بدائية، بالرقص والموسيقى، كما يقترن أيضاً بمساعي الجماعة وآمالها ومخاوفها، وقد كانت هذه الفنون الثلاثة في كل جماعة بشرية في هذا الطور، مجتمعة غير مفترقة، أي قبل أن تتحضر، ويحدث فيها التخصص، وكان الموهوب من أفراد الجماعة يرفع صوته بالكلام الموقع على حركة الرقص والذين يتولون الطبل والزمر وغير ذلك، يتبعون الحركة والصوت، ويجعلون نقرهم أو نفخهم على مقتضى ما يسمعون، ويرون، ويحسون أيضاً.
والشعر في هذه المرحلة من حياة الأمة يعد كما قلت — أشبه بعمل من أعمال الجماعة، أو تعبيراً عن آمالها ونزعاتها، والغامض المستبهم من غاياتها التي في نفوسها دون اتضاح.
ولست أظن أني أبعد حين أقول إن الشعر في هذا الطور يكون مستوحى من حياة الجماعة، ومردوداً إليها في الوقت نفسه، ومن هنا قال العرب ما معناه إن الشاعر كان لسان القبيلة والمنافح عنها والزائد عن حياضها، ومن هنا أيضاً كانت أسواق العرب التي كانوا ينشدون فيها الشعر ويتنافسون في ذلك، إلى جانب التجارة.
ثم تتحضر الأمة فيتحدث التخصص، ويذهب كل فن مذهبه، ولكن الصلة القديمة مازالت باقية، فالرقص لا يستغنى عن الموسيقى، وإن استغنى عن الشعر، والشعر وثيق الصلة بالموسيقى، وإن كان لا يفتقر إلى جماعة ترقص وتصفق، وطبلة تقرع، ومزمار ينفخ فيه، ومع الحضارة واتساعها، صارت الفنون، وفي جملتها الشعر، (ذاتية) وأصبح الشاعر يستمد وحيه من روحه وتجربته، ونوع استجابته للحياة.
فالشعر كان عملاً من أعمال الجماعة، أو لعل الأصح أن نقول إنه كان عملاً توحي به روح الجماعة وتشجع عليه، وتشارك فيه حتى لقد ضاعت حقوق التأليف في بداية هذا الطور، كما تضيع حقوق التأليف إلى الآن بين جماعات العمال وهم يزالون ما يكلفون، ويستعينون على الجهد المطلوب بالغناء، والإنشاد والترجيع، ثم أصبح — أي الشعر — عملاً فردياً ذاتياً، ومازال يستمد بواعثه من روح الجماعة، ولكن نطاقه اتسع وأفقه رحب، وتزاوجت فيه العاطفة والعقل، وتعددت أغراضه ومناحيه، وصارت له أصول وفروع وظلال.
وفي كل أمة، وكل عنصر يظهر الشعراء، ولكن أكثرهم ينسون كأنهم ما كانوا، لأن النبوغ لا يؤتاه إلا الأقلون، ولأن دنيا الشعر — كدنيا الفنون قاطبة — لا يخلد فيها إلا الأعلون، أو الذين يقول فيكتور هيجو إن حرارة نفوسهم تبلغ درجة الغليان التي ما فوقها درجة. وما أكثر من قالوا الشعر في كل أمة، وكل جيل من أجيالها، وما أقل من بقيت حتى أسماؤهم مذكورة. لأن الأواسط لا يحصون وذاكرة الدنيا أضعف وأضيق من أن تعي غير الأفذاذ. والوسط، كالرديء في ميزانها وحسابها، كلاهما يسقط من الحساب أو يشيل في الميزان.
ولقد أقام مجمعنا مسابقة للشعر فتقدم إليه أكثر من ثلاثين ديوانا، كلها من الوسط، ولا غرابة فى هذا فإن الوسط فى كل باب وكل ميدان هو الجمهور الأكبر، فكان بين أمرين: أن يتشبث بالمثل الأعلى، وذلك عزيز، أو أن يؤثر التشجيع وهو أهدى سبيلاً فآثره، ونظر في الشعر الذي عرض عليه متسامحاً، وراعى أمرين: الشاعرية والصورة، ذلك أن الشاعرية هبة واستعداد وليست بالذي يكتسب، وإن كانت القدرة على النظم تستفاد، أما الصورة التي تتبدى فيها المعاني — أي الأداء — فملكة واكتساب في آن معا.
وعلى هذا غربل ونخل، واستخلص أربعة دواوين ستسمعون بعد قليل أسماء أصحابها وما فازوا به من جوائز رؤي توزيعها عليهم وقسمتها بينهم لتعذر المفاضلة الصريحة مع التقارب الشديد.
من هذه الدواوين الأربعة ما يجري على النهج القديم أو التقليدي، وما يؤثر نهجاً جديداً، وما يتبع القديم حيناً وينحرف عنه حيناً، ولكن فيها كلها اجتهاداً واضحاً، وإخلاصاً بيناً، وكثير مما تركت أجازته ليس دون هذه كثيراً ولكنه كان لابد من مقياس للمفاضلة. وقد قلت أن المقياس هو وضوح الشاعرية وحسن الأداء ووفاؤه، أو على الأقل سلامته من الشوائب.
وإن المجتمع ليرجو أن يكون فيما آثره من التشجيع استحثاث للهمم فإن نهضة الأدب بشير لا يكذب بنهضة الأمة عامة، وما من أمة ينبغ فيها ولو شاعر واحد إلا وذلك إيذاناً بأنها قاب قوسين أو أدنى من العزة والمجد.»

الفصل الثالث والعشرون
الزواج


لا أدري ماذا دها الناس فإني يندر أن أسمع في هذه الأيام بزواج موفق فهل صار نظام الزواج غير صالح لهذا الزمن أم العيب في الناس لا في النظام ولا في الزمن. ولا شبهة في أن للزواج عيوبه فما يخلو شيء في دنيانا هذه من عيب. وأن له لمتاعب وأن مسئولياته لعديدة وثقيلة ولكن النجاة من المتاعب عسيرة في الحياة وأنه ليظن حمقاً من يتوهم أنه يستطيع أن يحيا ويخلو مع ذلك من المتعبات سواء تزوج أم آثر الوحدة والاستفراد وأحسب أن كثيرين من الرجال والنساء أيضاً يقدمون على الزواج وهم يعتقدون أنه صفو لا كدرة فيه ومتعة لا تنقضي ولا ينغصه أو يفسدها شيء وحلاوة لا تشوبها مرارة فتخيب آمالهم كما لابد أن يحدث ويضجرون ويتأففون ويشكون وتتلف أعصابهم فلا تعود تقوى على احتمال ما كان ظنهم ألا يكون. وهذا شأن كل من يتناول الحياة بخفة وواجهها بغير ما ينبغي من التهيؤ للاحتمال ومن الاستعداد للتشدد والجلد والمقاومة.
وقد كنت أتكلم في هذا وما إليه مع صديق فقال «الحقيقة أن الزواج نظام ثبت إخفاقه وقلة صلاحه في هذا الزمن» فعذرته لأنه ممن جر عليهم الزواج نكبات كثيرة يشق احتمالها ولكني لم أر رأيه فقلت له: لا تغلط يا صاحبي فإن كل زمن ككل زمن. وهذه الاختراعات الكثيرة لم تغير شيئاً من حياة الناس وفطرهم ولم تقلب الحقائق الاجتماعية وما خلا زمن قط ممن يسعدهم الزواج وممن يشقون به ولا من الراضين والساخطين على هذا وغيره من أحوال الحياة ومازال الرجل كما كان والمرأة كما عهدها آباؤنا وأجدادنا عفا الله عنهم ورحمهم.. ومع ذلك قل لي ماذا تطلب من الزواج وأنا أقول لك ماذا ينبغي أن تبلغ به أو ما لابد أن يصيبك من خيره أو شره».
قال: «اطلب الراحة والاستقرار. ماذا أطلب غير ذلك».
قلت: «إن الراحة مطلب لا سبيل إليه في الحياة وهي لا تكون إلا بالموت على أن هذه لا تعد راحة ما دام المرء لا يحسها ولا يدرك أنه مرتاح ولا يعرف حتى صار إليه. والاستقرار كذلك عسير لأن حياتك كلها قوامها التحول والتغير. وجسمك ونفسك وخواطرك وآمالك وشهواتك وكل ما فيك أو لك يتغير بالله يكون هذا الاستقرار وأين السبيل إليه».
قال: «إنما أعني الراحة النسبية والاستقرار بالقياس إلى حياة العزوبية والوحدة».
قلت: «ولا هذه أيضاً. إن الزواج ليس أداة لراحة ولا وسيلة لاستقرار أو غير ذلك مما تتوهم وإنما هو نظام. فإذا كان يوافقك أن تحيا في ظل هذا النظام فتفضل وأهلاً بك وسهلاً ولكن يجب حينئذ أن تعرف أن له مقتضيات وأن توطن نفسك على الإذعان لها واحتمالها كما يخضع الجند للنظام العسكري ولم يقل أحد أن الجندية سبيل لراحة أو استقرار أو لذة أو غير ذلك مما يجري هذا المجرى وإنما هي نظام تقتضيه حياة الجماعة وكل جندي يقول لك أنه نظام شاق عسير وثقيل الوطأة ولكنه لازم ولابد منه. والفرق بين الزواج والجندية أن الجندي يعلم أنه داخل في نظام لا لذة فيه ولا متعة له منه وأنه سيلقي عناء ويكابد متاعب وأنه معرض للجلد والسجن بل للموت حتى من غير حرب. ولكن طالب الزواج يمني نفسه الأماني المستحيلة فيلقى خلاف ما كان يقدر. ولو أنه وطن نفسه — كما يفعل الجندي — على التعب ولانصب ووجع القلب ومعاناة المنغصات إلى آخر ذلك لسعدنا بالزواج ولفاز منه بلذات كثيرة ونعم جزيلة ومتع يضن بها على النسيان وقد ذكرت الجندية على سبيل التمثيل ولكن للجندية علاقة وثيقة بالزواج لأن الزواج غايته تنظيم أمور النسل اللازم للجماعة أي مد الجماعة بالعدد الكافي من الأفراد للقيام بأعباء حياتها فهو نظام تمهيدي للجندية. وأنا أستعمل الجندية هنا بالمعنى الأعم الأشمل وأعني كل فرد لا الذين يحملون السلاح ويسيرون إلى القتال حين يدعون إلى ذلك — لا أعني هؤلاء وحدهم فإن كل فرد جندي للجماعة وإن لم يحمل سيفاً ولم يتقلد رمحاً إذا كان قد بقي في عصرنا هذا من يتقلد رماحاً.
والواجب على كل حال أن يدرك المرء أنه بالزواج يكون كالذي يعمل في شركة وللعمل نظامه. والعمل لا تطلب منه اللذة بل الثمرة. والعمل لا يفيد الراحة بل التعب ولا أجر للتعب ما دامت الشركة قائمة وتؤدي ما هو منتظر منها. نعم يستطيع المرء أن يفوز بأجازة ولكن هذا ميسور في نظام الزواج خذ أجازة كلما شعرت أنك تعبت. وامنح لزوجتك مثل ذلك كلما بدا لك أن أعصابها كلت.»
فعجب وسألني: «كيف ذلك.. إن هذا مزاح».
فأكدت له أني جاد وقلت: (إني أعيش مع زوجتي كأننا صديقان وليس يسعني أن أفعل غير ذلك لأنها إنسان مثلي ولها حياتها المستقلة عن حياتي وإن كنا متعايشين تحت سقف واحد. وأنا أحرص في حياتي معها على الاعتراف بهذا الوجود المستقل فلا أحاول أن أفني وجودها هذا وأجعله يغيب في وجودي ولو تيسر لي هذا لما كان لي فيه أي لذة لأني خليق أن أشعر حينئذ أني أعايش آلة لا إنساناً محساً مدركاً يبادلني ما يسرني أن أراه، يبادلني إياه من العواطف والإحساسات والخوالج.
ولو أفنيت شخصيتها في شخصيتي لانحطت في نظري إلى منزلة الخدم الذي تطعمهم وتنقدهم أجرهم على أن يفعلوا ما تريد ولا يجاوزوا مشيئتك. وليست زوجتي خادماً ولا آلة وإنما هي رفيق حياة أي صديق معين ولست أقول هذا تملقاً أو نفاقاً بل أقوله لأني لا أفهم معنى للزواج غير ذلك. كلا. لست أحاول أن أغلب إرادتي على إرادتها لأني لا أحس بحاجة إلى ذلك وسيلي التفاهم لا الإكراه.
وأراني أبلغ بهذا مالا أبلغ بالقوة والضغط. ومطلبي ما هو أوفق لكلينا لا ما هو أوفق لي وحدي فإن الشركة لا تصلح بهذا الاستئثار.
والزواج شركة على التحقيق ولا يحسب أحد أن الرجل يضع في هذه الشركة أكثر مما تضع المرأة وأنه لهذا مغبون فيها فإن هذا خطأ. فليس السعي للرزق كل ما تقتضيه هذه الشركة وأن المرأة لتبذل حياتها كلها لا جهدها لإنجاح الشركة. حسبها الحمل والوضع.
ولو أمكن أن يحمل الرجل لأمكن أن يدرك هول ما تتحمل المرأة في سبيل هذه الشركة. ولكنه لا يحمل مع الأسف فهو في الغالب لا يستطيع أن يقدر نصيب المرأة وما يكلفها الزواج وما يعرضها له. ولا كيف تضحي بها الحياة لتملأ الدنيا بمثلي ومثلهم ممن لا يستحقون هذه التضحية.»
فترك هذا وقال «ولكن ألا يجب أن يكون للبيت سيد.. إن المركب يغرق إذا كان له رئيسان».
فقلت: «آه.. حكاية التركي الذي جرد سيفه ليلة الزفاف وأطار به عنق القطة ليرهب الزوجة المسكينة.. لا يا سيدي.. ليس الأمر أمر سيد أو سيدة. فما ثم محل لذلك. وأين محل هذا ولكل من الرجل والمرأة عمل وأصدقك فأقول أني لا أدري كيف يمكن أن تجور المرأة على الرجل أو يجور الرجل على المرأة.
أخل ذهنك من كل فكرة عن السيادة وأخل لها ذهنها أيضاً.. تفاهما معاً.. هي لها عملها وواجباتها التي لا تستطيع — حتى إذا أردت — أن تشاركها فيها.. وأنت لك عملك وواجباتك التي يعييها أن تشاركك فيها. وكل منكما يمضي بعد ذلك في طريقه لينهض بأعبائه الموكولة إليه فأين يكون الاختلاط والاحتكاك والخلاف. وإذا حدث فلماذا لا يكون بالحسنى..».
قال: «والغيرة.. أليست بلاء».
قلت: «طبعاً.. والرجل أيضاً يغار.. أليس هذا بلاء.. فلماذا لا تضع نفسك في موضع المرأة وتنظر إلى الأمور من ناحيتها هي أيضاً. صحيح أن المرأة أسرع إلى الغيرة من الرجل وأن غيرتها أحمى فبلاؤها لهذا أعظم.
ولكن هذه طبيعتها ولا حيلة لها في ذلك لأن الغريزة الجنسية في المرة أقوى منها في الرجل إذ كانت هي مدار حياتها.
ثم إن الواحد منا يتقبل أصدقاءه على علاتهم ويحتمل أمزجتهم التي تخالف مزاجه ويوفق بين رغباته ورغباتهم — وما أكثر ما تتباين ويظل مع ذلك صديقهم ويظلون هم أصدقاءه فلماذا لا يكون هذا حال الزوجين.. لماذا لا يحتمل كل منهما الآخر على العلات.. وهما بذلك أولى من الصديقين..
المسألة يا أخى أن الرجل يريد أن يسود وأن المرأة تريد أن تتحكم لن هذا هو (المودة) الجديدة. ولو تركا هذا وأهملاه فنزل الرجل عن الرأي الموروث فيما ينبغي أن تكون عليه علاقة الرجل بالمرأة وتركت هي ما تشير به (المودة) الحديثة من أن الست هي السيدة المطاعة والرجل هو التابع والخادم الذليل — لو تركا هذا وسارا في الحياة سيرة شريكين متعاونين على إنجاح الشركة واحتمال متاعبها والصبر على بلاياها في سبيل مزاياها وفائدتها لارتاحا جداً ونعما بالحياة الزوجية.
فسألني: «هل أنت سعيد؟»
قلت: «إني سعيد لأني لا أطلب ن الزواج سعادة ولو كنت أطلبها لشقيت على التحقيق. وقد تزوجت وأني موطن نفسي على أن هذا واجب أؤديه كما أؤدي واجبي بالعمل في الصحافة وبالاشتغال بالأدب.. واجب والسلام. فإذا فزت بمتعة فهذا فضل من الله، وإذا فاتني ذلك فما كنت أطمع فيه أو أرجوه. وقد أدخلت هذا في رأس زوجتي فهي تفهمه حق الفهم. وقد كان علي أن أفهمها هذا في أول الأمر لأني أردت من البداية أن أجنب سبيل الإخفاق. وقد أفلحت ولله الحمد والشكر، فإذا حدثتك نفسك بالزواج مرة أخرى فاصنع هذا.
فصاح: «أنا.. أعوذ بالله يا شيخ».
فقلت: «أراني لم أوفق إلى إقناعك.. لا بأس.. المسألة في الحقيقة مرجعها إلى الاستعداد ولو شئت لقلت إلى العقل والحكمة وسعة الصدر ورحابة أفق النفس».
فقال: «متشكر يا سيدي».
فعلمت أنه غضب ومع ذلك ماذا قلت. إني لم أزد على إبداء رأي فإذا كان لا يحتمل هذا بل يعده تعريضاً شخصياً به فلا غرابة إذا كان قد أخفق في زواجه.

الفصل الرابع والعشرون
حديث مجلس


زارني صديق ففعلت ما يفعل المرء مثله في العادة حين يجيئه ضيف — قدمت له السجاير ليأخذ منها واحدة أشعلت عود الكبريت. وكنت لا أشعر برغبة في التدخين في تلك اللحظات فكانت أصابع إحدى يدي ممدودة إليه بالكبريت وأصابع اليد الأخرى تثني الغطاء على السجاير فلما أشعل سيجارته ورددت يدي إلى فمي وزممت شفتي لأنفخ وأطفئ النار ألفيتني أتردد ثم أتناول سيجارة.
وقلت لصاحبي وأنا أنفخ الدخان مثله «أرأيت.. لم أكن أريد أن أدخن ولكن العادة غلبتني حين رأيت النار في طرف العود بين أصابعي. وأنا أغالط نفسي وأقول لها مازحاً أن الكبريت أغلى من السجاير وأن من سوء التدبير أن أضيع عود كبريت من أجل سيجارة واحدة. وتروقني هذه المغالطة لأنها تفتح لي باب القياس والتمثيل فأقول أن الإنسان كثيراً ما يضيع الكثير من جاء حرصه على القليل فما رأيك».
قال «رأيي أن هذا صحيح. وسأقص عليك قصة».
قلت «هاتها».
وسرني أني أطلقت له لسانه وأنه صار في وسعي أن أستريح من الكلام فإن من نقائصي أني طويل الصمت وإن كنت في العادة ثرثاراً عظيماً وأحسبني أهرب بالصمت من الناس وبالثرثرة من نفسي.
وسمعته يقول «كنت منذ سنوات أتعلم العزف على الكمان وكان معلمي تركياً ضيق الصدر من أولئك «المولوية» الذين يعيشون في التكايا ويزجون فراغ الحياة بالموسيقى وما تغري به. وكنت قد اشتريت «فرساً» جديدة للكمان — والفرس كما تعرف هي قطعة الخشب المنجور ترفع عليه الأوتار فلما رآها أستاذي غضب ورماها وقال أنها غليظة وذهب يعنفني ويؤنبني كأنما كنت أنا صانعها أو كأنما كنت أدري قبل ذلك شيئاً عن الكمان والأوتار والفرس فكرهت سوء خلقه وثقل على نفسي سلوكه وزهدت في التعلم — على هذا الرجل على الأقل — وزارني بعد خروجه صديق رآني منقبضاً متجهماً فسألني عن السبب فحدثته به فأحب أن يرى هذه «الفرس» التي أثارت كل هذا الخلاف وكانت لا تزال على الأرض فأشرت إليها فتناولها وقال «هذه» وجعل يقلب في يديه مستغرباً ثم طلب أن أدعها له فقط «خذها يا سيدي» فما لها قيمة في الحقيقة فإن ثمنها لا يزيد على قرشين ولكن معلمي كان ممن يخلقون من الزبيبة خمارة عظيمة.
ومضى بها صاحبي ونسيت الأمر كله جملة وتفصيلاً وإذا به بعد سنة أو نحو ذلك يقول لي أنه يتعلم العزف على الكمان وأن الدافع له على ذلك والمغري به كان هذه الفرس التي ظل بضعة شهور يخرجها من مكانها كلما خلا إلى نفسه ويتأملها.
قلت: «وأنت».
قال: «أنا. انقطعت عن الدرس.. لم أجد أستاذاً أقدر منه أو مثله قدرة وإن كنت وجدت كثيرين أرحب صدراً … على أني كنت أدور على المعلمين كارهاً وبي فتور شديد فكففت».
قلت «هل تعلم أني أنا أيضاً تعلمت العزف على الكمان. ظللت أتعلم أكثر من سنة. فلو أني واظبت لكنت الآن من أمهر العازفين على هذه الآلة.. خمس وعشرون سنة.. من يدري.. لعلي كنت خليقاً أن أتحول عن الأدب إلى الموسيقى.. ولكن قلة الصبر.. والخجل من أن يسمع الجيران الأصوات النابية التي أخرجها.. والاستحياء من أن يعرف عني أني مبتدئ.. كل هذا صرفني.. كما صرفتني عوامل أخرى عن الشعر..».
فابتسم وقال: «والآن».
قلت: «الآن.. أنا الذي كنت خليقاً أن أكون شيئاً.. ولكن لا بأس.. أرانا بعدنا جداً عن الموضوع».
فابتسم مرة أخرى وقال: «لا بأس..».
قلت: «صدقت.. كل شيء ككل شيء في هذه الحياة.. هبني كنت الشيء الضخم الذي كان يغريني الصبى والخيال الجامح بالطمع فيه والتطلع إليه فماذا إذن..».
قال: «كنت تكون أشد رضى عن نفسك».
قلت: «كنت أشعر.. كلا.. كان رأيي في نفسي يبقي كما هو.. ربما غرني رأي الناس أحياناً، ولكن بلائي أني حين أغتر أدرك أني مغتر فيسلبني إدراكي هذا متعة الغرور.. لست أقول أني غير قابل أو مستعد للغرور أو عرضة له فإني كغيري في هذا. والغرور لازم لإطاقة الحياة وبغيره لا أدري كيف يطيق الناس عيشهم. ولكني لا أزال أدير عيني في نفسي وأتأملها وأفحصها وأنكت تربتها كما ينكت المرء الأرض بطرف العصى وأخلق بهذا أن يكشف للإنسان عن حقائق غير التي يزيفها أو يموهها الغرور.. وأول ما يعرفه المرء — بفضل الفحص المتواصل والتدبر المستمر — هو حدودها ومتى عرف المرء حدود نفسه فأيقن أنها لن تغيب عن عينه قط.. وقد يعالج توسيعها وإفساح ما بينها.. ولكنها تظل ماثلة أبداً.. والشعور بهذه الحدود كرب وبلاء.. والجهد الذي يبذله الإنسان لعلاج النقص الذي يشعر به في نفسه كرب آخر. آلة محدودة القوة تريد أن تبلغ بها ما تستطيعه آلة أخرى أقوى منها.. هذا الجهد ماذا تظنه يكلف الآلة المسكينة المحدودة القوة والعزم.. وفوق ما كان ظنك أنها قادرة عليه فلا تقنع بهذا. لأن هناك مرتبة أعلى ومنازل أخرى أسمى فأنت لا تزال تستحث نفسك وتدفعها وتخزها..ولا نهاية لهذه الدائرة. وهذه هى حياتنا جميعاً. فى الحقيقة والخيال. محاولات مستمرة لعلاج ما نحسه من نقصنا. ولا يخلو هذا من جانبه المضحك. فقد يعيينا أن نصلح الفاسد ونعالج الضعف أو نعوضه من ناحية أخرى قابلة للزيادة والنمو فنروح نستر العيب أو الضعف أو النقص ستراً نظنه وافياً كافياً أو نحتال لنبدو كأن قوتنا هى فى هذه الناحية التى نعرف ضعفنا فيها.. والإنسان ليس بشيء إذا لم يكن منافقاً مرائياً دجالاً كبيراً..».
فقال صاحبي: «أو لا يدرك المرء حدود نفسه إلا إذا دأب على إدارة عينه فيها».
قلت: «لا.. ليست هذه سوى طريقة واحدة لمعرفة النفس.. ومثلنا العامي يقول: (أن سكة أبي زيد كلها مسالك).. ولا أعرف من هو أبو زيد هذا. ولكني أعلم أن المعرفة سكتها كثيرة المسالك.. ومن المسالك التجربة والمعاناة. والتجربة تتيح للإنسان أن يقيس ما عنده إلى ما عند سواه فيعرف في أية ناحية قوته وفي أي النواحي نقصه وضعفه وتقصيره.. وأعترف لك بحقيقة.. لقد كنت في سني وفي ميعتى يهولني أن أرى نفسي عاجزاً عن الحب الذي أرى غيري قادراً عليه.. نعم كنت أشعر بالإعجاب وبسحر الجمال وفتنة الحسن، ولكن شعوري هذا كان لا يطول ولا يلبث أن يفتر.. ولم يكن الحب عندي أكثر من مظهر رغبة وفتية تزول إذا زال الداعي إليها كما يجوع المرء فيشتهي الطعام حتى إذا أصاب شبعه صد عنه ولم يعد يذكره إلى أن يجوع مرة أخرى. فلا أرق ولا شوق ولا أحلام ولا بكاء.. وإذا حرمت حظاً في باب الحب فكما يحرم المرء نصيباً من لون من ألوان الآكال كان يشتهي أن يفوز به.. وما أكثر ملايين الناس الذي يعيشون محرومين ويعلمون أنهم محرومون ومع ذلك يحيون ويسعدون بالحياة.. كذلك كنت ولم يكن إخواني كذلك. ولا كان الذين أقرأ أخبارهم في كتب الأدب مثلي. فكنت أستغرب وأنكر من نفسي هذا الجمود أو إن شئت هذه الحصانة أو المناعة من الحب بالمعنى المعروف المألوف.. الحب الطاغي العنيف الذي لا يفتر ولا يخبو له ضرام والذي يذكرك بمجنون ليلى وأشباهه.. فأغراني هذا الذي بلوته من نفسي بالتكلف، ولججت في التكلف حتى لكان يخيل إلى أحياناً أن الأمر صار جداً لا هزل فيه. وكنت أشجع نفسي على الأرق، وأحثها على التذكر والشوق وألح عليها بأجمل شعر الغزل في الأدب العربي والآداب الغربية لأوحي إليها الروح الذي ينقصها. وكنت أتثمل هذه الحالات التي يصفها الشعراء وأسمع بها من الإخوان وأروض نفسي على مثلها وأجعلها تستغرقني حتى قلت شعراً كثيراً في ذلك لا شك قارئه في أنه صادر عن عاطفة صادقة عميقة قوية. ولم أكن أنا أشك في أن الأمر كذلك أيام كنت أقول هذا الشعر لأني لم أزل أعالج نفسي بالإيحاء إليها حتى صار الأمر أشبه ما يكون بالحقيقة. ولكني كنت في أعماق نفسي أدرك الحقيقة وكنت أمتحن نفسي أحياناً بالبعد فلا أراني أشتاق أو أتلهف أو أتحسر أو أصبو إلى آخر ذلك. وأخيراً مللت هذا التكلف. وهذا من أسباب تركي للشعر. وثم أسباب أخرى ولكن هذا من أكبرها إذا لم يكن أكبرها..».
فاستغرب صاحبي وجعل ينشدني بعض ما يحفظ — وما نسيت أنا — من شعري ويسألني أكان هذا تكلفاً فقلت له: «لم يكن الشعور الموصوف في هذه الأبيات كاذباً فإن كان صادقاً في ساعته.. كان حباً قصير العمر جداً.. حب ساعة.. إعجاب إذا شئت.. نشوة عارضة كنشوة الخمر.. وكونها عارضة.. من فعل الخمر أو بتأثير الحسن لا يمنع أن الشعور الذى تحدثه صادق فى حينه.. وقد يلح المرء على نفسه بالإيحاء إليها حتى يشعر بما يشعر به العاشق الحقيقى.. فيكون شعوره أيضاً فى حينه صادقاً. ولكن بعد ذلك. بعد أن يثوب الرشد الذى أضاعه الخمر ويرجع الاتزان الذى أفسده منظر الحسن أو تعود الحالة الطبيعية التى اضطربت من جراء الإيحاء. بعد ذلك يذهب ما جاءت به النشوة الوقتية وقد أفادني علاج نفسي ورياضتها على أن تستغرقها الحالة التي أتمثلها. نعم بقيت عاجزاً عن العشق وفي أمان من جنون الحب فإن هذه الطباع لا حيلة لي فيها ولكنى أصبحت بفضل هذه الرياضة أستطيع حين أفكر في شيء أو أكتب شيئاً أو أشغل بأمر أن أذهل عن الدنيا فلا أسمع ولا أرى ولا يستطيع شيء أن يصرفني عما أنا فيه. خرجت بفائدة على كل حال. وكثيراً ما ترى الإنسان يطلب شيئاً فيخطئه ويفوز بغيره..».
فقال: «ولكنك محروم وهذا فظيع».
فقلت: «كلا. أنا على نقيض ذلك سعيد. مستريح من وساوس الحب وبلابله وهواجسه، وتخريفه، وفي وسعي دائماً أن أمتع نفسي بالحسن وأنا هادئ الأعصاب مدرك لما أنا فائز به بلا إسراف أو غمط في التقدير ومن غير أن أنغص على نفسي هذه المتع بعد ذلك بالوساوس والخيالات وما إلى ذلك مما يكابده المحبون. وأقول لك أني أصبحت لا أصدق من يزعم أن حبه على نحو ما يصف الشعراء ومن إليهم ولا أعتقد إلا أن ذلك نشوة يطيلون عمرها بالإيحاء. والإيحاء يا صاحبي — إلى النفس وإلى الغير — عامل خطير الأثر في حياتنا. صدقني».
قال: «ولكني جربت».
قلت: «ما أظن بك إلا أنك تخدع نفسك.. وهذا سنة الإنسانة أبداً عد إلى نفسك وحلل خوالجك بلا خوف من مواجهة الحقيقة ولا جزع ولا إشفاق.. اجعل من نفسك شخصاً مستقلاً.. طبيباً يفحص حالة ولا يعنيه إلا ما يهتدي إليه.. وانظر ما يكون.. ثم تعال وأخبرني.. وأنا واثق أن النتيجة ستكون مطابقة لما حدثتك به عن نفسي».
فوعد أن يفعل.. ولكنه لم يعد إلي.

الفصل الخامس والعشرون
كيف حفرت بئراً … لنفسي؟


شقراء، ذهبية الشعر، لا أدري كيف أنبتتها هذه الصحراء؟ ومن بنات الفقراء، ولكن لها دالاً وأناقة تخطئهما عند اللواتي نشأن في كنف النعمة والترف والثراء، وفي كلامها خفة وهزج، وفي مشيتها تبختر لا يثقل وميس ليس من الاختيال. وكانت ترسل شعرها الوحف ولا تفرقه أو تضفره أو تعقصه، بل ترده عن جبينها الوضاء وتحسر جمته عن أذن، وتستر به أذناً. ولا تثبته بالأمشاط أو الدبابيس، ولا تعصب رأسها بالمناديل، فإذا عبث به الهواء وأسال قصتها على وجهها رفعت الشعرات بأصبعها أو نحتها عن أذنها، وكنت لا أراها تبتسم إلا خيل إلي أنها ترى حلماً يسرها فيثب قلبي إلى حلقي، وأجد حر النار في كفي.
وكان بيتي في ذلك الوقت على «تخوم العالمين» وكانت له حديقة صغيرة جعلتها شغلاني، وكان الماء كثير وثمنه زهيداً، لا يتجاوز خمسة عشر قرشاً في الشهر بالغاً ما بلغ ما أجريت منه، فكنت آخذ كفايتي منه وأسنه على وجهه للجيران، وكانت هذه الشقراء تجيء كل مساء بجرة فتملؤها مرة أو اثنتين أو عشراً — كما تشاء. فأقف لها وأحادثها وأساعدها على رفع الجرة إلى رأسها. ولم تكن هي الوحيدة التي تستسقي، ولكنها كانت أبرعهن شكلاً وأخفهن على الفؤاد، وكانت تأنس مني الميل إليها والإعجاب بها، فتطيل الوقوف معي أحياناً، أو تتولى عني عزق الأرض أو بذر الحب أو سقي الزرع واجتزاز الكلأ والعشب والحشيش أو نزع ذلك بأصوله، وكانت أعرف مني بذلك كله وأخبر، وكانت تضحك مني لجهلي فتقول لي مثلاً: «ألا تحش هذه الملوخية؟ لقط كادت تكتهل».
فأقول: «ملوخية؟ لقد طرحت هنا حب فجل فكيف تخرج الأرض ملوخية؟»
فتقول: «كلا، هذه ملوخية وقد بلغ نبتها المدى، فاختضرها? وإلا فسدت». فأقطع ورقة وأمضغها فأجد طعم الملوخية ولا أجد طعم الفجل، وكنت أهمل أن أكتب أسماء البذور على الورق الذي أحفظه فيها وأعتمد على الذاكرة والذكاء فيختلط علي الأمر، وأروح أظنني زرعت جزراً فإذا هو خيار، وكنت لجهلي ألقي النزر ولا أعني بإعداد الأرض وإخلائها من الحجارة، وكانت أرض هذه الحديقة جلدة في مواضع كثيرة وفي بطنها حجارة غليظة مختلفة بطينها، فلا يخرج شيء مما يقع على هذه الجلاميد. فكانت الشقراء تنبهني إلى ذلك وتعرفنيه. وكنت ربما تركت في الشتاء ما لا يبقى عليه أصله، وقلعت ما يبيد الشتاء فرعه ويبقي أرومته، فتصلح لي من خطئي ما يتيسر إصلاحه، ولم أكن أعرف الفرق بين ما يسمو من النبات صعداً ويستغني بنفسه، وما يحتاج، وهو يسمو، إلى ما يتعلق به ويرقى فيه، وما يتسطح على وجه الأرض، فأغرس الأعواد لما ينبت مفترشاً، وأدع ما يحتاج إلى التعلق بلا عصب، فكانت هي تعلمني وتقوم المعوج وتعالج ما أفسدت.
ثم حدث أن شركة الماء وضعت لنا في البيت «عداداً» يحاسبنا على القطرات بعد أن كنا نأخذ بلا حساب، ولا ننقدها في الشهر إلا خمسة عشر قرشاً، فأرهقني هذا «العداد» وكلفني فوق ما أطيق، وصرت بين أمرين إذا أبقيت على الحديقة جعت وتضورت، فإن أرضها كثيرة الرمل يذهب فيها الماء ولا يبقى منه للنبات ما يكفيه، فحاجتها إلى السقى لا تنقضي، وإذا أنا ضننت بالماء ذهبت الحديقة. فشق علي ذلك واشتد همي، وطال وجومي من جرأته. ورأت هي اغتمامي وسهومي فسألتني فأنضيت بشجني فقالت: «احفر بئراً».
قلت: «إيه؟ أحفر بئراً؟»
قالت: «نعم. ماذا يمنع أن تفعل؟»
قلت: «يمنع أن هذه أرض مضرسة، حشوها حجارة ولا يمكن أن يكون في جوفها ماء».
قالت: «من أدراك؟ إني أعتقد أن في أرضك ماء غزيراً».
قلت: «أما الحرث والزرع فشيء عرفنا أنك تعرفينه، وإن كنت لا أدري من أين جاءك هذا العلم، وأما الآبار وحفرها..».
فقاطعتني وقالت: «أظنني أستطيع أن أدلك على موضع العين في هذه الأرض — غداً في النهار أختبر الأرض وأجسها».
وفي عصر اليوم التالي جاءت وفي يدها عود على هيئة اللام، ألف ولكن في ساقه، قبل موضع التشعب، طولاً وقالت: «أنظر. سأجس الأرض بهذا» ورفعته لعيني.
فقلت: «وكيف تصنعين؟ إنه غصن لا أكثر».
قالت: «هو حسبي. وما أعرفه خذلني أو كذبني قط. ولكن عهدي بهذا الجس بعيد وأخشى أن أكون قد فقدت القدرة على استنبائه».
قلت: «استنباؤه؟ أو يقول لك هذا الغصن أين منبع الماء في جوف الأرض؟»
قالت: «نعم، وسترى بعينيك إذا وفقني الله».
وأقبلت على الأرض تجسها شبراً شبراً، وكانت تضع العود على الأرض كأنها تغرسه فيها بأصابعها وتنظر إلى شعبتيه برهة ثم ترفعه وتقدمه خطوة أو خطوتين، وهكذا يميناً وشمالاً، حتى رأيت إحدى الشعبتين تميل قليلاً فعجبت.
فقالت: «هنا ماء ولكنه قليل».
ومضت تنقل العود من مكان إلى مكان حتى بلغت الجدار الآخر فقالت: «يخيل إلي أني سأخفق».
فلم أقل شيئاً، وماذا عسى أن أقول؟ لقد تركتها تختبر الأرض وأنا كافر بها — أعني بالفتاة وقدرتها على الاهتداء إلى منابع الماء في بطن الأرض، ولكني قلت إنه لا بأس علي من ذلك، وحسبي أني أقضي معها ساعة أنعم فيها بحديثها وبالنظر إليها، ولكن انثناء العود إلى الأرض من تلقاء نفسه، ومن غير أن يمسه شيء حيرني، وصرفني عن الفتاة وجمالها، إلى هذه الظاهرة الغريبة.
وجعلت أقول لنفسي: «إذا كان كل ما يتطلبه الأمر أن يجيء الإنسان بمثل هذا العود ذي الشعبتين، وأني يركزه أو يغرسه في الأرض، فإذا كان هناك ماء انثنى وحده، فما أسهل ذلك!! وكيف غاب هذا عن الناس وفاتهم هذا العلم اليسير؟»
ولم أكتم هذا الذي دار بنفسي، فقالت بابتسام: «لا. إن المعول على اليد لا على العود».
ولم أفهم شيئاً، ولكني سكت، فقد تجهمت، وطال سكوتها وتقطيبها، وثبت حملاقها، وبدت لي كأنها تقصر نفسها عصراً، ثم قالت: «افتح هذا الباب».
وكان باب حجرة مهجورة في فناء البيت، نحبس فيها الدجاج، ففتحته فدخلت وقالت: «انزع هذا البلاط».
فأطعت، وتجشمت عناءً شديداً، ولكني أمضيت لها مشيئتها، فحنت على الأرض، وأقامت العود في ترابها، وإذا بالشعبتين جميعا — بعد هنيهة — تنثنيان على الأرض — عمودياً — حتى لخيل إلي أنهم ستقصفان.
ونهضت، ومسحت العرق المتصبب، وقالت: «هنا يجب أن تحفر، الماء غزير، ولكنه بعيد. وماذا يهم؟ ستجد فوق الكفاية من الماء».
ولم يخالجني شك في صدقها، فجئنا بعد أيام بالرجال، فحفروا ووسعوا واحتجنا أن نهدم الجدار الذي فيه الباب فأتينا عليه، وانحدر الرجال إلى أكثر من ستة أمتار، وقضوا في ذلك أياماً طويلة، حتى بلغ أحدهم حجراً فزحزحه بالمعول فانبثق الماء من تحته.
واستغنيت عن شركة الماء.
•••

قلت للفتاة: «لماذا جشمت نفسك هذا العناء؟»
قالت: «هو جزاء المعروف».
قلت: «ليس إلا؟»
قالت: «وعز علي أن تضطر على تضييع الحديقة».
قلت: «وماذا أيضاً؟»
قالت: «لا أدري ماذا أيضاً؟ غلبني شعوري».
قلت: «ليس في وسعي أن أجزيك …».
قالت تقاطعني: «لا تحاول! … حسبي أني أعدت إلى وجهك الابتسام».
قلت: «اسمعي. إن الحديقة مدينة لك بحياتها، وأنا مدين لك بمعنى هذه الحياة، ولست أظنها تقوى على فراقك، ولا أنا يا فتاتي …».
قالت: «لم أصنع شيئاً».
قلت: «أزخرت حياة كادت تجف وتذوي؛ فماذا يستطيع الإنسان أكثر من هذا؟»
قالت: «كلا. كل ما صنعت أني وجدت ماء، وقد وجدته مائة مرة قبل اليوم، فلم أسمع مثل كلامك.. إنك تمزح بلا شك!»
قلت: «بل أنا جاد. لا غنى بي ولا بالحديقة عنك … فما قولك؟»
قالت: «كلا. للحديقة صاحبها، ولك الدنيا، أما أنا فذاهبة».
قلت «ذاهبة؟ أين؟»
قالت: «غداً — أو بعد غد — يرحل أبي، وأنا معه، فما بقي ما يستوجب مقامنا».
فدنوت منها ووضعت يدي على كتفها وسألتها. «أنت أوعزت إليه؟»
قالت، وهي مطرقة: «نعم. والآن أستودعك الله!»
فتعلقت بها فلم يجدني ذلك وقالت: «أنا بنت الصحراء، وأنت ابن المدينة.. لست لي، ولست لك … وقد تركت لك الحديقة … لتذكرني بها».
وكان هذا آخر عهدي بها …
ولكني لم أطق هذه الذكرى. ولم أعد أحتمل أن أرى الحديقة أو البئر التي حفرتها، فتركت ذلك كله وانتقلت إلى بيت آخر … بعيد بعيد جداً، ولا حديقة له.
? الاختضار جز الخضرة.
الفصل السادس والعشرون
واجبات الشباب العربي


سألني بعض الإخوان هنا أن أوجه إلى شباب العراق نصيحة، فقلت حباً وكرامة، وعلى الرأس والعين، وإن كنت لا أعرف أن لي ما يخولني أن أقف موقف الواعظ أو المرشد، سوى السن والتجربة». أي نعم السن وإن كانت لم ترتفع بي إلى الشيخوخة المتهدمة التي تدركنا جميعاً على الأيام.
ولكني امرؤ عاش في كل يوم — مثل عمر نوح. وليست العبرة بعدة السنين بل بما تحفل به الحياة وتملأ، ورب هرم يقوم على الراحتين ويتوكأ على العصى وهو إذا اعتبرت ما أحس وأدرك لا يحسب إلا في الصغار الأغرار ورب شاب غض الاهاب اكتظت حياته بما يملأ عمراً كاملاً حتى ليحس أنه يحمل عبء من السنين وقديماً قلت أيام كنت أقول الشعر.
أحس كأن الدهر عمري وأننيأخو مفرق الأرضين بالفيضان وهو بيت سخيف مهلهل النسج، ولكنه يكفي الإبانة عما أريد.
ولست أنوي في هذا الحديث أن أنصح لأحد ولكني سأجترئ بأن أسوق بعض ما تعلمته في حياتي، وأول ما علمتنه الأيام أن أنصح نصح عبث ومحال، وباطل، وليس بجدي، فقلما ينتفع المرء بغير تجربته هو إذا أمكن أن ينتفع أو يرى أن ما وقع أو أتفق لسواه يصلح أن يقاس عليه.
وليس هذا بغريب ولا هو من حقه أن يكون باعثاً على السخط والتذمر فإن استجابة النفوس لوقع الحياة تختلف لا محالة باختلاف النفوس ونوع استعدادها ومبلغ الإدراك والعلم وأثر الوراثة والبيئة.
وقد جريت في تربية أولادي ومع تلاميذي أيام كنت معلماً، على اجتناب النصح والأمر والنهي فإذا عرض ما يحتاج إلى التوجيه اكتفيت بأن أصف لهم تجربتي أو أقص عليهم بعض ما اتفق لي مما يسببه ما أعالج من أمرهم، ثم أدعهم بعد ذلك إلى رأيهم لأعودهم التفكير المستقل وأدربهم على حرية الارتياء والتصرف وأشعرهم أنهم مسؤولون عما يفعلون وأنهم أهل للثقة بهم وسيكونون رجالاً في يوم ما بلا رقيب منا عليهم فمن الخير أن نروضهم على الاستقلال والشعور به بتتبعات ما يفعلون أو في سن مبكرة.
ومن أول ما تعلمته في حياتي أن الدنيا لي ولغير فلم أعطها وحدي ولم يعطها سواي ملكاً خالصاً له، ونحن جميعاً شركاء متعادلون في الحقوق وعلينا من أجل ذلك واجبات متكافئة.
وما دمنا شركاء إلى حين وما دام أن المقام في الدنيا على كل حال قليل فإن من الحماقة أن ننغص على أنفسنا هذه الحياة القصيرة.
أو نؤثر في سيرتنا التي هي أخشن على التي هي أحسن. وقد كنت أحمق الحمقى في صدر حياتي وما زالت بي بقية غير قليلة من الحماقة، فما زالت الدنيا تنفضني كما ينفض الأسد فريسته وتشيلني وتحطني وترجني وترميني من هنا وههنا، حتى فاءت بي إلى الرفق والهوادة فأراحت وارتحت.
أي نعم تتسع الدنيا لي ولغيري وتستغني عنا جميعاً، وليس أخطل رأياً ممن يتوهم أن الحياة لا تطيب له إلا إذا خلا طريقه فيها من الناس.
وما أحكم قول الإنجليز في أمثالهم (عش ودع غيرك يعش).
وما على المرء إلا أن يفكر فيما عسى أن تخسر الدنيا إذا هي خلت من الناس وعادت خراباً يباباً لا شيء. لم يكف الفلك المسير عن الدوران ولن تعدم الحياة على الأرض مظهر آخر تبتدىء فيه كما ابتدأت فينا نحن بني آدم وله نحن إلا صورة من صور الحياة وهي أشد غروراً أو أقل عقلاً فمن يكبر في وهمه أن الحياة تنعدم إذا انقرض الإنسان وتقلص ظله على الأرض؟
ولا تحسبوا أن هذا الكلام زاهد أو متزهد، فما أنا بهذا ولا ذاك، وإني لمن أشد الناس رغبة في الحياة الرضية ونشداناً للعيش الرغيد وطالباً لأطايب الدنيا وعكوفاً على متعها المشتهاة، وكل ما في الأمر أني لا أرى أن فوزي بما أبغي يستوجب أن يحرم الناس غير ما يطلبون. أو أن يخيبوا ويخفقوا ولست أحسن أنهم ينافسونني أو يزحمونني أو يضيقون علي المجال، فإن الدنيا رحيبة، ومجالاتها لا آخر لها، وما أراني عجزت قط عن اختراع طريق بكر أو خلق ميدان جديد إذا شعرت بالحاجة إلى ذلك.
وصحيح أن الحياة جهاد، جهاد مع الطبيعة ومع الإنسان، ولكنا لسنا من الحيوان، فنضالنا ليس بالأنياب والمخالب بل بالعقول. ونضال العقول متعة، لا يعي به أو يستثقله إلا من لا يصلح لغير حمل الأثقال كالدواب. وليس أمر الدنيا إلى هؤلاء المساكين الذين يساقون بل على أصحاب العقول. ولست تستطيع أن تعطل عقول الناس وخير وأرشد أن لا تفعل حتى إذا استطعت. وفي هذا النضال يتصفح المرء عقول منافسيه ويضيفها إلى عقله فهو يكسب أبداً ولا يخسر ويضيف كل يوم ثروة ذهنية إلى ما أوتي من ذلك ويمنع عقله أن يصدأ ويجلوه ويشخذه ويرهفه.
ولكن المرء لا يستطيع أن يناضل بعقله الفطري، وأعني بالفطري الذي لا زاد له من العلم ولا مدد من المعرفة، وشبيه بذلك أن تقاوم مقذوفات المدافع بالحجارة. فلا معدى لنا عن تعهد ملكاتنا وتزويدها بالأداة التي تجعلها أمضى وأكثر غناء. وأنا رجل أديب فلا علم لي إلا بفني ومن أجل هذا أقصر كلامي عليه.
وأحسب أن من تحصيل الحاصل أن أقول أنه لا مطمح لأحد في بلوغ مرتبة ملحوظة من مراتب الأدب إلا بالاطلاع الوافي.
ولما كانت لغتنا العربية أداتنا التي لا أداة لنا سواها، ولا سبيل لنا إلى البيان إلا بها فلا مهرب لنا إذن من تحصيل هذه اللغة والتوفر على درسها.
وهنا أذكر أن شاباً مصرياً جاءني ذات يوم يشكو إليّ المرحوم شوقي الشاعر ويقول أنه ذهب إليه يستشيره فيما يحسن به أن يقرأ من الكتب العربية، فأشار شوقي عليه بدرس كتابين وجدهما الشاب من كتب النحو وفقه اللغة فاعتقد أنه أضاع ماله وأن شوقي أخطأه التوفيق.
فقلت له إن شوقي لم يخطئ فإن النحو والصرف وما يجري هذا المجرى لابد منه ولا غنى عنه، ولكل لغة قواعدها وأصولها وأحكامها وفقهها ولا معدى عن الإحاطة بذلك إذا كنت تريد أن تتخذ هذه اللغة أداة للكتابة وإلا فكيف تكتبها وأنت لا تعرف أحكامها وقواعدها؟
وصحيح أن الكتب القديمة تحتاج إلى تيسير مطلبها، ولكن التيسير ليس معناه الإلغاء، فأعرف لغتك أولاً، وأدرس أدبها ثم عالج ما شئت بعد ذلك من فنون الكتابة.
وقد حدثت شوقي رحمه الله بهذا فقد كنا نلتقي ونتذاكر على الرغم من راي المعروف في شعره فقال لي: يا أخي لقد كنت في بداية عهدي بالشعر بعد أن عدت من أوربا ألحن وأخطي فيسلقني النقادون بألسنة حداد، فالآن أنصح للشباب المبتدئين أن يعرفوا لغتهم فيشكونني ويعيبونني بذلك.
على أنني لا أرى الاقتصار على درس اللغة العربية وآدابها بل لابد عندي من التوفر على درس الآداب الأخرى ولاسيما الغربية منها، وحب طالب الأدب لغة واحدة كالإنجليزية مثلاً فإن براعات الآداب الغربية قديمها والحديث مترجمة إليها، وقد كان العرب حصيفين حين عنوا بنقل الفلسفة الإغريقية إلى العربية فاتسعت آفاقهم.
ولسنا نستطيع أن ننقل في عصرنا هذا خارجيات الغرب في الأدب والفلسفة فإنها شيء لا آخر له، ولكن في وسعنا أن نطلع عليها ونلم بها إلماماً كافياً بإحدى اللغات الغربية.
ونحن نلقح الشجر ليثمر، ونطعمه ليؤتينا ما هو أطيب ويجنينا ما هو أشهى، فنلقح عقولنا بما عند الغرب، لتعود أوفر إنتاجاً وأحلى جنى. ونحن آدميون والشجر نبات، ولكن سنة الحياة واحدة وقانونها لا تختلف ونافد في كل مظاهر الخلق على السواء وما يصير به النبات أقوى وأزكى يصير بمثله الحيوان، ونحن منه أقدر على معاناة الحياة وأصلح لها وأنجب.
وليس مما يصح في الأفهام أن نكون في القرن العشرين ونقنع بأن نعيش بعقول القرون الخالية، وأخلق بهذا الكسل أن يحيلنا خلقاً مخلفاً من الأزمنة البائدة، وأن يجعلنا غير صالحين للزمان الذي خرجنا فيه.