Advertisement

Three days

لو أبصرتُ ثلاثة أيام
هيلين آدامز
ترجمة د. عبد الهادي التازي
مكتبة الملك عبدالعزيز العامة
????

تصدير المكتبة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فنحمد الله – سبحانه وتعالى – على أن كثيرًا من الجوانب الاجتماعية، والصحية، والتربوية وغيرها لذوي الإعاقة بشكل عام، والمكفوفين على وجه الخصوص، قد حظيت بعناية من قبل المتخصصين في العالم، ونتطلع إلى المزيد في هذا الجانب؛ إلا أن تلبية احتياجاتهم الثقافية ولاسيما من خلال القراءة لا تزال تعاني بشكل ملحوظ، ونحن في هذا المجال نلحظ ذلك عن قرب منذ عقود عدة، فقد أشارت إحصاءات الاتحاد العالمي للمكفوفين إلى أن أكثر من ??% من مُجمل المواد المنشورة في العالم غير ميسرة لهذه الفئة. ومن هذا المنطلق نبعت فكرة إصدار هذا الكتيب ونشره ضمن مطبوعات مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالطريقة التقليدية الورقية المطبوعة، وبطريقة (برايل) المعروفة؛ ليُسهم – بمشيئة الله تعالى – مع غيره في إثراء أكبر للمكتبة العربية بشكل عام، ولمكتبة المكفوفين في عالمنا العربي على وجه الخصوص.
وعلى الرغم من الظروف القاسية التي تمر بها هذه الفئة الغالية من المجتمع، إلا أن كتب الحياة تزخر بأمثلة متعددة عن نجاحات كثير من أفرادها، فمنهم العلماء، والأدباء، والفلاسفة، وغيرهم من حولوا حياتهم إلى سلسلة من الإنجازات التي لا تتوقف، وقبلوا تحديًا من نوع خاص، بين الحواجز النفسية الناجمة عن إعاقاتهم، وبين ما رسموا لأنفسهم من أحلام أو طموحات، فوضعوا أنفسهم على أول طريق النجاح، وأبدعوا وسجلوا تقدمًا لافتًا وملموسًا، جعلهم مثار إعجاب، ومحط تقدير البشرية جمعاء، حتى اتخذ منهم الناس مُثُلًا عُلْيَا لهم.
مؤلفة هذا الكتيب المبدع (لو أبصرت ثلاثة أيام) هيلين كيلر آدمز، المولودة في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ???? م، تلك المرأة الفريدة المصابة بإعاقات متعددة، فهي لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم، منذ سنواتها الأولى، لكنها أصبحت إحدى الحالات الإنسانية التي حفرت اسمها في سفر التاريخ بأحرف من نور، وحولت إعاقاتها ومعاناتها النفسية، إلى جوانب إيجابية عظيمة وإبداع وإنتاج، فقد وضعت خلال مسيرتها المبدعة نحو ثمانية عشر كتابًا، وكتبت على يد معلمتها العديد من الروايات العالمية التي تُرجمت إلى العديد من اللغات، وكل منها يهزُّ الوجدان، ويملأ القلب سعادة، ويجعل الحياة جديرة بأن تُعاش، فأصبحت كاتبة شهيرة وذاع صيتها في المعمورة، ونالت جائزة نوبل في الآداب عام ????م.
هذا الكتيب، الذي ترجمه الأستاذ الكبير والصديق العزيز معالي الدكتور عبدالهادي التازي، أحد أعلام المملكة المغربية والعرب في ميادين الدبلوماسية والفروسية والأدب والتاريخ، يتناول تجربة افتراضية مُتخيلة لم تقع، وهي: ماذا ستفعل الكاتبة لو أنها أبصرت ثلاثة أيام فقط، وبخيالها الواسع، استطاعت أن تأخذنا برحلة ملهمة، تنبهنا فيها إلى ما لا نلتفت له واقعًا.. إلى وجوه الجيران والأصدقاء والأهل والأحباب، وألوان بشرتهم، وعيونهم، وتتأمل ذلك التنوع الهائل في الكائنات الحية نباتًا وحيوانًا، وتصور بإعجاز – وهي العمياء – لحظة انسلاخ الليل عن النهار، لتُوقفنا بخشوع أمام المنظر البديع للشمس وهي تنشر أشعتها على الأرض، فتوقظ الناس من سبات المنام...
حري بجميع الذين أنعم الله – سبحانه وتعالى – عليهم بسلامة العقل والبدن، واستسلم بعضهم للأوهام واليأس؛ أن يروا عبر هذا الكتيب نعم الله تعالى؛ ليكون بمنزلة الناصح بتقدير نعم المولى – سبحانه وتعالى – عليهم.
وبهذه المناسبة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير لمعالي الأخ الصديق الدكتور عبدالهادي التازي، الذي لفت انتباهي لهذا الكتيب العظيم، وقام بترجمته إلى اللغة العربية، وكذلك لجهود الشيخ الفاضل عبدالعزيز بن أحمد الرفاعي – يرحمه الله – من خلال تبنيه أعمال ترجمته ونشره للمرة الأولى عام ????هـ/ ????م، والله أسأل أن يجزيهما خير الجزاء على هذا العمل في الدنيا والآخرة.
وإن مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، إذ تضطلع بنشر هذا الكتيب وتقديمه للقارئ؛ لتأمل في أن تتحقق منه الفائدة المرجوة بمشيئة الله تعالى.
والله من وراء القصد.
المشرف العام على المكتبة
فيصل بن عبدالرحمن بن معمر
مقدمة
تعرضت هيلين آدامز كيلر Helen Adams Keller وهي في الشهر الخامس من عمرها لمرض حرمها من بصرها وسمعها، ومنعها أيضًا من الكلام!1 بيد أنها بفضل العون الذي قدّمته لها أستاذتها الآنسة آن صاليفان جون ماسي (Anne Sullivan J. Macy) استطاعت أن تتعلم النطق وهي في سن العاشرة. وبمرور الأعوام عرفت كيف تتخلص من عالم البؤس والصمت إلى عالم السعادة والكلام. وبعد تخرجها بتفوق في كلية رادكليف (ولاية ماساشوستس) سنة ????م انصرفت للقراءة والتأليف. وقد مكنتها شهرتها من التنقل عبر كثير من بلاد الدنيا حيث لقيت الترحيب والتكريم من سائر رجال الفكر، وقد كان في جملة بولي طومسون.
وقد كان كتابها «قصة حياتي» (The Story of My Life) أوّل ما ألفت، ولها أيضًا: «العالم الذي أعيش فيه» (The World I Live In)، «أغنية الجدار الحجري» ((Song of The Stone Wall،
(أضواء في ظلامي) Light in my Darkness))؛ و«الخروج من الظلام» (Out of Dark). وغيرها من عشرات الكتب والمقالات التي تتضح بالشكر لله على نعمة الحواس، وتدعو إلى استعمالها فيما خلقت من أجله. وقد نقل كتابها (قصة حياتي) إلى اللغة العربية الأستاذ أمين موسى قنديل، كما عرّب كتابها حول معلّمتها الدكتور حسين فوزي النجار، بالإضافة إلى تعريبات أخرى قام بها بعض الأدباء لجملة من مؤلفاتها، وبقي عدد من مؤلفاتها لم يترجم إلى العربية.
وقد حُبّب إليّ أن أقوم بنقل أحد مقالاتها المختارة إلى العربية، وفضلت هذا المقال بالتحديد لأنه – في نظري – أفضل نُصح وأصدقه يمكن أن يُقدّم إلى أولئك الذين تحفّ بهم النعم من كل الجهات ثم هم لا يقدّرونها ويستسلمون للأوهام واليأس والقنوط. فالمقال إذًا (دعوة) للناس أن يلتفتوا إلى ما حولهم من كنوز وثروات حقيقية. ولهذا فإنني أقترح عليك أيها القارئ أن تستوعبه مهما كانت مشاغلك، وكيفما كان مركزك، وحيثما كان مقامك، وسواء أكنت من الذين يدركون حقائق الأشياء فهم يجدون الراحة فيما يحيط بهم من مباهج، أم كنت من أولئك الذين أضنتهم متاعب الحياة فهم يضجّون ويشكون!
المترجم
تمهيد
كل واحد منا قرأ أساطير رائعة، عاش أبطالها ظروفًا معينة تطول مدّتها أحيانًا حتى ليُخيل إلينا أنها بلغت سنة كاملة، وتقصر أحيانًا حتى لا تتعدّى في اعتبارنا أربعًا وعشرين ساعة، بيد أننا نهتمّ دائمًا بمعرفة الرغبات التي اختارها هذا البطل أو ذاك ليقضي معها أواخر أيامه أو أواخر ساعاته (أتحدّث طبعًا عن أولئك الذين لهم نوع من الاختيار، وليس عن الآخرين من الذين حكم عليهم، أو من الذين ضاقت أمامهم الآفاق).
إن مثل تلك الأساطير تجعلنا نفكر ماذا يجب علينا أن نفعل لو عشنا تلك الظروف نفسها؟ ما الأشياء.. ما التجارب.. ما الأعمال التي نختار القيام بها في هذه الساعات الأخيرة من حياتنا؟ ما نوع السرور الذي ستنعم به ونحن نعيش هذه الفترات؟ وما نوع الأسى والأسف الذي سنُحِسُّه؟
لقد فكرت في بعض الأحيان بأنّ أفضل طريق وأحسنها هي أن نعيش كل يوم كما أننا سنموت غدًا! وأن مثل هذا الشعور سيقوي قيمة الحياة ومتعتها في نظرنا، يجب علينا أن نعيش كل يوم ونحن نقدّر تمام التقدير وندرك تمام الإدراك النعم التي تحيط بنا، والتي غالبًا ما تفقد قدسيتها عندما يمرّ أمامنا الزمان في هذا المشهد الدائم الذي يمضي بأيامه وشهوره وأعوامه.. أولئك طبعًا هم الذين يعيشون دوامة أبيقور2 المتلخّصة في «كل واشرب وامرح»، بيد أن أغلب الناس يريدون أن يعيشوا في عذاب وهم يشعرون بحقيقة الفناء الوشيك!
إن البطل المحكوم عليه في مختلف الأساطير كثيرًا ما نراه في آخر لحظة يترقب حظًا سعيدًا يُسعفه، لكن الملاحظ أننا في أغلب الأحيان نرى إحساسه بقيم الحياة كثيرًا ما يتغيّر، إنه يمسي أكثر تقديرًا لمعاني الكون ولأسراره الروحية الدائمة، وفي جُل الحالات ترى أن أولئك الذين يعيشون أو عاشوا في ظلال الموت، وعلى مقربة من شبحه، هم الذين يتذوقون لذائذ الظروف التي يحيونها!
لكن معظمنا – مع كل ذلك – يأخذ الحياة على أنها منحة دائمة. نحن نفهم أنه لابدّ من يوم آت لا محالة نُسْلِم فيه الروح، بيد أننا غالبًا ما نتصور أن هذا اليوم بعيد جدًا!! وعندما نكون في حالة صحية جيدة، فإن الموت عندئذ يمسي أمرًا غير وارد بتاتًا، بل إنه لا يخطر على بالنا إلا عابرًا. وهكذا تتعاقب الأيام في طريق غير ذي حَدّ، وهكذا نسير في زحمة أشغالنا الزهيدة عالِمِين – ولكن بصعوبة – بموقفنا إزاء هذه الحياة.
إن هذا السبات نفسه هو الذين يهيمن علينا – فيما أعتقد – حتى فيما يتعلق باستعمال حواسنا وطاقاتنا. إن الأصم وحده هو الذي يقدر نعمة السمع: وكذا الكفيف وحده هو الذي يقدر ضروب السعادة التي تكمن في نعمة البصر. إن هذه الملاحظة تنطبق عمليًا على أولئك الذين فقدوا حاسة البصر أو حاسة السمع في حياتهم المبكرة، لكن الذين لم يسبق لهم أن اشتكوا من الحرمان ولم يسبق لهم أن فقدوا بصرًا أو سمعًا، أولئك قليلًا ما يُحسُّون بعظمة نعمة الاستفادة من هذه الحاسة المقدّسة. إن أبصار هؤلاء تقع على كثير من المناظر، كما أن أسماعهم تتلقى مختلف الأصوات، ولكن بقليل من التقدير، بل ربما دون اكتراث ودون إمعان! إنها فحوى الكلمة التي تردّد: لا يعرف المرء مقدار النعمة إلا عندما تسلب منه، ولا يعرف مقدار عافيته إلا عندما يكون طريح الفراش! كثيرًا ما فكرت في أن هذا الإنسان – أي إنسان – لو أصيب بفقد بصره أو فقد سيسمعه لبضعة أيام من البداية الأولى لحياته لظل يشعر طيلة حياته بأريج السعادة الذي يحفّ به. إنّ الظلام سيجعله – لا محالة – أكثر تقديرًا للنور الذي يراه صباح مساء، وأن الصمت المطبق سيعلمه – دون شك – متعة وقع الصوت على مسمعه!
لقد كان يَلذُّ لي أحيانًا أن أسأل رفاقي الذين يبصرون لأعرف عن بعض ما كانوا يرون، وقد زارتني في الأيام الماضية صديقة من أعز صديقاتي كانت قد رجعت لتوّها من جولة لها طويلة في إحدى الغابات المجاورة، سألتها ماذا رأت وماذا لاحظته فكان جوابها بالحرف: «لا شيء يستحق الذكر»! ولو أنني لم أكن معتادة على مثل هذا الجواب لداخلني الشك فيما سمعت. لقد اقتنعت منذ زمن بعيد أن هؤلاء الذين يبصرون لا يرون إلا قليلًا!
قلت في نفسي: كيف يكون من الممكن أن يتجوّل المرء لمدة ساعة من الزمن بين منعطفات الغابة ولا يرى شيئًا يستحق الذكر؟! أنا التي لا أستطيع أن أبصر شيئًا اكتشفت مئات الأشياء التي تتملّك النفس من خلال اللمس العابر.. أشعر – وأنا ألمس – بالتناسق اللطيف الذي أجده بين أوراق الشجر، أمرّ بيدي لأتحسس هذا الأديم الناعم الذي يلفّ بعض الأشجار الفتية، بل حتى هذا اللحاء الأشعث الخشن الذي يكسو الصنوبر. وفي فصل الربيع أتلمس الغصون وفروع الشجر وكلي أمل في البحث عن البراعم.. عن الطلائع الأولى للطبيعة اليقظة بعد سُباتها العميق في فصل الخريف. أحّس بالبهجة والنعومة وأنا أربّت على الزهور، وأكتشف ما في طياتها من جمال، هناك تظهر لي معجزة خالق الطبيعة في أحلى مظاهرها. ومن وقت لآخر – إذا ما أسعدني الحظ – أضع يدي بلطف وتؤدة على شجرة صغيرة لأتحسس الرعشات المنعشة التي تنبعث من طائر وهو في أوج سروره، سأكون سعيدة عندما أشعر – من خلال أصابعي المتفتحة – ببرودة المياه المتدفقة في الجداول. بالنسبة إليّ فإن فِراشًا ناعمًا من أوراق الصنوبر المتناثرة، أو من بضاضة الربيع الأسفنجي، أَحَبُّ إليّ من أروع بساطٍ حتى لو كان فارسيًا! ومشاهدة تدرّج الطبيعة من فصل إلى فصل تعدّ عندي رواية تمثيلية أخاذة غير ذات نهاية، أنعم بها من خلال تلمس أناملي!
يصرخ قلبي من أعماقه في بعض الأحيان وفي شوق متزايد ليشاهد هذه الأشياء، فإذا كنت أستطيع أن أحصل على متعة مثل هذه بمجرّد لمس عابر، فأي جمال وأي بهاء أشعر به وأنا أرى ذلك رؤيا العين! إنّ أولئك الذين يحوزون عيونًا لا يبصرون فعلًا كما يجب، فالمنظر الشامل لمختلف الألوان ومختلف الحركات التي يزدان بها هذا الكون، كل ذلك يلاحظه معظم الناس دون أدنى تفكير! قد يكون من الإنسانية أن نقدّر قليلًا الأشياء التي لدينا، وأن نتوق إلى الأشياء التي ليست في متناولنا، بيد أن ما يدعو إلى الإشفاق الكبير في عالم النور أن نلاحظ أن حاسّة البصر تعدّ لدينا مجرّد أداة زهيدة أكثر من كونها وسيلة تضفي على الحياة الكمال والجمال!
لو كنت رئيسة جامعة لفرضت مادة إجبارية حول موضوع: (كيف تستفيد من عيونك)، ويكون على مُعلّم هذه المادة أن يحاول إفهام طلبته الوسائل التي تمكنهم من أن يضاعفوا المتع التي تزدان بها حياتهم عن طريق الرؤية الحقيقية للأشياء التي تمرّ أمامهم دون أن يعيروها أدنى اهتمام، نعم.. يكون عليه أن يحاول إيقاظ طاقة طلابه وبعثها من نومها وفتورها.
لو أبصرتُ...
أعتقد أنه من الممكن أن أرسم على سبيل التخيّل ماذا يكون عليّ أن أرى لو أنني وهبت نعمة البصر فقط لمدة ثلاثة أيام؟ حاولوا أن تشاركوني هذا الخيال كذلك.. ركزوا تفكيركم فيما أقول: وأنا أحاول معكم أن نستغل الوقت طيلة هذه الأيام الثلاثة التي سنبصر فيها بعيوننا.
عندما تشعر بأن الليلة الثالثة ستحمل معها اقتراب عودة الظلمة الدائمة، وعندما تشعر بأن الشمس لن تعود أبدًا للظهور مرة أخرى، وكيف تقضي تلك الأيام الثلاثة الثمينة المحدّدة المزدحمة؟ ماذا ستختار أن يقع بصرك عليه؟
سأختار أنا طبعًا أن أرى أكثر الأشياء التي أصبحت عزيزة عليّ طوال السنوات المظلمة التي عشتها، وأنتم كذلك – ولا شك – ستفضلون أن تتركوا لعيونكم الحرية الكاملة لتقع على الأشياء التي أمست محبّبة لديكم، كي تستطيعوا أن تحتفظوا لأنفسكم بذكراها في الليل البهيم الذي يعترض طريقكم.
نعم إذا ما مُنحْتُ – بقدرة قادر – فرصة النظر لمدة ثلاثة أيام أكون بعدها مهددة بانتكاسة تسلمني إلى الظلام الدائم، فعندئذ سأوزع هذه الفترة من حياتي على ثلاث مراحل:
في اليوم الأول
في اليوم الأول سيكون أول ما أقوم به رؤية هؤلاء الناس الذين جعلوا من حياتي شيئا يستحق الذكر، بفضل عطفهم ولطفهم وإخلاصهم. أولا سيكون عليّ أن أُنعم النظر طويلا في مُحيّا عزيزتي وأستاذتي الآنسة صاليفان ماسي، التي جاءت إليّ ذات يوم كنت فيه طفلة، وفتحت أمامي هذا العالم الجديد. لا أريد أن تكون رؤياي عابرة تقتصر على تأمل الملامح البارزة لأسارير وجهها من أجل الاحتفاظ بذكراها في مخيلتي فقط، ولكني أريد أن أدرس ذلك الوجه درسًا، لأقرأ فيه الشاهد الجلي على ذلك العطف والود والصبر الذي كانت تتحلى به وهي تقوم بأداء مهمتها الشاقة من أجل تربيتي وتعليمي. أريد أن أرى عينيها المليئتين بالعزم والقوّة التي جعلتها تقف وقفة شهم حازم أمام سائر المصاعب.. عينيها المليئتين بالرحمة والشفقة بجميع أفراد البشر!
لا أعرف ماذا سأراه في أعماق قلب صديقة من خلال العين «نافذة الإنسان»، كنت أستطيع أن (أرى) – بوساطة أناملي وأصابعي فقط – ملامح وجه من الوجوه، أستطيع أن أكتشف الفرح والحزن وسائر الانفعالات الظاهرة.. أعرف صديقاتي وأصدقائي عن طريق لمس وجوههم، لكني لا أقدر حقيقة أن أرسم صورة في مخيلتي لأشخاصهم عن طريق مجرد اللمس، أعرف شخصيًاتهم طبعًا من خلال وسائل أخرى: من خلال الأفكار التي يعبرون لي عنها، من خلال أعمالهم وتصرّفاتهم مهما كانت.. ومع ذلك فإني محرومة من النفاذ إلى أعماقهم، ذلك النفاذ الذي يتمّ – دون شك – عن طريق النظر في وجوههم.. عن طريق ملاحظة ردود الأفعال التي يقابلون بها مختلف النظريات التي يسمعونها، أو الظروف والملابسات التي تمرّ بهم، عن طريق التفاعلات والإحساسات المباشرة والعابرة التي تتجلى من العيون وملامح الوجوه.
أعرف جيدًا الصديقات اللاتي يتردّدن علي؛ لأنهن ظللن عبر الشهور والأعوام ماثلاتٍ أمامي بشتى المظاهر، بيد أن الزميلات العابرات ليس لي منهن إلا بعض الانطباعات الناقصة، انطباعات تشكلت لدي عبر احتضان أو سلام، عبر بعض الكلمات التي ألتقطها من بين شفاههن بمساعدة أناملي، أو بعض الكلمات التي ينقرن بها على راحة يدي.
كم يكون سهلا، وكم يكون من بواعث الارتياح بالنسبة إليكم، أنتم الذين تستطيعون أن تبصروا بعيونكم، وأن تدركوا – بكل سرعة – الصفة الأساسية لأشخاص الآخرين بمجرد رؤية الحركات التي تصحب التعبير عادة، بمجرّد رؤية اهتزاز الأطراف، بمجرّد إشارات اليد.. ولكن هل خطر مرة ببالكم أن تستعملوا بصركم لتنفُذوا به إلى الطباع الداخلية لصديق لكم أو رفيق؟ أليس معظمكم – أيها المتبصرون – إنما تدركون – عن طريق الصدفة فقط – معالم الوجوه وقسماتها ثم تتركون ذلك يمرّ كأنه لا يعنى شيئًا؟!
ولأضرب مثلًا أدق، أسألكم هذا السؤال: هل تستطيعون أن تصفوا بدقة وجوه خمسة من الأصدقاء الذين تعرفونهم جيّدًا؟ بعضكم ربما يقدر على ذلك، لكن عددًا كبيرًا منكم لا يستطيع. في تجربة خاصة قمت بها أنا، أذكر أنني سألت بعض الأزواج ممن عاشروا زوجاتهم طويلًا عن اللون الذي تمتاز به عيون زوجاتهم، وفي أغلب الأحيان عبّروا لي عن خجلهم وارتباكهم، واعترفوا بأنهم لا يعرفون حقًا ألوان عيون زوجاتهم!
ولهذا أتذكر بهذه المناسبة أن كثيرًا من الزوجات لا يفتأن يجأرْنَ بالشكوى من أزواج لهن لا يُولُون اهتمامًا لما يطرأ على البيت من ترتيبات جديدة! إن عيون هؤلاء المبصرين لا تلبث أن تعتاد رؤية الأشياء، ولا تلبث أن تصبح تلك الأشياء التي من حولهم رتيبة مبتذلة، والناس لا يُعيرون – في العادة – اهتمامهم إلا لبداية الأمور، أو للغريب غير العادي منها، وعند أغلب الأشياء التي تستحق المشاهدة نلاحظ أن العيون تمسي كسلانة لا تُعنى باستجلائها. وهناك حقيقة ينبغي أن تسترعي اهتمامنا؛ هي أن مجالس القضاء، والمحاكم تكشف كل يوم عن أخطاء الذين يتقدّمون إليها على أنهم (شهود عيان)! ففعلًا هنالك عدد من الحوادث التي تشاهد بطرائق متعددة تبعًا للأداء المختلف لشاهدي العيان، ملاحظة أحدهم تكون أقوى من الآخر، لكن قليلًا من الناس هم الذين يرون كل شيء يدخل تحت مجالات أبصارهم!
آه.. ما أكثر الأشياء التي عليّ أن أراها لو توافرت لدي حاسة البصر لمدة ثلاثة أيام فقط!
نعم.. سيكون اليوم الأول من أكثرها ازدحامًا في العمل.. سيكون عليّ أن أدعو سائر أصدقائي وأعزائي لأُنْعِم النظر في وجوههم طويلًا: لأطبع في مخيلتي الملامح الظاهرة للجمال الذي يجللهم. سيكون عليّ أن أتيح الفرصة لعينيّ أن تأخذا راحتهما في النظر العميق إلى وجه طفل من الأطفال؛ لآخذ فكرة عن الجمال الصاعد البريء الذي يتقدّم على مرحلة شعور الشخص بما ينتظره في الحياة من صراع ونزاع.
وكذلك لابد – دون شك – من أن أحدق بإمعان في عيون كلابي الوديعة الأمينة: (سكوتي)، و(داركي) الصغيرين الذين يمتازان بجديتهما وذكائهما، وكذلك (كويت دان)، و(هيلكا) الحاذقان.. هذه الكلاب التي كانت لي نِعْم العزاء نِعْم السلوى، بملمسها الناعم، وصداقتها الوفية.
وفي هذا اليوم الأول المفعم بالأشغال سيكون عليّ أن أرى هذه الأشياء البسيطة الصغيرة التي يضمّها بيتي، أريد أن أرى هذه الألوان الدافئة التي تضمَّها هذه البُسُط التي أطؤها بقدميّ، هذه الصور التي تزدان بها الجدران، نعم.. هذه الأشياء الزهيدة والمحببة في الوقت ذاته التي تحوّل البناء من مجرّد بناء إلى بيت نأوي إليه ونشعر بالحنان نحوه.
إن عيني ستتركزان بإجلال على هذه الكتب بحروفها البارزة التي مرّتا بها لتقرآها منذ زمن، ستكون عندي أكثر حظوً من تلك الكتب المطبوعة التي اعتادها المبصرون. إن جميع تلك الكتب – سواء منها التي قرأتها بنفسي أم التي تُلِيَتْ عليّ – ملَأْن أمام مخيلتي الفجوات العميقة للحياة الإنسانية وللفكر الإنساني طوال الليل الذي صَحِبَني في حياتي.
وفيما بعد ظهر اليوم الأول من هذه الأيام المبصرة الثلاثة، سيكون من برنامجي أن أقوم بجولة طويلة داخل الغابة لأني أريد لعيني أن تسْكَرَا، أن تغيبا في جمال الطبيعة، في محاولة لأن أستوعب – في أوقات قليلة جدًا – هذا البهاء العظيم الذي يعرض نفسه باستمرار على المبصرين.
وفي طريقي إلى بيتي من جولتي في ذلك الأيك الجميل سأعرج قليلًا على بعض القرى، حتى يتسنى لي أن أشاهد بعينيّ الجياد الكادحة التي تشق الأرض بمحراثها، أو أشاهد فقط جرّارًا من تلك الجرارات، وأقف بعيني رأسي على أولئك الرجال الذين يفترشون الغبراء في هدوء وإيمان وقناعة، هنالك سأقوم بأداء صلاة الشكر أمام هذا الرَّواء الذي يتجلى في ألوان الشمس عند مغربها.
وعندما يخيم الظلام هناك، سيكون في مقدوري أيضًا أن أستمتع بالمتعة المزدوجة عندما يكون في استطاعتي أن أرى أيضًا عن طريق النور الصناعي الذي شاءت عبقرية الإنسان أن تبتكره حتى يُمدّ في أمد الضوء، في الوقت الذي تَحْكم الطبيعة فيه على الناس الظلام!
وعند الليلة الأولى من هذا اليوم الأول من أيامي الناظرة، لن يجد النوم سبيلًا إلى عينيّ؛ لأن ذكريات الساعات الماضية ستزدحم على مخيلتي!
في اليوم الثاني
وفي اليوم التالي؛ أعني اليوم الثاني من أيام النور، سأستيقظ مع الفجر لأرى تلك المعجزة الهائلة: معجزة انسلاخ الليل عن النهار، وتحوّل الطبيعة من عالم مطبق إلى عالم مشرق.. سأقف بإجلال وخشوع أمام هذا المنظر البديع الرائع للشمس وهي تنشر أشعتها على الأرض لتوقظ الناس من سبات المنام!
وسأخصص هذا اليوم لشيء آخر.. أريد أن آخُذ لمحة سريعة عن هذا العالم، ماضيه وحاضره، سيكون عليّ أن أقف على مظاهر تقدّم الإنسان وعلى الآثار التي تعبّر عن مختلف العصور.. لكن كيف أستطيع أن أضغط كل هذا في يوم واحد؟ من خلال المتاحف طبعًا.. لقد سبق لي أن زرت مرارًا متحف نيويورك للتاريخ الطبيعي لألمس بيدي كثيرًا من الأشياء المعروضة هناك، بيد أني كنت أتوق لأرى هذا بعيني، أرى تاريخ الدنيا المتشابك، بما فيه أولئك الذين كانوا يعيشون العصور السحيقة، من أجناس بشرية، وحيوانات نُحِتَت أو صُوّرت في بيئتها الأولى وشكلها الأصلي، سأرى الأجسام الهائلة لحيوانات زاحفة انقرضت الآن كالـ(ديناصور)، والـ(مستودون)3. تلك الحيوانات التي جابت هذه الأرض قبل أن يظهر الإنسان بقوامه الصغير وعقله الكبير ليفتح مملكة الحيوان. تلك معارض واقعية لمظاهر التدرّج والارتقاء بالنسبة للحيوانات وبالنسبة للإنسان، وبالنسبة كذلك للأدوات والعُدَد التي استخدمها الإنسان من أجل أن يجد لنفسه حياة آمنة على ظهر هذا الكوكب.. ثمّة ألف مظهر ومظهر للتاريخ الطبيعي.
كم يا ترى عدد قرّاء هذه الأشياء من الذين تنبّهوا لضرورة مشاهدة هذه المعالم الموسومة للأشياء الحيّة في ذلك المتحف الملهم بكل معاني الحياة؟ كثير منهم – بطبيعة الحال – لم تكن لديه الفرصة ليقارن ما يشاهد بما يدرُس، على أنني متأكدة من أن كثيرًا من أولئك الذين سنحت لهم الفرصة لم يستعملوا أبصارهم كما يجب. تلك المتاحف هي – بكل تأكيد – الأمكنة التي تستحق من المرء أن يستعمل بصره. أنت الذي ترى يمكنك أن تقضي أيامًا منتجة هناك، أما أنا في هذه المرحلة الخيالية التي لا تتجاوز ثلاثة أيام من عمري؛ فلن أستطيع أن أحظى بأكثر من لمحة عابرة ثم أغدو إلى ليلي الحالك!
ستكون وقفتي التالية في متحف العاصمة للفن، وكما كشف المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي عن مختلف المظاهر المادية لهذا العالم؛ فإن متحف العاصمة يكشف لنا عن العديد من حقائق الفكر الإنساني. فمن خلال تاريخ الإنسانية نرى أن الحاجة إلى التعبير الفني كانت من الضرورة بحيث تضاهي الحاجة إلى الطعام.. إلى المأوى.. إلى الأولاد.. هناك في تلك الغرف الفسيحة الأرجاء من متحف العاصمة تنتصب أمامي حياة مصر واليونان وروما متجلية في فنونها.
كنت أعرف جيدًا عن طريق اللمس الهياكل المنحوتة، وقد أخذت صورة عن هيكل بارثينون (Parthenon)4 ، وأدركت الجمال البديع الذي كان طابع المحاربين اليونانيين الأمناء: أبولو إله الجمال، وفينيس ربة العشق، وتمثال النصر المجنح في ساموتراس5، كل هذه كانت صديقة لأناملي، كانت قسمات وجه الشاعر اليوناني هوميروس6 بلحيته وأساريره عزيزةً على ملمسي. هو كذلك كان أعمى. كانت يدي تجد راحتها وهي تلمس الرخام الروماني المنقوش، تمامًا كما ألمس نحت الأجيال المتأخرة.. قد مررت بيدي على لوحة جبسية من صنع النحات الإيطالي مايكل أنجلو7 للنبي موسى، وأدركت عبقرية النحات الفرنسي رودان8. وقد ظلت معجبة بإبداع الفكر المتجلي في النحت الخشبي القوطي9. إن هذه الفنون التي يمكن لمسها لها معان خاصة بالنسبة إلي، بيد أن معانيها وهي مرئية أفضل منها وهي ملموسة. أستطيع فقط أن أصل عن طريق الحدس والتخمين إلى الجمال الذي تظل بقاياه وملامحه غائبة عني، أستطيع أن أبدي إعجابي بالخطوط البارزة التي تزين زهرية من الزهريات الإغريقية بيد أن الزخارف المرسومة تظل بالنسبة إليّ مفقودة.
نعم.. هكذا سأقضي ثاني يوم من أيام نوري، سيكون عليّ أن أنفذ إلى أعماق الروح الإنسانية من خلال ما خلّفه الإنسان من فنون. إن الأشياء التي أعرفها عن طريق اللمس، يجب عليّ اليوم أن أراها رأي العين.. هذه الروعة الكاملة التي ينطوي عليها عالم الرسم، ينبغي أن تتفتح أمامي في أبهى مظاهرها، من العهود الإيطالية الأولى بمظهرها الديني الهادئ إلى العصور الحاضرة بمظاهرها المحمومة المضطربة.. سيكون عليّ أن أنظر بإمعان إلى الصور المرسومة على القماش التي هي من عمل رفاييل10، وليوناردو دافينشي11، وتيتيان12، وريمبراندت13.. سأقيم لعينيّ عيدًا عندما أسمح لهما بأن تقفا قليلًا أمام اللون الدافئ لفيرونيز(Veronese)14، وبأن تدرسا أسرار إل غريكو15، وبأن تكتسبا نظرة للطبيعة من كورو(Corot)16... آه.. هناك كثير من المعاني الثريّة ومن الجمال البديع في شتى الفنون التي تمثل مختلف العصور بالنسبة إليك أنتَ الذي تنعم بعينين تستطيع أن ترى بهما كلما أردت ذلك.
وبعد هذه الزيارة القصيرة لمتحف الفن هذا لن أستطيع أن أعيد النظر إلى جانب واحد من هذا العالم العظيم، من عالم الفن الذي يظل في متناولكم أنتم كل وقت وحين.. سأستطيع فقط أن أحصل على بعض الانطباعات السطحية.
عدد من الفنانين يذكرون لي أن التقدير الصحيح والعميق للفن من شأنه أن يعمل على تربية حاسة النظر. إن المرء عن طريق تجربته يعرف كيف يقدّر الكفاءات، يتعلم عن طريق التجربة إنعام النظر في كيفية وزن الأمور وتأمَّل الإمكانات وأبعاد الخطوط وترتيبها وأشكالها وألوانها.. لو كان لي بصر، فكم أكون سعيدة الحظ بأن أتعاطى دراسة جذابة من هذا النوع.
يُحكى لي دائمًا عن عدد من الناس من بينكم – أيها المبصرون – لا يهتم بعالم الفنون هذا، وأنه بالنسبة إليكم يظل عالمًا مجهولًا.. بل ليلًا مظلمًا، فذلك العالم لا يرى النور ولا يحظى بمن يحاول اكتشافه.
سأترك متحف العاصمة وأنا أشعر بمرارة ما عليها من مزيد، فقد كنت أفضل أن أظل هنا بجانب (المفتاح) الذي يحتضن أنواع الجمال، الجمال الضائع المهمل.. نعم.. إن هؤلاء المبصرين لا أراهم في حاجة إلى متحف من هذا النوع منتظرًا على الأبواب، فهناك متاحف صغيرة تمثل في تلك الكتب التي تضمَّها رفوف المكتبات.. لكني – بطبيعة الحال، وفي هذا الوقت المحدّد من أيام (رؤيتي الخيالية) – ملزمة بأن أختار المكان الذي يوجد فيه المفتاح الذي يكشف لي عن أعظم كنز وأثمنه، وفي أقصر وقت.
وفي مساء اليوم الثاني من (أيام النور) سيكون عليّ أن أقضيه في مسرح أو صالة سينما. لقد حضرت إلى الآن عددًا من التمثيليات المسرحية من كل نوع وشكل، بيد أن حركة الممثلين إنما كانت تُهَجّى لي من طرف رفيقتي، لهذا كم أكون سعيدة بأن أرى اليوم بعيني أنا ودون حاجة إلى ترجمان لشخص (هامليت)17 الفاتن، و(فالسطاف)18 العاصف بين الزخارف الملونة لأليزابيث، وكم أكون سعيدة بأن أتتبّع سائر حركات (هامليت) الرشيق القد، وسائر أطراف (فالسطاف) القوي الجسم. سأشاهد فقط تمثيلية واحدة، وسيكون عليّ أن أواجه عددًا من المفاجآت، بما في ذلك الإشارات الفنية التي أرغب في أن أراها بعيني.. أنتم الذين لكم عيون يكون في متناولكم أن تروا أي شيء يروقكم مهما تريدون، فكم منكم يا ترى عندما يقع بصره على تمثيلية في مسرح أو رواية في سينما، أو يزجي آيات شكره وتقديره لمعجزة البصر19 التي ينعم بها والتي تجعله قادرًا على أن يستمتع بلونها وحُسنها وحركتها؟!
لم أكن أستطيع أن أتمتع بجمال الحركات الإيقاعية، كل ما كنت أستطيعه في دائرتي الضيقة هو أن ألمس بيدي، كل ما كان في مقدوري هو أن أتخيل – ولكن في غموض – جمال (بافلوفا)20، ومع ذلك فإني أعرف بعض الأشياء البهيجة في إيقاعها، وفي أغلب الأحيان أستطيع أن أشعر بذبذبة الميزان الموسيقي وهي تنساب من تحت قدمي على وجه الأرض، أتصور جدا أن الحركة وفق إيقاع النغم تعتبر من أجل المناظر في العالم، وأستطيع كذلك أن أدرك بعض الأشياء عن طريق التحسس بأناملي على السطور المنقوشة، فإذا كان هذا الجمال الهادئ محببًا إلى الناس؛ فكيف يمكن أن نتصور الابتهاج الذي يتملكنا ونحن نرى هذا الجمال الصاخب أمام أبصارنا؟!
ولا أنسى إحدى الذكريات العزيزة علي، يوم أَذِنَ لي الممثل الأمريكي جوزيف جيفرسون21 بلمس وجهه ويديه عندما كان يقوم ببعض الحركات ويلقي بعض الكلمات من قصته المحببة لدى الشعب الأمريكي: «ريب فان وينكل22» لقد استطعت فقط أن أدرك بعض الملامح عن عالم القصة، ولكن تلك الملامح كانت تافهة، ولن أنسى أبدًا تلك المتعة التي شعرت بها في تلك اللحظات، ومع ذلك فكم هي الأشياء التي ضاعت مني! وكم هي المتعة الفائقة بالنسبة للذين يرون والذين يمكنهم أن يقتبسوا عن طريق أبصارهم ومسامعهم الكلمات والحركات المتبادلة بين الفنانين في تمثيلية ما! لو استطعت أن أرى يومًا واحدًا فقط سأعرف كيف أرسم في ذاكرتي مشاهد لآلاف التمثيليّات، من التي قرأتها أو التي نقلت إليّ عن طريق الحروف الهجائية.
وهكذا فإنه في هذا السماء من يومي الثاني لرؤيتي الخيالية: ستزيحُ النوم عن بصري الرسوم والخطوط العريضة للأدب الدراماتيكي.
في اليوم الثالث
وفي الصباح التالي، لابدّ لي أيضًا أن أستيقظ مع الفجر: لأنني أرغب في أن أظل على موعد مع اكتشاف المتعة الرائعة التي تتجلى في شروق الشمس.. إنه من الجدير بأولئك الذين لهم عيون تبصير، أن يتخذوا من أغنية الفجر ومشهد كل يوم – وبكيفية دائمة مناسبة – مناسبة يحتفلون فيها باستقبال هذا الجمال المتجدد..!
إن هذا اليوم سيكون في برنامج رؤياي المُتَخَيَّلَة هو اليوم الثالث والأخير من أيامي.. لن يكون لدي وقت أضيعه في التأسف أو التمنّي، هناك كثير من الأشياء التي لما تزال تستحق الرؤية. لقد خصصت اليوم الأول لصديقاتي وأصدقائي بما فيهم الحيوانات أم الجمادات، بينما كشف لي اليوم الثاني عن تاريخ الإنسان وتاريخ الطبيعة، أما هذا اليوم فسأقضيه في هذا العالم المتحرك المشتغل، عالم الحاضر، بين ديار الناس ومتاجرهم، يغدون ويروحون لمشاغلهم في الحياة، وأين يجد المرء هنا مكانًا يحتوي على أكبر قسط من النشاط والحركة كما يجده في مدينة نيويورك؟ ولهذا فإني أتجه نحو هذه المدينة في يومي هذا.
سأبدأ انطلاقتي من بيتي في الضاحية الهادئة الصغيرة (فوريست هيلز) في لونغ آيسلاند، هنا حيث العشب الأخضر والأشجار والأزهار، حيث تنتصب بيوت أنيقة جميلة، حيث أشعر بالسعادة مع الأصوات والحركات التي تنبعث من مجموعات من السيدات والأطفال، حيث ينعم الرجال بالراحة المطلقة بعد رجوعهم من عنائهم المتواصل بالمدينة.. سأخترق هذه المجموعة من الأبنية المتراصّة من الفولاذ التي تكوّن جسرًا غرب الوادي، وهناك سأشعر ببداية جديدة لمشاهدة القوّة والعبقرية اللتين يحوزهما الإنسان. سيقع بصري على هذه المراكب الراسية هنا.. وفيها ما ينهمك أصحابه في الشغل المتواصل به، وفيها ما تنطلق منه أصوات مدوّية.. هناك سفن أخرى تزمجر في محاولة للقيام ببعض الحركات.. لو كانت لدي أيام أخرى طويلة لما تزال تنتظرني لكنت قضيت منها نصيبًا في تتبع هذا النشاط الرائع الذي يجرى قرب الوادي. أرى المنارات الغربية تنتصب أمامي ذات اليمين وذات الشمال، وكذلك ناطحات السحاب التي غرفت بها مدينة نيويورك، المدينة التي يظهر أنها انحدرت من صفحات تاريخ مهول.. ما أعظمه من مشهد مثير مرعب يتجلى في هذه البروج اللامعة! في هذه المصارف الرحبة الواسعة الأرجاء المشيدة بالصخور والفولاذ.. بنايات يُخيل إليك أنها من صنع جن بنوها من أجل أنفسهم.. وهذه الصورة الحيّة هي جانب من جوانب حياة ملايين الأشخاص كل مطلع شمس.. كم هو يا ترى عدد الذين يعطونها أكثر من نظرة ثانية؟! إنهم قليلون فيما أرى.. إن عيونهم عمياء عن هذه المناظر الرائعة؛ لأنها بالنسبة إليهم أمست أمرًا عاديًا لا يحتاج لإعادة نظر.
سأدير الخطى لأصل إلى قمة إحدى هذه البنايات الشاهقة الضخمة؛ بناية إمباير ستيت المؤلفة من (???) دَوّر، لقد كنتُ في أوقات قصيرة خَلَت (رأيت) مدينة نيويورك ولكن من خلال عيون كاتبتي الخاصّة. أما الآن فإني في أشد الشوق لأقارن بين الخيال وبين الحقيقة الواقعة، في إني متأكدة من أنني لن أشعر باكتشاف مطلقًا وأنا أمام هذه المباني المتناثرة أمامي.. سيكون هذا بالنسبة لي مشهدًا من عالم آخر..
والآن سأشرع في تجولاتي عبر المدينة بعد أن أخذت فكرة عنها من فوق أعلى بناية، وفي بادئ الأمر سأقف في زاوية جدًا مزدحمة من المدينة يقصدها على الخصوص جمهور الناس: لأحاول عن طريق النظر إليهم معرفة بعض الأشياء عن حياتهم، وأرى البسمات تعلو الوجوه فأكون مسرورة للغاية، وأرى العزم والنشاط يشع من عيون الناس فيتملكني الاعتزاز العميق، وأرى كذلك العذاب والعناء فأشعر بالإشفاق.
سأتجوّل في شارع (فيفث أفنيو)، وسأسلط نظراتي على النقاط التي يتجمّع فيها النور، لأتمكن ليس فقط من رؤية الأشياء.. ولكن أيضًا للاستمتاع بالألوان الزاهية، إني متأكدة من أن هذه الألوان التي تمتاز بها ملابس النساء اللائي يسرن في هذه المواكب المتراصّة: تمثل وحدها مشهدًا بديعًا لن أمل من مشاهدته أبدًا ومن الممكن إذا كان لي بصر أن أكون – مثل أولئك النساء – مهتمة أيضًا بالأشكال والأزياء التي تثير انتباه العامّة أكثر لجمالها وبهائها، وإني مقتنعة كذلك بأن عليّ أن أقف أمام إحدى واجهات المتاجر لأنظر من خلال النوافذ، سأشعر بمتعة فائقة وعيناي تطوفان بين آلاف الأصناف الجميلة المعروضة.
ومن شارع (فيفث أفينيو) سأطوف في (بارك أفينيو) عبر الأحياء الشعبية، عبر الحدائق التي يقصدها الأطفال ليلهوا فيها، وسأقف قليلًا لأزور الأحياء الأجنبية.. وفي كل هذه التحرّكات ستكون عيناي مفتوحتين على مصراعيهما كما يجب، وعلى كل المناظر التي تقعان عليها، سواء منها الجميل أم الرديء؛ لأتمكن من النظر بعمق لأضيف إلى معلوماتي شيئًا حول الطريقة التي يعيش بها الناس ويعملون.. إن قلبي ماليء بالصور: صور الأشخاص وصور الأشياء.. وعيناي تمران دون تروٍّ متغاضيتين عن الأشياء الزهيدة، إنهما تكدّان وتجاهدان من أجل أن تلتقطا – في انتباه ويقظة – كل شيء تقعان عليه، هناك بعض المناظر مما يُدخل السرور على القلب، بل مما يملؤه انشراحًا وغبطة، لكن بعض المشاهد محزن فعلًا.. وبالنسبة إلى هذه أيضًا فإني لا أغمض عيني عنها لأنها في نظري تمثل جانبًا من جوانب الحياة، وأعتقد أن صرف العيون عن مثل هذه المشاهد، ولو أنها محزنة، هو إغلاق للقلب وإغلاق للفكر.
إن يومي الثالث من أيام البصر يقترب من نهايته، ومن الممكن أن يكون هناك عدد من الأشياء المهمة التي تقتضي مني تخصيص بعض الساعات الباقية لرؤيتها، بيد أني أعتقد أنه يجب عليّ في مساء هذا اليوم الأخير أن أقصد أيضًا المسرح، حيث أنعم برؤية تمثيلية هزلية مضحكة؛ وذلك ليتسنى لي أن آخذ فكرة عن واقع الكوميديا في الفكر الإنساني.
وعند منتصف الليل تكون الرخصة المؤقتة التي قضيتُها بعيدًا عن ظلمتي قد أخذت نهايتها، ويحل الليل البهيم الدائم من جديد ليخيم في ساحتي مرّة أخرى، وبالطبع لم أرَ في هذه الأيام الثلاثة القصيرة كل ما كنت أريد أن أراه، وعندما يُسدل الظلام سدوله علي، عندئذ سأعرف كم هي الأشياء الكثيرة التي تركتها وأغفلتها دون أن أتمكن من رؤيتها، بيد أن ذاكرتي ستزدحم بالذكريات الشائقة التي أحتفظ بها عن تلك المدّة القصيرة التي آسى على فراقها، ومنذ هذا الوقت فإن لمس أي شيء سيحمل معه ذكرى حية عن حقيقته.
ختامًا.. افتحوا أعينكم!
هذا العرض الوجيز عن استغلال الوقت طيلة هذه الأيام الثلاثة من أيامي المبصرة، ربما لا يتفق مع الطريقة التي قد تختارونها لأنفسكم لو كنتم مكاني، ولكني مع ذلك متأكدة من أنكم إذا واجهتم هذا القضاء فإن عيونكم ستُفتح أمام الأشياء التي لم تروها من قبله مدخرين ذكرياتكم لللّيل الطويل العريض الذي ينتظركم. كل شيء رأيتموه سابقًا يمسي بالنسبة إليكم عزيزًا. ينبغي أن ترى عيونكم كل شيء يدخل في مجال بصركم. عليكم أن تبصروا حقيقة الأشياء، إنكم إن فعلتم فستشعرون بأن عالمًا جديدًا من الجمال يكشف نفسه أمامكم..
أستطيع – أنا الكفيفة – أن أعطي إشارة فريدة لأولئك الذين يبصرون، أعطيه عظة وتنبيهًا لأولئك الذين يرغبون في أن يستغلوا نعمة البصر: استفيدوا من عيونكم كما لو كنتم مهددين غدًا بفقد هذه النعمة.. وإنّ النصح نفسه ينبغي تطبيقه على سائر الحواس الأخرى: استمعوا إلى الصوت الجميل.. إلى هزيج الطير.. إلى نغمات الموسيقا كما لو كنتم غدًا ستصابون بالصمم.. المسوا كل ما يستحق منكم اللمس. تنسّموا أريج الزهور وعبير العطور.. تذوّقوا لذة كل طعام سائغ لذيذ تتناولونه.. كما لو أنكم ستفقدون غدًا حاستي الشم والذوق.. تمتعوا بكل حاسّة من حواستكم.. استمتعوا بكل اللذائذ، وانعموا بكل مظاهر الجمال التي تتفتح أمامكم في هذه الدنيا بشتى الأشكال ومختلف الطرائق.. التي تتقدم إليكم بها الطبيعة الخلابة.
إن كل هذه الحواس هبة تستحق الشكر؛ بيد أن نور البصر يعتبر من أجمل وأروع ما يدخل البهجة إلى النفوس..
– النهاية –
1 معلومات المقال الأصلي:
If I Had Three Days to See; by:
Hellen Adams Keller: “Ogden. Utan", School for Deaf Copper, A.C., and Fallon: Essays Then and Now.
2 أبيقور (EPICURE): فيلسوف عاش في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، كان يزعم أن المتعة هي الهدف الرئيس من الحياة!
3 المستودون (Mastodon): حيوان منقرض شيبه الفيل.
4 البارثينون (Parthenon): هيكل لآلهة – كما يزعمون – في أكروبوليس أثينا.
5 تمثال النصر المجنح (Winged Victory of Samothrace): تمثال مشهور وغير كامل لإلهة ذات جناحين، وهي إلهة النصر كما يزعمون. وقد اكتشف هذا التمثال في ساموتراس في بحر إيجة، ويوجد حاليا في متحف اللوفر بباريس.
6 هوميروس (Homer): شاعر أعمى من اليونان، عاش في القرن التاسع قبل الميلاد تقريبا، وهو صاحب ملحمتي الإلياذة والأوديسّا.
7 مايكل أنجلو بوناروتي (Michelangelo Buonarroti) (???? – ????م): نحات ورسام وشاعر ومهندس في مدينة فلورانسا الإيطالية. اشتهر بأنه الذي خطط مبنى كنيسة سان بيتر (St. Peter) في روما، كما صنع عددا من التماثيل، كتمثال النبي موسى عليه السلام (كما تخيله).
8 أوغست رودان (Auguste Rodin) (???? – ????م): نحات فرنسي، أشهر أعماله التمثال الذي يُسمى بـ«المفكر».
9 النحت الخشبي القوطي (Gothic Wood Carving): نوع من النحت يوجد في الكنائس القوطية، وقد تطوّر من الأسلوب الهندسي في فرنسا خلال القرن الثاني عشر الميلادي، ومن أبرز خصائصه الاعتماد على القوس المنقّط.
10 رافاييل (Rapheal)، (???? – ????م): رسام إيطالي، نال شهرة عالمية بلوحته (Madonna Sistine).
11 ليوناردو دافينشي (Leonardo da Vinci)، (???? – ????م): عالم إيطالي، ورسام ونحات ومهندس ورياضي، اشتهر بلوحته موناليزا (Mona Lisa)، ولوحته العشاء الأخير (Last Supper).
12 تيتيان (Titian)، (???? – ????م): رسام من فينيسيا، امتاز باستعماله ألوانًا مختلفة.
13 ريمبراندت (Rembrandt)، (???? – ????م): رسام هولندي، له لوحات عالمية رائعة، منها: درس في عالم التشريح (Lesson in Anatomy)، وحارس الليل (Night Watch).
14 باولو فيرونيز ((Paolo Veronese، (???? – ????م): هو رسام من فينيسيا، خصص لوحاته لموضوعات دينية.
15 إل غريكو (El Creco)، (???? – ????م): أبرز رسام أسباني في عصره، وأصله يوناني. اشتهر باللوحة المعروفة للقديس جيروم.
16 جان بابتيست كميل كورو (Jean Baptiste Camille Corot)، (???? – ????م): رسام فرنسي، اهتم بالمناظر الرعوية، من أشهر لوحاته رقص الحوريات (Dance of the Nymphs).
17 هاملت (Hamlem): أمير الدنمارك، بطل مسرحية (هامليت) لشكسبير.
18 سير جون فالسطاف (Sir John Falstaff): شخصية الصعلوك الشهير في مسرحيتي «الملك هنري الرابع – ?» و «الملك هنري الرابع – ?» لشكسبير. اشتهر بذكائه المفرط، وبجبنه أيضًا.
19 الشكر الواجب يكون لخالق هذه المعجزة، الله سبحانه وتعالى.
20 أنَّا بافلوفا (Anna Pavlova)، (???? – ????م): راقصة روسية مشهورة.
21 جوزيف جيفرسون (Joseph Jefferson)، (???? – ????م): ممثل أمريكي مشهور اشتهر بدور: ريب فان وينكل.
22 ريب فان وينكل (Rip Van Winkle): شخصية من قصة تحمل الاسم نفسه لمؤلفها واشنطن إيرفينغ (Washington Irving)، وريب هذا هولندي نام خلال عشرين سنة ولما استيقظ وجد أن تفصيلات الحياة قد تغيّرت!
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------

1