Advertisement

Don't eat yourself

عبد الوهاب مطاوع
صديقي لا تأكل نفسك
دار الشروق


الفهرس
آلام زعتر 3
صباح الخير أيها الحزن 8
أناشيد الأمل 11
لا تأكل نفسك يا صديقي 14
أشواك الأخرين 17
ولكنها تدور 20
في المرآة 23
من فضلك ساعدني 26
أحلام الشباب 30
احترس من الحوت 34
صديقي.. من أنت 37
يا أصدقائي 40
أصدقائي الستة 44
العقل في إجازة 48
صباح الخير 52
تأملات.. في الحديقة 55
أيام من العمر 58
وفي الحديقة.. نسيت نفسي 66
شاهدت الأمر 72
النقط.. بين الحروف 76
صباح سعيد 79
مستقبلي ورائي 83
حرب النظرات 87
ارفعوا القبعات 91
عصير حياتهم 94



آلام زعتر
كان صديقي في فترة الدراسة الجامعية يحب أن يسمى نفسه (( جوبتر )) تشبها بإله الضوء عند الرومان.. فكان إذا ضايقنا حورنا اسمه المفضل إلى زعتر وادعينا إنه إله الشعر عند المجوس!
وكان صديقي يكتب الشعر والقصة القصيرة ولا يخلو من موهبته الأساسية كانت في قدرته على الحلم.. فلقد كان يحلم لنفسه بمستقبل سعيد يحقق فيه ذاته ويتزوج ممن سوف يحبها وتتفق ميولها مع ميوله فيمضيان العمر معاَ يتبادلان الحب ويتطارحان الشعر ويهيمان في عالم الأدب والموسيقى والمثل العليا وكل الأشياء الجميلة في الحياة.
وكان فعلا إنسانا مثاليا ملتزما خلقيا. وينشد الجمال في الوجوه والسلوك والعلاقات الإنسانية وكانت تجمعني به ميول مشتركة فكنا نقرأ الأعمال الأدبية الشهيرة معا ونحلق دائما في دنيا نجيب محفوظ في رواياته.. ونحب أبطاله ونشفق عليهم مما يصنعه بهم الزمن. وغرقنا لسنوات في قراءة أعمال شكسبير حتى أصبحت شخصياته تتراءى لنا في أحلامنا وتعايشنا في أحاديثنا ومسامراتنا.
وكان صديقي (( جوبتر )) رقيق الإحساس سريع التأثر وحين وقعت في أيدينا رواية الشاعر الألماني العظيم جوتة (( آلام فرتر )) قرأناها معا أكثر من مرة وذرفنا الدمع على بطلها الشاب حين انتحر يأسا من بلوغ أمله في حبيبته شارلوت الجميلة، وبالغ صديقي كعادته في تأثره بها فأعاد قراءة الفصل الأخير منها عدة مرات وفى كل مرة يختنق بالدموع، حتى خشيت عليه أن تصيبه لعنة هذه الرواية الرومانسية التي أصابت بعض الشباب الألماني في القرن التاسع عشر فقلدوا (( فرتر )) وأنهوا حياتهم بنفس طريقته، إلى حد أفزع جوته فكتب قصيدة شعر يقول فيها إن روح (( فرتر )) تنادى كل شاب قائلة له:
(( كن رجلا وافهمني ولا تتبع خطواتي ))
أي افهم مأساتي واحزن لمصيري ولكن لا تقلدني في الانتحار والموت لأنك تعيش في الواقع وأنا أعيش في الخيال، والخيال شيء آخر.!
ثم مضت بنا الحياة وتخرجنا في الجامعة وعملنا وبدأنا معركة إثبات الذات وصديقي محلَّق كما هو في رومانسيته ويرفض أن ينزل إلى أرض الواقع. ويزورني من حين إلى آخر ليقرأ على قصيدة أو قصة قصيرة كتبها ثم غاب عنى فجأة عدة سنوات وجاءني فأحسست أن شيئا في روحه قد تغير.. فلم يقرأ على شعرا ولا قصة وحين سألته عنهما قال لي أنه مل الكتابة ولم يعد يكتب منذ عامين أما القراءة فمازال يقرأ من حين إلى آخر ولكن بلا حماس!.
ثم غاب سنوات أخرى وجاء يزورني ففوجئت بأنه قد تزوج واهتممت بأن أعرف كيف تزوج إله الضوء القديم فروى لي ببساطة انه تزوج بلا حب من فتاة غير متعلمة وليست جميلة تعَّرف على أبيها خلال تردده على الهيئة التي يعمل بها صديقي لإنهاء بعض معاملاته وأنه ساعده في ذلك فدعاه الأب لتناول الشاي في بيته ورأى ابنته فتقدم لخطبتها ورحب الأب به، ثم تزوج في شقة في نفس البيت الذي يملكه الأب وبدلا من أن يجذب زوجته إلى عالمه القديم اجتذبته هي إلى دنياها الواقعية فنسى الشعر والأدب وكل شيء.
وغاب صديقي مره أخرى ثم عاد إلى شخصا غريبا له شارب وهو من كان يكره الشوارب ويتندر عليها ويضع على عينيه نظارة مذهبة ويرتدى خاتمين ذهبيين في يديه، ولم أكد أسأله عن أحواله حتى تطوع هو ليروي سر مظهره الجديد فقال لي ببساطة إنه طلب من زوجته أن ترجو أباها أن يعطيها نصيبها من ثروته وهو على قيد الحياة، لكي يدعوا له بطول العمر ولا يتعجلا وفاته!
وأن الأب أدرك بنظرة واقعية للأمور أن زوج ابنته سيحَّول حياة ابنته إلى جحيم إن لم يحقق له مطلبه خاصة وقد أنجب منها ولدا وبنتين، فاستسلم للأمر الواقع واشترى لابنته شهادات استثمار بمبلغ كبير وهدأت الأحوال لفترة لكن صديقي لم يتوقف عند ذلك فبعد فترة بدأ يضغط على زوجته لتنقل ملكية الشهادات إلى أبنائه لتكون تحت تصرفه فاستجابت له، وبعد فتره من الزمن اكتشفت انه قد باع معظمها وتاجر بلا حياء في العملة الأجنبية ولم يتورع عن الوقوف أمام البنوك كما يفعل صبيان تجار العملة لاصطياد الزبائن فبكت طويلا ورجته ألا يعرض نفسه وأسرته للخطر وأن يتصرف في المال كما يريد بشرط ألا يتورط في تجارة ممنوعة وكان قد جمع ثروة لا بأس بها فاتجه تفكيره إلى أن يدخل عالم بناء العمارات، فاشترى قطعة أرض صغيرة في مدينة نصر وأعلن عنها فجاءه راغبو السكن بالمئات فاختار منهم من بأمن لهم وباعهم على الورق شققا ثم بدأ يبنى العمارة بأموالهم، ورفض بجرأة غريبة أن يسلم العمارة لصهره وهو مقاول ووقف يباشر عمليات البناء بنفسه حتى انتهت خلال عامين وقع خلالها في مشاكل عديدة مع السكان.. ودخل قسم الشرطة لأول مرة في حياته، وكاد يقدم إلى المدعى الاشتراكي لولا أن أنقذه صهره بتدخله وإجباره له على تسليم الشقق للسكان!
ومع ذلك فلم تخل حياته من المشاكل فلقد تصادم مع شقيق زوجته الذي اتهمه باستغلال شقيقته وأبيه وكاد الأمر يصل إلى أقسام الشرطة أكثر من مرة، ولم يهدأ بعد فبدلا من أن يستثمر مدخراته في عمل يجيده وقريب من اختصاصه قرر أن يعيد لعبة العمارات معَّرضا نفسه وأسرته للمغامرة من جديد.
سمعت قصته مذهولا وأنا أتساءل بيني وبين نفسي كيف يمكن أن تتغير شخصية الإنسان من النقيض إلى النقيض إلى هذا الحد.. وبأي دوافع؟ إن ضغوط الحياة يمكن أن تغير بعض ملامح الشخصية ويمكن أن تدفع البعض إلى تقديم بعض التنازلات عن أفكارهم وأحلامهم القديمة، لكن أية ضغوط تعرض لها هذا المثالي القديم لكي يتحول إلى نَهمِ يسعى إلى الثراء بكل وسيلة وبلا اعتبار لأي شيء.
وجدت نفسي أسأله: هل وجدت سعادتك فيما تفعله الآن فأجابني بمرارة: لم يمر علىَّ يوم سعيد منذ عشر سنوات فأنا مهموم دائما بما أريد.. وبما لا أستطيع الوصول إليه. وقتي دائما مشغول أتناول إفطاري خطفا لأخرج إلى العمل. وأسرق ساعات العمل فأغادره لقضاء أموري المختلفة وفى المساء أقابل المتعاملين معي حتى منتصف الليل ونادرا ما أتناول طعام الغداء أو العشاء مع زوجتي وأولادي، حتى يوم الأجهزة الأسبوعية أخرج فيه لأجرى وراء مصالحي المختلفة وأتذكر وأنا ألهث كيف كنا أيام زمان نجد الوقت الطويل لنقرأ معا رواية أو نتحدث عن الشعر أو الأدب.. وكيف كانت ليالينا تمضي فأتعجب من أين كان لنا كل هذا الوقت؟ ثم قطع حديثه فجأة وأشار إلى أكوام الرسائل التي تحتل مكتبي وسألني: هل تقرأ كل هذه الرسائل، فقلت له: أقرأ معظمها فقال: مم يشكو أصحابها؟.
فقلت: يشكون هموم الحياة وغدر الزمان ومشاكل العلاقات الإنسانية والوحدة وكروب الدنيا العديدة.
ففوجئت به يقول لي وكأنه شخص لا علاقة له بالصديق القديم الذي عرفته أيام زمان: وهل هذه هموم؟ إن الهموم الحقيقية التي تستحق الكتابة عنها هي هموم أمثالي أنا..
لقد وضعت نصف ثروتي في قطعة أرض، والإدارة الهندسية بالحي أعطتني ترخيصا ببنائها سبعة أدوار فقط في حين أن الربح الأمثل منها لا يتحقق إلا إذا ارتفعت إلى أحد عشر دورا!.. إنني أكافح معهم إلى درجة أنني عرضت عليهم الرشوة فكادوا يطردونني ويبلغون الشرطة عنى بحجة إن مخالفة الترخيص ستعرض العمارة للانهيار! هذه هي المشاكل الحقيقية إنني أريدك أن تنشر مشكلتي هذه في بريد الجمعة وأن تختار لها عنوانا مثيرا من عناوينك المميزة لكي يجذب أنظار الوزير المختص ويتدخل لحلها!.
كان يتحدث إلى بهذا المنطق المادي الفج وأنا شارد الذهن بعيدا عنه إلى أيام البراءة والمثاليات والرومانسية وأستعيد صورته وهو يقرأ على السطور الأخيرة من رواية (( آلام فرتر )) وعيناه مغرورقتان بالدموع، وفكرت أن أقول له إنني لن أكتب قصتك لأن همومك ليست هموما إنسانية وإنما هموم تجارية وهموم الرغبة المحمومة في الثراء واعتصار الثمرة حتى آخر نقطة فيها على حساب القيم وأرواح البشر، وان عليك إذا أردت حلا لما تتصور أنه مشكلتك أن تشكو بالطرق التقليدية للوزارة، أو أن تشترى مساحة إعلانية في أية صحيفة وتكتب فيها ما تريد، أما بريد الجمعة فهو صوت من لا يستطيع أن يشترى مساحة إعلانية في صحيفة، وصوت من يحتاج إلى المشاركة الإنسانية وليس إلى المزيد من الربح والثروة على حساب أرواح البشر.
فكرت أن أقول له كل ذلك لكنى تنبهت إلى أنى أتحدث إلى شخص جديد تقطعت الأسباب بيني وبينه إلى الأبد ولن أراه مرة أخرى، فوجدت نفسي أقول له:
ربما كتبت مشكلتك لكنى إذا نشرتها فسوف أختار لها العنوان الوحيد الذي يلح على خاطري ليترجم حالك الآن بالمقارنة بالصديق القديم الذي كنته.
فتهلل وجهه فرحا وسألني: وما هو هذا العنوان؟
فقلت له على الفور: آلام زعتر؟
صباح الخير أيها الحزن
صحوت من نومي فوجدت نفسي حزينا بلا سبب سألت نفسي: هل أغضبني أحد قبل أن أنام؟ لا.. هل فقدت عزيزا فأحزنني فقده، لا.. هل أغضبت صديقا فندمت على ذلك؟ لا.. هل طعنني صديق في ظهري فآلمتني خيانته؟ لا.
لماذا إذن هذا الحزن الشفيف الهادئ الذي يغلّف أحاسيسي في هذا الوقت من الصباح؟ ولم أجد جوابا مريحا فسلّمت بأنها زيارة عابرة من هذا الرفيق القديم الذي يطل علىّ من حين لآخر فيطيل زيارته أو يقصرها حسب الظروف ثم ينصرف إلى حال سبيله.
وقد علّمتني تجاربي ان أحسن استقباله حتى يرحل عني بسلام.. ومن وسائلي في ذلك ألا أسأله لماذا جاء.. ولا متى سيرحل إذ ليس من حسن الأدب أن تسأل ضيفا حتى ولو كرهته لماذا جاء يزورك.. وإنما عليك أن ترحب به وأن تكرم وفادته وأن تتجاهل السؤال عن موعد رحيله إلى أن يهّم بالانصراف فتلح عليه في الرجاء بأن يبقى حتى موعد الغداء.. فيعتذر.. وترجو فيعتذر ثم تضطر آسفا إلى قبول اعتذاره.
هكذا جلست معه أحتسي القهوة وأفكر.. ثم استأذنته بعد قليل في سماع شيء من الموسيقى يناسب المقام.. فانسابت أنغام قطعة من الموسيقى الشرقية التي تثير الشجن.. إلى أن بدا عليه أنه يهم بالقيام فألححت عليه في الرجاء بأن يتفضل بقبول دعوتي للغداء وربما للعشاء أيضا لكنه اعتذر بأنه مرتبط بموعد هام فودعته حتى باب الشقة واعتذرت له بأن المصعد مازال معطلا ووقفت على السلم أودعه ثم خطر لي وقد أصبح خارج منزلي أن أتجاوز حدود اللياقة قليلا معه وأسأله عن سر زيارته المتكررة لي في الفترة الأخيرة خاصة في الصباح فاستند إلى " الدرابزين " وقال لي بكبرياء: إنني لا أزور أحد بغير دعوة..
فقلت: وهل دعوتك؟
قال: نعم!، قلت: كيف وأنا لم أتصل بك ولا أعرف لك عنوانا؟
فقال: دعوتني في كل مرة زرتك فيها بغير اتصال حين تتجمع داخلك سحب الاكتئاب وتضيق ببعض ما تراه فلا تنفّس عن نفسك بإعلان ضيقك وحين تكتم مشاعرك لكيلا تغضب الآخرين وحين تمضي نهارك وليلك بين الأوراق والمشاكل لا ترفع رأسك إلا لتتحدث في عمل.. ولا ترى في الشوارع إلا الطريق من بيتك إلى عملك وبالعكس، ومن الدنيا إلا أصحاب المشاكل والمهمومين، وحين تلهث دائما وصدرك مشغول بأمر ينبغي أن يتم وأمر لم ينجز بعد وغاية لم تتحقق وحين تكون في حالة لوم مستمرة لنفسك تحس معها أنك كنت تستطيع أن تفعل كذا لكنك لم تفعل أو فعلت ولكن ليس بالمستوى الذي تتمناه وحين تحس بأنك عاجز في كثير من الأحوال وتتمنى لو كانت لديك قدرات خارقة تحل بها المشاكل وتلبي بها كل الرغبات، وحين تتجمع السحب ببطء داخلك فأجد في بيتي بطاقة موقعة منك بالحبر السري تقول لي فيها " تفضل بزيارتي " فألبي نداءك رغم كثرة مشاغلي وارتباطاتي!.
دهشت مما قال وقلت مدافعا عن نفسي: لكني لست كما تصوّرني فأنا إنسان متفائل بطبعي وأدعو للتفاؤل وللكفاح في الحياة وأومن بأن حياة الإنسان من صنعه.. وأن الحياة إرادة ولا أعلّق أبدا فشلي على الحظ كما يفعل البعض، لكنى لا أنكر دوره في الحياة، فأنا أومن بالحظ وبالقدر والنصيب وبالقدر والنصيب وأومن أيضا أنها ليست كل شيء وأن الجانب الأكبر من نجاح الإنسان أو فشله يتحمله الإنسان وحده..
لهذا فأنا أحس دائما بأنه لاحد لقدرة الإنسان لو صحّ عزمه، وأطرب كثيرا لحديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم " لو تعلقت همة أحدكم بالثريا لنالها " وأومن بأن على الإنسان أن يؤدي واجبه ويرضي ضميره ثم يترك الأمر بعد ذلك لله عز شأنه يصرّفه كيف يشاء، لأن المهم هو ألا يقصر الإنسان في حق نفسه أما المستقبل فبيد الله وحده كما أني أيضا من المؤمنين بإن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد في أية مرحلة من العمر.. وأن يصنع من الفشل بداية جديدة للنجاح وأن يطور من نفسه دائما
وأروي لمن يسألني من الشباب أن محمد على مؤسس مصر الحديثة بدأ يتعلم العربية وهو في الخامسة والأربعين من عمره وأن النابغة الذبياني قال الشعر لأول مرة في حياته وهو فوق الستين، وأن الفيلسوف الألماني شوبنهور فاجأته الشهرة وهو يقترب من السبعين، وأن الفيلسوف أفلوطين الذي ولد في أسيوط وعاش في روما لم يبدأ الكتابة إلا في سن الثامنة والأربعين بعد أن أكمل دراسته واكتملت له فلسفته التي عرفت بعد ذلك بالأفلاطونية الحديثة.
وأقول دائما لزواري من الشباب ولنفسي قبلهم إن الدنيا دائما تأخذ وتعطي، وأن العقبات لا تحول دون النجاح، وكثيرا ما تكون الدافع القوي له وأن المهم دائما هو أن نشترك في مباراة الحياة بكل طاقتنا لكي نكون من الفائزين لأنك لن تفوز في أي مباراة إلا إذا كنت من اللاعبين أما الانسحاب قبل أن يبدأ اللعب فلا يحقق سوي الحسرة، أقول ذلك وأومن به وأنظر إلى الحياة دائما بقلب يخفق بالأمل.. فلماذا تفرض علىّ صداقتك وتزورني بلا دعوة؟.
فسحب يده من يدي وقال لي مؤكدا للمرة الأخيرة: لقد دعوتني فلبيت الدعوة.. وليست هكذا أصول الضيافة! ثم تهيأ للانصراف غاضبا فأثار ضيقي أنه مازال مصرّا على أني دعوته وعدت مسرعا إلى الشقة لأبحث عن " قلة " أكسرها وراءه فلم أجد فأخرجت زجاجة مياه مثلجة وعدت سريعا إلى السلم لأرمي بها عليه ورفعتها فسرت برودتها في يدي وذكّرتني بعطشي وقلت لنفسي فجأة " خسارة فيه " ثم شربت حتى ارتويت وعدت مبتهجا إلى شقتي..

أناشيد الأمل
كعادته خلال الفترة الأخيرة دخل مكتبي مهموما وجلس صامتا مهموما يشرب القهوة ويفكر. احترمت صمته فلم أشأ أن أقطع تأملاته الحزينة لكنى لم أستطع أن امنع نفسي من أن أتعجب للمفارقة الغريبة بين صورته الضاحكة اللاهية التي يعرفها الناس عنه وبين طبيعته التي تميل للحزن والانطواء والتي أعرفها عنه. إنه نجم ضاحك موهوب يشيع البهجة والسرور بمجرد ظهوره على المسرح أو في الشاشة ويتوقع الناس منه دائما أن يسعدهم ويخفف آلامهم لكنى أراه منذ عرفته من سنوات طويلة مهموما دائما بمشاكله. وتكلم أخيرا فقال لي: إنني عائد الآن من عيادة الطبيب فلان.. لقد أكدت التحاليل والفحوص شكوكه حول مرضى، وواجهني بالأمر فخرجت من عيادته والدنيا مظلمة أمامي وفكرت أن أمر بك. وصدمني النبأ لكنى قلت له مهونا عليه الأمر: لا يخلو إنسان من مرض، ومرضك في النهاية مأمول الشفاء وعلاجك منه يتوقف إلى حد كبير على التزامك بتعليمات الطبيب وعلى قوة إرادتك، ثم هو في النهاية إرادة الله التي لا تملك ولا يملك لها أحد دفعا.
فسكت قليلا ثم قال: إني لست حزينا لذلك فالصحة والعمر بيد الله وحده لكنى أتساءل فقط لماذا تحاصرني الهموم الآن.. والآن فقط بعد أن تصورت أن رحلة الشقاء قد انتهت وأنني سوف أجنى ثمرة كفاحي ومعاناتي خلال السنوات الماضية. لقد شقيت كثيرا وتعبت كثيرا وواجهت الحياة وحدي بلا سند ولا معين منذ حصلت على الثانوية العامة، وكنت أسير أحيانا على قدمي من السيدة زينب إلى معهد الفنون المسرحية بالهرم لأني لا أجد ثمن تذكرة الأتوبيس، وكثيرا ما عجزت عن شراء كتاب من كتب الدراسة بالمعهد فاقترضته من زميل لي ثم نسخته بيدي كاملا لأذاكر منه، وبين هذا وذاك كنت أتردد على المسارح أبحث عن دور صغير لقاء قروش، وعملت في الظل سنوات دون أن يحس بي أحد حتى تخرجت.. وبدأت أشق طريقي.. وتحملت الآلام الكثيرة.. والاضطهاد من بعض زملاء الفن لكي أجد ثغرة وسطهم أطل منها على الجمهور ثم بدأت أعرف النجاح.. وبدأ الناس يعرفونني والمخرجون يبتسمون في وجهي بعد أن كانوا يحدثونني من أطراف أنوفهم، وتضاعف أجري في المسرح والسينما والتليفزيون عشرات المرات، وعرفت النقود الوفيرة لأول مرة في حياتي فانتقلت من الغرفة التي أسكن فيها إلى شقة صغيرة ثم شقة فاخرة في حي راق واشتريت سيارة ثم أخرى أغلى وأكبر وبدأ الكبار يتوددون إلىّ ويسعون إلى صداقتي، وبدأت أحس أن أيام الشقاء قد انتهت وأن أيام السعادة قد جاءت فماذا حدث؟..
قلت له: أعرف ما حدث.. وهو من طبيعة الحياة التي لا تخلو من المشاكل.
فقال مواصلا حديثه: قد يكون كذلك.. لكنه لم يحدث كثيرا بهذه الطريقة إلا معي.. فقد تعرضت لحادث كاد يقضي على حياتي ورقدت أسابيع أعاني آلاما لا تحتمل ثم فقدت خلال رحلة الكفاح حبي الوحيد لأن فتاتي ضاقت بانشغالي بمعركة الحياة ولم تستطع الصبر قليلا حين بدأت أعرف النجاح لكي أؤمن مستقبلي ومستقبلها وضاقت بالانتظار وفضلت الاستقرار العائلي على انتظاري أكثر من ذلك ثم فقدت صوتي فجأة وعشت أسابيع أخرى مهددا بخطر فقده إلى الأبد وهو رأس مالي الوحيد. وصحوت من نومي مرارا مفزوعا أتخيل نفسي وقد فقدته نهائيا ففقدت سلاحي في الحياة، وأخيرا شفيت وهدأت مخاوفي فبدأت أحس بانهيار غريب في صحتي.. وأغمى على أكثر من مرة في الاستديو؛ وفوق خشبة المسرح وذهبت إلى الطبيب فشك في حالتي وطلب مني فحوصا عديدة وبدأت رحلة الآلام والخوف والرجاء وذهبت إليه اليوم بآخر هذه التحاليل فألقى عليّ بهذه المفاجأة.. إنني راض بقضاء الله وقدره ولكني أتساءل فقط لماذا الآن فقط، بعد أن بدأت أستريح واستعد لجني ثمار كفاحي.. هل هي ضريبة النجاح كما يقولون؟
ووجدت نفسي أقول له لا محل للسؤال يا صديقي ولا مكان له، فليس من حقنا أن نسأل عن الأسباب فالله هو الذي يسأل الناس عما يفعلون ولا يسأل هو جل شأنه عما فعل. قدر الله وكما شاء فعل.. وعلينا دائما أن نتقبل ما تأتي إلينا به المقادير وأن تتجاوز السؤال " لماذا" إلى السؤال ماذا نستطيع أن نفعل لكي نتغلب على آلامنا ومشاكلنا.. ولعلك يا صديقي أسعد حالا من غيرك، فالدنيا فيما يبدو كالمصلحة الحكومية التي تشترط لكي تلبي لك طلبك أن تقدم إليها ورقة تمغة كضريبة مستحقة عما تعطيه لك، وأنت قد طلبت منها الكثير وأعطتك الكثير فأعطتك النجاح والثراء والشهرة وحب الآخرين، ومن حقنا أن نسعد بما حققنا في حياتنا.. لكننا نرجو دائما أن نكون تكون ضرائبنا هَّينة محتملة وبعض التعساء يدفعون أحيانا بغير أن يأخذوا شيئا فلنرض إذن بما أخذنا وبما دفعنا ولنلتمس دائما السلوى والعزاء في الأشياء الأخرى التي أجلت لنا الدنيا فيها العطاء.. لأننا لن نحصل دائما على كل شيء.. وإنما سيبقى هناك دائما ما نحلم به وما نلهث وراءه وما نحققه وما نخسره.. فاحمل أقدارك فوق كتفيك يا صديقي وامض في الحياة صابرا.. آملا أبدا في رحمة الله التي تسع كل شيء.
فلست وحدك في همومك ولا الدنيا تستهدفك أنت بالذات بهذه الضريبة. وإنما هكذا هي الحياة لوحة لا تتم وأنشودة لا تكتمل.. وسيمفونية مبهجة
أحيانا.. وشجيَّة أحيانا.. وناقصة غالبا. لكن الأمل في الله وفى رحمته لا ينقطع أبدا.
لا تأكل نفسك يا صديقي
منذ سنوات كنت أتلقى دورة دراسية عن الصحافة في إنجلترا، وذات صباح كنت أجلس إلى مكتبي في قاعة المحاضرات، أستمع إلى المحاضر وأُدون ملاحظاتي، فطلب أن يكتب كلاً منا مقالاً قصيراً عن رحلة قام بها الدارسون في اليوم السابق ونزل عن منصته يتجول بين المكاتب ويقرأ السطور الأولى من كل مقال، حتى جاء إلى مكتبي فمددت له يدي بما كتبت كما فعل الزملاء، ففوجئت به ينحى يدي جانبًا وينحني على ليقول لي: سأقرأ ما كتبت فيما بعد، لكنى جئت لأسالك: ماذا يأكلك؟؟
وللحظة لم أفهم السؤال، لكنى خمنت أنه يسألني عما يشغل بالى وتأكد ظني حينما واصل حديثه قائلاً: إني ألاحظ أنك مكتئب منذ يومين، فماذا بك؟ هل تفتقد بلدك وأسرتك؟ وأسرعت أشكره لسؤاله وأطمئنه، لكنى وجدت نفسي أتأمل هذا التعبير، وأتعجب له!
ماذا يأكلك؟؟ يا له من تعبير غريب! لقد سمعته بعد ذلك مرات عديدة، وأستخدمه أحيانًا خلال إقامتي هناك كتعبير مجازى عما يفعله القلق والاكتئاب والهموم بالإنسان، لكنى لم أفهم معناه الحقيقي إلا فيما بعد عندما قرأت عما يفعله القلق بالإنسان...فإذا به "يأكله" فعلاً لا مجازاً وإذا بهذا التعبير الشائع عند الإنجليز تصوير دقيق لما جاء في كتب علم النفس الجسمي أو علم النفسجسمي - الذي يعرفه المتخصصون عن تأثير القلق على جسم الإنسان، فالقلق يسبب توتر الأعصاب وحدة المزاج، وتوتر الأعصاب يحول العصارات الهاضمة في المعدة إلى عصارات سامة، تنهش جدرانها فتصيبها بالقرحة وهكذا يأكل القلق جدار معدة الإنسان أولاً، ثم قد يتوحش بعد ذلك فيلتهم أو يتلف العديد من أعضائه الأخرى، فبعض أنواع مرض السكر وبعض أمراض القلب وبعض أمراض المخ تنتمى كلها إلى جِد واحد هو قلق الإنسان واكتئابه وخوفه من المجهول. وكل إنسان يخاف غالبًا من شيء ما... من المرض أو الفشل أو فقد الأحباء أو العوز أو فقد المكانة أو انعدام الدور أو الموت، ولا بأس بأن نخاف من أي شيء لكن المهم هو كيف نحتفظ بالخوف الإنساني في حدوده الطبيعية، ولا نسمح له بأن يسلمنا إلى غول الاكتئاب.
لقد قال وليم جيمس-مؤسس علم النفس التطبيقي - ذات مرة: إن الله يغفر لنا أخطاءنا لكن جهازنا العصبي لا يغفرها لنا أبداً، وهذا صحيح إلى حد كبير.. وأكبر أخطائنا في حق أنفسنا هو القلق والاستسلام للاكتئاب والشعور بالإحباط وكثيراً ما نتعرض لهذه الأعراض إذ بدا لنا فجأة كأن الطريق قد أصبح مسدوداً أمامنا وأن المشكلة التي نواجها جبل شاهق لن نستطيع أن نتسلقه لكى نهبط إلى الطريق الأمان من الناحية الأخرى... مع أن أكثر من شقو طريقهم بنجاح في الحياة قد اصطدموا بمثل هذه العقبات أو أعتى منها، فتخطاها البعض وتحول البعض الآخر عنها إلى طريق آخر في الحياة لم يلبث أن حقق فيه أكثر مما كان يحلم به لو سار في طريقه الأول... أما من جلسوا على الأرض يستشعرون العجز ويشكون سوء الحظ ويتحسرون على ما كانوا سيحققونه لو لم تصادفهم هذه العقبة، فلقد خسروا طموحهم وأعصابهم وصحتهم وقدرتهم على الاستمتاع بالحياة.
إن كتاب التراجم الشهيرة يفتشون في حياة المشاهير دائمًا على نقطة التحول التي كانت بداية انطلاقهم إلى المجد، فيكتشفون كثيراً أنها كانت عقبة كئوداً، أو فشلاً ذريعًا، أو إخفاقًا في تحقيق هدف، حول مجرى حياتهم إلى الطريق الذي لمعت فيه عبقرياتهم.
فبعض النقاد مثلاً يعتقدون أنه لو لم يصب "طه حسين" بالعمى في صباه، لما كان طه حسين الذي لا تكاد تخلو جامعة أجنبية في العالم الأن من رسالة دكتوراه عنه، وأنه لو توافرت ل"عباس العقاد" الظروف المادية اللازمة لمواصلة تعليمه في المدارس بعد الابتدائية لكان أقصى ما وصل إليه من مجد في حياته هو وظيفة مدير في مصلحة حكومية، ويعتقد بعض نقاد الغرب أنه لو لم يصب "بيتهوفن" بالصمم لما ألف سيمفونياته الخالدة، وأنه لو لم يتجرع "دوستويفسكي" و"تولستوي" و "تشارلز ديكينز"، التعاسة في حياتهم الخاصة لما كتبوا روائعهم الخالدة، والأمثلة كثيرة على العقبات التي اعترضت طريق المشاهير فحولوها إلى بداية جديدة ونجاح أكبر.
فلماذا نقف مكتوفي الأيدي أمام أي مشكلة تصادفنا أو أول عقبة تعترض طريقنا، فنحزن على ما فاتنا، ونتحسر على ما ضاع منا كأنما ننتقم من أنفسنا بالحزن والاكتئاب.
إن الحياة لا تتوقف أبداً..... ومياه النهر لا تكف عن الجريان". وأحد الفلاسفة الإغريق كان يقول: إن كل شيء في الحياة يتغير إلا قانون التغير نفسه! فلماذا نتصور أن الحياة سوف تخالف هذا القانون فيما يخصنا نحن فقط، فتبقى الأبواب دائمًا مسدودة والأحلام بعيدة.
إن الحياة جديرة بأن نحياها، والأحلام جديرة بأن نكافح من أجلها، والثقة في الله وفى النفس تشد أزرنا، وتشحذ إرادتنا...لكي نتطلع إلى نصيبنا العادل من السعادة والنجاح....
" فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تأكل نفسك يا صديقي؟! "
أشواك الأخرين
أنت حائر دائماً.. هل تقترب من الآخرين أم تبتعد عنهم؟!؟! هل تثق بهم أم تصدق ظنونك فيهم؟!؟! هل تبوح لهم بأسرارك أم تكتمها؟!؟! هل تعيش في قلب الدائرة معهم؟!؟! أم تنعزل على حافتها كما يعيش الغجر في أطراف المدن والقرى منعزلين عنها ومنفردين بأنفسهم؟!؟!
وأنا معكم في كل هذه التساؤلات أبحث عن إجابات مريحة لها وحائرة معها مثلك.
فمنذ قديم الزمان والإنسان حائر في علاقاته بالآخرين يحتاج إليهم ويشكو منهم، يشقى إذا ابتعد عنهم ويبكي إذا اقترب منهم، لا يستطيع أن يعيش وحيداً كحيوان اللؤلؤ في قلب محارته.. ولا يستطيع أن يلتصق بالآخرين في كل لحظه من عمره وإن فعل كانت شكواه منهم كشكواه من الوحدة سواء بسواء، فلا هو ارتاح في القرب منهم ولا هو وجد راحته في البعد عنهم، لأن حالته مع الآخرين كحال المتنبي مع الملوك الذين اقترب منهم طلباً للسلطان فقال عنهم:
صحبت ملوك الأرض مغتبطاً بهم *** وفارقتهم ملآن من ضيق الصدر
وهذا هو حالنا دائماً نحن البشر مع الجميع! وذات يوم سألتني أختي هذه الأسئلة الحائرة، فتذكرت فجأة قصة قديمة قرأتها في كتاب لا أذكر اسمه وكانت القصة عن "القنافذ" حيث اشتد بها البرد ذات ليلة من ليالي الشتاء فاقتربت من بعضها وتلاصقت طلباً للدفء والأمان فآذتها أشواكها فأسرعت تبتعد عن بعضها ففقدت الدفء والحرارة والأمان فعادت للاقتراب من جديد بشكل يحقق لها الدفء والأمان ويحميها في نفس الوقت من أشواك الآخرين ويحمي الآخرين من أشواكها.. فاقتربت ولم تقترب.. وابتعدت ولم تبتعد.. وهكذا حلّت مشكلتها، وهكذا أيضاً ينبغي أن يفعل الإنسان!
فالاقتراب الشديد من الجميع قد يغرس أشواكهم فينا ويغرس أشواكنا فيهم.. والبعد عنهم أيضاً يفقدنا الأمان والدفء ويجعل الحياة قاسية ومريرة لهذا فنحن في حاجة دائماً إلى أن نتلامس مع الآخرين.. ولكن بغير التصاق شديد يفتح أبواب المتاعب، ويحجب الرؤية ويشوش السمع، لأن القرب الشديد يضيق مدى الرؤية في حين أن الاقتراب عن بعد أو الابتعاد عن قرب يجعل الرؤية أوضح والسمع أصغى.. فأنت إذا ألصقت شفتيك بالميكرفون وتحدثت فيه خرج صوتك مشوشاً غير مفهوم.. وإذا أبعدته قليلًا عن فمك خرج صوتك واضحًا.. وإذا أبعدته كثيراً.. جاء صوتك كالفحيح لا يميزه أحد، فالإنسان في حاجة إلى رفقاء يبثهم شجونه
و يهتم بأمرهم ويهتمون بأمره، لكنه يحتاج أيضاً إلى أن تكون له ذاته الخاصة التي لا يقترب منها إلا الأصفياء وحدهم والإنسان يحتاج أيضاً إلى أن يحسن الظن بالآخرين لكي تستقيم الحياة لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يكون حريصاً بعض الشيء في علاقاته بهم فلا يمنح ثقته الكاملة إلا لمن عرفه جيداً وامتحن إخلاصه صداقته وقيمه الأخلاقية، لأن الإسراف في الشك خطأ يكشف عن سوء طوية الإنسان وفقاً للقول: "إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه"، كما أن الإسراف أيضاً في الثقة بالجميع وعن غير خبرة بهم يورد الإنسان موارد التهلكة ودليل الغفلة وفقاً للحكمة: "الشك من حسن الفطن".. ومن هنا جاءت فكرة " الوسط الذهبي "عند الفلاسفة أي فكرة الاعتدال في كل شيء.. في القرب من الناس وفي الابتعاد عنهم، في الثقة فيهم وفي سوء الظن بهم وفي كل أمور الحياة، فالعقلاء من البشر هم الذين يحيون الحياة باعتدال في كل شيء.. وشذاذها هم من يقفون دائماً على حافة الدائرة من كل أمر ومن كل شأن.. وفي كل قضية.
وأنت قد تشكو مثلاً ممن تأتمنه على أسرارك.. فيبوح لسانه بها ولو بعد حين لكنك تعفي نفسك من اللوم لأنك كنت أول من أفشى سرك هذا حين بحت به
لمن ائتمنته عليه! والسر إذا عرفه اثنان لم يعد سراً ولا لوم على الآخرين إذا ضاقت صدورهم به فقد ضاق صدرك أنت أولاً به، لهذا فليس من حقك أن تغضب ممن أفشى سرك وأن تعتبرها خيانة عظمى.. وأن تفقد صديقاً لهذا السبب وحده.. وأن تبتعد عن الآخرين بسبب ذلك.. فالأمر قد لا يكون خيانة وإنما مجرد عجز بشري عن حفظ الأسرار.. لأنه ليس كل الناس قادرين على الكتمان والدليل هو أنت شخصياً الذي يسألك الشاعر وأظن أن كلامه صائب:
تبوح بسرك ضيقاً به ** وتبغي لسرك من يكتم؟
وأنت ترى أن من حقك أن تنتقد الآخرين وأن تذكر معايبهم لكنك تتألم كثيراً إذا مارسوا معك نفس الهواية فآذوك بألسنتهم وذكروا معايبك،.. وأنت قد لا تستطيع دائماً أن تكف ألسنة الآخرين عنك لكنك تستطيع على الأقل أن تتجنب الكثير منها إذا التزمت في حياتك الشخصية بالتعفف عن ذكر عيوب الآخرين وإذا صنت عينك عن عيوب الآخرين كما يقال في الأمثال: "يا عين للناس أعين"!. أي لهم أعين ترى يا عين عيوبي فلا تري عيوبهم لكيلا يروا عيوبي.. وهذه وتلك بعض مشاكلنا مع الآخرين وبعض مشاكل الآخرين معنا.. ومع كل ذلك فالحياة جديرة بأن نحياها.. ونحن نستطيع أن نجعل منها رحلة هادئة مأمونة من الخوف والألم والعذاب.
وكل رحلة تحتاج إلى رفاق سفر نستعين بهم على وحشة الطريق ونلتمس لديهم الدفء والأنس والصحبة.. وعلينا أن نفعل ذلك دائماً
ولكن بشرط أن نتعلم الحكمة من القنافذ في اقترابها من الآخرين.
ولكنها تدور
في كتابه "رسائل إلى ابنتي أنديرا".. روى الزعيم الهندي نهرو، نقلاً عن حكيم صيني زار الهند منذ ألف وثلاثمائة سنة، أنه شاهد فيها رجلاً يطوف بالقرى مرتديًا حزاماً من النحاس فوق بطنه وواضعاً فوق رأسه مشعلاً مضيئاً، فإذا سئل عن سبب تجوله بهذه الهيئة الغريبة قال: إن عقلي عظيم إلى درجة أخشى معها أن تنفجر بطني من المعرفة إذا لم أرتد هذا الحزام، أما المشعل فإني أضعه فوق رأسي لأبدد به ظلام الجهل.
ومنذ اكتشفت هذه الشخصية العجيبة وصورتها تقفز إلى خاطري في مواقف ومناسبات عديدة في حياتي، فكثيرًا ما ألتقي بأشخاص يعتقدون أن بطونهم سوف تنفجر من فرط المعرفة.. أو من عظمة شأنهم التي لا يعترف بها أحد لأنهم مغبونون وغير مقدرين في أوساطهم الجاهلة!
وكثيرًا ما غالبت نفسي لكي أمنعها من الضحك إذا قفزت هذه الصورة فجأة إلى خيالي وأنا مشتبك في مناقشة حامية مع واحد من هؤلاء ثم كثيرًا أيضا ما ذكرتني هذه الصورة بنقائضها من المثقفين الحقيقيين والفلاسفة والعلماء الذين عرفوا الكثير وظلوا إلى آخر أيام حياتهم ظمأى إلى المعرفة يتساءلون عن معاني الأشياء.. ويشكُّون في صحة ما عرفوا ويطلبون اليقين بلا جدوى.
فأتذكر مثلًا سقراط العظيم الذي يقول: أعرف شيئًا واحدًا هو أنني لا أعرف شيئًا!
أو أتذكر الفيلسوف الشاك أرسليوس الذي كان يقول: لست أدري ولست أدري أنني لا أدري!
أو أتذكر الإمام أبا حنيفة النعمان الذي سئل مرة: هذا الذي تفتي به أهو الحق الذي لا شك فيه فقال متحيرًا، والله لا أدري.. لعله الباطل الذي لا شك فيه!
أو أتذكر الإمام الشافعي الذي سئل مرة عن مسألة في الفقه فسكت فقيل له ألا تجيب رحمك الله؟ فقال والله لا أجيب حتى أعرف هل الفضل في سكوتي أم في جوابي!
والحق أنى لا أكره شيئًا قدر كراهيتي لأمثال هذا الرجل الهندي في كل مكان وزمان، فالمغرورون دائمًا هم أعداء أي تقدم وأي جديد تأتي به البشرية، لسبب بسيط هو أنهم يعتقدون أن ما يعرفونه هم وحدهم هو اليقين وأن ما يأتي به الآخرون هو دائمًا الباطل، ويرفضون دائمًا أن يخضعوا هذا الجديد للامتحان العقلي فإذا ثبتت صحته قبلوا به وإذا ثبت بطلانه رفضوه.
والغرور دائمًا يا صديقي قرين التحجر ورفض الجديد. وأصحاب العقول المتفتحة العطشى دائمًا للمعرفة هم الذين يعرضون الأفكار الجديدة التي يسمعونها على عقولهم ويقبلونها ويتبينون فيها جوانب الصحة وجوانب الخطأ ثم يقبلون منها ما تقبله عقولهم ويرفضون ما ترفضه. أما الرفض مع سبق الإصرار والترصد وقبل المناقشة والتفكير فهو دائمًا طبيعة الحمقى والمغرورين الذين عطلوا تقدم البشرية على مر العصور!
فأمثال هذا الرجل الهندي هم الذين كذَّبوا جميع الأنبياء بلا استثناء حين جاءوهم بالهداية وهم الذين كذبوا العلماء والمكتشفين ووضعوا في طريقهم العراقيل وهم على سبيل المثال الذين كذبوا العالم الإيطالي جاليليو حين قال إن الشمس هي مركز الكون وأن الأرض والكواكب الأخرى هي التي تدور حولها وليس العكس كما كانوا يعتقدون، وبدلاً من أن يخضعوا نظرياته للبحث والتجربة حاكموه وأدانوه وقضوا عليه بألا يغادر بيته وأن يقضي فيه ما بقي من حياته لا يزور ولا يزار بل وبأن يعلن على الناس أن ما جاء به ليس صحيحًا وأن الأرض لا تدور حول الشمس فامتثل لما أمر به لكن المؤرخين قالوا إنه حين سمع الحكم أحنى رأسه ونظر إلى الأرض ثم قال هامسًا وبإصرار.. ولكنها تدور!
وأمثال هؤلاء أيضًا هم الذين كذبوا الرحالة الإيطالي ماركو بولو حين عاد من رحلته إلى الصين وروى للناس عن هذه البلاد العجيبة التي عاش فيها 26 سنة، فللم يصدقه أحد لأنهم كانوا يعتقدون بيقين أنه لا حياة وراء بحار الجنوب، فألف كتابًا عن رحلته استغرق تأليفه سنة كاملة فلم يقرأه أحد ولم يصدقوا حرفًا مما جاء فيه، وحين أدرته الوفاة طلب منه رجل الدين أن ينقذ روحه من العذاب في الدار الآخرة، بأن يتبرأ من أكاذيب هذا الكتاب، فأجاب هامسًا: لكني لم أذكر فيه سوى نصف الحقيقة يا سيدي!
ونحن مطالبون دائمًا يا صديقي بأن نسمع أولاً لكل رأي يعرض علينا وأن نناقشه ونمتحن أدلته فإذا ثبتت لنا صحته أو معقوليته قبلنا به وإذا ثبت لنا العكس رفضناه.
أما أن نرفض كل شيء قبل أن نعرفه ونناقشه اعتقادًا منا بأنه ليس لدى الآخرين ما يمكن أن يضيف إلى معارفنا الجديد أو أن لدينا نحن فقط اليقين الأكيد فهذا هو الطريق الذي سار فيه كل المتحجرين من أعداء الفكر الحر في كل العصور فإذا وجدت نفسك ذات مرة ترفض السماع للآخرين وتتشبث برأي لم تمتحن صحته من قبل وتدافع عنه بقوة العاطفة والانفعال وحدها لا بقوة العقل.. فأنزل يدك قليلاً إلى حزامك وتحسسه بأصابعك لترى أمن جلد هو أم نحاس فقد يذكرك ذلك فجأة بتلك الهيئة المضحكة التي يبدو فيها من يعتقدون خطأ أنهم وحدهم الذين يعرفون دائماً ما لا يعرفه الآخرون!
في المرآة
سامحه الله أوسكار وايلد!.
فمنذ أن قرأت له روايته الشهيرة «صورة دوريان جراى»، منذ أكثر من عشرين سنة.. فتح أبواب الجحيم أمامي، وعلمني هواية التفرس في وجوه الآخرين لاستجلاء حقيقتها،. وأفسد على بعض معاييري فأصبحت أرى الأسود أبيض والأبيض أسود والجميل قبيحا، والقبيح جميلا!.
ففي هذه الرواية اللعينة روى أوسكار وايلد قصة لورد شاب ثرى وسيم برئ الملامح، سعى يوما إلى فنان، ليرسم له صورة فرسمه الفنان كما رأته عيناه: وجها بريئا جميلا وملامح طفولية، وعلق دوريان جراى اللوحة في قصره، وعاش حياته ولم يكن بريئا كما يبدو في ملامح وجهه، ولا نبيلا كما يوحى مظهره، وإنما كان وغدا أنانيا شريرا، لا ترده قيود، ولا تحكمه قيم فخدع فتاة أخلصت له وتخلى عنها فانتحرت، ومضى في الدنيا يجرى وراء أهوائه ولا يقيم وزنا لأخلاق ولا قيم ولا صداقة، وكلما ارتكب جريمة جديدة أو آذى انسانا آخر نظر إلى وجهه في المرآة فرأى نفسه فيها شابا بريئا وسيما كما كان، وحين التقى به شقيق فتاته التي حطم حياتها منذ عشرين سنة لينتقم منه لشقيقته ويقتله أنقذه من الموت نفس هذا الوجه البريء، فقد توسل له دوريان جراى – كاذبا - أن يدقق النظر في وجهه ليرى هل من الممكن أن يكون هو نفسه من حطم حياة شقيقته منذ عشرين سنة ودقق الشقيق النظر فرأى وجه شاب برئ الملامح، أصغر من أن يكون هو الوغد الذى يطارده فأخلى سبيله، ومضى يبحث عن المجرم الحقيقي! ونجا دوريان جراى من الموت، لكنه لم ينج من عذاب الضمير، فقد اكتشف منذ فترة أن جرائمه وشروره لا تترك آثارها على صفحة وجهه، لكنها للدهشة تنطبع تدريجيا على ملامح الصورة الزيتية المعلقة في الصالون! فكلا ارتكب إثما جديدا فقد وجهه في الصورة بعض براءته، وكلما آذى إنسانا أضيفت إلى ملامح وجهه تجاعيد ودوائر سوداء جديدة، وعندما اقترف أكبر شروره نظر إلى الصورة فوجد وجهه فيها قد اكتسب ملامح شيطانية كاملة تصور حقيقته التي يخفيها وجهه البريء، فخشى أن تفضح الصورة أمره، ونقلها من الصالون إلى البدروم وأخفاها عن الأنظار!.
والفكرة خيالية بالطبع، لكنها صادقة إلى حد كبير، فلقد أراد أوسكار وايلد أن يقول إن لكل إنسان صورتين: إحداهما حقيقية هي التي يعرفها عن نفسه، وتعكس سريرته بآثامها أو أفضالها، وأخرى مزيفة هي التي يظهر بها أمام الآخرين. ومنذ قرأت هذه الرواية، وأنا أتامل الوجوه، وأحاول دائما أن أبحث فيها عن الصورة الحقيقية لأصحابها، وأحكم على الآخرين بأخلاقهم لا بأشكالهم، وبأفعالهم الخيّرة أو الشريرة لا بمظهرهم ولا ملامحهم، فأرى زنجي، لأنه زنجي القلب لا يكف عن إيذاء الأخرين، ويحقد على الجميع ويتمنى لو صحا يوما من نومه فرأى الأرض قد خسفت بكل الناس، حتى لا يبق فوق ظهر الكرة غيره. وأرى في إنسان محروم من الوسامة أنه أجمل من «نارسيس - فتى إغريقي روت الأساطير اليونانية إنه كان باهر الجمال ويمضي نهاره يتأمل جمال وجهه في صفحة الماء، واليه تنسب النرجسية أو عشق الذات» لأنه كريم الخلق جميل الروح مفعم القلب يحب الآخرين لا يؤذي أحداً، ويسعى بكل ما يستطيع لإسعاد غيره وهكذا. ورغم أنى تعرفت على هذه الفكرة لأول مرة في رواية أوسكار وايلد، فقد عثرت على شيء شبيه بها فيما قرأته من أوراق الصوفية فيما بعد فلقد قرأت لأحد كبارهم أنه كان يقول وهو من هو في صفاء روحه وطهارته:
إني لأنظر في المرآة كل يوم مخافة أن يكون قد أسود وجهي!.
أي مخافة أن يكون قد حمل حقدا أو كراهية لأحد، فتنطبع آثارهما على صفحة وجهه!.
فماذا يستطيع إذن أن يقول من يتنفسون الكراهية ويطربون لإيذاء الآخرين، ويسعون بكل جهد للإضرار بغيرهم حتى ولو لم يسيئوا إليهم؟ وماذا يستطيع أن يقول من لا يحفظون عهدا ولا يقيمون وزنا لدين ولا خلق ولا قيم في حياتهم.
وكم صورة كصورة دوريان جراى يحتاجون إليها لكي تنطبع عليها آثار الشر والكراهية والحقد الذي يعشش في ظلام قلوبهم؟ وبأي ملامح شيطانية كريهة سوف تظهر صورتهم الحقيقية بغض النظر عما تحمله وجوههم من ملامح وقسمات؟
لقد كان إمام الصوفية الغارق في بحار الحب ينظر في المرآة كل يوم، فانظر أنت أيضا يا صديق فيها. وحاول أن تحتفظ بشبابك ووسامتك الحقيقية فيها، وجَمِّل وجهك بحب الآخرين، والكف عن الأذى، وبإسعاد غيرك بقدر ما تستطيع، فلكل منا مرآة سوف تنطبع عليها صورته الحقيقية ذات يوم فتفضح سريرته الخفية، ولكل منا يوم سوف يُعرض فيه على ملك الملوك. فتبيض وجوه وتسود وجوه، ويجيء بعضنا بوجوه شائهة كريهة، ويجيء البعض الآخر بوجوه نبيلة كريمة، ولا علاقة لهذه الوجوه الحقيقية بما حملنا طوال حياتنا من ملامح جسدية، لأنها حصاد رحلتنا في الحياة من الخير والشر، ومن الجمال والقبح.. فإلى اللقاء هناك!.
من فضلك ساعدني
قال لي صديقي والسأم يقتله: هل تعرف ما هو الجحيم؟.
قلت له: لا؟.
قال: هو أن تعاشر من لا تحبهم.. وتصادق من لا تستريح إليهم وتعمل بين من لا يفهمونك.. وتشعر كل يوم بأنك عاجز عن تحقيق ما تريده لنفسك.. وما تؤمن به وتعتقده!.
قلت: وكيف يستطيع الإنسان أن يتحمل حياة من هذا النوع؟..
قال: العجيب أن كثيرين منا يعيشون حياة شبيهة بهذه الحياة في مجملها أو في بعض صورها.. ويحتملونها كأنه قدر مكتوب عليهم أو كأنهم ينفذون حكما صادرا ضدهم من محكمة الحياة.. ولا يفكرون أبدا في استئناف هذا الحكم وفى تغيير حياتهم والبحث عن حلول ملائمة لما يشكون منه.
قلت: وماذا تتوقع منهم أن يفعلوا؟.
قال: أن يكفوا عن الشكوى مما يضيقون به.. وأن يستثمروا الطاقة التي يبددونها في الأنين في البحث عن حلول لما يعانون منه من مشكلات. إن الشباب في الخارج لا يهدر عمره في الشكوى والتبرم بالحياة.. وإنما يتحركون لتغيير الواقع الخاص الذي يضيقون به.. فمن لا يجد سعادته في حياته الخاصة يبحث عنها في حياة جديدة.. ومن لا يجد نفسه بين أصدقائه يبحث عنها بين أصدقاء آخرين أكثر فهما له، ومن لا يجد نفسه في عمله يبحث عنها في عمل جديد فإن عجز عن إيجاده حاول أن يتواءم مع عمله وان يحبه وأن يكتشف فيه جوانب جديدة يمكن أن تحقق طموحه وذاته، بل إن من يجد الطريق أمامه مسدودا في مكان ما من الأرض لا يهدر عمره فيه وإنما يغادره غير نادم إلى مكان آخر وحياة أخرى.. حتى أصبحت هذه العبارة الغريبة على أسماعنا (( حياة جديدة )) عبارة جديدة على ألسنة الشباب والكهول بل والشيوخ أيضا.. فمن لا ترضيه حياته يقول لنفسه وللآخرين دائما سأبدأ حياة جديدة ثم يتحرك بالفعل ليبدأ هذه الحياة وليس ذلك مقصورا أبدا على الشباب.. فحتى بعد سن المعاش يقول الإنسان لنفسه سأبدأ حياة جديدة أتمتع فيها بما لم تتح لي سنوات الكفاح والعمل اكتشافه والتمتع به.. وهكذا يعيش الإنسان حياته أكثر من مرة.. ويستمتع بكل مرحلة من مراحلها.
قلت: أما نحن؟..
قال: نحن مشدودون دائما إلى واقعنا الذي نشكو منه بحبال رفيعة من الصلب المتين.
نشكو من حياتنا ولا نحاول أبدا أن نتواءم معها أو أن نغيرها إذا يئسنا منها.
ونشكو من أصدقائنا ثم نذهب إليهم لنجتر معهم السأم والملل ويعيش كل منا في وحدته الداخلية وهو بين أصدقائه! ونشكو من عملنا ولا نحاول أبدا أن نتكيف معه أو نكتشف فيه ما يستهوينا ويطلق إبداعنا.. أو نغيره ونبحث عن مستقبلنا وأنفسنا في مجالات جديدة.
إنها رحلة عذاب نكرر فيها كل يوم أسطورة سيزيف الذي غضبت عليه آلهة الإغريق فحكمت عليه أن يحمل فوق صدره صخرة كبيرة ويصعد بها إلى قمة الجبل.. وكلما وصل إلى القمة ألقت الآلهة الصخرة إلى السفح ليحملها من جديد إلى القمة.. وطوال العمر!.
إن كلا منا يحمل مثل هذه الصخرة فوق صدره.. ولا يفكر أبدا في إلقائها بعيدا عنه.. فمتى يلقى كل منا بصخرته عن صدره.. ومتى يأتي هذا اليوم؟.
تفكرت في كلامه طويلا.. وبحثت عن إجابة تهدئ خواطره.. فوجدت نفسي أجيبه: سيأتي هذا اليوم بالتأكيد يا صديقي.. وعلينا ألا نفقد الأمل فيه أبدا.. وإلا استحالت الحياة، إن الإنسان هو أعظم أعجوبة في العالم كما قال ذلك منذ قرون الشاعر الإغريقي الأعمى سوفوكليس، وإرادته هي التي تصنع الحياة.. وهو قادر دائما على تحقيق المعجزات حين يريد وحين يتحرر من الجمود وحين يخرج من دائرة الشكوى والأنين إلى دائرة الحركة والعمل.
لقد انهزم الديناصور في معركة التطور.. فانقرض واندثر في حين انتصر الإنسان على الطبيعة فبقى وتواصل.. مع أن عضلات الإنسان ليست أقوى من عضلات الديناصور.. لكن عقله.. وروحه وإرادته هي الأقوى لهذا عاش الإنسان.. ومات الديناصور. وسوف يعيش الإنسان دائما.. وسوف يتغلب على كل الصعاب التي تواجهه. إنني لست من أنصار مذهب الفيلسوف الألماني شوبنهار الذي كان يقول إن الإنسان أصلا مخلوق معذب وأن الحياة ليست سوى تعاقب الألم والفزع وتعاقب الرغبة والسأم، وإنما أنا من المعجبين كثيرا بكلمة الفيلسوف الفرنسي رينوفيه الذي عاش حياة خصبة طويلة وملأ المجلدات بأفكاره وآرائه ثم قال وهو في الثامنة والثمانين من عمره (( سأترك الدنيا قبل أن أقول كلمتي النهائية.. لأن الإنسان يموت دائما قبل أن يتم عمله.. وهذا أشد أحزان الحياة إثارة للشجن!)).
هذه هي (( النظرة )) التي أومن بها في الحياة.. والتي أعجب بها. إن على كل إنسان أن يقول (( كلمته )) حتى اللحظة الأخيرة. وألا يفقد حماسه أبدا لتحقيق ما يريده لنفسه وما يؤمن به من آراء وأفكار وليس ضروريا أن يحقق النجاح الذي يصبو إليه.. لكنه من الضروري جدا أن يسعى.. وأن يقول لنفسه إذا عجز عن تحقيق آماله: لقد حاولت. إن الخطأ ليس أن نعيش حياة لا نرضاها لكن الخطأ هو ألا نحاول تغييرها إلى الأفضل دائما.. فإذا قصرت الإمكانات عن الأماني.. فزنا على الأقل بشرف المحاولة الذي يدفعنا للرضا.. لأننا لم نقصر في حق الحياة ولا في حق أنفسنا.
إنني لا أشك أبدا يا صديقي في أن هذا اليوم الذي تحلم به سوف يأتي.. وسوف يتحقق..
لكن إلى أن يأتي.. من فضلك ساعدني على حمل هذه الصخرة الثقيلة!.
أحلام الشباب
لم أعد أذكر اسم هذا الفيلم، لكني لم أنس أبدا قصته، ولا السؤال الذي جاء على لسان أحد أبطاله في آخر مشاهده.
أما الفيلم فلقد كان يحكي قصة شاب يرى في نفسه موهبة التمثيل المسرحي، وحقق نجاحا محدودا في فرق الهواة ببلدته الصغيرة حيث يعمل موظفا بأحد المتاجر، ويعيش حياة سعيدة مع زوجته الشابة التي تزوجها بعد حب عنيف فيقرر في لحظة تحديد للمصير أن يترك البلدة الصغيرة وعمله المتواضع، ويرحل إلى العاصمة ليبحث عن مستقبله في عالم المسرح، وفي المدينة الكبيرة يحاول الشاب أن يجد فرصته فيجد الطريق صعبا والآمال ليست سهلة المنال، فيضطر تحت ضغط الحاجة إلى العمل مساعدا للجارسون في أحد المطاعم، ويدرس فنون المسرح في أحد المعاهد الصغيرة، ويعجز مرتبه الضئيل عن الوفاء بمتطلبات حياته ونفقات الدراسة، فيعيش مع زوجته حياة جافة متقشفة ويمضيان شهورا طويلة بلا أية متعة سوى متعة الحلم بتحقيق الآمال، وتحاصرهما المشاكل والديون، وتعجز زوجته عن احتمال قسوة الحياة فتنهار، وتطلب منه أن يعودا إلى البلدة الصغيرة، ويرفض الشاب أن يتنازل عن أحلامه ويستحلفها باسم الحب والأحلام المشتركة ألا تتراجع في منتصف الطريق وتهجره، ويأتي موعد ذهابه إلى المطعم فيغادرها حزينا، ويؤدي عمله مهموما ومشغولا بزوجته التي ضعفت مقاومتها أمام صعوبات الطريق، فيستأذن مديره في العودة للبيت مبكرا ليكون إلى جوار زوجته، وفي الطريق إلى البيت يشترى بقروشه القليلة ثلاث وردات ليهديها إليها لعلها تنعش رومانسيتها القديمة لكنه يجد الغرفة المفروشة التي يقيمان فيها خالية وعلى الفراش رسالة من زوجته تقول فيها إنها لم تعد تحتمل هذه الحياة الصعبة فعادت إلى بلدتها، ويمسلك الشاب بالرسالة ويحس بالقهر والعجز والهوان فينفجر باكيا لكنه لا يفكر في اللحاق بزوجته ويكتب لها طالبا منها العودة ويبشرها بقرب تحقيق آماله في الحياة فتجيبه برسالة قصيرة طالبة منه الطلاق، ويستجيب الشاب مضطرا إلى رغبتها ويطلقها ويتمسك بطموحه. وتعابثه الآمال فيؤدى دورا صغيرا في مسرحية ثم تتوقف الفرقة عن العمل فيعود إلى المطعم... وتمضى خمس سنوات من العمر بين الفشل والنجاح بغير أن يضع أقدامه على بداية حقيقية للطريق.
وذات مساء وقف يتحدث مع زميل له بالمطعم عن الاختبار الذي أداه صباح ذلك اليوم أمام مخرج مسرحي شهير حين لمح رجلا وسيدة يجلسان إلى مائدة في الركن الذي يتولى الخدمة فيه، فتهيأ للذهاب إليهما ثم توقف فجأة وأحس بالعرق الغزير يملأ وجهه. لقد كانت زوجته السابقة التي انهزم حبها له أمام صعوبة الحياة ولابد أن الرجل هو زوجها الجديد، ووجد نفسه يتأمله إنه رجل في الخامسة والأربعين أصلع الرأس هادئ يوحي وقاره ومظهره بانه وجل عملي واقعي لا يعرف الأحلام، ولا يعذب زوجته بطموحه إلى حياة يحقق فيها ذاته ونفسه وأدرك زميله أزمته فعرض عليه أن يتولى خدمتها نيابة عنه، ورحب بذلك، لكنه غيّر رأيه فجأة فأمسك بذراع زميله قبل أن يتجه إليهما، ثم وضع الفوطة على ذراعه وتقدم هو من المائدة بثبات وقال لهما:
مساء الخير يا سيدتي - مساء الخير يا سيدي.. ماذا تطلبان؟
والتقت عيناه بعيني زوجته فاهتزت قليلا، ثم حينه مبتسمة وقدمته لزوجهاً وقد مسته زوجها له، وأحتس الزوج بحرج الموقف، فانسحب إلى الحمام ليتيح لهما فرصة الحديث لدقائق.. وسألته الزوجة السابقة عن أحواله، فقال لها إنه ما زال يكافح لتحقيق آماله لكنه سعيد بما اختاره لنفسه، وقالت له إنها أيضاً سعيدة بحياتها الهادئة مع زوجها الجديد وتمنى كلا منهما السعادة للآخر... وعاد الزوج وتناولا العشاء وغادرا المطعم تاركين له بقشيشا كبيرا لم يجد حرجا في قبوله، وبعد انصرافها وجد صدره يجيش بالانفعال فخلع جاكيت العمل واعتذر عن عدم مواصلته، وذهب إلى المسرح ليعرف نتيجة الاختبار الذى أجراه في الصباح، ففوجئ بالمخرج يبلغه باختياره لأداء دور هام في المسرحية الجديدة، فيقرر التفرغ للمسرح نهائيًا حتى ولو عانى الجوع والتشرد، وتتعاقد معه الفرقة على العمل فيها لمدة عام بمرتب اقل مما كان يتقاضاه من المطعم، لكنه يرحب به ويتحمس لأداء دورة.
وينتهي العقد فتجدد الفرقة التعاقد معه بمرتب أكبر قليلا لمدة عامين ينهي خلالهما دراسته بالمعهد. ويشتهر بين زملائه بالالتزام والجدية.
ثم تجئ إليه فرصة العمر حين يؤدى دور البطولة لأول مرة بعد سنوات طويلة من الكفاح والمعاناة، فيحقق نجاحاً كبيرا وتنشر الصحف صورته ويكتب عنه ناقد: إنه مثّل دور الزوج الذى هجرته زوجته لعجزه عن توفير الحياة الكريمة لها بمرارة مؤلمة اجتذبت الدموع من العيون، ويعرف أخيرا طعم النجاح، وتضمه إليها كبرى فرق العاصمة بعقد دائم ومرتب كبير وينتقل من الغرفة الصغيرة المفروشة التي شهدت سعادته وآلامه إلى شقة واسعة فاخرة.
ويكتشف فجأة أنه قد بلغ الأربعين عن عمره - حين يرى الشعيرات البيضاء تغطي جوانب شعره، وأنه أمضى 14 عاما طويلة من العناء والكفاح منذ هجرته زوجته حتى وقف تحت أضواء المسرح.
ويسر بخواطره لزميل له بالمسرح عاش تجربة كفاح مماثلة، وهما يقفان خلف الكواليس يستعدان لدخول خشبة المسرح بعد قليل فيسأله زميله فجأة: ها قد حققنا أحلامنا وأصبحنا نجمين يشار إليها بالبنان، فهل يستحق ما حققناه كل ما تكبدناه من أجله؟
وفاجأه السؤال، فاهتز من أعماقه ووجد نفسه يسترجع شريط حياته واستغرق في تأملاته حتى أفاق على يد زميله تهزه ليستعد لدخول خشبة المسرح فينتفض ثم يقول له بإصرار كأنه يتحدى نفسه: نعم يستحق كل ما قدمناه من أجله، نعم يستحق بكل تأكيد ثم خطى إلى خشبة المسرح بخطوات نشيطة، فقوبل بعاصفة من التصفيق دمعت لها عيناه، وأخرجته من تأملاته الحزينة فانحنى يرد تحية الجمهور، ثم نهض والتفت إلى زميله الواقف في الكواليس ينتظر لحظة دخوله بعد دقائق، كأنه يقول له بغير كلام: نعم يا صديق.. نعم يستحق كل ذلك وأكثر... وإلا فكانت معاناتنا بلا معنى وعذابنا بلا طائل وكفاحنا بلا قيمة.
وتمر السنوات وتسقط من ذاكرتي أشياء كثيرة، لكن قصة هذا الفيلم وسؤاله الأخير وجوابه المعبر لا تسقط من الذاكرة أبدا، وكثيرا ما أتذكرها حين يبثني صديق همومه، أو حين يسألني شاب النصيحة، وهو في بداية الطريق، فأجد نفسي أكاد أروي له قصة هذا الفيلم لأطالبه بعدها بأن يتمسك بأهدافه، وأن يوطّن نفسه على احتمال عثرات الطريق، وأن يؤمن دائما بأن تحقيق الآمال يحتاج إلى الصبر، وإلى أن نؤمن في أعماقنا بأن ما نسعى إليه يستحق ما نتكبده من أجله، وبأن ما حققناه من خطوات ولو محدودة على الطريق يستحق أيضا ما بذلناه للوصول إليه، وما سوق نقدمه في المستقبل بإذن الله من أجل استكمال تحقيق الأحلام والآمال بشرط أن نظل دائما قادرين على الحلم وعلى التمسك به..
احترس من الحوت
أوقف أي إنسان في الطريق واسأله عن مشاكله.. وسوف يتنحى بك جانبا ثم يسمعك قائمة من المتاعب.
فإذا قلت له لكنك تحيا رغم ذلك.. سيقول لك نعم أحيا ولكن!.
وهكذا الإنسان في كل مكان من العالم!.
فليس هناك إنسان بلا مشاكل وليست هناك حياة خالية من المتاعب والآلام.. لكن السؤال الهام هو كيف نواجه همومنا ومشاكلنا.. أو كيف نتعايش معها؟.
لقد كان من تقاليد البحارة في الزمن القديم إذا صادفوا حوتا ضخما في البحر أن يلقوا إليه بقارب فارغ ليشغلوه به عن مهاجمة السفينة حتى لا تغرق ثم يحاولون صيد الحوت وهو منشغل بمناطحة القارب الفارغ.
وهذا بالضبط ما ينصحك به علماء النفس في العصر الحديث أن نلقى لحوت همومك قاربا فارغا يشغلها عنك ويشغلك عنها إلى أن تنجح في اصطيادها والقضاء على أسبابها.
وأقرب طريق إلى ذلك في رأى عالم النفس (( بول كوستا )) هو الثقة بالنفس ونسيان التجارب الأليمة، والمشاركة في النشاطات الاجتماعية. فهذه المشاركة بالذات هي ما يشغلك عن الهموم وما يشغلها عنك.
ومن دعاء فيلسوف إغريقي قديم أنه كان يقول: (( يارب امنحني القدرة على تحمل مالا طاقة لي على تغييره، والشجاعة لتغيير ما ينبغي تغييره، والحكمة للتفريق بينهما. )).
فالوقوف أمام التجارب الأليمة واجترارها لا عائد له إلا إهدار العمر فيما لا يفيد الإنسان.. ولا يغير من الأمر شيئا.
والاكتفاء بالشكوى لا يحل مشكلة.. ولا يساعد الإنسان على التقدم خطوة واحدة للأمام.
وفى كل الأحوال فعلينا ألا نسمح لهمومنا ومتاعبنا بأن تستولى علينا وأن تحرمنا من حقنا العادل في الحياة والسعادة.
فما نستطيع تغيره علينا أن نبذل الجهد والطاقة لتغييره وما لا نملك تغييره الآن على الأقل فلنلقى إليه بالقارب الفارغ ونتسلح بالرضا والعمل إلى أن نجد ثغره نتمكن من خلالها من اصطياده.. والقضاء عليه.
والحياة يا صديقي انتصارات وهزائم.. ومكاسب وخسائر.. والعاقل هو من لا يسمح لهزائمه الصغيرة بأن تجلل حياته بالسواد وتمتص قدرته على المقاومة.
وفى مسرحية عطيل لشكسبير يقول الدوق: إن الرجل الذي يسرقه لص فيبتسم ترفعا، يسترد من السارق بعض غنيمته أما من يخزن بلا طائل فإنه يسرق نفسه مرة أخرى بعد أن سرقها اللص لأنه يضيف إلى خسارته المادية خسارة معنوية جديدة لا تقدر بثمن!.
أنت تشكو مثلا من قلة الأصدقاء.. لا بأس اصنع كما كان الفيلسوف الفرنسي ديكارت يصنع في شبابه. فقد كان يقرأ الأدب القديم ويقول إنه يقوم كل يوم بأسفار ذهنية إلى الماضي ليحدث أنبل الناس في أعظم العصور! وأن له معهم صداقات عميقة تعوض قلة أصدقائه أو انشغالهم عنه.
فلماذا لا تقوم أنت أيضا بأسفار ذهنية تصادق خلالها أنبل الناس في كل العصور؟.
أنت مهموم بحياتك ومشاكلك؟ إذن لماذا لا تصنع كما صنع الآخرون الذين ارتفعوا فوق آلامهم ولم يسمحوا لمشاكلهم بأن تستغرقهم وأن تشل قدراتهم؟.
لقد كان الأديب الياباني جيبنشا إيكو ساخرا عظيما.. وفقيرا أعظم! فسخر من فقره ومن نفسه ومن كل شيء في الحياة ولم يتوقف يوما عن الكتابة كان يعيش في بيت بلا أثاث فعلق على جدران منزله صورا للأثاث الذي كان يود أن يشتريه لو كان معه ثمنه وكان يقدم لتلاميذه في المناسبات صورا للهدايا التي كان سيشتريها لهم لو كان معه نقود!.
وحين اقترب منه الموت أعطى لتلاميذه بمنتهى الوقار والجدية لفافات أوصاهم ألا يفتحوها، وأن يضعوها فوق جثمانه قبل إحراقه، وحين اشتعلت النار في الحطب الذي وضع فوقه الجثمان.. وتلاميذه ينوحون ويبكون انطلقت من اللفائف صواريخ ملونة تفرقع وتطقطق في مرح فلم يتمالك التلاميذ أنفسهم من الضحك من سخرية الأستاذ الذي امتدت سخريته إلى كل شيء حتى إلى الموت!.
وفى ختام رواية (( السمان والخريف )) سأل بطل الرواية عيسى الدباغ الشاب الذي التقى به مصادفة بعد 15 عاما، ماذا تفعل الآن فأجابه:
أعابث المتاعب وتعابثني.. وأمضى إلى الأمام بوجه مبتسم.. بوجه مبتسم دائما!.
وأنت أيضا تستطيع أن تعابث المتاعب.. إلى أن تحقق ما تتمناه لها فما يبدو مستحيلا الآن.. سيكون ممكنا غدا وما يبدو صعبا الآن سيكون سهلا بعد حين والمهم هو ألا نتنازل عن أهدافنا وألا نتوقف أبدا عن الحركة والعمل في اتجاه هذه الأهداف وألا نسمح أبدا لحيتان الهموم والمتاعب بأن تصيدنا قبل أن ننجح نحن في اصطيادها!
صديقي.. من أنت
في فيلم أمريكي قديم وشهير " 451 فهرنهيت " كان المجتمع الذي يصوره الفيلم يطارد الكتب ويحرقها، لأنه يخشى المثقفين وما تتضمنه هذه الكتب من مبادئ وأفكار وقيم عن الحرية، لذلك زود كل بيت بشاشة تليفزيونية كبيرة لا تعرض إلا مواد التسلية، وأغلق المكتبات وأحرق الكتب.. فهل اندثر الفكر واندثر المثقفون؟
بالطبع لا لأن المثقفين تداولوا الكتب العالمية سرا وفروا بأنفسهم إلى الغابة، يحفظون أمهات الكتب بحيث إذا ضبطها حارقو الثقافة ودمروها.. لم تضع هذه الكتب للأبد لأنها تحولت إلى كائنات بشرية حية يحفظها عقل الإنسان ويرويها لغيره، وأصبح كل واحد منهم يسمي نفسه باسم الكتاب الذي حفظه، فهذا اسمه " الحرب والسلام " لأنه يحفظ رواية تولستوي الشهيرة ويستطيع أن يقرأها على غيره، وهذا اسمه " البؤساء " لأنه يحفظ رواية فيكتور هوجو، وهذا اسمه " آلام فيرتز " لأنه يحفظ قصة الشاعر الألماني الكبير جوته، وهكذا.
ففكرة الفيلم – كما ترون – تقول إن الفكر لا يموت مهما حاول البعض قتله، وفي سيرة الإمام " أبي حامد الغزالي " قصة تتشابه دراميا مع فكرة هذا الفيلم، فلقد روى الغزالي – رحمه الله – في كتابه " إحياء علوم الدين "، أنه هاجر إلى بلدة اسمها "جرجان " ليتلقى العلم فيها، وبعد سنوات أمضاها في الدرس جمع كل ما تعلمه في عدة كتب، وضعها في مخلاة وحملها مع أمتعته، وركب مع قافلة راحلة إلى بلدته، وقبل أن يصل إلى غايته، هاجم القافلة قطاع الطرق، واستولوا على حاجيات المسافرين، وانصرفوا فخرج وراءهم الغزالي مرتاعا، فالتفت إليه زعيمهم وحذره، فسأله الغزالي بالله أن يرد عليه كتبه التي هاجر من بلدته لكتابتها ومعرفة علمها، فضحك شيخ اللصوص وقال له: " كيف تدعي أنك عرفت علمها وقد أخذناها منك وتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟! ثم أمر بردها إليه.
ويحكي الغزالي في كتابه أنه قال لنفسه – حين سمع جواب شيخ اللصوص – هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني في أمري، فلما وافيت بلدتي، أقبلت على الاشتغال بكتبي 3 سنوات حتى حفظت جميع ما فيها.
أي أن الغزالي قد أصبح بذلك أقوى من قطاع الطرق، وكذلك يستطيع كل إنسان أن يكون، إذا استوعب دروس الحياة وتجاربها وثمرات عقول مفكريها وأدبائها وعلمائها واستفاد بها بحيث لا يستطيع أحد أن يسلبه قدرته على التفكير وإرادته الحرة. فالمعرفة سلاح يستعين به الإنسان على فهم الحياة ومواجهتها وخوض تجاربها وحماية حريته وحقه في التفكير والتعبير واختيار الطريق الذي يمضي فيه، وما من معرفة نستوعبها، أو تجربة إنسانية نمر بها أو نعايشها عن قرب في حياة الآخرين إلا وتضيف إلى قدرتنا على ممارسة " علم " الحياة الذي قال عنه " ألبير كامي " أنه أصعب العلوم والفنون، الكثير والكثير.
" أنا جزء من كل ما صادفني "، جملة شهيرة، أثبت علم النفس الحديث صحتها، فكل تجربة نمر بها تحدث فينا تغيرا معينا يختلف من تجربة لأخرى حسب عمقها وأهميتها، وكل كتاب نقرأه أيضا يحدث فينا مثل هذا التغيير مع اختلاف درجاته، لذلك يختلف الناس باختلاف تجاربهم وثقافاتهم، فحتى لو بدأ كل الناس حياتهم في الطفولة بطريقة واحدة، فإنهم سرعان ما يختلفون فيما بعد عن بعضهم البعض بسبب اختلاف التجارب التي تمر بهم واختلاف الثقافات التي يستوعبونها واختلاف أنصبتهم من العلم والمعرفة والثقافة.
فقل لي عن التجارب التي مرت بك والتي عايشته مع أصدقائك، وعن الكتب التي قرأتها والمعرفة التي استوعبتها، أقل لك من أنت الآن، لأنك جزء من كل ذلك، ولأنك اليوم لست أنت الأمس، وإنما أنت دائما شخص جديد أقوى من القيود وأكثر فهما للحياة وخبرة بها عنك بالأمس.
فمن أنت الآن يا صديقي ومن ستكون غدا؟؟
يا أصدقائي
لا أعرف ماذا فعل أصدقاء أرسطو به حتى قال كلمته المشهورة التي طالما أزعجتني كلما تذكرتها وهي: يا أصدقائي.. ليس هناك أصدقاء!.
ولست من مؤيدي الشاعر الذي خانه بعض أصدقائه فانتقم من كل الأصدقاء بهذين البيتين من الشعر:
احذر عدوك مرة ** واحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق ** فكان أعرف بالمضرة
لأن الحياة لا تستقيم لو عاش الإنسان حياته بلا أصدقاء وبلا مشاركة يتوجس شرا من الأخرين.. ويخص أصدقاءه بهواجسه بحجة أنهم أعرف بالمضرة!.
ولأني أيضا من المؤمنين بأن للصداقة قيمة هامة في الحياة تصبح بغيرها نوعا من الجحيم.
وكثيرا ما يسألني الشباب في رسائلهم إلى بريد الجمعة هل هناك حقا صداقة؟، وهل هنالك أصدقاء؟، فأجيبهم دائما: نعم، هناك صداقة وهناك أصدقاء، لكن المهم هو أن تعرف كيف تختار أصدقاءك.. وكيف تستمع بصداقتهم بلا خسائر نفسية لك أو لهم، وهي موجودة في الحياة منذ الأزل وستبقى إلى نهاية الكون وأشهر أصدقاء الزمن القديم هم الحواريون الذين التفوا حول السيد المسيح ونقلوا إلى الدنيا من بعده تعاليمه.. وانتشروا في الكرة الأرضية يبشرون بما جاء به نبيهم وصديقهم. ومن أشهر أصدقاء الزمن القديم أيضا صحابة الرسول – عليه الصلاة والسلام - الذين نصروه وآمنوا بدعوته وأصبحوا من بعده حجة في أمور الدين يستفتيهم الناس.. وتطلب الأمصار من الخلفاء إرسال بعضهم إليهم ليعلموهم أمور دينهم ودنياهم. وأشهر صديق في الإسلام هو أبو بكر الصديق، وقد سمى بالصديق - بتشديد الدال – لأنه صدّق صديقه وآمن بدعوته منذ فاتحه فيما كلف به لأول مرة.
وعلى مر التأريخ دائما كانت هنالك صداقة وأصدقاء.. ولعبت الصداقة أدوارا هامة في تاريخ البشرية، فلولا صداقة أفلاطون لأستاذه سقراط لما وصل إلى العالم شيء من فكر سقراط الذي لم يدون أفكاره ولم يكتب حرفا وإنما دونها أفلاطون في محاوراته فحفظها للتاريخ، وسيبق دائما هناك أصدقاء وهناك صداقة رغم خذلان بعض الأصدقاء لأصدقائهم.. ورغم صيحة يوليوس قيصر الشهيرة وهو ينظر إلى صديقه بروتوس ويتعجب كيف انضم للمتآمرين عليه وكيف طعنه بخنجره في ظهره كالآخرين، فلقد أساء بروتوس إلى نفسه بغدره بصديقه أكثر مما أساء إلى صديقه أو إلى قيمة الصداقة، واقترن اسمه في سجل التاريخ بالغدر أكثر مما اقترن بأي شيء آخر.
لكن المهم هو أن تعرف كيف تختار أصدقاءك. لأن صديقك هو مرآة نفسك غالبا وفي الحديث الشريف «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» أي أنك غالبا سوف تكون مثل خليلك في قيمه وأهدافه ونظرته للحياة.. فانظر أولا من تخالل وهل تتوافق أهدافكما وقيمكما أم لا قبل أن تمنحه شرف صداقتك.. ولكيلا تشكو ذات يوم من انعدام التوافق بينكما.. فليس من الجائز مثلا أن يصادق المستقيم مستهتر والجاد عابثا والمتدين منحرفا.. لأن الصداقة في مثل هذه الحالة لن تصبح صداقة يطمئن بها جانبك.. وتجد فيها السكينة والاطمئنان، وإنما سوف تصبح غالبا صراعا بين شخصيتين متناقضتين وأسلوبين متعارضين في الحياة.
كلية لذلك يندر أن تجد - مثلا - إنسانا جاداً بين مجموعة من الأصدقاء المستهترين أو كريما بين بخلاء أو مثاليا بين ماديين.. وإنما سوف تجده في الغالب واحدا من أقرانه، لأن المرء يعرف بأقرانه، ولأن الطيور على أشكالها تقع.. كما يقولون.
والعلاقات الإنسانية بصفة عامة هي علاقات أخذ وعطاء.. فلا تستمر صداقة تقوم على عطاء من طرف لطرف بغير أن يكون الطرف الآخر قادرا على العطاء لرفيقه.. فالصداقة المثالية والناجحة هي طريق ذو اتجاهين ذاهب وغاد.. وليست أبدا طريقا ذا اتجاه واحد من المنبع إلى المصب.. كعلاقة الأنهار بالبحار التي تصب بها.
والإنسان يحتاج في حياته الخاصة إلى دائرة محدودة من الأصدقاء الحميمين.. ومن يسعده الحظ تعطه الحياة أربعة أو خمسة أو ستة من الأصدقاء الأوفياء الذين نسميهم أصدقاء الروح، الذين يستطيع أن يخلع أمامهم قناعه وأن يبوح لهم بهواجسه وأفكاره بلا حرج، والذين يشعر بالأمان النفسي وهو في صحبتهم لذلك قيل: إن حسن اختيار الرفيق أهم أحيانا من حسن اختيار الطريق.. فكل الطرق قد تؤدى إلى روما.. لكن ليس كل الأصدقاء قد يوفرون لك الأمان والاطمئنان.. والصداقة كالزهور النادرة تحتاج إلى رعاية خاصة لكي تزهر ولكي يفوح عطرها.. ومن فنون هذه الرعاية ألا تكون مطالبك من أصدقائك كثيرة لكي تنعم بصداقتهم للأبد.. لأن الصديق الذي يرهق صديقه بمطالبه النفسية والمادية يخسره سريعا..، ومن فنون الصداقة أيضا أن تكون أكثر استعدادا للتسامح معه، ولتجاوز هفواته، وأكثر حرصا على عدم معاتبته على كل شيء وأي شيء.. والشاعر الذي قال:
لو كنت في كل الأمور معاتبا ** صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
محق تماما فيما قاله لأن الحياة صعبة.. والعلاقات متشابكة ولكل إنسان فيها همومه ومعاناته وليس كل الأشخاص على استعداد لتحمل العبء النفسي للوم المستمر والعتاب المستمر، وعلينا أن نقبل من أصدقائنا بعض ما لا نرضاه.. وأن نغفر لهم بعض إساءاتهم كيلا تتقطع حبال المودة نهائيا بيننا وبينهم.. ولكي تتواصل الحياة..
فهل ما زلت يا صديقي تسألني بعد كل ذلك: هل هناك صداقة.. وهل هنالك أصدقاء؟!.
أصدقائي الستة
لكل إنسان منا ستة أصدقاء مخلصون يستطيع أن يستعين بهم على مواجهة الحياة. هؤلاء الأصدقاء هم الذين أشار إليهم الشاعر الإنجليزي كبلنج حين قال: «إن لي ستة من الخدم المخلصين الذين تعلمت منهم كل شيء، أسماؤهم هي: من وماذا ولماذا ومتى وأين وكيف!» ولأنى ممن يكرهون استعمال كلمة «خدم» و«خادم» فإني أفضل أن أعتبرهم أصدقاء أعزاء لا خدما، وأعتقد أني من أكثر الناس استفادة في حياتي بخدمات هؤلاء الأصدقاء الأجلاء.. فكلما اصطدمت في حياتي اليومية بشيء لم أفهمه ولم استوعب سره، لجأت إلى أحد هؤلاء الأصدقاء طالبا معونته، فإذا قرأت في صحيفة عبارة لم أفهمها لجأت إلى صديقي «ماذا» ولأعرف عن طريقه ماذا تعني هذه العبارة.. وما هو المقصود منها.. فإن لم أجد لدى من حولي من الزملاء والمعارف جوابا.. سألت كتبي ومراجعي.. وإذا قرأت اسم شخصية تاريخية لا اعرفها لجأت إلى صديقي «من» وسألته المساعدة.. وإذا رأيت جهازاً من مبتكرات العلم الحديث، لا أعرف فكرته استدعيت صديقي «كيف» من إجازته وسألته المشورة، وهكذا في كل أمور المعرفة وشئون الحياة وكلما سألت معارفي وكتبي سؤالا وحصلت على إجابة شافية أحسست أني قد ارتقيت قليلا في سلم البشر، ذلك أني أومن بأنه لا قيمة لإنسان في الحياة إلا بما يعرفه وبما تعكسه عليه هذه المعرفة من فهم للحياة ومن سعة أفق في التعامل مع الآخرين ومن رقة في المعاملة وحسن المعاشرة.. لأن من يعرف أكثر يكون غالبا أكثر استعدادا لالتماس الأعذار للآخرين وأكثر استعدادا للتسامح معهم وأكثر احتراما لآراء غيره.. وأكثر استعدادا للتنازل عن رأيه إذا تبينت له أوجه الخطأ فيه.
كما أنه من المفروض أن يكون أكثر التزاما خلقيا، باعتبار أن الفضيلة هي المعرفة كما كان يعتقد أبو الفلاسفة سقراط، إذ لا يمكن في تصوره أن يعرف الإنسان الخير ثم لا يفعله ولا يمكن أن يعرف الإنسان الشر ثم يقدم عليه.
فارتكاب الإنسان للرذيلة سببه الجهل بالفضيلة عند سقراط، ولا يمكن أن يكون الإنسان فاضلا إلا إذا كان عارفا بالفضيلة لكي يتبعها. ورغم مثالية الفكرة التي يرى فلاسفة آخرون أنها لا تكفي لتفسير ارتكاب الإنسان أحيانا للشر وهو يعرف جيدا ما يفعله إلا أني أميل إليها كثيرا وأرى أن المعرفة الحقيقية بالله أولا وبحقائق الحياة لابد أن تقود الإنسان إلى الفضيلة، والقرآن الكريم يقول لنا.. «إنما يخشى الله من عباده العلماء» أي يخشاه من يعرفه ويعرف عزته وجلاله ورحمته وغفرانه وسطوته وانتقامه وما يعد به الأتقياء من نعيم وما يتوعد به الأشرار من جحيم.
والطريق إلى المعرفة يبدأ دائما بهؤلاء الأصدقاء الستة.. بهذه «المفاتيح» التي تترجم حيرة الإنسان أمام ما لا يفهمه وتحولها إلى أسئلة تبحث عن أجوبة.
وهذه المفاتيح هي التي عرف بها الإنسان أسرار الكون وتفهمها وتميز بها عن الحيوان، فالشمس تشرق كل يوم من المشرق.. والمطر يهطل من السماء والأمواج تعلو وتنخفض صباحا ومساء أمام الإنسان والحيوان والنبات والجماد منذ فجر الإنسانية لكن الإنسان وحده هو الذي سأل نفسه «لماذا» لماذا تظهر الشمس وتغيب.. لماذا يسقط المطر.. كيف يعلو موج البحر.. من أين نهب الرياح.. من الذى يدير هذا الكون؟... إلخ.
فقاده بحثه إلى فهم أسرار الكون والسيطرة على الحيوان والنبات والجماد ومحاولة السيطرة على الطبيعة أو التفاهم معها. فالملك له سبحانه والإنسان هو خليفته في أرضه لذلك فقد ميزه عن غيره من الكائنات بالعقل.. فاستخدم عقله واستخدم أصدقاءه الستة في فهم أسرار هذا الكون.. والتكيف معه.
والفقيه أبو سفيان الثوري كان يقول إن أول العلم الصمت ثم الاستماع إليه ثم العمل به، وهذا صحيح لأن من لا يصمت لا يسمع ومن لا يسمع لن يعرف ومن لا يعرف لن يسأل ولن يجادل ولن يفهم ولن يرتقي بمعارفه وخيراته وسلوكه. لذلك فإني أرى معه أن أول العلم الاستماع إليه فعلا.. لكن ثانيه هو السؤال عما لم نفهم ولم تستوعب ثم العمل به عن فهم واقتناع وإيمان.
ورغم وجود مصادر عديدة الآن للثقافة فإن الكتاب ما زال هو المصدر الأساسي للمعرفة، وسيبقى كذلك في ظني لأجيال قادمة، وإبراهام لنكولن الذي تولى رئاسة الولايات المتحدة من سنة 1861 إلى سنة 1865 وقاد دعوة تحرير العبيد في أمريكا ودفع حياته ثمنا لها كان يقول: كل ما أريد معرفته موجود في الكتب.. وخير صديق لي هو من يقرضني كتابا! ، وأضيف أنا إلى كلمته الشهيرة هذه أن خير صديق لي هو من يعيد إلي كتابا اقترضه مني!! لأني لا أجزع لشيء أكثر من جزعي لفقد كتاب اقترضه صديق مني ولم يرده.. أو ضاع منه في الزحام.
ولقد أعجبت كثيرا بما قرأته في قصة حياة إبراهام لنكولن من أنه اقترض من صديق له كتابا عن حياة جورج واشنطون بطل الاستقلال في الولايات المتحدة فشغفه به وراح يقرؤه ويعيد قراءته حتى أتلفه المطر وعجز عن رده لصاحبه فأحس بتأنيب ضمير شديد لذلك ولم يجد ترضية يقدمها له سوى أن يعمل مجانا في حقل صديقه ثلاثة أيام من الصباح حتى المساء يفلح الأرض ويسويها تعويضا له عن الكتاب المفقود. ويقدر إعجابي بهذه القصة.. بقدر ما أشفقت على نفسي وعلى أصدقاني لو كنا قد طبقنا هذا المبدأ على أنفسنا منذ زمن طويل - إذن لعملت في حقول الكثيرين مجانا.. ولطالبت كثيرين بالعمل في حقلي بلا أجر شهورا وأسابيع، لكن من نعمة الله علي وعلى أصدقائي أننا جميعا لا نملك حقولا ولا حدائق.. وإلا انكسر ظهري وظهورهم من العمل فيها بلا أجر خلال السنوات الماضية.
ولأننا نمضي العمر ونحن نتعلم كل يوم جديدا وكلما ارتقت معارفنا أحسسنا بحاجتنا إلى المزيد من العلم والمعرفة.. فعلينا دائما أن نتذكر هؤلاء الأصدقاء الستة.. وأن نستعين بهم في مواجهة الحياة ومحاولة فهم ألغازها فالحياة رحلة مستمرة لمحاولة فهمها ومعرفة أسرارها «والرحلة في طلب العلم ولقاء المشيخة مزيد كيال في طلب العلم» كما قال ابن خلدون في مقدمته المشهورة و«لقاء المشيخة» هو المقابل القديم للقاء الأساتذة والنقل عنهم وتلقي العلم منهم فإذا لم تكن لنا الآن مشيخة نسعى إلى لقائها ونسمع منها.. فلنبحث عن المعرفة في مصادرها العديدة المتاحة لنا مستفيدين بخدمات هؤلاء الأصدقاء المخلصين!.
فهل نفعل حقا؟.
العقل في إجازة
اعتدت أن أنهى «الموسم الثقافي» الخاص في مع اشتداد حرارة الصيف، فأتوقف عن القراءة الجادة المرهقة للعقل والتفكير، ولا أقراً إلا للمتعة ولا أكاد تقترب إلا من كثب سبق أن قرأتها وأحببتها، واعتدت أن أعيد قراءتها في هذه الإجازة الموسمية، فأحس تجاهها إحساسي تجاه أصدقاء قدامى لا أزورهم إلا في الصيف فأجدد صداقتي بهم، وأستعيد معهم ذكريات أحلى سنوات العمر.
ومن هؤلاء الأصدقاء القدامى كتب في التاريخ وأعمال أدبية شهيرة تأتي على رأسها بالطبع كل روايات أستاذنا الكبير نجيب محفوظ، ولكن من بينها أيضا كتبا أخرى ليست مشهورة على نطاق كبير وتربطني بها مع ذلك روابط شخصية قديمة.. إما لأني عشقتها وإما لأنها أثرت في تفكيري ونظرتي لبعض أمور الحياة فمن هذه الكتب مثلا رواية عجيبة لمؤلف مصري بدأ حياته الأدبية مع نجيب محفوظ، وكتب ثلاث روايات قيمة، لكنه زهد الكتابة بعدها وانصرف عنها وهي رواية مليم الأكبر للأستاذ عادل كامل.
في هذه الرواية يصور عادل كامل مجموعة من الشخصيات الغريبة التي يجمعها بيت أثري قديم في منطقة القلعة يديره خواجة أجنبي يؤجر غرفه لأشخاص من المثقفين الرافضين للقيم البورجوازية، ومنها قيم الشرف البرجوازي، والصداقة البورجوازية، والطبقية.. والمجاملة.. الخ ويطلقون على أنفسهم اسم «الرفاق الأنذال» لأنهم رفقاء في السكن وسهرة كل يوم، ومغالبة الملل لكنهم يفخرون بأنهم «أقوياء» لا يستجيبون للضعف الإنساني الذى يسمح بقيام الصداقات وما تستتبعه من قيم «مزيفة»، كالوفاء، والشهامة.. الخ.. لذلك فهم يتجاورون في سهرة كل ليلة، ويتجاذبون أطراف الحديث، لكنهم لا يسمحون لأنفسهم بأن يكونوا أصدقاء! وهم يتشاركون في لعبة قذرة، يستخدمون فيها رسامة أجنبية متمصرة من نزيلات البيت وخادم البيت «مليم» وقواعد اللعبة تقضي بأن يختار مليم أحد الأثرياء ثم يتقدم منه ليقول له إنه خادم سيدة ثرية رأته وأعجبت به، وأنها تطلب رقم تليفونه لتتصل به وتتعرف عليه، فينتشي الثري ويعطيه رقم تليفونه ومنحة مالية صغيرة، ويعود مليم للبيت فيسلم المنحة الصغيرة لكبير الأنذال وهو أكبر الرفاق سنا ورقم التليفون، فتتصل المعجبة بالضحية وتبثه إعجابها.. ثم تنهي إليه أنها سترسل إليه رسالة حب مع خادمها إلى أن تتصل به ثانية، وتكتب الرسالة وتعطيها لمليم، فيسرع بها إلى الثري الذي يسعد كثيرا، «وتسيب» فرامله فيمنح رسول الغرام منحة مالية كبيرة يثبت بها للمعجبة الولهانة كرمه، فيجرى ملم حاملا النقود إلى المثقفين العاطلين الجائعين الذين يمضون أيامهم في القراءة ومضغ الكلمات، فيشبعون جوعهم ويروون ظمأهم ويواصلون السخط على المجتمع وقيمه ومثالياته!.
وتتكرر اللعبة مع آخر وخلال إقامتهم في بيت القلعة يمارسون نشاطهم السري في كتابة المنشورات وتوزيعها إلى أن يفاجأوا بأنهم قد اخترقوا من الداخل، وأن أحدهم عميل للمباحث ويلقى القبض عليهم.
ويتفرقون في الحياة، ويضطر أحدهم وهو ابن باشا ثري إلى العودة إلى كنف أبيه «المستغل» ثم يتواءم عبر تجارب طويلة مريرة مع المجتمع الذي ثار عليه ورفضه من قبل. أما مليم وهو أكثرهم صدقا مع نفسه فقد لاطم الحياة ولاطمته حتى تحول في نهاية الرواية إلى «محمد بك سلام» «رجل الأعمال المعروف» وتنتهي الرواية بلقاء مثير بين الثائر المنهزم ابن الباشا وبين الوجيه محمد بك سلام، الذى يصر على أن يقدم نفسه له كخادمه السابق مليم فيصر ابن الباشا على أنه محمد بك وأنه يستحق البكوية عن جدارة أكثر مما يستحقها كثيرون ممن يحملونها! لماذا أتذكر هذه الرواية الآن؟ هل لأن في الحياة صورا عديدة تذكرنا «بالرفاق الأنذال» الذين يعتبرون الصداقة ضعفا إنسانيا، ويفتخرون بقدرتهم على نبذ هذه المشاعر الإنسانية «الرخيصة» أم لأن في الحياة نماذج أخرى شبيهة بهؤلاء الذين ينتقدون الآخرين دائما وهم أحق بالانتقاد، والذين لا يؤمنون إلا بأنفسهم.. ولا يستطيعون أن يعترفوا لأحد بفضل أو ميزة أو معرفة.
لا أستطيع أن أجزم بسبب.. لكنه ربما يكون تأثير الحر سببا كافياً لاختلاط التفكير وتشابك الصور.
ومن هذه الكتب أيضا.. «مذكرات شارلي شابلن».. ولا تعجب لذلك، فلعله من الكتب القليلة التي أثرت في وجداني ومازلت أستمتع بقراءتها في كل مرة تمتد فيها يدين إليها.. ومازالت تؤثر فيّ صورة الصبي الشريد الضائع الذي هجر أبوه أمه فتركه وشقيقه وأمه يعانون البؤس إلى الحد الذي جُنّت معه الأم بسبب سوء التغذية وواجه الصبي مع شقيقه الحياة القاسية بلا مال ولا أهل.. ولا معين يلتقط من صندوق القيامة فضلات الطعام.. ويتحلب ريقه وهو يشاهد من خلف الزجاج رواد مطعم يأكلون ويشربون.. ثم يعمل لقاء بنسات قليلة في مغلق للخشب قاطعا للأخشاب، ويسافر شقيقه على ظهر سفينة بريطانية إلى الهند ليكسب بعض القروش فيبيت في الشوارع الباردة ويتسكع في الطرقات ويعمل ليوم واحد وهو في سن العاشرة عاملا بمطبعة فيطرده صاحبها خوفا من قوانين تشغيل الصبية، ويعيش أياما يصبح فيها فنجان الشاي الساخن أمنية من أمنيات العمر، ثم تقوده قدماه إلى مكتب لتشغيل فناني المسرح فيدخل مع الداخلين، فيراه مدير المكتب ويسأله ماذا تريد؟ فيقول بعد تردد، هل لديكم أدوار للأطفال؟ فيمسك مدير المكتب بيده، وبدلا من أن يدفعه خارج المكتب كما توقع يدفعه إلى سكرتيرة المكتب ثم يقول له: أعطها اسمك وعنوانك وانصرف، فيفعل ويغادر المكتب وبعد أيام تجيئه رسالة بالبريد تطلب منه التوجه إلى أحد المسارح حيث تجرى بروفات مسرحية فيها دور لصبي صغير.. فيضع قدمه على أول طريق الفن.. ولا ينسى أن يسجل أنه دخل عالم الفن بحثا عن الطعام لا عن المجد.. فأعطاه الفن الطعام والمجد والشهرة والمكانة العالمية.
ومن هذه المذكرات أذكر دائما هذه الرسالة التي بعث بها إلى شارلي شقيقه سيدني من رحلة عمل خارج لندن يعاتبه فيها على إهماله الرد على رسالة سابقة له، فيقول له فيها: «إن ظروف الحياة لا تسمح لنا بترف إهمال الرد على الخطابات ونحن وحيدان تماماً في هذا العالم بلا أب أو أم أو أهل أو أصدقاء.. فلماذا لم ترد على رسالتي يا شقيق الوحيد؟».
فلا أذكر أني قرأت كلمات هذه الرسالة مرة ولم أتوقف عندها وربما أتساءل كم هي عديدة اللحظات التي يحس فيها الإنسان أحيانا بأنه وحيد تماما في هذا العالم الواسع القاسي؟ ومن هذه الكتب أيضا.. رواية «المسخ» لكافكا.. هذا الكاتب التشيكي العجيب إذ ما أكثر اللحظات أيضا التي يحس الإنسان فيها بأنه شبيه بطل رواية المسخ... موظف الأرشيف الغارق بين الأوراق والملفات الذي تلتهم الأوراق عينيه وذهنه ويمضي به العمر وحيدا بلا متعة ولا راحة فيتسلط عليه الإحساس بأنه حشرة من النوع الذي يعيش على التهام الأوراق فإذا به يتحول فعلا إلى حشرة كبيرة وتنبت في جسمه شعيرات كشعيراتها يحاول أن يخفيها فلا ينجح، وتنتهي الرواية وقد تحول في الحقيقة لا في الخيال إلى حشرة زاحفة تخرج من البيت زحفا إلى العمل وتعود منه زحفها.
لماذا أتذكر هذه الصورة البشعة الآن.؟
.. مرة أخرى لعله الحر!.
صباح الخير
كم مرة سمعت هذه العبارة، وكم مرة حاولت أن تفكر في معناها؟. إنك تسمع صديقك يقول لك وهو منفعل: إنني لا أجد نفسي في هذا العمل!.
وصديقاً ثانياً يقول تلك: إننس لا أجد نفسي في هذه الحياة! وصديقا ثالث يقول متفكرا: إنني أبحث عن نفسي فلا أجدها!.
فما هي هذه النفس التي يبحث عنها الإنسان وهي داخله؟.
الحق أن هذه العبارات «الخيالية» صحيحة تماما، لأن كل إنسان منا يبحث عن نفسه، ويحاول أن يعرفها لكي يتواءم معها ويعقد معها معاهدة سلام، ولأن رحلة الحياة هي في حقيقتها رحلة الإنسان للبحث عن نفسه وعن سعادته. فالذين لا يعرفون أنفسهم جيدا في حالة حرب مستمرة معها، لا تهدأ نفوسهم، ولا يهدأون معها والذين يعرفونها جيدا هم السعداء الذين نقول عنهم إنهم يعيشون في سلام نفسي لا تؤرقهم الرغبات التي تتجاوز قدراتهم، ويحيون حياة يرضونها مهما كان نوع هذه الحياة، ويعملون أعمالا يهوونها ويتلذذون بأدائها مهما كان عائدها أو مستواها!.
ومنذ قديم الزمان، والإنسان يبحث عن نفسه، ويحاول أن يعرف نوازعها ودوافعها وما تحبه وما لا ترضاه.
وعلى واجهة معبد دلفي في أثينا القديمة، كانت هناك عبارة تقول «اعرف نفسك بنفسك» وحين جاء سقراط اتخذ من هذه العبارة شعارا له. وانطلق يحاول أن يعرف نفسه ونفوس الآخرين، ويتساءل عن معنى كل شيء.
ومن هذه العبارة أيضا جاءت جذور علم التحليل النفسي الذي يقسم النفس البشرية إلى دوائر الشعور واللاشعور، ويعتمد في العلاج على مساعدة المريض على أن يعرف ما ترسب في أعماقه من سنوات الطفولة والصبا والشباب، ويفسر به بعض تصرفاته ونوازعه ويجتاز به دائرة المرض إلى الشفاء حين يعرف هذه الحقائق.
وبعد سقراط بعشرات القرون جاء شكسبير فقال: «أصدق نفسك تصدُق الناس جميعا!» وهذا صحيح، لأنك إذا عرفت نفسك جيدا كنت صادقا معها.
وإذا كنت صادقا مع نفسك فلن تكذب على أحد، ولن تكون في حاجة إلى ذلك، لأن من يكذب على الآخرين يكذب على نفسه أولا، فإذا عاهد نفسه أن يصدقها في كل لحظة كان صادقا مع الآخرين.
وكثيرا ما يكتشف الإنسان بعد أن يسير طريقاً طويلا أن هذا الطريق لم يكن له من البداية، لو أنه عرف نفسه جيدا، واكتشف حقيقة رغباتها وقدراتها وأهدافها الحقيقية في الحياة!.
وعندما يحدث هذا الاكتشاف المفاجئ كثيرا ما يتغير خط حياة الإنسان من حياة إلى حياة، أو من عمل إلى عمل أو من غاية إلى غاية أخرى!.
ولقد كان سقراط نقاشا، فأهمل مهنته وأسرته، وانطلق يبحث عن الحقيقة ويجوب الشوارع، يوجه للجميع أسئلته الحائرة، فإذا قال له أحد صباح الخير أجابه: وما الخير؟، فإذا قيل له هو الفضيلة، تساءل وما الفضيلة؟ ثم ما العدل، ما الشجاعة، ما الديمقراطية؟... الخ هذه التساؤلات الحائرة.
وكان هدفه الوحيد منها، هو الوصول إلى الحقيقة عن طريق استبعاد الباطل، وكان يقول عن نفسه إن أمه كانت قابلة تولد النساء، وأنه يقتفي خطاها فيولد العقول ويساعد غيره على أن يخرج آراءه إلى الحياة!.
ولا غرابة في ذلك ولا جديد فيه، لأننا مازلنا نبحث عن أنفسنا وعن الحقيقة، وعن السعادة وعن معاني الأشياء منذ هذا الزمن البعيد، وقليلا ما نجدها، وكثيرا ما نضل الطريق إليها.
فإذا قلت لي يا صديقي ذات يوم صباح الخير فسمعتني بغير إرادة مني أقول لك فجأة: وما الخير؟ فلا تحسبني أسخر منك، إذ ربما أكون قد اكتشفت نفسي فجأة لحظتها، وبدأت أفكر في البحث عن عمل آخر!.
تأملات.. في الحديقة
نصيحة مني إذا زرت بلداً لأول مرة فلا تسأل صديقا مقيما فيه عما يجب أن تراه في هذا البلد!!. فالمقيم يألف الأماكن والأشياء ولا يرى فيها غالبا شيئا يستحق المشاهدة.. وإذا استشرته أرخى عليك من فتوره ما يصدك عن زيارة كثير من الأماكن التي تستحق الزيارة بالفعل. وتجربتي خير دليل على ذلك فحين زرت لندن لأول مرة من 11 سنة طلبت من صديقي المقيم هناك أن نذهب لمشاهدة ركن الخطباء في حديقة هايد بارك الذي قرأت وسمعت عنه الكثير فقال لي صديقي بلهجة العلم ببواطن الأمور: إنه ليس سوى أكذوبة شهيرة وخدعة سياحية يضحكون بها على السياح، فعظم الخطباء دجالون وبعضهم نصابون يشغلون المستمعين بأحاديثهم الجذابة في حين يقوم أعوانهم بنشل جيوبهم! فنفرت من مشاهدته وعجبت من هذه الخدعة الشهيرة التي أثارت خيالنا طويلا عن حرية الرأي في بريطانيا، وكيف يستطيع أي إنسان أن يعتلي كرسيا وسط الناس ويخطب في مستمعيه ويدعو إلى أي رأى يراه مهما كان جريئا وغريبا، ونسيت ركن الخطباء في زياراتي المتكررة للندن إلى أن وجدت نفسي خلال زيارتي للندن في العام الماضي خاليا من الارتباطات عصر أحد أيام الأحد فقررت أن أغامر بالذهاب لمشاهدة ركن الخطباء مع الاحتراس التام من النشالين والنصابين! وما أن ذهبت إليه، ووقفت في حلقة أول خطيب واستمعت لما يقول وما يجري حتى ندمت على ما ضاع من زياراتي للندن بغير أن «أحج» إلى هذا الركن الشهير، وأمضيت ثلاث ساعات انتقل من حلقة إلى أخرى ومن خطيب إلى آخر وانا مستمتع بما اسمع وأرى وأتأمل. وحين ذهبت إلى لندن في الشهر الماضي كان ركن الخطباء هو أول مكان زرته فيها، وبحثت فيه عن خطباء العام الماضي فوجدت بعضهم ما زال يمارس هوايته ووجدت وجوها جديدة تعتلي كراسي الخطابة وتنفست نسيم الحرية في مناخ يجبر الإنسان على احترام حرية الآخرين في إبداء آرائهم مهما بدت له غريبة أو غير مقبولة، ففي حلقة كبيرة حول متحدث أسود اللون خفيف الظل استمتعت بحديثه ضد العنصرية، وضحكت على تعليقاته اللاذعة ربما بأكثر مما ضحكت في مسرحية «إجر وراء زوجتك» التي شهدتها في هذه الزيارة ودفعت ثلاثة عشر جنيها إسترلينيا أي ما يقرب من خمسين جنيها مصريا ثمناً لتذكرتها، وكان أكثر ما يثير متعة المستمعين هو كلمات الخطيب ضد المرأة فهو - كما يقول – يحارب ضد شيئين فقط في حياته: التمييز العنصرى والنساء اللاتي لا يرى لهن دوراً في الحياة سوى إنتاج لبن الرضاعة! ومع ذلك فإن أكثر من يستمع إليه ويستمتع بأحاديثه وتعليقاته الذكية من النساء! وفي حلقة سمعت خطيبا يخطب ضد الماركسية والاشتراكية وإلى جواره بالضبط خطيب آخر يدعو إليها، وهذا يصل إليه صوت ذاك.. ولا أحد يعترض على الآخر.
وفي حلقة ثالثة سمعت خطيبا إيرانيا يهاجم الخميني، وعلى بعد خطوات منه خطيب آخر يدعو للمبادئ الخمينية.
وفي حلقة رابعة شاهدت أمريكيا زنجيا يدعو للإسلام ويمسك بيده نسخة مترجمة للإنجليزية من القرآن ويطالب مستمعيه بقراءته مؤكدا لهم أن من يقرؤه يحصل على معرفة جديدة تثري معارفه بحقائق الحياة وليس ضروريا أن يتخلى عن دينه لكن من واجب كل إنسان أن يطلع عليه لأن أكبر آفة للإنسان المتحضر أن يكون جاهلا وأن يصدر أحكامه بغير دراسة ومعرفة، والمستمعون يسمعون له باحترام ويناقشونه في أدب وكانت حلقته من كبرى الحلقات ومعظم مستمعيه من الإنجليز الذين على استعداد لان يسمعوا أي رأي... وحين زرت حديقة هايد بارك هذا العام لم أجد هذا الخطيب الزنجي الأمريكي، لكني وجدت هذه المرة انجليزياً مسلما يرتدى الجلباب والكوفية ويمسك بالمصحف المترجم ويدعو للإسلام وإلى جوار هذه الحلقة وفي أماكن مختلفة من الحديقة وجدت 4 خطباء يدعون للتعاليم المسيحية ويلقون عظاتهم على المستمعين وبين هذا وهؤلاء استمعت إلى «صعلوك» يدعو إلى دين جديد هو عبادة الموسيقي زاعما أنها كفيلة بعلاج كل الشرور والآثام في الحياة.. واستمتعت بمناقشة المستمعين الساخرة له وكان أحدهم يفجر الضحكات الصاخبة بتعليقاته اللماحة، وبلغ الذروة حين قال الصعلوك في سياق حديثه: إنني إنسان.. فقاطعه المستمع باسمها: لا تكذب يا صديقي! ولم يغضب الخطيب ولم يشتبك معه في مشاجرة.. فلا مجال لذلك في هايد بارك.. ولا مجال للعنف والانفعالية التي تفسد علينا حياتنا، ومن حق كل إنسان أن يقول ما يشاء ومن حق المستمعين أن يعترضوا عليه وبأشد العبارات أحيانا لكن في إطار الرأي والكلام فقط.. فالحوار في حد ذاته متعة عقلية وليس لدى أحد استعداد لأن يفسد هذه المتعة بالانفعال والعنف والشجار.. لهذا فأنت في هايد بارك تنتقل من حلقة تهاجم حزب المحافظين الحاكم إلى حلقة تهاجم حزب العمال المعارض.. ومن حلقة تدعو للإسلام إلى حلقة تهاجمه ومن حلقة تدعو للمسيحية إلى حلقة تهاجمها ومن حلقة تدعو للحق الفلسطيني إلى حلقة تدعو لأباطيل إسرائيل، ومن حلقة تهاجم التزمت الأخلاقي إلى حلقة تدعو إلى التشدد في التمسك بالفضائل الدينية بغير أن يخرج أحد على آداب الحوار.. ومن عجب أن من يناقشون قضايا الشرق الأوسط من العرب في حديقة هايد بارك يتأثرون بهذا المناخ الذي يقدس حرية الرأي ويحترم الآراء المخالفة ويذكرنا بكلمة فولتير الخالدة لجان جاك روسو حين حكمت السلطات السويسرية بإعدام كتاب «العقد الاجتماعي» وكان فولتير لا يقر آراء روسو فيه: إنني لا أومن برأيك لكني على استعداد لأن أموت دفاعا عن حقك في أن تبديه وتعلنه على الناس، كما يذكرنا بأن خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز قد بدأ عهده بإلغاء مبدأ تجريم الخلاف في الرأي. يتأثر القادمون من الشرق الأوسط بهذا المناخ السائد فتراهم في الحديقة يناقشون بحرية وباحترام لآراء المخالفين مالا يجرؤون على مناقشته في بلادهم.. ويتحاورون في هايد بارك بالمنطق الهادئ مع خصومهم الذين لا يستطيعون الحوار معهم إلا بالعنف في منطقتنا المنكوبة بالانفعالية.
فهل عرفت الآن لماذا ندمت كثيرا على أني لم أتعرف على ركن الخطباء في هايد بارك سوى في العام الماضي فقط؟.
أيام من العمر
أسعد أوقاتي عند السفر.. وأشقاها أيضا!! فأنا أحب السفر لكني لا أحب وسائله من الطائرة إلى الباخرة إلى القطار إلى السيارة.. وأتمنى لو كان الإنسان يستطيع أن ينتقل من مكان إلى مكان بمجرد الإرادة وليس بركوب وسائل السفر المختلفة.. بمعنى أن يقرر السفر إلى لندن أو أسوان أو الإسكندرية.. فيغمض عينيه ثم يفتحها فيجد نفسه في المكان الذى يريده بغير تكبد معاناة السفر.. وأوقاته البطيئة المملة.
وخلال السنوات العشر الأخيرة لم أركب الطائرة مرة إلا وأنا شبه مغمى على، بسبب عدم النوم في الليلة أو الليالي السابقة، لأن كل سفر يحتاج إلى إعداد واستعداد، ودائما اكتشف أن عليّ أن أكتب الكثير قبل السفر لينشر بخلال غيابي، فأصبح روتيني الدائم منذ عدة سنوات كلما استعددت للسفر في رحلة للخارج أو الداخل هو أن أجلس إلى مكتبي الصغير في مسكني لأكتب «الواجبات» المقررة.. فيسرقني الوقت حتى الصباح.. وأحيانا إلى ما قبل موعد السفر بساعة فأنهض من وراء المكتب لأحلق ذقني وارتدى ملابسي وأحمل حقيبتي وأهرول إلى المطار بغير نوم ممنيا نفسي بالنوم في الطائرة كما يفعل «الوجهاء» من معتادي السفر فتمر ساعات الرحلة وأنا مفتوح العينين.. مصدع الرأس.. مختل التوازن.. أما أصعب أوقاتي فتأتي عند الوصول إلى المطار إذ تفاجئني الرغبة في النوم وأنا أهيئ إجراءات الجمارك والجوازات في المطار.. وابذل مجهودا جبارا للاحتفاظ بعيني مفتوحتين حين أصافح ممن يستقبلني من الأصدقاء..
وفي احدى زيارتي الأخيرة للندن استقبلني صديقي القديم الذي يعرف عاداتي جيدا وحمل عني حقيبتي بشهامة ثم فتح لي الباب الخلفي لسيارته ودعاني للدخول فلما حاولت الركوب بجواره لنتحدث خلال الطريق قال باسما: أي كلام يا صديقي الركب في الحلف لتنام «كالعادة» ثم نتحدث غدا.. وفي لندن أقمت خلال زيارتي الأخيرة في شقة مفروشة لأول مرة بدلا من الفندق بعد الارتفاع الجنوني في أسعار الإقامة بالفنادق خلال العامين الأخيرين.. وعندما وصلت إليها وجدت صديقي قد أجر لي الشقة.. وملأ ثلاجتها بالطعام والمطبخ بعلب الشاي والقهوة اللازمة.. وقبل أن يغادر الشقة اكتشف أن لمبة المطبخ تالفة وتذكر انه لا يوجد ملح بالمطبخ.. فغادرني سريعا ليحضر إليّ لمبة جديدة وعلبة من الملح.. وطالبني بانتظاره لعدة دقائق وشدد عليّ أن أتنبه لجرس الباب حين يدقه من أسفل العمارة فأفتح له عن طريق زرار داخل الشقة الباب الخارجي للعمارة ليدخل ووعدته خيرا ودخلت إلى غرفة النوم لأخرج ثيابي من الحقيبة وأرتبها.. ثم ارتديت البيجامة وجلست على السرير في انتظاره.. ثم تمددت لأريح ظهري.. وأنا مصمم على انتظاره ثم رحت في سبات عميق!!.
وجاء صديقي المخلص يحمل الملح واللمبة ودق جرس الباب فلم أسمعه.. فخرج إلى أقرب تليفون وطلبني بالتليفون فلم اسمع جرس التليفون الموجود في غرفة المعيشة.. فعرف أني قد بدأت زيارتي «رسميا» للندن.. وعاد أدراجه ضاحكا.. وبنفس هذه الطريقة «الرسمية» بدأت كل برامج رحلاتي خلال السنوات الأخيرة وهو تجديد في برامج تنظيم الرحلات الخارجية أرجو ألا ينسى منظمو الرحلات السياحية في العالم أن يسجلوه بإسمي إذا غيروا برنامج اليوم الأول التقليدي من الوصول.. تم حفل الاستقبال.. إلى الوصول.. تم النوم إلى صباح اليوم التالي لاستعادة النشاط!!.
لكن الأمر يختلف قليلا عند السفر بالبحر.. لأن رحلة الباخرة بالأيام ورحلة الطائرة بالساعات، لذلك احتجب في اليوم الأول في كابين الباخرة لأشبع حاجتي من النوم، ثم أخرج إلى الصالون لألتمس التسلية وقطع الوقت خلال الرحلة الطويلة، ولقد سافرت بالباخرة ثلاث مرات إلى إيطاليا واليونان وعبرت البحر المتوسط في رحلة تستغرق 5 أيام طويلة بطيئة، وسافرت بالباخرة النيلية مرتين ذهابا وإيابا من أسوان إلى أبي سمبل في رحلة تستغرق ه? ساعة.. تسبح خلالها المركب كالبطة الزاحفة فوق مياه النيل الهادئة، وكانت آخر رحلاتي النيلية منذ حوالي عشرين سنة لأكتب تحقيقا عن معابد أبي سمبل التي تم نقلها وقتها من موقعها القديم في بطن الجبل إلى موقع أعلى لكيلا تغرق في مياه بحيرة السمد، ولأسجل لحظة تسلل أشعة الشمس لأول مرة بعد نقل المعبد إلى قاعة قدس الأقداس في موعدها الطبيعي كل سنة خلال شهر فبراير.. وهي معجزة فعلا من معجزات المهندس الفرعوني القديم الذي صمم وأقام هذا المعبد، لأن قاعة قدس الأقداس تمتد داخل المعبد إلى مسافة لا تقل عن 1? مترا، ولا تدخلها الشمس إلا مرتين كل سنه إحداهما في فبراير كل سنة فتتسلل أشعتها إلى عمق المعبد لتضيء وجهيّ التمثالين المنتصبين فوق كرسي العرش في القاعة الداخلية وحين سافرت إلى هناك كان معبد أبي سمبل قد انتهت أعمال نقله وإقامته بالخبرة المصرية والسويدية لأن السويديين هم ملوك أعمال الحجر وفلك وإعادة تركيب أحجار التماثيل والمعابد والقصور القديمة، وكان خبراء الآثار المصريون في قلق شديد مع اقتراب الموعد السنوي لدخول أشعة الشمس إلى قدس الأقداس.. فإذا وصلت إلى وجهيّ الملك رمسيس وزوجته الملكة نفرتارى في موعدها كان ذلك يعنى أن المعبد قد تم تركيه بنفس زوايا موقع المعبد القديم، أما إن لم تصل فعناه العكس.. ومعناه أن يفقد هذا الأثر الرائع المنحوت في الصخر احدى ميزاته.. ولهذا ركبت الباخرة النيلية الصغيرة لتسجيل هذه اللحظة التاريخية.
وكان الوقت على المركب النيلية «الدكة» يمضي بطيئا متثاقلا.. فليس على المركب من وسائل التسلية المعروفة في بواخر الركاب التي تمخر أعالي البحار شيئا ولم يكن أمامي مفر من محاولة القراءة واجترار الأفكار.. وحيدا في صالونها.. وبين حين وآخر التسلل بنظراتي إلى الركاب الآخرين لأرقبهم وأتسلى بملاحظة تصرفاتهم وأحاول التنبؤ بشخصياتهم.. وهي عادة ذميمة من عادتي حين أكون على سفر بلا رفيق يشغلني ويهون عليّ محنة ساعات السفر.. وهي محنة فعلا لمن كان وحيدا وبلا رفيق.. لهذا حرص العرب القدماء على أن يسافروا في صحبة.. واهتموا باختيار رفيق السفر.. أكثر من اهتمامهم باختيار الطريق الذي يقطعونه إلى هدفهم.. وقالوا إن الرفيق قبل الطريق.. واخترعوا الحداء أي الغناء خلال الرحلة فوق الجمال ليلتمسوا التسلية أثناء السفر.. لكننا الآن نسافر فرادى.. ونضع في آذاننا بدلا من الحداء سماعة استريو لنسمع الموسيقى التي تذيعها الطائرة.. فلا تبدد الموسيقي وحشتنا ومازلت اذكر ضيقي بوحدتي وأنا جالس في صالون الباخرة الدكة.. وركابها القلائل يتأثرون فيها في حلقات متباعدة وكلهم عازفون عن التعرف بالآخرين.. مع أن رحلات البواخر هي دائما خير مناسبة للتعرف بأصدقاء جدد..
المهم جلست وحيدا في صالون الدكة اقطع الوقت بالقراءة وأرقب وجوه الركاب.. ولا مفر أمامي من ذلك مع أن «من راقب الناس مات غما» كما يقول الشاعر لكن ماذا أفعل بوقتي.. وأنا اقرأ قليلا وأسرح كثيرا.. ولا أجد ما افعله سوى النظر إلى الآخرين؟!!.
وكان الآخرون الذين يشاركونني الرحلة رجل آثار وزوجته وأبناءه وكان الرجل في الخامسة والخمسين تقريبا والزوجة شابة في الثلاثين وجميلة.. ثم مهندسا شابا آخر وزوجته، وزوجين شابين يبدوان في مظهرهما كطالبين من طلبة الجامعة، وكانا الوحيدين اللذين يتبادلان الكلام والضحك ويتلهفان على التعرف بالأخرين، ثم مهندسا يبدو مهذبا ويسافر وحيدا وكعادتي في مثل هذه الرحلات البطيئة كنت قد وثقت صلاتي بأهم شخصية في نظري من طاقم الباخرة وهو السفرجي!! فبعد فك مغاليقه بالوسائل التقليدية.. بدأت ألاحقه بطلباتي وأسئلتي.. شاي.. قهوة.. أسبرين.. وكان نوبيا طيبا في الستين تقريبا من عمره ومتزوجا حديثا للمرة الثانية من زوجة في الثامنة والعشرين من عمرها.. ولم يلبث أن اطمأن إلى فحكي لي عن زواجه الثاني.. وكيف اضطر إليه بسبب انصراف زوجته الأولى عن الاهتمام به إلى أولادها الكبار واعتقادها أن دور الزوجة في حياة زوجها يتوقف عند سن الخمسين.. لهذا لم تنزعج حين علمت بنيته في الزواج من أخرى صغيرة السن.. ولم تر في ذلك ما يستحق لوم زوجها!!.
فقلت له.. يا بمختلك يا عام بسطاوي!.. وعدت أحاول القراءة حتى حان موعد الغداء ومر بسطاوي بين الركاب يدق الدونج دقاته الموسيقية المعروفة ليدعوهم إلى الغداء.. والدونج هو صينية نحاسية يدقها السفرجي بعصا خشبية صغيرة.. فتصدر عنها أصوات رنانة تقع في أذن الجائع موقعا أجمل وأحلى من موسيقي فاجنر وبرامز..
فنهضت مسرعا إلى قاعة الطعام.. ولاحظت أن الزوج الغيور قد اصطحب أسرته إلى الكابين لتتناول غداءها فيها بعيدا عن عيون الركاب. وكذلك فعل المهندس الآخر وزوجته.. ولم يجلس إلى المائدة سوى الزوجين الشابين والمهندس الوحيد وأنا.. وعلى المائدة تم التعارف بيننا وعرفت أن المهندس الشاب يعمل في أبي سبيل مهندس إنشاءات وأن الزوج الشاب طبيب وقد جاء مع زوجته الشابة إلى أبي سمبل في رحلة لكيلا تمل الزوجة رتابة الحياة في كوم امبو..
وعقب الغداء أستأذن المهندس الشاب وانحسب إلى غرفته لينام ساعة القيلولة واستأذنت زوجة الطبيب وذهبت إلى غرفتها، وسألني الطبيب الشاب: هل تنام في الظهر؟.. فقلت له: ولا في الليل!! فسعد بذلك وانطلق يتحدث حتى استيقظت زوجته وانضمت إلينا واستيقظ المهندس الشاب ولحق بنا ولم نفترق بعدها.. فعندما جاء الليل صعدنا إلى ظهر الباخرة لنستمتع بنسيم الصيف ورؤية البدر الذي أكدت زوجة الطبيب أنه سيظهر هذه الليلة مكتملا.. فلم يظهر أو ظهر وحالت السحب السوداء الكثيفة دون أن نراه.. ولم يؤثر ذلك في استمتاعنا بهدوء الليل ونسائم الصيف الرطيبة والحديث ذي الشجون بين مسافرين لا شاغل لهم سوى قطع الوقت وانقضت الجلسة بعد الثانية صباحا. ونزلت إلى الكابين فلم أستطع النوم قبل الرابعة.. ولم أكد استسلم له.. حتى سمعت صوت طرقات على باب ظننتها في البداية حلما.. ثم لم ألبث أن تأكدت أنها طرقات حقيقية على باب الكابين فتساءلت شبه نائم: من؟ فجاءني صوت الطبيب وزوجته يقولان في حيوية: اصح يا أستاذ فترى شروق الشمس فوق المركب!!.
شروق الشمس! إنني استجيب أحيانا لنزوات من هذا النوع.. وحين كنت طالباً بالجامعة كنت عضوا في جمعية ثقافية كان اسمها غريبا هو جمعية الصعاليك وكانت تعقد اجتماعات دورية للقراءة والمناقشة وتطالب أعضاءها بالتمتع بجمال الطبيعة وبالاجتماع لرؤية غروبا الشمس مرة كل أسبوع عند سفح الهرم ولرؤية شروقها مرة كل شهر فوق جبل المقطم، لكن شروق الشمس هنا فوق الباخرة الدكة وأنا لم أنم سوى أقل من ساعة.. شيء آخر! وحاولت الاعتذار.. فلم يتزحزح الزوجان الشابان من أمام الباب.. وطار النوم من عيني فنهضت متثاقلا وارتديت ملابسي وخرجت فوجدت الطبيب يرتدى المايوه وزوجته البنطلون وفي قمة النشاط.. فقلت لها أنا جاهز هيا إلى شروق الشمس.. وتحركنا إلى السلم.. وقبل أن نصل إلى الدور العلوي توقفت فجأة كأني تذكرت شيئاً ثم طلبت منها مصاحبتي وعدت أهبط إلى الدور السفلي وتوجهت إلى كابين المهندس الشاب رفيق السفر.. وطرقت باب غرفته بعنف وصحت به مصطنعا الجدية الشديدة: يا مدحت بيه يا مدحت بيه؟ فأجاب من الداخل مفزوعا: نعم؟.
اصح!
- لماذا؟.
- لترى شروق الشمس من فوق ظهر المركب..
فأجاب مذهولا: شروق إيه؟.
فقلت بنفس الجدية: شروق الشمس يا باشمهندس.. أنت مش فنان والا ايه؟.
وتخيلت حاله في الداخل وهو يساوره الشك في جنوني.. قبل أن يقول بتسليم: يا فلان بيه أنا مش فنان.. أنا عايز أنام!!.
لكن هيهات.. فلم أتزحزح من أمام الكابين.. حتى خرج مرتديا ملابسه لاعنا في سره اللحظة التي تعرف فيها بنا.. وتوجهنا جميعا إلى سلم الباخرة لنصعد إلى أعلى.. وعلى السلم أيضا فاجأني خاطر آخر فسألت زوجة الطبيب: لكن ماذا نفعل إذا عاكستنا الشمس.. ولم تشرق كما فعل القمر بنا أمس؟.
وصعدنا إلى ظهر المركب واستمتعنا بأجمل لحظات الرحلة وربما أجمل لحظات العمر.. وتكلمنا وضحكنا.. وتأملنا القرص الأحمر الدامي على رأي المرحوم يوسف السباعي في «بين الأطلال.. اذكريني..».
ومرت اللحظات سعيدة.. مرحة.. نشيطة.. حتى عزف عازف الدونج موسيقاه الشهية يدعونا إلى الإفطار.. وكنا جائعين بشدة فكانت أنغام الدونج هي أحلى الأنغام التي سمعتها في حياتي.
ووصلنا إلى أبي سمبل وأقمنا بها ثلاثة أيام وتفرجنا على المعبد.. وسجلت لحظة تسلل الشمس إلى أقدام رمسيس ونفرتارى.. وفرحت مع الفرحين.. وتركنا المهندس الشاب مدحت هنالك ليواصل عمله، وعدنا بنفس المركب: الطبيب الشاب وزوجته وأنا فتواصل اللقاء بيننا وأصبحنا منذ ذلك اليوم البعيد وحتى الآن من أقرب الأصدقاء.. أما المهندس الشاب فقد أصبح يتردد عليّ في القاهرة كلما جاءها في إجازة ثم بعد أن انتهى عمله بأبي سمبل واستقر بالقاهرة وكلما جاءني سألني باسما: إيه أخبار الشروق فأجيبه متحسرا: كانت أحلى الأيام.. ثم أقول لنفسي متحسرا.. ألا ليتها تعود لكن كيف تعود وقد:
ولىّ الشباب فما له من عودة ** وأتى المشيب فأين منه المهرب؟
نعم أين منه المهرب إلا في شباب القلب والأفكار.. وحب الناس.. والعطاء للآخرين.. واستمداد روح الشباب من مساعدة من يتلمسون أول الطريق.. ويشقون طريقهم بين الصخور ليقطعوا نفس المشوار.. ويكرروا نفس القصة..
قصة الأمس واليوم وغدا..
وفي الحديقة.. نسيت نفسي
أحب الصناعة وأنا في مصر.. وأكرهها وأنا في الخارج! أحبها وأنا في مصر، لأني أؤمن بها كطريق للتقدم وأتمتع بثمارها وأنا بعيد عن دخانها ومصانعها، وأكرهها وأنا في الخارج لأني حين أدعى لزيارة أية دولة لابد أن يتضمن برنامج الزيارة زيارة بعض مصانعها.. لأن الأمم تباهي بعضها بتقدمها في الصناعة.. وكل دولة مهما كانت ناشئة تحرص على أن تقنع زائرها بأنها دولة متقدمة صناعيا.. أو على الطريق إلى ذلك.. لذلك فلابد من زيارة بعض المصانع.. ولابد من السفر لمسافات طويلة من العاصمة إلى أقصى المدن لزيارة المصانع الكبرى.. ولابد من «الشحططة» بين العنابر وسماع شرح المختصين لمميزاتها وأرقامها! ولا بأس بذلك فكل أمة بصناعتها معجبة!.. لكن «البأس» الحقيقي هو في شخصيتي أنا وليس في الصناعة لأني بكل أسفل من «المضروبين» بالأدب والفن الذين لا يقتنعون بتقدم أمة بسبب صناعاتها فقط.. وإنما أيضا بإسهامها الحضاري في الفكر والأدب والفن والثقافة الإنسانية. ولأني أيضا ممن جنت عليهم برامج التعليم العقيمة التي أهدرت أحلى سنوات العمر في دراسة أثر البيئة في شعر الشعراء.. وفي إدراك التطور الذي طرأ على شعر الشاعر الجلف الذي أراد أن يمدح الخليفة فقال له: أنت كالكلب في وفائه.. وكالتيس في صراع الخطوب! فلا همّ بأن يبطش به قيل له: اعذره يا مولاي فهو قادم من الصحراء حيث لا جبال ولا خيال وقد عبر عن نفسه بما ألهمته به بيئته الصحراوية الجافة.. فأمر بأن يقيم في قصر فخم ببغداد تحيط به الحدائق الغناء ويطل على ضفاف نهر دجلة ثم استدعاه بعد شهور وطلب منه أن ينشده.. فقال:
عيون المها بين الرصافة والجسر ** جَلَبْنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري!
في مثل هذا أمضينا سنوات التكوين في المدارس.. فلما شببنا عرفنا بعد فوات الأوان أن دول العالم لا تتقدم بذلك وحده وإنما بساحر العصر وهو العلم الذي ينتج الصناعة ويحقق المعجزات، وجاء ذلك متأخرا بعد أن تكونت شخصياتنا وترسخت طباعنا.
وحين زرت فنلندا وهي دولة متقدمة علميا وصناعيا طلبت من الجهة الداعية أن تيسر لي حضور حفل كونسير لموسيقارها العبقري سبيليوس.. فنظموا لي زيارة لمصنع لإنتاج كابلات الكهرباء العملاقة!.
وحملتني السيارة إلى المصنع البعيد وطافوا في أرجاءه الواسعة لأعرف الفرق بين أنواع الكابلات المختلفة وأشاهد خام النحاس وهو يتحول إلى سعير منصهر.. ثم إلى كابلات رفيعة وتحطمت ساقاي وأنا أتنقل من صالة إلى صالة ومن عنبر إلى عنبر، وعلى باب المصنع ودعني مديره فشكرته وأبديت إعجابي بمصنعه.. ثم ركبت السيارة عائدا إلى العاصمة. وأنا أقول لنفسي لو حضرت حفلا لسبيليوس لازددت اقتناعا بحضارة فنلندا.!..
وفي أمريكا نظموا لي زيارة لمصانع وفروع شركة وستنجهاوس وظللت لمدة أسبوع أتنقل بالطائرات الصغيرة من مدينة إلى مدينة ومن ولاية إلى ولاية لأعرف أن الشركة تنتج الرادار ومحطات الكهرباء الضخمة وعشرات المنتجات المختلفة وليس فقط الثلاجات والأدوات الكهربائية كما يظن أمثالي من المضروبين بالأدب.! وفي أحد فروعها أصر مديره على أن يجرى أمامنا تجربة لاختبار الأحمال الكهربائية الكبيرة.. وأوصلوا التيار في الهوائيات الضخمة المعلقة في سقف الصالة وأخرجونا منها وأغلقوا الباب الحديدي بيننا وبينها ونظرت إلى السقف أرقب التجربة فإذا بصوت انفجارات رهيبة يدوي في المكان فهممت بأن انبطح أرضا كما علمونا في حصص التربية العسكرية بالمدرسة الثانوية أيام زمان.. لنكي ترددت حين رأيت كل من حولي هادئين باسمين لأن هذا الصوت الفظيع مألوف لديهم فافتعلت الهدوء وأنا مضطرب. وابتسمت وأنا مكتئب وشكرت مدير المصنع وأسرعت بالخروج ولسان حالي يقول: لو دعوني أيضا لمشاهدة مسرحية ليوجين أونيل في برودواي لاقتنعت أكثر بتقدمهم الحضاري.!.
وفي رومانيا دعيت لزيارة مصنع للسيارات.. وطاف بنا مديره من مكان إلى مكان وراقبنا عملية تجميع سيارة إلى أن ثم تجميعها بالكامل وأخرجوها إلى ساحة المصنع لتجربتها وبالغ المدير في الحفاوة بنا فدعانا لركوبها وقادها بنفسه ليجربها في ساحة تجارب السيارات وهي مساحة واسعة مقسمة إلى حارات ودوائر لاختبار قوة السيارة وزوايا عجلاتها وقدرتها على المناورة وقاد السيارة في هذه الحارات الضيقة بسرعة ??? كيلو مترا ودار في دوائرها ونحن نتخبط داخلها.. ينحرف يسارا فترتمى إلى اليمين وينحرف يمينا فترتمى إلى اليسار.. وانتهت التجربة وغادرت السيارة وأنا دائخ خائر القوى أقاوم الغثيان وتنافست الصعداء وأنا أغادر المصنع شاكرا للجميع كرم ضيافتهم، وفي السيارة قلت لنفسي: ولو.. ستبقى رواية الكاتب الروماني قسطنطين جورجيو «الساعة الخامسة والعشرون» أهم ما يذكرني برومانيا.. وأكثر ما يعجبني من ثمار حضارتها!.
وفي جيبوتي الدولة الأفريقية العربية الصغيرة.. أصروا على أن يطلعوني أيضا على «نهضتها» والصناعية فنظموا لي زيارة لأحد المصنعين الوحيدين اللذين أقيما في جيبوتي وهما مصنعان صغيران أقيما فيها منذ 3 أعوام بمعونة سعودية أحدهما للألبان والآخر للمياه المعدنية وجاءني مدير مصنع المياه في فندق شيراتون في الخامسة صباحا ليصطحبني لزيارة مصنعه في بلدة اسمها تاجورة يفصل بينها وبين العاصمة خليج لابد لعبوره من ركوب طائرة وخرجت معه من الفندق صاغرا وركبت الطائرة فإذا بها طائرة صغيرة لا تتسع إلا ل 1? راكبا وحلقت الطائرة في الجو وعبرت الخليج في 5 دقائق تم بدأت تهبط فجأة وبشكل عمودي مخيف على الساحل الآخر ونظرت من النافذة فلم أجد مطارا ولا ممرات ورأيت الطائرة مستمرة في الهبوط.. فقر في يقيني أنها تسقط أو تهبط اضطراريا على الأرض الجرداء.. وانخلع قلبي وأغمضت عيني انتظارا للمصير المحتوم.. ثم فتحتها بعد دقيقة فوجدت الطائرة على الأرض ومدير المصنع يدعوني للنزول..
واكتشفت أن مهبط الطائرة مجرد مساحة من الأرض غير المرصوفة بلا ممرات ولا مراقبين جويين أو أرضيين ولا أي شيء آخر واستجمعت شجاعتي ونزلت وحملتنا السيارة عبر طرق جبلية وعرة وفي لهيب الشمس الحارقة إلى المصنع الصغير فإذا به خط إنتاج واحد صغير يعمل عليه 4 أو ه عمال.. يبدأ بخام البلاستيك الذي يصهر وتصنع منه الزجاجة ثم تعباً بالماء وتقفل وتوضع عليها العلامة التجارية.. ورائع وعظيم وشكرا ثم إلى الطائرة الملعونة مرة أخرى..
وقد ذكرني ذلك بما جرى لي في جيبوتي أيضا في حفل الاستقبال الذي أقامه لي سفيرنا السابق هناك السيد علي فخري وهو شخصية ممتعة وابن أستاذ المصريات الشهير الدكتور أحمد فخري.. فلقد أقام الحفل في حديقة السفارة ودعا له عددا كبيرا من المدعوين ونبهني بدبلوماسيته الرقيقة إلى ضرورة الوقوف إلى جواره في مدخل الحديقة لاستقبال المدعوين حتى يأتوا جميعا ثم إلى ضرورة توزيع اهتمامي عليهم جميعا بعد ذلك طوال الحفل.. فأقف مع كل منهم عدة دقائق وأتبادل معه الحديث في السياسة والأحوال العامة والطقس كما يفعل الدبلوماسيون في مثل هذه الحفلات والتزمت بتعليماته حرفيا وأنا أحاول أن أكون عند حسن ظنه حتى جاء سفير اليمن الشمالية وتبادلت معه كلمات الترحيب ثم جرّنا الحديث إلى الشعر العربي.. فاكتشفت أنه شاعر وراوية للشعر ويحفظ الكثير جدا من الشعر العربي واكتشف هو أنني من هواة الشعر فأمسك بذراعي وانتحينا جانباً من الحديقة وقد عثر كل منا على كنز في شخص الآخر يخرجه من ملل المجاملات والعبارات التقليدية في الحفلات المماثلة فراح يسألني عن محفوظاتي من الشعر ويبارزني فيه ويطالبني بأن أذكر له أي بيت من الشعر العربي ليكمله ويقول لي من قائله فانقدت وراء طبيعتي ونسيت تعليمات علي فخري وأصول البروتوكول.. وسرحت مع السفير اليمني في أرجاء الحديقة أقول له:
زخارف الدنيا أساس الألم.. فيكمل هو:
وطالب الدنيا نديم الندم.
هذا لعمر الخيام!.. فأقول له: لكل شيء إذا ما تم نقصان.. فيكمل:
فلا يقر بطيب العيش إنسان..
هذا للشاعر الأندلسي الرندي؛ ثم أتنبه على ذراع السفير علي فخري يشدني ليعرفني بمستشار السفارة الفرنسية وما أكاد أتبادل معه بعض الكليات المجاملة.. حتى يناديني السفير اليمنى ويقول لي: ماذا عندك أيضا..! فأقول له: الدين يسر والخلافة بيعة.. فيكمل: والأمر شورى والحقوق قضاء! ثم يقول هذا إعجاز من أمير الشعراء أحمد شوقي الذي لخص الشريعة الإسلامية كلها في بيت شعر واحد من ? كلمات!.. وهكذا ظللنا طوال السهرة نتطارح الشعر. وانصرف المدعوون بغير أن أشعر. ولم أتنبه إلا والحديقة خالية من الجميع ما عدا السفير اليمني والسفير المصري وموظفي السفارة وقد جلس علي فخري على كرسي جانب البوفيه يستريح من عناء الوقوف لمدة ساعتين وهو ينظر إليّ في عتاب باسم ثم يقول لي: فضحتني! فأنفجر ضاحكا.. وتنتقل العدوى إليه ويضحك. واضحك معه لأني انتقمت أخيرا من برامج الدعوات التي تسجنني في غير طبيعتي ولا تتركني أبدا على سجيتي.. وانتهت المناسبة وأصبحت من ذكرياتي التي أتذكرها دائما كلما وجدت نفسي سجينا داخل عنبر من عنابر المصانع التي لابد أن تكون في برنامج زيارتي فهل عرفت ماذا أعني عندما قلت لك إنني أؤمن بالصناعة وأنا في مصر وأكرهها من قلبي إذا دعيت لزيارة أية دولة في الخارج... نعم تحيا الصناعة ولكن يحيا الأدب والفكر والموسيقى أيضا. ويحيا التعليم السليم الذي لا يسجن الشباب في الفكر النظري الذي يخرجهم إلى الحياة كالجندي الأعزل من السلاح في عصر العلم وأيضا يحيا التعليم الذي لا يسجنهم في إطار العلم التجريبي وحده فيخرجهم إلى الحياة محرومين من تذوق ثمار الفكر الإنساني.. فيفقدون أنفسهم ويتحولون إلى آلات صماء.. لكن هذا حديث آخر!!.
شاهدت الأمر
أمضيت في روما يومين، أنفقت معظمها واقفا أمام تمثال أمير الشعراء أحمد شوقي في حدائق بورجيزي!.
فبالرغم من أني زرت إيطاليا مرتين قبل ذلك فلم أكن قد رأيت روما ولا «شاهدت الأمر» فيها!.
و«الأمر» هنا إشارة إلى بيت الشعر الجميل الذي اختاروه بعناية من أشعار أمير الشعراء ليسجل على قاعدة تمثاله هناك، ويقول:
قف بروما وشاهد الأمر واشهد ** أن للملك خالقا سبحانه
ولم أكن في حاجة لأن أقف بروما، لكي أشهد أن للملك خالقا سبحانه، لكي بالتأكيد في حاجة إلى أن أشاهد «الأمر» نفسه الذي يحيى في الأذهان هذه الحقيقة البديهية.
وهكذا انطلقت في الشوارع مسلحا بخريطة للمدينة، أتنقل من شارع إلى شارع ومن ميدان إلى ميدان ومن متحف إلى متحف، وبين حين وآخر أجدني بالقرب من حدائق بورجيزي التي تقع فوق ربوة عالية فأصعد إليها لأتوقف لحظات أخرى أمام تمثال أحمد شوقي: أنظر إليه وإلى التعبير الوديع الحالم في عينيه وإلى الوردة التي يمسكها بإحدى يديه، وأعيد قراءة بيت الشعر، وأتفكر في معانيه، وأحاول أن أتذكر من أي قصيدة هو فلا تسعفني (رجعت للشوقيات فوجدته مطلع قصيدة بعنوان «روما» بالجزء الأول منها ص ???) الذاكرة.
إنه تمثال ضخم جميل نحته المثال الراحل جمال السجيني، وأقيم في موقعه في أبريل 1??? ليكون أول وآخر تمثال لمصري في أوروبا الآن ولكن قاعدة التمثال أغفلت بكل أسف هذه الحقيقة الأساسية فكتبوا عليها بالعربية والإيطالية: الشاعر العربي أحمد شوقي، ورغم اعتزازي بعروبتي، فلقد كنت أتمنى لو لم يغفلوا تسجيل مصريته إلى جانب عروبته على قاعدة تمثاله.
والوقوف أمام تماثيل الأدباء والمفكرين عادة قديمة عندي، ولا أعرف لماذا تجذبني تماثيلهم وتشدني إليها فأتوقف أمامها طويلا كأني أقف أمام صديق لم اره منذ زمن؟!.
وحين كنت في لندن قبل زيارتي لروما، تفرغت يوما كاملا للذهاب إلى مدينة ستراتفورد مسقط رأس أديب الإنجليزية الأشهر وليم شكسبير، وانحشرت في سيارة صديق مقيم في لندن لمدة ساعتين، لكي أزور بيته الذي جعلوا منه بذكاء حضاري وثقافي عظيم متحفا يؤمه السياح، ويرون فيه غرفة نومه وغرفة معيشته ونماذج من مخطوطاته والمائدة الخشبية التي أبدع فوقها روائعه الأولى قبل أن ينتقل للإقامة في لندن، ولأرى أيضا تمثاله الكبير المقام في مدخل المدينة ومن حوله تماثيل بعض شخصياته المسرحية المعروفة كليدي ماكبث وهاملت وغيرهما.
وأدهشني أن هذا التمثال قد أقيم في موقعه منذ مائة عام بالضبط، وأن من أقامته على نفقتها سيدة بريطانية محبة للأدب وعاشقة لشكسبير، وأنها أقامته بمناسبة الذكرى السنوية الخامسة لوفاة زوجها اللورد المحب للآداب والفنون والذي كان شكسبير أديبه المفضل!.
يا إلهي.. إن التقدم لا يأتي من فراغ ولا ينبع من العدم، فهناك يتطوع الأثرياء لتكريم الأدباء والمفكرين العظام، وهنا يتطوع السفهاء برش النقود فوق رءوس الراقصات والمطربين من أمثال كتكوت وفرفور!.
وهنالك يعتبرون مساكن الأدباء والمفكرين ومتعلقاتهم الشخصية كنوزا يحفظونها للتاريخ ويعرضونها كتراث يفخرون به أمام العالم، وهنا يتنازع الورثة على اقتسام «ملابس» والمفكرين وممتلكاتهم الضئيلة قبل أن تبرد الدماء في جثمان الراحلين منهم!.
وأمام تمثال شكسبير الشامخ في موقعه وقفت طويلا، وأمام تمثال صديقي المعذب هاملت المقام حول القاعدة وقفت أطول وأطول.
إنه صديق قديم بيني وبينه محاورات داخلية.. وتأملات قديمة!.
لقد اختاروا له مشهدا عميق الدلالة من مشاهد المسرحية التي تحمل اسمه، هو: مشهده وهو يمسك بجمجمة «يورك» مضحك الملك الذى طالما أضحكه في طفولته وصباه يتأملها ويقول لصاحبها: أين مزاحك الآن وأناشيدك وأغنياتك!.
ولأمر ما لا أعرف سببه لا تستهويني تماثيل الساسة وقادة الحروب بقدر ما تستهويني تماثيل الأدباء والعلماء والمفكرين، وأتذكر غالبا في كل مرة أقف فيها أمام تمثال لأحدهم كلمة الفيلسوف الألماني شوبنهاور التي قالها وهو مشغول بتخليد ذكرى الشاعر الألماني العظيم «جوته»: إن العلماء والفلاسفة ينبغي أن تقام فلم تماثيل نصفية فقط لانهم يخدمون العالم برؤوسهم، أما الساسة والقواد فينبغي أن تقام لهم تماثيل كاملة، لأنهم يخدمون العالم بكيانهم كله!.
ولم يسمع له أحد لحسن الحظ، وإلا لحرمنا من رؤية التماثيل الكاملة لشكسبير وجوته وفولتير وأحمد شوفي وغيرهم، وإن كان هو قد نفذ فكرته في حياته الخاصة فكان يضع على مكتبه تمثالين نصفيين أحدهما للفيلسوف «كانت» والآخر ل «بوذا». ويمضي الساعات أحيانا صامتا يحدق في تمثال بوذا!.
ولا أنسى حين تركت تماثيل الساسة والقادة في متحف مدام توسو بلندن منذ عشر سنوات، وتسمرت أمام تمثال الأديب والمفكر الفرنسي فولتير القصير الماكر الذي أشبع العالم بسخريته حتى ضاق بي مرافقي وجذبني جذبا من أمامه.
وقد أسعدني الحظ خلال جولاتي في شوارع روما باكتشاف متحف صغير لتماثيل الشمع اسمه متحف غاريبالدي، فدخلته على الفور، وطفت بتماثيله سريعا، حتى وجدت بغيتي في تمثال الكاتب الفرنسي الكبير أونوريه بلزاك بملابسه التقليدية الحمراء التي كان يرتديها حين يتفرغ للكتابة، والذي يقلده صديق الأديب أحمد بهجت بطريقته الخاصة عندما يتهيأ للكتابة في الشتاء فيرتدي القفطان المغربي ويجلس إلى مكتبه بالساعات لينسج مقالاته ومؤلفاته، أما في الصيف فهو لا يقلد بلزاك، ويفضل أن يكتب بملابس طرزان!.
وأعود إلى جولاتي في مدينة روما، وأكتشف أن «الأمر» – الذي ربما عناه شوقي - هو أن المدينة متحف كبير، في كل ميدان من ميادينها أثر قديم أو قلعة من آثار الماضي أو كنيسة تاريخية تتحدى الزمن بمعمارها الهندسي الفريد أو بوابة من بوابات روما القديمة حافظوا عليها ورمموها لتكون شاهدا للأجيال على المجد القديم! «إذ الناس ناس.. والزمان زمان!» كما يقول الشاعر!
لكن الحياة لا تتوقف يا صديق، والماضي يصب دائما في الحاضر والحاضر يقود للمستقبل، ومن قديم الزمان والناس يتوجعون على الماضي الذي كان، لأن اليوم الذي يمضي يخصم من فاتورة العمر، ونهر الحياة يمضي في طريقه دائما حاملا الجديد وتاركا القديم وديعة في ذمة التاريخ، لكي نراها في المتاحف ونشاهدها في الميادين، ونتذكر، وتتأمل حكمة الحياة، ونشهد مع شوقي ومع العقلاء في كل زمان ومكان، بأن للملك خالقا سبحانه.. للملك خالقا سبحانه.
النقط.. بين الحروف
ذات يوم بعيد دخلت مبنى الأهرام القديم في باب اللوق، فانتفض موظف الاستعلامات واقفا، ثم مال على أذني ليقول لي باهتمام شديد: «الأستاذ...» يطلبك فشكرته، ودخلت المبنى وأنا أفكر: ترى ماذا يريد الأستاذ مني، وأنا محرر شاب في الأهرام العتيد الذي يضم جهابذة الكتاب والصحفيين؟
وكنت قد انتهيت يومها من نشر سلسلة من التحقيقات الصحفية عن ظاهرة تكررت أيامها، وهي إقدام عدد من طلبة الثانوية العامة على محاولة الانتحار خلال امتحان الثانوية العامة، بسبب صعوبة الأسئلة، أو بسبب السباق العصيب الذي يدخله طلبة الثانوية العامة كل سنة للمرور من عنق الزجاجة إلى الجامعة، وكان عنوان هذه السلسلة هو «لماذا ينتحرون»؟.
وفي طريق إلى مكتبه ساءلت نفسي: هل أخطأت في بعض ما ناقشته خلال هذه التحقيقات، وهل تجاوزت الموضوعية فيما.. كتبت؟ ثم دخلت إلى مكتبه متوجسا، ففاجأني بابتسامه عريضة ثم قال لي:
لقد قرأت لك تحقيقاتك الثلاثة عن انتحار طلبة الثانوية وأعجبت بها، وأكثر ما أعجبني فيها هو أنها كتبت بإحساس طالب في الثانوية العامة يواجه هذه المحنة، وبمأساوية تتناسب مع جو الموضوع، حتى أنها كانت في بعض أجزائها تستدر الدموع، وهذه الطريقة تصلح لهذا النوع من التحقيقات، لكنها لا تصلح لأنواع أخرى منها قد تحتاج إلى أن يتناولها الكاتب من خارج دائرة مشاعره وأحاسيسه الشخصية، وتوقف «الأستاذ» ليشعل سيجارة ثم قال: شيء واحد لم يعجبني في هذه التحقيقات هو إسرافك في استخدام النقط بين الكلمات والسطور.
وأنا أفسر ذلك بسبب من ثلاثة أسباب:
إما تأثرك بقصص إحسان عبد القدوس الأولى التي كان يصر على أن تتخللها سطور من النقط تتيح للقارئ تخيل أشياء عديدة!.
وإما تأثرك بمقالات فكري أباظة التي يسرف في استخدام النقط فيها بداع وبدون داع في كل سطر وبين كل عدة كلمات.
ثم سكنت قليلا فسألته: والسبب الثالث؟ فضحك ضحكته القصيرة قبل أن يقول أما السبب الثالث فقد يكون تأثرك بأسلوب كتابة الخطابات الغرامية التي تنتشر فيها عادة النقط بين الكلمات!.
لذلك أريدك أن تراعي عدم الإسراف في استخدام النقط بين الكلمات أثناء الكتابة، وألا تستخدمها عشوائيا، بل تضعها حين تريد أن تعبر عن شيء تعنيه وتقصده، فالنقطتان مثلا حين يضعها الكاتب قرب نهاية الجملة تعنيان أنهما تمهدان لمعنى مفاجئ ومغاير لسياق المعنى السائد في أول الجملة، والنقطتان حين يضعها الكاتب في بداية الجملة يعطيان الإحساس بالتواصل والاستمرار للمعنى في السطور السابقة، وهكذا، ولابد أن تعود نفسك على أن تكبح جاح قلمك الراغب في أن ينثر النقاط بين الكلمات بدافع العادة أو بدافع الرغبة في الزخرفة، فالنقطة أداة من أدوات التعبير ولابد أن تستخدم في موضعها، وكذلك علامة التعجب التي يسرف البعض في استخدامها بغير وعي أيضا تمثل رأيا للكاتب ولابد أن تستخدم بوعي من الكاتب لما يفعله، وليس عشوائيا كما يفعل البعض.
وواصل الأستاذ كلامه: لقد كان الأستاذ التابعي – هكذا كان ينطق اسمه دائما – يتصل بالجريدة من البيت أحيانا ليطلب رفع نقطتين وضعهما بين ثنايا مقاله، أو إضافة نقطتين. أو حذف علامة تعجب أو إضافة علامة تعجب في موضع آخر. ويعتني كثيرًا بموضع النقاط المتناثرة في مقاله وموضع علامات التعجب. إحساسا منه بأهمية هذه الأدوات في الكتابة والتعبير. فتذكر ذلك دائما عند كتابة تحقيقاتك. وانتهى اللقاء وخرجت سعيدا من مكتبه. ومضت سنوات تقترب من العشرين على هذا الحوار القصير. وبالرغم من ذلك فلم أنسه أبدا. بلى، لعلي، ثم أمسك القلم مرة لأكتب بغير أن أتذكر هذا الحوار. فأتنبه لقلمي وأكبح جاحه وأرده إلى العقل كلما استجاب لنزواته القديمة. وأراد أن ينثر النقاط بين الكلمات.
كذلك لم أنس أبدا المعنى الأكبر الذي خرجت به من هذا الحوار، وهو أن الكتابة ليست لهوا ولا عبثا وإنما عمل جاد مسئول، كل نقطة فيه لها دور ودلالة، فإذا كان الكاتب مطالبا بأن يتنبه لأهمية أداة ثانوية كالنقطة وعلامة التعجب، فكيف يكون اهتمامه بالرأي الذي يعبر عنه والموقف الذي يتخذه والفكر الذى يستلهمه في كتاباته، بل كيف يكون حرصه على كرامة هذا القلم نفسه فلا يهينه، ولا يدنسه. إنها «صناعة» كباق الصناعات الأخرى تتطلب الاهتمام الجاد بكل أدواتها وإلا انخفض مستوى الإنتاج!..
وفولتير كان يقول إن صناعتي هي أن أقول ما أعتقد، وصناعة كل كاتب هي أن يقول ما يعتقد وما يؤمن به سواء اتفقنا معه أم اختلفتا، وما ينطبق على الكاتب ينطبق على كل إنسان في كل مجال من مجالات الحياة، فالمغزى واحد.. وهو الجدية واحترام العمل والاهتمام بأدواته سواء أكانت فأسا أم مطرقة أم ماكينة أم قلما، أو هذا على الأقل هو ما فهمته من هذا الحوار القديم، وحاولت الالتزام به طوال رحلتي الشاقة في الصحافة..
صباح سعيد
كان أحسن الأزمان.. وكان أيضاً أسوأ الأزمان!.
هكذا قال شارلز ديكنز في بداية «قصة مدينتين» وهو يصف أيام الثورة الفرنسية التي جرت خلالها أحداث روايته الشهيرة وهكذا ينبغي أن يكتب أيضا كل من يريد أن يروى قصة صديقي عبد المجيد، مع أن قصته لم تحدث في زمن الثورة الفرنسية وإنما منذ عشرين عاما فقط.
فلقد قامت ثورة يوليو وهو شاب يحاول أن يعبر عن نفسه من خلال انتمائه لجماعة دينية سياسية ثم حدث الصدام الأول بين الثورة والجماعة فاعتقل عبد المجيد لعدة أيام خرج بعدها فوجد باب العمل السياسي مسدودا أمامه، ولم يكن ذا طبيعة تستريح للعمل السري فانتهى حلم السياسة من حياته وتفرغ لشئونه الخاصة وتقبل الأمر بواقعية مؤمنا بأن لكل عصر رجاله، وبأن ما جرى له قد جرى من قبل لغيره وأبرزهم في محيط علاقاته هو نائب مدينته الصغيرة بالأقاليم «حامد بيه».
وكان حامد بيه هو نائب الحزب الشعبي القديم عن المدينة في أكثر من مجلس نيابي ثم قامت الثورة وهوت مطارقها على رجال الأحزاب القديمة.. فتغيرت الدنيا في سنوات قليلة وفقد حامد بيه نفوذه السياسي لكنه لم يفقد الأمل في عودة المجد القديم ذات يوم فاحتفظ بعلاقاته الطيبة مع كثيرين من أبناء المدينة الصغيرة.. ورحب دائما بأن يستقبل في فيلته الصغيرة بالقاهرة من يأتيه منهم طالبا مساعدته في حل بعض المشاكل الصغيرة لدى الأجهزة الحكومية. فإن كان النفوذ القديم قد راح فما زالت له بقايا عن طريق بعض الصلات العائلية برجال الحكومة تستطيع أحياناً أن تسوي بعض المشاكل الصغيرة فيعود أبناء الدائرة من زيارته راضين شاكرين.
ومرت سنوات لم يلتق خلالها صديقي عبد المجيد بحامد بك سوى مرات قليلة في مناسبات معينة حين يرحل راحل من أسرة النائب القديم فيجيء إلى المدينة الصغيرة لتقبل العزاء.. أو حين يرحل راحل من أبناء العائلات الكبيرة بالمدينة فيجيء هو لتقديم واجب العزاء.
وخيم الملل على الحياة العامة والخاصة على السواء لعدة سنوات لكن صداما جديدا يقع بين الثورة والاخوان.. فينشط زوار الفجر لاعتقال أعضاء الجماعة مرة أخرى.. ويتوقع عبد المجيد السجن رغم مرور عشر سنوات على آخر نشاط سياسي له ولا تكذب الأيام ظنونه.. فيأتي الزوار ويصطحبونه إلى مكان مجهول وتفزع أسرته فزعا شديدا ويتجلى العجز والحيرة بأوسع المعاني. ووسط ظلام الحيرة يلمع امل ضعيف.. حامد بيه رجل الأزمات الذي طالما لجأوا إليه في الزمن الماضي ويتحمسون للسفر إليه في القاهرة.. فيستقبلهم في البهو القديم الذي كان قبلة أصحاب الحاجات في الأيام السعيدة ويقول قائلهم أمامه: حامد بك.. أنت رجلنا دائما في الملمات وعبد المجيد من أبناء دائرتك.. وهو كما تعرف ثم يرتكب جرما ولم يشارك في مؤامرة.. والأمل كل الأمل في أن تستشفع له لدى الحكومة.
ويسمع حامد بك الرجاء في وقار ويفكر ماذا يستطيع أن يصنع في هذه «الوكسة» وهو يعرف أن الدنيا لم تعد هي الدنيا.. وأنه في هذه المسائل الشائكة بالذات لا يسمع أحد لأحد خاصة إذا كان من رجال العهد القديم.. ثم يستأذن منهم وينتحى جانبا من الصالون مع التليفون ويدير أرقاما.. ويتحدث بصوت غير مسموع طويلا.. ثم يضع السماعة ويعود إليهم منفرج الأسارير ليبلغهم أنه حادث «المسئولين» وبحثوا في الأوراق وهو معهم على التليفون فلم يجدوا شيئا يدين قريبهم وأكدوا له أنه قد اعتقل من باب الاحتياط فقط في بداية الحملة وسوف يفرج عنه بعد أن تحدد موقفه فعلا وأقرب وقت.
وانصرف أفراد الأسرة شاكرين وفي أول خطاب سمح لهم بإرساله إلى قريبهم بالسجن زفوا إليه البشرى وكالغريق الذي يتعلق بالقشة تلقى الرسالة في سجنه بفرحة كبيرة وتجدد أمله في العودة للحياة من جديد. لكن الأيام مضت بطيئة ثقيلة بلا أدنى أمل بقرب زوال الغمة، ومن خارج الأسوار ترامت إليه أنباء عجيبة حركت الملل الراكد في حياة السجن فلقد توفي زعيم الحزب القديم بعد أعوام طويلة من اعتزال الحياة السياسية فإذا برجال الحزب يتوافدون من كل صوب على القاهرة ليشيعوا جثمانه في جنازة شعبية كبيرة ويرددون هتافات الزمن القديم فتفزع الأجهزة وتتصور وجود «مؤامرة» وراء هذا الحدث فتنطلق لاعتقال رجال الحزب وتستقبل السجون وفودا جديدة منهم. ثم تهدأ الأحوال بعد ذلك.
ويتراجع الاهتمام الذي أثاره الحدث الجديد وتعود الحياة في السجن إلى كآبتها المعتادة.. ويقترب الشتاء ببرده القارس.
ويصحو عبد المجيد ذات صباح قبل موعد طابور الحمام بساعة فتمضي الدقائق في وحدته كأنها دهور.. ثم يقترب الحارس أخيرا ويسمع صوت المفتاح يدور في القفل.. فينهض متثاقلا ويحمل الفوطة على ذراعه ويخرج إلى الردهة ثم إلى الفناء الصغير الذي يقع الحمام في نهايته وقبل أن يصل إليه يرى نزيلا يغادره بالبيجامة والشبشب والفوطة حول رقبته.. فيشعر عبد المجيد بأنه يعرفه ويبذل جهدا كبيرا ليتذكر أين رآه من قبل ثم يشتعل اهتمامه فجأة ويهتف باحترام شديد: حامد بيه! صباح سعيد يا حامد بيه.. فيتوقف الرجل وينظر إليه متسائلا ثم تنجده ذاكرته القوية فيصافحه ويرد تحيته بتواضع العظماء ويتبادلان الحديث للحظات تحت أنظار الحارسين المتأففة، ويمد حامد بيه يده ليصافح عبد المجيد مودعا ويهم بالتحرك ثم يتذكر شيئا هاما فيشد ظهره إلى الوراء كما اعتاد أن يفعل حين يتحدث في جلائل الأمور ويقول له فجأة: اطمئن يا عبد المجيد.. لقد كلمت المسئولين بشأنك.. ووعدوني بالإفراج عنك خلال وقت قصير.. فلا تقلق. فانحنى الآخر على يده يشد عليها بعرفان شديد.. ثم كرر عبارات الشكر وهو يرفع يده اليمنى إلى جبهته محيا وشاكرا.. وانصرف حامد بك مع حارسه بخطواته الوقورة وعبد المجيد في مكانه ينظر إليه وهو يطرقع بالشبشب الجلدي على بلاط الفناء الكافي اللون.
ثم تنبه فجأة إلى غرابة الموقف فابتسم.. وكادت تفلت منه ضحكة كتمها يجهد شديد ثم ألحت عليه ضحكة أخرى فشد ملامح وجهه يمنعها من الانطلاق فاهتز جسمه بدغدغاتها.. ونفرت عروقه وتلاحقت أنفاسه وهو يرقب حامد بك يتوارى في الممر القريب فاطمأن إلى أنه لن يسمعه.. وأرخى لنفسه الزمام.. فانطلق ضحك الدنيا كله منه.. وأحس ببهجة غريبة لم يحس بها منذ زمن طويل وتلاحقت ضحكاته قوية صافية حتى أفرغ كل مخزونه منه واستراح.
لكنه أبدا.. أبدا لم يفقد احترامه القديم لحامد بك!.
مستقبلي ورائي
هل أنت خائف من المستقبل؟... بعض الشيء وأنا كذلك لكنى أفكر!
وما دمت أفكر فلا بد من أن أسلم بأن المستقبل غيب...والغيب لا يعلمه إلا الله وليس من الحكمة أن أفسد حاضري لحساب المستقبل.. أو لحساب الماضي فلا بكائي على الماضي سوف يغير من واقعي ولا خوفي من المستقبل سوف يغيره أو يخط فيه خطاً جديداً.
والخوف من المستقبل داء قديم عرفته البشرية منذ زمان طويل...
فالإنسان مهموم دائماً بمستقبله كأنما سيعيش أبداً...وهو في سن الصبا مهموم بمرحلة الشباب وفى سن الشباب مهموم بمرحلة الرجولة وفى سن الرجولة يخاف من الشيخوخة وفى سن الشيخوخة يخاف من الموت مع أنه " حاضر" دائماً في كل مراحل العمر ويمكن أن يهبط في آية لحظة.
والإحساس المبالغ فيه بالمستقبل إحساس مرضى معروف يفقد معه الإنسان سلامة النفس ويحس دائماً بالقلق والتوجس، والفقيه الدستوري دكتور عبد الرازق السنهوري كتب مرة يقول: ما تعبت لشيء أكثر من تعبي عندما أفكر في المستقبل!
والملك الحسن ملك المغرب سئل مرة في بداية توليه الملك في بلاده وهو في سن الشباب عن إحساسه بالمستقبل فقال كلمته الشهيرة التي أصبحت مثلاً " مستقبلي ورائي " يقصد أن مستقبله قد تحدد بماضيه وبالتالي فهو وراءه وليس أمامه!.
وبعض الشباب في بلادنا يرون معه أن مستقبلهم وراءهم وليس أمامهم...لأن صعوبات الحاضر قد قللت فرصهم لتحقيق أحلامهم في المستقبل.. فالماضي قد جني على الحاضر...والحاضر سوف يجنى على المستقبل...وسوف يغتال الأحلام ويقتل الطموحات. وهذا الإحساس قد يكون له مبررة في بعض الوجوه... لكنه في إجماله ليس صحيحاً لأن إرادة الإنسان أقوى دائماً من كل الصعوبات.. ولان كل إنسان يستطيع أن يسعى إلى تحقيق أهدافه...وأن يبذل الجهد والعرق والدموع من أجلها...
فإن نالها رضي عن نفسه وأن قصر الإمكانيات عن بلوغها فيكفيه شرف المحاولة لكي يرضى أيضاً لأنه لم يقصر في حق نفسه ولأنه قد " حاول "...
وسوف يحاول مرة أخرى مؤمناً بأن على المرء أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح وبأن:
ما كل يتمنى المرء يدركه ** تأتي السفن بما لا تشتهى السفن
وما أكثر ما أتت به الرياح مما لا تشتهى السفن...ومع ذلك فقد حاولت السفن وغالبت وصمدت حتى اجتازت العواصف واستقرت في مسارها فوق الحياة الهادئة الآمنة...
وفى كل الأحوال، علينا أن نرضى دائماً بما حققناه، وبما اخترناه لأنفسنا، واختارته لنا الأقدار فالتوفيق في النهاية من عند الله...وللحظ دور غير منكور في حياة البشر لكنه ليس الدور الوحيد أو الدور الأساسي.. والملكة الكسندرا إحدى ملكات أوربا في العصور الوسطى كانت تدعو لابنها قائلة: " رب اجعل له حظاً يستخدم به أصحاب العقول ولا تجعل له عقلاً يخدم به أصحاب الحظوظ! " رغم اعترافي بدور الحظ في حياة البشر فإني لا اتفق تماماً مع مضمون هذا الدعاء العجيب لان الحظ وحده لا يكفي، ولأنه أذا أفاد في بعض الحالات فلن يفيد في كل اختبارات الحياة.. فلا بد دائماً من العقل حتى ولو خدمنا به أصحاب الحظوظ في بعض الأحيان ولابد من الاستعداد الكافي لمواجهة معركة الحياة ولابد من الاستعداد الكافي لمواجهة معركة الحياة ولابد من الإرادة والكفاح والصبر لأن كل قصص النجاح التي تستهوينا هي غالباً قصص هذا المزيج العجيب العقل " أي العلم " والحظ والكفاح والإرادة والصبر والأمل والقدرة على تكرار المحاولة. وهو مزيج مر الطعم كمزيج الحديد والزرنيخ الذي تقدمه المستشفيات المجانية لمرضاها لكن مفعوله هنا أكيد....
وقبل ميلاد المسيح عليه السلام بخمسمائة سنة قال الإغريق: إن أفضل الأشياء هي أصعبها منالاً!
ومازالت هذه الحكمة صحيحة حتى الآن...فما يتحقق بغير تجرع هذا المزيج المر لا تقدره غالباً حق قدره ولا نستمتع به.. وغالباً ما نفقده بنفس السهولة التي جاءنا بها لأن ما يأتي سهلاً يضيع سهلاً كما يقول المثل الإنجليزي...أما ما بذلنا من أجله العرق والدموع...فإننا نتشبث به ونحافظ عليه ونبنى فوفه لأننا نعرف جيداً كم شقيناً لكي نناله...وكم سهرنا من أجله الليالي...
وفى كل مراحل العمر...على الإنسان دائماً أن يحاول تحويل خسائره الشخصية إلى مكاسب فيحاول دائماً أن يبدأ من حيث فشل مؤمناً بأن قطرة الماء تثقب الصخر وأن " المستقبل " الذي يسعى إليه هو مشروع سنوات طويلة وليس مشروع أسابيع أو شهور، وأن ما نعانيه من صعوبات أو آلام لن تستمر إلى الأبد، وحتى لو استمرت فلقد حولها غيرنا من خسائر إلى مكاسب فلماذا لا نحاول مثلهم؟
إن بعض المؤرخين يعتقدون أن الصعاب الشخصية التي واجهت بعض العباقرة والمشاهير هي السبب الأساسي في نبوغهم وفى شحذ إرادتهم لتحقيق ما حققوه ويرون أنه لم يولد الفليسوف الفرنسي ديكارت مريضاً عليلاً فترات طويلة في الفراش والذهاب متأخراً إلى الفصل ولما قضى ساعاته في الفراش متأملاً... ومفكراً... وقارئاً... مما أهَّله فيما بعد لوضع فلسفته التي يعتبرونه بها أبا الفلسفة الحديثة...
ويرى بعض النقاد أنه من المحتمل جداً أنه لو لم يكن الشاعر الإنجليزي مبلتون أعمى لما كتب قصائده.. وأنه لو لم يكن الموسيقار العبقري بيتهوفن أصم لما ألف روائعه الموسيقية وأنه لو لم يكن الكاتبان الروسيان تولستوي ودوستويفسكي والموسيقار تشايكوفسكى معذبين في حياتهم الخاصة لما ألفوا روائعهم الخالدة...أما العالم الإنجليزي تشارلس داروين صاحب نظرية التطور فقد كتب هو نفسه يقول: لو لم أكن مريضاً طريح الفراش لما أنجزت ما أنجزت من أعمال!.
ونفس الشيء يمكن أن نقوله عن طه حسين والعقاد وغيرهما من العمالقة الذين تحدوا ظروفهم الشخصية أو الاجتماعية...وشربوا هذا المزيج العجيب الذي ينبغي أن نوطن أنفسنا على أن نتجرعه حتى الثمالة ثم يحق لنا بعد ذلك أن نتساءل بقلب يؤمن بالله...ويطمع في رحمته...ويثق في عدالته.. ويخفق دائماً بالأمل...
... ترى... ماذا تخبئ لنا أيها الغد؟!
حرب النظرات
لماذا أتذكر هذه القصة القديمة الآن؟..
كنا في منتصف الستينيات مرحلة استشعار الدور التاريخي وأحلام العظمة ثم تحدث الرئيس الراحل عبد الناصر في إحدى خطبه عن مشاكل الإدارة في بلادنا فتعجب من أننا قد نجحنا في إدارة قناة السويس بعد التأميم وفشلنا في إدارة مستشفى كبير كمستشفى قصر العيني! فبدأت في إعداد سلسلة تحقيقات صحفية للأهرام عن مشاكل مستشفى قصر العيني، وكانت الخطوة الأولى في التحقيق هي مقابلة وكيل جامعة القاهرة الذي يتبعه المستشفى وكان أستاذا جامعيا معروفا، فاستقبلني الرجل بترحيب شديد بالرغم من أن جو التحقيق يوحى من البداية بأنه سيكون هجوميا وسيركز على سوء الخدمة ومشاكل الإدارة وبدأت المناقشة معه فراح يناقشني بهدوء وموضوعية ويشاركني الرأي في سوء حال المستشفى ويطرح آراءه في علاج مساوئه ثم يودعني متمنيا لي التوفيق في مهمتي فأشكره وانصرف. وجاءت الخطوة الثانية وكانت مقابلة مدير عام المستشفيات وكان للأسف جنرالا سابقاً من أهل الثقة الذين وضعوا في المناصب الكبيرة للثقة في أشخاصهم بغض النظر عن كفاءتهم فجَّروا علينا الكثير من المصائب وذهبت لمقابلته فأحسست منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها مكتب سكرتيره أنى قد انتقلت من جو إلى جو آخر.. فسكرتيره متوتر ومشدود وخائف بلا سبب مفهوم والموظفون يدخلون مضطربين إلى مكتب المدير ثم يخرجون بعد دقائق ووجوههم محمرَّة ويتصببون عرقاً، ثم دعاني السكرتير للدخول فدخلت غرفة مكتب واسعة يجلس في نهايتها رجل طويل ممصوص يتصنع الوقار والهيبة فاستقبلني بتحفظ مقصود وقال لي ببرود رغم معرفته بهدف الزيارة: أفندم؟.
فابتلعت تحفظه وجفاءه وقلت له في كلمات مختصرة إني أعد تحقيقاً عن المستشفى وأحتاج إلى بعض البيانات والأرقام، فكان جوابه نظرة باردة وقحة استمرت حوالي دقيقة ترجمتها الحرفية هكذا: كيف تجرؤ على التفكير في كتابة تحقيق ينتقد المستشفيات التي أديرها؟ ألم تر كيف يرتجف الموظفون الكبار أمامي! ألا تعلم أنني من أهل الثقة.. صحيح أن الرئيس ولسوء حظي قد أشار إلى مشاكل قصر العيني.. لكنه الرئيس ومن حقه أن يقول ما يشاء وعلينا السمع والطاعة ونحن (( زيتنا في دقيقنا )).. فما شأنك أنت أيها المدني الغريب؟.
بعد هذا الحوار الصامت نطق أخيرا وقال: تفضل فسألته أول سؤال محاذراً أن تبدو من ورائه أية نية هجومية. فكان الجواب مرة أخرى: نظرة أخرى أكثر وقاحة ترجمتها الحرفية هكذا: آه يا أولاد الأفاعي.. والله الذي لا إله سواه.. لولا احتمال ضعيف أن يكون هذا التحقيق مطلوباً باتفاق ضمني بين سيادة الرئيس وبين خله الوفي الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير (( الأهرام )) في ذلك الوقت لكان جوابي عليك هو (( شلوت )) يطيح بك خارج المكتب، لكن لابد مما ليس منه يد ولابد أن أخضع لحكم الزمن وأكون (( ديمقراطيا )) معك وأجيب عن أسئلتك.
وبعد هذه الجملة الصامتة البليغة انحنى على أوراقه وردَّد بعض الأرقام باقتضاب، ثم عاد يركز نظراته عليّ.
فسألته سؤالا آخر فعاد يسدد إلى سهامه النارية لمدة دقيقة كاملة بما معناه هذه المرة: يابن......! ألم تخف منى بعد! لو كان الأمر بيدي لسلختك حيَّا.. لكن ما باليد حيلة.. إذن هذا هو الجواب ثم يقرأ بعض البيانات، ومضى الحديث هكذا: أسئلة بالكلمات وأجوبة بالنظرات الكارهة الصاعقة حتى أحس أنى قد (( زودتها )) بعض الشيء فأضطر إلى تغيير الأسلوب واستخدام الطريقة 114 وهى طريقة التخويف عن طريق النصح.. فتخلص من نظراته الباردة وطلب لي فنجاناً من القهوة بعد نصف ساعة من دخولي مكتبه ثم حاول أن يكتسب مظهرا أبوياً مفتعلا وقال لي: شوف يا فلان بيه (( يقصد شخصي الضعيف )) أنت شاب في مقتبل حياتك الصحفية وأحب أن أنصحك لمصلحتك أن الرئيس لا يحب أي هجوم على القطاع العام فحاول دائما في موضوعاتك أن تبتعد عن الهجوم على القطاع العام والهيئات والمستشفيات العامة، لأن الرئيس يستشعر دائما وراءها محاولات للتخريب وإثارة البلبلة!.
ولأني وجيلي من الصحفيين الذين بدأوا العمل في هذه الفترة كنا قد تمرسنا على التعامل طويلاً مع هذا الأسلوب المطور للتخويف فقد قلت له بثبات: يا سيدي لا تخريب في الأمر ولا بلبلة.. إنها مجرد مناقشة لمشاكل مستشفى كبير يتعامل معه قطاع كبير من الشعب ومن أجل الصالح العام والرئيس نفسه هو الذي أثار المناقشة فأين التخريب إذن؟.
فرجع المسئول الخطير في مقعده إلى الوراء وابتسم لأول مرة وقال لي بلهجة العالمين ببواطن الأمور: هذا هو ما أريد أن أنبهك إليه.. إننا كمسئولين قد نتحدث عن عيوبنا من باب النقد الذاتي لكنك تعرض نفسك للخطر أيضا إذا توسعت في مناقشة هذه العيوب نفسها لأنك بذلك تشارك في حملة التشهير التي يقودها خصومنا في الخارج.. والشاب الذكي هو الذي ينتبه إلى هذه المصيدة فلا يقع فيها فهل أنت شاب ذكى لا يأخذ بظواهر الأمور كما أتوسم فيك؟!.
لكني تجاهلت نصيحته الخبيثة وواصلت طرح أسئلتي عليه فعاد يسدد إلى سهام نظراته النارية مرة أخرى.. وطالت فتراتها بين كل سؤال وآخر حتى بلغت في إحدى المرات ثلاث دقائق كاملة أمضيناها صامتين كأن على رؤوسنا الطير وهو ينظر إلى مركزا عينيه على كأنه يحاول أن ينومني مغناطيسيا أو كأنه ينتظر تدخل السماء لكي تخلصه منى بسكتة قلبية مفاجئة تريحه من هذا التحقيق الذي يؤرقه واكتشفت بعد قليل أنه قد جرَّنى إلى حرب النظرات هذه بغير وعى منى فأصبحت أبادله النظرات الصاعقة بين كل سؤال وآخر وانتهت المقابلة وكلانا يمقت الآخر مقتاً شديداً. ويتمنى له أسوأ الأمنيات ولولا العرف والتقاليد والقيود الاجتماعية لنحَّينا أدب الحوار جانباً وتبادلنا الكلمات والضرب بالكراسي الطائرة، وتنفست الصعداء حين وجدت نفسي في الهواء الطلق بعيداً عن هذا الجو.
كان حديثاً صحفياً غريباً أجريته بالقلم واللسان والنظرات النارية لكن لماذا أتذكره الآن بعد كل هذه السنوات.. ولماذا أروى لك قصته؟ هل لأحدثك عن ضرورة أن نضع الرجل الكفء المناسب في المكان المناسب دائما، أم عن أهمية أن يسود الحوار الحر الديمقراطي كل مواقع حياتنا بعيداً عن التسلط والتخويف والإرهاب حتى ولو بالنظرات الوقحة؟ أم لأقول لك إن الأمم لا تتقدم إلا حين تسودها حرية الرأي وحرية الفكر وحرية المناقشة بلا تطرف ولا إرهاب؟.
لا أعرف على وجه التحديد لكنى أعرف فقط انى منذ ذلك الحين وانا أكره أى مسئول يطل على الناس بوجه متهجم ونظرات نارية وصاعقة ويحاول أن يفرض لنفسه هيبة صاعقة لا وجود لها ويعتبر مسئوليته شيئا مقدساً غير قابل للمناقشة والحساب والانتقاد، وأعتقد أنك معى في ذلك...
.. إذن.. لماذا تنظر إلى هكذا؟
ارفعوا القبعات
لي أصدقاء أحبهم ويحبوني وأحدتهم ويحدثوني.. ولكن لا يراهم أحد غيري!.
وقبل أن تسئ الظن بعقلي أبادر بأن أقول لك: إن هؤلاء الأصدقاء يعيشون معي في مخيلتي.. لأنهم بعض شخصيات الأعمال الأدبية والتاريخية التي قرأتها فأحببتهم من خلالها وسعدت معهم في لحظات السعادة ورثيت لهم في لحظات الشقاء، وحاولت أن أتعلم دروس تجاربهم وأتجنب عثرات طريقهم.
لكن من بين أصدقائي هؤلاء شخصية عجيبة حقا كثيرا ما تأملت أحوالها وأشفقت على نفسي في بعض الفترات من مصيرها. وهي شخصية الموظف لبائس «جران» في رواية الطاعون للأديب الفرنسي البير كامي الذي فاز بجائزة نوبل وانتهت حياته بحادث سيارة. فلقد كان صديق في الخيال «جران» يعيش وحيدا في شقته ويمضي الليل ساهرا منكبا على عمل مجهول وعندما اقترب منه الطبيب «ريو» وأصبح من أصدقائه باح له بسره العظيم! إنه يكتب أول عمل أدبي له ويحلم بان يكون أديبا مشهورا ويمضي الليالي الطويلة ساهرا يكتب ويشطب ويريد أن يبلغ بعمله الأول قمة الكمال حتى إذا ما انتهى منه وقرأه الناشر.. نهض من وراء مكتبه ورفع قبعته وقال للعاملين معه: ارفعوا القبعات تحية لهذا العمل الكبير! وبسبب هذا الحرص البالغ على أن تكون البداية مبهرة يمضي الأيام يفكر في كل حرف قبل كتابته. ويحكي للطبيب شارحا معاناته: «قد يكون من السهل المفاضلة بين «لكن» و«و»، لكن من الصعب أن تفاضل بين «و» و«ثم» أما ما هو أصعب من ذلك فهو أن تعرف هل من الأفضل استعمال «و» أساسا أم لا! وهو يكتب ويبدل ويملأ الصفحات الطويلة ثم ينحيها جانبا ويكتب غيرها وتمر السنوات بغير أن يكتب في عمله الكبير سوى أول سطر منه:
«وفي صباح يوم جميل من أيام شهر مايو، كانت هنالك فارسة جميلة تمتطي فرسا حمراء وتجوب بها غابة بولونيا المزهرة». ولا تسلم الجملة نفسها من التغيير والتبديل مع شرح واف لسبب كل تعديل.. وتنتهى رواية الطاعون، وصديق البائس لم يكتب سواها ولم يبدأ خطوته الأولى في طريق تحقيق الأهداف!.
وصديقي جران شخصية التقي بها كثيرا في الحياة وأتذكرها في مناسبات عديدة حين أتأمل أحوال كثيرين يتوقفون طويلا عند نقطة البداية وتتملكهم الرغبة في أن يحققوا لأنفسهم ما يريدونه لها من نجاح.. ويتشككون دائما: هل هذه هي البداية الصحيحة أم أن عليهم أن ينتظروا فرصة أفضل وأكثر توفيقا.
وأنا شخصيا من المؤمنين بأن الحركة أفضل من الجمود.. وأن الحركة حياة والسكون موت، وبأن كل الطرق وكل البدايات يمكن أن تؤدى إلى الأهداف مهما كان الطريق طويلا والبداية متواضعة، لأن أهداف الحياة كالميادين الدائرية في المدن تصب فيها شوارع عديدة ويستطيع من بدأ طريقه من أي شارع أن يصل إلى الميدان في النهاية بكفاحه وإصراره وثقته بربه وبنفسه.
والمسافر في الغابة إذا ضل الطريق فإن عليه كما يقول الفيلسوف الفرنسي ديكارت أن يواصل السير في خط مستقيم لا ينحرف يمينا ولا يسارا فإذا لم يبلغ المكان الذي ينشده فإنه سوف يصل بالضرورة إلى نقطة أفضل من التي كان فيها حين ضل الطريق وتملكته الحيرة!.
وفي قصص حياة أعلام الفكر والأدب والحياة استهوتني دائما نقطة البداية التي انطلقوا منها إلى النجاح واكتشفت أنها كانت غالبا نقطة شديدة التواضع وفي اتجاه مخالف غالبا للمرفأ الذي رسيت فيه سفينة حياتهم وحققوا فيه نجاحهم وطموحهم. فلقد بدأ الكاتب الإنجليزي هـ. ج ويلز مثلا حياته صبيا في متجر متواضع يصحو في الخامسة صباحا فيكنسه وينظمه ويعمل فيه ?? ساعة كل يوم حتى كتب إلى ناظر مدرسته يشكو إليه حاله فعينه مدرسا بها فكان ذلك بداية الخير له وللأدب الإنجليزي فكتب أكثر من سبعين كتابا وحقق ما لم يحلم به من النجاح الأدبي والمادي.. وبدأ أشهر مغني أوبرا عرفه التاريخ «كاروزو» حياته عاملا صغيرا في مصنع بمدينة نابولي الإيطالية، وبدأ أديب الإنجليزية الشهير تشارلز ديكنز حياته صبيا مشردا يلصق الورق الذي يحمل العلامة التجارية على زجاجات البوية في مصنع صغير للطلاء! وكثيرون غيرهم بدأوا الطريق من نقطة بداية شديدة التواضع.. وفي غير ميدانهم ثم حولوا مسمارهم خلال رحلة الحياة إلى أهدافهم الصحيحة.. وهكذا ينبغي أن نفعل نحن أيضا أن نبدأ أية بداية.. وأن نتمسك بأهدافنا ثم تلهث وراءها إلى أن تتحقق ولابد أن تتحقق ذات يوم، لكن مشكلة البعض هي أنهم يريدون أن يعكسوا الآية وأن يبدأوا حياتهم بما انتهى إليه الآخرون بعد رحلة العمر وكفاح السنوات، ولقد توقفت طويلا أمام عبارة أجاب بها ملك الصناعة الأمريكية هنري فورد حين سئل عن سر احتفاظه بحيويته ونشاطه فقال: إنني لا أقف حيث يمكنني الجلوس ولا أجلس حيث يمكنني الاستلقاء؛ وتعجبت كيف صنع نجاحه إذن ثم زالت دهشتي حين تذكرت انه سئل هذا السؤال وهو في الثمانين من عمره وأنه أمضى قبلها 60 عاما يعمل ?? ساعة كل يوم حتى صنع نجاحه.. فالراحة حق فعلا.. ولكن لمن تعب أولا وليس لمن يريد أن يبدأ حياته بها كما يفعل البعض، والاستمتاع بثمرات الكفاح حق أيضا.. ولكن لمن لهث وراء أهدافه ونام فوق حصانه كما كان يفعل نابليون بونابرت في المعارك، والحياة في النهاية لا ترفع القبعات إلا للمكافحين الذي يقبلون المخاطرة ويجربون أكثر من بداية.. حتى تستقر أقدامهم على الطريق ويصنعون نجاحهم بالعرق والدموع والكفاح.
أما من يبددون أيامهم في التردد.. والمفاضلة بين حرف «و» و«ثم».. وفي الإصرار على أن تكون البداية مبهرة ومرموقة.. وإلا فلا.. فلا يجنون سوى الحسرة والعجز.. وتنتهي رواية العمر عندهم بغير أن يكتبوا منها.. حتى السطر الأول!.
عصير حياتهم
قد تعجب أحيانا بتصرف إنسان في موقف من المواقف العصيبة فتسأله: كيف اهتديت إلى هذا التصرف الحكيم؟ فيجيبك قائلاً: من خبرة الحياة!.
وربما تسأل نفسك: ما هي خبرة الحياة هذه، وفي أي الجامعات والمعاهد نستطيع أن نتعلمها؟ فتعرف بالتجربة أنها لا تدرس سوى في جامعة واحدة اسمها جامعة الحياة وأنها الجامعة الوحيدة في العالم التي لا يستطيع أحد أن يزعم أنه أنهى دراساته العليا فيها لأن من يتخرج فيها لا يغادرها إلا إلى قبره. أما من لا زال على قيد الحياة فسوف يبق تلميذا فيها إلى الأبد يضيف كل يوم إلى تجاربه جديدا ويتعلم الحكمة في أحيان كثيرة بعد فوات الأوان. فتسمع دائماً من يقول لك: لو رجعت الأيام ما فعلت كذا وكذا. وتقرأ لبطل رواية السمان والخريف لنجيب محفوظ مثلا عبارة يقول فيها لزوجته: إن الإنسان يحتاج لأن يعيش حياته أكثر من مرة لكي يحسن التصرف فيها ربما في المرة الثالثة أو الرابعة منها!.
أو تقرأ أيضا لألبير كامو كلمته التي يقول فيها: يكفيني أن أتعلم بصبر علم الحياة الذي يفوق في صعوبته ومرارته كل العلوم والفنون، فتعرف من كل ذلك كم هي ثمينة تجارب الحياة.. وكم هو حالم من يدعي أنه قد فهم كل أسرارها وجمع كل خبراتها.
ولأني تلميذ صغير في جامعة الحياة فقد حاولت دائما أن أتعلم من تجاربي وتجارب الآخرين.. واهتممت بوجه خاص بأن أقرأ كتب التراجم التي يحكي فيها أعلام الفكر والأدب والتاريخ قصص حياتهم وخلاصة تجاربهم ووجدت دائما فيها الإجابة عن كثير من الأسئلة التي أثارت حيرتي.
ومن بين هذه الكتب كتاب صغير صاحبني لأكثر من عشرين سنة قرأته خلالها عدة مرات وما زلت أقرأه من حين إلى آخر سجّل فيه عدد كبير من أعلام الفكر في مصر عصارة تجربتهم وصدر باسم «علمتني الحياة» وهو كتاب يستحق أن يقرأ وحبذا لو أعادت دار الهلال نشره من جديد. فمن هذا الكتاب تعلمت أو حاولت أن أتعلم أهم ما علمته الحياة لهؤلاء الأعلام الكبار كما سجلوه بأقلامهم.
فقد علّمت الحياة مثلا الأستاذ عباس محمود العقاد ألا يستغرب لأى شيء يقع من الناس ضده، لأنه كما قال قد عرف الناس منذ زمن طويل وعرف أن فيهم نقائص وغرائب وأنانية، فإذا أصابه شيء من ذلك قال نفسه: ولماذا الاستغراب؟.. ولماذا الألم؟.. ولماذا الشكوى وقد علمت أن في الناس كل ذلك منذ زمن بعيد؟!.
وعلمت الحياة الأستاذ توفيق الحكم أن الحياة هدف وإرادة وأن على الإنسان أن يؤمن بأهدافه التي حدّدها لنفسه وأن يركز إرادته في السير في طريقها، وليس يهم بعد ذلك إدراك النجاح لأن الأهم هو تحقيق الذات باستخراج ملكاتها وتأهيلها للمضي في طريق الأهداف.. وفي هذا وحده تحقيق للذات وإعلاء لها.
وعلمت الحياة الفقيه الدستوري الدكتور عبد الرازق السنهوري أن الحياة تصبح تافهة إذا خلت من مثل أعلى وأنه لابد للإنسان دائماً من مثل أعلى يسير على هديه ويحميه من الانحراف والضياع، كما علمته أيضا أن حظوظ الناس غالبا متقاربة مهما بدا للآخرين من تفاوتها، فلكل إنسان من حظه ما يسعده ولكل إنسان من حظه ما يشقيه. وهكذا تتساوى أقدار الناس غالباً من السعادة.
وعلمت الحياة الدكتور أحمد أمين أن درهم حكمة قد يكون أفضل من قنطار علم، لأن العلم والثقافة وحدهما لا يؤهلان الإنسان للحياة بسلام مع البشر، وإنما يحتاج الإنسان أيضا إلى الحكمة لكي تظل سفينته طافية فوق سطح الماء لهذا قد ينجح من هو أقل علما في حياته الزوجية والاجتماعية والعملية لأنه أكثر حكمة من غيره وإن كان أقل علما لأنه: «... ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا» صدق الله العظيم.
وعلمت الحياة المؤرخ الدكتور شفيق غربال أن الحياة جديرة بأن تحياها مها لقينا فيها من عنت أو صعوبات، وأن أفضل خطة للعيش في أمان هي التزام «الوسط الذهبي» الذي تحدّث عنه فلاسفة اليونان.. لأن خير الأمور الوسط، فلا إفراط ولا تفريط في أي شيء، وإنما اعتدال في كل الشئون. وعلمت الحياة الدكتور محمد حسين هيكل أن رضا الضمير هو مفتاح السعادة وأن الإنسان لا يمكن أن يستشعر السعادة الحقيقية وهو مؤرق الضمير لفعل أو جرم ارتكبه.
وعلمت الحياة الدكتور زكي نجيب محمود أن حدّة العاطفة والانفعال معناها العجز في التفكير، لأنه بقدر ما تتضح الحقيقة في أي شأن من الشئون بقدر ما تبرد الانفعالات تجاهها، وهكذا فإن الشاب يستطيع أن يكون شيخاً مجرّبا إذا تحكم في انفعالاته وغلب حكم العقل على حكم العاطفة.
وعلمت الحياة الأديب طاهر الطناحي أن الدنيا كثيرة الفرص وأن الإرادة تحقق المستحيل وأن الاعتماد على النفس ضرورة للنجاح وأن مصاحبة الكبار ومحاكاة تصرفاتهم الرشيدة والتشبه بأخلاقهم وقيمهم تعطي الإنسان سلاحا جديدا في مواجهة الصعاب.
وعلّمت الحياة الأديب والعالم الدكتور أحمد زكي أن تربية الإنسان الأولى هي الأصل في تكوين شخصيته وفي نجاحه في الحياة وأنه من الأفضل أن يقوم الأبوان بتعليم أبنائهما دوائر واسعة من المعارف والهوايات واللغات لكي تتسع أمامهم مجالات الاختيار والتفوق حين يشبون، كما علمته أيضا أن الإنسان يحتاج إلى الصداقة وإلى الأصدقاء لأنه لا يستطيع أن يحيا وحيدًا.. لا يحب سوى نفسه ولا يرى غيرها!.
... هذا هو بعض ما علمته الحياة لهؤلاء المفكرين والأعلام.. فماذا علّمتك أنت؟.
1