Advertisement

مقالات الدكتور محمود الطناحي 2

مقالات
العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي

الجزء الثاني

هذه النقطة .. وقضية التصحيف والتحريف (1)

كتب الأستاذ سامح كريم بصفحة الأهرام الأدبي 1/8/1995 كلمة أشار فيها إلى ذلك الخطأ الذي جاء في امتحان اللغة العربية (سؤال البلاغة) للثانوية العامة هذا العام, حيث جاء بيت أحمد شوقي:
ولم أخل من وجد عليك ورِقة ... إذا حل عيد أو ترحل عيدُ
بالعين المهملة في الكلمتين, والصواب «غيد» بالغين المعجمة.
وفي ظني وتقديري أن الذي أوقع في هذا الخطأ هو مجيء الفعل «حل» خالياً من تاء التأنيث, فظن واضع السؤال أن الكلمة لو كانت «غيد» بالغين المعجمة, للحقت التاء الفعل, فيكون «حلت», لأن «الغيد» جمع «غيداء» وهي المرأة المتثنية من اللين, ومن ذلك: الغادة, وهي الفتاة الناعمة, ولو قال الشاعر «حلت» لاختل الوزن. وقد نسي واضع السؤال أو مراجعه أن الفاعل إذا كان مجازي التأنيث, جاز ترك تأنيث فعله.
ومهما يكن من أمر, فهذه النقطة التي سقطت من فوق الغين لها تاريخ في تراثنا الأدبي قديماً وحديثاً.
روي أن سليمان بن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي كان غيوراً, فقيل له: إن المخنَّثين قد أفسدوا النساء بالمدينة, فكتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم والي المدينة «أن أحص مَن قِبلك من المخنَّثين» يريد إحصاء أسمائهم. فلما وصل الكتاب إلى ابن حزم صحَّف كاتبه، فقرأ «اخص» بالخاء المنقوطة من فوق.
قال الراوي: فدعا ابن حزم بمن عُرف من المخنثين - وكانوا ستة أو سبعة - فخاصهم, قال ابن جُعدبة: فقلت لكاتب ابن حزم: زعموا أنه كتب إليه: أن أحصهم. فقال: يا ابن أخي, عليها والله نقطة إن شئت أريتكها. وقال الأصمعي: عليها نقطة مثل سهيل، وهو النجم المعروف.
وروي أن أحد المخنثين قال لما اختلفوا في الحاء والخاء: لا أدري ما حاؤكم وخاؤكم, قد ذهبت خصانا بين الحاء والخاء. (انظر لهذه القصة: تصحيفات المحدثين لأبي أحمد العسكري 1/ 72, وشرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف, له أيضاً ص 43, والتنبيه على حدوث التصحيف لحمزة بن الحسن الأصفهاني ص 10, وتصحيح وتحرير التحريف لصلاح الدين الصفدي ص 17, والحيوان للجاحظ 1/ 121)
ولا ينبغي التشكيك في هذه القصة, لأنها مروية بأسانيدها, ولأن هؤلاء الذين خُصوا معروفون بأسمائهم, ويقال في ترجمة كل منهم: «وهو ممن خُصي بالنقطة».
انظر مع المراجع السابقة الأغاني لأبي الفرج 4/ 276 (طبعة دار الكتب المصرية).
فهذه أشهر نقطة, صَنعت ما صَنعت قديماً.
أما النقطة الثانية فكانت في أوائل الستينات من هذا القرن, حين كتب الدكتور لويس عوض في الأهرام, على امتداد شهري أكتوبر ونوفمبر 1964م, سلسلة مقالات حول أبي العلاء المعري ورسالة الغفران, وجعل عنوانها: «على هامش الغفران شيء من التاريخ», وفي بعض هذه المقالات أورد الدكتور لويس من شعر أبي العلاء قوله:
صليت جمرة الهجير نهاراً ... ثم باتت تغص بالصلبان
هكذا أثبت الدكتور قافية البيت «الصلبان» بباء منقوطة بنقطة واحدة, على أنها جمع «صليب», وكتب تحت البيت «سقط الزند في وصف حلب», وساق الكلام كله في بيان غلبة نصارى الروم على أهل الإسلام.
وصحة رواية البيت كما جاء في سقط الزند 1/451 - وبها تمام وزنه - "الصِّلِّيان" بالصاد المكسورة بعدها لام مشددة، مكسورة أيضاً، ثم ياء مثناة من تحت، أي بنقطتين اثنتين. وأبو العلاء يذكر في هذا البيت الإِبل، ويصف ما لاقته نهاراً في البيداء من هجير وظمأ، وما رعت ليلاً من صلِّيان، وهو نبت له جذور ضخمة في الأرض، تجتثها الإِبل بأفواهها فتأكلها من شدة حبها لها، فإذا كانت رطبة أساغتها، وإذا كانت يابسة غصَّت بها، أي شرقت
وقد فجرت هذه القضية بركان غضب عند شيخ العربية أبي فهر محمود محمد شاكر، وأدار عليها كتابه الفذ الدامغ (أباطيل وأسمار).
فهذان مثالان على البلايا التي جرَّتها النقطة، زيادة أو نقصاً.
وفي الرد الذي أرسلته وزارة التربية والتعليم ونشر في الأهرام 8/8/1995 اعتذار عن الخطأ في "غيد" التي كُتبت "عيد"، وتسويغ له بأنه راجع إلى ظاهرة "التصحيف والتحريف"، وهذا خلط شديد ومغالطة صريحة كما ورد في تعقيب الأستاذ سامح كريم.
فهذا الذي جاء في سؤال البلاغة في امتحان الثانوية العامة، إنما يرجع إلى الغفلة وعدم المراجعة، وترك التثبت، ولا صلة له بقضية التصحيف والتحريف، لأن هذه القضية لها وجه آخر، وقد كتب فيها أهل العلم قديماً وحديثاً، ووضعت فيها مؤلفات كاملة، وأشهرها ما ذكرته في صدر هذه الكلمة في قصة خصاء المخنثين.
وأخطر ما في هذه القضية أن بعض الذين يكتبون فيها الآن يردون "التصحيف" كله إلى طبيعة الحرف العربي الذي يتشابه مع عدم النقط، وهذا غير صحيح، لأننا نجد كلمات كثيرة منقوطة نقطاً واضحاً لا لبس فيه، ومع ذلك تقرأ على غير وجهها، وهذا هو مفتاح القضية، إن كثيراً مما يتصحَّف من الكلام إنما يأتي نتيجة للغفلة، أو الجهل بتاريخ أمتنا وعلومها، وتاريخ رجالها، وكل ما أبدعته وأنتجته، ومن قبل ذلك ومن بعده عدم إعطاء الكلام حقه من التأمل والأناة، يؤكد هذا قول أبي أحمد العسكري - وهو خال أبي هلال صاحب كتاب الصناعتين، وكتاب ديوان المعاني - يقول أبو أحمد: "فالاحتراس من التصحيف لا يُدرك إلا بعلم غزير، ورواية كثيرة، وفهم كبير، وبمعرفة مقدمات الكلام، وما يصلح أن يأتي بعدها مما يشاكلها، وما يستحيل مضامته لها ومقارنته بها، ويمتنع من وقوعه بعدها، وتمييز هذا مستصعب عسر إلا على أهله الحاملين لثقله والمستعذبين لمرارته، وقد قالت الحكماء: العلم عزيز الجانب، لا يعطيك بعضه أو تعطيه كلّك، وقالوا: لا يدرك العلم براحة الجسم" (شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص 1، 2)
هذا وقد عرّف العلماء التصحيف والتحريف بتعريفات شتى، أعدلها وأقربها إلى الصواب ما قيل من أن التصحيف: هو تغيير في نقط الحروف أو حركاتها مع بقاء صورة الخط، مثل كلمة "العيب" التي يمكن أن تقرأ هكذا، وتقرأ أيضاً: الغيث - العنب - الغيب - العتب. فلو أُهمل النقط في هذه الكلمة لأمكنك تحديد المراد عن طريق السياق والقرائن والفطنة، على الوجه الذي بينَّه أبو أحمد العسكري.
وأما التحريف: فهو العدول بالشيء عن جهته، قال عزَّ مِن قائل: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه} [النساء: 46]، وقال تقدست أسماؤه: {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} [البقرة: 75].
والتحريف قد يكون بالزيادة في الكلام أو النقص منه، وقد يكون بتبديل بعض كلماته، وقد يكون بحمله على غير المراد منه، فهو بكل هذه التعريفات أعم من التصحيف، وبعض القدماء لا يُفرق بين التصحيف والتحريف، يجعلهما مترادفين. (راجع الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير. شرح الشيخ أحمد محمد شاكر ص 172)
والمأخذ اللغوي لمصطلح "التصحيف" يرجع إلى الأخذ عن الصحف، دون التلقي من أفواه المشايخ، لأن علومنا في الأصل قائمة على التلقي والرواية والمشافهة.

وقد كتبتُ رسالة في "التصحيف والتحريف" حاولت فيها أن أجمع أسباباً لحدوث هذه الظاهرة، وقد انتهيت إلى عشرة أسباب، يدور معظمها حول الجهل بغريب اللغة ومعانيها ولغات القبائل ولهجاتها، وخداع السمع، وخفاء معنى الكلمة على الناسخ أو القارئ، فيعدل بها إلى كلمة مأنوسة مألوفة تتفق حروفها أو تتقارب مع الكلمة الغامضة، ثم الجهل بأنماط التعبير عند القدماء، والجهل بمصطلحات العلوم، وأسماء البلدان، ثم الإِلف والعادة، وضربت لذلك كله الأمثال، من الكتب المطبوعة، وأحاديث الناس ومحاضراتهم، مما لا يتسع المقام لذكره هنا.
التصحيف.. وتغيير التنقيط:
وتبقى قضية خطيرة جدّاً، أرجو من قارئي الكريم أن يمنحني شيئاً من وقته واهتمامه، وأنا أدعو له بالسلامة والعافية إن شاء الله:
لقد جاء في رد وزارة التعليم الذي نشرته الأهرام يوم الثلاثاء 8/8/1995م في الاعتذار عن الخطأ الواقع في شعر أحمد شوقي، هذا الكلام: ما حدث من خطأ يعود كما يعرف أهل اللغة إلى ظاهرة شائعة في تراثنا العربي تسمَّى "التصحيف"، وكما يعرف الجميع أن المقصود بالتصحيف هو تغيير التنقيط من حيث الوجود والعدم، وهي ظاهرة تتكامل مع ظاهرة أخرى تسمَّى "التحريف" وتؤدي إلى اختلاف موضع التنقيط بين حروف الكلمة، ومن أشهر الأدلة على ذلك في تراثنا القراءة المشهورة للآية الكريمة في سورة الحجرات رقم 6: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}، حيث تُقرأ "فتثبَّتوا" كما قُرئت "فتبيَّنوا" أما في الشعر العربي فهناك الآلاف من الأبيات التي رويت بروايات متعددة جميعها صحيح من حيث الوزن وإن اختلفت من حيث الكلمة والشكل والمعنى والدلالة، ويتضمن ذلك بديهيّاً ظاهرتا التصحيف والتحريف".
وهذا كلام واه ضعيف، بل قل: إنه كلام لا وزن له، وأمسك القلم عن الاسترسال في وصفه، ولكني أحب أن أسأل: كيف يتأتى وصف ظاهرة "التصحيف"

بأنها شائعة في تراثنا العربي؟ وما هو هذا الشيوع، وما هي نسبته أمام التراث العربي المقطوع بصحته وسلامته؟ وما حقيقة هذه الآلاف من الأبيات التي رويت مصحَّفة؟ ألا يسقط هذا الكلام الثقة في تراثنا الشعري والنثري كله؟ ثم بأي وجه وبأي لسان نلقى أبناءنا وطلابنا في فصول المدارس ومدرَّجات الجامعات، بعد هذا التشكيك الذي نُشر في أكبر صحفنا وأوسعها انتشاراً.
ولنترك هذا كله، ولنقف عند أبشع شيء وأغلظه، وهو ذلك الكلام: "ومن أشهر الأدلة على ذلك في تراثنا القراءة المشهورة للآية الكريمة في سورة الحجرات رقم 6: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...}، حيث تقرأ "فتثبتوا" كما قرئت "فتبيَّنوا"!!! لا يا قوم، توبوا إلى بارئكم، واتقوا ربكم واخشوا يوماً ترجعون فيه إلى الله.
إن إيراد الكلام على هذا النحو وفي ذلك السياق والاستدلال يعطي بصريح اللفظ أن القراءتين "فتبيَّنوا" - "فتثبتوا" أثر من آثار التصحيف، ثم لنا أن نسأل: من الذي صحف في هذه الآية الكريمة؟ أو: من هو المصحِّف الأول الذي تبعه الناس منذ نزول القرآن الكريم إلى يوم الناس هذا؟ ثم ما هي القراءة الأصل وما هي القراءة المصحَّفة، فإن كل تصحيف له أصل عُدل عنه؟ وثم وثم وثم...
يا أيها الناس، إن القراءة سنة وأثر ورواية واتباع، وليست لغة يلعب بها الناس مهما بلغ مبلغهم من العلم. روى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، قال: " لو تهيأ لي أن أُفرغ ما في صدري من العلم في صدرك لفعلت، لقد حفظت في علم القرآن أشياء لو كُتبت ما قدر الأعمش على حملها، ولولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قُرئ به لقرأت كذا وكذا، وذكر حروفاً"، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار للحافظ الذهبي 1/102، 103.
وأبو عمرو ابن العلاء هو أحد القراء السبعة، وكان إماماً في اللغة والنحو، ثم كان راوية لذي الرمَّة الشاعر المعروف الذي يقال إن شعره ثلث لغة العرب. وقول أبي عمرو: "ليس لي أن أقرأ إلا بما قُرئ به"، يريد: أي بما جاءت به الرواية المسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليست القراءة عن رأي واجتهاد، ليقرأ كل قارئ بما يرتاح إليه أو بما يمشي مع قواعده، وليس كل ما يجوز في العربية والنحو تجوز به القراءة، وقد شدد أهل العلم في ذلك، وكان أكثرهم تشديداً ونكيراً أبو إسحاق الزجَّاج رحمه اللّه، وكرَّره في أكثر من موضع في كتابه (معاني القرآن وإعرابه) فممَّا قاله في الجزء الثالث ص 288: "والأجود اتباع القرَّاء ولزوم الرواية، فإن القراءة سنة، وكلما كثرت الرواية في الحرف وكثرت به القراءة فهو المتبع، وما جاز في العربية ولم يقرأ به قارئ فلا تقرأن به، فإن القراءة به بدعة، وكل ما قلَّت فيه الرواية وضعف عند أهل العربية فهو داخل في الشذوذ، ولا ينبغي أن تقرأ به"، (وانظر أيضاً ص 45 من الجزء الأول من كتاب الزجاج هذا، ففيه كلام عال نفيس عن اتباع السنة والرواية في قراءة القرآن الكريم).
وقال القرطبي في تفسيره 5/4: "والقراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم تواتراً يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فمن ردَّ ذلك فقد ردَّ على النبيّ صلى الله عليه وسلم، واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تُتَلقى من النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يشك أحد في فصاحته".
فإذا ثبت هذا - وهو ثابت إن شاء الله - فإن كلتا القراءتين في آية سورة الحجرات مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما في اصطلاح القراء قراءتان سبعيتان، بأيهما قرأ القارئ أصاب السنة وأحرز الأجر، وليست إحدى القراءتين مصحَّفة عن الأخرى، تعالى الله وتعالى كلامه عما يقولون علواً كبيراً.
وقد قرأ "فتبيَّنوا" بالتاء الفوقية والباء الموحدة والياء التحتية والنون: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر، وقرأ "فتثبتوا" بالتاء الفوقية والثاء المثلثة والباء الموحدة والتاء الفوقية: حمزة والكسائي، قال الإِمام الجليل أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: "والقول عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قَرَأَة المسلمين بمعنى واحد، وإن اختلفت بهما الألفاظ، لأن "المتثبت" متبيَّن، و "المتبين" متثبت، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب صواب القراءة في ذلك" تفسير الطبري 9/81 (وراجع: السبعة في القراءات لابن مجاهد ص 236، والحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي 3/173، وإعراب القراءات السبع وعللها لابن خالويه 1/136، والكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب 1/394، والنشر في القراءات العشر لابن الجزري 2/251، والبحر المحيط لأبي حيان النحوي 3/328، والدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي 4/73)
ويُلاحَظ أن علماء القراءات والاحتجاج يذكرون هاتين القراءتين عند الآية 94 من سورة النساء وهي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا}، وعند آية سورة الحجرات المذكورة يحيلون على موضع سورة النساء، وهذا هو منهجهم إذا تكررت القراءة، يذكرون اختلاف القراء في الموضع الأول، ثم يحيلون في الموضع الثاني إليه.
أرأيت أيها القارئ الكريم - نفعك الله بما تقرأ، وعمر قلبك باليقين، وأزال عنك الشبهة، وجنَّبك الضلالة، وحرسك بالتوفيق - هذا هو القول الحق في القراءتين: "فتبيَّنوا- فتثبَّتوا" قراءتان صحيحتان مرويتان بالسند الصحيح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا دخل للتصحيف أو التحريف فيهما، ولكل قراءة محملٌ ووجهٌ من العربية، يذكرهما أهل الاحتجاج من علماء القراءات والعربية، لكن هؤلاء العلماء - وهذا مهم جداً - لا يحتجون للقراءة إلا بعد ثبوتها رواية، وقد ذكر مكي بن أبي طالب - وهو من علماء الفن - ضوابط القراءة المقبولة، وحصرها في ثلاث:
1- أن ينقلها الثقات عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
2- أن يكون لها وجه صحيح شائع من العربية.
3- أن تكون موافقة لخط المصحف الإِمام، أي الرسم العثماني. (راجع الإِبانة عن معاني القراءات ص 18) ونظم ذلك الإِمام ابن الجزري في مقدمة منظومته المسمَّاة: طيِّبة النشر في القراءات العشر، قال رحمه الله:

فكل ما وافق وَجْهَ نحوِ ... وكان للرسم احتمالاً يحوي
وصحَّ إسناداً هو القرآنُ ... فهذه الثلاثة الأركانُ
وبعد: فيا أيها الوزير الفاضل الهُمام الأستاذ الدكتور حسين كامل بهاء الدين، راعي التعليم في ديارنا المصرية: صبَّحك الله بكل خير إن قرأت هذا الكلام في الصباح، وختم يومك بكل خير إن قرأته في المساء، لقد أسعدتنا وأثلجت صدورنا حين أعلنت في صحيفة الأهرام أنك ستعاقب كل من اشترك في وضع أو مراجعة أو تقييم سؤال البلاغة الخاطئ، واليوم أسالك بل أطالبك - وأرجو أن تتقبل مني هذا التعبير برحابة صدرك المعروفة وسماحة وجهك المألوفة - نعم أطالبك أن توقع اشد العقاب وأقساه على من تجرأ على كتاب الله، وأقحم هذه الآية الكريمة: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} في الاعتذار عن خطأ لا يُعتذر عنه ولا يُتسامح فيه.
نعم أطالبك يا معالي الوزير النبيل بتوقيع هذه العقوبة وإعلانها في صدر صحفنا الكبرى، لأن الأمر يتصل بكتاب ربنا عزَّ وجلّ، وهو أعز ما نملك، ثم هو من قبل ومن بعد كتاب العربية الأكبر.
وفَّقك الله وأنجح أعمالك كلها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* * *

السيرة الذاتية.. والصدق مع النفس (2)
[1]
كتب الأستاذ صلاح عيسى في عدد الهلال "مايو 1995" كلمة، جعل عنوانها: "السيرة الذاتية، السؤال الذي لم يجب عنه أحد"، وقد عرض في هذه الكلمة لقلة كتب السيرة الذاتية في المكتبة العربية، ورد هذا إلى أننا "نحن العرب نعيش في ظل منظومة معلنة من القيم الخلقية الاجتماعية تتصف بالتزمت، ونتظاهر جميعاً باحترامها، مع أنها تتناقض عادة مع منظومة القيم الخلفية الفردية التي يؤمن بها كل منا، ويمارس حياته على أساسها، ومع ذلك فهو يحرص على أن يقدم نفسه للآخرين في الصورة التي تكفل رضاءهم عنه، بصرف النظر عن حقيقته، حتى أصبح ذلك قاعدة يقنِّنها المثل الشعبي الذي يقول: "كل ما يعجبك، والبس ما يعجب الناس"، ثم استطرد بعد ذلك إلى صور من النفاق الاجتماعي، قال عقبها: "وهذا هو الذي جعل الأدباء والساسة العرب يعزفون عن كتابة سيرهم الذاتية بنفس الصراحة والصدق اللذين كتب بهما جان جاك روسو اعترافاته".
وهذا كلام يردده الناس كثيراً، ويعجبون به، ويرضون عن قائله، لكني قبل أن أستطرد إلى مناقشته وبسطه والزيادة فيه أحب أن أوضح أن المثل الشعبي "كل ما يعجبك، والبس ما يعجب الناس" ليس كما فهم الكاتب الفاضل مسوِّغاً "ولا تقل مبرراً" للنفاق الاجتماعي، وإرضاء الناس ليس غير، وإنما معناه عندي: أن يحرص الإِنسان في ملبسه على رعاية الذوق العام، وعدم مصادمة العرف الاجتماعي، وإن لم يصح هذا الفهم والتفسير يكون الكلام ساقطاً لا محالة، لأن إنساناً مهما جهد واجتهد لا يستطيع أن يلبس لباساً يرضي كل الناس.
مثل قديم:
وقد ذكر هذا المثل أحمد باشا تيمور، في كتابه الأمثال العامية، صفحة 404، وقال في تفسيره: "لأن ما تأكله تابع لشهوة نفسك، وأما ما تلبسه فالمراد به التزين للناس، فليكن على ما يعجبهم". وأرى أن أحمد تيمور قد قصَّر أيضاً في بيان حقيقة معنى هذا المثل، حين أغفل قضية رعاية الذوق العام، وعدم مصادمة العرف الاجتماعي، وهما المقصد والغاية من هذا المثل.
فائدة: قد يظن بعض الناس أن هذا المثل الشعبي: "كل ما يعجبك، والبس ما يعجب الناس" مثل معاصر، أو قريب من المعاصرة، والحقيقة أنه كلام قديم عمره نحو "1400 سنة" فهو من كلام أبي عمرو بن العلاء، إمام العربية، وأحد القراء السبعة، المتوفى 154هـ، مع اختلاف في بعض العبارات، فقد رُوي أنه نظر إلى بعض أصحابه وعليه ثياب مُشَهَّرة، فقال: "يا بني، كل ما تشتهي والبس ما يشتهي الناس"، والثياب المُشَهَّرة: الفاضحة المفضوحة، وقد نظم هذا المثل بعض الشعراء القدامى، فقال:
إن العيون رمتك من فجَآتها ... وعليك من شُهْرِ اللباس لباسُ
أما الطعام فكُل لنفسك ما اشتهت ... والبَس ثيابك ما اشتهاه الناس
(انظر: المثل والشعر في لطائف الظرفاء، للثعالبي ص 52، وبهجة المجالس لابن عبد البر 2/58، والكشكول، لبهاء الدين العاملي 2/404)
ثم لنعد إلى ما فتحه أمامنا الأستاذ صلاح عيسى، فأقول: إن حب النفس مركوز في الطباع، ثابت في أصل الخلقة، فطرة فطر الله الناس عليها، يستوي فيها العربي والعجمي. ولا بأس على الإِنسان أن يستر عيوب نفسه، ما دام ذلك الستر لا يضر غيره بإبطال حق أو إحقاق باطل، وما أصدق كلمة الأستاذ إحسان عبد القدوس رحمه الله: "إني لا أكذب ولكن أتجمل"، فالتجمل مطلوب، أما الكذب فمرفوض، ومن أسوأ مظاهر الكذب: الكذب مع النفس، بأن يطوي الإِنسان نفسه على شيء، ويقابل الناس بشيء آخر، وهو داء معروف في كل الأزمان والعصور، لكنه زاد في أيامنا هذه، لأسباب ودواعٍ كثيرة، يعرفها الناس ولا يجهلونها.
على أن بعض الناس قد يتظاهر بأنه يجري في طريق الإِنصاف وهضم النفس، فيزعم أنه يعرض على الناس شيئاً من عيوبه ومساوئه، ولكنه يترفق في ذلك ترفقاً واضحاً، بل إنه يخادع، فيقول: إن من أشد عيوبي الثقة الزائدة بالناس، أو إن من مساوئي التفريط في حقوقي، وبذل حبي لمن لا يستحقه من الناس، وهذه كلها ضروب وألوان من خداع النفس، لأنه كلام صدره ذكر العيوب والمساوئ، وعجُزه ضارب في مدح الذات بعروقه، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، كما يقول سادتنا البلاغيون، ولعل كثيراً من السير الذاتية التي نقرأها في هذه الأيام من هذا الباب، فضلاً عما في بعضها من ثلب للآخرين وتجريحهم.
على أننا لا ننتظر ممن يكتبون سيرتهم الذاتية أن يكشفوا لنا عن عيوبهم الفاضحة، ويطلعونا على عوراتهم ومساوئهم القادحة، لأن هذا يصادم موروثاتنا الدينية وأعرافنا الأخلاقية، ثم إنه من النبالة والمروءة أن تسكت أنت عن ذكر سوءاتك، ويسكت الناس عن ملاحقتك واستنطاقك بما تكره، وفي هذا وذاك نعود إلى موروث ديني:
فمن الأول: ما أخرجه مسلم في صحيحه "باب النهي عن هتك الإِنسان ستر نفسه من كتاب الزهد والرقائق" من حديث أبي هريرة، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل أمتي معافاة إلا المجاهرين، وإن من الإِجهار أن يعمل العبد بالليل عملاً، ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول: يا فلان، قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، فيبيت يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ص 2291.
ومن الثاني: ما أخرجه أحمد في مسنده، من حديث أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته"، مسند أحمد 4/421، وأخرجه مرة أخرى من حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلفظ: "لا تؤذوا عباد الله ولا تعيِّروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته"، مسند أحمد 6/279.
أما ما يطلبه الأستاذ صلاح عيسى، من أن يكتب العرب سيرهم الذاتية بنفس الصراحة والصدق اللذين كتب بهما "جان جاك روسو" اعترافاته، فهذا ليس عدلاً، وليس إنصافاً، مع ما فيه من إغفال للموروث الديني، فجان جاك روسو ومَنْ إليه من سائر القوم يرجع إلى بيئة مختلفة عن بيئتنا، وأعراف اجتماعية مباينة لأعرافنا، وموروث ديني يغاير موروثنا.
وليس يخفى أن مصطلح "الاعترافات" عند القوم له دلالة خاصة ترتكز على أساس ديني، وتتطلب إجراءات ووسائط يعرفها الناس، أما في موروثنا الديني فالأمر في غاية اليسر والسهولة، فما عليك إلا أن تكاشف نفسك في لحظة صدق، وحدك منفرداً، تبسط أخطاءك وخطاياك أمام عينك، ناوياً البراءة منها، والخلاص من أثقالها، طالباً من ربك - ليس بينك وبينه حجاب - العون على تجاوزها، معاهداً له على عدم العودة إليها، فإذا صح منك العزم واستجبت للبراءة والتوبة في ظاهر أمرك وباطنه، خرجت من ذنوبك كلها كيوم ولدتك أمك، وليس للناس بعد ذلك حاجة في أن يعرفوا ما كان منك وما صرت إليه، فحسبهم منك الوجه الطيب والعمل الزاكي.
ويبقى في كلام الأستاذ صلاح عيسى ما ينبغي الوقوف عنده، والاحتفال به، وهو "الصدق" فيما يكتبه الناس من سيرهم الذاتية.

والصدق فضيلة الفضائل، وعنوان الشرف والكمال، به يسمو الإِنسان أمام نفسه، وعليه يعظم في أعين الناس وإليه يعود صلاح المجتمع، وجاء في الأثر: "الصادق يعطى ثلاث خصال: المُلْحة والمحبة والمهابة"، والمُلْحة بضم الميم وسكون اللام: البركة، يقال: كان ربيعنا مملوحاً فيه: أي مخصباً مباركاً. (النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 4/354، روي شبيهه عن الزاهد الكبير يوسف بن أسباط قال: "للصادق ثلاث خصال: الحلاوة والملاحة والمهابة"، سير أعلام النبلاء، للذهبي 9/170.)
وبعض الذين يكتبون سيرهم الذاتية يستطردون مع شهوة الحديث عن النفس إلى ذكر محاسن ومآثر لهم، في مواقف ووقائع، يضخِّمونها وينفخون فيها، غير مدركين أن هناك من الناس من شهد هذه المواقف، وعاش تلك الوقائع، وغير متنبِّهين إلى أنهم ربما نقضوا كلامهم ذلك في مكان آخر مما كتبوه في سيرهم الذاتية أو في غيرها، فكان واجباً عليهم أن يتذكروا هذا المثل الحكيم من أمثال العرب: "إن كنت كذوباً فكن ذَكوراً"، ويروى: "كن ذكوراً إذا كنت كذوباً" مجمع الأمثال للميداني 1/74، 2/173، وقد نظمه شاعر فقال:
تكذب الكذبة جهلاً ... ثم تنساها قريبا
كن ذكوراً للذي ... تَحْكي إذا كنت كذوبا
جمهرة الأمثال، لأبي هلال العسكري 2/396.
وأعلى مراتب الصدق: الصدق مع النفس، ومظاهر الصدق مع النفس كثيرة، وجماعها ألَّا يخالف الطاهر الباطن، وألا يصادم السر العلن.
ويقرأ الناس في تراثنا، على اختلاف علومه وفنونه، كلاماً كثيراً، منظوماً ومنثوراً، عن الصدق وفضائله، في نصوص عالية موثقة، لكنها تظل نصوصاً مجردة، يصدقها من يصدقها، ويكذبها من يكذبها، وتبقى ممارسات الناس وحدها شاهداً ودليلاً على التزامهم أبواب الصدق، وتحريهم وجوهه ودروبه.

الجزئي دون الكلي!
وهذه الممارسات مطروحة في كتب التاريخ: تراجم وأحداثاً، وفي كتب الأدب والأخبار، بل في سائر ما كتبه العرب في علومهم المختلفة، ومن المؤسف أن هذه الممارسات التي تمتلئ بها كتبنا ومعارفنا لا يقف الناس الآن عندها كثيراً بحسن التأمل والنظر، بل إنها عند بعض الناس ألوان من النوادر والمسامرات التي تستخرج الضحك ليس غير، بل إن بعضهم قد يسرف في "التفلسف" فيرى أنها ممارسات مصنوعة، في أخبار يراد بها إضحاك الخلفاء والملوك، للحظوة عندهم وأخذ عطاياهم، وأن هذه الممارسات والأخبار إن صدقت فهي لا تخرج عن اهتمام العقل العربي بالجزئي دون الكلي، وهو كلام قد مللنا من الرد عليه، وهو في جملته لا يدل إلا على عدم المعرفة بكتبنا وتاريخنا.
ولو أردتُ أن أكتب لك أيها القارئ الكريم ما وقفتُ عليه من هذه الممارسات المطروحة في الأخبار، لاحتجت إلى مجلَّدات وأسفار، فحسبي أن أجتزئ هنا ببعضها، لكن لي عليك أيها القارئ العزيز شرط واحد: هو أن تعطي هذه الأخبار حظها من التأمل والتدبر، وأن تنتبه لذلك الخيط الذي يربط بينها، وسيُفضي بك هذا الخيط - إن شاء الله - إلى روح هذه الحضارة العربية القائمة على الصراحة والوضوح، وشرط آخر: ألا تظن أني أريد أن أسلِّيك أو أضحكك بهذه النوادر، وإن كنت أدعو لك أن يضحك الله سنك، ويبسط أساريرك.
وبعض هذه الأخبار مما وعته صدور الرواة من عربية الجاهلية، وكثير منه من عربية الإِسلام.
وإذا كانت مظاهر صدق النفس كثيرة، وصورها شتى، فإن أولاها بالعناية وأحقها بالتأمل: ما يتصل منها بالاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الصواب، والإِنصاف في الحكم، ولو كان مما يجر إلى الانتقاص من النفس، وهو ما يسميه الناس الآن: الموضوعية ونقد الذات.

ومن أقدم ما عُرف من صور الإِنصاف في تاريخنا الأدبي، ما يسمى في تاريخ الشعر بالمنصفات، ويسميها الجاحظ "الأشعار المنصفة " البيان والتبيين 4/23. والأشعار المنصفة: "هي القصائد التي أنصف قائلوها أعداءهم فيها، وصدقوا عنهم وعن أنفسهم فيما اصطلَوْه من حَرِّ اللقاء، وفيما وصفوه من أحوالهم في إمحاض الإِخاء"، خزانة الأدب للبغدادي 8/327.
فالشاعر المنتصر لا يغره انتصاره فينسيه ما رآه من عدوه من بسالة في الطعن والضرب والرمي، فهو يزهو بانتصاره، لكنه يعترف لعدوه بالثبات والجلد، وهذا هو خلق الفرسان، وقد جمع الأستاذ عبد المعين الملوحي ست قصائد من هذه الأشعار المنصفة، ثم ضم إليها بعض المقطوعات الشعرية في الإِنصاف، وقدم لذلك كله بشيء من الدراسة التحليلية لهذا اللون من الشعر العربي، وقد صدر هذا العمل عن وزارة الثقافة والسياحة والإِرشاد القومي بدمشق 1967م.
أما الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الصواب ففي تاريخنا منه الكثير مكتوباً في أخبار، وممارساً في وقائع، واكتفي هنا بخبرين من تاريخ الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الأول من رسالته الشهيرة في القضاء التي بعث بها إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو على قضاء البصرة، وفيها يقول: "لا يمنعنّك قضاء قضيتَه اليوم، فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل"، الكامل للمبرد 1/20.
فهذا خبر عن عمر، في الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الصواب، ثم تأتي ممارسة عمر نفسه تصديقاً له في ذلك الخبر الذي يرويه المفسرون في سياق تفسير الآية 20 من سورة النساء، وأصحاب السنن في أبواب النكاح. ففد روي أن عمر خطب يوماً فقال: "لا تغالوا صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، كان أولاكم وأحقكم بها محمد صلى الله عليه وسلم، ما أصدق امرأة من نسائه ولا أُصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليُثقل صدُقة امرأته - أي مهرها - حتى يكون لها عداوة في نفسه"، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا! أليس الله سبحانه وتعالى يقول: {وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر، وفي رواية: "فأطرق عمر، ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر!"، وفي أخرى: "امرأة أصابت ورجل أخطأ، وترك الإِنكار" تفسير القرطبي 5/99، وسنن ابن ماجه (باب صداق النساء، من كتاب النكاح) ص 607، والمصنف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (باب غلاء الصداق، من كتاب النكاح) 6/175.
وهذا باب آخر من أبواب صدق النفس، وهو الصبر على تلك الأجوبة المسكتة التي يواجه بها مشاهير الرجال، من أوساط الناس وضعفائهم، وفي تلك الأجوبة أحياناً ما يكون مثل لذع النار أو نهش الأفاعي، يصبر لها كبار النفوس، لأنها تردهم إلى الحق، وتعيدهم إلى الصواب، وبعض من ذلك يسميه الناس الآن: الديمقراطية، يكتب الناس عنها كثيراً، ويمارسونها قليلاً.
ومن ذلك ما رواه الزمخشري، قال: حبس عمرو بن العاص عن جنده العطاء (أي الرواتب) فقام إليه رجل حِمْيري، فقال: أصلح الله الأمير، اتخذ جنداً من حجارة لا يأكلون ولا يشربون! قال عمرو: اسكت يا كلب، قال: إن كنت كذلك فأنت أمير الكلاب! فأطرق عمرو، وأخرج أرزاقهم (أي رواتبهم). ربيع الأبرار 1/690.
وحدَّث محمد بن حبيب، قال: أخبرني ابن الأعرابي، قال: شهد أعرابي عند معاوية بشهادة، فقال له: كذبت! فقال الأعرابي: الكاذب المتزمل في ثيابك! فقال معاوية وتبسم: هذا جزاء من عجل. الهفوات النادرة للصابي ص 355، وربيع الأبرار 1/665.
وروي عن الفرزدق انه قال: ما استقبلني احد بمثل ما استقبلني به نبطي - والنبط: جيل من الناس كانوا ينزلون سواد العراق، ثم استعمل في أخلاط الناس وعوامهم - قال: أنت الفرزدق الذي يمدح الناس ويهجوهم ويأخذ أموالهم؟ قلت: نعم، قال: أنت في الكنيف من قدمك إلى أنفك، قلت: لم حاشيت العينين؟ قال: حتى ترى هوان نفسك، يقول الفرزدق: فبُهِتُّ. ربيع الأبرار 1/711.
وروي عن الجاحظ قال: "ما خجلتني إلا امرأة، حملتني إلى صائغ، فقالت: مثل هذا، فبقيت مبهوتاً، فسألت الصائغ، فقال: هي امرأة استعملتني (أي طلبت مني أن أعمل) صورة شيطان، فقلت: لا أدري كيف أصوره، فأتت بك، فقالت: مثله" أي اصنع مثله. ربيع الأبرار 1/853، ومعلوم أن الجاحظ كان دميماً قبيح الوجه.
صحة العقل:
وروي أن المحدث الجليل سفيان بن عيينة بكى يوماً، فقال له يحيى بن أكثم: ما يبكيك يا أبا محمد؟ قال: بعد مجالستي أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بليت بمجالستكم! فقال له يحيى - وكان حدثاً-: فمصيبة أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من مصيبتك! قال: يا غلام، أظن السلطان سيحتاج إليك، ربيع الأبرار 1/669، ويريد سفيان أن يصف يحيى بصحة العقل حين أحسن الدفاع عن نفسه وعن أبناء جيله، ثم رد المذمة عليه، وأن مثله جدير بأن يتخذه السلطان عوناً وسنداً، وفي رواية أخرى أن يحيى بن أكثم حين سمع هذا الكلام من سفيان بن عيينة قال له: أتنصف يا أبا محمد؟ قال: إن شاء الله، قال له: والله لشقاء من جالس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بك أشد من شقائك بنا، فأطرق وتمثل بشعر أبي نواس:
خل جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام
تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 14/193.
وقد ألَّف غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال الصابي المتوفى (480هـ)كتاباً سمَّاه "الهفوات النادرة" جمع فيه أخباراً عن سقطات الناس وأخطائهم التي أوقعتهم فيها الغفلة وسوء التقدير، وكان أول خبر يورده من ذلك ما وقع فيه هو نفسه، يقول: "فأول ما أبدأ به ما خصَّني منه، وهو أنني كنت جالساً وإلى جانبي أبو سعد القادسي، أحد المتفيهقين المتشدقين، وجرى ذكر بعض ثقلاء الزمان المتعسّفين، فقلت مسرعاً متبرعاً: إنه ليشبه ابن القادسي فيما يتعاطاه، مما يتجاوز فيه الصواب ويتخطاه. ثم استيقظت من رقدة زلتي، وانتبهت لهفوتي..
ثم ذكر بعد ذلك استدراكه على هذا الخطأ بتوجيه القول بعيداَ عن ابن القادسي.
ولم أرَ في أدباء هذا الزمان من يكثر من الاعتراف بخطئه، والتنويه بمن دله على وجه الصواب، من شيخنا أبي فهر محمود محمد شاكر، وهو كثير عنده، ومنه ما ذكره في المستدرك بآخر كتاب إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع، للمقريزي المتوفى (845 هـ)، فقد صحح ما ورد في ص 216 من الجزء الأول، من قوله: "لم أجد ذكر أبي عامر الفاسق في حديث بعد خبره يوم أُحد، إلا خبر موته عند هرقل، وذلك عام حجة الوداع"، فقال في الاستدراك: "وهذا خطأ مني، فيه نسيان وعجلة، إذ ليس يخفى خبر أبي عامر الفاسق في أمر مسجد الضرار".
فلم يكتف بنسبة الخطأ إلى نفسه حتى ضم إليه النسيان مقروناً بالعجلة، وهذا منهج شيخنا في كتاباته كلها، وفي تحقيقاته أيضاً، وإنما ذكرت هذا المثال بعينه، لأن كلام شيخنا هذا كان في سن الشباب، وهو زمن الخُيلاء والتيه، فقد صدر الجزء الأول من كتاب المقريزي سنة 1940م.
نواصل في المقال القادم كلام الناس، وصدقهم في الإِبانة عن دخائل نفوسهم.
* * *


السيرة الذاتية.. والصدق مع النفس (3)
[2]

أثار الأديب صلاح عيسى سؤالاً محدداً حول "السيرة الذاتية"، وهو السؤال الذي لم يُجب عليه أحد، وتحدثنا في العدد الماضي من الهلال عن مدى الصدق مع النفس من الذين يكتبون سيرهم الذاتية، وهل يذكرون العيوب والنقائص بجانب ذكرهم للمحاسن والمآثر، واستعرضنا ألوان السير الذاتية وصور الاعترافات ومدى صدقها من زيفها.
وفي هذا المقال نتناول نماذج من كلام الناس وصدقهم في الإِبانة عن دخائل نفوسهم، ومدى حرصهم على الحديث عن جوانب الضعف والقوة في شخصياتهم.
ونترك باب الأجوبة المسكتة، وباب الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الصواب، ودلالة ذلك كله على صدق النفس، وننظر ونتأمل في كلام الناس عن ذواتهم، وصدقهم في الإِبانة عن دخائل نفوسهم وما تنطوي عليه قلوبهم، غير هيَّابين ولا وجلين، ولو كان ذلك في ظاهره مما يصادم العقيدة، أو يخالف المذهب.
روي أن عبد الله بن الزبير قطع ذِكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة جُمعاً كثيرة، فاستعظم الناس ذلك، فقال: إني لا أرغب عن ذكره، ولكن له أُهَيْل سوء )تصغير أهل) إذا ذكرته اتْلَعوا أعناقهم (أي مدوها ورفعوها)، فأنا أحب أن أكبتهم" (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 20/127) وروي انه قال: والله ما تركت ذلك علانية إلا وأنا أقوله سرّاً وأكثر منه.
ومن هذا الباب أيضاً ما روي أن علويّاً قال لأبي العَيْناء: اتبغضني وقد أمرت بالصلاة عليَّ؟ تقول: صلَّى الله على محمد وآله. قال أبو العيناء: إني أقول: "الطيِّبين الأخيار" فتخرج أنت. ربيع الأبرار 1/717.
وأبو العيناء هذا: اسمه محمد بن القاسم، كان أديباً فصيحاً، من ظرفاء الدنيا، ومن أسرع الناس جواباً، اشتهر بنوادره ولطائفه، وكان ذكيّاً جداً، حسن الشعر، مليح الكتابة والترسل، خبيث اللسان في سب الناس والتعريض بهم، نشأ بالبصرة وتوفي بها سنة 283، كُفَّ بصره بعد بلوغه أربعين سنة، قال عنه الخليفة العباسي المتوكل. لولا أنه ضرير لنادمته، فبلغه ذلك فقال: إن أعفاني من رؤية الأهلة وقراءة نقوش الفصوص، فأنا أصلح للمنادمة (وَفَيَات الأعيان لابن خلكان 4/345، والأعلام للزركلي 7/226).
وروي عن الجاحظ أنه قال: كان رجل من أهل السواد - والسواد: ناحية بالعراق افتتحها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب، سميت بذلك لكثرة الزروع والنخيل والأشجار بها، والعرب تسمي الخضرة سواداً - كان هذا الرجل يتشيع، وكان ظريفاً، فقال ابن عم له: "بلغني انك تبغض عليّاً عليه السلام (أي تدعو الناس إلى بغضه وكراهيته) والله لئن فعلت لتردن عليه الحوض ولا يسقيك! قال: والحوض في يده يوم القيامة؟ قال: نعم، فقال: وما لهذا الرجل الفاضل يقتل الناس في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالعطش؟ فقيل له: أتقول هذا مع تشيعك ودينك؟ قال: والله لا تركت النادرة ولو قتلتني في الدنيا، وأدخلتني النار في الآخرة"، معجم الأدباء لياقوت الحموي ص 2108 (طبعة الدكتور إحسان عباس، وهي طبعة عظيمة فاقت الطبعتين السابقتين: طبعة مرجليوث، وطبعة فريد رفاعي).
ومن باب الصدق مع النفس أيضاً قول دعبل بن علي الخزاعي، الشاعر المعروف المتوفى 246 هـ: "ما كانت لأحد قط عندي منَّة إلا تمنيت موته" الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني 20/137، ولا تستبشع هذا القول من ذلك الشاعر، فهو رجل صادق، يستثقل منن الناس عليه، ويراها قيوداً على لسانه وعقله، وكثير من الناس يستصحب هذا الشعور، دون أن يصرّح به، بل إن بعض الناس يأنف من السؤال ويطوي نفسه على الحرمان مخافة المنع والخذلان، تقول الصوفية الكبيرة أم علي امرأة أحمد بن خضرويه البلخي المتوفى 240هـ: "فَوْت الحاجة أيسر من الذل فيها"، كتاب ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات لأبي عبد الرحمن السلمي ص 77، وقال شاعر:
لا تحسبن الموت موت البلى ... وإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت ولكنّ ذا ... أشد من ذاك على كل حال
الحيوان للجاحظ 3/131، ودلائل الإِعجاز لعبد القاهر ص 256.
ويبقى أن تلاحظ أيها القارئ الكريم -رجوعاً إلى الخبر السابق - أن أبا الفرج الأصبهاني ودعبلاً الخزاعي كلاهما شيعي، ولم تمنع هذه الجامعة بينهما أبا الفرج من ذكر ذلك الخبر الذي قد يسيء إلى صاحبه على نحو ما. وهذا من باب الصدق أيضاً.
الصراحة الكاشفة:
وهذا أبو العباس المبرد المتوفى 285هـ وهو أحد أئمة العربية، كان معروفاً بالبخل، وكان هو يظهر ذلك للناس ولا يكتمه، يقول الوزير القفطي: "وكان المبرد ممسكاً بخيلاً، يقول: لا وزنت شيئاً بالدرهم إلا ورجح الدرهم في نفسي، هذا مع السعة التي كان فيها"، إنباه الرواة على أنباه النحاة 3/249.
وقصة المبرد هذه مع ما يشاكلها تعطيك دلالة أخرى؟ لأن الذي يتحدث عن نفسه بهذه الصراحة الكاشفة يصدق في كل ما يلقيه عليك بعد ذلك، لأن الشخصية لا تتجزأ، كما يقول الناس في هذه الأيام، ومن هنا تثق في كل ما كتبه أبو العباس المبرد: في كتابه الكامل في الأدب والأخبار، وكتابه المقتضب في النحو، وكتابه في التعازي والمراثي.
ومع تظاهر كثير من الناس بالزهد في المال وعدم الحرص عليه، نرى الإِمام الجليل سفيان بن سعيد الثوري المتوفى (161هـ) وهو إمام الحفاظ، وأمير المؤمنين في الحديث، يقول: "لأن أخلف عشرة آلاف درهم، يحاسبني الله عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس"، وروي أنه سُئل مسألة وهو يشتري شيئاً، فقال: "دعني فإن قلبي عند درهمي"، وروي عنه أنه قال: "كان المال فيما مضى يُكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن"، ونظر إليه رجل، وفي يده دنانير، فقال: يا أبا عبد الله، تمسك هذه الدنانير؟ قال: اسكت، فلولاها لتَمَنْدَلَ بنا الملوك.
"كأنه يريد: اتخذونا مناديل يمسحون بها وجوههم وأيديهم"، سير أعلام النبلاء، للذهبي 7/241، يقول سفيان الثوري هذا كله، وهو سيد العلماء العاملين في زمانه، وهو القائل أيضاً: "ما وضع رجل يده في قصعة رجل إلا ذل له".
وهذا الأحنف بن قيس، العالم الكبير المتوفى (71هـ) وهو أحد من يُضرب بحِلمه وسؤدده المثل يقول: "كذبت مرة واحدة، سألني عمر بن الخطاب عن ثوب: بكم أخذته؟ فأسقطت ثلثي الثمن"، سير أعلام النبلاء للذهبي 4/89.
وكان للأحنف هذا ولد، يقال له: بحر، وبه كني، وكان مضعوفاً (أي قليل العقل خاملاً) فقيل له: لم لا تتأدب بأخلاق أبيك؟ فقال: الكسل"، وفيات الأعيان لابن خلكان 2/506. وهذا من باب الصدق مع النفس أيضاً.
وهذا رجل يحب الشهرة وبعد الصيت، ولو ركب لهما الصعب، فيروى عن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء، المقرئ المحدث الحنبلي المتوفى (471هـ) أنه قال: "هل ذكرني الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" في الثقات أو مع الكذابين؟ قيل: ما ذكرك أصلاً، فقال: ليته ذكرني ولو مع الكذابين"، سير أعلام النبلاء للذهبي 18/381، والإِعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، لشمس الدين السخاوي ص 33.

على أنه ينبغي التنبه الدائم للفرْق الدقيق بين صراحة هؤلاء الناس، وصدقهم في الإِبانة عن أنفسهم، وبين كشف العيوب القادحة، ونشر المساوئ الفاضحة، التي تدخل في باب العورات، وهو ما نُهينا عن الحديث عنه، أو تتبعه واستقصائه، كما ذكرت في صدر هذه الكلمة، وضُم إليه ذلك الحديث العظيم الذي أخرجه الإِمام مالك، وهو حديث من اعترف على نفسه بالزنا، وفي آخره يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه الحد" الموطأ (باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا، من كتاب الحدود) ص 825.
ومن أحلى وأعذب صور الصدق مع النفس وإرسالها على سجيتها: قصة ذلك المحدث الجليل إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو إسحاق القرشي الزهري العوفي المدني، المتوفى (183 هـ) كان حافظاً كبيراً، وإماماً ثقة حجة، يقول الحافظ الذهبي في ترجمته من سير أعلام النبلاء 8/272: "وكان ممن يترخص في الغناء على عادة أهل المدينة، وكأنه ليم في ذلك، فانزعج على المحدثين، وحلف أنه لا يحدث حتى يغني قبله"، أي قبل التحديث.
وروى الخطيب البغدادي هذا الخبر، برواية أخرى، قال: "وسُئل عن الغناء فأفتى بتحليله، وأتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع منه أحاديث الزهري، فسمعه يتغنى، فقال: لقد كنت حريصاً على أن أسمع منك، فأما الآن فلا سمعت منك حديثاً أبداً، فقال: إذاً لا أفقد إلا شخصك، عليّ وعليّ - يقصد الحلف بالطلاق - إن حدثت ببغداد ما أقمت حديثاً حتى أغني قبله... وذكر أن هذه القصة بلغت الرشيد، فاستدعاه، ودعا له بعود فغناه:
يا أم طلحة إن البين قد أفدا ... قل الثواء لئن كان الرحيل غدا
تاريخ بغداد 6/84، وهذا البيت لعمر بن أبي ربيعة، وروايته في ديوانه ص 391: "ألمم بزينب إن البين قد أفدا". ومعنى "أفد" دنا وقرب موعده.

فهذا محدث فنان. ومما يشاكل هذا الباب ما رواه الذهبي أيضاً، عن علي بن حرب الطائي المتوفى (265هـ) قال: سمعت أبي يقول: أحب أن تكون لي جارية في غُنج سفيان بن عيينة إذا حدث"، سير أعلام النبلاء 8/404 (والغنج في المرأة: حسنها وتدللها وترققها في الكلام).
ومثل هذه الأخبار ينبغي أن تفهم على حقيقتها، وهي أن القوم الذين كانوا يروون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يروونه بانبساط نفس، وانشراح صدر (يعني في تعبيراتنا المصرية: يروونه بمزاج)، أما الورع الكاذب، والخشوع المصطنع فلا وجود له في عقيدتنا ولا في حضارتنا، واقرأ إن شئت كتاباً واحداً في آداب وأعراف التحديث بحديث رسول صلى الله عليه وسلم وهو كتاب "أدب الإِملاء والاستملاء" لأبي سعد السمعاني المتوفى (562هـ) وتأمل على سبيل المثال ما يذكره عن وجوب نظافة المحدث وحسن ثيابه وتطيبه بالعطور حين يجلس لإِملاء الحديث، وما نقله عن علماء الحديث من التعوذ من الثقل والثقلاء.
وهذه صورة من صور الصدق مع النفس، تسجلها كتب التاريخ والأدب، مع أن هذه الصور تجري في ذرائع الشر ومكروه الأخلاق، لأن هذه الكتب وثائق تسجل واقع البشر، فهي لا تنتقي من الأخبار ما يرضي الناس فحسب، وتحجب عنهم ما يسوؤهم، إن كتبنا في التاريخ وسائر المعارف شهود صدق وقضاة عدل.
فهذا "دُوَيد بن زيد بن نَهد" معمر جاهلي قديم، وشعره من قديم الشعر العربي، تقول كتب التاريخ والأدب: إنه جمع أولاده عند موته، ثم قال لهم: "أوصيكم بالناس شرّاً، لا تقبلوا لهم معذرة، ولا تقيلوهم عثرة، أوصيكم بالناس شراً، طعناً وضرباً، وما احتجتم إليه فصونوه، وما استغنيتم عنه فأفسدوه على من سواكم، فإن غش الناس يدعو إلى سوء الظن، وسوء الظن يدعو إلى الاحتراس". راجع أيها القارئ العزيز كتاب المعمَّرين لأبي حاتم السجستاني ص 26، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام ص 31، وأمالي الشريف المرتضى 1/236.

ومن وصايا الشر أيضاً التي سجلتها الكتب: ما وصَّى به أبو النجم العجلي الراجز الشهير المتوفى (130هـ) بناته الثلاث، قال للأولى:
أوصيتُ من برَّة قلباً حِرّا ... بالكلب خيراً والحماة شَرّا
لا تسأمي ضرباً لها وجرّا ... حتى ترى حلو الحياة مرّا
وإن كستك ذهباَ ودُرّا ... والحيُّ عمّيهم بشرِّ طُرّا
وقال للثانية:
سُبِّي الحماة وابهتي عليها ... وإن دنت فازدلفي إليها
وأوجعي بالفهر ركبتيها ... ومرفقيها واضربي جنبيها
يقال: بهته بهتاً: أخذته بغتة، ولعلماء اللغة في قول أبي النجم "ابهتي عليها" كلام كثير انظره في الصَّحاح للجوهري، والتنبيه والإِيضاح عما وقع في الصَّحاح لابن بري، والتكملة والذيل والصلة للصاغاني، وكلها معاجم لغوية.
الفِهْر: بكسر وسكون الهاء: الحجر يملأ الكف.
وقال للثالثة:
أوصيك يا بنتي فإني ذاهبُ ... أوصيك أن تحمدك القرائب
والجار والضيف الكريم الساغب ... لا يرجع المسكين وهو خائب
ولا تني أظفارك السلاهب ... منهن في وجه الحماة كاتب
والزوج إن الزوج بئس الصاحب
والأظافر السلاهب: الطويلة.
وروي أن هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي سمع هذا الشعر من أبي النجم ثم قال له: ما هكذا أوصى يعقوب ولده! قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب، ولا بني كولده! راجع الكامل للمبرد ص 998، والأغاني لأبي الفرج 10/156.
هكذا وصى دويد بن زيد، وأبو النجم. وسبحان خالق الطباع، ومصرِّف القلوب. وما أصدق كتبنا ومؤرخينا في تسجيل الحياة بخيرها وشرها وحسنها وسيئها!

فيا أيها القارئ الكريم، أنار الله بصرك وبصيرتك، اقرأ وتدبر ولا تعجل فترمي هذا الكلام بالوضع والانتحال، فقد عرفنا في زماننا هذا من يوصي أولاده بسوء الظن، والاستيحاش من الناس، والإِمساك دونهم، والحرص على المال بتزيين البخل، فلا زلنا نسمع هذه الأمثال كل يوم: اللي معاه قرش يساوي قرش - اللي معاه قرش ابنه يزمّر - القرش الأبيض ينفع في النهار الأسود - وأنا ما لي يا عم هو أنا خلفته ونسيته - ويبقى ابني على كتفي وأدوّر عليه؟ - ويالله نفسي نفسي - ويا روح ما بعدك روح - واللي يعوزه البيت يحرم على الجامع - وخالتي وخالتك واتفرقت الخالات.
بل سمعنا أشد من ذلك كله في تسويغ البخل والإِعراض عن نجدة الناس والبر بهم، والنظر إلى المصلحة الذاتية فقط، وهو قولهم: "عيش ندل تموت مستور"، فهي هي طبائع البشر في كل زمان ومكان، وإن اختلف التعبير عنها.
أما وصية أبي النجم في التشديد على الحماة والإِغلاظ للزوج، فما زلنا نسمع من هذا وذاك الشيء الكثير، وأظن أنه لا يغيب عنك: "يا مأمنه للرجال يا مأمنه للمَيّه في الغربال"، ولا زلت أذكر ما كنت أسمعه من نساء حي الدرب الأحمر - وهو الحي الذي نشأت فيه -فتقول الأم لابنتها قبل انتقالها لبيت الزوجية: "خلي بالك من المَرَة القرشانة اللي اسمها أمه، إدِّيها على دماغها أول بأول كده، مَتِسْكُتِلْهَاشْ أحسن تركبك"، او تقول لها عن زوجها: "إوعي منُّه، ربنا يستر، والله أنا خايفه، دا باين عليه ابن أمُّه".
أما التوصية بنتف ريش الزوج حتى لا يطير، فلم يعد لها مكان الآن، لأن الزوج أصبح لا ريش له بعد اشتراك الزوجة معه في الوظيفة، ومساهمتها في دخل البيت ومزاحمتها له في اتخاذ القرار، وربنا المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل!
ثم نعود إلى أخبار الصدق مع النفس: فمع حرص خلفاء المسلمين على أن يظهروا للناس وجه العفو والمسامحة، فإن بعضهم كان صادقاً مع نفسه كل الصدق حين أظهر الحزم والمخاشنة وسوء المعاملة، فقد روي أن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب قال للخليفة العباسي المنصور - وكان

ابن أخيه - "لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو! قال: لأن بني مروان - يعني الأمويين - لم تبل رممهم، وآل أبي طالب - يعني العلويين - لم تغمد سيوفهم، ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة - أي من عامة الناس - واليوم خلفاء، فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو، واستعمال العقوبة"، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 267، وهو كلام عال نفيس، فاقرأه مرة أخرى.
أما حديث الشعر في الصدق مع النفس فهو كثير جدّاً، ومنه قول حارثة بن بدر الغُدَاني التابعي الجليل المتوفى (64هـ) وهو ما رواه أبو الفرج الأصبهاني، والشريف المرتضى، قالا: "اجتاز حارثة بن بدر الغداني بمجلس من مجالس قومه من بني تميم، ومعه كعب مولاه، فكلما اجتاز بقوم قاموا إليه وقالوا: مرحباً بسيدنا، فلما ولَّى قال له كعب: ما سمعت كلاماً قط أقرّ لعيني، ولا ألذ بسمعي من هذا الكلام الذي سمعته اليوم، فقال له حارثة: لكني لم أسمع كلاماً قط أكره لنفسي وأبغض إليّ مما سمعته! قال: ولم؟ قال: ويحك يا كعب، إنما سوَّدني قومي حين ذهب خيارهم وأماثلهم، فأحفظ عني هذا البيت:
خلت الديار فسُدت غير مُسَوَّد ... ومن البلاء تفرُّدي بالسؤدد
أرأيت موضوعية وصدقاً ونقداً للذات أبرع من هذا؟ وما أحرى كثيراً من أصحاب المناصب الآن أن يتمثلوا بهذا البيت لو رُزقوا الصدق مع أنفسهم.
وانظر الخبر في الأغاني - ملحق الجزء الثامن ص 242، من طبعة دار الكتب المصرية، وأمالي الشريف المرتضى 1/388، ثم انظر شرح الحماسة لأبي علي المرزوقي ص 807، ففيه كلام عن التوجيه النحوي للبيت، إن كنت تحب النحو، وأود لك أن تحبه.
وهذا البيت الحكيم الذي أنشده وتمثل به حارثة بن بدر، هو من قطعة أوردها أبو تمام في حماسته، ونسبها لرجل من خثعم، لم يذكر اسمه -راجع الموضع المذكور قريباً من شرح الحماسة للمرزوقي - ونسبه ياقوت الحموي، ضمن ستة أبيات، إلى عمرو بن النعمان البياضي، معجم البلدان 1/703، في رسم "البقيع"

ونسبه الجاحظ إلى حارثة بن بدر، فجعله منشئه لا منشده، في الحيوان 3/80، والبيان والتبيين 3/219، لكنه في ص 336 من ذلك الجزء أنشده من غير نسبة.
وقد كثر تمثل أهل العلم بهذا البيت، فيذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد 2/290 عن الهيثم بن عدي قال: لما انفرد سفيان بن عيينة (198هـ) ومات نظراؤه من العلماء تكاثر الناس عليه، فأنشأ يقول: خلت الديار ... البيت. وذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان 4/220، في ترجمة "أبي بكر محمد بن أحمد الحسين الشاشي الفقيه الشافعي (507هـ) أنه يوم جلس على كرسي التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد - وكان قد سبقه إلى التدريس فيها فحول العلماء - وضع منديله على عينيه وبكى كثيراً، وأنشد: خلت الديار ... البيت، قال ابن خلكان: "وهذا إنصاف منه واعتراف لمن تقدمه بالفضل والرجحان عليه".
وروي أن التابعي الجليل إبراهيم بن يزيد النخعي (96هـ) قال: لقد تكلمت، ولو وجدت بداً ما تكلمت، وإن زماناً تكلمت فيه لزمان سوء"، ثم أنشد البيت: خلت الديار... عيون الأخبار لابن قتيبة 1/268، والخبر رواه أبو نعيم الأصبهاني هكذا: "وإن زماناً أكون فيه فقيه الكوفة لزمان سوء"، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 4/223.
وللشعراء وأهل الأدب كلام كثير، في فضيلة كتم السر وصونه وعدم إذاعته، لكن بعض الناس يضيق صدره عن كتمان السر، ويحس أنه يحمل هماً ثقيلاً على صدره، أو جبلاً ضخماً على ظهره، فهو يريد أن يتخلص من عبئه، فيدور به على الناس، لا يبالي أين يقع منهم، وليس بالضرورة أن يكون إفشاؤه السر لغاية من إفساد أو سعاية، ولكنها الثرثرة ليس غير، وإراحة النفس من هم مغالبة الكتمان ومرافعة الحفظ، وقد ترجم عن هذا شاعر، في لحظة صدق عالية، فيقول سحيم الفقعسي (لم أعرف تاريخه، وانظر من اسمه سحيم من الشعراء في خزانة الأدب للبغدادي 1/266)، يقول سحيم هذا:
ولا أكتم الأسرار لكن أُذيعها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي

وإنَّ قليل العقل من بات ليله ... تقلبه الأسرار جنباً إلى جنب
وأنشد الأصمعي، قال: أنشدني أعرابي:
ولا أكتم الأسرار لكن أبثها ... ولا أدع الأسرار تقتلني غمّا
وإن سخيف الرأي من بات ليله ... حريباً بكتمان كأن به حمى
وفي بثك الأسرار للقلب راحة ... وتكشف بالإِفشاء عن قلبك الهما
وقال ثالث:
وامنع جارتي من كل خير ... وأمشي بالنميمة بين صحبي
انظر هذه الأشعار في الحيوان للجاحظ 5/185، وعيون الأخبار لابن قتيبة 1/41، والكامل للمبرد ص 884، وبهجة المجالس لابن عبد البر 1/460. وذكر الجاحظ أن ضيق الصدر بكتمان السر من أخلاق الصبيان والنساء، ومن أخلاق الخَصِيّ أيضاً - والخصي: هو المقطوع الخصية - قال في الحيوان 1/135: "ويعرض للخصي سرعة الغضب والرضا، وذلك من أخلاق الصبيان والنساء، ويعرض له حب النميمة، وضيق الصدر بما أودع من السر، وذلك من أخلاق الصبيان والنساء".
ومن رقيق شعر عزيز باشا أباظة قوله من قصيدته "همسة حائرة":
يبيت يودع سمع الليل عاصفة ... ضاق النهار بها ستراً وكتمانا
فأثبت للنهار أيضاً ضيقاً بكتمان السر، كالإِنسان سواء بسواء.
وبعد: فهذه صور من الصدق مع النفس، سلوكاً وكلاماً منثوراً ومنظوماً، امتلأت بها كتبنا وآثارنا التي تعرض الحياة كلها بخيرها وشرها، وبياضها وسوادها، وتلك طبيعة الحضارات العظيمة. .
وتحية إلى الأستاذ صلاح عيسى، الذي فتح لنا هذا الباب من القول.
* * *

من حصاد الندوات:
أولية الطباعة العربية في مصر (4)

أقام مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي في أواخر أكتوبر الماضي ندوة عن "تاريخ الطباعة العربية حتى انتهاء القرن التاسع عشر"، وقد دارت محاور الندوة حول تاريخ الطباعة العربية في أوروبا وتركيا وبلاد الشام ومصر وشبه القارة الهندية والأمريكيتين والمغرب وبلاد فارس وشبه الجزيرة العربية، وروسيا وبلاد ما وراء النهر.
وقد دُعيت إلى هذه الندوة وقدمت بحثاً مطولاً عن تاريخ الطباعة في مصر، في ذلك القرن الماضي. ويبدأ حديث الطباعة في مصر بتلك المطبعة الصغيرة التي أحضرها نابليون معه أيام حملته على مصر سنة 1798م، ليبعث من خلالها برسائله إلى المصريين، ثم لينشر بها بعض الرسائل والنصائح الطبية، استمالة لقلوب المصريين، ثم رحل نابليون عن مصر، وترك مطبعته ليقيم على أنقاضها محمد علي باشا مطبعة سميت أول الأمر المطبعة الأهلية، ويقال: إن محمد علي أنشأ مطبعته إنشاء، ولم يقمها على أنقاض مطبعة نابليون، ومهما يكن من أمر فقد أنشأ محمد علي مطبعته هذه على ضفاف النيل ببولاق سنة 1821م، ثم تبعتها بعض المطابع الملحقة بإدارات الجيش والمدارس العليا، وبعد ذلك جاءت المطابع الأهلية، فهذه ثلاث مراحل في بداية الطباعة العربية في مصر، ولكل مرحلة قصة وتاريخ.
مطبعة بولاق:
تُمَثِّلُ هذه المطبعة الباب الواسع الذي دخل منه العرب إلى النهضة الحديثة، كما تُمَثّل في الوقت نفسه البعث الحقيقي لتراث الآباء والأجداد، وإذا كانت بعض البلدان قد سبقت مصر في الطباعة العربية، فإن الوجه العربي للطباعة لم يظهر إلا في مطبعة بولاق بمصر، لقد كان إنشاء هذه المطبعة صيحة مدوية أيقظت الغافلين، ومركز ضوء هدى الحائرين، وقد تدافعت مطبوعاتها من الكتاب العربي كالسيل الهادر.
وقد ذكر سركيس في مقدمة معجم المطبوعات أن مجموع ما طبعته مطبعة بولاق، منذ إنشائها سنة 1821م وحتى سنة 1878م بلغ (603890) كتاباً، أرأيتم إلى هذا العدد الذي يزيد على نصف المليون في نحو (50) عاماً، وهي مدة يسيرة لا تعد شيئاً في تاريخ الأمم والشعوب، مع ملاحظة ضعف الوسائل الطباعية في تلكم الأيام..
وفي مجال تقييم أعمال مطبعة بولاق تبرز هذه الحقائق:
أولاً: كان إنشاء محمد علي مطبعة بولاق متزامناً مع إرساله البعثات لتلقي العلم في أوروبا، ولا يستطيع الدارس أن يُغفل العلاقة بين هذه البعثات ونشاط مطبعة بولاق، فقد عاد الدارسون المصريون في أوروبا برغبة عارمة في الإِصلاح والنهوض، ولم يركنوا إلى الدعة وعُجمة اللسان والاكتفاء بمدح الإفرنج، والطعن في أمتهم العربية والانتقاص من تاريخها وذم علومها ومعارفها، كما نرى ونسمع الآن.
ثانياً: يلاحظ في السنوات الأولى من نشاط مطبعة بولاق غلبة للكتب المترجمة في الشؤون الطبية والزراعية والهندسية وتدبير المعاش.
ثالثاً: إن الذين قاموا على نشر كتب التراث بتلك المطبعة كانوا يستهدفون غاية ضخمة، هي إبراز كنوز الفكر العربي والإِسلامي، فعمدوا إلى نشر الأمهات والأصول في كل علم، ولم يغلِّبوا جانباً على جانب شأن دور النشر التجارية التي تتحسس حاجة السوق وتلبي رغبات عاجلة لخدمة بعض الاتجاهات.
فهم قد نظروا إلى التراث نظرة شمولية كلية، فنشرت مطبعة بولاق: منهاج السُّنَّة النبوية لشيخ الإِسلام ابن تيمية، ثم طبعت الفتوحات المكية لابن عربي، ويا بُعد ما بينهما، وطبعت من تراجم المشارقة وَفَيات الأعيان لابن خلكان، ومن تراجم المغاربة نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقَّري، وطبعت تفسير الطبري والفخر الرازي وصحيح البخاري وشرحه لابن حجر وللقسطلاني، ثم طبعت ألف ليلة وليلة، طبعتين.
رابعاً: تزامن نشاط مطبعة بولاق مع الدعوة إلى العامية التي تولى أمرها نفر من الأجانب الذين حلوا بمصر، وقد جاهد هؤلاء في الترويج لدعوتهم الخبيثة جهاداً لاهثاً، وقد صانعهم وظاهرهم قوم أغبياء من أهل جلدتنا.
ومما لا شك فيه أن طبعات بولاق من أصول التراث العربي في ذلك الوقت كانت خير وسيلة للوقوف في وجه تلك الأفكار، ثم إنها من وراء ذلك قد غذت عقول أرباب العلم وأهل الأدب، حين وضعت أمامهم زاداً شهيّاً من علوم الأوائل وآدابها، أعانهم على ما هم بسبيله من الإِبداع والإِحسان، فكانت البعث والتنوير الذي حمل لواءه رفاعة الطهطاوي ومحمود سامي البارودي، والشيخ حسين المرصفي، ومن سار في طريقهم.
خامساً: أقدمت مطبعة بولاق في ذلك الزمان المبكر على طبع الموسوعات الضخمة، مثل لسان العرب (20) جزءاً، والأغاني (20) أيضاً، وتفسير الطبري (30) جزءاً.
سادساً: حرصت مطبعة بولاق في كثير من منشوراتها على طبع كتاب أو أكثر بهامش الكتاب الأصلي. وهذه الظاهرة دالة بوضوح على أن القوم كانوا في سباق لنشر العلم والمعرفة.

سابعاً: لم تكن مطبوعات بولاق كلها على نفقة الدولة، ففد رأينا جهود الأفراد والجماعات وأموالهم وراء كثير من مطبوعات تلك المطبعة العتيقة، وحديث هذا يطول جداً، ولكن حسبك أن تعلم أن طبعة "صحيح البخاري" العظيمة التي طبعتها بولاق سنة 1315هـ- 1897م كانت على نفقة أحد التجار، وهو: محمد حسن عيد.
المرحلة الثانية:
مرحلة مطابع إدارات الجيش والمدارس الحكومية. وقد بدأت هذه المطابع نشاطها بعد قيام مطبعة بولاق بنحو عشرة أعوام، وقد دارت معظم مطبوعاتها حول الشؤون العسكرية والطبية والرياضية والجغرافية والهندسية، مع الإِلمام بشيء يسير من العلوم النظرية. ومن أشهر هذه المطابع: مطبعة ديوان الجهادية والمدفعية والحربية السلطانية والمدرسة الطبية بأبي زعبل، والمهندسخانة الخديوية ومدرسة الفنون والصنائع.
المرحلة الثالثة: المطابع الأهلية
وهي الصورة المكملة لمرحلة بولاق والماضية في طريقها. لقد سطع نور بولاق وتألق، ثم مد ظلاله على الأفراد والجماعات، فنشط هؤلاء وهؤلاء لطبع الكتاب العربي، مدفوعين بنفس الروح التي سرت في مطبعة بولاق، وحملت مطبوعاتها نفس السمات التي عُرفت في مطبوعات بولاق.
وقد انتشرت عشرات المطابع في قلب القاهرة، وبالأخص في تلك المنطقة المتصلة بالأزهر ودار الكتب المصرية، وهو أمر طبيعي أن تنشأ المطابع والمكتبات حول دور العلم والفكر، وإذا أنت وقفت في ذلك الزمان في ميدان باب الخلق، ونظرت عن يمينك وشمالك، ثم من قدامك ومن ورائك، ثم سرت في هذه الاتجاهات الأربعة رأيت أعداداً كثيرة من المطابع: في الأزبكية والفجَّالة وباب الشعرية وشارع محمد علي ودرب الجماميز (بور سعيد الآن) وشارع حسن الأكبر وعابدين وشارع عبد العزيز ودرب سعادة والحسين والأزهر والموسكي والدرّاسة والخرنفش والجمالية، ومن دور هذه الشوارع الكبيرة ومن خلالها انتشرت أيضاً عشرات المطابع. وهذه المناطق التي انتشرت فيها تلك المطابع الأهلية على ما وصفتُ لك لا تزيد على عشرة كيلومترات مربعة، فمن هذه المناطق المتجاورة المحدودة من قلب القاهرة: شوارع وحارات وأزقة، مع المنطقة الصغيرة التي تقع فيها مطبعة بولاق على ضفاف النيل، خرجت ثقافة العالم العربي والإِسلامي في القرن الماضي، فأي ضوء سطع، وأي نور أضاء؟
* * *

محمود محمد شاكر .. والتكريم المستحق (5)

في مساء يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شهر فبراير أقام اتحاد الناشرين المصريين والعرب حفلاً ضخماً كُرِّم فيه أوائل الناشرين، ثم جعل على رأس المكرمين عَلَماً من أعلام العربية وحارساً من حراسها الأوفياء في زماننا هو الأستاذ محمود محمد شاكر، وقد طُلب إليَّ أن أقدم الأستاذ الجليل. فكانت هذه الكلمة:
هذا شيخ العربية وحارسها: الإِمام أبو فهر محمود محمد شاكر، نقِف حوله في ليلة تكريمه، محفوفاً بالمهابة، ملففاً بالجلال، مصوناً في تلافيف القلوب، ويقف معنا ألوف الألوف من أعلام العرب وعلمائها، منذ أن نطق بالعربية ناطق وكتب بها كاتب إلى أن يأتي أمر ربك، وما كان ذلك إلا لأن كلام هذا الإِمام موصول بكلام الأوائل، منتزع منه، ودال عليه ومكمل له، وشيخنا - حرس الله مهجته - لا تخرم مشيته مشية واحد من علماء الصدر الأول.
ولد شيخنا بمدينة الإِسكندرية يوم الاثنين العاشر من المحرم سنة 1327هـ - أول فبراير 1909م، ومنذ شب واستوى إلى يوم الناس هذا وهو يعيش حياة حافلة بالغرائب والعجائب. نعم لم يهدأ شيخنا يوماً واحداً خلال هذه الحياة المتطاولة، التي نرجو لها أن تمتد إن شاء الله، حياة صاخبة موَّارة شديدة الحركة.
إن أقصى ما يعرفه كثير من الناس الآن - وبخاصة الشباب - عن أبي فهر أنه صاحب الخصومة مع الدكتور طه حسين حول قضية الشعر الجاهلي وحول المتنبِّي، وصاحب الخصومة مع الدكتور لويس عوض حول أبي العلاء المعري والفتن الأخرى المنشورة في "أباطيل وأسمار"، ثم يعرفه المشتغلون بالدراسات الأدبية بقراءته الفذة وشرحه النفيس لطبقات فحول الشعراء لابن سلام، ودلائل الإِعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، ثم تحقيقه المعجِب لتفسير الطبري وتهذيب الآثار، ويحمل بعضهم معرفته به في هذه العبارة الفضفاضة التي لا تدل على شيء "شيخ المحققين".
والحقيقة أن الرجل وراء ذلك كله، وفوق ذلك كله، إنه تاريخ ضخم لرجل تنبه منذ طراءة الصبا وأوائل الشباب إلى هموم أمته وما يراد بها ويكاد لها، وقد فطن منذ عقل إلى أن الطريق الوحيد للتغيير هو العلم والمعرفة، فانصرف إليهما، ولم يُشغل بغيرهما، ثم أخذ نفسه، بأسلوب صارم حازم، فقرأ القرآن صبياً، وأقبل على الشعر مبكراً، يحفظه لا كما يحفظه الناس: مقطوعات للإِنشاد والتسلي والمطارحة في المجالس، وإنما الشعر عنده باب العربية كلها، وقد قاده الشعر إلى كتب العربية كلها، فالمكتبة العربية كلها عند أبي فهر كتاب واحد، والعلوم عنده علم واحد، فهو يقرأ صحيح البخاري كما يقرأ الأغاني، ويقرأ كتاب سيبويه قراءته لمواقف عضد الدين الإِيجي، فهو بتعبيرنا المصري "خد البيعة على بعضها".
وهكذا خالط أبو فهر العربية منذ أيامه الأولى، وعرف مناهج الكتب والكتَّاب في مختلف فنون العربية، وخبر مصطلحات الأقدمين وأعرافهم اللغوية، وهذا فرق ما بينه وبين سواه، من الكُتَّاب والنُقَّاد، فأنت قد تجد ناقداً ذا ذوق وبصيرة، ولكن محصوله اللغوي على قدر الحاجة، وقد تصادفه جمع بين الذوق والبصيرة واللغة ولكن معارفه التاريخية لا تتجاوز الشائع العام الدائر على الألسنة، وقد تراه فاز من الثلاثة بأوفر الحظ والنصيب، ولكنك لن تجد عنده ما تجد عند أبي فهر من الأنس بالمكتبة العربية كلها في فنونها جميعها، ودوران هذه الفنون في فكره وقلبه.
ولقد سارت حياة أبي فهر في طريقين استويا عنده استواء واضحاً عدلاً: الطريق الأول طريق العلم والمعرفة، يعبُّ منهما ولا يروى. والطريق الثاني: التنبُّه الشديد لما يحاك لأمتنا العربية من كيد ومكر، وما يراد لثقافتها وعلومها من غياب واضمحلال، وظل حياته كلها قائماً على حراسة العربية والذود عنها، يحب من أجلها ويخاصم من أجلها، وقد احتمل في حالتيه من العناء والمكابدة ما تنوء بحمله العصبة أولو القوة.
وقد حارب أبو فهر في جهات كثيرة، وخاض معارك كثيرة: حارب الدعوة إلى العامية، وحارب الدعوة إلى كتابة اللغة العربية بحروف لاتينية، وحارب الدعوة إلى هلهلة اللغة العربية والعبث بها بحجة التطور اللغوي، وحارب الخرافات والبدع والشعوذة.
وقد حارب في كل ذلك وحده غير متحيز إلى فئة، أو منتصر بجماعة، وهو صلب عنيد فاتك، ألقى الدنيا خلف ظهره ودبر أذنيه، فلم يعبأ بإقبالها أو إدبارها، واستوى عنده سوادها وبياضها. ولقد أُقصي كثيراً عن محافل الأدب ومجالى الشهرة فلم يزده ذلك إلا إصراراً وثباتاً، ووقف وحده في ساحة الصدق شامخ الرأس مرفوع الهامة.
* * *

النحو العربي .. والحِمى المستباح (6)
[1]

من أمثال العرب الشائعة قولهم: "ذكَّرتَني الطعن وكنتُ ناسيا"، ويضرب في الحديث يستذكر به حديث غيره، كما قال الزمخشري.
وقال أبو هلال العسكري: يضرب مثلاً للشيء ينساه الإِنسان وهو محتاج إليه.
وقد ذكرت ذلك حين قرأت في جريدة الأهرام 26/6/1996م مقالة للأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، عنوانها: "حين يستوي الصمت والكلام" وقد أعاد في هذه المقالة كلاماً قديماً عن اللغة والنحو، كان قد كتبه في الأهرام أيضاً بتاريخ 4/3/1992 و 26/8/1992م، وكنت قد رددت عليه في عددين من الهلال (نوفمبر - ديسمبر 1992م).
ويقول الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي في كلمته الأخيرة هذه: "وبعض الناس يظنون أن اللغة معناها النحو، ولهذا قد يستغربون هذه الضجة التي نثيرها، لأن القيامة في رأيهم لن تقوم إذا أخطأ أحدنا أو أخطأنا جميعاً، فجعلنا الفاعل منصوباً أو حتى مجروراً بدلاً من أن نجعله مرفوعاً كما يطالبنا النحاة به، والحقيقة أن هذا فهم بالغ السذاجة، فاللغة ليست النحو، والمبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً دليلاً على نهضة أدبية أو حاسة لغوية يقظة، بل ربما كانت بالعكس دليلاً على ضعف السليقة وانحطاط الملكة.
هكذا رأينا أن عصور الانحطاط التي شهدتها الآداب اليونانية في المرحلة الهلِّينية أو السكندرية كانت مصحوبة بنشاط واسع لعلماء النحو والعروض، وكذلك في عصور الانحطاط التي شهدتها روما في القرن الرابع الميلادي، وكذلك في عصور الانحطاط التي شهدها الأدب العربي في العصر المملوكي، ففي ذلك العصر الذي تراجع فيه الشعر وتدهورت الكتابة ظهر ابن منظور وابن هشام".
هكذا قال الأستاذ حجازي، وقد قرأت كلامه هذا أكثر من مرة، وأعطيته حظه من النظر والتأمل، ثم قلَّبته ظهراً لبطن، والتمست لكاتبه المعذرة، فما استقام على وجه، ولا كشف عن جديد مما يكتبه الأستاذ حجازي، وما يكتبه غيره الآن عن النحو، هذا العلم الذي هو مِلاك العربية وقِوامها، والذي يقول عنه أبو العباس ثعلب أحد أئمة العربية في القرن الثالث: "لا يصح الشعر ولا الغريب ولا القرآن إلا بالنحو، النحو ميزان هذا كله"، (مجالس ثعلب ص 310).
وكان ينبغي على أبي العباس ثعلب أن يضيف: "ولا الفقه"، فقد قال أبو بكر الشنتريني من علماء القرن السادس: "ولقد رأيت جماعة من الفقهاء المتقدمين الذين لم يبلغوا درجة المجتهدين قد تكلموا في مسائل من الفقه فأخطأوا فيها، وليس ذلك لقصور أفهامهم، ولا لقلَّة محفوظاتهم، ولكن لضعفهم في هذا العلم - يعني علم النحو - وعدم استقلالهم به"، تنبيه الألباب على فضائل الإِعراب ص 63.
كتاب سيبويه والقياس:
ورُوي أن أبا عمر الجرمي - من نحاة القرن الثالث - قال: " أنا مذ ثلاثون سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه"، فحدَّث ابن شُقَير بهذا الحديث المبرد، على سبيل التعجب والإِنكار! فقال المبرد: "أنا سمعت الجرمي يقول هذا - وأومأ بيديه إلى أذنيه - وذلك أن أبا عمر الجرمي كان صاحب حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الحديث، إذ كان كتاب سيبويه يُتعلَّم منه النظر والتفتيش"، (كتاب سيبويه 1/5)، وروى ياقوت هذا الخبر برواية أخرى، "قال الجرمي: أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: أنا رجل مكثر من الحديث، وكتاب سيبويه يعلمني القياس، وأنا أقيس الحديث، وأفتي به"، (معجم الأدباء ص 1443، طبعة د. إحسان عباس)، وهي أصح الطبعات.
هذا وقد روى الزجاجي قصةً تؤكد هذا الخبر، قال: " وكان أبو عمر الجرمي يوماً في مجلسه، وبحضرته جماعة من الفقهاء، فقال لهم: سلوني عما شئتم من الفقه، فإني أجيبكم على قياس النحو، فقالوا له: ما تقول في رجل سها في الصلاة، فسجد سجدتي السهو فسها؟ فقال: لا شيء عليه، قالوا له: من أين قلت ذلك؟ قال: أخذته من باب الترخيم، لأن المرخَّم لا يُرخَّم".
ورويت هذه القصة أيضاً عن أبي زكريا الفراء، بإجابة أخرى شبيهة بالسابقة، وذلك قوله: "أخذته من كتاب التصغير؟ لأن الاسم إذا صُغِّر لا يُصغَّر مرة أخرى"، (مجالس العلماء للزجاجي ص 251، 252).
ومما ينبغي التنبُّه له أن بعض علماء الفقه كانوا يلجأون إلى بعض علماء النحو ليضبطوا لهم بعض مسائلهم الفقهية، ومن ذلك ما ذكره السرخسي صاحب كتاب المبسوط، في أثناء شرحه لكتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب الإِمام أبي حنيفة، قال: "اعلم بأن أدق مسائل هذا الكتاب وألطفها في أبواب الأمان، فقد جمع بين دقائق علم النحو ودقائق أصول الفقه، وكان - أي محمد بن الحسن، يشاور فيها علي بن حمزة الكسائي رحمه الله تعالى، فإنه كان ابن خالته، وكان مقدماً في علم النحو"، شرح السير الكبير 1/252.
وفي مكتبتنا العربية كتاب حاشد، يدور حول ربط الفقه بالنحو، هو كتاب: "الكوكب الدري في تخريج الفروع الفقهية على المسائل النحوية" لجمال الدين الإِسنوي، من علماء القرن الثامن.
ولا أظنني بحاجة إلى الاحتشاد والاستشهاد على سلطان النحو على سائر علوم العربية، ودورانه في نسيج الثقافة العربية، فهذا شيء مسطور في الكتب، ومحفوظ في صدور الذين أُوتوا العلم، لكن لا بأس من الإِشارة إلى بعض الأمثلة التي تؤكد سلطان النحو على اللغة وعلى الفكر والفن معاً، وهذه الأمثلة التي تأتيك أيها القارئ الكريم مما لا يتنبه له كثير من الناس، لأنها مطروحة في أخبار لا يقف الناس عندها كثيراً.
حكى المسعودي قال: "وذكر عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه في تفضيل صنعة الكلام - وهي الرسالة المعروفة بالهاشمية - أن الخليل بن أحمد من أجل إحسانه في النحو والعروض وضع كتاباً في الإِيقاع وتراكيب الأصوات"، مروج الذهب 4/324.
أرأيت أيها القارئ العزيز، كيف قاد الإِحسان في النحو والعروض إلى الموسيقى؟ ولعل هذا خير تفسير لما قاله الأستاذ الكبير الدكتور مصطفى ناصف، فيما نقله الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف في كتابه الجيد: النحو والدلالة، مدخل لدراسة المعنى النحوي الدلالي. يقول الدكتور مصطفى ناصف: "فالنحو ليس موضوعاً يحفل به المشتغلون بالمثل اللغوية، والذين يرون إقامة الحدود بين الصواب والخطأ، أو يرون الصواب رأياً واحداً، النحو مشغلة الفنانين والشعراء، والشعراء أو الفنانون هم الذين يهتمون بالنحو، أو هم الذين يبدعون بالنحو، فالنحو إبداع".
نعم النحو إبداع، ولا يعرف هذا إلا من قرأ القرآن الكريم قراءة تبصُّر وإحسان، ثم أطال النظر في كلام العرب: نثرها وشعرها، وصبر نفسه على قراءة الكتب والسير في دروبها، وحمل تكاليف العلم وأعبائه.
ونعم إن في النحو مناطق فن وإبداع، فإذا أنت تركت نحو الصنعة المتمثل في التعريفات والإِخراج بالمحترزات والحدود والقوالب والنظام والاطّراد، وما تقتضيه القسمة العقلية التي تفترض أشياء لا وجود لها؟ لاستواء الصنعة النحوية ليس غير، وسائر هذه الأمور التي جعلت أبا سعيد السيرافي يقول: "النحو منطق ولكنه مسلوخ من العربية، والمنطق نحو ولكنه مفهوم باللغة" (الإِمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي 1/115).
أقول: إذا أنت تركت هذا كله، وجئت إلى نحو التراكيب وبناء الجملة العربية وجدت ذلك النحو العربي الشامخ القائم على رعاية المعاني والدلالات، التي خرجت بالنحو من دائرة القوالب والنظام والاطراد، إلى العلاقات بين أجزاء الكلام، وتلك المنادح الواسعة، من التقديم والتأخير، والحذف والتقدير، والإِضمار والفصل، والاتساع والحمل، والتضمين والجوار، والاستغناء ورعاية الظاهر واعتبار المحل، ومعاني الحروف والأدوات ووقوع بعضها موقع بعض، وتبادل وظائف الأبنية، ثم لغة الشعر التي يسمونها الضرائر.
مقتضى المعنى وحق الإِعراب:
وحين انفسحت هذه الآفاق أمام النحاة الأوائل فطنوا إلى ما قد يكون من تعارض بين مقتضى المعنى وحق الإِعراب، الذي هو أبرز شيء في الصنعة النحوية، فحاولوا الإِبقاء على الصنعة والنظام، مع إعطاء المعاني والدلالات حقها، وكان أبو الفتح ابن جني أسبق النحاة إلى هذا التوفيق، وقد عالجه في غير موضع من كتبه، وفي مقدمتها كتابه الفذ "الخصائص"، فعقد في ص 279 من الجزء الأول منه باباً سمَّاه: (باب في الفرق بين تقدير الإِعراب وتفسير المعنى) قال فيه: "ألا ترى إلى فرق ما بين تقدير الإِعراب وتفسير المعنى، فإذا مر بك شيء من هذا عن أصحابنا، فاحفظ نفسك منه ولا تسترسل إليه، فإن أمكنك أن يكون تقدير الإِعراب على سمت تفسير المعنى، فهو ما لا غاية وراءه، وإن كان تقدير الإِعراب مخالفاً لتفسير المعنى، تقبلت تفسير المعنى على ما هو عليه، وصححت طريق تقدير الإِعراب، حتى لا يشذ شيء منها عليك، وإياك أن تسترسل فتفسد ما تؤثر إصلاحه".
وقال في (باب تجاذب المعاني والإِعراب) الخصائص 3/255: "هذا موضع كان أبو علي - الفارسي - رحمه الله، يعتاده ويلم كثيراً به، ويبعث على المراجعة له، وإلطاف النظر فيه، وذلك أنك تجد في كثير من المنثور والمنظوم، الإِعراب والمعنى متجاذبين، هذا يدعوك إلى أمر، وهذا يمنعك منه، فمتى اعتورا كلاماً أمسكت بعروة المعنى، وارتحت لتصحيح الإِعراب".
ثم كانت القفزة الثانية في ربط معاني الكلام ودلالته بالنحو على يد الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتابه العظيم "دلائل الإِعجاز"، وكانت نظريته المعروفة في النظم هي مجلى ذلك الربط، وبتأمل هذه النظرية نستطيع أن ندرك أن المنهج العقلي المحكَم الذي سار عليه عبد القاهر "هو الذي قاده إلى اعتماد النحو التقعيدي (نحو الصنعة) أساساً لإِدراك القيمة الحقيقية للصياغة، وما يمكن أن يتيحه هذا النحو من إمكانات تركيبية تقترب من الإِنسان ومقاصده الواعية"، كما قال الدكتور محمد عبد المطلب في كتابه قضايا الحداثة عند عبدالقاهر الجرجاني ص 286.
ومما ينبغي التنبُّه له: أن عبد القاهر الجرجاني هذا مع شهرته الواسعة في البلاغة بكتابيه دلائل الإِعجاز وأسرار البلاغة، يُعرف عند الأقدمين بعبد القاهر النحوي.
فهذا النحو القائم على رعاية التراكيب والدلالات في الكلام العربي الملفوظ والمكتوب هو النحو الذي ينبغي معرفته وتأمله والاستكثار منه؛ لأنه بهذا المفهوم مِلاك العربية وقِوامها، بل إنه كان يعبر عنه أحياناً في القديم بالعربية، حكى ابن جني عن أبي العباس ثعلب، قال: "وكان يعقوب - يعني ابن السكيت - وضيئاً عظيم الخَلْق، وكان ذكياً حافظاً عالماً بالشعر واللغة، صالح المعرفة بالعربية، وكان ابن قادم وغيره من أصحابنا يحتاجون إليه في الشعر واللغة، ويحتاج هو إليهم في العربية"، (الخاطريات ص 198)، وكذلك عبر ابن خلدون عن النحو بعلم العربية. (انظر: مقدمة ابن خلدون ص 532).
وجهان للفعل الواحد:
ومن الشواهد على سلطان النحو على اللغة ما ذكره أبو حيان التوحيدي قال: "سمعت في مجلس أبي سعيد - يعني السيرافي - شيخاً من أهل الأدب يقول: ومن الأفعال ما له وجهان، كشيء ينصرف على معنيين: مثل: أصاب عبدُ الله مالاً، وأصاب عبدَ الله مالٌ، إذا أصابه مال من قسمة، ووافق زيد حديثَنا، إذا صادفهم يتحدثون، ووافق زيداً حديثُنا، إذا سره وأعجبه، وأحرز زيدٌ سيفَه، إذا صانه في غمده، وأحرز زيداً سيفُه، إذا خلّصه من القتل وشبهه. ولو قلت: أحرز امرؤ أجلَه لم يجز؟ لأن الرجل لا يحرز أجله، ولكن أجله يُحرزه، إلا أن تذهب إلى قولك: أحرزت أجلي بالعمل الصالح.

ثم يقول أبو حيان: انظر - فديتك - إلى أثر النحو في هذا القدر اليسير، وتعجب عنده من أبي حنيفة الصوفي حين قال لك: إن الله عزَّ وجل أمرنا بالطاعة والإِيمان، وإنه لم يأمرنا بالنحو، وإلا فهات أنه يدل على أنه أمرنا بأن نتعلم "ضرب عبد الله زيداَ"، وقد رأيتَ روغانه عن تحصيل الحجة في معرفة ذلك: ألا يعلم أن الكلام كالجسم والنحو كالحلية وأن التمييز بين الجسم والجسم إنما يقع بالحلى القائمة والأعراض الحالّة فيه، وأن حاجته إلى حركة الكلمة بأخذه وجوه الإِعراب حتى يتميز الخطأ والصواب، كحاجته إلى نفس الخطاب، وليس على كلامه قياس، ولا في ركاكة بني جنسه التباس، وإنما غرَّه من هو أنقص منه فطرة، وأخس نظراً وفكرة، أتراه يصل إلى تخليص اللفظ المبني على معنى دون اللفظ المبنى على معنى آخر، إلا بحفظ الأسماء وتصريفها؟ أو تراه يقف على تحصيل المعنى المدفون في هذا اللفظ دون المعنى المدفون في هذا اللفظ إلَّا بتمييز وجوه حركات اللفط"، (البصائر والذخائر 1/179 - 180).
وفي هذا النص - فوق ما أوردته له - إشارة إلى ضيق بعض الناس بالنحو من قديم، وهذا مما يرجع إلى ضعف الهمم وقصور الخطى ليس غير، على نحو ما قال ربنا عزَّ وجل: {وإذ لم يهتدوا فسيقولون هذا إفك قديم} [الأحقاف: 11]، فما ينبغي أن يتخذ مثل ذلك حجة على اطراح النحو أو إهماله.
على أن مثل "أبي حنيفة الصوفي" هذا لا ينبغي أن يهتم برأيه في النحو واستصعابه له، وذلك لجهالة شأنه وخفوت ذكره، أما أن يأتي شاعر ضخم مثل الفرزدق فيسخر من قواعد النحو، فيما أجاب به عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، في القصة المشهورة، وقوله: "علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا"، أو أن يؤثر عن الفيلسوف الشهير "ابن الراوندي - على زندقته وإلحاده - طعن في النحو ونقض على النحويين، فهذا الذي ينبغي الوقوف عنده والاحتفال به، وقد قلت رأيي في قصة الفرزدق تلك، في الهلال (ديسمبر 1992م)، وانتهيت يومئذ إلى أن قول الفرزدق وقول سواه من الشعراء الذين أظهروا سخطهم على النحو وقواعده إنما هو من باب المعابثة والاستطالة بالذكاء، وكأنهم يريدون أن يقولوا: إن نحوكم أيها النحاة صنعة، ونحونا فطرة، وآية ذلك أن شعرهم الذي حمل سخريتهم من النحاة ليس فيه شيء خارج عن النظام النحوي، أو خارق لقواعده، وكأنها سخرية بالنحاة لا بالنحو.
ومع هذا المأثور عن الفرزدق من استخفافه بالنحاة وخروجه أحياناً قليلة عن النظام النحوي، فقد بقي جمهور شعره على الجادة النحوية، وظل مدداً ثريّاً للنحاة، ينتزعون منه شواهدهم في الدرس النحوي واللغوي والصرفي والصوتي.
وأما "ابن الراوندي" أحمد بن يحيى بن إسحاق (298هـ) الفيلسوف المعروف، والزنديق المجاهر بالإِلحاد، فقد عُرف عنه الطعن على النحويين، وذلك ما ذكره أبو حيان التوحيدي قال: "وأما قوله - يعني أبا حنيفة الصوفي -: فقد نقض على النحويين ابن الراوندي نحوهم، فإنه ذاهب بهذا القول عن وجه الرشد، لأن ابن الراوندي لا يلحن ولا يخطئ، لأنه متكلم بارع، وجهبذ ناقد، وبحاث جَدِل، ونظَّار صبور، ولكنه استطال باقتداره على علل النحويين، ورآها مفروضة بالتقريب، وموضوعة على التمثيل؟ لأنها تابعة للغة جيل من الأجيال، ومقترنة بلسان أمة من الأمم، فلم يكن للعقل فيها مجال إلا بمقدار الطاقة في إيضاح الأمثال وتصحيح الأقوال"، (البصائر والذخائر 1/181).
وهذا النص مهم جداَ، وهو شاهد صريح على ما قلته أنا منذ أربع سنوات بمجلة الهلال، من أن الذين يهاجمون النحو قديماً لا يلحنون ولا يخطئون، وإنما هو الضيق بنحو الصنعة ليس غير، و "علل النحويين" التي ذكرها أبو حيان، إنما هي من أبرز نحو الصنعة، ومن التوافق العجيب أن هذا النص الشاهد لما قلته قد جاء فيه لفظ "الاستطالة" أيضاً، وقد استعملته أنا وصفاً لموقف الفرزدق من النحاة، واستعمله أبو حيان وصفاً لموقف ابن الراوندي من النحاة أيضاً.
وضح إذن أن النحو نحوان: نحو الصنعة، ونحو التراكيب، فالأول هو النظام والقواعد والتعريفات والقوالب، وما صحب ذلك كله من العلة والعامل، ولبعض خلق الله الحق في أن يضيقوا بالنحو على هذا الوصف، لأن فيه أحياناً ما يكد الذهن ويصدع الرأس، مع ما في بعض النحويين قديماً وحديثاً من ثقل وغثاثة، ولكنه على كل حال علم ينبغي أن يُعرف ويحاط به.
والنحو الثاني: نحو التراكيب، وهو الذي اتكأ على النظام وانطلق منه إلى إدراك العلائق بين أجزاء الكلام، وتلك المنادح الواسعة التي ذكرتها من قبل، وهذا تستطيع أن تدركه من أول كتاب سيبويه إلى النحو الوافي لعباس حسن، على تفاوت بين النحاة في ذلك، وتستطيع أن تدركه أيضاً في كتب أعاريب القرآن وتوجيه القراءات السبع والعشر والشواذ، وشروح الحديث النبوي وفي شروح الشعر وكتب الأمثال وعلوم البلاغة.
والنحو بهذا الوصف لا يصح أن يُطعن فيه أو يُنتقص منه، لأن الطاعن فيه منتقص للعربية كلها، ذاهب عنها جميعها.
ومن أعجب العجب أننا لا ننتبه لمناطق العظمة في تراثنا إلا إذا نبَّهنا إليها غيرنا من الطارئين على ثقافتنا وفكرنا، وهم طائفة من المستشرقين الجادين الذين عملوا بإخلاص وتفان في الكشف عن كنوزها وإبرازها، فحين التفتوا إلى ابن جني وعبقريته الفذة التفتنا نحن أيضا إليه، ويوم أن خرج اللغوي الأمريكي المعاصر "تشومسكي" بنظريته في النحو التحويلي التوليدي، وما قاله عن "البنية العميقة" و "البنية السطحية" فرح كثير من المشتغلين بالدراسات النحوية عندنا، وقالوا: إن ذلك يتشابه مع كثير مما قدمه النحويون العرب القدماء في معالجتهم لتفسير الجمل في العربية، وجهد بعضهم في المقارنة بين جهود عبد القاهر الجرجاني وجهود تشومسكي في هذا السبيل، ويرد الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف ذلك فيقول: "ومهما تكن أسباب هذا التشابه أو التقارب في أسس المعالجة فإنه ينبغي ألا نعد ذلك من جانبنا شهادة للنحو العربي، بل قد أبالغ فأقول وبغير تواضع كاذب أو إدعاء خادع إن العكس هو الصحيح، أي أن هذا التقارب أو التشابه قد يعد شهادة لنظرية تشومسكي"، (من الأنماط التحويلية في النحو العربي ص 6).

اللغة ليست هي النحو:
وإذ قد فرغتُ من التفرقة بين نحو الصنعة الذي هو النظام، ونحو التراكيب الذي هو التراكيب والعلاقات بين أجزاء الكلام، أعود إلى ما كتبه الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وأول ما يلقانا من كلامه - حفظه الله - قوله: "وبعض الناس يظنون أن اللغة معناها النحو، ولهذا قد يستغربون هذه الضجة التي نثيرها؟ لأن القيامة في رأيهم لن تقوم إذا اخطأ أحدنا أو أخطأنا جميعاً، فجعلنا الفاعل منصوباً أو حتى مجروراً، بدلاً من أن نجعله مرفوعاً، كما يطالبنا النحاة".
وأقول: إما أن اللغة ليست هي النحو، فهذا صحيح، وقد قاله أهل العلم من قديم، ومن أقرب ما قاله القدماء قول أمير المؤمنين يحيى بن حمزة العلوي اليمني (745هـ)، قال في كتابه الطراز 3/442: "إن المقاييس النحوية تابعة للأمور اللغوية، فيجب تنزيلها على ما كان واقعاً في اللغة، فإذا ما ورد ما يخالف الأقيسة النحوية من جهة الفصحاء، وجب تأويله، ويُطلب له وجه في مقاييس النحو، ولا يجوز رده لأجل مخالفته للنحو".
ومع استقلال اللغة عن النحو وتبعيته لها، فإن له سلطاناً بضوابطه الإِعرابية على دلالات اللغة، وقد مر بك كلام ذلك الأديب، الذي حكاه أبو حيان.
أما قول الأستاذ حجازي عن بعضهم: "إن القيامة لن تقوم إذا جعلنا الفاعل منصوباً أو حتى مجروراً، بدلاً من أن نجعله مرفوعاً كما يطالبنا النحاة"، فالأمر في العلامة الإِعرابية ليس بهذه السهولة وذلك اليسر، والذين يقولون هذا إنما يستشهدون بجملة مثل "جاء محمد" ويقولون: إن الفاعل معروف، سواء سكَّنَا الدال او رفعناها أو نصبناها أو جررناها، وهو كلام ركيك، لأن جملة كهذه لا تكاد توجد، لا في الفصحى ولا في العامية، فالذي يستعملها فصيحة لا بد أن يضم الدال، ولا يُسَكَنها إلا إذا وقف على الدال، أما في العامية - وبخاصة العامية المصرية - فلا يكاد الناس يستعملون في هذا الموضع إلا الجملة الاسمية "محمد جه" وعلى لهجة أهل دمياط وما حولها "إجَهْ " وفيها قلب مكاني، مثل جذب وجبذ، وأرانب وأنارب ومسرح ومرسح.

والعلامة الإِعرابية هي قضية القضايا في النحو العربي بقسميه: نحو الصنعة ونحو التراكيب، وقد أكثر الدارسون القدامى والمحدثون من الكلام عنها، وعن العامل الذي جلبها، وهل هو عامل لفظي أو معنوي، مما لا يتسع المقام هنا لبسطه وشرحه، ومن أجمع ما كتب فيها كتاب: "العلامة الإِعرابية في الجملة بين القديم والحديث"، للدكتور محمد حماسة عبد اللطيف.
وهذه العلامة هي إحدى القرائن النحوية، ومهما اختلف الدارسون في وضع هذه العلامة مع القرائن الأخرى، سبقاً أو توسطاً أو تأخراً، فلن يستطيع الدارس المستند إلى قراءة واسعة في كتب النحو وفي غير كتب النحو، أن يُغفِل أثر هذه العلامة، وأنها أحياناً تكون حاسمة في تحديد المعاني والدلالات، لا يشركها معها غيرها، ولا يقوم شيء مقامها، وأمثلة ذلك مما يطول به الكلام جداً، وأظن أنه لا يخفى على القارئ اختلاف الدلالة في قوله تعالى: {أن الله برئ من المشركين ورسوله} [التوبة: 3]، برفع اللام وجرها من (رسوله) وكذلك اختلاف تقدير عدد النسوة في قولنا: "جاء سبعة رجال ونسوة" بين جر "نسوة" ورفعها، فإذا قلنا و "نسوة " بالجر، كان عددهن سبعاً، لأن "نسوة" حينئذ تكون معطوفة على "رجال" وهم سبعة، وإذا قلنا "نسوة" بالرفع، كانت على الابتداء، والخبر محذوف، وتقدير الكلام "ونسوةٌ لا يعلم عددهن".
سأترك هذا وأشباهه لأذكر مثالين اثنين على الإِعراب وأثره في توجيه المعنى، وعلى المعنى وأثره في توجيه الإِعراب، وإنما ذكرت هذين المثالين لأن الناس لا تلتفت إليهما ولا تقف عندهما.
الفرق بين الرفع والنصب:
المثال الأول، ذكره ابن هشام في المغني 2/528: "قال الشَلوْبين (654هـ): حُكي لي أن نحويّاً من كبار طلبة الجُزُولي سُئل عن إعراب (كلالة) من قوله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة} [النساء: 12]، فقال: أخبروني ما الكلالة؟ فقالوا: الورثة إذا لم يكن فيهم أب فما علا، ولا ابن فما سفل. فقال: فهي إذن تمييز". قال ابن هشام: "وتوجيه قوله أن يكون الأصل: وإن كان رجل يرثه كلالة، ثم حُذف الفاعل وبُني الفعل للمفعول، فارتفع الضمير واستتر، ثم جيء بكلالة تمييزاَ"، ثم عقب ابن هشام برأيه في المسألة.
أما المثال الثاني: فهو ما ذكره معربو القرآن الكريم في الفرق بين الرفع والنصب في جواب "ماذا" من قوله تعالى: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} [النحل: 24]، وقوله تعالى: {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} [النحل: 30]، وواضح هنا أن سياق الآيتين واحد، في (قيل) المبني للمجهول، ثم في صورة السؤال (ماذا أنزل ربكم)، ومع ذلك فقد جاء الجواب في الآية الأولى برفع (أساطير)، وفي الثانية بنصب (خيراً).
وتوجيه الرفع في (أساطير) أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره "هو"، أما توجيه النصب في (خيراً) فهو أنه مفعول به لفعل محذوف، تقديره "أنزل".
قال المعربون: وإنما قُدر في الأول "هو" ولم يُقدر "أنزل"، لأن الآية إخبار عن الكافرين، والكافر جاحدٌ لإِنزال القرآن، وإنما هو عنده كذب وأساطير، كما حكى القرآن عنهم في قوله تعالى: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5]، وقدَّر في الثاني "أنزل" لائه من جواب المؤمنين بأن القرآن منزل من عند الله.
قال الزمخشري عقب تلاوة الآيتين: "فإن قلت: لِمَ نصب هذا ورفع الأول؟ قلت: فصلاً بين جواب المُقِرّ وجواب الجاحد، يعني أن هؤلاء لما سُئلوا لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بيناً مكشوفاً مفعولاً للإِنزال فقالوا خيراً: أي أنزل خيراً، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال، فقالوا: هو أساطير الأولين، وليس من الإِنزال في شيء"، (الكشاف 2/407).
فهذا أثر العلامة الإِعرابية في تحديد الدلالة والفصل بين المعاني، وسوف تقوم القيامة فعلاً في هذا ونحوه لو رفعنا ما حقه النصب، أو نصبنا ما حقه الرفع. وترى لذلك نظائر كثيرة في الشعر، وفي غيره من مأثور كلام العرب.
ثم يقول الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي: "والمبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً دليلاً على نهضة أدبية أو حاسة لغوية يقظة، بل ربما كانت بالعكس دليلاً على ضعف السليقة وانحطاط الملكة، هكذا رأينا أن عصور الانحطاط التي شهدتها الآداب اليونانية في المرحلة الهللينية أو السكندرية كانت مصحوبة بنشاط واسع لعلماء النحو والعروض، وكذلك في عصور الانحطاط التي شهدتها روما في القرن الرابع الميلادي..."، ويجيء بعد ذلك كلام نستبقيه إلى حين.
ضعف الحجة:
وهذا كلام غريب حقّاً، وبدءة ذي بدء، فليس صحيحاً ولا عدلاً أن نضع نحو أولئك القوم وعروضهم بإزاء نحونا وعروضنا، فالجهة منفكة كما يقول أهل المنطق. فإن الأمر على نحو ما قال أبو عمرو بن العلاء: "ما لسان حِمْير وأقاصي اليمن اليوم بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا".
على أن الزج بهذه الكلمات: الآداب اليونانية، والمرحلة الهللينية والسكندرية، وروما في القرن الرابع... كل ذلك وأشباهه مما يلقيه الكاتب إلى القارئ أو السامع -وبخاصة المبتدئ- فيهزه هزاً، ثم يدهشه ويرعش عقله ويخيفه (ويخضه) فتضعف حجته في الرد عليه أو دفعه لو وجد إليهما سبيلاً، على ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما: "ونصرت بالرعب مسيرة شهر".
ثم نعود إلى كلام الأستاذ حجازي الذي يقول إن المبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً دليلاً على نهضة أدبية... إلى آخر ما قال وانتهى إليه من أن الاهتمام بالنحو دليل على ضعف السليقة وانحطاط الملكة.
وليس بيننا وبين الأستاذ حجازي إلا التاريخ نلوذ به ونحتكم إليه: تاريخ نشأة النحو وتاريخ الاهتمام به، ولنترك ونحن بسبيل ذلك القرن الأول وما قيل عن وضع النحو على يد أبي الأسود الدؤلي بإشارة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ففي تلك الحقبة بعض غموض لا يُفضي إلى الاطمئنان إلى رأي، ولنقفز إلى القرن الثاني، حيث نلقى الخليل بن أحمد، عبقري العربية، وتلميذه سيبويه الذي ترك لنا كتاباً مكتملاً محكماً لا سبيل إلى الطعن فيه أو الغض منه. وتوفي سيبويه على الأرجح سنة (180هـ) فكان هذا القرن الثاني هو بداية التصنيف النحوي الذي مهد لما بعده، فجرى الناس في أثره، ولنأخذ القرنين التاليين: الثالث والرابع وننظر في حال النحو في هذه القرون الثلاثة معاً: تأليفاً ومدارسة واهتماماً، وإنما اخترت تلك القرون الثلاثة لأنها تمثل البداية والتدرج والنضج، وسوف ننظر بعد ذلك في حال اللغة والأدب في تلك القرون الثلاثة أيضاً، لنرى أثر الاهتمام بالنحو فيها علواً أو انحطاطاً وفق رؤية الأستاذ حجازي.
على أنه مما ينبغي التذكير له انه كان هناك اهتمام بالنحو في القرنين الأول والثاني قبل ظهور كتاب سيبويه، ولكنه كان اهتماماً بالنحو، لا من حيث هو علم ذو قوانين وضوابط، ولكن من حيث الاستعانة به في محاصرة اللحن الذي بدا يطغى ويفشو نتيجة اختلاط اللسان العربي بغيره من ألسنة الأمم الوافدة على المجتمع العربي، ونستطيع أن نقول: إن النحو في تلك الفترة المبكرة كان نحو السليقة والفطرة العربية المتوارثة، وهي تلك السليقة التي عبر عنها الشاعر بقوله:
ولستُ بنحوي يلوك لسانَه ... ولكن سليقيٌّ أقول فأُعربُ
وأخبار التصدي للحن ومحاصرته في ذلك الزمان المبكر كثيرة، من أبرزها خبران يتصلان بلحنين وقعا من شخصيتين كبيرتين، لم يمنع مركزهما الاجتماعي من تنبيههما على ما وقعا فيه من خطأ:
الخبر الأول: ما وقع من الحجاج بن يوسف الثقفي "وقد سأل يحيى بن يعمر: أتسمعني ألحن؟ قال: حرفاً، قال: أين؟ قال: في القرآن، قال: ذلك أشنع له! فما هو؟ قال: تقول: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله} [التوبة: 24] - قرأها برفع (أحبُّ) وحقها النصب لأنها خبر كان - قال الحجاج: لا جَرَم، لا تسمع لي لحناً أبداً، فألحقه بخراسان"، (طبقات فحول الشعراء لابن سلام ص 13)، كأن الحجاج غَضِبَ فنفاه.
والخبر الثاني: عن الأخفش، قال: كان أمير البصرة يقرأ: {إن الله وملائكته يصلون على النبي) [الأحزاب: 56]، برفع (ملائكتُه) فمضيت إليه ناصحاً له، فزبرني وتوعدني، وقال: تُلَحِّنون أمراءَكم.
وفي رواية أن اللاحن كان محمد بن سليمان الهاشمي أمير البصرة أيضاً، وأنه رضي عن الأخفش لتنبيهه إياه، وأجازه. (إنباه الرواة للقِفطي 2/41).
وقد قلت إن القرون (الثاني والثالث والرابع) تمثل بداية التأليف في النحو وتدرجه ونضجه، ففي القرن الثاني ظهر كتاب سيبويه الرائد، وفي القرن الثالث جاء أبو بكر بن السراج بكتابه الأصول، الذي قيل فيه: "كان النحو مجنوناً حتى عقَله ابن السراج بأصوله". وفي القرن الرابع جاء العَلَم الضخم أبو علي الفارسي، إمام الصناعة النحوية، وتلميذه العبقري أبو الفتح ابن جني، وفي وسط هؤلاء الأعلام ظهر نحاة كثيرون، في البصرة والكوفة وبغداد والشام ومصر والأندلس.
وفي تلك القرون الثلاثة ظهر النحو ظهوراً بيِّناً على ساحة الفكر العربي، وأخذ الاهتمام به أشكالاً كثيرة: تآليف في النحو خالصة، وأعاريب للقرآن الكريم، وكتباً في توجيه قراءاته والاحتجاج لها، مثل: معاني القرآن للفراء (207هـ) - والمعاني في ذلك الوقت يراد بها الإِعراب - ومجاز القرآن لأبي عبيدة (210هـ) ومعاني القرآن للأخفش (215هـ) ومعاني القرآن للزجاج (311هـ) وإعراب القرآن للنحاس (238هـ) والحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (377هـ) والمحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات لابن جني (293هـ).
ثم تجلى الاهتمام بالنحو أيضاً في شروح الشعر الجاهلي والإِسلامي، وقد عُنِيتْ هذه الشروح عناية فائقة بالنحو، مثل شروح الأصمعي، وأبي نصر الباهلي وابن السّكّيت وأبي العباس ثعلب، وأبي العباس الأحول، وأبي بكر بن الأنباري، وأبي سعيد السكري.
مظاهر الاهتمام بالنحو:
ومن وراء ذلك كله كان هناك مظهر رابع للاهتمام بالنحو، وهو تلك المجالس التي كانت تعقد بين عالمين أو أكثر من علماء النحو واللغة، وقد عُرفت بالمجالس النحوية، ومن أشهرها مجلس سيبويه مع الكسائي، حول المسألة الزنبورية: "كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها"، وقد حضرها هارون الرشيد.
وقد جمع هذه المجالس - التي بلغت 156 مجلساً - أبو القاسم الزجاجي، في تأليف مستقل، باسم: مجالس العلماء، نشرها شيخنا عبد السلام هارون، برَّد الله مضجعه.
أرأيت اهتماماً بالنحو أكثر من هذا؟
البقية في المقال القادم.
* * *

النحو العربي .. والحِمى المستباح (7)
[2]
الاهتمام بالنحو كان متزامناً مع النهضة العامة التي كانت آخذة في النمو والاتساع، في علوم العرب وفنونها في ذلك الزمان، لكن التركيز هنا يكون على النهضة اللغوية والنهضة الأدبية اللتين يرى الأستاذ حجازي أنهما لا يجتمعان مع الاهتمام بالنحو:
فالعلماء الرواة يغدون ويروحون لمشافهة الأعراب في البوادي، وكذلك رواة الشعر وجامعوه في نشاط دائب، واللغة تدوَّن في تلك الرسائل الصغار القائمة على الأجناس، مثل كتب خَلْق الإِنسان والبهائم والحشرات والخيل والإِبل والنخل والنبات والمطر والسحاب واللبن، والمذكر والمؤنث، ثم تظهر المعاجم في ذلك الوقت المبكر، مثل العين للخليل بن أحمد أو الليث بن المظفر، وكتاب الجيم لأبي عمرو الشيباني.
ثم يتجه التأليف اللغوي وجهة أخرى، فينهض العلماء إلى تنقية اللغة، فيما عُرف بلحن العامة، وقد جاء ذلك صريحاً فيما صنفه الكسائي من "لحن العامة" أو ما جاء ضمناً كالذي صنعه ابن السكيت في "إصلاح المنطق"، وما صنعه ابن قتيبة في "أدب الكاتب".
أما النهضة الأدبية المواكبة لذلك الاهتمام النحوي في القرون الثلاثة المذكورة، فلست أعرف سبيلاً للتدليل عليها، ولا أحسب أن الأستاذ حجازي يخفى عليه مكان هذه الكتب واجتماع النحو واللغة والأدب فيها: البيان والتبيين للجاحظ، وعيون الأخبار لابن قتيبة، والكامل للمبرد، وأمالي أبي علي القالي، ويبرز كتاب الكامل من بين هذه الكتب، بعنايته الفائقة بالنحو.
أما الشعر والشعراء فلا يخفى تألفهما في تلك القرون الثلاثة التي اهتم فيها أهل العلم بالنحو، وهاتان قائمتان بأبرز النحاة وابرز الشعراء الذين تعاصروا في ذلك الزمان، أسوقهما تذكرة للمبتدئين، أما أهل العلم فهم أقدر مني على معرفة ذلك:
النحاة: سيبويه (180هـ)، الكسائي (189هـ)، الفراء (207هـ)، المبرد (286هـ)، ثعلب (291)، الزجاج (311هـ)، ابن السراج (316هـ)، السيرافي (368هـ)، أبو علي الفارسي (377هـ)، ابن خالويه (370هـ)، ابن جني (392هـ).
الشعراء: بشار بن برد (167هـ)، أبو نواس (198هـ)، مسلم بن الوليد المعروف بصريع الغواني (208هـ)، أبو العتاهية (211هـ)، أبو تمام (231هـ)، ابن الرومي (283هـ)، البحتري (284هـ)، ابن المعتز (296هـ)، المتنبى (354هـ)، أبو فراس الحمداني (357هـ)، الشريف الرضي (406هـ).
ومن المعروف أنه كانت هناك خصوصية بين بعض هؤلاء النحاة وبعض هؤلاء الشعراء، أذكر منها ما كان بين أبي العباس المبرد والشاعرين البحتري وابن الرومي، فالبحتري يدعو المبرد إلى حضور مجلسه على النهر، في قصيدة يقول فيها:
ودوام المُدام يُدْنيك ممَّن ... كنت تهوى وإن جفاك الحبيبُ
فائتنا يا محمد بن يزيد ... في استتار كي لا يراك الرقيبُ

ثم يمدحه بشعر آخر، يقول فيه:
ما نال ما نال الأمير محمد ... إلا بيمن محمد بن يزيد
ديوان البحتري ص 132، 774 (تحقيق حسن كامل الصيرفي).
وابن الرومي يمدح المبرد أيضاً في قصيدة طويلة، بلغت عدة أبياتها (98) بيتاً، يقول في أولها:
طرقت أسماء والركبُ هُجودُ ... والمطايا جُنْحُ الأوزارِ قُودُ
ديوان ابن الرومي ص 751 (تحقيق د. حسين نصار).
ثم أذكر أيضاً الخصوصية التي كانت بين ابن خالويه وأبي فراس الحمداني، وقد شرح ابن خالويه ديوانه الذي نشره الدكتور سامي الدهان.
ومن أشهر الصلات بين نحوي وشاعر ما كان بين أبي الفتح ابن جني وأبي الطيب المتنبي، فقد اجتمعا معاً في بلاط سيف الدولة بن حمدان بحلب، وفي مجلس عضد الدولة بن بويه بشيراز، وكانا يتبادلان الإِعجاب، ويتقارضان الثناء، وكان المتنبي يقول عن ابن جني: "هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس"، وكان إذا سُئل عن شيء من دقائق النحو والتصريف في شعره يقول: "سلوا صاحبنا أبا الفتح"، ثم كان إذا سُئل عن معنى قاله، أو توجيه إعراب حصل فيه إغراب دل عليه، وقال: "عليكم بالشيخ الأعور ابن جني فسلوه، فانه يقول ما أردت وما لم أرد".
الاستشهاد بالشعر:
وأما ابن جني فقد كان يُجلُّ المتنبي، وهو أول من شرح ديوانه، وقد شرحه شرحين: أحدهما كبير يسمَّى: "الفسر" أي التفسير، وقد طُبع جزء منه بتحقيق الدكتور صفاء خلوصي، والشرح الآخر صغير يسمَّى: "الفتح الوهبي على مشكلات المتنبي"، وقد طُبع في جزء واحد بتحقيق الدكتور محسن غياض.
ومن وراء ذلك فقد كان ابن جني يثني على أبي الطيب ويستشهد بشعره، متجاوزاً بذلك ما حدده متشدِّدو النحاة من الوقوف بالاستشهاد عند الشاعر إبراهيم بن هَرْمة (176هـ) ومما قاله ابن جني في ذلك عندما استشهد بشعر المتنبي: "ولا تستنكر ذكر هذا الرجل -وإن كان مولَّداً- في أثناء ما نحن عليه من هذا الموضع وغموضه ولطف متسربه، فإن المعاني يتناهبها المولَّدون كما يتناهبها المتقدمون "الخصائص 1/24 ومن أقواله فيه أيضاً: "وحدثني المتنبي شاعرنا، وما عرفته إلا صادقاً"، الخصائص 1/239، "وذاكرت المتنبي شاعرنا نحواً من هذا"، الخصائص 2/403، وكان يفاوضه في أمور من النحو والصرف، منها قوله: "ودار بيني وبين المتنبي في قوله "وقلنا للسيوف هَلُمُّنا" كلامٌ فيه طول" سر صناعة الإِعراب ص 722.
وحين مات المتنبي رثاه ابن جني بقصيدة أولها:
غاض القريض وأودت نضرة الأدب ... وصوَّحت بعد ريّ دوحة الكتب
فهل تصدق بعد ذلك ما يقال عن عداوة ومُدابرة بين النحاة والشعراء؟
ثم هل بقي بعد ذلك موضع لقول الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي: "والمبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً دليلاً على نهضة أدبية أو حاسة لغوية يقظة، بل ربما كانت بالعكس دليلاً على ضعف السليقة وانحطاط الملكة"، هل بقي موضع لهذا الكلام؟ إلا أن يكون الأستاذ حجازي يريد نحواً آخر، وأدباً آخر غير اللذين يعرفهما الناس في تراثنا العربي.
كلام فظيع جداً:
ثم نأتي إلى أخطر شيء في كلام الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وهو قوله في سياق الحديث عن عصور الانحطاط التي يسود فيها الاهتمام بالنحو والعروض، يقول: "وكذلك في عصور الانحطاط التي شهدها الأدب العربي في العصر المملوكي، ففي ذلك العصر الذي تراجع فيه الشعر وتدهورت الكتابة ظهر ابن منظور وابن هشام". انتهى كلام الأستاذ حجازي بنصه وفصِّه، وهو كلام فظيع جداً، مفزع جداً، لأنه دال بصريح اللفظ على أن ابن منظور وابن هشام آيتان من آيات الضعف، ومظهران من مظاهر الانحطاط.
وأنا أسأل الشاعر الكبير، وأقول له: من أنبأك هذا؟ ثم ما هي جريرة ابن منظور وابن هشام عندك حتى تهوي بهما إلى مكان سحيق من التخلف والانحطاط؟ أهو شيء استنبطته أنت بقراءاتك، وقامت لك شواهده، ولمعت أمامك أدلته، فنبئنا بتأويله؟ أم هو كلام سقط إليك مما نقرأه من البلايا التي تصب علينا هذه الأيام، تريد أن تغتال تاريخنا اغتيالاً، تحت شعار: تنوير العقل العربي؟ فدُلَّنا على مصدر هذا الكلام، واخرج من العُهدة فيه.
وابن منظور هنا: هو جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي الأنصاري الإِفريقي المصري، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل رُوَيْفع بن ثابت، والإِفريقي في نسبه معناها التونسي، فقد كانت إفريقية في ذلك الزمان يراد بها تونس الآن.
ولد ابن منظور يقيناً بالقاهرة سنة 630هـ، ونشأ بها وتعلم وصنّف، وتوفي بها أيضاً سنة 711هـ، وخلاصة أمره أنه كان مشتغلاً بالأدب نظماً ونثراً، مع معرفة بالنحو واللغة والتاريخ، وتولى وظيفة كاتب الإِنشاء بالدولة، وكان كثير النسخ ذا خط حسن.
وقد عُرف ابن منظور باختصاره للكتب، فاختصر كتاب الأغاني، وهذبه ورتبه على الحروف، وقد طبع هذا المختصر في ثماني مجلدات.
ومن الكتب التي اختصرها ابن منظور أيضاً: الحيوان للجاحظ، وزهر الآداب للحُصري، ويتيمة الدهر للثعالبي، والذخيرة لابن بسام، ونشوار المحاضرة للتنوخي، وتاريخ بغداد للخطيب، والذيل عليه لابن النجار، وصفة الصفوة لابن الجوزي، ومفردات ابن البَيطار، وسرور النفس بمدارك الحواس الخمس للتيفاشي، نشره الدكتور إحسان عباس، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، ويقوم على تحقيقه الآن الدكتور رضوان السيد الأستاذ بالجامعة اللبنانية.

وقد تغيَّا ابن منظور من تأليف معجمه هذا غايات، أبَنْت عنها في مقالة لي بالهلال (مارس 1992م)، لكني أستأذن قارئي الكريم في أن أعيد ذكر غاية واحدة من تلك الغايات - لاتصالها بموضوعنا الآن - وهي غاية قومية وطنية، باعثها الغَيرة على العربية والعصبية لها، بعد أن اطرح بعض الناس الحديث بالعربية وهجروها إلى اللغة الأعجمية، وهي التركية في ذلك الزمان.
اختلاف الألسنة:
يقول ابن منظور في مقدمة اللسان: "وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحناً مردوداً، وصار النطق بالعربية من المعايب معدوداً، وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعتُ هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفتخرون، وصنعته كما صنع نوح الفُلك وقومه منه يسخرون".
فهذا حديث ابن منظور، سقته على سبيل الوجازة والاختصار. .
أما حديث ابن هشام فمُجمل القول فيه أنه: جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أحمد... ابن هشام الأنصاري المصري، ولد بالقاهرة سنة (708هـ) وتوفي بها سنة (761هـ)، حصّل علوم العربية، واشتغل بالتدريس والإِقراء، وصنف تصانيف كثيرة، جمهورها في علم النحو، وقد بلغت تآليفه فيه نحو (30) مصنفاً، ما بين رسالة صغيرة، إلى كتاب كبير، ومن أشهرها: الإِعراب عن قواعد الإِعراب، وقطر الندى وبل الصدى، وشذور الذهب، وأوضح المسالك، وشرح ألفية ابن مالك المسمَى أوضح المسالك. ويأتي على رأس مصنفاته النحوية كلها: كتابه الماتع: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب"، وهو الذي يقول عنه ابن خلدون: "ووصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها، استوفى فيه أحكام الإِعراب مجملة ومفصلة، وتكلم على الحروف والمفردات والجمل، وحذف ما في الصناعة من المتكرر في أكثر أبوابها، وسمَاه بالمغني في الإِعراب".

وكان ابن خلدون قد وصف أمر ابن هشام على الجملة، فقال وهو يتحدَّث عن صعوبة تحصيل علم من العلوم من جميع جهاته، والإِحاطة به كله، ومثَّل لذلك بعلم العربية، وهو علم النحو، فقال في سياق حديث طويل: "كيف يُطالَب به المتعلم وينقضي عمره دونه، ولا يطمع أحد في الغاية منه إلا في القليل النادر، مثل ما وصل إلينا بالمغرب لهذا العهد من تأليف رجل من أهل صناعة العربية، من أهل مصر، يعرف بابن هشام، ظهر في كلامه فيها انه استولى على غاية من ملكة تلك الصناعة، لم تحصل إلا لسيبويه وابن جني وأهل طبقتهما لعظم ملكته وما أحاط به من أصول ذلك الفن وتفاريعه وحس تصرفه فيه، ودل على أن الفضل ليس منحصراً في المتقدمين"، المقدمة ص 532.
(تحقيق):
شاعت عن ابن خلدون في حق ابن هشام كلمة تناقلها مترجموه، وهي قوله: "ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية، يقال له ابن هشام، أنحى من سيبويه"، ولم أجد هذه الكلمة بسياقها هذا وحروفها في مقدمة ابن خلدون، وإن كان الكلام الذي نقلته من المقدمة يؤول إليها ويدلُّ عليها. وقد تتبعت الكلمة فوجدت أن الذي ذكرها بهذا النسق والسياق: هو ابن حجر العسقلاني، في ترجمة ابن هشام من الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 2/416، ويلاحظ أن ابن حجر صدَّر هذه الكلمة بقوله: "قال لنا ابن خلدون " فهو سماع إذن، وقد ذكر شمس الدين السخاوي في الضوء اللامع لأهل القرن التاسع 4/148، أن ابن حجر اجتمع بابن خلدون مراراً، وسمع من فوائده.
تعمق مذهب النحاة:
ويقول أستاذنا الدكتور شوفي ضيف عن ابن هشام: "وقد تحوَّل يتعمَّقُ مذاهب النحاة، وتمثلها تمثلاً غريباً نادراً، وهي مبثوثة في مصنفاته مع مناقشتها وبيان الضعيف منها والسديد، مع إثارته ما لا يحصى من الخواطر والآراء في كل ما يناقشه وكل ما يعرضه"، ويقول أيضاً عن مصنَّفاته: "وهو يمتاز فيها جميعاً بوضوح عبارته، مع الأداء الدقيق إلى أبعد حدود الدقة، مسهباً مطنباً، أو موجزاً مجملاً"، المدارس النحوية ص 346، 347.
فهذا ابن هشام يراه الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي مظهراً من مظاهر الضعف والانحطاط، ويراه ابن خلدون وشوفي ضيف: محيي صناعة النحو في تلك العصور الوسطى بعدما كادت تؤذن بالذهاب، وأنه قرين سيبويه وابن جني، وأنه قد تعمق مذاهب النحاة وتمثلها ثم أحسن عرضها ومناقشتها... وهذا على نحو ما قال ربنا عزَّ وجل: {إنهم يرونه بعيداً * ونراه قريبا) [المعا رج: 6، 7].
وهذا ابن منظور يراه الأستاذ حجازي مظهراً من مظاهر الانحطاط والضعف أيضاً، ويراه أهل العلم بالعربية صاحب أول معجم عربي كبير، جمع جذور اللغة العربية بمناهج المعاجم المختلفة "لسان العرب" تذكره ولا تصفه، لأنه أحد معالم حضارتنا العربية.
على أن للقضية وجهاً آخر، هو ما ذكره الأستاذ حجازي ويذكره غيره من الدارسين الجامعيين وغير الجامعيين، من وَسْم العصر المملوكي بالانحطاط والتخلف لضعف الأدب والشعر فيه. ورد هذا الكلام ونقضه في غير هذا المكان، لكني أشير هنا إلى أنه لولا ما صنعه ابن منظور وابن هشام ومن إليهما من لغويي ونحاة وعلماء القرن الثامن (وهو العصر المملوكي) من هذه الأعمال الموسوعية لضاع علم كثير، ولضعفت ذاكرة الأمة العربية ثم تلاشت، وهو (الدور) العظيم الذي اضطلعت به مصر والشام في ذلك الوقت غداة سقوط بغداد، وإيذان شمس الأندلس بالغروب، فكانت القاهرة ودمشق ملاذاً وملجأً لعلماء بغداد والأندلس، فواصلوا المسيرة التي بدأوها في بلدانهم قبل أن تغشاها النوائب، وشاركوا قرناءهم من علماء مصر والشام في تلك الأعمال التجميعية الضخمة، كابن منظور وابن هشام وصلاح الدين الصفدي، وشمس الدين الذهبي، وشيخ الإِسلام ابن تيمية، وأبي الحجاج المزي، وأبي حيان الأندلسي، وابن سيد الناس اليعمري، وشهاب الدين النويري، صاحب "نهاية الأرب في فنون الأدب" الذي يقول فيه المستشرق فازيليف: "إن نهاية الأرب على الرغم من تأخر عصره يحوي أخباراً خطيرة عن صقلية، نقلها عن مؤرخين قدماء لم تصل إلينا كتبهم، مثل ابن الرقيق وابن رشيق وابن شداد وغيرهم".
فما ينبغي أن تكون بعض مظاهر الضعف في الشعر والكتابة الأدبية في العصر المملوكي، صارفة الأنظار عن مظاهر الحضارة العربية في ذلك العصر، فلنكفَّ إذن عن ثَلْب هذا العصر وتجريحه. ومرة أخرى: لولا ابن منظور وابن هشام وأشباههما من الحَفَظة لضاع الإِرث والورثة، ولم يجد الأستاذ حجازي عربية يقيم بها لسانه، وينسج بها شعره.
وليعلم الشاعر الكبير أن مكانته العالية التي اقتعدها في دنيا الشعر في زماننا هذا ليست مؤهِلة له لأن يذهب هذه المذاهب في دنيا اللغة والنحو، فاللغة بحر لا ساحل له، والنحو صعب وطويل سُلَّمه، ولست آمن إذا ظل الشاعر الكبير ماضياً في هذا الطريق: طريق الجرأة على اللغة والنحو، لست آمن أن يقوم له أحد المعيدين الصغار الذين تخصصوا في هذين العلمين، فيقعد له كل مرصد، ويأتيه من كل مكان، حتى ينفض كلامه عُروة عُروة، "وأول راض سنة من يسيرها" كما يقول خالد بن زهير الهذلي.
هجوم وازدراء:
على أن هذا الذي ذكره الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي عن النحو العربي إنما هو نفخٌ في نار خامدة، شبَت في العقود الأخيرة من هذا القرن ثم طَفِئَت، ثم شبت ثم طفئت... وهكذا، على نحو ما قال ربنا سبحانه: {كلما خبت زدناهم سعيرا} [الإِسراء: 97].
** تنبيه من محمد المهنا:
يظهر لي أن المؤلف أراد كتابة الآية (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله) لكنه كتب هو أو الطابع: (كلما خبت زدناهم سعيرا).
وإذا كانت ثقافة هذه الأمة العربية كلها قد تعرضت للتنقص والتجريح، كقولهم في تفسير القرآن إن به إسرائيليات، وقولهم في الحديث إن به وضعاً وضعفاً، وإن في الشعر انتحالاً، وفي الأدب ذاتية، وفي البلاغة تكلفاً وزخارف وأصباغاً... إلى آخر هذا الكلام المعاد الممموج، فإن النحو العربي قد ذهب بالهجوم كله وبالازدراء كله.

على أن أغرب ما في الأمر انه قد صار (مَلْطَشَة) يتكلم فيه من يعرف ومن لا يعرف، فإن بعض الذين يكتبون عن النحو الآن لا صلة لهم به، لا من قريب ولا من بعيد، وإنما هي نُقُول ومتابعات ينقلها لاحق عن سابق، ثم ينسبها إلى نفسه ويتنفَّخ بها على خلق الله، وهذا هو الزور بعينه، على ما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما: "المتشبّع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زور"، وهكذا تسير الأمور، وكأن الأمر في الكتابة عن النحو قد صار (على المشاع).
ومن ذلك ما كتبه الأستاذ بدر نشأت في الأهرام 5/7/1996م بعنوان: "بين فصحى نعرفها وعامية نجهلها"، وفي هذه الكلمة ترديد لأقوال السابقين، مع تخليط كثير، وجرأة عجيبة، من مثل قوله: "إن القراءة الصحيحة السليمة تفتقد السرعة والمباشرة، فالقراءة بالتنوين تطيل الوقت، وتضاعف جهود النطق، وهي أمور ما عادت تتفق وإيقاع العصر وتتعارض مع النزوع البشري المطرد إلى الاقتصاد في الجهد والوقت، فاللغة كائن حي، لا بد لها من أن تلاحق إيقاع الحياة وتتكيف معه".
وأنا لا أفهم معنى القراءة بالتنوين هذه؟ هل التراكيب النحوية كلها تجري في نطقها على التنوين؟ فما بال الأسماء التي لا يجتمع معها التنوين، مثل الأسماء المعرّفة بأل، والأسماء المعربة المضافة، والأسماء المبنية، والأسماء الممنوعة من الصرف، والمثنى والمجموع؟ ثم ما بال الأسماء الموقوف عليها؟
ويقول الأستاذ بدر نشأت أيضاً: "ويجب أن يعلم النحويون عندنا أن علم النحو العربي يحتاج في كثير منه إلى صياغة جديدة، فقد قام على رؤية معيارية، وعمد إلى الافتراض، واستنباط القواعد التي تضبط الجانب الكتابي، وأهمل الجانب الصوتي الذي هو موطن اللغة الأصلي، وهو ما أدى إلى ما نشكو منه اليوم من تعقيد في اللغة العربية".
وهذا كلام مكرور ومُعاد، أعرف منابته ومغارسه، كما قالت العرب في أمثالها: "شِنْشِنَةٌ أعرِفها من أخْزَم "، ولا تغرنك هذه العبارات: "إيقاع العصر، واللغة كائن حي، وصياغة النحو صياغة جديدة..."، أفبعد أربعة عشر قرناً من جهود الرجال الكبار تطلب للنحو صياغة جديدة؟ (صياغة إيه يا راجل؟ وحِّد الله وصل على اللي حيشفع فيك!).
ولا بأس علينا إن شاء الله من الإِلمام بشيء من العامية، فإنها تحلو في هذا الموضع، ولا تقوم الفصحى مقامها، وأيضاً فإن ذلك من باب المناسبة أو المشاكلة، كما يقول علماء البلاغة؟ لأن الأستاذ بدر نشأت قصاص بارع، ومكانه في الأدب معروف، وما زلت أذكر مجموعته القصصية الجيدة التي نشرها في الخمسينات "مساء الخير يا جدعان"، وقد مزج فيها بين الفصحى والعامية مزجاً رائعاً، مع تطويعه العامية المصرية لبعض المحسنات البديعية، كالجناس والتورية، على نحو ما كان يفعل الشاعر العظيم فؤاد حداد، رحمه الله، لكن أن يسلُك الأستاذ بدر نشأت تلك الدروب الضيقة في النحو والصرف واللغة، فهذا ما لا يجمل به، ولا يحسن منه.
أقول قولي هذا، وأنا أعلم يقيناً أننا جميعاً أصحاب هذه اللغة، لنا أن نتحاور حولها، وأن نبدي الرأي فيها، لكن الأمر مشروط بتقدم الأهلية وامتلاك الأدوات، كما قالت العرب في أمثالها: "ثَبَّت نَسَباً واطلُبْ ميراثاً".
ويبدو لي أن مجال الحديث مع من يهاجمون النحو العربي ينبغي أن يأخذ منحى آخر، ففي نيتي إن شاء الله أن اسأل من يكتب عن النحو الآن جملة من الأسئلة، فمثلاً أقول له: ماذا تعرف عن نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة؟ ماذا قرأت من كتب النحو الأولى؟ وماذا في مكتبتك الخاصة منها؟ ثم اسأله عن طائفة من المصطلحات النحوية التي تدور في كتب القوم، وبعد ذلك أضع أمامه بعض أبيات من الشعر وقطعة من النثر، وأطلب إليه أن يقرأ هذا وذاك قراءة صحيحة أو مقاربة، فإن جاءت الإِجابة على ذلك كله وَفق المراد، قلت: أجل ونعمى عين، هات ما عندك، ومددت حبال الحديث بيني وبينه، وإن تعثر وكبا

قلت: حسبك فقد سقطت مؤونة الكلام بيني وبينك، فأنت غريب المحل، ناء عن الديار.
ثم أزيدك عجباً أيها القارئ الكريم - ومن يعش ير عجباً، كما قالت العرب - أن النحو العربي الآن يهاجم أيضاً من بعض الإِسلاميين الذين يصرخون ليل نهار، دفاعاً عن الإِسلام وخوفاً عليه، ولكن كيف يهاجم هؤلاء النحو؟ سمعت كبيراً منهم في محفل عام يقول: "إن المسلمين الأوائل شُغلوا بإعراب القرآن عن تطبيقه"، وقد غَفَل هذا الغبي - نستغفر الله من فاحش القول - عن أن كثيراً من كلام ربنا عزَّ وجل لا يُفهم ولا يطبق إلا إذا عُرف وجهه النحوي الصحيح، والأمثلة من ذلك كثيرة لا أريد أن أطيل بذكرها، وقد ذكرت شيئاً منها في صدر كلمتي.
وما بقي إلا الإِشارة إلى أن النفخ في نار الهجوم على النحو العربي في هذه الأيام، إنما خرج من كير الزميل العزيز الدكتور أحمد درويش، الذي كتب خمس مقالات بجريدة الأهرام أيضاً، اختار لها عنواناً جذاباً هو "أنقذوا اللغة من أيدي النحاة"، وفي هذا العنوان من الإِثارة وفتح الشهية ما ترى.
وأخطر ما في كلام الزميل العزيز أنه استطال فيه بذكائه، واحتشد له بتلك المصطلحات والتراكيب التي تخطف بصر القارئ وتهزه هزاً وتخيفه و (تَخُضُّه) على ما وصفت من كلام الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي من قبل. وهو نمط من الكلام إن أعجب بعض الناس فإنه عند كثير منهم خفيف هين، كما قال الشاعر: "وخمرُ أبي الرَّوْقاءِ ليست تُسْكِر".
وليس من همي هنا أن أنقض كلام الزميل العزيز أو أرده، فلذلك موضع آخر، لكني أريد أن أذكِّره فقط بأن هذا النحو القديم الذي سخر منه ومن أعلامه، ثم دعا إلى إنقاذ اللغة منه ومنهم: هو الذي أنطق لسانه وفجَّر بيانه؟ فإن الزميل العزيز ممن ينتمون إلى جيل الحفظة: حفظة المتون، فقد التقى وهو في طراءة الصبا ثم في ميعة الشباب بالتحفة السنية شارحة الآجرومية، وتنقيح الأزهرية وقطر الندى وشذور الذهب وابن عقيل وأوضح المسالك، ولو أن زميلنا العزيز تعلم النحو بعيداً عن هذه الكتب، ووفق منهجه الذي يقترحه اليوم لما استقام له بيان، ولا نهضت له حجة.
وهذا الإِعلال والإِبدال الذي يهزأ به زميلنا العزيز: هو الذي أعانه على معرفة المعجم العربي، بمعرفة الزوائد والأصول في الأبنية العربية، ولولا هذا الإِعلال والإِبدال ما عرف أن "تراث" من "ورث" وأن ميناء من "وَنَى"، وأن "تترى" من "وتر"... وهلم جرّاَ. فهذا موضع المثل "أكلاً وذماً".
وما ينبغي أن يكون في تسويغ الزميل العزيز لكلامه أنه يغار على النحو العربي، وأنه يريد له أن ينهض من كبوته، ويقوم من عثرته، لا ينبغي أن يقول هذا؟ لأنه نَقَب نقباً وأباح حمى، فاتكأ بعض الناس على ما قاله في مقالاته الخمس، واندفع يميناً وشمالاً، يحارب بسيفه وينزع عن قوسه، فالزميل العزيز شريك في هذه الحملة الشرسة على النحو العربي، شاء أم أبى، على ما قال الشاعر:
فإلاَّ يكونوا قاتليه فإنه ... سواء علينا مُمْسِكاهُ وضارِبُه
ولو لم يكن إلا الوفاء لهذه السنوات التسع التي قضاها الأستاذ الدكتور أحمد درويش بالأزهر الشريف، فملأت شرايينه بدم العربية، وكست عظمه لحم الفصحى، لكان في ذلك ما يزعه عن الهجوم على النحو العربي، الذي هو ملاك العربية وسلطانها.
إن الأيام الأولى عزيزة علينا، نحرص عليها، ونذود عنها، ونفخر بها، أليس كذلك يا دكتور؟
ولشد ما يعجبني ويؤنسني كلام الأستاذ الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، الذي ما يفتأ يذكر فضل الأزهر عليه، وعلى لسانه، فيقول: "كانت دراستي في الأزهر قد أمدتني بفيض من الأبيات المتناثرة في كتب النحو والبلاغة، وأصبح الشعر هم الليل والنهار"، تجربتي مع الإِبداع (الهلال يونيه 1194م)، وأشار إلى مثل هذا أيضاً في الأهرام 25/6/1996م.

وبعد...
فقد كتب الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي كلامه هذا الذي أدرت عليه مقالتي، بجريدة الأهرام، يوم 26/6/1996م، وتأخر ردي عليه إلى هذا الوقت، لأني كنت أريد أن أمهد له العذر، لعله يستدرك ما فرط منه، أو يفسر ما أشكل على الناس من كلامه، ولم يفعل الأستاذ حجازي شيئاً من ذلك، ولكنه على العكس حشد في صفحته في الأسابيع التي أعقبت مقالته، طائفة من كتابات القراء: رِضا عما كتب، وحفاوة بما قال! ولله الأمر من قبل ومن بعد.
* * *

هل أدلّكم على تجارة؟ (8)

مؤسسة الفرقان للتراث الإِسلامي بلندن - وراعيها معالي الشيخ أحمد زكي يماني - ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، وجائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة محمد حسن فقي الشعرية، وجائزة سلطان بن علي العويس بالشارقة، ومؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإِبداع الشعري بالكويت، وجائزة الشيخ عبد الله مبارك الصباح للآداب والفنون بالكويت: نجوم تلألأت في سماء الثقافة العربية، فبددت ظلمة غشيت أمتنا العربية، أطبقت عليها زمناً، وصيحات دوَّت في سمع الدنيا، فحركت جسداً خامداً ظنوا أنه ميت وما هو بميت، ولو قُدِّر لهذه الجهود الطيبة الراشدة أن تنمو وتطرد، وألا تقف في أوائل الطريق أو منتصفه لكان الحال غير الحال.
ولما كانت هذه الشموس قد طلعت في أفق الجزيرة العربية ودول الخليج العربي، فقد يسرع إلى الخاطر أن هذا البذل وذلك السخاء مرتبطان بتلك الثروة البترولية التي أفاءها الله على القوم في العقود الخمسة الأخيرة، وهذا سبب معين بلا شك، ولكن ليس هو كل الأسباب، فإن الله جلت قدرته وعظمت حكمته حين يسَّر لتراث العربية من نذروا أنفسهم لتصنيفه وجمعه وتسجيله، في جهاد دائب لم تشهده أمة من الأمم، ولم تعرفه ثقافة من الثقافات، قد تمم الفضل وأكمل النعمة بأن هيأ لذلك التراث أيضاً من عملوا على نشره وإذاعته، وتكريم أهله، والأخذ بأيديهم، لا يضنون بجهد أو مال، فقد وقف كثير من أهل اليسار والسعة وراء أهل العلم، وجعلوا من أموالهم نصيباً مفروضاً لطبع الكتب وتعميم النفع بها.
ومنذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي بدأ نهر الخير يتدفق على يد هؤلاء الأثرياء الأبرار الذين سعوا في طبع أصول الكتب العربية، ولن يتسع المقام هنا لذكر أولئك الأثرياء، فلنكتف بأبرزهم، وأولهم: العلامة أبو الطيب صدِّيق بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني القِنَّوْجي البخاري، وهو أحد رجال النهضة الإِسلامية المجددين، وصاحب المؤلفات الشهيرة: الدين الخالص، وأبجد العلوم، والتاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول، وكان هذا الرجل مع اشتغاله بالعلم والتصنيف ميسوراً صاحب ثروة، فقد تزوج بملكة بهوبال، فعظم شأنه وكثرت ثروته، وقد كان من فضل الله على هذا الرجل أن وفَّقه لأن يطبع على نفقته أعلى كتاب في شروح الحديث، وهو "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" للحافظ ابن حجر العسقلاني المصري الشافعي.
ومن هذه الطائفة النبيلة: أحمد بك أحمد الحسيني الشافعي المحامي، المولود بالقاهرة سنة 1271 هـ= 1854م، اشتغل بالمحاماة ونبغ فيها، ثم انقطع للتأليف، فكانت له رسائل معظمها في الفقه الشافعي. وقد أنفق هذا السري النبيل الكثير على طبع كتاب "الأم" للإِمام محمد بن إدريس الشافعي، وقد سمعت من مشايخي من أهل العلم، وعلماء المخطوطات أن السيد أحمد الحسيني هذا، باع "عزبة" من أملاكه للإِنفاق على طبع كتاب "الأم".
ومن وراء هذين الاسمين الكبيرين نرى أسماء كثيرة مضت في ذلك الطريق العظيم.
ولم يقف الأفراد وحدهم لطبع الكتب على نفقتهم، فقد رأينا في ذلك الزمان قيام جماعات من أهل العلم ومحبيه لنشر الكتب الموسوعية، نذكر منها جمعية المعارف بمصر، التي أسسها محمد عارف باشا عام 1868م، وقد وصل أعضاء هذه الجمعية إلى "661" عضواً، وشركة طبع الكتب العربية سنة 1898م. بل إن جماعة من أهل الخير في مكة المكرمة قد نشطوا للإِنفاق على طبع كتاب خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي، وهو أكبر وأهم كتاب في شرح شواهد العربية. وقد تم طُبع هذا الكتاب بمطبعة بولاق سنة 1299هـ= 1882م، وجاء في أربعة أجزاء ضخام، وطُبع بهامشه كتاب شرح الشواهد الكبرى لبدر الدين العيني.
وهذه أسماء أهل مكة الذين ساهموا في طبع هذا الكتاب الجليل، كما ذكرها مصحح الكتاب الشيخ محمد قاسم، قال: "هذا وكان حسن طبعه وزهر ثمر طلعه على ذمة عصابة أجلة نبلاء، لهم في نشر العلوم والمعارف اليد البيضاء، فاستحقوا بذلك الثناء الجميل. وهاك مقادير حصصهم على هذا التفصيل: فقيراط ونصف لتاج المفتين حضرة الفاضل الشيخ عبد الرحمن سراج، مفتي بلد الله الأمين، وثلاثة قراريط لحضرة العلامة الشيخ عبد الرحمن الشيبي عمدة الأماثل، وقيراط ونصف للسامي الماجد حضرة الشيخ أحمد المشاط عين الأماجد، وثلاثة قراريط لذي القدر السني حضرة الحاج عبد الواحد الميمني، وثلاثة قراريط لذي المورد الهني حضرة الحاج حسين بن عبد الله الميمني، وستة قراريط لذي المشرب الأدبي حضرة الفاضل الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد الباز الكتبي، وستة قراريط للمستعين بربه الغني حضرة الحاج أبي طالب الميمني".
وهنا تنبيهان: الأول: أن مصحح الكتاب لم يذكر أن هؤلاء الأعلام من أهل مكة المكرمة، ولكني عرفتهم من خلال إقامتي بالبلد الحرام، ورأيت أسماءهم تتردد في سلسلة أبنائهم وأحفادهم وعائلاتهم.
والثاني: أن هؤلاء الرجال المكيين الذين أنفقوا على طبع الكتاب سنة 1299هـ= 1882م، لم ينفقوا عليه من عائد البترول، فلم يكن البترول قد عُرف يومئذ بتلك البلاد، فالأمر راجع إلى عزائم الرجال لا إلى كثرة الأموال.
وهكذا اجتمع على طبع التراث العربي بمصر، في أواخر القرن التاسع عشر، الهندي والمصري والحجازي والحضرمي، وغيرهم ممن لم يبلغنا خبره، وهو تجمع عربي إسلامي شامخ، قبل أن تكون للعرب جامعة، وقبل أن يوجد للإسلام منظمة.

نهر العطاء:
وعوداً على بدء، فإن هؤلاء الأثرياء النبلاء من أهل الجزيرة العربية والخليج الذين بدأت بهم حديثي، موصولون بنهر العطاء الذي شقه أهل الخير والفضل من أمتنا العربية والإِسلامية، وهم ينفقون بسخاء لا حدود له، سواء في جمع المخطوطات وفهرستها والتعريف بها، أو في طبع الكتب وإذاعتها، أو في رصد الجوائز للعلماء والأدباء، وقد عرفتُ ذلك عن قرب، حيث شاركتُ في نشاط بعض هذه المؤسسات، فقد دُعيت إلى التدريب على فهرسة المخطوط الإِسلامي في ثلاث دورات أقامتها مؤسسة الفرقان للتراث الإِسلامي "أحمد زكي يماني" بالقاهرة واستانبول ولندن، ثم شاركتُ في ندوة عن تاريخ الطباعة العربية في القرن التاسع عشر، أقامها مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، وفي هذه وتلك رأيت أهدافاً نبيلة وخططاً محكمة راشدة، ورجالاً مخلصين أمناء، وإذا أتيح للعمل شرف المقصد ونبل الغاية وخلوص النية ونزاهة النصح، بلغ من النجاح مبلغه، وانتهى من التوفيق إلى مداه.
فهاأنذا أيها السادة الأثرياء أدلكم على تجارة رابحة، وأفتح أمامكم باباً واسعاً من أبواب الخير، وأسأل الله أن تنشرح له صدوركم، وتهش له قلوبكم.
وذلك أني امرؤ شُغلت بالكتاب العربي، مخطوطاً ومطبوعاً، على امتداد سبعة وثلاثين عاماً، وكان اهتمامي بالكتاب العربي المخطوط من طريق اشتغالي بنسخ المخطوطات في صدر شبابي، ثم عملي بمعهد المخطوطات التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، فسافرت كثيراً لانتقاء المخطوطات وفهرستها. ثم كان احتفالي بالكتاب العربي المطبوع عن طريق اشتغالي بتحقيق الكتب، ومن أهم عدة المحقق معرفة المطبوعات وتمييز ما بين الطبعات حتى يقوم توثيق النقول وتخريج الشواهد على أساس صحيح.
ثم إني نظرت وأطلت النظر، فرأيت أننا، على مستوى الأمة العربية والإسلامية قد عنينا كثيراً بأمر المخطوطات، فأقمنا لها معهداً تابعاً لجامعة الدول العربية، عام 1946م، كان رائداً في هذا المجال، فدل الناس على أماكن المخطوطات، وفتح أمامهم قضاياها ومشكلاتها، فتعددت بعد ذلك مراكز تجميع المخطوطات وصورها، في الجامعات العربية، أو في مراكز البحوث التابعة لها، ثم عقدنا للمخطوطات أكثر من مؤتمر، وأصدرنا أكثر من توصية، وهذا كله عمل صالح وجيد ومطلوب، وينبغي ألا نتوقف فيه عند حد، فلا يزال في الزوايا خبايا. لكننا في الوقت نفسه أهملنا شأن المطبوعات، إلا ما كان من بعض الرسائل الجامعية المحدودة التي تظهر هنا وهناك، وبعض الندوات التي أقيمت حول الطباعة العربية، ولعل أهمها وأبرزها تلك الندوة التي أقيمت في أكتوبر الماضي بمركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، لكن هذه الجهود كلها تدور حول تاريخ الطباعة العربية، والذي أدعو إليه اليوم شيء آخر، وهو باختصار شديد "تجميع الكتاب العربي المطبوع".
تفاصيل المشروع:
لقد بدأت الطباعة العربية بمدينة فانو Fano بإيطاليا، في أوائل القرن السادس عشر، ثم تعددت المطابع العربية بعد ذلك في أوروبا وبلدان الشرق، وفي مقدمتها الأستانة "استانبول" ثم كانت الوثبة الكبرى للطباعة العربية بمطبعة بولاق بمصر، التي بدأت نشاطها نحو سنة 1820م.
وإذا كان من أقدم المطبوعات العربية كتاب "الكافية" في النحو لابن الحاجب، الذي طُبع في روما بإيطاليا سنة 1592م، و "القانون" في الطب لابن سينا الذي طُبع في روما أيضاً سنة 1593م، فإن هذه أربعمائة سنة في تاريخ الطباعة العربية، أخرجت المطابع خلالها ألوف الألوف من الكتب العربية الكبار والأوساط والصغار، في مختلف العلوم والفنون والآداب.
وهذه الكتب المطبوعة أُودِعت مكتبات عامة ومكتبات خاصة، فالذي أُودِع منها في المكتبات العامة سُجِّل ودُوِّن في فهارس، أما الذي أُودِع في المكتبات الخاصة فهو في غالب أمره محفوظ مرعي ما دام صاحب المكتبة حياً يرزق، فإذا ما جاء أمر الله ولم يكن له ولد من أهل العلم، تفرقت هذه الكتب بدداً.

ومما ينبغي التنبيه إليه أن بعض هذه المكتبات الخاصة تحتوي على بعض المطبوعات النادرة التي ربما لا توجد في المكتبات العامة، وتعليل ذلك سهل، فإن صاحب المكتبة الخاصة يحرص على اقتناء النوادر والنفائس، وهو يجمع الكتب على عينه، ويتعهدها بالحفظ والرعاية، وأيضاً فإن قانون الإِيداع الذي كان يُلزِم الناشرين وأصحاب المطابع بإيداع نُسَخ من المطبوعات في دور الكتب الوطنية، لم يكن معروفاً في تلك الأيام، وعلى هذا فكثيراً ما بحثنا عن كتاب مطبوع قديماً في دار الكتب المصرية فلم نجده فيها، على كثرة مخزونها ومحفوظها، ثم وجدناه في مكتبة شيخنا محمود محمد شاكر أو السيد أحمد صفر أو حسن كامل الصيرفي، ومن إليهم من محبي الكتب وجامعيها، وقل مثل هذا في سائر الأقطار العربية والإِسلامية.
على أن هذه الكتب التي تقادم عهد طباعتها قد صارت الآن في حكم المخطوطات، في ندرتها وصعوبة الحصول عليها، ثم في قلة العارفين بها، وهذه مسألة في غاية الأهمية، فإن للمطبوعات علماء، كما أن للمخطوطات علماء، ويتجلى علم علماء المطبوعات في معرفة أماكن طبع الكتاب، وعدد طبعاته، وفرق ما بين هذه الطبعات، وقد أدركت جيلاً عظيماً من علماء المطبوعات هؤلاء، منهم محمد رشاد عبد المطلب في مصر، وأحمد عبيد بدمشق، والفقيه التطواني بمدينة سلا من المغرب، والحاج مظفر أوزاق باستانبول، وقد انتقلوا جميعاً إلى رحمة الله، ويخشى أن يوصد هذا الباب بموت هؤلاء العلماء، على ما جاء في الحديث الصحيح: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهَّالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلَّوا وأضلَّوا".
وقد بدأت آثار غياب هذا العلم تظهر، فأنت تقرأ الآن مثلاً رسالة جامعية في مصر، تتناول قضية من قضايا تاريخ الأندلس أو المغرب، فترى فجوات كثيرة ونقصاً ظاهراً لغياب بعض المراجع الأندلسية والمغربية عن ذلك الطالب الذي يُعِدُّ رسالته في مصر، وأنَّى لمثل هذا الطالب أن يحصل على مرجع من مطبوعات تونس، أو مطبوعات فاس الحجرية القديمة؟

والذي يقال عن غياب بعض المراجع الأندلسية والمغربية المطبوعة في فاس أو تونس، قديماً، يقال أيضاً عن مطبوعات كثيرة في مختلف العلوم والفنون طُبعت في مصر في أوائل الطباعة العربية بمطبعة بولاق، أو بالمطابع الأهلية التي انتشرت بالعشرات وبما فوق العشرات، في قلب القاهرة المُعِزِّية حول الأزهر والحسين، وكثير من طلبة العلم الآن لا يعلمون شيئاً عن هذه المطبوعات، ولذلك تأتي بعض دراساتهم وأبحاثهم وبها جهات من النقص كثيرة.
ولو أنك جئت الآن إلى معيد بإحدى الكليات الأدبية، وسألتَه مثلاً عن هذه الكتب الثلاثة: الفتح - أو الفيح - القسي في الفتح القدسي، والفلاكة والمفلوكون، والمكاثرة عند المذاكرة، لمن هي؟ ومتى طبعت وأين؟ لما عرف أن الأول للعماد الأصفهاني، وأنه طُبع بمطبعة الموسوعات بمصر سنة 1321هـ= 1903م، وأن الثاني لشهاب الدين الدلجي، وأنه طُبع بمطبعة الشعب بمصر سنة 1322هـ= 1904م، وأن الثالث لجعفر بن محمد الطيالسي، وأنه من مطبوعات معهد الشرقيات بجامعة استانبول سنة 1956م... وهذا باب واسع جداً.
وإذا تركنا حديث الكتب العربية المطبوعة قديماً وغيابها عن طلبة العلم، وجئنا إلى الكتاب العربي المطبوع حديثاً، فإنا نجد هذه الظاهرة أيضاً: ظاهرة غياب الكتب عن طلبة العلم ودارسيه.
لقد تعددت جهات طبع الكتاب العربي الآن، ولم يعد الأمر مقصوراً على الناشرين من التجار وأصحاب المطابع، فقد دخل إلى الميدان كثير من الهيئات والمراكز العلمية التابعة للجامعات العربية أو المستقلة عنها، يمولها نفر من أهل الخير الذين ذكرت بعضاً منهم في صدر حديثي، وكثير من مطبوعات هذه الهيئات والمراكز لا يُعرض للبيع، وإنما يُقصر على الإِهداء، وهذا الإِهداء دائرته محدودة جداً، وفيه بعض الآفات، وهو أنه يقدم أحياناً لمن لا يعرف قدره، أو لا يدرك وجه النفع منه، وأعرف بعضاً ممن تهدى إليهم الكتب كانوا يتركونها في الفندق استثقالاً لحملها، أو فراراً من مؤونة وزنها في شركات الطيران، وقد كتبت كثيراً في هذا الأمر، فلم يبق إلا الإِيداع في دور الكتب العامة في البلدان العربية، وهناك قانون ملزم بذلك الإِيداع، لكني أحسب أن هذا القانون إنما يُلزِم الناشرين فقط من التجار وأصحاب المطابع.
غياب الكتاب العربي:
فأنت ترى أيها القارئ الكريم أن الكتاب العربي المطبوع قد غاب مرتين: المرة الأولى لتقادم عهد طباعته حتى صار كالكتاب المخطوط، والمرة الثانية لبعده عن أيدي الدارسين بمحدودية توزيعه وإذاعته.
ولقد أدى غياب الكتب الآن إلى غياب المرجعية في قضايا الفكر والأدب، وصار كثير من الناس الآن، وبخاصة المبتدئون من الدارسين يكتبون من رؤوسهم، وما تسرع إليه خواطرهم، وقديماً قال الجاحظ: "وإنما يؤتى الناس من ترك التثبت وقلة المحاسبة". وقال الشيخ عبد القاهر الجرجاني: "وتلك جريرة ترك النظر وأخذ الشيء من غير معدنه"، ولا يخفى أن من ترك التثبت وأخذ الشيء من غير معدنه غياب الكتب والتعويل على الرأي وحده.
إذن نحن مطالبون بأمرين: الأمر الأول: إنعاش ذاكرة الأمة العربية، وإنقاذ تاريخها من قرارة النسيان وبئر الضياع، باسترجاع مطبوعاتها العربية على امتداد الأربعمائة سنة التي أشرت إليها.
والأمر الثاني: رصد ومتابعة وجمع ما يُطبع من الكتب العربية في كل بلدان العالم أولاً بأول، وبتحقيق هذين الأمرين نكون قد عملنا على تجميع الكتاب العربي المطبوع، وهو مقترحي الأساسي، وهدفي من هذه الكلمة كلها.
مكتبة العرب:
ولكن كيف يتم ذلك؟ وما السبيل إلى تحقيقه؟ والجواب وبالله التوفيق، دون تطويل أو ثرثرة، إنشاء مكتبة كبرى، تسمَّى "مكتبة العرب" يُنشئها هؤلاء السادة الأثرياء النبلاء، مجتمعين أو متفرقين، ويختارون لها مكاناً كبيراً في بلد عربي يتوسط البلدان العربية، ويسهل على أبناء الأمة العربية النزول به والإِقامة فيه، ولا أحسب هذا البلد إلاَّ "القاهرة"، أقول قولي هذا وأنا آمن - إن شاء الله - من سوء الظن بعصبية البلد، فجمهور قراء "العربي" ممن يحسنون الفهم، ولا تسرع إليهم الظنون.
وأعلم أن بعض أهل الخير من أبناء السعودية والخليج يقيمون الآن مساجد فخمة بالقاهرة، ولو كنت من أهل الفتيا لأفتيت بأن إقامة المكتبات الآن أولى من بناء المساجد، مع علمي بالأحاديث التي تحض على بناء المساجد وترغب في إقامتها.
وسوف يكون إنشاء "مكتبة العرب" بالقاهرة مذكراً بتلك القلعة الشامخة "دار الكتب المصرية" التي تتوسط ميدان "باب الخلق" الشهير، والتي كانت ملتقى لرجال الفكر والأدب، يجدون فيها بغيتهم من الكتاب العربي المخطوط والمطبوع، ويذكر أساتذتنا الكبار من أبناء الأمة العربية الذين حصلوا على شهاداتهم العليا من جامعة القاهرة في الأربعينيات والخمسينيات فضل دار الكتب المصرية عليهم، وأثرها في تكوينهم الفكري... وسقى الله تلك الأيام!
وواضح مما قلته إن الغاية الأولى من إنشاء هذه المكتبة "مكتبة العرب" هي تحقيق فكرة تجميع الكتاب العربي المطبوع، ولكن لن تكون هذه هي الغاية الوحيدة من إنشاء هذه المكتبة، فسوف تكون هناك غايات أخرى عظيمة مما تتيحه المكتبات الحديثة المؤسسة علميّاً، والمستفيدة من مظاهر التقدم التكنولوجي المذهل الذي أتى به العلم الحديث في وسائل الاتصال والتكشيف واستدعاء المعلومات.
ومن هذه الغايات العظيمة أيضاً تجميع صور المخطوطات العربية التي صورت على "الميكروفيلم" مما صوره معهد المخطوطات العربية الذي أنشئ تابعاً لجامعة الدول العربية عام 1946م، وكذلك صور المخطوطات التي صورتها الجامعات العربية والمراكز العلمية التابعة لها، ومراكز العلوم الأخرى غير التابعة للجامعات.
ولن أطيل بذكر هذه المراكز، فهي معروفة مشهورة، بحيث تكون "مكتبة العرب" هذه في آخر الأمر هي المكتبة المركزية للأمة العربية كلها التي جمعت الكتاب العربي: مطبوعاً ومخطوطاً.

وإذا كانت منظمة اليونسكو تعمل الآن في مشروع "ذاكرة العالم "، فما أحرانا نحن العرب أن نعمل في مشروع "ذاكرة العالم العربي" الذي يكون مجلاه "مكتبة العرب" هذه.
أما كيف تقوم هذه المكتبة، وما هي الأسس التي تركز عليها، وما هي القواعد الصحيحة التي تضمن لها البقاء والنمو والازدهار؟ فكل ذلك وأشباهه موكول إلى لجنة عليا تختار من كبار رجال الفكر والأدب في عالمنا العربي، تخطط لهذا الصرح العربي الكبير، على أن ننبذ من تفكيرنا الإِقليمية والفردية. وما أريد أن أمد في حبال الكلام عن هذه المكتبة وأهدافها، حتى لا يطول الحديث، والحديث إذا طال أمل وأضجر، وإذا جاء موضع الكلام تكلمنا، وأخرجنا ما عندنا من تصورات واقتراحات، لكني أريد أن أعجل وأقول: إن تكاليف إنشاء مثل هذه المكتبة لن تتجاوز ما يُنفق على عشر ندوات تراثية لا تخرج إلى أبعد من التوصيات، وعشر جوائز سنية لا تتجاوز جيوب أصحابها.
ولا عليكم أيها المفكرون والشعراء والمبدعون من أن تبطئ عليكم الجوائز سنتين أو ثلاثاً، حتى يتحقق هذا الأمل الكبير، والله يعوضكم خيراً، وسوف يكون يوم افتتاح هذه المكتبة العظيمة إن شاء الله، عيداً لأولنا وآخرنا.
وبعد: فيا أيها السادة النبلاء، من أثرياء العرب الذين سخوا وجادوا، هذه تجارة رابحة، دللتكم عليها، وفتحت لكم أبوابها، وأقمت لكم سوقها، فامضوا على بركة الله وهداه، ونرجو أن يعود بكم وبفضل أموالكم تاريخنا العظيم، في إقامة دور الكتب وخزائنها التي حفظت لنا ما بقي من تراثنا، وأدَّته إلينا سالماً، واستنقذته من عوادي الناس والأيام، وسوف يكون في موازينكم إن شاء الله دعوة طالب علم أو معيد بإحدى الجامعات يتحرق شوقاً إلى مرجع قديم أو حديث لا تطوله يداه الكليلتان، يجده ميسوراً متاحاً في مكتبتكم "مكتبة العرب".
أما انتم أيها السادة المستشارون الأمناء الذين عهد إليكم هؤلاء السادة الأثرياء بالإِشراف على أعمالهم النبيلة هذه: لقد حملتم أمراً عظيماً فاصطبرتم له، وقد أديتم الأمانة بإحسان النصح، وإخلاص المشورة، وطهارة اليد، وأنا أدعوكم اليوم لأن تقرأوا هذا الكلام وتتدبروه، ثم تقدّموه للسادة الأثرياء النبلاء، قدِّموه لهم ليقرأوه بأنفسهم، ولا تلخصوه لهم، فهم أهل فضل وأدب وعقل قبل أن يكونوا أصحاب ثروة وجاه، وبينهم وبين أهل العلم نسب أقاموه مقام الوالد، على نحو ما قال أبو تمام، وأنتم بعد ذلك شركاؤهم في إحراز الأجر وكمال المثوبة، فالدال على الخير كفاعله، كما جاء في الحديث الشريف.
قال محدِّث الشام أبو الفدا العجلوني: والمشهور على الألسنة: "الدال على الخير كفاعله، وفاعله من أهل الجنة". والله من وراء القصد، وهو ولي التوفيق
* * *

محمود محمد شاكر..
ومنهجه في تحقيق التراث (9)

تحقيق النصوص علم له قوانينه وأعرافه ومصطلحاته وأدواته، وله جانبان: جانب الصنعة وجانب العلم، فأما جانب الصنعة فهو ما يتصل بجمع النُسخ المخطوطة للكتاب المراد تحقيقه، والموازنة بينها، واختيار النسخة الأم. ثم ما يكون بعد ذلك من توثيق عنوان المخطوط واسم المؤلف ونسبة المخطوط إليه، ونسخه والتعليق عليه، وتخريج شواهده وتوثيق نقوله، وصنع الفهارس الفنية اللازمة.
فهذا كله جانب الصنعة الذي يستوي فيه الناس جميعاً، ولا يكاد يفضل أحدٌ أحداً فيه، إلا بما يكون من الوفاء بهذه النقاط أو التقصير فيها.
وأما جانب العلم في تحقيق النصوص فهو الغاية التي ليس وراءها غاية، وهو المطلب الكبير الذي ينبغي أن تُصرف إليه الهمم، وتُبذل فيه الجهود، ولاءً لهذا التراث العريق، وكشفاً لمسيرتنا الفكرية خلال هذه الأزمان المتطاولة، وعدة المحقق في ذلك هي معرفة الكتب العربية في كل فن، وحسن التعامل معها والإِفادة منها؛ لأنه في كل خطوة يخطوها مطالب بتوثيق كل نقل وتحرير كل قضية، بل إن المحقق الجاد قد يبذل جهداً مضنياً لا يظهر في حاشية أو تعليق، وذلك حين يريد الاطمئنان إلى سلامة النص واتساقه.
وقد مرَّ تاريخ نشر التراث في ديارنا المصرية بأربع مراحل: المرحلة الأولى: مطبعة بولاق والمطابع الأهلية، ومرحلة الناشرين النابهين، ومرحلة دار الكتب المصرية، ومرحلة الأفذاذ من الرجال.
وفي المرحلة الأولى نُشِرت النصوص التراثية خالية من دراسة الكتاب وترجمة مؤلفه، وذكر مخطوطاته وفهرسته، وإن كان النشر في هذه المرحلة قد اتسم بالدقة المتناهية والتحرير الكامل، إذ كان يقوم على التصحيح فئة من أهل العلم منهم الشيخ نصر الهوريني، والشيخ محمد قُطَّة العدوي.
والمرحلة الثانية عُنيت إلى حدٍ ما بجمع النسخ المخطوطة للكتاب، وذكر ترجمة المؤلف وبعض الفهارس، وتُعرف هذه المرحلة بتلك الأسماء: أمين الخانجي، ومحب الدين الخطيب، ومحمد منير الدمشقي، وحسام الدين القدسي، وكلهم من أهل الشام.
والمرحلة الثالثة هي مرحلة دار الكتب المصرية، وفي هذه المرحلة أخذ نشر التراث يتجه إلى النضج والكمال من حيث جمع نسخ الكتاب المخطوطة من مكتبات العالم، وإضاءة النصوص ببعض التعليقات والشروح، وصنع الفهارس التحليلية، وما يسبق ذلك كله من التقديم للكتاب، وبيان مكانه في المكتبة العربية، وقد تأثر هذا المنهج إلى حدٍ ما بمناهج المستشرقين الذين نشطوا في نشر تراثنا وإذاعته منذ القرن الثامن عشر؛ وقد وقف على رأس هذه المرحلة: أحمد زكي باشا شيخ العروبة.
أعلام في ميدان التحقيق:
أما مرحلة الأفذاذ من الرجال فهي مرحلة أحمد محمد شاكر، ومحمود محمد شاكر، وعبد السلام هارون، والسيد أحمد صقر، وقد دخل هؤلاء الأعلام ميدان التحقيق والنشر، مزوَّدين بزاد قوي من علم الأوائل وتجاربهم، ومدفوعين بروح عربية إسلامية عارمة، استهدفت إذاعة النصوص الدالة على عظمة التراث الكاشفة عن نواحي الجلال والكمال فيه، ومن أعظم آثار هذه المرحلة تحقيق هذه الأصول:

الرسالة للشافعي، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام، والبيان والتبيين والحيوان للجاحظ، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة.
وإن اتفق أعلام هذه المرحلة فيما ذكرتُ، فإن أبا فهر محمود محمد شاكر يقف وحده من بينهم، وينفصل عنهم بأمرين، الأول: أنه صاحب قضية صحِبته وأرَّقته منذ النَّأنأة - أي منذ صباه ونشأته الأولى - وهي قضية أمته العربية، وما يُراد لها من كيد في لغتها وشِعرها وتراثها كله، وقد أبان عن هذه القضية في كل ما كتب، وبخاصة في كتابيه: أباطيل وأسمار، ورسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ثم نثرها فيما دق وجل من كتاباته، وما برح يعتادها في مجالسه ومحاوراته، يهمس بها حيناً، ويصرخ بها أحياناً أخرى، لا تفرحه موافقة الموافق، ولا تحزنه مخالفة المخالف.
ولقد حكمت هذه القضية الضخمة أعمال أبي فهر كلها، وهي التي وجهته إلى تحقيق التراث، فكان عمله في نشر النصوص جزءاً من جهاده في حراسة العربية والذود عنها، سواء فيما نشره هو، أم فيما حث الناس على نشره وأعانهم عليه.
الأمر الثاني: أن أبا فهر دخل إلى ميدان تحقيق التراث بثقافة عالية وقراءة محيطة اعتقد جازماً أنها لم تتيسَّر لأحد من أبناء جيله، سواء من اشتغلوا بتحقيق التراث، أم من انصرفوا إلى التأليف والدرس.
لقد ألقى هذا الرجل الدنيا كلها خلف ظهره ودَبْرَ أذنيه، واستوى عنده سوادها وبياضها، وخلا إلى الكتاب العربي في فنونه المختلفة، والمكتبة العربية عند أبي فهر كتاب واحد، فهو يقرأ صحيح البخاري كما يقرأ الأغاني، ويقرأ كتاب سيبويه قراءته لمواقف عضد الدين الإِيجي، وقد قلت عنه مرة بالتعبير المصري: "إنه خد البيعة على بعضها"، وقد كشف هو نفسه عن ثقافته وأدواته، فقال بعد أن حكى محنته عقب ذلك الزلزال العنيف الذي رجه رجاً حين خرج المستشرق الإِنجليزي "مرجليوث" بمقالته عن نشأة الشعر العربي، وما أثاره من شك حول صحة الشعر الجاهلي، وما كان من متابعة الدكتور طه حسين لهذه المقالة، في كتابه: "في الشعر الجاهلي"، يقول في صدر رسالته في الطريق إلى ثقافتنا: "قد أفضى بي... إلى إعادة قراءة الشعر العربي كله أولاً، ثم قراءة ما يقع تحت يدي من هذا الإِرث العظيم الضخم المتنوع من تفسير وحديث وفقه، وأصول فقه وأصول دين (هو علم الكلام) وملل ونحل، إلى بحر زاخر من الأدب والنقد والبلاغة والنحو واللغة، حتى قرأت الفلسفة القديمة والحساب القديم والجغرافية القديمة، وكتب النجوم وصور الكواكب، والطب القديم ومفردات الأدوية، وحتى قرأت البيزرة والبيطرة والفراسة، بل كل ما استطعت أن أقف عليه بحمد الله سبحانه، قرأت ما تيسَّر لي منه، لا للتمكن من هذه العلوم المختلفة، بل لكي أُلاحظ وأتبين وأزيح الثرى عن الخبيء والمدفون".
فهذه هي ثقافة أبي فهر التي دخل بها ميدان تحقيق التراث، الذي اختار هو من عند نفسه نصوصه وأصوله، لم يملِها أحد عليه، ولم يطلبها أحد منه، وكان من أبرز هذه النصوص: طبقات فحول الشعراء لابن سلام، وتفسير الطبري (16 جزءاً)، وتهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار، للطبري (ستة أجزاء)، وجمهرة نسب قريش وأخبارها للزبير بن بكار (جزء منه)، ودلائل الإِعجاز، وأسرار البلاغة، كلاهما للشيخ عبد القاهر الجرجاني، إلى نصوص أخرى نشرها قديماً: فضل العطاء على العُسْر لأبي هلال العسكري، والمكافأة وحسن العقبى، لأحمد بن يوسف الكاتب المعروف بابن الداية، وإمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع، للمقريزي (جزء منه).
ومما يستطرف ذكره هنا أن أول كتاب تراثي يضع فيه أبو فهر قلمه بالتحقيق هو كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة، الذي أخرجه الشيخ محب الدين الخطيب عام 1346هـ= 1927م، أي منذ (70) عاماً، وكان عمره إذ ذاك (18) عاماً، وقد شاركه تصحيح صفحات من الكتاب أستاذنا عبد السلام هارون، برّد الله مضجعه.
وفي هذه الأصول التراثية التي أخرجها أبو فهر، يظهر علمه الغزير الواسع الذي لا يدانيه فيه أحد من أهل زماننا، لأنه علم موصول بكلام الأوائل، منتزع منه ودال عليه ومكمِّل له، والشيخ - حرس الله مهجته - يسير في طريق الفحول، لا تَخْرِم مِشْيَتُهُ مِشْيَةَ واحد من الصدر الأول.
وقبل أن أستطرد إلى ذكر أمثلة من منهج أبي فهر في تحقيق التراث؛ أحب أن أضع أمامك أيها القارئ الكريم مثالاً واحداً على دوران قضايا التراث في عقل هذا الرجل، وأنها شغله الشاغل وهمه الناصب.
أصلٌ في علم البلاغة:
أخرج أبو فهر كتاب الشيخ عبد القاهر الجرجاني "دلائل الإِعجاز" عام 1404هـ- 1984م، وكانت طبعته الأولى عام 1321هـ= 1903م، وقد أخرجها الشيخ محمد رشيد رضا. وهذا الكتاب يعد أصلاً في علم البلاغة وإعجاز القرآن، وكان مما عالجه الشيخ عبد القاهر فيه الرد على من يقولون: "إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات، ولكن تظهر بالضم على طريقة مخصوصة"، وقد عرَّض الشيخ عبد القاهر بأصحاب هذه المقالة في مواضع كثيرة من كتابه، كان منها قوله: "واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول إذا كان صدره "أي صدوره" عن قوم لهم نباهة وصيت وعلو منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذين قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن، فتداولته ونشرته، وفشا وظهر، وكثر الناقلون له، والمشيدون بذكره، صار ترك النظر فيه سنة والتقليد ديناً"، الإِعجاز 464، 466، وانظر مقدمة التحقيق.
ويسأل الشيخ أبو فهر: من يكون هؤلاء القوم الذين لهم نباهة وصيت... إلى سائر ما وصفهم به الشيخ عبد القاهر؟ يقول أبو فهر: وفتَّشت ونقبت، فلم أظفر بجواب أطمئن إليه، وتناسيت الأمر كله إلا قليلاً، نحواً من ثلاثين سنة، حتى كانت سنة 1381هـ= 1961م وطُبع كتاب "المغني" للقاضي عبد الجبار الفقيه الشافعي المعتزلي، في تلك السنة صدر الجزء السادس عشر من كتاب "المغني"، فإذا هو يتضمن فصولاً طويلة في الكلام على "ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي إعجاز القرآن وسائر المعجزات الظاهرة عليه صلى الله عليه وسلم". فلما قرأته ارتفع كل شك وسقط النقاب عن كل مستتر، وإذا التعريض الذي ذكره عبد القاهر حين قال: "واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول... لا يعني بهذا التعريض وبهذه الصفة أحداً سوى قاضي القضاة المعتزلي عبد الجبار". وبعد ذلك نقل أبو فهر عبارة القاضي عبد الجبار، من كتابه "المغني"، وهي: "أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة".
أرأيت أيها القارئ الكريم؟ هذه ثلاثون عاماً تصرَّمت من الزمان، والقضية في بال الرجل، كأنها هَمُّ الليل والنهار، قضية حية في عقله، جارية في دمه، لم تسقط بالتقادم، ولم تنسحب عليها ذيول النسيان! ومثل هذه القضية كثير في كل ما كتب أبو فهر في اللغة والشعر، وسائر علوم الأمة، ولا نفيض في هذا لأن القصد الآن الكشف عن منهج الشيخ في تحقيق التراث، وهو منهج صعب شاق، لأنه مباين لكل ما ألِفه الناس الذين اشتغلوا بنشر الكتب من عرب وعجم، إذ كان قائماً على الجد والصرامة والإِتقان، مستنداً إلى قراءة واسعة محيطة، مع الذكاء الشديد اللمح، والحفظ الجامع الذي لا يتفلَّت ولا يخون.
الشيخ واللغة:
وأول ما يلقانا من منهج أبي فهر: اللغة، حروفاً وأبنية وتراكيب، فقد استولى من ذلك كله على الأمد. واللغة هي الباب الأول في ثقافات الأمم، وإهمالها أو التفريط فيها، أو السخرية منها، هدم لتاريخ الأمم، ومحو لها من الوجود. وعناية أبي فهر باللغة قديمة، ومن أقدم ما كتب فيها ما نشره بالمقتطف عام 1940، بعنوان (علم معاني أسرار الحروف - سر من أسرار العربية)، وفي الفترة القليلة التي شارك فيها في إخراج مجلة "المختار" استطاع أن يقدم مستوى عالياً للترجمة الصحفية لم يُعرف من قبل؛ وأدخل جملة من المصطلحات الجديدة في اللغة للتعبير عن وسائل واختراعات حديثة من نوع "الطائرات النفاثة"، وما زال الجيل الذي عاصر "المختار" من الصحفيين المعاصرين يعتبرون عناوين "المختار" التي كان يصوغها نموذجاً يحتذى. وطالما ذكر صديق عمره يحيى حقي، رحمه الله، فضله عليه في التنبه لأسرار اللغة وفنية استخدامها والتعامل معها.

وإجلال أبي فهر للغة والحذر في استعمالها واضح لائح في كل ما كتب وفي كل ما حقق. ويقول تعليقاً على كلام لأبي جعفر الطبري، في تفسير قوله تعالى {فأتوا حرثكم أنى شئتم}: "حجة أبي جعفر في هذا الفصل، من أحسن البيان عن معاني القرآن، وعن معاني ألفاظه وحروفه، وهي دليل على أن معرفة العربية وحذقها والتوغل في شعرها وبيانها وأساليبها، أصل من الأصول، لا يحل لمن يتكلم في القرآن أن يتكلم فيه حتى يُحسُنه ويحذقه". تفسير الطبري 4/416.
ومعلوم أن من عدة المحقق معرفة غريب اللغة حتى يتمكن من تصحيح ما يصادفه من ذلك التصحيف والتحريف الذي مُنيت به بعض مخطوطاتنا، نتيجة لجهل النساخ، أو عوامل الزمن. ولأبي فهر في ذلك وقفات كثيرة وتصحيحات، منها:
جاء في تفسير الطبري 8/528، من قول أبي جعفر الطبري، في الآية 65 من سورة النساء: "وإذا قرئ كذلك فلا مَرْزِئة على قارئه في إعرابه"، ويعلق أبو فهر: "المرزئة - بفتح الميم وسكون الراء وكسر الزاي - مثل الرزء والرزيئة، وهو المصيبة والعناء والضرر والنقص... وكان في المطبوعة والمخطوطة: "فلا مرد به على قارئه"، وهو شيء لا يُفهم ولا يقال".
وجاء في طبقات فحول الشعراء لابن سلام ص 106، قول كعب بن زهير:
ألا أبلغا هذا المعرّض آيةً ... أيقظان قال القول إذ قال أو حَلَمْ
ويشير أبو فهر في الحاشية إلى أن الرواية في ديوان كعب، والاستيعاب لابن عبد البر "أنه" مكان "آية" ثم يقول: وهي ضعيفة جداً، والصواب ما في مخطوطة ابن سلاَّم، وقد جاء أبو جعفر الطبري بهذا البيت شاهداً على أن الآية: القصة، وأن كعباً عنى بقوله: "آية" رسالة مني وخبراً عني. قال أبو فهر: والآية بمعنى الرسالة لم تذكره كتب اللغة، ولكن شواهده لا تعَد كثرة، ومن ذلك قول حجل بن نضلة:
أبلغ معاوية الممزَّق آيةً ... عني فلست كبعض ما يُتقوَّل
وقول أبي العيال الهذلي:
أبلغ معاوية بن صخر آيةً ... يَهْوِي إليك بها البريدُ الأعجلُ

وهذا تفسير واضح في الشعر، وأوضح منه قول القائل:
أتتني آية من أم عمرو ... فكدت أغصُّ بالماء القَراح
فما أنسى رسالتها ولكن ... ذليل من ينوء بلا جناح
ومن هذا الباب - باب التقاط اللغة من كتب العربية، مما لم تقيّده المعاجم المتداولة - ما جاء في تفسير الطبري 16/248، يقول أبو جعفر: "وقوله تعالى: {يأت بصيرا} يقول: يعُد بصيراً"، ويعلق أبو فهر: "هذا معنى يفيد في معاجم اللغة، في باب "أتى" بمعنى "عاد"، وهو معنى عزيز، لم يُشِر إليه أحد من أصحاب المعاجم التي بين أيدينا".
ومن تصحيحاته اللغوية العجيبة ما جاء في تفسير الطبري 9/182: "فجاء اليهودي إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم يُهْنِفُ"، ويعلق أبو فهر فيقول: "في المطبوعة والمخطوطة - من تفسير الطبري - "يَهْتِف" بالتاء كأنه أراد يصيح ويدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويناشده، ولكنىِ رجحت قراءتها بالنون، من قولهم: أهنف الصبي إهنافاً: إذا تهيأ للبكاء وأجهش. ويقال للرجل: أهنف الرجل: إذا بكى بكاء الأطفال من شدة التذلل. وهذا هو الموافق لسياق القصة فيما أرجح".
ومن ذلك أيضاً ما علق به على قول ابن سلاَّم في الطبقات ص 5: "وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم"، يقول أبو فهر: "كتب في المخطوطة "صِناعة" بكسر الصاد، ثم ضُرب على الكسرة (أي شطب) ووُضع على الصاد فتحة، وكذلك فعل بعد في لفظ "الصناعات"، وقد خلت كتب اللغة من النص على "صَناعة" بفتح الصاد، إلا أني وجدت في كتاب "الكليات" لأبي البقاء ما نصه: "والصَّناعة بالفتح تستعمل في المحسوسات، وبالكسر في المعاني"، ولكن إجماع كتب اللغة على ذكر "الصِّناعة" بالكسر، وأنها حرفة الصانع وعمله بيديه، دال على أن "الصَّناعة" بالفتح في المعاني دون المحسوسات، وأنها الحذق والدُّربة على الشيء".
وتأمل صنيع أبي فهر، لقد أفاد من صاحب "الكليات" ضبط "الصناعة" بفتح الصاد، لكنه خالفه في توجيه معناه!.
تصحيح الكلام:
على أن من أعجب ما ألقاه الله على قلب هذا الرجل، من تصحيح الكلام الذي شاع خطأه في الكتب، ولم يتنبه له أحد، ما جاء في قصيدة عبد الله بن الزِّبَعْرَى يوم أحد يرثي قتل المشركين (طبقات فحول الشعراء ص 238):
حين أَلقَتْ بقَناة بركها ... واستحرَّ القتل في عبد الأشَلْ
يقول أبو فهر: "في جميع ما وقع في يديّ من الكتب "بقباء" - يعني مكان "بقناة" - وقباء قرية على ميلين أو ثلاثة من المدينة على يسار القاصد إلى مكة، فهي إلى جنوب المدينة. وهذا أمر مشكل كل الإِشكال، فلم أر أحداً ذكر أن القتال يوم أحد نشب في قباء، وجبل أحد في شمال المدينة بينها وبينه ميل أو نحوه، ويقول البكري في معجم ما استعجم 117: "أحد: جبل تلقاء المدينة دون قناة إليها"، وقناة هذه التي ذكرها البكري أحد أودية المدينة، وادٍ يأتي من الطائف حتى يمر في أصل قبور الشهداء بأحد. فأكاد أرجّح أن في رواية هذا الشعر خطأ قديماً جداً، وأن صواب الرواية ما أثبتُّه في الشعر"... وانظر بقية كلامه فإنه نفيس جداً.
وبعد ذلك البيت يقول ابن الزبعرى:
فقبلنا النصف من سادتهم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل
ويقول أبو فهر: "وهذا أيضاً بيت تكثر روايته في سائر الكتب "فقتلنا النصف" أو "فقتلنا الضعف" وهو خطأ كله؛ فإن المشركين لم يقتلوا يوم أحد نصف المقاتلة، فإن من شهد القتال من المسلمين في يوم أحد سبعمائة، قُتل منهم أربعة وسبعون من الشهداء، ولا قتلوا ضعف ما قتل المسلمون يوم بدر من المشركين، فإن عدة قتلى بدر من المشركين سبعون أو أربعة وسبعون. وإنما أراد ابن الزبعري أنهم قتلوا من المؤمنين في أحد مثل الذي قتله المسلمون منهم يوم بدر، فانتصفوا منهم، أي أخذوا حقهم كاملاً حتى صاروا على النصف سواء... يقول: قبلنا يومئذ العدل واكتفينا به، فقتلنا من سادتهم في أحد مثل عدة من قتلوا من سادتنا في بدر.
ويدل على ذلك قوله: "فعدلنا ميل بدر فاعتدل"، أي صار سواء لم ترجح كفة على كفة".
ولأبي فهر فيه وقفات جياد، تدل على حسن نظر وتمام فقه، ويلقاك هذا في كثير من تعليقاته وحواشيه، وحسبك أن تقرأ في مقدمة كتابه: "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" شرحه لعبارة سيبويه التي جاءت في أول كتابه: "وأما الفعل فأمثلةٌ أُخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبُنيت لما مضى، ولما يكون ولما يقع، وما هو كائن لم ينقطع"، فقد أدار على هذه العبارة كلاماً عالياً لم يذكره أحد من شراح سيبويه، ولا من غيرهم من النحاة.
ويرى النحاة أن جَذِيمة الأبرش الشاعر الجاهلي القديم قد ارتكب ضرورة نحوية في قوله:
ربما أوفيت في علم ... تَرْفَعَنْ ثوبي شمالات
حيث أكد الفعل "ترفع" بالنون الخفيفة، وليس هذا من مواضع التوكيد؛ لأن الكلام موجب، فأنت لا تقول: "أنا أقومن إليك"، ويعلق أبو فهر: "ويقول النحاة: زاد النون في "ترفعن" ضرورة، وأقول إنها لغة قديمة لم يجلبها اضطرار"، طبقات فحول الشعراء ص 38، وزاد ذلك في كتابه الفذ: أباطيل وأسمار، فقال في ص 387: "وقال: "ترفعن ثوبي"، ولم يقل: "ترفع أثوابي"، وارتكب تأكيد الفعل بالنون في غير موضع تأكيده؛ لأنه جعله في حيز كلام مؤكد حذفه، ليدل على معنى ما حذف، كأنه قال: "ترفع ثوبي شمالات، ولترفعنَّه هذه الرياح الهوج، مهما جهدت أضمّ على ثوبي وأجمعه، فلما حذف "ولترفعنه" ارتكب تأكيد الفعل الأول في غير موضع تأكيد".

قلت: وقد دلَّنا شيخنا أبو فهر مشافهة - على موضع آخر لهذه الظاهرة النحوية، في شعر لحسان السعدي، وهو من أقدم ما قيل في الجاهلية، وهو قوله:
أرى الموت ممن شارك الماء غاية ... له أثر يجري إليه ومنتهى
فلا ذا نعيم يَتْرُكَنْ لنعيمه ... وإن قال فرِّطني وخذ رشوة أبى
ولا ذا بؤوس يَتْرُكَنْ لبؤوسه ... فتنفعه الشكوى إذا ما هو اشتكى
النوادر في اللغة لأبي زيد الأنصاري ص 358.
أما البصر بمعاني الشعر، والوقوف عند وقائعه، وترجيح رواياته، فقد أوفى فيه أبو فهر على الغاية، والشعر كان ولا يزال هو مدخله إلى ثقافة هذه الأمة وحضارتها، وكانت قضية انتحاله والشك فيه هي المفجر الأول لطاقاته وإبداعه، ثم كانت هي الدافع له إلى أن يظهر على فروع الثقافة العربية كلها، ولا سبيل إلى ذكر كل تجليات أبي فهر في فهم الشعر وتذوقه، وتخطئة الأقدمين والمحدثين في فهمه، فذلك مما يحتاج إلى سفر خاص، ولنكتف بذكر مثال واحد:
أنشد أبو جعفر الطبري في تفسيره 9/473 هذا الرجز المشهور لرشيد بن رميض العنزي - وهو الذي أنشده الحجاج بن يوسف الثقفي فيما بعد:
قد لفَّها الليل بسوَّاقٍ حُطم ... ليس براعي إبل ولا غنم
بات يقاسيها غلام كالزَّلم ... خدلَّج الساقين ممسوح القدم
ورواية الشطر الأخير مما استفاضت به كتب العربية، لكن أبا فهر يقول:
"خدلَّج الساقين: ممتلئ الساقين، وهذا غير حسن في الرجال؛ وإنما صواب روايته ما رواه ابن الأعرابي: "مهفهف الكشحين خفَّاق القدم"، أي ضامر الخصر".
تصحيح رواية الشعر:
وتصحيح اللغة وتصحيح رواية الشعر مما يفيض ويتسع في كتابات وتحقيقات أبي فهر كلها، وهو موصول بما كتبه الأوائل في ذلك، مثل التنبيهات على أغاليط الرواة، لعلي بن حمزة البصري (375هـ)، والتنبيه على حدوث التصحيف لحمزة بن الحسن الأصفهاني (360هـ)، وشرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف، لأبي أحمد العسكري (382)، وتصحيح التصحيف وتحرير التحريف، لصلاح الدين الصفدي (764هـ)، ألم أقل لك إن الرجل ماضٍ في طريق الأوائل؟
والذين لا يقرأون محمود محمد شاكر قراءة جيدة، ولا يفهمون فكره حق الفهم، يقولون: إنه غارق في التراث إلى أذنيه، لا يكاد يدير وجهه عنه، وأنه شديد العصبية لآثاره ولرجاله، لا يقبل فيه ولا فيهم نقداً أو معابة، وهذا صحيح من وجه، لكنه باطل من وجه، فوجه صحته أنه شديد التمسك بذلك الإِرث العظيم؟ لأنه قرأه وعرف مواضع العزة فيه، ثم إنه رأى أن الذين يعيبونه ويتنقَّصونه لا يصدرون عن علم ولا هدى، وإنما هو الهوى الجامح والمتابعة العمياء، والنظر لثقافات الأمم الأخرى بعين الذليل.
ووجه بطلانه انه لا يسلِّم بالتراث كله، ولا يذعن لرجاله كلهم، فهو يعرف وينكر، وينفي ويثبت، وآية ذلك ما تراه من نقده لبعض كتب الأوائل، ثم من نقده لبعض رجال ذلك التراث، على جلالة قدرهم وعظم شأنهم، وهذه بعض أمثلة:
1- وازن أبو فهر بين شرحين لأبي جعفر الطبري والجاحظ، لبيت من شعر الكميت، ولم يرض تفسير الجاحظ له، وقدم عليه تفسير الطبري، ثم نقد الجاحظ نقداً مراً، فقال: "من شاء أن يعرف فضل ما بين عقلين من عقول أهل الذكاء والفطنة، فلينظر إلى ما بين قول أبي جعفر في حسن تأتّيه، وبين قول الجاحظ في استطالته بذكائه... والجاحظ تأخذ قلمه أحياناً مثل الحِكَّة، لا تهدأ من ثورانها عليه حتى يشتفي منها ببعض القول، وببعض الاستطالة، وبفرط العقل، ومع ذلك فإن النقاد يتبعون الجاحظ، ثقة بفضله وعقله، فربما هجروا من القول ما هو أولى، فتنة بما يقول"، تفسير الطبري 2/486، 487.
2- أبو الحسن المرزوقي شيخ من شيوخ العربية، وهو شارح حماسة أبي تمام، وصاحب كتاب الأزمنة والأمكنة، وصاحب الأمالي، وقد خطَّأه أبو فهر في مواضع من شرحه لأبيات قصيدة تأبّط شراً "إن بالشِّعب الذي دون سَلع"، ومن تلك المواضع قول أبي فهر: "وأما ثاني اللفظين الطليقين، وهو "مُدِلّ"، فقد أساء الناس فهمه، وتبعوا في ذلك المرزوقي، حين فسره بأنه: "هو الواثق بنفسه وآلاته وعدته وسلاحه"، فهذا تفسير يذبح الشعر بغير سكين"، وقوله: "وأما "يجدي"، فقد ذهب المرزوقي وسائر الشراح إلى أنه من "الجدوى"، وهي العطية، وهذا لغو وفساد"، وقوله: "وهذا فساد كبير في تناول معاني الشعر، ولا يُعدُّ بياناً عنه، بل هو طرح غشاوة صفيقة من "الإِبهام" ينبغي أن تزال، وإلا فقد الشعر بهاءه بانتقاص دلالات ألفاظه وإهمالها". ويصف بعض شروح المرزوقي بأنه كلام لا تحقيق له "وإنما هو كذب محض، وبذلك أباد المرزوقي معنى القصيدة إبادة من لا يرحم".
ويقول: "والمرزوقي إمام جليل من العلماء بالعربية، ولكنه ليس من العلماء بالشعر في شيء، وقد جزر البيت جزراً بسكين علم اللغة، واستصفى دمه بتفسيره الذي أساء فيه من جهتين"، ويصف بعض كلام المرزوقي، فيقول: "وهذا كلام بارد غثٌ سقيم، فاختلسه التبريزي في شرحه، فلم يحس بشيء من برده؛ لأنه نشأ بتبريز من إقليم أذربيجان، وهو إقليم بارد جداً"، وراجع لهذه النصوص: كتاب أبي فهر: " نمط صعب ونمط مخيف" صفحات 182، 191، 213، 230، 256، 259، وهذا الكتاب من أوثق الدلائل على بصر أبي فهر بالشعر واللغة والنحو.
3- ابن فارس من أئمة العربية، وله في التأليف المعجمي كتابان جليلا القدر: المقاييس والمجمل، وفد نقل أبو فهر بعض شروحه اللغوية التي لم يطمئن إليها، فقال: "ولا أدري هل يصح نقل ابن فارس أو لا يصح... وأنا لا أطمئن إلى أقوال ابن فارس إلا بحجة مؤيدة"، طبقات فحول الشعراء ص 238.
4- مما نشره أبو فهر قديماً جزء من كتاب "إمتاع الأسماع" للمقريزي، نشره عام 1940م، يقول المقريزي في مقدمة كتابه: "والله أسأل التوفيق لديمة العمل بالسنة"، ويعلق أبو فهر فيقول: "يريد لدوام العمل، فأخطأ، وشبّه عليه حديث عائشة وذكرت عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "كان عمله ديمة"، شبَّهته بالديمة من المطر في الدوام والاقتصاد".

وبعد: فهذا منهج محمود محمد شاكر، في نشر التراث، سُقْتُه على سبيل الوجازة والاختصار، وقد أدرته على علمه باللغة والنحو والشعر، وبقي بابان من أبواب العلم، ظهر عليهما أبو فهر ظهوراً بيّناً، وامتلك أسباب القول فيهما والحكم عليهما امتلاكاً واضحاً: أعني علم التاريخ، وعلم الجرح والتعديل (قَبول روايات الحديث النبوي وردّها)، ولكن المقام لا يتسع الآن للإِفاضة في الكلام على معرفته بهذين العلمين الكبيرين، فلعلي أفرد لهما مقالة أخرى، استأنف بها كلاماً عن هذا الرجل الذي يعد رمزاً ضخماً من رموز حضارتنا العربية، ولكن أسباباً كثيرة حجزته عن الناس، وحجزت الناس عنه، وكان هو نفسه أحد الأسباب المعينة على ذلك، بهذه العزلة التي ضربها على نفسه، ثم بتلك الصرامة التي يعامل بها الأشياء والناس، والبشر منذ أن بَرَأهم خالقهم يحبون الملاينة والملاطفة، ثم المصانعة التي أشار إليها زهير بن أبي سلمى في معلَّقته الشريفة، ولكن أبا فهر اختار الطريق الأعظم، وترك الطرق التي تتشعب منه، وهي التي تسمَّى: "بُنَيَّات الطريق"، فكاشف وصارح فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس، ومنذ أن ظهرت أمامه غواشي الفتن التي أحدقت بأمته العربية، فتح عينه، وأرهف سمعه، ثم شد مئزره وأيقظ حواسه كلها، يرصد ويحلل ويستنتج، ثم قال: "فصار حقاً علي واجباً ألا أتلجلج، أو أحجم، أو أجمجم، أو أُداري"، أباطيل وأسمار ص 10.
وكان أن دخل بيته بعد أن استتب الأمر له: علماً وفكراً، مئات من طوائف الناس، من شرق وغرب جالسوه واستمعوا له، فمنهم من آمن بمنهجه، ومنهم من صد عنه، وكان على الذين آمنوا بمنهجه أن يصبروا على لأواء الطريق، ويحتملوا أعباء المتابعة، على ما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "من أحبّنا أهل البيت فلْيُعِدَّ للفقر جِلباباً"، ولكن لأنه منهج صعب مكلف، وطريق عسر شائك، فما آمن معه إلا قليل!
هذا، وما أحب أن أختم كلمتي هذه قبل أن أؤكد ما بدأت به حديثي: أن أبا فهر إنما دخل ميدان تحقيق التراث خدمة وعوناً على قضيته الكبرى: قضية تاريخ أمته العربية، ثم إزالة الغبار الذي طمس معالمها، وعلى هذا فلا ينصفه من يذكره في عداد المحققين والناشرين.
إن تحقيق التراث بالنسبة له عمل هامشي، ولذلك تراه يكتب على أغلفة كثير من تحقيقاته هذه العبارات: قرأه وشرحه، أو قراه وعلَّق عليه، أو قرأه وخرَّج أحاديثه.
سيدي أبا فهر: لئن عرف علمك العارفون، وغفل عن ذكرك الغافلون:
لقد عُرِفْتَ وما عُرِفْتَ حقيقةً ... ولقد جُهِلْتَ وما جُهِلْتَ خُمولا
كتب الله لك السلامة والعافية، وأطال في النعمة بقاءك، وأمتع أهل العربية بحياتك، ويرحم الله عبداً قال آميناً.
* * *

دراسة في مصادر الأدب (10)
للدكتور الطاهر أحمد مكي
[1]

هذا كتاب جليل القدر، غَفَلْتُ عنه طويلاً، وأحسب أيضاً أن كثيراً من الناس قد غفلوا عنه طويلاً، ولعل أحداً كتب عنه أو أشاد به لم يبلغني خبره، لكني لم أجد له صدى عند أهل المذاكرة وأرباب المحاضرة.
"وحظوظ الكتب كحظوظ الناس، يصيبها ما يصيبهم من ذيوع أو خمول"، وتلك كلمة كنت قلتها في بعض ما كتبت منذ عشرين عاماً، ولا زلت أجد صدقها إلى يوم الناس هذا، لكن الأمر في هذا الكتاب الجليل القدر لا يعود إلى الحظ وحده، وإنما يعود إلى أنَّ مصنفه الفاضل كان قد صرح في خطبته، وهي التي يسميها أهل زماننا: المقدمة، صرح بأنه صنعه لطلبة قسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم، فقضى على كتابه هذا الجليل بأن يحتويه الناس ويصدوا عنه صدوداً، إذ صار عندهم "كتاباً مدرسيّاَ"، وقد أصبح هذا الوصف في زماننا علامة على الخفة والسهولة، وصار أيضاً مجلبة للتنقص والمعابة، وآية ذلك أنه لا يحسب في موازين الترقيات العلمية، ولا يقدم إلى الجوائز الأدبية، وقد كتبت في ذلك كلمة، في "الهلال - أكتوبر 1994". وانتهيت إلى أن الكتاب الجامعي - أو المدرسي - عمل علمي، جيده جيد، ورديئه رديء.
ومهما يكن من أمر فقد أدار المؤلف كتابه هذا على عشرة كتب، هي: طبقات فحول الشعراء لابن سلَّام الجمحي، والبيان والتبيين للجاحظ، والحيوان له أيضاً، والكامل للمبرد، والشعر والشعراء لابن قتيبة، والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، والعقد الفريد لابن عبد ربه، والفهرست لابن النديم، والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام، ونفح الطيب للمقَّري.
فهذه عشرة كتب كما ترى: سبعة منها في الأدب العربي بمعناه العام، وقد خرجت من المشرق العربي، وكتابان اثنان خرجا من المغرب العربي، وكتاب واحد، هو أقدم ما عرفنا من علم الببليوجرافيا العربية.
على أنه مما ينبغي التنبيه عليه أن المؤلف الفاضل حين جاء إلى كتاب "الحيوان" للجاحظ أنبأنا أن هذه دراسة كتبها المستشرق الإِسباني ميجيل أسين بلاثيوس، ونشرها في مجلة "إيزيس Isis" مايو 1930، العدد رقم 43، المجلد الرابع عشر، ثم نشرت بعد وفاته في أعماله المختارة، المجلد الثاني الصفحات 29 - 70، مدريد 1948م.
وقد نقل المؤلف دراسة بلاثيوس إلى كتابه، وهذه أمانة العلماء.
وقد سلك المؤلف في عرض هذه الكتب سبيلاً راشداً، واتبع منهجاً محكماً، خرج بالكتاب من أن يكون للطالب المبتدئ الشادي، إلى أن ينتفع به كل قارئ للعربية، مبتدئاً كان أو متوسطاً أو منتهياً، وما ظنك بدراسة تعرض للكتاب في مخطوطاته بوصفها والدلالة على أماكن وجودها، ومطبوعاته والفرق بين طبعات الكتاب: التجارية منها والمحققة، ومنهج المؤلف في كتابه، ثم الإِبانة عن مكان الكتاب في الفكر العربي والإِنساني، وذكر الدراسات التي قامت حوله قديماً وحديثاً: شرحاً أو اختصاراً أو نقداً وعرض نماذج كاشفة منه.
على أن المؤلف الفاضل قبل أن يدخل إلى موضوعه الذي عقد له الكتاب، وهو الحديث عن تلك الكتب العشرة، قدم بمقدمتين نفيستين جداً، شغلتا "153" صفحة من الطبعة السابعة للكتاب الصادرة عن دار المعارف 1993م.

وتحدثت المقدمة الأولى عن تراثنا العربي من الرواية الشفوية إلى التدوين، وقد عالج في تلك المقدمة قضايا في غاية الأهمية، واستطاع بذكاء شديد وإحكام بالغ أن يجمع كل ما قيل عن نشأة الخط العربي، والنقوش العربية التي وصلت إلينا، وأقدم الكتابات الإِسلامية وتطور الخط العربي وتاريخ النقط والإِعجام، وترتيب الأبجدية العربية عند المشارقة، وعند الأندلسيين والمغاربة.
ثم عرض لعصر المخطوطات العربية، وتلك القصة الطويلة من استخدام البردي إلى صناعة الورق، ونشأة المدارس الإِسلامية والمكتبات العامة والخاصة، والإِملاء والنسخ والوراقة، ثم تطرق إلى قواعد النسخ واختلاف النسخ المخطوطة، ومنازل النسخ، وقواعد تحقيق المخطوطات.
ويُعد ما ذكره المؤلف الفاضل حول قواعد النسخ والمقابلة ومنازل المخطوطات، يُعد ذلك كله إضافة جيدة لما كتب في هذا الفن "فن تحقيق المخطوطات"، يوضع مع ما كتبه شيخنا عبد السلام هارون رحمه الله؛ وما كتبه غيره في هذا العلم.
ومن أنفس ما صنعه المؤلف هنا ما ذكره عن "طرق التدوين وشرائط النسخ"، فقد أورد ما ذكره الخطيب البغدادي وابن جماعة والعَلْموي، وبدر الدين الغزي، عن الضوابط والحدود التي يجب على النسَّاخ التزامها، في تقييد العلم وكتابته، وهي ضوابط وشروط صارمة جدّاً، تؤكد في مجملها الثقة في هذا العلم الذي انتهى إلينا محاطاً بكل هذه الأسوار والحدود.
وهذه المقدمة التي شغلت تسعين صفحة من الكتاب، من أنفع ما يُقدَّم لطالب في الدراسات العربية، ولو كان لي من الأمر شيء لجعلتها مقرراً واجباً على كل طالب في جميع كلياتنا ومعاهدنا المعنية بالدراسات العربية والإِسلامية، ليس في الدراسات العليا فقط، ولا في قسم الدراسات الأدبية فقط، ولا في كلية دار العلوم فقط.

وتأتي المقدمة الثانية للكتاب، وقد جعلها المؤلف للحديث عن مصادر الشعر الأولى، وعالج فيها جملة من القضايا حول جمع الشعر وتدوينه، فعرض لدواوين القبائل، ودواوين الشعراء، والمجاميع الشعرية، كالمعلقات وشروحها، والمجاميع المنسوبة لجامعيها، مثل المفضليات والأصمعيات، وجمهرة أشعار العرب للقَرْشي، والحماسات والمختارات والأمالي، كل ذلك ذكره وذكر أصحابه ومخطوطاته ومطبوعاته.
والكتاب في جملته: سواء في مقدمتيه أو في حديثه عن الكتب العشرة، من خير ما يُقدَّم لطالب الدراسات العربية والإِسلامية، فهو أولاً قد سلم من تلك الثرثرة التي يخوض فيها بعض أساتذة الجامعة من الكلام في المنهج العلمي، والصعود والهبوط مع العموميات التي لا يعود الطالب منها بشيء، ثم في طعنهم في التراث واستهانتهم بالعقل العربي وسخريتهم من علومه وأعلامه، دون سند أو حجة إلا المتابعة والإِخلاد إلى الراحة، والزعم بالانتصار للموضوعية والذود عن حماها، وما هو إلا "ما أصاب حياتنا الثقافية من داء الطراوة والليونة والترهل والركود" كما قال المؤلف في ص 158 من الكتاب.
والكتاب ثانياً مليء بمواضع الفخر والاعتزاز بذلك التراث الذي انتهى إلينا خلال خمسة عشر قرناً، وهي مواقف ثابتة، لا سبيل إلى الطعن فيها، أو الانتقاص منها، لأنها صحيحة السند، ليست وليدة تنفُّخٍ كاذب، أو ادعاء ساذج.
فأول ما يلقى الطالب من كلام المؤلف هو قوله في مستهل مقدمته: "لا أظن أدباً معاصراً له من العمر ما للأدب العربي.
إن أقدم نص أدبي، في أية لغة أوروبية معاصرة - مثلاً - لا يتجاوز القرن الثاني عشر الميلادي بحال، وما قبله فآداب بلغات أخرى، اندثرت أو أصبحت تاريخاً يُدرَس، وحتى هذه الآداب الأوروبية تطورت لتصبح على ما هي عليه الآن، تطورت في الأصوات وفي الدلالة وفي التركيب، فالإِيطالي العادي، والإِسباني غير المثقف، والفرنسي غير المتخصص، والألماني الذي لا يهتم بالأدب، سيجد من العسير عليه، إذا عاد إلى أدب قومه في القرن الثالث عشر الميلادي، أن يقرأه في سهولة، وأن يفهمه في وضوح.
أما الأدب العربي فأقدم نص فيه يعود إلى مطلع النصف الثاني من القرن الخامس الميلادي، أي له من العمر ألف وخمسمائة عام كاملة، ولا يجد القارئ العادي صعوبة في قراءته، أو عسراً في تمثُّل معناه، فقواعده اللغوية هي التي نسير عليها، وتركيب الجملة فيه هو نفس ما نحتذيه، والغموض الذي يصاحب جانبا منه أحياناً مردُّه سبب آخر غير اللغة نفسها".
ويعبر المؤلف عن حقيقة كنت أزداد اقتناعاً بها كلما توغلت في التعامل مع تراثنا في فنونه المختلفة، يقول في ص 8: "وعبر ألف ونصف ألف من الأعوام، لم يتوقف العقل العربي عن الإِبداع، حتى في أحلك ساعات الأمة العربية، وكانت حصيلة ذلك تراثاً ثقافياً واسعاً، يعكس حقيقة مجتمعه، في سموه واحتضاره، في صعوده وتوقفه".
وكنت قد قلت كلاماً شبيهاً بهذا، في تقدمتي لرسالتي للدكتوراه عام 1978، وكان مما قلته: "... وقد شمل هذا النشاط العالم الإِسلامي كله، مشرقه ومغربه، ولم يفضل عصر أو مصر سواهما إلا ما يكون من بعض الفروق الهينة التي تفرضها طبائع الزمان والمكان. أما حركة العقل العربي من حيث هي، فلم تخمد جذوتها، ولم تسكن حدتها، بتغير الحكام وتبدل الأيام، وإن أردت أن تعرف صدق ما أقول فانظر إلى ما اشتمل عليه القرنان السادس والسابع من كبار المفكرين والعلماء، وأنت تعلم أن هذين القرنين قد شهدا أعنف هجوم تعرضت له الأمة الإِسلامية: الحروب الصليبية والغزوة التترية، وقد كان هذا الهجوم الكاسح كفيلاً بالقضاء على هذه الأمة الإِسلامية لولا دفع الله وصيانته بما أودعه في روح العقيدة الإِسلامية من عوامل النماء والبقاء والازدهار.
أما ما تسمعه الآن من ثرثرة حول الحروب، وما تحدثه من إحباط وانكسار، فهو من التعلات الباطلة، والكذب على النفس، وكل أولئك مما يلجأ إليه الضعفة ويحتمي به الكسالى، وإنما هو فساد الزمان وسقوط الهمم".
وينبِّه المؤلف إلى المغيَّب من تراثنا، ويذكر أن ما نُشر منه ليس كاشفاً عن حقيقته، وأن ذلك كان سبيلاً إلى الطعن والمنقصة، فيقول في ص 11: "إن تراثنا العقلي ما زال مطموراً، وما نُشر منه ليس بأفضله دواماً، وغياب هذه النفائس شجع بعض النفوس الضعيفة، على أن تتخذ من سب الأدب العربي والقائمين عليه وسيلة لمشاغبات تظهر بها، والهدم أسهل من البناء، والسلبية طريقها معبد، والخلق الفني محفوف دائماً بالمكاره والصعاب".
ويقول المؤلف الفاضل - في ص 56 - وهو يتحدث عن حركة التعليم العام والخاص في المجتمع الإِسلامي في الفرن الرابع الهجري: "وإلى جانب التعليم العام كانت الطبقات العالية في المجتمع تحضر لأبنائها معلمين خصوصيين، يفقهونهم في الدين والأدب، وفي الكثير من أجزاء الإِمبراطورية الإِسلامية بلغ التعليم الابتدائي قدراً عالياً من الانتشار، ويقرر المستشرق الهولندي رينهاوت دوزي Dozy بأن "كل واحد تقريباً في الأندلس كان يعرف القراءة والكتابة " بينما كانت اوروبا المسيحية لا تعرف إلا أوليات المعارف، وكان عرفانها، لا يعدو طبقة قليلة معظمها من رجال الدين".
الحضارة العربية:
وحين يعرض المؤلف للحضارة العربية في قرطبة الأندلسية في أوائل القرن الثامن الميلادي يقول: "كانت الحملة الإِسلامية في شبه جزيرة إيبريا، المدخل الجنوبي الغربي لأوروبا، أروع عمل حربي عرفه تاريخ العصور الوسطى، فما هي إلا سنوات سبع "711 - 717م" حتى تم فتح شبه الجزيرة التي تعتبر من أجمل وأوسع الأقاليم في أوروبا، وقُدِّر للحضارة العربية بعد نصر يبدو كأنه أسطورة، أن تستقر هناك زمناً، وأن يصبح لها بعد وقت، طابعها الخاص المميز، على الرغم من أصولها المشرقية، وأن تصبح قرطبة - وقد جعل منها السمج بن مالك الخولاني عاصمة - أعظم مركز للثقافة في أوروبا، وأن تنال شهرة عالمية تبعث الرهبة والإِعجاب، لقد كان لها واحد وعشرون ضاحية، وفيها سبعون داراً للكتب، مرصوفة الطرق، مضاءة الشوارع، زاخرة بالحمامات العامة، في الوقت الذي كانت فيه جامعة أكسفورد - مثلاً - ترى الاستحمام عادة وثنية... وكانت وسائل الثقافة متاحة للناس جميعاً، وعلى حين لم يكن في بقية أوروبا من يعرف القراءة والكتابة، باستثناء رجال الكهنوت، كانت معرفتها أمراً عاديّاً وشائعاً في إسبانيا الإِسلامية، وقلّ فيها من كان أمِّيّاً" الكتاب ص 927.
ويقول عن محمد بن سلَّام صاحب كتاب طبقات فحول الشعراء -ص 163-: "كان حديثه المفصل عن الانتحال المعالم الهادية لما قام به المستشرقون في أواخر القرن الماضي، وأوائل هذا القرن، من دراسات عن صحة الشعر الجاهلي، ومن احتذى منهجهم وتبنى أفكارهم في العالم العربي، وكل الذين تحدثوا بعده في هذا الأمر كانوا عالة عليه، والفارق بين ابن سلَّام وبين العرب المعاصرين أن الرجل كان يقدر دور الكلمة فلم يتخفف من المسؤولية، ولم يتخذ الشطط مطية، والشهرة غاية، فجاءت آراؤه، وستبقى تشع جلالاً وتواضعاً وإخلاصاً".
فأين هذا الكلام الذي يحمل التوقير كله والإِجلال كله لعلمائنا الأوائل، من قول أستاذ جامعي عن الطبيب العربي الشهير ابن النفيس: "إنه حلاق صحة"، وقوله عن أبي حيان التوحيدي: "إنه رجل صايع ولو رآه عسكري يسير في الشارع بالليل لأخذه تحري"؟
والعجيب أنَّ هذا الأستاذ الجامعي يقول هذا الكلام على مسمع من الناس، وهو عائد من حفلة عشاء فاخرة على ظهر باخرة نيلية، في ليلة من ليالي مهرجان أبي حيان التوحيدي الذي أقامه المجلس الأعلى للثقافة (طيب يا أخي خلّي عندك شوية دم، دانت لسه واكل على حساب الراجل! ولقد كان من حق "جابر عصفور" أن يضع أصبعه في حلقك لتقيء ما أكلته على حساب أبي حيان)، فهذا موضع المثل العربي الصادق "أكلاً وذماً"، أي تأكلون أكلاً وتذمون ذماً، أو كما قال عبد الله بن الزبير في بعض الحروب لجنده: "أكلتم تمري وعصيتم أمري، سلاحكم رث، وحديثكم غث، عيال في الجدب، أعداء في الخصب".
ويتحدث المؤلف الفاضل عن مكتبة الصاحب بن عباد، فيذكر أن ما فيها من الكتب يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر، وأن فهرس كتبه يقع في عشرة مجلدات" وهي أكثر من كل ما في مكتبات أوروبا العامة والخاصة مجتمعة في العصر الوسيط "، ثم يعلق على هذه العبارة الأخيرة، فيقول في حواشي ص 61: "لكيلا ينزعج السادة المتأوربون، فإن التعبير ليس لي، وإنما هو للمستشرق الفرنسي جاك رسلير، في كتابه "الحضارة العربية" ص 92.
ولا يفوت المؤلف أن يضع عيون الطلبة على وجه من وجوه الإِنصاف وحرية الفكر في تاريخنا الثقافي، فيقول في ص 67: "وكانت الدولة تضع في المقام الأول من عنايتها نشر الآداب، والعلوم والفنون، ورعاية الكتاب والأدباء والمفكرين، وكان هؤلاء يتمتعون - بصفة عامة - بحرية فكر غير محدودة، ولقد درس الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل" العقائد التي كانت سائدة في عصره، في حياد دقيق لا يمكن أن تجد له مثيلاً عند عالم غربي من علماء عصره.
ثم ينقل عن ياقوت الحموي قصة ذات دلالة على حرية الفكر عند بعض العلماء العرب، والقصة كما ذكرها ياقوت في ترجمة شيخه "المبارك بن المبارك بن سعيد ابن الدهان، المعروف بالوجيه النحوي" من معجم الأدباء ص 2266، قال ياقوت: "وحدثني محب الدين محمد بن النجار، قال: حضر الوجيه النحوي بدار الكتب التي برباط المأمونية، وخازنها يومئذ أبو المعاطي أحمد بن هبة الله، فجرى حديث المعري، فذمه الخازن وقال: كان عندي في الخزانة كتاب من تصانيفه، فغسلته، ففال له الوجيه: وأي شيء كان هذا الكتاب؟ قال: كان كتاب نقض القرآن، ففال له: أخطأت في غسله، فعجب الجماعة منه وتغامزوا عليه، واستشاط ابن هبة الله وقال له: مثلك ينهى عن مثل هذا؟ قال: نعم، لا يخلو أن يكون هذا الكتاب مثل القرآن أو خيراً منه أو دونه، فإن كان مثله أو خيراً منه - وحاش لله أن يكون ذلك - فلا يجب أن يفرط في مثله، وإن كان دونه - وذلك ما لا شك فيه - فتركه معجزة للقرآن فلا يجب التفريط فيه، فاستحسن الجماعة قوله، ووافقه ابن هبة الله على الحق وسكت".
فمثل هذا الكلام، وتلك الأخبار التي ملأ بها المؤلف الفاضل كتابه، مما يقوي ثقة أبنائنا بماضيهم وتراثهم، ويبعث فيهم الاعتزاز به، والحرص عليه، والدفاع عنه.
مواضع للنقد:
أما ما يندفع فيه بعض أساتذتنا وزملائنا الجامعيين، من نقد لعلوم الأمة ومعارفها، مع ما يصحب ذلك أحياناً من السخرية والاستهزاء، فهو مما لا يصح ولا يستقيم، ونعم إن في تراثنا مواضع للنقد والتتبع، وهو منقود من داخله من قديم، فقد اعتُرض على سيبويه إمام النحاة ونُقد واستُدرك عليه، وكذلك تعرض البخاري للنقد والتصحيح، وممن نبه على أوهامه الحافظ شرف الدين الدمياطي، عبد المؤمن بن خلف المتوفى بالقاهرة سنة "705هـ"، وليس أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك - على ما قاله يونس بن حبيب - ولكن هذه الأمور ينبغي أن تنحَّى عن طلبة العلم في أول أيامهم، وتؤجَّل إلى أن يشتد عودهم ويستحصد زرعهم، حتى يستطيعوا أن يميزوا الخبيث من الطيب.
وقد زان هذه المعارف التي امتلأ بها الكتاب أسلوبٌ مشرقٌ، وبيانٌ عذبٌ، ارتفع بها المؤلف عن هذا الجفاف، وذلك العسر اللذين يشيعان في كتابات كثير من الجامعيين الآن.
وقد استحيا المؤلف بعض الأبنية والتراكيب الفصيحة التي يتحاشاها كثير من الكتبة الآن، استخفافاً بها، أو غفلة عنها، فمن ذلك استعماله الفعل "كسر" بمعنى قسم وفصَّل، وذلك قوله عن ابن النديم وكتابه الفهرست –ص 300- "وقد كسر محمد بن إسحاق كتابه على عشر مقالات". وقوله عن المقَّري وكتابه نفح الطيب -ص 377- "وكسره على ثمانية أبواب". واستعمل هذا الفعل الفصيح أيضاً في ص 145، فقال عن دراسة الدكتور حنا جميل حداد "شواهد النحو الشعرية" قال:

وكسرها على قسمين: درس في الأول منهما المناهج والمصادر، وجمع في الثاني كل شواهد النحو".
هذا وقد هُدي المؤلف الفاضل إلى تركيب قديم ضارب في التراث بعروقه، وهو ما ذكره في حديثه عن الخط العربي -ص 26 - قال: "ونحن نواجه قضية علمية لا بأس من إسقاط الروايات التي عجز أصحابها عن مواجهة المشكلة، ولم يصبروا على محنة البحث، فلاذوا بالأسطورة يجدون في رحابها التفسير والتعليل والرضا والراحة".
فقوله: "ولم يصبروا على محنة البحث" من التراكيب الدقيقة البديعة، وكنت قد علَّقتُ شيئاً شبيهاً به، وقع لي في كلام قديم، عمره أكثر من ألف عام، وذلك ما جاء في كلام للإِمام أبي سليمان الخطابي، وهو أحد أعلام العربية في القرن الرابع، ثم هو صاحب غريب الحديث، وإعجاز القرآن، وتوفي سنة "388 هـ"، قال في مقدمة كتابه غريب الحديث 1/57: "فحق على طالب الحديث أن يرفق في تأمل مواضع الكلام، ويحسن التأتي لمحنة اللفظ".
وهكذا تحيا الألفاظ والتراكيب العربية الفصيحة، وتنتقل من جيل إلى جيل، كما تجول النُطَف في الأصلاب الكريمة، وكما تنتقل الخصائص في السلالات الزاكية، ودعك من الذين يقولون بالأساليب التراثية، والأساليب المعاصرة، واستحداث المنافرة والمدابرة بينهما، فإنما هو العجز ولا شيء غير العجز.
وبعد: فهذا عرض سريع للكتاب يغري بقراءته، ولا يحيط بمحاسنه، ولم يبق إلا الاستجابة لما قاله المؤلف في خطبة كتابه من أنه سوف يكون سعيدا بأي ملاحظة لتقويم عمله وإصلاح ما قد يكون داخله من نقص أو خطأ.
وهو موضوع المقالة التالية إن شاء ربك.
* * *

دراسة في مصادر الأدب (11)
للدكتور الطاهر أحمد مكي
[2]

فرغت في المقال السابق من عرض هذا الكتاب الجليل وبيان فضله وجدواه على ناشئة هذا الجيل. واليوم أستجيب لرجاء المؤلف الفاضل في قبول أي ملاحظة تعين على تقويم عمله هذا، وتُصلِح ما قد يكون قد داخله من نقص أو خطأ، فأقول وبالله الاستعانة:
أول ما يجب مناقشته من قضايا الكتاب ما ذكره المؤلف الفاضل في ص 43 عن تاريخ النَّقْط في الحروف العربية، قال: "وأول محاولة للنقط كان دافعها وهدفها، كبقية العلوم الأخرى: الحفاظ على دقَّة ضبط القرآن الكريم، وكان الناس يقرأون في مصاحف عثمان رحمه الله وهي غير منقوطة ولا معجمة فيخطئون القراءة، فكلمة (نبلو) قرأها حفص بن سليمان بن المغيرة (نبلو) وقرأها عبد الله بن مسعود (تتلو)، وكلمة (تثبيتا) قرأها حفص (تثبيتا) وقرأها مجاهد بن جبر (تبيينا). والآية (جعل السقية "السقاية" في رحل أخيه) قرأها رجل: (جعل السفينة في رجل أخيه) وأمثلة أخرى كثيرة، وقف عليها حمزة الأصفهاني مؤلفًا كاملاً هو "التنبيه على حدوث التصحيف".
ومؤدى هذا الكلام أن الاختلاف في القراءات القرآنية راجع إلى تجرد المصاحف من نقط الحروف، وأن ذلك جعل كل إنسان يقرأ بما يؤديه إليه اجتهاده.
وهذا خطأ محض، ووهم غليظ - وليغفر لنا الأستاذ الكبير هذه الأوصاف؟ لأن الأمر يتصل بكتاب ربنا عزّ وجل - ولعل أول من وقع في ذلك في عصرنا هو المستشرق المجري جولدزيهر (1850 - 1921م) وذكره في كتابه "مذاهب التفسير الإِسلامي" ثم ردده من بعده المستشرق الأسترالي الأصل آرثر جفري، وذكره في مقدمة تحقيقه لكتاب "المصاحف" لابن أبي داود الذي نشره بالمطبعة الرحمانية بمصر 1355 هـ- 1936م، وقد خُدع بذلك الرأي بعض الباحثين العرب، ومنهم الدكتور عبد الواحد وافي، رحمه الله، وذكره في كتابه "فقه اللغة" في طبعته الأولى، ولكنه عدل عنه في الطبعات التالية.
وقد رد هذا الرأي ودفعه الدكتور عبد الفتاح شلبي في كتابه "رسم المصحف العثماني" والشيخ عبد الفتاح القاضي، في كتابه "القراءات في نظر المستشرقين والملحدين".
السند المتصل:
وخلاصة الأمر في هذه القضية: أن القراءات القرآنية كلها أساسها السند المتصل والرواية المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما نزل به جبريل عليه السلام. فالقراءة سنة واتباع وأثر، ولا دخل لرسم الحروف فيها، ولا دخل كذلك للغة ولا للنحو، وعلماء اللغة والنحو يحتجون للقراءات، أو يحتجون لها بعد ثبوتها بالرواية والسند الصحيح، وقد أشرت إلى شيء من ذلك في مقالة سابقة بالهلال (سبتمبر 1995م) فلا أعيد ما ذكرته هناك. (أنظر ص 399).
لكني أذكر هنا مثالين لاختلاف القراءات تبعًا لاختلاف الرواية فقط، مع أن الرسم العثماني واحد غير مختلف:
المثال الأول: في قوله تعالى في فاتحة الكتاب {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4]، وقوله عز وجل: {قل اللهم مالك الملك} [آل عمران: 26]، وقوله سبحانه في سورة الناس: {ملك الناس}. فلو تأملت المواضع الثلاثة في المصحف لوجدت الكلمة فيها هكذا {ملك} بالميم واللام والكاف، ولكنَّ حفصًا يقرأ عن عاصم - وهي قراءتنا نحن المصريين - في فاتحة الكتاب {مالك} بالألف بعد الميم، وكذلك يقرأ آية آل عمران، أما في سورة الناس فيقرأ {ملك} بدون الألف، فلو كان حفص يقرأ وفق الرسم والشكل لقرأ الثلاثة {ملك} ولكنه يقرأ بالرواية المتواترة. وانظر تفصيلاً أكثر في كتاب الدكتور عبد الفتاح شلبي: رسم المصحف العثماني ص 33.
والمثال الثاني: قوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال} [البقرة: 197]، وقوله تباركت أسماؤه: {لا بيع ولا خلة} [البقرة: 254]، قرأ ابن كثير وأبو عمرو الآية الأولى {فَلاَ رَفَث وَلاَ فُسُوقٌ} بالضم والتنوين، وقرءا الآية الثانية {لاَ بَيْعَ فِيهِ وَلاَ خُلَّةَ} بفتحة واحدة خفيفة.
ووجه قراءة الضم أن "لا" هنا تعمل عمل "ليس" فيرتفع الاسم بعدها على أنه اسمها، ووجه قراءة الفتح أن "لا" هنا هي النافية للجنس، فالاسم بعدها يُبنى على الفتح في محل النصب، ويقال: إنه اسم "لا" النافية للجنس، التي تعمل عمل "إنَّ".
فلو كان ابن كثير وأبو عمرو يقرءان وفق الشكل أو الوجه النحوي لقرءا الآيتين قراءة واحدة، إما بالضم في الاثنتين، أو بالفتح فيهما، ولكنها الرواية والتلقي.
ولا أحب أن أغادر هذا المكان دون أن أناقش هذه القراءة التي أشار إليها الأستاذ الفاضل (جعل السفينة في رجل أخيه) - وهي تصحيف لقوله تعالى من الآية 70 من سورة يوسف {جعل السقاية فى رحل أخيه}.
فهذه القرءة مما يتفكه به أهل زماننا، وواضح أنها قراءة مصنوعة، كما صُنعت أمثلة أخرى من التصحيف أريد بها التسلي أو الإِضحاك ممن نُسبت إليه.
وهذه القراءة المصحَّفة تنسب إلى "عثمان بن أبي شيبة" المتوفى سنة 293هـ ويقولون إنه نُبِّه على هذا التصحيف، وأن صواب التلاوة {جعل السقاية فى رحل أخيه} فقال: "أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم" ويعلق الحافظ الذهبي على ذلك فيقول:

"فكأنه كان صاحب دعابة، ولعله تاب وأناب" ميزان الاعتدال في نقد الرجال 3/38، ويقول الحافظ ابن كثير: "وما ينقله كثير من الناس، عن عثمان بن أبي شيبة، أنه كان يصحِّف قراءة القرآن، فغريب جدًا؛ لأن له كتابًا في التفسير، وقد نُقِل عنه أشياء لا تصدر عن صبيان المكاتب". الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص 171.
ومما يؤكد كلام ابن كثير هذا أن الأئمة اثنوا على "عثمان بن أبي شيبة" الذي تُنسب إليه هذه القراءة المنكرة، فقال عنه يحيى بن معين "ثقة مأمون"، وذكر الذهبي أن الإِمام البخاري أكثر من الرواية عنه في "صحيحه"
انظر: سير أعلام النبلاء 153،11/152، 153.
فقصة التصحيف في الآية مصنوعة مكذوبة إن شاء الله.
فهذه أخطر قضية يناقَش فيها الأستاذ الكبير، وهو مرجو إن شاء الله أن يبادر إلى طبعة جديدة من الكتاب، يصلح فيها هذا الخطأ الضخم.
ومما يناقش فيه المؤلف الفاضل أيضاً ما ذكره في ص 230، وهو يتحدث عن خصائص أبي العباس المبرد الأسلوبية في كتابه "الكامل" قال: "ومن لوازم المبرد، في الشرح أن يتبع قوله بكلمة" يا فتى" مما يوحي بأن الكتاب في الأصل أمالي ألقاها على طلابه".
وأقول: هذه العبارة "يا فتى" لا صلة لها بالأمالي، وإنما هي كلمة كان المبرد يستعين بها رمزاً للوصل ولبيان وتحقيق حركة الإِعراب لا حركة البناء في الكلمة التي تسبقها، وقد نبه على هذا العلامة الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة، في تقدمته لكتاب المبرد "المقتضب" ص 100، وأشار إلى أن سيبويه قد استعمل ذلك مرتين في كتابه، وكذلك ثعلب في مجالس.
قلت: وقد استعمل سيبويه "يا فتى" مرة أخرى في الكتاب 3/320.
وهذا نمط من التركيب، يلجأ إليه المصنفون قديمًا، يأتون بكلمة، قد تكون اسماً وقد تكون فعلاً، بعد كلمة، يريدون بيان آخر حرف منها، إعراباً أو بناء، وقد استعمل ذلك سيبويه وثعلب، كما ذكر الشيخ عضيمة.
وتختلف صيغة هذا التركيب من مؤلف لآخر، فقد استعمل سيبويه "قبل" فقال - في غير ما ذكره الشيخ عضيمة - "ومررتم بجواري قبل" واستعمل أبو عمرو الشيباني "يا فتى" كما استعملها المبرد. فقال: "وما جئته قط يا فتى" كتاب الجيم 3/74، وكذلك أبو سعيد السيرافي، فقال: "هذه جوار يا فتى" ضرورة الشعر ص 65، واستعمل يعقوب ابن السكيت "يا هذا" فقال: "لعب الصبيان خراج يا هذا" إصلاح المنطق ص 287 وفي كتابه حروف الممدود والمقصور ص 71، استعمل "فافهم" وذلك قوله: "وتميم وقيس يقولون: القصيا فافهم".
واستعمل أبو عمر الزاهد "يا هذا" فقال: "هم النشأ يا هذا" تهذيب اللغة 11/418، وكذلك ابن دريد، قال "فهو من اللبأ يا هذا" الاشتقاق ص 325، وأبو حيان التوحيدي، فقال في جمع حصان "والجمع حصن يا هذا" البصائر والذخائر 1/22.
واستعمل سيبويه "كما ترى" قال: "وذلك قولك: جاءٍ كما ترى" الكتاب 4/376.
وكذلك استعملها أبو الحسن علي بن الحسن الهنائي الملقب بكراع النمل، قال: "ويقال: هو شناج كما ترى" المنتخب من غريب كلام العرب 1/160.
وقد خفي المراد من هذه الكلمة على مشيخة دار الكتب المصرية الذين قاموا على تصحيح ديوان كعب بن زهير رضي الله عنه، فقد قال شارح الديوان أبو سعيد السكري، يشرح عبارة "الأسود الضواري: الضواري اللواتي قد ضرين بأكل لحوم الناس، الواحد: ضار كما ترى" ديوان كعب بن زهير ص 28.
قال مصححو دار الكتب المصرية في الحاشية: "هذه الجملة "كما ترى" لا لزوم لها في الكلام".

مناقشات مهمة:
وتبقى جملة مناقشات أسوقها بحسب ورودها في الكتاب:
ص 18: ضبط الفعل "ينميه" بضم الياء وفتح النون وتشديد الميم، وهو ضبط غير صحيح، فضلاً عن أنه يكسر وزن البيت، والصواب "يَنْمِيهِ" بفتح الياء وسكون النون وكسر الميم خفيفة. ويقال: نماه إلى أبيه ينميه نميًا: أي نسبه.
ص 21: إن بالشعب إلى جنب سلع. والصواب: إن بالشعب الذي دون سلع.
ص 42: أبو عمر إسحاق. والصواب: أبو عمرو. وتكرر في ص 25.
وفي الصفحة نفسها ذكر من تلاميذ المفضل الضبي: ابن العربي. وهذا من التطبيع، والصحيح: ابن الأعرابي، وسيأتي حديثه مرة أخرى.
ص 43: ذكر أن كتاب التنبيه على حدوث التصحيف لحمزة الأصفهاني مخطوط بإيران. وقد طُبع الكتاب بمجمع اللغة العربية بدمشق سنة 1388هـ - 1968م بتحقيق محمد أسعد طلس، ومراجعة أسماء الحمصي وعبد المعين الملوحي.
هذا ومما يحسن التنبيه عليه هنا أن عبارة المؤلف عن كتاب حمزة في التصحيف توحي بأنه عقد كتابه كله للكلمات المصحفة في القرآن الكريم، فهو يقول بعد ذكر ثلاثة أمثلة من القرآن الكريم، ويرى أنها اختلفت قراءتها للتصحيف بخلوها من النقط - وقد دفعت ذلك بحمد الله - يقول: وأمثلة أخرى كثيرة وقف عليها حمزة الأصفهاني مؤلفًا كاملاً، هو التنبيه على حدوث التصحيف.
والحقيقة أن الكتاب يعالج قضية التصحيف بعامة، في الكلام المنثور والمنظوم. ثم إن ما ذكره حمزة من ذلك في القرآن الكريم إنما شغل من الكتاب ست صفحات ليس غير، من ص 154 إلى ص 159، وهو الباب الرابع من الكتاب.

ص 58: ذكر أن آخر من أملى من اللغويين أبو القاسم الزجاجي المتوفى (339هـ) لكنا رأينا بعد ذلك ابن الشجري المتوفى (542هـ) يملي "أماليه" الشهيرة، وابن الحاجب المتوفى (664هـ) يملي "أماليه" المعروفة.
ص 95: ذكر تاريخ وفاة الخطيب البغدادي (1071م)، والأولى ذكر التاريخ الهجري (463هـ) وبعده يذكر التاريخ الميلادي، وتكرر ذلك في غير موضع من الكتاب.
ص 67: أشار إلى كتاب أبي العلاء المعري في نقد القرآن، والصواب "نقض" بالضاد، وليس "نقد" بالدال، وقد ذكرت ذلك في المقالة السابقة.
ص 71: ذكر المؤلف هنا كلاماً جيدًا عن "طرق التدوين وضوابط النسخ والمقابلة" مما يؤكد الثقة الكاملة بهذا التراث الذي وصل إلينا. وقد أورد المؤلف طائفة جيدة من مراجع هذا الموضوع.
وأحب أن أضيف إلى ما ذكر هذه المراجع:
المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي، للحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى (360هـ)؛ والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي المتوفى (463هـ)؛ والإِلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، لعياض بن موسى اليحصبي السبتي المتوفى (544هـ)، وأدب الإِملاء والاستملاء، لعبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني المتوفى (562هـ)، وكنت قد علقت من هذا الكتاب الأخير كلمة عالية عن الأصمعي، تكتب بماء الذهب، وهي قوله في ص 145: "من لم يحتمل ذُلَّ التعلم ساعة بقي في ذُلِّ الجهل أبدًا".
ص 77: نقل عن كتاب "المقايسات" لأبي حيان التوحيدي، قول إبراهيم الصابي: "رفع ما وهى يحتاج إلى تدبير" والصواب "رقع" بالقاف، وليس "رفع" بالفاء، ونقل أيضاً قوله: "من جهة صاحبه الأول ومن كان أولى به، وكان كالأبله"، والصواب: "وكان كالأب له" فهما كلمتان لا كلمة. وهذا النقل في ص 154 من "المقايسات" تحقيق حسن السندوبي 1347هـ- 1929م، ولم يذكر المؤلف الفاضل رقم الصفحة من المقايسات، وكذلك فعل في كثير من النقول، يذكر النقل، ولا يدل على موضعه من الكتاب المنقول منه، فليته يستدرك ذلك فيما يستقبل من طبعات الكتاب.
وأشد من هذا أن ينقل كلاماً لمؤلف كثير التأليف، دون أن يذكر اسم كتابه الذي ينقل عنه، فضلاً عن أن يذكر رقم الصفحة، ومن ذلك ما ذكره في الصفحة 77 نفسها، قال: "وكان الجاحظ يرى أنه أسهل للمؤلف أن يسود عشر صفحات بالنثر الرفيع، المليء بالأفكار القيمة، من أن يكتشف لمصنفه (في المطبوع: مصنفه) أخطاء ارتكبها، أو أموراً سها عنها" هكذا نقل عن الجاحظ، ولم يذكر لنقله كتاباً، والكلام في كتاب الحيوان 1/79، والمؤلف الفاضل تصرف في كلام الجاحظ بعض تصرف، وليته نقله كما هو!
ص 78: ذكر أن ابن الأعرابي حفيد المفضل، والصواب "ربيب المفضل" كانت أمه زوجة له، كما ذكر الوزير القفطي في إنباه الرواة 3/131.
ص 87: ذكر أن المستشرق رودلف جاير حقق ديوان الأعشى، والأدق: حقق ديوان الأعشى والأعشين، وهذا العمل هو المنشور باسم: الصبح المنير في شعر أبي بصير ميمون ابن قيس بن جندل الأعشى والأعشين الآخرين. طبع بفينا سنة 1927م.
(فائدة: الأعشين، هكذا بفتح الشين، وليس: الأعشين بكسرها، وهو جمع مذكر للأعشى في حالة الجر. ولو كان في حالة الرفع لفلت: الأعشون بفتح الشين أيضًا، وهي ما تقتضيه قاعدة الاسم المقصور، نحو مصطفى والأعلى، تقول في جمعهما، في حالة الرفع: مصطفون والأعلون، وفي حالتي النصب والجر: مصطفين والأعلين، قال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون} [آل عمران: 139]، وقال سبحانه: {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} [ص: 47]. وقد نبهتُ على ذلك لأني سمعت كثيراً من الناس يقولون: ديوان الأعشين بكسر الشين).

ص 94: ذكر أن مصادر نسخة السكري من أشعار الهذليين تتمثل في عالم مجهول، اسمه "عبد الملك بن إبراهيم الجمحي"، والحق أن جهالة هذا الرجل ليست مطلقة، فهو - وإن لم تعرف له ترجمة - كان معروفًا للجاحظ وقد روى عنه خبرًا في الحيوان 5/587، وهو ذلك الخبر المشهور "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا رأى رجلاً يضرب في كلامه - أي يخلط - قال: أشهد أن الذي خلقك وخلق عمرو بن العاص واحد" فهو معاصر الجاحظ. وانظر مصادر الشعر الجاهلي للدكتور ناصر الدين الأسد ص 565، وذكر الأستاذ عبد الستار فراج رحمه الله، في مقدمة تحقيقه لشرح أشعار الهذليين ص 11 أن "عبد الله بن إبراهيم الجمحي" هذا كان في طبقة ابن الأعرابي والأصمعي، وذكر عن "الأغاني" رواية الزبير بن بكار عنه.
ثم أرجو من مؤلفنا الفاضل أن يغير عبارة (وأعاد سبكه - أي ديوان الهذليين - النحوي الرماني "إلى" ورواه الرماني النحوي" فإن العبارة هكذا توشك أن تكون من تعبيرات المستشرقين، وأحسب أن هناك فرقًا بين "سبك" و "روى" فإن الرماني روى شعر الهذليين عن أبي بكر أحمد بن محمد بن عاصم الحلواني، عن أبي سعيد السكري، ثم تصلح وفاة الرماني لتصبح (384).
ص 139: ذكر من كتب الأمالي "بهجة المجالس وأنس المجالس" لابن عبد البر. والكتاب صنفه مؤلفه تصنيفًا، ولم يمله إملاءً، فلا يُعَد من هذه البابة.
ص 140: ذكر أن "حواشي الصحاح" لابن دريد، والصواب: لابن بري، وهي المسماة: التنبيه والإِيضاح عما وقع في الصحاح، وما عُرف منها إلَّا قطعة نشرها في جزئين مجمع اللغة العربية في القاهرة، بتحقيق الأستاذين مصطفى حجازي وعبد العليم الطحاوي.
وفي نفس الموضع ذكر "أمالي ابن بري" من مراجع لسان العرب، وأمالي ابن بري هي حواشيه على الصحاح، فلا تذكر في العدد.

ص 141: ذكر أن تاج العروس قريب في قدره من لسان العرب، والمعروف أن التاج أوسع مادة من اللسان، فمجموع جذور اللسان (9273) جذرًا. ومجموع جذور التاج (11978) جذرًا، راجع مقالتي عن المعاجم اللغوية (الهلال مايو 1955).
ص 144: ذكر أن كتاب أبيات الاستشهاد لابن فارس لا يزال مخطوطًا والكتاب نشره شيخنا عبد السلام هارون -برَّد الله مضجعه - في المجموعة الثانية من نوادر المخطوطات 1370هـ - 1951م.
ص 150: ذكر أيضًا أن كتاب من اسمه عمرو من الشعراء لابن الجراح لما يزل مخطوطًا. والكتاب طبع بتحقيق الدكتور عبد العزيز بن ناصر المانع، بمطبعة المدني بالقاهرة 1412هـ - 1991م.
ص 178: عرض للخلاف المعروف في اسم كتاب الجاحظ، وهل هو "البيان والتبين" بياء واحدة مشددة بعد الباء، أو "التبيين" بياءين اثنتين؟ وهو الخلاف الذي لم يُحسم بعد، لكني أحب أن أضيف جديدًا في هذا الموضوع، من واقع التجربة الخاصة.
أولاً: زرت مكتبة القرويين بمدينة فاس بالمغرب الأقصى - حرسه الله - عام 1975م عضوًا في بعثة معهد المخطوطات التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وهناك رأيت جزءًا مخطوطًا من كتاب الجاحظ، هو الجزء الثالث، وكُتب على صدره في العنوان "البيان والتبين" بياء واحدة مشددة مضمومة واضحة جداً. وهذه المخطوطة مكتوبة على رق غزال - وذلك من سمات المخطوطات القديمة - بقلم أندلسي نفيس نفيس موغل في القدم، وجاء بآخر المخطوطة أنها معارضة بثلاثة أصول صحيحة، ذات حواش قيمة: أصل أبي الوليد الوقشي المتوفى (489هـ) وسيأتيك حديث آخر عنه. وأصل عبد الملك بن سراج المتوفى (489هـ) وسيأتيك حديث آخر عنه أيضًا. وأصل عطاء بن الباذش - لم أعرف تاريخ وفاته - ولم ير شيخنا عبد السلام هارون هذا الجزء النفيس من الكتاب.

ثانيًا: هذا التوثيق لكلمة "التبين" التي جاءت في صدر هذه المخطوطة العتيقة قد يعكر عليه ما قرأته في كتاب العواصم من القواصم، لأبي بكر بن العربي، ص 477 من الجزء الثاني - تحقيق الدكتور عمار طالبي - وطبعته هي الطبعة الكاملة للكتاب، (ولا تغتر بتلك الطبعة التي تحمل اسم الشيخ الجليل محب الدين الخطيب، فإنما هي جزء صغير من الكتاب، خاص بتاريخ الصحابة، وقد نبه الشيخ محب الدين على ذلك). قرأت في ذلك الموضع من الكتاب كلام ابن العربي عن الجاحظ، فقد أشار في سياق ذمه له أنه صاحب كتاب "الضلال والتضليل" ألا ترشح كلمة "التضليل" كلمة "التبيين" من حيث جاءت على وزنها؟
ثم تحدث المؤلف الفاضل عن مخطوطات كتاب البيان والتبيين، ووصفها ودل على أماكنها، ثم ذكر أن الأستاذ عبد السلام هارون نشر الكتاب، مستخدمًا مخطوطات الكتاب، باستثناء مخطوطة مكتبة فيض الله أفندي باستانبول.
والحق أن ذلك كان من شيخنا في الطبعة الأولى للكتاب، أما في الطبعة الثانية الصادرة عام 1380هـ- 1960م فقد رجع إلى تلك المخطوطة، ونص على ذلك في صدر عنوان الكتاب، فكتب هذه العبارة "الطبعة الثانية تمتاز بمقابلتها على نسخة مكتبة فيض الله".
ص 220: ذكر من كتب المبرد التي لا تزال مخطوطة: المذكر والمؤنث، والتعازي والمراثي، وقد طُبع الكتابان: الأول عن دار الكتب المصرية عام 1970م، بتحقيق الدكتور رمضان عبد التواب، والدكتور صلاح الدين الهادي، والثاني عن مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1976م بتحقيق الأستاذ محمد الديباجي.
ص 231: ذكر أن كتاب التنبيهات على أغاليط الرواة، لعلي بن حمزة مخطوط بدار الكتب المصرية، والكتاب طُبع بدار المعارف مصر 1387هـ- 1967م، مع كتاب المنقوص والممدود للفرَّاء، بتحقيق العلامة عبد العزيز الميمني الراجكوتي.

ص 232: ذكر المؤلف الفاضل من شروح الأندلسيين على الكامل للمبرد: شرح أبي الوليد الوقشي المتوفى (489هـ)، ويسمَّى "نكت الكامل" وشرح ابن السيد البطليوسي المتوفى 521هـ، وذكر أن هذين الشرحين مفقودان إلى الآن، وإن كان السيوطي 911هـ والبغدادي 1093هـ قد أشارا إليهما ونقلا عنهما.
قلت: وهذان الكتابان وإن كانا قد فقدا إلى الآن، فقد حفظهما عالم أندلسي قريب من عصرهما هو: أبو الحسن علي بن إبراهيم المعروف بابن سعد الخير الأنصاري البلنسي المتوفى (571 هـ) فقد جمع بين شرحي الوقشي والبطليوسي، وسمَّى ذلك كتاب "القرط على كامل المبرد" وقد سَلِمَ من هذا "القرط" نسختان مخطوطتان، إحداهما بمكتبة إسماعيل صائب أفندي بأنقرة بتركيا، وتاريخ نسخها (658هـ) والنسخة الثانية وجدت في الزاوية الحمزاوية بصحراء تمجروت من المغرب الأقصى - حفظه الله - ثم نُقِلت إلى الخزانة العامة بمدينة الرباط، وتاريخ نسخها مجهول لوجود بتر في آخرها، لكنها جيدة الخط.
وعن نسخة تركيا فقط قام باحث باكستاني، هو "ظهور أحمد أظهر" بتحقيق الكتاب، وحصل به على درجة الدكتوراه من كلية اللغة العربية بجامعة "البنجاب" ثم نشره بالمطبعة العربية بلاهور سنة 1401هـ- 1980م.
وجاء بعده باحث من أهل الطائف بالمملكة العربية السعودية هو "حمد عبد الله أحمد الزائدي" وقدم دراسة الكتاب وتحقيقه إلى كلية اللغة بجامعة أم القرى وحصل بذلك على درجة الدكتوراه سنة 1407هـ - 1987م. وقد استفاد هذا الباحث من مخطوطة المغرب التي لم يرها الباحث الباكستاني.
ويلاحظ أن البلنسي يسمِّي شرحي الوقشي والبطليوسي: الطرر والحواشي على كتاب الكامل.
وتأمل أيها القارئ العزيز: كيف ضاعت كتب وحفظتها كتب: فهذا عمل الوقشي والبطليوسي يضيع، لكن البلنسي يحفظه في عمل يجمعهما، وقد عُرفت هذه الظاهرة في غير كتاب من تراثنا، وهذا من حفظ الله وكلاءته لعلوم الأمة ومعارفها.

ص 234: تحدث عن طبعات الكامل للمبرد، وأحب أن أضيف أن أصح طبعاته إلى الآن هي طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت 1406هـ - 1986م، بتحقيق الدكتور محمد أحمد الدالي.
ص 241: ذكر من مؤلفات المبرد كتابه "الفاضل والمفضول" والكتاب مطبوع بدار الكتب المصرية 1375هـ- 1956م، بتحقيق العلاَّمة عبد العزيز الميمني الراجكوتي بعنوان "الفاضل" فقط، وقد رجح الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، في تقديمه للكتاب والأستاذ الميمني في خاتمته أن صواب العنوان "الفاضل" ليس غير.
ص 261: ذكر أن كتاب "مقاتل الطالبيين" لأبي الفرج الأصبهاني طُبع بالقاهرة منذ أعوام غير بعيدة وهو يريد تلك الطبعة التي أذاعها شيخنا السيد أحمد صقر رحمه الله، بمطبعة عيسى البابي الحلبي 1368هـ- 1949م، والحق أن الكتاب طُبع قبل ذلك طبعتين: الأولى في طهران سنة 1307هـ، والثانية في النجف الأشرف بالعراق سنة 1353هـ.
ص 266: في تحليله لمنهج أبي الفرج في الأغاني أنه كان يعمد لشرح الألفاظ الغامضة فيما يورده من شواهد. وأحب أن أشير هنا إلى عمل نافع جدًا، قام به الدكتور حسن محسن: فقد استخرج شروح أبي الفرج هذا من أجزاء كتاب الأغاني - على ضخامتها - وجمعها مرتبة في كتاب سماه "معجم الألفاظ المفسرة في كتاب الأغاني" ونشرته وزارة الأعلام بالكويت 1407هـ - 1987م فأسدى الجامع وأسدت الوزارة بذاك يدًا جليلة إلى تراثنا اللغوي والأدبي، وبمثل هذه الأعمال يستفيد "المعجم الكبير" الذي يضطلع به مجمع اللغة العربية بالقاهرة، فليست اللغة في المعاجم فقط.
ص 269: ذكر أن الطبعة الثانية من كتاب الأغاني قام بها الحاج محمد الساسي والصواب: المغربي، وقد كتبت عنه في كتاب الهلال (الكتاب المطبوع في مصر في القرن التاسع عشر. أغسطس 1996م) في الصفحات 100، 102، 154.

ص 360: ذكر أن كتاب رايات المبرزين لابن سعيد الأندلسي نشره المستشرق الأسباني غرسية غومث بمدريد عام 1942م. وأضيف: أن الكتاب أعيد نشره نشرة علمية محررة، بتحقيق الدكتور النعمان القاضي، وصدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإِسلامية بالقاهرة 1393هـ - 1973م، ورحم الله ذلك المحقق "النعمان القاضي" فقد كان من أفاضل الناس.
ص 376: أشار إلى الأجزاء الثلاثة التي طبعت بالقاهرة من كتاب إزهار الرياض في أخبار عياض، في الأعوام 1939م، 1940م، 1942م، بتحقيق الأساتذة مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي، ثم ذكر أن بقية الكتاب لا تزال مخطوطة. وأبشر الأستاذ الكريم بأن هذه البقية قد طُبعت في جزءين بالمغرب العزيز بدعم من صندوق إحياء التراث الإِسلامي المشترك بين المملكة المغربية ودولة الإِمارات العربية المتحدة 1400هـ - 1980م، بتحقيق الأساتذة سعيد أعراب، ومحمد بن تاويت، وعبد السلام الهراس، مع إعادة الأجزاء الثلاثة المطبوعة بالقاهرة بالتصوير، مع استدراكات وتصويبات عليها.
وبعد: فلم يبق إلاَّ تقديم أصدق التحية والشكر للأستاذ الكبير الدكتور الطاهر أحمد مكي، على هذا العمل الجليل الذي هو خير ما يُقَدَّم لأبنائنا في هذه المرحلة من العمر، وإن كانت مادة الكتاب مما يفيد منها كل قارئ للعربية، ثم أعود إلى ما اقترحتُه في صدر كلمتي من أن يكون هذا الكتاب - وبخاصة المائة صفحة الأولى - فرض عين على كل طالب علم في كلياتنا ومعاهدنا المعنية بالدراسات العربية والإِسلامية، لا استثني معهدًا أو كلية، والله الهادي إلى سواء السبيل.
* * *

الشيخ محمود شاكر.. وتاريخ ضخم (12)

إن أقصى ما يعرفه كثير من الناس الآن - وبخاصة الشباب - عن أبي فهر أنه صاحب الخصومة مع الدكتور طه حسين حول قضية الشعر الجاهلي وحول المتنبي، وصاحب الخصومة مع الدكتور لويس عوض حول أبي العلاء المعري والفتن الأخرى المنشورة في "أباطيل وأسمار"، ثم يعرفه المشتغلون بالدراسات الأدبية بقراءته الفذة وشرحه النفيس لطبقات فحول الشعراء لابن سلاَّم، ودلائل الإِعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، ثم تحقيقه المعجب لتفسير الطبري وتهذيب الآثار، ويجمل بعضهم معرفته به في هذه العبارة الفضفاضة التي لا تدل على شيء "شيخ المحققين".
والحقيقة أن الرجل وراء ذلك كله، وفوق ذلك كله، إنه تاريخ ضخم لرجل تنبه منذ طراءة الصبا وأوائل الشباب إلى هموم أمته وما يراد بها ويكاد لها، وقد فطن منذ عقل إلى أن الطريق الوحيد للتغيير هو العلم والمعرفة، فانصرف إليهما، ولم يشغل بغيرهما، ثم أخذ نفسه بأسلوب صارم حازم، فقرأ القرآن صبيّاَ، وأقبل على الشعر مبكراَ، يحفظه لا كما يحفظه الناس، مقطوعات للإِنشاد والتسلي والمطارحة في المجالس، وإنما الشعر عنده باب العربية كلها، وقد قاده الشعر إلى كتب العربية كلها، فالمكتبة العربية كلها عند أبي فهر كتاب واحد، والعلوم العربية عنده علم واحد، فهو يقرأ صحيح البخاري كما يقرأ الأغاني، ويقرأ كتاب سيبويه قراءته لمواقف عضد الدين الإِيجي، فهو بتعبيرنا المصري "خد البيعة على بعضها"، وهكذا خالط أبو فهر العربية منذ أيامه الأولى، وعرف مناهج الكتب والكتاب في مختلف فنون العربية، وخبر مصطلحات الأقدمين وأعرافهم اللغوية، وهذا فرق ما بينه وبين سواه من الكتاب والنقاد.
فأنت قد تجد ناقداً ذا ذوق وبصيرة، ولكن محصوله اللغوي على قدر الحاجة، وقد تصادفه جمع بين الذوق والبصيرة واللغة ولكن معارفه التاريخية لا تتجاوز الشائع العام الدائر على الألسنة، وقد تراه فاز من الثلاثة بأوفر الحظ والنصيب، ولكنك لن تجد عنده ما تجد عند أبي فهر من الأنس بالمكتبة العربية كلها في فنونها جميعاً، ودوران هذه الفنون في فكره وقلبه دوران الدم في العروق.
ولقد سارت حياة أبي فهر في طريقين استويا عنده استواء واضحاً عدلاً:
الطريق الأول طريق العلم والمعرفة، يعب منهما ولا يروى.
والطريق الثاني: التنبه الشديد لما يحاك لأمتنا العربية من كيد ومكر، وما يراد لثقافتها وعلومها من غياب واضمحلال، وظل حياته كلها قائماً على حراسة العربية والذود عنها، يحب من أجلها ويخاصم من أجلها.
وقد احتمل في حالتيه من العناء والمكابدة ما تنوء بحمله العصبة أولو القوة.
وقد حارب أبو فهر في جهات كثيرة، وخاض معارك كثيرة، حارب الدعوة إلى العامية، وحارب الدعوة إلى كتابة اللغة العربية بحروف اللاتينية، وحارب الدعوة إلى هلهلة اللغة العربية والعبث بها بحجة التطور اللغوي، وحارب الخرافات والبدع والشعوذة، وقد حارب في كل ذلك وحده غير متحيز إلى فئة، أو منتصر بجماعة، وهو صلب عنيد فاتك، ألقى الدنيا خلف ظهره ودبر أذنيه، فلم يعبأ بإقبالها أو إدبارها، واستوى عنده سوادها وبياضها.
ولقد أُقصي كثيراً عن محافل الأدب ومجالي الشهرة فلم يزده ذلك إلا إصراراً وثباتاً، ووقف وحده في ساحة الصدق شامخ الرأس مرفوع الهامة يرقب الزيف ويرصده ويدل عليه، ولم يجد خصومه في آخر الشوط إلا أن ينفِّروا الشباب عنه، ويبغِّضوه إليهم بما أشاعوه عن حدته وبأسه وتعاليه، ونكص من نكص مسيئاً في نكوصه، وثبت من ثبت محسناً في ثباته.
ومع كل هذا الحصار الذي ضُرب حول الأستاذ الإِمام فقد خلص إليه أهل العلم ومحبو المعرفة، ينهلون من هذا المنهل العذب، فكان بيته جامعة عربية ضخمة: طوائف من الناس من مختلف البلدان والأعمار والانتماءات، وسعهم هذا البيت المفتوح دائماً، ولم يفتح لهم يوماً دون يوم أو ساعة دون ساعة.
ولأبي فهر في البيان طريق معجِب، وأسلوبه في الكتابة أسلوب عال، تحدر من سلالة كريمة، ومداره عى التذوق الذي واتاه بعد دُربة طويلة متوارثة، انطلقت من الشعر الجاهلي الذي هو أنبل كلام العرب وأشرفه، ثم استقرت عند القرآن العظيم الذي هو البيان الإِلهي الملفوظ، وقد أفضى به ذلك إلى الإِحساس العميق باللفظ العربي في ترجيعه ونغمته: في الدلالة والألفاظ والتراكيب والصور.
وأسلوب أبي فهر بعد ذلك أسلوب كاتب يحترم قارئه ويحبه ويؤنسه ويمتعه، ولا يتعالى عليه بالإِغماض، ولا يعنِّته بالرمز والإِشارة إلى ما لا تطوله يداه، ولا يستخف به بالثرثرة وفضول الكلام، ولو كان هذا الرجل قد خرج من الملالة والثورة المتفجرة في نفسه التي لا تهدأ، لأتى بكل عجيبة وغريبة، ولكن الله يثبط أقواماً ليرزق آخرين، على أن هذه الملالة التي حجزته عن كثرة التأليف والكتابة جاءت بخير كثير، فقد أخلت وجهه لطلاب المعرفة من الشرق والغرب.
وبعد، فيا أبا فهر:
لقد كنت في قوم عليك أشحة ... بنفسك إلا أن ما طاح طائح
يودون لو خاطوا عليك جلودهم ... ولا تدفع الموت النفوس الشحائح
رحمك الله رحمة واسعة سابغة، وجعل كل ما قدمته لأمتك ولعروبتك في موازينك يوم تجد كل نفس ما عملت من خير مُحضراً.
* * *

محمود شاكر.. والديار التي خلت (13)

وقالوا الإِمام قضى نحبه ... وصيحة من قد نعاه علَت
فقلت فما واحد قد مضى ... ولكنه أمة قد خلت
وليس في وصف محمود شاكر بأنه أمة وحده شيء من استرسال القلم بدواعي الشجن لحادثة الموت وفوت الأماني بطلب البقاء، فإن سيرة هذا الرجل تنطق بأنه واحد في هذا العصر، فلا يشبهه أحد من أدباء زماننا، وما ظنك بأديب قرأ كتب العربية في فنونها كلها، لا أستثني فناً ولا علماً. أقول قولي هذا غير شاك ولا متردد، فقد خالطتُ محمود شاكر ثلاثين عاماً، وخَبَرت سواده وبياضه، وعرفتُ علنه، وأطلعني على كثير من سره، ونظرت في مكتبته الضخمة فإذا على كل كتاب منها أثر قراءة ونظر وتعليق.
لقد وُلد محمود شاكر في أول فبراير 1909م، وتوفي في 7 أغسطس 1997م، فهذه ثمانية وثمانون عاماً، قضى منها سبعين عاماً في القراءة والنظر والكتابة، وهذا تاريخ موثوق به، فقد ظهر اسمه في أول عمل علمي سنة 1937، حين صحَّح صفحات من كتاب "أدب الكاتب" لابن قتيبة، الذي أخرجه الشيخ محب الدين الخطيب في ذلك العام، وأشار إلى صنيع محمود شاكر في مقدمته، ومعلوم أنه التحق بكلية الآداب عام 1926م، وقد اتصل بالعلم من قبل، فقد أخبرني رحمه الله أنه قرأ "لسان العرب" كله، و "الأغاني" كله، وهو طالب بالثانوي، فهل تظن أن أديباً من أدباء عصرنا قرأ هذين الأثرين، وهو في سن الثالثة عشرة أو الخامسة عشرة؟
وتروح أيام وتجيء أيام، ويظل محمود شاكر لصيقاً بالكتاب، لا يكاد يدير وجهه عنه. لقد ألقى محمود شاكر الدنيا خلف ظهره ودَبْر أذنيه، ولم يبال بإقبالها أو إدبارها، وفرغ للعلم والمعرفة، وقد أعانه على أمره عقل فذ، ونفس متوثبة، وأشياء كثيرة مركوزة في الطبع، مذخورة في أصل الخلقة، مما يصطفي الله بها خلقه من الأنبياء وأصحاب الرسالات وصناع الحضارات.
وقد كتبتُ عن محمود شاكر كثيراً، وحاولت أن ألتمس وجوهاً من الوصف تنبئ عن حقيقة حاله ومكنون أمره، وغاية ما انتهيت إليه أن الرجل رزق عقل الشافعي وعبقرية الخليل ولسان ابن حزم وجلَد ابن تيمية، بل إني رأيت أن ليس بينه وبين الجاحظ أحد في الكتابة والبيان، وكنت أرى أن كل هذا الذي قلته غير كاف في حقه، حتى وقفت على ما أريد من وصفه في كلام لأبي حيان التوحيدي، يقارن بين الجاحظ وابن العميد، يقول أبو حيان:
"إن مذهب الجاحظ مدبَّر بأشياء لا تلتقي عند كل إنسان، ولا تجتمع في صدر كل أحد، بالطبع والمنشأ والعلم والأصول والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة والبلوغ. وهذه مفاتح قلَّما يملكها واحد، وسواها مغالق قلَّما ينفك منها أحد".
فهذا كلام مفصل على محمود شاكر تفصيلاً، ومصروف إليه صرفاً، ويزيد عليه غيرته الشديدة على العربية ودفاعه الحار عنها، وخوضه تلك المعارك الرهيبة التي خاضها بقلب رجل صلب عنيد فاتك، وقد خاض معاركه كلها وحده، غير متحيز إلى فئة ولا منتصر بجماعة.
وبعد: فيا أبا فهر، أي علم باذخ طُوي بموتك؟ وأي دليل هادٍ غاب برحيلك؟ وأي ضوء ساطع طفئ بغيابك؟ وأي حزن أسود نشب بالقلب بفقدك؟
ما في الصحاب أخو وجد نطارحه ... حديث نجد ولا صب نجاريهِ
وليرحمك ويرحمنا الله.
* * *

أجمل كتاب في حياتي:
"البيان والتبيين"، للجاحظ (14)

الكتب كالبشر، منها ما تعرفه ثم لا تُطيقه فتلفظه، ومنها ما تأنس به ساعة من نهار، وقد تؤمِّل فيه خيراً فتستبقيه في ركن من نفسك، علَّك أن تعود إليه يوماً، لكنك تكتشف من قريب أنه ليس بذاك فتعرض عنه، ومنها ما يخطف بصرك ويعلق بقلبك فإذا أنت منجذب إليه ومعقود به، لا تكاد تدير وجهك عنه، وكأنه "سالم" ذلك الذي يقول فيه أبوه عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهم:
يُديرونني عن سالم وأُديرهُمْ ... وجِلدةُ بين العين والأَنف سالمُ
وكُتب أبي عثمان الجاحظ من هذه الطائفة الثالثة.
وقد عرفتُ الجاحظ أيام الطلب، وكان أساتذتنا رضوان الله عليهم يعرِّفوننا بأعلام تراثنا، ويقدِّمونهم إلينا في صورة محفوفة بالجلال ملفَّفة بالمهابة، وكان تعريفهم لنا بهؤلاء الأعلام مقروناً بنصوص من كلامهم، يقرأونها علينا، ويخوضون بنا لُججها، ويكشفون لنا عن أسرارها، فعرفنا العربية صافية قبل أن تكدرها الدلاء، فلم يكن الدرس الأدبي واللغوي في أيامنا غارقاً في ضباب المصطلح والنظرية، وتقويم الفكر العربي، وسائر تلك التهاويل الفارغة والدعاوى العريضة التي فتحت الباب للصغار يعبثون بتاريخهم وعلومهم!
ما علينا .. عرفتُ في ذلك الزمان الجاحظ، مع من عرفت من أعلام النقد العربي: أبو الهلال العسكري، وأبو الحسن الآمدي، والقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، والشيخ عبد القاهر الجرجاني، ثم كان من صُنع الله لي وتوفيقه إياي أن تخلُص أيامي للتراث العربي في فنونه المختلفة: ناسخاً للمخطوطات ومفهرساً لها ومحققاً لنصوصها، ثم كان من فضل الله وإنعامه علي أيضاً أن أتصل بأعلام التراث وناشريه: محمود محمد شاكر وعبد السلام هارون والسيد أحمد صقر ومحمد أبو الفضل إبراهيم وحسن كامل الصيرفي، وهؤلاء جميعاَ فتحوا لي أبواباً من النظر، ودلوني على فوائد من الكتب، ما كنت لأقف عليها وحدي. وهذه ثمار مجالسة أهل العلم والرواية عنهم، وهذا مما حُرم منه شباب هذه الأيام.
ولقد كان من وصاة شيخنا محمود محمد شاكر -عليه رحمة الله - أن نقرأ الكتب كاملة، وإلاَّ نتعامل معها تعامل المراجع والمصادر، نأخذ حاجتنا ونمضي، كالطائر العجل يَحْسُو من الماء حسوة ثم ينطلق في فضاء الله.
وكان من وصاته لنا أيضاً أن نقرأ كتب الأدب التي تُعنى باللغة والنحو مثل: كتاب الكامل للمبرِّد، وأمالي أبي علي القالي، وشرح الحماسة للمرزوقي، ولكنه - رحمه الله - لم يكن يتحمس للجاحظ كثيراً، مع إجلاله له وحفاوته به، لأنه يرى أن الجاحظ يستطيل على الناس بذكائه، ويخدعهم بتصرفه في القول والبيان، ولعل الذي زهّد شيخنا في الجاحظ هو ميوله الاعتزالية، والشيخ كما هو معروف من أهل السُنة والأثر، ولكني خالفت الشيخ رأيه في الجاحظ، ولعل هذه هي المرة الأولى التي أخالف فيها عن أمره، ألم أنشدك من قبل:
يُديرونني عن سالم وأديرهم ... وجِلدة بين العين والأنف سالمُ
أسس حضارة فتية:
وُلد الجاحظ عام 160هـ بالبصرة، وتوفي بها عام 255هـ، فهذه خمسة وتسعون عاماً ملأها الجاحظ بالقراءة والنظر والتأليف، ولم يُشغل عن ذلك كله بزوجة ولا ولد، وقد ساعدته على ذلك نفسٌ طُلعة، راغبةٌ في المزيد، لا تقنع بما حصَّلت، ولا تقف عند ما قاله الأوائل، رُوي عنه أنه قال: "إذا سمعتَ الرجل يقول: ما ترك الأول للآخر شيئاً فاعلم أنه ما يريد أن يفلح".
وتروى عنه حكايات كثيرة في شغفه بالعلم والتحصيل. يقول أبو هفان: "لم أر قط ولا سمعت مَن أَحبَّ الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائناً ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين (باعة الكتب) ويبيت فيها للنظر".
وقد استغرقته القراءة حتى أنسته ما لا يُنسى. روي عنه أنه قال: "نسيت كنيتي ثلاثة أيام حتى أتيت أهلي فقلت لهم: بم أُكنى؟ قالوا: بأبي عثمان". (وهذا شبيه بما نقوله في أيامنا، في مقام التوعد والتهديد: والله أنسِّيك اسمك).
عاش الجاحظ النصف الثاني من القرن الثاني، والنصف الأول من القرن الثالث، وفي ذلك العصر بالتحديد والقطع - عصر هارون الرشيد وابنه المأمون - وُضعت أصول العلوم العربية، فالبصرة والكوفة وبغداد ومصر ودمشق وقرطبة وسائر عواصم الإِسلام تغلي وتموج بالرواية الشفوية والسماع والتلقِّي والتدوين، وقد تم نَقْط المصحف الشريف، وثبتت قراءاته المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المنزِّل عليه، وعلماء الحديث يجمعونه، ويؤسسون فيه هذا العلم الشامخ "الجرح والتعديل"، وهو أساس القَبول والرد، ويأتي البخاري ومسلم وبقية الستة من أصحاب الجوامع والمسانيد.
وفي ذلك الوقت أيضاً يظهر الأئمة الأربعة، ويدوّنون الفقه الإِسلامي: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل، وينفرد الشافعي من بينهم بتأسيس علم أصول الفقه، ويضع فيه مؤلفه الشهير "الرسالة"، ثم يقيم الخليل بن أحمد أساس أول معجم عربي "العين"، ثم يهتدي إلى ضبط أنغام الشعر وبحوره، ويؤسس فيه علماً لم يُسبق إليه، وهو "علم العروض" الذي يسميه بعض أهل زماننا "موسيقى الشعر"، وما هي إلا "العروض"، فلا تُسمَّه بغير هذا!
وينهض تلميذ الخليل: سيبويه، فيضع "الكتاب" في علم النحو.

وينشط الإِخباريون بتدوين ما وصل إليهم من أخبار الأمم الماضية، والسيرة النبوية وأخبار الصحابة والتابعين، مثل وهب بن منبه وعبيد بن شرية - وهذان كانا في عصر بني أمية - والواقدي وكاتبه محمد بن سعد، ومحمد بن إسحاق، وعبد الملك بن هشام، ومحمد بن حبيب، وأبي الحسن المدائني، والزبير بن بكار.
ويأتي جامعو اللغة والشعر وشُرَّاحه ونُقَّاده: يونس بن حبيب، وأبو عمرو بن العلاء، وأبو عمرو الشيباني، ومحمد بن سلّام الجمحي، وأبو عبيدة، والأصمعي، وأبو زيد الأنصاري، بحار علم جاشت أمواجها وأزبدت وتدفَّقت.
ويتألق فرسان الترجمة من اليونانية: جبريل بن بختيشوع، ويوحنا بن ماسويه، ويوحنا البطريق، وحنين بن إسحاق، وثابت بن قرّة. ومعظم هؤلاء قد ولي الترجمة في أيام الرشيد والمأمون، وقد كانت صلتهم بالعربية قوية، فيُروى أن "حنين بن إسحاق" - وكان فصيحاً جداً في اليونانية - لزم الخليل بن أحمد حتى برع في لسان العرب، وهو الذي أدخل كتاب "العين" بغداد، كما يقول ابن جلجل في طبقات الأطباء والحكماء.
فهذه أسس حضارة كاملة، قامت ماتعة فتية في نحو مائة وخمسين عاماً، فأيُّ زمن هذا؟ وأية أمة هذه؟
عاش الجاحظ ذلك العصر كله، وقرأ آثاره كلها، وروى عن رجاله وأعلامه، واستوعب حصاده كله، وآتاه حقه فأودعه جميعه في مؤلفاته الكثيرة، التي يقول عنها المسعودي: "لا يُعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتباً منه". وقد أحصى ياقوت الحموي من مؤلفات الجاحظ مائة وثمانية وعشرين مصنَّفاً، طُبع منها: الحيوان والبيان والتبيين والبخلاء والعثمانية والبرصان والعرجان والعميان والحولان، والرسائل، والتاج في أخلاق الملوك (المنسوب إليه).

التصاق الفن بالنفس:
وأنت حين تقرأ كتب الجاحظ هذه إنما تقرأ ثقافة القرون الثلاثة كلها - رواية وتدويناً - وهذا شأن الكاتب الكبير، يفتح منفذاً يُفضي إلى منافذ، ويشق باباً يدل على أبواب.
وأحسب أني لو تركت القلم يسترسل في وصف علم الجاحظ وأدبه لما انتهيت إلى غاية، فحسبي هنا أن أنقل كلام ذلك العالم الجليل المجهول القدر الدكتور طه الحاجري، رحمه الله، يقول في مقدمة تحقيقه لكتاب البخلاء: "كان الجاحظ إماماً من أئمة الكلام، وزعيماً من زعماء المعتزلة، وصاحب نحلة من نحلهم، وكان عالماً محيطاً بمعارف عصره، لا يكاد يفوته شيء منها، سواء في ذلك أصيلها ودخيلها، وسواء منها ما كان إلى العلم والتحقيق، وما كان إلى الأخبار والأساطير، وكان راوية من رواة اللغة وآدابها وأخبارها، غابرها ومعاصرها، واسع الرواية، دقيق المعرفة، قوي المَلَكة في نقد الآثار وتمييزها، ولكنه كان فوق هذا كله كاتباً أديباً بكل ما تتضمنه هذه الصفة من رهافة في الحس، وخصوبة في الخيال، وقوة في الملاحظة، ودقة في الإِدراك، وقدرة على التغلغل في دقائق الموجودات، واستشفاف الحركات النفسية المختلفة، وتمكنٍ من العبارة الحية النابضة، والتصوير الكاشف البارع الذي يبرز الصورة بشتى ملامحها وظلالها، في بساطة ودقة وجمال".
وهذه النزعة الفنية التي غلبت على الجاحظ، ووسمت أعماله كلها، ترجع كما يقول الدكتور الحاجري إلى "طبيعة الفن الجميل، من شدة لصوقه بالنفس وتأثيره في الوجدان، وقدرته على مغالبة تقلبات الرأي ومذاهب الحياة، وترجع إلى قوة المزاج الفني وغلبة النزعة الفنية عند الجاحظ"، انتهى كلام الدكتور الحاجري.
وهذه النزعة الفنية هي التي خففت من جفاف تلك المباحث الكلامية التي شحن بها الجاحظ مؤلفاته، وكذلك ما حشده من المعارف والنظريات العلمية السائدة في عصره.

يقول أبو الحسن المسعودي: "وكتب الجاحظ - مع انحرافه المشهور - (يريد ما كان عليه من الاعتزال وعداوة الشيعة، وكان المسعودي شيعياً) تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان، لأنه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه اجزل لفظ، وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع خرج من جد إلى هزل، ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة"، مروج الذهب 4/195.
ويبرز من بين مؤلفات الجاحظ كتابه "البيان والتبيين" معلماً ضخماً من معالم كتب العربية، وباباً واسعاً من أبواب الفكر العربي. ولهذا الكتاب في حياتي أثر ضخم، فهو الذي قادني إلى كتب الجاحظ الأخرى، فقرأتها كلمة كلمة، ولم أتعامل معها تعامل المراجع الخاطفة، ثم هو الذي جذبني إلى كتب العربية الأخرى، ومن قبل ذلك ومن بعده فهو الذي أذاقني حلاوة البيان العربي، وهو الذي هداني إلى هذه الأنغام الجليلة الفخمة المترقرقة من مختار الكلام: شعراً موزوناً معقوداً بقواف محكمة، ونثراً مصقولاً مسنوناً يتهادى بالحرف العربي مشرقاً وضيئاً متسقاً لينصبَّ في السمع، ويتولَّج في القلب، فيحدث تلك النشوة الغامرة، ويمتع بذلك الطرب المؤنس الودود.
ترك الأستاذ على جهله:
والكتاب في وصف بعض الأقدمين يُصنَّف ضمن علوم البلاغة بمعناها الواسع، لا بمعناها الذي حُصر فيما بعد بالمعاني والبيان والبديع. يقول أبو هلال العسكري: " وكان أكبرها وأشهرها - يعني كتب البلاغة - كتاب البيان والتبيين لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وهو لعمري كثير الفوائد، جمّ المنافع، لما اشتمل عليه من الفصول الشريفة والفِقر اللطيفة، والخطب الرائعة والأخبار البارعة، وما حواه من أسماء الخطباء والبلغاء، وما نبّه عليه من مقاديرهم في البلاغة والخطابة، وغير ذلك من فنونه المختارة ونعوته المستحسنة" الصناعتين ص 5.
ويقول ابن رشيق القيرواني - وهو يُعرِّف علم البيان -: "وقد استفرغ أبو عثمان الجاحظ - وهو علَّامة وقته - الجهد، وصنع كتاباً لا يُبلغ جودة وفضلاً، ثم ما ادعى الإِحاطة بهذا الفن لكثرته، وأنه كلام الناس وأنفاسهم، لا يحيط به إلا الله عزَّ وجلّ"، العمدة 441 / 1.
ويقول المسعودي - وهو يعدد كتب الجاحظ -: "منها كتاب البيان والتبيين، وهو أشرفها، لأنه جمع فيه بين المنثور والمنظوم وغرر الأشعار ومستحسن الأخبار وبليغ الخطب، ما لو اقتصر عليه مقتصر لاكتفى به"، مروج الذهب 4/196.
وقد وضعه ابن خلدون ضمن علوم الأدب بمعناه الواسع أيضاً، فقال قولته السائرة: "وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين، وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر - يعني الأمالي - لأبي علي القالي البغدادي. وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها"، مقدمة ابن خلدون ص 553.
والكتاب بذلك الوصف دائر على مباحث في البيان والبلاغة والخطابة والشعر والأسجاع، مع ما يصحب ذلك كله من عرضه لنماذج من الوصايا والرسائل وطائفة من كلام النساك والقصاص وكلام الحمقى ونوادرهم، ثم بعض الاختيارات البلاغية من الكلام الموثَّق المنسوب.
وأخشى أن يسرع بك الظن أيها القارئ المبتدئ فتظن إن ذلك الكتاب من كتب الأسمار والتسلية والنوادر وإزجاء الفراغ، وأنه صورة من صور اهتمام أدباء العرب بالجزئي دون الكلي، كما يزعم الزاعمون! وليس الطريق هنالك، إن الجاحظ مفكر قبل أن يكون أديباً، حكى شمس الدين بن خلكان، عن أبي القاسم السيرافي، قال: "حضرنا مجلس الأستاذ أبي الفضل بن العميد الوزير، فجرى ذكر الجاحظ، فغض منه بعض الحاضرين وأزرى به، وسكت الوزير عنه، فلما خرج الرجل قلت له: سكتَّ أيها الأستاذ عن هذا الرجل في قوله مع عادتك في الرد على أمثاله! فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو واقفته (جاء في وفيات الأعيان: وافقته، بتقديم الفاء على القاف، وهو خطأ، وصوابه بتقديم القاف على الفاء) وبيّنت له، لنظر في كتبه وصار بذلك إنساناً يا أبا القاسم، فكتب الجاحظ تعلم العقل أولاً والأدب ثانياَ، فلم أستصلحه لذلك "، وفيات الأعيان 473 /3.
وهذا كلام عال نفيس، فكتب الجاحظ تعلم العقل قبل الأدب، وقد أخذ من ذلك الأستاذ شفيق جبري عنوان كتابه: "الجاحظ معلم العقل والأدب"، وكذلك تُعلِّم العقل كتب أصحاب البيان الآخرين، مثل أبي حيان التوحيدي، الذي يقول عنه الدكتور زكي نجيب محمود: "إنه يعمق بالفكرة ويزخرف باللفظ "، ولكن كثيراً من نقادنا المحدثين قد اصطنعوا فجوة بين الفكر والبيان، وأقاموا حاجزاً عالياً بين قضايا العقل والإِحسان في تأدية المعاني والإِبانة عنها، وقد تسلل هذا الفصل إلى عقول الناشئة فيما يُقدم إليهم من الفرق بين الأسلوب العلمي والأسلوب الأدبي.
ومن ثم فقد حكم هؤلاء النُقَّاد على مصطفى صادق الرافعي ومحمود محمد شاكر، وإبراهيم عبد القادر المازني، ومن إليهم من المحسنين في الأداء، المجيدين في طرائق الكلام، بأنهم بمعزل عن الفكر، وأن بضاعتهم لا تخرج عن الزخرف من القول، والموشى من الكلام. ولعل هذا أحد أسباب الغموض والظلام الذي يشيع في كتابات بعض الأدباء الآن. وقد امتد هذا البلاء إلى مجال الغناء والطرب، فأصبحنا نسمع عن الفرق بين "المؤدي" و "المطرب" وإعلاء شأن المؤدي، والإِزراء بالمطرب، لأن المؤدي هو الذي يلتزم باللحن، ولو كان صوته خشنا غليظاً منكراً، وان المطرب مردد، ولو ظفر من حلاوة الصوت بأوفر الحظ والنصيب! وبالله نستدفع البلايا! (إنتوا عاوزين تعملوا فينا إيه يا جماعة؟ حرمتونا من حلاوة الكلام، والآن تحرمونا من حلاوة الصوت).
وقد عرض الجاحظ في كتابه لقضايا من اللغة، فتحدث عن مخارج الحروف، وأثر اكتمال الأسنان أو نقصها في البيان، وأثر لحم اللثة في النطق، وذكر الحروف التي تدخلها اللثغة، وأي اللثغة أشنع وأيها أظرف. وذكر لكل ذلك المثل والمثلين. وقد أشار إلى طريف من لغة الأطفال، فقال: "والميم والباء أول ما يتهيأ في أفواه الأطفال، كقولهم: ماما وبابا"، البيان والتبيين 1/62.

وقد صار ما أورده الجاحظ من كلام الفصحاء والخطباء، وما انشده للشعراء المقلّين والمكثرين، مدداً لجامعي اللغة وأصحاب المعاجم، فهو قريب عصر بالرواية، مع حافظة واعية تجمع كل شاذة وفاذة.
كتاب شامل للحضارة العربية:
وقد اتسع كتاب البيان والتبيين أيضاً لكثير من أوجه الحضارة العربية، مثل نظم العرب الاجتماعية والسياسية والمالية والخلقية والتعليمية.
وكنت (عزمتُ) على أن أذكر لك أيها القارئ الكريم شيئاً من حلاوة الكلام في كتابنا هذا: البيان والتبيين، لكني رأيت المقام لا يتسع له، فحسبي أن أنقل لك هنا فاتحته وخاتمته، وحسبك بهما دليلاً على حسن البيان، وجمال الأداء.
يقول الجاحظ: "اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول، كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلُّف لما لا نحسن، كما نعوذ بك من العُجب بما نحسن، ونعوذ بك من السلاطة والهذر، كما نعوذ بك من العي والحصر، وقديماً ما تعوَّذوا بالله من شرهما، وتضرعوا إلى الله في السلامة منهما".
ثم يقول في خاتمته: "وهذا أبقاك الله آخر ما ألَّفناه من كتاب "البيان والتبيُّن" (هكذا بياء واحدة مشددة، وراجع ما كتبته في عدد الهلال الماضي) ونرجو أن نكون غير مقصرين فيما اخترناه من صنعته، وأوردناه من تأليفه. فإن وقع على الحال التي أردناها، وبالمنزلة التي أمَّلنا، فذلك بتوفيق الله وحسن تأييده، وإن وقع بخلافها، فما قصرنا في الاجتهاد ولكن حُرمنا التوفيق، والله سبحانه وتعالى أعلم".
هذا، ولقد كان من فضل الله وإنعامه أن يسّر لكتاب الجاحظ عَلَمين من أعلام العصر، وقفا على تراث الجاحظ، وأعطياه حظه من النظر والفقه والصبر، وبذلا غاية الوسع والطاقة في تحريره وتحقيقه والتعليق عليه، ثم ألبساه حلة العصر بذلك الإِخراج المعجب الأنيق، والفهارس الفنية الكاشفة: عنيت أستاذي العلامة عبد السلام محمد هارون، والأستاذ الجليل الدكتور طه الحاجري، برَّد الله مضاجعهما، وأنزلهما منازل الأبرار، وقد نشر الأول من تراث الجاحظ: الحيوان (ثمانية مجلدات)، والبيان والتبيين (أربعة مجلدات)، والرسائل (أربعة مجلدات، تشتمل على 45 كتاباً ورسالة) والعثمانية، والبرصان والعرجان. ونشر الثاني: البخلاء بمقدمة نفيسة جداً عن النزعة الفنية عند الجاحظ، ثم أبرز الخصائص الفنية في كتاب البخلاء.
وبعد: فلم يبق إلا هذا الرجاء الصادق، أسوقه لزملائنا مدرِّسي العربية في كليات الجامعات ومعاهدها: أن يلتفتوا التفاتة جادة إلى أدب الجاحظ، وبخاصة ذلك الكتاب: البيان والتبيين، وأن يجعلوا من نصوصه نصيباً مفروضاً على تلاميذهم، فقد استقامت بهذا الكتابِ ألسنةٌ، وارتقت عليه أذواق، واستوت به ملكات، وكفانا إعراضاً وتجافياً عن موروثنا العظيم، وإنما يغفل الناس عن تراثهم بتلك الغشية التي تصيب الأمم في فترات ضعفها، فتذهل عن ماضيها، ثم لا تقنع بذلك الذهول حتى تضم إليه السخرية منه والتحقير له، وإنما يأتي ذلك كله من الاستخذاء والشعور بالدونية والقهر والغلبة والمسخ والتشويه. وربنا كاشف كل كرب وبلية.
* * *

أيُّ شلاَّل هادر توقَّف! (15)

في الساعة الخامسة من عصر يوم الخميس 3 من ربيع الآخر 1418هـ - 7 من أغسطس 1997م دُعي محمود شاكر فأجاب، وبعد نصف ساعة من انتقاله للرفيق الأعلى كنت على رأسه ألقنه الشهادتين، ثم دارت بي الأرض وأنا أنظر إلى هذا الجسد الساكن وقد صرعه الموت، وهو الذي غالب المحن وصارع الشدائد، فلم تلن له قناة، ولم يخفت له صوت، ولم يرتعش في يده قلم، حتى جاءه القاهر الذي لا يُغلب. ثم نظرت إليه أخرى وقلت: أي صوت مجلجل سكت، وأيُّ شلال هادر توقف، وأي نبع عذب غاض، وأي نبت مزهر صوَّح، وأي ركن جليل ساخ، وأي فارس فاتك ترجَّل؟
ثم تذكرت أبيات مطيع بن إياس، يرثي يحيى بن زياد الحارثي:
وينادونه وقد صمَّ عنهم ... ثم قالوا وللنساء نحيبُ
ما الذي غال أن تحير جوابا ... أيها المصقع الخطيب الأديبُ
فلئن كنت لا تحير جواباً ... فبما قد ترى وأنت خطيبُ
في مقال وما وعظت بشيء ... مثل وعظ بالصمت إذ لا تجيبُ
وحين جاء الرجال لينقلوه إلى حيث يشيَّع، وتناولوه من جانبيه لان لهم وانقاد، وهو الذي كان عصيّاً أبياً، ثم تذكرت كلمة معاوية وهو في النزع يُحتضر، يقول لابنيه وهما يقلبانه: "إنكما لتقلبان قُلَّباَ حُوّلاً". والقُلَّب: الرجل العارف بالأمور، الذي ركب الصعب والذلول، وقلب الدنيا ظهراً لبطن، والحُوَّل: ذو التصرف في الأمور، وكذلك كان محمود شاكر.
ثم اعتراني ما يعتري الناس من غم، وركبني ما يركبهم من هم، لفقد الأحباب وغياب العلماء، وبذهابهم يذهب العلم، على ما جاء في الأثر: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء". ولكن ماذا نصنع وكل حي إلى فناء، وكل جديد إلى بِلى، والملجأ الله، منه يأخذ المحتسب، وإليه يرجع الجازع.
ولقد كتبت عن محمود شاكر غداة وفاته، وكتبت عنه من قبل، وأبنت عن تاريخه الحافل مع العربية: تحصيلاً لها وإحاطة بها، وذوداً عنها، ومنافحة دونها، وكشفاً لأسرارها، مما تفرد به ولم يدانه فيه أحد من أدباء جيله، لكني استسمح القارئ الكريم أن أعيد كلمة كنت قد كتبتها بالأمس القريب، تلك كلمة أبي حيان التوحيدي، يقارن بين الجاحظ وابن العميد: "إن مذهب الجاحظ مدبَّر بأشياء لا تلتقي عند كل إنسان، ولا تجتمع في صدر كل أحد، بالطبع والمنشأ والعمل والأصول والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة والبلوغ. وهذه مفاتح قلَّما يملكها واحد، وسواها مغالق قلَّما ينفك منها أحد".
فاقرأ هذا الكلام العالي، وأعطه حظه من النظر والتأمل، ثم نزَّله على محمود شاكر - إن كنت تعرفه معرفتي - وستراه مفصلاً عليه تفصيلاً، ومصروفاً إليه صرفاً. وللناس أن يتكلموا عن علم محمود شاكر وجهاده، ما شاء الله لهم أن يتكلموا، فالحوض ملآن والنفس جياشة، ولكن الحديث عن مجلسه مما ينبغي الوقوف عنده وتأمله! فأيُّ رجل كان محمود شاكر؟ وأيُّ مجلس كان مجلسه؟ وأيُّ أُنس كان يشيع في هذا المجلس؟ وأيُّ علم كان يتفجر في رحابه؟
لقد قلت في بعض ما كتبت: إنه لم يحظ أحد من أدباء هذا الجيل بمعشار ما حظي به محمود شاكر، من الالتفاف حوله والأخذ عنه والتأثر به: طوائف من الناس من مختلف البلدان والأعمار والانتماءات، ضمهم بيته المفتوح دائماً، وقد خلا من الرسميات والمواعيد المضروبة من قبل. يقول الأستاذ فتحي رضوان، في وصف ذلك البيت الشاكري:
"كان بيته ندوة متصلة لا تنفَضّ، من أعضائها الثابتين: يحيى حقي، إذا حضر من أوروبا، وعبد الرحمن بدوي، وحسين ذو الفقار صبري، وغيرهم وغيرهم، ولم يكن من حظّي أن أكون عضواً دائماً فيها، فقد كنت ألمّ بهم أحياناً، فأراهم وأرى من العالم العربي كله، ومن العالم الإِسلامي على تراميه، شخصيات لا حصر لها، تتباين بعضها عن بعض، في الرأي والمظهر والثقافة واللهجة والشواغل والمطامح، ولكنها تلتقي كلها عند محمود شاكر، تسمع له وتأخذ عنه وتقرأ عليه وتتأثر به. وكلما كان من حظي أن أشهد جانباً من هذه الندوة أحسست بسعادة غامرة، أن يبقى ركن في بلدي كهذا الركن، ينقطع أصحابه للفكر والدرس والتحدث في أمور لا تجد من يسمع بها أو يعرف عنها شيئاً في مكان آخر".
وإذا كان الأستاذ فتحي رضوان قد ذكر من عرفهم من أعلام المفكرين والأدباء، الذين كانوا يختلفون إلى بيت محمود شاكر، في الخمسينيات وما قبلها، فإني ذاكر أيضاً من عرفتهم في هذا المجلس العامر، على امتداد الستينيات والسبعينيات: عبد الرحمن صدقي وعلي أدهم وحسن كامل الصيرفي ومحمود حسن إسماعيل ووديع فلسطين وعلي أحمد باكثير ويوسف شوقي وعبده بدوي.
ومن أعلام العرب وأدبائه: أحمد المانع، وناصر الدين الأسد، وأحمد راتب النفاخ، وإحسان عباس، وشاكر الفحام، وإحسان النص، ومحمد يوسف نجم، ووليد عرفات، وعبد القدوس أبو صالح، وعبد الله الطيب المجذوب، وحمد الكبيسي، ونوري القيسي، وعبد الله الجبوري، وهاشم الطعان، وبشار عواد معروف، وإبراهيم السامرائي، ويعقوب الغنيم وأخواه عبد الله ومرزوق، وجمعة الياسين، وصالح العثمان، وعبد الله العيسى، وعبد الله عسيلان، وإبراهيم شبوح، ومحمد بن شريفة، وعبد السلام الهراس، والحبيب اللمسي.. فهل وجدت هؤلاء قد اجتمعوا يوماً عند أديب من أدباء مصر؟ ثم يتسع المجلس أيضاً للطلاب المبتدئين، والشباب المعيدين.
ولقد يجتمع الناس في ندوة أديب من الأدباء، ثم تنفض الندوة وينفرط عقدها، ويذهب كل في طريق، وكأنهم كانوا رفقاء رحلة عابرة. ولكن مجلس محمود شاكر يختلف عن غيره من المجالس، بما يشيع فيه من أنس وود وبهجة، وما تنعقد فيه من صداقات عذبة حميمة، يغذّيها وينمّيها صاحب المجلس.
أما المناقشات العلمية والمحاورات الأدبية فلكل امرئ منها حظ مقسوم، لا ينفرد بها صاحب الدار، ولا يستبد بها الكبار، فالكل في هذا المجلس سواء، والكل يتكلم ويشارك، ولم يكن صاحب المجلس يستريح للأحاديث الجانبية أو ثنائية الحوار، فما يكاد يرى اثنين يتحدثان منفردين حتى يتدخل بينهما قائلاً: "أنتوا بتقولوا إيه"، وكأنما يريد أن يقطع عليهما طريق الانفراد، ولا شك أنه كان يصدر في هذا عن روح الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر - حتى تختلطوا بالناس - من أجل أن ذلك يحزنه". بل إن مائدة الجمعة والموائد الأخرى الحافلة كيوم عاشوراء، الذي كان يوافق مولد صاحب الدار بالتاريخ الهجري، هذه الموائد كانت تجمع إلى أهل الأدب والفكر بعض أهل الحرف والصناعات الذين كان لهم بالبيت وصاحبه صلة وتاريخ، كالمجلد والنجار والحلاق.
ومن طريف ما يُذكر هنا ما رواه لي أبو فهر (محمود شاكر) رحمه الله، قال: " في يوم جمعة، في أوائل ثورة يوليو كان يجلس على مائدة الغداء: محمد رشاد مهنا، والشيخ أحمد حسن الباقوري، ومحمد فؤاد جلال، وكان يجلس على المائدة نفسها الأسطى أنور الحلاق. وفي صباح اليوم التالي اتصل بي الشيخ الباقوري وقال لي إن محمد فؤاد جلال - وكان وزيراً للشؤون الاجتماعية - عاتب عليك لوجود الأسطى أنور بيننا. يقول أبو فهر: وفي الجمعة التالية قلت لمحمد فؤاد جلال: اسمع يا فؤاد أنت وزير هناك في مجلس الوزراء، ولكنك هنا في بيتي واحد من عامة الناس، مثلك مثل الأسطى أنور وغيره".

لقد صحبت محمود شاكر ثلاثين عاماً، وما زلت أذكر أول يوم زرته فيه، وكنت في صحبة الأخ العلامة الكبير أحمد المانع احتمي به من مشاعر الهيبة والخشية والحذر، من تلك الحدة المزعومة في شخصية محمود شاكر، وهو شعور عرفناه جميعاً قبل أن ندخل البيت، وحين توثقت صلتنا بالشيخ اكتشفنا زيف هذا الشعور، وكذب تلك المزاعم التي أشاعها بعض الناس ليصدوا أهل العلم عنه، وإذا نحن أمام قلب طاهر نقي، يغضب ويثور حين يرى حداً من حدود العلم قد انتهك، أو حين يسمع تطاولاً على تاريخ الأمة العربية وعلومها.
وبعد: فالكلام عن محمود شاكر لن ينتهي بنهاية هذه الكلمة، وسيظل هذا الرجل أثراً ضخماً في ضمير هذه الأمة: حراسةً للعربية وذوداً عنها، وبصراً بها، وإضاءة لها.
وإن أحق ما يقال عن محمود شاكر هنا وفي كل وقت وحين، ما قاله هو عن أستاذه مصطفى صادق الرافعي: "بأن الرافعي قد صار ميراثاً نتوارثه، وأدباً نتدارسه، وحناناً نأوي إليه"، وكذلك يكون محمود شاكر "ميراثاً نتوارثه"، إلى آخر ما قال في حق شيخه الرافعي.
* * *

"تاج العروس" .. والزمن البعيد (16)

كتب الأستاذ سامح كريم في "الأهرام الأدبي" من الأسبوع الماضي كلمة سمَّاها: "تاج العروس والاهتمام بتراث الأجداد"، وقد نشر بهذه الكلمة أمجاداً وآثاراً وأشجاناً.
أما الأمجاد ففد تجلَّت في شخصية أبي الفيض المرتضى محمد بن محمد الهندي مولداً، الزَّبيدي - بفتح الزاي - اليمني نشأة، المصري حياة ووفاة. وهو علم من أعلام النهضة العربية في القرن الثاني عشر الهجري - الثامن عشر الميلادي (توفي سنة 1205هـ يوافق 1790م) أي قبل دخول نابليون بحملته مصر بثماني سنوات.
وهذه الحقبة من الزمان يصنِّفها بعض أهل زماننا بعصور الظلام والاحتلال العثماني لمصر، وواقع تاريخنا الفكري يقول غير هذا.
ففي ذلك الزمان وما قبله ببعض العقود، شهدت الساحة العربية أعلاماً كباراً، جمعوا تراث العرب وأضاءوه وأحيوه ونفخوا فيه. يذكر التاريخ منهم: عبد القادر البغدادي صاحب "خزانة الأدب"، والشوكاني صاحب "فتح القدير"، و "نيل الأوطار"، وصاحبنا الزَّبيدي فى كتابه " تاج العروس "، و "إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين".
ويُعد " تاج العروس " أكبر معجم عربي فاق "لسان العرب" لابن منظور، فقد بلغ مجموع جذور اللسان (9273) جذراً، على حين بلغ مجموع جذور التاج (11978) جذراً.
ومن وراء ذلك فإن لتاج العروس أهمية أخرى، وهو أنه عُني إلى جانب اللغة بضبط المشتبه من الأعلام والأنساب والألقاب، كما عُني بكتب الطب والنبات وسائر المعارف العامة. ثم كانت له عناية فائقة بالبلدانيات والجغرافية العربية، وبخاصة جغرافية اليمن ومصر، وما أكثر المواضع في هذين البلدين التي يقول فيها: رأيتها أو شاهدتها - انظر على سبيل المثال مادتي: شبر - حلل، وتأمل أسماء البلاد " شبرا - والمحلة "، فقد أحصاها عدداً، وذكر أنه رأى بعضها ودخلها.
لكل هذه الأسباب اتجهت أنظار الناشرين مبكراً إلى طبع هذا الكتاب الجليل، فكانت أول طبعة له، طبعةُ جمعية المعارف بمصر من سنة 1868م - 1870م. لكنها طبعت خمسة أجزاء فقط ثم توقفت. وبعد ذلك خرجت منه طبعة كاملة في عشرة مجلدات كبار سنة 1888م بالمطبعة الخيرية لصاحبها عمر حسين الخشاب [وهو جد الدكتور يحيى الخشاب رحمه الله].
ويذهب زمان ويجيء زمان، وفي أوائل الستينات الميلادية تقوم وزارة الإِرشاد والأنباء بدولة الكويت بمشروع عظيم لنشر كتب التراث، وقد أعدت لهذا المشروع عدته، فاختارت نصوصاً عالية، ومحققين كباراً.
ثم كانت الوثبة الكبرى في نشر تاج العروس للزَّبيدي، فوُزعت أجزاؤه على طائفة من المحققين الأثبات، وصدر الجزء الأول منه سنة 1385هـ = 1965م.
وهذا هو موضع الأشجان من كلمة الأستاذ سامح كريم، لقد قُدِّر لهذا الكتاب أن يكون في أربعين مجلداً، وقد تم تحقيق هذه المجلدات كلها، لكن الذي تم طبعه منها إلى الآن تسعة وعشرون جزءاً فقط، وبقي أحد عشر جزءاً.
ولمَّا كنا الآن في سنة 1998م، فيكون قد مضى على صدور الجزء الأول ثلاثة وثلاثون عاماً، وهو زمن بعيد جدّاَ، فقد صار "العروس" شيخاً، وأوشك "التاج" أن يسقط من فوق رأسه، وهذا التراخي في إخراج كتاب هو من عمد تراثنا اللغوي، لا يُقبل من دولة تملك المال، وتعرف للثقافة حقها وتقدر العلم قدره، ولها في نشر العلم والتنمية الثقافية مكان ومكانة.

إن مطبعة بولاق بمصر قد أخرجت طبعة محرَّرة من "لسان العرب" لابن منظور في عشرين مجلداً، في خلال ثماني سنوات من سنة 1300هـ إلى سنة 1307هـ، وكذلك أخرجت مطبعة بولاق كتاب "المخصص" لابن سيده، في سبعة عشر مجلداً، في ست سنوات، من سنة 1316هـ إلى سنة 1321هـ، ولم يكن هناك كمبيوتر ولا جمع تصويري، ولكنها عزائم الرجال وصلاح الأزمان!
إن مهمة طبع "تاج العروس" قد انتقلت من وزارة الإِعلام إلى المجلس الوطني للثقافة، فهل يطلب الأستاذ سامح كريم من صديقه الأمين العام للمجلس الدكتور سليمان العسكري أن يفزع ويفرغ لهذا الكتاب العظيم، إن الأجزاء الباقية منه لن تأخذ أكثر من حولين كاملين لمن أراد أن يتم هذا العمل الجليل، والله الهادي والمعين.
* * *

مطبعة للمنشورات .. وليست للثقافة (17)

تشتجر الأقلام الآن حول الحملة الفرنسية وأثرها على مصر؛ فمن قائل إنها جاءتنا بالمنِّ والسلوى، وأنها أزالت عنا غواشي الظُلَم، واستنقذتنا من قرابة التخلف وردغة الخبال، ومن قائل إنها مرَّغتنا في التراب وسامتنا سوء العذاب، وتوسَّط فريق ثالث فقال عن الحملة ونابليون إنهما جاءانا بشيء من النفع، وإثمهما أكبر من نفعهما.
لكن الذي يعنيني هنا قصة تلك "المطبعة" التي أتى بها نابليون.
لقد ضخَّم الناس من أمر هذه المطبعة تضخيماً، ورأوا أنها فتحت لنا طريق العلم والمعرفة. وحقيقة الأمر أن هذه المطبعة لا تعدو أو توشك أن تكون "آلة كاتبة" كبيرة، أحضرها نابليون معه لطبع منشوراته وأوامره باللغة العربية.
وكانت هذه المطبعة الصغيرة تعمل وهي على السفينة في عُرض البحر، وحين اقتحم نابليون ثغر الإِسكندرية قام رجال حملته بتوزيع المنشورات والأوامر التي أعدوها في البحر، وأُطلق على هذه المطبعة الصغيرة آنذاك اسم "المطبعة الأهلية"، ثم نُقلت إلى القاهرة ووضعت في "بيت السناري" بحي السيدة زينب، وقد طبع نابليون على تلك المطبعة الصغيرة إلى جانب المنشورات والأوامر: أمثال لقمان الحكيم، ثم بعض رسائل في النصائح الطبية، استمالةً لقلوب المصريين واجتلاباً لرضاهم.
وقد طُبعت على تلك المطبعة أيضاً محاكمة سليمان الحلبي قاتل كليبر، ووُضع اسم المطبعة على الغلاف هكذا "مطبعة الجمهور الفرنساوي 1799م - 1800م"، ولم تطبع هذه المطبعة الصغيرة بعد ذلك شيئاً ذا بال، ولا غير ذي بال.
ومهما يكن من أمر، فقد طُويت صفحة هذه المطبعة وخرجت من مصر، وعادت إلى فرنسا، كما ذكر الدكتور خليل صابات، والدكتور أبو الفتوح رضوان.
لكن الجديد في هذه القضية أن الدكتور قاسم السامرائي، العالم العراقي والأستاذ بجامعة ليدن بهولندا ذهب إلى أن هذه المطبعة التي جاء بها نابليون إلى مصر، إنما هي مطبعة "آل ميدتشي" بروما، أخذها نابليون من إيطاليا أيام غزوه لها، وحين دخل الإِنجليز مصر، وأخرجوا من بقي بها من الفرنسيين، أخذ هؤلاء تلك المطبعة، وأعادوها إلى مكانها الأول في إيطاليا، وما زالت بقايا هذه المطبعة محفوظة بمدينة "فرنزة" في مقاطعة "بروفاونس" بإيطاليا. وهذا الدكتور قاسم السامرائي ثقة مصدَّق؛ لأنه خبير في الوثائق وتاريخ الكتاب (مخطوطاً ومطبوعاً(، وله دراية عظيمة بالاستشراق والمستشرقين.
فإذا ثبت هذا - وهو ثابت إن شاء الله - فيكون قول أحد كتابنا عن محاسن الحملة الفرنسية: "إن المدفع ذهب وبقيت المطبعة" قولاً غير صحيح، وفيه من خداع الكلام واللعب بالألفاظ ما لا يُغني شيئاً.
على أنه مما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه أن المطبعة قد عُرفت في الشرق قبل مولد نابليون، وكانت "مطبعة حلب" أول مطبعة عربية في الشرق كله، وقد ظهر أول إنتاج لها عام 1706م (ولد نابليون سنة 1769م).
وقد أطلعني الدكتور محمد هيثم الخياط العالم السوري الحجة، على صورة غلاف لبعض مطبوعات هذه المطبعة الرائدة في هذه الفترة المتقدمة. وانظر معلومات أكثر في مقالة للدكتور وحيد قدورة التونسي بعنوان: "أوائل المطبوعات العربية في تركيا وبلاد الشام"، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي 1996م.
ولا يبقى إلا القول إن المطبعة التي أضاءت الدنيا كلها إنما هي "مطبعة بولاق" التي أنشأها محمد علي باشا، سنة 1819م، أو 1821م، بأيدي المصريين وبهيمنة مشايخ الأزهر، مثل الشيخ نصر الهوريني، والشيخ محمد قطة العدوي، وتفصيل ذلك كله في كتابي: "الكتاب المطبوع في مصر في القرن التاسع عشر".
* * *

كمال الثجمي .. والثغور التي تتساقط (18)

عرفته في أوائل الستينيات، وكنت يومئذ غارقاً في هوى الشيخ مصطفى إسماعيل وأم كلثوم، ولا أدير أذني عنهما، ولا أقبل فيهما شريكاً ولا مزاحماً، وكان يسوؤني أن يضعهما أحد في مقارنة.
وفي أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات لم يكن يزاحم الشيخ مصطفى إسماعيل إلا الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ذلك الفتى الأسمر الوسيم القادم من أقصى صعيد مصر (وقد أطلقت عليه مجلة الجيل الجديد آنذاك: الشيخ مارلون براندو)، وقد أحدث ظهوره في أوائل الخمسينيات دويّاً هائلاً بصوته الأبيض الجلي الرنان ونَفَسه الطويل المعجب، ولكني كنت أرى يومذاك أن الفرق بين الشيخين بعيد جداً، وكنت أسمع ذلك الرأي أيضاً من هؤلاء السميعة الكبار الذين كنت أحضر مجالسهم في الموالد التي كان يقرأ فيها الشيخ مصطفى، وكان من أشهر تلك الموالد التي يبدع فيها الشيخ: مولد السلطان أبو العلا، والشيخ سلامة الراضي ببولاق.
ثم كان يحزنني أيضاً ما يقوله بعض الناس: أن أسمهان لو عاشت لكانت قد حجبت أم كلثوم، أو أن سعاد محمد صوتها أعذب من صوت أم كلثوم، أو قول بعضهم: اصبروا قليلاً على هذه الفتاة السورية - يعنون فايزة أحمد - فسوف يكون لها شأن مع أم كلثوم!
ومهما يكن من أمر: فقد خلا لي وجه الشيخ مصطفى والست أم كلثوم، أعب من صوتهما عباً، لكن إحساسي بعبقرية صوتهما كان إحساساً غامضاً، أو قل إنه كان إحساساً ساذجاً، يقف عند حدود الإِعجاب والطرب الذي يقنع بالاهات والتنهدات و (إيه الحلاوة دي) و (مفيش كده)، وإن كان قلبي يغلي بمشاعر الإِكبار لهذين الصوتين العجيبين، لكن يضيق صدري ولا ينطلق لساني، فلم أكن في ذلك الزمان قد عرفت صنعة الكتابة والإِبانة عما في النفس، وأيضاً فإني كنت أستشرف إلى من يأخذ بيدي لتحليل هذين الصوتين تحليلاً فنَيّاً يقوم على أسس ومعايير تتعدى هذا الإِعجاب الساذج الذي يستوي فيه العامة.
صحيح أنَ أذني في تلك الأيام كانت قد التقطت من مجتمعات السِمِّيعة أسماء المقامات: السيكاه والصبا والنهاوند والراست والبياتي والحجاز، ولكن كيف تنزل هذه المقامات على منازلها، وكيف يتصرف أهل الطرب فيها، وتلفَّتُّ حولي في ذلك الزمان فلم أجد من عُني بالشيخ مصطفى وإخوانه من قراء القرآن سوى الأستاذ محمود السعدني في كتابه الذي أصدره في سنة 1959م باسم (ألحان من السماء)، والأستاذ السعدني سِمِّيع كبير وصاحب قلم سيّال، ولكنه صاحب دعابة، وإغراقه في الدعابة يميل به أحياناً عما ينتظره أهل الجد من التحليل والغوص في الكشف والإِبانة، ولذلك لم أجد عنده شيئاً ذا بال عن الشيخ مصطفى، وكذلك نظرت فيما كُتب عن أم كلثوم، فلم أجد وقتها إلا كتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد، وقد شغلتني حلاوة بيانها عن كل شيء، والدكتورة نعمات صاحبة بيان آسر، وقلمها نديّ رقراق، ولكن الذي أريده عن أم كلثوم شيءٌ آخر، فالذي قالته عن أم كلثوم لا يخرج عما قاله ابن الرومي في "وحيد" المغنية:
يسهل القول إنها أحسن الأشــ ... ـياء طراً ويعسر التحديد
(ديوانه 763)
وظللت أتقلب في حيرتي وعجزي حتى أذن ربك بالفرج وجاءني اسم "كمال النجمي" من فم سِمِّيع كبير كنت أراه في جلسة الطرب القديم التي كان يقيمها معهد الموسيقى العربية يوم الثلاثاء كل أسبوعين في أوائل الستينيات، وهذه الجلسة كان يشهدها حراس الطرب القديم، مثل عباس البليدي وعبده السروجي وطبقتهما، وأنماط غريبة من عجائز الرجال والنساء، شهود عصر النغم الذهبي في مصر المحروسة. ولعل جلسة الطرب هذه هي التي أوحت إلى الراحل الكبير عبد الحليم نويرة بفكرة "فرقة الموسيقى العربية" التي يرى بعض أهل زماننا من المتفلسفة أنها قامت لتغطية هزيمة 67، بالبحث عن أمجاد قديمة، وهو إغراق في التفلسف والهرطقة.
كاشفت ذلك السِمّيع الكبير عن حيرتي في البحث عن محلل لصوت الشيخ مصطفى وأم كلثوم، فقال لي: عليك بكاتب عظيم اسمه "كمال النجمي" فستجد عنده ضالتك ومأمولك، وقمت من فوري ألتمس كتابات هذا الرجل، وجمعت ما تيسر لي منها وعكفت عليها، فانفتح أمامي باب ضخم من أبواب المعرفة النغمية والصوتية بكلام عال نفيس مباين لكل ما يكتبه الكاتبون في هذه الأبواب، وكان أول ما قرأته له كلام عن الأصوات العربية من الرجال، وكان مما قاله: إن أكمل الأصوات العربية من الرجال هو المطرب اللبناني وديع الصافي، ثم يليه مباشرة صوت الشيخ مصطفى إسماعيل، ثم قدم لذلك بشواهده ودلائله، وقد مكن هذا الكلام للشيخ مصطفى في نفسي، ثم دلني أيضاً على وديع الصافي، وكنت في غفلة عنه.
وهكذا ظللت أتتبع كلام النجمي عن المقامات الغنائية والمسارات اللحنية والفروق بين القراء بعضهم مع بعض، وكذلك أهل المغنى في التصرف بهذه المقامات والانتقال من بعضها إلى بعض، والقَفْلات والعَفْق والعُرَب، وطبقات الصوت، من القرار والجواب وجواب الجواب.
ولقد يكتب بعض الناس عن هذه المصطلحات، ولكن يظل الفرق واضحاً بين ما يكتبونه وما يكتبه النجمي، إن النجمي صاحب خلفية فنية ضخمة، ثم هو يأوي إلى ركن شديد من المعرفة النغمية الممتدة الضاربة بعروقها في التاريخ. والشواهد على ذلك من كتاباته كثيرة، من أبرزها ما كتبه عن غناء زرياب والموصلي، ثم هذه السياحة الطويلة في كتاب أبي الفرج الأصبهاني "الأغاني"، ومن الدلائل أيضاً على محصوله واطلاعه الواسع ما ذكره في شرح زجل "الشيخة زعزوعة" تلك الزجالة المصرية القديمة:
دواخل مصر في قاعه ... حداهم بنت جنكِيَّة
وزعزوعة ترقصْهم ... على شامي وشامية
يقول النجمي: "ولقولهم "دواخل" أصل قديم، ففي كتابه "شفاء الغليل" يقول مؤلفه: "المحدثون يسمون حسن الصوت دخولاً، ويسمون ضده خروجاً"، انظر كتابه: محمد عبدالوهاب ص 70.
وأقول: شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل، من كتب المعرَّب في اللغة، ومؤلفه هو شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي المصري. توفي سنة 1069هـ= 1659م، ومن كتبه الكبار: عناية القاضي وكفاية الراضي، وهي حاشية على تفسير البيضاوي، وشرح درة الغواص للحريري، وريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا، وهو من رجال البعث والإِحياء والنهضة العربية في تلك الحقبة التي يسميها بعض أهل زماننا عصور الظلام!
ومن وراء ذلك كله فالنجمي شاعر، يعرف جمال الكلمة ويحسها ويتذوقها، والكاتب إذا اجتمعت له الأصول المعرفية والشاعرية، مع الصدق واستقامة القصد والترفع عن الدنايا وسفاسف الأمور، بلغت كتابته مبلغها، وانتهت إلى غايتها. وهكذا كان كمال النجمي وكانت كتاباته عن الأنغام والأصوات العربية: قديمها الذي جاء موصوفاً في الكتب، وحديثها الذي حفظته الأسطوانات والأشرطة. لقد كتب النجمي كثيراً، وحلل كثيراً، وسجل تاريخاً عزيزاً، ومن أبرز ما شهده وسجله بقلمه البديع: ذلك اليوم المشؤوم الحزين الذي احتبس فيه صوت الشيخ محمد رفعت وسط مستمعيه يوم الجمعة بمسجد مصطفى فاضل باشا بدرب الجماميز (بور سعيد الآن)، وما احسب أن أحداً سجل هذا اليوم الأسود غير كمال النجمي.

ومن أشهر ما كتب النجمي: أصوات وألحان عربية، وسحر الغناء العربي، والغناء العربي من عصر زرياب إلى عصر أم كلثوم وعبد الوهاب، والغناء المصري: مطربون ومستمعون. والموجة الجديدة وما بعد الثمانينات، والشيخ مصطفى إسماعيل: حياته في ظل القرآن، ومحمد عبد الوهاب مطرب المائة عام. وهذا الكتاب لم يقف عند حدود محمد عبد الوهاب، فهو كشف عام عن الغناء والمغنين في مصر، فضلاً عما استطرد إليه من حديث كاشف عن أم كلثوم... إلى غير ذلك مما نثره في مقالات ذوات عدد بمجلة الهلال وغيرها من المجلات العربية.
ومن وراء ذلك الجهد الضخم في رصد وتحليل الغناء العربي كان للنجمي جهد آخر، تجلى في كتاباته بمجلة الهلال عن ظاهرة شعارير الحداثة وما بعد الحداثة، وقد سلقهم النجمي بألسنة حداد، وكشف ضعفهم وتهافتهم، وكان رحمه الله يربط ربطاً محكماً بين ظهور شعراء الحداثة، ومطربي الأغاني الهابطة.
وأقول: لقد صدق النجمي في هذا الربط. فما هو الفرق بين قول الشاعر الحداثي: "أتمضمض بالشمس وأحلب ثدي النملة. إني أعطس في شهر أغسطس. وبين قول ذلك المغني الهابط: "قزقز لبك على القهوة وخُشّ فْ عبي لا تستهوى"، إنها فجاجة وفساد يأخذ بعضه برقاب بعض!
وهناك جهد ثالث نهض به النجمي: وهو ذلك الباب الذي كان يصدر بمجلة الهلال باسم "لغويات"، فقد كان هو صاحبه ومحرره، ولقد ناقشته يوماً في بعض ما كتب فيه بمقالة في مجلة الهلال (أغسطس 1992) ثم ناقشته أيضاً في كتابه عن الشيخ مصطفى إسماعيل (يوليو 1992) فما ضاق بنقدي وما عاب عليَّ منه شيئاً، وهذا هو شأن العلماء الكبار.
وبعد: لقد مات كمال النجمي كما مات من قبله وكما يموت من بعده، فالموت حق لكن القرآن الكريم سمَاه: مصيبة، فقال تعالى: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 156]، وقوله تعالى: {إن أنتم ضربتم فى الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: 106] - وإن كانت المصيبة في اللغة كل ما أصاب الإِنسان - وتعظم هذه المصيبة إذا كان الراحل يقف على ثغر من ثغور العلم ولا يقوم أحد مقامه، وما أكثر الثغور التي تسقط برحيل حراسها، ولقد عاش كمال النجمي حياته كلها حارساً أميناً من حراس الفن الراقي -كلمة مقروءة ونغمة مسموعة - يجلوه ويذود عنه.
إننا إذا رحل عنا عزيز نقول كما قال التابعي الجليل يوسف بن أسباط: "ذهب من يؤنس به ويستراح إليه" (صفة الصفوة لابن الجوزي 4/263). وما أحرانا إذا رحل عنا عالم أن نقول: اللَّهُمَّ عوضنا به خيراً، وهيئ لهذه الأمة رشدها، ثم نأمل الخير في الاستخلاف، ونتشبث بمثل قول العز بن عبد السلام: "ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة" (البرهان في علوم القرآن للزركشي 1/379)، وبمثل قول الحافظ الذهبي: "ففي الناس بقايا خير"، (سير أعلام النبلاء 7/250).
ولا يبقى إلا رجاء: إلى دار الهلال، ثم إلى أولاد الراحل الكريم:
فأما الذي إلى دار الهلال: فهو أن تصدر الأعمال الكاملة لكمال النجمي، على أن يشمل ذلك كتبه المطبوعة بين دفتين، ثم مقالاته المتناثرة في الهلال والمصور والكواكب وغيرها.
وأما الذي إلى أولاده: فألا يفرطوا في أي قصاصة ورق تكون في مسودة من مسودات والدهم ويدفعوها إلى دار الهلال لنشرها، ثم رجاء آخر إلى هؤلاء الأولاد البررة، أن يحافظوا على مكتبة والدهم، وليعلموا أن أباهم كان يحب كتبه كما يحب أولاده، ولعله قد أخذ عليهم موثقاً في ذلك، وليس لي أن أقترح وجهاً من وجوه المحافظة على مكتبة الراحل العزيز، لكني أخشى أن تدفع إلى من لا يعرف قيمتها، أو أن تبقى حبيسة الأرفف والجدران تغتالها الأيام اغتيالاً.
وأنتم أيها الكتاب والمفكرون - أطال الله في النعمة بقاءكم - لا تغفلوا عن حادثة الموت، وأخرجوا ما عندكم من علم ولا تضنوا ببذله لقرائكم أو تلاميذكم، ولا تنتظروا به الفرصة المناسبة والزمن المواتي فاني أعلم أن بعضكم يدخر الموضوع الفلاني للندوة الفلانية، والفكرة الفلانية للمؤتمر الفلاني، وتأملوا قول الله تعالى: {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون} [نوح: 4].
لقد قلت غداة وفاة شيخنا محمود شاكر - برَّد الله مضجعه - إن الذي دُفن في صدر محمود شاكر معه في قبره من العلم أضعاف ما أخرجه للناس.
رحم الله كمال النجمي رحمةَ واسعة سابغة، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوَة إلاَ بالله.
* * *

الناشرون الأوائل .. وسماحة مصر (19)

في اليوم الثالث من مايو أقام اتحاد الناشرين المصريين حفلاً بهيّاً شرفته السيدة الفاضلة سوزان مبارك لتكريم الناشرين الذين مضى على نشاطهم مائة عام، وهم ستة فيمن يمثلون مرحلة مهمة في تاريخ نشر الكتاب بمصر، وهي المرحلة التي تبعت مرحلة مطبعة بولاق، وسادت على وقع خطواتها، متأثرة بمنهجها في الاختيار والإتقان، وقد احتمل هؤلاء الناشرون العظام عناء باهظاً وسلكوا دروباً مضنية في سبيل إذاعة الكتاب ونشره، فأخرجوا الموسوعات الضخمة في أزمان يسيرة، وفي وقت لم يكن التقدم الطباعي قد عُرِف.
وإذا كان التكريم قد وقف عند هؤلاء الستة، فإنهم لم يكونوا وحدهم في الميدان، فقد انتشرت عشرات المطابع في وسط القاهرة: الأزهر وباب الخلق ودرب الجماميز وعابدين والأزبكية والظاهر والفجالة، تخرج آلاف الكتب، بحيث أنك تستطيع أن تقول: إن ثقافة العالم العربي والإِسلامي في القرن الماضي قد خرجت من عشرة كيلومترات في وسط القاهرة، مضافاً إليها تلك الرقعة المحدودة في رملة بولاق التي سميت مطبعة بولاق.
ومما ينبغي التنبه له أن ثلاثة من هؤلاء الناشرين المكرمين كانوا من أهل الشام، استقبلتهم مصر فأحسنت استقبالهم واعدت لهم متكأ، فأنتجوا وملأوا الدنيا علماً. وهناك ناشران سوريان لم يدخلا في التكريم، لأنهما خارجان عن شرط التكريم، هما محمد منير الدمشقي، وحسام الدين القدسي، فقد كان لهذين الناشرين العظيمين اثر ضخم في نشر الكتب الموسوعية.
وإن نشاط هؤلاء الشوام في مصر، وهناك غيرهم من المغاربة مثل الحاج محمد الساس دليل على سماحة مصر ورحابة صدرها.
ولا يبقى إلا سؤال واحد هو: أين مكان الأحفاد من نشاط الأجداد؟
لا أكاد أرى أثراً لنشاط مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ودار المعارف أوقفت نشر "ذخائر التراث" واكتفت بإعادة ما طبعته، وبقية الدور خافتة الصوت، ولست أرى من واصل مسيرة جده إلا محمد أمين الخانجي، فلا يزال حريصاً على طبع الكتاب التراثي بعناية وجمال إخراج.
بل إن مما يؤلم النفس ويورث الحسرة أن بعض هؤلاء الأحفاد قد أعطوا إذناً مكتوباً لمزوِّري الكتب في بيروت أن يطبعوا تراث أجدادهم، وتنازلوا عن حقوقهم، وحين طُبعت الكتب مصورة في بيروت نزع منها اسم المطبعة الأولى وتاريخ النشر، وبذلك شارك هؤلاء الأحفاد في اغتيال تاريخ أجدادهم، بل اغتيال تاريخ مصر العظيم، والله المستعان على كل بلية.
* * *

الآي تترى (20)

تدور بنا الأيام وتطوينا الليالي، ونحن غارقون في لجة الحياة، نضرب في الأرض ونمشي في مناكبها، نغدو ونروح بآمالنا وحاجاتنا التي لا تنقضي، وأيامنا متشابهة وليالينا مكرورة، ولا ينسخ هذا التشابه، ويكسر ذلك التكرار إلا بعض أيام من الدهر، تبعث فينا النشوة والبهجة، حين تَرُدُّنا إلى ذكرى عزيزة.
وليس كالمولد النبوي الشريف داعياً إلى البهجة، وجالباً للنشوة، وناشراً لما طُوي من الذكريات العزيزة.
ففي اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأنور وُلِد ذلك الصبي "اليتيم" الذي جاء على فترة من الرسل، وقد غيَّر وجه الدنيا بما أنزل الله عليه من القرآن العظيِم، والسنة المطهرة التي هي الحكمة، في قوله تعالى {واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} [البقرة: 231]، اللهُمَّ صلّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى أبويه الكريمين إبراهيم وإسماعيل ثم على سائر إخوانه المصطفين الأخيار، وآله الأطهار وأصحابه الأبرار.
وهذا النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم الذي تحدَّر من أصلاب كريمة، صنعه الله على عينه، ورزقه الخلق العظيم، فكان مثلاً أعلى للكمال الإِنساني، وقد ملأ العيون نوراً، وغمر القلوب حباً، واستوى في حبه من رآه وصحبه، ومن قرأ سيرته واتبع سنته. وقد فتحت سيرته العطرة للأدباء وقالة الشعر، باباً واسعاً لمديحه وذكر شمائله صلى الله عليه وسلم بما عُرف في الأجناس الأدبية بالمدائح النبوية، وهو ديوان ضخم من دواوين الشعر العربي، وقد كتب فيه العلامة الدكتور محمود علي مكي كتاباً جيداً، فاطلبه واقرأه واحرص عليه.
وقد أخذ الشعراء في مديحه صلى الله عليه وسلم في حياته الشريفة، وبعد انتقاله للرفيق الأعلى، وكان أول من مدحه عمه أبو طالب، بقصيدته التي أولها:
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وتبعه عمه العباس، بقصيدته التي مطلعها:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
وقد كتبت عن هذه القصيدة كلمة بمجلة الهلال (سبتمبر 1993). (انظر ص 247).
ثم الأعشى بتلك القصيدة العالية التي أولها:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وعادك ما عاد السليم المسهدا
ثم كان حسان بن ثابت وقصائده الجياد، وتتابع الشعراء على ذلك في مشرق العالم الإِسلامي ومغربه، حتى عصرنا الحديث، بل إن مما يستطرف ذكره هنا أن يدخل إلى الحلبة بعض إخواننا المسيحيين من شعراء المهجر. فهذا الشاعر إلياس فرحات ينظم قصيدة عذبة في المولد النبوي، يجعل عنوانها: "يا رسول الله"، وفيها يقول:
غمر الأرض بأنوار النُّبوهْ ... كوكب لم تُدرك الشمس عُلُوَّهْ
لم يكد يلمع حتى أصبحتْ ... ترقب الدنيا ومن فيها دُنُوَّهْ
بينما الكون ظلامٌ دامس ... فُتحت في مكة للنور كُوَّهْ
والشاعر القروي رشيد سليم الخوري ينظم أيضاً في المناسبة قصيدة، أولها:
عيد البرية عيد المولد النبوي ... في المشرقين له والمغربين دوي
ويُعد أمير الشعراء أحمد شوفي من أكثر شعراء العصر الحديث حفاوة بالمديح النبوي ونظماً فيه، وقد أخلص بعض قصائده للمديح والمولد، ثم جاءت الإِشارة إلى مدحه صلى الله عليه وسلم في أثناء قصائده الأخرى. فمن قصائد الطائفة الأولى: "الهمزية الشهيرة"، وجاءت على البحر الكامل:
وُلِد الهدى فالكائنات ضياءُ ... وفم الزمان تبسُّم وثناءُ
و"نهج البردة" وقد عارض بها قصيدة البوصيري، وهي من البحر البسيط، وأولها:
ريم على القاع بين البان والعلم ... أحل سفك دمي في الأشهر الحُرُمِ
وقصيدة "إلى عرفات الله"، وهي من البحر الطويل، ويقول فيها:
إلى عرفات الله يا خير زائر ... عليك سلام الله في عرفاتِ
ثم أرجوزته في السيرة النبوية، التي جاءت في ديوانه: دول العرب وعظماء الإِسلام، وأولها:
محمد سلالة النبوهْ ... ابن الذبيج الطاهر الأبوهْ
ومن قصائد الطائفة الثانية قصيدة: "سلوا قلبي غداة سلا وتابا"، وهي من البحر الوافر، وفيها يقول:
أبا الزهراء قد جاوزت قدري ... بمدحك بيد أن لي انتسابا
وتقف من بين هذه القصائد، القصيدة الهمزية، عالية باذخة، وتقع في مائة وواحد وثلاثين بيتاً، وفي البيت الحادي والعشرين منها يقول:
والآي تترى والخوارق جمة ... جبريل رواَّح بها غدَّاءُ
وفي كلمة "تترى" مبحث لغوي طريف، وذلك أن كثيراً من الناس - ولا أقول بعض الناس - يظنون هذه الكلمة "تترى" فعلاً مضارعاً، ويستعملونها في موضعه، ومنذ زمن بعيد كنت أسمع وأقرا هذا التخليط في تلك الكلمة، فلم أكن أعبأ به أو أقف عنده، للذي كان يغلب على ظني أن هذا مما يقع فيه الطلبة المبتدئون، فكنت أصحِّحه لهم وأبين وجه الصواب فيه، وأكثر ما كنت أرى ذلك في مناقشة الرسائل الجامعية، حتى استشرى الأمر، ورأيت بعض كبار كتَّابنا يقع فيه، ومن ذلك ما قرأته لكاتب عالم كبير، قال: "تترى الثورات العلمية وتتواتر"، وقد كنت أخشى من تنبيهه على هذا الخلط، ولكنه سعد كثيراً لذلك التصحيح، وهذا شأن العلماء، فقلت له: "ولست أول سار غرَّه القمر"، فقد وقع كثير من الناس في هذا الخلط، وقد أخبرني عالم اللغة العراقي الدكتور إبراهيم السامرائي أن الدكتور طه حسين وقع في هذا الخطأ واستعمله، ونبَّهه أحد قرَّاء مجلة "الرسالة" وأنا أشك في ذلك، ولكن العهدة على الدكتور السامرائي.
ومهما يكن من أمر فقد رأيته واجباً متعيناً عليّ أن أبينه للناس ولا أكتمه، ولكني كنت أسوِّف حتى سألني ذات صباح قريبٍ صديقي عبد الرحمن شاكر، عن تلك الكلمة، من أي أنواع الأبنية هي؟ وما سأل عنها الصديق إلا لأنها حاكت في صدره حين لم يجد لها تصريفاً في الفعل الماضي أو الأمر، فقلت له: إنها اسم.. فقال: كيف وشارح ديوان شوقي يقول في الحاشية: "تترى: تتوالى" ففسرها بالفعل. فقلت له: هذه هي المشكلة، فإن بعض الأقدمين قد فسرها بالفعل أيضاً، على ما يأتي تفصيله. وهنا قلت: لا بد من بيان يكشف وجه الصواب في هذه الكلمة.
وستدور مقالتي - إن شاء الله - حول ثلاث نقاط: تأصيل الكلمة وبيان اشتقاقها، وتحرير معناها، وذكر شواهدها من النثر والشعر، وإعرابها في سياقها، ثم دفع شبهة.
يقول علماء الصرف: تترى، اسم، وأصلها: وترى، فالتاء الأولى مبدلة من واو؟ لأنها من المواترة، وإبدال التاء من الواو كثير شائع في العربية، مثل تراث، وأصلها: وراث؟ لأن الفعل ورث، وتقاة، أصلها: وقاة؛ لأن الفعل وقى، وتخمة؛ أصلها: وخمة؛ لأنها من الوخامة، وتجاه، أصلها: وجاه؛ لأنها من الوجه، ونظائر أخرى كثيرة.

ولك في نطقها وجهان: تترى، بغير تنوين وتتراً، بالتنوين، فمن لم ينون يعتبر الألف ألف تأنيث، مثل سكرى وغضبى، ومن ينون يعتبر الألف ألف إلحاق، أي أن الكلمة ملحقة باسم آخر منون - وهو جعفر - لاتفاقهما في نظم الحركات والسكنات، وتفصيل ذلك في كتب الصرف، وعلى ذلك تقول: جاء القوم تترى، بغير تنوين، وتتراً بالتنوين، والمعنى: جاءوا متتابعين، وتنوين الكلمة دليل على أسميتها؛ لأن التنوين من خصائص الأسماء، والأفعال لا تنوَّن.
وبعبارة أخرى: من نوَّنه جعله مصدراً، وزنه "فَعْلاَ" مثل ضرباً ونصراً، ومن لم ينونه جعله مصدراً أيضاً، لحقته ألف التأنيث المقصورة، فهو مصدر على وزن فعلى، مثل دعوى، من دعا، وذكرى، من ذكر. انظر هذا المبحث في: الكتاب لسيبويه 3/211، والمقتضب للمبرد 3/338، 385، وسر صناعة الإِعراب لابن جني ص 146، وشرح شافية ابن الحاجب للرضي الإِستراباذي 1/195، 3/81، 220، ولسان العرب، مادة (وتر).
والصرفيون واللغويون يستشهدون على ذلك بقوله تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترا} [المؤمنون: 44]، قرأ ابن كثير وأبو عمرو (تتراً) بالتنوين، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (تترى) بغير تنوين. انظر: كتاب السبعة لابن مجاهد ص 446.
وإعرابه على النصب من وجهين: الأول: أنه حال من (رسلنا) أي أرسلنا رسلنا متواترين، أي واحداً بعد واحد، أو متتابعين، والثاني: أنه نعت لمصدر محذوف، أي أرسلنا رسلاً إرسالاً متتابعاً، أو إرسالاً بعد إرسال. انظر: التبيان في إعراب القرآن للعكبري ص 955، والدر المصون في علوم الكتاب المكنون، للسمين الحلبي 8/344.
وإذا ثبت أن "تترى" من التواتر والمواترة، وهو التتابع، فهل المواترة والتتابع واحد، أم أن بينهما فرقاً؟ يرى كثير من اللغويين أن التواتر غير التتابع، وإنْ تقاربا في المعنى، وممن ذهب إلى هذا الحريري، يقول: "العرب تقول: جاءت الخيل متتابعة، إذا جاء بعضها في إثر بعض بلا فصل، وجاءت متواترة إذا تلاحقت وبينها فصل، قال: ومما يؤيد ما ذكرنا من معنى التواتر قوله تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترا}، ومعلوم ما بين كل رسولين من الفترة وتراخي المدة.
وروى عبد خيرٍ، قال: قلت لعلي رضي الله عنه: إن عليَّ أياماً من شهر رمضان، أفيجوز أن أقضيها متفرقة؟ قال: اقضها إن شئت متتابعة، وإن شئت تترى. قال: فقلت: إن بعضهم قال: لا تجزئ عنك إلا متتابعة. فقال: بلى، تجزئ تترى؟ لأنه عز وجلّ قال: {فعدة من أيام أُخر} [البقرة: 184]، ولو أرادها متتابعة لبين التتابع، كما قال سبحانه: {فصيام شهرين متتابعين} - درة الغواص في أوهام الخواص ص 8، وانظر أيضاً: تقويم اللسان لابن الجوزي ص 88، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9/276، وسِفر السعادة وسفير الإِفادة للسخاوي 1/174.
ومن الدليل أيضاً على أن التواتر غير التتابع حديث أبي هريرة: "لا بأس بقضاء رمضان تترى"، قال ابن الأثير: "أي متفرقاً غير متتابع"، وروى هذا الحديث أيضاً: "لا بأس أن يواتر قضاء رمضان"، قال ابن الأثير: أي يفرقه، فيصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يلزمه التتابع فيه" النهاية في غريب الحديث والأثر 1/181، 5/148.
والخلاصة: أنه إذا كان بين الأمرين فصل فهي المواترة والتواتر، وإذا لم يكن بينهما فصل فهي التتابع والمداركة والمواصلة، وهذا من الفروق اللغوية بين الشيئين المتقاربين في المعنى، وهو باب مهم من العربية، ومن أحسن ما أُلِّف فيه كتاب "الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري، وهو مطبوع متداول، فاحرص عليه واجعله قريباً منك يستقم لسانك وبيانك.
وهذه جملة من الشواهد النثرية والشعرية على استعمال "تترى" اسماً لا فعلاً.
أخرج البخاري في التاريخ الكبير من حديث قباث بن أشيم الليثي قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى"، التاريخ الكبير للبخاري 7/193، وانظر: المعجم الكبير للطبراني 19/36، والطبقات الكبرى لابن سعد 7/411، والترغيب والترهيب للمنذري 1/152، ومجمع الزوائد للهيثمي 2/42.
و "تترى" في هذا الحديث في موضع الصفة للأعداد السابقة عليها، يؤكد هذا ما جاء في رواية الحديث عند ابن سعد: "فقلت لأبي خالد: ما تترى؟ قال: متفرقين".
وأخرج الإِمام أحمد، من حديث أبي أمامة الباهلي - وهو حديث طويل - قال: "ثم أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزواً ثالثاً، فأتيته فقلت: يا رسول الله قد أتيتك تترى، مرتين، أسألك أن تدعو الله لي بالشهادة، فقلت: "اللهُمَّ سلِّمهم وغنِّمهم"، وفي رواية أخرى لأحمد أيضاً: " أتيتك تترى، ثلاثاً"، مسند أحمد 5/255. 258.
و "تترى" هنا حال: من تاء الفاعل في "أتيتك"، وقوله: "مرتين وثلاثاً" المراد أنه قال: أتيتك تترى تترى، وأتيتك تترى تترى تترى.
وأخرج الطبري من حديث حجاج، عن ابن جريج، قال لعطاء: "الرجل ينكح المرأة لم يرها ولم يجامعها حتى يطلقها، أتحل له أمها؟ قال: "لا" تترى. قال حجاج: قلت لابن جريج: ما تترى؟ قال: كأنه قال: لا، لا" تفسير الطبري 8/147 في تفسير الآية 23 من سورة النساء.
و "تترى" هنا في موضع الصفة للفظ "لا" على ظاهر لفظه، كأنه قال: متتابعة متواترة، واحدة بعد واحدة.
وفي خبر علي بن أبي طالب، يتحدث عن الطاووس وعجيب خلقه، فيقول في حديث طويل: "وقد ينحسر من ريشه، ويعرى من لباسه، فيسقط تترى"، قال ابن أبي الحديد: ينحسر من ريشه فينكشف فيسقط. وتترى: أي شيئاً بعد شيء وبينهما فترة"، شرح نهج البلاغة 9/275، 276.

و "تترى" في هذا الخبر حال من ضمير الفاعل في "يسقط".
وذكر ابن إسحاق في قصة مسير خالد بن الوليد، بعد فتح مكة، إلى بني جذيمة، قول امرأة من هذه القبيلة، ترد على شعر شاعر: "وأنت فحييت سبعاً وعشراً وتراً، وثمانياً تترى" السيرة النبوية 2/434.
و "تترى" في محل نصب صفة قولها "وثمانيا" أي متتابعة. وفسرها أبو ذر الخشني بقوله: تترى، أي تتوالى، شرح غريب السيرة ص 382، وهو تفسير غير دقيق؛ لأنه فسر بفعل، فأوحى بأن "تترى" فعل أيضاً، والأولى أن يقول: تترى: متوالية.
وفي خبر معاوية حين ولي الخلافة، أنه صعد المنبر، وخطب خطبة بليغة قال فيها: "وإن السيل إن جاء تترى - وإن قل - أغنى "، سير أعلام النبلاء للذهبي 3/148، والعقد الفريد لابن عبد ربه 4/82، وفيه تصحيف يصحح بما عند الذهبي.
وتأويل هذا الكلام: أن السيل إن جاء متتابعاً متواتراً كان فيه الفائدة والغناء وإن كان قليلاً، فتترى هنا في حال من الفاعل المضمر في "جاء".
وفي كلام لأبي العلاء المعري، يقول: "رُب حي أشرى، كأنهم ليوث الشرى... جاءتهم المنايا تترى"، الفصول والغايات ص 282، و "أشرى" جمع "أشر"، وهو البطر الذي لا يشكر النعمة. وواضح أن "تترى" هنا حال من "المنايا".
وتأتي كلمة "تترى" في الخطب التي يفتتح بها المؤلفون كتبهم، ومن ذلك قول صدر الدين البصري، صاحب كتاب الحماسة البصرية، قال: "الحمد لله حمداً يكون لقائه ذخراً، والصلاة على نبيه محمد القائل: "إن من البيان لسحراً"، صلاة دائمة على ممر الأيام تترى". و "تترى" صفة ثانية لصلاة، أي صلاة دائمة متواترة، وإن كان وضع الكلمة في ذلك السياق يوهم أنها فعل مضارع، فيه ضمير يعود إلى "صلاة" كأنه قال: صلاة دائمة تستمر وتتصل.

فهذه أمثلة من دوران الكلمة في الكلام المنثور، أما مجيئها في الشعر فهو كثير جداً، اجتزئ منه ببعض الأمثلة. فمن أقدم ما رأيته منه قول الحارث بن وعلة الجرمي (جاهلي):
ولما رأيت الخيل تترى أثائجا ... علمت باًن اليوم أحمسُ فاجرُ
أثائجاً: جماعات. وأحمس: شديد. وفاجر: يركب فيه الفجور. شرح المفضليات للأنباري ص 330، وقال الشيخان: أحمد شاكر وعبد السلام هارون، في حواشي المفضليات ص 166، "تترى: متواترين، وهي من المواترة، وهي المتابعة... ويخطئ كثير من الكتاب في عصرنا، فيظنونها فعلاً مضارعاً، ويضعونها موضعه".
وقال سويد بن جدعة (جاهلي أيضاً):
ونحن نفينا خثعما عن بلادها ... تقتل حتى عاد مولى شريدها
فريقين فرقاً باليمامة منهم ... وفرقاً بخيف الخيل تترى خدودها
شرح المفضليات ص 114، ولا يخدعنك تقدم "تترى" هنا على الاسم، فتظن أنها فعل، وإنما الكلام على التقديم والتأخير، والأصل: "خدودها تترى" بدليل نظم البيت السابق "عاد مولى شريدها"، وإنما الكلام: "عاد شريدها مولى "، والمولى: هنا العبد. ثم لا يخدعنك أيضاً شرح أبي العباس ثعلب لتترى، بقوله: "تترى، تتبع بعضها بعضاً" حيث فسر بالفعل، فإنه شرح على المعنى.
وقول الشاعر: "خدودها" لم يشرحوه، وأرى أنه هنا جمع خد، وهو الجمع من الناس، فالخدود هنا: هي الجماعات، وليست تلك التي في الوجه.
وذكر ابن كثير عن ابن عساكر، أن سعدى بنت كريز خالة عثمان بن عفان، قالت له تبشره، وتنبئه بزواجه من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أبشر وحييت ثلاثاً تترى ... ثم ثلاثاً وثلاثاً أخرى

البداية والنهاية 10/348، و "تترى" في موضع الصفة لثلاث، أي ثلاثاً متتابعة متواترة.
وقال ابن قلاقس، الشاعر الإِسكندري المتوفى سنة 567هـ، يمدح الحافظ أبا طاهر السِّلَفي:
يا من أياديه تترى ليس يجحدها ... إلا أناس لفضل الله قد جحدوا
وقال أيضاً يمدحه:
ظل ذا لوعة وحزن ووجد ... وعليل وحرقة واشتياق
ودموع تترى وقلب عميد ... راعه لمع مبسم براق
ديوانه ص 301، 486، والتقدير: يا من أياديه متواترة، ودموع متواترة. ثم نعود إلى بيت أحمد شوقي، الذي بدأنا به الكلام:
والآي تترى والخوارق ... جمة جبريل رواح بها غداء
وقد أشرت إلى أن شارح الديوان قد فسر الكلمة بأن معناها: تتوالى، فأوهم بذلك أن الكلمة فعل. وقد يظن ظان أن أحمد شوقي وقع فيها، وأنا أعيذه من ذلك؟ فالرجل كان ذا ثقافة لغوية عالية جداً، وقد أخبرني شيخي محمود شاكر رحمه الله أن أحمد شوقي كان كثير النظر في "لسان العرب"، وأخبرني الأستاذ مصطفى حجازي عضو مجمع اللغة العربية أن الشيخ سليم البشري أحصى ألف لفظة من الكلام الغريب الفصيح أحياها أحمد شوفي في شعره، فبعيد جداً أن يتوهم هذا الشاعر الكبير فعلية "تترى"، وتأويلها في بيته المذكور أن تكون خبراً للآي، والتقدير: والآي متواترة، أو تكون حالاً من فاعل فعل محذوف معه، ويكون تقدير الكلام: والآي تجيء تترى ويستأنس لذلك بما ورد من كلام معاوية "إن السيل إن جاء تترى".
ولا يبقى إلا دفع شبهة تتصل باشتقاق هذه الكلمة "تترى"، والجنوح بها نحو الفعلية:
نقل ابن منظور في لسان العرب عن ابن الأعرابي "ترى يترى: إذا تراخى في العمل، فعمل شيئاً بعد شيء"، وقد نقل ابن منظور ذلك الكلام في موضعين من اللسان، الموضع الأول في أثناء مادة (وتر) والموضع الثاني في مادة (ترى). وفي النفس من هذا النقل شيء:
أولاً: لانفراد ابن الأعرابي به، ولم ينقل عن غيره من اللغويين.
وثانياً: أن صاحب اللسان ذكره في مادة (ترى) أن هذا من التهذيب "خاصة"، وهو فعلاً في تهذيب اللغة للأزهري 14/309، لكن قول صاحب اللسان "خاصة" مما يضعف هذا النقل؛ لأن مراجع اللسان خمسة، كما هو معروف: الصَّحاح للجوهري، وحاشيته لابن بري، والمحكم لابن سيده، والتهذيب للأزهري، والنهاية لابن الأثير، ولم يرد هذا النقل في شيء منها، سوى التهذيب.
وثالثاً: أن ابن الأعرابي لم يستشهد لهذا الفعل بشاهد من نثر أو شعر، واللغة إنما أخذت من كلام العرب وأشعارها.
هذا وقد زاد الصاغاني في الطنبور نغمة - كما جاء في المثل - فأضاف إلى ما قاله ابن الأعرابي: "أترى: إذا عمل أعمالاً متواترة، ويكون بين كل عملين فترة"، التكملة 6/380، ولا صلة لذلك كله بكلمة "تترى" إلا من بعيد، كما لا يؤخذ من ذلك فعلية "تترى".
وبعد: فقد ثبت إن شاء الله، أن هذه الكلمة اسم، وليست فعلاً، وثبت أيضاً أن غالب استعمالها أن تكون حالاً، وقد تأتي صفة، ثم قد تأتي خبراً، وعلى ذلك نقول: جاءت الأنباء تترى بكذا، أو الأنباء تترى بكذا، ولا نقول: تترى الأنباء بكذا.
وشكراً خالصاً للصديق الأستاذ عبد الرحمن شاكر الذي فتح لي هذا الباب من القول، ورحم الله أحمد شوفي رحمة واسعة سابغة.
ثم الصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على صاحب الذكرى العطرة، اللَّهُمَّ أحشرنا تحت لوائه، وارزقنا شفاعته.
* * *

الشيخ الشعراوي .. والموازين الصحيحة (21)

في صباح يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شهر صفر من عام 1419هـ، الموافق للسابع عشر من شهر يونيو من عام 1998م انتقل الشيخ محمد متولي الشعراوي إلى الرفيق الأعلى، وقد أحدث موته دويّاً هائلاً اهتزت له مصر وسائر الشعوب العربية والإسلامية، كما تهتز لموت عظماء الرجال.
وما كاد خبر وفاته يصل إلى أسماع الناس حتى ارتفعت أصواتهم بالعويل والنحيب "في كل دار رنة وعويل"، فكان حالهم حال النابغة حين مات حصن بن حذيفة:
يقولون: حِصن! ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن، والجبال جُنُوحُ؟
ولم تلفظ الأرض القبور ولم تزل ... نجوم السماء والأديم صحيحُ
فعمَّا قليل، ثم جاشَ نعيُّهُ ... فبات ندي القوم وهو ينوحُ
أو كما قال المتنبي حين بلغه نبأ وفاة أخت سيف الدولة:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
وسواء فزع الناس لحادثة الموت أو اطمأنوا، وسواء سخطوا أو رضوا، فالموت واقع لا محالة، فهو مصير كل كائن وغاية كل حي {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون} [الأنبياء: 34]، وما رضى الله البقاء إلا لأهون خلقه عليه "إبليس" عليه لعائن الله تترى، وقد سأل ربه: {قال رب فأنظرني الى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم} [الحجر: 36 - 38]، [ص: 79 - 81]، وأنظرني: أي أمهلني ومد في حياتي.
ثم تنجلي غمرة الأسى على وفاة الشيخ الجليل عن سيل متدافع، في رثائه والكتابة عنه والأسف على فقده. وقد شارك في هذه المراثي طوائف من خاصة الناس وعامتهم. والحق أن أهل زماننا انقسموا في أمر الشيخ إلى طائفتين: الطائفة الأولى: أحبته فأسرفت في حبه، وبالغت في شأنه. والطائفة الثانية: أبغضته وشنئته وأسرفت في كرهه، وما أنصف هؤلاء ولا عدل أولئك، والأمر في الحالتين كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "سيهلك فيَّ صنفان: محب مُفْرِط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مُفَرِّط يذهب به البغض إلى غير الحق، وخير الناس فيَّ حالاً النمط الأوسط فالزموه".
وإذا كانت الطائفة الثانية قد أساءت بسكوتها وتجاهلها، فإن الطائفة الأولى قد أساءت أيضاً بإسرافها ومبالغتها في الحديث عن الشيخ وكأنه نبي يوحى إليه، وليس الطريق هنا أو هنالك!.
من أي بئر يستقي؟!
وبدءة ذي بدء فإني أحب أن يكون واضحاً أني من أكثر الناس معرفة بقدر الشيخ الجليل، ومن أعظم الناس حباً له، وهو حب له أسبابه ومسوغاته، فمنذ أطل هذا الوجه الكريم على الناس من شاشة التلفزيون في أوائل السبعينات، وأنا مرهِف له سمعي، صارف إليه عقلي، مسدد نحوه بصري، أريد أن أعرف مصادره، ومن أي بئر عذبة يستقي، وفي أي كلأ مخصب يرتعي، ومن أي نار متأججة يقبس، ويوماً بعد يوم استوى عمود الصورة أمامي لهذا الشيخ الجليل، وحين تم لي ذلك - من خلال سماعي له ومشاهدتي إياه في التلفزيون فقط، وعلى غير لقاء أو تعارف بيننا، إلى أن مات رحمه الله - رأيته واجباً عليّ متعيناً أن أقدم هذا الرجل للناس، على نحو كاشف محلل، يتجاوز الإِعجاب الساذج إلى الإِبانة الصادقة عن منهج الرجل وأدواته، فكتبت عنه كلمة ضافية سمَّيتها: (الشيخ الشعراوي واللغة) في "هلال" فبراير من عام 1994م، ولم أكتف بهذا الذي صنعت منذ أربع سنوات، بل ظللت على حفاوتي بالشيخ وتتبعي له، وتقييد بعض الملاحظات على ما يقوله رحمه الله، وكان ملخص ما قلته يومئذ في حق الشيخ:
إنه شيخ جليل جاء على حين فترة من العلماء الحافظين الضابطين. وهو يمثل صورة زاهية للعالم الأزهري المؤسس على علوم العربية وقوانينها، من حفظ المتون وإتقان التعريفات والصبر على المطولات، والنظر في الحواشي والتعليقات والتقريرات، مع عناية فائقة باللغة، في مستوياتها الأربعة: أصواتاً وصرفاً ونحواً ودلالة، واستظهار معجب للشعر العربي في عصوره المختلفة، ومع تعلق شديد بالقرآن وعلومه، إلى ملكات ومواهب أخرى يعرفها المتابعون للشيخ.
فهذه هي الموازين الصحيحة لتقييم الشيخ والحكم عليه، أما ما أفاض فيه المحبون والمريدون من النظر إلى الشيخ نظرة نبوية، تتجلى في ردهم كل شيء عند الرجل إلى الإِلهام والفيوض الربانية، والنفحات والتجليات، والعلم اللدني، فهذه كلها "دروشة" في تقييم الرجال والحكم عليهم. وإنما الصواب أن يقال: إنه رجل مثقف مؤسَّس واسع الاطلاع، غزير الرواية، وافر الحفظ، سريع اللمح، ذكي اللسان.
فبذل الجهد في تحصيل العلم وإخلاء النفس له هو باب التوفيق والفيوض الربانية، ولذلك يقول تاج الدين السبكي: "وهكذا رأينا من لزم باباً من باب الخير فتح عليه غالباً منه"، طبقات الشافعية 1/65، فهذا أول ما ندفعه عن الشيخ من مبالغات الناس فيه.
ومن مبالغاتهم أيضاً قولهم: إنه أتى في تفسير القرآن بما لم يأت به الأوائل، وهذا قول منكر مردود، لأنه قول من لا يعرف تاريخ أمته، وتاريخ علمائها، وأئمة التفسير فيها، ثم هو كلام يرسل إرسالاً، ولا يملك صاحبه عليه دليلاً إلا الهوى الجامح، على ما قال أنس بن أبي أنيس:

يقولون أقوالاً ولا يعلمونها ... ولو قيل هاتوا حقِّقوا لم يحقِّقوا
ولكم أيها السادة أن تقولوا عن الشيخ أنه فريد عصره، وأنكم لا تعلمون له شبيهاً فيما يعالجه أهل العلم الآن من تفسير القرآن والكشف عن مراد الله فيه، لكم أن تقولوا هذا، ونحن نوافقكم عليه، أما أن تسحبوا هذا الحكم على علمائنا السابقين جميعهم فلا نوافقكم عليه، بل نأخذ على أيديكم ونمنعكم منه، ونضيق عليكم فيه، لأنه اغتيال لتاريخ علمائنا وأئمتنا، وقد دللتكم في مقالتي المنشورة بالهلال، على عالم من أئمتنا السابقين - لا أقول يشبه الشيخ الشعراوي، ولكن الشيخ الشعراوي هو الذي يشبهه - ذلكم هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، الفقيه الحنبلي الحافظ المفسر الواعظ المؤرخ الأديب، المولود ببغداد سنة 508هـ = 1114م والمتوفى بها 597هـ = 1200م.
كان عالماً فذّاً كثير التصانيف في التفسير والحديث والتاريخ واللغة. لكنه عُرف بالوعظ، وطارت له فيه شهرة عظيمة، حتى قيل في وصفه "عالم العراق وواعظ الآفاق"، وقالوا في وصفه: إنه كان من أحسن الناس كلاماً وأتمهم نظاماً وأعذبهم لساناً وأجودهم بياناً، وكان يحضر مجالس وعظه الخليفة العباسي المستضيء بالله، وكذلك الوزراء والعلماء والفقهاء والقضاة وأرباب الدولة وسائر الناس على اختلاف طبقاتهم، حتى قيل إن مجلس وعظه حُزر بمائة ألف (انظر: العبر فيِ خبر من عبر للذهبي 4/298).
وقد وصف الرحالة ابن جبير مجلساً من مجالس ابن الجوزي، وقد حضره، فقال: "ثم إنه بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ وآيات بينات من الذكر، طارت لها القلوب اشتياقاً، وذابت بها الأنفس احتراقاً، إلى أن علا الضجيج، وتردد بشهقاته النشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح، كل يلقي ناصيته بيده فيجزها ويمسح على رأسه داعياً له، ومنهم من يُغشى عليه فيرفع في الأذرع إليه. فشاهدنا هولاً يملأ النفوس إنابة وندامة، ويذكرها هول يوم القيامة"، رحلة ابن جبير ص 197، 198.

وقال ابن الجوزي عن نفسه، في آخر كتابه القُصَّاص والمذكرين ص 195: "وإني ما زلت أعظ الناس وأحرضهم على التوبة والتقوى، فقد تاب على يدي إلى أن جمعت هذا الكتاب أكثر من مائة ألف رجل... وأسلم على يدي أكثر من مائة ألف"، وانظر تفصيلاً أكثر في: كتاب الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب 1/410.
فهذا وجه من وجوه الشبه بين ابن الجوزي والشيخ الشعراوي، وثمة وجوه شبه أخرى، منها هذه التعبيرات والتراكيب الوعظية التي ترد في كلام الشيخين، ذكر ابن رجب في المرجع السابق أن الناس قد طربوا في مجلس ابن الجوزي، فقال لهم: "فهمتم فهمتم" الأولى من الفهم، والفاء فيها أصلية، والثانية من الهيام، والفاء فيها حرف عطف. وذكر ابن رجب أيضا أن رجلاً سأل ابن الجوزي: "أيهما أفضل: أسبّح أم أستغفر؟ ففال: الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور؟"، وواضح أن الصابون هو معادل الاستغفار، وأن البخور هو مقابل التسبيح.
وكما ازدحم الناس على جنازة الشيخ الشعراوي في بلدته (دقادوس) ازدحم الناس على جنازة ابن الجوزي في بغداد، قالوا: "وحُملت جنازته على رؤوس الناس، وكان يوماً مشهوداً بكثرة الخلائق وشدة الزحام، حتى إنه أفطر جماعة من شدة الحر"، وكانت وفاته في رمضان.
ومن العجيب أن ابن الجوزي توفي عن عمر يناهز السادسة والثمانين، وكذلك كان عمر الشيخ الشعراوي يوم وفاته.
وبقي وجه شبه آخر بين الإِمامين: وهو أن كليهما كانت تُقَدَّم له الهدايا الكثيرة من الأمراء وأصحاب اليسار، ولكن هل كان ابن الجوزي يجعل من هذه الهدايا نصيباً مفروضاً لمصارف البر والتوسعة على الناس، كما شاع وذاع عن الشيخ الشعراوي؟ علم ذلك عند ربي!.

فهم النص واستيعابه:
ومع هذا التشابه الواضح بين الشيخين، فإن ابن الجوزي ينفرد بكثرة التأليف والتصنيف. حتى ليقول عنه الذهبي: "وما علمت أحداً من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل" تذكرة الحفاظ ص 1344، أما الشيخ الشعراوي فلم يترك شيئاً مكتوباً، وأما هذا الركام المطروح في الأسواق من الكتب التي تحمل اسم الشيخ الشعراوي، فلا ينبغي أن تكون محل ثقة أو قبول، وهي أعمال تجميعية من التسجيلات الإِذاعية والتلفزيونية، وهي من عمل بعض الناشرين، وواجب على الأزهر وعلى أسرة الشيخ أن تحاصر هذه المطبوعات، وأن تمنع تداولها في الأسواق.
وقد نهى الشيخ رحمه الله عن هذا العمل، فقال في آخر توقيعاته، كما جاء بالأهرام 19/6: "آخر قرار وقعه ناشد فيه الناشرين بأنهم عندما يكتبون كتابات من خواطر الشيخ أن يحسنوا فهم النص ويستوعبوه جيداً، حتى لا يكون هناك هروب من النص، فيساء فهمه ويساء إلينا بالتبعية، لهذا أقرر بعدم نشر أي كتاب منسوب إليّ، بغير اطلاعي شخصياً أو من ينوب عني". وهذا الذي يطلبه الشيخ من الناشرين أن يحسنوا فهم النص، شيء لن يكون ولن يتحقق، لأن الشيخ يسترسل في أحاديثه، وينبسط، ولن يستطيع أي إنسان أن يدوِّن هذا الكلام المسترسل ويضبطه إلا صاحبه.
فالواجب إغلاق هذا الباب تماماً، ومن العجب إنك تجد الآن في الأسواق ما يسمَّى بفتاوى الشعراوي، أو الجامع في الفتاوى، والشيخ رحمه الله لم يكن فقيهاً ولا مفتياً، فشروط الفقيه غير متوفرة في الشيخ، والفتيا في دين الله أمر عظيم، ولها أدوات كثيرة ليست متحققة عند الشيخ، فلنحذر الخلط في أمور ديننا، فإن وراءنا يوماً ثقيلاً، وانظر كتاب: (أدب الفتوى وشروط المفتي وصفة المستفتي وأحكامه وكيفية الفتوى والاستفتاء) لابن الصلاح، ومقدمة محققه الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب.
ولم يبق الآن من مبالغات الناس في أمر الشيخ إلا بعض أمثلة، اجتزئ بها عن كثير غيرها.

مبالغات:
فمن ذلك ما كتبه صديقنا الدكتور محمد الجوادي في أهرام 20/6، عن الشيخ: "أنه متابع جيد لكل تفصيلات الحياة والعلم والاقتصاد ولأدق نظريات الاجتماع، وتطورات العلوم الحديثة ومنجزات التكنولوجيا"! أهكذا يا صديقنا الدكتور؟ لقد تبحبحت كثيراً، إن الذي يتابع أدق نظريات الاجتماع ومنجزات التكنولوجيا لا بد أن يكون لديه لغتان أجنبيتان أو لغة واحدة على الأقل. وما عُرف عن الشيخ ذلك!
وفي عدد الأهرام نفسه يقول الأستاذ حسن دوح: "لقد وجدنا فيك الزمخشري والبيضاوي وابن كثير ومالكاً والشافعي وابن حنبل وأبا حنيفة، ووجدنا فيك البخاري ومسلماً وابن ماجه والنسائي، ووجدنا فيك ابن حزم وابن تيمية "، يا أستاذ حسن، أمسك عليك قلمك، إن الشافعي المتوفى سنة 205، والبخاري المتوفى سنة 256 لم يتكررا، ولم يعرف التاريخ لهما شبيهاً، لأسباب ودواعٍ كثيرة، وكذلك سائر من ذكرت من الأئمة الأعلام، ولا يتسع المقام هنا لبسط الكلام.
على أن الشيخ رحمه الله لم يكن محدثاً، فإن المحدث بالمعنى الاصطلاحي الدقيق: هو من عرف علم الحديث رواية ودراية، وعلم الحديث رواية: هو ما يشتمل على أقوال النبيّ صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها، وعلم الحديث دراية: هو ما يعرف به حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها، وحال الرواة من تعديل وتجريح، وقبول ورد، وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق به. وذلك كله ما يعرف بعلوم الحديث. وما نظن الشيخ رحمه الله ضبط ذلك كله، وانظر تفصيل ذلك في: كتاب تدريب الراوي للسيوطي 1/40، وقواعد التحديث لجمال الدين القاسمي ص 17.
والعجيب أن ما قاله الدكتور الجوادي والأستاذ حسن دوح، قد نقله بحروفه الأستاذ أحمد أبو كف في المصور 26/6، دون أن ينسبه إليهما، وخطورة مثل ذلك أن هذا الكلام قد صار كلاماً مصدقاً ينقله الناس بعضهم عن بعض وكأنه من المسلمات!

ومن المبالغات أيضاً ونسبة أمور للشيخ ليست له ما ذكره الأستاذ عبد الرحمن فهمي في بريد الأهرام 25/6 بعنوان (احضر حالاً إلى أندونيسيا) يقول: إن أئمة الإِسلام في أندونيسيا قد بعثوا إلى الشيخ الشعراوي ليرى ساحراً بوذيّاً يدعو إلى أمور دينية خطيرة، ويستعين عليها بأمور من السحر، فسافر الشيخ سراً ورأى ذلك الساحر وهو يخرج من كمه حبلاً طويلاً يسبح في الهواء، بل إنه يخرج من كمه رجلاً يسبح في الهواء ويتعلق بذلك الحبل. فما كان من الشيخ الشعراوي إلا أن طلب مصورين وأجهزة تصوير ليصوّروا الحبل والرجل. وكانت المفاجأة أن أفلام التصوير لم تسجل شيئاً من ذلك كله. وهنا أكد لهم الشيخ أن هذا نوع من التخييل والتمويه، وأن هذا الرجل إنما سحر أعين الناس فقط، كما حكى القرآن العظيم عن سحرة فرعون: {فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءو بسحرٍ عظيم} [الأعراف: 116]، انتهت القصة، وأقول: يا أستاذ عبد الرحمن فهمي، هذه قصة قديمة جداً، وقد سمعت أشباهاً لها منذ عشرين عاماً، والذي فعله الشيخ الشعراوي أنه صنع ما صنعه غيره من كشف هذه الألاعيب.
على أن من أعجب ما قرأته من مبالغات الناس في أمر الشيخ ما ذكره الدكتور عبد الله النجار في باب (قرآن وسنة) بجريدة الجمهورية 26/6، فقد ذكر كلاماً عن المواجهة بين الشيوعيين والشيخ الشعراوي، أنهاه بقوله: "وستظهر الأيام أن انتصار الشيخ في تلك المعركة الفاصلة هو الذي مهد لسقوط الدولة الشيوعية، وانتهاء ما كان يتحصن به الذيول والأتباع مما كان يعرف بالاتحاد السيوفييتي، وكانت تلك هي معركة القرن"! هل هذا كلام يا رجل؟ لن أصف ذلك الكلام وسأمسك قلمي، لكني أدعو الدكتور عبد الله النجار أن يبرأ مما قال، ويخرج من عهدته، ويعلن أن ذلك من جمحات القلم، ببواعث الشجن وهيجان العاطفة.
على أنه مما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه أن الشيخ الشعراوي لم يدخل معارك على الحقيقة مع أحد، فإنه لم يكن يعبأ بمخالفيه، وليس كبراً عليهم واستعلاء، وإنما الرجل كان يتصرف وفق منهج الصوفي الذي ألقى الدنيا خلف ظهره ودَبْر أذنيه، واشتغل بمحبوبه عمن سواه، ومحبوبه هو القرآن ولغة القرآن، ومنهج الله الذي يبدو له من خلال آيات هذا الكتاب المبين، وهو إن ذكر شيئاً من مقالة الشيوعيين أو الإِلحاديين فإنما كان يعالجها من خلال تأمله للقرآن ليس غير، ويحسب للشيخ هنا من ذكائه ووعيه الاجتماعي أنه لم يتعرض لسخط أهل الصحافة وأهل الإِعلام، فهو يعلم أن هؤلاء وهؤلاء لهم سلطان وغلبة، ولم يكن يغيب عن الشيخ قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
ثم هو لم تغب عنه أيضاً معركة الشيخ محمد الغزالي في الخمسينات مع الأستاذ إحسان عبد القدوس والفنان صلاح جاهين وكاريكاتيره الشهير "أبو زيد الغزالي سلامة"، ثم معركة الشيخ محمد أبو زهرة مع الأستاذ أحمد بهاء الدين في الخمسينات أيضاً، كذلك لم يغب عنه تعرض الشيخ عبد الحميد كشك لغضب الصحفيين وأهل الفن.
والشيخ كشك كان أيضاً من أصحاب البيان واللسن، وجهارة الصوت وقوة التأثير، وكان وراءه جمهور ضخم، ولقيت تسجيلاته انتشاراً وذيوعاً داخل مصر وخارجها، بل وصلت إلى أوروبا والأمريكيتين. لكن انشغال الشيخ كشك بتتبع الأدباء والكتاب وأهل الفن، والتلفزيون والكُرة، شتت جهوده، وحصر تأثيره في دائرة محدودة من الناس، وهذه أزمة بعض أصحاب الخطاب الديني، أنهم يوردون أنفسهم موارد التهلكة، حين ينظرون إلى المجتمع على أنه شر كله، وفي هذا الطريق يستغضبون طوائف مهمة في المجتمع، بدواعي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهملين طبائع الأزمان، غافلين عن تقلبات الأحوال وتداخل الأمور، وتشابك القوى وقد قيل بحق: العاقل من عرف زمانه، وقد ألمح إلى هذا الدكتور أحمد كمال أبو المجد، في كلمة له بالمصور - العدد المذكور - قال: "ومن السمات الواضحة في منهج الشيخ الشعراوي انه التزم موقفاً إيجابيّاً وبنائيّاَ في تعامله مع الواقع، مؤثراً الاشتغال ببناء المنهج السوي، والتبشير به والدعوة إليه، عن الاشتغال بنقد المناهج

الفاسدة، والدعوة إلى هدم الواقع، أو تثبيت الأفكار عند مواضع العوج في دنيا الناس".
لم يعاد يوسف إدريس:
نعم أفلت الشيخ الشعراوي من ذلك كله، فلم يستغضب أحداً، ولم يعاد أحداً، وحين عبس الدكتور يوسف إدريس في وجهه وتناوله وسخر منه، لم يثأر منه ولم يحرش جماهيره به، بل تركه حتى ذهب إليه الدكتور يوسف بنفسه، واعتذر إليه، وكأنه بذلك يحقق قوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت]، ومن اللافت للنظر أن الشيخ الشعراوي قد ضمن هذه الآية الكريمة في شعر له قديم، قال:
يا من تضايقه الفعا ... ل من التي ومن الذي
ادفع فديتك (بالتي) حتى ترى (فإذا الذي)
وهذا لون من الشعر، يضمِّن فيه الشعراء شيئاً من القرآن الكريم، ويجعلونه في قوافيهم، ومنه قول الشاعر:
ألا يا أيها المرء الـ ... ــذي ألهمُّ به بَرَّحْ
وقد انشد بيتاً لم ... يزل في فكره يسنح
إذا اشتد بك العسر ... ففكر في (ألم نشرح)
فعسر بين يسرين ... إذا أبصرته فافرح
انظر: زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 9/166.
وممن عُرف بهذا اللون من الشعر أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بالخباز البلدي، من شعراء القرن الرابع، قال:
سار الحبيب وخلف القلبا ... يبدي العزاء ويضمر الكربا
قد قلت إذ سار السفين بهم ... والشوق ينهب مهجتي نهبا
لو أن لي عِزَّا أصول به ... (لأخذت كل سفينة غصبا)

والحديث عن موقف الشيخ الشعراوي من الشيوعية - وهو موقف مفتعل كما قلت - يقودنا إلى ما يراه بعضهم من أن الشيخ يمثل ظاهرة سياسية، بجانب كونه ظاهرة دينية، ومن ذلك ما كتبه الدكتور محمد أبو الإِسعاد في المصور 26/6، وأول ما يلقانا من كلام الدكتور قوله عن الشيخ الشعراوي، إنه تأثر بالمذهب الوهابي، بدرجة واضحة، ويرد الدكتور ذلك إلى عمل الشيخ بالسعودية، ومشاركته في إنشاء رابطة العالم الإِسلامي هناك.
وهذا القول غير صحيح، فإن مذهب الشيخ مباين تماماً للمذهب الوهابي، أو مذهب "الشيخ محمد بن عبد الوهاب" كما يحب السعوديون أن يسمَّى، فالشيخ الشعراوي صوفي الوجه واليد واللسان، وأنت لا تخطئ صوفيته هذه في كل ما يقول، ولا يخفى الفرق بين الصوفية ومذهب القوم هناك "يا بعد يبرين من باب الفراديس". والسعوديون يعلمون جيداً صوفية الشيخ الشعراوي، ولم يمنعهم ذلك من أن ينزلوه منزلاً كريماً بينهم، وأن يوسعوا له في مجالسهم، بل أن وزيرهم النابه "محمد عبده يماني" هو الذي قدم الشيخ إلى الأستاذ أحمد فراج، فكانت الشهرة العريضة.
ويرى الدكتور أبو الإِسعاد أن الشيخ قد دخل طرفاً في الصراع بين التيار القومي الاشتراكي وبين التيار الإِسلامي السلفي، وهو ذلك الصراع الذي ساد منطقتنا العربية في الستينات، ويدلل على ذلك بانضمامه إلى رابطة العالم الإِسلامي بمكة المكرمة - وليس في جدة - عام 1962م، وهذا الكلام هو من إسراف المؤرخين والمثقفين في التحليل والاستنتاج، فالحقيقة أن الشيخ لم يدخل طرفاً في أي صراع، وانضمامه إلى رابطة العالم الإِسلامي لم يكن لمواقف سياسية مأثورة عنه، وإنما كان لأنه كان شخصية بارزة في المجتمع المكي، بمحاضراته القيمة وتدريسه المتميز في كلية الشريعة بمكة المكرمة، والسعوديون يحرصون دائماً على اجتذاب النماذج المتميزة في مؤسساتهم العلمية والتعليمية، ولو كانوا يخالفونهم أحياناً (ولا ينبئك مثل خبير).

ولو كان الأمر كما يرى الدكتور لاستغل السعوديون الشيخ في صراعهم المر مع الرئيس جمال عبد الناصر إبان حرب اليمن وغيرها. ولم يؤثر عن الشيخ شيء في ذلك.
وأما ما ذكره الدكتور من أن الشيخ الشعراوي قد صلَّى ركعتين شكراً لله على نكسة 1967م، فهذه زلة عظيمة من الشيخ غفر الله له، ولا يعتذر له عنها، مهما كانت الأسباب والمسوغات، وما أظن أن الشيخ قال هذه القولة الذميمة استجابة لموقف سياسي معين، وإنما قالها صدى لبعض أصوات العامة التي سمعناها تقول غداة هزيمة "67": "الحمد لله العساكر كانوا حيركبونا"، وقد سمعتها أنا بأذني من الأحياء الشعبية التي كنت أعيش فيها تلك الأيام، ومعلوم أن الشيخ كان كثير المخالطة للعامة.
وكذلك ليس صحيحاً أن الشيخ وظف شعبيته الدينية لدعم نظام الرئيس السادات، فالسادات كان قد كسب شعبية كبيرة بعد انتصار حرب 1973م لأنه مسح العار عن جبين مصر والأمة العربية، وذلك قبل أن يلتقي بالشيخ الشعراوي وزيراً عام 1976م، ولم يؤخذ على الشيخ إلا قوله في حق الرئيس السادات: لا يُسأل عما يفعل. وهذه قد غضب منها المتدينون، لأنها قيلت في حق المولى عزَّ وجلّ، والحق أنها كانت غلطة من الشيخ، لا يعتذر عنها إلا بأنها زلة أديب، لا عالم، كما استهجن الناس من قبل قول ابن هانئ الأندلسي (362هـ) في الخليفة المعز لدين الله الفاطمي:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار
ومع ذلك فلم تطل إقامة الشيخ الشعراوي بالوزارة، ويقولون إن خلافات نشبت بينه وبين الرئيس السادات، بسبب قضية الأوقاف، وبخاصة ما يتصل منها بسور نادي الزمالك، ويروون في ذلك نكتة لاذعة بينه وبين السادات "وكلاهما كان صاحب دعابة"، وأعرف ما يقول الخبثاء الآن!

أما موقف الشيخ من غزو الكويت وتأثيم ذلك الغزو، وإجازته الاستغاثة بجيوش غير إسلامية لإِنقاذ الكويت، فلم يكن هذا موقف الشيخ وحده.
ولعل ردنا هذا الموجز على مقالة الدكتور أبو الإِسعاد يكون هو مدخلنا إلى الحديث الموجز أيضاً، عن الطائفة الثانية - ومعظمها من المثقفين والأدباء والجامعيين - التي أعرضت عن الشيخ وأبغضته، ولم تكتف بذلك الإِعراض وهذا البغض حتى ضمت إليهما هزءاً بالشيخ وسخرية منه، فقالوا: إنه رجل دنيا، وإنه ممثل، وإنه بهلوان - ونعوذ بالله من سوء القول، ويستشهدون لذلك بأنه كثير التلفت وتحريك أعضائه والغمز بعينيه.
وهذه حجة داحضة، لأن هذا الذي يأخذونه على الشيخ إنما هو من أدوات الواعظ والخطيب، ولا ننسى أن الشيخ كان في أول أمره معلماً، على أن استعانة الشيخ بجوارحه للشرح والتبيين - فضلاً عن أنه من أدوات الخطيب والمعلم - من أساليب القدماء في الشرح والإِبانة.
قال السيوطي في المزهر 1/144: "إذا سئل العربي أو الشيخ عن معنى لفظ فأجاب بالفعل لا بالقول يكفي، قال في الجمهرة: ذكر الأصمعي عن عيسى بن عمر، قال: سألت ذا الرمة عن النضناض، فلم يزدني على أن حرك لسانه في فيه. قال ابن دريد: يقال: نضنض الحية (الثعبان) لسانه في فيه: إذا حركه.
وقال القالي في أماليه: سُئل الأصمعي عن العارضين من اللحية، فوضع يده على ما فوق العوارض من الأسنان".
وحكى ثعلب في مجالسه ص 409 عن معاوية أنه قال لعقبة بن أبي سفيان: "يا أخي، أما ترى ابن عباس قد فتح عينيه ونشر أذنيه، ولو قد قدر أن يتكلم بها فعل".
وهذه الحركات من سمات الخطباء والوعاظ، وتجدها كثيراً في البيان والتبيين للجاحظ، وقال الذهبي في ترجمة أبي منصور العبادي، من سير أعلام النبلاء 20/231: "واعظ باهر، حلو الإِشارة، رشيق العبارة"، وأيضاً فإن تحريك الأعضاء يعكس حالة انفعالية يعانيها الشخص، قد تكون رضا، وقد تكون سخطاً. روي أن معاوية سمع رجلاً يغني فطرب لغنائه، فحرك رجله، ففال له عبد الله بن جعفر:

ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال معاوية: إن الكريم طروب. مجالس ثعلب ص 47.
على أن هذه الحركات من الشيخ إنما تدل على حالة مزاجية خاصة كانت تلازمه في دروسه ومجالسه، وهي حالة من البهجة والنشوة كانت تتلبس الشيخ حين يسبح في أنوار القرآن، ويرتع في رياض العربية: فصاحتها وبيانها، وقل من يتنبَه لهذا الأمر في تحليل شخصية الشيخ: إنه يتلذذ بما يقول، ويطرب لما يجري على لسانه، فيتلذذ معه الناس ويطربون، والواعظ الجيد كان يوصف قديماً بالمطرب، قال الذهبي في ترجمة العبادي المذكور قريباً: "الواعظ المشهور المطرب".
وقد صرح الشيخ بهذه الحالة المزاجية، فقال رداً على سؤال للأستاذ صلاح منتصر، عن سر جاذبيته: "يعلم الله أني ما أقبلت على لقاء أو تسجيل أو ندوة أو حديث إلا وأنا أدرك حلاوة ما أقبل عليه" الأهرام 20/6.
وأنت لو أرهفت سمعك مع الشيخ لسمعته حين يحلق مع خواطره يتواجد ويطرب فيقول لنفسه بصوت خفيض ولكنه مسموع - "الله الله" - يعني بالتعبير المصري: الرجل بيشتغل بمزاج - وهذا شيء معهود في قراء القرآن والمطربين، يهمهمون أحياناً تعبيراً عن سعادتهم ونشوتهم، وقد لا يهمهمون ولكن حالتهم المزاجية تدل على ذلك.
وفي تسجيل نادر للشيخ مصطفى إسماعيل في سورة هود، وصل الشيخ رحمه الله إلى درجة عالية جدّاً من حلاوة الصوت وجمال الأداء، فقال له أحد المستمعين: "وحياة النبيّ أنت بتسمع معانا الليلة دي"!
وفي تسجيل حفلة لمطرب المائة عام -كما كان يقول أستاذنا كمال النجمي رحمه الله - محمد عبد الوهاب - صدح بأغنية "كل ده كان ليه"، وكانت الحفلة في نادي الضباط، أوائل الثورة، وصل عبد الوهاب إلى الغاية في الحلاوة والسلطنة، فسمعناه يخاطب أعضاء فرقته الموسيقية: "قولوا لنا حاجة، ما تقولوا لنا حاجة"، كأنه يقول لهم: إنني في حالة من الوجد والنشوة فشاركوني انتم أيضاً في ذلك بالعزف المنفرد (الصولو) على آلاتكم.
أما أم كلثوم العظيمة فهمهماتها معروفة مسموعة.

موقف غريب!
فما أظن هؤلاء المثقفين الذين كرهوا الشيخ وأعرضوا عنه وسخروا منه وقالوا فيه أسوأ الذي قالوا، ما أظنهم فعلوا ذلك إلا أنفة واستعلاء وذهاباً بأنفسهم أن يجتمعوا على مائدة واحدة مع العامة الذين يصيحون ويفغرون أفواههم إعجاباً بالشيخ، فهذه (ديماغوجية) بغيضة عند المثقفين الأكابر والأدباء، أصحاب الجباه العالية، وهذا يذكرنا بموقف أولئك الذين كانوا يُعرضون عن حزب الوفد ويسخرون منه، لأنه يجمع الغوغاء والدهماء من عامة الشعب، ويرون أن حزباً مثل حزب الأحرار الدستوريين جدير بالاحترام والتبجيل، لاجتماع الصفوة في رحابه في مقدمتهم الدكتور محمد حسين هيكل باشا.
ولم يكن المثقفون وحدهم في هذا الموقف من الشيخ، بل شاركهم كثير من الجامعيين، والعتب على هؤلاء أشد، والمحنة في موقفهم هذا أعظم، لأنهم كانوا أولى الناس بأن ينتبهوا إلى الشيخ، ويتأملوا منهجه في البيان واللغة، وهذا السيل المنهمر من الشعر الذي قلما يجتمع في صدر أحد من أهل زماننا.
لقد سلك الشيخ مسالك عجيبة في بيان إعجاز القرآن والكشف عن مراد الله في هذا الكتاب الحكيم، بتأمل اللغة، والنفاذ إلى أعماقها، وإبراز خصائصها الصوتية والتركيبية، وكنتم انتم أيها الجامعيون أولى الناس بمتابعة الشيخ في ذلك، ودرسه وتكميله، وإضاءته بمناهج الدرس الحديث، ولكنكم فتنتم أنفسكم وارتبتم وغرتكم مناصبكم الجامعية، فتكبرتم وأعرضتم عن الشيخ جملة، وقد ظلمتم أنفسكم باتخاذكم الكبر، فتوبوا إلى بارئكم، وأعكفوا على تراث الشيخ المسموع والمرئي، فأعملوا فيه عقولكم، وأعطوه حظه من النظر والتأمل، فإن الشيخ قد أوتي علماً عظيماً، ينبغي علينا نحن ورثة الأنبياء كشفه وإظهاره، وسنحرز معه الأجر ونشركه في المثوبة إن شاء الله. فنحن وإياه على ثغر من ثغور العربية، نحميها ونذود عنها، ونجالد الناس عليها، وتلك مرتبة عليا، فقد قال عبد الله بن المبارك (181هـ): "لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم"، سير أعلام النبلاء 8/343.

وحين نعكف ويعكف المنصفون من المثقفين والجامعيين على تراث الشيخ، كشفا وإضاءة، نكون قد أقمنا الموازين الصحيحة لتقييم الشيخ والحكم عليه، ونكون أيضا قد استنقذناه من أيدي العامة التي توشك أن تتخذ قبره حناناً تأوي إليه - كما جاء في الخبر - ثم تجعل له من كل عام يوماً مشهوداً، ترتفع فيه البيارق وتدق له الطبول وتخفق فيه الرايات، وتدار فيه النفحات، وتدور فيه الرؤوس في حلقات الذكر، وإذا نحن بيوم وليلة أمام طريقة صوفية جديدة تدعى "الطريقة الشعراوية"، ورضي الله عن السادة الصوفية الأعلام، أئمَة الزُّهد وأرباب الحقيقة وأمراء الكلام، {والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير} [غافر: 20].
* * *

الشيخ الشعراوي .. والفتنة بما يقوله الكبار (22)

رحم الله شيخنا الشعراوي، فمنذ نحو ثلاثين عاماً خرج على الناس صوت جديد، يدعو إلى الله على بصيرة، ويكشف عن مراد الله من كلامه القديم، على نحو مباين لما ألفه الناس في زماننا هذا. ذلكم هو الشيخ محمد متولي الشعراوي، وكان الفضل في إبلاغ هذا الصوت وإذاعته مصروفاً كله إلى الأستاذ الأديب أحمد فراج، في برنامجه التلفزيوني "نور على نور".
ويوماً بعد يوم أخذ الناس يجتمعون حول ذلك الصوت لما ظهر لهم من أسلوبه الفريد في عرض القضايا ومناقشتها والاستدلال عليها، وأخذ الشيخ يبسط سلطانه على ساحة الخطاب الديني المرئي والمسموع، مخلياً مساحة كبيرة بينه وبين سائر الدعاة والوعاظ، لكنه قد لقي - في أول أمره - شيئاً من الإِنكار والتجافي، وبخاصة من بعض المثقفين الذين أعرضوا عنه أنفةً واستعلاء، وذهاباً بأنفسهم عما تجتمع عليه العامة، ولعل ذلك الإِعراض يرجع أيضاً إلى ما أُثر عن الوعاظ قديماً وحديثاً، من مخاطبتهم للمشاعر القريبة في الناس، واستنفارهم لشجون العواطف والقلوب، وبُعدهم عن معالجة قضايا الفكر ومسارح التأمل، على ما قرره توفيق الحكيم في كتابه "فن الأدب"، وفي كلام بعض أهل العلم قديماً ما يشير إلى ذلك.
يقول مجد الدين بن الأثير في مقدمة كتابه "النهاية في غريب الحديث والأثر"، وهو يتحدث عن جهود العلماء في التأليف في علم غريب الحديث: "وكان في زماننا أيضاً، الإِمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، كان متفنناً في علومه، متنوعاً في معارفه، فاضلاً، لكنه كان يغلب عليه الوعظ"، فتأمل هذا الاستدراك الذي يوشك أن يسلب الوعاظ فضيلة في مجال الفكر والعلم.
وقد كتبت عن الشيخ الشعراوي كلمة بمجلة "الهلال" فبراير 1994م أبنت فيها عن علمه، وكشفت فيها عن المخبوء تحت طي لسانه، وانتهيت إلى أن الشيخ يمثل صورة زاهية للعالم الأزهري المؤسس على علوم العربية وقوانينها، من حفظ اللغة - قريبها وغريبها - وحفظ الشعر واستظهار المتون، وإتقان التعريفات، والنظر في الحواشي والتقريرات. ومن وراء ذلك ما يفتح الله به عليه، ويكشفه له من بعض أسرار الذكر الحكيم، فإن هذا القرآن الكريم" لا يخلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه" كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي والدارمي.
وكنت قد ذكرت في كلمتي عناية الشيخ باللغة في مستوياتها الأربعة: النحو والصرف والأصوات والدلالة، وأضيف اليوم شيئاً عجيباً سمعته أخيراً في حلقة تلفزيونية، جاء في كلام الشيخ "البشارة والنذارة" يريد التبشير والإِنذار.
و "النذارة" بكسر النون بمعنى الإِنذار، مما أثر عن الإِمام الشافعي فقط، والشافعي لغته حُجة، وهو من أئمة اللسان، كما ذكر الفيومي في المصباح "بعض". قال صاحب القاموس المحيط: "والنذير: الإِنذار، كالنذارة بالكسر، وهذه عن الإمام الشافعي".
قلت: وقد جاء تصديق كلام الفيروزآبادي هذا، في النسخة الخطية من "الرسالة" للشافعي، وهي بخط الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي، وعليها توقيع الربيع سنة "265هـ". والنسخة محفوظة بدار الكتب المصرية، وهي من أقدم المخطوطات في العالم. ويقول الشيخ أحمد شاكر في وصف هذه النسخة: "وأما الثقة بها فما شئت من ثقة: دقة في الكتابة، ودقة في الضبط... ومن أقوى الدلالة على عنايته بالصحة والضبط: أنه وضع كسرة تحت النون في كلمة "النّذارة"، وهي كلمة نادرة لم أجدها في المعاجم إلا في القاموس، ونص على أنها عن الإِمام الشافعي".

قلت: وهكذا ترى أيها القارئ الكريم أن كتب التراث يصدق بعضها بعضاً، ثم تأمل بعد ذلك كيف وقعت هذه الكلمة للشيخ الشعراوي، واستقرت في محفوظة، ثم ظهرت على لسانه.
أنوار اليقين:
وبهذه المعرفة الواسعة باللغة واستحضار الشعر، وتمثُّل فروع الثقافة العربية الإِسلامية كلها، ثم ما يفيضه الله على الشيخ من أنوار اليقين وتجليات الكشف، صار للشيخ الشعراوي عند الناس مكان ومكانة، وأصبح للذي يلقيه على الناس قوة لا يشوبها ضعف، وإقناع لا يعتريه شك، وهكذا شأن الرؤوس والمتبوعين، يثق الناس بما يتلقونه منهم، ويُلقون إليهم المقادة راضين مطمئنين، لا يراجعونهم رأياً، ولا يخالفون عن أمرهم، لكن هذا طريق مخوف، والعاقبة فيه وخيمة، فقد يكون بعض هذا الذي يأتي به الكبار المتبوعون معدولاً به عن وجهه، مصروفاً إلى غير حقيقته.
وكنت قد راجعت الشيخ الشعراوي في بعض تفسيراته وشروحه، في مقالة الهلال التي أشرت إليها، لكني أعود إليه اليوم في أمر جلل وقضية خطيرة، وإنما هوَّلتُ وعظَّمتُ لأن الأمر يتصل بالقرآن الكريم وقراءاته، والخطأ في ذلك أو الجرأة فيه مما يوقع في الهلكة ويورث الشك والضلال.
وبيان ذلك أن الشيخ رحمه الله عرض في بعض الحلقات التي سمعتها قبل وفاته لقضية القراءات القرآنية، وانتهى إلى أن سبب الاختلاف فيها هو أن "المصحف الشريف "في أول كتابته لم يكن منقوطاً، يعني "أشكال حروف مجردة"، فكان العربي المسلم يقرأ وينطق بملكة اللغة المتوارثة - هكذا قال بالحرف - ويعني السليقة، ودلل على ذلك ببعض الأمثلة، منها قوله تعالى: {صبغة الله} [البقرة: 138]، وقوله تعالى: {قال عذابى أصيب به ما أشاء} [الأعراف: 156]، وقوله تعالى: {وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعاً منه} [الجاثية: 13]، وقال عن الآية الأولى إنها قرئت قراءتين "صبغة" بالصاد المهملة بعدها باء موحدة ثم غين معجمة، و "صنعة" بالصاد أيضاً بعدها نون ثم عين مهملة. والآية الثانية قرئت "أشاء" بالشين المعجمة، و "أساء" بالسين المهملة، والآية الثالثة قرئت "منه" بكسر الميم وسكون النون ثم هاء، و "منه" بكسر الميم أيضاً وتشديد النون ثم تاء معقودة "مربوطة".
وقد ردَّ الشيخ هذا الاختلاف إلى خلو الكلمات من النقط، فقرأ كل قارئ بسليقته اللغوية وما أدته إليه ملكته العربية.
صنعة أم صبغة؟
وبدءة ذي بدء: فإن قراءة "صنعة الله" بالنون والعين التي ذكرها الشيخ لم أجدها في قراءة متواترة ولا شاذة، ولست أدري من أين جاء بها الشيخ؟ وقد وجه أهل التفسير الآية على معنى "صبغة" ليس غير. قال الزمخشري في الكشاف 1/316 "وهي فعلة من صبغ كالجِلسة من "جلس"، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ. والمعنى: تطهير الله، لأن الإِيمان يطهر النفوس، والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون: هو تطهير لهم، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا بالله، وصبغنا الله صبغة لا مثل صبغتكم.
وأما القراءتان الأخريان "أصيب به من أساء" بالسين المهملة، و "جميعاً منة" بكسر الميم وتشديد النون والتاء المعقودة، فهما قراءاتان شاذتان، كما ذكر ابن جني في "المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات" 1/261 - 2/262، والقراءات الشاذة لا تعد من القرآن ولا يتعبد بتلاوتها، وإنما تذكر في مجال الاستشهاد للغة والنحو، فلا ينبغي أن نتشاغل بها، ومن باب الأولى ألا نذكرها أمام العامة. وقد ذكر الشيخ الشعراوي أن حماداً الراوية قرأ "من أساء" بالسين، لكن فاته أن الراغب الأصبهاني قد عد ذلك من زلات حماد وتصحيفاته. (انظر: محاضرات الأدباء 1/110).
ثم أعود إلى قضية خلو المصحف الشريف من النقط والإِعجام، وهو الذي يراه الشيخ سبباً رئيساً في تعدد القراءات واختلافها، وهي قضية خطيرة جداً، وليس الشيخ الجليل "أول سار غرَّه القمر"، ولعل أول من نقب هذا النقب في زماننا هو المستشرق المجري جولدزيهر "1850م - 1921م"، فقد ذكره في كتابه "مذاهب التفسير الإِسلامي" الذي ترجمه الأستاذان علي حسن عبد القادر، وعبد الحليم النجار، قال في ص 8 كلاماً عن اختلاف القراءات القرآنية ختمه بقوله: "وإذاً فاختلاف تحلية هيكل الرسم بالنقط واختلاف الحركات في المحصول الموحد الغالب من الحروف الصامتة كانا هما السبب الأول في نشاة حركة اختلاف القراءات، في نص لم يكن منقوطاً أصلاً، أو لم تتحر الدقة في نقطه أو تحريكه".
وكذلك ردد هذا الرأي المستشرق الأسترالي الأصل آرثر جفري، وذكره في مقدمة تحقيقه لكتاب "المصاحف" لابن أبي داود، قال في ص 7 من المقدمة: "وكانت هذه المصاحف - يعني المصاحف التي بعثها عثمان إلى الأمصار - كلها خالية من النقط والشكل، فكان على القارئ نفسه أن ينقط ويشكل هذا النص على مقتضى معاني الآيات".
وقد تابع هذين المستشرقين بعضُ العلماء العرب، من الجامعيين وغيرهم، وأذاعوه في كتبهم، لكن طائفة أخرى من علمائنا ردوا على "جولدزيهر" رأيه وأسقطوه بأدلة قاطعة، من الآثار والتاريخ ونصوص القرآن الكريم نفسه، ومن أبرز هؤلاء: الدكتور عبد الفتاح شلبي، في كتابه "رسم المصحف العثماني وأوهام المستشرقين في قراءات القرآن الكريم"، والشيخ عبد الفتاح القاضي في كتابه "القراءات في نظر المستشرقين والملحدين".
وقد كتبت أنا في هذه القضية غير مرة، لكني أعيد الكلام فيها الآن، للذي ذكرته لك أيها القارئ الكريم من مجيء هذا الوهم على لسان فضيلة الشيخ الشعراوي، وهو رجل مجموع له الناس، ومتبوع مسموع. وأيضاً فإن لمجلة "العربي" عند الناس مكاناً، ولما يُكتب فيها ذيعاً وانتشاراً، فلعل عرض هذه القضية على صفحاتها وبيان وجه الصواب فيها، ما يحسم مادة الخلاف، ويقطع أسباب الشبهة إن شاء الله.

حفظ القرآن:
ولا سبيل إلى ذكر كل أطراف القضية، فإنها من التشعب بمكان، فحسبي أن أذكر رؤوس كلام، وفيما ذكره الشيخان شلبي والقاضي، ثم ما يأتيك من كلام أهل العلم: مقنع وبلاغ، والمأمول منك أيها القارئ الكريم أن تجعل هذه القضية على بالك، وأن تشغل بها نفسك ووقتك، فإنها دين وعقيدة، فأقول وبالله الاستعانة:
أولاً: القرآن كلام الله القديم، نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام، على قلب النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أمره ربه بتلاوته {واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك} [الكهف: 27]، ثم أمره بإبلاغه للناس وقراءته عليهم {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67]، و {قراءناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث} [الإسراء: 106]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه جبريل بالوحي حريصاً على استظهار القرآن وحفظه، فكان يحرك لسانه حالة نزول الوحي، مخافة أن تفوته كلمة، أو يسقط عليه حرف، حتى طمأنه ربه بأن تكفل له أن يجمعه في صدره، ويسهل له قراءته لفظاً ومعنى، فقال تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرءانه * ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 16 - 19]، وقوله تعالى: {فاتبع قراءنه} أي قراءته، وهو مصدر على وزن فعلان، مثل غفران وكفران.
وهذا هو أساس الحفظ في تراثنا العربي: إنه أمر أولاً بتلاوته وحفظه، ثم جاءت مرحلة الإِفهام بعد ذلك {ثم إن علينا بيانه}، وقال تعالى: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} [طه: 114]، وقال تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} [الأعلى: 6]، و "لا" هنا نفي وليست نهياً. والمعنى: فلست تنسى إذا أقرأناك.
ثانياً: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي بالقرآن يُقرئه أصحابه فيحفظونه، وكان هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم حريصين على استظهار ما يحفظونه وتعهده بالمدارسة والعمل به، وكان الذي سمع يُعلم من لم يسمع، وكان عليه السلام يبعث إلى من كان بعيد الدار منهم مَنْ يُعلمهم ويقرئهم، كما بعث مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى أهل المدينة قبل الهجرة، يعلمانهم الإِسلام، ويقرئانهم القرآن، وكما خلَّف معاذ بن جبل بمكة بعد الفتح يقرئ الناس القرآن. قال عبادة بن الصامت: "كان الرجل إذا هاجر دفعه النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسولى الله أن يخفضوا أصواتهم، لئلا يتغالطوا"، انظر: مناهل العرفان للشيخ الزرقاني 1/241، وهو كتاب جيد جداً في علوم القرآن.
ثالثاً: اهتم الرسول عليه السلام هو وأصحابه أولى الأمر بجمع القرآن في الصدور - أي حفظه واستظهاره - وكان ذلك أمراً طبيعيّاً، لأن الرسول عليه السلام كان أمِّيّاً، وبُعث في أمة أمية، يقل فيها الكتاب، ولا يشيع بينها الخط، ثم أوحي إليه عليه السلام أن يكتب القرآن، فاتخذ كُتَّاباً من خيرة الصحابة، زيادة في الاستيثاق لكتاب الله تعالى "حتى تُظاهر الكتابة الحفظ، ويُعاضد النقش اللفظ".
ومع كتابة القرآن الكريم ظل الحفظ هو الأساس والمعتمد، قال ابن الجزري: "ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة، ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: "إنما بعثتك لأبتليك وابتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان"، فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تُغسل بالماء، بل يقرؤه في كل حال، كما جاء في صفة أمته: "أناجيلهم في صدورهم".
رابعاً: توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم كله مجموع في الصدور، ومكتوب في السطور، ثم كان جمع أبي بكر القرآن، وبعده كان جمع عثمان، والفرق بين الجمعين معروف في كتب علوم القرآن. ومن أحسن المراجع في ذلك كتاب الشيخ الزرقاني المذكور قريباً.
وخلاصة الأمر أن عثمان رضي الله عنه جمع الناس على مصحف واحد، سُمي "المصحف الإِمام"، واستنسخ منه نُسَخاً أرسلها إلى الأمصار الإِسلامية، ولم يكتف عثمان بإرسال تلك المصاحف، بل أرسل مع كل مصحف عالماً من علماء القراءة يُعَلِّم المسلمين وفق هذا المصحف، وعلى مقتضاه، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدينة، وبعث عبد الله بن السائب إلى مكة، والمغيرة بن شهاب إلى الشام، وعامر بن عبد قيس إلى البصرة، وأبا عبد الرحمن السُّلمي إلى الكوفة. فكان كل واحد من هؤلاء العلماء يُقرئ أهل مِصره بما تعلمه من القراءات الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بطريق التلقي والتواتر التي يحتملها رسم المصحف. وقد أمر عثمان رضي الله عنه بحرق كل ما عدا مصحفه هذا.
خامساً: معلوم أن "مصحف عثمان" هذا كان خالياً من النقط والشكل، وكذلك المصاحف المستنسخة منه، وكذلك كل ما كتب من القرآن زمان النبيّ صلى الله عليه وسلم، كل ذلك كان مجرداً من النقط والشكل، وذلك ليتحمَّل الرسم ما صح نقله، وثبتت روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمرو الداني: "وإنما أخلى الصدر منهم - أي الأوائل من المسلمين - المصاحف من ذلك - أي من النقط ومن الشكل - من حيث أرادوا الدلالة على بقاء السعة في اللغات، والفُسحة في القراءات التي أذن الله تعالى لعباده في الأخذ بها والقراءة بما شاءت منها، فكان الأمر على ذلك إلى أن حدث في الناس ما أوجب نقطها وشكلها" المحكم في نقط المصاحف ص 3، وهذا الذي حدث في الناس فأوجب نقط المصحف وشكله هو دخول الأعاجم من غير العرب في دين الإِسلام، وقد تمَّ ذلك في أواخر القرن الأول وأوائل الثاني، على يد أبي الأسود الدؤلي "69هـ"، ونصر بن عاصم الليثي "89هـ"، ويحيى بن يعمر - بفتح الميم- العَدواني - بفتح العين - "129هـ".
ويقال: إنَّ عمل نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر كان بتوجيه وإشراف الحجاج بن يوسف الثقفي، ويقال إنه أمر بإعدام المصاحف الخالية من النقط والشكل. فانظر فضل هذا الرجل الجبار على العربية وعلى قرَّاء القرآن.
ومع هذه الوثبة العظيمة في تاريخ القرآن الكريم، فقد بقي ناس من أهل العلم على رأيهم في تجريد المصحف من النقط والشكل، منهم الحسن البصري، وابن سيرين، وكان هؤلاء يتمسكون بما روي عن عبد الله بن مسعود: "جرِّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء".
سادساً: ونأتي إلى جوهر القضية، وهو ما يقال من أن خلو المصحف من النقط والشكل كان هو السبب في اختلاف القراءات، لأن كل قارئ كان يقرأ رسم الكلمة وفق ما يؤديه إليه اجتهاده أو سليقته اللغوية، وما يظهر له من معنى الآية.
دلائل لغوية:
والذين ردُّوا هذا الرأي دفعوه بأكثر من حجة ودليل، وسأكتفي هنا بدليلين، ومن أراد الزيادة فعليه بما كتبه المشايخ: الزرقاني وشلبي والقاضي، في كتبهم التي أشرت إليها:
الدليل الأول: أن اختلاف القرَّاء إنما حدث في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما تلاه عليهم وسمعوه منه مشافهة، ولم يأت هذا الخلاف نتيجة النظر في المصحف المكتوب المقروء، ودليل ذلك حديث عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم، الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من المحدثين والمفسرين. وهذا هو نص الحديث كما جاء في رواية البخاري "باب أنزل القرآن على سبعة أحرف. من كتاب فضائل القرآن":
قال عمر بن الخطاب: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبَّرت حتى سلَّم، فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسله. اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك أُنزلت. ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك أُنزلت. إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسَّر منه".
هذا وقد ذكر الطبري في مقدمة تفسيره آثاراً أخرى في اختلاف القراء فيما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه الآثار تدل كلها على أن القراءات مأخوذة بالتلقي والمشافهة والسماع من فمه الشريف صلى الله عليه وسلم، وإنما اختلفت القراءات عنه صلى الله عليه وسلم تيسيراً على أمته وتخفيفاً، مراعاة لاختلاف لغات القبائل، أي لهجاتها.
الدليل الثاني: لو كان خلو المصاحف من الشكل والإِعجام سبباً في تنوع القراءات واختلافها، لكان القارئ الذي يقرأ الكلمة وفق رسم معين، يلتزمه في أمثاله ونظائره حيث وقع في القرآن الكريم، ولم يحدث هذا، وإليك مثالاً واحداً: قوله تعالى في فاتحة الكتاب: {مالك يوم الدين}، وقوله سبحانه: {قل اللهم مالك الملك}، وقوله تعالى في سورة الناس: {ملك الناس}، فلو تأملت المواضع الثلاثة في المصحف لوجدت الكلمة فيها كلها هكذا "ملك" بالميم واللام والكاف فقط، ولكن حفصاً يقرأ عن عاصم، في الفاتحة "مالك" بالألف بعد الميم، وكذلك يقرأ آية آل عمران، أما في سورة الناس فيقرأ "ملك" من دون الألف، فلو كان حفص يقرأ وفق رسم المصحف لقرأ في المواضع الثلاثة "ملك"، ولكنه يقرأ بالرواية المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك قد تختلف القراءات أحياناً، لغة ونحواً، وهكذا يبدو للناس في ظاهر الأمر، ولكن الاختلاف في الحقيقة راجع إلى التلقي والرواية، لا إلى القاعدة اللغوية أو النحوية، وهذا مثال واحد:
قال الله تعالى: {وكلاً وعد الله الحسنى} جاءت هذه الآية في موضعين: سورة النساء 95، وسورة الحديد 10، ويقرأ القراء جميعاً (كلَّا) بالنصب في الآيتين، لكن ابن عامر يقرأ آية النساء بالنصب، كسائر القراء، أما آية الحديد فيقرأها وحده (وكل) بالرفع، وللنحويين في توجيه الرفع والنصب كلام. فلو كان ابن عامر يقرأ وفق القاعدة النحوية لقرأ الآيتين بالرفع، ولكنه قرأ بالرواية التي تلقاها هو بالتواتر عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: مرة بالنصب ومرة بالرفع، مع أن تركيب الآية واحد في الموضعين.
ومثال ثان: الإِمالة ظاهرة صوتية، وهي "أن تنحي بالألف نحو الياء، فيلزم أن تنحي بالفتحة قبلها نحو الكسرة"، وهي لغة بعض القبائل العربية، وقد قرأ بها بعض القراء، والتزموها حيث وجدت دواعيها في القرآن الكريم، لكن حفصاً الذي يقرأ بقراءته كثير من المسلمين الآن بروايته عن عاصم، لم يقرأ بالإِمالة إلا في موضع واحد من الذكر الحكيم، وهو قوله تعالى من الآية 41 من سورة هود {بسم الله مجريها ومرساها}، وهكذا يختلف القراء ويتفقون، بحسب الرواية والتلقي، وليسْ بحسب رسم المصحف أو الوجه النحوي أو اللغوي، صحيح أن هذين في الاعتبار، ولكن بعد ثبوت الرواية بالتواتر والسند الصحيح، ولذلك قالوا إن للقراءة المقبولة ثلاثة شروط: التواتر بالسند الصحيح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموافقة الرسم العثماني، وأن يكون للقراءة وجه صحيح من العربية، فإذا سمعت قراءة مسندة لواحد من القراء السبعة أو العشرة، كأن يقال: قراءة نافع أو عاصم أو الكسائي، فلا تظن أنها من اختراعه أو ابتداعه، ولكنها اختياره الذي ارتضاه من طريق الرواية المسندة الصحيحة، ولذلك أُثر عن أبي عمرو بن العلاء - وهو أحد القراء السبعة - قوله: "لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قُرئ به لقرأت كذا وكذا. وذكر حروفاً".
ويريد أبو عمرو أن القراءة سنة وإتباع وأثر، ولا دخل فيها للسليقة أو الاستحسان اللغوي أو الترجيح النحوي أو رسم المصحف. ومن ثم يرى كثير من العلماء أن ترجيح قراءة متواترة على قراءة متواترة لا يجوز؟ يقول أبو العباس ثعلب: "إذا اختلف الإعراب في القرآن عن السبعة لم أُفضِّل إعراباً على إعراب في القرآن، فإذا خرجت إلى الكلام كلام الناس فضَّلتُ الأقوى"، راجع الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، للسمين الحلبي 1/48 - 4/563.

قراءات ربانية:
فثبت إذن أن القراءات القرآنية كلها بوجوهها المختلفة من عند الله، ولا دخل لخط المصحف فيها، ولا للوجوه النحوية أو اللغوية فيها كذلك، وثبت أيضاً أن اختلاف القراءات القرآنية إنما هو اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد.
أما السؤال عن كيفية نزول جبريل عليه السلام بهذه القراءات المختلفة، فقد أجاب عنه ابن قتيبة، فقال: "وكل هذه الحروف - يعني الوجوه المختلفة للقراءات - كلام الله تعالى، نزل به الروح الأمين على رسوله عليه السلام، وذلك أنه كان يعارضه في كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن، فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، ويسر على عباده ما يشاء، فكان من تيسيره: أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم، وما جرت عليه عادتهم"، انظر: تأويل مشكل القرآن ص 38 واقرأ بقية كلامه، فإنه عالٍ نفيس.
وبعد: فهلا آن الأوان لجامعاتنا العربية أن تهتم بهذا العلم - علم القراءات -: رواية ودراية، فتجعل له نصيباً مفروضاً في مناهج الدراسات العليا، ونعم إنها تمنح فيه درجات عليا، ولكن في جانب واحد منه، وهو جانب الأصوات مع المقارنة بالدراسات اللغوية الحديثة، وهذا ليس كافياً. ولعلي أعود إلى هذا الموضوع بشيء من البسط والتفصيل إن شاء الله.
وتحية إلى فضيلة الشيخ الشعراوي الذي فتح لنا هذا الباب من القول.
* * *

ذيل الأعلام.. ومغالبة الهوى! (23)
تأليف: أحمد العلاونة

حين عالجت تحقيق ونشر بعض النصوص التاريخية، ظهر لي أن شطراً كبيراً من حضارتنا العربية والإِسلامية لا يظهر إلا من خلال كتب التراجم، وأن مصادر التاريخ الإِسلامي على نهج الحوليات والحوادث العامة، كالطبري والمسعودي مثلاً، ليست هي الصورة الكاملة لذلك التاريخ.
ثم نظرت إلى من أسعدني زماني بمعرفتهم من علماء العصر، في مصر وفي غير مصر، فرأيت من علمهم وآثارهم كل غريبة وعجيبة، وهو علم معرّض للضياع إذا لم يدوَّن ويسجل، فتمنيت أن لو أتيح لفن تراجم الأعلام المعاصرين من يصل عمل الزركلي، على النهج الذي سلكه، أو على نهج مقارب له، ولم يطل الانتظار، فقد نهد إلى هذا العمل باحث من الأردن، وهو الأستاذ "أحمد العلاونة"، وقد أعدّ للأمر عدته، وأخذ له أخذه، فشرع يجمع بجهده، ويتصل بمن يتوسم فيهم المعرفة من الأقطار العربية، ممن لهم عناية بالتراجم وتاريخ الرجال، فسأل واستفسر وطلب العون، فأجيبَ إلى سؤله، وحين اجتمع له قدر من هؤلاء الأعلام، ترجم لهم في ذلك الجزء الذي جاء في (368) صفحة من القطع الكبير، وقد صدر عن دار المنارة بجُدة - السعودية - 1418هـ - 1998م.
وسمَّى الباحث كتابه "ذيل الأعلام"، و "الذيل" تسمية قديمة يراد بها تكميل العمل الأول، أو الاستدراك عليه، مثل: ذيل تاريخ بغداد لابن النجار، والأصل للخطيب البغدادي، ومثل: التكملة والذيل والصلة، للصاغاني، والأصل: الصَّحاح للجوهري.
وقد ترجم الأستاذ أحمد العلاونة لأربعمائة وستة وثلاثين عَلَماً (436)، وذكر أنه ابتدأ بوفيات سنة 1396هـ - 1976م، وهي السنة التي أعقبت وفاة الزركلي، ومعنى ذلك أنه ترجم للأعلام المتوفين فقط - وهو شرط الزركلي في الأعلام - ولكنه ذكر كلاماً في مقدمته يوحي بأنه ترجم لبعض الأحياء، وذلك قوله: "وبلوت من بعض المعارضين الذين يكتبون تراجمهم لي ولغيري خصالاً ذميمة، منها: أن أحدهم كان يفيض في ترجمته، ويغدق عليه كل مديح حسن، وينسب إليه ما ليس له، وإذا شارك في تأسيس شيء ما أفرده لنفسه، وإذا سئل عن عمره صغَّره ليقال: إنه نبغ صغيراً، فيرى القارئ حسناً ما ليس بحسن، فكان عليَّ أن أغربل ذلك كله".
مآخذ على الزركلي:
وقد رأى الباحث من تمام الفائدة أن يتعقب الزركلي في بعض ما سها عنه، أو أخل به، فذكر مآخذه هو عليه، ثم ذكر أيضاً مآخذ الأستاذ محمد أحمد دهمان، من علماء سورية، ومآخذ القاضي إسماعيل الأكوع من اليمن، وهذا كله جيد، فإن "النقد يجبر النقص ويقيم العوج ويصلح المُنآد"، وقد نقل الباحث كلمة شيخنا محمود محمد شاكر، برَّد الله مضجعه: "فإن جودة العلم لا تتكون إلا بجودة النقد ولولا النقد لبطل كثير علم ولاختلط الجهل بالعلم اختلاطاً لا خلاص منه ولا حيلة فيه".
وقد دعا الباحث العلماء إلى نقد كتابه، وهاأنذا أستجيب له، رعاية لحق العلم وأداء للأمانة، فأقول:
أول ما أناقشك فيه أيها الباحث الكريم: المعيار الذي اعتَبرته للأعلام الذين يستحقون الترجمة، فأنت قد أخذت على الزركلي أنه ترجم لبعض المجاهيل أو ممن ليسوا أحق بالترجمة، وقد وقعت أنت في ذلك فترجمت لطائفة أعرف بعضهم عن قرب، فبعضهم درَّس لي وبعضهم كان صديقاً لي، وهم أهل فضل، لكنهم ليسوا هناك، ومحلهم من العلم محدود، وليس كل من ولي منصباً أو نال جائزة، أو شرف بعضوية هيئة علمية جديراً بأن يكون من الأعلام الذين تسجل أسماؤهم في دوائر المعارف أو ما هو شبيه بها، وأضرب لك مثالاً واحداً:
لقد حصل العقاد وطه حسين ومحمود شاكر على جائزة الدولة التقديرية، ولكن هل تظن أن كل من حصل على هذه الجائزة يكون في قامة واحد من هؤلاء؟
إنَّ الناس تتقلَّب في حياتها في مجال الشهرة والأضواء وكثير منهم ليس له من أسباب هذه الشهرة وتلك الأضواء إلا ما تتيحه له قدرته على الحركة واستثمار الفرص المتاحة، وفتح أبواب المصانعة وتبادل المنافع، ثم هذا الذكاء الاجتماعي الذي يمكِّن لصاحبه في الأرض، بالإِلحاح على عين القارئ وأذن المستمع، باسمه الذي يتردد وصورته التي تتلألأ في وسائل الإِعلام صباح مساء، وذلك كله رزق الله المقسَّم على خلقه، وهي حظوظ الناس تصيب بعضاً وتخطئ بعضاً.
يشقى أناس ويشقى آخرون بهم ... ويُسعد الله أقواماً بأقوام
وليس رزق الفتى من فضل حيلته ... لكنْ جدودٌ وأرزاقٌ وأقسامُ
كالصيد يُحْرَمُه الرامي المجيد وقد ... يرمي فيحرزه من ليس بالرامي
لكن الناس إذا ماتوا انقطعت أسباب شهرتهم، ولم يبق إلا هذه الأعمال الجليلة التي يطيب بها ذكرهم وتخلد بها أسماؤهم، فالموت هو قاطع العلائق، ومنصف الموتى من الأحياء.
روى أبو عبد الرحمن السلمي قال: "حضرت جنازة أبي الفتح القواس الزاهد مع أبي الحسن الدارقطني، فلما نظر إلى الجمع (أي كثرة الناس وازدحامهم) قال: سمعت أبا سهل ابن زياد القطان يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز"، انظر: مناقب الإِمام أحمد بن حنبل لابن الجوزي ص 560.
ولن أستطيع أن أذكر أسماء هؤلاء الأعلام الذين ترجم لهم الباحث، وهم غير أهل للترجمة، حتى لا أغضب ذويهم، وأقاربهم، وحتى لا أنبش القبور. ويبدو أن الباحث قد عوَّل على هؤلاء الذين استشارهم - وذكرهم في مقدمة كتابه - فأشاروا عليه ببعض أصدقائهم الراحلين "وحسن في كل عين ما تود".
وثاني ما أناقش فيه الباحث الكريم: قضية الحيدة والموضوعية في ترجمة الأعلام، فعلى كاتب الترجمة أن يكون حذراً كل الحذر في صياغة الترجمة، وكبج جماح القلم، حتى لا ينزلق إلى ذِكر الرأي الخاص، وهو من محاسن كتاب: "الأعلام" للزركلي رحمه الله، ولم يراع الباحث ذلك، فقد غلبه هواه، ومن ذلك ما ذكره في ترجمة الرئيس المصري "محمد أنور السادات" (ويلاحظ أنه ذكره في حرف الهمزة، وكان المنهج يقتضي أن يذكره في حرف الميم).
إنكار حرب رمضان وشماتة لا تليق:
فمما قاله في هذه الترجمة: "أن السادات اشترك مع سورية في حرب خاطفة ضد إسرائيل... غير أن إسرائيل استفادت من تلك الحرب أكثر مما خسرت"، وهذا خَلْف من القول، وباطل من الرأي، وأكثر الناس بغضاً للسادات لا يسعه أن يقول هذا، فإن حرب رمضان التي خطط لها وكتم خبرها وقادها السادات كانت نصراً كبيراً للعرب ولمصر، وقد غسلت العار عن جبين الأمة العربية، وقد رأى الناس كلهم صورة الفيلق الإِسرائيلي المأسور بقيادة "عساف ياجوري"، ثم رأينا ورأى الناس تلك الاستحكامات والبنايات الراسخة التي أقامها اليهود في "عيون موسى" تحت الأرض وكأنها هي التي يقول الله عر وجلّ في وصفها: {لا يقاتلونكم جميعاً إلا فى قرى محصنة أو من وراء جدر} [الحشر: 14]، نعم رأينا هذه البنايات المحكمة وقد دكها جيش مصر.
ثم يقول الباحث أيضاً عن مقتل السادات: "إنه قتل بطريقة مدهشة، وابتهج الناس بقتله"! وهذه شماتة لا تليق، ثم إن ذلك التعميم في قوله: "ابتهج الناس بقتله" غير صحيح، فلئن كان بعض الناس قد ابتهج بقتله، فإن كثيرين قد حزنوا له، ولم يقنع الباحث بذلك كله حتى نشر صورة الهجوم على المنصة، وأنا لا أدافع عن السادات - وإن كان ذلك حبيباً إليّ - ولكني أريد أن أقول: إن الأعمال الموسوعية ينبغي أن تبرأ من الهوى، وتتصف بالحيدة والموضوعية.
سقطات:
ومن ذلك أيضاً ما ذكره في ترجمة الأديب "عبد الرحمن الشرقاوي" قال: "أديب وشاعر متجن على تاريخ الإِسلام ورجاله، نعته الشيخ محمد الغزالي بأنه يجمع القمامات من كتب التاريخ". ثم قال الباحث: "له تآليف ذميمة، منها الفتى مهران مأساة جميلة "، إلى آخر ما ذكر.
يا سيدي الفاضل، نحن لا نترجم للناس لكي نهينهم ونهوي بهم! وأرى أنه إذا بلغ منك الرجل هذا المبلغ من البغض والشنآن، فأسقطه من كتابك، وإذا سئلت عنه فقل: لا أراه جديراً بالترجمة.
إن مؤرخينا القدماء كانوا أكثر إنصافاً وموضوعية، فمؤرخ الإِسلام الحافظ الذهبي (748هـ) يترجم للحجاج بن يوسف الثقفي، ذلك الجبار الذي يكاد الناس يجمعون على بغضه واستبشاع ما صنع، يقول عنه الذهبي: "وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه وأمره إلى الله، وله توحيد في الجملة"، فذكر له "حسنات"، وانظر: سير أعلام النبلاء 4/343.
ومن أجمل وأحكم ما رأيته من مغالبة الهوى وقهر نوازع النفس، مع عدم إغفال الرأي الخاص، ما ذكره شيخنا محمود شاكر في شأن مستشرق يهودي صحَّح له خطأ وقع فيه فقال في ص 395 من طبقات فحول الشعراء: "وكنت أخطأت بيان ذلك في طبعتي السالفة من الطبقات، فجاءتني من الأرض المقدسة التي دنستها يهود، رسالة رقيقة من (م. ي. قسطر) فدلني على الصواب الذي ذكرته آنفاً، فمن أمانة العلم أذكره، شاكراً كارهاً لهذا الذكر"، فانظر وتأمل، كيف اعترف بالصنيعة وشكرها، ثم لم يخف ما في نفسه.
ونعود إلى ترجمة "عبد الرحمن الشرقاوي"، فمع كل ما ذكره الباحث من إساءة إليه لم يذكر أهم أعماله الأدبية، وهي رواية "الأرض".

ملاحظات تفصيلية:
وهذه بعض الملاحظات التفصيلية أسوقها وفق ورودها في الكتاب:
في ص 17: ذكر في ترجمة " إبراهيم الأبياري " أنه حقق "مختار الأغاني""، و "الجيم" للشيباني، والصحيح انه حقق الجزء الأول منهما فقط.
في ص 92: يزاد في أعمال "أحمد عبد الستار الجواري" أنه حقق كتاب "المقرب" لابن عصفور، مع الدكتور عبد الله الجبوري.
في ص 32: ذكر في ترجمة "أحمد رامي" أنه حقق كتاب "قاموس البلاد المصرية"، والحق أن هذا الكتاب من تأليف "محمد رمزي" المتوفى سنة 1945، وقد ترك هذا الكتاب جذاذات وبطاقات، رتبها واعدها للنشر أحمد رامي وقت أن كان وكيلاً لدار الكتب المصرية، هكذا أخبرني الدكتور أيمن فؤاد سيد، وهو الخبير بتاريخ دار الكتب ونشاطها. وفي ظني أن "أحمد رامي" إنما أشرف على هذا العمل، وأعانه عليه قوم آخرون من موظفي القسم الأدبي بدار الكتب، وكانوا من أهل العلم.
في ص 34: ذكر من تحقيقات "أحمد عبيد" كتاب: "مثير العزم الساكن"، والصواب: "الغرام". وكذلك جاء في كشف الظنون ص 1589.
في ص 55: استطرد في ترجمة "الشيخ جاد الحق علي جاد الحق" شيخ الأزهر، إلى منصب "مشيخة الأزهر"، وأنه كان في مبدأ أمره يقوم على الانتخاب من هيئة كبار العلماء، ثم أصبح تعييناً من قبل رئيس الجمهورية، ثم خلص إلى أمور أخرى، وليس ذلك من طبيعة كتاب تراجم كهذا الكتاب، ثم إنه نسي أنه يترجم لواحد من مشايخ الأزهر، وليس الأزهر وتاريخه.
في ص 68: ذكر في ترجمة "حسن كامل الصيرفي" أنه حقق دواوين هؤلاء الشعراء: حارث بن حلزة والمرقَّشين ولقيط بن يعمر، ثم حماسة البحتري والاختيارين للأخفش، وعبث الوليد للمعري، وأخبار البلدان للقزويني. والحق أن هذه أعمال كانت تحت يده يعمل في تحقيقها، وكان يشير إليها في تحقيقاته، ولكنه لم يطبع منها شيئاً. ثم ذكر من تحقيقاته: لطائف اللطائف للثعالبي، وصواب العنوان: لطائف المعارف، وقد أخرجه بالاشتراك مع "إبراهيم الأبياري".
في ص 77: مما يكمل لوحة حياة "خالد محمد خالد" - وهو مما يجهله كثير من الناس - أنه كان في مبتدأ أمره خطيباً لامعاً بالجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية التي أسسها الفقيه المالكي الشيخ محمود خطاب السبكي المتوفى سنة 1352هـ - 1933م.
وبعد مؤلفاته الأولى التي أحدثت ضجة وضجيجاً - مثل: من هنا نبدأ ولكيلا تحرثوا في البحر - عاد إلى الكتابات الإِسلامية، وطوى صفحاته الأولى، وعاش في آخر أيامه حياة صوفية هادئة.
في ص 78: يزاد في ترجمة "خليل هنداوي" أنه من الرواد الأوائل في استخدام مصطلح "الأدب المقارن"، انظر: مقدمة العلامة الدكتور محمود علي مكي لكتاب "في الأدب المقارن " لفخري أبو السعود، الذي أعدته جيهان عرفة...
في ص 85: ذكر في ترجمة "رياض السنباطي" أغنية "على بلد المحبوب"، وهو أول لحن له شدت به أم كلثوم، ولكنه كتب "على بلدي المحبوب" بالإِضافة إلى ياء المتكلم، والصواب: "على بلد المحبوب" بالإِضافة إلى المحبوب.
في ص 87: ذكر في ترجمة الوراق "زكي محمد مجاهد" أنه طبع من كتابه: "الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية" أجزاء ثم أعجلته المنية عن إتمامه. وهذا من كلامي في كتابي "الموجز في مراجع التراجم" ص 74، الذي صدر عام 1985م، ولكن الذي حدث بعد ذلك أن أولاده جمعوا تصحيحاته على الأجزاء الأربعة التي طُبعت في حياته، ثم أضافوا الجزء الخامس الذي كان أبوهم قد أعده ودفعوا بذلك كله إلى الناشر العالم المجاهد الحبيب اللَّمسي، فأخرج العمل كله في طبعة أنيقة في ثلاثة أجزاء عن دار الغرب الإِسلامي عام 1994م، بمراجعة وتصحيح الدكتور محمد البقلاوي بالجامعة التونسية.

وفي الصفحة نفسها يزاد في ترجمة "زكي المهندس" إنه والد الممثل الكوميدي "فؤاد المهندس"، والإِذاعية الرائدة "صفية المهندس"، وأنه خال الدكتور إبراهيم أنيس "المترجم في ص 17، ووالد زوجته.
في ص 69: تردد في مولد ووفاة شيخنا العلامة "السيد أحمد صقر"، وقد ولد رحمه الله سنة 1915م، وتوفي يوم السبت 3 من جمادى الآخرة 1410هـ - 2 من ديسمبر 1989م.
في ص 107: يزاد في ترجمة " طاهر أبو فاشا" أنه كان من ظرفاء العصر، وأن أم كلثوم غنت له شعره الذي صاغه في تمثيلية "رابعة العدوية" بالإِذاعة المصرية في أواخر الخمسينيات، وفي تلك الأيام رفع الدكتور "عبد الرحمن بدوي" دعوى قضائية على "طاهر أبو فاشا"، لأنه أغار على كتابه عن "رابعة العدوية "، وصنع منه تمثيليته.
في ص 111: ترجم لشيخنا مقرئ الوقت الشيخ عامر عثمان، وتمام اسمه "عامر السيد عثمان"، وقد نقل كلاماً لي في ترجمة الشيخ وعزاه إلي. وكان مما نقله "الوقوف ومواقفها"، وصواب كلامي: "ومواقعها"، ويُحمد للباحث أنه ترجم لأبرز علماء القراءات، وأصحاب الأصوات، مثل شيخنا هذا، والمشايخ: عبد الفتاح القاضي، وعبد الفتاح المرصفي، وعبد الباسط عبد الصمد، ولكنه أغفل عَلَمين كبيرين، هما: محمود خليل الحصري، ومصطفى إسماعيل.
أما الأول فكان من أكثر القراء التزاماً بأصول التلاوة ودقة الأداء، وهو أول من سجل "المصحف المرتل" في أوائل الستينيات في إذاعة القرآن الكريم - وكانت أول إذاعة في العالم العربي والإِسلامي تخصص للقرآن الكريم، كما أن له تأليفاً في علم الوقف والابتداء، وأما الشيخ مصطفى إسماعيل فكان في الذروة في حلاوة الصوت وجمال الأداء وتمام الصنعة. وقد كتب عنه الأستاذ كمال النجمي كتاباً، وكتبتُ فيه مقالة بمجلة الهلال.

في ص 115: ذكر في ترجمة "عبد الحليم حافظ" أنه غنى لكبار الملحِّنين، أمثال محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وقد أغفل "محمد الموجي"، وهو باب تلك الشهرة العريضة التي حظي بها عبد الحليم. وكان تلحينه لأغنية "صافيني مرة" المفتاح الذهبي لهذا الباب. والغريب أن عبد الحليم بدأ حياته بهذه الأغنية، وختمها بأغنية من تلحين الموجي أيضاً، وهي "قارئة الفنجان" من شعر نزار قباني.
ويقول أستاذنا كمال النجمي: "يكاد ينعقد الإِجماع الآن على أن ألحان الموجي، من أجمل ما غنى عبد الحليم"، انظر: الغناء العربي بين الموصلي وزرياب، وأم كلثوم وعبد الوهاب ص 257.
وفي الصفحة نفسها: ذكر من مؤلفات "الشيخ عبد الحليم محمود" كتاب: "المنقذ من الضلال"، والصحيح أن هذا الكتاب لأبي حامد الغزالي، والشيخ عبد الحليم إنما حققه ونشره. ثم ذكر من تصانيف الشيخ "عبد السلام بن بشيش" هكذا بالباء الموحدة، والصواب: "مشيش" بالميم.
في ص 126: ذكر من تأليف "الشيخ عبد الفتاح القاضي" القراءات الشاذة ورواتها"، والصواب: "القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب".
في ص 142: ذكر من تحقيقات أستاذنا "علي النجدي ناصف" الجزء الثالث من "لسان العرب" لابن منظور، ولا أعرف له تحقيقاً كهذا، ولسان العرب لم يحقق أصلاً.
في ص 149: ذكر في ترجمة "فتحي رضوان" أنه كان من الملازمين لندوات شيخنا محمود شاكر. وهذا غير صحيح، فقد كانت زياراته لشيخنا نادرة، وقد ذكر هو نفسه ذلك في مقالته التي كتبها عن الشيخ في كتاب "دراسات عربية وإسلامية مهداة إلى أديب العربية الكبير محمود محمد شاكر" ص 410، هذا ولم يذكر الباحث عن "فتحي رضوان" أنه كان أديباً بارزاً، واكتفى بلوحة حياته السياسية.

في ص 168: ذكر في ترجمة الشيخ "محمد بهجة الأثري" أنه اعتُقل بسبب اشتراكه في ثورة "رشيد كرامي" على الإِنكليز، والصواب: "رشيد عالي الكيلاني".
في ص 917: ذكر من شعر بدوي الجبل، يشمت بفرنسة في هزيمتها في الحرب العالمية الثانية:
الأم الحنون أكلت (خـ) ... قد أتاها من هتلر ما أتاها
وواضح أن (خـ) اختصاراً من كلمة "خراها"، وكأن الباحث استنكرها، وهي كلمة صحيحة فصيحة.
وجاءت الكلمة في الشعر بإسقاط الهمزة، قال الشاعر:
زماننا هذا خرا ... وأهله كما ترى
ومشيهم جميعهم ... إلى ورا إلى ورا
انظر: الغيث المسجم شرج لامية العجم، لصلاح الدين صفدي 2/222، والتحرج من ذكر مثل هذه الألفاظ ليس من البر باللغة، وليس ذكرها مخلاً بالآداب العامة (لا مؤاخذة)، على أن إغفال مثل هذه الألفاظ يذهب بشطر كبير من الأدب.
في ص 180: ذكر في ترجمة "محمد شوقي أمين" أنه كان يكتب باباً شهرياً في مجلة الهلال بعنوان "أديب وفاكهة"، والذي أذكره أن عنوان ذلك الباب كان "سلطة أدبية".
ويضاف في ترجمته أنه شقيق الأديب الناقد: "محمود أمين العالم"، وبمناسبة ترجمة "محمد شوقي أمين"، فقد فات الباحث أن يترجم لأديب شهير كان من أصدقاء المترجم، وهو "عباس خضر"، وهو من كُتَّاب "الرسالة"، وله تآليف في الأدب كثيرة، وهو من الذين تمسكوا بالطربوش إلى آخر حياته، ومن كتبه: الأدباء في طفولتهم، وغرام الأدباء. ولد في 2 نوفمبر 1908، وتوفي 11 مارس 1987، كما أخبرني مؤرخ الأدب الأستاذ وديع فلسطين. وكانوا أصدقاء أربعة: عباس خضر، ومحمد رفعت فتح الله، وطاهر أبو فاشا، ومحمد شوقي أمين. وقد ترجم الباحث لثلاثة منهم وترك عبَّاساً.
في ص 187: يزاد في ترجمة "محمد المبارك" أنه شقيق العالم النحوي الدكتور "مازن المبارك".
في ص 188: يزاد في ترجمة "محمد عبد الهادي أبو ريدة" أنه كان من كبار الصوفية، وقد لقيته بالكويت عام 1990، وأخبرني أنه أخذ العهد على الشيخ :"الحافظ التيجاني" في أول يناير 1928م، ومعنى ذلك أنه كان في التاسعة عشرة من عمره.
في ص 591: ذكر اسم "الدكتور صبري الصربوني" بالصاد، والصحيح "السربوني" بالسين، نسبة إلى جامعة السربون؟ لأنه كان أول مصري يدرس بها.
في ص 206: يضاف في ترجمة "محمود حسن إسماعيل" أنه كان من أخلص أصدقاء شيخنا "محمود محمد شاكر"، وقد سألت الشيخ مرة - وقد قرأ علينا شعراً له هو شجي النغم - لماذا لم تواصل الشعر يا مولانا؟
فقال: تركته لمحمود حسن إسماعيل، وهذان البيتان اللذان أثبتهما الباحث بخط محمود حسن إسماعيل إنما هما من شعره في مقدمة "القوس العذراء" لشيخنا.
في ص 211: ذكر في ترجمة "نجيب البهبيتي" أنه مغربي، والصحيح أنه مصري، وقصته طويلة، وفيها جانب مأساوي، وخلاصة أمره أنه أُخرج من الجامعة المصرية، في أوائل ثورة يوليو، بقرار مما كان يسمَّى يومئذ لجان التطهير، فخرج إلى المغرب، وهناك وجد أرحب دار وخير ناس، فدرَّس هناك بجامعة محمد الخامس، حتى وافته المنية بالرباط.
في ص 229: يزاد في ترجمة "يوسف السباعي" أنه ابن الأديب "محمد السباعي"، وهو من كبار المترجمين عن الإِنجليزية. ومن أشهر مترجماته "الأبطال" لكارليل، وقصة مدينتين لديكنز، ورباعيات الخيام، عن فيتز جيرالد، وهو مترجَم في الأعلام.

ويزاد أيضاً: أنَّ يوسف السباعي كان عديلاً للنحوي الكبير عبَّاس حسن المترجم ص 112.
وبعد: فهذا عمل جيد. نهنئ صاحبه عليه، ونشد على يده. ونسأل الله له التوفيق في استكماله، على أن يدقق في المعايير التي يترجم على أساسها للناس، وان يغالب هواه، ويلتزم الحيدة والإِنصاف، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، والسعيد من وفَّقه الله.
* * *

محمود محمد شاكر (24)

ركن باذخ من أركان الثقافة العربية الإِسلامية في العصر الحديث، وإمام ضخم من أئمة البعث والإِحياء، ورأس مدرسة الأفذاذ في تحقيق التراث ونشره.
ولد محمود محمد شاكر بمدينة الإِسكندرية يوم الاثنين العاشر من شهر الله المحرم سنة 1327هـ، الموافق أول فبراير عام 1909م.
ووالده الشيخ محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر. من أسرة أبي علياء من أشراف مدينة جرجا بصعيد مصر. والشيخ محمد شاكر من أعلام العصر، ومن زعماء الإِصلاح في الَأزهر الشريف، وكان وكيلاً له، توفي سنة 1939م.
وجدُّه لأمه الشيخ هارون بن عبد الرازق، أحد كبار علماء المذهب المالكي في مصر، توفي سنة 1918م، وهو جد المحقق الكبير عبد السلام محمد هارون المتوفى سنة 1988م.
وأخوه الأكبر الشيخ أحمد محمد شاكر، محدث العصر ومُسْنِده. اشتغل بالقضاء، وكانت له أحكام مشهورة، ونشر جملة من نصوص التراث، من أعلاها "الرسالة" للإِمام الشافعي، وأجزاء من "مسند أحمد بن حنبل"، ومن "سنن الترمذي"، و "المعرَّب" للجواليقي، و "لباب الآداب" لأسامة بن منقذ. توفي سنة 1958م.
تلقى محمود محمد شاكر أول مراحل تعليمه في مدرسة الوالدة أم عباس في القاهرة سنة 1916م.
حصل على شهادة البكالوريا - الثانوية العامة - القسم العلمي، فقد كان أبوه يُعدّه ليكون طبيباً، من المدرسة الخديوية سنة 1925م.
في سنة 1926م التحق بكلية الآداب، الجامعة المصرية، واستمر بها إلى السنة الثانية، حيث نشب الخلاف المعروف بينه وبين الدكتور طه حسين حول (قضية الشعر الجاهلي)، وقد أفضى هذا الخلاف إلى أن يترك الدراسات الجامعية كلها.
وفي سنة 1347 هـ = 1928م سافر إلى الحجاز مهاجراً، وهناك أنشأ بناءً على طلب من الملك عبد العزيز آل سعود، مدرسة جدة السعودية الابتدائية وعمل مديراً لها، ولكنه ما لبث أن عاد إلى القاهرة في أواسط عام 1929م، ومنذ ذلك التاريخ وهو ملازم بيته وكتبه، لم يَلِ عملاً وظيفيّاً يأكل وقته، ولم يتقلد منصباً يريد له أن ينمو ويُكْسِبه الوجاهة عند الناس.
وقد أخذ نفسه منذ طراءة الصبا وأوائل الشباب بأسلوب صارم حازم، فقرأ القرآن صبيّاً، وقرأ "لسان العرب" كله وهو طالب بالتعليم الثانوي، ثم أقبل على قراءة الشعر مبكراً، ويحفظه لا كما يحفظه الناس، مقطوعات للإِنشاد والتسلي والمطارحة في المجالس، وإنما الشعر عنده باب العربية كلها، وقد قاده الشعر إلى كتب العربية كلها، والمكتبة العربية عند أبي فهر كتاب واحد، والعلوم العربية عنده علم واحد، فهو يقرأ "صحيح البخاري" كما يقرا "أغاني أبي الفرج"، ويقرأ: "كتاب سيبويه"، كما يقرأ: "المواقف" لعضد الدين الإِيجي.
وهكذا خالط أبو فهر العربية منذ أيامه الأولى، وعرف مناهج الكتب، وطرائق الكتاب، في مختلف فنون العربية، وخبر مصطلحات الأقدمين وأعرافهم اللغوية، وهذا فَرْق ما بينه وبين سواه من الكُتَّاب والنُقَّاد، فأنت قد تجد ناقداً ذا ذوق وبصيرة، ولكن محصوله اللغوي على قدر الحاجة، وقد تصادفه يجمع بين الذوق والبصيرة واللغة، ولكن معارفه التاريخية لا تتجاوز الشائع العام الدائر على الألسنة، وقد تراه فاز من الثلاثة بأوفر الحظ والنصيب، ولكنك لن تجد عنده ما تجد عند أبي فهر من الأُنس بالمكتبة العربية كلها في فنونها جميعها، ودوران هذه الفنون في فكره وقلبه دوران الدم في العروق.
ولقد سارت حياة محمود محمد شاكر في طريقين، استويا عنده استواء واضحاً عدلاً: الطريق الأول: طريق العلم والمعرفة، يعُبُّ منهما ولا يروَى. والطريق الثاني: التنبه الشديد لما يُحاك لأمتنا العربية من كيد ومكر، وما يُراد لثقافتها وعلومها من غياب واضمحلال، وظل حياته كلها قائماً على حراسة العربية، والذود عنها، يحب من أجلها، ويخاصم من أجلها، وقد احتمل في حالتيه من العناء والمكابدة ما تنوء بحمله العُصبة أولو القوة.
وقد حارب أبو فهر في جهات كثيرة، وخاض معارك كثيرة: حارب الدعوة إلى العامية، وحارب الدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، وحارب الدعوة إلى هَلْهَلة اللغة العربية والعبث بها بحجة التطور اللغوي، وحارب الخرافات والبدع والشعوذة، وقد حارب في كل ذلك وحده غير مُتَحَيزٍ إلى فئة، أو منتصر بجماعة، وهو في معاركه كلها صلبٌ عنيد فاتك، ألقى الدنيا خلف ظهره، ودَبْرَ أذنيه، فلم يعبأ بإقبالها أو إدبارها، واستوى عنده سوادها وبياضها، ولقد أقصي كثيراً عن محافل الأدب ومجالي الشهرة، فلم يزده ذلك إلا إصراراً وثباتاً، ووقف وحده في ساحة الصدق شامخ الرأس مرفوع الهامة، يرقب الزيف ويرصده ويدل عليه، ولم يجد خصومه في آخر الشوط إلا أن ينفِّروا الشباب عنه ويُبَغِّضوه إليهم، بما أشاعوه عن حدته وبأسه وتعاليه، فنكص من نكص مسيئاً في نكوصه، وثبت من ثبت محسناَ في ثباته.
ومع كل هذا الحصار الذي ضُرب حول محمود محمد شاكر فقد خلص إليه طلبة العلم ومحبو المعرفة، ينهلون من هذا المنهل العذب، فكان بيته جامعة عربية ضخمة: طوائف من الناس من مختلف البلدان والأعمار والانتماءات، وسعهم ذلك البيت المفتوح دائماً، ولم يفتح لهم يوماً دون يوم، أو ساعة دون ساعة.
وقد دار إنتاج أبي فهر في ميدانين: التأليف والتحقيق، وهو في كلا الميدانين مشغول بقضية أمته العربية، وما يراد لها من كيد، في عقيدتها ولغتها وشعرها وتراثها كله. وقد أبان عن هذه القضية بياناً شافياً في كتابيه "أباطيل وأسمار"، و "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"، ثم نثرها فيما دق وجل من كتاباته، وما برح يعتادها في مجالسه ومحاوراته، يهمس بها حيناً، ويصرخ بها أحياناً، لا تفرحه موافقة الموافق، ولا تحزنه مخالفة المخالف، ولقد قام أمره كله على المكاشفة والمصارحة، فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس، ومنذ أن ظهرت أمامه غواشي الفتن التي أحدقت بأمته العربية، فتح عينيه وأرهف سمعه، ثم شد مئزره وأيقظ حواسه كلها، وشحذ قلمه، يرصد ويحلل ويستنتج، ثم قال في كتابه الماتع أباطيل وأسمار: "فصار حقّا عليَّ واجباً ألاَّ أتلجلج أو أحجم أو أجمجم أو أداري".
ومن أبرز النصوص التراثية العالية التي نشرها أبو فهر: طبقات فحول الشعراء لابن سلام، وتفسير أبي جعفر الطبري (16) جزءاً، إلى أثناء تفسير سورة إبراهيم عليه السلام، وتهذيب الآثار لأبي جعفر الطبري (6) أجزاء، ودلائل الإِعجاز، وأسرار البلاغة، كلاهما للشيخ عبد القاهر الجرجاني.
ومما يُستطرف ذكره هنا أن أول كتاب تراثي وضع فيه أبو فهر يده بالتصحيح هو كتاب: "أدب الكاتب" لابن قتيبة، الذي أخرجه الشيخ محب الدِّين الخطيب عام 1346هـ = 1927م، أي منذ (70) عاماً، وكان عمره إذ ذاك (18) عاماً، وقد شاركه تصحيح صفحات من الكتاب ابن خاله الأستاذ عبد السلام هارون رحمه الله.
وفي كل تلك الأصول التراثية التي أخرجها أبو فهر يظهر علمه الغزير الواسع الذي لا يدانيه فيه احد من أهل زماننا، لأنه علم موصول بعلم الأوائل، منتزع منه ودال عليه ومكمل له. وكان عمله في نشر هذه النصوص التراثية جزءاً من جهاده في حراسة العربية والذود عنها، سواء فيما نشره هو، أم فيما حث الناس على نشره وأعانهم عليه.
وللأستاذ محمود محمد شاكر من الذرية اثنان: فهر المولود سنة 1965م. وهو الآن دكتور مدرس بقسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة القاهرة، وزُلْفى المولودة سنة 1969م، وهي متخرجة من كلية التجارة - جامعة عين شمس، وتعمل بمكتب كبير من مكاتب المحاسبة في القاهرة.
ومما يحز في النفس، ويكدر الخاطر، هذا المرض الذي ألمّ بالأستاذ، وأقعده وألزمه المستشفى الذي دخله ليلة عيد الفطر من العام المنصرم 1417هـ = فبراير 1997م، ولا يزال هناك إلى هذا اليوم صفر 1418هـ = 1997م، كشف الله عنه ما به، وردَّ عليه عافيته، إنه على ما يشاء قدير.
* * *

محمود محمد شاكر.. والسِّهام الطائشة (25)

ما تردَّدت في اختيار عنوان لمقالة ما تردّدت في عنوان هذه المقالة، فأنا حريص دائماً أن يكون عنوان ما أكتب صريحاً في الدلالة على ما أريد، كاشفاً لما هو مطوي تحت لساني وما يدور في فكري. والذي أكتب فيه اليوم مما زلزل نفسي وملأني غضباً وغيظاً، فكان حقاً أن يكون عنوان المقالة دالاً على هذه الحالة النفسية الغاضبة وممهداً لها.
وقد ترددت بين عدة عنوانات، منها: محمود شاكر والسيوف الكهام - وهي السيوف الكليلة التي لا تقطع ولا تؤثر - ليس هذا بعُشّكِ فادْرُجي - إن بني عمك فيهم رِماح -كناطح صخرة يوماً ليوهنها، ونحو ذلك من العنوانات التي يحمل عليها الغضب. والغضب - ونعوذ بالله منه - نار تأجج في الصدر، وإذا استبد بالمرء أعمى بصره وأكل قلبه وفَرَى كبده وأطلق لسانه، وقديماً ما تعوّذ الناس منه.
أما الذي أغضبني أيها القارئ الكريم فهو ما جاء في العدد الثاني من مجلة الجيل - 8 نوفمبر 1998م - من هجوم كاسح أَكُول على شيخ العربية وحارسها أبي فهر محمود محمد شاكر، برَّد الله مضجعه، والذي تولى كِبْر هذا الهجوم هو الأستاذ حسين أحمد أمين.
والأستاذ حسين هو ابن العلامة أحمد أمين، الذي يُعدّ من أعلام النهضة الحديثة في الفكر العربي الإِسلامي، وكانت مؤلفاته عن فجر الإِسلام وضحاه وظهره منارات وصوّى على طريق العلم والمعرفة، ورصداً عظيماً لمسيرتنا الفكرية، ثم كانت لجنة التأليف والترجمة والنشر التي أنشأها سنة 1914م مع مجموعة من الشباب النابهين في ذلك الوقت: أمين مرسي قنديل، وعبد الحميد العبادي، ومحمد صبري أبو علم باشا، ومحمد عوض محمد، ومحمد بدران - كانت هذه اللجنة منارة علم ضخمة. فكان من حقه علينا أن نوقّر تاريخه ونرعاه في احترام أولاده وأحفاده، وأيضاً فإن الأستاذ حسين من كُتَّاب الهلال، فبهذه المنزلة يكون عتابنا وحديثنا للأستاذ حسين أحمد أمين. ونسأل الله العصمة من الخطأ والزلل.
والهجوم على محمود محمد شاكر بدأ غداة وفاته، وكان أول من نَقَب هذا النَّقْب السيدة صافيناز كاظم، في كلمة لها بجريدة الدستور 20/8/1997، أي بعد وفاة الشيخ بثلاثة عشر يوماً، وهي كلمة تقطر غضباَ، وتوشك أن تكون شماتة بالموت الذي هو غاية كل حي، وما أصدق الفرزدق:
وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلاً بعدهم وتقدّموا
وكنت حقيقاً أن أردّ على الأستاذة صافيناز لولا أني رأيت ثورتها ترجع إلى مقابلة جافة من الشيخ لها، في يوم من أيام سنة 1982، وبعض الكتاب الذين تتردد أسماؤهم كثيراً في الصحف ووسائل الأعلام يرون لأنفسهم حقاً على الناس، كل الناس أن يهشوا لهم وأن يستقبلوهم بكل ما وسعهم من أسباب الترحيب والبشاشة، وما أريد أن أستطرد في مناقشة الأستاذة صافيناز، لأني أرى في كتاباتها في السنوات الأخيرة وجوهاً من الخير ينبغي أن نستبقيها وأن نستزيد منها (إحنا ما صدقنا!)، لكني أحب أن أنشدها قول أبي العلاء:
لا تظلموا الموتى وإن طال المدى ... إني أخاف عليكم أن تلتقوا
ثم قول أبي العتاهية:
إلى الديَّان يوم العرض نمضي ... وعند الله تجتمع الخصومُ
ونترك السيدة صافيناز لنأتي إلى صديقنا الأستاذ نسيم مجلى، فقد كتب بعد وفاة الشيخ كتاباً نشره بالأهالي، سمَّاه: صدام الأصالة والمعاصرة - محمود شاكر ولويس عوض. وكان قد كتب كتاباً كبيراً في القضية نفسها، سمَّاه: لويس عوض ومعاركه الأدبية، وأهداه إلى الشيخ محمود في حياته، وكتب بخطه: "إلى الصديق الكبير الذي أحببته كثيراً، واختلفت معه كثيراً، وتعلمت منه الكثير، إلى الأستاذ محمود شاكر بطل هذه المعارك ومفجرها مع أجمل أمنياتي. نسيم مجلى 6/1/1995".
فلمَّا غاب وجه محمود شاكر بالموت، رَتَعَ نسيم مجلى في لحمه، وإذا الذي كان همساً صار صراخاً، والذي كان تلميحاً أضحى تصريحاً، وإذا الذي كان كلاماً في الحواشي بالبنط الصغير، قفز إلى المتن بالبنط الكبير، فكان هذا الكتاب الذي صدر عن الأهالي، وسأعود إليه في آخر المقالة.
لكني أعجب كل العجب من الأستاذ نسيم مجلى، فقد كنت أشهد استقبال الشيخ محمود له وحفاوته به وتوديعه له على باب المصعد، وقوله له: ابقى تعال يا نسيم، وهي كلمة حانية من الشيخ، لا يقولها إلا لمن يحبه ويودَّه، ويا ليته كان قد قالها للأستاذة صافيناز (وكنا خُلُصنا).
فهاأنذا يا أستاذ نسيم أنشدك قول أبي العلاء:
فيسمع مني سجعَ الحمامِ ... وأسمع منه زئيرَ الأسَد
ثم أترك الأستاذ نسيم لأصل إلى الأستاذ سمير غريب في كتابه الذي صدر أخيراً عن دار الشروق بعنوان (في تاريخ الفنون الجميلة)، وفي ص 79 منه ينقد مقالاً للأستاذ محمود شاكر، نشره في مجلة الرسالة بتاريخ 12 فبراير 1940م، وكان محمود شاكر يرد على الدكتور طه حسين كلمة له عن "الفن الفرعوني"، والأستاذ سمير غريب لم يشهد تلك الأيام، فكأن هذه المقالة الشاكرية التي قضى عليها (58) عاماً فد دُسَّت إليه دساً للهجوم على الرجل (لاحظ أن ما ذكره سمير غريب في كتابه ص 81، عن رأي محمود شاكر في الفن الفرعوني، هو نفس ما ذكره نسيم مجلى في ص 51 من كتابه. فنقول إذن ما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن امرأة قالت كلاماً لا يظن أن يكون منها: "أما والله ما قالته ولكن قُوّلَتْه".
ثم إن الأستاذ سمير غريب لا يعرف فكر محمود شاكر وتوجّهاته ورأيه في الحضارات السابقة على الإِسلام، بل هو لا يعرف لغته، والدليل على ذلك انه وقف عند كلمة له واعتبرها غامضة، وهي قول الشيخ: "من أعظم الآثار الفنية التي يعدها الجيل الأوروبي"، يقول الأستاذ سمير: "وتعبير الجيل الأوروبي هذا غامض"، وأقول: ليس غامضاً، فالجيل في كلام العرب: هو الصنف من الناس، وقيل: الأمة، وقيل: كل قوم يختصون بلغةٍ: جيل. فبأي هذه المعاني أخذت يكون تأويل كلام الشيخ!
وما أريد أيضاً أن استطرد في مناقشة الأستاذ سمير غريب، لكني ما كنت أحب له أن يتورط في تلك الظاهرة التي شاعت في زماننا الرديء، وهي ظاهرة التحرش بالناس وإغراء السفهاء بهم، وذلك قوله: "وخطورة كلام محمود محمد شاكر هنا أنه يمكن أن يستند إليها المتطرفون دينياً بغير تأمل ولا تفكير سليمين، وقد نادت به بالفعل جماعات الإِرهاب باسم الدين في مصر بعد نشر كلام شاكر بحوالي خمسين عاماً".
والذي لا تعرفه يا أستاذ سمير أن محمود شاكر كان من أكثر الناس بغضاً لهذه الجماعات التي أشرت إليها، بل إن مواقفه ضد الإِخوان المسلمين وكل الجماعات الإِسلامية، مواقف معروفة غاضبة ومستنكرة، وكان يجهر بمواقفه هذه ولا يكتمها، وكذلك كان أخوه الأكبر محدث العصر الشيخ أحمد شاكر، ومقالته عقب اغتيال محمود فهمي النقراشي مشهورة، وكان قد سمَّاها: "قيَّد الإِيمان الفتك"، ونشرها على الناس، بجريدة الأساس، فاقرأوا التاريخ يا ناس! (وانتظروا آخر كلمة لي في هذا المقال، ففيها رفع لهذا الالتباس).
ثم أطوي الكلام لأفرغ إلى ما قاله الأستاذ حسينِ أحمد أمين، وقبل ذلك أحب أن أسأل: ما هذا يا قوم؟ أتهاجمون الرجل بعد أن غيَّبَه القبر؟ لماذا لما تردُّوا على الشيخ كلامه في حياته؟ ما أظن إلا أنكم خفتم أن يأخذ بأكظامكم، ويأتيكم من فوقكم ومن أسفل منكم، فتزيغ أبصاركم كالذي يُغشى عليه من الموت، ثم يترككم فإذا أنتم ضُحكة الضاحك وهُزءة المستهزئ، فنُنْشدكم قول طرفة بن العبد:
يا لكِ من قُبَّرة بمَعْمَرِ
خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفِرِي
ونَقِّري ما شمتِ أن تُنَقِّري
قد رَحَلَ الصيادُ عنك فابشري
ورُفع الفخ فماذا تحذري؟
ثم ننشدكم أيضاً قول المهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليباً الذي كان يُضرب به المثل في العزة المتناهية، وكان من خبره أنه إذا حضر مجلسه الناس لا يجسر أحد أن يفخر أو يجاذب، إعظاماً لقدره وإجلالاً لشأنه، فلما مات قال المهلهل:
نُبَّئتُ أن النار بعدَك أُوقِدَت ... واستبَّ بعدك يا كليب المجلسُ
وتكلَّموا في أمر كلِّ عظيمةٍ ... لو كنتَ حاضر أمرهم لم يَنْبِسُوا
ومن وراء ذلك كله: فليس من النَّبالة والإِنصاف أن تهاجم من لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ويردَّ عليك قولك، وقد أمرنا ديننا في مثل هذه المواطن بالمكاشفة والمواجهة، يقول ربنا عزَّ وجلّ يخاطب نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواءٍ} [الأنفال: 58]، قال أبو جعفر الطبري: فناجزهم بالحرب، وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم بما كان منهم من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر.
وجاء في حديث سلمان الفارسي الذي أخرجه الترمذي وأحمد: "وإن أبيتم نابَذْناكم على سواء"، قال ابن الأثير: أي كاشفناكم وقاتلناكم على طريق مستقيم مستوٍ في العلم والمنابذة، منا ومنكم.

وهذا أوان الفحص عن أمر الأستاذ حسين أحمد أمين، وما كتبه في حق شيخ العربية محمود شاكر.
وبدءة ذي بدء، فإني أقول للأستاذ حسين: لقد بنيت مقالتك هذه على إثر مقابلة مع الشيخ محمود لم تقع منك موقع الرضا، وكانت هذه المقابلة يوم 12 ديسمبر 1983م، وإني لأعجب لك ومنك يا رجل: هذه خمسة عشر عاماً مُجَرَّمة - بتشديد الراء، أي تامة - منذ تلك الليلة التي أشعلتك ناراً، وأنت لا زلت طاوياً صدرك على هذه الحَسِيكة، فأيُّ صبرٍ على الكريهة هذا؟ وأي حِمل ثقيل حملته وظللت تدور به حالّاً ومرتحلاً طوال هذه السنوات الطِّوال التي يمحو الله فيها ما يشاء ويثبت.
ويحضرني الآن شاهد من الشعر وصورة من التشبيه، ولكني أمسك عنهما؟ صوناً لنفسي من الزلل، واستمساكاً بأصول أخلاقية ألزمت بها نفسي منذ أن عرفت طريقي للكتابة والمذاكرة والمحاضرة. وأنا أنشد لنفسي دائماً قول ابن فرج الجياني الأندلسي:
فملَّكْتُ النُّهى جَمَحَاتِ أمري ... لأجريَ في العفاف على طباعي
يقول: جعلت عقلي حاكماً على نفسي، كابحاً لجماح الهوى والخطأ، لكي استمر على ما طُبعت عليه من العفة والشرف.
ثم إني علمتُ أنك كنت أعددت هذه المقالة في حينها، ودفعت بها إلى مجلة الهلال، ولكن الأستاذ مصطفى نبيل رفض نشرها، مع أن مصطفى نبيل من رؤساء التحرير الذين ينظرون إلى المكتوب لا إلى الكاتب، وهو أيضاً يفتح كل النوافذ، ولا يتعصب لاتجاه لحساب اتجاه، فما أعرض عن مقالتك إلا لما وجد فيها من انحراف وضلال، كما قالت العرب في كلامها الحكيم: "لو كان خيراً ما تركوه". وكأني بك يا أستاذ حسين تنشد مصطفى نبيل قول أبي الأسود الدؤلي يعاتب الحصين بن الحر العنبري، وكان أبو الأسود قد أرسل له كتاباً يستجديه فأهمله، فقال أبو الأسود:
نظرْتَ إلى عُنوانه فنبَذْتَهُ ... كَنَبْذِكَ نَعْلاً أَخْلَقَتْ من نِعالكا
[أخلقت: أي بليت وتقادم عليها عهد].

وأول ما أبدأ به الكلام أن أقول: إن ما حدث للأستاذ حسين، ومن قبله للسيدة صافيناز، من جفاف مقابلة الشيخ محمود شاكر، إنما هو ما أسمِّيه: صدمة اللقاء الأول. فمحمود شاكر يحب أن يعجم عود من يزوره أول مرة، وهل يصبر على تكاليف العلم، وأعباء التلقي والسماع، أم هو إنسان جاء (يتفرج على هذه القعدة) ويرى بعض الشخصيات، ثم يخرج إلى الناس ويقول: إني حضرت ندوة محمود شاكر، كهؤلاء الذين يقولون: إننا من تلاميذ العقاد، لأننا كنا نحرص على حضور ندوته، ويعلم الله أنه ما كان يُلقي إلى كثير منهم بالاً.
ومحمود شاكر ليس عنده وقت يضيعه في المجاملة والمصانعة. وهذا شيء عرفناه منه، يهاجم في اللقاء الأول هجوماً شرساً، فإذا رأى الذي أمامه حريصاً على العلم راغباً فيه أقبل عليه واستمسك به وشَدَّ عليه يد الضَّنانة. وفي محنة هذا اللقاء الأول ثبت من ثبت محسناً في ثباته، ونكص من نكص مسيئاً في نكوصه. ولو أنهم صبروا حتى يطمئن إليهم لكان خيراً لهم.
على أنه مما يزيد في محنة اللقاء الأول أن يكون لهذا الزائر الوافد الجديد صورة سابقة عند الشيخ محمود، كأن يكون منتمياً إلى اتجاه معين، أو يكون قد كتب شيئاً لم يعجب الشيخ.
وسآخذ في مناقشتك الآن يا أستاذ حسين، وسأترك الحديث عن الشتائم التي وجهتها للشيخ، إلى آخر المقالة، حتى تكون آخر ما يذكره القارئ من أمرك.
أولاً: قلت إن مفتاح شخصية محمود شاكر يكمن في إحساسه العميق بالفشل، وفي شعوره بأن حياته قد ضاعت سدى.
أي فشل يا أستاذ وأي ضياع؟ إن الذي يعرف محمود شاكر عن قرب لا يحس شيئاً من ذلك. وقد عرفت هذا الرجل معرفة وثيقة خلال ثلاثين عاماً، وخبرت سواده وبياضه، وكاشفني بذات نفسه ودخيلة أمره وتقلبه في العالَمين، وقد رأيت إنساناً سويّاً واضحاً مكشوفاً، لا يداري ولا يماري، يصرّح ولا يكني، ينطق ولا يجمجم، باطنه وظاهره سواء، وهو سعيد منشرح مقبل على الحياة، يستمتع بطيباتها إذا أقبلت، ولا يحفل بها إذا أدبرت، وينعم بما أفاء الله عليه من مكتبة ضخمة عامرة، لم تتيسّر لأحد من علماء عصرنا، قرأها كلها قراءة كتاب واحد، بذلك العقل الذكي الذي يجمع كل شاذَّة وفاذَّة، ثم هو سعيد أيضاً بالقلوب التي تجمعت حوله، طوائف من مختلف البلدان والأعمار والانتماءات، وسعهم هذا البيت الكبير، الذي لم يعرف الرسميات فلم يُفتح لهم ساعة دون ساعة.
وقد وصفت كثيراً مجلس محمود شاكر وما ضمّ من فئات الناس، ونقلت وصف الأديب الكبير فتحي رضوان له، وهو قوله: "كان بيته ندوة متصلة لا تنفض، من أعضائها الثابتين: يحيى حقي إذا حضر من أوروبا، وعبد الرحمن بدوي، وحسين ذو الفقار صبري، وغيرهم وغيرهم، ولم يكن من حظي أن أكون عضواً دائماً فيها، فقد كنت أُلمّ بهم أحياناً، فأراهم وأرى من العالم العربي كله، ومن العالم الإِسلامي على تراميه، شخصيات لا حصر لها، تتباين بعضها عن بعض، في الزي والمظهر والثقافة واللهجة، والشواغل والمطامح، ولكنها تلتقي كلها عند محمود شاكر، تسمع له، وتأخذ عنه، وتقرأ عليه، وتتأثر به، وكلما كان من حظي أن أشهد جانباً من هذه الندوة أحسست بسعادة غامرة، أن يبقى ركن في بلدي كهذا الركن، ينقطع أصحابه للفكر والدرس والتحدث في أمور لا تجد من يسمع بها أو يعرف عنها شيئاً في مكان آخر"، انتهى كلام الأستاذ فتحي رضوان.
ومن الحقائق التي لا تُدفع أنه لم يحظ أحد من الأدباء المعاصرين الكبار، الذين تقام لهم الموالد ما بين الحين والحين، بمعشار ما حظي به محمود شاكر من التلاميذ والمريدين الذين صار كثير منهم رؤوساً ورؤساء ببلادهم ومواقعهم.
أما هذه الحدة التي في طبع الشيخ - ونحن نعترف بها - فليست نتيجة الإِحساس بالفشل، أو ضياع الحياة سدى. هذه الحِدَّة يا سيدي جاءت نتيجة لإِدراك الرجل لمأساة هذه الأمة العربية التي ورثت مجداً شامخاً أضاعه الورثة من أبنائها. وقد تنبه الرجل منذ طراءة الصبا وأوائل الشباب إلى محنة أمته العربية، في قطع صلتها بموروثها العظيم، ثم وقوعها في حبائل العدو، ينهش في عظمها ويُحكم الغُل في أيديها، فسارت حياته في طريقين استويا عنده استواء واضحاً:
الأول: العلم والمعرفة يعبّ منهما عباً، ويغُري الناس بهما إغراءً.
والطريق الثاني: التنبه الشديد لما يحاك لأمتنا العربية من كيد ومكر، وقد حارب في سبيل كشف ذلك وتعريته في جبهات كثيرة، مما فضَّلتُه في غير موضع من كتاباتي.
وقد أورثه شعوره بذلك الهم الكبير حدَة في الطبع، وشراسة في الخطاب. والحِدَّة: إذا كان هذا هو مبعثها ومحرِّكها لم تكن مذمومة، فقد جاء في الحديث: "الحِدَّة تعتري خيار أمتي"، قال ابن الأثير: "الحِدَّة كالنشاط والسرعة في الأمور والمضاء فيها، مأخوذ من حد السيف، والمراد بالحدة هاهنا: المضاء في الدين والصلابة والقصد في الخير، ومنه الحديث: "خيار أمتي أحِدَّاؤها"، وهو جمع حديد، كشديد وأشداء".
وقد تحدثت يا أستاذ حسين عن قلة إنتاج الرجل، مع هذه الشهرة العريضة والقراءة والثقافة التي لم يُحصل طه حسين جزءاً من المائة منها، وقد صدقت في هذا، لكنك لم تصدق في ذلك السياق كله، فقد ذكرت أنه مع شهرته لم يترك غير كتاب عادي عن المتنبي، وديوان شعر هزيل ضحل، ثم تحقيق لبعض كتب التراث. وهذا كله باطل.
فكتابه عن المتنبي ليس كتاباً عاديّاً، فقد عرض فيه لقضايا ثلاث، لم يكشف القول فيها غيره، ولم يحسم الحكم فيها سواه: نسب المتنبي - حبه لخولة أخت سيف الدولة - ترتيب القسم الثاني من شعر المتنبي على السِّنين. وقولك: "ديوان شعر هزيل ضحل" ليس لمحمود شاكر ديوان شعر مجموع، وإن كان له شعر معروف، أذاعه من قديم وطرب له الناس. ولعلك تقصد "القوس العذراء"، وهي قصيدة طويلة مستوحاة من قصيدة للشمَّاخ، وهذه "القوس العذراء" من عيون الشعر العربي، وقد هزت الدنيا وشغلت الأدباء، وكتب عنها كبار الأدباء: إحسان عباس، ومحمد مصطفى هدَّارة، ومحمد أبو موسى. ثم كتب عنها المفكر والأديب الكبير زكي نجيب محمود، ولا شك أنك تعرفه حق المعرفة، لأن له مع والدك تاريخاَ قد يسوؤك بعضه!
وكلمة زكي نجيب محمود عن "القوس العذراء" كلمة عالية جدّاَ، وقد أذاعها في مجلة الكتاب العربي (أغسطس 1965م)، قال في أولها: "درة ساطعة هذه بين الدرر، وآية هذه من الفن محكمة من آيات الفن المحكمات".
وقال في آخرها: "وإني لأستأذن أديبنا شاكر في أن أهدي آيته هذه إلى شعراء اليوم ليروا بآذانهم وليسمعوا بعيونهم، إذا كانت للآذان رؤية، وإذا كان للعيون سمع، كيف يكون الفن الشعري صياغة وارتفاعاً في دنيا القيم من حضيض إلى أوج".
ثم إن قولك: "تحقيق بعض كتب التراث "يدل على عدم معرفتك، أتسمِّي تحقيق ستة عشر جزءاً من تفسير الطبري، وستة أجزاء من "تهذيب الآثار" له، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام، ودلائل الإِعجاز وأسرار البلاغة، وكلاهما لعبد القاهر الجرجاني، والمكافأة وحسن العقبى لابن الداية الكاتب، وفضل العطاء على العُسْر لأبي هلال العسكري، وإمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع، للمقريزي، وكتاب الوحشيات لأبي تمام، وجمهرة نسب قريش، وأخبارها للزبير بن بكار. أتسمي ذلك كله بعض كتب التراث؟
وإن في بعض حواشيه على هذه الكتب ما يعدّ علامات ضخمة في طريق الفكر العربي والإِسلامي. ولو كنتَ مُهَيَّاً لإِدراك مرامي هذه التعليقات لدللتكَ عليها. ثم انظر القائمة الببليوجرافية التي أصدرها المجلس الأعلى للثقافة ودار الكتب المصرية بذكرى الأربعين لوفاته وسترى فيها رصداَ جيداَ لإِنتاج محمود شاكر منذ سنة 1926م إلى سنة 1997م، وهي السنة التي توفي فيها.

وإذا كنت ترى أن هذا الإِنتاج كله قليل بالنسبة لرجل في مثل قامة محمود شاكر: فإن أثر العالم لا يقاس بكثرة إنتاجه، ففي تاريخنا التراثي أعلام احتلوا مكانة عالية بكتاب واحد أو كتابين ليس غير، فسيبويه إمام النحاة ليس له إلا "الكتاب"، وليس لابن سلاَّم إلا "طبقات فحول الشعراء"، والقَرْشي ليس له إلاَّ "جمهرة أشعار العرب"، وابن عبد ربه ليس له إلا "العقد الفريد"، وابن خلكان ليس له إلا "الوفيات"، وليس لأبي الفرج الأصبهاني إلاَّ "الأغاني" و "مقاتل الطالبيين".
وفي عصرنا الحديث لم يترك الأستاذ أمين الخولي من الكتب ما يجاوز أصابع اليد الواحدة، ومع ذلك فإن تلاميذه يرونه رأساَ في المنهج، وأنه فتح لهم أبواباً من النظر والتأمل لم يفتحها غيره.
ويتبع وصف محمود شاكر بالحِدَّة وصفه بالتعالي والاعتداد بالنفس وحب الثناء. وهذه القضية ينبغي أن تعالج في هذا الإِطار:
العلماء الكبار حين يرون أن الله قد وهبهم ما لم يهبه لغيرهم، يرتفعون بأنفسهم عما حولهم، وفي بعض اللحظات يرون أن من عداهم لا وزن لهم. رُوي أن إبراهيم بن المهدي، وهو أخو هارون الرشيد، وكان حاذقاً بالغناء، اختلف هو وإسحاق الموصلي - وكان أيضاً من أساطين الغناء والموسيقى - اختلفا في صوت، ففال إبراهيم لإِسحاق: "إلى من نتحاكم والناس مَن عدانا بهائم"؟، وقال الأصمعي:سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول - ولم يقله إن شاء الله بغياً ولا تطاولاً-: "ما رأيت أحداً قطُّ أعلم مني".
على أن حب الثناء مركوزٌ في الطباع، ثابت في أصل الخِلقة. قال أبو حيان التوحيدي: "ومن لم يرغب في الثناء فقد رغِب عن ملة إبراهيم؛ لأن الله تعالى أخبر أنه سأله ذلك فقال: {واجعل لي لسان صدق فى الآخرين} [الشعراء: 184]، ولسان الصدق: هو الثناء الحسن.

وإذا بلغ الكبار هذا المبلغ من سعة العلم وغزارة المعرفة كان حقيقاً على الناس أن يُوسِعوا لهم في المعذرة، وأن يتغمدوا أخطاءهم. ذكر الحافظ الذهبي في ترجمة التابعي الجليل "قتادة بن دِعامة الشَدوسي" أنه كان يرى القول بالقدر، وهي مقالة منكورة عند أهل السنة والجماعة، ثم عقَب الذهبي على ذلك، فقال في كتاب سير أعلام النبلاء 5/271: "ثم إن الكبير من أهل العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحُه وورَعُه واتباعُه، يُغْفر له زَلَـلُه، ولا نضلِّله ونطرحه وننسى محاسنه". وهذا كلام عال نفيس في تأصيل موضوعية النقد ورحابة الصدر العلمي، والإِنصاف في تغليب الإِيجابي على السلبي في الحكم على الرجال، على حد قول زفر بن الحارث:
أيذهب يومٌ واحدٌ إن أسأتُه ... بصالح أيامي وحُسْنِ بلائيا
وقول المتنبي:
فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللائي سَرَرْن ألوفُ
وقول الآخر:
وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءت محاسنُه بألف شفيعِ
وهكذا ينبغي أن يُنظَر إلى محمود شاكر، أنه من هذا الطراز، رجل حصّل من العلم ما لم يحصله غيره، وجمع من الكتب ما لم يجمعه سواه، وقرأ قراءة ما أطاقها أحد من جيله، ثم إنه راعه ما رأى فيه الأمة من جهل وتأخر، وفزع من قضية انتحال الشعر الجاهلي، واهتاج لما رآه من محاولة اغتيال تاريخ الأمة العربية، في علومها ومعارفها كلها، وطَمْس معالم حضارتها، ولم تكن المسألة عند الرجل من باب التوهم والظنون، والتماس المعابة عند الآخرين، فقد قامت دلائلها عنده واضحة جلية، ثم أثبتت الأيام صدقها فيما بعد.
وحين ظهرت أمامه صدع بالحق وكشف العلة، وحطَّم الأغلال، ولم يبال بمن يقع عليه مِعْوله، قديماً كان أو حديثاً، من أبناء دينه أو من غيرهم، وكثير من الناس الذين يأخذون الأمور من أيسر طرقها يرون أن محمود شاكر قد حارب طه حسين وسلامه موسى ولويس عوض ليس غير، وهذا غير صحيح؟ فإن محمود شاكر وهو بسبيل تصحيح النظر إلى تراث هذه الأمة، ثم الدفاع عنه، تناول أعلاماً كباراً من المتقدمين بنقود قاسية جدّاً، وفي هذا الطريق نقد الجاحظ والمرزوقي والتبريزي، بل إنه نقد الإِمام الجليل أبا بكر الباقلاني في كتابه "إعجاز القرآن" الذي يراه أهل العلم رأساً في هذا الباب، ونقد من قبله المتكلمين المسلمين، وبخاصة المعتزلة، في قضية إعجاز القرآن، وكان يرى أن المعتزلة قد خدعوا الناس بمقولاتهم العقلية، بل رأيناه هو يقسو على نفسه كثيراً إذا زلَّ في فهم، أو غاب عنه وجه الصواب، ومن أمثلة ذلك استدراكاته على تحقيقاته التي يثبتها في آخر الكتاب، أو في الطبعة التالية، وهذه نماذج من تلك الاستدراكات التي شدَّد فيها على نفسه هو، وقد اخترتها من تحقيقه لكتاب جمهرة نسب قريش، للزبير بن بكار، يقول: "وقد أسأت أشدّ الإِساءة في الحاشية رقم (3) وينبغي طمس هذه الحاشية". ويقول عن شيء من تفسيره، وظهر له خطأه: "وفسَّرتُه متعجِّلاً"، ويقول في موضع ثالث: "وهو سهوٌ مني شديد".
ويقول في مستدركات تحقيق طبقات فحول الشعراء: "عجلتُ فقلت ما قاله ياقوت، فأخطأت خطأً لا شك فيه، فلا أدري كيف تهاوى فيه ياقوت؟"
نحن إذن أمام رجل يتحرَّى الصواب، ويروم الصدق، وقد التزم جانب المكاشفة والمصارحة، وترك التجمُّل والتكلّف والمصانعة، ويعلم الله أننا لو رُزقنا بضعة رجال من طراز محمود شاكر لكان الحال غير الحال!
ثم ذكرتَ يا أستاذ حسين ثورة الشيخ محمود على الأفغاني والشيخ محمد عبده، وقد غاب عنك أن الذي يقوله الشيخ في هذين الرجلين هو رأي كثير من الناس، من قبل محمود شاكر ومن بعده، ولقد أطلعنا الأديب المثقف الرقيق علي شلش رحمه الله، قبل وفاته بأيام، في بيت محمود شاكر، على وثائق خطيرة تدين الأفغاني، وتحقق رأي الناس فيه. أما الشيخ محمد عبده، فقد عابه كثير من الناس أيضاً لصلته بكرومر، وقصر الملك، ومن هؤلاء المفكر الكبير علي سامي النشار، وقد سجل ذلك في كتاب منشور، وقد درسناه عليه في أيام الطلب.
ثم ما كان يصح يا أستاذ حسين أن توقع الدسيسة بين الشيخ محمود، وهذا النَّفَر الكريم من الباحثين: الدكتور محمد عمارة، والأستاذ فهمي هويدي، وقد كنت كثير الملازمة للشيخ، وما أذكر أنه عرض بسوء لأيٍّ من الرجلين الجادِّين، ولقد يكون رأيه في محمد عمارة سيئاً أيام أن كان عمارة يقف في الجانب الغربي، فلما أذن الله له بالفرج والانعتاق، وانتقل إلى شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة، ثم نَسِيَ ما كان يدعو إليه من قبل، رضي عنه محمود شاكر، وكذلك كنا نحن أيضاً: أعرضنا عن محمد عمارة يوم أن كان لويس عوض يفسح له صفحة كاملة في جريدة الأهرام في الستينات، والان نحبه ونحرص على ما يكتب ونوصي بقراءته.
على أن محمد عمارة كان من أكثر الناس إجلالاً لمحمود شاكر، وإن لم يغش مجلسه، وكثير من المفكرين كانوا يحبون محمود شاكر غاية الحب، ولكنهم لا يغشون مجلسه، كأنهم يشفقون من الحدة إياها، وأذكر من كبار هؤلاء المحبين المعرضين: محمد سليم العوا وطارق البشري. وأشير هنا إلى أن محمد عمارة قد أسرع إلى مسجد عمر مكرم ليقدم واجب العزاء في الشيخ محمود، وإن لم يعرف أحداً من أسرته، وقد شدّ على يديّ معزياً، وقال لي: البركة فيك يا محمود، وهي كلمة ذات دلالة. فكأنه يقول: إننا نريد لفكر محمود شاكر أن يستمر، ولطريقه أن يظل مسلوكاً.
وكأنك يا أستاذ حسين حين ذكرت اسم محمد عمارة وأقحمته إقحاماً وزججت به زجّاَ، إنما أردت أن تستدرج الرجل ليعفو عنك ويمحو في طبعة قادمة، ما دمغك به في كتابه الجيد: الإِسلام بين التنوير والتزوير، الذي صدر عن دار الشروق سنة 1995م، فقد عقد فصلاً عنك، سمَّاه: "الهزل وغيبة العدالة في تناول الإِسلام"، وقد وصفك في هذا الفصل بأنك من الذين يزعمون أنهم مجتهدون في الإِسلام، ومجددون في فكره، مع افتقادهم وافتقارهم للحدود الدنيا من دراية العلم وعدالة العلماء، بل ومع اتصافهم بقدر من سوء النية في عرض قضايا الإِسلام.
وقد ذكر محمد عمارة في حواشي هذا الفصل أنه التقاك (الأفصح والأكثر: لقيك)، وقد لقينا من كلام حسين أحمد أمين نَصَباَ! في مكتبة دار الشروق بحضور صاحبها الأستاذ إبراهيم المعلم، وسألك عما سقطت فيه من الهجوم على سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقال لك: ماذا تريد؟ فقلت: أريد أن أشكك في كل شيء!
وأقول: إن من حق محمد عمارة - بعد أن كتب فيك ما كتب وقرأ كلامك اليوم - أن يُنشدك ونحن أيضاً نُنشدك معه، قول الفرزدق يهجو جديع بن سعد الأزدي:
لا تَحْسَبَنَّ دراهِماَ أَعْطَيْتَها ... تَمْحُو مخَازيَك التي بِعُمان
فماذا تنتظر يا أستاذ حسين من محمود شاكر، ثم من غيره ممن يحترمون تاريخهم ويوقرون رجالهم، ماذا تنتظر منهم بعد أن أهنت الوارث والموروث؟
وليس يصح لك أن تستنصر باسم والدك العظيم رحمه الله، فهو كان على الجادة، أقام للحضارة العربية صرحاً شامخاً، وأنت انحرفت عن الطريق، وأخذت تضرب في هذا الصرح، ولكن من نِعَم الله أن جعل مِعْولك ضعيفاً، كما جعل كيد الشيطان ضعيفاً، فما ينفعك شيئاً (26) كلما حزبك أمر أن تفزع إلى اسم أبيك، فلن يَجْزي والد عن ولده شيئاً، ولو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد صلى الله عليه وسلم يدها، وبما أنك قد سببت واحداً من الصحابة الأكرمين، ولم يفعلها أبوك، فإننا ننشدك قول الأعشى:
كلا أَبَوَيْكم كان فَرْعاً دِعامةً ... ولكنهم زادوا وأصبحت ناقصاً
ثم أنشدك قول الآخر (وقد أعْجلْتني عن أن أنسبه لك):
إن القديم إذا ما ضاع آخره ... كساعدٍ فلَّه الأيامُ محطومُ
ثم أنشدك - وهو أخفُّ الشواهد عليك إن شاء الله - قول أبي تمام:
وابن الكريم مطالَبٌ بقديمه ... غَلِقٌ وصافي العيش لابن الزُّفَلِ
وأخيراً أترحَّم على والدك العظيم ثم أنشدك وأنشده قول جرير يخاطب الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز:
تَزَوَّدْ مثل زادِ أبيكَ فينا ... فنعم الزادُ زادُ أبيك زادا
ثم إنك غضبت من الشيخ محمود لأنه ذكر أمامك راياً في والدك لم يقع منك موقع الرضا، فاعلم أن ليس محمود شاكر أول من أبدى رأياً غير طيب في والدك، فالعقاد فعل ذلك، وأظنك لم تنس كتاب زكي مبارك "جناية أحمد أمين على الأدب العربي"، وأذكر أن أساتذتنا في أيام الطلب كانوا يكثرون من نقد كتب أبيك في عصور الإِسلام، كلٌّ في مجال تخصصه، ومن هؤلاء العالم الكبير الدكتور ضياء الدين الريس في كتابه الماتع: "النظريات السياسية الإِسلامية"، وأنت الذي أصررت أن تستخرج رأي محمود شاكر في أبيك، وقد ذكرت أنك كلما ألححت عليه في الطلب قال لك "فَوِّتْ"، وكأنه رحمه الله كان يريد أن يقول ما قالته العرب قديماً: "اعْفُ عن ذِي قَبْر"، ثم أما بعد:
فيا أستاذ حسين أحمد أمين: لقد وصفت شيخ العربية وحارسها محمود محمد شاكر - على لسان الحاج وهبه، وقد برئ منه في العدد الرابع من الجيل، فصار الكلام خالصاَ لك، وخارجاً من كيسك وحدك - وصفت الشيخ بأنه فظ فظ فظ، وأنه يدور كالثور الهائج يهاجم ويطعن ويسبّ ويلعن. فأتيت بذلك منكراً من القول وزوراً، ولقد أهنت الأمة العربية كلها في شخص علَم كبير من أعلامها، ورأس ضخم من رؤوسها، وهذه الإِهانة لا يُعتذر عنها، ولا تسقط بالتقادم، وقد قال أبو الطيب الصعلوكي - من فقهاء الشافعية في القرن الرابع -: "عقوق الوالدِين يمحوها الاستغفار وعقوق الأستاذِين لا يمحوها شيء".
ولقد كان محمود محمد شاكر أستاذ الأستاذين. فيجب عليك أن تبرأ من هذا الكلام وتخرج من عُهدته، ثم تتوب إلى ربك وتستغفره بعد أن تغسل فمك سبع مرات إحداهن بالتراب، ليطهر من هذه البذاءات التي خرجت منه.
وعلى المستوى الشخصي فقد أدميت قلبي، وأوجعت ظهري، فلساني لا يطاوعني أن أقول لك ما يقوله بعض الناس في مثل هذه المواقف: سامحك الله، أو غفر الله لك، ولكني أدعو عليك بأن يُسْخِنَ الله عينَك، وأن يُقَيِّض لك من يكوي منك الرأس والدماغ، ولا يمنعني من الاسترسال في الدعاء عليك إلا حديثه صلى الله عليه وسلم: "لا تُبَرِّدوا عن الظالم"، أي لا تشتموه وتدعوا عليه، فتخففوا عنه من عقوبة ذنبه. وقوله لعائشة رضي الله عنها وقد سمعها تدعو على سارقٍ سرقها، فقال: "لا تُسَبِّخي عنه بدعائك عليه"، أي لا تخففي عنه الإِثم الذي استحقه بالسرقة.
ولو قام تلاميذ محمود شاكر - وهو كُثُر في الشرق والغرب - بِرَدّ شتائمك عليك وبَسْط ألسنتهم بالسوء فيك، ما كان عليهم لوم ولا تثريب، ولا تجزع ولا تفزع من فعلهم، فأنت البادئ وأنت المعتدي، وقد قال أبو ذؤيب الهذلي:
لا تَجْزَعَنْ من سُنَّةٍ أنت سِرْتَهَا ... فأؤَّل راضي سُنَّةٍ من يسيرُها
وإذا كنت قد وصفت شيخنا بأنه يدور كالثور الهائج - وهذه عظيمة من العظائم - فإني أنشدك أيضاً لأبي ذؤيب، من القصيدة نفسها:
فلا تك كالثور الذي دُفِنَتْ له ... حديدةُ حَتْفٍ ثم ظَلَّ يُثيرها
وصدق الله العظيم: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل}.
وتبقى قضية لا بدَّ من الإِشارة إليها وبيان وجه الحق فيها، على سبيل الوجازة والاختصار، وهي قضية (محمود شاكر ولويس عوض)، وآخر ما رأيته من ذيولها كلمات قالهن الدكتور ماهر شفيق فريد، وهو كاتب مثقف محتشِد، لكنه أنبأنا الآن أنه من مريدي ومحبي الدكتور لويس عوض، ولا بأس ولا نكران، وإن من حقه علينا أن ينشدنا قول أبي ذؤيب الهذلي:
وعيَّرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهرٌ عنك عارُها
وقوله: "ظاهر عنك عارها"، أي زائل عنك هذا العار لا يعلق بك.
وهذه الكلمات قالها الدكتور ماهر بجريدة الأهالي 8 من أكتوبر 1997م، في سياق كلام له عن ديوان "أغاني العاشق الأندلسي" لصديقنا الشاعر عبد اللطيف عبد الحليم (أبو همام)، فحين عرض الدكتور ماهر لقصيدة أبي همام عن شيخه وشيخنا أبي فهر في عيد ميلاده الثمانين، فتح أقواساً واستفرغ فيها جهداً بهذا الكلام عن أبي فهر: " لا أستطيع مهما بلغت بي الرغبة في أن أكون منافقاً أن أتظاهر بأني حزنت على رحيل الرجل الذي سبّ لويس عوض العظيم سبّاً قبيحاً".
يا دكتور ماهر: حاشاك أن تكون منافقاً، لماذا تركب هذا المركب الصعب؟ قل في محمود شاكر ما تشاء، لكن لا ينبغي أن تكون كراهيتك له من أجل موقف واحد، هو موقفه من لويس عوض! فما يقال لك إلا ما قد قيل للذين من قبلك: لقد غضبتم من محمود شاكر لأنه جرح لويس عوض، ولم تغضبوا من لويس عوض لأنه قتل أمة بأسرها، أو أراد أن يقتلها، فغضبتم من جارح، ولم تغضبوا من قاتل، فكنتم كما قال الفرزدق:
أَتغْضَبُ إن أذنا قُتَيْبَة حُزَّتا ... جِهاراً ولم تغضب لقَتْل ابن خازِمِ؟
ومهما يكن من أمر فقد خاض محمود شاكر معركة شرسة مع الدكتور لويس عوض بسبب مقالاتِ هذا في جريدة الأهرام حول "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، وكان لويس عوض قد ذهب إلى أن أبا العلاء قد تأثر بالفكر اليوناني والأدب اليوناني، وأن "رسالة الغفران" تتشابه في كثير من جوانبها مع مسرحية "الضفادع" لأرسطوفانيس، وقد غضب محمود شاكر من هذه المقالات غضباً شديداً، واستخرجت منه آراءه وأفكاره التي طوى عليها صدره رَدَحاً من الزمن، فهبّ يدفع مقالات لويس عوض، ثم استطرد إلى فتن أخرى كثيرة، تريد أن تغتال تاريخ الأمة اغتيالاً، ومنها: قضية الدعوة إلى العامية في مصر. وقد أودع ذلك كله كتابه الدامغ "أباطيل وأسمار".
ولأن الدكتور لويس عوض مسيحي، فقد بدا لبعض الناس - ومنهم الأستاذ نسيم مجلى - أن يضعوا القضية في إطار التصادم الإِسلامي المسيحي، ثم تصوير لويس عوض بأنه الديمقراطي الحر المعتدى عليه، وأن محمود شاكر مثال صارخ للتراثي المتخلف المتعصب لحد النخاع، وأنه انتهز فرصة لويس عوض ليوجه ضربة قاصمة لتيار الحداثة في الأدب والفن والفكر، وهو التيار المرتبط بالمفاهيم العقلانية والثقافة الغربية العصرية، لصالح التيار السلفي التقليدي أو الأصولي - هكذا قال صديقنا نسيم مجلى في كتابه: صدام الأصالة والمعاصرة ص 10، وكان قد قال من قبل في ص 8: "إن شاكر يفسّر الثقافة والتاريخ من خلال منظور ضيق جدّا، هو المنظور الديني فقط، بحيث ينعكس على رؤيته لكل إبداعاتنا الأدبية والنقدية الحديثة".
وكنت قد نقلت من قبل كلمة الأستاذ سمير غريب، أن ما قاله محمود شاكر في الفن الفرعوني "يمكن أن يستند إليه المتطرفون دينيّاً". وهذا كله باطل من القول يأخذ بعضه برقاب بعض، فمحمود شاكر لم يكن يوما متطرفاً، ولا محارباً للعقل، وإنما هو رجل مؤمن بتاريخ أمته، وفيٌّ لثقافتها، مدرك لعبقريتها، يسوؤه ما تردّت فيه من أسباب الضعف والتفكك، وفي سبيل دفاعه عن تاريخ أمته وعلومها ومعارفها خاض معارك كثيرة، وقد خاضها وحده غير متحيز إلى فئة ولا منتصر بجماعة، ولم يكن من بين من حاربهم إلاَّ مسيحيٌّ واحد، هو لويس عوض، ومن وراء لويس عوض كان من الذين صارعهم محمود شاكر واشتد في حربهم: طه حسين وعبد العزيز فهمي وسيد قطب، بل إن موقفه العنيف من الشيخ حسن البنا وجماعة الإِخوان المسلمين معروف مذكور، وكان عنيفاً جداً مع حسن البنا وجماعته، وهو ما كان يأخذه عليه كثير من المسلمين، وما أريد أن استطرد في هذه القضية فلها مكان آخر، غير أني أريد أن أنبه الأستاذ نسيم مجلى ومن يَلُفُّ لَفَّه إلى نقطة يبدو أنها غائبة تماماً عن نسيم مجلى؛ لأنه حديث عهد بمعرفة محمود شاكر، فأقول:
يا أستاذ نسيم: إن صلة محمود شاكر بالأدباء والمفكرين المسيحيين قديمة جداً، ومتينة جداَ، وإن بينه وبين كثير منهم مودة وصفاء. ومن أقدمهم في حياة محمود شاكر: الطبيب عالم النبات والحيوان الفريق أمين باشا المعلوف، يقول محمود شاكر في وصفه: "دخل علينا رجل عظيم القدر، كنت أحبه ويحبني كان يومئذ شيخاً فوق الستين، وكنت أتوهمه فوق السبعين، كان ذكي العينين باسم الثغر"، ثم ذكر فضله عليه وإطلاعه إياه على نسخة من ديوان المتنبي بشرح اليازجي، وعلى هوامشها فوائد جليلة - لاحظ أن محمود شاكر في هذا الوقت كان فتى في السادسة والعشرين من عمره. انظر كتابه: المتنبي ص 43.
ومنهم فؤاد صرُّوف ويعقوب صرُّوف، صاحبا المقتطف، وقد افردا له عدداً خاصاً من المقتطف، نشر فيه كتابه الرائد عن المتنبي (يناير 1936). ويقول محمود شاكر في بيان قصة تأليفه كتابه عن المتنبي: "والفضل في الذي بلغته مردود كله إلى أخي وصديقي الذي لا أنساه الأستاذ فؤاد صروف، أطال الله بقاءه".
ثم شفيق ونجيب متري، أصحاب دار المعارف، وقد اختار مطبعتهم لطبع الستة عشر جزءاً من تفسير الطبري، الذي هو من أبرز أعماله التحقيقية. ثم الأديب الكبير عادل الغضبان، الذي يقول عن محمود شاكر، في آخر قصيدة القوس العذراء: "التقى صديقنا رفيق الصبا وخِدن الشباب الأستاذ محمود محمد شاكر بصاحب دار المعارف شفيق متري.. وتطرق الحديث بينهما إلى الكلام على العمل وتجويده..."، ويخاطب محمود شاكر عادل الغضبان في آخر "القوس العذراء"، ولم يُسَمِّه، ولكنه ذكر لي أن المقصود هو عادل الغضبان، يقول له: "ولكنك بعثت كوامن نفسي منذ رأيتك، فتوسَّمت وجهك وعرفت فيه شيئاً أخطأته في وجوه كثير من أهل زماننا". ومن فضلاء المسيحيين الذين كان يحبهم محمود شاكر ويوسع لهم في مجلسه صديقنا الأديب المؤرخ الودود الأستاذ وديع فلسطين.
أما صديقه الأثير من الأحباب المسيحيين، في الأعوام الأخيرة فكان العلامة الدكتور مجدي وهبه عضو مجمع اللغة العربية، وكان محمود شاكر كَلِفاً به، محباً له، وكان يختار مجلسه بجواره في الاجتماعات الأسبوعية لمجمع اللغة العربية، ثم كان مجدي وهبه يدعوه كثيراً إلى "عزبته" لشيء من الراحة والاستجمام. وقد كتب عن كتاب محمود شاكر "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" مقالة جيدة بالإِنجليزية، ترجمها صديقنا المرحوم زهير علي شاكر ابن أخي الشيخ، باسم: "غضب مرتقب".
ومن وراء ذلك فقد حدثني محمود شاكر أن صديقه القديم توفيق دُوس باشا هو الذي عرَّفه بأم كلثوم.
ومن طريف صلة شيخنا بالأصدقاء المسيحيين: ما حدثني به هو -برَّد الله مضجعه - قال: كانت لنا جارة مسيحية فاضلة جداً، وكان من عادتها أنها تزور السيد البدوي بطنطا، فكنت إذا ذكرت لها أنَّ السيِّد البدوي هذا خرافة تغضب جداً، وتثور ثورة شديدة.
وشيء آخر: كان من حضور موائد محمود شاكر، وبخاصة إفطار يوم عيد الأضحى، على خروف العيد: الأستاذ أنور، وهو مسيحي فاضل جداً، مدرس بمدرسة الطبري، وكان الشيخ يحبه كثيراً.
فأي عصبية دينية؟ اتقوا الله يا قوم، وارْبَعوا على أنفسكم، ولا تعزفوا على هذه النغمة النشاز - نغمة الإِسلام والمسيحية - فإنها نغمة غليظة تؤذي السمع وتصُكّه صكّاَ، ثم هي بعد ذلك "حجةٌ لاجئ إليها اللئام". كما قال المتنبي.
ثم إنه من البلاهة والغباء والحمق أن يظن ظان أن محمود شاكر ومن حوله قوم من الدراويش قد لبسوا الخِرَق والمرقَّعات، وقد طالت لِحاهم، وطوِّقت المسابح الضخمة أعناقهم، وتناثر الزَّبَد على أشداقهم، وقد داروا في حلقة ذكر حول الكتب الصفراء، يتعبدون بأصحابها ويحرقون لها البخور، وقد صمُّوا آذانهم وأغمضوا أعينهم عن كل ما يدور في عصرهم!
هل تعلمون يا قوم من كان يحضر مجلس محمود شاكر بصفة دائمة؟ ثم من كان يحبه ويجلُه: يحيى حقي ومحمود حسن إسماعيل وعلي أدهم وعبد الرحمن صدقي، ومن لا يحصى من الأدباء والشعراء المعاصرين، مثل صلاح عبد الصبور، وعبد الوهاب البياتي ومحمد الفيتوري ورجاء النقاش، ويوسف شوقي أستاذ العلوم والموسيقى. وكان من ألصق الناس به: يحيى حقي ومحمود وحسن إسماعيل، وكان أثره فيهما واضحا جدّاً، وذكراه في أكثر من موضع، فيقول يحيى حقي في سيرته الذاتية: "وأثناء عملي بديوان وزارة الخارجية كانت الكتابة بالنسبة لي خاطراً غير تام الأدوات، ولكن عندما توثقت صلتي بالمحقق البحاثة الأستاذ محمود شاكر، وقرأت عليه عدداً من أمهات كتب الأدب العربي القديم ودواوين الشعر، انفتح الطريق أمامى، ومنذ ذلك الحين وأنا شديد الاهتمام باللغة العربية وأسرارها وبيانها وسحرها".
أما محمود حسن إسماعيل فقد طالت صحبته وملازمته لمحمود شاكر، وما فتئ يذكر فضله عليه وأثره فيه - ولا يخفى ما كان في محمود حسن إسماعيل من بَأْوٍ وعُجب - وعندما سُئل عن أثر محمود شاكر فيه قال: " لا أستطيع تحديد أبعاد ما حُزْتُه من صداقتي لمحمود، لقد زَجَّ بي إلى الشعر الجاهلي، وأمالني مع الشعر الأموي، وطوَّح بي مع الشعر العباسي، فأحاطني بلُحْمة الشعر العربي وسُداه جميعاً... وأستطيع القول إن شعري قبل معرفتي بمحمود كان نبعاً هادئاً فجعله بحراً متلاطماً".
هذا وقد كان من محبي محمود شاكر والعارفين قدره: عبد المنعم تليمة وجابر عصفور، وقد شكر صديقه عبد المنعم تليمة في مقدمة تحقيق أسرار البلاغة، وهو الذي حبب إليّ جابر عصفور، وكان يقول في محضر جلسائه: "الولد جابر ده كويس". وفي سرادق عزائه، جلس عبد المنعم تليمة بجوار محمد عمارة، وهكذا كان محمود شاكر يجمع كل الأقطاب، ويفتح كل النوافذ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
رحمك الله يا أبا فهر ونوَّر قبرك، وجعل كل ما قدمته لأمتك، ولتاريخها وللغتها في موازينك يوم تجد كل نفس ما عملت من خير مُحضراً، وقطع عنك ألسنة المكذّبين وادعاءات المبطلين، وما أحراك أن تُنشد هؤلاء وهؤلاء قول الشريف الرضي:
وإن مقام مثلي في الأعادي ... مقام البدر تنبحه الكلابُ
رمَوني بالعيوب ملفَّقاتٍ ... وقد علموا باني لا أُعابُ
وأني لا تُدنِّسني المخازي ... وأني لا يروِّعني السِّبابُ
ولما لم يُلاقوا فيَّ عيباً ... كَسوني من عيوبهم وعابُوا
وقد ادَّخرت نَصَّين من كلام محمود شاكر يدينان هذه النابتة التي نبتت في أرض بلادنا وتسمَّت بالجماعات الإسلامية. وهذان النصان يكشفان عن توجه محمود شاكر الفكري وإدانته لطائفة من أبناء دينه، بعيداً عن لويس عوض والمسيحية وسائر ما يدمغه به القوم.
يقول رضي الله عنه في مقدمة تحقيق أسرار البلاغة: "بل بلغت الاستهانة مبلغها في الدين، بعدما نشأ ما يُسمُّونه بالجماعات الإسلامية، فيتكلم متكلمهم في القرآن وفى الحديث بألفاظ حفظها عن شيوخه، لا يدري ما هي، ولا يرد بل يكذب أحاديث البخاري ومسلم بأنها من أحاديث الآحاد، بجرأة وغطرسة!
بل جاء بعدهم أطفال الجماعات الإسلامية، فيقول في القرآن والحديث والفقه بما شاء هو، ويرد ما قاله مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل، ويقول: نحن رجال وهم رجال! بل تعدى ذلك إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ نفسه، فيقول: نحن رجال وهم رجال!
أي بلاء حدث في زماننا هذا؟ إنما هو وباء الاستهانة بكل شيء، وباء تفشى في مصر، بل تجاوزها، ورحم الله أبا العلاء المعري، وذكر وباء نزل بمصر وغيرها فقال:
ما خَصَّ مصراً وَبَأٌ وحدَها ... بل كائنٌ في كلِّ أرضٍ وَبأْ
انطفأ سراج العلم، وسراج الخُلُق، وبقيت العقول في ظلمات بعضها فوق بعض. أيُّ نكبة نزلت بعلوم هذه الأمة العربية الإسلامية على يد الصغار في حقيقتهم، الكبار في مراتبهم التي أنزلتهم إياها تصاريف الزمان، فأطلقوا ألسنتهم في مواريث أربعة عشر قرناً، بالاستهانة والقدح والازدراء".
وبعد:
فلئن كان الأستاذ حسين أحمد أمين قد أغضبنا في أول الأمر، فإننا نشكره في آخره؛ لأنه فتح لنا أبواباً من القول، كشفت شيئاً من منهج شيخنا محمود محمد شاكر، رحمه الله.
ولازلنا ننتظر من الأستاذ حسين أن يبرأ من ذلك الكلام الذي قاله في حق شيخنا، ويعتذر عنه، وساعتها سنفرح ببراءة ساحته وخلوّ ذِمَّته؛ لأننا لا نحب أن نطوي صدورنا على مَوْجِدَة لأحد، والحمد لله الذي لا موهبة إلاَّ منه، ولا بلوى إلا بقضائه، ولا مفزع إلا إليه، ولا يُسر إلا فيما يسره، ولا مصلحة إلا فيما قدره، له الحكم وإليه المصير، يحكم بين عبادة وهو اللطيف الخبير. وصلى الله على سيدنا محمد رسوله المبعوث، إلى الوارث والموروث.
* * *

القرآن الكريم .. وتفسير العوام (27)
مع هلال رمضان من كل عام تنبعث ذكرى أعظم حادثة في تاريخ البشر، وأكبر شأن من شؤون المسلمين، وهو القرآن الكريم الذي نزل به جبريل الأمين على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي أمر بأن يبلغه الناس ويتلوه عليهم، وأُمرت الأمة الإسلامية أيضاً بتلاوته وتدبر آياته، قال تعالى: {* يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67]، وقال عز من قائل: {واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك} [الكهف: 27]، وقال تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أهل القرآن، لا توسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار"، فضائل القرآن لأبي عبيد 1/256، ومعنى "لا توسدوا القرآن" أي داوموا قراءته، وحافظوا عليه، ولا تناموا الليل عن قراءته، فيكون القرآن متوسداً معكم، وهو من الوسادة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 5/183، وقال تقدست أسماؤه: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} [ص: 29].
وتدبر القرآن لا يكون إلا بمعرفة وجوه تفسيره، والكشف عن مراد الله وفق طاقة البشر. ومن هنا كان لعلم تفسير القرآن منزلة عالية، ثم كان للقائم عليه والمعني به مكانة سامية، رُوي أن علي بن أبي طالب ذكر جابر بن عبد الله ووصفه بالعلم، فقال رجل: جُعلتُ فداك، تصف جابراً بالعلم وأنت أنت؟ فقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى: {إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معادٍ} [القصص: 85].
وقال مجاهد: أحب الخلق إلى الله تعالى أعلمهم بما أنزل، وقال الحسن البصري: والله ما أنزل الله آية إلا أحب أن يُعلم فيما أُنزلت وما يُعنى بها، وقال عكرمة في قوله عز وجل: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله} [النساء: 100]، يقول عكرمة: طلبت اسم هذا الرجل الذي خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله، أربع عشرة سنة حتى وجدته. وقال ابن عبد البر: هو ضمرة بن حبيب. وقال إياس بن معاوية: مثل الذين يقرأون وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلاً وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرأوا ما في الكتاب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة". انظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية 1/26.
فقه التفسير:
وقد أوحى الله إلى نبيه المصطفى، القرآن ومعانيه، فكان عليه السلام يفهم القرآن جملة وتفصيلاً، ليبينه للناس، قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44]، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يفهمون القرآن كذلك، لأنه نزل بلغتهم، وما خفي عليهم منه كشفه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم مع ذلك كانوا يتفاوتون في الفهم، وذلك رزق الله المقسَّم على خلقه، قال ابن قتيبة: إن العرب لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب والمتشابه، بل إنَّ بعضها يفضل بعضاً، ولذلك فقد اشتهر بعض الصحابة بفقه التفسير، كان من أبرزهم عبد الله بن عباس؛ وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له فقال: "اللهم علّمه التأويل وفقهه فى الدين"، والتأويل: هو التفسير، انظر معناه وتخريجه في: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص99.
وللتفسير أدوات وشروط، ينبغي على من يتصدى له جمعها والتزامها، يقول الزركشي: "التفسير عِلمٌ يُعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف، وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ"، البرهان في علوم القرآن 1/13.
وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجرأة على تفسير كلام الله بغير علم، فقال فيما رواه ابن عباس: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" حسَّنه وصححه الترمذي.انظر: عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي 11/67 (أبواب التفسير)، وكذلك أخرجه أحمد في مسنده 3/496.
ولعلَّ هذا التحذير من المنَّزل عليه صلى الله عليه وسلم هو الذي خوف بعض كبار الصحابة من تفسير ما لم يعرفوه من كتاب ربهم عز وجل، فقد روي أن أبا بكر الصديق سئل عن تفسير الفاكهة والأب، في قوله تعالى: {وفاكهة وأبا} [عبس: 31]، فقال: "أي سماء تُظِلُّني وأي أرض تُقِلُّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم".
وكذلك روي عن عمر أنه قرأ هذه الآية على المنبر، ثم قال: "كل هذا عرفناه فما الأبُّ؟ ثم رفع عصا كانت بيده، فقال: هذا لعمر الله هو التكلف، فما عليك ألا تدري ما الأبُّ، اتبعوا ما بُيِّن لكم من هذا الكتاب فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكِلوه إلى ربه"، انظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 6/317، وكان الأصمعي مع تبحره في اللغة وسعته في الرواية يحتمي تفسير القرآن وإعرابه. وهذا التوقف والحذر من هذا النفر الكريم إنما كان فيما لم يعملوه، بدليل قول أبي بكر: "إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم"، وبدليل أنه قد تكلم في أحكام الشرع والدين بما علم.
قال نجم الدين الطوفي الحنبلي المتوفى 716هـ: "وأما الأصمعي رحمه الله فإن كان احتماؤه للكلام فيه بما لا يعلم فهو في غاية التوفيق والصواب لأن كلامه إذن فيه يحرم، وإن كان مع العلم فذلك إما جمود وجبن، وإما خروج إلى السلامة واكتفاء بمن تكلم فيه قبله وفي عصره من الأئمة الذين هم حجة عليه وله"، انظر: الإكسير في علم التفسير ص10.
وقول الطوفي: "وإما خروج إلى السلامة"، وهو ما نقوله الآن في أيامنا: "الهروب من تحمل المسؤولية"، فانظر إلى حلاوة كلامهم وركاكة كلامنا!
غاية دينية:
ومع ذلك التوقي والحذر، فقد رأى علماء السلف من التابعين، ومن بعدهم، أنه من الواجب عليهم أن ينهضوا لتفسير كلام الله، بعد أن أخذوا له أخذه، وأعدوا له عدته، من تأمل الكتاب الكريم كله، وردِّ بعضه إلى بعض، ثم النظر فيما انتهى إليهم من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه القولية والفعلية، وما هُدي إليه كبار الصحابة من تفسير وتأويل.
وقد أعان هؤلاء السلف أيضاً ما قام به جامعو اللغة ورواة الشعر، مما وضع أمامهم زاداً وفيراً من الألفاظ والتراكيب والمعاني، فتمت لهم أدوات التفسير والتأويل والبيان.
وكان وراء هذا الذي قام به علماء السلف غاية دينية، هي حفظ ذلك الكتاب العزيز من أن تتناوله أيدي الجهلة وأصحاب الأهواء والملل والنحل، وبخاصة أن الأمة الإسلامية كانت قد انفتحت في ذلك الزمان على ثقافات ومعتقدات الأمم الأخرى، يؤنس بهذا ما ذكره العلامة الطوفي، في الموضع المذكور من كتابه، قال: "لعل علماء السلف رحمهم الله رأوا أن الكلام في القرآن متعين عليهم، وأنهم أولى به ممن أتى بعدهم، لقربهم من التنزيل ومعرفة التأويل، فيكون ورعهم وزهدهم وخشيتهم هي الحاملة لهم على الكلام فيه، خشية أن يدرس من علم شريعة الله ودينه ما لا يمكن تداركه، ورأوا أن الخطأ عنهم في ذلك موضوع (أي مرفوع معفو عنه) كالأحكام الفرعية الاجتهادية، وذلك كما حُكي عن موسى بن عقبة، لما رأى ما دخل على مغازي النبي صلى الله عليه وسلم، من الزيادة والنقص، جمع ما صح عنده من المغازي ليحرسها بذلك من الكذب".
وهكذا ندفع علماء هذه الأمة يوماً بعد يوم في استثارة كنوز هذا الكتاب الحكيم، وكشفها والإبانة عنها، بل إن علوماً بأكملها قامت ابتداء لخدمة ذلك الكتاب العزيز، ثم صارت بعد ذلك علوماً مستقلة، لها مناهجها وأدواتها وغاياتها، مثل النحو وإعجاز القرآن الذي صار أساساً لعلوم البلاغة. ومن هنا أصبح علم التفسير جامعاً لعلوم العربية كلها، وقد سبق تعريف الزركشي لعلم التفسير، والعلوم المطوية تحت جناحه، وقد جاءت كتب التفسير كلها بعد ذلك دائرة في فلك علوم العربية كلها، إلا ما قد يكون عند مصنفي التفسير من غلبة فن على فن، فالطبري يغلب عليه الاهتمام بالآثار وتفسير القرآن في ضوئها، والزمخشري يميل إلى البلاغة، والقرطبي يغلب عليه الاهتمام بالفقه والأحكام، والفخر الرازي يهتم بعلم الكلام وما إليه من العلوم العقلية، والواحدي يغلب عليه الغريب –أي علم الغريب في القرآن، من حيث اللغة- والثعلبي يحتفل بالقصص.
وبذلك لم يحظ كتاب سماوي بمثل ما حظي به هذا الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، من التأليف من لغته ونحوه وبلاغته وقراءاته وأشباهه ونظائره وناسخه ومنسوخه وفضائله، سيل متدافع من الكتب: طوالها وأواسطها ومختصراتها، بحيث أصبح من السهل اليسير على من يريد معرفة معنى لفظ من ألفاظ القرآن الكريم، أو معنى عام منه، أو حكم من أحكامه، أن يجد بغيته من أيسر سبيل، ولم يقصر علماؤنا رضوان الله عليهم في كشف المشكل وإيضاح المبهم. لكن قوماً ضعفت سلائقهم العربية، أو قعدت بهم هممهم فتكاسلوا عن البحث والتفتيش والمراجعة، فسروا بعضاً من القرآن العزيز بآرائهم، ومن عند أنفسهم فضلوا وأضلوا، حين تابعهم الناس على هذه الوجوه من التفسير، وهذه آفة الآفات.
وهذا هو الذي أراده الجاحظ بقوله: "وإنما يؤتي الناس من ترك التثبت وقلة المحاسبة"، انظر: الأوائل للعسكري 1/333، وهو أيضاً ما قاله الشيخ عبد القاهر: "وتلك جريرة ترك النظر وأخذ الشيء من غير معدنه"، دلائل الإعجاز ص 361.
ويلاحظ أن معظم وجوه الخطأ في تفسير القرآن الكريم تأتي من سرعة الاستشهاد بالآية القرآنية معزولة عن سياقها، منتزعة من أسباب نزولها، مع الغفلة عن وجه الإعراب فيها، إلى أشياء أخرى تظهر إن شاء الله من الأمثلة.
ومن العجب أن بعض هذه الوجوه الخاطئة من التفسير قديمة، وقد استمرت إلى يومنا هذا، وهو ما أسميه "تفسير العوام"، وأريد بالعوام هنا: غير أهل العلم، الذين يتحرون الصواب، ولا يقولون إلا بعد المراجعة والمفاتشة والتقصي.
تفسير العلوم:
وقد بدا لى أن أجمع قدراً يسيراً من هذه الأوجه الخاطئة أو الضعيفة، وأبين وجه الصواب فيها، أو ما هو الأرجح والأولى منها.
وأود أن أنبه إلى أنني أعرضت عما جاء من ذلك في أخبار الحمقى والمغفلين، وما أُثر عن الخطباء والوعاظ والقصاص، مما ذكره ابن الجوزي وغيره، ثم مما كان يحفل به الجاحظ، من ذكر غفلات المعلمين والقراء والمفسرين، فإن ذلك باب واسع، ولا تؤمن فيه بواعث الوضع أو التشنيع أو المفاكهة واستخراج الضحك.
وأود أيضاً أن أنبه إلى أن هذه النماذج من تفسير العوام، إنما هى من بابين:
الباب الأول: ما وقع من بعض الأقدمين واستمر فهمه والعمل به إلى يوم الناس هذا. والباب الثاني: ما رصدته أنا وتتبعته من فهم بعض المعاصرين وتفسيراتهم، وسأرتب ذلك على الآيات بحسب ترتيب السور في المصحف الشريف.
وقبل ذلك أحب أن أشير إلى أن بعض خطباء الجمعة في زمننا، وكذلك بعض المتحدثين في إذاعة القرآن الكريم، يتساهلون كثيراً ويجترئون على تفسير كلام الله عز وجل، بما تمليه عليهم النظرة العجلى، وكثيراً ما ينساقون وراء خداع الألفاظ، وتوجيه المعاني وفق ما هو متعارف بين الناس الآن من الدلالات الخاطئة.
وأمثلة ذلك كثيرة أكتفي منها الآن بمثال واحد موثق باليوم والساعة: في صباح يوم السبت 20 من نوفمبر 1998 استمعت في إذاعة القرآن الكريم إلى أحد الدكاترة –وهو رجل فاضل أعرفه- يفسر قوله تعالى: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة: 55]، قال الأستاذ الدكتور: "الزهق في الآية معناه الضجر والسأم والملل"، ثم رأى أن معنى الآية: أنهم إذا كثرت أموالهم وأولادهم انتهوا إلى حالة من الملل والسآمة، وذكر أن ذلك يرجع إلى نظرية قال بها أحد الأساتذة الأمريكيين، وهي نظرية "الاستهلاك الكبير"التي تدفع الناس بعد الشبع والامتلاء (أو الامتلاك – الشك مني أنا ومن سمعي) إلى ملالة الحياة ومحاولة التخلص منها، وفسر بذلك ظاهرة الانتحار في المجتمع السويدي، وهو مجتمع سعيد جداً؛ لأنه ليست له مشاكل داخلية أو خارجية، ومع ذلك تكثر فيه ظاهرة الانتحار". انتهى كلام الأستاذ الدكتور!
فانظر كيف فسر "الزهق"، تفسير العوام، ثم بنى عليه ذلك الكلام.
وليس "الزهق" هو الملل، إنما هو البطلان والهلاك والاضمحلال، ومنه قوله تعالى: {إن الباطل كان زهوقاً} [الإسراء: 81]، ومعنى (تزهق أنفسهم) في الآية الكريمة: أي تخرج، قال أبو عبيدة: "أي تخرج وتموت وتهلك" مجاز القرآن 1/262. وقال القرطبي في تفسيره 8/65: {وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة: 55]، نص في أن الله يريد أن يموتوا كافرين. سبق بذلك القضاء"، وقال الطبري في تفسيره 14/297: "وتخرج أنفسهم فيموتوا على كفرهم بالله وجحودهم نبوة نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم".
وواضح أن الدكتور الفاضل قد ظن أن الهمزة في قول العوام "الزهأ –وأنا زهآن" إنما هي القاف الفصيحة التي تأتي غالباً في لغة المصريين والشوام همزة، مثل: "ألت" مكان: "قلت"، و: "أريب" موضع: "قريب"، ويسرف الشوام في ذلك فيقولون: "الموسيئا" بدل: "الموسيقى"، ولا يفعل عوام المصريين ذلك في مثل هذه الكلمة، لأنها من الكلمات الثقافية التي يحافظون على صواب نطقها.
وهنا فائدتان: الأولى أن المعجم العربي لم يذكر مادة (زهأ) أصلاً، في أي معنى، أما قولهم: "زُهاء مائة" بمعنى قدر مائة، فأنت تجدها في المعاجم في مادة (زهى) لأنها من زهوت القوم: أي حزرتهم وقدرت عددهم. وهذه الهمزة التي في "زهاء" ليست أصلية، وإنما هي منقلبة عن واو، وأصلها: زهاو، ومثل ذلك: سماء ودعاء ورجاء، فأصلها كلها: سماو ودعاو ورجاو، لأن أفعالها: سموت ودعوت ورجوت. ويقول الصرفيون: تطرفت الواو ألف زائدة فقلبت همزة.
الفائدة الثانية: أن قلب القاف همزة عند عوام المصريين ليس وليد اليوم، وإنما هو قديم، وقد وجدتُ ذلك في ترجمة "جمال الدين يونس بن بدران بن فيروز الحجازي ثم المليجي المصري، المولود سنة (550هـ) والمتوفى (623هـ)، فقد قال الحافظ الذهبي في ترجمته من سير أعلام النبلاء 22/257: "وكان شديد الأدمة (أي السمرة) يلثغ بالقاف همزة"، فهل هذه الظاهرة خاصة بذلك الرجل، لقول الذهبي "يلثغ"، أم أنها كانت معروفة عند المصريين؛ ويلاحظ أن الرجل من "مليج"، وهي من قرى المنوفية الآن.
وسمعت أستاذاً جامعياً آخر –في حديث إذاعي- يترضى على الصحابة فيقول: "وهم أهل التقوى وأهل المغفرة"، وهذا انتزاع خاطئ من القرآن الكريم، فإن عبارة "أهل التقوى وأهل المغفرة" إنما هي في حق المولى عز وجل، وذلك قوله تعالى في آخر سورة المدثر: {وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة}، قال الزجاج: "أى هو أهل أن يتقى عقابه، وأهل أن يعمل بما يؤدي إلى مغفرته" معاني القرآن وإعرابه 5/250.
وأخرج الترمذي من حديث أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: "قال الله عز وجل: أنا أهلٌ أن أُتقى، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلهاً فأنا أهل أن أغفر له"، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي 12/229 (أبواب التفسير)، هكذا يكون الكلام، فاتقوا الله يا أساتذة في قرآنكم ودينكم!.
وهذا أوان الشروع في المقصود، والله المستعان:
* يقول الله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195]، يستشهد الناس بهذه الآية الكريمة عندما يرون أحدهم يقدم على خطر، كأن يعترض سيارة مسرعة، أو يسير بجانب جدار يريد أن ينقض، أو يمر يده على نار مشتعلة، أو يصارع من هو أقوى منه، ونحو ذلك من ألوان المشتقات التي لا طاقة له بها، فيقولون له: حسبك {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، والاستشهاد بالآية لهذه الحالة إرث قديم، وقد تناقلته الألسنة حتى وصل إلينا، والصحيح أن الآية الكريمة نزلت في النفقة في سبيل الله والحض عليها، بتصوير الإمساك والبخل بأنهما هلاك يلقي فيهما الممسك والبخيل نفسه، وصَدْر الآية وختامها يدلان على ذلك، قال تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}.
ثم إن سبب نزول الآية ينفي هذا التفسير الخاطئ، فقد روي عن أسلم أبي عمران، قال: "كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، وصففنا لهم صفاً عظيماً من المسلمين، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا مقبلاً، فصاح الناس فقالوا: سبحان الله! ألقى بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله تعالى دينه وكثَّر ناصريه، قلنا بعضنا لبعض سراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى في كتابه يرد علينا ما هممنا به، فقال: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}. انظر: أسباب النزول للواحدي ص51، وسنن أبي داود 3/12 (كتاب الجهاد)، والدر المنثور في التفسير بالمأثور 1/207، هذا وقد ذكر الطبري آثاراً أخرى تدل على أن المراد من الآية ترك النفقة في سبيل الله. راجع تفسيره 3/583- 589.
* يقول الله تعالى: {والفتنة أشد من القتل} [البقرة: 191]، ويقول تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217]، ويستشهد الناس بهاتين الآيتين فيمن ينقل كلاماً سيئاً من واحد إلى واحد، أو من طائفة إلى طائفة، ليوقع فتنة أو وحشة بينهما، فهي النميمة، والفتنة في اللغة هي المحنة والاختبار والابتلاء. قال الشاعر:
وقد فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان شراً طويلاً
نعم، إن النميمة تفضي إلى الفتنة، ولكن ليست هي هي، فكأن العوام فسروا الفتنة في الآيتين بما تؤول إليه النميمة، لكن هذا ليس دقيقاً، كما أن سبب نزول الآيتين ينفي هذا الفهم والتأويل، وسياق الآية الأولى هكذا: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل}، فالفتنة في الآية هي الشرك الذي أراده الكفار من المؤمنين. قال الطبري: "فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير مشركاً بالله من بعد إسلامه، أشد عليه وأضر من أن يُقتَل مقيماً على دينه، متمسكاً عليه، محقاً فيه"، تفسير الطبري 3/565.
وكذلك تُفهم الآية الثانية: {والفتنة أكبر من القتل}، في سياقها وسبب نزولها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بعث عبد الله بن جحش وناساً معه من المسلمين إلى المشركين، فقتلوا عمرو بن الخضرمي، وذلك في أول يوم من رجب، فاستنكر المشركون ذلك، وقالوا: ألستم تزعمون أنكم تحرمون القتال في الشهر الحرام؟ فنزل قوله تعالى: {يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل}، يقول: هذا كله أكبر عند الله من الذي استنكرتم، والفتنة التي أنتم مقيمون عليها، يعني الشرك أكبر من القتل، أي من قتل ابن الحضرمي، راجع أسباب النزول ص61، وتفسير مجاهد ص 232، وسيرة ابن هشام 1/604.
* يقول الله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} البقرة 224، يستشهد كثير من الناس بهذه الآية على النهي عن الحلف، وليس الأمر على ذلك، ويظهر ذلك من تمام الآية، ومن معرفة سبب نزولها، وقول أهل التفسير فيها، يقول الله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس}، قيل إنها نزلت في أبي بكر الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح بن أثاثة، حين خاض في حديث الإفك، ورمى عائشة الطاهرة بالباطل، وقيل: نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف ألا يكلم بشير بن النعمان –وكان زوجه على أخته- ولا يصلح بينهما.
وقد روي عن التابعي الجليل إبراهيم النخعي أن المعنى: "لا تحلف ألا تتقي الله، ولا تحلف ألا تبر ولا تعمل خيراً، ولا تحلف ألا تصل، ولا تحلف ألا تصلح بين الناس، ولا تحلف أن تقتل وتقطع"، وقال ابن قدامة في المغني 13/440: "ومعناه لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس"، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير"، أخرجه البخاري في أوائل كتاب الأيمان والنذور 8/159، وانظر: أسباب النزول ص72، وتفسير الطبري 4/422.
فالآية لا تنهى عن الحلف والأيمان، كيف والأيمان تُطلَب، وتدور عليها وبها أحكام كثيرة في الشرع؟ ومع هذا البيان والتوضيح والتصحيح لموضع الاستشهاد من الآية الكريمة، ينبغي أن يكون معلوماً أن الإفراط في الحلف مكروه ومذموم، لأنه يؤدي إلى الكذب، وقد قيل في تفسير قوله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} [المائدة: 89]، إن المعنى: بترك الحلف، فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات. راجع تفسير القرطبي 6/285.
* يقول الله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282]، يستشهد كثير من الناس بهذه الآية على أن التقوى طريق وسبب لتعليم الله وتوفيقه لعباده، ويسوون بينها وبين قوله تعالى: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً} [الأنفال: 26]، وقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2، 3]، وهذا التفسير غير صحيح، وبدءة ذي بدء، فإن آيتي الأنفال والطلاق مبنيتان على أسلوب الشرط والجزاء، وليس كذلك آية البقرة، فانتفت التسوية، هذا أولاُ.
وثانياً: فإن هذا الجزء المتلوّ من الآية إنما هو ختام لآية المداينة: {يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ...} الآية، وهي أطول آية في الكتاب العزيز، وقد اشتملت على أحكام في كتابة الدين والإشهاد عليه، والرهن، وقد ختمت الآية بقوله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله}، أي: واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، ويعلمكم الله أحكامه المتضمنة لمصالحكم. وقال الطبري: "يعني بقوله جل ثناؤه (واتقوا الله): وخافوا الله أيها المتداينون في الكتاب والشهود، أن تضاروهم ... ويعني بقوله: (ويعلمكم الله): ويبين لكم الواجب لكم وعليكم"، تفسير الطبري 6/93.
وهذا هو التوجيه الصحيح للآية الكريمة، لكن بعضاً من قدامى المفسرين وجهوا الآية على المعنى الذي يشيع عند العوام، ومن هؤلاء القدامى: ابن عطية في المحرر الوجيز 2/520، والقرطبي 3/406، وابن كثير 1/500، لكن المحققين على غير ذلك.
قال الزركشي في البرهان 4/143: "وأما قوله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله}، فظن بعض الناس أن التقوى سبب التعليم، والمحققون على منع ذلك، لأنه لم يربط الفعل الثاني بالأول ربط الجزاء بالشرط، فلم يقل: "واتقوا الله يعلمكم"، ولا قال: "فيعلمكم الله"، وإنما أتى بواو العطف، وليس فيه ما يقضي أن الأول سبب للثاني، وإنما غايته الاقتران والتلازم، كما يقال: زرني وأزورك، وسلم علينا ونسلم عليك، ونحوه، مما يقتضي اقتران الفعلين والتعارض من الطرفين، كما لو قال عبد لسيده: أعتقني ولك علي ألف، أو قالت المرأة لزوجها: طلقني ولك ألف، فإن ذلك بمنزلة قولها: بألف أو علي ألف، وحينئذ فيكون متى علم الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك. ونظير الآية قوله تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123].
وقال أبو حيان في البحر المحيط 2/354: "ويعلمكم الله: هذه جملة تذكّر بنعم الله التي أشرفها التعليم للعلوم، وهي جملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، وقيل: هي في موضع نصب على الحال من الفاعل في (واتقوا) تقديره: واتقوا الله مضموناً لكم التعليم والهداية ... وهذا القول –أعني الحال- ضعيف جداً، لأن المضارع الواقع حالاً لا يدخل عليه واو الحال إلا فيما شذ من نحو: قمت وأصك عينه، ولا ينبغي أن يحمل القرآن على الشذوذ".
* يقول الله تعالى: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} [آل عمران: 77].
وهذه آية يضل في فهمها كثير من الناس، وبخاصة تلك الطائفة من المتعصبين الجهلة، يقولون: إن الله نهانا أن نسمع لمن ليس من ديننا، وألا نتبع إلا من هم على ديننا الإسلامي الحنيف، وسياق الآية وسبب نزولها ينفيان ذلك، فالآية السابقة تقول: {وقالت طائفة من أهل الكتاب أمنوا بالذى أنزل على الذين أمنوا وجه النهار وأكفروا أخره لعلهم يرجعون (72) ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم}، فالآية نزلت في اليهود، حيث قال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا به في آخر النهار، ثم قال بعضهم لبعض: ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم، فكان يهودياً، فالآية تحكي عن مكر اليهود، ومحاولتهم تشكيك المؤمنين في دينهم، ورغبتهم في أن يرجعوهم عن دينهم، ولا تخاطب الآية المؤمنين وتنهاهم عن متابعة غير المسلمين، وانظر: أسباب النزول ص 104، وتفسير الطبري 5/511.
* في يوم جمعة وفي أثناء الخطبة اندفع الخطيب يحث المصلين على اصطحاب أطفالهم لحضور الجمعة والجمعات، وأخذ يحشد الأدلة والشواهد، إلى أن انتهى إلى قوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31]، فكبا كبوة لا ينهض منها، وعثر عثرة يصعب عليه التخلص منها، وذلك أنه رد "الزينة" في هذه الآية إلى أختها في سورة الكهف 46 {المال والبنون زينة الحياة الدنيا}، ويا بُعد ما بينهما! وقد غفل هذا الخطيب عن سبب نزول تلك الآية، وهو ما روي عن ابن عباس أنهم كانوا في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول وهي تطوف:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله
فالزينة في سورة الأعراف: هي الثياب، وما وارى العورة، وكذلك تُفسَّر "الزينة" في الآية التي تلي ذلك: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} [الأعراف: 32]، وانظر: أسباب النزول ص 222، وتفسير الطبري 12/389.
يقول تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرءان الفجر إن قراءن الفجر كان مشهوداً (78)} [الإسراء: 78].
* يخطئ بعض الناس في تفسير "قرآن الفجر" هنا بأنه القرآن الذي يُتلى ساعة الفجر، ثم يخطئ بعض المذيعين حين يقدمون التلاوة في ذلك الوقت، فيقولون: قرآن الفجر يتلوه الشيخ فلان. والصحيح أن المراد بقرآن الفجر، هو صلاة الفجر، أي صلاة الصبح، وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات؛ لأن القرآن هو أعظمها. إذ قراءتها طويلة ومجهور بها. قال القرطبي: "وقد استقر عمل المدينة -أى عمل أهل المدينة، وعملهم حجة- على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدراً لا يضر بمن خلفه"، تفسير القرطبي 10/305، والدر المنثور 4/196.
وبعد: فهذا قليل من كثير، مما يقع فيه الناس من أوهام وتخليط في تفسير كلام الله عز وجل، وقد أمسكت عن ذكر أشياء من هذه البابة لأني رأيتها تحمل صوراً من الهزل والفكاهة، ونحن نُجل كتاب ربنا عز وجل أن تكون آياته البينات معرضاً للتفكه والمنادمة.
ولا يبقى إلا أن نتوجه إلى مشايخنا الخطباء والوعاظ، ثم إلى زملائنا الجامعيين الذين أخذوا ينازعون المشايخ سلطانهم في الوعظ والتذكير، بل والفتيا في دين الله، نتوجه إلى هؤلاء وهؤلاء أن يتقوا الله في كتابه العزيز، ولا يتجرءوا على القول فيه دون حجة أو دليل، وأن يراجعوا الكتب ويستفتوا المراجع، والله يعصمنا وإياهم من الزلل.
* * *

علي الجارم ... لغوياً نحوياً (28)
الشعر باب العربية، والشعراء الكبار هم أقدر الناس على معرفة أسرار العربية، والوقوف على دقائقها، ثم الحرص عليها والذود عنها، وما كان ذلك إلا لأنهم قرأوا فأكثروا القراءة، وحفظوا فجودوا الحفظ، ولن تجد شاعراً كبيراً إلا ووراءه رصيد ضخم من القراءة المحيطة الجامعة للغة في مجالاتها المختلفة، ويظهر هذا الرصيد فيما يسميه أهل زماننا "المعجم الشعري" للشاعر: حروفاً وأبنية وتراكيب ودلالة.
علي الجارم "رحمه الله" واحد من كبار الشعراء الحفظة العلماء الضابطين، وكانت هذه سِمة الجيل كله، شعراء وناثرين، مع تفاوت يسير بينهم، برزق الله المقسم على خلقه.
نعم كان هذا الجيل جيل الجد والتحصيل، جيل لم يرفع عينه عن القراءة، ولم يشغله عنها حديث وثرثرة عن التجربة والإبداع والخلق والمعاناة، فإن من الملاحظ الآن أن الأدباء والشعراء يتكلمون أكثر مما يقرأون، ويستمعون أكثر مما يتأملون، وقد قال ابن قيم الجوزية: "من لم تنفعه عينه لم تنفعه أذنه".
وأنت إذا نظرتَ إلى ما كان بيد ذلك الجيل من الكتاب المطبوع، وجدتَه شيئاً نزراً قليلاً، ولكن هذا النزر القليل صنع رجالاً، وشاد ثقافة. واليوم كثرت المطبوعات، وقلَّت القراءة.
وداعية أخرى إلى العجب: أن الكتاب المطبوع في ذلك الزمان لم يكن معتنى به، من حيث التحقيق والتوثيق وحسن الإخراج، فلم تكن مناهج تحقيق النصوص قد استقرت، ولم تكن وسائل الطباعة الحديثة قد عُرفت، ومع كل ذلك فقد أقام هذا الكتاب "المطبوع" المحدود، الساذج في إخراجه، حضارة سامقة، أضاءت ديار العرب والإسلام كلها، وما أُشبِّه أدباء ذلك الزمان إلا بتاجر صنع، بيده رأس مال محدود، ولكنه استطاع بلباقته وحسن تأتِّيه أن يحرك هذا المال المحدود، ويغدو به ويروح، ليصنع منه ثروة ضخمة.
كان هذا هو طريق الجارم وأدباء زمانه، أخلصوا أيامهم للقراءة والتحصيل، ووعت ذاكرتهم هذه النغمات الجليلة التي حملها بديع الشعر وكريم النثر، في موروثنا الحافل. وحين تهيأت لهم أدوات القول والإبانة، خالط الطارفُ التليدَ، وذاب مال المورِّث الجامع في مال الوارث الرشيد، أو كما قال صديقنا عبد اللطيف عبد الحليم، عن شاعرنا الجارم: "ويطل على هذا المحفوظ المذخور من عل، فإذا بمحفوظه يتوارى ليبرز كلامه هو".
وإذا كانت هذه الكلمة اليوم عن "علي الجارم" اللغوي النحوي؛ فإن ذلك يُلتَمس من جانبين: الجانب الأول: نشاطه التأليفي والبحثي، من حيث هو معلم للغة العربية، ثم كبير مفتشي اللغة العربية بوزارة المعارف المصرية، ثم من حيث هو عضو مؤسس من أعضاء مجمع اللغة العربية.
والجانب الثاني: إبداعه الشعري، من حيث هو شاعر كبير، في شعراء عصره، وشعراء ذلك الزكان كانوا –كما قلت- من اللغة والنحو بمكان مكين.
وقبل الحديث عن هذين الجانبين، أود أن أشير إلى شئ من تلك المكانة اللغوية التي اقتعدها الجارم عند علماء عصره، فهذا الشيخ أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي، وهو محدث العصر، وواحد من مدرسة الأفذاذ في تحقيق النصوص ونشرها يذكر أنه كان يلجأ إلى علي بك الجارم، ويعرض عليه عمله في تحقيق كتاب "الرسالة" للشافعي، وكان مما عرضه عليه كلمة "النذارة" وهي مضبوطة في المخطوطة بكسر النون، ولم يرد ذلك في المعاجم المتداولة، ولكن المخطوطة بقلم الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي، وعليها خطه عام 265هـ وهذا تاريخ مهم جداً في علم المخطوطات.
يقول الشيخ أحمد شاكر: "ومن أقوى الأدلة على عنايته بالصحة والضبط، أنه وضع كسرة تحت النون في كلمة "النذارة"، وهي كلمة نادرة لم أجدها في المعاجم إلا في القاموس، ونص على أنها عن الإمام الشافعي. وهي تؤيد ما ذهبتُ إليه من الثقة بالنسخة، وتدل على أن الربيع كان يتحرى نطق الشافعي ويكتب عنه عن بينة.
ومن الطرائف المناسبة هنا أني عرضت هذه الكلمة على أستاذنا الكبير العلاّمة أمير الشعراء علي بك الجارم، فيما كنت أعرض عليه من عملي في الكتاب، فقال لي: "كأنك بهذه الكلمة جئت بتوقيع الشافعي على النسخة". وقد صدق حفظه الله".
الجارم لغوياً ونحوياً:
ثم نعود إلى هذين الجانبين اللذين يُلتمس منهما عناية الجارم باللغة والنحو.
ففيما يتصل بالجانب الأول فقد كان لعلي الجارم أثر ظاهر في تأليف الكتاب المدرسي، الذي كان يقدَّم لطلبة المدارس في المرحلتين: الابتدائية والثانوية، ومن خلاله يتعلمون النحو والبلاغة والأدب. فكانت هذه الكتب التي اشترك في تأليفها مع نفر من كبار علماء عصره: المجمل في الأدب العربي، والمفصل في الأدب العربي، والبلاغة الواضحة، ثم ذلك الكتاب الجهير الصوت، الذائع الصيت "النحو الواضح": "وهي كتب بارعة في الشرح والتوضيح، وفي تقريب النحو وتيسيره، وقد أراحت مئات من المعلمين، ويسرت على ألوف من المتعلمين، وأزاحت عن هذا العلم سُحُباً من النفور والكراهية كانت تحيط به وتصد المتعلمين، ثم شاعت في البلاد العربية، وصارت كالمنهاج لتعليم النحو، وأحدث أسلوبها في الشرح والتأليف مدرسة، أخذ المعلمون يتبعونها ويؤلفون على مثالها، محاكين أو مقلدين.
والكتاب المدرسي في ذلك الزمان كان يقوم عليه كبار الأدباء والشعراء، أمثال: حفني بك ناصف، والشيخ أحمد الإسكندري، والشيخ مصطفى طموم، وأحمد بك العوامري، فكان ذلك الكتاب مهاباً جليل القدر، وكان يُنظر إليه بتوقير شديد، على غير ما نراه الآن من النظر إلى الكتاب المدرسي نظرة استخفاف وازدراء، بل إن هذا الوصف "كتاب مدرسي" قد صار مجلبة للتنقص وطريقاً إلى المعابة، وآية ذلك أنه لا يحسب في موازين الأستاذ الجامعي، فلا يؤخذ في ترقية، ولا يقدَّم إلى جائزة، ولا شك أن الذي كرَّه إلى الناس ذلك "الكتاب المدرسي" أنه يتخذ الآن سبيلاً للتربح وجمع المال.
وفي طريق الكتاب المدرسي قام الجارم بعمل جليل آخر، هو تقديم عيون التراث إلى النشء الصغار من تلاميذ المدارس، ومن ذلك تلك الطبعة من "البخلاء" للجاحظ، التي أخرجها مشتركاً مع أحمد العوامري، ثم كتاب "الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية" لابن الطقطقي، مشتركاً مع الجغرافي الكبير محمد عوض إبراهيم، وكتاب "المكافأة وحسن العقبى" لأحمد بن يوسف الكاتب، مشتركاً مع أحمد أمين، وكتاب "تهذيب الأخلاق" لمسكويه، مشتركاً مع نفر من كبار الأساتذة, فانظر ماذا كان يقدَّم لطلبة المدارس في تلك الأيام؟
فهذا هو الشطر الأول من أثر على الجارم، في التأليف اللغوي والنحوي، سقته على سبيل الوجازة والاختصار.
أما الشطر الثاني منه فمجلاه نشاطه في مجمع اللغة العربية ولجانه. وقد كان الجارم أحد الأعضاء المؤسسين للمجمع، واشترك في لجانه كلها، فرسَّخ تقاليد مجمعية لازالت باقية إلى الآن، وملأ اللجان باقتراحاته ومناقشاته، مما هو مذكور ومسطور في مجلة المجمع ومحاضره.
ومن بحوثه واقتراحاته:
الترادف – طرق تكميل المواد اللغوية - المصادر التي لا أفعال لها – وضع قواعد جديدة يستعان بها في اشتقاق الأفعال من الجامد - بحث في فعيل بمعنى مفعول وبمعنى قابل للفعل – الجملة الفعلية أساس التعبير في اللغة العربية - الوضع بطريق المجاز – مراتب وضع الألفاظ - مشروع تيسير الكتابة العربية - مصطلحات الشئون العامة.
ومن مجموع هذه البحوث والمقترحات أحب أن أقف عند أمرين اثنين، يظهر فيهما تضلع الجارم من اللغة، وصبره على تحصيلها، واحترامه لها:
الأمر الأول: ذلك البحث الذي وسمه (بالمصادر التي لا أفعال لها)، وقد أقام الجارم هذا البحث على ما ذكره ابن سيده في الصفحة (223) من الجزء الرابع عشر من المخصص (باب أسماء المصادر التي لا يُشتَق منها أفعال)، وقد انتهى ابن سيده إلى أن هناك أربعة وخمسين مصدراً لا أفعال لها.
يقول الجارم: "وقد تناولتُ هذا البحث بإفاضة واستيعاب وتنقيب في المعجمات، فظهر أن لجميعها أفعالاً، عدا سبعة منها". ثم أخذ رحمه الله في ذكر كلام ابن سيده، ثم تعقَّبه بما في المعاجم: الصحاح، واللسان، والقاموس، والتاج، والمصباح المنير.
والأمر الثانى: ما ذكره عن "غريب اللغة"، قال: "وإذا كانت لدينا ذخيرة مغمورة في اللغة فلم لا نستعملها ونحييها، وننقلها من بداوتها إلى نور الحضارة؟ والاستعمال كفيل بصقلها واستساغتها".
ويعود مرة أخرى إلى "غريب اللغة" فيقول، وهو يتحدث عن المعجم الكبير: " فإن هذا المعجم سيشتمل على كل شيء، من حيث الكلام الصحيح وقديمه، مشهوره وغريبه، ذائعه ونادره".
وقضية "غريب اللغة" من القضايا الشائكة العسرة في زماننا هذا، فكثير من الناس ينادون الآن بهجر الغريب من الكلام، واستعمال السهل القريب، وما أظنهم ينادون بذلك إلا لسببين: السبب الأول: عدم معرفتهم بكثير من هذا الكلام الغريب، والإنسان يستوحش مما لا يعرفه وينكره، على ما قال ربنا عز وجل: {بل كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه} [يونس: 39].
والسبب الثاني: أنهم يخلطون بين "الغرابة في اللغة"، والغرابة في "البلاغة". فالغرابة في البلاغة يراد بها: الكلام الحوشي المستكره، أصواتاً ودلالة، على ما هو مذكور في كتب البلاغيين.
أما غرابة اللغة فهي شيء آخر. فالغريب من الكلام –كما ذكره أبو سليمان الخطابي (388هـ): "وهو الغامض البعيد من الفهم، كالغريب من الناس إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل ... ثم إن الغريب من الكلام يقال به على وجهين: أحدهما أن يراد به بعيد المعنى غامضة، لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة فكر. والوجه الآخر أن يراد به كلام من بعدت الدار، ونأى به المحل من شواذ قبائل العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها، وإنما هي كلام القوم وبيانهم، وعلى هذا ما جاء عن بعضهم، وقال لهم قائل: أسألك عن حرف من الغريب، فقال: هو كلام القوم، إنما الغريب أنت وأمثالك من الدخلاء فيه".
أقول: واللهم نعم: الغريب من كلام القوم، وعدم أنسنا له أو استعمالنا له، لا يخرجه عن دائرة كلام العرب، وعلى أن الاستعمال ليس بدليل على الحسن، كما يقول ضياء الدين بن الأثير.
ومعلوم أن كلام العرب على وجهين:واضح وغريب، ذكر هذا ونبه عليه واضع أول معجم عربي: الخليل بن أحمد الفراهيدي، قال في مقدمة كتاب العين: "بدأنا في مؤلَّفنا هذا بالعين، وهو أقصى الحروف، ونضم إليه ما بعده، حتى نستوعب كلام العرب: الواضح والغريب".
وهذا الغريب من كلام العرب قد يكون له ما يقابله من الواضح، فلك أن تعدل عن غريبه إلى واضحه، مع فقر في معجمك اللغوي، أنت مسؤول عنه ومؤاخذ به، عند تفاضل أقدار الكاتبين. وقد لا يكون له ما يقابله من الواضح، فلا معدى لك عن معرفته واستعماله، والجهل به حينئذ مزرٍ بصاحبه، ومضيِّق عليه سبل القول ومنادح الكلام، ولا يُحس لذع هذا، ويستشعر المحنة فيه إلا الشعراء، من حيث هم محتاجون دائماً إلى وفرة من الألفاظ وسعة في الكلام، لا يفتحهما لهم ذلك الكلام السهل القريب.
ودعوة الجارم إلى استحياء الغريب من اللغة إنما هي دعوى في حق موضعها؛ لأن هذا الغريب من صميم اللغة، والدعوة إلى هجره والتجافي عنه ليست من البر بهذه اللغة الشريفة، بل هي عدوان عليها، وتحيّف لشطر كبير منها. وهذه الألفاظ التي ينكرها بعض أهل زماننا ويستبشعونها لستَ تجدها في النصوص الأدبية فقط، من شعر ونثر، بل إنك واجدها في كتب الأنساب والتاريخ والبلدانيات (الجغرافيا) وكتب الفلك والطب والفلاحة والزراعة، وسائر ما كتب الأوائل من علومهم وفنونهم.
وقد نطق شعر الجارم بهذه الرغبة العارمة في استحياء تلك الألفاظ التي يتحاشاها الأدباء والشعراء في زماننا هذا؛ زهادة فيها أو جهلاً بها، أو استسهالاً للألفاظ القريبة السهلة المستهلكة، فيقول في واحدة من كريم شعره:
كم لفظة جهدتْ مما نكررها ... حتى لقد لهثتْ من شدة التعبِ
ولفظة سُجنتْ في جوف مظلمة ... لم تنظر الشمس منها عين مرتقبِ
كأنما قد تولى القارظان بها ...فلم يؤوبا إلى الدنيا ولم تؤبِ
ثم صدَّق شعرُ الجارم مقترحَه، فكثر في شعره الغريب كثرة ظاهرة، وهذا مثل واحد من شعره، من قصيدته في مدح الشيخ الإمام محمد عبده:
المجد فوق متون الضمَّر القودِ ... تطوي الفلا بين إيجاف وتوخيدِ
إذا رمتْ عرض صيهود مناسمها ... رمت إليها الليالي كل مقصودِ
أو مزقتْ طيلسان الليل من خببٍ ... كست خيال الأماني ثوب موجودِ
مولاي علمتَني كيف الثبات إذا ... لم يترك الرعب قلباً غير مزءودِ
على أن مما يجب التنبه له أن جميع شعراء النهضة الشعرية الحديثة، بدءاً من محمود سامي البارودي حتى شاعرنا علي الجارم كانوا عارفين بهذا الغريب من الكلام، وكانوا لا يُخلون شعرهم منه، بل إن أمير الشعراء المعاصرين وعَلَمهم الكبير أحمد شوقي كان مكثراً من استعمال ذلك اللون من اللغة، وله منه أعاجيب، منها قوله:
خلوا الأكاليل للتاريخ إن له ... يداً تؤلفها دراً ومخشلبا
فانظر إلى "المخشلب"، وهو خرز يشبه الدر من حجارة البحر، وليس بدُرٍّ. ويقال إنه لفظ نبطي، والعرب تقول "الخضض". فهذه الكلمة، هل يطيقها أحد من أهل زماننا؟
لقد استخرجها شوقي من محفوظه من شعر أبي الطيب المتنبي، وذلك قوله:
بياض وجه يريك الشمس حالكة ... ودر لفظ يريك الدرّ مخشلبا
وقد ظهر لي من قراءة شعر الجارم أن كثيراً من هذا الغريب الذي فاض به شعره إنما واتاه من دُربه طويلة مع النصوص الشعرية المأثورة، ولم يأته من قراءة كتب اللغة أو المعاجم فقط. وآية ذلك أن بعضاً من تراكيبه الشعرية إنما انتزعه مما استقر في محفوظه من شعر الأوائل:
فمن ذلك قوله من قصيدة في ذكرى المولد النبوي الشريف:
إذا صال لم يترك مصالاً لصائلٍ ... وإن قال ألقت سمعها البلغاءُ
فالشطر الأول منتَزَع من قول معاوية بن أبي سفيان، يمدح عبد الله بن عباس رضي الله عنهم:
إذا قال لم يترك مقالاً لقائل ... مصيب ولم يثن اللسان على هجرِ
وقوله:
غضبان رد إلى اليافوخ عفرته ... ومن يصاول ليثاً وهو غضبانُ
لقد حمينا أباة الضيم حوزتنا ... من أن تباح ودِنَّاهم كما دانوا
فهذا شعرٌ ينظر إلى شعرِ الشاعر الجاهلي شهل بن شيبان، المعروف بالفند الزماني:
مشينا مشية الليث ... غدا والليث غضبانُ
ولم يبق سوى العدوا ... ن دِنَّاهم كما دانوا
وقوله من قصيدته في سعد زغلول باشا:
إن أم المجد مقلات فكم ... سوَّفتْ بين جنين وجنين
منتزع من قول الشاعر:
بغاث الطير أكثرها فراخاً ... وأم الصقر مِقلاتٌ نزورُ
وقوله من قصيدته في محمد محمود باشا:
طارت شعاعاً وهولاً مثلما عصفتْ ... هوج الرياح برمل البيد في البيدِ
مأخوذٌ صدره من قول قطري بن الفجاءة، من شعراء الخوارج:
أقول لها وقد طارت شعاعاً ... من الأبطال ويحك لن تراعي
وفي القصيدة نفسها يقول:
من كل أروع عنوان الجهاد بهِ ... قلب ركين ورأي غير مخضودِ
وفي هذا البيت شميم من قول حسان بن ثابت، يرثي عثمان بن عفان، رضي الله عنهما:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً
وفي هذه القصيدة أيضاً:
ترنوا إليه فتغضي من مهابته ... فالطرف ما بين موصول ومصدودِ
ويحمل بعض هذا التركيب أثر قراءة لشعر الفرزدق، وهو قوله يمدح علي بن ااحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف بزين العابدين:
يُغضِي حياءً ويُغضَى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسمُ
ويقول الجارم في الأسرة العلوية:
شمس العداوة والحسام مجردٌ ... فإذا انطوى فملائك أطهارُ
وصدر البيت مسلوخ من قول الأخطل، في بني أمية، من قصيدته الباذخة في عبد الملك بن مروان:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا
ويقول فى مدح أحمد لطفي السيد باشا:
ففي سكنة المبهور أصدق مدحةٍ ... وكل كلام بين حق وباطلِ
وفي ذلك المديح نوع شبه بقول عيسى بن أوس، في الجنيد بن عبد الرحمن، أمير خراسان:
مدحتك بالحق الذي أنت أهلُهُ ... ومن مدح الأقوام حق وباطلُ
ومن مرثية الجارم في صديقه "أبو الفتح الفقي" يقول –وهي من قصائده الجياد:
كل ابن أنثى في الحياة إلى مدى ... والمرء في الدنيا إلى ميقاته
وهو ينظر إلى قول كعب بن زهير رضي الله عنه، في "لاميته" الشريفة "بانت سعاد فقلبي اليوم مبتول":
كل ابن أنثى وإن طالت سلامتُهُ ... يوماً على آلةٍ حدباء محمولُ
ويقول الجارم في مدحه للفاروق ملك مصر السابق، ويهنئه بعيد الفطر:
هنئياً لك العيد الذي بك أشرقت ... منازله بشراً وضاءت رحائبهْ
وصدر البيت من قول المتنبي يمدح سيف الدولة، ويهنئه بعيد الأضحى:
هنيئاً لك العيد الذي أنت عيدُهُ ... وعيدٌ لمن سمَّى وضحَّى وعيَّدا
ومن شعره في قصيدة ضمَّنها بعض ذكرياته بعد عودته من أوروبا:
يلقى بها أينما ألقى عصاه بها ... أهلاً بأهل وأصهاراً بأصهار
ولا ريب أن الجارم قال هذا البيت وفي محفوظة قول الأول:
لا يمنعنك خفض العيش في دعةٍ ... نزوع نفس إلى أهل وأوطانِ
تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيرانِ
ومن قصيدة للجارم في ويلات الحرب العالمية الأولى، يقول:
لج به الموت فأدوى به ... وحز منه الليت والأخدعا
وآخر البيت من قول الشاعر الأموي الصمة بن عبد الله القشيري:
تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتاً وأخدعا
ويقول في وصف جريدة لم يسمها:
وكنت صحيفة الأبرار حقاً ... تلقتك الكنانة باليمين
وقد نظر في ذلك إلى قول الشماخ، في عرابة الأوسي:
إذا ما رايةٌ رُفعت لمجدٍ ... تلقَّاها عرابة باليمينِ
ومن مرثيته لصديقه محمود فهمي النقراشي باشا، يقول الجارم:
شيئان ما عيب البكاء عليهما ... فقد الشباب وفرقة الأُلَّاف
وهذا من قول الشاعر:
شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى يؤذنا بذهابِ
لم يبلغا المعشار من حقَّيهما ... فقدُ الشباب وفرقة الأحبابِ
وهذه القصيدة التي رثى بها الجارم صديقه النقراشي، هي من أعلى شعره فنَّاً وإحكاماً، ومن أغربه لغة وبياناً، وقد أقامها على البحر "الكامل"، واختار لها الفاء المكسور روياً، وأولها:
ماء العيون على الشهيد ذرافِ ... لو أن فيضاً من معينك كافي
وأحسب أن الجارم حين جالت هذه القصيدة في نفسه: موضوعاً وبحراً وروياً، إنما كان يستدعي من مذخورة أخرى باذخة لأبي العلاء المعري، يرثي فيها أبا أحمد الموسوي، الملقب بالطاهر، وهو والد الشريف الرضي، والشريف المرتضى، ومطلعها:
أودي فليت الحادثات كفاف ... مال المسيف وعنبر المستافِ
و"المستاف" هي إحدى القوافي التي اتنزعها الجارم من قصيدة أبي العلاء، قال:
ذكرى كحالية الرياض شميمها ... راح النفوس وراحة المستافِ
وليست "المستاف" وحدها هي التي انتزعها الجارم من قوافي أبي العلاء في هذه القصيدة، فهناك أخريات، تراها في القصيدتين، وهي: الأُلَّاف- عبد مناف- دراف- الرجاف- الأصداف- الأطراف- الرعاف- ثقاف- الأسياف- قوادم- وخواف- الضافي- قواف- الأشراف- سلاف- المصطاف- الأعطاف- المئناف.
ومع ذلك فتبقى القصيدة في الجارم قواف، هي من كيسه ومن حر ماله، ومن أحلاها وأعذبها وأخفها دماً مع عربية أصيلة، قوله:
إن الفتى ما فيه من أخلاقه ... فإذا ذهبن فكل شيء "ما في"
والحذف هنا بعد "ما في" جميل جداً.
وهكذا يكون الشاعر الكبير: تمتليء نفسه بموروث الكلام: شعراً ونثراً، ويجري هذا الموروث في دمه جريان الدم في العروق، وتخالط بشاشته قلبه وعقله، ثم يفيض على لسانه: شريف المحتد موصول النسب، ولكنه يبدو هو في نفسه سامق الهامة، عالي الطول، كذلك الطول المتوارث في بني عبد المطلب.
ومن وراء ذلك كله فللجارم في شعره استعمالات دالة على بصره باللغة والتصريف، يقول في إحدى قصائده:
هبني رجعت إلى الأوتار رنتها ... فهل لشرخ الصبا واللهو رجعان
والفعل "رجع" هنا استعمله الجارم متعديا فنصب به "رنتها"، وكذلك استعمله متعدياً في قوله:
وقفت تجدد آثارها ... وتنشر للعرب أشعارها
وترجع بغداد بعد الفناء ... تحدث للناس أخبارها
وفي هذه القصيدة نفسها يقول:
ترد الشبيبة للصالحات ... وترجع للدين هتَّارها
وهذا الفعل الثلاثي "رجع" يستعمل لازماً ومتعدياً، فيقال: رجع الحق إلى صاحبه، ورجعت أنا الحق إلى صاحبه، وهذا هو الأفصح أن يستعمل "رجع" متعدياً، فيقال: رجعت الكتاب إلى صاحبه، ولا يقال: أرجعته، إلا في لغة لهذيل ضعيفة.
وعلى تلك اللغة الفصيحة جاء القرآن الكريم، قال تعالى: }فَإن رَّجَعَكَ اللَّهُ إلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ {[سورة التوبة: 83]، وقال تعالى:} فَرَجَعْنَاكَ إلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ولا تَحْزَنَ{ [طه:40]، وقال تعالى:} تَرْجِعُونَهَا إن كُنتُمْ صَادِقِينَ {[الواقعة: 87]، وقال تعالى:}عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ{ [الممتحنة: 10]، وقال تعالى: }أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلاً { [طه: 89]، ثم جاء المصدر من الثلاثي أيضاً، فقال تعالى: }إنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ{ [الطارق: 8]
ومن ثقافة الجارم اللغوية أيضاً استعماله الفعل "أمَل" مخفف الميم، فقال:
إذا أمَل الفتى فالهزل جدُّ ... وإن يئس الفتى فالجد هزلُ
وأكثر ما يستعمل الناس هذا الفعل مشدداً "أمَّل" إلى حد أن هذا الفعل المخفف- مع سلامته اللغوية ومجيء اسم الفاعل واسم المفعول منه مجيئاً صالحاً "آمل ومأمول"- قد خفي على بعض النحاة الأوائل، وهو أبو نزار الحسن بن صافي بن عبد الله البغدادي، المعروف بملك النحاة، المتوفى (568ه) فقد أُثر عنه أنه قال: "وأمل، لم أسمعه فعلاً ماضياً"، وقد رد عليه ابن الشجري، وذكر له أن اللغويين حكوه وأجازوه، وذكر له شيئاً من شواهده، ومنها قول المتنبي:
حرموا الذي أمَلوا وأدرك منهم ... آماله من عاذ بالحرمان
ومن فقه الجارم باللغة أيضاً استعماله كلمة "سائر" بمعنى "باق"، يقول في قصيدة في رثاء الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي:
تمر به مراً فيسبيك بعضه ... وتقرؤه أخرى فيسبيك سائرهْ
واستعمال "سائر" بمعنى "باق" هو الفصيح الأكثر، مأخوذ من السؤر، وهو ما يبقى في الإناء، ويرى بعض اللغويين أنه هو الصواب، ولا صواب غيره، يقول مجد الدين بن الأثير: "السائر: الباقي، والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح". ومثل ذلك قال ابن الجوزي والحريري، لكن المرتضى الزبيدي حكى عن بعض أئمة اللغة والتصريف أنه يجوز استعمال "سائر" بمعنى الجميع.
ويستشهد أصحاب الرأي الأول بشواهد كثيرة من النثر والشعر، ومن أحلى شواهده قول عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي، ويُعرف بأبي قطيفة:
لهم منتهى حبي وجل مودتي ... وصفو الهوى مني وللناس سائره
وهكذا تضلع الجارم من لغته وفقهها، وعرف لها حقها فيما كتب وفيما نظم، فأحلَّته هذه المنزلة الرفيعة بين شعراء زمانه، واقتعدت له مكاناً عالياً في ركب الشعراء العظام، على ما قال هو يصف شعره، في مقدمة الجزء الثاني من ديوانه.
"شعر نصر الفصحى فنصرته، وصان لها ديباجتها فصانته".
وكما صان الجارم العربية فصانت له شعره، فسيصونه الزمان أيضاً، فيبقيه طرياً غضاً على الألسنة، مصوناً في تلافيف القلوب، على ما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
مصون الشعر تحفظه فيكفي ... وحشو الشعر يورثك الملالا
* * *

تراثنا.. رحلة شاقة (1)
ارتبطت ضخامة التراث الإسلامي العربي وعظمته بسمةٍ تميز بها الإسلام، وهي أنه احتوى كثيراً من الأمم ذات الحضارات، والتي بعد أن دخلت في دين الله أفواجاً ونسيت ما كان يعبد آباؤها من قبل هجرت لسانها القديم، واتخذت اللسان العربي أداة فكر وبيان.
ولم يبق فرق بين هذه الأمم والأمة العربية إلا فرق اللون والدم، وهو فرق ساقط مهدر في موازين الإسلام.
ثم إن الحضارة الإسلامية فوق أنها أبدعت وأنتجت في شتى ضروب العلم والمعرفة- كانت حلقة اتصال بين تراث اليونان وبين اللاتينية الحديثة، مما يشهد بفضل تراثنا وحضارتنا على النهضة الأوربية الحديثة.
والمتابع لحركة الإبداع الإسلامية يجد أنها لم تخمد جذوتها، ولم تسكن حركتها بتغير الحكام أو تبدل الأيام أو تعاقب النوائب. ومن أول ما يشهد لذلك احتواء قرني الغزو الصليبي والتتري للعالم الإسلامي نخبة عريضة من كبار العلماء والمفكرين، مع أن الهجوم الكاسح كان كفيلاً بالقضاء على هذه الأمة لولا دفع الله وصيانته لها بما أودعه في روح العقيدة الإسلامية من عوامل النماء والبقاء والازدهار.
كما أن غياب حاضرة من حواضر الإسلام عن الساحة الفكرية كان داعياً لقيام حاضرة أخرى تملأ الفراغ وتدعم المسيرة.
وأمر آخر أشد وضوحاً هو أن كثيراً من تراثنا قد بقى موفوراً يملأ الخزائن العامة والخاصة إلى عهد قريب، وأن ما ضاع منه بسبب غفلة الناس وتفريطهم أكثر مما ضاع بسبب عوادي الحروب والأيام، ولا زالت الأيام تُظهِرنا على مخطوطات نفيسة كنا نعدُّها من المفقودات، وكم في زوايا خبايا!
ولكي يعلم القارئ قدر العطاء العلمي الذي خلَّفه لنا سلفنا- عليهم رحمة الله- فليراجع ما أُلِّف من كتب للفهرسة- كـ (الفهرست) لابن النديم، أو (كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون) لمصطفى عبد الله؛ وهو من أنفع وأجمع ما كُتب في موضوعه بالعربية، أو (خزائن الكتب العربية في الخافقين: للفيكونت فيليب دي طرازي؛ وقد أحصى في هذا الكتاب عدد المكتبات العربية في العالم فبلغت نحو 1500 مكتبة يُقدَّر ما فيها من كتب عربية بنحو 262 مليون مجلد ما بين مخطوط ومطبوع.
مراحل النشر:
لم يعدم المسلمون أسلوباً في حفظ تراثهم ونشره؛ فقبل أن تظهر الطباعة كان الأسلوب المعتمد في نشر كتب التراث هو النسخ، حتى راجت صنعة الوراقة والنساخة، وكان لها أماكنها في الأمصار التي يؤمها العلماء.
ومع أن الطباعة ظهرت في القرن الخامس عشر على يد جوتنبرج الألماني، وتبع ذلك انتشار المطابع في أوروبا ومنها مطابع عربية، إلا أن المشرق الإسلامي لم يعرف الطباعة إلا في وقت متأخر عن ذلك؛ حيث بدأت في الآستانة في 1551م، ثم في لبنان عام 1610م، وانتقلت بعدها إلى عدة أقطار.
المرحلة الأولى لنشر التراث:
ومما ينبغي ذكره أن الطباعة صُبغتْ تنصيريةً تبشيريةً في تلك الفترة حتى أُنشئت مطبعة بولاق التي عُرفت (بالمطبعة الأميرية) في القاهرة بعد رحيل نابليون بفترة وذلك في عام 1819م أو 1821م، وطُبع فيها مئات الكتب من مختلف الفنون من التفسير والحديث والأصول واللغة والتاريخ والطب والأدب وغير ذلك من فنون التراث.
ويمكن لي أن أسجل ثلاث حقائق اتسم بها نتاج تلك الفترة من كتب التراث:
أولاً: أن النظرة للتراث كانت شمولية ترمي إلى إظهار كنوزه ونشر الأمهات والأصول في كل فن، ولم يكن الدافع مادياً؛ لذلك غلب على الطباعة طباعة الموسوعات.
ثانيا:ً دور الأزهر كان بارزاً وبصمته كانت مميزة على نشاط المطبعة خلافاً للحال في لبنان الذي سيطر عليه القساوسة والرهبان.
وانتشرت الكتب التي كانت تُطبع على نفقة بعض محبي العلم، وكان على رأس من قام على تصحيح الكتب وإخراجها الشيخ نصر الهوريني، والشيخ محمد عبد الرحمن المشهور بقطة العدوى .
وظلت مطبعة بولاق تعمل وحدها قرابة أربعين سنة، ثم ظهرت المطابع الأهلية التي كانت أولها المطبعة الأهلية القبطية (الوطن فيما بعد)، ثم تلتها مطبعة وادي النيل، ثم تتابعت المطابع وتكاثرت.
والذي يهمنا أن نقف أمام ثلاثة أمور جديرة بالتأمل في تقييم أعمال تلك المرحلة:
1- حرص المطابع في كثير من منشوراتها على طبع كتابٍ أو أكثر بهامش الكتاب الأصلي أو بآخره لصلة ذلك بالكتاب، أو لمجرد نشر الكتب على أوسع نطاق. ومن الطريف أن نرى خمسة كتب مطبوعة في كتاب واحد، وفي صفحة واحدة اجتمعت خمستها في الصلب والهامش مفصولة بجداول.
إن ظاهرة طبع الكتب بهامش كتب أخرى هي ظاهرة فريدة دالة بوضوح على أن القوم كانوا في سباق لنشر العلم وإذاعته.
2- أن الذين تولوا طباعة الكتب وتصحيحها كانوا من طبقة المشايخ الفضلاء، ومن هؤلاء: الشيخ نصر الهوريني، ومحمد قطة العدوي، ومحمد الحسيني، وطه محمود، وغيرهم. وقد كان للكثير منهم تآليف فوق اشتغالهم بتصحيح الكتب؛ لكن يؤخذ عليهم أنهم لم يعنوا بذكر الأصول المخطوطة التي اعتمدوها في إخراج الكتب.
3- أن القوم لم يعنوا بالفهارس الفنية الكاشفة عن كنوز الكتاب المنشور، واكتفوا بذكر فهارس موضوعية موجزة.
ومع هذا كانت تلك المرحلة من أغنى وأخصب مراحل نشر التراث العربي وإذاعته، وهي بكل خيرها وعطائها قد أسلمت إلى ما تبعها من مراحل.
المرحلة الثانية: (مرحلة الناشرين النابهين):
وهم من طبقة عظماء الرجال، وجاهدوا في سبيل التراث جهاداً صادقاً دؤوباً، عنيتُ: محمد أمين الخانجي، ومحب الدين الخطيب، ومحمد منير الدمشقي، وحسام الدين القدسي. ومن عجائب الاتفاق أن أربعتهم من أهل الشام، نزلوا مصر واتصلوا بعلمائها، وعملوا على طباعة الكتب ونشرها، وتأثروا بتلك الروح التي سرت في مطبعة بولاق من نشر الأصول والأمهات مع العناية بدقة التصحيح وأمانة الأداء، وإن كانت قد تخلصت من الشكل الطباعي القديم المتمثل في طبع الكتب بهامش الكتاب الأصلي.
وأهم ما يميز منشورات هذه الطبقة: الحرص على ذكر مخطوطات الكتاب ووصفها؛ إلا أنها لم تعن بالفهارس الفنية لما تنشره، إلا ما نراه من بعض مطبوعات الخانجي ومحب الدين الخطيب.
وممن يتصل بهذه الطبقة شيخان فاضلان وعالمان جليلان؛ أما الأول: فهو الشيخ محمد حامد الفقي حامل لواء السلفية، ومؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر، والذي أنشأ مطابع السنة المحمدية، ونشر فيها مؤلفاته وكثيراً من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وكتب الحنابلة وطبقات رجالها.
وأما الثاني: فهو الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، الذي يعد صفحة حافلة من تاريخ التراث العربي، قدَّم وحده المكتبة العربية ما لم تقدمه هيئة علمية مدعومة بالمال والرجال. وقد رُمي الرجل بأنه أعاد طبعات سابقة عليه مما أخرجته مطبعة بولاق ومطابع أوروبا، وأنه لم يعبأ بجميع مخطوطات الكتاب الذي ينشره، وأنه لم يضع الفهارس الفنية الجامعة لمسائل الكتاب المنشور.
لكن هذا لا ينقص من قدر الرجل وجهده الذي بذله في تصحيح وضبط النص ضبطاً صحيحاً، وإضاءته بالشروح اللغوية التي تنفي عنه الجهالة أو الغموض، مع العناية بعلامات الترقيم، وأوائل الفقرات، وعدم تداخل أجزاء الكلام. ويكفيه فضلاً أن كل من تعلم النحو في شرق الدنيا وغربها بعده مدين له بدين كبير لما بذله من جهد بالغ في إخراج كتب النحو في أسلوب يمتع الدارس ويصقل اللسان.
المرحلة الثالثة: (مرحلة دار الكتب المصرية):
والتي تحمل كل سمات المنهج العلمي الدقيق في إخراج النصوص، والتي تأثرت إلى حد ما بمناهج المستشرقين الذين شغلوا بتراثنا والذين استقوا زبدة مناهجهم من أصل تراثنا.
وكان صاحب الفضل في هذا بعد الله سبحانه: أحمد زكي باشا، الذي قال عنه شكيب أرسلان: "كان يقظة في إغفاءة الشرق، وهَبَّة في غفلة العالم الإسلامي، وحياة في وسط ذلك المحيط الهامد".
وقد برز في هذه المرحلة مشيخة جليلة من العلماء الذين بذلوا جهداً واسعاً فيما أُسند إليهم، ولم يحظوا بمعشار ما يحظى به أدعياء التحقيق في هذه الأيام، ومنهم: الشيخ أحمد الزين، والشيخ عبد الرحيم محمود، والشاعر أحمد نسيم، والأستاذ محمد عبد الجواد الأصمعي، والشيخ أحمد عبد العليم البردوني، والعالم الجزائري إبراهيم اطفيش. ومن الطريف أن الشيخ محمد الخضر حسن شيخ الأزهر كان قد عمل مصححاً في هذه الدار في مقتبل حياته العلمية.
وقد مثَّلتْ هذه المرحلة مرحلة نضج وكمال من حيث استكمال الأسباب العلمية، واصطناع الوسائل الفنية المعينة على إخراج التراث إخراجاً دقيقاً يقوم على جمع نسخ الكتاب المخطوطة والمفاضلة بينها، ثم اتخاذ إحدى النسخ أما أو أصلاً، وإثبات فروق النسخ الأخرى، وما يتبع ذلك من إضاءة النص ببعض التعليقات والشروح، وصنع الفهارس التحليلية الكاشفة لكنوز الكتاب، وما يسبق ذلك كله من التقديم للكتاب، وبيان مكانته في المكتبة العربية، وموضعه من كتب الفن الذي يعالجه تأثراً وتأثيراً، ثم الترجمة لمؤلفه.
المرحلة الرابعة: (مرحلة الأفذاذ من الرجال):
وأهم رموزها الشيخ أحمد محمد شاكر، وأخوه "شيخ العربية" محمود محمد شاكر، والأستاذ عبد السلام محمد هارون، والأستاذ السيد أحمد صقر.
وقد كان ظهور "الرسالة" للإمام الشافعي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر سنة 1939م إيذاناً ببدء مرحلة جديد من النشر العلمي للتراث المستكمل لكل أسباب التوثيق والتحقيق، ومرحلة جديدة فيما يظهر للناس في تلك الأيام، ولكنها موصولة الأسباب والنتائج بما سنَّة الأوائل وأصَّلوه.
وقد نشر الشيخ -رحمه الله- الكتاب عن أصل بخط الربيع بن سليمان صاحب الشافعي، وقد جرى الشيخ في تحقيق "الرسالة" على أعدل المناهج وأقومها من حيث التنبه الشديد لما بين النسخ من فروق، وإضافات النُسَّاخ فيما خفي ودق، وربط كلام الشافعي –رحمه الله- في هذا الكتاب بكتبه الأخرى، وتوثيق النقول، وتحرير المسائل، والعناية الفائقة بالضبط، وصنع الفهارس الفنية التي شملت آيات القرآن الكريم، وأبواب الكتاب على ترتيبها، والأعلام، والأماكن، والأشياء من حيوان ونبات ومعدن ونحو ذلك، والمفردات المفسرة في الكتاب، والفوائد اللغوية المستنبطة منه، ومواضيع الكتاب ومسائله في الأصول والحديث والفقه على حروف المعجم.
ولكن أهم أنواع هذه الفهارس التي نشرها الشيخ الجليل فهرس الفوائد اللغوية لكون الشافعي حجة في اللغة.
وكل ما قيل عن الشيخ و"الرسالة" يقال عن أعلام هذه المرحلة: محمود محمد شاكر و"تفسير القرطبي" و"طبقات فحول الشعراء"لابن سلَّام، وعبد السلام هارون وآثار الجاحظ، والسيد أحمد صقر وآثار ابن قتيبة. وغير ذلك من التحقيقات والمؤلفات، انتصروا فيها للعربية وأعلوا رايتها.
ومن يطالع –مثلاً- تعليقات الشيخ محمود شاكر على "طبقات ابن سلام" و"تفسير القرطبي" يقف على أشياء معجِبة في فهم اللغة والبصر بالشريعة ومعرفةٍ بالتفسير وفقه الحديث وتاريخ الرجال، وكل ما شئت من علوم هذه الأمة وفنونها؛ وكأنه رجل قد نُشرت أمامه العربية كلها فانتقى منها ما طاب له.
هذا المنهج الذي سار عليه الأستاذ محمود شاكر- رحمه الله- في إخراج كتب التراث وتحقيقها منهج عسير بعيد المنال، تصعب محاكاته؛ لأنه متصل بعقيدة صحيحة وقراءة محيطة وظهور بيّن على التراث، ولكنه على كل حال قد وجَّه إلى أعدل المناهج وأقومها في التحقيق والتصحيح.
واليوم تبذل عددٌ من المؤسسات العلمية المتخصصة جهداً مشكوراً في جمع التراث ونشره عبر وسائل التقنية الحديثة: (الحاسب الآلي) و(شبكات المعلومات). وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على بقية خير في هذه الأمة وعرفان بجهد الأوائل.
* * *

بنت الشاطئ.. وتحقيق التراث (1)
تحقيق النصوص علم له قوانينه وأعرافه ومدارسه، وقد برزت فيه أسماء لعلماء كبار، مستشرقين وعرب- ومن المعروف أن المستشرقين كانوا أسبق منا نحن العرب، في إذاعة تراثنا ونشره- فمن المستشرقين تبرز أسماء: ديرنبورج، ناشر "كتاب سيبويه"، وهو فرنسي، ووليم رايت الإنجليزي، ناشر "الكامل" للمبرد، وتشارلس لايل الإنجليزي، ناشر "شرح المفضَّليات" للأنباري، وبيغان الإنجليزي، ناشر "نقائض جرير والفرزدق" ومن المستشرقين الإنجليز أيضاً كرنكو، وهو أغزرهم إنتاجاً، وأبقاهم أثراً في نشر النصوص التراثية.
ومن المستشرقين الإسبان: كوديرا وريبيرا، ناشرا المكتبة الأندلسية، والمستشرقين الهولنديين: دوزي، وقد نشر نصوصاً أندلسية كثيرة، بجانب عمله العظيم: تكملة المعجمات العربية، ودي خويه، ناشر المكتبة الجغرافية.
ومن المستشرقين الألمان: فلوجل، ناشر "كشف الظنون" للحاج خليفة، ثم هو صاحب كتاب "نجوم الفرقان في أطراف القرآن"، وهو أصل المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم الذي صنَّفه محمد فؤاد عبد الباقي.
ومن أشهرهم وأعلاهم ذكراً: وستنفلد، ولا يدانيه أحد من المستشرقين في كثرة ما نشره من نصوص، وقد قضى عمره كله مكباً على العربية، في لغتها وأدبها وتاريخها وجغرافيتها، وقد ألف وحقق في ذلك كله نحو مائتي كتاب بين صغير وكبير، ومن أبرز ما نشره: السيرة النبوية لابن هشام، والمعارف لابن قتيبة، ومعجم ما استعجم للبكري، ومعجم البلدان لياقوت.
ومن مشاهير المستشرقين الألمان أيضاً: كارل بروكلمان، وهلموت ديتر.
ومن المستشرقين الروس: كراتشكوفسكي، ناشر "الأخبار الطوال" لأبي حنيفة الدينوري، ومن أنفس آثاره: تاريخ الأدب الجغرافي العربي.
ومن العلماء العرب برزت في هذا المجال أسماء كبيرة، منها في مصر: أحمد شاكر، ومحمود محمد شاكر، وعبد السلام هارون/ والسيد أحمد صقر، وفي سوريا: محمد كردعلي، وعز الدين التنوحي، وعزة حسن، وشكري فيصل، والعلامة أحمد راتب النفاخ- على قلة إنتاجه- ومن علماء العراق: محمد بهجة الأثري ومصطفى جواد، ومن علماء المملكة العربية السعودية: حمد الجاسر، ومن علماء المغرب: محمد بن أبي شنب في الجزائر، وفي تونس: حسن حسني عبد الوهاب، وفي المغرب الأقصى عبد الحي الكتاني ومحمد المنُّوني.
ويبرز من علماء الهند: العلامة عبد العزيز الميمني الراجكوتي، والسيد بدر الدين العلوي، والسيد محمد يوسف، وحبيب الرحمن الأعظمي، وعبد الصمد شرف الدين.
هل هو علم الرجال؟
فهذا العلم إذن هو علم الرجال، لا نكاد نرى للمرأة فيه كبير أثر، ولم تظهر أسماء النساء في هذا المجال إلا من خلال بعض الأطروحات الجامعية، وهو في ميدان تحقيق النصوص باب ضيق جداً، لأن الأصل في تلك الأطروحات الدراسة، ثم يأتي نشر النصوص ملحقاً بتلك الدراسة وذيلاً لها.
ونقرأ من أسماء المحققات وناشرات النصوص عدداَ محدوداً من الأسماء، ففي مصر: سيدة كاشف، التي شاركت في نشر كتاب "المغرب في حلي المغرب" قسم مصر، لابن سعيد، وفوقيه حسين محمود، التي نشرت من آثار إمام الحرمين الجويني: "لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة" و"الكافية في الجدل"، وهدى قراعة، التي نشرت: "ما ينصرف وما لا ينصرف" للزجاج، و"معاني القرآن" للأخفش.
وفي البلدان العربية أيضاً، برزت أيضاً أسماء محققات نابهات، ففي العراق: ابتسام مرهون الصفار، وفاطمة حمزة الراضي، وناجية عبد الله إبراهيم، وبهجة عبد الغفور الحديثي، وفي سوريا: أسماء الحمصي، ودرية الخطيب، وناديا علي الدولة، وفي الكويت: سهام الفريح، وفاطمة الراجحي.
ويدور معظم نشاط هؤلاء النسوة في مجال الدراسات الجامعية، ولا أعرف من النساء من مدت يداً في نشر التراث خارج هذه الدائرة إلا الأدبية اللبنانية وداد القاضي، التي زاحمت كبار المحققين الرجال، ولا عجب في ذلك، فقد تلقت أصول هذا الفن على يد شيخها إحسان عباس، وقد أعانته في نشر موسوعات تراثية كبار، مثل: وفيات الأعيان، وفوات الوفيات، وذخيرة ابن بسام، ونفح الطيب، ومن أبرز تحقيقات وداد القاضي: "البصائر والذخائر" لأبي حيان (عشرة أجزاء)، وكان نشرها هذا الكتاب عزمة من عزماتها، إذ كان أحمد أمين والسيد أحمد صقر قد نشرا منه جزءاً واحداَ عام 1953م ثم توقفا عن نشره، ومن تحقيقاتها أيضاً: الأجوبة المسكتة، لابن أبي عون، والإشارات الإلهية لأبي حيان، ورسالة افتتاح الدعوة للقاضي النعمان، كما شاركت في نشر كتاب "الوافي بالوفيات" للصفدي، بتحقيق الجزء السادس عشر.
ومن هؤلاء النسوة اللاتي عملن في تحقيق النصوص خارج دائرة الدراسة الجامعية: العراقية خديجة الحديثي، فقد نشرت "ديوان أبي حيان النحوي"، ثم شاركت في تحقيق "البرهان في وجوه البيان" لابن وهب، وهو ذلك الكتاب الذي نُشر قديماً خطأ باسم: نقد النثر لقدامة بن جعفر، و"التبيان في علم البيان" لابن الزملكاني، و"البخلاء" للخطيب البغدادي.
ثم السورية سكينة الشهابي، التي حققت "تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل فيه عن بوادر التصحيف والوهم" للخطيب البغدادي، وكتاب "وجوه القرآن" لإسماعيل بن أحمد الضرير النيسابوري الحيري، و"المنتخب من كتاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم" للزبير بن بكار، والجزء الخاص بتراجم النساء من "تاريخ دمشق" لابن عساكر.
وفي عالم الاستشراق برزت أيضاً أسماء نساء عملن في مجال تحقيق النصوص ونشرها، منهن الفرنسية جاكلين سوبليه، التي نشرت الجزء العاشر من "الوافي بالوفيات" للصفدي، و"تالي كتاب وفيات الاعيان" للصقَّاعي، وهو في تراجم من توفي بمصر والشام من سنة 660هـ إلى 725ه، والفرنسية جانين سورديل، التي نشرت "الإشارات إلى معرفة الزيارات" للهروي الرحالة، والإسانية مانويلا ماريني، ونشرت "كنز الفوائد في تنويع الموائد" وهو في علم الطبيخ، لمؤلف مجهول والإيطالية مارينا نللينو، وقد نشرت ديوان النابغة الجعدي رضي الله عنه، وهي ابنة المستشرق الكبير نيللينو، صاحب "تاريخ الفلك عند العرب"، وله دراسات في تاريخ اليمن والمعتزلة، وهو من المستشرقين الذين درَّسوا في الجامعة المصرية، وفي أول نشأتها.
وكذلك الإيطالية كليليا سارنيللي، وقد نشرت جزءاً من "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للإدريسي، والألمانية سوسنة ديفيلد- فلزر- وقد نشرت "طبقات المعتزلة" لأحمد بن يحي بن المرتضى، والألمانية دورتيا كرافولسكي، وقد شاركت في نشر "مسالك الأبصار" و"الوافي بالوفيات"- الجزء السابع عشر، ثم تأتي من تايوان مستشرقة جادة، تسمى: هدى جنهويتشي، فتنشر ديوان عامر بن الطفيل، نشرة جيدة.
فهؤلاء أبرز النساء اللاتي عملن في ميدان تحقيق النصوص ونشرها، وتبقى الملاحظة التي ذكرتها من قبل وهي أن معظم نشاط هؤلاء النسوة إنما كان في مجال الدراسات الجامعية، فلم نجد عند واحدة منهن أعمالاً خارجية عن هذه الدائرة، كتلك الأعمال التي نهض بها الرجال، إلا ما كان من أمر وداد وخديجة وسكينة.
وفي رأيي، أن ذلك الإحجام من النساء عن خوض هذه اللجج إنما يرجع إلى جهد المؤنة وعناء المكابدة التي يلقاها من يتصدى لتحقيق النصوص ونشرها، لأن العمل في هذا المجال محوج إلى مراجعات كثيرة في بطون الكتب، ومفاتشة المصادر، ومعرفة التعامل معها واستنطاقها، ثم هو عمل يحتاج إلى صبر شديد وحسن أناة، ودربة على قراءة المخطوطات، وفك معمياتها، ثم ما يكون من التعليق على النص وإضاءته وربطه بالكتب التي تدور في فلكه، أو تكون منه بسبب، ثم صنع الفهارس الفنية الكاشفة لكنوز الكتاب، وكل ذلك مما لا يقوى عليه ولا يقوم به إلا أولو العزم من الرجال.
مرحلة النشر العلمي:
ثم نأتي إلى العالمة الأديبة الراحلة "عائشة عبد الرحمن" الملقبة "بنت الشاطئ"، ولها في تاريخ نشر النصوص مكان ومكانة، وقد دلفت إلى ذلك المجال التراثي من باب الدراسات الجامعية أيضاً؛ ولكنها دخلت ولم تبرح، فقد أقامت أطروحتها للدكتوراه، بعنوان "الغفران- دراسة نقدية، مع تحقيق رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، و"الرسالة" هذه أشهر آثار أبي العلاء، وأخلدها على الأيام، وكان المشرف على هذه الأطروحة الدكتور طه حسين، وقد نوقشت في الخامس من أبريل عام 1950م، بكلية الآداب- جامعة فؤاد الأول (القاهرة)، وأجيزت بتقدير "ممتاز"، ثم حصلت بهذا التحقيق على جائزة مجمع اللغة العربية في تحقيق النصوص.
وأحب أن أنبه هاهنا إلى أن بنت الشاطئ حين أقدمت على تحقيق هذا النص- وكان ذلك في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات- كان تحقيق النصوص قد استقر علماً له مناهج ومدارس، وكان المستشرقون قد مدوا فيه يداً مبسوطة، وفي البلدان العربية الإسلامية، كان نشر النصوص قد انتقل من مراحله الأولى- أعني مرحلة مطبعة بولاق ومطابع استنبول والشام، ثم المطابع الأهلية المصرية والناشرين المصريين والشوام الذين وفدوا إلى مصر، واتخذوها دار مقام، كالحلبي والخانجي ومحمد منير الدمشقي، وحسام الدين القدسي، والخشاب، انتقلوا من هذه المرحلة إلى مرحلة النشر العلمي، من حيث التوثيق وجمع النسخ المخطوطة، ثم دراسة الكتاب المحقق وبيان مكانته في المكتبة العربية وفهرسته، وكانت ديار مصر في ذلك الوقت بالذات تؤسس هذا العلم وتقيمه على عمد ثابتة، وذلك فيما عُرف بمدرسة أحمد زكي باشا شيخ العروبة، ودار الكتاب المصرية، ثم مرحلة الأفذاذ من الرجال (أحمد محمد شاكر، ومحمود شاكر، وعبد السلام هارون، والسيد أحمد صقر)، وقد فصَّلتُ ذلك كله في كتابي: "مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي"
فكانت جرأة عالية، وهمة جسورة من بنت الشاطئ أن تبحث لها عن مكان بين هؤلاء الأفذاذ من الرجال في ذلك الزمان. وقد اقتحمت وما وهنت وما قصرت، فقد أخذت للأمر أخذه، وأعدت له عدته، فجمعت أصح النسخ وأوثقها من "رسالة الغفران" المخطوطة، ثم عرضت للنشرات السابقة من الرسالة، وكشفت عن أوجه النقص فيها، ثم قدمت نصاً محرراً مضبوطاً، مضاءً ببعض التعليقات، وأزالت عنه عوادي الناس والأيام، ولئن كان بعض شيوخ التحقيق قد عرضوا لعملها فيما بعد بالنقد والتصحيح، فسيظل لهذا العمل مكانته في خدمة تراث أبي العلاء، ثم في تاريخ المكتبة العربية كلها.
وقبل أن أستطرد إلى ذكر باقي الأعمال التراثية لبنت الشاطئ، أحب أن أقف عند أمرين، لابد من بيان القول فيما، لما نراه الآن من اضطراب وتخليط في أمر تحقيق النصوص:
الأمر الأول: أن بنت الشاطئ لم تقدم على تحقيق "رسالة الغفران" إلا بعد أن عاشت مع أبي العلاء، وخبرت حياته ونفسيته، وعرفت لغته ومدارج القول عنده، وقد أنبأتنا هي أنها عرفت "رسالة الغفران" أيام الطلب حين قرأتها مع أستاذها طه حسين بالجامعة، في طبعة "أمين هندية" وهي طبعة مؤوفة (كذا) غيرُ محررة، ثم أخرجت لنا أعمال حول أبي العلاء: الحياة الإنسانية عند أبي العلاء- مع أبي العلاء في رحلة حياته- أبو العلاء المعري.
وهذا درس جيد لمن يروم تحقيق نص من نصوص التراث: أن يعيش مع مؤلفه، فيخبر حياته وأسلوبه، ويعرف مكانة كتابه في فنه، ثم صلته بالكتب العربية الأخرى، وهكذا صنع الشيخ أحمد محمد شاكر حين أخرج "الرسالة" للشافعي، وشيخنا محمد شاكر حين أخرج "طبقات فحول الشعراء" لابن سلَّام، وأستاذنا عبد السلام هارون يوم أن توفر على كتب الجاحظ، والسيد أحمد صقر، يوم أن أظهر كتب ابن قتيبة، والشيخ بهجة الأثري حين أخرج "خريدة القصر" وعبد العزيز الميمني الراجكوتي في تحقيق "سمط اللآلي"، وكذلك كان صنيع المستشرقين.
أما ما نراه اليوم من جرأة بعض خلق الله على نشر كتب التراث دون معرفة سابقة، أو دون إلف ومخالطة للمؤلف، فشيء يأباه العلم، ولا يقدم للتراث شيئاً ذا بال، وأستطيع أن أقول دون توقف أو تردد: إن كثيراً من هذا الذي يخرج الآن من تراثنا محققاً لا صلة له بالعلم، ولا بعلم تحقيق النصوص، سواء كان هذا الذي يحقق لدراسة جامعية للحصول على شهادة عليا، أو كان نشراً علمياً يراد به العائد المادي ليس غير.
الأمر الثاني: وهو وثيق الصلة بالأمر الأول، أن بنت الشاطئ خاضت لُجَّة هذا البحر، وهي مؤمنة بقضية كبرى، وهي قضية ذلك التراث العربي، وواجبنا نحو إبرازه وإضاءته، لتقوم عليه الدراسات الصحيحة، فلا دراسة صحيحة مع غياب النص الصحيح المحرر.
الإرث العظيم:
ويتصل بتلك القضية الإيمان بقيمة ذلك الإرث العظيم الذي انتهى إلينا، وما فتئت بنت الشاطئ تصرح بذلك فيما دق وجل من كتاباتها، وأعرف بعض من يشتغلون بنشر النصوص لا يؤمنون بذلك التراث، بل يسخرون منه ويستهزئون به إذا خلوا إلى شياطينهم، ولكنها الضرورة الملجئة، وسبحان ربك رب العزة الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
ولقد عادت بنت الشاطئ مرة أخرى إلى صاحبها أبي العلاءـ، فنشرت له أثراً غالياً من تراثه، وهو كتاب " الصًاهل والشاحج"، ويتكلم فيه أبو العلاء، على لسان فرس وبغل، وقد نشرته عن نسختين أصليتين موثقتين، احتفظتْ بهما الخزانة الملكية بالرباط، وللمغاربة فضل عظيم في الحفاظ على مخطوطات نفسية ذوات عدد، من تراثنا الموزع في مكتبات العالم، وقد قدمت بنت الشاطئ لتحقيق هذا النص بدراسة ماتعة، شملت مدخلاً تاريخياً، وآخر موضوعياً، ثم قارنت بين كليلة ودمنة والصاهل والشاجح.
ومن القضايا التي شغلت بنت الشاطئ زمناً طويلاَ، وما زالت تعتادها وتكرر القول فيها، وتستأنف حولها كلاماً لأدنى ملابسة: قضية توثيق المرويات النقلية التي وصلت إلينا في الأمر شفاهاً إلى عصر التدوين، وهذه المرويات قد تعرضت لهزات عنيفة،وبخاصة ما يتصل بقضية الشاعر الجاهلي، والقول بانتحاله ووضعه بعد ظهور الإسلام، وهي القضية التي أزعجت الجلة من شيوخنا، وعلى رأسهم شيخنا محمود محمد شاكر، وقد رأي هؤلاء الشيوخ التسليم بالشك في الشعر الجاهلي يقضي- لا محالة- إلى الشك في مرويات أخرى جاءتنا مشافهة، كنصوص السنة النبوية والسيرة الشريفة والنبوية، وكتب تاريخ الصحابة، وعلوم الإسلام كلها.
وقد وجدت بنت الشاطئ ضالتها ومفزعها عند علماء الحديث، فيما أصلوه من قواعد منهج توثيق المرويات، وفحص الأسانيد، ونقد المصادر، فيما عُرف بعلم الجرح والتعديل، ثم وقفت عند كتاب واحد من كتب علوم الحديث، ورأت أنه جدير بالنظر والخدمة والتحقيق، وذلك هو "مقدمة ابن الصلاح" وهو تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن المتوفى سنة (643هـ)، وقد رأت في هذا الكتاب مجلى ذلك العلم، فنهدت لنشره نشرة علمية، فجمعت منه أصولاً خطية موثقة جيدة، ثم صدَّرته بمقدمة محكمة، أبانت فيها عن مناهج الحدثين، ثم نقدت النشرات السابقة للكتاب، وقد رأت من تمام الفائدة أن تُلحِق بالكتاب نصاً يتصل به، هو: "محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح" لسراج الدين عمر بن رسلان البلقيني المتوفى سنة (805هـ).
ومن أعمال بنت الشاطئ التراثية أيضاً تحقيق الجزء الثالث من "المحكم في اللغة" لابن سيده.
فهذه نصوص أربعة من أصول علومنا، نهضت بها بنت الشاطئ، تحقيقاً وضبطاً، مع تأليفها لكتاب نافع، هو: " ترثنا بين ماضٍ وحاضر"، ولولا اشتغالها بالتدريس والتأليف لكان لها في ميدان تحقيق النصوص أثر كبير.
ولا يبقى من حديث الدكتورة بنت الشاطئ إلا أمر شغلني زماناً، ولا زلت في عجب منه إلى يوم الناس هذا: إن بنت الشاطئ لا تفتأ تذكر فصل شيخها وزوجها الأستاذ أمين الخولي، فهو الذي علَّمها كيف تقرأ، وهو الذي هداها إلى المنهج، إلى أشياء كثيرة تسميها كلما جاء ذكر الشيخ لكني أجد مباينة بين التلميذة وشيخها فيما يتصل بالبيان وطرائق القول- أو فن القول، كما كان الشيخ يقول- فأسلوب بنت الشاطئ أسلوب عذب ندي، يترقرق فصاحة وصفاء وإشراقاً، وهو أسلوب ترى فيه أثر القرآن الذي تلقته صبية من فم أبيها الشيخ الصوفي، ثم هو من بعد ذلك أسلوب عال موصول النسب بأساليب أصحاب البيان، كالجاحظ وأبي حيان ومصطفى الرافعي ومحمود محمد شاكر.
أما أسلوب الشيخ، فهو أسلوب حاد صارم، كأنما يستمد صرامته من صرامة المنهج الذي أخذ به نفسه، وهو ذلك المنهج الذي ما زال تلاميذه يحمدونه له، ويجهرون به ويردونه إليه، ولو شئت لقلت: يبجحون به (أي يفتخرون)، وهؤلاء الكُتَّاب الذين يسرفون في قيود ما يسمونه المنهج وضوابط، ويصعب عليهم- عن عمد أو غير عمد- أن يرطبوا ألسنتهم، أو يزينوا أقلامهم بشئ من نداوة الكلام وسماحته ويسره، كأنهم يريدون أن يظلوا بمنجاة من الذاتية أو التأثيرية (أو كلام الإنشا) فتأتي عباراتهم وفيها قدر غير يسير من الجفاف والعسر، لأنهم يغرقون في العقلانية، وقد نجا من هذه المهواة كثير من الأدباء قديماً وحديثاً، منهم أديب العربية الكبير أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، فكتبه تعلم العقل- كما يقول أبو الحسن المسعودي- ثم هو أمير البيان العربي غير مزاحم ولا مدفوع.
وقد اعترف تلاميذ الشيخ أمين الخولي بذلك، فيقول الدكتور حسين نصار:
"ووصلت الدقة بعبارة الخولي أنه كان يتعب قارئه أشد التعب، ليصل به إلى المفهوم الدقيق الذي يريده"، ويقول أيضاً: "وعلى الرغم من ذلك يجب الاعتراف بأن من لم يتصل به في أعماله ويتابع أفكاره، ويألف لغته، كان يجد مشقة في فهمه"، انظر كتاب الدكتور حسين نصار: أمين الخولي ص40 و 92- المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة 1996، ولله في خلقه شؤون.
رحم الله بنت الشاطئ رحمة واسعة سابغة، وجعل كل ما قدمته لتراثها ولدينها في موازينها يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً.


الرسائل الجامعية.. و.. ساعة ثم تنقضي (1)
الدراسات العليا الجامعية هي أعلى دراجات السلم التعليمي، وهي ذؤابته وسنامه، وهي غاية كل طالب علم ومنتهى أمله، ثم هي الصورة الصادقة للأمم وحظها من التقدم والرقي، ولجامعاتنا المصرية في ذلك قدمةٌ وتاريخٌ وأثر (يسعدني كثيراً أن أرى في المؤتمر العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة الأستاذ الدكتور شوقي ضيف، وعن يمينه الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد، وعن يساره الأستاذ الدكتور شاكر الفحام، وهما من تلاميذه، ومن أعلام الأمة العربية).
والذين شاهدوا مناقشة الرسائل الجامعية في الخمسينات والستينات ثم يشاهدونها الآن يرون فروقاً واضحة بين ما كان وما هو كائن، ولستُ من الذين يرون الماضي خيراً كله، وأن الحاضر شر كله، ففي الناس بقايا خير، كما يقول الحافظ الذهبي (سير أعلام النبلاء 7/250) ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة، كما يقول العز بن عبد السلام (البرهان في علوم القرآن للزركشي 1/379)، ولكننا بإزاء مقارنة وموازنة ليست في صالح الحاضر.
ولست أريد من هذه الفروق، الفروق العلمية، فلذلك حديث آخر، وإنما أريد تلك الفروق التي تتصل بالهيئة التي تتم بها مناقشة الرسائل، ثم بأسلوب بعض الأساتذة المناقشين في استقبال ذلك الأمر الجليل، وطريقتهم في إدارة الحوار.
وأول ما يلقاك أيها القارئ الكريم من ذلك في الماضي تلك الهيبة الخاشعة التي تحف بأعضاء هيئة المناقشة حين يدخلون القاعة؛ لأنهم قضاة، ومجالس القضاء مصحوبة دائماً بمظاهر الجلال والوقار، ويظل أعضاء المناقشة مدة المناقشة كلها على هذا الحال من الجد والصرامة، أذكر يوماً حضرت فيه مناقشة، وكان رئيس الجلسة الأستاذ عباس حسن رحمة الله، وكان فيه بأوٌ وصرامةٌ، وحين استقر على المنصة هو وزميلاه نظر فوجد باقات من الورد أمامه وأمام الطالب، فاستدعى العامل، وقال له: ارفع هذا، هل نحن في فرح؟
ويسري هذا الجد إلى الحضور جميعهم، فلا كلمة ولا تعليق، ولا تسمع إلا همساً، وإذا بدا للطالب أن يتظرف ليخفف من حدة مناقشة، أعيد بقسوة إلى حالة الوقار والجد، أذكر مرة للأستاذ عباس حسن أيضاً، أنه أورد على الطالب ملاحظة تتصل بالدقة في نقل الأرقام من المصادر، فقال للطالب: أنت ذكرت رقم الصفحة (245) والصواب: (254)، فقال الطالب: لا بأس يا أستاذنا، فقد حصل فيها قلب مكاني! فما كان من الأستاذ عباس حسن إلا أن نهره بقوة، وقال: عيب يا ولد (القلب المكاني في علم الصرف هو تقديم حرف على حرف، ومثاله في الفصحى: جذب وجبذ، وجاه ووجه، وفي العامية: أرانب وأنارب، ومسرح ومرسح، وزنجبيل وجنزبيل).
ثم لم يكن يُسمح فيما مضى لأحد من الحضور أن يعلق على ما يدور من مناقشة، بل لم يكن الحديث يتجه إليهم أصلاً، وإنما الكلام بين المناقشين والطالب ليس غير، ثم لم يكن يسمح للأطفال بحضور تلك المناقشات.
أما اليوم، فالأساتذة يدخلون في موكب بهيج من الضحك والانبساط والتطلق, ويسري هذا كسابقة إلى الحضور, فترى القاعة تموج بالانشراح والبهجة والتعليقات الحلوة, والأطفال يتقافزون ويمرحون في القاعة, وقد جئ بهم ليروا (بابا) في يوم عُرسه, والنساء يزغردون عند إعلان النتيجة, بل إني سمعت إحداهن تنشد لقريبها الطالب:
يا شجره يا حلوه يا مفرّعه ... شرفت أعمامك الأربعة
وهكذا والله.
ثم تجري المناقشة مصحوبة أيضاً بتلك الحال من البهجة والتطلق، والمزاح مع الطالب، ونعم نحن نتبسط مع أبنائنا في المرحلة الجامعية الأولى، بلون من المفاكهة، لندفع عنهم أسباب الملال، ثم لنغريهم باستقبال ما يرِد عليهم من ألوان العلم، أما في هذا اليوم الكبير فلا، وإن جاء شئ من ذلك فيكون في أضيق الحدود.
وأسوأ ما يكون هو التوجه إلى الحضور بنوع من طلب الرضا والاستحسان، أو التماس التأييد والنصرة، وكل ذلك يجر إلى المشاركة في المناقشة، وهذا عيب قادح فادح، فالكلام في هذه المواطن إنما يكون للجالسين على المنصة والطالب ليس غير.
أما ما يكون من تقارض الثناء بين أعضاء المناقشة، فهو باب واسع جداً، وأظهر ما فيه قول المناقش الثاني: إن زميلي الجليل الذي سبقني قد كفاني مؤونة الكلام في كثير من القضايا، وهذا كلام قد يكون صحيحاً، ولكن استفاضته وتفشيه وتتابع المناقشين عليه أذهب الثقة به.
فهذا ما كان من حديث المقارنة بين الهيئة التي كانت تتم عليها المناقشات في الماضي، والهيئة التي تتم عليها الآن.
حديث عجيب:
أما الحديث عن أسلوب بعض الأساتذة المناقشين في استقبال ذلك الأمر الجلل، وطريقتهم في إدارة الحوار، فهو حديث عجب، ولا سبيل إلى استقصائه وبلوغ الغاية منه، وأول ما تأتيك به المقارنة بين ما كان وما هو كائن في هذا الصدد: أن الأستاذ المناقش فيما مضى كان يدخل إلى المناقشة وهو محتشد، قد أخذ للأمر عدته، وجمع له أدواته، وكانت مناقشته، تطول جداً؛ لأنه أعطى الرسالة حظها من النظر والتأمل، فقرأها كلها، أما اليوم فأنت تحس من أول لحظة بأن الأمر هين، بل هو بالغ السهولة.
وبدءه ذي بدء ذي بدء فإني أقول بحق وبصدق إن عند كثير من الأساتذة الجامعيين علماً، ولكنهم لا يخرجونه، ليس ضناً به ولا كزازة، ولكنهم لا يبذلون جهدًا في قراءة الرسالة الجامعية، لأنهم يزنون الأمور بميزان العائد المادي، فماذا تعطيك الرسالة من المال؟ إن كتابة ثماني صفحات في مجلة كذا تعطيك ثمانمائة جنيه (800) مع الشهرة والرنين، ونعم إن الكتابة في هذه المجلة الغنية لا تتاح لكثير منهم، لكن هناك وجوهاً أخرى من الكسب تعطي أجزل مما تعطيه الرسالة الجامعية، ولذلك فإن بعضهم لا يقرأ الرسالة كلها، بل يكتفي منها بصفحات قليلة، يوزعها على امتداد الرسالة أثلاثاً أو أرباعاً، فلا يخرج علمه كله، فهو كما قال الله تعالى: {ولا يُنفِقُونَ إلاَّ وهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة:54].
وعدم قراءة الرسالة كاملة يفضي أحياناً إلى خلل شديد، أعلم يقيناً أن رسالة جامعية للدكتوراه نوقشت وأجيزت بمرتبة الشرف الأولى، وقد اكتشف الطالب بعد المناقشة أنه سقط منها في أثناء التجليد نحو مائتي ورقة، وكان موضوع الرسالة تحقيق نص من نصوص النحو، وفي الغالب لا يقرأ الأساتذة النصوص المحققة كلها، وهذا هو الذي حجب عنهم اكتشاف هذا السقط.
ومن أمارات الاستخفاف أن بعض الأساتذة يصرح في أول مناقشته بأنه اعتاد ألا يتجاوز ساعة واحدة، كأنه يريد أن يطمئن المشرف والمناقش الثاني والجمهور والطالب، ويظل الحضور ينظرون في ساعتهم. وحين توشك الساعة أن تنقضي يرتفع صوت واحد من الحاضرين: الساعة خلصت يا دكتور، فيرد عليه الدكتور: لا ياخويا، فاضل دقيقتين، ساعتك غير مضبوطة، ويتضاحك الجميع. ومن هنا فقد زالت أسباب الخوف والهيبة عن كثير من الطلبة، وأصبح بعضهم يُنشد بعضًا:
وما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزولُ
ولكن الفرق بين "ساعة" ذلك الدكتور و"ساعة" هذا الشاعر فرق كبير، فساعة الدكتور ساعة زمانية، ستون دقيقة ليس غير، أما ساعة الشاعر فيراد بها مطلق الوقت، الذي قد يتجاوز مدى الساعة الزمانية.
ومن أعجب ما رأيته من علامات الاستخفاف أن زميلاً كان يناقش بجواري فقال للطالب: والله يا بني أنت حظك حلو، أنا قرأت رسالتك في القطار! قطار يا دكتور؟ كيف يحدث هذا؟ ألا تحتاج إلى مرجع تعوّل عليه أو تصحح منه؟ ولهذا يدخل الطالب لجنة المناقشة محتشدًا جامعًا، حتى إذا رأى ذلك كله سكن رُوعه، وهدأت نفسه، ثم تلا قوله تعالى: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي العَذَابِ المُهِينِ(14)} [سبأ:14].
والسَّوأة السَّوآء، بعد ذلك هي هذه العامية القبيحة التي يستكثر منها بعض المناقشين، ويدير عليها حواره كله، فتسمع مثلاً أمثال هذه العبارات: واخد بالك من الحتة دي - خد بالك من الرأي دوّتْ - كده هوّت - إحنا بنتكلم عشان خاطر نعلمك يا بني - نبُص نلاءي (أي ننظر نلاقي).
هذا شيء محزن حقًا، لا ينبغي السكوت عليه أو المصانعة فيه، ونحن نلم أحيانًا بالعامية في أسلوب الربط، ولكنها العامية المقبولة، التي تأتي في حدود الضيقة، لكن الذي نسمعه الآن من بعض المناقشين يتعدى أسلوب الربط والحدوود الضيقة، إنه يكاد يسري في أثناء المناقشة كلها، إنك لو أغمضت عينيك، وسمعت بعض المناقشين لظننت أنك في موقف أحمد حلمي أو القُللي، والمنادي ينادي: واحد دكرنس، واحد المنصورة، وقد سرت هذه العدوى إلى شباب المعيدين، طلبت يومًا من أحدهم شيئًا، فقال: حاضر يا عسل! فقلت: ما هذا يا بني؟ لا ينبغي أن تستعمل مثل هذه الألفاظ، فقال: لقد سمعتها من فلان وفلان وفلان، وذكر أسماء كبيرة، فلما سمعت هذا قلت له: خلاص يا حلاوة -براءة- أنت كده في السليم، فنظر إلي نظرة انتصار، فهممت أن أقول له: "متبصليش بعين رديَّة شوف إيه اللي عملته في شرح الألفية" (بالمناسبة أنا مدرس نحو، أدرِّس لطلبتي شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، ولا أرضى به بديلاً)، وهكذا يتسلل إلينا البلاء، وتسري بنا العدوى، فلا نملك لها صرفًا ولا تحويلاً:
تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد ... بعدوى فما أعدتني الثُّؤَباءُ
ورحم الله شيخنا أبا العلاء، والبيت من قصيدة باذخة، اطلبها في اللزوميات، واقرأها وأقرئها تلاميذك.
ومع هذه العامية البغيضة التي ذكرتها، فإن بعضهم يتحرى الفصحى، ولكنه يُخلِّط تخليطًا شديدًا في أبنية الأسماء والأفعال، ثم يلحن ولا يعطي الإعراب حقه.
وإذا كنا قد أخذنا على بعض المناقشين الليونة والاستخفاف، فإننا نأخذ على بعضهم أيضًا اصطناع الشدة والقسوة، واللجوء إلى الصياح والجبلة وقعقعة السلاح، والنظر إلى الطالب على أنه ذبيحة يتناولها بالمدى والسكاكين، ومحاولة إحراجه وإلجائه إلى أضيق الطرق، ثم ما يكون من تضييع الوقت في أشياء هينة، كالحديث عن علامات الترقيم والأخطاء المطبعية، والفرق بين المصادر والمراجع، ثم التهويش بما لا دليل عليه، كأن يقول المناقش: لقد سكتُّ عن أشياء مهمة لضيق الوقت! إن الأشياء المهمة يا زميلي العزيز لا ينبغي تجاهلها أو السكوت عليها، وإلا فلم كانت هذه المناقشات العلنية؟ ثم إن مثل هذا الكلام يوقع الطالب في حرج: لأنه يوحي للحاضرين أنه قد وقع في الخطأ إلى أذنيه، ثم هي إلصاق تهم لا يستطيع أن يدفعها عن نفسه.
وأمر آخر خطير جداً: إن المشرف قديمًا كان يشترك مع زملائه في مناقشة الطالب، وتدور مناقشته حول مخالفة الطالب عن أمره فيما رسمه له من خطة الرسالة، أو بأنه حين قرأ الرسالة كاملة ظهرت له جهات من النقص يرى ضرورة تنبيه الطالب عليها، وأذكر أن الأستاذ عمر الدسوقي، وكان مشرفًا على أخي وعشيري عبد الفتاح الحلو، رحمهما الله جميعًا، أذكر أنه حمل عليه حملة شديدة في المناقشة فاقت مناقشة الآخرين: الدكتور عبد الحكيم بلبع رحمه الله، والدكتور عبد القادر القط، أطال الله في عمره. أما الآن فالمشرف يتعصب جدًا للطالب، ويسوؤه أن يعرض له أحد بنقد أو ذم، وكأنه هو كاتب الرسالة، وهذا لا يصح، فالمشرف يجب عليه أن يخلي بين الطالب ومناقشيه إلا إذا اقتضى الأمر توضيح مبهم، أو رفع التباس، ويحسن أن يكون هذا بعد انتهاء المناقشة، حتى لا يسقط الثقة بالمناقشين.
ومن أسوأ ما تراه الآن من تعصب بعض المشرفين أنه إذا رأى حدة من بعض المناقشين اتجه إلى الطالب وغمز له بعينيه، يعني "فوِّت"، وهذا شيء رديء جدًا، يراه الحاضرون بوضوح، ويخرجون يتندرون به، فيقولون: "شفت لما الدكتور غمز له بعينه"! هأْ هَأْ هَأْ.
لا يجوز:
ومن هموم هذه المناقشات الجامعية أيضًا: أن بعض الرسائل تتناول شخصيات معاصرة تعيش بيننا الآن، وتدعى تلك الشخصية لحضور المناقشة، وفي رأيي أن ذلك لا يجوز لأنه ربما تعرض أحد المناقشين لنقد تلك الشخصية أو القسوة عليها، فيكون في ذلك حرج على الجميع، وأذكر أن صديقًا لنا أعد رسالة عن شيخنا محمود محمد شاكر-برّد الله مضجعه- وكان ذلك في حياته، ودعي شيخنا لحضور المناقشة، فأبى وقال: لا أحب أن أضع الأساتذة في حرج، أو أضيق عليهم سبل القول.
وما بقي من شجون هذه المناقشات الجامعية إلا أمران:
الأول: تقدير درجة الرسالة، وفي هذه المسألة مداخلات كثيرة، أُعَرِّف بعضها وأعرض عن بعض، فالذي أُعَرِّفه منها: أن بعض المناقشين- بدواعي إدخال السرور على المشرف والطالب والحضور- يوحي في أثناء المناقشة بما سيكون عليه التقدير، حتى إذا أعلن يكون قد فقد حرارة المفاجأة ونشوة الفوز، ومن ذلك أن درجة الامتياز ومرتبة الشرف الأولى قد كثرتا جدًا، ولو أجريت إحصاء بين الامتياز وجيد جدًا، لوجدت الدرجة الأخيرة ضئيلة بالنسبة إلى أختها.
ومن أعجب العجب أن المناقشة تكون حامية جدًا، ويُدخل المناقشان وجوهاً من النقص كثيرة على الرسالة، ثم تخلو اللجنة للمداولة، وتكون المفاجأة حصول الطالب على الامتياز أو مرتبة الشرف الأولى (ويا دار ما دخلك شر)، وأذكر أني كنت أناقش طالبًا في رسالة دكتوراه، ووجهت إليه أنا وزميلي مؤخذات كثيرة، وحين خلونا إلى تقدير الدرجة أصرّ المشرف على مرتبة الشرف الأولى، وأصررت أنا وزميلي على التي هي دونها، فغضب المشرف غضبًا شديدًا، فقلت له: أيها الزميل العزيز، ألست ترى أننا وجهنا إلى الرسالة سهامًا كثيرة؟ فقال: بلى، فقلت: وأنت تصر على أن تعطيها الدرجة العليا، قال: نعم، قلت: ما رأيك لو جاءتنا رسالة أخرى بهذا العنوان والموضوع وقد خلت من كثير من المؤخذات التي أخذناها على رسالة تلميذك، ماذا كنا نعطيها من التقدير؟ فحار وأَبْلَس، ثم قال: خلاص يا دكتور، اعمل معروف متحرجنيش مع الطالب!.
ومن الأمور المؤسفة أيضًا: أن الطالب حين يحصل على تقدير لا يعجبه يواسيه المشرف قائلاً: والله يا بني أنا كنت عاوز أعطيك التقدير الذي تحبه، ولكن الزملاء غلبوني على أمري، وهذا لا يصح لأن رأي اللجنة جماعي، والمجالس أمانات.
ومن قضايا تقدير الدرجة: التفرقة أحيانًا بين المعيد الذي يعمل داخل الكلية، وبين الطالب الذي يتقدم من الخارج، فالأول يعامل برفق، ويدخل إلى حلبة المناقشة هادئًا مطمئنًا لأنه يعرف ما سيؤول إليه أمره، والثاني هو ونصيبه، وما ذلك إلا لأن المعيد يُنظر إليه على أنه زميل المستقبل، وبعض الكبار يحبون أن يتخذوا يدا عند الصغار، ولله في خلقه شؤون.
ونعم إن بعض الشرفاء لا يعرفون هذه التفرقة، ومن ذلك ما حدث أخيرًا في كلية دار العلوم، حين أصر بعض الأساتذة على رفض رسالة دكتوراه قدمها مدرس مساعد بالكلية، لأنه قد ظهر أن الرسالة مسلوخة من كتب بعض الأساتذة، والغريب أن ذلك السارق قد وجد من يساعده وينتصر له من داخل الكلية، وبالله نستدفع البلاء! وهذا السارق إنما جرَّأه على السرقة وأغراه بها أنه وجد بعض الأساتذة الكبار يسرقون ويدينهم القضاء، ثم لا تفعل الجامعة معهم شيئًا، فمن حق هذا الطالب السارق أن ينشد قول الشاعر:
سرقتُ مالَ أبي يومًا فأدَّبَني ... وجُلَّ مالِ أبي يا قومنا سَرَقُ
والأمر الثاني: أن مقدم الرسالة يتلقى تصحيحات كثيرة وتعديلات كثيرة على رسالته، وبعد أن يحصل على الدرجة والتقدير، يخرج وكأن شيئًا لم يكن، وحين يطبع الرسالة ويخرجها إلى الناس لا يعتني كثيرًا بالإصلاحات التي قدّمها له أساتذته، بل إن بعضهم يبلغ به اللؤم أنه حين يخرج الرسالة كتابًا مقروءًا يُسقط منها الشكر الذي قدمه للمشرف وللمناقشين، ومن العجب أن بعض الذين يفعلون هذا شباب طيبون، وأصحاب فضل وعلم، ولكنها العدوى التي تجتاح الناس كالوباء العام.
والرأي عندي أن الطالب لا يُجاز على رسالته الإجازة المشفوعة بالدرجة إلا بعد أن يقدم نسخة من رسالته محررة ومستفيدة من إصلاحات أساتذته، فإذا ما أخرجها للناس بآفاتها وبإسقاط أسماء مشرفه ومناقشيه سُحِبت منه، وأُعلنت فضيحته على الناس.
فيا زملاءنا الأعزاء: أعرف أن عندكم علمًا كثيرًا، ولكني أدعوكم أن تخرجوه للناس ولا تضنّوا به، واعلموا أن ما تؤجرون عليه من المجلات الغنية، وبرامج التليفزيون الخليجية إنما أخذتموه باسم الجامعة الضخم، وبالطيلسان الجامعي الفضفاض، فأنتم في الأصل معلمون، فأعطوا الجامعة حقها عليكم، وأخلوا وجوهكم لطلبتكم، وأعطوهم حظهم من العناية والتوجيه، وخُذوهم بالجد، ثم أعيدوا للرسائل الجامعية بهاءها ووقارها وشرفها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.













مقالات قصيرة
بعنوان:
الكلمة الأخيرة


المؤتمرات العلمية... والنغمة المكرورة(1)
حضرت منذ أيام مؤتمرا علميًا لإِحدى الكليات النظرية، تحت عنوان "التجديد في العلوم العربية والإِسلامية"، وقد كثرت هذه المؤتمرات في السنوات الأخيرة كثرة ظاهرة، ولو أن إنسانًا شغل نفسه بتتبع هذه المؤتمرات فتأمل الأوراق المقدمة لها، والتوصيات التي انتهت إليها، لوجد تشابها واضحًا في هذه وتلك، فالقضايا هي القضايا، والتوصيات هي التوصيات، وقد يجد اختلافا في طريقة المعالجة وفي صورة التوصيات، ولكن الجوهر هو هو، على ما قال الشاعر:
عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكل إلى ذاك الجمال يشيرُ
ولو أن الأمور كانت تجري في هذه المؤتمرات على سَنَنٍ من الاستقامة والإِنصاف والعدل، لقلنا لا بأس ولا نكران، فالطارف يُذكِّر بالتليد، والمكرر أحلى - كما يقول أهل الحديث، ولكن المشاركين في هذه المؤتمرات يشرِّقون ويغرِّبون، وتأتي كلمة التجديد بلمعانها وبريقها معينة لهم على ما هم بسبيله من التنقص والمعابة لعلومنا جميعها، ولتاريخنا كله، فلا مهابة لعلم، ولا حصانة لأحد، ألسنا تحت مظلة "البحث العلمي والموضوعية والتجرد"؟
وتسمع في هذه المؤتمرات أحكامًا ضخمة مكرورة، مثل: تفسير القرآن مليء بالإِسرائيليات.
(تنبيه : نحن لم نُنْهَ عَن الإِسرائيليات جملةً، وكيف وقد اخرج البخاري ومسلم وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، أي بما لا تعلمون كذبه).
ومن هذه الأحكام أيضًا قولهم: الحديث مشحون بالوضع والضعف. والنحو تعقيد وتأويلات، والبلاغة تكلف وأصباغ، والعروض قيود ودوائر تدير الرأس، والتاريخ ارستقراطي، كتُبِ لَلخلفاء والملوك، والجغرافيا العربية بلهاء، وأدبنا العربي غارق في الذاتية ومجالس السمر، إلى آخر هذه القضايا المألوفة، وهي "شنِشْنِةَ أعرفِهُا من أخَزْمَ " كما تقول العرب في أمثالها.
لكن الخطورة في هذا الكلام في تلك المؤتمرات يقال بمحضر من الطلبة. وهم على ما نعرف من قِلَّة المحصول. وقد قام عندهم شيء من الشك في هذا الذي يسمعون لا يستطيعون له دفعاً ولا ردَّا، لغرارتهم وجهلهم لها وللمكانة العالية لأساتذتهم عندهم. وبخاصة أن هذه القضايا تساق في ثياب مزركشة من مثل "الموضوعية والجدلية والإِشكالية وحتمية التاريخ والمنظومة الحضارية"، وهي كلمات شديدة الأسر نافذة التأثير.
ويحدِّثني كثير من الطلبة عما يجدونه من تناقض صريح بين ما يسمعونه في هذه المؤتمرات، وما يُلقى عليهم داخل المدرجات وكأنهم يقولون: "كيف تبُغَضَوُن إلينا طعاما ثَم تدعوننا إلى أكله؟" .
فيا أساتذتنا الأكرمين، ويا زملاءنا الأعزاء: رفقا بَهؤلاء الصغار، حتى لا توقعوا الشك في قلوبهم، وتورثوهم الحيرة والبلبلة، فتزل قَّدم بعد ثبوتها.

الجزار الثالث(1)
من شعراء العصر المملوكي البارزين أبو الحسين الجزار المتوفى (679ه). كان جزارًا بفسطاط مصر، ورث الجزارة عن أبيه، واشتغل بها إلى أن عُرف بالشعر، وتقدم به إلى السلاطين والملوك، فنال جوائزهم وعاش في رحابهم، وكان ظريفًا صاحب طرائف في شعره وفي سلوكه، يقول عنه ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب 5/364: "شاع شعره في البلاد وتناقلته الرواة".
وفي منتصف الخمسينات قدَّم الأستاذ الإِذاعي طاهر أبو زيد في برنامجه الشهير "جرب حظك" جزارًا مثقفًا، يقرأ الأدب، ويسمع الموسيقى الكلاسيك، وكان اسمه على ما أذكر "عزت أبو نقاية"، فهذا هو الجزار المثقف الثاني.
أما الجزار المثقف الثالث فقد التقيت به في الشهر الماضي بمقهى من مقاهي حي "جليم" بالإِسكندرية.
ففي ضحى يوم كنت أجلس بهذا المقهى إذ دخل رجل ربعة موفور الجسم، يلبس خواتم ذهبية ضخمة وتتدلى من رقبته سلسلة ذهبية تلمع من ثنايا قميص ملون، ثم جلس وطلب "شيشة" اعتنى بإعدادها عامل المقهى عناية ظاهرة تضاءلت بجانبها "شيشتي" المتواضعة، فقلت: آه، هذا معلم كبير، ولا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، لكن شدني إليه مجموعة من الكتب والمجلات، وضعها بجانبه ، لمحت منها مجلة عالم الفكر ومجلة العربي ثم كتاب الدكتور نصر حامد أبو زيد، فاستأذنته في رؤية كتاب الدكتور نصر، فقال لي : ما لك ولهذا الكتاب؟ فأجبته بسؤال: وهل قراته أنت؟ فقال: نعم، قلت: وما رأيك فيه؟ فأجاب بكلام عال جدًا، أُمسك عن ذكره هنا حتى لا أزيد النار اشتعالًا، ثم سألته: هل قرأت كتاب ابن بلدك الأستاذ "محمود رؤوف أبو سعدة " عن إعجاز العَلَم الأعجمي في القرآن، الذي نشرته دار الهلال؟ قال: نعم، ولكن لي عليه ملاحظات. وذكر منها أشياء جيدة، فأغراني ذلك كله بمد حبال المحاورة معه، حتى جاء ذكر "الجاحظ"، فقال: الجاحظ عظيم، لكنه غطى بشهرته على أدباء كبار، قلت: مثل من؟ قال: أبو حيان التوحيدي، قلت: هل تقرأ لأبي فهر محمود محمد شاكر؟ قال: نعم، وأعظم أعماله "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"، أما "أباطيل وأسمار"، فهو جيد، لكنْ، فيه تكرار كثير.
وامتد الكلام إلى أدباء الحداثة، فقال: إنهم لا ينتجون أدبًا جيدا لَأنهم لا يقرأون، قلت: لعل عذرهم ضيق الوقت وكثرة الصوارف، قال: لا، لو رأيتهم في قصور الثقافة، وهم ينفقون وقتًا طويلا في الثرثرة وفيما لا طائل تحته، لأخذك العجب، ثم ناقشنا قضايا كثيرة كشفت عن اطلاعه الواسع. قلت: ما اسمك؟ قال: "صلاح المصري"، وأعمل بالجزارة التي ورثتُها عن أبي. وقبل أن أودعه قال: على فكرة أنا خريج دار العلوم سنة 1970، دفعة الدكتور الشاعر "عبد اللطيف عبد الحليم".
قلت: ومع هذا تبقى صورتك العظيمة عندي: انك جزار مثقف، أما تخرجك في دار العلوم فلن يغني عنك شيئًا، لقد عرفت من أبناء دار العلوم المحقق والعالم والأديب والشاعر، لكني عرفت منهم أيضًا من يكتب صورة "البقرة"، وصورة "آل عمران" بالصاد لا بالسين، فهذا كما قال ربنا عر وجل: (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ) [الرعد: 4].
وبعد: فهل بقي من الجزارين المثقفين أحد؟ الله أعلم. ولعلنا نظفر بالمزيد منهم حتى يصبح لدينا "سلخانة" من المفكرين، و "مذبح" من النقاد.

العامية في مهرجان أمير البيان(1)
كان عرسًا ثقافيًا رَائعًا، ذلك الذي أقيم لأبي حيان التوحيدي، رغم أني لم أُدع للمشاركة فيه، مع أن أعدل ترجمة أنصفتْ أبا حيان جاءت في كتاب حققته ونشرته منذ 25 عامًا، أنا وأخي عبد الفتاح الحلو رحمه الله، وهو طبقات الشافعية للسبكي، "والشكوى لغير الله مذلة، وربنا مع المنكسرين جابر"، وقد نجح جابر عصفور نجاحا ظاهرًا في الإِعداد لهذا المهرجان وخرج به في أبهى صورة.
وأبو حيان ثاني اثنين أضاءت بهما الكلمة العربية، فأنت مع الجاحظ ومعه تنعم بحلاوة البيان العربي ويغمرك بهاؤه وسناه، الذي يحجبك عنه الآن دعاة الألسنية والموضوعية والتفكير العلمي، "ارجع من فضلك إلى ما كتبتُه عن البيان والطريق المهجور - الهلال مارس، ابريل 1995م".
ولم يغُبِّر في وجه هذا المهرجان إلا تلك العامية البغيضة التي جرت على ألسنة كثير من المعقِّبين على الندوات، وبعضهم من أساتذة الجامعات، مثل قول أحدهم: "الرأي دوت" مكان: "الرأي هذا"، وقول بعضهم: "الأفكار العبيطة" موضع: "الساذجة" والحرص على كسر النون في أوائل الأفعال المضارعة، مثل: نفهم ونقرأ ونحاول "ولا تقل إنها لهجة عربية قديمة. فالذي ينطقها هكذا لا يعرف ذلك" وإلحاق الشين في أواخر الأفعال، مثل: ما أظنش، وما افتكرش ، عيب يا أساتذة "فضحتونا أمام الأجانب".
هذا أمر، وأمر آخر: أن بعض الذين ألقوا البحوث على المنصة تجاوزوا النحو كثيرًا، وخلطوا في أبنية الأسماء والأفعال، ولم يتحروّا المخارج الصحيحة للحروف، فخرج كلامهم معجونًا بعضه ببعض، ولو بعُث أبو حيان من مرقده لفزع فزعًا عظيمًا، ولشكانا إلى أبي سعيد السيرافي النحوي، بل لكانت نقمته علينا أشد من نقمته على الوزيرين: ابن عباد وابن العميد.
ثم أقولها كلمة حق: لم أجد من التزم النظام النحوي ، وتحرى الصواب اللغوي في منطقه "أي نطقه" إلا جابر عصفور، فتحية له على رعايته لهذا المهرجان، ثم ألف تحية على احترامه للعربية، مع أني أختلف معه كثيرا فًيما يكتب.

ما المسؤول عنها بأعلم من السائل(1)
ابنتي طالبة بقسم اللغة العربية بإحدى كليات الاَداب، وأنا أعلِّم العربية في كلية مناظرة، فكان حقًا على أن أكون في عون ابنتي فيما يشكل عليها مما تدرس من علوم العربية، ويشق على المدرس كثيرًا أًن يمارس عمله مع أبنائه ، لكني أغالب هذا الشعور استجابة لعاطفة الأبوة، لكني أيضًا أقف عاجزًا أمام كثير مما تدرسه ابنتي، وبخاصة ما يتصل بعلوم النقد الأدبي والبلاغة والأدب المقارن وتحليل النصوص، فكثير مما يقدم من هذه العلوم للطلبة الآن كلام عجيب حقًا، وليس له من العربية إلا الحروف والأفعال والأسماء، مصبوبًا ذلك كله في نظام نحوي صحيح في جملته، لكنك إذا أردت أن تخرج منه بمعان أو دلالات ذات معنى أعجزك ذلك، فهو كلام "تعقل مفرداته ولا تفهم مركباته" كما وصف ابن دقيق العيد كلام ابن سبعين الصوفي، وأحيانًا لا تعقل مفرداته، ولذلك يعجزني- على كثرة ما قرأتُ وحفظتُ- أن أجيب ابنتي على ما تسأل، وكثيرًا ما أجيبها: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، ثم أصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد لجأت إلى زملائي الذين يعرفون لغة القوم، من أصحاب الألسنية والبنيوية والتفكيكية، ليدلوني على أمثل طريقة لتفهم ابنتي ذلك الكلام، فقالوا: لا سبيل أمامها إلا أن تحفظ ذلك الكلام بحروفه لتضعه كما هو في ورقة الإِجابة.
وهذا رأي خطير جدًا، لأن معناه أن يتحول الطالب إلى ببغاء يردد دون أن يفهم، ومعناه أيضًا أن يفقد الطالب القدرة على أن يؤدي بألفاظ من عنده كلام أستاذه، وهو ما ترفضه نظريات التربية القديمة والحديثة.
وقد حاولت أنا فعلًا أن أجد كلمات مرادفة لهذا الذي تقرؤه ابنتي من كلام أساتذتها، فلم أرجع بشيء ذي بال، وكنت حريًا أن أذكر شيئًا من هذا الذي تعانيه ابنتي وأعانيه معها، ولكني لا أريد أن أحمل "الهلال" وزر هذا الكلام والرد عليه، لكنه في الجملة كلام يدور حول التناص والتماهي والتفكيك والتفجير اللغوي، والإِشكالية- إشكالية أي شيء؛ مع تلك البدعة الغريبة: بدعة "الأسطورة والأساطير" في الأدب العربي، فكل معاني الشعر الجاهلي وصوره وأخيلته مردودة إلى الأسطورة ومحمولة عليها ومفسرة بها.
وإن تعجب فعجبٌ أن بعض الذين يكتبون هذا الكلام الغامض المعمًّى هم ممن نشأوا بالأزهر وتخرجوا في دار العلوم، والأصل في من يتخرج في هذين المعهدين أن يكون عربي الوجه واليد واللسان، ولكن هكذا كان ، وربك يفعل ما يشاء.

أبي يغزو... وأمي تحدث(1)
هذا مثل شائع من أمثال العرب، وأصله فيما ذكر ابن الأعرابي: أن رجلا قَدِم من غزوة، فأتاه جيرانه يسألونه عن الخبر، فجعلت امرأته تقول: قُتل من القوم كذا، وأُسر كذا، وجُرح كذا، والرجل صامت لا يتكلم ، فقال ابنها متعجبًا: "أبي يغزو وأمي تحدث"، هكذا رواه المفضل بن سلمة، والميداني، ورواه الزمخشري : "وأمي تحبِّر"، والتحبير: التزيين، ثم قال: يضرب لمن يفتخر ببلاء غيره.
وأنت ترى أيها القارئ الكريم، وأنا أرى معك تصديق هذا المثل كل يوم فيمن يتحدثون كثيرًا على السنة غيرهم، ويحملِّونهم ما لم يحملوا، ويقوِّلونهم ما لم يقولوا، وكثيرًا ما يضيفون إلى ذلك كلامًا آخر عن أنفسهم هم: معتدلين أو مبالغين.
وقد ذكرت هذا حين قرأت عقب وفاة شيخ المجمعيين الدكتور إبراهيم بيومي مدكور كلمة بالأهرام لأحد أساتذة الجامعة، نعى فيها الدكتور مدكورًا، ذاكرًا بعض مآثره وآثاره ليخلص بسرعة إلى الحديث عن نفسه هو وتلاميذه هو، ثم رآها فرصة ليضع كتفه بجوار كتفه، وهامته إلى هامته، فيذكر خلافه معه في الرأي والقضايا الفلسفية الكبرى.
وذكرت هذا المثل أيضا يَوم حصل فارس الرواية العربية نجيب محفوظ، على جائزة نوبل العالمية، وانطلقت أقلام المنظِّرين والمتفلسفة، تحلل وتفسر، وتستنطق الأديب الكبير بما لم يقله؛ بل إن بعضهم ألبسه "برنيطة" فردَّ فَنه الروائي إلى فلان الإِنجليزي، أو فلان الفرنسي، والرجل ساكت لا ينطق، مجامل لا ينفي، وكأنه يقول في نفسه: "لا والله ليس الطريق هنالك!". على أن أديبًا من هؤلاء الأدباء أعطى لنفسه خصوصية عجيبة بنجيب محفوظ، فهو لا يزال يُشعِرنا بأنه الأقرب والأحظى عند الأستاذ، وأنه مستودع سره، ومستراح ضميره، ويقول مرة: أبي نجيب، ومرة: عمي نجيب، ثم يتمادى فيرد أدبه إلى أدبه، ويقرن فنه بفنه، ويا بُعد ما بينهما!
ويذكر تلاميذ الأستاذ العقاد وجلساؤه أن ذلك الكتاب الذي كتبه هذا الأديب الشهير والصحفي الكبير عن "صالون العقاد" فيه تزيُّد غير قليل على العقاد، وأن قدرًا كبيرًا من المكتوب إنما هو عن الكاتب لا عن العقاد، هكذا قالوا والعهدة عليهم، فاني لم أجالس العقاد رحمه الله، وقد فاتني بذلك خير كثير.
على أن هذا كله يذكِّرنا بمثل عربي آخر، هو قولهم: "سَيرين فِي خرزة"، والسير معروف، وهو من الجلد يصُنع منه النعال، ويضرب هذا لمن يجمع حاجتين في حاجة واحدة، وما أصدق العرب في أمثالها وحكمها!

الندواتية(1)
وأخيرًا، وبعد صبر وترقب وطول انتظار منَّ الله عليَّ ودُعيتُ إلى ندوة من تلكم الندوات التي تتوالى في هذه الأيام كما تتوالى دفعات المطر، وقد كثُرَتْ هذه الندوات كثرة ظاهرة، فلا تمُسي بك ليلةٌ بندوة حتى يأتيك صباحٌ بأخرى.
وفي تلك الندوات تلتقي بثلاث فئات: رئيس الجلسة والمتحدث والمعقِّب، وترى بين الثلاثة ودا صافياً وأنساً عذباً. فهذا غني عن التعريف، وذاك ترك أعمالاً جليلة ليشارك في ندوتنا هذه، وثالث يتواضع ويقول: إنه لا يستحق كل ذلك الثناء (ويعلم الله أن بداخله كبرًا يكفي أُمّةً!).
ويمضي النقاش بين الثلاثة ملفَّقًا في ثياب المصانعة والمس الرقيق، ثم يختم بهذه العبارة الحانية: إن هذه الملاحظات لا تغض من قيمة البحث الذي استمتعنا به اليوم، "ويعلم اللهّ أنها تغض وستين تغض كمان".
وهكذا تسير الأمور، وإذا سمعتَ شغبًا أو حِدة أو ارتفاعًا في الأصوات، فلا تظن أن المسألة دخلت في باب الجد، وإنما هو من قبيل قول الأحوص في عاتكة:
إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسمًا إليك مع الصدود لأمْيَلُ
لأن "الندواتية" يحب بعضهم بعضًا، ويحرصون على استبقاء الود بينهم، ترقبًا للندوات القادمة، ولعلهم مقدمون على خطوة كالتي خطاها كُتّاب بريد الأهرام، فنسمع عن تكوين "أصدقاء الندوات"، وقد أصبحت أسماء "الندواتية" مكرورة ومعروفة كأسماء كتاب بريد الأهرام تمامًا.
لكني أشهد أن بعض هذه الندوات تعالج قضايا جادة، وتتناول شخصيات كبيرة، وأنها يُعد لها إعدادًا جيداً، ولكن يُفسد ذلك كله المصانعة والاستخفاف، والمشاركة دون الاحتشاد وامتلاك الأدوات، وانظر الكلمة الأخيرة في عدد سابق من الهلال لأستاذنا الدكتور الطاهر أحمد مكي".
ثم أشهد أيضًا أن من بين هؤلاء "الندواتية" أناسًا أَهل فضل وعلم، ولو أنفقوا هذا الوقت مع تلاميذهم في الجامعة، أو مع كتبهم وتصانيفهم لكان ذلك أنفع وأجدى على الفكر والأدب، لأن كثيرًا مما يُطرح في هذه الندوات ومثلها المؤتمرات العلمية كلام في كلام، وقديمًا ما نبَّه الناس إلى أن كثرة القول مفسدة للعمل، فقال القائل: "زيادة القول تحكي النقص في العمل"، وقال أبو العلاء في لزوميًّاته:
إذا كثر الناس شاع الفساد ... كما فسد القول لما كثر
والله أعلم

موائد الرحمن(1)
بعد أيام يهلُّ هلال رمضان، وفي رحاب هذا الشهر الكريم يعيش الناس أيامًا طيبة حافلة بالنور والضياء، وتنبسط نفوس الصائمين بألوان كثيرة من الخير والبر، من أظهرها وأبرزها ما عُرف في السنوات الأخيرة من موائد الإِفطار التي نراها في المساجد، وفي بعض الميادين، يتحلق حولها الصائمون ينعمون بأطايب الطعام .
وقد عُرفت هذه الموائد باسم "موائد الرحمن"، وقد تأثرت هذه التسمية بما يطلقه إخواننا السعوديون على الحجيج بأنهم "ضيوف الرحمن".
وهذه الموائد تحقق للمصريين عادتهم في استدعاء مظاهر البهجة، وارتفاع الأصوات الفرحة في أثناء رص الموائد ورش الماء أمامها، وتوزيع الأطباق "وعقبال العودة يا حاج" "ونزّلت كم طبق بالصلاة على النبي؟" "وخللي بالك من الرجل البركه دا والنبي".
ولكن هل تحقق هذه الموائد الغاية التي يتغيَّاها هؤلاء المحسنون من إقامتها؟ وهل يستفيد منها أهل الحاجة فقط؟ أم أنها يغشاها من يستحق ومن لا يستحق، وما نصيب النساء والأرامل منها؟ ثم ما نصيب هؤلاء الفقراء الذين يُقعدهم الحياء واستبقاء الكرامة عن غشيان هذه الأماكن العارية -وقد ورد في كلام بعضهم: الأكل والنوم عورتان فاستروهما- وهؤلاء الفقراء هم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: (يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً) [البقرة: 273]، ثم وصفهم بشار بقوله:
إن الكريم ليُخفي عنك عسرتَهُ ... حتى تراه غنيّاً وهو مجهودُ
ألا يمكن أن يكون هناك بديلٌ عينيٌّ في صورة مبلغ من المال يذهب إلى هؤلاء المحتاجين في بيوتهم؟ لقد حسم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب هذه القضية حسمًا قاطعاً، فيما رواه الطبري في تاريخه 4/245 (حوادث سنة 24) قال: "وكان عمر يجعل لكل نفس منفوسة (أي مولودة) من أهل الفيء في رمضان درهماً في كل يوم، وفرض لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم درهمين درهمين، فقيل له: لو صنعت لهم طعاماً فجمعتهم عليه! فقال: أشبِعوا الناس في بيوتهم " .
ورحم الله عمر، فقد جعل الله الحق على لسانه وقلبه، كما اخبر الصادق المصدوق، فيما رواه الترمذي عن ابن عمر. وأخرج البخاري أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدَّثون ، فإن يكُ في أمتي أحد فإنه عمر".
والمحدَّث بتشديد الدال المفتوحة: هو الملُهَم، كأنه حُدثَّ بشيء فقاله.
وكل عام وأنتم بخير.
* * *

جلال معوض.. وزمن الورد (1)
من كلام العرب الحكيم قولهم : "زمن الورد"، ويُضرب به المثل في الحُسن والطيب، ذكر ذلك الثعالبيُ في كتابه ثمار القلوب في المضاف والمنسوب 644 وهو كتاب جيد يحوي معارف كثيرة وينبغي قراءته.
وقد ذكَّرنا بهذا الزمن الأستاذ جلال معوض رحمه الله في برنامج له ظريف قدمه خلال رمضان بإذاعة البرنامج العام اسمه "عصر من الغناء".
وقد أداره على أغاني أم كلثوم، وقد صار هذا التركيب "أغاني أم كلثوم" تركيبًا خالدًا على سمع الزمان، تسمعه فتشعر بالجلال والعزة والبهجة والبهاء تمامًا كما تسمع "أغاني أبي الفرج الأصبهاني"، و "إلياذة هوميروس"، و "كتاب سيبويه".
وإذا كان جلال معوض قد طوَّف مع أم كلثوم في مراحلها كلها، فقد وقفت أنا طويلا عند مرحلة "الخمسينات" لأني أرى أن صوت أم كلثوم في هذه المرحلة كان قد استحصد واستوى على سوقه، بعد أن تخلص من "السرسعَة" - وإن كانت محببة جدا- التي صاحبتها في الثلاثينات والأربعينات.
صوت أم كلثوم في الخمسينات صوتٌ مثقفٌ رشيد، استولى على أصول النغم وخَبَر درجات المقامات، وأحسن الدخول والخروج، كصوت الشيخ مصطفى إسماعيل في الخمسينات أيضاً.
وفي تلك المرحلة هجرت أم كلثوم الطقاطيق وأغاني الأفلام، واتجهت إلى المطولات أو (المعلقات) من شعر فصيح، أو عامية راقية.
وكان من حسن حظ الملحن العظيم رياض السنباطي أن خلت له الساحة في هذه الخمسينات، فمحمد القصبجي وقف عند "رق الحبيب"، وقنع بأن يدندن خلف أم كلثوم على عوده، والشيخ زكريا أحمد اكتفى بأهل الهوى والأمل، وأنا في انتظارك، وهجر صوت أم كلثوم هجرًا غير جميل في قطيعة استمرت من سنة 1947 إلى 1959 (راجع مقالة أستاذنا كمال النجمي في هلال فبراير) فخلا وجه أم كلثوم للسنباطي من أواخر الأربعينات إلى الخمسينات وما بعدها ، فأبدع معها وبها، وكانت هذه الروائع: سلوا كؤوس الطلا، وسلوا قلبي، والنيل، ونهج البردة، وولد الهدى، وإلى عرفات الله، ورباعيات الخيام ، وأغار من نسمة الجنوب ، ومصر تتحدث عن نفسها، وقصة الأمس، وقصة حبي، وثورة الشك، وأراك عصي الدمع.
ثم هلت ليالي القمر، ويا اللي كان يشجيك أنيني، وغلبت أصاح في روحي، وجددت حبك ليه، وسهران لوحدي، ويا ظالمني، وشمس الأصيل، وعودت عيني، وهجرتك، وأروح لمين، والحب كده.
وفي هذه الأغنية الأخيرة ملامح كثيرة من روح زكريا أحمد وبخاصة مطلعها، والذي لا يعرف أنها من تلحين السنباطي يظنها للشيخ زكريا.
وقد كان جلال معوض موفَّقًا في اختيار هدأة الليل موعدًا لبرنامجه الجميل هذا، فالليل أبعث للشجن وأدعى للذكريات والبكاء معها وعليها. ألم يقل مجنون بني عامر:
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزتني إليك المضاجعُ
أقضِّي نهاري بالحديث وبالمُنى ... ويجمعني والهم بالليل جامعُ
وأيضًا فإن جلال معوض قد أمتعنا بصوته الحلو الذي يجمع بين العذوبة والفحولة، وهذا شان أبناء جيله: حسني الحديدي وصلاح زكي، ثم المفكر النابه أحمد فراج.
* * *

زاحم بعَود أو فدعْ (1)
العَود، بفتح العين وسكون الواو: الجمل المُسِنّ. وهذا من أمثال العرب، ومعناه: لا تستعن إلا بأهل السن والتجربة، ويمكن أن يوجَّه هذا المثل أيضًا على معنى: لا تنافس ولا تغالب إلا بشيء ذي قدر ونفع.
وقد تذكرت هذا المثل حين كنت بدولة الإِمارات العربية المتحدة منذ شهور، أستاذا زائرًا بجامعة العين، وفي الفندق الذي كنت أنزل به أُتيحت لي فرصة طيبة لرؤية القنوات الفضائية العربية، فرأيت شيئا مُعجِبًا حقا، سواء في قنوات أبو ظبي ودبي والشارقة أو في سائر الفضائيات الأخرى.
في هذه الفضائيات ترى ألوانًا رفيعة من الدين والأدب والفن والسياسة والاجتماع والرياضة، إلى القضايا الساخنة والحوارات الجادة بين أطراف متباعدة فكرًا ومكانًا بحيث أصبح التلفزيون أداة تثقيف وإنارة، وفارقته مسحة الإِملال التي يشكو منها الناس.
أرى هذا كله ثم أقارن بينه وبين ما تقدمه قناتنا الفضائية المصرية، فلا أخرج من المقارنة إلا بما قاله حافظ إبراهيم:
وزعيمهم شاكي السلاح مدججٌ ... وزعيمنا في كفه منديلُ
إن برامج الفضائية المصرية فقيرة بجانب ما تقدمه أخواتها العربيات، ومعظم ما تقدمه قناتنا: أفلام ومسرحيات ومسلسلات، إلى جانب بعض البرامج الخفيفة، مثل: أغاني الأفلام، وأغاني وأماني، وسباق الأغنيات، ونجم على الهواء، بحيث
يخيل للناظر أن مصر قد فقدت علماءها ومفكريها وأدباءها، ولم يبق على ظهرها إلا أهل التمثيل والمغنى.
على أن هذه البرامج الخفيفة قد تُرضي بعض الأذواق، ولكنه رضا موقوت، على ما قال ابن الرومي:
وقد يفضلها قوم لعاجلها ... لكنه عاجل يمضي مع الريحِ
والعجيب أن كثيرًا من برامج هذه الفضائيات العربية الجادة مسجلة في مصر، وتقوم على شخصيات مصرية، وهؤلاء المصريون الذين يتعاملون مع تلك القنوات يحبون بلدهم مصر، بل ويعشقونها، ويقولون: "يا حبيبتي يا مصر"، ولكنهم يتصرفون وفق القاعدة التي تقول: "الصلاة خلف علي أتم، لكن الطعام على مائدة معاوية أدسم".
فعلى قناتنا المصرية إذا أرادت أن تزاحم وتنافس: أن تجوِّد وتحسِن، وإلا انصرف الناس عنها، وغابت صورة مصر المحروسة.

تم بحمد الله كتاب مقالات العلَّامة الدكتور: محمود محمد الطناحي
رحمه الله




(1) مجلة «الهلال», سبتمبر 1995م.
(2) مجلة "الهلال" يناير 1996م.
(3) مجلة "الهلال"، فبراير 1996م.
(4) جريدة "الأهرام" (مصر)، 23 فبراير 1996م.
(5) جريدة "الأهرام" (مصر)، 29 مارس 1996م.
(6) مجلة "الهلال"، سبتمبر 1996م.
(7) مجلة "الهلال"، أكتوبر 1996م.
(8) مجلة "العربي"، العدد 458، يناير 1997م.
(9) مجلة "الهلال"، فبراير 1997م.
(10) مجلة "الهلال"، يوليه 1997م.
(11) مجلة "الهلال" أغسطس 1997م.
(12) "الوطن"، العدد 7724، 14 ربيع الآخر 1418هـ، أغسطس 1997م.
(13) جريدة "الأهرام" (مصر)، 22 أغسطس 1997م.
(14) مجلة "الهلال"، سبتمبر 1997م.
(15) مجلة "العربي"، العدد 469، ديسمبر 1997م.
(16) جريدة "الأهرام" (مصر)، 17 فبراير 1998م.
(17) جريدة "الأهرام" (مصر)، 14 أبريل 1998م.
(18) مجلة "الهلال"، مارس 1998م.
(19) جريدة "الأهرام" (مصر)، 12 مايو 1998م.
(20) مجلة "الهلال"، يوليو 1998م.
(21) مجلة "الهلال"، أغسطس 1998م.
(22) مجلة "العربي"، العدد 480، نوفمبر 1998م.
(23) مجلة "الهلال"، أكتوبر 1998م.
(24) مؤسسة الفرقان للتراث، 1998م، لندن.
(25) مجلة "الجيل"، 1998م.
(26) نبَّه الأستاذ الطناحي الطابع لهذه الكلمة بقوله: هذه على النصب صحيحة فلا تغيرها لأنها مفعول ثان. أما فاعل "ينفعك" فهو المصدر المؤول "أن تفزع"، وتقدير الكلام: فما ينفعك فزعك إلى اسم أبيك شيئاً.
(27) مجلة "الهلال"، يناير 1999م.
(28) مجلة "الهلال"، مايو 1999م.
وهو آخر مقال كتبه الأستاذ الدكتور محمود الطناحي قبيل رحيله المفاجئ!
(1) مجلة البيان- لندن- يونيو- 1999.
(1) مجلة "العربي"، العدد 488، يوليو 1999م. أراد أستاذنا الطناجي أن يكرم الدكتورة بنت الشاطئ في ذكرى رحيلها، فأبت الأقدار إلا أن تحمل إلينا نبأ رحيله هو أيضاً، فسبحان من له الدوام، لقد كان علماً من أعلام اللغة العربية، تخرج في الأزهر؛ ثم دار العلوم، ودرَّس في العديد من الجامعات مثل جامعة أم القرى والجامعة الأمريكية، وأصبح عميداً لدار العلوم، وكان مدرسة قائمة بذاتها في علم تحقيق التراث، إذ أخرج تحقيقات ضخمة لعيون التراث العربي، إضافة إلى مؤلفاته وبحوثه المتعددة. فرحمة الله، وعوض العربية عنه خيراً.
(1) مجلة "هلال"، يونية 1999م.
هذا المقال كتبه الراحل د. محمود الطناحي قبيل، وكأنه يكتب وصيته الأخيرة.
(1) مجلة "الهلال"، يونيه 1995م.
(1) مجلة"الهلال"، أكتوبر 1995م.
(1) مجلة "الهلال"، نوفمبر 1995م.
(1) مجلة "الهلال"، أبريل 1996م.
(1) مجلة "الهلال"، يونيو 1996م.
(1) مجلة "الهلال"، أبريل 1997م.
(1) مجلة " الهلال"، يناير 1997م.
(1) مجلة "الهلال"، أبريل 1997م.
(1) مجلة "الهلال" مارس 1998م.
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------




1