Advertisement

مقالات الدكتور محمود الطناحي 1

مقالات
العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي

الجزء الأول



ابن السبكي (1): علم وإصلاح

عرف تاريخ الثقافة العربية كثيراً من البيوتات العلمية التي استفاض العلم فيها, وكان إرثاً طيباً يؤول إلى الأبناء فيما يؤول إليهم من عقار وحطام, فكان علم الأبناء امتداداً ناضجاً لعلم الآباء. وقد صان هؤلاء الأبناء ذلك الموروث العلمي العظيم, وعملوا على إثرائه وإخصابه.
وبحسبنا في هذا المقام أن نذكر أبا حاتم الرازي محمد بن إدريس بن المنذر, المتوفى سنة 277 هـ, وابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم, المتوفى سنة 327 هـ, من أئمة علم الجرح والتعديل. والإمام ضياء الدين خطيب الري عمر بن الحسين بن الحسن, وابنه الفخر الرازي محمد بن عمر, المتوفى سنة 606 هـ من فرسان علم الكلام.
على أنه لم يستعلن تأثير والد في ولده كما استعلن في تاريخ الإمام العلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي, المولود في سنة 683 هـ والمتوفى في سنة 756 ه, وولده العلامة تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي, المولود في سنة 727 هـ, والمتوفى في سنة 771 هـ.
وقد أجمع المؤرخون على فضل الوالد وسعة علمه, فيقول عنه الذهبي - فيما ينقل عنه السبكي:

«القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء, كان صادقاً ثبتاً خيراً ديناً, من أوعية العلم, يدري الفقه ويقرره, وعلم الحديث ويحرره, والأصول ويقربها, والعربية ويحققها».

ويكفي دليلًا على علم هذا الرجل أنه كان الوحيد من بين علماء عصره الذي تصدى لابن تيمية - على عنفه وشدته - ورد عليه في مسألتي الطلاق, وزيارة قبر النبيّ عليه الصلاة والسلام, وهما المسألتان اللتان زعزع بهما ابن تيمية كيان العلماء في عصره. فرد عليه الإمام السبكي في مسألة الطلاق برسالتين: رافع الشقاق في مسألة الطلاق, والتحقيق في مسألة التعليق. ورد عليه في الزيارة برسالة شفاء السقام في زيارة خير الأنام, أو شن الغارة على من أنكر السفر للزيارة.
ويقول فيه ابن تيمية: «لقد برز هذا على أقرانه». وقد نبغ صاحبنا تاج الدين في منتصف القرن الثامن الهجري - عصر الموسوعات العلمية - هذا العصر الذي كان بمثابة الصحوة الفارهة بعد النكسة التي أصابت العالم الإسلامي, والتي كادت تأتي على تراثه الضخم العريض, إبان الغزو التتري الكاسح.

وقد ولد تاج الدين بالقاهرة, ونسب إلى قرية سبك من أعمال المنوفية. ولم ينصرف الفتى في صباه إلى اللهو واللعب, كما يفعل لداته وأترابه, فقد هدهد سمعه في سن تفتحه وفود العلماء, تفد إلى بيت أبيه, تنشد العلم وتطلب الفتيا. فأقبل على ألوان المعرفة يحصلها على مهل واتئاد, حتى اكتملت له أدوات العالم المجتهد. وكان مجلى هذه الثقافة الواسعة العريضة في نهاية الشوط موسوعة علمية ضخمة, لمت أطراف الثقافة العربية, وجلتها على نحو معجب خلاب, على امتداد سبعة قرون في كتابه الخالد: «طبقات الشافعية الكبرى».
لقد انفسح هذا الكتاب العظيم من خلال ترجمته لرجال المذهب الشافعي - لكثير من المباحث الفقهية والفتاوى الشرعية, والمقالات, والمناظرات, والنوادر والملح, كما حفل بالضوابط اللغوية ومسائل علم الكلام والأصول. كما كان مصدراً أدبيّاً لكثير من الكتب التي عالجت شؤون الحُب.
وكان أيضاً مرجعاً أصيلًا في جمع أشعار الشعراء. على أن أهميته الكبرى بعد كل ذلك ترجع إلى أنه حفظ لنا كثيراً من النصوص التي ضاعت أصولها. كتاريخ نيسابور, للحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله, المعروف بابن البَيَّع, المتوفى سنة 405هـ, وتاريخ مصر لابن يونس, عبد الرحمن بن أحمد المتوفى سنة 347 هـ, وغير هذين الكتابين كثير من هذه الأمهات التي عبث بها الزمان.
وقد عالج ابن السبكي في كتابه هذا ذلك المنهج العلمي, الذي عرف فيما بعد, ونسب إلى ابن خلدون, ذلك المنهج القائم على تمحيص الأخبار, والتنبه لما تفعله المعاصرة والعصبية في المذهب.

استمع إليه يقول في ترجمة أحمد بن صالح المصري, في الطبقة الثانية: «ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد, واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح, فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة, فجرحه لذلك». ولم تقف تلمذته للإمام الذهبي حائلًا دون نقده مُرَّ النقد لمخالفته هذا المنهج القائم على الحيدة والتجرد, فيقول عنه: «وهو شيخنا ومعلمنا, غير أن الحق أحق أن يتبع, وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد يسخر منه».

ولكن هذه الحياة العلمية المخلصة لم تشغل صاحبنا عن أن يلمس مظاهر الضعف والعسف التي استعلنت في الحكم المملوكي الجائر, فظهرت دعواته الإصلاحية النقدية في كتابه القيم: «معيد النعم ومبيد النقم».

لقد كان هذا الكتاب ثورة عاتية على نظم الحكم وأخلاق الناس, فقد أتيح لابن السبكي من خلال مشاركته في الحياة العامة - مدرساً وخطيباً وقاضياً - أن يرى ويحس مدى التمزق الذي شمل الأمة نتيجة للحكم المملوكي البغيض, الذي نبتت فيه فكرة «تركي وفلاح». والذي استأثر فيه المماليك بالمناصب الكبرى, وتركوا أصحاب الأرض الحقيقيين يشربون العرق ويقتاتون السهد.

وقد وضع ابن السبكي كتابه هذا رداً على سؤال ورد عليه, أو وضعه هو بين يدي كتابه, موضوعه: «هل من طريق لمن سُلِب نعمة دينية أو دنيوية إذا سلكها عادت إليه, ورُدَّت عليه»؟ وإجابة عن هذا السؤال راح ابن السبكي ينقد بقسوة وصراحة طوائف الأمة, ابتداء من السلطان إلى أرباب الحرف, آخذاً في طريقه نواب السلطان والقضاة والمدرسين, ورجال الدين من العلماء والصوفية.

استمع إليه يلخص رأيه في الأتراك عموماً, فيقول: «وقد اعتبرت كثيراً من الأتراك يميلون إلى أول شاك, وما ذاك إلا للغفلة المستولية على قلوبهم», ثم يسخر من هؤلاء الأتراك وتعلقهم من الإسلام بالمظاهر الفارغة, فيقول: «وأما أنك ترتكب ما نهى الله عنه وتترك ما أمر به, ثم تريد أن تعمر الجوامع بأموال الرعايا, ليقال: هذا جامع فلان فلا والله لن يتقبله الله تعالى أبداً».

ثمَّ يتكلَّم عن السلطان ويحدد اختصاصاته فيقول: «إن الله لم يولّه على المسلمين ليكون رئيساً آكلًا شارباً مستريحاً, بل لينصر الدين ويعلي الكلمة».
وحين يتحدث عن العلماء والمفتين يأخذ على بعض هؤلاء وأولئك تعصبهم لمذاهبهم, وإضاعتهم الوقت في الخلافيات, فيقول مخاطباً العلماء: «لو أن الشافعي وأبا حنيفة ومالكاً وأحمد أحياء يرزقون لشدَّدوا النكير عليكم وتبرأوا منكم فيما تفعلون», ثم يأتي إلى المفتين فيقول: «ومنهم طائفة تصلبت في أمر دينها, فجزاها الله خيراً, تنكر المنكر وتتشدد فيه, وتأخذ بالأغلظ, وتتوقى مظان التهم, غير أنها تبالغ فلا تُذكر لضعفة الإيمان من الأمراء والعوام إلا أغلظ المذاهب, فيؤدي ذلك إلى عدم انقيادهم وسرعة نفورهم. فمن حق هذه الطائفة الملاطفة وتسهيل ما في تسهيله فائدة لمثل هؤلاء إلى الخير, إذا كان الشرع قد جعل لتسهيله طريقاً, كما أن من حقها التشديد فيما ترى أن في تسهيله ما يؤدي إلى ارتكاب شيء من حرمات الله».

ويرسم ابن السبكي المعلم للمدرس منهجاً تربويّاً راشداً حين يقول: «وحق عليه أن يحسن إلقاء الدرس وتفهيمه للحاضرين, ثم إن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات, بل يدريهم ويأخذهم بالأهون فالأهون, إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق, وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات, بل يدخل بهم في المشكلات». وتتجلى دعوة صاحبنا الإصلاحية في أبهى صورها حين يأسى للفلاح الذي يستهلك في السخرة والإقطاع. فحين يتكلم عن منصب ناظر الجيش وتحديد اختصاصاته يقول: «ومن قبائح ديوان الجيش إلزامهم الفلاحين في الإقطاعات بالفلاحة, والفلاح حر, لا يد لآدمي عليه, وهو أمير نفسه».

وبعد .. ألا تعتقد معي أيها القارئ الكريم أن هذا الرجل إنما يتكلم بلغة عصرنا, كمصلح اجتماعي, وكعالم نفساني, بصير بالنفس الإنسانية, عالم بضعفها.

وكان طبيعيّاً بعد هذا النقد المر الجارح لنظام الحكم وأخلاق الناس أن تتعرض حياة الرجل ومصير أسرته للزوابع والأعاصير, فيعزل عن منصب القضاء, لأسباب واهية ذكرها الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» وتُجرى له محاكمة, يحكم عليه فيها بالحبس سنة. ولكن هل ضعف ابن السبكي, أو تخاذل؟ استمع إلى معاصره الحافظ ابن كثير يقول: «جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله, وحصل له من المناصب والرياسة ما لم يحصل لأحد قبله, وأبان في أيام محنته عن شجاعة وقوة على المناظرة, حتى أفحم خصومه, ثم لما عاد عفا عنهم, وصفح عمن قام عليه».

وبعد هذه الحياة الخصبة الزاخرة بالعلم والإصلاح انطفأت هذه الشعلة التي توهَّجت عبر أربع وأربعين سنة. وحق لابن السبكي أن يقول في زهو ورضا, في ورقة كتبها إلى نائب الشام: «وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق, لا يقدر أحد يرد علي هذه الكلمة».

توفي تاج الدين شهيداً بالطاعون (بالدهشة) ظاهر دمشق في ذي الحجة. خطب يوم الجمعة, وطُعن ليلة السبت رابعه, ومات ليلة الثلاثاء سابعه سنة 771 هـ, ودُفن بتربة السبكية بسفح قاسيون, عن أربع وأربعين سنة, بعد أن جلا صفحة مشرقة في تاريخ علماء المسلمين.

* * *


طبقات الفقهاء الشافعية (2)

تأليف أبو عاصم محمد بن أحمد العبّادي

لم يحظ رجال مذهب من مذاهب الفقه الإسلامي ما حظي رجال المذهب الشافعي, من التأريخ لحياتهم, والاحتفال بإنتاجهم, وتدوين مسائلهم وفتاواهم. وما ذلك إلا لأن رجال المذهب الشافعي انتشروا في الآفاق وشغلوا الناس حين بسطوا سلطانهم على كل فروع الثقافة العربية, درساً وتمثلًا وتصنيفاً.

فرأينا منهم المحدثين والحفاظ والمفسرين والصوفية والمؤرخين والأدباء واللغويين والمتكلمين والفلاسفة, وأمامنا أبو بكر البيهقي, وابن عساكر, وابن حجر العسقلاني, وابن كثير, وأبو قاسم القشيري, وابنا الأثير, مجد الدين صاحب «النهاية», وعزّ الدين صاحب «الكامل», والجرجاني صاحب «الوساطة», وأبو منصور الأزهري, والفخر الرازي ووالده, وإمام الحرمين الجويني ووالده, وأبو حامد الغزالي, إلى آخر هذه السلسلة التي جلت وجه الثقافة الإسلامية, والتي ازدانت بإنتاجها المكتبة العربية.

وانطلاقًا من التأليف في مناقب الإمام محمد بن إدريس الشافعي صاحب المذهب, توالت المصنفات في تاريخ أتباعه وحملة مذهبه (انظر: كشف الظنون, ص 1101).

وعلى وفرة هذه المصنفات لم يظهر منها مطبوعاً سوى «طبقات الفقهاء»



لأبي إسحاق الشيرازي المتوفى سنة 476 هـ, و «طبقات ابن هداية الله» المتوفى سنة 1014 هـ, ثم معلمة ابن السبكي العظيمة «طبقات الشافعية الكبرى». (وقد توفي ابن السبكي سنة 771 هـ).

واليوم يظهر هذا النص المبكر في تراجم الشافعية لأبي عاصم العبادي, محمد بن أحمد بن عبد الله بن عباد الهروي القاضي.

وُلِد أبو عاصم سنة خمس وسبعين وثلاثمائة. يقول عنه ابن السبكي: «كان إماماً جليلاً حافظاً للمذهب, بحراً يتدفق بالعلم, وكان معروفاً بغموض العبارة, وتعويص الكلام, ضنة منه بالعلم, وحباً لاستعمال الأذهان الثاقبة فيه».

وقد تنقل أبو عاصم في البلاد, ولقي المشايخ, وتلمذ لأفاضل عصره, فأخذ عن القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي, بهراة, والقاضي أبي عمر البسطامي, والأستاذ أبي طاهر الزيادي, وأبي إسحاق الإسفرايني, بنيسابور.

وصنف كتباً نافعة, منها: «الزيادات», و «زيادات الزيادات», و «المبسوط», و «الهادي إلى مذهب العلماء», و «أدب القضاء», و «الرد على القاضي السمعاني». وبعد حياة زاخرة بالعلم والتصنيف انتقل إلى رحمة ربه, في شوال سنة ثمان وخمسين وأربعمائة, عن ثلاث وثمانين سنة.

وكتاب أبي عاصم هذا «طبقات الفقهاء» أحد كتب خمسة في تراجم الشافعية ظهرت في القرن الخامس الهجري. فقد ألف أبو حفص عمر بن علي المطوعي المتوفى سنة 440 هـ كتاباً سماه «المذهب في ذكر شيوخ المذهب». ثم ألف القاضي أبو الطيب الطبري المتوفى سنة 450 هـ مختصراً ذكر فيه مولد الشافعي رضي الله عنه. وعدَّ في آخره جماعة من الأصحاب كما يقول ابن السبكي.

ثم ألف شيخ الإسلام أبو إسحاق الشيرازي المتوفى سنة 476 هـ كتاب «طبقات الفقهاء», وفي آخر القرن ألف الحافظ أبو محمد عبد الله بن يوسف الجرجاني المتوفى سنة 489 هـ كتابه «الطبقات». ويصف ابن السبكي كتاب أبي عاصم هذا فيقول: «جمع فيه غرائب وفوائد, إلا أنه اختصر في التراجم جدّاً. وربما ذكر اسم الرجل أو موضع الشهرة منه, ولم يزد».
وقد أسدى الأستاذ المستشرق - نموستا فيتستام, ليدن - إلى التراث العربي يداً جليلة بإبراز هذا النص وإخراجه إلى النور. لكنه على عادة كثير من المستشرقين المشتغلين بتحقيق النصوص العربية قدم النص مجرداً من أي شرح أو توثيق, إلا ما يكون من ذكر فروق النسخ.

وسواء أكان الباعث على هذه الطريقة: المنهجية أو القصور, فستظل هذه النصوص التي تخرج على هذا النحو في حاجة إلى إخراج جديد, يجلوها ويربطها بما قبلها وبما بعدها في خط التراث العربي المتداخل المتشابك. وستظل هذه النصوص أيضاً في حاجة إلى عين عربية بصيرة بمجري السياق عليمة بمواقع الكلام.

وإذا كان من المجمع عليه أنَّ أوفى عمل في هذا الفن - فن تراجم الشافعية - هو موسوعة ابن السبكي العظيمة: «طبقات الشافعية الكبرى», فإن أي عمل في هذا المجال ينبغي أن يراجع على هذه الموسوعة الكبرى, وبخاصة أن ابن السبكي قد أفرغ في كتابه كل الكتب التي صُنّفت قبله في هذا الفن. فهو جهد حقيق بأن يُرجع إليه ويُستفاد منه.

ويبدو أن الأستاذ المحقق لم يُفِد من عمل ابن السبكي, ولو فعل لأراح واستراح من هذه المظاهر الصاخبة التي زحم بها حواشي الكتاب, من ذكر فروق النسخ فيما لا طائل تحته ولا غناء فيه. فقد تكثر الأستاذ المحقق من ذكر هذه الفروق, بحيث اشتملت بعض الصفحات على عشرين تعليقاً, معظمها يمكن الاستغناء عنه. وليس هناك داع لإثقال النص بالفروق الهينة, أو التي تكون واضحة الخطأ, نتيجة لأوهام النساخ أو جهلهم, ولا يذكر من الفروق إلا ما كان له وجه يخدم النص. والمسألة ليست استعراض عضلات, كما يقال في هذه الأيام. وهذا مثال واحد في صفحة 61 هامش 7: «قال أبو داود السجستاني», يضع المحقق رقماً فوق «أبو» ليقول في الهامش: في ت: «أتو»!

ولا شك أن هناك جهداً صامتاً للمحقق لا يظهر في التعليقات, فلن يضير المحقق أن تكون تعليقاته قليلة. وهذه حقيقة يعرفها كل من ابتلي بتحقيق النصوص.
وملاحظاتي العامة على عمل هذا المستشرق أنه لم يضبط النصوص القرآنية الكريمة, والأحاديث الشريفة. وفي هذا ما فيه. كما أهمل ضبط النسب: كالبويطي والدغولي والقراب, والسجزي, والتبوذكي. مع أن الأمر فيها هين. فكان حسبه أن ينظر في «اللباب» لعز الدين ابن الأثير, و «المشتبه» للذهبي, و «معجم البلدان» لياقوت, بل كان يكفيه «القاموس المحيط», وهو مرجع لا نظن مكتبة تخلو منه. والعجيب حقاً أن المحقق في صفحة 63 سطر 4 ضبط «المروروذي» فكيف حظي أبو حامد وحده بهذا الاهتمام؟ وهذا من علامات اضطراب المنهج عند المحقق.
ولم يضبط المحقق الألفاظ الغريبة التي امتلأ بها النص, مثل: «النغم والوغم» صفحة 36 سطر 5, وكذلك كلمة «جداد» في الصفحة نفسها سطر 13.
ولم يراع المحقق هذه الملاحظات لتدل على غيرها !
صفحة 2 سطر 9: «ومحمد بن صباح» شدد الباء في «صباح», والصواب تخفيفها.
وقد تكرَّر هذا الخطأ في صفحة 23 سطر 5, وفي ص 78 س4.
ص 10 س 9: قال العبادي في ترجمة المزني: «صنف المنثور», وفيه قال في رجل ظاهر الحرية له أولاد أحرار في الظاهر أقر بالرق لآخر فقبله أن أولاده أحرار وتجب نفقتهم على العبد في كسبه لا يأخذ السيد من كسبه إلا ما يفضل من نفقتهم».
جعل المحقق جملة «له أولاد أحرار» مقول القول. ووضع قبلها نقطتين دليلًا على ذلك. وهو خطأ. والصواب أن مقول القول هو قوله: «إن أولاده أحرار ... ».

ص 11 س 6: لم يضبط المحقق كلمة «السلم», وهو اصطلاح فقهي, يجب أن يضبط بفتح السين واللام. وهو مثل السلف وزناً ومعنى. قاله في المصباح المنير. والعجيب أن المحقق حين يضبط لا يأتي ضبطه دقيقاً. ففي الصفحة ذاتها س 7: «خبز حُوَّارَى» ضبطها بضم الحاء وفتح الراء فقط. وحقها أن تكون بضم الحاء وشد الواو وفتح الراء. وهو الدقيق الأبيض.
ص 12 هامش أ يقول المحقق: «هذه الكلمتان مكتوبة في هامش أ», وهو أثر من آثار العجمة. وكان يجب على المحقق أن يستعين بأحد أبناء العربية في تحرير التعليقات وفي قراءة النص, كما يفعل كثير من المستشرقين.
ص 13 س 11, 12: «إذا ترك أهل بلد طلب العلم رأيت الحاكم أن يخبرهم عليه».
والصواب: «يجبرهم» بالجيم, وليس بالخاء المعجمة.
ص 14 س 1: «أما الفرض فغسل اليدين وقصعة والسكين والمغرفة», والصواب: «والقصعة», كما ورد في طبقات ابن السبكي في ترجمة الربيع المرادي. وللمحقق كلف بحذف «ال» التعريف ستأتي له أمثلة كثيرة.
ص 15 س 10: ذكر العبادي في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل أنه روى عن الإمام الشافعي «أن السيد يلاعن أمته», وقد جاءت هذه العبارة في طبقات ابن السبكي, في ترجمة الإمام أحمد «يلاعن عن أمته», والذين تمرَّسوا بقراءة المخطوطات يعرفون أن تجاور كلمتين كما في هذا المثال قد يكون أصيلًا وقد يكون زيادة جرى بها قلم الناسخ بتأثير الكلمة الأولى. فكان ينبغي على المحقق أن يلتفت إلى هذه الزيادة.
ص 17 س1: مثال لإهمال الترقيم وعدم فصل النصوص. «سئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الفراء, فقال: «أنقاها الدباغ وكانت الصحابة رضي الله عنهم ... الخ ... وواضح أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام ينتهي عند كلمة «الدباغ».

وفي الصفحة نفسها س2: «وحكى الربيع المرادي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: آلات الرئاسة خمسة: صدق اللهجة, وكتمان السر, والوفاء بالعهد, وابتذال النصيحة, وأداء الأمانة».

ذكر العبادي هذه الحكاية أثناء ترجمة الربيع الجيزي, ولا علاقة لها بترجمته, إذ أنها سبقت في ترجمة الربيع المرادي ص 14. والربيع المرادي هو الذين يتوقع منه الحكاية عن الشافعي, فهو كما يقول ابن السبكي: «صاحب الشافعي وراوية كتبه, والثقة الثبت فيما يرويه. وقد اتصل بخدمة الشافعي وحمل عنه الكثير وحدث عنه به».

في حين لم يكن للربيع الجيزي من الإمام الشافعي سوى الرواية عنه فقط. ويلاحظ أيضاً أن النص في ترجمة الربيع المرادي بدا مبتوراً هكذا: «الرئاسة خمسة».
وهنا يقول: «وابتذال النصيحة», وهناك: «وبذل النصيحة», وهو الصواب, فإن الابتذال ضد الصيانة. كما يقول صاحب القاموس.

وكل هذا يدل على أن المحقق بمعزل عن النص. والاشتغال بتحقيق النصوص يقتضي المعايشة الكاملة للنص المحقق, بحيث يكون المحقق مالكاً لزمام عمله, مفتح العينين لكل خبر وحكاية.

ص 22 س 13: «وفيه قول آخر أنه فيها من غير قطع», والأولى أن توضع كلمة «يدخل» قبل «فيها», كما في النسخ الثلاث التي أشار إليها المحقق في الهامش. والضمير يرجع إلى الصلاة.

ص 24 س 5: «هذا لا نعرف», الأولى قراءة النسخ الثلاث التي بالهامش «لا نعرف هذا», ويقرأ ما في الصلب «لا يعرف» بالبناء للمجهول. ويجب أن يتخذ المحقق موقفاً تجاه اختلاف النسخ, وألا يكون عبداً للأصل إذا كان واضح الخطأ.

وفي الصفحة نفسها س 10: «أبو طيب», والصواب: «أبو الطيب», وانظر ما كتبته عن ظاهرة حذف «ال» التي تكررت عند المحقق ص 14 س 1.

ص 26 س 11: «ومن فتاويه أنَّ الصبي إذا أسلم بإسلام أحد أبويه» رفع «أحد», والصواب: جرّه بالإضافة.

ص 29 س؟: «عن النبي صلى الله عليه وسلم: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» صوابه: «باللذين», كما هي قراءة النسخة ت. ولا يضير هذه النسخة أن تنفرد بالصواب. وكأن المحقق خدع بأن سائر النسخ تخالفها.

وفي الصفحة نفسها س 14: «عمرو بن سواد المسرحي», وفي بعض النسخ «التنوخي», وإنصافاً للمحقق أقول إن ما أثبته هو الصواب, كما في اللباب 1/539, والمشتبه 356. ولكن من حق القارئ عليه أن يعرف من أين جاء بهذا الصواب, حتى رفع عنه الشك, ويريحه من عناء البحث والتقصي.

ص 33 س 14: «فدل أنه يستحق كمال الدرجات بكمال الإيمان ونقصانه ينقص الدرجات», يجب أن توضع فاصلة بعد «الإيمان», وهذا مثال لإهمال المحقق علامات الترقيم.

ص 35 س 9 قال العبادي: «ومنهم إبراهيم بن عبد الله المحبر (وشدد الباء)» من أصحاب مالك رحمه الله. روى الحرث بن سريح عنه. قال للشافعي رحمه الله: لم أرَ هاشميّاً يفضل أبا بكر على عليّ رضي الله عنهما سواك, فقال: أمير المؤمنين علي ابن عمي وابن خالتي وأنا من بني عبد مناف وأنا من بني عبد الدار ولو كان فيه مكرمة لعلي لكنت أولى بها منك», وفي هذا النص عدة أخطاء.

أولًا: «المحبر» خطأ. صوابه «الحجبي», كما جاء في طبقات ابن السبكي في ترجمة الحارث بن سريج. وساق ابن السبكي هذه الحكاية (انظر: الطبقات 2/113, 179, الطبعة الجديدة).

ثانياً: «ابن سريح» بالحاء المهملة خطأ. وصوابه: «سريج» بالجيم المعجمة.
كما في طبقات ابن السبكي, وكما في المشتبه للذهبي ص 395. وهو حجة في هذا الشأن, لأنه يضبط بالعبارة.
ثالثاً: «وأنا من بني عبد الدار» خطأ. صوابه: «وأنت», كما جاء في طبقات ابن السبكي, وهذا يؤيد كون «المحبر» خطأ, وأن الصواب: «الحجبي», كما قدمت. فقد جاء في اللباب لابن الأثير, عند الكلام على نسبة «الحجبي» 1/ 280: «هذه النسبة إلى حجابة بيت الله المحرم. وهم جماعة من عبد الدار».

ص 39 س 2: «أبو طاهر أحمد بن عمر ابن سرح» خطأ. والصواب: «أبو الطاهر ... ابن السرح», كما جاء في ترجمته في تذكرة الحفاظ 2/ 79, تهذيب التهذيب 1/ 64, الجمع بين رجال الصحيحين 1/14, شذرات الذهب 2/120, طبقات ابن السبكي 2/ 26 (الطبعة الجديدة), العبر 1/ 455. وحذف «ال», وإن كان جائزاً في الأسماء والكنى, إلا أن تكرره وشيوعه في هذا الكتاب (انظر ما كتبته عن ص 14 س 1, وص 24 س 10) مما يجعلني أكاد أجزم بأنه أثر من آثار العجمة لدى بعض المستشرقين الذين يصعب عليهم نطق ما فيه «ال», وسيأتي في ص 91 س 1: «ابن نحاس القاضي» بدون «ال». وكذلك في ص 9 من المقدمة الأجنبية ذكر كتاب العبادي المسمَّى: «الهادي إلى مذهب العلماء», ذكره هكذا: «هادي إلى مذهب العلماء», ولو كان اسم الكتاب في الحقيقة بدون «ال» لكتب: «هاد بحذف الياء, لأنه حينئذ يعل إعلال «قاض».
ص 41 س 13: «ابن أبان» شدد الباء. والصواب تخفيفها.
ص 46 س 12: «ويحتمل» ضبطها بضم الياء. وهو خطأ يقع فيه كثير من الناس, يضمون الياء ويفتحون التاء والميم, مبنيّاً للمجهول. والصواب فتح الياء مع كسر الميم, مبنيّاً للمعلوم. قال الفيومي في المصباح المنير: «والاحتمال في اصطلاح الفقهاء والمتكلمين يجوز استعماله بمعنى الوهم والجواز, فيكون لازماً, وبمعنى الاقتضاء والتضمن, فيكون متعدياً, مثل احتمل أن يكون كذا, واحتمل الحال وجوهاً كثيرة».
ص 50 س 6: قال العبادي في ترجمة إبراهيم ابن إسحاق الحربي: «وذكر في كتاب «غريب الحديث» الذي صنفه أبو سليمان الخطابي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الهدهد, كرامة له ... », وقد وضع المحقق بعد كلمة «صنفه» رقماً, وذكر في الحواشي أن في كل النسخ زيادة: «نقل». وهذه الزيادة في نظري مهمة, وحقها أن توضع في الصلب. فهي - فضلًا عن كونها في كل النسخ - لا يستقيم الكلام بدونها. فما دخل أبي سليمان الخطابي هنا؟ إلا أن يكون نقل في كتابه هذه التفسيرات اللغوية من كتاب الحربي, ويكون العبادي لم يقف على كتاب الحربي ووقف على كتاب الخطابي, وفيه آراء الحربي, والمشكل هنا أن لكل من الحربي والخطابي مصنفاً في غريب الحديث (انظر: مقدمة النهاية, لابن الأثير), وقد توفي الحربي سنة 285 هـ وتوفي الخطابي سنة 388 هـ.
ص 51 س 2: «أبو عبد الله الزبيري محمد بن سامري بن عبد الله بن عاصم ... صاحب الكافي», وكل ذلك خطأ. والصواب فيه: أبو عبد الله, الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبد الله بن عاصم كما جاء في مراجع ترجمته. انظر: تاريخ بغداد 8 / 471, طبقات ابن السبكي 3 / 295, طبقات الشيرازي 88, طبقات القراء 1/ 292, مرآة الجنان 2/ 278, نكت الهميان 153, وفيات الأعيان 2/ 69. وواضح أن «سليمان» هي القراءة الصحيحة لكلمة «سامري» التي علق عليها المحقق بأنها في بعض النسخ «شامري».
ص 53 س 13: قال العبادي في ترجمة الإمام البخاري: «ولم يرو عن الشافعي رحمه الله في «الصحيح» لأنه أدرك أقرانه, والشافعي رحمه الله مات مكتهلًا, فلا يرونه نازلًا وقد وجده عالياً», والخطأ في «يرونه» فصوابه: «يرويه», كما جاء في طبقات ابن السبكي 2/ 215. ولو رجع إليها المحقق لوقف على الصواب, ولما احتاج أن يذكر في الحواشي أن الكلمة كذا في ب, ت, في الأصل و ح بغير تنقيط. وقبل كل ذلك فالكلمة من اصطلاحات علم الجرح والتعديل ورواية الحديث. فكان ينبغي على المحقق أن يفزع إلى أهل الذكر.

ص 64 س 1: «إن كان لشيء مضى وقع وإن لشيء مستقبل لم يقع», وضع المحقق رقماً فوق «وإن لشيء», وأشار إلى أن في بعض النسخ «وإن كان», ولست أدري لم لم يضع «كان» هذه في الصلب, فيها يستقيم السياق.
ص 67 س 4: «محمد بن إبراهيم بن منذر. الصواب: «المنذر», كما جاء في بعض النسخ بالهامش. وكما جاء في بعض المراجع التي ترجمت له. وفي السطر نفسه: «صاحب إشراف على مذاهب العلماء», والصواب: «الإشراف», كما يذكر ابن السبكي دائماً.
انظر ما كتبته عن ص 39 س 2.
ص 78 س 13: قوله تعالى: «اعلموا ما شئتم» بتقديم اللام خطأ, والصواب: «اعلموا» بتقديم الميم. وهي الآية 40 من سورة «فصلت».
ص 79 س 11: في قوله تعالى: {يا أبت إفعل ما تؤمر}, جعل الهمزة همزة قطع». والصواب أنها ألف وصل {افعل}.
ص 88 س 2: «سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» فقال: فذاكروا فيه». علق المحقق على كلمة «فذاكروا» بأنها في بعض النسخ «أكثروا», وأرى أن يكون ما في الصلب: «تذاكروا».
ص 90 س 13: «إن ماسح الخف لا ينوي رفع الحديث» خطأ. والصواب: «الحدث».
ص 91 س 1: «وقد عارض بهذا الكتاب ابن نحاس القاضي» رفع «ابن» بالضمة. والصواب نصبه على المفعولية. والفاعل ضمير مستتر يعود على أبي بكر أحمد بن عمر الخفاف, وهو المترجم, وهنا أيضاً حذف «ال» من النحاس. وقد أشرت إليه قبلاً.
ص 96 س 1: «ويكره الرفع الشديد الصوت» ضبط المحقق الفعل بضم الياء وكسر الراء, مبنيّاً للمعلوم, ونصب «الرفع», و «الشديد», والصواب بناء الفعل للمجهول, ورفع «الرفع» نائباً عن الفاعل, و «الشديد» على الصفة.
وفي الصفحة نفسها س 4: «ويكره الدعاء بالشجع وتكلف الصنعة», والصواب: «بالسجع» بالسين المهملة.

ص 98 س 10: «لأنَّ العرب تقول: غسل الشتاء السطح» علق المحقق على «الشتاء» بأنها في ثلاث نسخ «السماء», وأرى هذا هو الصواب, فإن العرب تسمي المطر سماء.
(انظر: معجم مقاييس اللغة 3/ 98).
ص 102 س 6: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجداً وإنما يجب أن يقول: جعلت داري مسجداً لله تعالى» قفل المحقق علامة التنصيص بعد «تعالى» على أن الكلام كله من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم. وإنما ينتهي كلام الرسول عليه السلام بعد «مسجداً».
وفي الصفحة نفسها س 11: «أبو حنيفة أفتى بأن المال بينهما نصفين».
الأولى «نصفان», وهما ما جاء في ثلاث نسخ, كما أشار المحقق.
ص 108 س 12: «إذا وجد زان, وإذا فقد شأن», وضع المحقق همزة على ألف «شأن», والصواب حذفها لتناسب السجع.
ص 110 س 12: «وحكيم بن محمد الذيموني الفقيه من قراء بخارى», أشار المحقق إلى أن في نسخة: «من قرى بخارى», وقد كان ينبغي على المحقق أن يقف عند هذه القراءة. فقد قال ياقوت في معجم البلدان 2 / 727: «ذيمون بفتح أوله وآخره نون: قرية على فرسخين ونصف من بخارا», فلعل الناسخ وجد الكلمة «قرا» فلم يحسن قراءتها, وتطوع بزيادة الهمزة. نعم ترجم ابن الجزري في «طبقات القراء» لشخص اسمه «حكيم بن محمد», ولم يزد في اسمه على ذلك, ولم يذكر في نسبته «الذيموني», واختلفت سياقة ترجمته عند ابن الجزري عما في الأنساب لوحة 241 ب, واللباب 1/ 449, وطبقات ابن السكبي 4/ 337, وانظر طبقات ابن الجزري 1/ 257.
ص 111 س 6: «ووجهه أنهما دليلان تعارضا في الحس», وجاء في إحدى النسخ: «في الحسن», وأرى هذا هو الصواب. وهذه اصطلاحات أصولية محددة, تشبه الأمثال. وقد كان يجب على المحقق, كما قلت قبلًا, أن يلجأ إلى أهل هذا الشأن, حتى يحفظ للنص روحه وسلامته.

وفي الصفحة نفسها س 12: «الظهارة والإيلاء والرجعة», والصواب: «الظهار», كما جاء في نسختين بالهامش.
ص 114 س 12: «وإليه يرجع المآب», الأولى قراءة النسخة ت «وإليه المرجع والمآب». وقد لاحظت أن هذه النسخة كثيراً ما تنفرد بالصواب ومع ذلك لم يلتفت لها المحقق. وقد لاحظت أيضاً أن المحقق في صنع فهرس الأعلام قد بذل جهداً في تحقيق الأسماء, ولو أنه فعل هذا في تحقيق النص لسلم من كثير من الأخطاء, ولسلم أيضاً من إثقال النص بالحواشي وفروق النسخ.

ومهما يكن من شيء فلن نستطيع أن ننكر للمحقق الفاضل هذه اليد التي أسداها إلى تراثنا العربي ببعث أصل مبكر من تراثنا الخالد. وتحية لكل الجهود المخلصة.

* * *

أحمد محمد شاكر (3)

وُلدِ بالقاهرة, ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب, وأبوه هو الشيخ محمد شاكر, وكيل الأزهر. وقد انتقل مع والده إلى السودان عندما عُيَّن في منصب قاضي قضاة السودان سنة 1317 هـ = 1900 م فالتحق بكلية غوردون. وذهب إلى الإسكندرية سنة 1321 هـ = 1904م, فالتحق بمعهد الإسكندرية, ثم التحق بالأزهر, وحاز شهادة «العالمية» منه سنة 1334 هـ = 1917م, وعُيَّن موظَّفاً قضائّياً ثمَّ قاضياً, وذلك بعد تعيينه مدرَّساً لمدة وجيزة جدَّا, وظلَّ في القضاء حتى أُحِيل على التقاعد سنة 1951م عضواً بالمحكمة العليا الشرعية, وتوفي رحمه الله بالقاهرة يوم السبت 26 من ذي القعدة سنة 1377 / 14 من يونية 1958.
كان أوَّل شيوخه في معهد الإسكندرية الشيخ «محمد أبو دقيقة», وقد ترك هذا الشيخ في حياته أثراً لا يمحى, وهو الذي حبَّب إليه الفقه وأصوله, ودرَّبه وخرَّجه في الفقه حتى تمكن منه, ثم تلقَّى العلم عن أبيه الشيخ «محمد شاكر» الذي قرأ له ولإخوانه شيئاً من التفسير وكتب السَّنة وأصول الفقه والفقه الحنفي والمنطق, ثم وجَّهه والده إلى دراسة علم الحديث منذ سنة 1909, وأول اهتمام له قراءة مسند الإمام أحمد بن حنبل, ثم قرأ صحيح مسلم وسنن الترمذي والشمائل له وشيئاً من صحيح البخاري.

وقد اتصل بعلماء الأزهر من أهل القاهرة والوافدين عليها أيام كان طالباً



بالأزهر, ومن العلماء الذين لقيهم وأخذ عنهم وأجازوه: السيَّد عبد الله بن إدريس السنوسي, عالم المغرب ومحدَّثه, والشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي, والشيخ أحمد بن الشمس الشنقيطي, عالم القبائل الملثمة, والشيخ شاكر العراقي, والشيخ طاهر الجزائري, والسيَّد محمد رشيد رضا, صاحب «المنار» وغيرهم من علماء السُّنَّة. وكان لهؤلاء أثر كبير في نشأته التي أدَّته إلى أن يستقل بمذهب في علم الحديث. يقول عنه أخوه الصغير الشيخ محمود محمد شاكر: «إمام من أئمة علم الحديث في هذا القرن, و هو أحد الأفذاذ القلائل الذين درسوا الحديث النبوي في زماننا دراسة وافية قائمة على الأصول التي اشتهر بها أئمة هذا العلم في القرون الأولى, وكان له اجتهاد عرف به في جرح الرجال وتعديلهم, أفضى به إلى مخالفة القدماء والمحدَّثين, ونصر رأيه بالأدلة البيَّنة, فصار له مذهب معروف بين المشتغلين بهذا العلم, على قلَّتهم. وقد تولى القضاء في مصر أكثر من ثلاثين سنة, فكانت له أحكام مشهورة في القضاء الشرعي, قضى فيها باجتهاده, غير مقلد ولا متبع, وكان اجتهاده في الأحكام مبنيًّا على سعة معرفته بالسنَّة التي اشتغل بدراستها منذ نشأته إلى أن لقي ربه».

وكان في دراسته وتعليقاته على النصوص يدافع عن أحكام الإسلام وآدابه دفاعاً تفرَّد به, ونطق بالحق الذي يراه غير متهيب ولا متلجلج, بحيث أعلن رجوعه عن بعض آرائه القديمة, وعلى سبيل المثال: أنَّ الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر, كان يرى أن يكون الحساب الفلكي بديلًا عن الرؤية الشخصية في إثبات أوائل الشهور العربية, فنهض لمخالفته والد الأستاذ أحمد شاكر, وهو محمد شاكر, من كبار العلماء لعهده, وكان الشيخ أحمد ممن يعتقد بدءاً بصحَّة فتوى والده, فكتب مقالات تؤيَّد منحاه عن ثقة جازمة, ثم بدا له بعد التحقيق بصحَّة فتوى والده, فكتب مقالات تؤيَّد منحاه عن ثقة جازمة, ثم بدا له بعد التحقيق والتريُّث ما يخالف وجهه نظره ونظر والده, فخرج على الناس برسالة كتبها في حياة أبيه يعلن فيها انتصاره لرأي الإمام المراغي. (انظر: البيومي, 4/ 126 - 127).
أعماله العلمية:
وقد اشتغل الشيخ أحمد محمد شاكر بنشر نصوص التراث الإسلامي بدراسة

كثيرة وتعليقات قيَّمة, وإلى جانب ذلك ألَّف بعض الكتب المفيدة, منها:
1- نظام الطلاق في الإسلام, دلَّ فيه على اجتهاده وعدم تعصُّبه لمذهب من المذاهب, واستخرج فيه نظام الطلاق من نص القرآن ومن بيان السُّنَّة في الطلاق, وترك هذا الكتاب عاصفة من النقد, فنهضت فئة من المجلات الأسبوعية والشهرية لمعارضته, كما ألَّف الأستاذ الإمام محمد زاهد الكوثري رسالته: «الإشفاق في أحكام الطلاق» ردّاً على ما ورد فيه.
2- كلمة الحق. (القاهرة 1407 هـ), هذا الكتاب عبارة عن جمع بعض مقالاته التي كانت قد نشرها في مجلة «الهدي النبوي» التي كان يرأس تحريرها.
وأما ما نشره من نصوص التراث الإسلامي: ففي الحديث:
1- مسند الإمام أحمد. (القاهرة 1377 هـ = 1957). وهو يعتبر أهم أعماله العلمية التي عمل عليها إلى أن وافته المنيَّة, ونشر خمسي الكتاب في 15 مجلَّداً. وقد بلغت الأحاديث التي ضبطها وحققها 8100 حديث من المسند الذي يبلغ عدد أحاديثه حوالي 40,000 حديثاً. وتوفَّاه الله بعد أن حقَّق جزءًا من 680 حديثاً من المجلَّد السادس عشر, وأتمَّ ما بقي من هذا المجلَّد الدكتور الحسني عبد المجيد هاشم. ويحتوي ما كتبه الشيخ في مقدمة الكتاب المعنونة بـ «طلائع الكتاب» معلومات قيَّمة. وقد جعل لأحاديث الكتاب المعنونة بـ «طلائع الكتاب» معلومات قيَّمة. وقد جعل لأحاديث الكتاب أرقاماً متتابعة, وخرَّجها من حيث إسنادها صحَّة وحسناً وضعفاً, وحقَّق أسماء المحدَّثين وأعلام الإسناد وذكر الأحاديث التي تقوي الأحاديث الضعيفة من حيث الإسناد.
2- الجامع الصحيح, للترمذي. وهو من أعماله التي لم يتمكَّن من إكمالها, ونشر المجلَّد الثاني مع مقدمة تبلغ 96 صفحة, ومعلومات هامشية واسعة النطاق. (القاهرة 1357 - 1359 هـ = 1038 - 1940 م).
3- معالم السنن, للخطابي. شارك الشيخ محمد حامد الفقي في نشره.
(القاهرة 1948 م).
4- اختصار علوم الحديث, لابن كثير. وقد قام بشرح هذا الكتاب القيَّم في

علم أصول الحديث ونشره باسم: «الباعث الحثيث إلى معرفة علم الحديث».
(القاهرة 1355 هـ).
1- جامع البيان, للطبري. شارك أخاه الشيخ محمود محمد شاكر في نشره, فتولَّى جزءاً من تخريج أحاديثه إلى الجزء التاسع, وعلَّق على بعضها إلى الجزء الثالث عشر. (القاهرة 1955 - 1960م).
2- تفسير القرآن العظيم, لابن كثير. وقد شرع في اختصار هذا التفسير وسمَّاه «عمدة التفسير» وأصدر منه خمسة أجزاء بينما كان يفكر أن يتمه في عشرة أجزاء.
(القاهرة 1956 - 1957م). ولم يذكر أثناء اختصاره أسانيد الأحاديث كما لم يذكر الإسرائيليات, والأحاديث الضعيفة والمكررة, وبعض المباحث الفقهية والكلامية.
وفي الفقه:
1- الرسالة, للإمام الشافعي. ويعدّ تحقيقه لهذا الكتاب أكبر دليل على إتقانه وبراعته في إخراج النصوص القديمة على أعدل المناهج وأقومها, بل إنَّ تحقيق هذا الكتاب يعد إيذاناً ببدء مرحلة جديدة تماماً من النشر العلمي المستكمل لكل أسباب التوثيق والتحقيق والموصول بما سنَّته الأواثل وأصَّلوه. (القاهرة 1938م).
2- جماع العلم, للشافعي. (القاهرة 1940م).
3- المحلَّى, لابن حزم. شارك في نشره الشيخ محمد حامد الفقي.
(القاهرة, بدون تاريخ, دار التراث, بيروت).
4- كتاب الخراج, ليحيى بن آدم. (القاهرة, 1347 هـ).
وفي الأدب:
1- الشعر والشعراء, لابن قتيبة. (القاهرة 1364 - 1366 هـ).
2- المعرب, لأبي منصور الجواليقي. (القاهرة 1942م).
3- المفضليات, للمفضل الضبَّي. (القاهرة 1952م).
4- الأصمعيات, للأصمعي. (القاهرة 1955).
وشارك في نشر الكتابين الأخيرين ابن خاله الأستاذ عبد السَّلام محمد هارون.


فوائد سيَّد .. العالِم الذي فقدناه (4)

في صباح يوم الأحد الثاني من رمضان سنة 1387 هـ - الثالث من ديسمبر سنة 1967م دعي الأستاذ فؤاد سيَّد فأجاب وخسرت مصر والعالم العربي بوفاته عالماً فرداً, ظل يعمل في دنيا المخطوطات العربية قرابة الأربعين عاماً, درساً وتمثلًا وتصنيفاً؟.

إن حياة هذا الرجل صورة فذة, جمعت أجزاؤها كل جلال النبوغ الفطري والتحصيل الذكي الدؤوب والعصامية التي استعلت على قسوة المنشأ وباركتها عناية الله حتى استوت علماً نافعاً فيه خير وبركة ونماء.

ولد الأستاذ فؤاد سيَّد عمارة في القاهرة (بدرب الأغوات في حي الدرب الأحمر) يوم 20 أكتوبر سنة 1916م لأب رقيق الحال, توفي عنه سنة 1932م, ولم تكن له عمومة يعتزي إليها ويشرف بها, أو خؤولة تصونه وترعاه, فدب على الطريق وحيداً إلا من دعاء أم لا تملك سوى الدعاء وقد أشقاها الترمل وأرَّقها الخوف على الصبي اليتيم, ولم يصب الفتى من التعليم غير مرحلة «الكتاب» ثم أربع سنوات قضاها بمدرسة عبد الباقي الشوربجي الأولية بشارع جامع البنات, ويترك الصبي المدرسة ليعمل بمطبعة كانت تسمى المطبعة الملوكية, بجوار دار الكتب المصرية على يمينك وأنت تريد ميدان العتبة.

وفي سنة 1929م يلتحق الصبي بدار الكتب المصرية عاملًا بمطبعتها في تصفيف الحروف, ثم يدلف الفتى على استحياء إلى مخازن الدار وفهارسها العربية



فتبهره صفوف الكتب ويعيش مع ترابها أحلى قصة كفاح نسجت خيوطها موهبة فذة ورفدتها عبقرية نادرة.

استمع إلى الأستاذ المحقق محمد عبد الجواد يصفه في هذه المرحلة من حياته في كتابه: «تقويم دار العلوم الذي صدر عام 1959م» يقول: «من أكثر من ربع قرن مضى توجهت إلى دار الكتب المصرية, أبحث عن موضوع لغوي, فصادفني بين ولدانها فتى في منتصف العقد الثاني من عمره, طلب إليه الأمين أن يجيب طلبتي, فإذا بي أمام مطلع عالم بالموضوع, وأضاف إلى إجابته ذكر جملة من المظان التي يصح الرجوع إليها فيه. فعجبت لهذا الشاب وتمنيت لو أن «دار الكتب» يكون بين موظفيها عدد من المرشدين من مثله, والذين أدعوهم «فهارس ناطقة».

وبعد أن يعدد الأستاذ عبد الجواد آثار الفقيد يضيف: «وترى فؤاداً هذا - في تحقيق المخطط «حـ» (يقصد طبقات الأطباء والحكماء» - عالماً من كبار العلماء بدقائق الحقائق التاريخية, وكتب السير والطبقات, فضلًا عن سعة الاطلاع والتمكن من المادة التي يبحث عنه ويفحص عن صحتها. أما المباحث اللغوية وتحقيق الأسماء والمصطلحات, فتعجب عن اطلاعك على مجهوده, كيف يتكلم عن اليونانية واللاتينية, إلى الفرنسية والألمانية والتركية وغيرها, واثقاً مما يقول مرجحاً مضعفاً». انتهى كلام الأستاذ محمد عبد الجواد.

وفي هذه الحقبة من التاريخ كانت دار الكتب المصرية تضم نفراً من العلماء الأفذاذ الذين نذروا حياتهم لخدمة التراث العربي والفكر الإسلامي في صمت معجب, حيث قدموا شوامخ النصوص العربية, كتفسير القرطبي والأغاني والنجوم الزاهرة ونهاية الأرب, على أدق ما يكون الإخراج ضبطاً وتحقيقًا. ومن هؤلاء العلماء أذكر الأساتذة عبد الرحيم محمود وزكي العدوي وحسن حسين وعبد المجيد الأقدمي ومحمود إمام. ويبرز من بين هذا النفر الكريم الشيخ محمد عبد الرسول, وكان رحمه الله حجة في المخطوطات العربية, وتتوثق صلة الفتى به ويتتلمذ له فيصيب على يديه خيراً كثيراً.

وقد اضطر فقيدنا في هذه المرحلة من حياته إلى أن يأكل من نسخ الكتب, فنسخ كثيراً من المخطوطات. وقد حدثني أن يديه لا تزالان ترتعشان من طول ما نسخ. وحقاً ما قال, فقد كنت إذا حدقت فيه وهو يكتب لا تخطئ رعشة خفيفة في يديه. ومن الذين كان ينسخ لهم - كما حدثني - الدكتور محمود الخضيري أستاذ الفلسفة الإسلامية رحمه الله, والمستشرق الفرنسي شال كونس المشتغل بتحقيق كتاب «الجيم» لأبي عمرو الشيباني.

وكان رحمه الله يفخر بنسخ الكتب ويقول لي: إنه مهنة العلماء كياقوت الحموي صاحب معجم الأدباء. وبفضل هذا النسخ حصَّل كثيراً من المعارف, ووعت ذاكرته ما لا يحصى من أسماء الكتب. وحين أصبح قادراً على تمييز الخطوط وردها إلى العصر الذي كتبت فيه, استناداً إلى نوع الحبر وكثافة الورق وطريقة الكتابة, من إهمال للنقط أو إعجام. أضف إلى هذا أن خطوط العلماء كانت متميزة في عينه, فهذا خط الصلاح الصفدي, وذاك قلم ابن حجر العسقلاني. وكان يقول لي: إن خط الصفدي لا تخطئه العين, فهو خط منسق جميل, ومن خصائصه كيت وكيت, وإن قلم ابن حجر لا يتوقف فتكاد كلماته تتشابك. وكذلك كان.

وكان غفر الله له نسيج وحده في قراءة ما يكتب في صدر المخطوط من إجازات أو تملكات أو توثيق, ثم كان حجة في تقويم كل ذلك وبيان زيفه من صحيحه, مع قدرة فائقة على قراءة الكلمات المصحَّفة وتقويم العبارات المزالة عن وجهها. ويا لحسرة القلب, لقد مات بموت هذا الرجل علم كثير. وكم كنا نتمنى أن ينسأ الله في أجله حتى نستطيع نحن أبناء هذا الجيل أن نعي شيئاً من هذا العلم الكثير, كما كان هو يتمنى أن يمتد به العمر ويُكفى السعي المضني وراء الرزق ليدوَّن هذا المحصول فتخرج تلك المعرفة إلى الناس في كتاب مقروء.

أجل, كان الأستاذ فؤاد سيَّد وريث تلك المدرسة الجليلة التي أحبت المخطوطات العربية ووقفت عليها مالها ومنحتها كل حياتها, مدرسة محمد محمود الشنقيطي وأحمد تيمور وأحمد زكي.

ونعود إلى الخط الوظيفي للفقيد, فنراه يظل يعمل في قسم الفهارس العربية إلى أن منح في سنة 1951 لقب أمين المخطوطات بصفة شرفية, وكان حينئذ يقوم بفهرسة المخطوطات وتصنيفها. ولما قامت دار الكتب بفصل المخطوطات عن المطبوعات في جناح خاص بها أصدر مدير الدار (وكان في ذلك الوقت الأستاذ السيَّد فرج وكيل وزارة الثقافة الآن) قراراً بتسليمه عهدة مكتبة المخطوطات والقيام بشؤونها, وصار أول أمين للمخطوطات بالدار. وقد قام في عمله الجديد بالأعمال الآتية:
1- الخدمة المكتبية وإرشاد الباحثين.
2- اختيار جميع المخطوطات والوثائق التي تحتاج للتجليد والترميم ووضع المواصفات الفنية اللازمة لذلك حفاظاً عليها وصوناً لها, لما لهذه المخطوطات من معالم تاريخية وفنية.
3- اختيار المخطوطات القيمة والنادرة لتصويرها بالميكروفيلم أو التكبير.
4- تزويد المكتبة بصورة من بطاقات جميع المخطوطات المحفوظة بالدار لتيسير وسائل البحث والمراجعة لجمهورها من المستعيرين.
5- إعداد دفتر خاص للكتب المعارة داخل هذه المكتبة أو عند موظفي الدار أو في الخارج, وإصدار إحصائيات شهرية سنوية بحالة الإعارة فيها.
6- المشاركة في إعداد سجلات خاصة للمخطوطات تكون صورة مطابقة لما في مخازن المخطوطات من الكتب, لتصير أساساً لجرد هذه المكتبة وحصر محتوياتها.

وقد كان من أثر هذه التنظيمات التي تمت لأول مرة في تاريخ دار الكتب أن حققت هذه المكتبة رسالتها العلمية على خير ما يجب من النفع للمترددين عليها من الباحثين والعلماء العرب والمستشرقين.

ولما كان رحمه الله سكرتيراً للجنة شراء المخطوطات ولجنة حماية

المخطوطات وصيانتها, فقد يسر له إشرافه على هذه المكتبة إنجاز أعمال هاتين اللجنتين بصورة مباشرة كان لها أثر كبير في النتائج الإيجابية التي حققتها هاتان اللجنتان.

ومع ذلك فإن عمله في أمانة المخطوطات وسكرتارية هذه اللجان وإعداد جداول أعمالها وتنفيذ قراراتها لم يحل دون مساهمة فعالة مع قسم حماية التراث في فهرسة المخطوطات وتصنيفها. وقد قام فعلًا في هذا الصدد بالأعمال الآتية:
1- إخراج فهرست مخطوطات مصطلح الحديث, على منهج علمي مفصل للمرة الأولى في تاريخ دار الكتب. صدر سنة 1956م.
2- فهرسة جميع ما يرد للدار تباعاً من المخطوطات والمصوَّرات.
3- إعداد فهرست لجميع ما أضيف لمخازن الدار من الكتب الخطية من سنة 1936م إلى سنة 1955م ويحوي ما يقرب من ثمانية آلاف ك تاب ورسالة. وقد ظهر في ثلاثة أقسام: القسم الأول (أ - س) وصدر سنة 1961م. القسم الثاني (ش - ل) وصدر سنة 1962م. القسم الثالث (م - ي) وصدر سنة 1963م.
4- نشرة عن مؤلفات ابن سينا وشروحها الموجودة بالدار. صدرت سنة 1950 بمناسبة العبد الألفي لابن سينا.

ولم يقف نشاط الفقيد محصوراً داخل دار الكتب المصرية, بل تعداه إلى كل الهيئات المعنية بالتراث العربي, فحين أنشئ معهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية ظل رحمه الله على صلة به ومشاركة في أعماله, حتى انتدب ابتداء من سنة 1953م ليكون خبيراً بالمعهد. وقد أنجز لهذا المعهد عدة فهارس, صور أولها عام 1954م وهو فهرس عام لمقتنيات المعهد. والفهرس الثاني خاص بعلم التاريخ, وجاء في مجلدين, ظهر الأول سنة 1957م, والثاني سنة 1959م. ثم عمل فهرساً ثالثاً للمعارف العامة نجز سنة 1966م.

ولم يكن إخراجه للفهارس جافاً واقفاً عند حدود المادة المكتبية, بل كنت

تحس فيه بدقة العالم وتصرف المتثبت المحقق. استمع إليه في مقدمة الفهرس العام لمعهد المخطوطات: «وقد عنيت عناية شديدة بذكر اسم المؤلف كاملًا مصحوباً بكنيته ولقبه ونسبه, مع التحري الدقيق لتاريخ وفاته, أو تعيين القرن الذي عاش فيه معتمداً في ذلك على كتب التراجم والطبقات. وكنت حريصاً على التعريف بالكتاب ومحتوياته وتبويبه وذكر ما يشمله من موضوعات, ما وافتني بذلك المصادر والأصل. وعنيت أيضاً بعمل إحالات متعددة للكتب التي لها أسماء مختلفة, أو اشتهرت بعناوين معينة, أو كانت اختصاراً أو شرحاً لكتب أخرى, كما أن الكتب التي تبحث في أكثر في موضوع كررت ذكرها ذكرها في فنونها المتعددة, كل ذلك تيسيراً للباحث وعوناً له على الوصول إلى طلبته من أية مظنة».
وكان رحمه الله على صلة ومشاركة في أعمال معاهد الاستشراق بمصر وعلى وجه الخصوص المعهد الفرنسي. ولما أنشأ المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالجمهورية العربية المتحدة فرعاً لنشر التراث الإسلامي عام 1960م كان رحمه الله عضواً فيه من أول جلسة.

وفي العام الفائت أنشأت وزارة الثقافة معهداً ملحقاً بدار الكتب المصرية لتحقيق النصوص ونشرها يلتحق به خريجو الجامعات. وقد اختير رحمه الله ليحاضر في هذا المعهد.

رحلاته العلمية:
حجَّ رحمة الله عليه مرَّتين, زار خلالهما مكتبات مكة والمدينة, واطلَّع على نفائس المخطوطات هناك, وتوثَّقت صلاته بعلمائهما.
وفي سنة 1957م, انتدب ضمن بعثة لزيارة مكتبة دير سانت كاترين بشبه جزيرة سيناء, لدراسة ما تحويه من مخطوطات أثرية وتقديم تقرير بما يجب اتباعه لحفظ هذه المخطوطات وحمايتها.
ثم كانت رحلتاه إلى اليمن, الأولى سنة 1952م, والثانية 1964م, في بعثة برياسة الدكتور خليل نامي أستاذ فقه اللغة بآداب القاهرة. وفي هاتين الرحلتين

اكتُشف لأول مرة تراث طيب لفكر المعتزلة, تطاول عليه العمر, مختبئاً في سراديب الظلام. وقد نشر من هذا التراث المكتشف ثلاثة نصوص للقاضي عبد الجبار: المغني, والمجموع المحيط بالتكليف, ثم شرح الأصول الخمسة. ولا يزال هناك الكثير من تراث المعتزلة مما صور من اليمن ينتظر الدراسة والنشر. وكان الموجود من هذا التراث بين يدي الناس لا يزيد على الكتب الثلاثة. وترجع أهمية هذا التراث - كما كان يحدثني الأستاذ رحمه الله - إلى أنه يعرض لفكر المعتزلة بأقلام أئمة الاعتزال أنفسهم, وكان كل ما يكتب قبلًا عنهم إنما يأتي من قبل خصومهم, وفي هذا ما فيه.

وفي شهر مايو من العام الماضي كانت آخر رحلاته رحمه الله, حيث دعاه المعهد الجامعي الشرقي بنابُلي للقيام بدراسات علمية في التراث الإسلامي والمخطوطات العربية. وقد لقي هناك ترحيباً كريماً من جمعيات الاستشراق ولبث شهرين يعاون طلبة الدراسات العليا على فهرسة محتويات المعهد من المخطوطات العربية, ويرشد ويوجه أصحاب الدراسات والبحوث إلى المراجع العلمية التي تخدم بحوثهم.
آثاره العلمية:
من الناس من يشغل بغيره عن نفسه, وتستعلن آثاره أو تتوارى في جهود سواه, وهو في كل ذلك سعيد بما يبذل من وقته وفكره, وسواء أذاع الناس فضله أم جحدوا فهو حيث هو, لا يتحول ولا يريم, لأنه يرضي سخاء نفسه الراغبة في البذل والعطاء.

وقد كان الأستاذ - آجره الله - من هذا الصنف من الناس, فقد فرضت عليه ظروفه الوظيفية في الإرشاد والتوجيه, ثم قبل كل ذلك قلبه المحب للناس الراغب فيهم المستزيد من صداقتهم, فرض عليه كل ذلك أن يعيش لغيره وأن يقف وقته لتلبية الرغبات وقضاء الحاجات. وقد كنت أرى الرسائل أكواماً تلاحقه في مكتبه وفي بيته من الدارسين والمحققين, وقد تأخذ الرغبات بتلابيبه فيبدو منه بعض الضجر, ولكنه

سرعان ما يثوب إلى نفسه السخية المعطاء فيلبي ويجيب. وافتح أي كتاب شئت من نصوص التراث المنشور لترى آثار علمه وفضله, يذكرها الناشرون تكريماً للرجل وتزكية لعملهم.

لكن الله بارك له في وقته وسُنَّي له أن يُخرج بعض النصوص حاملة اسمه, وقد أبان فيها عن علم كثير. ففضلًا عن الفهارس العلمية التي صنعها لدار الكتب المصرية ومعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية, حقق رحمه الله هذه النصوص, وهي بحسب ترتيبها الزمني:
1- طبقات الأطباء والحكماء, لأبي سليمان بن حسان الأندلسي المعروف بابن جُلجُل (بجيمين مضمومتين) من علماء القرن الرابع الهجري. وقد كان الفقيد رحمه الله يعتز كثيراً بهذا الكتاب وبعمله فيه. وقد قام له بمقدمة علمية قيمة, قال فيها: «هذا كتاب يعتبر وثيقة هامة في تاريخ العلوم وتطور حركة التأليف والترجمة في القرن الرابع الهجري الذي يعد بحق العصر الذي ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية ونمت وبلغت غايتها من الإنتاج الواسع في شتى ميادين العلوم والآداب.

ولعل ميزة هذا الكتاب الأولى التي جعلت له قيمة علمية خاصة ونصاً قديماً له خطره في تاريخ العلم أن مؤلفه يعتمد فيما رجع إليه من مصادر على تراجم عربية لأصول لاتينية تاريخية. فقد عهدنا دائماً أن أكثر الكتب التي نقلها العرب أو غيرهم من المترجمين كانت عن أصول يونانية, والقليل منها عن اللغات الفارسية والسريانية والهندية, وأنهم أكثروا من النقل والترجمة عن هذا الطريق, ولكنا لم نظفر - إلا قيلًا جداً - بنصوص عربية ترجمت عن اللغات اللاتينية. وربما كان كتابنا هذا أول كتاب استفاد من هذه الترجمات التي نرجح أنها تمَّت في عصره أو قبله بقليل».

ثم يمضي الأستاذ في مقدمته متحدثاً عن مصادر الكتاب, وعن هذا اللون من التصنيف, متتبعاً المسار الزمني له. وقد وقف رحمه الله عند بعض النصوص التي أوردها ابن جُلجُل, والتي تذكر صراحة قدم حركة النقل والترجمة في صدر الدولة الأموية. وكان الشائع أنها تمت في العصر العباسي وفي عصر المأمون بالذات.

وهذا النص هو ما جاء في صفحة 61 من الكتاب أثناء ترجمة ماسرجويه الطبيب البصري الذي عاش في الدولة الأموية, وتولَّى أيام حُكْم مروان بن الحكم (64 - 65 هـ) ترجمة كتاب «أهرن بن أعين القس» إلى العربية. وكان أهرن من الأطباء الذين عاشوا في الإسكندرية في عصر هرقل (610 - 641م) في صدر الإسلام, ووضع «كناشة» باللغة اليونانية ثم نقله إلى السريانية, إلى أن قام بترجمته إلى العربية ماسرجويه المذكور. وقد ذكر ابن جُلجُل في هذه الترجمة أن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (99 - 101 هـ) وجده في خزائن الكتب (الأموية) وأنه استخار الله في إخراجه إلى المسلمين.

وكثيراً ما كان الأستاذ رحمه الله يدلني على قيمة هذا النص, ويكثر من الحديث حوله. وقد طبع هذا الكتاب أول مرة بمطبعة الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة سنة 1955م, ثم أعادت مكتبة المثنى ببغداد طبعه بالأوفست منذ ثلاث سنوات, بعد أن عزّت نسخه, فقدمت بذلك خدمة جليلة للعلم والعلماء.

2- طبقات فقهاء اليمن, لابن سمرة الجعدي, عمر بن علي المتوفى بعد سنة 586 هـ, وهو أول كتاب يظهر خاصاً بعلماء اليمن. وترى في آخره فهرساً لبلاد اليمن, صنعه الفقيد, آية في التثبُّت والتحرَّي والاستقصاء. وقد طبع هذا الكتاب بالقاهرة سنة 1957م, وجعله الأستاذ الحلقة الأولى في سلسلة «المكتبة اليمنية» التي كان يريد أن يمضي في نشرها.

3- شروط المؤرخ في كتابة التاريخ (مجموعة فتاوى لبعض العلماء فيما يشترط في المؤرخ لكتابة التاريخ من الجرح والتعديل), نشرت بمجلة معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية سنة 1957.

4- إعارة الكتب عند الأقدمين (نصان قديمان لليزيدي والسيوطي), نشرت بمجلة معهد المخطوطات سنة 1958م.
5- الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (موريتانيا) للشنقيطي أحمد بن الأمين. أشرف الفقيد على طبعه وقدم له. طبع بالقاهرة سنة 1959م.

6- العبر في خبر من عبر (5), للحافظ الذهبي المتوفى سنة 748 هـ, وهو مختصر لكتابه الكبير «تاريخ الإسلام», حقق الأستاذ منه الجزئين الثاني والثالث. وطبعا بالكويت سنة 1961م.

7- العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين (مكة) لتقي الدين الفاسي المتوفى سنة 832 هـ وهو أكبر موسوعة في تاريخ مكة ومن عاش فيها أو دخلها أو سكنها من العلماء والفقهاء والشعراء والأدباء وغيرهم. حذا فيه مؤلفه حذو الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد, والحاكم النيسابوري في تاريخ نيسابور, وابن عساكر في تاريخ دمشق, والسمعاني في تاريخ مرو. والكتاب في ثمانية أجزاء حقق الفقيد العزيز منه الأجزاء من الثاني إلى السابع, وأعجلته المنية عن إتمام الثامن. وقد كان في نيته رحمه الله أن ينشر «ذيل العقد» لابن فهد المكي تلميذ الفاسي. وقد رأيت بعيني مدى ما كابده الأستاذ من جهد في تحقيق الكتاب. ومكة البلد الأمين مهوى الأفئدة ومطمح الأنفس, ارتبطت أرضها الحرام بأداء ركن من أركان الإسلام, فلن تحد عالماً من علماء الإسلام إلا وردها حاجّاً مجاوراً. ومن هنا كثرت تراجم هذا الكتاب, وانفسح مجال القول أمام الفاسي, فأكثر من النقول والنصوص, ونقل أسماء المترجمين ووفياتهم من أحجار القبور (وتلك منزلة عليا في درجات التأريخ). فكان لزاماً على من يتصدى لتحقيق مثل هذا العمل أن يشارف ذلك المستوى في التحقيق والتوثيق. وقد فعل الرجل, ورجع إلى مصادر الفاسي, مطبوعها ومخطوطها - وما أكثر - وصحح كثيراً من الأسماء والبلدان.

وقد كان رحمه الله حجة في ضبط الأعلام والأنساب. وعلى هذا الذكر أقول إن الأستاذ كان كثير الرجوع في ضبط الأعلام إلى «تاج العروس» للمرتضى الزبيدي, وكان دائم الإشادة بالتاج فيما يتصل بذكر الأعلام والأنساب والألقاب والبلدان. وكان يقول لي كثيراً: إن هذه فضيلة للتاج عري عنها «لسان العرب» لابن منظور. وقد ابتدأ طبع العقد الثمين بالقاهرة سنة 1959م, وحقَّق الفقيد الجزء الثاني عام 1962م.






وحين توفي رحمه الله كان في برنامجه تحقيق جملة صالحة من الكتب أذكر منها:
1- نزهة المشتاق في اختراق الآفاق, للإدريسي. وكان يقوم على طبع هذه الموسوعة الجغرافية إحدى جمعيات الاستشراق بإيطاليا, عهدت إلى القيد تحقيق القسم الخاص باليمن, ووزعت بقية الأجزاء على خمسة عشر عالماً ومستشرقاً, وكان رحمه الله على نية العمل في هذا الكتاب خلال شهر رمضان الذي لقي ربه فيه.
2- طبقات المفسرين, للداودي تلميذ السيوطي.
3- فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار, وهو من التراث الذي اجتلبه من رحلتي اليمن.
4- جزء من مختصر تاريخ دمشق لابن منظور, الذي يخرجه معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية.
ثقافته:
لم ينل فقيدنا من إجازات التعليم سوى الشهادة الابتدائية, حصل عليها سنة 1943م بعد أن سلخ من عمره 27 عاماً, وقد اضطر إلى الحصول على هذه الإجازة الصغيرة لينتقل من طبقة العمال والسعادة إلى طبقة الكتبة والموظفين بدار الكتب المصرية.
ثم التحق بمدرسة «برليتس» ليصيب طرفاً من اللغة الفرنسية. هذا هو كل تعليمه المدرسي, لكنه رحمه الله كان ذا نفس طلعة, حببت إليه المعرفة في كل فرعها فراح ينشدها من بطون الكتب وأفواه الرجال. وكان حصاد هذا كله سعة أفق ورحابة صدر ومضار عقل ونفاذ بصيرة.
اتَّصل رحمه الله بالتراث الإسلامي صبيّاً بحكم عمله في دار الكتب المصرية, وتلمذ هناك لمشيخة جليلة - أسلفت الحديث عنها - شدته إلى التحصيل, فحفظ المعلقات السبع وعيون الشعر فاستقام لسانه.
على أن هناك شخصية كريمة بهرت الفقيد العزيز فأقبل عليها وأفاد منها الخلق

الرضي والعلم النافع, وما كان رحمه الله يذكر هذه الشخصية إلا وتطفر من عينيه الدمعة, تلك هي شخصية الشيخ محمد زاهد الكوثري علامة وقته ونادرة زمانه, ولد رحمه الله بشرقي الآستانة ونزل القاهرة فراراً من اضطهاد الكماليين, حيث توفي بها سنة 1371 هـ / 1952م, وقد أجاز الشيخ الكوثري فقيدنا في ليلة الجمعة 20 من رمضان سنة 1371هـ في السنة التي توفي فيها, وكانت آخر إجازة يمنحها الشيخ لتلاميذه. ونص الإجازة: «وممن استجازني الأستاذ الفاضل البحاثة الواسع الاطلاع السيَّد فؤاد السيَّد عمارة, كان الله له حيثما يكون, ورعاه في كل حركة وسكون. وبعد أن اطلع على كثير من مؤلفاتي وسمع مني حديث الرحمة المسلسل بالأولية, أجزته أن يروي عني جميع ما تصح لي وعني روايته من حديث وتفسير وفقه وأصول وتوحيد ومصطلح وتاريخ وحكمة وعربية».
وفي آخر المطاف تركز علم الفقيد في نقطتين اثنتين لا يشركه فيهما سواه: فكر المعتزلة, والإحاطة بجغرافية اليمن وعلمائها. هاتان النقطتان فرَّع لهما نفسه وصرف إليهما جهده, حتى ملك القول فيهما غير مدافع ولا مزاحم. وقد قدر لي - وأنا آخذ عنه وأتلقى منه - أن أشهده وهو يخطط لتحقيق «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة», و «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» فرأيت عجباً, يرحمه الله.

أما الحديث عن ظرفه وخفة ظله فيرجع إلى أنه تعرف في شبابه على أعلام الظرف والفكاهة في ذلك العصر, من مدرسة الشاعر الزجال حسين شفيق المصري, وكان رحمه الله أمة في الرواية والحفظ - ومعارضاته للمعلقات السبع معروفة - وكانت لفقيدنا خصوصية بهذا الشاعر الكبير, أفاضت عليه الكثير من خفة الروح وعذوبة الحديث. ووعت حافظته كثيراً من شعر حسين شفيق, لم يدون.

وقد حدثني رحمه الله عن جماعة من ظرفاء الأدباء كانت تلتقي بدار الكتب في ذلك الوقت في حلقة يسمونها «البعكوكة» على يسارك وأنت تدخل الدار الآن.
وحول هذه الحلقة رويت أشعار ورنت ضحكات. وقد لا يعلم الكثيرون أن للأستاذ فؤاد أزجالًا طيبة. ولولا اشتغاله بالتراث لكان له في عالم الزجل شأن كبير.

من هذه الروافد الخصبة تكونت ثقافته ونمت معارفه, وبارك الله في أيامه فجعل أفئدة من الناس تهوي إليه تفيد وتستفيد, وكانت الرسائل ترد عليه من كل رجا تصل إليه الكلمة العربية, وأصبح مكتبه وبيته مثابة لكل طالب علم. وكنت أرى الناس حوله من مختلف الأسنان وشتى المذاهب وكلهم دان منه, قريب إليه, فأتمثل:

تمل الندامى ما عداني فإنني ... بكل الذي يهوى نديميَ مولع

فقد كانت كلماته حبيبة إلى كل قلب, خفيفة على كل سمع, يمزج الفائدة العلمية بالنكتة العذبة, مع نقاء طبع وصفاء روح, فلم يكن رحمه الله يصبر على خصومة أو يطيل جفاء, فإذا بدرت منه البادرة فهو سريع الأوبة مزيل الجفوة. وظل رحمه الله يعيش أجمل وفاء للناس, حتى مات في لحظة وفاء, حين رأى أم ولده ورفيقة عمره تصاب بشلل مفاجئ, فاجتاحته المصيبة, ولم يعش بعدها سوى يوم واحد, ليتركنا في يوم حزين, وتطوى صفحة مضيئة من صفحات النبوغ والمعرفة لفتى نحيل دخل دار الكتب عام 1929 عاملًا يصفَّف الحروف في المطبعة, وقبل وفاته بأربعة أشهر ذهب يحاضر في معاهد إيطاليا عن المخطوطات العربية, وبين هذا وذاك جهد دائب وعلم نافع.
اللَّهُمَّ إنا نسألك أن تتغمَّد ذنبه, وأن تمهد عذره, وأن تنير قبره, وأن تجعله مع الذين أنعمت عليهم من النبيَّين والصدَّيقين والشُّهداء والصَّالحين وحسن أولئك رفيقاً.

* * *

رشاد عبد المطلب .. والديار التي خلت (6)

كان ملء السمع والبصر, وكانت حياته بهجة للقلب والعقل جميعاً, وحين نعاه الناعي كادت النفس أن تفيض عليه, وغشي القلب حزن أسود كئيب, من هول الرزء وفداحة المصاب, ولم يجد محبوه وعارفوا فضله إلا قول أبي الطيب المتنبي:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملًا ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
ولد محمد رشاد عبد المطلب في حي الجمالية بالقاهرة يوم الأربعاء 20 من جمادى الأولى سنة 1335 هـ - 14 من مارس سنة 1917م, وتوفي بالقاهرة يوم الأحد 29 من ذي الحجة سنة 1394 هـ - 12 من يناير سنة 1975م.

وبين هذين التاريخين حياة غريبة موغلة في الغرابة, عجيبة مسرفة في العجب, وما ظنك بامرئ لم ينل من الشهادات - فاتحة الأبواب ومانحة المناصب - إلا الشهادة الابتدائية, ثم هو مع ذلك باسط سلطانه على كل من كتب شطراً في التراث الإسلامي طيلة ثلاثين عاماً, غيبة أو حضوراً, يفزع إليه الدارسون, وترد عليه الفتاوى من كل مكان, ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ولأمر أراده الله كانت خطوات فقيدنا الأولى في حي الجمالية, حيث الأزهر الشريف مهوى الأفئدة ومطمح الأنفس, وحيث الوِراقة والورَّاقون, والكتب الصفراء صانعة الرجال, وحيث القاهرة بكل عطائها السخي وعطرها الأخاذ.

ويختلف فقيدنا إلى حلقات الأزهر الشريف, وكانت في ذلك الوقت متاحة لكل راغب علم وطالب معرفة, ثم كانت تضيء بالكوكبة اللامعة من مشايخ هذا العصر, أمثال الشيخ الدلجموني, والشيخ السمالوطي, والشيخ محمد بخيت المطيعي, ومن إليهم.


فإذا ما أصاب من هذه المائدة الحافلة ما شاء الله له, خرج إلى أسواق الكتب المنتشرة في جنبات هذا الرحاب الكريم, يجمع نوادر الكتب, ثم يعرج على مطابع الحي, أمثال مطبعة الحلبي, ومطبعة الخشاب, يتسقط أخبار الجديد من المطبوعات, وقد بلغ حرصه وتتبعه - كما أخبرني - أنه كان يمر على هذه المطابع كل أسبوع, ليأخذ ملزمة ملزمة من كل ما يطبع, وكأنه لا يصبر حتى يتم طبع الكتاب.

فإذا كان الليل هرع إلى حلقات قراء القرآن الكريم, أمثال الشيخين علي محمود وأحمد ندا, وأضرابهما من هذا النفر الكريم, الذين جمعوا إلى حسن الصوت خشوع الأداء. فكان له من كل ذلك هذه الشخصية النادرة التي بهرت الناس وملأت حياتهم خيراً وبركة.

على أن هناك عالمين جليلين, كان لهما أكبر الأثر في حياة رشاد عبد المطلب وتبصيره وتوجيهه إلى هذا الفن الذي أخلص له عمره, ووقف عليه جهده, لا يصرفه عنه صارف, ولا يزهده فيه مزهَّد:

أولهما: الشيخ محمد زاهد الكوثري, العالم التركي الجليل, الفار بدينه وعلمه إلى القاهرة, والمتوفى بها سنة 1371 هـ - 1952م.

وثانيهما: الشيخ أحمد محمد شاكر, محدث العصر, وواضع أصول نشر التراث بتحقيقه لكتاب «الرسالة» للإمام محمد بن إدريس الشافعي. وقد توفي هذا الشيخ العلامة بالقاهرة سنة 1377 هـ - 1958 م.

عرف رشاد عبد المطلب هذين العالمين وهو في طراوة الصبا وأوائل الشباب,
وقد رأيا فيه نبوغاً صالحاً, فقرَّباه منهما وأحلَّاه من نفسيهما محلًا كريماً. وفي مجلسهما عرف أصول الكتب, ووقف على طرائق المصنفين, وألمَّ بمصطلحات الفنون, ثم تلقى عنهما علماً كثيراً. والتلقي كان سمة عصور ازدهار العلم, فهو الطريق الصحيح لتحصيل المعرفة, وآفة العلم في زماننا أنك قلَّ أن تجد من تستفتيه أو تتلقى عنه, وليس أمامك إلاَّ أن تضرب في بحر لجي غير آمن من زيغ البصر وضلال التأويل.

ولقد أحبَّ رشاد عبد المطلب الكتاب العربي حباً ملك عليه نفسه وحسه, ولم يصرف عنه بشيء من مطالب الصبا ونوازع الشباب. أحب الكتاب وحرص عليه كأنه ولده رآه على يأس, وعرفه كما يعرف الناس آباءهم. وقد دفعه هذا الحب وذلك الحرص إلى أن يتلمسه: مطبوعاً في مطبعة درست وذهب رسمها, أو منشوراً في مجلة نسي الناس اسمها, أو مخطوطاً في خزانة عامة أو خاصة خفي على الدارسين مكانها. وقد وهب الله له ذهناً صافياً, سريع اللمح قوي الإدراك, وذاكرة محيطة جامعة تعرف الشاردة والواردة.

ولقد كان من صنع الله لي وتوفيقه إياي أني عرفته منذ خمسة عشر عاماً, قضيت منهاً عشرة كوامل, لصيقاً به مجاوراً له, وقد رأيت منه العجب: يأتيه الدارس ويطرح أمامه موضوع دراسته, وما بين يديه من مصادر وموارد, ولم يكد يفرغ الدارس من كلامه حتى يندفع رحمه الله يهدر كالشلال, ذاكراً ما لا يحصى كثرة من المراجع مما لم يخطر للطالب على بال, فإذا رأى علامات الرضا وأمارات السرور على وجه صاحبه, قنع بذلك سعيداً جذلان, وإذا ما أسرف صاحبه في مديح أو ثناء, قال له بصوت ودود ولهجة حانية: حسبك, فهذا شيء علقناه عن مشايخنا, ثم قال: وما أوتيته على علم عندي. ثم لم يزل بصاحبه يغريه بموضوعه, ويمده بالمراجع من مكتبته, ثم يقدمه إلى أستاذه المشرف عليه, ويعرفه بالصفوة من العلماء. وأشهد - ويعلم الله - أن كثيراً من الرسائل الجامعية صنعت في بيت رشاد عبد المطلب, ووضعت خطوطها الأولى على مكتبه, ولكن الناس يجحدون.

وكان رحمه الله إذا تكلم في فرع من فروع التراث اعتقدت أنه لا يحسن غيره:

وكان من العلوم بحيث يقضى ... له من كل علم بالجميع

ثم كان آية في إدراك العلائق بين الكتب والمؤلفين: تأثراً أو نقداً أو شرحاً أو اختصاراً أو تذييلاً, وأعجوبة في معرفة أسماء المؤلفين بكناهم وألقابهم, والتمييز بين من اشتركوا منهم في شهرة أو كنية, كالسخاوي القارئ والسخاوي المؤرخ. وهذا فن غاب رجاله, فما أكثر ما نرى في هذه الأيام خلطاً بين أبي حيان التوحيدي الأديب, وأبي حيان الأندلسي النحوي. والأمثلة في هذا المجال كثيرة والإمساك بنا أولى.

وقد تعدى تأثير رشاد عبد المطلب توجيه الدارسين وإفادة العلماء - إلى الطابعين وناشري الكتب, فكان على صلة دائمة بهم, يشير عليهم بطبع أصول الكتب, ويغريهم بالتأنق في إخراجها.

ولقد كان عمل رشاد عبد المطلب بمعهد المخطوطات علامة بارزة في تاريخ نشر التراث في عصرنا الحديث.

ومعهد المخطوطات أنشئ بجامعة الدول العربية سنة 1946م, وهذا المعهد يقوم بعمل جليل, يستهدف استنقاذ تراثنا الإسلامي من عوادي الزمن وغوائل الناس والأيام, وذلك بتصويره من أماكن وجوده في شتى مكتبات العالم, ثم فهرسته وتصنيفه وتقديمه للدارسين.

وقد التحق به رحمه الله سنة 1947م, فشارك في إرساء قواعده, وواكب نشاطه وتطوره, وخرج في بعثاته ينتقي ويختار, وتضم مكتبة المعهد الآن مجموعة نادرة من نفائس المخطوطات في مختلف العلوم والفنون, كان لرشاد عبد المطلب فضل اختيارها والتعريف بها, مع الرواد الأوائل: يوسف العش, ومحمد بن تاويت الطنجي, وصلاح الدين المنجد. وحين وضعت أصول نشر التراث في العصر الحديث - وفي مقدمتها جمع نسخ الكتاب - واندفع العلماء ينشرون ما لم ينشر,
ويعيدون نشر ما طبع غير محقق, كان لهذه المجموعة التي يقتنيها معهد المخطوطات فضل كبير على العلم والعلماء, وأخص بالذكر مخطوطات تركيا والهند.

والمشتغلون بالتراث يعلمون أن المخطوطات تتفاضل فيما بينها قيمة ونفاسة, وكان رحمه الله ذا حس دقيق وبصر نافذ حين يتعامل مع المخطوطات, وقد رافقته في رحلتين من رحلات معهد المخطوطات: الأولى إلى تركيا سنة 1970م, والثانية إلى المغرب سنة 1972م, ولقد رأيت منه في الرحلتين عجباً, وأفدت منه علماً كثيراً.

كان رحمه الله أعجوبة في معرفة قصة المخطوطات: المفقود منها والناقص والنادر, وذلك أن الكتاب المخطوط إما أن يكون مفقوداً, بمعنى أنه يتردد ذكره في المراجع, لكنه لا تعرف له نسخة في مكتبات العالم, وإما أن يكون ناقصاً, بمعنى أنه يوجد منه قطعة أو جزء لا غير, وثالث أحواله أن يكون نادراً, لا توجد منه إلا نسخة واحدة. عرف ذلك كله وأحصاه عدداً.

ثم كان أثابه الله آية في تحديد الزمن الذي كتب فيه المخطوط, فقد نظر كثيراً في المخطوطات, وألف أقلام القرون المتقدمة والمتأخرة, ثم عرف قواعد المشارقة والمغاربة في الكتابة, وبهذا الإلف وتلك المعرفة كان يستطيع أن يحدد على وجه التقريب تاريخ كتابة هذه المخطوطات الخالية من تاريخ النسخ, ثم كان قادراً على أن يكشف زيف هذه التواريخ المكذوبة التي تُكتب في آخر المخطوط لترويجه أو التكسب به.

وفيما عدا هاتين الرحلتين اللتين رافقته فيهما, سافر رحمه الله في بعثات المعهد إلى المملكة العربية السعودية والقدس وسوريا ولبنان والهند وإيران وإسبانيا والبرتغال. وفي داخل جمهورية مصر العربية جمع مخطوطات نادرة من مكتبات الإسكندرية وطنطا ودمياط وسوهاج. وهو في كل هذه الرحلات كان يلبي حاجة العلماء والدارسين لمعرفته بالكتب التي يُعنون بها.
وقد حرصت هيئات الاستشراق على الإفادة من علمه وخبرته, ففي عام 1964م دُعي لإلقاء محاضرات في عدد من جامعات الولايات المتحدة الأمريكية, حيث قضى هناك ستة أشهر. وفي عام 1972م سافر إلى لندن بدعوة من المجلس الثقافي البريطاني للاستعانة بخبرته في شؤون المخطوطات والمكتبات, وقد أمضى هناك ستة أسابيع زار خلالها جامعات لندن وكمبردج وأكسفورد ولانكستر.

وفي كل اللجان التي شُكَّلت في مصر لقضايا التراث كان رحمه الله عضواً فيها, فشارك في لجنة إحياء التراث الإسلامي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية, والمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.

إنتاجه العلمي:
حقيق بمن طوَّف كل هذا التطواف بالمكتبة العربية, مخطوطها ومطبوعها, أن يكتب شيئاً يحمل اسمه, وقد عرف تاريخ التأليف العربي كثيراً من الورَّاقين الذين وظفوا خبرتهم في الجمع والتأليف, مثل ياقوت الحموي صاحب معجم الأدباء ومعجم البلدان, وابن شاكر الكتبي صاحب فوات الوفيات وعيون التواريخ, ولكن الرجل أعظم الله أجره شُغل بالناس, يجمع لهم أصول علمهم, ويهيئ لهم مادة دراستهم, وكم كنت أغريه بأن يعيد نشر فهرست ابن النديم, وفهرست ابن خير الإشبيلي, ومفتاح السعادة, وكشف الظنون, ونحو ذلك من هذه الكتب التي عنيت برصد النتاج العربي في شتى الموضوعات, وهو الميدان الذي لا يزاحمه فيه مزاحم. ومع كل ذلك فقد أصدر عام 1953م - بالاشتراك مع المغفور له الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي - فهرساً جامعاً لكتاب «العقد الفريد» لابن عبد ربه. وقد تضمن هذا الفهرس اثني عشر نوعاً من الفهارس الفنية, كشفت عن كنوز هذا السفر العظيم من تراثنا الأدبي, وقد أفرد لهذا الفهرس الجزء السابع من الطبعة التي أخرجتها لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة.

وفي عام 1970م حقق كتاب: «ذيول العبر في خبر من عبر» للذهبي والحسيني, وهو في تراجم رجال القرن الثامن الهجري. وقد نشرته وزارة الإرشاد والأنباء بالكويت.


وفي سنة 1973م صنع فهرساً لمؤلفات العرب المخطوطة والمطبوعة, في الطب والصيدلة, وقدمه إلى مؤتمر الطب والصيدلة عند العرب, الذي عقدته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بجامعة الدول العربية. وقد أثنى أعضاء المؤتمر على هذا الفهرس وأوصوا بطبعه.

وفي عام 1974م نظمت الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالاشتراك مع المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ندوة عن «الجبرتي المؤرخ», وقدم رحمه الله في هذه الندوة بحثاً عن «آثار الجبرتي المخطوطة والمطبوعة».

وحين استوت لرشاد عبد المطلب هذه المعرفة الجامعة المحيطة خلال حياته المصابرة المثابرة, حسده الحاسدون بغياً وعدواً, وما نقموا منه إلا أنه حصَّل ما لم يحصله غيره, وفقه ما لم يفقهه سواه من هؤلاء الذين ينتسبون إلى التراث وجاهة أو منصبًا, وحين كلَّت خطاهم وقعدت بهم هممهم عن اللحاق به سلقوه بألسنة حداد:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لدميم

وقد صبر على ما كُذّب وأوذي حتى أتاه أمر الله.

والآن وقد ذهب الرجل إلى رحاب ربه - تاركًا في القلوب حسرة لا تنقضي, وفي فن معرفة المخطوطات فراغاً يبعد أن يُشغل - نسأل الله العليّ القدير أن يغفر له ويرحمه, وأن يجعل كل ما قدمه لتراث هذه الأمة, في موازينه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير مُحضراً.
* * *

التراث العربي في المغرب .. (7)
وقضية التواصل بين المشرق والمغرب (8)

-1-
من مكرور القول ومُعاد الكلام أن الأمة العربية قد احتشدت لتسجيل تراثها وجمعه في جهاد دائب لم تشهده أمة من الأمم, ولم تعرفه ثقافة من الثقافات, ولم يقف هذا الجهاد عند مصر من الأمصار, أو يكتفِ بقطر من الأقطار, بل امتد إلى كل بلد طالته يد الإِسلام.

وقد اقتضت طبائع الزمان والمكان أن تشهد بلاد المشرق الخطوات الأولى لذلك التسجيل والجمع, ابتداء من منتصف القرن الثاني الهجري.

ولم يكد المغاربة والأندلسيون يتسامعون بأنباء هذا النشاط الذي كانت تغلي به حلقات الدرس ومجالس العلماء في البصرة والكوفة, وصرير أقلام النساخ في مكة والمدينة ومصر والشام حتى ولوا وجوههم شطر المشرق العربي بنفس مشوقة وقلب لهيف.

والمتتبع لحركة التأليف العربي في خطواته الأولى يروعه هذا الحشد الهائل من العلماء وطلاب المعرفة. فأي بركان هذا الذي فجَّره كتاب الله المنزل علي النبيّ الأميّ, ففتح به آذاناً صُمّاً وقلوباً غلفاً؟ وأي ضياء وهّاج ذلك الذي جاء به الدين الجديد, فأزاح ظلمات القرون والأحقاب؟

انسالت أفواج المغاربة على المشرق, يشافهون العلماء ويروون العلم ويستنسخون الكتب, وقد استفاضت كتب التراجم والرجال بأخبار هذه الرحلات, وقد بدأت رحلات المغاربة والأندلسيين إلى المشرق منذ أواخر القرن الثاني الهجري, مواكبة لحركة الجمع والتدوين, مصاحبة لنشأتها.

ذكر أبو بكر الزبيدي الأندلسي, في ترجمة الغازي بن قيس, المتوفَّى سنة 199 هـ, قال: «كان ملتزمًا للتأديب بقرطبة أيام دخول الإمام عبد الرحمن بن معاوية رضي الله عنه الأندلس, وأدرك نافع بن أبي نعيم - أحد القراء السبعة - وقرأ عليه, وهو أول من أدخل قراءته» (9).

وفي ترجمة جودي النحوي المتوفى سنة 198 هـ, قال: «هو جودي بن عثمان, من أهل مورور - قريباً من قرطبة - ورحل إلى المشرق, فلقي الكسائي والفراء وغيرهما, وهو أول من أدخل كتاب الكسائي, وله تأليف في النحو» (10).

وهذا قاسم بن أصبغ محدث الأندلس الكبير, يرحل إلى المشرق مع محمد بن عبد الملك بن أيمن, ومحمد بن زكريا بن أبي عبد الأعلى, فيسمع بمكة ومصر من علمائهما, ويدخل العراق فيسمع من المبرد وثعلب, ويروي عن ابن قتيبة كثيراً من كتبه» (11).

وقد رأيت بخزانة القرويين بفاس نسخة عتيقة جداً من كتاب ابن قتيبة المسمَّى:
«تأويل مشكل القرآن» برواية قاسم بن أصبغ هذا, عن ابن قتيبة, بمنزله ببغداد, في شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين ومائتين.

وتصور لنا كتب التراجم إقبال أهل المغرب على علمائهم العائدين من المشرق, لسماع ما تلقوه عن علماء مكة والعراق ومصر والشام (12). ولقد بلغ من حرصهم وشدة تتبعهم أنهم كانوا يسألون كل قادم من المشرق, ولو كان من التجار. روى الزبيدي عمن أخبره عن عبد الوهاب بن عباس بن ناصح, قال: «كان أبي لا يقدم من المشرق قادم إلا كشفه عمن نجم في الشعر بعد ابن هرمة, حتى أتاه رجل من التجار, فأعلمه بظهور حسن بن هانئ» (13), يعني أبا نواس.

وقد كان لاستيلاء بني أمية على بلاد المغرب بعد ذهاب دولتهم في المشرق, أثر كبير في إذكاء روح العربية بتلك البلاد, ويؤثر عن عبد الرحمن بن معاوية المعروف بالداخل أول خلفاء بني أمية بالأندلس, الكثير من البر بالعلماء والإجلال لهم, وكذلك سار بنوه من بعده, دعماً لقواعد الملك, واستكمالًا لمظاهر الخلافة.
وقد تناهت أنباء هذا البر وذلك الإجلال إلى المشرق, فسعى أدباؤه إلى هناك, حيث عطايا الخلفاء موصولة بهبات الوزراء. ذكر ياقوت في ترجمة أبي الفرج علي بن الحسين الأصبهاني صاحب كتاب «الأغاني», قال: «وله بعدُ تصانيف جياد فيما بلغني كان يصنّفها ويرسلها إلى المستولين على بلاد المغرب من بني أمية, وكانوا يحسنون جائزته, لم يعُد منها إلى الشرق إلا القليل. والله أعلم»(14). وقد سمى هذه التصانيف الوزير جمال الدين القفطي (15).
وهذا أحد أعلام الأدب العربي في المشرق: أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي القالي, صاحب كتاب «الأمالي» يفد على القيروان سنة 239 هـ, وقد جلب في قافلته أحمالًا كثيرة من نفائس المؤلفات المشرقية, ما بين لغوية وأدبية وتاريخية, ودواوين الشعراء الجاهليين والمخضرمين والمولَّدين, فباع منها في مدة عام كامل ما شاء أن يبيع لأهل إفريقية, ثم تحول بعد ذلك في سنة 330 هـ إلى الأندلس بما بقي له منها. وقد حفظ لنا أبو بكر بن خير الإِشبيلي قائمة بأسماء هذه الدواوين في فهرست ما رواه عن شيوخه (16).

تواصل أدباء المشرق والمغرب, وإن ظلت رحلات المغاربة إلى المشرق أكثر وأدوم لأسباب كثيرة, من أبرزها أن المشرق كان ولا يزال طريق المغاربة للحج, الركن الخامس من أركان الدين الحنيف.

وحين انتدب المغاربة للتصنيف والكتابة ظهر في إنتاجهم مشابه من مناهج المشارقة وطرائقهم في الكتابة, مما حدا ببعض النقاد والمؤرخين أن يربطوا بين الإنتاج المشرقي والمغربي, على نحو يريد أن يثبت دائماً أن المغاربة قد تأثروا بالمشارقة في كل ما يعالجون, فهم يقولون: إنَّ ابن زيدون بحتري المغرب (17), وإنَّ أبا بكر الزبيدي الإشبيلي, صاحب كتاب «مختصر العين» في المغرب بمنزلة ابن دريد في المشرق (18), وإنَّ أبا الحسن بن بسام الشنتريني صاحب كتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» قد تأثر بأبي منصور الثعالبي ونسج على منواله في كتابه: «يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر»(19). إلى غير ذلك من الأمثلة.

ولئن قُبلت هذه المقالة في القرون الأولى للتصنيف, فإنها بحاجة إلى مراجعة فيما تلا ذلك من قرون. ولقد كان ظهور القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي المولود بمدينة سبتة - رد الله غربتها - سنة 476 هـ, والمتوفى بمدينة مراكش سنة 544 هـ, إيذاناً باستقلال الشخصية المغربية وامتلاكها لناصية البيان وإسهامها في جلاء وجه الثقافة الإسلامية, وعياض ركن من العلم باذخ, وله طرائق في العلم مأنوسة, كتب الكثير, وتمثل تآليفه إضافات هامة في تاريخ الفكر الإسلامي, وقد رزقت مصنفاته من الحظوة وحسن القَبول والتلقَّي ما لم يرزقه مؤلف مغربي آخر (20). ومما يشيع على ألسنة المغاربة قولهم: «لولا عياض لما ذُكر المغرب». ويقول شاعرهم:
كلهم حاولوا الدواء ولكن ... ما أتى بالشفاء إلا عياض
والمعنى الثاني المراد من التورية في قوله: «بالشفاء» هو كتاب عياض الجليل: «الشفا في التعريف بحقوق المصطفى», أشهر وأسير كتب الشمائل النبوية.

تتابعت جهود المغاربة في التصنيف عالية شامخة وبدءاً من القرن السادس لم يعد للمشارفة فضل سبق عليهم, بل نراهم قد زاحموا المشارقة على فنين عظيمين من فنون التراث: علم القراءات, وعلم النحو.

أما علم القراءات فعنايتهم به قديمة, وتصانيفهم فيه مبسوطة, ويرى الأستاذ الدكتور عبد العزيز الأهواني أن هذا هو الميدان الوحيد الذي سيطر عليه المغاربة سيطرة تامة (21).

وبحسبنا أن نذكر من فرسان هذا الميدان: أبا عمرو الداني ومكي بن أبي طالب وأبا العباس المهدوي وإسماعيل بن خلف, وغيرهم كثير تراهم في فن القراءات من فهارس المكتبات. وبحسبنا أيضاً أن نعرف أن أشهر نظم في هذا الفن, وهو المسمَّى: حرز الأماني ووجه التهاني, والمعروف بالشاطبية, صاحبه مغربي أندلسي, وهو: القاسم ابن فِيرُّه بن خلف الرعيني الأندلسي الشاطبي, وقد صار نظمه هذا العمدة في ذلك الفن, وتعاقب عليه الشراح من المشرق والمغرب, ولا يزال يتصدر برامج الدراسة في معهد القراءات بالأزهر الشريف.

ولم تفتر عناية المغاربة بعلم القراءات على امتداد الأيام وتصرف الأحوال, وقد تعرفت أثناء رحلتي الأولى إلى المغرب, على شاب من ريف المغرب, في منزل الأستاذ العلامة محمد المنوني بمدينة الرباط, وكان هذا الشاب آية في معرفة القراءات العشر بطرقها ورواياتها المختلفة, يحفظها ويستشهد لها من الكتاب العزيز في سهولة ويسر. وقد أخبرني الأستاذ المنوني أن لهذا الشاب نظائر كثيرة في بلاد المغرب, وبخاصة في الريف.

وأما علم النحو فللمغاربة احتفال به زائد, وقد ظهر اهتمامهم له مبكراً. هذا أبو عبدالله حمدون بن إسماعيل, من قدماء المغاربة القرويين, كان يحفظ كتاب سيبويه, و قد توفي حمدون هذا بعد المائتين (22). وقد وقف المغاربة على قدم واحدة مع المشارقة في العناية بكتاب سيبويه إمام النحاة: شرحاً أو تعليقاً أو اختصاراً (23).

ذكر جلال الدين السيوطي في آخر كتابه: «بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة» وهو يسرد موارده في تأليف الكتاب, قال: «وأما المغرب فأهله أصحاب اعتناء شديد بذلك, والنحاة به جم غفير» (24).
ويورد جمال الدين القفطي كلاماً جيداً يشهد لذلك, يقول في ترجمة أبي محمد عبد الله بن علي بن إسحاق الصَّيْمري النحوي: «قدم مصر, وحُفظ عنه شيء من اللغة وغيرها, وصنف كتاباً في النحو سمَّاه «التبصرة» وأحسن فيه التعليل على مذهب البصريين, ولأهل المغرب باستعماله عناية تامة, ولا يوجد به نسخة إلا من جهتهم» (25).

ويقوي كلام القفطي هذا أني عرفت ثلاث نسخ مخطوطة من هذا الكتاب, كلها مكتوبة بخط أندلسي مغربي عتيق: النسخة الأولى محفوظة بمكتبة الإمبروزيانا بميلانو, كُتبت سنة 582 هـ, والثانية بالخزانة العامة بالرباط, نسخت سنة 597 هـ, والثالثة بخزانة القرويين بفاس, وهي من خطوط القرن السادس في أكبر الظن. وبقي من هذا الكتاب نسخة رابعة, ذكر المستشرق كارل بروكلمان أنها محفوظة بالمكتبة الأهلية بباريس, ولا أعلم من حالها شيئاً فأذكره.

وقد ذهبت مؤلفات المغاربة النحوية بالذيوع والشهرة في معاهد الدرس والتعليم مشرقاً ومغرباً, فهذه ألفية ابن مالك الجياني الأندلس تحظى بالشهرة, ويتلقاها الناس بالقَبول, ويرجعون إليها في ضبط قواعد النحو والصرف, ويأخذون بها ناشئتهم وصبيانهم(26).
وهذا متن الآجرومية, لم يطاوله متن آخر: ضبطاً لقواعد النحو وحصراً لمسائله ويسراً في صياغته, ولا يزال موضع التلقَّي والقَبول إلى يوم الناس هذا. وصاحب هذا المتن هو: أبو عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي, عرف بابن آجروم, ومعناه بلغة البربر: الفقير الصوفي. وهو من أهل فاس.

وفيما عدا هذين الفنين شارك المغاربة في سائر فنون التراث, درساً وتصنيفاً, ثم كان لهم فضل إظهار آثار المشارقة: شرحاً لها وكشفاً لغوامضها. فهذا أبو عبيد البكري الأندلسي يعمد إلى نصين جليلين من تأليف المشارقة, بالشرح والبيان: الأول كتاب «الأمثال», لأبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي ويسمي البكري شرحه لهذا الكتاب: فصل المقال في شرح كتاب الأمثال. وهذا الشرح قد «احتوى على أكمل تعليقات وتفاسير قديمة ومهمة على ذلك الكتاب, كما احتوى مادة رائعة لا توجد في غيره من كتب الأمثال الأخرى»(27).

والثاني: كتاب «الأمالي», لأبي علي القالي البغدادي. ووسم أبو عبيد شرحه لذلك الكتاب: اللآلي في شرح أمالي القالي. ونشره العلامة عبد العزيز الميمني باسم: سمط اللآلي.

ثم يتصدى ابن السَّيد (بكسر السين) البطليوسي, بالشرح والبيان لأحد أصول الأدب الأربعة, وهو كتاب ابن قتيبة البغدادي المسمَّى: «أدب الكاتب», أو: «أدب الكتاب». واسم هذا الشرح: الاقتضاب في شرح أدب الكتاب. وهو من أجل شروح الكتاب, كما يقول صاحب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون.

وحين فرغ أبو محمد الحريري البصري من إنشاء «مقاماته» الأدبية المعروفة, تعاقب عليها الشراح بالتفسير والبيان, حتى بلغت شروحها أكثر من خمسة وثلاثين شرحاً, ما بين مشرقي ومغربي. ومن أعظم هذه الشروح وأجمعها للغرائب والفرائد شرح أبي العباس الشَّريشي الأندلسي.

ولم يُعرف للسيرة النبوية التي صنفها محمد بن إسحاق شرح أوعب وأكثر جمعاً للفوائد والشوارد, من شرح أبي القاسم السهيلي الأندلسي المسمَّى: الروض الأُنُف, والمشرع الرّوى في تفسير ما اشتمل على حديث السيرة واحتوى.

والمشتغلون بتاريخ المذاهب الفقهية الإسلامية يعرفون أن أهم شروح مذهب مالك بن أنس رضي الله عنه, إنما جاءت من قِبل العلماء المغاربة الذين أكثروا التصنيف فيه, ما بين مختصر ومبسوط. وذلك لغلبة مذهب مالك على أهل هذه الديار.

ولن يتسع المقام لأكثر من هذه المثل, وهي كثيرة مفرطة في الكثرة. وحسبنا أن نختم بذكر أثر خطير من آثار الفكر الإسلامي, نشط له المغاربة, وتناولوه بالشرح والتعليق, على حين قصر غيرهم, استعظاماً لشأنه, وتهيباً من مسالكه, ذلك هو كتاب «البرهان» في أصول الفقه, لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني (بضم الجيم وفتح الواو: نسبة إلى جوين, بلدة من نواحي نيسابور) من أئمة علماء الشافعية في القرن الخامس.

يقول تاج الدين السبكي عن هذا «البرهان»: «اعلم أن هذا الكتاب وضعه الإمام في أصول الفقه, على أسلوب غريب, لم يقتد فيه بأحد, وأنا أسميه لغز الأمة لما فيه من مصاعب الأمور, وأنه لا يخلي مسألة عن إشكال, ولا يخرج إلا عن اختيار يخترعه لنفسه, وتحقيقات يستبد بها. وهذا الكتاب من مفتخرات الشافعية, وأنا أعجب لهم, فليس منهم من انتدب لشرحه ولا للكلام عليه, إلا مواضع يسيرة تكلم عليها أبو المظفر بن السمعاني في كتاب «القواطع» وردها على الإمام, وإنما انتدب له المالكية, فشرحه الإمام أبو عبد الله المازري شرحاً لم يتمه, وعمل عليه أيضاً مشكلات, ثم شرحه أيضاً أبو الحسن الأنباري من المالكية, ثم جاء شخص مغربي, يقال له: الشريف أبو يحيى, جمع بين الشرحين».

ويقول السبكي في موضع آخر عن المازري: «هذا الرجل كان من أذكى المغاربة قريحة وأحدهم ذهناً, بحيث اجترأ على شرح «البرهان» لإمام الحرمين, وهو لغز الأمة الذي لا يحوم نحو حماه, ولا يدندن حول مغزاه, إلاَّ غواص على المعاني, ثاقب الذهن, مبرز في العلم»(28).

ويداول الله الأيام بين الناس, فتتهاوى عروش, وتسقط دول, وتتطاول أمم تريد أن تنقض كيداً ومكراً, وتتعرض الأمة الإسلامية مشرقاً ومغرباً لخطوب وفتن كقطع الليل المظلم تسعى لتغتالها اغتيالًا.

وفي غمار تلك الأحداث التي صكت المسامع وخلعت القلوب لم تذهل هذه الأمة عن تراثها الذي شرفت به, ولم ترض أن تسلم حتى يسلم معها, كالأم تحضن طفلها وسط الحريق المدمر, لا يهمها أن تنجو حتى تنجو به.

ولقد كان من صنع الله ولطفه أن هذه الغزوة التترية الكاسحة على المشرق العربي منتصف القرن السابع, لم تمد شواظها إلى بلاد المغرب, فظلت خزائنها عامرة بالكتب, ومجالسها مأنوسة بالعلم والعلماء.

وتتمادى الأيام ولا يفتر حماس المغاربة لجمع المخطوطات وتعهدها بالصيانة والرعاية, ثم تتطور وظيفة الزوايا المغربية, من مكان معد للعبادة وإيواء الواردين المحتاجين, إلى دور تجمع العلماء والكتب, وتدعو إلى الجهاد ومقاومة الأجنبي.

وفي القرن الثامن تكاثرت الزوايا وانتشرت فيما بين المغرب ومصر, إيناساً وعوناً لحجاج بيت الله الحرام ليأووا إليها في مراحل سفرهم الطويل, وقد نمت حول هذه الزوايا مدارس استقر فيها طلبة العلم, الأمر الذي حدا بملوك بني مرين أن يشيدوا كذلك مدارس بجانب المراكز التعليمية الكبرى خصوصاً جامع القرويين بفاس (29).

ومن أشهر الزوايا في المغرب: الزاوية الدلائية والناصرية والحمزاوية, وتضم هذه الزاوية الأخيرة مجموعة من نوادر المخطوطات, كتب عنها وعرَّف بها الأستاذ العلامة محمد المنوني, في العدد الثامن من مجلة تطوان. ومن أنفس مخطوطات هذه الخزانة الجزء الرابع من كتاب «غريب الحديث» لابن قتيبة, بخط أندلسي وقع الفراغ من نسخة سنة 517 هـ, وهذا الكتاب نادر جداً في مكتبات العالم. وتنبيهات وتعاليق على كتاب «الكامل» للمبرد, من تأليف أبي عبيد البكري, والوقَّشي, والبطليوسي, وهذه التنبيهات والتعاليق لا توجد في مكان آخر من مكتبات العالم, فيما انتهى إليه علمي.

وفي العصر الحديث لم يستطع الاحتلال الفرنسي أن يطمس الوجوه العربية في المغرب فيردها على أدبارها بربرية أو أعجمية. فهذا مسجد القرويين يموج بالعلم والمعرفة, وينهض في المغرب بما ينهض به الأزهر في المشرق. وقد أدرك المغاربة المعاصرون جلال هذا الموروث الضخم الذي آلَ إليهم, فتلقوه بكلتا اليدين, وشدوا يد الضنانة عليه, ولقد بلغ من احتفالهم به وحرصهم عليه أن أقاموا حوله الجدر, وبنوا عليه الحيطان, حذراً عليه في بعض الأماكن التي خيف عليه فيها من بطش الباطشين واعتداء المعتدين.

ويبرز من بين رجالات هذا العصر عالم فحل, قدم للتراث العربي يداً باقية, حين سعى جاهداً وعمل مخلصاً في جمعه وحفظه, ذلك هو محمد عبد الحي بن عبد الكبير الحسني الإدريسي الكتاني الفاسي, عُرف باسم: عبد الحي الكتاني.

كان هذا الرجل شغوفاً بالكتب مولعاً بجمعها, مع علم غزير واطلاع واسع, وقد وقف حياته على الكتب, ونذر نفسه للعلم, فطوف الكثير, ولقي العلماء, وكاتب واستجاز من لم يلقهم.

يقول رحمه الله عن نفسه, في مقدمة كتابه «فهرس الفهارس»: «فرحلت لأقاصي البلدان وشاسع الأطراف والسكان, من حجاز ومصر وشام, وتونس والجزائر وبلاد المغرب الأقصى حواضره وبواديه, وكاتبت أهل الجهات البعيدة كالعراق واليمن والهند واسطنبول وصحراء إفريقية شنقيط (موريتانيا الآن) وغيرها, رغبة في الاستكثار, فحصل لي من ذلك ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد من أهل جيلينا وأقراننا» (30). ولن تصدق هذا الكلام حتى ترى ذلك القدر الهائل من المخطوطات التي عمرت بها مكتبة الرجل, والتي ضُمت إلى الخزانة العامة بالرباط (31).

وقد قام هذا الرجل في المغرب بما قام به العلامة أحمد تيمور في مصر, فقد جمع هذا أيضاً غرائب ونوادر من المخطوطات حفلت بها مكتبته العامرة التي ضُمت إلى دار الكتب المصرية وعُرفت بمكتبة تيمور.

المكتبات العامة والخاصة في المغرب:
زرت المغرب مرتين عضواً في بعثة معهد المخطوطات التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم, من منظمات جامعة الدول العربية, وكانت المرة الأولى في صيف عام 1392 هـ - 1972م, والثانية في صيف هذا العام. وقضيت في الزيارتين ستة أشهر رأيت فيها من عناية المغاربة بالمخطوطات وحرصهم عليها وصيانتهم لها, ما يبهج النفس, ويدل على أن الخير باق, وأن الله جلت قدرته لن يضيع تراث هذه الأمة مهما تناوشها الأعداء وأحاط بها الماكرون.

والمخطوطات في المغرب تحتفظ بها المكتبات العامة التي تشرف عليها الدولة, والخزائن الخاصة لدى العلماء. وتوجد المكتبات العامة في الرباط وفاس ومكناس ومراكش وتطوان. وقد أتيح لي أن أرى مكتبات الرباط وفاس وتطوان.

ففي الرباط مكتبتان عامرتان: الخزانة الملكية الملحقة بالقصر الملكي، والخزانة العامة التابعة لوزارة الثقافة.
وتزخر الخزانة الملكية بنوادر المخطوطات, ومن أنفس ما تضمه هذه الخزانة نص نادر لأبي العلاء المعري, لا يُعرف في مكتبة أخرى من مكتبات العالم إلى يومنا هذا, ذلك هو كتاب «الصاهل والشاحج» يتكلم فيه أبو العلاء على لسان فرس وبغل. وقد كان لظهور هذا الكتاب دوي هائل في الأوسط الأدبية, وقد كتبت عنه الأستاذة الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) أكثر من مرة بجريدة الأهرام.
ونسخة هذا الكتاب مخطوطة سنة 638 هـ, بقلم أندلسي, وفي الخزانة نسخة أخرى من خطوط القرن العاشر تقديراً, وهي منقولة عن نسخة مكتوبة سنة 693 هـ.

وإلى جانب هذا الكتاب النادر, توجد مخطوطات أخرى نفيسة في الخزانة الملكية, منها:

إصلاح المنطق - لابن السكيت, بقلم أندلسي نفيس سنة 591 هـ.
الأصول في الهندسة - لإقليدس, بقلم أندلسي نفيس سنة 683 هـ.
البارع في أحكام النجوم - لابن أبي الرجال, الجزء الأول بقلم أندلسي نفيس سنة 706هـ, والجزء الثاني من نسخة أخرى بقلم أندلسي نفيس سنة 361 هـ.
بغية الآمل في ترتيب «الكامل» للمبرد, لمؤلف مجهول. والكتاب مرتب على الفنون, ومقسم على أربعين باباً. والنسخة بقلم مغربي سنة 1283 هـ, منقولة عن نسخة مكتوبة سنة 646 هـ.
تاريخ علماء الأندلس - للخشني, بقلم أندلسي عتيق سنة 483 هـ.
تاريخ مكة - للأزرقي, بقلم نسخي قديم من خطوط القرن السادس تقديراً.
تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم للخزاعي. بقلم أندلسي جيد سنة 876 هـ.
وهذا الكتاب هو الأصل الذي بنى عليه العلامة عبد الحي الكتاني السابق ذكره, كتابه العظيم المسمَّى: التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلية. وهو مطبوع في الرباط سنة 1346 هـ.
دلائل الإعجاز - لعبد القاهر الجرجاني, نسخة بقلم نسخي نفيس من خطوط القرن السابع تقديراً, وبأولها توقيع لابن هاشم النحوي, ولابن الصائغ.
ديوان أبي تمام - برواية الصولي, بقلم نسخي نفيس سنة 664 هـ, منقولة عن نسخة مكتوبة سنة 381 هـ.
ديوان جرير - برواية السكري: نسخة نفيسة كتبها الخطاط المبدع ياقوت المستعصمي سنة 689 هـ.
ديوان سبط ابن التعاويذي, بقلم أندلسي نفيس سنة 724 هـ.
ديوان ابن سهل الإسرائيلي - وهو إبراهيم بن سهل الإشبيلي, كان يهودّياً وأسلم - نسخة بقلم أندلسي من خطوط القرن التاسع. والديوان مرتب على حروف الهجاء, وعني بترتيبه وتهذيبه ابن الدهان.
ديوان ابن مكانس - وفيه نثره أيضاً - بقلم نسخي سنة 989 هـ.
السيرة النبوية - لابن إسحاق. رواية ابن هاشم. جزء منها بقلم أندلسي نفيس سنة 533هـ.
شرح الجمل في النحو - للزجاجي. تأليف ابن الصائغ الكناني, بقلم مغربي سنة 891.هـ
شرح دواوين الشعراء الستة الجاهليين - الجزء الأول بقلم أندلسي جميل سنة 594 هـ, وبهامشه حواش وتعليقات.
طبقات النحويين واللغويين - لأبي بكر الزبيدي الأندلسي. نسخة بقلم أندلسي قديم من خطوط القرن الخامس تقديراً, وهذه هي النسخة الثانية من الكتاب, فلم يكن يعرف منه إلا نسخة وحيدة بمكتبة نور عثمانية بمدينة استانبول بتركيا. وعنها أصدر الأستاذ الجليل محمد أبو الفضل إبراهيم نشرته الأولى للكتاب, ثم أعاد تحقيقه ونشره على هذه النسخة الثانية وصدر عن دار المعارف بمصر منذ سنتين.
العباب في اللغة - للصاغاني. خمسة أجزاء تمثل نحو ثلثي الكتاب, منها

أربعة أجزاء بخط المؤلف نفسه, سنة 650, وخطه نسخي جيد. وهذا الكتاب من كتب اللغة المعتبرة, ويعد من المراجع الأساسية للمعجم المعروف «تاج العروس في شرح القاموس».
ووجود هذه الأجزاء الخمسة من «العباب» في الخزانة الملكية بالرباط يعد كسباً كبيراً, فإن هذا الكتاب لا تكاد توجد منه نسخة كاملة في أي من مكتبات العالم إلى الآن.
فضائل الشام - لأبي سعيد السمعاني. نسخة بقلم نسخي نفيس سنة 649 هـ, وعليها قراءة للإمام الصاغاني المذكور, في سنة كتابة النسخة. وحسب معرفتي لا أعلم لهذا الكتاب إلا نسخة واحدة بدار الكتب المصرية.
كليلة ودمنة - ترجمة ابن المقفع - نسخة بقلم نسخي نفيس من خطوط القرن الثامن, وبها أشكال ملونة تحكي أحداث القصة.
مختصر شرح مسائل حنين بن إسحاق في الطب, لمؤلف مجهول. نسخة بقلم نسخي حسن من خطوط القرن الثامن.
المصباح المنير في غريب الشرح الكبير - للفيومي نسخة بخط المؤلف, كتبها سنة 737هـ. والمصباح المنير هو ذلك المعجم اللغوي المحرر الذي كان مقرراً على تلاميذ المدارس الثانوية في مصر إلى عهد ليس ببعيد.
المقتبس في تاريخ علماء الأندلس - لابن حيان. جزء منه بقلم أندلسي جيد من خطوط القرن السادس تقديراً. وهذا «المقتبس» نادر وعزيز جداً في مكتبات العالم, ويشتغل به الآن الأستاذ الدكتور محمود علي مكي.
المنتخب من مسند عبد بن حميد الكشي - لمؤلف مجهول. نسخة بقلم مغربي دقيق سنة 720 هـ, ويوجد المسند نفسه بخزانة القرويين بفاس.
نفح الطيب من غصن الأندس الرطيب - للمَقَّري المتوفى سنة 1041 هـ, نسخة بخط المؤلف.

هذه مثل قليلة مما تضمه الخزانة الملكية من نفائس المخطوطات.
أما الخزانة العامة بالرباط فتمثل المخطوطات المحفوظة بها: الرصد العام للخزانة, ثم مخطوطات الخزائن الخاصة التي ضُمت إلى الخزانة العامة, حفظاً لها وحرصاً عليها, ويأتي في مقدمة هذه الخزائن الخاصة: مكتبة عبد الحي الكتاني, وبعدها مجموعة الجلاوي والحجوي, ثم حصيلة الزاوية الحمزاوية والزاوية الناصرية.
وإذا كانت الخزانة الملكية تحتفظ بأثر نادر من آثار المشارقة, وهو كتاب «الصاهل والشاحج» الذي ذكرت لك خبره من قبل, فهذه الخزانة العامة تحتفظ أيضاً بكتاب نادر للجاحظ, ذلك هو كتاب «البرصان والعرجان والعميان والحولان» الذي سجل فيه الجاحظ أدب أصحاب العاهات, مستطرداً على جاري عادته إلى ذكر النوادر والغرائب.
لقد ظل هذا الكتاب المعجِب يتردد في بطون الكتب القديمة دون أن تُعرَف له نسخة في مكتبات العالم, حتى اكتشفه الشيخ البحاثة السيد المختار السوسي, صاحب كتاب «المعسول» رحمه الله. وقف المختار السوسي على هذا الكتاب منذ نحو أربعين سنة, قابعاً في الزاوية العياشية ببلدة بزو, بين تادلة والسراغنة جنوب شرقي الدار البيضاء. وتتوالى الأيام ولا يفرط المغاربة في ذلك الأثر النادر, حتى كانت زيارة الدكتور صلاح الدين المنجد إلى بلاد المغرب, منذ نحو عشرين سنة, وهو إذ ذاك مدير معهد المخطوطات, ويصحبه عالم المخطوطات الكبير الأستاذ محمد إبراهيم الكتاني, إلى بزو, ويقدم له نفائس المخطوطات ومن بينها هذا الكتاب الفريد, الذي يقدم المغاربة صورة منه هدية للمشارقة تحفظ بخزانة معهد المخطوطات بمصر, ثم يقوم الأخ الدكتور محمد مرسي الخولي بتحقيق هذا الكتاب ونشره على تلك النسخة الوحيدة, منذ ثلاثة أعوام بمصر, وكتب عنه نقداً عالم تطوان الكبير الأستاذ محمد بن تاويت في مجلة دعوة الحق المغربية, عدد جمادى الأخيرة من هذا العام.

وليس كتاب الجاحظ هذا هو الأثر الوحيد الذي تنفرد الخزانة العامة بالاحتفاظ به دون مكتبات العالم, فمن ذلك ايضاً:
تعليق من أمالي ابن دريد, نسخة بقلم نسخي جيد, سنة 641 هـ.
الوسيط في الأمثال - للواحدي المفسر, نسخة بقلم نسخي نفيس من خطوط القرن السادس تقديراً, ولا يعيب هذه النسخة الوحيدة إلا أن بها سقطاً في وسطها.
وهذا الكتاب لم يرد له ذكر في فهارس المكتبات, ولعل ذلك هو الذي دفع المستشرق الألماني رودلف زلهايم إلى أن يقول: «ولا ندري المقصود بما ذكره البغدادي في الخزانة 4/ 110, من قوله: قال الواحدي في أمثاله» (32).
منال الطالب في شرح طوال الغرائب (أي الأحاديث الطويلة المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, والصحابة والتابعين رضوان الله عليهم) - لمجد الدين بن الأثير, صاحب كتاب «النهاية». نسخة بقلم نسخي نفيس جداً. وقد اجتمع لهذه النسخة من أسباب التوثيق والقَبول ما لا يكاد يجتمع في نسخة أخرى: فناسخها هو محمد بن نصر الله, وهو ابن أخي المؤلف, والده ضياء الدين ابن الأثير صاحب كتاب: «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر». وقد فرغ محمد من نسخ الكتاب سنة 606 هـ, ثم قرأه وسمعه وصحَّحه على عمه المؤلف, وكتب صورة القراءة والسماع عمه الثاني عز الدين بن الأثير المؤرخ صاحب كتاب «الكامل».
ديوان شعر - لعبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القيسي الأندلسي, كان حيّاً سنة 836 هـ, وليس لهذا الشاعر ولا لديوانه ذكر في أي مكان, وتتجلى أهميته البالغة في أنه عاش في الأندلس أواخر أيام دولة الإسلام هناك, وقضى حقبة من حياته أسيراً عند الإسبان, وقال في هذه الأثناء كثيراً من شعره, كما سجل في شعره كثيراً من الأحداث في عصره, ورثي كثيراً من المراكز الإسلامية التي عاصر سقوطها في يد الإسبان (33).

وإلى جانب هذه المخطوطات الوحيدة التي تحتفظ بها الخزانة العامة في الرابط: رأيت نفائس أخرى. منها:
إعراب القرآن الكريم - لأبي إسحاق الزجاج, نسخة في عشرة أجزاء, بقلم نسخي جيد سنة 383 هـ.
مجموع بقلم نسخي نفيس جداً, كتب سنة 351 هـ - فيه من الكتب:
الموجز في النحو - لابن السراج.
الموفقي في النحو - لابن كيسان.
كتاب النحو - للغدة الأصبهاني.
شرح ما يُكتب بالياء من الأسماء المقصورة والأفعال - لابن درستويه.
المقصور والمدود - لأبي عمر الزاهد.
كتاب الكتاب (أي الكتابة والخط والإملاء, وفيه كلام عن المذكر والمؤنث) لابن درستويه.
المذكر والمؤنث - للمفضل بن سلمة.
كتاب الخط, وكتاب القلم, وكتاب العروض - الثلاثة لابن السراج.
مختصر في فلك دوائر العروض - لبعض العروضيين.
كتاب القوافي - لأبي القاسم الطيب بن علي التميمي.
الاشتقاق - لابن دريد, نسخة بقلم نسخي جيد, كتبها العالم المعروف أحمد بن عبد القادر بن مكتوم المتوفى سنة 749 هـ. وهذه النسخة هي الثانية المعروفة في مكتبات العالم من هذا الكتاب إلى الآن. والنسخة الأولى محفوظة بمكتبة ليدن بهولندة, وعليها كان اعتماد المستشرق الألماني وستنفلد في نشرته سنة 1854م, ثم عول عليها أيضاً أستاذنا الجليل عبد السلام هارون في تحقيقه للكتاب.
التعازي والمراثي - للمبرد, نسخة بقلم نسخي نفيس سنة 757 هـ, وهذه هي النسخة الثانية أيضاً من الكتاب. والنسخة محفوظة بمكتبة الأسكوريال بإسبانيا.

أنساب الأشراف - للبلاذري, نسخة كاملة في مجلد واحد, ثم نسخها سنة 661 هـ, وهي أقدم نسخة معروفة من الكتاب.
مقالة في الأدوية المضمونة المجربة - لجالينوس, ترجمة حنين بن إسحاق. نسخة كُتبت سنة 683 هـ.
وتحتفظ الخزانة العامة بعدة مخطوطات بخطوط مؤلفيها, عرفتُ منها:
غريب الحديث - لابن الجوزي, فرغ من تأليفه سنة 576 هـ, وخرجه من مبيضته سنة 581 هـ.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال - للحافظ الذهبي وفي آخر النسخة سماعات على المؤلف, سنة 743, 745 هـ.
مجموع يحتوي على عدة تآليف - لتقي الدين السبكي المتوفى سنة 756 هـ, وعلى بعض هوامشه خط صلاح الدين الصفدي.
قطعة من كتاب طبقات الشافعية الكبرى - لتاج الدين السبكي المتوفى سنة 771 هـ, ومن الغرائب أن هذه القطعة من نفس النسخة التي يوجد منها جزء بدار الكتب المصرية, برقم 64م (تاريخ مصطفى فاضل), فانظر كيف تفرقت أجزاء النسخة الواحدة في مكتبات العالم!
وفي فاس العاصمة القديمة للمغرب توجد خزانة جامع القرويين, مفخرة البلاد المغربية على الإطلاق, في رحابه تكوَّن رجالٌ وازدهرتْ معارف, وقد وقف كثير من الملوك والأمراء والعلماء, على خزانة هذا الجامع, العدد الوفير من المخطوطات في شتى العلوم والفنون, وتزخر هذه الخزانة بالنوادر والنفائس, ولا سبيل إلى ذكر كل ما رأيته من هذه وتلك, فحسبي أن أجتزئ ببعض المثل, فمن ذلك:
سير الفزاري - ويسمى كتاب السير في الأخبار والأحداث - لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري المتوفى سنة 188 هـ, والموجود من هذا الكتاب الجزء الثاني, في 18 ورقة, وهو مكتوب على رق الغزال, وتم نسخه في شهر ربيع الآخر سنة 270 هـ (مائتين وسبعين), وهذا تاريخ له خطره وجلاله عند المشتغلين بتاريخ المخطوطات, وعلى هذا الجزء خط خلف بن عبد الملك بن بشكوال, المؤرخ المشهور, صاحب كتاب «الصلة» في تاريخ علماء الأندلس, ثم توجد عدة أجزاء من نسخة أخرى كُتبت سنة 379 هـ, وتقع في 59 ورقة.
أجزاء من نسخ مختلفة من تفسير الإمام أبي جعفر الطبري, على رق الغزال, وبعض هذه الأجزاء مكتوب سنة 391 هـ.
مختصر أبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري - في فقه المالكية - نسخة بخط أندلسي عتيق سنة 359 هـ.
النوادر والزيادات - لابن أبي زيد القيرواني, في فقه المالكية, جزء منها على رق الغزال, بقلم أندلسي قوبل على نسخة المؤلف وهو على قيد الحياة سنة 383 هـ.
كتاب الزهد والرقائق - لابن المبارك, نسخة بقلم أندلسي سنة 465 هـ.
السيرة النبوية - لابن إسحاق, برواية يونس بن بكير, وهي رواية عزيزة جداً, فإن المطبوع المتداول من سيرة ابن إسحاق إنما هو من رواية عبدالملك بن هشام، ولم تُعرف رواية ابن بكير هذه إلا من خلال النقول عنها, عن ابن سعد وابن الأثير وابن كثير (34, والموجود من رواية ابن بكير في الخزانة الأجزاء: الثاني والثالث والرابع والخامس, وأحد هذه الأجزاء مكتوب سنة 506 هـ.
الألفاظ في اللغة - لابن السكيت, رواية ثعلب, نسخة بقلم أندلسي على رق الغزال, قُرئت على العالم اللغوي ابن السيد البطليوسي في منزله بمدينة بلنسية سنة 511هـ.
السماء والعالم - في اللغة - لأبي عبد الله محمد ابن أبان اللخمي القرطبي المتوفى سنة 354 هـ, الموجود منه الجزء الثالث بخط أندلسي قديم, وبآخره وقفية سنة 855 هـ, ولا تُعرف من هذا الكتاب نسخة في أي من مكتبات العالم, وهو من مراجع ابن سيده في كتابه «المخصص».
البيان والتبيين - للجاحظ, الجزء الثالث من نسخة جليلة, على رق الغزال بقلم أندلسي نفيس جداً ضارب في القدم, والنسخة مقابلة على أصول صحيحة: أصل الوقشي, وابن سراج, وعطاء بن البادش, وبحواشيها تعليقات قيمة من كتاب الموالي, وكتاب الحيوان للجاحظ.
الإبانة في الوقف والابتداء, في القرآن الكريم - لأبي الفضل محمد بن جعفر الخزاعي, نسخة عتيقة بخط ابن الباذش النحوي المعروف, فرغ من نسخها سنة 520 هـ.
كتاب مشتبه النسبة, معه المؤتلف والمختلف في أسماء وألقاب رواة الحديث - كلاهما للحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري, نسخة بخط نسخي جيد سنة 536 هـ.
كتاب خلق الإنسان, وكتاب الفرق, في اللغة, كلاهما لثابت بن أبي ثابت, نسخة بخط أندلسي سنة 600 هـ, وفي الخزانة نسخة أخرى من خلق الإنسان, بها بعض النقص, وهي بخط أندلسي قديم, وهذا «خلق الإنسان» كان قد نشره الأستاذ المحقق عبد الستار أحمد فراج بالكويت منذ عشر سنوات, عن نسخة وحيدة محفوظة بالمكتبة التيمورية بدار الكتب المصرية.
تاريخ رواة الحديث - لابن أبي خيثمة, الموجود منه الجزء الثالث, بقلم أندلسي سنة 610 هـ, وهذا الكتاب عزيز جداً, وقد عرفت ورأيت منه قطعتين صغيرتين: الأولى بالخزانة العامة بالرباط, والثانية بالمكتبة المحمودية بالمدينة المنورة, على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام.
مختصر تفسير أبي زكريا يحيى بن سلام التيمي المتوفى سنة 200 هـ, تأليف أبي عبد الله محمد بن عبد الله ابن أبي زمنين المتوفى سنة 399 هـ, نسخة بخط أندلسي سنة 611 هـ.
كتاب الأخلاق المسمى: نيقوماخيا - لأرسطو, بخط مغربي سنة 619 هـ, وبآخره مقالة في المدخل إلى علم الأخلاق يظن أنها من تأليف نيقولاوش.
مجمع بخط أندلسي سنة 636 هـ, فيه كتاب الأضداد للتوزي, وكتاب الفرق بين الحروف الخمسة, وكتاب المثلث في اللغة, كلاهما لابن السيد البطليوسي.
البيان والتحصيل - في فقه المالكية - لابن رشد الجد, نسخة مزينة بخط أندلسي دقيق على رق غزال, كتب سنة 720 هـ, وتفيد هذه النسخة المعنيين بدراسة الخطوط وتطورها, فقد كتبت بقلم أندلسي دقيق ومنسّق جداً, وبلغ عدد صفحاتها 460 صفحة, في كل صفحة 75 سطراً, وهذا نمط في الكتابة قل أن يوجد في المخطوطات العربية, وأوراق النسخة كلها من بطن الغزال, وهو أرق شيء فيه, ولك أن تقدر كم من الغزلان استخدم في كتابة هذه النسخة.
كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر (تاريخ ابن خلدون), الموجود منه الجزآن الثالث والخامس من النسخة ذات الأجزاء السبعة التي وقفها ابن خلدون على خزانة جامعة القرويين, بتاريخ شهر صفر سنة 799 هـ, وعليها خط يده.
كتاب في السياسة - لأبي بكر محمد بن الحسن المرادي المتوفى سنة 489 هـ, نسخة مكتوبة سنة 843 هـ.
منظومة رجزية في علم الطب العام - لابن الطفيل الفيلسوف, الرجز مرتب على سبع مقالات تتجاوز عدد أبياته 7700 بيت, ويقول بعض المغاربة الذين قرأوا هذه الأرجوزة أن ابن الطفيل تكلم فيها على مرض السكر.
شرح أرجوزة ابن سينا في الطب - لابن رشد الحفيد - نسخة بخط أندلسي قديم.
هذه مختارات مما تفيض به هذه الخزانة العريقة من الذخائر والتحف, وقد رأيت بعض النفائس وقد عبثت بها الأرضة والرطوبة عبثاً شديداً, ولولا غيرة القائمين على الخزانة - وعلى رأسهم العلامة محمد العباد الفاسي - لأتت الأرضة والرطوبة على الكثير من نوادرها. وهذا رجاء أبعث به إلى الحكومة المغربية الرشيدة - وأياديها على التراث مذكورة مشكورة - أن تولي مزيد اهتمام بهذه الخزانة, فتبادر بتصوير كل مقتنياتها تصويراً فنَّياً بعد أن ترممه وتجلده, ثم رجاء آخر إلى العلامة العابد الفاسي أن يخرج إلى النور هذا الفهرس العلمي القيم الذي صنعه لمحتويات الخزانة, الذي وظف فيه علمه الغزير وخبرته النادرة, فلقد رأيت كثيراً من التعليقات الجيدة على أغلفة المخطوطات بقلمه, آجره الله وجعله في موازينه.

وفي تطوان رأيت مخطوطات المكتبة العامة, وعددها قليل بالقياس إلى مخطوطات الرباط وفاس, ومن أهم ما تضمه هذه المكتبة ديوان أبي الطيب المتنبي - بقلم مغربي جميل, وتمتاز هذه النسخة بأن بها زيادات من شعر المتنبي ليست توجد في سائر نسخ الديوان المعروفة, فضلاً عما بها من ذكر مناسبات القصائد, وشرح بعض الألفاظ اللغوية, والتنبيه على المعنى المراد, والديوان مرتب على حروف المعجم, وبأوله مقدمة للأديب أبي جمعة المراكشي الماغوسي, في بيان أهمية شعر المتنبي, وما له من الحظوة عند ملوك السعديين.

وقد كتب عن مخطوطات تطوان العلامة عبد الله كنون, مقالة مستفيضة تراها في مجلة معهد المخطوطات - الجزء الثاني من المجلد الأول.
هذا ما كان من أمر المكتبات العامة التي عرفتها في المغرب. أما المكتبات الخاصة فتنتشر في حواضر المغرب وبواديه, وقد أشار إلى بعضها الدكتور صلاح الدين المنجد في الجزء الأول من المجلد الخامس, من مجلة معهد المخطوطات.
وقد عرف المغاربة المعاصرون قيمة ما انتهى إليهم من ذلك الإرث الكريم فتناولوه بالدرس والبيان, واكتشفوا من خلاله تاريخ الحاضرة في بلادهم, ونفر منهم طائفة تفقهوا في فن المخطوطات, فجروا وراءها يجمعونها من الزوايا والصحراء, ويقيمون حولها الدراسات, ثم يقدمونها للناس ميسورة الجنى دانية القطاف.

وقد عرفت ثلاثة رجال من أعلام هذه الطائفة: محمد المنوني ومحمد إبراهيم الكتاني في الرباط, ومحمد العابد الفاسي في فاس, وهذا تقدمت الإشادة بفضله عند الحديث على القرويين. أما المنوني والكتاني فقد قدما للتراث العربي في المغرب يداً باقية وأثراً مذكوراً, فكم اكتشفا من مخطوطات, وكم صحَّحا من نسبة كتب لغير أصحابها, ولولا خوف الإطالة لذكرت من هذا وذاك الشيء الكثير, ثم كانت مساعدتهما المخلصة وعونهما الكريم لكل من يرد المغرب أو يستفتيهما من خارجه, فلم يحجبا علماً ولم يبخلا بنصح.

ويمثل هؤلاء الأعلام الثلاثة الطبقة الأولى في الواقع الأدبي المغربي المعاصر, وهي الطبقة التي تخرجت في القرويين, واتصلت بالتراث في أصوله الأولى ومنابعه النقية بعيداً عن عبث المختصرين وضلال المتأولين.

وقد عاشت هذه الطبقة تجربة الحماية الفرنسية بكل مرارتها, فلم تخدع عن لغتها وتراثها, وظلت خفيفة به حريصة عليه مستزيدة منه.

وبجانب هؤلاء الأعلام الثلاثة عرفتُ من فحول هذه الطبقة: عبد الله كنون في طنجة, وسعيد أعراب, ومحمد داود, ومحمد بن تاويت - في تطوان, والرحالي الفاروقي في مراكش, وعبد السلام بن سودة في فاس, وفي الرباط: عبد الله الجراري, وعبد العزيز بن عبد الله, ومحمد الفاسي, وعبد الوهاب بن منصور, ومحمد بن العباس القباح, والحاج محمد باحنيني وزير الثقافة, وهذا الرجل نمط وحده, فهو أديب مترسل, تستمع إليه فيحملك إلى دنيا حافلة بالنغم الحلو واللفظ المعجِب والمعنى الشريف. وقد أُتيح لي أن أستمع إليه في أمسية شعرية بالرباط, قدم فيها الشاعر السوري الكبير عمر أبو ريشة, فخِلتني مع بيان الجاحظ وترسُّل ابن العميد, ولا أعتقد أن لهذا الأديب نظائر كثيرة في المشرق والمغرب.
وما زالت هذه الطبقة تواصل عطاءها السخي, وعلى وقع خطواتها سارت الطبقة الثانية من أدباء المغرب, وهي طبقة أصابت من مائدة القرويين العامرة, ثم اتصلت بالمناهج الحديثة وحصلت على أرقى الشهادات الجامعية, واتخذت مكانها في قاعات الدرس بالجامعة والمعاهد العلمية, وهذه الطبقة هي أمل المغرب المعاصر, لما عرفت من وقوفها على القديم واتصالها بالحديث, وقد أدركت منها: الأساتذة الدكاترة: محمد بن شريفة, وعباس الجراري, وعبد الهادي التازي - في الرباط, والأستاذ الدكتور عبد السلام الهراس, وعبد الوهاب التازي, والشاهد البوشيخي - في فاس, والأستاذين حسن الوراكلي وإسماعيل الخطيب - في تطوان, وعباس الجراري أكثر هؤلاء اتصالًا بالحديث, مع روافد تراثية خصبة.
ونأتي إلى الطبقة الثالثة: كُتّاب الرواية والقصة والمسرحية والشعر والحديث, وكتَّاب هذه الفنون الأدبية في المغرب يعالجونها على النحو الذي تعالج به في مصر والشام والعراق وسائر بلاد المشرق سواء بسواء, من حيث البناء والمضامين والانتماءات الفكرية المختلفة.
وتطالعك من كُتّاب الرواية والقصة أسماء: عبد الكريم غلاب, وإدريس الخوري, وبوشتي حاضي. ومن كُتّاب المسرحية: عبد الكريم برشيد, ومصطفى الزباخ, ومن الشعراء: محمد الصباغ, وحسن الطريبق, وأحمد المجاطي, وعبد الكريم الطبال, ومحمد السرغيني, ومحمد بن ميمون, ولا شك أن هناك كثيرين غير ما ذكرت ممن عرفت خلال رحلتي الاثنتين إلى المغرب.
وهذه الطبقات الثلاث من علماء وأدباء المغرب تواصل إنتاجها بثراء وغزارة, وبجمعها كلها عتاب شديد على أدباء المشرق لإعراضهم وتجافيهم عما تنتجه القرائح المغربية, وهذا العتاب يأتيك هامساً رفيقاً من طبقة الشيوخ, وتسمعه صاخباً غاضباً من طبقة الشباب, فعلى حين يرى الشيوخ أن هذا الإعراض والتجافي إنما جاءا نتيجة عوامل اصطُنعت في الأمة العربية اصطناعاً لتلفتها عما وجدت عليه آباءها, وهي إلى زوال وانقضاء, يرى الشباب أنهما - الإعراض والتجافي - نغمة من مقام التفوق الثقافي الذي يحس به المشارقة نحو المغاربة, وآية ذلك هذا السيل من الكتب التي تحمل عناوين توحي بالشمولية, مثل «دراسات في الشعر العربي المعاصر» من مصر, و «الشعر العربي الحديث وروح العصر» من العراق, و «في الشعر العربي المعاصر» من سوريا, ثم تقرأ هذه الكتب فلا ترى فيها ذكراً لشاعر من شعراء المغرب.
وقد كتب الأديب عبد الجبار العلمي, يرد على الأديب السوري بندر عبد الحميد كلمته التي نشرها بجريدة الثورة السورية, عن التجربة الشعرية في المغرب, واتهامها بالانطواء والعزلة, ومما قاله العلمي: «وأحب أن أقول للسيد بندر عبد الحميد: إن المثقفين المغاربة من أشد الناس حرصاً على الاطلاع على النشاط الثقافي في كل الأقطار العربية, وأنهم يلتهمون كل ما يصل إلى المغرب من كتب ومجلات وصحف عربية, وأنهم يتمثلون كثيراً من التيارات الجديدة, سواء في القصة أو المسرح أو الشعر, وأن التجربة الحديثة لدينا تمتح من جميع الاتجاهات, سواء منها العربية أو الأجنبية ... وهناك عديد من الأبحاث في كلية الآداب في السنة الأخيرة من الليسانس, كلها تتضمن شخصيات أدبية معاصرة, سواء في مصر أو في سوريا أو في العراق» (35).

وهذا الذي قاله الأديب عبد الجبار العلمي حق كله, وقد وقفت على أماراته وشواهده في كل المدن المغربية التي زرتها, فالمكتبات عامرة بآثار المشارقة, وإحالات الأساتذة الجامعيين وغيرهم من الباحثين على كتابات أدباء المشرق تملأ حواشي كتبهم, وعلى الجانب الآخر انظر ما يكتبه بعض المشارقة من دراسات أندلسية أو مغربية, وسترى خلطاً كثيراً واضطراباً بيَّناً, أدى إليهما قلة معرفة بالمراجع المغربية الأصيلة, وعدم متابعة لما يجري على الساحة المغربية من نشاط أدبي وفير.

وليسمح لي الأستاذ العلمي أن أنتقل بالقضية إلى ميدان أخطر وأجل من قضايا القصة والمسرح والشعر الحديث, إنها قضية الفكر العربي الشتيت, والأمة الغافلة عن ماضيها, الذاهلة عما يُراد بها, ولقد كان هناك تواصل ولقاء بين أبناء هذه الأمة يوم كانت وسيلة الاتصال الناقة والسفينة, وحين تقاربت المسافات وطويت الآماد تقطعت أسباب التواصل وانصرف كل في واد, وقد حدثتك من قبل عن قاسم بن أصبغ الأندلسي الذي روى عن ابن قتيبة كتبه بمنزله ببغداد, ويا بُعد ما بين الأندلس وبغداد.
ولم يعد هناك من صور التواصل إلا ما يكون من تلك المؤتمرات الأدبية التي تعقد في عاصمة من عواصم البلاد العربية كل عام أو عامين, تستغرق من الأيام سبعة أو عشرة, وتنتهي جلساتها ببعض القرارات والتوصيات التي تذروها الرياح, بل قد تكشف هذه المؤتمرات أحيانًا عن تنافر موحش بين أعضاء الوفود, نتيجة اختلاف المشارب والأهواء, وإقحام قضايا تجافي روح الأدب والفكر.
وإذا كانت الأمة العربية تشترك كلها مشرقاً ومغرباً في مسؤولية التواصل هذه, فإني أشهد أن المغاربة لم يقصروا, وما برحوا يمدون أبصارهم إلى المشرق, تكريماً لعلمائه وإفادة منهم, فهذه الدروس الدينية الرمضانية التي تلقى بين يدي جلالة الملك الحسن الثاني ملك المغرب, في قصره بالرباط, والتي تسمَّى: الدروس الحسنية, يدعى إليها كبار مفكري الإسلام من البلاد العربية, وقد دُعي من علماء مصر هذا العام أستاذنا الجليل محمود شاكر - ويسميه بعضهم هناك: شيخ العربية - والباحث الدكتور مصطفى محمود.
وقد حدَّثني أحد منظمي مهرجان ابن زيدون في الرباط أنَّ وزارة الثقافة المغربية قد دعت إلى هذا المهرجان كل من له أدنى صلة بابن زيدون في مختلف البلاد العربية, وقد دُعي من أدباء مصر عدد وفير ليسوا كلهم على صلة بابن زيدون, بل إن بعضهم لا وجود له فيما يكتب من أدب في مصر هذه الأيام, وقد كانت له أيام, ولكنها رغبة المغاربة الدائمة في تكريم الأديب المصري, وإجلالهم لماضيه, حين زالت الحواجز التي كانت تعوق حركة المصريين اندفع المغاربة في دعوة كثير من أساتذة الجامعات المصرية للإفادة من علمهم في قاعات الدرس بالجامعات المغربية.
والحق أن لمصر في الوجدان المغربي رصيداً ضخماً من الحب والإعزاز, تراه أنَّى سِرت وحيثما توجَّهت, وقد رأيتُ من تعلق المغاربة بكل ما هو مصري ما لا يبلغ كنهه وصف واصف, ولا يسوء القوم إلا أننا نجهل عنهم الكثير, ولقد قال لي عالم مغربي كبير: إننا نعرف عنكم كل شيء وأنتم لا تعرفون عنا أي شيء.
وبعد: فإذا كان المغرب قد حافظ على التراث العربي, مخطوطات نادرة ونصوصاً قيمة, فإنه قد حافظ عليه أيضاً, سلوكاً وفضلاً ورعاية لواجب الأخوة مهما تباعدت الديار وتناءت الأمصار.
وهذه دعوة من فوق منبر «الثقافة» إلى أدباء المشرق عامة, وأدباء مصر خاصة أن يلتفتوا لفتة جادة إلى أدب إخوانهم في المغرب, درساً له وبحثاً عن مواطن الإجادة فيه, فما ينبغي أن يظل هذا الركن القصي من الوطن العربي غير محسوب في خريطة الفكر العربي.

* * *

عينية ابن زريق (36)

ذهب الشعراء المكثرون بالذيوع والشهرة في مجال قراءة الشعر ودرسه, وبقي على ساحة القريض طائفة كبيرة من الشعراء الذين عُرفوا بالشعراء المقلّين, وقد قال هؤلاء من الشعر أحلاه, وصاغوا من النغم أعذبه, وتوزعت أغاريدهم وأنغامهم في المجاميع الأدبية والأمالي والمجالس, وكتب التاريخ والتراجم والبلدان, وموسوعات العلوم, كالتفسير والنحو واللغة والبلاغة.
ولن يستقيم درس الشعر العربي وتبرز صورته واضحة الملامح بيَّنة القسمات إلاَّ إذا جُمع شعر هؤلاء الشعراء المقلّين, وأوتي حظه من البحث والتأمل.
وقد نشط إخواننا أدباء العراق هذه الأيام لجمع هذا الشعر وإذاعته في دواوين صغيرة, وعلى الرغم مما شاب عملهم من بعض العجلة والقصور في تخريج الشعر وتوثيقه, فإنه جهد طيب خليق بكل الاحتفال والمؤازرة والاقتداء.
وليت أساتذة الجامعات العربية يغرون تلاميذهم في الدراسات العليا بجمع هذا الشعر ودرسه, وليتجه هذا الجمع إلى البلدان في عصورها المختلفة, فيقال مثلًا: «شعراء مصر في القرن الرابع الهجري», وهكذا في سائر البلدان العربية على امتداد العصور, ومن أعجب العجب أن ما كتبه أسلافنا لإقامة مثل هذه الدراسات كبير وفير, ولكنه يخفى على كثير ممن يتعاطون الأدب والشعر هذه الأيام, كأنه كُتب بلغة غير لغتنا لأمة سوى أمتنا:
فدع عنك نهباً صِيح في حَجَراته ... ولكنْ حديثاً ما حديث الرواحلِ
وأقول: إن بعض هؤلاء الشعراء المقلّين عُرف بقصيدة واحدة تناقلها الرواة وأنشدها المنشدون. ومنهم ابن زريق صاحب القصيدة العينية البديعة التي يسمع المحب فيها رجع أنّاته, ويحس الغريب منها لذع الغربة يكوي فؤاده ويشده إلى مراتع صباه ومراتع لهوه, ويغذي الصوفي بها مواجيده وأشواقه, ثم يجد فيها قارئ الشعر متعته بما يسري فيها من نغم علوي وإيقاع آسر.
وقد شرَّقت هذه القصيدة وغرَّبت, وعُدَّ حفظها من أسباب الظرف. روى أبو عبد الله الحُميدي المتوفى سنة 488 هـ, عن الإمام أبي محمد بن حزم, قال: «يقال: من تختم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وتفقه للشافعي وحفظ قصيدة ابن زُريق فقد استكمل الظرف»(37).
وابن زريق صاحب هذه القصيدة هو: أبو الحسن علي بن زُريق الكاتب البغدادي, عاش في بغداد ثم رحل إلى الأندلس وبها توفي. ولم أجد له ترجمة تعيّن تاريخ مولده أو وفاته. ويرى المستشرق الألماني كارل بروكلمان (38) أنه توفي نحو سنة 420 هـ, وقد أورد له صلاح الدين الصفدي (39) ترجمة موجزة جداً, ذكر فيها أنه أنشأ هذه القصيدة في مدح العميد أبي نصر وزير طغرلبك. وأبو نصر هذا هو: عميد الملك الوزير محمد بن منصور الكندري المتوفى سنة 456 (40), لكن أبا حيان التوحيدي أنشد بيتين من قصيدة ابن زريق لم ينسبهما, وهما قوله:
أستودع الله في بغداد لي قمراً ... بالكوخ من فلك الأزرار مطلعُهُ
ودّعته وبودّي لو يودعني ... صفو الحياة وإني لا أودعُهُ (41)
وأبو حيان توفي نحو سنة 400 هـ, فيتطرق الشك إذن إلى أمرين:
الأول كون القصيدة قيلت في مدح عميد الملك الذي تأخرت وفاته كثيراً عن وفاة أبي حيان.
الثاني: نسبة البيتين لابن زريق. ولما كنا لا نملك ما ندفع به الأمر الأول, برغم أن القصيدة ليس فيها ذكر لعميد الملك, لا من قريب ولا من بعيد, فإن الشك ينحصر في الأمر الثاني, وهو أن البيتين ليسا لابن زريق, ويقوي هذا دليلان: الأول: أن أبا حيان لم ينسب البيتين لقائل, لا لابن زريق ولا لغيره. الثاني: أن أبا منصور الثعالبي (42, نسبهما مع بيتين يأتيان بعدهما في ترتيب القصيدة إلى الوأواء الدمشقي المتوفى نحو سنة 385 هـ, والثعالبي حجة فيما يورده, لأنه يسجل أدب عصره, وقد أورد محقق ديوان الوأواء (43) هذه الأبيات الأربعة عن الثعالبي, ووضعها في الزيادات التي ليست بأصل الديوان, ثم ذكر أن الأبيات من قصيدة ابن زريق, وأحال على كتاب «الكشكول» للعاملي.
وإذا صح كلام الثعالبي فيكون ابن زريق قد ضمَّن هذه الأبيات الأربعة قصيدته التي لا شك في نسبتها إليه, أو أن بعض الرواة أقحم الأبيات على القصيدة, لاتفاق القافية والوزن والنفس الشعري.
ولعل مما يتصل بهذه القضية أني وجدت أبياتاً للتهامي المتوفى سنة 416 هـ, شديدة الشبه بأبيات ابن زريق, أوردها أسامة بن منقذ(44), أولها:
أستودع الله في أرض الحجاز رشا ... في روضة القلب مأواه ومرتعُهُ
ونأتي إلى من أثبت قصيدة ابن زريق, فأول من عرفتُ: أبو سعد السمعاني المتوفى سنة 563 هـ, وذكر أبياتاً من القصيدة غير تامة, وبعده: أسامة بن منقذ المتوفى سنة 584 هـ, وذكر من القصيدة عشرة أبيات, وصلاح الدين الصفدي المتوفى سنة 764 هـ, وتاج الدين السبكي المتوفى سنة 771 هـ, وأبو بكر بن حجة الحموي المتوفى سنة 837 هـ, وبهاء الدين العاملي المتوفى سنة 1301 هـ (45), وهؤلاء الأربعة ذكروا القصيدة كاملة, وانفرد السبكي وابن حجة بإيرادها بسندهما المتصل إلى ابن زريق.
ومما ينبغي التنبه له أن هناك شاعراً آخر في القرن الرابع, عُرف أيضاً بابن زُريق, وقد ترجم له الثعالبي في اليتيمة, وأورد له شعراً, ولم يذكر له اسماً, إنما ذكره بكنيته, فقال: «أبو محمد بن زريق الكوفي الكاتب» (46), وأنشد له بيتين في مدح بغداد, في كتابه: «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب»(47), وأنشد هذين البيتين أيضاً ياقوت الحموي في «معجم البلدان» عند كلامه على بغداد.
وقد أنشد ابن خلكان البيت: أستودع الله في بغداد ... إلخ. ثم قال: وهذا البيت لمحمد بن زريق الكاتب الكوفي, من جملة قصيدة طويلة (48).
ومهما يكن من أمر فهذه رائعة ابن زريق, وقبل أن أخلي بينك وبينها, أقول: إن هذه القصيدة ليست كل ما تركه ابن زريق من إنتاج شعري, فقد وجدت له قصيدة جيدة في رثاء ديك, أوردها صلاح الدين الصفدي في كتابه «الوافي بالوفيات» ولعلي أوفق في نشرها قريباً, ثم ذكر بروكلمان أن له أرجوزة في الأخلاق, مخطوطة في برلين, ومن يدري لعل له أشياء غير هذه وتلك, فكم في الزوايا من خبايا:
[«عينية ابن زريق»]
لا تعذليه فإن العذل يولعُهُ ... قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعُهُ (49)
جاوزتِ في لومه حداً أضرَّ به ... من حيث قدّرتِ أن اللوم ينفعهُ
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا ... من عذله فهو مُضنى القلب موجَعُهُ
قد كان مضطلعاً بالبين يحمله ... فضُلّعتْ بخطوب البين أضلعهُ (50)
يكفيه من لوعة التفنيد أن له ... من النوى كل يوم ما يروّعهُ (51)
ما آب من سفر إلا وأزعجه ... رأي على سفر بالعزم يجمعهُ
كأنما هو من حل ومرتَحلٍ ... موكّل بفضاء الأرض يذرعهُ (52)
إذا الزماع أراه في الرحيل غنى ... ولو إلى السِند أضحى وهو يزمعهُ (53)
تأبى المطامع إلا أن تجشَّمهُ ... للرزق كدَّاً وكم ممن يودّعهُ
وما مجاهدة الإنسان واصلةً ... رزقاً ولا دعةُ الإنسان تقطعهُ
والله قسّم بين الخلق رزقهمُ ... لم يخلق الله مخلوقاً يضيّعه
لكنهم مُلئوا حرصاً فلست ترى ... مسترزقاً وسوى الغايات تقنعهُ
والحرص في الرزق والأرزاق قد قُسِمت ... بغيٌ ألا إن بغي المرء يصرعهُ
والدهر يعطي الفتى ما ليس يطلبه ... يوماً ويُطمعه من حيث يمنعهُ
أستودع الله في بغداد لي قمراً ... بالكَرخ من فَلَك الأزرار مطلعهُ
ودّعته وبودّي لو يودّعني ... صفوُ الحياة وأني لا أودعهُ
وكم تشفّع بي ألا أفارقهُ ... وللضرورات حال لا تشفّعهُ
وكم تشبّث بي يوم الرحيل ضحى ... وأدمعي مستهلاتٍ وأدمعهُ
لا أَكذِب الله: ثوب العذر منخزق ... عني بفرقته لكن أرقّعهُ
إني أوسّع عذري في جنايتهِ ... بالبين عنه وقلبي لا يوسّعهُ
أُعطيتُ ملكاً فلم أحسن سياسته ... وكل من لا يسوس الملك يخلعهُ
ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلا ... شكرٍ عليه فعنه الله ينزعهُ
اعتضتُ من وجه خِلّي بعد فرقتهِ ... كأساً تجرَّع منها ما أجرَّعه
كم قائل ليَ ذقتَ البين قلتُ له ... الذنب والله ذنبي لستُ أدفعهُ
ألا أقمتَ فكان الرشد أجمعهُ ... لو أنني يوم بان الرشد أتبعهُ
إني لأقطع أيامي وأنفذها ... بحسرة منه في قلبي تقطّعهُ
بمن إذا هجع النوّام بتُ له ... بلوعةٍ منه ليلي لستُ أهجعهُ
لا يطمئن بجنبي مضجع وكذا ... لا يطمئن له مُذ بِنْتُ مضجعهُ
ما كنتُ أحسب ريب الدهر يفجعني ... به ولا أن بي الأيام تفجعهُ
حتى جرى البين فيما بيننا بيدٍ ... عسراء تمنعني حظّي وتمنعهُ
وكنت من ريب دهري جازعاً فرقاً ... فلم أوقَّ الذي قد كنت أجزعهُ
بالله يا منزل الأنس الذي درست ... آثاره وعفت مُذ بنتُ أربُعُهُ
هل الزمان معيد فيك لذتنا ... أم الليالي التي أمضته ترجعهُ
في ذمة الله مَن أصبحت منزلهُ ... وجاد غيث على مغناك يسرعهُ
مَن عنده لي عهد لا يضيّعه ... كما له عهد صدق لا أضيّعه
ومن يصدّع قلبي ذكره وإذا ... جرى على قلبه ذكري يصدّعه
لأصبرنَّ لدهرٍ لا يمتّعني ... به ولا بي في حال يمتّعهُ
علماً بأن اصطباري مُعقِبٌ فرجاً ... فأضيق الأمر إن فكرتَ أوسعهُ
عسى الليالي التي أضنَتْ بفرقتنا ... جسمي ستجمعني يوماً وتجمعهُ
وإن تغِل أحداً منا منيتُه ... فما الذي بقضاء الله يصنعهُ
* * *

التحقيق (54)

تحقيق النصوص علم له قوانينه وأعرافه ومصطلحاته وأدواته, وله جانبان: جانب الصنعة, وجانب العلم.
فأما جانب الصنعة: فهو ما يتصل بجمع النسخ المخطوطة للكتاب المراد تحقيقه, والموازنة بينها واختيار النسخة الأم أو الأصل كما سنعرض له فيما بعد، ثم ما يكون بعد ذلك من توثيق عنوان المخطوط واسم المؤلف, ونسبة المخطوط إليه, ونسخه والتعليق عليه, وتخريج شواهده وتوثيق نقوله وصنع الفهارس الفنية اللازمة, فهذا كله جانب الصنعة الذي يستوي فيه الناس جميعاً, ولا يكاد يفضل أحد أحدًا فيه, إلا بما يكون من الوفاء بهذه النقاط أو التقصير فيها.
وأما جانب العلم في تحقيق النصوص: فهو الغاية التي ليس وراءها غاية, وهو المطلب الكبير الذي ينبغي أن تصرف إليه الهمم, وتبذل فيه الجهود, ولاءً لهذا التراث العريق, وكشفاً لمسيرتنا الفكرية عبر هذه الأزمان المتطاولة.
وتلخيص هذا الجانب الآن في هذه المحاضرة المحدودة عسِر كل العسر, والتدليل عليه لا يكون إلا بالنظر في أعمال المحققين الأثبات, وقراءة حواشيهم, وسترون أن هؤلاء المحققين العلماء دائرون في قضايا العربية كلها التي يدور حولها النص, أصالة أو استطراداً, ثم تأملوا جريدة مراجعهم وستجدون أنها تكاد تغطي المكتبة العربية كلها, فعدة المحقق هي الكتب في كل فن, لأنه في كل خطوة يخطوها مع النص مطالب بتوثيق كل نقل, وتحرير كل قضية, بل إن المحقق الجاد قد يبذل جهداً مضنياً لا يظهر في حاشية أو تعليق, وذلك حين يريد الاطمئنان إلى سلامة النص واتساقه, ولا يشفع له إذا كبا أو تعثر أنه متخصص في النحو فقط, أو في البلاغة فقط, فلا بد أن يكون على صلة باللغة والنحو والتفسير والحديث - متناً وسنداً - وعلم الكلام, والأصول والفقه, والأدب والبلاغة والعروض والتاريخ والبلدان (الجغرافيا) وسائر فروع العلم, إن لم يكن من طريق الإلمام الكامل - وهذا شاق بلا ريب - فمن طريق الأنس بكتب هذه الفنون, والدُّربة على التعامل معها والإفادة منها. ومعرفة مظنة العلم نصف العلم.
وعلى ذلك فإن طالب الدراسات العليا حين يحقق نصاً تراثياً على هذا النحو, إنما يقول مادة علمية محررة, تقوم عليها دراسات الدراسين, فلا دراسة صحيحة مع غياب النص الصحيح المحرَّر. وكم رأينا من دراسات انتهت إلى نتائج غير صحيحة, لأنها اتكأت على نصوص محرفة, وأوضح ما نرى هذا في الدراسات الشعرية التي قامت على دواوين شعرية غير محققة.
والتحقيق في اللغة: التصديق أو قول الحق, والإحقاق: الإثبات, يقال: أحققت الأمر إحقاقًا: أي أثبته وأحكمته وصححته. والجاحظ يسمي العلماء الأثبات: العلماء المحقين. (رسالة فصل العداوة والحسد - رسائل الجاحظ 1/339), والشريف الرضي يسمَّيهم «العلماء المحققين» (حقائق التأويل ص 20).
والتحقيق في اصطلاح نشر التراث: «هو أن يؤدَّى الكتاب أداءً صادقاً كما وضعه مؤلفه كماً وكيفاً بقدر الإمكان», والكتاب المحقق: «هو الذي صح عنوانه واسم مؤلفه ونسبة الكتاب إليه, وكان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه».
ولتحقيق هذه الغاية لا بد من إجراءات علمية تدور على النقاط التالية:
1- تحقيق عنوان الكتاب.
2 - تحقيق اسم المؤلف.
3- تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
4- تحقيق متن الكتاب حتى يظهر بقدر الإمكان مقارباً لنص مؤلفه.

والخطوة الأولى في تحقيق الكتاب هي: جمع قدر معقول من مخطوطاته, والموازنة بين نسخ هذه المخطوطات لاختيار النسخة الأصل أو النسخة الأم, والنُسخ المساعدة, ويتم اختيار هذه النسخة الأصل وفق معايير معينة, هي على هذا الترتيب:
1- أن تكون النسخة بخط المؤلف, أو تكون من إملائه على أحد تلاميذه, أو تكون قد سمعت عليه, أو أجاز روايتها عنه, على أن يُثبِتَ في أول النسخة أو آخرها ما يدل على ذلك.
2- أن تكون النسخة مأخوذة عن النسخة السابقة التي هي الأصل, أو تكون فرع فرعها.
3- إذا فُقدت نسخة المؤلف أو النسخة المنقولة عنها - وهي فرعها أو فرع فرعها - فيكون المعيار العام في تفضيل نسخة على أخرى هو قِدم تاريخ النسخ, وقربه من عصر المؤلف, مع سلامة المتن وصحة النُسخ.

ويدور عمل المحقق بعد أن ينسخ الكتاب من الأصل المخطوط الذي اختاره وارتضاه, وبعد المقابلة على النُسخ الأخرى, على جملة من التعليقات, هي:
1- ذكر فروق النسخ, ولا يذكر من هذه الفروق إلا ما له وجه ومعنى.
2- تخريج النصوص (قرآن - حديث - شعر - مثل). وتخريج النصوص هو الدلالة على مواضعها في مصادرها.
3- توثيق النقول التي صرح المؤلف بنسبتها إلى أصحابها, أو التي سكت عنها, ثم عرف المحقق أصولها وأصحابها.
4 - التعريف بالأعلام والأماكن, ولا يُعرّف منهما إلا ما كان مجهولًا أو قليل الشهرة.
5- الشروح اللغوية للألفاظ الغربية, ويتصل بها شرح المصطلحات, والإشارات التاريخية.
وواضح أن تعليقات المحقق التي تقوم على هذه النقاط الخمس, ينبغي أن تكون في دائرة إضاءة النص وتوضيحه فقط, فلا يصح أن يتوسع فيها حتى تخرج إلى التفسير الكامل, فتحقيق النصوص ليس شرحاً لها.
ويسبق هذا العمل عمل ويقفوه عمل, فأما الذي يسبقه فهو ترجمة لمؤلف الكتاب, على المنهج المعروف عند أئمة التحقيق, ثم حديث عن الكتاب المحقق, ومكانه في الفن الذي يدور حوله, تأثراً وتأثيراً, ثم مكانة الكتاب في المكتبة العربية على وجه العموم.
وأما الذي يقفوه فهو فهارس فنية تكشف عن كنوز الكتاب وفوائده, وتجرى هذه الفهارس على النحو الذي عُرف عند شيوخ صنعة التحقيق.
ويُستعمَل مصطلح التحقيق مرادفاً لمصطلح «التصحيح» أو «النشر», وفي بداية الطباعة العربية لم يُعرف هذا المصطلح «التحقيق», ولعل أول من استعمله ووضعه على صدر الكتب التي نشرها هو: أحمد زكي باشا, شيخ العروبة, المتوفى سنة 1353 هـ - 1934 م, وذلك فيما نشره من هذه الكتب:
الأصنام, لابن الكلبي 1332 هـ - 1914 م, والتاج في أخلاق الملوك, المنسوب للجاحظ, في السنة نفسها, وأنساب الخيل, لابن الكلبي, الذي طُبع بعد وفاته سنة 1365 هـ - 1946 م.
وقد مرَّ تحقيق التراث أو نشره في الديار المصرية بأربع مراحل.
المرحلة الأولى:
مطبعة بولاق والمطابع الأهلية. وفي هذه المرحلة نُشرت النصوص التراثية فقط خالية من دراسة الكتاب وترجمة مؤلفه وذكر مخطوطاته وفهرسته, لكن النشر في تلك المرحلة اتسم بالدقة المتناهية والتحرير الكامل, وكان يقوم على التصحيح (التحقيق) فئة من أهل العلم, يأتي على رأسهم الشيخ نصر الهوريني, والشيخ محمد بن عبد الرحمن, المعروف بقطة العدوي, كما شمل النشر في تلك المرحلة أصول التراث العربي كله, دون تخير إلى مذهب أو اتجاه.
المرحلة الثانية:
عُنيَتْ هذه المرحلة إلى حد ما بجمع النُسخ المخطوطة للكتاب المراد نشره, وذكر ترجمة المؤلف, وبعض الفهارس, وتُعرف هذه المرحلة بهذه الأسماء: محمد أمين الخانجي, ومحب الدين الخطيب, ومحمد منير الدمشقي, وحسام الدين القدسي.
المرحلة الثالثة:
مرحلة دار الكتب المصرية. وفي هذه المرحلة أخذ تحقيق الكتب ونشرها يتجه إلى النضج والكمال, من حيث جمع النسخ المخطوطة من مكتبات العالم, وإضاءة النصوص ببعض التعليقات والشروح, وصنع الفهارس التحليلية الكاشفة لكنوز الكتب, وما يسبق ذلك كله من التقديم للكتاب وبيان مكانه في المكتبة العربية.
وقد تأثر هذا المنهج إلى حد ما بمناهج المستشرقين الذين نشطوا إلى نشر تراثنا وإذاعته من القرن الثامن عشر الميلادي. وقد وقف على رأس هذه المرحلة أحمد زكي باشا, شيخ العروبة.
المرحلة الرابعة:
مرحلة الأفذاذ من الرجال, وهي مرحلة الأعلام: أحمد محمد شاكر, ومحمود محمد شاكر, وعبد السلام محمد هارون, والسيد أحمد صقر. وقد دخل هؤلاء الرجال ميدان التحقيق والنشر مزوَّدين بزاد قوي من علم الأوائل وتجاربهم, ومدفوعين بروح عربية إسلامية عارمة, استهدفت إذاعة النصوص الدالة على عظمة التراث, الكاشفة عن نواحي الجلال والكمال فيه. ومن أعظم آثار هذه المرحلة تحقيق هذه الكتب العالية: الرسالة, للشافعي, وطبقات فحول الشعراء, لابن سلام, والبيان والتبيين, والحيوان, للجاحظ, وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة, وإعجاز القرآن للباقلاني. وقد أثَّرت هذه المرحلة تأثيراً كبيراً, في كل مكان نُشر فيه تراث عربي.
وفي العقود الأربعة الأخيرة أفسحت الجامعات العربية صدرها لتحقيق المخطوطات سبيلًا للحصول على الشهادات الجامعية العليا (ماجستير - دكتوراه), لكن الجامعات العربية حين فعلت ذلك لم تزود الطالب بما يعينه على تحقيق ذلك النص, من معرفة لمناهج التحقيق, وقراءة المخطوطات المشرقية والمغربية, وتوثيق النقول وتخريج الشواهد, وصنع الفهارس, وحدود التعليق على النص, والتقديم له, ثم الوقوف على أمهات المراجع العربية, في فنون التراث المختلفة, ومعرفة التعامل معها, والإفادة منها.
وكان مأمولًا أن تثمر تلك الجهود التي بدأها شيخنا عبد السلام هارون رحمه الله, في دار العلوم, والأستاذ مصطفى جواد رحمه الله, في كلية الآداب بجامعة بغداد, تلك الجهود التي استهدفت تعريف الطلاب بفن تحقيق النصوص ومناهجه, من واقع تجارب الشيخين, ولكن تلك الجهود, لم تتم ولم يُكتب لها الشيوع. ولم تبق إلا تلك الإشارات العاجلة الخاطفة عن تحقيق النصوص, والتي تجيء في ثنايا مادة «مناهج البحث» التي تُدرَّس للطلبة في السنة المنهجية المؤهِلة للدراسات العليا, ومعظمها مما يسقط إلى أساتذة هذه المادة من الترجمات الغربية, ومن منظور اسشراقي بحت. فلم يجد الطالب الذي يتصدى لتحقيق نص سبيلًا أمامه إلا أن يركض هنا وهناك, ويتخبط بين منهج ومنهج ولا يخرج بشيء, لأنه دخل بغير شيء.
وقد كان موقف بعض الجامعات العربية من تحقيق النصوص, موقفاً غربياً متناقضاً, فهي قد قبلته طريقاً للحصول على الماجستير والدكتوراه, ثم رفضته في أعمال الترقيات العلمية (يحلوُّنه عاماً ويحرَّمونه عامّاً) -. وليست الترقية العلمية أشد خطراً من إجازة الدكتوراه. وكانت حجة الرافضين أن تحقيق النصوص قد اتُخذ مركباً سهلًا. وهذا حق, ولكن ما هكذا تكون الأحكام عامة مطلقة, والأولى أن يقال: إن تحقيق النصوص عمل من الأعمال العلمية, جيَّدهُ جيَّد, ورديئُه رديء.
ومهما يكن من أمر: فقد كانت مشاركة الجامعات العربية في تحقيق النصوص سبيلًا لإظهار بعض النصوص التي لا يُقبِل عليها الناشرون كثيراً, ولا يهتمون بها, لأنها لا تحقَّق ربحاً, لقلَّة جمهورها من القراء. والله أعلم.

* * *

محمد مرسي الخولي .. والبنيان الذي تهدم (55)

جاء نعيه من القاهرة, فلفَّني حزن أسود كئيب, وغشي نفسي ما غشاها, ثم استرجعت وسألت ربي أن يُذهب عني ما أجد, من الجزع المردي, والأسى الماحق؛ فإن فقد الأحباب مما يكوي الفؤاد, ويهد النفس هدّاً! وسبحان من تفرد بالبقاء.
لقد كان محمد مرسي الخولي آخر حارس من حراس معهد المخطوطات, هذا الصرح الشامخ الباذخ, الذي قدم للتراث الإسلامي والعربي الكثير.
إن من أوجب الواجبات أن يُكتب تاريخ هذا المعهد, الذي صان التراث وجمعه وحفظه, وإنه من حق الأجيال أن تعرف تاريخ أبنائها الأبرار, الذين عرفوا لتراثهم حقه من الإجلال والتكرمة.
نعم من حق الأجيال أن تعرف ماذا صنع: أحمد أمين, ويوسف العش, ومحمد بن تاويت الطنجي, وصلاح الدين المنجد, وعبد الحليم النجار, وخليل عساكر, وعبد العزيز الأهواني, وفؤاد سيد, ورشاد عبد المطلب, وحمد الجاسر, وخير الدين الزركلي, ثم عبد الفتاح الحلو, ومحمد مرسي الخولي. رحم الله من مضى, وأطال عمر من بقي, وعسى ألا يكون سقط علي من أسماء هؤلاء الرواد أحد؛ فإني أتكلم عن هؤلاء الذين عملوا في دائرة معهد المخطوطات, وظيفة فيه, أو قرباً منه, أو دعماً له.
لقد أُنشئ معهد المخطوطات, منذ نحو خمسة وثلاثين عاماً, تابعاً للإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية بالقاهرة, وقد كان يحدو المنشئين له, والقائمين عليه, غرض نبيل: وهو تلمُّس المخطوطات العربية في مظانها, وتصويرها, ثم فهرستها, ووضعها أمام الدارسين.
وقد رسم معهد المخطوطات لنفسه منهجاً دقيقاً, فأقام لجنة عكفت على موسوعة «بروكلمان» العظيمة «تاريخ الأدب العربي» واستخرجت نفائس المخطوطات, وأسماء المكتبات التي تحتفظ بها, وكان من أعضاء هذه اللجنة أستاذنا الكبير الدكتور خليل عساكر, والمرحوم الدكتور عبد الحليم النجار, وهما من هما في فقه العربية والألمانية, والدكتور عبد الحليم رحمه الله كان من فضلاء هذا الزمان, وهو مترجم كتاب «العربية» ليوهان فك, وقد ترجم, أيضاً, للإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية, الأجزاء الثلاثة الأولى من «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان, ثم أعجلته المنية عن إتمامه, وهو أيضاً شقيق الشيخ محمد علي النجار, الذي كان يقال له: سيبويه العصر, وهو محقق «الخصائص» لابن جني, وقد أخبرني المرحوم فؤاد سيد - وكان مخالطاً للرجلين - أن معرفة الدكتور عبد الحليم بالنحو العربي قد تفوق معرفة أخيه, على جلالة قدره.
تنبيه: «ما أكتبه عن تاريخ معهد المخطوطات إنما أكتبه عن قرب ومعايشة؛ لأني قد عملت فيه نحو خمس عشرة سنة, لكن أستاذي الكبير الدكتور خليل عساكر أخبرني أن الذي اشترك معه في لجنة «بروكلمان» هو الدكتور عبد العزيز الأهواني, رحمه الله, وكان هذا من رواد الدراسات الأندلسية في العالم العربي».
وأعود إلى ما كنت آخذاً فيه, فأقول:
انصرف رجال معهد المخطوطات إلى عملهم الجاد في صمت وصبر, وكان المقابل المادي زهيداً جداً, وإن تعجب فعجب أن الواحد منا الآن, يكتب صفحتين اثنتين, أو يذيع حديثاً مدته عشر دقائق عن التراث, ويتقاضى عن هذا وذاك ما كان يتقاضاه, هؤلاء الأعلام في شهور ! وسبحان من قدر الأرزاق, وقسم الحظوظ:
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكنْ أحاظٍ قُسِّمت وجدودُ
انطلقت بعثات معهد المخطوطات إلى أماكن وجودها, فصورت نفائس مخطوطات الهند, وتركيا, والقدس, والشام, والمغرب, والمملكة العربية السعودية, واليمن, وسائر البلدان العربية, ثم ما أتيح لها من مكتبات أوروبا وأمريكا, وصورت نوادر مكتبات القاهرة: دار الكتب المصرية, والمكتبة الأزهرية, والبلدية بالإسكندرية, وسوهاج, ودمياط وطنطا.
ثم صبَّت كل ذلك في مكتبة المعهد بالقاهرة, وقدمت للدارسين زاداً طيباً, انتفع به المخلصون, وربح منه الرابحون. وحين أفسحت الجامعات العربية صدرها لتحقيق التراث, حصولًا على شهادتها العليا, كان معهد المخطوطات ملجأ وملاذاً, فزع إليه الدارسون, فأمدهم بالأصول, ودلهم على المراجع, وربط بينهم وبين الهيئات العلمية خارج مصر.
وفي السنوات الأخيرة كاد عمل موظفي معهد المخطوطات يخلص لخدمة طلاب الدراسات العليا, وقد ذكرهم من ذكر, ونسيهم من نسي, وعند الله في ذلك الجزاء.
ولقد كان محمد مرسي الخولي واحداً من هذا النفر الكريم الذين أخلصوا لمعهد المخطوطات, وقدَّموا للمترددين عليه أجلَّ الخدمات.
تخرَّج, رحمه الله, في كلية اللغة العربية, من كليات الأزهر الشريف, وبعد تخرجه عمل مصححاً بدار المعارف بمصر, وهناك أشرف على كثير من مطبوعات «سلسلة ذخائر العرب».
وتصحيح الكتب كان ولا يزال المدرسة الأصلية لتخريج العلماء, وفي هذه المدرسة تخرج الأخوان الفاضلان الدكتور عبد الفتاح الحلو, والدكتور مصطفى عبد الواحد؛ فقد عملا زماناً بمطبعة عيسى البابي الحلبي, هذه الدار العريقة في نشر الكتب, وقد صحح الأخوان كثيراً من كتب التراث كانت لهما عدة وعتاداً فيما استقبلاه بعد ذلك من أعمال.
وفي دار المعارف, حيث عمل الفقيد العزيز, وقعت عليه عين فاحصة, هي عين الدكتور صلاح الدين المنجد, مدير معهد المخطوطات آنذاك - ولهذا الرجال أثر بارز في تاريخ المعهد - وقد التقطه الدكتور المنجد ليكون له عوناً وسنداً, فيما كان يرومه وينشده من أعمال المعهد.
وصار محمد مرسي الخولي عضواً نشطاً في معهد المخطوطات, وشارك في مختلف أعماله: مفهرساً لمصوراته, ودليلًا لزائريه, ومصححاً لمطبوعاته, ومحرراً لمجلته, ومسؤولًا عن نشرته, وموفداً في بعثاته.
وكان رحمه الله حلو الشمائل, رقيق الطبع, مرهف الحس, ولم يكن يضيق بالزائرين, على كثرتهم وإزعاج بعضهم, ولقد كان من قضاء الله عليه أن داهمته علتان منهكتان, واستبد به داءان عُضالان: القلب والربو, ولقد قاسى منهما كثيراً, وفي سنواته الأخيرة عرض عليه رؤساؤه أن يخلد إلى الراحة غير مقطوع عنه رزقه, ولا مسلوب منه حقه, ولكنه رفض, وظل متشبثاً بموقعه في معهد المخطوطات يفيد ويدل, ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
ومن عجيب أمره - رحمه الله - أنه كان مع اشتداد العلة, وتفاقم الداء, متيقظ الحس, مشبوب الذاكرة, لم يسقط عليه شيء من كنوز المعهد, ما فُهرس من هذه الكنوز, وما لم يُفهرس, ولقد أخبرني من نعاه إليَّ أنه رآه في المعهد قبل موته بيوم واحد.
وقد حصل الفقيد رحمه الله على درجتي «الماجستير» و «الدكتوراه» من كلية اللغة العربية, وكانت أطروحته الأولى: تحقيق ديوان أبي الفتح البستي, وكانت الثانية: تحقيق الجزء الأول من كتاب «الجليس والأنيس» للمعافى بن زكريا الحريري, وقد أشار إليه العلامة الزرِكلي في الأعلام 7/ 260 «الطبعة الرابعة».
ثم كان له نشاط في تحقيق الكتب ونشرها, فمن ذلك:
1- بهجة المُجالس وأنس المجالس - للحافظ ابن عبد البر, صاحب الاستيعاب, طُبع في جزئين, نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب.
2- أخبار الأذكياء - للحافظ أبي الفرج بن الجوزي, نشر مؤسسة الأهرام بمصر.
3- الجزء الأول من محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار - لابن عربي, نشر مؤسسة الأهرام بمصر - أيضا.
4- البرصان والعرجان - للجاحظ, نشر دار الاعتصام بمصر.
5- ديوان أبي الفتح البستي - تحقيق؛ وهو أطروحته للماجستير, كما سبق, نشر بيروت.
هذا إلى بعض المقالات والنصوص الصغيرة المحققة التي نشرها بمجلة المعهد.
رحمك الله أيها الأخ الصادق الإخاء, وجزاك خير ما يجزي به عباده المخلصين.
وبعد:
فقد رحل رشاد عبد المطلب, ورحل بعده محمد مرسي الخولي, ثم خرج عبد الفتاح الحلو - أطال الله بقاءه - وخرج معه من خرج, فهل نقول: إن بنيان معهد المخطوطات قد تهدم؟
نسأل الله أن يقيل المعهد عثرته - في أي مكان وجد - وأن يهيئ له من يواصل المسيرة التي تكاد تتعثر, ويقيم البنيان الذي يريد أن ينقض, ورحمة ربنا وسعت كل شيء, وإنا لله وإنا إليه راجعون.

* * *

صيحة من أجل اللغة العربية (56) :
هل يتحول التراث العربي إلى ألغاز وطلاسم ؟!

لم يعد خافياً على أحد ذلك التدني الذي وصل إليه خريجو أقسام اللغة العربية في جامعتنا خلال العقود الأخيرة, وهؤلاء الخريجون هم الذين يتولون تعليم أولادنا في المدارس, وهم أيضاً الذين يُسمِعوننا الكلمة العربية من خلال الإذاعة والتلفزيون, ولو تُرك الأمر على ما هو عليه الآن فالله وحده هو الذي يعلم أبعاد الكارثة التي ستُطبِق على هذه الأمة, ونخشى أن تغشانا طوارقها ذات يوم وقد استحال تراثنا الذي ضني به الأوائل خلال أربعة عشر قرناً من الزمان: ألغازاً وطِلَّسمات, كالذي تراه على جدران المقابر والمعابد ولفائف البردي, رموزاً قديمة تخفى على جمهرة الناس, ولا يعقلها إلا العالمون, ويومها سنقول:
استعجمت دار مي ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات أخبارِ
وها هي نذر الفتنة قد أطلت برأسها, فلن يستطيع أحد مهما غلا في تقدير كليته أو معهده أن يزعم أن طالباً متخرجاً في هذا المعهد أو تلك الكلية يستطيع الآن أن يقرأ سطراً من كتاب سيبويه, فضلاً عن أن يفهمه أو يحل رموزه, وإذا لم يستطع خرَّيج كلية تُعنى باللغة العربية وآدابها أن يقرأ سيبويه, فمن ذا الذي يقرأه؟ وإذا لم يقرأه في سني دراسته فمتى يقرأه؟
إن الأخطاء اللغوية والنحْوية صارت تأخذ علينا الطرق وتأتينا من كل مكان؛ وهي أخطاء بشعة مفزعة تشمل كل شيء: من الأخطاء في أبنية الأسماء وأبنية الأفعال ومخارج الحروف وصفاتها, وأسماء الأعلام والكنى والألقاب والأنساب, ولا تسأل عن غياب العلامة الإعرابية أو التخليط فيها, وقد كنت عُنيتُ يوماً برصد هذه الأخطاء وتحليلها, ولكني رأيت الأمر قد اتسع اتساعاً عظيماً, وتشعب تشعباً مفزعاً, وأصبحت أنا وهذه الأخطاء كالذي قاله الأول:
تكاثرت الظباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيدُ
وإن أبناءنا وبناتنا في معاهد العلم ليأتوننا كل يوم بكل غريبة وعجيبة من معلميهم ومعلماتهم, وكلما رتقتَ فتقاً تخرَّق عليك آخر, وكلما سددتَ ثلمة انفتحت أمامك أخوات لها أوسع وأبشع.
والسوأة السواء في تلاوة القرآن العزيز, فقد استعجم كلام ربنا عز وجل على ألسنة معلمي المدارس, وصاروا يتلونه على تلاميذهم محرفاً ومزالًا عن جهته, ثم أصبحت تسمعه من بعض المذيعين والمذيعات كذلك مغلوطاً ملحوناً. وهذه هي المصيبة التي تتضاءل دونها كل مصيبة, وهذا هو الخطر الماحق الذي يجب أن نقف جميعاً أمامه ندرأه وندفعه, فإن القضية بهذه المثابة قد صارت ديناً يُغتال وشريعة تُنتهك, ولا بد أن يقول فيها كل غيور على دين الله كلمته, لا يتتعتع ولا يتلجلج, لا يفزعه سخط الساخط, ولا يخيفه سلطان هؤلاء الذين يظنون أن بيدهم إغلاق الأبواب وفتحها, وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه».
عودٌ على بدء:
ولقد تابعت هذه القضية منذ زمان بعيد, ورأيت أهل العلم يردونها إلى أسباب كثيرة, على أني لم أرَ من وضع يده على أصل البلاء ومكمن الداء إلا قارئاً كريماً هو الأستاذ طارق البوهي - بكَفْرِ الشيخ – وقد علمت فيما بعد أنه من رجال التربية, وقد جاء رأيه هذا في سطر واحد منشور في باب (مجرد رأي) بجريدة الأهرام قال: «لا يجب أن نقسو كثيراً على الشباب, فهم نتاج البذور التي أُلقيت والتعليم الذي أعطي لهم ومجالات الثقافة التي تلقوها». وهذا رجل صادق, عرف الحق فقاله, ولم يضيّع نفسه ويضيّعنا في متاهات التفلسف والتنظير واللف والدوران.
ثم إنه أحسن الله إليه قد وضع القضية في حاق موضعها: ماذا يتلقى طالب العربية الآن في كليات اللغة العربية وأقسامها بالجامعات؟ أمشاج من قواعد النحو والصرف مطروحة في مذكرات يمليها الأساتذة إملاء أو يطبعونها طبعات تزيد عاماً وتنقص عاماً, واختفى الكتاب القديم لتحل محله هذه المذكرات والمختصرات, ودُفع الطلاب دفعاً إلى الملل من قراءة الكتب, و «المللُ من كواذب الأخلاق» كما قال عمرو بن العاص رضي الله عنه.
إن هجر الكتاب القديم - وهو وعاء العلم ومستودع التراث - والاستعاضة عنه بالمذكرات والمختصرات, قد حجب عن هذا الجيل كوى النور, وحلأهم عن موارد العلم. وكان من أخطر الأمور ردُّ ذلك إلى التيسير والتسهيل والتخفيف على الناشئة, ولقد مضينا في التيسير والتسهيل خطوات وخطوات حتى انتهينا إلى هذا الذي نشكو منه ونضيق به, ونسأل الله السلامة منه.
على أن تيسير النحو قد سلك دروباً مظلمة, فليس من التسهيل والتيسير أن تدع «زيداً وعمراً» في التمثيل لتقول: «سمير وأشرف», وليس من التسهيل والتيسير أن تترك التمثيل على القاعدة النحوية بالشاهد القرآني والحديثي وأشعار العرب وأمثالها لتكتب قصة متكلفة عن نزهة في القناطر الخيرية, أو زيارة إلى أهرامات الجيزة, أو حكاية عن الفلاح في الحقل, لتستخرج من كل ذلك شواهدك على القاعدة النحوية والصرفية.
وليس يشك عاقل في أن التمثيل لتقدم المفعول على الفاعل بمثل: «قطف الوردة طفل» ليس في قوة الاستشهاد بقوله تعالى: {وإذ ابتلي إبراهيم ربه} [البقرة: 124], وقوله: {إذ حضر يعقوب الموت} [البقرة: 133], وقوله: {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} [آل عمران: 140], وقوله: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} [الحج: 37], وقوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28],
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: «ألا لا يمنعن رجلًا هيبةُ الناس أن يقول بحق إذا علمه», وقول جرير:
جاء الخلافة أو كانت له قدراً ... كما أتى ربَّه موسى على قدر
فأنت مع المثال الأول أمام تركيب تمثلت فيه القاعدة النحوية, لكنه كالتمثال الأصم, فاز من الوسامة والقسامة بأوفر الحظ والنصيب, ولكنه تمثال جامد فاقد الحركة والنطق. أما مع الأمثلة القرآنية والحديثية والشعرية فأنت أمام نماذج تتنعَّش بالحياة وتمور بالحركة, مع ما تعطيه من أنس خبرة بالأبنية والتراكيب العربية. ومن هنا احتلت الشواهد التراثية في تقعيد النحو مكانة عالية.
على أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن فكرة التيسير على الناشئة كانت ظاهرة بيّنة في فكر النحاة الأوائل رضوان الله عليهم: فابن السراج المتوفى 316 هـ يؤلف كتاباً كبيراً في النحو هو «الأصول» ثم يضع إلى جانبه مؤلفاً صغيراً جداً هو «الموجز», وأبو علي الفارسي 377 هـ يؤلف «الإيضاح» وهو متن صغير سهل العبارة إلى جانب كتبه الكبار: التذكرة والشعر والحجة والشيرازيات ... وغلامه ابن جني العظيم - كما كان يصفه أستاذنا الطيب الدكتور كمال بشر أطال الله في النعمة بقاءه - يؤلف بجانب الخصائص والمنصف وسر صناعة الإعراب والمحتسب رسائل موجزة في النحو والصرف, مثل اللمع والملوكي في التصريف.
وأبو القاسم الزجاجي 340 هـ يصنف كتاباً في الفكر النحوي هو «الإيضاح في علل النحو» ثم يؤلف للناشئة كتابه الشهير «الجُمل», وهو كتاب سهل رهو, وقد جاء عنوانه في الأصل المخطوط هكذا: «كتاب الجمل في النحو ... اختصار أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي» أرأيت إلى كلمة «اختصار»؟
وقد وقفتُ عند كتاب غريب أراه صورة واضحة الدلالة على أن علماءنا الأوائل كانوا مشغولين حقاً بتربية الناشئة والتيسير عليهم والتدرج معهم في تعليم النحو. وذلك هو كتاب «إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم» لأبي عبد الله الحسين بن أحمد المعروف بابن خالويه المتوفى سنة 370 هـ. لقد كان المألوف في زمن ابن خالويه والأزمان التي سبقته والتي جاءت بعده أن يتصدى العلماء لإعراب القرآن الكريم كله, ولكن الذي صنعه ابن خالويه شيء عجب: لقد وضع كتابه لإعراب ثلاثين سورة فقط, مبتدئاً بسورة الطارق, ومنتهياً بسورة الناس, ثم افتتح كتابه هذا بإعراب الاستعاذة والبسملة, وفاتحة الكتاب ... ولا تفسير لصنيع ابن خالويه هذا وإيثاره لإعراب قصار السور هذه إلا أنه وضع الناشئة أمامه, لأن هذه السور من أوائل ما يحفظه الصبيان من الكتاب العزيز, وأنها كثيرة الدوران على ألسنتهم, وأن عرض قواعد النحو والصرف من خلال هذه السور القصار مما يثبّتها ويمكّنها في النفوس.
فتعليم النحو من خلال هذه الكتب القديمة الموجزة فيه تثبيت للعربية وتمكين لها في النفوس, مع التقاط معارف أخرى تأتي من خلال الشواهد والنصوص, وينبغي أن نحسن الظن بناشئتنا ولا نخشى عليهم من التعامل مع الكتاب القديم فإن فيهم خيراً كثيراً ... ولقد كانت لي تجربة جيدة هذا العام, حين دعيت إلى تدريس النحو لطالبات السنة الأولى بكلية البنات بجامعة عين شمس, وقد قرأت معهن شيئاً من كتاب شذور الذهب على خوف مني ووجل, لكني صبرت نفسي معهن واحتشدت لهن احتشاداً, وكانت تجربة ناجحة جداً, وتلقت الطالبات كلام ابن هشام بقبول حسن, وقد رأيت من هؤلاء الطالبات نماذج مبشرة بخير كثير.
والغريب حقاً أن زملاءنا الأكرمين بالجامعات المصرية ينفرون من تدريس الكتاب القديم, وحين يخرجون إلى جامعات دول الخليج يُحملون حملاً على تدريسه, وهناك يؤدونه بكفاءة عالية جداً, لأنهم بلا ريب أهل فقه وبصيرة, ولأنهم أيضاً ينتمون إلى جيل المتون الذي سأحدثك عنه.
جيل المتون:
على أن أخطر ما في هذه القضية أن يقترن تعليم النحو من خلال المذكرات والمختصرات بالطعن على أئمة النحاة والإزراء بتصانيفهم وغياب المنهجية في تآليفهم ومحاكمتهم إلى مناهج غربية ظهرت بعدهم بقرون.
ومما لا شك فيه أن أساتذتنا الأفاضل, وزملاءنا الأكرمين الذين يدورون في هذا الفلك إنما ينتمون جميعاً إلى الجيل العظيم: جيل المتون والحواشي, نعم كلهم من جيل الحفظة ... حفظة القرآن الكريم والمتون والمنظومات, وهذا شيء أعرفه تماماً, وبخاصة عند أبناء كليتي: دار العلوم, من الجيل الذي سبقني والذي زاملني والذي جاء بعدي بقليل, فهؤلاء جميعاً قد تعلموا النحو من خلال الكتاب القديم, على هذا السياق, وبذلك الترتيب: التحفة السنية بشرح المقدمة الآجرومية - تنقيح الأزهرية للشيخ خالد الأزهري - قطر الندى وبلّ الصدى - شذور الذهب في معرفة كلام العرب, كلاهما لابن هشام - شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك - أوضح المسالك على ألفية ابن مالك لابن هشام - شرح الأشموني على ألفية ابن مالك مع حاشية الصبان عليه.
وبهذه المسيرة الأصيلة الضخمة استطاع أستاتذتنا وزملاؤنا أن يفقهوا النحو ويبرعوا فيه ثم يكتبوا مذكراتهم ومختصراتهم. وأيضاً نقدهم للفكر النحوي. ولو أنهم تربوا من أول أمرهم على المذكرات وتعلموا من المختصرات لما فقهوا ولما برعوا, ولما كتبوا «نحوهم الكافي والشافي والصافي والوافي».
ثم إن الخطر كل الخطر: أن يصدر التشكيك في النحو ومصطلحاته من أساتذة كبار لهم في النفوس مكان ومكانة, ولكلامهم في القلوب وقع وتأثير. ومن ذلك ما وقع في يدي ذات يوم, من كلمة للأستاذ الكبير الدكتور زكي نجيب محمود - متعه الله بالصحة والعافية - بجريدة الأهرام بتاريخ 1/12/ 1988 بعنوان: «العربي بين حاضره وماضيه», ضمن سلسلة مقالاته التي اختار لها عنوان: «عربي بين ثقافتين», وقد أدار كلمته هذه حول تقييم الموروث الذي انتهى إلينا من ماضينا, وأنه ينبغي علينا أن ننتقي ونختار, وأن ننظر إلى «نوع الحصيلة التي اخترناها لتكون هي ماضينا المبثوث فينا, وذلك لأننا قد نسيء الاختيار - وكثيراً جدّاً ما نفعل - فنبث عوامل الضعف والشلل من حيث أردنا القوة وانطلاقه الحياة».
ثم دلل على سوء الاختيار هذا بنموذج من تجربته الشخصية مع مدرس اللغة العربية الذي التقى به في السنة الثالثة الابتدائية, وذلك ما أملاه عليهم عن «إذا» و «أنها ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه». ثم تساءل الدكتور الفاضل عن جدوى تلك العبارة لا سيما والمتلقي طفل في الحادية عشرة من عمره؟ وعقب فقال: «وإني لأدعو القارئ إلى استعادة ما أسلفناه, وهو أن العربي إذ يحيا حياته حاملًا في رأسه هذا الذي قيل له عن كلمة «إذا» وما تؤديه, فإنما هو يحيا حاملًا معه نتفة من الماضي, لكنها نتفة عسيرة الهضم, قد تصيب المعدة بالأذى, وأما اليقين عنها فهو أنها لن تنفع حاملها غذاء يقتات منه ليكون عربيّاً موصول الهوية بماضيه, فإذا تصورنا أن مئات الألوف ممن يعدون بين حملة العلم في بلادنا يحيون وهم يحملون في رؤوسهم أطناناً من أمثال هذه «المعرفة» التي إن صلحت في الأركان الأكاديمية المعزولة عن الهواء الطلق فهي لا تصح لحياتنا الناهضة وسيلة حفز ودفع وتحريك».
هذا كلام الدكتور الفاضل, وفيه من سلطان الذكاء وقوة العارضة ومن بريق العذوبة والحلاوة ما ترى! ولكنه عند التحقيق منقوض ومردود عليه. والأستاذ الدكتور زكي نجيب محمود رمز من رموز فكرنا المعاصر, وهو أيضاً واحد من هذا النفر الكريم الذين أسهموا إسهاماً واضحاً في نشاط «لجنة التأليف والترجمة والنشر», هذه القلعة الضخمة من قلاع الفكر العربي.
فأقول: إن هذا المثال الذي ذكره الدكتور, ورأى فيه أساس الداء ومدخل البلاء في تعلم العربية: «إذا ... ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه» ... هذا المثال يستدعي - بلا ريب - عند بعض القراء أمثلة أخرى من بابه, ضاقوا بها أشد الضيق حين تلقوها أول مرة, وخاصة إذا لم يشتغلوا بالعربية وقضاياها فيما استقبلوا من أيام وما صرفوا من اهتمامات, لكنه في الوقت ذاته وبالقدر نفسه عند من اشتغلوا بالعربية, وجعلوها ميداناً لدراساتهم وأبحاثهم فيما بعد: يذكر بأيام زاهية جادة صارمة وضع فيها الأساس متيناً صلباً, فقام البناء عالياً شامخاً, «وإنما يمدح السوق من ربح» كما تقول العرب في أمثالها.
الضوابط الراسخة:
وإني سائل الدكتور الفاضل: أي بأس في ذكر هذا الضابط النحوي؟ وأي ضرر في أن يتلقاه الصغار فيما يتلقون في النشأة الأولى؟ والدكتور يعلم أن طبيعة تعلم العربية تقتضي حفظ كثير من النصوص والضوابط لترسيخ القاعدة, ولذلك لجأ المصنفون قديماً إلى المنظومات العلمية لضبط القواعد وتثبيتها, ثم كان من ذلك أيضاً تلك الضوابط النثرية لبعض القواعد, مثل «سألتمونيها» لحصر حروف الزيادة في الصرف, و «سكت فحثه شخص» لضبط الحروف المهموسة, و «لم أر على ظهر جبل سمكة» لبيان الأسباب والأوتاد والفاصلة في العروض.
ومن أطرف ما حفظناه من مشايخنا في الصغر قولهم «صن شمله» رموزاً لأسماء الأنبياء المصروفة, أي المنونة: فالصاد لصالح, والنون لنوح, والشين لشعيب, والميم لمحمد صلى الله عليه وسلم, واللام للوط, والهاء لهود, عليهم السلام أجمعين.
فهذه الأسماء الستة تنوَّن وما عداها من أسماء الأنبياء يمنع من التنوين.
وكانوا يقولون لنا أيضا: «لا تكسر الصحاح ولا تفتح الخزانة», يريدون «الصَّحاح» للجوهري وأنه بفتح الصاد, وخزانة الأدب للبغدادي وأنها بكسر الخاء. وقالوا: «من حفظ المتون حاز الفنون», ولا شك أن الأستاذ الكبير يعرف في جيله هذه المجموعة التي طبعت باسم «مجموع مهمات المتون», يشتمل على ستة وستين متناً في مختلف العلوم والفنون, وتاريخ الطبعة الرابعة منه 1369 هـ - 1949م.
ولا ينبغي أن يلتفت إلى ما يقال من أن هذا عيب في اللغة العربية أن تعتمد على الحفظ الأصم الأعمى, فهذا أمر معروف في سائر اللغات. يقول العالم الأديب الدكتور عبد الله الطيب, في دفع تلك الفرية: «ومساكين اللغة العربية ينفرون من الحفظ ليكونوا متمدينين». ثم يقول: «وأشهد على نفسي أني عندما كنت أدرس في الخارج (لندن) كنا ندرس بعض القطع المسرحية لشكسبير, فكان التلاميذ يسمع بعضهم لبعض القطع عن ظهر قلب, حتى أمثال «يدخل يطارده القتلة» أو «يخرج يطارده سبع», وكانت لهذه المسرحيات القديمة شروح, وقد تكون الأبيات أربعة أسطر في أعلى الصحيفة, بخط كبير, وسائر الصحيفة بخط دقيق, شرح لما فوق, ويُقبل التلاميذ على ذلك ولا ينفرون, فإذا قُدِّم لهم شيء يشبه ذلك بالعربية نفروا منه نفوراً شديداً. ومن عجيب الأمر أن الكتب التي كنا ندرسها بالإنجليزية كان ورقها أصفر, والورق الأصفر لعله ألين على عين القارئ من الرَّق الناصع الأبيض».
ملحوق التراث بجريدة المدينة المنورة بالسعودية - 21 من ربيع الأول 1408 هـ = 12 من نوفمبر 1987م.
فهذا الذي يراه الدكتور زكي نجيب محمود «نتفة من الماضي عسيرة الهضم قد تصيب المعدة بالأذى», هو عند النظر والتحقيق أساس العلم ومدخله, بل هو الغذاء الذي تصح به المعدة, وتتكون عليه الأنسجة والخلايا, وما دخل علينا البلاء, واستبد بنا الضعف إلا يوم أن هجرنا هذه الضوابط الكلية, ونفرنا من الحفظ, واجتوينا النصوص, ثم غرقنا في البحث النظري الذي أسلَمَنا إلى التجريد والمطلق.
أما إشفاق الدكتور الفاضل على الصبي الذي هو في الحادية عشرة, أن يؤخذ إلى هذه التراكيب والمصطلحات المعقدة التي تصيب المعدة بالأذى فإن الدكتور الكريم يعلم علماً ليس بالظن أن من أصحاب هذه السن في جيله من أتم حفظ القرآن الكريم, وحفظ إلى جانبه شيئاً من المتون, مثل (متن نور الإيضاح) في فقه الحنفية, أو (متن العشماوية) في فقه المالكية, أو (متن أبي شجاع) في فقه الشافعية, أو (متن زاد المستقنع) في فقه الحنابلة, إلى جانب (متن الآجرومية) الشهير ...
وإني أعيد هنا ما ذكرته من قبل: أن أساتذتنا الذين كتبوا في الدراسات اللغوية والنحوية الحديثة وشرَّقت كتبهم وغرَّبت, ينتمون جميعاً إلى جيل الحفظة: حفظة القرآن والمتون والحواشي والمصطلحات, وما كان لهؤلاء الأساتذة أن يكتبوا ما كتبوا لو لم يحفظوا منذ الصغر: «إذا ظرف لما يُستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه», وأخواتها مثل: «لا يُجمَع بين العوض والمعوَّض عنه», «اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الواو ياء وأُدغمت في الياء. وذلك في مثل سيّد».
ولا زلنا نحن أبناء الجيل التالي الذي تستطيع أن تشم فيه رائحة العلم, لأننا وردنا الماء صافياً قبل أن تكدره الدلاء, ولأننا أدركنا معاهد العلم قبل أن يدهمها السيل, أقول: لا زلنا نذكر هذه المشاكل النحوية التي التقينا بها في طراءة الصبا وريق الشباب, مثل إعراب قوله تعالى: {إن هذان لساحران} وكيف رُفع {هذان} وهو اسم {إن}, وتوجيه الرفع في قوله تعالى {والصابئون} في الآية الكريمة {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ...} [المائدة: 69], واختلاف المعنى باختلاف حركة الإعراب على الراء في قوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر ((6)} [المدثر: 6], وعود الضمير على غير مذكور في قوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب (32)} [ص: 32], أي الشمس, والمصدر المتصيد في قوله تعالى: {وإن تشكروا يرضه لكم} [الزمر: 7], أي الشكر, وقوله: {ونخوّفهم فما يزيدهم إلا طغيانا} [الإسراء: 60], أي التخويف.
وقوله: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم} [آل عمران: 110], أي الإيمان, ثم في مثل قول الشاعر:
إذا نُهي السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلافِ
أي جرى إلى السفه ..
كل هذا كنا نستظهره ونديره على ألسنتنا في سهولة ويسر, كانت أسناننا في تلك الأيام لا تتجاوز الخامسة عشرة ... نعم كل هذا عرفناه وخبرناه, وجرى منا مجرى المحفوظات والمأثورات, فأورث ملكة في النحو, وأكسب إحساساً بالعربية في أبنيتها وتراكيبها, حتى إذا غبي علينا شيء من هذه الأبنية والتراكيب فزعنا إلى ذلك المذخور من أيام الصبا, فأسفر وجهه, ودان عصيه ... فهل عند أبناء اليوم من ذلك شيء؟
ولا يصح أن يقال: إن هذا الذي ذكرته كان سمة التعليم الديني أو التعليم الذي تغلب عليه العربية, كالذي في الأزهر الشريف ودار العلوم, فإن الدكتور الفاضل يعلم علم اليقين مواد العربية التي كانت تُقدَّم لتلاميذ المدارس في التعليم العام, أو الأميري.
وأمامي الآن طبعة ثانية من «معجم المصباح المنير» للفيومي المتوفى سنة 770 هـ, وتاريخ هذه الطبعة 1909 م, وكُتب على صدرها «قررت نظارة المعارف العمومية طبع هذا الكتاب على نفقتها واستعماله بالمدارس الأميرية», وكذلك يعلم الدكتور كتب التراث التي كانت مقررة على طلبة المدارس الثانوية, مثل «البخلاء» للجاحظ, الذي نشره أحمد العوامري بك, وعلي الجارم بك سنة 1356 هـ = 1938م, و «نقد النثر» المنسوب إلى قدامة بن جعفر - وثبت فيما بعد أنه البرهان في وجوه البيان لابن وهب - الذي نشره الدكتور طه حسين, والأستاذ عبد الحميد العبادي سنة 1356 هـ = 1937م, وقد قررته وزارة المعارف لطلاب السنة الخامسة التوجيهية إلى طائفة أخرى من الكتب المشحونة بالنصوص, مثل «مجموعة النظم والنثر» لعبد الله باشا فكري والمنتخب من أدب العرب.
هذا إلى أن الأزهر الشريف كان موجهاً لتعليم النحو في المدارس ومهيمناً عليه, فهذا الكتاب الشهير «الدروس النحوية» الذي ألفه حفني بك ناصف مع محمد أفندي دياب والشيخ مصطفى طموم ومحمد أفندي صالح: قررت نظارة المعارف العمومية سنة 1304 هـ طبعه على نفقتها بعد تصديق شيخ الجامع الأزهر. وهكذا كان تعليم النحو والعربية في مصر أيام عزها ومجدها من خلال الكتاب القديم أو الكتاب الحديث المؤسس على القديم والماضي في طريقه.
فهذه العبارة النحوية التي نقلها الدكتور زكي نجيب محمود عن شيخه ينبغي أن تؤخذ في إطار الجد والصرامة الذي كان يشمل تدريس سائر العلوم في ذلك الزمان.
وما أخذت مصر مكانتها التي تزهو بها في العالمين في مختلف العلوم والفنون إلا بذلك الجيل الذي أخذ بالجد في كل أموره منذ النشأة الأولى والناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم.
ولا سبيل لنا إذا أردنا صلاح الحال وإصلاح الألسنة إلا إحياء جيل المتون والحفظة, وذلك لن يكون إلا بالعودة في تدريس النحو إلى الكتاب القديم والنص التراثي, فإن آخر هذه الأمة لن يصلح إلاَّ بما صلح به أولها.
* * *

الحفظ وأثره
في ضبط قوانين العربية (57)

كتب الأستاذ الدكتور محمود الربيعي كلمة في أسبوعيات الأهرام 6/7/1990م, بعنوان «ترتيب الأولويات», قال فيها: «إن تلقين المناهج لطلاب العلم الذين يدرسون في الجامعات لدينا يجعلهم يتحدثون عن «أعوص» المناهج الغربية الأجنبية كأنهم أصحابها, فإذا طلبت إليهم أن يقرأوا (مجرد قراءة) نصاً إبداعياً باللغة التي يُعَدُّون للتخصص فيها (عربية أو أجنبية) لم يقيموا النص قراءة, فضلاً عن التعمق في فهمه بالتحليل والتركيب والتفكيك».
وهذا كلامُ حكيمٍ (بالتنوين والإضافة), وهو أيضاً كلام ظاهر الوضاءة والحسن والتيقظ, لأنه يلخص المأساة التي نعيشها منذ نحو ثلاثين عاماً, في هذا المستوى المتدنَّى من علوم العربية: قراءة وكتابة, ثم هو كلام يفضي بنا إلى قضية ذات خطر, ليس في الأدب وحده, بل إن هذا الخطر يمتد ليشمل مختلف فروع التراث العربي, وأعني تلك الفجوة الواسعة بين النظرية والتطبيق, أو بين المحفوظ والملفوظ.
فأنت قد تصادف شخصاً دارساً للأدب: تاريخه ومذاهبه ومدراسه, وإذا فاتشتَه في قضية من قضاياه النظرية تلك, صال وجال, ولاك ومضغ, وخلط عربياً بعجمي, وأتاك بكل عجيبة وغريبة, فإذا أخذته إلى نص مما كتبه السابقون الأولون, وأردته على شيء من التفسير أو التحليل والتذوق حارَ وأبلس, «وصار لسانه قطعة لحم خرساء تدور في جوبة الحنك» كما يقول شيخنا محمود محمد شاكر - في سياق آخر.
ومثل ذلك يقال في نحويّ خالطت بشاشة النحو قلبه, وخبر سواده وبياضه (زعم), أسهر فيه ليله, وأدأب له نهاره, حتى ظن أنه ملك ناصيته: قواعد وخلافيات ونقداً, فإذا أخذ في كلام, أو أدار قلمه على بيان خلَّط واعتسف وأخطأ, وما أُتي هذا النحوي وذلك الأديب إلا من قبيل الإغراق في النظريات والمناهج والقواعد, واطِّراح الحفظ, وهجر النصوص, وإهمال التطبيق.
وقد سرى هذا الداء الخبيث إلى عِلْمين جليلين في تراثنا - وما كان ينبغي أن يسرى إليهما, لأنهما ملاك الأمر كله - وهما التفسير والحديث, ففي ميدان التفسير قد تصادف دارساً يحدثك بإفاضة وإحاطة عن مدارس التفسير واتجاهاته, من تفسير بالمأثور إلى تفسير بالرأي, والتفسير الموضوعي للقرآن, والتفسير الفقهي, والتفسير الإشاري الصوفي, إلى آخر هذه القائمة, فإذا طلبت منه تفسير شيء من كتاب الله لم تظفر منه بشيء إلا شيئاً لا يُعبأ به! وقد اختفت تلك الصور الجليلة النبيلة, حين كنت تستوقف شيخاً فاضلًا عقب صلاة الجمعة, أو في طريق عام, فتسأله عن آية من كتاب الله فإذا أنت أمام علم حاضر وإجابة شافية.
وقل مثل هذا في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقد اشتغل به كثير من طلبة العلم الآن: دراسة نظرية, تُعنى بتدوينه وعلومه وتصانيفه من الصحاح والمسانيد ... إلى غير ذلك مما كان يعرف قديماً بعلم «الدراية», لكنك قل أن تجد منهم من اعتنى بهذا العلم الجليل «رواية» من حيث حفظ المتون وإتقان الغريب.
وقد أدى هذا الأمر إلى مصيبة كبرى اجتاحت بعض الشباب المسلم المحب لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم, ومعرفة السنة المطهرة, فقد اتجه كثير منهم في هذه الأيام إلى طلب معرفة الأحاديث الضعيفة والموضوعة, وتجريح الرواة وتعديلهم - وهذا بحر لا ساحل له, ولا يقوى عليه إلا أولو العزم من الرجال - وقد صرفوا في ذلك جهوداً كثيرة كان الأولى أن تصرف إلى قراءة صحيحي الإمامين الجليلين: البخاري ومسلم, وبقية الكتب الستة التي هي دواوين السنة, ثم بعض المسانيد الأخرى, قراءة فهم وبحث وإمعان, فإذا أتقنوا ذلك كان لهم أن يبحثوا في الضعيف والموضوع, وقد بلغت السفاهة ببعضهم أن يقول عن حديث رواه الإمام الجليل أبو عبد الله البخاري: «صحَّحه فلان» يشير إلى أحد العلماء المعاصرين. أفبعد إخراج البخاري للحديث, يقال: صحَّحه فلان؟
إن الإسراف في النظريات والمناهج هو الذي أضعف إحساس أبنائنا بالعربية الأولى, وهو الذي أورثهم العجز الذي يأخذ بألسنتهم وأقلامهم, فلا يستطيعون قولاً ولا بيانًا.
على أن هذا الذي ذكره الدكتور الربيعي, والذي ذكرته أنا, يرجع إلى أننا أهملنا جوانب ضرورية في تعلم العربية. ومن هذه الجوانب التي أُهمِلت: جانب النصوص أو الحفظ، فإنه يشيع في أيامنا هذه كلام عجيب, يبغِّض إلى طالب العربية «الحفظ» ويزهِّده فيه, بل إن الأمر قد تعدى ذلك إلى تثبيت قاعدة تجعل «الحفظ» مقابل «الفهم» وأن الطالب الذي يحفظ «صمَّام» وغير قادر على الفهم والاستيعاب, ونقرأ لمسؤول كبير عن التعليم في مصر قوله: «ولا بد أن يدرك الطالب أن زمن الحفظ والصمَّامين قد انتهى».
تراثنا قائم على الرواية:
وهذا الكلام إن صدق على العلوم المعملية والتطبيقية, لا يصدق على علوم العربية, من أدب وبلاغة ولغة ونحو, وذلك لأن تراثنا كله قائم على الرواية والدراية, والرواية مقدمة, ولذلك قالوا: «الرواية من العشرين والدراية من الأربعين». والجوهري صاحب «الصَّحاح» يقول في مقدمته: «قد أودعت هذا الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة ... بعد تحصيلها بالعراق رواية وإتقانها دراية».
وقد وصل إلينا تراثنا في أول أمره عن طريق الحفظ والرواية, فقد وعته صدور الرواة والنقلة, وسلَّمته أجيال إلى أجيال, حتى أظل زمان التدوين والكتابة, فالحفظ هو الأساس, وقد حثوا عليه ومدحوا أهله, فروي عن الأصمعي أنه قال: «كل علم لا يدخل معي الحمام فليس بعلم». ويريد أنه حافظه ومستحضره في كل وقت وعلى كل حال. وقال محمد بن يسير - من شعراء الدولة العباسية الأولى:
أأشهد بالجهل في مجلس ... وعلمي في البيت مستودع
إذا لم تكن حافظاً واعياً ... فجمعك للكتب لا ينفع
وقال بعض أهل العلم:
حفظ اللغات علينا ... فرض كفرض الصلاة
فليس يُضبط دين ... إلا بحفظ اللغات
ولولا الحفظ في تاريخنا التراثي لما أمكن لهذه الطائفة من عباقرة العربية العميان أن يسجلوا لنا هذا القدر الضخم من المعارف الإنسانية, كالذي نقرأه عند أبي العلاء المعري - وأبو العلاء فوق شاعريته صاحب لغة ونحو وصرف وعروض –, وابن سيده صاحب المحكم والمخصص, والإمام الترمذي صاحب السنن, وغيرهم كثير, مما ذكره صلاح الدين الصفدي في كتابه الطريف «نَكْت الهِمْيان في نُكَت العميان». وحسبك بقُرَّاء القرآن وعلماء القراءات, كالشاطبي صاحب المنظومة الشهيرة في القراءات السبع المسمَّاة: «حرز الأماني ووجه التهاني». وفي هذا العصر الحديث يأتي الدكتور طه حسين - رحمه الله - على رأس أفذاذ العميان المعاصرين.
إن طبيعة تعلم العربية تقتضي حفظ كثير من النصوص لتثبيت القواعد والتمكين للأبنية والتراكيب في ذهن طالب العلم. وقد قيل - الحفظ الإتقان - وذلك ما رواه أيوب بن المتوكل قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كان الرجل من أهل العلم إذا لقي من هو فوقه في العلم فهو يوم غنيمته, سأله وتعلم منه, وإذا لقي من هو دونه في العلم علمه وتواضع له, وإذا لقي من هو مثله في العلم ذاكره ودارسه.
وقال: لا يكون إماماً في العلم من أخذ بالشاذ من العلم, ولا يكون إماماً في العلم من روى كل ما سمع, ولا يكون إماماً في العلم من روى عن كل أحد, والحفظ الإتقان».
حفظ كلام العرب:
ويقول ابن خلدون: «ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم, من القرآن والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم, وكلمات المولدين أيضاً في سائر فنونهم, حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم».
ويقول أيضاً: «وتعلم مما قررناه في هذا الباب أن حصول ملكة اللسان العربي إنما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب, حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه, ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم, وخالط عبارتهم في كلامهم حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم».
ويقول أيضاً عن هذه الملكة التي تحصل بالحفظ والدُّربة: « ... فإن الملكات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنها طبيعة وجبلَّة لذلك المحل. ولذلك يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف شأن الملكات أن الصواب للعرب في لغتهم إعراباً وبلاغة أمر طبيعي, ويقول: كانت العرب تنطق بالطبع, وليس كذلك, وإنما هي ملكة لسانية في نظم الكلام تمكنت ورسخت فظهرت في بادئ الرأي أنها جبلة وطبع. وهذه الملكة كما تقدم إنما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع, والتفطن لخواص تراكيبه ... وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك, التي استنبطها أهل صناعة اللسان, فإن هذه القوانين إنما تفيد علماً بذلك اللسان, ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها».
وهذا الكلام الأخير هو الذي ينتهي إليه كلام الدكتور الربيعي, وهو الذي أدرت عليه مقالتي هذه. فإن «معرفة القوانين العلمية التي استنبطها أهل صناعة اللسان» هي «النظريات والمناهج» في أيامنا هذه. فكما أن الوقوف عند «معرفة القوانين العلمية» هذه لا يصنع ملكة أدبية لغوية, كذلك الاكتفاء «بالنظريات والمناهج» لا يكسب هذه الملكة.
ويقرر ابن خلدون أيضاً: «أنه لا بد من كثرة الحفظ لمن يروم تعلم اللسان العربي, وعلى قدر جودة المحفوظ وطبقته في جنسه وكثرته من قلته تكون جودة المَلَكَة الحاصلة عنه للحافظ».
ويقول القاضي عبد الرحيم بن علي بن شيث الإسنائي القوصي, في سياق حديثه عن أدوات الكاتب وعدِّته: «والحفظ في ذلك ملاك الأمر, فإنه يؤهِّل ويدرِّب, ويسهِّل المطلوب ويقرِّب».
هل الحفظ مطلوب؟ !
هذا وقد وقعت على نص خطير جداً, هو خير رد وأوفاه على هؤلاء الذين يشترطون للحفظ: الفهم, ويقولون: لا تطلبوا من الصبي حفظ ما لا يفهم, فإن هذا غير مُجدٍ في العملية التعليمية. يقول أبو الفتح عثمان بن جني: «قال لنا أبو علي - الفارسي - يوماً قال لنا أبو بكر - ابن السراج - : إذا لم تفهموا كلامي فاحفظوه, فإنكم إذا حفظتموه فهمتموه».
وهذا كلام صحيح, يصدقه الواقع وتؤكده التجربة, فإن الإلحاح بالحفظ الدائم المستمر مما يمهِّد للفهم لا محالة. وآية ذلك أن صغار التلاميذ في دور الحضانة والروضة يرددون مع إطلالة كل صباح النشيد الوطني لبلادهم, وهم بالقطع لا يعرفون شيئاً عن معاني مفرداته فضلًا عن تراكيبه, ولكنهم بمرور الأيام يدركون ويفهمون. والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى في اكتساب وإدراك المعارف. ونحن الذين حفظنا القرآن صغاراً نعرف هذا من أنفسنا, فما زلنا نذكر ألفاظ القرآن وتراكيبه الغريبة علينا في مطالع أيامنا, ثم إضاءة معانيه في نفوسنا بعد ذلك بالتدريج, وإن كنا لا ندرك بالضبط متى تم هذا, كما لا يدرك الناظر في السماء انسلاخ النهار من الليل إلا حين يغشاه نوره ويغمره سناه.
وليس أدل على أهمية «الحفظ» في العملية التعليمية في تراثنا, من هذا القدر الهائل من المنظومات في اللغة والنحو والفرائض (المواريث), والقراءات, وعلوم الحديث والأصول والبلاغة والمنطق والعروض والميقات والطب, وكل ذلك لضبط القاعدة وتثبيت الأحكام. وما أمر «ألفيه ابن مالك» ببعيد!
ومع المنظومات المطولة في النحو والصرف كان هناك البيتان والثلاثة والأربعة لضبط القاعدة وترسيخها. فهذا جمع التكسير ينقسم إلى جموع قلة وإلى جموع كثرة, وللأول أربعة أوزان, وللثاني سبعة عشر وزناً, ولصعوبة حصر هذه الأوزان صاغها بعضهم شعراً ليسهل حفظها, فجموع القلة جمعت في قوله:
بأفعل ثم أفعال وأفعلةٍ ... وفعلة يعرف الأدنى من العدد
كأفلس وكأثواب وأرغفةٍ ... وغلمة فاحفظنْها حفظ مجتهد
وجموع الكثرة جُمعت في قوله:
في السفن الشهب البغاة صور ... مرضى القلوب والبحار عبر
غلمانهم للأشقياء عمله ... قطاع قضبان لأجل الفيلة
والعقلاء شرد ومنتهى ... جموعهم في السبع والعشر انتهى
وترتيب الخليل بن أحمد لمواد المعجم نظمها بعضهم في قوله:
عن حزن هجر خريدة غناجة ... قلبي كواه جوى شديد ضرار
صحبي سيبتدئون زجري طُلَّباً ... دهشي تطلب ظالم ذي ثار
رغماً لذي نصحي فؤادي بالهوى ... متلهب وذوي الملام يماري
وواضح أن المراد الحروف الأولى من كلمات هذا النظم هكذا: ع ح هـ خ غ ... الخ.
هذا إلى الضوابط النثرية, مثل «سألتمونيها» لضبط حروف الزيادة, و «سكت فحثه شخص» لضبط الحروف المهموسة. فبهذه الضوابط الشعرية والنثرية تعلمنا الأدب واللغة والنحو, وتعلم من قبلنا, لأننا سلمنا ولأنهم سلموا من زلازل التطوير وأعاصير التيسير. وإنه لواجب علينا إذا أردنا الخير لهذا الجيل أن نحيي فيهم مهارات الحفظ, ونقدم لهم قواعد العربية من خلال النصوص التراثية الموثقة.
ولقد جاءني ابني بكتاب القراءة والنصوص الأدبية للصف الثالث الإعدادي للعام الدراسي 1990م - 1991م, وفي ص 13 منه جاء هذا السؤال: (اختر الصواب مما بين كل قوسين: مقابل غضب (رضا - سرور - سكون) وطلب مني ابني الجواب الصحيح, فقلت له (رضا) وقال هو (سرور) وأصر على رأيه, لأنه لم يستسغ أن يكون «الرضا» مقابل الغضب ولأن أستاذه قال ذلك أيضاً والأستاذ لا يخطئ ولم يقتنع حتى ذكرت له حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الذي أخرجه أبو داود في سننه 3/ 318, والحاكم في مستدركه 1/ 105, أنه قال: «يا رسول الله, أكتب ما أسمع منك؟ قال: «نعم», قلت: عند الغضب وعند الرضا؟ قال: نعم إنه لا ينبغي لي أن أقول إلا حقاً». وهنا انفرجت أسارير ابني, ونظر إليّ (نظرة الرضا لا الغضب).
فهذا السؤال الذي جاء في ذلك الكتاب المدرسي سؤال جيد, لأنه يزيد المحصول اللغوي عند التلميذ لا محالة. ولكنه ينبغي أن يكون مؤسساً على نصوص محفوظة للتلميذ بها أنس ومعرفة سابقة. وأنَّى لتلميذ في هذه السن أن يختار بين هذه الكلمات القريبة المعاني دون نص يشهد وحفظ يؤيد, فالحفظ وسيلة ضبط وإتقان ينبغي أن تراعى من أول درجة من درجات سلم التعليم, ولا تشفقوا على الصغار والناشئة, فإن فيهم خيراً كثيراً, وانظروا إلى هؤلاء الصغار الذين يظهرون على شاشة التلفزيون من أعضاء «المسلم الصغير» وتأملوا حلاوة الأداء وسلامة مخارج الحروف, ثم حفظ نصوص القرآن والحديث عن ظهر قلب. ومن وراء ذلك كله فالحفظ عاصم من التخليط في أبنية الأسماء والأفعال.
وإذا كان القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد, فإنه أيضاً كتاب عربية وبيان, ويجب أشد الوجوب أن نشد أبناءنا إليه في كل مراحل تعليم العربية. وأن يكون اختيارنا لآياته في مقرر (القراءة والنصوص) قائماً على تلك الآيات التي تنمي الحس اللغوي والنحوي عند التلاميذ, ولا سيما تلك الآيات التي تأتي فيها الأفعال مضبوطة على وجهها الصحيح, وقد لاحظت أن كثيراً من أبنية الأفعال التي نخطئ نحن الكبار أيضاً في ضبطها, أو ننطقها على وجه من الوجوه الضعيفة غير الفصيحة, جاءت على وجهها الصحيح في الكتاب العزيز, وأكتفي هنا ببعض الأمثلة:
أمثلة من القرآن:
يقول الناس في كلامهم: «كبر الولد يكبر» فيضمون الباء في الماضي والمستقبل, والصواب بالكسر في الماضي, وبالفتح في المستقبل: «كبرِ يكبَر» وهذا يكون في السن والعمر, يقال: كبر الرجل يكبر كبراً فهو كبير, أي طعن في السن, ومنه قوله تعالى عن أموال اليتامى والنهي عن أكلها: {ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا} [النساء: 6], أما «كبر يكبر» بالضم في الحالتين, فليس من السن, وإنما هو بمعنى عظم, ضد صغر, وشواهده في الكتاب العزيز كثيرة, منها قوله تعالى: {كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3)} [الصف: 3], وقوله عز وجل: {قل كونوا حجارة أو حديدًا (50) أو خلقًا مما يكبر في صدروكم} [الإسراء: 50, 51]. ويقولون: نقمت عليه كذا وكذا - أي عبته وكرهته - فيكسرون القاف في «نقمت» والأفصح الفتح: نقمت, وهذا الفعل من باب ضرب, وفي لغة من باب تعب, والأولى هي الأفصح, قال ابن السكيت: «وقد نقمت عليه أنقم, والكسر لغة - أي في الماضي - والفتح الكلام», قلت: وبه جاء التنزيل, قال تعالى: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} [التوبة: 74], وقال تقدست أسماؤه: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8)} [البروج: 8], وقال تقدَّست أسماؤه: {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله} [المائدة: 59].
ويقولون: فلان يُنقصني حقي, ويُنقص في الميزان, فيضمون ياء المضارعة, والأفصح والأكثر فتحها, يَنقصني, ويَنقص, وهذا الفعل ثلاثي: يستوي فيه اللازم والمتعدي, يقال: نقص الشيء, نقصته أنا, ونقصه هو. وفي لغة: أَنقَصَهُ ونَقَصَهُ, معدِّى بالهمزة والتضعيف, لكنها لغة ضعيفة, ولم تأت في كلام فصيح, وشواهد ذلك من القرآن المتلو المحفوظ, {ولا تنقصوا المكيال والميزان} [هود: 84], وقوله تعالى: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41], وقوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئًا} [التوبة: 4]. وقد جاء اسم المفعول من الثلاثي في قوله عز وجل: {وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109)} [هود: 109].
ويقولون: حرص فلان على كذا, وحرصت على كذا, فيكسرون الراء, والأفصح فتحها, حرص وحرصت, وبالفتح جاء التنزيل, قال سبحانه وبحمده: {وما أكثر الناس ولو حصرت بمؤمنين (103)} [يوسف: 103], وقال عزَّ وجلّ: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم}[النساء: 129].
ويقولون: صلح حالي, وصلح أمري, فيضمون اللام, والأفصح فتحها: صلَح, قال تعالى: {جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} [الرعد: 23], وقال تقدَّست أسماؤه: {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} [غافر: 8], ومن شواهد ذلك في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم من حديثه الطويل: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله», قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر فتح العين في «صلح»: «وحكى الفراء الضم في ماضي صلح». وهذا بالفعل من باب قعد: صلح يصلح, وذكر ابن دريد أن ضم اللام في الماضي ليس بثبت.
وهكذا تكون النصوص التراثية - وأعلاها كلام ربنا عز وجل - وسيلة ضبط وإتقان, إذا اعتنينا بها قراءة وحفظاً.
ويبقى أمر لا بد من إثارته, لأنه يتصل بموضوعنا هذا بنسب وثيق, وإن كان في الظاهر دخيلًا عليه وبعيداً عنه, ولأنه أيضاً يتصل بالثقافة العامة وتنمية وجدان الأمة: وذلك أنك كنت تجد - في الزمان القريب - من أوساط الناس وعوامهم من يأنس للكلام الفصيح ويرتاح له, ويحفظ منه الشيء بعد الشيء, وذلك من خلال ما يسمعونه من خطيب الجمعة, العالم المتمكن, من نصوص القرآن العزيز والحديث الشريف, والأدعية المأثورة. أما الآن فتكاد خطب الجمعة - ولا سيما على ألسنة الشبان المتحمسين - تتحول إلى ثرثرة وكلام عام مبهم عن «مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم», و «الإسلام في خطر» و «الإسلام هو الحل» وهذا وهذان مما يصرف عن الاستشهاد بالقرآن والحديث وكلام العرب, وإذا أتاك شيء من ذلك فهو يأتيك في معظمه ملحوناً ومزالًا عن جهته.
وكل هذا إنما جاء من مقولات مضللة, وهي أن «خطب الجمعة لا بد أن تتفاعل مع الأحداث المعاصرة, وأن تشارك في صنع القرار» ... إلى آخر ما تعرف.
وليتنا نعود إلى خطبة الجمعة المكتوبة على الورق الأصفر, والتي كان الخطيب يدعو في آخرها للسلطان بالنصر - ونستغفر الله مما سخرنا من هذه الخطب - فمن خلال هذه الخطب المكتوبة حفظنا كثيراً من النصوص, وضبطنا كثيراً من أبنية الأسماء والأفعال. وربنا المستعان على ما يصفون.
* * *

حلقات مفقودة في تراثنا المطبوع (58)

كان إنجازاً حضاريّاً كبيراً ظهور المطبعة في القرن الخامس عشر الميلادي, على يد جوتنبرج الألماني (1397م - 1468م).
ولئن كانت الغاية من الطباعة هي تكثير عدد نُسخ الكتاب لكي تُتاح قراءته لكثير من الناس, فقد تحققت هذه الغاية بصورة محدودة عند العرب قديماً, بما تمثل في كثرة نسخ الكتاب المخطوطة, ورواج صنعة الوراقة والنساخة. ويذكر الجاحظ أن يحيى بن خالد البرمكي لم يكن في خزانة كتبه كتاب إلا وله وثلاث نسخ, ويذكر المقريزي أنه كان في خزانة العزيز بالله ثلاثون نسخة من كتاب «العين» للخليل بن أحمد, ومائة نسخة من «الجمهرة» لابن دريد, وأنه كان في خزانة الفاطميين مائتان وألف نسخة من «تاريخ الطبري». والمشتغلون بعلم المخطوطات يعلمون أن هناك كتباً ذوات عدد, كثرت نسخها كثرة ظاهرة, بحيث لا تكاد تخلو منها مكتبة من مكتبات العالم.
وكأنما كان هذا الاختراع العجيب - اختراع الطباعة - من أجل فكرنا وتراثنا نحن العرب دون غيرنا من الأمم. فقد دارت المطابع شرقاً وغرباً لإخراج علمنا من مخطوطات محدودة إلى أسفار مطبوعة, بدأت بالمئين ثم انتهت إلى ما فوق الآلاف.
ففي الغرب كان مهد الطباعة العربية في إيطاليا - كما هو معروف - ومن أوائل ما طُبع هناك متن «الكفاية» في النحو, لابن الحاجب سنة 1592م. و «القانون» في الطب, لابن سينا, سنة 1593م. ثم تعددت المطابع العربية في أوروبا, وطُبع فيها مئات الكتاب العربية وأكثرها في لندن وباريس وليبزج وليدن وجوتنجن وروما وفيينا وبرلين وبطرسبورج. ومن أشهر هذه المطابع الأوروبية مطبعة بريل بمدينة ليدن بهولندة، وهذه المطبعة تشبه في شهرتها مطبعة بولاق بمصر, لكن ما يؤخذ على هذه المطابع الأوروبية أنها كانت تطبع نسخاً محدودة من الكتب العربية, وكأنهم كانوا يطبعون لأنفسهم.
أشهر المطابع:
وفي الشرق كانت الآستانة (استانبول) عاصمة الخلافة العثمانية أسبق مدن الشرق إلى الطباعة. وكان من أشهر مطابعها مطبعة الجوائب التي أنشأها أحمد فارس الشدياق (1804م - 1887م) ونشر فيها طائفة صالحة من الكتب. ثم المطبعة العامرة التي نشرت كتباً ذوات عدد, منها شرح «كافية ابن الحاجب» للرضي الاستراباذي, سنة 1275 هـ, و «الكليات» لأبي البقاء الكفوي, سنة 1287هـ.
ثم كانت الصيحة المدوية في طبع الكتاب العربي, في مطبعة بولاق بمصر, أو كما تُسمّى أحياناً «المطبعة الأميرية» وهي قلعة ضخمة من قلاع المعرفة. لقد أخرجت هذه المطبعة مئات الكتب في التفسير والحديث, والأصلين: أصول الدين وأصول الفقه, واللغة والنحو والصرف, والبلاغة والأدب, والتاريخ والطب والرياضة والطبيعة والفنون الحربية, وغير ذلك من أصناف العلوم ... إلى ألف ليلة وليلة, ورجوع الشيخ إلى صباه ... فأيُّ علمٍ كان في ذلك الزمان!
وإلى جانب مطبعة بولاق ظهرت المطابع الأهلية, مثل مطبعة جمعية المعارف, والخيرية والعثمانية والأزهرية والشرفية أو الكاستلية والرحمانية والجمالية والمنار والمنيرية وكردستان العلمية وهندية والسعادة والتجارية وصبيح ثم المطبعة الميمنية التي كانت أساساً للحلبي بفرعيه: مصطفى البابي, ومحمد.
ومطبعة دار الكتب المصرية, ولجنة التأليف والترجمة والنشر.
وقد خرج من هذه المطابع آلاف الكتب في كل علم وفن, مما لم تعرفه أمة من الأمم, ولم تشهده ثقافة من الثقافات.
خمسة كتب في كتاب واحد:
وقد شاعت ظاهرة غريبة جداً في طبع الكتب تلك الأيام. فقد جرى كثير من المطابع على طبع كتاب أو أكثر بهامش الكتاب الأصلي, أو بآخره لصلة ذلك بالكتاب. وكأن القوم كانوا في سباق لنشر الفكر العربي وإذاعته ... وهذه الظاهرة لم تعرف إلا في مطابع مصر واستنابول. ومن أطرف ما يُذكر هنا أنَّ هناك خمسة كتب مطبوعة في كتاب واحد, وفي صفحة واحدة اجتمعت الكتب الخمسة, في الصلب والهامش, مفصولة بجداول, دون أن يختلط بعضها ببعض, وذلك هو الكتاب المسمَّى: «شروح التلخيص» في علوم البلاغة, ويشتمل على:
1- شرح سعد الدين التفتازاني على تلخيص المفتاح, للخطيب القزويني.
2- مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح, لابن يعقوب المغربي.
3- عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح, لبهاء الدين السبكي.
4- الإيضاح, للخطيب القزويني.
5- حاشية الدسوقي على شرح السعد.
والثلاثة الأولى طُبعت في صلب الكتاب, والاثنان الآخران بهامشه, وهذا ما جعل بعض إخواننا الظرفاء يقول: لا بد من فض الاشتباك بين هذه الكتاب.
ثم توالى طبع الكتاب العربي في بلاد أخرى خارج مصر, مثل الهند. ومن أشهر مراكز النشر فيها تلك الدار الكبرى «دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن», ولهذه الدائرة نشاط ظاهر في نشر علوم الحديث ومتونه وتاريخ رجاله, إلى مجلدات ضخمة في علوم أخرى, مثل كتاب «الحاوي في الطب» لأبي بكر الرازي, في 23 جزءاً, ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي في 20 جزءاً, ومن قبل ذلك فللهند تاريخ قديم في نشر الكتاب العربي, فقد طُبع بها «كتاب سيبويه» بمدينة كلكتا سنة 1887م, و «مغازي الواقدي» سنة 1855م, و «حماسة أبي تمام» سنة 1856م, و «تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسَّير» لابن الجوزي, بمدينة دلهي سنة 1286 هـ.
وكذلك تعددت المطابع في المغرب العربي, والعراق وبلاد الشام, وأخرجت قدراً ضخماً من علومنا ومعارفنا, وفي السنوات الأخيرة دخلت الدول العربية الغنية الميدان, فأنشأت المراكز التراثية التي جمعت صور المخطوطات, وأنفقت بسخاء على تحقيق الكتب ونشرها. وتعدت دور النشر الصغيرة والكبيرة في جميع البلدان العربية.
الوفاء لتراثنا:
إذن نحن أمام قدر هائل من المطبوع العربي ملأ السهل والجبل في كل علم وفن, فهل يحق لقائل أن يقول: «امتلأ الحوض وقال قطني», أي حسبي, ولسنا في حاجة إلى جمع المخطوطات والبحث عنها وتحقيقها ثم نشرها, فإن ما في يدنا من مطبوع التراث فيه مقنع وبلاغ, وبارك الله فيما رزق.
ونعم ... كان حسبنا هذا وكافينا لو ظل تعاملنا مع تراثنا كما هو الآن: حَسْوة الطائر وقَبْسة العجلان, تأخذ حاجتك وتمضي لا تلوي على شيء. وليس الطريق هنالك! إن أكبر الآفات عندنا اليوم أننا نتعامل مع كتبنا تعامل المراجع, على قدر الحاجة ليس غير, وكأنها تَحِلة القسم أو إبرار اليمين, وقلَّ من يقرأ منا كتاباً بأكمله.
ومن هنا نقنع باليسير, وتظل الصورة الحقة لتاريخنا وفكرنا مغيّبة عنا تماماً.
إن الوفاء لتراثنا والكشف عنه ومعرفته يقتضي نفضه كله ومفاتشته كله, وكما يصنع الورثة الذين يبذلون أقصى السعة والطاقة لمعرفة ما دقّ وجلّ من تركة مورَّثهم حتى لا تفوتهم منه فائتة, ولا يسقط عليهم منه شيء, كذلك ينبغي أن يكون بحثنا عما استودعه أهل العلم من أمّتنا بطون الكتب والدفاتر.
وفي هذا المجال ينبغي أن نستبعد من منهجنا ما يشيع في بعض الدراسات الحديثة من أن كتب التراث ذات الموضوع الواحد تتشابه فيما بينها, وأن غاية اللاحق أن يدخل على ما تركه السابق, يدور حوله ويردد مباحثه وقضاياه, ثم أفضى ذلك الزعم إلى دعوة صاخبة تنادي بغربلة التراث وتصفيته, بالإبقاء على النافع المفيد, وترك ما عداه قابعاً في المتاحف, كمومياء الفراعنة, يذكّر بتطور الخطوط وقواعد الرسم والكتابة وتاريخ صناعة الورق. وسوف نقول وقتها: إننا نحافظ على تراثنا من عوامل البلى والفناء, ونتعهده بالمبيدات والكيماويات الحافظة, فنؤكد بذلك انتماء كاذباً وولاء مدخولًا, ونكون كالذين يحتفظون في بيوتهم بصحيح البخاري التماساً للبركة وطرداً للعفاريت والأرواح الشريرة.
وفي هذا المجال أيضاً ينبغي أن نستبعد من منهجنا نظرية تقسيم عصور الفكر العربي إلى عصور علو وانحطاط, وألا ننظر إلى كتب المتأخرين وأصحاب المختصرات والذيول والحواشي على أنها من الفضول والحشو. فلو لم يكن في تصانيف السيوطي والبغدادي والخفاجي والمحبي والشوكاني إلا أنها حفظت لنا كثيرًا من علم الأوائل الذي اغتالته غوائل الناس والأيام, لكان ذلك من أكبر الدواعي إلى حفظها والعناية بها. على أن تراثنا لم يأخذ مكانه - عند التأمل والإنصاف - إلا بما صنفه الأوائل, مضافاً إليه تلك الشروح والمختصرات والذيول والصلات والحواشي والتقريرات. وهذا حديث طويل.

وليست المختصرات عند علمائنا كما هي في تصورنا هذه الأيام: إيجازاً وضغطاً للكتاب الكبير, بحذف الأسانيد والمكرر ... ونعم إنها قد تكون كذلك, لكن مع الرؤية الخاصة للمختصر, بإضافته أو نقده, وإليك مثالًا واحداً على ذلك: كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني, اختصره ابن منظور صاحب «لسان العرب» فيما سمَّاه: «مختار الأغاني». وفي الجزء الثالث من هذا «المختار» نجد ترجمة موسعة جداً لأبي نواس, تضمنت أخباراً وأشعاراً لأبي نواس, لا تجدهما في الأصل «الأغاني». وكذلك صنع ابن منظور في ترجمة «جميل بن معمر» حيث أورد له بعض أشعار وأخبار لم ترد في «الأغاني».
أهمية المكتبة العربية:
وفي هذا المجال - ثالثًا - ينبغي أن ننظر إلى المكتبة العربية نظرتنا إلى الكتاب الواحد. وذلك لأن كتب أهل العلم عندنا متشابكة الأطراف, متداخلة الأسباب, فمع الإقرار بنظرية التخصص في الإطار العام للتأليف, فإنك قل أن تجد كتاباً من هذه الكتب مقتصراً على الفن الذي يعالجه, دون الولوج إلى بعض الفنون الأخرى لدواعي الاستطراد والمناسبة, وهذا يؤدي لا محالة إلى أن تجد الشيء في غير مظانه. وأمامي الآن أمثلة ذوات عدد على هذا الذي أقوله, لا يتسع المقام لذكرها ... وأكتفي هنا بمثالين:
1- كتاب «دلائل الإعجاز» للشيخ عبد القاهر الجرجاني, يُعدّ أصلًا في علم البلاغة وإعجاز القرآن. وكان مما عالجه في كتابه هذا الرد على من يقولون: «إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات, ولكن تظهر بالضم على طريقة مخصوصة».
وقد عرضَّ الشيخ عبد القاهر بأصحاب هذه المقالة في مواضع كثيرة من كتابه, كان منها قوله: «واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة وصيت وعلو منزلة في نوع من أنواع العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه, ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته, وفشا وظهر, وكثر الناقلون له والمشيدون بذكره, صار ترك النظر فيه سُنة والتقليد ديناً ... ».
ويسأل شيخنا محمود محمد شاكر - حفظه الله - : من يكون هؤلاء القوم الذي لهم نباهة وصيت ...؟ يقول شيخنا أبو فهر: «وفتَّشت ونقَّبت, فلم أظفر بجواب أطمئن إليه, وتناسيت الأمر كله إلا قليلًا نحو من ثلاثين سنة, حتى كانت سنة 1381 هـ - 1961م, وطُبع كتاب «المغني» للقاضي عبد الجبار, المتكلم المعتزلي. في تلك السنة صدر الجزء السادس عشر من كتاب «المغني» فإذا هو يتضمن فصولًا طويلة في الكلام على «ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم», وفي إعجاز القرآن وسائر المعجزات الظاهرة عليه صلى الله عليه وسلم. فلما قرأته ارتفع كل شك, وسقط النقاب عن كل مستتر, وإذا التعريض الذي ذكره عبد القاهر حين قال: واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول ... لا يعني بهذا التعريض وبهذه الصفة أحداً سوى قاضي القضاة المعتزلي عبد الجبار».
ثمَّ نقل شيخنا عبارة القاضي عبد الجبار من الجزء السادس عشر من «المغني», وهي: «أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام, وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة». وهي التي حكاها الشيخ عبد القاهر, ولم ينسبها لأحد على التعيين.
أرأيت؟ هذا كتاب «المغني في أبواب التوحيد والعدل» كتاب في أصول فكر المعتزلة وهو داخل في علم الكلام, فما أبعده في تقسيم العلوم وفهارس الكتب عن علم البلاغة! ولكن الكتب العربية تتنادى وتتواصل, وهكذا يعلمنا أستاذنا محمود محمد شاكر كيف تلتمس المعرفة من مظانها ومن غير مظانها, ولن يكون ذلك إلا بالذي ذكرته لك من النظر للمكتبة العربية على أنها كتاب واحد, ثم بالصبر على القراءة, والأخذ في الكتاب قراءة ودرساً إلى غايته ومنتهاه.
والمثال الثاني: عرض لي في بعض تحقيقاتي، هذان البيتان الشهيران:
اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن برَّ عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلَّك من يعصيك مستترا
وكانا عندي غير منسوبين فأردت نسبتهما. وأول ما يهرع إليه المحقق في ذلك كتب الأدب, لا سيما تلك التي تتحدث عن العفو والاعتذار. وفي مكتبتي كتاب بذلك العنوان «العفو والاعتذار» لأبي الحسن العبدي, صاحب ابن دريد اللغوي, فنظرت فيه, فوجدت البيتين, ولكن بغير نسبة أيضاً, فأخذت في البحث حتى انتهيت إلى أنهما لهلال بن العلاء الرقي, وذلك في ترجمته من كتاب «سير أعلام النبلاء» للحافظ الذهبي (وينسبان على ضعف للبحتري). وهذا كتاب «سير أعلام النبلاء» معدود في كتب التراجم, فيا بعد ما بينه وبين كتب الأدب في تصنيف العلوم !
وإذ قد انتهيت من تقرير هذه الحقائق, على سبيل الوجازة والاختصار أقول: إن هذا المطبوع من تراثنا - على ضخامته وازدحام المكتبات به - لا يمثل الصورة الكاملة الحقيقية لتاريخ أمتنا وقضايانا الفكرية. فما زالت الأيام تظهرنا يوماً بعد يوم على نفائس من تراثنا المخطوط كنا نجهلها أو نعدها من المفقودات. وكم في الزوايا من خبايا.
وهذه المخطوطات التي تجود بها المكتبات الخاصة والعامة حيناً بعد حين ينبغي أن تنتهي بنا إلى الحذر في إصدار الأحكام الحاسمة وقول الكلمة الأخيرة. فإن القول الفصل في قضايا الفكر والأدب لا يصار إليه قبل استيفاء أدوات البحث, وأهم هذه الأدوات, بل عدتها الأولى: النصوص في مختلف عصورها.
وقد أتاح لي عملي بمعهد المخطوطات - جمعاً وفهرسة - وجلوسي إلى أشياخ العلم ونشري لبعض الكتب, ثم إشرافي على عدد من الرسائل الجامعية التي تدور في فلك تحقيق النصوص - أتاح لي ذلك كله أن أقف على غرائب وعجائب في بطون المخطوطات تنقض كثيراً مما استقر عند الباحثين والدارسين في تاريخنا الفكري, وذلك لاعتمادهم على مصادر محدودة, وغياب تلك المخطوطات التي لم تنلها أيديهم.
وإن في وجود هذا القدر الضخم من مخطوطاتنا التي تعج بها المكتبات العامة والخاصة شرقًا وغرباً, والتي تنتظر الهمم لبعثها ونشرها, ما يدل على أن هناك حلقات مفقودة في تراثنا المطبوع.
وخذ مثلًا «الكتاب» لسيبويه. وهو قرآن النحو, كما يقولون: مضى على طبعه أول مرة أكثر من مائة عام. وفي «الكتاب» من العسر والغموض على شداة العلم ما هو معروف ومتعالم, بل إن بعض إشارات سيبويه ومباحثه تدق على الخاصة, فكان ينبغي أن ينشر كل ما يتصل بهذا الكتاب الإمام, من شروح وتقييدات, وقد نُشر شيء من ذلك, ولكن بقي أهم شرح له, وهو شرح أبي سعيد السيرافي.
أليست الأحكام على سيبويه وعلى «كتابه» ناقصة في غياب هذا الشرح الكبير؟ ثم «ألفية ابن مالك» أشهر نظم نحوي, نُشر كثير من شروحها, ولكن بقي أهم شرح لها, وهو شرح ا لإمام الشاطبي, صاحب «الموافقات», و «الاعتصام».
وكتاب «التسهيل» في النحو, لابن مالك أيضاً, نُشر شيء من شروحه, وبقي أضخم وأحفل شرح له, وهو شرح أبي حيان المسمَّى: «التذييل والتكميل».
وعلى كثرة ما نُشر من كتب علم القراءات القرآنية, فلا يزال هناك كتابان على غاية من القيمة والأهمية, أولهما في القرن الرابع, وهو كتاب «الحجة في علل القراءات السبع» لأبي علي الفارسي, والثاني في القرن العاشر, وهو «لطائف الإشارات لفنون القراءات» للقسطلاني شارح البخاري. ويمثل الكتاب الأول قيمة كبرى في ميدان الدراسات اللغوية والنحوية والاشتقاق والأصوات ولهجات القبائل, وإلى الثاني المنتهى فيما يتعلق بالقراءات العشر والأربعة الزائدة عليها, وعلم الوقف والابتداء, ومرسوم الخط العثماني, مع ما عرض له من مباحث أخرى تتعلق بالذكر الحكيم.
حلقات مفقودة:
وفي ميدان تفسير القرآن الكريم ما زالت هناك أسفار ضخمة تمثل خير تمثيل تلك الحلقات المفقودة. ومن تلك الأسفار كتاب «البرهان في علوم القرآن» لأبي الحسن الحوفي المصري المتوفى سنة 430 هـ. وكتابه هذا ضخم جداً, تقع مخطوطته في نحو ثلاثين مجلداً, ولا تقل إن «البرهان» للزركشي, و «الإتقان» للسيوطي يكفيان, فهذان بالنسبة إلى كتاب الحوفي قطرة في بحر, مع اختلاف المنهج والمادة العلمية. ومنها «البسيط» في التفسير, لأبي الحسن الواحدي المتوفى سنة 468 هـ, وكتابه كبير أيضاً (والبسيط هنا بمعنى المبسوط الواسع, فعيل بمعنى مفعول, وليس على ما سيظنه بعض العامة بمعنى الموجز المختصر). ومنها «الكشف والبيان في تفسير القرآن» لأبي إسحاق النيسابوري الثعلبي المتوفى سنة 427 هـ وهو كتاب كبير أيضاً, وقد رأيت منه نسخة نفيسة مكتوبة في السنوات 626 هـ - 630 هـ بمدينة الفيوم, وهذه النسخة المخطوطة محفوظة بالمكتبة المحمودية بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام, وصوَّرتُها لمعهد المخطوطات بالقاهرة سنة 1973م.

وفي الحديث النبوي وعلومه ما زالت هناك طائفة كبيرة من مخطوطاته تنتظر التحقيق والنشر. أما الفقه وأصوله فلعلها من أكثر علومنا غبناً في ميدان التحقيق والنشر. والعجيب حقاً أننا ما زلنا نعيش على كتب الفقه التي طبعت بمصر منذ زمن بعيد, مثل الأم للشافعي, والمهذب للشيرازي, والمجموع للنووي, وبدائع الصنائع للكاساني, وشرح فتح القدير لابن الهمام, وحاشية ابن عابدين, وبداية المجتهد لابن رشد «الحفيد», والفروق للقرافي, والمغني لابن قدامة ... ثم تنظر في فهارس المخطوطات فتجد ما لا يحصى كثرة الفقه وأصوله التي لم تطبع ... ولا سبيل هنا إلى ذكر أسماء تلك المخطوطات فهي إلى الكثرة والتنوع ما هي !
وقل مثل هذا في مخطوطات أصول الدين وعلم الكلام والفلسفة. وإليك مثلًا كتاب «أبكار الأفكار» لأبي الحسن الآمدي. لماذا لم يطبع هذا الكتاب إلى الآن؟ وأساتذتنا وزملاؤنا الجامعيون يلجأون إلى مخطوطات هذه العلوم ويجدون عناء باهظاً في الحصول على هذه المخطوطات, وفي التعامل معها, ويتمنون اليوم الذي يرون فيه هذه الآثار منشورة مطبوعة.
مخطوطات تاريخية كثيرة:
وتحتل كتب التاريخ مكانة عالية في المكتبة العربية. ولعل علم التاريخ أكثر ما صُنِّف فيه من بين علومنا الأخرى, حيث يتنوع التأليف فيه بين التاريخ العام, كتصانيف الطبري وابن الأثير وابن كثير, وبعض تصانيف الذهبي والصفدي والعيني وابن شاكر الكتبي, إلى التاريخ الخاص, وهو ما يعرف بكتب الطبقات والتراجم, ثم التاريخ على البلدان كتواريخ مكة والمدينة والقدس وبغداد ودمشق ومصر. وتتسع بعض كتب الطبقات لمعارف تراثية أخرى غير التاريخ, كالذي نراه عند التاج السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى».
ومع هذا القدر الضخم المطبوع من كتب التاريخ فلا تزال هناك أصول مخطوطة كثيرة من هذا العلم ينبغي أن تنشر وتذيع, منها كتاب «عيون التواريخ» لابن شاكر الكتبي, ثم يأتي على رأس هذه الأصول التاريخية المخطوطة كتاب «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» لمؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي. وهذا الكتاب أضخم مؤلفات الذهبي التاريخية, ثم هو أوسع التواريخ العامة حتى عصره, تناول فيه تاريخ الإسلام من بدء الهجرة النبوية حتى سنة 700 هـ, فحصر مادة ضخمة في نطاقة الزماني الممتد عبر سبعة قرون كاملة, وفي نطاقه المكاني الشامل لجميع الرقعة الإسلامية التي امتد إليها الإسلام من الأندلس غرباً إلى أقصى المشرق, وقد شمل الحوادث الرئيسة التي مرت بها الجماعة الإسلامية منذ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وتعاقب الأحداث والدول في شتى أنحاء العالم الإسلامي حتى نهاية القرن السابع الهجري, كما تضمن تراجم المشهورين في كل ناحية من نواحي الحياة, ولم يقتصر على فئة معينة منهم, وتُقدَّر تراجم هذا الكتاب بأربعين ألف ترجمة, كما ذكر الدكتور بشار عواد معروف في دراسته عن «الذهبي», وقد جمع مخطوطات هذا الكتاب العظيم.
ونأتي إلى كتب الأدب. والمطبوع منها يملأ الأرجاء, بحيث يظن الظان أنه لا زيادة لمستزيد, لكن المعنيين بجمع الكتب والمشتغلين بعلم المخطوطات, والمتابعين لما يُنشر من فهارسها يعلمون أن هناك قدراً كبيراً من صغار كتب الأدب وكبارها لم يعرف طريقه للمطبعة. ولندعْ صغار كتب الأدب إلى كبارها ونذكر ببعض المجاميع الشعرية والنثرية التي ما زالت مخطوطة, فمنها كتاب جليل القدر هو «الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي» لأبي الفرج المعافي بن زكريا المتوفى سنة 390 هـ. ومنها كتاب «جمهرة الإسلام ذات النثر والنظام» للشيزري المتوفَّى نحو سنة 617 هـ. وهذا الكتاب مرتب على ستة عشر كتاباً في الفنون الأدبية, وفي كل كتاب عشرة أبواب.
أشهر مخطوطة شعرية:
ومن أحفل هذه المجاميع الأدبية كتاب «السفينة» لابن مبارك شاه المصري المتوفى سنة 862 هـ, وهو كتاب حاشد جمع فيه مؤلفه مختارات من دواوين الشعراء وأخبارهم وتراجمهم, ومن بدائع المنثورات والحكايات ومنتخبات من مئات الكتب الطريفة في شتى الفنون والعلوم. ويقع مخطوط هذا الكتاب في أربعة عشر مجلداً ضخماً.
ونأتي إلى أشهر مجموعة شعرية مخطوطة, وهي كتاب «منتهى الطلب من أشعار العرب» لمحمد بن المبارك بن محمد ميمون, الذي كان حيّاً سنة 589 هـ.
قال في مقدمته: «هذا كتاب جمعت فيه ألف قصيدة واخترتها من أشعار العرب الذين يُستشهد بأشعارهم. وجعلته عشرة أجزاء, وضمَّنتُ كل جزء منها مائة قصيدة, وأدخلتُ فيها قصائد المفضليات وقصائد الأصمعي التي اختارها, ونقائض جرير والفرزدق, والقصائد التي ذكرها ابن دريد في كتابه الشوارد, وخير قصائد هذيل, والذين ذكرهم ابن سلَّام في الطبقات».
وقد استفاد ناشرو الشعر من هذه المجموعة, ورجعوا إليها في مخطوطتها عشرات المرات في جمع وتوثيق شعر الشعراء المقلِّين والمكثرين, ويوجد منها مجلدان مخطوطان.
وهذه المجموعات الأدبية المخطوطة فضلًا عما تحتويه من إضافة عزيزة لمواريثنا الأدبية, تكمل نقصاً ظاهراً في بعض ما انتمى إلينا من هذه المواريث, فإننا لا نعدم منها القطعة والبيت والبيتين والثلاثة من شعر الشعراء الذين طُبعت دواوينهم المخطوطة, أو جُمعت جمعاً.
وبعد ... فهذا حديث موجز مقتضب عن تلك الحلقات المفقودة من تراثنا المطبوع. وهي حلقات توجد مخطوطاتها مفرقة في مكتباتنا ومكتبات العالم, تنتظر صلاح الأزمان وهمم الرجال لنشرها وإذاعتها.

* * *

دار الكتب .. ونشر التراث في مصر (59)

في أوائل الستينات أخذتُ طريقي إلى دار الكتب المصرية, طالب علم يلتمس رزقه في نسخ المخطوطات العربية, وكانت الدار يومئذ تقف في ذلك المكان المعروف بميدان باب الخلق, مهيبة شامخة, فكان الداخل إليها لا يملك إلا أن يُنشد قول الشريف الرضي, وقد نظر إلى مدينة الحيرة وآثارها:
شهدتْ بفضل الرافعين قبابها ... ويبينُ بالبنيان فضل الباني
ثم يترحم على رافع الدار وبانيها «علي باشا مبارك».
وكنت بالغدو والآصال أمر على قسم المطبوعات بالدار, فأجد أشتاتاً من نفائس المطبوعات التي أخرجتها الدار وعرضتها بأبخس الأثمان. وكنت أرى الناس أفواجاً ومن كل بقعة يتزاحمون على شراء هذه المطبوعات لنفاستها ورخصها.
وفي تلكم الأيام أيضاً رأيت بقية من هذه الطائفة الجليلة من أشياخ العلم التي كانت تقوم على تصحيح الكتب بالدار, فيما كان يعرف بالقسم الأدبي, وكان هناك رجل من أفاضل الناس, هو الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم, رحمه الله, الذي كان يتعهد هذه الذُّبالة المرتعشة, ويمدها بالزيت حتى لا تنطفئ.
ثمَّ تمادت بي الأيام, فنسختُ وقرأتُ وأبصرتُ وسمعتُ وسألتُ. وكان مما عُنيتُ به التأريخ لنشر التراث العربي, في ديارنا وغير ديارنا - على ضعفي وقلة حيلتي - وقد رأيت هذا التاريخ يسير في مراحل مختلفة, ورأيت مطبوعات دار الكتب المصرية تمثل من هذه المراحل مرحلة متميزة غاية التميز, هي بالقياس إلى ما سبقها من مراحل تمثل مرحلة النضج والكمال, من حيث استكمال الأسباب العلمية, واصطناع الوسائل الفنية المعينة على إخراج التراث إخراجاً دقيقاً, يقوم على جمع نسخ الكتاب المخطوطة, والمفاضلة بينها, ثم اتخاذ إحدى النسخ أُمّاً أو أصلاً, وإثبات فروق ا لنُسخ الأخرى, وما يتبع ذلك من إضاءة النص ببعض التعليقات والشروح, وصنع الفهارس التحليلية الكاشفة لكنوز الكتاب, وما يسبق ذلك كله من التقديم للكتاب وبيان مكانه في المكتبة العربية, وموضعه من كتب الفن الذي يعالجه, تأثراً وتأثيراً, ثم الترجمة لمؤلفه.
ولابد من الاعتراف بأن ذلك المنهج الذي أصَّلته مدرسة دار الكتب المصرية للمحققين العرب, قد تأثر إلى حد ما بمناهج المستشرقين الذين شُغلوا بتراثنا, ونشطوا لإذاعته ونشره, منذ القرن الثامن عشر الميلادي أو قبله بقليل.
المكتبة الزكية:
وكان صاحب الفضل في مد الجسور بين مصر وأوروبا - فيما يتصل بنشر التراث - أحمد زكي باشا, الذي اتصل بعلماء الاستشراق, ومثَّل مصر في مؤتمراتهم. وهذا أحمد زكي باشا رجل من رجال مصر الأفذاذ, كان من كبار الكُتَّاب والخطباء, ولد بالإسكندرية عام 1867م. وتخرج بمدرسة الحقوق بالقاهرة, وأتقن الفرنسية, وكان يفهم الإنجليزية والإيطالية, وقام بفكرة إحياء الكتب العربية, وأحكم صلته برجالات العرب في جميع أقطارهم. وكان شديد الحب للعربية, ولقب نفسه بشيخ العروبة, وسمَّى داره بيت العروبة, وجمع مكتبة في نحو عشرة آلاف كتاب, ووقفها, فنُقلت بعد وفاته إلى دار الكتب وسُميت فيها: المكتبة الزكية, توفي سنة 1934م.
يقول عنه شيخي عبد السلام هارون رحمه الله: «ولعل أول نافخ في بوق إحياء التراث العربي, على المنهج الحديث في مصر, هو المغفور له أحمد زكي باشا, الذي قام بتحقيق كتاب «أنساب الخيل» لابن الكلبي, و «الأصنام» له أيضاً, وقد طُبعا في المطبعة الأميرية - مطبعة بولاق - سنة 1914م باسم لجنة إحياء الآداب العربية التي عُرفت فيما بعد في دار الكتاب المصرية باسم القسم الأدبي, ولعل هذين الكتابين مع كتاب «التاج» للجاحظ الذي حققه أيضاً في السنة نفسها, من أوائل الكتب التي كُتب في صدورها كلمة «بتحقيق», كما أن تلك الكتب قد حظيت بإخراجها على أحدث المناهج العلمية للتحقيق, مع استكمال المكملات الحديثة, من تقديم النص إلى القراء ومن إلحاق الفهارس التحليلية.

ويضاف إلى ذلك أنه أول من أشاع إدخال علامات الترقيم الحديثة في المطبوعات العربية, وألف في ذلك كتاباً, سمَّاه: «الترقيم في اللغة العربية» طُبع في مطبعة بولاق, سنة 1903م. ومما حققه شيخ العروبة أيضاً كتاب: «نَكْت الهِمْيان في نُكَت العميان» لصلاح الدين الصفدي. ونشره بمطبعة الجمالية سنة 1911م, ثم قدَّمه إلى أعضاء المؤتمر الدولي الرابع لتحسين حالة العميان.

وعلى وقع خطوات أحمد زكي باشا, وبهدي من توجيهه وإرشاده, تكوَّن القسم الأدبي بدار الكتب المصرية, امتداداً للجنة إحياء الآداب العربية التي أسسها شيخ العروبة, وطبع تحت شعارها «أنساب الخيل» و «الأصنام». وقد قام هذا القسم الأدبي بعبء ضخم حين نشر عيوناً مما تركه أهل العلم من آبائنا الأولين.

ولقد كان هذا القسم مدرسة كبرى في القدوة المثالية للمحققين المعاصرين, وكان يضم مشيخة جليلة من العلماء الكرام البررة, الذين أخلصوا لله فيما أسند إليهم, أذكر منهم: أحمد زكي العدوي, والشاعرين أحمد الزين وأحمد نسيم, وعبد الرحيم محمود, ومحمد عبد الجواد الأصمعي, ومحمد عبد رب الرسول, والعالم الجزائري الشيخ إبراهيم أطفيش. ومما يُستطرف ذكره هنا أن الشيخ محمد الخضر حسين, العالم التونسي الجليل قد عمل زماناً مصححاً بدار الكتب المصرية.
وهذا الشيخ الخضر حسين التونسي المولد والنشأة قد تولى مشيخة الأزهر, أول قيام الثورة المصرية. وهذا من أكبر الدلائل على أن مصر لا تعرف التعصُّب.
عناية بالتراث:
وقد بدأ القسم الأدبي نشاطه في إذاعة التراث ونشره من خلال مطبعة بولاق الكبرى, وكان من ذلك موسوعة «صبح الأعشى» للقلقشندي الذي ظهر في 14 مجلداً سنة 1920م باسم دار الكتب المصرية, ثم أنشأت الدار مطبعة خاصة بها, جمعت لها كل أسباب الجودة والإتقان, فخرج الكتاب التراثي من هذه المطبعة في أبهى حلة وفي أنقى صورة, وتستطيع أن تقول في اطمئنان أنها أول مرة تحظى كتب التراث بتلك العناية الفائقة, وافَتحْ جزءاً من كتاب «الأغاني» أو «تفسير القرطبي» واعجَبْ ما شئتَ لهذا السخاء في جمال الحرف وتنسيق السطور واتساع حواشي الصفحات, ثم دقة التصحيح والمراجع, ولا يكاد يشبه مطبوعات الدار هذه إلاَّ مطبوعات لجنة التأليف والترجمة النشر, مثل: «سمط اللآلي», و «إمتاع الأسماع» للمقريزي, و «شرح الحماسة» للمرزوقي, ومطبوعات دار المعارف في أيامها الأولى.
ولعل أول كتاب صدر عن القسم الأدبي عن مطبعة الدار هو «نهاية الأرب» للنويري الذي بدأت طبعه محققاً سنة 1923م, وقد كانت الصيحة المدوية لدار الكتب المصرية تبنِّيها لطبع كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني, بعد طبعات سابقة في مصر وفي أوروبا, وقد تكفَّل بنفقات طبعه رجل من أعيان مصر هو «السيد على راتب» المتوفى سنة 1955م. وصدر الجزء الأول منه سنة 1927م, وحظي بعناية كاملة, في إعداد الأصول, ودقة التصحيح, وصنع الفهارس التحليلية, في نهاية كل جزء من أجزائه.

وفي مطبعة دار الكتب المصرية, وعلى منهجها القويم, خرجت هذه النفائس: تفسير القرطبي (عشرين جزءاً), والنجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة لابن تغري بردي (12 جزءاً), وكان صاحب الفضل في نشر هذا الكتاب, عبد الخالق ثروت باشا رئيس وزراء مصر, سنة 1922م, فهو الذي أشار على الدار بطبع الكتاب, وكان لهذا الوزير عناية بالعلم ونشره, فقد كان عضواً في تلك الجمعية الخيرية التي قامت على نشر كتاب «المخصص» لابن سيده, سنة 1902م.
ومن إصدارات دار الكتب في ذلك الزمان: شروح سقط الزند, لأبي العلاء المعري (خمسة أجزاء), والتعريف بآثار أبي العلاء (مجلد ضخم), وعيون الأخبار لابن قتيبة (أربعة أجزاء), والطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز ليحيى بن حمزة العلوي (ثلاثة أجزاء), وأساس البلاغة للزمخشري (جزءان) والفاضل للمبرد والمعرَّب للجواليقي, ومعجم ألفاظ القرآن الكريم للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي, رحمه الله رحمة سابغة.

ومن دواوين الشعر: ديوان الهذليين (ثلاثة أجزاء), ودواوين: مهيار الديلمي (أربعة أجزاء), وزهير بن أبي سلمى, وابنه كعب, وحميد بن ثور, وسحيم عبد بني الحسحاس, وجِران العَوْد, ونابغة بني شيبان, وتميم بن المعز لدين الله الفاطمي. ومن الموسوعات التي بدأت الدار طبعها ولم تتمه: مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري, والمنهل الصافي لابن تغري بردي.
وتدور الأيام, وتضعف العزائم بضعف الرجال, ويدعو الداعي إلى شيء نُكُر, وهو إلغاء القسم الأدبي, يقول شيخنا عبد السلام هارون, رحمه الله: «ثم ضعفت العناية بهذا القسم, إلى أن تولى الأستاذ أمين مرسي قنديل إدارة دار الكتب, فقام بمجهود ضخم جدّاً, إذ حاول أن ينقذ هذا القسم من الفناء, فدبَّت الحركة فيه, ولكن الظروف لم تسعفه بتنفيذ فكرته النشيطة, وكاد القسم الأدبي في عهده يرتقي القمة في نشر موسوعات التراث, ولكن أطاحت بذلك فكرة خاطئة مغرضة, تزعم أن ليس من وظائف دور الكتب في أوروبا أن تضطلع بنشر التراث, وكأننا في جميع خطواتنا إنما نترسم أوروبا, في حقها وباطلها».

قلت: وحين تولى الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم أشلاء هذا القسم المذبوح, حاول أن ينفخ فيه, فصدر في أيامه: إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي, والخصائص لابن جني, ومعاني القرآن للفراء, والمعارف لابن قتيبة.

وفي منتصف الستينات أراد القائمون على دار الكتب إعادة القسم الأدبي, فيما سمَّوه: «مركز تحقيق التراث», وتكون غايته نشر أعمال تراثية, ثم إعداد جيل يتلقى فن التحقيق بوجه عملي, على يد بقية شيوخه وأعلامه, في رحاب دار الكتب حيث تتوفر المراجع: مخطوطة ومطبوعة. وقد وُفِّق هذا المركز في نشر بعض الكتب بتحقيق علماء لهم في تحقيق النصوص سابقة, ومعاونة نفر من الشباب أُريد تدريبهم على تحقيق النصوص. ومن هذه الكتب: ديوان ابن الرومي (ستة أجزاء), ومقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث, وكتاب الموسيقى الكبير للفارابي, والمذكر والمؤنث للمبرد, ولأبي البركات الأنباري, وكتاب الجواهر وصفاتها ليحيى بن ماسويه, ولا يزال هذا المركز قائماً, ولكن نشاطه قلَّ بصورة واضحة, ولعل الله يهيئ له من يقيل عثرته.
وقد أفسحت مطبعة دار الكتب المصرية مكاناً للهيئات العلمية من خارج مصر, فطبعت لحساب دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد - الهند, كتابين جليلين, أحدهما: «معرفة علوم الحديث» للحاكم النيسابوري, سنة 1937م, وثانيهما كتاب: «إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم» لابن خالويه, سنة 1941م.
وبعد ... إن لدار الكتب المصرية تاريخاً عريقاً في نشر الكتاب العربي, ولكن عوامل كثيرة من الاستلاب والمسخ والتشويه تحجب هذا التاريخ أو تطمسه. لكن القضية أكبر من ذلك: إن تاريخ مصر يُغتال, وإن صفحات رجالها تطوى, وإن أيامها تُغَيَّب. وكل ذلك يتم بأيدينا وأيدي غيرنا, ثم نقول: إن هذا الجيل ضعيف الانتماء لمصر! واللَّهُمَّ لا؛ إن في هذا الجيل خيراً كثيراً, لكن الذين يعرضون عليه أمجاد مصر يقفون به أحياناً عند مظاهر هينة جداً من تاريخ الأيام والرجال, ويذرون وراءهم أياماً عظيمة ورجالًا كباراً. وإن من أوجب الواجبات أن تُنشَر أمام هذا الجيل صفحاتنا المضيئة, ومن أهمها تاريخنا وجهادنا في طبع الكتاب العربي والإسلامي, فقد غبر زمان وجاء زمان وليس بين أيدي الناس - عرباً وعجماً - من جياد الكتب إلا ما طُبع بمصر.
ثم جاء الزمان النكد, ودارت آلات الطباعة الغاصبة (الأوفست) تأكل تاريخ مصر أكلًا وتغتال أيام الرجال اغتيالًا, فتنزع من فوق الأغلفة ومن خواتيم الكتب زمان ومكان الطبع, ثم تمادت فأسقطت أسماء المصححين والمحققين, ليقال بعد ذلك إن الحركة الثقافية قد انتقلت من مصر إلى البلد الفلاني والبلد الفلاني, ثم ليقال أيضاً:
كلا أبويكم كان فرعا دعامة ... ولكنهم زادوا وأصبحت ناقصا
ويعلم الله ... إنها ليست عصبية البلد تحملنا على ما نقول, ولكنها العصبية للحق المهدر, والغصب للتاريخ المهان, وربك يفعل ما يشاء.
* * *

لسان العرب لابن منظور (60)

خرج من مصر - تأليفاً وطباعة - أضخم معجمين في تاريخ المعاجم العربية: لسان العرب لابن منظور المتوفى 711 هـ, وتاج العروس من جواهر القاموس للمرتضى الزبيدي المتوفى في سنة 1205 هـ, ومع أن تاج العروس هو أغَزر المعاجم اللغوية مادة وأكثرها شمولًا, فإن لسان العرب قد ذهب بالشهرة كلها: لأسباب ودواعٍ يأتيك حديثها.
وابن منظور: هو أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرَّم بن علي الأنصاري الإفريقي المصري, ينتهي نسبة إلى الصحابي الجليل رُوَيْفع بن ثابت رضي الله عنه, وقد ذكر ابن منظور هذا النسب في مادة (جرب) من اللسان.
ولد ابن منظور يقيناً بالقاهرة سنة 630 هـ, ونشأ بها وتعلم وصنّف, وتوفي سنة 711 هـ, ودفن بقرافتها. و «الإفريقي» في نسبه معناها التونسي, فقد كانت إفريقية في ذلك الزمان يراد بها تونس الآن. وقد وُلد جد ابن منظور «علي» في تونس, ثم غادرها إلى القاهرة, وبها ولد ابنه «مكرَّم» والد ابن منظور, ثم ولد هذا وإخوته بها. وقد ذهب بعضهم إلى أن ابن منظور وُلد بتونس, وذهب آخرون إلى أنه ولد بطرابلس الغرب.
يقول الدكتور إحسان عباس: «وقد ثار في السنوات الأخيرة جدل حول منتمى ابن منظور, أملته النظرة الإقليمية, أهو إفريقي أم مصري ... ولو تأملت هذا الكلام من جميع هؤلاء الدارسين لتملكك العجب, ودهشت لهذا الذي يجري في الدراسات والتحقيقات, من استنامة إلى السهول والتساهل, مع أن الأدفوي يقول في البدر السافر: محمد بن مكرَّم الإفريقي المحِتد القاهري المولد. وهذا ابن سعيد يروي نقلًا عن المكرَّم نفسه والد محمد, أنه أي المكرَّم - ولد بالقاهرة. فإذا كان الأب نفسه ولد بالقاهرة فبأي حق يفتش الدارسون عن عبقرية إفريقية (تونسية) ولدى ابن منظور؟».
ومهما يكن من أمر فقد عرف ابن منظور بالاشتغال بالأدب, نظماً ونثراً, مع معرفة بالنحو واللغة والتاريخ, وتولى كتابة الإنشاء بالدولة, وكان كثير النسخ, ذا خط حسن، قد اشتهر باختصار الكتب.
التصنيف والتدوين:
ومع هذا النشاط الظاهر في الاشتغال بعلوم العربية واختصار مصنفاتها, فما عرف ابن منظور وما شهر إلا بكتابه العظيم: لسان العرب.
وقد جاء ابن منظور بعدما استقر التأليف المعجمي, واتضحت طرائقه ومدارسه. وقد بدأ التصنيف - كما هو معروف - موازياً للتدوين في علوم العربية, في النصف الأول من القرن الثاني, وتمثل ذلك في تلكم الرسائل الصغيرة التي تناولت موضوعات بعينها, مثل ما كُتب في خَلْق الإنسان والبهائم والحشرات, والإبل والخيل والنخل والنبات والمطر واللبن, وما كُتب في نوادر الأبنية, ثم ما كُتب في غريب القرآن والحديث. قام بهذا اللغويون الأوائل, مثل أبي خيرة الأعرابي, وأبي عمرو بن العلاء وأبي مالك الأعرابي, وأبي زيد, والأصمعي, وأبي عبيدة معمر بن المثنى, وأبي عُبيد القاسم بن سلاّم.
وفي ذلك الزمان أيضاً قام الخليل بن أحمد بتصنيف أول معجم متكامل, وهو المعجم الرائد «العين» الذي رتبه على مخارج الحروف. وبجانب هذا التأليف المعجمي الخالص الذي بدأه الخليل قام العلماء من النحاة واللغويين بصنع دواوين الشعراء وشرحها, من أمثال الأصمعي وتلميذه أبي نصر الباهلي, وأبي عمرو الشيباني وابن السكِّيت وثعلب والسكري. وقد قدَّم هؤلاء مادة لغوية غزيرة من خلال شرح ما صنعوه وما جمعوه من شعر.
هذا إلى اهتمام علماء كل فن وعلم باللغة, يقدمونها أمام كل بحث, ويُعْنَوْن بها قبل كل كلام. ولا عجب في هذا, فاللغة هي المدخل الحقيقي لمعرفة علومنا كلها وتاريخنا كله, والاستهانة بها والتفريط في قواعدها ورسومها إنما هي استهانة وتفريط بمعارفنا وعلومنا كلها.
وقد انتهى إلى ابن منظور حصاد طيب في التصنيف المعجمي, نظر فيه واستصفى منه خمسة كتب بنى عليها معجمه, وهذه الكتب بحسب ذكره لها: تهذيب اللغة للأزهري (370 هـ), المحكم لابن سيده (458 هـ), والصَّحاح للجوهري (حدود 400 هـ), والحواشي عليه لابن بَرَّي المصري (582 هـ) وتسمى هذه الحواشي: التنبيه والإيضاح عما وقع في الصَّحاح. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (606 هـ).
وتمثل هذه المراجع الخمسة ثلاث مدارس في التأليف المعجمي: المدرسة الأولى, مدرسة ترتيب المواد اللغوية وفق مخارج الحروف, وهي مدرسة الخليل بن أحمد, ويمثلها من هذه الكتب: التهذيب والمحكم. والمدرسة الثانية: التي ترتب المواد على الجذور اللغوية (أصل الاشتقاق) واعتبار الحرف الأخير منها باباً, والحرف الأول فصلًا, مع مراعاة الترتيب الألِفبائي فيما بين حرفي الباب والفصل.
ويمثل هذه المدرسة الصَّحاح وحواشيه. والمدرسة الثالثة: التي ترتب المواد وفق الأول والثاني والثالث. ويمثلها النهاية.
وقد ارتضى ابن منظور من مناهج هذه المدارس منهج المدرسة الثانية, مدرسة الصَّحاح, ورتب كتابه على أساسها, وأخضع المدرستين الأخريين لها. وقد صدَّر ابن منظور معجمة بمقدمة أبان فيها عن منهجه, وأنبأنا أنه تغيَّا من تأليفه هذا غايات ثلاثاً:
الغاية الأولى تعليمية, وتمثلت في نقده لطريقة ترتيب المواد وفق المخارج, ويصف ذلك بقوله: إنه «مطلب عسر المهلك, ومنهل وعسر المسلك, وكأن واضعه شرع للناس مورداً عذباً وحلَّأهم عنه».
غيرته على العربية:
والغاية الثانية غاية دينية, يقول: «إنني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها, إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية».
وتأتي الغاية الثالثة, ويمكن أن نسميها غاية قومية وطنية, باعثها الغيرة على العربية والعصبية لها, بعد أن اطرح الناس الحديث بالعربية, وهجروها إلى اللغة الأعجمية وهي التركية في ذلك الزمان - يقول ابن منظور: «وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان, حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يُعد لحناً مردوداً, وصار النطق بالعربية من المعايب معدوداً, وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية, وتفاصحوا في غير اللغة العربية, فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون, وصنعته كما صنع نوحٌ الفُلك وقومه منه يسخرون».
هذا ما قاله ابن منظور منذ سبعمائة عام عن حال اللغة العربية بإزاء اللغة الأجنبية, فماذا نحن قائلون الآن؟
ويصرّح ابن منظور في مقدمته بأن عمله في معجمه لم يخرج عن حدود ما في مراجِعِهِ الخمسة, فيقول: «وليس لي في هذا الكتاب فضيلة أمُتّ بها ولا وسيلة أمسك بسببها سوى سوى أني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب من العلوم ... فمن وقف فيه على صواب أو زلل أو صحة أو خلل فعهده على المصنف الأول, وحمده وذمه لأصله الذي عليه المعول؛ لأنني نقلت من كل أصل مضمونه, ولم أبدّل منه شيئاً فيقال: «فإنما إثمه على الذين يبدلونه».
وقد أغرى هذا الكلام كثيراً من الباحثين, وثبَّت لديهم أن ليس لابن منظور في «اللسان» إلا الجمع والترتيب. والحقيقة أن هذا الكلام جرى على لسان ابن منظور على سبيل التواضع وهضم النفس, وهو نمط من الكلام معهود عند كثير من أهل العلم فينا الذين لا يذهبون عن أنفسهم, ولا يتعلقون بالباطل فيضعون أنفسهم فوق هامات السابقين, وإنما يظهر الكِبرَ ويفشوا العُجْب بالنفس عندما تضعف العزائم وتصغر النفوس.
فابن منظور لم يقف عند هذه الكتب الخمسة وحدها, فقد استطرد إلى ذكر فوائد من قراءاته وسماعاته, وحكى عن معاصريه من العلماء, ونقل نقد العلماء لما بين يديه من موارد.
هذا وقد ضمّ «اللسان» قدراً هائلاً من المواد اللغوية, ممزوجة بمعارف أخرى استمدها من مراجعه الخمسة المذكرة بمناهجها واهتماماتها المختلفة: فقد أخذ من تهذيب الأزهري هذا القدر الضخم من الأبنية والمترادفات والمشترك اللفظي, وشاهد القرآن الكريم والحديث الشريف, وأشعار العرب وأقوالها وأمثالها, إلى جانب ذلك الاهتمام المبكَّر بالناحية البلدانية الجغرافية التي استوعب بها الأزهري التعريف بكثير من بلدان ومواضع ومياه الجزيرة العربية, مما كان أساساً للجغرافيين العرب من بعد, مثل أبي عبيد البكري في «معجم ما استعجم», وياقوت في «معجم البلدان», وللغويين الذين اهتموا بالمواضع والبلدان, من أمثال الفيروزآبادي في «القاموس المحيط», والزبيدي في «تاج العروس».
ثم أخذ عن الجوهري وابن سيده ما ضمَّناه معجميهما من التوجيهات النحوية والصرفية وقضايا الاشتقاق.
ومن ابن بري أخذ عنايته الفائقة بتصحيح الشواهد الشعرية وتحريرها ونسبتها. ومن ابن الأثير شرحه لغريب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكلام الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين.
الأدب سبيل المعرفة:
أخذ ابن منظور هذا كله, وأضاف إليه قراءاته ومسموعاته, وأحسن جمعه وترتيبته, وأجاد عرضه, وأعانه على ذلك اشتغاله بالأدب. وقد كان الأدب ولا يزال خير سبيل لإيصال المعرفة, وسرعة انصبابها إلى السمع, واستيلائها على النفس, والبليغ يضع لسانه حيث أراد, ويمهّد لنفسه طريقاً إلى كل قلب, وإنك لتجد كثيراً من الدراسات قد جمعت فأوعت, لكنها لم تبلغ مبلغها من النفع والفائدة لجفافها وعُسْرها وتجافيها عن الأدب.
وبذلك أصبح «لسان العرب» كتاب العربية, يجد فيه طالبه كل ما يريد, وأصبحت قراءته متعة تُطلَب لذاتها, إذ سلم من جفاف المعاجم التي تقف عند حدود الدلالة وشرح اللفظ المفرد أو التركيب المعزول عن سياقه, وكم عرفنا من أدباء وعلماء يديمون قراءة «اللسان» كما يقرأ أحدهم كتاباً للشافعي أو الجاحظ أو أبي حيان.
وقد أخبرني شيخي محمود محمد شاكر - حفظه الله - أنه قرأ «لسان العرب» كله وهو تلميذ بالثانوي, ثم أخبرني أيضاً أن أمير الشعراء أحمد شوقي قرأ «اللسان» كله. قلت: ولعل هذا يفسر لنا «معجم شوقي الشعري» - والنثري أيضاً في أسواق الذهب - هذا المعجم الذي يدهشنا بهذه الألفاظ والتراكيب الضاربة في الفصاحة بعروقها.
وما أحرانا أن ندفع أبناءنا في كليات الدراسات العربية والإسلامية, إلى قراءة المعاجم, وكثرة التفتيش فيها والصبر عليها, بدلًا من وقوفنا بهم عند حدود تلك الدراسات النظرية, التي تتناول نشأة المعجم ومدارسها, ثم تنتقل إلى ذكر عيوب المعجم العربي. ولئن سلّمنا ببعض هذه العيوب فإنها مما لا ينبغي أن تعرض على طالب العلم في مراحله الأولى, بل يؤجل ذلك وأشباهه إلى مراحل الدراسات العليا, لأنه لا يصح بحال أن نكشف لصغار الطلبة - وهم في هذه المرحلة الجامعية الأولى - عن أبواب النقد هذه, وأن ندلهم عليها, فإن مداركهم تقصر عن إدراك تلك المرامي البعيدة, فضلًا عما يحدثه ذلك في نفوسهم من زلزلة وبلبلة قد تزهِّدهم في العلم كله.
ومن آدابنا في ذلك ما ذكره أبو داود في رسالته إلى أهل مكة, قال: «إنه ضرر على العامة أن يُكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث: لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا», قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: «وهذا كما قال أبو داود, فإن العامة تقصر أفهامهم عن مثل ذلك, وربما ساء ظنهم بالحديث جملة إذا سمعوا ذلك» - شرح علل الترمذي ص 534.
طبعات اللسان:
كان من حظ كثير من آثارنا الكبرى أن تطبع في ذلك الزمان الرخيّ المهنئ, حيث كانت مصر تُشع علماً وحضارة, فعلماؤها مستقرون, ومكتباتها زاخرة, ومجالس العلم بها مشهودة, واحترام العربية باسط سلطانه, والحياء عاصم, والنقد بالمرصاد.
وكانت مطبعة بولاق الكبرى في ذلك الزمان منارة علم باذخ, ومركز ضوء باهر, وقد طبعت من أصول العلم وكبار الكتب ما أخرج الناس من الظلمات إلى النور. وكان من أجلّ مطبوعاتها «لسان العرب» ما بين سنتي 1300 هـ - 1307هـ, وقد اجتمع لهذه الطبعة من آيات الإتقان والكمال ما لم يجتمع في كتاب: فالنُسَخ المخطوطة جيدة, والضبط كامل تغلب عليه السلامة, والتصحيح دقيق, حيث كان يتولى التصحيح بمطبعة بولاق مشيخة جليلة من علماء الأزهر الشريف. وقد جاءت هذه الطبعة في عشرين مجلداً من القطع الكبير, متوسط كل مجلد 450 صفحة.
ثم كانت النشرة الثانية للكتاب بدار صادر ببيروت سنة 1955 م في 65 جزءاً صغيراً جُعلت بعد ذلك في 15 مجلداً, ويقول عن هذه النشرة شيخنا عبد السلام هارون رحمه الله: «وكان من المتوقع أن تسلم هذه النشرة من كثير من أخطاء النشرة الأولى, ولكن من المؤسف أن الأخطاء والتحريفات التي وردت في النشرة الأولى, أي طبعة بولاق, قد زيد عليها كثير من أمثالها, وإن كان من الحق أن بعض الأخطاء القديمة قد عولج فيها بنسبة ضئيلة جداً» - تحقيقات وتنبيهات في معجم لسان العرب ص 4, 5.
وفي السنوات الأخيرة أصدرت دار المعارف بمصر طبعة ثالثة من اللسان بعد أن غيرت ترتيبه من نظام التقفية (الباب والفصل) إلى الترتيب على الحرف الأول والثاني والثالث, كما رتب الزمخشري معجمه «أساس البلاغة», والفيومي معجمه «المصباح», وإن كان هذا الترتيب أقدم من الزمخشري والفيومي, وتفصيل ذلك في غير هذا المكان.
عمل غير صالح!
وهذا الذي أقدمت عليه دار المعارف, في نظري عمل غير صالح؛ لأن فيه جرأة على أعمال السابقين, وقد قال أصحاب دار صادر في نشرتهم للسان: «وأشير علينا أن نغيّر ترتيب «اللسان», ولكنا آثرنا أن يبقى على حاله حفظاً للأثر من أن يُغَيَّر» وهذا هو الحق والصواب, فإن ابن منظور - ومن قبله الجوهري - قد رتّب معجمه على اعتبار آخر الكلمة وأولها بعد تجريدها من الزوائد, لأسباب اقتضت ذلك, ومن أهم هذه الأسباب أن آخر الكلمة ثابت تصريفاً واشتقاقاً, وإنما تطرأ الزيادة والتغيير على الأول والحشو (الوسط). وإعادة ترتيب المادة المعجمية على الأول والثاني ينقض ذلك فضلًا عما يحدثه من تعريض منهج المؤلف للاضطراب, من حيث اختلال الإحالات والإرشادات تقديماً وتأخيراً, فالمؤلف يقول وفق منهجه: تقدم ذلك, أو: سيأتي, ولا يستقيم هذا على المنهج المقلوب, فقد يكون المقدم آتياً, والآتي مقدماً.
ويرتبط بتلك الدعوة دعوة أخرى خطيرة, وهي ترتيب المادة اللغوية داخل المعجم على ظاهر اللفظ, دون رعاية للتجريد والزيادة. وفي هذا إضاعة لعلم كبير من علومنا, هو علم الصرف والاشتقاق. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا: أن بعض علمائنا الأقدمين قد ذكر في معجمه بعض الألفاظ على ظاهر لفظها لشيوع الكلمة بشكلها هذا, لكنه كان ينبِّه في كل مرة إلى أن أصل الكلمة هو كذا.
ومن هؤلاء العلماء ابن الأثير المتوفى سنة 606 هـ في معجمه: «النهاية في غريب الحديث والأثر», وهو من المعاجم المتخصصة التي رتبت المادة على الأول والثاني والثالث, فقد ذكر في باب الحاء والدال والهاء حديث: «فجعلتهُ في قبر على حدة» ثم قال: «أصلها من الواو, فحذفت من أولها وعوّض منها الهاء في آخرها, كعدة وزنة من الوعد والوزن, وإنما ذكرناها هنا لأجل لفظها».
لكننا إذا رتبنا معاجمنا كلها على هذا المنهج, ونبها في كل مرة على الأصل الاشتقاقي تضخمت تلك المعاجم جداً فيما لا غناء فيه ولا طائل تحته.

أما ما يقال عن التيسير والتسهيل فهو كلام من يظن أن أبناء العربية كلهم صاروا تلاميذ في مرحلة التعليم الثانوي أو ما هو دونه, وأننا قد تحولنا جميعاً إلى طبقة من العوام لا تقوى على المناهج الموروثة, ولا تطول يدها الكتب الكبار, واللهم لا ! ولا ينبغي أن يكون التيسير والتسهيل سبيلًا إلى طمس المعالم وهدم الحدود.
ومن وراء ذلك كله فإن السالك هذا السبيل لا يأمن العثرة بعد العثرة, والزلة إثر الزلة, وما أريد أن أطيل بذكر الأمثلة والشواهد, لكنني أشير هنا إلى عملين تراثيين سلكا هذا المسلك, وما كان ينبغي لهما ذلك, أولهما: كتاب «معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع» لأبي عبيد البكري الأندلسي المتوفى 487 هـ, وقد نشره الأستاذ مصطفى السقا رحمه الله سنة 1945م. والكتاب في أصل وضعه مرتب على ا لأبجدية المغربية التي تخالف الأبجدية المشرقية في ترتيب الحروف, وحين نشره الأستاذ السقا أعاد ترتيبه على أبجديتنا المشرقية المعروفة, وقد أدى هذا إلى اختلال في إحالات المؤلف تقديماً وتأخيراً. قد تربك القارئ الذي لم يقرأ مقدمة الأستاذ المحقق. ثم إنه رحمه الله قد تصرف في الكتاب تصرفاً آخر أشار إليه في مقدمته.
ومن العجيب حقاً أن الناشر الأول للكتاب, هو المستشرق الألماني «وستنفلد» حافظ على ترتيب المؤلف للكتاب, وذلك في نشرته التي صدرت بجوتنجن بألمانيا سنة 1876م, ثم أضاف إليه فهرسة على ترتيب أهل المشرق للحروف, فأحسن كل الإحسان.
والمثال الثاني: كتاب «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» - الصحابة رضي الله عنهم - لابن عبد البر القرطبي المتوفى 463 ه،. وقد رتب كتابه هذا أيضاً على ترتيب الحروف عند المغاربة, فجاء ناشره الأستاذ علي محمد البجاوي رحمه الله, وقلب هذا الترتيب ورده إلى الترتيب المشرقي, وقد أدى ذلك إلى سقوط بعض التراجم التي استدركها الناشر في آخر طبعته.
فالحق والصواب أن تُترك الكتب كما وضعها مؤلفوها, ثم يُلجأ إلى الفهارس والكشافات تيسيراً وتسهيلاً, كما فعل «وستنفلد» في نشرته لكتاب البكري, وكما صنع شيخنا عبد السلام هارون رحمه الله في فهارس «تهذيب اللغة» للأزهري, ومن الطريف هنا أن شيخي محمود محمد شاكر حفظه الله لا يزال حريصاً على ترتيب مواد اللغة على طريقة الباب والفصل (أصل الاشتقاق).
إنَّ البرّ بتراث الآباء والأجداد, واحترام التاريخ, يقتضينا أن نأخذ بأيدي أبنائنا إلى ذلك الموروث, نخوض بهم لُجَجَه, ونسلك معهم دروبه, ونفتح لهم مقفله, وهكذا تتواصل أجيال المعرفة, فيحرص اللاحق على إرث السابق, ويصونه كما يصون كرام الأبناء ودائع الآباء. أما إذا لجأنا إلى إعادة الترتيب والاختصار وما أشبههما فإننا نباعد بينهم وبين تاريخهم, ونتركهم كالذي لا يعرف من النهر الكبير إلا ما يأتيه به الجدول الصغير.

* * *

الشيخ مصطفى إسماعيل وقرَّاء مصر (61)

كانت نفحة عطرة, تلك التي نشرها قلم الشاعر الناقد (السمِّيع) الأستاذ كمال النجمي - أطال الله في النعمة بقاءه - وذلك في كتابه «الشيخ مصطفى إسماعيل - حياته في ظل القرآن».
والحديث عن الشيخ مصطفى إسماعيل, رحمه الله, يستدعي تاريخاً عريضاً ممتداً عن إقراء القرآن وقراءته بمصر, وهو تاريخ حافل بكل عجيبة وغريبة. ولقد سمعنا من أهل العلم في ديارنا وغير ديارنا هذه الكلمة المأثورة: «القرآن الكريم نزل بمكة وقُرئ في مصر وكُتب في استانبول», وهي كلمة حكيمة يصدقها التاريخ ويؤكدها الواقع, ولولا ضيق المقام لكان لي فيها تفسير وبيان.
ولقد أثَّرت طريقة أداء القرَّاء المصريين في قرَّاء الدنيا شرقاً وغرباً, وخاصة بعد شيوع آلات الإيصال الحديثة من المذياع والأسطوانات والأشرطة, ولقد أذكر أني دُعيت إلى مؤتمر علمي في الموصل بالعراق سنة 1982م, وذات يوم كنا نتجول في شوارع الموصل تلك المدينة صاحبة التاريخ, فانتهى إلى سمعي صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد يجلجل من بعض المحلات التجارية, فقلت بصوت مسموع: الشيخ عبد الباسط هنا ! فرد علي العالم العراقي الكبير الدكتور حسين علي محفوظ: «يا أخي, نحن العراقيين كانت لنا لحون خاصة وأداء خاص للقرآن الكريم حتى كان عام 1948م وتوفيت الملكة «عالية» وجاءنا قارئان من مصر لإحياء ليالي المأتم: الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي, والشيخ أبو العينين شعيشع, فأُعجِب الناس بها إعجاباً شديداً استحال إلى محاكاة وتقليد للأداء المصري وهجر القرَّاء العراقيون طريقتهم «المأثورة».
وفي سنة 1971م كنت في زيارة لمدينة «أدرنة» بشمال تركيا, وفي مسجد السلطان سليم استقبلنا مقيم الشعائر بالمسجد, وما أن علم أننا مصريون حتى هش وبش وقال بالحرف: ما شاء الله, مصر, أزهر شريف, أنا الشيخ يوسف, سلموا على الشيخ مصطفى إسماعيل, فأنا أحبه كثيراً, لقد جاء إلينا وقرأ في هذا المسجد, ثم انطلق يردد بصوت عال آيات من سورة آل عمران جهد أن يقلد فيها صوت الشيخ مصطفى.
واستمع إلى قرَّاء القرآن الآن في الباكستان والهند والصين, وبلاد جنوب شرقي آسيا, تجد لهذا الذي ذكرتُه من التأثير المصري أشباهاً ونظائر, بل إن التسجيلات التي ملأت مصر الآن لقرَّاء الحرمين الشريفين, والتي يعجب بها الناس إعجاباً شديداً, للمشايخ: علي الحذيفي, وإبراهيم الأخضر, وعلي باجابر, وعبد الرحمن السديس, إنما يظهر الأثر المصري فيها واضحاً جداً لمن يعرفون الأصوات وتاريخ الشعوب في قراءة القرآن, {ولقد يسرنا القرآن للذِكر} [القمر: 17].
لكن الأمر كاد يخلص لمصر في القرنين الأخيرين, فتربع قراؤها على عرش الإقراء: رواية ودراية, وصارت الرحلة إليهم من الشرق والغرب, ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة: منها بروز الأزهر الشريف قوة كبرى مؤثرة بعد الحملة الفرنسية, وتأثير رجاله على الحياة العامة: سياسيّاً واجتماعيّاً, ومنها استقرار الأوضاع وازدهار الحياة بمصر أيام محمد علي وذريته, ومنها - وهو الأهم - إنشاء مطبعة بولاق والمطابع الأهلية الأخرى, وفي هذه المطابع خرجت منظومات علم القراءات ومتونه: كالشاطبية وشروحها, وطيبة النشر, والمقدمة الجزرية, وغير ذلك مما لا يحصى الآن. ثم كان أبقى أثر وأخلده هو «مصحف الملك فؤاد» الذي طُبع بمصر سنة 1337 هـ وقد قام بتصحيحه ومراجعته على أمهات كتب الرسم والضبط والقراءات: الشيخ محمد بن علي بن خلف الحسيني, وحفني بك ناصف, والمشايخ مصطفى عناني, وأحمد الإسكندري, ونصر العادلي, وهذه الطبعة هي أصح طبعة للقرآن الكريم بشهادة أهل العلم والخبرة.

ثم كانت الوثبة الكبرى في طريق علم القراءات بمصر هي إنشاء معهد خاص للقراءات تابع لكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف عام 1943م, وفي هذا المعهد تخرجت أجيال حافظة للقرآن ضابطة لقراءاته وعلومه.

ويذكر التاريخ أسماء عظيمة لمعت في سماء مصر في القرنين الأخيرين, وخدمت كتاب الله إقراء وتأليفاً, ورحل الناس إليهم من كل مكان لمشافهتهم والتلقي عنهم ومنهم.

نعمةٌ من الله:
ثم نأتي إلى قرَّاء مصر بالمعنى الثاني, وهم الذين يقرأون فيسمعهم الناس فيطربون لقراءتهم ويخشعون. وهم طائفة من الناس أنعم الله عليهم بحسن الصوت وجمال الأداء. ويبدو أن لمصر في ذلك تاريخاً قديماً, تأخرنا كثيراً في كتابة تاريخ قرَّاء مصر, ومكتبتنا العربية خالية من هذا اللون من الكتابة إلا شيئاً يسيراً كتبه الأستاذ محمود السعدني (وهو سمِّيع كبير) في أواخر الخمسينات سمَّاه: «ألحان من السماء», ثم ما يكتبه أشتاتاً متفرقات في بعض المجلات.

ثم كنتُ أقرأ بين الحين والحين كلاماً لأستاذنا كمال النجمي عن الشيخ محمد رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل - عرضاً فيما يكتبه عن الغناء والأصوات, ثم كنت أحدِّث نفسي: لماذا لا يُفرِد الأستاذ النجمي كتاباً عن الشيخ مصطفى إسماعيل, يقرأه الناس على مكث, يُظهِر عظمة هذا الرجل ومكانه الضخم في عالم القراءة والنغم. حتى كان هذا الشهر الكريم وصدَّق الأستاذ ما أمَّلناه وجاء كتابه هذا مجلى لحياة الشيخ مصطفى وتقلبه في العالمين. وزاد على هذا أن ألبس كتابه زاهية من الورق المصقول والزخارف المعجبة, بما يليق بجلال المقروء وجمال القارئ.
أولى خطوات الشيخ مصطفى:
ولقد ردَّني هذا الكتاب الممتع إلى أيام غالية عزيزة عشناها في القاهرة قبل أن يدهمها السيل وتغشاها النوائب, «إذ الناسُ ناسٌ والزمانُ زمانُ».
ولقد ذكر الأستاذ النجمي أن أولى خطوات الشيخ مصطفى في القاهرة كانت في حي المغربلين. نعم نزل الشيخ هذا الحي العريق وسكن بالمنزل رقم 18 بحارة العناني, بجوار قريبة له, وسكن أخوه الشيخ محمد بحارة قريبة تُعرَف بزقاق المسك, والمغربلين تتوسط الدرب الأحمر حيث العتاقة والتراث, والمساجد والمزارات: مسجد المؤيد والصالح طلائع بن رزيك, والسيَّدة فاطمة النبوية, والمارداني, وإبراهيم باشا آغا, وأم السلطان شعبان, وعلى مقربة: الأزهر الشريف والحسين والجمالية وباب النصر وباب الفتوح, فإذا أنت أيسرت وجدت مساجد السيَّدة زينب والسيَّدة سُكينة, والسيَّدة نفيسة والإمام الشافعي والإمام الليثي, وكانت هذه المناطق المتجاورة هي قلب القاهرة الذي يموج بالعلم والمعرفة والفن.
نزل الشيخ مصطفى إسماعيل القاهرة في أوائل الأربعينات, وترك وراءه طائفة من مشاهير القرَّاء: الشيخ محمد السعودي, والشيخ محمد العُقلة (بضم العين وسكون القاف) بطنطا, والشيخ منصور بَدَّار بالمنوفية, وفي القاهرة كانت هناك طبقتان من القرَّاء: الطبقة الأولى: محمد رفعت, وعبد الفتاح الشعشاعي, محمد الصيفي (وهو والد المخرج السينمائي حسن الصيفي), ومحمد سلامة, والطبقة الثانية: على حزين ومحمد عكاشة وزكي محمد شرف وأحمد سليمان السعدني ومدين منصور وعبد الرحمن الدروي ومحمود عبد الحكم وعبد العظيم زاهر وطه الفشني وأبو العينين شعيشع وعبد السميع بيومي ومحمد فريد السنديوني وكامل يوسف البهتيمي منصور الشامي الدمنهوري ومحمد قنديل وعبد الرحمن عبده وهاشم هيبة.
وكان المشايخ في ذلك الزمان يعرفون للقرآن حرمته وجلاله, فيقرأون بأدب وخشوع ورعاية لأصل التلاوة, ثم كانوا يقنعون بالقليل. ولقد حدثني الشيخ عبدالرحمن الدروي المتوفى العام الماضي (وهو صهر عالم المخطوطات الكبير محمد رشاد عبد المطلب - أبو زوجته رحمه الله) حدثني أنه دُعي هو والشيخان عبد العظيم زاهر وطه الفشني لافتتاح إذاعة العربية السعودية بجدة, وكان ذلك في موسم حج كان معهم من المذيعين الأستاذ عبد الحميد يونس, والأستاذ علي الراعي (الدكتور فيما بعد) وافتتح المشايخ الثلاثة الإذاعة السعودية, ثم سجلوا لها بعض التسجيلات لإذاعتها.
فيما بعد قال الشيخ الدوري: ثم جاءنا الأستاذ عبد الحميد يونس أو الأستاذ الراعي وقال لنا إنَّ الإخوة السعوديين يتركون لكم تحديد الأجر المناسب لما قرأتموه, يقول الشيخ الدوري: فبكيت وقلت: كيف نأخذ أجراً على قرآن قرأناه في البلد الذي نزل فيه القرآن؟ انتهى كلامه.
وأقول: أين هذا من بعض قرَّاء هذا الزمان الذين لا يصعدون إلى دكة القراءة حتى يأتيهم إيصال الإيداع على رقم حسابهم بالبنك بالآلاف؟
وفي القاهرة أدرك الشيخ مصطفى إسماعيل طائفة من كبار المنشدين, أصحاب التواشيح الذين خلفوا الشيخين: إبراهيم الفَرَّان وإسماعيل, وعلى رأسهم الشيخ المتفنن علي محمود (صاحب الأذان الشهير) والشيخ درويش الحريري, والشيخ سيَّد موسى, ثم الشيخ محمود صُبْح, ذلك الرجل العجيب الذي كان يتحدى في أسطواناته أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب, أن يأتيا بمثل ما يأتي به من الجواب وجواب الجواب, وكان يقطع إنشاده عقب كل «قفلة» ويتحداهما.
نزل الشيخ مصطفى إسماعيل القاهرة وهي تموج بهذه الأصوات: قراءة وإنشاداً, أصوات عجيبة مبدعة, جعل الله لكل منها شِرْعةً ومنهاجاً, حتى جاء الشيخ مصطفى فزلزلهم زلزالًا, فكان مثل المتنبي الذي جاء فملأ الدنيا وشغل الناس, نعم جاء الشيخ بأفانين من النغم, وتصرفات في المقامات لا قِبَل لهم بها, وهو لم يتلق أصول النغم عن أحد, ولم يحاك أحداً من أصحاب الأصوات, وإنما هي الفطرة والموهبة, وفضل الله الذي يختص به من يشاء من عباده.
ولقد قوبل الشيخ مصطفى بهجوم كاسح من المشايخ القرَّاء وكان أشدهم عليه وأعنفهم به الشيخ محمد سلامة, وقد رفع عليه عصاه ذات ليلة زاعماً أنه يتلاعب بالقرآن.
حسد الحاسدين:
ولقد غَبَّرَ القُرَّاء في وجه الشيخ مصطفى, ورموه بتهم كثيرة, حسداً من عند أنفسهم, وهم وإن كانوا يتلون كتاب الله فهم بشر من البشر. وقد رُوي بسند صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض, فوالذي نفسي بيده لهم أشدُّ تغايراً من التُّيوس في زُروبها», وعن مالك بن دينار قال: «يؤخذ بقول العلماء والقرَّاء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض».
ومن التهم التي وُجِّهت إلى الشيخ مصطفى أنه يترخص ويتساهل في قواعد التلاوة ليستقيم له ما يريد من نغم وتطريب. وهذه فرية كبرى, فالذي يسمع الشيخ بإنصاف يرى أنه ملتزم غاية الالتزام, على ما ذكر أستاذنا النجمي ص 15, وأحب أن أضيف إلى ما ذكره أن أكبر علماء القراءات في عصرنا: الشيخ عبد الفتاح القاضي, وسيدي الشيخ عامر عثمان, كانا من أشد الناس إعجاباً بالشيخ مصطفى, وهما مأمونان في أحكامهما, ومن حراس كتاب الله, ولقد سألت مرة سيدي الشيخ عامر عما يقال عن تساهل الشيخ مصطفى, فقال: لا تصدقهم, إنه على الجادة, ثم أضاف: إن خامة صوت الشيخ مصطفى تشبه خامة صوت الشيخ يوسف المنيلاوي.
ومما قالوه عنه: إنه لا يلتزم بالوقوف المنصوص عليها. وهذا غير صحيح, ونعم إنه كان يقف أحياناً على غير وقف لتصوير معنى, كما وقف على قوله تعالى: {رأيته أكبرنه} [يوسف: 31], وليس موضع وقف, ولكنه حين وصل بعد ذلك تلا الجملة السابقة, فيكون وقفه هذا أشبه بالوقف لانقطاع النفس, وهو جائز.
وأحب أن أشير هنا إلى أن الشيخ مصطفى كان أكثر تحرياً للوقوف من الشيخ محمد رفعت - وهو من هو - فالشيخ رفعت مثلًا يقف على قوله تعالى من سورة الكهف {فانطلقا} وليس موضع وقف, ويقف على قوله تعالى في سورة طه: {ثم جئت على قدر}, ثم يستأنف {يا موسى} وليس موضع وقف.
ومما أخذوه عليه أيضاً أنه يكثر من اختلاف القراءات لإثارة مكامن الطرب, وليس هو وحده الذي كان يفعل هذا, فقد كان يفعله أيضاً الشيخ محمد رفعت, والشيخ محمد الصيفي. والجمع بين الروايات في القراءة الواحدة مكروه عند بعضهم, لكنه جائز عند بعض آخر, وبخاصة في مقام التعليم. على أن الحق يقتضيني هنا أن أشير إلى أن الشيخ مصطفى قرأ مرة آية على وجه من القراءات لم أجده في القراءات العشر المجمع على تواترها والقراءة بها, وذلك في قوله تعالى في سورة يوسف - في أحد تسجيلاتها - «وقال نُسوة» بضم النون, وهي في القراءة المتواترة بالكسر, ولم يقرأ بالضم إلا المفضل والأعمش والسُّلَمي وهي قراءة شاذة.
تسجيلات نادرة:
ومما اتهموه به أيضاً أنه يقرأ سوراً بعينها. وهذا غير صحيح, بل إن عكسه هو الصحيح فالشيخ يقرأ من سور القرآن كله, وليس كبعضهم الذي يؤثر السور التي تقصر آياتها, وتتماثل فواصلها.
من خصائص صوت الشيخ مصطفى إسماعيل:
درج كثير من القرَّاء على أن يخفضوا أصواتهم إلى ما يسمى بطبقة القرار حين يأتون إلى آية من آيات الإنذار أو جهنم أو الموت, فإذا جاءوا إلى آية بشارة ونحوها رفعوا أصواتهم إلى ما يعرف بطبقة الجواب, كما تسمعهم في آخر سورة الزمر, حيث يخفضون أصواتهم في قوله تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا} [الزمر: 71], فإذا جاءوا إلى قوله تعالى: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً} [الزمر: 73], رفعوا أصواتهم عالياً.
ولم يؤثر عن الصحابة والتابعين في ذلك شيء إلا ما رُوي عن التابعي الجليل إبراهيم النخعي أنه قال: «ينبغي للقارئ إذا قرأ نحو قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} [التوبة: 30], ونحو ذلك من الآيات أن يخفض بها صوته», قال ابن الجزري: «وهذا من أحسن آداب القراءة»,
على أن الشيخ مصطفى يخالف قرَّاء زمانه في خفض الصوت عند آيات الإنذار وذِكر الموت.

واستمع إليه في تسجيل نادر لسورة آل عمران في قوله تعالى: {كل نفسٍ ذائقة الموت} [آل عمران: 185], فهو يرفع صوته عالياً في {ذائقة} ثم يقف على {الموت} بنفس الطبقة العالية في صراخ مُزلزل كأنه صراخ ثكالى فقدن عزيزاً أو تذكرن غائباً وتكاد التاء المهموسة حين يصرخ بها تنقلب إلى حرف مجهور يكاد يخرق صماخ الأذن, ثم تأمل أيضاً وقفه على قوله تعالى في سورة يوسف: {رأينه أكبرنه} [يوسف: 31], كيف وقف على الهاء في {أكبرنه} وقفاً مضيئاً ساطعاً يجسد لك انبهار النسوة ودهشتهن لجمال يوسف عليه السلام.

ويبقى شيء, أرجو أن يأذن لي أستاذنا النجمي في مناقشته, وذلك ما ذكره في ص 24: «أن المسلمين في العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين كانوا يقرأون القرآن بحسب لغاتهم المتعددة, وأفصحها سبع لغات», ثمَّ ذكر حديث: «إنَّ هذا القرآن نزل على سبعة أحرف» ولي على ذلك بعض الملاحظات:

أولًا: إنَّ سياق الكلام على هذا النحو قد يوحي إلى بعض من لا معرفة لهم بعلوم القرآن أن المسلمين كانوا يقرأون بهذه اللغات السبع باختيارهم ومن عند أنفسهم تبعاً لما ألفوه من أعرافهم اللغوية, ومعلوم أن القراءة أثر واتباع, لا رأي واجتهاد, وأن جبريل عليه السلام قد نزل بهذه اللغات كلها فأقرأها الرسولُ صلى الله عليه وسلم أمته.

ثانياً: أن صحَّة الرواية «أُنزِل على سبعة أحرف» بالبناء للمجهول, وليست «نزل».

ثالثًا: أنَّ تفسير الأحرف السبعة الواردة في الحديث بأنها سبع لغات من لغات العرب, هو أحد التفسيرات, وهو مردود عليه. ويرى بعض المحققين أن أمثل ما جاء في بيان معنى الأحرف السبعة هو ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني, فقد قال في فتح الباري 9/ 23 (طبعة السلفية) «بابُ أُنزِل القرآن على سبعة أحرف: أي على سبعة أوجه يجوز أن يقرأ بكل وجه منها, وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه, بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة».
رابعًا: إنَّ كتاب أستاذنا هذا يقع في أيدي الخاصة والعامة, فكنت أحب أن يشير هنا إشارة سريعة في الحواشي إلى أن الأحرف السبعة الواردة في الحديث ليست هي القراءات السبعة التي اختارها ابن مجاهد في أوائل القرن الرابع, وهي القراءات المنسوبة إلى: نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي.
وبعد ... فأرجو أن يأذن لنا الأستاذ النجمي في القول بأن هذا الكتاب لم يُشبع نهمتنا ولم يرو عُلَّتنا في الوقوف على عبقرية الشيخ مصطفى إسماعيل, ولهذا فسوف نعتبر هذا الكتاب عن الشيخ مصطفى الجزء الأول, وهو عن حياته كما جاء بحق في عنوانه «حياته في ظل القرآن», ويأتي الجزء الثاني إن شاء الله تحليلًا ودرساً لصوت هذا القارئ العظيم.

* * *

التصحيح اللغوي .. وضرورة التحرّي (62)

«من عَرف كلام العرب لم يكد يُلحِّن أحداً», تذكرت كلمة الأصمعي هذه وأنا أقرأ صفحة «لغويات» في عدد الماضي من الهلال, فقد جاء في هذه الصفحة: «تُوفّي فلان إلى رحمة الله فهو «مُتَوَفَّى» بضم الميم وفتح التاء والواو وتشديد الفاء المفتوحة وتنوين الحرف الأخير. وهذا من بديهيات اللغة التي كانت معروفة عند الصحف المصرية والعربية, ولكن إحدى الصحف المصرية الكبرى كتبت في صحفتها الأولى منذ أسابيع كلمة «مُتوفٍ» بكسر الفاء وتنوينها بدلًا من «متوفى» التي بيناها, فكأنما أحدث الرجل الوفاة بنفسه, ولم يتوفه الله تعالى!».

وهذا الكلام صواب, ولكنه ليس الصواب الذي لا صواب غيره, ولأهل العلم في ذلك كلام طريف يصحَّحون فيه الوجه الآخر لذلك الاستعمال الذي يأتي على ألسنة العامة هذه الأيام, وهو الاستعمال الذي خطأه الكاتب الفاضل, مع أنه ضارب في العربية بعروقه, فإنه يقال: «تَوَفَّى فلان فهو مُتَوَفَّ» بفتح التاء والواو الفاء في الفعل, وكسر الفاء في اسم الفاعل, ويكون المعنى على هذا الضبط أنه استوفى أجله, واستنفد أيامه في هذه الحياة الدنيا, وعلى ذلك جاءت القراءة المروية عن علي بن أبي طالب, وعن المفضل عن عاصم: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} [البقرة: 234] بفتح الياء في «يتوفون». قال ابن مجاهد: «ولا يُقرأ بها», وقال ابن جني في المحتسب 1/ 125: «هذا الذي أنكره ابن مجاهد عندي مستقيم جائز, وذلك أنه على حذف المفعول, أي: والذين يَتَوَفَّوْن أيامهم أو أعمارهم أو آجالهم, كما قال سبحانه: {فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} [المائدة: 117], و {الذين تتوفاهم الملائكة} [النحل: 28], وحذف المفعول كثير في القرآن وفصيح الكلام, وذلك إذا كان هناك دليل عليه, قال الله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] - أي شيئًا –. انتهى كلام ابن جني.

وقد رُوي أيضاً عن الأعمش أنه قرأ قوله تعالى: {ومنكم من يتوفى} [الحج: 5] بفتح الياء, وحكاه أبو حاتم السجستاني, كما ذكر ابن خالويه في شواذ القراءات ص 94, فهذا الذي يجري على ألسنة العامة ليس خطأً محضاً, وإن لم يكن هو الأفصح, قال ابن هشام اللخمي: «وإذا كان في الكلمة لغتان وكانت إحداهما أفصح من الأخرى فكيف تُلَحَّن بها العامة وقد نطقت بها العرب, وإنما تُلَحَّن العامة بما لم يُتكلم به».

على أن هذا التوجيه الذي يُسوغ استعمال «تَوَفَّى» مبنّياً للفاعل لا ينبغي أن يُقبل إلا من عارف به مُطيق لوجه الكناية فيه. قال الإمام السكاكي في مفتاح العلوم ص 98: «فإن جوهر الكلام البليغ مثله مثل الدرة الثمينة, لا ترى درجتها تعلو ولا قيمتها تغلو ... ما لم يكن المستخرج لها بصيراً بشأنها, والراغب فيها خبيراً بمكانها, وثمن الكلام أن يوفى من أبلغ الإصغاء وأحسن الاستماع حقه, وأن يتلقى من القبول له والاهتزاز بأكمل ما استحقه, ولا يقع ذلك ما لم يكن السامع عالماً بجهات حسن الكلام, معتقداً بأن المتكلم تعمدها في تركيبه للكلام عن علم منه, فإن السامع إذا جهلها لم يُميز بينه وبين ما دونه, وربما أنكره, وكذلك إذا أساء بالمتكلم اعتقاده ربما نسبه في تركيبه ذلك إلى الخطأ, وأنزل كلامه منزلة ما يليق به من الدرجة النازلة, ومما يشهد لك بهذا ما يُروى عن علي رضي الله عنه أنه كان يشيّع جنازة فقال له قائل: من المتوفي؟ بلفظ اسم الفاعل, سائلًا عن المتوفَّى, فلم يقل: فلان, بل قال: الله, رداً لكلامه عليه مخطِّئاً إياه, منبِّهاً له بذلك على أنه كان يجب أن يقول: من المتوفَّى, بلفظ اسم المفعول ... وما فعل ذلك كرم الله وجهه إلا لأنه عرف من السائل أنه ما أورد لفظ «المتوفي» على الوجه الذي يكسوه جزالة في المعنى وفخامة في الإيراد, وهو وجه القراءة المنسوبة إليه {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً}, بلفظ بناء الفعل للفاعل, من إرادته معنى: والذين يستوفون مدد أعمارهم».
قضية لغوية:
وهذا الذي رأيتَه من تسويغ «توفى», وإخراجه من دائرة الخطأ المحض يقودنا إلى قضية لغوية كبيرة شغلت اللغويين قديماً وحديثاً, وهي قضية التصويب اللغوي, وقد بدأ التصنيف فيها مواكباً لجمع اللغة وتدوينها, على نحو ما نرى عند الكسائي (189 هـ) في الكتاب المنسوب إليه «ما تلحن فيه العامة».

وتحت هذا العنوان كتب كثير من علماء اللغة الأوائل, مثل الفراء (207 هـ) وأبي عبيدة (210 هـ) والأصمعي (216 هـ) ومن في طبقتهم ومن جاء بعدهم, بل إن حركة التصحيح اللغوي هذه قد شارك فيها بعض علماء الترك في الدولة العثمانية الذين اتخذوا العربية قلماً ولساناً, فرأينا ابن كمال باشا (940 هـ) يؤلف كتابه «التنبيه على غلط الجاهل والنبيه», ثم جاء علي بن بالي القسطنطيني (992 هـ) فصنَّف كتابه «خير الكلام عن أغلاط العوام».
ومعلومٌ أن حركة التصحيح اللغوي قد تغيَّت غاية كبيرة, هي المحافظة على سلامة اللغة, في أصواتها ومفرداتها وتراكيبها وإعرابها ودلالة ألفاظها. ومعلوم أيضاً أن التنبه للخطأ اللغوي قديم, وأن محاصرته والتوقّي منه مما جاءت به السنة والأثر, فقد رُوي: أن رجلًا لحن بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: «أرشدوا أخاكم», ورُوي عنه عليه السلام أنه قال: «أنا من قريش ونشأت في بني سعد, فأنَّى لي اللحن؟».
وقال أبو بكر رضي الله عنه: «لأن أقرأ فأُسقِط أحب إليّ من أن أقرأ فألحن».
وكتب كاتبٌ لأبي موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: «مِن أبو موسى» فكتب إليه عمر: «أما بعد، فاضرِب كاتبك سوطاً واحداً وأخِّر عطاءَه - أي راتبه - سنة».
ومِن أصدق وأدق ما قيل في استنكار اللحن واستبشاعه ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: «إن الرجل ليُكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فأرده عنها, وكأني أقضم حب الرمان الحامض, لبغضي استماع اللحن, ويكلمني آخر في الحاجة لا يستوجبها فيُعرب - أي يتكلم كلاماً صحيحاً - فأجيبه إليها, التذاذاً لما أسمع من كلامه». وروي عنه أيضاً أنه قال: «أكاد أضرس إذا سمعت اللحن». وقال عبد الملك بن مروان: «اللحن في الكلام أقبح من الجُدري في الوجه».

وينتهي عصر الراشدين واللسان العربي لا يزال صحيحاً محروساً لم يتداخله الخلل ولم يتطرق إليه الزلل, وتأتي الدولة الأموية, ومن بعدها العباسية, وتكثر الفتوح ويدخل الناس في دين الله أفواجاً, فتختلط الألسنة, وتتداخل الأصوات واللهجات, ويستعمل العربي ما لا بُد له منه في الحوار والخطاب اليومي, من أجنبي ودخيل, فيضاف إلى عامل «اللحن» القديم عامل آخر, هو هذا الدخيل, فينهض له علماء اللغة, فتكثر الجهود والتصانيف في حركة التنقية اللغوية.

وفي عصرنا الحديث يطرأ عامل ثالث: هو الاستخفاف باللغة والنحو والصرف, وإشاعة أن الاشتغال بمثل هذه العلوم مضيعة للوقت والجهد الذي ينبغي أن يُصرف إلى الفكر وحده, ثم ظهرت بدعة «التفكير الموضوعي» الذي يرفض الاحتفال بهذه الشكليات من حركات الإعراب وأبنية الأسماء والأفعال, والرسم «الإملاء», ثم يكون التخليط في هذه القواعد والضوابط سمةً من سمات التحرر والانعتاق من ربقة التخلف وأكفان الموتى ورمائم القبور!

ويفزع لهذه الغاشية طائفة من علماء اللغة والنحو المحدَثين, فيتصدون لهذا الانحراف عن سَنَن العربية, فيما عُرف بالتأليف في الأخطاء الشائعة. ومن أبرز ما كُتِب فيها «لغة الجرائد» لإبراهيم اليازجي, التي نشرها مقالات في مجلة الضياء التي أنشأها بمصر سنة 1898م, و «حول الغلط والفصيح على ألسنة الكتاب» لأحمد أبي الخضر منسي, و «تذكرة الكاتب» لأسعد خليل داغر, و «أخطاؤنا في الصحف والدواوين» لصلاح الدين سعدي الزعبلاوي, و «الكتابة الصحيحة» لزهدي جار الله,
ثم كتب العلامة النحوي الشيخ محمد علي النجار عدة مقالات في مجلة الأزهر, باسم: «لغويات» نشرها بعد ذلك مجموعةً بمعهد الدراسات العربية بجامعة الدول العربية. وكتب العالم العراقي الدكتور مصطفى جواد عدة مقالات أيضاً بمجلة عالم الغد البغدادية, بعنوان «قل ولا تقل» نشرها بعد ذلك في كتاب, إضافة إلى ما ذكره في كتابه: «مباحث لغوية في العراق».

على أن هذه الجهود التي بُذلت في التنقية اللغوية وتصحيح اللسان العربي, قد تعرضت في القديم والحديث لحركة نقدية واسعة, تبعاً لمقياس الصواب اللغوي وعلى أي صورة يكون؟ وهل يقتصر القياس على المشهور الشَّائع دون القليل النادر كما يرى البصريون, أم يقاس على الشاهد الواحد والشاهدين, كما يقول الكوفيون؟ وهل نقف عند أفصح اللغات ونلغي ما سواها, أم نجعل الشاذ والفصيح واحداً؟ وقد كان بعض اللغويين يتشدد ويحكم بالخطأ على ما لم يكن فصيحاً وإن جاءت به لهجة من لهجات العرب ولو كانت ضعيفة, وكذلك يعد صحيحاً كل ما رواه لغوي ولو كان منفرداً بروايته. ولعل أعدل منهج في القبول والرد هو ما أُثر عن أبي عمرو بن العلاء, وقال له أحدهم: «أخبرني عما وضعتَ مما سميتَه عربيةً, أيدخل فيها كلام العرب كله؟ فقال: لا, فقال: كيف تصنع فيما خالفك فيه العرب وهم حجة؟ قال: أعمل على الأكثر, وأسمّي ما خالفني لغات». فهذا منهج يقوم على اعتبار الأكثر, وعدم إنكار الأقل, فهو يقبله ولكنه يضعه في دائرة اللغات. واللغات عندهم تعني ما نسميه نحن الآن: لهجات.

ومن أشهر كتب نقد مؤلفات التصحيح اللغوي قديماً: ما صنفه ابن هشام اللخمي الإشبيلي (577 هـ) فقد ألف كتابه: «المدخل إلى تقويم اللسان وتعليم البيان», وعرض فيه بالنقد لكتابين تقدماه في لحن العامة, هما: «لحن العامة» لأبي بكر الزبيدي الإشبيلي (379 هـ), و «تثقيف اللسان وتلقيح الجنان» لابن مكي الصقلي (501 هـ). وقد ذكر ابن هشام أن الزبيدي «تعسف على عامة زمانه في بعض الألفاظ, وأنحى عليهم بالإغلاظ, وخطأهم فيما استُعمل فيه وجهان وللعرب فيه لغتان, وأنَّ ابن مكي الصقلي أنكر على العامة ما يحتمل التأويل أو يكون عليه من كلام العرب دليل».
لغة الجرائد:
وفي عصرنا الحديث أيضاً تعرَّض مؤلفو الأخطاء الشائعة إلى كثير من النقد والمراجعة, ومن ذلك ما كُتب من نقد حول «لغة الجرائد» لليازجي, وما أُثير حول «قل ولا تقل» لمصطفى جواد. وقد دارت معظم هذه النقود والتعقبات حول معيار الحكم بالخطأ والصواب على هذا الاستعمال أو ذاك. ويكشف عن اختلاف معايير الحكم بالخطأ والصواب هذان المثالان: خطَّأ أبو بكر الزبيدي العامة في قولهم: امرأة سكرانة, وبيَّن أن الصواب: سكرى, ثم ذكر أن بني أسد كانوا يقولون: سكرانة. فرد عليه ابن هشام اللخمي: «فإذا قالها قوم من بني أسد فكيف تُلحن بها العامة, وإن كانت لغة ضعيفة, وهم قد نطقوا بها كما نطقت بعض قبائل العرب». ورُوي عن أبي عثمان المازني أنه قال: «دخلت بغداد فأُلقيتْ عليَّ مسائل, فكنت أجيب فيها على مذهبي, ويخطئونني على مذهبهم» مغني اللبيب (مبحث إذا).

على أن أعظم ما تعرض له الذين كتبوا في التصحيح اللغوي في القديم والحديث: هو التسرع وعدم الاستقصاء والتحري, والوقوف عند حدود القاعدة اللغوية والنحوية, دون التفات إلى المسموع والمأثور المتناثر في كتب العربية على اختلاف علومها وفنونها, فالمعاجم على تنوعها واتساع بعضها لم تُحص اللغة كلها, وآية ذلك ما تراه في فهارس أئمة تحقيق النصوص, من تلك الألفاظ والتراكيب التي جاءت في أشعار العرب وكلام أهل العلم من السابقين الأولين, مما لم يذكر في المعاجم اللغوية المتداولة, ومن ذلك ما ذكره شيخنا محمود محمد شاكر بآخر طبقات فحول الشعراء باسم «ألفاظ من اللغة أخلَّت بها المعاجم أو قصرت في بيانها».
وما تراه في فهارس أستاذنا عبد السلام هارون رحمه الله, للبيان والتبيين, والأصمعيات والمفضَّليات ومقاييس اللغة.
وليس غريباً أن تغيب بعض الألفاظ والتراكيب عن معاجمنا اللغوية, فإن لغتنا العربية أوسع من أن تحيط بها المعاجم وحدها.

وقد قال الإمام الشافعي: «لسان العرب أوسع الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً, ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي».

وعلى هذا فإن اللغة ينبغي أن تُلتَمس من كتب العربية كلها, لأنك واجد في كتب التفسير والحديث والفقه وأصوله وعلم الكلام والأدب والبلاغة والتاريخ والجغرافية وسائر فنون التراث, من اللغة ما لا تجد بعضه في كتبها المصنفة فيها المقصورة عليها, وذلك لأن العربية كتاب واحد.

وإذ قد ثبت هذا - إن شاء الله - فإنه من الواجب على من يتصدى للتصحيح اللغوي أن يتحلى بالأناة والتوقف والصبر, وألا يهجم على التخطئة دون سند قوي وحجة غالبة.
نماذج:
وقد كنت عُنيتُ في مطالع الشباب بتلك الكتب المصنَّفة في اللحن والأخطاء الشائعة, وكنت أحفظ منها مسائل ذوات عدد, أُديرها على لساني في مجالس المذاكرة والمطارحة, مزهوَّاً بما أحفظ, إذ كان عندي هو الصواب الذي لا صواب غيره.

وحين أذن الله - وهو الذي بيده الخير كله - أن أتصل بما كتبه أهل العلم في كتب العربية, وبخاصة شروح الشعر وغريب القرآن والحديث, والأمالي والمجالس, وكتب التراجم والطبقات, ووقفت على تصرف أهل البيان في الأبنية والألفاظ والتراكيب, حين تم لي ذلك - على ضعفي وقلة حيلتي - أيقنت أن ليس الطريق هنالك, وأن التخطئة والتصويب لا يُصار إليهما إلا بعد عناء وجهد, لأن الأفق رحب, والمدى واسع, والشوط بعيد, وبخاصة أننا في زمن انقطعت دونه الرواية, وغاب الأشياخ, فأُوصِد بغيابهم بابٌ ضخمُ من أبواب العلم, لأننا أبناء أمة قام تراثها على الرواية والتلقي والمشافهة والتوقيف, والكتب وحدها لا تصنع عالماً.

وقد قال أبو الفتح ابن جني فيما وقع له من كلام شيخه أبي علي الفارسي: «ولمثل هذه المواضع يُحتاج مع الكتب إلى الأستاذين» - شرح تصريف المازني 1/210 –, وقال ابن قيم الجوزية: «ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يُحتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء» بدائع الفوائد 1/ 101, وإذ قد وضح لي بعض الطريق جمعتُ طائفة من تلك الألفاظ والتراكيب التي خطَّأها الناس, ورأيت صوابها أو استعمالها عند بعض أهل العلم قديماً, وأكتفي من ذلك هنا ببعض النماذج التي تمهِّد لما أردتُه من ضرورة التحري والمراجعة أمام كل تخطئة أو تضعيف:
1-يُخطئ بعضهم استعمال «النفس» في غير التوكيد, يريدون أنك تقول: «الشيء نفسه, ولا تقول: نفس الشيء». وقد وجدت استعمال هذا الذي يخطِّئونه في كتاب سيبويه 1/ 266 - وحسبك به - وذلك قوله: «وتجري هذه الأشياء التي هي على ما يستخفون بمنزلة ما يحذفون من نفس الكلام», وقوله أيضاً في 2/ 379 وذلك قولك: «نزلت بنفس الجبل, ونفس الجبل مقابلي».
وقال الجاحظ في الحيوان 1/ 76: «ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة». قال ابن جني في الخصائص 1/ 348: «وإنما جاز ذلك في هذا الموضع لا لشيء رجع إلى نفس «أو» بل لقرينة انضمت من جهة المعنى إلى أو». وقال المرزوقي في شرح الحماسي ص 892: «وأشار بقوله الأبد إلى نفس الدهر». بل إن هذا الاستعمال قد ورد عند من هو أقدم من هؤلاء جميعاً, وهو الخليل بن أحمد, شيخ العربية وشيخ سيبويه وذلك قوله في كتاب العين 8/ 117: «والترباء: نفس التراب».

2- يُخطئ بعض النحويين استعمال «قد لا يكون» لأن «قد» لا تدخل على النفي, والصواب أن يقال: «ربما لا يكون». وقد وجدته في كلام ابن جني, قال في الخصائص 1/ 20: «كما أن القول قد يتم معناه إلا بغيره», وفي كلام للمرزوقي, قال في شرح الحماسة ص 57: «والاكتفاء به قد يقع وقد لا يقع». ثم وجدته كذلك عند المالقي في كتابه: رصف المباني في شرح حروف المعاني ص 455, قال في (مبحث قد): «إن نفيت فقلت قد لا يقوم, توقعت العدم».
3- يرى بعضهم أن كلمة «مجاناً» مبتذلة وغير فصيحة وتوشك أن تكون عامية, وأنَّ الصواب أن يستعمل مكانها «بدون مقابل» ونحوه. وقد رأيتها عند ابن فارس, في مقاييس اللغة 5/ 299, قال: «والمجان: هو عطية الرجل شيئاً بلا ثمن». وقد استعملها ابن خلدون في مقدمته ص 557, قال: «فليست اللغات وملكاتها مجاناً».
4- يستسقط بعضهم تركيب «عبارة عن كذا», وقد رأيتُه في كلام ابن جني, قال في كتابه الخاطريات ص 58: «ويؤكد ذلك أن لفظ الجبال قد وُضِع عبارة عما لا تُدركه المعاينة». وقد رأيت هذا التركيب كثيراً في كلام الفقهاء, وكُتُب التعريفات.
5- منع بعض النحويين دخول «أل» على «بعض» فلا يجوز أن تقول: أحبوا بعضهم البعض, وإنما تقول: أحب بعضهم بعضاً. وقد أدخل سيبويه «أل» على بعض, وذلك قوله في الكتاب 4/51: «وربما قالوا في بعض الكلام: ذهبت بعض أصابعه, وإنما أنث البعض لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه». وكذلك صنع ابن جني في الخصائص 1/ 64, قال: «فلما كان الأمر كذلك واقتضت الصورة رفض البعض واستعمال البعض», وكذلك استعملها ثلاث مرات في الخصائص 3/ 334. ومن قبل سيبويه وابن جني دخلت «أل» على «بعض» في الشعر الجاهلي, وذلك قول المرقش الأصغر, في إحدى رواياته, يصف فرسه:
شهدتُ به عن غارة مُسبطرَّة ... يطاعن بعض القوم والبعض طَوَّحوا
6- وكذلك منع بعضهم دخول «أل» على «غير», لكني وجدتها في ديوان المعاني لأبي هلال العسكري 2/ 98, وكتاب الهوامل والشوامل, لأبي حيان التوحيدي, ومسكويه ص 117, ثم رأيتها قديماً في كلام لصاحب القاموس في موضع غاب عني الآن.
7- يخطِّئ بعضهم استعمال الفعل «ساهم» بمعنى «شارك» على أساس أنه لم يأت في المعاجم إلا: ساهم فلان القوم: أي دخل معهم في القرعة فقرعهم وغالبهم. لكنه قد جاء بمعنى «شارك» في شعر يُنسب لزهير ولأبي الأسود الدؤلي, وهو قوله:
أبا ثابت ساهمت في الحزم أهله ... فرأيك محمود وعهدُك دائم
وعلى ذلك جاء في المعجم الوسيط, الذي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
وهكذا نتبين صدق كلمة الأصمعي السابقة: «من عرف كلام العرب لم يكد يُلحِّن أحداً».
لكن هذه الكلمة على صدقها لا ينبغي أن تُتخذ سبيلًا للفوضى اللغوية أو الحرية في استعمال ما نشاء, وارتكاب الضرورات والمحظورات اللغوية, بدعوى أن من الأوائل من ارتكب الضرورة واستعمل الشاذ, ثم بزعم أننا يجب أن نرفع العائق ونحطم الحواجز أمام الإبداع والمبدعين ... ولهذا وأشباهه حديث آخر.

* * *

الكتب الصفراء .. والحضارة العربية (63)

كتب الشاعر الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي, كلمة في جريدة الأهرام بتاريخ 26/8/1992م قدَّم فيها كتاب الأستاذ الكبير النبيل الدكتور مصطفى ناصف «صوت الشاعر القديم».

وقد ذكر الأستاذ حجازي في صدر كلمته أنه مدين لثلاثة أساتذة بما يعرفه عن الشعر الجاهلي: أولهم مفتش لغة عربية رآه أيام الدراسة, وقد دخل عليهم الفصل, وكان أستاذ اللغة العربية يشرح شيئاً من شعر الأعشى الكبير ميمون بن قيس, فلم تَرُقْ طريقةُ المدرس في شرح شعر الأعشى ذلك المفتش, فأخذ الكلام من المدرس, واندفع في شرح بلغ من الأستاذ حجازي مبلغاً كبيراً من الرضى والارتياح, ثم غاب ذلك المفتش, ولم يره الأستاذ حجازي, ولم يسمع به بعد ذلك.

ولا نعتقد أن مثل هذه اللحظة الخاطفة في حصة دراسية محدودة, أخذ فيها ذلك المفتش في شرح بيتين اثنين من شعر الأعشى على نحوٍ مطرب معجب, تضع هذا المفتش - حذْوَ القُذَّة بالقُذَّة - مع عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين, والأستاذ الكبير الدكتور مصطفى ناصف, وتجعل الأستاذ حجازي مديناً لهؤلاء الثلاثة بما يعرفه عن الشعر الجاهلي! غاية ما يقال عن ذلك المفتش الحاذق اللبق أنه حبَّب إلى ذلك الفتى الصغير الشعر الجاهلي ومهَّد لأنغامه الشجية أن تنصَبَّ إلى سمعه وتتولَّج في قلبه.

على أني أظن ظناً أن الأستاذ حجازي قد غَبَن نفسه, وحجَّر عليها واسعاً حين حصر طريق معرفته بالشعر الجاهلي في هؤلاء الثلاثة؛ فإني ألمح في شعره وفي كتاباته الأخيرة رصيداً طيباً من القراءة المتعددة المصادر والموارد.

والعميد الدكتور طه حسين - على جلالة قدره ونباوة محله - لم يكن وحده في ساحة الشعر الجاهلي, فقد سبقه سابقون, وعاصره معاصرون, ولحقه لاحقون, بذلوا لذلك الشعر الجاهلي من صفاء نفوسهم ونقاء أذواقهم, وذكاء ألسنتهم, ونصاعة أقلامهم, ما كشف هذا الشعر, ودل على أنه أنبل كلام العرب وأشرفه, وأنه مستودع أسرار العربي ومُستراحه, ومَجْلَى مواجعه وأشواقه.

أما الأستاذ الكبير الدكتور مصطفى ناصف فما فتئ يصرّح بأن الشَّأو بعيد, والمدى أوسع مما يحيط به بَصَر, بل كثيراً ما يحدَّثني كفاحاً ومشافهة ليس بيني وبينه أحد, عن صعوبة طريق الشعر, ثم يقول لي بلهجته العذبة الودود: «يا مولانا, المسألة ما هِش كده, احنا محناش واخدين بالنا, لازم نقرأ ونقرأ» ثم يثنى على فلان, ويحيل على فلان من السابقين الأولين.

ومهما يكن من أمر فإن الذي يعنيني من مقالة الأستاذ حجازي هنا قوله عن الدكتور طه حسين: إنه يدين له «بهذا المنهج الذي أخرج به الشعر الجاهلي من سلطان النحاة والشراح وسدنة الكتب الصفراء». وهكذا يرسل الأستاذ حجازي الكلام إرسالًا, وكأن ذلك من الحقائق المؤكدة التي استقرت عند الناس, ولم يبق لأحد فيها مقال.
وسأؤخر الحديث عن سلطان النحاة إلى حين «وأحبب إلينا أن تكون المقدَّما». وآخذ في الحديث عن «سدنة الكتب الصفراء», ولنفرغ أولًا من «سَدَنة» هذه على طريقة «تحرير المصطلح قبل الأخذ في المناقشة».

و «سدنة» من الكلمات التي يتساهل بعض الكتَّاب فيها, فيستعملونها في غير ما وُضِعت له, وهي جمع «سادن», وهو خادم الكعبة خاصة, وخادم الأصنام في الجاهلية, والفعل منه سَدَنَ يَسْدُن, من باب قَتَل يَقْتُل. قال ابن فارس في مقاييس اللغة: «السين والدال والنون أصلٌ واحد لشيء مخصوص. يقال: إن السدانة: الحِجابة, وسَدَنة البيت: حَجَبَتُه» انتهى كلامه. وقوله: «لشيء مخصوص» قَطَع به طريق المجاز, وأراد أن العرب لم تستعمله في غير هذا المعنى, وأن مثل ذلك لا يُنقل إلى غير معناه الخاص إلا بسماعٍ صحيح ممن يُوثق بعربيته. فبطل إذن - بحمد الله - استعمال «سَدَنة» هنا.

ولم يبق إلا «الكتب الصفراء», وهو وصفٌ عجيب, كنا نسمعه قديماً ونحن شبَبَبَةٌ صغار, فنُفتَتن به افتناناً, كما كنا نُفتَتن بمثل «الشعر المهموس», و «الدَّفْقة الشعورية», و «تراسُل الحواس», و «المنولوج الداخلي» فلما أفَقْنا من الغَشْية, وعرفنا الطريق, أدركنا أن ذلك كله مما لا غناء فيه, ولا طائل تحته, وأنه كما قال ابن قتيبة: «ترجمةٌ تروقُ بلا معنى, واسمٌ يَهُول بلا جِسم», أو كما قال ابن الشَّجري: «تهاويلُ فارغةٌ من الحقيقة».

وقد اختفى هذا الوصف «الكتب الصفراء» زماناً, ثم عاد مرة أخرى, وإذا كنا لا نحفل به إذا جاء في كلام من لا يؤبه له, ولا يُعاج به من صغار الكتَّاب, فإن الأمر يختلف إذا وردفي كلام شاعر كبير مثل الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي, له قراء ومحبون, وأستاذ جامعي مثل الأستاذ الدكتور عاطف العراقي, له تلاميذ ومريدون, ذلك في كلمة له قريبة في الأهرام أيضاً.

وواضح أن ورود هذا الوصف في كلام الأستاذ حجازي والدكتور العراقي, ومن لَفَّ لَفَّهما, إنما هو في مقام الذم والسخرية, بحيث صار استعمال هذا الوصف مرادافًا للأدب الغث والفكر الهزيل المتخلّف.

وإذا كنا لا نرضى لأنفسنا أن نتغلغل إلى المطوي في ضمائر الناس؛ لأن ذلك عند علام الغيوب, وإذا كان الأستاذ حجازي والدكتور العراقي, وكل من استعمل هذا الوصف, لم يقدموا لنا نماذج محددة من أسماء هذه الكتب الصفراء وما تشتمل عليه من ألوان الفكر وضروب الأدب, إذا كان ذلك كذلك, فإن من حقنا أن نقف عند الدلالة المجردة لهذا الوصف, فنقول ببداهة العقل وبمطلق الدلالة: إن كل فكر جاء في كتب صفراء مرفوض ومطَّرَح؛ لأن الوصف إذا جاء بغير قيد أو استثناء دخل تحته كل أفراد جنسه. ومعنى هذا ببداهة العقل أيضاً, وبمطلق الدلالة أن ديوان الأستاذ حجازي «مدينة بلا قلب» إذا جاءنا في ورق أصفر اجتويناه ورفضناه, وبمفهوم المخالفة: إذا جاءنا هذا الديوان على ورق كوشيه فاخر, كان ذلك رافعاً لخَسِيسَتِه - إن كانت فيه خسيسَةٌ - لا قَدَّر الله ولا قَضى.

ونحن نقولها بكل سلامة الصدر, وبكل خلوص النية لكل من عنده خبرٌ عن حقيقة هذا الوصف: نبئنا بتأويله.

وبكل سلامة الصدر أيضاً وخلوص النية نسأل الأستاذ حجازي, نعم نسأله تعلُّماً لا تعنُّتاً: ما معنى قولك: إن الدكتور طه حسين أخرج الشعر الجاهلي من سدنة الكتب الصفراء؟ فمن هم هؤلاء السدنة - إن قبلنا هذا الاستعمال؟ ما هي أسماؤهم, ثم ما هي أزمانهم؟ ثم ما هذه الكتب الصفراء التي جاء فيها شرح الشعر الجاهلي محرَّفاً ومُزالًا عن جهته, حتى جاء عميد الأدب العربي فنفخ فيه من روحه حتى نهض قائماً على سُوقه؟

إن الشعر الجاهلي قد جاءنا موثقاً مضبوطاً في دواوين أصحابه التي صنعها علماء الصدر الأول, مثل ابن السكيت وابن حبيب وثعلب والسُكري, وفي الشروح الكبرى, مثل شرح المفضليات لأبي محمد الأنباري, وشرح القصائد السبع لابنه أبي بكر, وشرح القصائد التسع لأبي جعفر النحاس, وجاءنا أيضاً في المجاميع والمختارات الأدبية التي صنفها فحول العلماء في الصدر الأول أيضاً كالمفضليات والأصمعيات والحماسيات والمختارات, وجاءنا أيضاً منثوراً ومفرَّقاً في كتب الأمالي والمجالس ودواوين الأدب ومعاجم اللغة, بل وفي كتب التاريخ والبلدانيات (الجغرافيا).

وحين ظهرت المطبعة, وتصدى علماء البعث والإحياء لشرح الشعر الجاهلي قرأناه في مؤلفات جلة العلماء, من أمثال الشيخ حسين بن أحمد المرصفي, والشيخ سيد بن علي المرصفي, والشيخ حمزة فتح الله, ثم جاءت طبقة تلاميذهم من قراء الشعر الجاهلي وشراحه, مثل الأستاذ محمود محمد شاكر, والدكتور طه حسين, والطبقة التي جاءت بعدهما مثل الدكتور نجيب محمد البَهْبِيتي, والدكتور عبد الله الطيب المجذوب ... وهلمَّ جرّاً إلى أساتذة الأدب ودارسيه بالجامعات وغير الجامعات.

فأنت ترى أن الشعر الجاهلي في أصلاب كريمة, ووعته صدور حافظة, وحملته أيدٍ بارة, وأدَّته ألسن ذكية. وهؤلاء العلماء المحدَثون الذين ذكرتهم إنما قرأوا الشعر الجاهلي وغير الجاهلي في الكتب الصفراء.

فإذا تركنا حديث الشعر الجاهلي ونظرنا في تراثنا كله المطبوع في مطبعة بولاق والمطابع الأهلية الأخرى بمصر وسائر بلاد الدنيا, وجدنا كله - وبخاصة أواخر القرن الماضي والربع الأول من القرن الحالي - قد جاءنا في الورق الأصفر, فقد قرأنا تفاسير القرآن الكريم ودواوين السُّنَّة المطهَّرة في الورق الأصفر, وكذلك كتاب الأم للشافعي, وكتاب سيبويه, والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني, وتاريخ الطبري وابن الأثير, ومقدمة ابن خلدون, والفتوحات المكية لابن عربي, ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية, ووفيات الأعيان لابن خلكان, ونفح الطيب للمقري, وألف ليلة وليلة ... وسائر كتب الحضارة العربية والإسلامية. وكذلك الكتب المترجمة يومئذ إلى العربية في أنواع العلوم, كالطب والهندسة والفلك والرياضيات والعلوم الحربية. وكذلك كان الشأن في كثير من مطبوعات أوروبا من الكتاب العربي وغيره.

يقول العلامة الدكتور عبد الله الطيب المجذوب, صاحب الكتاب العظيم «المرشد إلى فهم أشعار العرب» في محاضرة ألقاها بنادي ناصر الثقافي بالخرطوم: «وأشهد على نفسي أني عندما كنت أدرس في الخارج - يعني لندن - كنا ندرس بعض القطع المسرحية لشكسبير, فكان التلاميذ معنا يُسَمَّع بعضهم لبعض القِطَع عن ظهر قلب, حتى أمثال «يطارده القتلة» أو «يخرج بطارده سبع». وكانت لهذه المسرحيات القديمة شروح, قد تكون الأبيات أربعة أسطر في أعلى الصحيفة بخط كبير, وسائر الصحيفة بخط دقيق شرح لما فوق, ويقبل التلاميذ على ذلك ولا ينفرون, فإذا قُدِّم لهم شيء يشبه ذلك بالعربية نفروا منه نفوراً شديداً. ومن عجب الأمر أن الكتب التي كنا ندرسها بالإنجليزية كان ورقها أصفر. والورق الأصفر لعله ألين على عين القارئ من الورق الناصع الأبيض» انتهى كلامه, ويؤكده أن مصابيح الإضاءة في شوارع وميادين الكبرى غلب عليها الآن اللون الأصفر.

وقد شهدنا في الكتب الصفراء ظاهرة طباعية عجيبة, لم نشهدها في الكتب البيضاء, وهي ظاهرة طبع كتاب أو كتابين بهامش الكتاب الأصلي, أو بآخره إذا كان له صلة بالكتاب الأصلي. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً, لا داعي للتطويل بذكرها, على أن أعجب ما في هذه الظاهرة أن نرى خمسة كتب مطبوعة في كتاب, وفي صفحة واحدة اجتمعت الكتب الخمسة, في الصلب والهامش, مفصولة بجداول, دون أن يختلط بعضها ببعض, أو يبغي بعضها على بعض. وذلك: كتاب شروح التلخيص في علوم البلاغة, ويشتمل على:
1- شرح سعد الدين التفتازاني على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني.
2- مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح لابن يعقوب المغربي.
3- عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح, لبهاء الدين السبكي.
4- الإيضاح للخطيب القزويني.
5- حاشية الدسوقي على شرح السعد.
والثلاثة الأولى طبعت في صُلب الكتاب, والاثنان الباقيان بهامشه. وكانت الطبعة الأولى للكتاب بمطبعة بولاق - على الورق الأصفر - سنة 1317 هـ, أي منذ نحو مائة عام, وكانت هذه الطبعة على نفقة مصطفى أفندي المكاوي, المحامي بمدينة الفيوم, والشيوخ فرج الله زكي الكردي, وكيل الشركة الخيرية لنشر الكتب العالمية الإسلامية, من طلبة العلم بالأزهر الشريف, وعبد الحميد أفندي الصمداني.

وقف أيها القارئ الكريم عند اسم «مصطفى أفندي المكاوي المحامي», وانظر إلى همم الرجال واهتماماتهم في تلك الأيام! رجل من رجال القانون ينهض للمشاركة في نشر أصول من كتب البلاغة! وأدعُ لك أيها القارئ العزيز التدبر في هذا الذي كان, وما نحن عليه الآن !

وظاهرة طبع الكتب بهامش كتب أخرى, ظاهرة عجيبة فريدة, وهي دالة بوضوح على أن القوم كانوا في سباق لنشر العلم وإذاعته. وما أعلم أن هذه الظاهرة عُرِفتْ في غير مطابع مصر واستانبول, في بداية الطباعة العربية على الأقل.

هذا وقد ارتبط الورق الأصفر عند عارفي الكتب وجامعيها, بجودة التصحيح وكمال الإخراج - وتلك حقبة غالية من تاريخ الطباعة في مصر - فقلَّ أن تجد تصحيفاً أو تحريفاً, وجاءت النصوص كاملة موفورة, لا سقط فيها ولا خلل, وذلك لأن القائمين على تصحيح الكتب الصفراء في ذلك الزمان كانوا طبقة من فضلاء العلماء, وكانوا يقومون بعملهم هذا في أمانة تامة وحرصٍ شديد. ويذكر التاريخ من أسماء هؤلاء المصححين العلماء: نصر الهوريني, ومحمد بن عبد الرحمن, المعروف بقُطة العدوي, ومحمد الحسيني, وطه محمود, ومحمد عبد الرسول, ومحمد قاسم, ومحمد الزهري الغمراوي, وعبد الغني محمود.

وكان كثير من أساتذتنا الذين يجمعون الكتب يركضون خلف الطبعة الصفراء, ويسمحون فيها بأغلى الثمن, فإذا جئت أحدهم بطبعة من الكتاب القديم على ورق أبيض, نفر منها نفوراً شديداً, فإذا زيَّنتها له بأن فيها أوائل فقرات, وعلامات ترقيم, لجَّ في إعراضه, وقال: «بِطِينُه ولا غسيل البرك».

وإن تعجب فعجبٌ أن الورق الأصفر قد عاد إلى الطباعة مرة أخرى, وأمامي الآن طبعة جيدة جداً من «القاموس المحيط» للفيروزآبادي, على ورق أصفر. وتقع هذه الطبعة في (1750) صفحة, وقد أصدرتها مؤسسة الرسالة ببيروت - الطبعة الثانية 1407 هـ = 1987 م. ثم طبعة محققة من كتاب «مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الأصبهاني على ورق أبيض, ولكنه بياض خفيف يميل كل الميل إلى الأصفر. وهذه الطبعة من منشورات دار القلم بدمشق, والدار الشامية ببيروت.
الطبعة الأولى 1412 هـ = 1992 م.

هذا ولن تزول حيرتي, ولن ينقضي عجبي من حديث «الكتب الصفراء» والحط (64) عليها, إلا إذا جاءني كاتب بكلام محدد مبين موثق, بأسماء هذه الكتب الصفراء, والفنون التي عالجتها والدلالة على مواضع الذم منها, وليس لي إلا شرط واحد: أن يرفق بي الكاتب, فلا يَهجم بي على دهاليز المنهجية والموضوعية والإشكالية, وحركة التاريخ, والحتمية الحضارية, وأن يأتيني الكلام واضحاً قاطعاً, لا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً؛ فإن كثيراً مما نقرأه ونسمعه في هذه الأيام مما ينطبق عليه قول ذلك الأعرابي وقد حضر مجلس الأخفش فسمع كلاماً لم يفهمه, فحار وعجب, فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟ فقال: «أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا» ... نعم إن كثيراً مما نقرأه ونسمعه الآن مما يدير الرأس ويجعل الأعلى أسفل والأسفل أعلى, وكأنك في مدينة ملاهٍ, أمام تلك الصناديق التي يجلس فيها الصغار: تعلو بهم ثم تهبط, ثم تعلو ثم تهبط, إلى أن يدركهم الدُّوار, أو يُنزل الله عليهم النعاس أمنة منه ... والملجأ الله.

* * *

النحو .. والشعراء (65)

عرضت في عدد الهلال الماضي لكلمة الشاعر الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي المنشورة بجريدة الأهرام 26/8/1992 م, والتي قدم فيها كتاب الأستاذ الكبير الدكتور مصطفى ناصف «صوت الشاعر القديم».

وقد وقفت عند قول الأستاذ حجازي إنه مدين لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين «بهذا المنهج» الذي أخرج به الشعر الجاهلي من سلطان النحاة والشراح وسدنة الكتب الصفراء».

ثم ناقشته في «سدنة الكتب الصفراء», ولم يبق لي من كلامه إلا قوله: إن الدكتور طه حسين «قد أخرج بمنهجه الشعر الجاهلي من سلطان النحاة».

وعوداً على بدء, فهذا أيضاً من الكلام الذي يُرسل إرسالًا, وكأنه من الحقائق المؤكدة التي استقرت عند الناس, ولم يبق لأحد فيها مقال.

فأي «سلطان» يا سيدي الشاعر, وأي «نحاة»؟ لابد من تحديد هذا السلطان (الحائر) وبيان مداه الذي ينتهي إليه, وغايته التي يقف عندها. ولا بد أيضاً من تعيين هؤلاء «النحاة» بأسمائهم وأزمانهم, فإن هناك كثرة من النحاة الأوائل قد وقفوا مع الإبداع الشعري - كما يقال - ووجهوا تراكيب الشاعر التي خرجت في الظاهر عن سَنَن كلام العرب؛ فالتمسوا لها وجهاً, وطلبوا لها تأويلًا من لغات العرب التي تسمى الآن «لهجات».

والقضية أقدم من عميد الأدب العربي بأكثر من ألف عام. وإليك يُساق الحديث: قال أبو محمد بن الخشاب المتوفى سنة 567 هـ: إن أبا حاتم السجستاني قال: ليس الفرزدق أهلاً لأن يستشهد بشعره على كتاب الله, لما فيه من التعجرف.
وقال ابن خشاب أيضاً: لم يَجْرِ في سَنَن الفرزدق من تعجرفه في شعره, بالتقديم والتأخير المخل بمعانيه, والتقدير المشكل إلا المتنبي, ولذلك مال إليه أبو علي وابن جني, لأنه مما يوافق صناعتهما, ولا ينفع المتنبي شهادة أبي علي له بالشعر, لأن أبا عليًّ مُعْرِب لا نقَّاد, وإنما تنفعه شهادة العسكريين (يعني أبا أحمد صاحب المصون, وأبا هلال صاحب الصناعتين وديوان المعاني), وأبي القاسم الآمدي, فإنهم أئمة يقتدى بهم في نقد الإعراب».
في قلب الحركة الشعرية:
أرأيت يا سيدي الشاعر! هذا أبو علي الفارسي شيخ النحاة في القرن الرابع وتلميذه العظيم ابن جني, كلاهما مع الإبداع الشعري, ولعلي أذكر شيئاً من تخريج أبي علي لشعر الفرزدق الذي عابه عليه النحاة.

فذكر «النحاة» هكذا بصيغة التعميم غير صحيح. وأيضاً فإن وضع القضية على هذا الشكل يجعل النحاة - وبخاصة عند من لا يعرف تاريخ العلم والعلماء - بمعزل عن الشعر, بل في موقف المتربص به, الكاره له, البعيد عنه. وهذا غير صحيح أيضاً, فإن كثيراً من نحاة الصدر الأول لم يكونوا منظرين من بعد, بل كانوا في قلب الحركة الشعرية, وفي الصميم منها: فهذا أبو عمرو بن العلاء الإمام النحوي اللغوي, وأحد القرَّاء السبعة كان راوية لذي الرمة الذي يقال: إن شعره يمثل ثلث لغة العرب. وعناية أبي عمر بالشعر الجاهلي معروفة, وقد كان يعول مع السماء والرواية على الكتابة والتقييد. وكان يونس بن حبيب شيخ سيبويه شديد الاختصاص برؤبة بن العجاج. وكان نِفْطويه يحفظ نقائض جرير والفرزدق وشعر ذي الرمة.

أما أبو العباس ثعلب - وهو مع الكسائي والفراء, زعماء مدرسة الكوفة النحوية - فإن له علقة شديدة بالشعر والشعراء: فقد صنع دواوين الأعشى وزهير

وابنه كعب وعروة بن حزام والنابغة الذبياني والجعدي والطرماح وطفيل الغنوي, وشرح لامية الشنفرى:

أقيموا بني أمية صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل

كما روى شعر ذي الرمة عن أبي نصر الباهلي صاحب الأصمعي, وعن هذه الرواية كانت نشرة الدكتور عبد القدوس أبو صالح العظيمة لديوان ذي الرمة بمجمع اللغة العربية بدمشق, وفضلًا عن ذلك كله فإن لثعلب في علم الشعر كتاباً شهيراً هو «قواعد الشعر», وهو على وجازته مفيد في بداية هذا العلم.

أما مسألة «سلطان النحاة على الشعر», ووقوفهم في وجه الإبداع الشعري فهي من المسائل التي يتابع الناس بعضهم بعضاً فيها دون أن يعطوها حظها من النظر والتأمل.

تقعيد القواعد:
إنَّ النحو علم وصناعة, وقد قعَّد النحاة القواعد بناء على الجمهور الأعظم الذي انتهى إليهم من كلام العرب شعراً ونثراً, فهو نظام مستتب, مبني على الأكثر والشائع, ولذلك يقول ابن عصفور «إن أئمة النحويين كانوا يستدلون على ما يجوز في الكلام بما يوجد في النظام».

والنحوي حريص على هذا النظام, متشبث به, فما خرج عنه رفضه أو ضعَّفه أو شذّذه, ولا يبالي النحوي أي نص كان هذا الذي خرج عن النظام, ولذلك يضعف النحوي - بناء على نظامه - بعض القراءات القرآنية الآتية من طريق التواتر. فقد تكلم النحاة على قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي: {إن هذان لساحران} بتشديد نون {إن} مع رفع {هذان} بعدها, وحقه النصب. وتكلَّموا على حذف الفاء في جواب «أما» من قوله صلى الله عليه وسلم: «أما بعد, ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله». وحقه: «فما بال ... », وتكلَّموا على حديث: «صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً, وصلى وراءه رجال قياماً» لمجيء «قياماً» حالًا, وقبله نكرة «رجال», وحق



صاحب الحال في النظام النحوي أن يكون معرفة, وتكلَّموا أيضًا على قول العرب: «مكروه أخاك لا بطل», وحقه «أخوك».

فالنحوي يعرض كل ما يرد عليه من كلام ونصوص على نظامه, فما وافقه قبله, وما خالفه رفضه, فلئن كانت عداوة بين النحاة والشعراء لهذه العلة, وجب أن تكون هذه العداوة أيضاً بين النحاة وكل من تكلَّم بكلام خالف فيه النظام واتبع هواه.

علم التوجيه النحوي ودوره:
ومع كل هذه الصرامة النحوية, فقد قام نحاة آخرون بتوجيه هذا الكلام الخارج عن النظام, ورده إليه من طريق موافقته لبعض لغات العرب - أي لهجاتهم - أو من طريق الحذف والتقدير, والحذف من خصائص العربية, وهو سمة من سمات فصاحتها وبلاغتها, ويجعله ابن جني من «باب شجاعة العربية», وعلم التوجيه النحوي هذا علم ضخم جداً, وبخاصة توجيه القراءات السبع.

ولما كان الشعر كلاماً من الكلام فقد عرضوه أيضاً على نظامهم, فقبلوا منه ورفضوا, لكنهم قد وقفوا منه موقفاً آخر غير موقفهم من النصوص النثرية - وهذا يدل على احتفالهم به, وإجلالهم له - فهم قد نظروا إليه من أول الأمر على أنه كلام ذو طبيعة خاصة ونسق متميز, وحيث كانت هذه حاله عومل معاملة مباينة لمعاملة منثور الكلام, فأجازوا فيه ما لا يجوز في النثر. وكان صنيع إمام النحاة سيبويه في ذلك دليلًا ومرشداً, فقد عقد باباً في أول الكتاب سمَّاه: «باب ما يحتمل الشعر» قال في أوله: «اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في غيره».

ويقول ابن عصفور: «اعلم أن الشعر لما كان كلاماً موزوناً يخرجه الزيادة فيه والنقص منه عن صحة الوزن, ويحيله عن طريق الشعر, أجازت العرب فيه ما لا يجوز في الكلام, اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه, لأنه موضع ألِفَت فيه الضرائر».

وتأمل جيداً قوله: «اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه», فهو كلام صريح


في الاعتراف بأن للشعر لغة خاصة, وأن الضرورة الشعرية ليست كما يفهمها بعض الناس: أنها الذي لا يجد الشاعر عنها محيصاً. وهذا ما عليه المحققون من العلماء, فإن الشاعر الذي قال:
تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكمُ عليَّ إذن حرامُ

كان يستطيع أن يقول:

مررتم بالديار ولم تعوجوا
فيسلم له الوزن مع رعاية النظام النحوي في تعدية الفعل «مر» بالباء, ولكنها لغة الشعر, فيا بُعد ما بين «تمرون» و «مررتم» في المذهب الشعري ! ومع التسليم بهذه الضرائر الشعرية وتصنيف العلماء فيها: فإنك لو أحصيت ما خرج به الشعراء جميعاً في كل عصور الاستشهاد والاحتجاج, وما بعدها, عن النظام النحوي, لوجدته قطرة في بحر, وأن جمهور شعرهم جار على هذا النظام, وما كان ذلك كذلك إلا لأن ذلك النظام النحوي فطرة وسليقة عند العرب, ألم يقل الشاعر القديم:

ولست بنحوي يلوك لسانَه ... ولكن سيلقيّ أقول فأعربُ

الضيق بالنحو:
أما ما تراه في كتب الأدب والتراجم من ضيق بعض الشعراء بالنحو والنحاة, وقولهم في ذلك الشعر الساخر المستهزئ فهو عندي من باب المعابثة والاستطالة بالذكاء, وكأنهم يريدون أن يقولوا: إن نحوكم أيها النحاة صنعة, ونحوَنا فِطْرة, وآية ذلك أن شعرهم الذي حمل سخريتهم من النحاة ليس فيه شيء خارج النظام, أو خارق لقواعده, وكأنها سخرية بالنحاة لا بالنحو. ولا يتسع المقام لذكر شيء من شعرهم الساخر هذا وتحليله, ولكني أشير إلى مقطوعة من تسعة أبيات, أوردها أبو حيان في الإمتاع والمؤانسة 2/ 140, يقول الشاعر الساخر في أولها:

ماذا لقيتُ من المستعربين ومن ... تأسيس نحوهمُ هذا الذي ابتدعوا


وفي هذه المقطوعة يقول:

ما كل قولي معروف لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا
كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم ... وآخرين علي إعرابهم طُبِعُوا

فهذان البيتان شاهدان على ما قلته من نحو الصنعة ونحو الفطرة. والشاعر بطبعه مختال تيّاه, وحُق له!

وما أظن الذين تكلَّموا عن «سلطان النحاة» على الشعراء قد أخذوا كلامهم إلا من قصة الفرزدق مع عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي: فقد سمع الفرزدق يقول:
وعَضُّ زمانٍ يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتاً أو مُجَلَّفُ
فقال له: بِمَ رفعتَ «أو مجلفُ»؟ فقال: «بما يسوءك وينوءك, علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا». وهذا البيت مما استفاضت به كتب العربية, وأطال النحاة فيه الكلام. قال البغدادي صاحب الخزانة: «وهذا البيت صعب الإعراب». وقال الزمخشري: «هذا بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه», وقال ابن قتيبة: «رفع الفرزدق آخر البيت ضرورة, وأتعب أهل الإعراب في طلب الحيلة, فقالوا وأكثروا, ولم يأتوا فيه بشيء يُرْتَضى, ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر أن كل ما أتوا به احتيال وتمويه».

وقال أبو فهر محمود محمد شاكر: «وبيت الفرزدق مما اشتجرت عليه ألسنة النحاة, ولكنه بقي مرفوعاً حيث هو».

ومن أقرب تخريجات النحاة وأولاها بالقبول ما ذكره الخليل بن أحمد, عبقري العربية قال: هو على المعنى, كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت, لأن معنى لم يبق ولم يَدَع واحد. ومثل ذلك قال أبو علي الفارسي, واستشهد للحمل على المعنى بشواهد أخرى.

وقد حكوا حكايات أخرى عن مخالفة الفرزدق لبعض قواعد النظام النحوي, ومع هذا المأثور عن الفرزدق فقد بقي جمهور شعره على الجادة النحوية, وظل مدداً ثرياً للنحاة, ينتزعون منه شواهدهم في الدرس النحوي واللغوي بمستوياته الأربعة: المستوى النحوي (التراكيب), والمستوى الصرفي (الأبنية), والمستوى الصوتي, والمستوى الدلالي.

الضرورة الشعرية لا تبرر الخروج عن السّنن العربية:
على أنه مما ينبغي التنبه له والحذر منه أن الضرورة الشعرية - أو إن شئت لغة الشعر - لا تبيح للشاعر أن يخرج عن سَنَن العربية. قال أبو سعيد السيرافي, وهو يشرح كلام سيبويه, في الضرورة الشعرية: «وليس في شيء من ذلك رفع منصوب, ولا نصب مخفوض, ولا لفظ يكون المتكلم فيه لاحناً, ومتى وُجدَ هذا في شعر كان ساقطاً مطًَّرحاً, ولم يدخل في ضرورة الشعر».

والعميد الدكتور طه حسين, الذي قال عنه الأستاذ حجازي إنه أخرج الشعر الجاهلي من سلطان النحاة, يعيب على بعض الشعراء المحدَثين خروجهم على قواعد النحو, فيقول عن الشاعر إيليا أبي ماضي إنه اتخذ ضعفه في النحو مذهباً, وقد ردد هذا الرأي الناقد اللبناني صلاح لبكي, في كتابه «لبنان الشاعر» فرأى أن شعراء المهجر آنسوا ضعفهم في اللغة, ويأسَهم من إصلاحها, فلم يجدوا بداً من أن يتخذوا هذا الضعف مذهباً, وآية ذلك فصل للأستاذ ميخائيل نعيمة في «الغربال» عنوانه ضفادع الأدب.

فليست لغة الشعر, أو الإبداع الشعري, مجازاً إلى الفوضى اللغوية, أو رخصة ليقول بعضهم: «قد فوق وقد تحت», ولعل ذلك يذكرنا بمقالة أخرى للأستاذ حجازي, نشرها بجريدة الأهرام بتاريخ 4/3/1992م, بعنوان «حد الصواب وحد الخطأ», وذكر فيها كلاماً عجيباً حول اللغة الاعتباطية, وأن القاعدة اللغوية ليست نموذجاً مثالياً لا يتغير ولا يتبدل, وأن اللغة إذا لم تكن تنزيلاً فكل شيء فيها مباح ... إلى كلام آخر كثير مما يقال فيه: «وآخر من شكله أزواج», وهو

كلام منقوض من جهاته كلها, لكن الذي يعنيني منه هنا استشهاده على تجاوز القواعد النحوية بالقراءة المنسوبة للإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت, وذلك قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}, برفع لفظ الجلالة ونصب {العلماء}, وعندي في هذه القراءة كلام كثير لا يتسع له هذا الموضوع, لكني أوجزه فيما يلي:

أولاً: هذه قراءة منكرة, لا شاذة, كما ذكر الأستاذ حجازي, وفرق كبير في علم القراءات بين القراءة المنكرة والقراءة الشاذة, فالقراءة المنكرة مرفوضة, أما القراءة الشاذة فإن لها حدوداً ومعالم, وليس وصف القراء بالشاذة غضباً منها أو تهمة لها, وإنما وصفت القراءة بالشذوذ لخروجها عن قراء القرَّاء العشرة المعتبرين. ولذلك يقول ابن جني في مقدمة كتاب المحتسب, عن هذا الشاذ: «إلا أنه مع خروجه عنها - أي عن القراءات العشر - نازع بالثقة إلى قرائه, محفوف بالرواية من أمامه وورائه, ولعله, أو كثيراً منه, مساو في الفصاحة للمجتمع عليه.
ونعم وربما كان فيه ما تلطف صنعته, وتعنُف بغيره فصاحته ... ».

القراءات الشاذة:
وقراء القراءات الشاذة أربعة من كبار علماء العربية وهم: ابن محيصن, ويحيى اليزيدي, والحسن البصري, وسليمان الأعمش. وقد ألّفت كتب في ذكر قراءتهم وتوجيهها, وعندي من كتب توجيه القراءات الشاذة هذه ثلاثة كتب, أولها: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها, لان جني المتوفى سنة 392 هـ, ومختصر في شواذ القراءات لابن خالويه المتوفى سنة 370 هـ.
والقراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب للشيخ عبد الفتاح القاضي, وهو عالم قراءات مصري كبير, توفي منذ عشر سنوات, سنة 1403 هـ, ولا ذكر لهذه القراءة المنسوبة لأبي حنيفة وللخليفة عمر بن عبد العزيز في هذه الكتب الثلاثة, وكذلك لم أجد لها ذكراً في كتاب الدمياطي: إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر.

ثانياً: ذكر الآلوسي في كتابه روح المعاني 22/ 191: أن صاحب النشر - وهو ابن الجزري - طعن في هذه القراءة. وقال أبو حيان في البحر المحيط 27/312 بعد أن ذكر نسبة هذه القراءة إلى عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة: «ولعل ذلك لا يصح عنهما, وقد رأينا كتباً في الشواذ ولم يذكروا هذه القراءة, وإنما ذكرها الزمخشري».

قلتُ: نعم ذكرها الزمخشري في الكشاف 3/ 308, وعبارته: «فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}, وهو عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة؟ قلتُ: الخشية في هذه القراءة استعارة. والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم, كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عبادة». انتهى كلام الزمخشري.

وتأمل قول: «ويحكى عن أبي حنيفة», فهو أسلوب غير قاطع بنسبة هذه القراءة إلى الإمام الأعظم. وأيضاً فإنَّ انفراد الزمخشري بذكر هذه القراءة وتوجيهه لها على أسلوب الاستعارة يتفق مع منهجه الذي غلب عليه في تفسيره, وهو العناية بالمجاز والاستعارة وتنزيل الكلام عليهما, وواضح أن تفسير الآية الكريمة على نصب لفظ الجلالة {الله} ورفع {العلماء} إنما هو على الخشية الحقيقية, وتفسيرها على العكس, بالرفع والنصب إنما هو على المجاز, كما سبق. فليس معنى الآية واحداً في القراءتين, كما فهم الأستاذ حجازي!

ثالثًا: لم يلتفت إلى هذه القراءة المنكرة أئمة المفسرين الثقات: من أمثال أبي جعفر الطبري, وأبي الفرج ابن الجوزي, وأبي الفداء ابن كثير, فلم يأت في تفاسيرهم شيء عنها البتة.

رابعاً: هذه القراءة المنكرة المنسوبة لأبي حنيفة ليست أول حكاية عن مخالفته لقواعد اللغة والنحو, فقد رُوِي عنه غيرها, كما تراه في ترجمة الخطيب البغدادي له في تاريخ بغداد 13/332, ويرى المحققون أن الحامل للخطيب على

ذلك هو عصبية المذهب, وهي آكلة القلب, ومغمضة العين, ومطلقة اللسان, لأن الخطيب كان شافعي المذهب, ولذلك عاب عليه ابن خلكان في وفيات الأعيان 5/413 مَسْلَكه هذا في ترجمة أبي حنيفة, وقال إنه كان الأليق به تركه والإضراب عنه.

ومن وراء ذلك كله: فإن الكلام في القراءات القرآنية طريق مخوف العواقب, ليس من باب الديانة فقط - وهي عزيزة علينا - ولكن من باب اللغة أيضاً وضروبها المتشبعة الشائكة. ولعل الشاعر الكبير الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي يريح نفسه من الحديث في قضايا اللغة والنحو, فإنها مجلبة للهم, تكد الذهن وتصدع الرأس, والسالك فيها لا يأمن العثرة بن العثرة, والزلة إثر الزلة, والسعيد من وفقه الله.

رجاء صادق:
ثم أختم برجاء صادق إلى الشاعر الأستاذ حجازي - وأنا أخاطبه بالشاعر قبل أي صفة - ألا يحرم قراءه ومحبيه من حديث الشعر والشعراء, وأن يخصص ذلك المكان المتاح له في «الأهرام» للشعر, فيمتعنا بشعره هو, أو يقدم لنا ما يختاره من شعر قديم أو محدث, بالتحليل والدرس والتذوق, فليس أقدر من الشاعر على شرح الشعر. وللشعر بهاء, وللنفس إليه نزوع, وللقلب به علقة. وقد قال الأول:

الشعر نار بلا دخان ... وللقوافي رقى لطيفه
كم من ثقيل المحل سام ... هوت به أحرف خفيفه

وكان أبو علي الفارسي إمام النحاة في القرن الرابع, يقول وقد جرى ذكر الشعر بحضرته: «إني لأغبطكم على قول الشعر ! فإن خاطري لا يوافقني على قوله, مع تحققي بالعلوم التي هي من موادَّه».

ولم نر شاعراً اشتغل بقضايا اللغة والنحو والصرف, إلا أن يكون أبا العلاء, من مثل أبي العلاء؟ ولقد أسعدني زماني بمعرفة الشاعر العظيم محمود حسن إسماعيل, وكان يؤثرني بكلام حلو عال عن الشعر, وكيف يُكتب, وعن إحساسه بالحرف العربي.
وقد أكثر معي من الكلام حول معاني الشعر, وبخاصة عقب إصدار الشاعر العوضي الوكيل الجزء الثالث من «الديوان» - يعني ديوان العقاد والمازني - وعرَّض فيه تعريضاً شديداً بالشاعر محمود حسن إسماعيل, ويومها قلت له: لماذا لا تكتب يا أستاذ محمود هذا الكلام النفيس عن الشعر وحياتك معه وفهمك له؟ فقال: «إني شاعر» ولم يزد.

رحم الله الشاعر العظيم محمود حسن إسماعيل, وأطال في عمر الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي, وللنحو والنحاة كل الحب والإجلال.

* * *

العامة .. وقراءة التراث (66)

كتب الأستاذ الدكتور عبد العظيم أنيس, في العدد السابق من الهلال, مقالة عن العالم الرياضي الشاعر عمر بن إبراهيم الخيامي الفارسي النيسابوري, المعروف عند جمهرة الناس باسم: عمر الخيام, المتوفى سنة 515 هـ - 1121م. وكان الخيام عالماً بالرياضيات والفلك واللغة والفقه والتاريخ, وهو صاحب «الرباعيات» التي أذاعت اسمه وأكسبته الشهرة في الشرق والغرب.

وقد افتتح الدكتور أنيس مقالته بكلمات جياد, قال فيها: لا بد أن يكون عمر الخيام هو الرياضي البارز الوحيد الذي اقترن اسمه في هذا العالم بالأندية الليلية والفنادق ومحال بيع الفطائر. ومن الغريب أنه لم ينشأ ناد واحد في العالم العربي لمناقشة إنجازاته الفذة في الرياضيات والفلك, ولا حتى ناد واحد لمناقشة الرباعيات المنسوبة إليه والتي اشتهر بها في الغرب, وإنما ارتباط اسمه للأسف الشديد بأندية اللهو والمجون في الشرق والغرب على السواء.

وقد أثارت هذه الكلمات أشجاناً قديمة حول بعض رموزنا التراثية العظيمة التي ارتبطت عند عامة الناس بمفاهيم خاطئة وتصورات غير صحيحة.

ولا سبيل إلى ذكر كل ما تمتلئ به الجعبة من هذه الرموز التي خلط الناس في أمرها تخليطاً منكراً, فلنكتف بذكر مثالين يشتركان مع عمر الخيام, في هذا الارتباط الخاطئ بين اسميها وبين اللهو والمجون. وهما: الخليفة العباسي أبو جعفر هارون بن محمد بن المنصور, المعروف بهارون الرشيد, المتوفى سنة 193 هـ, ومعاصره وجليسه الشاعر أبو نواس, الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن صباح الحكمي بالولاء, المتوفى سنة 198 هـ.

فأنت قلَّما تدخل فندقاً إلا وجدت فيه قاعة أفراح باسم هارون الرشيد أو أبي نواس, إلى ما تراه من أسماء الملاهي الليلية والمطاعم ومحلات الحلوى التي اختارت هذين الاسمين عنواناً وشعاراً, بحيث صار ذكر اسمهما جالباً للأفراح والليالي الملاح والمباهج والمسرات.

أما ما وراء ذلك من التاريخ العريض لهذين العلمين, وأثرهما في الحضارة العربية الإسلامية؛ فهو مما لا معرفة لعامة الناس به, بل إن الأمر قد تعدى العامة إلى بعض الخاصة, وإن كنا لا نستطيع في هذا الزمان أن نجد فرقاً حاسماً بين العامة والخاصة, فقد اختلط المرعى بالهمل. واسأل من شئت من طلبة الجامعة, أو من المتخرجين فيها, عن هذين العلمين, ولن تخرج إلا بما يدور حول اللهو والمجون, وما يفضي إليهما وما ينتج عنهما.

على أننا لا نستطيع - حقّاً وصدقاً - أن نحمِّل العامة وحدهم تبعة هذا الفهم الخاطئ لتاريخ الرجلين, فمن أين جاءهم هذا الفهم, وكيف تتابعوا عليه؟

إن الأمر متصل بقضية كبرى: هي قضية الجرأة على التاريخ, والاستخفاف بأيام الناس, ثم عدم إعطاء العقل حظه من الأناة والتتبع والتحري والصبر على تكاليف الحق والإنصاف, وقهر الهوى الجامح.

ولا تقل إن الأمر في هارون الرشيد وأبي نواس متصل بالأدب الشعبي الذي يستنزل من الشخصيات بعض صفاتها المثيرة فيضخمها ويتخذ منها مادة للتسلية والترويح, كما نرى في «ألف ليلة وليلة» وما إليها. لا تقل هذا؛ لأن التخليط في أمر الرجلين قد امتد إلى تلك الدراسات التي يفترض أن تكون قائمة على البحث الجاد, والنظر الصحيح؛ لأنها تحمل أسماء وعنوانات توحي بالجد والصرامة العلمية.

هارون الرشيد وصور شائهة:
ولن يتسع المقام هنا لذكر ما كان من هذا التخليط في كتابات الدارسين المحدثين, لكني أكتفي بذكر مثال واحد, من كتاب له عند الناس مكانة كبيرة, ذلكم هو كتاب «قصة الحضارة» لول ديورانت. يقول عن هارون الرشيد: «وتصور لنا القصص - وخاصة قصص ألف ليلة وليلة - هارون الرشيد, في صورة الملك المرح المثقف المستنير, العنيف في بعض الأوقات, الكريم الرحيم في أغلب الأحيان, المولع بالقصص الجميلة ولعاً يحمله على أن يسجلها ويحتفظ بها في ديوان محفوظات الدولة. وتبدو هذه الصفة كلها فيما كتبه عنه المؤرخون, إذا استثنينا منها مرحه, ولعل السبب في ذلك أن هذا المرح قد أغضب المؤرخين, فهم يصورونه أولًا وقبل كل شيء في صورة الرجل الورع المتمسك أشد التمسك بأوامر الدين, ويقولون إنه فرض أشد القيود على حرية غير المسلمين, وإنه كان يحج إلى مكة مرة كل عامين, وإنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة مع الصلوات المفروضة, ويقال: إنه كان يشرب الخمر, ولكن هذا لم يكن إلا سرّاً مع عدد قليل من خاصة أصدقائه. ويقال: إنه تزوج من سبع نساء ... », قصة الحضارة, الجزء الثاني من المجلد الرابع ص 90, 91 - ترجمة الأستاذ محمد بدران. مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر - الطبعة الثانية, القاهرة 1964 م.

فهذه صورة شائهة مهزوزة لهارون الرشيد, تتأرجح بين المدح والذم, وقد استخدم فيها المؤلف «منهج العكس» حيث يقدم صورة الرشيد كما جاءت في ألف ليلة وليلة, وهي صورة «الملك المرح», ولكن هذا المرح أغضب المؤرخين - وهو يقصد المؤرَّخين العرب المسلمين, بلا شك - فصوروه في صورة الورع المتمسك بالدين. فهؤلاء المؤرخون في نظر «ديورانت» كاذبون مزيفون, ساءهم مرح الرشيد, فاخترعوا له صورة معكوسة, عكس الواقع.

وفضلًا عن ذلك كله ففي كلام «ديورانت» خبط كثير, وجهل بتاريخ الأمة وشرعها. وتأمل قوله: «وتزوج من سبع نساء», وقد علق على هذه العبارة مترجم الكتاب رحمه الله, فقال في الحاشية: «لعل المؤلف يضيف الجواري إلى الأزواج؛ لأن الإسلام يحرم الزواج بأكثر من أربع», وأقول: الصواب حذف «لعل» هذه.

ومن دقيق الفطنة هنا ما لاحظه الدكتور عبد العظيم الديب, قال: «إن ديورانت غيرَّ عبارة المؤرَّخين, فهم يقولون: «كان الرشيد يحج عاماً ويغزو عاما», فغيَّرها إلى «يحج كل عامين» وأسقط الغزو, وفي هذا ما فيه. (المنهج في كتابات الغربييَّن عن التاريخ الإسلامي للدكتور عبد العظيم الديب ص 108 - كتاب الأمة - قطر 141 هـ - 1990م).

ونعم كان الرشيد رجلاً لا ينسى نصيبه من الدنيا, مقبلًا عليها, آخذاً حظّه منها, قال الأصمعي: «كان الرشيد يحب السمر ويشتهي أحاديث الناس». لكن وراء ذلك دنيا حافلة بالغرائب والعجائب. قالوا: لم يكن أحد أحظى بالشعر منه, كما ذكر الجاحظ في الحيوان 4/ 383 - أي أكثر احتفالًا بالشعر, وقد اجتمع على مدحه من الشعراء ما لم يجتمع على أحد: أبو العتاهية, ومروان بن أبي حفصة, وسَلْم الخاسر, وابن مناذر, وأشجع السلمي, وكلثوم بن عمرو العتابي, ومنصور النمري, والعماني الراجز. وفوق هؤلاء جميعاً صديقه الأثير أبو نواس.

ومن وراء الشعر والشعراء كانت عناية الرشيد بالفقه والحديث واللغة والأدب, وما ظنك بملك يجتمع عنده الشافعي, وأبو يوسف, ومحمد بن الحسن الشيباني, وسفيان بن عيينة, والفضيل بن عياض؟ وقد ألَّف له أبو يوسف «كتاب الخراج», واقرأ مقدمة هذا الكتاب, وتأمل وصية أبو يوسف للرشيد, ففيها من الإخلاص في النصح, والصراحة في التوجيه ما لم يقدم عليه أبو يوسف إلا لأنه يعلم أنه سيجد من الرشيد صدراً واسعاً وأذناً واعية.

وما ظنك أيضاً بملك يجتمع عنده سيبويه والكسائي, ويتناظران بحضرته في المسألة النحوية الشهيرة, المعروفة بالمسألة الزنبورية؟ وبحضرته أيضاً تناظر الكسائي مع المفضل الضبي والأصمعي, وأبي محمد اليزيدي, وأبي يوسف (وانظر مجالس العلماء للزجاجي).

وقال الذهبي في وصفه: «وكان شهماً شجاعاً حازماً جواداً مُمَدَّحاً, فيه دين وسُنَّة, مع انهماكه على اللذات والقيان, وكان أبيض طويلًا, سميناً مليحاً, وقد وخطه الشيب. وكان يصلي في اليوم مائة ركعة إلى أن مات, ويتصدق كل يوم من صُلب ماله بألف درهم, وكان يخضع للكبار ويتأدب معهم». العبر في خبر من عبر 1/ 312. وقال في سير أعلام النبلاء 9/ 290: «ومحاسنه كثيرة, وله أخبار شائعة في اللهو واللذات والغناء, والله يسمح له».

فهذا الذهبي مؤرخ الإسلام يذكر كل جوانب هارون الرشيد, فلا ينشر الحسنات ويطوي السيئات, وهكذا جمهور مؤرخي العرب المسلمين, لا ما يذهب إليه ول ديورانت ومن لفَّ لفَّه.

ويقول السيوطي عن الرشيد في تاريخ الخلفاء صفحة 284: «وكان يحب العلم وأهله, ويعظم حرمات الإسلام, ويبغض المراء في الدين, والكلام في معارضة النص, وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن, فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه. ورُوي أن أبا معاوية الضرير حدثه بحديث: «احتج آدم وموسى» (انظر تمام الحديث في صحيح البخاري, كتاب الأنبياء 4/ 192), فقال رجل شريف من الحضور: فأين لقيه؟ فغضب الرشيد وقال: النطع والسيف, زنديق يطعن في الحديث ! فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول بادرة منه يا أمير المؤمنين, حتى سكن.

وقد سبق أنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً, وكان يلبس قلنسوة مكتوباً عليها: غاز حاج, قال أبو المعالي الكلابي:

فمن يطلبْ لقاءك أو يُرِدْه ... فبالحرمين أو أقصى الثغورِ

وقد حكم الرشيد ثلاثاً وعشرين سنة, بلغت فيها الدولة الإسلامية شأواً عظيماً من الرُقي والحضارة. يقول ابن دحية: «وفي أيامه كملت الخلافة بكرمه وعدله وتواضعه وزيارته العلماء في ديارهم».

وقد غزا الروم في القسطنطينية فصالحته الملكة إيريني, وافتدت منه مملكتها بسبعين ألف دينار, تبعث بها إلى خزانة الخليفة في كل عام. ووثَّق علاقة الدولة ببعض ملوك الفرنجة, فكانت له صِلات ومودة مع ملك فرنسا كارلوس الكبير الملقب بشارلمان, وكانا يتهاديان التحف, على ما هو معروف.

وبعد ... فهل نطمع أن نرى اسم هارون الرشيد يتلألأ ويتضوَّأ على صدر جامعة عربية, أو يتزين به مركز بحث علمي, بدلاً من قاعة هارون الرشيد, وحلواني هارون الرشيد؟.

أبو نواس ... صفحة مضيئة:
أما رفيقة أبو نواس فهو شاعر العربية في المائة الثانية بعد بشار بن برد, وهو يمثل صفحة مضيئة في كتاب الشعر العربي, جاء فملأ الأسماع وبهر الأنظار, واستوى في الإعجاب بشعره الجادون والهازلون؛ لأنه دار بين الجد والهزل. وقد خلط الناس في أمره قديماً وحديثاً. لكن المحنة في زماننا أن كثيراً من شباب هذه الأيام ممن نلقاهم أو نقعد منهم مقعد الدرس في الجامعة, لا يعرفون عنه إلا هذا الجانب الهازل الماجن, لأن بعض الدارسين يستهويهم هذا الجانب الماجن من حياة أبي نواس, فيطيلون الوقوف عنده, ويغدون ويروحون فرحين بما آتاهم علم التحليل النفسي. والإغراق في معطيات هذا العلم يحجب كثيراً من الحقائق, ويصد عن أبواب كثيرة من العلم, وقد يدخل الدارس في مضايق يعسر عليه التخلص منها إلا بخداع من القول وضروب من الاحتيال.

وشبابنا معذور أيضاً لأن ما يأتيه عن أبي نواس إنما يأتي كثير منه من تصورات العامة حول شخصية أبي نواس, وما تنسجه حوله من أخبار وحكايات يمتزج فيها الحق بالباطل, ويداخل الخير فيها الشر. ولست بحاجة إلى التذكير بما يسمونه «المعالجة الدرامية» في أفلامنا ومسلسلاتنا, وما يحدث في هذه المعالجة من اضطراب وتشويه للأحداث وتاريخ الرجال, ليسلم لهم ما يريدون من الإثارة والإمتاع.
وليس من غايتي هنا الحديث عن شاعرية أبي نواس, فهذا مما يعرفه الناس, ويُلتمس من مظانه. لكن الذي يعنيني هنا هو الكشف عن الوجه الآخر لهذا الشاعر العظيم, وأنَّ وراء هذه الشاعرية الجادة أو الماجنة عالماً كبيراً, هو من معالم هذه الأمة ومن رموزها العظيمة. وحسبك بشاعر يقف على بابه, ويخوض لججه, أئمة كبار, كابن السكيت, وابن جني, وأبي بكر الصولي, وحمزة الأصفهاني, ومهلهل بن يموت بن المزرع, وأبي هفان المهزمي!

قرأ أبو نواس القرآن الكريم على يعقوب بن إسحاق الحضرمي, أحد القراء العشرة, ولما حذق القراءة عليه رمى إليه يعقوب بخاتمه, وقال: اذهب فأنت أقرأ أهل البصرة. وكتب الحديث عن أئمته: عبد الواحد بن زياد, ويحيى القطان, وأزهر السمان. ثم أخذ اللغة والغريب عن أبي زيد الأنصاري شيخ سيبويه, ونظر في كتاب سيبويه, وأخذ عن خلف الأحمر معاني الشعر, وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى أخبار العرب وأيام الناس. وحفظ وحصَّل كثيراً, حتى روي عنه أنه قال: ما ظنكم برجل لم يقل الشعر حتى روى دواوين ستين امرأة من العرب, فما ظنكم بالرجال؟ وروي عنه أيضاً أنه قال: أحفظ سبعمائة أرجوزة, وهي عزيزة في أيدي الناس, سوى المشهورة عندهم.

والجاحظ يصفه بالعالم الراوية, الحيوان 2/ 27. وحكى ابن المعتز في طبقات الشعراء ص 201, قال: «كان أبو نواس عالماً فقيهاً, عارفاً بالأحكام والفتيا, بصيراً بالاختلاف (أي اختلاف الفقهاء في الأحكام) صاحب حفظ ونظر ومعرفة بطرق الحديث, يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه, ومحكمه ومتشابهه. وقد تأدب بالبصرة, وهي يومئذ أكثر بلاد الله علماً وفقهاً وأدباً, وكان أحفظ لأشعار القدماء والمخضرمين وأوائل الإسلاميين والمحدَثين».
وقال ابن منظور في مختار الأغاني 3/17: «كان أبو نواس متكلماً جدِلاً, راوية فحلاً, رقيق الطبع, ثابت الفهم في الكلام اللطيف».

وبعد ... فهذه كلمات قلائل عن هارون الرشيد وأبي نواس سقتها على

سبيل الوجازة والاختصار, وهي كلمات يعرفها أهل العلم من أساتذتنا وزملائنا, ولكني أردت بها شباب هذا الجيل الذي غُيَّب عن تاريخه وتراثه بأسباب كثيرة من المسخ والتشويه والتضليل, وأردت بها أيضاً التنبيه إلى خطورة إخضاع رموزنا التراثية وقضايانا الفكرية لتوجيه العامة وسلطانها الغالب.

ومما ينبغي التنبه له أيضاً أن هذه العاميات قد مدت سلطانها الآن إلى تفسير القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر وسائر كلام العرب, ولست أعني بالعاميات: الألفاظ والأبنية والتراكيب, ولكني أعني عاميات الفكر والتصور, وما أريد أن أشق عليك أيها القارئ الكريم بذكر الشواهد والمثل, فهو أمر متعالم مشهور, لكني أذكر لك ما أره الآن أمامي كتاب (الأدب العربي) المقرر على تلاميذ الصف الأول الثانوي. طبعة وزارة التربية والتعليم سنة 1992 م / 1993م, وقد كتب على غلافه: «الكتاب الفائز في مسابقة الوزارة سنة 1990م». وفي أول الكتاب قصيدتان لعنترة بن شداد العبسي, صدرتا بهذه العبارة «نماذج من الشعر الجاهلي», ومطلع القصيدة الأولى:
سكتُّ فغرّ أعدائي السكوتُ ... وظنُّوني لأهلي قد نسيتُ
ومطلع الثانية:
يا طائر البان قد هَيَّجت أحزاني ... وزدتني طرباً يا طائر البان
وهذا شعر بارد خفيف سخيف, يبعد أن يكون من نمط الشعر الجاهلي, ويستحيل من كل الوجوه أن يكون من مذهب عنترة الشعري. وفي القصيدة الأولى نقرأ هذا البيت:
خلقت من الحديد أشدَّ قلباً ... وقد بَلِيَ الحديد وما بليتُ
وعجز البيت من العامية بمكان. وكنت في طفولتي بحي الدرب الأحمر أسمع بعض فتوات المغربلين يقولون: «الحديد بُلِي واحنا لم بلينا» (وهذا من المواضع القليلة التي يستعمل فيها العامة الفعل مبنيّاً للمجهول» على أن الحديد أكثر ما يوصف بالصدأ, لا بالبلى.

أما التكرير في مطلع القصيدة الثانية فهو إلى التفاهة والسخافة ما هو !
وقد ذكر الأساتذة المؤلفون في حواشي الكتاب أن القصيدتين من ديوان عنترة بن شداد. نعم يا سادة, هما في الديوان, ولكن أي ديوان؟ لقد طُبع ديوان عنترة عدة طبعات, أولاها - فيما أعلم - طبعة بيروت سنة 1864م, بعنون «منية النفس في أشعار عنترة عبس», وقام على هذه الطبعة اسكندر آغا ابكاريوس, ثم تناسلت من هذه الطبعة بعد ذلك طبعات كثيرة, في بيروت ومصر, وكان آخرها بمصر بالمكتبة التجارية, بتحقيق وشرح عبد المنعم عبد الرؤوف شلبي, وتقديم إبراهيم الإبياري, وتشترك هذه الطبعات كلها, في أنها جمعت شعر عنترة كله, سواء ما كان منه صحيح النسبة إليه, أم ما جاء من طريق السيرة الشعبية لعنترة وهي التي يختلط فيها الغث بالسمين, والعالي بالنازل.

ثم يأتينا ديوان عنترة في دراسة علمية محققة على ست نسخ مخطوطة. من عمل الأستاذ محمد سعيد مولوي, وهو طالب علم سوري, حصل بهذا العمل المحقق الجيد على درجة الماجستير من كلية الآداب بجامعة القاهرة, بإشراف الدكتور شوقي ضيف, ومناقشة الدكتور عبد الحميد يونس, والدكتور يوسف خليف. وقد طُبع هذا الديوان بالمكتب الإسلامي لصاحبه الأستاذ العلامة زهير الشاويش, دمشق 1390 هـ - 1970م, وقد نشر الأستاذ المحقق ديوان عنترة بشرح أبي الحجاج يوسف بن سليمان المعروف بالأعلم الشنتمري, مع زيادات الوزير أبي بكر عاصم بن أيوب البطليوسي, وغيره من قدامى العلماء, ثم خلصه مما علق به من أخبار ومرويات السيرة الشعبية, فصار بهذا الديوان الذي لا ديوان لعنترة غيره.
وتقرأ هذا الديوان الموثق المحقق من أوله إلى آخره, فلا تجد فيه أثراً لهاتين القصيدتين المقررتين على تلاميذ السنة الأولى الثانوية, وقد يكون من هؤلاء شاعر أو أديب ...

وهكذا نقدم لأبنائنا في مراحل تعليمهم علماً غير موثق ولا مضبوط, ثم نصفهم بعد ذلك بالجهل والتسرع, وما هم إلا غرس الغارس, وبناء الباني:


ولو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقتُ ولكنَّ الرماح أجرَّتِ
(يقال: أجْررتُ الفصيل: إذا شَقْقت لسانه لئلا يرضع).
وروى الجاحظ في الحيوان 5/ 180: «قيل لرجل: أبوك ذاك الذي مات جوعاً؟ قال: فوجد شيئًا فلم يأكله؟».
والشكر بعد ذلك كل الشكر للأستاذ الدكتور عبد العظيم أنيس, فهو الذي استخرج هذا الكلام من مجثمه, أحسن الله إليه, وأطال في عمره. لكن لي إليه رجاء:
أن يعتمد التاريخ الهجري في ذكر الأحداث والأعلام العربية؛ لأن مراجعنا التاريخية كلها (التاريخ العام والطبقات والحوليات) ثم أصول علمنا كلها منزلة على ذلك التاريخ الذي لا تاريخ لنا غيره. وكنا على عهد قريب نلتزم بذكر التاريخ الهجري وبعده الميلادي: على سبورة الفصل, وفي رأس الجريدة, وعلى غلاف الكتاب المطبوع, وفي الشهادات الرسمية, وبراءة الأوسمة. بل إننا كنا نلتزم بذكر التاريخ الهجري فقط, وإذا دخلت جامعة القاهرة, ووقفت أمام المبنى الرئيسي, قرأت هذه العبارة:
«وضع الحجر الأساسي للجامعة في حفل من وجوه الدولة وأعلام الأمة في يوم الثلاثاء لخمس عشرة خلت من شعبان سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة».

* * *

إقراء القرآن بمصر (67)
(وفيه ترجمة الشيخ عامر عثمان)

في عدد يوليو 1992م من «الهلال» كتبتُ كلمة عن «الشيخ مصطفى إسماعيل وقراء مصر», جعلتها تحية وصِلة لكتاب أستاذنا الكبير الناقد الشاعر كمال النجمي, عن الشيخ مصطفى إسماعيل رحمه الله.

والحديث عن قراءة القرآن وإقرائه بمصر, لا بد فيه من التفرقة بين «القارئ» و «المقرئ», ومعروف أن لمصر في الفريقين تاريخاً عريضاً وأياماً زاهية.

فالقارئ: هو الذي يقرأ لنفسه وقد يسمعه غيره. والمقرئ: هو الذي يُقرئ غيره, تعليماً وتوجيهاً, وتقول اللغة: «رجل قارئ, من قوم قراء وقَرَأه - بوزن فَعَلَة - وقارئين, وأقرأ غيره يُقرئه إقراءً, ومنه قيل: فلان المقرئ». وبهذه التفرقة بين الفعل اللازم والفعل المتعدي يحسن أن نقول عن الذي يقرأ بصوت حسن في المناسبات وفي الإذاعة, كالشيخ مصطفى إسماعيل ومن إليه, قارئ, ونقول عن الذي يحفَّظ الصغار في الكتاتيب وجماعات تحفيظ القرآن: مقرئ.

على أنه قد يجتمع الفريقان في جمع التكسير, فيقال: «القُرَّاء» لمن يقرأ ولمن يُقرئ, وعلى هذا سمَّى الحافظ الذهبي كتابه: «معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار», وابن الجزري كتابه: «غاية النهاية في اختصار طبقات القراء».


على أن «للمقرئ» في تاريخنا التراثي معنى أوسع وأشمل من مجرد تحفيظ القرآن للصغار ومن فوقهم. فالمقرئ: هو ذلك العالم الذي يعرف القراءات القرآنية: رواية ودراية, بحيث يكون قادراً على جَمْع الطرق والروايات, ومعرفة وجوه الخلاف بين القراء, والاحتجاج للقراءات وتوجيهها من لغة العرب, ويكون أيضاً متقناً لطرق الأداء - وهو ما يُعرف الآن بعلم التجويد - ووقوف القرآن: الكافي منها والتام والحسن, ثم يتلقى الناس عنه ذلك كله مشافهة وسماعاً.

وقد نبغ في كل زمان ومكان من قاموا بهذا الأمر على خير وجه, فضلاً من الله وحياطة لكتابه وحفظاً له, ولم يكن لمصر على سواها من الدول العربية والإسلامية فضل وزيادة, فهو رزق الله المقسَّم على خلقه شرقاً وغرباً, ليتم وعده {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9)} [الحجر: 9], {ولقد يسرنا القرآن للذكر} [القمر: 17], لكن الأمر كاد يخلص لمصر في القرنين الأخيرين, فتربع قراؤها على عرش الإقراء والقراءة: رواية ودراية وجمال صوت, وصارت الرحلة إليهم من الشرق ومن الغرب, ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة ذكرتها في مقالتي عن «الشيخ مصطفى إسماعيل».

ويذكر التاريخ أسماء عظيمة لمعت في سماء مصر في القرنين الأخيرين, وخدمت كتاب الله إقراءً وتأليفاً. ومنهم الشيخ محمد أحمد المتولي المتوفى سنة 1313 هـ = 1895م, والشيخ محمد مكي نصر المتوفى بعد سنة 1308 هـ, وهو صاحب أعظم كتاب في طرق الأداء وصفات الحروف ومخارجها «نهاية القول المفيد في علم التجويد», والشيخ علي محمد الضبَّاع المتوفى سنة 1380 هـ = 1961 م.

ومن المعاصرين: الشيخ المقرئ العالم عبد الفتاح عبد الغني القاضي المتوفى سنة 1403 هـ = 1982م, والشيخ إبراهيم علي شحاتة المقيم الآن بسمَنُّود, والشيخ أحمد عبد العزيز أحمد محمد الزيات, الأستاذ بكلية القرآن بالمدينة النبوية الآن, ويقال: إن الشيخ الزيات هو أعلى القراء الآن إسناداً (وعلو الإسناد معناه قلة الوسائط بين القارئ الآن, وبين القارئ الأول, وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم بما نزل به جبريل عليه السلام, عن رب العزة والجلال).
الشيخ عامر عثمان:
ويقف سيدي وشيخي الشيخ عامر السيد عثمان بين هؤلاء الكوكبة من القراء المعاصرين في مكان ضخم بارز, فهو أكثرهم إقراء للناس, واتصالًا بهم, وتأثيراً فيهم.
وقد عرفته منذ عشرين عاماً قبل وفاته حين بدأ العمل في تحقيق كتاب «لطائف الإشارات في علم القراءات» لشهاب الدين القسطلَّاني, شارح البخاري, المتوفى سنة 923 هـ, بالاشتراك مع الدكتور عبد الصبور شاهين.
وكان الشيخ يتردد على دار الكتب المصرية ومعهد المخطوطات - وكنت يومئذ أعمل به - فشدَّني إليه, ورغَّبني فيه, ودعاني إلى حلقته العامرة الممتدة على أيام الأسبوع كله, فوقفت منه على علم غزير جم, وتمثلت فيه وبه هذه الأوصاف الضافية التي تأتي في كتب التراجم والطبقات, ويظنها من لا علم عنده بتاريخ الأمة, وأحوال الرجال, من المبالغات والتهاويل التي يغص بها تاريخنا ... زعموا!
نعم رأيت في هذا الشيخ الجليل كثيراً مما كنت أقرأه في طبقات القراء والمحدثين والفقهاء والأدباء: من سعة الرواية, وكثرة الحفظ, وجمع الطرق, ودقة الضبط, وتحرير الرواية, وحسن الإتقان.
وُلِد شيخنا الشيخ عامر, رحمه الله, بقرية «ملامس» مركز منيا القمح, محافظة الشرقية, في 16 مايو سنة 1900 م. وحفظ القرآن الكريم بمكتب الشيخ عطية سلامة, وأتمه ولم يتجاوز التاسعة من عمره, ثم أرسله والده إلى المسجد الأحمدي بطنطا, وتلقى القرآن بقراءة الإمام نافع المدني, من فم عالم القراءات الشيخ السعودي. وقد أُوتي الشيخ عامر في صباه حظاً من حسن الصوت أهَّله لأن يكون قارئاً مرموقاً بمحافظة الشرقية, يقرأ في الليالي والمناسبات, وهو طريق جالب للرزق الواسع والشهرة المستفيضة, ولكنه عزف عن ذلك وولى وجهه شطر القاهرة, حيث الأزهر الشريف, وأئمة القراءة والإقراء.

وفي القاهرة أخذ في القراءة والتلقي والمشافهة والعرض والسماع, فتلقى القراءات العشر الصغرى من طريق الشاطبية والدرة, على الشيخ محمد غنيم, وهو على الشيخ حسن الجريسي الكبير, وهو على العلامة المقرئ أحمد الدري التهامي, وسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, معروف.

ثم تلقى القراءات العشر الكبرى على الشيخ علي عبد الرحمن سبيع, من أول القرآن إلى قوله تعالى في سورة هود (وقال اركبوا فيها), ثم إن الشيخ عليّاً أرسل خلف الشيخ عامر يقول له: سوف نبدأ بعد ثلاثة أيام, فقال له الشيخ عامر: كيف سنبدأ بعد ثلاثة أيام يا سيدي ونحن قد وصلنا إلى قوله تعالى: (وقال اركبوا فيها)؟ فقال له الشيخ علي: «بعدين ح تعرف», ثم توفي الشيخ بعد ثلاثة أيام من هذا الكلام. وكان شيخنا الشيخ عامر إذا ذكر هذه القصة اغرورقت عيناه بالدموع, ويقول: «فكان معنى كلام الشيخ علي أن أيام الآخرة بالنسبة له ستبدأ بعد ثلاثة أيام».
وتوفي الشيخ علي سبيع سنة 1927م.

ثم إن الشيخ عامر شرع في ختمة جديدة على تلميذ الشيخ علي سبيع, وهو الشيخ همام قطب, فقرأ عليه ختمة كاملة بالقراءات العشر الكبرى, من طريق الطيَّبة بالتحرير والإتقان, وقرأ الشيخ همام على الشيخ علي سبيع المذكور, وهو على الشيخ حسن الجريسي الكبير, وهو على الشيخ محمد المتولي, وهو على الشيخ أحمد الدري التهامي, وسنده معروف.
حلقة للإقراء بالأزهر:
وهكذا عرف شيخنا الطريق ولزمه. وبعد أن رسخت قدمه في هذا العلم, رواية ودراية, اتخذ لنفسه حلقة بالجامع الأزهر سنة 1935م للإقراء والتدريس, وكان في أثناء ذلك مكباً على مخطوطات القراءات بالمكتبة الأزهرية ودار الكتب

المصرية, يقرأ وينسخ, فظهر نبوغه ولفت إليه الأنظار, فاتصل به الشيخ علي محمد الضبَّاع, شيخ المقارئ المصرية يومئذ, واستعان به في تحقيقات القراءات العشر الكبرى.

وكان رحمه الله حجة في رسم المصحف الشريف, وقد شارك في تصحيح ومراجعة كثير من المصاحف التي طبعت بمطابع الحلبي والشمرلي, والمطبعة الملكية في عهد الملك فؤاد والملك فاروق رحمهما الله.

وحين أُنشئ معهد القراءات تابعاً لكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف, سنة 1943م كان الشيخ على رأس مشايخه وأساتذته, فتخرَّجت على يديه هذه الأجيال الكريمة من خَدَمة كتاب الله والعارفين بعلومه وقراءاته بمصر وخارج مصر.

ولما أنشأت مصر - غير مسبوقة - إذاعة القرآن الكريم سنة 1963م, وقدمت من خلالها (المصحف المرتل) أشرف الشيخ على التسجيلات الأولى من هذا المشروع العظيم, وكانت بأصوات المشايخ: محمود خليل الحصري, ومصطفى إسماعيل, ومحمد صديق المنشاوي, وعبد الباسط عبد الصمد, ومحمود علي البنا رحمهم الله أجمعين.

وعلى ذكر الإذاعة فقد كان شيخنا عضواً بارزاً في لجنة اختيار القراء, وكان سيفاً بتاراً, حازماً صارماً في غربلة الأصوات وإجادتها, ولم يكن يقبل الميوعة أو تجاوز الأصول في القراءة والأداء, وطالما اشتكى منه القراء, ورموه بالتعسف والتشدد, وضغطوا عليه بوسائل شتى, ولكنه لم يلن ولم يضعف, وكذلك كان يفعل في لجنة اختيار القراء الذين ترسلهم وزارة الأوقاف المصرية إلى البلدان العربية والإسلامية في شهر رمضان. وقد حُورِب كثيراً في لجنة اختيار القراء بالإذاعة المصرية, وطُلب إقصاؤه أكثر من مرة, وكان الذي يقف وراءه مدافعاً ومنافحاً: الشَّاعر الفحل محمود حسن إسماعيل, إذ كان مستشاراً ثقافيّاً بالإذاعة المصرية, رحمهما الله تعالى.

مؤلفات الشيخ:
شُغل الشيخ رحمه الله بالإقراء أيامه كلها, فلم يجد وقتاً متسعاً للتصنيف, ولكن الله سبحانه يسَّر له أن يترك بعض الآثار العلمية في فن القراءات, حتى تكون باعثاً لمن يطالعها أن يدعو له بالمغفرة والرضوان. فمما يحضرني الآن هذه التصانيف الآتية, ولست أدَّعي فيها الحصر:
1- فتح القدير شرح تنقيح التحرير (في تحرير أوجه القراءات العشر من طريق الطيَّبة).
2- شرح على منظومة العلامة الشيخ إبراهيم علي شحاتة السمنُّودي, أبقاه الله, في تحرير طرق ابن كثير وشعبة. فرغ منه يوم الجمعة 25 من صفر سنة 1382 ه.
3- تنقيح فتح الكريم في تحرير أوجه القرآن العظيم, بالاشتراك مع الشيخ إبراهيم علي شحاته والشيخ أحمد عبد العزيز الزيات. وهو نظم منقح من منظومة فتح الكريم في تحرير أوجه القرآن العظيم, للعلامة شيخ القراء في وقته الشيخ محمد بن أحمد المتولي, المذكور قبل.
4- كيف يُتلى القرآن, وهي رسالة موجزة محررة في تجويد القرآن: سمَّاها: إملاء ما منَّ به الرحمن على عبده عامر بن السيد عثمان في أحكام تلاوة القرآن. وقد أملاها على أحد تلاميذه الذين يحضرون مقارئه, وهو الطبيب الجراح الدكتور حسنى حجازي, رحمه الله. وقد صدرت الطبعة الثانية من هذه الرسالة سنة 1390 هـ = 1970م.
5- تحقيق الجزء الأول من كتاب «لطائف الإشارات» الذي ذكرته من قبل.
صدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة عام 1392, ولعل المجلس ينشط في طبع بقيته.
6- أعان الأستاذ الدكتور شوقي ضيف في تحقيق كتاب «السبعة» لابن مجاهد, الذي نشرته دار المعارف بمصر أول مرة سنة 1392 هـ = 1972 م. وذلك بمراجعة كتابة آياته الكريمة على هجاء المصاحف المصرية المضبوطة, على ما يوافق رواية حفص عن عاصم, والمطابقة لما رواه علماء الرسم عن هجاء المصاحف التي بعث بها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار الإسلامية.
7- وكانت آخر أعمال الشيخ مشاركته في لجنة طبع مصحف الملك فهد بن عبد العزيز, الذي صدر بالمدينة النبوية عام 1405 هـ.
فهذا ما يحضرني الآن مما تركه الشيخ من علم مسطور مكتوب. أما أبقى أثر للشيخ وأخلده وأرجحه في موازينه إن شاء الله تعالى, فهو تلك المقارئ التي جلس فيها جلوساً عاماً للناس, وقد شغلت هذه المقارئ أيامه كلها, وأشهر هذه المقارئ مقرأة الإمام الشافعي يوم الجمعة, وقد أسندت إليه مشيختها عام 1947م وكان عدد الذين يحضرونها من القراء الرسميين أو المعتمدين من وزارة الأوقاف المصرية محدوداً جداً بجانب مختلف طوائف الناس التي كانت تحضر تلك المقرأة وغيرها من المقارئ, فكنت ترى الطبيب والمهندس والضابط والمحامي والموظف والتاجر والحرفي, والفتى الصغير, والشاب اليافع, والشيخ الفاني, مختلف الأعمار والمهن, يتحلقون حول الشيخ؛ يقرأون ويصحح, عيونهم مشدودة إلى شفتيه, وهو يروَّضهم على النطق الصحيح, يصبر على الضعيف حتى يقوى, ويرفُق بالمتعثر حتى يستقيم, لا يسأم ولا يمل, ولا زلت أذكره - رحمه الله - وهو يروَّض بعض إخواننا على ترقيق اللام من قوله تعالى:{رب إنهن أضللن} [إبراهيم: 36], وكان عسراً على هذا الأخ أن يرقق اللام بعد الضاد, فكان شيخنا يقرأ أمامه (أضللن) على مقطعين هكذا: (أضْ) (لَلْن) ويكرر المقطعين منفردين ثم يقرأهما معاً حتى يخلص له الترقيق المراد. وكذلك لا زلت أذكره وهو يروَّضنا على الخروج من التفخيم إلى الترقيق وبالعكس, في قوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28], فأنت هنا تفخم الراء وإن كان قبلها كسر؛ لأنه كسر عارض للتخلص من التقاء الساكنين, ثم ترقق التاء وتعود إلى تفخيم الضاد, وهكذا كنت تقضي العجب وأنت تنظر إلى حركة فكيه وشفتيه وجريان لسانه في إعطاء كل حرف حقه ومستحقه: من الهمس والجهر والغنة والإظهار والإخفاء والإقلاب والفك والإدغام, وغير ذلك من دقائق الصوتيات, مما لا تستطيع معامل الأصوات أن تنقله بدقة إلى الطالب لأن هذا العلم - علم الأداء - قائم على التلقي والمشافهة.

ولو كان لي من الأمر شيء لأتيت بشيخ من علماء القراءات في كل قسم من أقسام اللغة العربية بجامعتنا ليعمل على تدريب الطلبة على الأداء الصحيح والنطق السليم, بجانب معامل الأصوات الحديثة. وهؤلاء المشايخ (الغلابة) لن يأخذوا من الأجر أكثر مما تستهلكه هذه المعامل من طاقة وكهرباء, بل إني أذهب إلى أبعد من هذا في التمني: وهو أن يعين شيخ من هؤلاء القراء مشرفاً خارجيّاً مع المشرف الأكاديمي لكل رسالة علمية (ماجستير أو دكتوراه) تتصل بعلم القراءات من قريب أو بعيد.

ومن تفنُّن شيخنا في مجال الأداء الصوتي: أنه كان يأخذنا إلى تفرقة دقيقة لطيفة, في الوقف على الراء من قوله تعالى: {فكيف كان عذابي ونذر (16)} [القمر: 16], وقوله عزَّ وجلّ: {كذبت ثمود بالنذر (23)} [القمر: 23], فالراء في الآية الأولى يستحسن أن يوقف عليها بترقيق لطيف يشعر بالياء المحذوفة؛ لأن أصلها (ونُذُري) بإثبات ياء الإضافة, وقرأ بها ورش بن سعيد المصري, عن نافع المدني. ومن القراء المعاصرين الذين سمعتهم يراعون ذلك الترقيق اللطيف المشايخ: محمود خليل الحصري, ومحمود حسين منصور, ومحمد صديق المنشاوي.
أما الراء في الآية الثانية فيوقف عليها بالتفخيم الخالص؛ لأنها جمع نذير.
وأما «النبَّر» في مصطلح علم اللغة الحديث - وهو النظام المقطعي في قراءة الكلمة, فقد كان الشيخ رحمه الله آية فيه, وقد سألته عنه يوماً, فقال لي: «إن القراء لم يذكروا هذا المصطلح, ولكنه بهذه الصفة يمكن أن يُسمَّى «التخليص» أي تخليص مقطع من مقطع». وها أنا ذا أضع هذا المصطلح أمام علماء اللغة الحدثين ليروا فيه رأيهم, ولعلهم يحلونه «النبر». وقد سمعت لهذا «التلخيص» من الشيخ أمثلة كثيرة جداً, أذكر منها قوله تعالى: {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل} [القصص: 24], وقوله تعالى: {فقست قلوبهم} [الحديد: 16], وقوله عزَّ وجلّ: {وساء لهم يوم القيامة حملًا (101)} [طه: 101], فأنت لو ضغطت على الفاء في الآية الأولى صارت من الفسق لا من السقي, وإن لم تضغط على الفاء في الآية الثانية صارت من الفقس لا من القسوة. أما في الآية الثالثة فلا بد أن تخلص (ساء) من (لهم) حتى يكون من السوء لا من المساءلة, لو خطفتها خطفة واحدة. هكذا كان يعلمنا الشيخ, إلى أمثلة كثيرة لا أحصيها عدداً. لكني أذكر أن أحدهم قرأ مرة أمام الشيخ: {فلهم أجر غير ممنون (6)} [التين: 6], وخطف (فلهم) خطفة واحدة ضاغطاً على الفاء, بحيث صارت الكلمة كأنها فعل ماض مسند إلى ضمير الجماعة, مثل: ضربهم, فقال له الشيخ: (مفلهمش) يريد رحمه الله أن يقول إنه ليس فعلًا واقعاً عليهم, وأن هذه البنية من مقطعين (ف) (لهم).
وكان الشيخ صاحب دعابة, فكان إذا قرأ أحدهم على غير الجادة يقول له مستفهماً مستنكراً: إنت جوّدت القرآن في ألمانيا؟ وقرأ بعضهم أمامه برواية خلف عن حمزة, ولم يكن متقناً للرواية, فقال له: «قُوم يا شيخ, دانا كنت باحْسِبَك خَلَف الحبايب», وقرأ آخر أمامه وتحنن في صوته تحنناً ظاهراً في تكسر, فقال له الشيخ: «مافيش فايدة» يريد أنه يقلد صوت «فايدة كامل», فقد كان في صوته تلك السمات التي عرفت بها هذه المغنية قبل أن تشتغل بالسياسة.
وكان للشيخ حس دقيق جداً في تقييم الأصوات والحكم عليها, وقد لا يعرف كثير من الناس أن الشيخ رحمه الله, درس علم الموسيقى بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية أول إنشائه.
وكما كانت معرفة الشيخ بمخارج الحروف وصفاتها عظيمة, كانت عنايته بالوقوف: تامها وحسنها وكافيها, عالية جداً, وكان يأخذ على بعض كبار القراء تهاونهم في تعهُّد الوقوف ومراعاتها, وكان يصارحهم بذلك فيغضبون.
وكان شيخنا رحمه الله يتشدد في الوقوف على رؤوس الآي: لأنها سنة, ولو تعلقت الآية بما بعدها. فإذا كانت الآية التالية مقول قول في الآية الأولى, وكان البدء بمقول القول هذا مما يوهم أن يكون إقراراً من القارئ وليس من المحكي عنه, وقف على رأس الآية الأولى اتباعاً للسنة, ثم يستأنف الآية الثانية تالياً الفعل السابق في الآية الأولى. مثال ذلك قوله تعالى في سورة الصافات: {ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكاذبون (152)} [الصافات: 151, 152], يتلوها هكذا: ألا إنهم من إفكهم ليقولون. ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون. وما أكثر ما علَّمنا هذا الإمام الكبير !
ومع حرص الشيخ على كمال الأداء وحسن التجويد, فقد كان يعيب على بعض القراء المبالغة في ذلك, ويراه لوناً من التنطع والشقشقة. وللفائدة هنا فإني أذكر بأن مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي المتوفى سنة 478 هـ, قد أخذ على قراء زمانه مبالغتهم في التجويد والتقعر في إخراج الحروف, وذلك في رسالة له لطيفة مطبوعة, سمَّاها «بيان زعل العلم», وهي رسالة نافعة, عرض فيها الذهبي لأخطاء أهل العلم.
نور القرآن:
وقد أضاء شيخنا القاهرة كلها بنور القرآن, فلم تكن مقرأة الإمام الشافعي هي المكان الوحيد الذي يجلس فيه للإقراء, فقد كان يبدأ يومه عقب صلاة الفجر بالإقراء بمسجد السيدة زينب, حيث يسكن الشيخ قريباً من المسجد الزينبي, وهناك مقارئ أخرى يحضرها الشيخ منها مقرأة بمسجد النقشبندي بجوار مستشفى أحمد ماهر بالقرب من باب الخلق, وكان موعدها يوم السبت, ومقرأة الجمعية التعاونية للبترول بشارع قصر العيني, يومي الاثنين والثلاثاء, ومقرأة يوم الأربعاء بمسجد بمنزل الحناوي بجاردن سيتي.
وقد تفرع من هذه المقارئ مقارئ أخرى, منها مقرأة الدكتور صادق بمنطقة الحلمية, بالقرب من القلعة. وهذا الدكتور صادق طبيب أطفال, وقد تلقى عن الشيخ القراءات السبع. وفي صوت هذا القارئ الطبيب صفاء وخشوع يأخذان بمجامع القلوب.
ومقرأة بمسجد يوسف الصديق بميدان الحجاز بمصر الجديدة, يقوم عليها القارئ الطبيب الدكتور عوض الأستاذ بكلية طب الأزهر, ومقرأة بمسجد مصطفى محمود بالمهندسين, يقوم عليها الحاج حسين, وهو صاحب معرض ملابس, وقد لازم الشيخ كثيراً بزاوية النقشبندي. وتلامذة الشيخ كثيرون, أذكر منهم الأديب الأستاذ عبد العزيز العناني, وهو مؤرخ للموسيقى العربية, لا تجد له في بابه نظيراً, ألبسه الله ثوب الصحة والعافية.
ومن الوزراء الذين قرأوا على الشيخ ولازموه ونوروا به مجالسهم: السادة عبد المحسن أبو النور, وتوفيق عبد الفتاح, وعبد الرحمن الشاذلي, وإبراهيم سالم. ويأتي على رأس هؤلاء جميعاً الرجل التقي النقي - ولا نزكي على الله أحداً - الدكتور إبراهيم بدران. وكان من أبر الناس بشيخنا, وقد حمله وأعد له مكاناً رحباً بالمستشفى الذي يملكه بالمهندسين, وأقام عليه من يخدمه ويتولى أمره, وخصص له سيارة تحمله إلى حيث يشاء, وذلك بعد وفاة زوجته, رحمهما الله جميعاً.
وقد أفاد من علم الشيخ نساء كثيرات, منهن السيدة سميحة أيوب, وإذا تأملت أداءها في النصوص المسرحية الفصيحة رأيت أمارات ذلك. ومنهن السيدة مفيدة عبد الرحمن, المحامية الشهيرة. ولهذه السيدة الفاضلة بالقرآن وخدمته نسب وثيق, فأبوها هو: عبد الرحمن محمد, صاحب المطبعة الكائنة بحي الصنادقية بالأزهر الشريف. وقد تخصصت هذه المطبعة في طبع المصحف الشريف منذ زمن بعيد.
تلاميذ الشيخ في كل مكان:
على أن لشيخنا الشيخ عامر أثراً آخر مباركاً, غير التصنيف والإقراء: هو هذا العون الظاهر الذي قدَّمه لهذا النفر من الجامعيين الذين اتخذوا من علم القراءات ميداناً لدراساتهم الصوتية والتاريخية, يحضرني منهم الأساتذة: عبد الفتاح إسماعيل شلبي, وأحمد علم الدين الجندي, وعبد الصبور شاهين, إلى كثير من المعيدين والمبتدئين الذين كانوا يختلفون إليه لتجلية غامض, أو كشف مبهم من هذا العلم الذي هو علم العربية بحق.
وعلى الجملة فتلاميذ الشيخ والمنتفعون بعلمه لا يحصون, داخل مصر وخارجها, وكنت أرى كثيراً من أبناء الدول العربية والإسلامية, بل من المستشرقين, يأتون إليه, ويجلسون في حلقته, ويا ليتني أحصيتهم عدداً, وقيدت أسماءهم وأسماء بلدانهم وأعمارهم, إحياء لسنن قديمة في تراثنا التاريخي, من ذكر الواردين على البلاد, والمرتحلين إلى الشيوخ.
وفي سنواته الأخيرة اختار شيخنا المدينة النبوية, على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام - مستقراً ومقاماً, حيث دُعي إلى هناك لمراجعة مصحف الملك فهد, وللتدريس بكلية القرآن بالجامعة الإسلامية.
وفي مساء يوم الخميس, وقبيل فجر يوم الجمعة الخامس من شوال سنة 1408 هـ الموافق للعشرين من مايو سنة 1988 م, اختار الله إلى جواره عبده وخادم كتابه: عامر السيد عثمان, وصلي عليه بالمسجد النبوي الشريف عقب صلاة الجمعة, ودُفن بالبقيع, مرحوماً مرضياً عنه إن شاء الله.
اللهم اغفر له وارحمه, وعافه واعفُ عنه, واجعل كل ما قدَّمه من خدمة كتابك في موازينه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً. وهيئ لهذه الأمة من يخلف هؤلاء الرجال العظام, ويقوم مقامهم, حياطة لدينك, وحفظاً لكتابك. إنك على ما تشاء قدير.

* * *

قصيدة نادرة في المديح النبوي (68)

جاء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل, فانتهت به الرسالات, وخُتمت به النبوات, وقد بُعث إلى الناس كافة؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور, ويهديهم إلى صراط ربه المستقيم.
وقد قضى صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وعشرين سنة, بين مبعثه ووفاته يدعو الناس إلى التوحيد, ويبلغهم قرآن ربه الذي يشتمل على صلاح أمورهم في دنياهم وآخرتهم.
وكانت سُنَّته الشريفة, أفعالًا وأقوالًا وتقريراً هي المصدر الثاني للتشريع, وهي الحكمة في قوله تعالى: {ويعلمكم الكتاب والحكمة} [البقرة: 151], وقوله: {واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} [البقرة: 231], وقوله: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم} [النساء: 113].
ثم كانت سيرته العطرة مجلى قوله تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم (4)} [القلم: 4]. وتصديق قول عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن», والله أعلم حيث يجعل رسالته, فقد اصطفاه من بين خلقه اصطفاء وقرأ بعض القرّاء: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128], بفتح الفاء على معنى: من خياركم, من قولهم: هذا أنفس المتاع, أي أجوده وخياره، ثم هداه إلى الطيب من القول, والمرضي من السلوك, وعصمه من كل شبهة, وارتفع به عن كل نقيصة وبرأه من كل عيب, وحفَّه بالضياء, وغشّاه بالنور, فكان الإعجاء به والثناء عليه مما تقتضيه الفِطر السوية والطباع النقية، إذ كان صلى الله عليه وسلم صورة للكمال الإنساني.

هذا وقد كان الشِعر أسبق من النثر في مديحه صلى الله عليه وسلم والثناء عليه, فلئن كان النثر قد مدَّ أسبابه في الحديث عنه عليه السلام, فيما عُرف بكتب السيرة النبوية والشمائل والخصائص, فإن ذلك لم يكن إلا بعد وفاته عليه السلام, بل وانقضاء عصر الراشدين, وذلك في نهاية القرن الأول, وأوائل القرن الثاني.

أما الشعر فقد صحِبه صلى الله عليه سلم منذ صدع بأمر ربه, ولقي من إعراض كفار قريش وأذاهم ما لقي, ولعل عمه أبا طالب هو أول من فتح هذا الباب العظيم: باب المدائح النبوية, وإن كانوا قد طعنوا في كثير مما قال فإنهم قد سلَّموا له بقصيدته اللامية الطويلة.

يقول محمَّد بن سلام الجمحي: «وكان أبو طالب شاعراً جيد الكلام, أبرع ما قال [قصيدته] التي مدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم:

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمةٌ للأرامل

وقد زيد فيها وطوِّلت, ورأيت في كتاب يوسف بن سعد منذ أكثر من مائة سنة: وقد علمت أن قد زاد الناس فيها ولا أدري أين منتهاها. وسألني الأصمعي عنها, فقلت: صحيحة جيدة! قال: أتدري أين منتهاها؟ قلت: لا». طبقات فحول الشعراء ص 244.

ومن أقدم ما قيل في مديحه عليه السلام أيضاً قصيدة الأعشى الكبير ميمون بن قيس, التي مطلعها:

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وعادك ما عاد السليم المسهدا

وفيها يقول:

نبي يرى ما لا ترون وذِكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا

له صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا
وللنقاد ومؤرخي الشعر في هذه القصيدة مقال.
ثم كان شعراء الصحابة المشاهير: حسان بن ثابت, وكعب بن مالك, وعبد الله بن رواحة, وقد اختلط مديحهم له عليه السلام بالحديث عن الدين الجديد ومناوأة المشركين, ولم يكن هؤلاء الثلاثة وحدهم على الساحة, فقد ذكر الحافظ ابن سيد الناس اليعمري المتوفى 732 هـ نحواً من مائة وتسعين صحابيّاً وصحابية عطروا ألسنتهم بمدحه صلى الله عليه وسلم, وجمع ذلك في كتابه سمَّاه (منح المدح) وهو مطبوع متداول.
وينقضي عصر الصحابة, ويداول الله الأيام بين الناس, فتذهب أيام وتأتي أيام, وتثل عروش وتقوم عروش, ويتقلب الناس بين قديم وجديد وطارف وتليد, ولا زال ذِكره الشريف يؤنس الغريب, ويطب الجريح, ويرد الضال ويهدي الحائر, فلم ينقطع هذا المدد النبوي الكريم على ألسنة الشعراء وقالة القصيد: شعراً منغوماً, قد تتفاوت قيَمُهُ الفنية والتصويرية, لكنه في جميع أشكاله وضروبه يسري فيه هذا النفس المحمدي العظيم, طب القلوب ودواؤها, وعافية الأبدان وشفاؤها, ونور الأبصار وضياؤها.
وقد نهد إلى جمع شعر المدائح النبوية في مختلف العصور: الأديب العالم الجامع يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني الفلسطيني المولد, المتخرج في الأزهر الشريف, رئيس محكمة الحقوق في بيروت, المتوفى سنة (1350 هـ = 1932م), وقد سمَّى عمله هذا (المجموعة النبهانية في المدائح النبوية) وهو عمل ضخم اشتمل على (25066) بيتاً, وطبع في أربعة مجلدات كبار.
ومن أنفس ما قرأت في هذا الفن: ما أخرجه الأستاذ العالم الدكتور محمود على مكي, بعنوان (المدائح النبوية) وقد صدر عام 1991م عن الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان. وجهات الحسن في هذا الكتاب كثيرة, فهو على وجازته قد عرض لتاريخ المدائح النبوية في فصول أربعة:
الفصل الأول: الرسول في شعر معاصريه, وهو ما يعرف بشعر الصحابة, الذي جمعه من قبلُ: الحافظ ابن سيد الناس, على ما ذكرت.
والفصل الثاني: المدائح النبوية في شعر الشيعة.
والفصل الثالث: المولد النبوي والمولديات.
ثم جاء الفصل الرابع عن المدائح النبوية في العصر الحديث.

قصيدة العباس بن عبد المطلب:
والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقصيدته هذه خالصة في مديحه عليه السلام, وهي بذلك تباين ما قاله الشعراء الصحابة, إذ كان هؤلاء قد خلطوا مديحهم له عليه السلام بالدعوة إلى الدين الجديد, والرد على المشركين والافتخار عليهم بوقائعهم معهم وانتصاراتهم عليهم, كما ذكرتُ من قبل.
وقد سكت الدكتور محمود علي مكي عن هذه القصيدة, فلم يوردها مع ما أورد من شعراء الصحابة - مع يقيني بأنه لا يخفى عليه مكانها - وكذلك يُغفِلها كثير ممن يكتبون عن شعر المدائح النبوية, فلم تحظ بما حظيت به قصائد حسان وكعب وابن رواحة: مع أنها قصيدة مروية مذكورة الإسناد, مع فخامتها الشعرية وشدة شبهها بالشعر الجاهلي, بل قل إنها صورة من الشعر الجاهلي في جلاله وبهائه.
وإليك أيها القارئ الكريم نص القصيدة, متبوعة بتوثيقها وشرحها وتحليلها:
حدَّث أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة, عن أبيه, عن يزيد بن عمرو الغنوي, عن زكريا بن يحيى الكوفي, قال: حدثنا عم أبي, زحر بن حصن, عن جده حميد بن منهب, قال: سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة, يقول: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة منصرفه من تبوك, فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك, فقال: «قل لا يفضض الله فاك». فقال العباس:
من قبلها طِبْتَ في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورقُ

ثم هبطتَ البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علقُ
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسراً وأهله الغرقُ
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبقُ
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطقُ
وأنت لما ولدت أشرق الـ ... أرض وضاءت بنورك الأفقُ
فنحن في ذلك الضياء وفي النـ ... ــنور وسبل الرشاد نخترقُ
غريب الحديث لابن قتيبة 1/ 359.
فهذه أقدم رواية لقصيدة العباس بن عبد المطلب, إذ كان ابن قتيبة قد توفي سنة (276).
وتلي هذه الرواية زمناً رواية أبي القاسم الزجاجي المتوفى (340), قال: حدثنا إبراهيم الصائغ, قال: حدثني عبد الله بن مسلم بن قتيبة ... ثم بقية السند السابق. اشتقاق أسماء الله الحسنى للزجاجي ص 230.
وثالث الروايات: رواية الحافظ أبي الحسن الدارقطني المتوفى (385), قال: حدثنا عبدان بن أحمد وأحمد بن عمرو البزار, وحدثنا محمد بن موسى بن حماد البربري, قالوا: حدثنا أبو السكين زكريا بن يحيى ... ثم بقية سند ابن قتيبة, المعجم الكبير 4/ 252.
ورابعها: رواية أبي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى (405) قال في كتابه المستدرك على الصحيحين 3/326, 327, حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدَّثنا أبو البختري عبد الله بن شاكر, حدَّثنا زكريا بن يحيى ... إلى آخر السند, وقال الحاكم: «هذا حديث تفرد به رواته الأعراب, عن آبائهم, وأمثالهم من الرواة لا يضعون». وجاء في رواية الذهبي عن الحاكم, في سير أعلام النبلاء 2/ 102: «ومثلهم لا يضعَّفون», والتعقيب في كلتا الروايتين ذو دلالة, فهو يريد أن يؤكد الثقة بالحديث, إذ كان رواته من الأعراب, يعني الذين يجرون في أحاديثهم ورواياتهم على الصدق, فطرة وسليقة, وليسوا من المحدثين أصحاب الصنعة الذين تدور أحوالهم بين الجرح والتعديل.
ونأتي إلى آخر رواية من روايات الحفاظ, وهو رواية الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي المتوفى (463) فقد رواه في كتابه الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة ص 449 - عن أبي طالب يحيى بن علي بن الطيب العجلي الدسكري, عن أبي أحمد محمد بن أحمد بن الغطريف بن القاسم العبدي, عن يحيى بن محمد بن صاعد, عن زكريا بن يحيى ... إلى آخر السند.
ثم تدور القصيدة بعد ذلك غير مسندة في كتب العربية, فتراها في: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 88, والزاهر في معاني كلمات الناس لابن الأنباري 1/ 275, والاستيعاب لابن عبد البر ص 447, والفائق في غريب الحديث للزمخشري 3/ 123, وشروح سقط الزند لأبي العلاء ص 353, وشرح أدب الكاتب للجواليقي ص 308, وأمالي ابن الشجري 3/ 114, والشفا في التعريف بحقوق المصطفى للقاضي عياض ص 218, والوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي 1/ 35, وعارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي 13/ 96, ومنال الطالب في شرح طوال الغرائب لمجد الدين بن الأثير ص 440, وأسد الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين بن الأثير 2/ 129, والجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة للبري 2/12, والحماسة البصرية 1/610, وتفسير القرطبي 13/146, ومنح المدح لابن سيد الناس ص 192, وزاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية 3/ 551, والسيرة النبوية لابن كثير 4/51, ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد لنور الدين الهيثمي 8/217, والخصائص الكبرى للسيوطي 1/ 97, وسبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للصالحي الشامي 1/90, والمجموعة النبهانية في المدائح النبوية 1/ 56.
ثم يأتي من هذه القصيدة البيت والبيتان في معاجم اللغة, ودواوين الأدب, شواهد على غريب اللغة ووجوه المعاني, منزَّلاً ذلك على ترتيب المواد والمقاصد.
ويبقى أن أشير إلى أن أبياتاً أربعة من هذه القصيدة نُسبت إلى حسان بن ثابت - انظر ديوانه ص 498 - ولا تصح هذه النسبة, وقد ردها الحافظ السيوطي في كتابه اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1/264, 265.
بحر القصيدة:
جاءت هذه القصيدة على البحر المنسرح, وتفعيلاته:
مستفعلن مفعولات مستعلن ... مستفعلن مفعولات مستعلن
مع ما تطيقه هذه التفعيلات من زحافات وعلل.
ويرى بعض الدارسين المحدثين أن النظم على هذا البحر قليل, لأن فيه عنتاً ومشقة, وقد قل النظم عليه, وكاد يهجر لاختلاف موسيقاه عن جنس الموسيقى الشائعة الأوزان, ويرى بعضهم أن إيقاع هذا البحر خافت يكاد يكون كلاماً منثوراً, بل إن بعضهم تنبأ بأنه سينقرض من الشعر في مستقبل الأيام !. وهذه كلام من لا يرتاح إلى هذا الوزن, وينفر منه بطبعه, فيجعل من ذوقه الخاص حكماً عاماً, ثم هو كلام يرسل إرسالًا, دون مراجعة أو إحصاء, فإن النظم على هذا البحر شائع في الشعر الجاهلي, وفيما بعده إلى يوم الناس هذا, وإن لصديقنا الشاعر عبد اللطيف عبد الحليم (أبو همام) أنساً بهذا البحر وولعاً, وقد أنشأ ديواناً, أداره كله على هذا البحر, وسمَّاه: (من مقام المنسرح), ثم لا يزال يتعاهده في شعره بين الحين والحين.
ثم ذكر العلامة عبد الله الطيب المجذوب كلاماً عالياً هذا البحر المنسرح في كتابه الفذ: المرشد إلى فهم أشعار العرب 1/175 - 191, وذكر أن هذا البحر في الجاهلية قد شاع في فنَّي الرثاء المراد به النوح, والنقائض, وأنشد قدراً صالحاً من الشواهد, ثم ذكر أن الخريمي الشاعر أنشأ قصيدة من هذا البحر, من مائة وخمسة وثلاثين بيتاً يصف فيها الفتنة ببغداد أيام الأمين والمأمون. وأنشد في كتابه بين النير والنور ص 169, هذا البيت:


وسَرَّت النفس أمسِ ذات الفرا ... شات التي ريمُ جيدها صَنَمُ
ثم قال: «هذا بحر المنسرح فاعرفه: بحرٌ طروب إلى جارية وحشية عروب».
وأقول: حسبنا أن نذكر من هذا البحر رائعة المتنبي التي أولها - وهو مما قاله في صباه:
أهلًا بدارٍ سباك أغيدها ... أبعد ما بان عنك خردها
شرح القصيدة وتحليلها:
تبدأ القصيدة في روايتها المسندة, وفي سائر الكتب بهذا البيت:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ولا ينبغي أن يظن أن هناك نقصاً؛ فإن الرواية مجمعة على هذا الاستفتاح, وهو استفتاح غريب حقاً, وهو دال على حالة شعورية عجيبة, فكأن الشاعر طوى أشياء كثيرة في صدره, قفز منها إلى مقصوده الأعظم وشاغله الأقوى, أو كأنه لا يحفل بما تعارف عليه الشعراء في عصره من استفتاح القصائد, فكأنه لا يحب أن يرد طريقاً مسلوكاً. ولو وقع مثل هذا البدء في شعر شاعر من القوم في زماننا هذا لكان لنقادهم فيه ضجيج واحتفال ...
وقوله: «من قبلها» أي من قبل الخليقة, أضمر لغير مذكور, والعرب تفعل ذلك توسعاً واختصاراً وثقة بفهم السامع, وقد جاء منه في القرآن والشعر ما لا يحصى كثرة, كقوله تعالى: {كل من عليها فان (26)} [الرحمن: 26], وقوله: {ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر: 45], أضمر «الأرض» في الآيتين, وقوله: {فلولا إذا بلغت الحلقوم (83)} [الواقعة: 83], وقوله: {كلا إذا بلغت التراقي (26)} [القيامة: 26], أضمر «النفس والروح» في الآيتين, ومن ذلك إضمار «الخمر» في قول ابن المعتز:
وندمان دعوت فهب نحوي ... وسلسلها كما انخرط العقيق

وقوله: «طبت في الظلال» أي في ظلال الجنة, حين كان في صلب آدم لما كان في الجنة, وهو قوله: «في مستودع», أي في صلب آدم قبل أن يهبط إلى الأرض, ومنه قوله تعالى: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98], أي مستقر في الأرحام, ومستودع في الأصلاب.
وقوله: «حيث يخصف الورق» يعني حيث خصف آدم وحواء عليهما الورق حيث بدت لهما سواءتهما. والخصف: ضم الشيء إلى الشيء وإلصاقه به, ومنه قولهم: خصفت النعل, أي رقعتها.
ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق
يعني هبوطه وهو نطفة في صلب آدم, لم يصر علقاً ولا مضغة.
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسراً وأهله الغرق
يعني في صلب نوح, كما جاء في التنزيل: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41)} [يس: 41], والسفين: جمع سفينة, واستعمل الجمع في موضع الواحد, كقولهم: شابت مفارقه, وإنما هو مفرق واحد.
وأراد بنسر: الصنم الذي كان قوم نوح يعبدونه. وإلجام الغرق: كناية عن وصول الماء إلى أفواههم التي هي موضع اللجام.
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق
الصالب: الصلب, وهو الظهر, قال تعالى: {يخرج من بين الصلب والترائب (7)} [الطارق: 7], والعالم: بفتح اللام: قيل هو كل موجود سوى الله تعالى, وقيل: هم كل ذي روح, وقيل: هم الإنس والجن. والمراد به ها هنا: الإنس خاصة؛ لأن الذكر لهم. والطبق ها هنا: القرن من الناس؛ لأنهم كالطبق للأرض, يطبقون الأرض ثم ينقرضون, ويأتي طبق آخر. والمراد أنه صلى الله عليه وسلم تنقل في أصلاب كريمة, وتناسخته أرحام مطهرة, فأدته زاكي الحسب, نقي الأصول, وعن ابن عباس في قوله تعالى: {وتقلبك في الساجدين (219)} [الشعراء: 219], قال: «من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيّاً».
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق
المراد بالبيت ها هنا: الشرف والنسب. والمهيمن: الشاهد, وهو صفة هذا الشرف: أي حتى احتوى شرفك الشاهد على فضلك أفضل مكان وأعلاه وأرفعه من مجد خندف وسامي شرفها. وخندف: لقب ليلى, وهي امرأة إلياس بن مضر, وهو من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم. والنطق: جمع نطاق, وهو في الأصل: تشدّ به المرأة وسطها فوق الثياب, ومنه أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر رضي الله عنهما. وضرب هذا مثلًا في ارتفاعه وتوسطه في عشريته وعزه, فجعله في علياء, وجعلهم تحته نطاقاً له.
وأنت لما وُلِدتَ أشرقت الـ ... أرض وضاءت بنورك الأفق
هكذا يبدأ الشاعر بيته بالضمير المنفصل «أنت», ومجيء مثل هذا الضمير في مثل ذلك الموضع لا يأتي إلا في فحولة شعر وجسارة شاعر, فإذا عدم تلك الفحولة وفقد هذه الجسارة عاد غثاً بارداً, وانظره في قول عدي بن زيد العبادي, في إحدى غرره الأربع, كما يقول ابن سلام:
أرواح مودع أم بكور ... أنت فانظر لأي حال تصير
وقد أدار النحويون على «أنت» في بيت عدي كلاماً كثيراً, فابسط لهم العذر, ولا تظن بهم إلا خيراً؛ لأنهم أصحاب صنعة ونظام, وقد أربكهم هذا الشاعر إرباكاً عظيماً, بذلك الضمير في هذا الموضع. والشاعر الفحل مختال تياه, يتلعب بالكلام كما يشاء!
وعلى أن استعمال هذا الضمير «أنت» في الشعر كثيراً ما يدل على التحنن والأنس والود بين المخاطب والمخاطب, وقد استعمله العباس في قصيدته هذه ثلاث مرات.
وأشرقت الأرض: إذا أضاءت وأنارت. ويقال: شرقت الشمس: إذا طلعت, وأشرقت: إذا أضاءت. ويقال: ضاء المكان وأضاء, وضاءت النار وأضاءت, لغتان فاشيتان. قال الراجز:
قرب قلوصيك فقد ضاء القمر
والأفق: واحد الآفاق, وهي أطراف السماء ونواحيها التي مع الأرض. والأفق مذكر, بدليل قوله تعالى: {ولقد رآه بالأفق المبين (23)} [التكوير: 23].
وقال: «ضاءت بنورك الأفق» فأنَّث فعله حملًا على المعنى؛ لأنه أراد بالأفق الناحية, وقيل: إنه استعمل الواحد في موضع الجمع, كقوله تعالى: {ثم يخرجكم طفلاً} [غافر: 67] أي أطفالًا, وقوله: {والملائكة بعد ذلك ظهير (4)} [التحريم: 4], أي ظهراء, وكقول الشاعر:
كلوا في نصف بطنكم تصحوا ... فإن زمانكم زمن خميص
أي بطونكم.
فنحن في ذلك الضياء وفي النـ ... ــنور وسبل الرشاد نخترق
السبل: الطرق, جمع سبيل, واختراقها: السير فيها.
ويبقى بيت من القصيدة جاء من زيادات بعض الكتب, وقد جاء بعد البيت الرابع, وبعضهم يجعله آخر القصيدة. وقد روي هذا البيت بروايات ثلاث:
الرواية الأولى:
وردت نار الخليل مكتتماً ... تجول فيها وليس تحترق
والرواية الثانية:
وردت نار الخليل مكتتماً ... في صلبه أنت؛ كيف يحترق
والرواية الثالثة:
يا برد نار الخليل يا سبباً ... لعصمة النار وهي تحترق

وأضعف الروايات الرواية الثالثة, أما الأخريان فهما من أزكى الكلام وأشرفه, وأعلاهما عندي الرواية الثانية؛ لأن فيها صريح الدلالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان سبباً لنجاة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام؛ ولأن الشطر الثاني فسر «مكتتماً» في الأول, فضلًا عما في البيت من إحكام الصنعة الشعرية وتوهجها, وتأمل مرة أخرى «أنت» كيف جاءت في البيت كالمنارة, مضيئة عالية, ومجيئها بعد الجار والمجرور وقبل الاستفهام يحمل القارئ والسامع على أن يقف عندها هنيهة, يندي لسانه ويرهف سمعه تشريفاً وإجلالًا للممدوح صلى الله عليه وسلم.
وبعد: فهذه قصيدة العباس بن عبد المطلب, عم المصطفى صلى الله عليه وسلم, في مديحه وتعظيمه, أرجو أن أكون قد وفقت في تحقيقها وجلائها, ولفت الأنظار إليها.
وبأبي أنت وأمي يا رسول الله !.

* * *

مع بداية العام الدراسي الجديد:
من يقرأ هذه الكتب (69) ؟!

قرأت شيئاً من الجاحظ في صدر الشباب, ثم أخذت أعاوده المرة بعد المرة لتوثيق نقل أو تخريج شاهد, فيما أعالج من تحقيق النصوص ونشرها. وفي السنوات الأخيرة رأيت أن أقرأه على مكث, وأن أعطيه حظه من النظر والتأمل, بل قل: لأعطي نفسي حظها من الإمتاع والمؤانسة, فخصصت له وقتاً من إجازة الصيف بالإسكندرية, أقرأ وأستخرج وأقيد؛ لنفسي ولطلبتي حين أستقبل معهم العام الدراسي الجديد, فإني وإن كنت أدرِّس علم النحو, فإني أرى أن الأدب لازم للنحوي إقراء وتدريساً حتى يجد لكلامه سبيلاً ومذهباً, ولتوجيهه مقنعاً وبلاغاً.
وهذا الجاحظ يحكي عن ابن عتاب قوله: «يكون الرجل نحوياً عروضياً, وقساماً فرضياً, وحسن الكتاب جيد الحساب, حافظاً للقرآن, راوية للشعر, وهو يرضى أن يعلم أولادنا بستين درهماً, ولو أن رجلاً كان حسن البيان, حسن التخريج للمعاني ليس عنده غير ذلك, لم يرض بألف درهم؛ لأن النحوي الذي ليس عنده إمتاع, كالنجار الذي يدعى ليعلق باباً وهو أحذق الناس, ثم يفرغ من تعليقه ذلك الباب فيقال له: انصرف, وصاحب الإمتاع يراد في الحالات كلها». البيان والتبيين 1/ 403.
وقيل للشافعي: كيف شهوتك للأدب؟ قال: أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه, فتود أعضائي أن لها أسماعاً تتنعم به مثل ما تنعمت الأذنان. مناقب الشافعي للبيهقي 2/ 143.
وكتب الجاحظ - كما يقول المسعودي - «تجلو صدأ الأذهان, وتكشف واضح البرهان؛ لأنه نظمها أحسن نظم, ورصفها أحسن رصف, وكساها من كلامه أجزل لفظ, وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع خرج من جد إلى هزل, ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة». مروج الذهب 4/ 195.
ولا يخدعنك هذا الكلام - حسن النظم وحسن الرصف وجزالة اللفظ - فتذهب مع الذاهبين إلى أن كتب الجاحظ على شاكلته إنما هي كتب تسلية وسمر وإزجاء فراغ؛ لأنها تمثل الاهتمام بالجزئي دون الكلي؛ ولأن العقلية العربية غير قادرة على التركيب ... وهو كلام ساقط مرذول, ورده ودفعه في غير هذا المكان.
لكني أعجل فأقول: إن زعماء (التنوير) ورموزه الذين يكثر الحديث عنهم هذه الأيام قد تكوَّنوا على هذه الكتب وتغذوا بهذا الزاد, ودع عنك طه حسين والعقاد فإن صلتهما بأصول الكتب العربية معروفة, وتأمل ما ذكره عميد المسرح العربي توفيق الحكيم في كتابه «عصفور من الشرق» من أنه كان يصطحب معه عند زيارته لباريس كتاب «العقد الفريد» لابن عبد ربه, رفيق سفر, وزاد مغترب.
وذكر إبراهيم عبد القادر المازني - وكان من أبرع الناس في الترجمة عن الإنجليزية - ذكر لخير الدين الزركلي أنه حفظ في صباه «الكامل» للمبرد غيباً. يقول الزركلي: «وكان ذلك سر الغنى في لغته» الأعلام 1/ 68, وأبو فهر محمود محمد شاكر قرأ «لسان العرب» كله وهو تلميذ بالثانوي, وكذلك قرأ في الوقت نفسه كتاب «الأغاني» في طبعة الساسي, وهي طبعة غير مشكولة ولا محققة.
وقراءة الجاحظ فوق أنها تمتع الوجدان, تحرك العقل, وتفتح أبواباً من النظر, وتستثير دفائن من الفكر. والكاتب العظيم - فوق إمتاعه - يستخرج من قارئه أشياء حبيسة, هي من صميم الموضوع الذي يعالجه الكاتب, وهي أشياء تظل كامنة مطوية, وكأن صاحبها مع إحساسه الضخم بها لا يستطيع كشفها والإبانة عنها, حتى يجيء الكاتب القادر المبين, فإذا بهذه الأشياء الحبيسة تنطلق من عقالها, وإذا بالأفكار والخواطر تأتيه من كل مكان, وتنثال عليه انثيالًا, وتزدحم أمامه ازدحاماً, وكأنها قوافي سويد بن كراع التي وصفها:
أبيت بأبواب القوافي كأنما ... أصادي بها سرباً من الوحش نزعا
فيقيد منها الشارد, ويستدني منها البعيد, فيكون فرح القارئ بما قرأ معادلًا لسروره بما استخرج.
الجاحظ والعربية:
وقراءة الجاحظ إذا أُخذت بحقها قادت إلى المكتبة العربية كلها, بفنونها وعلومها المختلفة, إذ كان الجاحظ كثير الإلمام بالعلوم العربية, لا يكاد يشذ عنه منها شيء وبخاصة في «رسائله» التي لم تؤت ما تستحقه من الدرس؛ لأن الناس شغلوا عنها بكتبه الأخرى: البيان والحيوان والبخلاء والعثمانية. على أن أهم ما تستثيره عندي قراءة الجاحظ الآن هو: ما حظ شباب هذا الجيل من كتب الجاحظ ومن إليه؟
لقد قال ابن خلدون قولته الشهيرة: «وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن - علم الأدب - وأركانه أربعة دواوين: وهي أدب الكاتب لابن قتيبة, وكتاب الكامل للمبرد, وكتاب البيان والتبيين للجاحظ, وكتاب النوادر لأبي علي القالي, وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها».
ونعم, لقد أحسن كل الإحسان من عد هذه الكتب الأربعة أصول علم الأدب, فإن كتاب ابن قتيبة يدور حول اللغة, في تسمية الأشياء وخلق الإنسان والحيوان, وأصول الهجاء وضوابط الأبنية, وتقويم اللسان ولحن العامة. وكتاب المبرد كتاب لغة ونحو وأخبار - وبخاصة أخبار الخوارج - وكتاب الجاحظ دائر حول البيان والبلاغة والخطابة, مع الاسترسال إلى المعارف الأخرى, و كتاب القالي المعروف بالأمالي والنوادر, كتاب لغة وغريب وشعر, فمن حصّل هذه الكتب, ثم أطال الوقوف عندها والنظر فيها فاز بأوفر الحظ والنصيب.
وهذه الكتب كانت متاحة لنا في صدر شبابنا: في دار الكتب المصرية بباب الخلق, وفي مكتباتها الفرعية داخل القاهرة, وفي عواصم الأقاليم, ثم كانت تغص بها مكتبات الكليات الجامعية, بل في كثير من مكتبات المدارس الثانوية, ثم كانت تلك الكتب قريبة إلى عقولنا وقلوبنا بذكر أساتذتنا لها, ونقلهم عنها, وحثهم لنا عليها وإغرائهم بها, ومطالبتهم إيانا باستظهارها, إذ كانوا يرون أنها أوعية العلم ولا أوعية غيرها, وكذلك كانت مألوفة لنا بإحالة الأدباء والكتاب عليها في المجلات والدوريات الثقافية.
والآن: جفَّت الينابيع, وصوَّح النبت, فدار الكتب أصبحت كبئر معطلة، ومكتبات الكليات الجامعية تطايرت محتوياتها إلى بيوت بعض الأساتذة: غنيمة باردة, وعارية غير مستردة, أما تعامل الأساتذة والكتاب مع هذه الكتب فأنت تعرفه !
وأسأل طلبتي في السنة النهائية (الليسانس) عن هذه الكتب فلا أظفر إلا بصبابة قول, لا تكاد تتجاوز اسم الكتاب, مع تخليط كثير في بعض أسماء الكتب وأسماء أصحابها ... ولا تلوموهم ولوموا أنفسكم.
ثم أعود إلى مكتبتي وأطيل النظر إلى قسم الأدب منها, وأكرر سؤالًا أعرف ألا جواب له: من يقرأ هذه الكتب, كبارها وأوساطها وصغارها؟ بدءاً بالمفضليات والأصمعيات, وانتهاء بالكشكول والمخلاة للعاملي, وقروناً بين ذلك كثيراً: دواوين الشعر ومختارات الأدب والحماسات والأمالي والمجالس, وكتب المعاني وكتب الأمثال: تجارب أمم, وعقول أقوام استودعوها بطون الكتب, وأدتها إلينا أجيال وفية من الرواة والحفظة والنساخ والمحققين, حفظوها وصانوها كما يصون كرام الأبناء ودائع الآباء.
وقل مثل هذا في سائر علومنا: تفسير القرآن وعلومه, ودواوين السنة, وكتب الفقه وأصوله, وعلم الكلام والتصوف والتاريخ والأنساب والبلدانيات (الجغرافيا) والمعارف العامة, واللغة والنحو والبلاغة. فمن يقرأ هذه الكتب الآن فضلًا عن اقتنائها؟
ولا تقل طلبة الدراسات العليا؛ لأن باب الدراسات العليا باب ضيق جداً؛ ولأن الأصل أن تعرض هذه الكتب - الشيء منها بعد الشيء - على طلبة الجامعة, على امتداد السنوات الأربع, بل في المراحل التعليمية السابقة على الجامعة, ليأنسوا إليها ويألفوها ويعايشوها, فإذا قُدِّر لأحدهم أن يمضي في دراسة عليا كان مستصحباً لأصول العلم وأساسه, وإذا انقطع بأحدهم الطريق كانت هذه المعرفة عوناً له وسنداً فيما يعالج من أمور التعليم والثقافة, وأعرف نفراً من زملائنا المعلمين الذين لم يستكملوا دراساتهم العليا يفوقون كثيراً من حملة الدكتوراه الآن, ولكنها حظوظ الناس:
متى ما ير الناس الغنيَّ وجارُهُ ... فقيرٌ يقولوا عاجز وجليدُ
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظٍ قسمت وجدودُ
رموز التنوير:
وإنما كان زملاؤنا المعلمون على هذه الصفة لأنهم يأوون إلى ركن شديد من المعرفة التي أتاحتها لهم دراستهم الجامعية الجادة الصارمة في ذلك الزمان الرخي قبل أن يدهمنا السيل وتغشانا النوائب بذلك التنقص والاحتقار الدائم لتاريخنا وعلومنا, وإنك لا تجد أمة تستهين بتاريخها وعلومها ومعارفها كالذي تجده من بعض أفراد أمتنا الآن, وقد كان الهجوم على علومنا ومعارفنا يُسمع من بعض من ينتسبون إلى الأدب, من أحلاس المقاهي وسمَّار الليالي, ثم صار الآن يسمع مجلجلًا في قاعات الدرس الجامعي: هجوماً كاسحاً أكولًا على الشعر العربي والنحو العربي والبلاغة العربية (بل كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه) ويقول هؤلاء لتلاميذهم: إن الكتب القديمة حفائر وأكفان موتى, وقد غاب عن هؤلاء أمران:
أولهما: أن رموز (التنوير) وأعلامهم الذين يتحدثون عنهم الآن قد خرجوا من عباءة هذا القديم, كما ذكرتُ من قبل.
وثانيهما: أن هذه الكتب لو لم يكن فيها إلا أنها تعلم الجد وتقود إلى الصرامة لكان في ذلك ما يغري باقتنائها وطلب العلم منها.
يقول مصطفى صادق الرافعي: «ومما تردُّه على قارئها تلك الكتب في تربيته للعربية أنها تمكِّن فيه للصبر والمعاناة والتحقيق والتورك في البحث والتدقيق في التصفُّح, وهي الصفات التي فقدها أدباء هذا الزمن فأصبحوا لا يتثبتون ولا يحققون, وطال عليهم أن ينظروا في العربية, وثقُل عليهم أن يستبطنوا كتبها, ولو قد تربوا في تلك الأسفار وبذلك الأسلوب العربي لتمت الملاءمة بين اللغة في قوتها وجزالتها, وبين ما عسى أن ينكره منها ذوقهم في ضعفه وعاميته, وكانوا أحق بها وأهلها.
وذاك بعينه هو السر في أن من لا يقرأون تلك الكتب أول نشأتهم لا تراهم يكتبون إلا بأسلوب منحط, ولا يجيئون إلا بكلام سقيم غث, ولا يرون في الأدب العربي إلا آراء ملتوية, ثم هم لا يستطيعون أن يقيموا على درس كتاب عربي فيساهلون أنفسهم, ويحكمون على اللغة والأدب بما يشعرون به في حالتهم تلك, ويتورطون في أقوال مضحكة, وينسون أنه لا يجوز القطع على الشيء من ناحية الشعور, ما دام الشعور يختلف في الناس باختلاف أسبابه وعوارضه, ولا من ناحية يجوز أن يكون الخطأ فيها, وهم أبدًا في إحدى الناحيتين أو في كلتيهما». مقدمة شرح أدب الكاتب للجواليقي ص 3.
فهذه إحدى الطوام: الطعن في كتبنا واجتواؤها والإزراء بها.
وثانيةٌ أشد وأعجب - وكل الأمور عجب - : يأتيني أحد طلبتي فيعرض علي شيئاً من شعره فأقول له: يا بني, ليس هذا شعراً, هذا عجن وتخليط, فيحاجني بنماذج كثيرة تعج بها جرائدنا ومجلاتنا, مصحوبة هذه النماذج أحياناً بتحليل وثناء لبعض كبار أدبائنا وأساتذتنا وزملائنا الجامعيين, يرفعون بكلام حلو خسيسة كلام هزيل:
في زخرف القول تزيين لباطله ... والحق قد يعتريه سوء تعبير
تقول: هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تعب قلتَ: ذا قيء الزنابير
مدحاً وذماً وما جاوزتَ وصفهما ... حسن البيان يري الظلماء كالنور
ونعم ... لقد جاوز الأمر حده, وأصبح واجباً على كل ذي عقل أن يقف أمام هذا السخف.
إن هذا الذي ينشر على أنه شعر إنما هو امتهان للعقل؛ من حيث كان استخفافاً باللغة وهزءاً بنظامها وأعرافها.
لقد قرأت ذات يوم في جريدة كبرى كلاماً لشاعر يقول فيه: «نرفو أعراف الديكة فوق شرائح السمك البلطي» هكذا قال, وأنا أقول: لماذا سمك البلطي بالذات؟ ألأنه عريض؟ إن «سمك موسى» أعرض منه!
كلام ليس من كلامنا:
وفي العدد السادس من «أخبار الأدب» الجديدة, وفي الصفحة الثامنة والعشرين ترى هذا العنوان: الفتوحات: شعر ... وفي أحد مقاطعه يقول تحت عنوان: الخليل بن أحمد: «حملت الدلاء على كتفي, وكنت أبص على جسد كالنديف, ولكنها كانت الأرض باردة, تتخللنا وتحيط أصابعنا باليقين, وتتركنا, قلت: أمشي وراء المظنات, أطرح ما حسبت أنه رعوي, ومنسدل, مثل مهر جميل على جسد الصحراء, وأدعك أطراف جسمي ببعض الغيوم, وأنفضها, فاكتشفت بأن الدم العبّ يحتجب الروح في جسد رقائق طينية ... أن جسراً من الريح, يعلو على الأرض كي نتغطى به كالمرايا, وحين نفر إلى الله, نُشهِد أنفسنا, رائعين, ومجتلبين إلى الكون نحصر فيه الفساد, نبوبه في سجلات أعراضنا, ثم نردمه خلف بحر قديم تداركنا, فاعلن فاعلن».
ما هذا يا قوم؟ إني والله أسأل تعلماً لا تعنتاً عن معنى هذا الكلام! إن هذا الكلام وأمثاله مما يطلق عليه شعر, إنما هو كما قال ذلك الأعرابي وقد حضر مجلس الأخفش فسمع كلاماً لم يفهمه, فحار وعجب, فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟ فقال: «أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس في كلامنا», أو كما قال القاضي الفقيه ابن دقيق العيد, عن الصوفي الشهير ابن سبعين: «جلست معه من ضحوة إلى قريب الظهر وهو يسرد كلاماً تعقل مفرداته ولا تفهم مركباته».
ثم إن السلامة اللغوية مطلوبة في كل عمل أدبي, بل هي مطلوبة بداهة في كل كلام يجري بين العقلاء, فما معنى «أبص» في هذا الكلام؟ لم يَرِد هذا الفعل في كلام العرب بمعنى النظر, وإنما يقال: بص الجرو - وهو ولد الكلب - أي فتح عينيه, وفتح العينين غير النظر. فهي إذن عامية مُغْرِقَة. قال المرتضى الزبيدي في تاج العروس: «والبصاصة: العين في بعض اللغات, صفة غالبة, قيل: لأنها تبص, أي تبرق, ومنه قول العامة: هو يبص لي».
وما موضع هذه الهاء في قوله: «ولكنها كانت الأرض باردة»؟ فهل هي ضمير الشأن والقصة؟ إن كان يريدها كذلك فما أبردها في هذا المكان !
ثم ما قيمة «فاعلن فاعلن» ها هنا؟ ألأنه قد ذكر قبلها كلمة «بحر» وكلمة «تداركنا» فيريد أن يعلمنا أن تفعيلات بحر المتدارك؟ فاعلن فاعلن؟ فها نحن قد علمنا وانبسطنا: مستفعلن فاعلن, ولا داعي لكل هذا الكلام الطويل: فعولن مفاعلين!
ويعلم الله, أننا لا نصدر عن عصيبة للقديم, فالشعر هو الشعر, ليس فيه قديم ولا جديد, وإنما مداره على الإمتاع واللذة, وما أصدق قول أحمد شوقي من قصيدته في أمين الريحاني:
والشعر في حيث النفوس تلذه ... لا في الجديد ولا القديم العادي
وإننا نطرب لمحمود حسن إسماعيل طربنا لامرئ القيس وذي الرمة, بل إننا نطرب لشعر فؤاد حداد طرباً لا مزيد عليه, وتأخذ النشوة منا مأخذها حين نسمع أشعار صلاح جاهين في «الليلة الكبيرة».
فكيف يسكت أساتذتنا الكبار وزملاؤنا الجامعيون على هذا العبث المسمى شعراً؟ بل كيف يزيِّنونه؟ ويحسِّنونه, ولقد شفى وأبرأ سقمها تعليق للأستاذ الشاعر الناقد كمال النجمي (الهلال - سبتمبر 1990م) على ما كتبه الدكتور شكري عياد حول كتاب «المستحيل والقيمة» للأستاذ بدر الديب, يقول الأستاذ النجمي: «والعجب الأكبر من أديب ناقد ثاقب البصيرة نافذ الفهم - الدكتور شكري عياد - يشغل وقته بالكتابة المطولة عن شعر وهمي يزعمه لأنفسهم ناثرون أمثال الأستاذ الديب, وهو كاتب فاضل كنا نرجو له الستر, أعترف أنني لم أفهم لا كلام بدر الديب ولا كلام شكري عياد, ففيم يتحدث هذان الفاضلان؟ وهلَّا نزلا إلينا لنفهم عنهما أو نحاول أن نفهم؟».

لقد كتبت وكتب غيري عن المستوى المتدني للغة العربية على ألسنة المتكلمين وأقلام الكاتبين: من شباب هذا الجيل, لكننا نعالج هذه القضية بكثير من التخوف والتردد والمصانعة والحذر من إغضاب الناس, والتحسب لردود الفعل التي قد تعطِّل مصالح العباد, وتقصي القريب وتقرِّب البعيد:
وفي النفس أشياء وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب
والقضية لا بد أن توضع في حاق موضعها إن كنا صادقين:
أولاً: إعادة النظر في مناهج تدريس العربية بدءاً من الابتدائي وانتهاء بالجامعة, بحيث تكون مناهج ترد التلاميذ إلى تاريخهم, وربطهم بعلم الآباء والأجداد - ولا أقول تراثهم؛ فإن هذه الكلمة قد أصبحت بغيضة عندي جداً, لما توحي به هذه الأيام عند بعض الناس من الماضي السحيق والفولكلور والمتحفيات - ولعلي أفرد لذلك مقالة, إن شاء الله.
لقد كنا في طفولتنا وصدر شبابنا نحفظ الشعر الجاهلي ومتون العلوم في الصباح, ونلعب الكرة الشراب عند العصر, فجرت اللغة في عروقنا واختلطت بلحمنا وعظمنا, وما أمر «مجموعة النظم والنثر» لعبد الله باشا فكري, و «المنتخب من أدب العرب» للسكندري وأصحابه, ببعيد, وهكذا الشأن عند سائر الأمم, فتلاميذ المدارس الإنجليزية يقرأون «شكسبير» ويعرفونه جيداً, وتلاميذ المدارس الألمانية يقرأون «جوته» ويعرفونه جيداً, مع الاحترام الزائد والتوقير الشديد.
ثانياً: تنقية الجو الأدبي خارج المدرسة والجامعة من الأوشاب والأخلاط.
فالمدرسة والجامعة لا يعملان بمعزل عن الحياة العامة, لقد كان طلاب ذلك الزمان السعيد يقرأون أصول العلم في معاهدهم, ثم يقرأون مرة أخرى على صفحات الرسالة والثقافة والمقتطف والهلال. ألم ينشر طه حسين «حديث الأربعاء» منجَّماً في «البلاغ»؟
ألم ينشر أبو فهر محمود محمد شاكر كتابه العظيم عن المتنبي عدداً خاصاً من «المقتطف»؟

وما يستقيم أن تبني المدرسة والجامعة, وتهدم المقاهي والأتيليهات والمجلات, على ما قال الأول:
فكيف بناءٌ خلفه ألفُ هادمٍ ... وألفٌ وألفٌ ثم ألفٌ وأعظمُ
وأنتم يا أساتذنا الفضلاء - وأنتم من بقية حملة الحجة - ويا زملاءنا من أساتذة الجامعة الأعزاء - وأنتم من بقية جيل الحفظة - لا تتعاملوا مع هذا الذي يُنشر ويذاع باسم الشعر, فإنه غريب المنبت مُر المذاق, وليس بأرض قومكم فالفظوه وعافوه, ثم قفوا للأدعياء وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد حفاظاً على تاريخكم واحتراماً للغتكم, وقياماً بحق هذه الأجيال عليكم, أن يرِدوا الماء الذي وردتم, ويَطْعموا الطعام الذي طعمتم.
ثالثاً: إن هذه الأمة العربية محفوظة, ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة, ولا زال فينا أهل علم وأهل صدق, ولكنهم قلوا عدداً فأفسِحوا لهم الطريق, ولا يصدنكم عنهم جهالة أمرهم, فإن النفيس غريب حيثما كان -كما قال أبو الطيب- ومكِّنوا لهم أن يظهروا بعلمهم, ولا تضيقوا عليهم فتصيبوهم بالإحباط, والإحباط قديم, قال أبو بكر ابن العربي المتوفى سنة (543 هـ): «ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة, متسقة المعاني, منتظمة المباني, علم عظيم, لم يتعرض له إلا عالم واحد, عمل فيه سورة البقرة, ثم فتح الله عز وجل لنا فيه, فلما لم نجد له حملة, ورأينا الخلق بأوصاف البطلة، ختمنا عليه, وجعلناه بيننا وبين الله, ورددناه إليه». البرهان في علوم القرآن للزركشي 1/36.
ووقع مثل هذا لجلال الدين السيوطي (911 هـ) قال: «ولما شرعت في إملاء الحديث سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة, وجددته بعد انقطاعه عشرين سنة, من سنة مات الحافظ أبو الفضل ابن حجر, أردتُ أن أجدِّد إملاء اللغة وأحييه بعد دثوره, فأمليت مجلساً واحداً, فلم أجد له حملة ولا من يرغب فيه فتركته». المزهر في علوم اللغة 2/ 314.

وتبقى كلمة: لقد قلت إن هذه الأمة العربية محفوظة. واللهم نعم, فإن من آيات ذلك أني أصادف من طلبتي بين الحين والحين نماذج جيدة, تحب العربية وتحرص عليها وتتزود منها, بل إن منهم من يفتح علي أبواباً من الفهم حين يجاذبني الكلام, وأنا أقول لطلبتي دائماً: إنني جئت أتعلم العلم معكم مرة أخرى, فالعلم رحم بين أهله, والشيخ يستفيد من تلميذه, كما يستفيد التلميذ من شيخه, وكذلك أجد من زملائي المعيدين والمدرسين المساعدين مصابيح علم تتلألأ وتتوهج وسط هذا الظلام الموحش, لكن هؤلاء وهؤلاء في حاجة إلى معلم وموقِّف, لأن الأصل في علومنا الرواية والمشافهة والتوقيف, ونحن في زمن انقطعت دونه الرواية, وانصرف فيه الأشياخ, وتُرك طالب العلم وحده يضرب في أرض يهماء, لا ماء فيها, ولا علم بها.
وأنا أقول لهؤلاء المعيدين دائماً: إنكم في جيلكم أحسن منا في جيلنا؛ لأننا أدركنا الزمن الرخي, وأنتم جئتم في الزمان النكد, فنحن وأنتم كما قال أبو الطيب:
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم
وربك يفعل ما يشاء.

* * *

من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن (70)

من علوم القرآن التي اعتنى بها الأئمة, وأفردوها بالتصنيف علم «إعجاز القرآن», وقد بدأ الكلام في هذا العلم: شذرات ونُتَفاً في كتب التفسير, كشفاً لمواطن الكمال والجلال في كلام ربنا عزَّ وجلّ.
وقد دخل المفسرون إلى الإعجاز من طريق تلك الآيات التي أمر بها المولى تباركت أسماؤه رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم أن يطلب من مشركي قريش الإتيان بمثل ما أُنزل عليه, تدرُّجاً وتنزُّلًا, وذلك قوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} [هود: 13], وقوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23], ثم قضى عليهم بالعجز وأيأسهم أن يأتوا بشيء من ذلك, فقال عز من قائل: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88)} {الإسراء: 88].
ومعلوم أن مشركي قريش الذين سمعوا كلام الله يتلى على لسان رسوله الأمين كانوا أرباب فصاحة وبيان, وكانوا يعرفون مواقع الكلام وحلاوة البيان, ولذلك أدهشم القرآن حين سمعوه, ودَلَّه عقولهم بعظمة بيانه وروعة معانيه, ودقة نظمه واتساقه, وحين لم يجدوا في الطعن إليه سبيلًا لم يسعهم إلا أن يقولوا: إنه شعر, وإنه سحر, وإنه أساطير الأولين اكتتبها محمد صلى الله عليه وسلم فهي تملى عليه بكرة وأصيلًا.
وهذا كله إقرارٌ بعظمة ما سمعوا, وإذعانٌ لأنه كلام مباين لكلام البشر, لكن ما انغمسوا فيه من العناد والمكابرة صدهم عن الاعتراف بأنه وحي يوحى, نزل به الروح الأمين على قلب المصطفى المختار ليخرج الناس به من ظلمات الوثنية والشرك إلى نور الإيمان وصفاء التوحيد.
ثم كان أن هدى الله بهذا القرآن العظيم أقواماً, فأقبلوا على تلاوته, وتدبر أغراضه ومراميه, وتمثلوا أوامره, وانتهوا عن نواهيه. وكان هو كتابهم الذي يعتصمون به ويلجأون إليه فيما دق وجل من أمورهم.
وبقيت طائفة - ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة - لم تهتد ولم تذعن, وظل عداؤها للقرآن قائماً, فأخذت تنقِّر وتنقِّب, التماساً للمعابة في هذا الكتاب المحكم, باتِّباع متشابه, وتحريف كلم عن مواضعه, وتخيل فساد نظم أو لحن أسلوب, أو تناقض معنى, وقد أخذت هذه الطائفة تدب دبيباً في القرنين الأولين, تستخفي بآرائها مرة, وتُصحِر بها أخرى. لكنها في كلتا حالتيها لم تترك أثراً يُذكر, إذ لم تكن لها شوكة, وكانت العقيدة على صفائها, لم تكدِّرها مقولات المتكلمين, ولا خلافات المتأولين, ثم كان اللسان العربي لا يزال صحيحاً محروساً لم يتداخله الخلل, ولم يتطرق إليه الزلل.
لكن الصغير يكبر ويشب, والزرع الضعيف يستحصد ويقوى, وتأتي أيام كالحات, تنجم فيها الفتن بدواع كثيرة: منها اختلاط اللسان العربي بغيره من الألسنة, وانتشار الكتب المترجمة بغثها وسمينها, وتغلغل أهل المذاهب والنحل الأخرى في صلب العقيدة الإسلامية, وإغرائها بالجدل وعلم الكلام, وأصحر أهل العداء القديم بآرائهم, وإذا الذي كان بالأمس همساً ونجوى يصبح اليوم وله دوي وصليل, فأخذت المجالس وحلقات الدرس تموج بتلك الآراء وتضطرب, وإذا بالذي كان مشافهة ومسامرة يسطر ويكتب وتتعاوره الأيدي.
ولم يكد المسلمون يدخلون في النصف الثاني من القرن الثالث حتى انكشف كل خبيء وظهر كل مكنون, واستعلن العداء للقرآن وللعربية ملفقاً في ثياب الخلاف الفلسفي والكلامي, ثم ما جر إليه كل ذلك من القول بفتنة خلق القرآن وأشباه لها من الكوائن والطامات.
لكن الله الذي تكفل بحفظ كتابه وفَّق طائفة من عبادة ذادةً منافحين, قاموا لهذه المطاعن والشبهات, وألقوا بحججهم وبراهينهم فإذا هي تلقف ما يأفكون. ولعل أول حامل لهذا اللواء هو الإمام الجليل أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري, خطيب أهل السنة, المولود سنة 213, والمتوفى سنة 276, فقد انتدب لهذه الشكوك والمطاعن التي تثار حول القرآن, فجمعها ثم سدد إليها سهامه وأعمل فيها معاوله, فاقتلعها من جذورها, وكان مجلى ذلك كتابه العظيم «تأويل مشكل القرآن» إلى ما نثره في كتبه الأخرى, مثل «تأويل مختلف الحديث».

ثم ظهرت مسألة «إعجاز القرآن» مبحثاً قائماً بذاته, يُقصد إليه قصداً. وكانت تلك المسألة «من أبرز المسائل التي تعاورها العلماء بالبحث أثناء تفسيرهم للقرآن, وردهم على منكري النبوة, وخوضهم في علم الكلام, كعلي بن ربن كاتب المتوكل في كتاب «الدين والدولة», وكأبي جعفر الطبري في تفسيره «جامع البيان عن وجوه تأويل آي القرآن», وكأبي الحسن الأشعري في «مقالات الإسلاميين», وأبي عثمان الجاحظ في كتابه: «الحجة في تثبيت النبوة».
وكان علماء الاعتزال أكثر المثيرين للكلام في إعجاز القرآن, فقد ذهب النظَّام - من بينهم - إلى أن القرآن نفسه غير معجز, وإنما كان إعجازه بالصرفة, وقال: «إن الله ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة, بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان الأحكام من الحلال والحرام, والعرب إنما لم يعارضوه, لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك, وسلب علومهم به».
وذهب هشام الفوطي, وعبَّاد بن سليمان إلى أن القرآن لم يُجعل علماً للنبي, وهو عرض من الأعراض, الأعراض لا يدل شيء منها على الله ولا على نبوة النبي. وكان ذلك وغيره من أقوال أئمتهما منبعاً غزيراً للقول في إعجاز القرآن. وقد انبرى كثير منهم للرد على من أنكر إعجازه جملة, كأبي الحسين الخياط وأبي علي الجبائي, اللذين نقضا على «ابن الراوندي» كتابه: «الدامع» الذي طعن فيه على نظم القرآن وما يحتويه من المعاني, وقال: إن فيه سفهاً وكذباً. وكذلك رد كثير منهم على من خالف عن قول جماعتهم, بأن تأليف القرآن ونظمه معجز, وأنه علم لرسول الله صلى الله عليه وسلم, كالجاحظ الذي رد على النظَّام رأيه في الصرفة في كتاب: «نظم القرآن».
ثم أُفرد عِلْم «إعجاز القرآن» بالتصنيف, ومن أشهر ما صُنف فيه مما هو مطبوع ومتداول.
1- النكت في إعجاز القرآن, لأبي الحسن علي بن عيسى الرّماني المتوفى سنة 386.
2- بيان إعجاز القرآن, لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي المتوفى سنة 388.
3- إعجاز القرآن, لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة 403.
4- الرسالة الشافية, للشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى سنة 471, وهو صاحب «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة».
ويُعَدُّ كتاب أبي بكر الباقلاني من أوعب ما أُلف في هذا العلم. قال ابن العربي: «ولم يصنَّف مثله».

هذا الكتاب:
ويأتي كتابنا هذه في «علم إعجاز القرآن» نمطاً وحده, فقد أداره مؤلفه - محمود رؤوف أبو سعدة - على وجه من إعجاز القرآن جديد, لم يسبقه إليه سابق, ولم يفطن إليه باحث, وكأن كعب بن زهير, رضي الله عنه, لم يكن مصيباً حين قال:
ما أرانا نقول إلا معاراً ... أو معاداً من قولنا مكروراً
إلا أن يكون أراد الشعر وحده !
فقد يفتح الله على الأواخر بما لم يفتح به على الأوائل, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, وهذا أيضاً وجه من وجوه إعجاز القرآن, وأنت ترى هذا من نفسك, فقد تتلوا الآية أو السورة في صلاتك, أو في مغداك ومراحك, وعند أخذ مضجعك, وتمر عليها مراً, ثم تتلوها نفسها في ساعة أخرى من ساعاتك, وفي حالة مباينة من حالاتك, أو تسمعها من قارئ غيرك, فإذا هي تهزك هزاً, وإذا هي تملأ كل ما حولك بهجة وضياء, ثم تفجر أمامك ينابيع من الحكمة والهدى لم يكن لك بهما عهد, وتعجب, كيف غيب عنك كل هذا الخير فيما سلف لك من أيام!
وكل الكلام يُمل إلا كلام ربنا عز وجل, وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصفه - وهو المنزل عليه: «ولا يشبع منه العلماء, ولا يخلق على كثرة الرد, ولا تنقضي عجائبه».
وهذا الوجه من الإعجاز القرآني الذي قام له المؤلف ونهض به, وجه قاطع بات, لا تصح فيه لجاجة, ولا تسوغ معه مخالفة, لأنه قائم على قواعد اللغة, ومستند إلى أحكام التاريخ, وليس للهوى فيه حظ أو نصيب.
وعنوان الكتاب كما ترى (من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن) - العلم الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن - وهو عنوان دال على موضوعه صراحة, متجه إليه مباشرة, ومنهج الوضوح دائر في هذا الكتاب كله, فالمؤلف يمضي إلى قضاياه ويعالجها دون ثرثرة أو تلكؤ أو فضول.
يقرر المؤلف أن القرآن يفسِّر في ثنايا الآيات المعنى الدقيق لكل اسمٍ أعجميٍ علمٍ ورد في القرآن, أياً كانت اللغة المشتق منها هذا الاسم الأعجمي العلم, وإن كانت لغة منقرضة يجهلها الخلق أجمعون عصر نزوله.
وأسلوب القرآن في ذلك - كما يقول المؤلف - «المجانسة على الاسم العلم بما يفسر معناه أبين تفسير», ومثال ذلك ما ذكره في تفسير اسم «زكريا» عليه السلام: يقول ربنا عز وجل: {ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2)} [مريم: 2], وقول المؤلف: زكريا في اللسان العبراني معناه حرفياً «ذاكر الله», ثم يدعوك المؤلف إلى أن تتأمل المجانسة بين قوله تعالى: {ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2)} وبين «ذاكر الله», كأنه عز وجل يقول - وهو أعلم بما يريد - ذكر الله ذاكر الله, أو: ذكر الله فذكره الله, أو: ذكر الله فذكرته رحمة الله.
وقد يأتي تفسير العلم العجمي في القرآن بذكر المرادف العربي لمعناه بغير العربي: ومن ذلك أن معنى «جبريل» في العبرية: الشديد القوي, وجاء التعبير عنه في القرآن بذلك, قال تعالى: {علمه شديد القوى (5) ذو مرةٍ فاستوى (6)} [النجم: 5, 6]. والمِرَّة بكسر الميم وتشديد الراء: بمعنى القوة أيضاً. وكذلك قوله تعالى عن جبريل عليه السلام: {إنه لقول رسول كريم (19) ذي قوة عند ذي العرش مكين (20)} [التكوير: 19, 20].
ومثل ذلك ما انتهى إليه المؤلف في أمر «نوح» عليه السلام, فقد ردَّه بعض مفسري القرآن إلى «النواح» فقالوا: هو من ناح ينوح, وجاء المؤلف فطبق عليه منهجه فرده - اعتماداً على قواعد اللغة العبرية - إلى معنى التلبث والإقامة, ثم فسره بالسياق القرآني الكاشف, في قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً} [العنكبوت: 14], وقوله عز وجل: {واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامى وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت} [يونس: 71], وقوله تباركت أسماؤه: {وجعلنا ذريته هم الباقين (77)} [الصافات: 77].
وثالثة: يذكر المؤلف أن «إسماعيل» ينطق في العبرية «يشمعيل» ومعناه: سمع الله, أو سميع الله, ثم التمس هذا المعنى في سياق القرآن الكريم, فوجده في قوله عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (39)} [إبراهيم: 39], وفي قوله عز وجل على لسان الخليل أيضاً وابنه إسماعيل عليهما السلام: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127)} [البقرة: 127].
وهكذا يمضي المؤلف بهذا المنهج في تفسير أسماء الأعلام الأعجمية وما يشبهها من أسماء الأجناس والمواضع, وقد أحصى في ذلك واحداً وستين علماً أعجمياً أو مختلفاً في عجمته في القرآن, فسرها من القرآن نفسه, تعالى مُنْزِلُه. ثم ذكر أن القرآن لا يفعل هذا فقط, ولكنه يصحح أيضاً لعلماء العبرية وعلماء التوراة, وقت نزوله وإلى يوم الناس هذا, تفسيراتهم اللغوية لمعنى هذا العَلَم العبراني أو ذاك, من مثل أسماء بني إسرائيل الواردة في القرآن وغيرها من أسماء المواقع, مثل «مدين» فيخطئ أصحاب اللغة ويصيب القرآن.
فهذا هو عمود صورة الكتاب, كما أقامه مؤلفه, وكما أراد له أن يكون, ولكنه من وراء ذلك ومن قدامه قد استطرد إلى قضايا كثيرة, عقيدية ولغوية وتاريخية.
ومن أنفس ما في هذا الكتاب - وكله نفيس إن شاء الله - ما ذكره المؤلف حول تاريخ كتابة التوراة والإنجيل, وأن نص التوراة مستنسخ من الذاكرة بعد نحو ثمانية قرون من وفاة موسى عليه السلام, وكذلك الأناجيل الأربعة المتداولة لم يخطها عيسى عليه السلام بيده, ولم يملها على حوارييه, وبهذا تكون سلسلة السند في التوراة والإنجيل منقطعة, وليس كذلك القرآن.
ومما يتصل بالتوراة: ما سجله المؤلف من قصورها وتقصيرها في ذكر الأنبياء الذين هم من قبل إبراهيم عليه السلام, فتكون بذلك «توراة بني إسرائيل» ليس غير.
وقد أفضى ذلك بالمؤلف إلى أن طعن كثيراً في «سفر التكوين» الذي بين أيدينا الآن, وكذلك شنَّع على كاتب التوراة وكشف تدليسه وكذبه في أكثر من موضع, بل إنه نبَّه على تناقضه مع نحو اللغة العبرية ومعجمها.
أما بُنوَّة عيسى لآدم عليهما السلام, وعبوديته لله عز وجل فقد عالجها المؤلف في غير مكان من الكتاب.
والكتاب في تسعة فصول, خصص المؤلف الفصول الثلاثة الأولى منها لما يمكن أن نسميه تسمية علماء القراءات: الأصول, والفصول الستة الباقية جعلها لما يسمى عندهم الفرش, وهو تنزيل الكلام على أسماء الأعلام: عَلَما عَلَماً, كما ينزَّل الكلام في اختلاف القراء على سور القرآن: سورة سورة.
أما الأصول, فقد أدار المؤلف عليها كلاماً عالياً شريفاً, حول أصناف الملاحدة ومناقشتهم, ثم تكلم عن خصائص اللسان العربي وعبقرية العربية وقدمها, وأجه التقابل والتغاير بينها وبين العبرية, ليجيب بعد ذلك: لماذا كانت العربية هي أم الساميَّات جميعاً؟
وأشار إلى لغات العالم المعروفة وقت نزول القرآن, ثم أورد كلاماً عزيزاً عن القرآن, وأورد اجتهادات في لغة آدم عليه السلام, التي تكلم بها على الأرض مهبطه من الجنة.
وتحدث عن استعارة معاني الأفعال, وحدود الأخذ والاستعارة من اللغات الأخرى.
ولهذا المؤلف اجتهادات جيدة في الاشتقاق, وتأصيل عربية بعض ما يظنه الناس أعجمياً, مثل «جهنم» وتخطئة بعض اللغويين العرب في أصل «إبليس» واشتقاقه.
وهناك أمر لا يزال المؤلف يعتاده ويلم به كثيراً, وهو الرد على المستشرقين ومن إليهم من متحذلقة الأساتيذ في هذا القرن, الذين أدركتهم عجمة العلم واللسان ... أو كما قال. وقد رد على المستشرقين في طعنهم على القرآن, وأنه وحي من الله يوحى على خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
ولعل أغنى بحث فيما وقع لي من أصول هذا الكتاب: هو الكلام على اسم أبي إبراهيم عليه السلام, وهو «آزر» في القرآن, و «تارح» في التوراة, وقد تختلف مع المؤلف في بعض ما انتهى إليه من الربط بين «آزر» و «تارح» ولكنك تكبر فيه صدق الجهد وقوة الحجة.
وهكذا تتوالى القضايا في هذا الكتاب النفيس. على أني أحب أن أسجل ها هنا أن كلام هذا الكاتب - وأنا لا أعرفه - لا تستطيع أن تفرق فيه بين أصل وحاشية, بل إن كثيراً من حواشيه ينبغي أن تُنقَل إلى صلب الكتاب أو متنه, وتأمل مثلًا حاشيته في الفصل الأول عند حديثه عن صور المغايرة بين العربية والعبرية, في توجيهه لتسميته صلى الله عليه وسلم «محمداً» ومظهر الحمد فيه, وما تلا ذلك من حديثه عن «الموابية» والمقارنة أو الموازنة بين «ساذج» و «سادة», و «كيسر» المعرب إلى «قيصر», والاسم الإسباني «رذريجو» المعرب إلى «لذريق» ... وغير ذلك من العلم المنثور في حواشي الكتاب.
ومع غزارة هذه المعارف التي يقدمها لنا الكاتب, ونفاستها, فهو لا يُدِلُّ بها على قارئه, ولا يسوقها في موكب تتقدمه الخيَّالة, ويحف به راكبو الدراجات, وتكتنفه دقات الطبول, كما يفعل كثير من الكُتَّاب الآن, وإنما يأتيك كلامه سهلاً رهواً, يتهادى في إهاب الكرامة والتواضع والإسماح, وعليه من العلم بهاؤه, ومن الجد أماراته, بأسلوب عذب مصفى, أسلوب كاتب يحترم عقل قارئه, ويريد إمتاعه لا التعالي عليه.
يقول في الفصل الثاني - الأعجمي المعنوي والأعجمي العلم - في مناقشة المفسرين الذين اعتمدوا في تفسير أسماء أنبياء بني إسرائيل على المعجم العربي وحده, يقول: «وأنا أيها القارئ العزيز - إن كنت لا تعرف عبرية التوراة أو يونانية الأناجيل –, بما في هذه وتلك من أعلام آرامية بل ومصرية أحياناً - لا أريد أن يفوتك شيء من حلاوة بحث أريد أن أحبِّره لك تحبيراً: أريد منك أن تشترط عليَّ توثيق ما أحدِّثك به, فلا أكيل لك القول جزافاً آمناً ألا تكشف زيفي, لأنك لا تعلم شيئاً من أمر تلك اللغات التي ذكرتُ لك, ليس هذا من العلم في شيء, وإنما هو من التدليس».
إن في هذا الكتاب علماً كثيراً, وإن فيه خيراً كثيراً, وإن عليه نوراً كثيراً, وما أظن ذلك كله قد كان إلا لأن مؤلف قد تغيا به غايات نبيلة: هي خدمة كتاب الله, بالكشف عن نواحي إعجاز جديدة فيه, والأمور بمقاصدها, يقول تاج الدين السبكي: «ولقد حصل أبو زرعة على أمر عظيم ببركة حفظه للحديث, وهكذا رأينا من لزم باباً من الخير فُتح عليه غالباً منه».
ويقول عبد اللطيف البغدادي: «اعلم أن للدين عبقة وعَرفاً ينادي على صاحبه, ونوراً وضيئاً يشرف عليه ويدل عليه».
ويقول أبو الحسن العامري: «إن الدين كريم الصحبة, يُعِز من لجأ إليه, ويستر عيوب من اتصل به, مع ما يُذخر له في عاقبته من الغبطة الأبدية».

قلت: وقد رأينا كثيراً ممن تطاولوا على الدين وهزأوا به وسخروا منه في مجالسهم, أو في أعمالهم الأدبية - شعراً أو نثراً - قد انتهى أمرهم إلى خسار وبوار, بل إن منهم من رأى فقره بين عينيه, ورأى عافيته تتفلت من بين يديه, مع ما تراه من ظلام في وجوههم ... {ومن يهن الله فما له من مكرم} [الحج: 18].
وتبقى بعد ذلك كلمة:
لقد قلت من قبل: إن أسلوب هذا الكاتب عذب مصطفى, واللهم نعم ! لكن شاب هذا الصفاء, وعكر هذه العذوبة بعض أوشاب مما يخالط الأساليب الشريفة, تتسلل إليها لواذاً, وكأنها العدوى المهلكة, تتخلل ذرات الهواء, لا تحس بها إلا وقد داهمتك في خلايا بدنك - عافاك الله - فلا تستطيع لها دفعاً ولا مرداً.
ومن ذلك ما جاء في كلام المؤلف الفاضل من هذا التركيب «موسيقى القرآن» وهو تركيب رخو لين, لا يليق بجلال القرآن وبهائه, ولا تقل: لا بأس علينا من تقارض مصطلحات العلوم, لأن فيه إثراء للغة, لا تقل هذا ولا تغتر به, لأنه مدخل لبلاء عظيم, ولو فتحنا هذا الباب لفسد علينا كل شيء, فإن للكلام حدوداً ومعالم ينتهي إليها. أنسيتَ أن منا من قال: إن القرآن رسم لوحة صفتها كيت وكيت؟ فجعل المولى عز وجل فناناً تشكيلياً يحمل فرشاة يغمسها في ألوان, تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
لقد غيروا «النظم القرآني واتساقه» فجعلوه «موسيقى القرآن», ثم غيروا «العروض» فجعلوه «موسيقى الشعر», ثم غيروا «علم الصرف» فسموه «علم الصوتيات», وثم وثم وثم, وبالله نستدفع البلايا!.

* * *

الشيخ الشعراوي .. واللغة (71)

الشيخ محمد متولي الشعراوي ظاهرة غريبة عجيبة في زماننا, وإن كان له أشباه ونظائر فيما سلف لنا من أيام, ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وقد عرف جمهور الناس هذا الشيخ الجليل في أوائل السبعينات الميلادية, وكان صاحب الفضل في التعريف به وتقديمه للناس الأستاذ الفاضل النابِه: أحمد فراج, وذلك من خلال برنامجه التلفزيوني المعروف يومئذ: «نور على نور», وللتاريخ نقول: إن الذي قدم الشيخ الشعراوي للأستاذ أحمد فراج هم طائفة من أدباء السعودية ووجهائها, عرفوا للشيخ قدره وأنزلوه منزلًا كريماً أيام تدريسه بكلية الشريعة بمكة المكرمة, وللشيخ هناك أصداء عالية الرنين.
وقد بهر الشيخ الشعراوي آنذاك أسماع الناس وأبصارهم بثلاث حلقات تلفزيونية حول: الإسراء والمعراج, والقضاء والقدر, وحديث هند بن أبي هالة في صفة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويومها أدرك الناس - كل الناس - أنهم أمام صوت جديد يدعو إلى الله على بصيرة, بأسلوب مباين لكل ما ألفه الناس من أساليب الدعوة والتوجيه, وأنماط الوعظ والإرشاد, وإنما كان ذلك لأن الشيخ سلك في وعظه درباً غير مطروق, وورد ماء مهجوراً, وانتجع كلأ غير مرعي.
تكررت لقاءات الشيخ بالناس في البرنامج التلفزيوني المذكور, على فترات متباعدة حول بعض القضايا التي يُسأل عنها الشيخ فيجيب, إلى أن استقر أمره على هذا اللقاء الأسبوعي: تفسير القرآن العظيم.
وفي هذا اللقاء, ويوماً إثر يوم اتضح منهج الشيخ, وتحددت ملامحه. ويهمني في هذا المقام الكشف عن هذا المنهج, وإقامة حدوده ومعالمه, وتلمس أسبابه وبواعثه؛ فإن الشيخ يمثل عندي أنموذجاً ينبغي أن نجلوه للناس, بعد أن ندُل على جذوره وأصوله, وإن في ذلك كله بعثاً لتاريخ عزيز غاب عنا, أو أريد له أن يغيب.
وإذا كان لكل عالم أو مفكر مفتاح, فإن مفتاح شخصية هذا الشيخ هو «اللغة», واللغة هي الباب الأول في ثقافات الأمم, وإهمالها أو التفريط فيها, أو السخرية منها هدم لتاريخ الأمم, ومحو لها من الوجود.
العناية باللغة:
وعناية الشيخ باللغة تتجلى في مستوياتها الأربعة: أصواتاً وصرفاً ونحواً ودلالة. وفي طريق هذه المستويات الأربعة صال الشيخ وجال, ومما يحسب في موازينه, ويسجل له: هذه الجسارة والجرأة في معالجة تلك القضايا وجمهوره الأعظم من عامة الناس, ولكن الشيخ يرى أن هذا ضروري لتفسير كلام الله والكشف عن مراده.
وقد استطاع الشيخ على هذا المدى الطويل أن يأخذ العامة وأوساط الناس إلى قضايا التذوق والبلاغة واللغة والأدب, وخاض بهم لجج هذه العلوم, واستكثر من شواهد الشعر والأمثال وكلام الفصحاء, وأحب أن أسجل ها هنا أن عوام الناس يستجيبون لذلك ويستمتعون به, وإن كانوا لا يستطيعون التعبير عنه, فيجب أن نحسن الظن بهم, فإن لبعضهم ذوقاً قد يجفو عنه بعض الخاصة, ومن غريب ما كنت ألاحظ في أحيائنا الشعبية أن خطيب الجمعة كان إذا اندفع في الكلام الخفيف العامي على المنبر ضاق به الناس وخرجوا ساخطين يقولون: «إيه الهيافه دي؟ يا عم سيبك منه دا بيتكلم زينا» !
إن الشيخ الشعراوي قد نجح فيما عجز عنه غيره, فإننا على كثرة ما كتبنا عن الإعجاز القرآني وعبقرية اللغة العربية لم نستطع أن ننزل بهذه القضايا إلى عامة الناس, وظلت هذه القضايا دائرة بيننا, يدخل اللاحق على السابق, وكأننا نحدِّث بعضنا بعضاً.
وبَدْءة ذي بدء, فإن الشيخ يصرِّح بضرورة استقبال القرآن بملكة اللغة, ليُخْرِج المستشرقين وأمثالهم, من أعاجم العرب الذين كتبوا في الدراسات القرآنية وهم بمعزل عن فقه اللغة, ثم يقول: إن هؤلاء أخذوا اللغة صناعة, ولم يأخذوها ملكة.
وما من آية من كلام ربنا عز وجل يعرض لها الشيخ بتفسير وبيان إلا وأفاض في قضايا اللغة, بادئاً بتأصيل الكلمة صرفاً واشتقاقاً, على المنهج الذي أصَّله ابن فارس في «مقاييس اللغة», وابن جني في «الخصائص» بالقدر الذي تطيقه العامة وتدركه الخاصة, وقد نجح في ذلك نجاحاً ظاهراً. على سبيل المثال فحين عرض لتفسير قول الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 63], ذكر أن القفو اتباع شيء لشيء, وقال: إن من ذلك «القفا» هذا المعروف, لأنه يقفو الوجه, أي يتبعه, وقافية البيت في الشعر؛ لأنها تقفو سائر الكلام أي تتبعه.
ويقِفُ الشيخ كثيراً عند معاني الحروف وأثرها في الدلالة, ووضع بعضها مكان بعض, كقوله تعالى: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} [التوبة: 38], فإن معنى «من» ها هنا معنى «بدل», وقوله تعالى: {بأن ربك أوحى لها (5)} [الزلزلة: 5], فتعدى الفعل هنا باللام, مع أنه جاء معدى بإلى في آيات كثيرة, كقوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} [النحل: 68], وقوله: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} [القصص: 7], وقوله تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} [الرعد: 6], ولم يقل «مع ظلمهم». و «علم معاني الحروف» علم ضخم من علوم اللغة, والمؤلفات فيه كثيرة, والعناية به واجبة, والشيخ دائم الحديث فيه.
وللشيخ احتفال زائد بالفروق اللغوية, في الأبنية: كعالم وعليم, وشاكر وشكور, وهو الفرق بين اسم الفاعل, وأمثلة المبالغة المأخوذة منه, وكعدل وعادل وهدي وهادٍ, وهو الفرق بين الوصف بالمصدر والوصف باسم الفاعل. ثم الفروق فيما يبدو مترادفاً من اللغة, كالفرق بين الشك والريب, والحزن والبث, والرجاء والتمني, والحسد والغبطة, وهو باب معروف من أبواب اللغة, وممن ألف فيه أبو هلال العسكري. ويفرق الشيخ كذلك في جموع التكسير بين العباد والعبيد.
وإذا كنت لا أستطيع أن ألم ها هنا بكل ما قيدْتُه من قضايا اللغة التي يُعنى بها الشيخ ويدير الكلام حولها, فإني لا أستطيع أن أغفل جانباً مهماً جداً من جوانب اللغة, يتعهده الشيخ دائماً ويحرص عليه, وهو «غريب اللغة», وهو مصطلح يُراد به الكلمات الغامضة القليلة الاستهلاك في كلام الناس, وتأتي غالباً في الكلام العالي الفصيح. وليست الغرابة في اللغة كالغرابة في البلاغة, لأن هذه يراد بها الكلام الحوشي المستكرَه, أصواتاً ودلالة. أما الغرابة في اللغة فتقال في مقابل الوضوح, وشاهد هذا ما ذكره الخليل بن أحمد في مقدمة كتابه العين, قال: «بدأنا في مؤلَّفنا هذا بالعين, وهو أقصى الحروف, ونضم إليه ما بعده حتى نستوعب كلام العرب الواضح والغريب» كتاب العين 1/60 (طبعة العراق).
وقد دارت على هذا العلم مؤلفات كثيرة, وبخاصة: ما يسمى غريب القرآن وغريب الحديث. وهذا العلم - علم الغريب - مما أهمله الناس في زماننا هذا إهمالاً يوشك أن يكون تاماً, فقد هجره الناس هجراً طويلاً, بل إن بعضهم إذا صادف شيئاً منه في نص قديم, غيره إلى مرادف له مما يسهل على الناس, كالذي رأيت يوماً عند أحدهم من تغيير «وكان عمر بن الخطاب رجلاً طوالًا» بضم الطاء, أي بالغ الطول, غيره إلى: «رجلًا طويلًا جداً». وأشد من هذا أن بعضهم أنكر استعمال كلمة «لغوب» لعدم جريانها على ألسنة الناس هذه الأيام, مع مجيئها في القرآن العزيز !
قال تعالى: {وما مسنا من لغوب (38)} [ق: 38].
وهكذا ينكر كثير من الكتاب الآن ألفاظاً وتراكيب كثيرة ضاربة في الفصاحة بعروقها. ولستَ تجد هذه الألفاظ والتراكيب في النصوص الأدبية فقط, من شعر ونثر, بل إنك واجدها في علم الأنساب والتاريخ والجغرافيا, وكتب الفلك والطب والفلاحة والزراعة, وسائر ما كتب الأوائل.
وينادي بعضهم الآن بهجر هذه اللغة القديمة وتبني لغة واقعية كالتي تُقرأ في الصحافة ووسائل الإعلام, حتى لا يشعر التلميذ بفجوة بين الذي يقرأه في النصوص القديمة, وبين ما يسمعه في واقع الحياة من تلك اللغة التي تلبي احتياجاته.
وحجة هؤلاء أن لكل عصر لغته وأعرافه, وهي حجة داحضة [تنبيه: حجة داحضة هذه من التعبيرات القرآنية, فلا بأس علي في استعمالها إن شاء الله], ومردود عليها من أكثر من وجه. لكني أسأل: إذا نحن ربينا أبناءنا على هذا المنهج المقترح, وسلخ التلميذ من عمره ما سلخ في المراحل: الابتدائية والإعدادية والثانوية, ثم دخل كلية جامعية تُعنى باللغة والأدب, مثل دار العلوم أو الآداب, فماذا هو صانع مع مناهج هذه الكليات, التي تدور حول قضايا اللغة قديماً وحديثاً؟ نعم ماذا يصنع ذلك التلميذ مع مناهج هذه الكليات, وقد دخلها مفرغاً خالي الوفاض؟ إلا إذا غيرنا مناهج اللغة أيضاً في هذه الكليات حتى نضيق الثغرة بين اللغة العربية كما تقدمها النصوص وبين اللغة العربية في واقع الحياة - كما جاء في أخبار الأدب - العدد التاسع 12 سبتمبر 1993م ص 26.
إن للغة جانباً تاريخياً يجب الحرص عليه ومعرفته, ثم إن اللغة ممتدة مع أصحابها لا تموت ولا تفنى, وليست اللغة للتفاهم وقضاء المصالح فقط, وإلا لكان القدر اللازم لنا منها محدوداً جداً, ولكان الذي يعرف خمسمائة كلمة إنجليزية تلبي احتياجاته في متاجر لندن وشوارعها عالماً باللغة الإنجليزية.
ولقد كان غريب اللغة الذي هو الفصيح الرفيع مألوفاً للناس إلى عهد قريب, في خطبة الجمعة, وفي الكتاب المدرسي والكتاب الجامعي, ثم على ألسنة المحاضرين وأقلام الكاتبين, ثم هجره الناس هجراً غير جميل, ثم جاء الشيخ الشعراوي فردنا إليه رداً جميلاً, وكان أول عهد الناس معه حين عرض لحديث هند بن أبي هالة في وصف خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا الحديث غريب كثير كشفه الشيخ غاية الكشف, وأبان عنه غاية الإبانة. وبعض ما يعرفه الشيخ من غريب الكلام مما يدق ويغمض على كثير من الناس, بل إن بعض المثقفين يصحِّفه لخفاء معناه عنده: سمعت الشيخ ذات يوم في حلقة من حلقات يوم الجمعة ينشد قول الشاعر الأموي عروة بن أذينة:
لقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنِّيني تطلُّبُهُ ... ولو قعدت أتاني لا يعنِّيني
هكذا أنشد الشيخ «وما الإشراف» بالشين المعجمة, وهو صواب إنشاده, ومعناه: إني لا أستشرف ولا أتطلع إلى ما فاتني من أمور الدنيا ومكاسبها ولا تتبعها نفسي. وبعضهم لا يعرف هذا المعنى الغريب فينشده: «وما الإسراف» بالسين المهملة مصحَّفاً ومزالًا عن جهته, وكأن الذي زيَّن له ذلك وجود الكلمة في سياق الرزق.
وقد امتدت عناية الشيخ أيضاً إلى النحو, و هو علم التراكيب, وشأنه خطير, يقول أبو العباس ثلعب: «لا يصح الشعر ولا الغريب إلا بالنحو, النحو ميزان هذا كله», والشيخ لا يكاد يخلي حلقة من حلقاته من شيء من دقائق هذا العلم الجليل.
ففي قوله تعالى: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا} [التوبة: 40], حيث جاءت «كلمة» الأولى بالنصب, و «كلمة» الثانية بالرفع, يقول: لماذا لم تُعطف الثانية على الأولى فتكون منصوبة مثلها؟ ثم يجيب: لأن كلمة الله أصلًا عالية ثبوتاً ولزوماً, فهي لا تُجعَل. وهكذا يربط الشيخ بين الإعراب والمعنى في هذه الآية الكريمة, وفي غيرها من الآيات.
ومن وراء اللغة وقضاياها يتقدم الشيخ إلى الناس بثقافة العالم الأزهري المتمكن من علوم العربية كلها, لأن العربية عند أهل العلم كتاب واحد, فيُلِمُّ الشيخ كثيرًا بقضايا البلاغة من معان وبيان وبديع, فحين فسَّر قوله تعالى: {ومكروا ومكر الله} [آل عمران: 54], ذكر أن هذا من باب المشاكلة. واستشهد بقوله عز وجل: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40], وبقول أبي الرقعمق:
قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصاً
ومن جرأة الشيخ, بل قل: إنه من وفائه لعلومنا وتاريخنا, وأيضاً من بره بالعامة والارتقاء بأذواقهم وتوسيع مداركهم: ذكره لبعض مصطلحات العلوم الدقيقة, كأصول الدين أو علم الكلام, كالفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال, وصفات الربوبية وصفات الألوهية, وكأصول الفقه, من مثل قولهم: لمح الأصل - لا يعتد بالعارض - دلالة الاقتضاء واللزوم ... وهكذا كان حال علمائنا وواعظينا في كل الأزمان, كانوا يرون أن للعامة حقاً ونصيباً مفروضاً في هذه المعارف, إن لم يكن من طريق العلم والإحاطة, فمن باب الأنس بها والارتياح إليها.
وتذكر كتب التراجم والرجال أن حلقات الدرس والإملاء كانت تجمع أشتاتاً من الناس, من العلماء وممن دونهم, بل إن الآباء كانوا يُحضرون أطفالهم مجالس الإملاء ويثبتون أسماءهم في طبقات السماع, بل كانت حلقات الدرس بالجامع الأزهر إلى عهد ليس ببعيد تجمع عوام الناس يجلسون إلى كبار العلماء, كتفاً إلى كتف مع طلبة العلم من أهل الاختصاص.
الشيخ وعلوم القرآن:
علوم القرآن: مصطلح يراد به الأبحاث المتعلقة بالكتاب العزيز, من حيث معرفة أسباب النزول, وعلم القراءات والرسم, والمكي والمدني, والناسخ والمنسوخ, والمحكم والمتشابه, والغريب والإعراب إلى غير ذلك. وهذه القضايا مبثوثة في كتب التفسير, على منازلها ومناسبتها في سور القرآن الكريم, لكن العلماء أفردوها بتآليف خاصة, من أشهرها البرهان في علوم القرآن اللزركشي, والإتقان في علوم القرآن للسيوطي. ويطوف الشيخ كثيرًا بهذه العلوم.
أما أبرز علم من علوم القرآن يقف عنده الشيخ ويطيل الوقوف, ولا يزال يعتاده يوماً بعد يوم فهو «علم الأشباه والنظائر» أو «علم الوجوه والنظائر», وهو علم يتناول دوران الكلمة أو التركيب في القرآن على أوجه مختلفة, من حيث اختلاف المعنى الدلالي للكلمة, أو اختلاف التركيب بالتقديم والتأخير. وقد أفرد هذا العلم بالتأليف كثير من العلماء, منهم مقاتل بن سليمان, والدامغاني, وابن الجوزي, ومن أمثلته ما يذكره الشيخ حول قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم} [الأنعام: 151], وقوله: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم} [الإسراء: 31], وقوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} [البقرة:173], وقوله: {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3].
ومن القضايا القرآنية التي يحتشد لها الشيخ احتشاداً: قضية دفع التعارض والتناقض بين آي الذكر الحكيم, كقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164], مع قوله: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} [النحل: 25], وكقوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79], بإزاء قوله: {قل كل من عند الله} [النساء: 78].
أما أسرار النظم القرآني, وإيثار أسلوب على أسلوب, فهو مما يفيض فيه الشيخ كثيراً, وهو يرجع فيه إلى محصول وافر ومحفوظ واسع من ثقافته الأزهرية الغنية, لا إلى ما يقوله بعض مستمعي الشيخ ومريديه من أنه يُلْهَم به إلهاماً, ويُحدَّث به تحديثاً, وكأنه غير مسبوق أو مشارك, ونحن لا ننكر أن الله يفتح على بعض عباده فتحاً, فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, لكننا نقرر أن كثيراً مما يذكره الشيخ معروف ومذكور ومسطور في الكتب, وفضل الشيخ أنه يذكره إذ نسيه الناس, ويرعاه إذ أهمله الناس, فهو يحيي ما درس, وينفخ فيما خمد.
ولعل القارئ الكريم يسمح لي بالتذكير بصورة مما سبق به علماؤنا مما يذكره الشيخ, وذلك ما ذكره الإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي

المتوفى سنة 660 هـ - وهو صاحب مختار الصحاح - قال في كتابه أنموذج جليل في بيان أسئلة وأجوبة من غرائب آي التنزيل, في توجيه الآية 32 من سورة الإسراء: «فإن قيل: كيف قال تعالى: {ولا تقربوا الزنى} [الإسراء: 32], ولم يقل: ولا تزنوا؟ قلنا: لو قال: ولا تزنوا, كما نهياً عن الزنا لا عن مقدماته, كاللمس والمعانقة والقبلة ونحو ذلك, ولما قال: {ولا تقربوا} كان نهياً عنه وعن مقدماته؛ لأن فعل المقدمات قربان للزنا».
الشيخ وإنشاد الشعر:
الشيخ الشعراوي شاعر طويل النفس, شجي النغم, وإن كان هو لا يذكر هذا, لكن زملاءه وعارفيه يذكرونه, ويروون أنه أنشد قصيدة طويلة أمام الدكتور طه حسين رحمه الله يوم أن قدم إلى جدة في الخمسينات الميلادية في اجتماع الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية, ويذكرون أن الدكتور طه حسين طرب كثيراً لهذه القصيدة.
والشيخ - كما هو معروف - متخرج في كلية اللغة العربية من كليات الأزهر الشريف, وكانت مناهج الدراسة فيها في ذلك الزمان مما يغذي الملكات وينمي المواهب, مع تلك الصفوة من العلماء المدرسين المشايخ إبراهيم حمروش ومحمد علي النجار ومحمد الطنطاوي ومن إليهم.
والشعر يخف على لسان الشاعر اللغوي فيحفظه ويرويه. ومحفوظ الشيخ من الشعر عال وغزير جداً, ويأتي في مقدمة محفوظة: ذلك الشعر المعروف بشعر الشواهد, كشواهد اللغة والنحو والبلاغة والعروض, وشعر الشواهد هذا ينثال على لسان الشيخ انثيالًا, فما ذكر معنى لغوياً, أو توجيهاً نحوياً, أو تفسيراً بلاغياً إلا واستشهد له بالبيت والبيتين.
وإلى جانب شعر الشواهد هذه يتدفق الشيخ بعيون الشعر العربي من كل العصور, من الجاهلي إلى أحمد شوقي ومحمد إقبال, وله بشعر شوقي عناية خاصة, وكأنه يستظهره استظهاراً, ولا يقف إنشاد الشيخ عند الشعراء المكثرين المشاهير فقط, بل يشمل أيضاً الشعراء المقلين المغمورين, وقد سبق استشهاده بشعر عروة بن أذينة.
أما ذلك الشعر الذي يعرف بشعر المذاكرة والمجالسة, وهو ما يتمثل به في المواقف وأحوال الناس وتقلبات الزمان, فعند الشيخ منه الكثير من مختلف العصور, وأذكر أن الشيخ في بعض دروسه ولقاءاته وقف عند ما يلقاه الناس من العداوات وبغي بعضهم على بعض, وعلى عادة الشيخ في استخراج الحسن من السيئ, واستنباط الخير من الشر, قال: إن عداوة الناس قد تأتي بالخير ...
واندفع في كلام طويل, وهنا قفز إلى ذهني بيتان في صميم ذلك الكلام لأبي حيان النحوي, وإذا بالشيخ ينشدهما, وذلك قول أبي حيان:
عِداتي لهم فضل علي ومنَّةٌ ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
فقلت: سبحان الله ! أي قراءة قرأ هذا الشيخ؟
وحفظ الشعر واستدعاؤه ضروري في تفسير كلام الله عز وجل. يقول الإمام مجد الدين ابن أبي الفرج الروذراوري المتوفى سنة 667 هـ: «ومن ظن أن القرآن يُفهم كما ينبغي من غير تحقيق كلام العرب وتتبع أشعارهم وتدبرها كما يجب فهو مخطئ. كان ابن عباس - رضي الله عنه - حبر هذه الأمة ومفتيها ومفسر القرآن, وقد قال تلميذه عكرمة: إنه كان إذا سُئل عن مشكل في القرآن يفسره ويستدل عليه بيت من شعر العرب, ثم يقول: «الشعر ديوان العرب». وانظر: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده لابن رشيق 1/ 30.
وبعد: فهذا شيخ جليل جاء على حين فترة من العلماء الحفاظ الضابطين, وهو يمثل صورة زاهية للعالم الأزهري المؤسَّس على علوم العربية وقوانينها, من حفظ المتون, وإتقان التعريفات, والصبر على المطولات, والنظر في الحواشي والتعليقات والتقريرات, فإذا ثبت هذا - وهو ثابت إن شاء الله - فلم ينصف الشيخ من يقول عنه: إنه مُلْهَم لا غير, وإن ما يقوله إنما هو من باب العلم اللدني, فهذه (دروشة) في تقييم الرجال والحكم عليهم, وإنما الصواب أن يقال: إنه رجل مثقَّف مؤسَّس, واسع الاطلاع, غزير الرواية, سريع اللمح, ذكي اللسان.
وكذلك لم ينصف الشيخ من يقول عنه: إنه وُهِب حسن العرض, والقدرة على توصيل المعلومات, مع خفة ظل واضحة. فهذا من الدس الخفي, فإذا كانت البضاعة مزجاة فماذا يجدي حسن عرضها؟ كما قيل في أمثالنا العامية: «إيش تعمل الماشطة في الوش العكر؟», وللناس في اصنطاع وسائل الذم والتنقص دبيب وخداع, وهو ما قاله سادتنا البلاغيون: تأكيد الذم بما يشبه المدح.
وإن تعجب فعجب أن بعض مثقفينا وأدبائنا يُعرِض عن الاستماع إلى الشيخ, لاجتماع العامة عليه, وانبهارهم به, وهذا خُلف من الرأي وفساد في الحكم, فما ينبغي أن يكون إقبال العامة على الشيخ وإعجابهم به صارفاً للخاصة عن الأخذ عنه والإفادة منه, والحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها, وقد كانت العامة تصرخ ويغشى عليها في مجلس وعظ الإمام أبي الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة 597 هـ ولم يصرف هذا الخاصة عن الإفادة منه والأخذ عنه, بل إن كتبه وتصانيفه تعد من الأصول في الفكر العربي الإسلامي, مثل زاد المسير, وتلقيح فهوم أهل الأثر, وتلبيس إبليس, والمنتظم وغيرها.
يقول الرحالة ابن جبير, واصفاً مجلساً من مجالس ابن الجوزي, وقد حضره: «ثم إنه بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ, وآيات بينات من الذكر, طارت لها القلوب اشتياقاً, وذابت بها الأنفس احترافاً, إلى أن علا الضجيج, وتردد بشهقاته النشيج, وأعلن التائبون بالصياح, وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح, كل يلقى ناصيته بيده فيجزها, ويمسح على رأسه داعياً له, ومنهم من يغشى عليه فيرفع في الأذرع إليه, فشاهدنا هولًا يملًا النفوس إنابة وندامة, ويذكّرها هول يوم القيامة ... » رحلة ابن جبير ص 197, 198.
أرأيت أيها القارئ الكريم؟ هذا شبيه ونظير للشيخ الشعراوي منذ ما يزيد على ثمانمائة عام, فلا تعجبن إذا رأيت مستمعي الشيخ على شاشة التلفزيون, وهم بين فاغر فمه دهشة, وبين ماد بصره عجباً, مخلوطاً ذلك كله بصيحات التكبير والتهليل, وما أكثر الأشباه والنظائر!
ولم يبق إلا أن أدعو للشيخ بطول العمر وتمام السلامة والعافية, ثم أهمس في أذنه - ولم يقدر لي أن أراه أو أجالسه - ببعض الملاحظات:
أولًا: أرجو من الشيخ الجليل أن يترفق في رد آراء العلماء السابقين حين يرى رأياً يخالف رأيهم, ومن ذلك إنكاره عليهم أن في القرآن حروفاً زائدة, مثل «ما» في قوله تباركت أسماؤه: {فبما رحمةٍ من الله لنت لهم} [سورة آل عمران: 159], فالزيادة ها هنا زيادة نحوية, والحرف الزائد عند النحاة هو الذي يكون دخوله وخروجه سواء, أو هو الذي لا يخل حذفه بالمعنى, وقد جاء منه أمثلة من القرآن العزيز, منها قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155], وجاء كذلك في كلام العرب, ومنه قولهم: غضبت من غير ما جرم, فتسمية ذلك زيادة لا غبار عليه, بل إن إمام المفسرين أبا جعفر الطبري يسمي ذلك أحياناً «لغواً», فهل يعتقد مؤمن أن في القرآن لغواً, ولكنها الصناعة النحوية, فيجب أن ينص الشيخ على أن هذا من اجتهاداته الخاصة, حتى لا يتجرأ الناس على أهل العلم.
ثانياً: نعترف أن للشيخ معرفة جيدة بالسيرة النبوية وأحوال الرجال وتراجمهم وضبط أسمائهم وكناهم وألقابهم, ولكنه يند عنه أحياناً أشياء لعدم المراجعة, ومن ذلك أنه نطق مرة اسم «حبان بن العرقة» أحد المشركين الذين قاتلوا المسلمين في غزواتهم, نطقه «العرفة» بفتح الراء بعدها فاء, والصواب «العرقة» بفتح العين وكسر الراء بعدها قاف.
وكذلك ذكر وصية بعضهم لابنه حين أراد الزواج: «لا تتخذها حنانة ولا أنانة ولا منانة ولا عشبة الدار ولا كية القفا», نطقها الشيخ: «كبة» بضم الكاف بعدها باء موحدة, والصواب: «كية» بفتح الكاف بعدها ياء منقوطة باثنتين من تحتها. قال ابن سيدة: «وأما كية القفا: فهي التي يأتي زوجها أو ابنها القوم, فإذا ما انصرف من عندهم قال رجل من خبثاء القوم لأصحابه: قد والله كان بيني وبين زوجة هذا المولِّي أو أمه أمر. فتلك كية القفا, من أجل أنه يقال في ظهر زوجها أو ابنها القبيح, حين يولِّي» المخصص 4/ 23, 24.
ثالثاً: الشيخ حفظه الله مسموع متبوع, فنرجوه أن يتحرى صفات الحروف ومخارجها وبخاصة الحروف الثلاثة: الثاء والذال والظاء في القرآن الكريم.
وهذه الملاحظة وغيرها مما لا يكاد يسلم منها بشر, إنما هي في حق الشيخ الجليل: تعويذة من عين الكمال, فإن الكمال لله وحده والمعصوم من عصمه الله.

* * *

الهجرة وكتابة التاريخ الإسلامي (72)
[1]

مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة, ثم أمره ربه بالهجرة إلى المدينة. وروى الشيخان في صحيحيهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل, فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة أو هجر, فإذا هي المدينة يثرب», - وَهَلي, بفتح الواو والهاء: أي وهمي واعتقادي –.
وروى الشيخان أيضاً, ومالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرتُ بقرية تأكل القرى, يقولون: يثرب, وهي المدينة, تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد». وقوله: «أُمِرتُ بقرية», أي أمرني ربي بالهجرة إليها. وقوله «تأكل القرى», أي تغلبها, وكنى بالأكل عن الغلبة, و «تنفي الناس», أي الخبيث الرديء منهم.
وقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة مستقراً ومقاماً, وبدأ عهد جديد في الدعوة, سُمي العهد المدني, أكمل الله فيه للمسلمين دينهم, وأتم عليهم نعمته, ورضي لهم الإسلام ديناً. وقد بدأ تاريخ الإسلام والمسلمين يُعد ويُحسب بالسنة الأولى من الهجرة.
ويقال إن أول من كتب التاريخ من الهجرة, عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في شهر ربيع الأول سنة ست عشرة. وكان سبب ذلك أن أبا موسى الأشعري عامِلَ عمر على البصرة كتب إليه: إنه يأتينا من قِبل أمير المؤمنين كتب, لا ندري على أيها نعمل, قد قرأنا صكَّاً منه محله شعبان, فما ندري أي الشعبانين: الماضي أم الآتي؟ فعمم عمر رضي الله عنه على كَتْب التاريخ - أي كتابته - وأراد أن يجعله أول شهر رمضان, فرأى أن الأشهر الحُرم تقع حينئذ في سنتين, فجعله في المحرم, وهو آخر الأشهر الحُرم, فصيَّره أولاً لتجتمع الأشهر الحرم في سنة واحدة. ذكر ذلك أبو هلال العسكري في كتابه الأوائل 1/ 227.
وروى الطبري في تاريخه 2/ 388 - طبعة دار المعارف - أن عمر حين جاءه كتاب أبي موسى الأشعري جمع الناس للمشورة, فقال بعضهم: أرِّخ لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال بعضهم: أرِّخ لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال عمر: لا بل نؤرخ لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل.
وهكذا كانت بداية حضارتنا وثقافتنا فوق هذه الأرض, على الوجه الذي تُبين عنه آثارنا المكتوبة التي لا يدخل عليها الشك من أي باب تدخل منه الشكوك, لا على وجوه الاجتهاد والتخمين والحدس والاستنتاج التي تقوم أحياناً على استنطاق نقوش ورموز على جدران معابد وهياكل, قد تتأثر بعوامل التعرية وتقلبات الحرارة والرطوبة, فتصدق مرة وتكذب أخرى, مع تقدير كل الجهود العظيمة التي قام بها علماء الآثار واللغة في هذا الباب.
وحين أخذ العلماء المسلمون في تدوين العلوم وتسجيل المعارف, كان علم التاريخ من أول ما كتبوا وصنفوا, وكانت الريادة في ذلك لعَبيد بن شَريَّة الجعفي, ذلك المعمر الذي أدرك الإسلام فأسلم, وقدم على معاوية وألف له تأليفاً حول أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها وقد طُبع باسم «كتاب الملوك وأخبار الماضين» بحيدر آباد بالهند سنة 1347هـ, مع كتاب «التيجان في ملوك حِمْيَر» لوهب بن منبه المتوفى نحو سنة 114 هـ, ويُعد كتابه هذا أيضاً من أوائل ما صُنف في علم التاريخ عند المسلمين.
وقد توفي عَبيد بن شَريَّة نحو سنة 67 هـ, ويعد أيضاً أول من كتب في الأمثال العربية. ويزعم المستشرق الألماني كرنكو أن «عبيد بن شرية شخصية وهمية اخترعها ابن النديم, وكتب بذلك إلى خير الدين الزركلي, وقد نفت نبيهة عبود الشكوك التي ثارت حول أخباره - انظر تحقيق ذلك في: الأعلام للزركلي 4/ 341, وتاريخ التراث العربي لمحمد فؤاد سزكين: المجلد الأول. الجزء الثاني. التدوين التاريخي ص 32, ومصادر الشعر الجاهلي لناصر الدين الأسد ص 240, والأمثال العربية القديمة للمستشرق الألماني زلهايم ص 51.
ولا يزاحم التاريخ في أولية التصنيف في علومنا إلا ما ذُكر به من ذلك التأليف النحوي الذي قام به أبو الأسود الدؤلي بتكليف من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, حين فشا اللحن بين الناس وخيف على القرآن الكريم, وذلك في الخبر الذي ذكره الوزير القفطي المتوفى سنة 624 هـ, قال: «ورأيت بمصر في زمن الطلب بأيدي الوراقين - أي باعة الكتب أو النُسَّاخ - جزءاً فيه أبواب من النحو, يُجمعون على أنها مقدمة علي بن أبي طالب التي أخذها عنه أبو الأسود الدؤلي». إنباه الرواة على أنباه النحاة 1/40.
نصف الكتب العربية:
ومهما يكن من أمر فإن علم التاريخ عند المسلمين من العلوم الضخمة, ويوشك هذا العلم أن يكون نصف المكتبة العربية. وانظر تصديق ذلك في: علم قوائد الكتب (الببليوجرافيا العربية) مثل الفهرست لابن النديم, ومفتاح السعادة لطاش كبري زاده, وكشف الظنون للحاج خليفة, وذيله المسمى: إيضاح المكنون لإسماعيل باشا البغدادي, ثم انظر من المصنفات الحديثة في هذا العالم - علم قوائم الكتب –: «اكتفاء القنوع بما هو مطبوع» لإدوارد فنديك, و «معجم المطبوعات العربية والمعرَّبة» ليوسف إليان سركيس, و «تاريخ الأدب العربي» للمستشرق الألماني كارل بروكلمان, و «تاريخ التراث العربي» للدكتور محمد فؤاد سزكين, ثم انظر في فهارس المكتبات العامة الكبرى الموزعة على الفنون, بل ادخل مكتبة من المكتبات الخاصة التي يُعنى أصحابها بجمع الكتب, وسترى في ذلك كله غلبة ظاهرة لعلم التاريخ.
وتفسير هذا أن علم التاريخ عند المسلمين ليس هو فقط تلك الكتب الحولية, مثل تواريخ الطبري وابن الأثير وابن كثير, أو كتب الأحداث العامة, مثل مروج الذهب, والتنبيه والإشراف للمسعودي, وإنما يدخل فيه, بل يمثل الجانب الأكبر منه «فن التراجم والطبقات» وهو بحر خضم.
وينبغي أن يكون واضحاً أن «فن التراجم» عند المؤرخين المسلمين لا يُعنى فقط بذكر أحوال المترجَم من حيث مولده ووفاته, وشيوخه وتلاميذه, وعلمه وتآليفه, بل إنه غالباً - وبخاصة في الموسوعات – يمتد ليشمل الحوادث والأحداث العامة التي يكون العَلَم المترجَم قد شارك فيها أو عاصرها, أو كان منها, أو كانت منه بسبب, بل إن بعض مصنِّفي كتب التراجم يعرض للحوادث والأحداث بدواعي الاستطراد ليس غير, والاستطراد سمة من سمات التأليف عند كثير من علمائنا ومؤرخينا.
وعلى سبيل المثال فإن كتاباً موسوعياً مثل «طبقات الشافعية الكبرى» لتاج الدين السبكي, يضعه مصنفو العلوم في فن التراجم والطبقات, إذ كان مؤلفه قد أقامه على تراجم الفقهاء الشافعية منذ إمامهم محمد بن إدريس الشافعي في أوائل القرن الثالث, إلى منتصف القرن الثامن, ولكن النظر الصحيح يضعه في المكتبة العربية كلها, إذ كان مؤلفه قد أداره على علوم كثيرة, فهو لا يكاد ينتهي من ترجمة الرجل على رسمها المعروف حتى يخلص إلى مسائل من علم الرجل وفقهه, تفضي به إلى استطرادات ومداخلات كثيرة تكاد تأتي على جمهور علوم العربية, ثم كان لأحداث التاريخ عنده النصيب الأوفى, فأنت تجد عنده أحاديث ضافية عن حادثة الصليبيين, وكائنة التتار, وقصة جنكيزخان وحفيده هولاكو, (انظر مثلًا الطبقات: 1/ 328 - 343, 7 / 344 - 369, 8/ 268 - 277).
وقل مثل هذا في كثير من موسوعات كتب التراجم, مثل وفيات الأعيان لابن خلكان, وسير أعلام النبلاء للذهبي, ونفح الطيب للمقري.
مناهج كتب التراجم:
ولقد تفنن المؤرخون المسلمون في كتب التراجم تفنناً عجيباً, وأخذت
تصانيفهم في هذا الفن طرائق شتى: فبعد كتاباتهم الأولى في السيرة النبوية والشمائل والمغازي, جاءت تصانيفهم موزعة مفرقة على تراجم الصحابة والتابعين, والقراء والمفسرين, والمحدثين والرواة, وفقهاء المذاهب الأربعة, والأصوليين, والشيعة والمعتزلة, والزهاد والصوفية, والوعاظ والقصاص والمذكرين, والأدباء والشعراء, واللغويين والنحاة, والأطباء والحكماء والفلاسفة, والقضاة, والخلفاء والوزراء, والمؤرخين والنسابين, ثم تراجم النساء, ولكل طائفة من هذه الطوائف كتب تراجم خاصة بهم.
ثم يأتيك هذا الفن أيضاً في التراجم على البلدان, مثل أخبار مكة والمدينة والقدس ومصر واليمن وبغداد والموصل والشام, وجرجان وأصبهان, وإربل وواسط, والمغرب والأندلس, والكتب في هذين القطرين فيض زاخر.
وكذلك في التراجم على القرون: كالدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة, لابن حجر العسقلاني, والضوء اللامع لأهل القرن التاسع, لشمس الدين السخاوي, وما جاء بعد ذلك إلى القرن الرابع عشر (انظر هذه السلسلة من التراجم على القرون في كتابي: «الموجز في مراجع التراجم والبلدان» ص 74, وانظر كتب التاريخ بمناهجها المختلفة في: «الوافي بالوفيات» للصفدي 1/ 47).
ثم تأتي التراجم العامة - وهي كتب التاريخ عند بعض الناس ممن يظنون أنها كتب التاريخ فقط, ولا كتب للتاريخ غيرها - وهذه التراجم العامة على قسمين:
(أ) التراجم المرتبة على السنين, وذلك في كتب التاريخ المعروفة بالحوليات, كتاريخ الأمم والملوك للطبري, والكامل لعز الدين بن الأثير, والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الملك المؤيد صاحب حماة, والعبر في خبر من عبر (بالعين المهملة وليس بالغين المعجمة) للذهبي, والسلوك للمقريزي, والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي, وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي.
(ب) التراجم المرتبة على الأسماء, ومن أبرزها وأشهرها: وفيات الأعيان لابن خلكان, وفوات الوفيات لابن شاكر الكتبي, والوافي بالوفيات للصفدي, وسير أعلام النبلاء للذهبي.
ثم تأتيك التراجم أيضاً في كتب أنساب العرب, مثل جمهرة النسب لابن الكلبي, ومختلف القبائل ومؤتلفها لابن حبيب, والاشتقاق لابن دريد, وجمهرة أنساب العرب لابن حزم, والإيناس بعلم الأنساب للوزير المغربي, وعجالة المبتدي وفضالة المنتهي في النسب لأبي بكر الخازمي.
وفي كتب الأنساب بوجه عام: إلى قبيلة, أو بلد, أو صناعة, أو مذهب, أو شيخ. ومن هذه الكتب: الأنساب, لأبي سعد السمعاني - والتراجم في هذا الكتاب غنية جداً –, واللباب في تهذيب الأنساب, لعز الدين بن الأثير, ولب اللباب في تحرير الأنساب, للسيوطي.
وفي كتب ضبط الأعلام والكنى والألقاب والأنساب, مثل: المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة, لابن جني, والإكمال في رفع الارتياب عن المختلف والمؤتلف من الأسماء والكنى والأنساب, للأمير ابن ماكولا, وتكملة الإكمال, لابن نقطة البغدادي الحنبلي, والمشتبه في الأسماء والأنساب والكنى والألقاب, للذهبي, وتوضيح المشتبه, للحافظ ابن ناصر الدين, وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه, لان حجر العسقلاني.
وفي كتب البلدان (الجغرافيا العربية) مثل: «معجم ما استعجم» للبكري, و «معجم البلدان» لياقوت الحموي, و «الروض المعطار في خبر الأقطار» للحميري.
وتأتيك التراجم أيضاً في علم قوائم الكتب (الببليوجرافيا العربية) التي حدثتُكَ عنها قريباً.
ومن هذا الفن فرع مهم جداً, وهو ما يُعرف بالمعاجم والفهارس والمشيخات والأثبات والبرامج: وهو لون من التأليف يجمع بين الشيوخ والكتب, فقد جرى كثير من العلماء على أن يصنع لنفسه معجماً أو فهرساً أو مشيخة أو ثبتاً أو برنامجاً, يذكر فيه شيوخه الذين أخذ عنهم العلم, والكتب التي سمعها منهم, مسندةً إلى مؤلفيها.
ومن فوائد هذا اللون من التأليف أنك ترى من حياة الشيوخ في تلك الكتب وخاصة أمرهم, ودقائق سلوكياتهم ما لا تراه في كتب التراجم العامة والخاصة, وما ظنك بتلميذ يكتب عن شيخه؟ والكتب في هذا اللون كثيرة, ومن أشهرها كتاب «فهرسة ما رواه عن شيوخه أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي», وأحب أن أسجل هنا أن عناية العلماء المغاربة بهذا الفن أظهر وأبين من عناية العلماء المشارقة. وقد كتب في ذلك كلاماً جيداً الدكتور عبد العزيز الأهواني يرحمه الله, في العدد الثاني من مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة.
ثم تأتي التراجم أيضاً في ذلك اللون من التأليف الذي يديره المصنفون حول علم واحد أو اثنين أو ثلاثة, ثم يستطردون من ذلك إلى تراجم أخرى بالتبعية أو المناسبة, كما ترى في: مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد ابن الحسن الشيباني, للذهبي, ومناقب الشافعي, للبيهقي, ومناقب الإمام أحمد, لابن الجوزي, والانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء: مالك والشافعي وأبي حنيفة, لان عبد البر, وتبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري, لابن عساكر, وسيرة عمر بن عبد العزيز, لابن عبد الحكم, وسيرة عمر أيضاً, لابن الجوزي, والمصباح المضيء في خلافه المستضيء لابن الجوزي - وسأعيد حديثاً عنه مرة أخرى - ومحاسن المساعي في مناقب الإمام أبي عمرو الأوزاعي, لأحد رجال القرن التاسع, كما ذكر محققه وناشره الأمير شكيب أرسلان.
وتأتيك التراجم أيضاً فيما يسمى بكتب الحضارة الإسلامية, مثل المعارف لابن قتيبة, والمحبر والمنمق, كلاهما لابن حبيب, ومروج الذهب والتنبيه والإشراف, كلاهما للمسعودي, والأوائل, لأبي هلال العسكري, ولطائف المعارف, لأبي منصور الثعالبي.
وتأتي التراجم أيضاً في تلك الكتب التي يُظن أنها من كتب المسامرات والمفاكهات والطرائف, مثل: أخبار الأذكياء, وعقلاء المجانين, وأخبار الحمقى والمغفلين, وأخبار الظراف والمتماجنين, وكل أولئك لأبي الفرج ابن الجوزي, ومحاضرات الأدباء, للراغب الأصبهاني, والمستطرف من كل فن مستظرف للإبشيهي, والفلاكة والمفلوكين للدلجي, والكشكول والمخلاة, كلاهما للعاملي.
وهناك باب عظيم أيضاً من باب التراجم: هو ما يعرف بالسؤالات, وذلك أن يسأل عالم عالماً عن جملة من الرجال, مثل سؤالات أبي عبيد الآجري: أبا داود السجستاني, وسؤالات عثمان بن سعيد الدارمي: يحيى بن معين, وسؤالات أبي عبد الرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية: الدارقطني, وسؤالات الحافظ السِلفي: خميساً الحوزي عن جماعة من أهل واسط.
وواضح أن هذه «السؤالات» تدور حول علم الرجال - وهو علم الجرح والتعديل - لكنها مع ذلك اشتملت على تراجم لغير المحدثين, ثم تضمنت فوائد جليلة في التاريخ وغيره, كما ترى مثلًا في «سؤالات الحافظ السِلفي» المذكورة (طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق).
كتاب واحد:
ومن وراء ذلك كله: فإن التراجم تأتيك في غير مظانها - وهو في تراثنا باب طويل جداً - حسبي أن أشير إلى شيء منه هنا, رغبة في إفادة طالب العلم المبتدئ الذي قد تقع هذه المقالة في يده, أما أهل العلم وخاصته فهم أقدر مني على ذلك وأبصر, ثم إني أريد أيضاً أن أؤكد على أن المكتبة العربية كتاب واحد, وأن العلوم يحتاج بعضها إلى بعض, وأنه لا يغني كتاب عن كتاب.
معلوم أن تراجم الصحابة تُلتَمَس من مصادرها: الطبقات الكبرى, لابن سعد, والاستيعاب, لابن عبد البر, وأُسد الغابة, لعز الدين بن الأثير, والإصابة, لابن حجر. ولكنك إذا أردت ترجمة صحابي على نحو كامل مستوعب, فلا بد لك من النظر في كتب أخرى, منها دواوين السنة: صحاحها ومسانيدها, فقد أفرد أصحاب السنن في دواوينهم كتباً وأبواباً تسمى: المناقب أو الفضائل, ويسميها الحاكم النيسابوري في المستدرك: معرفة الصحابة. ولا غنى لك أيضاً عن النظر في كتاب «هدي الساري مقدمة فتح الباري» لابن حجر, فقد أفرد فيه ابن حجر مكاناً ضخماً لتراجم الصحابة والتابعين, لا تقل إنه سيُكرِّر في كتابه هذا ما ذكره في كتبه الأخرى مثل الإصابة أو تهذيب التهذيب, ولا تقل هذا, لأن في كل كتاب من الفوائد ما ليس في الآخر (وانظر على سبيل المثال ترجمة: عكرمة مولى ابن عباس في «تهذيب التهذيب» 7/ 263, وفي «هدي الساري» ص 425, وتأمل الفرق بين مساق الترجمة في الكتابين).
ومن باب التماس التراجم من غير مظانها: ما تراه من تراجم اللغويين والنحاة الأوائل في مقدمة معجم «تهذيب اللغة» للأزهري, وفي كتاب «المزهر» في علوم اللغة للسيوطي, ثم ما نثره العلامة عبد القادر بن عمر البغدادي في موسوعاته: خزانة الأدب, وشرح أبيات مغني اللبيب, وحاشيته على شرح قصيدة «بانت سعاد» لابن هشام, وشرحه على شواهد شرح التحفة الوردية. وباب التراجم عند البغدادي باب واسع جداً لأن مكتبته كانت ضخمة جداً.
وقل مثل هذا في كتاب المرتضى الزبيدي الضخم «تاج العروس» شرح القاموس, ففي هذا الكتاب أنساب وتراجم كثيرة جداً, وبخاصة ما يتصل بالمتأخرين.
وعلى ذكر اللغويين والنحاة, فإن أوسع ترجمة وأشملها لواضع النحو أبي الأسود الدؤلي, تراها في كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني, وما أبعد كتاب الأغاني عن طبقات اللغويين والنحاة! وقد جاءت ترجمة أبي الأسود في الأغاني طويلة جداً استغرقت 38 صفحة من القطع الكبير - انظر: «الأغاني» 12/ 297 - 334 (طبعة دار الكتب المصرية).
والعلة في ذلك واضحة, وهي جامعة «التشيع» التي تجمع بين أبي الأسود وأبي الفرج. على أنه مما ينبغي التنبه له أن صلاح الدين الصفدي قد اعتبر «كتاب الأغاني» من مصادر كتب التاريخ, ووضعه في قائمة «التواريخ الجامعة» كتاريخ الطبري وما إليه (انظر: الوافي بالوفيات 1/ 50).
وكذلك تجد أجود ترجمة وأحسن كلام عن أبي سعيد السيرافي النحوي الكبير في «كتاب الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي, وكان هذا شديد الإعظام لأبي سعيد, والتوقير له (انظر: الإمتاع والمؤانسة 1/ 108).
وتنتثر التراجم أيضاً في معارف القوم وعلومهم: ففي موسوعات التفسير والحديث والفقه وأصوله وعلم الكلام, وكتب اللغة والأدب وشروح الشعر - بصورة خاصة - وسائر فروع العلم استطرادات مهمة في تراجم الرجال.
وأريد أن أذكِّر بما قلته في صدر هذه الكلمة, من أن علم التاريخ الإسلامي بمعنى الحوادث والأحداث قد اختلط بعلم التراجم والطبقات, كما أن هذا العلم اختلط أيضاً بكتب التاريخ القائمة أساساً على الحوادث والأحداث؛ دخل كل منهما في نسيج الآخر والتحم به, بل إن علومنا كلها يجذب بعضها بعضاً, على نحو ما قال سفيان بن عيينة: «كلام العرب بعضه يأخذ برقاب بعض».
إن علم التاريخ عند المسلمين ليس كعلم التاريخ عند الأمم الأخرى؛ أحداثاً وتقلبات أيام ودول فقط, إن كتب التاريخ عندنا هي مجلى حضارتنا وثقافتنا العربية والإسلامية كلها.
إن علماء الحديث يخرِّجون الأحاديث من «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي, وأهل الأدب يجمعون أشعار الشعراء من «تاريخ دمشق» لابن عساكر, وكذلك يجمعون الشعر من كتب الجغرافيا العربية: معجم ما استعجم للبكري, ومعجم البلدان لياقوت الحموي, والروض المعطار في خبر الأقطار للحميري, كما جمعوا منها التراجم من قبل.
بل إن اللغة والشعر يُجمعان من كتب النبات وكتب الهيئة, كالذي تراه في كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري, وكتاب الأزمنة والأمكنة للمرزوقي, والحديث في هذا ونحوه مما يطول جداً.

* * *


الهجرة وكتابة التاريخ الإسلامي (73)
[2]

ما ذكرتُه في الجزء الأول من هذا المقال يدلك, على اتساع دائرة علم التاريخ عند المسلمين: أحداثاً وتراجم, ولعله يزهِّدك في تلك الدعوة التي تثار بين الحين والآخر: وهي دعوة «إعادة كتابة التاريخ الإسلامي» على ما يرى بعضهم من نبذ الكتاب القديم, بعد استخلاص مجمله, وتخليصه من الشوائب التي فيه, ثم تقديمه بلغة العصر, وذلك كله مركب صعب وطريق مخوف, وهو مما يخبط الناس فيه خبطاً شديداً, وليس هنا موضوع الرد على هذه القضية, لكن لا بأس من التذكير ببعض الأمور:
أولاً: إذا ثبت عندك اتساع دائرة التاريخ الإسلامي, فإن من يحاول إعادة كتابة ذلك التاريخ لا بد أن يكون على معرفة بمراجع التاريخ الإسلامي بفرعيه: الأحداث والتراجم, ثم ما يتناثر منه في تضاعيف الفنون الأخرى, كما حدثتك.
ثانياً: اللغة هي الباب الأول في ثقافة أية أمة من الأمم, فواجب على من يتصدى لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي أن يكون متضلعاً - أو على الأقل عارفاً - من اللغة: مألوفها وغريبها, ونحوها وصرفها, ليس على سبيل الإتقان والإحاطة, فهذا غير وارد وغير ممكن, ولكن على سبيل المعرفة التي تعصم من الأخطاء الشنيعة البلقاء.
يقول الحافظ أبو الحجاج المزي في مقدمة كتابه «تهذيب الكمال في أسماء الرجال» ص 156: «وينبغي للناظر في كتابنا هذا أن يكون قد حصل طرفاً صالحاً من علم العربية, نحوها ولغتها وتصريفها, ومن علم الأصول والفروع, ومن علم الحديث والتواريخ وأيام الناس». فهذا شأن الناظر في الكتاب, فما بالك بمن يحاول إعادة كتابته أو اختصاره؟
وكذلك يجب التنبه للأعراف اللغوية لكل عصر من العصور, وتظهر المحنة في هذا الأمر واضحة جلية عند من يتصدون للتاريخ المملوكي, وهو زاخر بالأعراف اللغوية والمصطلحات غير المألوفة إلا لمن جمع مراجع ذلك العصر: لغة وأدباً وتاريخاً.
ثالثاً: إن من يعيد كتابة تاريخ من تواريخ السابقين, أو يحاول اختصار كتاب في علم من العلوم, أو تهذيبه, لابد أن يكون في علم صاحب الكتاب الأصلي, أو على درجة مقاربة له؛ لأن المعيد أو المختصر أو المهذب حينئذ يكون سميعاً بصيراً, يعرف ماذا يأخذ وماذا يدع, ولذلك قَبِل أهل العلم «مختصر صحيح مسلم» للحافظ المنذري, و «مختصر تفسير الطبري» لأبي يحيى محمد بن صمادح التجيبي, وتهذيب أنساب السمعاني؛ المسمَّى «اللباب» لعز الدين بن الأثير, و «مختصر الأغاني» للأصفهاني, و «مختصر تاريخ دمشق» لابن عساكر, وكلا المختصرين لابن منظور صاحب «لسان العرب».
وفي عصرنا الحديث قَبِلنا «تهذيب الأغاني» للشيخ محمد الخضري, و «عمدة التفاسير» لمحدث العصر الشيخ أحمد محمد شاكر, الذي اختصر فيه بعض أجزاء من «تفسير ابن كثير», و «تهذيب سيرة ابن هشام», و «تهذيب الحيوان» للجاحظ, كلاهما لأستاذنا عبد السلام محمد هارون.
رابعاً: إن الخدمة الحقيقية لتاريخنا إنما تكون بجمع مخطوطاته التي لم تُنشر, ثم تحقيقها وتحقيق ما نُشر من قبلُ غير محقق, وفْق الأصول العلمية الصحيحة, ثم فهرسته الفهرسة العلمية الفنية, التي تضم النظير إلى النظير, وتقرن الشبيه إلى الشبيه, وستكون هذه الفهارس الفنية الكاشفة عدة وعوناً للدراسات والبحوث التي لا تقوم إلا على النص الموثق المحرر.
أما ما يقال عن غربلة التاريخ الإسلامي وتصفيته من الأخطاء والأوهام, وتخليصه من محاباة الحكام والملوك, وتنقيته من مظاهر الإسراف والمبالغات, ثم ما يقال لك من أن ماضينا غارق في الظلمات, وأن تاريخ الدول يكتب في غير أوانه, كتاريخ الدولة الأموية الذي كُتب في أيام الدولة العباسية: فكل أولئك من الكلام الذي يُرسل إرسالًا؛ لتُملأ به مجالس السمر, ويُتخذ سبيلاً لادعاء العلم.
الهجوم على التاريخ والمؤرخين:
لقد تعرض التاريخ الإسلامي والمؤرخون المسلمون لكثير من الحيف والعدوان, وكان أعجب ما قيل: «إن التاريخ صُنع للحكام والملوك, ولم يرصد نبض الشعوب وأشواقها», وبمثل هذه الألفاظ البراقة الخادعة يستميلون الشباب ويوقعونهم في قرار مظلم من الافتنان الكاذب والشك الموبق.
إن هذه القضية ينبغي أن تناقَش على وجهها الصحيح, ويبدو أن كثيراً من كُتّابنا المعارضين قد خلطوا بين كتب التاريخ العام - أحداثاً وتراجم - وبين كتب المناقب. فكتب التاريخ العام إنما ترصد الحوادث والأحداث بصورة عامة وشاملة, ويدخل في نسيجها أخبار الخلفاء والملوك لا محالة, ويظهر لك هذا المنهج بوضوح في كتب التاريخ المرتبة على السنين «الحوليات», وكذلك في كتب التراجم العامة, وتأمل مثلًا كتاب «سير أعلام النبلاء» للذهبي, و «الوافي بالوفيات» للصفدي, و «وفيات الأعيان» لابن خلكان, وسترى أن تراجم الخلفاء والوزراء إنما تأتي في ترتيبها الألف بائي ليس غير, بل إن بعض تراجم هؤلاء الخلفاء والوزراء تأتي أحيانًا خافتة وموجزة إذا قيست بترجمة عالم معاصر لهم, كالإمام أحمد بن حنبل مثلًا, الذي تملأ ترجمته صفحات كثيرة, فضلًا عما يتعرض له بعض هؤلاء الخلفاء أو الوزراء من نقد شديد, وإحصاء دقيق لأخطائهم وزلاتهم, ولست هنا بسبيل التمثيل لهذا أو ذاك.
أما كتب المناقب فهي كتب خاصة تدور حول شخصية واحدة, خليفة أو وزيراً, ولا بأس في ذلك ولا نكران؛ فإن من حق أي كاتب أن ينحاز إلى شخصية حاكمة ومؤثرة, ويفرد لها كتاباً يأتي على تاريخها وأعمالها, وهذا ما نشاهده إلى يوم الناس, نحن نقبله ولا نرفضه, ثم إن ما كتب في تراجم الأفراد خاصة ومناقبهم لم ينفرد به الحكام والخلفاء فقط, فقد ذكرت لك من قبل: مناقب أبي حنيفة, ومناقب الشافعي, ومناقب أحمد, وسيرة عمر بن عمر العزيز.
ويبدو أيضاً أن بعض من خاضوا في قضية «صنع التاريخ للحكام والملوك» قد خُدعوا بتلك العنوانات التي تحمل أسماء الملوك والوزراء, مثلك كتاب الصاحبي في فقه اللغة لابن فارس, نسبة إلى الصاحب ابن عباد, الوزير الشهير, والإيضاح العضدي في النحو, لأبي علي الفارسي, نسبة إلى عضد الدولة بن بويه حاكم فارس والموصل وبلاد الجزيرة, واللامع العزيزي - وهو شرح ديوان المتنبي - لأبي العلاء المعري, نسبة لعزيز الدولة فاتك بن عبد الله الرومي, الذي كان من رجال الحاكم بأمر الله الفاطمي, والمستظهري - وهو فضائح الباطنية - لأبي حامد الغزالي, نسبة إلى الخليفة العباسي المستظهر بالله, أحمد بن عبد الله.
فليس للصاحب بن عباد, ولا لعضد الدولة, ولا لعزيز الدولة, ولا للمستظهر بالله, ذكر في تلك الكتب إلا ما يكون من إشارة في المقدمات, فيها إشادة بهؤلاء الكبار أصحاب السلطة؛ لأن لهم عوناً ظاهراً للمؤلف ومساندة, كما نقول الآن: إن الكتاب الفلاني طبع بدعم من جامعة كذا, أو هيئة كذا, وتأمل الكتب التي تصدر تحت عنوان «سلسلة جب التذكارية» ونحوها, لأن هذه الجامعات والهيئات مؤَّلت الكتاب وأنفقت على طبعه, وهات لي الآن أميراً أو تاجراً ثرياً يعينني على طبع كتاب من كتبي, وأنا زعيم, أن أسمي كتابي باسمه الشريف, بل أجعل اسمه يتقدم اسمي, ثم أكيل له المديح والثناء منظوماً ومنثوراً. على أن هؤلاء الملوك والوزراء الذين جاءت أسماؤهم عنوانات للكتب كانت لهم مشاركة واهتمام باللغة والأدب وفروع العلم عموماً, ويكفي أن تعلم أن مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي حين ترجم لعضد الدولة البويهي وصفه بالنحوي.
ولعل من أشد العنوانات خداعاً: ذلك الكتاب الذي ألفه ابن الجوزي وسماه: «المصباح المضيء في خلافة المستضيء», فهذا الكتاب وإن كان في ظاهره أنه في مناقب الخليفة العباسي المستضيء, فإنه ليس خالصاً له, وإنما استطرد ابن الجوزي فيه إلى تراجم كثيرة للصحابة وللخلفاء العباسيين, مع عناية ظاهرة بالوعظ والتذكير, يقدمها ابن الجوزي للسلطان أو للحاكم, لكي يستضيء بها في معالجة الأحوال السياسية والاجتماعية, كما ذكرت محققة الكتاب وناشرته العراقية الدكتورة ناجية عبد الله إبراهيم.
وكذلك كتاب: «الدر الفاخر فيل سيرة الملك ناصر» لابن أبيك الدواداري من مؤرخي المماليك في القرن الثامن الهجري, فهذا ابن أيبك وإن كان منحازاً للسلطان محمد الناصر بن قلاوون؛ لأنه كان يعمل في بلاطه, فإن كتابه هذا يُعَد وثيقة مهمة في تاريخ مصر والشام في ذلك الوقت, وهو بمثابة يوميات لهذين القِطرين الكبيرين وجهادهما مع فلول الفرنجة من التتار.
فليس صحيحاً إذن ما سمعتُه - في برنامج تلفزيوني - من الدكتورة الأدبية الفصيحة نغمات أحد فؤاد من قولها: «إن التاريخ يخطئ حين يقول: هرم خوفو, وخوفو لم يبن هرمه, وإنما بناه المهندس المصري».
إن التاريخ لم يخطئ يا سيدتي الدكتورة, ولكن هذا هو المعروف والمألوف في نسبة الأعمال الكبيرة, تنسب إلى عصورها, وإلى رموز هذه العصور, وهم الملوك والحكام, إن علماء البلاغة يمثلون لمجاز الحذف بقولهم: «بنى الأمير القصر», ثم يقولون: وإنما بناه عماله. ألم نقل «مصحف الملك فؤاد» لهذه الطبعة المحررة العالية من القرآن الكريم, وهي أصح طبعة للكتاب العزيز بشهادة مشايخ الإقراء بمصر و غير مصر, من حيث الالتزام بالرسم العثماني, والضبط, وعلامات الوقف. وقد كتبه بخطه الشيخ محمد علي خلف الحسيني, ثم شاركه شرف ضبطه وتصحيحه: حفني ناصف ونصر العادلي ومصطفى عناني وأحمد الإسكندري. وطُبع هذا المصحف الكريم بالمطبعة الأميرية عام 1337 هـ في عهد الملك فؤاد, فنُسب إليه.
وتبقى قضية «تخليص التاريخ الإسلامي من الأخطاء والمبالغات», وهي أيضاً من القضايا التي يعالجها الناس بكثير من الخفة والسهولة والمتابعة.
ومما لا شك فيه أن لبعض مؤرخينا الأولين أوهاماً وأخطاء, في رصد الأحداث وتسجيلها وتحليلها, وهذه الأوهام والأخطاء مما ينبغي التنبه لها والتنبيه عليها. على أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن علومنا كلها ومعارفنا كلها منقودة من داخلها, ومدلول على الخطأ والوهم فيها منذ اللحظة الأولى لتدوين العلوم والمعارف, فالنقد عندنا سار مع التأليف خطوة خطوة, وهذا المنهج المعروف عند علماء الحديث, من القبول والرد, والتعديل والتجريح, قد امتد أثره إلى سائر العلوم الأخرى, وإن باب النقد في تراثنا وعلومنا باب واسع جداً, وضخم جداً, وينبغي أن يكون واضحاً أيضاً أن هذه الأمة لم تغفل عن تراثها هذه الآماد الطوال حتى يجيء فلاسفة هذا الزمان لينقدوا ويجرّحوا ويخطّئوا, ونعم, ليس لأحد - بعد الأنبياء - عصمة, فانقد ما تشاء, وحلّل ما تشاء, واستنتج ما تشاء, ولكن بعد أن تجمع للأمر عدته, وتأخذ له أخذه, من القراءة المستوعبة المتأنية, والنظر الصحيح, وترك المتابعة إلا بعد ثبوت الدليل, على ما قالت العرب في كلامها الحكيم: «ثبت نسباً واطلب ميراثاً», وعلى ما قال أبو الفتح ابن جني: «فكل من فُرق له عن علة صحيحة وطريق نهِجة كان خليل نفسه وأبا عمرو فِكرِه ... إلا أننا مع هذا الذي رأيناه وسوغنا مرتكبه لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي قال طال بحثها وتقدم نظرها ... إلا بعد أن يناهضه إتقاناً, ويثابته عرفاناً, و لا يخلد إلى سانح خاطره, ولا إلى نزوة من نزوات تفكره» الخصائص 1/ 190.

ويريد ابن جني أن يقول: إن من اهتدى إلى وجه من النقد صحيح, أشبه الخليل بن أحمد, وأبا عمرو بن العلاء, ولا ينبغي لأحد أن يخالف السابقين في آرائهم لشهوة الخلاف فقط, وأنه ليس من حقه أن يخالفهم إلا إذا وصل إلى مرتبتهم أو فاقها: علماً وبحثاً ونظراً, على ألا يسرع إلى الرأي بمجرد الخاطرة السانحة, والنزوة الفكرية الطارئة.
فهذا هو كلام أهل العلم, أما التخييل بالمنهج والتفكير العملي, للهجوم على تخطئة الأقدمين بالحق وبالباطل, فليس من العلم في شيء, ولا من العقل في شيء, وليس من الأدب أيضاً مع تاريخ الأمة أن يقول كاتب كبير معاصر, عن الإمام المفسر المحدث المؤرخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري: «المؤرخ الأبله».
ولو سألت هذا الكاتب الكبير عن ترجمة الطبري: حياة وعلماً وتصنيفاً, ووفاة, لمن ظفرت بشيء, بل لو سألته عن عدد طبعات كتابه «تاريخ الأمم والملوك», والفرق بين هذه الطبعات لما أجابك بشيء. ويقرأ الناس هذا ويسكتون؛ لهوان الماضي عليهم, وخفة الموروث في موازينهم, وقل: سبحان ربي!
لو تعرض أحد لبعض كتابنا ومفكرينا المعاصرين, لاهتزت الأرض بمن عليها, ولسمعت دوياً هائلاً وجلبة صاخبة حول رموزنا العظيمة التي لا ينبغي أن تُنال, وأعلام التنوير التي لا يصح أن تُطال, أما الهجوم على الأوائل, والسخرية منهم, والتطاول عليهم, فلا نكرة فيه ولا غضب منه؛ لأن «حمزة لا بواكي له»:
أتغضب إن أذنا قتيبة حُزَّتا ... جهاراً ولم تغضب لقتل ابن خازمِ
والموعد لله.

* * *

الجامعة المصرية إلى أين؟
الكتاب الجامعي والطريق الصحيح (74)

ذات يوم ضمَّنا مجلس علمي لقسم اللغة العربية بإحدى الكليات, وطرح رئيس المجلس قضية محالة على القسم من عميد الكلية, توصي بأخذ رأي الطالب في تقييم عمل الأستاذ وترقيته. ولم يكد رئيس القسم ينتهي من قراءة هذه التوصية حتى هبَّت ريح عاصفة كادت تدمِّر كل شيء, ومادت بنا الأرض, وعلا ضجيج, واختلطت أصوات, وجحظت عيون, وانطلقت ألسن تدفع الضيم وترد الحيف عن الأستاذ الجامعي, وتريد أن ترفعه إلى مكان عليٍّ لا يُنال ولا يُطال, وكأنه ذلك النبي المرسل المصطفى المختار من عباد الله, المؤيد بالوحي, الذي لا ينطق عن الهوى, المعصوم من الخطأ, المبرَّأ من الهوى, أو كأنه تلك الصخرة التي شبَّه بها سفيحٌ بنُ رياحٍ الفرزدقَ, في قوله:
إن الفرزدق صخرة ملمومة ... طالت فليس تنالها الأوعالا
(وانتصاب الأوعال بطالت: أي طالت هذه الصخرة المشبه بها الفرزدق الأوعال. وإنما قال هذا؛ لأن مأوى الوعل أعالي الجبال. والوعل: هو التيس الجبلي), وسمعنا في هذه الجلسة كلاماً ضخماً فخماً عن كرامة العلم وهيبة الجامعة. أما ذلك الطالب المسكين فقد جاءه الذم من كل مكان, ونال حظه موفوراً من التنقُّص والمعابة, وسوء الرأي وضعف التدبير.
وتركت القوم حتى سكنت فورتهم, وهدأت ثائرتهم, ثم قلت لهم: على رسلكم يا قوم اربعوا على أنفسكم, ولا تغضبوا ولا تفزعوا, وتعالوا إلى كلمة سواء: أليس الطالب هو أساس العمل الجامعي كله؟ أليس هو قطب الرحى وعمود الصورة؟ فلماذا نحقِّر شأنه وإنما نحن أساتذة به؟ ونحن حين نعلِّمه ونخرِّجه إنما نتعلم العلم معه مرة أخرى, ولولاه لصدئت عقولنا وتقصَّفت أقلامنا, والطالب النابه - ولا زال موجوداً بجامعتنا ومعاهدنا والحمد لله - يستخرج من أستاذه علماً خبيئاً حين يدارسه ويفاتشه, وقد يفتح عليه أبواباً من النظر والعلم كانت موصدة دونه لولا مذاكرة ذلك الطالب ومدارسته.
وفي موروثنا الثقافي كان التلميذ النابه يسمى صاحباً لشيخه: فأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني صاحبا أبي حنيفة, والربيع بن سليمان صاحب الشافعي, وهو ناسخ كتابه العظيم «الرسالة», وكان الشافعي يقول له: «أنت راوية كتبي», وابن جني صاحب أبي علي الفارسي, بل قد تتوثق العلاقة وتشتد الآصرة فيصير التلميذ غلاماً لشيخه, كما ترى في أبي عمر الزاهد غلام ثعلب, فالتلاميذ أصحاب لشيوخهم, وتأمل عبارة الشافعي في الليث بن سعد رضي الله عنهما: «الليث أقفه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به».
فينبغي أن ينظر إلى الطالب على أنه صاحب ومشارك؛ لأن العالم لا يكون عالماً إلا بمتعلم, وينبغي أيضاً أن نحتشد لهذا الطالب احتشاداً, وأن نحبِّر له الكلام تحبيراً؛ تأليفاً ومحاضرات, وقد أدركنا جيلاً من الأساتذة والأشياخ - في مراحل تعليمنا كلها - كانوا يلقَوننا بكثير من الجد والإسماح, ومنهم من كان يدور بعينيه علينا واحداً واحداً, في أثناء المحاضرة, يعطي كلا منَّا حظَّه من العناية والنظر, وكأنه يلتمس أمارات الرضا عما يقول, ومواقع القبول لما يُلقي, بل إن منهم من كان يصرِّح فيقول: إيه رأيكم يا ولاد؟ كلام حلو؟ عليه نور؟ وكان أستاذنا عباس حسن رحمه الله إذا خاطب أحدنا في المحاضرة قال: «يا حضرة الأستاذ», مع أنه كان صاحب كبر وبأوٍ, مع كثير من زملائه, كما كنا نرى.
ولا تحتجَّنَّ علينا بقلة عدد الطلبة آنذاك, وكثرتهم الآن, فلو ظفر طلاب الصفوف الأولى في المدرجات الآن بهذه العناية لكفى.

الرأي الجمعي:
على أن قضية أخذ رأي الطالب في تقييم عمل الأستاذ وترقيته لا ينبغي أن تؤخذ على ظاهرها هذا السهل الساذج, فنحن لا نتوجه إلى الطلبة واحداً واحداً, نسألهم رأيهم في أستاذهم, على طريقة قوائم الاستبيان المعروفة, فذلك أمر مرفوض ومطَّرح, ولكن المسألة أبعد من هذا, ولعل أقرب صورة لتحقيق هذه الغاية هي الرأي الجمعي للطلاب, فحين نرى إجماعاً أو شبه إجماع من الطلبة على حضور محاضرات ذلك الأستاذ فهذه شهادة له, وحين نلمس حرص الطالب على كتاب أستاذه وحفاوته به واحترامه له, فذلك إقرار بعلم ذلك الأستاذ - ودعك من مسألة الاستلطاف أو الارتياح الشخصي بتأثير خفة ظل الأستاذ أو تودده إلى طلبته بحلو الكلام ومعسوله, أو سخاوته في درجات الامتحان, على قاعدة: «إنما يمدح السوق من ربح», فهذه أمور إن دامت أسبوعاً فلن تدوم شهراً, وإن تجاوزت الشهر فلن تبلغ العام.
ودعك أيضاً من الوشايات والإشاعات والسعايات لرفع خسيس أو وضع عال, فهذه كلها أمور مكشوفة مفضوحة, ولا يصح إلا الصحيح.
وحين نرى إعراضاً من الطالب عن محاضرات أستاذ, واستخفافه بما يكتب, وزهده فيما يقول, فذلك إيذان بضعف ذلك الأستاذ.
والعجيب أن ذلك كله - مدحاً وذمّاً, وإقبالاً وإعراضاً - لا يخفى على عمداء الكليات ورؤساء الأقسام بها, بل لا يخفى على الزملاء أنفسهم, ولكنها المداراة والمصانعة. وفي آخر الأمر فإن الطالب النابه هو شاهد الصدق على علم الأستاذ وإخلاصه؛ لأنه يُبدي رأيه في أستاذه وهو سليم الصدر, منزَّه عن الغرض, بريء من الشبهة, ولا يجد الهوى إلى نفسه سبيلاً, فينبغي أن يصار إلى رأي ذلك الطالب: شهادة تزكية إلى جانب تقرير اللجان العلمية التي يقول عنها بعض الناس ما يقولون, وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون.
وهذا الذي قرأتَه أيها القارئ الكريم إنما هو مقدمة ومدخل لأمرٍ جلل وشأن عظيم, وهو الكتاب الجامعي: منهجاً وإخراجاً. إن الكتاب الجامعي هو حامل العلم إلى الطالب, وهو الصورة الماثلة الثابتة للأستاذ أمام الطالب, فإما أن يحرص على هذه الصورة, يستصحبها معه ويتمثَّلها في مستقبل أيامه, وإما أن يستهين بها, ويتخلص منها ساعة فراغه من حاجته إليها.
إن الأصل في الكتاب الجامعي أنه يقدِّم علماً قائماً على منهج, وهذا المنهج وضَعَه بعناية أساتذة كبار منذ اليوم الأول لقيام الجامعات والمعاهد العليا, وفي داخل هذا المنهج مفردات ومقررات تغطي على مدار سنوات الطلب أصول كل علم, وهذه المفردات والمقررات وضعها هؤلاء الكبار أيضاً. وقد طرأت على هذ المناهج بعض التغييرات والإضافات نتيجة لتقدم بعض فروع العلم, باستحداث مواد لم تكن موجودة, أو تطوير بعض ما هو قائم, لكن هذه التغييرات أو الإضافات لم تمس أصول ذلك المنهج القائم على تزويد الطالب بأصول العلم وجوهر المعرفة, ويظل الأستاذ الجامعي مهما علا شأنه وارتفع قدره مشدوداً إلى هذا المنهج, ملتزماً بمفرداته ومقرراته, دائراً في مراجعه ومصادره, فإذا حاد عنه رُدَّ إليه رداً جميلًا أو غير جميل, من رئيس قسمه أو عميد كليته.
هكذا كانت الأمور, وهكذا مضت, وفي ذلك الطريق تخرجت أجيال من الجامعيين مؤسسة على العلم الصحيح.
ويداول الله الأيام بين الناس, فتحدث أمور تفضي إلى أمور, ويترخص الناس فيما لا يُترخص فيه, وتقل المرجعية في العلم, ويتصرف بعض المعلمين من عند أنفسهم استبداداً واستقلالاً, فتضيع المعالم, ويختلط المرعي بالهمل, وتتداخل النوايا والمقاصد «وبعض السجايا ينتسبن إلى بعضِ» على ما قال ابن الرومي.
وكان ما كان مما لست أذكره, وإذا نحن بين يوم وليلة أمام بعض الكتب الجامعية لبعض الأساتذة الذين أباحوا لأنفسهم أن يبتعدوا قليلاً أو كثيراً عما كان مستقرًا وثابتاً في أصول المنهج ومفرداته التي درجت عليها الأجيال, بل إن بعض مفردات هذه المناهج قد اختفت فعلًا لتحل محلها بحوث الأساتذة التي حصلوا بها على شهاداتهم العليا (الماجستير والدكتوراه), ثم ما قدموه من بحوث للترقيات العلمية, وبعض ذلك يُقدَّم بعنوناته الأصلية, وبعضه يغيَّر ويوضع تحت مسميات جديدة, ويُقدَّم كل ذلك للطالب ويُطلب منه تحصيله وفهمه وأداء الامتحان فيه.
لقد أصبح محتوى المقرر الدراسي خاضعاً لمشيئة المدرِّس ومزاجه, وفضلًا عن وعورة هذا المسك وجهد المشقة فيه, فإن الطالب لن يعود منه بشيء ذي بال, في هذه المرحلة من العمر, ولن يفيده في معرفة أصول العلم وقواعده, وخذ مثلًا على النحو, وهو علم التراكيب الذي لا غنى عنه لطالب العربية في أي فرع من فروعها, هذا العلم يقوم على التعريفات والقواعد والشواهد - وقد قيل بحق: النحو شاهد ومثل - فكل جهد يبذل فيه في السنوات الجامعية الأربع ينبغي أن يدور حول هذه الأركان الثلاثة, لا يتجاوزها ولا يتعداها إلى غيرها من النظر في أصول النحو, من قياس وسماع وعلة, بل يؤجل ذلك كله إلى ما بعد المرحلة الجامعية الأولى لمن أراد أن يتم الطريق, ولكن الأمر قد جرى على غير هذا - وبخاصة في العقدين الأخيرين - وليت الأمر قد وقف عند هذا الحد, فإن بعض زملائنا يفتح على الطلبة أبواباً من النظر في فلسفة النحو تضرهم ولا تنفعهم؛ لأنها تورثهم الشك والحيرة.
جاءني يوماً أحد الطلبة يسألني: يا دكتور, ما الفرق بين الموقع الإعرابي والحالة الإعرابية؟ فقلت له: من أنبأك هذا؟ قال: الدكتور الفلاني في الكتاب الفلاني, فقلت له: يا بني, هذا الدكتور رجل من أهل العلم, وكلامه هذا للكبار من أهل العلم, أما أنت فلا زلت في أول الطريق, وقد جئت إلى هذه الكلية تدرس فيما تدرس علم النحو, لكي تقرأ قراءة صحيحة وتكتب كتابة صحيحة, فاشتغل بذلك ودع ما سواه.
ومن أخطر الأمور أيضاً ما يقوم به بعض زملائنا من نقد للفكر اللغوي والنحوي أمام هؤلاء الشباب, ويحدِّثنا بعض الطلبة أن أستاذاً يخصِّص نصف المحاضرة لعرض القاعدة النحوية, ثم يصرف النصف الآخر لنقدها ونقضها, وبعضهم يبدأ حديثه عن المعاجم العربية بذكر عيوب المعجم العربي, من تكرار المادة وتشويشها وتضارب النقول فيها, ثم يأتي حديثه عن مناهج هذه المعاجم ومدارسها وطريقة التعامل معها, خافتاً ضعيفاً في آخر الكلام.
الحاجة الملحة للمعلم:
لقد تحول كثير من الأساتذة الآن إلى منظِّرين وفلاسفة, وبعضهم يستخدم مصطلحات وتراكيب لامعة براقة, تأسر الطالب أسراً, وتجعله دائم التطلع إليها والتشبُّث بها, يريد أن يحاكيها, وقد يصده ذلك عن التماس العلم الحقيقي.
إن الطالب في حاجة إلى مربٍّ ومعلم, لا إلى منظِّر وفيلسوف, فكل ما يُلقى على الطلبة في هذه المرحلة الجامعية الأولى, وكل ما يُكتب لهم ينبغي أن يقوم على أساس ثابت من أصول العلم وحقائقه, وما فوق ذلك من نقد وتحليل وتتبُّع ينبغي أن يؤجَّل إلى مرحلة الدراسات العليا, كما قلتُ, فمناهج تدريس النحو والصرف واللغة والبلاغة والأدب يجب أن تدور في فلك القاعدة والشاهد, ولا بأس من الإلمام بشيء من النقد التحليل, يُشْرِف ولا يتوغل, ويحوم ولا يواقع؛ لأنه لا يصح بحال أن نكشف لصغار الطلبة في هذه المرحلة الجامعية الأولى, عن أبواب النقد هذه, وأن ندلَّهم عليها, فإن مداركهم تقصر عن إدراك تلك المرامي البعيدة, فضلاً عما يحدثه ذلك في نفوسهم من زلزلة وبلبلة قد تزهِّدهم في العلم كله.
وقد نبَّه أهل العلم إلى ذلك من قديم, فقد ذكر أبو داود في رسالته إلى أهل مكة «أنه ضرر على العامة أن يُكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا», قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: «وهذا كما قال أبو داود؛ فإن العامة تقصر أفهامهم عن مثل ذلك, وربما ساء ظنهم بالحديث جملةً إذا سمعوا ذلك» شرح علل الترمذي ص 543, وروى أبو سعد السمعاني بسنده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, قال: «إن الرجل ليحدِّث بالحديث فيسمعه من لا يبلغ عقلُه فهمَ ذلك الحديث فيكون عليهم فتنة» أدب الإملاء والاستملاء ص 59, 60.
وروى ابن عبد البر عن هشام عن عروة بن الزبير بن العوام, قال: «قال لي أبي: ما حدَّثتَ أحداً بشيء من العلم قط لم يبلغه علمه إلا كان ضلالاً عليه» جامع بيان العلم وفضله 1/ 134.
وقال بدر الدين بن جماعة, فيما يجب على المعلم نحو طلبته: «وكذلك لا يُلقي إليه ما لم يتأهل له؛ لأن ذلك يُبَدِّد ذهنه ويُفَرِّق فهمه, فإن سأله الطالب شيئاً من ذلك لم يجبه, ويعرِّفه أن ذلك يضره ولا ينفعه, وأن منعه إياه منه لشفقة عليه وعطف به, لا بخلاً عليه, ثم يرغِّبه عند ذلك في الاجتهاد والتحصيل, ليتأهَّل لذلك وغيره, وقد روي في تفسير الربّاني أنه «الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره».
وقال أيضاً: «ولا يشير على الطالب بتعليم ما لا يحتمله فهمه أو سنه, ولا بكتاب يقصُر ذهنه عن فهمه» تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ص 51 - 52 و 55, وذكر جلال الدين السيوطي من أدب الرواية والتعليم, قال: «ومن آدابهما الإخلاص, وأن يقصد بذلك نشر العلم وإحياءه, والصدق في الرواية, والتحري والنصح في التعليم, والاقتصار على القدر الذي تحمله طاقة المتعلم». المزهر 2/ 330.
على أن بعض الأساتذة قد هُدي إلى صراط مستقيم, فوضع بين يدي طلبته ذلك الكتاب الجامعي القائم على الكشف عن أصول العلم, وعرض القاعدة مؤيدة بالنصوص والشواهد؛ دون إغراق في النقد والتحليل, لكنه كان من المؤسف والمحزن حقاً أن ينظر إلى مثل ذلك العمل على أنه كتاب مدرسي, وصار هذا الوصف «الكتاب المدرسي» علامة على الخفة والسهولة, وصار مجلبة للتنقص وطريقاً إلى المعابة, بل بلغت الجرأة مداها أن يصف بعضهم ما كتبه أحد أعلامنا الكبار - متعه الله بالصحة والعافية - في تاريخ الأدب العربي في عصوره المختلفة, بأنه عمل مدرسي, غايته الجمع والتبويب, وأنه خال من التحليل والموازنة والنقد.
ومعنى هذا أنه إذا جاءك أحدهم بعمل قائم على الثرثرة بتلك المصطلحات الخادعة: التحليل - الموازنة - النقد, ثم قمَّش علماً من هنا وسلخ علماً من هناك, واختار عنواناً أخَّاذاً براقاً. أقول: معنى هذا أن ذلك العمل يفوق أعمال هذا الأستاذ الكبير, الذي قدَّم أعمالًا ضخمة في تاريخ الأدب العربي وعصوره, أفنى فيها عمره, وأطاب بها ذكره.
إن مصطلح «التحليل» وما أثير حوله من صخب وطنطنة قد عطَّل علماً كثيراً, ودفع إلى كثير من التهويل والتضخيم, وغمط فضلًا كثيراً, ولقد ذكَّرني هذا الحديث بكتابين عظيمين, التقيت بهما في أوائل الستينات, إذ كنت طالباً بكلية دار العلوم, أولهما كتاب «أسس النقد الأدبي عند العرب» للدكتور أحمد أحمد بدوي رحمه الله, وثانيهما: كتاب «البيان العربي» للدكتور بدوي أحمد طبانة, أطال الله في عمره.
وهذان الكتابان مشحونان بالتعريفات والنصوص, لأعلام النقد والبلاغة كالجاحظ, وابن قتيبة, وأبي هلال العسكري, والآمدي, والقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني, والشيخ عبد القاهر الجرجاني, وابن سنان الخفاجي, وابن طباطبا العلوي, وضياء الدين بن الأثير, وأذكر أننا كنا شديدي الضيق بهذين الكتابين, وكنا نشكو منهما كل الشكوى, ولعل مما أغرانا بالضيق والشكوى من هذا اللون من التأليف: ظهور جيل جديد من صغار النقاد, بدأوا يثرثرون من خلال المقاهي الأدبية التي كانت في تلك الأيام, مثل مقهى الإنديانا بميدان الدقي, و مقهى ريش بشارع طلعت حرب, وكنا صغاراً قليلي الخبرة, ولم يُتح لنا أن نعيش أيام «رسالة الزيات» و «ثقافة أحمد أمين», فكان يسهل خداعنا بمثل هاتيك المصطلحات: الوحدة الموضوعية, والمعاناة والتجربة الشعورية, وتراسل الحواس, والمونولوج الداخلي, والدفقة الشعورية, والتعبير بالصورة, والألفاظ الموحية, الشعر المهموس, وكانت هذه الكلمات الضخمة تهزنُّا هزاً, فإذا رحنا نلتمسها في كلام الجاحظ وابن قتيبة والآمدي لم نجدها, فيتشد ضيقنا بكتابي الدكتورين الفاضلين, ونذم زماننا, ونلعن حظوظنا, ونود لو ضُرب بيننا وبين أمثال هذه الكتب بسور ليس له باب.

ولقد بلغت السفاهة ببعضنا أن ذهب إلى ناقد ناشئ في تلك الأيام وحرَّضه على كتاب الدكتور أحمد بدوي, ثم استكتبه مقالة طائشة بجريدة الجمهورية, تطاول فيه تطاولاً فارغاً على الكتاب, فكانت كما قالت العرب في أمثالها: «أوسعتهم سباً وأودوا بالإبل», وهو مثل يُضرب لمن يكن عنده إلا الكلام. والآن وبعد مضي هذا الزمان أستغفر الله مما كان مني من طيش وزلل في حق ذلك الكتاب, فقد كنت أيضاً من الساخرين العابثين, وإنما هي غفلة الصبا وغرارة الشباب, ولا أملك الآن إلا أن أنشد قول الشاعر:
رب يوم بكيت منه مراراً ... ثم لما مضى بكيت عليه
وقول الآخر:
فليت أن زماناً مر دام لنا ... وليت أن زماناً دام لم يدمِ
وقول الثالث:
عتبتُ على سِلْمٍ فلما فقدتُهُ ... وجرَّبتُ أقواماً بكيت على سَلْمِ
رجعتُ إليه بعد تجريب غيرهِ ... فكان كبرءٍ بعد طول من السقمِ
وأعتقد أن كتاب الدكتور أحمد بدوي قد خرجت منه رسائل جامعية كثيرة, وكذلك كتاب الدكتور بدوي طبانة, فكانا أيضاً كما قالت العرب في أمثالها: «أكلاً وذماً».
ومرة أخرى: لا بد من إعادة النظر في هذا المصطلح «الكتاب المدرسي» وإعادة التوقير له والهيبة.
إن متون النحو الأولى مثل الموجز لابن السرَّاج, والإيضاح لأبي علي الفارسي, واللُمع لابن جِنِّي, وإعراب ثلاثين سورة لابن خالويه, والفصول الخمسون لابن معطي, والآجرومية, وقطر الندى لابن هشام, كلها تآليف صغيرة عُمِلَتْ للمبتدئين في دراسة النحو, فهي كتب مدرسية, ولكنها علامات بارزة في طريق العلم, ونازعة بالثقة في أصحابها واحترامهم وإنزالهم المنزلة العالية. ولم يقتعد ابن جني هذه الذروة الضخمة بكتابه الفذ «الخصائص» وحده, بل كان إلى جانبه كتبه الصغار المدرسية, مثل «اللُمع» الذي ذكرته, والكتاب «الملوكي في التصريف».
ومن جناية هذا الوصف «الكتاب المدرسي» أن ذلك الكتاب القائم على أصول العلم وحدها دون إغراق في التحليل والتفلسف يُرفَض من أبحاث الترقيات ويُستبعَد من الجوائز الأدبية؛ لأنه كتاب مدرسي عُمل للطلبة ليس غير, وهذا خُلف من القول, وخطأ في الحكم. والكتاب المدرسي عملٌ من الأعمال العلمية: جيّدُهُ جيّدٌ, ورديئُهُ رديءٌ, فلا يصح أن يُستبعَد جيّدُهُ من أبحاث الترقيات, بل إني أتوق إلى اليوم الذي أرى فيه ترقية علمية يُقصد بها الطالب قصداً, فإن بعض أبحاث الترقيات تدور غالباً في فلك بعيد عن الطالب, بل إن منها لما يشَّقق فيخرج منه كلام مفصَّل تفصيلاً على أعضاء لجان الترقيات, من حيث السير في طريقهم, والاستكثار من الرجوع إلى مؤلفاتهم بحق وبغير حق.
إن هذه النظرة المستخِفَّة إلى الكتاب المدرسي قد دفعتْ كثيراً من الأساتذة المجيدين إلى شيء من الملل, فلم يعطوا الكتاب الجامعي حظَّه من الإجادة والإتقان, وكأن هذا الذي يُقَدَّم للطالب حَسوة الطائر أو قُبسة العجلان, لا تروي غليلاً ولا تضيء ظلاماً, ولا تُنضِج طعاماً, فجاء الكتاب الجامعي الآن - أو قل الكثير منه - في صورة مهلهلة: طباعة سيئة وورق رديء, فضلاً عن المادة العلمية الخفيفة, وتنظر إلى هذه الكتب الجامعية والمذاكرات على أبواب لجان الامتحانات وقد ألقاها الطلبة إلقاء على الأرض بعد أن نظروا فيها النظرة الأخيرة, فتراها وقد تحولت إلى شيء مكور مستدير كالذي يتقاذفه الأطفال بأرجلهم شبيهاً بالكرة التي يسمونها «الكرة الشراب». وابك ما شاء الله لك أن تبكي على هذا العلم الملقى على الأرض, على ما قال الشاعر:
ويُفَتُّ المسك في التُر ... ب فيوطا ويداس
إن أزمتنا الحقيقية أن الملل يسيطر على حياتنا الجامعية كلها, وإن أضعف جوانب الأستاذ الجامعي الآن هو ما يظهر للطالب في أثناء المحاضرة ومن خلال الكتاب الجامعي, أما الجوانب المضيئة لذلك الأستاذ فهي مدخرة ومصونة ليوم تشخص فيه الأبصار, وهو يوم المؤتمرات والندوات والحلقات.
إن الجامعة ينبغي أن تتدخل - ممثلة في عمداء الكليات وروؤساء الأقسام, بالنظر في المادة التي يضمها الكتاب الجامعي, وفي الصورة التي يخرج بها ذلك الكتاب, وفي هذا الطريق ينبغي أن يكون لرؤساء الأقسام الهيمنة الكاملة على ما يُقَدَّم للطلبة, وليس فقط النظر في تلك الأعمال الإدارية النمطية المعروفة, ولا يعتصمنَّ أحد بكرامة الأستاذ الجامعي, وهيبة الأستاذ الجامعي, فهذه الكرامة وتلك الهيبة تثبُتان للأستاذ ما لزم الجادة واستوى على الطريق, فإذا زاغ أو مال سقطت الكرامة وضاعت الهيبة, على ما قال القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظَّموه في النفوس لعُظِّما
إن الهيبة التي تمنحها الجامعة للأستاذ ليست حقاً إلهياَ لا يُنازع صاحبه فيه ولا يُغلب عليه, إن الهيبة الجامعية تبقى ما بقيت دواعيها, فإذا سقطت الدواعي تبعتها الهيبة, على ما قال ابن زريق في عينيته الشهيرة:
أُعطيت ملكاً فلم تحسن سياستهُ ... وكل من لا يسوس الملك يخلعهُ
والسعيد من عصمه الله.
وعوداً على بدء أقول: إن الطالب هو أساس العمل الجامعي كله, فهو قطب الرحى وعمود الصورة, فيجب أن نحتشِد له؛ تأليفاً ومحاضرات, وأن يكون هو المقصد والغاية, ثم يكون حظ الأستاذ من التقدير والترقية والاحترام قائماً على ما يقدمه للطالب ورفعة شأنه.

* * *

تركيا .. والمخطوطات العربية (75)

زرت تركيا مرتين: الأولى في شتاء عام 1971م, والثانية في صيف هذا العام, ويا بُعْد ما بين اليومين في حياة الكاتب, وفي عالم المخطوطات:
ففي المرة الأولى كنتُ عضواً صغيراً في بعثة معهد المخطوطات التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم غداة إنشائها, وكان هذا المعهد من قَبلُ تابعاً للأمانة العامة لجامعة الدول العربية منذ قيامها سنة 1945م.
وفي هذه المرة الثانية كنت مدعواً من قِبل مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي, التي يرعاها ويدعمها معالي الشيخ أحمد زكي يماني, وزير البترول والثروة المعدنية السابق بالمملكة العربية السعودية, وذلك لإلقاء محاضرات عملية في الدورة التدريبية الثانية على تصنيف وفهرسة المخطوطات الإسلامية.
وقد دُعي إلى حضور هذه الدورة نفر من الشباب المشتغلين بالمكتبات والاستشراق, من تركيا وألبانيا وبلغاريا وزغرب والبوسنة والهرسك, وكاشغر (الصين الشعبية), وبعض جمهوريات آسيا الوسطى: أذربيجان وأوزبكستان, وقازقستان وطاجكستان, وشارك في إلقاء المحاضرات طائفة من العلماء المشتغلين بعلم المخطوطات, كان منهم من مصر: الدكتور عبد الستار الحلوجي, والأستاذ نصر الله مبشر الطرازي.
وكذلك اختلف حال المخطوطات اليوم عن حالها بالأمس اختلافاً كبيراً, وبخاصة في ديارنا المصرية, ففي ذلك الزمان كانت المخطوطات في مصر مصونة متاحة, وكان القائمون عليها والمتصرفون فيها أولى علم وبصر, يعرفون أسماء المخطوطات في كل علم وفن, كما يعرف الناس آباءهم, وكانت لديهم القدرة على قراءة العسِر المعمَّى من المخطوطات, وتمييز الصحيح من الزائف, والعتيق من المُحدَث, إلى معارف أخرى تتصل بهذا العلم, كالمخطوط النادر, ومقاييس هذه الندرة: من خطوط المؤلفين أنفسهم, وحظوظ الكتب من كثرة مخطوطاتها أو قلتها, ومعرفة مظان المخطوطات وأماكن وجودها. وقد ذهب هذا كله, إلا بقية خافتة الصوت ضعيفة الأثر.
ويشتد بي العجب - وقد قضيتُ مع هذا العلم خمسة وثلاثين عاماً: ناسخاً ومفهرساً ومحققاً ودارساً - حين أقرأ لبعض الناس الآن كلاماً أخَّاذاً برَّاقاً عالي النبرة عن المخطوطات وسرقتها والغيرة عليها, مع يقيني الذي لا يداخله الشك أنهم لم يعانوا هذا العلم ولم يعرفوا شيئاً عن أسراره وخباياه, فضلاً عن أنهم لم يجالسوا شيوخه وأعلامه, وأساس العلم التلقِّي والمشافهة, فهي حماسة كاذبة, وولاء مدخول:
وكلٌ يدعي وصلاً بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكا
وهذا الحديث مما يطول جداً فلنتركه إلى حين, ولنعد إلى تركيا هذا الجزء العزيز من العالم الإسلامي, حديث المخطوطات فيها, وهو حديث غريب عجيب.
وقبل أن نتكلم على فضل الأتراك العثمانيين على هذا التراث الإسلامي, بجمعه وحفظه وصيانته, لا بد من التذكير بفضلهم في نشر الإسلام بأوروبا, لأن هذا من ذاك, ومعلوم أن كلمة «تركي» كانت في وقت من الأوقات مرادفة لكلمة «مسلم» في أذهان الأوروبيين الغربيين, وكان زحف الأتراك العثمانيين على بلاد البلقان وتوغُّلهم فيها, ثم اتجاههم إلى قلب أوروبا, ودخول محمد الفاتح القسطنينية وفتحها سنة 757 هـ = 1453 م, كان ذلك كله بمثابة الضربة الثانية للمسلمين في أوروبا, وكانت الأولى يوم أن عبر المسلمون بقيادة طارق بن زياد جبل طارق سنة 92 هـ - 710 م.
يقول الدكتور عبد العزيز الشناوي في كتابه القيم «الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها» ص 43: «وقد نظرت أوروبا إلى الفتوح العثمانية على أنها فتوح إسلامية, وكان الأتراك العثمانيون - في تقدير أوروبا - هم الرمز الحي المجسِّد للإسلام, واختلط الأمر على الأوروبيين في ذلك الوقت, فكانوا يطلقون على المسلم لفظ تركي». وانظر بقية كلامه, فإنه عال نفيس, ثم انظر الدوي الهائل الذي أحدثه فتح السلطان محمد الفاتح للقسطنطينية في كتاب شيخنا أبي فهر محمود محمد شاكر «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا», واقرأ أيضاً ما كتبه المستشرق الروسي كراتشكوفسكي في كتابه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي» ص 451, عن أثر فتح السلطان سليم العثماني لمصر سنة 923 هـ, وأن استانبول أخذت منذ ذلك الحين تجتذب إليها بشكل مطَّرد أنظار العرب الذين أخذت أوطانهم تدور في فلك الدولة العثمانية بطريق مباشر أو غير مباشر, وفي ذلك الوقت بالتحديد بحث البابا ليون العاشر الإيطالي مع فرنسوا الأول ملك فرنسا, في عام 1515م, مشروع حملة صليبية ضد الترك العثمانيين لوقف زحفهم وتوغلهم.
ثم اقرأ أيضاً ما قاله المؤرخ ابن العماد الحنبلي, في كتابه شذرات الذهب 8/ 143, في ترجمة السلطان سليم العثماني هذا, يقول: «هو من بيت رفع الله على قواعده فسطاط السلطنة الإسلامية, ومن قوم أبرز الله تعالى لهم ما ادخره من الاستيلاء على المدائن الإيمانية, رفعوا عماد الإسلام وأعلوا مناره, وتواصوا باتباع السنة المطهرة, وعرفوا للشرع مقداره» - ويلاحظ أن ابن العماد قائل هذا الكلام توفي سنة 1089 هـ, فهو قريب العهد بأحداث زمان دخول السلطان سليم مصر, وأنه ولد بدمشق وأقام بالقاهرة مدة طويلة, ومات بمكة, فلم يكن عثمانياً يميل بهواه إلى أبناء جلدته, ولم يدخل بلاد الروم - استانبول وما حولها - حتى يكون له فيها حظ من جاه, أو نصيب من نفع, يحملانه على الثناء والمدح - فاقرأ هذا كله وتدبره,
ودع عنك ما يقال عن الغزو العثماني لمصر أو الاحتلال العثماني لمصر, فهذا كله من حديث السياسة, وللسياسة دروب ومضايق, يضيع فيها الحق, ويضل معها الحكيم, وهذه كلها من آفات المتابعة وعدم التحري, على ما قال الجاحظ: «وإنما يؤتى الناس من ترك التثبُّت وقلة المحاسبة».
ولقد قال الناس وأكثروا عن أخذ السلطان سليم للصناع والمهرة من مصر, وسلب المخطوطات, ولقد - والله - رأيت هذه المخطوطات بعيني بالمكتبة السليمية الوطنية في «أدرنة» بشمال تركيا, حيث مات ودفن السلطان سليم, فرأيتها محفوظة مصونة, لم تُمسَّ بسوء.
نشاط علمي وثقافي:
ومهما يكن من أمر فقد واكب نشاطَ سلاطين آل عثمان في الجهاد والفتوح, نشاطٌ آخر في العلم والكتب, وآية ذلك أن كل سلطان أو صدر أعظم كان يحرص على أن يبني بجوار المسجد مدرسة ومكتبة تابعتين له وملحقتين به, ولما كان الناس على دين ملوكهم, فقد اقتدى بالسلاطين في ذلك الوزراء ومشايخ الإسلام, وعلى ذلك, فمجموعات المخطوطات في تركيا تنسب إلى ثلاث طوائف: السلاطين, مثل مكتبة السلطان سليم الأول - وهي المكتبة السليمية بأدرنه التي حدثتك عنها - ومكتبات السلطان محمد الفاتح والسلطان بايزيد, والسلطان أحمد الثالث, والمكتبة السليمانية نسبة إلى السلطان سليمان القانوني - أو المشرِّع - وكلها باستانبول.
والطائفة الثانية: الوزراء, مثل راغب باشا, وشهيد علي باشا, وكوبريلي باشا. والمكتبات الثلاث باستانبول, وكوبريلي باشا هذا, هو الوزير الفاضل أحمد بن محمد, وهو من كبار الرجال في الدولة العثمانية, يقول عنه المحبِّي في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر 1/ 353: «ولم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدين وقانون الشريعة مثله, صعباً شديداً في أمور الشرع, سهلاً في أمور الدنيا, وكان حاذقاً مدبِّراً للمُلك, قائماً بضبطه, ومَلَكَ من نفائس الكتب وعجائب الذخائر ما لا يدخل تحت الحصر, ولا يُضبط بالإحصاء».
قلت: وممن اتصل به من العلماء: العلامة عبد القادر بن عمر البغدادي, صاحب «خزانة الأدب» فأكرمه وحظي عنده بمكانة رفيعة, وقد أهدى له البغدادي مؤلَّفَه «حاشية على شرح بانت سعاد».
والطائفة الثالثة: مشايخ الإسلام, مثل: أسعد أفندي, وعاشر أفندي, وولي الدين أفندي, وعاطف أفندي, وفيض الله أفندي, وعلي أميري أفندي, ووهبي أفندي, وشيخ مراد أفندي - ومكتبته غير مكتبة مراد ملا - وكل هذه المكتبات باستانبول. وإسماعيل صائب أفندي ومكتبته بأنقرة.
ومع هذه الطوائف الثلاث ظهرت طائفة النساء اللائي عنين بجمع المخطوطات, فأنشأنَ لها مكتبات نُسبت إليهن, مثل مكتبة طرخان, وصالحة خاتون, وأسما خان, وجلنوش, وبرتونيال, وكثير من المكتبات التي تسمى «والدة باشا» ثم تضاف إلى ابنها السلطان.

حفظ العلم:
ولعل هذا التنافس في جمع المخطوطات وإنشاء المكتبات بهذا الحشد الكبير في استانبول كان مبعثه رغبة سلاطين آل عثمان والوزراء ومشايخ الإسلام والوجهاء, أن يكون لاستانبول تلك المكانة التي كانت لدمشق عاصمة الأمويين, وبغداد عاصمة العباسيين, ومصر عاصمة الفاطميين والأيوبيين والمماليك.
هكذا يقول بعض الدارسين والمحللين, أما أنا فإني أرى أن هذا كله من تسخير الله بعض عباده لحفظ العلم وبقاء الكتب, ولعل كثيراً من الذين جمعوا المخطوطات وأنشأوا لها الخزائن والمكتبات لم يخطر ببالهم عاصمة كذا وعاصمة كذا, وهل نظن أن امرأة تركية من الفضليات اللائي جمعن المخطوطات وأنشأن المكتبات كانت تفكر في مثل هذا الذي يذكره المحللون؟ إنها عناية الله وتسخير الله, وكلٌ ميسرٌ لما خُلق له, ألستَ ترى بعض الكُتَّاب الآن يكتبون في موضوعات غاية في الخصوصية, ويعكفون على تحقيقات وبحوث, لا تحقق شهرة, ولا تجلب مالاً, ولكنه التسخير الإلهي, ولله في خلقه شؤون.
على أن اللافت للنظر حقاً أن المخطوطات العربية ليست توجد في استانبول وحدها - العاصمة القديمة لتركيا - كما هو الشأن في المخطوطات التي تقتنيها الدول, أن تكون في عواصمها فقط, فإنك واجد مخطوطات كثيرة في غير استانبول, من أنحاء تركيا كلها شرقاً وغرباً وشمالًا وجنوباً, وقد أورد الأستاذ أحمد آتش في مقالة له بمجلة معهد المخطوطات العربية (المجلد الرابع - الجزء الأول) بعنوان: «المخطوطات العربية في مكتبات الأناضول» أورد إحصائية عن المكتبات الكائنة خارج استانبول, قال بعد أن أشار إلى المؤسسات العلمية في أنحاء تركيا: «ولما اضطُرت الدولة العثمانية بعد القرن السابع عشر الميلادي إلى مدافعة قسم كبير من العالم الإسلامي ضد عدوان أوروبا, طرأ على هذه المؤسسات العلمية نوع من الإهمال, ومع ذلك فإنه قد بُذل بعد منتصف القرن الماضي على عهد السلطان عبد الحميد (1876 - 1909) مجهود عظيم لإحياء هذه المؤسسات العلمية, وحسب إحصاء سنة (1311 - 1312) المطبوع في استانبول من قبل وزارة المعارف, في سنة 1318, فقد ثبت أنه كان موجوداً في المملكة العثمانية ما عدا استانبول 272 مكتبة, تحتوي على 773, 76 نسخة مخطوطة», ثم ذكر أسماء هذه المكتبات ومكانها من بلدان تركيا, وعدد المخطوطات بها. ثم ذكر أنه يوجد الآن في الأناضول وضواحيها 59 مكتبة, أوردها بأسمائها وبلدانها وعدد المخطوطات بها.
وقد زرت أنا من هذه المدن ورأيت مخطوطاتها: أدرنه - بورسة - إسكي شهر - كوتاهية - أماسية - قيسارية - سمسون - قونية, وهي بلد الصوفي الكبير جلال الدين الرومي, صاحب «المثنوي» وبها قبره, وبها أيضاً قبر صدر الدين القونوي الفقيه الشافعي الصوفي.
وعلى ذلك فقلَّ أن تجد مدينة من بلاد تركيا المتراحبة الواسعة ليس بها مكتبة مخطوطات, و هذا فرق ما بين تركيا وبين سائر الدول التي تضم مخطوطات في عواصمها فقط, أو مدنها الشهيرة, كما ذكرتُ من قبل. وتستطيع أن تقول باطمئنان: إن تركيا تعد أول دولة, من حيث تجميع المخطوطات وعددها, ولئن كان كثير من المشتغلين بعلم المخطوطات يقدِّرون عدد المخطوطات في مكتبات العالم بنحو ثلاثة ملايين مخطوط, فإني أرجِّح أن ما تضمه تركيا يبلغ نحو ثلث هذا العدد.
ومن بين مدن تركيا على امتدادها واتساعها تنفرد مدينة استانبول بثلثي التراث المخطوط في تركيا, فهي بحق مدينة المآذن والمخطوطات, وقد حدثتك من قبل عن مكتباتها المنسوبة إلى السلاطين والوزراء ومشايخ الإسلام, وهناك مكتبات أخرى غير هذه المكتبات المنسوبة, مثل طوبقبوسراي, ونور عثمانية, ومراد ملا, والبلدية, وجامعة استانبول وملت كتبخانه, وسليم أغا بأسكودار, في البر الآسيوي من استانبول, ويُوصل إليها بالباخرة من أمينون في قلب استانبول, أمام مسجديني جامع, إلى مكتبات أخرى ضُمت إلى المكتبة السليمانية, وتُعد هذه المكتبة أضخم مكتبات استانبول, وقد أمر بإنشائها السلطان سليمان القانوني - أو المشرِّع - ابن السلطان سليم الأول فاتح مصر, وقد قام بتصميمها وبنائها «معمار سنان» وهو ذلك المعماري الشهير الذي بنى عشرات المساجد والتكايا والحمامات, وقد انتهى من بناء المكتبة سنة 964 هـ - 1557 م, وتقع هذه المكتبة العريقة بالقرب من مسجد السليمانية, وتتوسط المكتبة حديقة صغيرة مزدانة بالورد والزنابق, وتظللها شجرة صنوبر ضخمة تغطي الحديقة كلها بأغصانها المتناسقة.
وفي جانب من المكتبة - وفي القسم الثاني منها - كتبت لوحة تقول: «أنشأ هذه المكتبة المعمار سنان بين 1549 - 1557 ميلادي, بأمر السلطان سليمان القانوني ابن السلطان سليم الأول. يوجد اليوم في مكتبتنا 101 خزانة كتب. أما المخطوطات الموجودة في مكتبتنا فهي 63947 مجلداً, والمطبوع 38500 مجلداً فقط, منها المخطوطات التركية 11451 مجلداً - المخطوطات العربية 48854 مجلداً - المخطوطات الفارسية 3641 مجلداً. وبلغ مجموع عدد المخطوطات الموجودة في المكتبة أكثر من 100.000 كتاب ورسالة».
وتضم المكتبة أقسام التصوير والفهرسة, وتعقيم المخطوطات وترميمها وتجليدها, ثم تسجيلها على الكمبيوتر. ويشيع في هذه المكتبة جو من السكينة والجلال لم أحسَّهما في مكتبة من مكتبات المخطوطات شرقاً وغرباً.
أما الخدمة المكتبية في هذه المكتبة فشيء معجِب حقاً, تطلب المخطوط فتأتيك به الموظفة تحمله بين يديها في حنو وحدب وإشفاق, وكأنه وليد طال انتظاره, على ما قال ساعدة بن جؤيَّة الهذلي:
أتاها على هون وقد شاب رأسها ... وحين تصدى للهوان عشيرها
ثم تظل عيناها معلقة بك وبه, فإذا رأت منك جفاء مع المخطوط, كاتكاء بيدك عليه, أو بلِّ إصبعك لتقليب صفحة من صفحاته, أو اتخاذه سناداً لما تكتب ردتك عن ذلك رداً جميلًا, ولهذا ترى كثيراً من المخطوطات محتفظة بروائها وحمالها, وكأنها خرجت من يد النساخ للتو واللحظة.
وتوشك هذه المكتبة السليمانية أن تكون المكتبة المركزية العامة للمخطوطات, فإن وزارة الثقافة التركية تعمل على نقل المخطوطات إليها من الأقاليم البعيدة لتكون قريبة من الباحثين.
وإذا كانت تركيا تملك أكبر قدر من المخطوطات في العالم, فإنها كذلك تحتفظ بأكبر قدر من النفائس والنوادر, وللنفاسة والندرة في عالم المخطوطات معايير كثيرة, من أبرزها وأظهرها قدم المخطوط, ونجد في مخطوطات تركيا كتباً ذوات عدد يرجع تاريخ نسخها إلى القرون المتقدمة: كالثالث والرابع والخامس والسادس, فضلاً عن المخطوطات التي كُتبت بأقلام مؤلفيها أو تلاميذهم, والمخطوطات الفريدة التي لا تُعرف لها نسخ أخرى في مكتبات العالم, كل ذلك وأشباهه مما تغص به مكتبات تركيا, فمن نماذج القِدم والعتاقة هذه المخطوطات:
* المأثور عن أبي العميثل الأعرابي, في اللغة, المتوفى سنة 240هـ, نُسخ سنة 280هـ, بخط نسخ مشكول بالحركات شكلاً جيداً, وهذا يفيد في معرفة تاريخ الشكل بالحركات, كيف كان في ذلك الزمان المتقدم. والنسخة بمكتبة ولي الدين باستانبول
* دستور ثابت بن قرة المتوفى سنة 288 هـ - وهو كتاب في آلات الساعات - نُسخ سنة 370هـ مكتبة كوبريلي باستانبول.
* رسالة مدح الكتب والحث على جمعها للجاحظ المتوفى سنة 255هـ بخط علي ابن البواب الخطاط الشهير, سنة 413هـ متحف الأوقاف باستانبول.
* تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن, للبيروني المتوفى سنة 440هـ نُسخ سنة 416هـ (أي في حياة المؤلف) مكتبة الفاتح باستانبول.
* شرح كتاب أرسطوطاليس للفارابي المتوفى سنة 339هـ نُسخ سنة 538هـ مكتبة أحمد الثالث باستانبول.

وليست النفائس والنوادر في مكتبات استانبول وحدها, بل هي في سائر المكتبات التركية, ومما رأيته بعيني من تلك النفائس: نسخة من «جامع معمر بن راشد» المتوفى سنة 153, وكتابه هذا في الحديث, وهو أقدم من «موطأ مالك» كما يقول ابن سمرة في طبقات فقهاء اليمن ص 66, والنسخة بخط مغربي على رق غزال سنة 364, وقد رأيتها في مجموعة إسماعيل صائب أفندي بمكتبة كلية الآداب بجامعة أنقرة, ومجموعة إسماعيل صائب هذه تحتوي على كثير من النفائس, لأن جامعها هذا كان يعمل مديراً لمكتبة بايزيد باستانبول, وقد جمع هذه المكتبة لنفسه خاصة لتحمل اسمه, وقد ظلت هذه المجموعة حبيسة الصناديق نحو عشرين عاماً, ولهذا لم تتضمنها موسوعة «تاريخ الأدب العربي» للمستشرق الألماني كارل بروكلمان, ومن نفائسها أيضاً كتاب «حلية الفقهاء» لابن فارس المتوفى سنة 395هـ نُسخ سنة 589هـ وترجع نفاسة هذه النسخة - مع قِدم نَسْخها - إلى أنها النسخة الوحيدة في العالم إلى الآن. وعنها كانت نشرة الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي وزير الدعوة والشؤون الإسلامية بالمملكة العربية السعودية.
ومن النفائس التي رأيتها بمكتبة قونية: نسخة من «المقصور والممدود» لابن ولاد المتوفى سنة 332هـ ونسخة من «المذكر والمؤنث» لأبي حاتم السجستاني المتوفى سنة 255هـ وكلتا النسختين من خطوط القرن الرابع. ثم رأيت في قونية أيضاً نسخة من «غريب القرآن» لابن قتيبة المتوفى سنة 276هـ من خطوط القرن السادس, ولم ير أستاذنا السيد أحمد صقر رحمه الله, هذه النسخة عند نشره للكتاب سنة 1778 هـ = 1958, وإنما كان تعوليه على نسخة وحيدة كانت صورتها في مكتبة المحدِّث الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر.
ومما رأيتُ من النفائس مجموعة شعرية كُتبت بخط نسخي جيد من خطوط القرن السابع تقديراً, تشتمل على أشعار بشر بن أبي خازم, وتميم بن أبي بن مقبل, والطرمَّاح بن حكيم. وهذه المجموعة الشعرية محفوظة في مدينة صغيرة تسمى «جوروم» تقع في هضاب الأناضول في الوسط, إلى الشمال الشرقي من أنقرة العاصمة, وعن هذه المجموعة نشر الدكتور عزة حسن دواوين الشعراء الثلاثة بدمشق.
أما نسخ المصاحف القرآنية, والمخطوطات الخزائنية - وهي التي جُوِّدت وزُيِّنت لخزائن السلاطين والملوك, والمخطوطات المزوقة, فشيء بالغ الكثرة.
وهكذا امتلأت خزائن تركيا بالمخطوطات العربية التي تنافَسَ في جمعها السلاطين والوزراء ومشايخ الإسلام, ووجهاء الناس حتى النساء, جمعوها من البلاد التي طالها حكمهم ثم حفظوها وصانوها, كما يصون كرام الأبناء ودائع الآباء, وهذا الحفظ وتلك الصيانة قامت بهما تركيا العثمانية (الخلافة) وتركيا العلمانية (الجمهورية) سواء بسواء.
وليس فضل الأتراك العثمانيين على اللسان العربي, وعلى الفكر العربي محصوراً فقط في هذا القدر الكبير من المخطوطات العربية التي جمعوها وحفظوها, بل قد جاءنا منهم خير كثير: جاءنا منهم أعظم وأجمع ما كُتب في علم أحوال الكتب, أو قوائم الكتب (الببليوغرافيا العربية), وهو كتاب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون, لمصطفى بن عبد الله, كاتب جلبي, المعروف بالحاج خليفة, أو: حاجي خليفة, المولود باستانبول سنة 1017 ه ، = 1609 م, والمتوفى بها سنة 1067 هـ = 1657 م, وهذا الكتاب «من أوسع ما بأيدي الباحثين اليوم من الكتب المؤلفة في استقصاء ذكر المؤلفات في الإسلام, وأنفعها في بيان أحوال الكتب, كما يقول بلديه العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري, وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية, والمتوفى بمصر سنة 1371 هـ - في كتابه مقالات الكوثري ص 478.

ولهذا الكتاب - كشف الظنون - قيمة كبرى في رصد حركة التأليف العربي, وتتبُّع مساره منذ بداية التدوين حتى القرن الحادي عشر الهجري. ومادته العلمية غزيرة جداً, فقد ذكر نحو (200) علم وفن, ونحو (15000) عنوان كتاب, ونحو (9500) مؤلف.
وجاءنا من تركيا العثمانية أيضاً «الخط العربي», هذا الفن الجميل الذي يُعَد معلماً بارزاً من معالم الإبداع الفني عند المسلمين, وخاصية حضارية ينفردون بها عن سائر الشعوب.
وإذا كان تاريخنا يذكر أسماء عظيمة كان لها أثر واضح في تزيين الخط العربي والإبداع فيه, مثل ابن مقلة الوزير الشاعر البغدادي (328 هـ), وابن البواب البغدادي (423 هـ) وقد هذب طريقة ابن مقلة, وكساها رونقاً وبهاء, ويقال: إنه كتب القرآن بيده 64 مرة, ومن حسن حظنا أن يبقى من خطه أثر, وهو «شعر سلامة بن جندل» في مخطوطة كتبها بقلمه الجميل سنة 408, وهي محفوظة بمكتبة بغداد كشك باستانبول. وكذلك بقي من خطه رسالة «مدح الكتب والحث على جمعها» للجاحظ, وقد ذكرتها من قبل. وياقوت المستعصمي الرومي (689 هـ) وآثار هذا الخطاط كثيرة, في تركيا وفي غيرها, وبخاصة المصاحف الشريفة. وفي مكتبة السليمانية وحدها نسختان من المصحف الشريف بخطه.
أقول: إذا كان تاريخنا قد سجَّل هذه الأسماء التي أبدعت وجودت في الخط العربي, فإن الخطاطين الأتراك العثمانيين قد ارتقوا بهذا الفن إلى أعلى درجاته, وتألقت أقلامهم وأبدعت تشكيلات هي الغاية والمنتهى, وسيظل تاريخ الخط العربي يردد أسماء الخطاطين الأتراك العثمانيين, مثل الحافظ عثمان, وأسعد اليساري, وقاضي العسكر مصطفى عزت, والحاج حسن رضا, وحقي, وسامي, وخلوصي, وعثمان أوزجاي, ومحمد أوزجاي, وقنوي, وحمد الله المعروف بابن الشيخ, وأحمد كامل المعروف برئيس الخطاطين, ثم العلم الكبير: حامد الآمدي. وقل أن تجد واحداً من هؤلاء لم يكتب المصحف الشريف, فكان كلام ربنا عز وجل مجلى فن هؤلاء الخطاطين الذين أجادوا في كتابته غاية الإجادة, ما بين كتابته كاملاً, أو كتابة بعض آياته, حتى قيل بحق: «إن القرآن الكريم نزل بمكة, وقُرئ في مصر, وكُتب في استانبول».
وهذا الإبداع في فن الخط العربي ليس في المسطور بين دفتي كتاب فقط, فأنت تراه أيضاً يزين جدران وقباب المساجد كلها صغارها وكبارها, بأقلام الخط الستة المعروفة, وإن كان أكثر ما رأيته في المساجد: الثلث والفارسي, ومن المألوف في أكثر المساجد أن تجد مكتوباً: الله جل جلاله - محمد صلى الله عليه وسلم - الصحابة الأربعة الراشدين, ثم الحسن والحسين, وأحياناً الصحابة الستة الذين تتم بهم العشرة المبشرون بالجنة.
ومن أنفس وأبدع المجموعات الخطية ما رأيته في مسجد السليمانية باستانبول, والمسجد الكبير بمدينة بورسة, وهو المسمى «أولو جامع», فالخطوط في هذين المسجدين من وراء الوصف, فهي من الأشياء التي تحيط بها المعرفة ولا تدركها الصفة. ولست أدري كيف كتب ذلك الخطاط التركي العظيم تلك القافات الثلث في مدخل جامع بورسة, فقد كتب بها سورة العلق: «قافات كبيرة جداً على شكل دائرة ثم وصل بينها ببقية الآيات بالحرف الصغير, وكذلك صنع بالسينات التي تنتهي بها سورة الناس».
لفظ الجلالة:
على أن أبدع وأجمل ما رأيته في كتابه لفظ الجلالة «الله» و «محمد» صلى الله عليه وسلم, ما رأيه في صدر كنيسة آيا صوفيا التي حوَّلها السلطان محمد الفاتح إلى مسجد, وقد تحول هذا المسجد الآن إلى متحف, وقد راعني ما رأيت: قباب عالية تملؤها خطوط تخطف البصر بجمالها, وعلى جانبي الكنيسة آثار إسلامية, مستحدثة على هذا البناء الكنسي العتيق, وفي مكان الهيكل وبعيداً عنه -شيئاً ما- أُقيمَ المحراب, وعلى يمينه نهض منبر فخم, ومن وراء المحراب بقيت صورة السيدة مريم عليها السلام في صدر الهيكل. ومما يلفت النظر في هذه الكنيسة أن الآثار المسيحية لم تُمح فبقيت كما هي, ثم استُحدثت أبنية إسلامية كبعض الإيوانات ومصلى النساء.
ومما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه أن عناية الأتراك بالخط العربي وتحسينه لا زالت باقية إلى الآن في تركيا (الجمهورية), ومن الخطاطين الأتراك المعاصرين: داود بكتاش, وإيدين أركون, وعثمان أونال, وأفضل الدين فيلج, وعلي طوى, وتحسين قورت, وآي تكين أرسلان, ثم يتقدم هؤلاء كبيرهم الأستاذ حسن جلبي خطاط الجمهورية. فما برح النهر يجري متدفقاً زخاراً.
ورغم أن لمصر تاريخاً في فن الخط العربي, فإن أثر الخطاطين الأتراك كان واضحاً على هذا الفن في مصر, وحين أنشأ الملك فؤاد مدرسة تحسين الخطوط الملكية عام 1920م - ومقرها كان ولا يزال بمدرسة خليل آغا الثانوية بشارع الجيش - قام بالتدريس فيها الخطاطون المصريون المعروفون آنذاك: الشيخ علي بدوي, والشيخ محمود رضوان, ومحمد إبراهيم, ونجيب هواويني, وهو سوري عاش ومات في القاهرة, ثم استقدم الملك فؤاد خطاطاً تركياً كبيراً من استانبول هو «الشيخ محمد عبد العزيز الرفاعي» الذي يوقع أحياناً على خطوطه باسم «عزيز», وهو من تلاميذ الخطاط الحاج أحمد العارف الفلبوي, والخطاط حسن حسني القرين آبادي, كما ذكر هو في بعض لوحاته.
وقد أثر الشيخ عبد العزيز تأثيراً كبيراً في تلاميذه الذين درسوا على يديه وارتقى به فن الخط في مصر ارتقاءً عظيماً, وظهر أثره واضحاً في سيد إبراهيم, وبخاصة في خط الثلث, وفي محمد حسني, وبخاصة في الخط الفارسي.
وقد جُمعت روائع الشيخ عبد العزيز الرفاعي في كتالوج فخم جداً, وفيه ترجمة لحياته وأسفاره, وطبع هذا الكتالوج في استانبول سنة 1988م, وفيه صورة رسالة بخط الشيخ عبد العزيز الرفاعي إلى شيخ الأزهر, وهي وثيقة مفيدة, في تاريخ نزوله بمصر ومحل إقامته.
وهذه صورة الوثيقة: «حضرة صاحب الفضيلة شيخ الجامع الأزهر الشريف. أعرض لفضيلتكم أني دُعيت من الآستانة العلية لكتابة المصحف الشريف لحضرة مولانا صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول, وقد كتبت نموذجاً لطلبة المدارس والأزهر, وها هو مرفق طيه للاطلاع عليه حتى إذا حاز القبول يكرم باعتماد تقريره بالأزهر, وإني مستعد لتقديم الكمية اللازمة, وفي الختام تفضلوا بقبول فائق الاحترام - في 23 أكتوبر سنة 1923 الشيخ محمد عبد العزيز الرفاعي الخطاط المقيم بتكية المولوية بشارع السيوفية نمرة 31 قسم الخليفة».
توفي الشيخ عبد العزيز ودفن في استانبول يوم 16 من أغسطس سنة 1934م وقبره قريب من مسجد الفاتح, وهو أكبر خطاط في هذا الجيل, وترى نماذج من خطه في عنوانات بعض الكتب التي طبعتها دار الكتب المصرية: الأغاني للأصفهاني, وذيل الأمالي والنوادر لأبي علي القالي, والجامع لأحكام القرآن للقرطبي, ونهاية الأرب للنويري. ورأيت في الستينات بعض لوحات بخطه في قاعة المعارضة بدار الكتب المصرية, لا أعرف مصيرها الآن.
وإلى جانب هذا الكتالوج الخاص بالشيخ عبد العزيز الرفاعي, رأينا عملًا رائعاً آخر أصدره مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية, التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي, وهو كتاب «فن الخط» وهو ثمرة جهود طويلة قام بها فريق من الباحثين تحت إشراف الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلي مدير عام المركز, ويضم الكتاب مقدمة تاريخية حول نشأة الكتابة العربية وأعلام الخطاطين القدامى, إلى أن يصل إلى الخطاطين العثمانيين, ويحتوي الكتاب على 192 لوحة وصورة بالألوان.
ويقوم هذا المركز بجهود عظيمة في مجال التاريخ والفنون الإسلامية, ومن صور نشاطه إقامة مسابقات دولية لفن الخط العربي توجه منها الدعوة لخطاطي العالم كله. ومن إصداراته الجيدة «فهرس مخطوطات مكتبة كوبريلي» في ثلاثة مجلدات ضخام - استانبول 1406 ه، = 1986م, وفهرس مخطوطات الطب الإسلامي باللغات العربية والتركية والفارسية في مكتبات تركيا, 1404 هـ = 1984 م, ويدير هذا المركز ويوجه نشاطه شاب مثقف, يتوقد ذكاء, ويتوهج حماسة, هو الأستاذ الدكتور «أكمل الدين إحسان أوغلي» وهو تركي, ولكنه مصري المولد والنشأة والتعليم, تخرج في كلية العلوم, وعين معيداً بجامعة الأزهر في أول سني التطوير, ثم أكمل تعليمه العالي في لندن, وعاد إلى موطنه تركيا.
ووالده الشيخ «إحسان» من علماء الأتراك الذين نزلوا مصر, واتخذوها داراً ومقاماً, وكان رئيس قسم الفهارس الشرقية بدار الكتب المصرية إلى أوائل الستينات. رأيته شيخاً مهيب الطلعة, حسن السمت, صالح الوجه.
ولا يبقى إلا أن نلتفت التفاتة جادة إلى تجربة الأتراك في حفظ المخطوطات وصيانتها, وأن ننقلها إلى ديارنا, فالحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها. كذلك ينبغي أن نستفيد من جهودهم في فن الخط العربي, جمعاً لروائعه ونشراً لها, وإني أدعو ورثة الخطاطين المصريين الكبار, من أمثال سيد إبراهيم ومحمد حسني ومحمد إبراهيم ويوسف أحمد, والخطاطين الأحياء أمثال محمد عبد القادر وحسين أمين, ومن إليهما, أدعو هؤلاء جميعاً إلى جمع ما لديهم من خطوط, ونشرها بين دفتي كتاب يحفظها, أثراً يبقى ونموذجاً يحتذى, بل إننا لو جمعنا فقط عنوانات الكتب التي خطها سيد إبراهيم ومحمد حسني لأظهرنا كنزاً من الفن العالي, ولأحيينا تاريخاً عزيزاً كاد يضيع بتأثير الكمبيوتر وتشكيلاته المستحدثة التي لا تقوم على قواعد, ولا تستند إلى أصول, كما ذكر الأستاذ حامد العويضي في مقالته الجيدة «جماليات الخط العربي أمام مخاطر الكمبيوتر» - عدد أكتوبر الماضي من الهلال.
والحق أن هذا الذي نراه من الكمبيوتر الآن من تخليط واضطراب إنما سبقه ومهد له, وأغرى به ما قام به بعض الرسامين وخريجي الفنون الجميلة منذ زمن, من اللعب بقواعد الخط العربي وتجاوزها, في هذه الخطوط الصاعدة والهابطة, والمنتصبة والمضطجعة, وقد قالوا وقتها: إنه الخط الحر, على مثال الشعر الحر, وكلها فتن ومصائب يأخذ بعضها برقاب بعض, ولا نتنبه لها في بدايتها ونتركها حتى تعظم ويتطاير شررها, على ما قال الحارث بن وعلة الذهلي:
والقول تحقره وقد ينمي ... وبالله نستدفع البلايا

* * *

في كم يتلى القرآن؟ (76)

القرآن كلام الله, تنزيل من حكيم حميد, نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين, وقد أمر عليه السلام بتلاوته على أمته, وأُمرت أمته بتلاوته وتدبر آياته والعمل بها, وقد أثنى ربنا عز وجل على عباده التالين له, فقال تقدست أسماؤه: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (30)} [فاطر].
ويأتي رمضان كل عام مذكراً بهذا النور المبين, فقد نزل القرآن الكريم في ليلة مباركة منه. والمسلم وإن كان مأموراً بقراءة القرآن في كل وقت وحين, فإنه يجد لذة وأنساً حين يقرؤه في رمضان لا يجدهما في وقت آخر, ونعم إن القرآن يطيب به الفم ويزكو به العمل في كل آن, ولكن الله يجعل لبعض الأيام ولبعض المواضع خصوصية ليست لغيرهما, وقد روي عن محمد بن مسلمة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها», مجمع الزوائد للهيثمي 10/ 231.
ولقد حفظت القرآن صغيراً, واشتغلت بعلومه كبيراً, وقرأته على فحول شيوخه واستمعته من كبار مقرئيه, ولا زلت مغموراً بنوره وضيائه, فهو معي في مغداي ومراحي, وفي حِلِّي وترحالي, والحمد لله, ولكن حلاوته تعظم في فمي, ونغمه يعذب في سمعي حين أقرؤه في رمضان, وفي الحرمين الشريفين, وكم كان قلبي يخشع وكياني يهتز, ودموعي تجري حين أقرأ - وأنا في الروضة الشريفة - تلك الآيات التي تخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم وتناديه, فأقرأ وأتمثل وأستحضر وأنا بقرب النور وفي كرم الجوار, فأي جلال وأي جمال!
وما دخلت المسجد النبوي مرة إلا وقرأت سورة النساء, لأستحضر تلك الصورة الغالية الخاشعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مسعود يقرأ عليه سورة النساء وذلك ما رواه البخاري عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ عليَّ القرآن», قلت: يا رسول الله, أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «نعم», فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41)} قال: «حسبك الآن». فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. صحيح البخاري (باب قول المقرئ للقارئ حسبك من كتاب فضائل القرآن) 6/ 241.
وهكذا تكون معرفة التفسير وأسباب النزول معينة على فهم القرآن وتدبره, فإذا انضم إلى ذلك معرفة غريبه ووجوه قراءاته ونحوه وإعرابه ومعانيه, كان ذلك أعون على معرفة أسراره والوقوف على دقائقه, ثم التلذذ بتلاوته, واستصغار لذائذ الدنيا كلها بجوار آية واحدة من آياته يتلوها المؤمن مستجمعاً لها فكره مخلياً لها قلبه, ولذلك يقول أحمد بن أبي الحوارى المتوفى سنة 230: «إني لأقرأ القرآن فأنظر في آية فيحار عقلي فيها, وأعجب من حُفَّاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشيء, من الدنيا وهم يتلون كلام الرحمن؟ أما لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه, وتلذذوا به, واستحلوا المناجاة به, لذهب عنهم النوم, فرحاً بما رُزقوا ووقفوا».
والقرآن مؤنس لتاليه, مزيل لوحشته, يقول الراغب الأصفهاني في مقدمة كتابه «حل متشابهات القرآن»: «فاتفقتْ خلوة سطوتُ على وحشتها بالقرآن ... وكانت هذه الخلوة خلوة عين لا خلوة قلب, واضطرار لا عن اختيار, بل لقهر وغلب». والظاهر أن المراد بهذه الخلوة السجن. مقدمة تحقيق كتاب المفردات في ألفاظ القرآن ص 29.
والمسلم حين يتلو القرآن ليس لساناً يضطرب في جوبة الحنك فقط, ولكنه لسان يتلو, وقلب يخشع, ونفس تموج, وعزم ينهج, ولعمر بن الخطاب رضي الله عنه كلام نفيس, في أن المسلم مطالب بأن يجمع القرآن ويحفظه ويحيط به ويجعله إمامه في جوارحه كلها, وفي عمله كله, وذلك ما أخرجه ابن جرير الطبري عن الحسن «أن ناساً لقوا عبد الله بن عمرو بمصر, فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله, أمر الله أن يُعمل بها, لا يُعمل بها, فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك. فقدم وقدموا معه, فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: متى قدمت؟ قال: منذ كذا وكذا, قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه, فقال: يا أمير المؤمنين, إن ناساً لقوني بمصر فقالوا: إنَّا نرى أشياء من كتاب الله تبارك وتعالى, أمر أن يُعمل بها لا يُعمل بها؛ فأحبوا أن يلقوك في ذلك. فقال: اجمعهم لي, قال: فجمعتهم له ... فأخذ أدناهم رجلاً, فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك, أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم, قال: فهل أحصيته في نفسك؟ قال: اللهم لا, - قال: ولو قال «نعم» لخصمه -, قال: فهل أحصيته في بصرك؟ هل أحصيته في لفظ؟ هل أحصيته في أثرك؟ قال: ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم, فقال: ثكلت عمر أمه! أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات. قال: وتلا: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريما (31)} [النساء] هل علم أهل المدينة أو قال: هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا: لا, قال: لو علموا لوعظت بكم) تفسير الطبري: 8/ 254, 255.

قال شيخنا أبو فهر محمود محمد شاكر: «وقوله: «لوعظتُ بكم», أي: لأنزلتُ بكم من العقوبة ما يكون عظة لغيركم من الناس, وذلك أنهم جاءوا في شكاة عاملهم على مصر, وتشددوا ولم ييسروا, وأرادوا أن يسير في الناس بما لا يطيقون هم في أنفسهم من الإحاطة بكل أعمال الإسلام, وما أمرهم الله به, وذلك من الفتن الكبيرة, ولم يريدوا ظاهر الإسلام وأحكامه, وإنما أرادوا بعض ما أدب الله به خلقه, وعمر أجل من أن يتهاون في أحكام الإسلام. إنما قلت هذا وشرحته مخافة أن يحتج به محتج من ذوي السلطان والجبروت, في إباحة ترك أحكام الله غير معمول بها, كما هو أمر الطغاة والجبابرة من الحاكمين في زماننا هذا».
ولهذه الغايات كلها أُمرنا بترتيل القرآن, في قوله عز وجل مخاطباً وآمراً نبيه صلى الله عليه وسلم - والأمر لأمته معه - {ورتل القرآن ترتيلا (4)} [المزمل: 4], قال القرطبي: «أي لا تعجل بقراءة القرآن, بل اقرأه في مهل وبيان, مع تدبر المعاني. والترتيل: التنضيد والتنسيق وحسن النظام, ومنه ثغر رتِل ورتَل, بكسر التاء وفتحها: أي حسن التنضيد». تفسير القرطبي 19/ 37
وحُكي عن أبي بكر بن ظاهر قال: «تدبر في لطائف خطابه, وطالب نفسك بالقيام بأحكامه, وقلبك بفهم معانيه, وسِرك بالإقبال عليه».
وروي أن علقمة بن قيس قرأ على عبد الله بن مسعود, فكأنه عجل, فقال ابن مسعود: «فداك أبي وأمي, رتّل فإنه زين للقرآن» المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز, لأبي شامة المقدسي ص 198.
لكن قوماً من أهل الصدق والإخلاص - في زماننا ومن قبل زماننا - حسنت نياتهم, وسلمت صدورهم, يرغبون في إحراز الأجر ومضاعفة الثواب, يشتدون في هذا الشهر المبارك, ويبالغون في ختم القرآن أكثر من مرة, ويتباهون في ذلك, فيقول أحدهم: ختمته عشرين مرة, ويقول آخر: بل ختمته ثلاثين, ثم يزيد بعضهم وينقص بعضهم, وما يدرون أنهم بذلك يبتعدون عن السنة المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعن صحابته الأكرمين.
فقد روى البخاري ومسلم, عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما, قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم أُخبَر أنك تصوم الدهر, وتقرأ القرآن كل ليلة؟», قلت: بلى يا نبي الله, ولم أرد بذلك إلا الخير, قال: «فصم صوم داود - وكان أعبد الناس - [كان يصوم يوماً ويفطر يوماً], واقرأ القرأن في كل شهر», قال: قلت يا نبي الله, إني أطيق أفضل من ذلك, قال: «فاقرأه في كل عشرين», قال: قلت: يا نبي الله, إني أطيق أفضل من ذلك, قال: «فاقرأه في كل عشر», قال: قلت: يا نبي الله, إني أطيق أفضل من ذلك, قال: «فاقرأه في كل سبع, لا تزد على ذلك», قال: فشدّدتُ, «فشُدّدَ علي», وقال لي: «إنك لا تدري, لعلك يطول بك عمر». قال فصرت إلى الذي قال لي النبي صلى الله عليه وسلم, فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم. جامع الأصول في أحاديث الرسول, لمجد الدين بن الأثير 2/ 471, 472, و جمع للحديث طرقاً أخرى.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال «لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله», وروي عنه أيضاً أنه قال: «لأن أقرأ القرآن في ثلاث أحب إلي من أن أقرأه في ليلة كما يُقرأ هذرمةً». والهذرمة: السرعة في الكلام والمشي, وقال: هذرم في كلام هذرمة: أي خلط, ويقال للتخليط: الهذرمة.
وثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أن رجلًا قال له: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة, فقال عبد الله بن مسعود: أهذّاً كهذّ الشِعر؟ إن أقواماً يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم, ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع», أراد: أتهذُّ القرآن هذّاً فتسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر؟ والهذّ: سرعة القطع.
والمفصل من سور القرآن: من سورة الحجرات إلى سورة الناس, وقيل غير ذلك, وسمي مفصلًا لكثرة الفصول بين سوره, أو لقلة المنسوخ فيه, بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروزآبادي 4/ 194.
وسُئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران, ورجل قرأ البقرة, قيامهما واحد, وركوهما واحد, وسجودهما واحد, وجلوسهما واحد, أيهم أفضل؟ فقال: الذي قرأ البقرة, ثم قرأ: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (106)} [الإسراء: 106], وانظر بيان ذلك كله في: المرشد الوجيز ص 197, والتبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص 71.
وإذا كان كثير من الناس يشتدون ويجتهدون في ختم القرآن في رمضان أكثر من مرة, فإن كثيراً منهم أيضاً كان على السنة, وعلى المنهج الراشد المقتصد. فقد رُوي أن أبا رجاء العطاردي - وكان إماماً كبيراً من المخضرمين - كان يختم بأصحابه في قيام رمضان القرآن كل عشرة أيام. حليلة الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني 2/ 306, وصفة الصفوة لابن الجوزي 3/ 221.
وقال القرطبي في كتاب التذكار في أفضل الأذكار ص 67: «وذهب كثير من العلماء إلى منع الزيادة على سبع, أخذاً بظاهر المنع في قوله: «فاقرأه في سبع ولا تزد - يعني في حديث عبد الله بن عمرو السابق - واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم, فلم يرو عنه أنه ختم القرآن كله في ليلة, ولا في أقل من السبع, وهو أعلم بالمصالح والأجر, وفضل الله يؤتيه من يشاء, فقد يعطي على القليل ما لا يعطي على الكثير».
وروي أن عبد الله بن مسعود كان يقرأ القرآن في غير رمضان من الجمعة إلى الجمعة, ويقرؤه في رمضان في ثلاث, وكذلك كان تميم والأعمش يختمان في كل سبع, وكان أُبي يختمه في كل ثمان, وكان الأسود يختمه في ست, وكان علقمة يختمه في خمس, جمال القراء وكمال الإقراء لعلم الدين السخاوي 1/ 107.
وقد عقد أبو عمر الداني باباً في (كم يُستحب ختم القرآن وما روي عن الصحابة والتابعين في ذلك), في كتابه البيان في عد آي القرآن صفحة 321.
بل إن بعض الصحابة والتابعين كان يقف في قراءته عند سورة بعينها, يظل يرددها, أو آية بخصوصها, فلا يزال يكررها, طلباً للتدبر, وخشوعاً لجلال المعنى, وكان إمامهم في ذلك وقدوتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقد روي عن أبي ذر رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة من الليالي يقرأ آية واحدة الليل كله حتى أصبح, بها يقوم, وبها يركع, وبها يسجد {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118)} [المائدة: 118], وعن تميم الداري أنه أتى المقام - في الكعبة الشريفة - ذات ليلة, فقام يصلي, فافتتح السورة التي تذكر فيها الجاثية, لما أتى على هذه الآية: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ما يحكمون (21)} [الجاثية: 21], لم يزل يرددها حتى أصبح, وعن ابن مسعود أنه لم يزل يردد: {وقل رب زدني علما (114)} [طه], حتى أصبح. وعن عامر بن عبد القيس أنه قرأ من سورة المؤمن - غافر - فلما انتهى إلى قوله تعالى: {وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} [غافر: 18] لم يزل يرددها حتى أصبح. وروى عروة بن الزبير أنه دخل على خالته أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وهي تصلي وأنها افتتحتْ سورة الطور فلما انتهت إلى قوله تعالى: {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) } [الطور] ذهبت إلى السوق في حاجة, ثم رجعت وهي تكررها, وهي قائمة في صلاتها.
وعن سعيد بن جبير أنه ردد هذه الآية في الصلاة بضعاً وعشرين مرة: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (281)} [البقرة], وعنه أيضاً أنه استفتح بعد العشاء الآخرة بسورة: {إذ السماء انفطرت (1)}, فلم يزل فيها حتى نادى منادي السحر. المرشد الوجيز ص 195 - 197.
فمدار الأمر في تلاوة القرآن على التدبر واستحضار المعاني, وتأمل الإشارات وتبين الدلالات, فمن أنس في نفسه قدرة وجلادة, مع تحقيق هذه الغايات وتعهد الواجبات الأخرى من الفرائض والنوافل, ومن سعى في أمور المعاش وإعمار الحياة, فليقرأ ما شاء الله له أن يقرأ, على ألا يزيد على السنة المأثورة.
وللحافظ الذهبي هنا كلام جيد, ينبغي ذكره وتأمله, قال رضي الله عنه, تعقيباً على حديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق: «وصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نازله إلى ثلاث ليال, ونهاه أن يقرأ في أقل من ثلاث, وهذا كان في الذي نزل من القرآن, ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث. فما فقه ولا تدبر من تلا في أقل من ذلك, ولو تلا ورتل في أسبوع, ولازم ذلك لكان عملًا فاضلًا, فالدين يسر, فوالله إن ترتيل سُبع القرآن في تهجد قيام الليل, مع المحافظة على النوافل الراتبة, والضحى, وتحية المسجد, مع الأذكار المأثورة الثابتة والقول عند النوم واليقظة, ودبر المكتوبة والسحر, مع النظر في العلم النافع, والاشتغال به مخلصاً لله, مع الأمر بالمعروف, وإرشاد الجاهل وتفهيمه, وزجر الفاسق, ونحو ذلك, مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان, مع أداء الواجب, واجتناب الكبائر, وكثرة الدعاء والاستغفار والصدقة وصلة الرحم, والتواضع, واجتناب الكبائر, وكثرة الدعاء والاستغفار والصدقة وصلة الرحم, والتواضع, والإخلاص في جميع ذلك: لشغل عظيم جسيم, ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين, فإن سائر ذلك مطلوب, فمتى تشاغل العابد بختمه في كل يوم, فقد خالف الحنيفية السمحة, ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه, ولا تدبر ما يتلوه.
هذا السيد العابد الصاحب - يعني عبد الله بن عمرو بن العاص - كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذلك قال له عليه السلام في الصوم, وما زال يناقصه حتى قال له: «صم يوماً وأفطر يوماً, صم صوم أخي داود عليه السلام», وثبت أنه قال: «أفضل الصيام داود», ونهى عليه السلام عن صيام الدهر, وأمر عليه السلام بنوم قسط من الليل, وقال: «الكني أقوم وأنام, وأصوم وأفطر, وأتزوج النساء وآكل اللحم, فمن رغب عن سنتي فليس مني».
وكل من يزم نفسه - أي يمنع ويكبح - في تعبده وأوراده بالسنة النبوية يندم ويترهب ويسوء مزاجه, ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرءوف الرحيم بالمؤمنين, الحريص على نفعهم, وما زال صلى الله عليه وسلم معلماً للأمة أفضل الأعمال, وآمراً بهجر التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها, فنهى عن سرد الصوم أي تواليه وتتابعه - ونهى عن الوصال - في الصوم - وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير - يعني من رمضان - ونهى عن العزبة - عدم الزواج - للمستطيع ونهى عن ترك اللحم, إلى غير ذلك من الأمور والنواهي.
فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور, والعابد العالم بالآثار المحمدية المتجاوز لها, مفضول مغرور, وأحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل. ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة, وجنبنا الهوى والمخالفة». سير أعلام النبلاء 3/ 84 - 86.
وذكر الذهبي أيضاً في ترجمة «أبي بكر شعبة بن عياش, أنه مكث نحواً من أربعين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة, وعلق على ذلك فقال: «وهذه عبادة يُخضع لها, ولكن متابعة السنة أولى, فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عبد الله بن عمرو أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث, وقال عليه السلام: «لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث». سير أعلام النبلاء 8/ 442.
وكذلك ذكر في ترجمة «وكيع بن الجراح» أنه كان يصوم الدهر, ويختم القرآن كل ليلة, وعقّب على ذلك فقال: «هذه عبادة يُخضع لها, ولكنها من مثل إمام من الأئمة الأثرية مفضولة, فقد صح نهيه عليه السلام عن صوم الدهر, وصح أنه نهى أن يُقرأ القرآن في أقل من ثلاث, والدين يسر, ومتابعة السنة أولى». سير أعلام النبلاء 9/ 143.
ومن قبل الذهبي, ذكر خطيب أهل السُنة الإمام الجليل أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة, في كتابه تأويل مشكل القرآن ص 233, قال: «ولم يفرض الله على عباده أن يحفظوا القرآن كله, ولا أن يختموه في التعلم, وإنما أنزله ليعملوا بمحكمه ويؤمنوا بمتشابهه, ويأتمرون بأمره, وينتهوا بزجره, ويحفظوا للصلاة مقدار الطاقة, ويقرءوا فيها الميسور. قال الحسن - البصري - نزل القرآن ليعمل به فاتخذ الناس تلاوته عملًا.
وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم - وهم مصابيح الأرض وقادة الأنام ومنتهى العلم - إنما يقرأ الرجل منهم السورتين والثلاث والأربع, والبعض والشطر من القرآن, إلا نفراً منهم وفقهم الله لجمعه, وسهل عليهم حفظه, قال أنس بن مالك: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدَّ فينا, أي جلَّ في عيوننا, وعظُم في صدورنا».
وفي تفسير القرطبي 1/ 40, عن ابن عمر قال: «كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها, ورُزقوا العمل بالقرآن, وإن آخر هذه الأمة يقرأون القرآن, منهم الصبي والأعمى, ولا يُرزقون العمل به».
اللهم حبب إلينا القرآن, وأذِقنا حلاوته, وارزقنا تلاوته وفقهه والعمل به آناء الليل وأطراف النهار، واجعله أنيساً لنا في هذا الزمان الذي ذهب فيه من يؤنس به ويستراح إليه, واجعله اللهم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء - بكسر الجيم - حزننا, وذهاب همنا, واجعلنا ممن يرعاه حق رعايته, ويقوم بقصده, ويوفي بشرطه, ولا يلتمس الهدي في غيره, ويرحم الله عبداً قال آمينا.

* * *

البيان .. والطريق المهجور (77)
[1]

من أجلِّ نِعم الله على عباده: نعمة البيان, وقد امتن الله على عباده بهذه النعمة, فذكرها في أشرف سياق, فقال تقدست أسماؤه: {الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4)}.
ولا ينبغي أن يكون المراد بالبيان هنا مجرد الكشف عما في النفس لقضاء الحاجات واتصال مصالح العباد, لأن الكشف عما في النفس يؤديه الكلام وهيئة الحال والإشارة والعلامة, وليس المراد أيضاً بالبيان مطلق الكلام, لأن هذا مما يستوي فيه الناس جميعاً, ولا يفضل بعضهم بعضاً فيه إلا بما يكون من سلامة مخارج الحروف, واستواء النطق, والبراءة من أسباب العي والحصر والحُبسة.
لكن المراد بالبيان: الإحسان في تأدية المعاني, يقول أبو الحسن الرماني: «وليس يحسن أن يطلق اسم بيان على ما قبح من الكلام, لأن الله قد مدح البيان واعتد به في أياديه الجسام, قال: {الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4)}, ولكن إذا قُيّد بما يدل على أنه يعني به إفهام المراد جاز», النكت في إعجاز القرآن ص 98.
وقد مدحوا البيان وعظموا شأنه, فقالوا: البيان بصر والعيّ عمى, كما أن العلم بصر والجهل عمى, والبيان من نتاج العلم, والعيّ من نتاج الجهل
وقال يونس بن حبيب: «ليس لعيي مروءة, ولا لمنقوص البيان بهاء, ولو حك بيافوخه أعنان السماء», راجع البيان والتبيين للجاحظ 1/ 77, ثم انظر مقالة الشيخ عبد القاهر الجرجاني في فضل البيان, في دلائل الإعجاز ص 5.
ووجوه الإحسان في تأدية المعاني كثيرة, ومناهجها واسعة, ولا يكاد يظفر بها إلا من وُهِب لطافة الحس وخفة الروح ورحابة النفس, والارتياح والطرب لمظاهر إبداع الله عز وجل في هذا الكون, وما بثه في ملكوت السموات والأرض, وما أجراه على ألسنة خلقه, أما «أهل الكثافة» وهم الذين امتحنهم الله بثقل الظل وركود الهواء, فما أبعدهم عن البيان والإحسان:
وهُلْكُ الفتى ألا يَراح إلى الندى ... وألا يرى شيئاً عجيباً فيعجبا
ثم إن هذه المواهب التي يمتن الله بها على من يشاء من عباده, لا بد لها لكي تؤتي ثمارها عند الأدباء وأرباب البيان, من طول دربة ومعالجة يأتيان بكثرة النظر في الأسالب العالية الشريفة, من بديع الشعر وكريم النثر, ثم معاشرة الأصفياء أصحاب الفطر السوية والطبائع النقية والفرار من مخالطة «أهل الكثافة», فإن مجالسة الثقلاء حمى الروح كما قال بختيشوع بن جبريل للخليفة المأمون, لطائف الظرفاء لأبي منصور الثعالبي ص 70.
ونحن أمة العرب أمة بيان وفصاحة, ولغتنا معينة على ذلك بما أُودع فيها من خصائص شعرية في الحروف والأبنية والتراكيب, ثم هذه الثروة الهائلة من الأسماء والأفعال, والمترادف والمشترك والأضداد, ولغتنا معينة أيضاً على البيان والفصاحة بهذه القوانين الرحبة الواسعة من الحقيقة والمجاز, والسماحة في تبادل وظائف الأبنية, كالذي يقال من مجيء فعيل بمعنى فاعل وبمعنى مفعول وبمعنى مفعل, وتبادل وظائف الإفراد والتثنية والجمع ووقوع بعضها موقع بعض, والتساهل في التعبير عن الأزمنة, كالتعبير عن الماضي بالمستقبل, وبالمستقبل عن الماضي, إذا اقترن بالفعل ما يدل على زمانه, ووقوع بعض حروف الجر مكان بعض, وتذكير ما حقه التأنيث وتأنيث ما حقه التذكير, والحمل على المعنى, والحمل على اللفظ, وحرية التعامل مع الضمائر, غيبة وحضوراً فيما يعرف بالالتفات, والتعويل على القرائن والسياق في تخليص الكلام من كثير من الفضول والزوائد, وهو باب الحذف الذي يجعله ابن جني من باب «شجاعة العربية» وهو تعبير عجيب, انظره في كتابه الفذ: الخصائص 2/ 360, إلى سائر قوانين اللغة وأعرافها, حتى علم النحو الذي يُظن به العسر والتشدد, ولو تأملته حق التأمل لوجدت فيه كثيراً من الرخص والإباحة, على ما قاله الأصمعي: «من عرف كلام العرب لم يكد يُلَحِّن أحداً».
ولقد تضوأت هذه اللغة العربية الشريفة على ألسنة الشعراء والخطباء, شعراً شجي النغم, ونثراً حلو الوقع, فيما بقي لنا من أدب الجاهلية. ثم كان مجلى هذه اللغة العزيزة كلام ربنا عز وجل, بما نزل به جبريل الأمين على خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم, في هذا البيان الذي لا يطاوله بيان, ثم ألقى ربنا تباركت أسماؤه على لسان نبيه المصطفى بياناً عالياً آخر, هو ما نطق به صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم: فصاحة صافية المورد, وبلاغة عذبة المشرع, ومنطقاً صائب الحجة.
وقد جرت لغتنا العربية بما حملته من أدب الجاهلية, وبيان الكتاب العزيز, والحديث الشريف, على أقلام الكتاب وألسنة المتكلمين وقصائد الشعراء: بياناً يأخذ منه الناس بما قُدِّر لهم من رزق الله المقسم على خلقه, فتفاوتت حظوظهم في ذلك, فمنهم من أحسن, ومنهم من قارب, لكن البيان ظل هدفاً يسعى إليه, وغاية يشتد الناس في طلبها, ومعياراً يلجأ إليه النقاد في الحكم على الكلام وإعطاء الأدباء حقهم من التقديم والتأخير, ولعل أول من أصَّل هذا الفن هو أديب العربية الكبير أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ, حين صنع كتابه الذي جعل عنوانه دالاً بصريح اللفظ على الغاية التي تغيَّاها منه, وكان كتاب الجاحظ هذا مع كتاب معاصره والراوي عنه أبي محمد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة «عيون الأخبار», هما الأساس الأول في إرساء قواعد هذا الفن «البيان» بذكر الأدوات الموصلة إليه والمعينة عليه, من ذكر كلام العرب وخُطبها وشعرها ومحاوراتها وأجوبتها المسكتة, وتوالت الكتب في هذا الطريق, ككتب الأمالي والمجالس والمختارات والحماسات, مع عناية ظاهرة باللغة والغريب, تمثلت في أمالي أبي علي القالي ومجالس أبي العباس ثعلب.
ولم تكن كتب هذا اللون من التأليف قاصرة على الأدباء واللغويين فقط, بل دخل فيها الحفاظ والفقهاء أيضاً, كالذي رأيناه من كتاب «بهجة المجالس وأنس المجالس وشحذ الذهن والهاجس», لفقيه الأندلس الحافظ المحدث أبي عمر بن عبد البر القرطبي, صاحب كتاب «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد», وصاحب «الاستيعاب في طبقات الأصحاب». وكتابه هذا «بهجة المجالس» من المجاميع الأدبية العظيمة, ويقول فيه ابن سعيد, بعدما ذكر مصنفاته في الفقه والحديث والتراجم: «مع أنه في الأدب فارس, وكفاك دليلًا على ذلك كتاب بهجة المجالس». المعرب في حلى المغرب 2/ 408, وهذا الفقيه المحدث ابن عبد البر هو الذي جمع ديوان أبي العتاهية, وعن نسخته كانت نشرة الدكتور شكري فيصل رحمه الله.
وهكذا كان الأدب مَشْرعاً يرِده الناس جميعاً, وغبرت أجيال ونشأت أجيال, حتى جاء ابن خلدون في القرن التاسع ليخبرنا أن كتب الأدب هي: أدب الكاتب لابن قتيبة, والكامل للمبرد, والبيان والتبيين للجاحظ, والأمالي - أو النوادر - لأبي علي القالي, ويريد ابن خلدون أن يقول: إن هذه الأصول هي مكونات الأديب.
البارودي والمرصفي:
وطويت أيام ونُشرت أيام, حتى كان العصر الحديث, وجاء رجال البعث والإحياء, هؤلاء الذين ردوا الناس إلى أصولهم الأدبية, وكشفوا عن تلك المناجم الغنية الضاربة في التاريخ بعروقها, فكان الشاعر محمود سامي البارودي و «مختاراته», والشيخ حسين المرصفي و «الوسيلة الأدبية», والشيخ سيد بن علي المرصفي و «رغبة الآمل من شرح كتاب الكامل», وما قرأه على تلاميذه من «شرح حماسة أبي تمام», وبعدهما كان الشيخ حمزة فتح الله وكتابه الجيد «المواهب الفتحية», فكانت هذه الآثار كلها زاداً ومدداً للجيل التالي.
ولقد كان من حسن حظنا نحن أبناء هذا الجيل أننا فتحنا عيوننا وعقولنا في أوائل الخمسينات, ورأينا القاهرة قبل أن يدهمها السيل وتغشاها المحن والنوائب, وكان من صنع الله لنا أننا نعمنا بثمرات دار الكتب المصرية: قراءة في قاعة المطالعة الشهيرة بها, واستعارة باشتراك زهيد متاح لطلبة العلم. وأخذنا نتضلع بالقراءة لتلاميذ مدرسة البعث والإحياء المذكورة, وفيما يتصل بالبيان كان هناك اسمان كبيران: مصطفى صادق الرافعي, ومصطفى لطفي المنفلوطي, وقد شق علينا الرافعي في أول الأمر.
ووجدنا في المنفلوطي واحة خصبة عامرة بالندى والأزاهير, فأي جنة فتحها لنا هذا المنفلوطي في ذلك الزمان؟ وكم دموع أراقها, وكم قلوب خفقت على بيانه الحلو الآسر الذي انساب في «العبرات» و «الشاعر أوسيرانو دي برجراك» و "الفضيلة" و "ماجدولين" ولئن كنا قد فرغنا من المنفلوطي بعد حين، فإن أثره الضخم الذي لا يُنسى أنه حبب إلينا القراءة جملةً, فإن هذه الليالي التي قضيناها مع بيانه المُعجِب لم تضع سدى, لأنها وثقت صِلاتنا بالأدب عامة وبالبيان خاصة.
ومن عجبٍ أن المنفلوطي هو الذي ردَّنا إلى الرافعي, وعند هذا الرافعي وجدنا دنيا أخرى حافلة بالغرائب والعجائب, لكن صورة الرافعي لم تأخذ حجمها الحقيقي عندي إلا بعد أن اتصلتُ بتراث الآباء والأجداد فيما قرأتُ وفيما نسختُ وفيما حققتُ, وأيضاً حين توثقت علاقتي بصاحبه ووارث أدبه وعلمه أبي فهر محمود محمد شاكر, فعرفتُ أن هذا من ذاك, وأنها ذرية بعضها من بعض, وإن كنت أرى أن بيان أبي فهر لا يشبهه بيان, وأن علمه لا يُقرَن به علم, على ما فصّلتُ في كلمتي عن كتابه الماتع «المتنبي» في الجزء الأول من «موسوعة عصر التنوير» التي أصدرها الهلال, ولو كتب أبو فهر الآن - وهو في هذه السن العالية - لزلزل الدنيا, ولرأيت ثم نعيماً وعلماً كبيراً, فهل تستجيب يا أبا فهر؟ وهل أنت مخرج ما عندك من «حديث الأحرف السبعة» و «مداخل إعجاز القرآن» و «كتاب الشعر», شرح الله لك صدرك, وأمتع أهل الأدب ببقائك.
ولئن كانت مدرسة البيان قد عُرِفت يومئذ في كتابات الرافعي والمنفلوطي والزيات ومحمد صادق عنبر, فإن سائر الأدباء والكُتّاب لم يكونوا بعيدين عنها, لأن حسن البيان وتجويد العبارة كانا لازمين لكل كاتب يريد لكتابته أن تُقرأ, ولكل مفكر يريد لأفكاره أن تذيع, فلقد كان الأدب ولا يزال خير سبيل لإيصال المعرفة, وسرعة انصبابها إلى السمع وتولّجها في القلب واستيلائها على النفس, والبليغ يضع لسانه حيث أراد, وإنك لتجد كثيراً من الدراسات قد جمعت فأوعت لكنها لم تبلغ مبلغها من النفع والفائدة لجفافها وعسرها, و «حسن البيان يري الظلماء كالنور» على ما قال الشاعر.
ولقد كنا في زمان الصبا نظن أن أسلوب «العقاد» معقد, حتى كبرنا واستطعنا أن نميز الخبيث من الطيب, فوقعنا عند «العقاد» على مناطق من البيان وحلاوة الأداء هي الغاية والمنتهى.
وكذلك سائر الكتاب والأعلام ممن لا يصنفون مع الأدباء كانوا أصحاب فصاحة وبيان, فمكرم عبيد السياسي الشهير والمحامي الجهير كان أديباً وصاحب بيان, ثم كان كثير الاستشهاد بالقرآن الكريم, وفتحي رضوان المحامي الضليع وأحد أقطاب الحزب الوطني كان كاتباً صاحب بيان, والدكتور أحمد عمار طبيب النساء الشهير كان لغوياً صاحب بيان, والدكتور محمد كامل حسين طبيب العظام الشهير كان أديباً صاحب بيان, وهو صاحب القصة الشهيرة في الخمسينات «قرية ظالمة», والدكتور محمد الصياد الجغرافي الكبير كان شاعراً صاحب بيان, وسيد إبراهيم الخطاط العظيم كان شاعراً صاحب بيان, وهو أحد مؤسسي جماعة أبولو, والدكتور حسن حبشي عالم التاريخ شاعر وصاحب بيان, والدكتور محمد يوسف حسن الجيولوجي الكبير, وعميد كلية العلوم بجامع الأزهر سابقاً وعضو مجمع اللغة العربية الآن, أديب يحفظ شعر أبي العلاء حفظاً عالياً, وله في اللغة نظرات جياد نسعد بها في لجنة المعجم الكبير بالمجمع.
ومن وراء هؤلاء طوائف لا تحصى من الأدباء المجيدين الأغفال أصحاب البيان, كنتَ تقرأ لهم في الصحيفة اليومية والمجلة الأسبوعية, ثم كنتَ تراهم في فصول المدارس الابتدائية والثانوية, يروضون صغار التلاميذ على البيان, ويجمعون لهم «عناصر موضوع الإنشاء» الذي صار الآن «التعبير» ولا تعبير هناك ولا عبارة, ثم كانوا يخوضون بهم لجج بحار الشعر والنثر فيما كان يُعرف بالمحفوظات والمطالعة.
حسن البيان:
وقد ذهبت تلك الأيام بحلاوتها ونضارتها وصرنا إلى هذا الزمان الذي زهد الناس فيه في حسن البيان, وهجروا طريقه هجراً يوشك أن يكون تاماً, وأصبحت أساليب كثير من الكُتاب, ومن ينتسبون إلى الأدب الآن تدور في فلك ألفاظ مستهلكة تشبه العملة المعدنية الممسوحة, أو العملة الورقية التي تهرَّأت أطرافها من كثرة ما تداولتها الأيدي, أو كالعملة الزائفة التي ليس لها رصيد في مصرف النفس, وإنما هي ألفاظ وتراكيب تسوَّد بها الصحف, تروح وتجيء, تتجاوزها عينك على عجل, لا تقف عندها, لأنك لا تجد فيها إمتاعاً, ولا تحس معها أنساً, فضلاً عما تجده في بعضها من ثقل وغثاثة, تكاد تطبق على القلب وتسد مجرى النفس - وما أمر «الزخم» منك ببعيد - إلى هذه البلية المستحدثة, وهي بلية الغموض الذي يندفع فيه كثير من الأدباء الآن, وليس هو الغموض الذي يحرك النفس لتستخرج بحسن التأمل خبيء الكلام ومطوي المشاعر, ولكنه الغموض المظلم الذي يكد العقل, ويكون مجلبة للغم والكآبة, غموض العجز والحيرة.
وهذه الألفاظ والتراكيب التي يستعملها بعض أدباء هذا الزمان, أشبه بتقاليع (الموضة) تظهر ثم تختفي, لا تعرف ثباتاً ولا استقراراً, فقد كان نسمع في الستينات - كما ذكرت في مقال سابق بالهلال - الواحدة الموضوعية, والمعاناة, وعمق التجربة والخلق وتراسل الحواس, والمونولوج الداخلي, والدفقة الشعورية, والتعبير بالصورة, والألفاظ الموحية, والشعر المهموس. والآن نسمع: الإبداع وتكثيف التجربة, والزخم (والعياذ بالله) والطرح, والمنظومة والإشكالية والتناص والتماهي والتفجير والتفكيك .. وهذا وأشباهه إنما هو كما قال ابن قتيبة منذ (1240) سنة في مقدمة أدب الكاتب: «ترجمة تروق بلا معنى, واسم يهول بلا جسم, فإذا سمع الغمر - أي الجاهل - والحدث الغر قوله: الكون والفساد وسمع الكيان .. راعه ما سمع, فظن أن تحت هذه الألقاب كل فائدة وكل لطيفة, فإذا طالعها لم يحل منها بطائل», أو كما قال أبو السعادات ابن الشجري: «تهاويل فارغة من حقيقة» الأمالي 1/ 56, ولا يغرنك أيها القارئ المبتدئ اجتماع الكُتَّاب على هذه الألفاظ, وكثرة استعمالهم لها, فإن الاستعمال ليس بدليل على الحسن, كما يقول ضياء الدين ابن الأثير في المثل السائر 1/ 221.
إن كثيراً مما يُكتب الآن لا صلة له بالعربية إلا صورة الحروف والأبنية من الأسماء والأفعال, أما روح العربية وآمادها الرحبة الواسعة فلا تجدها في أسلوبٍ مما تقرأ, ولا في كلام مما تسمع, إني أحس أحياناً أن هؤلاء الذين يكتبون أدباً عربياً لم يمروا بالقرآن ولا بالبيان النبوي, ولا بكلام العرب, فإن ثروتهم اللفظية محدودة جداً, وتصرفهم في وجوه الكلام قصير الخطو, منقطع النفس, ولذلك تأتي معانيهم هزيلة خفيفة. لأن ضيق الألفاظ يؤدي إلى ضيق المعاني, كما يقول عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز.
ومن الكلام الحكيم للجاحظ في هذه البابة قوله: «والأصل في ذلك أن الزنادقة أصحاب ألفاظ في كتبهم, وأصحاب تهويل, لأنهم حين عدموا المعاني ولم يكن عندهم فيها طائل, مالوا إلى تكلف ما هو أخصر وأيسر وأوجز كثيراً» الحيوان 3/ 365.
وهؤلاء الذين يزعمون أنهم ورثة طه حسين لم يسيروا في طريق بيانه, ولم يحاكوا حلاوة أدائه, وكان له في ذلك مستراد ومذهب, فانتماؤهم لطه حسين إذن انتماء كاذب وولاء منقوص.
وأيضاً هؤلاء الذين يتحدثون عن التنوير ورموز التنوير, لم يمروا بأدب أعلام هذا التنوير, ولم يسلكوا طرائقهم في معرفة العربية ورعاية قوانينها في حسن الأداء وجمال العبارة.
إن الذين يشكون الآن من «الأغاني الهابطة» لا ينبغي أن ينسوا أن هذه القضية مرتبطة بألوان الأدب الأخرى, وأن البيان كله من باب واحد, فيوم أن كان عندنا أدباء بيان كبار, كالمنفلوطي والزيات, كان عندنا كُتاب أغان كبار, مثل أحمد رامي وبيرم التونسي وعبد الفتاح مصطفى وحسين السيد, لأن كلام الناس ينزع بعضه إلى بعض, ويأخذ بعضه برقاب بعض, وقد أنشدتك أيها القارئ الكريم من قبل قول ابن الرومي:
«وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض»
ولن تجد مع كثرة الغبار إلا قذى العيون.
والآن إذا أردت أيها القارئ العزيز أن تعرف سر هذا التردي في الكتابة, ومجافاة حسن البيان, والإعراض عن جمال العبارة, أعجزك أن تردَّه إلى سبب واحد أو سببين اثنين, وإنما هي أسباب كثيرة تداخلت وتشابكت, وسيأتيك حديثها - إن شاء الله - في المقال التالي.

* * *

البيان .. والطريق المهجور (78)
[2]

وقفتُ في المقال السابق عند أسباب التردي في الكتابة ومجافاة حسن البيان وجمال العبارة, وقلت إن ذلك يرجع إلى أسباب كثيرة, أرجأت الحديث عنها إلى هذا المقال.
وبدءة ذي بدء لا أحب لك أيها القارئ العزيز أن تقول كما يقولون: إنها طبيعة العصر, وسرعة إيقاع الحياة, لا يدعان للكاتب فرصة لأن يُحسن ويزيّن ويتأنّق, كما أني لا أرضى لك أيها الشاب المبتدئ أن تصدّق ما يقولونه من أن لغتنا العربية هي لغة الخيل والليل والبيداء, وأن زمانها قد راح وولى, وأن هذا عصر الكمبيوتر, فافسحوا له الطريق, لا أحب هذا لقارئي ولا أرضاه له.
وذلك لأن حسن البيان قيمة جمالية, والقيم الجمالية باقية ثابتة, لا تتغير بتغير الأيام وتبدل الأحوال, والفطر السوية تطرب للكلمة الحلوة, كما تطرب لهديل الحمام وزقزقة العصافير, وحفيف الشجر في ليلة طيبة الهواء, والعطر الفواح ينعشك سواء ركبت جملاً أو طائرة, ولا زلنا مع تغير الأصوات وتحولات الموسيقى نستقبل رمضان بأغنية أحمد عبد القادر «وحوي يا وحوي» كما نستقبل العيد بشدو أم كلثوم «يا ليلة العيد أنستينا» و «حبيبي يسعد أوقاته» وإن كانت هذه قد قيلت في عيد جلوس «فاروق» ملك مصر.
ولا أظن أنه سيأتي يوم لا يطرب الناس فيه لصوت الشيخ مصطفى إسماعيل وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.
إن الأنغام متوارثة في الأنفس, والجمال مصون في تلافيف القلوب, والطرب مركوز في الطباع, فلا يخدعنك عن الحق غلبة الباطل, ولا يزهدنك في الطيب كثرة الخبيث.
ثم أعود بك أيها القارئ الكريم إلى أسباب محنتنا فيما نكتب وفيما نقول, وقد جمعت لك أسباباً شتى, ولعلك جامع إليها أسباباً أخرى بصائب نظرك, وحسن تأتِّيك, وتهدِّيك إلى ما لم أهتد إليه:
أولاً: ذهاب الكبار بالموت أو بالملل أو بالمصانعة: والموت لا مرد له ولا حيلة فيه, وبموت الكبار يضيع الصغار ويذهب العلم, أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد, ولكن يقبض العلم بقبض العلماء, حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا», صحيح البخاري (باب كيف يقبض العلم, من كتاب العلم) 1/ 36.
أما الملل فهو من كواذب الأخلاق, كما جاء عن عمرو بن العاص رضي الله عنه, على أن بعض كبار أدبائنا معذورون فيما دُفعوا إليه من الملل, لما يرونه من فساد لم ينشأوا عليه, ولما حاق بهم من أذى أضيروا منه.
وأما المصانعة فهي داء خبيث, لا معذرة له ولا مسامحة فيه, وبالمصانعة هذه خاض بعض كبارنا فيما يهزل به مدعو الأدب والحداثة, وكأن هؤلاء الكبار خشوا على أنفسهم آفة النسيان, وأرادوا أن يكونوا ظاهرين في الأرض, وكأنهم يقولون: لأن نكون في جلبة الأضواء خير من أن نكون في صمت الظلام, وهم يعلمون في دخيلة أنفسهم أن هذه الأضواء خادعة, وأن مدها منقطع, لأن مولدها ضعيف, ولا ينقضي عجبي من بعض هؤلاء الكبار, وهم من تلاميذ طه حسين وأمين الخولي وأحمد أمين ومصطفى السقا وإبراهيم أنيس, وبقية هذا الجيل العظيم, كيف يسكتون على هذا العبث, بل كيف يتعاملون معه ويحضرونه ويقدمونه, بل ويدافعون عنه, وهم يعلمون باليقين الذي لا يدخله شك أنه لا طائل تحته ولا غناء فيه.
ثانياً: قلة المحصول اللغوي عند الكتاب: والقلة تغري بالقلة, والفقر يقود إلى الفقر (وهذا كلام موزون وقع لي اتفاقاً من غير قصد كما ترى), ولو تأملت ما يكتبه كثير من الأدباء الآن لوجدته يدور حول طائفة محدودة من أبنية الأسماء والأفعال والحروف, مع العجز عن تحريكها والتصرف فيها وفق قوانين العربية التي حدثتك عنها في المقال السابق, وإنما هي أبينة وأدوات تُرصُّ رصَّاً, بلا دم ولا روح, وكأنها الدمى, وكأن ذلك الأديب يكتب بلغة أجنبية ليس له بها أنس, ولا يشدُّه إليها تاريخ وموروث.
وليس يخفى أن قلة المحصول اللغوي والعجز عن التصرف في الكلام إنما يرجعان إلى قلة القراءة وضعف الزاد, فالأديب لكي يكتب أدباً عالياً جميلًا لا بد أن يكون على صلة لا تنقطع بالقراءة, وأن يجعل من يومه نصيباً مفروضاً للمراجعة والاستزادة, فالإبداع -كما يقال في هذه الأيام- لا بدَّ له من مدد, والمدد ليس له إلا طريق واحد, هو القراءة الرشيدة المستمرة, ثم التأمل.
وتقرأ في كتب التراجم والطبقات أن العالم الفلاني صنف الكتاب الفلاني بعد أن قرأ له كذا كتاباً, فالصالحي الشامي المتوفى سنة 942, يذكر أنه ألف كتابه «سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد» من أكثر من ثلاثمائة كتاب, وروى عن إمام الحرمين الجويني المتوفى سنة 478, أنه قال: «ما تكلمت في علم الكلام كلمة حتى حفظت من كلام القاضي أبي بكر وحده اثني عشر ألف ورقة», طبقات الشافعية الكبرى لابن السكبي 5/ 185, وأبو بكر في هذا النص هو محمد بن الطيب الباقلاني, من كبار المتكلمين الأشاعرة, وصاحب «إعجاز القرآن», فهذا أثر القاضي أبي بكر وحده في محفوظ إمام الحرمين, فكيف يكون أثر العلماء الآخرين؟
لكن الملاحظ والمشاهد الآن أن الأدباء يتكلمون أكثر مما يقرأون, وأن ما تقرأه من مصطلحات في القصة والرواية والشعر والنقد, إنما هي مسموعات, تتردد في الندوات, يتلقفها بعض من بعض, ولا خير في ذلك كله, فقد قال ابن قيم الجوزية: «من لم تنفعه عينه لم تنفعه أذنه».
ثالثاً: تسويغ العجز باصطناع نظريات تمهد له وتسانده: وفي ذلك الطريق جاءت مغالطات شتى, وجاء خداع كثير, فقيل مثلًا: إن العناية بتحسين العبارة أصباغ وزخارف, وأنها تكون على حساب المعاني والأفكار, وأن التفكير والموضوعية يأبيان الزخارف والأصباغ, وأن غايتهما الحقائق ليس غير, وقد تبع ذلك التفرقة بين الأسلوب الأدبي والأسلوب العلمي, تفرقة تفضي في نهاية الأمر إلى التهوين من الأسلوب الأدبي, ووصف من يحسن البيان بأن كلامه «كلام إنشاء», وقولهم في سياق المدح: إن فلاناً يكتب كما يتكلم.
وقيل أيضاً: لا ينبغي التعامل بالكلام المأثور, حتى لا يجد القارئ نفسه يتعامل في المنزل والشارع بلغة, وفي الكتاب بلغة الشعر الجاهلي, وأننا يجب أن نصطنع لغة تقرِّب الفجوة بين الشارع والكتاب, وهذا كلام غير صحيح - فضلاً عما فيه من لعب وخداع - لأن هذه الفجوة لا بد أن تكون قائمة وثابتة, ففي كل لغات الدنيا فرق بين لغة العامة ولغة الخاصة (وانظر مقالتي عن الشيخ الشعراوي واللغة - ص 280, وتقديمي لكتاب الأستاذ محمود رؤوف أبو سعده: من إعجاز القرآن - ص 270).
وقيل أيضاً: إن أحسن الأساليب هو ما لا يحتاج معه القارئ إلى مراجعه معجم, وهذا مما يفتتن به الشباب المبتدئون, والكلام مقلوب, والقضية معكوسة, فإننا إذا لم نراجع لبعض ما نكتب شيئاً من المعاجم فإننا نكون قد وقعنا في حمأة العامية والكلام السوقي, واستوى في ذلك عالمنا وجاهلنا. ولماذا كانت المعاجم, ولأي غاية وضعت؟
حسن البيان:
ولقد كان من أشنع الخطأ هنا وأغلظه: الخلط بين المحسِّنات اللفظية وتحسين العبارة, وبينهما فرق لا يخفى, فالمحسِّنات اللفظية هي أنماط تعبيرية محصورة في قواعد محددة بشواهد معينة, أما تحسين العبارة الذي هو البيان, فمجاله واسع رحب, وهو قائم على أسباب كثيرة, من الغنى اللغوي, واختيار الأبنية الشاعرة المتجانسة, من الأسماء والأفعال والأدوات, وإحكام بناء الجُمل وحسن تنسيقها, وإشاعة الألفة بينها, وقدرة الكاتب في ذلك كله على أن ينشئ علاقةَ أنسٍ بين قارئه وبين ما يكتب.
إن الكاتب المبين يجعلنا نحب بعض الكلمات ونعشقها, ترى هذا في أسلوب الجاحظ وأبي حيان التوحيدي (إذا نسي مشاكله النفسية) ومصطفى صادق الرافعي, ومحمود محمد شاكر.
وحسن البيان لا يمنع من الإلمام بهذه المحسنات اللفظية إذا جرت على قلم الكاتب في حاق موضعها غير متكلَّفة ولا مستكرَهَة.
على أن هذه المحسنات اللفظية ليست سيئة السمعة, على نحو ما يلقيه بعض أساتذة البلاغة على طلبتهم, وأنها قائمة على التكلف والتزييف, إن المحسِّنات اللفظية باب ضخم من أبواب الجمال في البيان العربي, وما يجيء منها متكلفاً يعاب ويذم, كما يعاب التكلف في كل شيء ويذم, وكيف تعاب المحسنات اللفظية جملة, وقد جاء منها في كلام ربنا عز وجل وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم وكلام العرب وأشعارها, قدر صالح, ألم تقرأ قوله تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26], وقوله تباركت أسماؤه: {وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22)} [النمل: 22], ثم انظر «المجازات النبوية» للشريف الرضي, وشعر أبي تمام على وجه الخصوص.
إن كثيراً من شواهد التورية والجناس تُحدِث إمتاعاً للنفس لا مزيد عليه, فضلاً عما يستخرجه بعضها من أسباب الضحك والبهجة, وكثير من نكاتنا المصرية تجري على هذا الباب, ولولا الجد الذي نحن فيه لأمتعتك بشيء منها.
وكأن هذه السمعة السيئة للمحسِّنات اللفظية قد استقرت عند بعض الناس - وهذا هو البلاء العظيم - فقد سمعت أحد الأساتذة في محاضرة له, وقد جاء على لسانه شيء من هذه المحسنات فغمغم بعض الجالسين, فقطع المحاضر كلامه كالملسوع وقال: «لا والله, دي جت كده, غصب عني!» وكأنه يبرأ من عيب يخشى أن يلحق به عاره.
وأقرأ لبعض النقاد, وأسمع لبعضهم فيما يذاع من نداوتهم تنفيراً شديداً من هذا اللون الأدبي, وتحذيراً للشباب منه, فلا أملك إلا أن أتلو قول الله تعالى: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} [النساء: 37], و [الحديد: 24].
رابعاً: اقترن بتسويغ العجز عن جمال البيان: السخرية منه والإزراء بقائله: على ما قال تعالى: {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11)} [الأحقاف: 11], أو كما قال أبو علي الفارسي: «من عرف ألف, ومن جهل استوحش». الأشباه والنظائر النحوية للسيوطي 3/ 464.
ومن أعجب العجب أن أكثر من يسخرون من البيان الآن هم بعض أساتذة العربية الذين يدرسونها في الجامعات (نحواً وأدباً وبلاغة), وأرجو من قارئي العزيز أن يأذن لي مرة واحدة - إن شاء الله - بذكر بعض التجارب الخاصة, واستعمال ضمير المتكلم.
بين الدعاية والسخرية:
لي صديقان أحدهما طبيب والآخر صيدلي, يحبان الأدب حباً جماً, ويحرصان على قراءة ما أكتب, ويطربان جداً لما أجتهد فيه من ضروب البيان وتحسين العبارة, وعلى الجانب الآخر يقرأ بعض زملائي من أساتذة العربية هذا الذي أكتب, فيداعبونني بمثل قولهم: إيه الكلام ده؟ إيه الأساليب دي؟ ألفاظك كلها كلاكيع! وأعلم يقيناً أنه لولا المحبة لاستحالت هذه الدعابة سخرية لاذعة وإزراء شديداً.

ودُعيت منذ خمس سنوات إلى ندوة عن «مستقبل التعليم في مصر» أقامها مشكوراً مأجوراً نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة أسيوط, وقدَّمتُ بحثاً عنوانه: «استثمار التراث في تدريس النحو العربي», قدَّمتُ له بمقدمة أدرتها على شيء من البيان فتح الله به علي فتحاً, وقد طرب له كثير من الحاضرين, وكان أكثرهم من الشباب المعيدين والمدرسين المساعدين بكليات الطب والهندسة والعلوم والتجارة, وأخذ هؤلاء الشباب يلاحقونني فيما بين الجلسات, يطلبون المشورة والدلالة على كتب العربية التي يقرأون فيها مثل هذا الكلام الذي جرى على لساني.
أما أساتذة العربية الذين حضروا الندوة - ومنهم كبار في السن والدرجة - فقد سخروا مني سخرية شديدة, أعلنوها ولم يكتموها, وكان بعضهم يناديني هكذا: تعال يا بتاع التراث, قول يا بتاع التراث, ازيك يا بتاع التراث! (لكني أشهد في تلك الأيام أن الأستاذ الدكتور حامد عمار - وكنت قد اختلفت معه في هذه الندوة - قال لي ونحن في القطار من أسيوط إلى القاهرة بالحرف الواحد: يا أستاذ اثبُتْ على ما أنت عليه, فإني سعيد أن أرى إنساناً يتحدث عن لغته وتراثه بهذه الحماسة), وهذا إنصاف من الرجل, وهو شأن الكبار, أما الصغار فما أجرأهم على لغتهم وعلى تاريخهم, ومهما يكن من أمر فإنه من العار أن يذم الناس مذهبهم, ويهجنوا طريقهم, هل تعرف طبيباً يذم مهنة الطب؟ وهل تجد مهندساً يحتقر حرقة الهندسة؟ قد يشكوان إرهاقاً أو أعباءً, أما أن يكون ذم ومعابة فلا.
وقد انتقلت سخرية الأساتذة إلى تلاميذهم من معلمي العربية في مدارسنا الآن: سأل مدرس اللغة العربية التلاميذ في الثانوية العامة عن مرادف لعبارة «رغد العيش» فأجاب ابني «بلهنية» فضحك المدرس ضحكة عالية وسخر منه قائلًا: «إيه يا خويه؟» وحمدت الله أن وقف المدرس العابث بالسخرية عند هذا الحد, فإن لهذا التركيب الذي نطق به ذلك المدرس تكملة سوقية يعرفها أهل السخرية, ولعله قالها وكتمها ابني عنِّي !
أرأيت أيها القارئ العزيز؟ إنه أمر محير فعلاً, وهو يحتاج إلى محلل نفسي لا إلى كاتب مثلي.
خامساً: الكسل والإخلاد إلى الراحة: أعرف نفراً من زملائي الجامعيين, أعرف نشأتهم العربية الأصيلة, وأقرأ لبعضهم شعراً عذب النغم, فصيح الأداء, آسر النغمة, وأحاورهم فأقع منهم على كل لطيفة ودقيقة من الفطنة والقول الحسن ولكنهم إذا كتبوا قرأت كلاماً خفيفاً يخدعك عن حقيقة أمرهم وما عندهم من العلم والأدب, ولا تفسير لذلك عندي إلا الكسل وطلب الخفة, و «طلب الخفة» مطلب نحوي, ولكنه لا يحمد في الأدب والبيان.
ويبقى أن أقول: إن إهمال البيان والتأنق في الكلام وتحسين العبارة قد أدى إلى هجر كثير من أبواب النحو, وقلة استعمال بعضها في كتابات الكاتبين الآن مثل البدل, وبخاصة بدل البعض وبدل الاشتمال, و «كان» التامة في مثل قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280], و «كان» الزائدة في نحو: ما كان أغناك عن هذا, وقول قتيلة بنت النضر بن الحارث, تخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ما كان ضرك لو مننت وربما ... منَّ الفتى وهو المغيظ المحنقُ
واسم الفاعل واسم المفعول العاملان في التركيب, والمصدر الميمي والمصدر المؤول, وبعض جموع التكسير الفصيحة, وزيادة الباء في خبر «ليس» وفي خبر «ما» مع كثرة ذلك في القرآن وكلام الفصحاء, ولا يزال ذلك يجري على ألسنة الناس في الخطاب اليومي في السعودية والكويت, يقولون: ما أنا بمبطئ عليك, وما أنا بناسي كلامك.
ومما أُهمل أيضاً المفعول المطلق المؤكد للفعل, فأنت لا تكاد تقرأ لكاتب يقول: كلمته كلاماً, من غير أن يضيف إليه وصفاً, فيقول كلاماً شديداً ونحوه, مع مجيء ذلك بكثرة في الفصيح, ومنه قوله تعالى: {رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61)} [النساء: 61], ومن الغريب أن هذا المفعول المطلق مستعمل بكثرة في عاميتها المصرية, تقول: أكلت أكل - شربت شرب - نمت نوم - الأهلي لعب لعب.
ومن ذلك باب تعدي الأفعال بنفسها أو بحرف الجر, مثل شكرته وشكرت له, ونصحته ونصحت له, فلا يكاد الكتاب يستعملون إلا الأول ... إلى أبواب نحوية أخرى كثيرة أُهملت وعُطلت.
على أن من أبواب النحو التي كادت تختفي الآن تماماً, باب التوكيد اللفظي, وهو إعادة الكلمة بلفظها - والاستغناء عنه بالتوكيد المعنوي, وهو التوكيد بالنفس أو بالعين أو بكل وجميع, مع أن التوكيد اللفظي أوسع مجالًا من التوكيد المعنوي, كما قال علم الدين اللورقي الأندلسي المتوفى سنة 611, قال: «لأنه يدخل في المفردات الثلاث - يعني الاسم والفعل والحرف - وفي الجمل, ولا يتقيد بمظهر أو مضمر, معرفة أو نكرة, بل يجوز مطلقاً», الأشباه والنظائر النحوية 2/ 229.
ولعل الذي زهَّد الناس في أيامنا في استعمال التوكيد اللفظي, هو ما تلقَّوه في دراسة النحو, من مثل: جاء جاء محمد, أو جاء محمد محمد, وهذه أمثلة تعليمية, وفي مثل هذا يقول سيبويه كثيراً: «وهو تمثيل ولا يتكلم به», ويقول ابن جني: «التمثيل للصناعة ليس ببناء معتمد» الخصائص 3/ 97, ولو التمس معلمو النحو أمثلة التوكيد اللفظي من الكلام الفصيح لوجدوا منه أمثلة ذوات عدد تغري باستعماله واعتياده, من نحو قوله تعالى: {كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً (21) وجاء ربك والملك صفاً صفاً (22)} [الفجر: 21, 22], ومن نحو قول عروة بن أذنية:
لقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنِّيني تطلُّبه ... ولو قعدتُ أتاني لا يعنَّيني
وكل حظ امرئ دوني سيأخذه ... لا بد لا بد أن يحتازه دوني
ولعدم إلف الناس الآن لهذا التوكيد اللفظي يظن بعض من يقع إليه شيء منه أنه من باب التكرار الخاطئ.
كتبت مرة مقالًا بإحدى المجلات, وكنت قد كتبت فيه هذه العبارة: «والكلام هنا طويل طويل» وحين قرأته مطبوعاً وجدت «طويل» مرة واحدة, فأيقنت أن الأخ مصفف الحروف حذف الثانية لأنه ظنها تكراراً مني من باب السهو, وعذره في ذلك واضح, لأنه لم يتعود مثل هذا التوكيد اللفظي فيما يُقدَّم له من كتابات, وعلى ذلك فإنني أنصح من يستعمل التوكيد اللفظي أن يستعمل اللفظ ثلاث مرات لا مرتين, فإن ذلك أبعد من مظنة التكرار وأنفى للبس.
وبعد: فإني أخشى أن تكون هذه الحقبة التي نعيشها هي أسوأ الحقب التي مرت بها العربية والبيان العربي. فإن اللغات تنتعش أو تذوي باحترام أهلها لها وممارستهم لها, وما أظن لغتنا العربية فيما يسمونه - خطأ وتسرعاً بعصور الانحطاط الأدبي - وهو العصر العثماني - لا أظنها في تلك الأيام إلا أحسن حالًا, وأجمل بياناً مما هي عليه الآن.
والرثاء كل الرثاء لشباب هذه الأيام الذين يُخدعون عن تاريخهم وعن لغتهم فيما يقرأون وفيما يسمعون.
أما أنا وأنت ومن يجري معنا في حب العربية والبيان العربي, فليس لنا إلا الصبر نعتصم به ونفزع إليه, حتى يكشف الله الكربة, ويزيل الغمة, ويرد الغربة:
ما في الصحاب أخو وجدٍ نطارحهُ ... حديث نجد ولا صب نجاريهِ

* * *

المعاجم اللغوية .. والهجوم الذي لا ينتهي (79)

كتب أستاذنا الكبير الدكتور شكري محمد عياد, في عدد «المصور», 17 من مارس الماضي كلمة جعل عنوانها «عاشق العربية» حيَّا فيها شيخنا أبا فهر محمود محمد شاكر, وإذا اجتمع للكلمة شرف الكاتب وشرف المكتوب إليه كانت ذخيرة تُحفَظ وتصان, وأيضاً فإن الكاتب الجاد يفتح أمام قارئه أبواباً من النظر, ويستخرج منه ألواناً من الفكر كانت دفينة لولا إثارة هذا الكاتب الجاد.
وهكذا عوَّدنا ذلك الأستاذ الجليل: يمتعنا بما يكتب, ثم يمد لنا من حبال الفكر والبيان, ويصلنا بأسبابه, فنمضي معه موافقين أو مخالفين, والكاتب العظيم لا يحفل كثيراً بموافقةٍ أو مخالفة, فحسبه أنه يحرك الساكن, ويجري الراكد, ويهز المألوف, بل إن المخالفة قد تعجبه أحياناً, لأنها تردُّه إلى الرأي الأول, فيستدرك فائته ويكمل نقصه, فيزداد جلاء ووضوحاً, وقد يقتنع بالرأي المخالف إذا عرف صدقه, ولمعت أمامه أنواره, وثبتت لديه صحته, فيرجع عما قال راضياً سعيداً, على ما قال عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء: «لا يمنعنَّك قضاء قضيته اليوم, فراجعت فيه عقلك, وهديت فيه لرشدك, أن ترجع إلى الحق, فإن الحق قديم, ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل», الكامل للمبرد 1/ 20.
وكان مما قاله الأستاذ الكبير في كلمته عن أبي فهر, وإعجابه بجهوده وجهاده في قراءة
حي
الشعر الجاهلي وفهمه والإبانة عنه: «وليس بوسع أحد أن ينكر المصاعب التي تكتنف قراءة الشعر الجاهلي, وأولها - لا شك - صعوبة اللغة, فلا بد لنا أن نستصحب الشروح التي قام بها اللغويون القدماء, وربما غصنا في المعاجم القديمة - وهي على ما نعرف من سوء الترتيب - إن أعوزتنا الشروح».
هكذا قال أستاذنا, وكنت أحب للعبارة أن تكون «عسر الترتيب» وليس «سوء الترتيب», وليس يخفى فرق ما بين الكلمتين, على أن «عسر المعاجم» هذا لم يعرف إلا في زماننا هذا, لأسباب كثيرة يأتيك حديث عن بعضها إن شاء الله.
ومهما يكن من أمر, فإن هذا العبارة من أستاذنا الفاضل تُحمَل على أحسن محاملها, على ما قال عمر بن الخطاب أيضاً: «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك عليه» طوق الحمامة ص 264.
نحن لم نعرف من أستاذنا إلا حبه للعربية وإجلاله لموروثها, ورأيه هذا في المعاجم العربية لا يطعن فيها جملة, ولا ينقصها قدرها بمرة, وإنما هو رأي من الرأي, يعرضه صاحبه فيناقش فيه فيقبل منه أو يرد عليه, وليس هو أول من نقد المعاجم العربية, ولن يكون آخره, فما برح أهل العلم منذ مطالع العصر الحديث ينقدون تلك المعاجم, ويكشفون عن جهات النقص فيها, وما يظهر من الاضطراب في ترتيب موادها, مع اختلاف مناهج ذلك النقد وغاياته.
يقول الدكتور عدنان الخطيب: «وإذا كان الكلام على عيوب المعجمات العربية يكاد يكون معاداً أو مكروراً, وإذا كان المهتمون بالمعجم العربي اليوم على شبه اتفاق حول كثير من تلك العيوب, إلا أن العلماء الذين تصدوا لنقد المعاجم القديمة, اختلفوا في أسلوب الكشف عن عيوبها, فكان لكل منهم أسلوبه ونهجه, لهذا كانت عيوب المعاجم عند اللغويين غيرها عند النحاة أو علماء الصرف أو الاشتقاق, وكذلك العيوب التي يراها علماء اللغات غير العيوب التي يراها علماء آخرون يهتمون بنواح تاريخية أو جغرافية أو طبية أو نباتية, أو غير ذلك من النواحي التي اشتملت عليها معاجمنا القديمة, ومن هنا نجد أن نقد الشدياق غير نقد الأب الكرملي, ونقد أحمد أمين غير نقد الأمير الشهابي ...», المعجم العربي بين الماضي والحاضر ص 63, وينظر أيضاً المعجم العربي - نشأته وتطوره - للدكتور حسين نصار 2/ 747, والمعجم العربي - بحوث في المادة والمنهج والتطبيق - للدكتور رياض زكي قاسم ص 259.
نقد المعاجم العربية:
ولعل أول من نقب هذا النقب, وفتح ذلك الباب في نقد المعجم العربي, في عصرنا الحديث: هو: «أحمد فارس الشدياق» صاحب مطبعة الجوائب الشهيرة باستانبول, في كتابه المعروف «الجاسوس على القاموس», وقد وضعه لاستدراك ما فات الفيروزآبادي من «قاموسه المحيط» وردَّ ما وهم فيه من الألفاظ إلى أصولها, وقد طُبع باستانبول سنة 1299 هـ, وتوفي الشدياق سنة 1304 هـ = 1887م, ثم تتابعت النقود في ذلك الطريق, وإن اختلفت فيما بينها شرعة ومنهاجاً, على ما تراه مفصلاً في المراجع الثلاثة المذكورة.
ولا ينبغي أن ننسى جهود العلماء القدامى في نقد المعاجم العربية, مثل نقد ابن بري المتوفى (582) لصحاح الجوهري, واسم كتابه: «التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح», ويعرف أيضاً بحواشي ابن بري على الصحاح, وكذلك نقد صلاح الدين الصفدي المتوفى (764) للصحاح أيضاً, الذي سماه: «نفوذ السهم فيما وقع فيه الجوهري من الوهم». ثم ما نثره الفيروزآبادي المتوفى (817) من نقد للصحاح, من خلال «القاموس المحيط», لكن نقود هؤلاء اللغويين القدامى لم تمس أصول المعجم العربي وقواعده الأساسية, كما نرى في نقود المحدثين, وإنما هو نقد يدور حول التصحيف والتحريف ونسبة الشواهد, وذكر بعض الأبنية في غير أصولها, وإهمال بعض الأصول اللغوية.
وليس من غرضي هنا أن أناقش كل ما وُجِّه للمعجم العربي من نقد, فليس هذا في وسعي ولا في طاقتي, وليس هذا مكانه, وإنما أحب أن أقف عند وجه واحد من وجوه ذلك النقد. وهو ما يقال عن «سوء ترتيب المعجم العربي» أو «تشويش مادته», وهو كلام يتردد بين الكبار والمبتدئين, ولا يكاد يخلو منه نقد من نقود المعجم العربي.
وفي رأيي أن الحامل على هذا الوجه من النقد أمران: الأول: المقارنة أو الموازنة الدائمة بين معاجمنا العربية وبين المعاجم الأوروبية, مثل «معجم أكسفورد» و «معجم لاروس». والأمر الثاني: النظر في المعاجم الكبرى فقط, مثل «لسان العرب» لابن منظور المتوفى (711), و «تاج العروس من جواهر القاموس» للمرتضي الزبيدي المتوفى (1205), وهذا في رأيي هو أصل القضية وجوهرها, فالذين يصفون المعجم العربي بسوء الترتيب وتشويش المادة لا يفتأون يقارنون بين سهولة المعجم الأوروبي والوصول إلى المعاني فيه بيسر, وبين صعوبة المعجم العربي والتخبط في أبنيته وتراكيبه, وهي مقارنة ظالمة, بل هي غير صحيحة, للفرق الضخم بين العربية وبين غيرها من اللغات, فلغتنا لغة اشتقاقية, ومفرداتها بالغة الكثرة, وما زلنا نجد صدق كلمة الإمام الشافعي عن هذه اللغة في قوله: «ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً, وأكثرها ألفاظاً, ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي», الرسالة ص 42.
وما أظن الناظر في معجم أووربي لمعرفة معنى كلمة أو تركيب يحتاج إلى العدة والأدوات التي يحتاج إليها الناظر في معجم عربي, فهناك مراحل معينة لا بد أن يمر بها الباحث في المعجم العربي ليجد بغيته في ذلك المعجم, وهي تقوم على معرفة الأصل الاشتقاقي للكلمة المراد البحث عن معناها. ومعرفة الأصل الاشتقاقي هذا ترتكز على أسس أربعة:
(أ) حذف الزائد.
(ب) رد المحذوف.
(ج) تصحيح المعتل.
(د) فك المدغم.
وتحت كل فقرة من ذلك كلام كثير, هو علم الأبنية المعروف بعلم الصرف, وبخاصة أبواب المجرد والمزيد, والإعلال والإبدال, وقد يعرف المرء هذه الأبواب الصرفية, ثم يصعب عليه التهدي إلى موضع الكلمة من المعجم, لعدم المراس والدربة, كما يجد بعضهم صعوبة في موضع «تترى» و «ترقوة» من المعجم, وكذلك موضع ميناء, بل إن بعض الكلمات تأتي في موضعين من المعجم, كما ترى في «البازي» الصقر, يأتي في (بوز) وفي (بزي), وكذلك كلمة «الصدد» التي تأتي في قولك «بصدد كذا» أو «في ذلك الصدد» تأتي في مادة (صدد), وفي مادة (صدى), وقالوا في قوله تعالى: {فأنت له تصدى (6) } [عبس: 6], إن أصلها «تتصدد», فلما كثرت الدالات قلبت إحداهن ياء, كما قيل إن قوله تعالى: {وقد خاب من دساها (10)} [الشمس: 10], أصلها «دسسها» بثلاث سينات, فقلبت إحداهن ياء, تنطق ألفاً, ولذلك يأتي شرح هذه الكلمة في موضعين من المعجم, الأول (دسس), والثاني (دسى), ولهذا نظائر أخرى في الأبنية, ومنها: قصيت أظفاري, والأصل: قصصت.
أغزر المعاجم اللغوية:
فهذا ما كان من الأمر الأول, أمر المقارنة بين المعجم العربي والمعجم الأوروبي. أما الأمر الثاني, وهو النظر في المعاجم الكبرى فقط, دون المعاجم الأوساط والصغار: فما أظن الذين حكموا على المعجم العربي بسوء الترتيب وتشويش المادة, قد انتهوا إلى هذا الحكم إلا بعد طول معاناة مع أكبر معجمين, وهما «لسان العرب» لابن منظور, و «تاج العروس» للمرتضى الزبيدي, وهذا الثاني هو أغزر المعاجم اللغوية مادة وأكثرها شمولاً, فقد بلغت جذوره اللغوية (11978) جذراً, على حين بلغت جذور لسان العرب (9273) جذراً - انظر دراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس, للدكتور عبد الصبور شاهين, والدكتور حلمي موسى, نقلًا عن حاشية كتاب الاستدراك على المعاجم العربية للدكتور محمد حسن جبل ص 7.
ومما لا شك فيه أن البحث في هذين المعجمين متعب, ولا سيما لمن لم يألف التعامل معهما وكثرة النظر فيهما, ولا تنتظر من طالب مبتدئ, أو من شخص محدود الثقافة, يريد معنى كلمة أو تركيب أن يرضى عن كتاب لغة موسوعي كهذين المعجمين, يمتد فيهما الكلام ويطول.
إن الحكم الصحيح على هذين المعجمين ينبغي أن يتم في إطار معرفة حال ابن منظور والمرتضى الزبيدي, ثم معرفة حال معجميهما المذكورين, فالرجلان ليسا من واضعي اللغة ولا من رواتها, لتأخر زمانهما كما تعلم, وتآليفهما الأخرى تدور حول شروح الكتب واختصاراتها. أما المعجمان اللذان صنفا هما: لسان العرب وتاج العروس فهما تجميع موسوعي ضخم للمعاجم السابقة عليهما بمناهجها المختلفة وتباينها: اتساعاً وضيقاً, وقلة وكثرة.
ولقد صرح ابن منظور في مقدمة «اللسان» بأنه جمعه من أصول معجمية خمسة, هي بحسب ذكره لها: تهذيب اللغة للأزهري (370 هـ), والمحكم لابن سيده (458 هـ), والصحاح للجوهري (حدود 400 هـ), والحواشي عليه لابن بري (582 هـ) وتسمى هذه الحواشي: التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح. والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (606 هـ).
وتمثل هذه المعاجم الخمسة ثلاث مدارس في التأليف المعجمي: المدرسة الأولى مدرسة ترتيب المواد اللغوية وفق مخارج الحروف, وهي مدرسة الخليل بن أحمد, ويمثلها من هذه المعاجم: التهذيب للأزهري والمحكم لابن سيده, والمدرسة الثانية: التي ترتب المواد على الجذور اللغوية (أصل الاشتقاق) واعتبار الحرف الأخير منها باباً يُبنى عليه المعجم, والحرف الأول فصلًا, مع مراعاة الترتيب الألفبائي فيما بين حرفي الباب والفصل, وهذا النظام يُعرف أيضاً بنظام التقفية، فكأن المادة اللغوية المشروحة قافية شعرية يُنظر إلى حرفها الأخير قبل كل شيء, ويمثل هذه المدرسة الصحاح وحواشيه. والمدرسة الثالثة - وهي المدرسة المألوفة لنا - التي ترتب المواد وفق الأول والثاني والثالث - ويمثلها النهاية لابن الأثير.
وقد ارتضى ابن منظور من مناهج هذه المدارس منهج المدرسة الثانية, مدرسة «الصحاح» ورتب كتابه «اللسان» على أساسها, وأخضع المدرستين الأخريين لها, ويصرح ابن منظور في مقدمته بأن عمله في معجمه لم يخرج عن حدود ما في مراجعه الخمسة, وإن كان قد استطرد إلى ذكر فوائد من قراءاته وسماعاته, ثم تعقب في أحيان قليلة بعض ما وجده في مراجعه الخمسة المذكورة, كما أشرتُ إلى ذلك في مقالتي عن «لسان العرب» في الهلال (مارس 1992م).
فقد ظهر إذن أن المادة المعجمية في «لسان العرب» مجموعة من مراجع خمسة, تخضع لمناهج ثلاثة مختلفة كل الاختلاف, وهذا هو سر ما يبدو من التشويش وعسر الترتيب عنده. فالتكرير وارد لا محالة في كتاب موسوعي صرح مؤلفه بأنه لم يخرج عن مراجعه الخمسة, فهو لم يبح لنفسه أن يغير شيئاً من المادة التي أمامه, غاية ما في الأمر أنه أخضعها لمنهج واحد في الترتيب, وترك كل شيء في الكتب على حاله, إلا أن يتدخل في أحيان قليلة جداً بنقد أو ترجيح, ولذلك قد تجد لديه شرحاً لشيء من غريب الحديث والأثر مختلفاً عن شرح آخر للحديث نفسه في المادة نفسها, لاختلاف مرجعه في ذلك, فقد ينقل في المرة الأولى عن «تهذيب اللغة» للأزهري, وفي الثانية عن «النهاية» لابن الأثير, بل قد تجد شاهداً شعرياً غير منسوب لقائل في موضع من المادة, وبعد قليل تجد الشاهد في نفسه منسوباً, وما ذلك إلا لاختلاف مرجعه في الحالين, وقل مثل هذا في اختلاف الشروح, والحظر اللغوي أحياناً والإباحة أحياناً أخرى, ولذلك يوصي كبار المحققين في الإحالة على ما في اللسان أن تقول: «جاء في اللسان كذا وكذا», ولا تقول: «قال صاحب اللسان, أو قال اللسان».
فهذا هو «لسان العرب» كتاب موسوعي, جمع مادة لغوية ضخمة من خمسة كتب كبار مختلفة المناهج, أخضعها لمنهج واحد, وهو جهد شاق يحسب في موازين الرجل, ولم يكن عدلاً أن ننتظر من مؤلفه أن يصطفي من هذه المعاجم الخمسة معجماً يصنعه على هوانا ووفق مشيئتنا, وعلى حسب مواصفات العصر الحديث - عصر الحاسبات الآلية والكمبيوتر - يجلس الواحد منا متكئاً على أريكته فيجد بغيته من أقرب طريق, ويعثر على ضالته بأقل جهد: الأفعال الثلاثية وحدها, وما زاد على الثلاثة وحده, والأفعال اللازمة وحدها والمتعدية بعدها, ولا بأس أن يميز بين المتعدي بنفسه, والمتعدي بالحرف, بل المتعدي لواحد ولاثنين وثلاثة, والجموع يأتي القياسي منها وحده, والسماعي وحده, وأبنية المصادر وحدها وأسماء المصادر وحدها, والمشتقات وحدها. وهذا كله منطق «اللقطة» تصيبها في عرض الطريق, أو «الغنيمة الباردة» تحوزها بغير حولٍ منك ولا قوة.
نحن والفهارس:
لقد صنع ابن منظور معجمه «اللسان» في أوائل القرن الثامن, ونحن نحاكمه بمنطق القرن الخامس عشر, وقد صنعه لقوم يقرأون الكتب من أولها إلى آخرها, ونحن نلزمه أن يكون قد نظر إلى أبعد من عصره, بل نريده أن يكون قد نظر إلينا على وجه الخصوص, ونحن الآن لا نتعامل مع الكتب إلا عن طريق الفهارس, ولأخذ حاجتنا فقط, وقلَّ أن تجد منا من قرأ كتاباً كاملًا, للمعرفة وحدها, لا للمرجعية فحسب.
وما قيل عن ابن منظور و «اللسان» يقال عن المرتضى الزبيدي و «التاج», فقد جمعه الزبيدي من مراجع كثيرة, منها اللسان, وجمهرة ابن دريد, ومقاييس اللغة لابن فارس, وأساس البلاغة للزمخشري, ثم كتب الصاغاني, وأخضعها جميعاً للمنهج الذي ارتضاه صاحب اللسان.
على أن ابن منظور والمرتضى الزبيدي لو كانا قد أرادا ترتيب المادة اللغوية على ما يريدها الناس الآن, لما استقام الأمر لهما ولا لغيرهما, فهناك أبنية لا تأتي إلا مقرونة بغيرها, كأبنية المصادر التي تأتي عقب الأفعال, وكالجموع التي تأتي مقترنة بالمفرد, ثم هناك الأبنية المرتبطة بالنصوص, والتي لو عُزلت عن سياقها في شاهدها وسُلكت مع نظائرها لفقدت روح دلالتها, وعندي من هذا وذاك أمثلة كثيرة, لا يتسع المقام هنا لذكرها. وإن تفتيت المادة اللغوية على ما يريده الناس الآن يصادم روح اللغة ونظامها, ولذلك تعجبني كلمة الدكتور رياض زكي قاسم, في كتابه الذي ذكرته من قبل, قال حين تحدث عن عيوب المعجم العربي: «فهذه العيوب تنقسم إلى ثلاث مجموعات: منها ما يمكن تهذيبه, ومنها ما يمكن تطويره وتحديثه, ومنها عصي يرتبط بمسألة تدوين اللغة, وهو ما لا يمكن تهذيبه أو تحديثه», المعجم العربي ص 260.
فهذا الذي يرتبط بمسألة تدوين اللغة هو روح اللغة ونظامها الذي لا ينبغي أن يُمس بحال, ومن ثم لا ينبغي أن يوصَف بعسر ترتيب أو سوء ترتيب, وليس أمام الباحث الآن إلا مد حبال الصبر والاستمساك بعرى الأناة, والتدرج في مراقي الإلف والعادة, لتنفتح له مغاليق هذه المعجمات الكبار, وأعرف أناساً من أهل العلم ثم من شداته والمبتدئين فيه, يقرأون اللسان والتاج في يسر وسهولة, ويقعون على حاجتهم منه في غير مؤونة ولا كلفة.
وليس يخفى الفرق بين شخصين, يطلب أحدهما معنى كلمة أو تركيب, ويريد الثاني تحرير قضية لغوية, تتصل بالأبنية أو الدلالة, فالأول يكفيه معجم صغير, مثل مختار الصحاح أو المعجم الوجيز أو الوسيط اللذين أصدرهما مجمع اللغة العربية بالقاهرة, وفيهما جهد كبير, أما الثاني فلا بد له من أن يركب الصعب, ويأخذ نفسه بالجلادة والصبر.
إن معرفة اللغة والوقوف على شيء من أسرارها لا يكفي فيها اللسان أو التاج, بل لا بد فيها من الرجوع إلى ما لا يحصى من كتب اللغة الصغار والأوساط, وكتب الألفاظ, ومعاجم المعاني وشروح الشعر, وشروح غريب القرآن وغريب الحديث, وكتب الأمالي والمجالس, بل كتب التاريخ والبلدان والمعارف العامة.
ويبقى التنبيه على عدة أمور:
أولًا: ثبت - إن شاء الله - أن لسان العرب وتاج العروس هما أوسع المعاجم اللغوية وأغزرها مادة, وأنهما قائمان على أساس التجميع من المعاجم السابقة ليس غير، فهما بهذا الوصف داخلان في حيز الموسوعات, والتعامل مع الموسوعات له أدوات, منها الصبر وبذل الجهد, والنفس الطويل, والخبرة السابقة بكتب العربية في فنونها المختلفة, فالعسر الذي يجده الباحث في هذين المعجمين الكبيرين لا ينبغي أن يعمم على سائر المعاجم العربية.
ثانياً: ابن منظور من علماء القرن الثامن والزبيدي من علماء القرن الثاني عشر, وقد سبقتهما جهود كثيرة في التأليف المعجمي, وهذه التآليف خضعت لمناهج مختلفة في المادة والترتيب, وكلها قائمة على اليسر والسهولة, مثل الصحاح ومختاره, وأساس البلاغة للزمخشري, والمصباح المنير للفيومي.
ثالثًا: هناك طائفة من المعاجم اللغوية قائمة على فكرة الأبنية, فالمنهجية تحكمها, والغاية فيها واضحة, مثل إصلاح المنطق لابن السكيت (244 هـ) وديوان الأدب لأبي إبراهيم الفارابي (350 هـ) وهو غير الفارابي الفيلسوف, ومثل كتب الأفعال لابن القوطية (367 هـ), وللسرقسطي (بعد 400 هـ) وابن القطاع (515 هـ) إلى جانب معاجم الأضداد والمشترك اللفظي, ومعاجم المعاني, والأجناس اللغوية, وأعلاها المخص لابن سيده (458 هـ), ثم معاجم الموضوعات الخاصة, مثل معاجم غريب القرآن وغريب الحديث, وما كُتب في خلق الإنسان والبهائم والحشرات والإبل والخيل والنبات, والمطر واللبن, وما كُتب في نوادر الأبنية.
رابعاً: مما ينبغي أن يُضم إلى المعجم اللغوي تلك المؤلفات التي عُنيت بشرح ألفاظ ومصطلحات العلوم, وهذه المؤلفات تقسم إلى قسمين:
(أ‌) مؤلفات عامة, تجمع المصطلحات المستخدمة في كافة العلوم الإسلامية - بما فيها علوم اللغة العربية - أو في أكثر هذه العلوم دون تمييز.
(ب‌) مؤلفات خاصة, يُفرَد كل منها لمصطلحات علم واحد, أو مجموعة قليلة من علوم متقاربة.
ومن أشهر مؤلفات القسم الأول: مفاتيح العلوم للخوارزمي (387 هـ), والتعريفات للسيد الشريف الجرجاني (816 هـ). والكليات لأبي البقاء الكفوي (1094 هـ) - وهذا الكتاب من أعظم الكتب وأنفعها, وإني أنصح به كل طالب علم - وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي, أتم تأليفه سنة (1158 هـ). وأبجد العلوم لصديق القنوجي (1307 هـ).
أما مؤلفات القسم الثاني فشيء كثير, لا يتسع له هذا المقام, انظره في مقدمة الدكتور حسن محمود الشافعي لكتاب: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين, لسيف الدين الآمدي (631 هـ), ثم انظر كتابي: الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم.
فهذا هو بناء المعجم العربي, بناء ضخم متماسك, واضح المعالم, قريب المورد, ميسور الاجتناء, ما لم تطبق عليه نظام المعجم الأوروبي, وتنتظر منه أن يعطيك ما يعطيكه ذلك المعجم.
وبعد: فإن من الخير والعدل أن نتوقف عن الطعن في معاجمنا اللغوية, ونمسك عن سوء الترتيب وتشويش المادة, نتجاوز هذا كله, ثم ننظر في أمر هذه المعاجم: نستدرك فائتها, ونكمل نقصها, ونبرز فوائدها, ونيسر سبيلها, وفي ذلك الطريق, أطرح هذه المقترحات:
أولاً: جمع اللغة التي جاءت في كتب العربية الأخرى غير المعاجم, وذلك ما تراه في أشعار العرب التي شرحها أئمة الأدب واللغة, من أمثال الأصمعي وتلميذه أبي نصر الباهلي, وأبي عمرو الشيباني, وأبي العباس الأحول, وابن السكيت وثعلب والسكري, وقد قدم هؤلاء مادة لغوية غزيرة من خلال شروحهم لما جمعوه من شعر, هذا إلى اهتمام علماء كل فن وعلم باللغة, يقدمونها بين يدي علومهم, كالذي تراه مثلًا في شرح أبي علي الفارسي لمفردات اللغة في كتابه: الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب, وكذلك ما صنعه ابن الشجري في كتابه: الأمالي النحوية. وبعض هذه الشروح اللغوية لم يرد في المعاجم اللغوية المتداولة, وقد تنبه إلى ذلك ونبه عليه مشايخنا فيما نشروه من كتب الأوائل, ومن ذلك ما ذكره شيخنا أبو فهر بآخر طبقات فحول الشعراء باسم «ألفاظ من اللغة أخلت بها المعاجم أو قصرت في بيانها», وما ذكره أستاذنا عبد السلام هارون رحمه الله, من إحصاء لهذه الألفاظ والكلمات التي لم ترد في المعاجم بآخر: البيان والتبيين, ومقاييس اللغة, والأصمعيات والمفضليات ومجالس ثعلب.
ومن تجاربي الشخصية في التماس الشروح اللغوية من دواوين الشعراء: أني كنت أبحث يوماً عن توثيق كلام في اللغة لأبي العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (291 هـ), فنظرت في المطبوع من كتبه اللغوية, المجالس, والفصيح, فلم أجد فيها كلامه الذي نقله عنه الأئمة, ثم نظرت في شرحه على ديوان زهير بن أبي سلمى, فوجدت بغيتي فيه, وما دلني على ذلك إلا فهرس اللغة الذي صنفه محققو الديوان من مشيخة دار الكتب المصرية.
ثانياً: استخراج المواد اللغوية المذكورة في المعاجم في غير أبوابها, كأن تجد مثلًا كلاماً على مادة (قلب) في أثناء مادة (بدأ) ومثل هذ كثير, فإننا نجد ألفاظاً وتراكيب قد ذكرت في غير موادها؛ لدواعي الاستطراد والمناسبة, ولا سيما في لسان العرب وتاج العروس, لاتساع مادتهما وكثرة نقولهما, كما عرفتَ من قبل.
ومن أنفع ما قرأت من ذلك ما صنعه الدكتور محمد حسن جبل, في كتابه الذي سماه: «الاستدراك على المعجم العربية في ضوء مئتين من المستدركات الجديدة على لسان العرب وتاج العروس». وقد نشره منذ تسع سنوات, ولعله يمضي في هذا الطريق إلى نهايته, هو ومن يختار من تلاميذه, ثم رأيت في نشرة دار العلم للملايين ببيروت لكتاب «الجمهرة» لابن دريد (321 هـ) رأيت في هذه النشرة فهرساً نافعاً جداً في هذا المقترح, سموه: فهرس الجذور غير الواردة في أبوبها.
ومثل هذين المستدركين على المعاجم العربية - جمع اللغة التي جاءت في غير المعاجم, واستخراج المواد والجذور المذكورة في غير أبوابها من المعاجم - يمكن أن يقوم بها معيدو أقسام اللغة العربية بالكليات الجامعية, مع شيء من التحليل والدراسة, ويحصلوا بها على الماجستير والدكتوراه, بدلاً من تلك الموضوعات المكرورة المتشابهة التي يدخل فيها اللاحق على السابق.
ثالثًا: إعادة نشر معاجمنا العربية التي طُبعت منذ زمن بعيد, بالاستفادة من التقدم الطباعي الحديث, باستخدام الألوان, والتوسع في علامات الترقيم وأوائل السطور والفقرات, وإبراز أوائل المواد وآخرها. ومن أعظم التجارب وأنفعها التي ينبغي الاستفادة منها في هذا السبيل: ما قام به الناشر السوري النابة «رياض دعبول» صاحب مؤسسة الرسالة, في تلك الطبعة العظيمة من «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (817 هـ), وقد جاءت هذه الطبعة العالية في مجلد واحد (1750) صفحة, فاختصر المجلدات الأربع التي كان يطبع عليها القاموس قديماً, وقد اتبعت مؤسسة الرسالة هذه الخطوات - في إخراج تلك الطبعة الرائعة من القاموس, التي ظهرت الطبعة الثانية منها سنة 1407 هـ = 1987 م –:
1- تحلية النص وتنسيقه بإدخال علامات الترقيم.
2- وضع كل مادة جديدة من أول السطر, وتمييز ألفاظ المادة بالحرف الأحمر.
3- إثبات الحواشي أسفل الصفحة مع أرقام في المتن تشير إليها وتدل عليها.
4- إثبات إشارة خط هكذا - (باللون الأحمر) للدلالة على أن الكلمة كررت في ذاك الموضع لإيراد معنى آخر لها, فهذا الخط هو بديل عن إعادة كتابة الكلمة.
5- تخريج الآيات القرآنية وقراءاتها, وتبيين الشاذ من القراءات.
6- جُعلت الآيات القرآنية بين قوسين مزركشين, والأحاديث الشريفة والأمثال بين قوسين صغيرين.
7- أُثبت في أعلى كل صفحة أول وآخر مادة فيها, تسهيلًا للعثور على المادة.
وعلى نحو من هذا الإخراج الميسر طُبع من «تاج العروس» ثمانية وعشرون جزءاً, وبقي منه اثنا عشر جزءاً, والمأمول من وزارة الإعلام بالكويت التعجيل بإخراج هذه الأجزاء الباقية من الكتاب الذي ظهر الجزء الأول منه عام 1965م.
رابعاً: إعادة نشر «لسان العرب» أشهر المعجمات العربية, وقد طُبع أول مرة بمطبعة بولاق سنة 1300 هـ, فقد مضى على طبعه (115) سنة, وقد آن الأوان لكي نظهره في طبعة تليق به, وتيسّر سبيل الانتفاع به, باستخدام التطور الطباعي الحديث كما ذكرتُ, ثم تخليصه من شوائب التصحيف والتحريف التي مُني بها, وذلك بجمع كل ما كتبه أهل العلم في ذلك, ومنهم العلامة المغفور له أحمد تيمور باشا, وقد نشر جزءين صغيرين في تصحيح اللسان, أحدهما في مطبعة الجمالية سنة 1334 هـ, والآخر في المطبعة السلفية سنة 1343 هـ, وكذلك صنع أستاذنا عبد السلام هارون, برد الله مضجعه, في كتابه الذي سماه: «تحقيقات وتنبيهات في معجم لسان العرب», وطبعه سنة 1399 هـ = 1979 م, وقد استدرك غيرهما شيئاً من ذلك على اللسان, فيُجمع ذلك كله, ويُنزل على منازله من المواد اللغوية, مع مراجعة الكتاب على مراجعة الخمسة التي ذكرتُها من قبل, وقد طُبعت كلها.
فهذه المقترحات وغيرها مما يخدم لغتنا, وييسّر سبيل الانتفاع بمعاجمها, أما ما يقال في تغيير ترتيب المعاجم العربية, وإعمال يد الإصلاح فيها, بالحذف والتقديم والتأخير, فكلام لا يصدر إلا عمن لا يحترم لغته, ولا يعرف تاريخه, وربنا المستعان.

* * *

الكتاب .. والتواصل العلمي (80)

تلقيت في بريدي مجموعة مختارة من مطبوعات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو), وقد زان هذه المجموعة رسالة رقيقة من المدير العام للمنظمة الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري, ولم أشرف بمعرفة هذا الرجل من قبل, وما دلَّه عليَّ إلا تلك المقالات التي أنشرها بالهلال, كما ذكر في رسالته الطيبة الزكية, التي فاضت بالثناء المستطاب علي والرضا الكامل عما أكتب, وهذه نعمة أحمد الله عليها, وأشكر من أسداها, ثم أنشده قول أبي نخيلة السعدي:
شكرتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي
ونوهتَ من ذكري وما كان خاملًا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
وكان الأولى بي الإمساك عن ذكر هذا البيت الثاني, لولا حلاوة هذا الشعر, وقوة الآصرة بين البيتين, وإن أردت الكلمة كلها فاطلبها في أمالي أبي علي القالي 1/30, وانظر ما استخرجه منها الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز 484, ثم اقرأ أخبار أبي نخيلة في الأغاني 20/ 390 (تنبيه: العرب تطلق الكلمة على القصيدة, وهو شائع مستفيض في كتبهم).
ثم أما بعد: فلنقف قليلًا عند هذه الرسالة التي شرفني بها المدير العام للمنظمة الإسلامية, وهي رسالة غريبة في زماننا هذا ذي التعاجيب, فهذا مدير مؤسسة علمية مقرها الرباط عاصمة المغرب الأقصى, يتابع ما يكتبه كاتب في مجلة الهلال بالقاهرة, ويرى في هذا الذي يكتب ما يوجب تحية كاتبه وإهداءه شيئاً من مطبوعات المنظمة, وما أظن هذا المدير القارئ المتابع قد آثرني وحدي من بين الكاتبين بهذا الفضل, فلا شك أنه يقرأ لي ولغيري في الهلال, وفي سائر المجلات الثقافية, ليكون في ذلك عون له على أداء رسالته وإنجاح عمل المنظمة التي يتولى إدارتها, ولولا ما جاء في رسالته من ثناء بالغ على كتاباتي, لوضعت رسالته كلها هنا؛ ليرى القارئ الكريم كيف يكون مدير المؤسسة الثقافية, على ما قال أبو زياد الأعرابي:
ولم يك أكثر الفتيان مالًا ... ولكن كان أرحبهم ذراعاً
فقد أتى على مؤسساتنا الثقافية حين من الدهر كانت مناصبها العليا توزع على أساس من التوازنات السياسية, وإرضاء جميع الأطراف, ولا ينبئك مثل خبير, فقد عملت بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم خمس عشرة سنة, ورأيت أنماطاً غريبة من أصحاب هذه المناصب العليا, وبعضهم لا صلة له بالثقافة, لا من قريب ولا من بعيد, حتى إنه كتب ذات يوم: «لقد حضرت فوجت الباب مغلق» هكذا كتب «وجت» وهو يريد «وجدت» وكأنه يكتبها كتابة صوتية, يكتب كما ينطق, وما رأيت هذا المدير إلا وأنشدت قول البحتري:
الآن أيقنت أن الرزق أقسام ... لما تقلد أمر البرد حجام
«البرد: جمع البريد, والحجام: هو الذي يتولى الحجامة, وهي المعالجة بفصد الدم, أو امتصاصه بالمحجمة, وكان معروفاً ومستعملًا إلى عهد قريب», وهذا كما ترى أحد مصائبنا الكبرى: أن يوسد الأمر إلى غير أهله, ولو تتبعت مراكزنا العلمية ومنظماتنا الثقافية لوجدت فيها من هذه النماذج الكثير, على ما قالت العرب في أمثالها: «وفي كل واد بنو سعد».
ومهما يكن من أمر, فهذه المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة التي يديرها ذلك المدير المثقف المتابع, أُنشئت في 3 مايو 1982 م, واتخذت الرباط عاصمة المملكة المغربية مقراً لها, والمغرب الأقصى, حرسه الله, ثغر من ثغور العربية والإسلام, وما زالت طائفة من أهله قائمة على حراسة موروثها من علوم الإسلام: حفاظاً على مخطوطاتها, وتحقيقاً لنفائسها, هذا إلى فضلهم القديم في شرح آثار المشارقة والعناية بها, فاتخاذ الرباط مقراً لهذه المنظمة الإسلامية, عمل صالح, إن شاء الله, على ما قال الزاهد الكبير يوسف بن أسباط رضي الله عنه: «وإنما يطيب الموضع بأهله».
كما كان من العمل الصالح أيضاً اتخاذ منظمة المؤتمر الإسلامي مدينة استانبول مقراً لمركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية. ولاستانبول في تاريخ الإسلام أيام بيض وصفحات مضيئة, ذكرتُ شيئاً منها في الهلال (ديسمبر 1994) في كلمة عنوانها «تركيا والمخطوطات العربية» (راجع ص 312 من هذا الكتاب).
التعريف بالتراث الإسلامي:
وتعلن هذه المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافية عن غاياتها وأهدافها التي تحرص على صيانة التراث الإسلامي ورعايته والتعريف به, كما تعمل على دعم الثقافة الإسلامية الأصيلة وحماية استقلال الفكر الإسلامي من عوامل الغزو الثقافي والمسخ والتشويه, ولتحقيق هذه الغايات تقوم المنظمة بعقد الندوات التي تتناول موضوعات بعينها, أو شخصيات بخصوصها, ثم تقوم بطبع حصيلة هذه الندوات في كتب يقرؤها الناس على مكث, وبجانب هذه المطبوعات الخاصة تقوم المنظمة بتحقيق ونشر ما تراه صالحاً ومفيداً من عيون المخطوطات العربية. ومن هذا وذاك وصل إليّ من مطبوعات المنظمة:
1- الإمام الطبري في ذكرى مرور أحد عشر قرناً على وفاته (فقيهاً ومؤرخاً ومفسراً) جزءان.
2- الإمام الشافعي, الاحتفاء بمرور اثني عشر قرناً على وفاته.
3- أحمد بابا التمبكتي, بمناسبة مرور أربعة قرون ونصف على ولادته.
4- الأحكام الصغرى, لأبي بكر ابن العربي المتوفى سنة 543 هـ, وهو مختصر كتابه أحكام القرآن الذي نشر بمطبعة عيسى البابي الحلبيب بالقاهرة سنة 1376 هـ = 1957 م بتحقيق الأستاذ علي محمد البجاوي, رحمه الله.
5- التقسيم والتبيين في حكم أموال المستغرقين - من الظلمة والغاصبين - لأبي زكريا الشبلي, من علماء القرن الثامن الهجري. وهذا الكتاب خاص بوجوه الأموال الحرام, وطرق الكسب غير المشروع - كما يقال في أيامنا - من التعدي على الأموال, والغصب والإكراه, والربا والرشوة, والشركات الفاسدة, وكذلك ظلم أصحاب الوظائف العامة وغيرهم من أصحاب القوة والنفوذ والسلطان, مما يدخل في أحكام القانون المدني الإسلامي, أو أحكام القانون الدولي الإسلامي.
6- المهذب في الكحل المجرب, لعلي ابن أبي الحزم القرشي المعروف بابن النفيس, المتوفى سنة 687 هـ (والقرشي هنا تضبط وتقرأ بفتح القاف وسكون الراء نسبة إلى «قرش» اسم بلد فيما وراء النهر - نهر جيحون, المسمى نهر أموداريا, بوسط آسيا), وبعض الناس ينطقه «القرشي» بضم القاف وفتح الراء, بظنه نسبة إلى «قريش» وهو ما أسميه أخطاء الإلف والعادة.
7- الكافي في الكحل, لخليفة بن أبي المحاسن الحلبي, من علماء القرن السابع الهجري, وقد ذكر محققا الكتاب أن من أهم ما يميز هذا الكتاب:
(أ‌) أنه أول كتاب يضم رسماً توضيحياً لتشريح الدماغ, وعلاقة العينين به, والطريق الذي يسلكه البصر بين العينين والدماغ.
(ب‌) أنه أول كتاب يضع رسوماً للأدوات الجراحية المستعملة في جداول أنيقة.
(ج‌) أنه أول كتاب يضع جداول منظمة أنيقة لأمراض الأجفان والعينين وآلية الإبصار.
(د) أنه أول كتاب يفرد فصلاً خاصاً عن المكاييل والأوزان والمقاييس المستعملة في الطب آنذاك, وتعتبر هذه المقادير التي ذكرها أوفى من تلك المقادير التي ذكرها ابن سينا في آخر كتابه «القانون».
(هـ) أنه أول كتاب يفرد فصلًا خاصاً عن الفصد, ويعتبر ما ذكره المؤلف عن الفصد, أوفى مما كتبه عنه ابن سينا في الجزء الأول من كتابه «القانون».
وهذا الكتاب والذي سبقه, من تراث العرب العلمي, وهو من الفنون التي لا يُقبِل عليها الناشرون كثيراً؛ لأن جمهورها قليل, فلا تحقق لهم عائداً مادياً مجزياً أو غير مجزٍ, فلم يبق إلا هذه المنظمات الكبرى, والهيئات العلمية التي قامت في السنوات الأخيرة في أكثر دول الخليج, تابعة للجامعات هناك, أو مستقلة عنها, وقد أحسنت هذه المنظمات والهيئات في نشر طائفة كبرى من عيون التراث العربي, في مختلف العلوم والفنون, وبعض هذا التراث المنشور ذو أجزاء كبيرة, مما لا يقبل عليه الناشرون أيضاً.
وقد ضمت مكتبتي معظم هذه المطبوعات؛ لعلاقات خاصة بيني وبين القائمين على تلك المنظمات والهيئات, أو لأخذ رأيي أحياناً فيما يُنشر. وأذكر من هذه الهيئات: مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة, وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض, والمجلس العلمي - إحياء التراث الإسلامي بالمدينة النبوية.
وبدولة الكويت: وزارة الإعلام, ووزارة الأوقاف, وقسم التراث العربي بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي.
ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي, وهو مركز نشط جداً, والقائمون عليه يعملون وفق خطة محكمة, ومنهج رشيد, وحماسة بالغة.
وإذا كانت هذه المطبوعات العظيمة لتلك المؤسسات والهيئات تتاح لي ولغيري - وهم قلة - ممن لهم صلات مشاركة وتوجيه أو صداقة مع هذه المؤسسات, فما هو حظ القارئ العربي وغير العربي من هذه المطبوعات؟
إن الكتاب المطبوع هو أساس التواصل العلمي, والأصل فيه أن يكون متاحاً لكل قارئ, إما بالشراء وإما بالإهداء وإما بالإيداع في دور الكتب العامة.
أما الشراء فليس متاحاً لكل الناس؛ لأمرين: الأمر الأول أن بعض هذه الهيئات لا تطرح مطبوعاتها للبيع, والأمر الثاني أن بعض هذه المطبوعات ذات أجزاء كبيرة, قد يصل بعضها إلى عشرة أجزاء, فلو عُرض للبيع لشق ثمنه على كثير من أهل العلم.
وأما الإهداء فدائرته محدودة جداً, على أن في هذا الإهداء بعض الآفات, وهو أنه يوجه أحياناً لمن لا يعرف قدره, أو لا يدرك وجه النفع منه, وأعرف بعض من يهدى إليهم كانوا يتركونه في الفندق؛ استثقالاً لحمله, أو فراراً من مؤونة الوزن الزائد وتكاليفه في شركات الطيران.
أهمية إيداع المطبوعات:
فلم يبق إلا الوجه الثالث, وهو إيداع المطبوعات في المكتبات العامة, وهذه المكتبات العامة ينبغي أن يُنظَر إليها على أنها: إما أن تكون مكتبات الدولة القومية, مثل دار الكتب المصرية, والخزانة العامة بالرباط, وإما أن تكون مكتبات الجامعات (مكتبة الجامعة نفسها, ومكتبات كلياتها ومعاهدها العليا).
فواجبٌ على المنظَّمات والهيئات العلمية التي تُعنى بطبع الكتاب العربي, أن تتيحه لهذه المكتبات العامة, واجباً حتمياً ونصيباً مفروضاً, لا مسامحة فيه, ولا معذرة عنه.
وكنتُ زمان عملي بمعهد المخطوطات التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم أرى قوائم ثابتة بالمعهد للجامعات والمراكز العلمية, نهدي إلى هذه وتلك جميع مطبوعات المعهد, دون انتظار لطلب أو استهداء.
وعلى الجانب الآخر ينبغي أن يكون بمكتبات الجامعات والكليات متابعة دائمة يقِظة لجهات النشر والطبع شرقاً وغرباً, مما يُعرَف في علم الكتاب بقسم التزويد, وهذا في رأيي جانب أساسي من عمل مدير المكتبة الجامعية أو أمينها: أن يتابع ما يُنشَر, ويستهدي جهات النشر, فليس عمله فقط هو استقبال الكتب وتصنيفها وتوزيعها على الأرفف, وفق نظام «ديوي» أو تنظيم القراءة أو الإعارة بالمكتبة.
ومما يُقترح هنا أن تقوم بكل كلية لجنة دائمة, يختارها عميد الكلية بترشيح من رؤساء الأقسام, وتكون مهمة هذه اللجنة معاونة مدير مكتبة الكلية في متابعة ما يُنشر, واستهداء المراكز والهيئات العلمية, وأقترح أيضاً أن يكون جمهور هذه اللجنة من المعيدين والمدرسين المساعدين؛ لأن هؤلاء وهؤلاء أقرب إلى الكتاب, وأكثر حاجة له.
ومن وراء الإهداء والاستهداء تبقى قضية بالغة الأهمية, وهي غياب مطبوعات هذه المنظمات والهيئات العلمية عن وسائل الإعلام ففي كل صحيفة ومجلة من صحفنا ومجلاتنا صفحات للأدب والثقافة, ترى فيها أبواباً ثابتة عن «الإصدارات الجديدة», لكنك لا تطالع من هذه الإصدارات إلا المجموعة القصصية لفلان, والديوان الشعري لفلان, وكأن دنيا العلم والمعرفة قد خلت إلا من هذه القصص وتلك الأشعار, على ما في بعض هذه وتلك من بَرد وغثاثة.
ويبدو أن هذه الإصدارات إنما يسعى بها أصحابها إلى صفحات الجرائد والمجلات, لتصنع لهم شهرة لا تقدم في طريق العلم أو الفن شيئاً.
ولو كانت الأمور تجري على وجهها الصحيح لكان المشرفون على هذه الصفحات الأدبية هم الذين يسعون بأنفسهم إلى جهات النشر, ويتابعون نشاط المطابع في كل مكان وفي كل علم.
وأذكِّر هنا بما كان يصنعه الشاعر المحقق حسن كامل الصيرفي رحمه الله, في مجلة الكتاب العربي, التي كانت تصدرها الدار المصرية للتأليف والترجمة في منتصف الستينات, فقد كان - وهو مدير تحرير هذه المجلة - يحرر باباً عنوانه: (أخبار الكتاب العربي في العالم), وكان يبذل فيه جهداً طيباً في ملاحقة أخبار الكتاب شرقاً وغرباً.

ولو كانت الأمور تجري على وجهها الصحيح أيضاً لكان مندوبو الصحف في عواصم العالم هم الذين يزودون صحفهم بالنشاط الفكري والطباعي في البلدان التي يقيمون بها, فما ينبغي أن يكون عمل مندوب الجريدة في الخارج هو متابعة أخبار السياسة, ليس غير. وبذلك كله يكون الكتاب هو الرافد الصحيح للتواصل العلمي بين الأفراد والجماعات.
ولم يبق إلا تقديم أصدق التحية إلى الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري, المدير العام - المثقف المتابع - للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة, الذي فتح لنا هذه الأبواب من القول.

* * *


المتنبي .. وعلم المخطوطات (81)

يبدو أن أبا الطيب سيظل يملأ الدنيا ويشغل الناس, فما يكاد الأدباء يفرغون من قضية من قضاياه حتى تظهر لهم قضية أخرى.
وكان من سوالف الأقضية أني دُعيتُ من قِبل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض حاضرة المملكة العربية السعودية, للقيام بعمل هو من أحب الأعمال إلى نفسي وأعلقها بقلبي, وهو النظر فيما جمعته عمادة شؤون المكتبات بالجامعة, من نوادر المخطوطات ونفائسها, واستصفاء طائفة من تلك النوادر والنفائس, وتقديمها لأهل العلم؛ شاهداً ودليلاً على أنه لا يزال في الزوايا خبايا.
والندرة أو النفاسة في علم المخطوطات ترجع إلى عدة أمور, منها:
(أ‌) أن يكون المخطوط بخط المؤلف, وهي الغاية التي ليس وراءها غاية.
(ب‌) أن يكون المؤلف قد أملى المخطوط على أحد تلاميذه فكتبه, وأثبت هو عليه خطه بصحة القراءة عليه, أو سماعه, أو إجازته.
(ت‌) أن يمتلك المخطوط أحد العلماء المشهورين, ويثبت عليه خطه بالقراءة أو التملك.
(د‌) أن يكون المخطوط وحيداً لا توجد منه إلا هذه النسخة.
(هـ) أن يكون المخطوط قديم النسخ.
وهذا هو المعيار العام في تقديم المخطوط, وهو القِدَم والقرب من المؤلف.
على أن هناك أسباباً أخرى للندرة والنفاسة, ولا يمكن حصرها والإحاطة بها هنا, وإنما يظهر منها الشيء بعد الشيء, ومعرفة ذلك موكولة إلى ثقافة المفهرِس, ومعرفته بتاريخ الكتب وحال المطبوع منها, وعن أي أصولٍ خطيةٍ حُقِّق الكتاب, ولا يتأتى هذا إلا بعد دُربة وكثرة تفتيش, ومجالسة ومشافهة أهل العلم, وقد أدركتُ طائفة منهم كانت أحوال المخطوط والمطبوع من تراثنا عندهم على طرف الثمام.
وقد يطبع الكتاب ويشيع, وتكثر إفادة الدارسين منه وإحالتهم عليه, ثم تظهر منه مخطوطة تشتمل على زيادات ليست في ذلك المطبوع منه, والأمثلة من ذلك كثيرة, أكتفي منها بمثال واحد: هو شرح ديوان المتنبي للواحدي, والواحدي هو: أبو الحسن على بن أحمد بن محمد المتوفى بنيسابور سنة 468 هـ, وهو عالم بالتفسير والأدب, ومن أشهر تصانيفه: أسباب نزول القرآن الكريم, وتفاسيره: البسيط والوسيط الوجيز.
ويُعَدُّ شرحه لديوان المتنبي من أقدم شروحه وأحسنها, وقد تنبه له المستشرقون منذ زمن بعيد, فنشره المستشرق الألماني فريدرك ديترصي بمدينة برلين سنة 1276 هـ - 1860م, أي منذ 135 عاماً, وما زالت هذه هي الطبعة الوحيدة التي بأيدي الناس.
مخطوطة نفيسة:
وقد رأيت من هذا الشرح مخطوطة نفيسة في أثناء عملي بعمادة شؤون المخطوطات بجامعة الإمام محمد بن سعود التي أشرت إليها. وهذه المخطوطة منسوخة سنة 680 هـ بخط نسخي جيد مضبوط, وكُتبت أبيات المتنبي بخط الثلث الكبير.
وفضلاً عن قِدم هذه المخطوطة وجودة خطها فقد اشتملت على خاتمة لم تأت في طبعة برلين المذكورة, وهذا نصها, يقول الواحدي:
«هذا آخر ما اشتمل عليه ديوانه الذي رتبه بنفسه, وهو خمسة آلاف وأربعمائة وأربع وتسعون قافية. وكان الفراغ من هذا التفسير والشرح اليوم السادس عشر من شهر ربيع الآخر, سنة اثنتين وستين وأربعمائة. وإنما دعاني إلى تصنيف هذا الكتاب مع خمول الأدب وانقراض زمانه, اجتماع أهل العصر قاطبة على هذا الديوان, وشغفهم بحفظه وروايته, والوقوف على معانيه, وانقطاعهم عن جميع أشعار العرب, جاهليها وإسلاميها, إلى هذا الشعر, واقتصارهم عليه في تمثلهم ومحاضراتهم وخطبهم ومقاماتهم, وحتى كأن الأشعار كلها فقدت, وليس ذلك إلا لتراجع الهمم وخلو الزمان عن الأدب, وتقاصر الرغبات, وقلة العلم بجوهر الكلام ومعرفة جيدة من رديئه, ومطبوعه من متكلّفه.
ومع ولوع الناس بهذا الديوان لا ترى أحداً يرجع في معرفته إلى محصول, أو يفي ببيان عن مودعاته وغوامض معانيه ومشكلاته, وإنما المفزع فيه إلى فسر [أي تفسير] أبي الفتح ابن جني, وهو في ذلك كقول من قال:
أصبحت ترجو الغوث من قلبي ... والمستغاث إليه في شغل
وأنه اقتصر في كتبه على تفسير الألفاظ, واشتغل بإيراد الشواهد الكثيرة والنحو والغريب, حتى اشتمل كتابه على عُظم نوادر أبي زيد, وجميع أبيات سيبويه وأكثر مسائله, وزهاء عشرين ألفاً من الأبيات العريبة, وحشاه بحكايات باردة, وأخبار من العرب غريبة نادرة, لا يُحتاج في فسر هذا الديوان إلى شيء منها. والله تعالى ذكره يتغمدنا وإياه بسعة رحمته, وجميل عفوه, إنه الغفور».
فهذه الخاتمة التي انفردت بها تلك المخطوطة أفادتنا عدة فوائد:
(أ‌) تاريخ فراغ الواحدي من شرحه, وأن ذلك كان قبل وفاته بست سنوات, فيكون قد ألفه وهو في تمام نضجه العلمي.
(ب‌) ذكره لدواعي تأليفه.
(ج) ما يفهمه الناقد البصير من خبئ هذا الكلام, وكشفه عن رأي الواحدي في شعر المتنبي جملة, وكأنه يريد أن يقول: إن أبا الطيب لا يستحق كل هذه الضجة, وإنه لا ينبغي أن يُحجب بشعره شعر الأوائل.
(د) نقده لشرح ابن جني لشعر المتنبي, وكأنه يريد أن يقول: إن إخضاع الشعر لقضايا النحو واللغة, على نحو ما يصنع ابن جني ومن على شاكلته, لا يكشف عن جوهر الشعر, ولا يستشرف آماده الرحبة الواسعة.
وهذه الفائدة التي جاءت بها مخطوطة شرح ديوان المتنبي, وأخلت بها مطبوعته, تقودنا إلى أهمية البحث الدائم عن المخطوطات العربية, وعدم الإخلاد إلى الراحة, والتعويل على ما بين أيدينا من المطبوعات.
حاجتنا إلى المخطوطات:
ويأتي السؤال المهم: هل نحن في حاجة إلى مخطوطات جديدة, تكشف عن تراثنا وتجلوه بعد هذا القدر الهائل من المطبوعات, منذ ظهور المطبعة في القرن الخامس عشر الميلادي؟
وأقول: نعم, نحن في حاجة لا تنقطع إلى المخطوطات, وحاجتنا هذه لغايتين:
الغاية الأولى: البحث عن تلك المخطوطات التي تتردد في كتب التراجم والببليوغرافيا لعلمائنا, ويكثر النقل عنها والإحالة عليها في كتب اللاحقين, ولا نرى لها وجوداً في فهارس المكتبات, مطبوعة أو مخطوطة.
والذي يغرينا بدوام البحث وعدم اليأس: تلك المخطوطات التي تظهر بين الحين والحين وكنا نعدها من المفقودات, وحديث ذلك معلوم عند أهل الاختصاص, ولي في ذلك تجارب أيام عملي بمعهد المخطوطات لا يعلم الناس عنها شيئاً, وذلك من خلال رحلات معهد المخطوطات إلى البلدان التي تكثر فيها المخطوطات مثل تركيا والمغرب واليمن وإسبانيا.
والغاية الثانية: أن بعض مطبوعاتنا نُشرت عن أصول مجهولة, وقد كان هذا في مراحل الطبع الأولى, قبل أن يستقر علم تحقيق المخطوطات, وقد يسأل سائل: كيف كانت هذه الأصول المخطوطة مجهولة؟ والجواب: أن ناشري الكتب في تلك المراحل الأولى من الطباعة لم يكونوا يُعنون بذكر وصف المخطوط الذي ينشرون عنه, بل إن بعضهم كان يتخلص من المخطوط نفسه بعد الفراغ من طبعه, فإن العمال أحيانًا كانوا يجمعون من المخطوط نفسه, ولقد رأيت مرة عند بعض باعة الكتب القديمة أوراقاً من كتاب مخطوط, ورأيت آثار يد وأحبار على هذه الأوراق في غير مكان منها, فتعجبت من ذلك, ولكن عجبي زال حين أخبرني ذلك الوراق أن هذه آثار يد الجمّيع - يعني عامل المطبعة - الذي كان يجمع من المخطوطة مباشرة.
وأيضاً: فإن بعض أصول علمنا - على شهرتها - طُبعت عن أصول ناقصة, ومن ذلك معجم الشعراء للمرزباني, وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ومعجم الأدباء لياقوت الحموي.
ومن وراء ما ذكرتُه من نقص المطبوعات وجهالة أصلها, فإن هناك أمراً في غاية الأهمية, وهو أن بعض كتبنا المطبوعة قد ظهرت لها مخطوطات نفيسة توجب إعادة تحقيقها ونشرها, والأمثلة من ذلك بالغة الكثرة, أكتفي منها ببعض ما رأيته بعيني في رحلاتي وأسفاري, ومن ذلك: الكتاب لسيبويه, والصحاح للجوهري, والعمدة لابن رشيق, فهذه الكتب الثلاثة مطبوعة أكثر من طبعة, لكني رأيت منها نسخاً مخطوطة عالية جداً: فمن كتاب سيبويه رأيت أقدم مخطوطة منه, ترجع إلى القرن الرابع, بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء, وانتقال بعض المخطوطات من اليمن إلى الإمبروزيانا له قصة معروفة عند أهل الشأن والاختصاص.
والصحاح للجوهري أصل من أصول المعاجم العربية, وعلم الصرف بوجه خاص, وقد رُزق حظوة في كثرة مخطوطات ونفاستها ما لم أره لكتاب آخر, ومن ذلك ما رأيته في مكتبات تركيا والمغرب واليمن والسعودية. ونسخة الصحاح المطبوع زاخرة بالأخطاء والتصحيفات, فيجب إعادة طبعه على هذه المخطوطات النفيسة منه.
والعمدة لابن رشيق رأيت منه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض مخطوطة تشتمل على الجزء الثاني - وهو آخر الكتاب - بقلم نسخي نفيس عتيق, لا يخرج عن القرن السادس, وكانت هذه المخطوطة في ملك الأديب المصري الشيخ علي الليثي, ثم خرجت من القاهرة واستقرت بالرياض, وكلها بلاد الله, المهم ألا تضيع المخطوطات, ودعك من حديث سرقة المخطوطات وبيعها فهو حديث خرافة.
ماذا عن علم المخطوطات؟
وهذا الذي ذكرتُه لك أيها القارئ الكريم هو جزء من علم ضخم هو «علم المخطوطات», وهذا العلم ذو شعب كثيرة, وقد بدأ الاهتمام به حين استقر علم «تحقيق النصوص ونشرها», فإن النصوص حين تُحقَق إنما تعتمد على أصول مخطوطة موثقة، ثم استقل الحديث عنه عِلماً قائماً بذاته, يتناول قضايا كثيرة: تبدأ بتاريخ التدوين بعد انحسار عصر الراوية, وأدوات الكتابة من أقلام وأحبار, وما يكتب عليه من عسب النخل, وعظام الإبل, واللخاف: وهي الحجارة البيض العريضة الرقيقة, والجلود والرق - بفتح الراء - وهو الجلد الرقيق الذي يؤخذ من بطن الغزلان, وتاريخ ظهور الورق وصناعته, وأماكن وجوده, وأنواعه من الصيني والسمرقندي والمصري والبغدادي والمملوكي, ثم ما يتبع ذلك كله من الإملاء والنسخ ومنازل النساخ وطبقاتهم, ثم معرفة منازل النُسخ للكتاب الواحد, وتقديم نسخة على أخرى, وفق المعايير التي ذكرتُها في مقدمة هذه الكلمة, ومعرفة الخط العربي بنوعيه: المشرقي والمغربي, وتطوره وسمات كل عصر في نوع الخط الذي يشيع فيه, وتوظيف ذلك كله في تقريب زمن كتابة المخطوط عندنا يفقد المخطوط تاريخ كتابته, ومعرفة أمراض المخطوطات, من الرطوبة والأرضة, وهي تلك الحشرة الآكلة التي تسمى في بلادنا المصرية: السوس أو العثة - وينطقها العوام بكسر العين بعدها تاء مثنَّاة من فوق, كما يقلبون الثاء تاء في بعض الكلمات, مثل قولهم: تعلب بدل ثعلب, والتوب مكان الثوب - وطرق الوقاية من مثل هذه الآفات, واصطناع الوسائل التي تحفظ المخطوطات من البلى, مثل فن الترميم.
ومن ميادين هذا العلم معرفة البلدان التي تكثر فيها المخطوطات, أصالة أو انتقالاً, وحديث المكتبات العامة والخاصة, وما فُهرس منها وما لم يُفهرس.
مسار التأليف العربي:
وقد تنازع معرفة هذا العلم والاهتمام به طائفتان من الناس, الطائفة الأولى: هم العلماء المحققون الذين شُغلوا بتحقيق المخطوطات ونشرها.
والطائفة الثانية: هم نفر من الناس اشتغلوا بهذا العلم جمعاً وفهرسة ليس غير, كما يُعنى جامع الآثار بتحصيلها وتهيئتها للدارسين ليس غير.
ومن الناس من حاز الفضيلتين وجمع بين الاهتمامين: تحقيق المخطوطات وجمعها وفهرستها, وهذا الصنف من الناس قليل, ولا شك أن من يشتغل بعلم المخطوطات من العلماء المحققين يكون أقدر من غيره على تقييم ما يقع بين يديه من مخطوطات؛ لأنه يعرف مسار التأليف العربي وتطوره خلال العصور, كما أنه يدرك العلائق بين الكتب شرحاً أو اختصاراً أو نقداً أو تذييلاً, فضلًا عن معرفته بالموجود والمفقود من تراثنا, وتاريخ العلماء وتراجمهم وتقلبهم في العالمين.
وقد أدركت نفراً من هذه الطائفة كانوا يعرفون أسماء الكتب ومداخلاتها, وأسماء العلماء وكناهم وألقابهم وأنسابهم, وتاريخ وفياتهم ومبلغ أعمارهم, كما يعرف الناس آباءهم, إلى جانب تلك الحصيلة اللغوية التي تعين على قراءة العسِر المعمى من المخطوطات, والخطوة الأولى في الحكم على المخطوط وتقييمه هو قراءته قراءة صحيحة مبرأة من التصحيف, سليمة من التحريف.
وقد كُتبت في علم المخطوطات دراسات كثيرة تناولت قضاياه كلها, وذلك في المجلات المتخصصة, مثل مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة, التي صدر العدد الأول منها سنة 1375 هـ - 1955م وما زالت تصدر بحمد الله, برغم ما تعرض له المعهد من هزات وتقلبات, ومجلات مجامع اللغة في القاهرة ودمشق وبغداد والأردن, ومجلة المورد العراقية, والمجلات العلمية في المغرب العربي, ومجلات الاستشراق, ثم صدرت فهارس كثيرة للمخطوطات في الشرق والغرب, ترصد المخطوطات وتصنِّفها وتعرِّف بها, إلى جانب العملين الكبيرين في هذا الميدان, وهما: تاريخ الأدب العربي للمستشرق الألماني كارل بروكلمان, وتاريخ التراث العربي للعالم التركي مولداً ونشأة, الألماني جنسية وإقامة, الدكتور محمد فؤاد سزكين.
وقد ارتبط هذا العلم بأسماء كبيرة, أحبت المخطوطات حباً شديداً, وسعت لها سعيها, فصرت لها الجهود, وبذلت في تحصيلها الأموال, تسخيراً من الله عز وجل لحفظ ذلك التراث وحياطته وصيانته, ويبرز هنا عالمان جليلان, أحدهما في المشرق العربي, والثاني في المغرب العربي:
فأما الذي في المشرق: فهو العلامة أحمد تيمور باشا, وهو فرد زمانه وواحد عصره, نشأ في بيت عز ونعيم, ثم صرف همته إلى العلم والأدب, وجمع مكتبة قيمة حوت كثيراً من نوادر المخطوطات ونفائسها, ضُمت بعد وفاته إلى دار الكتب المصرية, وعُرفت باسم: المكتبة التيمورية, وقلَّ أن تجد مخطوطة من مخطوطات مكتبته إلا وفي أولها فهرس واف لما تضمه هذه المخطوطة بخطه الدقيق الواضح.
وأما الذي في المغرب: فهو العلامة محمد عبد الحي بن عبد الكبير, المعروف بعبد الحي الكتاني, صاحب «التراتيب الإدارية» و «فهرس الفهارس والأثبات» وهو في شيوخه ومروياته عنهم, سافر وارتحل, وحصل كثيراً من المخطوطات, جمع بعضها في الخزانة العامة (دار الكتب) بالرباط, باسم: المكتبة الكتانية.
ومن وراء هذين العلمين تأتي أسماء كثيرة أيضاً في هذا العلم, مثل: محمد محمود بن التلاميذ التركزي الشنقيطي, وشيخ العروبة أحمد زكي باشا, وهو أول من استخدم كلمة «تحقيق» في صدر الكتب المنشورة, وهو أيضاً ناشر كتاب «أنساب الخيل» وكتاب «الأصنام» كلاهما لابن الكلبي, وقد جمع مكتبة مخطوطات قيمة عرفت في دار الكتب المصرية بالمكتبة الزكية, ومحب الدين الخطيب العالم الناشر, وهو صاحب المكتبة السلفية, والناشر العظيم ذو الأثر الكبير محمد أمين الخانجي, والعالم التونسي الكبير حسن حسني عبد الوهاب, والفقيه التطواني بمدينة سلا بالمغرب, وأحمد عبيد بدمشق.
وقد أدركت من تلاميذ هذا الجبل العظيم وورثته اسمين كبيرين: فؤاد سيد عمارة, ومحمد رشاد عبد المطلب.
أما فؤاد سيد, فقد كان أمين المخطوطات بدار الكتب المصرية, وكان هذا الرجل آية في معرفة المخطوطات وقراءتها, وميز صحيحها من زائفها, وعتيقها من محدثها, مع اطلاع واسع وحافظة قوية. وأما محمد رشاد عبد المطلب فقد عمل بمعهد المخطوطات بالقاهرة منذ إنشائه سنة 1946 م إلى حين وفاته سنة 1975م, وقد خرج في بعثات المعهد لتصوير المخطوطات, من القدس والهند وتركيا والمغرب والسعودية, وكان أعجوبة زمانه في معرفة المخطوطات ومظان وجودها, وكان يتحدث عنها حديث العاشق المدلّه بحبها, كما كان له معرفة واسعة بالكتاب المطبوع, زماناً ومكاناً, وفرق ما بين الطبعات.
وقد كان لهذين الرجلين فضل ظاهر على جمهرة الدارسين والباحثين, وأشهد - وقد جلست إليهما زماناً وتعلمت منهما الكثير - أنهما دلَّا أعداداً كبيرة من طلبة الدراسات العليا على مصادر وموارد في أبحاثهم لم يكونوا بالغيها إلا بشق الأنفس, بل لعلهم لم يكونوا يقفون عليها لولا عونهما ومساعدتهما.
علماء المخطوطات:
ثم عرفتُ من علماء المخطوطات غير هذين الكثير, من أمثال صلاح الدين المنجد, وهو سوري تولى إدارة معهد المخطوطات بالقاهرة سنوات, كانت من أزهى سنوات ذلك المعهد, وكان من أنشط وألمع من تولوا إدارة المعهد, وهو الذي حرك المعهد في أنشطته المختلفة, من تصوير ونشر وفهرسة, وكان أول رئيس تحرير لمجلة المعهد.
ومن المغرب عرفت أسماء كبيرة في علم المخطوطات, مثل محمد العابد الفاسي أمين المخطوطات بمكتبة القرويين بفاس, وكان جبل علم, مات وفي صدره الكثير, ومحمد إبراهيم الكتاني أمين المخطوطات بالخزانة العامة بالرباط, وله دراسات كثيرة حول علم المخطوطات, وله أيضاً اكتشافات جيدة في نسبة المخطوطات المجهولة إلى أصحابها, أذكر منها هنا اكتشافه لنسبة مخطوطة الجزء الثاني من كتاب «تذكرة النحاة» لأبي حيان الأندلسي, وعبد السلام بن سودة صاحب كتاب «دليل مؤرخ المغرب الأقصى», والعلَّامة التقي بقية السلف الصالح الشيخ محمد المنوني, زين المغرب الأقصى, ونور الرباط وبهجتها, جلست إليه ورويت عنه, وهو إلى جانب اشتغاله بعلم المخطوطات باحث عظيم, وله تحقيقات وتصانيف جياد - وبخاصة في تاريخ المغرب ومظاهر نهضته, ويبذل علمه في سخاء وأريحية لكل من يقصده أو يكاتبه, أطال الله في النعمة بقاءة.
وعرفت أيضاً من علماء المخطوطات: إبراهيم شبوح بتونس, ومحمد بن شريفة بالمغرب, ومن المملكة العربية السعودية علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر, وعبد الرحمن بن سليمان العثيمين, ومن اليمن القاضي إسماعيل الأكوع, وأخاه القاضي محمد الأكوع, وعبد الله الحبشي, وهو باحث جيد, ومن العراق أسامة القنشبندي, وقاسم السامرائي, وله اهتمام خاص بتاريخ الورق وصناعته, ومن الكويت عبد الله يوسف الغنيم, وله اهتمام خاص بمخطوطات الجغرافيا العربية, ومن تركيا رمضان ششن.
وإنما استكثرت من ذكر هذه الأسماء - وقد عرفتها من خلال اشتغالي بهذا العلم سنوات ذات عدد - لأدلل على أن عالم المخطوطات في عالمنا العربي يرتبط بأسماء بأعيانها, ومعظم هذه الأسماء إنما ارتبطت بهذا العلم لاهتمامات خاصة, ومن مخاطر الاهتمامات الخاصة أنها تتوقف بتوقف أصحابها, بدواعي التوقف التي لا يمكن حصرها, ومعنى هذا أننا بحاجة إلى تأصيل هذا العلم, ولا سبيل إلى ذلك إلا الجامعات العربية, بأقسام المكتبات بها, أو بمراكزها العلمية, وأعلم أن أقسام المكتبات ببعض كليات الآداب تُعنى بتدريس هذا العلم, ولكن بمناهج مخففة, وبالجوانب النظرية فقط, ثم بالاقتصار على أساتذة قسم المكتبات فقط, دون الاستعانة بخبراء هذا العلم الذين هم خارج الإطار الجامعي: أقول قولي هذا وأنا أعلم أن لبعض أساتذة أقسام المكتبات بالجامعات علماً بالمخطوطات ولكنهم قليلون, ولابد من الإفادة من هذه الخبرات التي ليست من أعضاء هيئة التدريس.
كما أني أعلم أيضاً حديث هذه الحلقات التي تُقام بين الحين والآخر لدراسة شئون المخطوطات وقد كثرت هذه الحلقات في السنوات الأخيرة كثرة ظاهرة, ولكن التنسيق بينها مفقود, كما أن الجهود اللاحقة فيها لا تستفيد من الجهود السابقة, فكل في فلك يسبحون.
وأعتقد أن الحلقة المفقودة في مثل هذه الجهود أنها لا تتجه إلى تكوين جيل من الشباب يؤسَس على المعرفة الصحيحة ليمضي في هذا الطريق على بصيرة, أما أن تلقى بحوث ومحاضرات يخاطب العلماء فيها بعضهم بعضاً, فهذا ما لا غناء فيه ولا طائل تحته. ومن جهات النقص في مثل هذه الحلقات أن الدول التي تُدعى إليها والمؤسسات التي تشترك فيها ترسل في الغالب موظفين بدور الكتب وبالإدارات الثقافية بها, والموظف يحرص على أن يقدم تقريراً, لا أن يحصل علماً.
إن علماء المخطوطات يتناقصون يوماً إثر يوم, بالموت الذي لا يُرد, وبالصوارف التي لا تُدفع. وقد مات كثير من علماء المخطوطات وفي صدورهم الشيء الكثير, فبعضهم ضن واحتجن, وبعضهم تراخى وغره طول الأمل. ولهذا فإني أدعو كل من أنعم الله عليه بشيء من هذا العلم أن ينشره ويذيعه, فإن الموت لا موعد له, وعلمه عند علام الغيوب.
ثم إنه من أوجب الواجبات على جامعتنا العربية أن تعتني بهذا العلم, وتجعل له من ميزانيتها نصيباً مفروضاً, وأن تستثمر من بقي من خبراء هذا العلم, لتتخرج عليهم أجيال جديدة, تمضي في الطريق وتكمل المسيرة, فلا ينقطع مدد هذا العلم الذي هو الأساس لاكتشاف المغيب من تراثنا, وتأكيد الثقة بما سلم لنا منه, من عوادي الناس والأيام.

* * *

تم القسم الأول من مقالات
العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي
ويتبعه القسم الثاني وفيه:
تتمة مقالاته رحمه الله تعالى

(1) مجلة «الرسالة», إبريل/ نيسان 1965م.

(2) مجلة «الكتاب العربي», ديسمبر 1966م.
(3) أبو الأشبال أحمد بن محمد شاكر بن أحمد عبد القادر (1892 - 1958), عالم مصري بالحديث والتفسير, اشتهر بنشر نصوص التراث الإسلامي. (الموسوعة الإسلامية التركية - استنابول, وهي مقالة تعريفية بطلب من الموسوعة للدكتور الطناحي رحمه الله تعالى).
(4) مجلة «المجلة», مارس 1968م
(5) انظر في ضبط اسم الكتاب ص 297, في مقالة الطناحي حول الهجرة وكتابة التاريخ الإسلامي.
(6) مجلة «الثقافة», يوليو 1975م.
(7) زار كاتب المقال المغرب مرَّتين عضواً في بعثة معهد المخطوطات العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم, وقد نشر مقاله هذا في حلقتين بمجلة «الثقافة» القاهرية, العددان 27, 28, ديسمبر - يناير 1975م.
(8) مجلة «دعوة الحق», العدد 9, السنة 17, نوفمبر 1976م, المغرب.
(9) طبقات النحويين واللغويين, صفحة 254, بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم.
(10) المرجع السابق, صفحة 256.
(11) تاريخ علماء الأندلس, لابن الفرضي, صفحة 365, طبعة الدار المصرية للتأليف والترجمة.
(12) طبقات النحويين واللغويين, صفحة 275 (ترجمة عفير بن مسعود).
(13) المرجع السابق, صفحة 262, وأيضاً: تاريخ علماء الأندلس, صفحة 296.
(14) معجم الأدباء 130/ 100, طبعة دار المأمون.
(15) إنباه الرواة على أنباه النحاة 2/ 252, بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم.
(16) فهرست ما رواه عن شيوخه أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي, صفحة 395 - 397, نشر المكتب التجاري - بيروت, وانظر ما كتبه العلَّامة حسن حسني عبد الوهاب, عن العناية بالكتاب وجمعها في إفريقيا التونسية, من القرن الثالث إلى الخامس للهجرة - مجلة المخطوطات العربية بمصر, المجلد الأول, صفحة 72.
(17) ابن زيدون: عصره وحياته وأدبة, للأستاذ علي عبد العظيم, صفحة 508, وانظر أيضاً: الذخيرة لابن بسام - الجزء الأول من القسم الأول, صفحة 326.
(18) مقدمة تحقيق كتاب مختصر العين, صفحة (هـ) للأستاذين علال الفاسي ومحمد بن تاويت الطنجي, طبعة الرباط.
(19) مقدمة تحقيق اليتيمة, صفحة 13, للأستاذ الشيخ محمد محيي الدَّين عبد الحميد, ومقدمة تحقيق الذخيرة, صفحة (أ, ب), للأستاذ الدكتور طه حسين.
(20) مقدمة تحقيق كتاب «التعريف بالقاضي عياض» للأستاذ الدكتور محمد بن شريفة, ومقدمة تحقيق كتاب: «ترتيب المدارك» للقاضي عياض, تحقيق الأستاذ محمد بن تاويت الطنجي, والكتابان من مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالرباط.
(21) كتب برامج العلماء في الأندلس, مجلة معهد المخطوطات, المجلد الأول, صفحة 118.
(22) طبقات النحويين واللغويين, صفحة 235.
(23) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون, للحاج خليفة, صفحة 1427, طبعة استانبول.
(24) بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة, الجزء الثاني, صفحة 428, تحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم.
(25) إنباه الرواة, الجزء الثاني, صفحة 123, والصِّيْمَري: بفتح الصاد وسكون الياء وفتح الميم.
(26) على الرغم من غلبة ألفية ابن مالك على معاهد الدرس مشرقاً ومغرباً, فقد رأيت الصبيان في مسجد الجامع الكبير بمدينة صنعاء - أثناء رحلتي في العام الماضي إلى اليمن - يتدارسون «ملحة الإعراب» للحريري صاحب المقامات. وهذه «الملحة» أشهر نظم نحوي قبل ألفيتي ابن معطي وابن مالك.
(27) راجع كتاب الأمثال العربية القديمة, تأليف المستشرق الألماني رودلف زلهايم, ترجمة الأستاذ الدكتور رمضان عبد التواب, صفحتي 151, 219, طبعة بيروت.
(28) طبقات الشافعية الكبرى, تحقيق أخي الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو, وكاتب هذا المقال, الجزء الخامس, صفحة 192, والسادس 243.
(29) الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي, للأستاذ محمد حجي, صفحة 25, طبعة الرباط.
(30) فهرس الفهارس والأثبات معجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات, الجزء الأول, صفحة 3, وهذا الكتاب النفيس جعله مؤلفه قاموساً عاماً لتراجم المؤلفين في السَّنة النبوية الشريفة من القرن الثامن حتى أواسط القرن الرابع عشر, وقد أرادة ذيلاً على طبقات الحفاظ, لابن ناصر والسيوطي.
(31) يُنظر عن نفائس هذه المكتبة: مجلة معهد المخطوطات, المجلد الخامس, صفحة 174.
(32) كتاب الأمثال العربية القديمة المتقدم قريباً, صفحة 215.
(33) قائمة لنوادر المخطوطات العربية المعروضة في مكتبة جامع القرويين بفاس, بمناسبة مرور مائة وألف سنة على تأسيس هذه الجامعة, صفحة 58, طبعة الرباط.
(34) راجع مقدمة تحقيق مغازي الواقدي, للمستشرق الإنجليزي الدكتور مارسدن جونز, صفحة 26, طبعة دار المعارف بمصر.
(35) الملحق الثقافي لجريدة «العلم» المغربية, الجمعة 12 رمضان 1395 هـ - 19 سبتمبر 1975م.
(36) مجلة الشعر, العدد الأول, يناير 76, القاهرة.
(37) الظرف, بفتح الظاء: هو البراعة وذكاء القلب, وقيل: الظرف في اللسان: البلاغة, وفي الوجه: الحسن, وفي القلب: الذكاء.
(38) تاريخ الأدب العربي, الملحق 1/ 133, الطبعة الأوربية, ومعجم المؤلفين, للأستاذ عمر كحالة 7/ 95.
(39) الوافي بالوفيات, مصوَّرة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية, برقم 861 تاريخ.
(40) وفيات الأعيان لابن خلكان 4/ 223, تحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد, والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي 5/ 26.
(41) الإمتاع والمؤانسة 2/ 166, تحقيق الأستاذين أحمد أمين وأحمد الزين.
(42) يتيمة الدهر 1/ 293, تحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد, الطبعة الثانية.
(43) ديوان الوأواء الدمشقي, ص 273, تحقيق الدكتور سامي الدهان, طبعة دمشق.
(44) المنازل والديار, ص 220, تحقيق أخي الأستاذ مصطفى حجازي, ولم ترد هذه الأبيات في ديوان التهامي المطبوع في دمشق.
(45) السمعاني في كتابه ذيل تاريخ بغداد, كما حكى عنه السبكي في الموضع الآتي من كتابه الطبقات, وأسامة بن منقذ في كتابه المنازل والديار المذكور من قبل, ص 33, 34, والصفدي في كتابه الوافي بالوفيات الذي مرَّ ذكره, والسبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى 1/ 308 - 311, تحقيق أخي الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو, وكاتب هذه المقالة, وابن حجة في كتابه ثمرات الأوراق ص 475 - 478, تحقيق الأستاذ الكبير محمد أبو الفضل إبراهيم, والعاملي في كتابه الكشكول 1/ 118 - 120, تصحيح الشيخ طاهر الزاوي, وقد خمس قصيدة ابن زريق هذه طه أفندي أبو بكر, وسمى تخميسه: بث الشجن على عينية أبي الحسن, وطبع هذا التخميس بمطبعة بولاق سنة 1312, مع كتاب الدر الذي انسجم على لامية العجم, للشيخ سيد بن علي المرصفي, كما جاء في فهرس الأدب بدار الكتب المصرية.
(46) يتيمة الدهر 2/ 277.
(47) ثمار القلوب ص 512, تحقيق الأستاذ الكبير محمد أبو الفضل إبراهيم.
(48) وفيات الأعيان 4/ 420, ترجمة موسى بن عبد الملك الأصبهاني, و «أبو محمد» عند الثعالبي جاءت عند ابن خلكان «محمد» كما ترى.
(49) أشير هنا إلى أن هناك بعض اختلاف في رواية أبيات القصيدة, فمن أراده فليطلبه فيما ذكرت من مراجع.
(50) ضلعت: أي أثقلت وتكسرت, يقال: داهية مضلعة: أي تثقل الأضلاع وتكسرها.
(51) التفنيد: اللوم وتضعيف الرأي, وفي التنزيل العزيز, حكاية عن يعقوب عليه السلام: {لولا أن تفندون (94)}, قال الفراء: يقول: تكذبون وتعجزون وتضعفون. معاني القرآن 2/ 55.
(52) الحل: نقيض الارتحال, وهو بفتح الحاء, وكثير من الناس ينطقه بكسر الحاء, وهو خطأ.
(53) الزماع, بفتح الزاي وكسرها: المضاء في الأمر والعزم عليه.
(54) مجلة فن تحقيق التراث, مركز الدراسات والبحوث الإسلامية, كلية دار العلوم, جامعة القاهرة.
(55) صحيفة «المدينة المنورة» بالمملكة العربية السعودية, العدد 5505, بتاريخ 20 من جمادى الآخرة 1402 هـ.
(56) مجلة «الهلال», سبتمبر 1990 م.
(57) مجلة «الهلال», فبراير 1991م.
(58) مجلة «الهلال», إبريل 1991م.
(59) مجلة «الهلال», فبراير 1992م.
(60) مجلة «الهلال», مارس 1992م.
(61) مجلة «الهلال», يوليه 1992م.
(62) مجلة «الهلال», أغسطس 1992م
(63) مجلة «الهلال», نوفمبر 1992 م.
(64) كذا في الأصل, ولعلها: والحض عليها. قلت (محمد المهنا): بل الصواب الحط كما في الأصل وهو واضح المعنى
(65) مجلة «الهلال», ديسمبر 1992 م.
(66) مجلة «الهلال», فبراير 1993م.
(67) مجلة «الهلال», مارس 1993م.
(68) مجلة «الهلال», سبتمبر 1993م.
(69) مجلة «الهلال», أكتوبر 1993م.
(70) مجلة «الهلال», يناير 1994م.
(71) مجلة «الهلال», فبراير 1994م.
(72) مجلة «الهلال», يونيو 1994م.
(73) مجلة «الهلال», يوليه 1994م.
(74) مجلة «الهلال», أكتوبر 1994م.
(75) مجلة «الهلال», ديسمبر 1994م.
(76) مجلة «الهلال», فبراير 1995م.
(77) مجلة «الهلال», مارس 1995م.
(78) مجلة «الهلال», أبريل 1995م.
(79) مجلة «الهلال», مايو 1995م.
(80) مجلة «الهلال», يوليه 1995 م.
(81) مجلة «العربي», العدد 440, يوليو 1995م.
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------




1