Advertisement

ثقافة الأسئلة

دراسات نقدية
د.عبد الله محمد الغذامي
ثقافة الأسئلة
مقالات في النقد والنظرية















دراسة نقدية



ثقافة الأسئلة
مقالات في النقد والنظرية

د. عبد الله محمد الغذامي




دار سعاد الصباح
الطبعة الثانية 1993
جميع الحقوق محفوظة
دار سعاد الصباح
ص. ب: 27280
الصفة 13133- الكويت
القاهرة _ ص. ب: 13 المقطم
267 دقيق
تليفون: 3491727
3497779
فاكس: 709583
709563
5061030
رقم الإيداع: 1812/1993
I.S.B.N. 977-5344-5-X
الإشراف الفني: حلمي التوني










بسم الله الرحمن الرحيم



























الاهداء
إلى مدينة جدة
حيث يخفق القلب
فلا تحسبي الغريب الذي نأى
ولكن من تنأين عنه غريب*
وإلى
عبد الفتاح أبو مدين
حيث صدق الرجال ورجال الصدق
عبد الله






















تنوير وفاتحة
"وما زال في الدرب درب
لنمشي ونمشي
إلى أين تأخذني الأسئلة
أنا من هنا
أنا من هناك
سأرمي كثيرا من الورد قبل الوصول
إلى وردة في الجليل"
محمود درويش


"لقد تقبل الأنثروبولوجيون أنواعا
من الثقافات حيث يأكل البشر
الكلاب والقرود والضفادع والثعابين،
ولذا يفترض ألا يستغرب وجود
بلاد يسهم الأكاديميون فيها
بالكتابة الصحفية".
أمبرتو إيكو


يقول إيكو هذا الكلام في مقدمة كتابه (رحلات في الحقيقة العليا –
(Travels in Hyper Reality
وهي مقدمة كتبها خصيصا للطبعة الأمريكية من هذا الكتاب. وفيها تحدث عن سؤال طرحه عليه صحفي أمريكي يستغرب على إيكو كيف استطاع أن يوفق بين صفته الأكاديمية بوصفه باحثا سيمولوجيا ومؤلفا وأستاذ ومع ذلك يمارس الكتابة للصحف. والسؤال الأمريكي ينم عن طبقية ثقافية لها وجود في أمريكا حيث التخصصات ذات الحدود القاطعة.
ويرد أمبرتو إيكو على ذلك قائلا لان الاكاديميين الأوروبيين – والطيران خاصة – لا يرون الكتابة الصحفية عملا طبيعيا فحسب، بل إنهم يعتبرونه واجبا، من حيث كونه مشاركة اجتماعية وثقافية يشعر المفكر بمسؤولية خاصة نحوها ونحو ضرورة أدائه لها. ولذا فإنها عند الأوروبيين عادة من عادات الفعل الثقافي العام، وليس في الأمر أية غرابة. ويزيد إيكو على تعدد نشاطاته بان يكتب الرواية. ولقد سخر من إنتاجه الروائي في هذه المقدمة، ولكن رواياته – اليوم – تضرب الأسواق وشاشات السينما ومسلسلات الإذاعات في أوروبا وأمريكا. ولا غرابة.
ولا ريب أن عنت التخصص في أمريكا قد أصبح أمرا ملحوظا، وأشار إليه بيرنشتاين في كتاب صدر عام 1990 بعنوان (سياسة الشكل الشعري) نعى فيه على الثقافة الأمريكية المعاصرة تراجع ما أسماه بالخطاب العام، وهذا غياب له خطره الفادح على المثقف وعلى الجمهور، ويرى بيرنشتاين أن الفن الشعري مؤهل للتصدي لذا الدور الاجتماعي الثقافي، والشعر مساحة خضراء قادرة على إعادة تأسيس المدى الجماهيري وإعادة بناء الخطاب.
إن كان هذا الغياب واقعا ومؤثرا في أمريكا فإننا هنا نعاني من غياب ثقافي أكبر وأفدح، وإن رأى إيكو أن الأكاديمي الأوروبي لا يجد غضاضة في الانفتاح الاجتماعي، بل يرى ذلك واجبا ومسؤولية اجتماعية، فإن الحاجة عندنا أبلغ، ولسوف يكون من واجب المثقف أن يكسر حواجز التخصص، ويمد جسوره إلى جمهور الناس ليقدم المعرفة إليهم بخطاب عام يمكن إدراكه دون أن يتنازل الخطاب عن شروطه المعرفية والاصطلاحية.
وهذا هو هدف هذه المقالات التي ظهرت متتابعة في جريدة الرياض (ملحق الخميس)، ثم رأيت جمعها وإخراجها في كتاب، مع الإبقاء على صيغتها الصحفية من حيث التخفف من الهوامش، والأخذ بأطراف القضايا مباشرة من دون إحالات لا يحتملها النشر الصحفي، سوى استثناءات يسيرة اقتضاها المقام.
ولقد جاءت هذه المقالات استجابة لأسئلة تتوارد علي منذ صار مشروعي الثقافي مرتبطا بمنهجية نقدية واضحة المعالم، وتقوم هذه المنهجية على (النقد الألسني) أو (النصوصية) معتمدا بذلك على ما يعرف بنقد ما بعد البنيوية، وهو – عندي – نقد يأخذ من البنيوية ومن السيميولوجية ومن التشريحية منظومة من المفهومات النظرية والإجرائية تدخل كلها تحت مظلة الوعي اللغوي بشروط النص وتجلياته التكوينية والدلالية.
وبذا فإن هذه المقالات هي بمثابة شروح وهوامش واستتباعات على مجمل منهجيتي النقدية المتمثلة بكتابي (الخطيئة والتكفير). وما جاء من بعده، خاصة (تشريح النص)، و(الكتابة ضد الكتابة).
ومنذ صدور (الخطيئة والتكفير) عام 1405 (1985) وأنا في حال مواجهة مستمرة مع الأسئلة، وجاءت كتاباتي الصحفية ومشاركاتي المنبرية استجابة وتفاعلا مع هذا المد الاستطلاعي والاستفهامي، ونتج عن ذلك كتابي (الموقف من الحداثة ومسائل أخرى) الذي يتضمن بعض تلك المشاركات، ولقد صدر عام 1407 (1987) وجاءت بعده سلسلة من المقالات والمشاركات منها مجموعة مقالات في جريدة عكاظ بعنوان (أسئلة الكلمة) بلغت بضع عشرة مقالة، ومجموعة من المقالات على صورة حوار مع الأستاذ أحمد الشيباني في ملحق الأربعاء بجريدة (المدينة) بعنوان: نحو نقد نصوصي (ألسني). ولم يتيسر جمع هذه المشاركات في كتاب بعد. ولقد ضاع بعضها رغم قرب العهد بها. وهناك غيرها مقالات ومشاركات في جريدة (اليوم) ومجلة (الشرق) و (اليمامة) وجريدة (الرياض)، لا تنتظم في عنوان واحد وإن كانت كلها تدور حول المنهج ذاته، وتتمحور مع أسئلة متماثلة.
أما هذه المقالات التي تشكل هذا الكتاب فإنها سلسلة تتابعت بانتظام على مدى عام، ونشرت جميعها في الملحق الثقافي لجريدة الرياض أيام الخميس، وكان باعثها ملاحظة عابرة وردت على لسان أحد الزملاء .
ولقد وجدت نفسي وقتها في مواجهة مع إلحاح عدد من الأصدقاء الذين رغبوا إليَّ بأن أكتب ما يوضح ويبين مقاصد المنهج ومراميه كمحاولة لتوظيف الملاحظة توظيفا إيجابيا نافعا، ولقد فعلت ، ولعلي حققت لهؤلاء الأصدقاء بعض مراميهم ***
هذا جانب من الحكاية ، ولكن الأمر لا يقف عند حدود السؤال وجواب السؤال ، بل إنه يمس بعض المسائل الجوهرية والأولية ، ومن ذلك علاقتنا بالمعرفة من حيث أساسها ومصدرها، وهو مصدر تغلب عليه في عصرنا هذا صفة ( الغيرية ) ،
فهي معرفة تصدر عن ثقافات أخرى ذات سياقات مختلفة . ولقد جرب المفكرون العرب وجوها من التعامل مع هذه المصادر . مثلما أن لسلفنا الصالح وجوها مماثلة حينما تعاملوا مع اليونان وفلسفاتهم . ولا ريب أن الأسئلة عن مشروعية الاستفادة كانت حاضرة في أذهانهم حضورا ذاتيا أو بسبب مواجهة استنكارية من معارضيهم . وبما أن هذا المشكل مازال يتكرر عند عامة الناس ولدى بعض منتسبي الثقافة بحيث يربطون بين الفكرة ومصدرها ربطا متعسفا لا فسحة فيه، فإني هنا أعرض ما جاء على قلم شيخنا حجة الإسلام أبي حامد الغزالي ، حيث ناقش مشكل الذين يرفضون المعرفة لمجرد أنها صادرة من مصدر يختلفون معه .
وسمى ذلك ( آفة الرادِّ ) ، فقال في ذلك :
(( أما الآفة التي في حق الرادِّ فعظيمة : إذ ظنت طائفة من الضعفاء أن ذلك الكلام إذا كان مدونا في كتبهم (=الفلاسفة ) وممزوجا بباطلهم ينبغي أن يهجر ولا يذكر 0 بل ينكر على " كل" من يذكره إذ لم يسمعوه أو لا إلا منهم ،فسبق إلى عقولهم الضعيفة أنه باطل ، لأن قائله مبطل (......) . وهذه عادة ضعفاء العقول يعرفون الحق بالرجال ، لا الرجال بالحق . والعاقل يقتدي بسيد العقلاء علي رضي الله عنه ، حيث قال : لا تعرف الحق بالرجال " بل " اعرف الحق تعرف اهله .
والعارف العاقل يعرف الحق ، ثم ينظر في نفس القول : فإن كان حقا قبله . سواء كان قائله مبطلا أو محقا . بل ربما يحرص على انتزاع الحق من أقاويل أهل الضلال ، عالماً بأن معدن الذهب الرغام . ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاب وانتزاع الإبريز الخالص من الزيف والبهرج ، مهما كان واثقا ببصيرته وانما يُزجَر عن معاملة القلاب القروي دون الصيرفي البصير ، ويُمنَع من ساحل البحر الأخرق ، دون السباح الحاذق . ويُصَدَ عن مس الحية الصبي دون المعزم البارع . ( ......)
وأقل درجات العالم : أن يتميز عن العامي الغير ". ثم يختم أبو حامد كلمته عن هذه الآفة المعرفية قائلا عنها : "وهذا وهم باطل ، وهو غالب على أكثر الخلق ، فإذا نسبت الكلام وأسندته إلى قائل حسن فيه اعتقادهم قبلوه ، وإن كان باطلا . وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم رَدوُه ، وإن كان حقا. فأبدًا يعرفون الحق بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق . وهو غاية الضلال ! . هذه آفة الرد " . – المنقذ من الضلال ص 110-114.
وإن كان أبو حامد قد فَنَّد القول عن هذه الفئة التي ترفض المعرفة الإنسانية ، وأغنانا بذلك عن إعمال الفكر في مجابهتها بالحقيقة وفي كشف صنعتها السالبة ، فإننا نُلمّح هنا إلى أن الممارسين للرفض الثقافي هم غالبا قوم لم يمارسوا الفعل المعرفي ممارسة عملية ، ولم يتعاملوا مع المناهج الإجرائية ولا مع النظريات المعرفية . وهُم لهذا يصدرون عن وَهَم وعن ظن يهجسون به دون أن يختبروه.
ولعلهم وجدوا ذلك أيسر السبل لإعفاء أنفسهم من عنَت البحث والريادة ، فقالوا بالرفض عجزا عن بلوغ المرام من جهة ، وإنقاذا لماء الوجه من جهة ثانية كي يغطوا على قصورهم . على أنهم لو جربوا هذه المعارف والمناهج مثلما جربناها ، ولو خبروها مثلما خبرناها ، لما قالوا فيها ما قالوا ، ولا وصفوها بصفوها بصفات لا تصدق عليها ولا تصح فيها ، وأقل درجات العاِلم أن يتميز عن هذا العامي الغمر – كما يقول أبو حامد – ولكن الرافضين عجزوا عن هذا التميز ، ومن هنا فقد اكتفوا بالبحث عن عيوب الفاعلين ، ويكفيهم منا قول المتنبي :
كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم
ويكره الله ما تأتون والكرم
هذا – إذاً – ما وراء الملاحظات التعسفية ضد المنهجية النقدية وإنجازاتها النظرية والتطبيقية ، ولقد جاءت هذه المقالات لإيضاح جوانب من مسائل هذا النقد ، بَعَثتَ ذلك وتسببت فيه ملاحظة عابرة ، ولكنها ملاحظة أفادت من حيث تدري أو لا تدري ...والمهم هو الاستكشاف والاستبصار قدر المستطاع .
وأود – قبل الختام – تسجيل تقديري الخاص لمجموعة من النقاد أصحاب التوجه المعرفي المشترك وهم الاخوة عابد خزندار ، وسعيد السريحي ، والدكتور عالي القرشي ، والدكتور عثمان الصيني ، الذين كان لهم حضور فعال في كل مقالة كتبتها ، وكان لحضورهم هذا أثر دافع و وجه مستقبل . كما أشكر الدكتور سعيد البازعي الذي طرح ملاحظته على عجل، وتسبب عليَّ بكتابة هذه المقالات .
وأكرر شكري للصديق الدكتور عثمان الصينى على توليه تصحيح – تجارب – الكتاب ، وقد لا تفي كلمات الشكر حق الدكتور عثمان ، ولكن سماحة نفسه تكمل نقص كلماتي ، ولا ريب .
وأشكر النادي الأدبي الثقافي بجدة وعلى راسه أستاذي الجليل عبدالفتاح أبو مدين على تكرّمه بنشر الكتاب وتعميمه .
والله الهادي والموفق إلى سواء السبيل
عبدالله محمد الغذامي
الرياض 7/2/1412ه 17/8/1991م









من ثقافة الهزيمة إلى ثقافة الحكمة
يقول جدى بن ربيعة العامري :
فإن تسألينا فيم نحن فإننا
عصافير من هذا الأنام المسحًر
نحل بلادًا كلها حُلً قبلنا
ونرجو الفلاح بعد عاد وحِمْيرَ
وأقول أنا : أرشدك الله أيها العامري الجليل ، فإن كنت قد حللت بلادا حلها طوائف من عاد ومن حِمْير فماذا ترانا نحن نفعل من بعدكم ، والحافز منا يقع على أهرامات من الحوافز .. إنه الطريق نسير عليه مثلما ساروا ، ونرجو الفلاح مثلما كانوا يرجون ، وهاهما بيتان جاهليان يتكلمان بلغة القرن العشرين ، وينفثان لوعة إنسان هذا العصر ، فكأنهما قد كُتبا اليوم ، ولقد يصدق القائلون إذ قالوا : ( ما ترك الأول للآخر شيئا ) ، تماما مثلما يصدق القائلون قول من قال : (ما ترك الآخر للأول شيئا ) ذاك الأن الأوائل قد بنوا بعقولهم حضارة زمنهم وتركوها لنا أثرا نتوارثه عنهم ، ولم نقنع نحن بمجرد استلام صكوك الميراث ، بل رحنا نغوص في آثارهم بحثا وتمحيصا ودرسا ، ولم نترك لهم من أثر إلا وداخلناه ، فهم لم يدعوا بابا من أبواب المعرفة إلا وطرقوه ، ونحن لم نترك هذه الأبواب على غبارها ، ولكننا ترددنا فيها دخولا وخروجا ، ومن هنا فإن الأول والأخر يشتركان معا في ( الشيء) ولا يرضى أحد منهما أن يترك هذه الشراكة او يتنازل عنها لأخيه .
وهكذا هي ( العلوم الإنسانية ) ما قام فيها من ( نظرية ) اليوم إلا وقد كانت بمثابة البلاد التي حلت بها عاد وحمير من قبل ، فالأرض والنظرية عالمان تردد عليهما الإنسان وسعى فيهما عمر انا ( أو تهديما ) . ولن تجد من فارق بين الأول والآخر في هذه المسألة إلا ما تقدَّمهُ الخبرة والإفادة من جهود السابقين حيث تسهم الجهود المتوالية في إنضاج الفكرة وإيصالها إلى حدود الإتقان والدقة ، وتنتهى ( النظرية ) حينئذ على يد آخر رجل في السلسة تنتهي وكأنها ثمرة الزيتون التي تعاقبت عليها جهود الأجيال غرسا ورعاية ، وتمضي الأجيال ليأتي من يخلفها على الغرسة الناضجة ويقطف الثمرة حينئذ . والفارق هنا بين شجرة الزيتون والنظرية هو ان جهود السالفين على ( النظرية ) لا تكون على نفس الدرجة من الوضوح كما هي جهودهم في إنتاج الشجرة ، ذاك لأن ( النظرية ) تتأسس عادة على ( التجميع ) و ( الركيب ) من أشتات متفرقة ومتباينة وقد يكون التباين بين مصادر أجزائها شديدا إلى درجة التناقض فيما بينها ، ولا يقوى على إدراك العلاقة بين النظرية / الثمرة وجهود السالفين إلا عقل يتمتع بموهبة التركيب بحيث يستطيع رؤية ( الوحدة ) في وسط ما يبدو للعين المجردة أشتاتا متباينة . وكل نظرية حديثة ، في العلوم الإنسانية خاصة ، لابد أن قدح بها عقل أو عقول سابقة ولا مس منها عددا من جوانب ، ولكنها ظلت إشارات معلقة فيأتي من بعد ذلك ويلملم أطراف القول منها والنظر بحالاتها و يصوغها قولا واحداً . فإذا كان هذا القول جامعا مانعا فقد صار ( نظرية ) ومصطلحا بعد أن كان من قبل مجرد هاجس أو ظن أو مجرد فكرة عابرة وإشارة عائمة .
ولو تأملنا في الفلسفة الحديثة بكل مدارسها لوجدنا أفلاطون وأرسطو والسفسطائيين مخبوئين في ثنايا كل فكرة فلسفية معاصرة . ولا يستطيع التطور أو التحديث إلغاء الجينات الوراثية من دماء الفكر المعاصر .وكذا الحال في علم النفس ، ولن يبعد عنا مفهوم ( التطهير ) الأرسطي وعلاقة هذا المفهوم بنظرية 0 العلاج بالشعر ) وهي الفكرة التي يطرحها اليوم بعض المحللين النفسانيين في الغرب .
وهل يستطيع أحد منا أن ينسى دعوى طه حسين حول اختلاق الشعر الجاهلي وصلة هذه الدعوى بما قاله ابن سلام الجمحي عن رواة الشعر وكذبهم في الرواية ، ولقد أوشكت هذه الدعوى أن تصبح نظرية حديثة عربيا واستشراقيا ( كما عند مارجليوث ) ولو صارت لكانت صياغة حديثة لإشارة قديمة ، وهذه هي سلسلة نَسَب النظرية . ولكن براهين النقض فيها كانت أقوى وأكبر من افتراضات الأثبات ، فانتهت الدعوى إلى مجرد شك عابر ترجمة صاحبه إلى مشروع بناء أحل اليقين محل الشك والجمال محل الفتنة. كما أن مستقبل الدراسات الإنسانية يخبئ لنا نظرية نصوصية بها كاتب ما ، ويصوغها بلسان عربي مبين ، وستكون زيتونة مباركة لا شرقية ولا غربية ، تستلهم بركتها من الشجرة القرآنية ونورها الخالد ، وسوف يكون الجرجاني ( عبدالقاهر) هو صوتيم النظرية ولبابها .
على أن الإمام عبد القاهر موجود في قلب كل فكرة نصوصية ، ووجوده هذا واضح وضوح الشمس . ولست أرى أي معضلة قط في إدراك العلاقة ما بين الجرجاني والمفهومات النصوصية الحديثة سواء في مسألة المعنى أم في مفهوم الإشارات ونظرية الاختلاف ودلالات الحضور والغباب ن ولقد أوضحت ذلك في دراسة منشورة بعنوان ( من المشاكلة إلى الاختلاف – مشكلة المعنى في النصوص الأدبي ) وهي دراسة منصبة على ( بلاغيات الجرجاني ) وبين يدي الأن دراسة أخرى تكمل تلك وتتضافر معها لتكوين رؤية شاملة لنصوصية الجرجاني . واني لأجد نفسي في بلاد حلها وسكن فيها عبد القاهر في كل مرة أقرأ فيها كتابات النصوصيين الغربيين ، ولا يقتلني شيء مثل عجبي من رجال يعجزون عن ملامسة هذه العلاقة أو معاينتها وهم – في ظني – أناس لا يخرجون عن نوعين : نوع لا يعرف فكر الجرجاني ، ولذا لا يقوى على القياس علية ، ونوع آخر لا يتمتع بالنظرة الشمولية التي ترتفع إلى إدراك الحقائق الكلية ويكون لديها موهبة النظرية التركيبي . حيث يكون الخيال تركيبيا يبني العناصر بناء عضويا وحيويا بينما الوهم يقوم على مجرد تجميع العناصر ولملمتها ويقصر دون إدراك العلاقات الدقيقة فيما بينها ، ولا ريب – إذاً – أن اكتشاف الصلة الجرجانية مع النصوصيين أمر يحتاج إلى خيال تركيبي مثل ذلك الموصوف عند كولردج . ولن أدع الفرضية تفوتني في أن أنبه هنا إلى أن شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية قد سبق كولردج في الإشارة إلى درجات التصور الذهني ، وزاد علية في تنويع الحالات وتدرجها من الجزء إلى الكل إلى الشمول . وهذه مراحل ثلاث لابد من الترقي فيها من أجل الوصول إلى استكشاف ( الوحدة ) في ( الشتات ) وهذا هو عقل البناء . أما عقل الهدم فإن لن يرى في الوحدة إلا شتاتا ، وسيجز عن تصور العلاقات الدقيقة فيما بين الأشياء المتباينة ، أي أنه لن يرى ( الائتلاف في الاختلاف ) كما يقول شيخنا عبد القاهر الجرجاني .
ومادامت القضية على هذه الحال من التشابك بحيث يكون الجرجاني ورولان بارت يتكلمان في مفهوم واحد – على الرغم من كل ما بينهما من اختلاف – فإننا لن نعجز أبدا عن فهم مقولة إليوت التي جاءتني عن طريق الدكتور محمد مندور وهي قول إليوت : ( إنه لم يؤثر في الآداب القديمة شيء قدر ما أثرت الآداب الحديثة ) والعكس صحيح طبعا وتسليما.
فالأول والآخر لم يترك أحدهما لأحدهما شيئا . ونحن أمام شجرة عظيمة يتواءم خشبها مع ترابها مع أعوادها مع أوراقها لإنجاز ثمرة واحدة هي إفراز لهذه الشجرة ، ثم تعود هذه الثمرة لتفرز من نواها شجرة تسير مسار الأم – وكلنا بعد ذلك 0 عصافير من هذه الأنام المسحَّر) كما يقول العامري ، وكل اختلاف يفضي ويؤول إلى ائتلاف . وهذه حقيقة الوجود كما صنعه خالقه جل شأنه ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) . وكل ذلك من الله ( إنا لله ) ، وكله إلى الله ( وإنا إليه راجعون ) . إنها حكمة بالغة تجعلنا كلنا ( نحل بلادا كلها حُ قبلها ) . ونجد رولان بارت يقول بعد جهد جهيد ما سبق أن قاله أبو حامد الغزالي حول مسألة ( اعتباطية اللغة ) . ولقد أشرت إلى ذلك في الخطيئة والتكفير ص 45 وما بعدها.
( 2 )
هذا مدخل أدخلني إليه قسرا الدكتور سعد البازعي في لقاء مفاجئ يوم الخميس الماضي ( 17/3/1409ه) على صفحات ثقافة اليوم في جريدة الرياض ، وأنا أقول قسرا لأني كنت قد عقدت العزم _ بعد الاتكال على الله – في أن أُدخل نفسي في عالم الذهب ( عالم السكوت والصمت وراحة الاستشعار عن بعد ) من أجل إعادة قراءة الذات والمحيط . ولم أكن أعلم أسباب التصاق كلمة قالها تشومسكي هي : ( أن للعقل قدرات غنية جداً ، لكن بعض أنواع البيئات الحافزة ضرورية كي تقوم هذه القدرات بوظائفها ) وهي جملة وردت في عمل ترجمه الدكتور حمزة المزيني . ولقد التصقت هذه الجملة بين محاجر عيني وفي تلافيف هواجسي مع مطلع صباح ذلك الخميس ، وأعجزني إدراك غايتها مني حتي اتصلت ( كما يقول إخواننا في تونس ) بتلك المقابلة ، وعندها أدركت أننني أمام موعد مقدر في مواجهة حافز أزعج كل رغباتي بالذهاب وصرفني من حكمة الصمت إلى وعثاء الكلام . هذا ما فعله البازعي وحسابه على الله، وها أنا ذا أكتب ما في دمي ولا أشطب ، ولقد جرّ القلمُ القلم إلى سلسلة من المقالات هذه أولاها ولا يعلم إلا الله عن آخرها ، وسأتكلم عن قضايا عدة لمسها الدكتور ففجرها في نفسي ومنها المصطلح ومنها علاقات الثقافات فيما بينها ، ومنها حكمنا على التاريخ أو حكم التاريخ علينا ، والله المستعان
الرياض
24/3/1409ه



من ثقافة الهزيمة إلى ثقافة الحكمة
2-
صناعة النظرية
ما زلت أشعر أن ما بدأته من كلام في المقالة السالفة لم يعبر عن كل ما أريد قوله عن حالات ( صناعة النظرية ) ولذا فإنني سأواصل الحديث اليوم في الموضوع نفسه . وكل ذلك من أجل تأسيس مدخل أستند عليه فيما سأطرحه من أفكار في المقالات المتتالية بعد ذلك .
وسوف أقف اليوم على شهادات بعض المفكرين الذين جربوا ومارسوا العمل في النظريات وحولها ، وهؤلاء هم الشهود الحقيقيون الذين يمكننا أن نأخذ بكلامهم ، وأبدأ بريتشاردرورتي الذي ينقل عنه جوناثانا كولر قوله عن النظرية إنها ( مزيج من علوم مختلفة يتم عصرها في جنس واحد ) والعلوم التي يشير إليها رورتي هي الأدب وتاريخ الفك والفلسفة ( ويخص الأخلاقية بالتحديد ) وعلوم الأصول والفكر الاجتماعي ، وهذه عنده هي المصادر الأولية لصناعة النظرية التي صارت تتسم بالشمول – كما يقول كولر – ومن ثم فإن ما يصدر عن النظرية من أعمال يرتبط مع فعاليات مختلفة ومع كتابات متنوعة مثل كتابات ليفي شتراوس وترابطها مع الأنثروبولوجيا ، وارتباط كتابات لا كان بالتحليل النفسي .
ولذا فقد أصبحت النظرية ( جنسا ) كتابيا متميزا بسبب الطريقة التي يحدث بها توظيف أعمالها ، من حيث أنها دأبت على استثمار المعطيات العلمية خارج حدود نشأة تلك المعطيات ،وبالتالي فإن مفهومات من علم النفس ومن علوم الاجتماع ومن علوم الأصول تتحول عن حقولها الأولى ويتم توظيفها توظيفا جديدا ( ومختلفا ) في الدرس الأدبي ، وتصبح حينئذ نظرية مركبة متماسكة – وأن كانت مصادرها متباينة – ومن هذا الفصل المتعمد والواعي جاء استقلال النظرية وصار علم الأدب هو المستفيد من تلك العلوم دون أن يذوب فيها ، ويقدم كولر ثلاثة أسباب تبرر كون هذا ( المزج ) يحدث في علم الأدب دون سواه ، ويهمني هنا نقل اثنين منها وأحيل القارئ الراغب في التوسع إلى ( الخطيئة والتكفير ) ص 58 وما بعدها .
وأول الأسباب هو أن النظريات العلمية المختلفة تجد – دائما – مجالا فعالا لها في الأدب ، لأن موضوع الأدب هو التجربة الإنسانية من حيث إنه يفصح عنها وينظمها ويفسرها ، ولأن الأدب يدخل في تحليل العلاقة بين الإنسان والأنسان ، ويبرز أخفى بواطن النفس البشرية ، كما أنه يبرز انعكاسات الأحوال المادية على المعاناة الإنسانية ، فلا ريب أن أية نظرية تمس هذه القضايا سيكون لها مجال رحب لدى النقاد والمنظرين ، وشمولية الأدب تسمح لأي نظرية لتدخل كواحدة من نظريات الأدب .
هذا سبب ، والآخر هو أن لنقاد الأدب مقدرة خاصة على قبول التطورات الجديدة التي تطرأ على العلوم الأخرى ، وليس لديهم التزام يقيدهم كالتزام المختصين في تلك الحقول الذين يترددون في قبول ما يعارض المألوف عندهم ، وعلى الرغم من وجود التزام خاص بالنقاد يمنعهم من قبول بعض النظريات الغريبة الا انهم دائما على استعداد لتقبل أي تحد يهز المتعارف علية في علوم النفس والاجتماع والفلسفة والانثروبولوجيا . وهذا هو ما يجعل النظرية او نظرية الادب مضمارا حيا لمناقشة حية .
هذا ما يقوله رورتي وكولر عن (النظرية) وعن النقد الادبي , والنظر المتأمل يقتضي منا القبول ذلك, فانت ترى النقد الادبي ليس سوى خلاصات نظرية لعلوم شتى مثل النحو وعلم اللغة والعروض والصوتيات والبلاغة كذلك علوم النفس والاجتماع والتاريخ , وكذا هي الحال مع كل علم اصولي , ذاك لان العلوم التي تستند على ( الكليات الشمولية ) لا يتحقق لها الكل الشمولي الا من خلال توظيف المفهومات التي تتسم بهذا السمات , ويتم التقاطها وتجميعها من مصادر ذات تنوع واسع , ولننظر في (أصول الفقه ) كمثال على ما نقول , وسنجد انه يعتمد على قواعد كلية تم تالفيها من علوم مختلفة هي النحو والبلاغة والمنطق ,وهذه العلوم الثلاثة هي ما يشكل أصول الفقه . ومع هذا التشابك فان أصول الفقه ظل علما مستقلا وجنسا متميزا عن تلك العلوم التي شكلت مصادره . وقس على ذلك علم العروض الذي يتكون من الرياضيات والموسيقى وعلم الأصوات .
ولقد نجد محركا أساسيا يحرك العلوم النظرية ويدفعها الى شمولية علمية متفتحة , وذلك مثل مبحث (الاعجاز) في الثقافة العربية حيث تحول الوقوف على الاعجاز القرآني الى بحث نظري شامل تولدت عنه البلاغة العربية مستعينة بالمنطق الأرسطي في بعض مراحل نموها .
وقد يحسن بنا ان تقف مع الدكتور حمادي صمود (التفكير البلاغي عند العرب 90 وما بعدها ) لنعرف بابة انبثاق النظرية البلاغية حيث تقرا سبب تأليف ابي عبيدة لمتابه (مجاز القران): (فقد سال بعض الكتاب أبا عبيدة في مجلس الفضل بن الربيع عن قولة تعالى ( طلعها كانه رؤوس الشياطين )) فرد عليه أبو عبيدة بان الله كلمهم على قدر كلامهم وذكر بيت امرى القيس :
ايقتلني والمشرفي مضاجعي
ومسنونة زرق كأنياب اغوال
ومن ثم عزم على ان يضع كتابا في القران لمثل هذا واشباهه وما يحتاج الية من علمه )
وحينما يقول لمثل هذا واشباهه وما يحتاج الية من علمه فان هذا يعنى في ثقافتنا حركة تحول مبحث الاعجاز الى مبحث في المجاز , وتحول المجاز الى أنواع من المجازات ذكرها أبو عبيدة , وتحولت تلك المجازات الى فرع من فروع البلاغة بعد ذلك هو علم معاني – كما أشار صمود في دراسته المذكورة , وهي دراسة رائدة ومتميزة عن البلاغة العربية.
ويصف صمود كتاب ابي عبيدة بان موضوعه قراني و منهجه لغوي , وعنوانه والداعي الى تأليفه بلاغيان (ص90) ولذا فانه يستعصي على التصنيف . وينطلق طريقة المعرفة من ابي عبيدة ليتواءم مع الجاحظ الذي على يديه تبدا شجرة البلاغة العربية معتمدا على مفهوم الاعجاز أولا واخذا بفكرة المجاز. على ان مبتدأ تفكير الجاحظ في القضية (يتأسس
على نظرة دينية رمزية _ كما يقول صمود _ تتنزل بموجبها المخلوقات منزلة الدوال لملول اسمي سر مدى يهتدي اليه بالتعقل وتأويل الرموز هو حكمة العالم والكون –ص158) وهذا الهدف الديني السامي لا يلغي المناحي الأدبية والفنية , بل انه يعمقها ويزيدها تميزا وبروزا .وقد نجد مع هذه الغايات غاية أخرى لن تخفى على الناظر في كتاب البيان والتبيين , وهي انه ( كتاب يتحرك من منطلق عرقي ومذهبي . فالتصدي لمطاعن الشعوبية على العرب با براز عارضتهم في البيان والخطابة امر واضح لهج به الجاحظ في نخوة واعتزاز –صمود ص 154).
اذا... هذه هي البلاغة مزيج من الاعجاز والمجاز والمذهبية , ولكن هذا المزيج لا يسمح سمات هذا العلم ولا يلغي حدوده , بل ان سؤال الاعجاز يظل هو المحرك الأقوى في كل تاريخ البلاغة . وها هو الباقلاني يجعل بلاغته ذات غاية قرآنية (اعجاز القران ) والجرجاني يأخذ الاعجاز أساسا وغاية لكل جماليات الانشاء وأديباته , ويجعل البلاغة كلها دلائل للإعجاز .ومن هنا يظل المزيج قائما وتاما , ولن تجد احدا يخلط بين البلاغة وتفسير القران لمجرد وجود (الاعجاز) مبحثا مشتركا بينهما . كما انك لن تجد عاقلا يسئ فهم البلاغة , فيصنفها مع علوم الدين ويخرجها عن(علوم النص ) , وسيكون لقارئ البلاغة مجاله المعرفي الخاص الذي يمنحه استقلالا كاملا عن كل ما بمت الية الجاحظ من مذهب فكري او حس عرقي , تماما مثلما ان ( أصول الفقه ) علم كامل الاستقلال عن النحو والبلاغة والمنطق ,بالرغم من انه مزيج من هذه الثلاثة ,ولو وضعنا المسالة وضعا رياضيا لقرب الينا فهم الاشتراك والافتراق ,ولنقل ان القم (أربعة) هو ناتج
الجمع بين (الواحد)و(ثلاثة) أي انه مزيج من واحد وثلاثة ولكنه ليس واحدا منهما, ذاك لان أربعة ليست هي (واحد)وليست هي (الثلاثة) وان كانت تتضمنها داخلها, ولو الغيناهما او احدهما لما كان الرقم أربعة . فالرقم هنا المزيج لهما ولكنه ليس واحدا منهما. وكذلك لو الغينا مبحث الاعجاز لما كانت البلاغة , لكن وجود ذلك كله لا يمسخ البلاغة ولا يلغيها بل انه يعززها ويقومها .
وذاك كله ليس سوى طبخة ازلية تمر بها كل أصناف التجارب الإنسانية, ولذا قال باختين وهو منظر عريق ومجرب: ( كل شكر جديد للروية الفنية يتيها ببطء خلال قرون ,والعصر لا يخلق سوى الشروط المثلى لتفتحه النهائي وانجازه –كابانس- النقد الادبي 123).
وهذا التهيؤ البطي عبر القرون هو الذي يتيح للمزيج فرصة النضوج والتالف , الفكر الإنساني هو المعمل الذي يتولى الخلط والتركيب والانضاج .
ويقول الدكتور محمد مفتاح ان (كل نظرية في العلوم الإنسانية والأدبية هي تلفيق بمعنى ما . فالنظريات اللسانية والسيميوطيقية المحدثة هي توليف من البيولوجيا والمنطق وعلم النفس والاعلاميات ,فنظرية كريماص مثلا –كما يقدمها المعجم – معتمدة على اللسانيات البنيوية والتوليدية والانثروبولوجية والدلالة المعجمية والمنطق والبيولوجيا وهمم
جرا-قضايا المنهج 18 ) . ومع هذا المزيج كله فأننا لن نكون اينشتانيين لمجرد اننا استمعنا بنظرية النسبية لفهم علاقات اللفظ بالمعنى , ولكننا سنكون جهله واغبياء لو اغمضنا اعيننا عن فكرة النسبية وإمكانات افادتها لنا واثرائها لتصوراتها .كما انه لم يكن من الممكن للأمام الشافعي ان يؤسس (أصول الفقه )لو انه اغفل علوم النحو والبلاغة والمنطق وتحاشي ورودهما الى تفكير .
ان صناعة النظرية _عندي_ عمل يشبه عمل الشعر عند ابن رشيق الذي يقول : (ان الشعر كالبحر اهون ما يكون على الجاهل اهول ماي كون على العالم واتعاب أصحابه قلبا من عرفه حق معرفته ) .ويقول أيضا: )عمل الشعر على الحاذق به اشد من نقل الصخر ) ,وكذلك هو العمل في نظرية وفى كل فكر جاد , ولا يستهزئ بذلك او يستقله الا الجاهل كما ستهتر بالبحر . اما العالم الذي اكتوى بنار المعرفة فانه يعرف كيف يكون التعب والنصب .
****
والعبرة من ذلك كله تتخلص في كلمة جليلة لابي عثمان الجاحظ فيها يقول : ( لم يخلق الله تعالى أحدا يستطيع بلوغ حاجته بنفسه ). والحاجات قائمة والرغبة في بلوغها لم تزل تدغدغ نفوس الخلق , وليس منحل سوى السعي والسعي الحثيث , وان كان هذا السعي لا يفضي دنوينا الا الى مزيد من النقص والخلل وكما يقول حمزة شحاتة (اننا نزداد جهلا كلما ازددنا علما ) , وهذا ما جعل تشومسكي (والعمدة مره أخرى على الدكتور المزيني )يقول جوابا على سؤال عن النظرية التي يراها اكثر
صحة من بين النظريات الكثيرة التي اقترحت لدراسة المعنى ,قال في جوابة (انني ارى انه لا توجد من بين النظريات نظرية واحدة ناجحة تماما بعد ) ويزيد على ذلك بما هو اوجع فيقول : ( الواقع أرى ان كثيرا منها تسعى في اتجاه خاطئ الى حد كبير ). هذه كلمة هذا المنظر الكبير بعد مشوار الطويل والهائل في علم النحو . يقولها وهو جليل المقام ورفيع الشأن ,وذلك لان الله تعالى لم يخلق أحدا يستطيع بلوغ حاجته بنفسه .انه بحاجة لمن يأتي (بعد)فيرعى الغرسة كي تنمو ,وليس على العاملين في ذلك الا ما على قوم ابي تمام ممن عناهم ببينه :
لأمر عليهم ان تتم صدوره
وليس عليهم ان تتم عواقبه
ذاك لان العواقب بيد الله وحده وعلينا نحن فعل الأسباب :هذا ما نقوى عليه. وسنظل نعمل في صدور وندور حولها , لأنها أصلا محاطون بالدنيا ومحكومون بالدونية ,ومن شاننا النقص بالرغم من كل كافي نفوسنا من حس بالكمال او رغبة فيه .ومن هذا شانهم بحيث يأتي ابرز مفكريهم في القرن العشرين فيعلن اخفاق كل نظريات المعنى ,فانه ليس غريبا عليهم ان يظلوا محكومين بالتكرار والتكرارية والحلول في ديار حلها من قبلهم اقوام من عاد ومن حمير . والحق ان ( التكرارية) سمة من السمات الجوهرية في اللغة ,ولقد ادرك ذلك علي بن ابي طالب كرم الله وجهه حيث نقل عنه ابن رشيق قوله : (لولا ان الكلام يعاد لنفذ) وهذا على نقيض من كلام الله سبحانه :
((قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل ان تنفذ كلمات ربي ولو جئتنا بمثله مددا )).هذا هو الفرق بين الخالق والمخلوق , فان كان بحرا نفذ حتى ولو تضاعف حجمه ومده وان كان لغة نفذت حتى وان عظم رصيدها وتضاعف .ولم يجد الخلق من بد الا ان يكرروا ويعيدوا ,لكي يظل لهم لغة يتصلون فيها بسائر الخلق , فهم إذاً محكومين بعدم قدرتهم على بلوغ حاجاتهم بأنفسهم , هذا من وجهة وهم محكومون من جهة ثانية بلغة محدودة لا يستطيعون مدها الى اقصى مما هي عليه ,ومن هنا يأتي تكرار ويدخل النقص .ولذا صار الوجود قائما على (الزوجية) والآية القرآنية تقرر (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون )لقد خلق الله زوجين من كل شيء وهذه حقيقة قاطعة .والذي علينا هو ان نتذكر ونرى لكي نؤمن بالحقيقة . وليس (المزيج)في العلوم الا استجابة الى هذا النظام الرباني القاطع , فهي اذا حتمية وجودية ينبني عليها نظام الحياة وهي قضية واضحة في القران ولكنها ليست على نفس الدرجة من الموضوع في الفكر البشري الا بعر معانه وكد , وهذه المعاناة الطويلة هي ما فضت أخيرا بمنظر كبير مثل باختين لكي يقول : (ان تفكير الإنساني لا يغدو صحيح اولا يتحول الى فكرة الا باحتكاك حي مع فكر أخرى ,تتجسد في صوت الاخرين ,أي في الوعي الذي يعبر عنه الخطاب .الفكرة حدث يجرى حتى نقطة التلافي الحوارية بين وعيين او اكثر – كابانس 126)تلك هي فكرة التزاوج والتمازج .انها حتمية اولا ثم انها تفضي الى مصلحة النظر العلمي وجدواه.
واني لأجد بالملاحظة الشخصية أن العلوم والافراد يحصل لهم الارتقاء وتظهر فيهم الجدوى في كل حاله يتم فيها التمازج والتزاوج, وكمثال على ذلك انظر الى جاستون باشلار ذلك الفيزيائي الذي تحول الى البحث النظري والفلسفة وقس وضعه ما بين فيزيائي تقليدي كغيرة من أمثاله وبين وضعه الفكري بعد امتزاج الفيزياء مع الفلسفة حيث نتج لنا بعد ذلك فن جديد ليس هذه ولا تلك ولكنه ضرب طرف طريف متميز وان كان مزيجا من الابيستمولوجيا والفلسفة والفيزياء والدرس الادبي .وبذا تميز الكاتب وأفاد في مجاله الجديد .وانظر الى مفكر الإسلامي العظيم مالك بن نبي الذي تحول من مهندس كهربائي الى مفكر متميز مستفيدا من درايته الرياضية تقنياته المعرفية ليوظفها كمنهج جديد يعنيه على الاستبصار والكشف عن الحقائق الإسلام العظمى في نتائجها والدقيقة في مداخلها وانك لتجد عنده من الفكر الدقيق و الراي المحكم ما يجعلك تفرح بقدرة العقل البشري على الاقتراب من الحقيقة والانضواء تحت نورها .
ولكم ان تنظروا الى سيد قطب وتحوله من الادب الى مفكر الإسلامي وان تنظروا الى شيخ وتحوله من البلاغة والتفسير لتروا كيف تكون نتائج المزاوجة بين العلوم مدعاة للأثراء والتنوير .
والامر قبل ذلك وبعده ليس خيارا ولكنه امر تحتمه طبيعة الصنعة وشروطها الوجودية والتنموية ولن توجد نظرية او علم ولن تنمو نظرية او علم الا من خلال هذه السبيل وان كانت طويلة وشاقة فهي كالبحر قريبة / بعيدة, ومسطحة/عميقة, وسهلة /صعبة .
ومفيدة / ضارة وهي مالحة مالحه ولكنها ضرورية .وهي كما يقولون ابن رشيق اهون ما تكون على الجاهل اهول ما تكون على العالم .هي اذا الهينة /المهولة .فاختر موقعك .
الرياض 16/3/1409ه














عابرون في كلام عابر
(1)
مدخل :
من قديم قال الحكماء ان (الحكم على الشيء فرع عن تصوره)وهذه قاعدة منطقية ضرورية لكل بجث نظري ولكل حكم نقدي او تقييمي (تقويمي ) .ولست أرى افدح من أخطائنا في الحكم على (اللغة)وانشطتها المختلفة .وهي أخطاء تنتج دائما عن سوء تصورنا للغة ووظائفها .ذلك لأننا تنجح الى تصور الفعل اللغوي على مجرد عمل انشائي يقتصد به غاية نفعية او غاية جمالية .ونقف عند الحد من التقنين. وتأتي احكامنا بعد ذلك على القول الانشائي منطلقة من ذلك التصنيف الثنائي فتقسم الادب والشعر نثر ,وتقسم اللغة الجمالية والى نفعية . فاذا صادفنا نصا انشائيا بادرنا الى وصفه بإحدى الصفتين واثبات احداهما يعني نفي الأخرى . ومن هنا فان قصيدة محمود درويش (عابرون في كلام عابر ) سوف تكون شعرا او (لا شعر ) . ولن تخرج عن هذا القياس الثنائي . وهذا هو ما اسميه هنا بسوء التصور الذي ينتج


عنه سوء الحكم , وأقول اننا لو احسنا تصورنا للأمور لقادنا ذلك او لقربنا الى احسان الحكم . ومن حسن التصور ان نستحضر وظائف اللغة قبل ان نحكم على نص ما, ونصدر عليه قرارا تقييميا. ونحن نعرف ان للغة ست وظائف حسب تركيزها على احد عناصر الاتصال السته –حسبما قرره ياكوبسون- ولن ادخل في حديث في هذه الوظائف الست فقد سبق ان فعلت ذلك في (الخطيئة والتكفير ) ص7 وما بعدها ولكنني سأقف عند الوظيفة التي تهمنا في هذا المقام وهي الوظيفة (التنبيهية) .
ولكي اصل الى المراد هنا دون تعقيدات نظرية فإنني اقترح على القارئ ان يتذكر معي عبارة مصرية طريفة هي عبارة : نحن هنا , وهي قول تسمعه دائما في المسلسلات المصرية يقوله احدهم حينما يقع في دائرة اجتماعية لا تعيره انتباها . فإذا احس بالإهمال ورغب بتلافيه تنحنح واطلق هذه العبارة :نحن هنا . والقائل هنا لا يطلق خبرا ولا يبدع قولا او يصوغ نكته .ولكنه فقط يستثير الانتباه لكي يجعل الاخرين يشعرون بوجوده معهم مثلما يشعر هو بأنه موجود ليس معزولا انه بهذا يعقد الجسور مع الاخرين من خلال اللغة المتمثلة بهذه الجملة (نحن هنا) ولا تعمل اللغة شيء سوى الاثارة الانتباه و إقامة التواصل من خلال هذه العبارات .وهذه لعبة لغوية نمارسها دائما وباستمرار والمشكلة ليست في ممارستها لهذه الوظيفة من عدمها ولكن المشكلة تقع في عدم اخذ هذه الوظيفة بالاعتبار حينما نحاول دراسة الفعل اللغوي او الحكم عليه . وهذا يقودنا الى استنكار كثير من الافعال اللغوية التي هي في الواقع افعال مشروعة ومقبولة مثلما هي افعال تتم ممارستها دوما في كل سياقات الحياة وبما انها كذلك فهي افعال ضرورية ومطلوبة .ولنتذكر في هذا المقام كل الممارسات اللغوية التي نمارسها داخل حياتنا مثل مكالمة هاتفية بين والد ووالده حيث تكون الاسئلة عن الصحة وعن الجو .وهي اسئلة لا تثير اجابات بقدر ما تثير اسئلة مماثلة يطلقها الطرف الاخر عن الصحة وعن الجو ..وهلم جرا.
ويماثل ذلك خطابات التهاني بالأعياد والافراح ومعظم افعال الخطاب الاجتماعي الذي لا يهدف منه الى (الإخبار)او (إحداث التأثير الجمالي)ولكن الغاية منه هو اقامة (التواصل) وإحداث الانتباه بحيث يشعر (المرسل اليه) بوجود (المرسل) وحضوره حضورا تواصليا يقيم العلاقة بين الاطراف المعنية بالاتصال ويحافظ على استمرارها .وهي لذلك صوره من صور دخول الفرد مع الجماعة والانهماك معهم في همهم المشترك لكي تحس المجموعة بأنن هذا الفرد موجود معهم وجودا وانفعالا.
ولقد تكون امثلتنا المذكورة مجرد محطات لغوية عابرة لا تمثل حسا ابداعيا او وظيفة إنشائية ،وهذا اعتراض قد يصدق لو وقفنا عند هذه الامثلة فحسب ،لكن الوظيفة الانتباهية في اللغة تتجاوز هذه الوقفات فتشمل جانبا كبيرا من الانشاء اللغوي ،وذلك مثل باب المناسبات ،وهو باب عريض وواسع ،وهو احد ابواب الادب التي مسها من الظلم والحيف الشيء الكبير والجليل، منذ ايام مدرسة الديوان حتى اليوم، مما بلغ بالمتكلمين (او الكاتبين) حد طردها من ديوان الادب ،ووصف كل ما هو مناسباتي بانه ليس ادبيا وان شعر المناسبات ليس شعرا .وهذا شعار

شاع في نقدنا شيوعا غوغائيا سالت بسببه الاقلام والافواه مستنكرة لكل قول يرتبط بمناسبة واعتبرت هذا صنيعا لا يدخل في الادب ، ونحن لو قبلنا هذا لأخرجنا معظم اشعار العرب واشعار المعاصرين ولن يبقى لنا بعد ذلك سوى النزر اليسير من صافي القول الذي ربما جاء حرا من (المناسبة )
كما ان الاخذ بهذه القاعدة سيلغي احد الادوار الرئيسية للفعل اللغوي ولصناعة الانشاء . ومن ذلك ما نمارسه من نشاط لغوي في حفلات التكريم وحفلات التابين ، وما تمارسه الصحافة عندنا حين يموت وجية او عزيز لو مكانه في حياة الناس ، وليس ببعيد عنا ما نشر في الايام القليلة الماضية عن السفير محمد الحمد الشبيلي رحمة الله ، وكل الذي نشر لا يحمل لغويا اي بعد نفعي ولا اي غاية جمالية ، ولكنه يصدر عن حس استشعاري يؤكد الجانب الانتباهي ،حتى اننا لنجد كتابات من كتاب لا يعرفون الميت ولم يقابلوه قط ، وفي ذلك اذكر مقالة الدكتور فهد العرابي الحارثي عن الشيخ الشبيلي حيث يذكر الحارثي بالنص أنه لا يعرف المكتوب عنه ، كما اذكر هنا مقالة للاستاذة خيرية السقاف (الدكتورة حاليا) عن المرحوم مطلق مخلد الذيباني في أيام تأبينه تشير فيها الى عدم معرفتها له ولكنها تكتب احساسا منها به (رحمه الله رخمة واسعة فهو من خيرة من يعرف ومن يحس به وبذكراه )
وهذا كله ممارسة لغوية صحيحة ومشروعة ، بل انها ممارسة ضرورية لأنها تحقق إحدى وظائف اللغة بما تؤسسه من تواصل ما بين المرسل والمرسل اليه ، فتدخل الفرد في نظام متداخل مع الجماعة يعم ويتسع حتى ليشمل الفعل الجماعي كله حينما يستند هذا الفعل على اللغة _كما يقرر


بيبرجيرو في كتابه (السيميولوجيا) حينما يشير الى اهمية الوظيفة الانتباهية في اللغة بحيث يكون الاتصال مهماً اهمية كبرى بين المشاركين في الاشكال الجماعية مثل المشاركة العامة في الالعاب الفولكورية ولنقل العرضة النجدية او المزمار الحجازي او لعبة السامري والحوطي ، والأغاني الجماعية والرقصات الاحتفالية الموكبية حيث يكون الهدف هو المشاركة والاندماج داخل ايقاع جماعي متمازج ، وهذه هي الغاية على الارجح بينما يكون المضمون الدلالي_ هنا_ثانوياً_كما يقرر جيرو .ويشير ايضا بقطع الى ان المضمون في هذه الحالة يتراجع أمام الجانب الانتباهي الاتصالي .
ولذا فإن الخطب التي تلقى تحت هذه الوظيفة مثل الكلمات الاحتفالية والمناسباتيه والخطب العسكرية والسياسية تحتوي على قليل من المعلومات (ودون شك ، من الضروري ان تحتوي على القليل لان هدفها هو تجميع المشتركين حول مثال مشترك _جيرو 42ترجمة منذر عياشي )بحيث يكون المضمون اقل اهمية ، والاهمية تصبح لحالة الوجود ههنا وتأكيد التلاحم مع المجموعة .
على ان هذا الجانب الانتباهي في وظيفة اللغة يصل الى حد بالغ في تأثيره علينا وربما يبلغ حد الاحتواء الذهني والتحكم بسلوكنا، ولنتذكر انه يحدث كثيرا أن يفد الينا شخص جليل القيمة في نفوسنا فنبادر بالاتصال الهاتفي مسلمين عليه ومحتفين به ومباركين له بسلامة الوصول فإذا ما قابلتاه وجها لوجه بعد ذلك صافحناه مصافحة عادية ظانين اننا قد رأيناه من قبل واعطيناه حقه من السلام الحار والعناق، ولا نحس بوجود تقصير
منا بحق هذا العزيز ، وذلك لأن المجاملة الهاتفية السابقة قد اشبعت الرغبة في التلاحم والتواصل ، ولم نعد نشعر ببعد الشخص عنا او بحاجتنا للاقتراب منه، فنحن في الفة شعورية تامة اوجدها الخطاب الاتصالي التنبيهي ما بين الطرفين ،ومن هنا فإن إشباع الوظيفة ألغى الحاجة إليها .
اقول قولي هذا داخلا منه وبه إلى قصيدة محمود درويش (عابرون في كلام عابر )وهي انجاز قولي لا يصح النظر اليه من زاوية محدودة تقتصر على مجرد الموازنة الثنائية ما بين الشعر والنثر في الخطاب اللغوي ، وقياس الانجاز حينئذ على ما هو متصور من وظائف اللغة . وهذا ملمح اخفق البازعي عن اداركه حينما حكم على القصيدة حكما لا يستند الى تصور نظري او منهجي .
وهذه القصيدة تتحرك عبر الوظيفة الانتباهية التي تسعى إلى إقامة الاتصال ما بين الفرد والجماعة ومن ثم تحسيس المجموعة بوجود هذا الشخص معهم . إنها من جنس جملة (نحن هنا) ، وهي مع هذا تحمل وجهها الخاص وصورتها الفريدة مع بصمات تميزها عن غيرها من الخطاب ، وسوف اقف على ذلك في مقالة (او مقالات) تتلاحق إن شاء الله في الاسابيع القادمة، وفي سبيل ذلك أقول إن وصف هذا النص بأنه شعر او ليس بشعر ليس من العلم بشيء لأنه يصدر عن سوء تصور للغة ووظائفها ، ومن ساء تصوره ساء حكمه ، ولسوف ازيد المسألة ايضاحا على إيضاح فيما يأتي من قول .
الرياض 3/4/1409ه
37

عابرون في كلام عابر
(2)
(إما النصر إما النصر)
أود ان أتعلم كيف نقدس الكلمات
لا لشيء إلا لأنها كلمات فاهت بها الشفاه
كذا يتكلم ذلك الشاعر الغربي بحس شرقي ، وما كان القول سهلا على جوته ولن يكون سهلا على اي شاعر ، ولسوف تزداد صعوبة القول كلما ازدادت حاست القائل اللغوية ، وكلما ازداد توغله في عالم الكلمة ، ولهذا صار قول بيت من الشعر اصعب على الفرزدق من خلع ضرس ، وراح رولان بارت يصف الكاتب بأنه الذي (صار القول بالنسبة له معضلة ..إنه يختبر عمق القول لا أداتيته او جماله ) .إنه من يسعى بكدح وصبر مع جوته لكي يتعلم كيف يقدس الكلمات لا لشيء إلا لأنها (قول ) فاهت به الشفاه .
هذه معضلة الشاعر مع اللغة ، إنه مسؤول عن اخطر فعل إنساني ، حيث إن اللغة هي الكشف الانساني عن الحقيقة ، وتظل الحقيقة بعيدة وغائبة إلى أن تعترضها اللغة وتدخل في صراع استكشافي معها ، ولسوف تتولى إحداهما كشف الأخرى ومن ثم احتواءها والسيطرة عليها . وهذا الصراع هو ما يقف في مواجهة محمود درويش الشعرية الطويلة . ذاك لأنه شاعر يغوص وسط كل انواع الحصارات ، فالكل ضده : العالم واللغة والذات . إنه كفلسطيني معاصر كتب عليه ان يكون بلا ارض ،وهذه مؤامرة عالمية تجعله ضد هذا العالم مثلما ان هذا العالم قد انحاز ضده . كما أنه شاعر مكتوب عليه أن يكون في مصطرع دائم مع ذاته ومع اللغة التي تحاصره بكل سلطاويتها المتجذرة ، وهذا وضع يحمله على (الضدية) . وهو هنا لا يملك إلا ان يكون مبدعا ، ومن شرط الابداع أن يتضمن العطاء والمنح ولا يكفي التمرد المضاد لتسلط . وهذا هو ما يعقد موقف محمود درويش يعقد تجربته الشعرية_ وبالتالي ينوعها ويعمقها _هو هذا الذي تصفه فريال غزول بالضد الجميل ،لا ضدا فقط ولا جميلا فقط ، وإنما هو ضد الجميل وذلك كي يحقق درويش خياراته المستحيلة التي وصفها يوما بأنها :إما النصر وإما النصر (انظر فريال غزول :فصول ، المجلد السابع ، العددان الاول والثاني أكتوبر 1986/مارس 1987م ص 192وما بعده).
ولكي يكون درويش (ضدا جميلا) فلابد أن يكون شاعرا ومناضلا في آن . لا شاعرا فقط ولا مناضلا فقط ولكنهما معا في آن واحد . ومن هنا فإن القصيدة _عنده _غيرها عند اي شاعر اخر ، وذلك منذ ان قبض على طرفي اللعبة ومارس ضديته الجميلة من خلال الكلمة التي ظل يتعلم ويعلمنا كيف نقدسها لأنها كلمة الصدق ، كلمة الضد الجميل : كلمة الفعل . إنها الانتقال من شعر الغواية حيث الشعراء (الذين يقولون مالا يفعلون )و (الذين صار القول بالنسبة لهم هياما في كل واد ) . ولقد صار اتباعهم غواية _كما جاء في وصف الآية الكريمة لهذا الضرب من الشعراء ، وهم شعراء (النص الجميل) فحسب ،إنه الانتقال من هذا النمط الجمالي الخالص إلى نمط الضد الجميل لذلك الشعر : شعر القول المرتبط بالفعل . إنه شعر الفئة المستثناة : (إلا الذين آمنو وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا أي منقلب ينقلبون ) . هذه صفة من ارتبط قوله بفعله . ومحمود درويش لا يملك أبدا إلا أن يكون ذلك الشاعر الذي يعيد للكلمة قداستها من خلال إعادة الفعل إليها ، بأن يجعلها كلمة فاعلة ، وإذا فاهت بها الشفاه كفاها ذاك كينونة.

ولقد ظل محمود درويش محاصر من ذاته وملاحقا ملاحقة قدرية من ماضيه الشعري المجيد كشاعر للمقاومة منذ عام1964محين فجر كلمات الوعد بالغضب الاتي في قصيدته الهوية :
إذا ....
سجل برأس الصفحة الاولى
أنا لا اكره الناس
ولا أسطو على أحد
ولكني ..إذا ما جعت
اكل لحم مغتصبي
حذار ..حذار ..من جوعي
ومن غضبي ..
ومن العجيب ان طبعات ديوان اوراق الزيتون كانت تختم النص بوضع علامتي تعجب بعد البيت الاخير وجاءت كلها هكذا:
ومن غضبي
وتكرر ذلك في كل الطبعات مما يعني انه من صنع الشاعر نفسه وليس من تدخلات الناشرين . ولقد كانت علامات التعجب هذه من دواعي الاستغراب عندي منذ ان قرات القصيدة وديوان اوراق الزيتون في لندن مثل هذه الايام في عام 1971محيث اشتريت الديوان من احد المحلات العربية التي تبيع الغذاء وتقدم بعض الكتب ذات الثقافة المتميزة . ولست بناس ابدا ان علامات التعجب هذه قد احدثت في نفسي قلقا مزمنا يثور ويكرر في كل مرة اتذكر هذه القصيدة او اعود اليها . وكانت الحيرة تمتلك نظري في هذا المقطع حينما اجد فيه ذلك اليقين القاطع بالإرادة الانسانية ولكن الشاعر يباغت اليقين بالتعجب مما يجعله قولا احتماليا ويختم القصيدة بعلامات تحيل الذهن الى المستقبل وتعلق حدث النص ومصيره بشيء لم يحدث وقد لا يحدث .
ولقد كان ذلك يقلقني لأني كنت اريد من شعر المقاومة كما كان يسمى في ذلك الوقت ان يكون شعرا للعمل وان تكون الكلمة فيه هي كلمة للفعل ومن هنا فلا مكان للتعجب ان التعجب يخلخل قداسة الكلمة ويفسد علاقتها بالشفاه ولم ازل على تلك الحالة من الحيرة الى ان صارت الانتفاضة المباركة حيث عدت الى هذا النص لا فهمه ولا فهم منه محمود درويش:
حذار حذار من جوعي
ومن غضبي
اليوم افهم هذه الكلمة مثلما افهم معضلة الشاعر . هذا الشاعر الذي اطلق كلمته الوعد في عام 1964م محذرا من الغضب وفي الوقت ذاته مبشرا به انما كان يقول الكلمة الباحثة عن فعلها انها في ذلك الوقت كلمة بلا فعل فهي اذا من شعر الغواية قول بلا فعل ومن ثم فهي ليست سوى تجربة ادبية من نوع ما يقولها الشاعر في الثالثة والعشرين من عمرة يصدر ديوانه الثاني ويخطط للخروج حيث بيروت والاضواء والبريق والمجد ليكون شاعرا رائدا من اولئك الحداثيين اللامعين ويصبح حينئذ اسما جذابا للدارسين والغاوين وسيدا المنابر الشعر ومهرجاناته وكل هذا شيء جميل وجميل جدا ومفيد ايضا لكل النقاد الجدد لأنه يقدم جسدا حيا وجميلا ويكون دائما قابلا للتشريح والتذوق والمتعة ولسوف يصبح من الممكن للشاعر هذا ان ينام ملء جفونه عن شوارد قصائده بينما يسهر النقاد جراءها ويختصمون ولسوف يصل الخصام الى اسئلة المواطنة والخيانة فمحمود درويش وطني وخائن حسب هوية الناقد ومزاجه .
هذا اذا هو التعجب القدري الذي لصق بقصيدة سجل انا عربي بطاقة الهوية ..ان الهوية هنا في موضع عجب ذاك لان الشاعر يسعى الى بناء هوية من نوع جديد غير تلك الهوية المعهودة وطريقة الى ذلك هو الكلمة وهذا لن يتسنى تحقيقه الا بإعادة كرامة اللغة اليها بان نتعلم كيف نقدس الكلمات بان فنجعلها سلاحا وسلاحا جميلا . وهذا ما فعله درويش حيث بدا بالكلمة السلاح في ديوانه اوراق الزيتون ثم دخل الى الجميل الكلمة الجميلة في رحلته الشعرية الطويلة بعد خروجه ويفضي به المطاف اخيرا الى عقد المزاوجة ما بين السلاح والجمال فيأتي بالضد الجميل وبالكلمة الفعل وهنا اقول مع جوته
اعملوا إذا أن كلمات الشاعر وقوافيه تحلق دائما دائما وهي دائما في تحليق قارعة ابواب الفردوس بهمس وهدوء ناشدة لنفسها حياة خالدة . وهي دائما في تحليق قارعة للأبواب وناشدة للخلود تلك هي كلمات الشاعر التي لن نفهمها ابدا الا اذا نحن دخلنا فيها وفي عالمها ونسبناها الى سياقها الشعري الذي تتحرك فيه وهذا موضوع مقالتنا القادمة ان شاء الله حيث نرى ات الغضب تحول من دلالة القول الى دلالة الفعل لكي يعيد للكلمة فعلها ولا يصبح الشعر مجرد تخييل احتمالي ولكنه انجاز فعلى والنص المنجز يحدث جماليته من خلال اثرة المحرك وقوته الانفعالية هذه القوة التي تقيم الخيار الفلسطيني على المعادلة حاسمة لمصلحة الانسان والحضارة والتاريخ اما النصر واما النصر اما الفعل واما الفعل ومن ثم يكون الشعر اما الشعر واما الشعر فالبديل للجميل هو الجميل والبديل للغة هو اللغة وينتهي هنا زمان الضياع ليبدا زمن الفتح والانسان هذا هو فعل اللغة ولغة الفعل ولتستمر في حلقتنا القادمة.
الرياض1409/5/8ه
نص القصيدة
عابرون في كلام عابر
محمود درويش
ايها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا اسمائكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا وانصرفوا
واسرقوا ما شئتم من صور كي تعرفوا
انكم لن تعرفوا
كيف يبني حجرا من ارضنا سقف السماء
ايها المارون بين الكلمات العابرة
منكم السيف ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار ومنا لحمنا
منكم دبابة اخرى ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص وانصرفوا
وعلينا نحن ان نحرس ورد الشهداء ..














وعلينا نحن ، أن نحياها كما نحن نشاء !
أيها المارون بين الكلمات العابرة
كالغبار المر ، مروا أينما شئتم و لكن
لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
فلنا في أرضنا ما نعمل
و لنا قمح نربيه و نسقيه ندى أجسادنا
و لنا ما ليس يرضيكم هنا :
حجر.. أو حجل
فخذوا الماضي ، إذا شئتم ، إلى سوق التحف
و أعيدوا الهيكل العظمي للهدهد، إن شئتم ،
على صحن خزف.
فلنا ما ليس يرضيكم :لنا المستقبل
ولنا في أرضنا ما نعمل
أيها المارون بين الكلمات العابرة
كدسوا أوهامكم في حفرة مهجورة ، وانصرفوا
و أعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس
أو إلى توقيت موسيقى المسدس!
فلنا ما ليس يرضيكم هنا ،فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم : وطن ينزف شعبا ينزف
وطنا يصلح للنسيان أو الذاكرة ..
أيها المارون بين الكلمات أو للذاكرة ..
أيها المارون بين الكلمات العابرة
آن أن تنصرفوا
وتقيموا أينما شئتم و لكن لا تقيموا بيننا
آن أن تنصرفوا
ولتموتوا أينما شئتم ، ولكن لا تموتوا بيننا
فلنا في أرضنا ما نعمل
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الأول
و لنا الحاضر ،والحاضر ، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا .. و الآخرة
فاخرجوا من أرضنا
من برنا .. من بحرنا
من قمحنا .. من ملحنا
من كل شيء ،واخرجوا
من ذكريات الذاكرة
أيها المارون بين الكلمات العابرة!
***



السلاح الجميل
?-
أيها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا اسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا و انصرفوا
واسرقوا ما شئتم من صور ، كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبنى حجو من أرضنا سقف السماء .

كذا يستهل محمود درويش قصيدته القضية ، وهذا هو المقطع الأول
منها . والقارئ لا يتواجه مه هذه الأبيات إلا بعد أن يمر على عنوان
القصيدة : (عابرون في كلام عابر) ، وبما أن هذه الجملة هي فاتحة
النص ، وهي الباب الذي يلج منه القارئ إلى القصيدة فإن وقوفنا عند
هذه الجملة لابد أن يكون بمقدار أهميتها للنص وللقارئ . ذاك لأن
العنوان هو بمثابة (الهوية) للقصيدة ، لأنه -أولا- يحمل لنا صورة من
صور تفسير الشاعر لقصيدته .فالعنوان هو آخر ما يكتب من النص
الشعري ، بعد ان تزول عن الشاعر حالة المخاض الكتابي ويفرغ مما
يسميه بايرون بالحمم البركانية التي تحمي الشاعر من الجنون .وهي
تحميه من الجنون لأن الكتابة هي البديل عن الانفجار النفسي بما أنها
انفجار لغوي يوازي بل يفوق درجات الانفعال الذاتي . وإذا فرغ
الشاعر من كتابة قصيديه راح يبحث لها عن عنوان .هذا العنوان سوف
يكون خلاصة دلالية لما يظن الشاعر أنه فحوى قصيدته ، أو أنه الهاجس
الذي تحوم حوله .فهو _إذا _ يمثل تفسير الشاعر لنصه ، هذا من ناحية
ومن ناحية أخرى فإن العنوان هو إعلان عن النص وإشهار له ، ويتضمن
ذلك إغراء القارئ باستقبال النص والدخول إليه . ولا ريب أن
الشعراء _عموما_ يدركون هذا المعنى الاغرائي و يسعون إليه بإخلاص
واع ولذا نجد دائما بلاغة متميزة في اختيار العناوين ( أو العنوانان . وأنا
أفضل و استخدم كلمة عناوين) ، وقد تبلغ بلاغة العناوين درجات أرقى
بكثير من بلاغات النصوص.
ولقد شاع استخدام العناوين البليغة شيوعا يوشك أن يؤسس ثقافة
نصوصية متميزة تخص العناوين دون النصوص ، وربما يتأسس من ذلك
جنس كتابي له حدود ومراميه و بلاغياته الخاصة ، وقد يكون شبيها
بالتوقيعات العربية القديمة في دقتها وإيجازها وبراعتها المجازية المتميزة،
وقد يحتاج هذا الأمر إلى وقفة غير هذه الوقفة لعلها تتيسر لي في مناسبة






أخرى _إن شاء الله _ على أنني قد لمست جانبا من الموضوع في الخطيئة
والتكفير ص ??? ، ولكنني ما زلت أرى أنه يحتاج إلى وقفة خاصة به ،
لأن العناوين _اليوم_ تشكل مصدرا أساسيا من مصادر الثقافة العصرية
يجعلها ذات جماليات خاصة تستحق السبر والدراسة .فهي بدعة جديدة
لم تكن معروفة في الثقافة العربية القديمة .وفي القديم كانت القصائد
تنسب إلى حروف الروى ، فيقولون لامية العرب ولامية العجم ،
ويصفون القصيدة بالكلمة فيقولون : قال لبيد في كلمة له . ونسبة
القصائد لحروف رويها يجعلها ذات هوية صوتية ،فهي صوت لغوي
يستند على حرف يوحد كيان القصيدة ويحقق عضويتها ، وهذا أمر لا
يخص الشعر فقط ، ولكن اختفاء العناوين كان هو الأصل في كل أنواع
الفعل الثقافي حتى إن سيبويه يؤلف في النحو ولا يضع عنوانا لمؤلفه ،
ويصير اسمه (الكتاب ) ويخصص فيقال (كتاب سيبويه ) مثلما يقال
معلقة امريء القيس . وظل الأمر في الغالب كذلك إلى أن جاءت فترة
الإحياء فصارت المناسبة هي العنوان وإن نظرة في الشوقيات لتوضح أن
فكأن العنوان عندهم هو همزة الوصل ما بين النص والحادثة ، أو هو تبرير
لوجود النص ، أو تأكيد لانتمائه . وإذا خرج النص عن المناسبة فإن
العنوان سيكون موضوع القصيدة مثل قصائد شوقي في حكايات
الحيوان . والموضوع هنا يختلف عن الدلالة ، لأن الموضوع يصدر عن
المعنى الصريح والغرض المكشوف ولا يلامس الشاعرية
التي تتوجه نحوها الكتابة الإبداعية.
وإذا ما جاء الرومانسيون فإنهم يراوحون في عناوينهم ما بين المناسبة
وما بين الحس العاطفي الذي يسود جو القصيدة و نجد في ذلك عناوين
نموذجية مثل : حنين / لوعة/ هجران/ حديث النفس/ الطائر الجريح /
غلواء... الخ مما هو سائد لدى الرومانسيين.
ولكن الحركة الشعرية الحديثة تأتي وتغير - فيما يتغير- هذا السياق في
العناوين الذي يقوم إما على مناسبة خارجية أو مناسبة داخلية مما هو ضرب
من المحاكاة لما هو ماثل في العالم أو كما هو منبثق من الروح .يتغير ذلك كله
ليفضي بنا (نحن والنص) إلى ضرب من المواجهة المتحدية مع جنب شعرية
تتصدر النصوص وتباغت القارئ في سلسلة من التحولات الدلالية ،
تبدأ مع النفس الأول ولا تنتهي إلا بالعودة ثانية إلى العنوان بعد استكمال
القراءة للنص كله . فالعنوان هنا هو أول ما يواجه القارئ ، ومن هنا
فهو بداية النص ، ولكنه بالنسبة للشاعر هو آخر ما كتب. ومن هنا فإن
نهاية الشاعر هي بداية القارئ ، وبذا يكون العنوان بداية ونهاية في آن .
وهذا يجعل علاقتنا معه ضربا من التوتر المتطفل ، أقول متطفلا لأن
العنوان في حقيقته عمل طفيلي ، يأتي قسرا و بدون دعوة ، ولكنه - مع
هذا- يظل مندمجا مع مجموعة. أما لماذا يكون العنوان طفيليا فلأنه عقلي
جاء بعد أن ثاب عقل الشاعر إلى رأسه ، وبعد أن أفرغ انفعالاته وحولها
إلى نص حي ماثل، ثم وظر إلى هذا النص وفكر فيه لكي يستنبط منه
عنوانا ، وقد يضع إحدى الجمل متقطعا إياها من سياقها أو ربما استلهم
الفكرة الإجمالية لغايات النص -كما يفعل السياب :أنشودة المطو ، النهر
والموت وسواها -أو قد يضع جملة تفسيرية كما هو وضع قصيدتنا هذه ،
(عابرون في كلام عابر) ، وهذه جملة العنوان ، وهي جملة غير موجودة
داخل النص ، ولكنها متحولة عن جملة أخرى هي قوله :
أيها المارون بين الكلمات العابرة
وهذه الأخيرة تكررت خمس مرات ، وكانت مطلعا للقصيدة و خاتمة
لها ، كما أنها جاءت مطلعا يتكرر طلوعه في مقاطع القصيدة الأربعة .
ومن ثم فإن جملة (أيها المارون بين الكلمات العابرة) هي نواة النص.
وعنصره المهيمن (أي الصوتيم) ، فهي البداية وهي النهاية وهي مستهل
المقاطع ، وهي الجملة التي تولدت عنها جملة العنوان . أما باقي جمل
النص فهي تفريغ دلالي ينتج عن هذه الجملة . ويتطور وستنوع هذا
التشكيل ويظل في دائرة التحولات إلى أن تصبح الجملة الأولى ناتجا دلاليا
بعد أن كانت هي المولدة، وذلك حينما انتهى النص بها فصارت بذلك
نتيجة وقد كانت من قبل مقدمة.
لذا فإن هذه الجملة هي لب النص ، ولن ندرك أبعاد النص إلا من
وقوفنا على هذه الجملة :
أيها المارون بين الكلمات العابرة
ولن يصعب علينا أن ندرك أن جملة العنوان هي رديف دلالي يعادل هذه
الجملة ويفسرها ويمد من دلالتها ، ولكي ندرك ذلك عيانا فلنضع
الجملتين معا وبإزائهما النقيض الدلالي لكل منهما حسب الجدول التالي:


الجملة عابرون في كلام عابر النقيض باقون على لغة باقية
الجملة أيها المارون بين الكلمات العابرة النقيض أيها الباقون في (على) اللغة الباقية
نلاحظ في هذين الجدولين أن النقيض للجملتين واحد ، ولا يوجد
اختلاف إلا من حيث التعريف والتنكير حيث تكونت جملة العنوان من
عناصر منكرة ، مما يشير إلى الشمول والإطلاق ، ولكن هذا الشمول
يتحدد ويقيد داخل النص باستخدام أداة النداء (أيها) التي تقتضي وجود
منادي محدد في حدود مدار الصوت ، لأننا عادة ننادي من يسمعنا -ولو
مجازيا أو افتراضا -وهذا التحول من الاطلاق إلى التقييد يعني أن الشاعر
قد أحضر المخاطبين وجعلهم مادة لصوته وكلماته بعد أن قي هم بأدوات
التعريف وطوقهم بالكلمات (بين الكلمات) ، وهذا هو الفارق الدلالي
ما بين جملة النص وجملة العنوان ، فارق الشمول والتقييد . ولكنهما
جملتان مترادفتان متكاملتان بعد ذلك ، ويوجد بينهما نقيض واحد يمثل
البديل الغائب عن النص ولكنه حاضر ماثل ، من حيث إن النص ليس فيما هو حاضر فقط ولكنه أيضا فيما هو غائب ، ودلالات الغياب ضرورية
للنص بمقدار ضرورة الحضور ، ونحن لا نفهم هذه فهما صحيحا إلا
بتلك .ومثلما أننا لانعرف الليل إلا بوجود النهار والعكس فإننا لا ندرك
كنه الشيء إلا إدراكنا لنقيضه . وهذا سر كوني من أسرار الخالق
سبحانه ، جعله الله قاعدة معاشية لنا. ولا ريب أنه أيضا قاعدة لحياة
النص ، واللغة مطابقة لحياة الناس ، منتجي اللغة . ولا تستقيم الأمور
إلا بوجود هذين الطرفين معا . ونقرأ في الآية الكريمة قول الله ( قل أرأيتم
إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم
بضياء أفلا تسمعون . قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم
القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ).
لا تستقيم الحياة بليل فقط، ولا تصلح بنهار فقط ، ولكن لابد من
وجودهما معا ، ولذلك جاءت الآية الأخرى مكملة للسابقتين : ( ومن
رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم
تشكرون) . كذا الحياة في الكون ليل والنهار .أما في النص فإنه لابد
من وجود معادلة تعيننا على فهم وذلك بإن ندرك (نقيض الكلمة) لكي
نفهم معناها .لأن معنى الكلمة يقتضي شيئين في آن ، فهي تثبت مدلولها
وفي الوقت نفسه تنفي نقيضها ، والعكس في حالة السلب -. ولذلك فإن
جملة (عابرون في كلام عابر) تقتضي وتحتاج جملة (باقون على لغة
باقة) ، حيث الأولى تعنى اليهود ن حسب السياق الذهني للنص ، وهو
ما يؤيده ويفضي إليه سياق الدلالات التركيبية في القصيدة حسب إشارات
مثل: عشاء راقص / الهيكل العظمي للهدهد/ العجل/ . مع إشارات
أخرى ذات دلالة خاصة مثل الفولاذ و قنبلة الغاز و الغبار المر وغيرها مما
يشكل صورة خاصة لهؤلاء (العابرون) ويقابلهم (باقون على لغة باقية)
وهم الفلسطينيون حسب السياق الذهني الذي يؤيده –أيضا- سياق
النص بما فيه من إشارات للدم واللحم والمطر و الحجر والقمح، وهي
عناصر البقاء في مقابل عناصر العبور و المرور. ذاك لأن المطر لا يمر ولكنه
يهبط ويتغلغل وسط الأرض ، ولا يكون المطر مطرا إلا إذا نزل وانسكب
على وجه البسيطة، أما إذا مر وراح فإنه سحاب زل وليس مطرا.
وكذلك اللحم والحجر هي أجزاء لا تنفصل ولا تمر ،بينما الغبار والغاز
والقنبلة هي اشياء لا تملك عضوية الارتباط والبقاء وليست سوى عناصر
أجهضت من فطريتها وطبيعتها و أحيلت إلى مواد زوالية تفني نفسها في
الوقت الذي تفني فيه غيرها.

***

والآن هل أقول : وأدرك شهر زاد الصباح فسكتت عن الكلام
المباح. يبدو أن حلقة اليوم قد طالت ولذا أقف لأواصل الحديث في
الأسبوع القادم _إن شاء الله.



السلاح الجميل
(2)
اللغة / الانسان
2-1 تتردد جملة (أيها المارون بين الكلمات العابرة ) ست مرات في النص
القصيدة ، وهذا يستدعي – بالضرورة- تكرار الجملة النقيض (أيها
الباقون في اللغة الباقية). وهذا يجعل قصيدة محمود درويش تتحرك على
مستويين متلاحمين .وهذان المستويان يتصارعان صراعا محتدما هو ناتج
لذلك التلاحم الإجباري ، حيث (المارون/ العابرون) هم ظاهر
النص وعنوانه وصورته البارزة، بينما (الباقون) هم المستورون في
الداخل والمغطى عليهم، لكن هؤلاء الباقين يتكشفون من داخل النص
عبر ما يحملونه من صفات تتلاحق في القصيدة وتبرز من مقطع إلى مقطع ،
فهم يمثلون ضمير المتكلم مع انهم غائبون عن ظاهر النص و عنوانه . ومن
هنا فإن صراع الصفات يأخذ بالمواجهة منذ اللحظة الأولى :
احملوا اسماءكم ، وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من صور ، كي تعرفوا
و أسرقوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا إنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء.
‏من هنا يبدأ الكشف والتعرية ‏فهؤلاء ( المارون / العابرون ) يستندون على علاقة مفصولة مع أساسيات الوجود المعاشي.
‏وأول حالات الانفصال تقع ما بين الاسم والمسمى، ما بين الدال والمدلول. وهذه عادة تقوم في الاعيان البشرية على علاقة عضوية، فصلاح الدين
يظل هكذا في كل اللغات وفي كل الأزمان، ولن نعرف الرجل إلى باسمه هذا. والاسم هنا علامة عليه
ترتبط به ارتباطا عضويا ‏(لا ينفصل) . بينما علامته الجنسية (رجل) سيمسها التغيير من لغة إلى اخرى، ومن مرحلة الى
مراحل حياته إلى أخرى ( من طفل الى شاب الى رجل الى كهل ... الخ ) في حين يظل اسمه واحدا ثابتا . اما أولائك المارون فإنهم لا يتصفون بهذه الصفة البشرية ، ولهذا فإنه اسماءهم مفصولة عنهم ، ومن اجل ذلك راح الشاعر يدعوهم لأن يحملوا هذه الأسماء ويلملموها كالمتاع ثم ينصرفون : ( احملوا اسماءكم ، وانصرفوا ) .
ومثلما أنهم منشطرون من الداخل بانفصال الاسم عن المسمى فإنهم -أيضا- مفصولون عضويا عن ( الوقت ) ، وساعاتهم لا تملك وقتا ولا ترتبط بوقت خاص بها . ذاك لأن الوقت يخص ( نا ) . وساعاتهم -إذًا - دخيلة على وقت (نا) . ومن كان هذا شأنهم وتلك صفتهم فإنهم لن يملكوا من الأشياء سوى ( صورها ) والصورة هي ظل الحقيقة ، وليست الحقيقة . مما يعني أنهم قوم بلا حقيقة منذ أن كانوا بأسماء مبتوره العلاقة أي بلا أصول ومنذ أن كانوا لا ينتسبون إلى وقت ، مما أفضى بهم إلى مجرد عابرين / مارين ليس بيدهم سوى أن يسرقوا الصور . ومن قبل سرقة الصورة
الصورة فمعنى ذلك انه عاجز عن امتلاك الواقع ولسوف يعرف انه لن يعرف . وهذه هي غاية الضياع لهؤلاء
المتجردين من الحقيقة ، كما تقول الدلالة العامة لهذا المقطع : تجرد المارين من الحقيقة ، من خلال انفصالهم عن مسماهم وعن الوقت وعن الواقع ( نقيض الصورة ) 0 وفي مقابل هؤلاء المارين نجد ( الباقين ) الذين يتسبب اليهم الوقت ( وقتنا )والأرض ( ارضنا) ، وبما أنهم كذلك اصحاب وقت وأصحاب أرض فإن صفتهم تتعمق في المكان من خلال انتياب الحجر إليهم ومشاركته لهم في البناء ( كيف يبني حجر من أرضنا سقف السناء) . ومن هنا انطلق صوتهم في المقطع الرابع معطيا هذه النتيجة :
فلنا في أرضنا ما نعمل.
ويفضي ذلك الى ادخالهم الى أعماق الزمان وتعميقهم فيه مثلما تعمقوا في الأرض، فلنقرأ بعد ذلك :
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الاول
ولنا الحاضر ، والحاضر، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا .. والآخرة .
ويبدو الصوت الشعري قاطعا في ثقته بامتلاك الماضي وامتلاك المستقبل والدنيا وارتباطها جميعا بالمكان من خلال تكرار الظرف المكاني ( هنا) ، ولكنه حينما يشير إلى الحاضر يشعر بأن هذا الحاضر ليس مملوكا له ملكية قاطعة مثل ملكيته للأخريات، ولذا فإنه يؤكد عل الحاضر بأن يورد الإشارة إليه مرة تلو أخرى فيعطف هذا الحاضر على نفسه ( الحاضر والحاضر) مما يعني أن ذلك هو موضع الصراع والمداولة الانفعالية ، ويكرر لذلك إشارة الملكية
)ولنا) اربع مرات في اربعة ابيات ، وهي تتكامل مع مجمل إشارات الملكية المترددة في النص اثنتي عشرة مرة ( لنا / ولنا / فلنا) مثلما تتردد إشارات
الإضافة ( نا) محتوية للوقت والأرض والبر والبحر والقمح والملح والجرح وفي هذا ترجمة لحقيقة هؤلاء الباقين في مواجهة المارين العابرين ليكون الفارق القاطع بين الوجودين متمثلا ومنطلقا في قوله :
ولنا ما ليس فيكم
وطن ينزف شعبا ينزف
وطنا يصلح للنسيان أو للذاكرة .
هذا هو الفاصل ما بين الوجودين ( لنا ما ليس فيكم ) . إن ما هو ثابت لنا هو بالضرورة منفي عنكم ، فالثابت
لنا هو الوطن الذي ينزف شعبا . وهذا الشعب ليس ناتجا- سلبيا لذلك الوطن فهو شعب يأتي عن نزيف ، وهذا النزيف نفسه يتمخض
عن نزيف آخر يصدر عنه وطن، فنحن والوطن نزيف ينزف . والحاصل من ذلك النزيف المزدوج هو هذا الكائن الحي الذي
يصلح للنسيان مرة وللذاكرة مرة أخرى . ولا يصلح للنسيان الا ماهو مادة صحيحة للذكرى حينما يحدث تبادل الوظائف
وتفاعلها ، فالوطن ينزف شعبا ، والثعب ينزف وطنا ، وهما معا صالحان للنسيان ، وهما -ايضا - صالحان للذاكرة
في الوقت نفسه . وهذا ما ليس فيكم إذ انكم لا تصلحون للنسيان ، مما يجعل هؤلاء المارين خارج اطار الذهن البشري ، لأنهم بلا مسميات منذ ان ابتذلت اسماؤهم على
قارعة الزمن ، ولم يعودوا صالحين للنسيان . ولو صلحوا للنسيان لأمكن تذكرهم وسيدخلون حينئذ الى الذاكرة ، ولكنهم غير صالحين لذلك .

والنسيان هنا معناه التذكار ، لأننا لا نقول عن الشيء إنه (منسي) إلا اذا نحن تذكرناه ، ومجرد اتصاف الشيء بهذه الصفة يقتضي حضوره واسترجاعه ، فإذا قلت نسيت فلانا فهذا معناه تذكرت فلانا ، لأنه قد
أحضر في الوجود الذهني، ومن هنا فإن ( الوطن ) عند محمود درويش
صالح للنسيان لأنه مادة من مواد الذاكرة ، ونسيانه لا يفضي إلى زواله ولكن ذلك يحيله الى مرجعية موثقة تمكنه
من الحضور في أية لحظة نشعر بفقدانه فيها . وإعلان النسيان هو بمثابة الإعلان عن فقداننا للشيء ومن ثم شروعنا
في البحث عنه ، وهذا ما يفعله هذا النص : إنه يعلن حالة النسيان فيشرع بالاستذكار . وهذا ما لا يقوى
عديه ( المارون ا/ العابرون ) ولكن ( الباقين ) هم وحدهم من يقوى عل ذلك لأن الماضي لهم ، ولهم
المستقبل . ومن ملك هذين فلابد أنه سيمتلك الحاضر . وهذا ما جعل الشاعر يكرر كلمة الحاضر دون الماضي المقطوع به اًو المستقبل المملوك بكل تأكيد.
***
202 تلك دلالات يموج بها النص ويظهرها مكشوفة فوق سطحه ، ولكنها من هذا التكشف تفضي الى ما يمكن ان نسميه بالحقيقة
النصوصية ، وهي أن النص هذا يتحرك من خلال إثبات المنفي ونفي المثبت بدءا من جملة العنوان : عابرون في كلام عابر وما يقابلها وهي الجملة النقيض : باقون على لغة باقية
ثم ما تجده في النص من تتابع متواتر لهذه المعادلة ، حسب الجمل التالية :

ولنا ما ليس يرضيكم هنا :
حجر .. أو حجل
...
فلنا ما ليس يرضيكم، لنا المستقبل
...
فلنا ما ليس يرضيكم هنا ، فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم : وطن ينزف شعبا ينزف
وطنا يصلح للنسيان أو للذاكرة
تلك هي معادلة التضاد التي تنفي وتثبت في آن واحد ، وكل ما هو ( لنا ) فهو ليس ( لكم ) ، وهو أيضا ( ليس يرضيكم (
ومن هنا فإن النص قد أتى كله متحركا من خلال اثبات ( الملكية ) والانتهاء للأرض والوقت ، ونفي ذلك كله عن ( المخاطبين(
ومنذ أن اصبح الوقت وأصبحت الأرض عضوا مضافا فإن المضاف اليه قد صار هو المتكلم ، وظل يتكلم من خلال النص بصوت واحد هو صوت الجماعة ، وفي مقابل ذلك
ظل ( المارون / العابرون ) لا يتكلمون وإنما يستقبلون القول فقط . وظلوا مادة للكلام وموضوعا للكشف والتعرية ولكنهم محرومون من حاسة النطق ، مما يجعلهم خارج النص وإن كانوا فيه ،
وخروجهم عن النص وعدم فاعليتهم فيه هو ما جعل الشاعر يصف كلماتهم بأنها عابرة ، ومن صارت كلماته عابرة فهو بالضرورة عابر ، لأن اللغة هي الوجود الفعلي بالنص ، فإذا تحول هذا الوجود الى عبور فهذا معناه زوال الموجود ومروره -كما يقطع النص- ومن هنا فإن ما ثبت نصوصيا يتحقق بعد نفي النقيض ( ولنا ما ليس يرضيكم النص هنا، فانصرفوا ) .
والانصراف حتمي لأن العابر والمار لابد أن يؤول الى انصراف مهما مكث.

***
هذه وقفة سريعة على دلالات النص رأيتها ضرورية ولسوف أتعرض لمسائل أخرى تتعلق بالقصيدة وقضيتها وتحولاتها في المقالات القادمة ان شاء الله











من الفعلي الى الممكن

منذ افلاطون وارسطو والنقد العالمي مشغول بمسألة العلاقة ما بين النص والواقع ، ومدى تناظر هاتين البنيتين ، محاكاة أو تقابلا
او تقاطعا او تجاوزا ، حسب توجهات المدارس والرؤى المختلفة حول وظيفة
النص وحول (ماهية ) . ولقد طغت النظرة النصوصية على توجهات النقد العربي القديم ، حيث شاع مبدأ الفصل ما بين النص والواقع الفعلي للكاتب ، ولذا فإن الشاعر لا يقع عليه
الحد فيما قال في شعره، كما أن الهجاء الشعري ظل سائدا طوال فترات الثقافة العربية
منذ الجاهلية حتى العصور الاسلامية ولم يحدث أن تعرض شاعر من شعراء الهجاء لأي عقاب انتقامي
بسبب من شعره مهما كان الهجاء بذيئا و جارحا . وأقوال النقاد والممارسات الثقافية تؤكد هذا الفصل الواضح عند
العرب مبدعين ومفكرين - ولن استطرد في هذا تاركا التفصيل لوقفة أخرى غير هذه الوقفة -.
ولكن أقول ها هنا إن التناظر ما بين النص والواقع ظل سؤالا كبيرا في النقد الغربي وظلت الاجابات عليه ترى بصورة متباينة و مثرية .
ولا ريب ان كل اجابة منها ستظل منظورا فكريا مجردا يفيدنا في التأمل والنظر، ولا يتحول الى تصور نقدي الا حينما يصطدم بنص ما .
هو ما أجدني فيه اليوم ، وأنا أهم بالوقوف وقفة الموازنة بين ( عابرون في كلام عابر ) و ( بطاقة هوية ) وكلاهما لمحمود درويش .
ولقد جرتني هذه الوقفة الى استعاء ما طرحه بعض النقاد في التفريق ما بين نوعين من الوعي النصوصي ، أحدهما الوعي الفعلي والاخر الوعي الممكن ، حيث يكون الفعلي حينما يصدر النص عن تصوير مباشر للحس الحادث في بيئته ، أما الوعي الممكن فيتحقق إذا استطاع النص تحويل ذلك الحس إلى تصور تخيلي يكسر حدود الواقع الفعلي ويدخل الى آفاق ( الما بعد ) و ( الما أشمل ) فيصبح الخاص عاما والذاتي جماعيا . هذه رؤية نقدية طرحها عدد من النقاد ، وترددت في كثير من الكتابات النظرية والإجرائية ، ولقد لمست الفكرة تمثل امامي متصدرة نظرتي في قصيدتي درويش هاتين ، حيث وجدت أن ( بطاقة هوية ) تتحرك وتصدر عن وعي فعلي يتحكم فيه الحس الخاص بمعضلة الذات والهوية ، ويقف النص عند هذا الحد من دون ان يلامس مشارف ( الوعي الممكن ) . وهو نص يتحرك على جملة أساسية هي : سجل انا عربي .
وتتكرر هذه الجملة . وفي كل مرة من هذه المرات اي فاتحة لمقطع شعري يبدأ منها ويتمدد لينتهي بجملة أساسية رديفة هي : فهل تغضب ؟ واقتبس هنا المقطع الأول لأجعل القارئ شريكا لي في تمثل النص :
سجل
أنا عربي
ورقم بطاقتي خمسون ألف
وأطفالي ثمانية
وتاسعهم سيأتي بعد صيف
فهل تغضب؟
ويتلو ذلك خمسة مقاطع كلها تبدأ من جملة (سجل انا عربي) وتنتهي في ثلاثة منها بجملة ( فهل تغضب ) مما يجعل النص مركبا من هذا الصوتيم :
سجل انا عربي 0 فهل تغضب ؟
وسمات هذا العربي تتفتح في النص كالتالي :
انا اسم بلا لقب
...
جذوري
قبل ميلاد الزمان رست
وقبل تفتح الحقب
وميزاتي :
على رأسي فوق كوفية
وكفي صلبة كالصخر
تخمش هن يلامسها .
وعنواني:
انا من قرية عزلاء ... منسية
شوارعها بلا أسماء
وكل رجالها في الحقل والمحجر
فهل تغضب؟
وفي معمعة التعريف وكتابة الهوية يأتي سؤال متوتر:
فهل ترضيك منزلتي
أنا اسم بلا لقب
وغاية الحدث هي خاتمة القصيدة:
حذار .. حذار .. من جوعي
و من غضبي !!
هذه بطاقة الهوية في السؤال عما يغضب ، وهذا العربي الذي لا يملك أية صفة منذ أن كان باحثا عن ( وجود ) هو مجرد وجود. وكلمة عربي هنا هي الهوية وهي الاسم وكونها اسما معناه أنها هي ذلك ( الوجود) المنشود ، ولذا تكررت خمس مرات من أجل تأكيد اسميتها وتحقيق وجودها ، وأيد ذلك ترداده جملة ( أنا اسم بلا لقب ) مرتين ليؤسس جملة ضمنية متلاحمة هكذا:


انا عربي
انا اسم
انا وجود
فلكي يكون وجودا لابد ان يكون اسما لابد ان يكون عربيا ، وكون العروبة اسما هو ارتفاع بها إلى مستوى الثبات والتلاحم العضوي. وهذا استوجب نفي كونها لقبا، لأن من شأن اللقب عدم الثبات . أما الاسم فثابت ، كذلك جاءت كلمة عربي خبر المبتدأ وهذا المبتدأ هو الضمير الأول ( أنا ) ، ومن شأن الخبر أن يمنح المبتدأ وجودا ، إذ لا قيمة لمبتدأ بلا خبر .
كما أن كلمة عربي جاءت غير معرفة بـ(( ال )) فما يعني أن ( أنا ) جزء من الخبر.
فالمتكلم جزء يسعى إلى الدخول إلى كل يشمله . وهذا الكل يتجسد في كلمة (عربي) . ومن هنا تصبح هذه الجملة صورة لحسّ خاص يمثل واقعا فعليا لا يزاحمه أي واقع آخر مهما كان ذلك الواقع، فالقيمة الأولى والأخيرة هي للهوية العربية التي صارت - في هذا النص – اسما لا تزاحمه الصفات ، ولا يشترك فيه شريك حتى وإن كانت قرية الشاعر ، التي بادر النص بحرمانها من شرف الاشتراك بالاسم ( شوارعها بلا أسماء ) ، ولقد صارت القرية عزلاء منسية وبلا اسم لأن ذلك كله من حق ( الأنا ) وحدها . والشاعر – هنا- مشغول بالهوية الأساس وهي هوية جوهرية لا يسمح لسواها بمشاغلته عن الغاية الأولى : أنا عربي
***
تلك الهوية الوجود ( الاسم ) هي ما يسبب الغضب ، فهي – إذاً – موضع الخصام أمام الآخر . وهو آخر ظل غائبا عن النص وظل محروما من النطق. وها الصمت الذي يطبق على ( الآخر ) هو سمة دلالية تسود في شعر محمود درويش وتمتد إلى نصه ( عابرون في كلام عابر ) ، وهذه هي صفة المشاكلة الوحيدة ما بين النصين ، حيث صار الفعل حقا خاصا بالذات الشاعرة وما تمثله من حسٍّ شمولي ، يتساوى في ذلك
الواقع الفعلي مع الواقع الممكن.
وحينما أقول الواقع الفعلي فإني أعني به نص (الهوية) وما يجسده من دلالات ، وهي تقف عند حدّ (الوجود الأولى) المقنن بكونه
(عربيا) وإذا تحقق له هذا الاسم فتلك غاية النص ونهايته أيضا.
أما النص الآخر (عابرون في كلام عابر) فإنه يتجاوز ذلك الحد الأولي ليتحول إلى مستوى احتراقي يداهم الآخر المخاطب، ويعريه من الوجود (احملوا اسماءكم وانصرفوا). ونحن لو قرأنا هذه الجملة في مقابل تداعياتها من النص الهوية كالتالي:

حيث نجد الاختلاف والمفارقة بين جملة (أنا عربي) وهي جملة محايدة لأن ثباتها لا يستوجب نفي نقيضها من الوجود الفعلي ، ويكفي أن يكون المقابل ليس عربيا ، ولكنه سيظل بوجود جوهري مماثل ، أما جملة (احملوا أسماءكم وانصرفوا) فهي تطور دلالي يتجاوز جملة (أنا اسم بلا لقب) حيث الأخيرة تقرر وعيا فعليا بينما السابقة تشير إلى وعي ممكن.
ويكون التناظر بين الجملتين قائما على تحويل الهوية من مجرد إثبات لها
وللاسم إلى اقتحام فاعل يصدر الأمر على المارين بالانصراف تحقيقا لدلالة المرور والعبور لأنهم منفصلون عن أسمائهم (عن وجودهم).
ويتعاضد مع ذلك مفارقة أخرى مماثلة بين جملة (فهل تغضب) التي وردت ثلاث مرات في نص (مطابقة هوية) ورديفتها جملة (فهل ترضيك منزلتي) ، وهي جمل تتحرك بحس الوعي الفعلي ، وبين جملة (ولنا ما ليس يرضيكم هنا) التي وردت في عدد مماثل (ثلاث مرات) في قصيدة (عابرون في كلام عابر) وهي تحول يتجاوز فعلية الوعي إلى اختراق الآخر وتحديه بدلا من استرضائه مما يؤسس وعيا ممكنا يبشر النصر بتحقيقه.
ويأتي التحول الأشد فيما بين صوتيمي النص ، وهما:
1-سجل أنا عربي (خمس مرات).
2-أيها المارون بين الكلمات العابرة (ست مرات).
وكل واحدة منهما هي الأساس الدلالي والنواة النصوصية (= الصوتيم) لنصها الواردة فيه - كما سبق أن ذكرنا- ومن هنا فإن المفارقة بينهما هي بمثابة التمايز فيها بين النصين.
وأجل درجات الافتراق هو في قدرة الجملة الثانية على استدعاء نقيض حي يتحرك داخل النص ويؤسس دلالة اختراقية تعاكس الدلالة الماثلة وتؤزمها تأزيما يقوِّي النص ويفتح انعكاساته الإيجابية وهذا ما ولد جمل الملكية في النص – كما ذكرنا أعلاه-.


كما أن الجملة الثانية اعتمدت على إشارات تمعن في سلب سمات
الوجود عن الآخر/ المخاطب ، من خلال تحديده بالمرور وتحديد وجوده اللغوي بالعبور. بينما الجملة رقم (1) لا تمس سوى الذات بأن تسعى إلى إثباتها : أما السيادة فتظل للآخر لأنه هو الذي يسجل أي أنه هو مالك اللغة.

***
ذاك سياق متداخل ما بين النصين يفضي بنا إلى التعرف على شاعرية قصيدة (عابرون في كلام عابر) من خلال علاقتها بسياقها الخاص الذي أخذنا مثالا له قصيدة (بطاقة هوية) لأن القصيدتين تتحركان في قطب دلالي متداخل ، مما يجعل فهم الأخيرة مرتبطا بالأولى ومنعكسا عليها.
وبما أن الشعر هو أثره وليس في مضامينه فإننا سنقف عند (أثر)
النص في المقالة القادمة -إن شاء الله- .



النص والأثر

يقول الشيخ الرئيس ابن سينا عن حالات الشعر عند العرب (وكانت العرب تقول الشعر لوجهين : أحدهما ليؤثر في النفس أمرا من الأمور تعد به نحو فعل أو انفعال ، والثاني للعجب فقط) .
إن ابن سينا يشير هنا إلى وظيفتين من وظائف اللغة إحداهما الوظيفة التنبيهية ، وذلك حينما تكون وجهة الرسالة اللغوية تهدف إلى إحداث الفعل والانفعال لدى المتلقي بأن تؤثر في نفسه وتحركها نحو ما بعد النص وهو : الفعل. أما الأخرى فهي وظيفة جمالية غايتها العجب حسب عبارة الشيخ الرئيس ، وهي ما نسميه في مصطلحاتنا المعاصرة بالشاعرية حيث تركز الرسالة على نفسها وتفضي بذلك إلى المستوى الجمالي الشاعري للغة حسب مقولات ياكوبسون .
أقول هذا قاصدا ربط موضوعاتي ببعضها حيث نلامس ما أشرنا إليه من قبل من كون قصيدة محمود درويش (عابرون في كلام عابر) تتحرك باتجاه الوظيفة التنبيهية في اللغة ، وهي ما يعادل الوجه الأول في مقولة ابن سينا لأن هذه القصيدة تسعى لتؤثر (في النفس أمرا من الأمور تعد به نحو



فعل او انفعال) . ولهذا فإنها تتوجه إلى المخاطب (المنادى) بكم محتشد من أفعال الأمر التي تحاصر هذا المخاطب وتجبره على الفعل والانفعال :

ايها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا اسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا وانصرفوا
إنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من ارضنا سقف السماء .
هذه الأوامر : احملوا/انصرفوا/اسحبوا/انصرفوا/اسرقوا/
خمسة أوامر متتابعة تتفجر داخل النص لتلغي كل أنواع الأفعال الأخرى ، حتى إذا جاء الفعل المضارع (تعرفوا) في البيت الرابع لاحقه البيت الخامس لكي يلغيه ويلغي مفعوله :
كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
إنها معرفة تكشف عن اللا معرفة ، مما يجعل الفعل يلغي نفسه فلا يكون للمضارع من أثر سوى إلغاء الأثر ، ومن هنا فإن الأمر بأفعاله الخمسة هو صاحب السيادة والسلطان وهو صانع الأثر ومحدث الفعل والانفعال ولذا سادت أفعال الأمر في سائر مقاطع النص .. ومن شأن فعل الأمر أن يجعل الفاعل مفعولا به ، لأن الفاعل فيه ينفذ إرادة المتكلم
ومن هنا فإن الفعل والانفعال الناتجين عن النص هما إرادة الشاعر ينفذها الأخر .
وهذا هو المدخل الذي به نستطيع قراءة قصيدة درويش هذه من حيث ما أحدثته من أثر على الاسرائيليين (العبرانيين / العابرين) الذين بادروا إلى ترجمة هذه القصيدة أربع ترجمات على الأقل ونشرتها الصحف الاسرائيلية ، فثارت بعد ذلك ثائرة الاسرائيليين وتوالت المقالات والمعارضات ضد القصيدة وتكلم إسحاق شامير بانفعال متشنج في الكنيست وهاجم القصيدة والشاعر والفلسطينيين ومنظمة التحرير ، وتابعه في ذلك كتاب مشهورون من كتابهم مثل ياثيل لوتان وعاموس كنعان مثلما ضج ضجيج زعماء كافة أحزاب إسرائيل المعتدل منها والمتطرف ، ومن الصفات التي أسبغوها على القصيدة ما قاله لوتان :
(إنها قصيدة مجنونة ، خالية من الذكاء ومغيظه ) . ولقد رد عاموس
كنعان على القصيدة بتشنج وفزع مؤكدا على ( إشارات ) محمود درويش حول الأسماء والقمح ولم ينس كاتب آخر أن يشير إلى المدافع والصواريخ وأنها جاهزة لضرب كل القصائد والمتظاهرين.
وأخيرا أصدر الأديب المغربي عبداللطيف اللعبي كتابا بالفرنسية عن هذه القصيدة وقضيتها عنوانه ( محمود درويش : فلسطين وطني : قضية قصيدة ) - هذه المعلومات عن عبده وازن ، مجلة الناقد ص59 العدد الخامس نوفمبر 1988م-
ولقد ذكرت هذه المعلومات لأنها تصور لنا ( الأثر ) الذي فعله هذا النص ، وهو أثر انفعالي تساوت فيه درجات الانفعال من حيث بلوغها
أقصى الغايات لدى كل المستقبلين ، وذلك بالغرم من اختلاف الترجمات وتنوعها مستوى وأداء وتعددا ولكن الأثر ظل واحدا : قويا وفاعلا ، وهذا ما نعنيه بقولنا إن النص هو بأثره وليس بمضمونه ، ومدخلنا لقراءة أي نص أدبي يجب أن يكون من خلال ذلك الأثر الذي به يتحقق ( الفعل والانفعال ) أو ( العجب ) حسب تعبير الشيخ الرئيس .
والأثر يتحقق من خلال نظرتنا إلى النص على أنها توظيف للغة توظيفا نوعيا كيفيا بما أنها في حالة الإنشاء النصوصي تمثل دالا حيًّا متحركا يفعل فعله لأنه ذلك الدال وليس لأنه مدلول مضموني محدده .
من هنا لا يجوز لنا - نقديا- أن نحكم على قصيدة محمود درويش هذه من خلال وضعها في ترجمة ما . ذلك لأن الترجمة هي بالضرورة تنازل متواتر عن مستويات النص الأدبي مثلما هي تجريد لها من حالاتها اللغوية الإبداعية . ولقد أفتى لنا شيخنا أبو عثمان الجاحظ باستحالة ترجمة الشعر ، وقال الإيطاليون إن كل مترجم خائن ، وذلك لأن الترجمة إذا التزمت بشروط الأصل فإنها ستهبط بمستوى أدبية المنقول ، أما لو غضّ المترجم طرفه عن شروط النص فإنه قد يأتي بنصوص راقية أدبيا لكنها تختلف عن الأصل وتفارقه ، كما يقال عن ترجمة أحمد رامي للخيام من حيث جمالها ورقيها مع بعدها عن الأصل . وهذا كله عمل مفيد وممتع ولكنه خيانة حسب تعبير الطليان . وفي مفهوم النقد يكون الحكم على النص من خلال التراجم هو باب سوء التصور المفضي إلى سوء الحكم .


ولكي نتصور المسألة بجلاء فلنقرأ ونترجم المقطع التالي :
So that he could tell me:
«my master is not at home»
for sure his master is at home
But he became a coward
When he realized I was pregnant

هذه خمسة أبيات أضع مقابلها العربي مترجما كالتالي :

لكي يستطيع أن يقول لي :
« مولاي ليس في المنزل »
قطعا إن مولاه في المنزل
لكنه أصبح جبانا
حينما أدرك أني كنت حاملا .

هذه ترجمة مخلصه للنص الانجليزي أعرضها في مقابلة مع أبيات نزار قباني التي يقول فيها :
ليقول لي :

« مولاي ليس هنا »
مولاه ألف هنا
لكنه جبنا
لما تأكد أنني حبلى
وما ذكرته من نص انجليزي ليس سوى ترجمة لقصيدة نزار قام بها
استاذ جليل وعالم مشهود له بالعلم والمعرفة هو الدكتور منح خوري وشاركه في مجمل العمل الدكتور القار ((Algar والأخير مستشرق أسلم . وكلا الرجلين من جامعة كاليفورنيا - بيركلي . وعلمهما بالعربية والانجليزية ليس موضع سؤال . وقد نشرا معا مختارات من الشعر العربي الحديث مترجما عام 1974 نشرته جامعتهما .
ولكن علمهما باللغتين لم يغن شيئا أمام أدبية النص . وذلك لأن أخطر مافي هذا المقطع هو كلمة (هنا) ثم تحولها إلى (ألف هنا) وماعدا ذلك فليس بذي مثل بال هذا التحول . ولو تأملنا النص لرأينا أن التأزم فيه هو في سؤال المكان ((هنا)) الذي ورد منفيا في البداية :

مولاي ليس هنا .

وهي جملة اعتراضية تحمل ضميرا دخيلا على النص لأن المتكلم فيها ليس هو المتكلم في النص مما يهدد بدخول صوت جديد يلغي صوت المتكلم الأصلي وينفيه : ولكن الصوت الأصلي يبادر صارخا :

مولاه ألف هنا .
وبذلك يعود الصوت مسيطرا وقويا ومتوترا وهو توتر يبلغ حدّ
التجاوز والانكسار فتصبح الـ (هنا) ألفا . والعادة اللغوية في الظرف
أنه لا يعد ولا يعدد ، ولكن هذا النص يكسر القاعدة ويفجر لحظة التوتر ويؤزم الدلالة منذ أن انحرف عن كل ما هو منتظر ومفهوم .
وهذا التغير والانحراف هو سر حيوية هذا المقطع وانفعاليته المتفجرة ، وكأن النص

يصرخ في وجه القاريء مما يجعل القاريء أيضا يصرخ منفعلا بالنصر مع هذه الجملة الصارخة :
مولاه ألف هنا .

التي جاءت لكسر الجملة السابقة (مولاي ليس هنا) . وحاولتْ
إحلال الإثبات محل النفي . والعادة أن النفي أقوى وأبلغ لاسيما أنه هنا هو السابق وإحساس الشارع بضعف الإثبات أمام النفي هو ما جعله يعزز الجملة بهذا الهول العددي (ألف هنا) لكي تقوى على مكافحة جملة النفي وتجاوزها . وهذا هو سر جمال هذا المقطع . ولكن الترجمة لم تدرك ذلك ولم تقف عنده ، بل إنها ألغت كلمة (هنا) وأحلت محلهما كلمة منزل ، فأضاعت بذلك جمال النص وقتلت فعاليته . ولتقارن الآن بين ما هو في الأصل وما هو (في) الترجمة :

« مولاي ليس هنا »
مولاه ألف هنا
...
...
مولاي ليس في المنزل
قطعا إن مولاه في المنزل
شتان ما بين النصين . على أن الفارق ليس في المضمون ، ولا ريب أن المضمون واحد ، وهذا ما خدع المترجمين ، وإنما الفارق هو العلاقة ما بين الدال والأثر ، وهي علاقة تختلف عن تلك التي تقوم ما بين الدال
والمدلول . ذاك لأن الأخيرة تتحقق في أي مجموعة كلمات تعطي نفس المعاني المقصودة ، وهذه على لغة التوصيل والإبلاغ التي يكون المدلول فيها هو المقصود ، ويكون الدال وسيلة لبلوغ تلك الغاية . وكلمات مثل (مكة) و(بكة) و( أم القرى) يقصد بها موضع واحد . ومن هنا فإن واحدة منهن تكفي عن مرادفاتها لتحقيق العلاقة ما بين الدال والمدلول وإحداث الإبلاغ .

أما في حالة قصدنا للعلاقة بين الدال والأثر فإن كلمة (مكة) لا تغني عن كلمة ( أم القرى) لأن لكل واحدة منهما أثرا يختلف عن الأخرى . ولسوف نجانب الصواب لو وضعنا إحداهما موضع أختها وطلبنا الأثر ذاته دون تغيير .

هذا هو ما جعل ترجمة خوري والقار مجانبة للصواب لأنها تطلب نفس الأثر من خلال دوال مختلفة ، وهو شيء غير ممكن لأن كلمة (هنا) وكلمة ( ألف هنا) تولد أثرا يختلف عن ذلك الذي تنتجه كلمة (منزل) خاصة أنهما كررا الكلمة من دون تحولات ، مع أنها في الأصل قائمة على التحول والانحراف .

هذا ما يجعلني أخلص إلى القول إن الترجمة ليس سوى تفسير فردي للنص ، وهي بذا تمثل قراءة واحدة من مجموعة قراءات ممكنة ، وحينما نترجم فإننا لا نملك أن نقدم غير احتمال قرائي واحد لا يرتبط بالأصل إلا من خلال هذا الاحتمال المفرد . وهذه هي العلاقة الوحيدة ما بين النصين الأصل والمترجم ثم يفترق كل واحد منهما عن الآخر - بعد ذلك- ليؤسس لنفسه احتمالات قرائية أخرى متباينة ، وقد يحمل النص المترجم ، بل إنه




سيحمل حتما احتمالات قرائية لا تمت إلى النص الأصلي بصلة . ولو جربنا ذلك على النصوص المترجمة وقارنا بين الأبعاد القرائية ودلالاتها فيما بين الأصول والمنقولات ثم مفارقتها لوجدنا شيئا يذهلنا من شدة تباعده وتباينه بناء على اختلاف العلاقة ما بين الدال والأثر - كما قلنا - .
ومن هنا فإنه لا يجوز لنا أبدا أن نحكم على قصيدة محمود درويش هذه من خلال ترجمتنا لها ولكن الحكم ينطلق من خلال ( أثرها ) في نفس متلقيها . ولا ريب أن القصيدة ذات أثر بالغ يشهد عليه ما نقلناه من ردود
إسرائيلية عليها . وهي ردود كانت تمثل استجابة قرائية لما هو منقول إليهم من تلك القصيدة . والنص العبري لها يحمل إشارات ذات دلالات مؤثرة على الإسرائيليين بدليل تلك الردود . ولا ريب أن الشاعر كان مندفعا نحو هذه الإشارات التي تنشأت في نصه لتكون دوال تحمل طاقة تنبيهية عالية توثر في نفس المتلقي نحو فعل وانفعال غير مدودين . ويكفيها شاعريا أنها قصيدة قادرة على كل هذا الفعل وأن إشاريتها أبلغ من اخباريتها . أو فلنقل إن ( أثرها ) أقوى من مضمونها . وكفى .
ملاحظة أولى:
لم ألم الذين اشتكوا من عدم وضوح مقالتي السالفة ( من الفعلي إلى الممكن ) ولم أكن من جناة ذلك - علم الله - ولكن المقالة نزلت في الجريدة
مثقلة بأخطاء لم تكن من صنع يدي منها أن كلمتي ( عربي ) و ( غربي ) تبادلتا الموقع مرارا . ومنها أن أسطرا سقطت . ومنها تحريفات نحوية لم تكن في المسودة . ولا أقول إلا سامحك الله يا ( صفيف الرياض ) وكأني بالمساجلة بيننا قديمة منذ أزمان يوم حليمة , أقصد منذ أيام ( انتهت )

تلك الأسطورة الجميلة التي صنعها الصفيف وتركني أجني ثمارها منذ ذلك الحين . ولعل هذا يدخلني الآن في هدنة مع الصفيف العزيز .
ملاحظة ثانية :
حينما أفرغ من الحديث من قصيدة محمود درويش سوف أقف بعض وقفات مع الدكتور سعد البازعي - إن شاء الله - وأقول للدكتور : لك ما تريد حبا وكرامــــة .


***




حينما كانت اللغة تتكلم

هناك جملة ترد كثيرا وتتردد على لسان ( قلم ) أبي العباس المبرد وغيره من أسلافنا يحيلون فيها إلى تصور شعبي قديم يرمي في بعده الخيالي إلى إسباغ ( اللغة ) على الأشياء ، ويصنعون بذلك حوارا متخيلا يجعل غير الناطق ناطقا فيقولون قال الضب وقال الحجر وقالت الشجرة وذلك :
( أيام كانت الأشياء تتكلم ) .
هذه هي جملة المبرد ينقلها عن الأعراب وتخيلاتهم عن الأشياء وليست هذه الجملة تعبيرا مجازيا ، ولا يمكن أن نأخذها هذا المأخذ لأن تحويلها إلى ( المجاز ) يلغي فعلها ويلغي الحكاية منها ويقتل حسها الخيالي . ولكنها جملة ذات منطق حقيقي ( غير مجازي ) وإن كانت تقوم على خيال خالص .
ولا ريب أن التصور البشري العام يقوم على هذه الفكرة المتخيلة التي تفترض أن الأشياء في القديم الغابر كانت تتكلم . ولم يكن الأمر خاصا بالأعراب الأوائل وحدهم ولكنه أمر عام ومستمر ولقد كنا نمارسه نحن حينما كنا أطفالا صغارا نبتكر الحكايات عن الجمادات ونجعل الجماد يتكلم
وكنا نردد جملة مماثلة لتلك الواردة عند المبرد فنقول : ( قالت الحصاة- يوم كل شيء يحكي -) ننطقها بالعامية ونصنع بعدها الحكاية المتخيلة.
وهذا حس عمومي ينطلق من مفهوم أن اللغة ضرورة وجودية لا يتحقق للأشياء وجود إلا باستخدامها والتفاعل بواسطتها . وهذا يمنح علاقتنا مع اللغة بعدا نفسيا يجعلنا نشعر أنها ضرورية لكل فعل مطلوب سواء كان هذا الفعل ضربا من الخيال أم كان ضربا من صناعة الحياة والتاريخ . ولكم كنا نشعر بشيء من الأمل يتحرك في نفوسنا حينما ظهرت علينا الأغنية الجميلة جمال السلاح التي تتردد فيها جملة : ( الأرض تتكلم عربي ) ، حيث جاءت هذه الأغنية بعد هزيمة 67 وكانت تضرب في داخلنا وكأنها تحاول إحياء علاقاتنا مع الأشياء التي تخصنا تاريخيا وحضاريا فتجعلها تتكلم ، وتتكلم بالعربي ليتحقق لها الانتماء الصحيح . وينتعش في نفوسنا حسٌ صغير بالأمل في أن تتحقق هذه الجملة فتتكلم أرض العرب بلغة العرب.
وإن كنت أقول هنا إن الأشياء تتكلم حسب قدرتنا على الخيال الحي الذي يقوى على إنطاقها ، فإنني أوحي إلى نفسي بسؤال يفرضه هذا التصور وهو: هل اللغة نفسها تتكلم ؟ ومعنى هذا السؤال هو أن اللغة قد يحدث أن تعجز عن الكلام !! .
هذا افتراض أعنيه وأقصده , وأزعم به أن لغتنا قد أفضى بها الأمر إلى العجز عن الكلام في مراحلها المتأخرة . ولو شئت برهانا على ذلك لوجدته ماثلا في كلمة واحدة جربناها في تاريخنا مرتين واستطاعت في الأولى أن تتكلم وعجزت في الثانية عن الكلام . تلك هي هذه :
وامعتصماه .

هذه كلمة قالتها امرأة عربية بسيطة وأطلقتها في قرية من قرى الخلافة العباسية لم تكن ذات بال إذا قيست إلى مملكة الإسلام في ذلك الوقت، ولم تكن المرأة ذات وجاهة معروفة مما يعني أن الفتاة والقرية لم يكونا على شأن عظيم ولكن الصرخة هي العظيمة , مما جعلها تسري من تخوم حدودنا الشمالية مع الروم إلى عاصمة خلافتنا في بغداد ، فحطت في بغداد حطوط الزلازل ورجتها رجّا حولها من مدينة البذخ والترف والدعة إلى مدينة للجهاد والاستشهاد ، فانقلبت بغداد في عشية واحدة من سهر المتعة إلى سهر الحمية ، وطار المعتصم بجيشه المؤمن متحديا كل دواعي المتعة والرفاهية وكل مثبطات الهمم من دجل المنجمين وإحباطات المنافقين ، وتكلمت اللغة وجعلت كل شيء يتكلم من بغداد في العراق إلى عمورية في الأناضول . ويصرخ الجميع وامعتصماه فيكون المجد ويكون التاريخ وتبتهج الأمة كلها ، ويقوم شاعرها بتسجيل الحدث في قصيدة أبي تمام الخالدة .
هذه هي المرة الأولى التي جربنا فيها تلك الكلمة فوجدناها تتكلم وتفعل مما يعني أن لغتنا ذلك الحين كانت تتكلم .
أما المرة الثانية فإني أترك الشاعر عمر أبو ريشة يبلغنا عنها نسمعه يقول :
ربّ وامعتصماه انطلقت
ملء أفواه البنـات اليتّـــــم
لامست أسماعهم لكنها
لم تلامس نخوة المعتصم
تعطل فعل الكلمة فتعطلت اللغة وعجزت عن الكلام ، وكل شيء لا يفضي إلى فعل يصبح معطلا وبلا وظيفة ، ولو آلت حال العضو الحي إلى وضع تتوقف معه وظيفته فإنه ينتهي إلى الزوال ، كما هي القاعدة العلمية الأحيائية المعروفة . وهذه حال تهددنا وتمس أغلى ممتلكاتنا وأعضائنا الحيوية وهي لغتنا التي نريد من الأشياء أن تتكلمها حتى الأرض والحجر ويتامى الأمة وعواجيزها . ولقد مرّ بنا دهر ونحن على حال الفاقد للغة لأنه يفقد الفعل ، ولا ريب أن سنة الله في عباده تقوم على قاعدة هي أن الله سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم - كما ورد في القرآن الكريم- وما زلنا نعيش في الهزيمة ونجترها حتى قيض الله لنا حجرا من أرضنا صار يتكلم ، وانتفض هذا الحجر وصرخ بأعلى فعله : واقدساه فتحولت الأشياء كلها معه وأصبحت تتكلم فالأرض تكلمت بالعربي ( والأمم المتحدة ) تكلمت في جنيف بلغة ذلك الحجر ، والمعجم الانجليزي(1) انتفض مع الحجر العربي ، حتى الشعر ، نعم حتى الشعر غادر كل ترفه ومتعه وجمالياته لينضم إلى لغة الحجر تماما مثلما تحولت بغداد المعتصم من دنيا الرفاه إلى دنيا الجهاد ، يتحول الشعر من دنيا إلى أخرى ليشارك بالفعل وليسعى لجعل اللغة تتكلم . وما فعله الحجر هو تغيير مما في نفوسنا لكي يغير الله حالنا من الهزيمة إلى النصر . ولعل الله أن يجعل هذا الحجر المبارك بداية زمن جديد يدخلنا في عصر تتكلم فيه لغتنا مثلما كانت تتكلم من قبل ، وننتقل حينئذ إلى زمن الفعل والتحضر فنكون بعد أن أنهكنا الاستلاب ولعبت بنا رياح المستعمر كل ملعب .
إننا في زمن التغيير وفي لحظة الانتقال ولابد للأشياء ان تتغير لكي تتكلم لكي تفعل ولقد بدأ الحجر مشروع التغيير وجاراه الشعر واللغة في بعض مناحيهما ، والمطلوب الآن أن يتولى كل واحد منا تغيير القبح الذي كان فيه وليضع مكانه الجمال المنتظر بدءًا من السلاح الأجمل وهو اللغة - لغة الفعل والأثر . بعد أن تحقق لنا الوقوف على أبلغ انزياح إبداعي في عصرنا هذا وهو الانتفاضة المباركة :
وعلى الشاعر أخيرا
أن يكره من الأشياء كثيرا
فلا يدع من القبيح فتيلا
يحيا إلى جوار الجميل
- كما يقول جوته –
إن ( لنا في أرضنا ما نعمل ) ، لأنها أرض تتكلم بالعربي ولم يعد العربي عاجزا عن النطق . لقد تعلم اللغة مرة أخرى حينما دخل في مدرسة الحجر فانطلق لسانه من جديد وصار له ( صوت ) مسموع في كل ديار العالم من نيويورك إلى جنيف إلى موسكو ، ولن يخمد هذا الصوت لأنه يتحرك بلغة تتكلم مثل لغة عجوز عمورية . ولقد عاد المعتصم إلينا بعد غياب طويل طويل ، ولكنه ظهر على هيئة حجر فلسطيني غيّر فينا كل شيء حتى قصائد محمود درويش التي تنازلت عن أجمل ملابسها وكرافتاتها الباريسية وعادت إلى العمامة العربية تضعها فوق الهام تحية للحجر .


ثقافة الأسئلة
كنت منهمكا بالكتابة حول المسائل التي أثارها الدكتور البازعي في مقابلته في جريدة الرياض ، وهي مقابلة وصفها عدد من الزملاء بأنها ( مفاجأة ) . ولابد أن الدكتور قد رغب بالتمادي بلعبة المفاجأة هذه فراح يكتب تعقيبا يتابع فيه ما سبق أن قاله من قبل , دون أن يتركني أفرغ من مناقشة قضايا مقابلته تلك ، وهي قضايا أراها مهمة ولابد من الوقوف عندها حتى وإن بَعُد بها العهد . ولكنني - اليوم - أبادر بالدخول في مسائل التعقيب , على أن أعود - مرة أخرى - إلى ماكنت فيه من شأن .
ولقد وقفت أمام تعقيب الدكتور موقف الاختيار بين مسلكين أحدهما حسن والآخر سيء . أحدهما يكون بأن أحسن الظن بالدكتور وأسئلته ، والآخر هو أن أسيء الظن . ولقد وجدت نفسي تميل إلى الأول منهما إذ أنه طريق يعين على البناء والعطاء بدلا من الهدم والاصطراع اصطراعا يسعى إلى حفظ ماء الوجه أكثر من سعيه إلى الحق . ولقد دافعت سوء الظن مدافعة حافظت معها على صورة الدكتور في نفسي لكي تكون صورة الباحث عن المعرفة والمعين على هذا البحث , ولهذا عاملت


أسئلته معاملة صافية تستوحي فيها الرغبة في إعطائي فرصة لمخاطبة القاعدة العريضة من القراء مخاطبة تلقائية ومبسطة . ولم يكن ذلك ميسورا لي في هذه الفترة لأن آرائي في هذه المسائل قد تم طرحها في أربعة كتب منشورة وموجودة بين أيدي الناس . ولم يكن من اللائق بي أن أشرع بالكتابة الصحفية في أمور قد أشبعتها نقاشا وتدقيقا في تلك الكتب .
كانت تلك فكرتي بالرغم من مشاهدتي لأناس كثيرين تتدفق الأسئلة على ألسنتهم أسرع من تدفق كلمات التحية والسلام حينما يلتقون بي . لقد كنت - ولا أزال - أرى أن الندوات المفتوحة واللقاءات المباشرة هي خير أداة لتوصيل الأفكار و إيضاح المواقف مع الإحالة إلى الكتب لتوكيد ما يقال , ولقد مارست هذا الدور كثيرا ووجدته ذا فوائد لا حصر لها .
ولم يكن يخطر ببالي قط أنني سأقف في جريدة الرياض لأكتب حول مفهوماتي النظرية بعد أربع سنوات من صدور كتابي ( الخطيئة والتكفير) وبعد سنتين من نشر كتابي ( تشريح النص ) . وفي هـذا الأخيـر دراسة بعنوان : ( لماذا النقد الألسني ؟ سؤال في نصوصية النص ) فيه إجابة على اسئلة الدكتور كان من الممكن أن أحيل القارئ إليها وأستغني عن كتابة هذه المقالات التي قد تطول فتبلغ بي وبالقراء إلى شهر رمضان الكريم .
سأريح القراء وأرتاح لو أنني أحلتهم إلى تلك الدراسة . وهي دراسة كان سببها سؤالا طرحه أحد الزملاء في ندوة أقامها نادي الوحدة الرياضي بمكة المكرمة ،وكنت أنا والدكتور البازعي من المشاركين فيها . ولقد تعلق السؤال بنفسي مدة حتى أفضي إلى تلك الدراسة . وإن كان الدكتور قد حضر السؤال فلعله أيضا قد وقف على الإجابة ,وحينئذ سأقول إن حسن ظني به يدفعني إلى الاعتقاد بأنه أراد أن يجرني إلى عالم الكتابة العريض عبر
الصحافة لكي أجعل ( النظرية ) تقترب من الناس أكثر , ولكي نشيع معا الفهم النظري والتصور المفهوماتي والاصطلاحي بين قراء الأدب ، ونعيد الحياة لما هو في بطن الكتب .
وبين يدي الموضوع أقول إن من أهم المسائل الثقافية والعلمية وأخطرها هو ( الأسئلة ) . وحينما أقول ذلك فإنني أرمي إلى غاية انبه فيها إلى ما للأسئلة من أهمية مصيرية إذ أن السؤال هو الذي يقرر الإجابة ، ولأن الأمر كذلك فإن فن صناعة السؤال هو من أصعب فنون القول والمنطق ، وأنا أزعم أن كثيرا من البلبلة الفكرية التي نعيشها في واقعنا العربي الفكري المعاصر هي بسبب أسئلة مهزوزة قادت إلى إجابات مصابة بمثل تلك الأسئلة . ولنعد إلى أي قضية عربية نشعر أنها قضية مهزوزة وسنجد أن الداء جاءها من ( السؤال ) وليس من الجواب مثل قضية العروبة والاسلام وقضية الدين والدولة وقضية الأصالة والمعاصرة . وهي قضايا تبدت في ثقافتنا المعاصرة وكأنها من المتعارضات المتناقضات ، وما هن كذلك ، ولكن الأسئلة هي التي أوقعتها في بركة التناقض منذ أن سمحنا بدخول ( أم ) في وسط هه القضايا فنقول : الإسلام أم العروبة . . إلخ وتأتي الإجابة لتضع إحداهما في نقيض الأخرى وتحدث بعد ذلك الطوام كل الطوام كما نعرف مما قد صار في بلاد العرب الأخرى ، وما يحدث عندنا اليوم من افتراض التناقض بين الأصالة والمعاصرة . ولقد لامس بعض المفكرين العرب هذه القضايا ووصفوها بأنها مقولات زائفة ، ولست أراها زائفة من داء فيها هي ، وإنما ذاك داء جاءها من الأسئلة الفاسدة_ و
كلمة فاسدة من كلمات أفلاطون الذي قال لمن سأله : ما فائدة الفلسفة ؟ قال إن هذا سؤال فاسد .


وأنا حينما أقول ذلك فإنني أشير إلى أن من ضروراتنا الثقافية المعاصرة هو أن نجيد صناعة الأسئلة ، وأن نحذر الوقوع في الأسئلة الفاسدة لكيلا تفسد مقولاتنا ويصيبها الزيف والتصدع . ولا ريب عندي أن ثقافة الأسئلة هي من الثقافات الغائبة عن فكرنا المعاصر ، بينما كانت هذه من أقوى مزايا الفقه الاسلامي ( القديم ) الذي كان يفترض - دائما – وجود صوت سائل يتحرك مع كل المسائل الفقهية مما أوجد إجابات نظرية لحالات غير موجودة فعليا ، وأدى إلى قيام علم ( أصول الفقه ) ليكون أسسا لتوجيه التصور وتنظيمه .
وما دمنا نحن نبحث في مسائل أدبية فلنحصر أنفسنا بهذا المجال ، ونقف عند سؤال أدبي مشهور ومنتشر ومع هذا فهو سؤال فاسد يقود إلى أجوبة زائفة ، ذاك هو قولهم : الفن للفن أم الفن للحياة .
وهذا سؤال تسرب إلى ثقافتنا المعاصرة وشاع فيها ، ولقد أتانا من أوروبا وليس له وجود تقليدي عندنا ، بل إن مقولات أسلافنا هي ضد منطق هذا السؤال . ولو تأملنا نحن - اليوم - هذا السؤال لرأينا فساده ، لأنه من المحال أن نجد نصا يتخلص من الحياة تخلصا يقطع كل مناحي علاقاته بها. فالنص ليس إلا شيئا من أشياء الحياة ، ونحن نقول إن اللغة كائن حي مما يعني أن النص أيضا شيء حي ، فهو إذًا حياة وليس نقيضا عكسيا لها .
وكذلك هو محال أن نجد نصا يخلو من الفن خلوا قاطعا بحيث ينشطر
منه ويستقل عنه استقلالا يجعله ينتسب إلى الحياة دون الفن , ولو حدث
هذا فإن النص لن يكون ( فنا للحياة ) لأن الخالي من الفنية لا تصدق عليه
صفتها على أنه لاوجود لنص لا فنية فيه . إن الفنية موجودة في كل نص
وفي أي نص مهما بلغت سوقية القول و عموميته , والفروق تحدث فقط
بين فنية أصلية هي من ابتكار القائل نفسه , وأخرى منقولة او متوارثة لم
تصدر عن المتكلم ولكنها تحدرت إليه أو شاعت في مجتمعه حتى ولو قلنا
كلمتي ( أهلا و سهلا ) وهما كلمتان مفعمتان بالفن وبالحياة . ولنا منهما
الحياة أما الفن فيهما فهو لقائلهما الأول التي صاغ فأبدع وجئنا بعده نقلد
ونتابع , مع بقاء الفن في محله من القول دون أن يلغيه تقليد أو تواتر .
وهذا معناه وجود الفن في القول مع وجود الحياة , وعند ذلك يكون
السؤال فاسدا لأن ( الفن هو للفن وللحياة معا ) وليس لأحدهما فقط
من دون الأخرى حتى ولو درسنا الأدب دراسة بلاغية أو شكلانية بحتة فإن
ذلك ضرب من الحياة لأنه يقوم على حركة وتفاعل وعلى فعل وأثر وعلاقات
ذلك مع كله مع بعضه , مما هو من صفات الكائن الحي الذي فيه
( الحركة / والتفاعل / والفعل / والأثر ) .
وهذا يستدعي منا أن نرفض سؤال ( الفن للفن أم الفن للحياة )
وحسب قول سدلماير : ( إنك إذا لم تبحث في الفن إلا عن الفن فلن
تجد فنا ) – كما ينقل سامي الدروبي الذي ناقش هذه المسألة مناقشة مثرية
في كتابه : علم النفس والأدب - . مثلما سبق أن تكلم فيها الناقد الانجليزي
ريتشاردز ودقق القول في مقولة ( الشعر للشعر ) وهي مقولة لاتقف ضد
الحياة ولا تنشطر عنها ولكنها فقط تعطي النص نصوصيته دون إجحاف .
ولعلنا نكمل مقولة سدلماير ونتبعها : إنك إذا لم تشبع النص فنا فإنك
لن تجد حياة ولا فنا . وماذاك إلا من أن جماليات الأدب ليست سوى وجه
من وجوه الحياة التي تتحرك بالخيال مثلما نعيش في الحقيقة . ومهما أغرق
الفن بالخيال فإنه يمعن إغراقا بالحياة حسب عمقه الخيالي , وإذا صّور
الأولون العنقاء على سجاد ملوكهم – كما يقول الجاحظ – فإنهم لا
ينصرفون عن الحياة , ولكنهم يحركونها في نفوس المشاهدين فيندفعون
بـ( الأثر ) وينفعلون به .
***
ومثلما نجد مقولات زائفة يعود زيفها إلى خلل في الاسئلة التي ولدتها
فإننا أيضا نجد بلبلة واسعة من جراء استخدام بعض ( الكلمات )
استخداما غير اصطلاحي وذلك مثل كلمة ( تناقض ) , وهي كلمة
ما أكثر ما نجدها في كتابات الناس في وقتنا هذا حيث يبادرون إلى صف
آراء غيرهم بالتناقض . ويطلقون هذه الكلمة / الحكم دون روية أو
تبصر , وهم حينما يطلقونها ينسون أن هذه الكلمة مصطلح منطقي حدده
المناطقة وقيدوه بشروط وحدود مقننة , وهذا تعريف الشيخ أثير الدين المفضل
بن عمر الأبهري المتوفي عام 630ه يقول فيه :
( التناقض : هو اختلاف القضيتين بالإيجاب و السلب بحيث
يقتضي لذاته أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة ) .
ولهذا الاختلاف شروط يذكرها شروط يذكرها الشيخ بقوله ( ولا يتحقق
ذلك إلا بعد اتفاقهما في الموضوع والمحمول والزمان والمكان والإضافة
والمكان والقوة والفعل والجزء والكل والشرط
هذه عشرة شروط لابد من وجودها لكي نحكم على قضيتين بأنهما
متناقضتان . والسؤال الآن هو هل نسعى نحن إلى التفكير في مصطلحاتنا
قبل أن نطلقها ؟
لقد ترددت هذه الكلمة ( تناقض ) على لسان الدكتور البازعي ,
وكانت هي السبب وراء أحكامه واستنتاجاته , ولكنها جاءت خالية من
شروطها الاصطلاحية .
والحق أن ( التناقض ) هنا حادث عند المُستْقبِل وليس عند المرسل
ولسوف أوضح ذلك في المقالات الآتية – إن شاء الله - لكني أقول هنا إن
العبرة في النية والنوايا ومن بحث عن الوحدة والتماسك وأرادهما فإنه
سيجدهما , أما من بحث عن التفكك والشتات فسيجدهما أيضا . لأن
الأعمال بالنيات , ولو بحثت عن صورة حية لما تفعله ( النية ) بصاحبها
لوجدته في ( عمال المطابع ) , وهم رجال مثلنا يملكون من العقول
ما نملك , ويمر عليهم أكثر مما يمر علينا يوميا كتب ومعلومات في الفلسفة
والتاريخ والأدب والعقيدة والفقه , ولكنهم مع ذلك لا يخرجون من كل
هذا بطائل . والسبب هو أنهم يصدرون عن نية قاطعة في أن ما يعملونه
هو مهنة يكسبون منها العيش فقط , ولم يضعوا في نواياهم مقصد التفقه
والاستفادة العلمية . ولو فعلوا ذلك و أرادوا المعرفة بإزاء العمل لخرجوا
بعلم وافر نغبطهم عليه .
وكذا حالي مع الدكتور البازعي الذي لم ينو إحسان فهمي , وبديلا
عن ذلك فقد نوى وأراد إساءة تفسير مداخلي النظرية , فجادت يده
بأسئلة لم أشأ أن أقف عليها وقوفا يماثل وقوفي عند جملة ( الفن للفن
أم الفن للحياة ) , واكتفيت فقط بالجانب الحسن منها , وهو السؤال المجمل عن كيفية قراءتي للنصوص , ولسوف ينال الدكتور البازعي مني ما يريد ,
ولسوف أقول له كيف أقرأ النص , وعن ماذا أبحث في النص .
على أنني سأكتفي دائما بإيضاح نفسي وفكري ولن أتعرض لمقولات
الدكتور وما أراه زللا فيها لأنني لست ممن يأخذ ( بالمعادلة الصفرية )
وهو التعبير الذي نقله إلينا صديقنا الدكتور باقادر . تلك المعادلة السلبية
التي ترى أن نجاح أحد الطرفين , لا يكون إلا بفشل الآخر .
هذا مسلك لا أرتضيه لنفسي أولا . كما أنني لا يعنيني من هذا النقاش
إلا أن أكون واضحا للجميع خاصة في هذه الأجواء التي نمر بها ونشعر
بفداحتها مما يوجب علينا أن نبذل كميات كبيرة جدا من (حسن الظن) .
وإن كنت قد ألزمت نفسي بنفسي وكتبت عليها عدم الوقوف على
شئون الآخر فإنني أسمح لها بمسألة واحدة ألفت النظر إليها دون أن
أخوض فيها , وهذه هي أنه من المستحيل المحال أن نقتبس جملة واحدة
من رولان بارت ونجعلها حكما قيميا عليه – كما فعل الدكتور البازعي- .
إن رولات بارت هو ( رجل الفصول ) كما يصفه جوناثان كولر . وهو
من التنوع والتشكل والتحول بمنزلة لا يمكن لأحد أن يفهمه حق فهمه إلا
بعد الوقوف على كامل إنتاجه , ولقد أشرت إلى ذلك في ( الخطيئة والتفكير) في مبحث ( فارس النص ) بما هو كاف .
وكذلك أقول إنني قد كتبت ( الخطيئة والتكفير ) قاصدا أن يكون كتابا
وليس معجما وما أعنيه هنا هو أن الكتاب يصمم على أن كل صفحة فيه
هي نتيجة لما قبلها وفي الوقت ذاته هي مقدمة لما بعدها , ولن يتسنى فهم
المسائل إلا بقراءة الكتاب ( كله ) . أما الوقوف عند بعض المسائل دون
سائرها فهذا لن يسمح بفهم المقاصد فهما صحيحا . كما أن الصفحات
الأولى من الفصل الأول ليست سوى مداخل جرى تفصيلها والعودة
المتواترة إليها في الفصول اللاحقة . مثلما أن كتابي ( تشريح النص )
وكتابي ( المواقف من الحداثة ) هما أجزاء أخرى من مشروع واحد يشرح
بعضه بعضا ويطور لاحقه ما سبقه من أفكار .
وفي الحلقة القادمة أشرع - إن شاء الله – في شرح نفسي وتصوراتي
وسيكون كلامي موضوعيا ليس للدكتور شيء منه سوى إثارة السؤال .


***










لكي يتكلم النقد بالعربية
1- النص / الجسد
يروي لنا أبو حيان التوحيدي حكاية وقعت في مجلس الأخفش , وهي
عن أعرابي وقف على الأخفش فسمع كلاما في النحو واللغة وما يدخل معهما ( فحار وعجب وأطرق ووسوس , فقال له الأخفش : ما تسمع يا أخا العرب ؟ قال : أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا ) .
تلك كانت حال فصيح أعرابي صدمته لغة الاصطلاح , وأوحشه أن
يرى اللغة تتكلم عن اللغة , بعد أن كان يعرف أن اللغة تتكلم عن الناس
والأشياء .
ولقد كنت أنا أمر على مثل هذه المواقف فلا أجدها تثير في نفسي
وحشة , وكنت استأنس دائما بموقف أبي تمام الذي تعامل مع هذه الحالة
تعاملا إسقاطيا ذكيا فكان يقول : ( لم لا تفهم ما يقال ؟ جوابا على من
قال له لم لا تقول ما يفهم ؟! .. ولعل عددا كبيرا منا قد استخدم جواب
أبي تمام هذا في كل محفل مماثل . ولا ريب أن هذا الموقف ومما يماثله هو



ما يجعلني شخصيا أميل إلى شرح تصوراتي في كتب أو في ندوات مفتوحة ,
لأن هذا يسمح للكلام بأن يأخذ مداه من الشرح والإيضاح والتفصيل إلى
حدود لا تقوى عليها الكتابة الصحفية . وهذا هو المأزق الذي أجد نفسي
فيه وهو كيف يتسنى لي أن أخوض في مسائل نظرية دقيقة وأمارس الكلام
في الكلام دون أن أحدث وحشة تشبه وحشة أعرابي الأخفش ؟! .
ولكي أخرج من المأزق فإنني رأيت أن أنظر في مشكلة ذلك الأعرابي
فلعلي أجد بها حلا يعينني على تلافي تكرار الحالة . ولقد وجدت أن جملة
الأعرابي تصف الداء وتقترح الدواء في الوقت ذاته , فهو يقول قوله في ثلاث عبارات تحدد المشكلة : (أراكم تتكلمون بكلامنا / في كلامنا / بما ليس من كلامنا ) . والعبارة الأخيرة تحدد الداء والدواء ذلك لأن المشكلة تكمن بما ليس من كلامنا . وهذا الذي هو ( ليس من كلامنا ) هو ما أرهق فهم الأعرابي , ولو حدث أن جاءه اصطلاح لا يفارق ما لديه من كلام لهان عليه الأمر وتم حل المشكلة . وهذا هو الحل الذي وجدت نفسي تغريني به وهو أن أتكلم بلغة العرب في لغة العرب بما هو من لغة العرب ,
أي أن أسعى لجعل النقد ( يتكلم عربي ) مثلما أرض سيناء وأرض
فلسطين . هذا هو مشروع هذه الحلقات , مشروع نصوصي يتحرك
بمصطلحات عربية وبمفهومات عربية , من أجل قراءة نصوص في اللغة
ذاتها . والغاية هي مخاطبة أقوام من العرب يألفون لغتهم وما بها من حس جمالي وحس انضباطي , ولكنهم يستوحشون من اللغة الخواجة وينفرون منها , ولقد آن الأوان لنا في أن نجعل نقدنا عربيا في اصطلاحه وإجراءاته
مثلما هو عربي في موضوعه . وكما تقول العرب : ( خير الكلام مالم يحتج معه إلى كلام ).
وأول خطوات الحديث هي قول الحاتمي في وصف النص : ( من حُكم
النسيب الذي يفتتح به الشارع كلامه أن يكون ممزوجا بما بعده من مدح أو ذم , متصلا به غير منفصل عنه , فإن القصيدة مثلها مثل خلْق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض , فمتى انفصل واحد من الآخر وباينه في صحة التركيب غادر بالجسم عاهة تتخوَّن محاسنه وتعفّى معالم جماله ) .
هذه صورة النص في تفكير الحاتمي , إنه النص / الجسد الذي لا يتم له الحسن / والجمال إلا بالتركيب , وهذا التركيب يقوم على ( اتصال )
العناصر التي تمثل أعضاء ذلك الجسد .
ويجب ألا نغفل عن كلمات ترددت في مقولة الحاتمي وهي ذات أبعاد
اصطلاحية مهمة مثل التركيب / والجسم / والأعضاء / والحسن /
والجمال والاتصال . ويقابل ذلك : الانفصال والعاهة والبينونة . مما
يعني أن الحاتمي يفكر بالنص على أنه ( بينة ) حية تتكون من عناصر مختلفة
كالنسيب والمدح والذم , ولكن الاختلاف هذا يؤول إلى ( ائتلاف ) –
حسب تعبير شيخنا عبد القادر الجرجاني -. وهذا التبادل الحي ما بين الاختلاف والائتلاف يفضي إلى التركيب لكي يكون النص الجسد , وذلك لأن العناصر تلك هي في جوهرها أعضاء مختلفة لجسد واحد .
والحاتمي-هنا- لا يكتفي بوصف النص بأنه جسد حيّ فقط , ولكنه
أيضا يرمي إلى غاية أخرى لها قيمة اصطلاحية مماثلة , ذاك أنه يقف على مفهوم وظيفي يجعل قيمة الشيء في وظيفته وليس في مجرد وجوده , ولقد أشار إلى هذه المسألة الدكتور إحسان عباس في كتابه عن تاريخ النقد العربي وقال : ( من الطريف أن الحاتمي إنما يهتدي إلى هذه الصورة لينادي بوحدة موضوعات القصيدة , لا موضوعها الواحد , ناظرا إلى وظائف الأعضاء المختلفة لا إلى اشتراكها في طبيعة واحدة ).
تلك إذا نظرة الحاتمي إلى النص على أنه ( جسد حي مركب ) وعلى أنه ذو قيمة ( وظيفية ) , وهاتان نظرتان تكفيان - عندي – لتحقيق فعلية النص وحيويته , ولكنني لا أريد الاكتفاء بهذه الوقفة الخاصة عند الحاتمي وحده , بل أشير إلى أن مفهوم النص المركب والنص الجسد هو مفهوم عربي عريق في عروبته ونلمس ذلك لدى المبدعين أنفسهم , وهذا أبو العباس عبدالله بن محمد الأنباري المسمى بالناشئ الأكبر , يصف لنا
النص / الجسد فيقول :

إنمـا الشـعـر ما تنـاسـب في النظـم –
وإن كــان في الصفــات فنــونــا
فــأتــى بــعضــه يشــاكــل بــعضــا
قــد أقـــامــت لــه الصــدور المتــونــا
كـل مــعنــى أتــــاك منــه عــلى مــا
تتمنـــى لــو لــم يكــن أن يكــونــا
فتنــاهــى عــن البيـــان إلى أن
كــاد حسنــا يبـــين للنـاظــرينــا
فكــأن الألفـــاظ فيــه وجــوه
والمــعـانــي ركبــن فيــه عيــونـــا

***

وإذا قــيــل اطمــــع النـــاس طـــرا
وإذا ريـــــم أعجــز المـــعجــزينـــا
هذا تصور تركيبي للشعر يرسمه الناشئ الأكبر الذي ربما أَثر على
الحاتمي في تمثل الصورة المركبة للنص , لأن الناشئ الأكبر سابق على
الحاتمي بمئة عام .
ولئن ظننا تداخل التصور بين هذين الأدبيين فإننا أيضا نخطو خطوة أوسع لنقول إن أستاذ العربية الأول الخليل بن أحمد قد أسس تصوره للقصيدة على فهم تركيبي يقيم مماثلة تامة ما بين النص والبناء من خلال تشبيه القصيدة بالخيمة , وفي ذلـك يقـول الخليـل عن مشروعـه العروضي : ( رتبت البيت من الشعر ترتيب البيت من بيوت الشعر )
الأخيرة بفتح الشين أي الخيمة . ولذلك فقد صنع الخليل بن أحمد
منظومته الاصطلاحية في علم العروض من مواد الخيمة , وظلت
القصيدة عنده ( بناء ) يقوم على التماسك والتساند , وكل خلل يصيب هذا البناء يصبح عيبا بنيويا يحدده الخليل بمصطلح يخصه كما نعرف في علم العروض . وفي ذلك قال القرطاجني يصف العلاقة ما بين القصيدة والخيمة : ( ولما قصدوا أن يجعلوا هيئات ترتيب الأقاويل الشعرية ونظام أوزانها متنزلة في إدراك السمع منزلة وضع البيوت وترتيباتها في إدراك
البصر تأملوا البيوت فوجدوا لها كسورا وأركانا وأقطارا وأعمدة . أسبابا وأوتادا , فجعلوا الأجزاء التي تقوم منها أبنية البيوت مقام الكسور لبيوت الشعر ) .
والقرطاجني هنا يحيل إلى أن هذا تصور عربي شمولي يسبق الفكر
النقدي في تصوره البنائي للنص . كما أن القرطاجني يقيم في مقولاته هذه
علاقة تراسل ما بين السمع والبصر في استقبالهما للصورة التركيبية للبيت ( البناء ) وللقصيدة ( البناء ) مما يتم عن عقلية كلية ( لا جزئية ) وتصور بنيوي تركيبي يقيم العلاقات بين الأشياء المتباعدة ظاهريـا ويؤسس الوحدة بين العناصر ليحقق ( الائتلاف ) بين ( المختلفات ) .
ومثلما بنى الخليل تصوره للشعر بناء تركيبيا على علاقة ائتلاف ما بين النص والخيمة , مستندا بذلك على تصور عربي شمولي , فإن ثعلب العلّامة اللغوي لا يخرج عن حقيقة ذلك التصور التركيبي , ولعله أول من ارتقى بفكرة التركيب إلى مستواها الحي حيث أقام التماثل ما بين النص والفرس , ومنح الشعر صفات الفرس مثل الأغر والمحجل . وهذه كلها ثقافة نصوصية حية ظلت تتنامى لدى الإنسان العربي مبدعا و لغويا ومنظرا , وكانت قبل ذلك موروثا جماعيا للأمة التي ظلت تنظر إلى لغتها على أنها كائن حي وفاعل , وليست نصوص الأدب في هذه اللغة وإلا كائنات حيوية مركبة تركيب الجسد أو هي جسد مركب حي . وإذا كانت
تلك نظرة أسلافنا فإننا لا نملك نحن إلا أن ننظر إلى النص على أنه (جسد حي مركب ) وفي الحلقة القادمة نقول كيف نتعامل مع هذا الجسد وكيف
نستقبله .
***


هامش:
كان من المستحسن أن أقف في هذا الشأن على أفكار كولردج ورولان
بارت وكلاهما ذوا تصورات تفيد في مفهوم ( النص / الجسد ) ولكنني اكتفيت بما في تراثنا لأسبقيته أولاً , و لأنه أولى بالوقوف ما دمنا نتكلم بكلام العرب في كلام العرب بما هو من كلام العرب . في حين يبقى كولردج ذا مرجعية فلسفية ألمانية في تصوراته مع تطبيقاتها على لغته و أدبه الانجليزي , ويظل بار ت فرنسي اللغة والتطبيق , وهذا لا ينفي أن عمومية الفكرة أقوى من خصوصيتها .


***






تشريح النص
في المقالة السابقة وقفنا على صورة ( النص ) عند العرب على أنه ( جسد حي مركب ) وعلى أنه ذو قيمة ( وظيفية ) تتجاوز وجوده الجوهري إلى وجود أعلى و أشمل . وسنقف اليوم عند جسدية النص وصفته التركيبية الحية .
و الجسد يقتضي وجود أعضاء حية تتلاحم مع بعضها لأداء وظائف تختلف كل وظيفة منها باختلاف العضو منتج الوظيفة , وقيمة كل عضو هي فيما يصنعه من هذه الوظائف . و إذا تعطل العضو عن أداء وظيفته المناطة به فإنه يصبح عضواً فاسداً مما يعني أن العضو هو بوظيفته وليس بمجرد وجوده . والعطل الوظيفي لا يفسد المعطل فقط ولكنه أيضاً يغادر بالجسم عاهة تتخوَّن محاسنه وتعفّي معالم الجمال فيه – حسب عبارة الحاتمي .
وكما أن الجسد الإنساني يتكون من أعضاء متفاوتة القيمة وفيها ما هو أساسي و ذو وظيفة مصيرية ومنها ما هو أقل أهمية و إن كان ذا وظيفة متميزة ، فإن في النص أيضاً أعضاء ذات قيم متفاوتة في أهميتها و حساسية العضو المفرد و سائر الأعضاء ، ولكن و كما أنه ( لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ) فإن واحداً من هذه الأعضاء سيكون رأساً أي مضغة توجه الصلاح و الفساد وتبقى سائر الأعضاء تقدم وظائفها عبر سلسلة متعاقبة من ( العلاقات ) تحقق للبنيان تماسكه وللجسد وجوده المركب وحيويته .
وهذا يفضي بنا إلى أن ( جسدية النص ) تعني أنه يتكون تكويناً يشبه التكوين الحيواني بأن يكون له أعضاء مختلفة و من بينها القلب ويربط بين الجميع علاقات تشد البناء . و أعضاء النص هي وحداته البنيوية الداخلية ولقد سميتها بالجمل الشاعرية ( الخطيئة والتكفير ص 89 وما بعدها ).
ومن بين هذه الوحدات سوف نجد واحدة مهيمنة وستكون حينئذ صوتيم النص أي قلبه ومضغته ، ويقوم بين الصوتيم وسائر الوحدات علاقات تتكون من التركيب الإنشائي والدلالي . وكل واحدة من هذه تمثل مفهوماً اصطلاحياً نصوصياً ثابتاً . ولكي نستكشف نصاً ونسبر أغواره لابد أن ندخل إليه عل أنه جسد ثم ننظر فيه عضواً لنستبين العلاقة ما بين كل عضو و الآخر ثم لننظر أيها أهم و أخطر للنص وسيكون هذا هو الصوتيم . ونكون بهذا قد أخذنا في ( تشريح النص )ولكنه تشريح من أجل البناء وليس من أجل الهدم .
وهذا الفعل لن يتسنى لنا إلا إذا أخذنا بمفهوم الجرجاني حول علامتية اللغة في قوله إن اللغة (تجرى مجرى العلامات والسمات , ولا معنى للعلامة والسمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت العلامة دليلاً عليه وخلافه ) انظر بحنا : من المشاكلة إلى الاختلاف – مجلة الفيصل – عدد 1 فبراير 1987 ص 24 وما بعدها - .
و كلام الجرجاني هذا يؤكد مفهوم ( إشارية اللغة ) و الإشارة تقتضي أن ما هو ماثل أمامك إنما هو ( دال )زرعه المنشيء في النص وعليك أنت أن تقوم بربطه مع الدوال الأخر ، ليفضي بك ذلك إلى ( الأثر ) المفترض وجوده في النص . مع الأخذ بالاعتبار أن كل مفردة تقبل أن تعني الشيء ونقيضه - كما يقرر الجرجاني – وبالتالي فإن كل جملة في النص هي اختيار إنشائي لا يتضح مرماه إلا بقياسه بالاحتمالات الإنشائية الأخرى مما كان ميسوراً قوله للمؤلف لكنه تجنبه و آثر الماثل أمامك , ولسوف تعرف قيمة الماثل حينما تقيسه بالمتروك مثلما ستعرف أثر الإثبات إذا قسته بالنفي والعكس كذلك .
ولكي نكون على بينة من أمرنا فلنقف عند قول الحصين المري :
وقافية غير إنسية
قرضت من الشعر أمثالها
شرود تلمّع في الخافقين
إذا أنشدت قيل من قالها
ها نحن أمام جسد حي مركب , واستكشاف – هذا الجسد يقتضي منّا تشريحه أولاً ثم إعادة تركيبه لكي نميز الأعضاء ونستخرج المضغة الأساسية ( الصوتيم ) و نرى العلاقات من أجل أن نصل إلى ( الأثر ) المفترض , وهذا كله يمر عبر افتراض ( علاماتية اللغة ) وحرية الإشارة فيها .
و أول ما نجده هو قوله في الشطر الأول : ( وقافية غير أنسية ) حي يلج الشاعر باب القول من خلال ( واو ربّ ) التي تفتح له آفاق الخيال والتجلي الحر لأنها تعني الافتراض المطلق والاسترسال التلقائي , وهو حينما يدخل أبواب الخيال لا يختار منها إلا الشعر فهو لا يفترض وجد قصر أو فتاة حسناء , ولكنه يفترض قصيدة فريدة , فهو يكتب أو بالأحرى يقول شعراً عن الشعر مما يجعل الشعر هو الأداة وهو الموضوع هو الطالب والمطلوب . وهذا الشعر يختصر في كلمة واحدة هي كلمة ( قافية ) . فالقافية - هنا - هي اللب والنواة وهي المضغة الصالحة , وسمات هذه القافية هي أنها ( غير إنسية ) , وما دامت قافية غير إنسية , والشاعر إنسي فكيف يتسنى لهما اللقاء ؟
إنهما لا يلتقيان . والشاعر لا يدعي هذا اللقاء بالرغم من أنه يمارس خياله على أوسع نطاق . لقد جاء الشطر الثاني ليقرر حال العلاقة ما بين الشاعر الإنسي و القافية غير الإنسية فيقول :
قرضت من الشعر أمثالها
في هذا الشطر يقرر أن شعره ( يماثل ) تلك القافية وليس هو إياها , مما يعني أن شعره إنسي الهوية ولكنه أرقى من سائر أشعار الإنس , وذلك لأنه يشبه ويماثل تلك القافية اللغز , القافية غير الإنسية . وهذه ميزة يمتاز بها شعره , مثلما أن فيه مزايا أخرى منها أن كل عنصر من عناصر هذا الشعر تشبه تلك القافية ولا يقتصر التشابه على القوافي فقط , إنه يقول :
قرضت من الشعر
ولم يقل : قرضت من القوافي . وهذا ارتفاع بعناصر شعره كلها إلى مستوى تلك القافية غير الإنسية .
و إذا كنا قد أدركنا أطراف التشبيه مبدئياً فإنه مازال أمامنا جانب غائب من دلالات المشبه به وهو , ( القافية غير الإنسية ) . إذ إننا لا نعرف ماهية هذه القافية حتى الآن , ولذا فإن البيت الثاني يعود إلى تلك القافية ويجسدها لنا حية بصفات نستطيع تصورها و التفاعل مع تصورنا لها وذلك بقوله :
شرود تلمّع في الخافقين
إذا أنشدت قيل : من قالها
هذه هي ماهية تلك القافية غير الإنسية , إنها شرود حرة مطلقة , ولكن شرودها ذاك لا يبعدها عن الرؤية الإنسية , وذاك أنها تلمّع في الخافقين , والذي يلمع هو في الحقيقة مادة عاكسة لما هو موجود في الحياة , مما يجعلها داخل دائرة الإدراك الإنسي لكنها فوق مستوى الأشياء الإنسية , ولذا ظلت سابحة في الخافقين , فهي إذاً تشبه ( واو ربّ ) في أنها باب خيالي , ولكنه باب قابل لأن يدخله من هو مؤهل لهذا الدخول , فهو بعيد المنال ولكن بعده قابل للاختصار لمن ملك الأداة و تهيأت له الأسباب لتحقيق النوال . ولذا فإن هذه ( الشرود ) تدخل في دائرة ( الإمكان ) و قد يحدث أن يقبض عليها ماهر ما فينشدها و إذا – نعم وإذا – أنشدها فسوف يقال له حينئذٍ : من قالها .
هذا كله افتراض تخييلي , ربما يحدث . فإذا حدث ذلك وتم الانبهار والعجب وصار ( الأثر ) اللافت للنظر , إذا حدث هذا فإنه يشبه حينئذٍ شعر الحصين المري .
إن شعر هذا الشاعر له من القيمة حدّ لا يمكن وصفه بمقاييس الواقع , ولذا فقد صار الشاعر لوصف شعره بأن استنبط صورة تخييلية لقافية كانت تلك صفتها . وهي قافية غير موجودة , لكنها ( إذا ) ما وجدت فسوف تكون هي المثال لشعر الحصين . وهنا نقول إن علامة ( إذا ) هي المضغة التي يعتمد عليها النص أي هي ( الصوتيم )لأن البناء الافتراضي يقوم عليها . ولو ألغيناها لأزحنا الوظيفة الشرطية التي تجمع ما بين العدم والوجود ما بين الخيال والواقع ، إن ( إذا ) تحقق للنص خياليته من ناحية , لأن هذه العلامة تعني أن تلك القافية الشرود قابلة لأن تنشد ولكنها مع هذا تظل شروداً تلمع في الخافقين وتظل غير أنسية لأنها غير منسوبة إلى أحد من الناس وفاعل الإنشاد مجهول , وحدث الإنشاد لم يقع إلا على مستوى الخيال الإنشائي .
و إشارة ( إذا ) هي التي ستحدث السؤال المبهر : من قالها ؟ فالسؤال لا يحدث إلا بعد أن تتحقق ( إذا ) من خلال فعل الإنشاد , هو إنشاد لم يحدث بعد لأن إذا ( ظرف زمان مستقبل ) حسب قيمتها اللغوية . وكونها كذلك يفسح المجال لهذه الأبيات في أن تكون نصاً تخييلياً مطلق الدلالة ومتجددها . و هذه قيمة دلالية لا تتحقق إلا بوجود هذه الكلمة العلامة .
***
أكاد أقول هنا إن استخدامنا لفكرة النص / الجسد وأخذنا بما يستتبعه ذلك من مفهومات مثل الصوتيم كعضو متميز في ذلك الجسم ثم وقوفنا على العلاقات ما بين العناصر , مع استخدام مفهوم إشارية أو علاماتية اللغة ومن ثم بحثنا عن ( الأثر ) , أقول إن هذا هو ما جعلنا نقف على
أسرار هذا النص . عل أن هذا فعل لا يمكن وصفه بأنه بنيوية لأننا فيه نفتح البنية ونطلقها للدلالة من خلال توظيف ( الأثر ) . كما أننا نسمح - عادة - بتداخل النصوص . و إن كنا لم نلامس ذلك في مقالنا هذا فليس إلا لضيق المجال , وسنشير إل المداخلات الواردة مع هذا النص في مقال يأتي لاحقاً إن شاء الله .
كما أن فعلنا هذا ليس تفكيكية لأننا هنا لانبحث عن عيوب الخطاب ولا نسعى لتقويضه , إن كنا نأخذ بمفهوم ( الاختلاف ) , إلا أن هذا المفهوم عندي هو إلى الجرجاني أقرب منه إل ديريدا , وهذا لا يعني أنني لا أستفيد من ديريدا . بل إنني أقرأ لهذا الرجل وأستفيد منه , ولكن ذلك لا يلغي الجرجاني ولا يزيحه من ذهني , بل إنه يعمقه في نفسي ويزيده رسوخاً في يقيني . كما أننا لا نستطيع أن نقول إن فعلنا هذا هو ( سيميولوجية ) خالصة . إنه قريب منها و وثيق الصلة بها ولكنه ليس إياها تماماً .
لقد أفاد من هذه جميعاً ملثما أفاد من أسلافنا كلهم , و هو مسلك مفتوح على كل ما يفيد ويثري . و لذا فإني أسمي منهجي بالنصوصية أو بالنقد الألسني , و أسمي الإجراء بالتشريحية لأن ما نفعله إجرائياً هو ممارسة التشريح فعلياً من أجل الوصول إل سبر تركيبات النص و أبنيته الداخلية , ثم نأخذ بتفسير العملية تفسيراً نصوصياً يقوم عل مبدأ من تفسير القرآن بالقرآن . وسأوضح هذه المسألة بمقال يخصها لاحقاً - إن شاء الله - .
بقي أن أقول إنني أجد نموذجي هذا , أقصد نموذج النص الجسد ومستلزماته , أجده نموذجاً كاملاً في كل فعل لغوي , ولم يتمرد على ذلك أي نص فيما قرأت وعرفت من نصوص قديمة أو حديثة . ولكن قد يحدث أحياناً أن نجد أكثر من صوتيم في نص واحد .و هذا ليس غريباً إذا ما قسنا ذلك على مثالنا الأصلي وهو الجسد حي نجد ( المخ ) بإزاء ( القلب ) , وكلاهما على درجة كبيرة من الأهمية مما يجعلهما صوتيمين , ولقد يحدث هذا في النص أيضاً .
و أشير أيضاً إلى النصوص تشتمل كثيراً على وحدات متكاملة داخلياً , ولسوف نجد أن كل وحدة تشتمل على صوتيمها الخاص الذي تتأسس عليه فهي جسد داخل جسد . وهذه الوحدات بعد ذلك تتداخل وتتكامل لتشكيل النص , تماماً ملما نجد التركيب الاجتماعي ينشأ من الأسرة فالحي فالمدينة فالمقاطعة فالدولة . . إلخ. وكل بناء من هذه الأبنية يقوم قياماً تركيبياً حياً مثل الجسد وأعضائه ثم يدخل في تركيب أكبر منه وهكذا يكون . ليست النصوص إلا على هذا المثال , فالأطلال وحدة دلالية تدل مع غيرها من الوحدات كالغزل و وصف الفرس وكل واحدة منها لها صوتيمها الخاص , و إذا تآلفت مع بعضها في نص صارت إحداهن صوتيماً للأخريات , ثم تدخل القصيدة مع غيرها في ديوان ويدخل الديوان مع غيره في عصر شعري , ويدخل العصر مع غيره في ثقافة أمة . . وهكذا إلى أن يرث الله الأرض وما عليها , و الكل في علاقات تشده لتكوّن منه بنياناً . وها نحن في بنيان يستفيد من تجارب الأمم دون أن ينسلخ عن جلد العربية لأنه بنيان يتعامل مع مفهومات نصوصية لها جذور عميقة في ثقافتنا , كما أوضحنا في الحلقة الماضية , وكما سنوضح أكثر في الحلقات القادمة حيث نقف على التداخل و عل تفسير النصوصِ ومبادئه الأساسية .

هامش :
لقد حرصت على التقيد بالمرجعية العربية في عرضي هذا . ومن شاء النظر إلى ذلك من زاوية حديثة فأرجو أن يعود إلى ( الخطيئة و التكفير ) و إلى ( تشريح النص ) حيث الفصل المعنون بــــــ ( لماذا النقد الألسني : سؤال في نصوصية النص ) و فيه عرض نظري مع تطبيق تحليلي يساعد على توضيح الفكرة وتدقيق المصطلحات .













تداخل النصوص
النص ابن النص
لقد كانت وقفتنا السابقة على (جسدية النص) وعلى مناحي تشريحه، من حيث سبر تركيباته وإقامة العلاقات فيما بينهما لاستنباط البنية الأساس (الصوتيم)، وكل ذلك يتم من خلال أخذنا بمفهوم (علاماتية اللغة) ويكون كل عنصر في النص هو بمثابة إشارة حرة يتحقق (أثرها) من خلال دخولها في تركيب ينظمها ويوجه دلالتها.
ولئن كان مفهوم جسدية النص وكونه كائنا حيا ومركبا هو لب الفكرة فيما قلناه ونقوله عن نصوصية النص فإن هذه الجسدية لا تقوم على (عزل) النص عن سياقاته الأدبية والذهنية، ذاك لأن العمل الأدبي يدخل في شجرة نسب عريقة وممتدة تماما مثل الكائن البشري، فهو لا يأتي من فراغ كما أنه لا يفضي إلى فراغ. إنه نتاج أدبي لغوي لكل ما سبقه من موروث أدبي، وهو بذرة خصبة تؤول إلى نصوص تنتج عنه. ومن طبع النص الأدبي أن يكون مخصبا ومنتجا تماما مثل كل كائن حي كالإنسان والشجرة. وقد يحدث أن نجد نصا عقيما مثلما نجد إنسانا عقيما. وقد يكون العقم بأسباب طبيعية تنتج عن نقص في عناصر الإنتاج داخل الكائن، وربما تكون عن أسباب اصطناعية يتخذها الانسان ضد حاسة الإنجاب فيه –كما هو موجود في زماننا هذا أو كما فعل المعري بنفسه حينما منعها من الإنجاب وقال قولته المعروفة:

هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد هذه أمور تصيب النص مثلما تصيب الإنسان فتجعله عقيما لا ينجب ولا ينتج، وكم من نص نقرأه فلا نجد فيه شيئا ذا أثر يحرك ما بعده، وينتهي النص عند حدود القراءة الأولى عاجزا عن إحداث قراءة ثانية أو توليد نص إنشائي إما بالكتابة عن النص ذاته أو بتفجير نص آخر في نفوسنا يتنشأ من انفعالنا بالنص المقروء. على أن العقم هذا قد يصيب القراء فيجعل النص المخصب عقيما حينما يقرأه قارئ عاجز ويدعي أن النص لا شيء فيه أي أنه نص عقيم وليس العقم في النص ولكنه في ذائقة القارئ العاجز. وهذه حالة لمسها شيخنا ابن جني وقال فيها مخاطبا أحد العاجزين ممن أصابه العقم أمام اللغة: (فإن رأيت شيئا من هذا النحو لا ينقاد لك فيما رسمناه ولا يتابعك على ما أوردناه، فأحد أمرين: إما أن تكون لم تمعن النظر فيه فيقعد به فكرك عنه، أو لأن لهذه اللغة أصولا وأوائل تخفى عنا وتقصر أسبابها دوننا).
هذا هو عقم القارئ الذي يحدث من عدم إمعان النظر أو عن دقة أسرار اللغة، وعلاج ذلك هو في تشريح النص تشريحا يبلغ دقائق تكويناته الداخلية. على أن النصوص الأدبية في غالبها نصوص معطاء منتجة وقليل منها العقيم، هذا إذا سلمنا من عقم القراء.
والنصوص تدخل في شجرة نسب طويلة ذات صفات وراثية وتناسلية فهي تحمل (جينات) أسلافها كما أنها تتمخض عن (بذور) لأجيال نصوصية تتولد عنها، ونحن نستطيع أن نعاين كذلك كله على جسد النص وحركته التحولية، وكل حضور ذهني يحدث عندنا ونحن نقرأ نصا ما فإن هذا التداعي هو نتاج تلك السمة التوارثية، فالمعارضات الشعرية يستعدي بعضها بعضا وكذلك النقائض والاقتباسات والتضمينات وما يسميه الأوائل بالسرقات الأدبية وما يسميه الجرجاني بالاحتذاء هو كله (تداخل نصوص)- انظر الخطيئة و التكفير ص ص 13/55/317- فالنص يدخل على نصوص أخرى تسبقه فيكون نتيجة لها و أخرى تلحق به فتكون متولدة عنه، وهو بينها حلقة في سلسلة طويلة بدأت في الماضي السحيق الذي لا ندرك إلا بعضه، إذ لم يأتنا من شعر العرب إلا أقله ولو جاءنا كاملا لجاءنا علم وشعر وفير كما قال أبو عمرو بن العلاء. وهي تمتد إلى مستقبل آت لن ندرك إلا بعضه.
ولقد كان لي من قبل وقفات عن (تداخل النصوص) في علاقات النص مع ما قبله من نصوص، على أساس أن مفهوم (تداخل النصوص) هو من المفهومات الأساسية في طريقتي لقراءة الأدب وتحليله مما يعني أنني أتعامل مع النص على أنه (بنيه) مفتوحة على الماضي مثلما أنه وجود حاضر ويتحرك نحو المستقبل. وهذا يغاير ويناهض فكرة البنية المغلقة على (الآنية)، ولقد شرحت موقفي هذا من قبل في حواري مع الأستاذ أحمد الشيباني في (الأربعاء). وأنا اليوم أتناول النص ليس على علاقته مع الماضي كما كنت فعلت من قبل ولكنني سأقف على أبيات الحصين المرى من زاوية تداخلها مع نصوص أتت من بعدها.
فالحصين – كما رأيناه في الأسبوع قبل الماضي يقول:
وقــــــافــــــيــــة غــــيــــر إنــــســـــيـــة قرضت من الشعر أمثالها شرود تلمّع في الخافقين إذا انشدت قيل من قالــها وهي أبيات تتكئ على تقليد عربي عريق حول العلاقة ما بين الشعر والجن، وكما ينقل أبو زيد القرشي (مَنْ عَبيد لولا هَبيد) وهبيد هذا هو شيطان الشاعر عَبيد بن الأبرص، ولكل شاعر-عندهم-شيطان يهجّيه الشعر، ولذا افتخر أبو النجم العجلي بشيطانه وقال:
وإني وكل شاعر من البشر شيطانه أنثى وشيطاني ذكر ولعله كان يرى أن فحولة شيطانه ستؤول به إلى فحولة في شعره فيبز بذلك أقرانه، وهو بذلك يلتفت بدلالات الحصين المرى التفاتا يكشف المصدر الإلهامي عند الشاعر ويصرح به، حيث إن الحصين وقف وقوفا تخيليا عند أسطورة (شيطان الشعر) ولم يرد لشعره أن يكون من ذلك المصدر ولكنه أراد له مجد التفوق والتسامي فوق البشر فتخيل قافية شرودا لم تتفوه بها الشفاه، ولم تكن بعد، وراح يشبه شعره بذلك الذي لم يكن بعد. أما العجلي فإنه يأخذ بتلك الدلالة ولا يكتفي بمجرد التماثل القائم فيها ولكنه يجعلها مصدرا لقوته فجعل الشيطانية بديلا عن مجرد (عدم الإنسية) وجعل هذا الشيطان ذكرا بديلا عن القافية الأنثى فجاء الاختلاف على هذه الشاكلة ما بين الأنوثة والذكورة حيث يقول الحصين:
وقافية غير إنسية
فيعارضه العجلي متداخلا مع ومختلفا عنه بقوله:
شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
وكأنه يسعى إلى تجاوزه بهذه المفارقة العنترية، وهو مع هذا الغلو والتمادي في المواجهة لا يطلق قوته إلا في وجه البشر فقط وكأنه يقول للجن إني لست معكم في سباق ولكنني أسابق البشر فقط ولذا قال:

إني وكل شاعر
ثم حدد ذلك وقال (من البشر) فهو يبز البشر ويمتاز عليهم جميعهم بذكورية شيطانه، دون أن يغضب الجن عليه أو أن ينالهم في منافسة إبداعية لا يقوى عليها مما يبقى على جلال القافية غير الإنسية ويحفظ لها سموها بالرغم من أنوثتها، فهي مبجلة وجليلة المقام بما أنها غير إنسية، ولكن التمايز والتسامي هو فيما بين الشعراء البشر في مصادر إلهامهم الشيطاني من حيث هو ذكوري أو أنثوي. وليس على الأولى إلا العجلي أما الآخرون فلهم الشياطين الإناث.
ومادام المجد الشعري محفوظ المصادر فإن سمة (الشرود) ستظل علامة شاعرية تمنح الشعر جلالا وكمالا مثلما قرر الحصين المرى، والمصدر الغيبي للإلهام يحتم صفة (الشرود). ولكن القافية الشرود هذه تتحول مع الزمن لتصبح (شوارد) تماما مثلما تتناسل العائلة من جد واحد إلى أحفاد عدة يتولدون ويتناسلون إلى أجيال كثيرة، وكذلك فإن (الشرود) الواحدة لدى الحصين تتحول إلى (شوارد) من الأحفاد لدى المتنبي، وحينها يرتاح الشاعر وينام لأنه حقق مراما شعريا عريقا:
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراّها ويختصم وهكذا تتحول (شرود) الحصين إلى (شوارد) المتنبي ولكن من دون أن يلامسها القيد أو يمسك بتلابيبها ممسك إذ يظل الخلق يسهرون ويختصمون جراها، وهم لن يلتفتوا أبدا أبدا لأن الاتفاق يحول الشوارد إلى مقيدات، وضبط المعاني وحصرها والتواطؤ على ذلك سيحول كلمات الشاعر إلى (مقيدات) وحينئذ سيموت الشعر. ونقول إن الشعر سوف يموت لو تمّ هذا الحصر لأن بناء البيت هنا قام على حالة الإطلاق وهذا ما يشير إليه البيت الذي سبق بيتنا هذا ولننظر فيهما معا:
أنــــا الذي نظر الأعمى إلى أدبـــي وأسمعـت كلـماتـي مـن به صمــم أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم إن صفة (شوارد) هنا هي صوتيم النص هذا لأنها هي التي ولدت ذلك الشعر الذي جعل الأعمى يبصر وجعل الأصم يسمع وجعل الخلق كلهم يسهرون ويختصمون. كل ذلك يتم بسبب تلك الكلمات الموصوفة بأنها (شوارد) ولو تقيدت هذه الشوارد لاتفق الناس وزال الخصام وانتفى السهر حينئذٍ. وسيعود الأعمى إلى عماه والأصم إلى صممه، ولن يكون هناك مزية بعد ذلك، وحينها سوف يسقط الشعر ويموت.
ولكي لا يحدث هذا فلابد للشوارد أن تظل كذلك ويجب أن يستمر الخصام و السهر جراها لكي يظل الشعر شعرا حيا مخصبا في عقول مخصبة. ولكي يظل النص ابن النص ابن النص ويظل المتنبي ابن العجلي ابن المرى. ويأتي بعدهم حفيد وحفيد وأحفاد، وليكن نذير العظمة واحدا من (هؤلاء الأشقياء) وهذه العبارة من عمر أبو ريشة. وحفادة العظمة لهؤلاء تتجلى في قوله:
بينما ألجمه لجما على باب عنيزة
خلت شيطاني لهيبا لكزته الريح لكزه
في دمي في خافقي في جسدي ينشر أزه
كلما دافعته يقفز في وجهي قفزه:
انتفض فالجمر مازال غضا في قلب عزه
هذا مقطع افتتاحي من قصيدة ضافية لنذير العظمة هي قصيدة (عنيزة والحلم) فيها نكتشف أن شيطان الشعر لك يمت في عصر التكنولوجيا ولم يزل هذا الشيطان قويا وشرسا. وهذه القوة تبلغ حدا ينهزم أمامه الشاعر وتنهار قدرته على المقاومة والممانعة فيستسلم أخيرا ويكتب القصيدة والقرار هنا هو قرار شيطان الشعر الذي يصدر أمره إلى الشاعر:
انتفض فالجمر مازال غضا في قلب عزه
وينتفض الشاعر ويكتب ستة وستين بيتا ترضي كل شياطين الشعر، وتسرق شياطان العجلي من قمقمه فتأخذ ذلك الشيطان الذكر وتجعله يقف على باب عنيزة يترصد مقدم نذير العظمة ويدخل الاثنان في صراع ينتصر فيه الشيطان الذكر وتكون القصيدة. ولكن ذكورة هذا الشيطان لا تلغي الأنوثة عند العظمة كما فعلت عند العجلي، إذ يظل رمز الأنثى في قصيدة (عنيزة والحلم) قويا وفاعلا ويظل قيمة دلالية ولودا. وليس الشيطان الذكر سوى فارس يقف على باب عنيزة يبحث في وجوه القادمين فإذا ما أحس بأن أحدهم شاعر أمسك بتلابيبه وعاجل سكونه و وقاره ليحول السكون إلى اضطراب كي ينتفض الشاعر (كما انتفض العصفور بلله القطر) ويكتب القصيدة. ولكن هذه القصيدة لمن؟. إنها لعنيزة. وهذا يعني أن الشيطان الذكر يشتغل من أجل الأنثى ويسعى لخدمتها وخلودها، وهذا تحوير لوظيفة شيطان الشعر يحدثه نذير العظمة الذي يتداخل مع المرى والعجلي، ولكنه يحول السمات الشعرية المتنافرة عندهما إلى سمات متزاوجة تزاوجا منتجا ومولدا. وعلى يدي هذا النص تلتقي الدلالات ويتولد التداخل في توازن متناسل. وهنا نجد أنفسنا مع حالة التلاقح الثقافية التي أشار إليها أبو حيان التوحيدي بكلمته الجميلة التي منها قوله:
(لما تميزت الأشياء في الأصول، تلاقت ببعض التشابه في الفروع، ولما تباينت الأشياء بالطبائع تألفت بالمشاكلة في الصنائع، فصارت من حيث افترقت مجتمعه، لتكون قدرة الله –عز وجل-آتية على كل شيء، وحكمته موجودة في كل شيء ومشيئته نافذة في كل شيء).
كذا هو الأمر بإرادة خالق الكون اجتماع يفضي إلى افتراق، وافتراق يفضي إلى اجتماع. وكل شتات ظاهري ينطوي على وحدة داخلية لا تدركها إلا العقول الموهوبة. وكل اختلاف يؤول إلى ائتلاف، وتلك هي وظيفته وليس النص الأدبي إلا مضمارا حيا لتمعن هذه الحكمة واستكشافها. وكل قطرة هي من المحيط وإلى المحيط. وبذاك يكون النص كائنا حيا وهو جزء من سياق يشمله ويتمخض عنه في الوقت ذاته.
وتداخل النصوص يستند على هذا التصور. وإني لأحسب هذا الأمر واضحا ولسوف أزيده إيضاحا على إيضاح في آتي المقالات-إن شاء الله-.
وأخيرا أشير إلى أن ظاهرة (تداخل النصوص) هي سمة جوهرية في الثقافة العربية حيث تتشكل العوالم الثقافية في ذاكرة الإنسان العربي ممتزجة ومتداخلة في تشابك عجيب ومذهل، وإن وقفة سريعة على طبيعة التأليفات العربية الأولى لتثبت لنا ذلك، حيث نجد كتب أسلافنا تقوم على مزيج معرفي متشابك، وهذا الجاحظ ومؤلفاته، ومنها كتاب الحيوان الذي يقوم ويتأسس على (التداخل) المطلق، وفيه تقوم الملاحظة التجريبية بجوار ثقافة الرواية ويدخل بينهما ثقافة الدراية، وكل قول يدخل بنا إلى قول آخر، ويكون الحديث ذا شجون -كما هو المثل العربي- وكلمة شجون هنا معناها غصون، أي أنها توحي بالتمدد والتناسل الحيوي، وعلى ذلك كل كتب أسلافنا وعقولهم أيضا حيث يجتمع العالم كله في (مجال) واحد. ومثلما يحدث ذلك في المؤلفات فإنه يحدث أيضا في القصائد، وكلنا نعرف تنويعات القصيدة العربية وتشكيلاتها المتنوعة ظاهريا والمتداخلة نصوصيا. ولقد شاع تسمية ذلك بالاستطراد وهذا ما توصف به مؤلفات الجاحظ وغيره من الأسلاف. ولكن الحق هو أن ذلك تداخل نصوصي له ما يبرره وما يستدعيه من النصوص نفسها، وكلها نصوص أدبية أو علمية يقود بعضها إلى بعض ويفضي إليه، والحضور الذهني المشترك ما بين إشارات النص وذهن الكاتب هو الذي يقيم تلك العلاقات والتداعيات.



***













تفسير الشعر بالشعر
من جغرافية النص إلى جيولوجية النص
(والذي حارت البريّة فيه) هو تفسير النص الأدبي وتشعبت المواقف حول ذلك ما بين نظرة ظاهرية تكتفي بصريح الدلالة، ونظرة تأويلية تعتني بخفايا الأمور وبواطنها، وكأني بالنظر الظاهري قد نظر نظرة تشبه دراسة الأرض دراسة جغرافية تعتني بما على سطحها من مظاهر بارزة، بينما النظر التأويلي المفرط يقوم على غيبيات ظنية تعتمد على الحدس والتخمين، وهذان طريقان قد يشبعان نظرة الناظر ولكنهما لا تفيان بحق النص، و الأولى بنا أن ننتقل من (جغرافية) النص إلى (جيولوجيا) النص ولكن مع التمسك ببراهين النص ومقوماته التكوينية لكي لا نتوه في تأويلات تخمينية ينفرط بها حبل العلاقة فيما بيننا وبين عالم اللغة والناس.
وجيولوجيا النص هذه تقتضي الأخذ بنصوصية النص وهي أن نجعل مادته الأساسية هي البرهان على وجوده وعلى وظيفة هذا الوجود. ونجعل لغة النص هي الطريق إلى توليد معاني النص، أي أن نعطي التركيب حقه في تأسيس السياق الداخلي ومن ثم السماح للنص لكي يشتبك في سياق عام يشمله، فقصيدة طللية لا بد أن تنتمي إلى شعر الأطلال بعامة، وكل رمز





فيها لن يتم فهمه إلا بعد أن نتمثل هذا الشعر وندرك مراميه السياقية ، وهذه هي ثقافة النص التي يعتمد عليها ويتجه نحوها . ومن هنا فإن تفسير الشعر لا يكون إلا بالشعر . ونحن بهذا نقتدي بالمفسرين الذين رادوا هذا المجال ووصلوا فيه إلى مستوى مذهل من الدقة المنهجية . ومن ذلك ما فعله شيخنا عبدالرحمن السعدي ، رحمه الله ، في تفسيره القرآن ، ثم في وضعه لكتاب أصولي بعنوان (القواعد الحسان لتفسير القرآن ) وضع فيه سبعين قاعدة للتفسير بناها على مفهوم ( تفسير القرآن بالقرآن ) وهو المفهوم الذي قال به شيخ الإسلام ابن تيمية ، رحمه الله.
ومن قواعد الشيخ السعدي قوله: ( العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ) ، وهذه هي القاعدة الثابتة عنده . ونحن إذا ما أخذنا بالمبدأ النصوصي الأساس وهو تفسير الشعر بالشعر مجاراة لمبدأ تفسير القرآن بالقرآن ، ثم وقفنا عند هذه القاعدة التي تجعل شمولية النص فوق المناسبة والظروف وتغلب جانب الدلالة الكلية ، فإننا نستطيع أن نحقق للنص وظيفته الإبداعية التي تجعله قولا جماعيا وليس تعبيرا ذاتيا أو إقليميا أو ظرفيا .
والحق أن أسلافنا كانوا يعون ذلك حق الوعي ، ولذلك فإن الصولي أخذ قصيدة ابن الرومي عن الوطن وأدخلها مع جملة قصائد عن الأوطان ومحبتها . وهي التي يقول فيها :
ولي وطن آليــت ألا أبيــــعــــه
وألا أرى غــــــيري لـــه الــــدهــــــر مـــالكــــا
عــهـــدت بــــه شرخ الشبــــــاب ونعمــــة
كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
فقد ألفتـــــــه النفس حتــــى كــأنـــــه
لهــــــا جسد إن غـــاب غودرت هـــالكــــا
وحبب أوطـــــان الــــرجــــــال إلــــيهـــــم
مآرب قضّــاهـــــا الشبـــــاب هنــــالكـــــــا
إذا ذكروا أوطانــــهـــــم ذكرتـــــهــــــم
عهود الصبــــــا فيهـــا فحنــــوا لــــذلكــــــا
وابن الرومي في حقيقة الأمر لا يتحدث عن وطن ولا هو في حنين إلى بلاد، ولم يفقد ابن الرومي وطنه قط ، وأبياته من حيث المناسبة والظرف لا شأن لها بالوطن والأوطان . وقصة هذه الأبيات هي أن رجلا تاجرا يدعى ابن أبي كامل قد أجبر ابن الرومي على بيع داره واغتصب منه بعض جدرانها ، وراح الشاعر إلى سليمان بن عبدالله بن طاهر يشتكي له الحال ويستعين به على ردّ داره ، وكلمة وطن وأوطان تعني بيتا وبيوتا . مما يعني أننا أمام حالة من حالات ( خصوص الأسباب ) فهل يا ترانا سنقف عند حدود هذه الظرفية الخاصة ونحجر على القصيدة ونمنع أنفسنا من التفاعل معها لأن صراع ابن الرومي مع ابن أبي كامل لا يعنينا ولا يهمنا بحال ... ؟! .
إن جواب أبي بكر الصولي يأخذ بقاعدة ( عموم الألفاظ ) ولا يقف عند خصوص الأسباب ، وكذا هي حالنا نحن إذ إننا نجد الناس في زمننا هذا _ زمن الكلام عن الأوطان – تستشهد بهذه الأبيات وترددها في كل حادث وطني ، ولا يخطر ببال أحد منهم حادثة ابن أبي كامل أو بيت ابن الرومي وجدران ذلك البيت . وكذا هي الحال مع كل نص يملك القدرة

على شمولية الدلالة . والحكم في ذلك على طاقة اللغة التي يجب أن تكون ذات صفات أدبية إذا كان النص نصا أدبيا .
* * *
ومن قواعد الشيخ قوله بـ (مراعاة دلالة التضمن والمطابقة والالتزام ) ويشرح ذلك قوله: ( والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع : أن تفهم ما دلّ عليه اللفظ من المعاني ، فإذا فهمتها فهما جيدا ، ففكر في الأمور التي تتوقف عليها ، ولا تحصل بدونها ، وما يشترط لها ، وكذلك فكر فيما يترتب عليها ، وما يتفرع عنها ، وينبني عليها . وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه ، حتى يصير لك ملكة جديدة في الغوص على المعاني الدقيقة . فإن القرآن حق ، ولازم الحق حق . وما يتوقف على الحق حق ، وما يتفرع عن الحق حق . ذلك كله حق ولا بد) ثم يقول: (ولهذا يعلل الله تعالى كثيرا من الأحكام الشرعية برحمته وإحسانه لأنها من : مقتضاها وأثرها) .
ونحن لو تأملنا كلام الشيخ هذا لوجدناه يشكل أسسا أصولية لتفسير النصوص ، إذ إنه يربط اللفظ بالدلالة ثم بالفهم الجيد ، ثم ينتقل بعد ذلك إلى التفكير بما يفضي إليه ذلك من أمور تستلزمها تلك الدلالة ، ويلي ذلك ما يترتب عليها وما يتفرع عنها وما ينبني عليها ، وكل هذا يمثل دلالات لا توجد ظاهريا في النص ولكنها متضمنة فيه ومستلزمة منه ، وذلك لعمومية دلالته وشموليتها .
ثم إن الشيخ لا يقف عند رسم الحدود الإجرائية الصرفة ، ولكنه يحث الدارس على التأمل والتبصر: ( وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه
حتى يصير ملكة جيدة ) ، وهذه ليست مجرد ملكة ذهنية راقية ، ولكن الهدف منها هو : ( الغوص على المعاني الدقيقة ) .
إن الدخول الصحيح على النص لا يتم إلا بفروسية علمية محكمة الأدوات والإجراء . وهذا العلم وحده لا يكفي إذ لا بد من دخول الذائقة التي يحدث لها التدريب المتواصل على (الغوص ) . فالنص فرس أصيل لا تعطي قيادها إلا لفارس متمرس في علمه وذوقه وتلك هي نصيحة الشيخ السعدي مثلما أنها نصيحة أبي حامد الغزالي ، رحمه الله ، الذي يقول شارحنا تجربته الذوقية مع المعرفة إن هناك ( ما لا يكن الوصول إليه إلا بالتعلم ) فالعلم وحده لا يكفي ، ويزيد أبو حامد فيقول: ( بل بالذوق والحال وتبدل الصفات ) ويشخص مقولته بأن يعطي مثلا عليها فيقول: (كم من الفرق بين أن تعلم حدّ الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما ، وبين أن تكون صحيحا وشبعان ) .
وهنا تمثل الحال بين يدينا لتكون هي والذوق وتبدل الصفات شروطا لبلوغ العلم والمعرفة غايتهما ولأدائهما لوظيفتهما . ولا يكفي حينئذ أن نقرأ النص ولكن لا بد أن نعرف نصوصيته ، وهذه المعرفة أيضا لا تكفي بل لا بد أن نعشق النص وأن نتحبب إليه لكي يفتح لنا صدره ، ونغوص بعد ذلك فيه غوصا يخرج لنا اللؤلؤ ودقائق المعاني وأسرار البلاغة وسحر البيان . إنها عملية علم وذوق وحب .
* * *
ومن قواعد الشيخ السعدي الكلية التي يمكننا الأخذ بها في الدرس الأدبي قاعدته حول شمولية السياق حيث قرر أن : ( السياق الخاص يراد
به العام ) ، وهذه قاعدة تربط ما بين الخاص والعام وتجعل الخاص يفضي إلى العام ويؤول إليه ولا يتقيد من دونه . وهذا مبدأ تفسيري من المهم الأخذ به في تفسير دلالات النصوص الأدبية وتحريك قوتها الإبداعية .
وفي القاعدة الثامنة والخمسين يقرر الشيخ أن ( الكمال إنما يظهر إذا قرن بضده ) ، وهذه قاعدة رأينا في تحليلاتنا السابقة في هذه المقالات أنها أساس مهم لإدراك الدلالة ، وهي قاعدة أسلوبية اعتمد عليها التحليل الأسلوبي الحديث ، ونحن نرى هنا أن المفسرين قد وصلوا إلى هذه القواعد الأصولية في التفسير النصوصي سابقين بذلك جهود المحدثين ، بعد أن لامسوا مشكلات تأويل النص ، وهي المشكلة التي أفاض فيها شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرا وناقشها مناقشة طويلة وعميقة انتهت به إلى وضع قاعدة في التأويل تقضي بأن نتطلب تفسير القرآن والحديث تفسيرا يستند على القرائن الموجودة في القرآن والحديث نفسهما من حيث إن اللفظ يتكرر وجوده في مواقع أخرى فيهما ، ومن هذا التواتر تتولد القرائن المفضية إلى المعنى المراد ، وبذا يكون التأويل مستندا على براهين من النص نفسه وليس يستند إلى تخمين ذاتي من المفسرين ( انظر كتاب موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول لابن تيمية . وانظر الدكتور محمد الجليند : ابن تيمية وقضية التأويل ) .
ومبحث التأويل هذا مبحث طويل ومهم لا تكفي فيه هذه المعالجة ولكني أكتفي بهذه الإشارات الموجزة موضحا كم هو النقد الأدبي محتاج إلى جهود المفسرين من أجل الإفادة وتوسيع مجال الدرس الأدبي وضبط قواعده ، مثلما أقول بحاجة طلاب ( النظرية) إلى علماء الأصول والمنطق من أجل تأسيس كليات نظرية شمولية توجه النظر وتضبط الإجراء .

تذييل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أذكر تباعا أن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، رحمه الله ، وضع تفسيرا للقرآن الكريم معتمدا على ( تفسير القرآن بالقرآن ) وعنوانه :
( أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ) .












جيش الأسئلة
<<عزيز ضياء ومادة الحوار>>
مما ينسب إلى الأديب اللغوي أبي هلال العسكري في قوله :
فلــــو أنــــــي جــــــعلــــت أمــــــــير جيش
لمـــــــا قــــاتلــــــت إلا بـــــالـســــــــؤال
فـــــإن النــــــاس ينـــــهـزمـــــــون منـــــه
وقــــد ثبتــــــوا لأطــــــــراف الـــعــــوالي
وفي مقالة أستاذنا الجليل عزيز ضياء يوم الخميس الماضي عن محاضرتي بأبها وابل من الأسئلة ونبال من الحب ، ذلك النوع من الحب الذي تتولد عنه الأفكار حسب مقولة رومان ياكوبسون من أن الخلافات السياسية تورث الحروب أما الخلافات الثقافية فتولد الأفكار . وكأني بأستاذنا المضيء دوما عزيز ضياء يأخذ برأي أبي هلال العسكري الذي صارت عسكريته ثقافية وصارت تولد الأفكار من خلال الأسئلة والاختلاف الاجتهادي ، وأجمل مافي اختلافات الأستاذ ضياء هو إثارته الدائمة للتحدي والمجابهة . ولذا فإنه يختم مقالته تلك بمطالبتي ( ومطالبة الأصدقاء عابد خزندار وسعيد السريحي ) بتقديم دراسة عن إحدى



قصائد غازي القصيبي لكي تكون مادة للحوار والمناقشة ، وإنه لمن حسن حظي أن يجيء طلب الأستاذ محددا ومدققا بهذه الشاكلة ، ذاك لأني في طور الانهماك الآن لإعداد دراسة عن عدد من شعرائنا ومن ضمنهم غازي القصيبي ولقد تمت الدراسة وأتبعتها بمساءلة مع الشعراء المدروسين حول رأيهم فيما قيل عن قصائدهم . ولقد وصلتني إجابات الشعراء المعنيين ، ولسوف تصدر هذه الدراسات ومعها الردود في كتاب(2). ولكنني أقتطع الآن منها الجزء الخاص بغازي القصيبي وأعرضه للنقاش ، وإني لمتطلع لحوار مفيد قد يعود على كتابي هذا بفائدة لم أتوقعها . وأول هذه الفوائد هو أن أعرف رأى أستاذنا الكبير عزيز ضياء ، وثانيهما هو أنني أنشر هذه الجزء كاملا بعد أن حدث نشره من قبل ناقصا ومبتورا . أما ثالث الفوائد فهي فائدة طريفة ومؤلمة وهي أن هذا الجزء من البحث قد سطا عليه طالب من الطلاب وقدمه باسمه كبحث في النقد الحديث ، ولقد كشف صديقنا الدكتور عبدالله المعيقل هذه الحادثة ، وتعامل معها بما يجب ولسوف يكون نشري للدراسة إثباتا للملكية وإشاعة لها .
وهذا تحليل دراسة لقصيدة غازي القصيبي .
تنوير:
لقد اقتطعت هذه الدراسة من دراسة شاملة عن ( نماذج المرأة في الفعل الشعري المعاصر ) شملت ثلاثة شعراء هم حسين سرحان ، وغازي القصيبي ، ومحمد الحربي . وكل واحد منهم يمثل مرحلة نصوصية ، وجاءت النماذج الشعرية لديهم متمايزة فلدى سرحان نجد المرأة/ الموت
وعند القصيبي نجد المرأة/ الحياة ، بينما نجد المرأة/ الفعل في قصيدة الحربي . وهذه الجزء المنشور هنا يخص المرأة/ الحياة ، كما هو نموذج القصيبي . وفي الدراسة إشارات إلى نموذج حسين سرحان لن يتضح للقارئ معناها إلا بالعودة إلى كامل الدراسة . وإليك الجزء الخاص بغازي القصيبي:
المرأة/ الحياة
يقول شللي إن ( الشعر أغنية يسلي بها الشاعر وحدته ) ويبدو أن الشاعر غازي القصيبي يتفق مع شللي في هذا المنحى . هذا ما تقوله أفكاره عن الشعر. وهذا ما تنص عليه قصيدته النموذجية ( أغنية في ليل استوائي ) ، وهي قصيدة* تتصاعد نصيا بما أنها أغنية تحدث في الظلمة (الليل) وفي خط الاعتدال والتعامد الكوني (الاستواء) . وتشرع القصيدة بالتوتر والتهيج الانفعالي من أول بيت فيها حيث تنفجر من الوهلة الأولى :
فقولي إنه القمر !
وتتكرر هذه الجملة ست مرات ، حيث فتحت القصيدة كبداية ومطلع ، ومرت عبرها خاتمة لخمسة مقاطع منها ، لتنتهي بها ختاما ، فتكون أول بيت وآخر بيت حيث يتحقق (الاستواء) خط البداية والنهاية أو خط اللابداية واللانهاية.
ومع هذه الجملة تتداخل ثلاث جمل متولدة منها ومتحولة عنها هي :
فقولي أنه الشجر
فقولي أنه الوتر
وقولي كيف أعتذر
ومن هنا فإن جملة (قولي) ترد تسع مرات ، بينما ترد كلمة ( القمر ) ست مرات . وهذان العنصران (قولي والقمر ) حكما تحولات القصيدة ونمذجا دلالاتها . ولسوف نسعى إلى تشريح هذين العنصرين مع آخرين مهمين في هذه القصيدة _ أيضا_ هما عنصر الموت والرمل وعنصر اللؤلؤة السمراء.
فقولي إنه القمر !
هكذا تبدأ القصيدة بداية معلقة حيث تشمخ (الفاء) رابطة النص بفضاء الحدث الذي كان ، ولكننا لا نعلم ما هو ، فهي امتداد إنشائي لقول سابق أحدث هذه الجملة وظل ممسكا بها من خلال حرف العطف (ف) : فقولي . ولكن ذلك القول المنتِج لهذه الجملة يتوارى عنا بعد أن ترك دليلا يدل على وجوده ، فهو إذا حضور غائب أو غياب حاضر، مما يحقق درجة (الاستواء) والتعادل بين قطبي الحضور والغياب ، مثلما تعادل كون القصيدة في عنوانها حيث توالدت في ليل استوائي ، وكأن حدوثها في الليل براعة في إسدال ستر الاختفاء على نفسها ، ومن هنا توارى الرحم الذي تمخض عنه مطلع القصيدة .
ومن خلال هذا الحضور الغائب أو الغياب الحاضر تأتي جملة ( فقولي إنه القمر ) على أنها خطاب مباشر من الرجل إلى المرأة ، وهذا يحمل
مفارقة لقصيدة حسين سرحان التي قامت على غير المباشرة (قولا لذات اللمى ) . وللمفارقة هنا وجوه كثيرة ، منها أن القصيبي يخاطب المرأة ذاتها كإنسانة مفردة بينما سرحان سرحان يخاطب نفسه لأن الاطلاق المتمثل بالتثنية يلغي تحديد المخاطب ويجعله نكرة أو غير موجود _ كما رأينا أعلاه_ . وهو حين يخاطب المطلق فإنه يخاطب المذكر لأن الأنثى غائبة بل هي ميتة كما وضحنا . فالحضور عنده ذكوري ، على عكس القصيبي الذي تأتي جملته مرتكزة على حضور المرأة في مقابل غياب الرجل الذي تمت الإحالة إليه عبر ضمير الغائب ( إنه القمر ) .
كما أن جملة القصيبي كاملة الدلالة لأنها جملة تامة ، أما جملة سرحان فإنها ناقصة ، وهي عالة في معناها على ما بعدها ، مما يجعل المرأة فيها ناقصة مثلما هي غائبة ، ولقد رأينا نقص المرأة هناك من خلال امحاء ذاتها وحلول الصفات محل الذات .
ومن هنا تتحدد الدلالة في قصيدة القصيبي على أنها حضور ومباشرة . وهذا معناه حياة النموذج في مقابل موته عند سرحان ، ولكن هذا الحضور وهذه المباشرة تقف مجردة ، أي أنها غير مقرونة بالفعل ، وهذا ما نلحظه على القصيدة التي ظلت المرأة فيها صامتة على الرغم من حضورها وحياتها ، ولذا تكررت مناداة الشاعر لها بأن تكسر صمتها وحاول ذلك تسع مرات من خلال ترداد جملة فقولي : فقولي/فقولي..الخ .
ولهذا تحول الصمت ليكون أجمل من النطق ويستولي هذا الحس عند الشاعر فيعلن ذلك في القصيدة نفسها :
قصيدي خيره الصمت
ولكنه يعقّب هذه الجملة الاعتراضية مباشرة بجملة طلبية أخرى من جمل النداء للمرأة بأن تنطق :
...فقولي إنه القمر
ولكن الشاعر غير صادق في هذا الطلب لأنه يعود فينهى المرأة عن محاولة النطق ويفعل ذلك مرتين متعاقبتين:
أنا؟! لا تسألي عني
..... ..... ..... ....
أنا؟! لا تسألي عني
ثم يقدم لها ما يراه يكفيها عن السؤال :
وحسبك هذه الأنسام و الأنغام
والأحلام لا تبقي و لا تذر
وما دامت هذه لا تبقي جواباً ولا تذر سؤالاً فهذا حسبها. و الرجل هنا يصبح هو السائل والمجيب مثلما أنه الآمر. و في حال الأمر يتولى هو إجابة الأمر أيضاً, و من هنا يعود في ختام هذه الأبيات ليطلق أمره المتكرر:
فقولي ..... .....
ويتبعه بالجواب (أيضاً) : أنه القمر.
وتنتهي القصيدة بمثل ما ابتدأت به ( فقولي إنه القمر ) دون أن تنطق المرأة. فهي إذاً قد حضرت والذي تولى إحضارها هو النص, و لكن النص نفسه تولى إسكاتها وحسَّن لها المت حين جعله خيراً من القصيد وحين راح يشوه النطق ويخوف المرأة منه :
وهل تدرين مالكلمات؟
زيف كاذب أشر
به تتحجب الشهوات...
أو يستعبد البشر
فالنطق واللغة خطر لا يقوى عليه إلا الذكر أما الأنثى فلا شأن لها بذلك ولا حول لها عليه, و حسبها الأنسام والأنغام والأحلام التي لا تبقى ولا تذر. وبالتالي يكون هذا الحضور هو حضور الغياب أو هو غياب الحضور لأن المرأة جاءت خرساء ولم يمنحها الذكر حق النطق بعد.
وهذه هي السمة الدلالية التي تحركت فيها القصيدة بدءاً من غياب السبب وحضور النتيجة في جملة المطلع, و هذه عقدة دلالية بنيوية اتكأت عليها القصيدة و في الوقت نفسه تصارعت معها, و ذلك من خلال ابتكار مقدمات سببية متعددة أخذت في تحرير نفسها من كونها ناتجاً يلحق بجملة المطلع إلى كونها مقدمة تسبق جملة المقطع. ولقد حدث هذا في خمسة مقاطع تالية صار فسها جملة المطلع خاتمة ونتيجة لقول حاضر بعد أن كان غالباً في البداية.
وكذلك سعت القصيدة إلى مواجهة عقدتها من خلال تعميق الحضور, وهو ما سنشير إليه لاحقاً, ونكتفي الآن بأن نقول إن الصراع حول هذه العقدة الدلالية هو صراع اللا غالب, و هذا هو ما يبقي في النص حالة التوتر التي تميز الفن الجيد-كما يؤكد ألن تيت(4) حينما يتراوح العمل بين التجريد و الإحساس, ويتأسس حينئذ على ( المفارقة بمفهومها الدال على تنامي التنافر والغموض وتقابل المتناقضات.(5) ولسوف تلامس وجوهاً من هذه المفارقة في نصنا هذا مما ينتج عنه صورة نموذجية للمرأة تفارق النموذج السالف –و إن تداخلت معه في بعض عناصرها.
وأول هذه المفارقات هو أن المرأة السالفة كانت غائبة و غير فاعلة, أما هذه فهي ذات حضور على قدر من العمق والتكثيف ولكنها ظلت غير فاعلة لأنها لم تزل صامتة.
القمر..
حين يقول الأخطل واصفاً فتاته بأنها:
مهاة من اللائي إذا هي زينت.. تضيء دجى الظلماء كالقمر البدر (6)
حيث تقف الأنثى والقمر لتضيئا الظلمة ويصبحا بدراً, وتتأسس هذه الصورة للمرأة /القمر (البدر) في الشعر العربي, كما نجد عند الأخطل وعند ابن أبي ربيعة الذي يعطي المرأة نوراً يضيء كما هو ضوء القمر:
خود يضيء ظلام البيت صورتُها
كما يضيء ظلام الحندس القمر(7)
ولكن ابن ابي ربيعة لا يدع هذه الصورة دون مداخلة يفارق قيها ماهو تقليد شعري جمالي, ويحول هذه الدلالة من الأنثى إلى الرجل في بيته المشهور: (8)
قالت الصغرى وقد تيمتها
قد عرفناه وهل يخفى القمر
وفي هذا البيت يأتي القمر دالاً على الرجل من دون واسطة, بينما جاء التشابه في البيتين السابقين بين القمر والمرأة من خلال أداة التشبية, مما يعني أن المرأة(تشبه) القمر ولكنها ليست هس القمر , كما أن شبهها به هو في صفة (الإضاءة) على وجه التحديد (والحصر).
أما الرجل فإنه: القمر, لا من باب التشبيه أو تلبس بعض الصفات ولكن من باب الدلالة المطلقة. إنه القمر الذي لا يخفى علواً أو إضاءة, وما سوى ذلك من صفات, حسب منطق النص.
وفي مواجهة هذا الموروث المتقابل يأتي غازي القصيبي سافراً عن وجه خطابه لفتاته بجملته المهيمنة : فقولي إنه القمر.
والقمر هنا هو الرجل. ولكن الأمر هنا يفترق عما هو عليه لدى عمر بن ابي ربيعة, لأن القمر اسم اطلقته المرأة على الرجل في بيت عمر, و لذلك فإنه جاء في بيت واحد مفرد وجاء على صورة احتفالية تحقق فيها للرجل أعلى غايات نرجسيته حين هتف النسوة:
نعم. قد عرفناه. وهل يخفى القمر.
أما في قصيدة القصيبي فإن (القمر) مطلب شعري تتوقف عليه الدلالة كلها, مثلما يتوقف عليه النص وجوداً أو عدماً. واو قالت المرأة للقصيبي إنه القمر لما حدثت القصيدة. ولكنها لم تفعل ومن هنا صار الشعر, وبسبب ذلك حسَّن الشاعر لفتاته الصمت ودفعها إليه لكي لا تنطق بالكلمة الحرام (القمر) فتموت القصيدة حينئذ. فهي على النقيض من شهرزاد التي كان النطق لديها يعادل الحياة والصمت يعادل الموت, ولذا صور الشاعر الكلمات لحبيبته بأنها : زيف كاذب أشر.
وفي الوقت نفسه ظل يناديها ويلاحقها بجملته: فقولي إنه القمر, فهو يطلب منها فعلاً لا يريدها أن تفعله, وهو يمنح صفة القمر للرجل (لنفسه مثل ابن أبي ربيعة), ولكن هذه المنحة لا تتحقق لأن المرأة لم تنطق بها على خلاف فنيات عمر. ونتج عن هذا أن أخذت الجملة بالتردد والتكرر مرة تلو أخرى صانعة النص من خلال تكرارها ومولِّدة لدلالاته المتنوعة:
فقولي إنه القمر
أو البحر الذي ما انفك بالأمواج
و الرغبات يستعر
أو الرمل الذي تلمع في حباته الدرر.
لما لم تتحقق صفة (القمر) تحولت القصيدة إلى (البحر), ولما لم يتحقق البحر تحولت إلى(الرمل).
وهذه العناصر الدلالية الثلاثة: القمر والبحر والرمل / تحمل أمداء شعرية عميقة الجذور, سأبدأ بالأخير منها وهو الرمل.
ولقد مر بنا منذ مطلع هذه الدراسة ما للرمل من علاقة بالمرأة حيث إنه الخيار المصيري الثاني لها, فهي إما للزوج (الرجل) أو أنها ستكون من نصيب القوز (الرمل). و رأينا أن فتاة حسين سرحان لم تكن من قَدَر الرجل وذهبت مباشرة إلى التراب لتسكن فيه وينطمس أثرها من داخله:


ما كان أحلاك لو لم ينطمس أثر
منك الغداة ولو لم ينطبق بصر
سكنت في التراب بيتا ما تحل له
عرى ولا يتنزى فيه مصطبر
وفي هذه المعادلة المصيرية بين الرجل والرمل, تأتي فتاة القصيبي لتستقبل الخيار الأول وهو الرجل, ولكن هذا الرجل ليس هو (الستر) كما يقول المثل الشعبي , وإنما هو : القمر. إذاً هناك تحول في صورة الرجل, ومن هنا فإن البديل له لم يعد هو الرمل مباشرة, وإنما هناك خيار جديد يطرأ على المعادلة وهو البحر الممتلئ بالحياة من خلال استعاره بالأمواج والرغبات, فإذا لم تقبل المرأة بالبحر فإنها ستقضي بنفسها حتما إلى : الرمل, الذي صار -هنا- خياراً ثالثاً بعد خيارين مغريين.
ولكن إعادة قراءة الأبيات سوف تحيلنا مرة أخرى إلى الرجل, لأن الرمل هنا لا يأتي على أنه عالم منفصل ومستقل عن البطل, وإنما هو (دال) مركزي يحيل إلى الرجل وليس بديلاً له أو عنه, وكذلك البحر والقمر فهي كلها في موضع (الخبر) صياغة أو حكماً, حيث الرجل هو المبتدأ المحال إليه بضمير الغياب (إنه). وليس له من حضور إلا من خلال الخبر الأول (القمر): (أنه القمر) أو ما عطف عليه (أو البحر/أو الرمل) فالمرأة إذا ليست في خيار بين ثلاثة أشياء وإنما هي في خيار بين ثلاث صفات إما الرجل/القمر وإما الرجل/البحر و إما الرجل/الرمل. و كلها تتضمن صفة الاحتواء, فالقمر يحتوي المرأة بضيائه والبحر بأمواجه (ورغباته) و الرمل يتضمنها في جوفه. كما أن الرمل يصير قوزاً منعطفاً كالهلال فهو قمر من نوع ما – كما رأيناه في بداية البحث. وهذا يعني أن الرجل هو كون المرأة ومصيرها, ولهذا لم يكن من الضروري لها أن تنطق في هذا النص, لأن الخيارات المقدمة لها تنتهي كلها بنهاية مصيرية واحدة هي : الرجل.
و هذا الرجل يظل من فوقها عبر (القمر) ويتحرك من تحتها عبر (الرمل) ويموج من حواليها عبر (البحر). وهكذا يتم إغلاق الأفاق على المرأة التي أصبحت (لؤلؤة) مكنوزة لا حول لها ولا طول إلا أن تتعشق الرجل الذي صار يداهم سمعها مرة تلو أخرى : فقولي إنه القمر.
والقمر عند العرب الأقدمين صفة ذات قداسة تتميز باكتمال الرجولة فهو (الأب) وهو (الثور) وبه يصفون الرجال ويجسدون اكتمالهم ورجولتهم(9) , وإذا ما صنعوا للقمر صنماً جعلوه تمثال رجل كأعظم ما يكون الرجال – كما يقول ابن الكلبي في كتاب الأصنام- (10) ولعل هذا الحس الذكوري عن القمر هو ما جعله مذكراً عند العرب بينما هو مؤنث عند غيرهم – كما يذكر أحمد كمال زكي- (فقد ظهر أنه أقدر من الشمس على تقسيم دورة الأرض إلا اثنتي عشرة ساعة, وأنه أكفأ في قياس الزمن, ومن ثم لا يزال في وسعه أن يهيئ مقياساً ثابتاً لتنظيم الشئون المختلفة(11).
ومن تنظيمه للشئون المختلفة أنه أخذ ينظم كون المرأة ويؤطر وجودها , فهو بحرها وهو رملها وهو ضوؤها وهو الآمر لها لكي تقول وفي الوقت نفسه هو الناهي لها عن القول. وهذا هو الاكتمال الذكوري أمام الأنثى التي وجب عليها النقص في حضرته. هذه كلها دواع توجب كون الرجل قمراً. فالرجل/القمر لا بد أنن يكون رجلاً كأعظم الرجال –حسب عبارة ابن الكلبي . وصارت صفة (القمر) له هو وليست للمرأة. والشاعر هنا يعيد لهذه الدلالة قيمتها الأولى ويحقق لها ذكورتها بعد أن تأنثت على أيدي شعراء الغزل, ومن هنا صارت جملة القمر هاجساً جوهرياً للقصيدة تكررت فيها ست مرات, مما أكد سيطرة القمر على باقي العناصر واحتواءه لها فتراجع البحر والرمل والشجر والوتر ليحل القمر محل الجميع, ويكون هو الصوتيم الذي كتب ذكورة النص على الرغم من حضور الأنثى.
اللؤلؤة السمراء.
إن كان الرجل قد جاء كامل الرجولة وسيطر من خلال ذكورته, فإن المرأة قد جاءت في نص القصيبي كاملة الأنوثة, وسيطرت من خلال أنوثتها (وهنا أ{مي إلى معنى مغاير لمعنى إنسانيتها) فالمرأة-هنا- ليست أنساناً ولكنها أنثى فقط. وتتجلى هذه الأنوثة –أول ما تتجلى- من خلال الحضور النصوص لها المتمثل في جملة (أيا لؤلؤتي السمراء) وهي جملة تكررت في النص (ثلاث) مرات في مقابل جملة الرجل (فقولي إنه القمر) التي وردت ست مرات, أي أن للذكر مثل حظ الأنثيين, ومن هنا صار نصيبها نصف ما للرجل: ثلاث من ست.
وجملة (أيا لؤلؤتي السمراء) هي الصوتيم الحاوي لمكان المرأة في هذه القصيدة. ومن هذه الجملة نستطيع أن نقرأ صورة الأنثى هنا فهي أولاً مناداة بأداة النداء (أيا) أو (فيا). والنداء يقتضي بُعد المنادى ونأيه, ويقتضي ايضاً وجوده, ولكنه وجود شبيه بالغياب, وهذا ما استدعى قيام النداء وتكراره. ومن الجَلي أن هذا البعد قد ظل على ما هو عليه من دون اقتراب ويؤكد ذلك أن المرأة لم تتحرك بالفعل أبداً في هذا النص.
والمرأة في هذه الجملة هي لؤلؤة سمراء, وهذه اللؤلؤة خاصة بالرجل (الشاعر) من خلال إضافتها إليه (لؤلؤتي) فكأنها ملك خاص. ومن شأن اللؤلؤة أن تُمتلك , مثلما أن من شأنها أن تكون خرساء فلا تنطق, وبالتالي فإن الرجل هنا تحول إلى (شهريار) جديد له الشأن وحده.
على أن الإحالة هنا تنطوي على أبعاد شعرية غائرة المدى في الموروث الأسطوري الشعبي حول اللؤلؤة السوداء في منطقة البحرين حيث عاش الشاعر مطلع حياته, وكذلك للؤلؤة بُعدها العميق في الشعر العربي , وسنجد ذلك يُمثل أمامنا بجلاء في قصيدة الأعشى عن (الدرة الزهراء) التي جعلها شبهاً لفتاته, وهي درة أخرجها غواص دارين البلدة القديمة في البحرين, وهذا يربط قصيدة الأعشى ربطاً مباشراً بالأسطورة الشعبية البحرينية عن اللؤلؤة السوداء, كما يربطها بقصيدة القصيبي وهذا هو الذي يعنينا هنا, ولسوف أضع جدولاً متقابلاً بين القصيدتين لنتبين منه علاقات المداخلة النصوصية بين الشاعرين, ومن ثم نستكشف وجوه المفارقة:






الأعشى (12)
(أ)
كأنها درة زهراء اخرجها
غواص دارين يخشى دونها الغرقا

حرصاً عليها لو أن النفس طاوعها
منه الضمير لبالي اليم والغرقا
في حوم لجة آذي له حدب
من رامها فارقته النفس فاعتُلقا



(ب)
قد رامها حججاً مذ طر شاربه
حتى تسعسع يرجوها وقد خفقا
(( تسعسع بمعنى هرم وشاب وكبر سنه))







(ج)
من نالها خلداً لا انقطاع له
وما تمنى فأضحى ناعماَ أنقا


(د)
لا النفس تؤنسه منها فيتركها
وقد رأى الرعب رأي العين فاحترقا
تلك التي كلفتك النفس تأملها
وما تعلقت إلا الحين والحرقا




وقبل عقد المقارنات أشير (بشدة) إلى أن العلاقة بين النصين ليست علاقة (احتذاء) ولا هي علاقة مجاراة أو استحياء. وربما قلنا (وقد نجزم) بأن القصيبي لا يعي تجربة الأعشى أو يتمثلها وهو يكتب قصيدته, وبكل تأكيد فإن نص الأعشى كان غائبا عن (إدراك) القصيبي وهذا ما منح الأخير قدرة شعرية حرة على تمثل حالته الإبداعية, ومن ثم تمكن من تصور مسألته العاطفية تصويراً خيالياً إبداعياً. وليست العلاقة بينهما إلا مداخلة نصوصية (intertextuality) حسب مفهومها الاصطلاحي السيميولوجي والتشريحي الذي يتمثل المبدأ العام فيه على أن (النصوص تشير إلى نصوص أخرى, مثلما أن الإشارات signs تشير إلى

إشارات أخر، وليس إلى الأشياء المعنية مباشرة. والفنان يكتب ويرسم، لا من الطبيعة، وإنما من وسائل أسلافه في تحويل الطبيعة إلى نص. لذا فإن المتداخل هو: نص يتسرب إلى داخل نص آخر، ليجسد المدلولات، سواء وعي الكاتب ذلك أو لم يع(13)).
فالنص إذاً من دون الشاعر (يتسرب) تلقائياً إلى (داخل) نص آخر، أي إلى عمق الآخر عبر مساربه الخفية والدقيقة جداً. والنص لذا ( ليس ذاتاً مستقلة أو مادة موحدة ولكنه سلسلة من العلاقات مع نصوص أخرى (14) ). وفي هذه العملية المتفاعلة يبرز الموروث في حالة تهيج – كما يقول ليتش-.
إذاً ليست المسألة عملية واعية ولا هي احتذاء أو مجاراة، وإنما هي عمق من ذلك وأبلغ بما أنها فعل حتمي ذو طبيعة تلقائية لا شعورية، وهي فعل نصوصي وليست فعلاً بشرياً، أي أن الكاتب ليس في حالة حضور وتقرير، بل الحضور والفعل هو للنص (وحده) مع النصوص الأخرى السابقة عليه.
أما وقد عرفنا ذاك وتوثقنا منه فإننا في النصين معاً، وقد شاطرهما التداخل وسبقهما نص للمسيب بن علس ( خال الأعشى) عن الدرة والغواص منه قوله:
كجمانة البحري جاء بها
غواصها من لجة البحر(15)
ولكننا سنكتفي بنص الأعشى لإقامة دلالات التداخل والتي تبدأ في الدرة الزهراء يقابلها اللؤلؤة السمراء. وفيها نلاحظ أن الدلالة تحولت من ( الدرة) إلى ( اللؤلؤة) ومن (الزهراء) إلى ( السمراء). والدرة هي ( اللؤلؤة العظيمة الكبيرة(16)). أي أنها بعض اللؤلؤ وليست كله، فهي لا تشمل كافة مافي اللؤلؤ ة وإنما هي ما كبر وعظم فقط. فإذا تحولت الإشارة من الدرة إلى اللؤلؤة فذاك توسيع لمجال الدلالة وإطلاق لمداها مما يجعلها أشمل وأجمع.
ثم إن الدرة عند الأعشى جاءت مشبها بها بواسطة أداة التشبيه (كأن) فهي لذا جزء منفصل عن المرأة ومستقل عنها، أما اللؤلؤة عند القصيبي فهي تجسيد دلالي مباشر ومتحد مع مدلوله إلى حد الحلول محله والتحرك منه إلى كل مايمكن أن تشير إليه الدلالة بإطلاقه الحر.
كما أن درة الأعشى نكرة، بينما لؤلؤة القصيبي تعرفت من خلال امتلاك الشاعر لها عبر ياء المتكلم الملتحمة بها املاء ودلالة.
أما صفة الزهراء فقد تحولت إلى السمراء، ذاك لأنها مؤنث (أزهر). وأزهر اسم من أسماء القمر ومن أسماء الثور (17). ولقد رأينا –أعلاه- أن القمر في قصيدة القصيبي هو الرجل إذ هو الموصوف بكامل الرجولة. ومن صار هذا وصفة فأنه سيستبد بصفاته ويحتكرها لنفسه ولن يكون من حق المرأة أن تكون (زهراء) فتماثله في الصفة، ولهذا أصبحت (سمراء) لا (زهراء). وكذلك صار لها من الجمل الشعرية نصف ما للرجل. أليس هو القمر وهي اللؤلؤة؟ هو في أعالي السماء وهي في أعماق البحار، فكأنها أفروديت التي جاء اسمها مشتقاً من رغوة ماء البحر – حسبما يقول هسيود (18). وحسبما تقول الأسطورة إذ إن اسمها جاء من (أفروس) بمعنى (زبد) أو ( ثبج) وقد ولدت من البحر. وعلاقة المرأة مع البحر وثبجه إذاً هي علاقة أسطورية عريقة مثلما أن القمر على اتصال أسطوري مع الرجل. ولهذا فإن الرجل تبدّى للمرأة على أنه القمر (أو البحر الذي ما انفك بالأمواج والرغبات يستعر) كما يقول القصيبي الذي يجمع أقطاب الأبعاد الأسطورية لاحتواء المرأة إما بكونه قمراً كامل الرجولة كأعظم ما يكون الرجال. وهو القمر الأسطوري، أو بكونه بحرا أسطوريا أيضاً حيث يستعر بالأمواج أو يزيد بالثبج فتخرج من زبده أفروديت أو اللؤلؤة السمراء. فإن لم يكن هذا أو ذاك فإنه سيكون (الرمل) الذي تلمع في حياته الدرر، ولن يتخلى في هذه عن سمته الأسطورية حيث الرمل مهوى الموؤودات ومقبرة الدرر التي تظل تلمع في حياته.
ونص القصيبي في هذه التمددات الدلالية يهشم دلالة الأعشى فبوسعها بعد أن تتحول موادها إلى نوى دلالية متولدة ومتحولة من داخل النص لتشبك الشعر بالأسطورة والواقع بالخيال والمجرد بالحسى فتحدث توترا شعريا مكتظا بالدلالات، ومن هنا فإنه يحتوي نص الأعشى وينبسط من فوقه ليشمل ما هو أوسع منه مثلما تحررت اللؤلؤة من قيود الدلالة المحصورة بالدرة التي هي بعض اللؤلؤ وجزء منه فصارت درة الأعشى لؤلؤة للقصيبي,
أما (غواص دارين) فقد صار (قمرا) ونهض من الأعماق إلى الأعالي. كما أن الإحالة. كما أن الإحالة إليه كانت بصفة الغياب عند الأعشى وكذا عند القصيبي فهو (يخشى) والنفس تونسه، كما أنه القمر بضمير الغائب، ولكنه يتحول إلى (أنت) عند الأعشى : (تلك التي كلفتك النفس).
فهو مخاطب مستقل عن الذات الشاعرة. أما عن القصيبي فهو يصبح (أنا) أي الذات الشاعرة نفسها. وبذا نلمس سمة التوحد والتجسد الشعري عند القسيبي في مقابل الانفصال عند الأعشى،بدءا من انفصال الدرة وتجسد اللؤلؤة وامتدادا لحال الذات انفصالا واتحادا.
كما أن الدرة صارت زهراء مرة وحدة لا أكثر، بنما اللؤلؤة تردد وصفها بالسمراء الثلاث مرات، وهذا ناتج عن حس الرغبة بملاحقة النبض الشعري للدلالة. فالقصيدة التي قامت على انفصال الدلالات وقدرتها على الاستقلال عن بعضها كفاها وصف واحد لمطلبها، وهذا ما فعله الأعشى مع درته الزهراء. أما القصيبي فقد جاء نصه مبنيا على تلاحم الدلالات وتجسدها لذا تلاحقت الصفات الموحدة: إنه القمر. و يالؤلؤتي السمراء.
وصفة السمراء للؤلؤة هي صفة ثابتة ووحيدة لم يلحق بالؤلؤة صفة غيرها مما يجعلها جزءا عضويا فيها. فهي ليست لؤلؤة فقط كما أنها ليست (لؤلؤتي) فحيب، وإنام هي (لؤلؤتي السمراء) وهذا هو شكلها وماهيتها التي لا تتحول ولا تتبدل. والسمرة هنا ليست صفة للتمييز بين لؤلؤة سمراء وأخرى غير سمراء، وإنما السمرة دلالة لأزمة جاءت لإظهار الماهية أي أنها صفة ملازمة لطبيعة الشيء الموصوف مثل قولنا البحر المائي التي لا تميز بحرا مائيا عن بحر غير مائي ولكنها تقرر ماهية الموصوف، وهذه سمة فنية كان يتميز بها هوميروس في إلياذنه، مثلما كان يفعل في وصفه لهيلانه بصفة واحدة ملازمة لها لا يريم عنها وهي: ( هيلانة ذات الحزام العميق) أو اندر وماك (ذات الذراع الأبيض) ويكرر ذلك بإخلاص كامل للصفة الواحدة (بحيث يولد فينا هذا التكرار إحساسا عميقا بالجمال، ويطلق هذا الإحساس العنان للخيال لتصور ما شاء من مواضع الفتنة والجمال) كما يقول محمد مندور (19).
وهذه سمة من سمات تحرير الدلالة وإطلاقها من خلال تعميق الإحساس بالقيمة الشعرية للصياغة، حين يصبح التكرار لأزمة يتواصل نبضها مع القصيدة فيحدث لإيقاعاً متلاحقاً تتوحد معه الدلالات، ويعلق بنفس القارئ، فيحس بإصراره وتعاقبه، ويتحول التكرار إلى هاجس مستديم يفتح آفاق التصور ويطلقها، وذاك أمر يمكن حدوثه في نص القصيبي مما يجعله إضافة يتحرك الأعشى من خلالها لينبعث من جديد حيا عبر غازي القصيبي الذي تولى استحضاره وتحريكه من خلال تداخل نصيبها مع بعضهما.
وهو تداخل يقوم على التحولات المتمددة كما لاحظنا، وكما نلمس من تحول بيت الأعشى:
قد رامها حججا مذ طر شاربه
حتى تسعسع يرجوها وقد خفقا
فالحجج التي تسعسع فيها وهرم منها بطل الأعشى تتحول إلى سنين يعيا بها القمر (الرجل / الشاعر) ثم تتمدد إلى قرون يختصر بها التاريخ – كما بر بنا- في قول القصيبي:
ورائي من سنين العمر ما يعيا بها القمر
قرون كل ثانية بها التاريخ يختصر
وإن كان بطل الأعشى قد (خفق) واضطرب من مرامه فإن القمر / الرجل عند القصيبي دخل في مواجهة مصيرية أخطر من مجرد الاضطراب:
وقدامي صحارى الموت تنتظر
وهنا يدخل (الموت) ليكون هذه المرة مصيرا للرجل، بعد أن كان سابقا من حظ المرأة، وهذا يؤسس مفارقة نموذجية عن حسين سرحان مثلما افترقت سمة السمرة من مجرد صفة للشفقة عند سرحان إلى ماهية مطلقة للمرأة عند القصيبي، وصارت اللؤلؤة السمراء تمددا حيا ونموذجا لذات اللمى.
ومن نتائج دخول الموت صرنا نجد الرجل عرضة للوهم والضعف وأمكن أن نراه شاكياً باكياً من ضعفه حتى وإن كان قمراً كامل الرجولة:
وجئت أنا
وفي أهدابي الضجر
وفي أظفاري الضجر
وفي روحي بركان ولكن ليس ينفجر ..
أأعتذر؟
عن القلب الذي مات
وحل محله حجر
فالرجل /القمر يظل بشريا وجسدا قابلا للضعف ولذا داخله الضجر ومات قلبه، وبالتالي صار:
أنا الأشياء تحتضر
إنه احتضار الأشياء كلها وهذه الأشياء –كما في النص- هي القمر والبحر والرمل والشجر والوتر، وليس لهذه الأشياء ممثلة بالرجل من مأمل إلا من خلاله المرأة/ اللؤلؤة السمراء ولذا خاطبها صادقا مخلصا مستنجدا:
أنا الأشياء تحتضر
وأنت المولد النضر
فقولي لي أنه القمر!
في هذه الجملة حضرت كافة مناحي الخطاب اللغوي من خلال الضمائر الثلاثة، المتكلم، أن ، والمخاطب: أنتِ، والغائب: إنه، و للأنا الاحتضار، بينما للأنت الولادة النضرة. أما الهو فلا وجود له إلا من خلال ( انطق) بالكلمة السحر. وهي كلمة لا تنفذ إلا من لسان اللؤلؤة السمراء. ولكن هذه السمراء جاءت خرساء لا تنطق ولذا فإن الرجل لن يكون قمراً. أي لن يكون كامل الرجولة ومن هنا جاءه الضعف والوهن وداهمه الاحتضار. وانتهت القصيدة بنذير الموات! إذا بم تنطق اللؤلؤة السمراء:
غدا_ لا تذكريه غداّ
غدا
تنادي زورقي الجزر
ويذوي مهرجان الليل..
لا طيب ولا زهر
فقولي إنه القمر!
وتطير القصيدة مع هذا الختام حاملة قدرها الناقص نتيجة لذاك الحضور الناقص حيث بدا النموذج فيها حيا ولكنه بعيد.. ومن ثم صار حاضرا شبه غائب، فالمرأة فيه قد تحقق لها (الحضور) لكنه منحة من الرجل وليس إنجازا ذاتيا، وحينما منحها الرجل هذا الحضور سلبها حق النطق في حين وهب لنفسه كامل الرجولة، ولكن كماله هذا انتقض عليه فعراه أمام الأشياء وحوله إلى رجل ضعيف يواجه الاحتضار ولا منقذ له إلا المرأة، ولكن المرأة لا تقوى على إنقاذه لأنها جاءت ضعيفة كما كان قد أراد لها. ومن هنا وقع الرجل في مأساة مصيرية صنعها لنفسه.
وبذا تكتمل صورة هذا النموذج عن المرأة/ الحياة، أو المولد النضر. حيث يتحقق لها هذا التصور النموذجي من حيث إنها واهية الحياة، بعد إن اكنت مادة للموت. وننتقل الآن إلى صورة ثالثة لنموذج المرأة الشعري.







الهوامش:
(1) احسان عباس فن الشعر 174 (دار الثقافة، بيروت 1979)
(2) عن أفكار غازي القصيبي حول الشعر ووظيفته الثانوية في حياة العمر . انظر كتابه.
(3) منشورة في جريدة (الرياض) عدد(5361) الجمعة 5/5/1403 (18/2/1983م) ص 37
(4) رينيه ويليك مفاهيم نقدية 480 (ترجمة محمد عصفور . عالم المعرفة .الكويت 1987)
(5) هذا هو مفهومها عند كليانث بروكس .انظر السابق ص 475
(6) الأخطل ديوانه2/719(صنعة السكري، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة. دار الأفاق الجديدة بيروت 1979م)
(7) عمر بن أبي ربيعة ديوانه 103 (شرح محمد محيي الدين عبدالحميد .المكتبة التجارية الكبرى .القاهرة.1952م)
(8) السابق 143
(9) علي البطل الصورة في الشعر العربي 183.44
(10) السابق 44
(11) احمد كمال زكي الأساطير _دراسة حضارية مقارنة _104 ( دار العودة بيروت 1979م)
(12) الأعشى ديوانه 367 ( شرح الدكتور محمد محمد حسين الناشر (؟)1950)
(13) هذا هو تعريف شولز راجع عبدالله الغذامي الخطيئة والتكفير 320 النادي الأدبي _ جدة 1405هـ
(14) السابق 321 عن ليتش
(15) اشار إلية الدكتور محمد محمد حسين في تحقيقه لديوان الأعشى ص 364
(16) المعجم الوسيط مادة (درر)- ( أخرجه الدكتور ابراهيم انيس واخرون مجمع اللغة العربية . القاهرة 1972م)
(17) القاموس المحيط مادة (ز هــ ر)
(18) نفلا عن لويس عوض: نصوص النقد الأدبي _ اليونان_1/224 (دار المعارف القاهرة 1965م)وعن التطور الاسطوري للدرة والمرأة انظر : علي البطل : الصورة في الشعر العربي 77.
(19) عن هذا وعن وصفات الماهية انظر : محمد مندور :الأدب ومذاهبة 25_27 ( مكتبة نهضة مصر . القاهرة . دون تاريخ )





أغنية في ليل استوائي
* فقولي إنه القمر!
أو البحر الذي ما انفك بالأمواج..
والرغبات يستعر
أو الرمل الذي تلمع
في حباته الدرر
لجوز الهند رائحة
كما لا يعرف الثمر
فقولي إنه الشجر!
وفي الغابة موسيقى
طبول تنتشي ألما
وعرس ملؤه الكدر
فقولي إنه الوتر
أيا لؤلؤتي السمراء!
يا أجمل ما أفضى له سفر
خطرتِ.. فماجت الأنداء.. والأهواء
والأشذاء .. والصور
وجئت أنا
وفي أهدابي الضجر
زفي أظفاري الضجر
وفي روحي بركان
ولكن ليس ينفجر
فيا لؤلؤتي السمراء!
ما أعجب ما يأتي به القدر
أنا الأشياء تحتضر وأنت المولد النضر
فقولي إنه القمر
***
أأعتذر
عن القلب الذي مات
وحل محله حجر؟
عن الطهر الذي غاض
فلم يلمح له أثر؟
وقولي : كيف أعتذر؟
وهل تدرين ما الكلمات؟
زيف كاذب أشر
به تتحجب الشهوات..





و يستعبد البشر 
.. فقو لي إنه القمر ! .
                            *
أتيتك ... 
صحبتي الأوهام .. و الأسقام .. 
و الآلام .. و الخور 
ورائي من سنين العمر .. 
ماناء به العمر 
قرون .. كل ثانية 
بها التاريخ يختصر 
وقدّامي 
صحاري الموت .. تنتظر 
فيالؤلؤتي السمراء ! كيف يطيب 
لي السمر ؟ 
و كيف أقول أشعارا
عليها يرقص السحر ؟ 
قصيدي خيره الصمت 
... فقو لي إنه القمر. ! 
                     * 
أنا ؟
! لا تسالي عنّي 
بلادي حيث لا مطر

???
شراعي الموعد الخطر 
و بحري الجمر و الشرر
و أيامي معاناة 
على الخلجان .. و الإنسان .. و الأوزان .. تنتثر 
و حسبك هذه الأنغام .. و الأنسام .. 
و الأحلام .. 
لا تبقى و لاتذر 
.. فقو لي إنه القمر 
                              *  
غدا !؟ لا تذكريه ! .. 
غدا 
تنادي زورقي الجزر 
و يذوى مهرجان الليل .. 
لا طيب و لازهر 
.. فقو لي إنه القمر  ! 
غازي القصيبي ???? م 
    ????ه
المجموعة الشعرية الكاملة _ ???
دار المسيرة _البحرين ????م  


كسر الثنائيات 
                  أدبية الأدب /أو/ وظيفته
السؤال موجه إلى الأستاذ الناقد الدكتور عبدالله الغذامي .. 
يرى الكثيرون في عطاءاتك النقدية النظرية و التطبيقية الأخيرة ( و بالتحديد محاضرتك في مهرجان أبها و كتاباتك عن محمود درويش في الرياض (1) تحولا بيّنا في تفكيرك النقدي ، بينما يبدو واضحا أن مقاربتك لقصيدة ( عابرون في زمان عابر )) لا تخرج عن مبدأ (( القراءة الشاعرية)) التي هي ، كما حددتها_ قراءة النص من خلال شفرته بناء على معطيات سياقه الفني وهي قراءة تسعى إلى جلسة حقائق التجربة الأدبية ، و إن كانت هذه القراءة لا تخلو بالضرورة من بعض مظاهر القراءة الإسقاطية و قراءة الشرح على نحو العرض الذي قدمه تودوروف كما ورد في (( الخطيئة و التفكير)) ، فالتجربة القرائية التي تعيد كتابة النص تنبثق من حصيلة ثقافية و اجتماعية و نفسية تتلاقى مع نص هو نظيرها في 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
                            
(1)إشارة إلى محاضرة ( أدبنا العربي إلى اين ) ملتقى أبها الثقافي  ?/?/???? اما المقالات عن درويش فهي المنشورة في هذا الكتاب .


تكوينه الحضاري و الشمولي حيث تظل اللحظة التاريخية تشكل الخلفية الأساسية للنص و القراءة على حد سواء حتى بعد افتراض موت المؤلف ، و من ثم فإن الانطباعية التي توميء إليها قاعدة أو مبدأ التوازن الانعكاسي (( و ذلك مهما قيل عن ارتكازه على ظواهر موضوعية )) مدخلا لفهم النص (أو مقاربته إن شئت ) ، من هنا كان إبداعك  النقدي الأخير منسجما مع مقولة البحث عن عناصر الغياب في النص ، وهو غياب متفاوت في مدى حضوره النصي (إذا صح التعبير ) ، وفي مدى الرغبة عند الملتقى لتمثله و ادعاء القبض عليه أو مطاردته . 
أرجو ان تتفضل بتوضيح ماقد يشكل على المتلقي لجهودك النقدية الثرية من فهم لطبيعة الطرح الذي مُثل في محاضرة أبها، حيث يفهم أنك قد عدلت عن مبدأ ((أدبية الأديب)) أو ((نظرية القراءة)) كما بسطتها في كتابك ((الخطيئة و التكفير)) ، وهل أحدثت الحوارات المستفيضة التي أثرتها بهذا الكتاب شيئا من التحول في نظرتك إلى دور العمل الأدبي أو طبيعته ، علما بأنني أرى أن مبدأ الإشارة العائم يصلح تفسيرا لكل التحولات و التطورات ، فهل هو كذلك فِعلا ؟ مع خالص شكري و تقديري . 
محمد الشنطي3


عبدالله محمد الغذامي 
إلى الدكتور  محمد صالح الشنطي 
و إلى الأستاذ حسين بافقيه4
* و ما زال في الدرب درب ... 
لنمشي و نمشي 
إلى أين تأخذني الأسئلة
أنا من هنا
أنا من هناك ...
سأرمي كثيراً من الورد قبل الوصول 
إلى وردة في الجليل)) 
محمود درويش
كنت أهم بالكتابة عن مقالة الأستاذ حسين بافقيه التي حاور فيها محاضرتي بأبها ( أدبنا العربي إلى أين ؟!) و بينما أنا في هذا الصدد إذا بالصديق الدكتور محمد صالح الشنطي يداخلني بملحوظته ( و ليس سؤاله ) الهامة.  و لكي أضع الأمر في إطاره فإني أحيل إلى مقالة بافقيه في عكاظ ????/??/??ه،  و التي فيها يطرح وجهه نظر  تميل إلى تأكيد ( أدبية الأدب) في مقابل مضمونيته . و قد أقول إنها تميل إلى ( إعادة) تأكيد هذه الأدبية. و هي إعادة للتأكيد لأن القول بأدبية الأدب لم يعد أمراً يحتمل الجدل و اختلاف وجهات النظر . و الذين ما زالوا يترددون حول هذه 


المسألة هم الذين ناموا على آذانهم وفاتهم إدراك حقائق الجدل النظري الحديث . و من هنا فإنني أقرر مع الزكتور محمد الشنطي ومع الأستاذ حسين بافقيه أن الأدب هو نشاط جمالي أدبي ، و لا تتحقق له صفة الأدب و سماته إلا من خلال الأدبية بكل شروطها الجمالية بدءا من البلاغيات العريقة إلى الأسلوبيات الحديثة . وهي جماليات جرى الاصطلاح الحديث على وصفها بالشاعرية. و هذه مسألة من المسائل الأولية بوصفها أحد المبادئ الأساسية في نظرية الأدب . 
و لكننا هنا وبعد أن قررنا ذلك نأتي إلى مواجهة سافرة مع المبدأ ذاته .ذاك لأن مفهوم ( أدبية الأدب) هو مفهوم نصوصي يدخل في منظومة الفكر النصوصي الحديث . وهي منظومة تقوم على أسس و ركائز واضحة ، و من هذه الركائز أن النص الأدبي يقوم على ( بنية ذات نظام) و هذه البنية لا تتكون من شكل فقط و لا من مضمون فقط و لكنها تتكون منهما معاً .و النظام في هذه البنية يقوم على حركة العلاقات البنية ما بين الدال و المدلول من جهة و ما بين الدوال مع بعضها البعض من جهة أخرى . و من خلال هذه العلاقات يأخذ (الشكل) بالتحول و للتولد و يتم إفراز المضمون الذي هو الدلالة الناتجة عن ذلك التفاعل . وهو تفاعل لا يتم إلا من حركة العلاقات مما يعني أن الأشياء و العناصر لا تتأتي قيمتها من سمة جوهرية فيها و لكن من خلال دخولها في علاقات من نوع ما. و هذه العلاقات بنوعيتها هي التي تحدد نوعية الناتج الدلالي مما يعني أن المضمون دائماً متحرك و متغير و غير ثابت و لكنه نتاج قابل دائم للإنتاج و إعاده الإنتاج وهو إذاً غياب بينما الشكل حضور و ثبات ووجود. 
تلك هي حال ( البنية ذات النظام) و الأدب هو كذلك. و بالتالي فإن
(أدبية الأدب) لابد أن تكون بنية ذات نظام . و ذلك لكي لا تكون فكرة هلامية غير قابلة للتشخيص . 
و إذا اشترطنا فيها ذلك ، أو افترضناه ،  فهذا معناه أننا نحكَّم فيها ماسبق أن وضعناه من شرط على مفهوم البنية وهو أن قيمتها ليست في جوهرها و لكنها في ما تؤسسه من ( علاقات) ، وعي هنا علاقات  ( مابعدية) أي فيها تدخل فيه من فعل و تأثير و تفاعل مع سواها من  الأبنية الذهنية و النفسية و الاجتماعية و الحضارية. و الأدب -هنا-سيكون بنية جمالية ( شاعرية) تدخل في علاقات تفاعلية مع الحياة .و من هنا يتسنى لنا كسر واحدة من الثنائيات العنيدة مابين أدبية الأدب  أو وظيفيته وهي ثنائية ظلت في حالة تعارض و تقاطع على مدى  زمن الجدل  النظري القديم و الحديث ، مما أفرز تلك المقولة الغبية عن كون الفن للفن و للحياة معاً وفي آن واحد .  وهذا لا يجعلنا نتنازل عن جماليات الأدب و لاعن أدبيته. بل أننا نؤكدها ونصر عليها و لا مجال عندنا البتة للتساؤل حول هذه المسألة. و لكننا نقول إن  الأدب - وهو أدب- ليس بنية ذات نظام ، ونظامها هذا يؤسس لها وظيفة إنسانية من خلال فعلها المؤثر . 
فالأدب هو فيما يحدثه من أثر و ما يؤسسه من انفعال و هذه هي الجمالية.  ومنها و بها يكون للأدب دور في الفعل الإنساني من جهة العلاقة المتولدة ما بين اللغة و الإنسان و العلاقة المتوالدة ما بين اللغة و اللغة ( أى النص و النصوص الأخرى ، على مبدأ تداخل النصوص) . وهذا يدخل النص الأدبي في منظومة من العلاقات المتداخلة مع اللغة و الانسان و الأمة بأكملها في ماضيها و مستقبلها. 
وهذا هو ما كنت أعنيه بالجمّالية الوظيفية . وهي 
ليست مسألة خيار بين الأدبية و النفعية ، و لكنها تأكيد للأدبية من باب  إدخالها في طور الوظيفة الفاعلة . مما يجعلني على قدر من الوضوح مع نفسي في أن ما كنا نفعله -جميعاً- على مدى السنوات الخمس الماضية هو تأسيس لمرحلة آتية من الفعل الإبداعي من الممكن أن نسميها مرحلة مابعد الحداثة .
و لن يفوتني أن أسجل باعتزاز منتش أن ما أوصلني إلى هذا الوضوح النظري هو الانتفاضة الفلسطينية المباركة ، هذه الانتفاضة التي عم  أثرها حتى بلغ أعماق نفوسنا فجعلنا نتغير من الداخل  و ننتفض من داخل أرواحنا لنحاول اكتشاف ماعندنا و تطويره لكي يكون أداه للفعل و التأثير . و الانتفاضة -هنا- هي أعظم نص كتبه الإنسان العربي المعاصر . إنه نص جميل و فاعل أفلا يكون بمقدورنا أن نجعل لغتنا مثل حجارتنا جميلة و فاعلة . هذه هي مرحلة مابعد الحداثة . 
و للدكتور الشنطي خالص تقديري على سؤاله التوضيحي و أقول التوضيحي لأنه طرح القضية و الحل في مقولة واحدة ، و كذا أشير إلى الأستاذ حسين بافقيه الذي عزز مقولتي بمعارضتها من دون مقاطعتها و نحن ثلاثتنا _أولا و أخيرا_ في خندق واحد . و التوفيق بيد الله له الجلال و الإكرام . 
عبدالله محمد الغذامي 
الرياض ????/?/?? ه

??2
ذاكرة الخصوبة و الحب
" تذكري  :
أن الجرح عندما يتعب من البكاء 
يبدأ في الغناء 
أن اليأس في سبيل الإنسان 
أعلى مدارج الأمل  " 
غازي القصيبي
الترابية ، منيرة الغدير : 
                                   
" الترابية" قصة قصيرة لمنيرة الغدير نشرت هنا في جريدة الرياض في ?? رمضان ????ه ، و لقد فاتني أن أقرأ القصة يوم نشرها و كان من الممكن أن تمر دون أن أراها ، و لكن مهاتفة من الأستاذ سعد الحميدين لفتت نظري و جعلتني أتدارك الأمر و ذلك أن سعدا سألني عن رأيي في القصة ، فقلت له إنني لم أقرأها ووعدته أن أعود للجريدة و أقف على القصة . 





163
أما لماذا لم أقرأها منذ البداية ، فالسبب أنني مازلت أحرص على سلامتي العقلية و الذوقية من عواقب قراءاتي المتتابعة لأعمال قصصية في جرائدنا ، لا أقول إنها تصيبنا بالغثيان ، و لكن أقول إنها تفسد عقولنا و أذواقنا و تفسد حيواتنا مثلما تصيبنا بخيبة الأمل و تخيفنا على مستقبل أبنائنا و ذائقتهم الكرتونية ، و لذا فإنني حرّمت على نفسي قراءة الفاسد و التافه لكي لا يمتليء جوفي بهذا القيح - كما ورد في الأثر الشريف -و لكي لا يمتليء إنائي منه ، و العرب تقول : كل إناء بما فيه ينضح . ولكن أحمد الله أن منيرة الغدير ليست من هذا النوع و إنما هي علاج ناجع ضد ذلك الترهل و الفساد و أراني هنا ميالا إلى لفت نظر الناقد عابد خزاندر إلى قصة ( الترابية ) ، و لابد أنه قد مرّ عليها دون أن يقرأها ، فهو مثلي يحرص على انتقاء ما يدخل إلى رأسه و يخاف من الفاسد و المترهل ،و لكن هذه القصة مادة أدبية راقية و لسوف تكون شاهداً على كثير من مقولات عابد حول ( تداخل النصوص ) وحول الكتابة عن اللغة و عن الذات و عن الزمن الضائع و اللغة الصامتة . و لعلنا أنا و عابد نحتفل بالترابية مثلما احتفلنا بلؤلؤة القصيبي . 
على أنني أعلن منذ البدء أن قصة ( الترابية ) نص من تلك النصوص المفتوحة متعددة الوجوة و القراءات و التأويلات . وهي _عندي_تحتاج إلى كتاب كامل لأنها تفتح للغة آفاقا إنسانية رحبة ، و درجات التداخل فيها تصل إلى حدود من التركيب و التعقيب ( نقيض التبسيط ) تجعلها  تتمرد على كب محاولة للحصر و الضبط  . و هي من ذلك النوع من الكتابة التي تؤسس مجالا للتفكير النظري و التبصر التأملي بحيث إنها تكون بمثابة المشروع الفكري و العلامة الشرود و الدال العائم . إنها نص للنقد
و ليست عملا للقراءة  . إنها مادة للتعب ، و ليست سلوة و استرخاء و تمددا . إنها أشبة ماتكون بساراسين التي جعلت رولان بارت يكتب مائتي صفحة عن قصة من عشرين صفحة (انظر الخطيئة و التكفير??-?? ) و على من أذهله ذلك أن يتذكر أن ابن قيم  الجوزية كتب ألف صفحة عن آيتين من آيات الله و انظر كتابه ( مدارج السالكين في منازل إياك نعبد و إياك نستعين ) . و إني لأشعر أنني بحاجة إلى كتاب عن ( الترابية ) و كتاب عن ( ديوان العروي ).
وكم أتمنى أن لو فعلت ، و ستظل هذه رغبة تبقى مع غيرها من رغبات النفس مستكينة لتوفيق الله سبحانه و تقديره ، و مافي اليد الآن هو كتابة مقال تدشيني يرضى بعض مافي النفس و الباقي له زمنه و ظروفه و دواعيه .
                        ***  
و قصة الترابية هي حكاية ( ذاكرة ) تغادر المكان و الزمان بعد ان تتخلص من شروط الوقت و شروط الحيز . و الذاكرة بطبيعتها هي أنثى ذات وجود عائم و لهذا الوجود شروطه الخاصة به . فالذاكرة علامة على الإرادة الرغبة وهي في الوقت ذاته نقيض لهما . إننا كبشر نتذكر مانريد و نحاول نسيان ما لانريد ، و نحن نملي هذه الرغبة على ذاكرتنا و لكن الذاكرة تتصرف بطريقة تخالف إرادتنا و تتفق معها في وقت واحد . إن الذاكرة نشاط فطري تلقائي يجارينا و يؤالفنا و لكن لا ينصاع لنفس المنطق الذي نريده لأنفسنا . و من منا يستطيع السيطرة على ذاكرته ؟! إننا نود دائماً تذكر بعض الأسماء و بعض الوجوة و بعض الأحداث ، و لكننا لا نجدها عيانا على صفحة الذاكرة . و هذا لا يعني أنها ممحوة من ذاكرتنا ، ولكنه فقط يعني أن هذي الذاكرة لا تستجيب لنا إلا بشروط تخصها هي وتجاري مزاجها الخاص في العطاء أو المنع , وعلامة ذلك أننا إذا بذلنا جهدا في الاستدعاء والاستحضار أو بالعودة على شاهد مكتوب أو استعنا بصديق يلملم خيوط الذكرى فإننا حينئذٍ نجبر ذاكرتنا على الحضور والاستحضار . ولهذا الموقف ما يناقضه تمام المناقضة إذ قد نرغب في عدم التذكر , ولكن الذاكرة تواصل مدنا بما لا نرغب فيه .
وهذي هي حكاية ( الترابية ) إنها ( الذاكرة ) هذي الأنثى العجيبة التي تفر من صاحبتها وتتحول إلى كائن حي يحمل ذاكرة أخرى هي ذاكرة الذاكرة , ولكن ما الذي يجعل هذي الأنثى الذاكرة تفر من مكانها ومن زمانها ؟ هذا هو سؤال النص أولا وهو أطروحة النص ثانيا. نحن لا نفر من الزمان والمكان إلا من باب إدانتهما وإعلان عدم صلاحهما هذه الذاكرة الرملية .
والقصة تشير إلى أن هذي الذاكرة الحية قديمة جدا وعريقة في قدمها وهو تاريخ يبلغ حدا أسطوريا ذا ملامح شعبية فهي تقول عنها:
( كانت تقف داخل بيت طيني كبير, لكن جدرانه تداعت بشكل مفاجئ , وظهر شارع أسفلتي , ثم رأيتها داخل قلعة بحرية حولها عشرات من طيور الماء المذبوحة وشباك جافة إلا من ذكرى قديمة لزبد عتيق ).
في هذا المقطع نتعرف على ( ذاكرة ) ليست بغريبة علينا في البداية تلك التي تداعت جدران الطين من حواليها وفاجأها شارع الزفت . تلك ذاكرة نعرفها ولقد شهدنا مأساتها و لمسناها , ولكن هذه ( الذاكرة ) تحيلنا إلى جيل سابق حيث الذاكرة الأم في القلعة البحرية وحولها الطيور المائية المذبوحة ,وهذه ذاكرة أسطورية لا نعيها نحن ولم نشهد كارثة الطيور من حولها . لقد كان لزاما على الذاكرة أن تنفصل عنا وعن شروطنا الظرفية لكي تكون قادرة على تصور ذاتها في شريط تاريخها السلالي الممتد , وهو شريط يمتد ويمتد إلى أن يوجد لهذي الذاكرة ذكرى خاصة بها وهي ( ذكرى قديمة لزبد عتيق ) حيث تدخل الذاكرة إلى أعماق زمنها الأسطوري السحيق في مواجهة ( أفروديت ) الرمز العتيق للخصوبة والجمال والحب , وهو اسم مشتق من ( أفروس ) بمعنى زبد أو ثبج وهو زبد البحر الذي خرجت منه تلك الأنثى الرمز . هذا تاريخ رمزي لا نملكه نحن ولا نعرفه , ولكن ( الذاكرة ) البطلة تهرب منا لتعيده إلينا على صورته (المجازية ) التخييلية . ولاريب أن المجاز هو الأصل وكما يقول التشريحيون ( في البدء كان المجاز ) , وكل بدء هو بالضرورة مآل حسب سنة الله في عباده الذي سن لنا وفرض علينا العودة الكبرى * إنا لله وإنا إليه راجعون *. نحن له ونحن عائدون إلية . والذاكرة هنا أخذت خطها الطويل في العودة هاربة من الحاضر إلى زمن الطين ومن ثم إلى زمن الماء والبحر ومن بعده إلى رمز الزبد العتيق.
عادت تبحث عن الخصوبة والماء والحب. ولكن هذه الذاكرة ليست رمزا هلاميا إنها صورة يعرفها كل واحد منا وكأنها جزء منه أو هو بالأحرى جزء منها إنها:
( امرأة سمراء جذابة , غامضة .. هي امرأة انبسطت فيها التجربة على شكل غير معتاد .. امرأة احتضنت ليالي من التمزق أنجبت وبكت وارتدت الفراق وفي وجهها رغبة ومجد غائب ).


من منا يستطيع التنكر لهذه الصفات ؟ إنها صفات نعرفها في كل واحد منا وممن عرفنا من حولنا .. ألا نعرف السمراء الجذابة الغامضة ؟! ألا نعرف التي انبسطت عليها التجربة على شكل غير معتاد ؟!! أليست هي من احتضن ليالي التمزق ؟! أليست هي من أنجب وبكى ؟! ثم أخيرا أخذت الفراق رداءً لها وغادرت المكان والزمان ومنها الرغبة والمجد الضائع ؟!.
لقد غادرت لتبحث عن نفسها في الطين وفي البحر وفي الزبد : في التاريخ . إن مكانها هو في الماضي حيث المجد الغائب ولقد غادرتنا إليه .
ومن هي هذه الذاكرة ؟
إنها صاحبة التيجان البيضاء :
( تيجان بيضاء مختلفة تفاصيلها وبينها تاج أسود كأنه قبعة امرأة بقيت من عصر قديم ).
هذه الذاكرة صاحبة المجد والتيجان تفضي إلى منح القاصة واحدا من هذه التيجان:
( تلمس تيجانها المصفوفة , أشعر أن يدها تعرف قصة كل تاج , تعرف إن كان ذكرى زغرودة أم جرح منحتني أحدها وضعته فوق رأسي .. تململت أخذته ووضعته بهدوء فوق الرف , ثم وضعت آخر فوق رأسي ).
هذا مقطع له أهمية مصيرية للنص . فالمرأة صاحبة التيجان هي (الذاكرة ) المهاجرة نحو الماضي والخصوبة , ولكنها حينما رأت ( الكاتبة ) دخلت معها في ( حجرة خالية إلا من جسدي شبحين انفصلا عن تاريخ المدينة وناسها ).
ومن هذا الانفصال يحدث الدخول , لقد انفصلت المرأتان عن العالم ولكنهما دخلتا في بعضهما ( امرأة تحلق داخل رأس امرأة )ومن هذا الدخول والتحليق ( تنهمر تواريخ مدخرة تقطر نسيانا على لا مبالاة ) وهما معا ( ذاكرتان تستبدلان الأمكنة ) حيث تتحول المرأة الحقيقية إلى أنثى مجازية : ذاكرة , وتتحول الذاكرة
إلى امرأة وهنا يحدث النص .
( أشارت إلي بذاكرتها.. استقبلت لغتها الصامتة , جاءني التذكر أو هو التخيل أو خلق اللغة , أو الاستماع إلى سرد ذاكرتها داخل ذاكرتي ,.. .. كأنها منامات تزورني وأنا نصف نائمة ).
في هذا المقطع ترجمة لحركة إهداء التاج حيث تقوم الذاكرة بإهداء إحدى التيجان إلى الكاتبة فتمنحها بذلك اللغة والتخيل ويكون النص . ولو لم تحدث عملية الاهداء تلك لما كان النص ذاك لأن التاج هو مفتاح اللغة هو الكلمة البدء وهو الخيال واللغة الصامتة . إنه حركة الذاكرة على اليد .
ولقد أشار النص إلى أن اليد قد أخذت في تلمس التيجان وهي يد تعرف كل تاج وتعرض قصته , وأشار النص إلى اليد كفاعل مع التيجان هي رمز لتحول الذاكرة من حالة الهيام إلى القلم والكتابة التي كانت اليد رمزا لهما مثلما كان التاج رمزا للغة ولعودة الذاكرة للحديث عن معضلتها
مع الظرف الانساني الحاضر . ولقد قامت الذاكرة بتحميل الكاتبة مسئولية الإفصاح عن مأساة ذات المجد الغائب وصاحبة التيجان المخزونة في النسيان . ولكن الكاتبة وهي تستجيب لمسئوليات الأمانة المعروضة عليها لا تأخذ الأمر كما ألقي إليها بتسليم مطلق , إنها ترد التاج وتستبدله بتاج آخر وهو من اختيارها هي وليس مفروضا عليها مما يجعل النص صوتا للذات الكاتبة مثلما هو استجابة للذاكرة ذات الرغبة والمجد الغائب . وبما أنه كذلك فإن الكاتبة تتساءل في نهاية النص عن التاج.
( تساءلت : أهو لي ؟
لم تجب ، لم تحرك شفتيها , لكنها وخزتني بإحساس عميق بأنه لي , نظرت إلى وجهي في المرآة .
التاج الأبيض فوق رأسي , وخصلات شعري تترنح بإهمال . وجهي أمامي في المرآة
انتفض , أدعك عيني : كأن ما مر حلم ).
لا يا سيدتي , التاج الأبيض ليس لك إنه للتاريخ , للظرف المجيد , ولقد امتنعت الذاكرة عن الإجابة على سؤالك تاركة للنص مسئولية حمل الأمانة وحمل التاج الأبيض إلى حين عودة الذاكرة وعودة التاريخ , وإلى حين حضور ( رفيقتك الرملية والتذكر السحري )
****
إلى هنا وأقف مجبرا نفسي على الوقوف , ذاك أن مقالا واحدا لا يمكن أن يفي هذه القصة حقها . إنها قصة تحتاج إلى كتاب كامل يسبح مع تجلياتها , ولكنني أردت بهذا المقال لفت أنظار القراء إلى هذا النص البديع وإني أقترح على الجميع العودة إلى جريدة الرياض يوم الخميس 10 رمضان 1410ه لكي يقفوا على نص يستحق الوقوف والتعب والتأمل , وليس لي على هذا النص إلا الإعجاب الجم لولا ملاحظة واحدة تمس هذه الظاهرة الإنشائية التي سادت أخيرا في القصة القصيرة بعامة وهي تجاهل أدوات الربط كحروف العطف والأدوات المساعدة مثل ربما , حيث , لأن .. إلخ وهي أدوات تقيم التماسك والتساوق في النص العربي على خلاف ما هو حادث في الانجليزية حيث الروابط هناك تتم بشكل ضمني فيما بين الجمل . أما في العربية فإن الروابط ضرورية وهي جزء أساس في بناء النص , ولعل الكاتبة منيرة الغدير تلاحظ ذلك فهي كاتبة متمكنة من أداتها الفنية وتملك حاسة أدبية راقية جدا , ومقدرتها على التكنيك القصصي والتدخل السردي تجعل نصها نموذجا للنص الكتابي الحديث في مقابل النص القرائي التقليدي .
الرياض 10/10/1410ه


ديك البحر
احتفالية الإيقاع
يقول روسو (إن المسرح يطهر الأهواء التي ليست عندنا ويهيج الأهواء التي عندنا)^ (1) , وذلك في رأي له حول مفهوم ( التطهير ) الأرسطي في المسرح ,حيث صارت الملاحظات النقدية تشير إلى أن علاقة الفنون بفكرة (التطهير ) ليست سوى علاقة خداعة , فآلام فرتر أنقذت مؤلفها جوته من الانتحار ولكنها أدت إلى انتحار الكثيرين من قرائها , وهذا ليس تطهيرا للنفس من عواطفها الهائجة , ولكنه استنهاض لهذه العواطف المبيتة .
وأكاد أقول إن مسرحية ( ديك البحر لراشد الشمراني فعلت معنا الشيء نفسه إذ أيقظت فينا ما هو كامن متربص في مسارب أحاسيسنا حول أنفسنا من جهة وما يحيط بنا من جهة أخرى والمناحي التكوينية لهذه المسرحية كثيرة جدا , ولكن أقواها فعلا معنا هو تركيبتها الإنشائية من حيث اعتمادها على (الاحتفال الإيقاعي), وهي حينما تعتمد على هذا النوع الثري من الإيقاع فإنها تتكئ على حس إنساني عميق يكفل للنص توليد الانفعال والتفاعل لدى المتلقي . ومن شأن الإيقاع أن يدفع إلى الحركة المتجاوبة ما بين الصوت الصادر والحس المستقبل .


^ ( 1 ) شارل لالو مبادئ علم الجمال ص 36 ترجمة خليل شطا , دمشق 1982م
ولقد اعتمدت المسرحية على إيقاعات متنوعة ومتداخلة , وكل واحد منها يصدر عن موروث عميق الأغوار في نفس المشاهد . وهي إيقاعات ثلاثة أولها الرقص الجيزاني , وما يملكه هذا الرقص من ثراء في الحركة واللون , ومن غموض في الدلالة , مما يجعله أشبه ما يكون بنص شعري حافل بالنصوصية والإيقاعية , وهذا عنصر استنهاض نفسي تحدثه حركات هذا الرقص تهتز به القاعة مثلما يهتز به الممثلون ويتحرك معه المشاهد متخليا بذلك عن كل شروط القيد الشخصي والاجتماعي , فكأن نفسه تتحرر من ذاتها , وتصبح حينئذ مهيأة للدخول في تجربة إبداعية تتولى النفس إنشاء علاقاتها معها , وحينما تتولى النفس البشرية إنشاء علاقاتها مع من حولها فهذا معناه الدخول في شبكة جديدة من الاتصال مع العالم , وهذا حس لا يحققه سوى ( الإيقاع الاحتفالي ) مثل الرقصات الجماعية والفنون العمومية التي تتلاشى فيها الفردية ويندمج الفرد في جماعة تحتويه وتدخله كجزء إيجابي منها يسهم في صياغتها وصياغة جماعيتها واحتفاليتها في حين أنها محتوية له وملغية لفرديته . والرقص الجيزاني يحقق درجات عالية من هذا الاندماج والتفاعل , مما يجعل المسرحية منسجمة مع نبض المشاهد ومع درجات ضغطة الحسي والعاطفي . وهذا هو مدخل المسرحية إلى المشاهد من خلال الطبول والخناجر والألوان , وهي عناصر الرقصة الجيزانية , ولكن هذه الإيقاعية ليست سوى لغة صامتة هي أشبه ما تكون بالشفرة التي تحتاج إلى من يفكها , والمشاهد كفيل بذلك والظرف يفتح له هذا المجال , لأن الإيقاع هو أرقى حالات اللغة , وبالتالي هو أصح وأدق أحوال الاتصال البشري . ومن الممكن جدا الاكتفاء به كعنصر أدائي ودلالي مكتمل الإنشائية . ونحن دائما نشاهد الرقصة الجيزانية مثلما نشاهد العرضة والمزمار وتكفينا هذه المشاهدة لأحداث الاتصال الكامل معنا إما بالاستمتاع أو بالمشاركة.
ولكننا في ( ديك البحر) أمام نص مركب ,وهو نص يطمح إلى أن يكون عملا مسرحيا مفتوحا للمشاهد مثلما هو معتمد على موروثه ولذا فإنه يدخلنا من إيقاع إلى إيقاع , من الرقص إلى الشعر , وكلاهما نص يعتمد على تعاقب الحركة والسكون وعلى رمزية الدال , وكذلك على مشاركة المتلقي في الدخول الايجابي والتفاعل. ومن هنا جاء اختيار مقطوعات من قصائد محمد الثبيتي متجاوبا مع الحس الإيقاعي الذي أدخلت المسرحية نفسها فيه . ونصوص الثبيتي تتشابه كثيرا مع الرقص الجيزاني , ذاك أن الإيقاع العروضي والتوتر النصوصي عند محمد الثبيتي هو من القوة إلى درجة تجعل النص يشتبك مع القارئ اشتباكا مهيجا ومثيرا , وقارئ الثبيتي لا يمكن أن يجد نفسه في حلٍ من النص , كما أن ثراء الدلالات عنده يدخل النص في حال الغموض المرجف مما يدفع إلى الحركة والتفاعل ومن ثم التوتر وهذه هي دوافع المشاركة الايجابية والاحتفالية أيضا .
وهذا أدخل المسرحية في استعارة شعرية تواترت مع استعارة فنية
وأسس لها سياقا متوترا حيث أصبحت متورطة مع الموروث ومتشابكة معه في رابط إيقاعي واحتفالي أقل ما يوصف به هو : التوتر والهياج .
وهذا يفتح المسرحية على عالم الإنسان ويوغلها فيه ,ومن ثم فإنها ستواجه مصيرها , إما بالإخفاق المريع إذ ستصبح مجرد نقول تجميعية ما بين الرقص والشعر , أو تفتح لها طريقا لأن تكون بواسطة توظيف الموروث الحي في عمل ابتكاري
وهنا يأتي الإيقاع الثالث , وهو ( إيقاع الدلالة ) حيث يتحقق النص بوصفه فعلا مسرحيا مهيجا , وبوصفة خطابا مفتوحا له بعدٌ ثقافي وله مدٌ احتفالي . وهذا يوجد للنص سلطانا من نوع خاص , وهو سلطان قادر على احتواء المتلقي وربطه باستدارات النص وتحولاته وذلك بعد أن تمكنت المسرحية من غزو مشاعر المتلقي من خلال إيقاعات الرقص ومداخلات القصائد , وهو فعل أثمر عن مشاهد متحفز و إلى حد ما متوتر . ومن هنا صار للنص وسائل لتوريط المشاهد ولتحويله عنصرا فاعلا مع حركة المسرحية .
ولنأخذ عنوان المسرحية كشاهد على الإيقاعية الدلالية :
ديك البحر .
ولنأخذ بالاعتبار أن ديك البحر تحول في آخر المسرحية إلى( سرطان البحر ) . وهذا الذي حدث هو المسرحية وهو النص وهو الدال الذي يمثل أمامنا ليتحدى الهدوء فينا فيستفز مشاعرنا بدلا من أن يطهرها كما يقول روسو
ذاك هو إيقاع الحركة والسكون , إيقاع التحول من إلى . وليست المسرحية سوى مشهد مرعب لهذا الانقلاب الذي يحول الحق إلى باطل ويجعل الباطل حقا .
ولكي نكشف أبعاد هذا التحول يمكننا الوقوف على هذه الإيقاعية وتأمل البعد الاحتفالي للديك في الموروث الذي تتكئ عليه المسرحية , وهي كما قلنا مسرحية جاءت تعبيرا عن الموروث وعن الانسان وارث ذلك التاريخ .
وسوف ابدأ بقصة تراثية عن الديك , وهي عن ديك اشتهر في تراثنا باسم ( ديك مزبَّد ) ( وقصته أنه كان لمزبَّد ديك قديم الصحبة نشأ في داره وعرف بجواره فأقبل عيد الأضحى ووافق من مزبَّد رقة الحال وخلو بيته من كل مير وخير , فلما أراد أن يغدو إلى المصلى أوصى امرأته بذبح الديك واتخاذ الطعام لإقامة رسم العيد , فعمدت المرأة لتمسك الديك فجعل يصيح ويثب من جدار إلى جدار , ومن دار إلى دار , حتى أسقط على هذا من الجيران لبنه, وكسر لذلك غضارة وقلب للآخر قارورة . فسألوا المرأة عن القصة في تعرضها له , فأخبرتهم , فقالوا والله ما نرضى أن يبلغ حال أبي إسحاق إلى ما نرى – وكانوا هاشميين مياسير أجوادا – فبعث بعضهم إلى داره بشاة وبعضهم بشاتين ، وأنفذ بعضهم بقرة ، وتغالوا في الإهداء حتى غصت الدار بالشياه والبقر , وذبحت المرأة ما شاءت ونصبت القدر , وسجرت التنور , وكر مزبَّد راجعا إلى منزله فرأى روائح الشواء قد امتزجت بالهواء فقال للمرأة أنى لك هذا الخير ؟ فقصت عليه قصة الديك -الثعالبي , ثمار القلوب 471).
هذه قصة من التراث أسوقها استدعاء للصورة الاحتفالية للديك في حياة كل الشعوب , وإن أي واحد منا يقرأ هذه القصة ليتذكر مباشرة






قصصا أخرى مشابهة تكون قد جرت له عيانا مع ( الديك ) مما يعني أن
الديك رمز شعبي يعيش في ذاكرة الناس مربوطا بالزهاء والألوان والفطرة
والاحتفالية ، وليس الديك سوى صورة جميلة من صور الذاكرة تجعله
جزءا من تكوينتا الثقافي والنفسي وكان عند العرب رمزا للربيع لتلون
نبات الربيع مثل تلون ريش الديك ، والذين وقفوا على ( مائة عام من
العزلة ) لماركيز يعرفون مدى الاحتفالية الشعبية في جنوب أمريكا للديك
إلى درجة أن حادثة مصارعة الديكة في بداية الرواية كانت هي النواة التي
انشطرت عنها الحكايات كلها وعنها تمخضت الرواية . وكل شعوب
العالم تحمل في نفسها رصيدا حيا وزاهيا يمثله الديك ويرمز إليه
أما مسرحية ( ديك البحر ) فقد تأسست على ( الديك ) بما إنه رمز
للربيع والعطاء وجالب للخير كما في قصة مزبد ، ولذا فإن سليمان البطل
المنتظر ( المخبوء بين خيامنا ) يذهب مغامرا إلى جوف البحر ليأتي
بصندوق في داخله ( ديك ) هو ربيع القرية وغناؤها وهو خيرها الزاهي
ويوم سليمان بالنسبة للقرية هو ( يوم خصوبتنا يوم رجولتنا يوم
فحولتنا )
وهذه الخصوبة والرجولة والفحولة - إذا ـ مخبوءة جميعها في
الصندوق . هذا هو يومهم وهذا رمزهم . ولكن ما الذي يحدث بعد
ذلك ؟ !!
يأتي أبو ساعية يلقي نظرة إلى الصندوق ويصرخ : هذا سرطان
البحر . وتصرخ القرية من ورائه سرطان البحر

سرطان البحر
سرطان البحر
سرطان البحر
ويتحول الديك إلى سرطان ، يتحول الربيع والنهاء والزهاء إلى
سرطان ، تتحول الحياة إلى مرض ويصبح الداء رمزا بديلا للقرية فينخر
السرطان في تاريخ الرجال ، ويتحول كل ماهو رمزي ودلالي إلى فراغ
ويصيب الداء ( يوم القرية ) الذي كان يوما للخصوبة والفحولة ليصبح
يوما للسرطان . ويتجمد الرمز هنا ويتلاشى حينما يتحول الديك إلى
سرطان ، ذاك لأن سرطان البحر حيوان بارد فاتر لا يملك ذاكرة ولا
يحتوي على تاريخ ، وعنده يتلاشى الإيقاع وتتهشم الاحتفالية
ولقد كانت القرية على مشارف يومها الكبير حينما كانت بين يدي
الصندوق ، وفيه الديك جاء به سليمان إليهم وكأنه خاتم سليمان ومفتاح
زمان الخصوبة والفحولة ، وكان سليمان قد أدى دوره الرمزي بإحضار
الصندوق ووضعه بين يدي الأطفال وأبو حريقة ، حيث الأطفال رمز
الآتي ، وأبو حريقة هو صوت الشعر ، صوت النص الحاضر دوما في ضمير
المسرحية ، وليس الشعر إلا رمزا للإنسان العربي ولصوته في الوجود ،
والعربي لا يدع الشعر حتى تدع الإبل الحنين كما ورد في معنى الأثر
الشر يف.
ولكن الآتي وضمير النص يتلاشيان بمجرد إشارة قاتلة من ( أبو
ساعية ) يتحول فيها الربيع إلى سرطان ، وينتهي النص في لحظة ظهور
الربيع ، فهو ربيع الموت والدمار وكان يومهم في البدء يوم احتفال وفرح حيث مناسبة ( الختان ) الكبير
السليمان البطل ، الذي تجمعت القرية كلها من أجله ومن أجل يوم ختانه
ليفرحوا به وليرقصوا على مشهد دمائه التطهيرية ، وفي غمرة بهجتهم كان
كل واحد منهم يتمنى أن لو افتدى سليهان كعربون حب وفرح ، لكي
يحققوا لأنفسهم دورا في استعادة الفحولة والخصوبة المفقودة منذ سبعة
أجيال حينا اختفى الجد السابع لسليمان ، ويتمخض الختان الى احتفالية
زاهية نتجت عن الرقص الجيزاني وأصوات أبو حريقة مرددا أشعار

« أدرمهجة الصبح
صب لنا وطنا في الكؤوس
يدير الرؤوس
وزدنا من الشاذلية
حتى تضيء السحابة
واسفح على قلل القوم قهوتك المرة المستطابة
أدرمهجة الصبح ممزوجة باللظى
وقلب مواجعنا فوق جمر الغضا
ثم هات الربابة -
هات الربابة .»
وجاءت الربابة في صندوق داخله ديك . ولكن الديك يتحول من
ديك الفحولة إلى ديك تخصي يشبه الديك الثاني عند ماركيز في حكاية
الديك المخصى ( والحكاية عبارة عن لعبة لا نهائية فيها يسأل الراوي
الحاضرين عما إذا كانوا يحبون أن يحكي لهم حكاية الديك المخصي وعندما يجيبون بنعم ، يقول لهم الراوي : إنه لم يطلب منهم أن يقولوا
نعم ، إنما سألهم عما إذا كانوا يحبون أن يروى لهم حكاية الديك المخصي
وعندما يجيبون بلا ، يقول لهم الراوي إنه لم يطلب منهم أن يقولوا لا ، إنما
سألهم عما إذا كانوا يحبون أن يحكي لهم حكاية الديك المخصي ، وعندما
يبقون ساكتين يقول لهم الراوي إنه لم يطلب منهم أن يبقوا صامتين ، إنما
سألهم عما إذا كانوا يحبون أن يحكي لهم حكاية الديك المخصي ، ولن
يتمكن أحد من الانصراف لأن الراوي كان سيقول له إنه لم يطلب منهم
الانصراف ، إنما سألهم عما إذا كانوا يحبون أن يروى لهم حكاية الديك
المخصى ) ، هذه حكاية الديك المخصى يرويها ماركيز في ( مائة عام من
العزلة ) ، وهي حكاية تشبه مايمارسه أبو ساعية في سلطته المطلقة التي بها
يجعل الحق باطلا ومن ثم يصبح الباطل حقا بمجرد سقوط الحق الذي هو
إعلان لسيادة الباطل الذي به ظل أبو ساعية مقتدرا وقادرا على أن يصنع
من الفسيخ شربات ـ كما المثل المصري - وبالتالي فإن ديك الخصوبة
والفحولة يصاب يوم الختان بأهم مقوماته ويخصيه أبو ساعية ليتحول إلى
حيوان باردفاتر خال . من الدلالة ومن التاريخ ، ويفقد إيقاعيته واحتفاليته
وتصاب القرية كلها بالسرطان
هذه هي المسرحية مشهد مرعب للفحولة المخصية ولهزيمة الشعر
والتراث ، ولقد كان الشمراني رائعا في قدرته على توظيف اللغة الفصحى
توظيفا شفاهيا وأدائيا مما جعلها خطابا مسرحيا حيويا ، واستغل بذلك
الحس التصويري في اللغة مع ربطه ربطا إيقاعيا متناغما مع الرقص
والقصائد ، ولقد استعرضت التفاعيل العر وضية للشعر وكلها تدور
حول تفعيلتي ( فاعلن ) و ( فعولن ) وتفريعاتها ، وهي تفعيلات حركية ذات تفاوت منسجم وهو تفاوت يفضي إلى تآلف من خلال انسجامه ،
إيقاعات اللغة الفصحى المحكية في النص ، ومعظم جمل النص تتلامس
مع هذه التفعيلات ( ولن أفصل القول في هذه المسألة لأن المقام ليس
مقامها ) ، وأشيد أخيرا بقدرة الممثلين على الأداء وعلى تفاعلهم مع النص
الفصيح تفاعلا يدل على ثقافتهم الذوقية وكم هو رائع حرف ( الراء )
على لسان عادل ، وكم هو رائع أن ترى الشعر الحديث بجانب الخنجر
الراقص
لقد قلت للشمراني وقت العرض لو أنني ، رأيت هذه المسرحية في
القاهرة لقلت إنها رائعة وراقية ، وأقول الآن إنني أنظر إلى هذه المسرحية
بوصفها نقلة نوعية بها من الممكن أن نؤرخ للمسرح في بلادنا ، ونقول
لقد ابتدأ مسرحنا
.

أقول قولي هذا وأنا أعي التحولات التي مر بها النص وهي تحولات
معلنة تؤكد عنصر الاحتفالية وتشير إلى أن الشمراني رجل يهمه أن ينتج
عملا صحيحا ولذا فإنه يطلع الآخرين على مالديه ليجعلهم مشاركين في
إبداع النص. وكلامي أولا وأخيرا هو عن المسرحية بحالتها الأخيرة
كعمل منجز
ثلاث مقالات في موت المؤلف
1- في جدة : موت المؤلف / حياة المؤلف
2- لكلمة والسيف
3- رسالة في الاصطلاح

وكل ندوة وأنتم بخير
هل جربنا أن نسأل أنفسنا بعد مشوار طويل من القراءة عن علاقتنا
بالمقروء من حيث مصدره وصانعه ؟
هل تساءلنا عن علاقتنا بالمؤلف أو ناقشنا تصورنا له ؟
ربما يكون ذلك قد حدث أو يحدث لكثيرين منا باعتباره هاجسا يمر
بالنفس أوقاتا ثم يتسرب إلى مطاوي النسيان ويغيب إلى الأبد
ولقد أخذتني نفسي إلى شيء من هذا الذي يحضر ويغيب. خلفا بعده هذا
السؤال العجيب عن المؤلف وعن ماهية هذا المخلوق البعيد الذي يكتب
من أجل أن نقرأ ، وهو حينها يكتب يمارس مع نفسه لعبة من أطرف
اللعب ومن أخطرها في آن ، ذاك لأن المؤلف ـ أى مؤلف ـ يخاطب أقواما
ليسوا أمامه ، وهو يدرك ذلك تمام الإدراك ، ولذا فإنه يتعامل مع
غائبين . وهؤلاء الغائبون سوف يحضرون في لحظة من لحظات
تاريخ الكتاب القادمة ، وإدراك المؤلف لهذا الغياب ، ولذلك الحضور ، هو
مايجعله يكتب بأسلوب مختلف عن طريقة تعبيره الشفوي المباشر ، أي أن
الكتابة هنا تختلف عن المخاطبة ، وهذا الاختلاف مقصود ومتعمد يحدث
بوعي كامل من المؤلف . ومن هنا فإن الكتابة تنطوي على نوع من الغش
المتعمد ولكنه من ذلك ( الغش النافع ) كما يقول الشيخ الرئيس ابن
ومادامت الكتابة تحمل غشا من نوع ما فإن القراءة ليست سوى
استقبال وامتصاص لذلك الغش، ومن هنا فإن أى تصور لنا عن
( المؤلف ) لابد أن يكون بالضرورة تصورا مغشوشا . ولذا فإننا كثيرا
مانحس بقدر كبير من التبجيل للمؤلفين الذين لم نرهم ، أو قد نحس
برهبة وخوف شديدين لأولئك الجادين من الكتاب ، وتظل هذه الصورة
عالقة في مخيلاتنا تصنع تماثيل وهمية لبشر ربما يكونون أكثر بشرية من القراء
* * *
لقد تذكرت هذا وأنا أقف في قلب مدينة جدة الحبيبة بين أعداد النقاد
العرب الذين جاؤوا من أقطار الوطن العربي ليشرعوا في ( قراءة جديدة
لتراثنا النقدي ) في الفترة من10 ـ 14/ 4/ 1409 هـ بدعوة من النادي
الأدبي الثقافي بجدة
وهم كلهم من فئة المؤلفين ، ولكل واحد منهم اسم محفور في ذاكرة
الكتابة/ القراءة العربية الحديثة ، سواء من هو سعودي القطر أو هو من
أقطار العروبة الأخرى ، وبما أنهم مؤلفون فهم - إذا ـ من تلك الفئة
المتجسدة في الأذهان تجسدًا وهميًا، أي أنهم بلغة دي سوسير صور ذهنية
تختلف عن الواقع مثل اختلاف صورة الشجرة في أذهاننا عن حقيقتها على الأرض، أو مثل تصورنا لجزائر (واق الواق) بين ما يحمله خيالنا عن هذه الجزر وبين ما يمكن أن تكون عليه لو أننا رأيناها رأي العين ( أقول لو. ولا أدري هل تصدق الحكايات عن وجود هذه الجزر فعلاً).
أما كيف يكون هذا الافتراق بين الصورتين فلست أرى له جوابًا أحسن من قصة رواها الأستاذ علي العمير قبل سنوات وظلت القصة مطمورة في ذاكرتي حتى حرثتها لقاءات جدة.
يقول الأستاذ العمير إنه جاء في مقتبل عمره من قرية (الموسَّم) في الجنوب إلى مدينة جدة، وكان فتًى يافعًا من طلبة المعهد العلمي الذين أدمنوا القراءة وطلب المعرفة مما ولد في نفسه شغفًا بالكتب (والمؤلفين) وتعلق خاطره بالكتاب وما يمثله، وبما أن القروي الصافي الفطرة فإنه لم يكن يفرّق بين المؤلف والكتاب، واعتاد أن يجد اسم المؤلف مطبوعًا على الغلاف وعلى الصفحة الأولى بعد العنوان وبجانبه تاريخ وفاة المؤلف، هكذا كان كتاب شرح ابن عقيل وكتاب تفسير القرآن لابن كثير وديوان المتنبي وغيرهم ممن هم مثلهم من الأموات، يتساوى العرب في ذلك مع غيرهم مثل شكسبير ودانتي ممن ماتوا وشبعوا موتًا . ومن هنا فإن علي العمير قد استنتج نظرية قرائية مفادها أن كل مؤلف هو بالضرورة ميت وأن الكتاب ليس سوى أثر بعد عين، ولن يكون من الممكن وجود مؤلف حيّ جريًا على هذه القاعدة.
ولكن الصدمة تقع في جدة حينما وصل إليها هذا القروي ومعه ذاكرته
القرائية المشحونة بصورها الذهنية الخاصة عن العالم، بما في ذلك أدباء جدة أنفسهم الذين يفترض أنهم أموات أمثال العواد والأنصاري وعزيز ضياء ومحمد حسين زيدان، وهم كلهم كتاب ومؤلفون أي حسب قاعدتنا أموات، وتحدث لأديبنا الشاب مفاجأة من مفاجآت المدينة تجعله يقف وجهًا لوجه مع مؤلفين أحياء، ويأخذه الذهول مأخذا يلف رأسه وبشوش عليه، فيفسد واحدًا من أهم تصوراته الثقافية حيث اكتشف فاصلاً ما بين التأليف والموت، وهو فاصل ينسحب على الكتابة والمخاطبة والفروق بينها مثلما يشمل الفوارق ما بين الأثر والعيان والصورة الذهنية مع الواقع العيني.
هذه تجربة فطرية فذة مرّ بها علي العمير (الشيخ حاليًا) وهي تشبه تجربة ذكرها عبد الفتاح كيليطو في مقدمة كتابه (الكتابة والتناسخ) سأروي بعضها هنا لطرافتها: يقول كيليطو:
"حدث يومًا -وهذا منذ ما يزيد على عشرين سنة- أن تواجه تلميذ من السنة الأولى للثانوي، صحبة رفيقين أو ثلاثة نحو أستاذ اللغة الفرنسية عند نهاية الدرس، ليلقي عليه السؤال التالي: هل ينبغي عند قراءة كتاب (رواية) استذكار اسم المؤلف فضلاً عن الحكاية؟ ورغبة في الإفادة أجاب الأستاذ وأصغى التلميذ للإجابة الطويلة بكل عناية... لقد كان تعدد المؤلفين بالنسبة لهذا التلميذ أمرًا متعذر الفهم، ولم يستطع أن يدرك لماذا كانت الحكايات التي يقرؤها والنصوص التي يدرسها في القسم مسبوقة باسم المؤلف أو ملحقة به. وهو لم يكن ليأبه بهذا الاسم، وحتى إذا حدث أن رآه فلم يكن ليبالي به. إنه كان حديث عهد بالطفولة. ولم

تكن لعبه لتحمل اسم صانعها . كما أن الحكايات التي كان الكبار يروونها لم تكن تحمل اسما , اللهم إلا نغمة الراوي التي لمن تكن لتتبدل , ولم تطرح عليه مسألة المؤلف إلا عندما أخذ يقرأ الحكايات ( الكتابة تولّد المؤلف وتُلزم بأخذه بعين الاعتبار ) . يعتقد الطفل أن الحكايات تروى ذاتها , وأنها لا تكون في حاجة كي تصل إليه إلا لصوت الراوي أو للورقة المطبوعة . الحكاية أشبه بالأخرى مثل الماء بالماء : فهما كان النبع الذي يسيل منه فإنه ذات السائل . وقد يحدث أن يسأل الطفل عن منبع الماء , لكنه لا يتسائل أبدا عن مصدر الحكاية وأصلها . وفيما بعد , عندما يدرك أن كل نص لابد وأن يحمل اسما ينبهر . غير انه يظل يعتقد لمدة , قد تقصر وقد تطول , إن المؤلفين لا تفرضهم ضرورة . وانهم يمكن أن ينوبوا بعضهم البعض , ماداموا أداة طيعة شفافة في يد روح غامضة تسكنهم . . . أ . هـ ) .
هذه صورة واهمة من طفل ( شاب ) عربي في مغرب الوطن تتساوق مع صورة أخرى واهمة لفتى عربي في مشرق الوطن مما يحيل علاقتنا الفطرية مع الكتابة والمؤلفين إلى علاقة شاعرية خيالية واهمة , ولئن كانت جدة هي ما صدم توهمات علي العمير وهشّم قرويته فإن جدة تعمل الدور نفسه في أسبوعنا قبل الماضي حين وقف أساتذتنا محمد حسين زيدان وعزيز ضياء يرحبان بالمؤلفين ( الأحياء ) ويقصان عليهم حكايات الخاطر عن زمن مرّ علة بلادنا كان النجباء من يعرب يحلون ضيوفا على الديار فلا يعلم بهم أحد من أهل الدار هكذا جاء شكيب أرسلان وهيكل ( محمد حسين ) وأحمد أمين قبل سنين فلم يكن لوجودهم حسّ او انفعال وراحوا يرددون صوت الخيبة:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ولكن لطف الله يعم ديارنا فتنقشع الظلمة ويحل محلها بساط العلم , وتتولى الديار نفسها استقبال ثلاثة وعشرين ناقدا عربيا يستقبلهم هرم بشري يمتد أجيالا من زيدان وضياء وحسين بافقيه وازدهار بشل امتدادا وانطلاقا . ويتحلق شبابنا حول المؤلفين ( الأحياء ) يفتحون معهم الحوار والمناقشة حيث يتحول الذهول من القارئ إلى الكاتب , إذ لم يعد العجب والتعجب يصدر عن القراء حيث يكتشفون المؤلف , ولكن العكس هو ما قد حدث إذ يتعجب المؤلفون حينما اكتشفوا هذا الجيل المبهج من القراء الذين يعرفون الكاتب وماكتب ويسألون هذا الكاتب عما كتب . وكانت جدة – مرة أخرى – مصدرا للمفاجأة إذ اكتشف المؤلفون أن هناك قراء ( أحياء ) , وعاد كل مؤلف بذخيرة من الفرح تكفيه عقدا كاملا . وعدنا نحن بذخيرة من العرفان بنعمة الله علينا . وإن كان كل واحد من المشاركين قد عاد بفرحه الخاص فأنا قد عدت بفرح ماكنت أتوقع حدوثه الآن ذاك أنني وقفت وجها لوجه مع اجمل لحظات المعرفة حينما قام أحد طلابي في جدة يحاورني على المنصة ويقدم أغلى هدية تمنيتها في حياتي وهي أن أرى أحد تلاميذي يتجاوزني ويكون أستاذا لي . وحينما شرعت برد التحية عليه محاولا أن تكون أحسن من تحيته . . إذ بي أستلم ورقة من قسم السيدات تقول : حسين بافقيه ليس وحده . . ولم أسرد بقية الرسالة إذ يكفيني فرحا أن أرى جيل المعرفة في بلدنا يتمكن من الشروع في تحقيق تنمية ثقافية وطنية مخلصة
يترجمون من خلالها جهود بلادنا ونضالها من أجل تأسيس نظام تعليمي يفرز ثقافة ومعرفة حضارية بثوابتنا الإسلامية والعربية وتتحرك بها من أجل تقديم نموذج حضاري معاصر يسهم في بناء الإنسان العربي في محيطة الواسع ويسهم في تقديم حل أصيل لمعضلة هذا الإنسان في هذه المرحلة , وهذا هو المطلوب الحضاري المنتظر منا ومن بلدنا بما لها من عمق تاريخي يؤهلها لريادة معاصرة .
إن شاء الله وكل ندوة وأنتم بخير .



***








2 – موت المؤلف
الكلمة والسيف
ما زلت أشفق على كل كاتب ألزمه حظه الكتابة العمودية الملتزمة , وذلك اعتقادا مني أن الالتزام المستمر يفضي إلى استنزاف الطاقة الإنشائية لدى الكاتب إلى درجة يفقد معها ... القول ورونقه , وينتج عن هذا عزوق القراء عن متابعة الأعمدة لما يحسونه من جفاف العطاء فيها .
ولعل هذا أحد الأسباب التي تجعلني دائما أتهرب من الدخول في مأزق الالتزام المستمر في الكتابة .
وعلى الرغم من قناعتي هذه إلا أنني أجد بعض الكتاب يستطيعون إحداث درجة من التماسك ما بين الالتزام المستمر والتجدد المتدفق مما يحقق لهم درجة من ( المقروئية ) ترسخهم في ذاكرة الجمهور . ولست هنا بصدد ضرب الأمثلة والحصر ولكنني أقول هذا القول لأشير إلى ما استرعى انتباهي مؤخرا وحفزني إلى الكتابة , وهو ما لاحظته على زاوية الأستاذ محمد رضا نصر الله , المسومة بـ ( أصوات ) , وهي زاوية أخذ كاتبها برفع درجة الحرارة فيها ربما استعدادا لمواجهة فصل الشتاء . وعلامة
ذلك هو أننا قرأنا مؤخرا خمسة ردود على ماطرح في هذه الزاوية , وهذه الردود في شهادة على درجة مقروئية زاوية ( أصوات ) , وعلى مقدار تفاعل القراء مع مايرد فيها من إشارات ومعارف . ومقالي هذا هو استجابة قرائية لواحدة من تلك الزوايا . وبالتحديد هي محاورة لما ورد في كلام الأستاذ نصر الله عن الجاحظ وعلاقته بمفهوم ( موت المؤلف ) – انظر زاوية ( أصوات ) لمحمد رضا نصر الله – الرياض – 19\4\1410 هـ .
ولقد كانت إشارة الأستاذ نصر الله إلى هذه العلاقة لدى الجاحظ إشارة ذكية , وتنم عن حدس نقدي لم أملك إلا أن أتجاوب معه في هذه المقالة .
والمسألة تبدأ في موقف الجاحظ من الكتابة , ومن انتماء التأليف إلى مصدره الذي أنتجه , سواء بالسلب أو بالإيجاب .
ولا ريب عند أحد منا أن الجاحظ كاتب عظيم ومؤلف قدير . ومن علامات عظمة الجاحظ هي أنه ذو حساسية خاصة ( ومفرطة ) حول ( الكتابة والتأليف ) ولهذا فإنه حرص منذ مطلع حياته على حماية مايكتب وتحصينه ضد كل أنواع العدوان , وبالذات – في حالته – ضد الحسد والحساد .
ولهذا فإنه سعى إلى دراسة أحوال الناس من حوله حتى إذا ما أدرك مقدار ما يكنونه له من حسد راح يقطع الطريق على شرهم هذا وصان كتبه من أن تقع في مستنقع الحاسدين , ومن ثم راح يؤلف الكتب وينسبها إلى رجال انقضى زمنهم وخلفوا زكرا حسنا يشفع للكتب أن تمر عبر أزقة الحساد بسلام . وصار ينسب كتبه إلى الخليل بن أحمد وإلى ابن المقفع ويحيى بن خالد والعتّابي . وأحيانا ينسبها إلى رجل لا نعرف إلا بعض اسمه , ولا نميزه إلا بوظيفته . وهو : سلم صاحب بيت الحكمة ,
الذي جاء له ذكر في فهرس ابن النديم , إضافة الى ذكر الجاحظ له .
وليس بالأمر الصعب أن تستقرئ هذه الأسماء وماتفضي إليه من علاقات مع الكتب إذ فيها اللغوي والكاتب المنشيء والبلاغي . كما أن فيها الرجل المجهول إلى حد ما وهو صاحبنا سلم . ولعل الجاحظ قد رغب فيه لأن قلة اشتهاره بالتأليف تتيح فرصة مستقبلية للجاحظ لكي يسترد العارية . مما يعني أن الجاحظ لا يقدم على هذا العمل إلا من باب الاضطرار والإكراه .
وهو يقتل نفسه بعد معاناة فادحة يضحي بها بنفسه من أجل كتابه .
فالكتاب – هنا – عند الجاحظ أهم من المؤلف , والرسالة أهم من المرسل .
ولهذا آثر أن يصل الكتاب إلى الناس بعد أن يدور من حول الحساد والأعداء دورة تبطل سحرهم وتكيد لهم بدلا من أن يكيدوا لها .
وهذه معاناة مُرّة ذاقها الجاحظ وتجرعها على مضض . ولئن هانت عليه نفسه مرارا فإنها لن تهون عليه على الدوام.
والقضية دائما على ( الكتاب ) وليست ( المؤلف ) , فإذا ماحدث في يوم من أيام الجاحظ أن قام بكتابة كتاب رآه مادة دسمة تغرى الحساد من كل الوجوه إلى درجة أن الجاحظ نفسه يتحول إلى حاسد مماثل في مواجهة هذا الكتاب , وبالتالي فإن نفسه تأبى عليه أن ينسب الكتاب إلى الخليل بن أحمد مهما بلغت عظمة الخليل . إن الجاحظ ليحسد الخليل على هذه النسبة وهذا الشرف . بل إنه يشعر بالحسد أيضا لرجل مغمور مثل صاحبنا سلم . إن الكتاب أهم من كل هؤلاء والمؤلف صار يخاف عليه من الناس ومن نفسه , ولذا فإن الجاحظ في هذه الحالة يخرج الكتاب إلى الناس من دون اسم مؤلفه , إنه كتاب يتيم فهو بلا أب ولا ولي أمر . ولسوف يحتكم
أبو عثمان عمر والجاحظ إلى الزمن وإلى التاريخ لكي يرد له حقوقه من بين براثن الحساد والأعداء ومن ظلم النفس لصاحبها .
إنه هنا يميت المؤلف – حسب دلالات المصطلح الحديث التي أشار إليها الأستاذ نصر الله بفطنة وذكاء – والموت هنا هو ( إرجاء ) للعلاقة مابين المؤلف والكتاب بحيث يتحقق للكتاب النفاذ إلى القاريء نفاذا مباشرا لا تفسده الوسائط ولا ملابسات الظروف . ويكون استقبال الكتاب حينئذ استقبالا موضوعيا ( نصوصيا ) لا تشوبه شوائب ( الانطباعات ) ومافيها من ذاتية وآنية ومحدودية نفسية وذهنية تورث الجو العدواني الحاسد كما أدرك الجاحظ بوعي ثاقب وحس حي .
***
على أن هذا النوع من العلاقة الحساسة فيما بين المؤلف وأعماله لّما تزل طبعا من طباع البشر , ذاك لأن ( زمار الحي لا يطرب ) كما يقول المثل الشعبي , ولكي يطرب لابد له أن يتوارى عن الأنظار ويتشح بجلباب الاختفاء إلى أن يبدل الله الحال بعد أن تكون الأعمال قد وقعت في مواقعها من نفوس الناس . ومما يروى في هذا المقام ماسمعناه عن الفنان ( سيد درويش ) الذي كان في مقتبل عمره يصنع الألحان وينسبها إلى سلامة حجازي وإلى عبده الحمولي , ليضمن قبول الناس وتقبلهم لها قبولا حسنا . وفي ذلك حكم على المؤلف بالموت بمعنى إرجاء العلاقة فيما بينهما ريثما تصل الرسالة وتحقق وجودها المكتمل في نفوس مستقبليها .
***
هذا ضرب من وجوه ( موت المؤلف ) . وهناك ضرب آخر يتم فيه
إلغاء المؤلف إلغاء تاما ومن ثم إحلال مؤلف آخر محله . وهذه عملية كان الفرزدق يجيد ممارستها وتنفيذها . ولقد شهد عليه التاريخ وأثبت أنه قتل ثلاثة شعراء في ثلاثة مقامات متشابهة . وهؤلاء الشعراء هم جميل بثينة وذو الرمة والشمردل .
وتاريخ الأدب يقول لنا إن الفرزدق وقف على جميل والناس مجتمعون عليه وهو ينشد :
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا
وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
وهذا بيت رائع ومذهل فيه قوة وعنفوان . . وقد لا يتفق مع رقة وسماحة جميل , ولكنه يصلح للفرزدق ويلائم سياقه الشعري ولهذا فإن التاريخ يقول لنا إن الفرزدق ( أشرع رأسه من وراء الناس وقال لجميل أنا أحق بهذا البيت منك فقال جميل : أنشدك الله ياأبافراس . ولكن الفرزدق لم يأبه للمناشدة فمضى وانتحل البيت ) ومسح اسم جميل وقتل المؤلف , وسلطانه هنا هو الحق : أنا أحق بهذا البيت منك . إنه بيت يليق بالفرزدق ولذا أخذه عنوة وقسرا ( الأغاني مجلد 3 جـ 8 ص 188 ) .
ويبدو أن الفرزدق رجل متمرس في اصطياد ما يعجبه من الشعر وهو على استعداد لأن يقاتل من أجل هذه الهواية الحبيبة إلى نفسه . ولقد تورط ذو الرمة يوما فباح للفرزدق بسر من أسرار شعره حيث حكى أمامه قائلا : ( لقد قلت أبياتا إن لها لعروضا وإن لها لمرادا ومعنى بعيدا . قال له الفرزدق ماهي ؟ . . ) فلما سمعها الفرزدق أطلق كلمة الموت عليها : أنا أحق بها منك وذلك بأن قال لذي الرمة صراحة ومواجهة ( لاتعودن


فيها فأنا أحق بها منك قال ذو الرمة : والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبدا ) –
الأغاني م 6 جـ16 ص 111 - .
وكذا كان للفرزدق موقف مماثل مع الشمردل ولكنه في حالة الشمردل لم يستخدم كلمة الموت المعهودة . ولم يشر إلى ( حقه ) في البيت . ربما لأنه لا يعطي الشاعر مكانة تساوي زميليه السابقين ، ولذلك فإنه يهدد الشمردل قائلا له : ( يا شمردل لتتركن لي هذا البيت أو لتتركن لي عرصك فقال له خذه لا بارك الله لك فيه ) فادعاه الفرزدق وجعله ضمن قصيدة له – الأغاني م 4 جـ 12 ص 115 - .
ومن طرائف الشهادات ما جاء في شهادة كثير عزة على الفرزدق وسرقته لبيت جميل ، حيث تقابلا فقال الفرزدق موقعا نفسه في ورطة تاريخية – كعادته – ما أشعرك يا كثير في قولك :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما
تمثل لي ليلى بكل سبيل
ولعل الفرزدق كان يخطط لاختلاس هذا البيت ويوجد لنفسه اسبابا تعينه على السرقة ، وذلك أنه يلمّح ويلمز على كثير في أنه قد أختطف هذا البيت من جميل في قوله :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما
تمثل لي ليلى بكل مرقب
ولكن كثيرا كان على قدر كبير من الكيد والمراوغة يجعله يدرك ألاعيب الفرزدق ولذا أفسد عليه خطته بأن ذكره بمحادثة تماثل ما همز به ، فقال له : أنت يا فرزدق أشعر مني في قولك :
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا
وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
يشير بذلك إلى سرقته من جميل ، وهكذا تتحول كلمة ( أشعر ) لتصبح بمعنى ( أسرق ) وما أشعرك أي ما أسرقك ، وهذا صراع يجري بين فحول تجيد لغة الأخذ والرد ، لغة الفتك والقتل . لا انتصرت القوة على اللين ، وهي معادلة فات على جميل وذي الرمة والشمردل أن يدركوها فكشفوا أمر قصائدهم أمام سباع تعودت على النهب ، ولو أنهم عرفوا ما عرف الجاحظ لكانوا نسبوا قصائدهم إلى فحول يحتمون بأسمائها إلى أن يقوى عودهم وتشتد عريكتهم ويكونوا كالجاحظ أقوياء ، لكي يتسنى لهم أن يستعيدوا أشعارهم مثلما استعاد الجاحظ كتبه وأعلن حياة المؤلف بعد أن تحقق من غرض الرسالة من دون شوائب . وما ضر شاعرا مثل ذي الرمة إلا صغر سنه وسذاجة نظرته ، ولأنه لم يعرف خطر الحسد ولذا لم يحتط لنفسه - كما فعل الجاحظ – وفي ذلك يقول حماد الراوية عن ذي الرمة ( ما أخر القوم ذكره إلا لحداثة سنه وأنهم حسدوه – الأغاني م6 جـ16 ص 108 ) .



هو الحسد إذًا هذا الداء الذي عرف الجاحظ كيف يقتله فاختط لنفسه خطا ضبط به العلاقة ما بين المؤلف والنص حيث أمات المؤلف وأرجأ العلاقة إلى أن حان وقتها . ولكم كنت أود أن لو تعرضت لمفهوم ( موت الموت ) تعرضا اصطلاحيا إلا أنني لم أفعل اكتفاء بما سبق أن كتبته في كتابي ( الموقف من الحداثة ) ص 83- 93 .

وأختم القول بأن أشكر الأستاذ محمد رضا نصر الله الذي أثار في نفسي الرغبة في أن أقول شيئا هذه الأيام .
الريــــاض
5/5/1410 هــ












?- موت المؤلف
رسالة في الاصطلاح

عزيزي الدكتور خالد سليمان    حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
شكرًا على رسالتك الكريمة وما حملته من تواصل اخوي في لغتها وفي مرفقاتها . 
لقد استمتعت ببحثكم عن ( موت المؤلف ) الذي أخذ بتلابيبي ولم يدعني إلا بعد أن أتيت عليه قبل أن أغادر موقفي بجانب بريد القيم . ولعل من جوانب الجذب فيه هو رشاقة التناول وخفة المعالجة مما جعل البحث سهل الصعود هنيء النزول . وهذه ميزة صرنا نطلبها وذلك لجلافة أساليب النقد الحديث في يومنا هذا ، مما جعل الجمهور يشكو ويضج بالشكوى وصار ذلك يهدد ( مقروئية) الرسالة النقدية الحالية . وسبب آخر أغراني ببحثكم هو معالجته لمسألة مهمة جدا من مسائل النقد الحديث ، من باب ( نقد النقد ) وهذا حقل معرفي أرى أنه من أهم مايجب التصدي له -اليوم- من أجل مراجعة الذات ومحاسبة النفس ومساءلة المرحلة .
وإن كنت قد تكرمت عليّ بطلب ملاحظاتي ، فإني أرى أن الملاحظات عادة ليست سوى رؤية أخ تساير الرؤية المائلة لا لتقاطعها أو تشاغب عليها ولكن لكي تجاربها برأي آخر يهدف إلى المحاورة ، وليس إلى مزاحمة ما قد قيل . والميزة دائما للأول لأنه الفاتح ، أما التالي فإنه يسعى يوما إلى تجنب مزالق الأول فيبدو عليه ظاهريا بأنه أقرب إلى الغاية ، وماهر كذلك ولكنه يبنى على أساس قائم من قبل إقامته الرؤية الأولى فأعطته سببا للإفادة ليس إلا .
بعد هذا أقول إن مبحث ( موت المؤلف ) يأتي عندي ضمنت سؤال كلي حول ( مصير المصطلحات النقدية عندما ) من حيث تحولاتها وتطوراتها ( أو تغييراتها ) ما بين وضعها الأصلي وما بين حالها لدى كتابنا .
إني أومن بأن ليس هناك مصطلح كامل . وكل مصطلح هو بالضرورة مشروع مفتوح ، يتغير مع كل تحول يمر عليه من فرد إلى فرد ومن زمن إلى زمن ، ومن لغة إلى لغة . إن مجرد التعريب هو تحويل جذري للتاريخ الحضاري والنفسي للكلمة من عالم إلى آخر . والدلالات الإيحائية والضمنية للمفردات اللغوية سوف تعلق بالمصطلح وتحرر منه ، وربما تغيره تغيرا مصيريا . ولنقارن بين كلمة ( Deconstruction ) وتشريحية وتفكيكية ، حيث الكلمة الأجنبية كلمة منحوتة ، مخترعة ، أما الكلمات العربية فأسئلة ولذا تحملان تاريخا سابقا على الاصطلاح في حين أن الأجنبة تصنع تاريخها الخاص بها لأنها جديدة على معجم لغتها ولا يحاصرها تاريخ سابق ثم إنها تحمل فكرة النقض والبناء معا .
نقض de
ربطcon
من " البناء "struction
فكأنها فكرة ومقولة أكثر مما هي مصطلح : نقض.هيكل البناء. ( وليس نقض البناء ) .
ولئن كانت الفكرة هنا واضحة فإنها مع ( موت المؤلف ) أبعد قليلا عن غاية الوضوح , ولكني واثق أنك تدرك معي الفارق بين هذين القولين :

death of the author
موت المؤلف
إن المؤلف بالعربية تعني من يجمع بين المختلفات فيآلف فيما بينها , والموت عندنا -كمسلمين- هو مرحلة انتقالية إلى حياة أخرى .
أما المصطلح الإنجليزي ومثله الفرنسي (؟) فإنه يقدم كلمة author ذات الارتباط بـ authenticity وهو ارتباط يوحي بفكرة ( الأصالة والصدق ) . كما أن كلمة death تحمل تاريخا ذا عاطفة عنيفة حول الزواج المطلق عند المسحيين .
Till death do us part
إنه الرباط الذي لا فكاك منه , وهذا يجعل المصطلح ثورة وتمردا على تقليد قسري من التلاحم المطلق , مما يجعل مفهوم ( موت المؤلف ) في الفكر الغربي مفهوما يرتبط بالتحرر من القيود المقروضة تاريخيا ونفسيا . أما عندنا فإن الأمر لا يحمل تاريخية هذا الصراع , ولسوف يكون المصطلح أكثر هدوءا وأقرب إلى الموضوعية الجمالية الخالصة .
على أنني أسجل هنا -قبل فوات الأوان- ملاحظة أراها ذات دلالة صحيحة , وهي أن كلمة ( مؤلف ) أقرب للموضوعية من كلمة ( author ) لأنه لا وجود لذلك الذي يكتب ( أصالة وصدقا ) كما توحي الكلمة الإنجليزية وكل كاتب في الدنيا هو ( مؤلف ) أى جامع متنافرات , والإبداع ليس إيجاد للعدم , ولكنه إعادة صياغة وتأليف لما لم يؤلف من قبل . ولهذا فإن الكلمة العربية تشير إلى حقيقة الفعل الكتابي , بينما تطمح الإنجليزية إلى غاية ليست بالإمكان , ولن يتسنى قبول دلالتها إلا بتأويل ( الأصالة والصدق ) تأويلا يقربهما من معنى التأليف , ويكفي أن نرد على فكرة الصدق بفكرة الكذب في الفن وهي شرط أساس من شروط الإبداع , أقصد التأليف . ولعل كتاب الناقد عابد خزندار قد أشبع مفهوم الإبداع موتا حتى لم يعد للإبداع من وجود عنده .
بعد هذا أقول :
إن مصطلح ( موت المؤلف ) حينما يتم تعريبه يصبح مصطلحا ذا مفهوم مختلف -بالضرورة- عن حاله لدى أصحابه الذين اصطنعوه . ولهذا فإن البحث هنا يجب أن يقف على وجوه تحولات المصطلح ومن ثم تطوره إلى مفهومات جديدة -أو على الأقل : مختلفة .
وهذا الرأي مني يقف في مواجهة ظن يهدد فكرة استقلال العقل العلمي , وهذا الظن هو افتراض الالتزام بالمصطلح الأصلي مما يعني أن المستعير ليس سوى مقلد ببغاوى يجري وراء سابقيه دون أن يكون له قدرة على شق طريق خاص به حسب موقفه من المعرفة والعالم , حسب حاجته لهذه الثقافة أو تلك .
إن المؤلف لكي يكون مؤلفا هو جامع متنافرات , ولذا فإن المتنافر عند غيره يصبح متآلفا عنده , ولذا فإنه يجمع ويؤلف لنفسه منظومة اصطلاحية تخصه هو - وإن أستعار مفرداتها من مجاميع متغايرة المصادر والمشارب والأزمنة . وهذا الجمع يفضي إلى ( اختلاف ) عن الآخرين , وليس إلى ( مشاكلة ) معهم . وهذا شرط التأليف الصالح , أما إذا تشاكلت الرؤى واتفق اللاحق مع السابق فنحن حينئذ أمام حالة من التقليد العادي الذي لا عبرة فيه ولا قيمة له ولا لفاعله .
من هنا ينشأ السؤال المهم حول مصير المصطلح التقليدي عندنا وأنا أزعم أن مصطلحاتنا التي تبدو مستعارة قد آلت عندنا إلى تحولات تجعلها مختلفة , وبالتالي فهي جديدة وتعريبنا لها ليس مجرد ترجمة ولكنه تهجين وتوليد يفضي إلى مولد جديد .
إن البنيوية , والتشريحية والسيمولوجية لدى كتابنا هي ممارسات نظرية وتطبيقية فيها من الثقافة العربية أضعاف مافيها من الفرنسية والانجليزية . وربما أقول -بلا تحفظ- إن فيها من الذاتية الشخصية للمؤلف المعين أكثر مما فيها من العموميات الثقافية والتاريخية المأثورة بالوعي العام .
لنقف عند أي كاتب يؤلف فكرة بواسطة المصطلحات بدءا من الجرجاني ومصطلح النظم عنده , وهو مصطلح استعاره سابقيه , لكنه يختلف فيه عنهم . ولن يكون لنا أن نقول إن ( النظم ) لدى الباقلاني هو نفسه لدى الجرجاني . وهذا الاختلاف لا يبيح لنا أن نقول إن الخبر لم يفهم الأول أو أنه أساء استخدام المصطلح , ولكننا نقول إن للجرجاني منظومته الاصطلاحية التي تنم عنه وعن أطروحته الفكرية , وهي أطروحة لابد من استكشافها عن طريق سبر مصطلحاته من حيث إنها مختلفة عن سواه من ناحية , ومن حيث إن كل واحد منها هو جزء من بناء يخص هذا المؤلف بعينه أكثر مما يحيل إلى الآخرين من ناحية أخرى .
وكذا مصطلح ( موت المؤلف ) الذي جرى استخدامه في ثقافتنا الراهنة , وهو مصطلح لا يمكن الوقوف عليه إلا مقرونا بمفهوم ( عصر القاريء ) ومفهوم ( القاريء المنتج ) بدلا من ( القاريء المستهلك ) وهذه مفهومات يكمل بعضها بعضا ويفسره ويتسبب في قيامه . ولن يحدث إنه الرباط الذي لا فكاك منه , وهذا يجعل المصطلح ثورة يكمل بعضها بعصا ويفسره ويتسبب في قيامه . ولن يحدث القاريء المنتج الا بتراجع سلطان المؤلف على النص أو بالأحرى لابد من إزاحة الكاتب عن عمله وإحتلال القاريء محله لكي يتحرك النص بالقوة الجديدة ( الطارئة عليه )، ومن هنا يمكن للنص أن تتجدد فيه الحياة ويتأسس المرة تلو الأخرى حسب تعاقب القراءات والقراء . وهذه الحركة تحدث بالضرورة من أجل إحداث القراءة المنتجة ، وهذه هي غايتها ، أما موت المؤلف فليس سوى الوسيلة إلى ذلك . ومع هذا فإن مفهوم الموت هنا لا يعني الإزالة والفناء ، ولكنه يعني تمرحل القراءة موضوعيا من حالة الاستقبال إلى التذوق ثم إلى التفاعل وإنتاح النص . وهذا يتحقق موضوعيا بغياب المؤلف . فإذا ماتم إنتاح النص بواسطة القاريء - أو لنقل إعادة إنتاجيه من باب تلطيف العبارة - فإنه من الممكن حينئذ أن يعود المؤلف إلى النص ضيفا عليه - كما يقول بارت .

هذا معناه أن الموت هنا هو إرجاء وتعليق للعلاقة بين الكاتب ونصه ، ونحن هنا نفسر الموت حسب المفهوم الديني الذي يعني الانتقال والتحول وليس الفناء النهائي . وهو تقل للنص من دنيا الزوال إلى عالم الخلود . 
ولقد كانت علاقتي مع حمزة شحاته قائمة على مثل هذا حيث حضر عندي مرة واحدة في البداية ثم غاب مرارا إلى أن صرت إلى قراءته قراءة مفتوحة حرة ثم أخذت بإحضاره أخيرا لكي يتآلف الحضور والغياب عمدي بخاتمة تؤلف فيما بين المختلفات وتؤسس الائتلاف من الخلاف - كما يقول شيخنا عبدالقاهر -. 
على أن مصطلح ( موت المؤلف ) ليس من مصطلحات البنيوية ولكنه من مفهومات ( النصوصية ) . ولقد جاء لدى رولان بارت في مرحلة دخوله إلى النص على أنه عالم حي متحرك ومفتوح والقاريء يدخل مع النص كعاشق له ومتوله به فيغار عليه لذلك حتى من صاحبه . وهذه هي مرحلة ( النصوصية ) . ولقد جاء لدى  بارت التي صار إليها في أواخر الستينيات ( ???? م تاريخ نشر مقالة موت المؤلف ) . وهي مرحلة تتجاوز ميكانيكا النص إلى روحه وتنتقل من المعنى إلى ( معنى المعنى ) - حسب مصطلحات شيخنا - أو الدلالك الضمنية حسب رولان بارت . وبذا يكون عصر القاريء ويكون النص . 
ونأتي على تحليل ( قراءة ) كمال أبو ديب لقصيدة أبي نواس ( ياابنة الشيخ أصبحينا ) حيث اتفق معك الاتفاق كله في أنه لم يوظف مصطلح ( موت المؤلف ) في تلك القراءة المنشورة في كنابه ( جدلية الخفاء والاجلي )، بل إني أزيد وأقول إن أبا ديب لا يأخذ بهذا المبدأ أبدا في تحليلاته كلها . وأرى أنه - عادة وغالبا - يفعل نقيض ذلك حيث إنه يأخذ ( باستنطاق المؤلف ) واستحضاره داخل الكتابة وتحويله إلى شخص أو شخوص نصوصية ناطقة ، لكنها في الغالب تتكلم عم أبي ديب كأقنعة مسرحية تتحدث عن المحلل لا عن نفسها ، ولعل في عناوين كتبه ما يرمز إلى ذلك : ( الرؤى المقنعة ) و جدليه الخفاء والتجلي ) حيث لعبة الخفاء أو محاولة التخفي من وراء المؤلف ودفع المؤلف للتعبير عن هاجس المحلل ، وهذا يكون قناعا يخفي المتحدث الحقيقي ويبرز القول على لسان الشخوص النصوصية الموظفة . ولقد لمست أنت كيف وظف المحلل مفهوم ( الآخر ) وهو ( آخر ) يشير إلى المحلل أكثر مما يرمز إلى جدلية كمال أبو ديب ، وهي كتابات تنم

أن هذا الكاتب من خلال توظيف المؤلف لا إماتته ومن خلال تقويله لا تغييبه . وفي هذا الاخلال أفضى بأبي ديب إلى وصف بعض وحدات القصيدة بأنها وحدات هامشية أي غير شاعرية وغي ضرورية نصوصيا فكأنها ثرثرة زائدة وترهل خطابي ، مع أن فكرة رولان بارت حول تشبيه النص بنص البصل حيث لا لب ولا نواة ولا قلب ، ولكن الأغشية تفضي إلى أغشية مثلها وكلها مهم وضروري ، هذه فكرة تنقض ماذهب إليه أبو ديب حول هامشية تلك الوحدات . 
إن المؤلف عند أبو ديب هو مادة خارجية يتم تصنيعها ثقافيا وظرفيا لتكون قناعا قابلا للتوظيف والاستخدام حسب هوى المحلل . وهذه ممارسة تضاد فكرة موت المؤلف وتلغيها . والخلل في هذه الحالة ليس في المنهج المتبع ولكنه في إدارة المحلل ونيته . 
ولن يفوتني أن أشير إلى اتفاقي معك حول ملاحظتك المهمة عن دلالة ( الأطلال ) لدى أبي نواس من حيث إنها ( شاهد على فعل الزمن في الأشياء ، وهي شاهد على محدودية استمرار الحياة في الشيء نفسه . 
وما ذكر الأطلال ... إلا من قبيل استقراء الشاهد في المخلوق أو الموجود وليس انعكاسا لموقف الشاعر من الأطلال ) .

هذا ملمح مهم أتمنى أن لو أخذت به إلى مداه لتبرز الفعل الشعري المتجلي في الطلب النواسي ، على أنه شهادة استقراء في المائل وتخييل للغائب ، وهذه لمحة تتفق مع مفهوم ( النص / البصلة ) وتجاري مصطلح ( موت المؤلف ) وذلك من أجل استنطاق المص مباشرة ومن ثم تفسير إشاراته بناء على مفهوم ( تفسير الشعر بالشعر ) .


أخيرا أقول إن كلامي هذا ليس سوى قراءة للقراءة وماهى بالملاحظات وأنا أؤكن بأن كل قراءة هي مادة للتشريح مثلما أن النص كذلك . 
لك مني خالص التحية والمودة ، وليدم تواصلنا . والسلام . 
عبدالله محمد الغذامي 
الرياض 





































كتب أخرى للمؤلف

1-الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريعية – النادي الأدبي – جدة 1985 م.
2-تشريح النص – مقاربات تشريحية لنصوص شعرية معاصرة دار الطليعة – بيروت 1987 م.
3-الصوت القديم الجديد – دراسات في موسيقى الشعر الحديث. الهيئة المصرية العامة للكتاب،
القاهرة 1987 م طبعة أولى. طبعة ثانية: دار الأرض. الرياض 1991 م.
4-الموقف من الحداثة ومسائل أخرى -جدة 1987 م.
5-الكتابة ضد الكتابة – دار الآداب، بيروت 1991 م.
6-المشاكلة والاختلاف – معد للنشر






الفهرس
الصفحة
1 -الإهداء ...................................... 5
2-المقدمة ............................7
3-من ثقافة الهزيمة إلى ثقافة الحكمة .................. 15
4-صناعة النظرية ..........................21
5-عابرون في كلام عابر .......................32
6-إما النصر وإما النصر .............................38
7-نص قصيدة درويش (عابرون في كلام عابر) ............44
8-السلاح الجميل -1- ................47
9-السلاح الجميل -2- ................................................55
10-من الفعلي إلى الممكن ..........................62
11-النص والأثر .....................70
12-حينما كانت اللغة تتكلم ......................80
13-ثقافة الأسئلة ...................85



الصفحة
14-لكي يتكلم النقد بالعربية – النص الجسد ..............94
15-تشريح النص ...........................101
16-تداخل النصوص: النص ابن النص ......................111
17-تفسير الشعر بالشعر ..................121
18-جيش الأسئلة: عزيز ضياء وحوار حول قصيدة القصيبي .........128
19-نص قصيدة (أغنية في ليل استوائي) للقصيبي ................153
20-كسر الثنائيات .............................157
21-ذاكرة الخصوبة والحب – الترابية .....................163
22--ديك البحر-احتفالية الإيقاع ...............................172
23-موت المؤلف: في جدة موت المؤلف/حياة المؤلف ...........184
24-موت المؤلف: الكلمة والسيف ......................191
25-موت المؤلف: رسالة في الاصطلاح .....................199





















من إصدارات النادي الأدبي الثقافي بجدة
1-قمم الأولب (شعر) للأستاذ محمد حسن عواد – (نفد).
2-الساحر العظيم (شعر) للأستاذ محمد حسن عواد – (نفد).
3-عكاظ الجديدة (شعر) للأستاذ محمد حسن عواد – (نفد).
4-الشاطئ والسراة (شعر) للأستاذ محمود عارف _ ضم إلى مجموعة الشاعر الشعرية.
5-من شعر الثورة الفلسطينية (شعر) للأستاذ أحمد يوسف الريماوي (نفد).
6-أنين وحنين (شعر شعبي) للأستاذ منصور بن سلطان __ (طبع).
7-محرر الرقيق (سليمان بن عبد الملك دراسة للأستاذ محمد حسن عواد __ (نفد).
8-من وحي الرسالة الخالدة (إسلاميات) محمد على قدس __ (طبع).
9-المنتجع الفسيح (آداب وعلوم) للأستاذ محمد حسن عواد__ (نفد).
10-طبيب العائلة __ د. حسن يوسف نصيف __ (نفد).
11-مذكرات طالب (ط3) د. حسن يوسف نصيف __ (نفد).
12-شمعة على الدرب (نثر) للدكتور عارف قياسه__ (طبع).
13-أطياف العذارى __ (شعر) للشاعر الأستاذ مطلق الذيابي__ (طبع).
14-كبوات اليراع (تصويبات لغوية) للشيخ أبي تراب الظاهري__ (طبع).
15-عندما يورق الصخر (شعر)__ للأستاذ ياسر فتوى__ (طبع).
16-ورد وشوك (مطالعات) للأستاذ حسن عبد الله القرشي__ (طبع).
17-في معترك الحياة (مجموعة آراء) __ للأستاذ عبد الفتاح أبومدين__ (طبع).
18-المجموعة الشعرية للأستاذ محمد إبراهيم جدع__ (طبعت)
19-الوجيز في المبادئ السياسية في الإسلام (نظريات إسلامية) للأستاذ سعدي أبو جيب__ (طبع).
20-أوهام الكتاب (تعقبات مختلفة) __ للشيخ أبي تراب الظاهري__ (طبع).
21-على أحمد باكثير حياته وشعره الوطني والإسلامي__ دراسة للدكتور أحمد السومحي__ (طبع).
22-نغم وألم (شعر)__ الشريف منصور بن سلطان__ (طبع).
23-الكلب والحضارة (قصص من البيئة) للأستاذ عاشق الهذال__ (طبع).
24-شواهد القرآن__ للشيخ أبي تراب الظاهري__ (طبع).
25-التشكيل الصوتي في اللغة العربية__ للدكتور سلمان العاني__ (طبع).
26-أريد عمراً رائعاً__ (شعر)__ للشاعر عبد الله جبر__ (طبع).
27-ترانيم الليل (المجموعة الشعرية الكاملة) للشاعر الأستاذ محمود عارف__ (طبع).
28-حروف على أفق الأصيل__ (ِشعر) للأستاذ حمد الزيد__ (طبع).
29-من أدب جنوب الجزيرة__ (دراسة) للأستاذ محمد بن أحمد عيسى العقيلي__ (طبع).
30-غناء الشادي__ (شعر)__ للشاعر الأستاذ مطلق الذيابي__ (طبع).
31-الذيابي تاريخ وذكريات إعداد الشريف منصور بن سلطان__ (طبع).
32-محاضرات النادي (القسم الأول) __ (طبع).
33-محاضرات النادي (القسم الثاني) __ (طبع).
34-محاضرات النادي (القسم الثالث) __ (طبع).
35-المتنبي شاعر مكارم الأخلاق للأستاذ أحمد بن محمد الشامي__ (طبع).
36-هموم صغيرة__ (أقاصيص) للأستاذ محمد علي قدس__ (طبع).
37-أمواج وأثباج (دراسة أدبية) __ للأستاذ عبد الفتاح أبومدين__ (طبع) (الطبعة الثانية).
38-الخطيئة والتفكير__ من البنيوية إلى التشريحية__ لأستاذ الدكتور عبد الله الغذامي (طبع).
39-التجديد في الشعر الحديث__ (دراسة أدبية) للدكتور يوسف عز الدين__ (طبع).
40-التراث الثقافي للأجناس البشرية في أفريقيا__ (دراسة علمية) __ للدكتور عبد العليم عبد الرحمن جعفر__ (طبع).
41-فلسفة المجاز__ (دراسة لغوية) __ للدكتور لطفي عبد البديع__ (طبع).
42-بكيتك نوارة الأطفال، سجيتك جسد الوجد__ (شعر) عبد الله عبد الرحمن الزيد__ (طبع).
43-مصادر الأدب النسائي في العالم العربي الحديث__ للدكتور جوزيف زيدان__ (طبع).
44-أحبك رغم أحزاني__ (ِشعر) __ الدكتور فوزي عيسى__ (طبع).
45-أبو تمام__ (دراسة)__ للأستاذ سعيد السريحي__ (طبع).
46-عبقرية العربية__ (دراسة لغوية) __ للدكتور لطفي عبد البديع__ (طبع).
47-أحاديث__ الدكتور محمد سعيد العوضي__ (طبع).
48-اغتيال القمر الفلسطيني للأستاذ/ أحمد مفلح__ (طبع).
49-التضاريس—(شعر) __ للأستاذ محمد الثبيتي__ (طبع).
50- 4صفر__ للأستاذة رجاء عالم__ (طبع).
51-علم اجتماع اللغة__ (ترجمة عن الإنجليزية) __ الدكتور أبوبكر باقادر__ (طبع).
52-أقضية وقضاة في الإسلام __ للدكتور/ كمال محمد عيسى__ (طبع).
53-علم الأسلوب__ للدكتور صلاح فضل__ (طبع).
54-دليل كتاب النادي__ (طبع).
55-ديوان دمر__ (شعر) للأستاذ علي دمر__ (طبع).
56-أحبك.. ولكن __ (مجموعة قصص قصيرة) __ للأستاذة مريم محمد الغامدي__ (طبع).
57-مدخل إلى الشعر العربي الحديث__ للدكتور نذير العظمة__ (طبع).
58-بقايا عبير ورماد (شعر) للشاعر محمد هاشم رشيد، (طبع).
59-محاضرات النادي __الجزء الرابع__ (طبع).
60-محاضرات النادي__ الجزء الخامس__ (طبع).



61- محاضرات النادى_الجزء السادس_(طبع).
62- محاضرات النادى_الجزء السابع_(طبع).
63- اللغة بين البلاغة والأسلوبية_ للدكتور
مصطفى ناصف_(طبع).
64- جزر فرسان_ العقيد متقاعد صالح بن محمد بن
مشيلح الحربي_(طبع).
65- شواهد القرآن _ الجزء الثاني_للشيخ
أبى تراب الظاهري_(طبع).
66- الفكر السيكولوجى المعاصر_ للدكتور حمد
المرزوقى_(طبع).
67-مذنب هالى _ للدكتور محمد عبده يمانى_
(طبع).
68- مورفولوجيا الحكاية الخرافية _ الدكتور أبوبكر
باقادر_ (طبع).
69- طه حسين والتراث –الدكتور مصطفى ناصف _(طبع).

70- ذاكرة لأسئلة النوارس _ شعر عبدالله
الخشرمي _(طبع).
71-قراءة جديدة لتراثنا النقد ى _المجلد
الاول _ والمجلد الآخر_ (طبع).
72-الوحوش_ للأصمعى_ تحقيق الأستاذ أيمن
محمد على ميدان_ (طبع).
73- في مفهوم الأدب _ترجمة الدكتور منذر
عياشي_ (طبع).
74-محاضرات النادى _الجزء الثامن _(طبع).
75- فى نظرية الأدب عند العرب _ الدكتور
حمادى صمود _(طبع).
76- محاضرات النادى _ الجزء التاسع _ طبع .
77-شعر حسين سرحان _دراسة نقدية أعدها
الباحث أحمد عبدالله صالح المحسن _(طبع).

78-في النص الأدبى دراسة أسلوبية إحصائية_
للدكتور سعد مصلوح (طبع).
79- حكم الله في الصيد وطعام أهل الكتاب _
للأستاذ مختار أحمد العيساوى-(طبع).
80-محاضرات النادى - المجلد العاشر –(طبع).
81- ديوان عمرو بن كلثوم التغلبى _تحقيق
الأستاذ أيمن محمد على ميدان _(تحت الطبع).
82-خصام مع النقاد_ د .أحمد عمر هاشم (تحت
الطبع).
83-منهج الإسلام في العقيدة والعبادة
والأخلاق _د. أحمد عمر هاشم (تحت الطبع).
84-الحركة التجارية في ميناء جدة في القرن الثالث
عشر, للدكتور مبارك المعبدى - (تحت الطبع).






















هيئة المستشارين
أ.إبراهيم فريح (مدير التحرير)
د.جابر عصفور
أ.جمال الغيطانى
د.حسن الابراهيم
أ.حلمى التونى (المستشار الفنى)
د.خلدون النقيب
د.سعد الدين إبراهيم (العضو المنتدب )
د.سمير سرحان
د.عدنان شهاب الدين
د.محمد نور فرحات (المستشار القانوني)
أ.يوسف القعيد




















مطابع
سجل العرب
ت : 6- 9327































ثقافة الأسئلة
هذا الكتاب استجابة لأسئلة تتوارد على المشروع
الثقافي المنهجي الذى ينتمى إليه الكاتب . ويقوم هذا
المشروع على النقد اللغوي أو النصوصية ,معتمدا على
ما يعرف بنقد ما بعد البنيوية الذى يأخذ من البنيوية
والسميولوجية والتفكيكية التشريحية منظومة من
المفهومات النظرية والإجرائية تدخل كلها تحت مظلة الوعى
اللغوى بشروط النص وتجلياته التكوينية والدلالية. وتتخذ
الإستجابة_ في هذا الكتاب _شكل مقالات هى شروح
مضافة إلى كتاب (الخطيئة والتكفير) وما جاء بعده,
خاصة(تشريح النص)و (الكتابة ضد الكتابة). وكلها
تنطلق من الإيمان بذلك المبدأ الذى أكده أمبرتوإيكو حين قال :(لقد تقبل الانثروبولوجيون أنواعا من الثقافات ,حيث يأكل
البشر الكلاب والقرود والضفادع والثعابين ,ولذا يفترض
ألا يستغرب وجود بلاد يسهم الاكاديميون فيها بالكتابة الصحفية

























1 اشير هنا إلى ما نقلته وكالات الانباء من أن كلمة ( انتفاضة ) بلفظها العربي قد دخلت في
المعجم الانجليزي الذي صدر عن ( لونجمان ) في بريطانيا مؤخرا ( 1989 – 1990 م )





(2) لقد أصدرت هذه الدراسة في كتاب عنوانه ( الكتابة ضد الكتابة ) بيروت 1991م.
3 الدكتور محمد صالح الشنطي ناقد عربي متميز له إسهاماته الواسعة في دراسة الأدب الحديث، و ركز كثيرا على القصة القصيرة و الرواية في المملكة العربية السعودية ، و القصيدة المهاجرة، وهي القصائد الفلسطينية المناضلة. كما أن للدكتور نشاطا صحفيا و منبريا في كتاباته و محاضراته في الأندية الأدبية، مما يجعله ناقداً فاعلا و موثرا، و قلمه هو أحد الأقلام الفاعلة في ساحتنا الأدبية ، و له حضور نقدي عربي من خلال إسهاماته في مجلة ( فصول) ببحوث نقدية عن الأدب في فلسطين و في السعودية .يعمل أستاذاً في الكلية المتوسطة بحائل .
4 حسين بافقيه أديب شاب يملك قلماً نقدياً متميز السمات، له كتابات واعية في النقد و قراءة التراث و نقد النقد .
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------



* قيس بن الملوح