Advertisement

أسرار زكريا الأنصاري

 أسراري.

أسرار زكريا الأنصاري.
منشورات ذات السلاسل
الكويت.
تصميم الغلاف:
محمد شرف.
الطبعة الخامسة:
ذات السلاسل الكويت.
2014@م.
@@@@@@@@@@@
المحتوى.
الموضوع الصفحة
الأهداء
قبل أن نبدأ
لم أسميته "أسراري("
من الأشخاص الذين
كتبت عنهم؟
ونبضت القلوب
سر المقهى
عشق وكتمان
سر البحر
تفاصيل ولفتات
سر الورد
تخفق عشقًا
سر الماركون
قسمة ونصيب
سر الكاكاو
فرح أو ترح
سر القمر مكتملا
قلم، ورق، ورسائل
سر أغنية
كان وما عاد
سر الأسود
طرف وطرف
سر الكبتسامة
كبرياء ومكابرة
سر المطر
حيرة وتساؤل
سر كتاب
خيبة وانتظار
سر الشمع
اغتراب ومسافات
سر المدن
وجع وفراق
سر الأسوارة
قلب لاهج
سر يدٍ صغيعة
شوق ووفاء
سر القهوة
ويبقى الحب
سر الساعة
الخاتمة
@@@@@@@@@
الأهداء.
ألى من أنجبتني، وقضاء الله وقدره اختار لها أن تفارق هذه الدنيا بعد رحلة طويلة مع المرض وصراع أطول. ألى من أردد لها كل ليلة: ربي اجعل أمي أحدى نساء جنتك.
ألى من أحمل اسمه، ألى من شجعني منذ اليوم الأول، ألى من شد على يدي وقال لي قبل أحدى عشر سنة: ستكتبين كتابا يوما ما وسأكون معاك.
ألى الرجل الأول في حياتي: أبي.
ألى أميرتي الصغيرة ألى من تعطي لعالمي معنى، خلقنا أختين لكن "جود" الله قد جعلنا صديقتين في القلب والروح.
ألى أقرب خلق الله ألى: أختي.
@@@@@@@@@
قبل أن نبدأ.
ما هذا الكتاب؟
%80 منه تغريدات؛ عبارة عن قصص كنت أطرحها عبر حسابي في تويتر أو تغريدات عشوائية كتبتها ثم توسعت في بعضها.
%20 منه أضافات، حيث شعرت بأن الغموض نوعًا ما متفش في النصوص، وعلى أثر ذلك أضفت ما أضفته بعد كل فصل.
لم أسميته "أسراري"؟
لا، أنا لست "أدلل" نفسي عن طريق عنوان كتابي، لكن لي سببان رئيسيان لتسميته:
السبب الأول: لم ينادني أحد بهذا الإسم قط سوى والدتي رحمها الله، فالإسم قريب ألى قلبي، بل قطعة منه.
ففي 2010@م أول اسم طرأ علي حين أنشأت لي أختي حسابا في تويتر رغم اعتراضها هو "أسراري" فهي كانت تفضل أن أكتب اسمي كاملاً، لكني لم أتخيل بأني سأصل ألى ما وصلت أليه اليوم ساعة تحميل التطبيق على هاتفي.. فالإسم الذي افتقدته واشتقت ألى سماعه كثيرا، بات الجميع يناديني به اليوم!
السبب الثاني: أعتبر كل قصة وردتني سرًا، وأنا كذلك بتحت قلبي وشاركتكم ب17 سرًا على أقل تقدير ما بعد القصص.
لذا، أسراري؛ هي القصص المكتوبة، وأسراري؛ هي مدى ارتباطي ب(القهوة، الماكارون، المدن، الكتاب، الساعة، المطر، القمر، اليد الصغيرة، الكاكاو، الورد، الأأنية، الأسود، الأسوارة، البحر، الشمع، الإبتسامة، المقهى).
وبين السطور، ستتسرب أليكم شخصيتي، التي قد تحجب شبكات التواصل الإجتماعي جزءًا كبيرًا منها.
ما موضوع "القصص اليومية" أو "شبه اليومية" التي كنت أطرحها عبر حسابي في "تويتر"؟
هل هي متسلسلة؟ هل هي واقع؟ هل هي من نسج خيالي؟ وأن كانت واقعًا، من هي الشخصيات؟ ومن أين لي بالأحداث؟ وما مدى واقعيتها؟ كيف بدأت؟
بعد تخرجي والإنتهاء من أعباء الدراسة، وبعد انتهائي رسميا من الحياة النقابية، صاحبتني فترة هدوء تام، من بعد صخب وانشغال اعتدت عليهما..
أما قلمي، فما اعتاد الهدوء أبدًا، فبعد الصحافة، وبعد الجامعة، عدت نوعا ما لكتاباتي التي قد توصف بأنها "رومانسية" أو بها من الأحساس الكثير، من بعد جمود في المصطلحات والتعابير التي استوجبتها الأخبار الصحفية والتصاريح ومختلف البيانات النقابية.
انتهت فترة جمود كتاباتي، منذ اللحظة التي ودعت الجامعة فيها. فبقيت أنا، وقلمي، ومجموعة أحاسيس تحاصرني، خلاصي الوحيد منها كان في التعبير عنها بالقلم.
من يعرفني شخصيا، يعرف مدى تأثري بأي حدث، أي قصة، أي كلمة، وأي شيء مهما بلغت بساطته. ويعرف لأي درجة أقضي وقتي في أعادة التفكير بما لامس قلبي، وعلى أثر ذلك، أكتبه، أصوغه، وأستخدم بعض التعبيرات لخلق جو مماثل لأيصال الوصف للقلب قبل العين.
لكن، كنت أحتفظ بها لنفسي، وأخجل مشاركة أي أحد فيها.
وذات مساء، وأنا أتصفح أحدى مذكراتي، وجدت بضع تدوينات لقصص سمعتها، وأثرت في لحد كتابتها بأسلوبي. ثم فكرت، لم لا أكرس ليلي كل يوم، لنشر بعض منها عبر "تويتر"..
لكن فكرت مرة أخرى، فما الجديد في ذلك؟ وكوني أعشق التحدي والتغيير، سرني أن أتحدى نفسي، أن أسرد قصة أو موقفا كاملاً، عبر 140 حرفًا!
وفي البداية بدا لي الأمر مستحيلا، لكني حاولت سرد قصة عمرها 9 أعوام ب140 حرفا، وأذهلني أني استطعت!
لذا قلت لنفسي: سأجرب كتابة عشر قصص، غير متسلسلة، وسأشارك الجميع فيها، وسآخذ آراءهم، قد أستمر، قد لا أستمر، العلم عند الله.
التفاعل، الردود، التعليقات، فاقت أي تصور طرأ ببالي يومًا.
في كل مرة أقرأ أي كلمة طيبة بحقي وبحق ما أكتبه، أضع يدي على قلبي، أبتسم، وأزداد اندفاعا وحماسا للكتابة أكثر من أي وقت مضى.
وهكذا، كان الإستمرار.
@@@@@@@@
من الأشخاص الذين كتبت عنهم؟
المثير في الموضوع أن الكثيرين ممن كتبت عنهم وتأثرت بقصصهم لا أعرفهم.
فبعد كتابة القصص التي أعرفها والتي سمعت بها، بدأت تصلني قصص جديدة من أصحابها، سواء نقلا ممن أعرفهم، أو عبر موقع ال أو عبر بريدي الألكتروني.
والقصص عبارة عن موقف جميل، رسالة جميلة طبعت في الذهن، حوار أخذ الأنفاس، ومن الجانب الآخر، قد يكون موقفا أو رسالة أو حوارا فيه شيء من الحزن، شيء من انكسار القلب، يود أصحابها أن يشاركوا غيرهم فيها.
بدأت، استمررت، وما كان الهدف من الكتابة ألا أيصال المشاعر والرسائل، لكن هَأنا اليوم قد كتبت أول كتاب لي، من بعد أخفاء كتاباتي بعيدا عن الأنظار وفي الأدراج، ومن بعد مشاركة النصوص من دون الأشارة ألى أنها بقلمي، ومن بعد قول "مستحيل" أن أشارك العالم صفحة واحدة، حققت حلما منذ صغري كنت أقول عنه: في عالم آخر، سأكتب كتابا!
(الحمد لله)
حكت لي أمي رحمها الله القصص الرائعة، المبطنة بالعبر دائمًا.
منها، أحببت القصص، وبت أبحث عن كل حكمة، كل عبرة، كل عظة في كل التفاصيل، بأدق دقائقها. تجذبني كثيرًا، أكثر من الصورة الكلية لأي شيء. أبحث دائما عما بين السطور، ما خلف الكلمات، أحاول أن ألتمس الأحساس المنبعث من أي حوار، أحاول فهم التواصل غير اللفظي، أحاول قراءة تفاصيل الجسد، لغة العين، الأيمماءات، نبرة الصوت. وفي دراسة قام بها أحد علماء النفس، سجل بأن %7 فقط من الإتصال يكون بالكلمات، و%38 بنبرة الصوت، و%55 بلغة الجسد. ولو اختلفت الكلمات ولغة الجسد، يميل كل فرد منا ألى تصديق لغة الجسد.
فلو ضحك أحدهم، وهو يروي لنا فاجعة، لن نصدقه، حتى وأن كان صادقًا.
ولو اعتلى العبوس "تقاطيع" وجه من يجزم بأنه سعيد، لن نصدق ما يقوله هو، بل ما تقوله ملامحه.
لذا، منذ الصغر، كان شغفي السؤال؟ كنت ألحق كل ما أسمعه ب"لماذا؟ كيف؟ أين؟ ما أدراك؟ متى(" شغفت بعلم فضولي أسميته "ما وراء كل شيء". ما وراء تلك الإبتسامة؟ ما وراء ذلك الحزن؟ ما وراء ذلك السؤال؟ والأهم، ما وراء هذا الشخص أمامي؟
لذا، أحب الإستماع والأنصات، وأسعى كثيرا ألى أن أكون يدا تعاون أو تطبطب على الأقل، فأنا أؤمن بأن الأنسانية هي الحب والعطاء، وكلا الحب والعطاء لن يكلفا الأنسان شيئا، ولو كنت في مكان الغير، لأحببت كثيرا أن يستمع ألي أحدهم، ويطبطب كذلك. وهذه قصتي مع الإستماع والأنصات وكتابة القصص.
البعض اختار أن يكون راويا لما حصل مع أحدهم بينما بعض آخر اختار أن يكتب ما يعتقده ويؤمن به وبعض اختار أن يؤرخ تاريخا وأحداثا.
بعضهم يكتب بقلمه، لمجرد أنه يكتب. وبعضهم يكتب بألمه، عله يخفف منه.
أما أنا، فأقولها وبكل بساطة، اخترت أن أكتب ما "يحسه" الناس.
وقلتها مرارًا، أجزم بأن ما يخرج من القلب يصل للقلب. من قلبهم، ألى قلبي، ألى قلوبكم.
وقد تجدون أنفسكم قد تجدون شعورا فارا منكم ألى سطر ما، ألى فصل ما، وقد نتشارك أنا وأنتم الحب نفسه لبعض من الأشياء التي أحبها.
فلنبدأ..
@@@@@@@@@
ونبضت القلوب.
عن طريق الخطأ "عرفته" وبصدفة غير مقصودة دخل حياتها مرت الأيام وتوالت الأحداث حتى اكتشفت أن أفضل ما حصل لها هو؛ ذلك الخطأ وتلك الصدفة.
انسجما في صغرهما لعبا ولهوا كبرا، وتفتحت أعينهما وأحاسيسهما وعرفا شعورا جديدا عليهما، اتضح لاحقا بأنه العشق شعور جعلهما "قهوة الصباح" و"اللحاف الليل" لبعضهما.
لم يجد لشعور يسكن قلبه أي اسم، وظل محتارا كيف لعينيه أن تتبعاها، وتشعان فرحا برؤياها؟ كيف لقلبه أن يدق على هذا النحو لو سمع اسمها؟
احتار، وحين غابت لأيام جزم.
ما يحمله بين حناياه لها: عشق!
حين رآها لأول مرة قال "يا بخت راعي النصيب"
ثم عاود التفكير وقال: لم لا أكون أنا "راعي النصيب"؟
ومن يومها بدأ سعيه بكل صفاء نية بأن تصبح له.
بطريقة أو بأخرى شعرت بأن قدرها لقاءه.
قدرها أن تحبه وأن يكون لها معه حكاية لكنها "شعرت".
واليوم وهي معه تبتسم لأن شعورها بات أجمل واقع.
أصبح يسره فقط لأنها تسهر.
ليقرأ كلماتها علها تقصده في واحدة.
وأصبح يشرب قهوتها نفسها ويسمع أغانيها نفسها ويحب ألوانها وكل ما تحب من دون أن يشعر لأنه يحبها.
شيء ما بداخلها أمرها بأن تخطو بأن تخوض في ما عرفه العالم بالحب وعرفه قلبها ب بالجنون ألى أن امتزجت التعريفات. وبين جنون وحب بدأت القصة.
هبط الليل وقرر أن يكون رفيق وحدته وقلبه الحزين.
انعكاس ضوء القمر على البحر.
ومحض صدفة، كانت بوحدتها هناك فترك قمر السماء، ليتخذها قمرًا على الأرض وبين قمر وبحر وليل، سكن قلبيهما الهوى.
وكان صوته أول ما أيقظ المشاعر فيها.
فحديثه لفت انتباهها وشد أحساسها.
ويومها اكتفت بأن تقول في نفسها "ما شاء الله" مضت الأيام وتسارعت الأحداث.
واليوم، أول ما تبدأ به يومها صوته.
لم ير نفسه أهلا للحب أبدًا.
آمن بأنه أحد فاقدي الأحساس الذين يتسببون بمأساة حب "الطرف الواحد".
ألى أن دخلت حياته واختلف أيمانه ومن كل قلبه؛ عشق!.
كثيرون مروا بحياتها بخير أو بشر، جاؤوا وذهبوا ما استوقفها ألا ذلك الشخص.
وضعها في زوبعة عشق لا تهدأ وعلى قدر كف من الهيام، ملك قلبها.
يستذكران أول لقاء.
يوم كان مأخوذا بجمالها وكان جفاؤها رغم رقته طاغيا يوم زجرته لأنه يطيل النظر أليها.
تذكر ثم همس مبتسما: وما ظننت الحب أبدا سيبدأ بكلمة "نعم"؟
رغم أن مشاعرها له لم تتجاوز الأعجاب.
لا تعلم لم هو بالذات لا تستطيع أن تنسى أمره مهما حاولت يعود لا وعيها يذكرها فيه وبذاك الشعور: بأنه مختلف!
تقابلا وتشابهت أفكارهما كثيرا.
انسجما، وباسم الصداقة أصبحا لبعضهما أقرب وما أدراك أن الحب كان مرتديا زي الصداقة ليطرق بابهما ويحسنا استقباله ألى أن يسكن قلبيهما.
وكان الطريق الأقصر لقلب كالحجر، عيناها كانت أمامه حين رفع رأسه بنصف الجمع الغفير وما وجد نفسه ألا سرحا بها وأصبح محكوما بحب أشعلت فتيلته عيناها.
مراهنة أبرمها مع الحب: أنه لن يقع فيه أبدًا ظل منتصرا حتى ذلك الأشعار الآخر يوم دخلت حياته "هي" وفقد أثمانه بالمراهنات يوم خسر بانتصار وتبعها بجنون!
أحبها، لأنها بدت "كاملة"
رغم يقينه أن الكمال وحده للرب عشقها، حين عرفها أكثر.
وباتت مثالية بعينه، في "لا مثاليتها" وعيوبها.
تتفقد هيأتها وتحاول أن تصل بها ألى الكمال تستعد للنزول ألى تلك القاعة للقاء ذاك الذي أسرها برسمية وببضع أحاديث اعتيادية طار بهما الوقت ودعته وعادت ألى منزلها، لكن من دون قلبها الذي بقي لديه.
وعند لحظة التقيا فيها، توقف بهما الزمن سكنت الأفواه ونطقت الأعين وكأن شيئا في كل منهما شل الكلام وأوقف الوقت في ذاك اللقاء "المختلف" شيء جعل الأحساس في كل منهما ينطق: نعم، هذا هو الحبيب المنتظر!
عاداها حظها دائما ألى أن فقدت الأمل بمباهج الحياة دخل حياتها وتبدلت قناعتها.
فحضوره محا غياب السعادة في حظها لأنه بالنسبة لها هو السعادة بحد ذاتها.
على غير انتظار طرق أحدهم ذاك الباب الموصد بأحكام للحظة ترددت في فتحه لكنها استجمعت جرأة قلبها وبشيء من الحذر تقدمت أليه، وفتحته.
وكان الطارق حبا، يلزم انتظار مثيله عمرا كاملا. فورا اصطدامها به لأنها لم تره التفتت لتعتذر وكانت تلك أول مرة تراه فيها وقعت فيه بحب عينيه العسليتين ووقع هو بحب ابتسامتها وغمازتها وبدأ حبهما بعينيه وابتسامتها.
هي ليست شجاعة، وهو لا يخاف بعدما جمعهما الحب، أصبحت شجاعة لتجاربه وأصبح يخاف ويهدئ من اندفاعه لخوفه عليها أحبا، فأخذا من بعضهما.
الوقوع في الحب كان آخر همها لكنها حين رأته خضعت أمام نظراته.
نظرة تلو الأخرى وابتسامة تلو الأخرى حتى عشقته ويا لفرح قلبه، حين ملك قلبها.
"كل تأخيرة فيها خيرة" لطالما قالت.
لكن في الوقت نفسه كانت تتساءل: لم تأخر الحب كثيرا علي؟
حتى أدركت بأن الأجمل يأتي متأخرًا بعدما دخل حياتها من عوضها سنين الإنتظار.
به، زانت في عينيها الحياة.
بالأحرى تعجبت من حياة كانت تحياها من دونه أضفى الروح لأيام مكتمل بها كل شيء ألا الروح وولدت بحياة جديدة، يوم أحبته.
أعجبها، سرها، وما علم أحبته، في سرها، وما علم أيضا حتى أعترف لها بأنها سره وكم كان شعورها لا يوصف هي (سر) أجمل (أسرارها).
@@@@@@@@
سر مقهى.
أنا من أولئك، الذين يستمتعون بقضاء أوقاتهم لوحدهم. أحب كثيرا ارتياد مقهى واختيار زاوية خافتة فيه لأكون على موعد مع كتاب جديد أتلهف لقراءته ومذكرة صغيرة لتدوين أفكار تطرأ علي.
وفي الزاوية، أشهد الكثير من الأحاديث، الكثير من المشاعر، الكثير من القصص والكثير من المواقف.
ذاك الرجل مكتفا يديه، يسمع رأيا سياسيا لا يهمه أبدا، لكن من باب المجاملة، يستمع.
تلك الفتاة تدرس، تنظر في أعين رواد المقهى بين الفينة والأخرى وكأنها تحسدهم على وقت يقضونه بعيدا عن الكتب الدراسية.
ذاك الفتى، تصرخ عيناه أعجابا بتلك التي لا تعلم بوجوده من الأساس، يحاول لفت نظرها، يسعل، يتنحنح، يقوم ويجلس عدة مرات، لكنها لا تلاحظ.
وذاك الأب، الذي أحضر صغيرتيه اللتين قلبتا المقهى وأباهما رأسا على عقب بشقاوتهما.
فمن زاويتي، أراقب حياة كاملة، أشخاصا مختلفين، أمزجة متفاوتة، أناقة مظاهر أو أهمال، والكثير الكثير.
وحين قالت أثير النشمي "أنا امرأة تكمن سعادتها بقراءة ديوان شعر في مقهى هادئ بينما تحتسي كوبا من الشوكولاتة الساخنة في جو ممطر" أوافقها تماما، فذلك ضرب سعادة لا يوصف لدي.
وكم من قصة أعجاب، بدأت من مقهى.
أحيانًا، ينبض القلب لأحدهم، وتعرف أنك في قمة حبك له، حين ترمي بكل ما اعتدت عليه، وكل أطباعك، مقابل الحديث معه، البقاء معه، لأنه هو سر سعادتك وراحتك، وتقول: سبحان مغير الأحوال. فبعد عميق النوم قبله، تعاف النوم وتسهر لو وقع خلاف بينكما. وبعد اشنغالك بنفسك، بمواعيدك، بعلاقاتك الإجتماعية تجد نفسك فجأة لا تأبه بكل ما سبق وتجد اهتمامك منصبا على شخص واحد فقط. هو! تسبقك اللهفة وتربكك كلما اقترب موعد لقائك به حتى وأن لم تكن المرة الأولى، فالأحساس دائما هو الأحساس ذاته.. أحساس المرة الأولى. وفي كل مرة قبل أن ينتهي لقائك به، شيء ما بداخلك يقول: لا تذهب! لكنك تبتسم وتودعه وتترك قلبك عنده، لحين اللقاء القادم.
بقدر جمال كل أحساس غزا قلبك بوجوده، تحبه!
بقدر كل رعشة تسري بك لو قال لك كلمة أحبك، تعشقه!
بقدر كل حب العالم، تشعر أنك الوحيد الذي أحببت.
فهو "مختلف".
ولأنه مختلف، لا يحتاج لفعل أي شيء، ليسعدك وليصبح يومك أجمل فوجوده "فقط" يكفي.
لأنه مختلف، يغمر قلبك بالفرح ويصب فيه راحة لا مثيل لها في كل مرة يقول فيها: أحبك.
لأنه مختلف، مهما طال حديثكما لساعات ومهما عشت معه تفاصيل يومه وعاش معك تفاصيل يومك لا تمل، بل تفتقده لو غاب حتى ولو قليلا.
لأنه مختلف، طوع قلبك الذي عناده لطالما طوع الغير.
لأنه مختلف، أصبح هاتفك الذي قد كان "مهملا" لا يفارق يدك.
لأنه مختلف، أجدت التلصص على تفاصيله ووجدت في ترك كل شيء لمراقبته وانتظاره سعادة لا تقدر بثمن.
لأنه مختلف، يجتاح قلبك جيش مشاعر ثائر، فتشتاق أليه، تريده الآن، تفكر أين هو عنك؟ وتتمنى القدرة على قطع المسافات والأتيان به!
لأنه مختلف، برسالة واحدة غير متوقعة منه يطير قلبك فرحا وتبتسم من خلف الشاشة. برسالة واحدة فقط نصها: أحبك.
لأنه مختلف، عرف قلبك من بعده شعورًا "مختلفا"، أحساسا "مختلفا"، ونبض نبضا "مختلفا" وأصبح الكون كله في عينيك "مختلفا" من بعد يوم دخل هو في كونك.
ولإختلافه عنهم عشقته، ولأيمانك بأن أنسان مثله لا يتكرر وجدت قلبك يأخذك أليه ووجدت أحاسيسك تخضع بكامل أرادتك له "لأنه مختلف".
ولأنه مختلف، أجزم بأن البعض منكم يكفر في أحد ما وهو يقرأ النص الفائت، ويبتسم الآن.
ولولا اختلافه، لما فتح قلبك الباب له ولقي منه الترحاب ليتوسد عرشه، يأمره وينهاه، ولا رد منك سوى: لبيك! فحين تحب، يصبح وقع الكثير من الأشياء على أذنك وقلبك مختلفا، أولها اسمه.
وحين تحب، يصبح للورد الأحمر معنى آخر غير الزينة، معنى جميلا؛ أن أحدهم مهتم، مشغول، وعاشق.
حين تحب، يكتمل نصاب الكمال في عينك وفي وقت كنت تحب بعض الصفات، بسببه، أحببت "كل" صفاته، وعشقتها حد الجنون.
حين تحب، يتلخص العالم به، بوجوده، بكل مرة تشاركه الفرح أو الحزن، ويغنيك بظله عن الجميع، ويغدو العالم في عينيك "هو".
حين تحب، تدرك مغزى عظيم الشعر والقصائد، وكل روايات العشق الخالدة، تفقد أيمانك بوجوب الحذر منه، وتسلم أمرك للحب الأول.
وقد يكون كل ما سبق أن كتبته، ليس سوى نص كتبته، عشته لوهلة، وأحسست به وأنا في "مقهى مكتظ".
@@@@@@@@@@
عشق وكتمان.
يراقبان هواتفهما قبل النوم ومعلقة أعينهما على الشاشة يراها تكتب له وتمسح، تراه يكتب لها ويمسح.
يعلمان بأن التربص مشترك لكن يمنعهما الخجل، فيترددان.
لا تتزايد نبضات قلبه ألا لو التقت أعينهما ولو من بعيد يذهب طوعا لناحية هي فيها مدفوعا بكل شوق ولهفة ليحيا في قلبه النبض، ويمضي!
باسم الصداقة، أهداها وردة بيضاء في عيد الحب أخذتها بابتسامة، شكرته عليها ما لم يعلمه، قلبها ينبض له حبا وليس صداقة وحتى بعد ذبول الوردة، ظلت محتفظة بها.
"وكانت الكلمات هي القصة" يتوارى خلف الكلمات هو وهي تصنع الكلمات وتكتبها بأتقان لتصل ألى قلبه حبه؛ بأن يكتم. حبها؛ بأن تفصح وهنا يقع الإختلاف!
تشعر بحبه لكن يلزمها اليقين فخلف قضبان الكلام، حبس مشاعره تحبه، وبانتظار اعترافه ولحين يجرؤ تعاند قلبها وتطيع عقلها، وتتنحى دائما.
كل يوم قبل أن تنام تسأله عما يفعله فيجيبها: أفكر ب"وحدة". تغار كثيرا بينها وبين نفسها من تلك. لكنها لو اجتهدت وسألت عنها، لكشف لها بأنها هي!
وظفا الكلمات المقروءة وظفا التلميحات وظفا عبارات الأغاني والقصائد لشرح ما بداخلهما والذي يستعصي البوح به وهو "حبهما" أو ليس الإعتراف به أسهل بكثير؟
أعينهن عليه، وعينه عليها هي فقط يتمنى لحظة تلتفت أليه فيها يُحبط، يعود للمنزل يفكر كيف يلفت نظها في اليوم التالي ولم يعلم، أنها لا تخلع نظارتها الشمسية، ألا لتراه.
ساق أليها تلك البشرى العظيمة بأنه نوى الزواج وأخيرًا وجد من يحلم بها من دون الأشارة أليها، حاول استفزازها وابتزاز عاطفتها لتنطق فهو يعلم بأنها تحبه سرًا كما يحبها هو.
تجمعهما محاضرة، يجلس على يمينها بآخر القاعة في كل مرة. كلما التفتت ألى ساعتها، وجدته ينظر أليها تضحك لأنها كشفت أمره. ويخجل، لأنها تكشفه دومًا.
هو سبب عدم تخلفها عن "الزوارة" يرضيها لو لمحته لدقائق فقط تحب عينيه، تحب ابتسامته، وتحبه من قلب ولا كلمة في قلبها ألا "ليتك تعلم".
تحب كثيرا، كيف ينهي أغلب جمله باسمها ولو بدأ حديثه به، يمس ذلك شغاف قلبها. ما لم تعلمه، سبب تكراره لإسمها أنه "يعشقه".
يشتاق. يكتب رسالة، ليسألها عن حالها ويومها يفكر قليلاً، ثم يمسحها لأنه يخاف أزعاجها!
وهي؟ تنتظر رسالة منه لأنها تخاف أن ترسل أليه فتزعجه!
به من الكبرياء.
ما يدفعه لأن يثقل قلبه بكلمة من 4 حروف حتى لا تغتر بها. وبها من عزة النفس.
ما يجبرها أن يلزما هي وقلبها أمكنتهما ألى أن يأتيها بقلبه هو.
يراها "ملاكا منزلا من سماء خياله" تراه "حلما جسده لها الواقع" يلتقيان، يتصافحان ويتحدثان عن كل شيء ألا المشاعر، ولو علما بأنها متبادلة، ما كتماها!
لطالما كانت فأله الحسن ولم تعلم فلو كان لديه امتحان، يبحث عنها في كل أروقة الجامعة ليراها، يتفاءل بها، ثم يدخل امتحانه.
تحب السهر وما اعتاده هو يصحو الليل كله ليتراسلا ألى أن يغيب هو فجأة فتغضب هي كثيرًا بينها وبين نفسها لكنها لا تعلم، أنه نام من دون أن يشعر فقط لأنه ما أراد أنهاء الحديث.
يبقى ألمها وأملها.
حزنها وفرحها.
جرحها ودواها.
يبقى كل دمعة حزن وكل غصة حزن تمر بها.
يبقى ما يميتها ويحييها. ولا هو يعلم ولا هم يعلمون.
لم يجد رسولا سوى نظراته لها ورسولها كان كل عذر ابتدعته لتحدث صمتا وترددا، ألى أن أقفلت كلمة "ألى متى(" كل باب وكل أمل متبق.
أصبحت تطيل البقاء في الجامعة وتتواجد أينما كان فقط لتراه وفي الوقت الذي يرحب الجميع بعطلة نهاية الأسبوع، تحزن هي، لأنها لن تتمكن من رؤيته.
يومها تعيس لو مر من دون أن تراه ويومه أتعس كذلك ينتظران الغد بفارغ الصبر وما أن يلمحا بعضهما حتى يصدا رغم احتراقهما شوقا!
كتما الحب لكن فضحهما.
لأنها تحبه ما هان عليها ضيقه وسمعت شكواه شكا لها قسوة التي يحبها ولا تبادله شعوره وتجهله لم تطق ذلك. سكتت ومشت عنه وما فهمت أبدا بأنها المقصودة.
لكزه صاحبه، همس له: ها قد أتت!
بتألقها المعهود خطفت أنظار كل من في المكان وهو، مخطوف قلبه قبل نظره هائم بها، وما خطف نصف فكره منها بعد!
لا ينام الليل لو علم بأن اجتماع غد ستكون هي ففيه يحضر آلاف السيناريوهات ليثير أعجابها وبمجرد حضورها، ينعقد لسانه، وسكوته يطغى على كل الكلام.
تتمنى أن يطول الحديث لو تطرقوا فيه "عنه" فهكذا يصبح ما تسمعه "أجمل" وحالها؟ معذب بحبه حالها تكتم هياما مغروسا في قلبها وتبقى تتنفس عشقا عند سيرته.
أصبحت ترتاد المقهى ذاته الذي يرتاده كل صباح ليقرأ صحيفته ويشرب قهوته السوداء.
تجلس أمامه، تشرب القهوة ذاتها، وتقرأ كتابًا. عله يلحظها يوما!
انتهت الفرص لبدء الحديث فأصبحا يسهران الليل، يراقبان بعضهما يكتب كل منهما عن الآخر، بطريقة مبهمة، وغامضة. ولا أحد سواهما يفهم ما يكتب.
يتعب، يتمنى أن تلاحظه، وأن تشعر به. ترك لها ورقة في أحد الأيام، كتب عليها: يتعبني كثيرا أنك لم تلحظيني بعد، لكن ذلك لن يجعلني أيأس أو أحبك أقل، سأنتظر!
تغضب كثيرا لأنه لو حدثها ينظر لكل ما في المكان ألا أليها وينهي الحوار بأسرع ما يمكن. تغضب لأنها لا تعلم، لو نظر في عينيها، لعلمت كم يعشقها.
على درجة أليمة من المرارة، كانت تحب من تجهل شعوره، ويجهل شعورها أسيرة غيرتها عليه منهن تبقى ساهدة، تلاحقها الظنون وغائب في سباته هو، وفي غفلته.
تسلل ألى قلبه حبها وتمكن منه وليثبت لها بأنه يتسحق أن يكون نصفها الثاني لا شعرويا بات يحب كل ما تحبه يكتب بكل توجهاتها الأدبية، الغنائية، الشعرية، فقط لتلتفت أليه ويجذب اهتمامها نحوه.
يرسل لها أغنيات الحب لتسمعها بحجة روعة كلماتها تسمعها، فتقول "أحببتها" ولا شيء سوى ذلك يحبطه أنها لم تفهم أن كل أغنية مهداة من قلبه لها.
تعلم بأنه يبادلها الشعور نفسه لن تجهل سبب تأخره في الإعتراف به.
يؤلمها قلبها حين تشعر بأنه لسواها سيكون، أو أن سبب تأخره احتمال أن بحياته سواها!
@@@@@@@@@@
سر الحبر.
وأنا صغيرة، كان لدي صندوق مجوهرات في قلبه راقصة باليه ترتدي الأبيض، وفور فتحي أياه تبدأ موسيقى جميلة، يشبه ألى حد ما، ذاك الصندوق الذي كان للأميرة الروسية "أناستازيا" الذي احتوى على تمثالين مصغرين عنها وعن والدها وهما يرقصان، ولطالما زرقة الصندوق الجميلة من الداخل أوحت لي بأن الفتاة ترقص على البحر.
أكتب عن البحر، وأنا أخافه، أخاف مياهه وأمواجه كثيرا، ولا أطيل البقاء فيه، لكني أحبه، ويسعدني أن أكون حوله، أراقب أمواجه وأنصت ألى صوت ارتطامها بالصخور، أحس بنسيمه، تتبع عيني نوارسه، ولو حالفني الحظ وجاد بلحظة طريفة للمحت أحد السرطانات الصغيرة تجري لتختبئ في الرمال، والتي نطلق عليها في العامية (شرايب). وكما أوضح العلماء، أن للمكوث على الشاطئ فوائد صحية كبيرة ألى جانب المتعة والتأثير المساعد على الإسترخاء وذلك لإجتماع ثلاث مكونات؛ الشمس والرمل وماء البحر.
فالبحر.
جميل، هادئ، وعميق.
لكنه.
ثائر، متقلب، وغدار.
تارة تغازل أمواجه الرمال الناعمة.
تارة تعصف الأمواج ذاتها بالكون.
تارة أعاد أجدادنا بعدما انتظرتهم جداتنا لأربعة أشهر.
تارة أخذ بعضهم، وتارة تكرم بأعادة البعض الآخر.
وعلى سطحه، تسحر الأعين انعكاسات ضوء القمر وألوان شروق الشمس وغروبها المنثورة.
وحين يهيج ويموج، لا يرحم من كان على سطحه. أحيانا، يجود بمد، ويبخل بجزر.
يجود على البحارة والصيادين بصفاء ووفرة. ولو بخل سيضيع أوقاتهم سدى.
فما نحتاج للحذر من البحر، حتما نحتاج لبوصلة تنقذنا من الضياع فيه والأبحار ألى أقصى الأرض!
لكن، عكس حال المشاعر.
أقصى الشمال، في أقصى الجنوب، أقصى الشرق ثم أقصى الغرب، هكذا تلعب بنا المشاعر والذكريات تأخذنا ألى الأقصى دائمًا.
نبتسم، نفرح، نرتاح لشيء بالأمس ثم نجد أنفسنا نعبس، نبكي، نضيق بسببه اليوم، ذكرى جميلة كانت مع أحدهم بالأمس ندوس عليها، نتجاهل مشاعرنا، نقوي قلوبنا ونأمل ألا تعود تؤثر فينا، فقط، لأنه ما عاد موجودًا!
أرواح، ملامح، نبرات، أصوات، معلقة قلوبنا بها وهي كالبصمة، خلقت لتجتمع بشخص واحد، ولا تتكرر في غيره. لذا يصعب أمر النسيان كلما تعمقنا بمن نحب، وكم نظلم أنفسنا لو حاولنا البحث عمن يشبهه في كل شيء نفتح الباب للذكريات لتخرج منه ولتتبعها كل تفاصيل أحدهم بأجملها وأبشعها فنجد أنفسنا، من دون شعور، نوصد الباب لأن القلب يأبى النسيان، فنعود ألى التعب. نقيد أنفسنا أحيانا، ونصيح: قيدونا! ولا قيد سوى ذاك الذي نحن أتينا به لأنفسنا ويسمى "التعلق" أن نتعلق بشيء الأجدر أن نتركه ونمضي، لكننا نتمسك.
وهنا، علينا أن نغلق صندوق ذكرياتنا، ونتركه للضياع. تماما كآخر مرة راقبت راقصة الباليه، وأغلقت صندوق مجوهراتي، وألى اليوم، أجهل مكانه.
والبحر كالحب.
ابتلع ماؤه قارة أتلانتس يحتضن مثلث برمودا تجهل عواقب الأبحار فيه لكنه جميل، ونذهب أليه بملء أرادتنا دوما.
@@@@@@@@@@@
تفاصيل ولفتات.
قال لها: سأكتب لك كل ما أتمناه وأريده على ورقة لتحققيه لي!
عاد لها بورقة، اغرورقت عيناها، ابتسمت وقالت: تم!
وكان على الورقة اسمها فقط.
"يُغَتِر" قبل أن يذهب أليها، يخبرها أنه كان في عرس يكذب، لأنه لا يريدها أن تكشف محاولته بأثارة أعجابها كونه يعلم، مدى عشقها "لناسف الغترة".
يراها تتجه لسيارتها وحدها. يُّسرع خطواته، يدعي الإستعجال
ويتعمد أسقاط الأوراق أمامها ويكمل طريقه وكأنه لم ينتبه.
فقط لتناديه.
يعلم بأنها تحب التحدي.
تحداها بأن قال ضعي يدك على يدي، لنرى من يده الأكبر فيفوز؟
بكل حماس وضعتها وفاز هو ما علمت أن فوزه الحقيقي كان بلمس يدها!
يمر أمامها بصحبة طفل صغير من دون النظر أليها تأتي لتلاعب الطفل وتسأله عنه.
ولا كأنه من توسل زوجة أخيه بأن يأخذه معه لأنه يعرف مدى حبها للأطفال.
ولأنه متأكد من أنها ستأتيه، وسيبدأ حوارا ما معها.
يأتي مبكرا قبل موعده بثلاث ساعات لأنه يعلم أنها تأتي في هذا الوقت وتأخذ قهوتها. ليطلب قهوته قبلها، يلقي التحية عليها ويبدأ يومه بابتسامتها.
قلق ومتخوف ويحسب الأيام حسابا. تعاتبه لأنه يجهد فكره وعقله كثيرا.
يقول: لن يهدأ لي بال، ولن يرتاح قلبي، ألا في يوم أكون فيه سبب تغيير مسماك من "آنسة" ألى "سيدة".
لو مرت، يخلع ساعته ويخبئها يركض أليها، يمثل الإستعجال، ويسألها عن الوقت هكذا يحاول بدء الحديث معها لو نفدت منه الطرق!
لا تضيع في الطرقات أبدا.
أنما تفتعل الضياع فقط لكي تطلبه باتصال هاتفي أن يرشدها لطريق العودة بذلك، تحظى بسماع صوته.
في مرضه يستفزها بألا يأخذ دواءه ولا يريد الذهاب ألى الطبيب.
ليس لشيء، أنما ليراها. لأنه يعلم بأنها ستأخذه ألى الطبيب رغما عنه.
أحبت الساعة 11، الدور الثاني، وذاك المصعد. لأنها تعلم، في تمام الساعة 11 سيصعد في ذاك المصعد فتطير قبله وتسبقه، ليقول لها: الدور الثاني لو سمحت.
يروي لها مدى افتتانه بجمال تلك الفنانة الأخاذ تحييه مبتسمة بأنها فعلا جميلة.
هو يريدها أن تغار.
هي تريد أن توجه له لكمة على وجهه!
لأنها تخاف البحر، أخذها أليه أمسك بيدها وسارا بمحاذاة الشاطئ. لتحبه كما يحبه. ومن يومها، أصبح حبها للبحر لا يوصف.
غاضبان من بعضهما وتصادفا بمقهى تضحك كثيرا لتغيظه. يضحك بصوت أعلى وأكثر كأنه لا يبالي.
وبين ضحكهما المفرط، لا عزاء على علامات استفهام ارتسمت على وجوه المحيطين بهما.
أصر على أن يراها ليعطيها شيئا مهما ذهبت رغم مرضها، ولم يعطها سوى علبة دواء وعصير برتقال لتشربه وتأخذ الدواء أمامه. ليطمئن عليها!
ما كان يطيق التدخين، لكنه أصبح يدخن أكثر من مرة في اليوم.
ليس لشيء، بل وجد التدخين عذرا ليراها يستغل الجيرة بأن يقف خارج بيته، ويلمحها بخروجها ودخولها ألى بيتها.
دائما تمر تأخذ قهوتها في طريقها أليه وحين تنتهي منها، يصر هو على أن يتخلص من كوبها الورقي.
وفوجئت يوما، بأنه يخبئ كل كوب شربته عنده، تذكارًا منها.
يعلم كم تعشق أباها، فعرف عطره الذي لا يغيره. أصبح يستخدم العطر نفسه كل يوم، لعل الرائحة تلفتها لو مر أمامها!
كسرت يمينها أنها لن تعاود الإتصال به في يوم امتلأت الدنيا غبارا بنهاية الأسبوع. حيث كان في "الشاليه"، واتصلت فقط لتؤكد عليه ألا يخرج منه لأنه مصاب ب"الربو".
مهما تمنى لها ليلة سعيدة وقرر أقفال الخط وفعل تبقي هاتفها قربها، تبتسم وتنتظر، كونها حفظت عادته. في أقل من 5 دقائق، سيعاود الإتصال، ليخبرها بأنه يحبها كثيرًا.
يصحو باكرًا، ليذهب ألى منطقتها في موعد خروجها من منزلها ويحوم في ذاك الشارع الرئيسي، ألى أن تمر فيه يسير قربها في الطريق، حتى يصلا ألى الجامعة وكأن تلك الخطة، صدفة.
لشدة ولعه بجذب انتباهها واهتمامها المصروف عنه، أصبح يمر أمامها، يكح ويتأوه واضعا يده على رأسه، مدعيا الصداع. ورغم علمها بأنه "نصاب"، تبتسم، تدعي أنها صدقت، وتغرقه اهتماما.
حين تغضب منه، رغم خشونة صوته، يقلد صوتها بنعومته ويكرر ما تقول لكن باستهزاء، وغرضه كسر جدار الغضب. وهي؟ وهل تقدر ألا تضحك؟
دائمًا. يتعمد الوقوف خلف أي زميل وهو يكلمها ليسخر منه بحركات بوجهه، فيشتت انتباهها لتترك زميلها وتأتي لتوبخه. هكذا يغار.
أكثر ما يعلقه بها هو حبها الصادق الذي لا يعرف القسوة فحتى لو غضبت منه، تظل تراقب ما يأكل لتضمن أنه مبتعد عن كل ما قد يثير "ضغطه" ويتعبه.
لحق بها، أعطاها معطفه متعللا بخشيته عليها من البرد رغم حرارة الجو ضحكت لعلمها أنه في الواقع لا يخشى من البرد ولا شيء بل يغار من أعينهم عليها.
تتجه لسيارتها فتجد باقة ورد وبطاقة عليها "أحببتك أمس، أحبك اليوم، وسأحبك غدا وللأبد" تلتفت، تجده هناك يبتسم، فتبتسم له. يعرف كيف يسعدها فعلا.
دائما تحاول أيصال مدى سعادتها معه بشتى التعابير وما مات ضحكا ألا حين تحمست مرة وقالت: أرأيت شعورك؟ حين يكاد فريقك أن يخسر، فيسجل هدفين، يغلب بهما الفريق الآخر وتفرح بالفوز أنت؟
ذلك شعوري معك.
بلفتة جميلة منه، أسعدها رغم "توتر" علاقتهما في تلك الآونة.
كانا في المكان نفسه. وأخذ مفتاح سيارتها ليقربها لها كونها ركنتها بعيدا.
وحين صعدت لسيارتها وجدته قد ترك لها ورقة أمام المقود وكتب عليها؛ أحبك.
كانا بمقهى في مدينة الضباب أمامهما مرت عجوز وعجوزها، ممسكان بأيدي بعضهما يتهيآن لعبور الشارع.
أمسك يدها وقال: سنكبر معا وسنفعل ذلك يوما هنا في الشارع نفسه.
علم بمدى حبها للقصائد والأغاني. فكتب بها قصيدة، لحنها، وغناها بنفسه باللون الذي تحبه وأهداها تلك الأغنية التي ألى اليوم تسمعها.
فوجئت بأنه يعرف قهوتها المفضلة، سواء الباردة أو الحارة. تساءلت فقال: قد لا تخبريني بتفاصيلك، لكني أعرفها لأني أنتبه ألى كل ما تفعلينه دائما.
طويل يومه جدا، وفي آخره، عاد وهو منهك.
تحادثا.
سكت قليلا، ثم قال: أنت من أريد أن أجدها تنتظرني، حين أعود لبيتي من بعد يوم شاق.
ولعه الرياضي كبير، وأهم ما في حياته لعب فريقه ألى درجة يوقف بها الدنيا لو بدأ اللعب لكنه "دائما" يراسلها أثناء المباراة ليثبت لها كم تعني له.
يمر. يعطي لعينه فرصة، ل تكتحل بها فهي لم تغب عن باله، مهما طال غيابها. رغم ذلك ينطق "يا للصدفة" لو رآها رغم أنها ليست صدفة أبدًا!.
تقرأ. تطلبه أن ينضم أليها بكتابه وقهوته يرد: أنت كتابي. بك أقرأ تفاصيلك وتفاصيل حياتي ومستقبلي وحلمي!
حين طلبت منه أن يكتب ما يحبه فيها، كانت وراءه ولم يدر. أخذ يسرد لها ما يحب، وصل لعينيها، وضع يده على قلبه وتنهد.
فرحت، لأنه ألى هذا الحد يعشق عينيها.
لا تكف عن قول "وبعد. وبعد. وبعد" ولطالما استغرب ذلك.
تقولها ليس لقلة الحديث. أنما لأنها تحبه حين يقول "ما بعدك بعد".
أضحكه طلبها بأن يغني لها قال: مستحيل، صوتي لا يصلح أطلاقا انتهى اليوم، ونامت أيقظها فجرا، وغنى لها قال: المستحيل أن يمر يوم أرفض لك طلب فيه.
أهداها باقة فيها من الورد الأحمر والأبيض. همس لها: الورد الأحمر، لأنك حبيبة قلبي. والأبيض، لأنك أقرب صديق لي.
قبل نزوله ألى أرض الملعب، طلبها أن تشجعه بعبارة من قلبها.
وطارت معنوياته لسابع سماء يوم قالت: قد تكون بطلا في أعينهم اليوم، لكن تأكد أنت البطل الوحيد في حياتي، كل يوم!
يغيظها أنه متذمر ولا يعجبه شيء.
قالت له: أنت دوما لا تريد شيئا، بودي لو توظف كلمة "أريد" في جملة!
بابتسامة قال: أريدك.
يذوب قلبها عشقا، ويطير بها الفرح حين بوسط حديثهما الإعتيادي عشوائيا يقول "أتعلمين بأنك أكثر ما أعشقه بهذه الدنيا("
فلا يملك مفتاح سعادة قلبها سواه!
حفظ كل أغنيات مطربها المفضل. ليأتي ويسألها من من المطربين تحبين؟ يمثل دهشته بأنه المفضل لديه أيضا ويخبرها بأن هذا أول عامل مشترك بينهما رغم أنه ليس كذلك.
لتلك المدينة سر تصاحبان كل مرة تسمع عنها: ابتسامة وشرود. يسألونها لم؟ ترد: أحبها فحسب. تخفي عنهم أنها عشقتها، لأنها صنعت "معه" فيها أروع ذكريات.
سألها عما تحب، وما أدهشها أنه رّدد معها كل شيء قالته. حتى فاجأها بأهدائها قائمة سجل فيها كل ما تحب ليثبت لها عميق اهتمامه بها، وبأنه يلحظ كل شيء يخصها.
امتلأت رزنامة هاتفها بقلوب الحب عند تواريخ معينة. مما أثار شكه فسألها عنهم بابتسامة قالت: راجع تلك التواريخ، ستجد أننا التقينا فيها.
علم بضيقها، لكنها كابرت بأنها بخير أصر على الإتصال الدولي ليتأكد من صوتها فقفز قلبها ونسيت ضيقها، حين اتصل وحياها ب"مرحبا الساع".
يجلس أمامها كل يوم، يقصد بأحلى القصيد لصاحبه تسمع. تبتسم. تعلم أن الأبيات عنها.
عشقت الشعر منه ولطالما عذب ذاك "البدوي" عشق الحضرية".
@@@@@@@@@@
سر الورد.
في وسط غرفتي مزهرية لا تخلو من الورد. أجدد وردها كلما أوشك على الذبول، أهدي نفسي وردًا بين الحين والآخر وأزين غرفتي به، حتى وأن كان من دون مناسبة، جميل أن تدلل أنت نفسك، وتكافئ نفسك، لأنك أنت أنت، ولا تنتظر ذلك من أحد.
وما أجمل من غرفة يملأها الورد وشذاه؟
وصباح يبدأ بعبير الورد، ومساء مزين بألوانه؟
وفعلا، صادق من قال أن الورد هو طريق سريع ألى قلب المرأة.
نحن النساء، لا أفهم لم صعب على الرجال فهمنا، ولا أفهم لم صعب علينا فهمهم، ولا أفهم دائرة اللا فهم التي وضعتها في هذه الجملة!
المهم، وما أفهمه، لا نستطيع العيش معهم أو من دونهم، كما هم أيضا لا يستطيعون العيش معنا أو من دوننا، تلك حقيقة، ولا خيار لنا جميعا.
أحيانا. هي لا تريدك أن تقاطعها بنصف شكواها، وتدرج الحلول. هي فقط تريدك أن تسمع، لأنها لا ترتاح بفتح قلبها والفضفضة لأحد سواك.
أحيانا. كونه لا يلازمك ويحادثك طول اليوم لا يعني ذلك أنه لا يحبك. لكن، يحتاج لمساحته الخاصة مع أصدقائه ومع أهله. كما تحتاجينها أنت.
أحيانا. قد تقسو بعض الشيء في النقاش بحدة. عوضا عن أخذ الأمور بعصبية. تلطف معها، وخذها بالهدوء. تأكد ستسمع لك أكثر بكثير هكذا.
أحيانا. لا يستوعب حساسيتك المفرطة من بعض "المزاح الجاف" بحكم طبيعة أغلب الشباب مع أصدقائهم. عوضًا عن "الزعل المصاخ" افهمي طبيعته.
الحب. ألا تشد الحبل كثيرًا فينقطع، وألا ترخيه كثيرًا فيفلت. لكن، على حسب الأوضاع، تصرف بذكاء. ولا بأس من أن تتنازل قليلا. تقديرا لظروفهم، لنفسياتهم، لكل خير قاموا به لأجلك. لا تنسى، الكمال لله وحده.
الحب رائع، لكن أحيانا ننظر لجهة دون أخرى، لا يوجد حب "بطرفين" خال من الخلافات، أو خال من المواقف الجميلة التي لا تنسى. نحتاج ألى قليل من الواقعية.
وما الحب سوى الإنتماء؟ أن تحب ما يحب، تشاطره اهتماماته وهواياته.
بطريقة لا تشعر بها، يرتبط لا وعيك فيه، فتجد نفسك تشبهه أكثر وأكثر كل يوم.
يخوض بعضهم في الحب، من دون أدنى استعداد له. يغدو مأسورا بنظره، بكلمة. يصبح سره "الأنسان" ذاك، وعنده ينتهي الكلام.
هو صحيح بأن الأنسان يحب الحرية ويعشقها كالطير.
لكن، يصبح الأسر في هوى أحدهم، والتكبيل بأصفاد العشق، أجمل ما يكون، لو رق قلبه لقلبه!
وجمال الحب، وروعة الحب وسحره، تكمن في أبسط التفاصيل التي رغم بساطتها، تترك أثرًا كبيرًا.
لو نظرنا حولنا، لوجدنا الحب في كل مكان.
أم تحضن صغيرها، تحن عليه، ينظر أليها، يبتسم، يرى الدنيا بها، فيحضنها أكثر، يسند رأسه ألى صدرها، فينام. نجد الحب في الأب، حين يخاف أحد صغاره من شيء ويختبئ خلفه. يمسك به، يعلمه ألا يخاف أي شيء وهو على قيد الحياة؛ فيملأ عالمه أمانا.
نجد الحب في الأخت، مصدر الحنان الثاني بعد الأم، خير مستمع لو ضاق الحال، صديقة قريبة تسكن البيت نفسه، وأفضل من يكتم السر.
نجد الحب في الأخ، بهجة البيت وحركته. مزاحه وضحكه هنا وهناك أروع أضفاء في اليوم، ووقت الشدائد، أول من يهب هو.
الحب موجود في كل مكان، ولا يقتصر على شيء أو شخص معين. من يريد الحب، يبحث عنه في بيته أولا، وسيجد أنقى محبة.
والورد، وحبي للورد، شيء آخر. وحبي لمن يفهم حبي للورد، شيء آخر أيضا. فهناك مواقف لا أنساها. وكوني كما ذكرت سلفا أحب التفاصيل، فأنا أحب البطاقة وما كتب عليها أكثر من الهدية، أحب الرسائل لأحتفظ بها أكثر من كلام شفهي يقال في لحظة ثم ينتهي، أحب التخليد بل أقدسه منذ نعومة أظفاري. أكاد لا أصدق بأن مذكراتي وأنا طفلة ما زالت محفوظة، رسائل تبادلتها مع الطالبات الأخريات في المرحلة المتوسطة ما زالت في صندوق صغير، سجل محادثات، مقاطع صوتية، صور، والكثير الكثير من الذكريات الملموسة، أحرص كل الحرص على حفظها.
مَّن علّي الله بصديقات أقسم بأنهن لا يُقدرن بثمن، أخوات دنيا بحق.
أحداهن، أهديتها في يوم ميلادها باقة ورد كبيرة، وصادف بأنه في اليوم الذي تلاه نزل على قلبي ضيق من حيث لا أعلم، وهي كانت معي في غرفتي حين أخبرتها بأني لا أستطيع تقبل هذا اليوم أبدا وأريده أن ينتهي سريعا، قالت لي: أعرف كيف أسعدك، أمهليني خمس دقائق فقط. وهي يبعد بيتها عن بيتي 5 دقائق سيرًا، على أقصى تقدير، ذهبت ثم عادت ومعها وردة، أخذتها من تلك الباقة التي أهديتها أياها وقالت: أسعدتني بالأمس، دوري أن أسعدك اليوم! كذلك، في اليوم الذي يسبق يوم ميلادي، فاجأتني صديقة أخرى بمكالمة هاتفية وأخبرتني بأنها في طريقها ألي الآن وطلبت مني البقاء في المنزل، وفعلت. جاءت، ومعها باقة ورد ضخمة، ضخمة جدا، وعلبة كاكاو. أصرارها على أن تكون أول المهنئين، وأول من يأتي ألي بما أحبه بالذات، غمرا قلبي بفرح عارم وامتنان لا وصف يفيه حقه.
أيضا. كصديقة، أحب أن أؤدي أبسط واجباتي، وأن أكون الأذن التي تنصت، القلب الذي يحب، الروح التي تنصح، والنفس التي تقدر وتلتمس العذر. ذاك واجبي، ولكن كم هو رائع حين أجد تقديرًا لما أقوم به؟
طرقت علي باب غرفتي ذات مساء "شغالتنا" وحين أذنت لها بالدخول تمتمت بكلمات لم أركز فيها لإنشغالي بمكالمة هاتفية، رمقتني بنظرات ذات مغزى وكأنها قد كشفت أمرا ما، قالت لي: "تعالي تحت، شوفي" وحين "رحت تحت، وشفت" وجدت باقة ورد آسرة خطفت قلبي، ووسط تذمر "الشغالة" من أن سائقا قد أوصل هذه الباقة وهي لا تعلم من أرسلها "وظنها لم يكن حسنا أبدا" وجدت البطاقة وقد كتب عليها: "أهنئ نفسي لأني قد حظيت بصديقة كظل وارف،Thank you for being there for me".
موقف آخر.
لي صديقة، أهدتني ما أحبه حقا وتمنيته دوما، فلطالما شكوت وتذمرت بقول "لا أحد يكتب فّي شعرا، ما هذا الحظ(" وفي يوم ميلادي، بيدها سلمتني قصيدتين مخطوطتين، كتبتهما بقلمها لي، وسكنتا براويزي منذ ذلك اليوم، وكلما رأيت القصيدتين أبتسم، فما عدت أندب الحظ وفي حياتي صديقات مثلهن. كذلك، كنت أجهز لسفري برفقة صديقتي ووجدت نفسي أبتسم وأنا في الطائرة لأني وجدت ورقة كتبتها في مذكرتي تخبرني كم ستشتاق ألي. وذات مرة مرضت مرضا شديدا والأعياء جعلني أفقد شهيتي لأيام، فوجئت بصديقتي "تقتحم" غرفتي معها 3 أصناف طعام أحبه لتجبرني على تناوله!
سردت مواقف كثيرة، كلها تصب في كلمة واحدة: التفاصيل، التفاصيل، التفاصيل..
فالتفاصيل، تلفتني كثيرا وأثرها يبقى في قلبي ألى الأبد، فأن تهديني وردة لجعلي أبتسم؟ أن تهديني ما أحب وتحرص أن تكون الأولى؟ أن تقدرني بمفاجأتي بالورد؟ أن تكتب في وتهديني ما كتبته في ورق لأني أتمنى ذلك؟ أن تكتب في مذكرتي لأنها تعلم بأني فور أقلاع الطائرة سأفتحها بغرض التدوين فيها؟ أن تحضر لي طعاما أفضله لأنها تخاف على صحتي؟
وما يعني لي العالم، وكلي يقين بأنه يعني العالم لأي أنسان كان، أن يشد على يده أحدهم، أن يشجعه ويؤمن بموهبته ثم يساعده على تطويرها، يدفعه ألى تحقيق حلمه كلما تسمرت أقدامه خوفا، يحفزه معنويا، يدفعه ألى الأمام، فتلك التي فعلت معي ذلك لن أنسى صنيعها معي ما حييت، بالأخص حين أكون في غمرة المفاجأة ذات صباح، ليس لأني في أوج انشغالي وجدت صديقتي في غرفتي من دون سابق أنذار فحسب، بل لأنها وضعت بين يدي كتيبا صغيرا قد جمعت به تغريداتي وكتبت لي عليه.
وأيضا حين أبلغ صديقاتي بأني نويت العمل على الكتاب فعليا، وأجدهن معي في كل خطوة بدءا من اختيار القصص، البحث عن المطبعة المناسبة، ترتيب القصص الذي عانيت معه كثيرا، مراجعة النصوص، واختيار الغلاف وطريقته. وكم من مرة عدلت عن قرار أصدار الكتاب، ثم عدت ألى العمل عليه بفضلهن بعد فضل الله!
وصديقاتي اللاتي كتبت عنهن أجزم بأنهن يبتسمن من قلبهن وهن يقرأن هذا الكلام كونهن عرفن أنفسهن بوسط دهشتهن كوني لم أخبرهن بأن مواقفهن ستذكر هنا كما ستعيش في قلبي دائما. فوالله، غنية أنا بهن عن كل شيء.
*****
تخفق عشقًا.
لم يكن قصة حب، بل كان القصة،
ولم يكن رجلاً عاديًا، بل كان الرجل.
أضافت ال التعريف قبل كل شيء يخصه، لأنه مختلف.
زارته في المستشفى بعد عمليته وعلقت هناك لساعات لأنه نام ممسكًا يدها وكلما حاولت أفلاتها لتمضي، يفيق، فيمسك يدها أكثر حتى لا تذهب!
اعتادت أن يفاجئها بحضوره أينما كانت حتى أصبحت تتأنق دومًا لو خرجت ولا تهمل هيئتها أبدًا لأنها تعلم بأنه سيزعم بأنه في "الديوانية" وما هي دقائق حتى يمر أمامها.
حتى يسمع اسمها دائمًا، ألحّ على أخته أن تسمي مولدتها الجديدة باسمها، وفعلت. ومن يومها، أصبحت تلك المولودة أقرب أطفال البيت ألى نلبه.
يوقظها لصلاة الفجر كل يوم، ولو استيقظت قبله، تسارع لأيقاظه حتى لا تفوته الصلاة.
هكذا هو الحب الطاهر.
تشكو له: تخذلني الأمنيات دائمًا، كم أكرهها وأكره حظي العاثر.
يرد: وأنا ممتن لأمنياتي وحظي، أتعلمين لماذا؟
لأن أمنيتي اللقاء بك، وحظي أتى بك ألي.
يبتسم دائمًا في حضورها.
تسأله لِم تبتسم؟
يرد: لأنك تعطينني ذاك الشعور الذي لا يوصف.
ذاك الذي يدفع كبار الشعراء لكتابة قصائدهم.
في تأمله، لصورة لها وهي صغيرة يعّلق: أذًا هكذا ستكون ابنتي؟ لا أطيق الإنتظار لرؤيتها.
تركت شعرها كما هو، لأنه يحب تمّوجه الغجري وامتنعت عن الكحل، لأنه يحب البراءة في عينيها والتي يسلبها أياها كحلها. يحبها كما هي، وذلك سره.
دخلا لمكان، امتلأ بالأنيقات. لكنها كانت في أسوأ مظهر لها، في أوج انتفاخها وهي حامل في شهرها التاسع يضع ذراعه حولها أمامهن، يهمس بأذنها: أرأيتِ كل هؤلاء؟ أنتِ أجملهن.
للطفه معها وتدليله أياها طوال الوقت تخاف أن يحسدها عليه أحد فيفترقا. يقول: أن كان لديهم أعين تحسد، فلدينا رب يحفظ لا تخافي، سأبقى طوال العمر معك.
ضم كفه ألى كفها، قال: لن يعلموا، ولن تعلمي استغربت. أكمل: لن تعلموا جميعكم أبدًا، كم لزمني الإنتظار، ليكون في حياتي حب كحّبك.
تحبه، ومهما اختلفا تسامح يكفيها أنه يفهمها ألى درجة أنها لو كانت معه، ورأت ما يضحكها، قبل أن تضحك، تلتفت أليه، وتجده قد التفت أليها، فيضحكان على الشيء نفسه معًا.
كانت في قمة انفعالها وحماسها حين اجتازت ذلك الإمتحان قالت: هذا أفضل ما حصل لي. عّلق: وأن تكوني لي، ورؤيتك بهذه السعادة، أفضل ما حصل لي في حياتي.
كان معها، حين حزنت وأوشكت على البكاء وضع يده على وجنتها.
قال: لكِ، قد أكون (أحدهم) لكن لي، أنتٍ لست (أحداهن) أنتِ سيدتهن. ألا يكفي ذلك لتبتسمي؟
معكرٌ مزاجها لأنهما اختلفا لكن حّبه يتعدى مزاجيتها وعدم رغبتها في الحديث معه رغم كدره، أرسل لها وردًا، وكتب على البطاقة: بالله في البعد قولي ويش حاجتنا، ما دام خذنا الزعل حاجة طفولية؟
اعتاد تقبيل جبينها وبطنها كلما رآها يقول لها: أقّبل جبينك، تعبيرًا عن احترامي وحبي الكبير وأقّبل بطنك، لأنه سيحمل ابني يومًا ما.
يناديها "أميرتي" يستمعْ لجميع حكاياها الخيالية، بل يتخيلها معها ويعيش بعالم خيالها الواسع. ويخبرها، بأن جل ما يريده، أميرة صغيرة، تشبهها.
لا يعرفونه، كما تعرفه هي، وتحفظ طِباعه. تحفظه جيدًا ألى نحوٍ لو سألته فيه سؤالاً، تجيب بالنيابة عنه فيضحك، لأنه فعلاً كان سيجيب بذلك تعلم، ويعلم. لا أحد مثلها سيفهمه.
ترك لها سجادته التي يصلي عليها. هّمت لتعيدها أليه، رفض قال لها: احتفظي بها وصلي عليها دائمًا وبعد كل صلاة ادعي الله أن يجمعنا ألى الأبد.
لا تجيد سرد القصص، ولا تحفظها وأصّر هو أن ينام على صوتها وهي تقّص له قصة ما رغم أنها قرأت له "قصة أطفال" أندمج ولم تُنِه القصة ألا وهو غارقٌ في نومه.
كل يوم كان يغّني لها، اعتادت ذلك، وأحّبته كثيرًا مرة طلبها أن تقول "آمين" وفعلت قال: أن يأتي اليوم الذي أغني لكِ فيه وابننا بأحضانِك.
حبهما مملوء بالخلافات، تصل أحيانًا لمرحلة ما قبل الإستسلام كثيرًا ما تتساءل مع نفسها أن كان هذا الحب يستحق العناء تقع عيناها على ابتسامته ثم تهمس بداخلها: يستحق.
كثيرًا ما تشّبهه بذاك اللاعب وذاك الممثل رغم أنهما لا يشبهانه..
يبتسم لذلك ويوافقها، ليس لأنه لا يغار بل لأنه يعلم أنها تراه في كل رجل.
حبهما بعمقه، غّطى جميع نواحي حبائهما، حتى بروحانيته. ففي رمضان، تنافسا تحت ظل وّدهما من منهما يختم القرآن أولاً.
في عز خلافهما صرخت به: لا مكان لك في قلبي! ببرود رد: وأنتِ كذلك تغيرت ملامحها بكل دهشة قالت: أصحيحٌ ذلك؟ ابتسم ولم يرد من اهتمامها أكدت له بأنه ما زال يسكن قلبها.
يرى أنها من اجتمع النقيضان فيها قائلته وملهمته في آن واحد وترى بأنه من اتفق عليه نقيضاها اللذان ما اتفقا يومًا عقلها وقلبها. اتفقا على الحب، باختلاف.
كانا معًا حين أشار ألى هيئة القمر وبدت السماء لهما وكأنها تبتسم أرسل لها بعد يومين صورة القمر حيث كان نصف بدرٍ وقال: ما عادت السماء تبتسم لأنك لستِ معي.
كانت في طريقها للقائه، لكن قبلها حدث أمر كدرها واستدرك ذلك من صوتها.
وحين رآها، أعطاها وردة قال: لم يسعفني الوقت لشراء واحدة، فسرقتها من أختي، فقط لتبتسمي.
بالسعادة يُشعرها دائمًا حتى لو لم يتعمد ذلك تقول له: أحب كيف تجعلني أشعر.
يرد: وأحب عندما تكونين سعيدة. يعلم بأن سعادتها فيه.
تحب ذلك التعبير، تكتبه له كثيرًا. تخاصما لأيام. فوجئت بهدية مرسلة لمنزلها. فتحتها، وكان سوارًا جميلاً منقوشة عليه تلك العبارة، مرسلاً أليها منه، ليرضيها!
حوله مجموعة أطفال ونادى أحدهم طفلة، اسمها كاسم حبيبة قلبه. يقول لها: ي"فر قلبي حينها، وفورًا بحثت عنها. أحببتها قبل أن أراها، فقط لأنها تحمل اسمك نفسه"
ينظر في ملامحها يخبرها: لأنها ستشبهك، أنا واقعٌ في حب ابنتنا من الآن.
ستكون أجمل أميرة. ردت: وأنا؟ أجاب: ستكونين ملكتي ألى الأبد.
تحقق حلمه، فرحت له شّدت على يده وقالت: السعادة هي تحقيق الأحلام. رد: السعادة أن يكون لك حلم لا تتخلى عنه ومعك شخص يحرص على ذلك، أنتِ؟
ليست لونًا ليس بلونها المفضل، وما اعتادت اختياره. سألته: أجميلٌ اللون علّي؟
رد: بك، وبحلاك، تنزين الألوان وليس العكس.
يناديها ليقول لها: أعلم بأني أقولها لكِ كثيرًا لكن أُقسم بالله أُحّبكِ ترد: وكّلما قلتها لي، أشعر بأني أسمعها للمرة الأولى.
أغضبته، وفي محاولة منها لأرضائه قالت: أنا أحّبك، بكل جنون، فهل تحبني؟
رد: لن أجيب الآن، لأني حاليًا أحاول الإدعاء بأني غاضب, اسأليني في وقتٍ آخر.
لو نادها ورّدا ب:هلا يعود فيناديها ثانية، حتى تلبي ب"عيونها" يحب أن تخّصه حتى لو لّبت لأنه يعلم، وحده من سكن عينيها، وسيسكنهما ألى الأبد.
هو: محتاج ألى رؤية وجهك الآن! فورًا التقطت له صورة وأرسلتها قال: أحّبك، بقدر ما تبدين جميلة اليوم! يخبرها بأّنها "نادرة"
تسأله بفرح: أصحيح ذلك؟ يجيب: أعنيها "أنتِ نادرة" ولا تسمحي لأحد بأن يشعرك بأنك أقل من ذلك، وهل تعلمين بأنك حين تفرحين أفرح؟
غضب الدنيا حّل عليها كونها واجهت يومًا سيئًا اتصلت لتشكو أليه لكن حين رد بهلا حبيبتي نسيت الغضب وما حصل معها وأصبحت الدنيا بخير من "صوته".
يتألم لقسوته وعصبيته دومًا عليها، كون العصبية والقسوة من طباعه فكر قليلاً، ثم قرر عدم الإستمرار معها لئلا يجرحها ردت: أجُننت؟ لن أترك تلك الأمور الصغيرة التي تكرهها في نفسك تبعدني عنك، سأتحمل!
اختار الجلوس أمامها، في ذاك المقهى وعينه ما فارقتها احتقن وجهها خجلاً، بعثت له: كف عن ذلك! فأجاب: لا أقدر، فلأنك مختلفة يتلاشى الناس فنبقى أنا وأنت وجمال عينيك.
انتهت من علاقة حب فاشلة فقدت الأمل بأن تجد رجلاً كأبيها فهي تحب أباها بكل ما فيه حتى عّوضها الله، بمن يشبه أباها بكل شيء، حتى اسمه.
هي: من أبسط الأشياء لأكبرها، أريدها معك! هو: وأنا مستعد لأن أجعل أبسط أشيائك أهمها بالنسبة لي فأنتِ ما عدتِ حبيبتي فحسب، بل حياتي الجديدة.
سكتا بعد حديثٍ طال لساعات عشرات الأشخاص كانوا بينهما لمحته فلمحها، ابتسم لها فابتسمت وقالت تلك الإبتسامة ما لم يُقال طيلة الساعات.
كان في قمة استعجاله ليلحق باجتماعه رآها، حّيته ودعته لشرب القهوة معها أن كان متفرغًا من دون أن يحسبها، قرر البقاء معها وقال: متفرغ تمامًا!
تنازعا في ما بينهما من يعشق الثاني أكثر؟ تمضي أيامهما، كل يتسابق لأرضاء الآخر وأسعاده. حتى بات عشقهما مثلاً يُضرب ويحتذى بين رفاقهما في "الحب الحقيقي".
كان أمامها حين رفع رأسه، وكأنه يبحث عن شيء طلبها أن تشاهد القمر رفعت رأسها لتراه لكنه لم يظهر لها قال: لم تجديه فوق، لأنه أمامي الآن.
بكت أمامه مرة فحرص بعدها على أن يكون روتينه اليومي جعلها تبتسم وترسل صورة توثق ابتسامتها فيها تلك طريقته ليقول لها أن ابتسامتها تعني له العالم.
كلما كتبت حرفه سألوها عنه، لكنها تتهرب من الأجابة وذات يوم بوسط كلامها عن أحدهم، لفظت "اسمه" بالخطأ وخلف تلعثمها ومحاولتها بأن تداري ارتباكها ما عاد اسمه سرًا.
يقول: لا أريد من الدنيا شيئًا سوى أن تكوني قربي تهمس في قلبها: وأنا أريد من الدنيا كل شيء، لكن أريده معك، و"أنت" قربي!
وما أهتم أبدًا، لفضولٍ يأكل قلوب الجميع ولم يبال بالقلوب ذاتها التي تنبش وتتطفل على قلبيهما يقول: لو جاؤوك، قولي لهم (يحبني.. يحبني كثيرًا) صدامها الكبير نتج عنه رغبة كل منهما بالفراق ما هي ألا دقائق حتى هدأ هو وقال لها: أن لم ينته بي الأمر معك، لا أريده أن ينتهي مع سواكِ.
عُذري وجميل حبهما لو اجتمعا في المكان نفسه، تشي عيناهما بعشقٍ يسكن أقصى فؤاديهما ولو لمحهما الناس علموا بأن هناك "عشقًا ما" يدور بينهما.
يسألها: أن كنتِ حلمًا فأنت أجمل أحلامي وسأسعد بأني حلمت بما أتمناه وأن كنتِ واقعًا، أظن بأن الله رزقني بأكبر مما توقعت فأخبريني، أواقعٌ أنت أم حلم؟
وحدها، تُحكه من قلبه وجودها حوله يغمره بالراحة وحدها، سلكت الطريق ألى فؤاده من دون تعمد ومن دون وعي ولذلك متيمٌ هو بها، ألى آخر مدى!
@@@@@@@@@@
سر الماكارون.
أحيانًا، تقع في حب الأشياء من أول مرة، من دون أن تتوقع ذلك بتاتًا، أبدًا ما استوقفني ولا شّدني "الماكاروني" يومًا، حتى ذلك الأشعار الآخر، يوم قضيت ذات مساء في أحد المقاهي الفرنسية الراقية، وألى جانب الكابوتشينو برغوته الأضافية قّدموا لنا "الماكارون"، وحين سُئلت عن النكهة التي أفضلها، بعد ألقاء نظرة على قائمة النكهات، لا أعلم لِم اخترت ال(؟ وأنا لم أجربها أطلاقًا. والمفاجأة بأنه منذ يومها، بات أحد الأشياء المقدسة التي أشتهيها من حينٍ لآخر ويطيب لي عناء تلبية نداء شهيتي بالذهاب ألى المجمع التجاري، ألى محل الماكارون تحديدًا، لأخرج منه بعلبة ماكارون وابتسامة رضا. ويقولون لي بأن هناك نكهات أحلى، لكني للأمانة أجهل سبب أعجابي بنكهة ال فقط، حتى بعد تجربة نكهات سواها.
عمومًا، وبعيدًا عن الماكارون.
الحب ليس شيئًا تبحث عنه، فتجده، ليس شيئًا تأمر قلبك فيه قائلاً: سأُحب الآن، سأُحب ذاك، وتفعل! الحب يأتيك بنفسه، خصوصًا في قمة الغفلة، وما كان أمر الحب الحقيقي في يد أحد. يمر عليك أحدهم، يفز له قلبك، ويطلق البعض على ذلك
"حب من أول نظرة" لكن أطلق عليه أنا "تنبيه". وكأن القلب ينبهك ألى أن ذاك الأنسان سيملكه! بسبب ذلك الشخص. تتمنى لو تُعيد عيش حياتك من الأول أحيانًا، ليس لشيء، بل لكي تعرفه لأطول مدة ممكنة.
بسبب ذلك الشخص.
تصبح لديك ابتسامتان. ابتسامة للناس أجمع، وابتسامة لو
ابتسمتها، لعلم الناس أجمع بأنه سببها.
بسبب ذلك الشخص.
ما يجعلك تهدأ، وترتاح "صوته" ولو قال لك "لأجلي".
لنسيت الهم كّله.
بسبب ذلك الشخص.
تعيد ترتيب حساباتك، أوقاتك، وأولوياتتك، ليصبح هو من
تحسب له الحساب، وله الوقت كله، وهو الأولوية.
بسبب ذلك الشخص.
يصبح وقع اسمك مختلفًا، لو سمعته "هو" يناديك. تدب فيك الحياة، تعشق اسمك، تشعر وكأنك تسمعه للمرة الأولى.
كل من يهوى، ولديه محبوب يبادله الحب عشقًا "هنيئًا".
في زمن ضلال الحب، وجدته، فحافظ عليه.
وقد ننتظر طويلاً. تبدأ بفقدان الأمل ونصل لمرحلة ما قبل
اليأس من أن نَعشق ونُعشق. ولا نعلم لماذا يرفض القلب جميع من حاولوا الدخول أليه. نتساءل عن سبب عزوفنا عن الحب، عن الإشتياق، عن السؤال المتكرر وانشغال
تفكيرنا بأحدهم. مشاعر جميلة، لا نخوض بها ولا نريدها. كيف؟ ولماذا؟ لكن في قمة الإنشغال، في قمة اللا مبالة، بمكان ملؤه الناس. ترفع رأسك فتراه، متحدثًا!
فتهمس لك روحك: ذاك توأمي. ويهمس لك قلبك: ذاك الذي أنتظره.
تلتفت أليه، ولا تعلم سر الإلتفات.
تنشغل به، ولا تقدر على ألا تنشغل به.
تلعب الصدفة دورها كثيرًا بينكما، ولا تقدر على استيعابها.
فتحبه!
تحبه، فتجد نفسك، من دون أن تشعر، تبتسم. فقط لأنه زار تفكيرك، وعبر بمخيلتك طيفه.
تحبه، فتجد نفسك، تعشق أغاني الحب وقصائده وتغرق في معانيها، تهيم في وادٍ آخر، نشعر بأنها كلها عنك.
تحبه، فتجد نفسك تتفقد أحواله في كل حين، تهتم بأصغر تفاصيله، تريده أن ينهي يومه بك، ويبدأه بك. تشتاق أليه، حتى وهو معك.
تحبه، وتخشى أن تصحو فجأة، ويكون كل ذلك حلمًا. لأن من حلمت به دومًا، موجودٌ معك.
تحبه، فتجد نفسك عاجزًا عن التفريق بين الحلم والواقع، لأن واقعك معه بات أجمل من الأحلام. تحبه، فتبتسم. لأن أجمل الأشياء تحدث لمن يصبر، والأجمل
يأتي متأخرًا دائمًا، وهَهو أتى.
لا بأس بأن تكون أنانيًا في الحب لدرجة ترفض بها مناقشة ماضيه أو حتى الإطلاع عليه لأيمانك بأن حياته بدأت معك ويجب أن تكون معك أنت فقط!
فأنت حاضره، أنت حاضره، أنت حاضره، وستكون بمشيئة الرحمن مستقبله، اترك ماضيك عنه! احتفظ بقلبك، احتفظ بحبك، ولا تعطهما لمن لا يستحقهما.
لأن من يستحقهما سيأتي يومًا ما. فاصبر. تعود ألى الماكارون، يقال بأن أصوله فرنسية، لكن له قصة لافتة.
وُجد الماكارون للمرة الأولى في أيطاليا، على يد الشيف كاثرين دي ميديسيس، وقّدمته ألى فرنسا في عام 1533@م وهو عام زواجها من دوق أورليانز الذي أصبح في ما بعد ملكًا لفرنسا في عام 1547@م وعُرف باسم هنري الثاني.
وهل أهدت "كاثرين" لفرنسا حّبها لملكها، ونسيت أصول الماكارون لها؟
يجوز..
@@@@@@@@@
قسمة ونصيب.
يعرف أن لا نصيب بينهما وستقف الأقدار بوجه حّبه لها قبل أن ينتهي ما جمعهما، ترك لها تلك الرسالة: "في حلمي، أنتِ لي. لكن في واقعي، أنتِ حلمي"
"سأقول لك كلمتين من قلبي والثالثة من القدر الأولى أُحبك، الثانية حافظي على نفسك والثالثة وداعًا" رمى عليها ذاك القول ورحل، لأسبابٍ ليست في أيديهما.
عاشا حياتين، كل مختلفٌ عن الآخر اختلافًا تامًا جمعهما حب، حاربا به الإختلاف أكثر مما حاربهما فقط ليبقيا معًا، وينقذا حبهما، ويعيشانه.
كل ليلة، لو وضعت رأسها على الوساد لا تفكر ألا في روعة الحياة التي كانا سيعيشانها سوية، لولا الظروف كل ليلة، تظل تبحر بخيالها، حتى تنام، وتعيش تلك الحياة حلمًا.
تعاهدا على الحب والوفاء، رغم علمهما بأن الريح ستهب بهما يومًا وفعلاً. هبت عاصفة اختلاف المذاهب حين أصّرا على أن يجمعهما سقف واحد. وكم من قلبين تفرقا لذلك؟
تحّول ربيِع عمرها ألى خريفٍ تساقطت فيه أوراقه مع دموعها متيمة به، وهائمٌ بها هو لكن، اختار الإنسحاب، على أن يواجهها بأن رغبة أهلها ستفرقهما.
كبر على اللعب، نضج ألى درجة أراد الإستقرار فيها ترك من صبرت عليه، وأحّبته من قلبه، ولم يكن لها ماضٍ مع سواه ليختار أهله شريكة حياته والمفاجأة؟ اختاروا له من علم الجميع بطيشها ألا هم.
رغم سعادتها به وبأنه أصبح جزءًا من قلبها ألا أن قلبها يتآكل حزنًا على جور القدر في نفسها تقول: لمِ أحببته من البداية، وهو ليس من نصيبي؟
عناد الأهل فرقهما. أدمى قلبها، أنها أكملت حياتها مع من اختاروا، لها أدمى قلبه، أنه اضطر لأن يدمر صورته بمخيلتها، لتكرهه، وتعيش من دون أسفٍ من دونه.
"يقول" بأنه لا يريدها، لكن عيناه تناديها بدل أن تعرض عنها غموضه قتل كل ما تبقى من أجمل ذكريات حبها الأول ليتركها، تشتم الحب وتلعنه من بعده ويترك نفسه يقاسي وجع رفض أهله اقترانه بها!
مضى في نصيبه وهي لا تتمنى له سوى التوفيق والسعادة وتصلي لأن ينزل الرب على قلبها صبرًا واحتمالاً لترضى بواقعٍ ينام فيه حبيب عمرها في حضن غيرها!
فرقتهما الظروف وكلما اشتاق أليها كتب: أنشدك عن نور القمر وشلون نوره؟
ظنوه مولعًا بالشعر.. وما علموا أن قلبه يحترق شوقًا ل"نورة"!
ينامان ويستقيظان، وبقلبيهما أمنية واحدة وهي "النسيان" النصيب كان مفترق طريقهما وقاتل أحلامهما ولو كان بوسعهما تغيير أقدارهما، لفعلا!
أجمل سنوات عمرها أضحت الأسوأ فهي تستعد لتُزف عروسًا لغيره وهو؟ يتقطع قلبه ألى أوصال لأنه دفع بها بعيدًا عنه، لتعافه ذلك، لأنه يعلم بأن لا نصيب بينهما.
تتزين وتتأنق لليلة مختلفة ولحضور ذاك الزفاف فهو يُزف ألى عروسه وهي يتآكل قلبها ندمًا لأنها رفضته ومن كل قلبها تتمنى لو كانت مكان تلك، الليلة!
تنزوي هناك فتراقبه وينكسر قلبها لسوء حاله من بعدها وهو، تخنقه كآبتها من دونه ويتمنى أن يحضنها لثوانٍ ويعود ألى الفراق! فرقتهما الأقدار، ولكن القلوب أبت الإفتراق!
خانت الأقدار والقسمة وتوادعا وكان الوداع بالنسبة لهما ليس أكثر من كلمة وقعت على رصيف افتقا عليه اثنان آمنا بأن القلوب لا تعرف الوداع أبدًا، ما دامت تنبض باسم من سكنها.
عواقب حّبهما، معروفة. فأن استمر لن يقابله شيء سوى الرفض من الجهتين (الأهل) لذا، "كتما" الحب "حلما" أن يستمر و"اكتفيا" بالصداقة.
في عينه الحب، وفي عينها الحسرة فهي، بكل طاقات قلبها وروحها تود قضاء العمر معه كما استعداه لتكون أول وآخر من يراه في يومه لكن، عزاءه أنه لا يقوى على أقناعهم بها.
ظن بأن فراقها وكونها من نصيب غيره سهل ألا حين رآها يدها بيد "ذاك" تنظر أليه بعينين ملؤهما الحب وهو يدللها ويداعبها أمام عينيه. افتعل الضحك بحضورهما، لكنه كان يموت قهرًا وندمًا في داخله!
لا يمزق قلبيهما سوى أنهما صديقان وهما يعلمان بأن ما بأفئدتهما يفوق الصداقة كثيرًا لكنهما ظلا صديقين، لبقيتهما بأن لا فرصة ستجمع بينهما أبدًا.
في يوم مشت فيه على عشقهما عجلات القسمة والنصيب بمناجاة لا يسمعها سوى الرب كانت تهمس رافعةً كفيها، معلنة الرجاء ب"رد القضاء" تطلب من الله أن يكونا في عالمٍ مختلف، تكون "له" فيه!
أصّرَ على لقائها في ليلة ارتعب قلبه من فقدانها ذهب أليها بقرآنٍ يحمله، طالبًا أياها أن تقسم عليه بأنها لن تهجر ومهما حصل أقسما معًا، لكن ما أقسم القدر أن يبقيهما معًا!
أمام أجمل أحلامهما وقفت رغبة والديه، لا عيب فيها سوى أنهما لم يختاراها. رضيت بالواقع واكتفت بالبقاء قربه انشغل كثيرًا، عذرته، لتصحو يومًا على خبر خطبته!
أقفل القدر آخر أبواب لقائها، بدعوةٍ من النصيب وعبر تلك الفجوة الصغيرة المنسية، تسّرب الأمل، والتقيا. للقلوب الصادقة طريق ألى بعضهما دائمًا!
يتقطع فؤادها على هجره وانسحابها من حبهما وحياته لو لمحته، تتمنى أن يفهم ذلك الرجاء الذي ينطق في عينيها وذلك الأمل بأن يعيشا في عالمٍ آخر حيث ستبارك الظروف حبًا تكون له فيه، ويكون لها!
مهما أرادها، ومهما أرادته مهما كافحا هما الإثنان لن يقف في صفهما سوى الحب وبضع أمنيات وذكريات تدفعهما للكفاح اختلافٌ وأعرافٌ تقف أمامها، لتزيد طريقهما وعورة وعذابًا.
في قصة عشقهما لن يكون الحب خير شفيع ومخالب القدر، لن ترحمها قطعًا لن يقنع الأطراف الأكبر، حبًا يناضلان "باسمه" مهما كان سببًا مقنعًا لأن يتمسكا به ويناضلان لأجله.
تبعت قلبها أو تبع قلبه طريقهما مسدود ولن يصنع لهما الحب دربًا ولن يتركهما ألا بالألم، بالندم، بالحسرة على عالمٍ يعيشان فيه، لا ينصف الحب!
قاسٍ ذاك القدر الذي اتفق مع النصيب عليهما صعبٌ عليها أن تتخلى والأصعب أن تنسى وبين تلك الدروب تتصنع الضياع، لتقضي أطول وقت ممكن معه.
حكم أهلها بأنه لو كان آخر من على الأرض فلن تتزوجه وحّتم حكمهم الجائر أن يفترقا. ولكن. ما زالت لو سمعت اسمه تفيض أدمعها وما زال، لو سمع اسمها، يتألم!
@@@@@@@@@
سر الكاكاو.
الكاكاو الداكن، بنسبة فوق
ال%70 يرفع هورمون السروتين، وهذا الهورمون هو المسؤول عن الراحة النفسية في الجسم مما يؤدي ألى الأحساس بالسعادة. يقول تشارلز شرلز: "كل ما تحتاجه هو الحب، لكن القليل من الشوكولاتة بين الحين والآخر لن تجرح". وهل رمى تشارلز ألى أنك ستحتاجها حين يجرحك الحب؟ مكن!
"لن يصيبنا ألا ما كتب الله لنا"
قناعة نحتاج أليها كثيرًا، لنواجه أحزاننا بها. بعض المصائب، بعض الهموم، وبعض المسائل ألا تريد أن تسمع نصيحة أحد فيها، ولا تريد أن تصّدق أنها فعلاً قد وقعت ولا تريد أن تتحدث عنها. اخترت بأرادتك التجاهل التام لكن بأعماق أعماقك تعلم أنها حقيقة لا يمكنك الفرار منها، وفي الوقت نفسه لا يمكنك مواجهتها. بعض الأمور لشدة رغبتك، تعّلقك، أملك فيها تصرف النظر عن مصيرك وأياها ولا يهمك مستقبلها، أنما حاضرها. جزء منك يحاكيه عقلك يطلبه "الإستيقاظ" ولمس شيء من الواقع وجزء، يحاكيه قلبك يطلبه "السبات" بما أن ذلك
الحلم يُسعده. جزء منك يقول: أعقل، فكر جيدًا، دُس على قلبك، وحتمًا ستنسى. وجزء يعانده يقول: أنت لا تعيش سوى مرة، عِش الحياة التي تريدها، مع من تريد! فيجتاح روحك صراع داخلي بين عقلك وقلبك، وبين رغبات القلب وأوامر العقل تتمزق الروح حيرة، ونجاة الروح من تلك الدوامة، محكومة بانتصار أحدهم، العقل أو القلب.
وهنا، قد نحتاج ألى قطعة كاكاو. وما أرمي أليه هو فترة نقاهة، فترة راحة، فاصل عما تعيشه! اختل بنفسك، سافر، انزو قليلاً عن كل شيء، عن العالم، نحن نحتاج ألى أنفسنا كثيرًا، نحتاج ألى النظر فيها والتمّعن بأرواحنا، وكثيرًا ما تنصلح الأمور حين تتصافى مع نفسك! بعدها عُد لأي شيء آخر كان يشغلك، بعد انتهاء آخر قطعة كاكاو من العلبة بعد الفاصل.
مقتنعة، أنا جدًا بأن المحبة الصادقة لا تموت أبدًا ولا تعرف نهاية، فأن يغيب أحدهم ويتقطع وجوده لأيام، لشهور، أو حتى لأعوام، وأن يموت حضوره، لا يعني ذلك أن يموت في قلب أحبابه وعقلهم. فقد تحرمنا الأيام وجوده وتخطفه وهو بين أيدينا وأمامنا، وقد تقدر أن تبعده. لكن ما لا تقدر عليه، بُعد القلوب.
قد تكون النهايات بالنسبة لي، أشياء ملموسة. كقصة، كرواية: فيلم لكني حين أدقق تزداد قناعتي بأن لا شيء.
في عالم المشاعر فعلاً ينتهي، لكنه قد يتبدل. خصوصًا، ما بالقلب لأشخاص.
فمهما اجتهد الواحد من أن مهما قال سينسى، لا بد لشيء يجيء يطرق أبواب الذكرى يهز الشوق، الغضب، الحزن، الحب، الكره أو أي شعورٍ كان، لا بد لشيء أن يوقظ الذكر!
ضِحكهم، عبوسهم، أماكنهم المحببة، هواياتهم، عطرهم، والكثير. كيف ننساهم؟
أحيانًا مهما ابتسمنا مهما ادعينا التأقلم مع الأوضاع والتكّيف مع الظروف والإعتياد على صعوبة المواقف جزء كبير بداخلنا يصرخ: كذب! وجزء، يكابر.
نعود ألى مكانهم لكن هذه المرة من دونهم. نسمع أغانيهم لكن هذه المرة، من دون ترديدهم لكلماتها معنا.
نفعل ما يكرهون لكن هذه المرة من دون توبيخهم أيانا. لا سلطان على المشاعر سوى عقلٍ قوي، أقوى كثيرًا من القلب. لكن أين المفر لو أحب العقل من يعشقه القلب؟ وعلى غير عادة، اتفقا.
أحيانًا لا يرفض النسيان سوى العقل وليس القلب، والعقل هو من يُحضرهم أمامنا رغم الغياب، وليس القلب. ومن يستحق فعلاً، يفرضه العقل على القلب وكل الحواس ولا ينساه أبدًا. مهما غاب.
جمالهم ليس بأننا ابتسمنا وهم (معنا) فقط، بل لأننا ما زلنا بسببهم نتبسم رغم أنهم (ما عادوا معنا). حكاياتٌ سطرها الأولون، ونعيشها نحن. تختلف العوالم،
العصور، الأزمنة، والشخصيات، لكن كسرة القلب، الرفض، الكفاح، نفسه!
تقهر الظروف الحب أحيانًا، تشتت المحبين وتهزمهم. وأحيانًا، يقوى المحبون على ظروفهم، يعاندونها.
فينتصرون.
وحدها قوة الحب، ودرجة، التمسك فيه، هي من تفرض على أقسى الظروف كلمتها. ومهما حزنت، مهما غضبت. أنا لا أحارب الحزن بحزن أو الغضب بغضب، وأنا لا أحّبذ الإنتقام. كل ما أفعله، أبتاع لنفسي علبة "كاكاو"، أقضي يومي في غرفتي، أتسلى مع الكاكاو ومع فيلمٍ رومانسي يأخذني بفيض الأحاسيس ألى عالمٍ آخر يشغلني عن الذي أعيشه الآن!
@@@@@@@@@@
فرحٌ أو ترح.
منذ افترقا أصبحت كلمة "مبروك"
وعبارة "اللهم بارك لهما واجمع بينهما بالخير" تصيبها بالرعشة والهوس، ففور وصول خبر خطبة أو عقد قران ألى هاتفها يتوقف قلبها للحظات قبل أن تصل للأسماء خوفًا من أن يكون اسمه.
قضت يوم ميلادها خارج المنزل واستاءت لأنه لم يذكرها عادت ألى غرفتها فوجدتها مملوءة بالورد والبالون وهدية تتوسط غرفتها على فراشها وبطاقة مكتوبٌ عليها "الأخير أجمل" مذّيلة باسمه.
ظّلت تسأله عن العد التنازلي الذي يكتبه لها كل يوم وكل مرة يجيب: ستعرفين قريبًا! شّكت في أمره، ألى أن ورد منزلها اتصالٌ من والدته لتخطبها له.
في عيد الحب حين التقت به أهدته وردة وكان معها أخرى سألها: لمن الوردة الأخرى؟ ردت:، لي، لأني علمت بأنك لن تهديني واحدة. وفعلاً، جاءها خاليًا من أي وردٍ في يده.
باتت أصعب أيامهما (العيدين، أعياد ميلادهم، رأس السنة) لأنهما ما عادا معًا ولن يكونا أول المتهنين كعادتهما في كل مناسبة.
عبر نظرتها، ينساب أليه عظيم حبها وهو يفهمها مما يجعلها تستغرب بروده.
مضت الأيام، واكتشفت بروده لم يكن سوى انتظار وترٌ لحين تسلم شهادته ليطلب يدها.
وأصبح لنوفمبر حزن يصاحب قلبها منذ عامين فشعورها للمطر والبرق والرعد قد تبّدل وباتت تكره كل ما مّجد لحبهما الطريق فشهر ميلاد حبهما صار شهرًا تندبه فيه!
شرحت له قانون الجذب فتحمس جدًا لتطبيقه سألته بعد يومين أن كان قد طّبقه وعن الذي يريده أن يتحقق رد: وضعت صورة لي وصورة لكِ وكتبت.
هاتفت أمه أمها، وموضوع المكالمة "خطبتها" رقص قلبها فرحًا وما عادت الأرض تحملها سجدت لله شكرًا بأنه سيجمعهما جهرًا بعد الحب سرًا وعندما نشدت، أرادوها لأخيه.
في أول يوم لهما كزوجين لف بها نصفُ شوارع المدينة يمينها بيمينه وبقلبه فرح يكاد يطير به لسابع سماء يقول: من يصدق، "كنت" أتمناك. واليوم أنتِ لي ولا يجرؤ أحد على أخذك مني.
أراد لها هدية ليس كمثلها شيء في يوم ميلادها وحين استشار صديقتها قالت: احفر اسمها على شيء. والهدية؟ وصلت بعد شهر: جرح محفور بقلبها برحيله.
كانا طفلةٌ وطفلاً حين بنيا لنفسيهما منزلاً من الوسائد ولعبا دور الأب والأم، وكان دُبها الصغير ابنهما واليوم، في عيد ميلاد ابنهما الأول أهدته ذاك الدب الذي أخذ دوره قبل أن يولد.
بكت طوال الليل حسرة لأنه أول عيد ميلاد لا تهنئه فيه أنبها ضميرها وظلت تبكي وما وقف دمعها ألا حين رأته في اليوم نفسه يضحك مع أخرى بسيارته.
يحتفل بعامٍ مّر على زفه لغيرها وتحتفل بجرحٍ عمره عام تشاركها الخيبة، وبقايا الحب وذكرى ألم عمرها أكبر من عام.
أمنية واحدة تمنتها حين أطفأت شمعة عيد ميلادها. دمعتها، كانت سبب تساؤلهم عن تلك الأمنية لكنها لم تجب، احتفظت لنفسها بأنها تمنت: "عامًا جديدًا من دون اسمه، من دون طيفه، من دون ذكرياته، ومن دون حبه"
جّنَ جنونها حين تركها متعللاً بأنه سيطيع والدته بأن يتزوج من اختارتها له وما أفادت توسلاتها ولا أفاد رجاؤها وفور وصولها ألى البيت زفوا لها خبر وجود خطاب وكان هو.
سافرا للوجهة نفسها. هي مع أهلها وهو لوحده وبكل مكان تبعها حتى في الطائرة كان خلفها كّون نفسه، تقّدم لخطبتها. تعّرف والدها على ملامحه، وسأله أن كان هو من صادفوه كثيرًا في سفره. قال له: نعم يا عمي، ذلك أنا وابنتك من يومها آسرتي.
بعد فراقهما، وبعد أن حاول بكل السُبل أن يُكرهها فيه. تجلس لوحدها قبل عيد ميلاده ب3 أشهر تفكر بهدية هل ترسل له عطره المفضل الذي أغرق وسادتها كل ليلة؟
في كل زفاف، وفي زفة العروس تحديدًا لو سمعت "هب السعد" اغرورقت عيناها تسافر بتفكيرها نحوه يخيل أليها يومًا تُزف فيه أليه وتتوق للحظة تصبح فيها ملكه.
انسحب من حياتها من دون سابق أنذار ووصلها خبر خطبته فجأة. وما صدقت الخبر وضحكت عليه وقالت "كذبة أبريل" وهول الخبر أنساها أنها في "يونيو".
كان يحزنها كثيرًا أنها لو سألته عما يحبه فيها يرد ب:لا أدري. حتى وصلها ظرف في يوم ميلادها احتوى رسالة بخط يده، كتب فيها 30 شيئًا يحبه فيها.
اشتاقت أليه، قررت الذهاب قرب بيته لتراه من بعيد رأته يخرج من مصبغةٍ في شارع بيته ممسكًا ب"بشت" ولم تعلم أنه كان "بشته" ولم تعلم أنها كانت ليلة عرسه.
كانت في عرس سألها: رأيتِ فرحة العروس؟ حين يكتب الله أن تكوني مكانها والناس من حولك يباركون لك ستكون تلك أسعد لحظات حياتي وأقصى أمنياتي.
قبل عيد ميلادها، رغم فراقهما انتظرته أصبحت الساعة 12 تجاهلت الكل وظلت في اسمه تنظر وجدته يكتب ويمسح مّر الوقت وهو لا يزال يكتب ويمسح حتى نامت، ولم تستيقظ على شيء منه.
في زفاف أقرب أصدقائه أخذ "البشت" منه ولبسه وأخذ صورة فيه. وضع الصورة، قرب صورة لها في زفافٍ ما وكتب عليها وأرسلها لها.
أخذَها للعشاء بمناسبة يوم ميلادها وهما في الطريق، اّدعى فقدان شيء وطلب منها البحث عنه في "درج السيارة" وحين فتحته، وجدته قد خبأ لها هديتها فيه.
جاء اليوم ال31 من الشهر وجلست تفكر فيه ما لم يطرأ على البال طريقة تعارفهما وصفات مشتركة كثيرة جمعت بينهما تفكر وتبتسم لأنه في اليوم ال31 من ذات الشهر قبل عامين، قال "أحبك".
بلهفة تسمع أخباره من زملائهما كل صباح وكم تسعد، حين تعلم بأنه بخير.
ألى أن جاء ذلك الخبر الذي عصر أوتار قلبها وأبكاها "فلان تزّوج بالأمس" وكم بدا سعيدًا.
في زفافٍ كانت حين أرسلت صورتها له وهي في أناقةٍ باذخة، وجن بها قال: كم أتمنى أن أكون هناك، لأمسك بيدك أمامهم وأقول للجميع انظروا أليها، تلك زوجتي المستقبلية وأجمل من سترون في حياتكم.
ظل الأمل يحيي روحها، بأنه سيعود أليها يومًا حتى وصل أليها خبر خطبته.
ويتصف ابتسامة عّلقت: الله يوفقهم. وكَّسر قلبها لا يعلم مداه سوى الله.
في أواخر ديسمبر ومنتصف الشتاء كانت بداية حبهما وجدا ببعضهما ما يُغنيهما عن العالم ضحكا. بكيا. وحَلِما معًا وقريبًا سيزفهما الحب زوجين.
نجحت بآخر امتحان فرح الجميع لتخرجها، ألا هو وانهالت عليها التبريكات من الجميع، ألا منه فوصلها منه: تخرجتِ قبلي، كيف سأراك كل يوم الآن؟
لأنها تحب اللوحات، أخذ الريشة بيده وتعلم الرسم سرًا من ورائها حتى أتقنه ورسمها معًا ليهديها اللوحة في عيد ميلادها.
كان في أحد الأعراس حين أرسل لها فجأة قولي آمين. هي: آمين. هو: أن يكتب الله لنا النصيب، وما أراه الآن أمامي يحدث لنا.
ليكون مختلفًا، لم يتمن لها عيد ميلادًا سعيدًا في اليوم نفسه فقط بل في الساعة 12 فجرًا من كل يوم في شهر ميلادها فهو وحده من احتفل بها شهرًا وليس يومًا.
تراهم أمامها، يلتفون حوله، يحتفون به، يباركون له حياته الجديدة وهي بكل انهزام العالم في صدرها تقول: "مبروك كسرت وعدك بالبقاء. وكسرت قلبي بجدارة".
وهي تغادر تلك القاعة انهمر الدمع من مآقيها وجعًا بينما انهمر من مآقيهم فرحًا. حتى آخر لحظة احتملت وجودها في الحفل، ألا لحظة رؤيته مقبلاً على "تلك" ويزفه أليها أصحابه.
بصوتٍ لا يخلو من ارتجاف، ردت على مكالمته التي انتظرتها طويلاً لكنه ما اتصل مشتاقًا كما ظنت، بل طلبها أن "تحلله" لأنه سيتزوج في اليوم التالي!
@@@@@@@@@@
سر القمر مكتملاً.
اخترت ألا أقول "البدر" رغم أنه الأصلح لغويًا، أحب أن أقول "القمر مكتملاً" ولا أعلم لِم، ربما لأن الأنسان يحب "الكمال" ويسعى أليه ويبحث عنه دائمًا رغم أنه في قرارة نفسه يعلم بأن لا كمال ألا للرب سبحانه، ولأننا لسنا كاملين، قد نفشل في شيء، لكن فشلنا بالتأكيد سيساعدنا في تدارك آخطائنا والنجاح في النهاية. نتألم كثيرًا ثم نعود بفضل الألم أقوى، نحزن كثيرًا ثم بفضل الحزن يصبح تقديرنا للسعادة أكبر فنلازمها، نبكي كثيرًا ثم بفضل ذلك نعز دموعنا ولا نذرفها على من لا يستحق!
في أحيان كثيرة، نكون غارقين في حب أحدهم هائمين حد الهيام به في عالم لا نرى به أحدًا سواه، ثم نصحو فجأة فنستوعب ونقول: هل يعقل أحببت هذا الأنسان؟ فما قيلت عبارة "الحب أعمى" عبثًا، فالحب أعمى عن عيوبه، عن ألمه، عن أذاه، عن درب رحيله، أعمى عن كل شيء سوى أن عليه الإحتمال والبقاء مهما تألم.
أن كان هو سبب عذابك، سبب سهرك، سبب ألمك وسبب هّم قلبك، كيف تقنع نفسك بأنه لن ترتاح من دونه؟ وهو من أعدم الراحة في حياتك؟ دعه ولا تعبأ. ليرحل ليأخذ معه الشقاء فأين الحسافة في رحيله؟ فالحب، الإحتمال أؤمن بذلك، لكنه احتمال من الطرفين! احتمال الخلافات والتنازل والتضحيات، وأن كانت من طرف واحد فقط، هنا أقول: الرحيل أرحم! فمن يستسهل عذابك، يستسهل قهرك، يستسهل دموعك لا يستحقك، وأنت مخطئ لأنك تعطيه المجال.
في عودةٍ سلسةٍ ألى سّرنا ألى القمر. جميلٌ هو القمر حين يكتمل، حين يشع نورًا في السماء فهو يوقظ الشاعرية في داخلك ويدعوك ألى التأمل والتفكر ويدعوك ألى الأحساس وألى الحب كذلك، ألى حب أي شيء، حتى لو كان حبيبًا توهمته في وقتها! كأن تأسرك أغنية جميلة وتعيشها رغم أنها لا تمت لواقعك بصلة.
يسطع القمر وتزينه نجوم متناثرة حوله، ومهما كثرت النجوم، تبقى نجومًا ويبقى القمر سيدها، رغم أن ذلك لن يقلل من نجوميتها شيئًا لكنها لن تصبح قمرًا. لذلك اعتبر نفسك قمرًا! لا تقارن نفسك بأحدٍ سوى شخصك في الأمس، ليس غرورًا أنما لتصبح مع كل يوم أفضل! أيروق لك النجم وهو يجتهد ليصبح قمرًا؟ بالطبع لا! لذا لا تجتهد لتصبح أنسانًا آخر، فالنجوم رائعة وهي نجوم فقط. لا تتأثر بأحد وبمن يحاول أن يصنع منك شخصًا آخر، وهل حّرك عويل الذئاب شيئًا في القمر ليلة اكتماله على مر العصور؟ بل بقِي، رغم عويلها، أجمل. في سمائك، كن أنت القمر ولا تعط عقلك الفرصة بأن يغدو سواك قمرًا في سمائك بفضله يضمك ألى نجومٍ تناثرت لا تخجل أبدًا مما تشعر به؛ فأنت أنسان بمشاعر ولديك كامل الحق بالأحساس كيفما تشاء ولديك كامل الحق كذلك بأن تحيا سعيدًا. فكم مررنا بمراحل لم نطق فيها الحديث مع أحد وبالتالي فقدنا القدرة على المجاملة، وعلى تحميل أنفسنا ما لا نحتمل، وكم فّضلنا البقاء لوحدنا من دون أحد، وما قّدر أحد ذلك وما تفهم!
عمومًا، في الحياة أشخاص هم الفاصل الجميل بين الحزن والفرح، اليأس والأمل، التشاؤم والتفاؤل والسخط والرضا. هؤلاء الأشخاص هم الحياة بحد ذاتها. فعّطر كونك بوجودهم، كن معهم وحولهم دائمًا.
@@@@@@@@@
قلم، ورق ورسائل.
تشرد في التفكير وفي الأحلام بمجرد مروره بخيالها تضيء شمعها، تمسك بورقها وتُبدع بقلمها وهي تعلم بأنها يومًا ما ستخبر الجميع بأنه خلف كل حرف تكتبه.
كتب لأجلها وأجادت الكتابة، لأجله ثم وقف النصيب بطريقهما فعجزا عن كتابة أجمل نهاية أرادها نهاية سعيدة يكونان فيها "معًا"
(نثرت) الكلام به نظمته (شعرًا) وقوافي (روته)، بشخصه، بأحداهما كل شيء تسرب من قلمها كان لأجله قرأ الجميع، ألا هو!
تكتب به، بأنها نفته من قلبها وما عادت تحبه تشطب السطر. تخفف حدة اللهجة وغضبًا صبته على الورق بقلمها تعاود القراءة فتشطب، ثم ترفع راية سخطها البيضاء وآخر ما تكتب: أحبك، وكفى!
سألها عما تفعله، أجابت: أكتب. ولأنها مولعة بالكتابة، قال، ليتك تحبيني، بقدر حبك للكتابة. ضحكت ثم قالت: سأظلمك لو فعلت، فحبي لك يفوق حبي للكتابة بكثير، وكتاباتي مسّخرة لك دون سواك.
أول ما تفعله بعد أي شيء يجمعها معه ألى مذكرتها تسارع، لتدّون التواريخ والتفاصيل مهما صغرت تلك طريقتها في تخليد حبهما.
"أبتسم لو كنتِ حولي ولا أعرف السبب، فقط أراك تقفين هناك وأنا كالأبله أبتسم. ولو لمحتك كل يوم أهنأ. صباح الخير، أعتقد بأني أحبك" وفي تلك الرسالة، اعترف بحبه.
وكان الشغف، عنوان حكاية حّبهما شغوفٌ هو بكتابة الشعر، شغوفة هي بقراءته.
وصار الشغب، أحداث حكايتهما، فهي تُشاغبه ليكتب بها وليعشقها أكثر وليسارع في الأفصاح عن حبٍ يسكن قلبه.
فيه، حَلِيَ النقش على القلب قبل أن يلهمها لتنقش حبه بقلمها على الورق يجول في خاطرها ويداعبه تكتب به، فتعاود عيش أيامها، وتعشقه مع كل كلمة أكثر.
نام، وظلت يقظة في منتصف نومه فاق، وأرسل لها: "أنا نائم، لكني فقط أردت أن أقول بأني أحّبك قبل أن أبدأ حلمي الثاني؟ ثم عاد لنومه، وتركها مع ابتسامتها.
غفت على صوته ثم صحت على رسالة منه نّصها: "غارقة في نومك الآن، أنا أعلم. لا أتمنى سوى أن أكون أمامك الآن لأراك وأنتِ نائمة"
لم يكن له بالعربية الفصحى وكتابتها أي ألمام لكن لأنها تعشققراءة الخواطر وتسهر ليلها بقراءتها أبحر فيها وتعّلمها، فأصبح يكتب لها لتسهر على ما خّطه
بقلمه بها وليس ما خطه قلم غيره، بغيرها.
مُفرد بقلبها لوحده، وكأن ما كُتب له النبض قبله يسكن ما بين سطور صفحاتها هو صحيح بأن قلمها قد عشق الكتابة من قبله لكن معه وبعده، عشق الكتابة فيه.
كتبت له تلك القصيدة التي طلب أن تكون هدية عيد ميلاده، القريب لكن فراقهما كان أقرب ثلاث سنواتٍ مرت، وما زالت محتفظة فيها، لعله يتعذر بها ليعود.
تمر على كتاباتها بمذكرة قديمة عثرت عليها قوست حاجبيها دهشةً حين نظرت على ما كتبته عن فارس أحلامها تقرأ. فتحمد الله على محبوب قلبها وغاليه لأنه لها ومعها الآن ولأنه كدعاءٍ استجيب بعد زمن.
طلبت أن يكتب بها قصيدة وما كتب ووجدت يومًا واحدة كتبها في طيات دفترٍ قديم همت بقراءتها ومع كل شطر كانت تفرح أكثر ألى أن رأت الأهداء لإسم تلك الفتاة قبل توقيعه.
عكفت أيامًا على كتابة أول قصيدة لها، لأنه يحب الشعر فور أتمامها سارعت لتقرأها له وبان عليه بأن القصيدة قد هزت فيه شيئًا انتهت من قراءتها، فسارع لأهدائها لغيرها، لتلك التي يحبها.
معها، أو من دونها تراه أصدق حب يستحق الذكر ألى الأبد عاهدته أن تكتب به دومًا يوم قالت: "لأّني أحببتك بصدق. كما وعدتك، على صفحاتي سيبقى ذكرك خالدًا".
برسالة، كتب لها: الواقع يّحتم بأنه حين يؤخذ منك شيء تشعر بالنقص، وواقعي بأنك أخذتِ مني قلبي وعقلي وكل شيء، لا يشعرني بالنقص بتاتًا، بل بأني كامل، وأكثر.
ضاقت به السبل فّضل أن يترك على سيارتها ورقة نَّصها: "ما زلت آمل وأتمنى وأحلم بيومٍ تعود ألى الحياة فيه بعودتك ألي. اشتقت أليكِ" دمعت عينها، أخذت هاتفها أرسلت له: أكثر بكثير.
ناما على خلاف استيقظت، ووجدت منه: "بجمال كل لحظة جمعتنا، وبروعة كل تفاصيل حكايتنا، وبجنون عشقي لك، وبمرارة كل لحظة نشتاق فيها لبعض.
أعتذر".
طال خلافهما ولم يتحادثا لأيام كانت تنام باكرًا لتجنب التفكير فيه، ويسهر هو.
أفاقت على رسالة منه لّينت قلبها، كتب فيها: "ومن لا يستطيع ألا يفكر فيك، ماذا يفعل(".
أقسم بأن القلب لا يهوى سواك وأقسم بأن مكانك العين، وسوادها. لا تلوميني، وقد سلمتك مفاتيح قلبي، وليس لي عليه أمر ولا سلطان" تبع كلامه بتصبحين على خير. ونام.
قبل نومها، كتب لها: أرفقي بقلب تسكنينه فأن ليس لي عليه سلطانً.
ردت: اشتقت أليك. أجاب: وبقدر روعة أحساسك، اشتقت أليك!
قبل أن يغمض أجفانه، تذكرها ورغم علمه بأنها غارقة في نومها أرسل لها: أتمنى أن أصبح أنا على خير، وأن تصبحي أنتِ من أهلي"
من وسط نومه استيقظ ولم ينم ألا قليلاً. فأرسل لها: "حلمت للتو فيكِ، متى سيأتي اليوم الذي لو جمعنا حلم وصحوت من نومي، أجدك أمامي("
وقفت كثيرًا عند رسالته تلك تأملتها، استغربتها "أنتِ لي شيء كبير أرفض التخلي عنه وفي الوقت نفسه أرفض التعلق به" لتبق كلمة واحدة بقلبها: كم أنت أناني!
"حكايتي أنتِ، ولا أريد من الدنيا سوى أن أعيشك بكل لحظة ينبض قلبي فيها باسمك. أحبكِ، تصبحين على خير "حرص أن تسبق تلك الرسالة نومه، لتستيقظ هي عليها.
في لعبة هاتفية بها من كشف الخوافي شيء طلبته أن يصّرح بشيءٍ لا تعلمه أنهى المكالمة لخجله بالتصريح، وبعث لها: "ما عدت أتمنى بحياتي سوى أن يطيل الله في عمري ليس لشيء، بل لكي أستمتع بكل لحظاته معك".
تراقبه، فينفطر قلبها ما زال رغم الفراق، ورغم يقينه بأن سابع المستحيلات رجوعهما يكتب بها، بملامحها، بتفاصيلها، وبكل ما جمعهما يومًا. ولن يعود!
تغيرت كثيرًا، اشتاق ألى كيف كانت قبل أن تتغير أخذ صندوقه الذي يحتفظ فيه برسائلها وقرأها واحدة تلو الأخرى ألى أن اختنق ألمًا وأغلق الصندوق ووقتها، لا شيء يصف أحساسه، كطعنات على قلبه تتوالى!
اعتادت على أن تصوغ له كل ليلة ذكرى جميلة كانت بينهما ليقرأها قبل نومه.
واليوم، استبعدت أقلامًا وأوراقًا على منضدتها وعند رأسها لأنها تنسى وتكتب له قبل أن تعي أنه ما عاد موجودًا!
تكره تعكير مزاجه تتألم منه، تبكي منه، تُقهر منه، لكن على الورق فقط ولا تنطق له بكلمة ولو قرأ، اعتبر الألم الذي تعبر عنه بقلمها استنتاجة"!
@@@@@@@@@@
سر أغنية.
لكل منا قصة قد لا يرويها لسانه، لكنها حتمًا تتسرب ألى الآخرين عبر حروفه، من ملامحه، ومن عينيه. لا تسأله عنها، لكن أتقن القراءة، بأنواعها! تمامًا كتلك الأغنية التي تفضلها ووحدنا ندرك سّرها، وقد يعرفه طرف آخر له علاقة بتفضيلنا أياها. التي أن سمعناها تحّرك فينا شعور يجرفنا نحوه، أو يجرف ذكرياته نحونا.
في بعض الأغنيات، نجد لحظات قد فاتت وذكريات قد مضت مائلة أمامنا، تستحضرها الألحان والكلمات وصوتٌ يشدو، ولا يلزم الذاكرة أحيانًا أكثر من أغنية واحدة لتعيدك مئة ذكرى ألى الوراء.
ولي من الأغنيات، مفضلتان. تلك التي قد فاق فيها حب أحدهم وشوقه الوصف، ذاك الأوحد الذي يفرق كثيرًا عن غيره والذي لا يفكر ولا يتحدث عاشقه في سواه، وكأن الدنيا وكلام الحب هو فقط. وتلك الأغنية الغربية، التي كانت أحدى أغنيات فيلم سينمائي تصّدر دور السينما في عام 1992@م، وقصته تدور حول رجل أفرط في حماية تلك التي يحبها، لأنه يحبها ولأنه واجبه، ألى أن مّسه الضرر، غّنت له بأنها لو استمرت معه ستقف في طريقه، ولذا اختارت الرحيل، وأكدت له مرارًا أنها ستفكر فيه في كل خطوة تخطوها وهي راحلة. والأهم: ستبقى تحّبه دائمًا.
قد أكتب عن الحب كثيرًا، بالأحرى أستلذ بالكتابة عنه بحلوه أو بمره. لأن بين السطور دائمًا تقبع أحاسيس مخبوءة تلامس قلوب البعض، فأما أن يبتسموا لها وأما أن يدمعوا، وكم يكون كبيرًا فرحي حين أسمع عبارة "ذلك ما أشعر به تمامًا" أو "أنتِ تقرأين أفكاري" ممن يقرأ لي. وأنا ليس لدي أي قدرة خارقة لكني أعرف شعور من يود أن يسمع له أحد أو يشعر به، من يدفن حزنه في قلبه ويتظاهر بالفرح أمام الجميع. لذا، اخترت الكتابة، ولذا أجتهد لأن أكتب بأحساسي وليس بقلمي، فشيء لم أشعر به ولم يصل ألى قلبي، لن أجامل وأكتب به أبدًا. ذلك لأني أؤمن بأن ما يُكتب بأحساس، بعيدًا عن الإستعراض اللغوي، يصل ألى القلب دائمًا.
وأّكد ذلك د. عائض القرني حيث قال: هل نحن بحاجة حتى نثبت للناس أننا مثقفون وفلاسفة أن نمطرهم بمصطلحات غريبة شائكة يصاب منها السامع والقارئ بدوار ودواخ؟ لمن تتحدث أذا كان جمهورنا لا يفهم ما نقوله ولا يعي ما نكتب؟
كثيرًا ما يُسجن الرأي والأحساس والحب أحيانًا، بحكم أشياء كثيرة واختيار "التعبير" عن العقل والقلب يتطلب جرأة أمام مجتمع لا يرحم، فالكثير منا يهوى الكتابة ويسطر بأوراقه ألم قلبه وفرحه كله ثم يحتفظ بهما لنفسه خوفًا من آراء الغير؛ فتظل حبيسة أدراج مكتبه ولن يكون سواه لهما قارئًا. فالكثير منا يود التعبير عن نفسه لكن يخاف السخرية من أحساسه المفرط والإستهزاء بمشاعره فيكتم همه ويتظاهر بقوة "يتمناها". الكثير منا يُرِد التجرد من التكلف، العيش ببساطة أكثر، بحب أكثر، بصراحة أكثر، بسعادة وراحة بال أكثر، بحياة خالية من التعقيد، الكثير منا يتمنى، البعض يدرك أمانيه والبعض لا يدركها، البعض يقوى، البعض يضعف، وتبقى الدنيا لغزًا وتبقى الأماني مطلبًا.
تقول أحلام مستغانمي: "لتكتب لا يكفي أن يهديها أحد دفترًا أو أقلامًا. بل لا بد أن يؤذيك أحد ألى حد الكتابة". لذا، كثيرًا ما تكتب السطور لهم، وما بينها نكتبها "له" قد يقرأ، قد لا يقرأ. لا يهم. المهم تكتب. أحيانًا يكون الورق منصتًا، أكثر من قلوب بعض البشر، لذا، نكتب بشغف رغم يقيننا التام بأنهم لا يستحقون أن نكتب لهم حرفًا، لا نعلم لِم لا تخلو صفحاتنا منهم؟ لِم يصر القلم على تخليدهم رغم فنائهم من حياتنا؟ فنحن "عندما ننكسر، الشيء الوحيد الذي يجعلنا نجبر الكسور هو الكتابة، الكتابة وحدها تمنحنا هذه الفرصة بدون أن نطلب من أي شخص ورقة الضمان الإجتماعي لتبرير طبيعة المرض والدواء. نكتب لأننا في حاجة النسيان أو لمزيد من الألم موجهين نداء استغاثة ولا يهم أذا سمعنا أم لم نسمع"، واسيني الأعرج.
بعيدًا عن الكتابة، أنا لا أحب الأغنيات فقط، بل الكثير والكثير من المقطوعات الموسيقية، فالألحان ليست دائمًا بحاجة ألى صوتٍ جميل يغني لتؤثر وتسافر بك عبر الوقت. فالألحان بوسعها اختراق صدرك وصولاً ألى قلبك من دون شعور منك، وأرى بأن ألحان الطبيعة التي ليس للبشر فيها أي يد هي الأروع. فكم سكب صوت المطر ماءً باردًا على قلوبنا التي تشتعل؟ كم كان لصوت الشلالات وتدفق مياه النوافير أثر المخدر على ندوب القلب؟ كم بعث صوت هدوء الليل وبعض من نسماته وحفيف أوراق الأشجار السكينة في روح مفجوعة؟ وكم ساعدت أصوات الطبيعة في التأمل والتركيز والإسترخاء وفي التخلص من التشتت الذهني؟
بعض السيمفونيات والألحان تنقلك من زمنٍ ألى آخر، من حقبة ألى أخرى، ومن عصرٍ ألى عصر أقدم. كمقطوعة "زواج نيجارو" فهي تأخذك بصخبها ونغماتها المالية والمتسارعة ألى ألمانيا موزارت عام 1786@م، عام تأليفها. أو "بحيرة البجع" بكلا ساكينها تجد نفسك في ليلة اكتمل القمر فيها على ضفاف بحر ألحان تشايكوفسكي في روسيا بين عامي 1875 1876@م حيث اختلف المؤرخون على عام ميلادها. وكذلك سونانا "ضوء القمر" حين تسافر بك أسماعك ألى زمن كانت أصابع بيتهوفن الألماني تداعب البيانو في فيينا بتناغم في عام 1802@م لتؤلف مقطوعة سيطرب لها العالم لقرون. وألى الحداثة والعصرية تأخذك مقطوعة "حلم رجل واحد" و"آداغبو" ألى سواحل البحر المتوسط تحديدًا في مدينة كالامانا في اليونان حيث ولد مؤلف المقطوعتين باني.
@@@@@@@@@@
كان، وما عاد.
كلعبة الشطرنج، عشق أن يحركها كيفما أراد وحسبما اشتهى ضحك كثيرًا، لضمانه أنها لن تتخلى عنه حتى ملت، فقلبت طاولته عليه عند أول حب صادق طرق بابها.
تركت من يحبها بجنون لأجل ذاك الذي راق لها مع الأيام أحبته بجنون، فتركها لأجل تلك التي راقت له مُنصف هو الزمن حين يدور.
بقلب من فولاذ واصلت الحياة من دونه أمام المرآة لا تعرف نفسها التي لم تعد كما عهدتها تألمت حتى تعلمت بأن على قلبها المخلص ألا يعيش مع قلبٍ خائن.
بعد آخر خياناته، تركته سار خلفها أمسك بيدها صاح بها: سأتغير لأجلك!
بعين ملؤها الخيبة أجابت: بعدي، ستأتيك من تحبها أكثر وتتغير لأجلها، أما أنا فمنك اكتفيت.
كانت تحبه وكان يتسلى انتقمت لنفسها على كل مرة أبكاها وكسر قلبها صبرت عليه حتى عشقها فترجمت له كيد النساء بخيانةٍ غرست سيفها وسط قلبه.
تجرأت ونطقت بأنها تحبه، لكن رده ب"لا أراك سوى أختٍ لي" جعلها تعود أدراجها دارت الأيام ومضت، عاد أليها بعد عامين. فَفَقْدت لّقنه حبها لكنه عاد بعد أن أرغمت قلبها على نسيانه!
اكتفى بما سمعه عنها منهم، كرهها حد اتخاذه طريقًا معاكسًا لو مرت. نظرة وابتسامة منها كانت كفيلة بأن تجعله يكتفي بما رآه منها، وينسى ما سمعه.
نظرة، قلبت كرهه حبًا.
دائمًا يغتر عليها بكثرة المحيطات به، وأعجابهن وحبهن حتى سئمت وتركته لهن ما احتمل الحياة دونها أسبوعًا، عاد لها يستجدي عودتها بقول: نارك ولا جنة غيرك!!
صبرت عليه كثيرًا تجاهلت أخطاءه في سبيل الحفاظ على ما بينهما ألى أن جفت "آخر" دمعة، تحجر قلبها، فخّلفته وراءها ورحلت وهنا دعا شريط ذكريات حبهما بعقله، ونزلت "أول" دمعة منه.
حبها أكبر منه فمثله ما اعتاد على نساء مثلها بحياته ظنها أحدى صاحبات الألف قلب اللائي مررن عليه تلاعب. ألى أن أصبحت صاحبة القلب الواحد كثيرة عليه، وتركته.
ندمه لن يغّير من الواقع ومن شعورها ولو القليل في شرعها، جراؤه النفي من عالمها قبل قلبها تؤمن بأنها لا تنفعه، وعليه أن يبحث عّمن تقبل بتلاعبه وشرط عودته أليها كلمة "أنا نادم".
كاشتعال النار في الحطب اشتعلت لتضوي له حبًا لا يكف عن أخماده بأهماله وقود النار كانت عزة نفسها وصبرها حتى هطل مطر العدل وأجبرها على هجره!
من بعد مراقبة محاضراته، مكان أصدقائه، مكان تمارينه لتراه دارت الأيام، بات يفعل الشيء نفسه وأكثر ليرجعها أليه لكن تأخر الوقت كثيرًا، والأوان قد فات.
بلغت به الجرأة وهو يتجاهلها أن تكتب له الرسائل وهي أمامه، فيقرأ ولا يرد حتى سئمته، وسئمت أسلوبه، أدارت له ظهرها ومشت وبات هو يفعل المستحيل لتلحظ وجوده أمامها على الأقل!
وهي تلاعب يد طفلٍ لا يكاد يبلغ عامه الثاني، رفعت رأسها وكان هو أمامها، ابتسم، لأنه أخيرًا بعد فراق سنين رآها كاد أن ينهار، حين سمع الطفل يناديها ب"ماما".
توقفت عن الإعتراف بمشاعره فتوقف عن الإعتراف بوجودها اتهمته بالخيانة، رد ب: أن أشعرتني بأنك لستِ بحياتي، لِم علي التصرف وكأنك فيها؟
قررت بأنه لو أرادها وهزه الشوق وبرقت في ذاكرته يومًا فعليه أن يبحث عنها في رسائل ومحادثات قديمة، وهدايا أقدم، ويبحث عنها في البقايا عبارة واحدة اختزلت شعورها: لا تعُد، ما عاد قلبي ينتظر.
لإتصالاته المتتالية، والتي لا تجيبها، كانت روح هاتفها تنفذ وينطفئ يريد العودة أليها، بعدما باعها واشترى غيرها الكثيرات استوعب أنها أنظفهن وندم، لكن بعد فوات الأوان!
كانت تلك أول مرة يعود فيها من هجره المستمر من دون أن تأبه أو تشعر بأي لهفة كانت تلك أول مرة تقول "سامحتك" ليتركها وشأنها فقط وأول مرة يتمتم قلبها ب"عافك الخاطر".
كرهت أنها ستتخرج قبله تمنت أن يتأخر تخرجها لأنها لن تراه كل يوم وحالها اليوم بعد ما جاء منه تعد أيامًا بقيت على التخرج وتستعجلها، حتى لا تراه.
بنظرة، لم تعد نظراتها له وبنبرة، لم تعد نبرة صوتها التي تغمره حبًا أدرك بأن شيئًا ما في داخلها قد مات بعدما خانها! كلما رآها كان يقرأ بملامحها "ما أصغرك في عيني".
في عقلها رفض وفي قلبها ندوب وفي كبريائها شرخ فحبها الأول كان جرحها، كان همها، وكان عذابها الأول. في وقتٍ يقول: سامحيني تقول هي: بئس يومًا ألتقيك فيه.
عافت حتى عطرها المفضل، ذلك لأنه كان يحبه عليها كثيرًا وبعد رحيله أصبح لا طاقة لها على احتمال ما "قد" يذكرها به، حتى عطرها!
خلف الأعذار حاول أن يختبئ طلبها أن تنسى وتعذره تقول: تريد أن أنسى؟ طيب سأنسى كل شيء ألا كل عذر أنا اختلقته لأبدأ الحديث وكل عذر أنت اختلقته لتنهيه! فسلام الله على حبك.
ذريعته الإنشغال، كلما احتاجته ولم يأت تعذر كثيرًا ب"سخافة" همومها لو لاذت بالشكوى أليه حتى احتضن قلبها واحتواه ذاك الذي تجاهلته دومًا ليظل وحيدًا بعض أصابع الندم على خسارتها.
نامت وبروحها تلك الغصة وبعينها تلك الدمعة وبقلبها كسر لا يُجبر، وضحك هو. صحت، أقوى من الأمس كثيرًا فجاء بعينٍ كسيرة يطلب السماح، لتضحك هي!
كثيرًا ما بكت وترجته وبطريقة ما حذرته: أرجوك لا تكسر قلبي أكثر ولا تقتل الروح فيه، لا أريد أن يكون حبي الأول عذابًا! حتى غدا هو يقّبل يدها ويقول: أرجوكِ عودي ألّي ولو بنصف قلب!
استعجل الذهاب مشيرًا ألى ساعته من بعد لقاء نصف ساعة وعدها به منذ أسبوع، واستعدت له أسبوعًا مارس الغياب حتى اعتادته وأصبح حضوره لا يهم!
لم تعد تسمع ضحكته ولا ترى ابتسامته ولا عينيه تمنت أن يعود بها الزمن فقط لتقول "لا" حين قال لها: أمتأكدة من أنك لا تريديني بحياتك بعد الآن؟
يُضحكه موقف ما يلتفت ولا يجد من يضحك معه، بل يستسخفون ما يضحكه هنا أحس بقيمتها، حين كانت تضحك على أتفه الأشياء معه فقط لأنها تُضحكه!
بتعجرفه وطيشه تركها رآها صدفة، وكانت فاتنة جدًا غار، ومن دون وعي رفع سماعة هاتفه ليوبخها وما وعى ألا حين قالت: أنسيت بأنك تركتني وما عدت لك؟
جاءها منهارًا! طلبت منه أن يتروى قليلاً قبل أن يغرقها بعتابه واعتراضه على رحيلها طلبت منه أن يفكر قليلاً ويسأل نفسه: أين كان عقله وحبه حين اتفقا على أن يكون لها فقط وعكس ذلك هو ما حصل؟
شعر دائمًا بأنه ليس الأفضل لها لكنه تأكد حين صادفها بعد فراقها ليراها أجمل، وأسعد، وفي أروع حالاتها فانكسر قلبه، مدركًا بأنه الخاسر الوحيد من بعدها.
كل شتاء كانت تسارع لأبلاغه بأن قهوتها المفضلة قد حان موسمها وعادت ألا هذا الشتاء، فقد كان مختلفا لم تشربها فقط، وشربها هو لوحده استهان بالفراق.
وما أدرك عمق محبته وتعّلقه بها ألا حين وصله ذاك الخبر بأنها ارتدت "الأبيض" لغيره أمس!
شعرت بالغباء في كل مرة أرسلت له ولم يرد، ألى أن توقفت عن فعل ذلك.
وبالجانب الآخر، شعر بالندم على كل مرة تجاهلها فيها ظنًا منه أنها ستتعلق به أكثر لو فعل!
رحل باختياره ثم عاد وخسر تحّديه ورهانه يقول لها اليوم: سامحيني ما استطعت أن أنساك وتقول: أنت سامحني، فأنا نسيتك وعشت بعدك في هناء.
كان هو بالنسبة لها حلمًا أشبه بحلم تلك الصغيرة التي تتوق لزيارة قصر من ألماس تأخذها أليه عربة تجرها خيول بيضاء كان أجمل أحلامها وأقصى أمنياتها وما يؤسفها حد الوجع أنه "كان".
لفترة، بكت على فؤادٍ تركته عنده فتحّطم لكنها تبتسم اليوم، لأنها أخيرًا جمعت شتاته وأعادته ألى مكانه الصحيح، عندها".
@@@@@@@@@
سر الأسود.
تقول د. سعاد الصباح: "دعوت الله ذات ليلة أن يحررني من حبك. فاستجاب الله لدعائي وحّولني ألى حجر".
كثيرًا ما تكون شيئًا، ثم لا نعوده.
كثيرًا ما نحب شيئًا، ثم لا نعود نحبه.
كثيرًا ما نردد "كان زمان". "كان وما عاد".
كان الشيء موجودًا، وبفضل شيء آخر، ما عاد..
بغض النظر عن الشيء، وبغض النظر عن السبب.
أزعج الكثيرين حبي للون الأسود، فأنا أرتدي اللون الأسود غالبًا، غُرفتي الحالية أسود، أختار أغمق درجة من الكُحل الأسود، وأغلب ما أقتنيه، أسودًا ولا أجده كئيبًا أو حزينًا على حد قولهم أو كما يزعمون كذلك حين يسألوني:
عزاء. معلقين على ارتدائي الأسود، فلو كان الأسود. فعلا. لونًا مخصصًا للعزاء، لما ارتدوا الأبيض عزاءً في الصين والهند! فالأمر مجرد انتقاء! وألى حدٍ ما، أؤمن بأن الأسود هو "غياب" اللون رغم أن النقاش حول كون الأسود أو الأبيض ألوانًا لا ينتهي، وما رسى أحدٌ على رأي. فلو سألت عالمًا، لقال لك: الأسود ليس لونًا، بل الأبيض، ولو سألت رسامًا لنفى ما سبق وقال: الأبيض ليس لونًا، بل الأسود؟
وفي علم النفس يقال أن الأسود لونُ السلطة والقوة، وأحيانًا الغموض، والأبيض لون النقاء والبراءة والكمال.
وبمناسبة حديثنا عن الألوان أقول أنا: لا تتلّون لا تتغير ولا تتقمص شخصية لا تليق بك، لا تكن "أمعة" ليقبلوا بك، افخر بمن تكون.
لا تنظر للناس، بعين تبحث عن الأخطاء، تذكر أنك تُخطئ كذلك، حالك كحالهم، ولم يعّينك أحد لتفتش في حياة الغير وتتقصى أمورهم وتتحّدث بها.
خلقك الله، تميز بين الأمور، خصوصًا تلك التي وضوحها كوضوح الشمس، لا تُقحم نفسك بقرارات غيرك ولا تتدخل في ما لا يخصك، فليس لك بحياة غيرك شأن.
قال صلى الله عليه وسلم: "من حسن أسلام المرء تركه ما لا يعنيه". "اتعظ" لا يُعقل أن تكون حياتك خاوية تمامًا لدرجة الإنغماس بحياة غيرك!
وكتغير اللون الأسود لصفاء الأبيض، مُزعجة بعض الأحاسيس فهي تعكر صفو البال. كثيرًا ما نتمنى أن يكون الخلاص منها سهلاً. قد نحب بكل طاقات قلبنا الممكنة، نغّير من أنفسنا وما كنا نتمسك فيه لأجل الحفاظ على ذلك الحب ثم يكتب الله لنا البعد. يعز على قدمينا المضي في درب الرحيل ونبقى متعلقين بهم حد البكاء، نصّبر أنفسنا بأننا سنعود لكن قبل أن نهم بالرحيل نكتشف الوجه الآخر لهم، وجهًا لم نتوقعه. وهنا حين يتفشى الأسود وتصعب أزالته! فنحن كرهنا البعد صحيح، لكن الخير فيه أنه سيساعدنا على لم شتات قلبنا، ونسيانهم، وهنا أقول: "وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم".
أحببنا، ألى أن وصلنا بحبهم ألى اللا معقول، فبكلمة نطير وبكلمة نضحك، نحبهم كما هم ونقلب الدنيا على رأس من يفكر بأيذائهم، نرى عينيهم فنضيع فيها في أجمل عالمٍ لا نرى أنفسنا فيه من دونهم.
لكن. مؤلم حين ينقلب سبب ضحكنا ألى سبب لبكائنا، وسبب فرحنا ألى سبب لحزننا، وسبب أيماننا بالحب ينقلب سببًا لكرهنا له، وسبب أماننا ينقلب سببًا لخوفنا، كل ذلك لأننا صدقنا، وثقنا، آمنا وأملنا بشيء وخاب أملنا! وهنا أقول: (وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرٌ لكم).
يعلم الله ما لا نعلمه أبدًا، ويكتب لنا ما يكتبه، ونحن علينا أن نثق بحكمته وحسن تدبيره لأمورنا ونردد: ربي اختر لي ولا تخيرني، فالخيرة في ما تختاره.
والأسود. لون لا يؤثر فيه شيء، ومهما حاولت بقية الألوان الإصطباغ به تفشل، لكنه يترك أثرًا في كل لون، ربما لهذا السبب هو لوني المفضل، وربما لأنه فلسفة العيش من دون أن أتأثر بأحدٍ سواء تروق لي جدًا!
@@@@@@@@
ز طرفٌ وطرف.
وأمام عينيها مر صدفة لا يزال كما كان وما زالت ابتسامته كما هي لا يزال يمشي يتبختر رافعًا حاجبيه ألا قلبه، ما عاد كما كان. فهو ما عاد لها!
تاهت في غموضه، في دروبه، لا تعلم أي الطرقات تسلك وكانت تلك أول مرة تسأله: أنستمر! وأول مرة لا يجيب وآخر مرة، دار بينهما حوار.
يراها تتصل، ولا يرد. رغم أن قلبه يصرخ به آمرًا: رد! يعرفها جيدًا، لا تتصل ألا لو حزنت لأنها لن تجد قلبًا أحن من قلبه، وأُذنًا أكثر أنصاتًا من أذنه!
زرع أهلهما برأسه أنها "له" منذ الصغر وكبر على ذلك وبات يضايقها ويقحم نفسه في حياتها ويتدخل بخصوصياتها بات يفرض نفسه عليها، وهي التي ما أحبته يومًا والسؤال، من منهما المظلوم؟
يقول لها دائمًا: اسمكِ محفورٌ بقلبي تفاخرت بحبه لها كثيرًا ألى أن اكتشفت سبب حبه لإسمها.
فهو كاسم حبيبته الأولى وكان وفاؤه لإسمها فقط، وأنه خائن.
وكان مقام كلمة "أحبك" رخص التراب الوافر في صحراء تلاعبه. أمام هذا، تحبه وحده. وأمام ذاك، لا تعشق سواه. وهو؟ ما أضاع قلبه سواها هي، وهذا، وذاك؟
تعرف تفاصيله كافة؛ ما يحب وما يكره، أماكنه المفضلة، أخوانه وأصدقاءه، تعتبره صندوق أسرارها، لكن تبلورت صداقتهما ألى حب من طرفها. وحين رأته حزينًا في يوم قررت االإعتراف بحبها له لكنه سبقها، كشف لها بأن سبب حزنه هجر "أخرى"!
ذكية، مرحة، فاتنة. وحدها تجعله يبتسم من أعماقه وأعمت قلبه عن الجميع.
كملت بعينه والكامل الله لكن، المشكلة واحدة، قلبها ل"ذاك" وليس له!
ينظر أليها وكأنها أحداهن ثم يزيح النظر وهي تنظر أليه وكأنه العالم هو يعلم جيدًا أن الوقوع بشدة في حبه لزمه نظرة واحدة فقط، منه وحده! أناني، وكم أحب التلاعب بها!
يذهب أليها فقط حين لا يكون حوله أحد ويشاركها تفاصيل يومه المملوء بهذه وتلك يتقطع قلبها من أفعاله لكنها تكابر قبلت بحبٍ مبطن على حبٍ طرفه الآخر طيش.
يتألم كثيرًا حين يسمعها تتحدث عن الشعور بالوحدة وأن ليس لها أحد على وشك أن ينطق ب"وأنا(" لكن يتراجع.. يعلم أنها تلحظه، لكنه ليس مرحبًا به كعشيقٍ في حياتها.
بقدر الحب كان الألم يكبر حبه ويكبر معه الألم يومًا بعد يوم جرحها منه تهتز لدربه كل أركان الحب ومصيبتها؛ قلبها لديه وقلبه لدى صديقتها.
توقفت عن مراقبته ومتابعته وانتظار "اتصاله" ما عادت كالسابق واجتاح قلبها شيء من اللا مبالاة لم تنسه، ولن تفعل. لكنها تأقلمت، بأنه ليس لها.
كلما قالت له: عدني بألا ترحل يشيح بنظره بعيدًا، ثم يعدها. لم تشعر بتاتًا أنه ما نظر بعينها يومًا لأنه في قرارة نفسه كان يعلم بأنه كاذب.
مشغولٌ عنها، بالجميع وهي شغلت نفسها به عن الجميع يصعب عليه كثيرًا الإهتمام بها يصعب عليها أكثر ألا تهتم به وبين الأهمال والإهتمام، يتأرجح حالهما.
اعتادا على شرب القهوة معًا في ذاك المقهى يحلف لها أنه يكره شربها مع غيرها، واعتاد عليها معها صدقت. ألى أن وجدت مع "تلك" يشربان القهوة في المقهى نفسه. ومن يومها، تصيبها رائحة القهوة بالغثيان!
آمنت بأن من يلعب على حبلين سيفقد الأقرب ألى قلبه لذا، ما كان بقلبها وعقلها سواه لكن عزاءه، أنه خسرها للأبد حين اكتشفت ألاعيبه، وتركته رغم أن لعبه كان على "تلك" وأحبها هي فعلاً.
تصل المكان تتفقد الوجوه بحثًا عنه، لكنها تراه ينظر ألى تلك. أغرقت نفسها في مثلثِ عشق خلاصها منه ليس بقريب تحبه، لكن يحب تلك، وتلك لا تعلم بحبه!
علِم بأن المرأة تعشق الإهتمام، فاهتم بها حتى أشبعها دلالاً وما أبكاها يومًا.
وضع لها القمر بيد والشمس باليد الأخرى لكن. تركته ورحلت، عادت لمن يُبكيها!
في البداية وكقلب أي فتاة نبض لحبه الأول توقعت أن النهاية ستكون أجمل لذا تنازلت كثيرًا، وبكل السبل حاولت أنجاح حبهما ألى أن مات قلبها، وماتت بموته كل توقعاتها!
قريب، قريب جدًا لكن صديق. أمامه تضحك وطبيعي جدًا حالها لكن لوحدها تبكي بحرقة على حالها وحال قلبها تعشق من ليس بيديها أن تنساه، وعاشقٌ هو لسواها!
يعتقد بأنها تلبس ثوب غرور وتعتلي منصة كِبر.
كونها لم تفتح له باب قلبها بعد أعتقد. وما علم أنها تعشقه كأنسان، كصديق، كقريب. وليس أكثر.
تراقب كل كلمة وحركة منه ويتقطع قلبها ألمًا مع كل أغنية حب يكتبها لأنها تعلم، أنه يقصد بها "تلك" تحبه هي فقط، من طرفٍ واحد، واكتفت بذلك!
أحب عينيها، أحبت نظراته أحب صوتها، أحبت حديثه.
أحب نعومة يديها، أحبت أمانًا تحسه لو لامس يديها.
لم يُكملا. فهو أحب شكلاً وأحبت هي مضمونًا!
مر من دون أن يلتفت أليها، نّكست رأسها وسالت دمعتها لم يعلم أنها أمضت الليل كله تختار أجمل ثيابها، لأنه سيمر لطالما آلمها حب الطرف الواحد!
قريبان، وهما لبعضهما مكملان ويتشابهان في الطِباع لدرجة أن كل الأقرباء قالوا "أنتما لبعض". من كل قلبها تحبه، ومن كل قلبه يحب سواها ولطالما قال: أعلم بأن لا يكّملني سواكِ، لكن أمر الحب ليس بيدي.
ما وجد نفسه ألا على شفا هاوية جحيم حين خانها واكتفت بابتسامة ورحيل ولم تؤذه لكن نحيب قلبها حّطم أضلعه، أيقظ ضميره، وعاش بتأنيب عظيم من بعدها.
وتلقن منها دّرسه في الوفاء.
كلها أسف، ويعتريها الندم على تلك الخطوة حين سألت نفسها: تُرى، هل يستحق قلبي؟ ومن دون أن تستشير عقلها، اندفعت في عشقه واليوم هي وقلبها، يدفعان الألم ثمنًا لإندفاعها.
مّلت ألاعيبه، ونزواته، وكذباته مّلت طيشه، وخياناته، وأعذاره قبل أن تدير له ظهرها وتمضي ودعتُه قائلة:
أنت تحتاج امرأة "أغبى"، يمر عليها عبثك ولا تعي وأنا أحتاج رجلا "أوفى"، يكفيه قلب واحد لا يقّصر.
ليلة أمس، مات في قلبها له شيء سقته الكثير ليبقى ويصمد ليلة أمس، كانت الأصعب فليلتها شهدت عينها خيانته، تجمدت مشاعرها، جف الدمع قبل أن تذرفه وتحجر قلبها!
بعين تبحث عن الجمال أرادها وبقلبٍ يبحث عن الأمان أرادته قلبها وقلبه، لا يجتمعان في شيء هو (ظلمٌ) لها هي (ظفرٌ) له.
يصول ويجول في حبٍ ما من شيء وراءه سوى المشقة باجتهاد يحاول الحفاظ على الحب أما هي، فهي لا تبالي ولا تأبه بل تتفنن في هدم ما يبنيه لأجلها ألى أن وقف للحظة وقال: الوداع أرحم.
خطأها، تنصت لكل ما يقول وتهتم له خطأه، كثير الكلام ويقول ما لا يعنيه هي، مكسورٌ قلبها بسببه هو، حائرٌ في أمره من يشفع لِمن؟
@@@@@@@@@
سر ابتسامة.
في حياتنا أشخاص ابتسامتهم لا تفارقهم، ولا يحدث أن يمروا عليك خالين منها. يحيونك من بعيد بابتسامة، تجبرك على أن تبادلهم الإبتسام وفي نفسك تقول: ياااه، كم نحن بحاجة لأمثالكم.
قال د. أبراهيم الفّقي: ابتسم. فسبحان من جعل الإبتسامة في ديننا عبادة وعليها نؤجر.
وعلى الرغم من أن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حثنا على الإبتسامة قائلاً: تبسمك في وجه أخيك صدقة، لا أفهم سبب ندرتها في أمتنا وفي الغرب يتصدقون بالإبتسامة طيلة اليوم، رغم أن ديننا نحن دين الإبتسامة! ففي الغرب، لو تصادفت مع من لا تعرفه، أومى برأسه، ابتسم لك ابتسامة خفيفة، حياك بطريقته الخاصة وهو لا يرجو منك أي شيء، ولا يبحث عن علاقة أو صداقة.
المهم.
مهما أشقتك الدنيا ابتسم.
مهما أحاطتك الهموم، ابتسم.
مهما أطبقت يد الكدر على عنقك، أبعدها وابتسم.
اجعل الإبتسامة عادة ولا تعط القدرة لأي أحد أو أي شيء على انتزاعها منك، ولا تنس، أنت حين تبتسم، يبتسم العالم لك، وحين تبكي، ستبكي وحدك. فالنحيب، لن يفيدك في شيء أذا طال.
لو آلملك جرح من تحب، تذكر بأن ربك كبير وكريم.
لا بأس.
سيجبر الله كسر قلبك، سيعوضك بالأجمل.
خطأ جسيم، أن تلزم نفسك بالبقاء مع من يهون عليه حزنك ودمعك وكسر قلبك، فمن يحبك لن يرضيه هوانك خصوصًا أن كان هو سببه.
لا تظلم نفسك بحب كالسجن المؤبد، يتركك حبيس قضبانه وحلكة ظلامه وعذابه برضاك وأنت تعلم، لا خير في حب كهذا أبدًا.
أحيانًا، طاعة عقلك واجبة، فالقلب كثيرًا ما يصيبه العمى ويطيب له أن يبقى ساذجًا باسم الحب فيتسبب بعظيم الألم لصاحبه. وبعض الأسئلة الأجدر أن تحتفظ بها لنفسك لأن أجاباتها واضحة مترجمة بأفعالهم، لكننا كبشر بقلب يعشق، لا نقنع ألا بسماعها شفهيًا.
لا يتصل. لا يرد. لا يجيب ألا بكلمة. لا يسأل. لا يبالي.
ثم تسأله: لم لا تهتم؟
بالله عليك، أي ذل ستجلبه لنفسك؟
بعض الأمور جميلة لو جاءت عفوية، فأين اللذة في اهتمام طلبته منه أن لم يأت اهتمامه من تلقاء نفسه؟ فأين روعة سؤاله عنك لأنك تذمرت من جفائه؟ أين السعادة أن لم يسأل عنك لأنه مشغول في حالك وفعل ذلك وكأنه يؤدي واجبًا مفروض عليه؟
وكثيرًا ما نقع في حفرة وهم نحفرها لأنفسنا، حين نستبق المشاعر والكلام بالنيابة عمن نرجوهم منه. فلا توهم نفسك ولا تفسر تصرفات الغير كما تريد، فكاختلاف الوجوه تختلف الأطباع وما تراه ليس بالضرورة ما يعنيه الطرف الآخر. عز نفسك، لا ترم بنفسك وقلبك على أحدهم، حين يريدك أحدهم ستكون أول العارفين، وحين لا يريدك، قد لا ينطقها لسانه، لكن حتمًا، تصرفاته ستكون جلية!
جميلة هي عزة النفس وعزة القلب، وأن يعز عليك نثر أحساسك أمام أحدهم، قبل التأكد من أنه سينحني لإحتوائه ولن يمشي عليه. والوقت كفيل بكشف كل شيء، وأنا أعول عليه كثيراً. فاصبر، لا تتسرع، ولا تضع نفسك بمواقف أنت غني عن أحراج تتسبب به لنفسك ولغيرك.
وأحيانًا نحن نبتسم، رغم أن ثقل الهم بسبب الحب على الروح كبير، وكثيرًا ما نجتهد لنكون في أفضل حال، وبعض الإجتهادات التي نتصور بأن نتائجها ستكون "الأروع" تنتهي بخيبة أمل وكسرة قلب وشيء من النكران وشيء من سوء الظن، تجتمع كلها وتقف أنت تسأل: كيف؟
صدقني.
من يُرِد أن يسيء الظن، فلن يحسنه، مهما اجتهدت في أثبات طيب نواياك.
من يُرِد أن يسيء الفهم، فلن يحسنه، مهما عريت وجردت الإدعاءات أمامه، ومهما وضعت بين يديه براهين تدعم موقفك.
من يُرِد أن يعمي عينه عن الحق، فلن يبصره، مهما كان شعاع حقيقتك كفيلاً بأعادة البصر أليه.
بعض خيبات الأمل لا ردة فعل تليق بها سوى الصمت على الرغم مما يدوي بداخلك، ونصف ابتسامة، بل تجد أن نصف الإبتسامة كثيرة أحيانًا فتكتفي بالصمت. ففعلاً في بعض التصرفات التي تصعقك من أحدهم، كأنه بطريقة غير مباشرة يقول لك: أنا لا أستحق!
وهذا برأيي أفضل وقت، لتكف عن العطاء، وتكف خيرك وشرك، وتكتفي!
أن كانوا يستطيعون العيش من دونك. لم لا تستطيع العيش من دونهم؟ من استغنى، الله الغني عنه، وعلى الله العوض.
فالتجاهل والأنكار المستمران، يسحقان الحب ويحيلانه عذابًا لطرف، ومتعة للطرف الآخر. فصعب، صعب جدًا أن يتجاهلك من تحب، والأصعب أن تتظاهر بأنك لا تهتم، والأدهى أن تنتهي القصة، والسبب التجاهل!
أنهي هذا النص أو السر، بكلام يثلج الصدر قاله د. عائض القرني:
لا تحزن على من جعلك أضحوكة بتهمة الوفاء.
لا تحزن على من أشعرك بأن طيبتك غباء أمام خبثه.
لا تحزن على من كان يعني لك الجميع، واكتشفت أنك لا شيء.
لا تحزن على من استأمنته على كل شيء، وكان أول ما فرط به هو "أنت".
لا تحزن على من عرف نقاط ضعفك وتفنن في أسقاطك.
لا تحزن، لم تخسره فقد كسبت نفسك أمامه.
ابتسم فأنت لم تخسر شيئًا.
همسة في أذن من يستكثر الإبتسامة:
أنت مرآة دينك، دين السماحة والإبتسامة، لا تستكثرها وأنت حين تبتسم تشرق روحك قبل ملامحك وينعكس ذلك على الغير!
@@@@@@@@
كبرياء ومكابرة.
قالت: علمني أن أكرهك، أريد ألا أطيقك.
رد: ألا تعلمين أنك لا تهميني وأني نمت نومة هنيئة ليلة الفراق؟
لكنه ليلتها، ولأول مرة في حياته. انحدرت دموعه "لها" بكاء.
رغم أنها تتجرع مرارة خسارتها في الحب كل يوم ألا أنها تشعر بنشوة الإنتصار، انتصارًا أمامه فقط، يوم اعتقد بأنها مضت في حياتها قدمًا وسلت حبه.
وهي في الواقع، تبكيه وتبكي حبه "تحت لحافها" كل ليلة!
يسهو، فيناديهن، باسمها تسهو، فتنتفض لو مرت سيارة كسيارته يدعيان النسيان أمام الغير بعزة وعند أول زلة عقل يفضحا نفسيهما.
لو ظهرت صورته بالخطأ تنهمر دموعها لا أراديًا.
لو سمع أغنيتهما تنهيدته تكاد تحرق صدره وأن التقيا صدفة. كل يدير ظهره وكأنهما لا يباليان؟
مكالمة مجهولة وردته رد، فسكت الطرف الآخر حتى أغلق هو الخط ما هي ألا دقائق حتى وردتها مكالمة مجهولة من شخص لا يتكلم، فأنهتها.
استدلا على بعضيهما من دون أن ينبسا ببنت شفة.
عنجهي ومغرور ألى درجة آمن فيها أن الأرض لا تدور حول نفسها، بل حوله وما كسرت رأسه سوى تلك التي ضحكت عليه وقالت: تركتك للأرض، وتربعت على عرش القمر.
خانها، ضحكت معلقة: خير يا طير!
سارعت لتنام، وما استيقظت ألا على أثر دموع انسابت على وجنتيها.
ففي الوقت الذي نام فيه عقلها الذي يكابر، بكى قلبها!
سهوًا، اهتدت جميع أشواقها أليه، في عتمة غفت على أثرها عزة نفسها.
وريثما كانت تتدبر أمر حنينها، استيقظت العزة، على صورته وصوته وكلماته!
لم يقف صقيع البرد وغزارة المطر دون رؤيته علمت أنه في ذاك المكان وذهبت حالما رآها، سارع أليها قائلاً: ما الذي أتى بك ألى هنا في جو كهذا؟
ردت: لا شيء مهم، مررت من دون مناسبة!
يدعي النوم، يدعي الإنشغال، يدعي ضياع هاتفه بوسعه ادعاء كل شيء، ألا الإعتراف بأنه لا يريد أن يتعلق بها لأن في صوتها هلاكه!
وهي وسط زملائها، يجيء الخبر عنه وحاله في غيابها بأنه متعب وكأن مصيبةً ما وقعت على رأسه تركض لسيارتها، تنوح وتردد: فراقك مصيبة علي أنا أيضًا.
رسالة وداعية شديدة اللهجة، تلك التي ظلت تكتبها وتمحوها لأسبوعين.
تظهر له فيها سعادتها من دونه وبأنه ما عاد يعني لها شيئًا تجرأت، وأرسلتها، وصدق!
لكن لو صادفها ولو نظر في عينها، لوجد بأنه ما زال يسكنها.
يختلفان، ويطول خلافهما لأيام تتصل عليه من كل هاتف يقع في يدها ومن كل رقم غريب عليه.
فقط لتسمع منه "ألو".
ظنت نفسها ذكية بفعلتها، ألى أن ناداها باسمها مرة!
صرخ بها: لا تهميني.
ببرود ردت: وأنت كذلك وغادرا.
قبل نزولها ألى البيت، مسحت آثار كحلها وطوال الليل، ظل مع رفاقه حتى لا يفكر فيها!
تدس له في رسائل النسيان بعضًا من آثار مشاعرها القديمة تتعمد رش العطر بعيدًا بعض الشيء عن الورق لتعذبه بشذاها.
رغم عظيم اجتهادها في البذخ بالنسيان، تذكره.
ولا تريده أن ينساها!
لأنها لم تنسه، تفتعل الضحك بحضوره لتقنعه بسعادة زائفة من بعده.
على الرغم من أن قلبها اكتظ قهرًا منه ترفع سقف المكابرة ويرفع هو حاجبيه تعجبًا من قسوة قلبها وقوته.
يسألها عن حالها رغم علمه بأنها ليست بخير من دونه رغم ذلك تجيب: بأحسن حال، وأنت؟
يرد: حالي كحالك تمامًا تصمت، تعرف ما يشير أليه وتستمر لغة المكابرة بين الإثنين ألى الأبد!
مستلق على سريره، ولا يمنعه من النوم ألا التفكير فيها تتقلب هي، يداهمها الأرق، ولا في بالها سواه كلاهما لا يعلم بحال الآخر والفضل يعود للمكابرة.
ما زال سر شرودها، وحلم يقظتها "هو".
وما زال سر ادعائه بأن اضطراب مزاجه من دون سبب "ذكرياتهما".
فصل بينهما الكبرياء، لكن على مشارف الذكرى يلتقيان.
بعد عودتهما من فراق مؤلم قال: كلما صادفتك كنت أراك تبتسمين وتبدين جميلة جدًا وكأنك نسيتيني، كيف فعلت ذلك؟
ردت: لم أنس، لكني لم أسمح لحياتي بالتوقف!
أصابها انسحابه عنها، بالخيبة الكثير والكثير من الخيبة لكنها لم تسأله عن السبب ورحلت في صمت كذلك فرض عليها كبرياؤها الصمت، وعمرًا من الشقاء.
قلبها المخلص أهانه كثيرًا أن يكون جزءًا من رواية بطلها الواحد يتأرجح في كل حين من بطلة ألى أخرى حسبما يشتهي لذا، رغم شديد حبها له تركته للغير.
وأصبح في البقاء ذل حين رد بلا أعلم يوم سألته: لم تريد الفراق؟
أنهى كل شيء من دون توضيح وبقيت هي في انتظار أي تفسير وأي رسالة اعتذار.
لبست ذاك الفستان الأحمر، وتزينت به واختارت ذاك اللون الصارخ كغضب قلبها لتثير غيرته وتتصنع الفرح بفراقه ظنًا منها أنه لن يلحظ ألمها في عينيها.
لا تزال تلك القلادة تزين جيدها قلادة أهداها أياها يومًا، وطلب منها ألا تنزعها تتمنى صدفة أو لقاء عشوائيًا ليلمح به تلك القلادة ويعي أنها لم تنسه!
تنّكر في زي "شبه اللا مبالي" جعل من وجوب السؤال عليها سببًا لمجيئه بلهجة باردة بدأ حديثه وهي؟ اكتفت بالضحك كم هو مكشوف شوقه أليها، مهما ادعى العكس.
أكملت حياتها من دونه ورفعت راية النسيان الكاذب كذبت، لكنها لا تزال تنظر في صوره وتعيد قراءة ما كان بينهما ولا تخلع الأسوارة التي أهداها أياها.
تحدته فقالت: لن تجد أحدًا مثلي.
ضحك ورد: بالله عليك، وهل تركتك لأبحث عن أحد مثلك؟
عاكس غروره كبرياءها كما عاكست عزة نفسها أهماله المتعمد ومنذ أن دخل العناد بينهما، من دون مبرر ومن دون سبب ومن دون وداع، افترقا!
بصدفة بعد الفراق تبحث عنه بينهم ملهوفة كلما اختفى عن الأنظار وأن وجدته صدت!
ويختبئ هو في زاوية لا تراه فيها ليراها ولو رأته جذب رفيقه أمامه لئلا يظهر لها!
يتصادفان.
وهما في المكان يلعنان في سرهما صدفة ساقت أقدامهما أليه ويتركانه.
وهما على سريرهما بمنتصف الليل، يلعنان دقائق لم يمضياها أكثر في ذاك المكان.
يتابع أخبارها وتتابع أخباره، ولم ينسيا أبدًا يعلم جيدًا بأنها تقصده في ما تكتب رغم أنكارها وهي تعشقه. لكنها رفضت أن يشاركها الغير في قلبه!
أهداها خاتمًا، وهذا كل ما تّبقى منه ولو صادفها، خبأت أبهامها حتى لا يراه يحزن هو. يظنها خلعته، وما علم أنها لشدة حبها تنام وهو في أبهامها كل يوم!
ادعت المرور لتسأله عن حاجة هي ليست في حاجتها ادعى المرض لكي تطمئن عليه وتحاكيه يدعيان اللا مبالاة وقلباهما يصرخان بالإهتمام.
من دون حساب، جمعهما مكان من بعد غياب ممسك بهاتفه ويتظاهر بالإنشغال به، لكنه بطرف عينه يراها وهي في عينها شوق ونصف دمعة وألف حسرة مرتعش جسمها لرؤيته، ومرتعش قلبه كذلك!
أصبح يرتاد الأماكن التي يمقتها، فقط لأنها تذهب أليها ليظهر لها صدفة وهو يتصنع الضحك ويعبس في وجهها أن رآها كل ذلك، ليقنعها بأنه كرهها. ووالله ما كرهها!
رغم كل ما تحّمله في قلبه من عتاب لغيابه يوم سألها: اشتقت ألي؟ ردت ب"نعم" فقط لكن بقلبها كانت تقول: كثيرًا، وليتك تعلم!
تحت استبداد سجن الذاكرة زج به عقله حين سمع ضحكات العشق الخافتة والشامتة على حاله ثار كبرياؤه عليه ثورة ما عهدها من قبل وما ارتضى الهوان!
ولم يكن فراقهما سوى "فاصل" زمني ضّخمه الغضب والكبرياء ليرياه أنه سيظل ألى الأبد وظنها سيبقى ألى الأبد، لكن صدق ما كان بينهما أماته وظل هو "ألى الأبد".
تشعل اللا مبالاة في قلبه وقلبها نيرانًا حطبها الأهمال يهمل، فتهمل لا يهتم، فلا تهتم استمر العناد ألى أن كتبا نهاية قصة عشقهما بيدهما.
تقول بأنها نسيت ولم تنس تقول بأنها تحررت منه لكنها ألى اليوم مأسورة بعينيه يلقنها كبرياؤها ما "تقوله" أمامه وتبقى الحقيقة حبيسة قلبها!
يغضب عليها جهرًا لكن يحن أليها سرًا يغفر، حتى وأن غلف غفراته بالكبرياء يصد، رغم التفاته روحه ألى روحها يحبها، مهما وسوس جبروته له.
@@@@@@@@@@
سر المطر.
ولي مع المطر حكاية وألف ذكرى. لطالما تمنيت العيش في مدينة ماطرة، ولكن كتب لي أن أولد في مدينة كانت في أحد الأيام صحراء، لكني على الأقل ولدت في شهر ماطر؛ ديسمبر. فمنذ صغري لا أمانع الجلوس أمام نافذتي بالساعات لأتأمل زخاته، ودومًا كنت أختار اللحظة المناسبة، لأغافلهم، أخرج ألى فناء المنزل وأقف تحت المطر، ومهما بلل ثيابي، أعجز عن وصف سعادتي به. فصوت المطر، رائحة المطر، أجواء المطر، صوتهم وهم ينادون علي: "بره مطر"، كلها تصب في قلبي السعادة وأنا أردد: اللهم صيبًا نافعًا.
ينهمر المطر. يغسل الطرق والأرصفة، يغسل القلوب، يغسل الأحزان، يغسل همومًا قبعت في النفوس، وتزخ السماء مطرًا على الأرض، وتمطر الذاكرة حنينًا واشتياقًا وذكريات أحدهم؛ صوته، حديثه، وجوده، وكل ما خلفه في الروح، ومضى. ترفع كفك، تعلق الأمل على أن الدعاء عند المطر مستجاب، ومن كل قلبك تدعو لنفسك وله، مهما كابرت أمامه.
ففي أيامنا ممارسات نقوم بها لنحذو بعيدًا عن أحدهم، اعتقادًا منا بأنها تقربنا للنسيان أكثر، لكن يفوتنا الأدراك بأن ما من شيء يقربنا أليه أكثر، ألا تلك الممارسات. فبعض الأمور كتمانها والمكابرة عليها تقودك لا شعوريًا ولا أراديًا أليها أكثر، ولنخرج عن النص قليلاً بمثال حين يتملكك الضحك في موقف يتوجب عليك ألا تضحك فيه بل سيكون عيبًا عليك لو فعلت، تجبر نفسك على كتم ضحكك، ثم تتنقل عينك على وجوه من معك فتجد حالهم كحالك تمامًا يكادون أن ينفجروا ضحكًا ستشعر بالرغبة في الضحك أكثر، تنتظر أن ينفجر أحدهم ضاحًكا فتنفجر أنت! (ذلك حالي في مواقف كثيرة على فكرة).
لنعد ألى نصنا. كثيرًا ما نقسم بأننا لن نعود نهتم ولن نعود نراقب، نتقلب ليلاً وتفشل الوسادة باحتوائنا كون قلبنا محروقًا عليه يود أن يعرف حاله، فيغدو الكبرياء مغلوبًا، ونعجز عن الإستمرار بالمكابرة.
"نقول" درب هو فيه سنتحاشاه ولن نمر فيه مهما بلغت الحاجة بالمرور أقصاها، نقوي أرادتنا لكن بمجرد أن نلمحه من بعيد من دون شعور تخوننا أقدامنا ونجد أنفسنا أمامه.
المكابرة.. وما أدراكم ما المكابرة. موت بطيء للقلب، يسببه ويفرضه الكبرياء الجائر.
فقد نسعد بين أصدقائنا وأحبابنا ويضيع يومنا وتضيع أوقاتنا معهم بين أحاديث هنا وضحك هناك، ولكن بنهاية اليوم لو عدنا ألى غرفتنا، على أسرتنا، بين الحوائط الأربعة لا نتذكر سواه! وبين الشعور بأن الحياة من دونه ولا شيء يطبق على قلبنا شعور الحاجة أليه، بوسعنا الحديث معه لكن في أنفسنا نقول "سيعلم بأني ما زلت أحبه". فنقف هنا!!
جرحه مؤلم.. وبقدر ألم جرحه نمتنع عنه ونمنع القلب من النزف أليه، حتى ولو سأل عن الحال نقول: بخير! ونحن أبدًا لسنا بخير من دونه.
ذكرياتنا معه، وأحاديثنا وأغانينا. هي كل ما نحتفظ به من بعده، وهو؟ حتى لو عاد ألينا، نخبره بأن يعود من حيث أتى، ليس لأننا نسيناه أو ما عدنا نريده، بل لنرد اعتبارنا. ومهما بلغ بنا الغضب والقهر والندم والخيبة، ومهما قلنا أننا "عفناه" جزء من القلب يظل يحبه ويشتاق أليه ويذكرنا به دائمًا!
قد نرد ببرود وابتسامة صفراء ونبرة لا مبالية فقط لنقنعه بأننا لا نهتم، لكن في القلب نار تستعر! قد نتعمد عدم الرد، لا على الإتصالات ولا الرسائل، ويكون "والله مشغول" هو العذر الزائف لكننا كنا نتقطع في كل مرة نرى بأن المتصل اسمه ونرغم أنفسنا على عدم الرد. قد نكتب عن الفرح والحياة السعيدة والأيام الممتعة وحب الدنيا ونتجنب الكتابة عن الحب فقط لنقنعه بأننا في قمة التلاهي والسعادة من دونه ونحن كاذبون!
قد وقد وقد وقد. قد نفعل الكثير لنقنعه بأننا ما عدنا نحبه، لكن الحقيقة الوحيدة التي لا يمكننا الهرب منها: أننا لا نحبه فحسب، بل نعشقه!
لم أفهم قط، لماذا نتفنن في العناد والمكابرة؟ لماذا نتقن تعذيب أنفسنا في سبيل تعذيبه؟ لم لا يكون الحب بسيطًا؟ لم نختار الغياب قصاصًا له؟ بينما ألمه ووقعه علينا أكبر؟ لم نتعمد التجاهل، اللا مبالاة وعدم السؤال؟ بينما تتمزق أفئدتنا عليه؟ لم نتصنع السعادة أمامه لنغيظه؟ لم نبكي من خلف ستار الكبرياء فقط؟ لم يصعب علينا الإعتراف بأننا نحبه، بل نحبه كثيرًا؟ لم في بعض الأحيان تكون كلمة "أنت لا تهمني" أسهل علينا من "أنا أموت بك اهتمامًا"؟ لم نكذب وندعي الأهمال؟ أين الخطيئة في الإعتراف؟
كما قلت. لم أفهم، ولن أفهم.
لا تنس.
بعد المطر، دائمًا ينقشع السحاب، وتتبدد الغيوم، وتشمس.
حتى للطبيعة ظواهرها بحثنا على النظر ألى الناحية المشرقة من الحياة، وأنها حتمًا: ستشرق.
@@@@@@@@@
حيرة وتساؤل.
"أخاف أن تمطر الدنيا ولست معي" أهداها تلك الأغنية ذات يوم ماطر شتاءان مرا والدنيا تمطر وهي ليست معه وتتساءل أين ذهب ذلك الخوف الذي أخبرها عنه؟
أمسك بيدها، وعدها ألا يبكيها وبأنه لن يكون رجلاً لو فعل واليوم تتساءل: الألف دمعة، بل أكثر، أيعقل بأنه ضرب برجولته عرض الحائط يوم تسبب بها؟
تهاتفه، لتتفقد أحواله دومًا يجيبها ب:لا تتصلي أنا مشغول.
وينهي المكالمة ب:أحبك!
تقول في نفسها وهي تضحك: أي حب هذا الذي لا يجعلني ضمن أولوياتك؟
تشاهد صورته، تجلس تتفكر وتبتسم "أيعقل؟ أن هذا هو الذي لم أكن أعرف اسمه قبل عام؟ واليوم أكثر ما يربك قلبي اسمه؟ وأكتبه أكثر من اسمي("
يحب عينيها كثيرًا، ولشدة حبه قّبلها ما مرة صرخت به: لكن قبلة العين تفرق.
رد: اتركي عنك الخزعبلات، لن يفرقنا أي شيء ولليوم، تذكر هذا الموقف وتقول: كيف رحلت أذن؟
كرر لها ثلاثًا: "اشتريتك بالغالي، لن أبيعك بالرخيص" والسنة الثالثة على فراقه شارفت على الإنتهاء.
ليتركها مع لفيف الأسئلة: كيف كذب؟
تستعجل النوم حتى لا تتناوب عليها الأفكار والوساوس لكن يغلبها الأرق فتظل يقظة ويظل عقلها يواصل ذلك السؤال:
ترى هل يكابر كما أفعل، أم فعلاً نسي؟
تفكر، بحال مختلف.
لو تركت الخوف والتردد واقتربت خطوة، لو اختارت الصراحة لبوح مكنون القلب ولو قالت: "أحببتك منذ زمن" هل ستصحو بغد هو فيه؟ أم ستخسره ألى الأبد؟ حتى كصديق؟
وبقيت في حيرة أين طلاقة لسانها منها؟ حين سألها أن كان يعني لها شيئًا وأجابته ب"نعم" فقط من دون أن تتجرأ وتقول: أنت لا تعني لي "شيئًا" بل "كل شيء".
رغم أنه سألها في يوم الوداع: هل من كلمة في قلبك قبل أن نمضي؟
طال صمتها ثم هزت رأسها نافية ومضيا.
سكتت، لكن في عينيها انكسار نطق: بأي حق؟
ولا تزال تتساءل كل ليلة:
أين العدالة في فراق حل؟ أن كان يجمعهما المكان نفسه كل يوم؟ فهي تسمع صوته مرغمة وتراه أمامها كل صباح وتقرأ كلامه العابر "معه هي، وليست معه".
غموضها، يثير فيه التساؤلات نظرتها، تؤرجحه بين "نعم" و"لا" هل هي تخاف؟ أم تتمنع وهي الراغبة؟ وأمام تردده ماتت الأسئلة، مات انتظارها ومات هو في عينها!
قالتها مرارًا: كل شيء يحدث لسبب ما وما اقتنعت بما فعله معها ولم تجد له سببًا انسحاب مفاجئ وتجاهل وصدود أي سبب عساه يقوده أليهم، وآخر كلمة سمعها منها كانت: أحبك؟
لو كلف نفسه عناء السؤال.
لو تنازل عن كبريائه للحظة.
لما ملت، ونبض قلبها لغيره.
ولكن أي "لو" تنفع بعد انقضاء الأمر وفوات الأوان؟
لا يعكر صفوها، لو خرجت ألا لو مر بها من يشبهه.
تضيق حد الرغبة في العودة ألى المنزل وتتساءل أن كان فعلاً يشبهه؟ أم أنها باتت تراه في الجميع؟
من نفسها، تخلق له الأعذار ولو لم يعتذر كم يصعب عليها أن تنتشل قلبها كلما رماه أرضًاء ومضى تحمل قلبها، تنفض الهم عنه وتبكي.
ولا تدري أن كان الدمع على قلبها أم أهماله؟
وبقي لديها بعض من عطره مخبوءًا في محفظتها بمنديل رشت منه عليه لتشتم "وجوده" بين الحين والآخر..
وما حيلة عاشق سيء الحظ؟ ألا العطر والذكرى.
ظل يراقبها، ظل يبحث عن نفسه في ما تكتبه ظل يرسل لها هدية في اليوم الرابع عشر من كل شهر، كونه يصادف يومًا عرفها فيه.
وظل يتساءل: هل ستعود؟
تلك الخيانات وذاك الغدر انمحى أثرهما بعد طول تمن أصبح قلبها بألف خير، وبمليون فرح. أخيرًا عاد، مستغربًا ومستنكرًا وفاته الأدراك، وما سينسيها سوى حب جديد؟
اعتذرت آلاف المرات، على ذنب لم ترتكبه وعلى سوء ظنه الباطل فقط ليبقى، ولتحظى به أكثر.
لكن، رحل وافترقا.
وبقي السؤال: من منهما خسر الآخر؟
يجتمعان يوميًا في المكان نفسه موجود هو دائمًا، وهي كذلك.
والسؤال الوحيد العالق في ذهنها:
هل يفكر فيها، كما تفكر فيه لو غادر ذلك المكان؟
بابتسامة تجيب: ما اتفقنا.
لو سألوها عنه.
بابتسامة، خلفها غصة، وعبرة مخنوقة، وكذبة بيضاء.
ولقلبها تقول: كيف ما اتفقنا؟ وانسحابه في صمت هو كل ما لاقيته؟
احتارت دائمًا وتساءلت: لم يرفض قلبي؟ ألا أحب؟ رغم أني كما يزعم، أكاد أن أصل ألى الكمال.
انتظرت كثيرًا، سئمت فتركته.
وما فعله هو، اعتقد برفضها سيحميها من قسوة قلبه وطباعه الصعبة، لأنه أحبها فعلاً!
يصعد قلبها للسماء وينزل، كلما سمعت اسمه.
وتتساءل دائمًا: يا ترى، ما الذي يدور بباله لو ذكرني أحدهم له!
عامان مرا.
بؤلمها أن تراه، أن تسمع اسمه، أن تقرأ ألم فراقهما في عينه يؤلمها أنه تركها، ظنًا منه أنها تستحق الأفضل.
فمن أعطاه حق القرار عنها؟
عشوائيًا تدور أغنياتهما.
وبعشوائية تزدحم الأسئلة وتدور الأفكار في رأسها: أمزيد من الشوق قادم؟ ألن يحين اللقاء قريبًا؟
وتظل هي مضطربة الفكر، ويظل هو، عشوائي الغياب.
اختار لنفسه درب الرحيل وأشار لها ألى درب النسيان، لتقصده.
بضحكة لا تخلو من الخيبة، قالت في نفسها: بالله عليك أسألك، وأنت تعرف قلبي جيدًا أتظنني سأنسى بهذه السهولة؟
@@@@@@@@
سر كتاب.
أن تقرأ، يعني أن تجد الصديق الذي لن يخونك أبدًا، يقول الكاتب الفرنسي ميشيل مونتين.
لذا، لطالما كان الكتاب صديقي الوفي على الدوام، فأنا دومًا أحمل كتابًا في حقيبتي ربما لهذا السبب اخترت أن يكون هذا الكتاب بهذا الحجم ونعم أنا من أولئك الذين يغافلون الوقت ليسرقوا دقائق يقرؤون فيها بضع صفحات، وأنا من أولئك الذين يقرؤون في الأروقة وقاعات الإنتظار، في الصالونات، في المطارات وفي الطائرات، قبل دخولي لأي موعد كان، أنا ممن كانوا يستمعون ألى تلك التعليقات المجتمعية التي تستخف بمن يحب القراءة وتطلق عليه "مثقف" استهزاءً وليس مدحًا، كنت أبتسم لها كثيرًا.
ويسعدني بأنه بفضل بعض شبكات التواصل الإجتماعي عاد الكثيرون ألى القراءة وألى الكتب، عادت أمة اقرأ تقرأ، وبت ألحظ الإزدياد في الحضور من كلا الكُّتاب والقُراء في معرض الكتاب الدولي كل عام.
أحببت القراءة ولازمتها منذ الصغر، يوم كنت أبحث في صفحات الكتب التاريخية القديمة عن معجزات الأنبياء وسر الأساطير اليونانية ولعنة الفراعنة، يوم أسرت قلبي دواوين الشعر والمعلقات، يوم قلت لوالدتي وأنا في المتوسطة: أحلم بأن تكون لي مكتبة ضخمة جدًا، كمكتبة عمي عبد الله".
سعادتي كانت بعكس بقية الأطفال أيام معرض الكتاب الدولي، وأيام كنت أركض فيها ألى والدتي أبشرها بأني قد أنهيت قراءة كتاب الأسبوع لأطالبها بكتاب غيره وأعكف على قراءته. أيام كان يأخذني والدي ألى المكتبة بعد المدرسة، يتركني أهيم بين الأرفف والأقسام، وأعود له بمجموعة ليست بالقليلة، وبسعادة لا مثيل لها.
كبرت، وكبر حب القراءة معي وأصبحت مجموعة كتبي أعز علي من أي شيء أملكه، ونعم، أحيانًا لفرط توقي وقلة صبري لقراءة كتب معينة، أقرأ أكثر من كتاب في آن واحد، فعصر اليوم أجد نفسي أقرأ تلك الرواية، ومساؤه تقفز عيناي على سطور كتاب آخر. أنا لا أحب القراءة فحسب، أنا مهووسة جدًا بها.
وأوافق الجاحظ كثيرًا حين قال: الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق ولا يعاملك بالمكر ولا يخدعك بالنفاق ولا يحتال لك بكذب.
وعلاقة الكتاب بك، أو علاقتك به، لا تتغير مهما مر الزمن.
والأشياء تتغير.
والناس يتغيرون.
لكن أنت، ستبقى "أنت" ألى الأبد.
فابق صادقًا مع نفسك، ولا تضحي ب"من تكون" لأجل الغير. كن "نفسك"، كن "أنت". لا تتصنع شخصية غير شخصيتك أملاً في أن يتقبلك الناس، من لم يتقبلك كما كنت، لا تصنع من بقائه في حياتك أمرًا مصيريًا!
نخطئ. ولا ينقص الخطأ من أنسانيتنا شيئًا، فذلك طبع الأنسان "خطاء"، فنحن لسنا ملائكة الرب حتى لا نخطئ، لكن على الكل منا أن يستغل الخطأ، ليتعلم منه، يعترف به، ولا يعيده. والأخطاء، تجعلنا بشر، وفشل ينتج عن الخطأ يجعلنا أقوى. ومن صلب الألم تولد القوة، فأنت لن تصبح قوي القلب أن استسلمت يومًا، وأن خلت قناعتك من قاعدة (ما لا يميتك، يقويك).
وقوة الأنسان الحقيقية لا تأتي هكذا، بل تأتي حين تدرك قيمة نفسك ولا تسمح لأي شيء بأن يمسها.
وفي الحياة، تعثر الكثيرون ووقعوا بدروب ساروا بها.
البعض، اختار أن ينفض التراب ويقف. والبعض الآخر، اختار أن يظل واقعًا، ألا يقف، وأن يستسلم. فأي بعض ستكون؟
قد يبدو أن التماسك والقوة أمران مستحيلان، لكن لا تضعف، لا تفقد الأمل، حافظ على رباطة جأشك، ولا تجعل الإستسلام خيارًا! عليك ألا تقبع في مكانك، تندب حظك وقدرك، أن لم تتغير أنت من الداخل، فلن يتغير شيء.
فأحيانًا أنت لا تحتاج ألى تغيير الأشياء كي ترتاح، بل تحتاج ألى تغيير نظرتك أليها.
لا تسمح لأحدهم بأن يجرحك ويحطم قلبك ويوصلك ألى حالة الإنزواء بكاء على حالك وحال قلبك كمن غُلِب على أمره وليس بيده شيء، ليكن بك ذاك القدر من عزة النفس ألا تعطي المجال لأحد حتى يتلاعب بقلبك، ألا تبكي على من رحل بأرادته، ألا تهون على نفسك قبل أن تهون عليه. لا تعظم غياب الخائن، الجارح، الكاذب، المتلاعب. وبعين تبصر الخير في كل شيء، انظر لغيابه بأنه خيرة من الله، ولا تحاول العودة أليه أبدًا.
قد يكون الحنين ابتلاء، والفراق ابتلاء، والحرمان والذكرى ابتلاء كذلك. ابتلاء مؤقت. لكن تأمل جيدًا، فقد يكون قربهم ابتلاء نّجاك منه البعد.
جرح قلبك وشفاؤه كله بيدك، من كسر قلبك، أنت لا تحتاجه لكي يجبر كسره. فالذي لا يرحم قلبًا وهو كامل بين يديه، ما الضمان بأنه سيرحمه وهو مكسور؟
فّكر جيدًا، قبل أعطاء الفرص للغير. فليس الجميع يستحقون الفرص الثانية. وليس بالضرورة كل من يبدو لك طيبًا وأهلاً للثقة، هو في الواقع كذلك. حسن الظن جميل، لكن يجب أن يكون له حد، والحذر واجب.
الكتب، تأخذك ألى عالم لن تتوقعه، بحيرة وتساؤل يرغمانك على قلب كل صفحة لمعرفة كلمات سطرتها الصفحة القادمة، وأجمل القراءة بالنسبة لي، القراءة حين يهبط الليل وقبل النوم، فلا وصف للذتها.
والحياة كالكتاب، لتعشها بالشكل الصحيح، عليك ألا تقف عند أحد الصفحات كثيرًا، بل أن تقرأها جيدًا، وبكل شغف وتوق تقلب الصفحة، لتعيش "الغد".
تذكر. الحياة لا تقف، ألا لو سمحت لها أنت بذلك.
@@@@@@@@@
خيبة وانتظار.
صدت الجميع أقفلت كل الأبواب المؤدية ألى قلبها وبنت أعلى الأسوار حوله قطعت على نفسها عهدًا ألا تعود ألى العشق كل ذلك، لأن من رأت كل الرجال فيه، خيب أملها.
ما أرادتهم جميعهم، واكتفت به فقط.
ما اكتفى بها وحدها، بل أرادها، وأرادهن جميعهن رغم ذلك يطلب منها البقاء معه، ويستغرب كرهها هذا العشق ألى هذا الحد!
نطق بأنه يحبها، نطقها أخيرًا بعد طول الإنتظار لكن تلا اعترافه لا مبالاة ليس كمثلها شيء فاض بها فأعلنت الرحيل أملاً بأنه سيقف بطريقها ويمنعها سارت، خالته سيأتي، لكنه تنحى وتركها ترحل!
"لن أقف في طريقك، الوقت مبكر ولا أضمن ظروفي، أن أتاك غيري وفقك الله" وكان ذلك الجواب الصاعق لسؤالها البسيط: أتحبني؟
ضحك من ولعها بقصة قيس وليلى وقال لها سأكون أفضل من قيس وسترين وفعلاً كان أفضل وشهدت على ذلك، فهو تمسك بعقله وتركها بينما قيس جن بمحبوبته ليلى وتبعها.
سحبت ما قالته يومًا، أنها تعرفه، وتعرف طيبة قلبه فهي ما عادت تعرفه ولا تعرف قلبه وما عادت تدرك ألا محاولاته البائسة لكي تكرهه واكتفت بالتصفيق له، لأنه نجح!
برود عاطفي اجتاح شغف حبهما بعد حكايات الشوق والولع والعشق.
أملها بأنه مختلف بهت، لأنه بمجرد الفوز بقلبها، بحث له عن قلب جديد وأثبت أنه لعوب مثلهم.
حتى لا تجرح قلبه من دون تعمد، كانت تفكر في كل شيء مرتين.
ولطالما جرحت قلبها قدرة امتلكها على جرح قلبها بتعمد وكم كان صائبًا قرارها حين ابتعدت عمن استسهل جرح قلبها في وقت استصعبته على نفسها.
وما عادت رزنامتها تحتفي بذاك التاريخ شطبته منها. كما من حياتها شطبته هو شطبًا وما نفع احتفالها بعام جديد لحبهما؟
وما نفع تدوين تواريخ لا تجلب سوى الألم؟
زاهد، بكل شيء له صلة بالأحساس عائف، لأي حب جديد مهما بدا ساحرًا خلف سخريته من الحب، واستهزائه بالتعلق يخفي في قلبه جرحًا وخيبة ما فارقاه منذ أعوام!
(ما عدت أحتمل، أمهلني وقتًا لأعيد التفكير).
استجاب لطلبها الجائر ذاك من دون اقتناع استغرب أعادة تفكيرها في حب عمره عامان حتى اكتشف أن برودها ما كان سوى حب جديد استبدلت به حبه الذي أصبح قديمًا!
تمرد عليه العشق، في يوم اعتصم فيه حول أيسر صدره، أطبق عليه، وارتجف احتماله.
أحبها كثيرًا، وبقي مخلصًا لحبها الذي ما أخلص له أبدًا في يوم بخسته أبسط حقوقه: وفاء مقابل وفاء!
غالية على قلبها تلك الذكريات مهما غاب الذي ملك قلبها، وصنعها معها ما زالت وهي تعلم بأنه غير عائد على ضفة شاطئ "العائدين" تنتظر وما أقسى انتظار، من تعلم أنه ليس بعائد:
اعتاد أن تبادر هي بالسؤال عنه ومهما حل بها، لا يسأل عنها أطلاقًا قررت ألا تسأل عنه، ألى أن يسأل بقي أسبوع على مرور الشهر الثالث. وما سأل!
مقبولة أعذاره، من دون أن تعرفها مرفوع له القلم، من دون أن يرتجي ذلك له كل ما يشاء، ويتمنى، لكنها تريده أن يعود ليعود لها قلبها، وتعود هي، هي!
لفرط انتظاره وتوقه لأن يصله أي شيء منها كان يقول "يا رب أن تكون هي" لو ورد لهاتفه تنبيه، لكن، لا تكون كان يستيقظ، ويجد مختلف الرسائل والمكالمات التي لم يرد عليها يأمل أن تكون واحدة منها لكنها أيضًاً لا تكون وما فقد الأمل يومًا!
أطعمت صورهما ورسائلهما النيران ظنت شفاء غليلها أن تحرق ما تبقى منه، كما حرق قلبها ظلل حزنها كل ملامحها وخاب الرجاء به، يوم تعذر بالنعاس، وصدفة كشفته مع "تلك".
تعرفه جيدًا ألى درجة نجحت في تخمين كلماته السرية وحين رأت ما رأته، أدركت بأنها ما عرفته جيدًا قط!
ضاقت بها كل سبل الطريق ألى النسيان لتعتق حبه حتى قالت: سأصبر والوقت كفيل بذلك.
لكنها تذكر كل شيء معه ولم تنس ألا نسيانه!
وعادت ألى غرفتها، فكت رباط شعرها نزعت عنها زينتها التي أمضت ساعات لأتقان ضبطها ثم رمت بفستانها على الأرض، كما رمت بنفسها حزنًا على سريرها. خاب أملها، انتظرته، تأخر كثيرًا وهو لم يخلف موعدهما، بل نسيه.
لطالما كتب عن (الشوق) تغنى (بالشوق) وكان محور حياته (الشوق) ألى درجة تمنت فيها أن يكون اسمها (شوق) لكن. ليس بعدما رن هاتفه بيدها ولمحت ارتباك ملامحه حين كانت المتصلة (شوق)!
هيأت نفسها لعودته لقبول أي عذر، وأي مبرر، مهما كان ساذجًا.
انتظرته، بأمل قلب فتح كل أبواب المغفرة لمن لا يستحقها انتظرته.
ولكن، لم يعد.
"جارح، مهمل، فاشل وطفل" عنه قالوا لها ذلك، ونفى ذلك (بقوله) فتجاهلتهم.
حتى جرحها، وأهملها، وفشل بحبها وهرب.
أثبت لها صدق كلامهم (بفعله) فالفعل، يتحدث بصوت أعلى من القول دائمًا!
الترقب. وكم أضناها ترقبه وكم هو تعيس حالها من بعده تصبر وما باليد حيلة. ولو قرأ حزن عينيها لوجد فيهما ألمًا يستجدي النسيان وجرحًا يشهد عليه!
أصبح لا يغلق هاتفه قبل النوم و"يفز" لأي اتصال وأي رسالة أو أي تنبيه لعلها، غيرت رأيها، ليسامحها ويقبل عودتها ولو بسلام عابر منها.
أقسمت، بأن لو ذبل وردها الأحمر، فلن ترد على اتصالاته أو رسائله سنة ونصف السنة، وهي تستبدل الورد الأحمر قبل أن يذبل بقليل ولم تر له بينة.
علمت، بأن شيئًا ما في ذاك الرجل سيكسر قلبها وسينثره رغم ذلك أحبته وتمسكت به ولو التقيا، اعتادت ملاعبة ابن أخيه الذي يحضره لها دومًا حتى اكتشفت. بالصدفة. بأنه ليس ابن أخيه بل ابنه!
لطالما كان أول ما ببالها حين تستيقظ وآخر ما تفكر فيه قبل النوم، حتى هجرها!
ولليوم، ورغم رحيله يسهو وينتظر "صباح الخير، وتصبح على خير" اللتين اعتاد عليهما منها.
تأفف، وحكت ملامحه كل الحكاية كلما سألته: أما عدت تريدني؟ مات بها عشقًا، في يوم لم يلق منها نظرة ماتت به عشقًا، فأدار عنها قلبه وظهره ما أراد كسب قلبها، بل كسب رهان الأطاحة به.
عندما أهداها تلك الأغنية: "خلي بكره لبكره وخلني أنا وياك" فرحت ل"خلني أنا وياك".
ولم تع ما قصد ب"خلي بكره لبكره" ألا بعدما رحل!
سألته مرة: ألى متى ستستمر علاقتنا برأيك؟
رد: ألى أن يموت أحدنا.
واليوم تذكر ذاك الحوار، وهو بعيد، وما مات أحدهما بل لم يمت سوى حبهما ومات معه قلبها!
تدخلوا بينهما كثيرًا لم يرضها أن يكون لها وفي الوقت نفسه لغيرها لم يدنهم عنه، بل اكتفى بالوعود فقط ومع الوقت عادت الأمور تتفاقم ولم يصمد، قرر تركها "لأجلهم".
كم كان بالنسبة لها الشعور ساحرًا، أن تطوف العالم فرحًا، وأن يصدح قلبها بغنائه وتنشد روحها: هو فيه مثلك؟
آمنت ووثقت، بأنه مختلف وليس كمثله أحد ومن فرط ثقة ليست في محلها تعلمت!
مر عام.
تلتفت، تجد تلك الوردة الذابلة التي تحتفظ بها، آخر وردة أهداها أياها.
تضحك، حتى الوردة بقيت معها رغم موتها. وحبه لم يمت، لكن ما بقي!
سئمت أهدار دمعها كل ليلة قبل أن تنام.
سئمت تأجيل الفرح، وقول أنه حتمًا سيعود.
سئمت بعثرة الأمنيات، سئمت قول: أنا بانتظارك ألى الأبد.
رغم يقينها بأنه لن يعود أبدًا.
تتعاقب فصول السنة ومع كل فصل، ينزف قلبها أملاً برجوعه، ويطول انتظارها فراقهما حل في الخريف وشابهه كثيرًا خريفان مضيا بعده، وما رجع. وما زال قلبها النازف ينتظر.
خالته مختلفًا، سلمته قلبًا سجنته بين أضلعها طويلاً معه. ظنت بأن القدر قد ابتسم لها أخيرًا.
وفي عز حزنها وحاجتها، بصم على قلبها بجرحه ورحل.
اتهمها بأنها لا تذكر عيد ميلاده، فسمته له باليوم والشهر والسنة ثم سألته عن تاريخ ميلادها وهنا كانت المفاجأة صعقت بأنه لا يذكر الشهر حتى، مع أنه هنأها في يوم ميلادها الفائت!
@@@@@@@@@
سر الشمع.
لآلاف السنين، وصولاً ألى العام 1900@م، كانت الشموع مصدرًا أساسيًا للأنارة عند القدماء، استخدموها لينيروا ظلامًا حتمته عليهم ظروف زمنهم، ونستخدمها نحن حين نهرب من واقعنا ونضع أنفسنا في ظلام لا نود أنارته ألا بنور شمعة صغيرة ليبعث في روحنا الدفء والراحة ويطرد منها التوتر. تاريخيًا، رمزت الشموع ألى الأضاءة الروحية، والتنوير الفلسفي، وبعض التوجيه المعنوي، وكذلك استخدمت الشموع في أحدى الحقب الزمنية كساعة حسبوا بها وقتًا يمضي بمعدل احتراق الشمعة، فهل سنعتبرها كما أردنا التاريخ أن نفعل؟
عن نفسي، لا أتوقع. والتوقعات؟ كم تدخلنا التوقعات كم تمنينا أمورًا ولم تتحقق؟ وكم تساءلنا: لماذا؟ لكن نسينا أن نقول: خيرة!
كثيرًا ما تأملنا بشيء أو بأحدهم ألى أبعد مدى، كثيرًا ما توقعنا، ثم خانتنا التوقعات وعدنا ألى نقطة البداية وحدنا من دونهم خالين مما حملناه في القلب من أمل. كثيرًا ما نصلب الحزن والخيبة في قلوبنا، ونتناسى الفرح والأمل أمامهم. فلم لا نقلب الموازين؟ لم نجعل سالب الأمور أكثر تأثيرًا علينا من موجبها؟ لم يسهل على بعضنا الكدر في عز البهجة؟ ثم يصعب عليهم العودة ألى البهجة ثانية؟ ولم يصعب أبهاجهم في عز الكدر؟ بذلك يضيع يومهم وهم غارقون في الضيق.
وقت تهدره في "الحسافة" الأجدر أن يكون وقتًا تعد فيه نعمًا تحيط بك، تفرح بها، وتنسى ما يحزنك، فتّذكر قول الرحمن دائمًا (أن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). كن أنت طبيب نفسك، دواء نفسك، وعلاج نفسك، وألمك لا تجعل شفاءه بيد الغير فأنت ستتعب في الحياة كثيرًا لو انتظرت الراحة من غيرك.
الحلم. الأمل. التمني. بهم فعلاً يشعر الأنسان بأنه حي، على قيد (الحياة)، لكن الحذر كل الحذر، لو أصبحوا أسلوب حياة من دون العمل فيهم.
أحيانًا قد نرغب بالشيء كثيرًا ولشدة رغبتنا به يفوتنا الأدراك بأن ذلك الشيء قد يكون الأسوأ لنا، لكن لأننا نريده نراه الأفضل! وبقلب ملؤه القناعة علينا أن نواجه الدنيا، وما كتب لنا، سيكون لنا، حتى لو لم نرده. وما ليس لنا، لن يكون لنا، حتى لو متنا لأجله. فاترك هم الأمس للأمس، والغد انو بدءه بابتسامة، وبروح تفيض تفاؤلاً تطلع أليه فمن تفاءل بالخير، وجده.
والبعد ليس بالضرورة أن يكون فراقًا فكم أحببنا من ظروفهم حتمت عليهم الإبتعاد، لكنهم لأجل الحب عادوا. وفي حال كهذا يحلو الإنتظار، لأنهم وحدهم يستحقونه.
فالإنتظار عالم مبهم، مُر أحيانًا، وقد يكون حلوًا بحسب حجم (الأمل) في قلبك. ولكي تنتظر، يلزمك الصبر، الكثير والكثير من الصبر، فهل تقوى؟ الوقت يمضي والأيام تمضي، وما في قلبك قد يزيد وقد يقل. قد تدق الساعة وقد لا تدق. والسؤال واحد: هل يستحق الإنتظار؟
أصعب انتظار هو انتظار ذلك الذي لا يستحق، معذب أنت في بعده، وستتعذب في قربه، وما من عودته أي ظفر، سوى الشقاء. ورغم ذلك، تنتظر.
وأجمل انتظار. هو انتظار ذلك الذي يستحق. وأنت على يقين بأنه سيفي بوعده، وسيأتي. سيملأ عالمك فرحًا، وستزهو بوجوده حياتك. وتنتظر.
وبعض الإنتظار يحرق؛ يحرق صبرك، أعصابك، وقلبك، وكاحتراق الشمعة يصبح حالك. مهما كان احتراقها لأجلنا في بادئ الأمر جميلاً وممتعًا، لن يظل هكذا أن طال وانطفأت الشمعة من تلقاء نفسها قبل أن نفعل. كذلك بعض الإنتظار، أن انطفئ، انطفأت جذوة كل شيء معه!
ويقال، بأن أولى الشموع المعطرة تم استيرادها من الهند وكانت برائحة القرفة.
فهل نشكر نحن محبي الشموع الهنود على هذا الصنع؟
@@@@@@@@@@
اغتراب ومسافات.
في فراق، وليس في فراق. وصلهما رغم المسافات ثابت وعلى أقوى الأساسات، بني حبهما. أساس: التمسك والإحتمال رغم أنها "هنا" وهو "هناك" دومًا معًا.
في سفره، اشتاق كثيرًا أليها.
تمناها قربه، لكن صعبت!
أرسل لها: أنا لوحدي، ولست قربي لكنك في قلبي الذي أخذتيه بأكمله، ولا مجال لغيرك فيه أبدًا.
رغم أنه ببلد، وهي ببلد لا يحب ألا أن تصحو على صوته.
حتى لو نام، يضبط المنبه قبل موعد استيقاظها المعتاد بخمس دقائق ليوقظها، ويضمن أن يكون أول من يحدثها في يومها!
هي تدرس في الخارج، هو لهفته ألى يوم لقائها لا توصف.
يقول: أنا عمري حسابه لما أشوفك!
فبعد عودتك في ديسمبر، سنحسب معًا عمري الجديد.
بسره عشقها، وكتم ذلك ارتأى أن دراسته بالخارج قد تفشل الحب ليراها كل يوم، خطط لأخذ فصله الصيفي في وطنه بجامعتها نفسها، وفعل.
وبعدها؛ بدأت قصتهما.
يدرس بالخارج، عاد في عطلته، وظل يتحدث معها طيلة يومه.
قالت له: "ستلحق علي"، اقض يومك مع أهلك وأصدقائك.
رد: لكن أنت أهلي، وكل أصدقائي!
سافرت، صانته، وبقي في قلبها وعينيها.
تراه بكل مكان وتفكر فيه قبل أن تفكر بنفسها.
وهو؟ في النصف الآخر من الأرض، غارق بخياناته في غيابها.
مسافر هو، وقبل عودته توجه ألى قسم حديثي الولادة بأحد المتاجر وأخذ لها ملابس لطفل تحت ال3 شهور ليهديها أياها ببطاقة كتب عليها: احتفظي بهم لإبننا!
حان سفرها لإستكمال دراستها.
أهداها قبل ذهابها ألى المطار هاتفًا جديدًا وطلب منها ألا تفتحه ألا في حال وصولها، وفعلت.
وجدته قد ملأه بصوره ونصوص حفظها لها كمسودات وجميع أغانيهما المفضلة.
فقط. لتتذكره دائمًا في غربتها!
أصبح وطنها (غربة) وغربتها (وطنًا) لأنه ما عاد موجودًا.
مكان (هو) فيه، ويضمه ويضم عينيه، لو كان أبعد بقاع الأرض، تراه وطنها.
تشكو له التعب من فراقه وسفره تسأله: كيف تحتمل؟
يرد: كلما اشتقت أغمض عيني، أسترجع ذكرياتنا وأوقاتنا معًا، أعاود عيشها، وأعلم في قلبي بأننا سنعيش الأجمل منها، هكذا أحتمل!
وما همها البعد ولا المسافة.
ترقب الأيام، كساعة رملية أمامها، وتحسبها حسابًا.
ولو دهم قلبها شوق لقائه تهمس لقلبها: انتظر، فهو عائد بعد حين.
خارج حدود الوطن، وهي داخله، يفصلهما شاسع المسافات.
وحاجتها له، تعصر قلبها. ويطبطب عليها دائمًا بقوله: لا تحزني، سأحضنك بقلبي الآن ألى أن أعود وأضمك بين ذراعّي!
وما فطر قلبها، أكثر من كونه بعيدًا، أنه مرض في غربته.
يؤلمها عجزها عن أن تكون قربه وترعاه وأن تبقى بجانبه ألى أن يصح. حتى وأن لم يحتج أليها، يكفيها أنها لو كانت قربه فستطمئن عليه.
جاء يوم سفرها، لغربة سيكون عمرها أربعة أعوام.
وقتها، أدرك كم كان يعني له حضورها، ولم يقل وقتها سوى: بالسلامة تصلين أن شاء الله.
لكن في قلبه كان يردد: "لا تسافر، أبسط الأشياء محتاجة لوجودك".
في غربتها انقسم هم قلبها وشوقه ألى نصفين شوق لوطنها، وشوق له. لكنه أهملها وحين عادت، أرادها الوقت كله!
رفضت قربه قائلة: لم تكن موجودًا حين احتجتك، لا تأتني حين لا أحتاجك!
رغم خصامهما تمر يوميًا عند بيته لتطمئن. حتى وجدته يجر حقيبة سفر يضعها في السيارة التي انطلقت بعدها. تبعته حتى وصلا المطار.
حاولت أيقافه، استجدت بهاتف مغلق، لكنه سافر من دون وداع. وانهارت هي لرحيله الذي لم تعلم ألى متى سيطول!
كرهت أن يغترب. أراد هو ذلك وبشدة وأقدم عليه. "مع كامل اقتناعه وعدم اقتناعها" أيقظته ذات صباح باكر، لتكون أول من يزف أليه بشرى قبوله بخطة البعثات. واستعد ثم سافر.
مضت الأيام والتهى، ونسي من أيقظته وبشرته وأحبته!
على عاتق الأيام مرمية الآمال أن تحنو على الحب، تعجل اللقاء، وتقرب المسافات. فقدرهما "العشق البعيد" لكن مهما بعد أحدهما عن العين، ما بعد عن قلب الآخر!
اختارت السفر لكي تنساه كونه ما اختارها ولا قدر قيمتها، واختار حياة لا تشملها.
لكن عينيه الذابلتين، حكتا لها كل العذاب يوم عادت وكان هو وعيناه أول المستقبلين في المطار!
يخيم الظلام في يوم للتو أشرقت شمسه، لو خلا اليوم من صوته ومن حضوره بهاتفها.
فارق الوقت حرمها ممن فارق عينيها وأرضها.
ورغم بعده، مغتنية هي به وهو في هاتفها عن الجميع.
بخطى رصينة دخلت عالم الحب هامت به.
وجدته وحده يستحق ذلك رغم اغترابه واتساع المدى بينهما.
تؤمن. بأن الحب الحقيقي ليس ألا يفترقا، بل أن يعشقا، رغم الإفتراق.
تعشق قريبها الذي كتب له الله الإغتراب.
في الزيارات العائلية، لا "فزة" تشبه فزة قلبها لو جاء ذكره بسؤال أحدهم عن أحواله وهو هناك فتمتم هي بدعاء لا يجتاز شفتيها: ربي أحفظه!
احتضن كفه كفها وطفرت الدموع من عينيها تريده أن يبقى لكن لظروف دراسته عليه أن يرتحل.
يُقبل يديها، وهو يطمئنها بقوله: في قلبي أنت، وستبقين فيه أينما كنت.
حان موعد حجزه في الكلية العسكرية ضاقت بها. شكت له: كيف سأخفف من شوقي ألى حين تعود؟
رد: انظري للسماء، وتذكري أني بحجمها أحبك!
ما أطول الوقت، حين صنعا عدًا تنازليًا حسبا به أيامًا بقيت على سفر كل منهما ألى الآخر ليلتقيا وكال"برق" مر الوقت بلقائهما.
ظالم الوقت حين تكون مع من تحب!
خرج من الكلية العسكرية بعد حجز طال لثلاثة أسابيع.
وجد منها مئات الرسائل في محادثتهما لم تكف عن الحديث أليه "مع نفسها"، ومشاركته التفاصيل وهو غائب.
كذبت غيابه وكذبت نفسها بوهم من الأمل، لعله سيرد عليها.
بعيد عنها بعالم، لكن يغنيها عن العالم مع المدى والأسفار، فهمته في كل يوم أكثر غال على قلبها، ومهما انقلب التوقيت واليوم يبقى يومها كله "هو".
في حله وارتحاله باق حبها في قلبه محله.
يضنيه الشوق ويزلزله. لكن يضنيه أكثر أن ينقض عهد الوفاء والأخلاص ولطالما كان حبهما، أكبر من البعد.
فقدت أملها بالإطمئنان عليه بعدما أبلغوها بأن حجزه في كلية الشرطة سيمتد ألى شهر.
وذات يوم، فوجئت باتصال غريب، وأتاها صوته هامسًا: اشتقت أليه:، عديني أن تعتني بنفسك جيدًا حتى أعود.
قدرها، أن يشاركها البعد به.
أن تكون المسافات ضرتها.
لكنها تجزم بأن قدرها الأكيد أن تظل تحبه وتستمسك به رغم أنف المسافات والبعد.
@@@@@@@@@
سر المدن.
السفر في كثير من الأحيان حاجة، قبل أن يكون عادة. ففي السفر تتيقظ الحواس والأدراك، وأنت بعيد عن كل شيء، وتغدو في راحة نفسية حين تختلي بنفسك وتفتح الأفق لتفكيرك لأعادة الحسابات ولتصفية البال مطلقًا العنان لروحك للأبحار في كل شيء والتمعن فيه.
لذا، أعشق السفر، وأنتهز أول فرصة أمامي لأحمل جوازي، أرمي بكل شيء ورائي، وأتوجه ألى مطار وطائرة يأخذاني لأي وجهة.
أحب المدن وتفاصيلها وأسرارها المخبوءة في كل زواياها.
عشق ما. هناك، لقاء ما. هنا، فراق في تلك الزاوية، احتضان على ذلك المقعد الخشبي، وأياد متشابكة في ذاك الطريق، وداع على ذاك الرصيف، وألم شهده ذاك الزقاق.
أحب ذكريات أصنعها في كل مدينة أسافر أليها، أحب أغاني وكتبًا ترتبط بها، ففي كل مرة أسمع تلك الأغنية التي اعتدت سماعها في "نيويورك مثلاً" تأخذني ألى نيويورك فورًا.
ولو عدت لقراءة كتاب قرأته في ميونخ، تداعب صفحاته أحساسي، وأشعر بأني هناك.
كذلك، كهواة جمع الطوابع والبطاقات البريدية وهوسهم بهما، أحب أن أجمع أكوابًا تحمل أسماء مدن قمت بزيارتها، وبحسب ماجي في الصباحات أختار مدينة، أرتشف القهوة في كوبها، وتأخذني القهوة في ذاك الصباح ألى ضواحيها.
ورغم أنني أحب المسافات، ألا أن هناك مسافات مقدرة، توجع القلوب كثيرًا.
وتلك القلوب المواظبة على الأخلاص، على الصبر، على الأمل، على حسن الثقة بتدبير الله، مرفوعة قبعتي احترامًا لها. فلها من الصبر الجميل العوض.
يقولون الصبر صعب.
أقول: فيه من الصعوبة الكثير حين لا تصاحبه القناعة، حين نكف عن تذكير أنفسنا بقوله تعالى (وبشر الصابرين).
ولولا عظيم الأجر في الصبر، لما قيل فيه: "الصبر نصف الأيمان" ولما قال تعالى: (وتواصوا بالصبر) وبعض الأشياء، حين نتركها لله، يعوضنا بالأجمل منها.
ومع آخر نفس "يطيب الخاطر" والقناعة بأننا سنعوض، ستكفينا.
مؤلمة بعض الأقدار، أنا أعلم.
لكن كم سيتضاعف الألم لو لم نرض بها؟ ولو لم نحاول التخفيف عن المصاب بالصبر وأقناع أنفسنا بوجود خير مخفي وراءها؟
وما أجمل من حياة عنوانها "الصبر والقناعة"؟
في بعض الأحيان نتمسك بأمور (أو بأشخاص)، ولا نرى أن بعدهم خير.
بل نرى بعدهم خسارة، ولكن في الواقع، ما من خسارة سوى عودتنا أليهم، كلما أبعدهم الله عنا.
يحدث كثيرًا، أن نسير ألى الشقاء بقدمينا.
نعتقد السعادة مخبوءة، من وراء هذا الشقاء.
ووالله أن بصيرتنا أصابها العمى، ولا ندرك ذلك ألا متأخرًا قد نحب الشخص "الخطأ".
نبكي بسبب الشخص "الخطأ".
لكن بالتأكيد، سيساعدنا ذلك، بأن نجد الشخص "الصح" وبين معادلات الصح والخطأ، يكمن في الحب درس لن نتعلمه ألا لو تألمنا.
نعود ألى المدن، أكاد لا أصدق أن الكلمات التي يحملها هذا الكتاب قد كتبتها في 12 مدينة، في فترة 11 شهرًا. بدءًا من نوفمبر 2012@م حتى أكتوبر 2013@م!
(الكويت، واشنطن دي سي، شيكاغو، نيويورك، لندن، دبي، أبو ظبي، هايديلبيرغ، ميونخ، تامبا، ميامي، فيلادلفيا).
فهل للسفر هذا التأثير فّي وحدي؟
@@@@@@@@
وجع وفراق.
تجلس بينهم، معهم هي وليست معهم، بل في ذلك الوادي البعيد يرونه بعينيها، يتألمون على حالها وليس في يدهم ومقدورهم شيء تركها، من كان يعني لها الدنيا بأكملها!
يعزف لها على العود كل الأغاني التي يرد فيها اسمها يغنيها لها بصوته وهكذا أحبتها أكثر وبعد رحيله. ظلت تلك المقاطع تتردد على مسامعها وهكذا كرهتها تمامًا كما كرهت اسمها!
تبكي نفسها للنوم كل ليلة بسبب خياناته لتصحو في اليوم التالي، تبتسم له وبكل حب توقظه ليبدأ يومه سعيدًا، وتعلل له تورم عينيها بعميق نومها.
لا تعده بشيء، لكنها دائمًا تفعل ما يريد يعدها بكل شيء، ودائمًا يفعل كل ما تكره ولا تريد معادلة صعبة، ما بين أفعالها وكلامه!
كل من حملوا اسمه، توقفت عن مناداتهم بأسمائهم فمنذ أحبته، أصبح لإسمه رعشة بقلبها، ترفض أن تشعر بها مع أحد سواه!
لم تكف الأرض عن الدوران حين خسرها وما كفت الشمس عن الشروق، ولم تتوقف عجلة الزمن لكن بمكان ما في صميم روحه، مات بخسارتها جزء كبير منه.
وأعظم ألم أن يلحظوا غيابه ويسألوها بعفوية عنه وقبل أن ترد بلسانها، ترد عينها ووجهها المخطوف وقتها فقط يدركون بأنه رحل، فيستبدلون الحديث بغيره!
تسرح في وسط أحاديثهم، يأتون عند ذكره فتصحو ويضطرب قلبها وتقول: وما باله؟
لتكشف أنهم في الواقع لم يطروه، بل أطروا من شابه اسمه وظنته هو!
في المكان نفسه الذي التقيا فيه وزاروه مرارًا معًا مدا يديهما ليتصافحا للمرة الأخيرة، للوداع.
وأصبحا، بعد ذلك اليوم، يرتادونه لوحدهما أملاً بالصدفة!
لسوء حظها، عطره الذي لا يغيره شائع جدًا ومنذ رحل عافت الخروج لأي مكان فلطالما استوقفها أكثر من مرة شخص يضع العطر ذاته!
تقول أحبك، يرد: لا أستحقها تقول أحتاجك، يرد: تستحقين الأفضل تقول أن حياتها أفضل معه، يرد: لا تعرفين الأفضل ولو همت بالرحيل صرخ: أحتاجك!
أولى هداياه وثانيها عطر، وثالثهم وآخرهم أسوارة مرت الأعوام الأربعة بيدها الأسوارة دائمًا وتزين غرفتها زجاجتا العطر بقيت هداياه وما بقي هو!
في وداعهما ماتت الكلمات قبل المشاعر وتجمدت اللحظات قبل القلوب ثقلتا كفهيما ولم تصافح أملا أن يكون الوداع كذبًا أو خيالاً أو أي شيء ألا: الحقيقة!
يومها ألسنتهم نطقت: لنفترق بينما نطقت أعينهم: لنبق معًا!
بشيء من الوفاء يخون.
بشيء من الإنتصار ينهزم.
اعتاد على الكثيرات بينما قلبه يريدها.
اعتاد على أن يمتلك لكنها ملكته وبذلك التضاد، كان ضياعهما!
وما أدركت أن ما بينهما انتهى فعلاً ألا حين استيقظت وهمت لتتصل به فوجدت أن اسمه ما عاد محفوظًا وتذكرت بأنها مسحت رقمه أمس بعدما قررا الفراق.
لملمت هداياه ورسائله وصوره ومع دمعة ألم منها تخلصت منها ورمتها.
وكم كان صعبًا عليها ذلك فقد كانت كمن يتخلى عن أجزاء قلبه!
أصغر تفاصيل المواقف بينهما ينساها وتذكرها هي عذرته كونه رجلاً، عذرت انشغاله، لا مبالاته، وأهماله لكنها ما عرفت المعذرة حين استمر يناديها باسم غيرها.
كان الإتفاق أن يقوما بكل شيء معًا من العزف على البيانو ألى رياضة ركوب الخيل لكنه وبعد خلافهما، رحل وظلت هي لوحدها تسليها الأنغام ويرافق وحدتها الخيل.
تدخل غرفتها وعلى نفسها توصد الباب لكن أين المفر؟ وجرح قلبها ممن يسكن قلبها حتى وأن فرت بالنوم، يطارد أحلامها ألى أن تصحو، فيطاردها في صحوتها.
تشابههما الكبير الذي أفرحهما بداية هو ما كسر قلبيهما نهايةً تشابههما في العناد في صعوبة المراس وفي المكابرة هدم جسور التفاهم والبقاء!
رغم فراقهما، ما زالت تصحو كل يوم السادسة فجرًا لأنها اعتادت أيقاظه لعمله وما زال دائم التأخير لأنه لم يتقبل ألى الآن أن يوقظها أحد غيره.
أتعبتها الغيرة عليه ألى أن أصبحت لا تبالي وفي كل مرة تقول فيها "ما عدت أهتم" عيناها تحكي قصة أخرى!
عقلها وقلبها في تضارب فعقلها يرفض بقاءها معه بينما يتمسك قلبها به حتى آخر رمق كم هو مؤلم أن يكون من تحبه أفضل وفي الوقت نفسه أسوأ ما حصل لك.
يقولون لها: أغنيتك في "الراديو" الآن لا تجيب لكن مقدار الوجع في قلبها لا يوصف أحبت تلك الأغنية لأنه أهداها أياها وبقي أثر الأغنية في قلبها من دونه.
على طبق ألماس قدمت له فؤادها وأهدته فوق العشق عمرًا كتبت له بدم قلبها "أحبك" كتب لها بسواد قلبه "لا أستحقك".
وما يفطر فؤادها كل يوم؛ رؤيته يقف على بعد أمتار منها ويضحك وهي لا تستطيع أن تجعله يشعر كم يؤلمها حبه بودها لو تصرخ بالمكان كله ليلتمس بعض وجع قلبها.
تاريخ فراقهما لم تنسه بعد مرور سنة بالضبط على الرحيل ألمها قادها لأن تكتب عنه لتفاجأ بأنه يذكر التاريخ، وكتب عنه كذلك فيغدو فؤادها مفطورًا، وتتألم أكثر وأكثر!
مهما جرحها وألمها بكل لا مبالاة يسألها كيف صرت الآن؟ تجيب بأنها بخير، رغم أنها لم تر الخير معه متعب العتاب، مع من لا ينفع معه الكلام!
رغم سنين جمعتهما اليوم وكأنهما ما عرفا بعضهما أبدًا لكن عينيهما تعترفان فقط لطالما حكى لها عن حماسه ليوم تخرجه من "الجيش" والمؤلم أن اليوم قد أتى، وهي بعيدة عنه!
حطم قلبها وتركها وستظل تطارده ذكرياتهما أينما ذهب ففي كل شارع، كل زاوية، وكل مكان لهما موقف صعب نسيان الذكريات، والأصعب نسيانها هي.
حين ينتصف الليل، تدق ساعة جرحها وتصيح بها الذكرى تأخذها ألى صوره وكلماته وأحاديثه ونبرة صوته ينتهي الليل وهي لا تزال يقظة، سجينة الشوق والذكرى.
كل نظرة تعذبها لأنها ليست منه يتغلغل لحن اسمه في أذنها ويزداد ألمها ويزداد شوقها حتى سبيلها الوحيد للهروب من واقعها وهو نومها أصبح يزورها به.
التماع النجوم، يذكره ببريق عينيها كلما همس لها "أحبك" لذلك، عشق البر رغم وحشته وظلامه، لتسامره نجوم الليل والتماعها!
كان يعود ألى البيت باكرًا ويبقى في غرفته فقط ليتحدث معها طوال الليل واليوم، لا يعود ألا لو أنهكه التعب لينام فورًا لأنه بمجرد تأمل تفاصيل غرفته يتذكرها.
تفهم ما قاله، أنه مل وما عاد يريدها لأنها صعبة المراس وأنها بنظره "تعب قلب وعقل".
لكن ما لا تفهمه، لم لو وافقته ورحلت، صاح بها: عودي!
وجدت هاتفها الذي أضاعته بمنزلها منذ سنة وفرحت كونها وجدته قامت بفتحه، ففتحت بقلبها جرح ملحه (صوره ومحادثاتهما) هكذا. لعنت ساعة وجدت هاتفها فيها!
تمسح دموعها وتتعذر لأهلها بالأنفلونزا لو سألوها ما خطبها تتحجج بأنها التقطت العدوى منهم لضعف مناعتها وهي تكذب. مناعتها ضد كل شيء، ألا قسوته!
بغض النظر عن كل جرح، كل دمعة، كل خيبة أمل وكل غصة مهما تسبب بعذابها جزء من قلبها يظل يحبه ويسامحه مهما فعل وليس بيدها.
@@@@@@@@@@
سر الأسوارة.
بعض الأساور وفاؤنا لها يفوق أي وفاء، مثل أسوارة كتب عليها "صديقتان ألى الأبد" تقسمها تلك الطفلة ألى نصفين، نصف لها ونصف لصديقتها المقربة، وتتعاهد الطفلتان على ارتداء الأسوارة ألى الأبد.
أو تلك التي أهداها عزيز سكن القلب ألى صاحبة القلب، ونافست تلك الأسوارة منزلة ذاك العزيز، لكنها لم تصبح أعز منه، ألا عندما باتت وحدها ما تبقى منه.
ولي أسوارة فضية، هي الأهم بالنسبة ألي، رغم أني لم أعد أحرص على ارتدائها كالسابق، ألا أنها جزء مني، وستظل جزءًا ألى الأبد، ولن يقلل من قيمتها أي شيء. كحال البعيدين الذين ما زلنا نعشقهم لكنهم وللأسف "بعيدون" وما غير البعد من عشقهم شيئًا.
أحيانًا، الإهتمام بأحدهم، وفي حاله (ماذا يفعل، أين هو) قد يفرح القلب، وقد يثقله همًا. نفرح حين يصلنا الخبر عنه ونحزن حين لا نستطيع حتى السؤال عنه. وأؤمن بأن عذاب الإعتياد على أحدهم والتعلق به لا يضاهيه عذاب لو أصبح "الحب" في خبر كان. ففراغات اليوم من دونه من يملؤها؟ موجعة تلك اللحظة التي نسارع لرفع السماعة عليه ثم نعي بأن عزة نفسنا قد حّرمت علينا ذلك، يزداد الوجع فيزداد الشوق وتزداد المكابرة. قد يتحجر القلب منه وعليه لكل ما تسبب به من ألم، لكن يظل جزء صغير في ذاك القلب "يفز" لو سمع اسمه وينهار لو أصابه مكروه. ومهما ساء حال الحب أو بان لنا بأنه انتهى سنجد ما يذكرنا به.
كأن أفتح خزانة مجوهراتي لأنتقي منها شيئًا وتقع عيني على تلك الأسوارة، ألمحها وأتذكر.
بعض الأحيان نقول لأنفسنا أننا أفضل وأحسن حالاً من دونه، لكن من بزوغ الشمس حتى أفولها لا نفكر في سواه. وذاك الذي نحاول أقناع أنفسنا أننا أفضل حالاً من دونه قد يكون وحده سبب راحتنا.
البعض خالدون في الوجدان كخلود ليلى ومجنونها في التاريخ، مستقرون في قاع الفؤاد، ملتفون حوله ومتشبثون به، لا يتمكن منهم لا نسيان ولا تناس. البعض خالدين في حياتنا لكن بيننا وبينهم "بحر" عزة نفس، "برق" كبرياء، "مطر" ذكرى، يفصلون بيننا وبينهم.
حين نحاول التنصل من "تذكار" عشق اندثر، يعتصر القلب تحت وطأة ذكرى جائرة لا ترحم وضعت على عتباتنا لنبكي عليها ولنلمحها في الزوايا والأركان كافة. قد نرتضي النحيب أحيانًا، نرتضي الوهن، نرتضي الطرق على باب موصد، لعل وعسى، نجد ما يحيي القلب ويعيد له نبضه، ويرجع للجسد روحه. وقد يثور علينا العقل أحيانًا معلنًا رفضه لحال غدونا فيه، وتؤجج ثورته تلك الجروح التي تصيح، وندوب القلب الذي يئن، وتلك الصيحات المخبوءة التي تلجم التفكير وتشله. فنحن حين يخذلنا الحظ لا يتردد في أذهاننا سوى صدى بضعة أسئلة ألا وهي (لماذا؟ كيف؟ لم الآن؟ ويطول ليلنا بها، وليتنا نودع حيرة رافقتهم، ونودع ألما صاحبهم.
أسوأ وداع وأكثره أيلامًا، ليس ذاك الذي ينطق به وليس ذاك الذي تمد يدك وتصافح به، أنما ذاك الذي يعلم قلبك بأنه قد حان. فالبعض يختارون الإنسحاب في صمت كون الوداع يؤلمهم جل الألم، ولا يعلمون أن الألم الأعظم هو ترك النهاية مفتوحة وتجاهل هتاف القلب الآخر. والبعض يقررون الوداع، لكن من وراء قلبهم لأي سبب كان يودعون ويسيرون بغصة، وكأن يد الظروف تطبق على أعناقهم، وتخنق ما تبقى من عشق حتى تميته وتنهيه.
أنتهي من كتابة ملاحظاتي ومشاهداتي وما يدور في خلدي بهاتفي، ينتهي وقتي خارج المنزل، ينتهي اليوم وألى غرفتي أعود، وأول ما أفعله أخلع خواتمي، قرطّي أذنّي، وسلسلتي. أفتح الخزانة لأعيدها، وألمح تلك الأسوارة. أتنهد، أعيد كل شيء ألى مكانه، أغلق الخزانة، ويتبع ذلك ليل طويل من الذكريات.
@@@@@@@@@@@@
قلب لاهج.
كانت دوما تدعو: "ربي أن كان شرًا لي فأبعده عني حتى لو تألمت" ومن دون سبب، انسحب من حياتها!
وهي لا تعلم. هل تفرح؟ لأن دعاءها قد يكون مستجابًا أم تحزن؟ لأن حلم حياتها انتهى.
كانت تمطر عندما وضع يده على بطنها وبات يهمس لنفسه استثار فعله فضولها وسألته عما يهمس به قال لها:
"كنت أدعو الله أن يكون ابني من هذا البطن، فدعاء المطر كما تعلمين مستجاب".
قرر النوم، تمنت له ليلة سعيدة برسالة نصية وتركت الهاتف لفترة ثم عادت أليه فوجدته قبل نومه قد أرسل لها:
"اللهم اجعل علاقتها بي سعادة لها حتى تدوم العمر كله".
مرضت بشدة والتعب حتم عليها النوم لساعات كثر وأول رسالة وجدتها منه كانت "اللهم لي عزيزة وحبيبة لا أملك أغلى منها ولا أعشق ألا هي، اللهم اشفها".
سئل.
ما الدعاء الأقرب ألى قلبك ومن دون تردد، كان جوابه: "اللهم ارزقني بطفلة تحبني بقدر ما أحب أمها".
تلهج بالدعاء الصادق بعد كل صلاة أملا في أن تصادفه مر بها أخوانه، أبناء عمه، أبناء خاله صادفت حتى أقرب أصدقائه مروا بها جميعًا ألا هو!
وتبقى على أمل من دون أن تعي أن فراقه مكتوب عليها!
سافر، انشغل كثيرًا وغاب بمشاغله ولا تعلم أين أرضه وأين سماؤه لكن ثقتها بربها تطمئنها لو رددت:
"استودعك أياه يا الله يا من لا تضيع ودائعك فاحفظه بعينك التي لا تنام".
نام مبكرًا، وبقيت ساهرة هي استيقظ على صوت المؤذن مناديًا لصلاة الفجر أرسل لها:
"صحوت مشتاقًا أليك. سأصلي الفجر الآن، وأدعو الله أن يبقيك لي".
لو ترك لها الرسائل لا يشير ألى نفسه بحبيبها أو عشيقها بل بزوجها وأب أطفالها ولا يمر يومًا من دون أن يقول: "يا رب ضع الخير فيها واجعلها من نصيبي".
تستيقظ في روحها الذكرى وعلى قدر كبير من الشوق، تبكيها ترك لها الحب وعذابه بدمعها يلهج قلبها بالدعاء: "يا رب أبعده عن قلبي، كما أبعدته عن عيني".
يتساءل أي لوم يقع عليه، لأنه أحبها؟
وتسأله: لم أحببتني؟
يجيب: لا أعلم لكن أسألي الرحمن أن يبقيك في قلبي ويبقيني في قلبك، للأبد.
شاء الله أن تسافر للعمرة فانقطعت عنه لكن قلبها وروحها كانا مشغولان به في الحرم، وفي الطواف، وفي السعي، لا تكف عن الدعاء بأن يجعله الله من نصيبها.
رغم الألم الذي تسبب به لها لم ترفع كفها للدعاء عليه يومًا فهي لم تحبه لتقلب حبها كرهًا وحقدًا ولطالما اكتفت بقول: "سامحك الله، وأسعدك بحياتك دائمًا".
كل جرح منه قابلته ب"الله يهديك".
وكل خيانة منه ب"الله يصلحك".
وفراقه منها ب"الله يسعدك".
ولن يكفيه دهر ليعوضها ألم أفعاله.
لو سبقها للنوم تظل تفكر فيه وألى أن تغفو، تعيد قراءة محادثاتهما وتنظر في صوره تردد في نفسها: "يا رب، ثبت في قلبه حبي كما ثبت في قلبي حبه".
كانت السماء ماطرة أرسل لها: افتحي نافذتك، استمتعي بالمطر ردت: وأنت؟
أجاب: سأكتفي بالدعاء أن تجمعنا كلمة "ألى الأبد" في الدنيا وفي الآخرة.
كانت تدعو أن يكتب الله النصيب بينهما أن كان خيرًا لها عرفته وبات دعاؤها مختلفًا أصبحت تدعو الله أن يرزقه بامرأة تتحمل كبرياءه لأنها ملته!
مع نجوى النوارس وقت الغروب جلس أمام البحر ينفث ما بصدره من هم تنهيدًا يذكر تلك. التي سربت من يده وفرط بها يتنهد الحسرة.
لعل دعاءه يستجاب، علها تعود تحبه وعل معجزة تعيدها أليه.
في كل مرة تلمح اثنين متحابين أول من يعبر مخيلتها (هو) تتمناه معها، ممسكًا بيدها، وتقضي اليوم كله بجواره ترى الحب وكلام الحب في غيره (حرامًا).
يخبرها أنه أحبها منذ الصغر، قبل أن تعرف بحبه أو تشعر به يقول:
"ببراءتي كنت أتساءل: متى سيصبح لدي هاتف لأحدثها منه(".
وأصبحت لو ترى الأطفال في أي مكان تتخيل أطفالها منه يأخذانهم معهما أينما سارا، ويركضان خلفهم تتصورهم أشقياء مثلها، جريئين مثله غزا خيالها ذلك الحلم، وبات عقلها مأخوذًا به وبانتظاره.
بالنسبة أليه يتوقف الزمن ويغيب الناس في كل لحظة تكون فيها أمامه بابتسامة يقول: أنت لي، وأمامي، وتحبينني. أمنياتي الثلاث تحققت.
أصبحت الساعة 11:11 نبهها أليها بوسط مكالمتهما سألته: تمنيت؟
أجاب: نعم، أن أسمع صوتك على الدوام.
بعد خلاف طويل وصلها منه: ما زلت أحبك، عودي ألي!
فرحت كثيرًا، لكن بعد ثوان صحت، وكان حلمًا وأول ما فعلته، أخذت هاتفها بحثت فيه أملاً بأن يكون حقيقة!
لا تكف عن النظر ألى صورته تلك صورته وهو يحمل بين ذراعيه تلك "المولودة" تتنهد.
كم تتوق لأن تراه بتلك الصورة بزمن مختلف زمن يحمل فيه "ابنتهما".
"سننسى".
أمّلا نفسيهما بالنسيان لكن التهيا بالتناسي فراقهما طال، وما ظل سوى مئات الذكريات الموجعة وآلاف الحسرات التي تحطم قلبيهما كل يوم.
تصحو كل يوم متسلحة بأيمانها بأن كل شيء يحدث لسبب ما فمهما أتعبها فراقه، تقول لنفسها بأن ما حدث خيرة ولسبب جيد وهكذا، تقوى الصبر.
وعد بلقاء ما ونظرية "أن مصير الحي يقابل الحي" ورجاء الصدف كانوا الأمل. أتقنا الصبر لأنه مفتاح فرج كل نفس أتقنا الصبر أملاً في أن تجمعهما الأيام ويعودا كما كانا.
مع الناس جسدًا لكن عقلاً، قلبًا، وروحًا "معه" عقلاً لا يمتلكه سواه وقلبًا لا يسكنه غيره وروحًا معلقة بمكان هو فيه ولا أمل يسكن حناياها سوى أن يكون اللقاء قريبًا.
تسلي نفسها بالأمل بينما يسلي نفسه بالنسيان غارقًا كل منهما في عالم. مختلفن وشتان ما بينهما أملها أن يعود، وحبه عنونه بالنسيان.
تمر على مكان جمعهما يومًا تقف للحظة، تتأمل زاوية كانا فيها معًا، تشرد للحظة ثم تبتسم تردد في نفسها: "قريبًا، ستجمعنا الأيام. وسألقاه. قريبًا".
لاح في أفق يومه طيفها تهلل وجهه، احتضن الطيف، ومسح على قلبه خيالها تعب وهو يبحث عنها هنا وهناك ويطلب الله رؤياها لعل في لقائها تعود روحه أليه، ويعود قلبه بين أضلعه حيًا.
غائرة عيناها بالدمع، في يوم رمت به الصدفة أمامها هاض شيء من حزن دفين في روحها رفعت كفها رددت:
"يا رب. يا واهب الراحة والنسيان، اجمعني بهما وفرقنا أنا وقلبي عنه، ألى الأبد".
رجاؤها أن تلقاه صدفة.
لتدرك منها، أن تمكن منه النسيان، أم ما زال يذكر أن كان لا يزال يرتبك بحضورها، أم ما عاد يهتم وهل ما زال يشتعل العشق بقلبه، أم انطفأ!
ما تمنت ألا أن يهبها الله احتمالاً يفوق طاقتها بكثير ويلهمها صبرًا فوق صبرها عليه وينزل في قلبها قدرة على صد تأثيره عليها حتى لأول مرة تقوى على نطق: ما عدت أريدك.
@@@@@@@@@
سر يد صغيرة.
يد صغيرة تلتف حول أبهامي، تضغط عليه ولا تتركه قدم صغيرة ناعمة بأصابع أصغر، حين أدغدغ أسفلها بأظفاري، تنتفض وتركل يدي أذن صغيرة، وجنتان ممتلئتان، عينان متسائلتان، وأنف دقيق جدًا يتثائب، فيتمدد كل جسمه الصغير "جدًا" معه أنحني لأقبله، ورائحته التي كأنها هبطت من الجنة، ترغمني على أن أمطره بقبلات أكثر لو انفعل فرحًا أو غضبًا "يناغي" قليلاً ولا يقدر على التعبير، فيتشنج وأضحك على قلة حيلته وضعف وسائل التعبير لديه كيف لا أنسى الهم والعالم، وطفل صغير، بالغ الصغر، بين يدي وبأحضاني؟
أجد في الأطفال حديثي الولادة، دنيا أخرى، مختلفة عن تلك التي أعيشها. فمهما بلغ بي الحزن، ومهما طفح بي كيل الضيق، فور رؤيتي لمولود جديد، أشعر بأني قد ولدت من جديد.
وفي الواقع، ليس هناك ما يستحق الكدر. فالعدل الألهي وأنصاف السماء، ليس كمثلهما شيء. فنحن حين نشكو لله قلة الحيلة، شيء ما يهمس: اصبر. فّوض أمرك ألى الله، فأن الله يمهل ولا يهمل.
كل ذنب يحمل عقابه الخاص. فمن أساء ألينا وصبرنا عنه، سيأتي يوم يسيء أليه أحدهم فيه. ومن كسر قلبًا سيأتي يوم ينكسر قلبه فيه، وفوق ذلك سينكسر معه كل حلم جميل وذكرى جميلة كانا بذاك الحب. ومن تلاعب بقلب أحدهم، يومًا يتلاعب غيره بكيانه وليس قلبه فحسب قادم لا محالة. تأكد، كأسًا سقيت غيرك منه ستتجرعه، وما تصيب غيرك به، سيصيبك لا محالة. بخيره أو بشره. لذا، أحرص على الخير.
علينا ألا نسعى ألى الإنتقام، بل نمحوه من قاموس أفعالنا ولا نرجوه، بل علينا أن نصبر ما دام لدينا رب كريم يبشر الصابرين ويطمئنهم. فطبطب على قلبك، أتقن الصبر، ولا تتمن الشر لأحد، ونصب عينيك ضع حديث أشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:
"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وبمناسبة الحديث عن العدل والأنصاف، لدي حكاية طريفة كلما ذكرتها لا شعوريًا أبتسم، فسبب أيماني العميق والراسخ بالعدل والأنصاف هو أني في صغري مررت بعشرات المحاكمات، محاكمات تكون فيها غرفة والدتي رحمها الله المكان، وقبيل نومي أنا وأختي الزمان، فكوننا طفلتين الشجارات بيننا واردة واختلافنا أو شجارنا كان يغضب المرحومة كثيرًا لكن تعاملها معه كان في غاية الذكاء، حيث تنادي علينا ونحن نعلم بأن موعد المحكمة قد حان ونجلس أنا وأختي على كرسين متجاورين وتجلس أمامنا هي وتأخذ دور القاضي وتسمع من أختي ثم تسمع مني في جو مرح في أغلب الأحيان، وبناءً على الإتهامات والإدعاءات والشكاوى تختار هي أنسب حل والذي يكون عادة قصاصًا بأن تحرمنا الخروج من المنزل في عطلة نهاية الأسبوع أو في وقت زيارة العائلة في يوم الجمعة تمنعنا من اللعب مع الأطفال وترغمنا على قضاء الوقت في الغرفة معًا، أنا وأختي فقط. لم أكن أفهم المغزى من ذلك العقاب لكن مع مرور السنوات أدركت خاصة بعد تصريحها لي: "الحكمة من "حبسكما" معًا بأن تتعلما رغمًا عنكما بأن ليس لكما سوى بعضكما، والحكمة من المحاكمة تلك أن تعلما بأن هناك من سيسمع لكما دائمًا وينصفكما" وطبعًا، هذا بالأضافة ألى استمتاع المرحومة وخالتي بالطابع والجو العام "للمحكمة" بالأخص أنهن كانتا توثقان بعضًا من المحاكمات في كاميرا الفيديو، والتي بالطبع، ننفجر ضحكًا عليها أنا وأختي كل عام أو كل عام ونصف العام.
وأنت. كن كذاك الطفل حديث الولادة ولا تحمل في قلبك الأحقاد على أحد وبعين تبحث عن الجمال انظر من حولك، فالعين التي تبحث عن الجمال، حتمًا ستبصره.
ولا تجامل أحدهم على حساب نفسك، لا تحط نفسك بمن لا تحتمل وجودهم، انظر ألى ذاك الطفل لو حاول من لم ترتح نفسه أليه حمله أو اللعب معه، أول ما سيفعله: سيبكي ليبعده عنه، ولن يجامله للحظة.
أنت تحيا مرة، فعش تلك المرة كما تريد، مع من تريد. من لا يفهم طموحك ورغبتك في النجاح ورغبتك بأن تكون أفضل من اليوم الذي سبق، ببساطة، لا يلزمك!
لم يقل أحدهم قط أن الحياة سهلة. لذا، أن أردت أن تصنع من نفسك شيئًا وألا تكون مجرد شخص عابر في الحياة، لا تقف مكانك وتنتظر أن يأتيك النجاح!
لا تستصغر أي حلم. فأنت لا تعلم، قد يكون ذاك الحلم الصغير بوابة لعالم من النجاح تكون أنت الناجح فيه أتود أن تعيش باقي حياتك متحسرًا على حلم أردت تحقيقه؟ أم تعيشها فخورًا بما حلمت به ونجحت في تحقيقه؟
جميعنا نحلم، جميعنا نطمح، جميعنا لدينا ما نود تحقيقه وبشدة.
فما الذي يمنعنا من اللحاق بركب الناجحين والبدء بأولى خطوات التحقيق؟
مهم ألا نسمح لأي أحد، أيًا كان، أن يقف عثرة في طريق تحقيق أحلامنا، لزام علينا أن نتوكل على الله، نجتهد ونعمل بأخلاص وبأذن الله سنصل ألى النجاح. وما يهم حقًا، أن نثبت لأنفسنا أولاً قبل غيرنا قدرتنا على تحقيق ما نطمح أليه، وبعد ذلك ليكن نجاحنا أقوى رد لمن أحبطنا يومًا وقال بأننا لن نقدر.
تلهج القلوب كثيرًا بدعائها، تأمل وتتأمل، ترقب وتنتظر، ويستجيب الله بما هو خير لها حتى وأن لم تدرك بأنه الأخير منذ البداية.
وأرى بأن بعد أحلامي وأمنياتي لا يعني لي شيئًا ما دام بيده تحقيقها أقرب أليه من حبل الوريد، فلو عبرتني غيمة كآبة سرعان ما أردد: أليك وحدك، دون سواك، أفوض أمري يا الله!
و"ما كتبه الله لي، سيكون لي" تلك القناعة هي (نقطة آخر السطر) التي تنهي كل تساؤلاتي.
لا تحزن كثيرًا على ما خسرته، فأن أجمل العوض دائمًا يأتي من الله. كن صاحب تلك الإبتسامة التي لا تفارقك أبدًا حتى في أحلك الظروف وسترى كيف سيحبك الناس لذلك وألى أي مدى ستكسب قلوبهم.
لا تجعل لليأس في حياتك مكانًا، استبدله بالأمل، بالطموح، بحسن الظن بالله، وبالأيجابية لتنعم بحياة الناجحين.
همسة: حين تحب أحدهم بصدق، أهده بظهر الغيب دعاءً فذلك أفضل ما تهديه.
@@@@@@@@@
شوق ووفاء.
بعد قطيعة عمرها خمسة أشهر، فاجأها برسالة يتفقدها فيها استغربت. لكن حين قرأت محتواها ابتسمت، وكان كالتالي: كنت أمام البحر، أتفكر وحدي، وأدركت كم أنا مشتاق أليك!
يوميًا تصحو على أجمل الكلمات أولها "اشتقت أليك" تخبره: دائمًا أصحو وأنا مبتسمة، بسببك يقول: تستحقين ذلك، لأنك مصدر سعادتي الوحيد.
ثلاثة أشهر فترة تجريبية فاشلة لينسى كل منهما الآخر بكل شوق، عاد أليها ليخبرها: ربما ما استطعت أن أخرجك من قلبي لأنك تنتمين أليه.
صحت من نومها مشتاقة جدًا كونها لم تنم على صوته عكس ما اعتادت. حدثته فأخبرها بأنه مشتاق أليها أكثر سألته: بم أشغلت نفسك لحين استيقاظي؟
رد: "أبد"، كنت أفكر بحبيبتي، وبعدها رحت أفكر بها، ثم عدت أفكر فيها، فاستيقظت.
تنام على صوته. يستيقظ قبلها. يحدث جلبة لا مثيل لها ليوقظها تفزع لإتصالاته الكثيرة وحين تسأله: ما الأمر؟ يرد: لا شيء، اشتقت أليك فقط.
مع أنها تكره لون الأغاني التي يحبها والتي كان يشغلها عمدًا لو كانت معه فقط ليغيظها أصبحت تسمعها "سرًا" كلما اشتاقت أليه، لتشعر أنه معها.
أوصلها الشوق ألى أن تتخيل كل سعلة سعلته وكل ضحكة ضحكته، وكل شخص يعطيها ظهره هو. رغم أنها تعرفه جيدًا، أوصلها هذيانها ألى أن تتخيل بأن كل في غيابه اشتد الحنين وما عادت تطيق الخصام شاغبته برسالة فارغة. تضاربت دقات قلبها حين طال الرد لكن رد بالله عليها عّودت وأنا أحسب الغالي نسي.
وذاك الصباح، كان سر ابتسامتها التي لا تفارقها "شوقه" عندما كان أول ما وقعت عينيها عليه رسالته تلك "صباح يوم سأحبك فيه أكثر، صباح أمل ملأت به روحي، وجمال ملأت به عيني، وقلب سلبت به قلبي. أما آن لغاليتي الإستيقاظ؟ اشتقت أليها.".
في الشرفة وتحت ضوء القمر كاملاً عبر بذاكرتها كانت في أوج غضبها منه، لكن ابتسمت. وكان في قمة استيائه منها لكن بعث لها: اشتقت أليك. فلطالما لامس البدر أعماق قلبيهما وأحياه في كل الظروف.
ولو كانت للمرة المليون، تستمتع كثيرًا بخفقة قلبها حين يرن جوالها بنغمته الخاصة فحين يغيب صوته، تشغل نغمته فقط لتربك قلبها بتزييف اتصاله.
لشدة اشتياقها أليه في سفره أصبحت تتعطر بعطره وتضع منه على وسادتها لتوهم نفسها بوجوده ثم تنام، لتحضنه بأحلامها.
بشجن غامض، امتلأت عيناها. كم تتمنى الفرار من حاضر هي فيه لوحدها، ألى ماض كانت معه فيه لوحدهما رغم الناس في عمق بحور الشوق، أغرقها فؤادها تشتاقه، وتتمنى أن يشتاقها، ولو قليلا.
غبية بأخلاصها. لطالما قالوا لها ذلك أحبط ظنها، خّيب أملها، كسر قلبها وببساطة رحل وهي لا تزال تبتسم أخلاصا لذكرياتهما، لو زارها طيفه!
حرمت على نفسها أن يلمس يدها غيره وحرم على غيرها كلمة "أحبك" يستحيل أن تنادي من شابه اسمه، ويستحيل أن تجذبه أنثى سواها رغم السنين التي مضت!
وفية، لحب لا يعرف الوفاء مهما أرغمت نفسها على المضي قدما، من دونه يعود بها وفاؤها أليه ذلك الوفاء الذي بات يخنقها رغم فراقهما ويسعد قلبه الأناني.
طلبت منه الإبتعاد، فلبى رغم عدم اقتناعه ولا يزال يذكرها بأهم مناسبات وأحداث حياتها يقول: حرمتني قربك، لن تحرميني الوفاء بوعدي بمشاركتك أهم تفاصيلك.
لا يرق قلبها ألا لملامحه التي تشبه من كان حبها الأول تنظر في عينه، في ابتسامة، ترى عيني وابتسامة ذاك مقاييس حبها كلها باتت ملامحه وصفاته حتى لو ظلمت سواه معها!
اشتاقت لأن يكون المتصل اسمه ألى درجة تكتب فيها اسمه أحيانا مكان اسم غيره من المتصلين فقط ليرتعش لذلك قلبها.
ومهما امتلأ المكان بأجملهن، تغشى رؤاه أخلاصه لها حتم عليه أن تعمى بصيرته وبصره عن غيرها ألى أن تمر، فيعود أليه بصره، ليلمح حبيبة قلبه.
أصبح لغيرها، وهي حرمت على نفسها حتى عيني غيره رغم يقينها أن لا أمل في عودته ففرق الوفاء شاسع!
سنة مرت على رحيله، وكم ادعت أنها نسيت حتى اسمه، لكن لو حاول تخمين كلمات سرها، لوجد أنها ألى اليوم "اسمه".
خانها، وما سامحته ألا حين خانه الزمن حين احتاج صدرا يبكي عليه وكتفا يتكئ عليه وحضنا ينسيه العالم.
غفرت له، لأنها لا ترضى أن يرى أحدهم ضعفه وهوانه.
تشتاق أليه، تنظر في السماء.
يشتاق أليها، يحدق في صورها.
يصعب عليهما الخلاف لأكثر من يوم، وينتهي عادة بسؤال تافه، لبدء الحديث مجددا!
يحترق قلبها شوقا أليه، وتجزم أنه مشتاق كذلك بين الكلمات، تبث له بعضها من اشتياقها، تتمنى أن يعي أنها تقصده، وأن يلتمس قدره في قلبها!
وقع في أشكال عشقي عظيم حين أّمل بنظراتها، تعلق بكلماتها، ولآخر حدود الهذيان أخذته ابتسامتها اشتاق، حتى ذبل قلبه وماتت أغصانه. بقي وفيا، لمن أوهم نفسه بأنها تحبه، لكنها ما أحببته يوما!
رف جفن عينها اليمنى، قالت النبأ السعيد بأن صدفة ستكون وألى المكان نفسه الذي يعتاد الذهاب أليه ذهبت في كامل أناقتها وبقيت هناك لساعات.
لكن. ما أتى شوقها ولهفة قلبها اقتاداها لربط أبسط ما يحصل معها به، من دون منطق.
@@@@@@@@@
سر القهوة.
بلاتيه الفانيليا أو الكابوتشيو أو القهوة السوداء. ليس بوسعي قول "صباح الخير" ألا بعد أن يغدو صباحي ممزوجا برائحة القهوة، وبعد أول رشفة منها. فالقهوة الأولى كما يقول محمود درويش يفسدها الكلام لأنها عذراء الصباح الصامت، وكما يقول أيضا: "القهوة لا تشرب على عجل، القهوة أخت الوقت تحتسى على مهل. القهوة صوت المذاق، صوت الرائحة، القهوة تأمل وتغلغل في النفس وفي الذكريات".
واعتيادي على القهوة مشكلة جمة،

فأنا ممن يطلقون عليها ني|هت ىولس كون السهر هو روتيني الأساسي، مهما احتجت ألى النهوض باكرا ولطالما كانت صعوبة الإستيقاظ الباكر سببا رئيسيا في تعطيل أموري، والسبب الأعظم لإرتباطي بالقهوة على هذا النحو، فحتى أن خانني السمع مع المنبه، حتى لو تأخرت كثيرا، دائما سيكون لدي الوقت لشرب القهوة. حتى وأن لم أكمل قهوتي، حتى وأن نسيتها وتركتها تبرد وأنا أعبث في هاتفي أو أقرأ شيئا ما، يكفيني أني بدأت اليوم بها، فأنا معتادة جدا على قهوة الصباح، وبعد أي اعتياد، صعب جدا الإفتقاد!
ولو ربطنا مسألة الإعتياد وأمره في الحب، لوجدنا بأن أحلى ما في الحب، وأمر ما فيه هو الإفتقاد، أن تفتقد كل شيء في أحدهم، صوته، حسه، وجوده، عينه، وحضوره، وكلما طال الفقد، أصبح أمر.
والبعض، مهما اقتنعنا بغيابه وارتضيناه سيظل مكانه شاغرا في القلب والحياة ولن يملأ أحد مهما سعى هو لذلك، ومهما أردت النسيان أنت.
وعلى الرغم من أن الحياة تتكفل أحيانا بتعويضنا عن الأخفاقات العشقية التي قد توجع القلب ألى حد تخديره، ألا أن هناك شخصا واحدا يبدع صحوة أحساس القلب، وذلك امتياز ينفرد به. فمهما أوصدت أبواب قلبك، وعقلك، وعينك عن الجميع. تبقى المفاتيح بيد "شخص" واحد، وعاجلا أم آجلا، ستكشف ذلك. وعلى الرغم من أن صوت العقل أقوى ألا أنه في بعض الأحيان، وبسبب شخص معين، يفقد العقل السيطرة لأن القلب يقوى كثيرا فيتولى زمام الأمور من دون تفكير!
مقدر أن يكون لك شخص، يحبك بكل ما فيك، يريدك كما تكون ولا ينوي تغيير شيء فيك ما دمت لا تخطئ بحقه، لذا، لا تتغير لأجل أحد، فمن سيحبك كما أنت، سيأتي.
اصبر. وستعيش أجمل حكاية حب، أجمل كثيرا مما تخيلت يوما ولا تقبل بأن تكون مع من لا يليق بك قلبه. ولا تقبل بأن تكون مع من يستهين بقدرك وبوجودك في حياته، اتركه بحياة يريدها وعش حياة تليق بك.
نعود ألى معشوقتي القهوة.
قرأت يوما قصة طريفة من أحدى قصص اكتشاف القهوة، تقول بأنه وفقا للعديد من المؤرخين، اكتشاف القهوة كان بفضل قطيع مواعز في القرن التاسع! حيث لاحظ راعي أغنام ومواعز أثيوبي تصرفات غير طبيعية وشبه مجنونة على قطيعه، راقبها حتى وجدها لا تتصرف على هذا النحو ألا بعد تناول نوع معين من الحبوب، والتي اتضح لاحقا بأنها حبوب البن.
وهل نقول نحن محبي القهوة بأن الشكر على اكتشافها يجب أن يكون موصولا لتلك المواعز مثلا؟
@@@@@@@@@
ويبقى الحب.
تختلس النظر أليه وعمدا من خلف نظارتها السوداء.
فتراه يسترق النظرات.
شيء ما بقلبها يطمئن.
ما زال رغم الإنقطاع والخلاف الطويل يهتم ولو بالنظر.
تعمد الوصول متأخرا بينما تعمدت هي الوصول مبكرا حتى لا يتصادفا.
كان الأمس أمسا جائرا ارتضيا فيه "الفراق" حلاً ولو عاد بهما الوقت، لما ارتضياه أبدًا!
قَبِل بالفراق بسرعة ومن دون أن يجادل ويسأل لم؟
أحزنها أنه لم يكلف نفسه عناء السؤال.
لم تمر ساعات حتى عاد وقال: علقتني بك، والآن من دون سبب تنوين الرحيل؟ لن أسمح لك!
رغم عمق حبهما، بخلاف بسيط افترقا جمعتهما الأيام بعد سنين.
سألته: مر الكثير وما زلت تتذكر كل شيء، كيف؟
قال: منحتني الكثير لأتذكره، فكيف أنسى؟
لمع في عينيه بصيص أمل عندما قبلت أن يبقيا أصدقاء بعدما قررا بفضل العناد أنهاء حب جمعهما كان الأمل بأنها ستعود تحبه.
ولم يعلم. أنها لم تقبل بتلك الصداقة، ألا أنها ما زالت تعشقه.
كان كلما يراها يهديها وردة "توليب" بنفسجية اختلفا فافترقا.
وبين الحين والآخر تجد وردة "توليب" بنفسجية على نافذة سيارتها الأمامية.
لو بيده.
لقايض ألف "غد".
مقابل "أمس" واحد.
فقط ليفيق على صوتها وهي تغني له وينام على القصص التي تقصها بهمسها كل ليلة.
يأتيه الخبر، أنها بخير من دونه.
يأتيها الخبر، أنه وجد من تسعده.
صدقا، ولو تصادفا للحظة، لبان كم أضناهما الفراق.
عكس ما شاع عنهما!
ما من شيء يفطر قلبها سوى أن تراه حزينا أو في ضيق من بعدها يتآكل قلبها خوفا عليه حتى وهي بعيدة ويؤلمها أن يتركوه في ضيق ولا يعرف أحد أسعاده سواها.
في عز انهيارها، أخذت تكتب كل ما تكرهه فيه حتى وصلت الصفحة الثالثة والعشرين واقتنعت بكرهه.
نظرت في هاتفها. لتعرف الوقت وابتسامته بتلك الصورة التي تزين خلفية الهاتف جعلتها تقع في حبه من جديد!
على الرغم من أن كل ما يرتبط به يؤلمها ألا الإستيقاظ من حلم جمعها به، ليس لأنها رأته فيه بل لأنهم قالوا لها:
لو حلمت بمن هو مفارقك، فذلك يعني أنه يفكر فيك.
تصادفا من بعد غياب طويل وهجر أطول من بعد حب جميل، أحرقته نيران الغيرة، وشوهته. أشاح كل منهما ألى الناحية الآخرى، لكن القلوب ظلت تهذي!
"حلمت بكابوس البارحة، وأنت فيه، فهل أنت بخير(" وكانت تلك العبارة حجتها لتتفقد أحواله بعد فراقهما ولتنبهه ألى أنها ما زالت تهتم!
وجدا بعضيهما بعد فراق ال3 سنوات ما زالا مغرمين بصدفة وسلام عادا.
سألته: كيف لم ينسوك أياي؟
رد بمقطع لفيروز: أنت الأساسي، وبحبك بالأساس.
أطلق سراحه من حبها وتخلص أخيرا من قيد لازمه بسببها وسار مختالا كونه نسيها.
لكن. حين لمح من تشبهها في ذاك المكان، خفق قلبه من جديد، اشتاق، وعاد يعشقها!
قلبها ما زال يريده، لكن عقلها يرفضه لأنه في حقها أخطأ تحبط محاولاته دوما. تريده أن يبتعد عنها.
يقول: ندمت. لكن لن أكف عن حبك ولن أبتعد ولن أتركك ولا خيار لديك.
آمنا، أن البعد هو الأفضل لكل منهما لذا، بكل قناعة ورضا، افترقا.
وما عادا ألا حين اتصل منكسرًا وقال أنت سبب سعادتي، فكيف أتركك؟
بصوته العذب غنى لها لأول مرة وصدفة كانت أغنيتها المفضلة.
بأمر من الفراق انتهى ما بينهما.
وبعد شهور معدودات، فوجئت بمقطع صوتي من رقم تجهله وكان المقطع "تلك الأغنية".
ارتكبت أعظم أخطاء حياتها حين رحبت بأول من حاول الإقتراب منها، فقط لتكيده.
ظلمت نفسها، وظلمت من أحبها في كل مرة كانت تشرد وتناديه باسم الآخر من دون أن تشعر!
بعد انفصالهما زارته في مكتبه ليساعدها في أمر ما وحاولا تجاهل ما كان بينهما.
لكن. أثناء شرحه، تلامست أيديهما عن طريق الخطأ، وعاد بهما الزمن وبدأ العتاب بعينيهما.
على مسامعها مرت أغنية (ظلمنا الحب) وطفر الدمع من عينيها.
لكثرة الخلافات، كلاهما مضى في طريق، وكابرا على العودة. وكان خوفهما أن يتبدل الحب كرها، كون التفاهم لا يجمعهما أبدا.
تجمعهما الأماكن، في وسط الضجيج ووسط الناس قلبها مشغول به، كما قلبه مشغول بها.
يبحثان عن بعضهما، لأنهما يعلمان لا لقاء. ولا صدفة ستجمعهما ثانية.
وحده، كان يستحق.
وحدها، طعم التضحيات أصبحت أحلى بعد المرارة لأجله!
وحده. أمسك بقلبها، أخذه معه.
وحده الآن، يزغرد قلبها لإسمه، وهي في عز السلوى!
يشتاق، يعلم بمكان وجودها ورغم أنه وعد نفسه ووعدها أن يبتعد عنها ألا أنه ذهب أليها، وقف بعيدا كي لا تراه، لكنها رأته.
سكنت ملامحهم للحظة. ثم عادا لبعضهما بابتسامة.
تتأرجح في سماء ذاكرته، كلما حاول أن ينساها.
تنفتح أبواب حزنه، تأذن للسعادة بالدخول.
جميل أن يكون سر سعادتنا شخص، حتى وأن لم يعد موجودًا.
بعد الفراق، جمعهما المكان نفسه.
عينه عليها وتصد عنه هي وحالما مر طفل صغير أمامها التفت أليها لأنه يعلم بأنها تعشق الأطفال.
اشتاق ألى نظرة الحنان منها، حتى ولو كانت لغيره!
في الساعة المتأخرة التي اعتادا الحديث فيها كل ليلة، والتي كانت بمنزلة موعد لم يحدداه لكنهما اعتاداه.
مستلق كل منهما على سريره، يتذكر كيف كانا معا، واليوم بعيدان ولا يجمعهما سوى الأرق والذكرى.
@@@@@@@@@
سر الساعة.
أنظر في ساعتي بغية معرفة الوقت. لا أتألم لأن الوقت يمضي سريعا قبل أن أدركه، أو يمر ببطء فيقتلني صمته، بل لأن الساعة هي ممن ما عاد معي. حول معصمي، مكانها كل يوم، ولا أعلم لم أجلب الألم لنفسي، لأني كلما نظرت ألى ساعتي الذهبية سأتذكر.
أحيانا، مع الوقت، قد ننسى بعض الذكريات.
لكن أحيانا، مع بعض الذكريات، قد ننسى الوقت.
ينقضي اليوم كله، ولا يزال ذهنك عالقا بذكرى معينة.
تنقش الذكريات في القلب.
بعضها، نبكي في وقتها، ثم نضحك عليها لاحقا.
وبعضها الآخر، نضحك في وقتها، فنبكي عليها لاحقا.
بعض الذكريات لا تستحق النسيان، مهما آلمتنا. صنعت لتبقى، لتخلد، لنذكرها ونذكر أصحابه ما حيينا.
مؤسف. أن الذكريات لا تتغير، لكن أصحابها، ومن شاركونا لحظاتها، في الغالب يتغيرون. فلا نعود نعرف الشعور الحقيققي تجاه تلك الذكريات.
فالناس، كفصول السنة، متغيرون دائما.
وفي حديثنا عن الوقت، لو بوسعي، لأضفت في أي شيء يتعلق بي وبالتعريف عني: متأخرة دائما!
لا أشعر بالوقت ألبتة، أسعى كثيرا لأن أضبط أوقاتي ومواعيدي لكني أفشل!
علاقتي بالوقت والإنضباط فيه، فاشلة جدا جدا. كأولئك، الذين يعودون، بعدما يتأخر الوقت كثيرا، ولا يعود لهم مكان في حياة غيرهم، ولا يعودون مرحبا بهم.
حين يتأخر الوقت على أسفهم وعلى ندمهم.
هنا يدركون بأنهم في خسارة، لكن لشديد الأسف، بعد فوات الأوان وبعد وقت أهدروه سدى.
وبصريح العبارة: ما قّدروا أشخاصا ساروا في ركب الراحلين.
"لا تعد فحبي ليس مقعدا في حديقة عامة! تمضي عنه متى شئت. وترجع أليه في أي وقت" غادة السمان أحب هذا الإقتباس كثيرا جدا بمناسبة الحديث عن الوقت والعودة متأخرا.
عموما.
كم لجأنا ألى الإقتباسات في "ساعة" خانتنا التعابير وثارت فيها المشاعر؟
كم بحثنا عن أحدهم في "ساعة" احتجنا أليه كثيرا فيها، وما وجدناه؟
كم احتملنا، تغاضينا، وكم صرفنا النظر في "ساعة" ما أردنا سوى الحفاظ على وجوده؟
كم انتظرنا، وانتظرنا، وانتظرنا، وما بان ألا "ساعة" عفنا فيها الإنتظار؟
"ساعة" نرسل له فيها:
"تصبح على خير، وأصبح على نسيان".
لفتة.
كلما شطبت يوما جديدا من رزنامتي، وكلما سقط من التقويم يوما آخر، وكلما حبت الساعة نحو انتهاء اليوم لتعلن عن يوم جديد، أتمنى الكثير وأتعلم الكثير. كتبت هذا الكتاب وأنا في سن الرابعة والعشرين، لا أفهم من الدنيا كل شيء ولست أفلسف الأمور هنا، لكني أحاول التفكير بصوت عال عبر كلماتي، أن أصبت فمن الله وأن أخطأت فمن نفسي.
أؤمن بأن مع الوقت يحدث التغيير، لكن علينا أن نكون التغيير الذي نرريد أن نراه، كما يقول غاندي.
لي قائمة أمنيات، لا تخصني أنا، لكني أتمناها وبشدة لغيري، لمجتمعي، لوطني.
يؤلمني، أن يركن السوي المعافى سيارته في موقف مخصص لذوي الإحتياجات الخاصة.
يؤلمني، أن أرى طأطأة رأس عامل أو خادمة والألم يصرخ من أعينهم والسبب صراخ، شتم، زجر من أربابهم وأبنائهم، أتألم لعجزهم عن الدفاع عن أنفسهم لأنهم محتاجون.
يؤلمني، مشهد رأيته في أحد المطاعم، طفل صغير تحمله الخادمة لفت نظره طفل آخر، فنادى الخادمة ب"ماما" مشيرا ألى ذلك الطفل لتراه! وموقف آخر، في أحد أعياد ميلاد الأطفال، خاف طفل في الرابعة من عمره من أحد الشخصيات فركض ألى الخادمة واحتضنها بغرض الإحتماء منه، رغم أن أمه تقف بجانبه! فما الذي قاد الطفلين ألى هذا؟ يؤلمني، أن أرى أناقة البعض في المظهر ثم أتفاجأ بعكسها في الجوهر، سيارة فارهة وعقله برأسه، يفتح نافذة السيارة ويرمي الأوساخ والقاذورات في الشارع رغم أن سلة المهملات ليست ببعيدة!
كذلك، يجلس في طاولة ما، بجامعة، بمطار أو بمقهى، يأكل، يشرب، أوراقه أو مناديله متناثرة في كل مكان، ينتهي ثم يقوم مخلفا وراءه فوضاه التي تنظيفها لن يأخذ منه أكثر من 10 ثوان. لو كان ناقص عقل لعذرته، لكن حتى خالي الذي أعيش معه ويعاني أعاقة جسدية وعقلية ولا يستطيع السير لو استخدم "ورقة كلينكس" رماها فورا في سلة المهملات حتى وأن حاولنا فعل ذلك عنه، يصر على أن يقوم بذلك بنفسه!
ظواهر كثيرة تؤلمني، لكني لن أخوض فيها كلها.
أعلم. بأن اليد الواحدة لن تصفق أبدًا، وأجزم أكثر بأن من يوافقوني الرأي كثر، بل أكثر ممن يقومون بتلك الممارسات، وأؤمن بأن "ساعة" تتلاشى فيها هذه الظواهر آتية، فأنا متفائلة.
أيضا.
للساعات، للوقت، للزمن، تلك القدرة الخارقة على قلب المشاعر، قلب القلوب، قلب النفوس، وقلب الآراء. فلو كان لديك شيء تقوله لأحدهم، فقله.
الوقت أقصر من أن تجعل الكلام حبيس شفتيك أو قلبك.
الأفصاح والصراحة، عالم من الراحة.
أقلها، لن تندم لأنك احتفظت بالشيء لنفسك.
@@@@@@@@@@
الخاتمة.
وهذا ما في جعبتي من أسرار.
نعم عمدت ألى جعل فصلي (تفاصيل ولفتات) و(تخفق عشقا) يحتضنان قصصا أكثر، لأني أؤمن بأنه مهما أتعبنا الحب ومهما عانيناه، تظل تفاصيله ولفتاته يوم خفقت قلوبنا عشقا أجمل ما في الحب، وسنظل نبتسم لها حتى وأن ابتسمنا بألم، وستسكن ذاكرتنا.
لتتذكر دائما.
جميعنا موجودون لسبب، موجودون لأضافة شيء جميل في هذا العالم، حتى أن كان رسم ابتسامة أو مسح دمعة.
جميعنا بطريقة أو بأخرى مؤثرون؛ ونحن من نختار كيف نؤثر.
وبنهاية اليوم، حين نضع رأسنا على الوسادة، رائع أن نستذكر أحداث اليوم بابتسامة ورضا، رائع أن ندرك أننا أسعدنا أحدهم، وكنا سبب ابتسامته، رائع أن نحسب ما أنجزنا وما أضفنا ألى هذا الكون، رائع أن ننام مطمئني البال وقريري العين، ننتظر الغد بفارغ الصبر لنحدث الفرق فيه، في حياتنا وحياة غيرنا، رائع أن تكون لنا رسالة سامية نحاول تحقيقها بشتى الوسائل، مهما اختلفت الوسيلة؛ فالغاية تبقى واحدة.
ولتتذكر ما قاله مصطفى صادق الرافعي يوما: "اعمل عملك يا صاحبي، فأن لم تزد شيئا في الدنيا كنت أنت زائدا عليها، وأن لم تدعها أحسن مما وجدتها؛ فما وجدتها وما وجدتك".
(من لا يشكر الناس؛ لا يشكر الله)
شكرا. لمن يجتهد كل يوم، ليصنع في حياته وحياة غيره "فرقا".
شكرا. لمن يبذل، يطور، ينمي، يغير، ولمن يسعى "بعقله، وقلبه" ليكون غيره بحال أفضل.
شكرا. لمن التمس لنا العذر، قبل أن نعتذر. ولمن قدر أوضاعنا، قبل أن نشرحها. ولمن أحبنا، رغم عيوبنا.
شكرا. لمن عّلمنا يوما. فنحن في الحياة، نقطف من كل بستان علم وخبرة زهرة. وما الحياة سوى علم ننتفع به، ونطبقه.
شكرا. للأرواح المعطاءة، التي ينبع عطاؤها من صميم القلب، والتي تتزين الدنيا بنقائها، تلك القلوب التي بسببها نهمس لأنفسنا ونقول: لا زالت الدنيا بخير.
شكرا. لقلوب أحبتنا، أحبت الخير لنا، أهدتنا مشاعر صادقة، وأفعالا أصدق. احتوتنا في حزننا، وطارت معنا في فرحنا.
شكرا. لكل من شاركني سره، لمن فتح لي قلبه، لمن آمن بقلمي، ولمن وجد في "أسرار" خير مستودع "لأسراره"..
شكرا. لمن قرأ "أسراري"
@@@@@@@@@
1