Advertisement

أفعال الرسول ودلالتها 002


أَفْعَالُ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم
وَدَلاَلَتَهَا عَلَى الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ
مُحَمَّد سُلَيْمَان الأشْقَر
دكتورَاه فِي الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّة
مِن الجَامِعَةِ الأَزْهَرِيَّةِ
الجُزْءُ الثَّانِي
مؤسسة الرسالة
(2/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
(2/2)

أَفْعَالُ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم
وَدَلاَلَتَهَا عَلَى الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ
(2/3)

بسم الله الرحمن الرحيم
غاية في كلمة
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة السادسة
1424 ه - 2003 م
ISBN 9953 - 4 - 0166 - 7
جميع الحقوق محفوظة ( c) 1988 م. لا يسمح بإعادة هذا الكتاب أو جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إليكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. (6)
مؤسسة الرسالة
للطباعة والنشر والتوزيع
وطى المصيطبة
شارع حبيب أبي شهلا
بناء المسكن
هاتف: 319039 - 815112
فاكس: 818215 (9611)
ص. ب: 117460
بيروت - لبنان
resalah
publishers
Tel: 319039 - 815112
fax: (9611) 818615
Beirut - lebanon
Email:
resalah@resalah.com
web location:
Http://www.resalah.com
(2/4)

الباب الثاني الأفعال غير الصريحة
- تمهيد.
2 - الكتابة.
2 - الإشارة.
3 - الأوجه الفعلية للقول.
4 - الترك.
5 - السكوت.
6 - التقرير.
7 - الهم بالفعل.
8 - الملحقات بالأفعال النبوية:
أ- أفعاله - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة.
ب- شمائله النفسية.
ج- فعله - صلى الله عليه وسلم - في الرؤيا.
د- ما فعل به - صلى الله عليه وسلم - بعد الموت.
ه- أفعال الله تعالى.
و- تقرير الله تعالى.
ز- أفعال أهل الإجماع.
(2/5)

تمهيد
الفعل الصريح كالقيام والجلوس والصلاة والصوم والحب والبغض.
وقد قدّمنا أن من الأفعال ما يكون في فعليته خفاء، وينشأ ذلك عن طبيعة الفعل.
والأفعال غير الصّريحة قسمان:
1 - فبعض الأفعال تكون دلالته على مراد فاعله أظهر من دلالة سائر الأفعال العادية الصريحة، فيفارق الأفعال الصريحة من هذه الناحية. ويخرجه بعض العلماء لذلك عن الفعلية، لقرب شبهه بالقول. ومن أمثلة هذا النوع الكتابة، والإشارة، والعقد، ونحوها.
فالقول يدلُّ بالمواضعة وجريان العرف باستعماله لمعاني خاصة تفهم منه.
وكذلك الأمر في الكتابة والإشارة والعقد.
2 - وبعض الأفعال غير الصريحة يكون خفاء فعليّته ناشئاً من كونه سلباً، كالترك والسكوت والإقرار، أو شبيهاً بالسلب كالهمّ بالفعل.
وقد عقدنا هذا الباب لهذه الأفعال غير الصريحة، لنبيِّن فروق دلالتها عن دلالة الأفعال الصريحة.
(2/7)

الفصل الأول الكتابة
الكتابة: تدوينٌ مرئيٌّ للّغة. وهي واسطة لنقل الأفكار والمشاعر، تتميّز عن الكلام والإشارة بأنها باقية، والكلام والإشارة يزولان في الحال.
وقد عرّف ابن حزم الكتابة، بأنها: "إشارات تَقَع باتفاق، عمدتها تخطيط ما استقر في النفس من البيان، بخطوطٍ متباينة، ذات لون يخالف لون ما يُخَطّ فيه، متفق عليها بالصوت، فتبلغ به نفس المخطّط ما قد استبانته، فتوصله إلى العين التي هي آلة لذلك" (1)، حتى يحصل بها الإدراك لدى المبلّغ.
وابن حزم يشير بكلامه هذا إلى أن الكتابة تدلّ بالمواضعة. والتواضع فيها أن تدلَّ الرموز المكتوبة على الأصوات، وقد تعورف في الأصوات دلالتها عند أهل اللغة على المعاني (2).
وتُدْرك الأصوات بحاسّة السمع، أما الكتابة فتدرك بحاسّة البصر.
ويتميّز القول عن الكتابة بأنه يمكن أن يصاحبه من الجهارة وملامح الصوت والكيفيّات الصوتية ما يقوى به التعبير، فيؤدِّي ذلك من المعاني ما لم يُنْطَق به، حتى يدل على الغضب والرضا والحزن والسرور والقناعة والضجر وغير ذلك. وقد تصحبه ملامح وقرائن في الشخص المتكمل، من الانبساط والعنْف والإشارات. وذلك يجعل القول حيّاً نابضاً، ويلقي على المعنى ظلالاً يصعب تصويرها كتابة. ولا تزال كثير من الملامح الصوتية في العربية وغيرها ممتنعةً على العلماء أن يتمكّنوا من تصويرها بالإشارات الكتابية.
__________
(1) التقريب لحد النطق ص 5
(2) مقدمة ابن خلدون - الفصل الثلاثون.
(2/9)

ولكن تتميّز الكتابة عن القول بأمور:
منها أن الفكرة يمكن تصويرها بالكتابة، على مهل، تصويراً منضبطاً لا ينتشر ولا يضيع.
وتتميّز أيضاً عن القول بثباتها، فإن رسم الكلمات إذا نُقِش بقي على ما هو عليه، ما لم تغيِّره يد قاصدة أو عوادي الزمن. ولذلك يمكن أن يفهمه الحاضر والغائب. والموجود عند كتابته ومن يوجد بعد كتابته بعصر أو عصور.
أما القول فإنه يزول حالاً بعد النطق به، ولا بدّ إذا أريد الإعلام به مرة أخرى من تكرير الجهد في تركيبه، أو أن يستعاد من الذاكرة. ولكنه قد يتغيّر في الحافظة دون قصد. ولم يمكن اختزان القول كما هو إلاّ في عصرنا الحاضر، عند اختراع وسائل التسجيل الصوتي.
وتتميّز الكتابة، ثالثاً، بأنه يمكن ترديد النظر فيها مرة بعد أخرى، حتى يحصل بها لدى القارئ صورة تكاد تكون مطابقة للصورة الحاصلة في ذهن الكاتب.
ومن أجل ذلك كانت الكتابة واسطة اتصال مهمةً بين أفكار البشر، في دائرة أوسع من دائرة القول من حيث الزمان والمكان، وكانت ذات فاعليّةٍ أساسية في نشر الحضارة، ونقلها من مكان إلى مكان، ومن جيل إلى جيل.
وقد امتنَّ الله تعالى على البشر بتعليمهم بالقلم، وأقسم بالقلم وما يسطرون من المكتوبات، فنبّه بذلك إلى قدرها وأثرها.

المطلب الأول هل الكتابة قول أو فعل؟
يختلف الأصوليون في التعبير عن الكتابة، فمنهم من يجعلها فعلاً من الأفعال، ومنهم من يجعلها قولاً، ومنهم من يجعلها قسيماً للقول والفعل.
(2/10)

فممن عبّر عنها بأنها فعل، القرافي، حيث يقول: "البيان إما بالقول أو بالفعل كالكتابة والإشارة ... " (1).
ومنهم ابن حبان، حيث قسم أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أنواع، فجعل كتبه - صلى الله عليه وسلم - نوعاً من الأفعال، وذكر هناك (2) ما أَثَره عنه - صلى الله عليه وسلم - من ذلك.
وممن جعل الكتابة قولاً من الأفعال، من القدماء، القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتابه (العدة).
ومن المحدّثين عبد الكريم زيدان في كتابه (أصول الدعوة)، قال: الكتابة من أنواع القول (3).
وممن عبّر عن الكتابة كقسيم للقول والفعل القاضي عبد الجبار (4)، وأبو الحسين البصري (5) المعتزليان.
وقد سبق تعريفُ ابن حزم للكتابة بأنها تخطيط باليد برسوم متفق عليها تدلّ على الأصوات. ومن هنا نشأ الاختلاف في التعبير عنها:
فمن نظر إلى أن التخطيط باليد الذي هو حقيقة الكتابة، هو فعل بجارحة من الجوارح، قال إن الكتابة فعل.
ومن نظر إلى أن الكتابة أمارة على الكلام، ويفهم المراد منها بواسطة فهم ما تدلّ عليه من الكلام، قال إنها قول.
ومن نظر إلى أن الكتابة تدلّ بعبارات غير ملفوظة أصلاً، وقد تكتب ثم يطلع عليها فتفهم دون أن يتوسط ذلك تلفُّظ أصلاً، أخرجها بالنظر إلى ذلك عن أن تكون أقوالاً أو أفعالاً.
والذي نختاره أن الكتابة فعل، وليست قولاً.
__________
(1) شرح تنقيح الفصول ص 122
(2) صحيح ابن حبان 1/ 107
(3) أصول الدعوة ص 453
(4) المغني 17/ 251
(5) المعتمد 1/ 338
(2/11)

والوجه ما تقدم من أن حقيقة الكتابة التخطيط.
ونرى أن من عبّر عن الكتابة بأنها قول، فإنه قد تجوّز به عنها، لمّا كانت دالّة عليه. وقد صرّح بعض اللغويين بأن إطلاق القول على الكتابة مجاز، منهم الشيخ خالد الأزهري في شرح التوضيح (1) ومن التجوّز به عنها ما ننسبه إلى كثير من المصنفين في كتبهم من الأقوال في مختلف الفنون، فإنهم كتبوه كتابة ولم يلفظوه قولاً.

البيان بالكتابة:
إن مميّزات الكتابة السابق ذكرها، جعلتْها أداةً من أدوات البيان ذات قيمة فريدة. وقد كان القول الوسيلة الرئيسيّة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في البيان، ولكن الكتابة كانت وسيلة أخرى استُعمِلت حيث دعت الحاجة.
فالكتابات تستفاد منها السنن كما تستفاد من الأقوال.
وعلى القول بأن الكتابة فعل من الأفعال، فإن الأفعال قد وقع الخلاف فيها أيجوز البيان بها من قبل الشارع أم لا؟ ولكن ذلك الخلاف لا يترقّى حتى يشمل الكتابة. فإن الكتابة أدلّ من سائر الأفعال. ويقول الزركشي: "هل يجري الخلاف الفعلي في الكتابة والإشارة؟ يحتمل أن يقال به؛ والظاهر المنع. وقد قطع ابن السمعاني بالبيان بالكتابة والإشارة، مع حكايته الخلاف في الفعل. وقال صاحب الواضح: لا أعلم خلافاً في (أن) الإشارة والكتابة يقع بهما البيان" (2). وصرّح بذلك الشوكاني أيضاً، وقال إنه: "لا خلاف في أن ذلك من السنة، ومما تقوم به الحجة" (3).
وقد استخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الكتابة في بيان الأحكام وتبليغ الدعوة في مناسبات كثيرة جداً، فمما وقع من بيان الأحكام بها كتابته - صلى الله عليه وسلم - أحكام الزكاة، فقد كتب ذلك قبل وفاته في كتاب أخرجه أبو بكر وأمر به عمّال الصدقات. وحديثه عند
__________
(1) التصريح شرح التوضيح 1/ 21
(2) البحر المحيط 2/ 181 ب.
(3) إرشاد الفحول ص 42
(2/12)

أحمد وأبي داود بسندهما عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كتب الصدقة. ولم يخرجها إلى عمّاله حتى توفّي. قال: فأخرجها أبو بكر من بعده فعمل بها حتى توفي، ثم أخرجها عمر من بعدِه فعمل بها" (1) ... ثم بيّنها ابن عمر.
وخطب - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة، فذكر تحريم مكة، وقال: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل القتيل". فجاء رجل من أهل اليمن، فقال: "اكتب لي يا رسول الله". فقال: "اكتبوا لأبي فلان" (2).
وكان له - صلى الله عليه وسلم - كتبة يكتبون الوحي، ويكتبون له إلى عماله والمؤمنين به في أطراف الجزيرة العربية، وإلى رؤساء الدول المجاورة. ومن كتّابه زيد بن ثابت، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، وسواهم كثير (3).
وقد جمع محمد حميد الله (4) ما أُثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من المكتوبات في شؤون التبليغ والسياسة، فكانت قريباً من 280 وثيقة. كثير منها في دعوة الأقوام والرؤساء إلى الله تعالى. ومنها عهود ومواثيق. ومنها إعذار وإنذار وتبشير وتثبيت وأمر بالتمسّك بدين الله. ومنها تفصيل لأحكام شرعية يُلزم بها كمقادير الزكاة ومقادير الدِّيات.
وهذا يؤكد أنه - صلى الله عليه وسلم - اتخذ الكتابة وسيلة لبيان أحكام الشريعة وتبليغها. وأن البيان يحصل بها ويتم.
وقد جمع رسائله أيضاً عليّ بن حسين الأحمدي (5) في مجلد ضخم، فيه أكثر من 170 وثيقة.
__________
(1) نيل الأوطار: 4/ 139
(2) رواه البخاري 1/ 205 وأبو داود.
(3) انظر: حصر كتابه - صلى الله عليه وسلم - في زاد المعاد لابن القيم، والبداية والنهاية لابن كثير، وغيرهما.
(4) انظر كتابه: "الوثائق السياسية والإدارية للعهد النبوي والخلافة الراشدة" بيروت، دار الإرشاد، 1389 ه.
(5) انظر كتابه: "مكاتيب الرسول" بيروت، دار المهاجر (د. ت).
(2/13)

المطلب الثاني منزلة الكتابة من القول عند الفقهاء والمحدثين
إن الكتابة عند الفقهاء أحطُّ درجة من القول. فكثير مما يصحّ بالقول لا يصح بالكتابة.
فمن ذلك الطلاق. قال ابن قدامة: "في قولٍ للشافعي، لا يقع الطلاق بالكتابة، وسواء نوى بها الطلاق أو لم ينوه، لأنه فعل من قادر على التطليق، فلم يقع به الطلاق كالإشارة" (1). وبمثل ذلك قال ابن حزم الظاهري (2). ويقول الجمهور، وهو المنصوص عن الشافعي، يقع الطلاق بالكتابة إن نواه بها، لأن الكتابة حروف يفهم منها الطلاق، ولأن الكتابة تقوم مقام قول الكاتب. فإن لم ينو لم يقع. اه بتصرف.
فعلى القول الأول: واضحٌ انحطاط درجة الكتابة عن درجة القول.
وعلى القول الثاني كذلك. لأن التطليق بالقول الصريح يلزم به الطلاق ولو لم ينوه. ولا يقع بالكتابة إلا بالنية.
وقد ذكر السيوطي مسألة الطلاق بالكتابة (3)، ثم قال:
"وإن نوى فأقوال أظهرها: تطلق. والثاني: لا، والثالث: إن كانت غائبة عن المجلس طلقت، وإلاّ فلا. قال في أصل الروضة: وهذا الخلاف جار في سائر التصرفات التي لا تحتاج إلى قبول، كالإعتاق، والإبراء، والعفو عن القصاص، وغيرها.
قال: وأما ما يحتاج إلى قبول، فغير النكاح، كالبيع والهبة والإجارة، في انعقادها بالكتابة خلاف مرتّب على الطلاق وما في معناه: إن لم يصح (الطلاق) بها فها هنا أولى، وإلاّ فوجهان، والأصح الانعقاد.
__________
(1) المغني 7/ 239
(2) المحلى10/ 197
(3) الأشباه والنظائر ص 308
(2/14)

وأما النكاح ففيه خلاف مرتّب، والمذهب منعه بسبب الشهادة، فلا اطّلاع للشهود على النيّة.
قال: وحيث جوّزنا انعقاد البيع ونحوه بالكتابة، فذلك في حال الغيبة، فأما عند الحضور فخلاف مرتّب، والأصح الانعقاد" (1). اه كلام السيوطي.
ويقول محمد سلام مدكور: "يجوز التعاقد بالكتابة، لأنها السبيل الثاني الذي يقطع في الدلالة على الإرادة، وسواء أكان المتعاقدان يقدران على التلفظ أم يعجزان معاً، أم يعجز أحدهما دون الآخر. وسواء أكانا في مجلس واحد، أم كان التعاقد بين حاضر وغائب، ما دامت الكتابة (واضحة، مفهومة، مستبينة). وقالوا (2) إن العقود جميعها في ذلك سواء. ولم يستثنوا منها سوى الزواج. فلم يجيزوه بالكتابة عند التمكن من التلفّظ، لاشتراط الإشهاد والإشهار، والرغبة في الإشهار زيادة في الاحتياط لخطر ما يترتّب عليه من آثار قوية تتعلق بالأعراض والأنساب ولتحقيق العلانية".
ومن هنا يتبيّن ما قلنا من انحطاط درجة الكتابة عن درجة القول. وما ذاك إلاّ للعوامل المؤثرة، مما صرّحوا به، أو ألمحوا إليه، في تعليلاتهم، من عدم الاطلاع على النية، وأن الكاتب قد لا ينوي ما تدل عليه العبارات التي يكتبها، بل ينوي تجويد الخطّ، أو تجربة القلم، أو يعبث بالأشكال الحرفيّة، أو لغير ذلك من المقاصد. ومن صحح الكتابة للغائب دون الحاضر، فإنه لاحظ الحاجة.
وكذلك المحدثون، تقل ثقتهم بالمكتوبات عن ثقتهم بالمحفوظات، وكان الذي يعتمد على كتابه يسمى صحفياً، وذلك عندهم وصف ذمّ. وهذا حين كان فنّ الكتابة بدائياً، خالياً من النقط والشكل. فمن أخذ من الكتاب وحده لم يؤمن عليه التحريف والتصحيف. هذا بالإضافة إلى إمكانية حصول العبث بالكتاب في غفلة عن صاحبه.
__________
(1) المدخل للفقه الإسلامي ص 536
(2) يعني فقهاء الحنفية.
(2/15)

المطلب الثالث التعارض بين الكتابة وغيرها
تعرّض لهذا البحث الزركشي في البحر المحيط، فنقل عن أبي منصور (السمعاني) أنه يقدم القول، ثم الفعل، ثم الإشارة، ثم الكتابة، ثم التنبيه على العلة (1).
فأما تقديم القول على الكتابة، فهو واضح.
وأما تقديم الفعل عليها فغير مسلم، وذلك أن الفعل يعتَوِره ما يضعف دلالته من الاحتمالات التي تقدم ذكرها في فصل حجيّة الأفعال من الباب الأول، كالخصوصية وغيرها، فكيف تقدم على الكتابة، والكتابة بمنزلة القول؟ ثم قد تُوجّه إلى المخاطب في شأن نفسه خاصّة. فكيف يقدِّم المكتوب إليه عليها ما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله، أو سمع أنه فعله.
وإن كان المراد تقديم الفعل عليها في حقّ غير المكتوب إليه، فهو غير مسلم أيضاً، لأنها بمنزلة القول، والقول مقدم على الفعل.
وقد قدمنا أن خفاء فعليّة الكتابة ناشئ من كونها أعلى دلالة من الفعل، وذلك أيضاً يقتضي تقديمها عليه.
وأما تقديم الإشارة على الكتابة مطلقاً فهو غير مسلم، بلى ينبغي التفصيل في ذلك. فلو كتب اسم شخص، ثم عيّنه بالإشارة، وتعارضا، قدمت الإشارة، لاحتمال الكتابة الاشتراك والمجاز وغير ذلك. ولا تحتمل الإشارة هنا ذلك، لأنها تدل على المراد يقيناً.
ولو كانت الإشارة مبهمة كبعض الإشارة بالعين أو الرأس، وحتى باليد، لتوضيح بعض الهيئات المركبة أو الأمور المعنوية، فإن الكتابة في ذلك أدل، فينبغي تقديمها.
وقد تعرّض لذلك المتولّي في قضية طلاق الأخرس، فقال (2) بعدم اعتبار
__________
(1) البحر المحيط 2/ 260 أ.
(2) السيوطي: الأشباه والنظائر ص 312
(2/16)

الإشارة في الطلاق من الأخلاص إلاّ إذا عجز عن كتابة مفهمة، فإن كان عليها قادراً فهي المعتبرة منه، ولا يعتبر طلاقه بالإشارة، لأن الكتابة أضبط؛ والجمهور أطلقوا جواز طلاق الأخرص بالإشارة.
<رأس>كيفية استفادة الأحكام من الكتابة:
للكتابات النبوية دلالات ثلاث:
الأولى: من حيث هي فعل صادر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فيستدل بها كما يستدل بالأفعال الصريحة. فيجوز استعمال الكتابة في الشؤون الخاصة، وفي الدعوة إلى الله، وتبليغ الغائبين أحكام الشريعة استدلالاً بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعملها كذلك.
الثانية: من حيث هي تعبير عن مرادات النفس. فيستدل بها كما يستدل بالأقوال، بفهم ما تتضمنه من الأوامر والنواهي والإخبار والتحذير والإنذار، على الوجه الذي تفهم عليه اللغة. والأحكام الأصولية التي تنطبق على الكتابة، من هذه الجهة هي أحكام الأقوال.
الثالثة: ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يراعيه في كتبه من الأمور التي تعلم الاستقراء، من الاقتصار على القدر الضروري، وتقريب المعاني إلى المخاطبين بما هو من لغتهم، وما ألفوه من العبارات والصور التعبيرية، دون قصد إلى سجع أو تكلُّف، والقصد المباشر إلى المراد، دون مقدّمات مضنية ولا ختامات متعسّفة، والتعبير عن نفسه - صلى الله عليه وسلم - بصيغة المفرد؛ والبدء بالبسملة.
فهذه الأنواع ونحوها كل منها نوع مستقل من الأفعال، ينبغي تنزيلها على الأقسام التي تقدم ذكرها من الأفعال الصريحة، والحكم عليها بما يناسبها.
ولا بدّ لإثبات كل فعل منها من الاستقراء التامّ أو القريب من التمام، لتتحصل غلبة الظن به.
ثم قد يقع الخلاف في أشياء من ذلك، إما من جهة ثبوته، أو غيرها. ومن الأمثلة على استفادة الأحكام من هذه الجهة من جهات الكتابة، ما يلي:
(2/17)

المثال الأول: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الرسائل، بأن يقول المرسل (بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله) لم يكن يقولها - صلى الله عليه وسلم - في رسائله، ويكون ذلك من باب التروك.
المثال الثاني: الحمدلة أو البسملة، في أول الرسائل والوثائق. فقد افتتح البخاريّ كتابه بالبسملة دون حمدلة. وذكر ابن حجر اعتراض من اعترض على ذلك بكونه خلاف ما في حديث أبي داود مرفوعاً: "كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع". وأجاب عن ذلك بأجوبة، منها: وقوع كتب رسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك، وكتبه في القضايا، مفتَتَحة بالتسمية دون حمدلة، كما في حديث أبي سفيان في قصة هرقل، وفي حديث البراء في قصة سهيل بن عمرو في الحديبية.
المثال الثالث: عباراتٌ مقصود بها أن تكون على وضع خاص، ككتابته - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل وغيره (سلام على من اتّبع الهدى)، فهي دليل على ترك إلقاء السلام على الكافر، واستبداله بهذه العبارة.
المثال الرابع: كان - صلى الله عليه وسلم - يكتب إلى بعض ملوك الكفر بآية من القرآن. فيستدل بذلك على لمس الكافر ما فيه قرآن من كتب التفسير والفقه (1) والمجلات الإسلامية والرسائل ونحوها.
المثال الخامس: بداءته - صلى الله عليه وسلم - باسمه، فيقول: "من محمد رسول الله إلى فلان" وقد اختلف في وجه ذلك:
فقيل: السنة لكل كاتب أن يبدأ باسمه.
وقيل: إنه بدأ به لأنه أفضل من غيره، فيدل على أن الأفضل يقدّم اسمه في رسالته إلى المفضول.
قال ابن حجر عند قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم"، قال: "فيه أن السنة أن يبدأ الكاتب بنفسه، وهو قول الجمهور، بل حكى النحاس فيه إجماع الصحابة. والحق إثبات الخلاف" (2). اه.
__________
(1) ابن قدامة: المغني 1/ 148
(2) فتح الباري 1/ 38
(2/18)

الفَصل الثاني الإشارة
الإشارة قد تكون حسية وهي المرادة هنا، وقد تكون معنوية.
والإشارة: حركة بعضو من أعضاء البدن، أو متصل به، يراد بها أحياناً أن تبيّن عما في النفس. قال صاحب لسان العرب: "يقال شوّرت إليه بيدي، وأشرت إليه، أي لوّحْتُ إليه. وأشار باليد: أومأ. وأشار بالنّار: رفعها". وقال: "أشار إليه وشوّر أومأ، يكون ذلك بالكفّ والعين والحاجب. أنشد ثعلب:
نُسِرُّ الهوى إلاّ إشارة حاجبٍ ... هناك، وإلا أن تُشيرَ الأصابعُ
وفي الحديث: كان يشير في الصلاة، أي يومئ باليد والرأس، أي يأمر وينهي بالإشارة". اه.
ثم قد تكون الإشارة بالرأس أو العين أو الحاجب أو الأكتاف، والأكثر بالكفّ أو الأصابع. وقد تكون بخرقة أو عصاً أو غير ذلك مما قد يساعد على لَفْتِ النظر.

الإشارة فعل:
الإشارة فعل من الأفعال، لا خفاء في ذلك، لأنها كما قلنا حركة باليد أو غيرها. وإنما جعلناها من جملة الأفعال غير الصريحة من أجل أنه يُستدل بها على الأحكام بطريق غير الأفعال الصريحة. فإن الفعل الصريح من النبي - صلى الله عليه وسلم - يقتضي أن نفعل مثل ما فعل. وأما الإشارة فإن دلالتها بالمواضعة العامة، شبيهة في ذلك بدلالة القول. فإذا قال عليه الصلاة والسلام: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا" ورفع أصابعه العشرة في مرتين، وخنس الإبهام في الثالثة، فذلك يدل على ما يدل
(2/19)

عليه اللفظ، كأنه قال: (الشهر تسعة وعشرون). فهذه دلالة بطريقة أخرى غير طريقة دلالة أفعال.
وليست الإشارة لفظ اسم الإشارة، الذي هو هنا (هكذا)، بل هذا اللفظ مؤكّد لمعنى الإشارة، ومنبّه للمخاطب، عن طريق حاسّة السمع، ليلتفت ببصره إلى ما يشير إليه مخاطبه.

المطلب الأول كيفية الدلالة بالإشارة
الإشارة تدل على مراد المتكلم بطرق مختلفة. وقد ذكر ذلك القاضي عبد الجبار مجملاً، فقال: "تدل الإشارة كدلالة القول، إما بأن يعرف مراده باضطرار، أو بطريقة في الاستدلال، نحو أن يَعُدّ عَدّاً جرت العادة بمثله. فذكر حديث الإشارة إلى عدد أيام الشهر، ثم قال: وهذه أمور معقولة في طريقة الأدلة" (1). اه.
ونحن نفصّل ذلك فنقول:
من طرق التي تدل بها الإشارة:
1 - التشبيه، كما في الحديث المتقدّم، فإن رفع الأصابع يراد بها أن عدد الأيام في الشهر كعدد الأصابع المرفوعة. ولو سئل ماذا يريد أن يصنع؟ فعمل باليد أو الرجل أو الفم أو غيرهما كهيئة من يأكل أو يكتب أو يمشي أو يطرق حديداً أو غير ذلك، لكان المراد به أنه يريد أن يفعل مثل ذلك.
2 - التوجيه، أعني توجيه بصر المخاطب إلى شيء معين، بملاحقة جهة امتداد إصبع المشير أو يده أو وجهه إلى حيث هي متجهة. قال التهانوي: "تعيين الشيء بالإشارة الحسّيّة بالامتداد الموهوم الآخد من المشير المنتهي إلى المشار إليه" (2). اه.
__________
(1) المغني 17/ 273
(2) كشاف اصطلاحات الفنون 1/ 739
(2/20)

ثم قد يراد أن يتجه بصر المخاطب إما إلى (ذات). ويوافقها من الألفاظ (هذا) وفروعه؛ وإما إلى جهة، ويوافقها من الألفاظ (هنا) وبابها من أسماء الإشارة للمكان.
3 - معانٍ متواضع عليها، غير منحصرة، كهزّ الرأس أو تحريكه جهة العلوّ بمعنى الإنكار والرفض والنفي، وخفضه بمعنى الموافقة والرضا والإيجاب، وهزّ الأكتاب بمعنى الاستخفاف. وكأنواع من الإشارة باليد، فنفضها، بمعنى التنصّل من الأمر وأنك منه براء، وتحريكها جهة المتكلم بمعنى الاستدعاء أو الأمر بالإدناء، وتحريكها بعيداً عن المتكلم بمعنى الأمر بالإقصاء، والتلويح بها بمعنى التوديع. إلى غير ذلك مما يعرف بتتبع عادات الناس.
هذا وتتميز الإشارة عن النطق من هذه الناحية. فإنّ فهم الإشارة لا يرتبط بلغة معينة، بل تكاد الإشارة تكون (لغة عامة عالمية)، ولذلك يستعملها الأخرس والطفل الذي لم يتكلم، ويستعملها الناس إذا لم يعلم أحد منهم لغة الآخر.
ولم يذكر التهانويّ من الأنواع الثلاثة إلّا النوع الثاني. ولكن النوعين الآخرين هما أيضاً من أنواع الإشارة. واللغة تدل على ذلك، كما تقدم في الشاهد الذي أنشده ثعلب، وما نقلناه من الحديث التالي له.
ومما ورد من النوع الأوّل، وهو التشبيهيّ، ما قال جبير بن مطعم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في صفة الغسل "أما أنا، فأفيض على رأسي ثلاثاً" (1). وأشار بيديه كلتيهما.
ومنه ما يأتي في الحديث، في ذكر ساعة يوم الجمعة: "وأشار بيده يزهِّدها". ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر.
ومما ورد من النوع الثالث وهو الدالّ على معان متعارف عليها، ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما لكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس" (2). يعني إشار بعضهم بالتسليم على بعض؟ فالإشارة هنا تدل على التحية.
__________
(1) البخاري 1/ 367
(2) مسلم (عبد الباقي) 1/ 323
(2/21)

ومنه أيضاً: حديث عائشة في صلاة الكسوف، وفيه: "فأشارت برأسها أي نعم" (1).
ومنها أنه - صلى الله عليه وسلم - مرّ بنساء، فالْوى بيده بالتسليم.

المطلب الثاني الإشارة عند الفقهاء
للإشارة عند الفقهاء أحوال (2):
الأولى: حال الأخرس، فإن إشارته معتبرة وقائمة مقام النطق من الناطق في جميع العقود، كالبيع، والإجارة، والهبة، والرهن، والنكاح، والرجعة، والظهار.
وفي جميع الحلول كالطلاق، والعتاق، والإبراء.
وفي غير ذلك كالإقرار، والدعوى، والقذف (3) والإسلام. ويستثنى من ذلك الشهادة واليمين.
وقد قسم الفقهاء الإشارة من الأخرس قسمين:
فمنها صريح يقع به الطلاق، سواء نواه أم لا، وهو الإشارة المفهومة، التي يفهم المقصود منها كل من رآها.
ومنها كناية مفتقرة إلى النيّة، وهي الخفيّة التي لا يفهم المراد منها إلاّ بمزيد من الفطنة والذكاء.
__________
(1) البخاري 1/ 12 ومالك في الموطأ 1/ 188
(2) اعتمدنا في هذا الموضع على ما حرره السيوطي في الأشباه والنظائر ص 312 وما بعدها وانظر أيضاً: تفسير القرطبي 4/ 81
(3) أكد البخاري في صحيحه وقوع القذف بإشارة الأخرى ورد على من منعه. انظر فتح الباري 9/ 439
(2/22)

ووجه اعتبارها من الأخرس أنه غير قادر على النطق، فهو يعبّر عن مراده بالإشارة لأنها الأمر المتيسّر له، وقد جرت العادة أنه بها يقضي مآربه ويعبّر عن نفسه، فهي (لغته) التي بها يبلغ ما يريد.
الثانية: المعتقل لسانه، واسطة بين الناطق والأخرس، قال السيوطي: "فلو أوصى في هذه الحالة بإشارة مفهمة، أو قرئ كتاب في الوصية، فأشار بيده: إن نعم، صحّت". اه. فأجرى عليه حكم الأخرس. وهذا منه ملاحظة للعلة التي ذكرناها آنفاً. وذكر ابن حجر في الفتح في المعتقل لسانه ثلاثة أقوال، الاعتبار، وعدمه، وثالثها عن أبي حنيفة: إن كان مأيوساً من نطقه. وعن بعض الحنابلة إن اتصل بالموت، ورجّحه الطحاوي.
الثالثة: القادر على الإبانة بالقول. قال السيوطي: "وإشارته لغوٌ إلاّ في صور معيّنة، منها الإفتاء، ومنها الأمان للكافر بالإشارة، تعتبر أماناً حقناً للدم. ومنها ردّ السلام بالإشارة من المصلّي". وهذا في الحقيقة راجع إلى ما تقدم قبل هذه الحالة لأن الصلاة تمنع النطق، شرعاً.
وقال ابن عابدين من الحنفية ما حاصله (1): إن الإشارة من الناطق باطلة إلاّ في تسعة مواضع عدها وذكر منها الإفتاء، والإسلام، والكفر، والنَّسَب، والأمان، وإشارة المحرم لصيد.
وقال ابن حجر: "في حقوق الله تكفي الإشارة من القادر على النطق. وأما في حقوق الآدميين فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين".
وقال محمد سلام مدكور: "الفقه المالكي يعتبر الإشارة أداةً للتعاقد حتى بالنسبة لغير الأخرس، ما دامت مفهومة بين الناس، ومتعارفاً بينهم على مدلولها" (2).
__________
(1) حاشية ابن عابدين ط 1272 ه 2/ 454
(2) المدخل للفقه الإسلامي 1/ 538
(2/23)

ويتأيّد ما ذكره ابن حجر في حقوق الله بحديث أبي قتادة (1) عندما صاد حمار وحش، ولم يكن أحرم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرفقته: "منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ " قالوا: لا، قال: "فكلوا". والصيد محرّم على المحرم لحق الله.

المطلب الثالث حكم البيان بالإشارة
إن الإشارة لما كان فيها من خفاء الدلالة على المراد ما فيها، منع من اعتبارها في حقوق الآدميين، إلا حيث لا وسيلة للتعبير سواها، كما في حال الأخرس والمعتقل كما تقدم، أما القادر على النطق فلا تعتبر منه، على التفصيل المتقدم. وهذا إن كانت إشارة مجردة. لكنهم اتفقوا على أن البيان الإفتائي بها صحيح.
أما إن انضمّ إليها نطق، فبيّنت الإشارة المراد به، فلا خلاف في أنها يصح البيان بها حتى من القادر على النطق. فلو قال الرجل لزوجته (أنت طالق، هكذا). وأشار بأصابعه الثلاث، طلقت ثلاثاً عند كل من يقول بوقوع الثلاث مجتمعة. ووجهه أن (هكذا) لفظ لا بدّ من حمله على مدلوله. وقد بيّن المراد به بالإشارة فتعيّن.

ما وقع في السنة من البيان بالإشارة:
الذي وقع في السنة من البيان بالإشارة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: إشارة مجتمعة مع لفظ هو اسم من أسماء الإشارة، تبيّن الإشارة المراد به. وهذا النوع في السنة كثير. ومثاله ما تقدّم في حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا" يعني ثلاثين. ثم قال: "وهكذا وهكذا وهكذا" يعني تسعة وعشرين. وقد عقد البخاري باباً (2) بعنوان (الإشارة في الطلاق والأمور) أورد فيه وفي ما بعده من هذا النوع حديث ابن عمر المتقدم وأحاديث أخر، منها:
__________
(1) جامع الأصول 3/ 418
(2) 9/ 436
(2/24)

1 - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله لا يعذّب بدمع العين، ولكن يعذّب بهذا". وأشار إلى لسانه.
2 - وقال: "فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه". وعقد تسعين.
3 - وقال: "الفتنة من هنا". وأشار إلى المشرق.
4 - وأشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده نحو اليمن: "الإيمان ها هنا" مرتين.
5 - وقال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا". وإشارة بالسبابة والوسطى وفرج بينهما.
ومن هذا الباب أيضاً حديث عمّارٍ في التيمم: "إنما يكفيك أن تقول بيدك هكذا". ثم ضرب بيده الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه.
النوع الثاني: أن يجعل الإشارة كجزء من القول، أعني أن لا يذكر في الكلام اسم إشارة، وإنما يقيم الإشارة مقام اللفظ. وهذا النوع أقلُّ وروداً من الأول، ومثاله ما في الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً: "في الجمعة ساعة، لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي، فسأل الله خيراً إلا أعطاه". ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر. قلنا: يزهّدها. اه.
أقول: فالإشار ها هنا قائمة مقام النعت لكلمة (ساعة) أي: ساعة قليلة.
النوع الثالث: الإشارة المجرّدة من القول إذا أفادت. وهي جائزة في مقام بيان الأحكام، وإن كانت لا تعتبر في الحقوق بين الآدميين من القادر على النطق، كما تقدم. وقد تقدم عن السيوطي أنه استثنى الإشارة في الإفتاء، فأجازها من القادر على النطق. وكذلك فعل ابن عبادين.
وقد أُثر من ذلك في السنة قليل. ومنه حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل يوم النحر عن التقديم والتأخير، فأومأ بيده أن لا حرج (1). والذي سهّل الأمر في مثل هذا الحديث أن الإشارة وقعت في جواب وسؤال.
__________
(1) صحيح البخاري 1/ 180
(2/25)

فهي في الحقيقة مضمومة إلى قول. ومثله حديث أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "يقبض العلم، ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرج". قيل: يا رسول الله: وما الهرج؟ فقال بيده هكذا فحرفها، كأنه يريد القتل (1).
أما بيان الأحكام بإشارة مجرّدة عن سؤال أو نطق بالكلية، فلم نظفر له بمثال.
وقد نقل الزركشي (2) عن ابن السمعاني أنه قطع بصحة البيان بالإشارة. ونقل عن صاحب الواضح، ولعله يعني ابن عقيل الحنبلي، أنه قال: "لا أعلم خلافاً في الكتابة والإشارة يقع بهما البيان". وعدَّ الزركشي (3) وغيره الإشارة قسماً من أقسام السنة، ومقتضى الإطلاق أن البيان يصح حتى بهذا النوع الثالث.
وهم إنما يمثلون بأمثلة من النوع الأول.
واحتجّ أبو يعلى الحنبلي (4) للبيان بالإشارة، بقوله تعالى عن زكريا: {قال رب اجعل لي آية * قال آيتك ألاّ تكلم الناس ثلاث ليال سويا * فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيا} (5). ومثله قوله تعالى لزكريا: {قال آيتك ألاّ تكلّم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً} ثم قال: فقد قامت إشارته مقام القول في بلوغ المراد.
وليس هذا بحجة. فإن زكريا أفقده الله القدرة على النطق في تلك الأيام الثلاثة فرجع كالمعتقل لسانه، كما تدل عليه الآية {آيتك ألاّ تكلم الناس}.
ومن هذا يتبيّن أن الأصوليين لم يحرّروا هذا الموضع كما ينبغي له.
__________
(1) صحيح البخاري 1/ 181
(2) البحر المحيط 2/ 181 ب.
(3) البحر المحيط 2/ 260 أ.
(4) العدد 7 أ.
(5) سورة مريم: آية 10
(2/26)

المطلب الرابع التعارض بين الإشارة والقول
قعّد السيوطي في ذلك قاعدة: "إذا اجتمعت الإشارة والعبارة واختلف موجبهما، قدمت الإشارة" (1).
ثم ذكر فروعاً سبعة تدخل في القاعدة، وخمسة خارجة عنها.
وهذا يدل على أنها عند الفقهاء قاعدة أغلبية.
ومن الأمثلة التي ذكرها وتدخل في القاعدة، أنْ يقول: زوَّجْتُك فلانَة هذه، ويسمّيها بغير اسمها، فإن العقد يصح على المشار إليها دون المسمّاة.
ومما وقع منه في السنة ما ورد في حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده على أنفه؛ وفي نسخة إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين" (2).
فقد تعارض في هذا الحديث الإشارة -إلى الأنف- والعبارة- والجبهة. وفي المسألة (3) ثلاثة مذاهب.
المذهب الأول: ذهب أبو حنيفة، ومالك في قول، إلى أن السجود على الأنف وحده يجزئ. ولعلهما ذهبا إلى أن الجبهة والأنف عضو واحد، بدليل النطق بأحدهما والإشارة إلى الآخر، فإذا جعلا كعضو واحد أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر. فتطابق الإشارة العبارة. ثم متى كانا عضواً واحداً فيجزئ السجود على بعضه، إذ إن العضو الواحد يجوز السجود على بعضه كما في الأعضاء الستة الأخرى. ويحتمل أن مأخذ هذا المذهب تغليب الإشارة على العبارة.
__________
(1) الأشباه والنظائر ص 315
(2) البخاري 2/ 297
(3) انظر: ابن قدامة: المغني 1/ 517، ابن دقيق العيد: الإحكام 1/ 215. ابن حجر: فتح الباري 2/ 296، نيل الأوطار 2/ 267
(2/27)

المذهب الثاني: ذهب أحمد في رواية، ومالك في قول، والشافعي في قول، إلى أنه يجب السجود على الجبهة والأنف كليهما. ومأخذ هذا شبيه بمأخذ المذهب السابق من أنهما كعضو واحد، ولكن لا يكتفى بأحد جزأيه عن الآخر، لأن العبارة تقتضي السجود على الوجه، والإشارة تقتضي السجود على الأنف. ولا يجوز على هذا القول جعلهما عضوين منفصلين، لأن الأعضاء تكون بذلك ثمانية، وهو خلاف الحصر الوارد في أول الحديث.
وقد رجّح ابن دقيق العيد هذا القول على القول السابق، قال: لكون الجبهة والأنف داخلين تحت الأمر، وإن أمكن أن يعتقد أنهما كعضو واحد من حيث العدد المذكور. يعني أنهما في التسمية والعدد يجعلان عضواً واحداً. ولكن الحكم أن يسجد عليهما جميعاً، تطبيقاً لدلالة العبارة ودلالة الإشارة.
المذهب الثالث: ذهب أحمد في رواية ثانية، وهو قول لبعض الشافعية، إلى أن السجود على الجبهة دون الأنف يجزئ، ولا يجزئ السجود على الأنف وحده.
وكأنّ مأخذ هذا القول رؤية التعارض بين العبارة والإشارة، فقدمت العبارة على الإشارة. وقد وجهه ابن دقيق العيد بأن الإشارة لا تعيِّن المراد يقيناً لتقارب ما بين الأنف والجبهة، بخلاف التعبير فهو يحدّد المراد. فيقدم.
وهذا عندي واضح جدّاً. وقد سبق أن أشرت إليه في تعارض الكتابة والإشارة، فيظهر -على قول الجمهور- أن ابن عباس لم يلاحظ الإشارة ملاحظة دقيقة. هذا على روايته (إلى أنفه)، وهي رواية مرجوحة، والثابت في أكثر النسخ من البخاري (على أنفه).
وعندي أن فهم هذه الرواية يحل الإشكال. فإن (على أنفه) لا يجوز أن تفهم على أنها تعني (إلى أنفه) فلم يعهد في اللغة تعدية (أشار) إلى المشار إليه ب (على) وإنما تعدّى إليه ب (إلى). ولذا ينبغي أن يقال في (على أنفه) إنها تعني أنه وضع إصبعه، أو أصابعه، على أنفه، وأطرافها متجهة إلى الجبهة. ومن المعلوم أن المشار إليه هو ما يتجه إليه رأس الإصبع، والظاهر أن الإصبع كانت متجهة برأسها إلى الجبهة، وإن كان حرفها مرتكزاً على الأنف، ولذلك قال (على أنفه)
(2/28)

لكن ليس ذلك إشارة إلى الأنف، بل إلى الجبهة. وبهذا يكون القول الثالث أرجح الأقوال، ويكون السجود على الأنف مع الجبهة من باب الاحتياط أو الكمال، كما قال الشافعي في الأم، ليس إلاّ، والواجب الجبهة لا غير.
وليس معنى هذا أننا نقول بتقديم العبارة على الإشارة دائماً. بل الذي نقوله هنا ما سبق أن قلناه في تعارض الإشارة مع الكتابة، فحيث كانت الإشارة مفهومة معينة للمراد يقيناً دون إبهام، فإنها تقدّم، وإلا نُظِر في الترجيح بينهما في كل مقام بحسبه.
ويعرض الإلتباس للإشارة أحياناً بسبب بعد المشار إليه، فإنّ من شاهد العضو المشار به، كالإصبع، إذا كان المشار إليه بعيداً، يصعب عليه تقدير مسقط الإتجاه. فلو كان أمامه رجال ودوابّ وغيرها. وكانت بعيدة، فأشار بأصبعه، احتمل أن يكون كل شيء من الأشياء المقابلة مراداً، وحتى لو ضمّ إلى الإشارة لفظاً، كهذا، وعطف عليه مبيناً بلفظ آخر (كهذا الرجل) فإن الإبهام لا يزايل. أما لو سمّى رجلًا منهم باسمه العلَم فإنه يتعيّن، ما لم يكن الاسم مشتركاً. وكلّما كان المشار إليه أقرب كانت الإشارة أقوى في التعيين ويقل الاحتمال، فإذا تمّ قربه وسقط رأس الإصبع على المشار إليه فلمسه، تعيّن يقيناً، إلاّ لعارض كما في الإشارة إلى الجبهة في حديث أعضاء السجود، الآنف الذكر.
هذا ويرتّب النحاة (1) ألفاظ المعارف من حيث قوة التعيين هكذا: ضمير المتكلم، ثم المخاطب، ثم العلم، ثم ضمير الغائب السالم عن إبهام، ثم المشار به والمنادى، ثم الموصول والمعرَّف بأل. والمضاف بحسب المضاف إليه.
وهذا ترتيب غير تام الضبط.
وحتى لو قلنا به فإنه لا يصحّ إطلاق القول بأن الإشارة مقدمة على العبارة، لأن النحويين قدموا عليها بعض أنواع العبارة وهي الضمائر والأعلام وأخروا عنها المعرَّف بأل والمنادى.
__________
(1) التصريح في شرح التوضيح 1/ 95 ونقله عن ابن مالك في التسهيل.
(2/29)

المطلب الخامس هل كانت بعض الإشارات ممتنعة على النبي صلى الله عليه وسلم
روى أبو داود: "لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي السرح عند عثمان بن عفان، فجاء حتى أوقفه على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، بايعْ عبد الله. فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثاً، كل ذلك يأبى، فبايَعه بعد ثلاث. ثم أقبل على أصحابه، فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ " فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت لنا بعينك. فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين" (1).
قال الخطابي: "خائنة الأعين": أن يضمر في قلبه غير ما يظهره للناس، فإذا كفَّ لسانه، وأومأ بعينه إلى ذلك، فقد خان، وقد كان ظهور تلك الخيانة من قبل عينه، فسمّيتْ خائنة الأعين. اه.
ورواية أبي داود مردودة لضعفها، انفرد بها إسماعيل بن عبد الرحمن السدّي، أخرج له مسلم وتكلم فيه غير واحد، كذا في عون المعبود. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق يهم، ورمي بالتشيّع. قلت: مثل هذا لا يقبل إذا انفرد، وخاصّة إنْ كانت روايته تؤيّد ما رمي به من البدعة، فإن روايته للحديث يؤيّد بها ما يذهب إليه من التشيّع، لأن فيها طعناً في عثمان، وفي ابن أبي سرح، وكلاهما ممن تكره الشيعة.
ولأن ما في الحديث مشكل، فكيف يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل رجل جاء يبايعه، ولا بيعة له إلاّ وقد أسلم. فكيف يريد منهم قتل المسلم. ثم ما الذي كان يمنعه من التصريح بالأمر بقتله إن كان يريد قتله؟.
__________
(1) 12/ 13 ورواه بمعناه أيضاً 7/ 345 ورواه النسائي 4/ 106. وفي الفتح الكبير: روى ابن سعد، مرسلاً: الإيماء خيانة. ليس لنبي أن يومئ. وقال في الأحاديث الضعيفة (2266): ضعيف.
(2/30)

وما قاله الخطابي مردود أيضاً، فليس من الخيانة أن يضمر الإنسان في قلبه غير ما يظهره للناس إن كان ما يضمره مباحاً. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعمل التورية، وقال: "الحرب خدعة" (1). ولما سئل: ممن أنتم؟ قال: "نحن من ماء" (2)، عَنَى به غير ما فهمه السامع.
فهذا الحديث ضعيف سنداً، منكر متناً.
وأما الآية {يعلم خائنة الأعين} فهي العين التي تعتدي سرّاً على ما حرّم الله عليها، وهي تظهر البراءة، كما يُعْلَم من كلام المفسرين، وليس منها ما ورد في الحديث الآنف الذّكر. والله أعلم.
ثم استدركنا فوجدنا الحديث صحيحاً بلفظ: "ما كان لنبي أن يومض" رواه أبو داود. ووجدنا في شرح المنتهى للفتوحي الحنبلي (2/ 92) ما يلي: "منع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الرمز بالعين والإشارة بالحاجب، للحديث. وهي الإيماء بالعين إلى مباح من نحو ضرب أو قتال على خلاف ما هو الظاهر سمي بذلك لشبهه بالخيانة لإخفائه. ولا يحرم ذلك على غيره". اه. فالمسألة بحاجة إلى مزيد تحرير.
__________
(1) البخاري 6/ 158 ومسلم 12/ 45
(2) سيرة ابن هشام 1/ 616
(2/31)

الفصل الثالث الأوجُه الفِعليَّة لِلقَول
المبحث الأوّل التفريق بين الوجه العباري وبين الوجه الفعلي للقول
تعريف القول: القول هو اللفظ المفرد أو المركب الدالّ على معنى (1).
واضح من تعريفنا للقول بأنه (اللفظ ... إلخ) أن ذلك يقتضي إدخال القول في حد الفعل، فيكون القول فعلاً.
وقد تعرّض لهذه القضية الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في شرحه (2) لحديث: "إنما الأعمال بالنيات ... " فقال:
__________
(1) خالد الأزهري: التصريح على التوضيح 1/ 37
تنبيه: استعمال القول بمعنى الفعل:
يعبر العرب أحياناً ب (قال) عن الفعل، فيكون ذلك خارجاً عن موضوع هذا الفصل وداخلاً في باب الأفعال الصريحة.
فمن ذلك أنهم يطلقونه على غير الكلام. فتقول العرب: قال بيده هكذا، أي فعل هكذا، وقال بالماء على يده، أي قلبه.
وقد يستعمل بمعنى التهيوء للأفعال والاستعداد لها، يقال: قال فأكل، وقال فضرب. وقد يستعمل بمعنى ضرب، وغلب، ومات.
(2) أحكام الإحكام 1/ 10
(2/33)

رأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خصّص الأعمال بما لا يكون قولاً وأخرج الأقوال من ذلك. وفي هذا عندي بعد.
وينبغي أن يكون لفظ "العمل" يعم جميع أفعال الجوارح.
نعم لو خصّص بذلك لفظ "الفعل" لكان أقرب، فإنهم استعملوهما متقابلين، فقالوا: الأفعال والأقوال. ولا تردّد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضاً. اه كلامه.
وواضح من كلامه أنه يرى أن (العمل) يشمل القول، وأن (الفعل) مباين للقول، وأن دليله على ذلك استعمال الفعل والقول متقابلين في كلام الفصحاء.
وعندي أن هذا الدليل غير قائم. بل القول هو فعل من بعض الوجوه وخارج عن الفعل من وجه آخر.
وتوضيح ذلك أن القول هو قول من حيث دلالة عبارته على ما دلّت عليه بالوضع أو التجوّز. وسواء كانت دلالته بالمطابقة، أو التضمّن أو الالتزام. وهو فعل من حيث إيقاعه أوْ لا إيقاعه، ومن حيث صفة صدوره عن القائل، ومن حيث تعلُّقُه بما تعلق به.
هذا وإن العمل بمدلول العبارة هو عمل بالقول، أما إيقاع قولٍ آخر مثل القول فهو اقتداء بالقول من حيث هو فعل.
فالقول إنما يطلق على ما يتلفّظ به من حيث مدلول العبارة، لا من جهة أخرى. ومدلول العبارة هو أن الكلام خبر أو أمر أو نهي أو تعجّب أو استفهام أو تمنٌّ أو غير ذلك من هذه المعاني القولية.
لكن القول من حيث إخراجه من حيّز العدم إلى حيّز الوجود هو فعل من الأفعال. وكذلك من حيث تأثيره في ما يؤثر فيه، وتعلّقه بما تعلّق به.
وأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - يجري فيها على هذا الأسلوب. فهي أفعال من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - أوقعها، فأخرجها إلى حيّز الوجود، ثم قد يكون قالها مرتبطةً بزمان أو مكان، كأذكار رؤية الهلال، ودخول المسجد الحرام، والوقوف بعرفة، وأذكار
(2/34)

الصلاة وغير ذلك ... فتكون من هذه الجهة أفعالاً، ويجري في الاستدلال بها في حقّنا على قانون الأفعال. فما علم أنه - صلى الله عليه وسلم - قاله بياناً لواجب أو امتثالاً له وجب علينا أن نقول مثله، وما قاله بياناً لمستحب أو امتثالاً له فمثله منا مستحب. وإن قاله بياناً لمبيح أو تطبيقاً له فإيقاع مثله منا مباح. وإن لم يكن كذلك فهو فعل مجرّد، نستدل به كما نستدل بسائر الأفعال المجرّدة.
وأما ما تضمنته العبارة من إسناد الخبر إلى المبتدأ، أو الفعل إلى الفاعل، أو الطلب ونحوه، فهي الدلالة القولية. والحكم المستفاد من الجهة القولية إنما يستفاد من هذه الناحية لا غير. فالأمر يدل على الوجوب، والنهي يدل على التحريم وهكذا.
وكمثال على ذلك نذكر حديث صفية زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - معتكفاً، فأتيت أزوره ليلاً. فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلِبَني، فمرّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي - صلى الله عليه وسلم - أسرعا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - على رِسْلِكما، إنها صفيةُ بنتُ حُيَيّ. فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً" (1) أو قال: "شرّاً".
فقوله: "على رسلكما" طلب للتمهل، ودلالته على ذلك دلالة قولية.
وقوله: "إنها صفية بنت حييّ" إخبار لهما عن المرأة التي معه، وأنها زوجته. فهذا خبر مفهوم من الجهة القولية أيضاً.
ودلالته على جواز زيارة المرأة لزوجها المعتكف دلالة قولية، من القياس بنفي الفارق.
أما دلالته على أنه يندب للإنسان أن يبيِّن في مثل هذا الموقف، إزاحة للتهمة عن نفسه، وانتشالاً لأخيه من مهواة الإثم بسوء الظن، فهي دلالة فعلية، تستفاد من القول من حيث هو فعل كسائر الأفعال، يُجْرى فيه على قانونها في الاستدلال.
__________
(1) متفق عليه (جامع الأصول 1/ 247).
(2/35)

وقد مثّل الشاطبي في باب الأفعال (1) بتقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - للزاني بصريح السؤال، حيث قال له: "أفعلت كذا؟ أفعلت كذا؟ " حتى قال له: "كما يدخل الرشاء في البئر؟ " إلى آخر ما قال - صلى الله عليه وسلم -.
قال الشاطبي: والقول هنا فعل، لأنّه معنى تكليفيّ لا تعريفيّ. فالتعريفي هو المعدود في الأقوال، وهو الذي يؤتى به أمراً أو نهياً أو إخباراً بحكم شرعي، والتكليفي هو الذي لا يعرِّف الحكم بنفسه من حيث هو قول، كما أن الفعل كذلك. اه.
فهذا تفصيل جيد.
ولكنا لسنا نرتضي هذه التسمية (المعنى التكليفي) لأن التكليف متعلّق بالشرع، والمسألة لغويّة محضة. وهذا الاختلاف بين جهتي القول واقع في كل قول، سواء صدر من المنتسبين إلى الشرع أم غيرهم.
فما عبّرنا به من (الوجه الفعلي للقول) أوضح ممّا عبّر به الشاطبي رحمه الله.
وقد ذكر أبو الحسين البصري (2) في زيادات المعتمد، في قسم الأفعال، قضاءه - صلى الله عليه وسلم - على الغير، ثم قال:
"ولقائل أن يقول: لم أدخلتم القضاء في جملة الأفعال، مع أنه قول؟ وأنتم إنما تتكلمون في أبواب الأفعال في الأفعال التي هي أفعال الجوارح؟ قال: والجواب: إنما تكلّمنا في القضاء هاهنا لأنه كأفعال الجوارح بالغير. ولم يجزْ ذكره في ما قبل، فذكرناه هاهنا لمشابهته للأفعال المتعلقة بالغير قال: وإذا أردنا حَسْم هذا الاعتراض قلنا في القسمة: إن ما يسند إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ما يتعلق بغيره أفعال وتروك. والأفعال ضربان: أفعال هي أقوال، وأفعال ليست أقوالاً".
ثم قال: "وإنما قسمْنا الأفعال إلى أقوال وإلى غير أقوال، لأنّ الفعل إذا أطلق أفاد كل ما يفعله الفاعل من قول وغير قول. وإذا جعل في مقابلة قول، لم يدخل القول تحت الفعل". اه.
__________
(1) الموافقات 4/ 59
(2) المعتمد 2/ 1006
(2/36)

وهذا بيان واضح يدل على بعض ما ذكرنا. والذي نقوله إن القول فعل، سواء تعلق بالغير أو لم يتعلق به.
وقول أبي الحسين هذا، كافٍ للردّ على استدلال ابن دقيق العيد على التباين بين (القول) و (الفعل) باستعمالها متقابلين في كلام الفصحاء، ووجه الردّ أن التباين عارض يعرض إذا استعملا متقابلين مجتمعين في كلامٍ واحد، أما إذا استعملا في كلامين فإن (القول) يدخل في (الفعل) من الوجه الذي ذكرناه.

ضابط للتفريق بين وجهي القول:
إن الضابط لذلك أنه حيث كان الاستدلال بالقول يقتضي أن نقول مثل ما قال - صلى الله عليه وسلم -، فهو استدلال بالوجه الفعلي للقول.
وحيث كان الاستدلال بالقول يقتضي أن نفهم ما قال ونمتثله، فهو استدلال بالوجه القولي.
وبهذا المعنى الذي أشرنا إليه يتضح لنا مبنى الخلاف في ما يختلف فيه من مثل (القضاء) و (البيع) وسائر العقود، و (الأمر) و (النهي) ونحوها.
فقد اختلف فيها هل هي أقوال أم أفعال. فمن قال: إنها أقوال، نظر إلى الصيغة، ومن قال: إنها أفعال، نظر إلى الإيقاع والتعلق.
فمن ذلك قضاء القاضي بين الخصمين، فإنه قول، لأنه عبارة عن قول القاضي "حَكَمْتُ بكذا". ولكن لأنه يتعلق بالخصمين، ويكون كفّاً لأحدهما عن الآخر وفصلاً بينهما، فهو من هذه الجهة فعل. وقد جعل الجصاص القضاء بين شخصين فعلاً دالاً على الوجوب. وقال ابن الهمام: "القضاء قولٌ يكون معه عموم وخصوص"، وقال أبو الحسين البصري: "إن القضاء قولٌ هو فعل" (1) وهو أوضح من كلام غيره.
__________
(1) انظر أصول الجصاص ق 208 ب، تيسير التحرير 1/ 249، المعتمد 1/ 387 وانظر أيضاً: القرافي: الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص 75 وصحيح ابن حبان 1/ 107
(2/37)

ومثل القضاء البيع والهبة والتمليك وسائر العقود.

ما يدخل تحت هذه القاعدة:
يدخل تحت هذه القاعدة جملة كبيرة من أقواله - صلى الله عليه وسلم -، يستدل بها، على طريقة الاستدلال بالأفعال، ونحن نذكر من ذلك أصنافاً:
الأول: الأذكار والأدعية النبوية. سواء أكانت في العبادات المرسومة كالصلاة والزكاة والحج والصوم، أو المرتبطة بأسباب زمانيّة كأدعية الصباح والمساء ودخول الشهر، أو مكانية كأذكار دخول المنزل والخروج منه، أو بمناسبات أخرى كما كان - صلى الله عليه وسلم - يقوله إذا استجدّ ثوباً، أو عاد مريضاً، أو قابل وفداً، أو غير ذلك.
وقد قال ابن قدامة في سياق بيان حكم تسليمه - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة: "أكثر أفعاله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة مسنونة غير واجبة" (1).
الثاني: قضاؤه - صلى الله عليه وسلم -.
فلو شهد عنده شاهد وحلّف المدعي، ثم قضى بذلك، لكان قضاؤه بالشاهد واليمين فعلاً من الأفعال.
وقد ذكر الجصّاص (2) في أفعاله - صلى الله عليه وسلم - الدالّة على الوجوب قضاءه بين اثنين.
الثالث: افتاؤه - صلى الله عليه وسلم -، وبيانه للأحكام الشرعية، وتعليمه أصحابه.
والوجه الفعلي لذلك يقتضي أن يُقْتدى به - صلى الله عليه وسلم - في البيان، وتستخدم الطرق التي سلكها، وتراعى الأمور التي راعاها في ذلك.
ومثاله الحديث الذي في الصحيحين: عن عبد الله بن عمرو، قال: تخلّف عنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفرة سافرناها، فأدْركَنا وقد أرهقتنا الصلاة، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار" مرتين أو ثلاثاً.
فالعبارة تدل على وجوب استيعاب الرجل بالغسل.
__________
(1) المغني 1/ 553
(2) أصول الجصاص ق 208 ب.
(2/38)

والوجه الفعلي يدل على أمور:
منها: ما بوّب عليه البخاري: باب من رفع صوته بالعلم (1).
ومنها: تكرير القول المبلِّغ للحكم ليستقرّ ويتأكد.
ومنها: تفقَّد الإمام للرعية في وضوئهم.
ومن هذا الصنف الثالث أيضاً ما يستدلّ به الأصوليون على إثبات بعض أصول الفقه، كاستدلالهم في باب القياس بأنه - صلى الله عليه وسلم - قاس في مثل جوابه لمن سألته عن حجها عن أبيها: "أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضينه عنه؟ " ثم قال: "اقضوا الله فالله أحق بالوفاء" فهذا النوع إنما هو استدلال بالأفعال.
الرابع: أنواع من كلامه - صلى الله عليه وسلم - كمدحه بعض الناس، وذمه لآخرين، ومزاحه وتوريته، ونحو ذلك.
إلى غير ذلك من الأنواع.
بل كلّ شيء من أقواله - صلى الله عليه وسلم - له وجه فعلي، ثم قد يحتاج إلى ذلك الوجه في الاستدلال، وقد لا يحتاج إليه لظهوره.
__________
(1) فتح الباري 1/ 143
(2/39)

المبحث الثاني حصر الأوجه الفعليَّة للقول
تتعدّد الأوجه الفعلية للقول إذا نظر إليه من جهات مختلفة. ونحن سنحاول حَصْر تلك الجهات في ما يلي:
الجهة الأولى: إيقاع القول المعين منوطاً بزمان أو مكان أو مناسبة معيّنة، كما تقدم في الأذكار والأدعية. وقد يكون القول مطلقاً عن السبب، كسائر الأذكار والأدعية المطلقة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "استغفروا الله. إني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة" (1).
الجهة الثانية: درجة الصوت. ومثاله ما تقدم في حديث: "ويل للأعقاب من النار".
ومثاله أيضاً ما في حديث جابر، قال (2): "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكُمْ ومسّاكُمْ".
الجهة الثالثة: استعمالاته اللّغوية.
ومن ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتكلم بالعربية، ويخطب بها، ويتكلم أحياناً بلغة خاصة بقوم وفدوا عليه، ويكتب إليهم بها. كما قال لبنت سعيد بن العاص لما رجعت من الحبشة (3): "يا أم خالد هذا سَنَاهْ" و (سَنَاهْ) بلغة الحبشة بمعنى (حسن)
__________
(1) البخاري 11/ 101 وروى مسلم بعضه 17/ 42
(2) مسلم والنسائي (جامع الأصول 4/ 434).
(3) البخاري 10/ 279، 303
(2/40)

ولعلّه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال لها ذلك لأنها وُلدت بأرض الحبشة، ونشأت بها، ولعلّها كانت تفهم بها أكثر مما كانت تفهم بالعربية،، فخاطبها بما تفهم.
وقال له أبو موسى الأشعريّ (والأشعريون من اليمن): أمِنِ آمْبِرِّ آمْصوْمُ في آمْسَفَر؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس من امبرّ امصوم في امسفر" (1). فلما كانت هذه لغتهم خاطبهم بها.
وكتب إلى بعض أقيال اليمن: "إلى الأقيال العباهلة، والأرواع المشابيب ... وفي التيْعةِ شاةٌ لا مقوَّرة الألْياطِ ولا ضَناك ... وأنطوا الثَّبِجَة. وفي السُّيوب الخُمس" (2) إلخ. وهذا غريب على لغة قريش، ولكنه لغة من كتب إليهم.
الجهة الرابعة: تصرفاته - صلى الله عليه وسلم - من جهة البديع والمعاني والبيان والصور التعبيرية وما أشبه ذلك. فقد كان يستعمل الإيجاز غالباً دون الإطناب والإسهاب مع الوفاء بالمقصود دون إخلال، ويأخذ بجوامع الكلم.
ولا يستعمل السجع والجناس. إلاّ أن يقع ذلك في الكلام دون تكلّف أو معاناة.
واستعماله المبالغة، في مثل قوله: "أما أبو جهم فلا يضعَ عصاه من عاتِقِه" (3).
__________
(1) قال في جامع الأصول 7/ 261: أخرجه رزين، وقال محققه: في مجمع الزوائد: أخرجه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد ورجال الصحيح.
(2) محمد حميد الله: الوثائق السياسية والإدارية للعهد النبوي. الوثيقة رقم 133 شرح الغريب عن المؤلف المذكور:
القيل: لقب ملوك حمير. التيعة: أدنى ما تجب فيه الزكاة وهو أربعون من الغنم، والخمس من الإبل. الضناك. الكثيرة اللحم. مقورة الألياط: مسترخية الجلود. انطوا الثبجة: أعطوا الوسط. السيوب: الركاز.
(3) مسلم 10/ 36 ومالك في الموطأ.
(2/41)

واستعماله بعض ألفاظ الدعاء التي لا يراد بها أصل موضوعها، كقوله لأم سليم: "تربت يداك" وقوله عن صفية: "عقرى حلقى".
وإجابته عما لم يسأل عنه، إذا علم من حال السائل أنه يجهل ما هو بحاجة إليه، كما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التوضّؤ بماء البحر، فقال: "البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (1).
ومنها إجماله قبل البيان توطئةً له وتثبيتاً، وتنبيهاً على قيمة ما سيقال، كقوله لأبيّ: "لأعلمنّك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد" (2) ثم علّمه الفاتحة.
إلى غير ذلك مما استقرأه المتكلّمون في علم البلاغة، وفي البلاغة النبوية خاصة (3).
الجهة الخامسة: العادات الكلامية كما قالت عائشة: "ما كان - صلى الله عليه وسلم - يسرد كسردكم هذا. كان يتكلم كلاماً فصلاً لو عدّه العادّ لأحصاه. وكان إذا تكلّم الكلمةَ أعادها ثلاثاً لتحفظ عنه".
الجهة السادسة: إغلاظ القول ولينه. فقد كان - صلى الله عليه وسلم - لأمته كالطبيب المعالج، يستعمل كل شيء في موضعه الذي يستحقه.
وكان ربما يُبْهِم إذا أراد الإنكار على معيّن، ويقول: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟ " ولا يسميهم.
الجهة السابعة: بيانه - صلى الله عليه وسلم - للأحكام مقرونة بالتعليل والبرهنة المقنعة. كما في حديث أبي هريرة: "أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله: ولد لي غلام
__________
(1) رواه مالك في الموطأ 1/ 22 وأصحاب السنن.
(2) البخاري 8/ 156 وأبو داود، وأحمد 4/ 211
(3) انظر مثلاً: مصطفى صادق الرافعي: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية.
(2/42)

أسود. فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حُمْر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنّى ذلك؟. قال: لعلّ نزعه عرق. قال: فلعلّ ابنك هذا نزعه عرق" (1).
فهو - صلى الله عليه وسلم - لم يخبر السائل بالحكم الشرعي مجرداً، وهو لصوق النسب به، بل جاءه بمثال مقنع، ومن واقع حال السائل.
وقالت له عائشة: حسبك من صفية كذا وكذا، تعني: قصيرة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لقد قلتِ كلمة لو مزجتْ بماء البحر لمزَجتْهُ" (2).
ومثله قوله: "لا تجمعوا بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها، إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم".
__________
(1) البخاري 9/ 442 ومسلم 10/ 133 وأبو داود والنسائي.
(2) أبو داود 13/ 221 والترمذي.
(2/43)

الفصل الرابع الترك
تمهيد في حقيقة الترك:
الترك في اللغة: ودع الشيء وتخليته. هكذا في (لسان العرب).
وفي المواقف وشرحه: "الترك في اللغة: عدم فعل المقدور، سواء قصد التارك أو لم يقصد، كما في النوم، وسواء تعرّض لضدِّه أو لم يتعرض. وأما عدم ما لا يقدر عليه فلا يسمّى تركاً. ولذا لا يقال: ترك فلان خلق الأجسام.
وقيل إن الترك: عدم فعل المقدور قصداً، فلا يقال: ترك النائم الكتابة. ولذا لا يتعلق به المدح والذم.
وقيل إن الترك: من أفعال القلوب، لأنه انصراف القلب عن الفعل، وكفّ النفس عن ارتياده. وقيل هو فعل الضد لأنه مقدور، وعدم الفعل مستمر. فلا يصلح أثراً للقدرة الحادثة" (1). اه.
فبناء على أوسع الاصطلاحات مما ذكره، نقول: الترك نوعان: ترك غير مقصود وترك مقصود.
فأما الترك غير المقصود فواضح أنه سلب محض. وهو ليس موضعاً للقدوة، ولا يستدلّ به على طريقة الاستدلال بالأفعال، فلا يدل على جوازٍ ولا كراهة ولا تحريم. ويقول ابن تيمية في سياق كلامه عن دخول الحمّامات:
__________
(1) شرح المواقف 6/ 132 ونقله التهانوى 1/ 168 وانظر أيضاً: شرح جمع الجوامع للمحلى 1/ 214.
(2/45)

"ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها، أو عدم استحبابه، بكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يدخلها، ولا أبو بكر وعمر، فإن هذا إنما يكون حجة لو امتنعوا من دخول الحمامات، وقصدوا اجتنابها، أو أمكنهم دخولها فلم يدخلوها. وقد علم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمام، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الاستحباب بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول وهو القدرة والإمكان.
وهذا كما أن ما خلقه الله في سائر الأرض من القوت واللباس والمراكب والمساكن لم يكن كل نوع منه كان موجوداً بالحجاز. فلم يأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - من كل نوع من أنواع الطعام القوت والفاكهة، ولا لبس من كل نوع من أنواع اللباس. ثم إنّ من كان من المسلمين بأرض أخرى كالشام ومصر واليمن وخراسان وغير ذلك، عندهم أطعمة وثياب مجلوبة عندهم أو مجلوبة من مكان آخر، فليس لهم أن يظنوا ترك الانتفاع بذلك الطعام واللباس سنّة، لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأكل مثله ولم يلبس مثله، إذ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية. وهو أضعف من القول، باتفاق العلماء. وسائر الأدلة من أقواله كأمره ونهيه وإذنه، ومن قول الله تعالى، هي أقوى وأكبر. ولا يلزم من عدم دليل معيّن عدم سائر الأدلة الشرعية" (1). اه.
وأما الترك المقصود، فهو الذي يعبّر عنه بالكفّ، أو الإمساك، أو الامتناع.

هل الكفّ فعل من الأفعال؟:
يرى كثير من الأصوليين أن الكفّ فعل من الأفعال، وهو عندهم فعل نفسي (2). ونُسِب إلى قوم، منهم أبو هاشم الجبائي، إن الكف انتفاء محضّ، فليس بفعل (3).
__________
(1) الفتاوى الكبرى 21/ 313 - 314
(2) السبكي والمحلي: جمع الجوامع وشرحه 1/ 214، الشاطبي: الموافقات 1/ 12 و4/ 58، شرح مختصر ابن الحاجب 2/ 13، 14، السرخسي: أصوله 1/ 80
(3) المحلي: في شرح جمع الجوامع 1/ 215
(2/46)

والأول أولى، كما هو معلوم بالوجدان.
وأيضاً نحن نجد في الكتاب والسنّة إشارات إلى أن الكفّ فعل، منها قوله تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون} (1) فسمّى الله تعالى ترك العُبّاد والعلماء للنهي عن المنكر صنعاً، والصنع فعل. ومنها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عُرِضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدتُ في محاسن أعمالها إماطة الأذى عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن" (2). فجعل ترك دفنها ممن يراها عملاً سيئاً.
ومن أجل ما في فعليّة الكفّ من الخفاء، ولأجل التباسه بالترك العدميّ، أخرجناه من حيّز الأفعال الصريحة.
وقد نعبّر فيما يأتي من هذه الرسالة عن الكفّ والإمساك ب (الترك) وحيثما عبّرنا به فإنما نعني به الكف خاصة دون الترك غير المقصود، إذ قد تبيّن أن الترك غير المقصود خارج عن الفعلية أصلاً.

تقسيمنا لمباحث الترك:
الترك إما عدميّ: وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أغفل الحكم في أمور لم تعرض له ولم تحدث في زمانه، فترك فعلها، وترك القول في شأنها، لعدم المقتضى لذلك القول والفعل. ويذكره الأصوليون في أبواب مختلفة، كباب القياس، والمصلحة المرسلة، وغير ذلك. ويتعرّض له الكاتبون في البدعة.
وأما نحن فسوف نغفل الكلام فيه، لأنه خارج عن نطاق بحثنا، إذ بحثنا خاص بالأفعال النبويّة، وهذا النوع ليس فعلاً أصلاً.
وإما وجوديّ: وهو الكفّ، وهو أن يقع الشيء، ويوجد المقتضي للفعل أو القول، فيترك الفعل والقول، ويمتنع عنهما.
__________
(1) سورة المائدة: آية 63
(2) مسلم (جامع الأصول 1/ 352).
(2/47)

وهذا القسم نوعان:
الأول: ترك الفعل والإعراض عنه، ونذكره في بقية هذا الفصل.
والثاني: ترك القول، وهو على منزلتين، لأنه إما سكوتٌ عن الجواب وغيره من أنواع القول ما عدا الإنكار. ونعقد له الفصل الخامس.
وإما سكوت عن الإنكار خاصة، فيسمى التقرير، ونعقد له الفصل السادس. وقد جعلنا التقرير في فصل مستقل، لأهميته، ولأن كثيراً من الأصوليين يفردونه عن التروك.
(2/48)

المبحث الأوّل البيان بالترك
الترك وسيلة لبيان الأحكام، كالفعل:
كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبيّن الأحكام بفعله المجرّد من القول، أو بالفعل الذي يساعده القول، كذلك كان يبيّن الأحكام بالترك المجرّد من القول، أو بالترك الذي يساعده القول.

ما يحصل بالترك من أنواع البيان:
قد قدّمنا أن الأحكام التي كانت تبيّن بالفعل هي الواجب والمندوب والمباح. فأما التروك فإن الذي يبيَّن بها هو المحرم والمكروه والمباح.
وقد قدّمنا أيضاً أن المكروه كذلك كان يقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - بيانه بالفعل إذا ظنّ تحريمه.
وكذلك هنا: قد يبيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - المستحب، بتركه، إذا ظُنَّ وجوبه. ويقول الشاطبي: "المطلوب تركه بيانه بالترك، أو القول الذي يساعده الترك إن كان حراماً.
وإن كان مكروهاً فكذلك، إن كان مجهول الحكم. وإن كان مظنّة لاعتقاد التحريم وترجح بيانه بالفعل تعيّن الفعل على أقل ما يمكن وأقربه. وإن كان مظنّةً لاعتقاد الطلب، أو مظنّة لأن يثابر على فعله فبيانه بالترك جملة إن لم يكن له أصل، أو كان له أصل في الإباحة" (1).
__________
(1) الموافقات 3/ 320
(2/49)

ويقول: "إن كان الفعل المندوب مظنّة لاعتقاد الوجوب، فبيانه بالترك، أو بالقول الذي يجتمع إليه الترك". اه.
وسواء أكانت هذه المظنّة المشار إليها ناشئة عن دليل آخر قوليّ أو فعلي يظن عمومه أو إطلاقه، أو عن غير دليل.
وإذا ورد الأمر في القرآن أو السنة القولية، أو فهم الوجوب من الفعل النبويّ، ثم ترك - صلى الله عليه وسلم - ذلك مطلقاً أو في حال ما أو لسبب ما، علم نسخ الأول أو تخصيصه، أو حمله على الاستحباب دون الوجوب، على ما سيأتي تفصيله في باب التعارض إن شاء الله.
وإذا فرّق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين بعض العبادات وبعض، ففعل في نوع من أشياء واظب عليها، وترك تلك الأشياء في نوع آخر، فإنه يتبع في ذلك، ويكون الترك كالنص على أنه لا يفعل.
ونضرب لذلك مثالين:
الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤذن له للصلوات الخمس، ولكن لا يؤذّن لصلاة العيد، ولا لصلاة الخسوف، ولا لصلاة الاستسقاء.
أما صلاة العيد، ففي حديث ابن عباس: "لم يكن يؤذَّن يوم الفطر، ولا يوم الأضحى" (1). وعن ابن عباس أيضاً: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلّى العيد بغير أذان ولا إقامة" (2).
ومثله حديث جابر: "لا أذان يوم الفطر حين يخرج الإمام، ولا بعدما يخرج الإمام، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء".
فأجمع الفقهاء (3) على أن صلاة العيد لا يؤذَّن لها ولا يقام. ويقول ابن تيمية: "ترك رسول الله للأذان في العيدين، مع وجود ما يعدّ مقتضياً، وزوال المانع، سنة، كما أن فعله سنة.
قال: "فلما أمر بالأذان في الجمعة، وصلّى العيدين بلا أذان ولا إقامة، كان
__________
(1) البخاري 2/ 451
(2) رواه أبو داود (الفتح 2/ 452).
(3) ابن دقيق العيد: الإحكام 1/ 330 وقال ابن قدامة في المغني (2/ 378) أنه لا يعلم في ذلك خلافاً ممن يعتد به.
(2/50)

ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلاة، وأعداد الركعات، أو الحج".
وأما النداء لها (الصلاة جامعة)، فقد قال الشافعي: "أحب أن يأمر الإمام المؤذن أن يقول: الصلاة جامعة" (1). وقال: قال الزهري: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر في العيدين المؤذن أن يقول الصلاة جامعة".
وابن قدامة اختار الترك، وقال: "سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع" يعني ما ذكر في حديث جابر.
وأما صلاة الكسوف، فلم يكن يؤذّن لها، وإنما كان ينادي لها (الصلاة جامعة) (2) فهذه سنتها، ولا يكون لها أذان ولا إقامة، استدلالاً بالترك. وذلك مجمع عليه.
وأما صلاة الاستسقاء، فكذلك ليس لها أذان ولا إقامة، لما روى أبو هريرة، قال: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستسقي، فصلّى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة" (3).
وقد قيل: ينادى لها (الصلاة جامعة) قياساً على صلاة الكسوف.
المثال الثاني: أنه ترك الجهر في بعض الركعات في المغرب والعشاء، وجهر في الركعتين الأوليين دون ما بعدهما. وجهر في صلاة الليل، ولم يجهر في صلاة النهار. فهذا دليل اختصاص الجهر بما جهر فيه، ودليل ترك الجهر في ما لم يجهر فيه.
المثال الثالث: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلّي على موتى المسلمين، ولكنه لم يصلّ على شهداء أُحد.
__________
(1) الأم للشافعي 1/ 235
(2) رواه البخاري (جامع الأصول 7/ 105).
(3) رواه الأثرم (المغني لابن قدامة 2/ 432).
(2/51)

فقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: "الشهيد لا يصلّى عليه" (1).
وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية: يصلّى عليه، إلا أن الرواية عن أحمد أن الصلاة عليه على وجه الاستحباب.
وحجة الأولين ما روى جابر: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصلَّ عليهم" (2).
واحتجّ الحنفية بأحاديث وردت (3) أنه - صلى الله عليه وسلم - قد صلّى عليهم، منها مُرسَل عطاء، عند أبي داود، ومنها ما روى الحاكم عن جابر أنه صلى عليهم واحداً واحداً. ولفظه: "جيء بحمزة فصلّى عليه. ثم بالشهداء فيوضعون إلى جانب حمزة فيصلّي عليهم ثم يرفعون، ويترك حمزة، حتى صلّى على الشهداء كلهم".
__________
(1) ابن قدامة: المغني 2/ 529
(2) حديث جابر: متفق عليه.
(3) انظر ابن الهمام: فتح القدير شرح الهداية 1/ 475
(2/52)

المبحث الثاني أقسام الترك والأحكام التي تدل عليها
إن تروك النبي - صلى الله عليه وسلم - يمكن تقسيمها إلى أقسام موازية لأقسام أفعاله. والأقسام التي يظهر انقسام الترك إليها ما يلي:
الأول: الترك لداعي الجبلة البشرية (1). وهذا لا يدل في حقنا على تحريم ولا كراهة. ومثاله ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل لحم الضب. وقال: " إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه".
وكان يترك الطعام إن لم يكن مما يشتهي. ففي الحديث: "ما عاب النبي - صلى الله عليه وسلم - طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه" (2).
ويظهر أن من هذا النوع ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - اغتسل من الجنابة فأتته ميمونة بخرقة، فلم يُرِدْها، وجعل ينفض الماء بيده. فتركه التنشيف ظاهر أنه لغرض جبلي، ولعله يتعلق برغبته في إطالة برهة ترطّب البدن، أو غير ذلك. وقال ابن دقيق العيد: "ردّ المنديل واقعة حال يتطرّق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون لا لكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو غير ذلك" (3). ولا حاجة لهذا التكلُّف بل الأولى حمله على الرغبة الجبلية، والله أعلم. ونقل ابن قدامة أن عبد الرحمن بن مهدي وجماعة من أهل العلم كرهوا التنشيف لهذا الحديث. ثم قال: "وترك النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على الكراهة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يترك المباح كما يفعله" (4).
__________
(1) الشاطبي: الموافقات 4/ 60
(2) البخاري 9/ 547
(3) إحكام الأحكام 1/ 96
(4) المغني 1/ 142
(2/53)

الثاني: الترك الذي قام دليل اختصاصه به - صلى الله عليه وسلم -. وهو تركه لما حرم عليه خاصة. كتركه أكل الصدقة. قال - صلى الله عليه وسلم -: " إنّا معشر آل محمد لا تحلّ لنا الصدقة".
ومثله ترك ما يشتبه أنه من الصدقة. ومنه أنه - صلى الله عليه وسلم - وجد تمرة ملقاة، فقال: "لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها".
ولا يجوز أن يحمل شيء من تروكه - صلى الله عليه وسلم - على الخصوصية لمجرّد الاحتمال. بل لا بدّ من دليل، كما تقدم نظيره في الأفعال.
وقد قال أبو شامة في الأفعال إنه يقتدي بالخصائص النبوية الواجبة، على سبيل الاستحباب.
فقياس قوله هنا انه ينبغي أن يستفاد لحقّنا كراهية ما خُصَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحريمه. فيكون أكل الصدقة، مثلاً، مكروهاً لنا.
الثالث: الترك بياناً أو امتثالاً لمجمل معلوم الحكم، عام لنا وله. فيستفاد حكم الترك من الدليل المبيّن والممتثَل. ومثاله تركه - صلى الله عليه وسلم - الإحلال من العمرة مع صحابته، وقال: "إني لبّدت رأسي وقلّدت هدي، فلا أحل حتى أنحر". وقال: لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي مَحلّه" فقد امتثل النهي الذي في الآية، بترك التمتع، لما كان قد ساق الهدي. وتبيّن بذلك حكم من ساق الهدي. وتبيّن أيضاً أن المَحِلَّ الزمانيّ مراعىً.
والحكم هنا -أعني حكم الحلق- هو التحريم، لظاهر النهي في الآية.
ومن الترك الامتثالي تركه - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على المنافقين (1) لما نزل قوله تعالى: {ولا تصلِّ على أحدٍ منهم مات أبداً}.
الرابع: الترك المجرّد، وهو الذي ليس من الأقسام السابقة. وهو نوعان:
الأول: ما علم حكمه في حقه بقوله - صلى الله عليه وسلم -، أو باستنباط.
والثاني: ما لم يعلم حكمه.
__________
(1) الحديث في ذلك رواه مسلم: 17/ 121
(2/54)

فأما ما علمنا حكمه في حقه بدليل، فينبغي أن يكون حكمنا فيه كحكمه. أخذاً من قاعدة المساواة في الأحكام، وقد تقدم إثباتها.
وأما ما لم نعلم حكمه في حقه - صلى الله عليه وسلم -، فما ظهر فيه أنه تركه تعبداً وتقرباً نحمله على الكراهة في حقه، ثم يكون الحكم في حقنا كذلك أخذاً من قاعدة المساواة، كتركه ردّ السلام على غير طهارة، حتى تيمّم (1).
وما لم يظهر فيه ذلك، نحمله على أنه من ترك المباح، كتركه السير في ناحية من الطريق، أو الجلوس في جهة من المسجد.
فعلى ما تقدم ذكره، لا فرق بين الفعل والترك في التأسيّ فيهما، وقد صرَّح الشوكانيّ بذلك فقال: "تركه - صلى الله عليه وسلم - للشيء كفعله له في التأسّي به فيه" (2).
ويقول الجصّاص (3)، وفيه تلخيص أحكام الترك "نقول في الترك كقولنا في الفعل. فمتى رأينا النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ترك فعل شيء، ولم ندر على أي وجه تركه، قلنا تركه على جهة الإباحة. وليس بواجب علينا إلا أن يثبت عندنا أنه تركه على جهة التأثُّم بفعله، فيجب علينا حينئذٍ تركه على ذلك الوجه حتى يقوم الدليل على أنه مخصص به دوننا". وفي هذا القول منه بعض النظر يعلم مما بيّناه في هذا المبحث.
وقال ابن السمعاني: "إذا ترك - صلى الله عليه وسلم - شيئاً وجب علينا متابعته فيه" (4) ومقصوده بالمتابعة المساواة في حكم الترك، كما تقرّر عندنا أن ذلك مراده بهذه العبارة في بحث الأفعال. وليس مقصوده أنه يجب علينا أن نترك ما ترك في جميع الأحوال.
فظاهر كلامهم التسوية بين الفعل والترك في مراتب التأسيّ.

تفريق القاضي عبد الجبار في التأسيّ بين الترك والفعل ومناقشتنا له في ذلك:
فرَّق القاضي عبد الجبار بين الترك وبين الفعل، في التأسّي بهما. فعنده أن
__________
(1) رواه البخاري 1/ 441
(2) إرشاد الفحول ص 42
(3) أصول الجصاص ق 210 ب.
(4) الزركشي: البحر المحيط 2/ 260 أ.
(2/55)

الفعل إذا وقع منه - صلى الله عليه وسلم - يتأسّى به فيه على كل حال، لأنه، لا يخلو أن يكون من أحد الأقسام المعلوم حكمها أو من المجرّد، فإن كان مجرّداً فإما أن يظهر فيه قصد القربة، فيتأسى به على وجه الندب، أو لا يظهر فيه ذلك، فيتأسّى به فيه على وجه الإباحة، أما الترك فإن كان معلوم الحكم يتأسى به على أساس ذلك الحكم، لكن إن كان مجهول الحكم فالتأسي به عند عبد الجبار غير ممكن. يقول: "أما الفعل فقد ينقل الوجه الذي عليه وقع، فيصح معه التأسّي"، ثم قال: "فأما تركه فإنما يدل بمقدمة زائدة، نحو أن نعلمه تاركاً لما جعل علامة لوجوب الفعل، فنعلم أنه ليس بواجب، أو خروجه عن كونه واجباً إذا تعمّده وقصد إليه".
ويقول في موضع آخر: "التأسّي به - صلى الله عليه وسلم - في الفعل أولى من الترك، لأن الترك لا يقع إلاّ على الحد الأول الذي لا تقتضيه طريقة التأسّي، فهو بمنزلة الأكل والشرب وغير ذلك، إلا بأن يكون الترك واقعاً على وجه يعلم أنه من باب الشرع" (1). اه.
وهو بهذا يشير إلى أن الترك يجوز أن يدل على التخصيص أو النسخ. فإن لم يكن كذلك وعلم حكمه من دليل خارجي صحّ التأسّي به. فإن لم يعلم حكمه فهو حينئذٍ من قبيل الترك الجبلي، ويكون بدرجة الفعل الجبلي الذي لا أسوة فيه، لأن حالة الترك هي الأصل بالنسبة إلى الأفعال الوجودية. ولا يجوز عند عبد الجبار إلحاق الترك بما ظهر فيه قصد القربة من الأفعال، حتى يدل على الكراهة.
وتوجيه قوله أن الفعل يظهر فيه قصد القربة من كونه مخالفاً للمعتاد، كهيئة المصلي، أو الساجد، أو الملبّي، أو الطائف، أو الساعي، مع ما يظهر من الخشوع والتضرع، ونحو ذلك. أما الترك فهو أمر مجرَّد لا يظهر للتقرّب به وجه.
والذي نرى أنه يحل الإشكال أن يقال: إن الترك إن كان عدميّاً صرفاً، فهو الذي بمنزلة الفعل الجبليّ غير الاختياري، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لغفلته عن الشيء الذي ليس بحضرته، ولا داعي يدعوه لفعله، فهو خارج عن نطاق التكليف. ولذلك فلا أسوة فيه. وهو الذي نعتقد أن القاضي عبد الجبار يريده بالترك الذي لا أسوة فيه.
__________
(1) المغني 17/ 270
(2/56)

وأما الكفّ عن الشيء والإمساك عنه، فهو أمر تكليفي مقصود، قد يظهر فيه قصد القربة، فيدلّ على كراهة الشيء، دون تحريمه. وقد لا يظهر فيه قصد القربة، فيحمل على أنه من ترك المباح. ويدل على الإباحة.
ولذلك كان الصواب التسوية بين الفعل والترك في جميع المراتب. فكما أن من الأفعال أفعالاً جبليّة اضطرارية لا أسوة فيها، فكذلك التروك العدمية جبلية اضطرارية، ولا أسوة فيها. وكما أن من الأفعال ما هو معلوم الحكم فيتأسى به، فكذلك في التروك. وكما أن مجهول الحكم من الأفعال يحمل على الندب أو الإباحة ويتأسى به على ذلك الأساس، فكذلك الكفّ والإمساك، يحمل مجهول الحكم منه على الكراهة أو الإباحة، والله أعلم.

تكرار الترك:
إنه كما تقدم في الفعل أن تكراره والمواظبة عليه يقرِّب أنه - صلى الله عليه وسلم - فعله على جهة التعبّد والقربة، فكذلك التروك، ترقى بها المواظبة حتى تقربها من باب ما ترك تعبّداً.
ونضرب مثالاً على ذلك ما ورد في الصحيحين عن ابن عمر: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسبّح على ظهر راحلته، حيث كان وجهه، يومئ برأسه". وفي رواية البخاري: "إلا الفرائض" ولمسلم: "غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة".
فإنه تركه لصلاة الفريضة على الراحلة، لو كان تركه مرة أو مرتين، لا يدل على المنع منها. يقول ابن دقيق العيد: "قد يتمسّك بما في الحديث في أن صلاة الفرض لا تؤدى على الراحلة. وليس ذلك بقويٍّ في الاستدلال لأنه ليس فيه إلا ترك الفعل المخصوص. وليس الترك بدليل على الامتناع" (1).
ثم قال: "وقد يقال إن دخول وقت الفريضة مما يكثر على المسافرين. فترك الصلاة لها دائماً، مع فعل النوافل على الراحلة، يشعر بالفرقان بينهما في الجواز وعدمه".
وهذا الذي قاله أخيراً هو الذي نريده. وهو المعتمد عند الفقهاء في هذا الفرع.
__________
(1) الإحكام 1/ 182
(2/57)

المبحث الثالث الترك المطلق والترك لسبب
إذا ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - أمراً ما، وعلمنا حكمه على الطريقة المذكورة آنفاً، فإما أن يكون الترك مطلقاً، وإما أن يكون منوطاً بسبب.
ومقتضى الترك المطلق أن يكون حكمنا كحكمه - صلى الله عليه وسلم - مطلقاً، أعني دون تقييد بسبب. ومثاله تركه - صلى الله عليه وسلم - الأكل متكئاً، ظاهر فيه أنه على وجه التقرّب، فيحمل تركه الإتكاء أثناء الأكل على ترك المكروه، وفي حقنا كذلك، مطلقاً. ومثله أنه: "لم ينتقم لنفسه" (1) و"كان لا يصافح النساء في البيعة" (2).
ومقتضى تركه - صلى الله عليه وسلم - لسبب أن يكون حكمنا كحكمه - صلى الله عليه وسلم - حال وجود السبب، فإذا زال السبب زال الحكم، ورجع الأصل.
وإيضاح ذلك بما يأتي:

أسباب الترك:
إن ما تركه - صلى الله عليه وسلم - مما كان مظنّة أن يفعله كثيراً ما كان يتركه لسبب قائم لولاه لفعله. وترجع تلك الأسباب إلى أنواع، منها:
النوع الأول: ترك الفعل المستحب خشية أن يفرض على الأمة. وفي حديث عائشة قالت: "إن كان - صلى الله عليه وسلم - لَيَدَعُ العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم". ومنه أنه - صلى الله عليه وسلم - ترك قيام رمضان جماعة، بعد أن
__________
(1) رواه البخاري 6/ 566 ومسلم 15/ 83 من حديث عائشة.
(2) رواه أحمد 2/ 213 من حديث عبد الله بن عمر. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
(2/58)

قام بهم ليلتين أو ثلاثاً. ثم قال لهم: "إنه لم يخْفَ عليَّ مكانكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم".
ولذلك لما زالت هذه الخشية بوفاته - صلى الله عليه وسلم - وانقطاع الوحي، أعاد الصحابة رضي الله عنهم فعلها في المسجد في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
النوع الثاني: ترك العمل المستحب خشية أن يظن البعض أنه واجب. وترك المباح لئلا يظنّوا أنه مستحب أو واجب.
وهذا نوع مشابه للنوع الأول وليس منه.
ومنه أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ لكل صلاة، استحباباً. وقد ترك ذلك يوم فتح مكة، فصلّى الصلوات كلّها بوضوء واحد. فقال عمر: "يا رسول الله فعلت اليوم شيئاً لم تكن تفعله". فقال: "عمداً فعلته يا عمر". قال الطحاوي: "يحتمل أن ذلك كان واجباً عليه ثم نسخ يوم الفتح. ويحتمل أنه كان يفعله استحباباً ثم خشي أن يظنّ وجوبه فتركه لبيان الجواز". قال ابن حجر: "وهذا أقرب" (1).
وُيسَن الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - في هذا النوع من الترك ممن يقتدى به إذا ظنَّ توهم بعض الحاضرين شيئاً من ذلك.
وقد وضَّح الشاطبي قاعدة ترك المندوبات أحياناً، ممن يقتدى به، فقال: "لا ينبغي لمن التزم عبادة من العبادات البدنية الندبيّة أن يواظب عليها مواظبةً يفهم الجاهل منها الوجوب، إذا كان منظوراً إليه مرموقاً، أو مظنّة لذلك، بل الذي ينبغي له أن يدعها في بعض الأوقات، حتى يُعلم أنها غير واجبة" (2). اه.
النوع الثالث: الترك لأجل المشقة التي تلحق الأمة في الاقتداء بالفعل، ولو استحباباً: ومنه تركه الرمل في الأشواط الأربعة الأخيرة من الطواف. ففي حديث ابن عباس قال: "ولم يمنعه أن يرمل الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" (3).
وينبغي أن يلاحظ في هذا المثال خاصة أنه لا يستحب الرمل في الأشواط
__________
(1) فتح الباري 1/ 316
(2) الموافقات 3/ 332
(3) البخاري وأبو داود والنسائي (جامع الأصول 4/ 6).
(2/59)

الأربعة الأخيرة، وإن كان السبب زائلاً، لأن الشرع أثبت الطواف على هذه الصفة. كما تقدم إيضاحه.
ومن هذا النوع عند بعض الفقهاء، ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحرم للحج من بيته بالمدينة، حتى أحرم من الميقات. فلا يدلُّ على أن الإحرام من الميقات أفضل، فهو أقل عملاً. وقد روي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم: "إتمام الحج أن تحرم به من دويرة أهلك" (1).
والراجج أنه إنما ترك الإحرام من المنزل خشية المشقة.
والمسألة خلافية (2).
ومن هذا النوع عندي أيضاً: تركه - صلى الله عليه وسلم - أن يغطي ركبتيه عندما جلس ودلّى رجليه في الماء (3). وذلك لما يلحق الأمة من التضييق إذا ألزموا بتغطية الفخذين حتى في حال ملابسة المياه وخوضها. ومن قال إن: "ذلك يدل على أن الفخذ ليست عورة" فليس إطلاقه هكذا مرضيّاً، بل هو في حال معينة اقتضت ذلك. بل الأولى أن يكون هذا الترك تخصيصاً لعموم الأدلة القاضية بأن "الفخذ عورة" (4).
النوع الرابع: ترك المطلوب خشية من حدوث مفسدة أعظم من بقائه. وهذا من السياسة الشرعية المقررة. ومثاله ما قاله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: "لولا قومك حديث عهدهم بكفر، لنقضْتُ الكعبة، فجعلت لها بابين، باب يدخل منه الناس وباب يخرجون" (5).
وفي رواية عند مسلم: "لولا أن قومك حديث عهدهم بجاهلية لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها إلى الأرض، ولأدخلت فيها الحجر".
وبوّب عليه البخاري: "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشدَّ منه". ولما زال ذلك السبب، واستقرّ الإسلام، نفّذ
__________
(1) تفسير القرطبي (2/ 365).
(2) راجع (سبل السلام) للصنعاني في المواقيت وتفسير القرطبي 2/ 366 وغيرهما.
(3) رواه البخاري 7/ 53
(4) حديث: "الفخذ عورة" علقه البخاري عن ثلاثة من الصحابة ورواه مالك وغيره (فتح الباري ط الحلبي 2/ 24).
(5) البخاري 1/ 224
(2/60)

ابن الزبير في خلافته ما تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - من البنيان، ولما جاء الحجاج أعادها إلى ما كانت عليه.
ومثال آخر: تركه - صلى الله عليه وسلم - قتل المنافقين مع عظم فسادهم، وقولهم كلمة الكفر، وإرجافهم، "خشية أن يقول الناس: "أن محمداً يقتل أصحابه". إذ هم في الظاهر مؤمنون، فيكون قتلهم صادّاً للناس عن الدخول في الإسلام.
النوع الخامس: الترك على سبيل العقوبة، كتركه الصلاة على المَدِين (1) وقد نسخ هذا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ".
و"لم يصل على ماعز بن مالك ولم ينه عن الصلاة عليه" (2).
وفي حديث أبي هريرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يؤتى بالرجل المتوفى، عليه الدين، فإن حُدِّث أنه ترك وفاءً صلّى عليه، وإلاّ قال للمسلمين: صلّوا على صاحبكم. فلما فتح الله على رسوله كان يصلّي ولا يسأل عن الدين" (3).
النوع السادس: الترك لمانع شرعيّ: ومثاله قصة نومه - صلى الله عليه وسلم - ومن معه عن صلاة الفجر. فما استيقظوا إلاّ بعد طلوع الشمس، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (4). ومع هذا لم يبادر إلى الصلاة، بل اقتادوا رواحلهم حتى خرجوا من الوادي، وصلّوا.
فيحتمل أن الترك كان لكون الشمس في أول طلوعها وذلك مانع من فعل الصلاة. ويحتمل أن يكون لأن الواديَ به شيطان.
فعلى هذين الاحتمالين تجب المبادرة إلى الصلاة إن لم يكن مانع.
أما إن قدرنا أن التأخير لم يكن لشيء من ذلك، فالحديث يدل على جواز التأخير مطلقاً (5)، في حدود عدم المبالغة في التأخير.
__________
(1) رواه البخاري. الفتح 4/ 474
(2) رواه أبو داود والنسائي (جامع الأصول 7/ 159).
(3) متفق عليه (جامع الأصول 7/ 159)
(4) متفق عليه (الفتح الكبير).
(5) ابن دقيق العيد: شرح العمدة 1/ 275
(2/61)

المبحث الرّابع نقل الترك
الذي يعرف به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك الفعل أمران.
الأول: ذكر الصحابي ذلك، وهو الأكثر، بقوله: ترك - صلى الله عليه وسلم - كذا، أو: لم يفعل كذا. ومن أمثلته ما تقدم في شهداء أحد: "لم يغسلوا ولم يصلِّ عليهم". وقول ابن عباس في صلاة العيد: "لم يكن يؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى" (1). وقول جابر: "صلّى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العيد بلا أذان ولا إقامة". وقول أنس: "قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهراً يدعو على أحياءٍ من أحياء العرب، ثمّ تركه" (2). وقول عمر بن الخطاب في شأن تعيين الخليفة من بعده: "إن أترككم فقد ترككم من هو خير مني" (3). يعني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف عليهم أحداً. وقول أنس بن مالك: "صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم" (4).
وفي هذه المسألة بحث، وهو أن الفعل أمر وجوديّ، والناقل له يخبر عما شاهده. فقلما يقع فيه الخطأ من هذه الجهة. أما نقل الترك فهو نفي للفعل. ونفي الفعل صيغة تعمّ، فيحتاج أن يكون الناقل قد اطّلع على أحواله - صلى الله عليه وسلم - كلها، حتى يصح له النفي جزماً، وقد ينفي بناء على ما اطّلع عليه من غالب أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون النفي على سبيل غلبة الظن، وهذا هو الأغلب في نقل الترك.
فأما النوع الأول، وهو النفي القاطع، فمثل ما قالت عائشة: "ما اعتمر
__________
(1) متفق عليه (جامع الأصول 7/ 87).
(2) مسلم وأحمد والنسائي (نيل الأوطار 2/ 359).
(3) مسلم 12/ 205 والبخاري.
(4) متفق عليه (جامع الأصول 6/ 220).
(2/62)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رجب قط". فهذا على سبيل الجزم، فإن اعتمار النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر لا يخفى، وعُمرُهُ التي فعلها محصورة.
وأما النوع الثاني، فمثل ما قالت عائشة أيضاً: "ما بالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائماً منذ أنزل عليه القرآن" (1). وقالت: "من حدثكم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بال قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً" (2). فإنها لم تشاهده في كل أحواله.
ومن هنا إذا تعارض نقل الترك مع نقل الفعل، فإن كان نقل الترك من النوع الأول، لم يترجّح أحدهما على الآخر من هذا الوجه. وينبغي الترجيح بوجه آخر، وقد يقدم نقل الترك. وقد قدموا نقل عائشة للترك على نقل ابن عمر للفعل، في قضية عمرة رجب.
وأما النوع الثاني من نقل الترك، وهو المنقول على غلبة الظنّ. فإنه إذا تعارض مع نقل الفعل يقدم نقل الفعل. لأن ناقل الفعل جازم وناقل الترك يتكلم على غلبة الظن (3). ومن هنا قدموا رواية حذيفة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى سباطة قوم فبال قائماً" (4) على رواية عائشة التي تنفي ذلك، كما تقدم.
الثاني: قال ابن القيم: "عدم نقلهم لما لو فعله لتوفّرت هممهم ودواعيهم على نقله، (هو نقل لتركه)، فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة، ولا حدّث به، علم أنه لم يكن" (5). اه. وجعل ابن القيم منه: ترك التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة. وترك رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الركعة الثانية، وقوله كل يوم: اللهم اهدني في من هديت ... ويقول المأمومون خلفه بصوت مرتفع: "آمين".
__________
(1) أبو عوانة في صحيحه (فتح الباري 1/ 328).
(2) رواه الخمسة إلا أبا داود (نيل الأوطار 1/ 101).
(3) قاعدة (تقديم المثبت على النافي) قال بها جمهور الفقهاء على ما نقله إمام الحرمين (انظر: إرشاد الفحول ص 279) والغزالي يقول في المستصفى: (2/ 129) هما سواء. والأول أصح بالقيد الذي ذكرناه.
(4) البخاري (الفتح 1/ 328).
(5) إعلام الموقعين 2/ 370
(2/63)

قال: "ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه أحد".
وقد قال بهذه النظرية أيضاً: ابن دقيق العيد. فقد ذكر حديث أبي هريرة في سجود السهو، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سجد للسهو ثم سلّم". قال ابن دقيق العيد: "لم يذكر التشهّد بعد سجود السهو. وفيه خلاف عند أصحاب مالك في السجود الذي بعد السلام. وقد يستدل بتركه في الحديث على عدمه في الحكم، كما فعلوا في مثله كثيراً، من حيث إنه لو كان لذكر ظاهراً" (1).
وذهب إلى ذلك ابن رشد أيضاً. فقد نقل إنكار مالك لشرعية سجود الشكر، بأنه لم يسمع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله. ثم قال ابن رشد:
"استدلاله على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان لنقل، استدلال صحيح، إذ لا يصحّ أن تتوفر دواعي المسلمين على ترك نقل شريعة من شرائع الدين، وقد أمروا بالتبليغ" (2).
قال: "وهذا أصل من الأصول، وعليه يأتي إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع وجوب الزكاة فيها بعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فيما سقت السماء والعيون، والبعل، العشر، وفي ما سقي بالنضح نصف العشر". لأنا نزّلنا ترك نقل أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الزكاة منها كالسنة القائمة، في أن لا زكاة فيها، فكذلك يُنزَّل ترك نقل السجود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشكر كالسنّة القائمة في أن لا سجود فيه". اه.
والحاصل أنّ من نقلنا عنهم -ابن القيم، وابن دقيق العيد، وابن رشد- وغيرهم كالشاطبي، يثبتون هذه القاعدة، وهي أن (ترك النقل هو نقل للترك) بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - لو فعل الفعل الشرعي لتوفّرت هممهم ودواعيهم على نقله، لأنهم أُمروا بالتبليغ.
لقد ذكر ابن القيم اعتراض من اعترض على هذا التلازم بقوله:
"إن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ " (3).
__________
(1) الإحكام 1/ 260
(2) الموافقات للشاطبي 2/ 413
(3) إعلام الموقعين 2/ 227
(2/64)

قال: "فهذا سؤال بعيد جداً عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صحّ هذا السؤال وقُبِل، لاستَحَبَّ لنا مستحب الأذان للتروايح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحبَّ لنا مستحبٌّ آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل ...... وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ ومن هذا تركه أخذ الزكاة من الخضراوات والمباطخ، وهم يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة فلا يطالبهم بالزكاة، ولا هم يؤدونها إليه".
ونحن نرى أن هذه مسألة مهمة، فإن إثبات هذه القاعدة على إطلاقها، يقتضي أن كل ما لم ينقل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - له، فقد تركه، ويكون ذلك حينئذٍ بمنزلة النص على حكمه، وذلك يقتضي منع إجراء العموم على وجهه ليشمل ما لم يرد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله، وكذلك يقتضي منع القياس في ذلك أيضاً. ومقتضى هذا ألا يعمل بعموم قرآن أو حديث حتى ينقل لنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله.
ونحن سنناقش هذه القاعدة الأصولية من خلال تتبعنا لخلاف العلماء في هذا الفرع الفقهي، وهو أصناف الخارج من الأرض التي تؤخذ منها الزكاة. وإنما اخترنا هذا الفرع، لأن كل الذين أثبتوا هذه القاعدة، ممن تقدّم ذكرهم، مثلوا به.
وقد استقرأنا الأحاديث الفعليّة في قضية المعشرات من الخارج من الأرض، فوجدنا أن أصناف الخارج من الأرض التي نقل إلينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الزكاة منها أربعة أصناف لا غير، وهي التمر، والزبيب، والشعير، والقمح. ولم ينقل عنه أنه أخذ الزكاة مما سوى هذه الأصناف. ولا نصّ على شيء غيرها في حديث قوليّ.
واستقرأنا مذاهب الفقهاء (1) فوجدناهما كما يلي:
1 - منهم من يقتصر على هذه الأصناف ما عدا الزبيب. ومن هؤلاء أحمد في رواية وجميع الظاهرية ما عدا ابن حزم.
__________
(1) ابن حزم: المحلى 5/ 210 وما بعدها. ابن قدامة: المغني 2/ 690 وما بعدها.
(2/65)

2 - ومنهم من يجعل الزكاة في كل ما خرج من الأرض، دون استثناء، وهو قول ابن حزم.
3 - وأبو حنيفة يرى وجوب الزكاة في كل خارج من الأرض قصد به النماء، فتجب في كل الحبوب والثمار والنوار حتى الورد والسوسن والنرجس، ما عدا ثلاثة أشياء: الحطب، والقصب، والحشيش. وصاحباه استثنيا أيضاً الخضر والفواكه.
4 - وقول الشافعي: كل ما عمل منه خبز أو عصيدة ففيه الزكاة، وما لم يؤكل إلاّ تفكهاً فلا زكاة فيه.
5 - وقول مالك: أن الزكاة تجب في القمح والشعير والسلت وسائر ما يقتات من الحبوب ولا تؤخذ من الثمار إلا من التمر والزبيب.
6 - وعن أحمد: أنها تجب في كل خارج من الأرض ييبس، ويبقى، ويكال. ولا زكاة عنده في سائر الفواكه ولا في الخضر.
وقد رجّح الباحث الفاضل الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه القيم (فقه الزكاة) (1) قول أبي حنيفة وأخذ بالعمومات القرآنية وعمومات الأحاديث القولية.
فلو كان ترك النقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نقلاً للترك لصحّ قول الظاهرية ولكان الواجب الأخذ به، وانتفت الزكاة في ما عدا الأصناف الأربعة، لكونها لم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الزكاة منها.
لكن الجمهور أخذوا بالعموم.
فأبو حنيفة أخذ بعموم: الآيات وعموم "في ما سقت السماء العشر".
والثلاثة عمّموا الحكم بالقياس على المنصوص.
قال ابن قدامة: تجب الزكاة في ما جمع (الكيل، والبقاء، واليبس) من الحبوب والثمار مما ينبته الآدميون، سواء أكان قوتاً أو من القطنيات. ولا تجب في سائر الفواكه ولا في الخضر، لأنه لا نصّ فيها ولا إجماع، ولا هي في معنى المنصوص عليه، فتبقى على الأصل.
__________
(1) 1/ 358
(2/66)

فقد جعل المانع من إيجاب الزكاة في الخضار والفواكه بقاءها على الأصل. وهو شيء آخر غير إدعاء أن ترك النقل نقل للترك.
فنرى أن جمهرة الفقهاء لم يأخذوا بهذه القاعدة في هذه المسألة. وأن المعتمد إما البقاء على الأصل، وإما الخروج عنه بدلالة.
وأما ما قاله ابن القيم من أنه يلزم من عدم القول بهذه القاعدة جواز البدع وفتح بابها، فهو مردود، لأننا إذا ثبتنا على الأصل حتى ينقلنا عنه ناقل صحيح لم يلزم ما قال. فإنّ ما مثّل به لم يرد فيه عموم قولي.
والذي نؤكّده أن النصّ التشريعي إذا كان عاماً فينبغي حمله على عمومه، ما لم يخصَّص بمخصص صحيح، ولا يكفي في التخصيص أن ينقل أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل بعض أفراد ذلك العموم، بدعوى أن ترك النقل نقل للترك في ما سوى ذلك الذي نقل إلينا من فعله.
أما لو نقل أنه ترك بعض أفراد العموم فذلك صالح للتخصيص بلا شك. ولو كان ترك النقل نقلاً للترك لكان القائلون بإيجاب الزكاة في سائر ما يقتات ويدّخر، عاملين على خلاف (المنقول) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وذلك قول مردود على مدّعيه. وقد وجدنا ابن العربي المالكي ذهب إلى هذا الذي قلناه، فقد قال في كتابه أحكام القرآن (1) عند قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} ما يلي:
"فإن قيل: فلم لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخذ الزكاة من خضر المدينة ولا خيبر؟.
قلنا كذلك قال علماؤنا، وتحقيقه أنه عدم دليل، لا وجود دليل.
فإن قيل: لو أخذها لنقل.
قلنا: وأيُّ حاجة إلى نقله والقرآن يكفي فيه؟ ". اه.
فقوله: (والقرآن يكفي فيه) هو ما قلنا من إعمال عموم القرآن. ولا يتوقف على ما نقل الأخذ منه فعلاً.
__________
(1) أحكام القرآن، ط عيسى الحلبي 2/ 752
(2/67)

وأما ما قاله ابن رشد من حمله كلام مالك على مقتضى هذه القاعدة، فغير مسلّم. فإنّ مالكاً قال: "قد فتح الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى المسلمين بعده، أفسمعت أن أحداً منهم فعل ذلك؟ -يعني سجود الشكر- إذا جاءك مثل هذا مما قد كان للناس، وجرى على أيديهم، لا يسمع عنهم فيه شيء، فعليك بذلك، لأنه لو كان لذكر، لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم فهل سمعت أن أحداً منهم سجد؟ " (1).
فقوله: (لو كان لذكر) فلعله إنما يعني: لذكر قولًا أو فعلاً. إذ لو لم يذكر أصلًا لكان شيئاً من الدين قد ذهب وضاع. فلما لم يرد فيه نصّ قوليّ ولا فعليّ، ولا قياس نصّ، فلا يجوز إثباته بمجرد الهوى، لأن العبادات توقيفية. فليس قول مالك منصّباً على ما وردت فيه عمومات قولية، أو ما يمكن أخذ حكمه بطريق القياس أو غيره. وشبيه بقول مالك في هذا، ما قاله الشافعي في الخارج من غير السبيلين: "إنه ليس من الأحداث، لأن الأحداث مستقصاة في الكتاب والسنة، فلو كان من قبيل الأحداث لذكر في الكتاب أو السنة" (2) والله تعالى أعلى وأعلم.
والذي نراه في قضية ترك النقل، انقسامها إلى أقسام:
الأول: أن يدل على المتروك نقله نصّاً يأمر بالفعل من الكتاب أو السنة، أو يدل على حكمه الإجماع أو القياس. فلا يكون ترك النقل نقلًا للترك. وإن قلنا هو نقل للترك، فينبغي جعله مرجوحاً، وتقدم عليه الأدلة الأربعة المعارضة له.
الثاني: أن يكون المتروك نقله باقياً على حكم الأصل، والأصل عدم المشروعية في العبادة، فترك النقل يؤكّد الأصل ويثبّته.
الثالث: أن يروي الصحابي تفاصيل حادثةً وقعت، مما يتعلق به شرع، ويذكر ذلك على سبيل الاستقصاء، فيظهر أنه لم يغادر من تفاصيلها الرئيسية شيئاً.
__________
(1) الموافقات 2/ 410 وليس المراد هنا بيان حكم سجود الشكر، وإنما المراد القاعدة الأصولية، أما سجود الشكر فهو ثابت بأدلة فعليه. راجع لذلك (أعلام الموقعين) لابن القيم، وغيره.
(2) نقله السمعاني (البحر المحيط 2/ 259 أ).
(2/68)

ومثّل له السمعاني بنقل قصة رجم ماعز، فقد نقلها الراوي من أولها إلى آخرها، ولم ينقل أنه جَلَدَه، والجَلْد له وزنه في الخبر لو أنه وقع. فترك ذكره دليل على ترك فعله، إذ لو كان لذكر.
قال: وقد يردّ المعترض بأن الجَلّد مع الرجم لا يُتّشَوَّف إلى نقله مع نقل الرجم، فإنه غير محتفَل به. يعني لحقارة شأنه بالإضافة إلى الرجم.
وهذا الردّ اعتراف بصحة القاعدة، وليس إبطالاً لها، وإنما الخلاف في المثال.
ومن هذا النوع عندي ما استدلّ به ابن تيمية من عدم زيارته - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع لموضع تحنثه في الجاهلية في غار حراء، ولا لغار ثور، لأنه لو فعله لكان ظاهراً، ولرافقوه إليه ونقلوا إلينا ذلك. وكذلك ما استدلَّ به الفقهاء من تركه - صلى الله عليه وسلم - لتكرار العمرة قبل خروجه إلى عرفات، وبعد أيام التشريق، وفي عمرة القضاء.
الرابع: أن ينقل الراوي الواقعة، ويسكت عن تفصيلٍ يجعل الصورة نادرة، فسكوته يكون حجة على عدم ذلك التفصيل (1). ومثاله ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - أقاد مسلماً بكافر، وقال: "أنا أحقّ من وفى ذمته" (2)، قال المانعون لقتل المسلم بالكافر: لعلّ قاتلاً قتل كافراً ثم أسلم القاتل، فهذا نادر، وتتشوّف الطباع لنقله، فسكوت الراوي عنه يدل على أنه لم يكن.
وبهذا يتبيّن أن ترك النقل لتفصيل معتادٍ غير نادر، أو ضعيف الأهمية، أو موافق للنصوص المعلومة، لا يدل على نفي وقوعه. ولا أثر لترك نقله في الأحكام. والله أعلم.
__________
(1) السمعاني (البحر المحيط 2/ 259 أ).
(2) الحديث نقل في بدائع الصنائع (7/ 237) أن محمد بن الحسن رواه بإسناده.
(2/69)

الفَصل الخامس السُّكوت
مرادنا بالسكوت في هذا الفصل الكفّ عن القول.
فإن لم يكن هناك ما يستدعي القول، فإن السكوت لا دلالة له، لأن ترك القول هو الغالب على حال البشر.
أما إن كان هناك ما يستدعيه، ثم سكت، فإنه قد يدل على حكم.
ثم إن كان الذي يستدعي القول فعلاً حدث أمام النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو قولاً قيل أمامه، فسكت عن الإنكار عليه، فذلك هو التقرير. وسيأتي ذكره في الفصل الذي بعد هذا إن شاء الله.
وإن كان الذي يستدعيه حادثة وقعت تستدعي بيان حكم، أو سؤالاً يتطلب جواباً منه - صلى الله عليه وسلم -، فسكت عن الجواب، فلسكوته دلالة. وهذا النوع من السكوت هو المراد في هذا الفصل.
ويقول عبد الجبار الهمداني: "إن سكوته - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على أن لا حكم، إلا عند المسألة والطلب، لأنه على حكم الابتداء" (1).

أنواع السكوت:
السكوت من النبي - صلى الله عليه وسلم - على قسمين:
الأول: أن يسكت لعدم وجود حكم شرعي في المسألة.
__________
(1) المغني 17/ 274
(2/71)

والثاني: أن يسكت مع وجود الحكم في المسألة. ولكن يمنعه من الإجابة مانع.
لنعقد لكل من القسمين مطلباً.

المطلب الأول السكوت لعدم وجود حكم في المسألة
كان - صلى الله عليه وسلم - إذا سئل عن حادثة ليس فيها حكم، يسكت منتظراً للوحي. أما إن كان فيها حكم، ولم يمنع من الجواب مانع، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - مأموراً بالجواب. لقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لِتُبَيِّن للناس ما نزّل إليهم} (1) فلو سكت لم يكن مبيّناً.
ومن هنا، فإذا سكت، مع عدم وجود المانع، علم أنه ليس في المسألة حكم (2). ثم إذا لم يأت بيان بعد ذلك بقي أمر تلك الحادثة على حكم الأصل.
وقد مثل لذلك القاضي عبد الجبار (3) بأنه - صلى الله عليه وسلم - لو سئل عن قول القائل لزوجته: أنتِ ألبتة، وحبلكِ على غاربكِ، إلى غير ذلك من الكنايات، والحادثة واقعة، فسكت، من غير تنبيه، لوجب أن يدل ذلك على أن الكنايات لا تؤثر كتأثير الطلاق الصريح.
فمّما ورد في السنة من هذا النوع من السكوت، ما روى جابر: "أن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله، إن سعداً هلك، وترك بنتين وأخاه، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن. فلم يجبها في مجلسها ذلك. ثم جاءته فقالت: يا رسول الله، ابنتا سعد؟ فقال ادع [هكذا بالأصل] لي أخاه، فجاء، فقال له: ادفع إلى ابنتيه الثلثين، وإلى امرأته الثمن، ولك ما بقي" (4). وفي رواية الترمذي: فنزلت آية المواريث.
__________
(1) سورة النحل: آية 44
(2) القرافي: شرح تنقيح الفصول ص 122. الزركشي: البحر المحيط 2/ 181 ب.
(3) المغني: 2/ 274
(4) رواه أبو داود وهذا لفظه والترمذي وابن ماجه (تفسير القرطبي 5/ 57).
(2/72)

ومنه أيضاً ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: "أن مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسارى بمكة. وكانت بمكة بغيّ يقال لها عَنَاق، وكانت صديقته. قال: فجئت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول الله، أنكِحُ عناق؟ قال: فسكت عني، فنزلت {والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك} فدعاني فقرأها عليّ، وقال: لا تنكحها" (1).

السكوت عن بعض الأحكام مع بيان بعض آخر:
قد يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حكم واقعة، أو تحدث الواقعة أمامه، فيبيّن لها حكماً أو أحكاماً، ثم لا يذكر حكماً آخر، فهل يدل سكوته عنه على انتفائه؟.
إن الأمر في هذا ينقسم قسمين:
القسم الأول: أن يكون المسكوت عنه قد تبيّن حكمه بدليل صحيح. وفي تلك الحال لا يكون سكوت عما سكت عنه حجة على انتفائه، بل يكون إحالة منه - صلى الله عليه وسلم - على الدليل. قال السمعاني: "يشترط أن يكون المسكوت عنه لم تشمله أدلة الشرع، فلو كان ذكر فيها، كما لو أُتي بزانٍ فأمر بالجلد ولم يذكر المهر والعدة ونحوه، فذاك مما لا يحتج به، لأن ذلك يحال به على البيان في غير [ال] موضع".
القسم الثاني: أن يكون مما يتوهّم ثبوته، أو يتردّد فيه، لتعارض الأدلة. فينبغي أن يكون السكوت عنه دليل انتفائه.
ولنضرب لهذه المسألة مثالين:
المثال الأول: ما في حديث يعلى بن أمية: "أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجعرانة: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة، في جبة، بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ساعة، ثم سكت. فجاءه الوحي .. فقال: أين السائل عن العمرة؟ أما الطيب الذي بك فاغسله، وأما الجبة فانزعها، وما كنت صانعاً في
__________
(1) رواه أبو داود وهذا لفظه والترمذي (تفسير القرطبي 10/ 168).
(2/73)

حجك فاصنعه في عمرتك" (1). فقد أمره بنزع الطيب واللباس، لكنه - صلى الله عليه وسلم - سكت عن أمره بالفدية لما مضى قبل السؤال من استعماله بعض محظورات الإحرام، وهو الطيب واللباس، وكان المظنون أن يأمره بذلك، قياساً على حلق الشعر الذي تجب فيه الفدية بالنصّ القرآني. ولو كان عالماً لوجبت عليه الفدية. فقد يدل ذلك على سقوط الفدية عمن لبس أو تطيب جاهلاً بالتحريم.
المثال الثاني: ما في حديث أبي هريرة في قصة الأنصاري الذي وطئ في نهار رمضان فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتكفير، وسكت عن بيان حكم المرأة. فاستدل بذلك بعض الفقهاء على أن المرأة لا يجب عليها لذلك كفارة.
وقد قال السمعاني: "مجرّد السكوت لا يدل عندنا على سقوط ما عدا المذكور، كما يدل عند من يذهب إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة. وإنما هو بحسب الحال، وقيام الدليل عليه.
ثم قال: ومراتب الاستدلال بالسكوت -يعني عند من استدل به- تختلف، فأقوى ما تكون دلالة السكوت على سقوط ما عدا المذكور، إذا كان صاحب الحادثة -يعني المستفتي- جاهلاً بأصل الحكم في الشيء، ولم يكن من أهل الاستدلال" (2). اه.
وجعل السمعاني من ذلك المثال الأول. فإن ذاك الأعرابيّ الذي يجهل أنّ لبس الجبة واستعمال الطيب، على المحرم، حرام، لحري أن يكون جاهلاً بحكم الفدية لو كان عليه فدية، فإن من جهل تحريم اللبس فهو بالفدية أجهل. فلما لم يذكرها - صلى الله عليه وسلم - له، دلّ على أنه لا فدية عليه أصلاً.
وقد عهد من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه إن عرف من حال السائل أنه يجهل بعض الأحكام التي يحتاج إليها أنه يذكرها له وإن لم يسأل عنها. فمن ذلك أن قوماً سألوه: "أنتوضأ بماء البحر؟ " فقال: "البحر هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" فأفادهم
__________
(1) مسلم 8/ 78
(2) البحر المحيط للزركشي 2/ 259 أ.
(2/74)

حكماً لم يسألوا عنه، وهو حكم الميتة، لما أن جهلهم جواز الطهارة بمائه يدل بالأولى على جهلهم إباحة ميتته، وهم يحتاجون إلى معرفة ذلك.
فإن كان السائل ممن له حظ من العلم، وكان له بصر بالأدلة والأحكام، فيمكن أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - سكت عما سكت عنه، لا لانتفائه، وإنما تركه ثقة بفهم السائل، فهو يجيبه عما يخفى عليه، ويترك إجابته عما يثق بفهمه له. وعلى هذا يحمل سكوته عن ذكر الكفارة في شأن امرأة الأنصاري الذي وطئ في نهار رمضان. فإن كونه من الأنصار، يقتضي حرصه على تعلّم الدين، ولا يخفى عليه أن أحكام الرجال والنساء سواء في ما يتعلق بالمفطرات.
وقد ذهب الأكثرون إلى أن الكفارة تجب في هذه المسألة على المرأة كما تجب على الرجل، فهو قول مالك وأبي حنيفة ورواية عن أحمد. والرواية الأخرى عنه أنه لا كفارة على المرأة. قال ابن قدامة: "ووجه ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر المرأة بذلك مع علمه بوقوعه منها" (1).
أما في مسألة من لَبِس ما يحرم عليه في إحرامه جاهلاً، فقد ذهب عطاء والثوري وإسحاق وابن المنذر إلى أنه لا فدية عليه. وهو المشهور في مذهب أحمد.
وذهب مالك والليث والثوري وأبو حنيفة إلى أن عليه الفدية بكل حال (2).

المطلب الثاني السكوت لمانع
قدمنا في المطلب السابق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يسكت عن الإجابة عن الحكم الشرعي في المسألة لعدم وجود ذلك الحكم. فأما إن كان الحكم ثابتاً فالأصل أن يجيب عن السؤال، لأن ذلك من البيان الذي أرسل به.
__________
(1) القواطع ق 86 أ، وقد فرق إلكيا الطبري أيضاً بين الحالتين اللتين نقلناهما عن السمعاني ونقله عن الطبري أبو شامة (المحقق ق 43 أ) وأقره. ونقله الزركشي في البحر (2/ 359) وأقرّه كذلك.
(2) المغني 3/ 133
(2/75)

وقد يمنع من الإجابة مانع.
والموانع مختلفة (1).
1 - منها: أن يقف عن الجواب لمهلة النظر. فقد كان له حق الاجتهاد في القضايا والنوازل، كما تقدم اختياره وإثباته، في موضعه. والمجتهد يحتاج أحياناً إلى وقت للنظر والتدبر.
2 - ومنها: أن يكون السائل قد سأل عما لم يقع. فيترك جوابه لعدم الحاجة إلى البيان حينئذٍ، ولإشعار السائل بتكلّفه وتعمّقه، وفي ذلك من الكراهة ما فيه.
3 - ومنها: أن يخاف غائلة الفتوى، من ترتب شرٍّ أعظم من الإمساك عنها، فيترك الجواب ترجيحاً لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. ويمكن أن يحتجّ لهذا النوع، بتركه - صلى الله عليه وسلم - الأمر بنقض الكعبة لحداث عهد قومه بالكفر.
4 - ومنها: أن يكون عقل السائل، أو عقل بعض السامعين، لا يحتمل الجواب، فيسكت عن جوابه لئلا يكون الجواب فتنة له. قال البخاري: "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشد منه". ثم روى حديث عائشة في تركه - صلى الله عليه وسلم - نقض الكعبة.
ولعلّ من هذا ما ورد عن ابن عباس: "أن رجلاً أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني أرى الليلة في المنام ظُلّةً تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم، فالمستكثر والمستقلّ. وأرى سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر بعدك فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل له فعلاً. قال أبو بكر: "يا رسول الله بأبي أنت والله لتَدَعَنِّي فَلأعْبُرَنّها". قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اعبرها". فعبرها أبو بكر، ثم قال: "أخبرني يا رسول الله، بأبي أنتَ، أصبتُ أم أخطأتُ؟ "، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً"، قال: "فوالله يا رسول الله لتحدثَنِّي ما الذي أخطأت؟ "، قال: "لا تقسم" (2).
__________
(1) ذكر ابن القيم (إعلام الموقعين 4/ 157) جملة منها وذكر من ذلك الشاطبي في الموافقات 1/ 47 و4/ 313، 319 أشياء.
(2) مسلم 17/ 93 ورواه البخاري.
(2/76)

ووجه كونه من هذا الباب أنه لو حدَّث الحاضرين بما يكون من شأن عثمان رضي الله عنه، وهو الرجل الثالث في الرؤيا، لربما كان لبعض السامعين فتنة، وحصل من ذلك مفسدة. قال ابن حجر في الفتح قال النووي: "لعل المفسدة في ذل ما علمه من سبب انقطاع السبب بعثمان، وهو قتله وتلك الحروب والفتن المرتبة عليه، فكره ذكرها خوف شيوعها" (1).
5 - ومنها: أن يترك الكلام أصلاً مع شخص ما، عقوبةً له على فعلٍ فعَله. فقد نهى عن كلام الثلاثة الذين خُلّفوا، حتى قال أحدهم، وهو كعب بن مالك: "كنت أشَبَّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه يردّ السلام؟ " (2).
6 - ومنها: أن يعدل في الجواب إلى ما هو أنفع للسائل مما سأل عنه.
ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: {يسئلونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للناس والحج} (3) سألوا ما بال الهلال يبدو صغيراً ثم يكبر تم يعود كما كان فأجيبوا ببيان المصلحة في ذلك.
7 - ومنها: أن يسأله السائل عمّا ليس من شأن النبوة والرسالة، فيترك جوابه إشعاراً له بما ينبغي له أن يسأل عنه. ويمكن حمل سكوته عن الإجابة عن سؤالهم على هذا الوجه، فإن تعليم الفلَك ليس من شأن الرسالة.
8 - ومنها: أن يكون السائل متلبّسا بمعصية ظاهرة هي أكبر من التي يسأل عنها وأهم منها. فمن ذلك أن يكون السائل كافراً معانداً، أو منافقاً فاجراً. وقد قال الله تعالى لنبيه: {فأعرض عمّن تولّى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا} (4).
9 - ومنها: سكوته على سبيل الإنكار للسؤال نفسه، لأنه مما لا ينبغي. فالله
__________
(1) المغني 3/ 501
(2) مسلم 15/ 28 والبخاري 12/ 431
(3) سورة البقرة: آية 189
(4) سورة النجم: آية 29
(2/77)

تعالى قد نهى عن السؤال عن الأمور التي عفا عنها، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها} (1) ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كثرة السؤال.
ومن هذا النوع من السكوت سكوته - صلى الله عليه وسلم - عن الأقرع بن حابس، فقد تلا عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قول الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت ... } الآية، فقام الأقرع فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، حتى سأله ثلاثاً. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم".
10 - ويكون السكوت أحياناً جواباً. فمن استأذن في فعل شيء، فسكت عن الإذن له، دلّ على عدم الإذن. ومن ذلك ما روى أبو هريرة، قال: "قلت يا رسول الله إني رجل شابّ، وأنا أخاف على نفسي العَنَت، ولا أجد ما أتزوج به النساء" (2). زاد في رواية (3) فأذْن لي أن أختصي- فسكت عني. ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني. ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني. ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا هريرة، جفّ القلم بما أنت لاقٍ، فاختصِ على ذلك أو ذرْ".
قال ابن حجر: فيه (من الزوائد) جواز السكوت عن الجواب لمن يُظَنّ أنه يفهم المراد من مجرد السكوت.

المطلب الثالث ترك الحكم في حادثة هل يوجب ترك الحكم في نظيرها؟
إذا ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الحكم في حادثة، فهل لنا أن نحكم في نظيرها؟. نقل الزركشي (4) عن بعض المتكلمين أن تركه - صلى الله عليه وسلم - يوجب علينا ترك الحكم في نظيرها. وقالوا: هذا كرجل شجّ رجلاً شجة، فلم يحكم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحكم، فيعلم بتركه لذلك أن لا حكم لهذه الشجّة في الشريعة.
__________
(1) سورة المائدة 101
(2) صحيح البخاري 9/ 120
(3) هي رواية المحاملي. ذكرها ابن حجر في الشرح.
(4) البحر المحيط 2/ 260 أ.
(2/78)

وقال بعضهم: يحتمل التوقف.
وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: "يجوز لنا أن نحكم في نظيرها".
وقد بيّن ابن عقيل (1) وجه تجويز القاضي لذلك، وحاصله أنه - صلى الله عليه وسلم - ربما يكون قد سكت محيلاً لنا على بيان آخر، بأن يكون قد حكم في مسألة أخرى مشابهة، ويكون سكوته من تفويضه إلى الحاضرين استخراج الحكم بالاجتهاد.
ووافق ابن عقيل على ذلك في حالة واحدة، هي عنده جائزة، وهي أن يكون له - صلى الله عليه وسلم - حكم في نظيرها يصحّ استخراجه من معنى نطقه. واشترط أن يكون ذلك قياساً جلياً "في قوة ألفاظ النصوص".
فإن لم يكن كذلك فلا وجه عنده لطلبنا الحكم مع إمساكه - صلى الله عليه وسلم - عنه.
واستدلّ بأن الحكم الذي نطلبه بالقياس أو غيره من الأدلة الاجتهادية لتلك الواقعة، إما أن يكون - صلى الله عليه وسلم - قد علمه، وتركه، وذلك ممتنع، لأنه من تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإما أن يكون غير عالم به. وذلك غير جائز، "إذ لو أراد الله بيانه لما طواه عن نبيه وأوقع الأمة عليه من غير طريقه"، فلا يبقى إلا أنه لا حكم في المسألة شرعيّاً، وذلك يمنع من طلب حكم شرعي لنظائر تلك الحادثة.
وعندي أن كلام القاضي أصوب. فقد ذكرنا قبل هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يترك الحكم في أمر من الأمور لمانع شرعي. وقد ذكرنا تلك الموانع. فإذا علمنا ذلك المانع، وعرفنا زواله، جاز أن نحكم فيه. ومثالها نقض الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم. تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - لحداثة عهدهم بالإسلام، فلمّا زال ذلك السبب، جاز أن يُفعل ذلك.
ومثاله أيضاً تركه الاستخلاف، وتركه تحديد قوم للشورى، لما حصل عنده من التنازع، فاستخلف أبو بكر عمر. وجعل عمر الأمر بعده في أهل الشورى.
وكذلك ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الحكم على المعترف بالزنا لأول مرة، والثانية، والثالثة. يقول الشافعية والمالكية: بأن الاعتراف بالزنا مرة واحدة موجب للحد.
__________
(1) المسودة لابن تيمية ص 345
(2/79)

وإنما أخذوا ذلك من أدلة أخرى غير تلك الواقعة. وحملوا ردّه - صلى الله عليه وسلم - لماعزٍ في المرة الأولى والثانية والثالثة على محامل مختلفة، ككونه لزيادة التثبّت. فلم يجعلوا تركه للحكم في تلك الواقعة مانعاً من الحكم في نظائرها من الوقائع (1).
وقال الحنفية والحنابلة: إن ردّه - صلى الله عليه وسلم - لماعز قبل الرابعة دليل أن الرابعة هي الموجبة، ولا حكم في ما قبلها. إذ لو كان فيها حكم لما جاز تركه.
أما إن حملنا كلام ابن عقيل في التناظر بين الواقعتين على ما يشمل التساوي في المانع من الحكم، بالإضافة إلى التساوي في أصل الحادثة، فإن كلامه يكون صواباً. وتطبيق هذا على المسائل الفرعية الثلاث التي ذكرناها واضح. وقد أمر مالك الخليفة المنصور بترك نقض الكعبة لئلا يتخذه الملوك لعبة. وذلك مانع مشابه للمانع الذي لأجله تركها النبي - صلى الله عليه وسلم - على حالها. والله أعلم.
والحاصل أن الوقائع التي يمكن أن يترك - صلى الله عليه وسلم - الحكم فيها أحياناً نوعان:
1 - ما سبق النص عليه، أو يمكن تبين حكمه بقياس جليّ.
2 - ما منع من الحكم فيه مانع يتضمن مفسدة أعظم من ترك بيان الحكم فيه. فإن لم يكن كذلك فإن ترك الحكم فيه ممتنع. ويمتنع علينا الحكم فيه.
وهذا كما هو بيّن، قيد في قياس العلة، فلا يجوز أن يكون فرع القياس مما كان حادثاً في زمنه - صلى الله عليه وسلم - وترك ذلك الحكم فيه. والله أعلم.

المطلب الرابع ترك الاستفصال عند الإفتاء ومدى دلالته على عموم الحكم
عبّر الشافعي عن هذه المسألة بقوله: "ترك الاستفصال، في مقام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال" (2). وهو أول من ذكر هذه القاعدة في ما نعلم.
__________
(1) انظر: نيل الأوطار 7/ 103 المغني لابن قدامة 8/ 192
(2) القرافي: الفروق 2/ 87 - 90، ابن اللحام الحنبلي: القواعد ص 234
(2/80)

وإيضاحها أن يقال: إذا سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حكم واقعة من الوقائع، وكانت الواقعة المسؤول عنها مما يحتمل أن تقع على صورتين فأكثر، فأجاب عنها دون استفصال عن الصورة الواقعة، فإن الحكم المذكور في الجواب النبويّ، يكون صادقاً على كلتا الصورتين. ولو أراد أن يكون حكمه صادقاً على إحداهما دون الأخرى وجب عليه إما أن يستفصل، ويحكم على المتحصّل بالاستفصال، وإما أن يقيد في كلامه فيقول: إن كان كذا فالحكم كذا.
وهذه قاعدة في الإفتاء معروفة، ومثالها أن يقول المستفتي في الميراث: رجل ترك زوجة وأماً وأباً. فينبغي للمفتي أن يسال: هل ترك ولداً أو ولد ابن؟ لأن الحكم يختلف في حال وجوده عن حال عدمه. وكذلك يسأل: هل ترك من الإخوة اثنين فأكثر؟ ولكن لا حاجة إلى أن يسأل: هل ترك عمّاً أو خالاً، إذ أن ذلك لا يؤثر في قسمة التركة.
ولإيضاح قاعدة التنزيل هذه بالمثال، نذكر حديث أم سلمة في المستحاضة: "أن امرأة كانت تهراق الدماءَ. فاستفتت أم سلمة لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفرْ بثوب، ثم لتصلّ" (1).
احتجّ به الحنفية على أن المستحاضة إن كان لها عادة معلومة فإنها تجلسها، وسواء أكان دمها متميّزاً أم لا، فلا اعتبار بالتمييز. ووجه إلغاء التمييز عندهم البناء على هذه القاعدة التي ذكرنا. فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفتاها بما ذكر في الحديث، ولم يستفصل منها، أمميزة هي أم لا، فدلّ ذلك أن الأمرين سواء، وأن المعتبر العادة. فنزلوا تركه - صلى الله عليه وسلم - للاستفصال منزلة العموم في القول، فكأنه قال: لتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، في حال تمييزها إن كانت مميّزة، وفي غير تلك الحال إن لم تكن عليها.
__________
(1) رواه مالك وأبو داود والنسائي. وانظر (جامع الأصول 8/ 335).
(2/81)

والشافعية والمالكية والحنابلة المخالفون للحنفية في هذا الفرع، احتجّوا بحديث عائشة في استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي" (1).
استدلوا به على أن المستحاضة إن كانت مميزة فالمعتبر التمييز، ولا اعتبار حينئذٍ بالعادة. واستدلالهم مبني على القاعدة المذكورة نفسها. ووجه بنائها عليها لا يخفى (2).
هذا ولما كان من المحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم بالواقعة -ربما من مصدر آخر غير سؤال السائل- على أي الوجهين وقعت، فقد أنكر بعض العلماء صحة هذه القاعدة، لأن استفصاله عن ذلك يكون لغواً لا فائدة فيه.
فبالنظر إلى هذا الاحتمال حرّر الأبياري (3) هذه القاعدة كما يلي:
أولاً: إن كان الاستفتاء عن أمر لم يقع أصلًا، وإنما يراد إيقاعه في المستقبل، فإن ترك الاستفصال ينزّل منزلة العموم، كما لو سألته امرأة غير مستحاضة عن الحكم لو استحيضت.
أقول: ومثله ما لو سئل عن المسألة بصفة عامة، كما لو قيل له: ما تقول في امرأة استحيضت ... إلخ.
ثانياً: أن يتبيّن لنا اطّلاعه - صلى الله عليه وسلم - على صفة الحال، ونعلم بطريق ما، أن الخبر كان قد وصله، فلا ريب أن تركه الاستفصال لا يدل على العموم، لأن الاستفصال لا داعي إليه.
ثالثاً: أن يثبت لنا، بطريق ما، أن القضية التي وقعت أفتى فيها - صلى الله عليه وسلم - وهي
__________
(1) رواه النسائي (جامع الأصول 8/ 227).
(2) انظر الخلاف في هذا الفرع في المغني لابن قدامة 1/ 311
(3) البحر المحيط للزركشي 2/ 53 أ.
(2/82)

مبهمة عنده، لا يعلم على أي الحالين وقعت، فينزل تركه الاستفصال منزلة العموم، كما هو واضح.
رابعاً: أن تكون الحادثة قد وقعت، والسؤال مطلق، ولم يثبّت أنه - صلى الله عليه وسلم - كان عالماً بالواقع، ولا ثبت أنه كان غير عالم به. فهذه الصورة هي المختلف فيها.
فاعتبار قيد الوقوع، يمنع القول بالتعميم، نظراً لاحتمال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عالماً بالواقعة، على أي وجه وقعت. وهذا هو المذهب الأول في المسألة.
واعتبار الإطلاق في السؤال، وأنه قد يكون من غرض المجيب التسوية بين الاحتمالات في الحكم، يقتضي القول بالتعميم، وهو المذهب الثاني.
والمذهب الثالث: التوقف، للتردد بين الاحتمالين المذكورين. وهو منسوب إلى الجويني (1).

رأينا في المسألة:
الذي نراه أن احتمال علمه - صلى الله عليه وسلم - من طريق آخر بالقضية، كيف وقعت، خلاف الأصل، إذ الأصل عدم العلم، والظاهر أن الجواب وارد على ما ذكر في السؤال فقط. فما أوردوه على القاعدة يمنع اليقين، ولكن لا يمنع الظهور. وهذا ما رجّحه ابن تيمية (2) والزركشي وغيرهم.
تنبيه: إنما قالوا: "ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم" ولم يجعلوه عموماً، لأن العموم عندهم من عوارض الألفاظ، وليس الترك لفظاً حتى يقال هو عام.
تنبيه آخر: ليس المراد بقيام الاحتمال، في القاعدة السابقة، الاحتمالات الضعيفة والمستبعدة الوقوع، إذ أنه قلما تخلو واقعة من احتمال يجيزه العقل، ومثاله في مسألة السؤال عن الميراث التي قدمنا ذكرها، احتمال أن تكون أم الميت حاملاً بتوأمين، فذلك أمر مستبعد، وليس على المفتي أن يهتمّ له، أو يعتني بالبحث عنه.
__________
(1) المسودة في أصول الفقه ص 109، البناني على جمع الجوامع 1/ 426
(2) نفس المصدر السابق.
(2/83)

فمثل هذه الاحتمالات، ليست مرادة بهذه المسألة، ولا يقال إن الحكم يعمها، ومثال ذلك من السنة أن أنصارياً وطئ زوجته في رمضان، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فأوجب عليه الكفارة. فجمهور الفقهاء جعلوا الكفارة على المتعمّد لذلك دون الناسي. قالوا وليس ترك الاستفصال هنا منزّلاً منزلة العموم في المقال "لأن حالة النسيان بالنسبة إلى الجماع، ومحاولة مقدماته، وطول زمانه، وعدم (اعتياده) في كل وقت، مما يبعد جريانه في حالة النسيان، فلا يحتاج إلى الاستفصال بناء على الظاهر" (1). وخالف في ذلك أحمد وبعض المالكية فقد تمسّكوا بالقاعدة حتى في هذه الحال (2)، فأوجبوا الكفارة على المجامع ناسياً صومه.
وبناء على ما تقدم ينبغي تحرير القاعدة كما يلي:
"ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستفصال، في وقائع الأحوال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال، إلا إذا تبيّن علمه بالحال، أو كان الاحتمال لندرته مما يعزب عن البال" والله أعلم.

فروع تنبني على هذه القاعدة:
الفرع الأول: من أسلم على أختين (3):
في الحديث عن فيروز قال: "أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أطلق إحداهما" (4).
ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن من أسلم ومعه أختان، وجب عليه أن يفارق واحدة منهما، ويمسكُ من اختارها.
ومذهب أبي حنيفة، وهو قول للشافعي: إنه ليس مخيراً في ذلك، بل يجب عليه أن يفارق التي تأخّر عقدها منهما. فإن كان عقد عليهما معاً بطل. وأجاب من احتجّ لأبي حنيفة عن الاستدلال بالحديث المذكور، بأنه في واقعة حال؛ فيحتمل أن فيروز كان تزوجهما في عقد واحد، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم بالواقعة.
__________
(1) ابن دقيق العيد: شرح العمدة 2/ 11
(2) ابن حجر: فتح الباري 4/ 164
(3) نيل الأوطار 6/ 170
(4) رواه الخمسة إلا النسائي (نيل الأوطار 6/ 170)
(2/84)

واحتُجّ للأولين بالحديث المذكور، وقالوا: تخييره - صلى الله عليه وسلم - لفيروز، مع تركه الاستفصال منه هل تزوجهما في عقدين أو عقد واحد، ينزل منزلة العموم. ويكون ذلك حكم من أسلم وتحته أختان سواء تزوجهما في عقد أو عقدين.
وقالوا أيضاً: احتمال أن يكون - صلى الله عليه وسلم - قد علم بالواقعة خلاف الأصل، فالظاهر عدم العلم.

الفرع الثاني: قضاء رمضان عن الميت:
في حديث ابن عباس: "أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى" (1).
الحديث يدل على أنه لا يتخصص جواز النيابة بصوم النذر، وهو منصوص الشافعية، خلافاً لما قاله أحمد (2)
ويخرج على القاعدة التي ذكرناها، والله أعلم.
__________
(1) حديث ابن عباس في قضاء الصوم: متفق عليه.
(2) ابن دقيق العيد: شرح العمدة 2/ 23
(2/85)

الفصل السادس التقرير
- تمهيد في حقيقة التقرير.
1 - الإنكار وما يحصل به.
2 - حجية التقرير.
3 - شروط التقدير.
4 - أنواع التقرير ودلالة كل منها.
5 - تعدية حكم التقرير لغير المقرر.
6 - مسائل متفرقة.
أ- ذكر الأمر في أثناء القول هل يكون تقريراً؟.
ب- السكوت على ما يوهمه القول الجائز.
ج- الإقرار على الفعل الحادث والفعل المستدام.
د- بين الإقرار وقاعدة: لا ينسب للساكت قول.
ه- سعة دلالة التقرير.
(2/87)

تمهيد
الإقرار في اللغة مصدر أقرّ، ومادة (ق ر ر) تكون في اللغة للبرد ضد الحر، والمصدر القُرّ. وتكون بمعنى الثبات في المكان والسكون فيه وترك الحركة. والمصدر القَرار، والقُرّ أيضاً. وتكون بمعنى إخراج الصوت على دفعات ومنه قَرُّ الدجاجة (1) ومنه القارورة، لأنها (تقرقر) إذا صُبَّ منها الماء.
وأقرَّ الشيءَ، وقرّره، ثبته في المكان، ويكون ذلك بأن يجده في مكان فيتركه على حاله فلا ينقله منه ولا يحرّكه، أو يجده في مكان فينقله إلى مكان آخر فيثبته فيه، أو يجده متحرّكاً فيسكنِّه.
ويخرج الإقرار عن هذا الأمر الحسّيّ إلى أمور معنوية ترجع إلى ترك التغيير أو المنع منه.
ويستعمل الفقهاء الإقرار بمعنى الاعتراف، لأن من اعترف بما نسب إليه أو اتهم به، فإنهم لم يغيّر ولم يدفع عن نفسه.
والإقرار والتقرير من النبي - صلى الله عليه وسلم - في عرف أهل السنن وأهل الأصول: "فإن يسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إنكار قول قيل، أو فعلٍ فُعِل، بين يديه، أو في عصره وعلم به" (2).
والإقرار قد يكون نوعاً من السكوت، لأنه سكوت عن الإنكار، والسكوت كفّ عن القول.
__________
(1) انظر عن لسان العرب.
(2) الشوكاني: إرشاد الفحول ص 41، الزركشي: البحر المحيط 2/ 256 ب.
(2/89)

وقد يكون الإقرار كفاً عن الفعل، لأن بعض الأفعال يمكن إنكارها بالفعل.
ومن أجل ذلك فلا نرى من الصواب تعريف الإقرار ب (السكوت عن الإنكار ... إلخ) لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد يسكت عن إنكار المنكر بلسانه ولكن يغيّره بيده، فلا يقال إنه قد أقرّه. وقد أزال ابنَ عباس عندما قام في الصلاة عن يساره فأقامه عن يمينه، ورأى رجلين يطوفان بالبيت وبينهما زمام فقطعه.
والأولى أن يقال في تعريف الإقرار إنه (كف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإنكار على ما علم به من قول أو فعل).
والتقرير على الشيء لا يرادف الرضا به. بل ما تضمّن الرضا والموافقة فهو تقرير يحتج به، وما لم يتضمنه فهو تقرير لا يحتج به. فالتقرير حجة إذا وجدت شروط الاحتجاج به وانتفت الموانع، وليس حجة في ما عدا ذلك.

التقرير فعل من الأفعال:
وذلك من حيث إنه كفّ عن الإنكار، والكفّ فعل كما تقدم، أما الترك العدمي فلا يكون تقريراً، وذلك كعدم نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء لم يعلم بها مما حدث في غير مكانه، أو بعد زمانه.
والذين جعلوا التقرير قسيماً للأقوال والأفعال، فليست طريقتهم في ذلك مرضيّة. وإنما تجري على قول من أبى أن يعتبر الكفّ فعلاً من الأفعال.

أهمية التقرير في البيان والتعليم:
سبق أن أشرنا في أوائل الباب الأول إلى ميزة التقرير في البيان والتعليم.
ونعيد شيئاً من ذلك هنا مع زيادة بيان. فنقول: إن البيان والتبليغ بالقول قد لا يحصل به التبيُّن الكامل، فيحتاج المبلّغ إلى أمثلة عمليّة مطابقة للوجه المشروع، فأرسل الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - عاملاً بكتاب الله، ليكون عمله أنموذجاً يحتذى.
ثم إن السامع للبيان القولي، والمشاهِدَ للعمل النموذجيّ، قد يتخيّل في
(2/90)

بعض أجزاء العمل المشاهد أنها مطلوبة، أو أنها غير مطلوبة، ويكون ذلك مخالفاً للصواب. فإذا أريد له أن يكون تعلمه سليماً فينبغي أن يطلب منه تنفيذ العمل تحت إشرافٍ ومشاهدة ممن هو أعلى منه درجة في العلم والمعرفة. وتكون مهمة المشرف حينئذ إبطال الأجزاء الزائدة، والأمر بتكميل الأجزاء الناقصة، وتعديل المخالف في الصفة، حتى يتمّ التمرن على العمل على الوجه الصواب، ويصبح أداؤه على ذلك الوجه عادة للمتعلم، وبه يتم التعليم.
(2/91)

المبحث الأول الإنكار وما يحصل به
أنواع الإنكار:
لما كان التقرير هو عدم الإنكار، وجب أن يُعرف ما يكون إنكاراً من الأقوال والأفعال، لئلا يظن أنه - صلى الله عليه وسلم - أقر شيئاً ويكون قد أنكره.
قد قالت العرب في أمثالها: "الحرُّ يُلحى والعصا للعبد" وقال الشاعر:
العبد يضرب بالعصا ... والحر تكفيه الإشارة
فإنه لما كان الإنكار نوعاً من التعامل مع النفوس البشرية، وكان كثير منها حساساً يتأثر بأقل المؤثرات، وقد يضره القول الصريح، فإن الإنكار الخفي قد يكون أجدى فيه. وقد قال الله تعالى، لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضُّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم} (1) أمره تعالى بالعفو عنهم، يعني لما قد يصدر عنهم من الإساءات، وأن يستغفر لهم، ثم يكون ذلك الاستغفار لهم بعد الفعل نوعاً من الإنكار، لأنه مشعر لهم بأنهم قد فعلوا الإساءة.
والإنكار على درجات:
الأولى: وهي أعلاها: الإنكار باليد، بإيقاع القصاص أو الحد أو التعزير، فيما ورد فيه ذلك من الأفعال.
ومثله أن يُهْدر المادّة التي عملت فيها المعصية، كما في قصة خيبر (2)، أنهم
__________
(1) سورة آل عمران: آية 159
(2) متفق عليه (جامع الأصول 8/ 289)
(2/92)

طبخوا لحوم الحمر، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقدور فأُكفئت: و"شق دنان الخمر بسكين في يده" (1).
الثانية: الإنكار بالقول الصريح، ومنه النهي عن الفعل، والإخبار بأنه ذنب أو معصية أو كبيرة أو صغيرة، ونحو ذلك من الصرائح، كقوله لعائشة لما نعتت صفية بالقصر: "لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَتْ بماء البحر لمزجته" (2) وقوله للمسيء صلاته: "ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ"
الثالثة: التكلم بما هو من لوازم الذنب والمعصية، كالاستغفار للفاعل، والعفو عنه، والتنازل عن الحق المترتب على فعله، ونحو ذلك.
الرابع: أن يتكلم بما يستلزم بطلان القول الذي سمعه. ومثال هذا النوع ما ورد في قصة سعد بن معاذ أنه قال: "لو رأيت مع امرأتي رجلاً لضربته بالسيف غير مصفح". فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "تعجبون من غيرة سعد؟. والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين" (3).
فقد ظنّ البعض أن هذا إقرار على القول. وليس ذلك على إطلاقه، بل قد أقرّ الغيرة، وأنكر ما أوهمه القول من عدم الحاجة إلى البينة في ذلك. فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا أحد أحب إليه العذر من الله" إلزام بالبيّنة.
ومنه أنه لما خلع نعليه في الصلاة خلوا نعالهم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لم خلعتم نعالكم؟ " اعتبره ابن حزم (4) إنكاراً، واعتبره غيره استفساراً مجرّداً.
ومنه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم، ثم أعطى عبد الله بن الزبير دم الحجامة ليريقه، فذهب فشرب الدم، فشعر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "ويل لك من الناس، وويل للناس منك" (5). فهذا إنكار.
__________
(1) رواه البيهقي (تفسير ابن كثير. ط بيروت 2/ 640).
(2) رواه أبو داود والترمذي.
(3) رواه البخاري 13/ 399
(4) الإحكام ص 430
(5) رواه الطبراني (البداية والنهاية لابن كثير 8/ 343).
(2/93)

وقد جعل القاضي عياض شربه الدم دليلاً على طهارة دمه - صلى الله عليه وسلم -، وجعل هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - إقراراً. وفي ذلك ما فيه. وفي رواية الطبراني قال - صلى الله عليه وسلم -: "من أمرك أن تشربه؟ ".
الخامسة: إظهار الكراهة، والإعراض عن الفاعل. ومنه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى بيت فاطمة ابنته فوجد على بابها ستراً موشياً، فلم يدخل" (1).
وقال البخاري: باب هل يرجع إذا رأى منكراً في الدعوة؟ وذكر فيه حديث عائشة: "أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية فسألته ... " (2) الحديث.
وفي هذا النوع خلاف نذكره في المبحث الآتي في درجات التقرير.
ومن هذا النوع أن يعيد الكلام الذي سمعه بهيئة المنكر له. ومن ذلك أن جابر بن عبد الله قال: "أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر دين كان على أبي. فدققت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا أنا!! كأنه يكرهه" (3).

الإنكار وخصائصه في بيان الأحكام:
يلاحظ أن كثيراً من الشرائع الإسلامية ابتدئت شرعيتها بمناسبات وقتية. والقرآن نزل منجماً بحسب الحوادث. فكانت الحادثة إذا وقعت مخالفة لما أراد الله تعالى أن يشرعه لهذه الأمة، ينزل في ذلك القرآن آمراً وناهياً. ومثال ذلك آيات تحريم الخمر، نزلت في قصة سعد بن أبي وقاص. وآيات المواريث، في قصة ابنتي سعد بن الربيع إذ أراد عمهما أن يجتاح ما لهما.
وكذلك السنة النبوية. فإن جزءاً كبيراً منها إنما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثناء مشاهدته لأصحابه وهم يتعبّدون أو يتعلمون، أو هم يتصرفون في أعمالهم في
__________
(1) رواه البخاري وأبو داود (جامع الأصول 5/ 458)
(2) فتح الباري 9/ 249
(3) رواه البخاري ومسلم (جامع الأصول 7/ 376)
(2/94)

البيع والشراء والزراعة والصناعة والحرب، ومع أهليهم وأولادهم، وغير ذلك. فكان إذا رأى من أحدهم خروجاً عما تقتضيه الشريعة المطهرة لا يتركه على حاله، بل يبادر إلى ردّه إلى جادة الصواب. ويكون ذلك بياناً لحكم تلك المسألة، يتعلمه المنكَر عليه، ويتعلّمه غيره ممن حضره، أو سمع بذلك.
وإنكار المنكر من أسباب تفضيل الله لهذه الأمة، قال الله تعالى: {كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} (1) وهو من مقتضى الشهادة التي أكرم الله بها هذه الأمة. قال الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} (2) فإن من عمل المنكر قد يكون عمله عالماً بنكارته، وذلك معاند، وقد يكون فعله جاهلاً بنكارته. والواجب في كلتا الحالين على من حضره من أهل العلم الإنكار عليه والبيان له، حتى يحصل له التذكّر إن كان غافلاً، والعلم بحكم الله في ذلك الأمر إن كان جاهلاً. فإن أخبر بذلك أمكنه أن يشهد عليه يوم القيامة بأنه بلّغه. وقد قال الله تعالى، عن عيسى ابن مريم: {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} (3). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ما نقله الأزهري: "ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس أن لا تعزموا عليه؟ " قالوا: نخاف لسانه. قال: "ذلك أحرى أن لا تكونوا شهداء" (4).
وهذا المعنى هو الملاحظ في إطلاق (الشهيد) على القتيل في سبيل الله على بعض الأقوال. وينبغي أن يكون هو الراجح. فإن الشهيد من قتل في البلاغ. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه، فقلته".
__________
(1) سورة آل عمران: آية 110
(2) سورة البقرة: آية 143
(3) سورة المائدة: آية 117
(4) (لسان العرب - شهد).
(2/95)

المبحث الثّاني حجية التقرير
اختلفت آراء الأصوليين في اعتبار الإقرار حجة.
1 - فأكثر الأصوليين يذكرونه قسماً من أقسام السنة النبوية. ونقل ابن حجر (1) الاتفاق على الاحتجاج به.
2 - وقال بعضهم ليس التقرير من النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة في الشرع.
قال البخاري شارح البزدوي: "ذهبت طائفة إلى أن تقريره - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على الجواز والنسخ" (2).

أدلة القول الأول:
استدل القائلون بحجية التقرير بأدلة، منها:
أولاً: أن الله تعالى أرسل نبيه بشيراً ونذيراً، يأمر المعروف وينهى عن المنكر. قال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبيّ الأميّ ... يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} (3) فلو سكت عما يفعل أمامه مما يخالف الشرع، لم يكن ناهياً عن المنكر (4).
ثائياً: العصمة. فإن النهي عن المنكر واجب، وتركه معصية، يتنزه عنها أهل التقى من أفراد الأمة، فأولى أن يتنزه عنها محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو أول المسلمين وأتقاهم - صلى الله عليه وسلم -. ولو جاز له ترك إنكار المنكر لجاز ذلك لأمته (5).
__________
(1) فتح الباري 3/ 323
(2) 3/ 869
(3) سورة الأعراف: آية 157
(4) أبو شامة: المحقق 39 ب. ابن حزم: الإحكام ص 436
(5) الجصاص: أصوله ق 72 أ.
(2/96)

وقد قيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إنه قال: "الساكت عن الحق شيطان أخرس" (1).
وقد اعترض على هذا الدليل، بناء على قول من يجوّز على النبي - صلى الله عليه وسلم - الصغائر، بأنه إنما يلزم أن لو قدّر الفعل المقرّ عليه محرماً لكان كبيرة، أو لكان صغيرة وتكرر أمامه - صلى الله عليه وسلم -، فلم ينكره. ذكر الغزالي (2): هذا الاعتراض عن قوم.
وأجاب عنه، بالجزم بجواز التمسّك بالإقرار، حتى على قول من يجوز الصغيرة، محتجّاً بأن الصحابة كانوا يفهمون من التقرير الجواز، دون توقف.
وقال الآمدي: "التقرير على غير الجائز، وإن كان من الصغائر الجائزة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند قوم، إلا أنه في غاية البعد، لا سيما في ما يتعلق ببيان الأحكام الشرعية" (3).
أقول: وقد قدّمت في فصل حجية الأفعال من الباب الأول، أن احتمال الصغائر لا يمنع الاحتجاج بالأفعال، فليرجع إليه.
وقد يقال أيضاً: إن إنكار المنكر باللسان غير واجب في جميع الأحوال، بل يجوز تركه في بعض الأحوال، مع الإنكار بالقلب. بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (4). فإذا كان كذلك فلِمَ لا يقال إن بعض ما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - إنكاره يحتمل أنه تركه لعدم استطاعته تغييره، وقد أنكره بقلبه.
ويجاب عن هذا السؤال، بأن الإقرار الذي نعتبره حجة، هو إقراره - صلى الله عليه وسلم - لأتباعه من المسلمين، وهم منصاعون لأمره، والظاهر أن قوله يؤثر في المخطئ منهم حتى يترك خطأه. فلا يصدق عليه أنه في مثل هذه الحال غير مستطيع الإنكار
__________
(1) حديث: "الساكت عن الحق شيطان أخرس" نقله البخاري شارح البزدوي (3/ 869) ولم نجده في كتب الحديث.
(2) المنخول ص 230، المستصفى 2/ 52، المحقق ق 39 ب.
(3) الإحكام في أصول الأحكام 1/ 270
(4) مسلم وأحمد وأربعة (الفتح الكبير).
(2/97)

باليد أو باللسان، وخاصّة بعد أن نزل عليه قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس}.
ثالثاً: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز باتفاق، ومن فعل ما يخالف الشرع فإما أن يكون فعله جاهلاً بالمخالفة، أو عالماً بها. فإن كان جاهلاً بها وجب البيان له ليستدرك ما فات إن كان مما يستدرك، كالإنكار على المسيء صلاته في الحديث المشهور، ولئلا يعود إلى المخالفة في المستقبل. وإن كان عالماً فلئلا يتوهم نسخ الشرع المخالف، وثبوت عدم التحريم (1).
رابعاً: ما علم من حال الصحابة في وقائع كثيرة، أنهم كانوا يحتجون بتقريره - صلى الله عليه وسلم - على الجواز (2). ونذكر من ذلك بعضها، على سبيل التمثيل لا الحصر.
فمنها: "أن أنس بن مالك سئل وهو غاد إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: كان يهلّ منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبّر منا المكبر فلا ينكر عليه" (3).
ومنها: قول أبي بن كعب: "الصلاة في الثوب الواحد سنة، كنا نفعله على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يعاب علينا" (4).
ومنها: قول ابن عباس: "أقبلت راكباً على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد" (5).
ومنها: ما قال البخاري: "باب من رأى ترك النكير من النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة. وروى بسنده: "أن جابر بن عبد الله حلف بالله إن ابن صياد الدجال. فقال له:
__________
(1) انظر البخاري: شرح أصول البزدوي 3/ 269 وانظر أيضاً: تيسير التحرير 3/ 128
(2) الغزالي: المنخول 230. المستصفى 2/ 52
(3) البخاري 3/ 510
(4) رواه أحمد 5/ 141
(5) حديث ابن عباس: البخاري 1/ 571
(2/98)

تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك فلم ينكره النبي - صلى الله عليه وسلم -" (1).
خامساً: واحتجّ الجصّاص (2): "بأن ترك النكير من علماء الأمة على العامّة في ما جرى بينهم من المعاملات التي استفاضت بينهم، هو حجّة على جوازه، كما قاله بعضهم في الاستصناع، ودخول الحمال من غير تعيين أجرة" (3).
وهذا الدليل إنما يلزم من قال إن الإجماع السكوتي حجة. أما من أبى ذلك فلا (4).

أدلة القول الثاني:
استدلّ أصحاب القول الثاني بأمور:
أولها: أن السكوت وعدم الإنكار محتمل، إذ من الجائز أنه - صلى الله عليه وسلم - سكت لعلمه بأن فاعل الفعل لم يبلغه التحريم، فلم يكن الفعل عليه إذ ذاك محرماً. فلأجل هذا الاحتمال لا يصح التقرير دليلاً على الجواز.
ويجاب عن ذلك بما ذكرناه آنفاً في الدليل الثاني للقول الأول.
ثانيها: أنه من الجائز أنه سكت عنه لأنه أنكر عليه مرة فلم ينفع فيه الإنكار، وعلم أن إنكاره عليه ثانياً لا يفيد، فلم يعاود، وأقرّه عليه، كما أقرّ اليهود والنصارى على معتقداتهم. وإذا كان كذلك، لا يصلح دليلاً على الجواز.
وهذا أقوى ما يحتجّ به لهذا القول.
ويجاب عنه، بأنه يجوز ترك الإنكار على المصرّ الذي لم تنفع فيه التذكرة، لقوله تعالى: {فذكر إن نفعت الذكرى} على أحد القولين في تفسير الآية (5). ولما
__________
(1) فتح الباري 3/ 323
(2) أصول الجصاص ق 82 أ.
(3) انظر: الخلاف في ذلك في كتب الأصول (مثلاً: شرح جمع الجوامع للمحلي 2/ 187 - 190).
(4) انظر: شرح البزدوي 3/ 869
(5) قال الشوكاني في فتح القدير (5/ 412، 413): أن المعنى: فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع، أو يكون هذا في تكرير الدعوة.
(2/99)

علم من حاله - صلى الله عليه وسلم -، إذ كان لا يكرّر على الكفار والمشركين الإنكار في كل يوم وكل حال. وإنما قد بيّن لهم ما حصل به البيان الكافي، القاطع للعذر، وقاتلهم حتى أعطوا الجزية وهم صاغرون، فلو تركهم بعد ذلك لم يُظَنَّ أنّ الحكم قد تغيّر.
إلاّ أن هذا النوع خارج عن الإقرار الذي يحتجّ به. فإن شرطه أن يكون المَقرّ مسلماً ملتزماً، وفي المنافق خلاف. فكيف يَترك المسلمَ الملتزمَ المطيع المتّبع، يفعل المنكر، فلا ينهاه عنه.
ولو سُلِّم أن الإقرار على مثل ذلك جائز في بعض الأحوال، لوجب افتراض أن ذلك نادر (1)، خاصة وأن أصحابه - صلى الله عليه وسلم - أبرّ هذه الأمة قلوباً، وأسرعها امتثالاً لأمر نبيّها، الذين شهدوا برسالته، وبذلوا أنفسهم لله في طاعته.
فإذا كان كذلك فالنادر لا حكم له، والحكم للأعمّ الأغلب. والله أعلم.

درجات التقرير من حيث القوة:
قد يقترن بالتقرير ما يقوّي دلالته على الموافقة والرضا. فيكون على درجات:
1 - فأعلاه أن يقترن به الثناء على الفعل، ومدح فاعله. كقوله: "إنّ الأشعريّين إذا أرملوا في الغزو، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة، جعلوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم" (2). ولمّا قال معاذ: "أقضي بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله، ثم أجتهد رأيي" (3). قال - صلى الله عليه وسلم -: "الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله".
2 - ودون ذلك أن يساعد على العمل، ويقوم فيه بدور. ومثاله قيامه - صلى الله عليه وسلم - مع عائشة لتنظر إلى الحبشة وهم (يزفنون) (4) في المسجد يوم العيد. فقد قام لها، وخدّها على كتفه ليسترها ويمكّنها من رؤيتهم، والنظر إلى زفنهم.
__________
(1) انظر الآمدي: الإحكام 1/ 271
(2) رواه مسلم 16/ 6 والبخاري.
(3) مسند أحمد 5/ 236، 242
(4) الزفن: الرقص.
(2/100)

ومثله أن يُفعل الفعلُ به هو - صلى الله عليه وسلم -، فيقر على ذلك. كتطييب عائشة له قبيل الإحرام، وترجيلها له وهو معتكف. وهذا النوع من التقرير، لقوته، قد يجعله البعض من الأفعال (الصريحة).
3 - ومثل ذلك أن يستحل ما حصل من الفعل، كأكله - صلى الله عليه وسلم - من حصيلة رقية بن مسعود. قال - صلى الله عليه وسلم -: "أقسموا وأضربوا لي معكم بسهم" (1)، وصيد أبي قتادة إذ كان مع المحرمين، وصاد حمار وحش، وبقيت منه بقية فأكل منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2). وعنبر أبي عبيدة أكل منه - صلى الله عليه وسلم - (3). وكوطئه جاريته مارية التي أهداها له المقوقس، فهو إقرار يدل على صحة تملك الكفار لرقيقهم.
4 - ودون ذلك: أن يسكت - صلى الله عليه وسلم - مع الاستبشار، وإظهار علامات الرضا والقبول. فذلك حجة واضحة. لأن استبشاره لا يكون بما يخالف الشريعة. ومثاله حديث عبد الله بن مغفل قال: "أصبت جراباً من شحم يوم خيبر. قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً. قال فالتفتُّ فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متبسماً" (4).
ومثله أيضاً تبسّمه لما اشتكت إليه امرأة رفاعة القرظي زوجها، وقالت: "وإنما معه مثل هدبة الثوب" (5). فذلك إقرار يدل على جواز التصريح بمثل ذلك في معرض الدعوى.
ومن هذا النوع عند الشافعية، ما ورد عن عائشة أنها قالت: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليّ مسروراً تبرق أسارير وجهه. فقال: ألم تري أن مُجَزِّزاً نظر آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض؟ " (6).
وفي هذا المثال للحنفية بحث يأتي ذكره إن شاء الله.
__________
(1) مسند أحمد 3/ 83
(2) مسلم 13/ 87
(3) مسلم 8/ 110
(4) مسلم 12/ 102 والبخاري.
(5) مسلم 10/ 2 والبخاري.
(6) مسلم 10/ 40 والبخاري.
(2/101)

وقد يظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستبشار أحياناً مع من تبيّن إصرارهم على الفحش. ويكون ذلك منه نوعاً من السياسة، ولا يكون رضاً بما هم عليه من سوء الحال. ومثال هذا ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "استأذن رجل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام -وفي رواية قالت عائشة: فلم أنشب أن سمعت ضحكه معه- قلت: يا رسول الله، قلتَ الذي قلتَ، ثم ألنت له الكلام؟ قال: أيْ عائشة، إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه".
أما مع المسلم المنقاد للشرائع، فإن الاستبشار لا يكون بما يخالف ظاهره الحق.
5 - ودون ذلك أن يسكت سكوتاً مجرداً، لا يظهر رضا ولا كراهة. وهذا النوع حجة أيضاً، لأنه الأصل في التقرير وقد بينا أدلة حجيته.
6 - ودون ذلك أن يسكت مع إظهار الانزعاج، أو الضيق والتبرّم، وكل ما يدلّ على عدم الرضا.
وفي هذا النوع يقع التعارض بين دلالة سكوته على الجواز وانتفاء الحرج، ودلالة انزعاجه وتبرّمه على الكراهة. فوقع فيه الخلاف أهو إقرار أم إنكار. وقد رأى السبكي دلالة السكوت على الجواز بعدم ظهور الاستبشار منه - صلى الله عليه وسلم -. يقول السبكي: "سكوته - صلى الله عليه وسلم - على الفعل، ولو غير مستبشر، دليل الجواز للفاعل" (1). وهذا منه شامل للحالتين الخامسة والسادسة.
وعندي أن القول بأن إظهار الانزعاج والضيق دليل الكراهة، هو المستقيم. لأن البيان يتم بكل ما يحصل به التبيين، فإذا أظهر - صلى الله عليه وسلم - الكراهة بإعراضه وإظهاره الانزعاج، كان ذلك بياناً، وحصل للمشاهدين تبيُّن غرضه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.
فلا يكون هذا النوع إقراراً، بل هو إنكار.
والدليل على ذلك أمران:
__________
(1) جمع الجوامع 2/ 95
(2/102)

الأول: ما تقدم ذكره في مبحث السكوت، أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يُسأل أحياناً، فيعرض عن السائل، ويسكت عنه، إنكاراً لسؤاله. ومن ذلك إعراضه عمن سأل عن الحج أفي كل عام هو؟ بدليل أنه لما أكثر عليه السائل صرح له بإنكاره للسؤال. فدلّ على أنه لما سكت معرضاً عنه أولاً، كان يريد بيان الكراهة.
الثاني: ما قدمنا في مبحث الإشارة، من أن الإشارة تكون بياناً، إذا قصد بها إفهام المخاطب أمراً. فكذلك هنا.
ومن ذلك عندي ما ورد عن ابن عمر أنه - صلى الله عليه وسلم - سمع زمّارة راعٍ فوضع أصبعيه في أذنيه. يعني لئلا يسمعها.
ومن قال إن ذلك لا يمنع القول بالإباحة، فهو خلاف الظاهر من فعله - صلى الله عليه وسلم -.
وقد قال تقي الدين النبهاني في قصّة الراعي: "هذا لا يعتبر إنكاراً على الراعي بل يعتبر سكوتاً عنه، وهو دليل على جواز الزمّارة، وجواز سماعها" (1).
وهذا القول منه إن عنى بالجواز فيه ما يشمل المكروه، فإن الخلاف لفظي فلا نلتفت إليه في هذا الموضع. وإن عنى به المباح، فهو مردود، فإن وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - إصبعيه في أذنيه ليس لكراهة طبيعة، كأكل الضب، وإنما هي كراهة شرعيّة، وذلك ظاهر.
__________
(1) الشخصية الإسلامية 3/ 97
(2/103)

المبحث الثالث شروط صحَّة دلالة التقرير
الشرط الأول: أن يعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفعل. وسواء سمعه أو رآه مباشرة، وهو الأكثر من الأقارير المحتجّ بها. أو حصل في غيبته ونقل إليه، كما نقل إليه خبر تأخيرهم لصلاة العصر حتى غربت الشمس يوم بني قريظة.
أما إن لم يعلم به فليس حجة. وصنيع ابن حجر يدل على أنه يرى أن علمه - صلى الله عليه وسلم - بالأمر ليس شرطاً. فقد ذكر أن الصحابي إذا أضاف الفعل إلى زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون حكمه الرفع. قال: "لأنهم لا يقرون على فعل غير الجائز في زمان التشريع، وقد استدلّ جابر على إباحة العزل بكونهم كانوا يفعلونه والقرآن ينزل، ولو كان منهياً لنهى عنه القرآن" (1). اه.
والذي عليه الجمهور أن اشتراط العلم معتبر. وهو الصواب. وما نسبه ابن حجر إلى جابر الراجح أنه لا يصح منه إلا لفظ: "كنا نعزل والقرآن ينزل" دون قوله: "لو كان شيئاً ينهى عنه لنهى عنه القرآن"، وبأنه قد صح عن جابر عند مسلم أن ذلك بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينههم عنه، كما ذكره ابن حجر نفسه في موضع آخر (2). فكيف يحتجّ بما بلغه على ما لم يبلغه ولم يعلم به؟ وسيأتي لهذا توضيح أتم.
وعلى المختار، إن نقل إلينا أن الفعل وقع أمامه - صلى الله عليه وسلم -، أو أنه أُخبر به، فهو حجة عند كل من رأى الإقرار حجة.
وإن شككنا في علمه به فالأصل عدم العلم.
فإن كان الفعل انتشر بين الصحابة وكثر فيهم وكان مما يستبعد عدم اطلاعه
__________
(1) فتح الباري 1/ 299
(2) فتح الباري 6/ 309
(2/104)

عليه، غلب على الظن اطلاعه عليه، وعمل بمقتضى الإقرار (1). وكذا لو وجدت قرينة تدل على العلم.
فمثال ما لم يعلم به بعض ما كان في بلاد أخرى من العادات والعبادات وغيرها.
ومثال ما يشك في علمه به قول جابر: "كنا نعزل والقرآن ينزل". فإن العزل أمر يستسر به، ما لم يثبت بالنقل أنه بلغه. وقد ثبت ذلك في العزل كما ذكرناه آنفاً.
ولو أخبر صحابي أنه فعل شيئاً على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يكون إقراراً، لعدم القرينة الدالّة على علمه به.
ومثال ما انتشر بينهم حتى يستبعد خفاؤه عليه، قول أبي سعيد: "كنا نخرج صدقة الفطر على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير أو صاعاً من برّ" (2).
وقول أنس: "إنهم كانوا ينتظرون العشاء، حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون" (3). ورواه مسلم بلفظ: "كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون" (4).
ومثال ما يغلب على الظن علمه به قول ابن عباس: "كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك" (5).
ومثال ما وجدت القرينة على علمه به - صلى الله عليه وسلم - قول أسماء بنت أبي بكر: "نحرنا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فرساً فأكلناه". فهو إقرار يدل على أن لحم الخيل مباح. وقال الحنفية: هو حرام، وكرهه المالكية وغيرهم.
__________
(1) انظر إرشاد الفحول ص 41
(2) رواه مسلم 7/ 61 ومالك والنسائي.
(3) رواه أبو داود 1/ 339
(4) صحيح مسلم 4/ 72
(5) البخاري 11/ 88
(2/105)

وقال الذين لم يأخذوا برواية أسماء، إنه ليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بذلك وأقره.
وأجاب من أخذوا بروايتها: إنه لا يُظَنّ بآل أبي بكر والزبير أنهم يقدمون على فعل شيء من مثل هذا، إلا وعندهم العلم بجوازه، لشدة اختلاطهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وآله، وعدم مفارقتهم له. وفي رواية الدارقطني لحديث أسماء: "فأكلنا نحن وأهل بيت رسول الله" (1).
وقيل إن كل ما نقله الصحابي في معرض الاحتجاج من أفعالهم، فإنه يدل على أنه بلغه - صلى الله عليه وسلم - فأقرّه (2)، فيكون حجة. قاله بعض الحنابلة، والأول قول الحنفية (3) وهو أصح، لاحتمال أن يكون العمل على ذلك اجتهاداً من الصحابي، بدليل أنه كانوا يفعلون أشياء باجتهادهم.
فتحصّل في قول الصحابي: كنا نفعل وكانوا يفعلون على عهده - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أقوال (4):
أولها: أنه حجة مطلقاً، لأن ذكره في معرض الحجة يدل على بلوغه.
ثانيها: أنه ليس حجة ما لم ينقل أنه - صلى الله عليه وسلم - علم به فأقره.
ثالثها: التفصيل بين ما يستحيل خفاؤه عليه - صلى الله عليه وسلم - أو يستبعد، فيكون حجة، وبين ما ليس كذلك فلا يكون حجة، وهو الذي رجحناه، والله أعلم.
وهذا وقد يحتج بعض الفقهاء بالأمثلة التي ذكرناها من جهة أخرى، وهي أنها أفعال صحابة (5)، وفعل الصحابي حجة. وهي مسألة خلافية خارجة عن موضوع هذه الرسالة.
تنبيه: يتضمن هذا الشرط اشتراط عدم الغفلة عن الفعل. فإن الغافل غير عالم، وإن كان حاضراً.
__________
(1) انظر المغني لابن قدامة 8/ 591 وفتح الباري 9/ 649
(2) ابن تيمية: المسودة ص 298. أبو الحسين البصري: المعتمد 1/ 669
(3) المسودة ص 298
(4) الشوكاني: إرشاد الفحول 61
(5) ابن تيمية: المسودة ص 298
(2/106)

الشرط الثاني: قال ابن الحاجب: أن يكون قادراً على الإنكار.
ويستدل له بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه". فهو يدل على سقوط الإنكار باليد واللسان عند العجز عنه. ولرخصة الله تعالى في قوله: {إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} فرخّص في النطق بكلمة الكفر، فالسكوت أولى بالجواز.
وقد قال الباقلاني وتابعه الزركشي، بأن وجوب إنكار المنكر لا يسقط عنه - صلى الله عليه وسلم - بالخوف على نفسه، لدليلين:
الأول: أن الله ضمن له النصر والظفر، وكفاه أعداءه بقوله: {إنا كفيناك المستهزئين}.
الثاني: أن تركه الإنكار خوفاً، يوهم الجواز ونسخ النهي.
وقد سبق أن تكلمت في شأن عصمته - صلى الله عليه وسلم - من أذى الناس، وذكرت أن آية العصمة متأخرة في العهد المدني، وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يُحْرس قبل ذلك حتى نزلت. وأما كفاية المستهزئين فهي خاصة بهم وليست عامة في من يخاف منه.
ولذلك يظهر لنا أن هذا الشرط معتبر في الإقرار في أوائل العهد المدني. أما في العهد المكّيّ فلم يتبعه - صلى الله عليه وسلم - إلا خُلّص المؤمنين، فلا خشية منهم. وأما بعد نزول آية العصمة فلا. وأما في العهد المدني قبل نزولها فيمكن تحقق الخشية من جهة بعض من مردوا على النفاق من أهل المدينة.
وإنما يعتبر هذا الشرط بقدره، وحيث يتحقق لخوفه - صلى الله عليه وسلم - على نفسه وجه. والأصل عدم الخوف. والله أعلم.
وأما استدلال الباقلاني بأن ترك الإنكار خوفاً يوهم الجواز، فإن الإمارات لا يخفى على الحاضرين، لو حصل شيء من ذلك. فلا يتحقق ما ذكر. والله أعلم.
الشرط الثالث: أن يكون المقرّ منقاداً للشرع، بأن يكون مسلماً، سامعاً مطيعاً. أما إن كان كافراً، فإن تقريره لا يدلّ على رفع الحرج. وقد أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهود والنصارى على بِيَعهم وكنائسهم وعلى عبداتهم ورتبهم الكنسية، وبعض
(2/107)

مراسيمهم في العقود والأقضية وغيرها. وأزال أشياء أخرى كإيذاء المسلمين. وأقرّ المجوس على معابدهم، مع ما يعمل فيها من الكفر بالله والشرك به. واعتمر عمرة القضية، فطاف بالكعبة وعليها الأصنام وفيها الصور. وطاف بين الصفة والمروة، وعليهما تمثالان لإساف ونائلة. فلم يكن ذلك حجة على صحة ذلك الوضع. ومن أجل هذا لا يكون سكوته عن الإنكار على فعل الكافر حجة على رفع الحرج. ولكن هو مع ذلك حجة على أنه يجوز للأئمة إقرار أهل الذمة على مثل ما أقرهم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا النوع هو من الاستدلال بالأفعال، لا من حيث إنه تقرير.
وأما المنافق فقد اختلف فيه، لأنه من حيث هو كافر في الباطن، فهو ملحق بالكافر، وبهذا قال الجويني. ووافقه السبكي والشوكاني وغيرهم.
أقول: وعندي في ذلك تفصيل، فأما من كان نفاقه خفياً لا يعلمه جمهور الصحابة، فهذا تجري عليه أحكام المسلمين، ويكون إقراره حجة.
وذهب آخرون إلى أن المنافق ملحق بالمؤمنين، لأنه تجري عليه أحكام المؤمنين ظاهراً، فيكون إقراره حجة.
وأما من كان نفاقه ظاهراً، وقد تمرّد وعتا وجاهر بنفاقه، فلا ينبغي أن يُشَكّ في أن إقراره ليس بحجة. وهذا كما رُوِي أن عبد الله بن أبيّ رجع بأصحابه عن مساعدة النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة أحد (1)، وكان له إماء: "يكرههن على البغاء (2) يأكل من كسبهن السحت، وحالف اليهودَ خشية أن تصيبه الدوائر، فكل ذلك لا حجة فيه على جواز مثله من المسلمين. وقد قال ابن مسعود في شأن الصلاة: "لقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النفاق" (3).
وقد قال ابن تيمية: "إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن أبيّ وأمثاله من أئمة النفاق، لما لهم من أعوان. فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك، بغضب قومه وحميّتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمداً يقتل أصحابه" (4).
__________
(1) سيرة ابن هشام 2/ 64
(2) القصة في صحيح مسلم (تفسير القرطبي12/ 254).
(3) رواه أبو داود 2/ 255 وابن ماجه.
(4) الفتاوى الكبرى 28/ 131
(2/108)

الشرط الرابع: أن لا يكون قد عُلِم من حاله - صلى الله عليه وسلم - إنكاره لذلك الفعل قبل وقوعه وبعد وقوعه، حتى استقرّ ذلك شرعاً ثابتاً، وحكماً راسخاً لا يحتمل التغيير ولا النسخ. فلو خالفه مخالف فسكت عليه، لم يؤخذ بسكوته حجة، ووجب حمله على غفلة عنه، أو عدم علم به، أو عذر خاصّ علمه من الفاعل، أو اكتفاء بالبيان المتقدم، أو حال لم نطّلع عليه، أو غير ذلك مما يمنع تعدية الحكم إلى غير الفاعل. وذلك كعبادة غير الله، ونكاح المحارم، وشرب الخمر إذا أقرّ على ذلك أهل الذمّة.
وجعل الحنفية (1) والباقلاني والغزالي من هذا النوع ما ورد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة مسروراً تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تَرَيْ أن مُجزّزاً المدلجي نظر آنفاً إلى أسامة وزيد وقد غطّيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض" (2). وهو الحديث الذي احتجّ به الشافعي وغيره على إثبات النسب بقول القائف. قال الباقلاني: "هذا فيه نظر، فإن قول مجزز كان موافقاً لظاهر الحق، وكان المنافقون يبدون غميزة في نسب زيد وأسامة، قاصدين بذلك إيذاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وكان الشرع حاكماً بالتحاق أسامة بزيد. فجرى قول مجزز منطبقاً على وفق الشرع والظاهر والأمر المستفيض الشائع" (3). وقال الغزالي في المنخول: "إنما سرّ - صلى الله عليه وسلم - بكلمة صدق. صدرت ممن هو مقبول القول فيما بين الكفار، على مناقضة قولهم لما قدحوا في نسب أسامة، إذ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تأذّى به" (4).
والصواب أن الحديث دليل صحة العمل بالقيافة، حيث لا تخالف ما ثبت بطريق شرعي. وقد قال الشافعي في المسألة: "إن الرسول لا يسره إلا الحق، فإذْ سرّه قوله تبيّن أنه من مسالك الحق" (5). والأمر الذي ادّعوا ظهوره غير ظاهر.
الشرط الخامس: أن لا يكون المقرّ ممن يزيده الإنكار سوءاً، ويغريه بشرٍ مما هو فيه.
__________
(1) ابن دقيق العيد: الإحكام 2/ 222 تيسير التحرير 3/ 129
(2) متفق عليه.
(3) أبو شامة: المحقق ق 42 ب.
(4) ص 229
(5) أبو شامة: المحقق ق 42 ب.
(2/109)

فإن المعصية لها من حيث تأثير الإنكار فيها درجات.
الأولى: أن تزول بالإنكار ويخلفها الطاعة.
الثانية: أن تقلّ وإن لم تزل بجملتها.
الثالثة: أن يخلفها ما هو مثلها.
الرابعة: أن يخلفها ما هو شرّ منها.
فالإنكار في الأولى والثانية مشروع، وفي الثالثة موضع اجتهاد، وفي الرابعة محرم (1)، كفاسق باغ، لو ترك شرب الخمر واللعب بالقمار لانصرف إلى القتل، فلا يجوز نهيه.
وهذا واضح في حق إنكار غير النبي - صلى الله عليه وسلم -.
أما في حقه هو، فقد اختلف العلماء على قولين:
أولها: أنه كغيره فلا يجب عليه الإنكار، وهو قول المعتزلة، نسبه إليهم السمعاني في (القواطع) (2)، فلا يكون إقراره حجة، إذا علم من حال المقَرّ أنه يغريه الإنكار.
ثانيهما: أنه يجب عليه الإنكار، ولو علم ذلك، ليزول بالإنكار توهم الإباحة. ومن هذا الوجه يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - مخالفاً لغيره، وقال به الباقلاني (3) ورجحه السبكي والبناني (4) ونسب إلى الأشعرية.
الشرط السادس: اختلف في أن تكليف المقَرّ شرط أم لا. وقال البناني: "لا يقر النبي - صلى الله عليه وسلم - أحداً على باطل. والظاهر دخول غير المكلف. لأن الباطل قبيح شرعاً. وإن صدر من غير المكلف، ولا يجوز تمكين غير المكلف منه وإن لم يأثم به، ولأنه يوهم من جهل حكم ذلك الفعل جوازه" (5).
__________
(1) ابن القيم: أعلام الموقعين 3/ 15، 16 وانظر أيضاً: القرافي: الفروق 4/ 55 م.
(2) ق 96 ب.
(3) المحقق لأبي شامة 41 أ.
(4) شرح جمع الجوامع 2/ 96
(5) حاشيته على شرح جمع الجوامع 2/ 95
(2/110)

وتوقف فيه ابن أبي شريف، مع ميله إلى الاحتجاج به، يقول: "عِظَم منصبه - صلى الله عليه وسلم - مع كونه وليّ كل مسلم، وأولى بكل مسلم من نفسه وأهله، الذين منهم الأب والجد، يقتضي أن لا يقِرّ الصبي المميّز على باطلٍ" (1). ثم قال: "والقلب إلى هذا أميل. ولعلّ الله أن يفتح بما يرفع التوقف أصلاً".
الشرط السابع: أن لا يمنع من الإنكار مانع سوى ما تقدم. فإن وجد مانع صحيح أمكن إحالة الإقرار عليه، فلا يكون حجة.
ودليل هذا الشرط تركه - صلى الله عليه وسلم - نقض الكعبة، للمانع الذي ذكره كما تقدم.
ويستدل له أيضاً بما ورد (2) عن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها، "أنه رأى في ما يرى النائم كأنه مرّ برهط من اليهود، فقال من أنتم؟ قالوا: اليهود. قال: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيراً ابن الله. فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. ثم مرّ برهط من النصارى فقال: من أنتم؟ قالوا: النصارى. قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وما شاء محمد. فلما أصبح أخبر بها من أخبر. ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره. فقال: هل أخبرت بها أحداً؟ قال: نعم. فلما صلّوا خطبهم، ثم قال: إن طفيلاً رأى رؤيا، فأخبر بها من أخبر منكم. إنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها. قال: لا تقولوا ما شاء الله وما شاء محمد". هذه رواية أحمد. وفي رواية ابن ماجه، قال: "أما والله إن كنت لأعرفها لكم، قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد".
فأخبر أنه كان قد أقرّهم عليها، والظاهر أنه لم يكن نزل فيها شيء من الوحي صريح. وذكر الحياء في الحديث اختلفت فيه الروايات، فلا يؤخذ مسلماً.
__________
(1) حاشية (المخطوطة) على شرح جمع الجوامع ق 175 أ.
(2) رواه أحمد 5/ 72 واللفظ له وابن ماجه 1/ 684 مختصراً وقال في الزوائد: إسناده صحيح على شرط البخاري.
(2/111)

ومن هذه الموانع أن يسكت - صلى الله عليه وسلم - في انتظار الوحي، ويعلم ذلك من حاله، فلا يكون سكوته قبل البيان حجة على انتفاء الحرج في الفعل.
وجعل القشيري من هذا النوع (1) أن لا يكون - صلى الله عليه وسلم - مشتغلاً ببيان حكم من الأحكام، مستغرقاً فيه. فلو كان كذلك فرأى إنساناً على أمر ولم يتعرّض له، فلا يكون إقراره حجة، إذ لا يمكنه بيان جميع الأحكام دفعة واحدة.
ونحن نقول: إن ما استدل به من عدم إمكان بيان جميع الأحكام دفعة واحدة حق. ولكن يمكن بيان الحكم بعد انتهائه مما هو بصدده، بل قد قطع - صلى الله عليه وسلم - خطبته يوم الجمعة ليقول لأحد القادمين: "اجلس فقد آذيت وآنيت" (2).
ولكن لكلام ابن القشيري وجه من جهة أخرى. وهي أنه لو رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - إنساناً من الناس على حال سيئة وقد جمع من الجهل والمعاصي صنوفاً، فهل ينكرها عليه جميعاً أم يعتني بنهيه عن أكبرها ويتجاهل أصغرها فلا ينهى عنه، كما هو مقتضى الحكمة، وكما يشهد له تنزل الأوامر والنواهي الشرعية بالتدريج، حتى إن تحريم الربا والخمر، تأخر إلى أواخر العهد المدني؟ والظاهر أن الطريقة الثانية هي التي كان يسير عليها النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد أقر أهل الطائف على إسلامهم مع ترك الزكاة والجهاد (3)، فلم يكن ذلك حجة في جواز ترك الزكاة والجهاد.
وخلاصة هذه الشروط ما قال أبو شامة: "حاصل ضبط هذا الباب أن نقول: كلّ فعل أقَرَّ عليه، ولا مانع من الإنكار، أفاد جوازه، إلاّ في ما علم من دينِه إنكاره أبداً، كأديان الكفرة، فإن سكوت لا أثر له" (4).
__________
(1) البحر المحيط للزركشي 2/ 257 ب.
(2) المحقق ق 41 ب.
(3) أبو داود 8/ 265 وأحمد 4/ 218 ولفظ أبي داود من رواية جابر "اشترطت (ثقيف) على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا صدقة عليها ولا جهاد وإنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك يقول: سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا".
(4) المحقق ق 41 ب.
(2/112)

المبحث الرّابع أنواع التقرير ودلالة كُلٍّ منها
أنواع التقرير:
التقرير على أنواع:
أ- الإقرار على الأقوال، ومنه ما روى أحمد في قصة ماعز: أنه اعترف بالزنا أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثاً، كل ذلك يرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال له أبو بكر: "إنك إن اعترفت الرابعة رجمك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (1). احتج به الحنفية والحنابلة على أن العدد معتبر به في الإقرار بالزنا، من جهتين:
الأول: أن ذلك مما علمه أبو بكر من حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
والثانية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرّ ذلك، ولم يُخَطِّئ قائله.
ب- الإقرار على الأفعال. ومثاله، إقراره خالد بن الوليد على أكل لحم الضب. ومن الإقرار على الفعل الإقرار على الترك، كما نقل (2) أن عمرو بن العاص تيمّم من الجنابة في ليلة باردة وصلّى بأصحابه، فلما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك قال له: "صليت بأصحابك وأنت جنب؟ " قال: ذكرت قول الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} فتيممت ثم صليت، "فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل شيئاً".
فلم يأمره بالإعادة، فكان ذلك إقراراً منه على ترك الإعادة.
__________
(1) أحمد (نيل الأوطار 7/ 100).
(2) أحمد وأبو داود (نيل الأوطار 1/ 280).
(2/113)

الأحكام التي تدل عليها التقارير:
1 - الإقرار على الأقوال:
إن إقراره - صلى الله عليه وسلم - أحداً على قول ما، ينقسم، بحسب المقَرّ عليه، قسمين:
أولهما: ما يتعلق بشؤون الدين أصوله أو فروعه، وما ينبني عليه تشريع. فتقريره عليه يدل على صحته.
وقيل لا يدل، لاحتمال الاكتفاء ببيان سبق. وهذا مردود، لأن سكوته عليه يوهم صحته وتغيير الحكم السابق.
ثم إن كان القول إخباراً عن الشرع، دلّ على أن الشرع كذلك، كما تقدم من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قوله: "إن أقررت أربعاً رجمك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
وإن كان القول مظنة أن ينهى عنه فلم يفعل، أوأن يحكم فيه بحكم معيّن كإيجاب الحدّ أو التعزير فلم يحكم به، دلّ على جوازه، أعني جواز القول وانتفاء ذلك الحكم في حقه.
ومن هذا إقراره - صلى الله عليه وسلم - شعراءه على الغزل والتغني بذكر النساء (1)، كقول حسان:
كان سبيئةً من بيتَ رأسٍ ... يكون مزاجَها عسلٌ وماءُ
على أنيابها أو طعم غضٍ ... من التفّاح هَصّرَه اجتناءُ
وذكر فيها الخمر أيضاً، فقال:
ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأُسْداً ما يُنَهْنِهُهَا اللقاء
وقول كعب بن زهير:
وما سعادُ غداةَ البين إذ رحلُوا ... ألا أغَنُّ غضيضُ الطرفِ مكحولُ
__________
(1) ابن القيم: إعلام الموقعين 2/ 370
(2/114)

يرى ابن القيم أنه - صلى الله عليه وسلم - أقرّ ذلك منهم، لكونه جرياً على عادة الشعراء في مطالعِ قصائدهم مما يذكرونه لجلب انتباه السامعين واستثارة نشاطهم ليتوصل الشاعر إلى إلقاء ما يريده إليهم، وتحصيل الأثر النفسي المطلوب لديهم.
ولا يتمّ هذا القول، في شأن الخمر خاصة، ما لم يثبت أن قول حسان المذكور كان بعد نزول آية تحريم الخمر.
والثاني: ما كان قولاً في شؤون الدنيا، والأمور المغيبة عنه - صلى الله عليه وسلم -.
والتقرير عليه لا يدل على صدق الخبر وثبوت مدلوله. بل قد يَطّلع الله ورسوله على كذب ذلك القائل، كما أطلعه على كذب المنافقين في قولهم: {نشهد إنك لرسول الله} وقول كبيرهم: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} وقد لا يطلعه عليه.
وهذا قول الآمدي وابن الحاجب وكثير من المتأخرين.
وقيل إن التقرير عليه يدل على صدقه لا محالة (1) وأنه لا بدّ أن يُطلع الله رسوله على كذب المخبِر، عصمةً له أن يقرّ أحداً على الكذب. وبه قال السبكي في جمع الجوامع.
والقول الأول أصح، لأن إدعاء العصمة عن هذا عريٌّ عن البرهان، إذ لا يستلزم نقصاً بعد أن أمر الله تعالى نبيه أن يعلنها صريحة {ولا أعلم الغيب} ولأنه قد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقر على النبي ثم يتبين أنه مخالف للواقع، كإفطارهم في رمضان ثم طلعت الشمس.
وينبغي أن يحمل على هذا (2) النوع إقراره - صلى الله عليه وسلم - عمر على حلفه عن ابن صياد إنه الدجّال، ثم تبيّن أنه ليس إياه.
وقد قال ابن دقيق العيد في (الإمام) (3): "الأقرب عندي أن سكوته - صلى الله عليه وسلم - لا
__________
(1) انظر السبكي: جمع الجوامع 2/ 127 - 129
(2) عبد الجليل عيسى: اجتهاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ص 167
(3) البحر المحيط للزركشي 2/ 258 أ.
(2/115)

يدلّ على المطابقة، لأن مأخذ المسألة ومناطها، أعني كون التقرير حجة، هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك يتوقف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحة" (1). اه.

2 - الإقرار على الأفعال:
إن تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - أحداً على فعل، يدلّ على أن لا حرج في ذلك الفعل. وذلك يصح في الفعل إذا انتفى أن يكون حراماً. فإن الحرام هو الذي يأثم فاعله ويعصي به، وهو المنكر الذي أمر - صلى الله عليه وسلم - بإنكاره.
فما أقرّ عليه إما أن يكون واجباً، أو مندوباً، أو مباحاً.
وأما المكروه، فالمشهور عند الأصوليين أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يُقِر عليه. وذلك مشكل. ووجه إشكاله أن المكروه ليس معصية، بل يؤجر من تركه لله، وأما من فَعَله فلا إثم عليه. فليس هو معصية حتى يلزم النبي - صلى الله عليه وسلم - إنكاره.
هذا ما يبدو بادي الرأي.
ولكن لما كان المكروه مطلوب الترك، وهو منهي عنه، فهو منكر من هذه الناحية. فلا يترك النبي - صلى الله عليه وسلم - إنكاره وإن لم يكن معصية. وإنما يرفع الحرج عن فاعله بعد أن يقع، أما قبل وقوعه فهو يستحق النهي عنه كالمحرمات.
والحاصل أن المنكر الذي يستحق الإنكار، أعمّ من المعصية.
ويقول الشاطبي: "المكروه غير داخل تحت ما لا حرج فيه، لأن المراد بما لا حرج فيه هنا ما قبل الوقوع. ولا شك أن فاعل المكروه مصادم للنهي بحتاً كما هو مصادم في الفعل المحرم، ولكن خفة شأن المكروه، وقلة مفسدته، صيرته -بعدما وقع- في حكم ما لا حرج فيه، استدراكاً له من رفق الشارع بالمكلف. ومما يتقدمه من فعل الطاعات، تشبيهاً له بالصغيرة التي يكفّرها كثير من الطاعات" (2).
__________
(1) (الإمام) لابن دقيق شرح (الإلمام في أحاديث الأحكام) من خير ما كتب ابن دقيق العيد. وقد أثنى الزركشي على (الإمام) جداً، وقال: (به ختم التحقيق في هذا الفن) يعني فن أصول الفقه، لما أورد فيه من التحقيقات الأصولية. ويظهر أن الإمام مفقود الآن.
(2) الموافقات 4/ 67، 68
(2/116)

هذا وقد أثبت الشاطبي (1) نوعاً من الإقرار لا يدل على الإباحة الصرفة. وهو أن يقر أحداً على شيء ثم يتنزه عنه هو، كإقراره عائشة على بيان بعض شأن الحيض للمرأة السائلة وتركه هو - صلى الله عليه وسلم -. وكإقراره بعض شأن الليل والغناء مع إعراضه عن سماعه.
والذي يظهر من كلام ابن حزم أنه يرى جواز الإقرار على المكروه، فإنه يقول: "الشيء إذا تركه - صلى الله عليه وسلم - ولم ينهَ عنه ولا أمر به، فهو عندنا مباح أو مكروه، من تركه أُجِر، ومن فعله لم يأثم ولو يؤجر، كمن أكل متكئاً، ومن استمع زمارة الراعي. فلو كان ذلك حراماً ما أباحه لغيره، ولو كان مستحباً لفعله، فلما تركه كارهاً له كرهناه ولم نحرمه" (2).
ويقول أيضاً: "إن كان قد تقدم في ذلك الشيء نهي فقط ثم رآه - صلى الله عليه وسلم - أو علمه فأقره، فإنما ذلك بيان أن ذلك النهي على سبيل الكراهة فقط" (3). وجعل منه إقراره - صلى الله عليه وسلم - لصحابته على الصلاة خلفه وهم قيام وهو جالس، وكان قد نهاهم عن ذلك.
هذا وإن من مشكل التقارير ما روى البخاري، واللفظ له، ومسلم، عن أم عطية، قالت: بايعْنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقرأ علينا: {أن لا يشركن بالله شيئاً} ونهانا عن النياحة. فقبضت امرأة يدها، فقالت: أسعدَتْني فلانة، فأريد أن أجزيها، فما قال لها النبي شيئاً -وفي رواية مسلم قالت: إلاّ آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بدّ لي أن أسعدهم. قال: إلاّ آل فلان- فانطلقت ورجعت، فبايَعَها.
فظاهره أنه أذن لها في المحرم.
وقد اختلف تخريج العلماء له، فمنهم من تخلّص بأنه خاص بتلك المرأة. ومنهم من قال: أذن لها في البكاء دون صوت. ومنهم من قال: ليست النياحة
__________
(1) الموافقات 4/ 72
(2) الإحكام ص 484
(3) الإحكام ص 437
(2/117)

محرمة بل مكروهة. وقال ابن حجر: "الأقرب أن النياحة كانت مباحة، ثم كرهت كراهة تنزيه، ثم حرّمت" (1).
والأولى عندي أن يقال: إن بعض المكروهات ينتقل بالبيعة عليه إلى التحريم على المبايع. إذ لو كان الحكم قبل البيعة كالحكم بعدها لما أخرت البيعة إلى أن انقضت مهمتها. وقد ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بايع بعض أصحابه: "أن لا يسألوا الناس شيئاً" فيصح قول من قال: النياحة مكروهة لغير المبايعات. وإنما يصح هذا على قول من يجيز الإقرار على المكروه. والله أعلم.

كيفية معرفة حكم الفعل المقرّ عليه:
إن ما أقرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه غيره، يعيّن حكمه على الطريقة التي تقدمت في الأفعال الصريحة. فإن كان الفعل امتثالاً لإيجاب فأقرّه على صفة معينة، فإن الإقرار يدل على الإجزاء، على تلك الصفة، ومثاله: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه (2) بعد انصراف الأحزاب: لا يصلينَّ أحد منكم العصر إلّا في بني قريظة. فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق. فقال بعضهم: لا نصلي حتي نأتيهم. وقال بعضهم بل نصلّي ولم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنِّف واحداً منهم".
فهو دليل على أن ما فعَلوا كان سائغاً لهم. وقد اختلف في علّة هذا التقرير. وقال السهيلي: "فيه دليل على أنه لا يعاب الأخذ بالظواهر، ولا على من استنبط من النصّ معنىً يخصصه" (3).
وإن كان الفعل امتثالًا لاستحباب، دلّ على الصحة كذلك.
وإن لم يتبيّن فيه أنه امتثال نُظِر فيه، فإن كان على وجه التعبّد، دلّ على صحّة التعبّد بذلك الفعل، فإن التعبّد توقيفي، ولا يجوز التعبّد بما لم يشرع التعبّد
__________
(1) انظر: فتح الباري 8/ 639
(2) البخاري 7/ 408
(3) فتح الباري 7/ 409
(2/118)

به، كالإختصاء مثلاً. قال سعد بن أبي وقاص: "ردَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - التبتّل على عثمان بن مظعون، ولو أذن له لاختصينا" (1) وكالقيام في الشمس لله، نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - (2) عنه أبا إسرائيل.
ولا يجوز حمل التعبّد المقَر عليه، من هذا النوع، على مرتبةٍ أعلى من الاستحباب.
وإن لم يكن على وجه التقرب به لله، وجب حمل الفعل على الإباحة. ومن ذلك ما أقرّهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه من البيوع والإجارات والشركات والوكالات، والضرب في الأرض والصيد، والاحتشاش، وغير ذلك. وكأنواع المآكل التي رآهم يأكلونها. والملابس والهيئات التي كانوا يتخذونها، إلى غير ذلك.
وقد قال الزركشي في البحر المحيط: "إذا تضمّن التقرير رفع الحرج فهل يحمل على الإباحة، أو لا يقضى بكونه مباحاً أو واجباً أو مندوباً بل يتوقف فيه؟ " (3). قال: "ذهب القاضي (الباقلاني) إلى الثاني، وذهب ابن القشيري إلى الأول".
والذي اخترناه فيما ليس على وجه القربة، هو القول الأول، وهو قول القشيري. أمّا الباقلاني فقد ذهب إلى الوقف كذلك في الفعل المجرّد، وقد سبق الردّ عليه فيه، فكذلك يُرَدّ عليه مذهبه في التقرير.
ثم إذا تبيّن أن التقرير يدلّ على الجواز، فإن كان قد سُبِق بنهي عام. فإن التقرير يدل على نسخه أو تخصيصه، على ما يأتي في باب التعارض إن شاء الله.
وقد يقال: إن هذه الأشياء على الإباحة، وهي الأصل، فلو لم يرد أنه - صلى الله عليه وسلم - أقرّ عليها بأعيانها لحكمنا بإباحتها، فما فائدة التقرير؟.
وقد ذكرنا الجواب عن مثل هذا السؤال في باب الأفعال الصريحة (4)، فليرجع إليه.
__________
(1) البخاري 9/ 117 ومسلم 9/ 176
(2) البخاري 11/ 586 وأبو داود ومالك.
(3) ق2/ 256 ب.
(4) انظر المطلب الثالث من الفصل السادس.
(2/119)

الإقرار على ما كان في الجاهلية واستمر في أول الإسلام:
إنه من المعلوم أن كثيراً من العادات الجاهلية لم تنكر من أول الإسلام، بل بدأ إلغاؤها بالتدريج، الأهمّ فالأهمّ، حتى أكمل الله دينه، وتمّ تحريم ما أراد الله تحريمه منها. ومن ذلك الخمر، والزيادة على أربع زوجات (1).
وقد قال ابن أبي هريرة: "يشترط كون التقرير بعد ثبوت الشرع، وأما ما كان يقر عليه قبل استقرار الشرع حين كان داعياً إلى الإسلام فلا" (2).
ومبنى قوله هذا أن الإقرار يدل في الأمور العادية على الإباحة الشرعية. فإن قلنا بأنه يدل على الإباحة العقلية وأن المسألة خالية عن حكم شرعي بالتحريم أو الكراهة، فلا حاجة إلى هذا الشرط، وهو الصواب. والله أعلم.

3 - الإقرار على الترك:
يدل إقرار الترك لعبادة ما على عدم وجوبها، فإن أقرّ فرداً ما على تركها، دلّ ذلك أنها ليست واجباً عينيّاً، مع احتمال أنها فرض كفاية، كما لو أقر إنساناً على ترك صلاة العيد.
وإن أقر جماعةَ بلدٍ أو قبيلة أو غير ذلك على ترك عبادة، دل على أنها ليست فرض عين ولا فرض كفاية. وقد أقر أهل البوادي على ترك إقامة الجمعات والأعياد، فدلّ ذلك عند العلماء على أنها غير واجبة عليهم.
ومن باب الإقرار على الترك ما ذكر ابن تيمية في (القواعد النورانية) (3) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع أمرهم بالإتمام، فقال: "يا أهل مكة أتِمُّوا صلاتكم فإنّا قومٌ سَفْر". وأما بمنى وعرفة ومزدلفة فلم ينقل أحد أنه أمرهم بذلك. قال ابن
__________
(1) انظر: ولي الله الدهلوي: الحجة البالغة ص 270. محمد قطب: منهج القرآن في تطوير المجتمع. محمد أبو زهرة: أصول الفقه ص 48
(2) البحر المحيط للزركشي 2/ 257 ب.
(3) ص 100
(2/120)

تيمية: "لو كان المكيّون قد قاموا فأتموا الظُّهر أربعاً، وأتموا العصر والعشاء أربعاً أربعاً، لما أهمل الصحابة نقل هذا". اه. وهذا يدل عنده على أنهم قصروا، ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم، ورجّح بهذا مذهب أهل المدينة من أن للمكيين القصر بالمناسك بعذر النسك، على مذهب الشافعي وأحمد أنهم لا يقصرون.
وعندي أن مذهب الشافعي وأحمد أصح، وذلك من حيث إن ترك النقل ليس نقلًا للترك، كما تقدم بيانه في فصل الترك.
وأيضاً فإن الشرع كان قد استقرّ على أن غير المسافر لا يقصر، وأهل مكة بالنسبة إلى المناسك ليسوا في حال سفر.
وأيضاً لما أمرهم بالإتمام أول مرة عُلِمَ الحكم، فلا يلزم تكرار البيان. والله أعلم.
تنبيه: يجب أن يفرق بين دلالة التقرير على جواز الفعل وصحته من حيث الظاهر، وبين دلالته على ذلك من حيث باطن الأمر، فإن الأول لازم للتقرير دون الثاني. وقد ورد من حديث أسماء بنت أبي بكر، قالت: "أفطرنا على على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم غيم، ثم طلعت الشمس" (1).
وتخاصم إليه رجلان في أرض فقال: "إنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألْحَنَ بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه ... " الحديث.
ويشهد له أنه - صلى الله عليه وسلم - قُرِّب إليه لحم الضب فأراد أن يأكل منه، فقيل له: إنه لحم ضبّ، فأمسك عنه. وتقدّم مثل هذا في بحث العصمة من باب الأفعال الصريحة.
وقد قال أبو الحسين البصري: "نقل عن عبد الجبار: إذا أباح إنسان
__________
(1) البخاري (فتح الباري ط الحلبي 5/ 102) وأبو داود.
(2/121)

النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل طعامه، فاستباح النبي - صلى الله عليه وسلم - أكله، فإنه لا يدلّ على أنه مِلْكُه لا محالة، لأنه يكتفي في استباحة الأكل بظاهر اليد" (1). اه.
تنبيه أخر: لو تحدَّث متحدث أمامه - صلى الله عليه وسلم -، عن إنسان فعَل فِعْلاً أو قال قولاً، وذلك الفاعل أو القائل ممن كان قد مات، أو كان كافراً عند فعله فأسلم، أو لا يزال كافراً، أو غير ذلك، ممن لا يؤثِّر الإنكار عليه تركاً للمعصية، فإن الإنكار والبيان لا يجب. وبالتالي لا يكون الإقرار عليه حجة.
ومن هذا يتبيّن أن ما كان يَرِد في ما يحدّث الصحابة به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو يحدّث بعضهم بعضاً أمامه، عمّا حصل له في الجاهلية أو لغيرهم، فلا يكون حجة لحكم شرعي. ومن ذلك إخبار سلمان الفارسي بقصة تنصره وأسره ورقّه، وما حصَل له أثناء ذلك.
__________
(1) المعتمد 1/ 387
(2/122)

المبحث الخامس تعدية حكم التقرير لغير المقرر
تبيّن مما تقدّم من هذا الفصل أن من أقرّه النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعل فإن تقريره دليل على ارتفاع الحرج بالنسبة إلى فاعل ذلك الفعل. وعلى ذلك اتفاق الأصوليين (1). فأما من سواه، فقد اختلف الأصوليون في تعدية ذلك الحكم إليهم.
والبحث في هذا ينقسم قسمين، لأنه إما أن يسبق تحريمه، فيتعارض القول والتقرير. ونذكره في باب التعارض إن شاء الله.
وإما أن لا يسبق تحريمه؛ فهذا القسم ذهب جمهور الأصوليين إلى أن حكمه يتعدّى.
ووجهه قاعدة استواء الأمة في الأحكام.
وقد ادّعى بعض الأصوليين الإجماع على هذه القاعدة، وليس الإجماع عليها ثابتاً.
وأيضاً قد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما قولي لامرأة واحدة إلاّ كقولي لمائة امرأة" (2). والسكوت عن الإنكار في حكم الخطاب، والخطاب يعمّ.
ومما يؤيّد ذلك أن خطابه - صلى الله عليه وسلم - للصحابة في عصره يتعدّى إلى سائر المسلمين بعد عصره إجماعاً. فكذلك تقريره.
__________
(1) العلائي: تفصيل الإجمال ق 68 أو نقله عن القشيري.
(2) الترمذي والنسائي واللفظ له من حديث أميمة بنت رفيقة. وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخي بإخراجها لثبوتها على شرطهما (المقاصد الحسنة ص 193).
(2/123)

وممن صرّح بتعدي حكم التقرير لغير المقرر أبو المعالي الجويني، وأبو نصر القشيري، والمازَري، وأبو شامة، والعلائي (1).
ونقل عن القاضي أبي بكر الباقلاني (2) أن الحكم يختصّ بالمقرّر ولا يتعدّى إلى غيره، ووجهه أن التقرير ليس له صيغة لتعمّ جميع المكلفين.
والأولى أن يقال: إن شموله لغير المقرّر بضرب من القياس، وليس بطريق العموم اللفظيّ. وقد تقدّم آخر الفصل السابع من باب الأفعال الصريحة ما يغني، فليرجع إليه.
تنبيه: تعدية حكم الفعل المقرّر عليه إلى سائر أفراد الأمة، أقوى من تعدية حكم فعله هو - صلى الله عليه وسلم -، إلى غيره. وقد ذكر الجويني (3) أن الذين وقفوا في تعدية حكم الأفعال النبوية، وافقوا على تعدية أحكام الأفعال التي قرر عليها غيره.
ووجه ذلك واضح، وهو أن ما فعله - صلى الله عليه وسلم - يرد عليه احتمال الخصوصيّة وهو احتمال يضعف التعدية، أما التقرير، فإن حمله على الخصوصية ضعيف جداً لا يكاد يستحق الذكر، لضآلة ما ثبت تخصيص أفراد الأمة به من الأحكام، كتضحية أبي بردة بالعناق، وجعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
ولذلك كان احتمال المساواة بين فاعل الفعل المقَرّ عليه وسائر أفراد الأمة، هو أقوى من احتمال المساواة بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسائر أفراد الأمة. ودلالة التقرير، لذلك، أقوى من دلالة الفعل النبوي، من جهة التعدية خاصة.
وليس معنى ذلك تقديم التقرير على الفعل عند التعارض. فإن الفعل أقوى منه، لزيادته في الوضوح والكمال، ولأن التقرير يطرقه من الاحتمالات ما لا يطرق الفعل. ونذكر ذلك في باب التعارض إن شاء الله.
__________
(1) أبو شامة: المحقق 40، تفصيل الإجمال ق 68 أ.
(2) أبو شامة: المحقق ق 40 أالعلائي: تفصيل الإجمال ق 68 أالسبكي: جمع الجوامع 2/ 96
(3) ابن تيمية: المسودة ص 32، ص 70
(2/124)

المبحث السادس في مسائل متفرقة
المسألة الأولى: ذكر الأمر في أثناء القول هل يكون تقريراً:
إذا ذكَر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمراً في أثناء قولٍ له، ثم لم يقترن بذلك مدح ولا ذمّ، ولا إشعار برضاه بذلك الأمر، ولا إشعار بإنكاره له، فهل يكون ذلك تقريراً له بحيث يدل على أنه لا حرج فيه شرعاً؟.
وليست هذه الدلالة قولية.
ومثاله ما قصّه النبي - صلى الله عليه وسلم - من اغتسال موسى عليه السلام عرياناً حتى ذهب الحجر بثوبه. وقصّ عن أيوب عليه السلام أنه اغتسل عرياناً (1). وورد عن معاوية بن حيدة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " احفظ عورتك إلاّ عن زوجتك وما ملكت يمينك" فقيل له: فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال: "الله أحقّ أن يُستحيا منه من الناس" (2).
وقد احتجّ البخاريّ بقصّة موسى عليه السلام على جواز الاغتسال مع التعرّي في الخلوة. واحتجّ بها ابن قدامة أيضاً (3)، وقال ابن حجر: يظهر أن وجه الدلالة منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصّ القصتين، ولم يتعقب شيئاً منهما، فدلّ على موافقتهما لشرعنا، وإلاّ لو كان فيهما شيء غير موافق لبيّنه، فيجمع بين الحديثين بحمل حديث معاوية على الأفضل.
ومثاله أيضاً: ما ورد في خبر أم زرع الذي رواه البخاري، وفيه أن أم زرع قالت: "وأناس من حَلْي أذنيّ" استدلّ به بعض الفقهاء على جواز تخريق آذان البنات لتعليق الحلي، من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتعقّب ذكره لذلك بإنكار.
__________
(1) قصتهما في صحيح البخاري 1/ 384، 386
(2) حديث معاوية رواه البخاري 1/ 384
(3) المغني 1/ 231
(2/125)

والظاهر عندي أن ما قصّه - صلى الله عليه وسلم - عن الأنبياء، راجع إلى مسألة شرائع الأنبياء هل هي شرع لنا أم لا؟ ويُعلم بحثها في موضعها من كتب الأصول. وقد رجح الأكثر أن ما قصّه الله تعالى منها في كتابه دون إنكار، مما لم يخالفه شرعنا. أنه حجّة، فكذلك ينبغي أن يكون ما قصّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك حجة. وإنما حجّيته من كونه شريعة لنبيّ سابق، وقد أُمر محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يقتدي بهداهم.
أما ما كان في ضمن حديثه - صلى الله عليه وسلم - عن سائر الناس أنهم فعلوا كذا أو تركوا كذا فلا ينبغي أن يكون حجة على الجواز ما لم يقترن به دلالة على الرضا به من ثناء أو نحوه.
وبهذا يتبيّن أننا لا نرتضي توجيه ابن حجر للاحتجاج بقصة أيوب وموسى عليهما السلام، بل وجهه ما أشرنا إليه من كونه موافقاً لشريعتهما، وشريعتهما لنا شريعة. وأننا لا نرتضي الاستدلال المذكور على تخريق آذان البنات.
نوع آخر: مما يلتحق بما تقدم، استعماله - صلى الله عليه وسلم - بعض الألفاظ التي جرت عادة بعض الأقوام بإطلاقها من ألقاب أو تسميات. فمن ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كتب: "من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم". فوصفه بأنه عظيمهم.
ومنها أنه قال في وصف الدجّال: "كأنه عبد العزّى بن قطن". فاستعمل هذا الاسم "عبد العزّى".
فليس ذلك إقراراً لكون هرقل عظيم الروم. ولا بأنه وصل إلى ذلك بطريق مشروع. ولا إقراراً بجواز التسمية ب "عبد العزّى" ونحوه. ويقول عبد الكريم زيدان: "إطلاق هذه العبارة على رئيس الروم من قبيل بيان واقعه، وهو أنه عظيم في نظر الروم، لرئاسته عليهم، وليس بياناً لاستحقاقه هذا الوصف" (1). اه.
وقد قال ابن حجر في قوله: "عظيم الروم" عدول عن ذكره بالملك أو الإمْرَة لأنه معزول بحكم الإسلام. ومع ذلك لم يُخْلِه من شيء من الإكرام لمصلحة التألف.
__________
(1) أصول الدعوة ص 344
(2/126)

وقول ابن حجر هذا، فيه نظر، فقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أناساً من أئمة الكفر كثيرين بألقاب الملك، وفي القرآن من ذلك أيضاً. فلم يكن ذلك اعترافاً لأحد منهم بشيء من الاستحقاق. فهي تعريفٌ لا اعتراف. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عظيم الروم" هو من هذا الباب. والله أعلم.
ومع هذا، يستدلّ بمثل هذه الأحاديث من جهة أنها أفعال نبويّة يقتدى بها. فيجوز للمسلم المخاطبة بمثل هذه الألفاظ لأمثال هؤلاء. ولعل ذلك إنما يجوز حيث يتعيّن، ولا يكون هناك معرّف سواه، وذلك لما فيه من الإيهام.

المسألة الثانية: السكوت على ما يوهمه القول الجائز:
لو تكلّم متكلم بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلام ليس كذباً ولا إثم فيه، ولكن يلزم منه إساءة فهم حكم شرعي، فهل يجب عليه - صلى الله عليه وسلم - الإنكار، لئلا يسبق إلى الأذهان ما يخالف الحكم الشرعي؟.
ويمثل لهذه القاعدة بقصة المتلاعنين، عويمر العجلاني وامرأته. وفيها أنه بعد تمام اللعان: "طلقها ثلاثاً قبل أن يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم -" (1). وسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - على قوله هذا. فاحتجّ بعض الفقهاء بسكوته على لازم القول، وهو أن اللعان لم تقع به الفرقة، إذ لو وقعت به الفرقة لما كان للطلاق بعدها معنى. وهو قول الحنفية ورواية عن أحمد.
والرواية الأخرى عنه وقول المالكية والشافعية أن الفرقة وقعت باللعان (2).
ولعلّ جواب هؤلاء عن الحديث أنه لا يبعد أن يكون الأمر واضحاً للحاضرين والمتلاعنين أيضاً، أن الفرقة واقعة باللعان. ولذلك ترك الإنكار عليه. وقد أشار إلى هذا الجواب ابن دقيق العيد في شرح الإلمام (3).
__________
(1) رواه الجماعة إلا الترمذي (نيل الأوطار 6/ 284).
(2) المغني لابن قدامة 7/ 410
(3) البحر المحيط 2/ 258 أ.
(2/127)

المسألة الثالثة: الإقرار على الفعل الحادث، والفعل المستدام:
الأفعال المحرمة، إما أن يحرم ابتداؤها ودوامها، أو يحرم ابتداؤها دون دوامها (1).
فأما ما حرم ابتداؤه ودوامه فيلزم إنكاره على كل حال. كأكل الميتة، ولبس الذهب للرجال. والإفطار في رمضان.
وأما ما حرّم ابتداؤه ولم يحرم دوامه، فمثل النكاح في حال الإحرام.
ومن هنا، فإن التقرير إذا دلّ على ارتفاع الحرج، فإن ارتفاع الحرج يكون من جهة الدوام، مطلقاً. أما رفع الحرج عن الابتداء فقد لا يدلّ التقرير عليه.
وعليه فلو أقرّ رجلاً عنده زوجة أمة وزوجة حرة، فلا يدلّ على جواز ابتداء زواج الأمة إذا كانت عنده حرة. وكذا لو أقرّ حرّاً تحته زوجة أمة وكان موسراً عند إقراره، لم يدلّ على جواز الابتداء.
وقد ورد أن بعض نساء الصحابة كن يلبسن الأقراط، وذلك يعني خرق الأذن لأجل تعليق القرط. احتجّ ابن القيم (2) -بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ذلك فلم ينكره- على جوازه.
وليس هذا حجة، لاحتمال أن يكون التخريق قد حصل في الجاهليّة فأقرّ - صلى الله عليه وسلم - دوامه.
وروي في هذا الحديث أيضاً: "أن رجلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن عندي امرأة هي من أحبّ الناس إلي، وهي لا تمنع يد لامس، قال: طلقها إن شئت. وفي لفظ: غيِّرها. قال: إني أخاف أن تتبعها نفسي، وفي لفظ: لا أصبر عنها. قال: فاستمتع بها" (3). فهذا الإقرار لا يدل على جواز ابتداء العقد على مثل هذه (4).
__________
(1) انظر قاعدة: "يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء" في (الأشياء والنظائر) للسيوطي ص 184
(2) تحفة الودود في أحكام المولود، دمشق، دار البيان1391ه- ص 209
(3) النسائي في موضعين 6/ 66، 170
(4) إعلام الموقعين لابن القيم 4/ 384
(2/128)

وأما الدوام، فقال بعضهم: يحتمل جواز الدوام لمن حدث لها ذلك بعد الزواج. والراجح أن الحديث ضعيف لا يثبت. قال النسائي: "هذا الحديث ليس بثابت". وقال في موضع آخر: "هذا خطأ، والصواب مرسل".
وإن قيل بثبوته كما ادّعاه السِّندي، فهو مؤوّل بأن اللامس طالب الصدقة، ومو ما حمله عليه الإمام أحمد، أو مردود لمعارضته ما هو أثبت منه، كحديث ابن عمر مرفوعاً: "ثلاثة لا يدخلون الجنة، ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه، والمرأة المترجّلة المتشبهة بالرجال، والديّوث" (1).

المسألة الرابعة: بين قاعدة الإقرار وقاعدة "لا ينسب للساكت قول":
قد نصّ الشافعي على أنه: "لا ينسب للساكت قول" (2). وهي لا تتعارض مع قاعدة الإقرار. فإن الإقرار قد قامت الأدلة على حجّيّته كما تقدم، وما نصّ عليه الشافعي قاعدة عامة يستثنى منها ما قام الدليل على أن القول ينسب للساكت، كسكوت البكر إذا استؤذنت في إنكاحها، فهو منها بمنزلة الإذن الصريح، لورود الدليل الدالّ على ذلك، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "البكر تستأذن، وإذنها صُمَاتها" (3). فكذلك الإقرار مستثنى أيضاً.

المسألة الخامسة: سعة دلالة التقرير:
إن دلالة التقرير تنطبق على أفعال لا حصر لها. وذلك لكثرة ما كان يقع تحت ناظريّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأفعال، وما يطرق سمعه من الأقوال من أصحابه، في أثناء مباشرتهم لأمور حياتهم وعبادتهم ودراستهم ونقاشهم وجهادهم وسفرهم وإقامتهم.
فلذلك شيء كثير لا حصر له. ومن هنا يتبيّن أن التقارير في الحقيقة هي
__________
(1) أحمد 2/ 134 واللفظ له. والنسائي 5/ 80 وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
(2) السيوطي: الأشباه والنظائر ص 142
(3) البخاري 12/ 340 ومسلم وأصحاب السنن.
(2/129)

الجزء الأكثر من السنة. وما عداه بالنسبة إليه لا يساوي إلا قدراً ضئيلاً. ولكن ما نقل من التقارير إلينا قليل جداً نسبياً. والذي نقل من الأقوال والأفعال أكثر منه بكثير.
وبالنسبة إلى الصحابة، كان التقرير نوعاً من التعليم الصامت للشريعة، فَعَل فِعْلة في توسيع مدارك صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحكم على الأفعال والأشياء، حتى لنعتقدُ أن المعلومات التي حصلت لديهم من هذا الباب، كانت أوسع من أن تنقل بالتنصيص عليها. وإنما يمكن أن تنقل بالأقوال العامّة. أو بتلمس العلماء في ما بعد عصر الصحابة، أحكامها، بالأقيسة وغيرها من الأدلة القوية والضعيفة.
وهذا يكشف لنا عن جانب من جوانب قوة علم الصحابة بالشريعة، ويقوي قول من قال بأن أقوالهم في شؤون الدين حجّة لازمة.

المسألة السادسة:
ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أمثلة كثيرة للأفعال التي أقرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه عليها. فمن ذلك إقراره لهم على تلقيح النخل، وعلى تجاراتهم التي كانوا يتّجرونها، من تجارة الضرب في الأرض، وتجارة الإدارة، وتجارة السَّلَم، وكإقراره لهم على صنائعهم المختلفة، من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة، وإنما حرّم عليهم فيها الغش والتوسل بها إلى المحرمات، وكإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة وذكر أيام الجاهلية والمسابقة على الأقدام، وكإقرارهم على المناهدة في السفر، وعلى الخيلاء في الحرب ولبس الحرير فيه، وعلى لبس ما صنعه الكفار من الثياب، وعلى إنفاق ما ضربوه من الدراهم، وربما كان عليها صور ملوكهم، وكإقراره لهم بحضرته على المزاح المباح، والنوم في المسجد، وشركة الأبدان. وكإقراره لهم على ما بأيديهم من الأموال التي اكتسبوها قبل الإسلام بربا أو بغيره، ولم يأمرهم بردها ... إلخ (1).
__________
(1) إعلام الموقعين لابن القيم. بيروت، دار الجيل، بالأوفست عن طبعة القاهرة بتعليق طه عبد الرؤوف سعد 2/ 387
(2/130)

الفصل السابع الهمّ بالفعل
إن الإنسان إذا أراد أن يفعل فعلاً ما، فإن ما يرد بباله من الفكر عن ذلك والإرادة له، ينشأ ضعيفاً، ثم يتقوّى حتى يحمل صاحبه على إخراج الفعل إلى حيّز الوجود. وقد يتوقف عند بعض المراحل.
وقد بيّن السبكي الكبير (1) في الحلبيّات، انقسام ذلك إلى درجات خمس. ونحن نذكرها تبعاً له ونبيّنها كما يلي:
1 - الهاجس: وهو ما يُلقى في النفس دون قصد. والهاجس لا يستمرّ، بل إنما هو كومضة الضوء. وقد قال ابن سيدة: "هَجَس الأمر في نفسي: وقع في خلدي". وفي لسان العرب ما ينبئ عن قصر وقت الهاجس، وسرعة انقضائه، وخفاء مضمونه، وذلك أنه ذكر الهَجْس في الأصوات، فقال: الهجسة: النبأة تسمعها ولا تفهمها.
2 - الخاطر: وهو أن يجري في النفس ويتردد فيها. وهو أطول من الهاجس زمناً، وأوضح منه. وأصله من قولهم: خطر البعير بذنبه، إذا رفعه مرة بعد أخرى. وقيل: إذا حركه يميناً وشمالاً. وخطر بالسيف إذا حرّكه كذلك (2).
3 - حديث النفس: وهو أن يقع في النفس الرغبة في أن يفعله، والرغبة في أن لا يفعل. فهو يتردد بين الأمرين لاشتبهاهما، ويحدّث نفسه كالمستشير.
__________
(1) انظر المسألة في (الأشباه والنظائر) للسيوطي ص 33 وذكرها البناني في حاشية جمع الجوامع 2/ 432
(2) لسان العرب.
(2/131)

4 - الهمّ: وهو أن يترجّح عنده قصد الفعل على قصد الترك. قال الحماسي:
إذا همَّ ألقَى بين عينيه عزمه ... ونكبّ عن ذكر العواقب جانباً
فالهمّ قبل العزم.
ثم قد يعدل عما همّ به لخطور أمر آخر بباله يرجح الترك. وقد يعزم.
5 - العزم: وهو قوة قصد الفعل وانعدام قصد الترك، وذلك بعد أن يكون التردد قد انتهى ولم يبق إلا الاستعداد وإمكان الفرصة. قال الله تعالى: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله}. وقال الليث: العزم ما عقد عليه قلبك من أمرٍ أنك فاعله.
وقد بيّن في المواقف وشرحه العزم، بما يجعله هو والهمّ شيئاً واحداً، قال: "العزم هو جزم الإرادة، بعد التردّد الحاصل من الدواعي المختلفة المنبعثة من الآراء العقليّة، والشهوات والنفرات النفسانية. فإن لم يترجح أحد الطرفين حصل التحيّر، وإن ترجح حصل العزم". قال: "والعزم قد يكون سابقاً على الفعل" (1).
ثم قد يعدل عن الفعل لطروء أمر خارجيّ لم يكن قد حسب حسابه، أو لأمر ذكره كان له ناسياً. وقد ينحلّ عزمه لا لشيء. تقول العرب: "فلان ما له عزمة ولا عزيمة". أي لا يثبت على أمر عزم عليه.
وهذه الألفاظ الخمسة ليست في الاستعمال متباينة تمام التباين وقد يستعمل أهل اللغة بعضها في مكان بعض.
ثم إن المرتبتين الأوليين، إذا وقعتا من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا دلالة فيهما قط. لأنهما من قبيل الفعل الجبليّ غير الاختياري. فإنهما يردان على النفس دون قصد.
وأما حديث النفس، فإنه لأجل ما فيه من التردّد بين الأمرين، وعدم الميل إلى أحدهما، لا يعتبر دليلاً شرعياً.
__________
(1) 6/ 133
(2/132)

وإنما تكلّم الأصوليون في الهم والعزم منه - صلى الله عليه وسلم -. ونحن نجعل القول فيهما واحداً لتقاربهما وعسر الانفصال بينهما، حتى إن بعض أهل اللغة قال: الهم هو العزم (1).
وهذان النوعان هما فعلان نفسيان، ومن هنا دخلا في موضوع هذه الرسالة.

هل الهمّ بالشيء حجة؟:
إذا همّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشيء ولم يفعله، ففي دلالته على مشروعية فعل ذلك الشيء قولان:
الأول: أن ما همّ به حجة. وقد جعله الزركشي أحد أقسام السنة. قال: ولهذا استحبّ الشافعي في الجديد للخطيب في الاستسقاء مع تحويل الرداء تنكيسَه، بجعل أعلاه أسفلَه، محتجاً ب "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها. فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه" (2).
قال الشافعي بعد أن ذكر الحديث: "وبهذا أقول، فنأمر الإمام أن ينكّس رداءَه فيجعل أعلاه أسفله، ويزيد مع تنكيسه فيجعل شقّه الذي على منكبه الأيمن على منكبه الأيسر، والذي على منكبه الأيسر على منكبه الأيمن، فيكون قد جاء بما أراد رسول الله من نكسه، وبما فعل من تحويله" (3). اه.
وقال الشوكاني: قال الشافعي ومن تابعه إنه يستحب الإتيان بما همّ به - صلى الله عليه وسلم -. ولهذا جعل أصحاب الشافعي الهمّ من جملة أقسام السنة، وقالوا يقدم القول ثم الفعل ثم التقرير ثم الهمّ.
الثاني: أن الهمّ ليس بحجة. وممن ذهب إلى ذلك الشوكاني. قال: "الحق أن الهمّ ليس من أقسام السنة" قال: "لأنه مجرّد خطور شيء على البال من دون تنجيز له. وليس ذلك مما آتانا الرسول، ولا مما أمر الله سبحانه بالتأسيّ به فيه" (4)
__________
(1) فتح الباري 11/ 328
(2) البحر المحيط 2/ 259 ب.
(3) الذي ذكره الزركشي معنى ما قال الشافعي، ونحن نقلنا النص من (الأم) للشافعي 1/ 251
(4) إرشاد الفحول ص 41
(2/133)

ونحن نقول وبالله التوفيق: إن الهمّ بالشيء أمر نفسي لا يظهر لنا إلاّ بإحدى طريقتين" إما أن يخبرنا به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإما أن يقدم على الفعل فيحول بينه وبينه حائل فيتركه.
الطريق الأولى: أن يخبرنا به النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وحينئذٍ فلا يخلو من أحوال.
1 - إما أن يخبرنا به على سبيل الزجر عن عمل معين. فيدلّ على تحريم ذلك العلم أو كراهته، بدلالة القول، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام. ثم آمر رجلاً فيؤمّ الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار" (1).
دلّ ذلك على وجوب حضورها، وتحريم التخلف عنها، وهي دلالة قولية، من حيث إنه بيّن بقوله ما يفيد أن ما فعلوه هو ذنب.
وكذلك حديث: "إنه - صلى الله عليه وسلم - رأى في بعض مغازيه امرأة مجخّاً على باب فسطاط. فقال: لعلّه يريد أن يلمّ بها؟ قالوا: نعم. قال: لقد هممت أن ألعنه لعناً يدخل معه قبره، كيف يستخدمه وهو لا يحلّ له، أم كيف يورثه وهو لا يحلّ له؟ ".
أما المختلف فيه فهو أن يدل الهمّ على مثل ما يدل عليه الفعل لو فعله. فهل يجوز تحريق المتخلفين، ولعن من أراد أن يفعل كفعل صاحب تلك المرأة؟ هذا موضع الإشكال. وهذا النوع يلتحق من هذه الجهة بالهم المجرّد الآتي ذكره.
2 - وأما أن يخبرنا بهمّه مبيّناً لنا أنه ترك ما همّ به وعدل عنه لأنه تبيّن له أن الداعي له غير صحيح، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكر لي أن فارس والروم يغيلون فلا يضر ذلك أولادهم" (2).
والحكم في هذا النوع واضح.
3 - وإما أن يخبرنا بأنه ترك الفعل اكتفاء بغيره من الدلالات. ولا شكّ في
__________
(1) حديث أبي هريرة رواه البخاري 2/ 152
(2) الغيلة وطء المرضعة. والحديث رواه مسلم ومالك.
(2/134)

حجية هذا النوع. ومنه حديث عائشة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر فأعهد، أن يقول قائلون أو يتمنى المتمّون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون" (1).
4 - وإما أن يخبرنا بأنه همّ بالشيء ولم يفعله، دون زيادة. وهو الهمّ المجرّد. ومثاله حديث: "لقد هممت أن لا أتّهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي" (2).
قولنا في ذلك: الظاهر أن الهمّ لا يدلّ على مثل ما يدل عليه الفعل لو فعله. فما قال الشوكاني من أن: "الهمّ ليس تنجيزاً للفعل" صحيح، وينبغي أن يعتمد. فهو - صلى الله عليه وسلم - لم يُخْرِج ما همّ به إلى حيّز الوجود، فيحتمل أن تكون هناك موانع شرعية منعته من ذلك، أو أنه - صلى الله عليه وسلم - وجَد السبب أقلّ من أن يكون كافياً لبناء الحكم عليه.
فلا يتمّ القول بأن الهمّ المجرد أقسام من أقسم السنة.
وعليه فإن استدلال البخاريّ وابن حجر وابن العربي بحديث الهمّ بتحريق المتخلفين على بعض الأحكام، فيه نظر، ومن ذلك ما بوّب عليه البخاريّ: (باب إخراج أهل الرَيب من البيوت بعد المعرفة) (3) وما قال ابن حجر: "فيه من الفوائد جواز العقوبة بالمال ... وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة ... واستدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاوناً بها ... وفيه الرخصة للإمام أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ولا بعد أن تلحقه في ذلك الجمعة ... واستدل به ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب مالك" (4).
وأما تبويب البخاري على الحديث في موضع آخر: "باب وجوب صلاة
__________
(1) حديث عائشة: "لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر ... " انفرد به البخاري.
(2) حديث: "لقد هممت أن لا أتهب ... " رواه أحمد: المسند، تحقيق أحمد شاكر 4/ 240 وقال: "قال في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح، ونسبه ابن حجر في التلخيص إلى ابن حبان في صحيحه".
(3) فتح الباري 13/ 215
(4) المصدر نفسه 2/ 130
(2/135)

الجماعة" (1) فهو مأخوذ من الدلالة القولية. وهو استدلال صحيح، والنظر إنما هو في التعارض بينه وبين غيره من الأدلة.
الطريق الثانية: إن يحول بينه وبين الفعل حائل جعله يترك الفعل بعد أن عالجه. وهذا النوع هو الذي قال فيه الشافعي ما قال، واعتبره حجة. ذكر ذلك في باب صلاة الاستسقاء من (الأم) كما تقدم. فجعل قلب الرداء أعلاه أسفله سنة.
وقد أبى ذلك جمهور الفقهاء في هذا الفرع. منهم المالكية والحنابلة (2). وانفصل ابن قدامة عن دلالة الحديث باحتمال خطأ الراوي. وأنه يبعد أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك ذلك في جميع الأوقات لثقل الرداء.
ومن أمثلته أيضاً حديث: " أنه - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بضبٍّ محنوذ فأهوى بيده ليأكل، فقيل: أخبِروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما يريد أن يأكل. فقيل: ضب. فرفع يده" (3). ففيه دلالة على جواز الإقدام على أكل ما لا يعرفه، إذا لم يظهر فيه علامة التحريم.
قولنا في ذلك: إن هذا النوع عندنا أعلى من النوع الذي قبله، لأن المانع خارجيّ، والمباشرة قد وقعت. فالقول بأنه من أقسام السنة لا يستبعد.
والتفريق بين النوعين واضح. فإن هذا النوع في حقيقته من أقسام العزم. والعزم أعلى أنواع الهمّ. وينبغي حمل كلام الشافعي على هذا النوع خاصة، خلافاً للزركشي الذي جعل مذهب الشافعي أن الهمّ مطلقاً من السنة.
ولا يعني هذا أننا نأخذ بما قال الشافعي رضي الله عنه من القول بتنكيس الرداء، وذلك لما قاله ابن قدامة، ولما ورد في الحديث: "فحوّل الناس أرديتهم". فإذا كان الصحابة رضي الله عنهم، الحاضرون معه في تلك الصلاة تابعوه فتركوا ما هم به وتركه، فأولى أن يتابعه من بعدهم. ولعلّ هذا الفعل خاصة كان مطلوباً على الصفة التي فعلها هو - صلى الله عليه وسلم -. والله أعلى وأعلم.
__________
(1) المصدر نفس 2/ 125
(2) ابن قدامة: المغني 2/ 435
(3) البخاري 9/ 542
(2/136)

الفصل الثامن الملحقات بالأفعال النبوية
ينتسب إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - أمور سوى الأقوال والأفعال المنتمية إلى منصب النبوة، فيحسن النظر فيها من حيث دلالتها على الأحكام، ليكون البحث مستوفى.
والأمور التي نعنيها هنا، هي أفعاله - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة، وشمائله النفسية، وفعله في المنام برؤياه هو أو برؤيا غيره. وما فعل به - صلى الله عليه وسلم - بعد الوفاة.
فنعقد لكل من ذلك مبحثاً، ونتبعها بمبحث في أفعال الله عز وجل. ومبحث في تقريره.
(2/137)

المبحث الأوّل أفعاله - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة
كانت بعثته - صلى الله عليه وسلم - حداً فاصلاً بين عهدين: عهد كان فيه بشراً كسائر البشر غير متميّز عنهم بشيء، ولم يطالَب أحد من معاصريه بأن يقتدي بشيء من قوله أو من فعله، فهو يسير بينهم واحداً منهم؛ وعهدٍ آخر كان فيه رسولاً من الله للعالمين.
وقد اختلف الأصوليون هل كان - صلى الله عليه وسلم - في العهد الأول متعبّداً بشرع سماويّ؟.
فمنهم من أثبت ذلك، ونسب القرافي هذا المذهب إلى الإمام مالك (1).
ومنهم من نفاه، ونسبه ابن الهمّام إلى المالكية والمتكلّمين، فمنعته المعتزلة، وقال الباقلاني يجوز ولم يقع (2).
وهي مسألة يتداولها الأصوليون. ولكن قال القرافي: "قال المازري وإمام الحرمين: هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة في الأصول ولا في الفروع ألبتة، بل تجري مجرى التواريخ. ولا ينبني عليها حكم في الشريعة" (3).
وقد نقل أصحاب السِّيَر وأصحاب السنن كثيراً من أفعاله وأحواله - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة. وليس المراد بنقولهم هذه أن تكون موضعاً لاستنباط الأحكام الشرعية. والاقتداء بما قال أو فعل. وإنما كان مرادهم أن ينقلوا ما يستدلّ به على أحواله التي
__________
(1) القرافي: شرح تنقيح الفصول ص 130
(2) تيسير التحرير 3/ 130
(3) القرافي: شرح تنقيح الفصول ص 130
(2/138)

تنفع في المعرفة بنبوّته وصدقه. قال ابن تيمية: "فهذه الأمور ينتفع بها في دلائل. النبوّة كثيراً. ولذلك يُذكَر مثل ذلك في كتب سيرته، كما يذكر فيها نسبه وأقاربه، وغير ذلك مما يعلم به أحواله" (1).
ومثال ذلك ما ذكرته خديجة حين قالت (2): "كلاّ والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم وتعيّن على نوائب الحق".
ولهذا كان أعلم الناس به - صلى الله عليه وسلم - أسرعهم إلى تصديقه، لما يعلمون من صدقه وأمانته.
ثم ذكر ابن تيمية أن كتب الحديث أخصّ بما بعد النبوّة، وقد تذكر أشياء مما حدث قبل النبوة، ولكنها "لا تؤخذ لتشرع ... بل قد أجمع المسلمون على أن الذي فرض (الله) على عباده الإيمان به والعمل هو ما جاء به بعد النبوة. ولهذا كان من ترك الجماعة وتخلّى في الغيران والجبال، حيث لا جمعة ولا جماعة، وزعم أنه يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، لكونه متحنّثاً في غار حراء قبل النبوة، في ترك ما شرع من العبادات الشرعية التي أمر الله بها رسوله، كان مخطئاً. فإنه بعد أن كرمه الله بالنبوّة لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك من التحنث".
وهذا الكلام الذي ذكره ابن تيمية حق. إلاّ أنه يعرض النظر في أن الله تعالى، وإن لم يكن قد كلّف محمداً - صلى الله عليه وسلم - بأعباء الرسالة، لكنه قد صنعه على عينه، وجده يتيماً فآواه، وعائلاً فأغناه، وأدّبه فأحسن تأديبه. وهذا يقتضي أن بعض العادات التي تميّز بها، وأُثرت عنه في ذلك العهد، يمكن أن تكون موضع قدوة. وهذا إنما يكون في ما يظهر حسنه ولا يخالف شرعاً. وقد وجدنا البخاري قال في صحيحه: باب كراهة التعرّي في الصلاة وغيرها. ولم يذكر فيه إلا حديث جابر: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له عمه العباس: يا ابن أخي، لو حلّلت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة". قال: "فحلّه فجعله على منكبيه، فسقط مغشياً عليه. فما رؤي بعد ذلك عرياناً" (3).
__________
(1) الفتاوى الكبرى 18/ 10
(2) البخاري 1/ 22 ومسلم.
(3) صحيح البخاري 1/ 474
(2/139)

ويحتمل أن البخاري احتجّ به من جهة ما في قوله: "فما رؤي بعد ذلك عرياناً"، فإنها تشمل ما بعد النبوّة. ولكن قال ابن حجر: "فيه أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مصوناً عما يستقبح قبل النبوّة وبعدها".
وروى أبو داود في كتاب الأدب من سننه قول السائب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كنت شريكي فنعم الشريك، كنت لا تداري ولا تماري" (1).
__________
(1) أبو داود 13/ 181 وأحمد 3/ 435
(2/140)

المبحث الثاني الشمائل النفسيّة (الأخلاق)
الخلق ملكة تصدر عنها الأفعال بلا رويّة (1).
والأخلاق التي كان عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - جَبَله الله تعالى عليها، ولذلك لم تكن محلاً للتكليف، لأن التكليف بالمقدور، والجبليّ ليس مقدوراً.
ويقول ابن عبد السلام: "كل صفة جبلية لا كسب للمرء فيها كحسن الصور، واعتدال القامات، وحسن الأخلاق، والشجاعة، والجود، والحياء والغيرة، والنخوة، وشدة البطش، ونفوذ الحواس، ووفور العقل، فهذا لا ثواب عليه، مع فضله وشرفه، لأنه ليس بكسب لمن اتّصف به. وإنما الثواب والعقاب على ثمراته المكتسبة" (2).
فالأفعال الصادرة عن هذه الصفات، يمكن أن تكون موضع قدوة. وقد بيّنا ما يقتدي به من ذلك في هذه الرسالة. لكن المقصود هنا البحث في أن صفاته - صلى الله عليه وسلم - نفسها. هل تكون موضع قدوة؟.
ومقصودنا بذلك: هل نحن مكلّفون بتحصيل أمثال تلك الأخلاق العالية التي كان عليها - صلى الله عليه وسلم -؟.
إن ما تقدم نقله عن عز الدين بن عبد السلام، يفهم منه أن التكليف لا يتعلق بتلك الصفات أصلاً.
ولكن الذي أثبته علم النفس وعُرف بالتجارب، أن كثيراً من الصفات
__________
(1) شرح المواقف 6/ 129
(2) قواعد الأحكام 1/ 117
(2/141)

النفسية يمكن تحصيلها بالدُّربة والتعلم والتخلّق. فالجود والشجاعة والحياء والغيرة والنخوة وشدة البطش واللطف والعنف، ونحو ذلك، وإن كان بعضها جبلياً، كما يلاحظ في الفروق بين الأطفال، إلا أن المران والتعليم والتدريب العملي، كافية لإحيائها في النفوس، أو تعديلها إن كانت موجودة على وضع منحرف. والنفوس بطبعها مجبولة على تقبّل ذلك التعليم. وكما هو ملاحظ في التدريب البدنيّ العضليّ أنه يكسب العضلات قوة ومتانة، ويعطيها استعداداً لمواجهة الأمور الحيويّة بكفاءة أكثر، فكذلك القوى النفسية، هي مهيأة لذلك. فإن اعتنُي بها نبتت ونمت، وإلاّ ضعفت وماتت. وفي حديث أبي سعيد: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأشَجّ عبد القيس: إن فيك خصلتين يحبّهما الله: الحلم والأناة. قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: بل الله جبلك عليهما" (1). فإن جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - يفهم منه أن هاتين الخصلتين يمكن أن يتخلق الإنسان بهما.
وربما كان مقصود ابن عبد السلام ما ذكره الشاطبي من أن الصفة، كالعلم، وإن لم تكن مكتسبة، إلا أن مقدماتها التي تنتجها، كالنظر والبحث يمكن أن تكون مكتسبة.
فهذا يمكن أن يسلّم.
ونبني عليه فنقول: إن أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - قد أثنى الله تعالى عليها بقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} (2)، وكثير منها لم يكن سعى لتحصيله، بل جبله الله تعالى عليه. فالاقتداء به ليس من قبيل الاقتداء بالفعل، وهو مع ذلك مطلوب بأن يتخلق المسلم بما كان خلقاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كالجود والحياء والشجاعة.
ودليل طلبها، ما ذكرته من ثناء الله تعالى على خلقه، فهو تنبيه على التخلق بمثله. ومن أدلته أيضاً قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} فإنها في كل شؤونه - صلى الله عليه وسلم -، لا في أفعاله خاصة.
__________
(1) أبو داود 14/ 136 وهذا لفظه وأصله عند مسلم 1/ 192 والقصة بأتم من ذلك في مسند أحمد 4/ 206
(2) سورة القلم: آية 5
(2/142)

المبحث الثالث فعله - صلى الله عليه وسلم - في الرؤيا
إذا رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسَه في المنام يفعل فعلاً، أو رآه غيره من معاصريه أو ممن بعدَه يفعل فعلاً، فهل ذلك الفعل محل قدوة، كغيره من الأفعال المقتدى بها؟.
واضحٌ انقسام المسألة إلى قسمين، فنعقد لكل منهما مطلباً.

المطلب الأوّل إذا رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه، يفعل فعلاً، فرؤيا الأنبياء حق.
وقد نقل القرطبي أن ابن عباس قال: "رؤيا الأنبياء وحي". واستدلّ بقوله تعالى عن إبراهيم: {قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر} (1) فهل كان رأى أنه يذبح ابنه وكان ذلك أمراً؟ هذا هو الظاهر، وعليه اقتصر الأسنوي (2). واحتجّ من الآية بثلاثة أوجه: قول إسماعيل: {افعل ما تؤمر}، وقوله تعالى: {إن هذا لهو البلاء} وقوله: {وفديناه}.
ويحتمل أنه رأى آمراً يأمره أن يذبح ولده (3).
__________
(1) سورة الصافات: آية 102
(2) نهاية السول 2/ 33
(3) ذكر القرطبي هذا الاحتمال.
(2/143)

فعلى الأول تكون رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يفعل فعلاً: أمراً له بالوحي، أن يفعل ذلك الشيء. وقد يكون وعداً بتحقيق ذلك وبشارةً به.
فمثال ما هو أمر ما في حديث أبي موسى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "رأيت في المنام أني أهاجر إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي يثرب" (1).
ومثال الرؤيا التي هي وعد وبشرى: ما روى الطبري عن ابن عباس في تفسيره قوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس} (2) قال: "يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُري أنه دخل مكة هو وأصحابه وهو يومئذٍ بالمدينة. فعجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السير إلى مكة قبل الأجل، فردّه المشركون. فقال أناس: قد رُدّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان حدّثنا أنه سيدخلها. فكانت رجعته فتنتهم" (3). اه.
ثم كان تأويل رؤياه تلك، عمرة القضاء في السنة التالية.
وقد تكون رؤياه خبراً عن حكم شرعي، كرؤيته - صلى الله عليه وسلم - ليلة القدر أنها في إحدى العشر الأواخر من رمضان ثم أنسيها.

المطلب الثاني من رأى في المنام النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل
عقد البخاري في كتاب التعبير من صحيحه، باباً بعنوان (من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام) فذكر فيه حديثاً بألفاظ مختلفة. منها رواية أنس رضي الله عنه، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثّل بي". ورواية أبي سعيد: "من رآني فقد رأى الحقّ، فإن الشيطان لا يتكوّنني".
__________
(1) البخاري 6/ 627 ورواه مسلم.
(2) تفسير الطبري. ط مصطفى الحلبي 1373ه - 15/ 112
(3) سورة الإسراء: آية 60
(2/144)

وذكر ابن حجر في تفسير هذا الحديث أقوالاً مختلفة، ثم قال: "قال القرطبي والصحيح في تأويله أن مقصوده أن رؤيته في كل حال ليست باطلة، ولا أضغاثاً، بل هي حق في نفسها. ولو رؤي على غير صورته، فتصوُّرُ تلك الصورة ليس من الشيطان، بل هو من قبل الله، وقال: هذا قول القاضي أبي بكر" (1). اه.
ثم قد قال ابن أبي جمرة: "قيل: معناه أن الشيطان لا يتصوّر بصورته أصلاً، فمن رآه في صورة حسنة، فذلك حسن في دين الرائي، وإن كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص فذلك خلل في الرائي من جهة الدين. قال: وهذا هو الحق. فعلى قول القرطبي وابن أبي جمرة، كل رؤية له - صلى الله عليه وسلم - المنام فهي حق" (2).
أما القرافي فقد قال: "إنما تصح رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحد رجلين" (3):
1 - صحابي رآه فعلم صفته، فانطبع في نفسه مثاله، فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان، فينتفي عنه اللبس والشك في رؤيته - صلى الله عليه وسلم -.
2 - ورجل تكرّر عليه بسماع صفاته - صلى الله عليه وسلم - المنقولة في الكتب حتى انطبعت في نفسه صفته - صلى الله عليه وسلم - ومثاله المعصوم. فإذا رآه جزم برؤية مثاله، كما يجزم به من رآه، فينتفي عنه اللبس والشك في رؤيته - صلى الله عليه وسلم -.
وأما غير هذين فلا يحصل له الجزم. بل يجوز أن يكون رآه بمثاله، ويحتمل أن يكون من تخييل الشيطان. ولا يفيد قول المرئي لمن رآه: أنا رسول الله، ولا قول من يحضر معه: هذا رسول الله. لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره، فلا يحصل الجزم". اه.
وهذا التحقيق موافق لما روي عن ابن سيرين: "أنه كان إذا قصّ عليه رجل أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: صف لي الذي رأيته. فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال له: لم تره" (4).
__________
(1) فتح الباري 12/ 386
(2) المصدر نفسه 12/ 391
(3) الفروق 4/ 244
(4) أصله عند البخاري تعليقاً 12/ 383
(2/145)

فعلى هذا القول: ليس كل من رأى شخصاً قيل له إنه رسول الله، قد رآه حقّاً.

أخذ الأحكام الشرعية من فعله - صلى الله عليه وسلم - في الرؤيا:
ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشيطان لا يتمثّل بي" أن قوله وفعله في المنام بدرجة قوله وفعله في اليقظة، بل أقوى، لقلة الوسائط، وخاصّة بالنسبة إلى الرائي نفسه.
ولكن لو كان كذلك، وجب تقديم ذلك على ما نقل إلينا من الشريعة. وقد نقل الشوكاني عن أبي إسحاق: "أن رؤيته - صلى الله عليه وسلم - في المنام حجة" (1).
وقد أبى جمهور العلماء هذه الطريقة، واتفقوا على أن أي شيء مما ينتج عن الرؤيا إذا خالف الشريعة مردود، وإن وافقها، فهو أمارة يؤتنس بها. وإن لم يوافقها ولم يخالفها جاز العمل بها، كما يعمل بأنواع الخواطر السانحة والإلهامات. فلا بدّ من عرضها على الشريعة على كل حال.
وأجابوا عن الحديث بأجوبة:
منها: ما ذهب إليه النووي: أن الرائي وإن كانت رؤياه حقاً، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء فيها، قال: "لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي. وقد اتفقوا على أن من شروط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظاً لا مغفّلاً ولا كثير الخطأ، ولا مختلّ الضبط. والنائم ليس بهذه الصفة" (2).
ومنها: ما ذهب إليه ابن الحاجّ: "أن الله لم يكلّف عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: رفع القلم عن ثلاثة ... عدّ منهم "النائم حتى يستيقظ" لأنه إذا كان نائماً فليس من أهل التكليف، فلا يعمل بشيء يراه في نومه" (3).
__________
(1) إرشاد الفحول ص 249
(2) المصدر السابق ص 300
(3) عزت عيد عطيه: البدعة ص 299
(2/146)

ومنها: ما قال ابن الحاجّ أيضاً: "أن الشرع حثّ على التمسّك بالكتاب والسنة، فإن خالفتهما الرؤيا علم أنها غير حق، وأن ما فيها من الكلام ألقاه الشيطان له في ذهنه، والنفس الأمّارة".
وحاصل هذا الوجه أن الحديث دلّ على صحة رؤية مثاله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يدلّ على صحة الكلام الذي يسمع منه.
وهذا الجواب لا يتأتى في الأفعال.
ومنها: ما قال ابن رشد وحاصله يرجع إلى أن المرئي قد يكون غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن اعتقد الرائي أنه هو. ومعنى الحديث عنده: "من رآني على صورتي التي خلقني الله عليها، فقد رآني، إذ لا يتمثل الشيطان بي" (1).
ومنها: ما قال الشوكاني: "إن الشرع الذي شرعه الله لنا قد كمّله الله عزّ وجل، وقال: {اليوم أكملت لكم دينكم} ... ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها، وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبيينها بالموت ... وبهذا تعلم أنا لو قدرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله - صلى الله عليه وسلم - أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة" (2). اه.
وهذا عندي هو الوجه المعتمد في الجواب، وأما ما تقدمه من الأجوبة ففيها نظر.
فالخلاصة ما قال الشاطبي: "على الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنّة. نعم يأتي المرئيّ تأنيساً وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكماً، ولا يبنون عليها أصلًا. وهو الاعتدال في أخذها حسب ما فهم من الشرع فيها" (3).
__________
(1) الاعتصام للشاطبي 1/ 262
(2) إرشاد الفحول ص 249
(3) الاعتصام للشاطبي 1/ 264
(2/147)

المبحث الرّابع ما فعل به صلى الله عليه وسلم بعد موته
جعل ابن حبان الأحاديث الواردة في هذا المعنى باباً في قسم الأفعال من صحيحه (1). وليس ذلك من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحقيقة.
ويذكر المحدثون والفقهاء (2) أشياء من ذلك.
منها: أنه: "كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيّةٍ من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة" (3).
ومنها: "أنه غُسل وعليه ثيابه".
ومنها: "أن الصحابة صلّوا عليه فرادى" (4).
ومنها: أنّه: "لما توفي كان رجل يلحَدُ والآخر يَضْرَحُ، فقالوا نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه. فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللّحد فلَحَدوا له" (5). وقال عمرو بن العاص عند وفاته: "الحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصباً، كما فعل برسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (6).
__________
(1) صحيح ابن حبان 1/ 108
(2) انظر في ذلك مثلاً: نيل الأوطار 4/ 36 وما بعدها.
(3) البخاري 3/ 140 عن عائشة. والسحولية: نسبة إلى بلد كانت تصنع بها. والكرسف: القطن.
(4) ورد ذلك في حديث ابن ماجه. وسنده ضعيف (نيل الأوطار 4/ 44).
(5) أحمد وابن ماجه (نيل الأوطار 4/ 85) واللحد الشق في جانب القبر، والضرح الشق في وسط القبر.
(6) أحمد ومسلم (نيل الأوطار 4/ 85).
(2/148)

ومنها: "أنه دفن حيث مات، في بيت عائشة رضى الله عنها، وتولّى دفنه فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه".
ومنها: "أن قبره كان مسنماً (1). ولم يكن مشرفاً ولا لاطئاً (2) ".

وجه الاحتجاج بذلك:
إنما يحتجّ بما فعل به - صلى الله عليه وسلم - عند الدفن من وجهين:
الأول: أن الله تعالى لم يكن ليختار لرسوله - صلى الله عليه وسلم - إلا الأفضل. واقتصر على هذا الوجه ابن حجر (3) في قضية نوع ثياب الكفن وعددها. وأشار إليه بعض الصحابة في قضية اللحد والشق، فإنهم لما أرسلوا إلى الذي يلحد والذي يشق، قالوا: "نستخير ربنا".
وفي هذا الوجه عندي نظر، إذ ليس بمتعيّن أن الله تعالى يختار لرسوله أفضل الأشياء، فإن القبر منزل من المنازل، وكما كان الله تعالى ييسر لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أنواعاً من المآكل والمشارب والمنازل والمراكب، فلا تُدَّعى أفضلية شيء منها على شيء، أو على ما عداها، فكذلك هذا النوع.
الوجه الثاني: أنه فعل من أفعال الصحابة أو قول من أقوالهم. وهذا عندي أولى.
فإن قيل بهذا الوجه، كان مؤخراً عما ورد من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله وتقريره عند التعارض وهو الصواب.
وإن قيل بالوجه الأول كان مقدماً على قوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله وتقريره.
__________
(1) البخاري (نيل الأوطار 4/ 89).
(2) أبو داود (نيل الأوطار 4/ 89).
(3) فتح الباري 12/ 135
(2/149)

المبحث الخامس أفعال الله تعالى
هذا نوع من أصول الأحكام قلّ من ذكره من الأصوليين. وقد قال ابن تيمية: "الأصل قول الله تعالى، وفعله، وتركه القول، وتركه الفعل، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفعله، وتركه القول، وتركه الفعل. وإن كانت جَرَت عادة عامة الأصوليين أنهم لا يذكرون من جهة الله إلا قوله الذي هو كتابه، ومن جهة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... قوله وفعله وإقراره" (1). اه.
وقد تعرّض الرازي لبيان الله تعالى فصرّح باستحالته بالإشارة. ورأى القرافي (2) أن ذلك تنبيه من الرازي على استحالة بيانه تعالى بالفعل والكتابة أيضاً، وبيّن القرافي أن ذلك من الرازي تناقض. لتصريحه بجواز البيان بالقول، ولا فرق بين الأمرين.
وقال السمعاني: "يقع البيان من الله تعالى بالقول والفعل والكتابة والتنبيه على العلة، ولا يقع بالإشارة" (3). اه.
ويمثّل للاستدلال بفعله تعالى: بعذابه للمنذَرين، فإنه دليل على تحريم ما فعلوه، ووجوب ما أُمروا به. فهذا في الاستدلال بطريق اللزوم.
وأما الاستدلال على أن نعمل مثل ما عمل، فقد قال الحنابلة ومالك والشافعي في أحد قوليه برجم اللائط بكراً كان أو ثيباً. واحتجّ بعضهم لذلك: "بأن الله تعالى عذّب قوم لوط بالرجم، فينبغي أن يُعاقَب من فعل مثل فعلهم بمثل
__________
(1) المسودة ص 298
(2) شرح تنقيح الفصول ص 123
(3) نقله الشوكاني في إرشاد الفحول ص 173
(2/150)

عقوبتهم" (1). وروى ابن عباس: "ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكّساً ويتبع الحجارة" (2) وأيّد الشوكاني هذه الطريقة في الاستدلال، فقال: "حقيقٌ بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها أحد من العالمين أن يصلى من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة كعقوبتهم".
وقيل إنه كالزنا سواء. وقيل لا حدّ عليه لأنه ليس بزنا، وهو قول أبي حنيفة.
وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر". قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة. قال: "إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس" (3). فاستدلّ بكونه تعالى جميلاً يحب الجمال على جواز محبة الجمال ومشروعيته.

قولنا في ذلك:
أما الطريقة الأولى، وهي الاستدلال بالفعل على لازمه، فهي طريق سالكة، لا عوج فيها، وكل ما ذكره الله تعالى في القرآن من قصص الأمم مع أنبيائها، وما فعله الله تعالى بأعداء الأنبياء، فإنما ذكره لنعتبر، فنعلم حرمة ما عاقبهم الله تعالى عليه ونخاف من أن يوقع الله تعالى مثله بنا إن نحن فعلنا مثل فعلهم، لقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} (4).
وأما الطريقة الثانية، وهي أن نفعل مثل فعله، كأن نعاقب اللائط بمثل ما عاقبه تعالى به، فهو باب واسع، لو كان حجّة للزم تتبع جزاءاته تعالى للمحسنين في الدنيا والآخرة، والعمل على نمطها. وكذلك عقوباته للعاصين. وللزم مثل ذلك، سواء ذكر في القرآن، أو شاهده الناس عياناً، أو علم بطريق ما. وذلك
__________
(1) ابن قدامة: المغني 8/ 188
(2) رواه البيهقي (نيل الأوطار 7/ 123)
(3) رواه مسلم 2/ 89
(4) سورة الحشر: آية 2
(2/151)

شيء لا ينضبط. وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التعذيب بالنار. وقال: "لا تعذّبوا بعذاب الله" (1). فهذا نهي مصادم لهذا النوع من الاستدلال.
ومثله فرار الحجر بثوب موسى حتى رؤي عرياناً، فلا يجوز أن يستدل به على جواز تعرية الرجل لتبرئته مما يُنْبَزُ به. والله تعالى يفعل ما يشاء.
فالذي نراه أن هذا النوع من الاستدلال باطل.
ونستثني من ذلك أموراً:
الأول: أن نحب ما أحب الله تعالى، وأن نكره ما يكره. فإنه تعالى لا يحب إلّا ما هو خير وحق، ولا يكره إلا ما هو باطل وإثم. وإنما يحصل لنا العلم بما يحبه الله ويكرهه بالشرع من الكتاب أو السنة. وفي الحديث، ينادي جبريل: "إن الله يحب فلاناً فأحبوه" (2). وفي الحديث الآخر: "نحب بحبّك من أحبك، ونعادي بعداوتك من عاداك" (3).
الثاني: بعض ما يتردد بين الحسن والقبح إذا ورد أنه تعالى يفعله، يعلم أنه حسن وإن كان يتوهم فيه النقص، ويكون فعله تعالى دليلاً على أنه لا نقص فيه، وذلك كقوله تعالى: {والله لا يستحيي من الحق} (4) يدل على جواز مباشرة العمل إذا كان حقاً ولا يمنع الحياء من ذلك.
وكاستدراجه لأعدائه، ومكره بالماكرين، وكيده للكائدين (5) ولعنه للكافرين، فكل ذلك جائز بدلالة فعله تعالى.
الثالث: ما ظهر لنا حسنه ولم يعارضه دليل شرعي، كقوله تعالى؛ {ويؤتِ كلَّ ذي فضل فضله} يصحّ الاحتجاج به على استحباب إنزال أهل الكفاءات في منازلهم، والإكثار من الخير للناس بقدر أعمالهم، ونقض طريقة المساواة بين الناس مع تفاوت فضائلهم وأفعالهم. وكقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مرض العبد أو سافر كُتب
__________
(1) أحمد 1/ 217
(2) البخاري 6/ 303
(3) الترمذي 9/ 370 من حديث طويل. وقال: غريب.
(4) سورة الأحزاب: آية 53
(5) انظر أعلام الموقعين 3/ 231
(2/152)

له من الأجر ما كان يعمله وهو صحيح مقيم" (1). يصح الاستدلال به على إعطاء الموظّفين والعمّال مثل أجورهم إذا كان تعطّلهم لعذر صحيح.
ومن هذا النوع أيضاً ما ذكر الشاطبي (2)، وهو عادة الله تعالى في إنزال القرآن، وخطاب الخلق به، ومعاملته بالرفق والحسنى، وأن استفادة ذلك راجع إلى الاقتداء بأفعاله تعالى، فعدّ الشاطبي من هذا عدم المؤاخذة قبل الإنذار، أخذه من قوله تعالى: {وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً} وعد من ذلك أيضاً ترك المؤاخذة بالذنب لأول مرة، والحلم عن تعجيل العذاب للمعاندين.
وكتدرجه تعالى في الأمر بالتكاليف الشاقة، والنهي عما ألفه الناس حتى صار كالطبع لهم.
ونحن نرى الأخذ من هذه الأنواع، مع الحذر والاحتياط، والتنبيه إلى أن الله ليس كمثله شيء، وأن ذلك يقتضي التمايز في الأفعال، فليس كل شيء يحسن منه تعالى هو حسناً منا. والله أعلم.

الأوجه الفعلية لقوله تعالى:
يصح استفادة الأحكام من الآداب البيانية القرآنية، على ما يذكره البلاغيون وقد ذكر الشاطبي لذلك أمثلة سبعة، نقتبسها باختصار تتميماً للفائدة.
1 - أن القرآن حين أتى بالنداء من الله للعباد، أتى بحرف النداء المقتضي للبعد، نحو قوله: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} (3).
وحين أتى بالنداء من العباد لله، ترك حرف النداء، استشعاراً للقرب، فيحصل بالاقتداء بالتعبير القرآني تعلّم هذا الأدب.
2 - أن نداء العبد لله جاء في القرآن بلفظ (الرب) في عامة الأمر، تنبيهاً
__________
(1) البخاري 6/ 136 وأبو داود.
(2) الموافقات 3/ 376
(3) سورة الزمر: آية 53
(2/153)

وتعليماً لأن يأتي العبد في دعائه بالاسم المقتضى للحال المدعوّ بها. ومثاله قوله تعالى: {ربنا لا تزغ قلوبنا} (1) وقوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} (2).
3 - أتى بالكناية في الأمور التي يستحيا من التصريح بها، كقوله: {من قبل أن تمسوهن} {فأتوهن} {كانا يأكلان الطعام}.
4 - أتى بالالتفات الذي ينبىء في القرآن عن أدب الإقبال من الغيبة إلى الحضور إذا كان الحال يستدعي ذلك، نحو {مالك يوم الدين * إياك نعبد} {عبس وتولى أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعلّه يزَّكّى}.
5 - الأدب في ترك التنصيص على نسبة الشر إلى الله تعالى، كقوله: {بيدك الخير} (3) ولم يُرْدِفْه بقول: {والشر}. ونحو قوله: {والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين} (4) لم يقل {وإذا أمرضني فهو يشفين}.
6 - الأدب في المناظرة أن لا يفاجئ بالردّ كفاحاً، دون التقاضي بالمجاملة والمسامحة كقوله تعالى: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} (5). وقوله: {قل إن افتريته فعليّ إجرامي} (6).
7 - الأدب في إجراء الأمور على العادات في التسبّبات وتلقّي الأسباب منها، أخذاً من مساقات الترجيات العادية، كقوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا} (7) وقوله: {لعلكم تتقون} {لعلكم تذكّرون}.
ثم قال الشاطبي بعد إيرادها: "إن هذه الأمثلة، وما جرى مجراها، لم يُسْتَفد الحكم فيها من جهة وضع الألفاظ للمعاني، وإنما استفيد من جهة أخرى، هي جهة الاقتداء بالأفعال" (8).
__________
(1) سورة آل عمران: آية 8
(2) آخر سورة البقرة.
(3) سورة آل عمران: آية 26
(4) سورة الشعراء: آية 79، 80
(5) سورة سبأ: آية 24
(6) سورة هود: آية 35
(7) سورة الإسراء: آية 79
(8) الموافقات 2/ 104 - 107
(2/154)

المبحث السادس تقرير الله تعالى
ليس تقرير الله تعالى حجة، فإنه يملي للظالمين ويمهلهم إلى أجل لا ريب فيه، وقد يعفو ويغفر، فذلك حقه تعالى. وقال عز وجل: {ولو شاء الله ما فعلوه} (1).
وقد احتجّ الكفرة بتقرير الله لهم على ما كانوا عليه من الشرك والافتراء، فرد الله عليهم حجتهم، قال: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء كذلك كذّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علمٍ فتخرجوه لنا إن تتبعون إلاّ الظنّ وإن أنتم إلاّ تخرُصون} (2).
ويتعيّن النظر في نوعين من تقريره تعالى، رأى بعض العلماء أنها حجة:
الئوع الأول: تقريره لما يذكره في كتابه من القضايا. فكل قضيّة ذكرت في القرآن ولم ينبه الله تعالى على بطلانها فهي قضية حق. وكل فعل أو أمر أو نهي صدر عن أحد في القرآن فهو حق إلاّ إذا نبّه على بطلانه.
والدليل لهذا النوع أمران:
1 - أنه باستقراء آيات الكتاب وجدت العادة أنه إذا حكى أمراً لا يرضاه أو ذكر شيئاً يوهم غير المراد، فإنه يشير إلى بطلانه، أو يأتي بما يدفع الوهم وينفي الاحتمال، ومثاله قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} -إلى قوله- {ساء ما يحكمون} (3). وقوله: {ففهّمناها سليمان وكلاً آتينا حُكماً وعلماً} (4) وقوله: {إذا جاءك المنافقون قالوا
__________
(1) سورة الأنعام: آية 137
(2) سورة الأنعام: آية 148
(3) سورة الأنعام: آية 136
(4) سورة الأنبياء: آية 79
(2/155)

نشهد إنك لَرسول الله والله يعلم إنك لَرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} (1).
2 - أن الله أنزل كتابه هداية وإرشاداً وتعليماً للناس، يبيّن لهم ما شرعه الله تعالى ويحكم على الأفعال البشرية، بما يريد الله تعالى أن يكون لهم شرعاً وديناً. وقد سمّى الله كتابه فرقاناً وهدىً وبرهاناً وبياناً وتبياناً لكل شيء. فلا يناسبه أن يذكر عن أحد من الناس ما هو باطل، ثم يسكت عن التنبيه على بطلانه، فإن ذلك يفهم منه رضاه به (2).
والمقرّر عليه في القرآن قسمان:
الأول: ما كان شريعة سماوية لنبي سابق أو قولاً من أقواله أو فعلاً من أفعاله. ويدخل ذلك في مسألة شرائع من قبلنا هل هي شرع لنا؟ وهي مذكورة في كتب الأصول فلا نطيل بذكر الخلاف فيها. والذي رجحه البزدوي وغيره، أن ما كان شريعة لمن قبلنا، وثبت لنا بكتاب الله، أو ببيانٍ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يلزمنا العمل به على أنه شريعة لنا، ما لم يعلم عندنا نسخه في شريعتنا (3). وإنما اشترط البزدوي أن يقص الله تعالى أو رسوله علينا ذلك من غير إنكار له، احتياطاً للدين، لما ثبت من تحريف أهل الكتاب (4).
وقد احتجّ بعض الفقهاء كثيراً بأشياء من هذا النوع، فمنها المهايأة (5): احتجّوا لصحتها بما في قصة هود: {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم} (6). والمهايأة: تَقَاسُم منافع الشيء المشترك بحسب الزمان أو غيره، بأن يستعمله كل من الشريكين سنةً أو شهراً مثلاً.
__________
(1) أول سورة المنافقون.
(2) انظر الشاطبي: الموافقات 3/ 354، 4/ 64 علي حسب الله: أصول التشريع الإسلامي ص 27، 28
(3) أصول البزدوي بشرح البخاري 3/ 933
(4) أصول البزدوي بشرح البخاري 3/ 936
(5) المصدر نفسه 3/ 936
(6) سورة القمر: آية 28
(2/156)

واستدلّ المالكية والشافعية والحنابلة (1) على جواز الجعالة بقول يوسف: {ولمن جاء به حِمل بعيرٍ وأنا به زعيم} (2).
واستدلّ عبد الكريم زيدان (3) بخروج موسى (خائف يترقب) على أخذ الداعي للحذر.
واستدلّ البعض (4) على إباحة صناعة التماثيل بما في قصة سليمان: {يعملون له ما يشاء من محاريبَ وتماثيلَ وجِفانٍ كالجوابِ وقُدورٍ راسيات} (5).
واستدلّ ابن عباس على السجود في سورة (ص) بفعل داود عليه السلام.
واستدلّ غيره على جواز تولي العمل لدى الكفار، وعلى جواز طلب الوظائف الرئاسية، وإدلاء الطالب بما عنده من الصفات والخصائص والخبرات، بقول يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} (6).
واستُدِلّ (7) بقصة الخضر في خرق السفينة -والراجح أنه نبي- على جواز تعييب ملك الغير لأجل إنقاذه من السرقة أو التلف.
ولا بدّ عند الاستدلال بمثل هذا من النظر في ما يعارضه، على الطريقة المعهودة في سائر الأدلة.
وعليه فلا يتم الاستدلال بقتل الخضر غلاماً، وإلقاء يونس في البحر عند
__________
(1) انظر ابن قدامة: المغني 5/ 656
(2) سورة يوسف: آية 72
(3) أصول الدعوة ص 424
(4) الأستاذ عبد المجيد وافي، في مجلة (الوعي الإسلامي) الكويتية، عدد 36 ص 56 وقد رددت عليه في مجلة (المجتمع) الكويتيه في العدد الصادر 24 شوال1390ه - ص 17 وما بعدها. وقد نقل جزءاً كبيراً من مضمون هذا الرّدّ الشيخ محمد علي الصابوني في كتابه (روائع البيان في أحكام القرآن) في تفسير سورة سبأ دون أن يشير إلى مصدره، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(5) سورة سبأ: آية 13
(6) سورة يوسف: آية 55
(7) ابن عبد السلام: قواعد الأحكام 1/ 79
(2/157)

خوف غرق السفينة، على فعل مثل ذلك، ولا على جواز صناعة التماثيل، لتحريمها في شريعتنا بالسنة النبوية.
الثاني: أن يكون المقَرّ عليه ليس شريعة سماوية، ولا قولاً أو فعلاً لنبيّ. وسواء أكان المذكور خبره مؤمناً كذي القرنين ونحوه، أو لم يكن مؤمناً.
والإقرار على هذا النوع أضعف من الإقرار على سابقه، لأن الأول لما كان في الأصل شريعة لنبي، وكان لدينا من الأدلة أمره تعالى لنبينا بالاقتداء بهدي من قبله من الأنبياء، كان ذلك دليلاً خاصاً لحجيته، أما إن لم يكن نبياً فليس لدينا من الأدلة على حجيته إلاّ ذكره في القرآن من غير إنكار.
والذي نقوله إنه حجة ما لم يعارضه ما هو أصرح منه.
وله أمثلة كثيرة ونذكر منها:
1 - قول الذين غلبوا على جماعة أصحاب الكهف: {لنتخذنّ عليهم مسجداً} (1). وقد جاء في حقّ من فعل مثل ذلك الحديث: "أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (2).
2 - قصة مؤمن آل فرعون، وفيها: {يكتم إيمانه} (3) يستدَلّ بها على جواز الكتمان عند الخوف على النفس، وأفضلية الإعلان بالدعوة والصدع بها، وخاصة حيث يخشى عليها عند الكتمان من التحريف أو الضياع. يؤخذ هذا من تنويه الله بشأن هذا المؤمن وتخليده، ما قاله بعد الإعلان.
3 - قصة سليمان، وقول ملكة سبأ: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة} (4).
4 - قصة شاهد يوسف حين قال: {إن كان قميصه قُدَّ من قُبُلٍ
__________
(1) سورة الكهف: آية 31
(2) البخاري 7/ 188 ومسلم 5/ 11
(3) سورة غافر: آية 28
(4) سورة النمل: آية 34
(2/158)

فصدقت ... } (1) الآيات يستدل بها على العمل بالقرائن.
5 - قول أصحاب النار لما قيل لهم: {ما سلككم في سقر * قالوا لم نَكُ من المصلين * ولم نَكُ نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين} (2).
استدل به الأصوليون على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
النوع الثاني: تقريره تعالى لما كان الصحابة يفعلونه في عصر نزول الوحي وليس المراد كل ما يفعلونه حتى المعاصي التي ربما كان بعضهم يفعلها ويستخفي بها، وإنما المراد ما كانوا يفعلونه على أنه مما يأمر به الشرع أو يجيزه.
لقد ذكر هذا النوع ابن تيمية والتزم أنه حجة، وذلك في ما نقلناه عنه قريباً. يقول: "الأصل قول الله، وفعله، وتركه القول وتركه الفعل، وقول رسوله، وفعله، وتركه القول والفعل" قال هذا تثبيتاً لما ذكره عن أبي سعيد الخدري في شأن العزل إنه قال: "كنا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيئاً يُنهى عنه لنهى عنه القرآن". ثمّ قال ابن تيمية: "فهذا لا يحتاج إلى أن يبلغ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، لكن هذا المأخذ قد ذكره أبو سعيد ولم أر الأصوليين تعرضوا له" (3).

رأينا في هذا الأصل:
تحقيقاً للمسألة نبيّن أن هذه اللفظة التي نسبت إلى أبي سعيد، وهي: "لو كان شيئاً يُنهى عنه لنهانا عنه القرآن" وردت في كلام بعض الفقهاء والأصوليين منسوبة إلى أبي سعيد الخدري، وإلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. أما رواية أبي سعيد في العزل فليس فيها هذه الجملة أصلاً في مجموع الروايات التي ذكرت في (جامع الأصول) وأنما الذي فيها: "أنهم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: لا عليكم أن لا تفعلوا، فإنما هو القدر" (4). ولم ترد في (كنز العمال) أيضاً. فالظاهر أنها لا أصل لها.
__________
(1) سورة يوسف: آية 25
(2) سورة المدثر: آية 42 - 44
(3) المسودة ص 298
(4) صحيح مسلم (عبد الباقي) 2/ 1062. جامع الأصول 12/ 104
(2/159)

وأما رواية جابر، فقد رواها مسلم. قال: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق أخبرنا، وقال أبو بكر حدثنا، سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن جابر، قال: كنا نعزل والقرآن ينزل. زاد إسحاق قال سفيان: لو كان شيئاً يُنهى عنه لنهانا عنه القرآن". اه. رواية مسلم.
أقول: الظاهر في هذه الرواية أن هذه الجملة الأخيرة ليست من كلام جابر، بل هي من كلام سفيان. ويحتمل أن تكون من كلام جابر. ولكن قد أخرجه مسلم والبخاري أيضاً وغيرهما من روايات أخرى فلم يذكروها في كلام جابر. وإنما الذي فيه في بعض الروايات عند مسلم: "فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينهنا".
فكلا الصحابيّين ذكرا أن هذا بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولم ينه عن ذلك، وليس في كلامهما الاحتجاج بتقرير الله تعالى، بل الاحتجاج بتقرير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولعلّ الذي غرّ بعض أهل العلم، ما صنعه صاحب (العمدة) إذ اختصر حديث مسلم، وأدرج كلمة سفيان في الحديث (1)، ولم يكن له أن يفعله. وغفل ابن دقيق العيد فلم يشر إلى ذلك. وشرح الحديث على حاله، فقال: "استدلال جابر بتقرير الله تعالى غريب، وكان يحتمل أن يكون الاستدلال بتقرير الرسول. لكنه مشروط بعلمه بذلك، ولفظ الحديث لا يقتضي إلاّ الاستدلال بتقرير الله تعالى". اه.
ومن هنا كان الصواب في المسألة، أن تقرير الله في زمن الوحي يكون حجة بشرط أن يبلغ الفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يحتجّ بذلك على ما لم يبلغه. وكلام الشوكاني في ذلك محرر جيد، وذلك حيث يقول في نيل الأوطار، في شرح هذا الحديث: "فيه جواز الاستدلال بالتقرير من الله ورسوله على حكم من الأحكام، لأنه لو كان ذلك الشيء حراماً لم يقررا عليه، لكن بشرط أن يعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم -" (2).
وبهذا يتبيّن ما في كلام ابن تيمية رحمه الله، السابق ذكره، من المؤاخذة. ويتبيّن أيضاً أن إعراض الأصوليين عن هذا النوع إنما هو لعدم استقلاله بالاحتجاج. والله أعلم.
__________
(1) شرح عمدة الأحكام 2/ 224
(2) 6/ 209
(2/160)

المبحث السابع أفعال أهل الإجماع
قال صاحب مسلم الثبوت وشارحه: مسألة: لو اتّفق أهل الإجماع على فعل، بأن عمل الكلّ فعلاً، ولا قول هناك، فالمختار أنه كفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأن العصمة ثابتة لإجماعهم، لعموم الدلائل التي مرّت، كثبوتها له - صلى الله عليه وسلم -.
وإذا كان كفعله فتأتي المذاهب المذكورة سابقاً، أي في فعله - صلى الله عليه وسلم -. قال: والإمام -لعله يعني الجويني- يحمل على الإباحة إلاّ بقرينة وهو الأظهر. وابن السمعاني قال: كل فعل لم يخرج مخرج الحكم والبيان لا ينعقد به الإجماع.
ومن اشترط الانقراض لعصر المجمعين في الإجماع القولي فالفعل أولى بالاشتراط، لقوة احتمال الرجوع فيه (1).
__________
(1) شرح مسلم الثبوت، القاهرة، مطبعة بولاق، بهامش المستصفى 2/ 235
(2/161)

الباب الثالث التعارض والترجيح
- مقدمة في الاختلاف بين الأدلة.
1 - التعارض بين الفعل والفعل.
2 - تعارض الأفعال والأقوال.
3 - تعارض الفعل والأدلة الأخرى.
4 - اختلاف التقرير والقول، واختلاف التقرير والفعل.
- ملحق: الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل.
(قطعة من رسالة الحافظ العلائي).
(2/163)

مقدمة في الاختلاف بين الأدلة
إذا نظر المجتهد في المسألة، وعرف الأدلة الشرعية الواردة فيها، فقد تكون تلك الأدلة متفقة في الدلالة على الحكم فيقوّي بعضها بعضاً، ويتأكد حكم المسألة بذلك.
وإن كانت الأدلّة مختلفة، ينفي بعضها ما أثبته البعض الآخر، فإن كان بعضها قطعيّ الثبوت والدلالة، والآخر ظنّيّ الثبوت، أو ظنّي الدلالة أو ظنيهما، قدّم القطعيّ على الظنيّ، إذ إن الظن ينتفي بمخالفة أمر قاطع. ومثاله أن يخبرك مخبر أن فلاناً غائب عن البلد، ثم تنظر فترى ذلك الشخص بعينه أمامك، فإن خبر المخبر يتبيّن خطؤه، بثبوت نقيض مدّعاه قطعاً، فينتفي ظن غيبته أصلاً (1) وقد ردّت عائشة رضي الله عنها حديث عمر وحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه" (2). ردّته بقول الله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}.
وأما أن يكون دليلان قاطعان ينفي أحدهما عين ما يثبته الآخر، فذلك بالنظر إلى الحقيقة والواقع أمر مستحيل. لأن الشريعة من عند الله، فلا تناقض فيها، إلاّ بأن يكون أحد الدليلين ناسخاً للآخر.
وأما تعارض ظني مع ظني فهذا أمر ممكن، وواقع.
__________
(1) انظر المستصفى للغزالي 2/ 127، جمع الجوامع للسبكي 2/ 357
(2) ردها لرواية عمر متفق عليها، وردها لرواية ابن عمر متفق عليها كذلك ورواها مالك والترمذي والنسائي. وانظر: الزركشي: الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة.
(2/165)

والتعارض -المصطلح عليه- بين الدليلين، هو تقابلهما على وجه يمنع كل منهما مقتضى صاحبه (1).

العمل عند اختلاف الأدلة:
إذا اختلف مقتضى الأدلة في المسألة الواحدة عند المجتهد، على وجه يوهم التعارض، وكان كل منهما صحيحاً، فإنه يتخذ الخطوات التالية، بالترتيب، فلا يتعجل شيئاً منها قبل مكانه.
1 - الجمع بين الدليلين
2 - اعتقاد النسخ
3 - الترجيح بينهما
4 - التوقف أو التخير، أو التساقط

الخطوة الأولى: الجمع بين الدليلين:
هو أولى من غيره لأن فيه العمل بالدليلين جميعاً. أما الخطوات التي بعد هذه ففيها إلغاء أحد الدليلين على الأقل، والإلغاء إبطال، فلا يجوز إبطال الدليل، إن أمكن إعماله. والجمع بين الدليلين يكون بفهم كل واحد منهما على وجه غير ما يفهم عليه الآخر بحيث يزول التعارض بين مدلوليهما.
ووجوه الجمع كثيرة.
فمن ذلك الجمع بين النصين بحمل المطلق على المقيد. وحمل العام على الخاص.
ومنه حمل أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز.
ومن طرق الجمع بين الدليلين المتعارضين حملهما على حالين، أو زمانين، أو مكانين. فمثال حملهما على حالين حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استأذنه رجل في القبلة في رمضان فأذن له، واستأذنه آخر فلم يأذن له. قال الصحابي راوي الحديث: فنظرنا فإذا الذي أذن له شيخ والذي نهاه شاب. ولم يحملوه على النسخ ولا احتاجوا إلى ترجيح.
__________
(1) الإسنوي: نهاية السول 2/ 64
(2/166)

ومثال حمله على زمانين، أو مكانين، ما إذا نهى بعض المسلمين عن القتال وأذن لغيرهم، فكان النهي في شهر حرام، والإذن في غير شهر حرام، أو النهي في الحرم والأذن في الحلّ.
ومن طرق الجمع التخصيص، فإن كان أحد الدليلين أخصّ من الآخر مطلقاً قُدّم حكم الأخص في منطقة خصوصه، وبقي حكم العموم في بقية أفراد العامّ، كما يذكر ذلك في أبواب العموم والخصوص، من كتب الأصول.

الخطوة الثانية: النسخ:
لا يجوز المصير إلى النسخ إلا أن يعرف المتأخر من الدليلين بحجة صحيحة إذ لا يجوز أن يعتبر أحد الدليلين ناسخاً للآخر بمجرد الرأي، لاحتمال أن يكون العكس هو الصحيح.
ومن شروط النسخ أيضاً أن السنة الآحادية لا تنسخ القرآن عند جمهور العلماء. وقيل أيضاً: السنة المتواترة كذلك لا تنسخه.
وكذلك المتواتر من الحديث لا ينسخ بحديث الآحاد.

الخطوة الثالثة: الترجيح بين الدليلين:
والترجيح يكون من جهات مختلفة، يجمع بينها أن جهة الترجيح قوة في أحد الدليلين المتعارضين يتميّز بها عن الآخر، فيكون ظنّ دلالته على المطلوب أقوى من دلالة الآخر، فيعمل بالراجح، ويطرح الآخر فيهمل. وهذه الجهات مختلفة. منها:
1 - الثبوت: لأن رجحان أحد الدليلين من حيث الثبوت، يقوّي الظن بأن الآخر مكذوب، أو موهوم.
ومن هذه الجهة -جهة الثبوت- يقدّم المتواتر على الآحاد، ويرجّح الأكثر رواة على الأقل، ويرجّح ما سلم سنده على ما فيه اضطراب، وترجّح رواية
(2/167)

الأضبط والأوثق على رواية من هو أقل منه ضبطاً أو ثقة. ويرجّح ما له شواهد، على ما لا يشهد له في الشرع شيء.
2 - ومنها: جهة جنس الدليل: وهي أن يكون جنس أحد الدليلين أقوى من جنس الدليل الآخر. فيقدّم القرآن على السنة والقياس. وتقدم السنن على الأقيسة. وأما الإجماع فقد قدّمه البعض على القرآن والسنة من جهة أنه لا يقبل النسخ. ورفض ذلك ابن تيمية (1) ومنكرو الإجماع كالشوكاني (2).
3 - ومنها: جهة الوضوح والصراحة: فيقدم القياس الجليّ على الخفيّ، ويقدم النصّ على الظاهر والمؤوّل، والحقيقة على المجاز. ويقدم ما ذُكرت علّته على ما لم تذكر علته، لأن ما ذكرت علته أوضح. ويقدم المنطوق على الإشارة والمفهوم.
4 - ومنها: جهة تأكد المدلول ولزومه للمكلّف: فيقدم النهي على الأمر، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم" (3). ومثاله تقديم حديث النهي عن الصلاة بعد العصر، على الأمر بالصلاة عند دخول المسجد قبل الجلوس فيه، في حق من دخل بعد العصر. ويقدّم ما كان أقرب إلى الاحتياط.
والمرجحات كثيرة، إذ كل إمارة ثانويّة قد يرجّح بها إذا انقدح لدى المجتهد تغليبها لأحد الدليلين، على وجه صحيح مطابق للطرق الشرعية، والأصول المعتبرة.

الخطوة الرابعة: التوقف أو التخيير:
إذا عجز المجتهد عن الترجيح بوجه من الوجوه، فقد قيل: إنه يتوقف عن العمل بكلٍّ منهما. وقيل: يخيّر، فيفعل أي الوجهين شاء، لأن معه دليلاً على كلتا
__________
(1) الفتاوى الكبرى 19/ 267 - 270
(2) إرشاد الفحول ص 73، 78
(3) رواه مسلم (الفتح الكبير).
(2/168)

الصورتين. وقيل: إن ذلك يدل على بطلان الدليلين، فيتساقطان، ويرجع المجتهد كمن ليس عنده دليل. والله أعلم.
التعارض في الأفعال: إن الدليل الفعليّ إما أن يعارضه دليل فعليّ آخر، أو دليل قوليّ، أو غير ذلك من الأدلة. فنعقد لكل من هذه الأحوال الثلاثة فصلاً.
ونتبعها بفصل في تعارض التقرير وغيره. والله المسؤول أن يسدّد القول. ويعيّن على التمام.
(2/169)

الفصل الأوّل التعارض بين الفعل والفعل (ويدخل فيه التعارض بين الفعل والترك)
إذا ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلان مختلفان بأن يفعل الشيء مرة ويتركه أو يفعل ضده، كأن يصوم يوم اثنين ويفطر في يوم اثنين آخر أو يقوم عند رؤية جنازة، ثم يقعد عند رؤية جنازة أخرى، فما موقف المجتهد إزاء ذلك؟.
إن أمام المجتهد طريقين في هذه المسألة، وقد ذهب إلى كل منهما بعض الأصوليين:
الأول: أن يقال: إن ورودهما جميعاً ليس من التعارض في شيء. فينبني عليه أن كلاً من الفعلين جائز، فيتخيّر بينهما. ووجه أن الفعل يدل على الجواز، فلا تعارض.
والثاني: أن يقال إنهما يتعارضان إذا لم يمكن الجمع بينهما، فإن علم التاريخ فإن الفعل الثاني منهما يكون ناسخاً للأول. وإن لم يعلم يرجح بينهما، وإلا تساقطا. أو يتخيّر المجتهد بينهما أو يتوقف، على ما تقدم في التعارض.
ويستدل لهذا القول بما ورد في حديث ابن عباس: "إنهم -يعني صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -- كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره - صلى الله عليه وسلم -" (1).

مذاهب الأصوليين في ذلك:
1 - ذهب القاضي الباقلاني إلى القول الأول. فرأى أن الفعلين لا يتعارضان، وأن التعارض فيهما محال. يقول في كتابه التقريب: "دخول التعارض
__________
(1) رواه مسلم 2/ 231 والبخاري ومالك 1/ 294
(2/171)

في الفعلين محال، لأنه إن وقعا من شخصين، أو من شخص واحد في وقتين، أو على وجهين مختلفين، لم يكن بينهما تعارض، لأن الفعل يكون من أحد الفاعلين قربة، ويكون من الآخر معصية، ويكون من الشخص الواحد في وقت قربة، وفي وقت آخر حراماً" (1). اه.
وممن قال بامتناع التعارض بين الفعلين أبو الحسين البصري والقشيري، والغزالي في المستصفى، وابن الهمّام وغيرهم (2). والظاهر من كلام الجويني في البرهان إنه يميل إلى هذا القول. وقال العلائي: "هذا القول هو الذي أطبق عليه جمهور أئمة الأصول".
2 - وذهب جمع آخر من العلماء إلى القول الثاني:
ونسبه الجويني في البرهان إلى "كثير من العلماء" قال: "وللشافعي صغو إلى ذلك" (3) يشير إلى مسلك الشافعي في اختلاف الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفة صلاة الخوف. وسوف نستعرض ما قاله رضي الله عنه في موضع آخر من هذا الفصل. وقال به أبو إسحاق الشيرازي (4) ونسب الشوكاني هذا القول إلى ابن رشد. ونسبه المازري (5) إلى الجمهور. ولعلّه يعني جمهور الفقهاء، لا جمهور الأصوليين. فإن هذا المسلك أغلب على كلام الفقهاء، كما يأتي.
ووجه هذا القول، أن الأفعال لما كانت دالّة على الأحكام، كالأقوال، فإذا دلّ الفعل الأول على الوجوب مثلاً، ثم كان منه - صلى الله عليه وسلم - الترك، فإنه يدل على نسخ الوجوب. وكذا لو ترك على صفة يعلم منها التحريم، ثم فعل، فإنه يدل على نسخ التحريم.
__________
(1) أبو شامة: المحقق ق 44
(2) انظر النقول عن هؤلاء وغيرهم في المحقق من علم الأصول لأبي شامة ق 42 - 47، وفي تفصيل الإجمال للعلائي ق 45 أ، ب.
(3) أبو شامة: المحقق ق 43 أ.
(4) اللمع ص 35
(5) أبو شامة: المحقق ق 46 أ.
(2/172)

تحرير محل النزاع:
1 - لا نزاع في أن الفعلين لا يتعارضان بالنظر إلى حقيقتهما، لأن كل فعل منهما يقع في زمان خاص، وشرط التعارض التساوي في الزمن بين المتضادين، فإذا فعل في وقت ثم ترك في وقت آخر، لم يكن ذلك تعارضاً.
وكما أن الذوات لا تتعارض، فكذلك الأفعال، لأنها أكوان وجودية. ويقول أبو الحسين البصري: "الأفعال إنما تتنافى إذا كانت متضادة، وكان محلها واحداً ووقتها واحداً. ويستحيل أن يوجد الفعل وضده في وقت واحد، في محل واحد، فإذن يستحيل وجود أفعال متعارضة. أما الفعلان الضدّان في وقتين فليسا متعارضين بأنفسهما" (1).
2 - ولا نزاع أيضاً في أن الفعل إن كان بياناً لمجمل، أنه يحلّ محلّ القول. فإذا فعل بعد ذلك ما يعارضه، يحتمل أن يكون الفعل الثاني ناسخاً للأول، وذلك إن لم يكن الجمع بينهما.
ويقول الشوكاني: "إن وقعت الأفعال بيانات للأقوال فقد تتعارض في الصورة، ولكن التعارض في الحقيقة راجع إلى المبيّنات من الأقوال، لا إلى بيانها من الأفعال، وذلك كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلّوا كما رأيتموني أصلي" فإن آخر الفعلين ينسخ الأول كآخر القولين" (2). اه.
ومما يمكن التمثيل به للأفعال البيانية المتعارضية صور صلاة الخوف. فقد وردت روايات تقتضي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها على أربع وعشرين صفة، يثبت منها بحسب علم الاصطلاح ستة عشرة صفة (3). وقد مال الشافعي إلى الأخذ بالمتأخر منها، وهذا يحمل على معنى نسخ المتقدم منها بالمتأخر. ووجهه أن فعله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف بيان لما في القرآن.
3 - ولا نزاع أيضاً أن الفعل إذا دلّ دليل خاص على أن المراد دوامه وتكراره
__________
(1) المعتمد 1/ 388
(2) إرشاد الفحول ص 39
(3) إرشاد الفحول ص 39
(2/173)

في المستقبل في حقه - صلى الله عليه وسلم -، ودلّ دليل خاص على أن المراد تأسي الأمة به في ذلك الفعل، أنه يجري فيه التعارض أيضاً لتنزّله منزلة القول. ويقول الباقلاني: "لا يمتنع أن يُستدَلّ بفعله - صلى الله عليه وسلم - على نسخ حكم ثبت، وهو أن يعلم بدليلٍ أن ما وقع من فعله - صلى الله عليه وسلم - المراد دوام فعله، فيحل ذلك محل القول الذي يقتضي دوام التعبّد بالفعل في المستقبل. فكما يصحّ دخول النسخ في حكم قولٍ هذه حاله، فكذلك يصح نسخ حكم فعل حلّ محله" (1).
ويعلم أن المراد دوام الفعل وتكرره في المستقبل إذا علم ارتباطه بسبب متكررٍ (2)، كصوم الاثنين مثلاً، وصلاة الضحى.
4 - وواضح أيضاً أنه ليس من قبيل تعارض الفعلين اختلاف النقلة في الفعل الواحد إذا نقلوه على وجهين فأكثر. فإن هذا خارج عن مسألتنا، بل هو من قبيل التعارض في الرواية، فيجري الترجيح بين الرواة بالثقة والضبط، وغيرها، أو بالترجيح بين الصور المرويّة أنفسها.
ومثاله صلاة الخسوف، فإن مسلماً روى فيها، في كل ركعة ثلاثة ركوعات، ورُوي كذلك في كل ركعة أربعة ركوعات. وقال ابن تيمية:
"هذا ضعّفه حذّاق أهل العلم، وقالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصلّ الكسوف إلاّ مرة، يوم مات ابنه ابراهيم، وقد تواتر أنه إنما ركع ركوعين" (3). اه.
وقد عقد الغزالي في المنخول (4) لاختلاف النقلة في الفعل الواحد مسألة. ونقل فيها عن الشافعي أنه يُتلقّى من نقلهم للصورتين جواز الآمرين. واختار الغزالي أن ذلك من تعارض النقلة، فيجري الترجيح، ولا يدلّ اختلافهم على جواز الأمرين. وبيّن أن ما نقل عن الشافعي إنما قاله في صلاة الخوف وكان ذلك منه ترجيحاً لإحدى الروايتين لقربها من أبّهة الصلاة.
__________
(1) أبو شامة: المحقق ق 44 أ.
(2) تيسير التحرير 3/ 147
(3) الفتاوى الكبرى 18/ 17، 18 وانظر مسألة عدد ركوعات صلاة الكسوف في فتح الباري 2/ 532
(4) ص 227.
(2/174)

5 - ولا نزاع أيضاً أن ما كان من الأفعال لا دلالة له على الأحكام أصلاً، فإنه لا يقع فيه التعارض كالأفعال الجبليّة الاضطرارية، كالتنفس، وأصل الأكل والشرب. وكذلك الأفعال التي ثبت اختصاصه بها - صلى الله عليه وسلم -، لا تتعارض في حقنا، وقد تتعارض في حقه - صلى الله عليه وسلم -.
فالذي فيه اختلاف ونزاع، إنما هو الأفعال المجرّدة المطلقة، وهي التي سبق أن عقدنا لها فصلاً في الباب الأول.
وقد حكى أبو نصر القشيري عن الباقلاني، تحديدَ ما فيه الخلاف، فقال: "أما الأفعال المطلقة، التي لم تقع موقع البيان من الرسول، وهي التي يتوقف فيها الواقفية، فلا يتحقق فيها تعارض، فإن الأفعال لا صيغ لها" (1). اه.
فهذا موضع النزاع.
وقد بيّن المازَري موضع النزاع، وذكر ما يجري فيه الخلاف، وذلك حيث يقول:
"إن قدّرنا تعدّي حكمه - صلى الله عليه وسلم - إلينا، صار من ناحية تعدّي الحكم إلينا، إما وجوباً أو ندباً، على الخلاف في ذلك، يتصوّر فيه التعارض، وينزل الفعل منزلة القول المشتمل على المعاني. فإذا نقل عنه - صلى الله عليه وسلم - فعلان متعارضان، ولم يتصوّر فيهما طَرْقُ التأويل (يعني الجمع) فإن أحدهما يكون ناسخاً للآخر، فيُتَطَلّب التاريخ، حتى يعلم الآخِر، فيكون هو الناسخ. هذا مذهب الجمهور. ورأى القاضي (الباقلاني) أن النسخ هنا لم تدْعُ ضرورة إليه، كما دعت في الأقوال. لأن الفعل مقصور على فاعله ولا يتعداه. وليس كالصيغ المشتملة على معان متضادة. فإذا وجدنا فعلين متعارضين، حملناهما على التجويز والإباحة، وقلنا: القصد بيان جواز كل واحد من الفعلين" (2).
__________
(1) أبو شامة: المحقق ق 44 أ. الزركشي: البحر المحيط 2/ 253 ب.
(2) انظر هذا النص في المحقق لأبي شامة 46 أ، وعنه نقلناه. وانظره أيضاً في تفصيل الإجمال للعلائي ق 46 أ، وفي البحر المحيط للزركشي 2/ 254 ب.
(2/175)

قال: "وهذا الذي قاله القاضي فيه نظر عندي، إلاّ على رأي الذاهبين إلى أن فعله - صلى الله عليه وسلم - يقتضي الإباحة. وليس القاضي من القائلين بذلك، بل مذهبه الوقف". اه.
وقال العلائي في مفتتح كلامه في مسألة تعارض الفعلين: "اعلم أن الكلام في ذلك مبني على مسألة فعله - صلى الله عليه وسلم - ماذا يدل عليه في حق الأمة، والكلام في تلك المسألة مشهور طويل".

قولنا في المسألة:
لقد نقلت كلام المازري بتمامه لأني رأيته حدّد سبب الخلاف، وركّز عليه الضوء، فإن من قال بأن الفعل المجرّد يدل على الوجوب في حقنا، فإن الفعل يكون عنده شبيهاً بالقول، ولا حاجة إلى ورود دليل خاص يدل على التكرار في حقّه - صلى الله عليه وسلم - ولا على وجوب التأسّي.
وأيضاً على قول المساواة، يتصوّر استفادة الوجوب في حقنا إن علمنا أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل الفعل على سبيل الوجوب.
أما على قول الاستحباب، فيحتمل القول بالتعارض، لأن الاستحباب حكم شرعي يتصوّر نسخه، بأن نعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - ترك ذلك الفعل على سبيل استباحة الترك، فيدلّ ذلك على زوال الاستحباب السابق. ويحتمل أن يقال: الترك للمستحب لا حرج فيه، فلا يدل على عدم الاستحباب.
أما على القول بأن الفعل المجرّد لا يدلّ على أكثر من الإباحة فيتأتى القول بالتخيير بين الفعلين، وعدم التعارض بينهما.
وأما ما استشكله المازَري من قول الباقلاني بالوقف في الأفعال المجرّدة، وقوله هنا باستفادة جواز الأمرين، فلم نر لفظ الباقلاني بحروفه لنعلم هل صرح بدلالته على الجواز في حقنا، فإن قال بذلك تناقض. ولعله إنما قال بالجواز في حقه - صلى الله عليه وسلم - خاصة. أما الغزالي، من القائلين بالوقف، فقد صرّح بامتناع
(2/176)

التعارض بين الفعلين، ولكن ذكر أنه لا يستفاد من كلا الفعلين حكم بالنسبة إلينا.
فالحاصل إننا لا نذهب إلى أيٍّ من القولين بكماله، بل نذهب إلى التفصيل. فبناء على ما تقدم اختياره من قول المساواة في الفعل المجرّد، وأن الفعل المجرّد قد يدل على الوجوب أو الاستحباب نقول: إن الذي نختاره عند اختلاف الفعلين ما يلي، ولم نجد أحداً فضله كما نذكر هنا، وبالله التوفيق:
أولاً: إن كان الفعل بياناً أو امتثالًا لدالٍّ على الوجوب فعارضه فعل آخر، ولم يمكن الجمع بينهما، يعدّ الثاني ناسخاً للأول في حق الجميع (1) إن علم التاريخ، وإلاّ صير إلى الترجيح بينهما.
ثانياً: وكذلك في الفعل المجرّد، إن قامت قرينة على أن الفعل الأول يدل على الوجوب في حقنا.
ثالثاً: فإن حكمنا على الفعل الأول أنه للاستحباب، فالظاهر أن الترك له لا يعارض فعله ولا يبطل حكمه، ما لم يعلم أن الترك كان على سبيل ترك المباح، أو يتبين أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد إحداث طريقة جديدة في المسألة غير ما كان عليه أولاً.
رابعاً: فإن لم يكن كذلك، وحكمنا بأن الفعل الأول دالّ على الإباحة، فإن الفعل الثاني لا يعارضه، بل يتخيّر بينهما، ما لم يعلم بقرينة أن الفعل الثاني وقع على سبيل الوجوب أو الاستحباب فيعمل به وتترك دلالة الأول.
فالأمر في هذه المسألة، كما ترى، مبني على حكمنا على الفعل ماذا يدل عليه لو لم يعارضه الفعل الآخر، وعلى حكمنا على الفعل الثاني ماذا يدل عليه لو لم يعارض الفعل الأول، فإذا علم ذلك، جرى بينهما القانون السابق بيانه.
ونحن نضرب أمثلة يتبيّن منها المقصود.
__________
(1) نقل عن الكرخي أنه يكون ناسخاً في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده. انظر تيسير التحرير 3/ 148.
(2/177)

المثال الأول: مسألة سجود السهو أهو قبل السلام أم بعده؟ (1).
فيه حديث عبد الله بن بُحَيْنَة: ومعناه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نسي التشهد فسجد قبل السلام (2).
وروي عن الزهري: آخر الأمرين من النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود قبل السلام.
وحديث عبد الله بن مسعود: ومعناه أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى خمساً فسجد بعدما سلم (3).
وحديث ذي اليدين وفيه: أنه - صلى الله عليه وسلم - سجد بعد السلام.
مذهب الشافعي أن سجود السهو كله قبل السلام.
ومدهب أبي حنيفة: سجود السهو كله بعد السلام، ويجوز قبل السلام.
ومذهب مالك: ما كان من نقصٍ فقبل السلام. وما كان من زيادة فبعد السلام.
ومذهب أحمد: السجود كله قبل السلام، إلا أن يكون ورد في مثله عن السلام.
قول الشافعي مبني على قاعدة التعارض، وإن المتأخر ناسخ للمتقدم. والمتأخر هو السجود قبل السلام، بدلالة قول الزهري.
وقول الحنفية مبني على أحاديث قولية في صحتها نظر.
وقول مالك ذهب فيه مذهب الجمع بين الفعلين.
وكذلك مذهب أحمد، أما جعله الأصل السجود قبل السلام، فمن جهة الترجيح، فإنه رجح بكون السجود من شأن الصلاة وإنه تتميم لها، فكأنه جزء من أجزائها.
__________
(1) انظر الخلاف والاستدلال في هذا الفرع: المغني لابن قدامة 2/ 21 فتح الباري 3/ 92 وما بعدها.
(2) البخاري 3/ 92
(3) البخاري 3/ 96
(2/178)

ولم ينقل ابن حجر، على كثرة ما نقل من كلام العلماء وخلافهم، قولاً بالتخيير، إلاّ عن البيهقي.
فظاهر من هذا أن بعض هؤلاء الفقهاء ذهبوا إلى الطريقة الثانية في الأفعال المجردة المختلفة، وهي طريقة التعارض، ويجوز أن يحمل مسلكهم هذا على أن سجود السهو فعل بياني، فيتأتى فيه التعارض على كلا المذهبين الأصوليين في المسألة.
المثال الثاني: القيام للجنازة (1):
فيه حديث علي: "قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للجنازة، ثم قعد" (2).
الظاهر أن قيامه أولاً للاستحباب، لمخالفته العادة، ولتعبير الصحابي بلام التعليل. وفيه احتمال أنه قام لسبب.
ليس هذا الفعل بيانيّاً، ولا دلّ على قصد الدوام عليه في المستقبل دليل.
وقد ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن استحباب القيام منسوخ بفعله - صلى الله عليه وسلم -. ووجه النسخ أنهما متعارضان، ويرجع إلى ما قلناه في قسم المستحب من أنه - صلى الله عليه وسلم - قد يقصد أن يكون الترك مزيلاً لحكم السنة السابقة. ويتأيّد بفعلِ عليٍّ، إذ أمر الذين قاموا للجنازة أن يقعدوا، وذكر هذا الحديث.
وذهب أحمد إلى أن فعله - صلى الله عليه وسلم - لبيان الجواز، قال: إن قام لم أعِبْهُ، وإن جلس فلا بأس. وهذا أقرب إلى طريقة الأصوليين.
ونحن إنما نتعرّض للمسألة الفرعيّة من حيث التمثيل بها للمسألة الأصولية. ونحيل بباقي الكلام فيها إلى كتب الفروع، وشروح الأحاديث. والله أعلم.
المثال الثالث: حديث الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يعزل لأهله نفقة سنتهم من أموال بني النضير" (3).
__________
(1) انظر لهذه المسألة الفرعية فتح الباري 2/ 181، المغني لابن قدامة 2/ 479، ونيل الأوطار 4/ 82
(2) رواه مسلم.
(3) رواه البخاري 6/ 93، ومسلم 12/ 70، والترمذي 5/ 382
(2/179)

مع حديث الترمذي: "أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدّخر شيئاً لغد" (1).
هذا من التعارض في النقل. ويقدّم حديث الصحيحين، ويسقط حديث الترمذي، لأن المثبِتَ مقدّم على النافي، ولأن حديث الصحيحين أقوى.
تنبيه: الحديث الذي احتجّ به القائلون بالتعارض، وهو ما قال ابن عباس: "يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس نصّاً في أنه يجب المصير إلى الفعل الثاني في جميع فروع المسألة، واعتبار الأول منسوخاً، بل ربما كان في بعض الصور على سبيل تقديم الثاني تقديم أولوية وأفضلية، لا تقديم ناسخ على منسوخ. وهذا واضح في حديث ابن عباس، فإنه قال ذلك في شأن إفطار النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر في غزوة الفتح، فجواز الإفطار في السفر قائم باتفاق. ولكن الاختلاف في الأفضلية، فعليها ينصب استدلال ابن عباس.
وإنما يتعيّن المصير إلى النسخ حيث يتم التعارض وتوجد شروطه. والله أعلم.

مسألة اختلاف الفعلين قلة وكثرة:
هذه مسألة مهمة ذكرها الشاطبي (2). وهي كالتقييد لما أطلقه غيره من الأصوليين.
وحاصلها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يكون فِعْلُه في عبادة ما، مستمراً على طريقة معينة، ولكنه يؤثر أحياناً فعلاً مخالفاً للأول، إما على قلة، وإما في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال.
فالذي ينبغي إزاء هذا، أن تقسم المسألة إلى قسمين:
الأول: أن يكون للقلة سبب معلوم، من أجله خالف الأمر المستمرّ، ومثاله أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الصلوات لأوائل أوقاتها، هذه عادته المستمرة، ولكنه أخّر أحياناً لعارض، كما قد أخّر الصلاة إلى آخر وقتها لكي يبيّن آخر الوقت لمن سأله عن
__________
(1) رواه الترمذي 7/ 26
(2) الموافقات 3/ 59 وما بعدها.
(2/180)

وقت الصلاة، ثم عاد إلى الصلاة في أول الوقت. وكإبراده بالظهر، وتأخيره لأجل الجمع في السفر.
وحكم هذا النوع أن يتّبع السبب.
وهذا النوع يتصوّر في الواجبات، بأن يترك الواجب لسبب، كتركه الجمعة من أجل السفر، وتركه القيام في الفريضة لأجل المرض. ويتصوّر أيضاً في المستحبات كما في الأمثلة المتقدمة.
النوع الثاني: أن لا يتبيّن للقلة سبب، كقيام الرجل للرجل تعظيماً له، وكتقبيل اليد. فالأمر المستمرّ منه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقوم لأحد أو يقوم له أحد، ثم قد قام لجعفر بن أبي طالب لمّا قدم من الحبشة، وكان الأمر المستمرّ أن الصحابة لا يقبّلون يده، ثم قد قبّل يده ابن عمر مرة إن صحت الرواية، وقبّل يده بعض اليهود. والذي ينبغي في هذا النوع ترك القليل والتمسّك بالأمر المستمرّ. أو فعل القليل، ولكن على سبيل الندرة والقلّة، وينبغي أن لا يتمسّك بالقليل حتى يكون هو الطريقة العامة، والعادة التي يدرج عليها المسلمون، وخاصّة أهل العلم منهم.
وهذا النوع لا يتصوّر في الواجبات، لأنها لا تترك لغير سبب. وإنما يتصوّر في المستحبات، فإنْ تُرِك الواجب لغير سبب كان ذلك نسخاً.
مثال فرعي: الصلاة على الغائب في الصحيحين: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلّى، فصفّ بهم، وكبّر عليه أربع تكبيرات" (1). فإن كثيراً من المسلمين كانوا يموتون في أطراف الأرض، ولم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلّي عليهم، وذلك فعله المستمرّ وقد صلّى على النجاشي.
فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية: لا يصلّى على غائب.
وقال الشافعي وأحمد في رواية: تجوز الصلاة على الغائب.
فأما الأولون فمحمل الفعل عندهم على الخصوصية، ويتأيد بما في صحيح ابن حبان من حديث عمران بن حصين: "فقاموا فصفوا خلفه، وهم لا يظنون إلاّ أن الجنازة بين يديه" وبما ورد أن الأعراض زويت له - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) متفق عليه (جامع الأصول 7/ 142).
(2/181)

وأما القائلون بالجواز، فإن قولهم بالجواز هو نوع من الجمع بين الفعل والترك، فتكون صلاته على النجاشي عندهم من النوع الثاني، وهو غير المحمول على سبب خاص.
وقد ذهب جمع من المحقّقين إلى أنه من النوع الأول الذي علم فيه سبب القلة، فقالوا إن النجاشيّ كان مسلماً بأرض الشرك، لم يصلّ عليه أحد، فيصلّى على الغائب إن كان كذلك. ذهب إلى هذا أبو داود في سننه والخطابي وابن تيمية (1). والله أعلم.
__________
(1) نيل الأوطار 3/ 52 - 54
(2/182)

الفصل الثاني تعارض الأقوال والأفعال
- تمهيد.
1 - أسباب الاختلاف بين القول والفعل.
2 - الجمع بين القول والفعل إذا اختلفا.
3 - القول الذي يعارضه الفعل.
4 - الفعل الذي يصح معارضته للقول.
5 - نسخ حكم الفعل بالقول. وعكسه.
6 - العمل عند التعارض مع الجهل بالترتيب الزمني.
7 - الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل.
- أمثلة تعين على إيضاح ما تقدم.
(2/183)

تعارض الأقوال والأفعال
هذه مسألة مهمة ينبني عليها كثير من الاختلاف الفقهي، في الفروع التي خالف فيها فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قولَه.
والأغلب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أمر بفعل أو نهى عن فعل، يكون أول العاملين بمقتضى قوله، لقوله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين}. ولأن اتفاق القول والفعل يؤكّد البيان ويقوّيه ويثبّته، كما تقدّم في أوائل هذه الرسالة.
ويستثنى من هذا الأصل ما كان من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -، فقد يترك ما أَمَر به، أو يفعل ما نهَى عنه، إن كان له في ذلك حكم خاصّ، كما تقدم في فصل الخصائص.
فالغالب اتفاق قوله وفعله - صلى الله عليه وسلم -.
ولكن قد وردت مواضع كثيرة في السنة النبوية يخالف فيها القولُ الفعلَ. ولما كان قوله في الأصل دليلاً شرعياً، وكان فعله دليلاً شرعياً كما تقدم إثباته، فإن الاختلاف بينهما له أثره القوي في باب الاستدلال على الأحكام الشرعية.

أمثلة على اختلاف القول والفعل:
الأمثلة على ذلك في الشريعة كثيرة، منها أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن استقبال القبلة واستدبارها بالبول أو الغائط، واستدبرها هو. ومنها أنه نهى أن يصلوا خلف الإمام قياماً وهو جالس، ثم صلّى بهم كذلك. ومنها أنه أمر بعض الآكلين معه أن يأكل مما يليه، وتتبّع هو الدبّاء من نواحي القصعة. ومنها أنه أمر أن يوتر المتهجِّد
(2/185)

بواحدة، وكان هو يوتر بسبعٍ أو تسع. ومنها أنه نهى عن الوصال في الصوم، وواصل هو. ومنها أنه أمر من نسي صلاةً، أو نام عنها، أن يصليها إذا ذكرها، ونام هو عن الصلاة، فلم يبادر إليها، بل انتقل بالذين معه إلى مكان آخر ثم صلّوا.
إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى كثرة. وقد كانت المسائل التي وردت فيها هذه الأدلة موضع اختلاف صغير أو كبير، كما يعلم من تتبّع مراجع الفقه المقارن.
(2/186)

المبحث الأوّل أسبابُ الاختلاف بين القول والفعل
أسباب هذا الاختلاف بين القول والفعل في حقيقة الأمر وواقعه، ترجع إلى واحد أو أكثر من الوجوه التالية:
الأول: أن يكون ذلك من اختلاف النّقَلة، فيكون بعضهم قد وهم، أو كذب، أو صحّف، أو غير ذلك من وجوه اختلاف الحديث. ولا بدّ لتمحيص ذلك من الرجوع إلى الروايات المختلفة للأحاديث، ونقدها وتمحيصها والترجيح بينها، بحسب القواعد التي تذكر في أبواب الترجيح بين الأخبار في علم أصول الفقه، حتى تعرف أصدق الروايات في ذلك. والمرجع في مثل هذا إلى أهل الحديث ونقاده. ومن أجل ذلك فلن نتعرض له في هذا البحث.
الثاني: النسخ، بأن يكون أحد الدليلين متأخراً عن الآخر، وقد قُصِد به إزالة حكم الأول.
الثالث: الحمل على اختلاف الأسباب والدواعي فيكون - صلى الله عليه وسلم - قد فعل الفعل، أو تركه، لسبب لم ينقل إلينا، فيظن التعارض.
الرابع: أن يكون الفعل خاصاً به، أو مما لا يحتج به على الأمة.
الخامس: أن يكون القول على خلاف ظاهره.

العمل عند اختلاف مقتضى الفعل والقول:
الطريقة المتبعة هنا هي من حيث الجملة، الطريقة العامّة المتّبعة عند اختلاف الدليلين، بخطواتها الأربع المرتبة التي بيّناها في أول هذا الباب، وهي:
(2/187)

1 - الجمع
2 - اعتقاد النسخ
3 - الترجيح بمرجح خارجي
4 - التوقّف أو التخيير أو التساقط
وفي كل من هذه الخطوات، بالنسبة إلى هذا المبحث، تفصيل نذكره في ما يلي.
(2/188)

المبحث الثاني الجمع بين القول والفعل إذا اختلفا
هذا أول المراتب وأولاها أن يعمل به إذا ظهر اختلاف بين القول والفعل، لأن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. وسواء عُلِم تأخّر الفعل، أو تقدمه، أو جهل.
فإن كان القول أمراً بفعل فتركه، بحمل الأمر على الاستحباب لا على الوجوب، كما أمر بأن يوتر المتهجّد بواحدة، وأوتر هو - صلى الله عليه وسلم - بسبع أو تسع.
وإن كان نهياً عن فعل ففعله أمكن أن يحمل النهي على الكراهة، كما نَهَى عن الشرب قائماً وشرِب قائماً، ونهى عن استدبار القبلة بالبول أو الغائط واستقبالها، ثم استدبرها. ذَكَر هذه الطريقة ابن حزم الزركشي في البحر (1) وترد في كلام الفقهاء كثيراً.
وربما أُورد على هذه الطريقة، أن حمل الأمر على الندب، وحمل النهي على الكراهة، هو إخراج لهما عن الحقيقة التي هي الأصل، إلى المجاز وهو خلاف الأصل. أما القول بخصوصيته - صلى الله عليه وسلم - بحكم الفعل فإنه يبقى الأمر والنهي معه على حقيقتهما، فيكون أولى.
وقد أجاب الحافظ العلائي (2) عن هذا الاعتراض بأن الذي اختصّ به النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأمة شيء نزر يسير جداً، بالنسبة إلى باقي الأحكام، فالتزام المجاز أولى من التزام الخصوصية.
__________
(1) 2/ 256 أ.
(2) تفصيل الإجمال ق 53 أ.
(2/189)

تخصيص العموم بفعله - صلى الله عليه وسلم -:
إذا ورد فعله - صلى الله عليه وسلم - مخالفاً في الحكم لمقتضى قول عام، كما نهى عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، وثبت أنه فعل ذلك، فإن إمكان خروجه هو - صلى الله عليه وسلم - من حكم العام لا إشكال فيه. وأما بالنسبة إلى الأمة، فهل يصحّ أن يكون ذلك تخصيصاً في حقهم؟ كأن يقال في المثال المتقدّم بجواز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون الصحراء، استدلالاً بالفعل.
هذه المسألة تنبني على حجية الفعل في حق الأمة:
فمن قال إن الفعل لا يدل في حق الأمة على شيء، منع التخصيص به في مخالفة العموم. وقد نقل نفي جواز التخصيص بالفعل عن الكرخي وبعض الشافعية. واشترط الكرخي للجواز تكرر الفعل، لأنه إذا فعله مرة واحدة احتمل أن يكون من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - (1).
واشترط الغزالي أن يَدُلّ بالقول على أن الفعل بيان (2).
ومن توقف في ذلك، توقف في التخصيص به.
وأما الذين قالوا في غير حال مخالفة العموم إن الفعل دليل في حق الأمة، وهو القول المختار، فلم يتفقوا على جواز التخصيص بالفعل في مخالفة العموم، بل ساروا في اتجاهين:
الاتجاه الأول: امتناع التخصيص بالفعل، ذهب إلى ذلك الآمدي، واختار الوقف (3)، ووجه ذلك عنده أن عموم الأمر باتباع الأفعال والتأسّي بها، عارضه عموم القول المتقدم، وليس إبطال أحد العمومين عنده أولى من إبطال الآخر.
ونُقِل مثل هذا القول عن القاضي عبد الجبار (4). وقال به أبو الحسين
__________
(1) الزركشي: البحر المحيط 2/ 146 ب.
(2) المستصفى 2/ 28
(3) الإحكام 2/ 482
(4) العلائي: تفصيل الإجمال ق 48 ب. أبو شامة: للمحقق ق 47 أ.
(2/190)

البصري في باب (الأفعال) (1) من كتابه، وأجاز التخصيص بالفعل في باب (العموم) (2) منه.
وابن الحاجب (3) يرى أنه إن كان ثمة دليل خاص يوجب التأسّي بالفعل يكون نسخاً للقول إذا علم تأخره. وإن لم يكن دليل خاص، بل الدليل العام لوجوب الاتباع، فإن الدليل العام لوجوب الاتباع يكون مخصصاً بالقول المتقدم، فيبقى عليهم حكم القول المتقدم، ويمتنع اقتداؤهم به في الفعل.
الاتجاه الثاني: وعليه عمل جمهور الفقهاء وتصرّفاتهم في الفروع؛ فإنها تدل على أنهم يجيزون التخصيص بالأفعال. ونسب الآمدي (4) القول بذلك إلى الشافعية والحنفية والحنابلة. وإليه ذهب أبو إسحاق الشيرازي (5)، والقاضي أبو يعلى (6)، والسمعاني (7) وغيرهم، واختاره الحافظ العلائي (8). فالفعل يكون عندهم مخصّصاً للقول العام في حق الأمّة أيضاً. وسواء تقدّم الفعل أو تأخّر، أو جهل التاريخ، على القول الراجح في تقديم الخاصّ على العام.
قال العلائي: "والحجة لذلك أن القول بتخصيص فعله به - صلى الله عليه وسلم -، موجبٌ إبطال الدليل الدالّ على التأسّي به في ذلك الفعل، والقول بتخصيص القول بإحدى حالاته وتعميم حكم الفعل في حقه وحق الأمة إعمال للدليلين، وإعمال الدليلين أولى من ابطال أحدهما".
قال: "ويتأيّد هذا بأن الأصل مشاركة الأمة له في الأحكام، إلاّ ما دلّ دليل على تخصيصه به - صلى الله عليه وسلم -".
وأما ابن حزم (9) فيرى أنه يجوز تخصيص عموم القول بالفعل إن تأخّر
__________
(1) المعتمد 1/ 392
(2) المعتمد 1/ 275
(3) مختصر ابن الحاجب 2/ 151
(4) الإحكام 2/ 480
(5) اللمع 21
(6) العدة ق 123 أ.
(7) القواطع ق 54 أ.
(8) تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال. ق 48 ب.
(9) الإحكام 1/ 434
(2/191)

الفعل، لا إن تقدم الفعل، أو جهل الحال فإن تقدم الفعل وجب اعتقاد الفعل منسوخاً. وإن جهل الحال فالأشبه أن يكون الفعل متقدماً في الزمان ويكون منسوخاً.
والصحيح ما اختاره الحافظ العلائي، لأن منصب النبي - صلى الله عليه وسلم - منصب البيان والتشريع، وأفعاله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك هي موضع القدوة والأسوة، فيقتدى بها حيث أمكن.
وإنما يمكن حملها على التخصيص إذا ظهر أنه - صلى الله عليه وسلم -، إنما خالف قوله لسبب معيّن، أو أمكن تعقّل معنى مناسب، يكون مناطاً لحكم الفعل. فإن لم يمكن ذلك وجب المصير إلى النسخ.
ومن أمثلة التخصيص ما ورد من حثّه - صلى الله عليه وسلم - على صيام يوم عرفة، وترغيبه فيه، ثم أفطر بعرفة لما كان واقفاً بها. وقد أفطر وهو على بعيره ليراه الناس فكان هذا الفعل مخصصاً لحثه وترغيبه في الصيام، بالنسبة إلى ذلك المكان لمعنى يخصّه لا يوجد في غيره، وهو التقوِّي بالفطر على الاستكثار من الدّعاء، وذكر الله تعالى في ذلك الموقف الشريف (1).
فإن لم يمكن الجمع والتخصيص تعارض القول والفعل، ووجب المصير إلى إبطال أحد الدليلين، أو التوقف.
ونبدأ بتحقيق الظروف التي لا يتحقق التعارض دون توفرها.
__________
(1) تفصيل الإجمال ق 53 ب. المحقق ص 49
(2/192)

المبحث الثالث القول الذي يعارضه الفعل
القول الذي يوهم معارضة الفعل له، يكون على ثلاثة أنواع:
الأول: أن يكون عاماً له - صلى الله عليه وسلم - وللأمة. والثاني أن يكون خاصاً به - صلى الله عليه وسلم -.
والثالث: أن يكون خاصّاً بالأمة -والمراد هنا أن لا يكون القول شاملاً له - صلى الله عليه وسلم -.
ونحن نفصل القول في كل من هذه الأحوال، بالترتيب، فنقول:
الحالة الأولى: أن يكون القول عاماً لنا وله. بأن يقول: "حرِّم علينا كذا" أو "وجب علينا كذا".
فإذا فعل ما يخالفه دار الأمر بين احتمالات:
1 - أن يُجعل حكم فعله خاصّاً به. فيدل على استثنائه هو وحده - صلى الله عليه وسلم - من حكم العموم.
وإنما يصلح هذا الوجه إن كان عموم القول له - صلى الله عليه وسلم - بطريق الظهور، كما لو قال: حُرِّم علينا كذا. ثم فعله، كما مثلنا. فإن نصّ على نفسه، فقال: حُرِّم عليّ وعليكم كذا، مثلاً، امتنع هذا الوجه، وتعارض في حقه، ووجب المصير إلى النسخ (1).
ويتعارض القول العام والفعل في حقه أيضاً إن تقدّم القول، وعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - بمقتضاه، ثم فعل ضده، فإن الفعل الثاني يكون ناسخاً، ولا يجوز الحمل على الخصوصية (2).
__________
(1) نبه إليه ابن الحاجب. راجع مختصره. وانظر نهاية السول للأسنوي 68
(2) البناني: حاشية جمع الجوامع 2/ 101
(2/193)

2 - أن يجعل فعله تخصيصاً لعموم قوله في حق الأمّة أيضاً، فيتبيّن بالفعل خروجه وخروج غيره، من حكم العام. ويكون ذلك إذا علم ارتباط فعله بالسبب، كما تقدم. فلا يتم التعارض. وفيه خلاف تقدم ذكره في مبحث التخصيص.
وسواء بالنظر إلى هذين الاحتمالين، أن يتأخر الفعل عن القول أو يتقدم عليه.
3 - أن يُعْتَقَد المتأخر من القول أو الفعل ناسخاً للآخر، إن علم التاريخ. ويجيز الفقهاء هذا النوع من النسخ، ويتوقف فيه بعض الأصوليين. ويقدمون عليه الحمل على الخصوصية في حقه - صلى الله عليه وسلم -.
الحالة الثانية: أن يكون القول خاصاً به - صلى الله عليه وسلم -. بأن يقول: حرم عليّ كذا. ويثبت أنه فعله. أو: وجب عليَّ كذا، ثم يتركه.
وقد قيل في هذه الحال، إنه لما لم يكن القول متناولاً للأمة فليس ثمة إلاَّ احتمال واحد في حقه، هو النسخ بالمتأخر من القول أو الفعل. وفي حق الأمة لا تعارض، لعدم توارد الدليلين على موضع واحد.
تنبيه: إذا قال - صلى الله عليه وسلم -: حرم علي كذا، أو وجب علي كذا، فهذا وإن كان خاصاً به من حيث اللفظ، إلاّ أنه ينبغي القول أن أمته ملحقة به، لما ورد من الأدلة القاضية بذلك. وقد تقدم بيان هذا في موضع سابق. ولا يمتنع إلحاق به إلاّ بدليل. فإن جاء الدليل على اختصاصه به حكمنا به. ومثاله أنه واصَلَ ونهاهم عن الوصال. فقالوا: إنك تواصل. فقال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني".
ومن أجل ذلك تكون هذه الحالة الثانية قاصرة على ما دلّ الدليل فيه على الاختصاص. أما ورود مجرّد قوله: "أُمِرْتُ، ونُهيتُ، وحَرُم عليّ، ووجَب عليّ"، ونحو ذلك، فلا يمنع القول بالعموم، بل يكون من الحالة الأولى، وهي ما كان القول فيها عاماً لنا وله. لأن قوله: "أُمِرْتُ ونُهيتُ" بمنزلة قوله: "أُمِرنا ونُهينا".
(2/194)

فإن دلّ الدليل على اختصاصه - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى القول، فهي الحالة الثانية. فإن خالف الفعل مثل هذا النوع من القول، فلا تعارض في حق الأمة. وأما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فالمتأخر من القول أو الفعل ناسخ للمتقدم.
الحالة الثالثة: أن يكون القول خاصاً بالأمة. مثل: "افعلوا أو اتركوا كذا، أو وجب أو حرم عليكم كذا". فإذا صدر مثل ذلك منه - صلى الله عليه وسلم -، وثبت أنه خالفه فقد قيل بعدم التعارض بين القول والفعل في حقه - صلى الله عليه وسلم -. وقد وجّهه القائلون به بأنه لما لم يكن القول شاملاً له، فإنه لم يتوارد الدليلان عليه، بل ورد عليه أحدهما وهو الفعل.
وهذا القول مبنيٌّ على قاعدة يذكرها الأصوليون في باب العموم حيث يرى بعضهم أن المتكلم لا يدخل في عموم متعلّق خطابه. ويرى الأكثرون دخوله، وهو الصواب، ما لم يكن دلّ على أن حكمه في ذلك ليس كحكمهم.
فالحاصل فيما ورد من مثل: "افعلوا واتركوا وآمُرُكم وأنهاكم" أنه - صلى الله عليه وسلم - ينبغي أن يكون داخلاً في ذلك، فتكون من الحالة الأولى أيضاً، إلا حيث يدل على خروجه عن العموم دليل خاص. فإن دلّ على خروجه عن ذلك دليل فهي الحالة الثالثة. وحينئذ إن فعل هو خلاف ما أمرهم به فلا تعارض في حقه - صلى الله عليه وسلم -. وأما في حق الأمة فيحتمل التعارض. وسيأتي بيانه إن شاء الله.

تكرر مقتضى القول:
هل يشترط لحصول التعارض بين القول والفعل قيام الدليل على تكرر مقتضى القول؟ ذكر أبو الحسين البصري والغزالي ما يدل على اشتراط ذلك (1). ويفهم من كلام السبكي في جمع الجوامع أن ذلك شرط. وقد وجّهه الشربيني (2) بأن القول له مدلول لغويٌّ وضع له، فعند إطلاقه يدل عليه، وهو الماهيّة المتحققة
__________
(1) المعتمد 1/ 386 المستصفى 2/ 53
(2) تقريره على شرح جمع الجوامع 2/ 99
(2/195)

بالمرة الواحدة. فإن تُرك الفعل بعد ذلك لم يكن معارضاً للقول. ولم يذكر هذا الشرط جمهور الأصوليين الذي ذكروا المسألة.
ونحن نرى أن كلام السبكي هذا يصلح إن كان القول أمراً، على القول بأن الأمر المطلق لا يدل على التكرار، أما إن كان نهياً، فالنهي يقتضي دوام الترك، فيصدق على كل الزمان، فلا يشترط للتعارض حينئذٍ دليل خاص يدل على تكرر مدلوله.
أما الأمر، فالدليل الدالّ على تكرر مقتضاه، قد يكون بتعليقه على متكرّر من شرط أو صفة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحّي فلا يمس من شعره بشره شيئاً" (1). يعني بالعشر عشر ذي الحجة.
وقد يكون غير ذلك مما يُدَل عليه بالقول.
__________
(1) رواه مسلم في كتاب الأضاحي رقم 1977 من صحيحه.
(2/196)

المبحث الرّابع الفعل الذي يصح معارضته للقول
أما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فإن كل فعل من أفعاله يصح معارضته للقول الصادر عنه، إن كان القول خاصّاً به، أو شاملاً له.
وأما في حق الأمة، إذا كان القول خاصاً بها أو شاملاً لها، فقد ذكر بعض الأصوليين في الفعل شروطاً لا يتم التعارض بدونها. وهي كما يلي:

الشرط الأول: قيام دليل خاص على وجوب التأسّي بالفعل:
فيجب أن يكون الفعل دالاً في حق الأمة، بأن لا يكون جبلياً، ولا خاصاً به - صلى الله عليه وسلم -.
ثم الفعل البياني والامتثالي يصح معارضته للقول كما هو واضح، لقيامه مقام القول.
وأما الفعل المجرّد، فمن قال إنه ليس دليلاً في حق الأمة، كما قاله الكرخي، والواقفية: الباقلاني والغزالي ومن تبعهما، اشترط أن يقوم دليل خاص على وجوب تأسيّ الأمة بنبيها في ذلك الفعل بعينه. فإن لم يقم مثل ذلك الدليل فلا تعارض، لأن الفعل المجرّد لا يدل عندهم في حق الأمة على شيء.
وأما من قال بأن الفعل المجرّد دليل في حق الأمة على الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، فقد كان ينبغي أن لا يشترط لصحة التعارض قيام دليل خاص على التأسّي. وهذا هو الذي نختاره. بناء على ما تقدم إثباته في فصل الفعل المجرّد من الباب الأول. ويقول الشوكاني: "اعلم أنه لا يشترط وجود دليل خاص يدلّ على التأسّي، بل يكفي ما ورد في الكتاب العزيز من قوله تعالى: {لقد كان لكم في
(2/197)

رسول الله أسوة حسنة} ونحوه .. ومجرد فعله لذلك الفعل بحيث يطلع عليه غيره من أمته ينبغي أن يحمل على قصد التأسّي به، إذا لم يكن من الأفعال التي لا يتأسّى به فيها كأفعال الجبلة" (1). وقال القرافي مثل ذلك (2).
وكان غريباً من الآمدي (3) والسبكي (4) أن يقولا في الفعل المجرّد إنه بصفته العامة دليل في حق الأمة، لما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث، ثم يشترطا لحصول التعارض قيام دليل خاص على التأسّي بالفعل.
وقد وجه البناني ووافقه الشربيني (5) اشتراط قيام دليل خاص على التأسّي بالفعل، ليتم التعارض، مع إثبات التأسّي بالفعل المجرّد، بأن الفعل المجرّد إذا لم يعارضه قول، يمكن التأسّي به، للأدلة العامة القاضية بوجوب التأسيّ، أما إذا نوقض فإنه يضعف بتلك المناقضة، فيحتاج إلى قيام دليل خاص يدل على التأسّي ليصح التعارض. فإن لم يقم ذلك الدليل الخاص وجب تقديم القول مطلقاً.
وظاهر كلام العلائي (6) أن أول من اشترط هذا الشرط الآمدي وابن الحاجب، ولم يذكره الرازي في محصوله (7).
وعندي أن كلام القرافي والشوكاني أسدّ وأصوب، لأنه وإن كانت دلالة الفعل تضعف بمناقضة القول له، فدلالة القول أيضاً تضعف بمناقضة الفعل، فيبقيان على ما كان عليه من التناسب في القوة.
والذي نعتقده أن الفقه الإسلامي بُنِي على تجاهل هذا الشرط، فإنه بتتبع كلام الفقهاء في استدلالاهم بالأحاديث، نجد غالبهم لا يلاحظون هذا الشرط ولا يقيمون له وزناً، كما سننقله في الأمثلة التي في آخر هذا الفصل إن شاء الله.
__________
(1) إرشاد الفحول ص 41
(2) القرافي: شرح تنقيح الفصول ص128والعلائي: تفصيل الإجمال ق 58 ب، 63 ب.
(3) انظر الإحكام 1/ 278
(4) انظر جمع الجوامع 2/ 100
(5) حاشية على شرح جمع الجوامع 2/ 100
(6) تفصيل الإجمال ق 52 أ.
(7) أبو شامة: المحقق ق 49 أ.
(2/198)

الشرط الثاني:
أن يدل دليل على وجوب تكرار الفعل. وهذا الشرط أيضاً ذكره الآمدي وابن الحاجب ومن بعدهم، ولم يذكره المتقدمون.
ووجه اشتراطه أنه إذا لم يقم دليل على وجوب تكراره عليه - صلى الله عليه وسلم - وقال قولاً مخالفاً له، فليس ذلك تعارضاً، لأنه لا عموم للفعل في الأزمان ومثاله ما لو صام يوم السبت، ثم قال بعد ذلك: صوم يوم السبت عليّ حرام.
قال ابن الهمّام وشارحه في إيضاح ذلك: "قد أخذَتْ صفة الفعل مقتضاها منه بذلك الفعل الواحد، والقول الصادر بعد ذلك الفعل الواحد مسألة شرعية مستأنفة في حقه، لا ناسخ" (1).
ولم يذكر السبكي في جمع الجوامع والمحلى هذا الشرط، وأشار إلى الردّ على من اشترطه بقوله: إن الفعل الصادر منه - صلى الله عليه وسلم - يدل على الجواز المستمرّ.
وممن ذكَرَ بطلان هذا الشرط العطّار (2) والشربيني. ويقول الشربيني: "تقييد بعضهم بدلالة الدليل على تكرر مقتضى الفعل، هو تقييد لا حاجة إليه، لأن فعله - صلى الله عليه وسلم - غير الجبلّيّ إنما يكون للتشريع، ومتى كان له، دام مقتضاه حتى يرفعه خلافه. وقد قالوا في الفعل المجهول الصفة إنه للوجوب، ولم يقل أحد إنه للوجوب مرة واحدة فقط" (3). اه.
وعندي أن الخلاف في ذلك راجع إلى مسألة ما يدل عليه الفعل، فإن دلّ على الجواز ثم جاء القول مانعاً، لم يكن القول نسخاً ولا معارضاً عند من يقول إن الجواز المستفاد من الفعل ليس حكماً شرعياً، وإنما هو عدم الحكم. والى هذا نظر ابن الهمّام.
أما من قال بأن الجواز المستفاد من الفعل هو حكم شرعي، أو حيث فهم أن
__________
(1) تيسير التحرير 3/ 150
(2) حاشية على شرح جمع الجوامع.
(3) تقريره على شرح جمع الجوامع 2/ 99 بتصرف.
(2/199)

الفعل وقع على وجه الوجوب أو الندب، فإن القول الواقع بعده يجوز أن يقال إنه ناسخ له.
تنبيه: يقول أبو شامة إن فائدة قولنا: "دلّ الدليل على التكرار" فيما إذا تقدم الفعل، لتحصل المعارضة بينه وبن القول المتناول للرسول - صلى الله عليه وسلم -. أما إذا تأخر الفعل فسواء دلّ على التكرار دليل أو لم يدل، لا أثر له فيما يرجع إلى تصوير المعارضة، اه. وقوله هذا سديد بيّن، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لو فعل الفعل مرة واحد وقد سبق تحريمه، ولم نقدر نسخ التحريم، لكان الفعل معصية.
(2/200)

المبحث الخامس نسخ حكم الفعل بالقول وعكسُه
إذا اختلف القول والفعل، ولم يمكن تخصيص القول بالفعل، ولا ظهر وجه للجمع بينهما، وتم التعارض، فإنه يتطلب التاريخ، فيكون آخرهما وروداً ناسخاً لأولها. وقد نقل الماوردي منع الشافعي لنسخ الفعل بالقول. ووافقه ابن عقيل الحنبلي (1).
وهذا القول مردود عند جمهور العلماء، ولعل مراد الشافعي أن الفعل يستدلّ به على تقدّم قول ناسخ للقول الأول.
أما إن جهل التاريخ فسنذكره في المبحث التالي.
ثم قد يكون التعارض والنسخ في حقه - صلى الله عليه وسلم - وحده، أو في حق الأمة دونه، أو في حقهما جميعاً بحسب موضع التقابل بين الدليلين.
وإنما يجوز المصير إلى النسخ إذا تحصل أمران:
الأول: أن تتحق الشروط العامة، التي تذكر في باب النسخ من مباحث علم الأصول. ومنها ما يلي:
1 - أن يتراخى المتأخر من الدليلين عن المتقدم منهما، فإن تعقبه بحيث لم يمكن لأحد من الأمة تنفيذ مقتضاه، فلا يجوز النسخ. كأن يرد الدليل الثاني قبل دخول الوقت، أو دخل ولم يمض ما يتسع لتنفيذ الأول.
وهذا الشرط ذكره بعض أصوليي المعتزلة (2) في باب النسخ. وذكروه في باب
__________
(1) الشوكاني: إرشاد الفحول ص 192، 197
(2) المعتمد لأبي الحسين البصري 1/ 390
(2/201)

تعارض الأفعال وذكره كذلك الرازي في محصوله (1) قائلاً به.
وأما غيره من الأصوليين، فليس هذا عندهم شرطاً، لأن النسخ عندهم يجوز قبل التمكن من الامتثال. واستدلوا بوقوعه، فقد نسخ الله تعالى عن إبراهيم أمره بذبح ابنه قبل أن يتمكن من الامتثال. ونسخ الله تعالى ليلة الإسراء عن هذه الأمة خمسين صلاة بخمس صلوات، قبل أن يعلموا بالمنسوخ.
وهذا القول أصح.
وعلى القول باشتراط التراخي إن تعقّب أحد الدليلين الآخر، وتم التعارض، لم يمكن القول بالنسخ، ووجب الحمل على الخصوصية إن أمكن.
2 - أن يعلم الترتيب الزمني بين الدليلين المتعارضين، فيكون آخرهما ناسخاً لأولهما ولا يجوز المصير إلى اعتبار أحدهما ناسخاً قبل تحقيق هذا الشرط.
الأمر الثاني: أن تتحقق في كل من القول والفعل شروط التعارض التي تقدم ذكرها. فمن اعتبر في حصول التعارض شرطاً، لم يجز عنده النسخ قبل حصول ذلك الشرط.
__________
(1) ق 54 أ، ب.
(2/202)

المبحث السادس العمل عند التعارض مع الجهل بالترتيب الزّمني
إذا تحقق التعارض وجهل التاريخ امتنع القول بالنسخ كما تقدم، وقد اختلف الأصوليون في ما على المجتهد أن يصنعه حيال ذلك، على مذاهب:
الأول: أنه يقدم القول، لأنه الأصل في البيان، ولأنه أقوى في البيان من الفعل. قال العضد: "ولأن العمل بالقول يبطل مقتضى الفعل في حق الأمة فقط، ويبقى في حقه - صلى الله عليه وسلم -، والعمل بالفعل يبطل مقتضى القول جملة" (1).
وإنما يرد دليله هذا إذا كان القول خاصاً بالأمة، أما إن كان القول عاماً لنا وله فلا.
وإلى هذا القول ذهب الجصاص (2) والشيرازي والرازي والآمدي وابن حزم وأبو شامة والعلائي وغيرهم.
الثاني: أنه يقدم الفعل، لأنه أقوى في البيان عند من قال به. ولم ينسب هذا القول إلى قائل معين. ونسبه أبو الخطاب في التمهيد (3) إلى بعض الشافعية.
وقد تقدم لنا في الباب الأول ذكر مسألة الوازنة في القوة، بين القول والفعل، وبيّنّا هناك ما استدلّ به كل من الفريقين.
الثالث: الوقف عن الترجيح، وذلك لأن لكل من الطرفين جهة يترجح بها، فيتعادلان. وإليه ذهب الباقلاني والغزالي وابن القشيري (4).
__________
(1) شرح المنتهى 2/ 151
(2) أصول الجصاص ق 199 أ.
(3) ق 92
(4) العلائي: تفصيل الإجمال ص 152 أ، الزركشي: البحر المحيط 2/ 255 ب.
(2/203)

الرابع: التفريق بين أن يكون التقابل في حقه - صلى الله عليه وسلم -، فيترجح الوقف، وبين أن يكون التقابل في حق الأمة فيترجح العمل بالقول. وإلى هذا ذهب ابن الحاجب والسبكي في جمع الجوامع (1). ووجّه شارحه المحلى هذا التفريق: "بأننا متعبّدون فيما يتعلق بنا بالعلم بحكمه، لنعمل معه، بخلاف ما يتعلق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لا ضرورة إلى الترجيح فيه".
وهذا المذهب الرابع هو ما نميل إليه، من حيث إن القول هو الأصل في البيان والتبليغ، ولأنه يدل بنفسه على المطلوب، والفعل لا يدل إلاّ بغيره، ولأن القول متفق على دلالته بخلاف الفعل، وإنما اختلف فيه لأنه أضعف دلالة من القول. هذا إن كان التقابل في حق الأمة فيرجّح لأجل العمل.
أما إن كان التقابل في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا حاجة إلى الاجتهاد في ذلك، إذ لا عمل ينبنى عليه، فهي مسألة خارجة عن موضوع علم الفقه، وتدخل في المسائل الاعتقادية، فيما كان يجوز للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو يجب عليه أو يمتنع. والله أعلى وأعلم.
__________
(1) 2/ 101
(2/204)

المبحث السَّابع الصَّور التفصيلية لاختلاف القول والفِعل
إن القواعد السابق بيانها في هذا الفصل تحدّد، بالإجمال، الطرق التي ينبغي للمجتهد أن يسلكها في كل حالة تعرض له من حالات اختلاف القول والفعل. ولكن الأصوليين، حرصاً منهم على أن يسنوا للمجتهدين مسالك واضحة يسلكونها عند التصرف في هذا المجال، لم يكتفوا بإجمال القول في العوامل المؤثرة في اختلاف الحكم، بل ذكروا الصور التفصيلية المحتملة، وبيّنوا الحكم في كل صورة كيف يكون. وما على المجتهد إلاّ أن يحقق في الاختلاف الذي ينظر فيه، من أي صورة هو، فيلحقه بها، فيحكم عليه بما يذكره الأصوليون لتلك الصورة.
وتوضيحاً لذلك نذكر أولاً العوامل المؤثرة في هذه المسألة، في الجدول الآتي في الصفحة التالية:

جدول الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل
التسلسل ............... بيان العامل .......... عدد الحالات ............. بيانها
العامل الأول: .......... الترتيب الزمني ........... (3) ......... تقدم القول. تقدم الفعل. مجهول
العامل الثاني: ......... الفترة بين القول والفعل ... (2) ......... تعقب. تراخي
العامل الثالث: ........ نوع القول ................ (3) ....... عام لنا وله - صلى الله عليه وسلم -. خاص به. خاص بنا
العامل الرابع: ......... تكرر الفعل ............... (2) ......... قيام الدليل عليه. عدم قيام عليه
الدليل الخامس: ....... التأسيّ بالفعل ........... (2) ......... قيام الدليل عليه. عدم قيام عليه
العامل السادس: ....... تكرر مقتضى القول ...... (2) ......... قيام الدليل عليه. عدم قيام عليه
(2/205)

مسالك الأصوليين في تعدد الصور التفصيلية:
قد ذكرنا في الجدول المبيّن جميع العوامل التي قال الأصوليون بتأثيرها في نتيجة الاختلاف بين القول والفعل، سواء ما اتفقوا على تأثيره أو اختلفوا فيه. والصور تحتمل كما يتبيّن من الجدول، 144 (مئة وأربع وأربعون) صورة، ناتجة من ضرب عدد الحالات بعضها ببعض.
وهناك عوامل أخرى يحتاج إلى النظر فيها أيضاً، كأن يكون القول الدالّ على التحريم أو الإيجاب نصاً أو ظاهراً، وكون العموم في العامل الرابع شاملاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - نصاً أو ظاهراً. فهذه أربعة تضرب في الحالات السابقة.
إلاّ أن بعض هذه الصور لا تعقل، وبعضها لا فائدة في تفصيله، وبعضها لا يعرف له أمثلة في السنة.
ثم إن من ألغى تأثير عامل من هذه العوامل الستة التي ذكرناها في الجدول. فإنه لا يدخله في الضرب، وينقص عدد الصور عنده بحسب ذلك.
فمن أول من وجد له حصر لعدد هذه الصور، الرازي في محصوله (1)، وقد اعتبر العوامل الثلاثة الأولى فقط، وهي: الترتيب الزمني (3)، التعقُّب أو التراخي (2)، أنواع القول (3)، تكون الصور عنده (18) صورة، إلاّ أنه أسقط سدس هذا العدد وهي صور ثلاث، لما كان التعقُّب أو التراخي حال الجهل بالتاريخ، لا أثر له. فانحصرت الصور عنده في (15) صورة، ذكرها بالتفصيل واحدة واحدة، ثم بيّن الحكم في كل منها.
وأما الآمدي فإنه أغفل عاملين من الستة، هما: الثاني (التعقُّب أو التراخي) السادس وهو تكرر مقتضى القول، واعتبر الأول (3)، والثالث (3) والرابع (2) والخامس (2) فانحصرت الصور عنده في (36) صورة ذكرها بالتفصيل وبين الحكم في كل منها.
والسبكي اعتبر العامل الأول، وهو الترتيب الزمني (3)، والثالث وهو أنواع
__________
(1) ق 53، 54
(2/206)

القول (3)، والسادس، وهو تكرّر مقتضى القول (2)، فانحصرت عنده الصور في (18) صورة (1)، وذكر عامل التأسّي بالفعل في بعض الصور.
وأما أبو شامة (2) فقد أربى على شيخه الآمدي باعتبار عامل التعقُّب والتراخي أيضاً، فكانت الصور عنده اثنتين وسبعين (72)، أسقط منها سدسها وهو (12) صورة، لأن عامل التعقُّب والتراخي لا أثر له في حالة الجهل بالتاريخ، كما تقدم. فانحصرت الصور عنده في (60) ستين صورة، اكتفى بأن ذكر أنها ستون، وصوّرها بعبارات تدل على كل منها. ولم يبين الحكم في كل منها، وإنما ذكر القوانين الإجمالية التي ينبغي اتباعها عند تحديد الحكم في كل صورة.
وقد تلقّف المسألة عنه الحافظ العلائي، وأخذ على عاتقه تفصيل هذه الصور الستن، وبيان الحكم في كل منها، واحدة واحدة. ثم مثّل بأمثلة كثيرة لتكون تطبيقاً وتدريباً ومزيد بيان. وسمّى رسالته (تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال) دلالة على ما صنعه في ذلك، إلا أنه لم يشر إلى أنه استمدّ مما صنع أبو شامة.
وجاء الشوكاني (3) بعد ذلك فذكر العوامل عينها التي اعتبرها أبو شامة والعلائي، ولكنه أخطأ في الحساب، فجعلها (48) صورة، وقال ان ما ذكره أولى. ثم فصل القول في (14) صورة منها فقط، لأنه رأى أن أكثر الصور غير موجود في السنة.
ونحن قد بيّنا في المطالب السابقة أن الأصح في بعض هذه العوامل الستة عدم تأثيره، ولذلك سنسقطه من الحساب.
والعوامل التي نسقطها هي العامل الثاني، وهو عامل التعقُّب أو التراخي، والثالث وهو تكرر الفعل، والرابع وهو ثبوت الدليل على تأسّي الأمة بالفعل الخاص.
__________
(1) تقرير الشربيني 2/ 99
(2) المحقق ق 48 - 50
(3) إرشاد الفحول ص 39
(2/207)

فالعوامل التي نراها مؤثرة ثلاثة لا غير، وقد فصلت في الجدول التالي:
العامل الأول: .......... الترتيب الزمني ............ (3) .......... تقدم القول. تقدم الفعل. الجهل بالتاريخ
العامل الثالث: .......... أنواع القول ............... (3) .......... عامّ لنا وله. خاص به. خاص بنا
العامل السادس: ....... تكرّر مقتضى القول ....... (3) .......... قيام الدليل عليه. عدم قيام الدليل عليه
فتنحصر الصور عندنا في (18) صورة. وهي التي تفهم من كلام السبكي. هذا هو الذي يترجح عندنا في عدد صور اختلاف القول والفعل.
ولكننا سنعمد إلى ذكر الصور التي ذكرها أبو شامة، وفصّلها العلائي، وذلك بأن نضع كلام العلائي بنصّه ملحقاً بآخر هذا البحث.
وقصدنا بذلك إيضاح خلاف العلماء في هذه الأصول، وبيان مآخذهم، ولعلّ الله أن يوفق لنشر رسالته كاملة في المستقبل.
وسنكتفي بذكر كلام العلائي عن أن نفصّل القول في الصور الستين، مع أننا قد قدّمنا رأينا في كل عامل من العوامل المؤثرة في اختلاف الصور المذكورة.

أمثلة تعين على إيضاح ما تقدم
المثال الأول: حديث ابن عباس قال: "احتجم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم واحتجم وهو صائم" (1) وحديث شداد بن أوس، ورافع بن خديج وثوبان وغيرهم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يحتجم، فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
1 - التاريخ: ورد أن الحديث الأول، وهو احتجام النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان في حجة الوداع. ذكره الشافعي.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفطر الحاجم والمحجوم" فقد كان قبل ذلك لأن شداد بن أوس قال في حديثه (2): "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى رجلاً بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخذ
__________
(1) أحمد والبخاري (نيل الأوطار 4/ 213).
(2) أبو داود (جامع الأصول 7/ 193).
(2/208)

بيدي، لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم" ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يدرك رمضان بعد حجة الوداع، فلا بدّ أن يكون قوله قبل فعله.
2 - نوع القول: القول عام لنا وله. على سبيل الظهور.
3 - قام الدليل على تكرر مقتضى القول، لأنه معلق بالصفة.
فعلى هذا ينبغي أن يبقى حكم القول في حق الأمة، ويكون الإفطار خصوصية له. لكن يمنع القول بالخصوصية أنه لم يخص في باب القرب بشيء من الرخص. ولذلك يحصل التعارض، ويحكم بالنسخ في حقه - صلى الله عليه وسلم - وحق الأمة.
وقد سلك الشوكاني مسلك الجمع، فحمل القول على الكراهة، وفيه نظر، فإنه ليس نهياً حتى يصح حمله على الكراهة وإنما هو حكم بالإفطار.
المثال الثاني: حديث أنس، وخلاصته: أن رهطاً من العرنيين غدروا براعي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقتلوه واستاقوا النعم، فبعث في آثارهم، فجيء بهم فسمل أعينهم، وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا.
مع حديث أنس والمغيرة: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المثلة (1).
1 - التاريخ: في رواية أنس أنه قال بعد أن ذكر حديث العرنيين: ثم نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المثلة، فالفعل متقدم على القول.
2 - القول وإن كان يبدو أنه خاص بنا، إلاّ أنه يشمله - صلى الله عليه وسلم -، على القول بأن المتكلم يدخل في عموم متعلق خطابه.
3 - الدليل قائم على تكرر مقتضى القول، لأنه نهي، والنهي يقتضي دوام الترك.
فظاهر هذا أنه يكون الحكم في حقنا وحقه - صلى الله عليه وسلم - نسخ حكم الفعل المتقدم بالقول. والمعتمد عند الجمهور تحريم المثلة.
__________
(1) حديث المغيرة: رواه الحاكم والطبراني. وحديث أنس رواه مسلم.
(2/209)

ورأى ابن الجوزي عدم التعارض، وأن ما فعله - صلى الله عليه وسلم - بهم من سَمْلِ الأعين ليس من المثلة، بل كان من باب القصاص، لأنهم فعلوا ذلك بالراعي. ففي رواية لمسلم وغيره عن أنس أنه قال: "إنما سمل النبي - صلى الله عليه وسلم - أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة".
وقول ابن الجوزي هذا حسن، وهو من باب الجمع بين الحديثين بحمل كل منهما على حال. فالمثلة المنهي عنها ما كان على سبيل التشفّي، بأن نفعل بالقاتل ما لم يفعله بالمقتول. أما إن فعل بالمقتول شيئاً كقلع العين أو قطع الأذن أو غير ذلك مما فيه القصاص، جاز أن يفعل به مثله، لقوله تعالى: {والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} (1).
المثال الثالث: حديث الفضل بن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: من أصبح جنباً فلا صوم له.
وحديث عائشة وأم سلمة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم.
1 - التاريخ مجهول.
2 - القول عام لنا وله - صلى الله عليه وسلم - ظاهراً.
3 - الدليل قائم على تكرر مقتضى القول، لأن الحكم معلق بشرط.
فظاهر ما تقدم حمل فعله - صلى الله عليه وسلم - على الخصوصية، ويعمل في حق الأمة بالقول. وقد ذهب إلى هذا قوم. وينبغي أن يردّ ذلك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرخص له في باب القرب بشيء مما يقتضيه التعظيم، بل هو أولى بتعظيم شعائر الله، كما تقدم في فصل الخصائص من الباب الأول.
فقد حصل التعارض، والذي ينبغي حسب القانون السابق تقديم القول.
ولكن الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء تقديم الفعل وهو يجري على أحد وجهين:
__________
(1) سورة البقرة: آية 194
(2/210)

إما على سبيل ترجيح الفعل بموافقته لإشارة الآية: {حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} فإن إباحة الجماع إلى هذه الغاية يلزم منه جواز تأخير الغسل إلى ما بعدها. وهي الطريقة التى سلكها الشافعي.
وإما على سبيل نسخ القول بالفعل، وقد مال إليه الخطابي. وقواه ابن دقيق العيد (1) بدلالة الآية، فإنها تدل على إباحة إصابة الجنابة إلى آخر الليل، بعد أن كان ذلك ممنوعاً. فيظهر أن قوله: ("من أصبح جنباً فلا صوم له" كان قبل نزول الرخصة. والله أعلم.
المثال الرابع: الوضوء مما مست النار، ورد فيه حديث أبي هريرة وعائشة عند مسلم (2) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "توضأوا مما مست النار" وعند مسلم أيضاً أنه - صلى الله عليه وسلم - أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. وقال جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عدم الوضوء مما مست النار" (3).
1 - ذهب بعض الفقهاء إلى عدم التعارض بين الفعل والقول في هذه المسألة. والوجه في ذلك أن القول خاص بالأمة، لقوله - صلى الله عليه وسلم - (توضأوا) وهو (أمر) والمخاطب لا يدخل في عموم خطابه. فعليه يكون الوضوء مما مست النار واجباً في حق الأمة لم ينسخ، وترك الوضوء مما مست النار، لأنه فعل مجرّد، يكون خاصاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وممن ذهب إلى وجوب الوضوء مما مست النار عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري والزهري وأبو قلابة وأبو مجلز، والشوكاني نقل هذا عنهم (4) وأرجعه إلى القاعدة الأصولية، على اعتبار أن القول لم يشمله - صلى الله عليه وسلم -، وأن فعله - صلى الله عليه وسلم - حمله على الخصوصية به.
__________
(1) نيل الأوطار 4/ 225
(2) 4/ 44
(3) رواه الأربعة وابن حبان (نيل الأوطار 1/ 221).
(4) (نيل الأوطار 2/ 221) ونقله الشوكاني أيضاً وابن قدامة (المغني 1/ 221) عن جملة من الصحابة منهم ابن عمر، وأبو طلحة، وأنس بن ملك، وأبو موسى، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة. والنقل عنهم في هذه المسألة مضطرب. فإن النووي ذكر أكثرهم في القائلين بعدم الوضوء مما مست النار. وانظرة شرح صحيح مسلم 4/ 441
(2/211)

2 - وذهب بعض الصحابة منهم الخلفاء الراشدون، والأئمة الأربعة، إلى أنه لا يجب الوضوء مما مست النار.
وقد احتجّ لهؤلاء بحديث جابر المتقدم: "كان آخر الأمرين منه - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مسته النار".
وهذا يدل على أنهم يرون فعله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك معارضاً لقوله، ولكونه متأخراً عنه، يكون ناسخاً له.
وهذه الطريقة أصحّ مما ذهب إليه الشوكاني، فإن القول وإن كان موجّهاً إلى الأمة فإنه يشمل النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن المخاطب يدخل في عموم متعلق خطابه على الأرجح، ما لم يمنع من ذلك قرينة، ولا قرينة هنا، ولأن الفعل المجرّد دالّ في حق الأمة على ما اخترناه من قول المساواة، فيثبت بذلك النسخ. وهو المعتمد. والله أعلم.
(2/212)

الفصل الثالث تعارض الفعل والأدلة الأخرى
أولاً - القرآن:
إذا اختلف القول من القرآن العظيم مع الفعل من النبي - صلى الله عليه وسلم - جاز الجمع بينهما، بوجه صحيح، كأن يحمل فعله - صلى الله عليه وسلم - على الخصوصية به إذا دلّ عليها دليل، أو على أنه مخصص لدلالة القرآن في حقه - صلى الله عليه وسلم - وحق الأمة.
ومثاله: أمره تعالى في القرآن بغسل الوجه، فمع كثرة ما نقلوا في صفة وضوئه - صلى الله عليه وسلم -، وما فضلوه من ذلك، لم ينقل أحد منهم أنه كان يغسل داخل عينيه، فكان هذا دلالة على أنه مستثنى من عموم غسل الوجه (1).
ومثال الحمل على الخصوصية أن الله تعالى قال: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} (2) وقد جمع - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ذلك العدد، ودليل الخصوصية أنه منع من ذلك غيره، بل أمر غيلان بفراق ما زاد على أربعة، مع إقامته هو على الزيادة.
ومثال التخصيص في حق الأمة أيضاً أنه تعالى قال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة} (3) ورجم النبي - صلى الله عليه وسلم - ماعزاً ولم يجلده. فدلّ على خروج الثيب من ذلك الحكم (4).
فإن لم يظهر للتخصيص وجه، لم يجز نسخ القرآن بالفعل النبوي، عند من
__________
(1) انظر لهذه المسألة الفرعية: المجموع للنووي ط المنيرية 1/ 368
(2) سورة النساء: آية 3
(3) سورة النور: آية 2
(4) أبو الحسين البصري: المعتمد 1/ 275
(2/213)

لا يجيز نسخ القرآن بالسنة النبوية (1). وهو الذي اخترناه. وقد تقدم إيضاحه. وأما من أجازه فهو يجيز نسخه بالفعل النبويّ، إلا أنه يشترط التواتر في ثبوت الفعل عند الأكثرين، لئلا يلزم نسخ المقطوع بالمظنون.
ولا يجوز كذلك نصب المعارضة بين القول القرآني والفعل النبوي عند جهل التاريخ. بل القرآن مقدم على كل حال. وينبغي حمل الفعل على أنه صدر قبل نزول القرآن المعارض له.

ثانياً- الإجماع:
إذا خالف الإجماع الفعل النبويّ، فإن الإجماع مقدم عند كل من أثبت حجيّة الإجماع. وليس الإجماع هو الناسخ، وإنما يدل الإجماع على نص ناسخٍ لم ينقل إلينا. وأما من خالف في كون الإجماع حجة -كالشوكاني- فإن السنة الفعلية عنده مقدمة عليه.

ثالثاً- القياس:
إذا خالف الفعل القياس، فهو مبني على مسألة مخالفة القياس للسنة، وفيها قولان مشهوران:
القول الأول: أن القياس إذا خالف السنة سقط، فلا ينسخها إن وَرَد بعدها، وإن جهل التاريخ فلا يقدم عليها.
وهذا قول الجمهور من الفقهاء والأصوليين. ووجهه أن القياس إنما يستعمل مع عدم النص، فلا يجوز أن ينسخ النص، إذا الواجب اتباع النصوص، وكل قياس خالف النصوص فهو فاسد الوضع (2).
فعلى هذا القول ينبغي أن ينظر: هل تكون مخالفة القياس للفعل النبويّ بدرجة مخالفته للقول النبوي تماماً، فيردّ إذا خالف الفعل كما يرد إذا خالف القول؟.
__________
(1) انظر الزركشي: البحر المحيط 2/ 256 أ.
(2) إرشاد الفحول ص 193
(2/214)

إنه كما تقدم إيضاحه، قد اختلف في الفعل هل يقوى على نسخ القول أم هو أضعف من أن ينسخه؟ والذي ينبغي أن يقال: إن من أجاز نسخ القول بالفعل يلزمه إجازة نسخ القياس بالفعل، ومن أجاز نسخ القول بفعل من نوع خاص -كالفعل البياني- مثلاً- دون ما عداه، يلزمه إجازة نسخ القياس بذلك النوع. ومن عزل الفعل كله -أو نوعاً منه كالمجرد- عن الدلالة، يلزمه عدم إجازة نسخ القياس به.
القول الثاني: إن القياس يعمل به إذا عارض السنة، فتنسخ به السنة المتواترة وغيرها. وقيل تنسخ به السنة الآحادية فقط، وقيل إن كانت علته منصوصة لا مستنبطة. وقال الصفي الهندي: محلّ الخلاف في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأما بعده فلا ينسخ به باتفاق.
فعلى هذا القول ينبغي أن يجوز نسخ حكم الفعل النبوي بالقياس من باب أولى.

قولنا في المسألة:
إننا بناء على قول الجمهور، من امتناع نسخ السنة بالقياس، نرى ما يلي:
1 - القياس الجلي -ونعني به القياس بنفي الفارق- إن عارض الفعل البياني، يقدم الفعل البياني مطلقاً، كتقديم القول على القياس.
2 - أما القياس الجلي إن عارض الفعل المجرد، فلا ينبغي أن يشك في جواز نسخه لحكم الفعل المجرد، لأن حكم الفعل المجرد يتعدى إلينا بطريق القياس الجلي. كما تقدم إيضاحه. فيتعارض قياسان من نوع واحد، فينسح آخرهما أولهما.
3 - أما قياس العلة إذا خالف الفعل البياني، فعلى الخلاف المذكور في نسخ القول بالقياس. لأن الفعل البياني بدرجة القول ولا فرق بينهما، والذي ينبغي أن يقدم الفعل البياني على القياس.
4 - وأما قياس العلة إذا خالف الفعل المجرّد فإنه لضعف دلالته محل النظر،
(2/215)

والأولى أن يجري فيه مذهب الجمهور في تقديم السنن على الأقيسة. فينسخ القياس بالفعل المجرّد ويمتنع نسخ القياس له.
والحاصل أننا نرى تقديم الفعل البياني على القياس بجميع أنواعه.
أما الفعل المجرّد فنفرق بين مخالفته للقياس الجلي فنجعلهما بدرجة واحدة فيتعارضان، ويقدم المتأخر منهما إن علم وإلا فيرجح بينهما، فإن لم يمكن فالوقف. وبُيّن مخالفته لقياس العلة فنرى تقديم الفعل.
(2/216)

الفصل الرابع اختلاف التقرير والقَول أو الفِعْل
تقدم في الباب الثاني ذكر التقرير، وأنه يدل على عدم تحريم الفعل على ذلك الفاعل، وأن مبنى حجيته أنه لو علم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفعل دليلاً يحرّمه لوجب عليه إنكاره. فلما أقرّه علم أنه لا حرج فيه ولا يمنعه دليل شرعيّ.
وتقدم أن حكم الفعل المقرر عليه يتعدّى إلى سائر الأمة على الصحيح.
ثم يحتمل أنه قبل ذلك الإقرار لم يكن دليل يمنع من الفعل أصلاً. ويحتمل أن ثمة دليلاً ولكن أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - تبديله بذلك الإقرار.
ودلالة التقرير على عدم الحرج في صورة عدم تقدم دليل محرم أقوى منها في صورة تقدم مثل ذلك الدليل.
أما بالنسبة إلينا، فإذا جاءنا الإقرار، فلم نره يعارض دليلاً شرعياً، فالوجه فيه ما تقدم بيانه.
وأما إن خالف دليلاً شرعياً، فإما أن يخالف السنة القولية أو الفعلية. وعلى كل ذلك فالعمل عند الاختلاف كما يلي:
(2/217)

المبحث الأوّل اختلاف التقرير والقول
إذا اختلف القول والتقرير فإما أن يعلم تقدم التقرير على القول، أو يجهل المتقدم منهما، أو يعلم تأخر التقرير.
فإن علم تقدم التقرير فلا عبرة به، ويقدم القول عليه، لأن التقرير قبل ورود الشروع لا يدلّ على حكم شرعي، إذ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا ينكر أمراً لم يرد فيه شرع.
وإن جهل المتقدّم منهما فيحتمل أن يكون الحكم كذلك، لأن القول أقوى منه. ويحتمل أن يجري فيه التعارض.
أما إن تقدم القول، وجاء التقرير بعده مخالفاً له، فإنه يجب التخلُّص بواحد من الأوجه التالية بالترتيب:
الأول: الجمع، بحمل القول إن كان نهياً على الكراهه، وإن كان أمراً على الاستحباب. وهذا أولى الوجوه وأيسرها، لأن فيه عملاً بكلا الدليلين.
وقد قال ابن حزم: "إن كان تقدم في ذلك الشيء نهي فقط ثم رآه - صلى الله عليه وسلم - أو علمه فأقرّه، فإنما ذلك بيان أن النهي على سبيل الكراهة فقط، لأنه لا يحل لأحد أن يقول في شيء من الأوامر: إن هذا منسوخ، إلا ببرهان جلي. ومن قال في شيء من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله: هذا منسوخ أو مخصوص أو ليس عليه العمل، فقد قال: دعوا ما أمركم به ربكم ونبيكم ولا تعملوا به، وخذوا قولي وأطيعوني في خلاف ما أمرتم به" (1).
__________
(1) الإحكام 1/ 484
(2/218)

الثاني: الحمل على الخصوصية: بأن يقال إن التقرير هذا خاص بمن قرر وحده، ولا يلتحق به غيره. وهو مقتضى ما ذهب إليه الباقلاني وسائر من قال إن حكم التقرير لا يعدى إلى غير المقرر. وقد تقدّم الرد عليه.
فلما قام الدليل على أن الناس في أحكام الشرع سواء، لم يجز الحمل على الخصوصية إلاّ أن يأتي دليل يدل على ذلك، كتخصيص أبي بردة بالتضحية بعناق، وتخصيص خزيمة بقبول شهادته وحده.
فهذا الوجه وإن قال به البعض، مردود من أساسه ما لم يأت الدليل المذكور.
وقد اختار ابن الحاجب (1) وغيره الخصوصية في ما إذا لم يتبيّن معنى يقتضي إلحاق غير المقرّر بالمقرّر. وسيأتي قريباً.
ثم حيث قيل بالخصوصية للمقرر، فهي إما على وجه التخصيص من حكم العام (أعني بيان أنه لم يرد دخوله في العامِّ أصلاً)، وإما على وجه النسخ في حقه، والأول أولى حيث أمكن، وإلاّ فيتعين النسخ.
ويتعيّن في أحوال؛ منها: أن يكون القول خاصاً بالمقرر، أو يكون المقرر قد علم دخوله في حكم العام بدليل.

الثالث: التخصيص في حق الأمة:
وذلك بأن يعلم معنى خاص في المقرر لأجله حصل الإقرار، فمن وجد فيه ذلك المعنى استثنى أيضاً من حكم العام قياساً على المقرر، بمقتضى العلة، وبدلالة الإجماع على أن الأمة في أحكام الشرع سواء (2).
__________
(1) المختصر 2/ 151
(2) ابن الحاجب: المختصر 2/ 151، الآمدي 2/ 484 وانظر: البحر المحيط للزركشي 2/ 147ب.
(2/219)

وهذا الوجه أيضاً مقدم على النسخ في حق الأمة، لأن فيه عملاً بدلالة التقرير في حيّز المعنى المشترك، وعملاً بدلالة القول في ما خرج عن ذلك.
ومن التخصيص أيضاً أن يكون القول عاماً في جنس من الأشياء، ويكون التقرير على خلاف العموم في نوع من ذلك الجنس، فيخصص العموم بالتقرير ومثاله: الأمر بأخذ الزكاة من الأموال، ثم أقرهم على ترك أخذ الزكاة من الدور والأثاث والخيل وغيرها.

الرابع: نسخ القول بالتقرير:
وسواء أكان القول في حق المقرر وحده أو كان عاماً له ولغيره، لأن حكم التقرير عام كما تقدم. فينسخ عموم القول.
ولم يرتض هذا الوجه الآمدي (1) وابن الحاجب (2) وغيرهما. ورأيا أنه إذا لم يتبيّن علة تقتضي إلحاق غير المقرر بالمقرر، أن الواجب حمل التقرير على الخصوصية بالمقرر وحده.
ونقل الزركشي (3) والعلائي: "أن كثيراً من أئمة الأصول صرحوا بأن الفعل إذا سبق تحريمه، فيتضمن تقريره نسخ ذلك التحريم" (4) قال الزركشي: "وقد نص الشافعي أن تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - للصلاة قياماً خلفه، وهو جالس، ناسخ لأمره السابق بالقعود" وممن صرح بنسخ الأمر بالتقرير ابن حزم (5). وهو ظاهر صنع الغزالي (6).
وقد وجّه ابن الحاجب قوله، بأنه لما انتفت العلّة الجامعة امتنع قياس العلة، ولا يجوز هنا الإلحاق بنفي الفارق لأنه إنما يصح إذا علم انتفاء الفارق، لأن الاختلاف في الأحكام ثابت قطعاً، كالطاهر والحائض، والمقيم وللسافر، وهنا لم يعلم انتفاء الفارق فلا يجوز الإلحاق.
__________
(1) الإحكام 2/ 484
(2) المختصر 2/ 151
(3) البحر المحيط 2/ 256 ب.
(4) تفصيل الإجمال ق 68 ب.
(5) الإحكام 1/ 484
(6) المستصفى 2/ 29
(2/220)

ونحن نرى أن القول بجواز نسخ القول بالتقرير، أصحّ من القول بامتناعه، وذلك من أوجه:
الأول: أنه قد يعلم انتفاء الفارق في بعض الصور، كالمثال الذي نقلنا قول الشافعي فيه.
الثاني: ما نقل من الإجماع على أن الأمة في أحكام الشرع سواء. ويشهد له في هذا المقام ما ورد عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: "ردّ النبي - صلى الله عليه وسلم - التبتل على عثمان بن مظعون، ولو أذن له لاختصينا" (1) إذ أن قوله هذا يدل على أنهم كانوا يرون التقرير لواحد على خلاف العموم، هو تقريره لغيره.
الثالث: أنه لو كان الإقرار على خلاف مقتضى العموم خاصاً بالمقرر لوجب على النبي - صلى الله عليه وسلم - بيان الخصوصية، لئلا يكون ذلك تلبيساً على من علم بذلك الإقرار. وقد قال الغزالي: "لو كان (الفعل القرر عليه) من خاصيته -أي المقرر- لوجب على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيّن اختصاصه، بعد أن عرّف أمته أن حكمه في الواحد كحكمه في الجماعة، فيدلّ من هذا الوجه على النسخ المطلق" (2).

صور اختلاف التقرير والقول:
إذا أقرّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إنساناً مؤمناً متبعاً على فعلٍ سبق النهي عنه، أو على ترك فعل سبق الأمر به، فتقريره حجة كما تقدم.
وفي المسألة عوامل ثلاثة تؤثّر في حكمها:
العامل الأول: (وله حلاّن) لأن القول إما أن يكون خاصاً بالمقرر، أو عاماً له ولغيره.
فإذا كان القول خاصاً به، لم يحتمل أن يكون التقرير تخصيصاً، واحتمل أن يؤول القول إن أمكن، وإلاّ فالنسخ.
__________
(1) رواه مسلم 9/ 176 والبخاري 9/ 117
(2) المستصفى 2/ 29
(2/221)

أما إن كان القول عاماً للمقرر وغيره فإما أن يؤول القول، أو يكون التقرير تخصيصاً إذا ظهر المعنى، وإلاّ فالنسخ.
العامل الثاني: (وله ثلاثة أحوال) أن يكون القول نصّاً في الإلزام كلفظ الوجوب والفرض، والتحريم، والحظر، أو يكون ظاهراً في الإلزام كلفظ الأمر والنهي. أو لا يكون للإلزام أصلاً، كألفاظ الترغيب والإباحة.
فإن كان القول نصّاً في الإلزام، لم يحتمل الجمع بينه وبين التقرير بحمل القول على الاستحباب أو الكراهة. ولكن يجب المصير إلى التخصيص إن صح، وإلاّ فالنسخ.
وإن كان القول ظاهراً في الإلزام، أمكن الجمع بحمله على خلاف ظاهره، فيكون للاستحباب أو الكراهة.
وإن كان القول للاستحباب أو الكراهة فلا تعارض.
تنبيه: في الإقرار على فعل المكروه بحث، وينظر في فصل الإقرار من الباب الثاني.
العامل الثالث: (وله حالان) أن يقوم دليل على تكرار مقتضى القول، أو لا يقوم عليه دليل.
ومثال ما قام الدليل على تكراره النهي، فإنه يقتضي الدوام.
وكذلك الأمر إن علّق بسبب أو وصفٍ متكررين.
فإن أقرّ على خلافه وجب المصير إلى الجمع إن أمكن، وإلا فالتخصيص وإلاّ فالنسخ.
أما إن لم يقم الدليل على وجوب تكراره فلا تعارض أصلاً إذا كان المقَرُّ قد فعله مرة واحدة. فإن كان لم يفعله ألبتة، وأقره على تركه، فهو كما لو قام الدليل على تكرر مقتضى القول.
ففي المسألة اثنتا عشرة صورة، تنشأ من ضرب عدد أحوال العوامل بعضها في بعض.
(2/222)

وفي ما ذكرناه من هذا القول المجمل كفاية، ولا حاجة إلى ذكر الصور التفصيلية.
ونزيد المسألة بذكر عدة أمثلة تعين على توضيح المقصود. وبالله التوفيق.

أمثلة على اختلاف القول والتقرير:
المثال الأول (1): حديث جابر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في الإمام: "إن صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون" (2)
ثم ثبت أنه صلّى في مرض موته بأصحابه جالساً وهم قيام.
فهذا التقرير متأخّر. والقول وإن كان أمراً يُظَنُّ إمكان حمله على الاستحباب كما فعل ابن حزم (3) في هذا المثال، لكن لما كان في شأن متابعة الإمام، فمتابعته واجبة، كما هو ظاهر من سياق الحديث بتمامه. وكون الأمر معلقاً بالشرط يبين أنه للتكرار. واجتماع هذه الأمور يعين النسخ.
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
الأول: أن يقدم القول. فيمتنع القيام خلف الإمام الجالس للضرورة، إذا كان المأموم قادراً.
وإليه ذهب الحنابلة، وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من الشافعية، قالوا: وهذا إن ابتدأ الإمام الصلاة قاعداً، فإن ابتدأها قائماً ثم عرض له العذر فجلس، استمروا قياماً، أخذاً من ابتداء أبي بكر الصلاة قائما ثم جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلّى بهم جالساً.
وهذا نوع من الجمع بين القول والتقرير بحمل كل من الحديثين على حالة خاصة.
__________
(1) راجع لمذاهب الفقهاء في هذه المسألة: فتح الباري 2/ 175. ابن دقيق العيد: شرح العمدة 1/ 196 ابن قدامة: المغني 2/ 222
(2) رواه البخاري ومسلم 4/ 133
(3) الإحكام في أصول الأحكام 1/ 484
(2/223)

والثاني: وهو قول الشافعي والحنفية. أنهم يصلون قياماً والإمام قاعد. ووجهه أن التقرير ناسخ للقول المتقدم. فيزول وجوب الجلوس خلف القاعد. وإذا زال تعيّن القيام، على الأصل من أن القيام ركن في الفرض في حق القادر عليه.
والثالث: مذهب مالك ومحمد بن الحسن، أن اقتداء القادر على القيام، بالقاعد، لا يصحّ أصلاً، سواء صلّى المأموم قاعداً أو قائماً.
ووجهه أيضاً نسخ القول بالتقرير، فيزول وجوب القعود خلف الإمام القاعد. ثم نسخت إمامة القاعد جملة بحديث: "لا يؤمّنَّ أحد بعدي جالساً" (1).
وهو حديث ضعيف.
المثال الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم - للذي نشد الضالة في المسجد: "لا وجدتّ، إنما بنيت الساجد لما بنيت له" (2).
وورد أنه - صلى الله عليه وسلم - أقرّ الحبشة يوم العيد على اللعب بالحراب في المسجد.
واضح أن هذا من جنس التخصيص، فإن هذا النوع من اللعب تمرين على الجهاد وتنشيط له. ولأن إظهار الفرح والسرور مشروع ليوم العيد.
المثال الثالث: أنه - صلى الله عليه وسلم - حرّم التصوير ولعن المصوّر (3).
وورد أن عائشة اتخذت وسادتين فيهما صور، وأنها كانت تلعب بالبنات - وهي اللعب الصغار- وأقرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك.
فمن العلماء من أخذ بالقول، واعتبر التقرير سابقاً في التاريخ على القول، فلم يأخذ به.
__________
(1) أخرجه الدارقطني من طريق جابر الجعفي وهو متروك، عن الشعبي مرسلاً (الخصائص الكبرى للسيوطي 3/ 214)
(2) رواه مسلم 5/ 54 وأبو داود وابن ماجه وأحمد.
(3) صحيح البخاري (ط الحلبي مع فتح الباري 5/ 218).
(2/224)

ومنهم من قال بالتخصيص، فيجوز اتخاذ الصور الممتهنة، في البسط والفرش ونحوها دون ما سواها.
ويجوز أيضاً اتخاذ اللعب لصغار النساء تدريباً لهن على العناية بالأطفال.
المثال الرابع: نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الغلول، وإحراقه رحل الغال (1)، يدل على تحريمه. وورد عن عبد الله بن مغفّل أنه أصاب جراب شحم يوم خيبر. قال: "فالتزمته فقلت: لا أعطى اليوم أحداً من هذا شيئاً. فالتفتُّ فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متبسماً".
اتفق العلماء (2) على أن هذا الحديث مخصّص للنهي عن الغلول، وأنه يجوز الأكل من طعام أهل الحرب ما دام المسلمون في دار الحرب، فيأكلون منه قدر حاجتهم.
__________
(1) أبو داود 7/ 383
(2) العلائي: تفصيل الإجمال ق 70 ب.
(2/225)

المبحث الثاني اختلاف التقرير والفعل
إذا اتفق الفعل والتقرير، فذلك يزيد في قوة دلالة الفعل، لأنه يقطع احتمال الخصوصية بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
أما إذا خالف التقرير الفعل فإنه يقدح في دلالته ويضعفها (1).
واختلاف التقرير والفعل أن يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً، ويقر أحداً على تركه، أو بتركه شيئاً ويقر أحداً على فعله.
فإن كان ذلك في الأفعال الجبلية أو نحوها مما لا دلالة له على تشريع فلا أثر له. وكذلك الأفعال الدالة على الإباحة.
وإن كان الفعل خاصاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فإقراره على خلافه واضح أنه من باب التقرير الابتدائي.
وأما إذا كان فعله بيانياً، أو امتثالياً، فأقر على خلافه أو دل الدليل على أن فعله المجرّد للوجوب فأقر على خلافه، فهو موضع للنظر.
والذي يظهر أنه إن أمكن الجمع وجب المصير إليه، وإلا فالتخصيص. فإن لم يكن وكان الفعل متأخراً فهو المعتبر، وإن كان متقدماً اعتبر حكمه منسوخاً بالتقرير، وإن جهل الحال يقدم الفعل (2) على التقرير لأنه أدل منه، ولأن التقرير يطرقه من الاحتمالات ما لا يطرق الفعل.
__________
(1) انظر: الموافقات للشاطبي 4/ 72
(2) السبكي: جمع الجوامع 2/ 365
(2/226)

أمثلة على اختلاف الفعل والتقرير:
من أمثلة اختلاف الفعل والتقرير ما في حديث جابر في صفة الحج أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أهل التوحيد: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" ولبى الناس، والناس يزيدون "لبَّيْكَ ذا المعارج" والنبي - صلى الله عليه وسلم - يسمع فلم يقل شيئاً" (1). اه.
فما كان يقوله النبي - صلى الله عليه وسلم - في تلبيته فعل بياني. وتقريره يدل على أن الاقتصار على ذلك اللفظ غير متعين بل يجوز زيادة ما بمعناه من اللفظ.
ثم قد قيل إن الاقتصار على اللفظ النبوي أولى. وفيه نظر، إذ إن لكل ما زاد من الذكر أجره.
مثال ثان: تركه - صلى الله عليه وسلم - أكل الضب. وقد أكل على مائدته.
لا تعارض هنا، لأنه تركه على وجه العيافة له، وذلك أمر جبلّيّ.

ختام
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
اللهم كما أرسلت إلينا رسولاً من أنفسنا من يعلمنا الكتاب والحكمة، ويعلمنا ما كنا به جاهلين،
اللهم كما بدأتنا بنعمتك قبل استحقاقها، وأدمتها علينا مع الإعراض منا والغفلة والتقصير،
اللهم وكما وجهت همتي إلى خدمة سنة رسولك العظيم، وتيسير العمل بها للعاملين،
اللهم وكما أعنت على التمام، ويسَّرت الوصول إلى المرام، وأزحت عن البدن علله، وعن النفس عوائقها،
__________
(1) رواه أحمد في المسند 3/ 320
(2/227)

اللهم فإني أرفع إليك ثمرة الجهد الضئيل لولا عونك، فاجعل فيها من بركاتك، فإن القليل بنعمتك كثير، والحقير بها كبير.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير.
(2/228)

ملحق الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل مع بيان الحكم في كل منهما
قطعة من رسالة الحافظ العلائي المسمَّاة تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال
المخطوط رقم (135 مجاميع بدار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة)
(2/229)

الحافظ العلائي (1):
تفصيل حكم هذه الصور يتضح بجعلها على أربعة أقطاب، بحسب تكرر الفعل أو التأسّي به [أو عدم أحدهما]، أو عدمهما.

القُطبُ الأوَّل
أن لا يدل دليل على وجوب تكرار الفعل في حقه - صلى الله عليه وسلم -، ولا على وجوب تأسّي الأمة به فيه.
ويتضمن خمس عشرة صورة: لأنه إما أن يكون القول خاصّاً به، أو خاصاً بنا، أو عامّاً لنا وله. وعلى الأقسام الثلاثة: إما أن يعلم تقدم الفعل، أو تقدم القول، أو يجهل التاريخ. وفي حالتي التقدم: إما أن يتعقّب الآخر أو يتراخى.
1 - الصورة الأولى: أن يتقدم الفعل. ويكون القول خاصاً به، متصلاً بالفعل، من غير تراخ.
2 - والثانية: أن يكون كذلك، إلاّ أنه متراخ عن الفعل.
ومثاله في الصورتين: أن يفعل - صلى الله عليه وسلم - فعلاً، ثم يقول: إما على الفور أو على التراخي: لا يجوز لي مثل هذا الفعل في مثل ذلك الوقت.
ففي هاتين الصورتين لا تعارض بين القول والفعل أصلاً لا في حقه، ولا في
__________
(1) تفصيل الإجمال ق 56 ب - 64 ب.
(2/231)

حق الأمة، أما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فلأن القول لم يرفع حكم ما تقدم من الفعل في الماضي ولا في المستقبل. لأن الماضي لا يرتفع، والفرض أن الفعل غير مقتضٍ للتكرار بالنسبة إليه. وأما في حق الأمة فظاهر، لأنه ليس لأحد من القول والفعل تعلّق بهم.
3، 4 الصورتان الثالثة الرابعة: أن يتقدم هذا الفعل ويكون القول (1) خاصاً بالأمة إما متعقباً، أو على التراخي. مثل أن يفعل - صلى الله عليه وسلم - فعلاً، ثم يقول: لا يجوز لكم هذا الفعل.
ففي هاتين الصورتين أيضاً لا تعارض بينهما، لأن الفعل لم يقم دليل خاص على تأسي الأمة به فيه. فكان مختصاً به. والقول خاص بالأمة، فلا تعارض. هكذا صرح به جماعة منهم الآمدي وابن الحاجب.
فإن قيل: لا يلزم عن عدم قيام الدليل على التأسّي به في هذا الفعل الخاص أن يكون مختصاً به، بل يكتفى بالأدلة العامة على التأسّي به مطلقاً.
قلت: لو اعتبر ذلك لزم منه النسخ، والتخصيص أولى منه. فلذلك قلنا أن الفعل يكون خاصاً به - صلى الله عليه وسلم -.
5، 6 الصورتان الخامسة والسادسة: أن يتقدم الفعل، ويكون القول بعده، عاماً له وللأمة إما متعقباً، أو على التراخي.
فقال الآمدي وغيره لا معارضة بينهما أيضاً: أما بالنسبة إليه - صلى الله عليه وسلم - فلما تقدم فيما إذا كان القول خاصاً به. وأما بالنسبة إلينا فلأن فعله غير متعلق بنا على ما وقع به الفرض.
وفصل ابن الحاجب بين أن يكون العموم بطريق التنصيص أو بطريق الظهور. فإن كان على وجه النصوصية، مثل أن يفعل فعلاً، ثم يقول: حرم علي وعلى أمتي هذا الفعل في مثل ذلك الوقت، فلا تعارض أصلاً، لا في حقه ولا في
__________
(1) في الأصل: الفعل. وهو خطأ، يظهر أنه من الناسخ، كما لا يخفى.
(2/232)

حقنا، لعدم وجوب تكرار الفعل، ولعدم وجوب التأسيّ به. وإن كان العموم على وجه الظهور، قال: فبالنسبة إلينا لا تعارض أيضاً، لما تقدم، أما بالنسبة إليه فيكون فعله مخصصاً لذلك القول.
ولقائل أن يقول:
إما أن لا يمكن الجمع بين القول والفعل بطريق بناء العام على الخاص، أو يمكن ذلك. فإن أمكن، بأن يكون الفعل مختصاً يتضمن صورة القول كما تقدم في النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة، واستدبارها مطلقاً، مع الفعل في البيوت، فها هنا الذي ينبغي أن يكون الراجح ما قدمناه من تخصيص القول فيما عدا صورة الفعل، إعمالاً للأدلة العامة، الدالة على التأسيّ به - صلى الله عليه وسلم -. وأصل هذا القطب مدار على أنه لم يدل دليل على تكرر الفعل في حقه ولا تأسيّ الأمة به. ولا يلزم من عدم قيام الدليل أن يكون الفعل خاصاً به، ولا بدّ، بل ربما يكون مما تتأسىّ به الأمة فيه عملاً بالأدلة العامة، لا سيما والأصل عدم اختصاصه - صلى الله عليه وسلم -. فتخصيص القول به، كذا الفعل بالنسبة إليه وإلى الأمة أولى لما قدمناه.
وإن لم يمكن الجمع بينهما على وجه تخصيص العموم فعدم التعارض هنا أولى بأن يكون الفعل الأول كان خاصاً به، والقول بعده نسخ ذلك في حقه، ولا تعلق للأمة به. وهذا أولى من أن يكون حكم الأمة حكمه في ذلك الفعل. ونجعل القول ناسخاً له في حقه وحقهم.
7 - الصورة السابعة: أن يتقدم القول، ويكون خاصاً به - صلى الله عليه وسلم -، ثم يتعقبه الفعل بخلافه، من غير تراخ.
فها هنا الفعل ناسخ لمقتضى القول عند من يجوز النسخ قبل التمكن من مقتضى الامتثال، وهم جمهور أهل السنة. وأما من لم يجوز ذلك، كالمعتزلة وأبي بكر الصيرفي من أصحابنا، فقالوا: لا يتصور وجود مثل هذا الفعل، مع العهد إن لم نجوز المعاصي على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
8 - الصورة الثامنة: أن يتقدم القول، ويكون خاصاً به، ثم يقع الفعل بعده متراخياً عنه، إما بعد العمل بمقتضى القول، أو بعد التمكن من العمل به.
(2/233)

فالفعل ناسخ لمقتضى القول وفاقاً. وهو ظاهر على رأي من لم يجوز صدور الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأما من جوز ذلك فكذلك أيضاً، لأن صدور المعصية خلاف الظاهر. والنسخ وإن كان خلاف الأصل الكثير أكثر منه (1). وهو متفق عليه، أعني النسخ، بخلاف صدور الذنب من الأنبياء. وما في النسخ من الخلاف فهو غير معتد به. فكان الحمل على النسخ أولى من الحمل على صدور الذنب. هذا هو اللائق بمذهب من يجوز المعاصي وإن لم نطلع (2) عليه من حيث النقل.
9، 10 - الصورتان التاسعة والعاشرة: أن يتقدم القول ويكون خاصاً بنا، مثل: حرم عليكم كذا، ثم يفعله هو إما على الفور، أو التراخي.
فقال الآمدي وابن الحاجب والأرموي في (نهاية الوصول): لا تعارض بينهما في هذه الصورة، بل الفعل مختص به، والقول مختص بنا، إذ لا دليل على وجوب التأسّي. وذكر القرافي أن الفعل أيضاً شأنه أن تتأسى الأمة به فيه، يعني بالأدلة العامة التي تقتضي ذلك. فالأولون لا يعتبرون إلا دلالة دليل خاص في هذا الفعل، بخلاف القرافي، فإنه يعتبر الأدلة العامة، فيراهما متعارضين. لكن قول الأولين هنا أقوى، لأن اعتبار القول الخاص بنا، وتقديمه، أولى من تقديم الأدلة العامة.
11، 12 - الصورتان الحادية عشرة والثانية عشرة: أن يكون القول عاماً لنا وله - صلى الله عليه وسلم - ثم يقع الفعل بعده، إما متعقباً، أو على التراخي.
فقالوا: لا معارضة هنا أيضاً، كما تقدم مثله فيما إذا علم تقدم الفعل.
وفرق ابن الحاجب بين العام بطريق النصوصية، والعام بطريق الظهور، كما تقدم. وفيه من البحث ما تقدم. واحتمال التخصيص حيث يمكن.
وذكر بعضهم أن الفعل متى وقع بعد التمكن من مقتضى القول، فلا يكون
__________
(1) يعني: أكثر من المعصية على القول بتجويزها.
(2) في الأصل: يطلع.
(2/234)

ناسخاً إلا أن يدل دليل على وجوب تكرار مقتضى القول، فحينئذٍ يكون الفعل ناسخاً لتكرار مقتضى القول. وهذا يجيء في كل موضع قيل فيه بالنسخ، فيما سيأتي من أمثاله. ونحن قد مثلنا ذلك بأن يقول - صلى الله عليه وسلم -: حرم علينا كذا، ثم يفعله، فإن التحريم يقتضي التأبيد.
والحقّ في هذا الموضع أن فعله - صلى الله عليه وسلم - ناسخ لمقتضى القول في حقه وإن كان العموم على وجه الظهور. وأما في حق الأمة فهو أما مقتضٍ للتخصيص، أو للخصوصية به، كما تقدم في الفصل الثاني.
13، 14، 15 - الصورة الثالثة عشرة، والرابعة عشرة، والخامسة عشرة: أن يجهل التاريخ من التقدم والتأخر، ويكون القول أما خاصاً به، أو بنا، أو عاماً لنا وله.
ففي هذه الصور الثلاث الأقوال الثلاثة المتقدمة في الفصل الثالث.
والمختار تقديم القول عند بعضهم، لاحتمال أن يكون الفعل متقدماً والقول متأخراً. وعند ذلك لا يتحقق التعارض بينهما لما سبق. ويحتمل أن يقال، فيما إذا كان القول خاصاً به، بتقديم الفعل إعمالاً للأدلة العامة الدالة على التأسّي به - صلى الله عليه وسلم - فإنها أرجح حينئذٍ من القول بالوقف، وهو الذي اختاره ابن الحاجب كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(2/235)

القُطبُ الثَّاني
أن يدل دليل على وجوب تكرر هذا الفعل في حقه. ووجوب تأسي الأمة به فيه.
وفيه أيضاً خمس عشرة صورة:
16 - الأولى: أن يعلم تقدم القول، ويكون خاصاً به، ثم يصدر الفعل متعقباً له، قبل التمكن من الامتثال.
17 - والثانية: مثلها، إلا أن الفعل وقع متراخياً، بعد التمكن من امتثال مقتضى القول.
ففي هاتين الصورتين لا معارضة في حق الأمة، لاختصاص القول به - صلى الله عليه وسلم - والعمل في حقهم بمقتضى الفعل. وأما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فالفعل ناسخ في الصورة الثانية اتفاقاً. وكذلك في الأولى، على القول بجواز النسخ قبل حضور وقت العمل، اللهم إلا أن يكون القول لم يقتضِ التكرار، ولا دليل يدل عليه فإنه حينئذٍ لا معارضة أيضاً في حقه - صلى الله عليه وسلم -.
18، 19 - الثالثة والرابعة: أن يتقدم الفعل، ويكون القول خاصاً به أيضاً، إما متعقباً أو متراخياً.
فكذلك أيضاً لا معارضة في حق الأمة، وهم متعبدون بمقتضى الفعل. وأما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فالقول ناسخ لمقتضى الفعل في الصورتين اتفاقاً.
20 - الخامسة: أن يجهل التقدم والتأخر، والقول خاص به أيضاً.
(2/236)

فلا معارضة في حق الأمة كما مر. وأما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فتجيء الثلاثة أقوال المتقدمة في الفصل الثالث. اختار الآمدي وغيره ترجيح القول. والذي اختاره ابن الحاجب في هذه الصورة الوقف على تَبَيُّن التاريخ لأنه يحتمل تقدم الفعل على القول، وبالعكس، وكل منهما يكون ناسخاً للآخر فلا ترجيح لتقدم أحدهما على الآخر والجزم بكون أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً تحكم، وهو باطل.
21 - السادسة أن يتقدم القول، وهو خاص بنا، ويجيء الفعل بعده، متعقباً، قبل التمكن من امتثال مقتضى القول.
فقال الإمام فخر الدين: يجب المصير هنا إلى القول دون الفعل، وإلا يلزم أن يكون القول لغواً، ولا يلغو الفعل، لأن حكمه ثابت في حق الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وكأنه يجعل القول الخاص بنا مخصصاً للفعل الذي دل الدليل على تأسي الأمة به بالنسبة إلينا فقط، ويبقى حكمه في حقه - صلى الله عليه وسلم - كما قيل مثله في الفعل مع القول العام لنا وله.
والذي اختاره الآمدي وابن الحاجب أنه لا معارضة في حقه - صلى الله عليه وسلم -، وأما في حق الأمة فالفعل ناسخ لمقتضى القول قبل التمكن، على رأي الجمهور.
ومن لا يجوز النسخ قبل حضور وقت العمل، فلا تُتَصوَّر المسألة عنده. أو {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)} [الأعراف: 198] يقول بترجيح القول كما قاله فخر الدين.
22 - السابعة: أن يتقدم القول، وهو خاص بنا، ويجيء بعده الفعل المذكور متراخياً، أما بعد العمل به، أو بعد حضور وقته.
فاتفقوا على أن الفعل مع الدليل الدال على تكرره والتأسي به فيه ناسخ لمقتضى القول المتقدم. ولم يقل فخر الدين هنا بتقديم القول وهو لازم له أيضاً، لكن التخصيص أولى من النسخ في الموضعين. وإن كان قوله في الصورة التي قبلها تفادياً من النسخ قبل التمكن. فهو يقول بهذه المسألة ولا ينكرها.
والحقّ في هذه الصورة والتي قبلها التزام النسخ، كما قال الآمدي وابن الحاجب لأن الفعل لا عموم له حتى يتطرق إليه التخصيص، وإنما عم في حقنا
(2/237)

بالدليل الخاص الذي دل على وجوب تأسينا به فيه. وهذا الدليل مختص بنا فقط. فتقديم القول يقتضي إبطال هذا الدليل من كل وجه. وهو متأخر معارض للأول. فالقول بالنسخ أقوى.
وذكر بعض المتأخرين في هذه الصورة التفصيل المتقدم أيضاً، وهو أن القول إذا لم يقتضِ التكرار فإنه حينئذٍ لا معارضة في حقنا أيضاً. وإنما يجيء النسخ إذا كان القول مقتضياً للتكرار.
23، 24 - الثامنة، والتاسعة: أن يتقدم الفعل، ويجيء القول بعده، خاصاً بنا، إما متعقباً، أو على التراخي.
فلا معارضة في حقه - صلى الله عليه وسلم - لاختصاص القول بنا، وأما في حقنا فالقول ناسخ لمقتضى الفعل في الصورة الثانية، وفاقاً. وفي الصورة الأولى عند من يجيز النسخ قبل التمكن (وأما من) لا يجيز ذلك فلا تُتَصَوَّر المسألة عنده. أو تجعل ترجيح القول من جهة التخصيص كما قال ابن الخطيب، لا من جهة النسخ. وفيه من البحث ما قدمناه.
25 - العاشرة: أن يجهل التاريخ من التقدم والتأخر، والقول خاص بنا.
ففيه الأقوال الثلاثة المتقدمة في الفصل الثالث. واتفق الآمدي وابن الحاجب على ترجيح مقتضى القول هنا، لما تقدم في ذلك الفصل. قال ابن الحاجب: والقول بالوقف هنا ضعيف، بخلاف الصورة الخامسة، لأنا متعبدون هنا بوجوب العمل بإحداهما إما الفعل، وإما القول. لأن كُلاًّ منهما مفروض بالنسبة إلينا، ولا يمكن العمل يهما. وقد ثبت رجحان القول على الفعل بتعين المصير إلى العمل بالقول، بخلاف الصورة الخامسة التي رجح فيها الوقف، فإنهما بالنسبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يجب علينا الحكم بوجوب العمل بإحداهما بالنسبة إليه. فالقول بالوقف أولى.
26 - الحادية عشرة: أن يتقدم القول، ويكون عاماً لنا وله، ويقع الفعل بعده متعقباً، قبل التمكن من الامتثال لمقتضى القول.
(2/238)

فعلى رأي المعتزلة لا تتصور هذه المسألة، إذ النسخ لا يجوز في هذه الصورة ولا يمكن فرض ذلك على أنه معصية، لقيام الدليل الخاص على تكرره في حقه وتأسي الأمة به فيه. وأما عند أصحابنا فالفعل ناسخ لمقتضى القول قبل التمكن. قال بعض المتأخرين: هذا إذا كان عموم القول بطريق النصوصية، فإن كان بطريق الظهور فإن الفعل حينئذٍ يكون مخصصاً للقول، كما تقدم. وهذا مأخوذ من مقتضى تفصيل ابن الحاجب في الصورة المتقدمة في القطب الأول. لكن جزم القول هنا بأن المتأخر ناسخ، ولم يفصل؛ وهو لازم له.
27 - الثانية عشرة: أن تكون الصورة كذلك، لكن الفعل بعد التمكن من امتثال مقتضى القول.
وقد جزموا بأن الفعل ناسخ هنا. وفي الحقيقة الناسخ إنما هو الفعل مع الدليل الدال على وجوب تكرره وتأسي الأمة به. وقال المتأخر المشار إليه أن ذلك إنما يكون إذا اقتضى القول التكرار، فإن لم يقتضِ التكرار فلا معارضة لا في حقه ولا في حقنا.
28، 29 - الثالثة عشرة، والرابعة عشرة: أن يتقدم الفعل، ويجيء القول بعده، عاماً لنا وله، إما متعقباً، أو مع التراخي.
فالقول هنا ناسخ لوجوب التكرار في حقه.
وكذلك لوجوب التأسّي في حقنا، لكن في صورة التعقب على القول بجواز النسخ قبل التمكن. ومن لا يجيز ذلك يحتمل أن يكون تقديم القول عنده بطريق الترجيح للقول، لا على وجه النسخ.
30 - الخامسة عشرة: أن يجهل التاريخ، والقول أيضاً عام لنا وله - صلى الله عليه وسلم -.
ففيه المذاهب الثلاثة. والذي يظهر ترجيح القول بالوقف في حقه - صلى الله عليه وسلم -، والعمل بمقتضى القول في حق الأمة، لما تقدم.
(2/239)

القُطبُ الثالِث
الفعل الذي دل الدليل على وجوب تكرره في حق - صلى الله عليه وسلم - دون تأسي الأمة به فيه.
وفيه أيضاً خمس عشرة صورة.
واعلم أولاً أن الفائدة إنما تظهر في هذا والقطب الذي قبله إذا كان الفعل متقدماً، فحينئذٍ يتحقق التعارض بينه وبين القول، لمعارضة القول لمقتضى التكرار. أما إذا كان الفعل متأخراً، فالمعارضة تحصل بمجرد الفعل، سواء دل على التكرار دليل أو لم يدل. وهذا خاص بخلاف ما إذا دل دليل على التأسّي فإن له فائدة تقدم الفعل أو تأخره وهو تعلق ذلك بالأمة.
وبيان هذه الصور على نحو ما تقدم:
31 - الأولى: أن يتقدم القول، ويكون خاصاً به، ويتعقبه الفعل من غير تراخ. فالفعل ناسخ على رأي أهل السنة كما تقدم.
32 - الثانية: مثلها إلا أن الفعل متراخ.
فهو ناسخ للقول اتفاقاً. ولا معارضة بينهما في حق الأمة في هاتين الصورتين ولا في الثلاث التي بعدها أيضاً، لعدم تناول القول والفعل لهم.
33، 34 - الثالثة، والرابعة: أن يتقدم الفعل، على نحو ما تقدم.
فالقول ناسخ لمقتضى الدليل الدال على تكرر الفعل في صورة التمكن، اتفاقاً وفي عدمها على الراجح، كما مرّ.
(2/240)

35 - الخامسة: أن يجهل التاريخ.
فالأقوال الثلاثة. والراجح الوقف، كما تقدم.
36، 37، 38، 39 - السادسة، والسابعة، والثامنة، والتاسعة: أن يكون القول خاصاً بنا.
فلا معارضة حينئذٍ تقدم القول أو الفعل، تعقب الثاني أو تراخى، لعدم توارد القول والفعل على محل واحد. والعمل في حق الأمة بمقتضى القول، والفعل من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -.
40 - وفي الصورة العاشرة: وهي الجهل بالتاريخ، بطريق الأولى.
41، 42 - الحادية عشرة، والثانية عشرة: أن يتقدم القول، ويكون عاماً لنا وله - صلى الله عليه وسلم -، ويقع الفعل بعده، إما على التعقب أو على التراخي.
فلا معارضة في حق الأمة، لا تقدم، والفعل ناسخ لمقتضى القول في حقه - صلى الله عليه وسلم - في صورة التراخي اتفاقاً، وفي صورة التعقب عندنا دون المعتزلة لما تقدم. ومن يجوِّز الذنب على الأنبياء قد يمنع التعارض والنسخ، وخصوصاً إذا كان قبل التمكن. ولكن الظاهر التزام النسخ كما سبق.
43، 44 - الثالثة عشرة، والرابعة عشرة: أن يتقدم هذا الفعل، ويأتي القول بعده عاماً لنا وله، وإما قبل التمكن أو بعده.
فقال الآمدي وابن الحاجب وغيرهما: القول ناسخ لمقتضى الدليل الدال على تكرر الفعل في حقه - صلى الله عليه وسلم -. وهذا إنما يجيء على قاعدة الحنفية، في أن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم، أو كان عموما لقول له بطريق التنصيص، مثل حرم علي وعليكم. فأما متى كان بطريق الظهور مثل: حرم علينا، بعد ما تقدم منه فعله له، فكأنما الذي يجيء على طريق الشافعية ومن وافقهم تخصيص العموم بفعله - صلى الله عليه وسلم - ويكون ذلك اللفظ من العام الذي أريد به الخاص، لتقدم المخصص له. والتخصيص خير من النسخ. وحيث قيل بالنسخ فعلى الطريق المتقدم فيما قبل التمكن.
(2/241)

هذا في حقه - صلى الله عليه وسلم -، وأما في حق الأمة فلا معارضة أيضاً لما تقدم.
45 - الخامسة عشرة: أن يجهل التاريخ والقول عام لنا وله.
ففي حق الأمة لا معارضة أيضاً، وفي حقه - صلى الله عليه وسلم - المذاهب الثلاثة المتقدمة والراجح عند ابن الحاجب قول الوقف كما تقدم.
(2/242)

القطب الرَّابع
أن يكون الفعل دل الدليل على وجوب تأسي الأمة به فيه. ولم يدل على تكرر الفعل في حقه - صلى الله عليه وسلم -.
وفيه الخمس عشرة صورة أيضاً:
46 - الأولى: أن يكون القول خاصاً به، ويتقدم على الفعل، وليس بينهما تراخ.
فالفعل ناسخ لمقتضى القول، قبل التمكن على رأي الجمهور، ومن لا يجيز ذلك يمنع تصوره، أو يحيله على ما يجوز عليه على الراجح من المعاصي، ومعاذ الله من إلزامه في حقه.
47 - الثانية: كذلك، لكن الفعل بعد التمكن من امتثال مقتضى القول. فالفعل ناسخ اتفاقاً.
ولا معارضة بينهما في حق الأمة، في الصورتين جميعاً.
48، 49 - الثالثة، والرابعة: أن يتقدم الفعل، ويجيء القول بعده، خاصاً به، إما متعقباً أو متراخياً.
فلا تعارض في الصورتين: أما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فلعدم وجوب تكرر الفعل وأما في حق الأمة فلعدم توارد القول والفعل على محل واحد.
50 - الخامسة: أن يجهل التاريخ والقول خاص به.
فلا معارضة في حق الأمة، لما تقدم. وأما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فتجيء الأقوال الثلاثة
(2/243)

المتقدمة لأنه يحتمل أن يكون الفعل متأخراً فيكون ناسخاً. والمختار عند ابن الحاجب القول بالوقف، لعدم تعبدنا بذلك القول. ولما في تعيين أحدهما متقدماً من التحكم.
51، 52 - السادسة، والسابعة: أن يكون القول خاصاً بنا، ويقع الفعل بعده، إما متعقباً أو على التراخي.
فلا معارضة في حقه - صلى الله عليه وسلم -. والفعل ناسخ في حقنا في صورة التمكن اتفاقاً. وفي الأخرى على الراجح من قول أهل السنة. والناسخ في الحقيقة إنما هو الدليل الدال على وجوب تأسي الأمة به في ذلك الفعل، لا مجرد الفعل.
53، 54 - الثامنة، والتاسعة: أن يتقدم هنا الفعل، ويجيء القول بعده، خاصاً، أما متعقباً، أو متراخياً عنه.
فالقول ناسخ لمقتضى الدليل الدال على وجوب التأسّي به في ذلك الفعل، على ما تقدم من التفصيل في الصورتين. وأما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فلا معارضة كما تقدم.
55 - العاشرة: أن يجهل التاريخ والقول خاص بنا.
فها هنا الأقوال الثلاثة المتقدمة، والراجح عند الجمهور العمل بمقتضى القول لما تقدم. هذا بالنسبة إلى الأمة. أما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فلا معارضة كما تقدم.
56 - الحادية عشرة: أن يكون القول عاماً لنا وله، متقدماً، ووقع الفعل عقبه. قبل التمكن من الامتثال.
ففي حقه - صلى الله عليه وسلم - الفعل ناسخ، على الراجح من قول الجمهور. هذا عند طائفة. ويجيء هنا التفصيل المتقدم عند ابن الحاجب في مثل ذلك، وهو الفرق بين ما يكون العموم بطريق النصوصية، مثل حرم علي وعليكم، فيكون ناسخاً، وبين أن يكون على وجه الظهور مثل: حرم علينا، فيكون الفعل مختصاً به، ويتخصص القول بذلك.
وأما في حق الأمة فقال بعض المتأخرين: إن كان الدليل على وجوب التأسّي
(2/244)

مختصاً بذلك الفعل بعينه فالفعل ناسخ، وإن كان شاملاً لهذا الفعل وغيره فالقول مخصص له. وهذا التفصيل يجيء مثله في صور كثيرة مما تقدم.
وقد ذكرنا عن القرافي أنه لا يشترط قيام دليل خاص على التأسّي بهذا الفعل بل يكتفي بالأدلة العامة التي تشمل هذا الفعل وغيره، فقال: إذا عمهما القول، وكان الفعل الواقع بعده يعمهما أيضاً، كان ناسخاً للقول، أما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فلأنه المباشر له (ولا يباشر) شيئاً إلا يجوز له الإقدام عليه، وأما هم فلوجوب تأسيهم به، واندراجهم في كل ما شرع له - صلى الله عليه وسلم - إلا ما دل الدليل عليه. فيتناقض القول والفعل، فينسخ المتأخر المتقدم.
57 - الثانية عشرة: أن يكون القول عاماً أيضاً، ويتقدم، ثم يقع الفعل متراخياً بعد التمكن.
فهو ناسخ لمقتضى القول على ما صرح به الآمدي وغيره. ويجيء فيه التفصيل المتقدم بين أن يكون العموم بطريق الظهور أو بطريق النصوصية. والتفصيل الآخر الذي ذكرناه عن بعض المتأخرين وهو الفرق بين أن يكون القول اقتضى التكرار أو لا. وقد صرح به هنا في هذا القسم فقال: وإن لم يقتضِ القول التكرار فلا معارضة في حقه ولا في حق الأمة. وإن اقتضى التكرار يكون الفعل ناسخاً للتكرار. وهذا تفصيل متجه.
58، 59 - الثالثة عشرة، والرابعة عشرة: أن يتقدم هذا الفعل ويجيء القول بعده عاماً له وللأمة، إما متعقباً، أو متراخياً.
فلا معارضة في حقه - صلى الله عليه وسلم -، لعدم وجوب تكرار الفعل في حقه. وأما في حق الأمة ففي صورة التعقب: القول ناسخ للدليل على وجوب التأسّي بالفعل، على الراجح من جواز النسخ قبل التمكن. وفي صورة التراخي إن كان القول قبل تأسيهم به فهو ناسخ للتأسي. وإن كان بعده، فإن دل الدليل على وجوب تكرار الفعل في حقهم، فالقول ناسخ للتكرار. وإلا فلا معارضة أيضاً في حقهم والعمل حينئذٍ بمقتضى القول، لأن الفعل قد عمل به تأسياً، فحصل الامتثال. ولا دليل على تكرره في حقهم.
(2/245)

60 - الخامسة عشرة: أن يجهل التاريخ، والقول عام.
فتجيء الأقوال الثلاثة: والراجح العمل بالقول. والمختار عند ابن الحاجب والمحققين العمل بالقول في حق الأمة وأما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فالوقف كما تقدم. اه.
***
(2/246)

المَرَاجع
(البيانات حسب الطبعات التي رجعنا إليها في هذا البحث. وما رجعنا إليه من الطبعات بخلاف ما ذكر هنا فقد نبهنا إليه في الهوامش).
- القرآن الكريم.
الآمدي، علي بن أبي علي بن محمد، سيف الدين أبو الحسن (551 - 631 ه).
- الإحكام في أصول الأحكام. القاهرة، دار الكتب الخديوية. طبع بمطبعة المعارف 1332 ه، 4 ج.
ابراهيم إبراهيم هلال.
- ولاية الله والطريق إليها. القاهرة، دار الكتب الحديثة، 1389 ه، (550 ص).
ابن أبي شريف، محمد بن محمد بن أبي بكر المقدسي (822 - 906 ه).
- حاشية ابن أبي شريف على جمع الجوامع. مخطوط رقم (19 خ) بمكتبة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت.
ابن الأثير، مبارك بن محمد، أبو السعادات (544 - 606 ه).
- جامع الأصول من أحاديث الرسول. القاهرة، مطبعة السنة المحمدية، 1368 ه، طبع منه 12 ج تحقيق محمد حامد الفقي.
ابن أمير الحاج، محمد بن محمد بن محمد (ابن الموقِّت) (825 - 879 ه).
- التقرير والتحبير على تحرير ابن الهمام (790 - 861 ه) في علم الأصول الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية. القاهرة، المطبعة الأميرية ببولاق، 1316 ه (3 مجلدات).
(2/247)

ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام (661 - 728 ه).
- اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم. ط ثانية. القاهرة، مطبعة السنة المحمدية، 1369 ه، (482 ص).
- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. ط ثانية. بيروت، المكتب الإسلامي 1390 ه، (158 ص).
- القواعد النورانية الفقهية. بتحقيق محمد حامد الفقي. ط 1. القاهرة، مطبعة أنصار السنة المحمدية، 1370 ه، (272 ص).
- مجموع الفتاوى الكبرى. القاهرة، مطبعة كردستان العلمية، 5 ج.
- المسوّدة في أصول الفقه. تعاقب على تأليفه ثلاثة من آل تيمية: جدّ تقي الدين، ووالده، وهو نفسه ورتبها أحمد بن محمد بن عبد الغني (- 745 ه). ط على نفقة علي بن عبد الله آل ثاني، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. القاهرة مطبعة المدني (د. ت) في مجلد واحد. (580 ص).
- مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية. جمعها. ورتبها عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي. الرياض، نُشرت على حساب الملك الأسبق سعود بن عبد العزيز رحمه الله، في 37 مجلداً، مطابع الرياض.
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية. بولاق، المطبعة الأميرية، 1322 ه (4 ج).
ابن تيمية، عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم، (مجد الدين 542 - 621 ه).
- منتقى الأخبار. انظر: الشوكاني - نيل الأوطار.
ابن جماعة، بدر الدين بن إبراهيم (825 - 861 ه).
- تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم. حيدر أباد، 1353 ه (230 ص).
ابن الحاجب، عثمان بن عمر، أبو عمرو، المالكي (570 - 646 ه).
- مختصر المنتهى. وعليه شرح العضد وحواشي التفتازاني، والجرجاني والهروي. ليبيا، البيضاء، جامعة محمد بن علي السنوسي الإسلامية، 1388 ه (2 ج في مجلد).
(2/248)

ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد، أبو حاتم التميمي البستي ( ... -354 ه).
- المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع. وهو المشهور بصحيح ابن حبان. انظر: علاء الدين الفارسي- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان.
ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، شهاب الدين (773 - 852ه).
- تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، تحقيق عبد الله هاشم اليماني القاهرة، شركة الطباعة الفنية، 1384 ه في مجلدين.
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري. القاهرة، المكتبة السلفية. تَمَّت طباعته 1390، (13 ه).
ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، الظاهري (384 - 456 ه).
- الإحكام في أصول الأحكام. القاهرة، نشره زكريا علي يوسف. وقوبل على نسخة أشرف على طبعها الشيخ أحمد محمد شاكر. (د. ت) مجلدان.
- التقريب لحد المنطق والمدخل إليه، بالألفاظ العاميّة والأمثلة الفقهية. تحقيق إحسان عباس. بيروت، دار مكتبة الحياة، د. ت (224 ص).
- الفِصَل في الملل والأهواء والنحل. القاهرة، الخانجي، 1321 ه. (5 ج).
- المُحَلّى شرح المُجَلّى. بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر. القاهرة المطبعة المنيرية، 1347 ه، (11 ج).
ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، الحضرمي المغربي (732 - 808ه).
- المقدمة. الطبعة القديمة (مشكولة). معلومات النشر غير متوفرة.
ابن دقيق العيد، محمد بن علي بن وهب، تقي الدين القشيري (625 - 702 ه).
- إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي. بتحقيق حامد الفقي. القاهرة، مطبعة أنصار السنة المحمدية، 1372 ه (2 ج).
ابن رشد، محمد بن أحمد، أبو الوليد (450 - 520 ه).
- المدونة (في فقه الإمام مالك) رواية سحنون عن ابن القاسم. نسخة بالأوفست عن ط القاهرة، الساسي (8 مجلدات).
(2/249)

ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع، كاتب الواقدي (168 - 230 ه).
- الطبقات الكبرى. بيروت، دار صادر ودار بيروت، 1377 ه-.
ابن عبد السلام، عبد العزيز بن عبد السلام، عز الدين (577 - 660 ه).
- قواعد الأحكام في مصالح الأنام. القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى د. ت (2 ج).
ابن العربي، محمد بن عبد الله، أبو بكر (468 - 543 ه).
- أحكام القرآن. تحقيق علي محمد البجاوي. القاهرة، دار إحياء الكتب. العربية. 1957 م (4 ج).
ابن عقيل، علي بن عقيل بن محمد، أبو الوفاء الحنبلي (431 - 513 ه).
- الواضح في أصول الفقه. في مجلدين. مخطوط. بالمكتبة الظاهرية بدمشق، برقم 2872، 2873 عام.
ابن قاسم، أحمد بن قاسم العبادي الشافعي الأزهري ( ... -992 ه).
- شرحه على شرح المحِلِّي على الورقات للجويني. مطبوع بهامش إرشاد الفحول للشوكاني. القاهرة، مصطفى الحلبي، 1356 ه.
ابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن محمد، موفق الدين المقدسي الحنبلي (541 - 620 ه).
- المغني شرح مختصر الخرقي. ط ثالثة. القاهرة، دار المنار، 1367 ه (9 ج).
ابن القيم، محمد بن أبي بكر الزُّرَعي، شمس الدين (691 - 751 ه).
- إعلام الموقِّعين عن رب العالمين. حققه محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، 1374 ه (4 ج).
- روضة المحبين ونزهة المشتاقين. بتصحيح أحمد عبيد. القاهرة، المكتبة التجارية، 1375 ه (536 ص).
- زاد المعاد في هَدْي خير العباد. ط ثانية. القاهرة، مصطفى الحلبي، 1369 ه (4 ج في مجلدين).
ابن كثير، إسماعيل بن عمر، أبو الفداء (701 - 774 ه).
- البداية والنهاية في التاريخ. القاهرة، مكتبة الخانجي، 1352 ه (14 ج).
(2/250)

ابن اللحام، علي بن عباس، البعلي، علاء الدين، الحنبلي (752 - 803 ه).
- القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية. القاهرة، مطبعة السنة المحمدية، 1375 ه (311 ص).
ابن ماجه، محمد بن يزيد، القزويني (207 - 275 ه).
- سنن ابن ماجه. بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة، دار إحياء الكتب العربي 1952 م - (2 ج).
ابن منظور، محمد بن المكرّم، جمال الدين الإفريقي (630 - 711 ه).
- لسان العرب (المحيط). أعاد بناءه على الحرف الأول فما بعده من الأصول المجردة يوسف خياط ونديم مرعشلي. بيروت، دار لسان العرب، 1970 م (4 ج).
ابن هشام، عبد الملك بن هشام بن أيوب، الحميري العَافري ( ... -213 ه).
- السيرة النبوية، بتحقيق مصطفى السّقّا وزميله. ط ثانية. القاهرة، مصطفى الحلبي 1375 ه (2 ج).
ابن همام الدين، محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد، الإسكندري الحنفي (790 - 861 ه).
- التحرير في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية. وعليه الشرح المسمى تيسير التحرير لمحمد أمين المعروف بأمير بادشاه. (4 ج) في مجلدين. القاهرة، مصطفى البابي الحلبي، 1351 ه.
- انظر أيضاً ابن أمير الحاج - التقرير والتحبير.
- فتح القدير شرح الهداية في الفقه الحنفي. القاهرة، المكتبة التجارية (د. ت) 8 ج.
أبو الحسين البصري، محمد بن علي بن الطيب، المعتزلي (-436 ه).
- المعتمد في أصول الفقه. اعتنى بتهذيبه وتحقيقه محمد حميد الله، مع محمد بكر وحسن حنفي. دمشق، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، 1374 ه. مجلدان.
(2/251)

أبو الخطاب، محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني الحنبلي (432 - 510 ه).
- التمهيد في أصول الفقه. النسخة الخطية المحفوظة بالمكتبة الظاهرية بدمشق، برقم (2801) مجلد واحد (249 ق).
أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني (202 - 275 ه).
- سنن أبي داود. وعليه شرحه المسمى: عون المعبود شرح سنن أبي داود. حققه عبد الرحمن محمد عثمان. المدينة المنورة، المكتبة السلفية، 1389 ه- (14 ج).
- المحقق من علم الأصول في ما يتعلق بأفعال الرسول. صورة مخطوط كتب عام 709 ه بيد علي بن أيوب بن منصور بن وزير. عن نسخة قرئت على مصنفه، (60 ق).
أبو الفتوح رضوان وزملاؤه.
- المدرس في المدرسة والمجتمع. القاهرة، دار الثقافة، (د. ت).
أبو يعلى، محمد بن الحسن الفراء، الحنبلي، القاضي (380 - 458 ه).
- العدة في أصول الفقه. مكروفيلم بمعهد المخطوطات بالجامعة العربية برقم 76 أصول.
أحمد بن محمد حنبل، الإمام (164 - 241 ه).
- المسند. بيروت، المكتب الإسلامي صورة عن ط الميمنية (6 ج).
الإسنوي، عبد الرحيم بن الحسن القرشي، جمال الدين (704 - 772 ه).
- التمهيد في تخريج الأصول على الفروع. مكة المكرمة، المطبعة الماجدية، لأصحابها محمد كامل كردي وإخوانه، 1353 ه (173 ص).
- نهاية السول شرح منهاج الأصول للبيضاوي. مطبوع بهامش التقرير والتحبير شرح التحرير.
أمير بادشاه محمد أمين الحسيني البخاري ( ... -972 ه).
- تيسير التحرير. انظر: ابن همام الدين - التحرير.
الباقلاني، محمد بن الطيب، أبو بكر (338 - 403 ه).
- البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر
(2/252)

والنارنجات. بتصحيح يوسف مكارثي اليسوعي. بيروت، المكتبة الشرقية، 1958 م (180 ص + 25 ص).
البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم (الإمام المحدِّث) (194 - 256 ه).
- صحيح البخاري. وعليه شرحه فتح الباري لابن حجر العسقلاني. القاهرة، المطبعة السلفية، تمت سنة 1390 ه (13 ج).
البخاري، عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين الحنفي (400 - 730 ه).
- كشف الأسرار شرح أصول البزدوي. انظر: البزدوي- أصول البزدوي.
بدران أبو العينين بدران.
- بيان النصوص التشريعية طرقه وأنواعه. الإسكندرية، منشأة المعارف، 1969 م (248 ص).
البزدوي، علي بن محمد بن الحسين، فخر الإسلام ( ... -482 ه).
- أصول الفقه. وعليه: كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري. بيروت دار الكتاب العربي، 1394 ه (4 ج).
البناني، عبد الرحمن بن جاد الله المغربي ( ... -1198 ه).
- حاشية شرح جمع الجوامع. انظر: السبكي - جمع الجوامع.
البيضاوي، عبد الله بن عمر ( ... -685 ه).
- منهاج الأصول. وعليه الشرح المسمى (نهاية السول) للإسنوي. القاهرة، المطبعة الأميرية ببولاق، 1316 ه. بهامش التقرير والتحبير شرح تحرير ابن الهمام.
الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة، المحدث (209 - 279 ه).
- سنن الترمذي. وعليه شرحه المسمى: تحفة الأحوذي، لمحمد بن عبد الرحمن المباركفوري. صححه عبد الرحمن محمد عثمان. ط ثانية. المدينة المنورة، المكتبة السلفية، 1387 ه (11 ج).
التفتازاني، مسعود بن عمر، سعد الدين (713 - 791 ه).
- التلويح شرح التوضيح لمتن التنقيح. والتوضيح هو لصدر الشريعة. القاهرة، محمد علي صبيح، 1377 ه (2 ج).
(2/253)

التهانوي، محمد علي ابن القاضي التهانوي الفاروقي الهندي ( ... -1158 ه).
- كشاف اصطلاحات الفنون. طهران، 1947 م بالأوفست عن ط كلكتة، 1862 ه (6 ج).
الجرجاني، علي بن محمد، الشريف ( ... -816 ه).
- التعريفات. بيروت، مكتبة لبنان، 1969 م (336 ص).
الجصاص، أحمد بن علي الرازي، أبو بكر الحنفي ( ... -370 ه).
- أحكام القرآن: دار الكتاب العربي، بالأوفست عن ط الأوقاف الإسلامية، استانبول، 1325 ه (4 ج).
- أصول الجصاص. مخطوط، بيد محمد بن ماضي، كتبه سنة 748 ه محفوظ بدار الكتب المصرية، برقم 161 أصول.
جولد زيهر، إجناس.
- العقيدة والشريعة في الإسلام. ترجمة محمد يوسف موسى وزميليه. ط ثانية، دار الكتب الحديثة، (د. ت).
الجويني، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، إمام الحرمين (419 - 478 ه).
- الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد. حققه محمد يوسف موسى، وعلي عبد المنعم عبد الحميد. القاهرة، مكتبة الخانجي، 1369 ه، (460 ص).
حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله (كاتب جلبي) ( ... -1067 ه).
- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. مع ذيله إيضاح المكنون ذيل كشف الظنون لإسماعيل باشا بن محمد أمين الياباني. ط ثالثة. طهران، المكتبة الإسلامية، 1378 ه (4 ج).
الحسين بن المنصور بالله القاسم بن محمد (زيدي).
- هداية العقول إلى غاية السول في علم الأصول. ومعه حاشية الحسن بن يحيى سيلان، وحاشية محمد بن إسماعيل الأمير، وحاشية الحسين بن أحمد السياغي. صنعاء اليمن، مطبعة وزارة المعارف المتوكلية، 1359 ه (2 ج).
(2/254)

الدسوقي، محمد بن عرفة، شمس الدين ( ... -1230 ه).
- حاشية على الشرح الكبير للدردير في الفقه المالكي. القاهرة، عيسى الحلبي، د. ت (4 ج).
الدهلوي، أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي، الهندي، شاه ولي الله (1110 - 1176 ه).
- حجة الله البالغة. بتحقيق سيد سابق. القاهرة، دار الكتب الحديثة د. ت (686 ص).
الرازي، محمد بن عمر بن الحسين بن الحسين التيمي البكري، فخر الدين، ابن خطيب الريّ (543 - 606 ه).
- عصمه الأنبياء. القاهرة، إدارة الطباعة المنيرية، 1355 ه (110 ص).
الرملي، محمد بن أحمد، شمس الدين الشافعي (1004 ه).
- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للنووي في الفقه الشافعي. القاهرة، مصطفى الحلبي 1357 ه (8 ج).
الزركشي، محمد بن عبد الله، بدر الدين (745 - 794 ه).
- البحر المحيط في أصول الفقه (مخطوط) في ثلاثة مجلدات. بمكتبة الأزهر برقم 722 (20 أصول).
الزركلي، خير الدين.
- الأعلام. قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين. ط ثانية، القاهرة، مطبعة كوستاتوماس، 1378 ه. (10 ج).
زكريا الأنصاري، ابن محمد بن محمود الشافعي، أبو يحيى ( ... -976 ه).
- غاية الوصول شرح لبّ الأصول للمؤلف. ولب الأصول اختصره من جمع الجوامع للسبكي. القاهرة، عيسى الحلبي، د. ت (168 ص).
السبكي، عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، تاج الدين ( ... -771 ه).
- جمع الجوامع. وعليه شرح المَحِلِّي، وحاشية البناني وتقرير الشربيني ط ثانية. القاهرة، مصطفى الحلبي، 1356 ه (2 ج).
(2/255)

- القواعد ميكروفيلم معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية برقم 74 أصول.
السخاوي، محمد بن عبد الرحمن بن محمد (831 - 902 ه).
- المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة. القاهرة، مكتبة الخانجي، 1375 ه (511 ص).
السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل، أبو بكر، الحنفي ( ... -490 ه).
- أصول السرخسي. بتحقيق أبي الوفاء الأفغاني. بيروت، دار المعرفة، بالأوفست عن طبعة حيدر آباد، لجنة إحياء المعارف النعمانية د. ت (2 ج).
السمعاني، منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد، أبو المظفر الشافعي (426 - 489 ه).
- قواطع الأدلة في الأصول. صورة عن نسخة مكتبة فيض الله باستانبول برقم 627 أصول. بخط أحمد بن عبد الله الصمدي. كتبه سنة 815 ه (309 ق).
السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر ( ... -911 ه).
- الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية. القاهرة، مصطفى الحلبي، 1378 ه (556 ص).
- الجامع الصغير وزيادته. انظر: النبهاني- الفتح الكبير.
- الخصائص الكبرى. أو: كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب. القاهرة، دار الكتب الحديثة، 1386 ه (3 ج).
- مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية.
الشاطبي، إبراهيم بن موسى، اللخمي الغرناطي ( ... -790 ه).
- الاعتصام. القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، د. ت (2 ج).
- الموافقات في أصول الشريعة، وهو المسمى (التعريف بأسرار التكليف). وعليه شرح وتعليق ونقد للشيخ عبد الله دراز، القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى (د. ت).
الشافعي، محمد بن إدريس، المطلبي، الإمام ( ... -204 ه).
- الأمّ. القاهرة، مكتبة الكليّات الأزهرية، 1381 ه (8 ج).
(2/256)

- الرسالة. بتحقيق أحمد محمد شاكر. القاهرة، عيسى الحلبي، 1358 ه (670 ص).
الشربيني، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد ( ... -1326 ه).
- تقرير على حاشية البناني على شرح جمع الجوامع: انظر: السبكي - جمع الجوامع.
الشوكاني، محمد بن علي، اليماني ( ... -1255 ه).
- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول. القاهرة، مكتبة مصطفى الحلبي، 1356 ه، مجلد واحد.
- فتح القدير في علم التفسير. القاهرة، مصطفى الحلبي، 1351 ه.
- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار. والمنتقى هو لمجد الدين بن تيمية. ط ثانية. القاهرة، مصطفى الحلبي، 1371 ه (8 ج).
الشيرازي، إبراهيم بن علي بن يوسف، أبو إسحاق، الشافعي ( ... -476 ه).
- اللمع في أصول الفقه. القاهرة، محمد علي صبيح، د. ت (80 ص).
صدر الشريعة، عبيد الله بن مسعود، الحنفي ( ... -747 ه).
- التلويح لمتن التنقيح. انظر: التفتازاني، التلويح شرح التوضيح.
الصنعاني، محمد بن إسماعيل (1059 - 1182 ه).
- سبل السلام شرح بلوغ المرام لابن حجر. ط 4. القاهرة، مصطفى الحلبي، 1379 ه- (4 ج).
العاقولي، محمد بن محمد بن عبد الله (733 - 797 ه).
- الرصف لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفعل والوصف. طبع دمشق، 1393 ه. في مجلدين.
عبد الجبار بن أحمد، أبو الحسن الأسد أبادي الهمداني ( ... -415 ه).
- المغني في أبواب التوحيد والعدل: القاهرة، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1380 ه. الأصل في عشرين مجلداً (بقي بعضها لم ينشر).
(2/257)

عبد الجليل عيسى أبو النصر.
- اجتهاد الرسول - صلى الله عليه وسلم -. الكويت، دار البيان 1389ه (203ص).
عبد الحي بن عبد الكبير، الكتاني.
- نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدينة الإسلامية. بيروت، دار إحياء التراث العربي، صورة بالأوفست عن الطبعة القديم. د. ت (2 ج).
عبد الكريم زيدان.
- أصول الدعوة. بغداد، دار النذير، 1388 ه (463 ص).
عبد الكريم عثمان.
- نظرية التكليف آراء القاضي عبد الجبار الكلامية. بيروت، مؤسسة الرسالة، 1391 ه (735 ص).
عبد الوهاب خلاف.
- علم أصول الفقه. ط ثامنة. الكويت، الدار الكويتية، 1388 ه، (236 ص).
عزت علي عيد عطية.
- البدعة تحديدها وموقف الإسلام منها. القاهرة دار الكتب الحديثة (د. ت) 554 ص (رسالة دكتوراه بكلية أصول الدين).
عضد الدين، عبد الرحمن بن أحمد، الإيجي ( ... -756 ه).
- المواقف. ومعه شرحه للجرجاني، وحاشية للسيالكوتي وحلبي. القاهرة، الساسي 1325 ه (8 ج).
- شرح مختصر ابن الحاجب، انظر: ابن الحاجب - مختصر المنتهى. علاء الدين، علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي (675 - 739 ه).
- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان. بتحقيق أحمد محمد شاكر. ج 1 فقط. القاهرة، دار المعارف، 1952 م (316 ص).
(2/258)

العلائي، خليل بن كَيْكَلْدي ( ... -761 ه).
- تفصيل الإجمال في تعارض الأفعال والأقوال. مخطوط رقم (135 مجاميع) بدار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة. ولم يذكر بروكلمان أية نسخة أخرى.
علي الطنطاوي.
- سيرة عمر بن الخطاب. مذيلة بدرس موجز لحياته وتحليل لنفسيته: دمشق، المكتبة العربية، 1356 ه (760 ص).
عليش، محمد.
- هداية المريد لعقيدة أهل التوحيد. وشرحها لمحمد بن يوسف السنوسي ليبيا، البيضاء، جامعة محمد علي السنوسي، 1388ه، بالأوفست عن ط القاهرة، 1306ه (296 ص).
عمر رضا كحالة.
- معجم المؤلفين: تراجم مصنفي الكتب العربية. دمشق، المكتبة العربية 1376 ه (15 ج).
عياض بن موسى اليحصبي المالكي، القاضي (476 - 544 ه).
- الشفا بتعريف حقوق المصطفى. القاهرة، محمد علي صبيح. د. ت. (2 ج).
الغزالي، محمد بن محمد بن محمد، أبو حامد (505 ه).
- المستصفى من علم الأصول. القاهرة، المكتبة التجارية، 1356 ه 2 ج في مجلد.
- المنخول من تعليقات الأصول. حققه محمد حسن هيتو (معلومات النشر غير متوفرة) 451 ص.
فنسنك، ومنسنج.
- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي. الاتحاد الأممي للمجامع العلمية، طبع بمدينة ليدن، مطبعة بريل. بدئ طبعه 1936 م (7 ج).
الفيروز أبادي، محمد بن يعقوب ( ... -817 ه).
- القاموس المحيط. القاهرة، المكتبة التجارية، 4 ج.
(2/259)

القرافي، أحمد بن إدريس، شهاب الدين أبو العباس، المالكي، (626 - 684 ه).
- الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرّفات القاضي والإمام. حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: عبد الفتاح أبو غدة. حلب، مكتبة المطبوعات الإسلامية، 1387 ه.
- شرح تنقيح الفصول. القاهرة، المطبعة الخيرية، 1306 ه.
- الفروق. القاهرة، عيسى الحلبي، 1344 ه (4 ج).
القرضاوي، يوسف.
- الشريعة الإسلامية، خلودها وصلاحها للتطبيق في كل زمان ومكان. بيروت، المكتب الإسلامي، 1393 ه.
- فقه الزكاة. بيروت، دار الإرشاد، 1389 ه (2 ج).
القرطبي، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح، أبو عبد الله الأنصاري 671 ه.
- الجامع لأحكام القرآن. القاهرة، دار الكاتب العربي، 1387 ه، مصورة عن طبعة دار الكتب، (20 ج).
القشيري، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك، النيسابوري. (376 - 465 ه).
- الرسالة القشيرية، بتحقيق عبد الحليم محمود، ومحمود بن الشريف القاهرة، دار الكتب الحديثة، 1385 ه (794 ص).
قطب الدين، محمود بن محمد، الرازي ( ... -766 - ه).
- تحرير القواعد المنطقية في شرح الرسالة الشمسية التي صنفها عمر بن علي القزويني المعروف بالكاتبي ( ... -493 ه) وبهامشه حاشية الجرجاني. ط ثانية، القاهرة، المطبعة الأزهرية، 1328 ه.
الكاساني، أبو بكر بن مسعود، الحنفي ( ... -587 ه).
- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. القاهرة، شركة المطبوعات، 1387 ه (7 ج).
مالك بن أنس، الأصبحي، المدني ( ... -179 ه).
- الموطأ. بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة، عيسى الحلبي، 1951م (2 ج).
(2/260)

المتقي، علي بن حسام الدين، علاء الدين الهندي ( ... -975 ه).
- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال. ط ثانية. حيدر أباد، دائرة المعارف العثمانية، 1374 ه طبع منه 14 ج.
مجموعة مؤلفين.
- دائرة المعارف الإسلامية. وضعها عدد من المستشرقين، وترجمها محمد ثابت الفندي وزملاؤه طبع منها 15 ج (أ-ع فقط) القاهرة، 1355 ه.
محب الله بن عبد الشكور البهاري الهندي ( ... -1119 ه).
- مسلّم الثبوت في أصول الفقه. وعليه شرحه: فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت لمؤلفه محمد بن نظام الدين الأنصاري. القاهرة، مطبعة بولاق، 1324 ه مع المستصفى للغزالي (2 ج).
المحلي، محمد بن أحمد، جلال الدين.
- شرح جمع الجوامع. انظر: السبكي- جمع الجوامع.
محمد أبو زهرة ( ... -1395 ه).
- أصول الفقه. القاهرة. مطبعة مخيمر، (400 ص).
- تاريخ المذاهب الإسلامية. القاهرة، دار الفكر العربي. د. ت (2 ج).
محمد أديب صالح.
- تفسير النصوص في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة ط ثانية موسعة ومنقحة. دمشق، المكتب الإسلامي، د. ت (2 ج).
محمد حسين آل ياسين.
- مبادئ في طرق التدريس العامة. بيروت، المكتبة العصرية (د. ت) (309 ص).
محمد حميد الله.
- الوثائق السياسية والإدارية للعهد النبوي والخلافة الراشدة. بيروت، دار الإرشاد، 1789 ه.
(2/261)

محمد رشيد رضا.
- الوحي المحمدي. ط رابعة، القاهرة، دار المنار، 1366ه (370 ص).
محمد سلام مدكور.
- المدخل للفقه الإسلامي تاريخه ومصادره ونظرياته العامة. القاهرة، دار النهضة العربية، 1380ه (777 ص).
محمد عجاج الخطيب.
- أصول الحديث علومه ومصطلحه. لبنان، دار الفكر الحديث، 1386 ه (480 ص).
محمد فؤاد عبد الباقي.
- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم. القاهرة، مطابع الشعب، 1378 ه (782 ص).
محمد قطب.
- منهج التربية الإسلامية. ط ثالثة، بيروت، بالأوفست عن ط دار القلم، 1386ه (291 ص).
المراغي، عبد الله مصطفى.
- الفتح المبين في طبقات الأصوليين. ط ثانية. بيروت، محمد أمين دمج، 1394 ه (3 ج).
مسلم بن الحجاج القشيري ( .... -261 ه).
- صحيح مسلم. بشرح النووي. القاهرة، المطبعة العصرية، 1347 ه (18 ج).
أبو زهو، محمد محمد.
- الحديث والمحدثون. القاهرة، مطبعة مصر، 1378ه (495 ص).
النبهاني، تقي الدين.
- الشخصية الإسلامية. ط بيروت (دون بيانات).
(2/262)

النبهاني، يوسف بن إسماعيل ( ... -1351 ه).
- الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير (كلاهما للسيوطي) القاهرة، مصطفى الحلبي، 1351 ه (3 ج).
النسائي، أحمد بن شعيب (215 - 303 ه).
- سنن النسائي، بحاشية السندي. القاهرة، المكتبة التجارية، 1930 م 8 أجزاء النووي. يحيى بن شرف، محيي الدين (631 - 676 ه).
- روضة الطالبين. دمشق، المكتب الإسلامي، 1966 م طبع في 12 جزءاً.
- شرح صحيح مسلم. انظر: مسلم بن الحجاج - صحيح مسلم.
- المجموع شرح المهذب للشيرازي في الفقه الشافعي. ومعه تكملة للسبكي وغيره. القاهرة، زكريا علي يوسف. د. ت (20 ج).
(2/263)

فهرس الأعلام
الآمدي (551 - 631 ه) (1): هو علي بن أبي علي بن سالم التغلبي، سيف الدين، أبو الحسن. الفقيه الأصولي المتكلم. كان حنبلياً ثم انتقل إلى مذهب الشافعي. له: (الإحكام في أصول الأحكام) و (منتهى السول في علم الأصول)، و (أبكار الأفكار في علم الكلام)، و (دقائق الحقائق في الحكم).
ابن أبي جمرة ( ... -695 ه): (2) هو عبد الله بن سعد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي، محدث، مالكي المذهب. وفاته بمصر. من كتبه (جمع النهاية) اختصر به صحيح البخاري، ويعرف بمختصر ابن أبي جمرة. و (بهجة النفوس في شرح المختصر).
ابن أبي الحديد (586 - 655 ه): (3) هو عبد الحميد بن هبة الله، عالم أديب معتزلي شيعي. له شعر جيد. ولد بالمدائن. وانتقل إلى بغداد، وخدم في الديوان. وكان حظياً عند الوزير ابن العلقمي. وكان جيد الإنشاء. له (شرح منهج البلاغة) و (الفلك الدائر على المثل السائر) وله ديوان شعر.
ابن أبي شريف (822 - 906 ه): (4) هو محمد بن محمد بن أبي بكر المقدسي. شافعي. عالم بالأصول، مولده ووفاته ببيت المقدس. درس وأفتى بمصر وبالقدس. من تصانيفه (الدرر اللوامع بتحرير جمع الجوامع) في الأصول، والفرائد في حل شرح العقائد)، و (المسامرة في شرح المسايرة) في التوحيد.
__________
(1) ترجمته في الفتح المبين في طبقات الأصوليين للمراغي 1/ 260 - 262، طبقات الشافعية الكبرى 5/ 165 - 222
(2) الأعلام للزركلي 2/ 221
(3) الموسوعة العربية الميسرة، البداية والنهاية 13/ 199، الأعلام 4/ 60
(4) الأعلام للزركلي 7/ 281
(2/264)

ابن أبي هريرة ( ... -345 ه): (1) هو الحسن بن الحسن أبو علي بن أبي هريرة: تتلمذ لابن سريج وأبي إسحاق المروزي وصحبه إلى مصر ثم عاد إلى بغداد ودرس بها: انتهت إليه رياسة الشافعية ببغداد. له (المسائل) في الفقه، وشرح مبسوط وآخر مختصر، لمختصر المزني. توفي ببغداد.
ابن الأثير (544 - 606 ه): (2) هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري. أصيب بالنقرس فبطلت حركة يديه ورجليه. قيل إن تصانيفه كلها ألّفها وهو في ذلك المرض. له (النهاية في غريب الحديث) و (جامع الأصول من أحاديث الرسول) جمع فيه بين الكتب الستة. و (تحرير أسماء الصحابة) وهو أخو ابن الأثير المؤرخ، وابن الأثير الكاتب.
ابن أمير الحاج ( ... -889 ه): (3) هو محمد بن محمد بن الحسن، الحلبي. فقيه أصول حنفي. أخذ عنه الكثيرون. من كتبه (شرح التحرير) في الأصول. (حلية المجلِّي) في الفقه.
ابن تيمية (661 - 728 ه): (4) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله، تقيّ الدين. ولد في حرّان، وانتقل مع أبيه إلى دمشق صغيراً فنبغ واشتهر. فناصبه قوم العداء من أجل فتاوى وآراء خالف بها المشهور في زمانه فأوذي وحبس مرات ومات في السجن. أكثر من التصنيف جداً. من كتبه (منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية) وهو كتاب نفيس. وله (الرد على الأخنائي) و (السياسة الشرعية) وطبع له بالرياض (مجموع الفتاوى الكبرى) في 37 مجلداً.
ابن تيمية (الأب) (627 - 682 ه): (5) هو عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني شهاب الدين والد شيخ الإسلام. سمع من والده. ورحل إلى
__________
(1) معجم المؤلفين 3/ 220 و13/ 381، الفتح المبين 1/ 193
(2) الأعلام للزركلي 6/ 152، طبقات الشافعية 5/ 153
(3) البدر الطالع 2/ 254، الفتح المبين 3/ 47
(4) الأعلام للزركلي 1/ 140، المنهج الأحمد، الدرر الكامنة 1/ 144
(5) شذرات الذهب 5/ 376، ابن كثير 13/ 303، الفتح المبين 2/ 83
(2/265)

حلب. كان عالماً بالأصول والفرائض والهيئة. درس وأفتى وصنف. وأقام بدمشق في نشر العلم. له تعاليق في الأصول.

ابن تيمية الجد ( ... -652 ه): (1) هو عبد السلام بن عبد الله بن الخضر، مجد الدين، الفقيه الحنبلي الإمام المقرئ المحدث الأصولي. ولد بحّران 590 ه وحفظ بها القرآن. ثم رحل إلى بغداد فسمع بها من ابن سكينة وابن الأخضر وأقام بها ست سنين ثم رجع إلى حرّان فتلقى العلم على عمه فخر الدين، ثم عاد إلى بغداد، وأتقن العربية والحساب والجبر والفرائض والقراءات. وهو جد ابن تيمية المشهور، شيخ الإسلام. له (المحرر) في الفقه و (منتهى الغاية).
ابن جماعة: (639 - 733 ه): (2) هو محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، الكناني، الحموي، الشافعي، بدر الدين. ولي الحكم والخطابة بالقدس، والقضاء بمصر. من تصانيفه: (المنهل الرويّ في الحديت النبويّ) و (تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم) و (مستند الأجناد في آلات الجهاد)، ورسالة في (الأسطرلاب) وغيرها.
ابن الجوزي (508 - 597 ه): (3) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزيّ القرشي البغدادي الحنبلي، أبو الفرج. واعظ بغداد. محدث مؤرخ. أحد المكثرين من التصنيف. له نحو 300 مصنف. له (أخبار الأذكياء) و (تلبيس إبليس) و (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) و (المجالس) و (تقويم اللسان).
ابن الحاج ( ... -737 ه): (4) هو محمد بن محمد بن محمد، ابن الحاج، المالكي، الفاسي. نزيل مصر، توفي بالقاهرة. له: (المدخل إلى الشرع الشريف) و (الأزهار الطيبة النشر).
ابن حبان ( ... -354 ه): (5) هو محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، التميمي، أبو حاتم البستي. مؤرخ جغرافي محدث. من أهل بست في سجستان. أحد المكثرين
__________
(1) معجم المؤلفين 5/ 227. الفتح المبين 2/ 68
(2) فوات الوفيات 2/ 174، البداية والنهاية 14/ 163، الأعلام للزركلي 6/ 189
(3) البداية والنهاية 13/ 28، مفتاح السعادة 1/ 207، الأعلام 4/ 90
(4) الدرر الكامنة 4/ 237، للأعلام للزركلي 7/ 264
(5) معجم البلدان 2/ 171، شذرات الذهب 3/ 16، الأعلام 6/ 307
(2/266)

من التصنيف. ولي القضاء بسمرقند. من كتبه (المسند الجامع الصحيح) المشهور بصحيح ابن حبان، و (روضة العقلاء) و (الثقات) و (علل أوهام أصحاب التواريخ).

ابن حجر العسقلاني (773 - 852 ه): (1) هو أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الشافعي، أبو الفضل شهاب الدين. أصله من عسقلان بفلسطين. ومولده ووفاته بالقاهرة. رحل في طلب الحديث ونبغ، فقصده الناس. قال السخاوي: انتشرت مصنفاته في حياته، وتهادتها الملوك والأكابر، ولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل.
من مصنفاته: (الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة) و (تهذيب التهذيب) و (تقريب التهذيب) و (فتح الباري شرح صحيح البخاري) وغيرها.

ابن حزم (384 - 456ه): (2) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، الظاهري، الأندلسي. أحد أئمة الإسلام. انتسب إليه بالأندلس خلق كثير سموا الحزمية. كانت إليه رئاسة الوزارة وتدبير المملكة، فزهد فيها وانصرف إلى التأليف. انتقد آراء الأئمة وسفه أقوال بعضهم، وشُبِّه لسانه بسيف الحجاج. فطورد وأقصي عن بلده. له: (المحلى في الفقه) و (جمهرة الأنساب) و (الناسخ والمنسوخ) و (المفاضلة بين الصحابة) وغيرها.
ابن خلاّد ( ... -360 ه): (3) هو الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، الفارسي، محدث. كان من أصحاب الوزير المهلبي، له (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) و (أدب الناطق وغيرهما).
ابن خلدون (732 - 808 ه): (4) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد، أبو زيد الإشبيلي الحضرمي، فيلسوف مؤرخ اجتماعي. تولى أعمالاً رئاسية واعترضته دسائس ووشايات. ذهب إلى تونس فمصر وولي فيها قضاء المالكية. اثشهر بكتابه (العبر وديوان المبتدأ والخبر) و (بالمقدمة) وهي مقدمة كتاب العبر المذكور.
__________
(1) البدر الطالع 87/ 1، دائرة المعارف الإسلامية 1/ 131
(2) نفح الطيب 1/ 364، دائرة المعارف الإسلامية 1/ 136
(3) يتيمة الدهر 3/ 333 الأعلام 2/ 209
(4) الضوء اللامع 4/ 145، نفح الطيب 4/ 414، الأعلام للزركلي 4/ 106
(2/267)

ابن خويز ( ... -390 ه تقريباً): (1) هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن خويز، ويسمى أيضاً: ابن خويز منداد العراقي المالكي. فقيه أصولي. تفقه على الأبهري. وله اختيارات في أصول الفقه. من آثاره: كتاب كبير في الخلاف. كتاب في أصول الفقه.
ابن دقيق العيد (702 ه): (2) هو محمد بن علي بن مطيع القشيري المنفلوطي المصري. أحاط بمذهب المالكية ثم انتقل إلى مذهب الشافعية فأحاط به. ولي فضاء الديار المصرية، يُعَدّ من أهل الاجتهاد. له (الإمام في شرح الإلمام) قال الزركشي في البحر المحيط: "به ختم الفن في علم الأصول". وله (الاقتراح في بيان الاصطلاح) و (شرح مقدمة المطرِّزيّ) في الأصول.
ابن رشد (450 - 520 ه): (3) هو محمد بن أحمد بن رشد، القرطبي مولداً ووفاة. قاضي الجماعة بقرطبة. من أعيان المالكية. وهو جد ابن رشد الفيلسوف المشهور. من تأليفه: (المقدمات الممهدات) و (البيان والتحصيل) و (مختصر شرح معاني الآثار) للطحاوي.
ابن سريح (249 - 306 ه): (4) هو أحمد بن عمر بن سُرَيج البغدادي، أبو العباس. فقيه الشافعية في عصره. له نحو 400 مصنف. ولي قضاء شيراز. وقام بنصرة المذهب الشافعي فنشره في الآفاق. يعد مجدد المئة الثالثة.
ابن سعد (168 - 230 ه): (5) هو محمد بن سعد بن منيع، الزهري، مولاهم. مؤرخ ثقة، من حفاظ الحديث. ولد بالبصرة، وسكن بغداد. وعرف بكاتب الواقدي. أشهر كتبه (طبقات الصحابة) المعروف بطبقات ابن سعد.
ابن سيده (398 - 458 ه): (6) هو علي بن إسماعيل بن سيده. لغوي. ولد بمرسيه بالأندلس. ومات بدانية. درس اللغة والأدب على أبيه، وصاعد، كان ضريراً
__________
(1) الوافي بالوفيات 2/ 52، ومعجم المؤلفين، والديباج المذهب ص 268
(2) الأعلام 7/ 174، شذرات الذهب 6/ 5، البداية والنهاية 140/ 271
(3) أزهار الرياض 3/ 59، الديباج المذهب ص 278، الأعلام 6/ 210
(4) طبقات السبكي 2/ 87، تاريخ بغداد 4/ 287، الأعلام 1/ 179
(5) تهذيب التهذيب، 9/ 182 الوفيات 1/ 507، الأعلام 7/ 6
(6) معجم المؤلفين 7/ 36. الموسوعة العربية الميسرة. الأعلام للزركلي.
(2/268)

واسع الحفظ يقول الشعر. له (الأنيق في شرح الحماسة) و (شرح مشكل شعر المتنبي) وأهم كتبه (المحكم) و (المخصص) وكلاهما في اللغة.

ابن سيرين (33 - 110 ه): (1) هو محمد بن سيرين البصري، الأنصاري بالولاء، كان أبوه من سبي خالد بن الوليد وولاؤه لأنَس. وأمه مولاة أبي بكر. من أشراف الكتاب، كان في أذنه صمم .. معاصر للحسن البصري. أحد الطبقة الثانية من رواه الحديث، استقر بالبصرة واشتهر بالورع. وكان حجة في تعبير الرؤيا. وله فيها كتاب. وعنه أخذ النابلسي وغيره.
ابن عبد السلام (577 - 660 ه): (2) هو عبد العزيز بن عبد السلام السُّلمي، عز الدين الملقب بسلطان العلماء. فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد. ولد ونشأ بدمشق. وزار بغداد. وعاد إلى دمشق فتولى الخطابة بالجامع الأموي. له (الإلمام في أدلة الأحكام) و (قواعد الأحكام من مصالح الأنام) و (الفتاوى) وغيرها.
ابن عبدان ( ... -433 ه): (3) هو عبد الله بن عبد الله بن محمد بن عبدان الهمذاني، أبو الفضل. فقيه شافعي. كان شيخ همذان ومفتيها. له (شرائط الأحكام) في الفقه.
ابن العربي (468 - 543 ه): (4) هو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي. قاضٍ من حفاظ الحديث. رحل إلى المشرق. ولي قضاء إشبيلية. قال ابن بشكوال: هو ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها. له (شرح الترمذي) و (أحكام القرآن) و (العواصم من القواصم) و (المحصول في أصول الفقه).
ابن عقيل (431 - 513 ه) (5): هو علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي، أبو
__________
(1) معجم المؤلفين 10/ 59. الموسوعة العربية الميسرة. تهذيب التهذيب 9/ 214
(2) معجم المؤلفين 5/ 249. الأعلام للزركلي 4/ 145
(3) معجم المؤلفين 6/ 80. طبقات الشافعية. الأعلام للزركلي.
(4) تهذيب التهذيب 9/ 214، تاريخ بغداد، 5/ 331، الأعلام 7/ 25
(5) نفح الطيب 1/ 340، الوفيات 1/ 489، الأعلام 7/ 106
(2/269)

الوفاء، الحنبلي. شيخ الحنابلة في وقته. كان قوي الحجة. اشتغل في حداثته بمذهب المعتزلة، وكان يعظم الحلاّج، فطورد واختفى. ثم أعلن توبته ورجع. أعظم تصانيفه كتاب (الفنون) في 400 جزء. وله (الفرق) و (الفصول في فقه الحنابلة) (1).

ابن عليّة (110 - 193 ه): (2) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، الأسدي بالولاء أبو بشر، بصري، من أكابر حفاظ الحديث. كوفي الأصل. تاجر. كان حجة في الحديث ثقة فيه. ولي صدقات البصرة. ثم ولي مظالم بغداد في آخر خلافة الرشيد. وكان يكره أن يقال له ابن عليّة، وعليّة أمه.
ابن فورك ( ... -406 ه) (3): هو محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، أبو بكر الشافعي. واعظ أصولي، متكلم. حدَّث بنيسابور، وبنى بها مدرسة. قتله محمود بن سبكتكين بالسم. مكثر من التصنيف. له: (مشكل الحديث) و (النظامي) و (الحدود في الأصول).
ابن قاسم ( ... -992 ه): هو أحمد بن قاسم الصباغ العبادي ثم المصري الشافعي الأزهري، شهاب الدين، له: (حاشية على شرح جمع الجوامع) في أصول الفقه. وله (شرح الورقات) (4).
ابن قدامة (541 - 620 ه): هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، موفق الدين، الجماعيلي، المقدسي، الحنبلي، ولد بقضاء نابلس وانتقل في صغره إلى دمشق. وجاهد مع صلاح الدين، سافر إلى بغداد ثم رجع إلى دمشق. من أكابر الحنابلة. يسمى شيخ المذهب. كتابه (المغني) من أحسن ما ألف في الفقه من حيث الترتيب. و (الكافي) و (المقنع) و (العمدة) و (الاستبصار) وغيرها.
ابن القيم (691 - 751 ه): هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، شمس الدين. من أركان الإصلاح الإسلامي. وأحد كبار العلماء. تتلمذ
__________
(1) لسان الميزان 4/ 243، شذرات الذهب، 4/ 35، الأعلام 4/ 129
(2) تهذيب التهذيب 1/ 275، تذكرة الحفاظ 1/ 296، الأعلام 1/ 301
(3) طبقات الشافعية 3/ 52، النجوم الزاهرة 4/ 240، الأعلام 6/ 313
(4) شذرات الذهب 8/ 434، فهرس الأزهرية 2/ 7، الأعلام 1/ 189
(2/270)

على ابن تيمية وانتصر له ولم يخرج عن شيء من أقواله، وقد سجن معه بدمشق. جمع من الكتب قدراً عظيماً وكتب بخطه كثيراً.
من كتبه: (الطرق الحكمية) و (مفتاح دار السعادة) و (الفروسية) وغيرها كثير (1).

ابن اللحام (752 - 803 ه): هو علي بن محمد بن عباس بن شيبان علاء الدين، دمشقي، حنبلي، فقيه، أصولي. له: (القواعد الأصولية)، (اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية) (2).
ابن مسعود ( ... -32 ه): (3) هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، أبو عبد الرحمن، صحابي، من أكابر الصحابة فضلاً وعقلاً وقرباً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. من السابقين من أهل مكة. أول من جهر بقراءة القرآن بها. كان خادم رسول الله وصاحب سره ورفيقه في حله وترحاله. ولي بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بيت مال الكوفة. ثم قدم المدينة ومات بها عن نحو ستين عاماً. كان قصيراً، يحب الإكثار من الطيب.
ابن الملقن (723 - 804ه): (4) هو عمر بن علي بن أحمد، الأنصاري، الشافعي، سراج الدين، النحوي. محدث فقيه مؤرخ. أندلسي الأصل. نشأ بالقاهرة وتوفي بها. له: (غاية السول في خصائص الرسول) و (شرح زوائد مسلم على البخاري) و (تخريج أحاديث شرح الوجيز للرافعي).
ابن المنذر (242 - 319 ه): (5) هو محمد بن إبراهيم بن المنذر، النيسابوري، فقيه مجتهد. كان شيخ الحرم بمكة. قال الذهبي: صاحب التصانيف التي لم يصنف مثلها. منها: (المبسوط) في الفقه و (الإشراف على مذاهب أهل العلم) و (اختلاف العلماء) و (تفسير القرآن).
ابن منظور (630 - 711 ه): (6) هو محمد بن المكرم، لسان الدين الإفريقي.
__________
(1) الدرر الكامنة 3/ 400 جلاء العينين ص20، الأعلام 6/ 281
(2) شذرات الذهب، 7/ 31 النعيمي، الدارس 2/ 42، معجم المؤلفين 7/ 206
(3) الإصابة 2/ 368 الأعلام للزركلي 4/ 280، الفتح المبين 1/ 69
(4) ذيل طبقات الحفاظ 197، 369، الضوء اللامع 6/ 100، الأعلام 5/ 218
(5) تذكرة الحفاظ 3/ 4، الوفيات 1/ 461، الأعلام 6/ 184
(6) معجم المؤلفين 12/ 46، الموسوعة العربية الميسرة، بغية الوعاة/ 106
(2/271)

لغوي مؤرخ. ولد بطرابلس الغرب، أو مصر. ومات بالقاهرة. خدم بديوان الإنشاء بالقاهرة، وولي قضاء طرابلس. كف بصره في آخر حياته. له رسائل وشعر. اختصر كثيراً من الكتب المطولة في الأدب والتاريخ. كالأغاني والعقد والذخيرة وتاريخ دمشق والحيوان للجاحظ، أشهر كتبه معجمه اللغوي المعروف (لسان العرب).

ابن الهمام (790 - 861 ه): (1) هو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود، السيواسي، ثم الإسكندري، كمال الدين، المعروف بابن الهمام. حنفي. عارف بأصول الدين والتفسير والفرائض، والفقه والحساب واللغة. له: (فتح القدير) في شرح الهداية: و (التحرير) في الأصول و (المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة).
ابن واصل (604 - 697 ه): (2) هو محمد بن سالم بن نصر الله، المازني، التميمي، الحموي. مؤرخ منطقي، مهندس. عالم بالأصولين. اتصل بالملك الظاهر بيبرس فأرسله في سفارة إلى صقلية. من كتبه: (نخبة الفكر) في المنطق. و (مفرج الكروب في أخبار بني أيوب) و (تجريد الأغاني).
أبو إسحاق المروزي ( ... -340 ه): (3) هو إبراهيم بن أحمد. انتهت إليه رياسة الشافعية بالعراق بعد ابن سريج. مولده بمرو قصبة خراسان. أقام ببغداد وتوفي بمصر. له تصانيف منها (شرح مختصر المزني).
أبو الحسين البصري ( ... -436 ه): (4) هو محمد بن علي بن الطيب، أبو الحسن، البصري المعتزلي. أحد أئمة المعتزلة. ولد بالبصرة، وسكن ببغداد. وبها توفي. شهر بالذكاء، والديانة، على بدعته. من كتبه: (المعتمد في أصول الفقه) و (تصفّح الأدلة) و (غرر الأدلة) و (شرح الأصول الخمسة) وكتاب في (الإمامة).
أبو الخطاب (432 - 510 ه): (5) هو محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني، أبو
__________
(1) الضوء اللامع 8/ 127، الجواهر المضيئة 2/ 86، الأعلام 6/ 184
(2) بغية الوعاة ص 44، الوافي بالوفيات 3/ 85، الأعلام 7/ 3
(3) وفيات الأعيان 1/ 4، شذرات الذهب 2/ 355، الأعلام 1/ 32
(4) الوفيات 1/ 482، تاريخ بغداد 3/ 100، الأعلام 7/ 161
(5) المنهج الأحمد، اللباب 2/ 49، طبقات الحنابلة ص 409
(2/272)

الخطاب. إمام الحنابلة في عصره. أصله من ضواحي بغداد. ومولده ووفاته ببغداد. من كتبه: (التمهيد) في أصول الفقه، و (الانتصار في المسائل الكبار) و (الهداية) في الفقه.

أبو شامة (559 - 665 ه): (1) هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، الدمشقي، الشافعي، أبو القاسم شهاب الدين. مؤرخ محدث، باحث، أصله من القدس ومولده بدمشق، وبها وفاته غيلة. من كتبه: (الروضتين في أخبار الدولتين) و (تاريخ دمشق) و (كشف حال بني عبيد) و (الوصول) في الأصول.
أبو الشعثاء (21 - 93 ه): (2) هو جابر بن زيد الأزدي البصري: تابعي فقيه من الأئمة. بصري أصله من عُمان. صحب ابن عباس. وصفه الشماخي بأنه أصل مذهب الإباضية. وأسُّه الذي قامت عليه آطامه. نفاه الحجاج إلى عمان.
أبو عبد الله البصري ( ... -370 ه): (3) هو محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي البصري. متكلم، وصحب أبا الحسن الأشعري، وقدم بغداد، ودرس عليه أبو بكر الباقلاني. له تصانيف في الأصول، منها (هداية المستنصر) و (معونة المستنصر).
أبو يعلى (380 - 458ه): (4) هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء الحنبلي القاضي. شيخ الحنابلة. عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون. من أهل بغداد. ولاه الخليفة القائم قضاء دار الخلافة. من مؤلفاته: (الأحكام السلطانية) و (الكفاية) في أصول الفقه و (أحكام القرآن) و (تبرئة معاوية) و (المجرد في الفقه).
أبو يوسف (113 - 182 ه): (5) هو يعقوب بن إبراهيم صاحب الإمام أبي حنيفة. من أصل عربي. تولى رياسة الدرس بعد شيخه. أخذ عن مالك وكبار المحدثين. اشتغل بالقضاء وصار كبير القضاة في عهد الرشيد. وكان لهذا أثره في دعم
__________
(1) الفوات 1/ 252، بغية الوعاة 297، الأعلام 4/ 70
(2) تذكرة الحفاظ 1/ 77، وتهذيب التهذيب 2/ 38، البداية والنهاية 9/ 93
(3) تاريخ بغداد 1/ 343، شذرات الذهب 3/ 74، معجم المؤلفين 9/ 20
(4) طبقات الحنابلة لابن المترجم 2/ 193 - 230، تاريخ بغداد 2/ 256، الأعلام 6/ 331
(5) معجم المؤلفين 3/ 340. الموسوعة العربية الميسرة.
(2/273)

المذهب الحنفي ونشره. له كتب منها (الخراج) و (اختلاف ابن أبي ليلى) و (الرد على سير الأوزاعي).

الأبياري (557 - 618 ه): (1) هو علي بن إسماعيل بن علي بن عطية الأبياري. مالكي. منسوب إلى بلدة (أبيار) بالغربية. فقيه أصولي محدث. ناب في القضاء. وهو من شيوخ ابن الحاجب. شرح (البرهان) للجويني. وله (سفينة النجاة) على نمط (الإحياء) للغزالي. وفضله بعضهم عليه.
الأرموي (594 - 682 ه): (2) هو محمود بن أبي بكر بن حامد بن أحمد الأرموي التنوخي الدمشقي الشافعي، سراج الدين. فقيه أصولي متكلم منطقي من القضاة. أصله من أرمية من بلاد أذربيجان. قرأ بالموصل وسكن دمشق. له (شرح الوجيز) للغزالي، و (شرح الإشارات) لابن سينا، و (التحصيل) وهو مختصر المحصول للرازي.
الإسفراييني، أبو حامد (344 - 406 ه): (3) هو أحمد بن محمد بن أحمد الإسفراييني، من أعلام الشافعية. ولد في أسفرايين قرب نيسابور، ورحل إلى بغداد، فتفقه فيها وعظمت مكانته. وألف كتباً، منها: (مطول في أصول الفقه)، ومختصر في الفقه سماه (الرونق) وتوفي ببغداد.
الإسنوي (704 - 772 ه) (4): هو عبد الرحيم بن حسن بن علي الإسنوي الشافعي، أبو محمد، جمال الدين، فقيه أصولي، نحوي. قدم من بلده إسنا إلى القاهرة سنة 721 ه وانتهت إليه رئاسة الشافعية وولي الحسبة ووكالة بيت المال. من كتبه: (الأشباه والنظائر) و (الكوكب الدريّ في استخراج المسائل الشرعية من القواعد النحوية). (نهاية الراغب في العروض).
الإصطخرى (244 - 328 ه): (5) هو الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن
__________
(1) الفتح المبين 2/ 52
(2) طبقات السبكي 5/ 155، والأعلام 8/ 41، وهدية العارفين 2/ 406
(3) طبقات الشافعية 3/ 24، البداية والنهاية 12/ 2، الأعلام 1/ 203
(4) بغية الوعاة ص 304، البدر الطالع 1/ 352، الزركلي 4/ 119
(5) ابن النديم ص300، ابن خلكان 1/ 161، ابن كثير 11/ 193، الفتح المبين 1/ 178
(2/274)

الفضل بن بشار بن عبد الحميد، أبو سعيد، فقيه أصولي شافعي. من إصطخر، بلدة بفارس، من تلاميذه محمد بن المظفر، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين. وهو من أقران ابن سريج. ولي قضاء قُمّ، وولي حسبة بغداد، له كتاب الفرائض الكبير، وكتاب (الشروط والوثائق والمحاضر والسجلات) في القضاء. توفي ودفن ببغداد.

إلكيا الطبري (450 - 504 ه): (1) هو علي بن محمد بن علي أبو الحسن الهراسي، عماد الدين. فقيه شافعي مفسر. ولد في طبرستان. وسكن في بغداد، ودرس بالنظامية، ووعظ واتهم بالباطنية، وأراد السلطان قتله فحماه الخليفة المستظهر. من كتبه (أحكام القرآن).
أم سليم ( ... -30 ه؟) (2): هي الرميصاء بنت ملحان من بني النجار من الأنصار، وهي أم أنس بن مالك. حضرت حُنيناً وكان لها مواقف. تزوجها أبو طلحة بعد وفاة والد أنس، فكان مهرها إسلامه. توفيت في غزو قبرس.
أمير بادشاه ( ... -987 ه): (3) هو محمد أمين بن محمود البخاري أمير بادشاه، مفسر، فقيه صوفي من آثاره (تفسير سورة الفتح) و (رسالة في أن الحج يكفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها).
الباقلاني (338 - 403ه): (4) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، أبو بكر، القاضي. من كبار علماء الكلام انتهت إليه رئاسة الأشاعرة. ولد بالبصرة وسكن بغداد، فتوفي بها. كان جيد الاستنباط، سريع الجواب. وجهه عضد الدولة سفيراً إلى القسطنطينية. فجرت له مناظرات مع علماء النصرانية. من كتبه (إعجاز القرآن) و (الإنصاف) و (الملل والنحل) و (تمهيد الدلائل) و (التقريب والإرشاد في أصول الفقه) قال عنه الزركشي: هو أجل كتاب في هذا الفن مطلقاً.
__________
(1) وفيات الأعيان 1/ 327، الأعلام 5/ 149
(2) الإصابة 8/ 87، 153، 843، حلية الأولياء 2/ 57
(3) فهرست الخديوية 7/ 521، معجم المؤلفين 3/ 80
(4) وفيات الأعيان 1/ 481، الأعلام 7/ 46، البحر المحيط للزركشي (المقدمة).
(2/275)

البخاري ( ... -730 ه): (1) هو عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري: فقيه حنفي أصولي. من كتبه (شرح المنتخب الحسامي)، للأخسكيتي، و (شرح أصول البزدوي).
البزدوي ( ... -482 ه): (2) هو علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، أبو الحسن فخر الإسلام. فقيه أصولي، من أكابر الحنفية، من سكان سمرقند، منسوب إلى (بزدة) قلعة بالقرب من (نسف). من تصانيفه: (المبسوط). و (كنز الوصول في أصول الفقه) وهو المعروف بأصول البزدوي و (تفسير القرآن).
بشر الحافي (150 - 227 ه) (3): هو بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن، المروزي، أبو نصر. من متقدمي الصوفية. له في الزهد والورع أخبار. من أهل مرو. سكن ببغداد وتوفي بها.
البلقيني (724 - 805 ه): (4) هو عمر بن رسلان، سراج الدين. عسقلاني الأصل. ولد في بلقينة من غربية مصر. وتعلم بالقاهرة. مجتهد حافظ للحديث. ولي قضاء الشام 769 ه. من كتبه: (التدريب في فقه الشافعية). و (تصحيح المنهاج)، و (مناسبات تراجم أبواب البخاري).
البيضاوي ( ... -685 ه): (5) هو عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي، أبو سعيد، ناصر الدين، البيضاوي. ولد في مدينة البيضاء (بفارس، قرب شيراز) وولي قضاء شيراز مدة. وصرف عن القضاء، فرحل إلى تبريز فتوفي بها. من كتبه: تفسيره المشهور. و (موضوعات العلوم وتعاريفها). و (الغاية القصوي في دراية الفتوى).
التفتازاني (712 - 791ه): (6) هو مسعود بن عمر بن عبد الله، سعد الدين
__________
(1) الفوائد البهية ص 94. فهرس الأزهرية 2/ 70، الأعلام 4/ 137
(2) الفوائد البهية ص 124، مفتاح السعاة 2/ 54، الأعلام 5/ 148
(3) تاريخ بغداد 7/ 67 - 80، الحلية 8/ 336، الزركلي 2/ 26
(4) ذيل طبقات الحفاظ. شذرات الذهب 7/ 51، الأعلام 5/ 205
(5) البداية والنهاية 13/ 309، مفتاح السعادة 1/ 436، الأعلام 2/ 249
(6) بغية الوعاة ص391، الدرر الكامنة 4/ 350، الزركلي 8/ 113
(2/276)

من أئمة الأصول والعربية والبيان والمنطق. ولد بتفتازان من بلاد خراسان وأبعده تيمور لنك إلى سمرقند فتوفي بها. من كتبه: (المطول) في البلاغة. و (مقاصد الطالبين) و (شرحه). و (حاشية الكشاف). و (شرح الأربعين النووية).

التهانوي ( ... - بعد 1158 ه): (1) هو محمد بن علي بن محمد حامد الفاروقي، الحنفي، باحث هندي استوعب العلوم المختلفة، وألفّ بفروعها ومصطلحاتها، ويعرف بمعجمه الكبير (كشاف اصطلاحات الفنون) الذي يشتمل على مصطلحات العلوم المختلفة المتداولة. من الفلسفة والرياضة والأصول والفقه وغيرها. وله (سبق الغايات في نسق الآيات).
التميمي (317 - 371ه): (2) هو عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود، أبو الحسن. فقيه، حنبلي، أصولي فرضي. له تصانيف في الفقه والفرائض.
الثوري (97 - 161 ه) (3): هو سفيان بن مسروق الثوري، من بني ثور بن عبد مناة، أبو عبد الله، هو أمير المؤمنين في الحديث. كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى. ولد ونشأ بالكوفة. وأراده المنصور على القضاء فأبى. وسكن مكة والمدينة فطلبه فتوارى. وانتقل إلى البصرة فمات بها مستخفياً. من كتبه: (الجامع الصغير). و (الجامع الكبير). كلاهما في الحديث. وكتاب في الفرائض.
الجبائي، أبو علي (235 - 303ه): (4) هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي. من أئمة المعتزلة. ورئيس علماء الكلام في عصره. تنسب إليه طائفة الجبائية. ينسب إلى (جبي) من قرى البصرة. اشتهر بالبصرة. ودفن بقريته. له تفسير حافل مطول. رد عليه الأشعري.
الجصاص ( ... -370 ه): هو أحمد بن علي الرازي، أبو بكر، الجصاص. من
__________
(1) معجم المؤلفين 11/ 47، الموسوعة العربية الميسرة، الأعلام 7/ 188
(2) تاريخ بغداد 10/ 461، البداية والنهاية 11/ 298، معجم المؤلفين 5/ 244
(3) الوفيات 1/ 210، الحلية 6/ 356، الأعلام 3/ 158
(4) وفيات الأعيان 1/ 480، البداية والنهاية 11/ 125، الأعلام 7/ 136
(2/277)

أهل الري. سكن بغداد، ومات بها. انتهت إليه رياسة الحنفية. وخوطب في أن يلي القضاء فامتنع. ألف كتاب (أحكام القرآن) وكتاباً في أصول الفقه (1).

جولد زيهر، أجناس (1266 - 1340 ه): (2) مستشرق مجري يهودي تعلم في بودابست. ورحل إلى سورية فتعرف بالشيخ طاهر الجزائري ولازمه مدة. وانتقل إلى مصر حيث لازم بعض علماء الأزهر. نشر بعض المؤلفات العربية القديمة، وترجم بعض الكتب العربية إلى الألمانية. له (العقيدة والشريعة في الإسلام). ومقالات في دائرة المعارف الإسلامية. وكتاب عن الظاهرية. و (مذاهب التفسير الإسلامي).
الجويني (419 - 478 ه): (3) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين. شافعي. بنى له الوزير نظم الملك المدرسة النظامية بنيسابور. من تصانيفه (العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية) و (البرهان في أصول الفقه) و (نهاية المطلب في دراية المذهب) في فقه الشافعية. و (الإرشاد) في العقيدة، و (الورقات) في الأصول.
حاجي خليفة (1017 - 1067 ه): (4) هو مصطفى بن عبد الله كاتب حلبي. مؤرخ بحاثة. تركي الأصل. مولده ووفاته بالقسطنطينية. تولى أعمالاً كتابية له الجيش العثماني. ذهب إلى بغداد 1033 ه. ورحل إلى ديار بكر والشام وحلب ومكة. وانقطع بعد إلى تدريس العلوم. له (كشف الظنون) و (تحفة الكبار في أسفار البحار). و (سلم الوصول إلى طبقات الفحول).
الحارث المحاسبي ( ... -243 ه): (5) هو الحارث بن أسد المحاسبي. كان صوفياً كبيراً. عالماً بالأصول والمعاملات. واعظاً. ولد بالبصرة. ونشأ بها ومات ببغداد. له (آداب النفوس) و (شرح المعرفة) و (الرعاية لحقوق الله).
__________
(1) تاج التراحم. الجواهر المضية 1/ 84، الأعلام 1/ 65
(2) العقيدة والشريعة -الترجمة العربية- المقدمة، الأعلام 1/ 80، الموسوعة العربية الميسرة.
(3) الأعلام للزركلي 4/ 306
(4) مقدمة كشف الظنون دائرة المعارف الإسلامية 7/ 235، الأعلام 8/ 138
(5) معجم المؤلفين3/ 174، الأعلام 2/ 153 ابن خلكان 1/ 126
(2/278)

الحليمي (338 - 403ه): (1) هو الحسن بن حسن بن محمد بن حليم، البخاري، الجرجاني. فقيه شافعي، قاض. كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر. مولده بجرجان ووفاته في بخاري. له (المنهاج في شعب الإيمان).
خالد الأزهري (838 - 905 ه): (2) هو خالد عبد الله بن أبي بكر. جرجاوي، أزهري نحوي. نشأ وعاش في القاهرة. له مجموعة كتب في النحو منها (التصريح على التوضيح) وهو شرح لشرح ابن هشام المسمى (أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك) وله (الألغاز النحوية) وغيرها.
الخطابي ( ... -388 ه): هو حَمْدُ بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، أبو سليمان، فقيه محدث، من أهل (بست) من بلاد كابل من نسل زيد بن الخطاب أخي عمر بن الخطاب. من كتبه: (معالم السنن) في شرح سنن أبي داود و (إصلاح غلط المحدثين). و (شرح البخاري) (3).
الدهلوي (1110 - 1176 ه): هو أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي الملقب بشاه ولي الله. فقيه حنفي من المحدثين. قيل فيه: أحيا الله به وبأولاده وأولاد بناته وتلاميذه الحديث والسنة بالهند بعد موتهما، وعلى كتبه وأسانيده المدار في تلك الديار. له: (الفوز الكبير في أصول التفسير) و (إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء)، و (الإنصاف في أسباب الخلاف)، و (حجّة الله البالغة) في حكمة التشريع. ترجم معاني القرآن إلى الفارسية (4).
الرازي (543 - 606 ه): هو محمد بن عمر بن الحسن بن الحسن التيمي البكري، فخر الدين الرازي: إمام مفسر أصولي، واعظ، وهو قرشيّ النسب. ولد بطبرستان، ومولده بالري. ورحل إلى خوارزم وخراسان. كان يحسن الفارسية ويقول بها الشعر من كتبه: (مفاتيح الغيب) في التفسير. و (المباحث المشرقية). و (الأربعون في أصول الدين). و (تعجيز الفلاسفة) (5).
__________
(1) الرسالة المستطرفة 44، الأعلام 2/ 252
(2) معجم المؤلفين 4/ 96، الأعلام 2/ 339، والضوء اللامع 3/ 181
(3) الوفيات 1/ 166، يتيمة الدهر 4/ 231، الزركلي 2/ 204
(4) ذيل كشف الظنون 1/ 65، 161، الأعلام 1/ 144
(5) الوفيات 1/ 474، لسان الميزان 4/ 426، الأعلام 7/ 203
(2/279)

الرَّوياني (415 - 502 ه): (1) هو عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد، من رويان وهي قرية في طبرستان. فقيه شافعي. رحل إلى بخاري وغزنة ونيسابور والريّ. وبنى مدرسة في آمل. فتعصب عليه جماعة فقتلوه فيها. وله (بحر المذهب) من أوسع كتب الشافعية، و (الكافي) و (حلية المؤمن).
الزركشي (745 - 794 ه): (2) هو محمد بن بهادر بن عبد الله، أبو عبد الله الزركشي، بدر الدين. عالم بفقه الشافعية والأصول. تركي الأصل. مصري المولد والوفاة. له: (لقطة العجلان) و (إعلام الساجد بأحكام المساجد) و (المنثور) وهو المعروف بقواعد الزركشي، و (البحر المحيط في أصول الفقه).
زكريا الأنصاري (826 - 926 ه): (3) هو زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري الشافعي. لقب بقاضي القضاة. وبشيخ الإسلام. ولد بالشرقية ثم انتقل إلى القاهرة، وأقام بالأزهر. قال عنه ابن حجر الهيتمي: أجل من وقع عليه بصري من العلماء العاملين والأئمة الوارثين. له (أسنى المطالب) و (منهج الطلاب) في الفقه، و (لب الأصول) وشرحه (غاية الوصول).
الزيدية: (4) شيعة تنسب إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وتقابل الإمامية، والزيدية أقرب من الإمامية إلى السنة لاعترافهم بإمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. رأس الطائفة بعد زيد ابنه يحيى. ومنهم الآن باليمن وغيرها. والإمامة عندهم محصورة في ذرية علي من فاطمة. وليست بالوراثة، وإنما هي للأصلح منهم. وآخر من حكم اليمن منهم البدر بن يحيى حميد الدين.
السبكي (727 - 771 ه): (5) هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، تاج الدين، شافعي، فقيه أصولي مؤرخ أديب ناظم، ولد بالقاهرة، وقدم دمشق مع
__________
(1) وفيات الأعيان 1/ 297، ومرآة الزمان 8/ 29، وطبقات الشافعية 4/ 246
(2) الدرر الكامنة 3/ 397، كشف الظنون 125، الأعلام 6/ 286
(3) شذرات الذهب 8/ 34، معجم سركيس ص 483
(4) الموسوعة العربية الميسرة.
(5) الدرر الكامنة 2/ 425، شذرات الذهب 6/ 221، البدر الطالع 1/ 410، معجم المؤلفين 6/ 226
(2/280)

والده، ولزم الذهبي وتخرج به، وولي بها القضاء وخطابة الجامع الأموي. له (طبقات الشافعية)، و (رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب) و (شرح منهاج الأصول) للبيضاوي، و (جمع الجوامع).

السرخسي ( ... -483 ه): هو محمد بن أحمد بن سهل، أبو بكر، شمس الأئمة. من كبار الحنفية. مجتهد. له (المبسوط) في الفقه الحنقي، و (شرح الجامع الكبير)، و (شرح السير الكبير) (1).
السمعاني (426 - 489 ه): (2) هو منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد المروزي السمعاني، أبو المظفر التميمي. كان حنفياً ثم انتقل إلى مذهب الشافعي. من أهل مرو. محدث. مفسر. قدمه نظام الملك. من كتبه: (تفسير السمعاني) و (الانتصار لأصحاب الحديث) و (المنهاج لأهل السنة). و (الاصطلام) في الرد على الدبوسي.
سهل التستري (200 - 283 ه): هو سهل بن عبد الله بن يونس التستري، أبو محمد أحد أئمة الصوفية والمتكلمين في الإخلاص والرياضة وعيوب الأفعال. له: (تفسير القرآن) و (دقائق المحبين) (3).
السهيلي (508 - 581 ه): (4) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد، الخثعمي. السهيلي، منسوب إلى (سهيلة) قرية بالقرب من مالقة بالأندلس. مؤرخ، محدث حافظ، نحوي لغوي. أخذ عن ابن العربي وغيره. طلبه والي مراكش. وأحسن إليه وأقبل عليه وأقام بها ثلاثة أعوام ثم توفي. له (شرح جمل الزجاجي) و (الروض الأنف) وهو شرح لسيرة ابن هشام، و (مسألة رؤية الله عز وجل).
السيوطي (849 - 911 ه) (5): عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين. مؤلف. مولده ووفاته بالقاهرة. تنقل في مدن مصر والشام والحجاز واليمن والهند والمغرب طلباً
__________
(1) الجواهر المضيئة 2/ 28، الفوائد البهية ص 158
(2) النجوم الزاهرة 5/ 160، مفتاح السعادة 2/ 191، الأعلام 8/ 244
(3) طبقات الصوفية 206، الوفيات1/ 218، الأعلام 3/ 210
(4) وفيات الأعيان 1/ 351، البداية والنهاية 2/ 318، معجم المؤلفين 5/ 147
(5) الموسوعة العربية الميسرة.
(2/281)

للعلم. وألم بجميع علوم الثقافة الإسلامية في عصره، وخاصة التفسير والحديثه والفقه واللغة والبلاغة والنحو. درس في جامع ابن طولون والشيخونية والبيبرسية. أخرج نحو 600 مصنف تقوم أهميتها على ما تعطينا من معلومات من كتب لم تصل إلينا، له (المزهر في اللغة) و (الاتقان في علوم القرآن) و (الأشباه والنظائر في القواعد الفقهية) و (طبقات المفسرين).

الشربيني ( ... -1326 ه): هو عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الشربيني. مصري فقيه شافعي أصولي. ولي مشيخة الأزهر 1322 - 1324 ه. كان ورعاً زاهداً لم يتزلف لكبير. له: (تقرير على جمع الجوامع) و (تقرير على شرح تلخيص المفتاح) (1).
شريح (42 ق. ه-78 ه): (2) شريح بن الحارث بن معاوية بن عامر الكنْدي. لم يلق النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهو من كبار التابعين. كان محسناً كريماً. اختاره الإمام أمير المؤمنين عمر، قاضياً على الكوفة. وظلّ عليها طيلة دولة الخلفاء الراشدين ودولة بني أمية حتى ولي الحجاج العراق فاستعفاه فأعفاه.
الشوكاني (1173 - 1250ه): (3) هو محمد بن علي بن محمد الشوكاني الصنعاني اليماني الفقيه المجتهد المحدث الأصولي المفسر، نشأ بصنعاء، وهو من أهل شوكان قرية بينها وبين صنعاء مسيرة يوم. حفظ كثيراً من المتون. وبلغ رتبة الاجتهاد. ولقب بشيخ الإسلام. تفقه على المذهب الزيدي ولكنه خلع التقليد وأخذ يدعو إلى الاجتهاد والاتباع. له (فتح القدير) في التفسير، و (إرشاد الفحول) في الأصول. و (نيل الأوطار) في الحديث. وغيرها.
الشيرازي (393 - 476 ه): (4) هو إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله، أبو إسحاق. فقيه أصولي شافعي مؤرخ أديب، ولد بفيروز أباد قرب شيراز ونشأ بها ثم انتقل إلى شيراز. أخذ عن أبي عبد الله البيضاوي وابن رامين. ثم انتقل إلى بغداد لطلب العلم.
__________
(1) فهرس الأزهرية 2/ 19، معجم المطبوعات 1110، الأعلام 4/ 110
(2) ابن خلكان 1/ 281، دائرة وجدي 5/ 373، الفتح المبين 1/ 85
(3) الأعلام 3/ 953، وسركيس ص 1160، الفتح المبين 3/ 145
(4) طبقات السبكي 3/ 88، ابن خلكان 1/ 5، ابن كثير 12/ 124
(2/282)

صدر الشريعة ( ... -747 ه): (1) هو عبيد الله بن مسعود بن محمود بن أحمد المحبوبي البخاري الحنفي. من علماء الحكمة والطبيعيات والأصول. من كتبه: (تعديل العلوم) و (شرح الوقاية)، و (الوشاح في علم المعاني).
الصغاني (577 - 650 ه): (2) هو الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر، رضي الدين. أعلم أهل عصره باللغة. كان فقيهاً محدثاً. ولد في لاهور بالهند. ونشأ بغزنة ودخل بغداد. ورحل إلى اليمن. وتوفي في بغداد. من كتبه: (مجمع البحرين) و (مشارق الأنوار)، في الحديث. و (شرح صحيح البخاري).
الصنعاني (1099 - 1182ه): (3) هو محمد بن إسماعيل بن صلاح الكحلاني ثم الصنعاني المعروف بالأمير، محدث فقيه أصولي مجتهد متكلم من أئمة اليمن. رحل إلى الحرمين. له (سبل السلام شرح بلوغ المرام) و (تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد)، وغيرهما.
الصيرفي ( ... -330 ه): (4) هو محمد بن عبد الله الصيرفي، أبو بكر، بغدادي، شافعي، أصولي، متكلم، محدث. تفقه على ابن سريج وسمع الحديث. له: (شرح رسالة الشافعي) فى الأصول و (دلائل الإعلام في أصول الأحكام) وكتاب في الإجماع. وكتاب في الشروط.
الطحاوي (239 - 321ه): (5) هو أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي أبو جعفر، من (طحا) بالصعيد، انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، تفقه بمذهب الشافعي، ثم تحوّل حنفياً، وهو ابن أخت المزني صاحب الشافعي. له (شرح معاني الآثار) و (مشكل الآثار) و (أحكام القرآن) و (اختلاف الفقهاء).
__________
(1) الفوائد البهية 109، فهرس الأزهرية 2/ 24، 199، الأعلام 4/ 354
(2) الفوائد البهية 63، النجوم الزاهرة 7/ 26، الأعلام 2/ 232
(3) معجم المؤلفين 9/ 56 والبدر الطالع 2/ 133
(4) طبقات الشافعية 2/ 169، مفتاح السعادة 2/ 178، معجم المؤلفين 10/ 220
(5) طبقات الحفاظ للسيوطي. البداية والنهاية 11/ 174، الأعلام 1/ 197
(2/283)

العاقولي (733 - 797 ه): (1) هو محمد بن محمد بن عبد الله الواسطي البغدادي، غياث الدين، أبو المكارم. عالم بغداد ومدرسها. انتهت إليه الرياسة في العلم والتدريس. ولما دخل تيمورلنك بغداد هرب منه فنهبت أمواله: ورجع بعد ذلك فتوفي بها. من كتبه: (شرح منهاج البيضاوي). و (شرح مصابيح البغوي). و (كفاية الناسك في معرفة المناسك).
عبد الله بن سعد بن أبي السرح ( ... -37 ه): قرشي عامري. فاتح إفريقية. من أبطال الصحابة كان من كتاب الوحي. كان على ميمنة عمرو بن العاص في فتح مصر وُلي مصر سنة 25 ه وبقي عليها 12 سنة، زحف خلالها إلى إفريقية وتحت إمرته الحسن والحسين ابنا عليّ، وابن عباس، وعقبة بن نافع. ووصل طنجة. وغزا الروم بحراً. وظفر بهم في معركة ذات الصواري. اعتزل أيّام صفين. ومات بعسقلان (2).
عبد الجبار الهمداني ( ... -415 ه) (3): هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني الأسد آبادي، أبو الحسن. قاضٍ، أصولي. كان شيخ المعتزلة في عصره. يلقبونه قاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على غيره. ولي قضاء الري ومات فيها. من تصانيفه (تنزيه القرآن عن المطاعن). و (الأمالي).
عبد الرحمن بن مهدي (135 - 198 ه): (4) هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري البصري اللؤلؤي، من كبار حفاظ الحديث. حدث ببغداد، ومولده ووفاته بالبصرة. قال الشافعي: "لا أعرف له نظيراً في الدنيا".
عبد الوهاب خلاف (1306 ه- ... ؟): (5) ولد بكفر الزيات بالغربية. حفظ القرآن ببلده ثم انتقل إلى الأزهر وحضر على الشيخ عبد الله دراز ومحمد عبده. والتحق بمدرسة القضاء الشرعي. ثم عين قاضياً شرعياً، ودرَّس الشريعة بجامعة فؤاد. له (علم أصول الفقه) و (حلقات في الدراسات العليا في الأصول).
__________
(1) الدرر الكامنة 4/ 194، هدية العارفين 2/ 175، الأعلام 7/ 272
(2) أسد الغابة 3/ 173، النجوم الزاهرة 1/ 7 - 94، الأعلام 4/ 220
(3) تاريخ بغداد 11/ 131، معجم المطبوعات 1269، الأعلام 4/ 47
(4) تهذيب التهذيب 6/ 279، تاريخ بغداد 10/ 240، الأعلام 4/ 115
(5) الفتح المبين 3/ 207
(2/284)

العضد ( ... -756 ه): هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، عضد الدين الإيجي. من أهل (إيج) بفارس. عالم بالأصول والمعاني والعربية. جرت له محنة مع صاحب كرمان فسجنه بالقلعة، ومات فيها. نُبِزَ بالعظائم. له: (أشرف التواريخ). و (الفوائد الغياثية في المعاني والبيان والبديع). و (جواهر الكلام)، وهو مختصر لكتابه: (المواقف) (1).
العلائي (694 - 761 ه): (2) خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي المحدث الدمشقي، أبو سعيد، صلاح الدين، محدث فاضل باحث تعلم في دمشق، ورحل رحلة طويلة. أقام بالقدس مدرساً بالصلاحية سنة 731 ه وتوفي بها. من كتبه (المجموع المذهب في قواعد المذهب). و (المجالس المبتكرة). و (الوشي المعلم)، و (الأربعين في أعمال المتقين).
علي المتقي الهندي (888 - 975 ه) (3): هو علي بن حسام الدين عبد الملك الجونبودي، علاء الدين، محدث واعظ. أصله من بلاد الدكن بالهند، سكن المدينة ومكة، له (كنز العمال) و (إرشاد العرفان) و (الرقّ المرقوم في غايات العلوم).
(الشيخ) عُليش (1217 - 1299ه) (4): محمد بن أحمد بن محمد عليش. فقيه أصله من طرابلس الغرب، ولد بالقاهرة، وتعلم بالأزهر، وولي مشيخة المالكية به، ثم توفي بالسجن لاتهامه بممالأة عرابي. له: (شرح السنوسية في العقائد). و (منح الجليل على مختصر خليل). وغير ذلك.
عياض، القاضي (476 - 544 ه) (5): عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي. عالم المغرب وإمام الحديث في وقته. كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم. ولي قضاء سبتة ثم قضاء غرناطة. من كتبه: (شرح صحيح
__________
(1) مفتاح السعادة 1/ 169. الدرر الكامنة 2/ 322، الأعلام 4/ 66
(2) الدرر الكامنة 2/ 90، الأنس الجليل 12/ 451، الأعلام 2/ 370
(3) معجم المؤلفين 7/ 59، وشذرات الذهب 8/ 379، وكشف الظنون 1/ 561
(4) ذيل كشف الظنون 1/ 271، معجم المطبوعات 1372، الأعلام 6/ 244
(5) وفيات الأعيان 1/ 392، مفتاح السعادة 2/ 19، الأعلام 5/ 282
(2/285)

مسلم). و (مشارق الأنوار على صحاح الآثار). و (ترتيب المدارك) وهو تراجم لأعلام المالكية والشفا في حقوق المصطفى).

الفاطميون: (1) فرقة من غلاة الشيعة، من الباطنية. بدأَ أمرها على يد أبي عبيد الله الشيعي الذي قضى على نفوذ الأدارسة بفاس المغرب، وشيّد المهدية بقرب القيروان فكانت حاضرتهم. نادى بنفس خليفة. وهاجم مصر. واستطاع (المعزّ) من خلفائه أن يفتح مصر ويؤسس القاهرة واتخذها عاصمته. وقد استطاعوا أن يبسطوا سلطانهم في بعض الأوقات على شمال أفريقيا وبلاد الشام وغيرها. قضى عليهم صلاح الدين الأيوبي.
القرافي ( ... -684 ه): (2) هو أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله، الصنهاجي البهنسي شهاب الدين، ولد بالبهنسا، وأخذ عن العز بن عبد السلام، وعن ابن الحاجب والفاكهاني وغيرهم. له (التنقيح) في الأصول، و (شرح المحصول) و (الذخيرة في الفقه) وغيرها كثير.
القرطبي ( ... -671 ه): (3) هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، المالكي، من كبار المفسرين: رحل إلى المشرق، واستقر بمصر. له (الجامع لأحكام القرآن) المشهور بتفسير القرطبي، و (الأسنى في شرح الأسماء الحسنى) و (التذكرة بأحوال الآخرة).
القشيري (376 - 465 ه): هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة، أبو القاسم، النيسابوري القشيري. من بني قشير بن كعب. كان شيخ خراسان زُهداً وعلماً. وكان السلطان ألب أرسلان يقدمه ويكرمه. من كتبه: (التيسير في التفسير) و (لطائف الإشارات). و (الرسالة القشيرية) (4).
القفال (291 - 365 ه): (5) هو محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير
__________
(1) الموسوعة العربية الميسرة.
(2) الشجرة الزكية ص 188، الفتح المبين 2/ 87
(3) مقدمة تفسيره الجامع لأحكام القرآن، نفح الطيب 1/ 428، الأعلام 5/ 218
(4) طبقات السبكي 3/ 243 - 248، مفتاح السعادة 1/ 438، الأعلام 4/ 180
(5) طبقات السبكي 2/ 176، شذرات الذهب 3/ 51، الفتح المبين 2/ 201
(2/286)

الشاشي، أبو بكر. ولد بالشاش. رحل في طلب العلم إلى العراق والشام وخراسان والحجاز. أخذ عن ابن خزيمة ومحمد بن جرير والمدائني وغيرهم. كان شاعراً فصيحاً، إماماً في الزهد والورع. وعنه انتشر مذهب الشافعي فيما وراء النهر. كان يميل أولاً إلى الاعتزال ثم رجع إلى مذهب أهل السنة. له كتاب في الأصول. وله شرح رسالة الشافعي. وآداب القضاء. وغيرهما.

الكرّامية: (1) فرقة من أهل البدع تنسب إلى محمد بن كرَّام الذي نشأ في سجستان، وتوفي ببيت المقدس (255 ه). وينسب إليهم من التجسيم، أنهم يذهبون إلى أن الله محدود من جهة العرش. وأن لا شيء يحدث في العالم قبل حدوث أعراض في ذاته. عرفوا بالزهد والعمل على نشر الإسلام. كثر أتباعهم في خراسان وما وراء النهر وببيت المقدس حتى القرن السابع الهجري.
الكرخي (260 - 340 ه): هو عبيد الله بن الحسين، أبو الحسن. فقيه، انتهت إليه رئاسة الحنفية بالعراق، مولده بالكرخ، ووفاته ببغداد. من كتبه: (رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية). و (شرح الجامع الصغير). و (شرح الجامع الكبير) (2).
المازري (453 - 536 ه): (3) هو محمد بن علي بن عمر التميمي المازري، أبو عبد الله، محدث، من فقهاء المالكية، نسبته إلى مازر، بجزيرة صقلية، ووفاته بالمهدية. من كتبه (المعلم بفوائد مسلم) و (الكشف والإنباء في الرد على الأحياء) للغزالي، (إيضاح المحصول في الأصول).
المحلي (791 - 964 ه): هو محمد بن أحمد بن إبراهيم المحلي الشافعي، جلال الدين، أصولي مفسر. مولده ووفاته بالقاهرة. قيل فيه: تفتازاني العرب. كان مهيباً صداعاً بالحق، يواجه الظلمة والحكام بذلك. عرض عليه القضاء الأكبر فامتتع. له:
__________
(1) الموسوعة العربية الميسرة. الأعلام 7/ 236، الملل والنحل للشهرستاني، بهامش الفصل لابن حزم 1/ 144
(2) الفوائد البهية 107، فهرس الأزهرية 2/ 45، الأعلام 4/ 347
(3) وفيات الأعيان 1/ 486، أزهار الرياض 3/ 165، الأعلام 7/ 164
(2/287)

(كنز الراغبين في شرح منهاج المتقين) و (البدر الطالع في حل جمع الجوامع)، و (الطب النبوي) (1).

محمد بن الحسن الشيباني (131 - 189 ه): (2) ولد بواسط في العراق. ونشأ بالكوفة فحفظ القرآن. ثم سمع على أئمة الحديث وحضر على الإمام أبي حنيفة، ثم بعده على أبي يوسف. وسمع من مالك والشافعي والأوزاعي والثوري. وكان إماماً في الفقه والعربية. ولي قضاء الرقّة للرشيد. ثم أعفاه منه. فقدم بغداد ولازم الرشيد. فمات بصحبته، ودفن بالرّيّ. له (المبسوط) في فروع الفقه. و (الزيادات) و (الآثار) و (السير).
محمد خليل هراس ( ... -1392 ه؟): فاضل من أهل طنطا بمصر تخرج في الأزهر ودرّس بكلية الشريعة بالرياض. ثم عاد إلى التدريس بكلية أصول الدين بالأزهر، كان سلفي العقيدة، داعية محبّاً للعلم مكرماً لطلبته. له (شرح العقيدة الواسطية) لابن تيمية. وتعليقات على (الخصائص) للسيوطي وغيرها.
النحّاس ( ... -338 ه) (3): هو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس، المرادي المصري، أبو جعفر، نحوي لغوي مفسر أديب وفقيه. رحل إلى بغداد. فأخذ عن المبّرد والأخفش والزجاج وغيرهم ثم عاد إلى مصر فأقام بها إلى أن توفي. من تصانيفه (معاني القرآن) و (أخبار الشعراء) و (الناسخ والمنسوخ) و (تفسير القرآن).
__________
(1) شذرات الذهب 7/ 303، الضوء اللامع 7/ 39 - 41، الأعلام 5/ 230
(2) الفهرست لابن النديم ص 287، ابن خلكان 1/ 574، الفتح المبين 1/ 110
(3) معجم الأدباء 4/ 224، وإنباه الرواة 1/ 101، ومعجم المؤلفين 2/ 82
(2/288)