Advertisement

إعلام الموقعين عن رب العالمين ت مشهور 006


سلسلة مكتبة ابن القيم [6]

إعلام الموقعين عن رب العالمين

تصنيف
أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 ه

قرأه وقدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره
أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان

شارك في التخريج
أبو عمر أحمد عبد الله أحمد

[المجلد السادس]

دار ابن الجوزي
(6/1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(6/2)

إِعلامُ الموقِّعِين عَن رَبِّ العَالمين
[6]
(6/3)

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار ابْن الْجَوْزِيّ
الطبعة الأولى
رَجَب 1423 ه

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة © 1423 ه لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر

دَار ابْن الْجَوْزِيّ للنشر والتوزيع
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية
الدمام - شَارِع ابْن خلدون ت: 8428146 - 8467589 - 8467593
ص ب: 2982 - الرَّمْز البريدي: 31461 - فاكس: 8412100
الإحساء - الهفوف - شَارِع الجامعة ت: 5883122
جدة ت: 6516549
الرياض ت: 4266339
(6/4)

[إيجاب الاقتداء بهم]
الوجه الرابع والعشرون: ما رواه الترمذي من حديث الثوري عن عبد الملك بن عُمير، عن هلال مولى رِبعي بن حِراش (1)، عن رِبعي، عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اقتدوا باللَّذَين من بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" (2) قال الترمذي: هذا حديث حسن، ووجه الاستدلال (3) به ما تقدم في تقرير المتابعة (4).

[الرشد في طاعة أبي بكر وعمر]
الوجه الخامس والعشرون: ما رواه مسلم في "صحيحه" [من حديث عبد اللَّه بن رَبَاح] (5)، عن أبي قتادة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-[قال] (5): "إن يُطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا" (6)، وهو في حديث الميضأة الطويل (7)، فجعل الرشد معلَّقًا بطاعتهما (8)، فلو أفتوا بالخطأ في حكم وأصابه من بعدهم لكان الرشد في خلافهما (9).
الوجه السادس والعشرون: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لأبي بكر (10) وعمر في شأن تأمير القَعْقَاعِ بن حكيم والأقرع بن حابس: "لو اتفقتما على شيء لم أخالفكما" (11) فهذا رسول -صلى اللَّه عليه وسلم- يخبر أنه لا يخالفهما لو اتفقا، ومن يقول قولهما
__________
(1) في (ق): "خراس".
(2) سبق تخريجه، و"ابن أم عبد: هو عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه تعالى عنه-" كذا في (و) و (د) و (ط).
ووقع في (ق): "وتمسكوا بهدي ابن أم عبد".
(3) في نسخة: "ووجه الاحتجاج" (د)، وهي كذلك في (ك).
(4) في أول البحث عند الكلام على آية التوبة وتفصيل وجوه دلالتها (س).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) سبق تخريجه.
(7) في (ق): "حديث الميعاد الطويل".
(8) في (ق): "بطاعتهم".
(9) وهذا يستلزم رد الحديث، فالقول به باطل بموجب الحديث (س).
(10) في (ق): "قال اللَّه لأبي بكر".
(11) روى قصة اختلاف أبي بكر وعمر في شأن التأمير: البخاري (4367) في (المغازي): باب (68)، و (4845) في تفسير (سورة الحجرات): باب {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}،=
(6/5)

ليس بحجة يُجوز مخالفتهما وبعض غلاتهم يقول: لا يجوز الأخذ بقولهما ويجب الأخذ بقول إمامنا الذي قلّدناه، وذلك موجود في كتبهم.
الوجه السابع والعشرون: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نظر إلى أبي بكر وعمر فقال: "هذان السَّمعُ والبصر" (1) أي هما مني بمنزلة السمع والبصر، أو هما من الدين بمنزلة
__________
= و (4847) باب {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}، و (7302) في (الاعتصام): باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين، من حديث عبد اللَّه بن الزبير قال: قدم وفد من بني تميم على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال أبو بكر: أمِّر القعقاع بن معبد بن زُرارة فقال عمر: بل أمِّر الأقرع بن حابس قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي قال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذلك: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
وليس فيه قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي ذكره المصنف والقعقاع هو ابن معبد، وليس ابن حكيم كما ذكره المؤلف، وليس في الصحابة من اسمه القعقاع بن حكيم أمَّره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وانظر "الإصابة"، وفي (ك): "أخالفهما".
(1) ورد من حديث عبد اللَّه بن حنطب وجابر، وابن عمر، وابن عباس، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص.
أما حديث عبد اللَّه بن حنطب، فقد رواه محمد بن إسماعيل بن أبي فديك وقد اختلف عنه.
فرواه قتيبة بن سعيد عنه عن عبد العزيز بن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب عن أبيه عنه.
أخرجه الترمذي (6371) في (المناقب): باب في مناقب أبي بكر وعمر.
وقال: "هذا حديث مرسل عبد اللَّه بن حنطب لم يدرك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
وتابعه موسى بن أيوب، أخرجه أبو حاتم -كما في "علل ابنه" (2/ 385) - وابن منده -كما في "الإصابة" (2/ 290) -.
إذن رواه قتيبة وموسى بن أيوب عن ابن أبي فديك، عن عبد العزيز بن المطلب دون واسطة.
لكن رواه جماعة عن ابن أبي فديك فذكروا واسطة بينه وبين عبد العزيز.
فقد علقه أبو حاتم (2/ 385)، ووصله ابن منده -كما في "الإصابة" (2/ 290) - من طريق دحيم عن ابن أبي فديك: حدثني غير واحد عن عبد العزيز به، وهؤلاء الجماعة الذين روى عنهم ابن أبي فديك وقفنا على بعضهم.
فقد رواه الحاكم في "المستدرك" (3/ 69) من طريق آدم بن أبي إياس، والقطيعي في "زوائده على فضائل الصحابة" (686) من طريق رجل وسمَّيا الواسطة: الحسن بن عبد اللَّه بن عطية.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، فتعقبه الذهبي فقال: حسن.
أقول: والحسن هذا لم أجد له ترجمة.
وقد رواه ابن قانع في "معجم الصحابة" (8/ 3137 رقم 970) وأبو نعيم في "معرفة =
(6/6)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= الصحابة" (2/ 887 رقم 2295) والآجري في "الشريعة" (رقم 1322) من طريق علي بن مسلم عن ابن أبي فُديك، والبغوي وغيره -كما في "الإصابة"- من طريق أحمد بن صالح المصري وآخرين، فذكروا من أسماء المبهمين: علي بن عبد الرحمن وعمر بن أبي عمر.
فعلي بن عبد الرحمن ترجم له ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان ولم يذكر له راويًا سوى ابن أبي فديك. وعمر بن أبي عمر -كذا في "تهذيب الكمال" و"الميزان" متروك الحديث.
إذن رواية الأكثر على إثبات الواسطة، وهذا ما رجّحه الحافظ في "الإصابة" أما أبو حاتم رحمه اللَّه فقد قال بعد أن رواه دون واسطة: وهذا أشبه!
وبعد هذا الاختلاف، اختلف في صحبة عبد اللَّه بن حنطب فممن أثبت صحبته ابن أبي حاتم وابن حبان وابن عبد البر ورجَّحه ابن حجر.
وقد خالف جميع ما ذكرنا جعفر بن مسافر: فرواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (2/ 886 - 887 رقم 2294) من طريقه عن ابن أبي فديك عن المغيرة بن عبد الرحمن عن المطلب بن عبد اللَّه عن حنطب عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . فجعل اسم الصحابي: حنطب، وجعفر هذا في حفظه شيء فروايته لا تعتبر بالمقارنة مع رواية الثقات. وانظر: "المعرفة" أيضًا (6/ 3032 رقم 7027) لأبي نعيم.
وأما حديث جابر: فرواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (8/ 459 - 460) واللالكائي في "السنة" (رقم 2507) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (9/ ق 586) من طريق زكريا بن يحيى الساجي ثنا الحكم بن مروان ثنا حسن بن صالح عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عنه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أبو بكر وعمر من هذا الدين كمنزلة السمع والبصر من الرأس"، وهذا إسناد ضعيف جدًا، فيه الحكم بن مروان، ضرب أحمد وابن معين وأبو خيثمة على اسمه وأسقطوه، انظر: "اللسان" (2/ 238) وزكريا بن يحيى، ترجمه الخطيب ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وهو أبو يعلى الساجي غير أبي يحيى الإمام الثقة، ولعل شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- ظنه هو في "الصحيحة" (814) فقال عن هذا الإسناد: "حسن"!!
وأما حديث ابن عمر: فرواه القطيعي (575) وأبو نعيم في "فضائل الخلفاء الأربعة" (رقم 92) وابن شاهين في "شرح السنة" (رقم 146) والآجري في "الشريعة" (رقم 1324) والعشاري في "فضائل الصديق" (رقم 36) من طريق فرات بن السائب عن ميمون بن مهران عنه، مثل حديث جابر، وهذا إسناد ضعيف جدًا، فرات بن السائب قال أحمد: كذّبوه، وقد تركه الدارقطني والساجي وأبو أحمد الحاكم.
ورواه الآجري في "الشريعة" (رقم 1325) من طريق حمزة النصيبي عن نافع عنه، وحمزة هذا متروك.
وأما حديث ابن عباس: فرواه أبو نعيم في "الحلية" (4/ 73) من طريق الحسن بن عرفة: =
(6/7)

السمع والبصر، ومن المحال أن يحرم سمع الدين وبصره الصواب ويظفر به من بعدهما.
الوجه الثامن والعشرون: ما رواه أبو داود وابن ماجه [من حديث ابن إسحاق، عن مكحول، عن غضيف بن الحارث] (1)، عن أبي ذر قال: مرَّ فتى على عمر [-رضي اللَّه عنه-] (1)، فقال [عمر] (1): نِعمَ الفتى، قال: فتبعه أبو ذر، فقال: يا فتى استغفر لي، فقال (2): يا أبا ذر أستغفر لك وأنت صاحب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: استغفر لي، قال: لا أو تخبرني (3)، قال: إنك مررتَ على عمر فقال: نعم الفتى، وإني سمعت النبي (4) -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن اللَّه جعل الحق على لسان عمر وقلبه" (5)، ومن المحال أن يكون الخطأ في مسألة أفتى بها من جعل اللَّه الحقَّ
__________
= حدثنا الوليد بن الفضل عن عبد اللَّه بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه عنه، مثل لفظ حديث جابر، وقال: كذا قال الحسن بن عرفة: عبد اللَّه بن إدريس، وإنما هو عبد المنعم بن إدريس، والحديث غريب تفرد به الوليد بن الفضل عنه.
أقول: والوليد بن الفضل هذا قال ابن حبان: يروي الموضوعات لا يجوز الاحتجاج به بحال.
وأما حديث عبد اللَّه بن عمرو، فرواه ابن أبي حاتم في "السنة" (رقم 1222) والطبراني في "الكبير" -كما في "المجمع" (9/ 52) - والآجري في "الشريعة" (رقم 1323)، وإسناده مظلم، فيه من لا يعرف وهذه الطرق ضعيفة جدًا، لا تسلم من متهمين أو متروكين، وهي لا تصلح لتحسين الحديث فضلًا عن تصحيحه، ولذا أعله الترمذي وابن عبد البر وغير واحد، واللَّه أعلم.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "قال".
(3) في (ق): "وتخبرني".
(4) في (ق): "رسول اللَّه".
(5) رواه ابن سعد (2/ 335)، وأحمد في "مسنده" (5/ 165 و 177)، وفي "فضائل الصحابة" (316)، وابن أبي عاصم في "السنة" (249)، وأبو داود (2962) في (الخراج): باب في تدوين العطاء، وابن ماجه (108) في (المقدمة): باب فضل عمر، وابن أبي شيبة (7/ 478)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 461) والبلاذري في "أنساب الأشراف" (149 - 150/ أخبار الشيخين) والقطيعي في "زوائد فضائل الصحابة" (رقم 521، 687، 867)، وابن شاهين في "جزء من حديثه" (رقم 7) والبغوي (3876) وابن عساكر (ص 85 - 86/ ترجمة عمر). كلهم من طرق عن ابن إسحاق عن مكحول عن غضيف به، وصرح ابن إسحاق بالتحديث عند الفسوي فقط!
وهذا إسناد حسن لحال محمد بن إسحاق، وغضيف بن الحارث هذا ذكره بعضهم في الصحابة وهو الظاهر، ورواه الدارقطني في "الأفراد" (2/ 269 - أطرافه) والطبراني في "مسند الشاميين" (رقم 1543) والحاكم في "المستدرك" (3/ 86 - 87)، وأبو نعيم في "الحلية" (5/ 191) والبيهقي في "المدخل" (رقم 66) واللالكائي في "السنة" (2490) =
(6/8)

على لسانه وقلبه حظَّه (1)، ولا ينكره [عليه] (2) أحد من الصحابة، ويكون الصواب فيها حَظَّ من بعده، هذا من أبين المحال.
الوجه التاسع والعشرون: ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قد كان فيمن خَلا من الأمم أناس مُحدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد [منهم] فهو عمر" (3)، وهو في "المسند"، و"الترمذي" وغيرهما من حديث أبي هريرة، والمحدَّثُ: هو المتكلم (4) الذي يُلقي اللَّه في روعه الصواب يحدثه به المَلَكُ عن اللَّه، ومن المحال أن يختلف هذا ومن بعده في مسألة، ويكون الصواب فيها مع المتأخر دونه، فإن ذلك يستلزم أن [يكون ذلك] (5) الغير هو المحدث بالنسبة إلى هذا (6) الحكم دون أمير المؤمنين [-رضي اللَّه عنه-] (5)، وهذا وإن أمكن في أقرانه من الصحابة فإنه لا يخلو عصرهم من الحق إما على لسان عمر، وإما على لسان غيره منهم، ومن (7) المحال أن يفتي أمير المؤمنين المحدث بفتوى أو يحكم بحكم، ولا يقول أحد من الصحابة غيره، ويكون خطأ ثم يُوفَّقَ له من بعدهم فيصيب الحق، ويخطئه الصحابة.
الوجه الثلاثون: ما رواه الترمذي [من حديث بكر بن عمرو، عن مِشْرَح بن
__________
= وابن عساكر (85) عن طريق أبي خالد الأحمر عن محمد بن إسحاق، ومحمد بن عجلان، وهشام بن الغاز عن مكحول عن غضيف عن أبي ذر.
وأبو خالد الأحمر هذا صدوق يخطئ كما قال الحافظ ابن حجر، ورواه هشام وابن عجلان عن مكحول عن أبي ذر مرسلًا دون ذكر غضيف انظر: "علل الدارقطني" (6/ 259) وتعليقي علي "المجالسة" (2/ 64 - 65)، ورواه أحمد في "مسنده" (5/ 145)، وفي "فضائل الصحابة" (317) -ومن طريقه ابن عساكر (87 - 88/ ترجمة عمر) - من طريق برد بن سنان عن عبادة بن نسيّ عن غضيف عن أبي ذر مرفوعًا، وإسناده جَيّد أيضًا وهذه متابعة قوية لابن إسحاق.
وفي الباب عن أبي هريرة وابن عمر وأبي بكر وبلال وأبي سعيد ومعاوية وعائشة، خرجتها بتطويل -وللَّه الحمد- في تعليقي على "المجالسة" (2/ 56 - 69).
(1) في (ق): "خطًا".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) رواه مسلم (2398) في (فضائل الصحابة): باب من فضائل عمر -رضي اللَّه عنه- وأحمد (6/ 55) والترمذي (3693) عن عائشة.
وحديث أبي هريرة: رواه البخاري (3469) في أحاديث الأنبياء و (3689) في (فضائل الصحابة)، وهو ليس عند الترمذي وأحمد، كما قال المصنف، وانظر الهامش السابق، وما بين المعقوفتين من (ك).
(4) في (ق): "المكلم".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ق): "ذلك".
(7) في المطبوع و (ك): "وإنما".
(6/9)

هاعان] (1)، عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقول: "لو كان بعدي نبي لكان عمر" (2)، وفي لفظ: "لو لم أبعث فيكم لبعث [فيكم] عمر" (3) قال الترمذي: حديث حسن، ومن المحال أن يختلف مَن هذا شأنه، ومن بعده من المتأخرين في حكم من أحكام الدين، ويكون حظ عمر منه الخطأ وحظ ذلك المتأخر منه الصواب.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) رواه أحمد (4/ 154)، والترمذي (3686) في (المناقب): باب ما جاء في مناقب عمر، والطبراني في "المعجم الكبير" (17/ 822)، والقطيعي في "زوائده على فضائل الصحابة" (رقم 519) و (694)، و"جزء الألف دينار" (رقم 199)، والفسوي في "تاريخه" (2/ 500)، والحاكم (3/ 85)، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (ص 228) والروياني (214، 223) والدينوري في "المجالسة" (217 - بتحقيقي) وأبو نعيم في "فضائل الخلفاء" (رقم 85) والتيمي في "الحجة" (رقم 341) والبيهقي في "المدخل" (65)، والخطيب في "الموضح" (2/ 414) وابن عساكر (100، 101 - ترجمة عمر)، من طريق حيوة بن شريح عن بكر بن عمرو به.
وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات، إلا أن مشرح بن هاعان فيه كلام، لا ينزل حديثه عن درجة الحسن.
والحديث رواه عن مشرح ابن لهيعة أيضًا إلا أنه اضطرب فيه فرواه تارة عن مشرح: أخرجه القطيعي في "زوائده على فضائل الصحابة" (498)، وابن عدي (3/ 1014)، وتارة عن أبي عشانة (حي بن يؤمن) رواه الطبراني في "الكبير" (17/ 857) مع أن إسنادي القطيعي والطبراني واحد!! على كل حال هذا تخليط من ابن لهيعة لا يضر، فالعمدة على ما سبق.
والحديث عزاه ابن حجر في "فتح الباري" (7/ 51) لابن حبان، ولم أجده في "صحيحه".
وفي الباب عن عصمة: رواه الطبراني في "الكبير" (17/ 475)، قال في "المجمع" (9/ 68)، وفيه الفضل بن المختار، وهو ضعيف، وعن أبي سعيد الخدري: رواه الطبراني في "الأوسط" -ولم أظفر به في طبعتيه- كما في "المجمع"، وفيه عبد المنعم بن بشير، وهو ضعيف.
وفي الباب أيضًا عن أبي هريرة وابن عمر وبلال، خرجتها في تعليقي على "المجالسة" (2/ 86 - 90).
(3) رواه ابن عدي (4/ 1511) -ومن طريقه ابن عساكر (99 - ترجمة عمر) وابن الجوزي في "الموضوعات" (1/ 320) - من طريق عبد اللَّه بن واقد: قال حدثنا حيوة بن شريح عن بكر بن عمرو عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر.
ونقل ابن الجوزي عن ابن معين وأحمد أنهما قالا في عبد اللَّه بن واقد: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك. =
(6/10)

الوجه الحادي والثلاثون: ما روى إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن عليًا -رضي اللَّه عنه- (1) قال: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر (2)، ومن المحال
__________
= أقول: وقال أحمد أيضًا: رجل صالح، ويشبه أهل النسك والخير إلا أنه ربما أخطأ، وقال البخاري: سكتوا عنه، إلا أن السيوطي حاول في "اللآلئ المصنوعة" (1/ 302) أن يقوي حاله كعادته!!
وقد لخص ابن عدي حاله فقال: ليس هو ممن يتعمد الكذب، إلا أنه يحمل على حفظه فيخطئ. . . وله غرائب غير ما ذكرت.
ومما يدل على سوء حفظ هذا الرجل أن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ رواه عن حيوة بن شريح عن مشرح بن هاعان عن رجل عن عقبة، رواه القطيعي في "زوائده على فضائل الصحابة" لأحمد (676)، وعبد اللَّه هذا من الثقاث المشهورين فزاد رجلًا مبهمًا.
وللحديث إسناد آخر: رواه ابن عدي في "الكامل" (3/ 1071) -ومن طريقه ابن عساكر (101 - ترجمة عمر) وابن الجوزي (1/ 320) - من طريق زكريا بن يحيى الوقار: حدثنا بشر بن بكر عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن عفيف بن الحارث عن بلال به مرفوعًا.
وزكريا هذا هو أبو يحيى قال فيه صالح جزرة: كان من الكذَّابين الكبار، وقال ابن عدي: له حديث كثير بعضها موضوعات، وكان يتهم بوضعها. . .
أما السيوطي فحاول أن يحسن من حاله!!!
ثم ذكر السيوطي له طريقين آخرين:
قال المعلمي في "تعليقه على الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص 337): في أسانيدهما جماعة لم أعرفهم، وفي الأولى عبد اللَّه بن واقد، وقد مر ذكره، وفي الثانية إسحاق بن نجيح الملطي، وهو كذاب.
أقول: فالحديث لا يصح، لكن لا يبلغ أن يكون موضوعًا، وما بين المعقوفتين من (ك).
(1) في المطبوع: "كرم اللَّه وجهه".
(2) رواه من هذا الطريق: عبد اللَّه بن أحمد في "زياداته على فضائل الصحابة" (310، 470)، والقطيعي في "زوائده" (523)، و (601) و (614) و (627)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 461، 462) وأبو عروبة الحراني في "حديثه" (ق 63/ أ) أو (رقم 36) وأبو نعيم في "الحلية" (4/ 328 و 8/ 211) والبيهقي في "المدخل" (رقم 67) والخطابي في "غريب الحديث" (2/ 258)، والبغوي (3877) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (13/ ق 15)، وأبو الخير القزويني في "الأربعين في فضائل عمر بن الخطاب" (ق 55/ أ) من طرق عن إسماعيل به، وإسناده صحيح.
ورواه ابن أبي شيبة (12/ 23) والقطيعي في "زوائده" (634) من طريق الشيباني وإسماعيل به.
ورواه القطيعي (711) من طريق أبي إسماعيل عن الشعبي به، وفيه زيادة، وأبو إسماعيل هذا كثير النواء الضعيف. =
(6/11)

أن يكون من بعدَهُ من المتأخرين أسعدَ بالصواب منه في أحكام اللَّه تعالى (1)، ورواه عمرو بن ميمون عن زرّ عن علي -رضي اللَّه عنه-.
الوجه الثاني والثلاثون: ما رواه واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود [-رضي اللَّه عنه-] (2) قال: ما رأيت عمر إلا وكأنّ بين عينيه مَلَكًا يسدده (3)، ومعلوم قطعًا أن هذا أولى بالصواب ممن ليس بهذه المَثَابة.
الوجه الثالث والثلاثون: ما رواه الأعمش عن شقيق قال: قال عبد اللَّه (4): [واللَّه] (5) لو أن علم عمر وُضعَ في كفة ميزان، وجُعل علم أهل الأرض في كفّة لرجَحَ علم عمر، فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: قال عبد اللَّه: [واللَّه] (5) إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم (6)، ومن أبعد الأمور أن يكون المخالف لعمر بعد انقراض عصر الصحابة أولى بالصواب منه في شيء من الأشياء.
الوجه الرابع والثلاثون: ما رواه ابن عيينة، عن عبيد اللَّه (7) بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سُئل عن شيء، وكان في القرآن أو السنة قال به، وإلا قال بما
__________
= وأما رواية زر عن علي فرواها عبد الرزاق في "مصنفه" (11/ 222) (20380)، ومن طريقه القطيعي (522) من طريق معمر عن عاصم عن زر عن علي به، وهذا إسناد حسن.
ورواه أحمد في "مسنده" (1/ 106)، وابنه عبد اللَّه في "زوائده على الفضائل" (رقم 50) من طريق الثمعبي عن وهب السُّوائي عن علي، وفيه زيادة، وإسناده جيّد.
(1) في (ق) و (ك): "عز وجل".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) طريق واصل الأحدب: رواها الطبراني في "المعجم الكبير" (8832)، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (69) وأبو نعيم في "تثبيت الإمامة" (رقم 88) عن أبي وائل به.
وسقط ابن مسعود من إسناد الطبراني، قال الهيثمي (9/ 72): رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح.
ورواه القطيعي في "زوائده على فضائل الصحابة" (306)، والطبراني في "الكبير" (8833) من طريق سلمة بن كهيل عن أبيه عن أبي وائل به.
ورواه الطبراني (8831) من طريق القاسم عن ابن مسعود.
(4) هو "عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه-" (س).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) سبق تخريجه.
(7) في (د): "عبد اللَّه"وقال: "في نسخة: "عببد اللَّه بن أبي يزيد"، وليس بصواب"!!.
قلت: وهو المثبت في (ق) و (ك) وهو الصحيح.
(6/12)

قال به أبو بكر وعمر، فإن لم يكن قال برأيه (1).
فهذا ابن عباس -واتِّباعه للدليل وتحكيمه للحجة معروف، حتى [إنه] (2) يخالف لما قام عنده من الدليل أكابرَ الصحابة- يجعل (3) قول أبي بكر وعمر حجة يؤخذ بها بعد قول اللَّه ورسوله، ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة.
الوجه الخامس والثلاثون: ما رواه منصور، عن زيد بن وهب، عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رضيتُ لأمتي ما رضي لها ابنُ أم عبد" (4)، كذا رواه يحيى بن يعلى المحاربي عن زائدة (5) عن منصور، والصواب ما رواه إسرائيل وسفيان عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلًا ولكن قد روى جعفر بن عون (6) عن المسعودي عن جعفر بن عمرو بن حُريث (7) عن أبيه قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لعبد اللَّه بن مسعود: "اقرأ عليَّ" قال: أقرأ [عليك] (8) وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فافتتح سورة النساء حتى إذا بلغ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] فاضَتْ عينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وكفَّ عبدُ اللَّه [بن مسعود] (9)، فقام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وتكلَّم فحمد اللَّه [وأثنى عليه] (8) في أول كلامه وأثنى على اللَّه، وصلّى على نبيه (10) -صلى اللَّه عليه وسلم-، وشهد شهادة الحق، وقال: "رضينا (11) باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا ورضيت لكم ما رضي [لكم] (8) ابن أم عبد" (12)، ومن قال: ليس قوله بحجة،
__________
(1) رواه الدارمي في "المقدمة" (1/ 59) وابن أبي شيبة (7/ 242) -ومن طريقه ابن حزم في "الإحكام" (5/ 768) - وابن سعد (2/ 366)، والحاكم (1/ 127)، والبيهقي (10/ 115) والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 203) وابن عبد البر في "التمهيد" (2/ 71)، من طريق ابن عيينة به وإسناده صحيح.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق): "ثم يجعل".
(4) سبق تخريجه قريبًا.
وقال (ط): "هو عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه-".
(5) في المطبوع: "زيد" والمثبت من (ق) و (ك).
(6) كذا في (ق): هو الصواب، وفي سائر النسخ "عوف"!!
(7) وقع في مطبوع "الإعلام": "عمرو بن حريش" بالشين!!
(8) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(10) في (ق) و (ك): "النبي".
(11) في (ق): "رضيت".
(12) رواه الحاكم في "المستدرك" (3/ 319) من طريق محمد بن عبد الوهاب عن جعفر بن عون، عن المسعودي به. =
(6/13)

وإذا خالفه غيره ممن بعده يجوز أن يكون الصواب في قول المخالف [له] (1) لم يَرْضَ للأمة ما رضيه (2) لهم ابن أم عبد، ولا ما رضيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
الوجه السادس والثلاثون: ما رواه أبو إسحاق، عن حارثة بن مُضرِّب قال: كتب عمر -رضي اللَّه عنه- إلى [أهل] (3) الكوفة: "قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا و [عبد اللَّه] (4) بن مسعود معلمًا ووزيرًا وهما من النُّجباء من أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- من أهل بدر، فاقتدوا بهما واسمعوا قولهما وقد آثرتكم بعبد اللَّه على نفسي" (5)، فهذا عمر قد أمر أهل الكوفة أن يقتدوا بعمار وابن مسعود، ويسمعوا قولهما ومن لم يجعل قولَهما حجة يقول: لا يجب الاقتداء بهما ولا سماع أقوالهما إلا فيما أجمعت عليه الأمة، ومعلوم أن ذلك لا اختصاص لهما به، بل فرق فيه بينهما (6) وبين غيرهما من سائر الأمة.
الوجه السابع والثلاثون: ما قاله عُبادة بن الصَّامت وغيره: بايعنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على أن نقول بالحق حيث كنا ولا نخاف في اللَّه لومة لائم (7)، ونحن نشهد باللَّه أنهم وَفَوْا بهذه البيعة، وقالوا بالحق، وصدعوا به، ولم تأخذهم في اللَّه لومة لائم، ولم يكتموا شيئًا منه مخافة سوط ولا عصا (8)، ولا أمير ولا وال كما هو
__________
= وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
أقول: المسعودي اختلط لكن رواية جعفر عنه قبل الاختلاط، كما في "الكواكب النيِّرات".
وأما جعفر بن عمرو فلم يوثقه أحد إلا ابن حبان! لكن روى عنه ثقتان، فمثله قد يُحسّن حديثه، ولا سيما أن لحديثه شاهدًا.
وقد روى أول الحديث إلى قوله: "فاضت عينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-": مسلم في "صحيحه" (800) بعد (248) وما بعده من طريق معن عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه عن ابن مسعود.
وأول الحديث ثابت في "صحيح البخاري" (4582)، و (5049) و (5050) و (5055) و (5056)، ومسلم (800) من حديث ابن مسعود.
وأما قوله: "رضيت لكم ما رضي لكم ابن أم عبد"، فقد أشرنا إلى أنه تقدم تخريجه.
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "و" وسقط من (ك).
(2) في (ق): "رضي به".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) سبق تخريجه.
(6) في (ق): "بل لا فرق بينهما".
(7) رواه البخاري (7200) في (الأحكام): باب كيف يبايع الإمام الناس، ومسلم (1709) في (الإمارة): باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية.
(8) في (ق): "أو عصا".
(6/14)

معلوم لمن تأمله من هديهم (1) وسيرتهم، فقد أنكر أبو سعيد على مروان وهو أمير على المدينة (2)، وأنكر عبادة بن الصامت على معاوية وهو خليفة (3)، وأنكر ابن عمر على الحجاج مع سَطْوته وبأسه، وأنكر على عمرو بن سعيد (4)، وهو أمير على المدينة، وهذا كثير [جدًا] (5) من إنكارهم على الأمراء والولاة إذا خرجوا عن العدل لم يخافوا سَوطهم (6) ولا عقوبتهم، ومن بعدهم لم تكن لهم (7) هذه المنزلة، بل كانوا يتركون كثيرًا من الحق خوفًا من ولاة الظلم وأمراء الجور، فمن المحال أن يوفَّق هؤلاء (8) للصواب ويحرمه أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
الوجه الثامن والثلاثون: ما ثبت في "الصحيح" من حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رقى المنبر فقال: "إن عبدًا خيّره اللَّه بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند اللَّه" فبكى أبو بكر -رضي اللَّه عنه- وقال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا لبكائه أن يُخبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن رجل خُيّر فكان المخيّر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان أبو بكر أعلمنا به (9)، وقال (10) النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن أمَنَّ الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت مُتّخذًا من [أهل] الأرض خليلًا لاتخذتُ أبا بكر خليلًا ولكن أخوةُ الإسلام ومودّته، لا يبقى (11) في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب
__________
(1) في (ق): "لمن تأمل هديهم".
(2) رواه البخاري (956) في (كتاب العيدين): باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، ومسلم (889) في (صلاة العيدين): أوله، من حديث أبي سعيد الخدري.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه (1587) في المساقاة: باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا قصة بين عبادة ومعاوية، وفيها إنكار عبادة على معاوية.
(4) إنكار ابن عمر على الحجاج، أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (رقم 1381) -ومن طرقه ابن أبي الدنيا في "الأمر بالمعروف" (رقم 52) - وإسناده حسن.
وأما الإنكار على عمرو بن سعيد، فظفرتُ أن أبا شريح الخزاعي أنكر عليه، رواه البخاري (104 و 1832 و 4295) ومسلم (1354) وأحمد (4/ 32 و 6/ 385).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ق): "سطوتهم".
(7) في (ق): "لم تكن له".
(8) المتأخرون، ومن المحال أن يكون بين ظهرانيهم منكر في فتيا وغيرها ويقرّونه ولا ينكرونه. (س).
(9) رواه البخاري (466) في (الصلاة): باب الخوخة والممر في المسجد، و (3654) في (فضائل الصحابة): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سدّوا الأبواب إلا باب أبي بكر"، و (3904) في "مناقب الأنصار": باب هجرة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-وأصحابه إلى المدينة، ومسلم (2382) في "فضائل الصحابة": باب من فضائل أبي بكر الصديق.
(10) في (ق): "فقال".
(11) في (ق): "لا يبقيّن".
(6/15)

أبي بكر" (1)، و [من] (2) المعلوم أن فَوْت الصواب في الفتوى لأعلم الأمة برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولجميع الصحابة معه، وظَفَرَ فلان وفلان من المتأخرين بهذا من أمحل المحال (3)، ومن لم يجعل قولَه حجة يُجَوِّزُ ذلك، بل يحكم بوقوعه، واللَّه المستعانُ.
الوجه التاسع والثلاثون: ما رواه زائدة، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبد اللَّه قال: لما قُبض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال (4) الأنصار: منَّا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر، قال: ألستم تعلمون أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر أبا بكر أن يَؤُمَّ الناس؟ قالوا: بلى، قال: فأيكم تطيب نفسُهُ أن يتقدم على أبي بكر؟ فقالوا: نعوذ باللَّه أن نتقدم على أبي بكر (5). ونحن نقول لجميع المفتين: أيكم تطيب نفسه أن يتقدَّم على أبي بكر إذا أفتى بفتوى وأفتى من قلَّدتموه بغيرها؟ ولا سيما مَنْ قال من زعمائكم: إنه يجب تقليد من قلّدناه ديننا ولا يجوز تقليد أبي بكر الصديق [-رضي اللَّه عنه-] (6) اللهم إنا نُشهدكَ أن أنفسنا لا تطيب بذلك، ونعوذ بك أن تطيب به نفسًا (7).
الوجه الأربعون (8): ما ثبت في "الصحيح" [من حديث الزهري] (6)، [عن حمزة بن عبد اللَّه، عن أبيه عن] (9) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "بينما أنا نائم إذ أُتيتُ بقدح لبن، فقيل لي: اشرب، فشربت منه، حتى إني أرى الرِّيَّ يجري في أظفاري (10)، ثم أعطيت فضلتي (11) عمر، قالوا: فما أوَّلت ذلك؟ قال: العلم" (12).
__________
(1) هو مذكور مع الحديث السابق بالإسناد نفسه، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) قال (د): "في نسخة: "به، هذا هو أمحل المحال"".
قلت: وهو المثبت في (ق) و (ك).
(4) في (ق) و (ك): "قالت".
(5) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 21 و 396 و 405)، وفي "فضائل الصحابة" (رقم 190)، وابن سعد (3/ 179)، ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (1/ 454)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم 1159)، والنسائي (2/ 74) في (الإمارة): باب ذكر الإمامة والجماعة، والحاكم (3/ 67)، والبيهقي في "الكبرى" (8/ 152)، وأبو نعيم في "الحلية" (4/ 188) من طريق زائدة به، وهذا إسناد حسن رجاله ثقات، وفي عاصم هو ابن أبي النجود كلام.
وفي (ك): "ان نتقدم أبا بكر".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ق): "أنفسنا".
(8) في (ك): "الوجه الأربعين".
(9) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "عن ابن عمر أن".
(10) في (ق): "يخرج من أظفاري".
(11) في (ك) و (ق): "فضلي".
(12) الحديث في "الصحيحين"، وسبق تخريجه.
(6/16)

ومن أبعد الأشياء أن يكون الصواب مع من خالفه في فتيا أو حكم لا يُعلم أن أحدًا من الصحابة خالفه فيه، وقد شهد له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بهذه الشهادة.
الوجه الحادي والأربعون: ما ثبت في "الصحيح" [من حديث عبد اللَّه بن أبي زيد] (1)، عن ابن عباس [-رضي اللَّه عنهما-] (1): أنه وُضع للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وضوءًا، فقال: من وضع هذا؟ قالوا: ابن عباس، فقال: "اللهم فقهه في الدين" (2)، وقال عكرمة: ضمني إليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "اللهم علمه الحكمة" (2).
ومن المستبعد جدًا بل [من] (3) الممتنع أن يُفتي حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بدعوة مستجابة قطعًا أن يفقِّهه في الدين ويعلّمه الحكمة ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة، ويكون فيها على خطأ، ويفتي واحد من المتأخرين بعده بخلاف فتواه، ويكون الصواب معه، فيظفر به هو ومقلدوه (4)، ويحرمه ابن عباس والصحابة -رضي اللَّه عنهم-.
الوجه الثاني والأربعون (5): أن صورة المسألة ما إذا لم يكن في الواقعة حديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا اختلاف بين الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، وإنما قال بعضهم فيها قولًا وأفتى بفُتيا ولم يعلم أن قوله وفتياه اشتهر (6) في الباقين ولا أنهم خالفوه، وحينئذ فنقول: من تأمَّل المسائل الفقهية، والحوادث الفرعية (7)، وتدَّرب بمسالكها، وتصرَّف في مداركها، وسلك سُبُلها ذللًا، وارتوى من مواردها عللًا (8) ونهلًا (9)، علم قطعًا أن كثيرًا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يُوثق فيها بظاهر مُراد (10)، أو قياس صحيح ينشرح له الصدر ويثلج له الفؤاد، بل تتعارض فيها
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وفي (ك): "عبد اللَّه بن يزيد".
(2) سبق تخريجه.
ووقع في (ق) زيادة: "وعلمه التأويل"، وقال في الهامش: "قوله: "وعلمه التأويل"، قال الحميدي: لم أجد هذه اللفظة في "الصحيحين"، وقد حكاها أبو مسعود، ولم أرها".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في (ق): "ومقلده".
(5) وهو استدلال نظري علمي كما هو ظاهر لمن تأمله (س).
(6) في المطبوع و (ك): "أشهر".
(7) في (ق): "الفروعية".
(8) العلل والتعلل: الشرب مرة بعد مرة، ويراد هنا الأخذ من علوم الفقه، والمداومة عليه (س).
(9) النهل: أول الشرب، أو المرة الأولى (س).
(10) ليس المراد هاهنا ظاهر النصوص البينة، فهذا خارج عن الصورة المفترضة، ويحتمل أن يكون المراد النصوص المجملة أو المشتركة، أو إشارة النص (س).
(6/17)

الظواهر والأقيسة على وجه يقف المجتهد في أكثر المواضع حتى لا يبقى للظنِّ رجحان بيِّن، لا سيما إذا اختلف الفقهاء؛ فإن عقولهم من أكمل العقول وأوفرها (1) فإذا تلدَّدوا (2) وتوقفوا ولم يتقدموا ولم يتأخروا لم يكن [ذلك] (3) في المسألة طريقة واضحة ولا حجة لائحة، فإذا وجد فيها قول لأصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-[ورضي اللَّه عنهم] (3) الذين هم سادات الأمة، وقدوة الأئمة، وأعلم الناس بكتاب ربهم [تعالى] (3) وسنة نبيهم -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ونسبة من بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل والدين كان الظن والحالة هذه بأن الصواب في جهتهم والحق في جانبهم (4) من أقوى الظنون (5) وهو أقوى من [الظن] (6) المستفاد من كثير [من] (3) الأقيسة، هذا ما لا يمتري فيه عاقل منصف، وكان الرأي الذي يوافق رأيهم هو الرأي السداد [الرأي] الذي لا رأي سواه، وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظن راجح ولو استند إلى استصحاب أو قياس علة أو دلالة أو شبه (7) أو عموم مخصوص أو محفوظ مطلق أو وارد على سبب (8)، فلا شك أن الظن الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يخالف أرجح من كثير من الظنون المستندة إلى هذه الأمور أو أكثرها، وحصول الظن الغالب في القلب ضروري (9) كحصول الأمور الوجدانية، ولا يخفى على العالم أمثلة ذلك.
الوجه الثالث والأربعون: أن الصحابي إذا قال قولًا أو حكم بحكم (10) أو
__________
(1) في (ق): "من أكمل العقول وأوفاها".
(2) تحيروا وتلفتوا يمينًا وشمالًا بحثًا عن بينة أو دلالة (س).
وقال (و): "تلفت يمينًا وشمالًا أو تحير".
قلت: وانظر: "لسان العرب" (3/ 390) مادة "لدد" - ط دار الفكر).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وما بين المعقوفتين بعدها من (ق) فقط.
(4) في (ق): "من جانبهم".
(5) وهو ظن راجح يدخل في معنى العلم المتعبد به (س).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(7) جاء في النص "أو دلالة أو شبه" وحذف (أو) أليق بما قبلها (س).
(8) يراد به العام الذي يحتمل التخصيص بسببه ظاهرًا في التخصيص (س).
(9) أي أن التحقق من وجوه الظن الغالب أمر يعلمه الإنسان من نفسه ويدركه ولا يغيب عن معرفته وإحساسه (س).
(10) في (ك): "حكمًا".
(6/18)

أفتى بفتيا فله مدارك ينفرد بها عنَّا، ومدارك نشاركه فيها، فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شفاهًا أو من صحابي آخر عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (1)، فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يُحاط به، فلم يَروِ [كلٌّ منهم كلَّ] (2) ما سمع، وأين ما سمعه الصديق [-رضي اللَّه عنه-] (3) والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة [-رضي اللَّه عنهم-] (3) إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صدِّيقُ الأمة مئة حديث (4) وهو لم يغب عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث [بل قبل البعث] (5) إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله (6) وفعله وهديه وسيرته، وكذلك أجلَّة الصحابة (7) روايتهم قليلة جدًا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم -صلى اللَّه عليه وسلم- ورضي عنهم، وشاهدوه، ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أضعافًا مضاعفة، فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين، وقد روى عنه الكثير، فقول (8) القائل: "لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيءٌ عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لذكره" قولُ (9) مَنْ لم يعرف سِيرَ القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الروايةَ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (10) ويعظِّمونها ويقلِّلونها خوف الزيادة والنقص، ويحدِّثون بالشيء الذي سمعوه من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرارًا، ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (11).
__________
(1) في (ق): "عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "كلهم".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) قال أبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (1/ 36): "روى من المتون سوى الطرق: مئة حديث ونيفًا بمراسيلها".
(5) ما بين المعقوفتين مضروب عليه في (ق)، وقبلها في (ك): "مبعثه" بدل "بعث".
(6) في (ق) و (ك): "وبقوله".
(7) في (ق): "جلة الصحابة".
(8) في (ق): "فيقول".
(9) في (ق) و (ك): "وهذا قول".
(10) في (ق): "عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
(11) مثاله:
1 - عن ابن الديلمي قال: "وقع في نفسي شيء من هذا القدر، خشيت أن يفسد عليَّ ديني وأمري، فأتيت أبيَّ بن كعب، فقلت: أبا المنذر، إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر، فخشيت على ديني وأمري فحدثني بشيء من ذلك، لعل اللَّه أن ينفعني. . . " الحديث حتى قال: ولا عليك أن تأتي أخي عبد اللَّه بن مسعود فتسأله، قال: فأتيت عبد اللَّه، فسألته، فذكر مثل ما قال أبيّ، وقال لي: لا عليك أن تأتي حذيفة، فأتيت حذيفة، فسألته، فقال مثل ما قالا، وفال: ائت زيد بن ثابت فاسأله، فأتيت زيد بن ثابت، فسألته، فقال: "سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول، وذكر لي مثل قول أبيّ من حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" صحيح ابن ماجه (1/ 19). =
(6/19)

فتلك الفتوى التي يفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستة وجوه (1):
أحدها: أن يكون سمعها من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (2).
الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه.
الثالث: أن يكون فهمها من آية من كتاب اللَّه فهمًا خفي علينا.
الرابع: أن يكون [قد] (3) اتفق عليها ملؤهم، ولم يُنقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.
الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد (4) به عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور (5) فهموها على طول الزمان من رؤية النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته، وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله بالفعل، فيكون فَهِم ما لا نفهمه نحن (6)، وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب اتباعها.
__________
= فهؤلاء ثلاثة من فقهاء أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يفتون بنص الحديث، ولا يصرحون برفعه، حتى صرح زيد -رضي اللَّه عنه- برفعه.
2 - وعند الترمذي أن أبا أمامة -رضي اللَّه عنه- رأى رؤوسًا منصوبة على درج دمشق فقال: "كلاب النار، شرُّ قتلى تحت أديم السماء، خير الناس من قتلوه، ثم قرأ: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} الآية.
قال أبو غالب: قلت لأبي أمامة: (أنت سمعته من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟) قال: (لو لم أسمعه إلا مرة، أو مرتين، أو ثلاثًا أو أربعًا، حتى عد سبعًا: ما حدثتكموه) صحيح الترمذي (3/ 32) [وانظر تخريجه في (5/ 577 - 778)].
وهذا صحابي يخبر بما سمع من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دون تصريح، ولا يصرح بالرواية حتى سئل، وكان سمعه سبع مرات وأكثر (س).
(1) في المطبوع و (ك): "أوجه".
(2) ولم يصرح برفعها (س).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) في (ق): "انفردوا".
(5) في (ق): "أمورها".
(6) مع العلم أن من المقطوع به أنهم لا يجتمعون على ضلالة صغيرة، فضلًا عن كبيرة، فلا يعدم ناطق بالحق، قائم به، مظهر له بين ظهرانيهم، والهمم على نقل فتاويهم وأقوالهم قوية، والدواعي متوفرة، خلافًا لزمن من بعدهم.
أضف أن أقوالهم في بيان الأحكام، وكشف الشبهات، وما تعلق بالدين، سنة شرعية مكملة لمعاني الذكر ودلالات القرآن والسنة، وداخلة في ضمنه، توعد القرآن على اتباع غيرها، ودل عليها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- للخروج من الاختلاف الكثير والفتن والضراء، فلا يجوز أن تجتمغ الأمة على تضييعها ونسيانها، يبعث اللَّه لها الطائفة الناجية المنصورة (س).
(6/20)

السادس: أن يكون فَهِم ما لم يُرِده الرسول (1) -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأخطأ في فهمه، والمراد غير ما فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة، ومعلوم قطعًا أن وقوع احتمال (2) من خمسة أغلب [على الظن] (3) من وقوع احتمال واحد معيَّن، هذا ما لا يشك فيه عاقل [من بعده] (4)، يفيد ظنًا غالبًا قويًا على أن الصواب في قوله دون ما خالفه (5) من أقوال من بعده، وليس المطلوب إلا الظن الغالب، والعمل به متعين، ويكفي العارف هذا الوجه.

فصل [من وجوه فضل الصحابة]
هذا فيما انفردوا به عنا، أما المدارك التي شاركناهم فيها (6) من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أَبرَّ قلوبًا، وأعمق علمًا وأقل تكلّفًا وأقرب إلى أن يوفَّقوا فيها لما لم نوفق له نحن، لما خصَّهم اللَّه [تعالى] (7) به من توقّد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك وسرعته، وقلّة المعارض (8) أو عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرب تعالى (9)، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم (10)، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح
__________
(1) في (ق): "ما لا يرده النبي".
(2) "في أولى المصريتين: "وقوع احتمال الظن من خمسة. . . إلخ"، وكلمة: "الظن" مقحمة كما هو واضح" (د). قلت: وهو المثبت في (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "وذلك".
(5) في (ق): "دون من خالفه".
(6) في (ق) و (ك): "هذا فيما انفرد به عنا، وأما المدارك التي شركناهم فيها".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) فكيف لو رأى ابن القيم من جعل طلب العلم آخر همه، وأرخص مطلوب له، وهام في كل واد، يخطب الدنيا، ويجمع لمهرها ثم يطلب العلم بفضلات الوقت والجهد؟ بل كيف لو رأى من استفرغ قوى فكره في رضا نفسه، واستقصاء لذاته؟؟ وأين موقع هذا وأمثاله من العلم وأهله؟ (س).
(9) هذه بصيرة الإيمان التي لم تفسدها أوهام التقليد، ولم تزعزعها وساوس تقديس الرجال، ولم تغيرها القلوب المرعوبة من تعظيم الرجال بغير حق (س).
(10) وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء (س).
(6/21)

والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين، بل قد غنوا (1) عن ذلك كله، فليس في حقهم إلا أمران:
أحدهما: قال اللَّه [تعالى] (2) كذا، وقال رسوله كذا.
والثاني: معناه كذا وكذا، وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما (3) فقواهم متوفرة (4) مجتمعة عليهما، وأما المتأخرون فقواهم (5) متفرقة، وهممهم متشعبة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول [وقواعدها قد أخذت منها شعبة] (6)، وعلم الإسناد و [أحوال] (6) الرواة [قد أخذ منها] (6) شعبة، وفكرهم في كلام مصنّفيهم وشيوخهم على اختلافهم وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية إنْ كان لهم هممٌ تسافر إليها وصلوا إليها بقلوبٍ وأذهانٍ قد كلَّتْ من السير في غيرها، وأوهن قواها (7) مواصلةُ السرى في سواها، فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب [تلك] (8) القوة، وهذا أمر يحس به الناظر في مسألة إذا استعمل قوى ذهنه في غيرها، ثم صار إليها وَافَاها بذهن كالٍ وقوة ضعيفة (9).
وهذا شأن من استعمل قواه (10) في الأعمال غير المشروعة تَضعُف قوته عند
__________
(1) في (ق): "اغتنوا"، وفي (ك): "أغنوا".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) وما أبعد الفرق بين من تلقى السنة والفقه من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وتلامذته من الصحابة، وبين من تلقاها عبر مئات السنين، فلا وجه للمقارنة بين الطرفين والواسطتين، فهذا من قياس الحدادين على الملائكة كما يقول شيخنا (س).
(4) في (ق): "متوافرة".
(5) في (ق): "فقلوبهم"!
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في المطبوع: "وأوهن قواهم".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ط) و (ق) و (ك).
(9) فكيف من قضى عمره في تحصيل وسائل العلم ومداخله؟ بل في تحصيل أصول علم واحد من هذه العلوم؟ ورغم ذلك يردد بعض الشباب أن الأعرابي كان يجلس ساعة في مجلس رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم ينطلق إلى الجهاد، وكأنه يتصور أن شأن المتعلم في زماننا كشأن الأعرابي عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-! ونشأ بسبب هذا الفهم السطحي العابر تبرم وتأفف جماعات وأفراد ينتسبون إلى دعوة السنة من صرف الوقت والجهد في التعلم والتعليم، وتحقيق المسائل الحديثية والفقهية، أدى إلى زهد وتزهيد في طلب العلم، وإلى عيب أهله ولمزهم، وإلى دفع الشباب إلى حركات هوجاء، لا تقيم وزنًا للرأي العلمي، وتستريب بالتؤدة، وتعدها من مظاهر العطالة والعبث وأحيانًا من العمالة والقعود والتثبيط، وللَّه الأمر من قبل ومن بعد (س).
(10) في المطبوع: "استفرغ قواه".
(6/22)

العمل المشروع، كمن استفرغ قوَّته في السماع الشيطاني فإذا جاء قيام الليل قام إلى ورده بقوة كالّة، وعزيمة باردة، وكذلك من صرف قوى حبِّه وإرادته إلى الصور أو المال (1) أو الجاه، فإذا طالب قلبه بمحبة اللَّه فإن انجذب معه انجذب بقوة ضعيفة قد استفرغها في محبة غيره، فمن استفرغ قوى فكره في كلام الناس، فإذا جاء إلى كلام اللَّه و [كلام] رسوله جاء بفكرة كالَّةٍ (2) فأعطى بحسب ذلك (3).
والمقصود أن الصحابة أغناهم اللَّه تعالى عن ذلك كله (4)، فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط، هذا إلى ما خصوا به من قوى الأذهان وصفائها، وصحتها وسرعة إدراكها (5)، وكماله، وكثرة المعاون، وقلة المعاوق (6)، وقرب العهد بنور النبوة، والتلقي من تلك المشكاة النبوية، فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا وما شاركناهم فيه فكيف نكون نحن أو شيوخنا (7) أو شيوخهم أو من قلَّدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل؟ ومن حدّث نفسه بهذا فليعرِّها (8) من الدين والعلم، واللَّه المستعان (9).
الوجه الرابع والأربعون (10): أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" (11) وقال علي -رضي اللَّه عنه- (12): "لن تخلو الأرض من قائم للَّه بحُجَّة لكيلا تبطل حُجَجُ اللَّه وبيّناته" (13)، فلو جاز أن يخطئ الصحابة في حكم ولا
__________
(1) في (ق): "والمال".
(2) وقد أعفى اللَّه الصحابة من حجب العجمة والتقليد، وبدع الكلام والتصوف، وما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(3) وكم أهلك ضعف التقوى من المسلمين، بل وصرفهم عن الدين بالكلية، فضلًا عن العلم (س).
(4) وعلماء العربية في عصرنا -على قلتهم- كمن ينحت في جلمود أصم، وقل كذلك في علم الحديث، وأصول الفقه (س).
(5) في المطبوع: "وقوة إدراكها"، وأشار (د) إلى نسختنا هذه.
(6) في المطبوع: "وقلة الصارف".
(7) في (ق): "وشيوخهم".
(8) في المطبوع: "فليعزلها"، وفي (ق): "المسألة من المسائل".
(9) هذا واللَّه القول الفصل، وصدق القائل: "قطعت جهيزة قول كل خطيب"، (س).
(10) استكمل فيه الإمام ابن القيم سياق الأدلة على حجية أقوال الصحابة -رضي اللَّه عنهم- (س).
(11) رواه مسلم (1920) في (الإمارة): باب قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تزال طائفة من أمتي. . . " من حديث ثوبان.
(12) في المطبوع: "كرم اللَّه وجهه ورضي عنه".
(13) قطعة من وصية علي -رضي اللَّه عنه- لكميل بن زياد، وتخريجها مطولة في موضع آخر، واللَّه الموفق، وفي (ق): "كيلا" بدل "لكيلا".
(6/23)

يكون في [ذلك] (1) العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الأمة قائم بالحق في [ذلك] (1) الحكم؛ لأنهم بين ساكت ومخطئ، ولم يكن في الأرض قائم للَّه بحجة في ذلك الأمر، ولا من يأمر فيه بمعروف أو ينهى فيه عن منكر، حتى نبغت نابغة فقامت بالحجة وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع.
الوجه الخامس والأربعون: أنهم إذا قالوا قولًا أو بعضهم ثم خالفهم مخالف من غيرهم كان مبتديًا لذلك القول ومبتدعًا له (2)، وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضَّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، [فإن كل بدعة ضلالة"] (3)، وقول من جاء بعدهم يخالفهم من محدثات الأمور فلا يجوز اتّباعهم.
وقال عبد اللَّه بن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (4)، وقال أيضًا: إنَّا نقتدي (5) ولا نبتدي، ونتَّبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر (6)، وقال أيضًا: إياكم والتبدُّع، وإياكم
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "أو مبتدعًا له".
(3) سبق تخريجه، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) أخرجه وكيع في "الزهد" (2/ 590/ رقم 315)، ومن طريقه أحمد في "الزهد" (162)، وابن وضاح في "البدع والنهي عنها" (10، 12، 14)، والدارمي في "السنن" (1/ 69)، وأبو خيثمة في "العلم" (رقم 54)، ومحمد بن نصر في "السنة" (ص 81)، والطبراني في "المعجم الكبير" (9/ 168 رقم 8770)، والأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (ق 51/ 2/ ورقم 460 من المطبوع)، وبحشل في "تاريخ واسط" (ص 198 - 199) وابن بطة في "الإبانة" (رقم 175)، واللالكائي في "شرح أصول اعئقاد أهل السنة والجماعة" (1/ 86/ رقم 104)، والبيهقي في "المدخل" (رقم 204) وابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص 16 - 17) كلهم من طريق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود به.
وعند بعضهم مختصرًا، وإسناده صحيح، وانظر لآخره ما سيأتي قريبًا، وروي عن ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا.
قال الهيثمي في "المجمع": (1/ 181): ورجاله رجال الصحيح. وصحح إسناده شيخنا الألباني في تعليقه على "العلم".
(5) في (ق): "إنا لنقتدي".
(6) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 147) واللالكائي في "السنة" (105، 106) من طريقين عن ابن مسعود، وجعله الهروي في "ذم الكلام" (رقم 337 - ط الغرباء ورقم 330 - ط الشبل) عن المسيب بن رافع قوله.
(6/24)

والتنطُّع، وإياكم والتعمق، وعليكم [بالدين] العتيق (1)، وقال أيضًا: أنا لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال، أمور تكون من كُبرائكم، فأيما مُرَيّة أو رُجيل (2) أدرك ذلك الزمان فالسّمتَ الأول، فالسمتَ (3) الأول، فإنا اليوم على السنة (4).
وقال أيضًا: [و] (5) إياكم والمحدثات؛ فإن شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (11/ 252/ رقم 20465)، والدارمي في "السنن" (1/ 54)، والطبراني في "الكبير" (9/ 189/ رقم 8845)، والبيهقي في "المدخل" (رقم 387)، وابن حبان في "روضة العقلاء" (ص 37)، وابن وضاح في "البدع" (رقم 60)، وابن بطة في "الإبانة" (رقم 168، 169، 192)، وابن نصر في "السنة" (88)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 43 أو 1/ 167/ رقم 156 - ط دار ابن الجوزي)، والبيهقي في "المدخل" (387)، واللالكائي في "السنة" (1/ 87/ رقم 108)، وابن عبد البر في "الجامع" (1/ 592/ رقم 1017 - مختصرًا معلقًا) من طرق عن أبي قلابة عبد اللَّه بن زيد عن ابن مسعود.
ورجاله ثقات، إلا أن أبا قلابة لم يسمع من ابن مسعود، قاله الهيثمي في "المجمع" (1/ 126).
وقال البيهقي: "هذا مرسل، وروي موصولًا من طريق الشاميين".
قلت: رواه عن ابن مسعود أبو إدريس الخولاني عند البيهفي "المدخل" (رقم 388)، وإسناده صحيح.
وورد عن معاذ قوله: أخرجه الهروي في "ذم الكلام" (3/ 201 رقم 537 - ط - الشبل)، وابن وضاح في "البدع" (ص 32 - 33).
(2) "تصغير رجل وامرأة" (و)، ووقع في (ق): "فأيما امرأة أو رجل".
(3) "السَّمت هنا: الطريق" (و).
(4) رواه الدارمي (1/ 71): أخبرنا عبد اللَّه بن محمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن واصل عن عائذة قالت: رأيت ابن مسعود يوصي الرجال والنساء ويقول: "من أدرك منكن من امرأة أو رجل فالسمت الأول، السمت الأول، فإنا على الفطرة".
وهذه المرأة لم أعرفها، وجعلها ابن حجر في "إتحاف المهرة" (10/ 553) عائدة، بالدال المهملة، وترجمها ابن سعد في "طبقاته" وذكر أنها من بني أسد، ووقع عند اللالكائي (رقم 107) عاتكة بنت جزء! وأوردا لها هذا الأثر مسندًا من طريق واصل عنها، وذكر الذهبي في "الميزان" عن النساء بعامة: "لا أعلم من اتهمت ولا تركت "وقد توبعت على معناه، فقد ثبت من طرق عن ابن مسعود: "إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6/25)

ضلالة (1)، وقال أيضًا: اتبع ولا تبتدع، فإنك لن تضل ما أخذت بالأثر (2).
__________
(1) أخرجه ابن ماجه في "السنن" (رقم 46) -واللفظ له-، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم 25)، والطبراني في "الكبير" (9/ 99 رقم 8519)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (3/ 385)، واللالكائي في "السنة" (رقم 84) من طريق موسى بن عقبة، والدارمي في "السنن" (رقم 2718)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (2/ 263 - 264/ رقم 1325)، والبزار في "البحر الزخار" (5/ 438/ رقم 2076)، والطبراني في "الكبير" (9/ 99/ رقم 8520) من طريق إدريس بن يزيد الأودي كلاهما عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود رفعه مطولًا.
وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد اللَّه السبيعي، اختلط، ورواية موسى بن عقبة عنه قبل الاختلاط، فالإسناد حسن.
قال ابن تيمية في "بيان الدليل" (ص 173): "رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم بأسانيد جيّدة" ثم ذكره موقوفًا، وجوده، وقال: (ص 174): "المشهور أنه موقوف على ابن مسعود".
قلت: أخرج الموقوف من طرق عن ابن مسعود: البخاري في "الصحيح" (كتاب الأدب، باب في الهدي الصالح، رقم 6098) و (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسُنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رقم 7277) (مختصرًا)، وفي "خلق أفعال العباد" (رقم 97 - مختصرًا جدًا)، والدارمي في "السنن" (1/ 69)، والبزار في "البحر الزخار" (5/ 418، 423/ رقم 2051، 2055، 2056) مطولًا، والطبراني في "الكبير" (9/ 98/ رقم 8518، 8521 - 8524، 8531)، وابن وضاح في "البدع" (رقم 57، 58)، والبيهقي في "المدخل" (رقم 785)، و"الأسماء والصفات" (ص 189) أو (رقم 241 - ط الحاشدي)، وابن عبد البر في "الجامع" (2/ 181 أو 2/ 1162/ رقم 2301 - ط ابن الجوزي)، وعثمان الدارمي في "الرد على الجهمية" (رقم 305)، واللالكائي في "السنة" (رقم 85). ورجاله موثوقون كما في "المجمع" (1/ 128).
والحديث المرفوع عند ابن ماجه طويل، ومنه قطعة -ليس فيها الشاهد- عند مسلم في "الصحيح" (كتاب البر والصلة، باب تحريم النميمة/ رقم 2606)، من طريق شعبة عن أبي إسحاق به.
ومن الطريق نفسه عند أحمد في "المسند" (1/ 410، 430، 437) بأطول منه.
وأخرجه (1/ 423) من طريق معمر عن أبي إسحاق به، دون موطن الشاهد. ورفع شعبة ومن تابعه المرفوع، وجعل غيره كلام ابن مسعود في خطبته ضمن المرفوع، ولم يفصلوا بينهما!! "وقول شعبة ومن تابعه أولى بالصواب"، قاله الدارقطني في "العلل" (5/ 323 - 324/ رقم 916). وانظر: "الاعتصام" (1/ 100 - 102) وتعليقي عليه.
ووقع في (ق): "وإن كل بدعة ضلالة".
(2) أخرجه الدارمي في "السنن" (160)، وابن وضاح في "البدع" (رقم 94)، والبيهقي في "المدخل" (190)، والهروي في "ذم الكلام" (رقم 280 - مكتبة الغرباء)، وابن حزم في "الإحكام" (6/ 782)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 183 أو 1/ 458/ رقم 488 - =
(6/26)

وقال ابن عباس -رضي اللَّه عنه-: كان يقال: عليكم بالاستقامة والأثر، وإياكم والتبدع (1).
وقال شُرَيح: إنما أقتفي الأثر، فما وجدتُ قد سبقنا إليه غيركم حدثتكم به (2).
وقال [إبراهيم] (3) النخعي: [لو] (4) بلغني عنهم -يعني: الصحابة- أنهم لم يجاوزوا بالوضوء ظفرًا (5) ما جاوزته به، وكفى على قوم إزراءً (6) أن تخالف أعمالُهم أعمالَ أصحاب نبيهم [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (7).
وقال عمر بن عبد العزيز: "إنه لم يبتدع الناس بدعة إلا وقد مضى فيها ما هو دليل وعبرة فيها (8)، والسنة إنما سنَّها (9) مَنْ علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحُمق والتَّعمُّق، فارْضَ لنفسك ما رضي القوم [لأنفسهم] " (10) وقال
__________
= ط دار ابن الجوزي) من طريق الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن عباس (فذكره).
قلت: وسنده ضعيف؛ فإنه منقطع بين عبدة وابن عباس.
(1) أخرجه الدارمي في "السنن" (رقم 141)، وابن وضاح في "البدع" (رقم 61) وابن بطة في "الإبانة" (157) والهروي في "ذم الكلام" (رقم 334) وابن أبي زمنين في "السنة" (رقم 12) والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 173) من طريق زمعة بن صالح عن عثمان بن حاضر عن ابن عباس به.
قلت: وسنده ضعيف؛ زمعة بن صالح ضعيف، وانظر: "التهذيب" لابن حجر (3/ 338 - 339). لكن رواه ابن نصر في "السنة" (رقم 83)، ثنا محمد بن يحيى، أنبأ أبو حذيفة، ثنا سفيان عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس به.
قلت: وسنده ضعيف؛ لضعف أبي حذيفة -وهو موسى بن مسعود النهدي- قال الحافظ في "التقريب" (7010): "صدوق سيء الحفظ، وكان يصحف" فالأثر حسن بمجموع طريقيه، واللَّه أعلم.
(تنبيه): ورد في بعض المصادر "إياكم والبدع"! وذكرهُ البغوي في "شرح السنة" (1/ 214)، وأبو شامة في "الباعث" (ص 70 - بتحقيقي)، والسيوطي في "الأمر بالاتباع" (ص 61 - بتحقيقي).
(2) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (رقم 1455) وإسناده صحيح، وفي (ك): "أفتي" بدل "أقتضي".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ط).
(5) في (ق): "الظفر".
(6) في المطبوع و (ك): "وزرا".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (ق): "دليل وخيره منها". وفي سائر النسخ: "وعبرة منها".
(9) في (ق): "ما سنها إلا" وفي (ك): "ما أسنها"، وفي سائر النسخ: "ما استنها إلا" والمثبت من مصادر التخريج.
(10) أخرجه أبو داود (4612) وابن وضاح في "البدع" (رقم 74) وأبو نعيم في "الحلية" =
(6/27)

أيضًا: "قف حيث وقف القوم، وقل كما قالوا، واسكت عما (1) سكتوا، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر ناقد كَفُّوا، وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، [أي] (2) فلئن كان الهدى ما أنتم عليه فلقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: حَدَثَ بَعْدهم فما أحدثه إلا من سلك غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، وإنهم لهُم السابقون، ولقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصِّر، ولا فوقهم محسِّر (3)، ولقد قصر عنهم قوم فجفوا، وطمح آخرون [عنهم] (2) فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم" (4).
وقال أيضًا كلامًا كان مالك بن أنس وغيره من الأئمة يستحسنونه ويحدثون به دائمًا، قال: "سنّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وولاة (5) الأمر بعده سننًا الأخذُ بها تصديق لكتاب اللَّه واستكمال لطاعته وقوة على دينه، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سنّوا فقد اهتدى (6)، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولّاه اللَّه ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا" (7).
__________
= (5/ 338) وابن بطة في "الإبانة" (رقم 163)، واللالكائي في "السنة" (رقم 106) وأورده ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (1/ 70) والشاطبي في "الاعتصام" (1/ 63 - بتحقيقي).
(1) في المطبوع: "كما" والمثبت من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك)، والعبارة في (ق): "وبالفضل عما كان فيه أحرى. . . ".
(3) كذا في (ق): "محسر" بالحاء المهملة، وفي سائر النسخ بالجيم، وعند ابن وضاح: "محصر".
(4) قطعة من الأثر السابق.
(5) كذا في (ق) و (ك) وفي سائر الأصول: "لولاة"!
(6) في (ق): "فمن اقتدى بها اهتدى".
(7) أخرجه الآجري في "الشريعة" (ص 48، 65، 306)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (3/ 386) ومن طريقه اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (1/ 94 رقم 134)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 73)، وابن بطة في "الإبانة" (1/ 352 - 353/ رقم 230، 231)، وابن عبد البر في "الجامع" (2/ 1176/ رقم 2326)، والهروي في "ذم الكلام" (ص 107، 199)، والمروزي في "السنة" (31)، وابن الجوزي في "سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز" (84)، وهو صحيح.
هذا الكلام المذكور كان مالك يعجبه ويتحدث به كثيرًا هو وغيره من الأئمة كما ذكره الشاطبي في "الاعتصام" (1/ 144 - بتحقيقي) وشرحه شرحًا وافيًا وعلَّق عليه بكلامٍ متين، وفيه: "ومن كلامه -أي: عمر بن عبد العزيز- الذي عُني به ويحفظه العلماء، وكان يُعجب مالكًا جدًّا. . . " وساقه، وانظر "الموافقات" (3/ 30) و (4/ 461 - بتحقيقي).
(6/28)

ومِنْ هنا أخذ الشافعي الاحتجاج بهذه الآية على أن الإجماع حجة (1).
وقال الشعبي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإِياك وآراء الرجال وإن زَخْرَفوا لك القول (2)، وقال أيضًا: ما حدثوك به عن أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- فخذه، وما حدثوك [به] (3) عن رأيهم فانبذه في الحشِّ (4).
قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم، وقل بما قالوا، وكفَّ عما كفوا، ولو كان هذا خيرًا ما خُصصتم به دون أسلافكم؛ فإنهم لم يدخر عنهم خير [خبِّئ لكم دونهم لفضل عندكم] (5)، وهم أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ورضي عنهم الذين اختارهم [اللَّه] (6) له وبعثه فيهم ووصفهم فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] (7)} الآية (8).
الوجه السادس والأربعون: أنه لم يزل أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بما هذا سبيله من فتاوى الصحابة وأقوالهم، ولا ينكره منكر منهم،
__________
(1) انظر: "أحكام القرآن" للبيهقي (1/ 39 - 40، دار الكتب العلمية) فقد نقل استدلال الشافعي بالآية على حجية الإجماع وقوله فيها.
(2) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (رقم 2077) والآجري في "الشريعة" (رقم 127) والهروي في "ذم الكلام" (رقم 120 و 324) عن الأوزاعي وليس الشعبي، وإسناده حسن، انظر: "مختصر العلوم" (ص 138).
في (ك): "وان زخرفوها لك بالقول".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) رواه عبد الرزاق (11/ 256) والهروي في "ذم الكلام" (رقم 1419) وابن عبد البر في "الجامع" (رقم 1438)، وإسناده صحيح، والحش: هو النخل المجتمع أو البستان، ويكنى به عن مواضع الغائط؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، انظر: "اللسان" (6/ 286 - مادة حش/ دار الفكر)، وفي (ط) نحوه مختصرًا.
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "حتى يكون لكم الفضل دونهم".
(6) ما بين المعقوفتين من (ك).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) أخرجه الأصبهاني في "الحجة" (ق 7/ ب - 8/ أ) واللالكائي في "السنة" (1/ 154 - 155) والآجري في "الشريعة" (ص 58) والخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (ص 7) والبيهقي في "المدخل" (رقم 233) والهروي في "ذم الكلام" (رقم 924) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 144)، وابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص 8 - 9) وإسناده صحيح وذكره الذهبي في "السير" (7/ 120) والسيوطي في "الأمر بالاتباع" (ص 49). وهذه الآثار التي ساقها عن أئمة السلف تدل معانيها على أنها مقتبسة من مشكاة النبوة، ومن أنوار الوحي، (س).
(6/29)

وتصانيف العلماء شاهدة بذلك، ومناظراتهم ناطقة به.
قال بعض علماء المالكية: أهل الأعصار مجمعون على الاحتجاج بما هذا سبيله، وذلك مشهور في رواياتهم وكتبهم ومناظراتهم واستدلالاتهم، ويمتنع والحالة هذه إطباق هؤلاء (1) [كلهم] (2) على الاحتجاج بما لم يشرع اللَّه ورسوله الاحتجاج به ولا نصبه دليلًا للأمة، فأي كتاب شئت من كتب السلف والخلف المتضمنة للحكم والدليل وجدت فيه الاستدلال بأقوال الصحابة، ووجدت ذلك طرازها وزينتها، ولم تجد فيها قط ليس قول أبي بكر وعمر حجة، ولا يُحتج بأقوال أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- و [لا] (3) فتاويهم، ولا ما يدل على ذلك، وكيف يطيب قلب عالم [أن] (4) يقدّم على أقوال من وافق ربه تبارك وتعالى في غير حكم فقال وأفتى بحضرة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ونزل القرآن بموافقة ما قال لفظًا ومعنى قولَ متأخر بعده ليس [له هذه] (5) الرتبة ولا [ما] (6) يدانيها؟ وكيف يظن أحد أن الظن [المستفاد من آراء المتأخرين أرجح من الظن] (7) المستفاد من فتاوى السابقين الأولين الذين شاهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التأويل وكان الوحي [ينزل] (8) خلال بيوتهم وينزل على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو بين أظهرهم؟.
قال جابر: "والقرآن ينزل على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يعرف تأويله، فما عمل به من شيء عملنا به" (9) في حديث حجة الوداع؛ فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله وهديه الذي [هو] (10) يفصِّل القرآن ويفسره، فكيف يكون أحد من الأمة بعدهم أولى بالصواب منهم في شيء من الأشياء؟ هذا عين المحال.
فإن قيل: فإذا كان هذا حكم أقوالهم في أحكام الحوادث، فما تقولون في
__________
(1) انظر كلام الشافعي فيما يأتي، وما حكاه عمن أدركه من العلماء (س)، وفي (ق): "والحال" بدل "والحالة".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(4) ما بين المعقوفتين من (ق).
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "بهذه".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك)، وفي (ق) قبلها: "ليس بهذه الرتبة".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ط).
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "بين".
(9) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الحج): باب في حجة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (رقم 1218).
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6/30)

أقوالهم في تفسير القرآن؟ هل هي حجة يجب المصير إليها؟ (1).
قيل: لا ريب أن أقوالهم (2) في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تفسيرهم في حكم المرفوع، قال أبو عبد اللَّه الحاكم في "مستدركه" (3): وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع. ومراده أنه
__________
(1) قال الشيخ القاسمي رحمه اللَّه: "فصل في أن بيان الصحابة حجة إذا أجمعوا، قال الشاطبي في "الموافقات": "بيان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيان صحيح لا إشكال في صحته؛ لأنه لذلك بعث، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ولا خلاف فيه، وأما بيان الصحابة، فإن أجمعوا على ما بينوه، فلا إشكال في صحته أيضًا كما أجمعوا على الغسل في التقاء الختانين المبين لقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، وإن لم يجمعوا عليه، هل يكون بيانهم حجة أم لا؟ هذا فيه نظر وتفصيل، ولكنهم يترجح الاعتماد عليهم في البيان من وجهين"، وخلاصة هذين الوجهين: تقدمهم في اللسان وتفردهم بتمام معرفة اللغة عن غيرهم، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان صح اعتماده، ومباشرتهم للوقائع وأسباب النزول، وكونهم أقعد في فهم قرائن الحال، فيدركون من ذلك ما لا يدرك غيرهم، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب: "فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعمل عليه صواب".
هذا إن لم ينقل عن أحد منهم خلاف في المسألة، فإن خالف بعضهم فالمسألة اجتهادية "محاسن التأويل" (1/ 102) وانظر "الموافقات" (4/ 127 - 129 - بتحقيقي).
ومن هذا النقل نستفيد فوائد:
1 - تقدير الإمام الشاطبي الاحتجاج بتفسير الصحابة.
2 - موافقة الشيخ القاسمي له بنقل كلامه والاستدلال به.
3 - إن أجمعوا علبه كان حجة ملزمة، وما اختلفوا فيه جاز الاجتهاد فيه ضمن أقوالهم.
4 - أن أعمال وأقوال الصحابة -رضي اللَّه عنهم- تبين النصوص وتخصص عمومها، وتقيد مطلقها. (س).
(2) في (ق): "قولهم".
(3) ذكر ذلك السيوطي رحمه اللَّه في كتابه "الإتقان" (4/ 181 - ت محمد أبو الفضل)، لكن الذي رأيته في "المستدرك" للحاكم (2/ 258 - ط دار الفكر) في كتاب "التفسير": بعد تفسير قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} قال ابن عباس: "الجن والإنس".
قال الحاكم: "ليعلم طالب هذا العلم [أي التفسير] أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند" وانظره: (1/ 27، 123، 542).
قلت: والحق أن تفسير الصحابي الذي لم يأخذ عن أهل الكتاب مسند فيما يتعلق بسبب النزول، وفيما يفسره إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولًا عن لسان العرب فحكمه الرفع وإلا فلا، وأما إذا فسر آية تتعلق بحكم شرعي، فيحتمل أن يكون =
(6/31)

في [حكمه في] (1) الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه (2) إذا قال الصحابي في الآية قولًا فلنا أن نقول: هذا القول قول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (3)، وله وجه آخر، وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بين لهم معاني القرآن وفسّره لهم (4) كما وصفه اللَّه سبحانه (5) بقوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [لنحل: 44] فبين لهم القرآن بيانًا شافيًا كافيًا، وكان إذا أشكل على أحد منهم معنًى سأله عنه فأوضحه [له] (6) كما سأله الصِّدِّيق عن قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] فبيَّن له المراد (7)، وكما سأله الصحابة عن قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] فبيَّن لهم معناها (8)، وكما سألته أم سلمة عن قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 8] فبين لها أنه العرض (9)، وكما سأله عمر عن الكلالة [فأحاله على] آية الصَّيف التي في آخر السورة (10)، وهذا كثير جدًا، فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن
__________
= ذلك مستفادًا عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وعن القواعد، فلا يجزم برفعه، وكذا إذا فسر مفردًا، فهذا نقل عن اللسان خاصة، فلا يجزم برفعه، وهذا التحرير هو معتمد خلق كثير من كبار الأئمة، كصاحبي "الصحيح" والإمام الشافعي، والطبري، والطحاوي، وابن مردويه، والبيهقي وابن عبد البر في آخرين، ونقل مذهب الحاكم: العراقي في "شرح ألفيته" (1/ 132) وابن حجر في "النكت على كتاب ابن الصلاح" (2/ 531) وتعقبه بما ذكرناه، واللَّه الموفق.
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "حكم".
(2) قال (د): "في نسخة: "لأنه إذا. . . إلخ ""، وفي (ق): "والاحتجاج به لا أنه".
(3) ذكر الشيخ القاسمي رحمه اللَّه في "محاسن التأويل" أن الحاكم قيد في "علوم الحديث" ما أطلقه في "المستدرك" فقال: "ومن الموقوفات: تفسير الصحابة، وأما من يقول إن تفسير الصحابة مسند، فإنما يقوله فيما فيه سبب النزول"، انظر: "محاسن التأويل" (1/ 7)، وهذا هو الأقرب فإن إطلاق القول الأول بالفرق بين تفسير الصحابي، والتفسير المأثور عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (س).
(4) في (ق): "وميزه لهم".
(5) في المطبوع: "كما وصفه تعالى".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) سبق تخريجه.
(8) سبق تخريجه.
(9) روى ذلك البخاري (103) في (العلم): باب من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه، و (4939) في تفسير سورة {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)}، و (6536 و 6537) في (الرقاق): باب من نوقش الحساب عذب، ومسلم (2876) في (الجنة وصفة نعيمها): باب إثبات الحساب، من حديث عائشة، وليس من حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-، وقد ذكر ذلك في الهامش (ق) فقال: "الذي في "الصحيح" أن السائلة عائشة -رضي اللَّه عنها-".
(10) رواه مسلم (1617) في (الفرائض): باب ميراث الكلالة، من حديث عمر بن الخطاب، وبدل ما بين المعقوفتين في (ك): "فأجابه عن".
(6/32)

فتارة ينقلونه عنه بلفظه، وتارة بمعناه، فيكون ما فسَّروه (1) بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها وتارة بمعناها، وهذا أحسن الوجهين، واللَّه أعلم.
فإن قيل: فنحن نجد لبعضهم أقوالًا في التفسير تخالف الأحاديث المرفوعة الصحاح، وهذا كثير، كما فسَّر ابن مسعود الدخان بأنه الأثر الذي حصل عن الجوع الشديد والقحط (2)، وقد صح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه دخان يأتي قبل يوم القيامة يكون من أشراط الساعة مع الدابة والدَّجال وطلوع الشمس من مغربها (3)، وفسر عمر بن الخطاب قوله [تعالى] (4): {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6] بأنها للبائنة والرجعية، حتى قال: لا ندع كتابَ ربنا (5) لقول امرأة (6). مع أن السنة الصحيحة في البائن تخالف هذا التفسير (7)، وفسَّر علي بن أبي طالب (8)، قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] أنها عامة في الحامل والحائل، فقال: تعتد أبعد الأجلين (9)، والسنة
__________
(1) في المطبوع: "ما فسروا".
(2) أخرجه البخاري في عدة مواضع من "الصحيح" منها: "كتاب التفسير": في تفسير سورة الروم (8/ 511/ رقم 4774)، وباب {يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} (8/ 571/ رقم 4821)، وباب {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} (8/ 573 /رقم 4822)، وباب {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ} (8/ 573 /رقم 4823)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم): باب الدخان (4/ 2155 - 2157/ رقم 2798) عن ابن مسعود.
(3) روى مسلم في "صحيحه" (2947) في (الفتن وأشراط الساعة): باب في بقية من أحاديث الدجال عن أبي هريرة مرفوعًا: "بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها أو الدخان".
روى أيضًا (2901) في (الآيات التي تكون قبل الساعة) من حديث حذيفة بن أسيد مرفوعًا: "إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خَسْفٌ بالمشرق. . . والدخان".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق): "كتاب ربنا وسنة نبينا".
(6) رواه مسلم في "الصحيح" (كتاب الطلاق): باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها (2/ 1117/ 1480 [46])، وتفسير عمر إنما هو لآية: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} كما هو مبين في الحديث نفسه.
(7) هو في نفس الحديث السابق في "صحيح مسلم" (1480) بعد (36) - (51).
(8) في المطبوع زيادة: "كرم اللَّه وجهه".
(9) روى عبد الرزاق (11714)، ومن طريقه الطبراني في "الكبير" (9641) عن معمر والثوري عن الأعمش عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق قال ابن مسعود. . . =
(6/33)

الصحيحة بخلافه (1)، وفسر ابن مسعود قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23] بأن الصفة لنسائكم الأولى والثانية، فلا تحرم أم المرأة حتى يدخل بها (2)، والصحيح خلاف قوله، وأن أم المرأة تحرم بمجرد العقد على ابنتها، والصفة راجعة إلى قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} وهو قول جمهور الصحابة (3)، وفسَّر ابن عباس السجل بأنه كاتب للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسمَّى السجل (4)،
__________
= قال: وبلغه أن عليًا قال: هي آخر الأجلين، ورواه البيهقي (7/ 430) من طريق أبي معاوية عن الأعمش به ثم قال: وعن أبي مسلم عن علي كان يقول: آخر الأجلين.
ورواه سعيد بن منصور (1516) من طريق الأعمش عن مسلم بن صبيح عن علي -رضي اللَّه عنه-. ومسلم بن صبيح لم يسمع من علي.
ورواه سعيد بن منصور (1517)، والطبري (28/ 143) من طريقين عن مغيرة عن الشعبي عن علي به.
وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، المغيرة هو ابن المقسم، وعزا السيوطي في "الدر المنثور" قول علي لابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(1) رواه البخاري (5319) في "الطلاق": باب {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}، ومسلم (1484) في "الطلاق": باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل، من حديث سبيعة الأسلمية.
ورواه البخاري (5318) ومسلم (1485) من حديث أم سلمة.
ورواه البخاري (5320) من حديث المِسور بن مخرمة.
وفي (ك): "تخالفه".
(2) تقدم تخريجه، وفيه رجوع ابن مسعود عن هذا.
وفي (ك): "إلا أن يدخل بها".
(3) وقال الحافظ ابن كثير: "وجمهور العلماء على أن الربيبة لا تحرم بالعقد على الأم، بخلاف الأم، فإنها تحرم بمجرد العقد (1/ 470) (س). وانظر "مسائل أحمد" رواية صالح (2/ 97 رقم 651، 652).
(4) رواه ابن عدي في "الكامل" (7/ 2662)، والطبراني في "الكبير" (12790)، والبيهقي (10/ 126) من طريقين عن يحيى بن عمرو بن مالك النكري سمعت أبي يحدث عن أبي الجوزاء عن ابن عباس فذكره.
وقال ابن عدي: وهذه الأحاديث التي ذكرتها عن يحيى بن عمرو وأحاديث أخر بهذا الإسناد عن يحيى بن عمرو بن مالك مما لا أذكرها وليس ذلك بمحفوظ أيضًا.
فجعل العهدة على يحيى، وهو في حديثه هنا متابع.
فقد رواه أبو داود (2935) في (الخراج): باب في اتخاذ الكاتب -ومن طريقه البيهقي (10/ 126) - والنسائي في "تفسيره" (رقم 355) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" =
(6/34)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= (3/ 1454 رقم 3686)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" (3/ 209) من طريق قتيبة بن سعيد عن نوح بن قيس عن يزيد بن كعب عن عمرو بن مالك به.
ورواه ابن جرير الطبري (17/ 100) من طريق نصر بن علي الجهضمي والنسائي في "التفسير" (رقم 356) وأبو نعيم في "المعرفة" (رقم 3685) من طريق قتيبة بن سعيد كلاهما عن نوح بن قيس عن عمرو بن مالك به، دون ذكر يزيد بن كعب.
أقول: أظن أن الصواب إثبات يزيد بن كعب حيث صرح نوح بالسماع منه فقال: أخبرني يزيد بن كعب، وقد ذكروا في ترجمة نوح أنه يروي عن عمرو بن مالك، لكن نوح توفي سنة (183) أو (184) وعمرو بن مالك مات سنة (129) فينظر في سماعهما من بعض.
ونوح بن قيس لا بأس به، قد أخرج له مسلم.
ويزيد بن كعب مجهول. . . انظر "تهذيب الكمال" (32/ 230).
وأما عمرو بن مالك النُّكْريّ، فقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: "يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه، يخطئ ويُعْرب".
وقد ذكر هذه العبارة ابن حجر في "تهذيب التهذيب" أما في "التقريب" فقال: صدوق له أوهام، وعبارة ابن حبان رحمه اللَّه أدق فيا ليت الحافظ نقلها في "التقريب"، وأما الحافظ الذهبي في "الميزان" و"المغني في الضعفاء" فقال عنه: ثقة!! ولا أدري من أين جاء بهذا التوثيق؟! وفي "الكاشف" له (2/ 87): "وثق" وهذا قوله فيما انفرد ابن حبان بتوثيقه بينما اقتصر في "ديوان الضعفاء" (رقم 3207) على قوله: "قال ابن عدي: كان يسرق الحديث".
وله شاهد من حديث ابن عمر: رواه الخطيب البغدادي (8/ 175)، وابن مردويه، وابن منده -كما في "الإصابة" (2/ 15) - في ترجمة سجل، من طريق حمدان بن سعيد عن ابن نمير عن عبيد اللَّه عن نافع عنه به.
ورواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (3/ 1453 رقم 3684) لكن قال: حمدان بن علي، قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة": إن كان هو ابن علي فهو ثقة معروف واسمه محمد بن علي بن مهران، وكان من أصحاب أحمد، لكن قد رواه الخطيب في ترجمة حمدان بن سعيد من "تاريخه".
أقول: وقد قال الخطيب بعد روايته: "قال البرقاني: قال أبو الفتح الأزدي: تفرد به ابن نمير إن صح".
قال الحافظ ابن حجر متعقبًا: "قلت: ابن نمير من كبار الثقات، فهذا الحديث صحيح بهذه الطرق وغفل من زعم أنه موضوع".
أقول: طريق ابن عباس الأول قد علمت ما فيه، وأما طريق ابن عمر هذا ففيه حمدان بن سعيد هذا، وقد ذكره الخطيب ولم يذكر فيه شيئًا، ومثل هؤلاء المجاهيل يأتي منهم الطامات في العادة، لذلك قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 209): "منكر =
(6/35)

وذلك وهم، وإنما السجل الصحيفة المكتوبة، واللام مثلها في قوله تعالى: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] وفي قول الشاعر (1):
فخرَّ صريعًا لليدين وللفم
أي نطوي (2) السماء كما يُطوى السجل على ما فيه من الكتاب (3)، وهذا كثير جدًا، فكيف يكون تفسير الصحابي حجة في حكم المرفوع؟
قيل: الكلام في تفسيره كالكلام في فتواه سواء [بسواء] (4)، وصورة المسألة هنا كصورتها هناك سواء بسواء، وصورتها أن لا يكون في المسألة نص يخالفه (5)،
__________
= جدًا من حديث نافع عن ابن عمر لا يصح أصلًا، وكذلك ما تقدم عن ابن عباس، من رواية أبي داود وغيره لا يصح أيضًا، قد صرّح جماعة من الحفاظ بوضعه، وإن كان في "سنن أبي داود" منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي، وقد أفردت لهذا الحديث جُزءًا على حدته وللَّه الحمد".
وقال الإمام ابن جرير الطبري: "لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتَّاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- معروفون وليس فيهم أحد اسمه السجل".
ومما يدلل على نكرته ما قاله المصنف في "تهذيب السنن" (4/ 196 - 197): "سمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول: هذا الحديث موضوع ولا يعرف لرسول اللَّه كاتب اسمه السجل قط، وليس في الصحابة من اسمه (السجل)، وكتاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- معروفون، لم يكن فيهم من يقال له السجل" قال: "والآية مكية، ولم يكن لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كاتب بمكة" قال: "والسجل هو الكتاب المكتوب". وانظر: "تفسير الرازي" (22/ 228) و"اللباب" لابن عادل (13/ 614) و"عون المعبود" (8/ 154) و"المصباح المضيء في كتاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" (ص 80 - 81).
أقول: قد لا يتهيأ الحكم على الحديث بالوضع، لكن فيه نكارة كما قال ابن كثير، أما أنه يصحح كما فعل الحافظ ابن حجر ففيه نَظَر؛ واللَّه أعلم.
(1) عزي البيت لأكثر من شاعر فهو في "شرح اختيارات المفصل" (955) و"شواهد المغني" (2/ 562) لجابر بن حني، وفي "الأزهية" (288) للأشعث الكندي، وفي "الأغاني" (16/ 32) لربيعة بن مكدم، وفي "معجم الشعراء" (270) لعصام بن المقشعر، وفي "أدب الكاتب" (511)، و"الجنى الداني" (101)، و"رصف المباني" (221)، و"شرح الأشموني" (2/ 291)، و"مغني اللبيب" (1/ 212) بغير عزو.
وانظر: "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية" (7/ 392).
(2) في المطبوع و (ك): "يطوي".
(3) بعدها في (ك): "والسنة"!!
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(5) يبقى ثمة إشكال في ضابط التفريق بين التفسير أو الفتيا المخالفة للنصوص، وغير المخالف للنصوص، والذي يلوح لي ولست قادرًا على الجزم به أن وجود الاختلاف بين الصحابة في الفتيا أو التفسير هو علامة مخالفة النصوص، إذ يغلب على الظن أن من =
(6/36)

ويقول في الآية قولًا لا يخالفه (1) فيه أحد من الصحابة، سواء علم اشتهاره (2) أو لم يعلم، وما ذكر من هذه الأمثلة فقد فُقد فيه الأمران (3)، وهو نظير ما رُوي عن بعضهم من الفتاوى التي تخالف النص وهم مختلفون فيها سواء.
فإن قيل: لو كان قوله حجة بنفسه لما أخطأ، ولكان معصومًا، لتقوم الحجة بقوله، فإذا كان يفتي بالصواب تارة وبغيره أخرى، وكذلك تفسيره فمن أين لكم أن هذه الفتوى المعينة والتفسير المعين من قسم الصواب؟ إذ صورة المسألة أنه لم يقم على المسألة دليل غير قوله، وقوله ينقسم فما الدليل على أن هذا القول المعين من أحد القسمين ولا بد؟
قيل: الأدلة المتقدمة تدل على انحصار الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة، وهو أنه (4) من الممتنع أن يقولوا في كتاب اللَّه الخطأ المحض، ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به، وهذه الصورة المذكورة وأمثالها قد تكلَّم فيها غيرهم بالصواب، والمحظور إنما هو خُلُوُّ عصرهم عن ناطق بالصواب واشتماله على ناطق بغيره فقط، فهذا هو المحال، وبهذا خَرَجَ الجوابُ عن قولكم: لو كان قولُ الواحد منهم حجة لما جاز عليه الخطأ، فإن قوله لم يكن بمجرده حجة، بل بما انضاف إليه مما تقدم ذكره من القرائن (5).
__________
= المستبعد أن تتحقق مخالفة النص فيما لم يختلفوا فيه، والأمر بحاجة إلى مزيد استقراء وتتبع، واللَّه الموفق (س). قلت: للأستاذ عبد الكريم النملة دراسة قيمة مطبوعة بعنوان "مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف، دراسة نظرية تطبيقية" فانظرها فإنها مفيدة.
(1) في (ق): "يخالف".
(2) في المطبوع: "لشتهاره".
(3) فالأمثلة السابقة خلافية بين الصحابة، كما أن الأقوال الواردة فيها مخالفة للنصوص (س).
وفي (ك): "قد فقد".
(4) في المطبوع: "أن".
(5) فالدليل على انحصار الصواب في قوله مترتب على عدة مقدمات:
1 - أن القول ليس على خلاف نص ظاهر الدلالة.
2 - أن الصواب لا يعدو جماعة الصحابة لأنهم أولى به، ولو اجتمعوا على تركه لكانوا على ضلالة وهذا محال باطل.
3 - أن غيره من الصحابة لم يخالفه فيه، ولم ينكره عليه، وهذا وجه أول، وجاء في الأثر عن ابن عباس، انظر: "تفسير القرآن العظيم" (1/ 6).
أن التفسير أربعة أنواع: =
(6/37)

فإن قيل: فبعض ما ذكرتم من الأدلة يقتضي أن التابعي إذا قال قولًا ولم يخالفه صحابي ولا تابعي أن يكون قوله حجة (1).
فالجواب: أن التابعين انتشروا انتشارًا لا ينضبط لكثرتهم، وانتشرت المسائل في عصرهم، فلا يكاد يغلب على الظن عدمُ المخالف لما أفتى به الواحد منهم، فإن فرض ذلك فقد اختلف السلف في ذلك، فمنهم من يقول: يجب اتباع التابعي فيما أفتى به ولم يخالفه [فيه] (2) صحابي ولا تابعي، وهذا قول بعض الحنابلة والشافعية (3)، وقد صرح الشافعي في موضع بأنه قاله تقليدًا لعطاء، وهذا من كمال علمه وفقهه -رضي اللَّه عنه- (4)، فإنه لم يجد في المسألة غير قول عطاء (5)، فكان قوله عنده أقوى ما وجد في المسألة، وقال في موضع آخر: وهذا يخرَّج على معنى قول عطاء، والأكثرون يفرقون بين الصحابي والتابعي، ولا يخفى ما بينهما (6) من الفروق، على أن في الاحتجاج بتفسير التابعي عن الإمام أحمد روايتين، ومن تأمَّل
__________
= - وجه تعرفه العرب من لغاتها.
- وتفسير لا يعذر أحد بجهالته.
- وتفسير يعلمه العلماء.
- وتفسير لا يعلمه إلا اللَّه.
فالحجة في الأول معرفة كلام العرب والصحابة أعلم الناس بلغتهم وإليهم المرجع عند الاختلاف.
والثاني: يستوي الناس في العلم به، ولا يتصور فيه خلاف.
والثالث: يرجع فيه إلى الراسخين الذين شهدوا التنزيل، وعرفوا قرائن الحال، ومقاصد الشريعة والسنة التي تفصله وتفسره والصحابة في الذروة من هذه الطبقة، والناس تبع لهم فيها.
والرابع: لا حاجة لأحد فيه في الدنيا.
فتحرر يقينًا أن قول الصحابة في التفسير مقدم على كل قول في كل أنواع التفسير، وهذا وجه ثان (س).
(1) إذا لم يخالف قوله صحابي ووافق دلالة اللغة أو مصلحة مرسلة، أو استصحابًا، أو وصفًا حكم به صحابي فالظاهر وجوب الأخذ به، ووجوبه في غير ذلك يتعلق بالاطمئنان إليه (س).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) انظر: "المسودة في أصول الفقه" (176) و"البرهان في علوم القرآن" (2/ 158) و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (13/ 370) و"الإرشاد" (1/ 396) للخليلي و"الإتقان" (2/ 229) ومقدمة "تفسير ابن كثير" (1/ 15) و"الحجة البالغة" (1/ 118).
(4) في (ق): "رحمه اللَّه".
(5) في (ق): "إلا قول عطاء".
(6) في (ق): "فيهما".
(6/38)

كتب الأئمة ومن بعدهم وجدَهَا مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي (1).
فإن قيل: فما تقولون في قوله (2) إذا خالف القياس؟
قيل: من يقول بأن قوله ليس بحجة (3) فلهم قولان فيما إذا خالف القياس:
أحدهما: أنه أولى أن لا يكون حجة؛ لأنه قد خالف حجَّة شرعية، وهو ليس بحجة في نفسه.
والثاني: أنه حجة في هذه الحال، ويحمل [على] (4) أنه قاله توقيفًا، ويكون بمنزلة المُرْسَل الذي عمل به مُرْسِلُه.
وأما من يقول: إنه حجة (5) فلهم أيضًا قولان:
أحدهما: أنه حجة، وإن خالف القياس، بل هو مقدَّم (6) على القياس،
__________
(1) انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (13/ 368)، و"مقدمة في أصول التفسير" (91) لابن تيمية، و"البرهان" (2/ 58) للزركشي، و"الإتقان" (2/ 229)، و"تفسير القرطبي" (1/ 25)، و"تفسير القاسمي" (1/ 8)، و"تفسير التابعين" (1/ 49 وما بعد).
(2) قول الصحابي، كما هو ظاهر السياق (س).
(3) وقد علمت أن هذا قول محدث لم يؤثر عن أحد من السلف والأئمة الذين يعتد بقولهم، وأن الأدلة على خلافه (س).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) ويتفرع على الاحتجاج بقول الصحابي فيما لا يخالف له أن الصحابة مجتهدون إذ لا حجة في قول غير العالم، وكلمة أئمة السلف مطبقة على الاحتجاج بقول الصحابي وهذا الاحتجاج يدل على أنهم علماء مجتهدون لديهم.
- وأظهر من ذلك في الدلالة تقديم قول الصحابة على القياس، كما هو عند الشافعي نصًا، فالقياس حجة شرعية ولا يعقل تقديم قول غير الحجة.
- ويدل على ذلك عموم النصوص القاضية باتباع الصحابة، دون تفريق بين الصحابة، أو تخصيص للاتباع بفريق منهم دون البقية، وذكر بعضهم في بعض النصوص لا يدل على التخصيص.
- لم يؤثر عن أحد من الأئمة التصريح بتخصيص الاتباع بطائفة من الصحابة بدعوى أن غيرهم غير مجتهد، فالتخصيص محدث.
- إن أدوات الاجتهاد من اللغة ومعرفة الأدلة، ومعرفة مقاصد التشريع وأسباب النزول متوفرة عند الصحابة والتفاوت بينهم في ذلك كالتفاوت بين طبقات العلماء في معرفة النصوص والذكاء، بل إن هذه الأدوات لم تتوفر لجيل إلا عن طريقهم والناس في هذا كله عالة عليهم، ولا يضرهم تتلمذ بعضهم على صحابي، وإلا لزم إبطال علم كل التابعين فمن بعدهم (س).
(6) في (ق): "يقدم".
(6/39)

والنص مقدم عليه، فترتب الأدلة عندهم: القرآن، ثم السنة، ثم قول الصحابي، ثم القياس (1).
والثاني: ليس بحجة؛ لأنه قد خالف دليلًا شرعيًا (2) وهو القياس؛ فإنه لا يكون حجة إلا عند عدم المُعارض، والأوَّلون يقولون: قول الصحابي أقوى من المعارض الذي خالفه هن القياس لوجوه عديدة (3)، والأخذ بأقوى الدليلين متعيّن، وباللَّه التوفيق.

فصل (4) [فوائد تتعلق بالفتوى]
ولنختم الكتاب بفوائد تتعلق بالفتوى.

[أنواع الأسئلة]
الفائدة الأولى: أسئلة السائلين لا تخرج عن أربعة أنواع لا خامس لها (5):
__________
(1) ومن هؤلاء الإمام الشافعي رحمه اللَّه كما تقدم (س)، وفي (ق): "الصحابة" بدل "الصحابي".
(2) في المطبوع و (ك): "قد خالفه دليل شرعي".
(3) من هذه الوجوه إن القياس اجتهاد القائس، وليس بنص، وهو محجوج باجتهاد الصحابي الذي خالف قوله، واجتهاد الصحابي مقدم على اجتهاد غيره.
ومنها أن اجتهاد الصحابي مؤيد بسكوت الصحابة عن مخالفته، وهو شاهد بصوابه، بخلاف اجتهاد القائس، الذي خالف قول الصحابي واقرار الصحابة خلاف قياسه، وتركهم القول بدلالة هذا القياس، وهذا كافٍ في إبطاله لمن رزق فهم منهج السلف، واللَّه الموفق (س).
(4) جاء في بداية النسخة (ت): "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على محمد المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخ الإسلام أحد الأئمة الأعلام شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن أبي بكر الزرعي في آخر كتاب إعلام الموقعين. . . ".
(5) انظر: "الكافية في الجدل" للجويني (ص 77)، و"علم الجذل في علم الجدل" لنجم الدين الطوفي (ص 31)، و"الفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي (2/ 40/ دار الكتب العلمية)، و"المنهاج في ترتيب الحجاج" للباجي (ص 34 - فما بعد- دار الغرب الإسلامي)، و"شرح الكوكب المنير" (4/ 584 - فما بعد)، و"جامع بيان العلم وفضله" (2/ 139 - دار الكتب العلمية)، و"جامع العلوم والحكم" لابن رجب (1/ 240 - 252، مؤسسة الرسالة).
(6/40)

الأول: أن يَسْأل عن الحكم فيقول: ما حكم كذا وكذا؟.
الثاني: أن يسأل عن دليل الحكم.
الثالث: أن يسأل عن وجه دلالته.
الرابع: أن يسأل عن الجواب عن معارضيه (1).
فإن سأل (2) عن الحكم، فللمسئول حالتان؛ إحداهما: أن يكون عالمًا به.
والثانية: أن يكون جاهلًا به فإن كان جاهلًا به حرم عليه الإفتاء، بلا علم، فإن فعل، فعليه إثمه وإثم المُستفتي، فإن كان يعرف في المسألة ما قاله الناس، ولم يتبيَّن له الصواب من أقوالهم، فله أن يذكر له ذلك فيقول: فيها اختلاف بين العلماء ويحكيه إن أمكنه للسائل، وإن كان عالمًا بالحكم فللسائل حالتان:
إحداهما: أن يكون قد حضره وقت العمل وقد احتاج إلى السؤال، فيجب على المُفتي المبادرة على الفور إلى جوابه، فلا يجوز له تأخير [بيان الحكم له] (3) عن وقت الحاجة.
والحالة الثانية: أن يكون قد سأل عن الحادثة (4) قبل وقوعها، فهذا لا يجب على المفتي أن يجيبه عنها، وقد كان السلف الطيّب إذا سئل أحدهم عن مسألة يقول للسائل: هل كانت أو وقعت، فإن قال: لا، لم يجبه، وقال: دعنا في عافية (5)، وهذا لأن الفتوى بالرأي لا تجوز إلا عند الضرورة، فالضرورة تبيحه،
__________
(1) في (ت) و (ك) و (ق): "معارضة".
(2) في (ق): "سُئِل".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "البيان".
(4) في (ق): "الحاجة".
(5) هناك شواهد كثيرة عن السلف تدل على كراهيتهم السؤال عن الحوادث قبل وقوعها، تراها في مقدمة "سنن الدارمي" (باب كراهة الفتيا)، و"الفقيه والمتفقه" (2/ 7، باب القول في السؤال عن الحادثة والكلام فيها قبل وقوعها)، و"جامع بيان العلم" (2/ 1037 وما بعدها - ط ابن الجوزي، باب ما جاء في ذم القول في دين اللَّه تعالى وبالرأي والظن والقياس على غير أصل، وعيب الإكثار من المسائل دون اعتبار)، و"المدخل إلى السنن الكبرى" للبيهقي (ص 218 وما بعدها، باب من كره المسألة عما لم يكن ولم ينزل به وحي)، و"تعظيم الفتيا" (ق 5/ أ) و"الآداب الشرعية" (2/ 76 - 79) لابن مفلح، و"الموافقات" (5/ 378 - 379 - بتحقيقي).
وانظر في الكلام على هذا المسلك في الفقه وتأريخه والمقدار المحمود منه في "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 700)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 483)، و"جامع العلوم والحكم" (شرح الحديث التاسع، 1/ 243)، و"الفقيه والمتفقه" (2/ 9 - 12)،=
(6/41)

كما تبيح الميتة عند الاضطرار، وهذا إنما هو في مسألة لا نصَّ فيها، ولا إجماع، فإن كان فيها نص أو إجماع فعليه تبليغه بحسب الإمكان، ف"من سئل عن علم فكتمه ألجمه اللَّهُ يوم القيامة، بلجامٍ من نار" (1)، هذا إذا أَمِن المفتي غائلة
__________
= و"الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" (2/ 117 - 122)، و"منهج السلف في السؤال عن العلم وفي تعلُّم ما يقع وما لم يقع".
(1) ورد من حديث جمع من الصحابة من أصحها:
حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: رواه ابن حِبَّان (96)، والحاكم (1/ 102)، وابن المبارك في "الزهد" (119)، والبيهقي في "المدخل" (575)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (5/ 38 و 39)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (8)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (123) من طرق عن ابن وهب: حدثني عبد اللَّه بن عيَّاش بن عيَّاس عن أبيه عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ عنه.
قال الحاكم: هذا إسناد صحيح من حديث المصريين على شرط الشيخين، وليس له علة، وسكت عنه الذهبي.
أما ابن الجوزي فقال: فيه عبد اللَّه بن وهب الفسوي (ويقال: النسوي)، قال ابن حبان: دجَّال يضع الحديث.
وقد رد عليه ابن القيم في "تعليقه على مختصر السنن" للمنذري (5/ 251 - 252)، والحافظ العراقي في "إصلاح المستدرك"، كما في "شرح الإحياء" (1/ 109) بأن عبد اللَّه بن وهب النسوي متأخر عن هذه الطبقة، وأن عبد اللَّه في هذا السند إنما هو ابن وهب القرشي الثقة المعروف.
لكن في السند عبد اللَّه بن عياش، قال عنه أبو حاتم: ليس بالمتين، يكتب حديثه وهو قريب من ابن لهيعة، وقد ضعَّفه أبو داود والنسائي، وقد روى له مسلم حديثًا واحدًا في الشواهد. وقال ابن يونس: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات" فهو حديث حسن في الشواهد، أما أن يصحح أو يحسن لذاته فلا.
وقد عزاه الهيثمي في "المجمع" (1/ 163) للطبراني في "الكبير" (رقم 33 - قطعة من الجزء 13) - ط حمدي السلفي)، و"الأوسط" (رقم 5027)، وقال: رجاله موثقون.
أقول: وفي هذا الباب أيضًا حديث أبي هريرة، وقد أعرضت عن ذكره لوقوع اختلاف في إسناده لطول الحديث عنه.
وقد حَسَّن أو صحح حديث أبي هريرة، الترمذي في "سننه" (2649)، والذهبي في "الكبائر" (ص 122 - بتحقيقي)، وابن القيم في "تهذيب السنن" (5/ 251)، والعراقي كما في "شرح الإحياء" (1/ 109)، وابن حجر في "القول المسدد" (ص 11)، ومشَّاه العقيلي (1/ 74) فقال: إسناده صالح.
أما ابن الجوزي رحمه اللَّه فقد ذكر الحديث في "العلل المتناهية" (1/ 96 - 107)، وذكر طرقه كلها عن عشر من الصحابة وضعفها كلها، وقال: لا يصح عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-!! وكذا ذكره الموصلي في كتابه "المغني" (ص 105)، وهذا فيه مبالغة، نعم في بعض طرقه =
(6/42)

الفتوى، فإن لم يأمن غائلتها، وخاف من ترتُّب شرٍّ أكبر (1) من الإمساك عنها، أمسك عنها ترجيحًا لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وقد أمسك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم [عليه السلام] (2)؛ لأجل حَدَثان عهد قريش بالإسلام، وإن ذلك ربما نفَّرهم عنه بعد الدخول فيه (3)، وكذلك إن كان عَقْل السائل لا يحتمل الجواب عما سأل عنه وخاف المسؤول أن يكون فتنة له أمسك عن جوابه، قال ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- (4) لرجل سأله عن تفسير آية: وما يؤمنك أنَّي لو أخبرتُك بتفسيرها كفرتَ به؟ أي جَحَدته، وأنكرته، وكَفَرت به (5)، ولم يرد أنك تكفر باللَّه ورسوله.

[للمفتي العدول عن السؤال إلى ما هو أنفع]
الفائدة الثانية: يجوز للمفتي أن يعدل عن جواب المستفتي عما سأله عنه [إلى ما هو أنفع له منه، ولا سيما إذا تضمن ذلك بيان ما سأل عنه] (6) وذلك من كمال علم المفتي وفقهه ونصحه، وقد قال تعالى (7): {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ] (8)} [البقرة: 215] فسألوه عن المُنْفَق؟ فأجابهم بذكر المصرف؛ إذ هو أهم مما سألوا عنه ونبَّههم عليه بالسياق مع ذكره لهم في موضع آخر، وهو قوله [تعالى] (9): {قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219]، وهو ما سهل عليهم (10) [إنفاقه]، ولا يضرهم إخراجه (11)، وقد ظنَّ بعضهم أن من ذلك قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ
__________
= ضعف شديد، لكن لو لم يرد إلا من طريق ابن عمرو وأبي هريرة لكفى في تقويته.
فانظر مفصلًا "شرح الإحياء" للزبيدي، و"جُنَّة المرتاب" لأخينا أبي إسحاق الحويني (ص 105 - 119)، و"جامع بيان العلم" مع التعليق عليه (1/ 3 - 18).
(1) في المطبوع: "شر أكثر"! وفي (ك): "ترتيب".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع، و (ق).
(3) أخرجه البخاري في عدة مواضع من "الصحيح" منها: (كتاب الحج): باب فضل مكة وبنيانها (3/ 439 رقم 1584)، والمذكور لفظه، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الحج): باب نقض الكعبة وبنائها (2/ 968 - 969/ رقم 1333) عن عائشة -رضي اللَّه عنها-.
(4) في المطبوع: "عنه".
(5) في (ت): "فكفرت به".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(7) في (ك): "وقال اللَّه تعالى".
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "الآية" اختصارًا.
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) في (ت): "ما سَهُل عليه"!
(11) في (ق) و (ك): "ولم يضرهم إخراجه".
(6/43)

الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] فسألوه عن سبب ظهور الهلال خفيًا، ثم لا يزال يتزايد فيه (1) النور على التدريج حتى يكمل، ثم يأخذ في النقصان؟ فأجابهم عن حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمام مصالحهم في أحوالهم ومعاشهم ومواقيت أكبر [عبادة من] عباداتهم، وهو الحج (2).
فإن (3) كانوا قد سألوا عن السبب، فقد أُجيبوا بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه، وإن كانوا إنما سألوا عن حكمة ذلك، فقد أُجيبوا عن عين ما سألوا عنه ولفظ سؤالهم محتمل، فإنهم قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقًا، ثم يأخذ في الزيادة حتى يتم، ثم يأخذ في النقص.
__________
(1) في (ت): "يتزايد منه".
(2) ذكره الغزالي في "الإحياء"، وقال العراقي: "لم أقف له على إسناد".
قلت: أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" (1/ ق 6)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (3/ 269) من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به.
وإسناده واهٍ، فيه السدي والكلبي، وضعّفه السيوطي في "الدر المنثور" (1/ 490).
وأخرجه ابن جرير في "التفسير" (2/ 185 - 186)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (1/ 123/ أ) عن أبي العالية؛ قال: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول اللَّه! لم خلقت الأهلة؟ فنزلت.
وفيه أبو جعفر الرازي وأبوه، وكلاهما ضعيف.
وأخرج نحوه ابن جرير ويحيى بن سلام -كما في "العجاب" (1/ 454) - عن قتادة بسندٍ رجاله ثقات؛ إلا أنه مرسل.
وانظر: "الفتح السماوي" (1/ 231 - 232) للمناوي، و"لباب النقول" (ص 35) للسيوطي، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (1/ 118 - 119)، وقال: "وهو عند الثعلبي كما ذكره المصنف، وحكم عليه بأنه غريب".
وقال ابن حجر في "العجاب" (1/ 455): "وقد توارد من لا يد لهم في صناعة الحديث على الجزم بأن هذا كان سبب النزول مع وهاء السند فيه، ولا شعور عندهم بذلك، بل كاد يكون مقطوعًا به؛ لكثرة من ينقله من المفسرين وغيرهم. وقال الفخر الرازي (5/ 129 - 130): ليس في الآية عن أي شئ سألوا، لكن الجواب بقوله: {هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} يدل على أنهم سألوا عن الحكمة في تغيرها".
وما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك)، وفي المطبوع و (ك) بعدها: "عبادتهم، وهو الحج".
(3) في المطبوع: "وإن".
(6/44)

[جواب المفتي بأكثر من السؤال]
الفائدة الثالثة: يجوز للمفتي أن يجيب السائل بأكثر مما سأل عنه، وهذا (1) من كمال نصحه وعلمه وإرشاده، ومن عاب ذلك فلقلَّة علمه وضيق عطنه (2) وضعف نصحه، وقد ترجم البخاري على ذلك في "صحيحه" (3) فقال: (باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه)، ثم ذكر حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-: ما يلبس المحرم فقال: رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يلبس القُمُصَ (4)، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا الخِفَاف إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين" (5).
فسئل [رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-] (6) عمَّا يلبس المُحْرِم؟ فأجاب عما لا يلبس، فتضمن (7) ذلك الجواب عما يلبس، فإن ما لا يلبس محصور (8)، وما يلبسه غير محصور (8)، فذكر لهم النوعين وبيَّن لهم حكم لبس الخف عند عدم النعل، وقد سألوه [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (9) عن الوضوء بماء البحر، فقال [لهم] (6): "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (10).
__________
(1) في المطبوع و (ك): "مما سأله عنه، وهو"، وفي (ت): "ما سأل عنه هو، وهذا"، وفي (ق): "مما سأله عنه، وهو".
(2) في (ق): "فطنته".
(3) (كتاب العلم): باب رقم (53، 1/ 231 - فتح)، وفي المطبوع: "لذلك" بدل "على ذلك".
(4) في (ق): "القميص".
(5) سبق تخريجه (1/ 364).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في المطبوع و (ك): "وتضمن".
(8) في (ق): "محظور"، وفي (ك): "محضور"!!.
(9) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك).
(10) أخرجه مالك في "الموطأ" (كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء): (1/ 22/ رقم 12)، ومن طريقه الشافعي في "الأم" (1/ 16)، و"المسند" (8/ 335 - مع الأم)، وأبو عبيد في "الطهور" (رقم 231 - بتحقيقي)، ومحمد بن الحسن في "الموطأ" (رقم 46)، وأحمد في "المسند" (2/ 237 و 361 و 363)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب الطهارة): باب الوضوء بماء البحر (1/ 176)، و (كتاب الصيد والذبائح): باب ميتة البحر (7/ 207)، و"السنن الكبرى" (رقم 67)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الطهارة): باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور (1/ 100 - 101/ رقم 69)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الطهارة): باب الوضوء بماء البحر: (1/ 64/ رقم 83)، والدارمي في "السنن" (كتاب الطهارة): باب الوضوء من ماء البحر، (1/ 186): (كتاب الصيد) باب في صيد البحر =
(6/45)

[إذا منع المفتي من محظور دلَّ على مباح]
الفائدة الرابعة: من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه، وكانت حاجته تدعوه إليه أن يدله على ما هو عوض له منه، فيسد عليه باب المحظور، ويفتح [له] (1) باب المباح، وهذا لا يتأتَّى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر اللَّه (2) وعامله بعلمه فمثاله في العلماء مثال الطيب العالم النَّاصح في الأطباء يحمي العليل عما يضرُّه ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان، وفي "الصحيح" عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "ما بعث اللَّه من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمَّته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" (3).
__________
= (2/ 91) وابن ماجه في "السنن" (كتاب الطهارة باب الوضوء بماء البحر (1/ 136/ رقم 386)، و (كتاب الصيد): باب الطافي من صيد البحر (2/ 1081/ رقم 3246)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (3/ 478 - ترجمة سعيد بن سلمة المخزومي)، وابن حبان في "الصحيح" (رقم 119 - موارد الظمآن)، وابن خزيمة في "الصحيح" (1/ 59/ رقم 111)، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 43)، والدارقطني في "السنن" (1/ 36)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 145 - 141)، و"معرفة علوم الحديث" (ص 87)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 1)، و"السنن الصغرى" (1/ 63/ رقم 155)، وابن المنذر في "الأوسط" (1/ 247)، والبغوي في "شرح السنة" (2/ 55 - 56/ رقم 281)، والجورقاني في "الأباطيل والمناكير" (1/ 346)، وقال: "إسناده متصل ثابت"، وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح"، ونقل عن البخاري تصحيحه لهذا الحديث.
وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن السكن وابن المنذر والخطابي والطحاوي وابن منده وابن حزم والبيهقي وعبد الحق وابن الأثير وابن الملقن والزيلعي وابن حجر والنووي والشوكاني والصنعاني وأحمد شاكر والألباني.
انظر: "نصب الراية" (1/ 95)، و"التلخيص الحبير" (1/ 9)، و"المجموع" (1/ 82)، و"البدر المنير" (2 - 5)، و"خلاصة البدر المنير" (رقم 1)، و"تحفة المحتاج" (رقم 3)، و"البناية شرح الهداية" (1/ 297)، وتعليق أحمد شاكر على "جامع الترمذي" (1/ 101)، و"نيل الأوطار" (1/ 17)، و"سبل السلام" (1/ 15)، و"إرواء الغليل" (1/ 42).
وقال الإمام الشافعي في هذا الحديث: "هذا حديث نصف علم الطهارة" انظر "المجموع" (1/ 84)، وانطر لزامًا: "الطهور" لأبي عبيد (رقم 231 - 240) مع تعليقي عليه.
وفي الباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو ضعيف، ومضى تخريجه.
وانظر طهارة ماء البحر عند المصنف في "زاد المعاد" (3/ 192)، و"بدائع الفوائد" (2/ 47).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(2) في (ت): "فإن تاجر اللَّه"، وفي (ق): "قد تاجر للَّه"!
(3) رواه مسلم (1844) في (الإمارة) باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، من حديث عبد اللَّه بن عمرو.
(6/46)

وهذا شأن خَلف الرسل (1) وورثتهم من بعدهم، ورأيت شيخنا قدَّس اللَّه روحه يتحرَّى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرًا فيها، وقد منع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، بلالًا أن يشتري صاعًا من التمر الجيد بصاعين من الرديء، ثم دلَّه على الطريق المباح فقال: "بعْ الجمع (2) بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا" (3)، فمنعه من الطريق المحرَّم، وأرشده إلى الطريق المباح، ولما سأله عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس أن يستعملهما في [جباية] (4) الزكاة ليصيبا ما يتزوجان به منعهما من ذلك، وأمر مَحْمِية بن جزء (5)، وكان على الخمس أن يعطيهما [منه] (6) ما ينكحان به (7)، فمنعهما من الطريق المحرم، وفتح لهما [باب] (6) الطريق المباح، وهذا اقتداء منه بربه تبارك وتعالى، فإنه يسأله عبده الحاجة فيمنعه إياها (8) ويعطيه ما هو أصلح [له] (6)، وأنفع منها (9)، وهذا غاية الكرم والحكمة.

[ينبغي للمفتي أن ينبِّه السائل إلى الاحتراز عن الوهم]
الفائدة الخامسة: إذا أفتى المفتي للسائل بشيء ينبغي له أن ينبهه على وجه الاحتراز مما قد يذهب إليه الوهم [منه] (10) من خلاف الصواب، وهذا باب لطيف من أبواب العلم والنصح والإرشاد، [و] (10) مثال هذا قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (11): "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (12)، فتامل كيف أتبع الجملة الأولى بالثانية رفعًا لتوهم إهدار دماء الكفار مطلقًا، وإن كانوا في عهدهم، فإنه لما قال: "لا يقتل مؤمن بكافر"، فربما ذهب [الوهم] (10) إلى أن دماءهم هدر،
__________
(1) في (ت) و (ك): "خلفاء الرسل".
(2) كذا في (ت): وفي سائر النسخ: "الجميع".
(3) سبق تخريجه.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ت)، وفي (ك): "ولما سألهُ الفضل بن عباس وابن عمه" وفي هامشها: "هو عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد اللَّه".
(5) في (ت): "محمية بن حرو"، وفي (ق): "محمد بن صرد" وفي النسخ المطبوعة: "جزو"!! والصواب أثبتناه.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك).
(7) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الزكاة): باب ترك استعمال آل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على الصدقة (2/ 752 - 753/ 1072) من حديث عبد المطلب بن ربيعة نفسه.
(8) كذا في (ق) وفي باقي الأصول: "إياه".
(9) في (ق): "أصلح أو أنفع منها".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(11) في المطبوع، و (ت): "قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-".
(12) سبق تخريجه، وفي (ك): "يقبل"!! بدل "يقتل".
(6/47)

ولهذا لو قتل أحدهم مسلم لم يقتل به، فرفع هذا التوهم بقوله: "ولا ذو عهد في عهده"، ولقد خفيت هذه اللطيفة الحسنة على من قال: يقتل المسلم بالكافر المعاهد، وقدَّر (1) في الحديث، ولا ذو عهد في عهده بكافر، ومنه قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلَّوا إليها" (2) فلما كان نهيه عن الجلوس [عليها] (3) نوع تعظيم لها عقبه بالنهي عن المبالغة في تعظحمها حتى تُجعَل قِبْلَة، وهذا يعينه مشتق من القرآن كقوله تعالى لنساء نبيه: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ [إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ] (4) وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32] فنهاهن عن الخضوع بالقول، فربما ذهب الوهم إلى الإذن في الإغلاظ في القول والتجاوز، فرفع هذا التوهم (5) بقوله: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]، ومن ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (6) وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور: 21] لما أخبر اللَّه سبحانه بإلحاق الذرية ولا عمل لهم بآبائهم في الدرجة، فربما توهم متوهم [أن يحطّ] (7) الآباء إلى درجة الذرية، فرفع هذا التوهم بقوله: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور: 21] أي: ما نقصنا [من] (8) الآباء [شيئًا] (9) من أجور أعمالهم، بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم، ولم نحطهم من (10) درجتهم بنقص أجورهم، ولما كان الوهم قد يذهب إلى أنه يفعل ذلك بأهل النار، كما يفعله بأهل الجنة، قطع هذا الوهم (11) بقوله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21]، ومن هذا قوله تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} [النمل: 91]، فلما كان ذكر ربوبيته البلدة
__________
(1) في (ق): "وقد ورد".
(2) رواه مسلم (972) بعد (97) و (98) في (الجنائز): باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، من حديث أبي مرثد الغَنَويّ.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(5) في (ق): "الوهم".
(6) في (ت): "ذرياتهم" وهي قراءة، وانظر: "كتاب القراءات السبعة" لابن مجاهد (ص 612)، و"إتحاف فضلاء البشر" (2/ 495 - 496)، و"التذكرة في القراءات الثمان" لابن غلبون (2/ 566)، و"الحجة في القراءات السبع" لابن خالويه (ص 333).
(7) في (ت) و (ك): "أنه يحط"، وفي (ق): "انحطاط".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(10) في المطبوع: "ولم نحطهم إلى".
(11) قال (د): "في نسخة فمنع هذا الوهم".
(6/48)

الحرام قد يوهم (1) الاختصاص عقبه بقوله: {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} [النمل: 91]، ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3]، فلما ذكر كفايته للمتوكِّل عليه، فربما أوهم ذلك تعجيل الكفاية وقت التوكل فعقبه بقوله: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3] أي: وقتًا لا يتعدَّاه، فهو يسوقه [إلى وقته الذي قدّره له، فلا يستعجل المتوكل ويقول: قد توكلت، ودعوت فلم أر شيئًا، ولم تحصل لي] (2) الكفاية، فاللَّه [بالغ] (3) أمره في وقته الذي قدره له (4)، وهذا كثيرٌ جدًا في القرآن والسنة، وهو باب لطيف من أبواب فهم النصوص.

[مما ينبغي للمفتي أن يذكر الحكم بدليله]
الفائدة السادسة: ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم، [ومأخذه] (5) ما أمكنه من ذلك، ولا يلقيه (6) إلى المستفتي ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عطنه، وقلة بضاعته من العلم، ومن تأمل فتاوى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي قوله حجة بنفسه، رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره، ووجه مشروعيته، وهذا، كما سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقصُ الرطب إذا جفَّ؟ قالوا: نعم، فزجر عنه" (7)، ومن المعلوم أنه كان يعلم نقصانه بالجفاف، ولكن نبَّههم على علة التحريم وسببه (8)، ومن هذا قوله لعمر، وقد سأله عن قُبلة امرأته وهو صائم فقال: "أرأيت لو تمضمضت، ثم مججته أكان يضر شيئًا قال: لا" (9). فنبه على أن مقدمة المحظور لا يلزم أن تكون محظورة، فإن غاية القُبلة أنها مقدمة الجماع، فلا يلزم من تحريمه تحريم مقدمته، كما أن وضع الماء في الفم مقدمة
__________
(1) في (ت): "ربوبية البلدة الحرام قد توهم"، وفي (ق): "فلما ذكر ربوبية للبلدة الحرام قد يوهم".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) بعدها في (ك): "فلا يستعجل المتوكل ويقول قد توكلت ودعوت فلم أر شيئًا ولم يحصل لي الكفاية واللَّه بالغ أمره في وقته الذي قدره له".
(5) في (د): "ويأخذه".
(6) في (ق): "فلا يلقيه".
(7) سبق تخريجه.
(8) قرر المصنف أنه لا فرق بين النهي عن بيع الرطب بالتمر أو بيع العنب بالزبيب في عدة مواضع من كتبه، منها: "تهذيب السنن" (5/ 32 - 33)، وقد مضى ذلك في مواطن من كتابنا هذا.
(9) سبق تخريجه.
(6/49)

شربه وليست المقدمة محرَّمة، ومن هذا قوله [-صلى اللَّه عليه وسلم] (1): "لا تُنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" (2)، فذكر لهم الحكم ونبَّههم على علة التحريم، ومن ذلك قوله لأبي النعمان بن بشير، وقد خصَّ بعض ولده بغلام نَحَله (3) إياه؛ فقال: "أيسرُّك أن يكونوا لك في البِرِّ سواء؟ ". قال: نعم. قال "فاتقوا اللَّه واعدالوا بين (4) أولادكم" وفي لفظ: "إن هذا لا يصلح"، وفي لفظ: "إني لا أَشْهد على جور"، وفي لفظ: "أَشْهِد على هذا غيري" (5) تهديدًا لا إذنًا، فإنه لا يأذن في الجور قطعًا وفي لفظ: "رده" والمقصود أنه نبَّهه على علة الحكم (6)، ومن هذا قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لرافع بن خديج، وقد قال له: إنا لاقو العدو غدًا وليس معنا مدًى أفنذبحُ بالقصب؟ فقال: "ما أنهرَ الدمَ وذُكر اسم اللَّه عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثك عن ذلك أمَّا السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة" (7) فنبه على أعلة، المنع من التذكية بهما بكون أحدهما عظمًا، وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام إما لنجاسة بعضها، وأما لتنجيسه على مؤمني الجن (8)، ولكون (9) الآخر مدى الحبشة ففي التذكية (10) بها تشبه بالكفار، ومن ذلك قوله: "إن اللَّه ورسوله ينهيانكم (11) عن لحوم الحمر الإِنسية، فإنها رجس" (12)، ومن ذلك قوله في الثمرة تصيبها الجائحة: "أرأيتَ إنْ منع اللَّه الثمرة
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) سبق تخريجه.
(3) في (د) و (ط): "نحله: [أعطاه و] وهبه"، وما بين المعقوفتين زيادة (د) عليها.
(4) ضرب عليها في (ك) وأثبت: "في".
(5) سبق تخريجه.
(6) انطر: "تهذيب السنن" (5/ 191 - 193) مهم، و"إغاثة اللهفان" (1/ 365)، و"بدائع الفوائد" (3/ 101 - 2102، 151 - 152، 4/ 128) مهم.
وفي (ق): "نبه على علة الحكم".
(7) رواه البخاري (2488) في (الشركة): باب قسمة الغنائم، و (2507) في (عدل عشرة من الغنم في القسم، و (3075) في (الجهاد): باب ما يكره من ذبح الإبل والغنم في الغنائم، و (5498) في (الذبائح والصيد): باب التسمية على الذبيحة، و (5503) باب ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد، و (5506) باب لا يذكى بالسن والعظم والظفر، و (5509) باب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش، و (5543): باب إذا أصاب قوم غنيمة، و (5544) باب إذا ند بعير لقوم فرماه بعضهم بسهم. .، ومسلم (1968) في (الأضاحي): باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، وما بين المعقوفتين الآتية سقط من (ق)
(8) "وذلك أن العظام من غذاء الجن" (ط).
(9) في (ق): "وكون".
(10) في (ك): "فبالتذكية".
(11) في (ق) و (ك): "ينهاكم".
(12) رواه البخاري في "الصحيح" (كتاب الذبائح): باب لحوم الحمر الإنسية (9/ 653 رقم 5528)،=
(6/50)

فبِمَ يأكل أحدكم مال أخيه بغير حق؟ " (1)، وهذا التعليل بعينه ينطبق على من استأجر أرضًا للزراعة فأصاب (2) الزرع آفة سماوية لفظًا ومعنًى فيقال للمؤجِّر: أرأيت إن منع اللَّه الزرع فبم تأكل مال أخيك بغير حق، وهذا هو الصواب الذي ندين اللَّه به [في المسألة] (3)، وهو اختيار شيخ الإسلام [ابن تيمية] (4).
والمقصود أن الشارع مع كون قوله حجة بنفسه يرشد الأمة إلى علل الأحكام ومداركها وحكمها فورثته من بعده كذلك.
ومن ذلك نهيه عن الخذف (5)، وقال: "إنه يفقأ العين ويكسر السن" (6)، ومن ذلك إفتاؤه للعاض يد غيره بإهدار دية ثنيته (7) لما سقطت بانتزاع [المعضوض يده من فيه ونبه على العلة بقوله: "أيدع يده في فيك تقضمها، كما يقضم الفحل" (8)، وهذا من أحسن التعليل وأبينه، فإن العاض لما صال على المعضوض جاز له أن يرد صياله عنه بانتزاع] (9) يده من فمه فإذا أدَّى ذلك إلى إسقاط ثناياه كان سقوطها بفعل مأذون فيه من الشارع، فلا يقابل بالدية (10)، وهذا كثير جدًا في السنة فينبغي للمفتي أن ينبِّه السائل على علة الحكم، ومأخذه إن عرف ذلك وإلا حرم عليه أن يفتي بلا علم.
__________
= ومسلم في "الصحيح" (كتاب الصيد والذبائح): (رقم 1940) عن أنس -رضي اللَّه عنه-.
(1) رواه البخاري (1488) في (الزكاة): باب من باع ثماره أو نخله أو أرضه أو زرعه. و (2198) باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، و (2208) باب بيع المخاضرة، ومسلم (1555) في (المساقاة): باب وضع الحوائج من حديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه-.
(2) في (ق): "وأصابت".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) انظر: "مجموع الفتاوى" (30/ 238 - 239) له.
(5) قال (د): "في نسخة: "عن الخلاف" تحريف"، وقال (و): "رميك حصاة، أو نواة تأخذها بين سبابتيك وترمي بها، أو تتخذ مخذفة من خشب ثم ترمي بها الحصاة بين إبهامك والسبابة".
(6) رواه البخاري (4841) في (تفسير سورة الفتح): باب {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}، و (5479) في (الذبائح والصيد): باب الخذف والبندقة، و (6220) في (الأدب): باب النهي عن الخذف، ومسلم (1954) في (الصيد والذبائح): باب إباحة ما يستعان به على الاصطياد والعدو، من حديث عبد اللَّه بن المغفل.
(7) في (ق): "دية سنه".
(8) سبق تخريجه.
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) انظر هذه المسألة عند المصنف في "زاد المعاد" (3/ 204)، وستأتي.
(6/51)

وكذلك أحكام القرآن يرشد سبحانه فيها إلى مداركها وعللها كقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] فأمر سبحانه نبيه أن يذكر [لهم] (1) علة الحكم قبل الحكم، وكذلك قوله [تعالى] (2): {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7] وكذلك قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا [نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] (3)} [المائدة: 38]، وقوله (4) تعالى في جزاء الصيد: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [المائدة: 95].

[من أدب المفتي أن يمهد للحكم المستغرب]
الفائدة السابعة: إذا كان الحكم مستغربًا جدًا مما لم تألفه النفوس، وإنما ألفت خلافه فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما كان مأذونًا به (5) كالدليل عليه والمقدمة بين يديه، فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه عليه السلام بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا يُولد [فيه] (6) لمثله في العادة، فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح عليه السلام، وولادته (7) من غير أَب، فإن النفوس لما آنست بولد من [بين] (6) شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب، وكذلك ذكر سبحانه [قبل] (6) قصة المسيح موافاة مريم رزقها في غير وقته وغير إبّانه، وهذا الذي شجع نفس زكريا وحرَّكها لطلب الولد، وإن كان في غير إبّانه.
وتأمل قصة نسخ القبلة لما كانت شديدة على النفوس جدًا كيف وطَّأ سبحانه قبلها (8) عدة موطئات، منها: ذكر النسخ، ومنها أن يأتي بخير من المنسوخ أو مثله، ومنها أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم، فعموم قدرته وعلمه صالح لهذا الأمر الثاني، كما كان صالحًا للأول (9)، ومنها تحذيرهم الاعتراض
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "الآية" اختصارًا.
(4) في المطبوع: "وقال".
(5) في المطبوع: "ما يكون مؤذنًا به".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ك): "وولادة".
(8) في (ق) و (ك): "قبله".
(9) انظر حكمة التشريع في تحويل القبلة إلى الكعبة، وما حصل من التوطئة بين يدي التحويل =
(6/52)

على رسوله (1)، كما اعترض من قبلهم على موسى، بل أمرهم بالتسليم والانقياد، ومنها تحذيرهم من الإصغاء (2) إلى اليهود، وأنْ تستخفَّهم شُبهُهم (3)، فإنهم يودُّون أن يردّوهم كفارًا من بعد ما تبيَّن لهم الحق، ومنها إخباره أَنَّ دخول الجنة ليس بالتَّهوُّد، ولا بالتَّنصُّر، وإنما هو بإسلام الوجه والقصد والعمل والنية للَّه مع متابعة أمره، ومنها إخباره سبحانه عن سعته، وأنه حيث ولَّى المصلي وجهه فثمَّ وجه ربه تبارك وتعالى (4)، فإنه واسع عليم فذكر الإحاطتين الذاتية والعلمية، فلا يتوهمون أنَّهم في القبلة الأولى لم يكونوا مستقبلين وجهه تبارك وتعالى، ولا في الثانية، بل حيثما توجهوا فثم وجهه [تبارك و] تعالى، ومنها أنه سبحانه [وتعالى] (5) حذَّر نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم- من اتباع أهواء الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، بل أمره (6) أن يتبع هو وأمته ما أوحى إليه فيستقبلونه بقلوبهم وحدها (7)، ومنها أنه ذكر عظمة بيته الحرام و [عظمة] (5) بانيه وملَّته، وسفه من يرغب عنها وأمر باتباعها فنوَّه بالبيت وبانيه وملته وكل هذا توطئة بين يدي التحويل مع ما في ضمنه من المقاصد الجليلة (8) والمطالب السنية، ثم ذكر فضل هذه الأمة، وأنهم الأمة الوسط العدل الخيار، فاقتضى ذلك أن يكون نبيهم -صلى اللَّه عليه وسلم- أوسط الأنبياء [صلوات اللَّه وسلامه عليهم] (9) وخيارهم وكتابهم كذلك ودينهم كذلك وقبلتهم التي يستقبلونها كذلك، فظهرت المناسبة شرعًا وقدرًا في أحكامه تعالى الأمرية والقدرية، وظهرت حكمته الباهرة، وتجلت للعقول الزكية المستنيرة بنور ربها تبارك وتعالى.
والمقصود أَنَّ المفتي جدير أن يذكر بين يدي الحكم الغريب الذي لم يُولف مقدمات تؤنس به وتدل عليه وتكون توطئة بين يديه، وباللَّه التوفيق.

[يجوز للمفتي أن يحلف على ثبوت الحكم]
الفائدة الثامنة: يجوز للمفتي والمُناظِر أن يحلف على ثبوت الحكم عنده،
__________
= في "زاد المعاد" (2/ 57 - 58)، و"بدائع الفوائد" (4/ 157 - 174)، و"مفتاح دار السعادة" (ص 358، 362).
(1) في (ق) و (ك): "رسولهم".
(2) في المطبوع و (ك): "تحذيرهم بالإصغاء".
(3) في (ق) و (ك): "وأن لا تستخفهم بشبهتهم".
(4) في المطبوع و (ك): "فثم وجهه تعالى".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) في المطبوع و (ك): "بل أمر".
(7) في (ق): "وحده".
(8) في (ق): "من أعظم المقاصد الجليلة".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6/53)

وإن لم يكن حلفه موجبًا لثبوته عند السائل والمنازع ليشعر السائل والمنازع له أنه على ثقة ويقين مما قال [له] (1)، وأنه غير شاك فيه (2)، فقد تناظر رجلان في مسألة فحلف أحدهما على ما يعتقده فقال له منازعه: لا يثبت الحكم بحلفك فقال: إني لم أحلف [لأجل تثبيت] (3) الحكم عندك، ولكن لأعلمك أني على يقين وبصيرة من قولي، وأنَّ شبهتك لا تغيِّر عندي في وجه يقيني بما أنا جازم به.
وقد أمر اللَّه نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يحلف على ثبوت الحق الذي جاء به في ثلاثة مواضع من كتابه أحدهما: قوله تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس: 53] والثاني: قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأتِيَنَّكُمْ [عَالِمِ الْغَيْبِ] (4)} [سبأ: 3].
والثالث: قوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: 7]، وقد أقسم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على ما أخبر به من الحق في أكثر من ثمانين موضعًا وهي موجودة في "الصحاح" و"المسانيد" (5)
وقد كان الصحابة -رضي اللَّه عنهم- يحلفون على الفتاوى والرواية، فقال علي -رضي اللَّه عنه- (6) لابن عباس في مُتعة النساء: إنك امرؤ تائه، فانظر ما تفتي به في متعة النساء، فواللَّه وأشهد باللَّه لقد نهى عنها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه [وآله] وسلم (7)، ولما وَلي عمر -رضي اللَّه عنه- حمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) انظر: "زاد المعاد" (3/ 207).
(3) في المطبوع: "ليثبت"، وفي (ك): "لأثبت".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) انظر على سبيل المثال: "صحيح البخاري" (الأرقام 6903، 1904، 2615، 6636)، و"صحيح مسلم" (الأرقام 1252، 1619، 2194، 2300)، و"جامع الأصول" (11/ 649 - فما بعد)
(6) في المطبوع: "فقال علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه".
(7) رواه مسلم في "صحيحه" (1407) (29) بعده دون رقم في (النكاح): باب نكاح المتعة مختصرًا دون ذكر ابن عباس وإنما فيه: يقول لفلان، ورواه مفصلًا بذكر ابن عباس الدارقطني (3/ 259) وفي "علله" (4/ 115)، والبيهقي (7/ 201)، وأبو الفتح المقدسي في "تحريم نكاح المتعة" (رقم 28) وابن بطة في "تحريم نكاح المتعة" -كما في "المسائل" التي حلف عليها أحمد، (رقم 51) -.
وروى مسلم أيضًا عن علي قال: مهلًا يا ابن عباس، فإن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عنها يوم خيبر.
وأصل قول علي لابن عباس ثابت في "صحيح البخاري" دون قوله: إنك امرؤ تائه (رقم 5115) و (5523) و (6961).
(6/54)

أحل، المتعة ثلاثًا، [ثم حرمها ثلاثًا]، (1)، فأنا أقسم باللَّه قسمًا لا أجد أحدًا من المسلمين متمتعًا إلا رجمته إلا أن يأتي بأربعة من المسلمين يشهدون أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحلها بعد أن حرَّمها (2).
وقد حلف الشافعي في بعض أجوبته فقال محمد بن الحكم: سألت الشافعي [-رضي اللَّه عنه-] (3) عن المتعة كان يكون (4) فيها طلاق أو ميراث أو نفقة [أو عدة] أو شهادة فقال: لا واللَّه ما أدري (5).
وقال يزيد بن هارون: من قال القرآن مخلوق أو شيء منه مخلوق فهو واللَّه عندي زنديق (6). وسئل عن حديث جرير في الرؤية (7) فقال: واللَّه الذي لا إله إلا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) رواه ابن ماجه (1963) في "النكاح": باب النهي عن نكاح المتعة، وتمام في "فوائده" (752 - ترتيبه) ونصر المقدسي في "تحريم نكاح المتعة" (رقم 63) من طريق الفريابي عن أبان بن أبي حازم عن أبي بكر بن حفص عن ابن عمر قال: لما ولي عمر بن الخطاب. . . فذكره.
قال الحافظ ابن كثير: "واختاره الحافظ الضياء في كتابه" وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 342): "هذا إسناد فيه مقال، أبو بكر بن حفص اسمه إسماعيل الأيلي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كتبت عنه وعن أبيه وكان أبوه يكذب، قلت: لا بأس به؟ قال: لا يمكنني أن أقول: لا بأس به، وأبان بن أبي حازم مختلف فيه".
قلت: أخطأ البوصيري في معرفة أبي بكر بن حفص، فالذي ذكره متأخر لا يروي عن ابن عمر، بل هو من شيوخ ابن ماجه والنسائي، والصواب أن هذا هو عبد اللَّه بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص المدني: وهو ثقة مشهور بكنيته.
وأبان بن أبي حازم قال فيه الحافظ: صدوق فيه لين، فإسناده حسن.
والحديث في "مسند البزار" (183) بالإسناد نفسه لكن لفظه: أيها الناس إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحل لنا المتعة ثم حرمه علينا. وعزاه أبو الحسين بن القاضي أبو يعلى في "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 52) إلى ابن بطة في "تحريم نكاح المتعة". وانظر: "سنن الدارقطني" (3/ 258 أو رقم 3582 - بتحقيقي) و"سنن البيهقي" (7/ 202) و"تحريم نكاح المتعة" (رقم 50، 60).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ق): "بأن يكون".
(5) ذكره أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى في "المسائل التي حلف عليها أحمد" (رقم 53) عن ابن بطة في "تحريم نكاح المتعة"، وانظر: "تحريم نكاح المتعة" (رقم 43) للمقدسي، فأورد نحوه عن الربيع عن الشافعي، وما بين المعقوفتين من (ك).
(6) رواه عبد اللَّه بن أحمد في "السنة" (رقم 50، 52) وأبو داود في "مسائل أحمد" (268) والآجري في "الشريعة" (رقم 169) وابن بطة في "تحريم نكاح المتعة" كما في "المسائل التي حلف عليها أحمد" (رقم 56) وإسناده جيد.
(7) روى الحديث البخاري (554) في (مواقيت الصلاة): باب فضل صلاة العصر، و (573) =
(6/55)

هو من كَذَّب به ما هم إلا زنادقة (1).
وأما الإمام أحمد رحمة اللَّه عليه ورضوانه (2)، فإنه حلف على عدة مسائل من فتاويه (3)، قيل [له]: أيزيد الرجل في الوضوء على ثلاث مرات؛ فقال: لا واللَّه إلا رجل مبتلى، يعني بالوسواس (4). وسُئل أيخلِّل (5) الرجل لحيته إذا توضأ فقال: إي واللَّه (6). وسئل يكون الرجل في الجهاد بين الصفين يبارز عِلْجًا بغير إذن الإمام فقال: لا واللَّه (7). وقيل له: أتكره الصلاة في المقصورة فقال: إي واللَّه (8)، قلت: وهذا لما كانت المقصورة تُحمى للأمراء (9) وأتباعهم، وسئل: أيُؤجَر الرجل على بغض من خالف حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إي واللَّه (10). وسئل: من قال: القرآن مخلوق كافر؟ فقال: إي واللَّه (11). وسئل هل صح عندك (12) في النبيذ حديث فقال: واللَّه ما صح عندي حديث واحد إلا على
__________
= باب فضل صلاة الصبح، و (4851) في تفسير سورة (ق) باب: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ}، و (7434 و 7435 و 7436) في "التوحيد": باب قول اللَّه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ومسلم (633) في "المساجد": باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، وفي (ك): "الرواية".
(1) ذكره أبو الحسين بن القاضي أبو يعلى في "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 55) عن ابن بطة في "تحريم نكاح المتعة".
(2) في (ق): "وأما الإمام أحمد رحمه اللَّه"، وفي (ك): "رضي اللَّه عنه".
(3) جمعها أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى في جزء مفرد مطبوع عن دار العاصمة بعنوان: "المسائل التي حلف عليها أحمد"، ومنه ينقل المصنف.
(4) في "المسائل التي حلف عليها أحمد" (رقم 1)، وما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(5) في المطبوع: "وسئل عن تخلل".
(6) "المسائل التي حلف عليها أحمد"، (رقم 2)، وفي (ق): "قال" بدل "فقال".
(7) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 3).
(8) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 4).
(9) قال (د): "تحمى للأمراء: أي تحجز لهم فلا يدخلها غيرهم"، ونحوه في (ط).
ووقع في (ق): "تحمر للأمراء"، وهو تحريف ظاهر، وانظر اختلاف السلف في الصلاة في المقصورة عند ابن أبي شيبة (2/ 49 - 50).
(10) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 6).
(تنبيه): سقطت من جميع الأصول (مسألة رقم 5) من "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" وهي: "وسئل عن المريض: هل يجمع بين الصلاتين فقال: إي واللَّه"،
(11) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 7).
(12) في (ق): "أيصح عندك".
(6/56)

التحريم (1)، [وسئل: أيكره (2) الخضاب بالسواد؟ فقال: إي واللَّه] (3)، وسئل عن الرجل يؤم أباه ويصلّي الأب خلفه فقال: إي واللَّه (4). [وسئل هل يكره النفخ في الصلاة؟ فقال: إي واللَّه (5)، (وسئل عن تزوج الرجل المسلم الأمة من أهل الكتاب فقال: لا واللَّه)] (6)، وسئل عن المرأة تستلقي على قفاها وتنام يكره ذلك؟ فقال: إي واللَّه (7). وسئل عن الرجل يرهن جاريته فيطؤها وهي مرهونة فقال: لا واللَّه (8)؟ وسئل عن حديث عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- أنه قضى في رجل استسقى قومًا، وهو عطشان فلم يسقوه فمات فأغرمهم عمر الدية (9) تقول أنت كذا؟ قال: إي واللَّه (10). [وسئل عن الرجل إذا حُدَّ في القذف، ثم قذف زوجته يلاعنها فقال: إي واللَّه] (11). وسئل أيضرب الرجل رقيقه فقال: إي واللَّه (12). ذكر هذه المسائل القاضي أبو علي الشريف (13).
__________
(1) "المسائل التي حلف عليها أحمد" (رقم 8)، وانظر كلام المصنف -رحمه اللَّه- في "تهذيب السنن" (3/ 248)، و"زاد المعاد" (3/ 141).
(2) في (ق): "تكره".
(3) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 11) وهي رواية الخلال في "الترجل" (133) وذكرها المصنف في "تهذيب السنن" (6/ 104). وما بين المعقوفتين مذكور في (ق): بعد الجملة الآتية، وما بين القوسين في (ك) كذلك.
(4) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 9)، وانظر: "بدائع الفوائد" (4/ 90) و"تهذيب السنن" (6/ 104) و"مسائل أبي داود" (ص 42) و"المحنة" (ص 99) لصالح، وفيه أنه صلى بأبيه في سفر صلاة العصر.
(5) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 10)، وانظر "بدائع الفوائد" (4/ 95) و"مصنف عبد الرزاق" (2/ 188 - 189).
(6) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 13)، وانظر: "الروايتين" (2/ 104) لأبي يعلى وما بين المعقوفتين مذكور في (ق) بعد الجملة الآتية، وما بين القوسين في (ك) كذلك.
(7) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 14)، وانظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (4/ 383).
(8) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 15).
(9) ذكره ابن قدامة في "المغني" (7/ 834 - 835)، وانظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (9/ 280).
(10) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 16).
(11) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 17)، وانظر تفصيل المسألة في "الإشراف" (3/ 523 رقم 1350 - بتحقيقي)، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(12) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 18).
(13) قاله أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى في جزء "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (ص 38).
(6/57)

وقال الإمام أحمد في "رواية ابنه صالح": "واللَّه لقد أعطيتُ المجهود من نفسي ولوددتُ أتي أنجو من هذا الأمر [كفافًا لا عليَّ، ولا لي" (1)، وقال في روايته أيضًا: "واللَّه لقد تمنيتُ الموت في الأمر] (2) الذي كان، وإني لأتمنى الموت في هذا، وهذا فتنة الدنيا" (3).
وقال إسحاق بن منصور لأحمد يكره الخاتم من ذهب أو حديد؟ فقال: إي واللَّه (4).
وقال إسحاق أيضًا: [قلت] (5) لأحمد: يؤجر الرجل يأتي أهله وليس له شهوة في النساء؟ فقال (6): إي واللَّه، يحتسب الولد، وإن لم يرد الولد، إلا أنه يقول: هذه امرأة شابة (7)، وقال له محمد بن عوف (8): يا أبا عبد اللَّه يقولون: إنك وقفت في (9) عثمان؟ فقال: كذبوا واللَّه عليَّ، وإنما حدَّثتهم بحديث ابن عمر: كنَّا نفاضل بين أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي فيبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فلا ينكره (10)، ولم
__________
(1) هذه رواية صالح في "المحنة" (ص 64) ونقلها أبو الحسين في "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 19) وأبو نعيم في "الحلية" (9/ 203) وابن الجوزي في "مناقب أحمد" (347) والذهبي في "ترجمة الإمام أحمد" (ص 54).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) هذه رواية صالح في "المحنة" (ص 106)، وفي آخر الخبر: "إن هذه فتنة الدنيا، وكان ذاك فتنة الدين، ثم جعل يضم أصابع يده، ويقول: لو كانت نفسي في يدي لأرسلتها، ثم يفتح أصابعه" ونقله عنه مختصرًا أبو الحسين في "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 20) وفي آخره: "أو ذاك فتنة الدنيا" ومنه ينقل المصنف، وانظر: "مناقب أحمد" (ص 369) لابن الجوزي.
(4) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (ص 21) وانظر سائر الروايات عن أحمد في خاتم الذهب والحديث في "أحكام الخواتيم" لابن رجب (ص 33 - 48).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ق): "فقال أحمد".
(7) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 22).
(8) كذا في (ق) ومصادر التخريج، وهو الصواب وهو الطائي أبو جعفر، كان عنده عن أحمد مسائل صالحة وأملى عليه أحمد رسالة في السنة، ترجمته في "طبقات الحنابلة" (1/ 311 - 313)، وتحرف في سائر المصادر إلى (ابن عون)!!
(9) كذا في (ق) وفي سائر الأصول: "على".
(10) لفظ الحديث الثابت في جميع المصادر من حديث ابن عمر: "وكنا نفضل على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أبا بكر وعمر وعثمان، ثم لا نفضل أحدًا على أحد، ليس فيه ذكر عليّ -رضي اللَّه عنه- وهذا -دون ذكر علي- رواه البخاري (3655) في (فضائل الصحابة): باب =
(6/58)

يقُل (1) النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: لا تخايروا بعد هؤلاء، [ولا بين أحد، ليس في ذلك حجة لأحد] فمن وقف على عثمان، ولم يُربِّع بعلي (2) فهو على غير السنة (3).
وسئل أحمد هل المقام بالثغر أفضل من المقام بمكة؟ فقال: إي واللَّه (4).
وذكر أبو أحمد بن عدي في "الكامل": أن أَيوب بن إسحاق بن سافري (5) قال: سألتُ أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، ابنُ إسحاق إذا انفرد بحديث (6) تقبله؟ فقال: لا، واللَّه إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث [الواحد]، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا (7).
وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: نقتل الحية والعقرب في الصلاة؟ فقال:
__________
= فضل أبي بكر بعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، و (3697) في باب مناقب عثمان بن عفان. ووقع في المطبوع: "فلم ينكره".
(1) في (ق): "فلم يقل".
(2) في المطبوع: "بعلي -رضي اللَّه عنه-".
(3) هذه القطعة أوردها ابن أبي يعلى في "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 24)، وفي "طبقات الحنابلة" (1/ 311 - 313) في آخر رسالة في "السنة" لأحمد، وهو في "المحنة" لصالح (76) و"مسائله" (341) و"مسائل عبد اللَّه" (3/ 1320)، و"مسائل ابن هانئ" (1/ 63 و 2/ 169) و"مسائل أبي داود" (ص 277).
(4) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 26)، وانظر: "الوقوف" للخلال (166) و"مسائل أبي داود" (ص 229)، و"الحلية" (5/ 214).
(5) كذا في "جميع الأصول" بالفاء، وهو الصواب، وهو نسبة إلى (السافرية) قرية من قرى فلسطين بالقرب من الرملة، وينسب لها بعض التابعين، انظر: "ثقات ابن حبان" (5/ 509)، وبالفاء في "تاريخ بغداد" و"تهذيب الكمال" -ضمن الخبر المذكور- وترجمته هكذا في "تاريخ دمشق" (10/ 83) و"تاريخ بغداد" (7/ 9) و"المقصد الأرشد" (1/ 284)، و"المنهج الأحمد" (1/ 215) و"مختصره" (9). ووقع (السامري) -تحرفت الفاء فيه إلى ميم- في مطبوع "طبقات الحنابلة" (1/ 117) لابن أبي يعلى -ووقع لناشره أخطاء كثيرة ذكر أمثلة عليها أحمد الغماري في "جؤنة العطار"- و"تهذيب التهذيب" (9/ 38 - ط دار الفكر) و"المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (ص 51).
(6) في (ق): "بحديثه".
(7) نقله ابن أبي يعلى في "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 28) فقال: "ذكر ابن عدي في كتاب "الجرح والتعديل" به، والمذكور ليس في "الكامل" بطبعتَيْهِ، وأسنده الخطيب في "تاريخ بغداد" (1/ 230) -وعنه المزي في "تهذيب الكمال" (24/ 422) - من طريق أيوب بن إسحاق به، ونقلها ابن حجر في "التهذيب" (9/ 43) وكلام أحمد في ابن إسحاق كثير، انظر: "الكامل" (6/ 2125) و"تهذيب الكمال" (24/ 414) و"تهذيب التهذيب" (9/ 38) و"بحر الدم" (رقم 871).
(6/59)

إي واللَّه (1)، وقال أيضًا: قلت لأبي: تجهر بآمين؟ فقال: إي واللَّه؛ الإمام وغير الإمام (2)، وقال أيضًا: قلت لأبي: يفتح على الإمام؟ قال: إي واللَّه (3).
وقال الميموني: قلت لأحمد: ونحن نحتاج في رمضان أن نبيّت الصوم من الليل؟ فقال: إي واللَّه (4)، وقال الميموني [أيضًا] (5): [قلت لأحمد] [تُباع الفرس الحبيس إذا عطبت، وإذا فسدت؟ فقال: إي واللَّه (6)، وقال [الميموني] (7) أيضًا: قلت لأحمد] (7): هل ثبت (8) عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في العقيقة شيء؟ فأملى عليّ: إي واللَّه، وفي (9) غير حديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عن الغلام شاتان مكافئتان (10)، وعن الجارية شاة" (11).
__________
(1) قال ابن أبي يعلى: في "المسائل التي حلف عليها أحمد" (رقم 29): "ونقلت من "الشافي" لأبي بكر: قال صالح بن أحمد. . ".
(2) نقله ابن أبي يعلى في "المسائل التي حلف عليها أحمد" (رقم 32) عن "مسائل الكوسج" وانظر: "مسائل صالح" (رقم 373، 494، 569، 570) و"مسائل أبي داود" (32).
(3) نقله ابن أبي يعلى في "المسائل التي حلف عليها أحمد" (رقم 33) عن "مسائل الكوسج" وانظر: "مسائل أبي داود" (ص 33).
(4) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 34) وانظر: "مسائل ابن هانئ" (1/ 128) و"مسائل عبد اللَّه" (2/ 645 - 651) و"الروايتين" (1/ 253) و"زاد المعاد" (1/ 218)، و"تهذيب السنن" (3/ 327 - 328، 331 - 333).
(5) نقله عن الميموني: الخلال في "الوقوف" (297)، وابن أبي يعلى في "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 35) وما بين المعقوفتين منهما وسقط من الأصول، وفي (ق): "لأحمد. . . أو اذا. . . ".
(6) نقل روايته ابن أبي يعلى في "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 30) والمصنف في "تحفة المودود" (ص 37)، وانظر: "مسائل ابن هانئ" (2/ 130) و"مسائل أبي داود" (256) وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(8) في (ق): "يثبت".
(9) في (ق): "في" دون واو.
(10) "متساويتان أو متقاربتان، وتقال بفتح الفاء وكسرها" (و)
(11) في هذا أحاديث؛ منها:
حديث عائشة: رواه أحمد في "مسنده" (6/ 31 و 158 و 251)، وابن أبي شيبة (8/ 239)، والترمذي (1513) في "الأضاحي": باب ما جاء في العقيقة، وابن ماجه (3163) / في "الذبائح": باب العقيقة، وأبو يعلى (4648)، وابن حبان (5310)، والبيهقي (9/ 301) من طريق عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم عن يوصف بن مالك عن حفصة بنت عبد الرحمن عن عائشة.
قال الترمذي: حديث عائشة: حسن صحيح.
أقول: وقد خالف ابن جريج، فرواه عن يوصف بن ماهك عن حفصة عن عائشة موقوفًا من قولها.=
(6/60)

وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: التسبيح للرِّجال والتصفيق للنساء قال: إي واللَّه (1).
وقال الكوسج أيضًا: قلت لأحمد: قال سفيان: تجزئه تكبيرة إذا نوى بها افتتاح الصلاة؟ قال أحمد: إي واللَّه تجزئه إذا نوى [قاله] ابن عمر وزيد (2)، وقال أيضًا: قلت لأحمد: المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه؟ قال: إي واللَّه (3)، وقال أيضًا: قلت لأحمد: سئل سفيان عن امرأة ماتت وفي بطنها ولد يتحرك، ما أرى بأسًا أن يشق بطنها، قال أحمد: بئس واللَّه ما قال -يردد ذلك- سبحان اللَّه! بئس ما قال (4)، وقال أيضًا: قلت لأحمد: تجوز شهادة رجل وامرأتين (5) في الطلاق؟ قال [أحمد]: لا واللَّه (6)، وقال أيضًا: قلت لأحمد: المُرجئ إذا كان داعيًا
__________
= أخرجه عبد الرزاق (7956)، وقد صرح ابن جريج بالتحديث فانتفت شبهة التدليس، وهذا لا يعل الحديث لأن ابن خثيم من الثقات كذلك، فرواية ابن جريج ليست أولى من روايته، ثم رواه ابن جريج على وجه آخر، فقال: أخبرني عبيد اللَّه بن أبي يزيد عن بعض أهله أنه سمع عائشة تقول، فذكره مرفوعًا.
أخرجه عبد الرزاق أيضًا (7955)، ولعل هذا اضطراب من ابن جريج أو من عبد الرزاق.
ورواه البيهقي (9/ 301) من طريق عبد الجبار بن ورد بن أبي مليكة عن عائشة مرفوعًا، ورجاله ثقات غير عبد الجبار ففيه بعض كلام.
ورواه أبو يعلى (4521) من طريق ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة.
وفي الباب عن أم كرز الكعبية، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعن أبي هريرة.
انظرها مفصلة في "التلخيص الحبير" (4/ 146)، و"إرواء الغليل" (4/ 390).
وانظر كلام ابن القيم رحمه اللَّه حول هذه المسألة في كتابه القيم "بدائع الفوائد" (4/ 65)، و"تحفة المودود" (ص 36 - 37).
(1) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 31)، وانظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 362)، و"تهذيب السنن" (3/ 88 - 90) مهم.
(2) "المسائل التي حلف عليها الامام أحمد" (رقم 37)، وانظر: "مسائل أبي داود" (ص 35).
(3) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 38)، وانظرة "مسائل الكوسج" (1/ ق 41)، و"مسائل ابن هانئ" (1/ 41)، و"مسائل عبد اللَّه" (1/ 204).
(4) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 39)، وانظر: "مسائل صالح" (549، 551) و"مصنف عبد الرزاق" (9/ 256)، وفي (ق): "بئس ما قلت".
(5) في (ق) و (ك): "وامرأتان".
(6) المسائل التي حلف عليها الأمام أحمد" (رقم 45)، وانظر: "الروايتين" (3/ 87 - 90 =
(6/61)

[يجفا]، قال: إي واللَّه يُجْفَى ويُقْصَى (1).
وقال (2) أبو طالب: قلت لأحمد: رجل قال: القرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق، ولكن لفظي هذا به مخلوق، قال: من قال هذا، فقد جاء بالأمر كله، إنما هو كلام اللَّه على كل حال، والحجة فيه حديث أبي بكر -رضي اللَّه عنه- (3): {الم (4) (1) غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 1 - 2] فقيل له (5): هذا مما جاء به صاحبك؟ فقال: لا واللَّه ولكنَّه كلام اللَّه، هذا وغيره، كلام اللَّه (6) قلت: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] هذا الذي قرأت الساعة كلام اللَّه؟ قال: إي واللَّه هو كلام اللَّه، ومن قال: "لفظي بالقرآن مخلوق"، فقد جاء بالأمر كله (7).
وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد اللَّه عن حديث ابن شبرمة عن الشعبي في رجل [نذر أن] (8) يطلق امرأته فقال له الشعبي: أوفِ بنذرك، أترى ذلك؟ فقال: لا واللَّه (9)، وقال الفضل أيضًا: سمعت أبا عبد اللَّه، وذكر (10) يحيى بن
__________
= و 2/ 85، 299) و"الطرق الحكمية" (ص 92، 97، 151، 175، 182)، وما بين المعقوفتين من (ق).
(1) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 41) وفيه: "نقلتُها من الرابع من "السنة" لأبي بكر الخلال" قلت: هو فيه برقم (1153) وانظر "مسائل أبي داود" (ص 276) و"مسائل عبد اللَّه" (3/ 1317) و"مسائل ابن هانئ" (1/ 61 و 2/ 152)، وفي (ق): "يجفى ويعصى" وما بين المعقوفتين سقط من جميع الأصول.
(2) في (ق): "قال".
(3) مضى تخريجه.
(4) "تقرأ: ألف لام ميم، بكسر لام ألف وسكون ميم لام والميم الأخيرة من ميم" (و).
(5) في (ق): "فيقول له".
(6) في جميع النسخ: "وإنما هو كلام اللَّه" والمثبت من مصادر التخريج.
(7) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 42) وفيه: "ونقلت من السادس من "السنة" لأبي بكر الخلال" قلت: هو في الجزء المفقود منه، وانظر: "مسائل أبي داود" (ص 271).
(8) ما بين المعقوفتين بياض في (ك).
(9) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 43) وفيه: "ونقلت من "مسائل الفضل بن زياد". . . وذكرها"، ورواية الفضل عند ابن أبي يعلى في ترجمته من "طبقات الحنابلة" (1/ 253).
(10) في (ق): "ذكر".
(6/62)

سعيد القطان فقال: لا واللَّه ما أدركنا مثله (1).
وذكر أحمد في "رسالته إلى مسدد": "ولا عينٌ تطرف (2) بعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خير من أبي بكر، ولا بعد أبي بكر عين تطرف (2) خير من عمر، ولا بعد عمر عين تطرف (2) خير من عثمان، ولا بعد عثمان عين تطرف (2) خير من علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، ثم قال أحمد: هم واللَّه الخلفاء الراشدون المهديون (3).
وقال الميموني: قلت لأحمد [عن] جابر الجُعفي؟ قال: كان يرى التشيع، قلت: قد يُتَّهم في حديثه بالكذب؟ قال: إي واللَّه (4). قال القاضي: فإن قيل كيف استجاز الإمام أحمد أن يحلف في مسائل مختلف فيها؟ قيل: أما مسائل الأصول، فلا يسوغ فيها اختلاف، فهي إجماع (5)، وأما [مسائل] (6) الفروع، فإنه لما غلب على ظنّه صحةُ ذلك حلف عليه، كما لو وجد في دفتر أبيه أن له على فلان دَيْنًا جاز [له] (7) أن يدَّعيه لغلبة الظن بصدقه، قلت: ويحلف عليه، قال: فإن قيل: أليس قد امتنع من اليمين على إسقاط الشفعة بالجوار؟ قيل: لأن اليمين هناك عند الحاكم، والنية نية الخصم (8).
قلت: ولم (9) يمنع أحمد اليمين لهذا، بل شفعة الجوار عنده مما يسوغ القول بها، وفيها أحاديث صحاح لا ترد (10)، ولهذا اختلف قوله فيها، فمرةً نفاها، ومرةً أثبتها، ومرة فصَّل بين أن يشتركا في حقوق الملك كالطريق والماء
__________
(1) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 44) ورواية الفضل أيضًا في "طبقات الحنابلة" (1/ 253) و"تهذيب الكمال" (31/ 337) و"التهذيب" (11/ 218).
(2) كذا في مصادر التخريج، وفي جميع الأصول: "نظرت. . . خيرًا".
(3) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 45) وذكر هذه القطعة ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (1/ 344) ضمن "رسالة أحمد إلى مسدد".
(4) "المسائل التي حلف عليها أحمد" (رقم 46) ونقل رواية الميموني ابن حجر في "التهذيب" (2/ 43 - ط دار الفكر) وفيه: "وقال الميموني: قلت: لأحمد بن خداش. . . " وهو تحريف، صوابه: "ابن حنبل".
(5) في "المسائل التي حلف عليها أحمد": "فلا يسوغ فيها فهنّ إجماع".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ك).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (ص 89) وفيه: "والنية نية الحاكم" وفي المطبوع و (ت): "والنية فيه للخصم".
(9) في (ق): "لم".
(10) ذكر المؤلف جملة من أحاديث الشفعة وقد تقدم تخريجها مفصلة.
(6/63)

وغيره وبين ألا يشتركا في [شيء من] (1) ذلك، فلا تثبت.
وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه وبه تجتمع الأحاديث، وهو اختيار شيخ الإسلام (2)، ومذهب فقهاء البصرة، ولا نختار غيره (3)، وقد روى أحمد عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم حلفوا في الرواية والفتوى، وغيرهما (4) تحقيقًا وتأكيدًا للخبر (5) لا إثباتًا له باليمين، وقد قال تعالى: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [الذاريات: 23]، وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] الآية (6)، وقال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92، 93]، وكذلك أقسم [بكلامه كقوله] (7) تعالى: {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: 1 - 2]، {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: 1]، {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1]، وأما إقسامه بمخلوقاته التي هي آيات دالة عليه فكثير جدًا.

[من أدب المفتي أن يفتي بلفظ النصوص]
الفائدة التاسعة: ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه، فإنه يتضمن الحكم والدليل [مع البيان التام، فهو حكم مضمونٌ له الصواب، متضمن للدليل] (8) عليه في أحسن بيان، وقول الفقيه المعيَّن ليس كذلك، وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة [الذين سلكوا على منهاجهم] (8) يتحرون ذلك غاية التحري حتى خَلَفت من بعدهم خلوف رغبوا عن النصوص [واشتقوا لهم ألفاظأ غير ألفاظ النصوص] (8)
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) انظر: "مجموع الفتاوى" (30/ 383)، وانظر المسألة في "المغني" (5/ 461 - "الشرح الكبير")، و"المبدع" (5/ 206) لابن مفلح.
(3) انظر ما مضى، و"تهذيب السنن" (2/ 194 و 5/ 167)، ووقع في (ق): "ولا يختار غيره".
(4) في المطبوع و (ت) و (ك): "وغيرها".
(5) في (ق): "تحقيقًا للخبر وتأكيدًا". وانظر في حلف الصحابة تحقيقًا وتأكيدًا للخبر: "طبقات ابن سعد" (4/ 266) أثر لعبد اللَّه بن عمرو: "مالي ولصفين. . . واللَّه على أني ما رميت بسهم" و"الجعديات" (1112 - ط الفلاح) و"مصنف ابن أبي شيبة" (4/ 308) و"سنن البيهقي" (7/ 82)، أثر عمر: "واللَّه ما أفاد امرؤ فائدة بعد إيمان باللَّه خير من امرأة حسنة الخلق ودود" وكلاهما إسناده صحيح، وانظر: "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (رقم 61 - 62).
(6) هذه الآية مذكورة في (ق) بعد التي تليها.
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ت): "بقوله".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(6/64)

فأوجب ذلك هجر النصوص، [ومعلوم أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي به النصوص] (1) من الحكم والدليل وحسن البيان فتولَّد من هجران ألفاظ النصوص والإقبال على الألفاظ الحادثة وتعليق الأحكام بها على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا اللَّه، فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب، ولما كانت هي عصمة [عهدة] (2) الصحابة وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم أصح من علوم من بعدهم وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ من بعدهم، ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك [وهلم جرًّا] (3).
ولما استحكم هجران النصوص عند أكثر أهل الأهواء والبدع كانت علومهم في مسائلهم وأدلتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض.
وقد كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سُئلوا عن مسألة يقولون: قال اللَّه كذا، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كذا، وفعل كذا (4)، ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلًا قط فمن تأمل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور فلما طال العهد وبُعد الناس من نور النبوة صار هذا عيبًا عند المتأخرين أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه قال اللَّه (5)، وقال رسول اللَّه (6)، أما أصول دينهم فصرحوا في كتبهم أن قول اللَّه و [قول] (7) رسوله لا يفيد اليقين في مسائل أصول الدين، وإنما يحتج بكلام اللَّه ورسوله فيها الحشوية والمجسمة والمشبهة، وأما فروعهم فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعض المختصرات التي لا يذكر فيها نص عن اللَّه تعالى، ولا عن رسول اللَّه (8) -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن الإمام الذي زعموا أنهم قلدوه دينهم، بل عمدتهم فيما يفتون ويقضون به وينقلون به الحقوق ويبيحون به الفروج والدماء والأموال على قول [ذلك] (9) المصنِّف، وأجلّهم عند نفسه وزعيمهم عند بني جنسه من يستحضر لفظ [ذلك] (10) الكتاب ويقول: هكذا قال، وهذا لفظه، فالحلال (11) ما أحفَه ذلك الكتاب، والحرام ما حرمه، والواجب ما أوجبه، والباطل ما أبطله، والصحيح ما صححه هذا، وأنَّى لنا بهؤلاء في مثل هذه الأزمان، فقد دفعنا إلى
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق)، و (ت).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في المطبوع: "أو فعل رسول اللَّه كذا".
(5) في (ق): "قال اللَّه تعالى كذا".
(6) في (ق): "رسوله".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ت)
(8) في (ك) و (ق): "رسوله".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(11) في (ق): "والحلال".
(6/65)

أمر تضج منه الحقوق إلى اللَّه ضجيجًا وتعج منه الفروج والأموال والدماء (1) إلى ربها عجيجًا تبدل فيه (2) الأحكام، ويُقلب [فيه] (3) الحلال بالحرام، ويُجعل المعروف فيه (4) أعلى مراتب المنكرات، و [المنكر] (5) الذي لم يشرعه اللَّه ورسوله من أفضل القُرُبات، الحق فيه غريب، وأغرب منه من يعرفه، وأغرب منهما من يدعو إليه وينصح به نفسه والناس، قد فلق بهم (6) فالقُ الإصباح صُبْحه عن غياهب الظلمات، وأبان [لهم] (7) طريقه المستقيم من بين تلك الطرق (8) الجائرات، وأراه بعين قلبه ما كان عليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه -رضي اللَّه عنهم-، مع ما عليه أكثر الخلق من البدع المضلات، رفع له علم الهداية فشمَّر إليه (9)، ووضح [له] (10) الصراط المستقيم فقام واستقام عليه، وطوبى له من وحيد على كثرة السكان، غريب على كثرة الجيران، بين أقوام رؤيتهم قذى العيون، وشجى الحلوق، وكرب النفوس، وحمَّى الأرواح، وغم الصدور، ومرض القلوب، إن (11) أنصفتهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف (12)، وإن طلبته [منهم] (13)، فأين الثريا من يد الملتمس، قد انتكست قلوبهم، وعمي عليهم مطلوبهم، رضوا بالأماني، وابتلوا بالحظوظ، وحصلوا على الحرمان، وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوي الباطلة وشقاشق (14) الهذيان، ولا واللَّه ما ابتلت من وَشَله (15) أقدامهم، ولا زكت به عقولهم وأحلامهم، ولا ابيضت به لياليهم وأشرقت بنوره أيامهم، ولا ضحكت بالهدى، والحق منه وجوه الدفاتر (16) إذ بُلَّتْ بمدادهِ أقلامُهم (17) أَنفقوا في غير
__________
(1) في (ق): "والدماء والأموال".
(2) قال (د): "في نسخة: "تستبدل فيه الأحكام"، ويغلب. . . إلخ".
(3) في (ق): "ويغلب فيه"، وما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ك).
(4) في (ت) و (ك): "ويجعل فيه المعروف في"، وفي (ق): "ويجعل المعروف فيه في".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) في (ت) و (ك): "قد خلق له"، وفي (ق): "قد خلق لهم".
(7) ما بين المعقوفتين من (ق).
(8) في (ق): "الطرقات".
(9) في (ق): "رفع له علم الهدى فسري به".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(11) في المطبوع: "وإن".
(12) في (ق): "لم يقبل طبعهم الإنصاف".
(13) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(14) في (ق): "وشقايق".
(15) "الوشل: الماء القليل" (و).
(16) في (ق): "ركوة الدفاتر"، وفي (ك): "ربوة الدفاتر".
(17) في (ق): "إذا بُلت بمداد ما كلامهم"، وفي (ق): "إذ بكت بمداده اقلامهم".
(6/66)

[شيء] (1) نفائسَ الأنفاس وأَتعبوا أنفسهم وحيَّروا مَنْ خلفهم من الناس، ضيعوا الأصول، فحُرِمُوا الوصول، وأعرضوا عن الرسالة فوقعوا في نهاية (2) الحيرة وبيداء الضلالة.
والمقصود أن العصمة مضمونة في ألفاظ النصوص ومعانيها في أتم بيان وأحسن تفسير، ومَنْ (3) رَامَ إدراك الهدى، ودين الحق من غير مِشْكَاتها، فهو عليه عسيرٌ غير يُسير.

فصل [من أدب المفتي أن يتوجه للَّه لِيُلْهَمَ الصواب]
الفائدة العاشرة: ينبغي للمفتي الموفَّق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقارُ الحقيقيُّ [الحالي] (4) لا العلمي (5) المجرد إلى مُلْهم الصَّواب، [ومعلم الخير وهادي القلوب، أنْ يلهمه الصواب] (6)، ويفتح له طريق السداد، ويدلّه على حُكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة فمتى قرع هذا الباب، فقد قرع باب التوفيق، وما أجدر من [أمَّل] (7) فَضْلَ ربه تعالى أن لا يحرمه إياه، فإذا وجد من قبله (8) هذه الهمة فهي طلائع بشرى التوفيق فعليه أن يوجه وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى ومعدن الصواب ومطلع الرشد، وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها، فإن ظفر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر اللَّه، فإن العلم نورُ اللَّه يقذفه في قلب عبده والهوى والمعصية (9) رياحٌ عاصفةٌ تطفئ ذلك النور أو تكاد (10)، ولا بد أن تُضْعِفَه.
وشهدت شيخ الإسلام قدَّس اللَّه روحه إذا أعيته المسائل (11)، واستعصت (12) عليه فرَّ [منها] إلى التوبة (13) والاستغفار والاستغاثة (14) باللَّه واللَّجَأ
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في المطبوع و (ت) و (ك): "مهامة" وله وجه.
(3) في (ق): "أو من".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ك): "العملي".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) في المطبوع و (ك) و (ق): "قلبه".
(9) في (ك): "والعصبية".
(10) في (ت): "ولا تكاد".
(11) في (ق)، و (ت) و (ك): "غشيته المسائل"، وقال (د) بعد أن أشار إليها: "وأظنه تحريف ما أثبتناه".
(12) في المطبوع: "واستصعبت".
(13) في المطبوع: "فر منها إلى توبة"، وفي (ك): "إلى الاستغفار والتوبة"، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(14) قال (و): "في نسخة: "والاستعانة"". =
(6/67)

إليه، واستنزال الصواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته فقلَّما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مَدًا (1)، وتزدلف الفتوحات الإلهية [إليه] (2) بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن من وفِّق لهذا الافتقار علمًا وحالًا وسار قلبه في ميادينه حقيقة وقصدًا (3)، فقد أُعطي حظه من التوفيق، ومن حرمه، فقد مُنع الطَّريقَ والرَّفيقَ فمتى أُعين مع هذا (4) الافتقار ببذل الجهد في درك الحق، فقد سلك به الصراط المستقيم وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم.

[لا يفتي ولا يحكم إلا بما يكون عالمًا بالحق فيه]
الفائدة الحادية عشرة (5): إذا نزلت بالمفتي أو الحاكم نازلة (6)، فإما أن يكون عالمًا بالحق فيها أو غالبًا على ظنه بحيث قد استفرغ وسعه في طلبه ومعرفته أو لا، فإن لم يكن عالمًا بالحق فيها، ولا غلب على ظنه لم يحل له أن يفتي، ولا يقضي بما لا يعلم ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة اللَّه (7)، ودخل تحت قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا] (8) وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] فجعل القول عليه بلا علم أعظم المحرمات الأربع التي لا تُباح بحال، ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر ودخل تحت قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ
__________
= قلت: وهو المثبت في (ق) و (ك).
(1) نقل عنه تلميذه الإمام الشاب محمد بن عبد الهادي في "العقود" (ص 6) ما نصه: "إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء أو الحالة فأستغفر اللَّه تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل، حنى ينشرح الصدر، وينحل إِشكال ما أَشكل. قال: وأكون إذ ذاك في السوق أو المسجد أو الدرب أو المدرسة لا يمنعني ذلك من الذكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي". وقال (د): "في نسخة: "يتتابع ملأ"".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ت): "في ميادينه حقيقة وقصد افتقار"، وفي المطبوع: "بحقيقة وقصد".
(4) في (ق): "أعين بهذا"، وفي (ك): "عين مع هذا".
(5) في (ق) و (ك): "الحادية عشر"!
(6) في المطبوع: "بالحاكم أو المفتي النازلة"، وفي (ك): ". . . النازلة".
(7) انظر بحث ابن القيم -رحمه اللَّه- في تحريم الفتيا على اللَّه تعالى بغير علم في: "الداء والدواء" (ص 209 - 210)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 158)، و"الفوائد" (98 - 99)، و"مدارج السالكين" (1/ 372 - 374)، و"بدائع الفوائد" (3/ 275).
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "الى قوله".
(6/68)

الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168 - 169] ودخل في قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أفتى بغير علم، فإنما إثمه على من أفتاه" (1)، وكان أحد القضاة الثلاثة [الذين ثُلثَاهم في النار (2)، وإن كان قد عرف الحق في المسألة علمًا أو ظنًا غالبًا لم يحل له أن يفتي، ولا يقضي بغيره بالإجماع المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وهو أحد القضاة الثلاثة] (3)، والمفتين الثلاثة والشهود الثلاثة، وإذا (4) كان من أفتى أو حكم أو شهد بغير علم مرتكبًا لأعظم الكبائر فكيف من (5) أفتى أو حكم أو شهد بما يعلم خلافه؟ فالحاكم والمفتي والشاهد كل منهم يخبر (6) عن حكم اللَّه، فالحاكم مخبر منفذ،
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2) رواه الترمذي (1322)، والطبراني في "الكبير" (1154)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (54)، وابن عدي في "الكامل" (2/ 865 و 4/ 1332)، والروياني في "مسنده" (66) ومحمد بن خلف وكيع في "أخبار القضاة" (1/ 13، 14) والحاكم (4/ 90)، والبيهقي (10/ 116)، وابن عبد البر في "الجامع" (1656) من طريق شريك القاضي عن الأعمش عن سعد بن عُبيدة (وفي سنن الترمذي: سهل وهو تحريف) عن ابن بُريدة عن أبيه به.
وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
لكن شريك لم يخرج له مسلم إلا متابعة.
ورواه أبو داود (3573) والنسائي في "الكبرى" -كما في "تحفة الأشراف" (2/ 94) - وابن ماجه (2315)، والطحاوي (55)، ووكيع في "أخبار القضاة" (1/ 14)، والبيهقي (10/ 116)، وابن عبد البر (1657)، من طريق خلف بن خليفة عن أبي هاشم الرماني عن ابن بريدة به ورجاله ثقات، لكن خلف بن خليفة اختلط بأخرة.
ورواه الطبراني (1156)، من طريق قيس بن الربيع عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة به، وقيس هذا ضعيف.
ورواه الحاكم (4/ 90)، ووكيع (1/ 15)، وابن عبد البر (1658) من طريق عبد اللَّه بن بكير الغنوي عن حكيم بن جبير عن ابن بريدة به.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، فتعقبه الذهبي: ابن بكير الغنوي منكر الحديث.
ورواه ابن عدي (6/ 2161) من طريق محمد بن جابر عن أبي إسحاق عن ابن بريدة به، ومحمد بن جابر هذا ضعيف، وهذه طرق تقوي الحديث بلا شك.
وقد ذكره الحافظ في "الفتح" (13/ 319)، وفي "التلخيص" (4/ 185)، وقال: "وله طرق جمعتها في جزء مفرد"، وقال الذهبي في "الكبائر" (ص 103 - بتحقيقي): "إسناده قويا وصححه شيخنا الألباني في "الإرواء" (8/ 235).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ق): "وإن".
(5) في (ق): "بمن".
(6) في المطبوع و (ت) و (ك): "مخبر".
(6/69)

والمفتي مخبر غير منفذ، والشاهد مخبر عن الحكم الكوني القدري المطابق للحكم الديني الأمري، فمن أخبر منهم عما يعلم خلافه، فهو كاذب على اللَّه عمدًا {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60]، ولا (1) أظلم ممن كذب على اللَّه وعلى دينه، وإن أخبروا بما لم يعلموا، فقد كذبوا على اللَّه جهلًا، وإن أصابوا في الباطن وأخبروا بما لم يأذن اللَّه لهم في الإخبار به، وهم أسوأ حالًا من القاذف إذا رأى الفاحشة وحده فأخبر بها، فإنه (2) كاذب عند اللَّه، وإن أخبر بالواقع، فإن اللَّه لم يأذن له في الإخبار بها إلا إذا كان رابع أربعة (3)، فإن كان (4) كاذبًا عند اللَّه في خبر مطابق (5) لمخبره حيث لم يأذن له في الإخبار [به] (6)، [كيف بمن أخبر عن حكمه بما لم (7) يعلم أن اللَّه حكم به، ولم يأذن له في الإخبار به؟] (8)، قال اللَّه تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ] (9) وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116 - 117]، وقال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ} [الزمر: 32]، والكذب [على اللَّه] (6) يستلزم التكذيب بالحق والصدق، وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] وهؤلاء [الآيات] (8) وإن كانت في حق المشركين والكفَّار، فإنها متناولة لمن كذب على اللَّه في توحيده ودينه وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا تتناول المخطئ المأجور إذا بذل جهده (10)، واستفرغ وسعه في إصابة حكم اللَّه وشرعه، فإن هذا هو الذي فرضه اللَّه عليه، فلا يتناول المطيع للَّه إن أخطأ، وباللَّه التوفيق.

[الواجب على الراوي والمفتي والحاكم والشاهد]
الفائدة الثانية عشرة: حكم اللَّه ورسوله يظهر على أربعة ألسنة: لسان
__________
(1) في (ق): "فلا".
(2) في (ق): "فهو".
(3) في (ق): "إلا أم يكون رابع أربعة".
(4) في (ت): "فإذا كان"
(5) في (ك): "يطابق".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ك): "لا".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(9) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(10) قال (د): "في نسخة: "إذا بذل اجتهاده".
قلت: وهي كذلك في (ت) و (ك).
(6/70)

الراوي، ولسان المفتي، ولسان الحاكم (1)، ولسان الشاهد، فالراوي يَظْهر على لسانه لفظ حكم اللَّه ورسوله، والمفتي يظهر على لسانه معناه وما استنبطه من لفظه، والحاكم يظهر على لسانه الإخبار بحكم اللَّه وتنفيذه، والشاهد يظهر على لسانه الإخبار بالسبب الذي يثبت حكم الشارع، والواجب على هؤلاء الأربعة أن يُخبروا بالصدق المستند إلى العلم فيكونون عالمين بما يخبرون به صادقين في الإخبار به، وآفة أحدهم الكذب والكتمان، فمتى كَتمَ الحق أو الكذب فيه فقد خان اللَّه (2) سبحانه في شرعه ودينه، وقد أجرى اللَّه سنَّته أن يمحق عليه (3) بركة علمه ودينه ودنياه إذا فعل ذلك، كما أجرى عادته سبحانه في المتبايعَيْن إذا كتما وكذبا أن يمحق بركة بيعهما (4)، ومن التزم الصدق والبيان [منهم] (5) في مرتبته بُورك له في علمه [ووقته] (6) ودينه ودنياه، وكان مع {النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا] (69) (7) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: 69 - 70]،
__________
(1) في (ق): "ولسان الحاكم، ولسان المفتي".
(2) في المطبوع و (ت) و (ك): "فقد حاد اللَّه".
(3) في (ق) و (ك): "بالمحق عليه".
(4) يشير إلى حديث حكيم بن حزام: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صَدَقا وبيّنا بورك لهما. . . ".
رواه البخاري في مواطن منها: (2079) في (البيوع): باب إذا بيّن البيعان، ولم يكتما ونَصَحَا، ومسلم (1532) في (البيوع): باب الصدق في البيع والبيان.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(7) يشير إلى حديث التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين.
رواه الترمذي (1212) في "البيوع": باب ما جاء في التجار، والدارمي (2/ 247)، والدارقطني (3/ 7)، والحاكم (2/ 6)، والبغوي (4/ 8) من طريق أبي حمزة عن الحسن البصري عن أبي سعيد الخدري به.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
كذا في المطبوع، وفي "تحفة الأشراف" كذلك، وفي بعض النسخ المطبوعة: غريب. . . ولم يذكر: "حسن"، وقال الحاكم: هذا من مراسيل الحسن، أي أنه منقطع بين الحسن وأبي سعيد.
وله شاهد من حديث ابن عمر: رواه ابن ماجه (2139) في التجارات، باب الحث على المكاسب والدارقطني (3/ 7) والحاكم (2/ 6)، والبيهقي (5/ 266) من طريق كلثوم بن جوشن القشيري عن أيوب عن نافع عن ابن عمر.
قال الحاكم: كلثوم قليل الحديث، فرده الذهبي بقوله: "ضعّفه أبو حاتم"، وقال أبو حاتم كما في "علل ابنه" (1/ 386): "هذا حديث لا أصل له، وكلثوم ضعيف الحديث".=
(6/71)

فبالكتمان يعزل الحق [عن] (1) سلطانه، وبالكذب يقلبُه عن وجهه والجزاءُ من جنس العمل فجزاء [أحدهم أن يعزله اللَّه عن سلطان المهابة والكرامة والمحبة والتعظيم الذي يُلبسه أهل الصدق والبيان، ويُلبسه ثوب الهَوانِ والمقت والخزي] (2) بين عباده، فإذا كان يوم القيامة (3) جازى اللَّه سبحانه [من يشاء] (4) من الكاذبين [الكاتمين] (1) بطمس الوجوه، وردّها على أدبارها كما طمسوا وجهَ الحقِّ وقلبوه عن وجهه جزاءً وفاقًا، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].

[من أدب المفتي ألا ينسب الحكم إلى اللَّه إلا بالنص]
الفائدة الثالثة عشرة: لا يجوز للمفتي أن يشهد على اللَّه ورسوله بأنه أحلَّ كذا أو حرمه (5) أو أوجبه [أو أحبه] (6) أو كرهه إلا لما يعلم أنَّ الأمر فيه كذلك مما نص اللَّه ورسوله على إِباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته، وأما ما وجده في كتابه الذي تلقاه عمَّن قلده دينه فليس له أن يَشهد على اللَّه ورسوله به، ويغرَّ الناس بذلك، ولا علم له بحكم اللَّه ورسوله.
قال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحلَّ اللَّه كذا، أو حرم [اللَّه] (7) كذا، فيقول اللَّه [له] (7) كذبتَ لم أحل كذا، ولم أحرمه (8).
وثبت في "صحيح مسلم" من حديث بُريدة بن الحُصَيب أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "وإذا حاصرتَ حِصْنًا (9) فسألوك أن تنزلهم على حكم اللَّه ورسوله، فلا تنزلهم على حكم اللَّه ورسوله، فإنك لا تدري أتصيب (10) حكم اللَّه فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك" (11).
__________
= وكذا ضعَّفه البوصيري في "زوائده" (2/ 5) بكلثوم هذا، والعجب من تحسين ابن الفطان في "بيان الوهم والإيهام" (4/ 479) لهذا الإسناد، وانظر: تعليقي على "سنن الدارقطنى" (رقم 2774، 2775).
وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) في (ق) و (ك): "يوم اللقاء".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(5) في (ك): "أو حرم كذا".
(6) ما بين المعقوفتين من (ك).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) ذكره المصنف في "أحكام أهل الذمة" (1/ 114 - ط رمادي).
(9) في (ق): "أهل الحصن".
(10) في (ك): "أصبت".
(11) رواه مسلم (1731) في (الجهاد والسير): باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث. =
(6/72)

وسمعتُ شيخ الإسلام يقول: حضرتُ مجلسًا فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر، فقلت له: ما هذه الحكومة؟ فقال: هذا [حكم اللَّه، فقلت له: صار قول زفر هو حكم اللَّه الذي] (1) حكم به وألزم [به] (2) الأمة؟! قل: هذا حكم زفر (3)، ولا تقل: هذا حكم اللَّه (4) أو نحو هذا من الكلام.

[حال المفتي مع المستفتي على ثلاثة أوجه]
الفائدة الرابعة عشرة: المفتي إذا سُئل عن مسألة، فإما أن يكون قصد (5) السائل فيها معرفة حكم اللَّه ورسوله (6) ليس إلا، وإما أن يكون قصده [معرفة] (7) ما قاله الإمامُ الذي شهَّر المفتي نفسَه (8) باتّباعه وتقليده دون غيره من الأئمة، وإما أن يكون مقصوده [معرفة] (7) ما ترجَّح عند ذلك المفتي وما يعتقده فيها لاعتقاده علمه ودينه، وإمامته (9) فهو يرضى تقليده (10) أهو، وليس له غرض في قول إمام بعينه، فهذه أجناس الفتيا التي تَرِد على المفتين.
ففرض (11) المفتي في القسم الأول أن يجيب بحكم اللَّه ورسوله إذا عرفه وتيقَّنه لا يسعه غير ذلك.
وأما في القسم الثاني: فإذا عرف قول الإمام نفسه (12) وسعه أن يخبر به، ولا يحل له أن ينسب إليه القول ويطلق عليه أنه قوله بمجرد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها أو طالعها (13) من كلام المنتسبين إليه؛ فإنه قد
__________
= وذكره المصنف في "أحكام أهل الذمة" (1/ 114) وقال: "فيه حجة ظاهرة على أنه لا يسوغ إطلاق حكم اللَّه على ما لا يعلم العبد أن اللَّه حكم به يقينًا من مسائل الاجتهاد".
(1) ما بين المعقوفتين سقط (ت).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) "هو ثالث ثلاثة من أصحاب أبي حنيفة -رضي اللَّه عنه-" (ط).
ووقع في (ق) و (ك): "هذا حكم زفر وقوله".
(4) في (ت): "حكم اللَّه ورسوله".
(5) في (ق): "مقصد".
(6) في (ت): "ما حكم اللَّه به ورسوله".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) هكذا في (ت)، وفي المطبوع: "الذي شهَرَ. . "، وفي (ق): "الذي شهد المفتي على نفسه".
(9) في المطبوع و (ت) و (ك): "ودينه وأمانته".
(10) في (ق) و (ت) و (ك): "بتقليده"، وما بين المعقوفتين الآتيتين سقط من (ق).
(11) قال (د): "في نسخة: "فغرض المفتي. . . إلخ" تحريف".
(12) في (ك): "بنفسه".
(13) في (ق): "وطالعها".
(6/73)

اختلطت أقوال الأئمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم فليس كل ما في كتبهم منصوصًا عن الأئمة، بل كثير منه يخالف نصوصهم، وكثير منه (1) لا نص لهم فيه، وكثير منه يُخرَّج على فتاويهم، وكثير منه (2) أفتوا به بلفظه أو بمعناه، فلا يحل لأحد أن يقول: "هذا قول فلان ومذهبه" إلا أن يعلم (3) يقينًا أنه قوله ومذهبه، فما أعظم خطر المفتي وأصعب مقامه بين يدي اللَّه تعالى (4)!
وأما القسم الثالث: فإنه يسعه أن يخبر المستفتي (5) بما عنده في ذلك ما يغلب (6) على ظنه أنه الصواب بعد بذل جهده واستفراغ وسعه، ومع هذا فلا يلزم (7) المُستفتي الأخذ بقوله وغايته أنه يسوغ له الأخذ به.
فلينزل المفتي نفسه في منزلة من هذه المنازل الثلاث وليقم بواجبها، فإن الدِّينَ دينُ اللَّه، واللَّه سبحانه [ولا بُدَّ] (7) سائله عن كل ما أفتى به، وهو مَوْقرة (8) عليه، ومحاسب ولا بد، واللَّه المستعان.

[يفتي المفتي بما يعتقد أنه الصواب وإن كان خلاف مذهبه]
الفائدة الخامسة عشرة: ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي اللَّه [سبحانه] (9) أن يفتي السائل بمذهبه الذي يقلده وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح دليلًا فتحمله الرياسة على أن يقتحم (10) الفتوى بما يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه فيكون خائنًا للَّه ورسوله وللسائل وغاشًا له، واللَّه لا يهدي كيد الخائنين، وحرَّم الجنة على من لقيه وهو غاش للإسلام وأهله، والدين النصيحة، والغش مضادٌّ للدين كمضادة الكذب للصدق والباطل للحق، وكثيرًا ما ترد المسألة نعتقد [فيها خلاف المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده] (11)
__________
(1) في (ق): "وكثير منها".
(2) في (ق): "وكثير منهم".
(3) في (ق): "يعلمه".
(4) في (ق): "يدي اللَّه سبحانه".
(5) في (ق): "المفتي".
(6) في (ت): "ومما"، وفي المطبوع: "مما".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ت)، وفي (ق): "لا بد أن يسأله".
(8) أي: يحمله حملًا ثقيلًا، وذلك من شدة المحاسبة والمؤاخذة، وفي (ق): "موقف عليه ومحاسبة".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(10) في (ق): "يتقحم".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(6/74)

فنحكي (1) المذهب [ثم نحكي المذهب] (2) الراجح ونرجِّحه، ونقول: هذا هو الصواب، وهو أولى أن يُؤخذ به، وباللَّه التوفيق.

[لا يجوز للمفتي إلقاء المستفتي في الحيرة]
الفائدة السادسة عشرة (3): لا يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل (4)، وإلقاؤُه في الإشكال والحيرة، بل عليه أن يبيّن بيانًا مزيلًا للإشكال متضمنًا لفصل الخطاب كافيًا في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره (5)، ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال: يقسم بين الورثة على فرائض اللَّه عز وجل وكتبه فلان، وسُئل آخر عن صلاة الكسوف فقال: تصلَّى على حديث عائشة (6)، وإن كان هذا أعلم من الأول، وسئل آخر عن مسألة من الزكاة فقال: أما أهل الإيثار فيخرجون المال [كله] (7)، وأما غيرهم فيخرج القدر الواجب عليه (8) أو كما قال. وسئل آخر عن مسألة فقال: فيها قولان، ولم يزد.
قال أبو محمد بن حزم (9): وكان عندنا مُفْت إذا سئل عن مسألة لا يفتي فيها حتى يتقدمه من يكتب فيكتب [هو] (10): جوابي فيها مثل جواب الشيخ، فقُدِّر
__________
(1) في (ق): "ثم نحكي"، وفي الهامش: "لعله: بل نحكي".
(2) ما بين المعقوفتين من (ت)، وسقط من (ق) كلمة: "المذهب" فقط.
(3) في (ق) و (ك): "عشر".
(4) في (ق): "وتخييره السائل".
(5) عنون على هذه الفقرة في هامش (ق) بقوله: "جواب هؤلاء المفتين"، وفيها: "وتخيره السائل".
(6) حديث عائشة في صلاة الكسوف: رواه البخاري (1049 و 1050) في "الكسوف": باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف، و (1055 و 1056) باب صلاة الكسوف في المسجد، ومسلم (901) في أول صلاة الكسوف.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) قيل لبعضهم: في كم تجب الزكاة، قال: على مذهبنا أم على مذهبكم؟ ثم قال: أما على مذهبنا، فالكل للَّه، وأما على مذهبكم، فكذا وكذا، أو كما قاله، قاله الشاطبي في "الاعتصام" (1/ 338 - بتحقيقي).
(9) في "الإحكام" (6/ 77)، ونصه هناك: ". . . مفتيًا كان عندنا بالأندلس، وكان جاهلًا، فكانت عادته أن يتقدمه رجلان كان مدار الفتيا عليهما في ذلك الوقت، فكان يكتب تحت فتياهما: أقول بما قاله الشيخان، فقضي أن ذينك الشيخين اختلفا، فلما كتب تحت فتياهما ما ذكرنا؛ قال له بعض من حضر: إن الشيخين اختلفا!! فقال: وأنا اختلف باختلافهما!! ".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق).
(6/75)

أن مفتيين اختلفا [في جواب] (1) فكتب تحت جوابهما: جوابي (2) مثل جواب الشيخين، فقيل له: إنهما قد تناقضا فقال: وأنا أتناقض كما تناقضا. وكان في زماننا رجل مشار (3) إليه بالفتوى، وهو مقدَّم في مذهبه، وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوى فيكتب يجوز كذا أو يصح كذا (4)، أو ينعقد بشرطه فأرسل إليه يقول [له] (1): تأتينا فتاوى [منك] (1) فيها يجوز أو ينعقد أو يصح بشرطه، ونحن لا نعلم شرطه، فإما أن تبيّن شرطه، وأما أن لا تكتب ذلك.
وسمعت شيخنا يقول: كلُّ أحد يحسن أن يفتي بهذا الشرط، فإن (5) أي مسألة وردت عليه يكتب فيها يجوز بشرطه أو يصح بشرطه أو يقبل (6) بشرطه ونحو ذلك، وهذا ليس بعلم، ولا يفيد فائدة أصلًا سوى حيرة السائل وتنكده (7)، وكذلك قول بعضهم في فتاويه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم، فيا سبحان اللَّه! واللَّه لو كان الحاكم شُريحًا وأشباهه لما كان مردُّ أحكام اللَّه ورسوله إلى رأيه، فضلًا عن حُكَّام زماننا، فاللَّه المستعان. وسئل بعضهم (8) عن مسألة فقال: فيها خلاف، فقيل له: كيف يعمل المفتي؟ فقال: يختار له [القاضي] (9) أحد المذهبين.
قال أبو عمرو بن الصلاح (10): كنت عند أبي السعادات ابن الأثير الجزري، فحكي له (11) عن بعض المفتين أنَّه سُئل عن مسألة فقال: فيها قولان، فأخذ يزري عليه، وقال (12): هذا حيدٌ عن الفتوى، ولم يخلِّص السائل من
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق).
(2) أشار في هامش (ق): إلى أنه في نسخة: "جواب".
(3) في (ق): "يشار".
(4) في (ق): "ويصح كذا".
(5) في (ق) و (ك): "فإنه".
(6) في (ق) و (ك): "أو ينعقد".
(7) في المطبوع و (ك): "وتبلده"، وأشار (د) في الحاشية إلى ما أثبتاه من (ق).
(8) هو أبو حامد محمد بن يونس الإربلي، أفاده ابن الصلاح في "آدب المفتي والمستفتي" (ص 133).
(9) ما بين المعقوفتين من (ت).
(10) في كتابه "أدب المفتي والمستفتي" (ص 130).
(11) في المطبوع: "فحكى لي"، وفي (ق): "يحكي" فقط.
(12) في "أدب المفتي والمستفتي" (ص 130) بعد النقل السابق عن ابن الأثير ما نصه: "فقال الشيخ ابن الأثير: كان الشيخ أبو القاسم بن البَزْري -وهو علامة زمانه في المذهب- إذا كان في المسألة خلاف، واستفتي عنها، يذكر الخلاف في الفُتيا، ويقال له في ذلك، فيقول: لا أتقلَّد العهدة مختارًا لأحد الرأيين، مقتصرًا عليه، وهذا حيد عن غرض الفتوى، وإذا لم يذكر شيئًا أصلًا فلم يتقلّد العهدة أيضًا، ولكنه لم يأت بالمطلوب حيث لم يخلّص السائل عن عمايته".
(6/76)

عمايته (1)، ولم يأت بالمطلوب.
قلت: وهذا فيه تفصيل، فإن المفتي المتمكن من العلم المضطلع به قد يتوقف في الصواب في المسألة المتنازع فيها، فلا يقدم على الجزم بغير علم وغاية ما يمكنه أن يذكر الخلاف فيها للسائل، وكثيرًا ما يسأل الإمام أحمد [-رضي اللَّه عنه-] (2) وغيره من الأئمة عن مسألة فيقول: فيها قولان أو قد اختلفوا فيها، وهذا كثير في أجوبة (3) الإمام أحمد لسعة علمه، وورعه، وهو كثير في كلام [الإمام] (2) الشافعي [-رضي اللَّه عنه-] (2) يذكر المسألة ثم يقول: فيها قولان، وقد اختلف أصحابه (4) هل يضاف القولان اللَّذان يحكيهما إلى مذهبه ويُنسبان إليه أم لا؟ على طريقين، وإذا اختلف عليُّ وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد وأبيّ وغيرهم من الصحابة [-رضي اللَّه عنهم-]، ولم يتبين للمفتي القول الراجح من أقوالهم فقال: هذه مسألة اختلف فيها فلان وفلان من الصحابة، فقد انتهى (5) إلى ما يَقْدر عليه من العلم. قال أبو إسحاق الشيرازي (6): سمعت شيخنا أبا الطيب [الطبري] يقول: سمعت أبا العباس الخُضَري (7) يقول: كنت جالسًا عند أبي بكر بن داود الظاهري فجاءته
__________
(1) في (ت): "غايته"!
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق).
(3) في (ق): "جواب".
(4) في (ق): "وقد اختلف فيها وقد اختلف".
(5) في (ق): "أنهى".
(6) في كتابه "طبقات الفقهاء" (ص 175 - 176) وعنه الخطيب في "تاريخ بغداد" (5/ 256 - 257) ومحمد بن عبد الملك الهَمَذاني في "تكملة تاريخ الطبري" (198 - 199) وابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (131 - 133) وقال: "ولقد وقع ابن داود بعيدًا عن مناهج المفتين في تعقيده هذا وتسجيعه، وتحييره من استرشده وتضييعه".
(7) في جميع الأصول: "الحضرمي"!! وهو خطأ، والمثبت من (ك) والمصادر السابقة، و (الخضري) نسبة إلى بيع البقل، كما في "المشتبه" (1/ 238)، وفي "الإكمال" (3/ 255، 256): "الخضري: بخاء معجمة مضمومة، وضاء معجمه مفتوحة، وأبو العباس الخضري: قال حضرت مجلس أبي بكر بن أبي داود، سمع منه القاضي أبو الطيب، لا أعرف اسمه" وقال ابن الصلاح في "أدب المفتي"، قلت: التصحيف شين، فاعلم أن أبا العباس الخضري هذا، هو بخاء معجمة مضمومة، وبضاد معجمة مفتوحة".
وذكر القصة بطولها ابن ناصر الدين في "توضيح المشتبه" (3/ 248 - 249) واستدرك على ابن ماكولا قوله: "ابن أبي" وبيّن أنها وقعت كذلك في القصة نفسها عن ابن الجوزي في "المحتسب"، والصواب حذف (أبي).
وقال الخطيب في "تاريخ بغداد" (5/ 257): "قال لي القاضي أبو الطيب: كان الخضري شافعي المذهب، إلا أنه كان يعجب بابن داود، يقرظه ويصف فضله".
(6/77)

امرأة فقالت: ما تقول في رجلٍ له زوجة لا [هو] (1) مُمسكها ولا [هو] (1) مطلِّقها؟ فقال [لها] (1): اختلف في ذلك أهل العلم فقال قائلون: تُؤمر بالصَّبر والاحتساب ويُبعثُ (2) على التطلّب والاكتساب، وقال قائلون: يُؤمر بالإنفاق: ولا (3) يُحمل على الطلاق، فلم تفهم المرأة قوله فأعادت المسألة فقال: يا هذه! [قد] (4) أجبتُك عن (5) مسألتك، وأرْشدتُك إلى طلبتك، ولست بسلطان (6) فأمضي، ولا قاض (7) فاقضي، ولا زوج فأُرْضِي، انصرفي (8).

[الإفتاء في شروط الواقفين]
الفائدة السابعة عشرة (9): إذا سئل عن مسألة فيها شرط واقف لم يحل له أن يلزم بالعمل به، بل ولا يسوغه على الإطلاق حتى ينظر في ذلك الشرط، فإن كان يخالف حكم اللَّه ورسوله فلا حُرمةَ له، ولا يحل له تنفيذه، ولا يسوغ تنفيذه، وإن لم يخالف حكم اللَّه ورسوله فلينظر هل فيه قربة أو رجحان عند الشارع أم لا؟ فإن لم يكن فيه قربة ولا رجحان لم يجب التزامه، ولم يحرم، فلا تضر مخالفته، وإن كان فيه قربة وهو راجح على خلافه، فلينظر هل يفوت بالتزامه والتقييد به ما هو أحب إلى اللَّه ورسوله وأرضى له، وأنفع للمكلف وأعظم تحصيلًا لمقصود الواقف من الأجر (10)؟، فإن فات ذلك بالتزامه لم يجب التزامُه ولا التّقييدُ به قطعًا وجاز العدول، بل يُستحب (11) إلى ما هو أحب إلى اللَّه ورسوله، وأنفع للمكلف وأكثر تحصيلًا لمقصود الواقف (12) وفي جواز التزام شرط (13) الواقف في هذه الصورة (14) تفصيل سنذكره إن شاء اللَّه [تعالى] (15)،
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ت).
(2) في (ق): "وتبعث"!! قال ابن الصلاح: "في أوله الياء التي هي للمذكر".
(3) في (ق): "وإلا".
(4) ما بين المعقوفتين من (ق).
(5) في (ق): "إلى".
(6) في (ق): "ولست سلطان"!
(7) في (ت): "ولست بقاض"، وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة ما أثبتناه.
(8) في المطبوع: "فانصرفي".
(9) في (ق) و (ك): "عشر".
(10) في (ق): "من الآخر".
(11) في (ك): "استحب".
(12) انظر: "فتاوى ابن تيمية" (3/ 389 - 390) و"أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية" (1/ 278 وما بعد).
(13) في (ك): "الشرط".
(14) في (ق): "الصور".
(15) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك) و (ت).
(6/78)

وإن كان [فيه] (1) قربة وطاعة، ولم يفت بالتزامه (2) ما هو أحب إلى اللَّه ورسوله منه وتساوى هو وغيره في تلك القربة، ويحصل (3) غرض الواقف بحيث يكون هو وغيره طريقين موصلين (4) إلى مقصوده ومقصود الشارع من كل وجه لم يتعيَّن عليه التزام الشرط، بل له العدول عنه إلى ما هو أسهل عليه وأرفق [به] (5)، وإن ترجَّح موجب الشرط، وكان قصد القربة والطاعة فيه أظهر وجب التزامه.
فهذا هو القول الكلي في شروط الواقفين، وما يجب التزامه منها (6)، وما يسوغ، وما لا يجب.
ومن سلك غير هذا المسلك تناقض أظهر تناقض، ولم يثبت له قدم يعتمد عليه.
فإذا شَرَط الواقف أن يصلِّي الموقوف عليه في هذا المكان المعيَّن الصلوات الخمس، ولو (7) كان وحده إلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين لم يجب عليه الوفاء بهذا الشرط، بل، ولا يحل [له] (11) التزامه إذا فاتته الجماعة، فإن الجماعة إما شرطٌ لا تصح الصلاة بدونها، وإما واجبة يستحق تاركها العقوبة، وإن صحَّت صلاته، وإما سنة مؤكدة يقاتل تاركها (8) وعلى (9) كل تقدير، فلا يحل (10) التزام شرط يُخلُّ بها.
وكذلك إذا شرط الواقف العزوبية وترك التأهل لم يجب الوفاء بهذا [الشرط بل] (11)، ولا التزامه، بل من التزمه رغبةً عن السنة فليس من اللَّه ورسوله في شيء، فإن النِّكاح عند الحاجة إليه إما فرضٌ يُعاقب (12) تاركه، وإما سنة الاشتغال به (13)
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ك) و (ق).
(2) في (ك): "لم يفت بالتزام".
(3) في (ق): "وتحصيل"، وفي (ك): "وتحصل".
(4) في (ق): "موصله".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ق): "فيها".
(7) في (ق): "وإن".
(8) كذا في جميع الأصول!! ولعل سقطًا وقع بين "مؤكدة" و"يقاتل"، فتأمل.
(9) في (ق): "على".
(10) في المطبوع: "فلا يصح".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق)، وفي (ك): "الشرط" فقط.
(12) في المطبوع و (ت) و (ك): "يعصي".
(13) في المطبوع و (ت) و (ك): "الاشتغال بها".
(6/79)

أفضل من صيام النهار وقيام الليل وسائر أوراد التطوعات، وإما سنة يثاب [فاعلها، كما يثاب] (1) فاعل السنن والمندوبات، وعلى كل تقدير، فلا يجوز اشتراط تعطيله أو تركه إذ يصير مضمون هذا الشرط [أنه] (2) لا يستحق تناول الوقف إلا من عطَّل ما فرض اللَّه عليه وخالف سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومن فعل ما فرضه [اللَّه عليه] (1) وقام بالسنة لم يحل له أن يتناول من هذا الوقف شيئًا، ولا يخفى ما في التزام هذا الشرط والإلزام به من مضادة اللَّه ورسوله، وهو أقبح (3) من اشتراطه (4) ترك الوتر والسنن الراتبة وصيام الاثنين والخميس (5) والتطوع بالليل، بل أقبح من اشتراطه (6) ترك ذكر اللَّه بكرة وعشيًا ونحو ذلك.
ومن ذلك (7) اشتراطه أن يصلي الصلوات في التربة المدفون بها ويدع المسجد، وهذا أيضًا مضاد لدين الإسلام أعظم مضادة، فإن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لعن المتخذين قبور أنبيائهم مساجد (8)، فالصلاة في المقبرة معصية للَّه ورسوله باطلة عند كثير من أهل العلم لا يقبلها اللَّه، ولا تبرأ الذمة بفعلها (9)، فكيف يجوز التزام شرط الواقف لها وتعطيل شرط اللَّه ورسوله، فهذا يغير (10) الدين لولا أن اللَّه سبحانه يقيم له من يبيِّن أعلامه ويدعو إليه.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) وبعدها فيها: "إلا".
(3) في (ت): "وهو من أقبح"، و"من" زائدة.
(4) في (ق): "اشتراط".
(5) في المطبوع و (ت): "وصيام الخميس والاثنين".
(6) في (ق): "اشتراط".
(7) في المطبوع و (ت) و (ك): "ومن هذا".
(8) أخرج البخاري في "صحيحه" (كتاب الصلاة): باب منه (1/ 532/ رقم 435، 436)، و (كتاب الجنائز): باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (3/ 200/ رقم 1330)، وباب ما جاء في قبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (3/ 255/ رقم 1390)، و (كتاب أحاديث الأنبياء): باب ما ذُكر عن بني إسرائيل (6/ 494 - 495/ رقم 3453، 3454)، و (كتاب المغازي): باب مرض النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ووفاته (8/ 140/ رقم 4441، 4443، 4444)، و (كتاب اللباس): باب الأكسية والخمائص (10/ 2770 / رقم 5815، 5816)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب المساجد ومواضع الصلاة): باب النهي عن بناء المساجد على القبور (1/ 377 / رقم 529، 531) عن عائشة وابن عباس رفعاه: "لعنة اللَّه على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ يحذر مما صنعوا".
(9) انظر: "الاختيارات العلمية" (ص 25) و"اقتضاء الصراط المستقيم" (ص 329 - 330) و"تحذير الساجد" (ص 187 - 189)، وكتابي "القول المبين" (ص 73 - 77) وفي (ت): "ولا تبرئ الذمة"، وفي (ق): "ولا تبرأ الذمة".
(10) في المطبوع و (ت): "فهذا تغيير"، وفي (ك): "فهكذا يغير".
(6/80)

ومن ذلك اشتراط إيقاد سراج أو قنديل على قبر، فلا يحل للواقف اشتراط ذلك (1)، ولا للحاكم تنفيذه، ولا للمفتي تسويغه، ولا للموقوف عليه فعله والتزامه، فقد لعن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المتخذين السُّرُج على القبور (2)، فكيف يحل للمسلم أن يُلْزم أو يُسَوِّغ فعل ما لعن رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فاعلَه؟ وحضرتُ بعض قضاة الإسلام يومًا، وقد جاءه كتابُ وقف على تربة ليثبته (3)، وفيه: "وأنه (4) يُوقد على القبر كلَّ ليلة قنديلٌ" فقلتُ له: كيف يَحلُّ لك أن تثبت هذا الكتاب وتحكم بصحته مع علمك بلعنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المتخذين (5) السُّرُجَ على القبور؟ فأمسك عن إثباته، وقال: الأمر كما قلت أو كما قال.
ومن ذلك أن يشترط القراءة عند قبره دون البيوت التي {أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
__________
(1) في (ق): "شرط ذلك".
(2) رواه أبو داود الطيالسي (2733)، وأحمد في "مسنده" (1/ 229 و 287 و 324 و 337)، وابن أبي شيبة (2/ 376 و 3/ 344)، وأبو داود (3236) في "الجنائز": باب ما جاء في النهي عن زيارة القبور، والترمذي (320) في الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدًا، وابن ماجه (1575) في الجنائز: باب ما جاء في النهي عن زيارة القبور، والنسائي (4/ 94) في "الجنائز": باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور، وابن حبان (3179، و 3180)، والحاكم (1/ 374)، والطبراني (12725)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (8/ 70 - 71)، والبيهقي (4/ 78)، والبغوي (510) من طريق محمد بن جُحادة عن أبي صالح عن ابن عباس: "لعن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرج"، وأبو صالح هذا هو باذام، ويقال: باذان مولى أم هانئ، وهو ضعيف في الرواية، وقد جاء اسمه مُصَرَّحًا به في رواية علي بن مسلم الطوسي عن أبي داود الطيالسي، كما ذكر المزي في "تحفة الإشراف" (4/ 368)، وقد جزم أنه هو المقصود: عبد الحق وابن القطان وابن عساكر والمنذري وابن دحية وغيرهم ذكره الحافظ في "تهذبب التهذيب" في ترجمة أبي صالح "ميزان"، ومع ضعف باذام إلا أن الترمذي قال: "حديث حسن"!!
أما ابن حبان فقد رجحه أنه هو "ميزان" الراوي الثقة ولذلك أخرجه في "صحيحه".
وذكر المزي وابن حجر رواية لشعبة، والحسن بن أبي جعفر والحسين بن دينار، وأبي الربيع السمان، ومحمد بن طلحة بن مصرف عن محمد بن جحادة عن أبي صالح السَمَّان عن ابن عباس!
لكن نرجح ما رجح أهل العلم في هذا واللَّه أعلم.
وقد ذكره شيخنا الألباني -رحمه اللَّه تعالى- في "السلسلة الضعيفة" (225)، ولم يذكر شيئًا مما قلنا، فلعله لم يقف على هذا الاختلاف.
(3) في (ق): "ليثبت".
(4) في (ق): "وأن".
(5) في المطبوع و (ت): "للمتخذين".
(6/81)

وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ]} (1) [النور: 36] والناس لهم [فيها] (2) قولان:
أحدهما: أن القراءة لا تصل إلى الميت، فلا فَرْقَ [بين] (3) أن يقرأ عند القبر أو بعيدًا منه عند هؤلاء.
[و] (4) الثاني: أنها تصل، ووصولها فرع حصول الثواب (5) للقارئ، ثم ينتقل منه إلى الميت فإذا كانت قراءة القارئ ومجيئه إلى القبر إنما هو لأجل الجعل، [و] (3) لم يقصد به التقرب إلى اللَّه لم يحصل له ثواب فكيف ينقل عنه إلى الميت وهو فرعه؟ فما زاد بمجيئه إلى التربة إلا العناء والتعب (6) بخلاف ما إذا قرأ [اللَّه] (4) في المسجد أو غيره في مكان [يكون] (7) أسهل عليه وأعظم لإخلاصه، ثم جعل ثواب ذلك للميت وصل إليه.
وذاكرت مرةً (8) بهذا المعنى بعض الفضلاء فاعترف به، وقال: لكن (9) بقي شيء آخر، وهو أن الواقف قد يكون قصد انتفاعه بسماع القرآن على قبره ووصول بركة ذلك إليه، فقلت له: انتفاعه بسماع القرآن مشروطٌ بحياته فلما مات انقطع عمله [كله] (4)، واستماع القرآن من أفضل الأعمال الصالحة، وقد انقطع بموته، ولو كان ذلك ممكنًا لكان السلف الطئب من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم أولى بهذا الحظ العظيم لمسارعتهم إلى الخير وحرصهم عليه ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، فالذي لا شك فيه أنه لا يجب حضور التربة (10)، ولا تتعيَّن القراءة عند القبر.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الاختيارات العلمية" (ص 54): "ولم يكن من عادة السلف إذا. . . قرؤوا القرآن يهدون ثواب ذلك إلى أموات المسلمين، فلا ينبغي العدول عن طريقة السلف، فإنه أفضل وأكمل" وفصّلتُ المسألة في تعليقي على "التذكرة" للقرطبي، يسر اللَّه إتمامه ونشره، وانظر: "أحكام الجنائز" (ص 221 وما بعد)، وما بين المعقوفتين من (ت) و (ك) و (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق) و (ك).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) المطبوع: "الصواب".
(6) في (ق): "إلا العناد والتعب".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(8) في (ق): " وذاكرت يومًا".
(9) في (ق): "ولكن".
(10) في (ت): "التربة" فقط! وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة أخرى بدلها: "التزامه" وهو الأصح.
(6/82)

ونظير هذا ما لو وقف وقفًا يتصدَّق به عند القبر، كما يفعل (1) كثير من الجهال، فإن في ذلك من تعنية الفقير وإتعابه وإزعاجه من موضعه إلى الجبَّانة في حال الحر والبرد والضعف حتى يأخذ تلك الصدقة عند القبر مما لعله (2) أن يحبط أجرها ويمنع (3) انعقاده بالكلية.
ومن هذا لو شرط واقف الخانقاه وغيرها على أهلها أن لا يشتغلوا بكتابة العلم وسماع الحديث والاشتغال بالفقه، فإن هذا شرط باطل مضاد لدين الإسلام لا يحل تنفيذه، ولا التزامه، ولا يستحق من قام به شيئًا من [هذا] (4) الوقف، فإن مضمون هذا الشرط أن الوقف المعيَّن إنما يستحقه من ترك ما يجب عليه من العلم النافع وجهل أمر اللَّه ورسوله ودينه (5)، و [جهل] (6) أسماءه وصفاته وسنة نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأحكام الثواب والعقاب، ولا ريب أن هذا الصنف [من] شرار خلق اللَّه وأمقتهم (7) عند اللَّه ورسوله وهم خاصة الشيطان وأولياؤه وحزبه {أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19].
ومن ذلك أن يشترط الواقف أن لا يقرأ في ذلك المكان شيء من آيات الصفات وأحاديث الصفات، كما أمر به بعض [أعداء اللَّه] (8) من الجهمية لبعض الملوك، وقد وقف مسجدًا للَّه تعالى، ومضمون هذا الشرط المضاد لما بعث اللَّه به رسوله أن تُعطَّل أكثرُ آيات القرآن عن التلاوة والتَّدبُّر والتَّفهُّم (9)، وكثير من السنة أو أكثرها [عن] (4) أن تُذكر أو تُروى أو تُسمع أو يُهتدى بها ويُقام سوق التجهم والكلام المبتدع [المذموم] (10) الذي هو كفيل بالبدع والضلالة والشك والحيرة (11).
ومن ذلك أيضًا أن يقف مكانًا أو مسجدًا أو مدرسة أو رباطًا على طائفة معينة [من الناس] (12) دون غيرهم كالعجم مثلًا أو الروم أو الترك أو غيرهم،
__________
(1) في (ق): "يفعله".
(2) في (ق): "ما لعله".
(3) في (ق): "أو يمنع".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ت): "أمر اللَّه ودينه ورسوله"، وفي (ك): "أمر اللَّه ورسوله".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(7) في (ق): "وأبغضهم"، وما بين المعقوفتين سقط منها.
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "أعداءه".
(9) في (ق): "والتفهم والتدبر"، بتقديم وتأخير.
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(11) في (ق): "والضلال والحيرة".
(12) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6/83)

وهذا من أبطل الشروط؛ [فإن مضمونه] (1) أن أقارب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وذرية المهاجرين والأنصار لا يحل لهم أن يصلّوا في هذا المسجد، ولا ينزلوا في هذا الرباط أو المدرسة أو الخانقاه (2)، بل لو أمكن أن يكون أبو بكر وعمر وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان -رضي اللَّه عنهم- بين أظهرنا حرم عليهم النزول بهذا المكان الموقوف.
وهذه الشروط والاشتغال بها والاعتداد بها من أسمج الهذيان، ولا تصدر من قلب طاهر ولا ينفذها من شم روائح العلم الذي بعث اللَّه به رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وكذلك لو شرط أن يكون المقيمون بهذه الأمكنة طائفة من أهل البدع، كالشيعة والخوارج والمعتزلة والجهمية (3) والمبتدعين في أعمالهم، كأصحاب الإشارات، واللاذن، والشير (4)، والتغبير (5) وأكل الحيَّات وأصحاب النار وأشباه الذئاب المشتغلين بالأكل والشرب والرقص لم يصح هذا الشرط، وكان غيرهم أحق بالمكان منهم وشروط اللَّه أحق.
فهذه الشروط [وأضعافها] (6) وأضعاف أضعافها من باب التعاون على الإثم والعدوان واللَّه تعالى إنما أمر بالتعاون على البر والتقوى، وهو ما شرعه على لسان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دون ما لم يشرعه فكيف بما شُرع (7) خلافه؟! والوقف إنما يصح على القُرَب والطاعات، [ولا فرق] (6) في ذلك بين مصرفه وجهته وشرطه (8)، فإن الشرط صفة وحال في الجهة [والمصرف] (6) فإذا اشترط (8) أن يكون [المصرف] (9) قربة وطاعة فالشرط كذلك، ولا يقتضي الفقه إلا هذا، ولا
__________
(1) في (ق): "فمضمونه".
(2) في (ق): "والمدرسة والخانقات".
(3) في (ق): "والجهمية والمعتزلة".
(4) "الشير" مستحضر الحشيشة، و"شيرى" (قنباص) الصوف، انظر: "تكملة المعاجم العربية" (6/ 396) وفي (ق): "واللاذن والنبر".
(5) التغبير: تطريب الشعر الذي فيه ذكر اللَّه، وعقد الخلال في كتابه "الأمر بالمعروف" (ص 97 - 99 بضخقيقي) فصلًا في ذكر التغبير، وذكر كراهة أحمد لذلك في تسعة آثار، وممن نص على بدعيته: ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص 230) والسيوطي في "الأمر بالاتباع" (ص 111 - بتجقيقي)، والذي أثبتناه من (ق) و (ك)، وفي سائر النسخ: "والعنبر"!!
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ت): "بما شرعه".
(8) قال في هامش (ق): "قال في الفروع" [4/ 600]: "لا. . . [يتعين] طائفة وقف عليها مسجدًا، أو مقبرة، كالصلاة فيه"، وفيها: "شرط" بدل "اشترط".
(9) في (ت) و (ك): "المصروف"، وقد سقط من (ق).
(6/84)

يمكن أحدًا أن ينقل عن أَئمة الإسلام الذين لهم في الأمة لسان صدق ما يخالف ذلك [البتة] (1)، بل نَشهد باللَّه وللَّه (2) أن الأئمة لا تخالف ما ذكرناه (3)، [وأن هذا نفس قولهم، وقد أعاذهم اللَّه من غيره] (1)، وإنما يقع الغلط لكثير (4) من المنتسبين إليهم في فهم أقوالهم، كما وقع لبعض من نصب نفسه للفتوى من أهل عصرنا: ما تقول السادة الفقهاء في رجل وقف على أهل الذمة هل يصح ويتقيد الاستحقاق بكونه منهم؛ فأجاب بصحة الوقف وتقييد الاستحقاق بذلك الوصف، وقال: هكذا قال أصحابنا، ويصح الوقف على أهل الذمة (5)، فأنكر ذلك شيخنا عليه غاية
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في المطبوع: "باللَّه واللَّه"، وفي (ق): "للَّه وباللَّه".
(3) في (ق): "لا يخالفون ما ذكرنا".
(4) في (ت) و (ك): "الغلط الكثير"، وفي المطبوع: "الغلط من كثير".
(5) هذا هو المنصوص عليه في كتب الحنفية، قال ابن عابدين في "منحة الخالق" (5/ 254): "ولو عين مساكين أهل دينه: تعينوا، ولا يجوز صرفها لغيرهم، فإن فرقها القيم في غيرهم: يكون ضامنًا لما فرق لمخالفته الشرط، وإن كان أهل الذمة ملة واحدة، لتعين الوقف بمن يعينه الواقف" وقالوا: شرط الواقف غير المسلم معتبر كشرط الواقف المسلم، حتى لو أنه شرط أن من أسلم من ولده أخرج: اعتبر شرطه، كشرط المعتزلي أن من صار سنيًا أخرج، وليس هذا من قبل اشتراط المعصية: لأن التصدق على الكافر -غير الحربي- قربة وقالوا: وليس في المذهب خلاف -يعتد به- في ذلك انظر: "الإسعاف" (102).
ومع ذلك، فإن الطرسوسي -من متاخري الحنفية- أنكر هذا وشنع عليه: بأنه من قبيل جعل الكفر سببًا للاستحقاق، والإسلام سببًا للحرمان.
وقد أجاب الكمال بن الهمام، فقال في "فتح القدير" (5/ 38) ما نصه: "وهذا للبعد عن الفقه، فإن شرائط الواقف معتبرة إذا لم تخالف الشرع، والواقف مالك: له أن يجعل ماله حيث شاء ما لم يكن معصية، وله أن يخص صنفًا من الفقراء دون صنف، وإن كان الوضع في كلهم قربة، ولا شك أن التصدق على أهل الذمة قربة حتى جاز أن تدفع إليهم صدقة الفطر والكفارات عندنا، فكيف لا يعتبر شرطه في صنف دون صنف من الفقراء؟!. . . والإسلام ليس سببًا للحرمان، بل الحرمان: لعدم تحقق سبب نملكه هذا المال والسبب هو: إعطاء الواقف المالك".
وانظر: "أحكام أهل الذمة" للمصنف (1/ 601 - 606 - ط الرمادي) و"القواعد" (2/ 594 - بتحقيقي) لابن رجب، و"أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام" (ص 72) و"أحكام الوقف" (1/ 411 - 412).
وفي هامش (ق): "يجوز الوقف على الذميين، وشرط الاستحقاق ما دام ذميًا لاغٍ، وصحّحه في "الفنون""، وفيها: "وصح" بدل "ويصح".
(6/85)

الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعًا من صحة الوقف عليه بالقرابة (1) أو بالتعيين وليس مقصودهم أن الكفر باللَّه ورسوله وعبادة الصليب (2) وقولهم: إن المسيح ابن اللَّه شرط لاستحقاق الوقف حتى أن مَنْ آمن باللَّه ورسوله واتّبع دين الإسلام لم يحل له أن يتناول بعد ذلك من الوقف فيكون حل تناوله مشروطًا بتكذيب اللَّه ورسوله والكفر بدين الإسلام، ففرق (3) بين كون وصف الذمة مانعًا من صحة الوقف وبين كونه مقتضيًا، فغلظ طبع هذا المفتي وكثف فهمه وغلظ حجابه [عن] (4) ذلك [ولم يميز] (4).
ونظير هذا أن يقف على الأغنياء، فهذا يصح إذا كان الموقوف عليه غنيًا أو ذا قرابة (5)، فلا يكون الغنى مانعًا، ولا يصح أن يكون جهة الاستحقاق هو الغنى فيستحق ما دام غنيًا فإذا افتقر واضطر إلى ما يقيم أوَدَه حرم عليه تناول الوقف، فهذا لا يقوله إلا مَنْ حُرم التّوفيق وصَحِبه الخُذْلان، ولو رأى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-[أحدًا] (4) من الأمة (6) يفعل [لك] (4) لاشتدَّ إنكاره وغضبه [عليه، ولما أقره ألبتة] (4)، وكذلك لو رأى رجلًا من أمته قد وقف على من يكون من [الرجال] (4) عزبًا غير متأهل، فإذا تأهّل حرم عليه تناول الوقف لاشتد غضبه ونكيره (7) عليه، بل دينه يخالف هذا، فإنه [كان] (4) إذا جاءه مال أعطى العزب حظًا وأعطى الآهل حظين (8)، وأخبر أن ثلاثة حق على اللَّه عونهم [فذكر منهم] (4): الناكح يريد العفاف (9).
__________
(1) في (ت): " بالقران".
(2) في المطبوع و (ت) و (ك): "وعبادة الصليب".
(3) في (ت) و (ق) و (ك): "فالفرق".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ت) و (ق) و (ك): "الموقوف عليه معينًا أو قرابة".
(6) في المطبوع و (ت): "الأئمة"، وأشار في هامش (ت) إلى أنه في نسخة: "الأمة"، ولعله الصواب، وما بعدها في (ق): "يفعله".
(7) في (ق): "وأنكره".
(8) أخرج ابن أبي شيبة (12/ 348)، وأحمد (6/ 25 - 26، 29)، وأبو داود (2953)، وابن الجارود في "المنتقى" (1112)، والطبراني في "الكبير" (18/ رقم 80، 81، 82)، وابن حبان في "الصحيح" (4816 - "الإحسان")، والحاكم (2/ 140 - 141)، والبيهقي (6/ 346)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (5/ 152) عن عوف بن مالك قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى الآهل حَظَّيْن، وأعطى العزب حظًا. وإسناده صحيح، وعزاه ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (28/ 584) إلى أحمد في رواية أبي طالب، وقال: "حديث حسن" وخرجته بتفصيل في تعليقي على "الحنائيات" يسر اللَّه نشره بمنّه وكرمه.
(9) سبق تخريجه.
(6/86)

وملتزمُ (1) هذا الشرط حقٌّ عليه عدم إعانة الناكح.
ومن هذا أن يشترط أنه لا يستحق الوقف إلا من ترك الواجب عليه من طلب النصوص ومعرفتها والتفقه في متونها والتمسك بها إلى الأخذ بقول فقيه معيَّن يَتْرك لقوله قول من سواه، بل يترك النصوص لقوله، فهذا شرطٌ من أبطل الشروط، وقد صرح الشافعي (2) وأحمد [رحمهما اللَّه تعالى] (3) بأن الإمام إذا شرط [على القاضي] (4) أن لا يقضي إلا بمذهب معيَّن بطل الشرط، ولم يجز له التزامه (5)، وفي بطلان التولية قولان مَبنيَّان على بطلان العقود بالشروط الفاسدة، وطرد هذا أن المفتي متى (6) شرط عليه ألا يفتي إلا بمذهب معين بطل [الشرط] (7) وطرده أيضًا أن الواقف متى (6) شرط على الفقيه أن لا ينظر ولا يشتغل إلا بمذهب معيَّن بحيث يهجر [له] (7) كتاب اللَّه وسنة رسوله [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (7) وفتاوى الصحابة [ومذاهب العلماء] (7) لم يصح هذا الشرط قطعًا، [ولا يجب التزامه، بل، ولا يسوغ.
وعقد هذا الباب وضابطه] (8) أن المقصود [إنما هو] (3) التعاون على البر والتقوى، وأن يطاع اللَّه ورسوله بحسب الإمكان، [وأن يُقدَّم مَنْ قدَّمه اللَّه ورسوله ويُؤخَّر مَنْ أخَّره اللَّه ورسوله] (9)، ويُعتبر ما اعتبره اللَّه ورسوله، ويُلغى ما ألغاه اللَّه ورسوله، وشروط الواقفين لا تزيد على نذر الناذرين؛ فكما أنه لا يُوفَّى من النذور (10) إلا بما كان طاعةً للَّه ورسوله، [فلا يلزم (11) من شروط الواقفين إلا ما كان طاعة للَّه ورسوله.
فإن قيل: الواقف إنما نَقَل مالَه لمن قام بهذه الصفة فهو الذي رَضي بنقل ماله إليه، ولم يَرضَ بنقله إلى غيره وإن كان أفضل منه، فالوقفُ يجري مجرى الجعالة، فإذا بذل الجاعل ماله لمن يعمل عملًا لم يستحقه من عمل غيره، وإن
__________
(1) في (ق) و (ك): "ويلزم".
(2) في المطبوع و (ق) و (ك): "وقد صرح أصحاب الشافعي".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(5) في (ق) و (ك): "ولم يجب التزامه".
(6) في (ق): "إذا".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "وضابط هذا الباب".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(10) في (ق): "النذور".
(11) في (ك): "يلتزم".
(6/87)

كان بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض.
قيل: [هذا] (1) منشأ الوهم والإيهام في هذه المسألة، وهو الذي قام بقلوب ضعفة المتفقِّهين فالتزموا وألزموا من الشروط بما غيره أحبُّ إلى اللَّه وأرضى له منه بإجماع الأمة بالضرورة المعلومة من الدين.
وجواب هذا الوهم أن الجاعل يبذل ماله في غرضه الذي يريده إما محرمًا أو مكروهًا أو مباحًا أو مستحبًا أو واجبًا (2) لينال غرضه الذي بذل فيه ماله، وأما الواقف فإنما يبذل ماله فيما يقربه إلى اللَّه [وثوابه، فهو لما علم أنه لم يبق له تمكَّن من بذل ماله في أغراضه أحبَّ أن يبذله فيما يقربه إلى اللَّه] (3) وما هو أنفع له في الدنيا والآخرة (4)، ولا يشك عاقل أن هذا غرض الواقفين، بل، ولا يشك واقف أنَّ هذا غرضه واللَّه سبحانه وتعالى ملَّكه المال لينتفعَ به في حياته وأذن له أن يحبسه لينتفع به بعد وفاته فلم يملِّكه أن يفعل به بعد موته ما كان يفعل به في حياته، بل حجر عليه فيه وملكه ثلثه يُوصي به بما يجوز ويسوغ أن يوصي به حتى إن خاف (5) أو جار أو أثم في وصيته جَازَ (6)، بل وجَبَ على الموصي (7)، والورثة رد ذلك الجور والحيف (8) والإثم؛ ورفع سبحانه الإثم عمن يرد ذلك الحيف (8) والإثم من الورثة والأوصياء، فهو سبحانه لم يملكه أن يتصرف في تحبيس ماله بعده (9) إلا على وجه يقرّبه إليه ويدنيه من رضاه لا على أي وجه [أراد، ولم يأذن اللَّه ولا رسوله للمكلف أن يتصرف في تحبيس ماله بعده على أي وجه أراده] (10) أبدًا، فأين في كلام اللَّه ورسوله أو أحد من الصحابة ما يدل على أن لصاحب المال أن يقف ما أراد على من أراد، ويشرط ما أراد، ويجب على الحكام والمفتين أن ينفذوا وقفه ويلزموا بشروطه] (11)، وأما ما قد لهج به بعضهم من قوله: "شروط الواقف (12) كنصوص الشارع"، [فهذا يرادُ به معنى صحيح ومعنى باطل] (13)، فإن أريد أنها كنصوص الشارع في الفهم والدلالة وتقييد
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(2) في (ت) و (ك): "أو راجحًا"!
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(4) في المطبوع و (ك): "في الدار الآخرة".
(5) في (ت): "إن أجنف".
(6) في (ت) و (ك): "ساغ".
(7) في "المطبوع: "الوصي".
(8) في (ك): "الجنف".
(9) في (ك): "أن يتصرف بتحبيس أصله".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وقال في الهامش: "سقط هنا بعض كلامه".
(12) في (ت) و (ق): "نصوص الواقف".
(13) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6/88)

مطلقها بمقيدها وتقديم خاصها على عامها والأخذ فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا حق من حيث الجملة، وإن أريد أنها كنصوص الشارع في وجوب مراعاتها والتزامها وتنفيذها، فهذا من أبطل الباطل (1)، بل يبطل منها ما لم يكن طاعة للَّه ورسوله، وما غيره أحب إلى اللَّه [وأرضى له ولرسوله منه] (2)، وينفذ منها ما كان قربة وطاعة، [كما تقدم] (2).
ولما نذر (3) أبو إسرائيل أن يصوم ويقوم في الشمس، [ولا يجلس] (2)، ولا يتكلم أمره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يجلس في الظل ويتكلم ويتم صومه (4)، فألزمه (5) بالوفاء بالطاعة ونهاه عن الوفاء بما ليس بطاعة.
وكذا (6) أخت عقبة بن عامر لما نذرت الحج ماشية مكشوفة الرأس أمرها أن تختمر [وتركب] وتحج وتهدي بَدَنة (7).
__________
(1) في (ق): "فهذا باطل".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ك): "ولما كان نذر".
(4) رواه البخاري (6704) في (الأيمان والنذور): باب النذر فيما لا يملك وفي معصية، من حديث ابن عباس.
(5) في (ق): "فأمره".
(6) في المطبوع و (ت) و (ك): "وهكذا".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك)، وهذا خليط من حديثين، فإن في أحدهما ما ليس في الآخر، وهما حديثا عقبة بن عامر، وابن عباس.
أما حديث عقبة بن عامر؛ فرواه أحمد (4/ 143 و 145 و 151)، وأبو داود (3293 و 3294) في (الأيمان والنذور): باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية، والترمذي (1544) في (النذور والأيمان) واين ماجه (2134) في "الكفارات": باب من نذر أن يحج ماشيًا. والنسائي في (الأيمان والنذور) (7/ 20) باب إذا حَلَفَت المرأة لتمشي حافية غير مختمرة، والدارمي (2/ 183)، وعبد الرزاق (15871) والبيهقي (10/ 80)، وأبو يعلى (1753)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (2149)، والطبراني (17) (893 و 894) من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد اللَّه بن زحر عن أبي سعيد الرعيني (جعثل بن هامان) عن عبد اللَّه بن مالك عنه، ولفظه: "فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام"، وهذا إسناد فيه مقال، عبيد اللَّه بن زحر ضعفه أحمد وابن معين وابن المديني والدارقطني وغيرهم، وقال أبو زرعة: لا بأس به، صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، ووثقه أحمد بن صالح، والبخاري فيما نقله عنه الترمذي في "العلل" لكنه قال في "التاريخ": مقارب الحديث. ولكني وجدتُ له مُتابعًا من لفظه، فقد رواه أحمد في "مسنده" (4/ 147) من طريق بكر بن سوادة عن أبي سعيد به، وبكر هذا من الثقات لكن الراوي عنه ابن لهيعة.
وبهذا اللفظ بعينه وجدته عند الطحاوي في "المشكل" (2148) من طريق حُييّ بن عبد اللَّه المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبلي عن عقبة بن عامر به. =
(6/89)

فهكذا الواجب على أتباع الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه [وعلى آله] (1) أن يعتمدوا في شروط الواقفين، وباللَّه التوفيق.
__________
= وهذا إسناد حَسَنٌ، حيي هذا لا بأس به.
وحديث عقبة هذا رواه أحمد (4/ 201) من طريق عبد العزيز بن مسلم عن مطرف عن عكرمة عنه، لكن قال: لتركب ولتهد بَدَنة، وليس في طرق حديث عقبة ذكر البدنة إلا هنا.
لكن رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (2152) من طريق عبد العزيز عن مطر الوراق، وليس مطرف، وهو الصحيح؛ لأن عبد العزيز هذا لم يدرك مطرفًا، إذ هو متقدم الوفاة عنه.
ومطر وإن روى له مسلم إلا أن له أوهامًا.
وحديث عقبة هذا رواه عبد الرزاق (15873)، ومن طريقه البخاري (1866) في (جزاء الصيد): باب من نذر المشي إلى الكعبة، ومسلم (1644) في (النذر): باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة، وأبو داود (3299)، والنسائي (7/ 190)، والبيهقي (10/ 78 و 79)، وأحمد (4/ 152) عن ابن جريج أخبرني سعيد بن أبي أيوب أن يزيد بن أبي حبيب أخبره أن أبا الخير حدثه عن عقبة بن عامر. . . فقال النبي عليه السلام: "لتمشِ ولتركب".
والعجب أن هذا الطريق بعينه: رواه الطحاوي في "المشكل" (2150) من طريق أحمد بن صالح عن عبد الرزاق به فقال: "لتركب ولتصم ثلاثة أيام".
وأما حديث ابن عباس؛ فرواه أحمد في: "مسنده" (1/ 239 و 240 و 253 و 131)، والدارمي (2/ 183 و 184)، وأبو داود (3296 و 3297)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3/ 131)، وفي "المشكل" (2151 و 2152)، والطبراني في "الكبير، (11828 و 11829)، والبيهقي (10/ 79)، وأبو يعلى (2737) من طريق همام وهشام الدستوائي عن قتادة عن عكرمة عنه، وفي حديث همام قال: لتركب وتهد بدنة.
وفي رواية الطحاوي في "مشكل الآثار" من طريق يزيد بن هارون عن همام: "لتركب ولتختمر، ولتهد هَدْيًا" مع أنها في "المسند" (1/ 239) من طريق يزيد، وليس فيها ذكر "الاختمار".
أما رواية هشام الدستوائي، فليس فيها إلا "لتركب"، ورواه أبو داود (3298)، والبيهقي (10/ 79) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عكرمة مرسلًا، وهذه لا تعل رواية الوصل لأنه وصلها ثقتان.
ورواه إبراهيم بن طهمان في "مشيخته" (29)، ومن طريقه أبو داود (3303)، والبيهقي (10/ 79) من طريق مطر الوراق عن عكرمة به، وذكر فبه الركوب والبدنة.
ورواه عبد بن حميد (580)، والحاكم (4/ 302) من طريق أبي سعد البقال، والطبراني (11949) من طريق خالد الحذاء كلاهما عن عكرمة به، وليس فيه ذكر الهَدْي، وفيه أن رجلًا سأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. وله طرق أخرى أيضًا دون ذكر عقبة.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6/90)

[لا يطلق المفتي الجواب إذا كان في المسألة تفصيل]
الفائدة الثامنة عشرة (1): ليس للمفتي أن يُطلق الجواب في مسألة فيها تفصيل إلا إذا علم أن السائل إنما سأل عن أحد تلك الأنواع، بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى التفصيل [استفصله] (2)، كما استفصل النبي - صلى الله عليه وسلم - ماعزًا لما أقرَّ بالزنا هل وجد منه مقدماته أو حقيقته؟ فلما أجابه (3) عن الحقيقة استفصله: هل به جنون فيكون إقراره غير معتبر أم هو عاقل؟ فلما علم عقله استفصله: [بأن أمر باستنكاهه ليعلم هل هو سكران أم صاح؟ فلما علم أنه صاحٍ استفصله] (2). هل أحصن [أم لا] (2)؟ فلما علم أنه قد أحصن أقام عليه الحد (4).
ومن هذا قوله لمِن سألته: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال: "نعم إذا رأت الماء" (5)، فتضمن هذا الجواب الاستفصال بأنها يجب عليها الغسل في حال، ولا يجب عليها في حال.
ومن ذلك أن أبا النَّعمان بن بشير سأل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يَشْهد على غلام نَحَله ابنَه فاستفصله، وقال: أكُلَّ ولدك نحلته (6) كذلك؟ فقال: لا، فأبى أن يشهد (7)، وتحت هذا الاستفصال (8) أنَّ ولدك إن كانوا اشتركوا في النَّحل صح ذلك وإلا لم يصح (9).
ومن ذلك أَن ابنَ أم مكتوم استفتاه هل يجد له رخصة أن يصلي في بيته (10)؟ فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم. قال: "فأجب" (11) فاستفصله بين أن يسمع النداء أو لا يسمعه.
__________
(1) في (ك): "الثامنة عشر".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) في (ق): "فلما أجاب".
(4) سبق تخريجه.
(5) رواه البخاري في (العلم) (135) باب الحياء في العلم، و (282) في (الغسل): باب إذا احتلمت المرأة، و (3328) في (أحاديث الأنبياء): باب خلق آدم وذريته، و (6091) في (الأدب): باب التبسم والضحك، و (6121) باب ما يستحيا من الحق للتفقه في الدين، ومسلم (313) في (الحيض): باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها من حديث أم سلمة.
(6) "أعطيته" (و)، وفي (ق): "فقال" بدل "وقال".
(7) سبق تخريجه.
(8) في (ت): "التفصيل"!
(9) في (ت) و (ك): "صلح ذلك، وإلا لم يصلح".
(10) في (ق): "استفتاه في أن يصلي في بيته".
(11) رواه مسلم (653) في (الصلاة): باب يجب إتيان المسجد على مَن سمع النِّداء، من حديث أبي هريرة.
(6/91)

ومن ذلك أنه [لما] (1) استُفتي عن رجلٍ وقع على جارية امرأته فقال: "إن كان استكرهها (2) فهي حرَّة وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها" (3)، وهذا كثير في فتاويه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فإذا سئل المفتي عن رجل دفع ثوبه إلى قصَّار يقصره، فأنكر القصَّار الثوب ثم أقر به هل يستحق الأُجرة على القصارة أم لا؟ (4)، فالجواب بالإطلاق خطأ نفيًا وإثباتًا، والصواب التفصيل، فإن كان قصره [قبل الجحود (5)، فله أجرة القصارة لأنه قصره لصاحبه، وإن كان] (6) قصره بعد جحوده، فلا أجرة له لأنه قصره لنفسه.
وكذلك إذا سئل عن رجلٍ حَلَف [لا] (7) يفعل كذا [وكذا ففعله] (8) لم يجز [له] (9) أن يفتي بحنثه، حتى يستفصله (10): هل كان ثابت العقل وقت فعله أم لا؟ وإذا كان ثابت العقل فهل كان مختارًا في يمينه أم لا؟ وإذا كان مختارًا فهل استثنى [عقيب يمينه أم لا] (11)؟ وإذا لم يستثن فهل فعل المحلوف عليه عالمًا ذاكرًا [مختارًا] (11) أم كان ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا؟ وإذا كان عالمًا [مختارًا] (11) فهل كان المحلوف عليه داخلًا في قصده ونيته [أو قصد عدم دخوله فخصَّصه بنيته] (11) أو لم يقصد دخوله، ولا نوى تخصيصه، فإن الحنث يختلف باختلاف ذلك كله.
ورأينا من مفتي العصر من بادر إلى التحنيث (12) فاستفصلناه فوجدناه (13) غير حانث في مذهب من أفتاه، وَقَع ذلك مرارًا، فخطر المفتي عظيم فإنه موقّع عن اللَّه ورسوله زاعم أن اللَّه أمر بكذا وحرَّم كذا وأوجب كذا (14).
ومن ذلك أن يستفتيه عن الجمع بين الظهر والعصر [مثلًا] (11) هل يجوز له أن يفرق بينهما فجوابه بتفصيل المسألتين، وأن الجمع إن كان في وقت الأُولى لم
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "أكرهها".
(3) سبق تخريجه.
(4) في (ق): "هل يستحق القصار أجرة أم لا؟ ".
(5) في (ق): "قبل جحوده".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) وبدلها في (ق): "الا".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(10) في (ق): "يستفصل".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(12) في (ق): "الحنث".
(13) في المطبوع: "فوجده".
(14) في المطبوع و (ت): "أو أوجب كذا".
(6/92)

يجز التفريق، هان كان في وقت الثانية جاز (1).
ومن ذلك أنه لو قال له: "إن لم تَحرِق هذا المتاع أو تهدم هذه الدار أو تتلف هذا المال وإلا قتلتك"، ففعل، هل يضمن [أم لا] (2)؟ جوابه بالتفصيل، فإن كان المال المكره على إتلافه للمُكْرِه لم يضمن، وإن كان لغيره ضمنه.
وكذلك لو سأله المظاهر إذا وطئ في أثناء الكفارة هل يلزمه الاستئناف أو يبني؟ فجوابه بالتفصيل أنه إنْ كان كفَّر بالصيام فوطئ في أثنائه لزمه الاستئناف، وإن كفَّر بالإطعام لم يلزمه الاستئناف وله البناء، فإنَّ حكم تتابع الصوم وكونه قبل المسيس قد انقطع بخلاف الإطعام.
وكذلك لو سأله عن المكفِّر بالعتق إذا عتق عبدًا مقطوعة إصبعه فجوابه بالتفصيل: إن كان إبهامًا لم يجزه وإلا أجزأه، فلو قال له: مقطوع الإصبعين وهما الخنصر والبنصر فجوابه بالتفصيل أيضًا إن كانا من يد واحدة لم يجزه (3)، وإن كانت كل أصبع من يد أجزأه.
وكذلك لو سأله عن فاسق التقط لقطة أو لقيطًا هل يقر في يده؟ فجوابه بالتفصيل: تقرّ اللقطة دون اللقيط لأنها كسب، فلا يمنع منه الملتقط، وثبوت يده على اللقيط ولاية وليس من أهلها.
ولو قال له: "اشتريت سمكة فوجدت في جوفها مالًا ما أصنع به؟ " فجوابه إن كان لؤلؤة أو جوهرة فهو للصياد لأنه (4) ملكه بالاصطياد، ولم تطب نفسه لك به، وإن كان خاتمًا أو دينارًا فهو لقطة يجب تعريفها كغيرها.
وكذلك لو قال له: "اشتريت حيوانًا فوجدت في جوفه جوهرة" فجوابه إن كانت شاةً فهي لقطة للمشتري يلزمه تعريفها حولًا، ثم هي له بعده، وإن كانت (5)
__________
(1) التفرقة أقوى المذاهب، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، انظر: "روضة الطالبين" (1/ 397) و"الغاية القصوى" (1/ 331) و"مغني المحتاج" (1/ 273) و"المغني" (2/ 279 - 280) و"كشاف القناع" (2/ 7)، و"العمدة" (ص 100) و"الروض الندي" (ص 112)، وكتابي "الجمع بين الصلاتين" (ص 134 - 137/ ط الأولى).
واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية عدم الاشتراط لا في الأولى ولا في الثانية، انظر: "مجموع الفتاوى" له (24/ 54).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق) و (ك): "لم يجز"، و"كانا" بدل "كان".
(4) في (ق): "فانه".
(5) في المطبوع: "كان".
(6/93)

سمكة أو غيرها من دواب البحر فهي ملك الصياد (1)، والفرق واضح.
ومن ذلك لو سأله عن عبد التقط لقطة، فأنفقها، هل تتعلق بذمته أو برقبته؟ فجوابه أنه [إن] (2) [كان] (3) أنفقها قبل التعريف حولًا فهي في رقبته، وإن أنفقها بعد حول التعريف فهي في ذمته يتبع بها بعد العتق، نصَّ عليها (4) الإمام أحمد مفرِّقًا بينهما لأنه قبل الحول ممنوع منها، فإنفاقه لها جناية منه عليها وبعد الحول غير ممنوع منها بالنسبة إلى مالكها [فإذا أنفقها في هذه الحال] (2) فكأنه أنفقها بإذن مالكها فتتعلق بذمته كديونه.
ومن ذلك لو سأله عن رجل جَعَلَ جُعْلًا لمن ردَّ عليه لُقَطته فهل يستحقه من ردَّها؟ فجوابه إن التقطها قبل بلوغ قول الجاعل لم يستحقه لأنه لم يلتقطها لأجل الجُعْل، وقد وجب عليه ردها بظهور مالكها، وإن التقطها بعد أن بلغه الجُعل استحقه.
ومن ذلك أن يسأل [فيقول] (2): هل يجوز للوالدين أن يتملَّكا مال ولدهما أو يرجعا (5) فيما وهباه؟ فالجواب أن ذلك للأب دون الأم.
وكذلك إذا شهد له اثنان من ورثته غير الأب والابن بالجرح، فالجواب فيه تفصيل، فإن شهدا قبل الاندمال لم تُقبل (6) للتهمة، وإن شهدا بعده قبلت لعدم التهمة.
ومن ذلك إذا (7) سئل عن رجل [ادَّعى نكاح امرأة فأقرَّت له هل يقبل إقرارها (8) أم لا؟ جوابه بالتفصيل إن] (9) ادعى زوجيتها وحده قبل إقرارها، وإن ادعاها معه آخر لم يقبل.
[ومن ذلك] (10) لو سئل عن رجل مات فادَّعى ورثَتُه شيئًا من تركته، وأقاموا شاهدًا حلف كل منهم يمينًا مع الشاهد، فإن حلف بعضهم استحق قدر نصيبه من المدَّعي، وهل يشاركه من لم يحلف في قدر حصته التي انتزعها بيمينه أم لا [يشاركه؟ فالجواب فيه تفصيل إن كان المُدَّعى دينًا لم يشاركه] (9) وينفرد الحالف
__________
(1) في المطبوع و (ت) و (ك): "ملك الصياد"، وفي (ق): "للصياد".
(2) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(3) في (ق): "نص عليهما".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في المطبوع و (ك): "أو يرجعان".
(6) في (ت): "يقبل"، وفي المطبوع: "يقبلا".
(7) في المطبوع و (ت): "ومن ذلك"، وفي (ق): "ومن ذلك لو".
(8) في (ق): "إقراره".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) في (ق): "وكذلك".
(6/94)

بقدر حصته، وإن (1) كان عينًا شاركه من لم يحلف لأن الدين غير متعيّن، فمن حلف فإنما يثبت (2) بيمينه مقدار حصته (3) من الدين لا غيره، ومن لم يحلف لم يثبت له حق، وأما العين فكل واحد من الورثة يقر أن كل جزء منها مشترك بين جماعتهم وحقوقهم متعلقة بعينه فالمخلص (4) مشترك بين جماعتهم والباقي غصب على جماعتهم.
ومن ذلك إذا سئل عن رجل استعدى على [خصمه، ولم يُحرِّر الدعوى هل يُحضره الحاكم؟ الجواب بالتفصيل، إن استعدى على] (5) حاضرٍ في البلد أحضره لعدم المشقة، وإن كان غائبًا لم يحضره حتى يحررها.
ومن ذلك لو سئل عن رجل قطع عضوًا من صيد وأفلت هل يحلُّ أكل العضو؟ الجواب بالتفصيل إن كان صيدًا بحريًا حلَّ أكله، وإن كان بريًا لم يحل.
ومن ذلك لو سئل عن تاجر أهل الذمة هل يُؤخذ منه العشر؟ فالجواب بالتفصيل إن كان رجلًا أخذ منه العشر، وإن كانت امرأة ففيها تفصيل إن اتجرت إلى أرض الحجاز أخذ منها [العشر] (6)، وإن اتجرت إلى [أرض] (7) غيرها لم يؤخذ منها [شيء] (8)؛ لأنها تقر في غير أرض الحجاز بلا (9) جزية.
ومن ذلك لو سئل عن ميّت مات فطلب الأب ميراثه، ولم يعلم من [هم] (10) الورثة غيرُه، كم يُعطى الأب؟ فالجواب بالتفصيل إن كان الميت ذكرًا أعطي الأب أربعة من سبعة وعشرين [سهمًا؛ لأن غاية ما يمكن أن يقدر معه زوجة وأم وابنتان فله أربعة بلا شك من سبعة وعشرين] (11)، وإن كان الميت أنثى فله سهمان من خمسة عشر [(قطعًا) (12)؛ لأن أكثر ما يمكن أن يقدر [معه] (13) زوج وأم وابنتان فله سهمان من خمسة عشر قطعًا.
فإن قال السائل: مات ميت وترك ثلاث بنات ابن بعضهن أسفلُ من بعض،
__________
(1) في (ق): "فإن".
(2) في المطبوع: "ثبت".
(3) في (ت): "حقه".
(4) في (ق): "فالمحصل".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ت)، و (ق).
(7) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) في (ق): "فلا".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ت).
(11) ما بين المعقوفتين من (ت) و (ق).
(12) ما بين الهلالين سقط من (ت).
(13) ما بين المعقوفتين من (ت).
(6/95)

مع العليا جدها، قال المفتي: إنْ كان الميت ذكرًا فالمسألة محال لأن جدَّ العليا نفس الميت، وإنْ كان الميت أنثى، فجد العليا إما أنْ يكون زوج الميتة (1) أو لا يكون كذلك، فإن كان زوجها فله الربع، وللعليا النّصف، وللوسطى السدس تكملة الثلثين، والباقي للعصبة.
فلو قال السائل: ميتٌ خلَّف ابنتين وأبوين، ولم تقسم التركة حتى ماتت إحداهما وخلفت من خلفت، قال المفتي: إن كان الميت ذكرًا فمسألته من ستة: للأبوين سهمان ولكل بنت سهمان، فلما ماتت إحداهما خلفت جدة وجدًا وأختًا لأب فمسألتها من ستة وتصح من ثمانية عشر وتركتها سهمان توافق مسألتها بالنصف فترد إلى تسعة، ثم تضربها في ستة تكون أربعة وخمسين، ومنها تصح، وإن كان الميت أنثى ففريضتها أيضًا من ستة، ثم ماتت إحدى البنتين عن سهمين وخلفت جدة وجدًا من أم وأختًا لأب، فلا شيء للجد وللجدة السدس وللأخت النصف والباقي للعصبة فمسألتها من ستة وسهامها اثنان فاضرب ثلاثة في المسألة الأولى تكن ثمانية عشر] (2).
والمقصود التنبيه على وجوب التفصيل إذا كان [يجد] (3) السؤال محتملًا، وباللَّه التوفيق (4)، فكثيرًا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم فالمفتي ترد عليه (5) المسائل في قوالب متنوعة جدًا، فإنْ لم يتفطَّنْ لحقيقة السؤال وإلا هلك وأَهْلَكَ (6)، فتارة تُورَد عليه المسألتان صورتهما واحدة وحكمهما مختلِفٌ، فصورة (7) الصحيح والجائز صورة الباطل والمحرَّم ويختلفان في الحقيقة (8)، فيذهل بالصورة عن الحقيقة، فيجمع بين ما فرق اللَّه ورسوله [بينه] (9)، وتارة تورد عليه المسألتان صورتهما مختلفة وحقيقتهما واحدة وحكمهما واحد، فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما [في الحقيقة] (8)، فيفرق بين ما جمع اللَّه بينه، وتارة تُورد عليه المسألة [مجملة] (10) تحتها عدة أنواع، فيذهب وهمُه إلى واحد
__________
(1) في المطلبوع و (ق): "الميت".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) كتب إزائها في هامش (ق): "يشاركه الجواب بالتفصيل إن كان المدعي دينًا لم يشاركه صح".
(5) في المطبوع: "ترد إليه".
(6) في (ق): "هلك وهلك".
(7) في (ق): "صورة".
(8) في المطبوع و (ت): "بالحقيقة".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6/96)

منها ويذهل عن (1) المسئول عنه [منها] (2) فيجيب بغير الصواب، وتارة تُورد عليه المسألة الباطلة في دين اللَّه في قالبٍ مُزخرف ولفظ حسنٍ، فيبادر (3) إلى تسويغها وهي من أبطل الباطل، وتارة بالعكس.
فلا إله إلا اللَّه، كم هاهنا من مزلّة أقدام، ومحل (4) أوهام، وما دعا محقٍّ إلى حق إلا أخرجه الشيطان على لسان أخيه ووليه من الإنس في قالب تنفر عنه خفافيشُ البصائر وضعفاء العقول، وهم أكثر الناس، وما حذر أحد من باطل إلا أخرجه الشيطان على لسان وليه من الإنس في قالب [مزيَّف] (5) مزخرف يستخفُّ به عقولَ ذلك الضرب من الناس فيستجيبون له، وأكثرُ الناس نظرهم قاصر على الصور لا يتجاوزها (6)، إلى الحقائق فهم محبوسون في سجن الألفاظ، مقيَّدون بقيود العبارات، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ] (7) فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 112 - 113].
وأذكر لك من هذا مثالًا (8) وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يلزم أهل الذمة بتغيير (9) عمائمهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين فقامت لذلك قيامتهم وعظم عليهم، وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإِسلام (10) وإذلال الكفرة (11) ما قرَّت به عيون المسلمين فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه أن صوَّروا فتيا يتوصلون بها إلى إزالة هذا الغيار (12)، وهي: ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة أُلزموا بلباس غير لباسهم المعتاد، وزي غير زيهم المألوف، فحصل لهم بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاع (13) وآذوهم غاية الأذى فطمع بذلك في إهانتهم والتعدي
__________
(1) في (ت): "ويسد عنه"، وفي (ق) و (ك): "ويشذ عنه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في المطبوع: "فيتبادر".
(4) في المطبوع: "ومجال".
(5) ما بين المعقوفتين من (ت)، وهو المثبت في (ق) بدل كلمة "مزخرف".
(6) في المطبوع: "لا يتجاوزونها".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) (ق): "مثلًا".
(9) في (ق): "أن يغيروا".
(10) (ق): "والإعزاز للإسلام".
(11) في المطبوع: "الكفر".
(12) كذا في (ق): وهو الصواب، وفي سائر النسخ: "الغبار".
(13) المطبوع و (ت): "الرعاة"، وفي (ك): "والذعار".
(6/97)

عليهم؟ فهل يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول، وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التميز بعلامة يُعرفون بها؟ وهل في ذلك مخالفة (1) للشرع أم لا؟ فأجابهم مَنْ مُنِع التوفيق، وصُدَّ عن الطَّريق بجواز ذلك، وإن للإمام (2) إعادتهم إلى ما كانوا عليه، قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلتُ: لا تجوز إعادتهم [إلى ما كانوا عليه] (3) ويجب إبقاؤهم على [الزي] (4) الذي يتميزون به عن المسلمين، فذهبوا، ثم غيَّروا الفتوى (5)، ثم جاءوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم، فذهبوا، ثم أتوا (6) بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المعينة، وإنْ خرجت في عدة قوالب، ثم ذهب إلى السلطان وتكلَّم عنده بكلامٍ عجب منه الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم (7) وللَّه الحمد.
ونظائر هذه الحادثة أكثر من أن تحصى، فقد ألقى الشيطان على ألسنة أوليائه أن صوروا فتوى فيما يحدث ليلة النصف (8) في الجامع وأخرجوها في قالب حسن، حتى استخفوا عقل بعض المفتين فأفتاهم بجوازه، وسبحان اللَّه كم توصل بهذه الطريق (9) إلى إبطال حق وإثبات باطل! وأكثر الناس إنما هم أهل ظواهر في الكلام واللباس والأفعال وأهل النقد منهم الذين يعبرون من الظاهر إلى حقيقته وباطنه لا يبلغون عشر معشار غيرهم (10)، ولا قريبًا من ذلك، فاللَّه المستعان.
__________
(1) في (ق): "مخالف".
(2) في (ق): "يجوز ذلك ورأى الإِمام".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ك) و (ق): "الفتيا".
(6) في (ق): "ثم جاؤوا".
(7) قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (14/ 16) أحداث سنة (700 ه) ما نصه: "وفي يوم الاثنين قرئت شروط الذمة على أهل الذمة، وألزموا بها، واتفقت الكلمة على عزلهم عن الجهات، وأخذوا بالصغار، ونودي بذلك في البلد، وألزم النصارى بالعمائم الزرق، واليهود بالصُّفر، والسامرة بالحمر، فحصل بذلك خير كثير، وتميّزوا عن المسلمين" وانظر: "أحكام أهل الذمة" (3/ 1295 - 1299 - ط الرمادي) و"تشبيه الخسيس" للذهبي (ص 191 - ضمن مجلة "الحكمة" العدد الرابع - بتحقيقي).
وفي (ق): "على إقفائهم".
(8) أي من شعبان، وانظر عن بدعية ما فيها "الحوادث والبدع" للطرطوشي (ص 121 - 122) و"الباعث على إنكار البدع والحوادث" (ص 124 - 137) و"الأمر بالاتباع" (ص 176 - 180) للسيوطي، مع تعليقي عليهما, ولعلي القاري رسالة مفردة فيها، فرغت من تحقيقها من سنوات، والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.
(9) في المطبوع: "الطرق"، وفي (ق): "بهذا الطريق".
(10) في (ت): "لا يبلغون إلى عشر معشار غيرهم".
(6/98)

[على المفتي ألا يُفصِّل إلا حيث يجب التفصيل]
الفائدة التاسعة عشرة (1): إذا سئل عن مسألة من الفرائض لم يجب عليه أن يذكر موانع الإرث، فيقول (2): بشرط ألا يكون كافرًا، ولا رقيقًا، ولا قاتلًا، وإذا سئل عن فريضةٍ (3) فيها أخ، وجب عليه أن يقول: إن كان لأب فله كذا، وإن كان لأم فله كذا، وكذلك (4) إذ سئل عن الأعمام وبنيهم وبني الإخوة وعن الجد والجدة، فلا بد من التفصيل والفرق بين الموضعين [أن السؤال] (5) المطلق في الصورة الأولى يدل على الوارث الذي لم يقم به مانع من الميراث، كما لو سئل عن رجل باع أو آجر أو تزوج أو أقرَّ لم يجب عليه أن يذكر موانع (6) الصحة من الجنون والإكراه ونحوهما إلا حيث (7) يكون الاحتمال متساويًا.
ومن تأمَّل أجوبة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رآه يستفصل حيث تدعو الحاجة إلى الاستفصال ويتركه حيث لا يحتاج إليه، ويحيل فيه مرة على ما عُلم من شَرعه ودينه من شروط الحكم وتوابعه، بل هذا كثير في القرآن كقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] وقوله: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، وقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5].
ولا يجب على المتكلِّم [والمفتي] (8) أن يستوعب شرائط الحكم وموانعه كلها عند ذكر [حكم] (8) المسألة، ولا ينفع السائل [والمتكلم] (9) والمتعلم قوله: "بشرطه وعدم موانعه" ونحو ذلك، فلا بيان أتم من بيان اللَّه ورسوله، ولا هدي أكمل من هدي الصحابة والتابعين، وباللَّه التوفيق.

[هل يجوز للمقلد أن يفتي؟]
الفائدة العشرون: لا يجوز للمقلد أن يفتي في دين اللَّه بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة [فيه] (8) سوى أنه قول من قلده دينه، هذا إجماع من السلف كلهم، وصرح به الإِمام أحمد والشافعي [-رضي اللَّه عنهما-] (8)، وغيرهما (10).
__________
(1) في (ك): "التاسعة عشر".
(2) في (ق): "أن يذكر الموانع فيقول".
(3) في (ق): "فإذا سئل عن مسألة".
(4) في (ق): "وكذا".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(6) في (ق): "مانع".
(7) في (ق): "بحيث".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق) و (ك).
(10) في (ت): "صرح به أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم".
(6/99)

قال أبو عمرو بن الصلاح: "قطع [الإمام] (1) أبو عبد اللَّه الحليمي إمام الشافعيين بما وراء النهر والقاضي أبو المحاسن الروياني صاحب "بحر المذهب" (2)، وغيرهما: بأنه لا يجوز للمقلد أن يُفتي بما هو مقلِّدٌ فيه" (3).
وقال: "وذكر [الشيخ] (4) أبو محمد الجويني في "شرحه" لرسالة الشافعي عن شيخه أبي بكر القفَّال المروزي: أنه يجوز لمن حفظ مذهب (5) صاحب مذهب ونصوصه أن يُفتي به، [وإن لم يكن عارفًا بغوامضه وحقائقه] (4) وخالفه الشيخ أبو محمد، وقال: لا يجوز [أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن مُتبحِّرًا فيه عالمًا بغوامضه وحقائقه، كما لا يجوز] (4) للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي بها، [وإذا كان متبحرًا فيه جاز أن يفتي به] (6).
وقال أبو عمرو: "من قال: "لا يجوز له أن يفتي بذلك" معناه [أنه] لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه، بل يضيفه إلى غيره ويحكيه عن إمامه الذي قلَّده، فعلى هذا مَنْ عددناه في أصناف المفتين [من] المقلدين ليسوا على الحقيقة من المفتين، ولكنهم قاموا مقام المفتين، وادّوا (7) عنهم فعُدّوا معهم، وسبيلهم [في] (8) ذلك أن يقولوا مثلًا: مذهب الشافعي كذا وكذا، ومقتضى مذهبه كذا وكذا، وما أشبه ذلك، ومن ترك منهم إضافة ذلك إلى إمامه فإن كان ذلك اكتفاء منه بالمعلوم عن الصريح (9)، فلا بأس" (10).
قلت: ما ذكره أبو عمرو حسن، إلا أن صاحب هذه المرتبة يحرم عليه أن يقول: "مذهب الشافعي" لما لا يعلم أنه نصه الذي أفتى به، أو يكون شهرته بين
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ك).
(2) قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (12/ 170) "وهو حافل كامل شامل للغرائب وغيرها، وفي المثل: حدّث عن البحر ولا حرج".
(3) "أدب المفتي والمستفتي" (ص 102).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق): "قول". وفي سائر الأصول: "كلام" والمثبت من (ك) و"آداب المفتي".
(6) "آداب المفتي والمستفتي" (ص 102).
(7) كذا في "أدب المفتي"، وفي (ك): "وأدوا عنهم فعدوا منهم"، وفي سائر الأصول: "وادعوا عنه فعدوا منهم".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق).
(9) كذا في الأصول، وفي "أدب المفتي": "إن كان ذلك منه اكتفاءً بالمعلوم من الحال عن التصريح بالمقال".
(10) "أدب المفتي والمستفتي" (ص 103).
(6/100)

أهل المذهب شهرة لا يحتاج معها إلى الوقوف على نصه كشهرة مذهبه في الجهر بالبسملة والقنوت في الفجر، ووجوب تبييت النية للصوم في الفرض (1) من الليل، ونحو ذلك، فأما مجرَّد ما يجد (2) في كتب من انتسب إلى مذهبه من الفروع، فلا يسعه أن يضيفها إلى نصه ومذهبه بمجرد وجودها في كتبهم، فكم فيها من مسألة لا نص له فيها البتة، ولا ما يدل عليه؟ وكم فيها من مسألة نصّه على خلافها؟ وكم فيها من مسألة اختلف المنتسبون إليه في إضافتها إلى مقتضى نصه ومذهبه؟ فهذا يضيف إلى مذهبه إثباتها، وهذا يضيف إليه نفيها، فلا ندري كيف يسع المفتي عند اللَّه أن يقول: هذا مذهب الشافعي، وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة؟ وأما قول الشيخ أبي عمرو: "إن لهذا المفتي أن يقول (3): هذا مقتضى مذهب الشافعي [مثلًا] (4) " فلعمر اللَّه لا يقبل ذلك من كل من نصب نفسه للفتيا حتى يكون عالمًا بمأخذ صاحب المذهب ومداركه وقواعده جَمْعًا وفَرْقًا، ويعلم أن ذلك الحكم مطابق لأُصوله وقواعده، بعد استفراغ وسعه في معرفة ذلك فيها إذا أخبر أن هذا مقتضى مذهبه كان له حكم أمثاله ممن قال بمبلغ علمه] (5)، ولا يكلِّف اللَّه نفسًا إلا وسعها.
وبالجملة فالمفتي مخبر [عن الحكم الشرعي، وهو [إما] (6) مخبر عما فهمه عن اللَّه ورسوله، وإما مخبر] (7) عما فهمه من كتاب (8) أو نصوص من قلده دينه، وهذا لون وهذا لون، فكما لا يسع [الأول أن يخبر عن اللَّه ورسوله إلا بما علمه فكذا لا يسع] (7) الثاني أن يخبر عن إمامه الذي قلَّده دينه إلا بما يعلمه، وباللَّه التوفيق.

[هل يجوز أن يقلَّد الفتوى المتفقه القاصر عن معرفة الكتاب والسنة؟]
الفائدة الحادية والعشرون: إذا تفقَّه الرجل وقرأ كتابًا من كتب الفقه أو أكثر، وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف والاستنباط والترجيح
__________
(1) في (ت) و (ك): "ووجوب تبييت النية للفرض".
(2) في (ك): "يجده".
(3) في (ك): "إن هذا المفتي يقول".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ك).
(5) اختصر ما بين المعقوفتين في (ق) بقوله: "إلى أن قال"، وقال في الهامش: "سقط هنا كلام كثير".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(8) في المطبوع و (ك): "من كتابه".
(6/101)

فهل يسوغ تقليده في الفتوى؟ فيه للناس أربعة أقوال: الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا، والجواز عند عدم المجتهد، ولا يجوز مع وجوده، والجواز إن كان مطلعًا على [مأخذ] (1) من يفتي بقولهم والمنع إن لم يكن مطلعًا.
والصواب فيه التفصيل وهو أنه إن كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه السبيل لم يحل له استفتاء مثل هذا, ولا يحل لهذا أن ينصب (2) نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم، وإن لم يكن في بلدته (3) أو ناحيته غيره بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه، فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يُقدم على العمل بلا علم، أو يبقى مرتكبًا في حيرته مترددًا في عماه وجهالته، بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها.
ونظير هذه المسألة إذا لم يجد السلطان من يوليه إلا قاضيًا عاريًا عن (4) شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاض، وولَّى الأمثل فالأمثل.
ونظير هذا؛ لو كان الفسق هو الغالب على أهل تلك البلد (5)، وإن لم تقبل شهادة بعضهم على بعض وشهادته له تعطلت الحقوق وضاعت (6) قبل شهادة الأمثل فالأمثل (7).
[ونظيرها] (3) ولو غلب الحرام [المحض] (8) أو الشبهة (9) حتى لم يجد الحلال المحض، فإنه يتناول الأمثل فالأمثل.
ونظير هذا (10) لو شهد بعض النساء على بعض بحق في بدن أو عرض أو مال، وهن منفردات بحيث لا رجل معهن كالحمَّامات والأعراس، قبلت شهادة الأمثل فالأمثل منهن قطعًا، ولا يضيع اللَّه ورسوله حق المظلوم، و [لا] (11) يعطل إقامة دينه في مثل هذه الصورة أبدًا (12)، بل قد نبه اللَّه تعالى (13) على القبول في
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) كذا في (ق)، وفي سائر الأصول: "ينسب".
(3) في المطبوع و (ك): "في بلده".
(4) في سائر الأصول: "من" والمثبت من (ك).
(5) في (ت) و (ك): "أهل ذلك البلد".
(6) في (ق): "فضاعت".
(7) في (ق): "بل شهادة الأمثل فالأمثل".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ك).
(9) في (ق): "والشبهة".
(10) في (ك): "ونظيرها".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ك).
(12) انظر "الطرق الحكمية" (75 - 81 , 165، 175) للمصنف رحمه اللَّه تعالى.
(13) في (ق) و (ك): "اللَّه سبحانه".
(6/102)

مثل هذه الصورة بقبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورة أنزلت في [القرآن] (1)، ولم ينسخها شيء ألبتة، ولا نَسَخ هذا الحكم كتابٌ، ولا سنة، ولا أجمعت الأمة على خلافه، ولا يليق بالشريعة سواه فالشريعة شرعت لتحصيل مصالح العباد بحسب الإمكان وأي مصلحة لهم في تعطيل حقوقهم إذا لم يحضر أسباب تلك الحقوق شاهدان حرَّان ذكران عدلان؟ بل إذا قلتم: تقبل شهادة الفساق حيث لا عدل، وينفذ حكم الجاهل والفاسق إذا خلا الزمان عن قاض عالم عادل (2) فكيف لا تقبل شهادة النساء إذا خلا جمعهن (3) عن رجل، أو شهادة العبيد إذا خلا جمعهم عن حر أو شهادة (4) الكفار بعضهم على بعض إذا خلا جمعهم (5) عن مسلم؟ وقد قبل ابن الزبير -رضي اللَّه عنهما- شهادة الصبيان بعضهم على بعض في تجارحهم (6)، ولم ينكره عليه أحد من الصحابة (7)،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) انظر: "الطرق الحكمية" (ص 190 - 194، 173، 200 الطريق السادس عشر)، و"مدارج السالكين" (1/ 360 - 361).
(3) في (ق): "جميعهن".
(4) في (ق): "أو شهادة العبد إذا خلا جميعهم عن حر وشهادة".
(5) في (ق): "جميعهم".
(6) رواه مالك في "الموطأ" (2/ 726) -ومن طريقه البيهقي (10/ 162) - وعبد الرزاق (15494، 15495) وابن أبي شيبة (5/ 120). عن هشام بن عروة أن عبد اللَّه بن الزبير كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح لفظ مالك.
وهشام بن عروة روى عن عمّه، لكن لا أدري هل سمع منه أم لا؟ فإن هشامًا كان عمره عند وفاة عمه أربعة عشر عامًا.
ولفظ عبد الرزاق الثاني: عن ابن أبي مليكة: أنه كان قاضيًا لابن الزبير، فأرسل إلى ابن عباس يسأله عن شهادة الصبيان، فلم يجزهم، ولم ير شهادتهم شيئًا، فسأل ابن الزبير، فقال: "إذا جيء بهم عند المصيبة، جازت شهادتهم"، وإسناده صحيح.
وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (22/ 78): "اختلف على ابن الزبير في إجازة شهادة الصبيان، والأصح عنه أنه كان يجيزها إذا جيء بهم من حال حلول المصيبة، ونزول النازلة".
(7) وروي ذلك عن علي ومعاوية أيضًا، خرجتهما في تعليقي على "الإشراف"، للقاضي عبد الوهاب (5/ 42)، وقول المصنف هذا غير دقيق، إذ أسند الشافعي في "الأم" (7/ 89) وابن أبي شيبة (5/ 121) والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 61) وفي "المعرفة" (19926) عن ابن عباس قال: "لا تجوز شهادة الصبي" وكذا أخرجه عبد الرزاق (15495) وإسناده صحيح، ومضى لفظه في تخريج الأثر السابق، ولذا قال ابن عبد البر =
(6/103)

و [قد] (1) قال به مالك (2) و [الإِمام] (3) أحمد (4) [رحمهما اللَّه تعالى] (3) في إحدى الروايتين عنه حيث يغلب على الظن صدقهم بأن يجيبوا (5) قبل أن يجتنبوا (6) أو يتفرقوا إلى بيوتهم، وهذا هو الصواب (7)، وباللَّه التوفيق.
وكلام أصحاب أحمد في ذلك يخرج على وجهين، فقد منع كثير منهم الفتوى والحكم بالتقليد وجوزه بعضهم لكن على وجه الحكاية لقول المجتهد، كما قال أبو إسحاق بن شَاقْلا، وقد جلس في جامع المنصور فذكر قول أحمد أن المفتي ينبغي [له] (8) أن يحفظ أربع مئة ألف حديث، ثم يفتي فقال له رجل: أنت (9) تحفظ هذا؟ فقال (10): إن لم أحفظ هذا، فأنا أفتي بقول من كان يحفظه، وقال [أبو] (11) الحسن بن بشار من كبار أصحابنا: ما ضرَّ رجلًا عنده ثلاث مسائل أو أربع [مسائل] (12) من فتاوى الإِمام أحمد يستند إلى هذه السارية، ويقول: قال أحمد [بن حنبل] (13) رحمه اللَّه تعالى.
__________
= في "الاستذكار" (22/ 78): "وأما ابن عباس، فلم يختلف عنه أنه لم يجْزها (أي: شهادة الصبيان) وكان لا يراها شيئًا" وفي (ق): "ولم ينكر عليه أحد".
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) انظر: "الموطأ" (2/ 726) و"المدونة" (4/ 80)، و"التفريع" (2/ 237) و"المعونة" (3/ 1521) و"عقد الجواهر الثمينة" (3/ 137) و"الذخيرة" (10/ 209)، و"تبصرة الحكام" (1/ 216 و 2/ 7)، و"تفسير القرطبي" (3/ 391 - 392، 395).
(3) ما بين المعقوفتين زيادة من المطبوع و (ك).
(4) "الإنصاف" (12/ 37) وهو قول سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وأبي جعفر محمد بن علي، والشعبي وابن أبي ليلى -على اختلاف عنهما- والزهري والنخعي -على اختلاف عنه- إلا أن الروايات عنهم لم تذكر جراحًا ولا غيرها، إلا أجازتها فيما بينهم مطلقة، أفاده ابن عبد البر في "الاستذكار" (22/ 77 - 79).
(5) في (ق): "يجيئوا".
(6) في (ت): "يجيبوا"، وفي (ق) بدون تنقيط.
(7) انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (15/ 305 - 308)، و"الطرق الحكمية" (ص 170 وما بعدها) و"الجامع للاختيارات الفقهية لشيخ الإِسلام ابن تيمية" (3/ 1289 - 1290، 1300 - 1301) وتعليقي على "الإشراف" (5/ 41 - 44).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) في (ك): "فأنت".
(10) نقله أبو يعلى في "العدة" (5/ 1597) وابنه في "طبقات الحنابلة" (2/ 164 - ترجمة أبي حفص البرمكي)، ونحوه في "الواضح" (5/ 475) لابن عقيل. وفي (ق) و (ك): "فأنت تحفظ هذا؟ قلت".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(12) ما بين المعقوفتين من (ق).
(13) هذه الرواية في "العدة" (5/ 1598) -وفيه عقبها: "وهذه منه مبالغة"- و"المسودة" =
(6/104)

[هل للعامي إذا علم مسألة أن يفتي فيها]
الفائدة الثانية والعشرون: إذا عرف العامِّيُّ حكم حادثة بدليلها فهل له أن يفتي به ويسوغ لغيره تقليده فيه؟ ففيه ثلاثة أوجه للشافعية [وغيرهم] (1).
أحدها: الجواز؛ لأنه قد حصل له العلم بحكم تلك الحادثة عن دليلها، كما حصل للعالم، وإن تميَّز العالم عنه بقوة (2) يتمكن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له، فهذا قدر زائد على معرفة الحق بدليله.
والثاني: لا يجوز له ذلك مطلقًا لعدم أهليته للاستدلال وعدم علمه بشروطه وما يعارضه، ولعله يظن دليلًا ما ليس بدليل.
والثالث: إن كان الدليل من كتاب (3) أو سنة جاز [له] (1) الإفتاء، وإن كان غيرهما لم يجز؛ لأن القرآن والسنة خطاب لجميع المكلفين، فيجب على المكلف أن يعمل بما وصل إليه من كتاب ربه تعالى وسنة نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويجوز له أن يرشد غيره إليه ويدله عليه.

[الخصال التي يجب أن يتصف بها المفتي]
الفائدة الثالثة والعشرون: ذكر أبو عبد اللَّه بن بطة في "كتابه في الخلع" عن الإِمام أحمد أنه قال: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس (4) خصال:
أولها: أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور.
والثانية: أن يكون له [علم] (5) وحلم، ووقار، وسكينة.
__________
= (517) و"شرح الكوكب المنير" (4/ 562) و"طبقات الحنابلة" (2/ 63، 142) و"المنهج الأحمد" (2/ 11، 56) وأبو الحسن هذا هو علي بن محمد بن بشار، توفي سنة (313 ه) وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(1) انظرها في "أدب المفتي والمستفتي" (ص 103 - 104) لابن الصلاح و"المجموع شرح المهذب" للإمام النووي رحمه اللَّه (1/ 178 - دار إحياء التراث العربي)، وانظر المسألة في "العدة" (5/ 1601) و"المسودة" (517) و"شرح الكوكب المنير" (4/ 539) و"صفة الفتوى" (68).
(2) في (ق): "كما يحصل للعالم وإن يتميز العالم فيه بقوة"، وفي (ك): "يتملك" بدل "يتمكن".
(3) في المطبوع و (ت) و (ك): "كان الدليل كتابًا".
(4) في (ك): "خمسة".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6/105)

الثالثة: أن يكون قويًا على ما هو فيه، وعلى معرفته.
الرابعة: الكفاية، وإلا مضغه الناس.
الخامسة: معرفة الناس (1).
وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحلِّه من العلم والمعرفة، فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى وأي شيء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه.

[النية ومنزلتها]
فأمّا النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يُبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه (2)، والعمل تابعٌ لها [وعليها يُبنى] (3) يصح بصحتها ويفسد بفسادها وبها يُستجلب التوفيق وبعدمها يحصل الخذلان وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة، فكم بين مريد بالفتوى وجه اللَّه ورضاه والقرب منه، وما عنده، ومريد بها وجه المخلوق ورجاء منفعته، وما يناله منه تخويفًا أو طمعًا فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما بين المشرق والمغرب هذا يُفتي لتكون كلمة اللَّه هي العليا ودينه هو الظاهر ورسوله هو المطاع، وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع، وهو المشار إليه وجاهه هو القائم سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما فاللَّه المستعان.
و [قد] (4) جرت عادة اللَّه التي لا تُبدَّل وسنته التي لا تحول أن يُلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه، ويلبس المرائي اللابس ثوبي الزور من المقت والمهانة [والبغضة (5) ما هو اللائق به، فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت] (6) والبغضاء.
__________
(1) رواه ابن بطة في "إبطال الحيل" (ص 24 - ط المكتب الإِسلامي) ونقله أبو يعلى في "العدة" (5/ 1599) عن ابن بطة في كتاب "الرد على من أفتى في الخلع" وذكر إسناده، وكذلك فعل ابنه في "طبقات الحنابلة" (2/ 57 - ترجمة أبي حفص عمر بن محمد بن رجاء العكبري).
وذكره ابن عقيل في "الواضح في أصول الفقه" (5/ 460 - 461)، وشرحه فقرة فقرة، كما صنع المصنف.
(2) في (ق) و (ك): "وقائده وسابقه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ك)، وفي المطبوع: "يبني عليها".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) في (ق): "والبغض".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6/106)

[العلم والحلم والوقار والسكينة]
وأما قوله: "أن يكون له حلم، ووقار وسكينة" فليس صاحب العلم والفتيا إلى شيء أحوج منه إلى الحلم والسكينة والوقار، فإنها كسوة علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمه كالبدن العاري من اللباس، وقال (1) بعض السلف: ما قُرِنَ شيءٌ إلى شيء أحسن من علمٍ إلى حلم (2).
والناس هاهنا أربعة أقسام فخيارهم من أوتي الحلم والعلم (3)، وشرارهم من عدمهما، الثالث من أوتي علمًا، بلا حلم، الرابع عكسه، فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله وضده الطيش والعجلة والحدة والتسرع وعدم الثبات فالحليم لا يستفزه (4) البدوات، ولا يستخفه الذين لا يعلمون، و [لا] (5) يقلقه أهل الطيش والخفة والجهل، بل هو وقور ثابت ذو أناة يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور (6) عليه، ولا تملكه أوائلها وملاحظته للعواقب تمنعه من أن (7) تستخفه دواعي الغضب والشهوة فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشر والصلاح والفساد، وبالحلم يتمكن من تثبيت نفسه عند الخير فيؤثره ويصبر عليه وعند الشر فيصبر عنه، فالعلم يعرفه رشده والحلم يثبته عليه، وإذا شئت أن ترى بصيرًا بالخير والشر لا صبر له على هذا ولا عن هذا رأيته (8)، [وإذا شئت أن ترى صابرًا على المشاق لا بصيرة له رأيته] (9)، وإذا شئت أن ترى من لا صبر له، ولا بصيرة رأيته، وإذا شئت أن ترى بصيرًا صابرًا لم تكد، فإذا رأيته، فقد رأيت إمام هدى حقًا فاستمسك بغرزه (10) والوقار والسكينة، ثمرة الحلم ونتيجته.
__________
(1) في (ق) و (ك): "قال".
(2) روى أبو خيثمة في "العلم" (رقم 81) عن عطاء بن يسار قال: "ما أوتي شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم".
وانظر: "المجالسة" (3/ 161 رقم 798) وتعليقي عليها.
(3) في (ق) و (ك): "العلم والحلم".
(4) في (ك): "تستغرقه".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) والعبارة قبلهادي (ق): "يستخفه البدوان ولا يستفزه الذين لا يعلمون".
(6) في (ت): "أوائل الأمر".
(7) في (ق): "ملاحظة العواقب تمنعه أن".
(8) في (ق): "عن هذا ولا على هذا رأيته".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ت)، وسقط في (ك) "رأيته" فقط.
(10) "أي اعتلق به، وأمسكه، واتبع قوله وفعله، ولا تخالفه، فاستعار له الغرز كالذي يمسك بركاب الراكب، ويسير بسيره، والغرز: ركاب ركوب الجمل، وقيل: هو الكور" (و).
وقال (ط): "اتبع أمره ونهيه".
(6/107)

ولشدة الحاجة إلى السكينة وحقيقتها وتفاصيلها وأقسامها نشير إلى ذلك [إشارة] (1) بحسب علومنا القاصرة وأذهاننا الجامدة وعباراتنا الناقصة، ولكن نحن أبناء الزمان والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولكلّ زمانٍ دولةٌ ورجال.

[حقيقة السكينة]
فالسكينة (2) فعيلة من السكون، وهي (3) طمأنينة القلب واستقراره وأصلها في القلب ويظهر أثرها على الجوارح وهي عامة وخاصة.
فسكينة الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أخص مراتبها وأعلى أقسامها كالسكينة التي حصلت لإبراهيم الخليل، وقد ألقي في المنجنيق مسافرًا إلى ما أضرم له أعداء اللَّه من النار (4)، فلله تلك السكينة التي كانت في قلبه حين ذلك السفر! وكذلك السكينة التي حصلت لموسى، وقد غشيه فرعون وجنوده من ورائهم والبحر أمامهم، وقد استغاث بنو إسرائيل يا موسى إلى [أين] (5) تذهب بنا؟ هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون خلفنا، وكذلك السكينة التي حصلت له وقت تكليم اللَّه له نداءً وإيحاءً (6) كلامًا حقيقة سمعه حقيقة بأذنه، وكذلك السكينة التي حصلت له (7)، وقد رأى العصا ثعبانًا [مبينًا] (8)، وكذلك السكينة التي نزلت عليه، وقد رأى حبال القوم وعصيهم كأنها تسعى فأوجس [في نفسه] (8) خيفة، وكذلك السكينة التي حصلت لنبينا -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد أشرف عليه وعلى صاحبه عدوهما وهما في الغار فلو نظر أحدهم إلى تحت قدميه لرآهما، وكذلك السكينة التي نزلت عليه في مواقفه العظيمة وأعداء اللَّه (9) قد أحاطوا به كيوم بدر ويوم حنين ويوم الخندق وغيره، فهذه السكينة أمر فوق عقول البشر، وهي من أعظم معجزاته (10) عند أَرباب البصائر، فإن الكذب (11)، -ولا سيما على اللَّه تعالى- أقلق ما يكون وأخوف ما يكون وأشده اضطرابًا في مثل هذه المواطن فلو لم يكن للرسل
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ت)، وفي (ق): "نشير إليك إشارة".
(2) للمصنف كلام مسهب بديع عليها في كتابه "مدارج السالكين" (2/ 552 وما بعد/ ط الفقي)، وفي (ق): "والسكينة".
(3) في المطبوع و (ت): "وهو".
(4) في (ق): "ما أضرم له أعداؤه".
(5) وقعت في المطبوع: "إلى أن"! وفي (ق): "بموسى إلى أين".
(6) في المطبوع و (ت) و (ك): "ونجاء".
(7) في (ق): "عليه".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) في (ق): "وأعادي اللَّه".
(10) في (ك): "معجزاتهم".
(11) في (ق): "الكذاب".
(6/108)

صلوات اللَّه وسلامه عليهم من الآيات إلا هذه وحدها لكفتهم.

[السكينة الخاصة]
وأما الخاصة (1) فتكون لأتباع الرسل بحسب متابعتهم وهي سكينة الإيمان وهي سكينة تسكن القلوب عن الريب والشك، ولهذا أنزلها (2) اللَّه تعالى على المؤمنين في أَصعب المواطن أحوج ما كانوا إليها [{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الفتح: 4] فذكر نعمته عليهم بالجنود الخارجة عنهم والجنود الداخلة فيهم وهي السكينة] (3) عند القلق والاضطراب الذي لم يصبر عليه مثل عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- (4)، وذلك يوم الحديبية قال [اللَّه] (4) [سبحانه و] (4) تعالى يذكر نعمته عليهم بإنزالها أحوج ما كانوا إليها: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] لمّا علم اللَّه سبحانه [وتعالى] (4) ما في قلوبهم من القلق والاضطراب لمَّا منعهم كفار قريش من دخول (5) بيت اللَّه وحبسوا الهدي عن محله واشترطوا عليهم تلك الشروط الجائرة الظالمة فاضطربت قلوبهم وقلقت، ولم تطق الصبر فعلم تعالى ما فيها فثبتها بالسكينة (6) رحمةً منه ورأفة ولطفًا، وهو اللطيف الخبير وتحتمل الآية وجهًا آخر، وهو أنه سبحانه علم ما في قلوبهم من الإيمان [والخير] (4) ومحبته ومحبة رسوله فثبتها بالسكينة وقت قلقها واضطرابها، والظاهر أن الآية تعم الأمرين، وهو أنه علم ما في قلوبهم مما يحتاجون معه (7) إلى [إنزال السكينة، وما في قلوبهم من الخير الذي هو سبب] (8) إنزالها، ثم قال تعالى: [بعد ذلك] (4): {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا] (9)} [الفتح: 26] لمَّا كانت حمية الجاهلية توجب من
__________
(1) في (ق): "وأما العامة الخاصة".
(2) في (ق): "أنزل"!
(3) ما بين المعقوفتين مذكور في (ت) و (ك) بعد قوله الآتي: "أحوج ما كانوا إليها"، وبعده قال: "وقال تعالى بعد ذلك".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ت): "دخلوهم".
(6) في (ق): "فعلم اللَّه سبحانه ما فيها، وثبتها بالسكينة".
(7) في (ت) و (ك): "يحتاج معه".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق).
(9) بدل ما بين المعقوفتين في هامش (ق): "إلى قوله: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} ".
(6/109)

الأقوال والأعمال ما يناسبها جعل اللَّه في [قلوب أوليائه سكينة تقابل] (1) حمية الجاهلية وفي ألسنتهم كلمة التقوى مقابلة لما توجبه حمية الجاهلية من كلمة الفجور، فكان حظُّ المؤمنين السكينةَ في قلوبهم وكلمة التَّقوى على ألسنتهم، وحظُّ أعدائهم (2) حمية الجاهلية في قلوبهم، وكلمة الفجور والعدوان على ألسنتهم فكانت هذه السكينة وهذه الكلمة جندًا من جند اللَّه أيَّد بها [اللَّه] (3) رسوله والمؤمنين في مقابلة جند الشيطان الذي في قلوب أوليائه [وألسنتهم] (4). وثمرة هذه السكينة الطمأنينة الخبر (5) تصديقًا وإيقانًا وللأمر تسليمًا وإذعانًا، فلا تدع شبهة تعارض الخبر (5)، ولا إرادة تعارض الأمر، فلا تمر (6) معارضات السوء [بالقلب] (7) إلا وهي مجتازة [من] (8) مرور الوساوس الشيطانية التي يُبتلي بها العبد ليقوى إيمانه ويعلو عند اللَّه ميزانه بمدافعتها وردّها وعدم السكون إِليها، فلا يظن المؤمن أنها لنقص درجته عند اللَّه تعالى.

فصل [السكينة عند القيام بوظائف العبودية]
ومنها السكينة عند القيام بوظائف العبودية وهي التي تورث الخضوع والخشوع وغض الطرف وجمعية القلب على اللَّه تعالى (9) بحيث يؤدي عبوديته بقلبه وبدنه، والخشوع نتيجة هذه السكينة وثمرتها، وخشوع الجوارح نتيجة خشوع القلب، وقد رأى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجلًا يعبث، بلحيته في الصلاة فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" (10).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق).
(2) في (ق): "اعدائه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق) و (ك).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق): "للخير".
(6) في (ق) و (ك): "بل لا تمر".
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "بالأمر لقلب".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) في (ق): "على اللَّه سبحانه".
(10) رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" -كما في "تخريج الكشاف" للزيلعي (2/ 399 - 400) - حدثنا صالح بن محمد: حدثنا سليمان بن عمرو عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا به. =
(6/110)

فإن قلت (1): قد ذكرت أقسامها ونتيجتها وثمرتها وعلامتها فما أسبابها الجالبة لها؟

[أسباب السكينة]
قلت: سببها استيلاء مراقبة العبد لربه جل جلاله حتى كأنه يراه وكلما اشتدت هذه المراقبة أوجبت له من الحياء والسكينة والمحبة والخضوع والخشوع
__________
= قال الزيلعي: وسليمان بن عمرو هذا يشبه أن يكون هو أبو داود النخعي، فإني لم أجد أحدًا في هذه الطبقة غيره، وقد اتفقوا على ضعفه، قال ابن عدي: أجمعوا على أنه يضع الحديث.
وقال الحافظ العراقي في "تخريجه على الإحياء" (1/ 150): "ضعيفٌ! والمعروف أنه من قول سعيد".
ونقل عنه المناوي في "فيض القدير" (5/ 319) قوله في "شرح سنن الترمذي": وسليمان بن عمرو هو أبو داود النخعي متفق على ضعفه، وإنما يعرف هذا عن ابن المسيب.
وقال أبو زرعة ابن الحافظ العراقي: فيه سليمان بن عمرو، وهو مجمع على ضعفه.
أقول: سليمان بن عمرو ليس بمجمع على ضعفه فقط، بل هو يضع الحديث كما قال الإِمام أحمد وابن معين والحاكم.
والحديث ذكره شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "السلسلة الضعيفة" (110)، وقال موضوع.
وأما الحافظ ابن حجر فقد ذكره في "الفتح" (2/ 225) ساكتًا عليه وقال ابن رجب في رسالته "الخشوع في الصلاة" (ص 12 - تحقيق الحلبي وص 33 - تحقيق محمد عمرو) -ونسبه لبعض السلف-: "وروي ذلك عن حذيفة -رضي اللَّه عنه- وسعيد بن المسيب، ويروى مرفوعًا بإسناد لا يصح"، قلت: وعزاه ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (18/ 273) إلى عمر بن الخطاب، وأثر حذيفة، رواه محمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (150) من طريق الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عنه، وفيه عنعنه الوليد، وثور لم يدرك حذيفة. وقول سعبد بن المسيب رواه ابن المبارك في "الزهد" (1188)، وعبد الرزاق (3309) وابن أبي شيبة (2/ 190) ومحمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (151) عن معمر عن رجل عن سعيد بن المسيب من قوله.
وصرح عبد الرزاق (2/ 266 رقم 3308) أن اسم الراوي عن سعيد هو أبان بن أبي عياش، وهو متروك، فإسناده ضعيف جدًا.
ولكن أخرجه صالح بن أحمد في "مسائل لأبيه" (رقم 741) من طريق سعيد بن خثيم عن محمد بن خالد عن سعيد بن جبير، قال: نظر سعيد (أي: ابن المسيب) إلى رجل. . . به، وإسناده حسن.
(1) في (ق): "فإن قيل".
(6/111)

والخوف والرجاء ما لا يحصل بدونها، فالمراقبةُ أساسُ الأعمال القلبية كلها وعمودها الذي قيامها به، ولقد جمع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أصول أعمال القلب وفروعها كلها في كلمة واحدة، وهي قوله في الإحسان: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه" (1)، فتأمل كل مقام من مقامات الدين وكل عمل من أعمال القلوب كيف تجد هذا أصله ومنبعه؟ (2).
والمقصود أن العبد محتاج إلى السكينة عند الوساوس المعترضة في أصل الإيمان ليثبت قلبه، ولا يَزيغ وعند الوساوس والخَطَرات القادحة في أعمال الإيمان لئلا تقوى وتصير همومًا وغمومًا وإرادات ينقص بها إيمانه وعند أسباب المخاوف على اختلافها ليثبت قلبه ويسكن جأشه، وعند أسباب الفرح لئلا يطمح به مركبُه، فيجاوز الحد الذي لا يعبر فينقلب ترحًا وحزنًا، وكم ممن (3) أنعم [اللَّه] عليه بما يُفرحه (4) فجمح به مركب الفرح (5) وتجاوز الحد، فانقلب ترحًا عاجلًا، ولو أُعِيْن بسكينة تُعَدِّل فرحَه لأُريد به الخيرِ، وباللَّه التوفيق، وعند هجوم الأسباب المؤلمة على اختلافها الظاهرة والباطنة فما أحوجه إلى السكينة حينئذ، وما أنفعها له وأجداها عليه وأحسن عاقبتها.
والسكينة في هذه المواطن علامة على الظفر وحصول المحبوب، واندفاع المكروه، وفقدها علامة على ضد ذلك، لا يخطئ هذا, ولا هذا، واللَّه المستعان.

[الاضطلاع بالعلم]
وأما قوله: "أن يكون قويًا على ما هو فيه؛ وعلى معرفته" أي مستظهرًا مضطلعًا (6) بالعلم متمكنًا منه غير ضعيف فيه، فإنه إذا كان ضعيفًا قليل البضاعة غير مضطلع به؛ أحجم عن الحق في موضع ينبغي فيه الإقدام؛ لقلَّة علمه بمواضع الإقدام والإحجام، فهو يُقْدم في غير موضعه، ويُحْجم في غير موضعه،
__________
(1) قطعة من حديث طويل: أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الإيمان): باب سؤال جبريل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الإيمان والإِسلام والإحسان (1/ 114/ رقم 55)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الإيمان): باب بيان الإيمان والإِسلام والإحسان (1/ 36 - 38 رقم 8) عن عمر -رضي اللَّه عنه-.
(2) في (ق): "كيف تجدها أصله ومنبعه".
(3) في (ق): "ترحات وحزنًا، وكم من".
(4) في (ق): "بما يفرح به"، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) في (ت): "الفرج".
(6) في (ق): "متظلعًا".
(6/112)

ولا (1) بصيرة له بالحق، ولا قوة له على تنفيذه، فالمفتي محتاج (2) إلى قوة في العلم وقوة في التنفيذ، فإنه لا ينفع تكلّم بحق لا نفاذ له.

[الكفاية]
وأما قوله: "الرابعة الكفاية وِإلا مضغه الناس"، فإنه إذا لم يكن له كفاية احتاج إلى الناس وإلى الإخذ مما في أيديهم، فلا يأكل منهم شيئًا إلا أكلوا من لحمه وعرضه أضعافه، وقد كان لسفيان الثوري شيء من مال، وكان لا يتروى (3) في بذله، ويقول: لولا ذلك لتمندل (4) بنا هؤلاء (5)، فالعالم إذا منح غناء، فقد أعين على تنفيذ علمه، وإذا احتاج (6) إلى الناس، فقد مات عِلْمُه وهو ينظر.

[معرفة الناس]
وأما قوله: "الخامسة معرفة الناس"، فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيهًا فيه فقيهًا في الأمر والنهي، ثم يطبق أحدهما على الآخر وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن [فقيهًا في الأمر] (7) له معرفة بالناس تُصَوِّر له الظالم بصورة المظلوم وعكسه والمُحِقّ بصورة المُبطل وعكسه، ورَاج عليه المكرُ [والخداعُ] (8) والاحتيال وتصوَّر له الزنديق في صورة (9) الصديق والكاذب في صورة الصادق ولبس كل مبطل ثوب (10) زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعُرْفياتهم لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيهًا في معرفة [مكر] (11) الناس وخداعهم
__________
(1) في (ق) و (ك): "لا".
(2) في (ق): "يحتاج".
(3) في (ت): "لا يتهوى" وأشار إليه (د) في الهامش، ووقع في (ق) و (ك): "لا يتهور".
(4) "تمندل: تمسح" (و).
(5) أسنده عنه: ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" (70) والدينوري في "المجالسة" (2427 - بتحقيقي) والبيهقي في "المدخل" (549 , 550) وأبو نعيم في "الحلية" (6/ 369، 381) والخبر في "السير" (7/ 241، 254 و 8/ 241) و"العقد الفريد" (2/ 337). و"تهذيب الكمال" (11/ 168) وفي بعضها: "لتمندل الملوك بي" وكان يقول: "المال في هذا الزمان سلاح" رواه ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" (رقم 78)، وانظر: "تفسير القرطبي" (3/ 417 - 420) وكتابي "القرطبي والصوفية" (ص 68 - ط الثانية).
(6) في (ك): "أحوج".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) في (ق): "منزلة".
(10) في (ق) و (ك): "ثوبي".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6/113)

واحتيالهم وعوائدهم وعُرفياتهم، فإن الفتوى تتغيَّر بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال وذلك كله من دين اللَّه، كما تقدم بيانه، وباللَّه التوفيق.

[فوائد تتعلق بالفتوى مروية عن الإِمام أحمد]
الفائدة الرابعة والعشرون: في كلماتٍ حُفظت عن الإِمام أحمد [رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه] (1) في أمر الفتيا سوى ما تقدم [آنفًا] (1).
قال في "رواية ابنه صالح" (2): "ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن عالمًا بالأسانيد الصحيحة عالمًا بالسنن" وقال في رواية أبي الحارث (3) "لا تجوز الفتيا إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة".
وقال في رواية حنبل (4): "ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا يقول مَنْ تقدَّم وإلا فلا يفتي". وقال في رواية يوسف بن موسى: واجب (5) أن يتعلم الرجل كل ما [تكلَّم] (6) فيه الناس.
وقال في رواية ابنه عبد اللَّه (7)، وقد سأله عن الرجل يريد أن يسأله عن [أمر] (8) دينه مما يُبتلى به (9) من الأيمان في الطَّلاق وغيره، وفي مِصْره من
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) نقلها القاضي أبو يعلى في "العدة" (5/ 1595) وعنه في "المسودة" (515)، ثم وجدته مسندًا عند الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم 1049)، وابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" (رقم 6 - بتحقيقي).
(3) نقلها القاضي أبو يعلى في "العدة" (5/ 1595) وعنه في "المسودة" (515).
(4) نقلها القاضي أبو يعلى في "العدة" (5/ 1595) وعنه في "المسودة" (515).
(5) نقلها القاضي أبو يعلى في "العدة" (5/ 1595) هكذا "واجب" -ومنه ينقل المصنف- وكذا في (ق) وفي سائر النسخ "أحب"! وفي "المسودة" (515) من رواية يوسف: "لا يجوز الاختيار إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة".
(6) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): بياض، وفي الهامش: "لعله: تكلم فيه الناس"، وفي "العدة": "يكلم"، وسقطت منه كلمة "الرجل".
(7) (ص 438/ رقم 1585 ط المكتب و 2/ 1313 رقم 1824 - ط المهنأ): ونقلها عنه أبو حفص بن شاهين في (الجزء الثامن) من "أخبار أحمد" وعنه أبو يعلى في "العدة" (5/ 1595 - 1596) وعنه في "المسودة" (515).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(9) في "مسائل عبد اللَّه" وسائر المصادر: "يسأل عن الشيء من أمر دينه. . . "، وفي (ق) "أن يسأل عن أمر دينه بما يبتلى به".
(6/114)

أصحاب الرأي، وأصحاب الحديث لا [يحفظون] (1)، ولا يعرفون الحديث الضعيف ولا الإسناد القوي، فلمن يسأل؟ لهؤلاء (2) أو لأصحاب الحديث [على قلة معرفتهم فقال: "يسأل أصحاب الحديث] (3)، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيفٌ الحديث خير من الرأي".
وقال في رواية محمد بن عبيد اللَّه ابن المنادي، وقد سمع رجلًا يسأله: إذا حفظ [الرجل] (3) مئة ألف حديث يكون فقيهًا؟ قال: لا، [قال: فمئتي ألف؟ قال: لا. قال: فثلاث مئة ألف؟ قال: لا، قال] (1): فأربع مئة ألف؛ قال بيده هكذا وحركها، قال حفيده أحمد بن جعفر بن محمد: فقلت لجدي: كم كان يحفظ أحمد؟ فقال: أجاب عن ست مئة ألف [حديث] (4).
وقال عبد اللَّه بن أحمد (5): سألت أبي عن الرجل يكون عنده الكتب المصنَّفة فيها قول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والصحابة والتابعين وليس للرجل بصرٌ بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير منها فيُفتى به [ويعمل به] (6)؟ قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها فيكون يعمل على أمر صحيح يسأل عن ذلك أهل العلم.
وقال أبو داود (7): سمعت أحمد وسئل عن مسألة فقال: دعنا من هذه المسائل المحدثة، وما أُحصي ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف من العلم فيقول: لا أدري. وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عيينة في الفُتيا أحسن فتيًا منه كان أهون عليه أن يقول: "لا أدري" مَنْ يحسن [مثل] (8) هذا؟ سل العلماء.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "من هؤلاء".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(4) ما بين المعقوفتين من (ق).
نقل هذه الرواية: أبو يعلى في "العدة" (5/ 1597) وابنه في "طبقات الحنابلة" (2/ 164)، ونحوها في "الفقيه والمتفقه" (رقم 1072) عن الحسن بن إسماعيل عن أحمد.
(5) في "مسائله لأبيه" (ص 438/ رقم 1584، ط المكتب الإِسلامي و 3/ 1311 - 1312 رقم 1823 - ط المهنأ)، ونقلها عنه أبو حفص في "أخبار أحمد" وعنه أبو يعلى في "العدة" (5/ 160) وعنه في "المسودة" (517) و"صفة الفتوى" (ص 26).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في "مسائله لأحمد" (ص 275، 276)، وبعدها في (ق): "وسئل أحمد".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ك).
(6/115)

وقال أبو داود (1): قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبعُ من مالك؟ فقال: لا تقلِّد دينك أحدًا من هؤلاء؛ ما جاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه (2) فخذ به، ثم التابعين بعدُ الرجلُ فيه مخيَّر.
وقال إسحاق بن هانئ (3): سألت أبا عبد اللَّه عن الذي جاء في الحديث: "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" (4) فقال: يفتي بما لم يسمع (5).
وقال أيضًا (6): قلت لأبي عبد اللَّه: يطلب الرجل الحديث بقدر ما يظن أنه قد انتفع به؟ قال: العلم لا يعدله شيء، وجاءه رجل يسأله عن شيء فقال: لا أجيبك في شيء، ثم قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: "إن كل من يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون" (7)، قال الأعمش: فذكرت ذلك للحكم (8) فقال: لو حدَّثتني به قبل اليوم ما أفتيتُ في كثير مما كنت أفتي به (9)، قال ابن هانئ (10): وقيل لأبي عبد اللَّه: يكون الرجل في قرية فيُسأل عن الشيء [الذي] (11) فيه اختلاف؟ قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنة (12)، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه، قيل له: أفتخاف عليه؟ (13) قال: لا، قيل له: ما كان من كلام إِسحاق بن راهويه، وما [كان] (11) وضع
__________
(1) في "مسائله لأحمد" (ص 277).
(2) سقطت "وأصحابه" من (ق)، واستظهر في الهامش أن تكون العبارة هكذا: "ما جاء عن أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
(3) في "مسائله" (2/ 165 - 166/ رقم 1917) وعنه ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (2/ 67).
(4) رواه الدارمي (1/ 57) عن إبراهيم بن موسى: حدثنا ابن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن عبيد اللَّه بن أبي جعفر قال، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ورجاله ثقات مشهورون من رجال الصحيح، لكنه مرسل إن لم يكن معضلًا، وعزاه في "كشف الخفاء" (1/ 50) لابن عدي، وجعله ابن بطة في "إبطال الحيل" (62) عن عمر قوله.
(5) في (ق): "يفتي بما سمع".
(6) انظر: "مسائل ابن هانئ" (رقم 1925).
(7) سبق تخريجه.
(8) في المطبوع و (ك): "للحاكم"، والتصويب من "المسائل" و (ت) و (ق).
(9) رواه بسنده عن ابن مسعود وقولة الحكم: أبو خيثمة في "العلم" (رقم 10) وابن بطة في "إبطال الحيل" (ص 65 - 66) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (رقم 1590) ومضى تخريج أثر ابن مسعود.
(10) في "مسائله" (ص 167/ رقم 1922 - رقم 1925).
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(12) بعدها في (ك): "يفتي به".
(13) في (ق) و (ك): "فتخاف عليه".
(6/116)

في الكتب (1) وكلام أبي عبيد، ومالك، ترى النظر فيه؟ فقال: كل كتاب ابتدع فهو بدعة، أو كل كتاب محدث فهو بدعة، وأما ما كان من (2) مناظرة، يخبر الرجل بما عنده، وما يسمع من الفتيا، فلا أرى به بأسًا، قيل له: فكتاب أبي عبيد "غريب الحديث"؟ قال: ذلك شيء حكاه عن قوم أعراب، قيل له: فهذه الفوائد التي فيها المناكير تَرى أن تكتب؟ قال: المنكر أبدًا منكر.

[دلالة العالم للمستفتي على غيره]
الفائدة الخامسة والعشرون: في دلالة العالم للمستفتي على غيره، وهو موضع خطر جدًا فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك، فإنه متسبب بدلالته إما إلى الكذب على اللَّه ورسوله في أحكامه [أو] (3) القول عليه بلا علم فهو معين على الإثم والعدوان، وإما معين على البر والتقوى فلينظر الإنسان إلى من يدل عليه وليتق اللَّه [ربه] (4)، وكان شيخنا -قدس اللَّه روحه- شديد التجنب (5) لذلك، ودللتُ مرَّةً بحضرته على مفت أو مذهب (6)، فانتهرني، وقال: مالك وله؟ دعه [عنك] , ففهمتُ من كلامه: إنك لتبوء بما عساه يحصل له من الإثم، ولمن أفتاه، ثم رأيت هذه المسألة بعينها منصوصة عن الإِمام أحمد. قال أبو داود [في "مسائله"]: قلت لأحمد: الرجل يَسأل عن المسألة فأدلّه على إنسان يسأله؟ فقال (7): إذا كان [يعني] (8) -الذي أرشد إليه (9) متبعًا (10) ويفتي بالسنة، فقيل لأحمد: إنه يريد الاتِّباع وليس كل قوله يصيب، فقال أحمد: ومن يصيب في كل شيء؟ قلت له: فرأي مالك؟ فقال: لا تتقلد (11) في مثل هذا بشيء (12).
قلت: وأحمد كان يدل على أهل المدينة ويدل على الشافعي ويدل على إسحاق (13).
__________
(1) في المطبوع و (ك): "الكتاب". وفي "مسائل ابن هانئ": "كتاب".
(2) في (ق): "من".
(3) في (ق): "عن".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق): "كثير التجنب".
(6) في (ق): "مذهب أو مفت"، وما بين المعقوفتين بعدها من (ق) فقط.
(7) في (ق): "قال".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) في المطبوع: "أرشدته إليه"، وفي (ك): "ارشده إليه".
(10) في (ت) و (ك): "يتبع".
(11) في (ك) و (ق): "نقلد".
(12) سقط من (ك).
(13) انظر في هذا: "تاريخ بغداد" (6/ 349) و"العدة" (5/ 1576، 1572) و"المسودة" (468).
(6/117)

ولا خلاف عنه (1) في استفتاء هؤلاء، ولا خلاف عنه [في] (2) أنه لا يُستفتى أهل الرأي المخالفون لسنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وباللَّه التوفيق، ولا سيما كثير من المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان وغيره، وقد رأى رجل ربيعة بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: "استُفتي من لا علم له، وظهر في الإِسلام أمر عظيم"، قال: "ولبَعضُ من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السُّرَّاق" (3). وقال بعض العلماء (4): "فكيف لو رأى ربيعة زماننا؟ وإقدام من لا علم عنده على الفتيا وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها و [تسلقه] بالجهل (5) والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة، وهو [من] (6) بين أهل العلم منكر أو غريب، فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب، ولا يبدي جوابًا بإحسان، وإن ساعد القدر فتواه (7) كذلك يقول فلان ابن فلان (8).
يَمُدُّون للإفتاء باعًا قصيرةً ... وأكثرهم عند الفتاوى يُكَذْلِكُ
وكثير منهم نصيبهم مثل ما حكاه أبو محمد بن حزم (9) قال: كان عندنا مفت قليل البضاعة فكان لا يفتي حتى يتقدمه من يكتب الجواب، فيكتب (10) تحته: جوابي مثل جواب الشيخ، فقدر أن اختلف مفتيان في جواب (11)، فكتب تحتهما: جوابي مثل جواب الشيخين، فقيل له: إنهما قد تناقضا فقال: وأنا أيضًا تناقضت (12)، كما تناقضا. وقد أقام اللَّه سبحانه لكل عالم ورئيس وفاضل (13) مَنْ يُظهر مماثلته، ويرى الجهالُ وهم الأكثرون مساجلته ومشاكلته (14)، وأنه يجري
__________
(1) في (ك): "عنده".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) رواه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 670) وابن عبد البر في "الجامع" (2410) وعنه ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (ص 8) -والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1039)، ومن طريقه ابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" (رقم 46 - بتحقيقي).
(4) نحوه عند ابن حمدان في "صفة الفتوى" (11 - 12)، وابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" بإثر رقم (46) وابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (ص 85)، وفي (ك): "قال" دون واو.
(5) قال (د): "في نسخة: "وشغله بالجهل"، وأحسبه تحريف ما أثبتناه"، وما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وفي (ك): "ويستاقه بالجهل".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(7) في (ك): "فبفتواه"، وفي (ق): "ففتواه".
(8) في (ق): "فلان وفلان".
(9) في "الإحكام" (6/ 77)، وقد سبق لفظه.
(10) في (ق): "فكان يكتب".
(11) في (ق): "أن مفتيين اختلفا".
(12) في (ق): "قال: وأنا قد تناقضت".
(13) في (ق): "عالم وفاضل ورئيس".
(14) في (ق): "مساجلة ومشاكلة".
(6/118)

معه في الميدان، وأنهما عند المسابقة كفَرَسي رهان، ولا سيما إذا طوّل الأردان، وأرخى الذوائب (1) الطويلة وراءه كذنب الأتان، وهذر باللسان وخلا له الميدان [الطويل] (2) من الفرسان.
فلو لبسَ الحمارُ ثيابَ خَزٍّ (3) ... لقال الناس: يا لَك من حمارِ!
[وهذا الضَّرب إنما يستفتونَ بالشَّكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية، قد غرَّهم عكوف من لا علم عنده عليهم، ومسارعة أجهل (4) منهم إليهم، تعج منهم الحقوق إلى اللَّه تعالى عجيجًا، وتضج منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجًا، فمن أقدم بالجرأة على ما ليس له بأهل فتيا أو قضاء أو تدريس، استحقَّ اسم الذم، ولم يحلّ قبولُ فتياه، ولا قضائه هذا حكم دين الإِسلام.
وإنْ رَغِمَتْ أنوفٌ من أناسٍ ... فَقُلْ يا رب! لا ترغم سواها] (5)

[كذلكة المفتي]
الفائدة السادسة والعشرون: في حكم كذلكة (6) المفتي، ولا يخلو من حالين: إما أن يعلم صواب [جواب] (7) مَنْ تقدَّمه بالفتيا أو لا يعلم، فإنْ علم صواب جوابه فله أن يُكَذلِكَ، وهل الأولى له الكذلكة أو الجواب المستقل؟ (8) فيه تفصيل:
فلا يخلو المبتدئ إما أن يكون أهلًا أو متسلِّقًا (9) متعاطيًا ما ليس له بأهل، فإنْ كان الثاني فتركه الكَذْلَكة أولى مطلقًا، إذ في (10) كَذْلكته تقرير له على الإفتاء، وهو كالشهادة له بالأهلية، وكان بعض أهل العلم (11) يضرب على فتوى مَنْ كتب وليس بأهل، فإن لم يتمكن من ذلك خوف الفتنة [منه فقد قيل] (12): لا يكتب معه في الورقة ويرد السائل، وهذا نوع تحامل والصواب أنه يكتب في
__________
(1) في (ق): "الذؤابة"، وفي (ك): "الذنب الطويل".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) في (ق): "قزٍ"، وفي (ك): "هذا".
(4) قبلها في (ك): "أهل".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) هو قوله: كذلك قالوا، أو: كذلك قال.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (ق): "وهذا الأولى له كذلكة والجواب المستقل".
(9) في (ق): "مستلفيًا".
(10) في (ق): "وفي".
(11) في (ق): "وكان بعض العلماء".
(12) في (ق): "فقيل"، وفي (ك): "فقد قيل".
(6/119)

الورقة الجواب، ولا يأنف من الإخبار بدين اللَّه (1) الذي يجب عليه الإخبار به لكتابة من ليس بأهل، فإن هذا ليس عذرًا (2) عند اللَّه ورسوله وأهل العلم في كتمان الحق، بل هذا نوع رياسة وكبر، والحق للَّه [عز وجل] (3)، فكيف يجوز أن يعطّل حقّ اللَّه ويكتم دينه؛ لأجل كتابة من ليس بأهل؟
وقد نص الإِمام أحمد على أن الرجل إذا شهد الجنازة [فرأى فيها] (4) منكرًا لا يقدر على إزالته أنه لا يرجع، ونص على أنه إذا دعي إلى وليمة عرس فرأى فيها منكرًا (5) لا يقدر على إزالته أنه يرجع، فسألتُ شيخنا عن الفرق؟ فقال: لأن الحق في الجنازة للميِّت، فلا يُترك حقّه لما فعله الحيُّ من المنكر، والحق في الوليمة لصاحب البيت، فإذا أتي فيها بالمنكر، فقد أسقط (6) حقَّه من الإجابة، وإن كان المبتدي بالجواب أهلًا للإفتاء، فلا يخلو إما أن يعلم المُكَذْلِكُ صواب جوابه أو لا يعلم، فإن لم يعلم صواب جوابه (7) لم يجز له أن يُكَذْلِكَ تقليدًا له؛ إذ لعله أن يكون قد غلط، ولو نُبّه لرجعَ، وهو معذور وليس المُكَذْلِكُ معذورًا (8)، بل مفتٍ بغير علم، ومَن أفتى بغير علم فإثمه على من أفتاه، وهو أحد المفتين الثلاثة الذين [ثلثاهم] (9) في النار، وإنْ علم أنه قد أصاب، فلا يخلو إما أن تكون [المسألَة] (9) ظاهرةً لا يخفى وجهُ الصواب فيها -بحيث لا يُظن بالمكَذْلِك أنه قلَّده فيما لا يعلم- أو تكون خفيَّة، فإنْ كانتْ ظاهرةً فالأَوْلى الكَذْلَكَة لأنه إعانةٌ على البر والتقوى، وشهادةٌ للمفتي بالصواب، وبراءة من الكِبْر والحميَّة، وإن كانتْ خفيَّة بحيث يظن بالمكَذلِك أنه وافقه تقليدًا محضًا، فإن أمكنه إيضاح ما أشكله الأول أو زيادة (10) بيان أو ذكر [قيد] (11) أو تنبيه على أمر أغفله؛ فالجواب المستقل أولى، وإنْ لم يمكنه ذلك، فإنْ شاء كَذْلَكَ، وإن شاء أجاب استقلالًا.
فإن قيل: ما الذي يمنعه من الكَذْلَكة إذا لم يعلم صوابه تقليدًا [له] (11)،
__________
(1) في (ق): "في دين اللَّه".
(2) في (ق): "بعذر".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ق): "إذا رأى".
(5) في (ق): "إذا رأى منكرًا".
(6) في (ق): "سقط".
(7) في المطبوع و (ت) و (ك): "صوابه".
(8) في (ق): "وهذا معذور والمكذلك ليس معذورًا".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) في المطبوع و (ق): "وزيادة".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6/120)

كما قلد المبتدي مَنْ فوقه؟ فإذا [أفتى الأول] (1) بالتقليد المحض فما الذي يمنع المكَذْلِك من تقليده؟
قيل: الجواب من وجوه:
أحدها: أن الكلام في المفتي الأول أيضًا، فقد نص [الإمام] (2) الشافعي وأحمد، وغيرهما من الأئمة على أنه لا يحل للرجل أن يفتي بغير علم، وحكى (3) في ذلك الإجماع، وقد تقدم [ذكر] (4) ذلك مستوفى (5).
الثاني: أن هذا الأول (6)، وإن جاز له التقليد للضرورة، فهذا المَكَذْلِكُ، المتكلِّف لا ضرورةَ له إلى تقليده (7)، بل هذا من بناء الضعيف على الضعيف وذلك لا يسوغ، كما لا تسوغ الشهادة على الشهادة وكما لا يجوز المسح على الخفين على طهارة التيمم ونظائر ذلك كثيرة.
الثالث: أن هذا لو ساغ لصار الناس كلهم مفتين إذ ليس هذا بجواز (8) تقليد المفتي أولى من غيره، وباللَّه التوفيق.

[للمفتي أن يفتي من لا يجوز شهادته له]
الفائدة السابعة والعشرون: يجوز للمفتي أن يفتي أباه وابنه وشريكه، ومن لا تقبل شهادته له، وإن لم يجز أن يشهد له ولا يقضي له، والفرق بينهما أن الإفتاء يجري مجرى الرواية فكأنه حكم عام (9)، بخلاف الشهادة والحكم، فإنه يخص المشهود له والمحكوم له، ولهذا يدخل الراوي في حكم الحديث الذي يرويه ويدخل في حكم الفتوى التي يُفتي بها, ولكن لا يجوز له أن يحابي من يفتيه (10) فيفتي أباه أو ابنه أو صديقه بشيء ويفتي غيرهم بضدِّه محاباة، بل هذا يقدح في عدالته إلا أن يكون [ثَمَّ] (11) سبب يقتضي التخصيص غير المحاباة، ومثال هذا أن يكون في المسألة قولان قول بالمنع وقول بالإباحة، فيفتي ابنه وصديقه بقول الإباحة والأجنبي يقول المنع.
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "فإذا الفتى المبتديء".
(2) سقط من (ق) و (ك).
(3) كذا في (ق) و (ك)، وفي سائر النسخ: "حكى".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) وقع في (ت): "مسبوقًا" بدل: "مستوفى".
(6) في (ق): "أن يكون الأول".
(7) في (ق): "لا ضرورة به إلى التقليد".
(8) في (ق): "لجواز".
(9) في (ك): "عالم".
(10) وقع في (ت) و (ك) و (ق): "من نفسه"!
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6/121)

فإن قيل: هل يجوز له أن يفتي نفسه؟
قيل: نعم، إذا كان له أن يفتي غيره، وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "استفتِ قلبك، وأن أفتاك المفتون" (1).
__________
(1) رواه الدارمي (2/ 245)، وأحمد (4/ 228) -ومن طريقه ابن عساكر (10/ 110) - وابن أبي شيبة في "مسنده" (رقم 753) والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 1/ 144 - 145) وأبو يعلى (1586 و 1587)، وفي "المفاريد" (97، 98) -ومن طريقه ابن عساكر (10/ 111 - 112) - وأبو الشيخ في "الأمثال" (237)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (2139)، والطبراني في "المعجم الكبير" (22/ رقم 403)، وأبو نعيم في "الحلية" (2/ 24 و 6/ 255) والبيهقي في "الدلائل" (6/ 292 - 293) -ومن طريقه ابن عساكر (62/ 341) -، من طرق عن حماد بن سلمة عن الزبير أبي عبد السلام عن أيوب بن عبد اللَّه بن مُكْرِز عن وابصة به، وهو جزء من حديث طويل. وقال ابن عساكر: "وفي نسخة أبو عبد السلام، وهو الصحيح".
ورواه أحمد (4/ 228) من طريق عفان عن حماد بن سلمة: حدثني الزبير أبو عبد السلام عن أيوب، ولم يسمعه منه، قال: حدثني جلساؤه وقد رأيته، عن وابصة الأسدي، وقال عفان: "حدثني غير مرة، ولم يقل: حدثني جلساؤه".
وهذا إسناد ضعيف، أيوب بن عبد اللَّه بن مُكْرِز ذكره ابن حبان في "الثقات" (4/ 26)، وقال ابن حجر: مستور، والزبير أبو عبد السلام قال أبو نعيم في "الحلية" بعد روايته للحديث: لا أعرف له راويًا غير حماد، وذكره ابن حبان في "الثقات" (6/ 333) كعادته!!
أما الهيثمي فقد ذكر الحديث في "المجمع" (1/ 175 و 10/ 294) فقال في الأول: وفيه أيوب بن عبد اللَّه بن مكرز، قال ابن عدي: لا يتابع على حديثه، ووثقه ابن حبان، وقال في الثاني: ورجال أحد إسنادي الطبراني ثقات!!
قلت: وهم الهيثمي في قوله الأول: وإنما قال ابن عدي المقولة السابقة في "أيوب بن عبد اللَّه بن الملاح" وليس لابن مكرز ذكر في "الكامل".
ووجدت أبا نعيم في "الحلية" (6/ 255) ذكر لأيوب بن عبد اللَّه بن مكرز مُتابعين.
فقال: رواه أبو سكينة الحمصي، وأبو عبد اللَّه الأسدي عن وابصة نحوه.
أقول: أبو سكينة هذا مترجم في "التهذيب"، وقد نفى عنه الصحبة أبو زرعة وأبو حاتم وابن المديني وابن عبد البر، وقد ذكره بعضهم في الصحابة.
وقد ذكره ابن حجر في "الإصابة" في القسم الأول، لكن يظهر أن الطريق في إثبات صحبته ضعيف، ولم يذكر أحد فيه جرحًا ولا تعديلًا، على كل حال ذكرهم إياه في الصحابة قد يقوي أمره.
وأبو عبد اللَّه الأسدي، روى حديثه البخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 144) والبزار (183) والطبراني في "الكبير" (22/ رقم 402) و"مسند الشاميين" (رقم 2000) والبيهقي في "الدلائل" (6/ 292) والتيمي في "دلائل النبوة"، (رقم 157) وابن عساكر (62/ 340 - 341) =
(6/122)

فيجوز له أن يفتي نفسه بما يفتي به غيره (1)، ولا يجوز له أن يفتي نفسه بالرخصة وغيره بالمنع، ولا يجوز له إذا كان في المسألة [قولان] (2) قول بالجواز وقول بالمنع، أن يختار لنفسه قول الجواز ولغيره قول المنع (3).
__________
= من طريق معاوية بن صالح عنه، وقال: أبو عبد اللَّه الأسدي لا نعلم أحدًا سمّاه. قلت: وقعت تسميته في مطبوع "مسند الشاميين" وعند التيمي وابن عساكر بمحمد، وقال ابن رجب: "قال عبد الغني بن سعيد الحافظ، لو قال قائل: إنه محمد بن سعيد المصلوب، لما دفعت ذلك"، قال ابن رجب: "وهو مشهور بالكذب، لكنه لم يدرك وابصة".
قلت: فقول الهيثمي في "المجمع" (1/ 175): "لم أجد من ترجمه" غير جيد، وهو ليس بالمصلوب، إذ ترجمه البخاري (1/ 1/ 144)، وابن أبي حاتم (4/ 1/ 132) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال العجلي في "ثقاته" (2/ 258 رقم 1665): "شامي تابعي، ثقة"، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (5/ 370) وقال: "لا أدري من هو"!
ورواه أحمد من نفس الطريق (4/ 227) لكن وقع فيه معاوية بن صالح: عن أبي عبد الرحمن السلمي عن وابصة، وفي أطراف ابن حجر: أبو عبد اللَّه السلمي، وكذا في "إتحاف المهرة" (13/ 641 - 642)، ونقله ابن رجب في "جامع بيان العلم" (219) هكذا.
ويشهد له حديث أبي ثعلبة الخشني: رواه أحمد (4/ 194) والطبراني (22/ رقم 585) وأبو نعيم (2/ 30) وإسناده صحيح، وعزاه الهيثمي للطبراني (1/ 176)، وقال: "ورجاله ثقات" وجوَّد ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (2/ 250) إسناده، وقال النووي في "أربعينه" و"رياض الصالحين" (596) عن الحديث الذي أورده المصنف: "حسن" وهو كذلك بشواهده.
وفي الباب عن واثلة بن الأسقع: رواه أبو يعلى (7492)، والطبراني في "الكبير" (22/ 193)، وفيه عبيد بن القاسم كذبه بعضهم، واتهمه آخرون.
(1) في المطبوع و (ت): "بما يفتي غيره به".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) من لطيف ما يُذكر في جنب الترخص: ما قاله الإِمام ابن الجوزي رحمه اللَّه تعالى عن نفسه، في كتابه "صيد الخاطر" (2/ 304)، وقد ترخص في بعض الأمور:
"ترخصتُ في شيء يجوز في بعض المذاهب، فوجدتُ في قلبي قسوة عظيمة، وتخايل لي نوع طردٍ عن الباب، وبعد وظلمة تكاثفت.
فقالت نفسي: ما هذا؟ أليس ما خرجتَ عن إجماع الفقهاء؟ فقلتُ لها: يا نفس السوء! جوابُك من وجهين:
أحدهما: أنك تأولت ما لا تعتقدين، فلو استُفتيتِ لم تُفتي بما فعلتِ، قالت: لو لم أعتقد جوازَ ذلك ما فعلته، قلت: إلا أن اعتقادك هو ما ترضينه لغيركِ في الفتوى.
والثاني: أنه ينبغي لك الفرح بما وجدت من الظلمة عقيب ذَلك؛ لأنه لولا نورٌ في قلبك ما أثَّر مثلُ هذا عندكِ. قالت: فلقد استوحشت بهذه الظلمة المتجددة في القلب. قلت: فاعزمي على الترك، وقدِّري ما تركتِ جائزًا بالإجماع، وعُدِّي هجرَه ورعًا، وقد سلمتِ".
(6/123)

وسمعت شيخنا يقول: سمعت بعض الأمراء يقول عن بعض المفتين من أهل زمانه يكون عندهم (1) في المسألة ثلاثة أقوال أحدها: الجواز، والثاني: المنع، والثالث: التفصيل، فالجواز لهم، والمنع لغيرهم، وعليه العمل.

[لا يجوز الفتيا بالتشهي والتخيّر]
الفائدة الثامنة والعشرون: لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء (2) من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح، ولا يعتد به، بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولًا قاله إمام أو وجهًا ذهب إليه جماعة فيعمل بما شاء (3) من الوجوه والأقوال حيث رأى القول وفق (4) إرادته وغرضه عمل به فإرادته وغرضه هو المعيار وبها (5) الترجيح، وهذا حرام بإتفاق الأمة.
وهذا مثل ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نصب نفسه للفتوى [أنه كان يقول] (6): إن الذي لصديقي عليَّ إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وقال: وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة فأفتاه جماعة من المفتين بما يضرُّه، وكان (7) غائبًا فلما حضر سألهم بنفسه، فقالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه [قال: و] (6) هذا مما لا خلاف بين المسلمين، ممن يعتدُّ بهم في الإجماع أنه لا يجوز (8)، وقد قال مالك رحمه اللَّه في اختلاف الصحابة -رضي اللَّه عنهم-: "مخطئ ومصيب، فعليك بالاجتهاد" (9).
وبالجملة، فلا يجوز العمل والإفتاء في دين اللَّه تعالى بالتشهي والتخير
__________
(1) في (ق): "عنده"، وفي (ك): "زماننا" بدل "زمانه".
(2) في المطبوع و (ت) و (ك): "بما يشاء".
(3) في المطبوع و (ت) و (ك): "بما يشاء".
(4) في (ق): "بحيث رأى القول وافق".
(5) في (ق): "ونهاية".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في المطبوع: "وأنه كان".
(8) نقل كلام الباجي: ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (ص 125) وابن مفلح في "أصول الفقه" (4/ 1564 - 1565)، وابن تيمية في "المسودة" (537)، وابن حمدان في "صفة الفتوى" (ص 40 - 41)، والشاطبي في "الموافقات" (5/ 90 - بتحقيقي) وعزاه لكتابه: "التبيين لسنن المهتدين"، وهو قيد التحقيق بقلم أخينا إبراهيم باجس.
(9) كلامه في: "ترتيب المدارك" (1/ 192 - 193) و"أدب المفتي والمستفتي" (ص 125) و"صفة الفتوى" (41).
(6/124)

وموافقة الغرض فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به، ويفتي [به] (1)، ويحكم به، ويحكم على عدوه [ويفتيه] (1) بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، واللَّه المستعان.

[أقسام المفتين أربعة]
الفائدة التاسعة والعشرون: [المفتون] (2) الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام (3):
أحدهم (4): العالم بكتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة، فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت، ولا ينافي اجتهاده تقليدُهُ لغيره أحيانًا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال الشافعي [رحمه اللَّه ورضي عنه] (1) [في موضع] (5) من الحج: "قلته تقليدًا لعطاء"، فهذا النوع هم الذين (6) يسوغ لهم الإفتاء ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال [فيهم] (1) النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها" (7)، وهم غرس اللَّه الذين لا يزال يغرسهم في دينه وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب [كرم اللَّه وجهه] (1): لن تخلو الأرض من قائم للَّه بحُجّته (8).

فصل
النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله، ومآخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه (9)، من غير أن يكون مقلِّدًا لإمامه لا في
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(3) انظر: "المجموع" للنووي (1/ 75 - 77 - دار إحياء التراث)، و"المدخل" لابن بدران (ص 374 - 377 - ط الرسالة)، و"صفة الفتوى والمفتي والمستفتي" لابن حمدان (ص 16 - 24 - المكتب الإِسلامي)، و"الفتوى في الإِسلام" للقاسمي (ص 13 - 71 - دار الكتب العلمية)، و"أصول الفقه" لأبي زهرة (ص 389 - 399).
(4) في (ك): "أحدها".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(6) في المطبوع و (ت) و (ك): "النوع الذي".
(7) سبق تخريجه.
(8) سبق تخريجه، وفي (ك): "ممن قام للَّه بحجة".
(9) في (ق): "على نصوصه".
(6/125)

الحكم، ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه، ورتّبه، وقرره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا.
وقد ادّعى هذه المرتبة من الحنابلة القاضي أبو يعلى والقاضي أبو علي بن أبي موسى في "شرح الإِرشاد" الذي له، ومن الشافعية خلقٌ كثير، وقد اختلف (1) الحنفية في أبي يوسف (2)، ومحمد، وزفر بن الهذيل، والشافعية في المزني، وابن سريج، وابن المنذر، ومحمد بن نصر المروزي، والمالكية في أشهب، وابن عبد الحكم، وابن القاسم، وابن وهب، والحنابلة في أبي حامد (3)، والقاضي (4): هل كان هؤلاء مستقلين بالاجتهاد أو متقيدين (5) بمذاهب أئمتهم؟ على قولين، ومن تأمَّل أحوال هؤلاء وفتاويهم واختياراتهم علم أنهم لم يكونوا مقلّدين لأئمتهم في كل ما قالوه، وخلافهم لهم أظهر من أن ينكر، وإن كان منهم المستقل والمستكثر، ورتبة هؤلاء دون [رتبة] (6) الأئمة في الاستقلال بالاجتهاد.

فصل
النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه مقرر له بالدليل متقن لفتاويه، عالم بها, لا يتعدى أقواله وفتاويه، ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره ألبتة، وهذا شأن أكثر المصنفين في مذاهب أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف، وكثير منهم يظن أنه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية؛ لكونه مجتزيًا (7) بنصوص إمامه، فهي عنده كنصوص الشارع، قد اكتفى بها من كُلفة التَّعب والمشقة، وقد كفاه الإِمام استنباطَ الأحكام ومؤنة استخراجها من النُّصوص، وقد يرى إمامه ذكر حكمًا بدليله فيكتفي هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له.
وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطوَّلة والمختصرة،
__________
(1) في (ق) و (ك): "اختلفت".
(2) في (ك): "أبي موسى"!!
(3) في (ت) و (ق): "ابن حامد".
(4) اعتنى المصنف في كتابه "الفروسية" (ص 283 - 285 - بتحقيقي) عنايةً فائقة بطبقات الفقهاء في المذاهب الأربعة المتبوعة، وتسمية أصحابها، فانظره، فإنه مفيد.
وانظر في الأئمة المذكورين: "أدب المفتي والمستفتي" (92 - 94)، و"النافع الكبير" (4 - 6) و"عمدة الرعاية" (9) كلاهما للكنوي، و"شرح عقود رسم المفتي" (31).
(5) في (ت): "مقيدين".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) كأنها في (ت): "مجترئًا"، وفي (ق): "يجتزئ".
(6/126)

وهؤلاء لا يدعون الاجتهاد، ولا يقرون بالتقليد، وكثير منهم يقول: اجتهدنا في المذاهب فرأينا أقربها إلى الحق مذهب إمامنا، وكل (1) منهم يقول ذلك عن إمامه، ويزعم أنه أولى بالاتباع من غيره، ومنهم من يغلو فيوجب اتّباعه ويمنع من اتباع غيره.
فياللَّه العجب من اجتهاد نهض بهم إلى كون متبوعهم ومقلَّدهم أعلم من غيره، وأحق بالاتباع ممن سواه (2)، وأن مذهبه هو الراجح والصواب دائر معه، وقعد بهم عن الاجتهاد في كلام اللَّه ورسوله واستنباط الأحكام منه وترجيح ما يشهد له النص مع استيلاء كلام اللَّه ورسوله على غاية البيان وتضمنه لجوامع الكلم، وفصله للخطاب وبراءته من التناقض والاختلاف والاضطراب فقعدت بهم هممهم [واجتهادهم] (3) عن الاجتهاد فيه ونهضت بهم إلى الاجتهاد في كون إمامهم أعلم الأمة وأولاها بالصواب، وأقواله في غاية القوة وموافقة السنة والكتاب، واللَّه المستعان.

[فصل
النوع الرابع: طائفة تفقهت في مذاهب من انتسبت إليه] (4)، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرَّت على أنفسها بالتَّقليد المحض من جميع الوجوه، فإن ذكروا (5) الكتاب والسنة يومًا [ما في مسألة] (3)، فعلى وجه التَّبرُّك والفضيلة (6)، لا على وجه الاحتجاج والعمل، وإذا رأوا حديثًا صحيحًا مخالفًا لقول من انتسبوا إليه أخذوا يقول إمامهم (7) وتركوا الحديث، وإذا رأوا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وغيرهم من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- قد أفتوا بفتيا، ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفها أخذوا بفتيا إمامهم وتركوا فتاوى الصحابة، قائلين: الإِمام أعلم بذلك منا ونحن قد قلَّدناه، فلا نتعداه، ولا نتخطاه، بل هو أعلم بما ذهب إليه منّا، ومن عدا هؤلاء فمتكلِّف [و] متخلف قد دنا (8) بنفسه عن رُتبة المشتغلين (9)، وقصَّر عن درجة
__________
(1) في (ق): "فكل".
(2) في المطبوع و (ت) و (ك): "أحق بالاتباع من سواه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) في (ق): "ذكر".
(6) في (ق): "فعلى سبيل التبرك والفضل".
(7) في المطبوع و (ت) و (ك): "أخذوا بقوله".
(8) أشار في هامش (ق) إلى أنه في نسخة: "ربًا" وهي نسخة (ك)، وما بين المعقوفتين منها ومن (ق).
(9) في (ت): "المتعلمين".
(6/127)

المحصلين (1) فهو مُكَذْلك مع المَكْذِلكين، وإن ساعده القدر، واستقلَّ بالجواب قال: يجوز [بشرطه] (2)، ويصح بشرطه، ويجوز ما لم يمنع منه مانع شرعي، ويرجع في ذلك إلى رأي الحاكم، ونحو ذلك من الأجوبة التي يحسنها (3) كل جاهل، ويستحي منها كل فاضل.

[منزلة كل نوع من المفتين]
ففتاوى القسم الأول من جنس توقيعات الملوك وعلاماتهم (4)، وفتاوى النوع الثاني من جنس توقيعات نوّابهم وخلفائهم، وفتاوى النوع الثالث والرابع من جنس توقيعات خلفاء نوابهم (5)، ومن عداهم فمتشبع بما لم يعط متشبه بالعلماء محاك للفضلاء، وفي كل طائفة من الطوائف، متحققٌ بغيه (6)، ومُحاكٍ له، متشبهُ به، واللَّه المستعان.
الفائدة الثلاثون: إذا كان الرجل مجتهدًا في مذهب إمام، ولم يكن مستقلًا بالاجتهاد، فهل له أن يُفتي يقول (7) ذلك الإِمام على قولين: وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد (8):
أحدهما: الجواز ويكون متبعه مقلدًا للميت لا له، وإنما له مجرد النقل عن الإمام.
والثاني: لا يجوز له أن يفتي لأن السائل [مقلِّد له لا للميت، وهو لم يجتهد له، والسائل] (9) يقول [له] (10): أنا أقلدك فيم تفتيني به (11).
والتحقيق أن هذا فيه تفصيل، فإن قال [له] (11) السائل: " [أنا] (12) أريد حكم اللَّه تعالى في هذه المسألة، أو أريد الحق، أو ما يخلّصني" (13)، ونحو ذلك
__________
(1) في (ك): "المخلصين".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في المطبوع: "يستحسنها"، وأشار إليها (د) و (و).
(4) في المطبوع: "وعلمائهم".
(5) في (ك): "خلفائهم ونوابهم".
(6) في (ت) و (ك): "متحقق فقيه".
(7) في (ت): "بمذهب".
(8) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (ص 123) و"العدة" (5/ 1612 - 1613) و"الإحكام" (4/ 269 - 273) للآمدي، و"شرح رسوم المفتي" (21) و"روضة الناظر" (237) و"المدخل إلى مذهب الإِمام أحمد" (187).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) في (ق): "تفتي به".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(12) ما بين المعقوفتين من (ق).
(13) في المطبوع: "وأريد الحق فيما يخلصني".
(6/128)

لم يسعه إلا أن يجتهد له في الحق، ولا يسعه أن يفتيه بمجرد تقليد غيره من غير معرفة بأنه حق أو باطل، وإن قال له: "أريد أن أعرف في هذه النازلة قول الإِمام ومذهبه" ساغ له الإخبار به ويكون ناقلًا له ويبقى الدَّرك على السائل، فالدرك في الوجه الأول على المفتي، وفي الثاني على المستفتي.

[هل للحي أن يقلد الميت من غير نظر للدليل]
الفائدة الحادية والثلاثون: هل يجوز [للحيِّ] (1) تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجب لصحة العمل بها؟ فيه وجهان لأصحاب الإِمام أحمد والشافعي (1)؛ فمن منعه قال: يجوز تغيّر (2) اجتهاده لو كان حيًا، فإنه كان يجدد النَّظر عند نزول هذه النازلة إما وجوبًا، وإما استحبابًا على النزاع المشهور ولعله لو جدَّد النظر لرجع عن قوله [الأول] (3).
والثاني (4): الجواز وعليه عمل [جميع] (5) المقلدين في [جميع] (5) أقطار الأرض، وخيار ما بأيديهم من التقليد تقليد الأموات، ومن منع [منهم] (6) تقليد الميت، فإنما هو شيء يقوله بلسانه وعمله في فتاويه وأحكامه بخلافه والأقوال لا تموت بموت قائلها، كما لا تموت الأخبار بموت رواتها وناقليها.

[هل للمجتهد في نوع من العلم أن يفتي فيه؟]
الفائدة الثانية والثلاثون: الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام فيكون الرجل مجتهدًا في نوع من العلم مقلدًا في غيره أو في باب من أبوابه كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم أو في باب الجهاد أو الحج أو غير ذلك، فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره وهل له أن يفتي في
__________
(1) انظر: "الإحكام" (6/ 822) لابن حزم و"مناهج العقول" (3/ 210) للبدخشي و"المسودة" (522) و"تيسير التحرير" (4/ 250) و"مسلم الثبوت" (2/ 407) و"الآيات البينات" (4/ 269) و"أسنى المطالب" (4/ 281) و"حاشية البناني" (2/ 397) و"إرشاد الفحول" (ص 251) و"عمدة التحقيق" للباني (ص 165 - 166 - ط القادري) و"المنهج الفريد في الاجتهاد والتقليد" (ص 238) و"التقليد في الشريعة الإِسلامية" (ص 99 - 104).
(2) في المطبوع: "تغيير".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ق): "الثاني".
(5) ما بين المعقوفتين من (ق).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6/129)

النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه أصحها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به.
والثاني: المنع.
والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها (1).
فحجَّةُ الجواز أنه قد عرف الحق بدليله، وقد بذل جهده في معرفة الصواب فحكمه في ذلك [النوع] (2) حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع.
وحجة المنع تعلُّق أبواب الشرع وأحكامه بعضها ببعض، فالجهل ببعضها مظنة للتقصير في الباب والنوع الذي [قد] (3) عرفه، ولا يخفى الارتباط بين كتاب النكاح والطلاق والعدَّة وكتاب الفرائض، وكذلك الارتباط بين كتاب الجهاد، وما يتعلق به، وكتاب الحدود والأقضية والأحكام، وكذلك عامة أبواب الفقه.
ومن فرَّق بين الفرائض وغيرها رأى انقطاع أحكام قسمة المواريث، ومعرفة الفروض، و [معرفة] (4) مستحقها عن كتاب البيوع والإجارات والرهون والنضال، وغيرها وعدم تعلقاتها (5)، وأيضًا، فإن عامة أحكام المواريث قطعية وهي منصوص عليها في الكتاب والسنة (6).
فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في [معرفة] (7) مسألة أو مسألتين هل له أن يفتي بهما؟
قيل: نعم يجوز في أصح القولين، وهما وجهان لأصحاب الإِمام أحمد، وهل هذا إلا من التبليغ عن اللَّه و [عن] (7) رسوله، وجزى اللَّه من أعان على
__________
(1) انظر في مسألة تجزّئ الاجتهاد: "المحصول" (6/ 25) و"تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة (54) و"المستصفى" (2/ 353 - 354)، و"الإحكام" (4/ 164) للآمدي، (5/ 694 - 695) لابن حزم و"المرآة" (2/ 469) مع "حاشية الإزميري"، و"البحر المحيط" (4/ 473 و 6/ 209) للزركشي، و"شرح تنقيح الفصول" (430)، و"المعتمد" (2/ 929)، و"الموافقات" (5/ 43 - بتحقيقي) و"التقرير والتحبير" (3/ 294)، و"مقدمة المجموع" (1/ 71)، و"إرشاد الفحول" (254 - 255)، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 204، 212 - 213)، و"جمع الجوامع" (2/ 405 - 406 - مع حاشية البناني)، و"شرح العضد على ابن الحاجب" (2/ 290 - 291)، و"فواتح الرحموت" (2/ 364)، و"الاجتهاد في الإِسلام" (ص 164 - 173) لنادية العمري و"المنهج الفريد" (ص 38 - 41).
(2) ما بين المعقوفتين زيادة من (ت).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ك).
(5) في (ق): "وعدم تعلقها".
(6) في (ت) و (ك): "وهي منصوص عليها في كتاب اللَّه تعالى".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك)، وفي (ق): "ما" بدل "فما".
(6/130)

الإِسلام ولو بشطر كلمة خيرًا، ومَنْعُ هذا من الإفتاء بما عَلِم خطأ محض، وباللَّه التوفيق.

[من تصدر للفتوى من غير أهلها أثم]
الفائدة الثالثة والثلاثون: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقرَّه من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا.
قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه اللَّه (1): "ويلزم ولي الأمر منعهم، كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدلّ الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطبِّ، وهو يطب الناس، بل هو (2) أسوأ حالًا من هؤلاء كلهم، وإذا تعيَّن على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين"؟
وكان شيخنا -رضي اللَّه عنه- (3) شديد الإنكار على هؤلاء فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجعلت (4) محتسبًا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسبٌ، ولا يكون على الفتوى محتسب؟
وقد روى الإِمام أحمد، وابن ماجه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- منه [مرفوعًا] (5): "من أفتى بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه" (6)، وفي "الصحيحين" من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص [-رضي اللَّه عنهما-] (5) عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (7)، وفي
__________
(1) في رسالته "تعظيم الفتيا"، وهي نسخة خطية محفوظة في مكتبة شستربتي في (9) ورقات، برقم (3829) وفي وسطها سقط وهذا النقل منه، إذ لم أظفر بهذا النقل في المخطوط، انظر: "فهرس المخطوطات العربية مكتبة شستربتي" (1/ 483)، "مؤلفات ابن الجوزي" (ص 110).
(2) في (ق) و (ت): "بل هؤلاء".
(3) في (ق): "رحمه اللَّه".
(4) في (ق): "جعلت".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) سبق تخريجه، ونص الحديث في (ق): "من أفتى الناس بغير علم كان إثمه على الذي أفتاه"، ونصه في (ت): "من أفتا بفتيا بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه".
(7) رواه البخاري (100) في (العلم): باب كيف يطلب العلم، و (7307) في (الاعتصام): باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، ومسلم (2673) في (العلم): باب رفع العلم وقبضه.
(6/131)

أثر مرفوع ذكره أبو الفرج وغيره: "من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض" (1).
وكان مالك -رحمه اللَّه ورضي عنه- يقول: من سئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها (2)، وسئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف أما سمعت قول اللَّه عز وجل: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5] , فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة (3)، وقال: ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهلٌ لذلك (4)، وقال: لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلًا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه، وما أفتيتُ حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد، فأمراني (5) بذلك، ولو نهياني انتهيت (6)، قال: وإذا كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تصعب عليهم المسائل، ولا يجيب أحد منهم في (7) مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه مع ما رُزقوا من السَّداد
__________
(1) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم 1043) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (15/ ق 56) وفي "مشيخته" (ق 109/ أ) من طريق عبد اللَّه بن أحمد بن عامر الطائي عن أبيه عن علي بن موسى الرضا عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب رفعه وإسناده واه جدًا، قال الذهبي في "الميزان" (2/ 390) في ترجمة (عبد اللَّه بن أحمد بن عامر الطائي): "عن أبيه عن علي الرضا عن آبائه بتلك النسخة الموضوعة الباطلة، ما ينفك عن وضعه أو وضع أبيه" ومع هذا فقد حكم عليه شيخنا في "ضعيف الجامع" (رقم 5459) بالضعف.
وأما قول المصنف: "ذكره أبو الفرج" أي في رسالته "تعظيم الفتيا"، وفي أول الفوت (ق 9/ أ) بإسناده إلى ابن مردويه حدثنا علي بن الحسين. وبعده نقص، ولعل تتمة الإسناد لهذا المتن لأنه تحت باب (وقد جاء الوعيد الشديد لمن يفتي وليس من أهل الفتوى)، واللَّه أعلم.
(2) نقله القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (1/ 144) وابن الصلاح في "أدب المفتي" (80) والشاطبي في "الموافقات" (5/ 324 - بتحقيقي).
(3) نقله القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (1/ 147 - 148) وابن الصلاح في "أدب المفتي" (80) والشاطبي في "الموافقات" (5/ 329 - بتحقيقي). وانظر: "الإمام مالك مفسرًا" (ص 399) و"صفة الفتوى والمفتي" (80).
(4) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم 1041) وأبو نعيم في "الحلية" (6/ 316).
(5) في (ق): "وأمراني".
(6) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1042) وأبو نعيم في "الحلية" (6/ 316) والبيهقي في "المدخل" (رقم 825)، وابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" (رقم 49).
(7) في المطبوع و (ك): "عن".
(6/132)

والتوفيق والطهارة فكيف بنا الذين غطَّت (1) الذنوب والخطايا قلوبنا (2)؟ وكان -رحمه اللَّه- إذا سئل عن مسألة، فكأنه واقف بين الجنة والنار (3)، وقال عطاء بن أبي رباح: أدركت أقوامًا إن كان أحدهم ليسأل عن شيء فيتكلم، وإنه لَيَرْعَد (4).
وسُئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أي البلاد شرّ فقال؟ "لا أدري حتى أسأل جبريل"، فسأله فقال: أسواقها (5).
وقال الإِمام أحمد: من عرَّض نفسه للفتيا، فقد عرَّضها لأمر عظيم، إلا أنه
__________
(1) في (ت): "غلب".
(2) نقله القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (1/ 145) وابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (80) وابن حمدان في "صفة الفتوى والمفتي" (8 - 9) وفي (ق): "الخطايا والذنوب".
(3) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم 1087)، ومن طريقه ابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" (رقم 18 - بتحقيقي)، وبعدها في (ق): "قال" بدل "وقال".
(4) رواه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (2/ 718) والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم 1085)، وابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" (رقم 16 - بتحقيقي)، وإسناده صحيح، وفي (ق): "المسألة" بدل "شيء"، وفي المصادر: "عطاء بن السائب" لا "ابن أبي رباح" كما عند المصنف.
(5) رواه ابن حبان في "صحيحه" (1599)، والحاكم (1/ 90 و 2/ 7 - 8)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1550)، والبيهقي (3/ 65) والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم 959) من طريق جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر به.
ورجاله ثقات إلا أن عطاء كان اختلط وجرير روى عنه بعد الاختلاط، ومما يدل على اختلاطه اضطرابه في تسمية الذي مسألة جبريل بعد سؤال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له.
وعزاه الهيثمي في "المجمع" (2/ 6) للطبراني في "الكبير"، وأعله بعطاء بن السائب.
وله شاهد من حديث جبير بن مطعم: رواه أحمد (4/ 81) والفسوي (2/ 206)، والبزار (1252)، وأبو يعلى (7403)، والطبراني في "الكبير" (1545 و 1546) والحاكم (1/ 89، 95، 2/ 7)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1102)، وابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" (رقم 22) من طرق عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، وقال الهيثمي (4/ 76): ورجال أحمد وأبي يعلى والبزار رجال الصحيح، خلا عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وهو حسن الحديث.
ومن حديث أنس: رواه الطبراني في "الأوسط" (7140)، وضعفه الهيثمي (2/ 6 و 4/ 76 - 77)، وفيه عبيد بن واقد الليثي ضعيف.
وأصل حديث الباب وهو: "خير البلدان المساجد وشرها الأسواق" ثابت في الصحيح، حيث رواه مسلم (671) من حديث أبي هريرة. وانظر "موافقة الخبر" (1/ 9 - 10).
(6/133)

قد تلجئ الضرورة (1) وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل [له] (2) ألا تستحيي من قولك: لا أدري، وأنت فقيه أهل العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستحي حين قالوا: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} (3) [البقرة: 32] , وقال بعض أهل العلم: تعلَّم لا أدري، فإنك إنْ قلت: لا أدري علَّموك حتى تدري، وإن قلت: أدري سألوك حتى لا تدري (4)، وقال عقبة (5) بن مسلم: صحبت ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أربعة وثلاثين شهرًا، فكان كثيرًا ما يُسأل فيقول: لا أدري (6)، وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتي فتيا, ولا يقول شيئًا إلا قال: اللَّهم سلِّمني وسلِّم مني (7).
وسئل الشافعي عن مسألة فسكت فقيل: ألا تجيب؟ فقال: حتى أدري الفَضْلَ في سكوتي أو في الجواب (8)، وقال ابن أبي ليلى: أدركت مئة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يسأل عن شيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه (9).
__________
(1) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم 650) -ومن طريقه ابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" (رقم 19) عن الأثرم عنه.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم 1123) -ومن طريقه ابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" (رقم 26 - بتحقيقي) - وعلقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1558)، وعندهما "أهل العراقيين" و"تستحي" صحيحة بإثبات الياء؛ لأن مضارعها "تستحيي" بياءين، فتحذف إحداهما للجزم، وتبقى الأخرى.
(4) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (رقم 1589) وابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" (رقم 32 - بتحقيقي) - عن أبي الذيال قوله.
(5) في جميع الأصول "عتبة"!! وهو خطأ، وصوابه ما أثبتناه، كما في مصادر التخريج.
(6) رواه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 490، 493) وابن المبارك في "الزهد" (رقم 52) والخطيب في "الفقيه والمتفقه"، (رقم 1109) وابن عبد البر في "الجامع" (رقم 1585)، وابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" (رقم 2 - بتحقيقي)، بإسناده صحيح.
(7) رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 2/ 468) وابن سعد (5/ 136) وأبو نعيم: (2/ 164) والبيهقي في "المدخل" (رقم 825) وهو في "أدب المفتي والمستفتي" (80)، و"صفة الفتوى" (10)، و"أدب الفتيا" (67).
(8) نقله ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (79) وابن حمدان في "صفة الفتوى والمفتي" (10).
(9) رواه الدارمي (1/ 53) وابن سعد (6/ 110) وأبو خيثمة في "العلم" (رقم 21) وابن المبارك في "الزهد" (58) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (2/ 817) والآجري في =
(6/134)

وقال أبو الحَصِين الأسدي (1): إن أحدهم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه لجمع لها أهل بدر (2)، وسئل القاسم بن محمد عن شيء فقال: إني لا أحسنه، فقال: له السائل: إني دفعت إليك (3) لا أعرف غيرك، فقال له القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، واللَّه ما أحسنه، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها فواللَّه ما رأيتك (4) في مجلس أنبل منك اليوم. فقال القاسم: واللَّه؛ لأن يُقْطَع لساني أحب إليَّ من أن أتكلم بما لا علم لي به (5).
وكتب سلمان إلى أبي الدرداء -رضي اللَّه عنهما-، وكان بينهما مؤاخاة: [بلغني أنك قعدت طبيبًا فاحذر أن تكون متطببًا أو تقتل مسلمًا. فكان ربما جاءه الخصمان فيحكم بينهما، ثم يقول: ردُّوهما عليَّ، متطبِّب واللَّه، أعيدا عليَّ قضيتكما] (6).
__________
= "أخلاق العلماء" (ص 102) وابن عبد البر في "الجامع" (2199، 2201)، والبيهقي في "المدخل" (رقم 800، 801) والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم 640، 641)، وابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" (رقم 9، 10 - بتحقيقي)، وإسناده صحيح، وذكره ابن الصلاح في " أدب المفتي والمستفتي" (75) والبغوي في "شرح السنة" (1/ 405) وابن حمدان في "صفة الفتوى" (7) والسيوطي في "أدب الفتيا" (ص 40 - 41/ ط العراقية).
(1) كذا في (ت) و (ق) وهو الصواب، الموافق لما في مصادر التخريج وفي سائر النسخ "أبو الحسين الأزدي"!! وهو عثمان بن عاصم بن حصين، ثقة، ثبت، سنين، ترجمته في "المؤتلف والمختلف" (552) للدارقطني و"السير" (5/ 412).
(2) رواه ابن بطة في "إبطال الحيل" (62) والبيهقي في "المدخل" (رقم 803) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (38/ 410 - 411)، وذكره البغوي في "شرح السنة" (1/ 305): وابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (76) والذهبي في "السير" (5/ 416) وابن حمدان في "صفة الفتوى" (7) والمزي في "تهذيب الكمال" (12/ 425) والنووي في "المجموع" (1/ 40) والسيوطي في "أدب الفتيا" (ص 42 - ط العراقية).
(3) كذا في (ق) ومصادر التخريج، وفي (ت): "جئت"، وفي سائر النسخ: "جئتك".
(4) كذا في (ق) ومصادر التخريج وفي سائر النسخ: "رأيناك".
(5) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (1571) وذكره ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (78) وابن حمدان في "صفة الفتوى" (7 - 8).
(6) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (8/ 182 - ط دار الفكر)، وأبو القاسم البغوي -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (1/ 150) - وعبد اللَّه بن أحمد في "زوائد الزهد" (2/ 90 - ط دار النهضة) وعنه وكيع في "أخبار القضاة" (3/ 200) وأبو نعيم في "الحلية" (1/ 205) والدينوري في "المجالسة" (رقم 1238 - بتحقيقي) -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (1/ 150 - ط دار الفكر) - عن يحيى بن سعيد الأنصاري أن أبا =
(6/135)

[حكم العامي الذي لا يجد من يفتيه]
الفائدة الرابعة والثلاثون: إذا نزلت بالعاميّ نازلة، وهو في مكان لا يجد من يسأله عن حكمها ففيه (1) طريقان للناس، أحدهما: أن له حكم ما قبل الشرع، على الخلاف في الحظر والإباحة والوقف (2)؛ لأن عدم المرشد في حقه بمنزلة عدم المرشد بالنسبة إلى الأمة.
والطريقة الثانية: أنه يُخَرجُ على الخلاف في مسألة تعارض الأدلة عند المجتهد هل يعمل (3) بالأخف أو بالأشد أو يتخير (4)؟ والصواب أنه يجب عليه أن
__________
= الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي: أن هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا. . . ثم ذكر كلامًا منه هذا وبعضهم اختصره.
وهذا إسناد منقطع؛ يحيى بن سعيد لم يدرك القصة.
ثم قال أبو نعيم: رواه جرير عن يحيى بن سعيد عن عبد اللَّه بن هبيرة أن سلمان كتب إلى أبي الدرداء نحوه.
أقول: هذا سند ظاهره الاتصال، عبد اللَّه بن هُبيرة هذا من الثقات، وظاهره أنه أدرك سلمان، لكن سلمان مات في حدود (35 - 40 ه)، وهذا مات سنة (126)، وله خمس وثمانون سنة، فهو لم يدرك سلمان قطعًا.
ورواه أبو نعيم أيضًا من طريق مالك بن دينار أن سلمان كتب إلى أبي الدرداء. . . وهذا إسناد منقطع أيضًا، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(1) في (ق): "ففيها".
(2) فصلته في تعليقي على "تحقيق البرهان" للشيخ مرعي الكرمي (ص 128 - 130 ط الثانية)، وانظر: "المسودة" (ص 479) و"الإحكام" (1/ 52) لابن حزم و"روضة الناظر" (ص 22)، و"التبصرة" (532) و"تفسير القرطبي" (1/ 251 - 252) و"فواتح الرحموت" (1/ 49) و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (21/ 535، 539 و 29/ 151 و 7/ 45 - 46) و"مذكرة أصول الفقه" (ص 19).
وفي (ك): "الوقوف".
(3) في (ت) و (ق): "أن يعمل"، وفي (ك): "هل يعلم".
(4) حكى أبو منصور عن أهل الظاهر وجوب الأخذ بالأشد، وهذا القول ومقابله (الأخف) لا يصحان، لأن الواجب الرجوع للدليل الشرعي لا غير، سواء أقضى بالأخف أم بالأثقل، ثم في القول بالأخذ بأحدهما مطلقًا مفاسد عديدة، ذكرها الشاطبي في "الموافقات" (5/ 104 - 105 - بتحقيقي) فراجعه فإنه نفيس غاية.
والقائلون بالأخذ بأثقل القولين ذهبوا إليه للاحتياط!! ويرد عليهم بأن الاحتياط هو "الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة، وما كان عليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه، من غير غلو ومجاوزة. ولا تقصير، ولا تفريط، فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه اللَّه ورسوله" قاله =
(6/136)

يتقي اللَّه ما استطاع، ويتحرَّى الحق بجهده ومعرفة مثله، وقد نصَّبَ اللَّه [سبحانه
__________
= المصنف في كتابه "الروح" (ص 346). انظر في المسألة: "البحر المحيط" (6/ 322 - 323، 325 - 326)، و"البرهان" (2/ 1344)، و"شرح الكوكب المنير" (4/ 581)، و"المستصفى" (2/ 391)، و"روضة الناظر" (3/ 1026)، و"المسودة" (463 - 464)، و"تيسير التحرير" (4/ 255) و"أدب المفتي والمستفتي" (164 - 166)، و"صفة الفتوى" (81) و"المجموع" (1/ 97)، و"إرشاد الفحول" (271)، و"جمع الجوامع" (2/ 392 - مع شرح المحلي)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 162 - 163)، و"الاختلاف وما إليه" (103 - 104).
أما القول بالتخيير، فله مفاسد عديدة، بيّنها بما لا مزيد عليه الشاطبي في "الموافقات" (5/ 94 وما بعد)، ومما قال: "إن المتخير بالقولين -مثلًا- بمجرد موافقة الغرض، إما أن يكون حاكمًا به، أو مفتيًا، أو مقلدًا عاملًا بما أفتاه به المفتي".
ثم قال عن المفتي: "فإنه إذا أفتى بالقولين معًا على التخيير، فقد أفتى في النازلة بالإباحة واطلاق العنان، وهو قول ثالث خارج عن القولين. وهذا لا يجوز له. إن لم يبلغ درجة الاجتهاد باتفاق، وإن بلغها لم يصح له القولان في وقت واحد ونازلة واحدة أيضًا حسبما بسطه أهل الأصول.
وأيضًا، فإن المفتي قد أقامه المستفتي مقام الحاكم على نفسه، إلا أنه لا يُلزمه المفتي ما أفتاه به، فكما لا يجوز للحاكم التخيير كذلك هذا.
وأما إن كان عاميًا؛ فهو قد استند في فتواه إلى شهوته وهواه، واتباع الهوى عين مخالفة الشرع، ولأن العامي إنما حكم العالم على نفسه ليخرج عن اتباع هواه، ولهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب؛ فإن العبد في تقلباته دائر بين لمَّتين: لَمَّة ملك، ولمَّة شيطان، فهو مخير بحكم الابتلاء في الميل مع أحد الجانبين، وقد قال تعالى {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7، 8].
{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3].
{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10].
وعامة الأقوال الجارية في مسائل الفقه إنما تدور بين النفي والإثبات (أي: الفعل والترك)، والهوى لا يعدوهما، فإذا عرض العامي نازلته على المفتي؛ فهو قائل له: "أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق"، فلا يمكن -والحال هذه- أن يقول له: "في مسألتك قولان؛ فاختر لشهوتك أيهما شئت؟ ". فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع، ولا ينجيه من هذا أن يقول: ما فعلتُ إلا بقول عالم؛ لأنه حيلة من جملة الحيل التي تنصبها النفس، وقاية عن القال والقيل، وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية، وتسليط المفتي العامي على تحكيم الهوى بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه رميٌ في عماية، وجهل بالشريعة، وغش في النصيحة، وهذا المعنى جار في الحاكم وغيره، والتوفيق بيد اللَّه تعالى.
وانظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (10/ 472 - 473) و"رفع العتاب والملام" (ص 64 - 65).
(6/137)

و] (1) تعالى على الحق أمارات كثيرة، ولم يسوِّ اللَّه -سبحانه وتعالى- بين ما يحبه و [بين ما] (2) يسخطه من كل وجه بحيث لا يتميز هذا من هذا, ولا بد أن تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق مؤثرة له، ولا بد أن يقوم لها عليه بعض الأمارات المرجحة ولو بمنام أو بإلهام، فإن قدّر ارتفاع ذلك كله وعدمت في حقه جميع الإمارات فهنا يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة ويصير بالنسبة إليها كمن لم تبلغه الدعوة، وإن كان مكلفًا بالنسبة إلى غيرها (3)؛ فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكن من العلم والقدرة واللَّه أعلم.

[من تجوز له الفتيا، ومن لا تجوز له]
الفائدة الخامسة والثلاثون: الفتيا أوسع من الحكم [والشهادة] (4)، فيجوز فتيا العبد والحر، والمرأة والرجل، والقريب [والبعيد] (5) والأجنبي، والأمي والقارئ، والأخرس بكتابته، والناطق، والعدو والصديق (6)، وفيه وجه أنه لا تقبل (7) فتيا العدو، [ولا من] (8) لا تُقبل شهادته له كالشهادة، والوجهان في الفتيا كالوجهين (9) في الحكم، وإن كان الخلاف في الحاكم أشهر، وأما فتيا الفاسق، فإن أفتى غيره لم تُقبل فتواه وليس للمستفتي [أن يستفتيه] (10) وله أن يعمل بفتوى نفسه، ولا يجب عليه أن يستفتي غيره (11) وفي جواز استفتاء مستور
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ت).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(3) في المطبوع: "إلى غيره".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق) و (ك).
(6) "أدب المفتي والمستفتي" (106 - 107) و"أصول الفقه" (4/ 1545) لابن مفلح، و"روضة الطالبين" (11/ 109) و"المجموع" (1/ 70) و"المسودة" (464، 472، 555)، و"شرح الكوكب المنير" (4/ 541، 546، 547) و"صفة الفتوى" (ص 29) و"الفروع" (6/ 428) و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (2/ 208)، و"الإحكام" (2/ 689) لابن حزم.
(7) انظر: "المسودة" (555) و"المجموع" (1/ 75) و"أصول الفقه" (4/ 1545) لابن مفلح.
(8) في (ق): "ولأنه".
(9) في (ق): "كالوجهان".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(11) انظر: "الإحكام" (4/ 232) للآمدي و"روضة الناظر" (385) و"المجموع" (1/ 76)، و"البلبل" (174) و"المسودة" (555)، و"أصول الفقه" (4/ 1543, 1545) لابن مفلح و"أدب المفتي والمستفتي" (107) و"المستصفى" (2/ 350)، و"جمع الجوامع" (2/ 385)، و"مسلم الثبوت" (2/ 463)، و"صفة الفتوى" (29)، و"الفروع" (6/ 428) و"شرح الكوكب المنير" (4/ 545)، وفي المطبوع: "أن يفتي غيره".
(6/138)

الحال وجهان (1)، والصواب جواز استفتائه وإفتائه.
قلت: وكذلك الفاسق (2) إلا أَن يكون معلنًا بفسقه داعيًا إلى بدعته فحكم استفتائه حكم إمامته وشهادته، وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة (3)، والقدرة والعجز فالواجب شيء والواقع شيء، والفقيه من يطبِّق بين الواقع والواجب (4)، [وينفذ الواجب بحسب استطاعته لا من يلقى العداوة بين الواجب والواقع] (5) فلكل زمان حكم والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، وإذا عم الفسوق وغلب على أهل الأرض وامتنعت (6) إمامة الفسَّاق (7) وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم، وولاياتهم لعطلت الأحكام (8)، وفسد نظام الخلق وبطلت أكثر الحقوق ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأَصلح (9)، وهذا عند القدرة والاختيار، وأما عند الضرورة والغلبة بالباطل فليس إلا الاصطبار والقيام بأضعف مراتب الإنكار (10).

[هل يجوز للقاضي أن يفتي؟]
الفائدة السادسة والثلاثون: لا فرق بين القاضي وغيره في جواز الإفتاء بما يجوز الإفتاء به (11)، ووجوبها إذا تعيَّنت، ولم يزل أمر السلف والخلف على هذا، فإن منصب الفتيا داخل في ضمن منصب القضاء عند الجمهور، والذين (12)
__________
(1) انظر: "أصول الفقه" (4/ 1543) لابن مفلح، و"أدب المفتي والمستفتي" (ص 107) و"شرح الكوكب المنير" (4/ 544) و"المسودة" (555) و"الفروع" (6/ 428) و"صفة الفتوى" (29) و"مختصر الطوفي" (185) و"مختصر البعلي" (167)، و"المجموع" للنووي (1/ 70) و"أصول مذهب أحمد" (704) و"المدخل إلى مذهب أحمد" (194).
(2) في (ك) و (ق): "وكذا لفاسق".
(3) في (ق): "الأزمنة والأمكنة".
(4) في (ق): "الواجب والواقع".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق).
(6) في المطبوع: "فلو منعت"، وفي (ق): "اتبعت".
(7) انظر مبحث الصلاة خلف الفاسق، وكلام الإِمام أحمد في ذلك في "بدائع الفوائد" (4/ 68).
(8) في (ت) و (ق): "أبطلت الأحكام".
(9) انظر: "مجموع الفتاوى" (28/ 258، 259)، "الجامع للاختيارات الفقهية" لشيخ الإِسلام ابن تيمية (3/ 1265، 1267، 1268).
(10) انظر أحكام الفساق في "الطرق الحكمية" (ص 173)، و"إغاثة اللهفان" (2/ 81)، و"مدارج السالكين" (2/ 16).
ووقع في (ق): "والقيام بأقل مراتب الإنكار".
(11) في المطبوع و (ك): "بما تجوز الفتيا به".
(12) في (ق) و (ك): "الذين".
(6/139)

لا يجوزِّون قضاء الجاهل فالقاضي مفتٍ ومثبتٍ، ومنفذ لما أفتى به.
وذهب بعض الفقهاء من أصحاب [الإمام] (1) أحمد (2) والشافعي (3) إلى أنه يكره للقاضي أن يفتي في مسائل الأحكام المتعلقة به دون الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها واحتج أرباب هذا القول بأن فتياه تفسير كالحكم منه على الخصم، ولا (4) يمكن نقضه وقت المحاكمة قالوا: ولأنه قد يتغير اجتهاده وقت الحكومة أو تظهر له قرائن لم تظهر له عند الإفتاء، فإن أصر على فتياه والحكم بموجبها حكم بخلاف ما يعتقد صحته، وإن حكم بخلافها طرق الخصم (5) إلى تهمته والتشنيع عليه بأنه يحكم [بخلاف] (6) ما يعتقده ويفتي به، ولهذا قال شُريح: "أنا أقضي لكم ولا أفتي" (7) حكاه ابن المنذر (8) واختار كراهية الفتوى (9) في مسائل الأحكام، وقال الشيخ أبو حامد الإسفرائيني: لأصحابنا في فتواه في مسائل الأحكام جوابان، أحدهما: ليس له أن يفتي فيها؛ لأن لكلام (10) الناس عليه مجالًا، ولأحد الخصمين عليه مقالًا، والثاني: له ذلك لأنه أهل له (11).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) انظر: "المسودة" (555) و"أصول الفقه" (4/ 1546) لابن مفلح و"صفة الفتوى" (29).
(3) انظر: "المجموع" (1/ 76) "روضة الطالبين" (11/ 109) و"جمع الجوامع" (2/ 397)، "أدب المفتي والمستفتي" (107، 108) و"الإحكام" (29 - 42) و"الفروق" (2/ 104 - 106 و 4/ 53 - 54) كلاهما للقرافي.
(4) في (ك): "فلا".
(5) في (ق): "الجهم"، وفي الهامش: "لعله الوهم".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(7) أخرجه ابن سعد (6/ 138)، وعبد الرزاق (9/ 169 رقم 16921)، وذكره عنه: ابن الصلاح في "أدب المفتي" (108)، والنووي في "المجموع" (1/ 76)، وابن حمدان في "صفة الفتوى" (29) وابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (4/ 545 - 546).
(8) في "الإقناع" (2/ 514).
(9) قال في "الإقناع" (2/ 514): "وأكره للقاضي أن يفتي في الأحكام"، وفي (ق): "كراهية الإفتاء له"، وفي (ك): "كراهيه الفتوى له".
(10) في (ق): "كلام" وما أثبتناه من سائر النسخ و"أدب المفتي".
(11) نقله ابن الصلاح -وعنه النووي في "المجموع" (1/ 76) - عن "تعاليق الشيخ أبي حامد الإسفرائيني". وقال ابن السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (4/ 68): "وقفت على أكثر "تعليقة" الشيخ أبي حامد، بخط سُلَيم الرازي وهي الموقوفة بخزانة المدرسة الناصرية بدمشق، والتي علقها البنْدَنيجي عنه، ونسخ أخر منها".
(6/140)

[فتيا الحاكم وحكمها]
الفائدة السابعة والثلاثون: فتيا الحاكم ليست حكمًا منه، ولو (1) حكم غيره بخلاف ما أفتى به لم يكن نقضًا لحكمه، ولا هي كالحكم، ولهذا يجوز أن يفتي للحاضر والغائب، ومن يجوز حكمه [له] ومن لا يجوز (2)، ولهذا لم يكن في حديث هند (3) [دليل] (4) على الحكم على الغائب لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما أفتاها فتوى مجردة، ولم يكن ذلك حكمًا على الغائب، فإنه لم يكن غائبًا عن البلد، وكانت مراسلته وإحضاره ممكنة، ولا طلب البينة على صحة دعواها، وهذا ظاهر بحمد اللَّه [تعالى] (5).

[هل يجيب المفتي عما لم يقع]
الفائدة الثامنة والثلاثون (6): إذا سأل المستفتي عن مسألة لم تقع فهل تُستحب إجابته أو تكره أو يخير (7)؟ فيه ثلاثة أقوال، وقد حُكي عن كثير من السلف أنه [كان] (8) لا يتكلم فيما [لم] (9) يقع، وكان بعض السلف إذا مسألة الرجل عن مسألة قال: هل كان ذلك؟ فإن قال: نعم، تكلَّف له الجواب، وإلا قال: دعنا في عافية (10).
وقال الإِمام أحمد لبعض أصحابه: "إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام". والحق التفصيل، فإن كان في المسألة نص من كتاب اللَّه أو سنة عن
__________
(1) في (ق): "فلو".
(2) نقل ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (4/ 546) كلام المصنف من أول الفائدة إلى هنا، وعزاه ل "الإعلام"، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) رواه البخاري (2211) في (البيوع): باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع، و (5364) في (النفقات): باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه، و (5370) باب: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}، وهل على المرأة منه شيء، و (7180) في (الأحكام): باب القضاء على الغائب. ومسلم (1714) في "الأقضية": باب قضية هند من حديث عائشة.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ت) و (ك)، وانظر "الإنصاف" (11/ 221).
(6) وأثبت ناسخ (ق) في الهامش: "إذا سأل عما لم يقع".
(7) في المطبوع و (ت): "أو تخير".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(10) "أدب المفتي والمستفتي" (109).
(6/141)

رسول اللَّه (1) -صلى اللَّه عليه وسلم- أو أثر عن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- لم يكره الكلام فيها، وإن لم يكن فيها نص، ولا أثر، فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها، وإن كان وقوعها غير نادر، ولا مستبعد وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم لا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك ويعتبر بها نظائرها ويفرع عليها فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى، واللَّه أعلم.

[لا يجوز للمفتي تتبع الحيل]
الفائدة التاسعة والثلاثون: لا يجوز للمفتي تتبع الحيل (2) المحرَّمة والمكروهة، ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن (3) تتبع ذلك فسق، وحرم استفتاؤه، فإن (4) حسن قصده في حيلة جائزة لا شبهة فيها, ولا مفسدة ليخلِّص (5) المستفتي بها من حرج جاز ذلك، بل استحب، وقد أرشد اللَّه [سبحانه و] (6) تعالى نبيه أَيوب عليه السلام إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثًا (7) فيضرب به المرأة ضربة واحدة، وأرشد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، بلالًا إلى بيع التمر بدراهم (8)، ثم يشتري بالدراهم تمرًا آخر فيتخلَّص من الربا (9)، فأحسن المخارج ما خلص من المآثم (10) وأقبح الحيل (11) ما أوقع في المحارم أو أسقط ما أوجبه اللَّه تعالى ورسوله من الحق اللازم، وقد ذكرنا من النَّوعين ما لعلك لا تظفر بجملته (12) في غير هذا الكتاب، واللَّه الموفق للصواب.
__________
(1) في (ق): "عن النبي".
(2) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (111) و"المجموع" (1/ 81) وفي (ت): "أن تتبع الحيل".
(3) في (ق): "وإن".
(4) في (ق): "وإن".
(5) في المطبوع و (ت) و (ك): "لتخليص".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ت).
(7) "قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس أو قبضة ريحان أو قضبان" (و).
(8) في (ق): "بالدراهم".
(9) تقدم مرارًا.
(10) في (ك): "الاثم".
(11) في (ك): "المخارج".
(12) في (ت): "ما لعلك لا لجملته"، وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة: "ما لعلك لا تجهله".
(6/142)

[حكم رجوع المفتي عن فتواه]
الفائدة الأربعون: في حكم رجوع المفتي عن فتياه، إذا أفتى المفتي بشيء ثم رجع عنه، فإن (1) علم المستفتي برجوعه، ولم يكن عمل بالأول فقيل: يحرم عليه العمل به، وعندي في المسألة تفصيل، وأنه لا يحرم عليه الأول بمجرد رجوع المفتي، بل يتوقف حتى يسأل غيره، فإن أفتاه بموافقة الأول استمر على العمل به، وإن أفتاه بموافقة الثاني، ولم يُفته أحد بخلافه حرم عليه العمل بالأول، وإن لم يكن في البلد إلا مفت واحد سأله عن رجوعه عما أفتاه به، فإن رجع إلى اختيار خلافه مع تسويغه لم يحرم عليه، وإن رجع لخطأ (2) بأن له، وإنَّ ما أفتاه به لم يكن صوابًا حرم عليه العمل بالأول هذا إذا كان رجوعه لمخالفة دليل شرعي، فإن كان رجوعه لمجرد ما بأن له أنَّ ما أفتاه به (3) خلاف مذهبه لم يحرم على المستفتي ما أفتاه به أولًا (4) إلا أن تكون المسألة إجماعية.
فلو تزوج بفتواه ودخل، ثم رجع المفتي لم يحرم عليه إمساك امرأته إلا بدليل شرعي يقتضي تحريمها, ولا يجب عليه مفارقتها لمجرد رجوعه (5)، ولا سيما إن كان إنما رجع لكونه (6) تبين له أن ما أفتى به خلاف مذهبه، وإن وافق مذهب غيره، هذا هو الصواب.
وأطلق بعض أصحابنا (7) وأصحاب الشافعي (8) وجوب مفارقتها عليه، وحكوا في ذلك وجهين ورجَّحوا وجوب المفارقة قالوا: لأن المرجوع (9) عنه ليس مذهبًا له، كما لو تغير اجتهاد مَنْ قلَّده في القبلة في أثناء الصلاة، فإنه يتحول مع الإِمام في الأصح.
__________
(1) في (ق): "وإن".
(2) في (ق): "بخطأ".
(3) في المطبوع و (ك): "ما أفتي به".
(4) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (109) فمنه ينقل المصنف.
(5) في المطبوع و (ك): "بمجرد رجوعه".
(6) في (ق): "بكونه".
(7) انظر: "المسودة" (521، 543): "صفة الفتوى والمفتي" (30 - 31) و"الفروع" (6/ 491) "شرح الكوكب المنير" (4/ 509 - 510)، و"المدخل إلى مذهب الإِمام أحمد" (190).
(8) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (109) و"المستصفى" (2/ 382) و"المنخول" (ص 481) و"الإحكام" للآمدي (4/ 203) و"جمع الجوامع" (2/ 391 - مع "حاشية البُناني") و"روضة الطالبين" (11/ 107).
(9) كذا في (ق)، وفي سائر النسخ: "الرجوع".
(6/143)

فيقال لهم: المُستفتي قد دخل بامرأته دخولًا صحيحًا سائغًا، ولم يقم (1) ما يوجب مفارقته لها من نص، ولا إجماع، فلا يجب عليه مفارقتها بمجرد تغير اجتهاد المفتي، وقد رجع عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- عن القول بالتشريك وأفتى بخلافه، ولم يأخذ المال من الذين شرَّك بينهم أولًا (2)، وأما قياسكم ذلك على من تغير اجتهاده في معرفة القبلة فهو حجة عليكم، فإنه لا يبطل ما فعله المأموم بالاجتهاد الأول ويلزمه التحول ثانيًا لأنه مأمور بمتابعة الإِمام، بل نظير مسألتنا ما لو تغير اجتهاده بعد الفراغ من الصلاة، فإنه لا تلزمه الإعادة ويصلي الثانية بالاجتهاد الثاني.
وأما قول أبي عمرو بن الصلاح (3) وأبي عبد اللَّه بن حمدان (4) من أصحابنا: "إذا كان المفتي إنما يفتي على مذهب إمام معيَّن فإذا رجع لكونه بان له
__________
(1) في المطبوع: "ولم يفهم".
(2) روى عبد الرزاق (19005)، ومن طريقه الدارقطني (4/ 88)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 255)، و"الخلافيات" (3/ ق 15 - 16)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1670) عن معمر عن سماك بن الفضل عن وهب بن منبه عن مسعود بن الحكم الثقفي قال: قضى عمر في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وإخوتها لأمها، وإخوتها لأبيها وأمها فأشرك عمر بين الإخوة للأم والإخوة للأب، والأم في الثلث، فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا فقال عمر: تلك على ما قضيت يومئذ، وهذه على ما قضينا.
ورواه سعيد بن منصور (62)، والبيهقي عن معمر عن سماك عن مسعود بن الحكم به.
واعلم أنه قد وقع في بعض المصادر اسم مسعود بن الحكم: الحكم بن مسعود، وقد جعلهما ابن أبي حاتم واحدًا فقال: الحكم بن مسعود يقال له: مسعود بن الحكم أيضًا، وهو الصحيح روى عن عمر بن الخطاب وروى عنه وهب بن منبه.
وأما يعقوب بن سفيان فقال: الذي روى إنما هو الحكم بن مسعود وأخطأ من قال: مسعود بن الحكم، نقله عنه البيهقي.
ثم وجدت البخاري سبقه إلى هذا في "تاريخه الكبير" (2/ 332).
أقول: وصوب أنه الحكم بن مسعود أيضًا النسائي كما نقله عنه الحافظ في "التلخيص" (3/ 86).
والحكم هذا لم يذكر بجرح ولا تعديل، فهو في عداد المجاهيل.
وقال البخاري أيضًا: ولم يتبين سماع وهب من الحكم.
ومع هذا فقد قال محقق "جامع بيان العلم": إسناده صحيح، ورجاله ثقات!!
(3) في "أدب المفتي والمستفتي" (109 - 110).
(4) في "صفة الفتوى" (30 - 31).
(6/144)

قطعًا أنه خالف في فتواه نص [مذهب] (1) إمامه، فإنه يجب نقضه، وإن كان ذلك في محل الاجتهاد؛ لأنَّ [نصَّ] (1) مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المفتي المجتهد المستقل".
فليس كما قالا, ولم ينص على هذه المسألة أحد من الأئمة، ولا تقتضيها أصول الشريعة ولو كان نص إمامه بمنزلة نص الشارع لحرم عليه وعلى غيره مخالفته وفسق بخلافه.
ولم يوجب أحد من الأئمة نقض حكم الحاكم، ولا إبطال فتوى المفتي بكونه خلاف (2) قول زيد أو عمرو، ولا يُعلم أحد سوّغ (3) النقض بذلك من الأئمة والمتقدمين من أتباعهم، وإنما [قالوا] (4): يُنقض من حكم الحاكم ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماع الأمة، ولم يقل أحد: يُنقض من حكمه ما خالف قول فلان أو فلان، وينقض من فتوى المفتي ما ينقض من حكم الحاكم، فكيف يسوغ نقض أحكام الحكام وفتاوى أهل العلم بكونها خالفت قول واحد من الأئمة؟ ولا سيما إذا وافقت نصًا عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أو فتاوى الصحابة (5) أيسوغ (6) نقضها لمخالفة قول فلان وحده، ولم يجعل اللَّه تعالى ولا رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا أحد من الأئمة قول فقيه من الأمة بمنزلة نص اللَّه ورسوله بحيث يجب اتباعه ويحرم خلافه، فإذا بان للمفتي أنه خالف إمامه، ووافق قول الأئمة الثلاثة لم يجب على الزوج أن يفارق امرأته، ويخرب بيته، ويشتت شمله، وشمل أولاده، بمجرَّد كون المفتي ظهر له أن ما أفتى به خلاف نص إمامه، ولا يحل له أن يقول [له] (7): "فارق أهلك" بمجرد ذلك، ولا سيما إن كان النص مع قول الثلاثة، وبالجملة فبطلان هذا القول أظهر من أن نتكلَّف بيانَه.
فإن قيل: فما تقولون لو تغيَّر اجتهاد المفتي فهل يلزمه إعلام المستفتي؟
قيل: اختلف في ذلك؛ فقيل: لا يلزمه إعلامه، فإن (8) عمل أولًا بما يسوغ له فإذا لم يعلم بطلانه لم يكن آثمًا فهو في سعة من استمراره وقيل: بل يلزمه [إعلامه] (9) لأن ما رجع عنه قد اعتقد بطلانه وبان له أن ما أفتاه به ليس من
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وفي (ك): "نص عليه مذهب".
(2) في (ق): "بخلاف".
(3) في (ق): "ولا نعلم أحدًا".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(5) في (ق): "وفتاوى الصحابة -رضي اللَّه عنهم-".
(6) في المطبوع و (ت) و (ق): "يسوغ".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (ق): "فإنه".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6/145)

الدين، فيجب عليه إعلامه، كما جرى لعبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه- حين أفتى رجلًا بحلِّ [أم] (1) امرأته التي فارقها قبل الدخول، ثم سافر إلى المدينة وتبين له خلاف هذا القول فرجع إلى الكوفة وطلب [هذا] (4) الرجل (2) وفرق بينه وبين أهله (3)، وكما جرى للحسن بن زياد اللؤلؤي لما استُفتي في مسألة فأخطأ فيها، ولم يعرف الذي أفتاه به فاستأجر مناديًا ينادي: إن الحسن بن زياد استُفتي [في] (1) يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسن بن زياد في شيء (4) فليرجع إليه، ثم لبث أيامًا لا يفتي، حتى جاء (5) صاحب الفتوى فأعلمه أنه قد أخطأ (6)، وأن الصواب خلاف ما أفتاه به (7).
وقال القاضي أبو يعلى في "كفايته": من أفتى بالاجتهاد، ثم تغير اجتهاده لم يلزمه إعلام المستفتي بذلك إن كان قد عمل به وإلا أعلمه (8).
والصواب التفصيل، فإن كان المفتي ظهر له الخطأ قطعًا لكونه خالف نصَّ الكتاب أو السنة (9) التي لا معارض لها أو خالف إجماع الأمة فعليه (10) إعلام المستفتي، وإن كان إنما ظهر له أنه خالف مجرد مذهبه أو نص إمامه لم يجب عليه إعلام المستفتي وعلى هذا تُخرَّج قصة ابن مسعود [-رضي اللَّه عنه-] (11)، فإنه لما ناظر الصحابة في تلك المسألة بيَّنوا له أن صريح الكتاب يحرمها لكون اللَّه [تعالى] (11) أبهمها فقال تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ}، وظن عبد اللَّه أن قوله: {اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23] راجع إلى الأول والثاني فبينوا له أنه إنما يرجع إلى أمهات الربائب خاصة، فعرف أنه الحق، وأن القول بحلِّها خلاف كتاب اللَّه [تعالى] (11)
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ك).
(2) في (ق): "فطلب الرجل".
(3) سبق تخريجه.
(4) في المطبوع: "بشيء".
(5) في (ت) و (ق): "حتى وجد".
(6) في (ت): "قد أفتاه"!
(7) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم 1209)، ومن طريقه ابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" (رقم 34 - بتحقيقي) وذكره ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (110) والنووي في "المجموع" (1/ 81).
(8) انظر: "المجموع" (1/ 81) و"صفة الفتوى" (30)، و"جمع الجوامع" (2/ 391) و"شرح الكوكب المنير" (4/ 511 - 512)، و"روضة الطالبين" (11/ 107)، و"جمع الجوامع"، (2/ 391) و"المعتمد" (2/ 933).
(9) في (ك): "بكونه خالف نص الكتاب والسنة".
(10) في (ق) و (ك): "وجب عليه".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6/146)

ففرَّق بين الزوجين، ولم يفرق بينهما بكونه تبين له أن ذلك خلاف قول زيد أو عمرو واللَّه تعالى أعلم.

[هل يضمن المفتي المال أو النفس؟]
الفائدة الحادية والأربعون: إذا عمل المُستفتي بفتيا مفت في إتلاف نفس أو مال ثم بأن خطؤه، قال أبو إسحاق الإسفرائيني من الشافعية (1): يضمن المفتي إن كان أهلًا للفتوى وخالف القاطع، وإن لم يكن أَهلًا فلا ضمان عليه لأن المستفتي قصَّر في استفتائه وتقليده، ووافقه على ذلك أبو عبد اللَّه بن حمدان (2) في كتاب: "آداب المفتي والمستفتي" (3) له، ولم أعرف هذا لأحد من الأصحاب قبله (4)، ثم حكى وجهًا آخر في تضمين من ليس بأهل [قال] (3): لأنه تصدَّى لما ليس له بأهل، وغرَّ من استفتاه بتصدِّيه لذلك.
قلت: خطأُ المفتي كخطأ الحاكم والشاهد، وقد اختلفت الرواية في خطأ الحاكم في النفس أو الطرف (5)، فعن (6) الإمام أحمد في ذلك روايتان:
إحداهما (7): أنه في بيت المال؛ لأنه يكثر منه ذلك [الحكم] (8)، فلو حَمَلته العاقلة لكان [ذلك] (9) إضرارًا عظيمًا بهم.
والثانية: أنه على عاقلته، كما لو كان الخطأ بسبب غير [الحاكم] (10)، وأما خطؤه في المال فإذا حكم بحق ثم بأن كفر الشهود أو فسقهم نقض حكمه، ثم رجع المحكوم عليه ببدل المال على المحكوم له، وكذلك إذا كان الحكم بقود
__________
(1) نقله ابن الصلاح في "أدب المفتي" (111) وعنه النووي في "المجموع" (1/ 81) وقال: "كذا حكاه الشيخ أبو عمرو، وسكت عليه، وهو مشكل، وينبغي أن يخرج الضمان على قَوْلي الغرور المعروفَيْن في بابي (الغصب) و (النكاح) وغيرهما، أو يقطع بعدم الضمان، إذ ليس في الفتوى إلزام ولا إلجاء". وانظر "التحبير شرح التحرير" (8/ 3985).
وفي (ق): "فقال".
(2) في (ك): "ابن أحمد".
(3) (ص 31 - المكتب الإسلامي).
(4) في المطبوع و (ت): "لأحد قبله من الأصحاب".
(5) في (ق): "في النفس والطرف".
(6) في (ق): "وعن".
(7) في (ق): "إحديهما".
(8) في (ت): "لأنه منه الحكم"، وفي (ك): "لأنه يكثر منه الحكم"، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) في (ق): "الحكم".
(6/147)

رجع أولياء المقتول ببدله على المحكوم له، و [كذلك] إن كان الحكم بحق اللَّه (1) بإتلاف مباشر (2) أو بالسراية ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الضمان على المزكِّين لأن الحُكمَ إنما وجب بتزكيتهم (3).
والثاني: يضمنه الحاكم لأنه لم يثبت، بل فرَّط في المبادرة إلى الحكم وترك [البحث] (4) والسؤال.
والثالث: أن للمستحق تضمين أيهما شاء والقرار على المزكين لأنهم ألجأوا الحاكم إلى الحكم، فعلى هذا إن لم يكن ثَمَّ تزكية فعلى الحاكم، وعن أحمد رواية أخرى أنه لا ينقض بفسقهم فعلى هذا لا ضمان.
وعلى هذا إذا استفتى الإمام أو الوالي مفتيًا فأفتاه، ثم بأن [له] (5) خطؤه فحكم المفتي مع الإمام حكم المزكّين مع الحاكم، وإن عمل [المُستفتي] (6) بفتواه من غير [حكم] (4) حاكم، ولا إمام فأتلف نفسًا أو مالًا، فإن كان [المفتي] (4) أهلًا، فلا ضمان عليه والضمان على المُستفتي، وإن لم يكن أهلًا فعليه الضمان (7)؛ لقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من تطبب، ولم يعرف منه طبٌّ فهو ضامن" (8)،
__________
(1) في (ق): "بحق للَّه"، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) في (ك): "مباشرة".
(3) هذا قول الشافعي وإحدى الروايتين عن المالكية انظر: "الأم" (7/ 168)، "مختصر المزني" (312)، "المهذب" (2/ 342 - 343)، "حلية العلماء" (8/ 314)، "روضة الطالبين" (11/ 296) "المدونة" (4/ 83)، "التفريع" (2/ 240)، "الكافي" (467)، "المعونة" (3/ 1561)، "الإشراف" (5/ 86 مسألة 1839) وتعليقي عليه.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) ما بين المعقوفتين من المطبوع.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) قال في هامش (ق): "مطلب: يضمن قوله أم هذا خلاف".
(8) رواه أبو داود (4586) في (الديات): باب فيمن تطبب بغير علم، والنسائي (8/ 52 - 53) في (القسامة): باب صفة شبه العمد، وابن ماجه (3466) في (الطب): باب من تطبب ولم يُعلم منه طب، وابن عدي (5/ 1767)، والدارقطني (3/ 195 - 196، و 4/ 215 - 216)، والحاكم (4/ 212)، والبيهقي (8/ 141) وأبو نعيم في "الطب النبوي" (ق 14/ أ) وابن السني -كما في "المنهج السوي" (رقم 663) - من طريق الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:. . . فذكره.
قال أبو داود: "هذا لم يروه إلا الوليد، لا ندري هو صحيح أم لا".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي! =
(6/148)

وهذا يدل على أنه إذا عرف منه طب وأخطأ لم يضمن والمفتي أولى بعدم الضمان من الحاكم والإمام؛ لأنَّ المستفتي مخيَّر بين قبول فتواه وردها، فإن قوله: لا يلزم بخلاف حكم الحاكم والإمام، وأما خطأ الشاهد فإما أَن يكونوا شهودًا بمال أو طلاق أو عتق أو حد أو قود، فإن بأن خطؤهم قبل الحكم لم يحكم بذلك (1)، وإن بأن بعد الحكم باستيفاء القود وقبل استيفائه لم يستوف قطعًا، وإن بأن بعد استيفائه فعليهم دية ما تلف ويتقسط الغرم على عددهم، وإن بأن خطؤهم قبل الحكم بالمال لغت شهادتهم، ولم يضمنوا، وإن بأن بعد الحكم به نقض حكمه، كما لو شهدوا بموت رجل باستفاضة فحكم الحاكم بقسم ميراثه، ثم بانت حياته،
__________
= أقول: الوليد بن مسلم وابن جريج مدلسان، لكن الوليد صَرَّحَ بالسماع عند غير واحد، بقي ابن جريج فلم يصرح بالسماع.
والحديث رواه محمود بن خالد عن الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن عبد اللَّه بن عمرو: "لم يذكر والد شعيب".
أخرجه النسائي (8/ 53)، وقال ابن عدي: وجعله من جودة إسناده.
وهذه العلة ذكرها ابن عدي والبيهقي والمزي في "تحفة الإشراف" (6/ 325).
لكن وقع في المطبوع من النسائي بإثبات "عن أبيه" فقال شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- ردًا على البيهقي في قوله: إن محمودًا أسقط والد عمرو من الإسناد: "كذا قال، ولعلها رواية وقعت له، وإلا فقد رواه النسائي عنه مثل رواية الجماعة، فقال عقبها: "أخبرني محمود بن خالد:. . . "!!
أقول: ما كان ينبغي الحكم على هذه المسألة بالرجوع إلى النسخة المطبوعة، لأنها لا تخلو من الخطأ.
وقد أعله الدارقطني (3/ 196) بعلة أخرى فقال: "لم يسنده عن ابن جريج غير الوليد بن مسلم وغيره يرويه عن ابن جريج عن عمرو مرسلًا عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
أقول: وهذا لا يضر إن شاء اللَّه؛ فإن الوليد بن مسلم من الثقات.
وللحديث شاهد مرسل؛ رواه أبو داود (4587): حدثنا محمد بن العلاء: حدثنا حفص: حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: حدثني بعض الوفد الذين قدموا على أبي قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكر مثله.
أقول: وهذا فيه علتان:
الأولى: جهالة بعض الوفد.
الثانية: الإرسال فإن عبد العزيز هذا يروي عن كبار التابعين.
فهو شاهد قاصر، أما شيخنا الألباني -رحمه للَّه- فقد جعله شاهدًا لحديث عمرو بن شعيب، فقوّاه به، وأودعه في "السلسلة الصحيحة" (2/ 229)!!
(1) في (ت): "لم يحكم به".
(6/149)

فإنه ينقض (1) حكمه، وإن بأن خطؤهم في شهادة الطلاق من غير جهتهم، كما لو شهدوا أنه طلَّق يوم كذا وكذا وظهر للحاكم أنه في ذلك اليوم كان محبوسًا لا يصل إليه أحد أو كان مغمًى عليه فحكم ذلك حكم ما لو بأن كفرهم أو فسقهم، فإنه ينقض حكمه وترد المرأة إلى الزوج ولو تزوجت بغيره بخلاف ما إذا قالوا: "رجعنا عن الشهادة"، فإن رجوعهم إن كان قبل الدخول ضمنوا نصف المسمَّى لأنهم قرروه عليه، ولا تعود [إليه] (2) الزوجة إذا كان الحاكم [قد] (2) حكم بالفرقة، وإن رجعوا بعد الدخول ففيه روايتان:
إحداهما: أنهم لا يغرمون شيئًا لأن الزوج استوفى المنفعة (3) بالدخول فاستقر عليه عوضها (4).
والثانية: يغرمون المسمى كله؛ لأنهم فوَّتوا عليه البضع بشهادتهم، وأصلهما (5) أن خروج البضع من (6) يد الزوج هل هو متقوَّم أم لا (7)؟ وأما شهود العتق، فإن بأن خطؤهم تبيَّنا أنَّه لا عتق، وإن قالوا: رجعنا غَرِموا للسيد قيمة العبد (8).

[أحوال ليس للمفتي أن يفتي فيها]
الفائدة الثانية والأربعون: ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد أو جوع مفرط أو همٍّ مقلق أو خوف مزعج أو نعاس [غالب] (9) أو شغل قلب مستولٍ
__________
(1) في (ك): "فينقض".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) في (ت): "استوفى في المنفعة".
(4) وهذا قول المالكية انظر: "المدونة" (4/ 83، 421)، "التفريع" (2/ 240)، "المعونة" (3/ 1562 - 1563)، "الإشراف" (5/ 88 مسألة 1840) وتعليقي عليه.
(5) في (ت): "وأصلها".
(6) في (ق): "عن".
(7) انظر: "تحرير القواعد" لابن رجب (1/ 347 - بتحقيقي)، وهذا قول الشافعية والحنفية انظر: "الأم" (7/ 50)، "مختصر المزني" (312) "المهذب" (2/ 342 - 343)، "المبسوط" (17/ 4)، "فتح القدير" (6/ 538، 545).
وفي المطبوع: "أو لا".
(8) في هامش (ق): "إذا قال الشاهدان: أخطأنا، فإن الحكم لا ينقض، ويغرمون عند الجمهور إذا كانت شهادة بمال".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6/150)

[عليه] (1) أو حال مدافعة الأخبثين، بل متى أحسَّ من نفسه شيئًا (2) من ذلك يخرجه عن حال اعتداله وطمأنينته وتثبيته (3) أمسك عن الفتوى، فإن أفتى في هذه الحالة (4) بالصواب صحت فتياه ولو حكم في [مثل] هذه الحالة (5) فهل ينفذ حكمه أو لا ينفذ؟ فيه ثلاثة أقوال (6):
النفوذ، وعدمه، والفرق بين أن يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ، وبين أن يكون سابقًا على فهم الحكومة فلا ينفذ، والثلاثة في مذهب الإمام أحمد [رحمه اللَّه تعالى] (7).

[على المفتي أن يرجع إلى العرف في مسائل]
الفائدة الثالثة والأربعون: لا يجوز له أن يفتي في الأقارير (8) والأيمان والوصايا، وغيرها مما يتعلَّق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عُرفَ أهلها والمتكلمين بها فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه (9)، وإن كان مخالفًا لحقائقها الأصلية فمتى لم يفعل ذلك ضلَّ وأضل (10)؛ فلفظ الدينار عند طائفة اسم لثمانية (11) دراهم وعند طائفة اسم لاثني (12) عشر درهمًا والدرهم عند
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) في (ق) و (ك): "بشيء".
(3) في المطبوع و (ك): و"كمال تثبته وتبينه"، وفي (ق): "كماليته".
(4) في (ق) و (ك): "هذه الحال".
(5) في المطبوع: "ولو حكم في مثال هذه الحالة"، وما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ك)، وقال في (ك): "الحال".
(6) انظر: "المسودة" (545) و"صفة الفتوى" (34) و"المحرر" (2/ 211) و"شرح الكوكب المنير" (4/ 547) و"أصول الفقه" لابن مفلح (4/ 1546)، وانظر مذهب الشافعية في "روضة الطالبين" (11/ 110)، و"المجموع" (1/ 77، 82) و"أدب المفتي والمستفتي" (113).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(8) في (ت): "الإقراير"، وفي (ق): "الأوقاف"، وفي سائر النسح: "الاقرار"، والمثبت في (ك)، و"أدب المفتي" (115).
(9) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (115)، و"صفة الفتوى" (36) و"المجموع" (1/ 82).
(10) انظر: مباحث العرف عند الإمام ابن القيم رحمه اللَّه في "زاد المعاد" (3/ 137، 139)، و"إغاثة اللهفان" (2/ 60)، و"روضة المحبين" (ص 314).
(11) في (ق) و (ك): "اسم للثمانية".
(12) في (ق): "للاثني".
(6/151)

غالب البلاد اليوم اسم للمغشوش، فإذا أقر له بدراهم أو حلف ليعطيه (1) إياها أو أصدقها امرأته (2) لم يجز للمفتي ولا للحاكم أن يلزمه بالخالصة (3)، فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة (4) لم يجز له أن يلزم المستحق بالمغشوشة.
وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق فلو جرى عرف أهل بلد أو طائفة في استعمالهم لفظ الحرية في العفَّة دون العتق فإذا قال أحدهم عن مملوكه: "إنه حر"، أو جاريته "إنها حرة" وعادته استعمال ذلك في العفة لم يخطر بباله غيرها لم يعتق بذلك قطعًا، وإن كان اللفظ صريحًا عند من ألِف استعماله في العتق، وكذلك إذا جرى عرف طائفة [في] (5) الطلاق بلفظ التسميح بحيث لا يعرفون لهذا المعنى غيره فإذا قالت: "اسمح لي"، فقال: "سمحتُ لك" فهذا صريح في الطلاق عندهم، وقد تقدم الكلام في هذا الفصل مشبعًا، وأنه لا يسوغ أن يقبل [تفسير] (5) من قال: "لفلان عليّ مال جليل أو عظيم" بدانق أو درهم ونحو ذلك، ولا سيما إن كان المفسر (6) من الأغنياء المكثرين أو الملوك (7)، وكذلك لو أوصى له بقوس في محلة (8) لا يعرفون إلا أقواس البندق أو الأقواس العربية أو أقواس الرجل، أو حلف لا يشم الريحان في محل لا يعرفون الريحان إلا هذا الفارسي، أو حلف لا يركب دابة في موضع عرفهم بلفظ الدابة الحمار أو الفرس، أو حلف لا يأكل ثمرًا في بلد عرفهم في الثمار نوع واحد منها لا يعرفون غيره، أو حلف لا يلبس ثوبًا في بلد عرفهم في الثياب القمص وحدها دون الأردية والأزر والجباب (9) ونحوها، تقيدت يمينه بذلك وحده [في جميع هذه الصور واختصت بعرفه دون موضوع (10) اللفظ لغة أو في] (11) عرف غيره، بل لو قالت المرأة لزوجها الذي لا يعرف التكلم بالعربية، ولا يفهمها: "قل لي: أنت طالق ثلاثًا"، وهو لا يعلم موضوع (10) هذه الكلمة فقال لها (12)، لم تطلق قطعًا
__________
(1) في (ق): "ليعطينه".
(2) في المطبوع و (ك): "امرأة".
(3) في "ق": "ولا الحاكم أن يلزمه الخالصة".
(4) في (ق): "فلو كان إنما يعرفون بلد الخالصة".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(6) في المطبوع تحرفت إلى: "المقر".
(7) "المغني" (5/ 139)، وانظر المسألة في "الإشراف" (3/ 88 مسألة 948). للقاضي عبد الوهاب المالكى وتعليقى عليها.
(8) في "ق": "محل".
(9) في (ت): "والجبات".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(11) في (ت): "موضع".
(12) في (ق): "فقالها"!
(6/152)

في حكم اللَّه [تعالى] (1) ورسوله، وكذلك لو قال الرجل لآخر: "أنا عبدك ومملوكك" على سبيل (2) الخضوع له، كما يقوله (3) الناس لم يستبح ملك رقبته بذلك، ومن لم يراع المقاصد والنيّات والعرف في الكلام، فإنه يلزمه أن يجوز له بيع هذا القائل وملك رقبته بمجرد هذا اللفظ.
وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل، فيغر الناس، ويكذب على اللَّه تعالى ورسوله، ويغير دينه، ويحرِّم ما لم يحرمه اللَّه، ويوجب ما لم يوجبه اللَّه، واللَّه المستعان.

[لا يعين المفتي على التحليل ولا على المكر]
الفائدة الرابعة والأربعون: يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيّل [على] (4) إسقاط واجب أو تحليل محرَّم أو مكر أو خداع أن يعين المستفتي فيها ويرشده إلى مطلوبه أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصده (5)، بل ينبغي له أن يكون بصيرًا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي [له] (6) أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذرًا فطنًا فقيهًا بأحوال (7) الناس وأمورهم يؤازره فقه (8) في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل وباطنها مكر وخداع وظلم؟ (9) فَالغِرُّ (10) ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها، فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم.
والثاني: يخرج زيفها، كما يخرج الناقد (11) زيف النقود. وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق؟! و [كم] (12) من حق يخرجه بتهجينه (13) وسوء تعبيره في صورة باطل؟! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في المطبوع و (ت) و (ك): "على جهة".
(3) في (ق): "يقول".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(5) في المطبوع: "إلى مقصوده".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ك): "فقيه في أحوال".
(8) في (ك): "يوزان فقهه".
(9) في (ق): "ظلم وخداع ومكر".
(10) قال (د): "في نسخة: "فالغبي ينظر. . . " إلخ"
قلت: وهو المثبت في (ق).
(11) في (ق): "المنقد".
(12) ما بين المعقوفتين سقط من (ك)، وبعدها في (ق): "وجدها وإن".
(13) في المطبوع: "بتهجيته" بتاء بدل نون بعد الياء آخر الحروف! =
(6/153)

يخفى عليه ذلك، بل هذا أغلب أحوال الناس؛ ولكثرته وشهرته يستغني عن الأمثلة، بل من تأمل المقالات الباطلة والبدع [كلها] (9) وجدها قد أخرجها أصحابها في قوالب مستحسنة، وكسوها ألفاظًا يقبلها بها من لم يعرف حقيقتها، ولقد أحسن القائل (1):
تقول هذا جناءُ النَّحلِ تمدحُهُ ... وإنْ تشأ قلتَ ذا قيء الزنابيرِ
مدحًا وذمًا، وما جاوزتَ وصفهما ... والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبيرِ
ورأى بعض الملوك (2) كأن أسنانه [قد] (3) سقطت فعبَّرها (4) له معبر بموت أهله وأقاربه فأقصاه وطرده، واستدعى آخر فقال له: [لا عليك] (3) تكون أطول أهلك عمرًا، فأعطاه وأكرمه وقرَّبه، فاستوفى المعنى، وغيَّر له العبارة، وأخرج المعنى في قالب حسنٍ.
والمقصود أنه لا يحلُّ له أن يفتي بالحيل المحرمة، ولا يعين عليها، [ولا يدلُّ عليها] (3)؛ فيضاد اللَّه في أمره قال [اللَّه] (3) تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54]، وقال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} [النمل: 50 - 51]، وقال تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] وقال تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]، وقال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (5) [البقرة: 9]، وقال تعالى: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123]، وقال تعالى في حق أرباب الحيل المحرمة: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)
__________
(1) ذكرهما الأقفهسي في "التبيان" (195 - ط دار ابن عفان)، وعزاهما الدميري في "حياة الحيوان" (2/ 9) إلى الشيخ زهير الدين بن عسكر قاضي السلامية وهما:
تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وأن ذممت فقل قيء الزنابير
مدحًا وذمًا وما غيرت من صفة ... سحر البيان يرى الظلماء كالنور
وفي هامش نسخة (ك): "مجاج النحل أو جناء النحل لأنه مكسور".
(2) في هامش (ق): "هو المنصور".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ق): "فأدلها".
(5) هذه الآية مذكورة في المطبوع قبلُ، بعد قوله تعالى: {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ}، وأشار (د) إلى أنه في نسخة كما أثبتناه من (ق) و (ت).
(6/154)

فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 65 - 66].
وفي "صحيح مسلم" عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "ملعون من ضارَّ مسلمًا أو مكر به" (1)، وقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلِّوا محارمَ اللَّه بأدنى الحيل" (2)، وقال: "المكرُ والخديعة في النار" (3)، وفي "سنن ابن ماجه" وغيره
__________
(1) رواه الترمذي (1941) في (البر): باب ما جاء في الخيانة والغش، والمروزي في "مسند أبي بكر" (رقم 100)، وابن عدي في "الكامل" (6/ 2053)، وأبو نعيم في "الحلية" (3/ 49 و 4/ 114) وابن حبان في "المجروحين" (2/ 6 - 7)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (1/ 344)، وابن أبي حاتم في "العلل" (2/ 287) والبيهقي في "الشعب" (8577): من طرق عن فَرْقد السَّبخي عن مُرَّة الطَّيِّب عن أبي بكر به مرفوعًا.
قال الترمذي: حديث غريب.
أقول: علته فرقد هذا، قال يحيى بن سعيد: ما يعجبني الحديث عن فرقد، وقال أيوب: ليس بشيء، وقال أحمد: روى عن مُرّة منكرات. وفي الطريق إلى فرقد عند جميع من أخرج الحديث ضعيفٌ أو متروك، ومرة لم يدرك أبا بكر ولم يسمع منه ثم وجدت ل (فرقد) متابعة قويّة!!
فقد رواه أبو يعلى (96) من طريق معاوية بن هشام عن شيبان عن عامر عن مرة به.
وشيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي ثقة مشهور، وعامر هو الشعبي.
ومعاوية بن هشام: صدوق، في حديثه وهم، وقد روى له مسلم فمثله حديثه حسن ما لم يخالف.
وقد خولف رواه الطبراني في "الأوسط" (9308 - ط الطحان) عن آدم عن شيبان عن جابر الجعفي عن الشعبي عن مرة به فجعل آدم بن أبي إياس بين شيبان والشعبي (جابر الجعفي) و (آدم) أوثق من (معاوية بن هشام)، وقد جوّده، قال الطبراني عقبه: "لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا جابر الجعفي ولا رواه عن جابر إلا شيبان وأبو حمزة السكري".
وأخشى أن يكون (عن جابر) ساقطة من "مسند أبي يعلى"، مع أنها غير موجودة في الطبعة الأخرى (رقم 91 - ط إرشاد الحق) لأني وجدته عند المروزي (رقم 102) من طريق معاوية بن هشام عن شيبان عن جابر عن عامر به.
قلت: ورواه من طريق ابن حمزة المروزي في "مسند أبي بكر" (رقم 99)، وأبو نعيم في "الحلية" (4/ 164) والخطيب (1/ 403) والبيهقي في "الشعب" (رقم 8580، 8581)، وجابر الجعفي ضعيف، فالحديث ضعيف، وانظر "السلسلة الضعيفة" (رقم 1903)، "وبيان الوهم والإيهام" (2/ 403 - 405 و 3/ 137).
(تنبيه): عزى المصنف الحديث إلى مسلم في "صحيحه"، ولم أجده فيه، ولا عزاه إليه المزي ولا ابن الأثير.
(2) سبق تخريجه.
(3) ورد عن جمع من الصحابة:
أولًا: ابن مسعود: رواه ابن حبان (567)، والطبراني في "المعجم الكبير" (10234)، =
(6/155)

عنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما بال أقوام يلعبون بحدود اللَّه ويستهزئون بآياته طلَّقتك راجعتك طلقتك راجعتك؟ "، وفي لفظ: "خلعتكِ راجعتك خلعتُك راجعتُكِ" (1)، وفي "الصحيحين"
__________
= وفي "الصغير" (738)، وأبو نعيم في "الحلية" (4/ 188)، والقضاعي في "مسند الشِّهاب" (253)، و (254) وابن حجر في "تغليق التعليق" (3/ 245) من طريق الفضل بن الحباب: ثنا عثمان بن الهيثم بن الجهم المؤذّن: حدثنا أبي عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حُبيش عنه، وفي أوله زيادة: "من غش فليس منا. . . ".
قال الهيثمي في "المجمع" (3/ 79): رجاله ثقات، وفي عاصم بن بهدلة كلام لسوء حفظه.
أقول: عاصم تقرر أنه حسن الحديث، وفيه الهيثم بن الجهم روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في "الثقات" (9/ 235)، وقال أبو حاتم: لم أر في حديثه مكروهًا.
ثانيًا: قيس بن سعد: رواه ابن عدي في "الكامل" (2/ 584) والبيهقي في "الشعب" (رقم 5268) من طريق جراح بن مليح عن أبي رافع عنه، والجراح هذا ذكر ابن عدي في ترجمته عن ابن مليح أنه قال: لا أعرفه ثم فسّر عبارته فقال: كان يحيى إذا لم يكن له علم ومعرفة بأخباره ورواياته يقول: "لا أعرفه، ثم بيّن أنه عرف الرجل وقال: وهو لا بأس به.
ولذلك قال الحافظ في "الفتح" (4/ 356): وإسناده لا بأس به.
ثالثًا: أنس بن مالك: رواه الحاكم في "المستدرك" (4/ 706) من طريق سنان بن سعد عنه، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وقال الحافظ في "الفتح" و"التغليق" وفي إسناده مقال، أما شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- فحسّنه في "الصحيحة" (3/ 47)، لكن بينت من قبل أن سنان بن سعد أو سعد بن سنان حديثه لا يرتقي للحسن.
وحديث الباب علّقه البخاري في "صحيحه" قبل حديث (2142) قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الخديعة في النار".
وفي الباب أيضًا عن أبي هريرة وعن الحسن وابن سيرين مرسلًا.
قال الحافظ في "الفتح": ومجموعهما يدل على أن للمتن أصلًا، وانظر: "تغليق التعليق" (3/ 244 - 246) "مجمع الزوائد" (3/ 79)، و"السلسلة الصحيحة" (رقم 1057).
(1) رواه ابن ماجه (2017) في (كتاب الطلاق) وابن حبان (4265) والبزار في "البحر الزخار" (8/ 116 رقم 3117) والرويانى (452) والبيهقي (7/ 322): من طريق مؤمل بن إسماعيل عن سفيان عن أبي إسحاق عن، أبي بردة عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا به.
قال البوصيري (1/ 351): هذا إسناد حسن من أجل مؤمل بن إسماعيل.
أقول: بل مؤمل مثله لا يُحسَّن حديثه لأنهم طعنوا فيه شديدًا، وهو على كل حال متابع فقد رواه البيهقي (7/ 322) وابن بطة في "إبطال الحيل" (40، 41) من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود عن سفيان الثوري به، وموسى بن مسعود هذا أحسن حالًا من مؤمل. =
(6/156)

عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (1): "لعن اللَّه اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها، [وأكلوا أثمانها] (2) "، وقال أيوب السختياني: يخادعون اللَّه، كما يخادعون الصبيان (3)، وقال ابن عباس: من يخادع اللَّه يخدعه (4)، وقال بعضُ السلف: "ثلاث من كنَّ فيه كنَّ عليه: المكر، والبغي، والنكث. وقرأ (5): {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43]، وقال تعالى: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [يونس: 23]، وقال تعالى: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} (6) [الفتح: 10].
وقال الإمام أحمد: "هذه الحيل التي وضعها هؤلاء عَمَدوا إلى السنن فاحتالوا في نقضها أتوا إلى الذي قيل لهم: إنه حرام فاحتالوا فيه حتى حلَّلوه" (7) وقال: "ما أخبثهم، يعني: أصحاب الحيل يحتالون لنقض سنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (8)، وقال: "مَنْ احتال [بحيلة] فهو حانث" (9)، وقال: "إذا (10) حلف على شيء ثم احتال بحيلة فصار إليها، فقد صار إلى [ذلك] (11) الذي حلف عليه بعينه" (12).
__________
= وله متابعة أقوى؛ فقد رواه أبو داود الطيالسي (527 أو 1601 - منحة المعبود)، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 322) من طريق زهير عن أبي إسحاق عن أبي بردة قال: كان رجل يقول: ". . . فقال: "هذا مرسل".
ويؤكد هذا، ما قاله البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا أسنده عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى، إلا الثوري، ورواه عن الثوري: مؤمل وأبو حذيفة".
قلت: وكلاهما ضعيف، ولذا وضعه شيخنا في "ضعيف ابن ماجه" (440).
(1) في المطبوع و (ت) و (ك): "عنه -صلى اللَّه عليه وسلم-".
(2) سبق تخريجه، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) عزاه شيخ الإسلام ابن تيمية في "بيان الدليل" (ص 64) لأيوب.
(4) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (5/ 11)، وعبد الرزاق في "المصنف" (6/ 397/ رقم 11352)، وسعيد بن منصور في "سننه" (رقم 1065)، وابن حزم في "المحلى" (10/ 181)، وابن بطة في "إبطال الحيل" (ص 48).
(5) كذا في مصادر التخريج، وفي جميع النسح: "وقال تعالى" بدل "وقرأ".
(6) رواه ابن أبي الدنيا في "ذم البغي" (رقم 34) عن محمد بن كعب القرظي قوله.
(7) رواه ابن بطة في "إبطال الحيل" (52) عن أبي الحارث الصائغ عن أحمد.
(8) هذه رواية أبي داود في "مسائله" (54) عن أحمد، وذكرها ابن بطة في "إبطال الحيل" (54).
(9) هذه رواية بكر بن محمد بن الحكم عن أحمد، ذكرها ابن بطة في "إبطال الحيل" (ص 53)، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) في (ق): "من".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(12) هذه رواية بكر بن محمد بن الحكم عن أحمد، ذكرها ابن بطة في "إبطال الحيل" (ص 53).
(6/157)

وقد تقدم بسط الكلام في هذه المسألة مستوفى، فلا حاجة إلى (1) إعادته.

[حكم أخذ المفتي أجرة أو هدية]
الفائدة الخامسة والأربعون: في أخذ الأجرة والهدية والرزق على الفتوى، فيه ثلاث صور مختلفة السبب والحكم (2).
فأما أخذه الأجرة فلا يجوز له؛ لأن الفُتيا منصب تبليغ (3) عن اللَّه ورسوله، فلا تجوز المعاوضة عليه، كما لو قال [له] (4): لا أعلّمك الإسلام أو الوضوء أو الصلاة إلا بأجرة، [أو سئل عن حلال أو حرام فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا بأجرة] (5)، فهذا حرام قطعًا، ويلزمه رد العِوَض، ولا يملكه.
وقال بعض المتأخرين (6): إن أجاب بالخطِّ (7) فله أن يقول للسائل: لا يلزمني أن أكتب لك خطي إلا بأجرة وله أخذ الأجرة وجعله بمنزلة أجرة الناسخ، فإنه يأخذ الأجرة على خطه لا على جوابه، [وخطُّه قدر زائد على جوابه] (4).
والصحيح خلاف ذلك، وأَنه يلزمه الجواب [مجانًا] (4) للَّه، بلفظه، وخطه، ولكن لا يلزمه الورق ولا الحبر.
وأما الهدية ففيها تفصيل، فإنْ كانت بغير سبب الفتوى كمن عادته يهاديه أو من لا يعرف أنه مفتٍ، فلا بأسٍ بقبولها والأولى أن يكافئ عليها، وإن كانت
__________
(1) في (ق): "في".
(2) انظر مبحث أخذ الأجرة على الفتوى في "المسودة" (545) و"الفروع" (6/ 440)، و"أصول الفقه" لابن مفلح (4/ 1546 - 1547) و"شرح الكوكب المنير" (4/ 547 - 549) و"صفة الفتوى" (35) و"شرح منتهى الإرادات" (3/ 462) و"الفواكه العديدة" (2/ 98)، و"الاختيار" (4/ 141) و"روضة الطالبين" (11/ 110) و"المجموع" (1/ 77) و"حاشية الصاوي" (4/ 10) و"جواهر الإكليل" (2/ 53)، و"الإنصاف" (11/ 167).
(3) في (ق): "فلا يجوز؛ لأن المفتي منصبه يبلغ".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ط).
(6) قدمه في "التحرير" وابن مفلح في "أصوله" (4/ 1546)، وهذا مذهب الحنفية وأبو حاتم القزويني من الشافعية، وانظر: "الدر المختار" (7/ 59)، "حاشية ابن عابدين" (5/ 373 - 374)، و"المجموع" (1/ 77)، و"أدب المفتي والمستفتي" (114 - 115) و"كشاف القناع" (6/ 261)، و"الفتوى في الإسلام" للقاسمي (ص 78).
(7) قال (د): "في نسخة: "إن أجاب بخطه. . . " إلخ"، وهي كذلك في (ك).
(6/158)

بسبب الفتوى، فإن كانت سببًا إلى أن يفتيه بما لا يفتي (1) به غيره ممن لا يهدي له لم يجز له قبول هديته (2)، وإن كان لا فرق (3) بينه وبين غيره عنده في الفتيا، بل يفتيه بما يفتي به الناس كره له قبول الهدية لأنها [تشبه] (4) المعاوضة على الإفتاء (5).
وأما أخذ الرزق من بيت المال، فإن كان محتاجًا إليه جاز [له] (1) ذلك، وإن كان غنيًا عنه ففيه وجهان، وهذا فرع مترددٌ بين عامل الزكاة وعامل اليتيم فمَن ألحقه بعامل الزكاة قال: النفع فيه عام فله الأخذ، ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي، بل القاضي أولى بالمنع واللَّه أعلم (6).

[ما يصنع المفتي إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى]
الفائدة السادسة والأربعون: إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى، فإن ذكرها وذكر مستندها، ولم يتجدد له ما يوجب تغيّر اجتهاده أفتى [بها] (7) من غير نظر، ولا اجتهاد، وإن ذكرها ونَسي مستندها فهل له أن يفتي بها دون تجديد نظر واجتهاد؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد (8) والشافعي (9):
__________
(1) في (ق): "بما لم يفت".
(2) في (ق): "لا يهدي إليه لم يجز قبول الهدية".
(3) في (ق): "لا يفرق".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) انظر أخذ (الهدية) على (الفتوى) في: "المسودة" (550) و"صفة الفتوى" (12) و"شرح الكوكب المنير" (4/ 549 - 550)، و"أصول الفقه" لابن مفلح (4/ 1547) و"أدب المفتي والمستفتي" (115)، و"روضة الطالبين" (11/ 111) و"المجموع" (1/ 77).
(6) انظر هذه المسألة في "المسودة" (454)، و"الفروع" (6/ 440) و"أصول الفقه" لابن مفلح (4/ 1546) و"الفواكه العديدة" (2/ 98) و"شرح منتهى الإرادات" (3/ 462) و"كشاف القناع" (6/ 291) و"الاختيار" (4/ 141) و"المجموع" (1/ 77) و"أدب المفتي والمستفتي" (114) و"حاشية الصاوي" (4/ 10) و"جواهر الإكليل" (2/ 53) و"بدائع الفوائد" (3/ 146 - 147)، و"الإنصاف" (11/ 166).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) انظر: "المسودة" (467، 522، 542)، و"أصول الفقه"، لابن مفلح (4/ 1551) و"مختصر البعلي" (167) و"صفة الفتوى" (137) و"شرح الكوكب المنير" (4/ 553 - 554).
(9) انظر: "المجموع" (1/ 78) و"الإحكام" للآمدي (4/ 233) و"البرهان" (2/ 1343) =
(6/159)

أحدهما: أنه يلزمه تجديد النظر؛ [لاحتمال تغيّر اجتهاده وظهور ما كان خافيًا عنه.
والثاني: لا يلزمه تجديد النظر] (1)؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان (2)، وإن ظهر له ما يغير اجتهاده لم يجز له البقاء على القول الأول، ولا يجب عليه نقضه، ولا يكون اختلافه مع نفسه قادحًا في علمه، بل هذا من كمال علمه، وورعه، ولأَجل هذا خرج عن الأئمة في المسألة قولان فأكثر وسمعت شيخنا رحمه اللَّه تعالى يقول: حضرتُ عقدَ مجلس عند نائب السلطان [في وقف] (3) أفتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين، فقرأ جوابه الموافق للحق، فأخرج بعض الحاضرين جوابه [الأول] (3)، وقال: هذا جوابُك بضد هذا، فكيف تكتب جوابين متناقضين في واقعة واحدة؟ فوجم الحاكم، فقلت: هذا من علمه ودينه، أفتى أولًا بشيء، ثم تبيَّن له الصواب فرجع إليه، كما يُفتي إمامه بقول ثم يتبين له خلافه فيرجع إليه، ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه، وكذلك سائر الأئمة، فسُرَّ القاضي بذلك وسُرِّي عنه.

[كل الأئمة يذهبون إلى الحديث ومتى صح فهو مذهبهم]
الفائدة السابعة والأربعون: قول الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنَّة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقولوا بسنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ودعوا ما قلته" (4)، (وكذلك [قوله] (5): "إذا صح الحديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقلت أنا قولًا فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك الحديث") (6)، وقوله (7): "إذا صح الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-
__________
= و"جمع الجوامع" (2/ 394) و"غاية الوصول" (150) و"روضة الطالبين" (11/ 105) و"أدب المفتي والمستفتى" (117).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) في (ق): "بقاء ما كان عليه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ذكره البيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 472 - 473) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (15/ ق 10) وابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (117) والذهبي في "السير" (10/ 34).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) ذكره ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (119) وابن السبكي في "الطبقات" (2/ 161) وابن حجر في "توالي التأنيس" (63)، وما بين الهلالين مذكور في (ق): بعد قوله الآتي: "إذا صح الحديث".
(7) في (ق): "وكذلك".
(6/160)

فاضربوا بقولي الحائط" (1)، وقوله: "إذا رويتُ حديثًا عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (2) ولم أذهب إليه فاعلموا أن عقلي قد ذهب" (3)، وغير ذلك من كلامه في هذا المعنى صريحٌ في مدلوله، وأن مذهبه ما دلَّ عليه الحديث، لا قول له غيره، ولا يجوز أن يُنسب إليه ما خالف الحديث ويقال: "هذا مذهب الشافعي" [ولا يحل الإفتاء بما خالف الحديث على أنه مذهب الشافعي] (4)، ولا الحكم به، وصرح بذلك جماعة من أئمة أتباعه (5)، حتى كان منهم من يقول للقارئ إذا قرأ عليه مسألة من كلامه: قد صح الحديث بخلافها، اضرب على هذه المسألة فليست مذهبه، وهذا هو الصواب قطعًا، ولم ينص عليه، فكيف إذا نص عليه وأبدى فيه وأعاد وصرح فيه (6)، بألفاظ كلها صريحة في مدلولها؟ فنحن نشهد باللَّه أن مذهبه وقوله الذي لا قول له سواه ما وافق الحديث، دون ما خالفه، [وأنَّ] (7) مَنْ نسب إليه خلافه فقد نسب إليه خلاف مذهبه، ولا سيما إذا ذكر هو ذلك الحديث وأخبر أنه إنما خالفه لضعف في سنده أو لعدم بلوغه له من وجه يَثِق به، ثم ظهر للحديث سند صحيح لا مطعن فيه وصححه أئمة الحديث من وجه لم يبلغه (8)، فهذا لا يشك عالم ولا يماري في أنه مذهبه قطعًا، وهذا كمسألة الجوائح؛ فإنه علل حديث سفيان بن عيينة بأنه كان ربما ترك ذكر الجوائح، وقد صحَّ الحديث (9) من غير طريق سفيان صحةً لا مرية فيها، ولا علة، ولا شبهة بوجه؛ فمذهب الشافعي (10) وضع الجوائح، وباللَّه التوفيق (11).
__________
(1) لتقي السبكي رسالة "معنى قول المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي" وقد شرح هذه الكلمة، وسبق توثيقها في موطن سابق.
(2) في (ق): "إذا رويت عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حديثًا".
(3) مضى توثيقها.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وفي (ك): "مذهبه" بدل "مذهب الشافعي".
(5) في (ك): "التابعين".
(6) في (ق): "وصرح به"، وفي (ك): "وصرح" فقط.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(8) في المطبوع و (ت) و (ك): "من وجوه لم تبلغه".
(9) سبق تخريجه.
(10) انظر: "الأم" (3/ 56 - 59)، و"روضة الطالبين" (3/ 562) و"مغني المحتاج" (2/ 91 - 92) و"إعلاء السنن" (14/ 31)، و"الجوائح وأحكامها" (ص 186 - 188).
(11) انظر: "تهذيب السنن" (5/ 119 - 120)، و"زاد المعاد" (4/ 272)، وتقدمت المسألة والكلام عليها.
(6/161)

وقد صرَّح بعض أئمة الشافعية بأن مذهبه (1) أن الصلاة الوسطى صلاة العصر، وأن وقت المغرب يمتد إلى [مغيب] (2) الشفق، وأن [من] (3) مات وعليه صيام صام عنه وليه، وأن أكل لحوم الإبل ينقض الوضوء، وهذا بخلاف الفطر بالحجامة وصلاة المأموم قاعدًا إذا صلى إمامه كذلك، فإن الحديث، وإن صح في ذلك فليس بمذهبه (4)، فإن الشافعي قد رواه (5) وعرف صحته، ولكن خالفه لاعتقاده نسخه، وهذا شيء وذاك شيء، ففي هذا القسم يقع النظر في النسخ وعدمه وفي الأول يقع النظر في صحة الحديث وثقة السند فاعرفه.

[هل تجوز الفتيا لمن عنده كتب الحديث؟]
الفائدة الثامنة والأربعون: إذا كان عند الرجل "الصَّحيحان" أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- موثوق بما فيه، فهل له أن يفتي بما يجده فيه؟
فقالت طائفة من المتأخرين: ليس له ذلك؛ لأنه قد يكون منسوخًا أو له مُعارِض أو يفهم من دلالته خلاف ما يدل عليه أو يكون أمر ندب فيفهم منه الإيجاب أو يكون عامًا له مخصِّص أو مطلقًا له مقيِّد، فلا يجوز له العمل، ولا الفتيا [به] (3) حتى يسأل أهل الفقه [والفتيا] (6).
وقالت طائفة: بل له أن يعمل به ويفتي به، بل يتعيَّن عليه، كما كان الصحابة يفعلون إذا بلغهم الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وحدَّث به بعضهم بعضًا بادروا إلى العمل به من غير توقّف، ولا بحث عن معارض، ولا يقول أحد منهم قط: هل عمل بهذا فلان وفلان؟! ولو رأوا من يقول ذلك لأنكروا عليه أشد الإنكار، وكذلك التابعون، وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال القوم وسيرتهم وطول العهد بالسنة وبُعد الزمان وعتقها لا يسوغ ترك الأخذ بها (7) [والعمل بغيرها] (8) ولو كانت سنن (9) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يسوغ العمل بها بعد
__________
(1) في (ق): "وقد صح عن بعض أئمة الشافعية أن مذهبه". قلت: كأن المصنف يريد ابن خزيمة.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) في (ك): "فليس بمذهب له".
(5) في (ت) و (ك): "فإنه رواه"، وفي (ق): "فإنه قد رواه".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ت): "الأخذ بعينها".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ت).
(9) في (ت): "سنة".
(6/162)

صحتها حتى يعمل بها فلان [أو فلان] (1) لكان قول فلان أو فلان عيارًا على السنن ومزكيًا لها وشرطًا في العمل بها، وهذا من أبطل الباطل، وقد أقام اللَّه الحجة برسوله دون آحاد الأمة، وقد أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بتبليغ سنته (2)، ودعا لمن بلغها (3).
فلو (4) كان من بلغته لا يعمل بها حتى يعمل بها الإمام فلان، والإمام فلان، لم يكن في تبليغها فائدة وحصل الاكتفاء بقول فلان وفلان.
قالوا: والنسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة، [بل] (5) ولا شطرها؛ فتقدير وقوع الخطأ في الذهاب إلى المنسوخ (6) أقل بكثير من وقوع الخطأ في تقليد من يصيب ويخطئ (7)، ويجوز عليه التناقض والاختلاف ويقول القول ثم (8) يرجع عنه، ويُحكى عنه في المسألة الواحدة عدة أقوال، ووقوع الخطأ في [فهم] (9) كلام المعصوم أقل بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام الفقيه المعيَّن، فلا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث [وأفتى به] (1) إلا وأضعاف [أضعاف] (10) أضعافه حاصلٌ لمن أفتى [بتقليد من] (11) لا يعلم خطؤه من صوابه.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ط).
(2) يشير إلى مثل قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بلغوا عني ولو آية".
رواه البخاري (3461) في (أحاديث الأنبياء): باب ما ذكر عن بني إسرائيل من حديث عبد اللَّه بن عمرو.
(3) في مثل قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نضر اللَّه أمرءًا سمع منا حديثًا فبلّغه كما سمعه، فرُبَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع. . ".
رواه أحمد في (1/ 437)، والترمذي (2657 و 2658) في "العلم": باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، وابن ماجه (232) في "المقدمة": باب من بلغ علمًا، والحميدي (88)، والرامهرمزي (6) و (7)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (188 و 189 و 190) من حديث ابن مسعود وهو صحيح، وجمع طرقه شيخنا عبد المحسن العباد -حفظه اللَّه- في جزء مفرد مطبوع.
(4) في (ق): "ولو".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) انظر مباحث النسخ عند المصنف رحمه اللَّه في "مفتاح دار السعادة" (ص 361 - 364، 370)، و"زاد المعاد" (2/ 183)، و"شفاء العليل" (ص 405 - 406).
(7) في (ق): "يخطئ ويصيب".
(8) في المطبوع و (ت) و (ك): "و".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(11) في (ق): "بالتقليد بما".
(6/163)

والصواب في هذه المسألة التفصيل، فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بيِّنة لكلِّ مَنْ سمعه لا يحتمل غير المراد فله أن يعمل به ويفتي به، ولا يطلب له التزكية من قول فقيه أو إمام، بل الحجة قول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإن خالفه من خالفه، وإن كانت دلالته خفيَّة لا يتبين [له] (1) المراد منها لم يجز له أن يعمل ولا يفتي بما يتوهمه مرادًا حتى يسأل ويطلب بيان الحديث، [ووجهه] (2)، وإن كانت دلالته ظاهرة كالعام على أفراده والأمر على الوجوب والنهي على التحريم، فهل له العمل والفتوى [به] (3)؟ يخرَّج على أصل (4)، وهو العمل بالظواهر (5) قبل البحث عن المعارض (6)، وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره (7): الجواز والمنع والفرق بين العام [والخاص] (8)، فلا يعمل به قبل البحث عن المخصِّص والأمر والنهي فيعمل به قبل البحث عن المعارض، وهذا كله إذا كان ثَمَّ نوع أهلية ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الأصوليين والعربية، وإذا لم تكن ثمة (9) أهلية قط (10) ففرضه ما قال اللَّه [تعالى] (2): {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] (11).
وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا سألوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال" (12)، وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه أو كلام شيخه، وإن علا وصعد (13) فمن كلام إمامه، فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أولى بالجواز، وإذا قدِّر أنه لم يفهم الحديث، كما لو لم يفهم فتوى المفتي فيسأل من يعرِّفه معناه، كما يسأل من يعرفه معنى جواب المفتي، وباللَّه التوفيق.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في المطبوع: "على الأصل".
(5) في (ق): "العمل على الظواهر".
(6) في (ت): "عن العوارض".
(7) انظر: "العدة" (1/ 140 و 2/ 525)، و"المسودة" (109)، و"شرح الكوكب المنير" (3/ 457)، و"الرسالة" للشافعي (ص 295، 322، 341)، و"الإحكام" (3/ 50)، و"البرهان" (1/ 408)، و"تيسير التحرير" (1/ 235)، و"التبصرة" (119).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ت)، و (ط)، و (ق)، وقال (د): "زيادة في نسخة، ولا داعي لها".
(9) في (ق): "ثم".
(10) في (ق): "فقط".
(11) "ذكرت هكذا في سورة النحل: الآية 43، والأنبياء: الآية 6" (و).
(12) سبق تخريجه.
(13) في (ق) و (ك): "وإن علا صعدًا".
(6/164)

[هل للمفتي أن يفتي بغير مذهب إمامه؟]
الفائدة التاسعة والأربعون: هل للمنتسب إلى تقليد إمام معين أن يفتي بقول غيره؟ لا يخلو [الحال] (1) من أمرين: إما أن يسأل عن مذهب ذلك الإمام فقط فيقال له: ما مذهب الشافعي مثلًا في كذا وكذا؟ أو يسأل عن حكم اللَّه الذي أداه إليه اجتهاده، فإن سئل عن مذهب ذلك الإمام لم يكن له أن يخبره بغيره إلا على وجه الإضافة إليه، وإن سئل عن حكم اللَّه من غير أن يقصد السائل قول فقيه معيّن، فههنا يجب عليه الإفتاء بما هو راجح عنده، وأقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب إمام أو مذهب من خالفه لا يسعه غير ذلك، فإن لم يتمكن منه وخاف أن يؤدي إلى ترك الإفتاء في تلك المسألة (2) لم يكن له أن يفتي بما لا يعلم يعلم أنه صواب، فكيف بما يغلب على ظنه أَنَّ الصواب في خلافه؟ ولا يسع الحاكم والمفتي غير هذا البتة، فإن اللَّه سائلهما عن رسوله وما جاء به، لا عن الإمام المعيَّن، وما قاله، وإنما يُسأل الناس في قبورهم ويوم معادهم عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- فيُقال له في قبره: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ (3).
{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ (4) فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65]، ولا (5) يُسأل أحد قط عن إمام، ولا شيخ، ولا متبوعٍ غيره، بل يسأل عمن اتَّبعه وأئتم به غيره، فلينظر بماذا يجيب وليعد للجواب صوابًا.
وقد سمعت (6) شيخنا رحمه اللَّه يقول: جاءني بعض الفقهاء من الحنفية فقال: أستشيرك (7) في أمر، قلت: وما (8) هو؟ قال: أريد أن انتقل عن مذهبي، قلت له: ولم؟ قال: لأني أرى الأحاديث الصحيحة كثيرًا تخالفه واستشرت في هذا بعض أئمة أصحاب الشافعي فقال لي: ولو (8) رجعت عن مذهبك لم يرتفع
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(2) في (ق): "وخاف أن يؤذي ترك الإفتاء في تلك المسألة و".
(3) ثبت ذلك في حديث أنس بن مالك.
أخرجه البخاري (1338) في (الجنائز): باب الميت يسمع خفق النعال، و (1374) باب ما جاء في عذاب القبر، ومسلم (2870) في (الجنة): باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه.
في الباب عن جماعة من الصحابة كما في "إثبات عذاب القبر" للبيهقي.
(4) وقع في المطبوع و (ك): "ويوم القيامة يناديهم. . . "، وحذفها (و)، وقال: "في الطبعات السابقة: "ويوم القيامة يناديهم"، والصواب ما أثبته" اه.
(5) في (ق): "لا".
(6) في (ق) و (ك): "وكأن قد وسمعت"!
(7) في (ق): "فقال: كي أستشيرك".
(8) في (ق) و (ك): "ما"، "لو" من غير واو في أولهما.
(6/165)

ذلك من المذهب، وقد تقرَّرتْ المذاهبُ، ورجوعك غير مفيد، وأشار عليَّ بعض مشايخ التصوف (1) بالافتقار إلى اللَّه والتضرع إليه وسؤال الهداية لما يحبه ويرضاه، فماذا تشير به أنت عليَّ؟ قال: فقلت له: اجعل المذهب (2) ثلاثة أقسام: قسمٌ الحق فيه ظاهر بيّن موافق للكتاب والسنة فاقض به وأنت به طيّب النفس منشرح الصدر، وقسم مرجوحٌ ومخالفُه معه الدليل، فلا تفت به، ولا تحكم به وادفعه عنك (3)، [وقسم] (4) من مسائل الاجتهاد التي الأدلة فيها متجاذبة، فإن شئت أن تفتي به، وإنْ شئتَ أن تدفعه عنك فقال: جزاك اللَّه خيرًا، أو كما قال.
وقالت طائفة [أخرى] (5) منهم أبو عمرو بن الصلاح (6)، وأبو عبد اللَّه بن حمدان (7): من وجد حديثًا يخالف مذهبه، فإن كملت [آلة] (4) الاجتهاد فيه مطلقًا أو في مذهب إمامه أو في ذلك النوع أو في تلك المسألة فالعمل بذلك الحديث أولى، وإن لم تكمل آلته (8)، ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفته عنده جوابًا شافيًا (9) فلينظر: هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل أم لا، فإن وجده فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث ويكون ذلك عذرًا له في ترك مذهب إمامه في ذلك (10)، واللَّه أعلم.

[إذا ترجح عند المفتي مذهب غير مذهب إمامه، فهل يفتي به؟]
الفائدة الخمسون: هل للمفتي المنتسب إلى مذهب إمام بعينه أن يفتي بمذهب غيره إذا ترجح عنده؟ فإن كان سالكًا سبيل ذلك الإمام في الاجتهاد ومتابعة الدليل أين كان، وهذا هو المتبع للإمام حقيقة فله أن يفتي بما ترجَّح عنده من قول غيره، وإن كان مجتهدًا متقيدًا بأقوال ذلك الإمام لا يعدوها إلى غيرها، فقد قيل: ليس له أن يفتي بغير قول إمامه (11)، فإن أراد ذلك حكاه عن
__________
(1) "لا تصلح لهؤلاء مشورة" (و)، وفي (ق): "الصوفية".
(2) في (ت): "المذاهب".
(3) في (ق): "ولا تحكم به، فادفعه عنك".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في "أدب المفتي والمستفتي" (ص 121).
(7) في "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي" (ص 37، 38 - بتحقيق شيخنا الألباني).
(8) في (ق): "وإن لم تكمل له".
(9) في (ق): "بعد أن يبحث فلم يجد لمخالفه عنه جوابًا شافيًا".
(10) انظر رسالة "رفع الملام" لشيخ الإسلام ابن تيمية، ففيها بسط للمقرر هنا.
(11) في (ق): "بقول غير إمامه".
(6/166)

قائله حكاية محضة (1).
والصواب أنه إذا ترجَّح عنده قول غير إمامه بدليل راجح، فلا بد أن يخرَّج على أصول إمامه وقواعده، فإن (2) الأئمة متفقة (3) على أصول الأحكام ومتى قال بعضهم قولًا مرجوحًا فأصوله ترده وتقتضي القول الراجح فكل قول صحيح فهو يخرج على قواعد الأئمة بلا ريب، فإذا تبيَّن لهذا المجتهد [المقيَّد] (4) رجحان هذا القول وصحة مأخذه خرج على قواعد إمامه فله أن يفتي به، وباللَّه التوفيق.
وقد قال القفال: لو أدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة قلت: مذهب الشافعي كذا لكني أقول بمذهب أبي حنيفة؛ لأن السائل إنما يسألني عن مذهب الشافعي، فلا بد [أن] (5) أعرِّفه [أنَّ] (5) الذي أفتيتُه به غير [مذهبه (5)، فسألت شَيَخنا -قدَّس اللَّه روحه- عن ذلك فقال: أكثر المُستفتين لا يخطر بقلبه] (6) مذهب معين عند الواقعة التي يسأل عنها، وإنما سؤاله عن حكمها، وما يعمل به فيها، فلا يسع المفتي أن يفتيه بما يعتقد الصواب في خلافه.

[إذا تساوى عند المفتي قولان فماذا يصنع؟]
الفائدة الحادية والخمسون: إذا اعتدل عند المفتي قولان، ولم يترجح له أحدهما على الآخر، فقال القاضي أبو يعلى (7): له أن يفتي بأيهما شاء، كما يجوز له أن يعمل بأيهما شاء (8)، وقيل: بل يُخيِّر المُستفتي فيقول له: أنت مخيَّر بينهما؛ لأنه إنما يفتي بما يراه، والذي يراه هو التخيير (9)، وقيل: بل يفتيه بالأحوط من القولين.
قلت: الأظهر أنه يتوقف، ولا يفتيه بشيء حتى يتبين له الراجح منهما؛ لأن أحدهما خطأ فليس له أن يفتيه بما لا يعلم أنه صواب وليس له أن يخيره بين الخطأ والصواب، وهذا كما [إذا] (10) تعارض عند الطبيب في أمر المريض أمران
__________
(1) في (ق): "حكاية تحضه"، وفي (ك): "عمن قاله".
(2) في (ق): "لأن".
(3) في (ك): "متفقهة".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) ذكره ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (ص 122) ونحو ما سبق عنده أيضًا.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(7) في "العدة" (4/ 1227).
(8) في (ق): "كما يجوز العمل بأيهما شاء".
(9) قدمنا كلامًا نفيسًا للشاطبي في بيان المحاذير المترتبة على (التخيير) (انظر ص 137).
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6/167)

خطأ وصواب، ولم يتبين له أحدهما لم يكن له أن يقدم على أحدهما ولا يخيره، وكما لو استشاره في أمر فتعارض عنده الخطأ والصواب من غير ترجيح لم يكن له أن يشير بأحدهما ولا يخيره، وكما لو تعارض عنده طريقان مهلكة وموصلة، ولم يتبيَّن له طريق الصواب لم يكن له الإقدام، ولا التخيير فمسائل الحلال والحرام أولى بالتوقف، واللَّه أعلم.

[هل للمفتي أن يفتي بالقول الذي رجع عنه إمامه؟]
الفائدة الثانية والخمسون: أتْبَاعُ الأئمة يفتون كثيرًا بأقوالهم القديمة التي رجعوا عنها، وهذا موجود في سائر الطوائف، فالحنفية يفتون بلزوم المنذورات (1) التي مخرجها مخرج اليمين كالحج والصوم والصدقة (2)، وقد حكوا هم عن أبي حنيفة أنه رجع قبل موته بثلاثة أيام إلى التكفير (3)، والحنابلة يفتي كثيرٌ منهم بوقوع طلاق السكران، وقد صرَّح الإمام أحمد بالرجوع عنه إلى عدم الوقوع (4)، كما تقدم حكايته، والشافعية يفتون بالقول القديم في مسألة التثويب (5)، وامتداد وقت المغرب (6) ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير (7) وعدم [استحباب] (8) قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين (9) وغير ذلك من المسائل وهي أكثر من عشرين مسألة (10)، ومن المعلوم أن القول الذي صرَّح بالرجوع عنه لم يبق مذهبًا له، فإذا أفتى المفتي به مع نصه على خلافه لرجحانه عنده، لم يخرجه ذلك عن التمذهب بمذهبه، فما الذي يحرم (11) عليه أن يفتي بقول غيره من الأئمة الأربعة وغيرهم إذا ترجح عنده؟
__________
(1) في (ت): "المندوبات" تحريف!
(2) في (ق): "والصدقة والصوم".
(3) انظر: "البناية" (5/ 196).
(4) مضى توثيق ذلك.
(5) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (128) و"المجموع" (3/ 91).
(6) انظر: "المجموع" (3/ 37 - فما بعد).
(7) وجوب البُعد عن النجاسة بقدر القُلَّتين هو الجديد في مذهب الشافعي، والقديم لا يوجبه، انظر: "المجموع" (1/ 160 - 166) و"روضة الطالبين" (1/ 23) و"أدب المفتي والمستفتي" (129).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(9) انظر: "المجموع" (3/ 321) و"أدب المفتي والمستفتي" (129).
(10) ذكرها النووي في "مقدمة المجموع" (ص 108 - 109)، وجمعها الشيخ محمد المسعودي في كتاب مطبوع بعنوان "المعتمد".
(11) في (ق): "حرم".
(6/168)

فإن قيل: الأول قد كان مذهبًا له مرة بخلاف ما لم يقل به قط.
قيل: هذا فرق عديم التأثير؛ إذ ما قال به وصرح بالرجوع عنه بمنزلة ما لم يقله، وهذا كلُّه مما يبيّن أن أهل العلم لا يتقيدون بالتَّقليد المحض الذي يهجرون لإجله قولَ كلِّ مَن خالف من قلَّدوه (1).
وهذه طريقة ذميمة وخيمة حادثة في الإسلام، مستلزمة لأنواع من الخطأ ومخالفة الصواب، واللَّه أعلم.

[لا يجوز للمفتي أن يفتي بما يخالف النص]
الفائدة الثالثة (2) والخمسون: يحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظِ النَّص وإن وافق مذهبه.
ومثاله: أن يُسأل عن رجل صلَّى من الصبح ركعة، ثم طلعت الشمس هل يتم صلاته أم لا؟ فيقول: لا يتمّها، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "فليتم صلاته" (3).
ومثل أن يُسئل عمَّن مات (4) وعليه [دين] (5) صيام هل يصوم عنه وليه؟ فيقول: لا يصوم عنه وليه (6)، ورسول اللَّه (7) -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول (8): "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (9).
ومثل أن يُسأل عن رجل باع متاعه ثم أفلس المشتري فوجده بعينه، هل هو
__________
(1) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (128 - 131) و"صفة الفتوى" (43 - 44).
(2) في (ك): "الرابعة".
(3) رواه البخاري (556) في (مواقيت الصلاة): باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، و (579) باب من أدرك من الفجر ركعة، ومسلم (608) في (المساجد ومواضع الصلاة): باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، من حديث أبي هريرة.
ولفظ البخاري في الموضع الأول، هو الذي فيه فليتم صلاته، أما في الموضع الآخر وفي "صحيح مسلم" قال: "فقد أدرك الصلاة".
(4) في "ق": "ومثل من مات".
(5) ما بين المعقوفتين من (ك).
(6) بيّن المصنف رحمه اللَّه في مبحث قيم له أن الصحيح هو صيام الولي عن الميت في صيام النذر دون صيام الفرض، وبيّن السِّر في ذلك، فانظر: "تهذيب السنن" (3/ 278 - 282)، و"الروح" (ص 120).
(7) في المطبوع و (ت) و (ك): "وصاحب الشرع".
(8) في المطبوع و (ت): "قال".
(9) رواه البخاري (1952) في (الصوم): باب من مات وعليه صوم، ومسلم (1147) في (الصيام): باب قضاء الصيام عن الميت، من حديث عائشة.
(6/169)

أحق به؟ فيقول: ليس [هو] (1) أحق به، وصاحب الشرع يقول: "فهو أحقُّ به" (2).
ومثل أن يُسأل عن رجل أكل في رمضان أو شرب ناسيًا هل يتم صومه؟ فيقول: لا يتم [صومه، وصاحب الشرع] يقول: "فليتم صومه" (3).
ومثل أن يُسأل عن أكل ذي ناب من السباع هل هو حرام؟ فيقول: ليس بحرام، ورسول اللَّه (4) -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "أكلُّ كل ذي ناب من السباع حرام" (5).
ومثل أن يُسأل عن الرجل هل له منع جاره من غرز خشبة في جداره؟ فيقول: له أن يمنعه، وصاحب الشرع يقول: "لا يمنعه" (6).
ومثل أن يُسأل: هل تجزئ صلاة من لا يقيم صلبه من ركوعه وسجوده؟ [فيقول: تجزيه صلاته، وصاحب الشرع [-صلى اللَّه عليه وسلم-]، (7) يقول: "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرَّجلُ فيها صلبه بين ركوعه وسجوده" (8).
[أو يُسأل] (9) عن مسألة التفضيل بين الأولاد في العطيِّة هل يصح (10) أو لا يصح (10)؟ وهل هو جَوْر أم لا؟ فيقول: يصح (10)، وليس بجور، وصاحب الشرع يقول: "إن هذا لا يصح" (10)، ويقول: "لا تشهدني على جور" (11).
ومثل أن (12) يُسأل عن الواهب: هل يحل له أن يرجع في هبته؟ فيقول: نعم
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ت).
(2) سبق تخريجه.
(3) رواه البخاري (1933) في (الصوم): باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا، و (6669) في (الأيمان والنذور): باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان، ومسلم (1155) في (الصيام): باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر، من حديث أبي هريرة.
وما بين المعقوفتين بياض في (ك).
(4) في (ق): "وصاحب الشرع".
(5) رواه مسلم في "صحيحه" (1933) في (الصيد والذبائح): باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، من حديث أبي هريرة.
(6) رواه البخاري (2463) في (المظالم): باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره، و (5627) في (الأشربة): باب الشرب من فم السقاء، ومسلم (1609) في (المساقاة): باب غرز الخشبة في الجدار، من حديث أبي هريرة.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) سبق تخريجه. وانظر "كتاب الصلاة" (ص 81 - 82) للمصنف.
(9) بدل ما بين المعقوفتين في (ت): "فيسأل"، وفي (ك): "ومثل أن يسأل".
(10) في (ت)، و (ق) و (ك): "يصلح".
(11) سبق تخريجه.
(12) في (ق): "من".
(6/170)

يحل له [أن يرجع] (1) إلا أن يكون والدًا أو قرابة، فلا يرجع وصاحب الشرع يقول: "لا يحل لواهب أن يوجع في هبته إلا الوالد فيما يهب ولده" (2).
ومثل أن يُسأل عن رجل له شِرْك في أرض أو دار أو بستان هل يحلُّ له أن يبيع حصته (3) قبل إعلام شريكه بالبيع وعرضها عليه؟ فيقول: نعم، يحل له أن يبيع قبل إعلامه وصاحب الشرع يقول: "من كان له شِرْك في أرض أو رَبْعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه" (4).
ومثل أن يُسأل عن قتل المسلم بالكافر، فيقول: نعم، يقتل بالكافر وصاحب الشرع يقول: "لا يقتل مسلم بكافر" (5).
ومثل أن يُسأل عمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم [هل الزرع له أم لصاحب الأرض] (6)؟ فيقول: له الزرع (7)، وصاحب الشرع يقول: " [من زرع في أرض قوم بغير إذنهم] (6) فليس له من الزرع شيء وله نفقته" (8).
ومثل أن يُسأل: هل يصح تعليق الولاية بالشرط؟ (9) فيقول: لا يصح،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق) و (ك).
(2) رواه أحمد (2/ 27 و 78)، وأبو داود (3539) في (البيوع والإجارات): باب الرجوع في الهبة، والترمذي (1299) في (البيوع): باب ما جاء في الرجوع في الهبة، والنسائي (6/ 265) في الهبة، باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده، و (6/ 267 و 268) في باب ذكر الاختلاف على طاوس في الراجع في هبته، وابن ماجه (2377) في (الهبات): باب من أعطى ولده ثم رجع فيه، وابن الجارود (994)، وأبو يعلى (2717)، وابن حبان (5123)، والدارقطني (3/ 42 - 43)، والحاكم (12/ 46)، والبيهقي (6/ 179) من طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عباس وابن عمر.
وسنده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عمرو بن شعيب، فقد روى له أصحاب السنن. ووقع في المطبوع: "فيما يهب ولده".
(3) قال (و) و (د): "في نسخة "أن يبيع نصيبه""، وهو المثبت في (ق).
(4) سبق تخريجه، وانظر: "أحكام أهل الذمة" (1/ 296).
(5) سبق تخريجه.
وانظر شرط المكافأة في الدِّين في القصاص في "تهذيب السنن" (6/ 330)، و"الصواعق المرسلة" (1/ 146)، و"مفتاح دار السعادة" (ص 435)، و"أحكام الجناية" (ص 167 - 173).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في المطبوع و (ت): "فيقول: الزرع له".
(8) سبق تخريجه.
وانظر: "تهذيب السنن" (5/ 64)، و"بدائع الفوائد" (4/ 124، 125).
(9) في (ك): "به بالشرط".
(6/171)

وصاحب الشرع يقول: "أميركم زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد اللَّه بن رواحة" (1).
ومثل أن يُسأل: هل يحل القضاء بالشاهد واليمين؟ فيقول: لا يجوز، وصاحب الشرع قضى بالشاهد واليمين (2).
ومثل أن يُسأل عن الصلاة الوسطى: هل هي صلاة العصر أم لا (3)؟ فيقول: ليست العصر، وقد قال صاحب الشريعة (4): "صلاة الوسطى صلاة العصر" (5).
ومثل أن يُسأل عن يوم الحج الأكبر: هل هو يوم النحر أم لا؟ فيقول: ليس يوم النحر، وقد قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يوم الحج الأكبر يوم النحر" (6).
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.
وانظر: "الطرق الحكمية" (ص 63 - 75، 141 - 161، 350 - الطريق السابع)، و"تهذيب السنن" (5/ 225 - 230) ففيه الأحاديث والرد على من أعلها.
(3) في (ق): "أهي صلاة العصر".
(4) في (ك): "الشرع".
(5) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم 628)، والترمذي في "الجامع" (رقم 181 و 2985)، والطيالسي في "المسند" (رقم 366)، وأحمد في "المسند" (1/ 392، 453، 404، 456)، وغيرهم عن ابن مسعود بلفظه مرفوعًا.
وأخرجه الترمذي في "جامعه" (أبواب الصلاة): باب ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر (1/ 340 - 341/ رقم 182)، وأبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة (5/ 217/ رقم 2983)، وأحمد في "المسند" (5/ 7، 8، 12، 13، 22)، والطبراني في "الكبير" (رقم 6823، 6824، 6825، 6826)، وابن جرير في "التفسير" (2/ 344)، والبيهقي في "الكبرى" (1/ 460)، والدمياطي في "كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى" (رقم 31، 32، 33، 34، 35) من طرق عن الحسن عن سمرة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (فذكره).
والحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، وتابع الحسن سليمان بن سمرة؛ فرواه عن أبيه ضمن وصية جامعة كما عند ابن زبر في "وصايا العلماء" (88 - 89)، ومن طريقه الدمياطي في "كشف المغطى" (رقم 37)، والطبراني في "الكبير" (رقم 7001، 7002، 7007، 7008، 7009، 7010) مفرقًا، وإسناده ضعيف، فيه خبيب بن سليمان من المجهولين، وجعفر بن سعد ليس بالقوي، والحديث صحيح بما قبله.
وانظر: "زاد المعاد" (2/ 87)، و"كتاب الصلاة" (ص 34).
وفي (ك): "صلاة الوسطى العصر".
(6) ورد هذا في حديث أبي بكرة وابن عمر وعلي بن أبي طالب أما حديث أبي بكرة رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (1458) من طريق هوذة بن خليفة قال: أخبرنا ابن عون عن محمد ابن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه فذكر خطبة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في يوم =
(6/172)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= النحر، وفيه قال عليه السلام: "أي يوم يومكم هذا؟ " ثم قال. . .: "أليس يوم الحج الأكبر".
وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات، لكن أصحاب ابن عون كلهم رووه، وأصحاب ابن سيرين رووه كلهم -كما هو ثابت في "الصحيحين" وغيرهم- دون ذكر هذه الزيادة.
وأما حديث ابن عمر:
رواه أبو داود (1945) في (المناسك): باب يوم الحج الأكبر، وابن ماجه (3058) في (المناسك): باب الخطبة يوم النحر، وعلَّقه البخاري في "صحيحه" (1742)، ووصله الطحاوي في "مشكل الآثار" (1459) و"شرح معاني الآثار" (4/ 159) وابن جرير في "التفسير" (14/ 124 رقم 16447)، والحاكم (2/ 331)، والإسماعيلي -كما في "الفتح" (3/ 576) - وأبو نعيم في "المستخرج"، وأبو عوانة -كما في "تغليق التعليق" (3/ 105) و"إتحاف المهرة" (9/ 445) - وابن أبي حاتم في "التفسير" (6/ 1748 - رقم 9227) وابن مردويه -كما في "تفسير ابن كثير" (2/ 348) - والبيهقي (5/ 139) كلهم من طريق هشام بن الغاز عن نافع عنه ضمن خطبة أيضًا، وهشام من الثقات.
ورواه ابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" من طريق سعيد بن عبد العزيز عن نافع به.
قال الحاكم بعد روايته: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة، وأكثر هذا المتن مخرج في "الصحيحين" إلا قوله: "أن يوم الحج الأكبر يوم النحر" فإن الأقاويل فيه عن الصحابة والتابعين -رضي اللَّه عنهم- على خلاف بينهم، فمنهم من قال: يوم عرفة، ومنهم من قال: يوم النحر.
وحديث علي بن أبي طالب: رواه الترمذي (957) في (الحج) باب ما جاء في يوم الحج الأكبر و (3088) في (التفسير) باب ومن سورة التوبة، وابن أبي حاتم في "التفسير" (6/ 1747 رقم 9226) من طريق محمد بن إسحاق عن أبي إسحاق عن الحارث عنه، قال: سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن يوم الحج الأكبر، فقال: يوم النحر.
ثم رواه الترمذي (958) و (3089) وابن جرير في "التفسير" (14/ 116، 118 رقم 16394، 16406) وسعيد بن منصور في "سننه" (رقم 1008) من طريق سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق به موقوفًا قال الترمذي: هذا أصح، ورواية ابن عيينة موقوفًا أصح من رواية محمد بن إسحاق مرفوعًا، هكذا روى غير واحد من الحفاظ عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي موقوفًا، وقد روى شعبة عن أبي إسحاق عن عبد اللَّه بن مرة عن الحارث عن علي موقوفًا.
ورواه ابن أبي شيبة (439 - المفقود) ثنا أبو الأحوص وابن جرير (14/ 116 رقم 16395) عن الأجلح و (16396) عن عنبسة و (16406) عن مالك بن مغول وشتير و (16436) عن معمر جميعهم عن أبي إسحاق به موقوفًا، ورواه ابن جرير (16405، 16408) وابن أبي شيبة (1/ 4/ 462) من طريق يحيى بن الجزار عن علي، ويحيى لم يسمع من علي إلا ثلاثة أشياء منها هذا الحديث، انظر: "تهذيب الكمال" (31/ 253).
أقول: وقد ورد هذا موقوفًا على أبي هريرة؛ أخرجه عنه البخاري (3177)، ومسلم =
(6/173)

ومثل أن يُسأل هل يجوز الوتر بركعة واحدة؟ فيقول: لا يجوز الوتر بركعة واحدة، وقد قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة" (1).
ومثل أن يُسأل: هل يسجد في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1]، و {اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]؟ فيقول: لا يسجد [فيهما] (2)، وقد سجد فيهما رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (3).
ومثل أن يُسأل عن رجل عض يد رجل، فانتزعها من فيه فسقطت أسنانه؟ فيقول: له ديتها، وقد قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا ديةَ له" (4).
ومثل أن يُسأل عن رجل اطَّلع في بيت رجل فخذفه ففقأ عينه: هل عليه جناح؟ فيقول: نعم عليه جناح، وتلزمه دية عينه، وقد قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنه لو فعل ذلك لم يكن عليه جناح (5).
ومثل أن يُسال عن رجل اشترى شاة أو بقرة أو ناقة فوجدها مصرَّاة فهل له ردها ورد صاع من تمر معها أم لا؟ فيقول (6): لا يجوز له ردها ورد الصاع من
__________
= (1347)، وعن غيره، انظر: "تفسير ابن جرير" (14/ 117 وما بعد) و"سنن سعيد بن منصور" (5/ 236 - 241) و"مسند عبد اللَّه بن أبي أوفى" (رقم 44).
(1) رواه البخاري (472 و 473) في (الصلاة): باب الحلق والجلوس في المسجد، و (990 و 993) في (الوتر): باب ما جاء في الوتر، و (995) في ساعات الوتر، (1137) في (التهجد): باب كيف صلاة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومسلم (749) في (صلاة المسافرين): باب صلاة الليل مثنى مثنى، من حديث ابن عمر.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) رواه مسلم (578) بعد (108) في (المساجد): باب سجود التلاوة من حديث أبي هريرة قال: سجدنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)}، و {اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)}، وهو في "صحيح البخاري" (766 و 768 و 1074 و 1078) من حديث أبي هريرة أيضًا لكن فيه السجود في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)} فقط.
(4) هو جزء من حديث "كما يقضم الفحل"، وقد سبق تخريجه وانظر كلام المصنف عليه رحمه اللَّه هناك.
(5) رواه البخاري (6888) في (الديات): باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان، و (6902) باب من اطلع على بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية عليه، ومسلم (2158) في (الآداب): باب تحريم النظر في بيت غيره، من حديث أبي هريرة.
وانظر: "زاد المعاد" (3/ 204 و 4/ 113 - 114 مهم، 380)، و"تهذيب السنن" (6/ 380)، و"الطرق الحكمية" (ص 46 - 47)، و"أحكام الجناية" (ص 301 - 302) مهم.
(6) في (ق): "فقال"، وقبلها: "التمر" بدل "تمر".
(6/174)

التمر معها، وقد قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن سخطها ردها وصاعًا من تمر" (1).
ومثل أن يُسأل عن الزاني البكر: هل عليه مع الجلد تغريب؟ فيقول: لا تغريب عليه، وصاحب الشرع يقول: "عليه جلد مئة وتغريب عام" (2).
ومثل أن يُسأل عن الخضراوات: هل فيها زكاة؟ فيقول: يجب فيها الزكاة، وصاحب الشرع يقول: "لا زكاة في الخضراوات" (3).
أو يُسأل عما دون خمسة أوْسُق: هل فيه زكاة؟ فيقول: نعم، تجب فيه الزكاة وصاحب الشرع يقول: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق" (4).
أو يُسأل عن امرأة أنكحت نفسها بدون إذن وليها فيقول: نكاحها (5) صحيح، وصاحب الشرع يقول: "فنكاحها باطل [باطل باطل] " (6).
أو يُسال عن المحلِّل والمحلَّل له: هل يستحقان اللعنة؟ فيقول: لا يستحقان اللعنة، وقد لعنهما رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في غير وجه (7).
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) رواه البخاري (2314 و 2315) في (الوكالة): باب الوكاة في الحدود، وانظر باقي أطرافه هناك، وهي كثيرة جدًا، ومسلم (1697) في (الحدود): باب من اعترف على نفسه بالزنا، من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهنى.
وانظر: "زاد المعاد" (3/ 207).
(3) الحديث ورد عن جماعة من الصحابة، وكل الطرق إليهم واهية، وأصحّها حديث معاذ بن جبل الذي يرويه عنه موسى بن طلحة بن عبيد اللَّه ولفظه: عن موسى بن طلحة قال: عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه أخذ الصدقة من الحنطة والشعير والزبيب والتمر وهذا قد أُعلَّ، وقد رجح الدارقطني في "علله" (4/ 204 - 205) رواية الإرسال.
وانظر الحديث وطرقه في "علل الدارقطني" (4/ 203)، و"نصب الراية" (2/ 386 - 390)، و"التلخيص الحبير" (2/ 165)، وقد قال الترمذي بعد روايته الحديث (رقم 638): "وليس يصح في هذا الباب عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شيء، بهانما يروى عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلًا".
وانظر: "زاد المعاد" (1/ 149)، و"تهذيب السنن" (2/ 192).
(4) رواه البخاري (1405) في (الزكاة): باب ما أُدي زكاته فليس بكنز، و (1447) باب زكاة الورق، و (1459) باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة، و (1484) باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ومسلم (979) في (الزكاة) أوله من حديث أبي سعيد الخدري.
وانظر: "تهذيب السنن" (2/ 192)، و"زاد المعاد" (1/ 149).
(5) في (ق): "نكاح".
(6) سبق تخريجه، وما بين المعقوفتين سقط (ت) و (ق) و (ك).
(7) سبق تخريجه، ووقع في (ق): "من غير وجه".
(6/175)

أو يُسأل عن إكمال عدة شعبان (1) ثلاثين يومًا ليلة الإغمام (2)، فيقول: لا يجوز إكماله ثلاثين يومًا (3)، وقد قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: " [فإن غُمَّ عليكم] فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا" (4).
أو يُسأل عن المطلقة المبتوتة: هل لها نفقة وسكنى؟ فيقول: نعم لها النفقة والسكنى وصاحب الشرع يقول. "لا نفقة لها، ولا سكنى" (5).
أو يُسأل عن الإمام: هل يستحب له أن يسلم في الصلاة تسليمتين؟ فيقول: يُكره ذلك، ولا يستحب، وقد روى خمسة عشر نفسًا عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه "كان يسلم عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه" (6).
أو يُسأل عمن رفع يديه عند الركوع والرفع منه: هل صلاته مكروهة أو [هي] (7) ناقصة؟ فيقول: نعم تكره صلاته، أو هي ناقصة، وربما غلا فقال: باطلة، وقد روى بضعة وعشرون نفسًا عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه: "كان يرفع يديه عند الافتتاح وعند الركوع و [عند] الرفع منه" (8) بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها (9).
أو يُسأل عن بول الغلام الذي لم يأكل الطعام هل يجزئ فيه الرش [أم
__________
(1) في المطبوع: "أو يسأل: هل يجوز إكمال شعبان".
(2) في المطبوع و (ق): "الإغماء"!
(3) في حكم صيام يوم الشك انظر: "زاد المعاد" (1/ 157 - 160)، و"بدائع الفوائد" (3/ 96 - 97)، و"تهذيب السنن" (3/ 214 - 222).
(4) رواه البخاري (1909) في (الصوم): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا". ومسلم (1081) في (الصيام): باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال، من حديث أبي هريرة.
ورواه البخاري (1907)، ومسلم (1080) من حديث ابن عمر، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) سبق تخريجه.
(6) سبق تخريجه.
واختار ابن القيم رحمه اللَّه أن التسليمتين واجبتان، لا تسليمة واحدة في "بدائع الفوائد" (2/ 195)، و"زاد المعاد" (1/ 66 - 67)، و"تهذيب السنن" (1/ 51 - 52).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق) و (ك).
(8) سبق تخريجه، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(9) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 89 - 90 و 4/ 91)، و"زاد المعاد" (1/ 52، 55، 62، 63)، و"تهذيب السنن" (1/ 368، 369).
(6/176)

يجب الغسل] (1)؛ فيقول: لا يجزئ [فيه الرش] (8)، وصاحب الشرع يقول: "يرش من بول الغلام" (2).
ورشه [هو] (3) بنفسه (4).
أو يُسأل عن التيمم: هل يكفي بضربة واحدة إلى الكوعين؟ فيقول: لا يكفي ولا يجزئ، وصاحب الشرع قد نص [على] (5) أنه يكفي نصًا صحيحًا [صريحًا] (6) لا مدفع له (7).
أو يُسأل عن بيع الرطب بالتمر: هل يجوز؟ فيقول: نعم يجوز، وصاحب الشرع يسأل عنه فيقول: "لا آذن" (8).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) الحديث بهذا اللفظ، أي لفظ "يُرَشُ" رواه أبو داود رقم (376) في (الطهارة): باب بول الصبي يصيب الثوب، والنسائي (1/ 158) في (الطهارة) باب بول الجارية، وابن ماجه (526) في (الطهارة) باب ما جاء في بول الصبي الذي لا يطعم، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (رقم (469)، والدولابي في "الكنى" (1/ 37)، وابن خزيمة في "صحيحه" (283)، والدارقطني (1/ 130)، والطبراني في "الكبير" (22/ رقم 958)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 166) والبيهقي (2/ 415) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (5/ 2920 رقم 6840) كلهم من طريق عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا يحيى بن الوليد عن مُحِلّ بن خليفة عن أبي السَّمح -رضي اللَّه عنه- به، وفيه قصة.
قال البخاري كما في "التلخيص الحبير" (1/ 28): حديث حسن.
أقول: رجاله رجال الصحيح غير يحيى بن الوليد وهو صدوق لا بأس به، فإسناده حسن.
وقد ثبت الرش من فعله -صلى اللَّه عليه وسلم- في "صحيح البخاري" (223 و 5693)، ومسلم (287) من حديث أم قيس بنت مِحْصَن الأسدية.
انظر مفصلًا في هذا الباب "التلخيص الحبير" (1/ 28).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق).
(4) انظر: "تحفة المودود" (ص 213 - 217) الباب الحادي عشر، وبعدها في (ك): "ولم يغسله".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(7) رواه البخاري (338) في (التيمم): باب المُتيمم هل ينفخ فيها؟ و (339 و 340 و 341 و 342 و 343) في باب التيمم للوجه والكفين، و (347) في باب التيمم ضربة، ومسلم (368) في (الحيض): باب التيمم، من حديث عمار بن ياسر، ولفظه: "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك" وليس فيه ذكر للكوع، ومعناه اللغوي داخل في الحديث.
(8) سبق تخريجه، وفي (ق): "يقول" بدل "فيقول".
(6/177)

أو يُسأل عن رجل أعتق ستة عبيد لا يملك غيرهم عند موته: هل تكمل الحرية في اثنين منهم [أو يعتق من كل واحد سدسه؟ فيقول: لا تكمل (1) الحرية في اثنين منهم، وقد أقرع [بينهم] (2) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فكمل الحرية في اثنين] (3)، وأرق أربعة (4).
أو يُسأل عن القرعة: هل هي جائزة أم باطلة؟ فيقول: [لا] (5)، بل هي باطلة، وهي من أحكام الجاهلية، وقد أقرع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأمر بالقرعة في غير موضع (6).
أو يُسأل عن الرجل يصلي خلف الصف وحده هل له صلاة أم لا [صلاة له] (7)؟ هل يؤمر بالإعادة؟ فيقول: نعم له صلاة، ولا يؤمر بالإعادة، وقد قال صاحب الشريعة (8): "لا صلاة له"، وأمره بالإعادة (9).
أو يُسأل: هل للرجل (10) رخصة في ترك الجماعة من غير عذر؟ فيقول: نعم له رخصة، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا أجد لك رخصة" (11).
__________
(1) في (ك): "لا يجوز تكمل الحرية".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(4) سبق تخريجه.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ك).
(6) مضت أحاديث في القرعة ومنها:
إقراعه -صلى اللَّه عليه وسلم- بين أزواجه إذا أراد السفر، أخرجه البخاري في مواطن منها (2661) في (الشهادات): باب تعديل النساء بعضهن بعضًا، و (4141) في (المغازي): باب حديث الإفك، ومسلم (2770) في (التوبة): باب في حديث الإفك، من حديث عائشة.
(7) ما بين المعقوفتين زيادة من المطبوع.
(8) في المطبوع و (ك): "صاحب الشرع".
(9) في هذا حديث علي بن شيبان مرفوعًا: "استقبل صلاتك فإنه لا صلاة لمن صلى خلف الصف وحده" تقدم تخريجه، وحديث وابصة بن معبد، وقد وقع في إسناده اختلاف، وقد رجح ابن حبان صحته، فانظر (2199 - 2203)، و"نصب الراية" (2/ 38) وتقدم أيضًا.
وقال في هامش (ق): "وقد قيد ذلك في الجزء الأول بما إذا وجد فرجة في الصف، فتركها فأما إذا لم يجد فصلاته صحيحة".
قلت: وانظر مبحث بطلان صلاة الفذ خلف الصف في "تهذيب السنن" (1/ 336 - 339)، وفيه رد على من أعلَّ حديث وابصة بن معبد.
(10) في (ق): "هل له".
(11) بهذا اللفظ؛ رواه أبو داود (552) في (الصلاة): باب التشديد في ترك الجماعة وابن ماجه (792) في (المساجد): باب التغليظ في ترك الجماعة، وأحمد (3/ 423)، وابن =
(6/178)

أو يسأل عن رجل أسلف رجلًا مالًا (1) وباعه سلعة هل يحل ذلك؟ فيقول: نعم يحل ذلك، وصاحب الشرع [صلى اللَّه عليه وسلم]، يقول: "لا يحل سلف وبيع" (2).
ونظائر ذلك كثيرة جدًا، وقد كان السَّلفُ الطَّيِّب يشتدُّ نكيرُهم وغضبُهم على مَنْ عارض حديثَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنًا من كان، ويهجرون فاعل ذلك (3)، وينكرون على من يضرب له الأمثال (4)، ولا يسوِّغون غير الانقياد [له] (5) والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم (6) التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان، بل كانوا عاملين بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ
__________
= خزيمة (1480)، والحاكم (1/ 247)، والبيهقي (3/ 85)، والبغوي (796) من طرق عن عاصم بن بهدلة عن أبي رزين عن عمرو بن أم مكتوم به.
وهذا إسناد حسن من أجل عاصم بن بهدلة.
لكن رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (5086) من طريق إبراهيم بن طهمان عن عاصم عن زر بن حبيش عن ابن أم مكتوم به.
ورواية الجماعة أولى، وأخشى أن يكون إبراهيم بن طهمان قد سلك الجادة، فإن عاصمًا معروف بالرواية عن زر.
وأصل الحديث ثابت في "صحيح مسلم" (653) من حديث أبي هريرة قال: أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجلٌ أعمى فقال: يا رسول اللَّه، إنه ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد. . فقال: هل تسمع النداء؟ فقال: نعم، قال: فأجب.
وانظر أدلة وجوب صلاة الجماعة عند المصنف في "بدائع الفوائد" (3/ 159 - 161)، و"مدارج السالكين" (1/ 121 - 122 مهم)، و"كتاب الصلاة" (ص 63 - 75 مهم)، و"زاد المعاد" (4/ 188)، ووقع في (ق): "وقد قال صاحب الشرع: لا أجد لك رخصة".
(1) في المطبوع: "ما له".
(2) سبق تخريجه، وما بين المعقوفتين من (ق).
وفي النهي عن سلف وبيع وحكمته انظر: "تهذيب السنن" (5/ 144 - 159 مهم)، و"زاد المعاد" (4/ 262 مهم).
(3) الأمثلة على هذا كثيرة، منها قصة عبد اللَّه بن المغفّل من الرجل الذي كان يخذف، رواها البخاري (5479)، ومسلم (1954)، ومنها قصة عبد اللَّه بن عمر لما روى حديث: "لا يمنعن رجل أهله أن يأتوا المسجد" فقال ابن له: فإنا نمنعهن، فقال عبد اللَّه: أحدثك عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتقول هذا، فما كلمه حتى مات، أخرجه أحمد (2/ 36) بإسناد صحيح، وانظر كتابي "الهجر" (ص 164 وما بعد).
(4) مثاله: قصة عمران بن حصين مع بُشير بن كعب، لما سمع رواية عمران لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الحياء خير كله" رواها البخاري (6117) ومسلم (60، 61).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6) في (ق): "بباطنهم".
(6/179)

وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، وبقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، وبقوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] وأمثالها، فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم: "ثبت عن النبي (1) -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال كذا وكذا"، يقول: من قال بهذا (2)؟! ويجعل هذا دفعًا في صدر الحديث، يجعل (3) جهله بالقائل [به] (4) حجة له في مخالفته وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحل له دفع سنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمثل هذا الجهل، وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد (5) أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة، وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم (6) إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأقبح من ذلك: عذرُه في دعوى هذا الإجماع، وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث، فعاد (7) الأمر إلى تقديم جهله على السنة، واللَّه المستعان.
ولا يعرف إمام من أئمة الإسلام البتة قال: لا نعمل بحديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى نعرف من عمل به، [فإن جَهِل مَنْ بلغه الحديث مَنْ عَمِل به لم يحل له أن يعمل به] (8)، كما يقول (9) هذا القائل.

[لا يجوز إخراج النصوص عن ظاهرها لتوافق مذهب المفتي]
الفائدة الخامسة والخمسون (10): إذا سئل عن تفسير آية من كتاب اللَّه تعالى أو سنة رسول اللَّه (11) -صلى اللَّه عليه وسلم- فليس له أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه (12) التأويلات
__________
(1) في (ق): "رسول اللَّه".
(2) قال (د): "في نسخة: "ومن قال هذا".
(3) في المطبوع: "أو يجعل"، وفي (ك): "وجعل" وفي (ق) "ويجعل".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وفي (ك): "بهذا".
(5) في (ق): "يعتقدون".
(6) في (ق): "نسبهم".
(7) في (ت): "ففساد".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(9) قال (د): "في نسخة: "كما يقوله""، وهو المثبت في (ق) وقد أسهب الشيخ السندي -رحمه اللَّه- في تقرير ما ذكره المصنف في كتاب بديع له، سماه: "دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب" واعترض عليه بعضهم ب"ذبابات الدراسات" ورد هو ب"ذب الذبابات" وكلها مطبوعة.
(10) لم يذكر المصنف الفائدة الرابعة والخمسين، أو أنه [الناسخ] سها في الترقيم.
(11) في (ق): "عن رسول اللَّه".
(12) في (ق): "بوجه".
(6/180)

الفاسدة الموافقة (1) نحلته وهواه، ومن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه، وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرَّح به أئمة الإسلام قديمًا وحديثًا.
قال أبو حاتم الرازي: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: "الأصل قرآن أو سنة، فإنْ لم يكن: فقياسٌ عليهما (2)، وإذا اتَّصل الحديثُ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وصحَّ الإسناد [به] (3) فهو المنتهى، والإجماع أكبر (4) من الخبر المنفرد (5)، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني (6): فما أشبَه منها ظاهره أولاها به، فإذا تكافأت الأحاديث فأصحَّها إسنادًا أولاها، وليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع [سعيد] (7) بن المسيِّب، ولا يقاس أصل على أصل، ولا يقال لأصل: لم؟ وكيف؟ وإنما يُقال للفرع: لم؟ (8) فإذا صَحَّ قياسُه على الأصل صح وقامت به الحجة". رواه الأصم عن أبي حاتم (9).
وقال أبو المعالي الجويني في "الرسالة النظامية، في الأركان الإسلامية" (10): ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب [تعالى] (11)، والذي نرتضيه رأيًا وندين اللَّه به عقدًا (12) اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب الرسول (13) -صلى اللَّه عليه وسلم- ورضي عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة
__________
(1) في المطبوع: "لموافقة".
(2) سأل أحمدُ الشافعيَّ عن القياس، فقال: "عند الضرورات"، كما في "صون المنطق" (44) و"إيقاظ الهمم" (9).
وانظر: "الرسالة" (40) و"آداب الشافعي ومناقبه" (160).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "منه".
(4) في (ت) و (ك): "أكثر".
(5) كذا عند أبي حاتم، وفي جميع الأصول: "الفرد".
(6) كذا في (ت) والمطبوع، وفي (ق): "لمعان".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(8) في (ق): "وإنما يقال للفرع له".
(9) رواه ابن أبي حاتم في "آداب الشافعي ومناقبه" (231 - 233) -ومن طريقه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم 573)، ومن طريقه ابن الجوزي في "تعظيم الفتيا" (رقم 1) - ورواه الهروي في "ذم الكلام" (رقم 1110، 1111، 1112، 1113، 1114) وفي المطبوع و (ك): "عن ابن أبي حاتم"!!
(10) (ص 32 - 33 ط السقا)، واسمها: "العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(12) في "العقيدة النظامية": "عقلًا".
(13) في (ق): "رسول اللَّه".
(6/181)

الإسلام والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملَّة، والتَّواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين [لهم] (1) على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعًا بأنه الوجه المتبع، فحقّ على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى (2).
وعند (3) إمام القرَّاء وسيدهم الوقوف (4) على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] من العزائم، ثم الابتداء بقوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7].
ومما استحسن من كلام مالك أنه (5) سئل عن قوله تعالى (6): {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كيف استوى؟ فقال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (7)، فلْتُجْر آية الاستواء والمجيء وقوله:
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق) و (ك).
(2) هذا هو التفويض الشائع عند المتأخرين! وهو خطأ، إذ التفويض للكيف لا للمعنى، وانظر كلام الإمام مالك الآتي بعد قليل وتأمله.
وانظر كتابنا: "الردود والتعقبات" (ص 67)، ووقع في (ق): "ويكل معانيها إلى الرب تعالى".
(3) في "العقيدة النظامية": "وعدَّ".
(4) في (ق): "الوقف".
(5) في (ك): "إذا".
(6) في (ق): "عن قول اللَّه سبحانه".
(7) أخرج مقولة مالك عنه: عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهميَّة" (رقم 104)، وأبو عثمان الصابوني في "عقيدة السلف" (رقم 24، 25، 26)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (664)، وأبو نعيم في "الحلية" (6/ 325 - 326)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (2/ 304 - 305، 305 - 306/ رقم 866، 867 - ط المحققة)، وابن عبد البر في "التمهيد" (7/ 151) من طرق عنه.
وجوّد إسناده ابن حجر في "الفتح" (13/ 406، 407)، وقال الذهبي في "العلو" (ص 141 - مختصره): "هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة".
وهي مشهورة عن مالك جدًا، انظر: "البيان والتحصيل" (16/ 367 - 368) و"المحرر" (11/ 63) و"درء تعارض العقل والنقل" (1/ 78 و 6/ 264) و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (17/ 373) و"اجتماع الجيوش" (141) و"الرسالة الوافية" (ص 53) للداني و"ترتيب المدارك" (2/ 39)، و"الموافقات" (5/ 351 - بتحقيقي).
(6/182)

{لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [طه: 75]، وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ]} (1) [الرحمن: 27] وقوله: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14] وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول (2)، وغيره على ما ذكرنا انتهى كلامه.
وقال أبو حامد الغزالي: الصواب للخلف [سلوك مسلك السلف في] (3) الإيمان المرسل، والتصديق المجْمل، وما قاله اللَّه ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، بلا بحثٍ و [لا] (4) تفتيش.
وقال في كتاب "التفرقة" (5): "الحق الاتِّباع والكف عن تغيير الظواهر رأسًا، والحذر من (6) أتباع تأويلات لم يصرح بها الصحابة، وحسم باب السؤال رأسًا، والزجر عن الخوض في الكلام والبحث" إلى أن قال: "ومن الناس من يبادر إلى التأويل ظنًا لا قطعًا، فإن كان فَتْحُ هذا الباب والتصريح به يؤدي إلى تشويش قلوب العوام بُدِّعَ صاحبه، وكل ما لم يؤثر عن السلف ذكره، وما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة، فيجب تكفير من يغيّر الظواهر (7) بغير برهان قاطع".
وقال أيضًا: "كل ما لم يحتمل التأويل في نفسه وتواتر نقله ولم يتصور أن يقوم على خلافه برهان فمخالفته تكذيب [محض] (8)، وما تطرق إليه احتمال تأويل ولو بمجاز بعيد، فإن كان برهانه قاطعًا وجب القول به، وإن كان البرهان يفيد ظنًا غالبًا، ولا يعظم ضرره (9) في الدين فهو بدعة، وإن عظم ضرره [في الدين] فهو كفر" (10).
قال: "ولم تجر عادة السلف [بالدعوة] (8) بهذه المجادلات (11)، بل شدَّدوا
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ق).
(2) أخرجه البخاري في "صحيحه" (1145) في (التهجد): باب الدعاء والصلاة في آخر الليل و (6321) في (الدعوات): باب الدعاء نصف الليل، و (7494) في (التوحيد): باب قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ}، ومسلم (758) في (صلاة المسافرين): باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل، من حديث أبي هريرة، وفي الباب عن جمع من الصحابة، وانظر شرحه لشيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "شرح حديث النزول".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "في السلوك".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) انظره ضمن "رسائل الإمام الغزّالي" (3/ 129 - 132 - دار الكتب العلمية)، ونقل مصنّفنا رحمه اللَّه منه باختصار وتصرف.
(6) في المطبوع و (ت): "تغيير الظاهر رأسًا والحذر عن"، وبعدها في (ك): "ابتداع".
(7) في (ك): "الظاهر".
(8) في (ت): "ولا يعلم ضرورة".
(9) العبارة في (ت): "وإن علم فهو كفر"، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) ما بين المعقوفتين من (ق).
(11) قال (د): "في نسخة: "المحاولات"".
(6/183)

القول على من يخوض في الكلام ويشتغل بالبحث والسؤال".
و [قد] (1) قال أيضًا: "الإيمان المستفاد من الكلام ضعيف، والإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم [في الصبا] (2)، بتواتر السماع وبعد البلوغ بقرائن يتعذَّر التعبير عنها".
قال: "وقال شيخنا أبو المعالي: يحرص الإمام ما أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك" (3)، انتهى.
وقد اتَّفقتْ الأئمة الأربعة على ذم الكلام وأهله، وكلام الإمام الشافعي ومذهبه فيهم معروف (4) عند جميع أصحابه، وهو: "أنهم يُضربون ويطاف بهم في قبائلهم وعشائرهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" (5).
وقال: "لقد اطّلعت من أهل الكلام على شيء ما كنت أظنه" (6) وقال: "لأن يبتلى العبد بكل شيء نهى عنه غير الكفر أيسر من أن يُبتلى بالكلام" (7)، وقال
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) "لم يكن الغزالي في كل ما كتب على هذا الدين الذي ذكره، فقد قام في "مشكاة الأنوار" وفي غيره من كتبه المسماة "المضنون على غير أهلها" بتأويلات هي عين تأويلات الباطنية، وجاء فيها بعظائم لا يجوز لمسلم أن يقترفها، فلنحذر من ذوي الوجوه المتعددة" (و).
(4) في (ق): "والشافعي مذهبه فيهم معروف".
(5) رواه أبو عبد الرحمن السلمي في "الرد على أهل الكلام" (ص 98 - 99/ منتخب أبي الفضل المقرئ) وأبو نعيم في "الحلية" (9/ 116) والبيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 462) والخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (ص 78) والهروي في "ذم الكلام" (رقم 1142)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 941) و"الانتقاء" (ص 80) والبغوي في "شرح السنة" (1/ 218) وابن حجر في "توالي التأنيس" (ص 111).
وذكره ابن قدامة في "تحريم النظر في كتب الكلام" (ص 41)، وابن تيمية في "الاستقامة" (1/ 280) والذهبي في "السير" (10/ 29) وابن أبي العز في "شرح الطحاوية" (239) وابن مفلح في "الآداب الشرعية" (1/ 225)، والشاطبي في "الاعتصام" (1/ 296 - بتحقيقي) والسيوطي في "صون المنطق" (ص 65) و"الأمر بالاتباع" (ص 72 - بتحقيقي)، وعلي القاري في "شرح الفقه الأكبر" (ص 2 - 3) وغيرهم.
(6) هو قطعة من الأثر الآتي.
(7) رواه السلمي في "الرد على أهل الكلام" (ص 78، 81) وابن أبي حاتم في "مناقب الشافعي" (182) والبيهقي في "الاعتقاد" (ص 320 - ط أبو العينين) و"مناقب الشافعي" (1/ 452، 453)، وأبو نعيم في "الحلية" (9/ 111) والهروي في "ذم الكلام"، (رقم 1137، 1138) وابن بطة في "الإبانة" (2/ 534 رقم 661، 662) وابن عساكر في =
(6/184)

لحفص الفرد (1): أنا أخالفك في كل شيء حتى في قول: لا إله إلا اللَّه، أنا أقول: لا إله إلا اللَّه الذي يُرى في الآخرة، والذي كلم موسى تكليمًا، وأنت تقول: لا إله إلا اللَّه الذي لا يُرى في الآخرة، ولا يتكلم.
وقال البيهقي في "مناقبه" (2): ذكر الشافعي إبراهيم بن إسماعيل ابن عليَّة فقال: "أنا مخالف له في كل شيء، وفي قوله: لا إله إلا اللَّه، لست أقول كما يقول، أنا أقول: لا إله إلا اللَّه الذي كلَّم موسى من وراء حجاب، وذاك يقول: لا إله إلا اللَّه الذي خلق كلامًا أسمعه موسى من وراء حجاب".
وقال في أول خطبة "رسالته" (3): "الحمد للَّه الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به الواصفون من خلقه". وهذا تصريح بأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه [تعالى] (4)، وأنه يتعالى ويتنزه عما يصفه به المتكلمون وغيرهم مما لم يصف به نفسه.
وقال (5) أبو نصر أحمد بن محمد بن خالد (6) السجزي: سمعت أبي يقول: قلت لأبي العباس بن سُريج: ما التوحيد؟ فقال: "توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وتوحيد أهل الباطل: الخوض في الأعراض والأجسام، إنما بعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بإنكار ذلك" (7).
__________
= "تبيين كذب المفتري" (335، 336، 337، 341) والتيمي في "الحجة" (1/ 104) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 939) و"الانتقاء" (78) واللالكائي في "السنة" (1013) وهو في "شرح السنة" (17/ 21) و"تلبيس إبليس" (82، 89) و"البداية والنهاية" (10/ 281)، و"الآداب الشرعية" (1/ 225) و"طبقات الشافعية" (1/ 281) و"شرح العقيدة الطحاولة" (ص 229) و"الاعتصام" (3/ 422 - بتحقيقي) و"توالي التأنيس" (ص 110)، و"شرح الفقه الأكبر" (ص 3) و"الأمر بالاتباع" (ص 71)، و"الفتاوى الحديثية" (175 - 177).
(1) قال (د)، و (ح): "هكذا في النسختين بالدال، وفي "التقريب" بالخاء المعجمة، أي الفرخ" وانظر: "درء تعارض العقل والنقل" (7/ 250) و"تبيين كذب المفتري" (340 - 341).
(2) (1/ 409 - ط دار التراث)، ونقله عن البيهقي: الفخرُ الرازي في "مناقب الإمام الشافعي" (ص 110، 111 - ط دار الجيل).
(3) (ص 7 - 8).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ق): "قال".
(6) في (ك): "حامد".
(7) رواه أبو عبد الرحمن السلمي في "الرد على أهل الكلام" (ص 86 - 87) والتيمي في "الحجة" (1/ 96، 97) والهروي في "ذم الكلام" (رقم 1260) وذكره ابن تيمية في "درء =
(6/185)

وقال بعض أهل العلم: كيف لا يَخشى الكذب على اللَّه ورسوله مَنْ يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز (1) والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية؟ وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال اللَّه فيهم (2): {وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]، قال الحسن: "هي واللَّه لكل واصف كذبًا إلى يوم القيامة" (3)، وهل يأمن أن يتناوله قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] قال ابن عيينة: هي لكل مُفترٍ من هذه الأمة إلى يوم القيامة (4)، وقد نزَّه سبحانه [وتعالى] (5) نفسه عن كل ما يصفه به خلقه إلا المرسلين، فإنهم [إنما] (6) يصفونه بما أذن لهم أن يصفوه به فقال تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 180 - 181]، وقال تعالى: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} [الصافات: 160 - 161]، ويكفي المتأولين كلام اللَّه تعالى وكلام رسوله (7) -صلى اللَّه عليه وسلم- بالتأويلات التي لم يردها، ولم يدل عليها كلام اللَّه [تعالى] (8) أنهم قالوا برأيهم على اللَّه [تعالى] (9)، وقدّموا آراءهم على نصوص الوحي وجعلوها (10) عيارًا على كلام اللَّه [تعالى] (9) ورسوله، ولو علموا أي باب شر فتحوا على الأمة بالتأويلات الفاسدة وأي بناء للإسلام هدموا بها وأي معاقل وحصون استباحوها؛ لكان (11) أحدهم أن يخرَّ من السماء [إلى الأرض] (6) أحب إليه من أن يتعاطى شيئًا من ذلك، فكل صاحب باطل قد
__________
= تعارض" (7/ 185) والكلام في الأعراض والأجسام حدث بعد القرون المفضلة، فكيف يقال: إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث بإنكار ذلك؟ لعله من مواريث الفلاسفة اليونانيين، فتأمل.
(1) في (ق): "للألغاز".
(2) في (ق): "ممن قال اللَّه تعالى فيه".
(3) أخرجه ابن أبي شيبة (7/ 190 أو 13/ 506 ط الهندية) والبيهقي في "البعث والنشور" (رقم 165 - استدراكات) و"الشعب" (4/ 234، 263 رقم 4907، 5022)، وابن أبي حاتم (8/ 2448)، والهروي في "ذم الكلام" (رقم 750 - ط الشبل) وعبد بن حميد وابن المنذر، كما في "الدر المنثور" (5/ 620).
(4) وهذا لفظ أبي الشيخ، كما في "الدر المنثور" (3/ 565 - 566)، وفي (ق): "هي" وبدلها في سائر النسح: "هل".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ت) و (ك).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(7) في المطبوع و (ت) و (ك): "كلام اللَّه ورسوله".
(8) ما بين المعقوفتين من (ق)، والعبارة في (ك): "ولم يدل عليها كلامهم".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(10) في (ك): "وجعلوا آراءهم".
(11) قال (د): "في نسخة: "وكان. . . إلخ"، وهو المثبت في (ق) و (ك).
(6/186)

جعل ما تأوَّله المتأولون عذرًا له فيما تأوله [هو] (1)، وقال: ما الذي حرَّم عليَّ التأويل وأباحه لكم؟ فتأولت الطائفة المنكِرَة للمعاد نصوص المعاد، وكان تأويلهم من جنس تأويل منكري الصفات، بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين، وقالوا (2): كيف [نحن] (1) نعاقب على تأويلنا وتؤجرون [أنتم] (1) على تأويلكم؟ قالوا: ونصوص الوحي بالصفات أظهر وأكثر (3) من نصوصه بالمعاد، ودلالة النصوص عليها أَبين فكيف يسوغ تأويلها بما يخالف ظاهرها، ولا يسوغ لنا تأويل نصوص المعاد؟ وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة [-رضي اللَّه عنهم-] (1)، وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة، وكذلك القدرية في نصوص القدر، وكذلك الحرورية [وغيرهم] (1) من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم، وكذلك القرامطة والباطنية طردت الباب، وطمَّت الوادي على القَرِيِّ (4)، وتأولت الدين كله، فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده اللَّه ورسوله بكلامه، ولا دلَّ عليه أنه مراده وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟ وهل وقدت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيره إلا بالتأويل؟ فمن بابه دخل إليها، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟

[الأديان السابقة إنما فسدت بالتأويل]
وليس هذا مختصًا بدين الإسلام فقط، بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخل عليها (5) التأويل فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد.
وقد تواترت البشارات بصحة نبوة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- في الكتب المتقدمة، ولكن سلَّطوا عليها التأويلات فأفسدوها، كما أخبر سبحانه عنهم (6) من التحريف والتبديل والكتمان، فالتحريف (7) تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يُرِدها
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "فقال".
(3) في (ق) و (ك): "أكثر وأظهر".
(4) القيري: الماء المجموع، والقَرِيّ: مجرى الماء في الروض أو الحوض.
(5) في المطبوع و (ك): "حتى دخلها".
(6) في (ق) و (ك): "كما أخبر اللَّه عنهم".
(7) في (ق): "والتحريف"، وعنون في الهامش بقوله: "قف: التحريف، والتبديل، والكتمان".
(6/187)

المتكلم بها، والتبديل تبديل لفظ بلفظ آخر، والكتمان جحده، وهذه الأدواء الثلاثة منها غيرت الأديان والملل، وإذا تأملت دين المسيح وجدت النصارى إنما تطرقوا إلى إفساده بالتأويل بما لا يكاد يوجد [قط] (1) مثله في شيء من الأديان، ودخلوا إلى ذلك من باب التأويل، وكذلك زنادقة الأمم جميعهم إنما تطرقوا إلى إفساد ديانات الرسل [صلوات اللَّه وسلامه عليهم] (1) بالتأويل، ومن بابه دخلوا، وعلى أساسه بنوا، وعلى نقطه خطوا (2).

[دواعي التأويل]
والمتأوّلون أصناف عديدة، بحسب الباعث لهم على التأويل، وبحسب قصور أفهامهم ووفورها (3)، وأعظمهم توغلًا في التأويل الباطل من فَسَد قصدُه وفهمُه؛ فكلما ساء قصده وقَصُر فهمُه كان تأويلُه أشدَّ انحرافًا، فمنهم من يكون تأويله لنوع [هوًى من غير شُبهة، بل يكون على بصيرة من الحق، ومنهم من يكون تأويله لنوع] (4) شبهة عرضت له أخْفَتْ عليه الحق، [ومنهم من يكون تأويله لنوع هدًى من غير شبهة، بل يكون على بصيرة من الحق] (5)، ومنهم من يجتمع له الأمران الهوى في القصد والشُّبهة في العلم.

[بعض آثار التأويل]
وبالجملة فافتراق أهل الكتابين وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل، وإنما أريقت دماء المسلمين يوم الجمل وصفين والحرَّة وفتنة ابن الزبيز وهلم جرا بالتأويل، [وإنما دخل أعداء] (6) الإسلام من المتفلسفة والقرامطة والباطنية والإسماعيلية والنُّصيرية من باب التأويل، [فما امتُحن] (6) الإسلام بمحنة قط إلا وسببها التأويل، فإن محنته إمَّا من المتأولين، وإما ممن (7) يسلط عليهم الكفار [بسبب] (6) ما ارتكبوا من التأويل وخالفوا ظاهر التنزيل وتعلَّلوا بالأباطيل، فما الذي أراق دماء بني جذيمة وقد أسلموا غير التأويل؟ حتى
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "وعلى لفظه حطوا".
(3) في (ت): "وقعودها".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ق)، وقال (ط): "اختلفت الطبعات السابقة فيما بين المعقوفتين؛ فمنها من يثبته ومنها من يحذفه".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في المطبوع و (ك) و (ق): "وإما أن".
(6/188)

رفع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يديه وتبرأ إلى اللَّه من فعل المتأول بقتلهم وأخذ أموالهم (1)، وما الذي أوجب تأخر الصحابة -رضي اللَّه عنهم- يوم الحديبية عن موافقة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- غير التأويل؟ حتى اشتد غضبه لتأخرهم عن طاعته حتى رجعوا عن ذلك التأويل (2)، وما الذي سفك دم أمير المؤمنين عثمان ظلمًا وعدوانًا وأوقع الأمة فيما أوقعها [فيه] (3) حتى الآن غير التأويل؟ وما الذي سفك دم علي [-رضي اللَّه عنه-] (3)، وابنه الحسين، وأهل بيته رضي اللَّه تعالى عنهم غير التأويل؟ وما الذي أراق دم عمار بن ياسر وأصحابه غير التأويل؟ وما الذي أراق دم ابن الزبير (4) وحُجْر بن عدي وسعيد بن جبير وغيرهم من سادات الأمة غير التأويل؟ وما الذي أريقت [عليه] (3) دماء العرب في فتنة أبي مسلم غير التأويل؟
وما الذي جرَّد الإمام أحمد بين العقابين وضرب السياط [حتى] (3) عجَّت الخليقة إلى ربها تعالى غير التأويل؟ وما الذي قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي (5) وخَلّد خلقًا من العلماء في [السجون] (6) حتى ماتوا غير التأويل؟ وما الذي سلَّط سيوف التتار على دار الإسلام حتى ردوا أهلها غير التأويل؟ [وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل؟] (3) وهل فَتْح باب التأويل إلا مضادة ومناقضة لحكم اللَّه في تعليمه عباده البيان الذي امتنَّ [اللَّه] (7) في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه؟ فالتأويل بالألغاز والأحاجيِّ والأغلوطات أولى منه بالبيان والتبيين، وهل فَرْقٌ بين دفع حقائق ما أخبرت به الرسل عن اللَّه وأمرت به بالتأويلات الباطلة المخالفة له وبين رده وعدم قبوله؟ ولكن هذا رد جحود ومعاندة وذاك رد خِدَاع ومصانعة.
قال أبو الوليد بن رشد المالكي في كتابه المسمى ب"الكشف عن مناهج
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) هو جزء من حديث طويل في غزوة الحديبية: رواه البخاري (2731 و 2732) في (الشروط): باب الشروط في الجهاد، من حديث مروان والمِسور بن مَخْرَمَة.
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "بن أبي طالب".
(4) في (ك): "الزبير".
(5) انظر تفصيل ما جرى له في: "تاريخ الطبري" (9/ 135 - 139، 190) و"تاريخ بغداد" (5/ 173 - 176) و"طبقات الحنابلة" (1/ 80 - 82) و"السير" (11/ 166) و"طبقات الشافعية" (2/ 51) و"البداية والنهاية" (10/ 303 - 307).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6/189)

الأدلة" (1)، وقد ذكر التأويل وجنايته على الشريعة إلى أن قال: " {فَأَمَّا (2) الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} [آل عمران: 7] وهؤلاء أهل الجدل والكلام، وأشدُّ ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأوَّلوا كثيرًا مما ظنوه ليس على ظاهره، وقالوا: إن هذا التأويل [ليس] (3) هو المقصود به، وإنما أتى (4) اللَّه به في صورة المتشابه ابتلاءً لعباده واختبارًا لهم، ونعوذ باللَّه من هذا الظن (5) باللَّه، بل نقول: إن كتاب (6) اللَّه العزيز إنما جاء معجزًا من جهة الوضوح والبيان، فإذا ما (7) أبعد من مقصد الشارع من قال فيما ليس بمتشابه إنه [متشابه] (8)، ثم أوَّل ذلك المتشابه بزعمه، ثم (9) قال لجميع الناس: إن فرضكم [هو] (8) اعتقاد هذا التأويل مثل ما قالوه في آية [الاستواء] (8) على العرش، وغير ذلك مما قالوا: إن ظاهره متشابه" ثم قال: "وبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم [القائلون بها] (10) أنها [من] المقصود من الشرع إذا تؤمِّلتْ وجدت ليس يقوم عليها برهان".

[مثل المتأولين]
إلى أن قال: "ومثال [مَنْ أوَّل] (11) شيئًا من الشرع وزعم أن ما أوله (12) هو الذي قصده الشرع (13) مثال من أتى إلى دواء قد ركّبه طبيبٌ [ماهرٌ] (10) ليحفظ صحَّة جميع الناس أو الأكثر (14)، فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواءُ [المركب] الأعظم لرداءة مزاج [كان به ليس] (10) يعرض إلا للأقل من الناس، فزعم أن
__________
(1) (ص 97 - 99) ضمن كتاب: "فلسفة ابن رشد" ط دار العلم، و (ص 89 - 90 ط مكتبة التربية).
(2) "في الطبعات السابقة: "وأما"، والصواب ما أثبته" (و).
(3) ما بين المعقوفتين في "الكشف" لابن رشد، وسقط من جميع النسخ.
(4) كذا في "الكشف" وبدلها في جميع النسح: "أمر"!!
(5) كذا في "الكشف" و (ت)، وفي سائر النسح: "سوء الظن".
(6) في (ك): "كان" وفي هامشها: "لعله: القرآن العزيز".
(7) كذا في "الكشف" وفي سائر النسح: "فما أبعد" ولعدم استقامته أثبت في ط الجيل: "فما أبعده"!!
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) في المطبوع و (ت) و (ك): "و".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(11) في (ك): "تأول" وسقط من (ق).
(12) في (ت): "ما قالوه".
(13) عبارته في "الكشف": "وزعم أن ما أوّله هو ما قصد الشرع، وصرح بذلك التأويل للجمهور".
(14) في المطبوع و (ت) و (ك): "أو أكثرهم".
(6/190)

[بعض] (1) تلك الأدوية التي صرَّح باسمها الطبيب الأول [في ذلك الدواء] (1) العام المنفعة [المركب] لم يرد به ذلك الدواء العام الذي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أراد به دواء [آخر مما يمكن أن] (1) يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة، فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم، وجعل فيه بدله الدواءَ الذي ظن أن قصده الطبيب، [وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب] (1) الأول، فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله [عليه] (1) هذا المتأول، ففسدت [به] أمزجة كثير من الناس، فجاء آخرون فشعروا بفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركب، فراموا إصلاحه بأن بدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول، فعرض من ذلك للناس (2) نوع من المرض غير النوع الأول، فجاء ثالث فتأول في أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني، فعرض للناس من ذلك نوع ثالث من المرض غير النوَعيْن المتقدِّمين، فجاء متأوّلٌ رابعٌ فتأوَّل دواءً آخر غير الأدوية المتقدّمة، [فعرض منه للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة] (1)، فلما طال الزمان بهذا الدواء المركب الأعظم، وسلَّط الناس التأويل على أدويته وغيَّروها، وبدَّلوها عرض [منه] (1) للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس. وهذه هي حالة (3) الفرق الحادثة [في هذه الطريقة] (4) مع الشريعة؛ وذلك أنَّ كلَّ فرقة منهم تأوَّلت [في الشريعة تأويلًا] غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه [هو الذي] (5) قصده صاحب الشرع حتى تمزق الشرع كلَّ ممزق، وبَعُد جدًا عن موضعهه (6) الأول. ولما علم صاحب الشرع [صلوات اللَّه وسلامه عليه وعلى آله] (1) لأن مثل هذا يعرض -ولا بد- في شريعته قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" (7) يعني بالواحدة
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "فعرض للناس من ذلك".
(3) في "الكشف" و (ق) و (ك): "حال".
(4) كذا في "الكشف"، وفي سائر النسح: "الشريعة"، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في المطبوع و (ك): "موضوعه".
(7) أخرجه ابن ماجه في "السنن" (رقم 3992)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم 63)، -ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (14/ 181) -، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (رقم 149) بسند جيد من حديث عوف بن مالك مرفوعًا.
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (1/ 128 - 129) من طريق أخرى، ولكن فيها كثير بن عبد اللَّه المزني، لا تقوم به الحجة. =
(6/191)

التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله (1).
وأنت إذا تأملت ما عرض في الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قِبَل التأويل تبيَّنت أن هذا المثال صحيح.
وأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد (2) فطمَّ الوادي على القَرِيِّ" (3)، هذا كلامه بلفظه (4).
ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين، وما نال الأمم قديمًا وحديثًا بسببه من الفساد لاستدعى ذلك عدَّة أسفار (5)، واللَّه المستعان.

[لا يعمل بالفتوى حتى يطمئن لها قلب المستفتي]
الفائدة السادسة والخمسون: لا يجوز العمل (6) بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله (7)، وتردد فيها؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "استفت نفسك (8)، وإن أفتاك الناس وأفتوك" (9)، فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولًا، ولا تخلِّصه فتوى المفتي من اللَّه إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من قضيت له بشيء من [حق] (10) أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار" (11) والمفتي والقاضي
__________
= ولحديث عوف شواهد عديدة من حديث أبي هريرة ومعاوية وأنس بن مالك وعبد اللَّه بن عمرو، وقد صححه جمع من الحفاظ؛ كما بيّنتُه في تعليقى على "الاعتصام" (1/ 109، 168 - 169، 3/ 157، 259)، وانظر: "السلسلة الصحيحة" (رقم 203، 204).
(1) في مطبوع "الكشف" بعدها: "تأويلًا صرحت به للناس"!!.
(2) "يعني الغزالي، وبهذه الكلمة الصادقة من ابن رشد وضحت حقيقة الغزالي" (و).
(3) وجدتُ المثالَ المذكور للمتأولين عند ابن رشد في كتاب آخر له، هو "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" (ص 34).
(4) "راجعت نقول ابن القيم على مصادرها عند الجويني والغزالي وابن رشد، فوجدت الأمانة التي تخاف اللَّه وتكبر الحق" (و).
(5) للدكتور محمد أحمد لوح دراسة مفردة مطبوعة، بعنوان: "جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية" وهي جيدة، وفيها تفصيل وتأصيل، فانظرها إن شئت الاستزادة.
(6) في (ق): "لا يجوز له العمل".
(7) في (ك): "فتواه".
(8) في (ق): "قلبك".
(9) سبق تخريجه.
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(11) رواه البخاري (2458) في (المظالم): باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه، =
(6/192)

في هذا سواء، ولا يظنّ المُستفتي أنَّ مجرد فتوى الفقيه تُبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال [في] (1) الباطن، أو لشكِّه فيه، أو لجهله به (2)، أو لعلمه جهل المفتي أو محاباته في فتواه (3)، أو عدم تقييده (4) بالكتاب والسنة، [أو] (1) لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرُّخص المخالفة للسنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه [وسكون] (6) النفس إليها، فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي سأل (5) ثانيًا وثالثًا، حتى تحصل له الطمأنينة، [فإن لم] (1) يجد، فلا يكلف اللَّه نفسًا إلا وسعها والواجب تقوى اللَّه بحسب الاستطاعة.
فإن كان في البلد مفتيان [أحدهما] (1) أعلم من الآخر، فهل يجوز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل؟ فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان [لأصحاب] (1) الشافعي وأحمد، فمن جوَّز ذلك رأى أنه يقبل قوله إذا كان وحده فوجود من هو أفضل منه لا يمنع [من قبول قوله] (1) كالشاهد، ومن منع استفتاءه قال: المقصود حصول ما يغلب على الظن الإصابة [وغلبة الظن بفتوى] الأعلم أقوى فيتعيَّن (6)، والحق التفصيل بأن المفضول إن ترجَّح بديانة أو ورع أو تحرٍّ للصواب، وعدم ذلك الفاضل فاستفتاء المفضول جائز إنْ لم يتعين، وإن استويا فاستفتاء الأعلم أولى، واللَّه أعلم (7).
__________
= و (2680) في (الشهادات): باب من أقام البينة بعد اليمين، و (6967) في (الحيل): باب رقم (10)، و (7169) في (الأحكام): باب موعظة الإمام للخصوم، و (7181) باب من قضي له حق أخيه فلا يأخذه، و (7185) باب القضاء على كثير المال وقليله، ومسلم (1713) في (الأقضية): باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، من حديث أم سلمة.
ووقع في (ق): "من النار".
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "أو لجهالته به".
(3) في (ق): "فتاويه".
(4) في (ق) و (ك): "تقيده".
(5) في المطبوع و (ت): "يسأل".
(6) في (ق): "فتتعين"، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) انظر هذه المسألة في: "المحصول" (6/ 82)، و"البرهان" (2/ 1342)، و"المستصفى" (2/ 392)، و"المنخول" (ص 479 و 483)، و"إرشاد الفحول" (ص 271)، و"المسودة" (ص 462 - 464)، و"روضة الناظر" (ص 345) و"القواعد" للعز بن عبد السلام (2/ 159) و"فتح الغفار" (3/ 37) و"صفة الفتوى" (ص 56) و"تيسير التحرير" (4/ 251) و"شرح تنقيح الفصول" (432) و"فواتح الرحموت" (2/ 404) و"الرد على من أخلد إلى الأرض" (ص 154، 156).
(6/193)

[الترجمان عند المفتي]
الفائدة السابعة والخمسون: إذا لم يعرف (1) المفتي لسان السائل أو لم يعرف المستفتي لسان المفتي، أجزأ ترجمة واحد بينهما، لأنه خبر محض فيكتفي فيه بواحد كأخبار الديانات [والطب] (2)، وطرد هذا الاكتفاء بترجمة الواحد (3) في الجرح والتعديل، والرسالة والدعوى والإقرار والإنكار (4) بين يدي الحاكم، والتعريف في إحدى الروايتين، وهي مذهب أبي حنيفة (5) واختارها أبو بكر (6) إجراءً لها مجرى الخبر، والرواية الثانية: لا يقبل في هذه المواضع أقل من اثنين، إجراء لها مجرى الشهادة (7)، وسلوكًا بها سبيلها لأنها تُثبت الإقرار عند الحاكم وتثبت عدالة الشهود وجرحهم فافتقرت إلى العدد، كما لو شهد على إقراره شاهد واحد، فإنه لا يُكتفى به، وهذا بخلاف ترجمة الفتوى والسؤال فإنه خبر محض فافترقا.
__________
(1) في (ق): "لم يعلم".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) في (ق): "بترجمة واحد".
(4) في (ق): "والإنكار والإقرار".
(5) انظر: "مختصر الطحاوي" (329) و"المبسوط" (16/ 89) و"الاختيار" (2/ 85) و"بدائع الصنائع" (9/ 4101) و"مجمع الأنهر" (2/ 190) و"الفتاوى الهندية" (3/ 320) و"حاشية ابن عابدين" (4/ 374).
(6) من الحنابلة، انظر: "المغني" (10/ 88 أو 14/ 84 - ط هجر) و"المسودة" (464، 472).
(7) وهذا مذهب الشافعية ومحمد بن الحسن وزفر، انظر: "مختصر المزني" (299)، و"أدب المفتي" (134) و"الإقناع" (197) و"حاشية قليوبي" (4/ 301) و"آداب القضاء" (112) لابن أبي الدم، و"مغني المحتاج" (4/ 389) و"حلية العلماء" (8/ 146) و"فتح الباري" (13/ 187 - 188) و"عمدة القاري" (24/ 267) وفصل المالكية، فقال القاضي عبد الوهاب في "الإشراف" (5/ 22 رقم 1795 - بتحقيقي) ما نصه: "إذا تقدم إلى الحاكم خصمان لا يعرف لغتهما، أو لغة أحدهما، واحتاج إلى من يترجم له عنهما؛ فإن كان ما تخاصما فيما يتضمن إقرارًا بمال، أو ما يتعلق بالمال؛ قبل فيه رجل وامرأتان، وإن كان يتضمن إقرارًا يتعلق بأحكام أبدان؛ لم يقبل فيه إلا اثنان. هكذا حصلته عمن درسنا عليه من شيوخنا".
وانظر: "المعونة" (3/ 1508)، "الكافي" (498)، "البيان والتحصيل" (9/ 205)، و"جواهر الإكليل" (2/ 224) و"تبصرة الحكام" (1/ 25) و"الخرشي" (7/ 148) و"حاشية الدسوقي" (4/ 139)، و"الطرق الحكمية" (ص 77 - 78) و"نظام القضاء" لزيدان (191 - 192) و"القضاء وحصانته" (202 - 203) لمحمد عبد الحي و"شرح قانون إحدى المحاكمات" (72 - 73) و"المدخل الفقهي" (2/ 1502) للزرقا، و"القضاء في الإسلام" (64 - 65) لمحمد أبو فارس.
(6/194)

[ما يصنع المفتي في جواب سؤال يحتمل عدة صور]
الفائدة الثامنة والخمسون: إذا كان السؤال محتملًا لصور عديدة، فإن لم يعلم [المفتي] (1) الصورة المسئول عنها لم يجب عن صورة واحدة منها، وإن علم الصورة المسئول عنها فله أن يخصها بالجواب، ولكن يقيد لئلا يتوهم أن الجواب عن غيرها، فيقول: إن (2) كان الأمر كيت وكيت أو كان المسئول عنه كذا وكذا فالجواب كذا وكذا، وله أن يفرد كل صورة بجواب فيفصِّل الأقسام المحتملة ويذكر حكم كل قسم، ومنع بعضهم من ذلك لوجهين (3):
أحدهما: أنه ذريعة إلى تعليم الحيل (4)، وفتح باب لدخول المستفتي وخروجه من حيث شاء.
الثاني: أنه سبب لازدحام أحكام تلك الأقسام على فهم العامي فيضيع مقصودة.
والحق التفصيل فيكره حيث استلزم ذلك، ولا يكره -بل يستحب- إذا كان فيه زيادة إيضاح وبيان وإزالة لبس، وقد فصَّل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في كثير من أجوبته بقوله: إن (5) كان كذا فالأمر كذا كقوله (6) في الذي وقع على جارية امرأته "إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت مطاوعة فهي له وعليه لسيدتها مثلها" (7)، [وهذا كثير في فتاويه -صلى اللَّه عليه وسلم-] (8).

[ينبغي للمفتي أن يكون حذرًا]
الفائدة التاسعة والخمسون: وهي مما ينبغي التفطن له، إن رأى (9) المفتي خلال السطور بياضًا يحتمل أن يُلحق به ما يفسد الجواب فليحترز منه، فربما دخل من ذلك عليه مكروه (10)، فإما أن يأمر بكتابة غير الورقة، وإما أن يخطَّ على البياض أو يشغله بشيء، كما يحترز منه كتَّاب الوثائق والمكاتيب.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "إذا".
(3) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (135) و"صفة الفتوى" (57) و"المجموع" (1/ 84).
(4) في (ت): "تعليم الجهل"! وفي (ق): "تعليمه الحيل".
(5) في (ق): "كقوله: إذا".
(6) في (ق): "وكذا".
(7) سبق تخريجه.
(8) ما بين المقعوفتين سقط من (ت) و (ق).
(9) في (ق): "إذا رأى".
(10) في (ق): "فربما دخل عليه من ذلك مكروه".
(6/195)

وبالجملة فليكن حذرًا فطنًا، ولا يحسن ظنه بكل أحد، وهذا الذي حمل بعض المفتين على أنه كان يقيد السؤال عنده في ورقة، ثم يجيب في ورقة السائل، ومنهم من كان يكتب السؤال في ورقة من عنده، ثم يكتب الجواب وليس شيء من ذلك بلازم، والاعتمادُ على قرائن الأحوال ومعرفة الواقع [والعادة] (1).

[ينبغي له أن يشاور من يثق به]
الفائدة الستون: إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه فينبغي له أن يشاوره، ولا يستقل بالجواب ذهابًا بنفسه وارتفاعًا بها أن يستعين على الفتاوى بغيره من أهل العلم، وهذا من الجهل، فقد أثنى اللَّه سبحانه (1) على المؤمنين بأنَّ أمرهم شورى بينهم، وقال [سبحانه و] (2) تعالى: لنبيه [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (3): {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] وقد كانت المسألة تنزل بعمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-] (4)، فيستشير لها من حضر من الصحابة [-رضي اللَّه عنهم-] (4)، وربما جمعهم وشاورهم حتى [كان] (4) يشاور ابن عباس (5) [-رضي اللَّه عنهما-] (6) وهو إذا ذاك أحدث القوم سنًا، وكان يشاور عليًا (7) [كرم اللَّه وجهه] (7) وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف (8) وغيرهم رضي اللَّه عنهم [أجمعين] (7)، ولا سيما إذا قصد بذلك تمرين أصحابه وتعليمهم وشحذ أذهانهم، قال البخاري في "صحيحه" (9): (باب إلقاء العالم المسألة على
__________
(1) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (134 - 135) و"صفة المفتي" (57) و"المجموع" (1/ 84)، وفي (ق): "وقد" بدل "فقد".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) والمطبوع و (ك).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) كان -رضي اللَّه عنه- يجمع الشباب فيستشيرهم، رواه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (193) والخليلي في "الإرشاد" (1/ 309) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1/ 106 - ط القديمة) وذكره عنه الذهبي في "السير" (8/ 372 - 373) وكان يستشير أهل بدر، رواه البيهقي في "المدخل" (رقم 803) وما بين المعقوفتين سقط من (ت) والمطبوع.
(5) انظر: "الموافقات" (1/ 49) وتعليقي عليه.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) انظر: "الموافقات" (5/ 381) وتعليقي عليه.
(8) وقع هذا منه في غير حادثة، وتقدمت واحدة منها، وكان يقول: "الرأي المفرد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين المُبرمين، والثلاثة الآراء لا تكاد تنقطع" رواه الدينوري في "المجالسة" (رقم 593 - بتحقيقي)، والخبر في "عيون الأخبار" (1/ 86) و"سراج الملوك" (10/ 320).
(9) (1/ 174 - كتاب العلم).
(6/196)

أصحابه) (1)، وأَوْلى ما ألقى عليهم المسألة التي سئل عنها، هذا ما لم يعارض ذلك مفسدة من إفشاء سر السائل أو تعريضه للأذى أو مفسدة لبعض الحاضرين، فلا ينبغي له أن يرتكب ذلك، وكذلك الحكم في عابر الرؤيا؛ فالمفتي، والمعبِّر، والطَّبيب يطلعون من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيرهم، فعليهم استعمال الستر فيما لا يُحسن إظهارُه.

[يجمل بالمفتي أن يكثر من الدعاء لنفسه بالتوفيق]
الفائدة الحادية والستون: حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنَّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (2).
وكان شيخُنا كثيرَ الدعاء بذلك، وكان [إذا أشكلت عليه المسائل] (3) يقول: "يا معلِّمَ إبراهيم [علمني] (4) "، ويكثر الاستغاثة بذلك (5) اقتداءً بمعاذ بن جبل [-رضي اللَّه عنه-] (6) حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند موته، وقد رآه يبكي فقال: واللَّه ما أبكي على دنيا كنت (7) أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك، فقال معاذ بن جبل -رضي اللَّه عنه-: "إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما، اطلب العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند عبد اللَّه بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وذكر الرابع، فإن عجز عنه هؤلاء فسائرُ أهلِ الأرض عنه أعجز فعليك بمعلم إبراهيم [صلوات اللَّه عليه] " (8).
وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ
__________
(1) ونصُّه في "صحيحه": "باب طرح الإِمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم".
(2) أخرجه مسلم في "صحيحه" (كتاب صلاة المسافرين): باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم (770) من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) نقله عن ابن تيمية جمع، انظر: "العقود الدرية" (5، 26) و"ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 394) و"الهدية في مواعظ ابن تيمية" (ص 13) وفي المطبوع: "الاستعانة بذلك"، وما أثبتناه من (ق) و (ت)، وقال (د): "في نسخة: "الاستغاثة" وهي (ك).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ت): "على دنياك".
(8) سبق تخريجه، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6/197)

أنت الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (1) [البقرة: 32].
وكان مكحول يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه [العلي العظيم] (2)، وكان مالك يقول: ما شاء اللَّه لا قوة إلا باللَّه [العلي العظيم] (3)، وكان بعضهم يقول: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي} (4) [طه: 25 - 28] وكان بعضهم يقول: اللهم وَفّقني واهدني وسدّدني واجمع لي بين الصواب والثواب وأعذني من الخطأ والحرمان (5)، وكان بعضهم يقرأ الفاتحة، وجزَبنا ذلك نحن (6)، فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة.
والمعوَّل في ذلك كله على حسن النية، وخلوص القصد، وصدق التوجه في الاستمداد من المعلِّم الأول معلِّم الرسل والأنبياء [صلوات اللَّه وسلامه عليهم] (7)؛ فإنه لا يرد من صَدَق في التوجه إليه لتبليغ دينه وإرشاد عبيده ونصيحتهم والتخلّص من القول عليه بلا علم، فإذا صدقت نيّتُه ورغبته في ذلك لم يعدم أجرًا، إنْ فاته أجران، واللَّه المستعان.
وسئل الإِمام أحمد، فقيل له: ربما اشتد علينا الأمر من جهتك فلمن نسأل بعدك؟ فقال: "سلوا عبد الوهاب الوراق، فإنه أهل أن يوفق للصواب" (8)، واقتدى الإِمام أحمد بقول عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-: "اقتربوا (9) من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون، فإنهم تجلَّى لهم أمورٌ صادقة، [وذلك] (10) لقُرْب قلوبهم من اللَّه، وكلَّما قَرُب القلبُ من اللَّه زالت عنه معارضاتُ الهوء، وكان نورُ كشفه (11) للحق أتمَّ
__________
(1) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (140).
(2) نقله عنه: الشيرازي في "طبقات الفقهاء" (84) وابن الصلاح في "أدب المفتي" (140) والنووي في "المجموع" (1/ 76) والذهبي في "السير" (5/ 161) وابن حمدان في "صفة الفتوى" (60)، وما بين المعقوفتين من (ق).
(3) نقله ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 1075) والقاضي عياض في "ترتيب المدارك" (1/ 148) والشاطبي في "الاعتصام" (1/ 140) و"الموافقات" (5/ 329 - بتحقيقي) وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (140).
(5) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (141).
(6) في المطبوع و (ت): "وجربنا نحن ذلك".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) انظر: "المنهج الأحمد" (1/ 125) و"طبقات الحنابلة" (1/ 211) و"شرح الكوكب المنير" (4/ 574) و"العدة" (5/ 1572).
(9) في (ق): "اقربوا".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(11) في (ت): "نور كسبه".
(6/198)

وأقوى، وكلّما بَعُد عن اللَّه كَثُرت عليه المعارضات، وضَعُف نورُ كشفهِ للصَّواب، فإنَّ العلمَ نور يقذفه اللَّه في القلب، يفرِّق به العبدُ بين الخطأ والصواب" (1).
وقال مالك للشافعي -رضي اللَّه عنهما- (2) في أول ما لقيه: "إني أرى اللَّه قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية" (3)، وقد قال تعالى: " {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29]، ومن الفرقان النور الذي يفرق به العبد بين الحق والباطل، وكلما كان قلبه أقرب إلى اللَّه كان فرقانه أتم، وباللَّه التوفيق.

[لا يسع المفتي أن يجعل غرض السائل سائق حكمه]
الفائدة الثانية والستون: قد تكرر لكثير من أهل الإفتاء الإمساك عما يفتون به مما يعلمون أنه الحق إذا خالف غرض السائل ولم يوافقه، وكثير منهم يسأله عن غرضه، فإن صادفه عنده كتب له وإلا دَلَّهُ على مفتٍ أو مذهب يكون غرضه عنده، وهذا غير جائز على الإطلاق، بل لا بد فيه من التفصيل (4)، فإن كان المسئول عنه من مسائل العلم والسنة أو من المسائل العمليات (5) التي فيها نص عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يسع المفتي تركه إلى غرض السائل، بل لا يسعه توقُّفه في الإفتاء به على غرض السائل، بل ذلك إثم عظيم، وكيف يسعه من اللَّه أنْ يُقَدِّم غرضَ السائل على اللَّه ورسوله؟
وإن كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي يتجاذب أعنَّتها الأقوالُ والأقيسة، فإن لم يترجّح له قول منها لم يسع له أن يرجِّح لغرض (6) السائل، وإن ترجَّح له قول منها، وظن أنه الحق فأولى بذلك، فإن السائل إنما يسأل عما يلزمه في الحكم ويسَعه (7) عند اللَّه، فإنْ عرفه المفتي أفتاه به سواء وافق غرضَه أو
__________
(1) لم أظفر به، مع شدة البحث عنه في كتب الرقاق والأدب، فضلًا عن الأجزاء الحديثية وغيرها، والمصنف ينقل من كتاب أدبي بعض الآثار والقصص، لم أستطع تعيينه مع محاولات شديدة وكثيرة للوصول إلى ذلك، ولا قوة إلا باللَّه.
(2) في (ق): "رحمهما اللَّه".
(3) رواه البيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 103، 104).
(4) في المطبوع و (ت) و (ك): "تفصيل".
(5) كذا في (ك)، وفي سائر الأصول: "العلميات".
(6) في المطبوع: "يترجح لغرض"، وفي (ق) و (ك): "يرجح بغرض".
(7) في (ق): "ويسع له".
(6/199)

خالفه، ولا يسعه ذلك أيضًا إذا علم أَن السائل يدور على مَنْ يفتيه بغرضه في تلك المسألة، فيجعل استفتاءه تنفيذًا لغرضه (1)، لا تعبدًا للَّه بأداء حقِّه [عليه] (2)، ولا يسعه أَنْ يدلَّه على غرضه أين كان، بل، ولا يجب عليه أن يفتي هذا الضّربَ من الناس (3)؛ فإنهم لا يستفتون ديانة، وإنما يستفتون توصُّلًا إلى حصول أغراضهم بأيِّ طريق وافق (4)، فلا يجب على المفتي مساعدتهم، فإنهم لا يريدون (5) الحقَّ، بل يريدون أغراضهم [بأي طريق وافق] (6)، ولهذا إذا وجدوا أغراضهم في أيِّ مذهب اتفق اتَّبعوه في ذلك الموضع وتمذهبوا به، كما يفعله أَرباب الخصومات بالدعاوى عند الحكام، ولا يقصد أحدُهم حاكمًا بعينه، بل أي حاكم نفذ غرضه عنده صار إليه (7).
وقال شيخنا [رحمه اللَّه] (8) مرة: أنا مخيَّر بين إفتاء هؤلاء وتركهم، فإنهم لا يستفتون للدِّين (9)، بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إليَّ؛ بخلاف من يسأل عن دينه، وقد قال اللَّه تعالى لنبيه [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (8) في حق من جاءه يتحاكم إليه لأجل غرضه لا لالتزامه لدينه -صلى اللَّه عليه وسلم- من أهل الكتاب: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا} [المائدة: 42] فهؤلاء لما لم يلتزموا دينه لم (10) يلزمه الحكم بينهم، واللَّه [تعالي] (7) أعلم.

[ذكر الفتوى مع دليلها أولى]
الفائدة الثالثة والستون: عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى (11)
__________
(1) في (ق): "في تلك المسائل ويجعل استفتاءه مقيد لغرضه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) عنون هنا في هامش (ق): "قف: المستفتي غير ديانة".
(4) في المطبوع و (ك): "اتفق".
(5) في (ك): "يدينون".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ت) و (ك).
(7) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (146 - 147) و"صفة الفتوى" (164) و"المجموع" (1/ 88).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) في (ق): "ديانة".
(10) في (ق): "فهؤلاء لم يلتزموا دينه فلم".
(11) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (117، 151 - 152، 171) و"صفة الفتوى" (37، 84)، و"المجموع" (1/ 83، 99).
(6/200)

وهذا العيب أولى بالمعيب (1)، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل، فكيف يكون ذكر كلام اللَّه ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة رضوان اللَّه عليهم والقياس الصحيح عيبًا؟ وهل ذكر قول اللَّه ورسوله إلا طراز الفتاوى؟ وقول المفتي ليس بموجب للأخذ به، فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي أَن يخالفه وبرئ هو من عهدة الفتوى بلا علم.
وقد كان [رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال ويشبهها بنظائرها، هذا وقوله وحده حجة، فما الظن بمن ليس قوله بحجة ولا يجب الأَخذ به وأحسن أحواله وأعلاها أن يسوغ [له] (2) قبول قوله، وهيهات أن يسوغ بلا حجة، وقد كان] (3) أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ورضي عنهم إذا سئل أحدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها فيقول: قال اللَّه كذا، وقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كذا (4) أو فعل كذا (5)، فيشفى السائل، ويبلغ القائل (6)، وهذا كثير جدًا في فتاويهم لمن تأمَّلها، ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه وعلمه يأبى أن يتكلم بلا حجة، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل، ثم طال الأمد وبعد العهد بالعلم وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط، ولا يذكر للجواب دليلًا، ولا مأخذًا ويعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمه، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يُدرى (7) ما حالهم في الفتاوى، واللَّه المستعان.

[هل يقلد المفتي الميت إذا علم عدالته]
الفائدة الرابعة والستون: هل يجوز للمستفتي (8) تقليد الميت إذا علم [عدالته، و] (3) إنه مات عليها من غير أن يسأل الحي؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد (9) والشافعي (10)
__________
(1) كذا في (ك)، وفي سائر الأصول: "بالعيب".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) ما بين المقعوفتين سقط من (ت).
(4) في (ق): "قال رسوله كذا".
(5) في (ق) و (ك): "وفعل كذا".
(6) في (ق) و (ك): "فيستفتي السائل ويبلغ القائل"، وأشار في هامش (ق) إلى أنه في نسخة: "فيشفى السائل ويبلغ للقائل".
(7) في (ت): "لا ندري".
(8) في المطبوع: "للمفتي".
(9) انظر: "المسودة" (522).
(10) انظر: "مناهج العقول" (3/ 210) و"أسنى المطالب" (4/ 281) و"الآيات البينات" =
(6/201)

أصحهما له ذلك، فإن المذاهب لا تبطل بموت أصحابها ولو بطلت بموتهم لبطل ما بأيدي الناس من الفقه عن أَئمتهم، ولم يسغ لهم تقليدهم والعمل بأقوالهم، وأيضًا لو بطلت أقوالهم بموتهم لم يعتد بهم في الإجماع والنزاع، ولهذا لو شهد الشاهدان ثم ماتا بعد الأداء وقُبِل الحكم بشهادتهما [لم تبطل شهادتهما] (1) وكذلك الراوي لا تبطل روايته بموته، [فكذلك المفتي لا تبطل فتواه بموته] (1)، ومن قال: تبطل فتواه بموته قال: أهليته زالت بموته ولو عاش لوجب عليه تجديد الاجتهاد، ولأنه قد يتغير اجتهاده، وممن حكى الوجهين في المفتي أبو الخطاب (2) فقال: إن مات المفتي قبل عمل المستفتي فله العمل بها، وقيل: لا يعمل [بها] (3)، واللَّه أعلم.

[إذا تكررت الواقعة فهل يستفتي من جديد؟]
الفائدة الخامسة والستون: إذا استفتاه في (4) حكم حادثة فأفتاه وعمل بقوله، ثم وقعت له مرة ثانية فهل له أن يعمل بتلك الفتوى الأولى أم يلزمه الاستفتاء مرة ثانية؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد (5) والشافعي (6) فمن لم يُلزمه بذلك قال: الأصل بقاء ما كان فله أن يعمل بالفتوى وإن أمكن تغير الاجتهاد (7)، كما أن له أن يعمل بها بعد مدة من وقت الإفتاء، وإن جاز تغير اجتهاده، ومن منعه من ذلك قال: ليس على ثقة من بقاء المفتي على اجتهاده الأول، فلعله أن يرجع عنه فيكون المستفتي قد عمل بما هو خطأ عند من استفتاه، ولهذا رجَّح بعضهم العمل بقول الميت على قول الحي واحتجوا بقول ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-: "من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة" (8).
__________
= (3/ 273 و 4/ 269) و"مسلم الثبوت" (2/ 407) و"تيسير التحرير" (4/ 231، 250)، و"حاشية البناني" (2/ 397) و"إرشاد الفحول" (238) و"المعتمد" (2/ 360) و"أدب المفتي والمستفتي" (95 - 96).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(2) في كتابه "التمهيد" (4/ 394).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في المطبوع: "عن".
(5) انظر: "المسودة" (524) و"صفة الفتوى" (81) و"مختصر البعلي" (168) و"شرح الكوكب المنير" (4/ 579 - 580).
(6) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (117) و"روضة الطالبين" (11/ 117) و"المجموع" (1/ 93) و"جمع الجوامع" (2/ 399) و"الإحكام" (4/ 238) للآمدي و"غاية الوصول" (152) و"تيسير التحرير" (4/ 253) و"فتح الغفار" (3/ 37) و"فواتح الرحموت" (2/ 405) و"إرشاد الفحول" (272).
(7) في المطبوع و (ك): "تغير اجتهاده".
(8) مضى تخريجه.
(6/202)

[هل يلزم استفتاء الأعلم؟]
الفائدة السادسة والستون: هل يلزم المستفتي أن يجتهد في أعيان المفتين ويسأل الأعلم والأدين أم لا يلزمه ذلك؟ فيه مذهبان كما سبق وبيَّنا مأخذهما والصحيح أنه يلزمه؛ لأنه المستطاع من تقوى اللَّه [تعالى] (1) المأمور بها كل أحد، وتقدم أنه إذا اختلف عليه مفتيان [أحدهما] (2) أورع و [الآخر] (2) أعلم فأيهما يجب تقليده؟ فيه ثلاثة مذاهب سبق توجيهها.

[هل على العامي أن يتمذهب بمذهب واحد من الأربعة أو غيرهم؟]
وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟ فيه مذهبان (3):
أحدهما: لا يلزمه، وهو الصواب المقطوع به إذ لا واجب إلا ما أوجبه اللَّه ورسوله، ولم يوجب اللَّه ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة [مبرأة مبرأ] (4) أهلها من هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له لأن المذهب [إنما يكون] (1) لمن له نوع نظر واستدلال، [ويكون بصيرًا بالمذاهب] (5) على حسبه أو لمن قرأ كتابًا في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله، وأما من لم يتأهل لذلك البتة، بل قال: أنا شافعي أو حنبلي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أنا فقيه أو نحوي أو كاتب لم يصر كذلك بمجرد قوله.
يوضحه أن القائل [أنه] (1) شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم أنه متبع لذلك الإِمام سالك طريقه، وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(3) انظر: "المسودة" (465) و"مختصر البعلي" (168) و"صفة الفتوى" (71) و"شرح تنقيح الفصول" (ص 432) و"المجموع" (1/ 90 - 91) و"روضة الطالبين" (11/ 117) و"شرح الكوكب المنير" (4/ 574 - 575)، و"تيسير التحرير" (4/ 253)، و"غاية الوصول" (152) و"إرشاد الفحول" (252).
وفي (ق): "فيه وجهان".
(4) في (ق): "ببراءة".
(5) في (ق): "ونص المذاهب"، وفي (ك): "ويكون بصيرًا بالمذهب".
(6/203)

والاستدلال فأما مع جهله وبعده جدًا عن سيرة الإِمام وعلمه وطريقه (1) فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من [كل] (2) معنى؟ والعامي (3) لا يتصور أن يصح له مذهب ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أحدًا قط أَن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة [بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره.
وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة] (4) لم يقل بها أحد من أئمة الإِسلام وهم أعلى رُتبةً، وأجلُّ قدرًا، وأعلمُ باللَّه ورسوله من أن يُلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة.
فياللَّه العجب، ماتت مذاهب أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومذاهب التابعين، وتابعيهم وسائر أئمة الإِسلام، وبطلت جملةً إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأمة والفقهاء؟! وهل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أوجبه اللَّه [تعالى] (2) ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة لا يختلف الواجب، ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال فذلك أيضًا تابع لما أوجبه اللَّه ورسوله.
ومَن صحَّح للعامي مذهبًا قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي إنتسب إليه هو الحق فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، وهذا الذي قاله هؤلاء لو صحَّ للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه، وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه، أو أرجح منه أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها، بل يلزم منه أنه إذا رأى نصَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص وأقوال الصحابة ويقدِّم عليها قول من انتسب إليه.
وعلى هذا فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة [الأربعة] (2) وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيد ب[أحد من الأئمة] (2) الأربعة بإجماع الأمة، كما لا يجب (5) على العالم أن يتقيد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد، بل إذا
__________
(1) في (ك): "بطريقه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق): "فالعامي".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) في (ق) و (ك): "كما لم يجب".
(6/204)

صح الحديث وجب عليه العمل به حجازيًا كان أو عراقيًا أو شاميًا أو مصريًا (1) أو يمنيًا.
وكذلك لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين، بل إذا وافقت القراءة رسم المصحف الإِمام وصحت في العربية وصح سندها جازت (2) القراءة بها وصحت الصلاة بها اتفاقًا، بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان وقد قرأ بها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والصحابة بعده جازت القراءة بها ولم تبطل الصلاة بها على أصح الأقوال.
والثاني: تبطل الصلاة بها، وهاتان روايتان منصوصتان عن الإِمام أحمد (3).
والثالث: إن قرأ بها في ركن لم يكن مؤديًا لفرضه، وإن قرأ بها في غيره لم تكن مبطلة، وهذا اختيار أبي البركات ابن تيمية رحمة اللَّه عليه، قال: لأنه لم يتحقق الإتيان بالركن في الأول و [لا] (4) الإتيان بالمبطل في الثاني، ولكن ليس له أن يتبع (5) رخص المذاهب وأخذ غرضه من أي مذهب وجده فيه، بل عليه اتباع الحق بحسب الإمكان (6).

[ما الحكم إذا اختلف مفتيان؟]
الفائدة السابعة والستون: فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر فهل يأخذ بأغلظ الأقوال أو بأخفها أو يتخيَّر (7) أو يأخذ يقول الأعلم أو الأورع أو يعدل إلى مفت آخر فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها أو يجب عليه أن
__________
(1) في (ق): "أو بصريًا".
(2) في (ق): "جاز"، وبعدها: "ولم تبطل" بدل "وصحت".
(3) انظر تفصيل الأقوال في المسألة في: "جمال القراء" (1/ 241 - 242)، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (13/ 397 - 398) و"تفسير القرطبي" (1/ 47) و"البرهان في علوم القرآن" (1/ 332 - 333) و"النشر" (1/ 14 - 15) و"الإتقان" (1/ 225، 307 - ط أبو الفضل) و"لطائف الإشارات لفنون القراءات" (1/ 72 - 75).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) في (ق): "ليس له تتبع".
(6) انظر: "المسودة" (218) و"الموافقات" (5/ 104 - بتحقيقي) و"المستصفى" (2/ 391) و"جمع الجوامع" (2/ 400) و"روضة الطالبين" (11/ 108) و"تيسير التحرير" (4/ 254) و"فواتح الرحموت" (2/ 406) و"إرشاد الفحول" (272).
(7) سبق بطلان القول بالأغلظ والأخف والتخيير، على وجه فيه تحرير، والحمد للَّه رب العالمين.
(6/205)

يتحرَّى ويبحث عن الراجح بحسبه؟ فيه سبعة مذاهب (1) أَرجحها السابع فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين، كما تقدم، وباللَّه التوفيق.

[هل يجب العمل بفتوى المفتي؟]
الفائدة الثامنة والستون: إذا استفتى فأفتاه المفتي فهل تفسير فتواه موجبة على المستفتي العمل بها بحيث يكون عاصيًا إن لم يعمل بها أو لا توجب عليه العمل؟ فيه أربعة أوجه لأصحابنا وغيرهم:
أحدها: أنه لا يلزمه العمل بها إلا أن يلتزمه هو.
والثاني: أنه يلزمه إذا شرع في العمل، فلا يجوز له حينئذ الترك.
والثالث: أنه إن (2) وقع في قلبه صحة فتواه وأنها حق لزمه العمل بها.
والرابع: أنه إذا (3) لم يجد مفتيًا آخر لزمه الأَخذ بفتياه، فإن فرضه التقليد وتقوى اللَّه ما استطاع، وهذا هو المستطاع في حقه، وهو غاية ما يقدر عليه (4).
وإن وجد مفتيًا آخر، فإن وافق الأول فأبلغ في لزوم العمل، وإن خالفه، فإن استبان له الحق في إحدى الجهتين لزمه العمل به، وإن لم يستبن له الصواب فهل يتوقف أو يأخذ بالأحوط أو يتخيَّر أو يأخذ بالأسهل؟ فيه وجوه تقدمت.

[العمل بخط المفتي وما يشبه ذلك]
الفائدة التاسعة والستون: يجوز له العمل بخط المفتي، وإن لم يسمع الفتوى من لفظه إذا عرف أنه خطه أو أعلمه به من يسكن إلى قوله (5)، ويجوز له قبول قول الرسول: إنَّ هذا خطه، وإن كان عبدًا أو امرأة أو صبيًا أو فاسقًا، كما يقبل قوله في الهدية والإذن في دخول الدار اعتمادًا على القرائن والعرف، وكذا يجوز
__________
(1) انظرها في: "صفة الفتوى" (80 - 81) و"المجموع" (1/ 92) و"المسودة" (463) و"روضة الطالبين" (11/ 105) و"البرهان" (2/ 1344) و"أصول مذهب أحمد" (700) و"المدخل إلى مذهب أحمد" (194).
(2) في (ق): "إذا".
(3) في (ك): "إن".
(4) انظر: "المسودة" (463، 467، 519، 538) و"صفة الفتوى" (81 - 82) و"روضة الناظر" (385) و"المستصفى" (2/ 391) وشرح تنقيح الفصول" (ص 442) و"إرشاد الفحول" (271).
(5) انظر: "الطرق الحكمية" (ص 231 - 243) الطريق الثالث والعشرون، (ص 7 - وما بعدها).
(6/206)

اعتماد الرجل على ما يجده من كتابة الوقف على كتاب أو رباط أو خان أو (1) نحوه فيدخله وينتفع به، وكذلك (2) يجوز له الاعتماد على ما يجده بخط أبيه في برنامجه (3) أن له على فلان كذا وكذا، فيحلف على الاستحقاق (4)، وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خط الزوج أنه أبانها فلها أن تتزوّج بناء على الخط، وكذا (5) الوصي والوارث يعتمد على خط الموصي فينفذ ما فيه وإن لم يشهد شاهدان، وكذا إذا كتب الراوي إلى غيره حديثًا جاز له أن يعتمد عليه ويعمل به ويرويه بناء على الخط إذا تيقن ذلك كله، هذا عمل الأمة قديمًا وحديثًا من عهد نبينا (6) صلى اللَّه عليه [وآله] (7) وسلم وإلى الآن، وإن أنكره من أنكره.
ومن العجب أن من أنكر ذلك وبالغ في إنكاره ليس معه فيما يفتي به [وتقضي به] (8) إلا مجرد كتاب قيل: إنه كتاب فلان فهو يقضي (9) به ويُفتي ويحل ويحرم ويقول: هكذا (10) في الكتاب، [واللَّه الموفق] (7).
وقد كان رسول اللَّه (11) -صلى اللَّه عليه وسلم- يرسل كتبه إلى الملوك وإلى الأمم يدعوهم إلى الإِسلام فتقوم عليهم الحجة بكتابه (12)، وهذا أظهر من أن ينكر، وباللَّه التوفيق.
__________
(1) في (ك): "و".
(2) في (ك): "وكذا".
(3) في (ق): "تاريخه".
(4) انظر: "الطرق الحكمية" (ص 235).
(5) في (ق): "وكذلك".
(6) في (ق) و (ك): "نبيها".
(7) انظر بسط حجية العمل بما في الكتاب أو ما وجد في الخلط في "المبسوط" (16/ 92) و"أدب القضاء" للسروجي (344، 349) و"شرح أدب القاضي" (3/ 105) و"الذخيرة" (10/ 90) و"مواهب الجليل" (6/ 141) و"التفريع" (2/ 247) و"تفسير القرطبي" (16/ 181 - مهم) و"الإشراف" (5/ 26 - 27 - بتحقيقي) للقاضي عبد الوهاب، وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) ما بين المعقوفتين من (ك).
(9) في (ق): "ويضي به".
(10) في (ك): "كذا".
(11) في (ك): "النبي".
(12) منها كتابه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى هرقل بعثه دحية الكلبي؛ رواه البخاري (7) في (كتاب بدء الوحي)، ومسلم (1773) في "الجهاد": باب كتاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى هرقل يدعوه إلى الإِسلام، من حديث أبي سفيان.
وروى مسلم أيضًا (1774) من حديث أنس: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى اللَّه تعالى"، وانظر هذه الكتب مفصلة في "نصب الراية" (4/ 418 - 425).
(6/207)

[ما العمل إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء؟]
الفائدة السبعون: إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يجوز، وعليه تدل فتاوى الأئمة وأجوبتهم، فإنهم كانوا يُسألون عن حوادث لم تقع قبلهم فيجتهدون فيها، وقد قال [النبي] (1) -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا (2) اجتهد فأخطأ فله أجر" (3)، وهذا يعم ما اجتهد فيه مما لم يعرف فيه قول من قبله وما عرف فيه أقوالا واجتهد في الصواب منها، وعلى هذا درج السلف والخلف والحاجة داعية إلى ذلك لكثرة الوقائع واختلاف الحوادث، ومن له مباشرة لفتاوى الناس يعلم (4) أن المنقول وإن اتسع غاية الاتساع، فإنه لا يفي بوقائع العالم جميعها (5)، وأنت إذا تأمَّلت الوقائع رأيت مسائل كثيرة واقعة وهي غير منقولة، ولا يعرف فيها كلام لأئمة المذاهب [ولا لأتباعهم] (6).
والثاني: لا يجوز له الإفتاء، ولا الحكم، بل يتوقف حتى يظفر فيها بقائل، قال الإِمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.
والثالث: يجوز ذلك في مسائل الفروع لتعلقها بالعمل وشدة الحاجة إليها وسهولة خطرها, ولا يجوز في مسائل الأصول.
والحق التفصيل، وأن ذلك يجوز -بل يستحب أو يجب- عند الحاجة وأهلية المفتي والحاكم (7)، فإن عُدم الأمران لم يجز، وإن وجد أحدهما دون الآخر احتمل الجواز والمنع والتفصيل فيجوز للحاجة دون عدمها، واللَّه [سبحانه] (8) أعلم.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في المطبوع و (ت): "وإن".
(3) أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة): باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (13/ 318/ رقم 7352)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الأقضية): باب أجر الحاكم إذا اجتهد (3/ 1342/ رقم 1716) عن عمرو بن العاص.
(4) في (ق): "علم".
(5) في المطبوع و (ت): "جميعًا".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ق): "وأهلية الحاكم والمفتي".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ت) و (ك)، وقال (ق): "ويتلوه فصل" وتنتهي هذه النسخة بهذا. وانظر لما مضى "الإنصاف" (11/ 189).
(6/208)

فصل
ولنختم (1) الكتاب بذكر فصول يسير قدرها عظيم أمرها من فتاوى إمام المفتين (2)، ورسول رب العالمين، تكون روحًا لهذا الكتاب ورقمًا على جِلَّة (3) هذا التأليف.

[فتاوى في مسائل من العقيدة]
فصح عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه سئل عن رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى فقال: "هل تُضارُّون (4) في رؤية الشمس صحوًا في الظهيرة ليس دونها سحاب"؟ قالوا: لا، فقال: "هل تُضارُّون (4) في رؤية القمر البدر صحوًا ليس دونه سحاب؟ "، قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذلك"؛ متفق عليه (5).
وسئل: كيف (6) نراه ونحن ملء الأرض، وهو أحد؟ فقال: "أنبئكم عن ذلك في آلاء اللَّه: الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه" (7)، ذكره أحمد.
__________
(1) في (ك): "ونختم".
(2) قال (د): "في نسخة: "إمام المتقين"".
(3) في (ك): "وجملة".
(4) قال (د): "في نسخة: "تضامون" وكلاهما صحيح"، وفي (ك): "فهل تضارون".
(5) أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب التوحيد) باب قول اللَّه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (7439)، ومسلم (183) في "الإيمان": باب معرفة طريق الرؤية، من حديث أبي سعيد الخدري واللفظ له.
وقال (و): ". . . وقد ثبتت رؤية اللَّه تعالى في الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث لا يمكن نفيها ولا دفعها، عن ابن كثير في "التفسير"".
(6) في (ك): "هل".
(7) هو جزء من حديث طويل جدًا: رواه عبد اللَّه بن أحمد في "زوائده على المسند" (4/ 13)، وفي "السنة" (2/ 485)، وابن أبي عاصم في "السنة" (636)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 560)، والطبراني في "المعجم الكبير" (19/ 477) وأبو الحسن القطان في "الطوالات" -كما في "التدوين" (2/ 232) للرافعي- وابن قانع في "معجم الصحابة" (13/ 4528 رقم 1687 - مختصرًا) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص 186) من طريق عبد الرحمن بن عياش الأنصاري عن دلهم بن الأسود بن عبد اللَّه بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي عن جده (في بعضها عن أبيه) عن عمه لقيط بن عامر بن المنتفق قال دلهم: وحدثني أيضًا أبي الأسود بن عبد اللَّه عن عاصم بن لقيط بن عامر فذكر حديثًا طويلًا جدًا. =
(6/209)

وصح عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه سئل عن مسألة القدر، وما يعمل الناس فيه، أمرٌ قد قُضي وفرغ منه أم أمر يستأنف؟ فقال: بل أمر قد قضي وفرغ منه، فسئل حينئذ: ففيم العمل؟ فأجاب بقوله: "اعملوا فكل ميسرٌ لما خلق له: أما من كان من أهل السعادة فسييسَّر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فييسر (1) لعمل أهل الشقاوة"، ثم قرأ قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} [الليل: 5] إلى آخر الآيتين (2)، ذكره مسلم.
__________
= وروى هذا الجزء المختصر: ابن أبي عاصم (524) بالإسناد نفسه، والحديث بسياقه المطول ذكره المؤلف -رحمه اللَّه- في "زاد المعاد" (3/ 677) وصححه بإسلوب غريب بعيد عن منهج أهل الحديث فقال: "هذا حديث كبير تنادي جلالته وفخامته وعظمته عن أنه قد خرج من مشكاة النبوة، ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد، ولم يطعن أحد منهم فيه، ولا في أحد من رواته".
ثم ذكر جماعة رووه عن غير من ذكرنا -هم: أبو أحمد العس الذي "المعرفة" وأبو الشيخ في "السنة" وابن منده وابن مردويه وأبو نعيم، وهو ليس في "معرفة الصحابة" لأبي نعيم.
ثم ذكر كلامًا عن ابن منده آخره: "ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة".
أقول: ما هكذا تصحح أو تضعف الأحاديث، وكم في كتب من ذَكَر من الأئمة الذين رووا الحديث أحاديث ضعيفة بل واهية جدًا وموضوعة!
وماذا على من أنكر هذا الحديث لأنه مسلسل بالمجاهيل؟ ولماذا يوصف بأنه جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة؟ وقال عنه الذهبي في "العلو للعلي العظيم" (1/ 276) "يروى عن أبي رزين حديث طويل بإسنادين مدنيين، لكنه ضعيف".
وقال العلامة الألباني -رحمه اللَّه- في تعليقه على "السنة": إسناده ضعيف؛ دلهم بن الأسود وجده، قال الذهبي: لا يعرفان، ومثلهما عبد الرحمن بن عياش لم يوثقه غير ابن حبان وفي "التقريب": مقبول، وأبو دلهم كذلك مجهول.
(تنبيه): عزى المصنف الحديث لأحمد!! وكذا وقع في مطبوع "المسند"!! وهو خطأ، والصواب أنه من زيادات عبد اللَّه، كذا وقع في "الزاد" للمصنف (3/ 673) و"فتح الباري" (11/ 466 - 467) و"إتحاف المهرة" (13/ 75 رقم 16444) و"مجمع الزوائد" (10/ 338 - 340) والسيوطي في "الدر المنثور" (8/ 356).
(1) في (ك): "فسييسر".
(2) هو بهذا اللفظ ليس في "صحيح مسلم"، فقد رواه مسلم عن جمع من الصحابة منهم علي بن أبي طالب (2647)، وجابر (2648)، وعمران بن حصين (2649 و 2650)، وبعضها في "صحيح البخاري" أيضًا، وليست بهذا السياق.
(6/210)

وصح عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه سُئل عما يكتمه الناس في ضمائرهم هل يعلمه اللَّه؟ فقال: "نعم"، ذكره مسلم (1).
وصح عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه سئل: أين كان ربُّنا قبل [أن تُخلق] (2) السموات والأرض؟ فلم ينكر على السائل، وقال: "كان في عماء (3) ما فوقه هواء، وما تحته هواء" (4)، ذكره أحمد.
وصح عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه سئل عن مبدأ تخليق هذا العالم؟ فأجاب بأن قال: "كان اللَّه، ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء" (5)، ذكره البخاري.
وصح عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه سئل: أين يكون الناس يوم تُبَدَّل الأرض؟ فقال: "على
__________
(1) رقم (974) بعد (103) في "الجنائز": باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، من حديث عائشة.
(2) في (ك): "خلق".
(3) قال (و): "عتقاء: السحاب، قال أبو عبيد: لا يُدرى كيف كان ذلك العلماء، وفي رواية: "كان في عما، بالقصر، ومعناه: ليست معه شيء. . . ".
(4) رواه أحمد (4/ 11 و 12)، وأبو داود الطيالسي (1093)، والترمذي (3119) في "التفسير": باب ومن سورة هود، وابن ماجه (182) في (المقدمة): باب فيما أنكرت الجهمية، وعبد اللَّه بن أحمد في "السنة" (1/ 245 و 246)، وابن أبي عاصم في "السنة" (612)، والطبري في "تفسيره" (17980)، و"التاريخ" (1/ 37) ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في "العرش" (7)، وأبو الشيخ في "العظمة" (1/ 364)، وابن حبان (6141)، والطبراني في "الكبير" (19/ 468) -ومن طريقه الهمداني في "فتيا في الاعتقاد" (رقم 18) وابن أبي زمنين في "السنة" (رقم 31) والحاكم (4/ 560) وابن خزيمة في (الفتن) -كما في "إتحاف المهرة" (13/ 79 رقم 16447) - وعثمان الدارمي في "الرد على الجهمية" (55) وابن بطة في "الإبانة" الكتاب الثالث (3/ 170 رقم 125)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (801 و 864) والذهبي في "العلو" (رقم 13) من طرق عن حماد بن سلمة عن يعلي بن عطاء عن وكيع بن عُدُس عن أبي رَزِين العقيلي به.
قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ.
أقول: قال البيهقي: هذا حديث تفرد به يعلي بن عطاء عن وكيع بن حدس ويقال: ابن عُدس، ولا نعلم لوكيع بن عدس هذا راويًا غير يعلي بن عطاء.
ولذلك قال الذهبي في وكيع: "لا يعرف"، فأنى له أن يكون حسنًا!
وقد ضعّفه شيخنا العلامة الألباني في تعليقه على "السنة" ب (وكيع) هذا.
(5) رواه البخاري في "صحيحه" في مواطن منها: (3191) في كتاب (بدء الخلق): أوله، و (7418) في (التوحيد): باب {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} وهو رب العرش العظيم.
(6/211)

الصراط"، وفي لفظ آخر: "هم في الظلمة دون الجسر"، فسئل: من أول الناس إجازة؟ فقال: "فقراء المهاجرين" (1)، ذكره مسلم، ولا تنافي بين الجوابين، فإن الظلمة أول الصراط، فهناك مبدأ التبديل وتمامه وهم على الصراط.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 8] , فقال: "ذلك العرض" (2)، ذكره مسلم.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أول طعام يأكله أهل الجنة؟ فقال: "زيادة كبد الحوت"، فسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- ما غذاؤهم على أثره؟ فقال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها"، فسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- ما شرابهم عليه [فيها؟ فقال] (3): "من عين [فيها] (4) تُسمى سلسبيلًا" (5)، ذكره مسلم.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: هل رأيت ربك؟ فقال: "نورٌ أنَّى أَراه" (6)، ذكره مسلم، فذكر الجواز ونبَّه على المانع من الرؤية، وهو النور الذي هو حجاب الرب تعالى الذي لو كشفه لم يقم له شيء.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: يا رسول اللَّه كيف يجمعنا ربنا بعد ما تمزِّقنا الرياح والبلى والسباع؟ فقال للسائل: "أُنبئك بمثل ذلك في آلاء اللَّه، الأرض أشْرفتَ عليها، وهي مَدَرة (7) بَالية، فقلت: لا تحيى أبدًا، ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أيامًا، ثم أشرفتَ عليها وهي شَرْبةٌ واحدة ولعمر إِلهك! لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء على أن يَجمَع نباتَ الأرض" (8)، ذكره أحمد.
__________
(1) اللفظ الأول وهو قوله: "على الصراط"، رواه مسلم في "صحيحه" (2791) في كتاب (صفات المنافقين): باب البعث والنشور، وصفة الأرض يوم القيامة، من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-. وخرجته بتفصيل في تعليقي على "المجالسة" (1/ 333 - 334 رقم 41).
واللفظ الثاني وهو قوله: "هم في ظلمة دون الجسر" رواه مسلم (315) في (الحيض): باب بيان صفة مني الرجل والمرأة، من حديث ثوبان.
(2) رواه مسلم (2876) في (كتاب الجنة): باب إثبات الحساب، من حديث عائشة، وفي (ك): "ذاك العرض".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "قال".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) هو جزء من حديث ثوبان الذي رواه مسلم (315) في (الحيض): باب بيان صفة مني الرجل والمرأة.
(6) رواه مسلم (178) في (الإيمان): باب في قوله عليه السلام: "نور أنّى أراه".
(7) "المدرة: البلد" (و).
(8) هو جزء من حديث لقيط بن عامر تقدم الحديث عليه مفصلًا قريبًا، وهو ليس عند أحمد، وإنما من زيادات ابنه، كما بيّناه هناك.
(6/212)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: يا رسول اللَّه ما يفعل بنا ربُّنا إذا لقيناه؟ فقال: "تُعرضون عليه باديةً له صفحاتُكم لا يخفى عليه خافية منكم فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلَكم فلعمر إِلهك! ما يخطئ وجه واحد منكم منها قطرة فأما المسلم فتدع وجهه مثل الرَّيطةِ (1) البيضاء، وأما الكافر فتخطمُه بمثل الحميم الأسود" (2)، ذكره أحمد.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: بم نُبصر، وقد حبس الشمس والقمر؟ فقال للسائل: بمثل بَصَرِك ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس وذلك في يوم أشَرَقت فيه الأرض، ثم واجهته الجبال.
فسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- بم نُجزى من حسناتنا وسيئاتنا؟ فقال: الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بمثلها أو يعفو".
فسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- على ما (3) يطلع من الجنة؟ فقال: "على أَنهار من عسل مصفَّى، وأَنهار من كأس ما بها من صداع، ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن، وفاكهة، لعمرو إِلهك! مما تعلمون وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة".
فسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- أَلنا فيها أزواج؟ فقال: "الصالحات للصالحين تلذونهن (4) مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد" (5)، ذكره أحمد.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن كيفية إتيان الوحي إليه فقال: "يأتيني أحيانًا مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليٌ فيفصمُ عني، وقد وعيتُ ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا" (6)، متفق عليه.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شبه الولد بأبيه تارة وبأمه تارة؟ فقال: "إذا سبق ماء الرجل ماء
__________
(1) قال (و): "كل ملاءة ليس بلْفِقَيْن، وقيل: كل ثوب رقيق ليِّن".
وقال (د): "في نسخة: "مثل الرطبة البيضاء".
قلت: وانظر: "لسان العرب" (7/ 307 - دار الفكر) وتجد غريب حديث لقيط بطوله في: "غريب الحديث" (1/ 228 - 234) لابن قتيبة و"منال الطالب" (234 - 242) لابن الأثير و"سبل الهدى والرشاد" (6/ 626 - 627) و"زاد المعاد" (3/ 678 - 686).
(2) هو جزء من حديث لقيط بن عامر أيضًا.
(3) في المطبوع: "ماء" والصواب ما أثبتناه.
(4) في (ك): "تلذوا بهن".
(5) هو أيضًا جزء من حديث لقيط بن عامر المتقدم.
(6) رواه البخاري (2) في (بدء الوحي)، و (3215) في (بدء الخلق): باب ذكر الملائكة، ومسلم (2333) في (الفضائل): باب عَرَق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في البرد وحين يأتيه الوحي.
(6/213)

المرأة كان الشَّبه له، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل فالشبه لها" (1)، متفق عليه. وأما ما رواه مسلم في "صحيحه" أنه قال: إذا على ماءُ الرجل ماءَ المرأة أذكر الرجل بإذن اللَّه (2)، وإذا على ماء المرأة ماء الرجل آنثَ بإذن اللَّه" (3)، فكان شيخنا يتوقف في كون [هذا] (4) اللفظ محفوظًا ويقول: المحفوظا هو اللفظ الأول والإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي، وإنما هو بأمر (5) الرب تبارك وتعالى للملك أن يخلقه كما يشاء، ولهذا جعل مع الرزق والأجل والسعادة والشقاوة.
قلت: فإن كان هذا اللفظ محفوظًا، فلا تنافي بينه وبين اللفظ الأول ويكون سبق الماء سببًا للشَّبه وعلوه على ماء الآخر سببًا للإذكار والإيناث واللَّه أعلم (6).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أهل الدار من المشركين يُبيَّتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم فقال: "هم منهم" (7) حديث صحيح ومراده -صلى اللَّه عليه وسلم- بكونهم منهم التبعية (8) في أحكام الدنيا وعدم الضمان، لا التبعية (8) في عقاب الآخرة، فإن اللَّه تعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه.
__________
(1) قريبًا من هذا: رواه البخاري وحده من حديث أنس بن مالك (3329) في (أحاديث الأنبياء): باب خلق آدم وذريته، و (3938) في "مناقب الأنصار": باب رقم (51)، و (4480) في (تفسير سورة البقرة): باب {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ}.
ولفظه: "فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماءُهُ كان الشبهُ له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها".
وفي "صحيح مسلم" (311) في (الحيض): باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها من حديث أم سُليم "إن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيها علا أو سبق يكون منه الشبه".
(2) أي ولد ذكرًا بإذن اللَّه" (و).
(3) رقم (315) في (الحيض): باب صفة مني الرجل والمرأة، من حديث ثوبان.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) في (ك): "ما أمر".
(6) انظر مبحث الإذكار والإيناث في "الطرق الحكمية" (ص 250 - 253)، و"مفتاح دار السعادة" (ص 287) و"تحفة المودود" (223) و"التبيان" (ص 213 - 216 مهم). وزاد فيه: "وقالت طائفة: الحديث صحيح لا مطعن في سنده ولا منافاة بينه وبين حديث عبد اللَّه بن سلام، وليست الواقعة واحدة، بل هما قضيتان، ورواية كل منهما غير رواية الأخرى، وفي حديث ثوبان قضيّة ضُبطت وحُفظت" قلت: وهذا كلام وجيه وقوي.
(7) رواه البخاري (3012 و 3013) في (الجهاد): باب أهل الديار يبيّتون، ومسلم (1745) في (الجهاد والسير): باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد، من حديث الصعب بن جثامة.
(8) في (ك): "التبعة".
(6/214)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] فقال: "إنما هو جبريل عليه السلام، لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرَّتين" (1)، ذكره مسلم.
ولما نزل قوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 30، 31]، سئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: يا رسول اللَّه أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ فقال: "نعم ليكررنَّ عليكم حتى تؤدّوا إلى كل ذي حقٍّ حقَّه" فقال الزبير: واللَّه إن الأمر لشديد (2).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: "أَليس الذي أَمشاه في الدُّنيا على رجليه قادر أن يُمشيه في الآخرة على وجهه؟ " (3).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: هل تذكرون أهاليكم يوم القيامة؟ فقال: "أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: حيث يوضع الميزان حتى يعلم أيثقل ميزانه أم يخف، وحيث تتطاير الكتب حتى يعلم كتابه من يمينه أو من شماله أو من وراء ظهره، وحيث يوضع الصراط على جسر جهنم على حافتيه كلاليب وحَسَك (4) يحبس اللَّه به من يشاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا ينجو" (5).
__________
(1) رواه مسلم (177) في (الإيمان) باب معنى قول اللَّه عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)}، من حديث عائشة.
(2) رواه أحمد (1/ 167)، والحميدي (60 و 62)، والترمذي (3236) في (التفسير): باب ومن سورة الزمر، والبزار (964 - البحر الزخار)، وأبو يعلى (668 و 687)، والطبري في "التفسير" (24/ 1 - 2)، وأبو نعيم في "الحلية" (1/ 91 - 92)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 435 و 4/ 572) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد اللَّه بن الزبير عن الزبير به.
وهذا إسناد حسنٌ، رجاله كلهم ثقات غير محمد بن عمرو فهو حسن الحديث.
(3) رواه البخاري (4760) في (التفسير): باب قول اللَّه تعالى: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)}، و (6523) في (الرقاق): باب الحشر. ومسلم (2806) في (صفات المنافقين): باب يحشر الكافر على وجهه، من حديث أنس بن مالك.
(4) "جمع كُلَّاب -بضم الكاف وتشديد اللام-: حديدة معوجة الرأس ينشل بها الشيء أو يعلق، والحسك: نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم، ورقه كورق الرجلة وأدق، وعند ورقه شوك صلب، ويصنع على مثال شوكه أداة للحرب من حديد أو قصب" (و).
(5) رواه البيهقي -أظنه في "البعث والنشور" -كما في "النهاية" لابن كثير (ص 226) - من طريق يزيد بن زريع: حدثنا يونس بن عبيد عن الحسن عن عائشة فذكره. =
(6/215)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: يا رسول اللَّه الرجلُ يحبُّ القوم ولَمَّا يعمل بأعمالهم؟ فقال: "المرء مع من أحب" (1).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الكوثر؟ فقال: "هو نهر أعطانيه ربي في الجنة هو أشدُّ بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجُزر وقيل: يا رسول اللَّه إنها لناعمة قال: "آكلها أنعم منها" (2).
__________
= ورواه بلفظ أخصر قليلًا أبو داود (4755) في (السنة): باب في ذكر الميزان, ومن طريقه البيهقي من طريق يونس به.
ورواه أحمد في "مسنده" (6/ 101) -مختصرًا- وابن راهويه في "المسند" (806) وابن أبي الدنيا في "الأهوال" (رقم 67) وابن جرير في التفسير (13/ 253) وأبو الليث في "بحر العلوم" (2/ 211). والآجري في "الشريعة" (ص 385 - ط الفقي) والحاكم (4/ 578) والتيمي في "الحجة" (1/ 466) من طرق عن الحسن.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح إسناده على شرط الشيخين، لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة، على أنه قد صحت الروايات أن الحسن كان يدخل وهو صبي منزل عائشة وأم سلمة".
أقول: الحسن البصري مدلس، وقد عنعن، ثم ينظر في سماعه من عائشة، فقد قال أحمد بن حنبل: ويُروى حكايات عن الحسن أنه سمع من عائشة وهي تقول: إن نبيكم -صلى اللَّه عليه وسلم- بريء ممن فرق دينه.
وأخرجه أحمد (6/ 110) -ومن طريقه ابن ناصر الدين في "منهاج السلامة" (ص 79 - 80) - والآجري (ص 384) وأبو الليث السمرقندي في "تنبيه الغافلين" (1/ 54) من طريق يحيى بن إسحاق عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن القاسم عن عائشة رفعته قال ابن ناصر الدين عقبه: "إسناده ثقات سوى ابن لهيعة". قلت: وهو ضعيف، وانظر: "المجمع" (10/ 359).
وأخرجه عبد الغني بن سعيد في "الزهد والرقائق" -كما في "منهاج السلامة" (ص 80 - 81) - والواحدي في "الوسيط" (2/ 350 - 351) عن عصام بن طليق -وهو واه- عن داود بن أبي هند عن عامر عن مسروق عن عائشة رفعته، وإسناده ضعيف جدًا.
وأخرجه الفسوي في "فوائده" -كما في "منهاج السلامة" (ص 81) - والطبراني (7890) والواحدي في "الوسيط" (3/ 239 - 240) والآجرِّي في "الشريعة" (ص 385 - 386) من طريق علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي عن عائشة رفعته.
قلت: علي بن يزيد الألهاني، منكر الحديث، فإسناده ضعيف جدًا، وانظر: "مجمع الزوائد" (7/ 86).
(1) رواه البخاري (6168 و 6169) في (الأدب): باب علامة الحب في اللَّه، ومسلم (2640) في (البر والصلة): باب المرء مع من أحب، من حديث ابن مسعود.
ورواه البخاري (6170)، ومسلم (2641)، من حديث أبي موسى الأشعري، ولفظ الحديثين: "الرجل يحب القوم، ولما يلحق بهم".
(2) رواه أحمد في "مسنده" (3/ 220 - 221 و 236 و 237)، والترمذي (2547) في (صفة
(6/216)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أكثر ما يُدخل الناس النار؟ فقال: "الأَجوفان: الفم والفرج"، وعن أكثر ما يدخلهم الجنة؟ فقال: "تقوى اللَّه وحسن الخلق" (1).
__________
= الجنة): باب ما جاء في صفة طير الجنة وهناد في "الزهد" (136) وبقي بن مخلد في "ما روي في الحوض والكوثر" (رقم 30، 31) وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم 79، 144). وأبو نعيم في "صفة الجنة" (342)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 537) والبيهقي في "البعث والنشور" (122، 123)، والطبري في "تفسيره" (12/ 720) من طرق عن عبد اللَّه بن مسلم بن شهاب الزهري عن أنس بن مالك به.
وقد وقع في بعض طرق أحمد وبقي: عبد اللَّه بن مسلم عن ابن شهاب وهو خطأ، وعبد اللَّه هذا هو أخو محمد بن مسلم بن شهاب الإِمام المعروف، وهو من الثقات أيضًا.
وقد اختلفت الروايات في السائل ففي بعضها: أبو بكر وفي الأخرى: عمر.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وأصل الحديث في "صحيح مسلم" (400)، وفي الباب عن ابن عمر، خرجته في تعليقي على "الأقوال القويمة" (ص 399) للبقاعي.
و"الجزر: جمع جزور: البعير ذكرًا كان أم أنثى" (و).
(1) رواه ابن ماجه في "الزهد" (4246) باب ذكر الذنوب، والبغوي في "شرح السنة" (3498) من طرق عن ابن إدريس قال: سمعت أبي وعمي يذكران عن جدي عن أبي هريرة به.
ورواه الترمذي (2004) في (البر والصلة): باب ما جاء في حسن الخلق، والبخاري في "الأدب المفرد" (294)، وابن حبان (476)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (رقم 4429)، والحاكم (4/ 324)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (2756) من طرق عن ابن إدريس عن أبيه عن جده به.
ورواه أحمد في "مسنده" (2/ 191 و 392 و 442)، والبخاري في "الأدب المفرد" (289)، والطيالسي (2015 - منحة المعبود)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (5408 و 8007)، والبغوي في "شرح السنة" (3497) من طرق عن داود بن يزيد عم ابن إدريس عن أبيه عن أبي هريرة به.
قال الترمذي: صحيح غريب، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (10/ 458 - 459) ناقلًا تصحيح الترمذي وابن حبان.
أقول: ابن إدريس هو عبد اللَّه بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، هو وأبوه ثقتان.
وأما جده يزيد فقد وثقه ابن حبان والعجليّ!
لكن روى عنه جمع فمثلهُ حسن الحديث إن شاء اللَّه تعالى.
وأما عمّه فهو داود بن يزيد، وهو ضعيف، لكنه مُتابع كما ترى.
تنبيه: وقع في المطبوع من "المسند" (2/ 291) داود بن يزيد عن أبي هريرة، وهو خطأ إذ سقط منه "عن أبيه".
(6/217)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المرأة تتزوج الرَّجلين والثلاثة مع من تكون منهم يوم القيامة؟ فقال: "تُخيَّر فتكون مع أحسنهم خُلُقًا" (1).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- أي الذنب أعظم؟ فقال: "أن تجعل للَّه ندًا وهو خلقك"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "أن تَقتل ولدك خَشيةَ أن يطعَم معك". قيل: ثم ماذا؟ قال: "أن تزني (2) بحليلة جارك" (3).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: أي الأعمال أحبُّ إلى اللَّه؟ فقال: "الصلاة على وقتها" وفي لفظ: "لأول وقتها" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه". قيل: ثم ماذا؟ قال: "بِرُّ الوالدين" (4).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قوله: {يَاأُخْتَ هَارُونَ} [مريم: 28] وبين عيسى وموسى عليهما السلام ما بينهما؟ فقال: "كانوا يسمّون بأنبيائهم، وبالصالحين قبلهم" (5).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أول أشراط الساعة؟ فقال: "نارٌ تحشر الناس من المشرق
__________
(1) هو جزء من حديث سيأتي بطوله عند المصنف قريبًا، وروى هذه القطعة منه: الطبراني في "الكبير" (23/ 870) من طريق سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن حسان عن الحسن عن أمه عن أم سلمة. . . وفيه: قلت: يا رسول اللَّه المرأة منا تتزوج زوجين والثلاثة والأربعة ثم تموت فتدخل الجنة، ويدخلون معها من يكون زوجها؟ قال: "يا أم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقًا"، قال الهيثمي في "المجمع" (7/ 119 و 10/ 417 - 418): "رواه الطبراني: وفيه سليمان بن أبي كريمة ضعّفه أبو حاتم وابن عدي". وفي الباب عن أم حبيبة: رواه البزار (1980)، والطبراني في "الكبير" (23/ 411)، وعزاه ابن كثير في "النهاية" لأبي بكر النجاد، قال الهيثمي في "المجمع" (8/ 24)؛ "وفيه عبيد بن إسحاق وهو متروك، وقد رضيه أبو حاتم، وهو أسوأ أهل الإسناد حالًا".
(2) في (ك): "تزاني".
(3) رواه البخاري في "صحيحه" في مواطن منها: (4477) في (التفسير): باب قوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} و (4761) في باب {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ}، ومسلم (86) في (الإيمان)؛ باب كون الشرك أقبح الذنوب، من حديث ابن مسعود، وهذا لفظ مسلم.
(4) رواه البخاري (527) في (مواقيت الصلاة): باب فضل الصلاة لوقتها، و (2782) في (الجهاد): باب فضل الجهاد، و (5970) في (الأدب): باب البر والصلة، و (7534) في (التوحيد): باب وسمّى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الصلاة عملًا، ومسلم (85) في (الإيمان): باب كون الإيمان باللَّه أفضل الأعمال، من حديث ابن مسعود.
(5) رواه مسلم (2135) في (الآداب): باب النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء، من حديث المغيرة بن شعبة.
(6/218)

إلى المغرب" (1).
وهذه إحدى مسائل عبد اللَّه بن سلام الثلاث، والمسألة الثانية: ما أوَّل طعام يأكله أهل الجنة؟ والثالثة: سبب شبه الولد بأبيه وأمه، فولَّدها الكاذبون وجعلوها كتابًا مستقلًا سموه: "مسائل عبد اللَّه بن سلام"، وهي هذه الثلاثة في "صحيح البخاري" (2).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الإِسلام؟ فقال: "شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه وإقام الصلاة وإيتاء (3) الزكاة وصوم رمضان وحج البيت" (4).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الإيمان؟ فقال: "أَن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت" (5).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن "الإحسان؟ فقال: "أن تعبدَ اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" (6).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] فقال: "هم الذين يصومون [ويصلون] ويتصدَّقون، ويخافون أن لا يقبل منهم" (7).
__________
(1) و (2) هما جزء من حديث رواه البخاري في قصة إسلام عبد اللَّه بن سلام في مواطن منها: (3329) في (أحاديث الأنبياء): أوله، من حديث أنس بن مالك.
وأما الكتاب الكذب الذي أشار إليه "في مسائل عبد اللَّه بن سلام"، فالذي ولده وزاد عليه بواطيل وترهات: أحمد بن عبد اللَّه الجويباري الكذاب، وللإمام البيهقي جزء مفرد في بيان ذلك، وحققته عن أصلين خطيين، وهو مطبوع في المجموعة الثانية من "مجموعة أجزاء حديثية" والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.
(3) في (ك): "واتيان".
(4) و (5) و (6) هي ثلاثة أسئلة في حديث جبريل للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أخرجه البخاري (50) في (الإيمان): باب سؤال جبريل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الإيمان والإِسلام والإحسان وعلم الساعة، و (4777) في (التفسير): باب {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}، ومسلم (9) في (الإيمان): باب بيان الإيمان والإِسلام والإحسان, من حديث أبي هريرة.
ورواه مسلم (8) من حديث عمر بن الخطاب.
(7) رواه أبو يعلى (4917) من طريق جرير عن ليث عن رجل عن عائشة فذكره نحوه، وهذا إسناد ضعيف لضعف ليث وهو ابن أبي سُليم، وجهالة الرجل.
ورواه الطبري (9/ 225) من طريق عبد اللَّه بن إدريس عن ليث عن مغيث عن رجل عن عائشة به.
ورواه الطبري (9/ 225) من طريق جرير عن ليث هو ابن أبي سُليم، وهشيم عن العوام جميعًا عن عائشة. =
(6/219)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172] الآية؟ فقال: إن اللَّه تعالى خلق آدم، ثم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خَلقتُ هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح [على] (1) ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون" فقال رجل: يا رسول اللَّه ففيم العمل؟ فقال: "إن اللَّه إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل النار" (2).
__________
= وهذا إسناد ضعيف؛ العوام لم يسمع من عائشة.
ورواه الواحدي في "الوسيط" (3/ 293) عن جرير عن ليث عن (عمرة؟) عن عائشة به.
ورواه الحميدي (275)، وأحمد (6/ 159 و 206) -ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (17/ 145) - والترمذي (3188) في "التفسير": باب ومن سورة المؤمنين، وابن ماجه (4198) في "الزهد": باب التوقي عن العمل، والطبري (9/ 225)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (762)، والحاكم (2/ 393) والبغوي في "معالم التنزيل" (4/ 151) من طرق عن مالك بن مغول: حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن عائشة.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي! مع أن عبد الرحمن هذا لم يدرك عائشة، قاله أبو حاتم في "المراسيل" (127).
أما الترمذي فقال: وقد رُوي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نحو هذا.
أقول: أخرجه الطبري (9/ 225): من طريق ابن حميد: حدثنا الحكم بن بشير: حدثنا عمر بن قيس عن عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قالت عائشة. . . وهذا إسناد جيد، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) رواه مالك في "الموطأ" (2/ 898 - 899 - ورواية يحيى ورقم 1873 - رواية أبي مصعب ورقم 644 - رواية سويد)، ومن طريقه رواه أبو داود (4703) في (السنة): باب القدر، والترمذي (3075) في (التفسير): باب ومن سورة الأعراف، والنسائي في "تفسيره" (210) وأحمد (1/ 44 - 45)، وابن وهب في "القدر" (10، 11)، وابن جرير الطبري في "التفسير" (15357)، و"تاريخه" (1/ 135)، وابن حبان (6166)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (990)، والآجري في "الشريعة" (ص 170)، وابن أبي عاصم في "السنة" (196)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 27 و 2/ 324 - 325 و 544) وابن أبي حاتم في "التفسير" (5/ 1612) والفريابي في "القدر" (رقم 27، 28) وأبو القاسم الجوهري في "مسند الموطأ" (رقم 367)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" =
(6/220)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= (710) والبغوي (77) وفي "تفسيره" (2/ 211، 544) عن زيد بن أبي أنيسة قال: إن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني قال: إن عمر بن الخطاب فذكره.
وصححه الحاكم في المواضع الثلاثة، وقد تعقبه الذهبي في الموضع الأول فقال: فيه إرسال، ووافقه في الموضعين الثاني والثالث!
وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر رجلًا.
أقول: هذا الرجل هو نعيم بن ربيعة، وقد رواه بذكره أبو داود (4704) وابن وهب في "القدر" (رقم 9) وابن أبي عاصم (201)، والطبري (15358)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (8/ 97)، والدارقطني في "العلل" (2/ 220) والجوهري في "مسند الموطأ" (333 - 334) ومحمد بن نصر في "الرد على ابن محمد بن الحنفية" -كما في "النكت الظراف" (8/ 113) - والضياء في المختارة" (رقم 290)، وابن عبد البر في "التمهيد" (6/ 4 و 4 - 5) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (34/ 71، 72) من طرق عن زيد بن أبي أنيسة به.
قال الدارقطني في "علله" (2/ 222): "وهذا الحديث يرويه زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة عن عمر حدث عنه كذلك يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي، وجوّد إسناده ووصله، وخالفه مالك فرواه عن زيد بن أبي أنيسة، ولم يذكر في الإسناد نعيم بن ربيعة وأرسله عن مسلم بن يسار عن عمر وحديث يزيد بن سنان متصل، وهو أولى بالصواب واللَّه أعلم.
وقد تابعه عمر بن جُعثم؛ فرواه عن زيد بن أبي أنيسة كذلك قاله بقية بن الوليد عنه" مع أنه رجح في "أحاديث الموطأ" (18) الإرسال! وانظر: "الأحاديث التي خولف فيها مالك" له (ص 156 - 157 رقم 80).
أقول: يزيد ضعيف، وعمر في عداد المجاهيل إذ لم يوثقه إلا ابن حبان!
نعم رواه عن زيد موصولًا خالد بن أبي يزيد كما في "التمهيد" وهو من الثقات، ولم يذكره الدارقطني رحمه اللَّه.
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": "الظاهر أن الإِمام مالكًا إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمدًا لما جهل حال نعيم، ولم يعرفه، فإنه غير معروف إلا في هذا الإسناد، ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم، ولهذا يرسل كثيرًا من المرفوعات ويقطع كثيرًا من الموصولات".
وقال ابن عبد البر (6/ 3): "هذا الحديث منقطع الإسناد لأن مسلم بن يسار هذا لم يلق عمر بن الخطاب، وزيادة من زاد فيه: نعيم بن ربيعة ليست بحجة؛ لأن الذي لم يذكره أحفظ، وإنما تقبل الزيادة من الحافظ المتقين، وجملة القول في هذا الحديث: أنه =
(6/221)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105] فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام" (1).
__________
= حديث ليس إسناده بالقائم؛ لأن مسلم بن يسار، ونعيم بن ربيعة غير معروفين يحمل العلم، ولكن معنى الحديث قد صح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها".
وقال الشيخ صالح المَقْبلي في "الأبحاث المسددة": "ولا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات في ذلك": أي في إخراج الذرية من ظهر آدم، وإشهادهم على أنفسهم، نقله صديق حسن خان في "فتح البيان" (3/ 406).
ثم ذكر شواهد انظرها هناك، وانظرها أيضًا في "أحكام أهل الذمة" (2/ 971 - 999) و"تفسير سعيد بن منصور" (5/ 161 - 170).
وتدبر هذا مع قوله سبحانه: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]، وقوله: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118] (و).
(1) رواه البخاري في "خلق أفعال العباد" (224) وأبو داود (4341) في (الملاحم): باب الأمر والنهي، والترمذي (3068) في (التفسير): باب ومن سورة المائدة، وابن ماجه (4014) في (الفتن): باب قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ. . .}، وابن حبان (385)، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (524) وابن أبي الدنيا (2) وعبد الغني المقدسي (19) كلاهما في "الأمر بالمعروف" وابن نصر في "السنة" (31) والطبراني في "مسند الشاميين" (753، 754) وأبو عمرو الداني في "الفتن" (923 - 925) وابن وضاح في "البدع" (رقم 234) والطحاوي في "المشكل" (1171، 1172) والطبري في "تفسيره" (7/ 97) وابن أبي حاتم في "التفسير" (4/ 1225 رقم 6915)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (10/ 91، 92)، و"الآداب" (202) و"الاعتقاد" (ص 167)، وأبو نعيم في "الحلية" (2/ 30)، والبغوي في "شرح السنة" (4156) والمزي في "تهذيب الكمال" (21/ 564) من طرق عن عتبة بن أبي حكيم: حدثني عمرو بن جارية اللخمي: حدثنا أبو أمية الشَّعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني. . . فذكره.
وهذا إسناد فيه نظر: عتبة هذا تكلم فيه جماعة، وقال أبو داود: واللَّه الذي لا إله إلا هو إنه لمنكر الحديث.
ووثقه البعض.
وعمرو بن جارية ذكره ابن حبان في "الثقات"! ولم يرو عنه إلا عتبة، وأمية بن هند، وهذا في عداد المجاهيل! بل جعل البخاري عمرو بن جارية اثنين، ولم يذكر لهذا راويًا إلا عتبة فقط، وقد عرفت حال عتبة.
وأبو أمية اسمه يُحمد، وقيل: عبد اللَّه بن أخامر روى عنه ثلاثة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: أدرك الجاهلية.
(6/222)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الأدوية والرُّقى هل تردُّ من القدر شيئًا؟ فقال: "هي من القدر" (1).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عمن يموت من أطفال المشركين؟ فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين" (2) ,
__________
(1) رواه أحمد (3/ 421)، والترمذي (2065) في (الطب): باب ما جاء في الرقى والأدوية، وابن ماجه (3437) في (الطب): باب ما أنزل اللَّه داء إلا أنزل له شفاء، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 412)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2610 و 2611)، والحاكم (4/ 199) وأبو نعيم في "معرفة "الصحابة" (5/ 2871 رقم 6754) -ووضعه في الكنى في حرف الحاء المهملة لا المعجمة- و (5/ 2819 رقم 6676) من طرق عن الزهري عن أبي خِزامة عن أبيه. وعند ابن أبي عاصم وقع: "أبو خزيمة عن أبيه".
وقد اختلف في إسناد هذا الحديث: فبعضهم يقول: عن الزهري عن أبي خزامة عن أبيه. وقال بعضهم: عن ابن أبي خزامة، انظر: "تاريخ الدوري" (3/ 115، 127) و"توضيح المشتبه" (3/ 194).
وقد رجح الإِمام أحمد وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان -كما في "العلل" لابن أبي حاتم (2/ 338) - والترمذي وابن عبد البر وغير واحد عن الزهري عن أبي خزامة عن أبيه، واسم أبيه يَعْمر، أفاده الدارقطني في "المؤتلف" (4/ 2237) وأبو نعيم.
قال الترمذي: ولا نعرف لأبي خزامة عن أبيه غير هذا الحديث.
أقول: فهو في عداد المجاهيل، ومع هذا قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح!
ورواه عبد الرزاق (19777) عن الزهري مرسلًا.
وانظر: "الإصابة" ترجمة أبي خزامة.
وله شاهد من حديث حكيم بن حزام: رواه الحاكم (4/ 199) من طريق صالح بن أبي الأخضر (في المطبوع ابن الأخضر وهو خطأ): عن الزهري عن عروة عنه به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد رواه يونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث بإسناد آخر وهو المحفوظ.
ثم ذكر إسناد الحديث السابق.
أقول: في عبارة الحاكم أمور:
أولًا: تصحيحه للحديث مع أن فيه صالحًا وهو ضعيف.
ثانيًا: تصحيحه للحديث ثم ترجيحه إسناد الحديث السابق.
وليس عجبًا من تصحيح الحاكم، ولكن العجب من موافقة الذهبي له. وفي الحقيقة وقع وهم في هذا الإسناد، فإن ثقات أصحاب الزهري رووه عنه عن أبي خزامة عن أبيه كما سبق، وخالفهم صالح فجعله من مسند حكيم بن حزام!
وأعجب كيف فات هذا على مُحقِّقيّ "زاد المعاد" حيث نقلا تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي! وفي الإسناد ما فيه.
(2) رواه البخاري (1384) في (الجنائز): باب ما قيل في أولاد المشركين، و (6600) في (القدر): باب اللَّه أعلم بما كانوا عاملين، ومسلم (2659) في (القدر): باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، من حديث أبي هريرة.
ورواه البخاري (1383 و 6597)، ومسلم (2660)، من حديث ابن عباس.
(6/223)

وليس هذا [قولًا] (1) بالتوقف، كما ظنَّه بعضهم، ولا [قولًا] (1) بمجازاة اللَّه لهم على ما يعلمه منهم أنهم [كانوا] (2) عاملوه لو كانوا عاشوا، بل هو جواب فَصْل، وأن اللَّه تعالى يعلم ما هم عاملوه وسيجازيهم على معلومه فيهم بما يظهر منهم يوم القيامة لا على مجرَّد علمه، كما صرَّحت به سائر الأحاديث واتفق عليه أهل الحديث أنهم يُمتحنون يوم القيامة فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار (3).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن سبأ هل هو أرض أم امرأة؟ فقال: ليس بأرض، ولا امرأة،
__________
(1) في (ك): "قولنا".
(2) ما بين المعقوفتين من (ك) وحدها.
(3) امتحان الأطفال وارد في أحاديث:
أولًا: حديث أنس؛ رواه البزار (2177)، وأبو يعلى (4224) من طريق ليث عبد الوارث عن أنس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود وبالمعتوه، وبمن مات في الفترة والشيخ الفاني. . . ".
قال الهيثمي (7/ 216): "وفيه ليث ابن أبي سُليم وهو مدلس وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح".
أقول: ظن الهيثمي أن عبد الوارث هو ابن سعيد الثقة، وليس كذلك، فهو ليس من هذه الطبقة، وإنما هو عبد الوارث مولى أنس.
قال أبو حاتم: شيخ، وقال الترمذي عن البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: مجهول، وضعفه الدارقطني.
وليث أبي سليم ضعيف كذلك ولذا قال المصنف في "طريق الهجرتين" (ص 705 - ط دار ابن كثير): هذا لم يعتمد عليه بمجرده لمكان ليث بن أبي سُليم.
ثانيًا: حديث أبي سعيد الخدري؛ رواه البزار (2176)، وأبو القاسم في "الجعديات" (2126) والذهلي -كما في "طريق الهجرتين" (ص 705 - 706) - من طريق فضيل بن مروزق عن عطية العوفي عنه.
قال الهيثمي (7/ 216): وفيه عطية وهو ضعيف.
ثالثًا: حديث معاذ.
رواه الطبراني في "الكبير" (20/ 158) وأبو نعيم (5/ 127) والحكيم في "نوادر الأصول" (87) من طريق عمرو بن واقد عن يونس بن ميسرة عن أبي إدريس عنه.
قال الهيثمي (7/ 217): "وفيه عمرو بن واقد هو متروك عند البخاري وغيره، ورمي بالكذب، وقال محمد بن المبارك الصوري: كان يتبع السلطان، وكان صدوقًا، وبقية رجال الكبير رجال الصحيح".
أقول: لا أدري من هذا الصوري الذي حسّن أمر عمرو، وإلا فقد تناوله أهل الجرح والتعديل، وقد ختم الذهبي في "الميزان" ترجمة عمرو هذا بعد أن ذكر له جملة من الأحاديث وقال: "هو هالك"، وقال المصنف في آخر "طريق الهجرتين" (ص 704): "وإن كان عمرو بن واقد لا يححج به، فله أصل وشواهد، والأصول تشهد له، وفي الباب أحاديث غير هذا". =
(6/224)

ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن (1) منهم ستة وتشاءم (2) منهم أربعة؛ فأما الذين تشاءموا: فلَخْمٌ وجَذَام وغسَّان وعَامِلة، وأما الذين تيامنوا: فالأزد والأشعريون وحِمْيرَ وكِنْدَة ومُذْحَج، وأنمار. . . فقال رجل: يا رسول اللَّه، وما أنمار؟ فقال: "الذين منهم خَثْعم وبَجِيلة" (3).
__________
= أقول: حديث معاذ هذا ضعيف جدًا، وحديث أنس قريب منه، وحديث أبي سعيد ضعيف، فلا أظنها تقوي بعضها بعضًا، ومع هذا فقد ذكر شيخنا الألباني الحديث في "السلسلة الصحيحة" (2468) واللَّه أعلم.
واعلم أن الحديث قد روي بدون ذكر الأطفال، حيث ذكر بدلًا منه، "الأصم" بأسانيد أصح من التي ذكرت، فانظر "الصحيحة" (1434)، و"صحيح ابن حبان" (7357).
(1) و (2) "تيامن: ذهب إلى اليمن، وتشاءم: ذهب إلى الشام" (ط).
(3) هو جزء من حديث طويل؛ رواه مطولًا ابن أبي شيبة (12/ 362) وفي "مسنده" (2/ 225 رقم 713) والترمذي (3236) باب ومن سورة سبأ وعبد اللَّه بن أحمد في "زوائد المسند" -وهو ليس في مطبوعه (1) وعزاه له ابن حجر في "أطراف المسند" (5/ 178) و"إتحاف المهرة" (12/ 651) وابن كثير في "جامع المسانيد" (10/ 270 - 271) - وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1699)، وابن جرير الطبري (10/ 360)، والطبراني في "الكبير" (18/ 836)، وأبو يعلى (6852)، ولكنه لم يسق لفظه، والرازي في "تاريخ صنعاء" (ص 143، 144) وابن شبة في "تاريخ المدينة" (1/ 550 - 551) والأزهري في "معاني القراءات" (ص 237) والسمعاني في "الأنساب" (1/ 28 - 29، 31) وابن الجوزي في "المنتظم" (1/ 249)، والمزي في "تهذيب الكمال" (23/ 175)، واختصره أبو داود (3988) في "الحروف والقراءات" مقتصرًا على الجزء المذكور هنا رووه كلهم من طريق أبي أسامة حماد بن سلمة (وعند الطبراني: أسامة، وهو خطأ): حدثني الحسن بن الحكم النخعي: حدثني أبو سَبْرة النخعي عن فروة بن مُسيك به.
وتوبع حماد، رواه السمعاني في "الأنساب" (1/ 31 - 32) عن عبد اللَّه بن الأجلح الكندي عن الحسن بن الحكم به.
قال الترمذي: حديث حسن غريب. وجوّد إسناد ابن كثير في تفسير سورة سبأ، أقول: أبو سبرة هذا قال ابن معين: لا أعرفه، وذكره ابن حبان في "الثقات" كعادته، ومع هذا قال الذهبي رحمه اللَّه في "الكاشف": "ثقة"، مع أنه يقول في أمثال هذا: وُثق.
وهذا الجزء من الحديث، رواه البخاري في "تاريخه الكبير" (7/ 126)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1700) و (2469)، والطبراني في "الكبير" (18/ 838)، والحاكم (2/ 424) والسمعاني في "الأنساب" (1/ 29 - 30) من طريق فرج بن سعيد عن عم أبيه (وفي بعض المصادر: عمه وهو خطأ، انظر: "إتحاف المهرة" (12/ 650))، ثابت بن سعيد عن أبيه سعيد عن أبيه عن فروة بن مسيك به. =
_______
(1) ثم وجدته فيه (39/ 527 - 528 رقم 24009/ 87، 89، 90 - ط مؤسسة الرسالة).
(6/225)

وسئل عن قوله تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: 64] فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له" (1).
__________
= وثابت وأبوه في عداد المجاهيل.
ورواه أيضًا أحمد في "المسند" (39/ 528 - 531 - ط الرسالة) -كما في "إتحاف المهرة" (12/ 650 - 651) و"أطراف المسند" (5/ 178) و"جامع المسانيد" (10/ 270) لابن كثير، وهو ليس في مطبوعه (1) -وابن قانع في "معجم "الصحابة" (12/ 4284 رقم 1544) وأبو نعيم في "معرفة "الصحابة" (4/ 2287 رقم 5656) و"أخبار أصبهان" (1/ 202) والطبراني (18/ 834 و 835)، وابن جرير الطبري (10/ 360) من طرق عن فروة بن مسيك مما يقوي أمر هذا الحديث.
وله شاهد من حديث ابن عباس، رواه أحمد (1/ 316)، والحاكم (2/ 423)، وابن عدي (4/ 1470)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وحسّن إسناده الحافظ ابن كثير في "تفسيره"، وحسن ابن عبد البر في "الاستيعاب" (3/ 1261) الحديث.
(1) ورد من حديث أبي الدرداء وعبادة وأبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص.
أما حديث أبي الدرداء؛ فقد رواه أحمد (6/ 445، 447)، وسعيد بن منصور في "السنن" (1067) وابن أبي حاتم في "التفسير" (6/ 1965 رقم 10459) وابن أبي شيبة (11/ 51) وفي "مسنده" (1/ 42 - 43 رقم 26)، والطبري (6/ 577 - 578 و 579)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (2180)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (4751) من طرق عن شعبة وسفيان بن عيينة ووكيع وأبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح ذكوان عن عطاء بن يسار عن شيخ من أهل مصر عنه.
وخالفهم جرير؛ فرواه عن الأعمش عن أبي صالح عن عطاء عن أبي الدرداء بإسقاط الرجل.
أخرجه الطبري (6/ 579).
ورواية الجماعة أولى؛ لأنه قد رواه أيضًا غير الأعمش عن أبي صالح بإثبات الرجل كان أهل مصر، فقد رواه أحمد (6/ 447) والحميدي (391) والفسوي (2/ 699)، والطبري (6/ 579)، والترمذي بعد (3115) في "التفسير" باب ومن سورة يونس، والحاكم (4/ 391)، والبيهقي (4752) من طريق ابن عيينة عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح به.
ورواه أحمد (6/ 447) وسعيد بن منصور (1066) والترمذي (2278 و 3115)، والطبري (6/ 578) وابن أبي حاتم في "التفسير" (6/ 1965 رقم 10460)، والبيهقي (4752) من طريق ابن عيينة عن محمد بن المنكدر عن عطاء يخبر عن رجل من أهل مصر قال سألت أبا الدرداء به.
وهذه أسانيد رواتها من الثقات الأثبات تبين أن هناك رجلًا مبهمًا بين عطاء بن يسار وأبي الدرداء، وعلقه ابن أبي حاتم في "العلل" (2/ 88 - 89 رقم 1760) عن الأعمش وسأل أباه عن الشيخ الذي من أهل مصر فقال: "لا يعرف". =
_______
(1) ثم وجدته في طبعة مؤسسة الرسالة (39/ 528 - 531).
(6/226)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وقد خالف جميع من ذكرنا (الأعمشَ وعبد العزيز بن رفيع وابن المنكدر) عاصمُ بن بهدلة؛ فرواه عن أبي صالح قال: سمعت أبا الدرداء فذكره.
أخرجه ابن أبي شيبة (11/ 52) وابن جرير (6/ 580) من طريق حجاج بن منهال عن حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة به.
أقول: في هذا السند وَهْمٌ ولا بد، وذلك لأن الثقال -كما قلت- رووه عن أبي صالح وذكروا بينه وبين أبي الدرداء واسطتين وهنا رواه عاصم -وهو صاحب أوهام معروفة وحديثه لا يزيد عن الحسن- فجعله عن أبي صالح عن أبي الدرداء بلا واسطة، فأسقط الواسطتين فهذا لا شك وهم، ثم بالنظر إلى وفاة أبي الدرداء الذي توفي في خلافة عثمان، وقيل بعد ذلك، كما في "التقريب"، ووفاة أبي صالح سنة (101) يظهر أن في سماعه منه نظرًا، وبعد أن كتبت هذا رأيت الحافظ ابن حجر في "الفتح" (11/ 135) يقول: وفي سماع أبي صالح من أبي الدرداء نظر، فتأكد ما عندي والحمد للَّه على توفيفه.
ومما يؤكد أيضًا وجود الوهم في تصريح أبي صالح بالسماع من أبي الدرداء أن الترمذي روى الحديث (3116) من طريق أحمد بن عبدة الضبي عن حماد بن زيد عن عاصم عن أبي صالح عن أبي الدرداء، ورواه ابن جرير من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم به، دون ذكر السماع.
ولو فرضنا أن أبا صالح سمع من أبي الدرداء، فإن رواية عاصم بن بهدلة وهم لا شك فيها لمخالفته أهل الثقة والإتقان، إذ إن هؤلاء الثلاثة الذين ذكرت كل واحد منهم أوثق من عاصم بدرجات!
وقد اغتر بظاهر سند ابن جرير المعلِّق على "مشكل الآثار" (5/ 421) وشيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "السلسلة الصحيحة" (رقم 1786) فحسّنا إسناده، وقد عرفت ما فيه.
وعزاه الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (2/ 133) إلى الطيالسي وابن راهويه وأبي يعلى والطبراني، وعزاه في "الدر المنثور" (4/ 374) إلى الحكيم في "نوادر الأصول" وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.
وأما حديث عبادة بن الصامت؛ فرواه أحمد (5/ 315، 321، 325)، وابن أبي شيبة في "مسنده" (ق 98/ ب) وأبو داود الطيالسي (1955)، والدارمي (2/ 123)، والترمذي (2280) في (الرؤيا): باب قوله: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، وابن ماجه (3898)، والطبري (6/ 577 و 578 و 579 و 580) والشاشي (1169، 1216، 1217) وابن عدي (4/ 1532) والواحدي في "الوسيط" (2/ 553)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (4753)، والحاكم (2/ 340 و 4/ 391)، من طرق عنه، وفي بعض أسانيده اختلاف.
وعزاه في "الدر المنثور" (4/ 374) أيضًا إلى الحكيم الترمذي وابن المنذر والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه.
وأما حديث أبي هريرة؛ فرواه ابن جرير الطبري (6/ 578) من طريق عمار بن محمد =
(6/227)

وسئل عن أفضل الرقاب، يعني في العتق، فقال: "أَنفسُها عند أهلها، وأغلاها ثمنًا" (1).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: عن أفضل الجهاد، فقال: "من عُقِرَ جواده وأُريق دمه" (2).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: عن أفضل الصدقة، فقال: "أَن تتصدق، وأنت صحيحٌ شحيحٌ تخشى الفقر وتأمل الغنى" (3).
__________
= عن الأعمش عن أبي صالح عنه، وهذا إسناد على شرط مسلم.
وأما حديث عبد اللَّه بن عمرو؛ فرواه أحمد (2/ 219 - 220) من طريق حسن الأشيب عن أبي لنهيعة عن دَرَّاج عن عبد الرحمن بن جبير عنه.
قال الهيثمي في "المجمع" (7/ 36): وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف.
أقول: وابن لهيعة توبع، فقد تابعه عمرو بن الحارث به.
أخرجه ابن جرير (6/ 581) والواحدي في "الوسيط" (2/ 553) من طريق ابن وهب عن عمرو، وهذا إسناد حَسَن في الشواهد رواته ثقات غير دَرَّاج ففيه كلام.
فالحديث بهذه الطرق صحيح بلا شك، واللَّه أعلم.
وروى مسلم (479) في (الصلاة): باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع من حديث ابن عباس "أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له" وهذا ليس فيه أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل، فالاقتصار على ذكره لتدليل على مراد المصنف قصور، ولا تنس أن المقام في "فتاوى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
(1) رواه البخاري (2518) في (العتق): باب أي الرقاب أفضل، ومسلم (84) في (الإيمان) باب كون الإيمان باللَّه تعالى أفضل من الأعمال، من حديث أبي ذر الغفاري.
(2) رواه أحمد في "مسنده" (3/ 300 و 302، 372)، والدارمي (2/ 200)، وأبو داود الطيالسي (1777)، والطبراني في "الصغير" (713)، وابن حبان (4639)، وابن أبي شيبة (4/ 563) وابن عساكر في "الأربعين في الحث على الجهاد" (رقم 38) من طريق الأعمش عن أبي سفيان -طلحة بن نافع- عن جابر به.
ورواه أحمد (3/ 346 و 391)، والحميدي (1276)، وعبد بن حميد (1060) وأبو يعلى (2081) والبزار (1710 - زوائده) والطبراني في "الأوسط" (1247، 4444، ط الطحان) من طرق عن أبي الزبير عن جابر.
وهذه أسانيد صحيحة.
وفي الباب عن جمع من الصحابة: عبد اللَّه بن حُبْشيّ، وأبو هريرة، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم. انظر: "الجهاد" لابن المبارك (ص 87) و"الجهاد" لابن أبي عاصم (1/ 198 و 2/ 572 - 575).
(3) رواه البخاري (1419) في (الزكاة): باب فضل صدقة الصحيح والشحيح، و (2748) في "الوصايا": باب الصدقة عند الموت، ومسلم (1032) في "الزكاة": باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، من حديث أبي هريرة.
(6/228)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: أي الكلام أفضل؟ فقال: "ما اصطفى اللَّه للملائكة، سبحان اللَّه وبحمده" (1).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: متى وجبت لك النبوة؟ وفي لفظ: "متى كنت نبيًا؟ " فقال: "وآدم بين الروح والجسد" (2) هذا هو اللفظ الصحيح والعوام يروونه: "بين الماء والطين".
__________
(1) رواه مسلم في "صحيحه" (2731) في (الذكر والدعاء): باب فضل سبحان اللَّه وبحمده، من حديث أبي ذر الغفاري.
(2) رواه أحمد في "مسنده" (5/ 59) و"السنة" (864)، والبخاري في "التاريخ"الكبير" (7/ 374)، وابن أبي عاصم في "السنة" (410)، والطبراني في "الكبير" (20/ 833 و 834)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (7/ 60) وابن قانع في "معجم الصحابة" (14/ 5043 رقم 1992، 1993) والطحاوي في "المشكل" (5977) وابن عدي (4/ 1486) وابن جرير في "التاريخ" (ص 569 - المنتخب) والسهمي في "تاريخ جرجان" (ص 392)، وأبو نعيم في "الحلية" (9/ 35)، و"معرفة الصحابة" (5/ 2612 رقم 6290، 6291)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (1/ 84 - 85 و 2/ 129)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 608 - 609)، والبغوي، وابن السكن في "الصحابة" -كما في "الإصابة" (3/ 449) - والآجري في "الشريعة" (3/ 1405 - 1407 رقم 943، 944، 945)، من طريق منصور بن سعد، وإبراهيم بن طهمان كلاهما عن بُدَيل عن عبد اللَّه بن شقيق عن ميسرة الفجر قال: قلت: يا رسول اللَّه: متى كتبت نبيًا؟ وفي بعضها: متى كنت نبيًا؟
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
قال ابن حجر في "الإصابة": "وهذا إسناد قوي؛ لكن اختلف فيه على بديل بن ميسرة" ثم ذكر أنه رواه حماد بن زيد عن بديل عن عبد اللَّه بن شقيق مرسلًا، وعزاه للبغوي.
أقول: الإرسال لا يضر ما دام قد وصله منصور بن سعد، وإبراهيم بن طهمان وهما ثقتان.
وله طريق آخر موصول؛ فقد رواه أحمد (4/ 66 و 5/ 379)، وابن أبي عاصم في "السنة" (411)، وفي "الآحاد والمثاني" (2918) من طريق سريج بن النعمان، وهدبة بن خالد كلاهما عن حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن عبد اللَّه بن شقيق عن رجل قال:. . . فذكره.
وهذا إسناد رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي (8/ 223)، وصححه ابن حجر في "الإصابة".
لكن رواه ابن سعد في "الطبقات" (1/ 148) و (7/ 59) والطحاوي في "المشكل" (رقم 5976) والمزي في "تهذيب الكمال" (14/ 360)، عن حماد بن سلمة عن عبد اللَّه بن شقيق عن ابن أبي الجدعاء به. =
(6/229)

قال شيخنا (1): وهذا باطل، وليس بين الماء والطين مرتبة واللفظ المعروف ما ذكرناه.
__________
= قال الحافظ في "الإصابة" في ترجمة ميسرة: وقد قيل إنه عبد اللَّه بن أبي الجدعاء الماضي في العبادلة وميسرة لقب.
وهذا الاحتمال وارد وحينئذ يزول الخلاف، فمرة قال عبد اللَّه بن شقيق: عن رجل، ومرة عن ميسرة ومرة عن ابن أبي الجدعاء، وعلى كل حال فهو اختلاف في تسمية الصحابي، وهذا لا يضر إن شاء اللَّه.
ولفظ: متى وجبت لك النبوة: رواه الترمذي (3618) في (المناقب): باب في فضل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وابن حبان في "الثقات" (1/ 47) والحاكم (2/ 609) وأبو نعيم في "الدلائل" (8/ 1) و"أخبار أصبهان"، (2/ 226) والخطيب في "تاريخ بغداد" (5/ 83) والبيهقي في "الدلائل" (2/ 130) واللالكائي في "السنة" (1403) والآجري في "الشريعة" (رقم 946، 947)، من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير (في المطبوع: يحيى بن كثير) عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
أقول: وفيه عنعنة الوليد، وانظر شواهده، في "مجمع الزوائد" (8/ 223).
"وكذلك كل إنسان قدر له قدره، وآدم كذلك" (و).
قلت: معنى هذا الحديث، هو أن اللَّه تعالى قدّر نبوّة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل خلق آدم بشرًا سويّا، وهو بيان تقدم قضاء اللَّه بذلك وليس فيه أدنى إشارة إلى أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مخلوق قبل خلق آدم عليه السلام، قال الغزالي في النفخ والتسوية في قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كنت أول النبيين خلقًا. . " إن المراد بالخلق التقدير دون الإيجاد، فإنه قبل أن ولدته أمه لم يكن موجودًا ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود. . انظر "سبل الهدى والرشاد" للصالحي (1/ 91).
وقال شيخ الإِسلام: "ومن قال: إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نبيًا قبل أن يوحى إليه فهو كافر باتفاق المسلمين. وإنما المعنى: إن اللَّه كتب نبوته فأظهرها وأعلنها بعد خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه".
انظر "مجموع الفتاوى" (2/ 182 - 183) وقارن (18/ 369) وبتوسع (2/ 237) و"الرد على البكري" (ص 8).
ومما يدل على أن هذا أشهر الروايات وأصحها جاءت بلفظ "كتبت" بدل "كنت" أما الأحاديث التي تدل على قدم خلق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فكلها باطلة لا تصح عقلًا ولا نقلًا، وإنما وضعها الخرافيون تأييدًا لعقائدهم الباطلة.
(1) في "مجموع الفتاوى" (2/ 147، 238 و 8/ 282 و 18/ 125، 369) و"أحاديث القصاص" (رقم 29) و"مجموعة الرسائل والمسائل" (4/ 71، 72) و"الرد على البكري" (8، 9) ونقل جمع كلام ابن تيمية على هذا الحديث، وقبلوه، منهم: السيوطي في =
(6/230)

وذكر الإِمام أحمد في "مسنده" أن أعرابيًا سأله: يا رسول اللَّه أخبرني عن الهجرة إليك، أينما (1) كنتَ أم لقومٍ خاصَّة، أم إلى أَرض معلومة، أم إذا من انقطعت فسأل ثلاث مرات، ثم جلس، فسكت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسيرًا، ثم قال: أين السائل؟ قال: ها هو ذا حاضر يا رسول اللَّه، قال: "الهجرة أَن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، ثم أنت مهاجر، وإن مت في الحضر". فقام آخر فقال: يا رسول اللَّه أخبرني عن ثياب أهل الجنة، أتخلق خلقًا أم (2) تنسج نسجًا قال: فضحك [بعض] (3) القوم، فقال: رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تضحكون من جاهل يسأل عالمًا؟ " فاستلبث (4) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ساعة، ثم قال: "أين السائل عن ثياب أهل الجنة؟ " فقال: ها هو ذا يا رسول اللَّه، قال: "لا، بل تنشق عنها ثمار الجنة (5)، ثلاث مرات" (6).
__________
= "الدرر المنتثرة" (331) و"ذيل الموضوعات" (203) والسخاوي في "المقاصد الحسنة" (327) و"الفتاوى الحديثة" (1/ 166 - 168) والزرقاني في "شرح المواهب" (1/ 341) و"مختصر المقاصد" (775) والقاري في "المصنوع" (رقم 233) و"الأسرار المرفوعة" (رقم 693) ومرعي الكرمي في "الفوائد الموضوعة" (89) وابن عراق في "تنزيه الشريعة" (1/ 341) والعجلوني في "كشف الخفاء" (2/ 129).
(1) في (ك): "أيما".
(2) في (ك): "أو".
(3) ما بين المعقوفتين من (ك).
(4) في (ك): "فأسكت".
(5) في (ك): "ثمار أهل الجنة".
(6) رواه أحمد في "مسنده" (2/ 221 - 222) والنسائي في "الكبرى" (3/ 441) والطيالسي (2337) -ومن طريقه البزار (1750) و (3521) - وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم 169) والبخاري في "التاريخ الكبير" (3/ 112)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (355) والبيهقي في "البعث والنشور" (رقم 323) من طريق محمد بن أبي الوضاح عن العلاء بن عبد اللَّه بن رافع عن حنان بن خارجة عن عبد اللَّه بن عمرو به.
قال الهيثمي: رواه أحمد والبزار وأحد إسنادي أحمد حسن.
أقول: يشير إلى إسناد آخر للحديث عند أحمد يأتي الحديث عنه أما هذا الإسناد فضعيف، حنان بن خارجة هذا قال الذهبي في "الميزان" (1/ 618) لا يعرف، تفرد عنه العلاء بن عبد اللَّه بن رافع، أشار ابن القطان إلى تضعيفه للجهل بحاله". وانظر: "بيان الوهم والإيهام" (4/ 34 - 36 رقم 1454) والعلاء بن عبد اللَّه بن رافع قال عنه ابن حجر: مقبول.
ورواه بلفظ أخصر قليلًا أحمد في "مسنده" (2/ 203): حدثنا أبو كامل: حدثنا زياد بن عبد اللَّه بن علاثة القاص: حدثنا العلاء بن رافع عن الفرزدق بن حيان القاص قال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته أذناي ووعاه قلبي لم أنسه بعد؟ خرجت أنا وعبد اللَّه بن حيدة في =
(6/231)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ وفي لفظ آخر: هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: "إي، والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مئة عذراء" (1)، قال الحافظ أبو عبد اللَّه المقدسي: رجال إسناده عندي على شرط الصحيح.
__________
= طريق الشام فمررنا بعبد اللَّه بن عمرو بن العاص. . . وذكره.
أقول: هذا اختلاف على العلاء، فرواه ابن أبي الوضاح عنه عن حنان، كما في الإسناد الأول، ورواه زياد عنه عن الفرزدق كما هو هنا.
والفرزدق هذا ترجمه الحسيني وقال: مجهول، أما الحافظ ابن حجر فتعقبه في "تعجيل المنفعة" وبين أن زياد بن عبد اللَّه أخطأ فيه، وإنما هو حنان بن خارجة المتقدم في الإسناد الأول، وضرب على هذا الأمثلة وبين ذلك بيانًا لا مزيد بعده. وقارنه ب"النكت الظراف" (6/ 287) له.
فالإسناد إذن واحد ومداره على حنان والعلاء وقد عرفت حالهما!
ولذلك قول الهيثمي: "وأحد إسنادي أحمد حَسَنٌ" ليس بجيد.
والحديث ذكره شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "الضعيفة" (2383) بالإسناد الأول فقط، ثم أحال على "ضعيف أبي داود" (434).
ثم وجدت للحديث شاهدًا من حديث جابر؛ رواه أبو يعلى (2046)، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم 170)، والطبراني في "الصغير" (120)، والبزار (3520) من طريق إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي عنه.
قال الهيثمي في "المجمع" (10/ 415): وإسناد أبي يعلى والطبراني رجاله رجال الصحيح، غير مجالد بن سعيد وقد وثق.
أقول الحديث ذكره الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (4682) ثم نقل قول البوصيري: "في سنده مجالد بن سعيد وهو ضعيف"، وهو الذي يليق بحال مجالد.
وخولف إسماعيل، فرواه نعيم بن حماد في "زوائد الزهد" (264) وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم 153) من طريق ابن المبارك عن مجالد عن الشعبي مرسلًا، ولعله أصوب.
(1) رواه هناد في "الزهد" (88) -ومن طريقه أبو نعيم في "صفة الجنة" (374) - وأبو يعلى (2436) والحربي في "غريب الحديث" (1/ 266) وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم 269) وأبو الشيخ -كما في "حادي الأرواح" (ص 333) - والبيهقي في "البعث والنشور" (رقم 365)، من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة: حدثنا هشام بن حسان عن زيد بن أبي الحواري عن ابن عباس به بلفظ: "أنفضي إلى نسائنا".
قال الهيثمي في "المجمع" (10/ 416): وفيه زيد -تحرفت فيه إلى يزيد- بن أبي الحواري، وقد وثق على ضعف.
أقول: زيد هو العمي جماهير أئمة الجرح والتعديل على تضعيفه وفصل المصنف الكلام عليه في "الحادي" (333) لكن له شاهد من حديث أبي هريرة. =
(6/232)

وسئل: أنطأ في الجنة؟ فقال: "نعم، والذي نفسي بيده دَحْمًا دحمًا فإذا قام عنها رجعت مُطهَّرةَ بِكْرًا" (1)، ورجال إسناده على شرط "صحيح ابن حبان".
__________
= رواه الطبراني في "الصغير" (رقم 795)، وفي "الأوسط" (5267 - ط الحرمين) ومن طريقه أبو نعيم في "صفة الجنة" (373)، والبزار (3525 - "زوائده")، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم 207)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (1/ 317)، والمقدسي في "صفة الجنة" (ق 82/ أ) من طريق حسين الجعفي عن زائدة عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة.
قال البزار: لا نعلم رواه عن هشام إلا حسين، [كذا, ولعله خطأ مطبعي لأن الراوي عن هشام هو زائدة].
أما الطبراني فقال: لم يروه عن هشام إلا زائدة تفرد به الجعفي وقال الهيثمي (10/ 417): "ورجال هذه الرواية -أي رواية البزار- رجال الصحيح غير محمد بن ثواب، ثقة".
أما أبو حاتم وأبو زرعة فقد أعلا الحديث، قال ابن أبي حاتم (2/ 213): "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه حسين الجعفي عن زائدة عن هشام عن محمد عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول اللَّه! كيف نفضي إلى نسائنا -في المطبوع: شبابنا- فقالا: هذا خطأ، إنما هو هشام بن حسان عن زيد العمي عن ابن عباس.
قلت لأبي: الوهم ممن هو؟ قال: من حسين".
أقول: لا أدري ما وجه تخطئة حسين، فقد قال ابن عيينة: عجبت لمن مر بالكوفة فلم يُقبّل بين عيني حسين الجعفي وقال العجلي: كان صحيح الكتاب، وكان زائدة يختلف إليه في منزله يحدثه فكان أروى الناس عنه، وكان الثوري إذا رآه عانقه، وقال: هذا راهب جعفي. وقال أبو موسى هارون بن عبد اللَّه البغدادي (شيخ ابن أبي الدنيا): فقلت للحسين: إن أبا أسامة حدثنا عن هشام عن زيد بن أبي الحواري عن ابن عباس، قال (أي: حسين) هكذا حدثنا زائدة، ولم يرجع.
قلت: وهذا يدلل على ضبطه وتأكده، واللَّه أعلم.
والحديث ذكره شيخنا الألباني في "الصحيحة" (367)، وقال بعد أن نقل كلام المقدسي: "ورجاله عندي على شرط الصحيح"، وأقره ابن كثير في "التفسير" (4/ 292). والمصنف هنا وفي "حادي الأرواح" (ص 333، 342 - ط دار ابن كثير).
قال: وهو كما قال فالسند صحيح ولا نعلم له علة.
(1) رواه ابن حبان (7402 و 7403)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (393)، والضياء المقدسي في "صفة الجنة" (ق 83/ ب) من طريق ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دَرَّاج عن ابن حُجَيْرة عن أبي هريرة به.
قال الضياء: "ابن حجيرة اسمه عبد الرحمن، ودراج اسمه عبد الرحمن بن سمعان المصيصي: وثقه يحيى بن معين، وأخرج عنه أبو حاتم بن حبان في "صحيحه"، وكان بعض الأئمة ينكر بعض حديثه"، واللَّه أعلم. =
(6/233)

وفي "معجم الطبراني" أنه سئل: هل يتناكح أهل الجنة؟ فقال: "بذكر لا يمل وشهوة لا تنقطع دَحْمًا دحمًا" (1).
قال الجوهري (2): الدحْم: الدفع الشديد.
__________
= أقول: دَرَّاج ضعفه أحمد والنسائي وأبو حاتم والدارقطني ومشاه ابن معين، وقد ساق له ابن عدي أحاديث وقال: عامتها لا يُتابع عليها، فمثله يحتاج إلى مُتابع أو شاهد، ونصفه الأول له شاهد من حديث أبي أمامة يأتي في الذي بعده.
ورواه عبد الملك بن حبيب في "وصف الفردوس" (رقم 196) حدثني أسد بن موسى عن ابن لهيعة عن ابن حجيرة به، وفيه ابن لهيعة.
وأما نصفه الثاني فله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (249)، والبزار (3527)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (365) و (392)، والخطيب (6/ 53)، وابن الجوزي في "العلل" (1551) من طريق المعلي بن عبد الرحمن عن شريك عن عاصم بن سليمان الأحول عن أبي المتوكل الناجي عنه به.
قال الهيثمي (10/ 417): وفيه معلى بن عبد الرحمن الواسطي وهو كذَّاب!!، فهو شاهد لا يُفرح به.
(1) رواه الطبراني في "الكبير" (7674)، ومن طريقه أبو نعيم في "صفة الجنة" (368) من طريق سليمان بن سلمة الخبائري، حدثنا بقية: حدثنا صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، وهذا إسناد ضعيف جدًا، سليمان بن سَلَمَة ضعيف جدًا، كذّبه بعضهم.
ورواه الطبراني في "الكبير" (7721)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (368) من طريق صدقة بن عبد الملك السمين عن هاشم بن زيد عن سليم أبي يحيى عن أبي أمامة به.
أقول: فيه ضعيفان صَدَقَةَ وهاشم بن زيد.
وله شاهد من حديث أبي هريرة؛ رواه البزار (3524)، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم 267) وأبو نعيم في "صفة الجنة" (366)، والبيهقي في "البعث" (366)، والعقيلي (2/ 333) من طريق عبد الرحمن بن زياد عن عمارة بن راشد عنه عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه سئل هل يمسّ أهل الجنة أزواجهم؟ قال: "نعم بذكر لا يملّ، وفرج لا يحفى، وشهوة لا تنقطع".
قال البزار: "عمارة لا نعلم حدّث عنه إلا عبد الرحمن بن زياد وعبد الرحمن كان حسن العقل، ولكنه وقع على شيوخ مجاهيل فحدث عنهم بأحاديث مناكير فضعف حديثه، وهذا مما أنكر عليه مما لم يشاركه فيه غيره".
إذن علة الحديث عبد الرحمن هذا، وهو ابن زياد بن أنعم الإفريقي، وقد اضطرب فيه، فقد رواه هناد في "الزهد" (87)، والعقيلي (2/ 333) من طريقه أيضًا موقوفًا على أبي هريرة، وله شاهد أيضًا من حديث ميمونة رواه الخطابي في "غريب الحديث" (2/ 345)، وانظر ما قبله. و"حادي الأرواح" (ص 343 - 344).
(2) في "الصحاح" (5/ 1917).
(6/234)

وفيه أيضًا أنه سئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: أيجامع أهل الجنة؟ فقال: "دحمًا دحمًا، ولكن لا منيّ، ولا منيّة" (1).
وسُئل -صلى اللَّه عليه وسلم- أينام أهل الجنة؟ فقال: "النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون" (2).
وسُئل -صلى اللَّه عليه وسلم- هل في الجنة خيل؟ فقال: "إن دخَلتَ الجنة أُتيت بفرس من ياقوتة له جناحان، فحملت عليه فطار بك في الجنة حيث شئت" (3).
__________
(1) رواه الطبراني في "الكبير" (7479)، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم 268، 363)، وابن عدي في "الكامل" (3/ 884)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (367)، والبيهقي في "البعث" (367)، وأبو يعلى في "مسنده" -كما في "المطالب العالية" (4680) - من طريق خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أمامة به.
وهذا إسناد ضعيف، خالد هذا وهّاه ابن معين، وضعفه أحمد والنسائي والدارقطني، وخفف أمره ابن عدي، وجعل النبلاء من الرواة عنه، أما أبو زرعة فقال: ثقة!!
وله طريق آخر رواه أبو نعيم في "صفة الجنة" (369) من طرق عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة به. وعزاه المصنف في "حادي الأرواح" (344) إلى الحسن بن سفيان في "مسنده"!
وعلي بن يزيد هو الألهاني ضعفه جدًا البخاري والنسائي والدارقطني، وعثمان قال ابن حجر في "التقريب": ضعفوه في روايته عن علي بن يزيد الألهاني.
وفسر المصنف في "حادي الأرواح" (ص 344) آخر الحديث بقوله: "أي: لا إنزال ولا موت".
(2) ورد الحديث من حديث جابر وعبد اللَّه بن أبي أوفى، وقد فصل فيه الكلام شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "السلسلة الصحيحة" (3/ 74 - 78 رقم 1087)، وبين -بما لا مزيد عليه- أن بعض طرقه عن جابر صحيحة.
وانظر: "حادي الأرواح" (536) و"النهاية" (2/ 470 - 471) و"تفسير ابن كثير" (4/ 158).
(3) رواه الترمذي في "سننه" (2545) في "صفة الجنة" باب ما جاء في خيل الجنة، والطبراني في "الكبير" (4075) -ومن طريقه أبو نعيم في "صفة الجنة" (423) - وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم 101، 182)، من طريق واصل بن السائب عن أبي سورة عن أبي أيوب به.
قال الترمذي: "هذا حديث ليس إسناده بالقوي ولا نعرفه من حديث أبي أيوب إلا من هذا الوجه، وأبو سورة هو ابن أخي أبي أيوب يُضعّف في الحديث ضعفه يحيى بن معين جدًا، قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: أبو سورة هذا منكر الحديث يروي مناكير عن أبي أيوب لا يتابع عليها، ونقله المصنف في "حادي الأرواح" (ص 366 - 367) وأقره، وانظره (ص 368) حيث أعله. =
(6/235)

وسُئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: هل في الجنة إبل؟ فلم يقل للسائل مثل ما قال للأول، بل قال: "إنْ يُدخلك اللَّه الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك وقرَّت عينُك" (1).
__________
= أقول: وفيه واصل بن السائب أيضًا قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال ابن عدي: أحاديث لا تشبه أحاديث الثقات، وأبو سورة لم يسمع من أبي أيوب كذلك.
وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن ساعدة، رواه الطبراني -كما في "المجمع" (10/ 413) - وابن قانع في "معجم الصحابة" (10/ 3491 رقم 1103) والدينوري في "المجالسة" (رقم 279 - بتحقيقي)، والبيهقي في "البعث والنشور" (396)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (424) وفي "معرفة الصحابة" (4/ 1829 رقم 4618) والديلمي في "الفردوس" (5/ 382 رقم 8397).
قال الهيثمي: "ورواته ثقات".
أقول: عبد الرحمن هذا ذكره الحافظ ابن حجر في "الإصابة"، وقال: وذكره الطبراني وابن قانع وغيرهما في الصحابة، ثم بيَّن أن الصواب عن عبد الرحمن بن سابط مرسلًا، وفصل القول في ترجمة (عبد الرحمن بن سابط).
ثم وجدت ابن أبي حاتم قد ذكر الحديث في "علله" (2/ 215)، وقال عن أبيه: عبد الرحمن بن ساعدة لا يُعرف، ورجَّح أن الصواب عن عبد الرحمن بن سابط مرسلًا، وسيأتي تخريجه في الذي يليه.
وهذا الكلام في عبد الرحمن بن ساعدة لم يذكره الحافظ ابن حجر في "الإصابة".
ثم رواه أبو نعيم في "صفة الجنة" بعد (424) فجعل اسم الصحابي عمير بن ساعدة!!
وله شاهد من حديث بريدة انظره في الذي بعده.
(1) رواه أحمد (5/ 352) -ومن طريقه ابن الجوزي في "الحدائق" (3/ 536) - وابن أبي شيبة (13/ 107 - 108)، والطيالسي (680 أو 2838 منحة)، والترمذي (2548)، والبيهقي في "البعث والنشور" (394 و 395)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (425) و"معرفة الصحابة" (4/ 1829 رقم 4619)، والتيمي في "الترغيب" (966) وعبد الغني المقدسي في "صفة الجنة" (3/ ق 86) وابن مردويه -كما في "تفسير ابن كثير" و"الدر المنثور" (6/ 23) - وعبد بن حميد -كما في "إتحاف السادة المتقين" (10/ 548 - 549) - من طرق عن المسعودي عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه، فذكر السؤال عن الإبل والخيل.
وهذا إسناد ضعيف، المسعودي كان اختلط، وقد رواه عنه عاصم بن علي، والطيالسي ويزيد بن هارون وقد سمعوا منه بعد الاختلاط كما في "الكواكب النيرات".
ومما يدل على اختلاط المسعودي وعدم ضبطه أنّ الثوري روى الحديث عن علقمة فجعله عن عبد الرحمن بن سابط مرسلًا.
رواه الترمذي (بعد 2548)، وعبد الرزاق في "المصنف" (6700) وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم 247) ونعيم بن حماد في "زوائد الزهد" (رقم 271) وابن جرير في "التفسير" (25/ 97) وعبد الملك بن حبيب في "وصف الجنة" (166) والبغوي في "شرح =
(6/236)

وفي "معجم الطبراني" أن أم سلمة -رضي اللَّه عنها- سألته فقالت: يا رسول اللَّه أخبرني عن قول اللَّه عز وجل: {وَحُورٌ عِينٌ} (1) [الواقعة: 22] قال: "حورٌ بيض، [عينٌ] (2) ضخام العيون، شعر الحوراء (3) بمنزلة جناح النسر" قلت: أخبرني عن قول اللَّه عز وجل: {كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} [الواقعة: 23] فقال: "صفاؤهن صفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي"، قلت: أخبرني عن قوله تعالى: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} [الرحمن: 70]، قال: "خيرات الأخلاق، حسانُ الوجوه"، قلت: أخبرني عن قول اللَّه عز وجل: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} [الصافات: 49] قال: "رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشرة" قلت: أخبرني يا رسول اللَّه عن قوله تعالى: {عُرُبًا أَتْرَابًا} [الواقعة: 37] قال: "هن اللواتي قُبضن في دار الدنيا عجائز رمصًا شُمطًا (4)، خلقهن اللَّه بعد الكبر فجعلهن [اللَّه] (5) عذارى عربًا متعشِّقات متحببات، أترابًا على ميلاد واحد" قلت: يا رسول اللَّه نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: "بل نساء الدنيا [أفضل من الحور العين] (5) كفضل الظهارة على البطانة" قلت: يا رسول اللَّه وبم ذاك؟ قال: "بصلاتهنّ وصيامهنّ وعبادتهنّ اللَّه تعالى، أَلبس اللَّه وجوهنَّ النور وأجسادهن الحرير، بيض الأَلوان، خضر الثياب، صفر الحُلي مجامرهن الدر، وأمشاطهن الذهب، يقلن:
نحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نبأس أبدًا، [ونحن المقيمات فلا نظعن أبدًا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدًا، طوبى لمن كنَّا له وكان لنا"] (5)،
__________
= السنة" (4281) وفي "معالم التنزيل" (6/ 141) والبيهقي في "البعث والنشور" (397) وعبد بن حميد، كما في "الدر المنثور" (6/ 22)، قال الترمذي: "هذا أصح من حديث المسعودي" وأقره المصنف في "حادي الأرواح" (ص 367).
إذن رجع هذا الحديث وحديث عبد الرحمن بن ساعدة السابق إلى حديث عبد الرحمن بن سابط المرسل، وإليه يوميء أيضًا كلام أبي حاتم -كما في "علل ابنه" (2/ 215)، وقال ابن حجر في "الإصابة" (4/ 307) عن مرسل ابن سابط: "وهو المحفوظ" وانظر (5/ 228) وتعليقي على "المجالسة" (2/ 150 - 153).
وفي (ك): "ولدت عينك" بدل "وقرت عينك".
(1) "تكرر ذكر الحور بهذا الاسم أربع مرات، هي في الدخان والطور والرحمن والواقعة" (و).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) في (ك): "الجعداء".
(4) "جمع رمصاء من الرمص: وسخ أبيض جامد يجتمع في موق العين، والشمطاء: التي اختلط بياض شعرها بسواده" (و).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6/237)

قلت: يا رسول اللَّه المرأة منا تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة، ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من يكون زوجها؟ قال: "يا أم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقًا، فتقول: يا رب إن هذا كان أحسنهم معي خلقًا في دار الدنيا فزوجنيه، يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة" (1).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قوله تعالى: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] أين الناس يومئذ؟ قال: "على جسر جَهنَّم" (2).
وسئل عن الإيمان؟ فقال: "إذا سرَّتك حسناتك وساءتك سيئاتك، فأنت مؤمن" (3).
__________
(1) رواه الطبراني في "الكبير" (23/ 870) و"الأوسط" (3141 - ط الحرمين) مطولًا، والعقيلي (2/ 138)، والطبري (10/ 488 و 489 و 11/ 614 و 633) مقطعًا، وابن عدي في "الكامل" (3/ 112) مختصرًا، من طريق سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن حسان عن الحسن البصري عن أمه عن أم سلمة به.
قال الهيثمي في "المجمع" (7/ 119): فيه سليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي، وذكره في (10/ 417 - 418)، وضعفه بسُليمان.
أقول: وقال ابن عدي: روى خمسة أحاديث منكرة مسندة في التفسير وغيره، ثم قال: وهذا الحديث منكر.
وقال العقيلي: يُحدث بمناكير ولا يتابع على كثير من حديثه.
وقال المصنف في "حادي الأرواح" (ص 330): "تفرد به سليمان بن أبي كريمة، ضعّفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مناكير، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا، ثم ساق هذا الحديث من طريقه، وقال: لا يعرف إلا بهذا السند".
(2) هو بهذا اللفظ في "جامع الترمذي" (3254) في (تفسير القرآن): باب ومن سورة الزمر، من حديث عائشة، وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
ورواه مسلم (2791) في (صفات المنافقين): باب في البعث والنشور من حديثها أيضًا بلفظ: "على الصراط" لكن هو عنده سؤال عن آية: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ}.
وفي حديث ثوبان عند مسلم (315) قال: هم في الظلمة دون الجسر.
(3) رواه أحمد في "مسنده" (5/ 215 و 252 و 256)، وعبد الرزاق (20104)، والطبراني (7539)، وابن حبان (176)، وابن منده في "الإيمان" (1088 و 1089)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (401 و 402)، والحاكم (1/ 14) من طريق معمر وهشام الدستوائي كلاهما عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سَلًام عن جده عن أبي أمامة مرفوعًا به.
وفيه زيادة قال: يا رسول اللَّه فما الإثم؟ قال: "إذا حال في قلبك شيء فدعه".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي.
أقول: بل إسناده على شرط مسلم وحده فإن زيدًا وجدَّه أخرج لهما مسلم وحده.
(6/238)

وسئل عن الإثم؟ فقال: "إذا ح الذي قلبك شيء فدعه" (1).
وسُئل عن البر والإثم؟ فقال: "البرُّ ما اطمأنَّ إليه القلب، واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حال في القلب، وتردد في الصدر" (2).
وسأله عمر: هل نعمل في شيء نستأنفه (3) أم في شيء قد فرغ منه؟ قال: "بل في شيء قد فرغ منه، قال: ففيمَ العمل؟ قال: "يا عمر لا يُدرك ذلك إلا بالعمل"، قال: إذًا نجتهد يا رسول اللَّه (4).
__________
(1) هو جزء من الحديث قبله.
(2) هو جزء من حديث وابصة بن معبد تقدم الكلام عليه مفصلًا، وقد كان التخريج هناك من أجل فقرة منه ولهذا الجزء منه شاهد من حديث أبي ثعلبة الخشني؛ رواه أحمد (4/ 194)، والطبراني في "الكبير" (22/ 585)، وأبو نعيم في "الحلية"، (2/ 30)، قال الهيثمي (1/ 176): رجاله ثقات.
وللنواس بن سمعان حديث في السؤال عن البر والإثم، رواه مسلم (2553) في البر والصلة: باب تفسير البر والصلة، ولفظه: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس".
(3) في (ك): "نأتنفه".
(4) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 29 و 2/ 52 و 77)، والترمذي (2140) في (القدر): باب ما جاء في الشفاء والسعادة، والبخاري في "خلق أفعال العباد" (275 و 276 و 277)، وابن أبي عاصم (163 و 164)، والبزار (121 - البحر الزخار)، والطيالسي (62 - منحة)، وأبو يعلى (5463)، وعبد اللَّه بن أحمد في "السنة" (رقم 855) وابن بطة في "الإبانة" (رقم 1359) وعثمان الدارمي في "الرد على الجهمية" (322 - مجموعة عقائد السلف) والفريابي في "القدر" (رقم 33، 34)، والآجري (رقم 326) من طرق عن شعبة عن عاصم بن عبيد اللَّه عن سالم عن ابن عمر عن عمر فذكره.
وفي بعضها يؤمن أن الحديث من "مسند ابن عمر" لكن السائل أبوه -رضي اللَّه عنهما-.
وهذا إسناد ضعيف من أجل عاصم بن عبيد اللَّه.
أما الترمذي فقال: هذا حديث حسن صحيح، ووقع عنده "عاصم بن عبد اللَّه"!، وعاصم هذا توبع، تابعه عبد اللَّه بن دينار.
أخرجه ابن أبي عاصم (170)، والترمذي (3121) في (تفسير القرآن): باب ومن سورة هود، من طريق سليمان بن سفيان عنه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
أقول: سليمان هذا ضعيف.
ورواه ابن أبي عاصم (161) والفريابي في "القدر" (رقم 29)، من طريق بقية عن الزببدي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر، به.
ثم رواه (162) من طريق بقية أيضًا عن الأوزاعي عن الزهري، به. =
(6/239)

وكذلك سأله سُراقة بن لمالك بن [مالك بن] (1) جُعْشُم فقال: يا رسول اللَّه أخبرنا عن أمرنا كأننا ننظر إليه، أبما جرت به الأقلام، وثبتت به المقادير أم بما يستأنف؟ فقال: "لا، بل بما جرت به الأقلام وثبتت به المقادير"، قال: ففيم العمل إذًا؟ قال: "اعملوا فكل ميسر". قال سراقة: فلا أكون أبدًا أشدَّ اجتهادًا في العمل مني الآن (2).

فصل [فتاوى تتعلق بالطهارة]
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الوضوء بماء البحر؟ فقال: "هو الطَّهورُ ماؤه والحِلُّ (3) ميتته" (4).
__________
= لكن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر.
وقد رواه أنس بن عياض فخالف بقية فجعله عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
أخرجه البزار (2137)، وابن حبان (108) والفريابي في "القدر" (رقم 31) والآجري (رقم 325)، وإسناده صحيح.
لكن قال البزار: "رواه غير واحد عن الزهري عن سعيد أن عمر قال: لا نعلم أحدًا بسنده عن أبي هريرة إلا أنس، ورواه صالح بن أبي الأخضر عن سالم عن أبيه أن عمر.
أقول: معلق صالح علقه أيضًا ابن أبي عاصم قال (166): رواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن عمر. وصالح ضعيف. وانظر: "العلل" للدارقطني (سؤال 112).
أقول: وفي الباب عن جمع من الصحابة وبعضها في "الصحيح".
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (د) و (ك)، وقال (و): "ساقطة من الأصل"، وفي (ك): "خثعم" بدل "جعشم".
(2) هذا لفظ ابن حبان (337) وإسناده صحيح على شرط مسلم، وقد روى سؤال سراقة هذا للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مسلم (2648) وابن وهب في "القدر" (رقم 18) وأحمد (3/ 304، 335) وفي "السنة" (857) والطيالسي (1/ 33 - المنحة)، وتمام في "فوائده" (رقم 1286، 1333) وابن حبان (336) والفريابي في "القدر" (رقم 32) وابن أبي عاصم في "السنة" (167)، وابن ماجه (91)، والطبراني في "المعجم الكبير" (6562 و 6565 و 6566 و 6567 و 6593) واللالكائي في "السنة" (رقم 1070، 1071) والبغوي (74) والآجري في "الشريعة" (رقم 335)، بعضهم يجعله من حديث جابر، وبعضهم من حديث جابر عن سراقة.
(3) في (ك): "الحل".
(4) تقدم مرارًا.
(6/240)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الوضوء (1) من بئر بضاعة (2)؟، وهي بئر يُلقى فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (3).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الماء يكون بالفلاة، وما ينوبه من الدواب والسباع؟ فقال: "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء" (4).
__________
(1) في (ك): "وضوءه".
(2) "قدَّر أبو داود عرضها بستة أذرع" (و).
(3) رواه أحمد (3/ 15 - 16 و 31 و 86)، وأبو داود (66 و 67) في (الطهارة): باب ما جاء في بئر بضاعة، والترمذي (66) في (الطهارة): باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، والنسائي (1/ 174) في (المياه): باب ذكر بئر بضاعة، وابن أبي شيبة (1/ 166 - 167)، وابن الجارود (47)، والدارقطني (1/ 31)، وابن المنذر في "الأوسط" (1/ 69) وسمويه في "بعض الثالث من فوائده" (ق 139/ أ) وأبو عبيد في "الطهور" (رقم 146 - بتحقيقي)، وأبو يعلى (1304)، والطيالسي (115 - منحة)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 11 و 12). والبيهقي (1/ 4 - 5)، وفي "الخلافيات" (3/ رقم 966 - 975 بتحقيقي) والبغوي في "شرح السنة" (2/ 60، 61) من حديث أبي سعيد الخدري وقد حسنه الترمذي، وتكلم عليه الحافظ في "التلخيص" (1/ 13)، وقال: وقد صححه أحمد ويحيى بن معين وابن حزم، وانظر: "تحفة المحتاج" (1/ 137) و"المجموع" (1/ 82) و"البدر المنير" (2/ 51 - 86) و"خلاصة البدر المنير" (1/ 7) و"تنقيح التحقيق" (1/ 205 - 207) و"تحفة الطالب" (رقم 146) و"إرواء الغليل" (1/ 45) وتعليقي على "الخلافيات" (3/ 82 - 83 و 196 - 205).
(4) رواه أحمد (2/ 3 و 27)، وابن أبي شيبة (1/ 169)، والدارمي (1/ 187)، وأبو داود (63) (64) (65) في (الطهارة): باب ما ينجس الماء، والترمذي (67)، والنسائي (1/ 46) في (الطهارة): باب التوقيت في الماء، و (1/ 175) في (المياه): باب التوقيت في الماء، وابن ماجه (517 و 518) في (الطهارة): باب مقدار الماء الذي لا ينجس, وابن الجارود (44) و (45) و (46)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 15)، وابن خزيمة (92) والدارقطني (1/ 14 و 15 و 19 و 21)، وابن حبان (1249 و 1253)، والحاكم (1/ 132 و 133 و 134)، والبيهقي (1/ 260 و 261 و 262) من حديث ابن عمر.
وللحديث طرق كثيرة جدًا، استوعبها البيهقي في "الخلافيات" (3/ 146 - 178) وأطلت النفس هناك في تخريجها والكلام على رواتها، وبيّنت أن ابن عبد البر أعله في "تمهيده" (1/ 329) و"استذكاره" (2/ 102) وأن الضياء المقدسي رد عليه في جزء مفرد، ذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (21/ 41 - 42).
بقي بعد هذا: إن جماعة من الحفاظ قد صححوا هذا الحديث وعملوا به، منهم:
الإِمام الشافعي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، وابن دقيق العيد -كما في "طبقات الشافعية الكبرى" (9/ 245) -، والعلائي في "جزء" مفرد مطبوع، وابن حجر، والشوكاني، والمباركفوري، وشيخنا الألباني. =
(6/241)

وسأله أبو ثعلبة فقال: إنَّا بأرض قوم أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم، وقدورهم؟ فقال: "إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء واطبخوا فيها، واشربوا" (1).
وفي "الصحيحين": إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال: "لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها، فاغسلوها ثم كلوا فيها" (2).
__________
= وقال ابن حزم في "المحلى" (1/ 151): "صحيح، ثابت، لا مغمز فيه".
وقال الجورقاني في "الأباطيل" (1/ 338): "هذا حديث حسن". وقال المنذري في "مختصر السنن" (1/ 59): "هذا الإسناد صحيح موصول". وقال النووي في "المجموع" (1/ 112): "حديث حسن ثابت". وقال في "كلامه على سنن أبي داود" -كما في "البدر المنير) (2/ 96) -: "هذا الحديث حسنه الحفاظ وصححوه، ولا تقبل دعوى من ادعى اضطرابه.
وصححه الرافعي، وعبد الحق الإشبيلي، وابن منده، وابن الملقن، وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (1/ 112): "أكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتج به". وصدق الخطابي حين قال في "معالم السنن" (1/ 58): "يكفي شاهد على صحة هذا الحديث أن نجوم أهل الحديث صححوه، وقالوا به، [واعتمدوه في تحديد الماء]، وهم القدوة وعليهم المعول في هذا الباب".
وانظر كلام المصنف على الحديث في "تهذيب السنن" (1/ 56 - 74 و 3/ 248).
(1) رواه عبد الرزاق (8503)، ومن طريقه أحمد (4/ 193 - 194)، وأبو داود الطيالسي (125 - منحة) والحاكم (1/ 143) من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أبي ثعلبة به.
ورواه الترمذي (1564) في (السير): باب ما جاء في الانتفاع بآنية المشركين، و (1801) في (الأطعمة): باب ما جاء في الأكل في آنية الكفار، من طريق أيوب به، لكنه مختصرٌ جدًا، ثم قال بعد الموضع الأول: وقد رُوي هذا الحديث في غير هذا الوجه عن أبي ثعلبة، وأبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة، إنما رواه عن أبي أسماء عن أبي ثعلبة.
أقول: وطريق أبي أسماء هذه أخرجها أحمد (4/ 195)، والترمذي (1802) والحاكم (1/ 144) (وفي مطبوعه سقط، والاعتماد على ما في "إتحاف المهرة" (14/ 46)) من طريقين عن حماد بن سلمة عن أيوب (زاد عند الترمذي وقتادة) عن أبي قلابة عنه به.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وبنحو هذا اللفظ؛ رواه أبو داود (3839) في (الأطعمة): باب الأكل في آنية أهل الكتاب: حدثنا نصر بن عاصم: حدثنا محمد بن شعيب: أخبرنا عبد اللَّه بن العلاء بن زبر عن أبي عبيد اللَّه مسلم بن مِشْكم عن أبي ثعلبة.
قال شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "إرواء الغليل" (1/ 75): إسناده صحيح.
قال (و): ". . . الرحض: الغسل".
(2) جزء من حديث رواه البخاري (5478) في (الذبائح): باب ما أصاب المعراض بعرضه، =
(6/242)

وفي "المسند"، و"السنن": أفتنا في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها فقال: "إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء واطبخوا فيها" (1).
وفي "الترمذي" سئل عن قدور المجوس؟ فقال: "أنقوها غسلًا، واطبخوا فيها" (2).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الرجل يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (3).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المذْيّ؟ قال: يجزئ منه الوضوء، فقال له السائل: فكيف بما أصاب ثوبي منه؟ فقال: "يكفيك أَن تأخذ كفًا من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه" (4)، صححه الترمذي.
__________
= و (5488) باب ما جاء في التصيد، و (5496) باب آنية المجوس والميتة، ومسلم (1930) في (الصيد): باب الصيد بالكلاب المعلمة، من حديث أبي ثعلبة الخُشني.
(1) رواه أحمد (2/ 184)، وأبو داود (2857) في (الصيد) باب في الصيد، والدارقطني (4/ 294)، والبيهقي (9/ 237) وفي "المعرفة" (13/ 445 رقم 18786) وابن الجوزي في "التحقيق" (10/ 231 رقم 2309)، من طريق حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا ثعلبة فذكره وإسناده حسن.
(2) رواه الترمذي (1564) في (السير): باب الاتفاع بآنية المشركين، و (1801) في (الأطعمة): باب ما جاء في الأكل في آنية الكفار، من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أبي ثعلبة به، وقال: أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة، وانظر ما سبق قريبًا، فقد سبق الكلام مفصلًا على هذا الطريق ويشهد له ما قبله.
(3) رواه البخاري (137) في (الوضوء): باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، و (177) باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القُبل والدُّبر، و (2056) في (البيوع): باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات، ومسلم (361) في (الحيض): باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك، من حديث عباد بن تميم عن عمه.
(4) رواه الترمذي (115) في (الطهارة): باب ما جاء في المذي يصيب الثوب، وأبو داود (210) في (الطهارة): باب في المذي، وابن ماجه (506) في (الطهارة)، باب الوضوء من المذي وأحمد (3/ 485)، والدارمي (1/ 184)، وابن خزيمة (291)، وابن حبان (1103)، وابن أبي شيبة (1/ 105)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1913)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 47) وابن المنذر في "الأوسط" (2/ 142 رقم 696)، والطبراني في "الكبير" (5593 و 5594 و 5595) كلهم من طريق محمد بن إسحاق: حدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق ورواه الطبراني (5589) من طريق آخر عن سهل بن حنيف بإسناد فيه الواقدي.
(6/243)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عمّا يوجب الغسل وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: "ذاك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك، وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة" (1).
وسألته فاطمة بنت أبي حُبيش، فقالت: إني امرأة استحاض، فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: "لا إنَّما ذلك عِرْق وليس بحيضة، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلّي" (2).
وسئل عنها أيضًا؟ فقال [النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-] (3): "تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت
__________
(1) رواه أحمد (4/ 342)، وأبو داود (211) في (الطهارة): باب في المذي وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 7) والخطيب في "الموضح" (1/ 109) من طريق معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن حزام بن حكيم عن عمّه عبد اللَّه بن سعد الأنصاري به، واللفظ المذكور لفظ أبي داود، قال الزيلعي في "نصب الراية" (1/ 93): قال عبد الحق في "أحكامه": إسناده لا يحتج به.
أقول: لا أدري لماذا لا يُحتج بإسناده، فمعاوية بن صالح وثقه غير واحد وروى له مسلم، نعم فيه بعض الكلام لكن لا ينزل عن درجة الحسن.
والعلاء بن الحارث روى له مسلم أيضًا ووثقه جماعة وكان يرى القدر، وهذا لا يضر في الرواية, وذكروا أنه خلط في آخر عمره. ولم يذكروا من روى عنه قبل الاختلاط أو بعده، ويظهر أن اختلاطه لم يكن بيّنًا، وأخشى أن لا يكون أخذ منه أحد بعد الاختلاط، وحرام بن حكيم من الثقات، وثقه العجلي وابن حبان والدارقطني، وفيه رد على ابن حزم في "المحلى" (2/ 180 - 181) كما قال: "حرام بن حكيم ضعيف": ووجدت أنه مراد عبد الحق في "الأحكام الوسطى"، قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (3/ 310) عقب قوله: "ولا يحتج بهذا الإسناد" قال: "كذا قال، وهو كذلك، ولكنه بقي عليه أن يبين منه موضع العلة، وهو الجهل! بحال حرام بن حكيم الدمشقي"، قلت: الصواب أنه ثقة، كما قدمناه، وانظر له: "تاريخ دمشق" (12/ 303).
والحديث له شاهدان انظرهما في "نصب الراية" (1/ 93 - 94).
وانظر: كلام المصنف حول المذي، وكيفية الطهارة منه في: "إغاثة اللهفان" (1/ 150)، و"تهذيب السنن" (1/ 148 - 149)، و"بدائع الفوائد" (3/ 119 - 120)، و (4/ 88).
(2) رواه البخاري (228) في (الوضوء): باب غسل الدم، و (306) في (الحيض) باب الاستحاضة، و (320) باب إقبال المحيض وإدباره، و (325) باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض، و (331) باب إذا رأت المستحاضة الطهر، ومسلم (333) في (الحيض): باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، من حديث عائشة.
وانظر: "تهذيب السنن" (1/ 181 - 183).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6/244)

تحيض فيها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي" (1).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الوضوء من لحوم الغنم؟ فقال: "إن شئت فتوضأ، وإن شئت، فلا تتوضأ" (2).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: "نعم توضأ من لحوم الإبل" (3).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: "نعم صلوا فيها" (4).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: "لا" (5).
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل فقال: يا رسول اللَّه ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها فليس يأتي الرجل من امرأته شيء إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "توضأ، ثم صلِّ" فقال معاذ: فقلت يا رسول اللَّه أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ قال: "بل للمؤمنين عامة" (6).
__________
(1) هو الحديث السابق لكن زاد فيه بعض الرواة عن هشام بن عروة: "وتتوضأ عند كل صلاة".
وقد زادها أبو معاوية عند البخاري (228)، والترمذي (125) في (الطهارة): باب ما جاء في المستحاضة، وحماد بن زيد عند النسائي (1/ 185 - 186) في (الحيض): باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة. وقال بعده: "وقد روى غير واحد هذا الحديث عن هشام بن عروة ولم يذكر فيه: "وتوضأ"، واللَّه تعالى أعلم"!
ورواه أيضًا حماد بن سلمة عند الدارمي (1/ 199)، وأبو حمزة السكري عند ابن حبان (1354)، وأبو عوانة عند ابن حبان أيضًا (1355).
أقول: هؤلاء خمسة من الثقات رووا الحديث بهذه الزيادة مما يجعل لها أصلًا.
وانظر الكلام على هذا مفصلًا في: "الخلافيات" (3/ 442 - 454) وتعليقي عليه، و"التلخيص الحبير" (1/ 167 - 169)، و"فتح الباري" (1/ 332)، وتعليق الشيخ أحمد شاكر على "سنن الترمذي"، و"إرواء الغليل" (1/ 146).
وقد ساق المصنف ما أورد على هذا الحديث من علة وتعقبها في "تهذيب السنن" (1/ 188 - 189) فراجعه.
(2) و (3) و (4) و (5) كلها من حديث واحد رواه مسلم (360) في (الحيض): باب الوضوء من لحوم الإبل، من حديث جابر بن سمرة.
وفي (ك) في الحديث قبل الأخير: "مبارك" بدل "مرابض" و"صل" بدل "صلوا".
وانظر تصحيح المصنّف للحديث في "تهذيب السنن" (1/ 136 - 138)، و"زاد المعاد" (3/ 186) في أحكام الطب "لحم الجمل"، وهو مهم، وانظر "بدائع الفوائد" (4/ 125) وكتابي "فتح المنان" (1/ 41 - 44).
(6) رواه أحمد (5/ 244) وعبد بن حميد (110) والترمذي (3123) في (تفسير سورة هود)، والطبري (12/ 136)، والدارقطني (1/ 134) والواحدي في "أسباب النزول" (181)، =
(6/245)

وسألته أم سليم فقالت: يا رسول اللَّه إن اللَّه لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم إذا رأت الماء". فقالت أم سلمة: أو تحتلم المرأة؟ فقال: "تربت يداك فِبمَ يُشبهها ولدها؟! " وفي لفظ: "أَن أم سليم سألت نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: إذا رأت المرأة ذلك فلتغتسل" (1).
وفي "المسند" أَن خولة بنت حكيم سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال: "ليس عليها غسل حتى تُنزِل، كما أن الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل" (2).
__________
= والطبراني في "الكبير" (20/ 227 و 278)، وابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (رقم 77، 78) والحاكم (1/ 135) والبيهقي (1/ 125) وفي "الخلافيات" (2/ 163 رقم 434)، من طرق عن عبد اللَّه بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل به.
قال الترمذي: "هذا حديث ليس إسناده بمتصل عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير ابنُ ست سنين، وقد روى عن عمر".
وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (1/ 325): "وابن أبي ليلى لم يلق معاذًا، ولا أدركه، ولا رآه".
وروى شعبة هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مُرسلًا.
أقول: وهذا المرسل، رواه النسائي في "الكبرى" في (الرجم) -كما في "تحفة الإشراف" (8/ 409)، لكن وقع في المطبوع في "السنن" (7328) بإثبات معاذ! - وابن جرير (12/ 136). من طريق خالد بن الحارث عن شعبة به.
وفي "الصحيح" أحاديث في الباب منها حديث ابن مسعود؛ رواه البخاري (4687) في (تفسير سورة هود)، ومسلم (2763) في (التوبة) باب قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}، وفي بعض ألفاظه عند مسلم: فقال معاذ: يا رسول اللَّه، هذا لهذا خاصة أو لنا عامة؟ قال: "بل لكم عامة".
وفي الباب عن أنس أيضًا عند مسلم (2764)، وأبي أمامة عنده أيضًا (2765).
(1) اللفظ الأول؛ رواه البخاري في مواطن منها (50) (العلم): باب الحياء في العلم، ومسلم (313) في (الحيض): باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها من حديث أم سلمة.
وأما اللفظ الثاني وهو قوله: "إن أم سلمة سألت" فقد أخرجه مسلم (311) من حديث أم سُليم نفسها.
في (ك): "إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل".
(2) رواه أحمد في "مسنده" (6/ 409) وإسحاق بن راهويه في "المسند" (رقم 2147)، وابن =
(6/246)

وسأله [أمير المؤمنين] (1) علي بن أبي طالب [كرَّم اللَّه وجهه] (1) عن المذي؟ فقال: "من المذي الوضوء، ومن المني الغسل" (2)، وفي لفظ: "إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذكرك، وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل" (3)، ذكره أحمد.
__________
= ماجه (602) في (الطهارة): باب في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، وابن أبي شيبة (1/ 102)، والطبراني في "الكبير" (24/ رقم 613)، وابن سعد في "الطبقات" (8/ 158)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (3266) من طريق سفيان عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن خولة به.
ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (1/ 389) ساكتًا عليه.
قال البوصيري في "الزوائد" (1/ 138): علي بن زيد بن جدعان ضعيف، ورواه النسائي في "الصغرى" عن يوسف بن سعد عن الحجاج بن محمد عن شعبة عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب فذكره إلا قوله: "كما أنه ليس. . . " إلى آخره.
أقول: رواه النسائي (1/ 115)، وأحمد (6/ 459)، والطبراني في "الكبير" (24/ 610)، وابن أبي عاصم (3264) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (6/ 3308 رقم 7597) من طريق شعبة به.
وعطاء الخراساني فيه كلام قال ابن حجر: صدوق يهم كثيرًا، ويرسل ويدلس، ويشهد للجزء الأول منه الحديثان المخرَّجان في الهامش السابق.
وفي (ك): "ليس عليها غسل حتى تنزل كما ينزل الرجل، والرجل ليس عليه غسل حتى ينزل".
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) رواه أحمد (1/ 87 و 109 - 110 و 111 و 111 - 121 و 121 و 193)، والترمذي (114) في (الطهارة): باب ما جاء في المني والمذي، وابن ماجه (504) في (الطهارة): باب الوضوء من المذي، والبزار (629 و 630)، وأبو يعلى (314 و 457)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 46)، وابن أبي شيبة (1/ 113) ومطين في "حديثه" (ق 30 / ب) والطبراني في "الأوسط" (رقم 6009) والخطيب في "الموضح" (2/ 170) من طرق عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب به.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
أقول: يزيد بن أبي زياد هذا ضعّفه ابن معين وابن المديني، وابن المبارك، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث كل أحاديثه ضعيفة وباطلة، وقال البخاري: منكر الحديث، ذاهب الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث.
وقد روى البخاري (132)، ومسلم (303) من حديث علي قال: استحييت أن أسأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المذي من أجل فاطمة فأمرت المقداد فسأله فقال: "منه الوضوء".
وله شاهد من لفظه -أي حديث الباب- من حديث المقداد بن الأسود.
(3) رواه أحمد (1/ 109 و 125 و 145)، وأبو داود (206) في (الطهارة): باب في المذي، والنسائي (1/ 111 و 112) في (الطهارة): باب الغسل من المني، والبزار (802) =
(6/247)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر احتلامًا، فقال: "يغتسل". وعن الرجل يرى أنه قد احتلم، ولم يجد البلل فقال: "لا غُسلَ عليه" (1)، ذكره أحمد.
وسُئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الرجل يجامع أهله، ثم يكسل (2)؟ وعائشة جالسة، فقال: "إني أفعل (3) ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل"، ذكره مسلم (4).
وسألته أم سلمة فقالت: يا رسول اللَّه إني امرأة أشُدُّ ضفر رأسي أفأنقضه لِغسل الجنابة؟ فقال: "لا إنما يكفيك أَن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين (5) عليك الماء"، ذكره مسلم (6)، وعند أبي داود (7): "اغمزي (8) قرونك عند كل حفنة".
__________
= و (803)، وابن أبي شيبة (1/ 115)، والطيالسي (129 - منحة)، وابن خزيمة (20)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 46)، و"مشكل الآثار" (3/ 296 - ط الهندية) والطبراني في "الأوسط" (رقم 7453) وابن الغطريف في "جزئه" (رقم 2)، والبيهقي (1/ 167 و 169) من طريق رُكَين بن الرَّبيع الفزاري عن حُصين بن قَبيصة عن علي به.
وإسناده صحيح.
وفي المطبوع: "نضح" والمثبت من (ك)، وهو الصواب، وهي بالفاء والضاد والخاء المعجمتين: دفقته، ذكره المنذري، وفي "النهاية": فضخ الماء: دفقه، يريد المني، يعني: بالفاء والضاد المعجمة والخاء المعجمة، وانظر "النهاية" (3/ 453).
(1) رواه أحمد (6/ 256)، وأبو داود (236) في (الطهارة): باب في الرجل يجد البلة في منامه -ومن طريقه البيهقي في "سننه الكبرى" (1/ 168) - والترمذي (113) في (الطهارة): باب فيمن يستيقظ فيرى بللًا، وابن ماجه (612) في (الطهارة): باب من احتلم ولم يرى بللًا، وابن أبي شيبة (1/ 100) وعبد الرزاق (974) وأبو يعلى (4694) والدارمي (1/ 195)، والدارقطني (1/ 133) من طرق عن عبد اللَّه بن عمر عن أخيه عُبيد اللَّه، عن القاسم، عن عائشة به.
وهذا إسناد ضعيف لضعف عبد اللَّه بن عمر.
(تنبيه) وقع في "سنن ابن ماجه" عن عبد اللَّه عن العمري عن عبيد اللَّه بن عمر، وهذا خطأ إذ إن عبد اللَّه هو العمري.
(2) "أكسل الرجل: جامع ولم ينزل" (ط).
(3) في (ك): "لأفعل".
(4) رقم (350) في (الحيض): باب نسخ "الماء من الماء" من حديث عائشة، وانظر كلام المصنف في وجوب الغسل بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل، في "بدائع الفوائد" (3/ 126).
(5) في (ك): "تفيضِ".
(6) رقم (330) في (الحيض): باب حكم ضفائر المغتسلة، من حديث أم سلمة.
(7) رقم (252) في (الطهارة): باب هل المرأة تنقض شعرها عند الغسل؟ من حديثها أيضًا، وانظر: "تهذيب السنن" (1/ 165 - 169).
(8) في (ك): "واغمزي".
(6/248)

وسألته -صلى اللَّه عليه وسلم- امرأة فقالت: يا رسول اللَّه إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة فكيف نفعل [إذا مطرنا] (1)؟ فقال: أَليس بعدها طريق هي أطيبُ منها؟ قلت: بلى يا رسول اللَّه. قال: "هذه بهذه" وفي لفظ: "أليس بعده ما هو أطيب منه"؟ قلت: بلى. قال: "فإن هذا يذهب بذاك" (2)، ذكره أحمد.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- فقيل له: إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة؟ فقال: "الأرض يطهر بعضها بعضًا" (3)، ذكره ابن ماجه.
وسألته -صلى اللَّه عليه وسلم- امرأة فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ فقال: "تحته، ثم تقرُصُه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه" (4) متفق عليه.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) رواه أحمد في "مسنده" (6/ 435)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 75) وعبد الرزاق (105)، وأبو داود (384) في (الطهارة): باب في الأذى يصيب الذيل، وابن ماجه (533) في (الطهارة): باب الأرض يطهر بعضها بعضًا، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (3406) وابن الجاورد في "المنتقى" (رقم 143)، والبيهقي (2/ 434) من طرق عن عبد اللَّه بن عيسى عن موسى (وفي مطبوع "مصنف عبد الرزاق" سالم!! وهو خطأ، صوابه (موسى) والخطأ من الناسخ كما ألمح إليه المحقق) ابن عبد اللَّه بن يزيد عن امرأة من بني الأشهل. به.
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال مسلم غير المرأة هذه. وأعله بجهالة الصحابي البيهقي في "الخلافيات" (1/ 137 - بتحقيقي) والخطابي في "معالم السنن" (1/ 119)!! وجهالة الصحابي علة غير مؤثرة في صحة الحديث، قاله المنذري في "مختصر سنن أبي داود" (1/ 227) وكذا صححه ابن العربي وحسنه ابن حجر الهيثمي، أفاده شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في كتابه "جلباب المرأة المسلمة" (ص 81، 82 - ط الجديدة)، وانظر تعليقي على "الخلافيات" (1/ 136 - 137).
وفي (ك): "بذلك".
(3) رواه ابن ماجه (532)، وابن عدي (1/ 236)، ومن طريقه البيهقي (2/ 406) من طريق إسماعيل اليشكري، عن إبراهيم بن إسماعيل عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أبي هريرة به.
قال ابن عدي بعد أن ساق عدة أحاديث لإبراهيم بن إسماعيل: ولم أجد له أوحش من هذه الأحاديث. . . ويكتب حديثه مع ضعفه.
وقال البيهقي: إسناده ليس بالقوي.
قال البوصيري (1/ 133): "إبراهيم بن إسماعيل متفق على ضعفه، والراوي [عنه] مجهول"، وللحديث طرق خرجتها في تعليقي على "الخلافيات" (رقم 8 وما بعد).
وانظر "إغاثة اللهفان" (1/ 146 - 149)، و"تحفة المودود" (ص 219)، و"بدائع الفوائد" (3/ 259، 273).
(4) رواه البخاري (227) في (الوضوء): باب غسل الدم، و (307) في (الحيض) باب غسل =
(6/249)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن فأرة وقعت في سمن؟ فقال: "ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم" (1)، ذكره البخاري، ولم يصح فيه التفصيل بين الجامد والمائع (2).
وسألته -صلى اللَّه عليه وسلم- ميمونة عن شاة ماتت فألقوا إهابها؟ فقال: "هلا أخذتم مسكها؟ " فقالت: "نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال لها -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما قال تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام: 145]، وإنكم لا تطعمونه إن تدبغوه تنتفعوا به" فأرسلت إليها فسلخت مَسْكَها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرَّقت عندها (3)، ذكره أحمد.
__________
= دم الحيض، ومسلم (291) في (الحيض): باب نجاسة الدم وكيفية غسله، من حديث أسماء بنت أبي بكر.
"تنبيه" المرأة السائلة هي أسماء، كما بيّنتُه في تعليقي على "تنبيه المعلم" (رقم 186) و"الخلافيات" (رقم 1).
وانظر كلام المصنف في "بدائع الفوائد" (3/ 250).
(1) رواه البخاري (235 و 236) في (الوضوء): باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء، و (5538 و 5539 و 5540) في (الذبائح): باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب، من حديث ميمونة، وقد وقع في إسناده اختلاف بيّنه ابن حجر في "الفتح" في الموطن الأول فانظره.
(2) انظر كلام المصنف رحمه اللَّه في "تهذيب السنن" (5/ 336 - 341)، و"بدائع الفوائد" (3/ 257 - 258).
(3) هو بهذا اللفظ مطولًا؛ رواه أحمد في "مسنده" (1/ 327 - 328)، وأبو يعلى (2334 و 2364)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 471)، وفي "مشكل الآثار" (3242)، وابن حبان (1280 و 1281)، والطبراني في "الكبير" (11765 و 11766)، والبيهقي (1/ 18) من طريق سماك بن عكرمة عن ابن عباس قال: ماتت شاة لِسَوْدة بنت زمعة. . .
فالسائلة سَوْدة، وليست ميمونة كما قال ابن القيم هنا -رحمه اللَّه- ووقع عند الطبراني (11766): "أم الأسود" قال الطبراني: وإنما الصواب سَوْدة.
أقول: وهذا إسناد فيه ضعف، رجاله كلهم ثقات لكن في رواية سماك عن عكرمة اضطراب.
لكن صححه المعلّق على "المسند" و"صحيح ابن حبان"، و"مشكل الآثار"؛ لأن سماكًا مُتابع، وهذه هي متابعة سماك فانظرها:
فقد رواه البخاري (6686) في (الأيمان والنذور): باب إذا حلف ألا يشرب، والنسائي (7/ 173) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 470)، والبيهقي (1/ 17) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عكرمة عن ابن عباس عن سودة زوج =
(6/250)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن جلود الميتة فقال: "ذكاؤها دباغها" (1)، ذكره النسائي.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الاستطابة؟ فقال: "أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار حجران للصفحتين وحجر للمسْرَبة" (2)، حديث حسن، وعند مالك مرسلًا: "أوَ لا يجد
__________
= النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قالت: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا تنبذ فيه حتى صارت شنًا.
ورواه أحمد (6/ 429) من طريق إسماعيل عن عكرمة عن ابن عباس عن سودة. فهذه متابعة قاصرة بلا شك.
وقد رواه سماك عن عكرمة عن سودة، لم يذكر ابن عباس.
أخرجه أحمد (1/ 328)، والطبراني في "الكبير" (24/ 99)، وهذا من اضطرابه.
وأما حديث ميمونة فانظره في "الخلافيات" (1/ 248 - 249) وتعليقي عليه.
أقول: وأحاديث الانتفاع بجلود الميتة بالدباغة ثابتة في "الصحيحين"، قال (و): ". . . والمسك: الجلد".
(1) رواه النسائي (7/ 174) في (الفرع والعتيرة): باب جلود الميتة، وأحمد (6/ 154 و 155)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 470)، وابن حبان (1290)، والدارقطني (1/ 44) وابن جرير في "تهذيب الآثار" (رقم 1712) وابن المنذر في "الأوسط" (2/ 262) وابن عبد البر (4/ 160). من طريقبن عن شريك عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الأسود عن عائشة.
ولفظه عندهم: "دباغها طهورها"، وفي بعضها: "دباغ جلود الميتة طهورها"، وشريك سيء الحفظ، ومما يدل على عدم ضبطه أنه رواه أيضًا عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
أخرجه النسائي (7/ 174)، والدارقطني (1/ 44).
وقد توبع شريك على الإسناد الثاني، فقد رواه النسائي (7/ 174)، والطحاوي (1/ 470) وابن جرير في "تهذيب الآثار" (رقم 1711) وابن المنذر في "الأوسط" (2/ 261 رقم 838) وابن الأعرابي في "معجمه" (رقم 179) من طريقين عن إسرائيل عن الأعمش عن إبراهيم به، وهذا إسناد رجاله ثقات.
ورواه البيهقي (1/ 24 - 25) من طريق سفيان عن الأعمش به، ولفظه: "لعل دباغها يكون ذكاتها" وهذا إسناد صحيح، إلا أنه موقوف على عائشة.
ورواه الطحاوي (1/ 470) وابن جرير (1745) وابن المنذر (2/ 267) من طرق عن منصور عن إبراهيم عن الأسود به.
وهذا إسناد صحيح أيضًا.
(تنبيه): لفظ ابن الأعرابي "زكاة الميت دباغها" كذا في مطبوعه بالزاي، ولعله تحريف عن الذال، ووجدته على العبادة -كما قلت- في طبعة ابن الجوزي (رقم 180) منه فالحمد للَّه على توفيقه.
وله عن عائشة طرق أخرى انظرها في تعليقي على "الخلافيات" (1/ 219 - 220).
(2) رواه العقيلي (1/ 161)، والدارقطني (1/ 56)، والطبراني في "الكبير" (5697)، وابن =
(6/251)

أحدكم ثلاثة أحجار؟ " (1)، ولم يزد.
__________
= عدي في "الكامل" (1/ 411) من طريق عتيق بن يعقوب الزبيري: حدثنا أُبيّ بن العباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده سهل بن سعد به.
قال الدارقطني: إسناده حسن.
وذكره العقيلي في ترجمة أبىّ بن العباس وقال: "وروى الاستنجاء بثلاثة أحجار عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جماعة منهم. . . ولم يأت أحد منهم بهذا اللفظ، ولأبي أحاديث لا يتابع منها على شيء".
أقول: أبيّ هذا أخرج له البخاري في "صحيحه" وضعّفه ابن معين، وقال أحمد: منكر الحديث، وقال النسائي والدولابي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: يكتب حديثه، وهو فرد المتون والأسانيد.
قال الذهبي في "الميزان" (1/ 78): وإن لم يكن بالثبت فهو حسن الحديث!
وذكره ابن حجر في "مقدمة الفتح" وقال: "له حديث واحد. . . تابعه عليه أخوه عبد المهيمن".
أقول: وأخوه هذا واهٍ كما قال الذهبي!
ثم في إسناده عتيق بن يعقوب الزبيري ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، ونقل عن أبي زرعة قوله: بلغني أنه حفظ "الموطأ" في حياة مالك، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
قال (و) في تفسير "المَسْربة": "بفتح الراء وضمها: مجرى الحدث من الدبر".
وقال (ط): "مجرى الغائط، والصفحتان: ما يحفان بالمسربة".
(1) رواه مالك في "الموطأ" (1/ 28 - رواية يحيى ورقم 71 - رواية أبي مصعب) في (الطهارة): باب جامع الوضوء -ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (2/ 82 رقم 364 - بتحقيقي) - عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . .
قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (1/ 230 - 231): "هكذا هذا الحديث عند جماعة رواة "الموطأ" إلا ابن القاسم في رواية سحنون، رواه عن مالك عن هشام عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه بعض رواة ابن بُكير عن ابن بكير عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة، وهذا خطأ وغلط ممن رواه عن مالك هكذا، أو عن هشام أيضًا، أو عروة.
وإنما الاختلاف فيه عن هشام بن عروة: فطائفة ترويه عن هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة المزني عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه: "أنّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: في الاستطابة ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا رمَّة"، منهم أبو أسامة وعبدة بن سليمان وزائدة بن نمير.
ورواه ابن عيينة عن هشام بن عروة، واختلف فيه عن ابن عيينة: فرواه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبي وجزة عن خزيمة بن ثابت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورواه إبراهيم بن المنذر عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبي وجزة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. =
(6/252)

وسأله سُراقة عن التَّغوُّط؛ فأمره أَن يتنكَّب القبلة، ولا يستقبلها, ولا يستدبرها, ولا يستقبل الريحَ، وأن يستنجي بثلاثة أَحجار ليس فيها رجيع أو ثلاثة أعواد أو بثلاث حثيات من تراب (1)، ذكره الدارقطني.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الوضوء؟ فقال: "أَسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" (2)، ذكره أبو داود.
__________
= ورواه الحميدي (433) -ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (رقم 365) - عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلًا كما رواه مالك، وكذلك رواه ابن جريج عن هشام عن أبيه مرسلًا كرواية مالك سواء.
[قلت: رواه عن هشام عن عروة مرسلًا: يحيى بن سعيد كما عند أحمد في "المسند" (5/ 215)].
ورواه معمر عن هشام بن عروة عن رجل من مُزينة عن أبيه عن النبي عليه السلام.
والاختلاف فيه على هشام كثير، قد تقصيناه في "التمهيد" وهما حديثان عند هشام، قد أوضحنا عللهما، فمن أراد الوقوف على ذلك من جهة النقل تأمّله في "التمهيد" (22/ 308).
وأمّا غير هشام فرواه أبو حازم عن مسلم بن قرظ عن عروة عن عائشة عن النّبي عليه السلام وقد ذكرنا الأسانيد بذلك في "التمهيد" (22/ 310).
وأمّا ذكر أبي هريرة فلا مدخل له عند أهل العلم بالإسناد في هذا الحديث، لا من حديث مالك، ولا من حديث عروة، وقد ثبت عن أبي هريرة من رواية أبي صالح وغيره عنه عن النّبي عليه السلام "أنَّه أمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرّمة" انتهى.
وانظر "الخلافيات" (2/ 79 وما بعد).
(1) رواه ابن عدي (6/ 2413)، والدارقطني (1/ 57) من طريق مبشر بن عبيد: حدثنا الحجاج بن أرطاة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به.
قال ابن عدي: هذا الحديث بهذا اللفظ، وبهذا التمام لم يروه عن هشام غير الحجاج، وعنه غير مبشر.
ثم قال: ومبشر هذا بيّن الأمر في الضعف. . . وعامة ما يرويه غير محفوظ.
وقال الدارقطني: لم يروه غير مبشر بن عبيد وهو متروك الحديث.
وقد وجدت له شاهدًا مرسلًا؛ رواه الدارقطني (1/ 57) من طريق عبد الرزاق عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن طاوس عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلًا، فذكره نحوه إلا قوله: "ولا يستقبل الريح".
وهذا المرسل أسنده أحمد بن الحسن المضري، فذكره عن ابن عباس، رواه الدارقطني (1/ 57)، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (541).
قال الدارقطني: لم بسنده غير المضري، وهو كذاب متروك وغيره يرويه عن طاوس مرسلا ليس فيه ابن عباس، رواه ابن عيينة عن سلمة عن طاوس قوله، قال البيهقي (1/ 111): هذا هو الصحيح عن طاوس من قوله، ولا يصح وصله ولا رفعه.
(2) رواه أبو داود (142 و 143) في "الطهارة": باب في الاستنثار، وأحمد في "مسنده" =
(6/253)

وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- عمرو بن عَبَسة فقال: كيف الوضوء؟ قال: "أما الوضوء، فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك، فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك، وأناملك، فإذا تمضمضت (1) واستنشقت وغسلت [به] (2) وجهك ويديك إلى المرفقين ومسحت رأسك وغسلت رجليك اغتسلتَ من عامة خطاياك كيوم ولدتك أمك (3) " ذكره النسائي.
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- أعرابي عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "هكذا الوضوء
__________
= (4/ 211)، وعبد الرزاق (80) -ومن طريقه الطبراني (19/ 479) - وابن ماجه (407) في (الطهارة): باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار، والترمذي (787) في (الصوم): باب ما جاء في كراهية الاستنشاق للصائم، والنسائي (1/ 66) في (الطهارة): باب المبالغة في الاستنشاق وأحمد (4/ 32، 33) والدارمي (1/ 144 - 145) وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 80) والشافعي في "الأم" (1/ 27) وفي "المسند" (ص 15) والطيالسي (1341) والحاكم (1/ 147، 148 و 4/ 110) والدولابي في "ما جمعه من حديث الثوري" -كما في "إتحاف المهرة" (13/ 73) و"بيان الوهم والإيهام" (5/ 593) - وابن خزيمة رقم (150 و 168)، وابن حبان (1054 و 1087)، والبيهقي (1/ 76 و 7/ 303) والبغوي (1/ 415 - 416) وابن حجر في "الإصابة" (3/ 329 - 330) من طريقين عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صَبرة عن أبيه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه ابن القطان وابن الملقن، انظر: "بيان الوهم والإيهام" (5/ 592 - 593) و"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (1/ 264) و"إتحاف المهرة" (13/ 73).
(1) في (ك): "مضمضت".
(2) ما بين المعقوفتين من (ك).
(3) رواه النسائي (1/ 91) في (الطهارة): باب ثواب من توضأ كما أمر، أخبرنا عمرو بن منصور: حدثنا آدم بن إياس: حدثنا الليث بن سعد قال: حدثنا معاوية بن صالح قال: أخبرني أبو يحيى سُليم بن عامر، وضمرة بن حبيب، وأبو طلحة نُعيم بن زياد قالوا: سمعنا أبا أمامة الباهلي يقول سمعت عمرو بن عَبَسَة فذكره.
أقول: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات، وفي معاوية بن صالح بن حدير كلام لا ينزل عن مرتبة الحسن، وهو بهذا اللفظ لم أجده عند غير النسائي.
وروى نحوه من طرق عن عمرو بن عبسة: أحمد (4/ 386) وابن خزيمة (165) وأبو عوانة (1/ 5، 245، 386) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 37) والدارقطني (1/ 107 - 108) والحاكم (1/ 131)، وانظر شواهد للحديث عند ابن شاهين في "الترغيب" (ص 98 - 101) وتعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 372 - 373).
وقصة عمرو بن عبسة أصلها في "صحيح مسلم" (832) في (صلاة المسافرين): باب إسلام عمرو بن عبسة وفيه: فقلت: يا نبي اللَّه فالوضوء؟ حدثني عنه: فذكره، ولفظه مغاير للفظ النسائي المذكور هنا.
(6/254)

فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدَّى وظلم" (1)، ذكره أحمد.
[وسأَل النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-] (2) أعرابيٌّ فقال: يا رسول اللَّه الرجل منا يكون في الصلاة فيكون منه الرُّويحة ويكون في الماء قلة؟ فقال: "إذا فسا أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أعجازهن، فإن اللَّه لا يستحيي من الحق" (3)، ذكره الترمذي.
__________
(1) رواه أحمد (2/ 180)، والنسائي (1/ 88) في (الطهارة): باب الاعتداء في الوضوء، وابن ماجه (422) في (الطهارة): باب ما جاء في القصد في الوضوء، وابن الجارود (75)، وابن خزيمة (174)، والبيهقي (1/ 79) من طريقين عن سفيان الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عنه جده به، وإسناده قوي.
لكن رواه أبو داود (135)، وابن أبي شيبة (1/ 18)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 36)، والبيهقي (1/ 179) من طريق موسى أيضًا لكن لفظه: "فمن زاد على هذا أو نقص". ولفظة: "أو نقص" غير محفوظة، لثبوت وضوئه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرة مرة، ومرتين مرتين.
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "وسأله".
(3) رواه الترمذي (1164) في (الرضاع): باب ما جاء في كراهية إتيان النساء في أدبارهن، وأبو داود (255) في (الطهارة): باب من يحدث في الصلاة، و (1005) في (الصلاة) باب إذا أحدث في صلاته يستقبل، والنسائي في "عشرة النساء" (137 - 140)، والدارمي (1/ 260)، وأحمد -كما في "تفسير ابن كثير" (1/ 273) و"إتحاف المهرة" (11/ 712 رقم 14920) و"جامع المسانيد" (6/ رقم 4702) و"أطراف المسند" (2/ ق 21)، وسقط من مطبوع المسند، ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (25/ 495) - والدارقطني (1/ 153)، وابن حبان (2237 و 4199 و 4201)، وابن أبي شيبة (3/ 363)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1679)، وأبو عبيد في "الطهور" (رقم 399 - بتحقيقي) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3/ 45) وأبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة" (6/ 200، 201 رقم 4187، 4189)، والبيهقي (2/ 255)، و"السنن الصغرى" (رقم 22) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (4/ 1972 - 1973 رقم 4955)، وعبد الرزاق (20950)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (10/ 398) كلهم من طرق عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام عن علي بن طلق الحنفي به، وعند بعضهم مختصرًا.
وتوبع عاصم، تابعه حفص بن غياث وجرير، رواه أبو نعيم في "معرفة "الصحابة" (4/ 1972 رقم 4954).
ورواه بعضهم عن شعبة عن عاصم الأحول به، وسمى الصحابي (طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق)، أخرجه ابن قانع في "معجم الصحابة" (7/ 2771 رقم 839 و 15/ 5422 رقم 2225) وأبو القاسم البغوي في "معرفة الصحابة" (ق 166/ ب) وأحمد -ومن طريقه ابن الأثير في "أسد الغابة" (2/ 475) وبين ابن حجر في "الإصابة" (2/ 233)، أن هذا وهم، صوابه طلق بن علي، ونقله عن ابن أبي خيثمة. =
(6/255)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قال الترمذي: "حديث علي بن طلق حديث حسن، وسمعت محمدًا يقول: لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- غير هذا الحديث الواحد، ولا أعرف هذا الحديث من حديث طلق بن علي السُّحيمي، وكأنه رأى أن هذا رجل آخر من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
هكذا هي العبارة في "جامع الترمذي"، لكن نقلها المزّي في "تحفة الأشراف" (7/ 471) و"تهذيب الكمال" (20/ 496)، وابن حجر في "تهذيب التهذيب" (7/ 299): ". . . ولا أعرف هذا من حديث علي بن طلق. . . ".
والصواب فيما نرى عبارة "الجامع"؛ لأن طلق بن علي صحابي معروف، له العديد من الأحاديث، بخلاف على بن طلق الذي لم يرد إلا في هذا الحديث؛ فكان المتبادر إلى الذهن أن الاسم انقلب على بعضهم؛ فردّ البخاري هذا الاحتمال بقوله: "ولا أعرف هذا الحديث من حديث طلق بن علي"، وهذا مراد البخاري في قوله فيما نرى، وهو قريب مما فسّره به الترمذي بقوله: "وكأنه رأى واللَّه أعلم. . . ".
وترجم له النسائي: "وذكر حديث علي بن طلق. . . ".
وهو صنيع المزّي في "تحفة الأشراف" و"تهذيب الكمال" وابن عساكر في "ترتيب أسماء الصحابة" (ص 84)، وابن كثير في "التفسير" (1/ 270)؛ حيث قال: "ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب، كما وقع في "مسند الإِمام أحمد بن حنبل"، والصحيح أنه علي بن طلق".
لكن العلّامة الشيخ شاكر صحَّح إسناد الحديث وردّ تعقُّب من وهَّم الإِمام أحمد، ورجَّح أنه من مسند علي بن أبي طالب، ثم رواه عيسى بن حطان؛ فأخطأ بجعله من مسند علي بن طلق، واستدلّ لذلك!!
وذكره في مسند علي بن أبي طالب الرافعي في "فتح العزيز" -كما في "التلخيص الحبير" (1/ 274) - والهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/ 243 و 4/ 299).
وذكره المجد ابن تيمية في "المنتقى" (6/ 352 - مع النيل) في مسنده ومسند علي بن طلق.
وقال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (4/ 451 رقم 2022) -وكما في "نصب الراية" (2/ 62) - هذا حديث لا يصح، فإن مسلم بن سلام الحنفي أبا عبد الملك مجهول الحال.
قلت: نقل الخطيب في "تاريخه" (10/ 399) توثيقه عن ابن معين، وقال فيه أبو داود: "ليس به بأس" ووثقه ابن حبان (5/ 395) فإسناده حسن على أقل أحواله.
ورواه أحمد (1/ 86)، والترمذي (1168) وفي "العلل الكبير" (27)، والنسائي في "عشرة النساء" (رقم 137) والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (10/ 399) من طريق وكيع عن عبد الملك بن مسلم بن سلام عن أبيه عن علي به.
قلت: وهم فيه وكيع، قال الخطيب عقبة: "هكذا روى الحديث وكيع بن الجراح عن عبد الملك بن مسلم عن أبيه، ولم يسمعه عبد الملك من أبيه، وإنما رواه عن عيسى بن =
(6/256)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المسح على الخفين؟ فقال: "للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يومٌ وليلة" (1).
__________
= حطان عن أبيه مسلم بن سلام، كما سقناه عن شبابه عنه، وقد وافق شبابة: عبيد اللَّه بن موسى، وأبو نعيم، وأبو قتيبة سلم بن قتيبة، وأحمد بن خالد الوهني، وعلي بن نصر الجهضمي؛ فرووه كلهم عن عبد الملك عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام.
قلت: رواه الخطيب (10/ 398) وفي "تالي التلخيص" (رقم 54 - بتحقيقي) من طريق شبابة بن سوار، والنسائي في "عشرة النساء" (138) من طريق أحمد بن خالد، وأبو عبيد في "الطهور" (رقم 398) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين جميعهم عن عبد الملك عن عيسى عن مسلم عن علي، قال شبابة: فسألته ابن طلق، فقال أرى.
وقد جعله الإِمام أحمد من "مسند علي بن أبي طالب"!!
وقال الخطيب: "وعلي الذي أسند هذا الحديث ليس بابن أبي طالب وإنما هو علي بن طلق الحنفي بين نسبة الجماعة الذين سميناهم في روايتهم هذا الحديث عن عبد الملك، وقد توهم غير واحد من أهل العلم فأخرج هذا الحديث في "مسند علي بن أبي طالب". وكذا في "التهذيب" (10/ 119) و"إتحاف المهرة" (11/ 627) وجزم به أبو عبيد في "الطهور" (ص 399 - 400).
والحديث رواه عبد الرزاق (529) عن معمر عن عاصم بن سليمان عن مسلم بن سلام عن عيسى بن حطان عن قيس بن طلق، فوقع فيه قلب، وتغيير في اسم الصحابي!
والحديث بالجزأين له شواهد كثيرة، وانظر: "الطرق الحكمية" (ص 34) وتعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 553).
(1) أخرجه الترمذي (95) -وقال: "حسن صحيح"-، وأحمد (5/ 314 - 315)، والحميدي (435)، وعبد الرزاق في "المصنف" (790) وفي "الأمالي" (93)، وابن أبي شيبة (1/ 177)، والحسن بن سفيان في الأربعين (20)، وابن المنذر في "الأوسط" (1/ رقم 463) و"الإقناع" (10)، وابن حبان (1329، 1330، 1333)، والطبراني في "الكبير" (3749) وفي "الصغير" (2/ 105)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 276 و 277) و"معرفة السنن والآثار" (2/ رقم 2025، 2026)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (14/ 287)؛ من طرق، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد اللَّه الجدلي عن خزيمة بن ثابت به بنحوه.
وأخرجه الترمذي في "العلل الكبير" (64)، وأحمد (5/ 213)، والحميدي (434)، وأبو عوانة (1/ 262)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 81)، وابن حبان (1332)، والطبراني (3754، 3755، 3757، 3758)، وابن الجارود في "المنتقى" (86)، وتمام في "فوائده" (189 - ترتيبه)، وأبو نعيم في "خبار أصبهان" (2/ 274، والبيهقي (1/ 277)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (6/ 381 - 382 و 11/ 92)؛ من طرق، عن إبراهيم التيمي، به. وأسقط بعضهم "عمرو بن ميمون" منه.
ثم ظفرتُ بنقل لأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين في "العلل" (1/ 22) فيه تفصيل =
(6/257)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= من رواه عن إبراهيم، وأن الحديث يروي عن إبراهيم التيمي وإبراهيم النخعي، وقد أهمل نسبه في بعض الروايات؛ فجمعتهُ ظانَّا أنه واحد، ثم قال ابن أبي حاتم: "قال أبو زرعة: صحيح من حديث إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن أبي عبد اللَّه الجدلي عن خزيمة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والصحيح من حديث النخعي عن أبي عبد اللَّه الجدلي بلا عمرو بن ميمون".
وأخرجه ابن ماجه (553)، والخطيب في "تاريخه" (2/ 50)؛ من طريقين، عن سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن خزيمة به بإسقاط الجدلي.
وأخرجه ابن ماجه (554)، وأحمد (5/ 213)، والطبراني (3759)، والبيهقي (1/ 278) من طريق شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عمرو بن ميمون، به بزيادة الحارث بين التيمي وعمرو وإسقاط الجدلي.
وأخرجه الطبراني (3756) من طريق أبي الأحوص، عن الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم التيمي، عن أبي عبد اللَّه الجدلي، به.
وقال عقبة: "أسقط أبو الأحوص من الإسناد عمرو بن ميمون".
وأخرجه أبو داود (157)، وأحمد (5/ 213 - 215)، وابن أبي شيبة (1/ 177)، والطيالسي (1218، 1219)، والطحاوي (1/ 81)، والطبراني في "الكبير" (3772 - 3788) و"المعجم الصغير" (2/ 137)، والبيهقي (1/ 278)؛ من طرق، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد اللَّه الجدلي، به.
والحديث كما رأيت مضطرب الإسناد، ولذا اختلف الحفاظ في الحكم عليه، وهذه شذرات من كلامهم في الحكم عليه.
نقل الترمذي في "العلل الكبير" عقب (رقم 64) تضعيف البخاري لطريقه الأخيرة؛ قال: "سألتُ محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؛ فقال: لا يصح عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح؛ لأنه لا يعرف لأبي عبد اللَّه الجدلي سماعٌ من خزيمة بن ثابت.
وكان شعبة يقول: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد اللَّه الجدلي حديث المسح".
ثم قال: "وحديث عمرو بن ميمون عن أبي عبد اللَّه الجدلي هو أصحُّ وأحسن".
وقال: "وذكر عن يحيى بن معين أنه قال: حديث خزيمة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حديث صحيح".
وأعله ابن حزم في "المحلى" (2/ 89) بالجدلي؛ فقال: "رواه أبو عبد اللَّه الجدلي صاحب راية الكافر المختار -يعني: ابن أبي عبيد- ولا يُعتمد على روايته".
وأجاب الإِمام ابن دقيق العيد في "الإِمام" عن ذلك قائلًا: "وأما قول البخاري: إنه لا يُعرف لأبي عبد اللَّه الجدلي سماع من خزيمة (في الأصل: عمر)؛ فلعل هذا بناءً على ما حُكي عن بعضهم أنه يشترط في الاتصال أن يثبت سماع الراوي من المروي عنه ولو =
(6/258)

وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- أُبيّ بن عمارة (1) فقال: يا رسول اللَّه أمسح على الخفين؟ فقال: نعم. قال: يومًا؟ قال: ويومين. قال: وثلاثة أيام؟ قال: "نعم وما شئت" (2)،
__________
= مرةً، هذا أو معناه، وقيل: إنه مذهب البخاري، وقد أطنب مسلم في الرد لهذه المقالة واكتفى بإمكان اللقاء، وذكر له شواهد، وأما ما ذكره ابن حزم أنه لا يعتمد على روايته، فلم يقدح فيه أحد من المتقدمين، ولا قال فيه ما قال ابن حزم، ووثقه أحمد وابن معين -وهما هما- وصحّح الترمذي حديثه" اه. من "نصب الراية" (1/ 177).
وقد أطال النفس في الدفاع عن هذا الحديث، ونقل الزيلعي كلامه في "نصب الراية" (1/ 175 - 177).
والحديث صحيح، له شواهد عديدة.
قال ابن المنذر في "الأوسط" (1/ 438 - 439): "وقد روى هذا الحديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- علي بن أبي طالب، وصفوان بن عسَّال، وأبو بَكْرة، وعوف بن مالك، وأبو هريرة، وغيرهم، وقد ذكرتُ أسانيدها في غير هذا الكتاب". وحديث علي في "صحيح مسلم" (276).
وانظر -غير مأمور-: "التلخيص الحبير" (1/ 160)، و"الهداية في تخريج أحاديث البداية" (1/ رقم 30)، و"شرح سنن ابن ماجه" للحافظ مُغُلْطاي (2/ ق 97 أ - 100/ ب - نسخة دار الكتب المصرية/ رقم 275 حديث)، و"البدر المنير" (1/ ق 153 - 154 - النسخة المحمودية)، و"الخلافيات" (م 3/ مسألة 41 - بتحقيقي).
(1) في جميع النسخ: "ابن أبي عمارة"! وهو خطأ، صوابه ما أثبتناه.
(2) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 205)، ومن طريقه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2145)، والطبراني في "الكبير" (545) وابن قانع في "معجم الصحابة" (1/ 177 رقم 4) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (9/ 211 رقم 760) من طريق يحيى بن إسحاق السليحيني، ورواه أبو داود (158) في (الطهارة): باب التوقيت في المسح -ومن طريقه البيهقي (1/ 279) - وأبو نعيم (761) وابن قانع (رقم) والحاكم (1/ 170) من طريق عمرو بن الربيع بن طارف كلاهما عن يحيى بن أبيوب عن عبد الرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد عن أبي زياد، عن أيوب بن قطن عن أبي بن عمارة فذكره.
وقد اختلف في إسناده؛ فرواه عمرو بن الربيع ويحيى بن إسحاق بالإسناد السابق.
ورواه ابن ماجه (557) في (الطهارة): باب ما جاء في المسح بغير توقيت والجورقاني في "الأباطيل" (رقم 371) والمزي في "تهذيب الكمال" (17/ 93) من طريق عبد اللَّه بن وهب، ورواه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 316) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 79) والدارقطني (1/ 198)، والطبراني في "الكبير" (رقم 546)، وأبو نعيم في "المعرفة" (762) والبيهقي (1/ 278 - 279) من طريق سعيد بن عفير، وأبو نعيم (763) من طريق سعيد بن الحكم، والحاكم (1/ 170 - 171) من طريق عمرو بن الربيع، وعلقه أبو داود بعد (158) من طريق ابن أبي مريم، وهذا وصله الطحاوي (1/ 79) والبيهقي (1/ 279) والبغوي في "معجم الصحابة" (ق 2/ أ) جميعهم عن يحيى بن أيوب به. =
(6/259)

ذكره أبو داود، فطائفة من أهل العلم أخذت بظاهره وجوَّزوا المسح بلا توقيت (1)، وطائفة قالت: هذا مطلق وأحاديث التوقيت مقيدة، والمقيد يقضي على المطلق (2).
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- أعرابي فقال: أَكون في الرَّمل أربعة أشهر أو خمسة أشهر، ويكون فينا النُّفساء والحائض والجنب، فما ترى؟ قال: "عليك بالتراب" (3)، ذكره أحمد.
__________
= لكن وقع عندهم زيادة (عبادة بن نُسيّ) بعد أيوب بن قطن وسقط أيوب من معلق أبي داود، ولفظه في بعضها: حتى بلغ سبعًا!
قال أبو داود: "وقد اختلف في إسناده وليس هو بالقوي".
وقال الدارقطني: "هذا الإسناد لا يثبت وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا قد بيّنته في موضع آخر، وعبد الرحمن ومحمد بن يزيد وأيوب بن قطن كلهم مجهولون".
أما الحاكم فقال: "وهذا إسناد مصري لم ينسب واحد منهم إلى الجرح وإلى هذا ذهب مالك بن أنس ولم يخرجاه"!
قال الذهبي: "بل مجهول". أما الإِمام النووي فقال في "شرح صحيح مسلم" (3/ 176) و"المجموع" (1/ 482): "ضعيف بالاتفاق". وتعقب المصنف في "تهذيب سنن أبي داود" (1/ 118) الحاكم بقوله: "والعجب من الحاكم، كيف يكون هذا مستدركا على "الصحيحين". ورواته لا يعرفون بجرح ولا تعديل" وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (1/ 277): "حديث لا يثبت وليس له إسناد قائم" وقال الجورقاني: "هذا حديث منكر".
وانظر مفصلًا في بيان اضطرابه: "نصب الراية" (1/ 177 - 178)، و"الإصابة" (1/ 31) فإنه مهم، و"إتحاف المهرة" (1/ 177 - 178) و"العلل المتناهية" (1/ 358) و"بيان الوهم والإيهام" (3/ 323 رقم 1070).
(1) هذا مذهب مالك، انظر: "المدونة" (1/ 144) و"التفريع" (1/ 199) و"التلقين" (1/ 71 - 72) و"المعونة" (1/ 136) و"الإشراف" (1/ 69 رقم 32 - بتحقيقي) و"الذخيرة" (1/ 323) و"تفسير القرطبي" (6/ 101) و"عقد الجواهر الثمينة" (1/ 87) و"جواهر الإكليل" (1/ 24) و"تنوير المقالة" (1/ 592).
(2) انظر رد المصنف على ابن حزم -رحمهما اللَّه- في تعليله حديث التوقيت في "تهذيب السنن" (1/ 117 - 118)، و"زاد المعاد" (1/ 50)، و"اختيارات شيخ الإِسلام ابن تيمية" رحمه اللَّه (ص 15) مهم، وانظر ترجيح التوقيت في تعليقي على "الإشراف" (1/ 69 - 72).
(3) رواه أحمد في "مسنده" (2/ 278 و 352)، وعبد الرزاق (911)، والبيهقي (1/ 516 - 517) من طريق المئنى بن الصبّاح عن ععمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به. =
(6/260)

وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- أبو ذر: إني أغرب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة؟ فقال: "إن الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك" (1)، حديث حسن.
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم-[أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب [كرم اللَّه وجهه] فقال: انكسرت إحدى زندي، "فأمره أن يمسح على الجبائر" (2)، ذكره ابن ماجه.
__________
= وهذا إسناد ضعيف لضعف المثنى بن الصباح هذا، قال البيهقي: وهذا حديث يعرف بالمثنى بن الصبَّاح عن عمرو، والمثنى غير قوي، وقد رواه الحجاج بن أرطاة عن عمرو إلا أنه خالفه في الإسناد، فرواه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، واختصر المتن فجعل السؤال عن الرجل لا يقدر على الماء أيجامع أهله؟ قال: نعم.
أقول: هذا سند آخر لمتن آخر لا علاقة بينهما.
وقد تابع المثنى بن الصباح ابنُ لهيعة.
أخرجه أبو يعلى (5870)، ولفظه أن رجالا أتوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالوا:. . .
وابن لهيعة ضعيف أيضًا في غير رواية العبادلة عنه، وهذا منها، والعجب أن الهيثمي في "المجمع" (1/ 261) عزا الحديث لأبي يعلى، وأحمد وقال: فيه المثنى بن الصباح، ففاته أن سند أبي يعلى فيه ابن لهيعة.
وقد رواه البيهقي أيضًا من طريق أبي ربيع السمَّان أشعث بن سعيد بن عمرو بن دينار عن سعيد به، وضعف أبا ربيع، والصحيح أنه متروك.
ورواه أيضًا من طريق آخر وضعّفه ب عبد اللَّه بن سلمة الأفطس، وهو متروك أيضًا.
(1) تقدم مفصلًا.
(2) رواه عبد الرزاق (623) وابن ماجه (657) في (الطهارة): باب المسح على الجبائر، والدارقطني (1/ 226)، وابن عدي (5/ 1775) -ومن طريقه البيهقي (1/ 228) - والعقيلي (3/ 269) والبيهقي في "الخلافيات" (رقم 839، 840 - بتحقيقي) وفي "المعرفة" (رقم 344) كلهم من طريق عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب به.
قال الدارقطني: عمرو بن خالد الواسطي متروك.
وقال البيهقي: "عمرو بن خالد الواسطي معروف بوضع الحديث، كذبه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما من أئمة الحديث، ونسبه وكيع بن الجراح إلى وضع الحديث، قال: وكان في جوارنا فلما فطن له تحول إلى واسط، وتابعه على ذلك عمر بن موسى بن وجيه، فرواه عن زيد بن علي مثله، وعمر بن موسى متروك منسوب إلى الوضع" وأسند روايته في "الخلافيات" (رقم 842).
وقال: "وروي بإسناد آخر مجهول عن زيد بن علي وليس بشيء" وأسندها في "الخلافيات" (رقم 843) وبيّنتُ في تعليقي عليه أن هذا الإسناد مسلسل بالضعفاء وقال: "ورواه أبو الوليد خالد بن يزيد المكي بإسناد آخر عن زيد بن علي عن علي مرسلًا، وأبو =
(6/261)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= الوليد ضعيف، ولا يثبت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا الباب شيء، وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح وليس بالقوي، وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين فمن بعدهم مع ما روينا عن ابن عمر في المسح على العصابة، اللَّه أعلم" قلت: وأسند ذلك مفصلًا في "الخلافيات" (2/ 499 وما بعد).
وحكم غير واحد من العلماء المتقدمين والمتأخرين على أن هذا الحديث باطل، وهذه شذرات قليلة من كلامهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد في "العلل" (3/ 16): "وهذا الحديث يروونه عن إسرائيل عن عمرو. . . وعمرو بن خالد لا يسوى حديثه شيئًا".
وقال أبو حاتم -كما في "العلل": (1/ 46) لابنه-: "هذا حديث باطل، لا أصل له، وعمرو بن خالد متروك الحديث".
وقال ابن حزم في "المحلى": (2/ 75): "هذا خبر لا تحل روايته إلَّا على بيان سقوطه؛ لأنَّه انفرد به أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، وهو مذكور بالكذب".
وأَوردهُ البيهقي في "الصغرى" (رقم 189) من غير إسناد، وقال: "لم يثبت إسناده".
وضعَّف إسناده ابن الملقن في "خلاصة البدر المنير": (1/ 67) رقم (200)، ومحمَّد بن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق": (1/ 540 - 541)، وابن حجر في "التلخيص الحبير": (1/ 146)، ونقل النوويُّ اتفاقَ الحفاظ على ضعفه!
وقال أحمد في "العلل": (3/ 15 - 16) (رقم 3944): "سمعت رجلًا يقول ليحيى: تحفظ عن عبد الرزَّاق عن معمر عن أَبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي عن النَّبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه مسح على الجبائر؟ فقال: باطل، ما حدَّث به معمر قط، سمعت يحيى يقول: عليه بدنة مقلَّدة مجلَّلة إنْ كان معمر حدَّث بهذا قطّ، هذا باطلٌ، ولو حدَّث بهذا عبد الرزَّاق كان حلال الدم، من حدَّث بهذا عن عبد الرزَّاق؟ قالوا له: فلان، فقال: لا، واللَّه ما حدَّث به معمر، وعليه حجةٌ من هاهنا -يعني المسجد- إلى مكَّة إن كان معمر حدث بهذا".
والحديث في "مسند زيد": (74 - 75) أو "المجموع الفقهي" وطبع في ميلانو بإيطاليا سنة 1919 م، وفي مصر سنة 1340 ه، ومما يؤسف له أنْ يقرِّظه بعضُ أفاضلِ العلماء من شيوخ علماء الأزهر، غير متحرين معرفة ما فيه من الكذب على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا ناظرين إلى عاقبة وثوق العامة -ممن لا يعرف الصحيح من السقيم- بوجود توقيعاتهم على مدائح لهذه الأكاذيب، وللَّه الأمر من قبل ومن بعد، قاله الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على "المحلى": (2/ 75).
والأحاديث التي فيه هي من رواية عمرو بن خالد الواسطي، الكذَّاب، فتنبه لذاك، تولى اللَّه هداك.
وانظر: "نصب الراية" (1/ 186 - 187)، و"التلخيص الحبير" (1/ 146)، و"تهذيب السنن" (1/ 208 - 209).
وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6/262)

وقال ثوبان: استفتوا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الغسل من الجنابة فقال: "أما الرجل فَلْيَنْشُر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقُضه، لتغِرفَ على رأسها ثلاث غرفات تكفيها" (1)، ذكره أبو داود.
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل فقال: إني أغتسلت من الجنابة وصليت الصبح، ثم أصبحت فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه ماء؟ فقال: "لو كنت مسحتَ عليه بيدك أجزاك" (2)، ذكره ابن ماجه.
وسألته -صلى اللَّه عليه وسلم- امرأة عن الحيض؟ فقال: "تأخذ إحداكنَّ ماءها وسِدْرها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصبّ على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شؤون
__________
(1) رواه أبو داود (255) في (الطهارة): باب في المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل، حدثنا محمد بن عوف قال: قرأت في أصل إسماعيل بن عياش قال ابن عوف: وحدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه: حدثني ضمضم بن زُرعة عن شريح بن عبيد عن جبير بن نفير عن ثوبان به.
ورواه الطبراني في "مسند الشاميين" (1686) ثنا هاشم بن مرثد ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش به.
قال الزيلعي في "نصب الراية" (1/ 80): إسماعيل بن عياش وابنه فيهما مقال.
أقول: إسماعيل ضعيف في روايته عن غير الشاميين، وضمضم بن زرعة حمصي وهو لا بأس به.
وأما محمد بن إسماعيل بن عياش نعم فيه ضعف.
وقال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئًا. لكن أبو داود روى الحديث أولًا عن محمد بن عوف قال: قرأت في أصل إسماعيل بن عياش ثم رواه بواسطة ابنه.
فإذا أخذنا بالوجادة فيكون الإسناد الأول جيّدًا، واللَّه أعلم.
وانظر: "نصب الراية".
(2) رواه ابن ماجه (664) في (الطهارة): باب اغتسل من الجنابة فبقي من جسده لمعة لم يصبها الماء كيف يصنع، و"مسدد" كما في "زوائد ابن ماجه" (1/ 145) -من طريق محمد بن عبيد اللَّه عن الحسن بن سعد عن أبيه عن علي به.
قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف لضعف محمد بن عبيد اللَّه.
أقول: أظنه العَرْزَمي فهو المشهور في هذه الطبقة، وهو متروك، ثم وجدت الذهبي أورد هذا الحديث في ترجمته في "الميزان" (3/ 636) فالحمد للَّه على توفيقه.
والحسن بن سعد هو ابن معبد ثقة، أما أبو سعد فلم يرو عنه إلا ابنه فقط، وذكره ابن حبان في "الثقات"! وأظنه لم يدرك عليًا إذ إنه مات بعد المئة كما في "التقريب"!
(6/263)

رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فِرْصَة مُمسَّكة (1) فتطهَّر بها" (2).
وسألتهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن غسل الجنابة؟ فقال: "تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب [الماء] على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض الماء عليها" (3).
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: "تشد عليها إزارَها، ثم شأنك بأعلاها" (4)، ذكره مالك.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن مؤاكلة الحائض؟ فقال: "واكِلْها" (5)، ذكره الترمذي.
__________
(1) "الفِرْصة -بكسر الفاء- قطعة من صوف أو قطن أو خرقة [تتمسح بها المرأة من الحيض] وممسَّكة: مطيَّبة بالمسك" (و).
ونحوه في (ط) وما بين المعقوفتين منها.
(2) رواه البخاري (314) في (الحيض): باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من الحيض، و (315) باب غسل المحيض، و (7357) في "الاعتصام": باب الأحكام التي تعرف بالدلائل, ومسلم (332) بعد (61) في (الحيض): باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم، من حديث عائشة.
واللفظ المذكور هو لفظ مسلم.
(3) هو جزء من حديث عائشة السابق عند مسلم فقط بالرقم المذكور، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) رواه مالك في "الموطأ" (1/ 57) عن زيد بن أسلم مرسلًا.
قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا رواه بهذا اللفظ مسندًا ومعناه صحيح ثابت.
قال الزرقاني: رواه أبو داود عن عبد اللَّه بن سعد الأنصاري.
أقول: لفظ حديث أبي داود: "يا رسول اللَّه ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار".
أخرجه أبو داود (212) في (الطهارة): باب في الإزار ومن طريقه البيهقي (1/ 312) بإسناد جيّد.
والأحاديث في هذا المعنى ثابتة في "الصحيح" من حديث عائشة وميمونة وأم سلمة.
(5) هو جزء من حديث طويل؛ رواه الترمذي (133) في (الطهارة): باب في مؤاكلة الحائض وسؤرها وفي "الشمائل" (297) وابن قانع في "معجم الصحابة" (رقم 951) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (3/ 1670 رقم 4178) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (29/ 49، 50) و"مشيخته" (ق 130/ أ). مختصرًا مقتصرًا على هذا الجزء.
ورواه أحمد (4/ 342 و 5/ 293)، والدارمي (1/ 249)، وأبو داود (312) في (الطهارة): باب في المذي، وابن ماجه (651) في (الطهارة): باب في مؤاكلة الحائض و (1378) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (865)، وأبو نعيم في "الحلية" (9/ 51) وابن عساكر (29/ 49 - 50)، والمزي في "تهذيب الكمال" (15/ 22) من طريقين =
(6/264)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- كم تجلس النُّفَساء؟ فقال: "تجلس أربعين يومًا إلا أَن ترى الطهر قبل ذلك" (1)، ذكره الدارقطني.
__________
= عن العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم في "سنن الترمذي": (حرام بن معاوية) عن عمه عبد اللَّه بن سعد به.
وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
قال الشيخ أحمد شاكر معقبًا: بل حديث صحيح.
أقول: حرام بن حكيم ذكره ابن حجر في "التهذيب"، وقال: ويقال: هو حرام بن معاوية. وذكر اختلاف العلماء، حيث عدهما بعضهم اثنين ومنهم من جعلهما واحدًا، ونقل توثيقه عن دحيم والعجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ونقل بعض الحفاظ عن الدارقطني أنه وثق حرام بن حكيم، وقد ضعفه ابن حزم في "المحلى" بغير مستند.
قال عبد الحق: لا يصح حديثه، وقال في موضع آخر: ضعيف.
وقال ابن القطان الفاسي: بل هو مجهول الحال، وليس كما قالوا: ثقة كما قال العجلي وغيره. وانظر: "بيان الوهم والإيهام" (3/ 310 - 311).
أقول: رغم هذا جَزَمَ ابن حجر في "التقريب" بقوله فيه: ثقة!
(1) هو بهذا اللفظ، رواه الدارقطني (1/ 223) من طريق عبد الرحمن بن محمد العرزمي عن أبيه عن الحكم بن عتيبة عن مُسَّة عن أم سلمة به.
أقول: هذا إسناد ضعيف جدًا، محمد هو ابن عبيد اللَّه العرزمي متروك، وابنه عبد الرحمن ضعفه الدارقطني، وقال أبو حاتم؛ ليس بالقوي.
ومسة الأزدية هذه قال ابن القطان كما في "نصب الراية" (1/ 205): لا يعرف حالها ولا عينها في غير هذا الحديث.
وحديث أم سلمة هذا بغير السؤال، رواه الدارمي (1/ 229) وأبو داود (311، 312)، والترمذي (139) وابن ماجه (648)، وأحمد (6/ 300 و 303 و 304 و 309 - 310)، والحاكم (1/ 175)، والبيهقي (1/ 341) وفي "الخلافيات" (رقم 1050، 1051) و"معرفة السنن والآثار" (رقم 2281)، والدارقطني (1/ 221 - 222) وأبو يعلى (7023) والطبراني (23 رقم 878) وابن المنذر (2/ 250 رقم 831) وابن حبان في "المجروحين" (2/ 224 - 225)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (2/ 93) والبغوي (322) وابن الجوزي في "التحقيق" (رقم 308) والمزي في "تهذيب الكمال" (35/ 306، 307) من طرق عن علي بن عبد الأعلى عن أبي سهل عن مُسَّة عن أم سلمة.
وهذا إسناد أجود من إسناد الدارقطني الأول، لكن مدار الحديث على (مُسَّة) هذه، ومع هذا منهم من قوَّاه.
قال الترمذي عقبه: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي سهل عن مُسَّة الأزدية عن أم سلمة، واسم أبي سهل كثير بن زياد، قال محمد بن إسماعيل: عليُّ بن عبد الأعلى ثقة، وأبو سهل ثقة، ولم يعرف محمد هذا الحديث إلا من حديث أبي سهل". =
(6/265)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وقال في "العلل الكبير" (1/ 193 - 194 رقم 42) وسألت محمدًا عنه؛ فقال: "علي بن عبد الأعلى ثقة، روى له شعبة وأبو سهل كثير بن زياد، ثقة، ولا أعرف لمُسَّة غير هذا الحديث".
وقد أعل جماعة هذا الحديث بجهالة مُسَّة أم بَسَّة الأزدية، قال عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" (1/ 218) عقبه:
"وقد روي في هذا عن أنس، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعثمان بن [أبي] العاص؛ عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في النفساء: أنها تقعد أربعين ليلة، وفي بعضها "إلا أن ترى الطهر قبل ذلك"، وهي أحاديث معتلة بأسانيد متروكة، وأحسنها حديث أبي داود".
وقال ابن حزم في "المحلى" (2/ 204):
"ذكروا روايات عن أم سلمة من طريق مُسّة الأزدية، وهي مجهولة".
وقال ابن القطان في "كتابه" -كما في "نصب الراية" (1/ 305) -: "وحديث مُسّة أيضًا معلول، فإن مُسّة المذكورة وتكنى أم بَسّة لا يعرف حالها ولا عينها, ولا يعرف في غير هذا الحديث، وأيضًا فأزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يكُنْ منهن نفساء معه إلا خديجة، ونكاحها كان قبل الهجرة، فلا معنى لقولها: "قد كانت المرأة. . . " إلى آخره؛ إلا أن تريد بنسائه غير أزواجه من بناتٍ وقريبات، وسرية عارية، واللَّه أعلم" انتهى كلامه.
وبنحو هذا أعلّه ابن رجب في "فتح الباري" (2/ 190 - 191)؛ قال: "وفي الباب أحاديث مرفوعة فيها ضعف، ومن أجودها. . . وذكر هذا الحديث".
ثم ذكر لفظ أبي داود: "كانت المرأة من نساء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بقضاء صلاة".
وقال: "وصححه الحاكم، وفي متنه نكارة؛ فإن نساء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يلد [له] منهن أحد بعد فرض الصلاة، فإن خديجة عليه السلام ماتت قبل أن تفرض الصلاة".
وأعله ابن حبان في "المجروحين" (2/ 224 - 225) بأبي سهل كثير بن زياد، ومضى كلامه عليه بتمامه قريبًا.
ونقل محمد بن عبد الهادي في "التنقيح" (1/ 620) أن الدارقطني قال: "مسّة لا تقوم بها حُجَّة"، وهذا ساقط من مطبوع "السنن"، ويؤكد وجوده فيه أن الغساني نقله عنه في "تخريج الأحاديث الضعاف في سنن الدارقطني" (ص 97/ رقم 139).
وكذا نقله الذهبي في "الميزان" (4/ 113/ رقم 8535 و 4/ 610/ رقم 10996)، وابن حجر في "التلخيص الحبير" (1/ 171)، وقال: "وقال النووي: قول جماعة من مصنِّفي الفقهاء أن هذا الحديث ضعيف مردود عليهم، وقال: أم بسّة مُسّة مجهولة الحال، قال الدارقطني: لا تقوم بها حجة، وقال ابن القطان: لا يعرف حالها".
وقال: "وأغرب ابن حبان؛ فضعفه بكثير بن زياد؛ فلم يصب".
وقال ابن كثير في "إرشاد الفقيه" (1/ 80) عقب مقولة ابن حبان: "قلت: رجاله كلهم ثقات؛ إلا أنّ مُسّة الأزدية عجوز لا تعرف إلا بهذا الحديث عن أم أسامة، ولم يرو عنها =
(6/266)

[فتاوى تتعلق بالصلاة وأركانها]
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- ثوبان عن أحبِّ الأعمال إلى اللَّه تعالى؟ فقال: "عليك بكثرة السجود [للَّه عز وجل] , فإنك لا تسجد للَّه سجدة إلا رفعك اللَّه بها درجة وحط بها عنك خطيئة"، ذكره مسلم (1).
وسأله عبد اللَّه بن سعد (2): أيما أفضل، الصلاة في بيتي أو الصلاة في
__________
= سوى أبي سهل كثير بن زياد الأزدي العتكي، وقد وثقه الأئمة" قلت: نعم، أبو سهل كثير بن زياد، قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: "ثقة"، وقال أبو حاتم: "ثقة، من أكابر أصحاب الحسن".
انظر: "الجرح والتعديل" (7/ 151)، و"التهذيب" (8/ 413).
أما مُسّة؛ فقال عنها ابن حجر في "التقريب": "مقبولة"، ولم يذكر المزي في "تهذيب الكمال" (35/ 305) راويًا عنها غير كثير بن زياد، وقال ابن حجر في "التهذيب": "وذكر الخطابي وابن حبان أن الحكم بن عتيبة روى عنها أيضًا"، ومع هذا؛ فقد ذكرها الذهبي في "الميزان" في (المجهولات)!!
ونقل صاحب "عون المعبود" (1/ 501) عن "البدر المنير" لابن الملقِّن الإجابة عن قول من ضعّف مُسّة بجهالة حالها وعينها؛ فقال:
"لا نسلّم جهالة عينها وجهالة حالها مرتفعة؛ فإنه روى عنها جماعة: كثير بن زياد، والحكم بن عتيبة، وزيد بن علي بن الحسين، ورواه محمد بن عبيد اللَّه العرزمي عن الحسن عن مُسّة أيضًا؛ فهؤلاء رووا عنها، وقد أثنى على حديثها البخاري، وصحح الحاكم إسناده؛ فأقل أحواله أن يكون حسنًا".
وقال النووي في "المجموع" (2/ 479): "حديث حسن".
وقال الخطابي في "معالم السنن" (1/ 169):
"وحديث مُسّة أثنى عليه محمد بن إسماعيل".
وكذا قال ابن الملقن في "تحفة المحتاج" (1/ 241 - 242/ رقم 162).
وقال الشوكاني في "النيل" (1/ 332):
"والأدلة الدّالّة على أن أكثر النفاس أربعون يومًا متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية والاعتبار، وبمعناه قال النووي في "المجموع"، وردّ على من ضعّف الحديث".
وحسّنه شيخنا الألباني في "الإرواء" (1/ 222 - 223/ رقم 201) بشاهد له عن أنس، وخرجته بتفصيل في تعليقي على "الخلافيات" (رقم 1067، 1068، 1071، 1072).
وفي الباب عن صحابة آخرين فانظر مفصلًا: "الخلافيات" (3/ 411 - 440 - بتحقيقي) و"نصب الراية" (1/ 204 - 205)، و"التلخيص الحبير" (1/ 171)، و"إرواء الغليل" (1/ 222 - 223).
(1) رقم (488) في (الصلاة): باب فضل السجود والحث عليه، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) في (ك): "أسعد".
(6/267)

المسجد؟ فقال: "ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد؟ فلأن أصلي في بيتي أحب إليَّ من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة" (1)، ذكره ابن ماجه.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن صلاة الرجل في بيته؟ فقال: "نوِّروا بيوتكم" (2)، ذكره ابن ماجه.
__________
(1) رواه ابن ماجه (137) في (إقامة الصلاة): باب ما جاء في التطوع في البيت، وأحمد في "مسنده" (4/ 342)، والترمذي في "الشمائل" (280) و (251 - مختصره)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (865)، وابن خزيمة في "صحيحه" رقم (1202)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 339)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (8/ 3083 رقم 949، 950) وابن عساكر (29/ 49 - 50) و"مشيخته" (ق 130/ أرقم 744)، والمزي في "تهذيب الكمال" (15/ 22) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم عن عمه عبد اللَّه بن سعد به.
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 246): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
قال شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "مختصر الشمائل": إسناده صحيح لولا أن فيه العلاء بن الحارث، وكان اختلط لكن له شاهد قوي من حديث زيد بن ثابت.
أقول: العلاء بن الحارث يظهر أنه اختلط متاخرًا، وأخشى أن لا يكون سمع منه أحد بعد اختلاطه، إذ أنهم لم يذكروا من روى عنه قبل أو بعد الاختلاط، ومضى البحث في حرام بن حكيم قبل قليل، وحديث زيد بن ثابت رواه البخاري (731) و (6113) و (7290)، ومسلم (781).
(تنبيه): عزا البوصيري حديث الباب لابن حبان في "صحيحه"، ولم أجده فيه بعد بحث، وهو في "صحيح ابن خزيمة" بالإسناد الذي ذكره البوصيري فلعله سبق قلم منه رحمه اللَّه.
(2) رواه ابن ماجه (1375) في (إقامة الصلاة): باب ما جاء في التطوع في البيت، وأحمد في "مسنده" (1/ 14)، والطيالسي (49) و (137)، وعبد الرزاق (988)، ومسدد كما في "مصباح الزجاجة" (1/ 245)، وسعيد بن منصور (2143)، وابن أبي شيبة (2/ 158) من طرق عن عاصم بن عمرو أن نفرًا من أهل العراق قدموا على عمر فسألوه. . . وفي بعضها عن عاصم بن عمرو عن أحد هن النفر الذين قدموا على عمر، وهذا إسناد فيه إبهام الرجل أو الجماعة السائلين لعمر، ورواه ابن ماجه بعد (1375)، والطحاوي (3/ 37)، والبيهقي (1/ 312) من طريق أبي إسحاق عن عاصم بن عمرو عن عمير مولى عمر بن الخطاب عن عمر به.
قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف من الطريقين لأن مدار الإسنادين في الحديث على عاصم بن عُمر وهو ضعيف، ذكره العقيلي في "الضعفاء"، وقال البخاري: لم يثبت حديثه. =
(6/268)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي الصبي؟ فقال: "إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة" (1).
__________
= أقول: رحم اللَّه البوصيري، عاصم هذا هو ابن عمرو البجلي.
قال أبو حاتم: صدوق يحول من كتاب الضعفاء -يعني الذي للبخاري- والعقيلي ترجم في "ضعفائه" لعاصم بن عمرو أخو عبيد اللَّه وعبد اللَّه ابنا عمر ولم يترجم لعاصم ابن عمرو مطلقًا.
ثم وجدت الحافظ ابن حجر في "التهذيب" ذكر عبارة البوصيري نفسها في عاصم بن عمرو هذا، فلا أدري مَنْ نقل عن الثاني فالبوصيري مات سنة (840 ه)، وابن حجر سنة (852 ه) رحمهما اللَّه.
وقد رجعت ل "ضعفاء البخاري" فوجدت عبارته فيه، أما العقيلي فلا.
ولم يذكر الذهبي في "الميزان" عبارة العقيلي فيه بل ذكر قول أبي حاتم، وقال: لا بأس به إن شاء اللَّه.
نرجع إلى إسناد الحديث، فالأول عرفت علته.
والثاني فيه عمير مولى عمر وهو مجهول، ولم يرو عنه إلا عاصم بن عمرو، وذكره ابن حبان في "الثقات"! لذلك قال الحافظ: مقبول.
وقد عزا الهيثمي الحديث لأبي يعلى في "مسنده"، وقال: رجاله ثقات (1/ 271)، ولكن لم أجده في المطبوع من "مسند أبي يعلى بعد أن فتّشه حديثًا حديثًا، وأخشى أن يكون إسناده هو الإسناد الثاني للحديث الذي رواه ابن ماجه، وفيه عمير مولى عمر، فإن الهيثمي يوثق أمثال هذا واللَّه أعلم.
(1) رواه أبو داود (497) في (الصلاة): باب متى يؤمر الغلام بالصلاة؟ من طريق ابن وهب: حدثنا هشام بن سعد: حدثني معاذ بن عبد اللَّه بن خُبيب الجهني قال: دخلنا عليه فقال لامرأته: متى يصلي الصبي؟ فقال: كان رجل منا يذكر عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه سئل عن ذلك. . .
قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (3/ 340) "وعلته أن هذه المرأة لا تعرف حالها, ولا حال هذا الرجل الذي روت عنه، ولا صحت له صحبة" ونقله عنه ابن حجر في "التلخيص الحبير" (1/ 184).
لكن رواه الطبراني في "الصغير" (274) و"الأوسط" (3019) من طريق عبد اللَّه بن نافع الصائغ عن هشام بن سعد عن معاذ بن عبد اللَّه بن خبيب الجهني عن أبيه به.
وقال: لا يروى هذا الحديث عن عبد اللَّه بن خبيب -وله صحبة- إلا بهذا الإسناد تفرد به عبد اللَّه بن نافع.
قال الهيثمي في "المجمع" (1/ 294): رجاله ثقات، وقال ابن صاعد: إسناد حسن غريب.
أقول: عبد اللَّه بن نافع الصائغ، تكلم فيه أحمد والبخاري وأبو حاتم وغيرهم. قال ابن حبان: كان صحيح الكتاب وإذا حدث من حفظه ربما أخطأ. =
(6/269)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن [قتل] رجل مخنَّث يتشبه بالنِّساء؟ فقال: "إني نُهيتُ عن قتل المصلين" (1)، ذكره أبو داود.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن وقت الصلاة؟ فقال للسائل "صلِّ معنا هذين اليومين فلما زالت الشمس أمر بلالًا فأذَّن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر
__________
= أقول: ومما يدل على أن في حفظه شيء أنه روى هذا الحديث بعينه عن هشام بن سعد عن معاذ بن عبد اللَّه عن أبيه عن عمه فزاد "عم عبد اللَّه بن خبيب" في الإسناد: أخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2565)، ولا شك أن رواية عبد اللَّه بن وهب الأولى في "سنن أبي داود" أصح لأن ابن وهب أوثق من عبد اللَّه بن نافع بدرجات.
قال العقيلي في ترجمة محمد بن الحسين بن عطية (4/ 50): "والرواية في هذا الباب فيها لين".
أقول: يغني عنه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "مروا أولادكم بالصلاة أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر" وهو حديث جيّد.
(1) رواه أبو داود (4928) في (الأدب): باب في الحكم في المخنثين، والدارقطني (2/ 54 - 55)، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (1257) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة: حدثنا مفضل بن يونس عن الأوزاعي عن أبي يسار القرشي عن أبي هاشم عن أبي هريرة به.
قال الدارقطني -كما نقله ابن الجوزي في "العلل"، وليس هو في المطبوع من "سنن الدارقطني" فلعله في "علله"-: وأبو يسار وأبو هاشم مجهولان، ولا يثبت الحديث.
وقال المنذري في "تهذيب السنن": وفي متنه نكارة، وأبو يسار هذا لا أعرف اسمه، وقال: قال أبو حاتم لما سئل عنه: مجهول، وليس كذلك فإنه قد روى عنه الأوزاعي والليث فكيف يكون مجهولًا؟
وقال الذهبي في "الميزان" في ترجمة أبي يسار: إسناد مظلم لمتن منكر. ويشهد للمتن فقط: "إني نهيت عن قتل المصلين" حديث عبد اللَّه بن عدي الذي رواه أحمد (5/ 433)، وابن حبان (9571) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن عبيد اللَّه بن عدي بن الخيار عنه.
وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
لكن رواه مالك (1/ 171) عن الزهري، وأحمد (5/ 432 - 433) عن عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرني ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن عبيد اللَّه بن عدي مرسلًا.
ومع هذا فقد رجَّح ابن حجر في "الإصابة" الوصل وقال: جوّده معمر عن الزهري. وله شواهد أيضًا من حديث أبي أمامة وأبي بكر وأنس، خرجتها في تعليقي على "فرائد القلائد" لعلي القاري (ص 90 - 91) وهو بها صحيح إن شاء اللَّه تعالى وأبي سعيد ولهذا ذكر شيخنا الألباني الحديث في "صحيح الجامع الصغير" (2506) مصحّحًا له.
وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6/270)

والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، وصلَّى العصر والشمس مرتفعة أخَّرها فوق الذي كان، وصلَّى المغرب قبل أَن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: وقت صلاتكم [ما بين] ما رأيتم"، ذكره مسلم (1).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- هل من ساعة أقرب إلى اللَّه من الأخرى؟ قال: نعم، أقرب ما يكون الرب عز وجل من العبد جوف الليل الآخر (2)، فإن استطعت أَن تكون ممن يذكر اللَّه في تلك الساعة فكن" (3).
وسئل [رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-] عن الصلاة الوسطى؟ فقال: "هي صلاة العصر" (4).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- هل في ساعات الليل والنهار ساعة تكره الصلاة فيها؟ فقال: "نعم إذا صَليتَ الصبح فدع الصلاة حتى تطلع الشمس، فإنها تطلع بين قَرْني شيطان، ثم صلِّ، فإن الصلاة محضورة متقبَّلة حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح فدع الصلاة، فإن تلك الساعة تُسجَّر جهنم وتفتح [فيها] أَبوابها حتى ترتفع
__________
(1) (613) في (المساجد): باب أوقات الصلوات الخمس، من حديث بريدة، وما بين المعقوفتين سقط من (ك)، وهو في الصحيح.
(2) في (ك): "الأخير".
(3) رواه النسائي (1/ 279) في (الصلاة): باب النهي عن الصلاة بعد العصر، و"الكبرى" (174، 1460)، والترمذي (3588) في (الدعوات): باب (118)، وابن خزيمة (1147)، والحاكم (1/ 309) والبيهقي (3/ 4) من طريق معاوية بن صالح عن سليم بن عامر وضمرة بن حبيب ونعيم بن زياد عن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة فذكره، وعند بعضهم فيه زيادة.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وصححه الحاكم على شرط مسلم.
وصححه شيخنا العلامة الألباني في "صحيح الجامع الصغير"، وذكره في "صحيح الترغيب والترهيب" (رقم 624).
(4) تقدم، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
قال (و): "في حديث متفق عليه أن العصر هي الوسطى، وفي هذا خلاف كبير، فقد قيل: إنها الصبح، وقيل: المغرب، وقيل: الجمعة، وقيل: إحدى الخمس المبهمة، وقيل: إنها الصلوات الخمس. . . إلخ".
(6/271)

الشمس عن حاجبك الأيمن، فإذا زالت الشمس فالصلاة محضورة متقبلة حتى تصلي العصر، ثم دع الصلاة حتى تغيب الشمس" (1)، ذكره ابن ماجه، وفيه في ليل على تعلق النهي بفعل صلاة الصبح لا بوقتها.
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل فقال: لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فعلّمني ما يجزيني؟ فقال: "قل سبحان اللَّه والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه". فقال: يا رسول اللَّه، هذالله، فما لي؟ فقال: "قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني" فقال بيده هكذا وقبضها. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أما هذا، فقد ملأ يديه من الخير" (2)، ذكره أبو داود.
__________
(1) رواه ابن ماجه (1252) في (إقامة الصلاة): باب ما جاء في الساعات التي تكره فيها الصلاة، وابن حبان (1542)، والبيهقي (2/ 455) من طريق ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن المقبري عن أبي هريرة قال: سأل صفوان بن المعطل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . فذكره.
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 229): هذا إسناد حسن.
أقول: حسنه من أجل الضحاك هذا فإنه تكلم فيه.
وقد تابعه عياض بن عبيد اللَّه.
أخرجه ابن خزيمة (1275)، وابن حبان (1550) من طريق ابن وهب عنه به.
وعياض هذا وإن أخرج له مسلم إلا أن أبا حاتم قال فيه: ليس بالقوي، لكن كلٌّ منهما يقوي الآخر.
وقد رواه عبد اللَّه بن أحمد في "زوائد المسند" (5/ 312)، والطبراني في "الكبير" (7344)، والحاكم (3/ 518)، وأبو يعلى -كما في "زوائد ابن ماجه" (1/ 299) - وابن عساكر وابن جرير في "تهذيب الآثار" وابن منده وقال: "حديث صحيح عزيز غريب" -كما في "كنز العمال" (8/ 185) من طريق حميد بن الأسود عن الضحاك عن المقبري عن صفوان بن المعطل.
قال الهيثمي (2/ 224 - 225) بعد أن عزاه لعبد اللَّه في زياداته على "المسند": ورجاله رجال الصحيح إلا أني لا أدري سمع سعيد المقبري منه أم لا.
أقول: يظهر أنه لم يسمع منه من خلال سنة وفاة كل منهما.
(تنبيه) وقع الحديث في "المسند" من حديث عبد اللَّه عن أبيه، وهو خطأ، صوابه أنه من "زيادات عبد اللَّه" كما في "الكنز" و"المجمع" و"إتحاف المهرة" (6/ 306).
وله شاهد من حديث عمرو بن عبسة؛ رواه مسلم (832) في (صلاة المسافرين): باب إسلام عمرو بن عبسة، وغيره.
وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) رواه أبو داود (832) في (الصلاة): باب ما يجزئ الأمي والأعجمي، وعبد الرزاق (2747)، وأحمد (4/ 353 و 356 و 382)، والنسائي (2/ 143) في (الافتتاح): باب ما يجزئ =
(6/272)

وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- عمران بن حصين -وكان (1) به بواسير- عن الصلاة؟ فقال: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبك" (2)، ذكره البخاري.
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل أقرأ خلف الإِمام أو أنصت؟ قال: "بل أنصت، فإنه يكفيك" (3)، ذكره الدارقطني.
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- حطابة فقالوا (4): يا رسول اللَّه إنا لا نزال سَفْرًا، فكيف نصنع بالصلاة؟ فقال: "ثلاث تسبيحات ركوعا، ثلاث تسبيحات سجودًا" (5)، ذكره الشافعي مرسلًا.
__________
= من القراءة لمن لا يحسن القرآن، والحميدي (717) وابن خزيمة (544)، وابن حبان (1808 و 1809)، والدارقطني (1/ 313 و 314)، وابن الجارود في "المنتقي" (ص 73 - 74)، والبيهقي في "السنن" (2/ 381)، والحاكم (1/ 241) من طرق عن إبراهيم بن إسماعيل السكسكي عن ابن أبي أوفى به.
قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.
أقول: إبراهيم بن إسماعيل وإن روى له البخاري فقد تكلم فيه شعبة والنسائي وقال ابن عدي: لم أجد له حديثًا منكر المتن وهو إلى الصدق أقرب منه إلى غيره، ويكتب حديثه كما قال النسائي.
وقد رواه ابن حبان (1810) من طريق الفضل بن موفق عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف عن ابن أبي أوفى به، ورجاله ثقات غير الفضل بن الموفق، قال أبو حاتم: كان شيخنا صالحًا ضعيف الحديث.
فالحديث قويّ بطريقيه، واللَّه أعلم، وتكلمتُ عليه بتفصيل في "الحنائيات" (رقم 154).
(1) في (ك): "وكانت".
(2) رواه البخاري (1117) في (تقصير الصلاة): باب إذا لم يطلق قاعدًا صلى على جنب، من حديث عمران بن حصين.
(3) رواه الدارقطني (1/ 330) وابن عدي في "الكامل" (6/ 2165)، وابن حبان في "المجروحين" (2/ 263)، والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" (رقم 411، 412) من طرق غسان بن الربيع عن قيس بن الربيع عن محمد بن سالم عن الشعبي عن الحارث عن علي قال: قال رجل للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكره.
وقال الدارقطني: تفرد به غسان وهو ضعيف، وقيس ومحمد بن سالم ضعيفان، والمرسل الذي قبله أصح منه.
وانظر: "نصب الراية" (2/ 18 - 19).
وفي (ك): "فعلى جنب".
(4) كذا في (ك)، وهو الصواب، وفي سائر النسخ: "حطان فقال"!!
(5) رواه الشافعي (1/ 89)، وعبد الرزاق (2894) كلاهما عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا. =
(6/273)

وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- عثمان بن أبي العاص فقال: يا رسول اللَّه إن الشيطان قد حال بين صلاتي وبين قراءتي يَلْبِسُها عليَّ؟ فقال: "ذاك اشيطان يقال هل خِنْزَب فإذا أحسسته فتعوذ باللَّه وأتْفِل على يسارك ثلاثًا" قال: ففعلت ذلك، فأذهبه اللَّه"، ذكره مسلم (1).
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل فقال: "أصلي في ثوبي الذي آتي فيه أهلي؟ قال: نعم، إلا أَن ترى فيه شيئًا فتغسله" (2).
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- معاوية بن حيدة: يا رسول اللَّه عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك" قال: قلت: يا رسول اللَّه الرجل يكون مع الرجل؟ قال: إن استطعتَ أن لا يراها أحد فافعل. قلت: فالرجل يكون خاليًا، قال: اللَّه أحق أن يستحيا منه" (3)، ذكره أحمد.
__________
= وإبراهيم هذا متروك، لكن تابعه أبو حاتم بن إسماعيل عند ابن أبي شيبة (1/ 280)، والبيهقي (2/ 86).
ولفظه: "قال: جاءت الحَطَّابة إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . ".
(1) رقم (2203) في (السلام): باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة من حديث عثمان بن أبي العاص.
(2) رواه أحمد (5/ 89 و 97)، وابنه في "زياداته على المسند" (5/ 97)، وأبو يعلى (7460 و 7479)، وابن أبي حاتم في "علله" (1/ 192)، وابن ماجه (542) في (الطهارة): باب الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه، وابن حبان (2333)، والطبراني في "الكبير" (1881) من طرق عن عبيد اللَّه بن عمرو الرقي عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة به.
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 134): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
أقول: لكن قال أحمد بعد روايته: هذا الحديث لا يرفعه غير عبد الملك بن عمير.
وقال أبو حاتم: كذا رواه (أي عبيد اللَّه بن عمير) مرفوعًا، وإنما هو موقوف.
أقول: رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 53) من طريق أبي عوانة عن عبد الملك عن جابر موقوفًا.
لكن عبيد اللَّه بن عمرو الرقي من الثقات، ورفعه زيادة ثقة، وهي مقبولة، وانظر "إتحاف المهرة" (3/ 64 - 65، 103).
وله شاهد من حديث أم حبيبة، رواه أحمد (6/ 325 و 427)، وأبو داود (366)، والنسائي (1/ 155)، وابن ماجه (540)، وابن خزيمة (776)، وابن حبان (2331)، وإسناده صحيح.
(3) رواه البخاري معلقًا (278) في (الغسل): باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة، ووصله أحمد (5/ 3 - 4)، وأبو داود (4017) في (الحمام): باب ما جاء في التعري، والترمذي (2769) في (الأدب): باب ما جاء في حفظ العورة، و (2794): باب ما جاء =
(6/274)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الصلاة في الثوب الواحد؟ قال: "أو كلُّكُم يجد ثوبين" (1) متفق عليه.
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- سلمة بن الأكوع: يا رسول اللَّه إني أكون في الصيد فأصلي وليس عليَّ إلا قميص واحد، فقال: "فازْرُره، وإن لم تجد إلا شوكة"، ذكره أحمد وعند النسائي: إني أكون؟ في الصيف وليس عليَّ إلا قميص (2).
__________
= في حفظ العورة وابن ماجه (1920) في (النكاح): باب التستر عند الجماع، والنسائي في "عشرة النساء" (رقم 86)، وأبو الطاهر المخلص في "حديثه" -كما في "هدي الساري" (23) -، والحاكم في "المستدرك" (4/ 179 - 180)، والبيهقي (1/ 199 و 2/ 225 و 7/ 94)، والخطيب (3/ 261)، والطبراني (19/ 989 - 995)، وابن حجر في "تعليق التعليق" (2/ 159 - 161،160) من طرق عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم.
قال الحافظ في "الفتح" (1/ 386): الإسناد إلى بهز صحيح، ولهذا جزم به البخاري، وأما بهز وأبوه فليسا من شرطه، ونحوه في "التغليق" (2/ 160).
(1) رواه البخاري (358) في (الصلاة): باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به، و (365): باب الصلاة في القميص والسراويل والتُّبان والقباء، ومسلم (515) في (الصلاة): باب الصلاة في الثوب الواحد وصفة لبسه، من حديث أبي هريرة.
(2) رواه أحمد في "مسنده" (4/ 49 و 54)، والبخاري في "تاريخه الكبير" (1/ 264)، والنسائي (2/ 70)، والشافعي في "مسنده" (1/ 163)، وابن أبي عمر العدني في "مسنده" -كما في "هدي الساري" (ص 24) -، والطبراني في "الكبير" (6279)، والبغوي (517)، والخطيب في "تالي التلخيص" (رقم 37 - بتحقيقي) من طريق عطاف بن خالد المخزومي عن موسى بن إبراهيم عن سلمة بن الأكوع، وفي بعضها تصريح موسى بن إبراهيم بالسماع من سلمة.
ورواه الشافعي (1/ 63 - 64)، والبخاري في "تاريخه" (1/ 264)، وأبو داود (632) في (الصلاة): باب الرجل يصلي في قميص واحد، وابن خزيمة (777 و 778)، وابن حبان (2294)، وأبو يعلى والعدني في "مسنديهما" -ومن طريقهما ابن حجر في "التغليق" (1/ 198) -، والحاكم (1/ 250)، والبيهقي (2/ 240)، والبغوي (517) من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن موسى عن سلمة به.
وموسى هذا هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة المخزومي، لكن رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 380) من طريق الدراوردي عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه عن سلمة.
قال الحافظ في "تغليق التعليق" (2/ 201): فإن كان حَفِظهُ فللدراوردي فيه شيخان: أحدهما موسى بن إبراهيم بن ربيعة، وثانيهما: موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يسمعه من سلمة إنما سمعه من أبيه عنه. =
(6/275)

وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل: يا رسول اللَّه أصلي في الفراء؟ قال: "فأين الدباغ" (1).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الصلاة في القوس والقرن؟ فقال: "اطرح القرن وصلِّ في القوس" (2)
__________
= وقال في "الفتح" (1/ 466): فإن كان محفوظا فيحتمل على بُعد أن يكونا جميعًا (أي موسى بن إبراهيم، ومحمد بن إبراهيم) رويا الحديث وحمله عنهما الدراوردي، وإلا فذكر محمد فيه شاذ، واللَّه أعلم.
أقول: وقد تببن لي أمر أذكره:
موسى بن إبراهيم المخزومي وقع اسمه عند الطبراني (6279) موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، فإن كان كذلك فلا إشكال فمرة يرويه عن سلمة مباشرة، ومرة عن أبيه لكن لم أجد لمحمد بن إبراهيم "أبوه" ترجمة.
وقد رواه البخاري في "تاريخه" من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن موسى بن إبراهيم عن أبيه عن سلمة.
قال الحافظ في "الفتح": احتمل أن يكون رواية أبي أويس من المزيد في متصل الأسانيد، أو يكون التصريح في رواية عطاف وهما فهذا وجه النظر في إسناده، وأما من صححه فاعتمد على رواية الدراوردي، وجعل رواية عطاف شاهدة لاتصالها، وأما قول ابن القطان [في "بيان الوهم والإيهام" (5/ 537)]: أن موسى هو ابن محمد بن إبراهيم التيمي المضعف عند البخاري، وأبي حاتم وأبي داود، وأنه نسب هنا إلى جده فليس بمستقيم لأنه نسب في رواية البخاري مخزوميا، وهو غير التيمي فلا تردد، واللَّه أعلم.
(تنبيه): ذكر ابن القيم أن لفظ النسائي: إني أكون في الصيف.
لكن في المطبوع من "سنن النسائي الصغير": الصيد كما هو في باقي المصادر.
(1) رواه ابن أبي شيبة (6/ 20)، ومن طريقه أحمد في "مسنده"، وابنه في "زياداته على المسند" (4/ 348) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (رقم 2150) من طريق علي بن هاشم، وعلقه البخاري في "التاريخ الكبير" (8/ 420) عن عبيد اللَّه بن موسى كلاهما عن ابن أبي ليلى عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أبي ليلى -رضي اللَّه عنه- به.
قال الهيثمي في "المجمع" (1/ 218): وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى تكلّم فيه لسوء حفظه ووثقه أبو حاتم.
أقول: ابن أبي ليلى من الضعفاء المشاهير، تكلم فيه أئمة الجرح والتعديل.
وأبو ليلى الصحابي اختلف في اسمه قيل: بلالُ، أو بُليل، ويقال: داود، وقيل: يسار انظر: "الإصابة" (4/ 169).
(2) رواه الدارقطني (1/ 399)، والطبراني في "الكبير" (6277)، والبيهقي (3/ 255) كلهم من طريق عقبة بن خالد عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه عن سلمة بن الأكوع به.
قال البيهقي: موسى بن محمد غير قوي، وقال الهيثمي (2/ 57 - 58): فيه موسى وهو ضعيف.
قال ابن التركماني معقبا على البيهقي: ألان فيه القول، وأهل هذا الشأن أغلظوا فيه، =
(6/276)

ذكره الدارقطني والقرن (1) بالتحريك الجعبة.
وسألته أم سلمة: هل تصلي المرأة في درع [وخمار] وليس عليها إزار؟ فقال: "إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهر قدميها" (2)، ذكره أبو داود.
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- أبو ذر عن أول مسجد وضع في الأرض؟ قال: "المسجد الحرام" فقال: ثم أي- قال: المسجد الأقصى"، فقال: كم بينهما؟ قال: أربعون عامًا (3)، ثم الأرض لك مسجد حيث أدركتك الصلاة فصل" (4)، متفق عليه.
__________
= قال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، وقال أبو زرعة والنسائي: منكر الحديث، وقال الدارقطني: متروك.
أقول: وقال ابن عدي: وعقبة هذا يروي عن موسى بن محمد بن إبراهيم أحاديث لا يُتابع عليها، وانظر "بيان الوهم والإيهام" (5/ 537).
(1) (القرن) هو جعبة من جلود تشق، ويجعل فيها النشاب، وإنما أمره بنزعه؛ لأنه كان من جلد غير مذكى، انظر "النهاية" (4/ 55).
(2) رواه أبو داود (639) في (الصلاة): باب في كم تصلي المرأة؟ ومن طريقه الدارقطني (2/ 62)، ومن طريقه ابن الجوزي في "التحقيق" (2/ 146 رقم 446) -، والحاكم (1/ 250)، والبيهقي (2/ 233) من طريق عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه عن أم سلمة به.
قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه! ووافقه الذهبي.
أقول: لكنه أعل بالوقف، قال أبو داود: روى هذا الحديث مالك بن أنس، وبكر بن مضر وحفص بن غياث وإسماعيل بن جعفر، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق، عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة، ولم يذكر أحد منهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قصروا به على أم سلمة.
وكذا قال الدارقطني في "علله" كما في "نصب الراية" (1/ 300)، وعبد الحق في "أحكامه الصغرى" (1/ 196 - 197)، وابن عبد البر في "التمهيد" (6/ 397)، وابن الجوزي في "التحقيق"، وابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (1/ 747) كلهم رجحوا الوقف، وهو الصواب، فإن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار هذا وإن أخرج له البخاري فقد تكلم فيه بعضهم، وقد خالف جماعة من الثقات.
وقد رواه أبو داود (639) من طريق مالك، والبيهقي (2/ 233) من طريق مالك وابن أبي ذئب، وهشام بن سعد عن محمد بن زيد به موقوفًا، وانظر: "التلخيص الحبير" (1/ 280) وكتابي "القول المبين" (ص 30)، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) قال (و): "يخالف الحديث الواقع، ولذا ضُعِّفَ"!! قلت: هذا شطط، وللعلماء أجوبة مقنعة، أقواها أنه على ظاهره، وأن الزمان يتقاصر مع مضي المدة، وانظر "مشكاة الآثار".
(4) رواه البخاري (3366) في (الأنبياء): باب رقم (10) و (3425) باب قول اللَّه تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ}، ومسلم (520) في أول كتاب المساجد، من حديث أبي ذر.
(6/277)

وذكر الحاكم في "مستدركه" أن جعفر بن أبي طالب مسألة عن الصلاة في السفينة؟ فقال: "صلِّ فيها قائمًا إلا أن تخاف الغَرَق" (1).
__________
(1) هو باللفظ المذكور؛ رواه الدارقطني في "سننه" (1/ 394)، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (698)، و"التحقيق" (2/ 152 رقم 450) من طريق حسين بن علوان: حدثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: لما بعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة أرض قال: يا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كيف أصلي في السفينة. . . فذكره.
قال الدارقطني: حسين بن علوان متروك.
أقول: بل قال ابن معين: كذاب وقال ابن عدي: وهو في عداد من يضع الحديث. وانظر: "بيان الوهم والإيهام" (3/ 152) و"تنقيح التحقيق" (1/ 752)، و"الدر المنظوم" (رقم 122).
ورواه الدارقطني (1/ 394) من طريق عبد اللَّه بن داود عن رجل من أهل الحديث عن جعفر بن برقان به.
أما حديث الحاكم فقد رواه (1/ 275)، ومن طريقه البيهقي (3/ 155) من طريق الحسين بن أبي الحنين (كذا عند البيهقي وفي "المستدرك" الحسين بن أبي الحسين) عن الفضل بن دكين عن جعفر بن برقان عن ميمون عن ابن عمر قال: سئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الصلاة في السفينة قال: فذكره.
ورواه الدارقطني (1/ 395)، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (699) و"التحقيق" (2/ 153) من طريق بشر بن فافاء عن أبي نعيم الفضل بن دكين به.
قال البيهقي: وحديث الفضل بن دكين حسن.
أما شيخه الحاكم فقال: حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وهو شاذ بمرة ووافقه الذهبي.
ولا أدري هل يريد شذوذ الإسناد حيث أن ذكر الفضل بن دكين هنا خطأ أم يريد، شذوذ المتن.
وقد رواه الدارقطني (1/ 394)، والبزار (683) من طريق إبراهيم بن محمد عن عبد اللَّه بن داود عن رجل من أهل ثقيف عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن ابن عمر عن جعفر به.
قال الدارقطني: فيه رجل مجهول.
قال البزار: لا نعلمه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- متصلًا من وجه من الوجوه إلا من هذا ولا له إلا هذا الإسناد، ولا نعلم من سمى الثقفي. . .
وانظر: "سنن البيهقي" (3/ 155) و"معرفة السنن والآثار" (4/ 285) و"الخلافيات" (2/ 66/ ب)، و"مصنف عبد الرزاق" (2/ 582، 584)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 266)، و"تغليق التعليق" (2/ 217) وتعليقي على "الدرر الثمينة في حكم الصلاة في السفينة" (ص 22 - 23) للحموي و"إسعاف أهل العصر بأحكام البحر" (ص 191 - 208) ففيه آثار عن بعض الصحابة.
(6/278)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن مسح الحصى في الصلاة؟ فقال: "واحدة أو دَعْ" (1).
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- جابر عن ذلك؟ فقال: "واحدة، ولأن تُمسك عنها خير لك من مئة ناقة كلها سواد الحَدَق" (2)، فقلت (3): المسجد كان مفروشًا بالحصباء فكان أحدهم يمسحه (4) بيديه لموضع سجوده فرخَّص النبي في مسحه واحدة وندبهم إلى تركها، والحديث في "المسند".
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الالتفات في الصلاة فقال: "هو اختلاسٌ يختلسه الشَّيطان من صلاة العبد" (5).
__________
(1) رواه عبد الرزاق (2406)، -ومن طريقه أحمد (5/ 163) -، وابن أبي شيبة (2/ 302)، والبزار في "مسنده" (570 - زوائده) من طريق الثوري عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي ذر به.
قال الهيثمي بعد أن عزاه للبزار فقط (2/ 87): وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وفي حديثه ضعف.
أقول: ومما يدل على ضعفه اضطرابه فيه.
فقد رواه ابن خزيمة (916)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (1429) من طريق سفيان أيضًا عنه عن عبد اللَّه بن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به.
ورواه أحمد في "مسنده" (5/ 402)، وابن أبي شيبة (2/ 302) من طريق وكيع عنه عن شيخ يقال له: هلال عن حذيفة!
فجعله من مسند حذيفة.
لكن رواه عبد الرزاق (2404)، والطيالسي (470) عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي ذر.
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
قال الطيالسي: وقال سفيان: عن الأعمش عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن أبي ذر، وهذا إسناد صحيح أيضًا.
وله شاهد من حديث معيقيب رواه البخاري (1207) في (العمل في الصلاة): باب مسح الحصى، ومسلم (546).
وانظر ما بعده.
(2) رواه أحمد في "مسنده" (3/ 300 و 328 و 384 و 393)، وابن أبي شيبة (2/ 411 - 412)، وابن خزيمة (897)، وعنه ابن حبان -كما في "إتحاف المهرة" (3/ 151) -، والطحاوي في "مشكل الآثار" (1433) من طرق عن ابن أبي ذئب عن شرحبيل بن سعد عن جابر به.
قال الهيثمي في "المجمع" (2/ 86): فيه شرحبيل بن سعد وهو ضعيف، وفي (ك): "سود الخلق".
(3) في (ك): "قلت".
(4) في (ك): "يمسح".
(5) رواه البخاري (751) في (الأذان): باب الالتفات في الصلاة، و (3291) في (بدء الخلق): =
(6/279)

وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل فقال: يصلي أحدنا في منزله الصلاة، ثم يأتي المسجد وتقام الصلاة أفأصلي معهم؟ فقال: "لك سهم جمع" (1)، ذكره أبو داود.
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- أبو ذر عن الكلب الأسود يقطع الصلاة دون الأحمر والأصفر؟ فقال: "الكلب الأسود شيطان" (2).
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل فقال: يا رسول اللَّه إني صلَّيتُ فلم أدر أشفعت أو أوترت؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إياكم أن يتلعب بكم الشيطان في صلاتكم، مَنْ صلَّى فلم يدر أشفع أم أوتر فليسجد سجدتين، فإنَّهما تمام صلاته" (3)، ذكره أحمد.
__________
= باب صفة إبليس وجنوده، من حديث عائشة.
(1) رواه أبو داود (578) في (الصلاة): باب فيمن صلَّى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم ومن طريقه البيهقي (2/ 300) من طريق أحمد بن صالح قال: قرأت على ابن وهب: أخبرني عمرو بن بكير عن عفيف بن عمرو بن المسيب: حدثني رجل من بني أسد بن خزيمة عن أبي أيوب الأنصاري به.
أقول: عمرو هو ابن الحارث، وبكير هو ابن الأشج، وهما ثقتان مشهوران وعفيف هذا ذكره ابن حجر في "التهذيب" ثم ذكر إسناد أبي داود وقال: وقال يحيى بن أيوب: عن عمرو بن الحارث عن يعقوب بن عمرو بن المسيب أنه سأل أبا أيوب، ورواه مالك عن عفيف موقوفًا.
وقال أبو داود: قال مالك: عفيف بن عمر السهمي، وهو عفيف بن عمرو، وقال النسائي: ثقة.
قال ابن حجر: الذي في "الموطآت": عفيف بن عمرو بفتح العين، وقرأت بخط الذهبي: لا يُدرى من هو، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أقول: رواه مالك في "الموطأ" (1/ 133) عن عفيف السهمي عن رجل من بني أسد أنه سأل أبا أيوب فذكره موقوفًا.
ورواه من طريق مالك البيهقي (2/ 300)، وقال: مالك عن عفيف بن عمر السهمي به.
وعلى كلا الحالين، هو لا يصح مرفوعًا ولا موقوفًا لجهالة الرجل من بني أسد.
وفي الباب حديث أبي ذر، رواه مسلم (648) في (المساجد)؛ باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار.
(2) رواه مسلم (510) في (الصلاة): باب قدر ما يستر المصلي، من حديث أبي ذر نفسه.
(3) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 63): حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن الزبير: حدثنا مسرة بن معبد عن يزيد بن أبي كبشة عن عثمان بن عفان به.
قال الهيثمي في "المجمع" (2/ 150): يزيد لم يسمع من عثمان.
أقول: ورواه عبد اللَّه بن أحمد في "زياداته على المسند" (1/ 63)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (285)، وعلَّقه البخاري في "تاريخه الكبير" (8/ 355) من طرق عن =
(6/280)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: لأي شيء فضلت يوم الجمعة؟ فقال: "لأن فيها طُبعت طينة [أبيك] آدم، وفيها الصعقة، والبعثة، و [فيها] البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا اللَّه فيها استجيب له" (1).
وسئل أيضًا عن ساعة الإجابة؟ فقال: "حين تُقام الصلاة إلى الإنصراف منها" (2)، ولا تنافي بين الحديثين لأن ساعة الإجابة، وإن كانت آخر ساعة بعد العصر فالساعة التي تقام فيها الصلاة أولى أن تكون ساعة الإِجابة، كما أَن المسجد الذي أُسس على التقوى هو مسجد قباء ومسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أولى بذلك منه، [وهو أولى] (3) من جمع بينهما بتنقُّلها، فتأمل.
__________
= سوار بن عمارة أبي عمارة عن مسرة بن معبد، عن يزيد بن أبي كبشة، عن مروان بن الحكم عن عثمان به.
قال الهيثمي: ورجال الطريقين ثقات.
قلت: يزيد روى عنه جمع وذكره ابن حبان في "الثقات" فحديثه حسن إن شاء اللَّه.
(1) رواه أحمد في "مسنده" (2/ 311): حدثنا هاشم: حدثنا الفرج بن فضالة: حدثنا علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة، فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (2/ 164): رواه أحمد، ولأبي هريرة عنده في رواية عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: ما تطلع الشمس. . . (فذكر حديثًا لا أدري ما علاقته بحديثنا هذا) ثم قال: ورجالهما رجال الصحيح.
أقول: أما الحديث الآخر فنعم رجاله رجال الصحيح، أما حديثنا فلا، ففيه علتان:
الأولى: ضعف الفرج بن فضالة.
الثانية: علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن هريرة قطعًا. انظر: "إتحاف المهرة" (15/ 427).
وأنا أكاد أجزم أن الهيثمي رحمه اللَّه قد انتقل بصره إلى إسناد آخر، واللَّه أعلم.
وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) رواه ابن أبي شيبة (2/ 57)، وعبد بن حميد (291)، والترمذي (489) في (الجمعة): باب في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة، وابن ماجه (1138) في (إقامة الصلاة): باب ما جاء في الساعة التي ترجى في الجمعة، والطبراني في "الكبير" (7/ 17) من طرق عن كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده به.
ووقع عند الطبراني: "حين تقام الشمس" وهو خطأ.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
أقول: بل هو ضعيف جدًا، فإن كثير بن عبد اللَّه هذا قال ابن معين: ليس بشيء، وقال الشافعي وأبو داود: ركن من أركان الكذب، وضرب أحمد على حديثه، وقال الدارقطني وغيره: متروك، وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة.
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "وهذا".
(6/281)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: يا رسول اللَّه أخبرنا عن يوم الجمعة ما فيها من الخير؟ فقال: "فيه [خمس خِلَال] (1): فيه خُلق آدم، وفيه أهبط آدم إلى الأرض، وفيه توفي اللَّه آدم، وفيه ساعة لا يسأل اللَّه العبد فيها شيئًا إلا أعطاه إياه ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحم، وفيه تقوم الساعة، فما من ملك مقرب، ولا سماء، ولا أرض، ولا جبال، ولا حجر إِلا وهو مشفق من يوم الجمعة" (2)، ذكره أحمد والشافعي.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) رواه الشافعي في "مسنده" (1/ 127) من طريق ابن أبي يحيى، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن عمرو بن شرحبيل (بن سعيد) بن سعد، عن أبيه، عن جده به.
وابن أبي يحيى هو إبراهيم بن محمد متروك الحديث أحسن الشافعي فيه الظن.
وعلقه البخاري في "تاريخه الكبير" (4/ 44) من طريق سعيد بن سلمة عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل به.
ورواه أحمد (5/ 284) من طريق أبي عامر العقدي، عن زهير بن محمد، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن عمرو بن شرحبيل أخبرنا سعيد بن عبادة، عن أبيه، عن جده سعد بن عبادة به. كذا فيه! وصوابه: "عمرو بن شرحبيل بن سجد بن سعد" كما في "إتحاف المهرة" (5/ 87).
ورواه البزار (615 - زوائده) من طريق أحمد إلا أنه قال: عن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة به.
ورواه الطبراني (5376) من طريق عبيد اللَّه بن عمرو عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن شرحبيل بن سعد بن عبادة عن سعد بن عبادة.
لكن علقه البخاري في "التاريخ الكبير" (4/ 44) عن عبيد اللَّه بن عمرو عن ابن عقيل عن عمرو بن شرحبيل من ولد سعد عن سعد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
أقول: وهذا اضطراب في الأسانيد، وعمرو بن شرحبيل روى عنه جمع وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن حجر: مقبول.
وأبو شرحبيل لم يرو عنه إلا ابنه عمرو وعبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وعبد اللَّه بن محمد بن عقيل حسن الحديث.
أما الهيثمي في "المجمع" (2/ 163) فقال: وفيه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل وفيه كلام، وقد وثقه، وبقية رجاله ثقات! هكذا أطلق توثيقهم.
وقد ذكره شيخنا الألباني في "ضعيف الجامع".
ثم وجدت ابن أبي شيبة (2/ 58) قد رواه من طريق زهير بن محمد عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبي لبابة بن المنذر مرفوعًا به لفظه.
وهذا اضطراب آخر أخشى أن يكون من عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وهذا إسناد ظاهره أنه حسن إن سلم من اضطراب عبد اللَّه بن محمد، واللَّه أعلم.
(6/282)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن صلاة الليل فقال: "مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة" (1)، متفق عليه.
وسأله أبو أمامة: بكم أوتر؟ قال: "بواحدة"، قال: إني أطيق أكثر من ذلك قال: "ثلاث"، ثم قال: "بخمس"، ثم قال: "بسبع" (2) وفي "الترمذي" أنه سئل عن الشفع والوتر، فقال: "هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر" (3).
__________
(1) تقدم.
(2) رواه الدارقطني (2/ 24) من طريق يحيى بن صالح الوحاظي، عن معتمر بن تميم البصري عن أبي غالب عن أبي أمامة به.
أقول: معتمر هذا لم أجد من ترجمه، وأبو غالب هذا متكلم فيه ومنهم من وثقه.
والحديث ذكره الحافظ في "التلخيص" (2/ 14)، ولم يتكلم عليه بشيء.
(3) رواه الترمذي (3353) في (تفسير القرآن): باب ومن سورة الفجر، والطبري (12/ 563)، وأحمد (4/ 437 و 438 و 442) -ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (22/ 341) -، والطبراني في "الكبير" (18/ 579)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 522)، من طرق عن همام عن قتادة عن عمران بن عصام عن شيخ من أهل البصرة عن عمران به.
قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث قتادة.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (8/ 702): ورواته ثقات إلا أن فيه راويا مبهمًا، وقد أخرجه الحاكم من هذا الوجه فسقط من روايته المبهم فاغتر فصححه.
أقول: في المطبوع من "المستدرك" بإثبات الرجل المبهم هذا لكن في "تلخيص الذهبي" في الأسفل بإسقاطه!
والحديث بإسقاط الرجل المبهم وجدته عند الطبراني في "الكبير" (18/ 578) من طريق مسلم بن إبراهيم: حدثنا خالد بن قيس وهمام قالا: حدثنا قتادة عن عمران بن عصام عن عمران به.
ورواه الطبري (12/ 563) من طريق آخر عن خالد بن قيس وحده به.
ثم وجدت ابن أبي حاتم رواه في "تفسيره" -كما في "تفسير ابن كثير" (4/ 541) - من طريق يزيد بن هارون عن همام عن قتادة عن عمران بن عصام الضبعي شيخ من أهل البصرة عن عمران بن حصين به.
قال ابن كثير: هكذا رأيته في "تفسيره" فجعل الشيخ البصري هو عمران بن عصام.
أقول: لكن أخشى أن يكون في هذه الرواية وهمًا فيكون قد سقط منها "عن" بعد عمران بن عصام فإن أصحاب همام كلهم رووه عنه بإثبات "عن" كما سبق.
ولا أظن يزيد بن هارون يخالفهم، وهو من الثقات الأثبات.
ثم أثنى الحافظ على عمران بن عصام، وقال: وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه، واللَّه أعلم. أقول: وقد روي موقوفًا، رواه ابن جوير (12/ 563) من طريقين عن قتادة عن عمران بن حصين، وهو منقطع كما قال ابن كثير.
(6/283)

وفي "سنن الدارقطني": أن رجلًا سأله عن الوتر؟ فقال: "افصل بين الواحدة والثنتين بالسلام" (1).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" (2)، ذكره أحمد.
وسئل: أي القيام أفضل؟ قال: "نصف الليل وقليلٌ فاعله" (3).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: هل من ساعة أقرب إلى اللَّه من الأُخرى؟ قال: "نعم جوفُ الليل الأوسط" (4)، ذكره النسائي.
__________
(1) رواه الدارقطني (2/ 35) من طريق سعيد بن عفير عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب بن نافع عن ابن عمر.
ورواه أيضًا من طريق أبي الأسود: حدثنا ابن لهيعة به إلا أنه زاد "بكير" بعد يزيد بن أبي حبيب.
أقول: ابن لهيعة نعم فيه كلام لكن أبو الأسود وهو النضر بن عبد الجبار يظهر أن روايته عنه لا بأس بها؛ قال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: كان راوية عن ابن لهيعة.
وباقي رجال الإسناد ثقات مشاهير، وبكير هو ابن عبد اللَّه بن الأشج، والصحيح إثباته، وقوى ابن حجر في "الفتح" (2/ 558) إسناده وانظر: "بيان الوهم والإيهام" (2/ 38) وتعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 1660، 1661).
(2) هو في "صحيح مسلم" (756) بعد (165) في (صلاة المسافرين): باب أفضل الصلاة طول القنوت، من حديث جابر.
(3) رواه النسائي في "الكبرى" (1308)، والمروزي في "زوائد الزهد" (1217)، وابن حبان (2564)، والبيهقي (3/ 4) من طريق عوف الأعرابي عن أبي مخلد عن أبي العالية قال: حدثني أبو مسلم عن أبي ذر به، وقوله "قليل فاعله" إدراج، انفرد به المروزي.
وأبو مخلد هذا هو المهاجر بن مخلد وقع في "سنن النسائي" أبو خالد، قال المزي في "تحفة الأشراف": واسمه عندي مهاجر، وغيره يقول: أبو مخلد.
وفي المطبوع من "سنن البيهقي": "عن أبي الجلد!! وقد ترجمه الحافظ في "التهذيب" فقال: مهاجر بن مخلد أبو مخلد، ويقال: أبو خالد، قال أبو حاتم: لين الحديث ليس بذاك وليس بالمتقن، يكتب حديثه.
وقال ابن معين: صالح، وقال الساجي: صدوق.
وأبو مسلم هو الجذمي روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وباقي رجاله ثقات.
وفي الباب عن أبي هريرة سأل رجل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: "الصلاة في جوف الليل" أخرجه مسلم (1163).
(4) رواه النسائي (1/ 283) في (الصلاة): باب إباحة الصلاة إلى أن يصلي الصبح، وفي "الكبرى" (1477)، وابن ماجه (1251) في (إقامة الصلاة): باب ما جاء في الساعات التي تكره فيها الصلاة، و (1364) في باب ما جاء في أي ساعات الليل أفضل، وأحمد =
(6/284)

فصل [فتاوى تتعلق بالموت والموتى]
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن موت الفجاءة فقال: "راحة للمؤمن وأخذةُ أَسفٍ للفاجر" (1)
__________
= (4/ 111 - 112 و 113 - 114) -ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (17/ 10 - 11) - من طريق يعلي بن عطاء عن يزيد بن طلق عن عبد الرحمن بن البيلماني عن عمرو بن عبسة به.
ولفظ النسائي وأحمد: "جوف الليل الآخر".
واللفظ الذي ذكره المؤلف هو لفظ ابن ماجه، ولفظ "الأوسط" منكر، والصحيح "الآخر".
قال البوصيري (1/ 243): هذا إسناد فيه عبد الرحمن بن البيلماني قال صالح جَزرَة: لا يعرف أنه سمع من أحد من الصحابة إلا من سُرَّق، ويزيد بن طلق قال ابن حبان: يروي المراسيل.
وروى أحمد في "مسنده" (4/ 385) من طريق حجاج بن دينار عن محمد بن ذكوان عن شهر بن حوشب عن عمرو بن عبسة وفيه: "أي الساعات أفضل؟ قال: جوف الليل الآخر".
ومحمد بن ذكوان وشهر ضعيفان.
وله طريق آخر عن شهر بن حوشب عند ابن سعد في "الطبقات" (4/ 217 - 218)، ولفظه: يا نبي اللَّه: أي الساعات أسمع؟ قال الثلث الآخر، لكن رواه ابن سعد عن شيخه الواقدي، وهو متروك.
(1) رواه أحمد (6/ 136)، والبيهقي (3/ 379) من طريق عبيد اللَّه بن الوليد عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير قال: سألت عائشة عن موت الفجأة أيكره، قالت: لا شيء يكره سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك فقال:. . . فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (2/ 318): فيه عبيد اللَّه بن الوليد الوصافي متروك.
وقد صحح إسناده العراقي في "تخريج الإحياء" (4/ 447)، والسخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص 439) (رقم 1212) قال: أخبرني أحمد عن عائشة رفعه بسند صحيح!!
وهذا غريب وقد عرفت حال عبيد اللَّه.
وأخرجه إسحاق بن راهويه في "المسند" (1197) من طريق ليث عن عبد اللَّه بن أبي نجيح عن مجاهد قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر فجأة، فشق ذلك على عائشة، وقالت: لوددت أنه أصيب في شيء من جسده مع أني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وذكرته وإسناده ضعيف، فيه ليث بن أبي سُلَيم ترك حديثه لاختلاطه.
وله إسناد آخر إلى عائشة رواه سعيد بن منصور -كما قال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (1463) - والطبراني في "الأوسط" (3129) عن صالح بن موسى الطلحي، عن عبيد اللَّه -وعند الطبراني: عبد الملك- بن عمير عن موسى بن طلحة عن عائشة، =
(6/285)

ذكره أحمد، ولهذا لم يكره أحمد موت الفجاءة في إحدى الروايتين عنه، وقد رُوي عنه كراهتها، ورَوَى في "مسنده" أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرَّ بجدار أو حائط مائل، فأسرع المشي، فقيل له في ذلك، فقال: "إني أكره موت الفوات" (1)، ولا تنافي بين الحديثين، فتأمله.
وسُئل: تمرُّ بنا جنازة الكافر أفنقوم لها؟ قال: "نعم، إنكم لستم تقومون
__________
= قال ابن حجر -كما في "المقاصد الحسنة"-: حديث غريب فيه صالح بن موسى وهو ضعيف، لكن له شواهد.
أقول: ذكر ابن حجر صالح هذا في "التقريب" وقال: متروك.
وقد رواه -أي حديث عائشة- البيهقي موقوفًا عليها.
وفي الباب عن عبيد اللَّه بن خالد السلمي رجل من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رواه أحمد (3/ 422)، و (4/ 219)، وأبو داود (3110) في (الجنائز): باب موت الفجاة، والبيهقي (3/ 378)، وابن عدي (2/ 649)، ولفظه: "موت الفجاة أخذة أسف".
وقال المنذري: حديث عبيد هذا رجاله ثقات.
أقول: لكن اختلف في رفعه ووقفه.
وفي الباب عن أنس إلا أنه واهي انظر "العلل المتناهية"، وقال الأزدي كما في "العلل": ولهذا الحديث طرق وليس فيها صحيح عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد استوعبتُ الكلام على طرقه في تعليقي على "التذكرة" للقرطبي، يسر اللَّه إتمامه بخير وعافية، وانظر "العلل" للدارقطني (5/ 272).
(1) رواه أحمد في "مسنده" (2/ 356)، وأبو يعلى (6612)، والعقيلي في "الضعفاء" (1/ 61)، وابن حبان في "المجروحين" (1/ 105)، وابن عدي في "الكامل" (1/ 232)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (1492) من طرق عن إبراهيم بن الفضل عن سعيد المقبري عن أبي هريرة به.
قال الهيثمي (2/ 318): بإسناده ضعيف.
أقول: إبراهيم بن الفضل هذا أو ابن إسحاق أبو إسحاق أمره أشد فقد ضعَّفه جدًا ابن معين والبخاري والنسائي.
وقال ابن عدي: وهذه الأحاديث التي أمليتها مع أحاديث سواها عن إبراهيم عن المقبري عن أبي هريرة، مما لم أذكره. فكل ذلك غير محفوظ ولم أر في أحاديثه أوحش منها.
وإبراهيم هذا جاء اسمه في "مسند أحمد" إبراهيم بن إسحاق ترجمة الذهبي في "الميزان"، وقال: لا أدري من ذا الخبر فمنكر، ثم ذكر خبره هذا.
وترجمه أيضًا في إبراهيم بن الفضل ونقل أقوال أهل العلم فيه ثم ذكر هذا الحديث من منكراته.
(6/286)

لها، إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس" (1)، ذكره أحمد، وقام لجنازة يهودية فسئل عن ذلك فقال: "إن للموت فزعًا فإذا رأيتم جنازة فقوموا" (2).
وسئل عن امرأة أوصت أَن يُعتق عنها رقبة مؤمنة، فدعا بالرقبة، فقال: "من ربك"؟ قالت: اللَّه، قال: من أنا؟ قالت: رسول اللَّه. قال: اعتقها، فإنها مؤمنة" (3)، ذكره أبو داود.
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- عمر رضي اللَّه عنه: هل ترد إلينا عقولنا في القبر وقت السؤال؟ فقال: "نعم كهيئتكم اليوم" (4)، ذكره أحمد.
__________
(1) رواه أحمد (2/ 168)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 357)، والبيهقي (4/ 27)، والبزار (836)، وابن حبان (3053)، والطحاوي (1/ 486) كلهم من طريق عبد اللَّه بن يزيد المقرئ: حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن ربيعة بن سيف عن أبي عبد الرحمن الحُبلي عن عبد اللَّه بن عمرو قال: فذكره.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وقال الهيثمي بعد أن عزاه لأحمد والبزار والطبراني في "الكبير" (3/ 27): رجال أحمد ثقات.
أقول: لكن ربيعة بن سيف هذا قال النسائي فيه: ليس به بأس، وقال ابن معين: صالح، وقال البخاري في "الأوسط": روي عنه أحاديث لا يتابع عليها، وضعفه النسائي في رواية أخرى، وقال ابن حبان: يخطئ كثيرًا، وقال ابن يونس: في حديثه مناكير، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق له مناكير.
أقول: في القلب من حديثه شيء، واللَّه أعلم. وفي (ك): "ذكره مسلم"! وهو ليس في "صحيحه" ولم يعزه لأحمد!
(2) رواه البخاري (1311) في (الجنائز): باب من قام لجنازة يهودي، ومسلم (960) في (الجنائز): باب القيام للجنازة.
(3) رواه أبو داود (3283) في (الأيمان والنذور): باب الرقبة المؤمنة، والنسائي (6/ 252) في (الوصايا): باب فضل الصدقة عن الميت، وأحمد (4/ 222 و 388 و 389)، والدارمي (2/ 107)، وابن حبان (189)، والطبراني في "الكبير" (7257)، والبيهقي (7/ 388 - 389) من طرق عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي به.
وهذا إسناد حسن رجاله ثقات، غير محمد بن عمرو، وهو حسن الحديث.
وفي المعنى حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي أخرجه مسلم (537) في (المساجد)، وخرجته بتفصيل في تعليقي على "الموافقات" (1/ 64).
(4) رواه أحمد في "مسنده" (2/ 172) من طريق حسن عن ابن لهيعة عن حيي بن عبد اللَّه المعافري أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص به.
قال الهيثمي (3/ 47): رواه أحمد والطبراني في "الكبير" ورجاله رجال الصحيح. =
(6/287)

وسئل عن عذاب القبر فقال: "نعم عذاب القبر حق" (1).

فصل [فتاوى تتعلق الزكاة]
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن صدقة الإبل؟ فقال: "ما من صاحب إبل لا يؤدي حقَّها، -ومن حقها حلبها يوم ورودها (2) - إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاعٍ قَرْقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلًا واحدًا تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كما مر [عليه] أولاها رُدَّ عليه أُخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى [بين] العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار" (3).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن البقر؟ فقال: "ولا صاحب بقر، ولا غنم لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قَرْقر (4) لا يفقد منها شيئًا ليس فيها عَقْصاء، ولا جَلْحاء، ولا عَضْباء (5)، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كما مرت أولاها رُدَّ عليه أُخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار" (6).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الخيل؟ فقال: "الخيل ثلاثة: هي لرجل وِزْر، ولرجل سِتْر، ولرجل أجر، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل اللَّه فأطال لها في مَرْجٍ أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات ولو أنه
__________
= أقول: ابن لهيعة لم يرو له البخاري، وروى له مسلم مقرونًا، وهو متابع.
فقد رواه ابن حبان (3115)، وابن عدي في "الكامل" (2/ 855) من طريق ابن وهب عن حيي به، وانظر "إتحاف المهرة" (9/ 562).
وهذا إسناد جيد رجاله ثقات غير حيي بن عبد اللَّه وهو لا بأس به.
(1) رواه البخاري (1372) في (الجنائز): باب ما جاء في عذاب القبر، من حديث عائشة.
(2) في (ك): "وردها".
(3) رواه مسلم في "صحيحه" (987) في (الزكاة): باب إثم مانع الزكاة، من حديث أبي هريرة، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) "مكان مستوٍ فارغ" (و).
(5) العقصاء: الملتوية القرنين، والجلحاء: التي لا قرن لها، والعضباء: مشقوقة الأذن أو قصير اليد" (و).
(6) هو جزء من الحديث الذي ذكره المؤلف قبله.
(6/288)

انقطع طيلها فاستنت شرفًا أو شرفين (1) كانت له آثارها وأرواثها حسنات ولو أنها مرت بنهر فشربت منه، ولم يرد أن يسقيها كانت له حسنات فهي لذلك الرجل أجر، ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا، ثم لم ينس حق اللَّه في رقابها, ولا في ظهورها فهي لذلك الرجل ستر ورجل ربطها فخرًا ورياءً ونواءً لأَهل الإِسلام فهي على ذلك وزر" (2).
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الحُمُر؟ فقال: "ما أنزل عليَّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (3)، ذكره مسلم.
وسألته -صلى اللَّه عليه وسلم- أم سلمة، فقالت: إني أَلبس أوضاحًا (4) من ذهب، أكنز هو؟ قال: "ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز" (5)، ذكره مالك.
__________
(1) "عدًا لمرحه ونشاطه شوطًا أو شوطين، ولا راكب عليه، والشرف: الشوط، والطيل والطول: الحبل الطويل يشد أحد طرفيه في وقد أو غيره أو الطرف الآخر في يد الفرس ليدور فيه ويرعى ولا يذهب لوجهه" (و).
وفي (ط): "قطع حبلها، فجرت شوطًا أو شوطين".
(2) هو جزء أيضًا من الحديث المشار إليه سابقًا.
(3) أيضًا هو جزء من الحديث المشار إليه راجع هامش (3) الصفحة السابقة.
(4) "نوع من الحلي كانت تعمل من الفضة سميت بها لبياضها" (و).
(5) رواه أبو داود (1564) في (الزكاة): باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي، ومن طريقه البيهقي (4/ 410) من طريق عتاب بن بشر عن ثابت بن عجلان عن عطاء عن أم سلمة به.
ورواه الحاكم في "المستدرك" (1/ 390)، والدارقطني (2/ 105) -ومن طريقه ابن الجوزي في "التحقيق" (5/ 141 رقم 1157) - والبيهقي (4/ 83) من طريق محمد بن مهاجر عن ثابت بن عجلان به.
قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
أقول: ثابت بن عجلان تفرد بهذا الحديث كما قال البيهقي، وثابت هذا تكلم فيه العقيلي، وقال: لا يتابع على حديثه، وسئل عنه أحمد أكان ثقة؟ فسكت وأعله به عبد الحق في "الأحكام الوسطى" (2/ 169)، وانظر "معرفة السنن والآثار" (6/ 143).
وثابت قد روى له البخاري ووثقه غير واحد وقد رد العلماء على قول العقيلي فيه، وبيّنوا وجه سكوت الإِمام أحمد عنه نقل ذلك الزيلعي في "نصب الراية" (2/ 372) عن ابن دقيق العيد وابن عبد الهادي في "التنقيح" (2/ 1423 رقم 325) بكلام دقيق متين حري بأن يرجع إليه، قلت: وكذلك فعل ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (5/ 363)، والذهبي في "تنقيح التحقيق" (5/ 141 رقم 1157). =
(6/289)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم-: أفي المال حقٌّ سوى الزكاة؟ قال: نعم، ثم قرأ: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} (1)، ذكره الدارقطني.
وسألته -صلى اللَّه عليه وسلم- امرأة فقالت: إن لي حليًا، وإن زوجي خفيف ذات اليد، وإن
__________
= وقد بالغ ابن الجوزي -كعادته- فظن أن محمد بن مهاجر الذي يروي عن ثابت بن عجلان ظنه ذاك الكذاب! مع أنه هنا هو الذي أخرج له مسلم.
وللحديث علة نبّه عليها شيخنا العلامة الألباني في "السلسلة الصحيحة" (559)، وهي الانقطاع بين عطاء بن أبي رباح وأم سلمة فقد صرّح ابن المديني بعدم سماعه منها.
قال الألباني -رحمه اللَّه-: وقد صرفهم الاختلاف في ثابت عن الانتباه للعلة الحقيقية في الإسناد ألا وهي الانقطاع، والحديث حسن، له شاهدان عن جابر وأبي هريرة.
وانظر "نصب الراية"، و"السلسلة الصحيحة" (559).
(تنبيه): عزا المؤلف الحديث للإمام مالك، وهو ليس في "الموطأ"، والذي عند مالك (1/ 256) عن عبد اللَّه بن دينار عن عبد اللَّه بن عمر وهو يسأل عن الكنز ما هو؟ فقال: هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة.
(1) رواه الدارقطني (2/ 107) من طريق أبي بكر الهذلي عن شعيب بن الحبحاب عن عامر الشعبي عن فاطمة بنت قيس، فذكره، وفيه زيادة.
وقال: أبو بكر الهذلي: متروك ولم يأت به غيره.
أقول: وأبو بكر هذا كذّبه بعضهم.
وروى الترمذي (659، 660)، والدارمي (1/ 385)، وابن عدي (4/ 1328)، والطبري في "تفسيره" (2/ 101)، والدارقطني (2/ 125) من طريق أبي حمزة عن عامر عن فاطمة نحوه دون السؤال.
وأبو حمزة هذا ميمون ضعّفه الدارقطني، وقال أحمد: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء.
قال الترمذي عقبه: "هذا حديث إسنادهُ ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يُضعَّف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله، وهذا أصحُّ".
وقال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (1/ 107): وبالجملة؛ فالحديث كيفما كان ضعيف بأبي حمزة ميمون الأعور، ضعفه الترمذي، وقال البيهقي: لا يثبت إسناده، تفرد به أبو حمزة الأعور، وهو ضعيف، ومن تابعه أضعف منه، وعزاه لأبي يعلى في "مسنده".
قلت: أخرجه ابن زنجويه في "الأموال" (2/ 789 رقم 1365)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 156، 191)، وأبو عبيد في "الأموال" (445) عن ابن عمر قوله: "في مالك حق سوى الزكاة"، وإسناده صحيح.
وأثر الشعبي أخرجه أبي شيبة في "المصنف" (3/ 191)، وابن زنجويه في "الأموال" (2/ 792 رقم 1370)، وابن عبد البر في "التمهيد" (4/ 212) عنه بإسناد حسن.
(6/290)

لي ابن أخ أفيجزئ عني أن أجعل زكاة الحلي فيهم؟ قال: "نعم" (1).
وذكر ابن ماجه أن أبا سيَّارة سأله فقال: إن لي نخلًا، فقال: "أَد العشر" فقلت: يا رسول اللَّه، احمها لي، فحماها لي (2).
__________
(1) رواه الدارقطني (2/ 108) -ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (2/ ق 409/ أ)، وابن الجوزي في "التحقيق" (5/ 146 رقم 1162) من طريق محمد بن الأزهر: حدثنا قبيصة عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود به.
وقال: وهذا وهم، والصواب عن إبراهيم عن عبد اللَّه، مرسل موقوف.
أقول: محمد بن الأزهر، ذكره ابن عدي في "الكامل" (6/ 2143)، ونقل عن أحمد قوله فيه: لا تكتبوا عنه فإنه يحدث عن الكذابين، وقال ابن عدي: ومحمد بن الأزهر هذا ليس بالمعروف، وإذا لم يكن معروفًا يحدث عن الضعفاء فسبيلهم واحد لا يجب أن يشتغل بروايتهم وحديئهم.
ثم رواه عبد الرزاق (4/ 83 - 84 رقم 5076)، والدارقطني والبيهقي (4/ 139)، وفي "الخلافيات" (2/ ق 409/ أ) من طريق عبد اللَّه بن الوليد عن سفيان به موقوفًا عن ابن مسعود، قال البيهقي: "وقد روي هذا مرفوعًا إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وليس بشيء" وقال الدارقطني في "العلل" (5/ 158) عن الموقوف: "وهو الصواب".
وانظر: "بيان الوهم والإيهام" (5/ 365 رقم 2538) و"تنقيح التحقيق" (2/ 1424) لابن عبد الهادي و (5/ 145) للذهبي و"إتحاف المهرة" (10/ 373 - 375) "الطرق الحكمية" (ص 301)، و"بدائع الفوائد" (3/ 143).
(2) رواه ابن ماجه (1823) في (الزكاة): باب زكاة العسل، وأحمد في "مسنده" (4/ 236)، وعبد الرزاق (6973)، وابن أبي شيبة (3/ 33)، وأبو داود الطيالسي (826 - منحة المعبود) -ومن طريقه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (5/ 2922 رقم 6844) - والبغوي في "معجم الصحابة" -ومن طريقه المزي (33/ 398) -، والدولابي في "الكنى" (1/ 37)، والطبراني في "الكبير" (22/ 800 و 881) - عنه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (رقم 6845) -ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (33/ 399) - وأبو عبيد (597)، وابن زنجويه (2016) كلاهما في "الأموال"، والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 126) كلهم من طرق عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن أبي سيّارة المتعي به.
قال البيهقي: هذا أصح ما روي في وجوب العشر، وهو منقطع.
قال أبو عيسى الترمذي: "سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا، فقال: هذا حديث مرسل، وسليمان بن موسى لم يدرك أحدًا من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وليس في زكاة العسل شيء يصح".
وعزاه البوصيري (1/ 320) لأبي يعلى في "مسنده" وقال: هذا إسناد ضعيف. . . وليس لأبي سيارة عند ابن ماجه سوى هذا الحديث الواحد، وليس له شيء في الأصول الخمسة، ثم نقل عن أبي حاتم قوله: لم يلق سليمان بن يسار أبا سيارة، والحديث مرسل. =
(6/291)

وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- العباس عن تعجيل زكاته قبل أن يحول الحول، فأذن له في ذلك (1)، ذكره أحمد.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن زكاة الفطر؟ فقال: "هي على كل مسلم صغيرًا أو كبيرًا، حرًا أو عبدًا، صاعًا من تمر أو [صاعًا من] شعير أو أقط" (2).
__________
= وانظر: "المحلى" (5/ 232)، و"نصب الراية" (2/ 391 - 393)، و"الإصابة" (7/ 196).
(1) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 104)، وأبو داود (1624) في (الزكاة): باب في تعجيل الصدقة، والترمذي (678) في (الزكاة): باب ما جاء في تعجيل الزكاة، وابن ماجه (1795) في (الزكاة): باب تعجيل الزكاة قبل محلها. وابن سعد في "الطبقات" (4/ 26)، والدارمي (1/ 385)، وأبو عبيد في "الأموال" (1885)، وابن الجارود في "المنتقى" (ص 184)، وابن خزيمة (2331)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (272) -ومن طريقه البرزالي في "مشيخة ابن جماعة" (1/ 325) وابن رشيد في "ملء العيبة" (3/ 179 - 180) -، والدارقطني (2/ 123)، والحاكم (3/ 332)، والبيهقي (4/ 111 و 10/ 54)، والبغوي (1577) وابن حزم في "المحلى" (6/ 97)، وابن عساكر (7/ ق 354)، والذهبي في "السير" (16/ 158) من طريق إسماعيل بن زكريا عن الحجاج بن دينار عن الحكم بن عتيبة، عن حُجيّة بن عدي، عن علي بن أبي طالب به.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
والحديث قد اختلف في إسناده كما بيّن ذلك الدارقطني في "علله" (3/ 187 - 189)، وقد رجّح هو -ومن قبله أبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان كما في "العلل" (1/ 215) لابن أبي حاتم- وتبعهم وتبعهما والبيهقي رواية هشيم عن منصور بن زاذان عن الحكم عن الحسن بن مسلم عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلًا، انظر هذه الرواية وتخريجها في "الغيلانيات" (273).
وقد ذكره شيخنا الألباني في "إرواء الغليل" (3/ 346)، وأسهب في الحديث عليه، وذكر ترجيح الدارقطني أنه مرسل ثم ذكر شواهد للمرسل، ونقل كلام الحافظ في "الفتح" (3/ 334): "وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق".
ثم قال: "وهذا الذي نجزم به لصحة سندها مرسلًا وهذه شواهد لم يشتد ضعفها، فهو يتقوى بها ويرتقي إلى درجة الحسن على أقل الأحوال".
(2) بهذا اللفظ رواه الدارقطني (2/ 138) من طريق علي بن الحسين عن أبيه عن علي، قال الزيلعي في "نصب الراية" (2/ 411): قال الشيخ في (الإِمام): وفي إسناده بعض من يحتاج إلى معرفة حاله، وانظر تعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 2043).
أقول: وشاهده حديث ابن عمر، رواه البخاري (1503)، وأطرافه هناك، ومسلم (984)، لكن دون ذكر الأقط.
وأما فرض الأقط فثابت في "صحيح مسلم" (985) من حديث أبي سعيد. وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6/292)

وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- أصحاب الأموال، فقالوا: إن أصحاب الصدقة يعتدون علينا أفنكتُم من أموالنا بقدر ما يعتدون [علينا]؟ قال: "لا" (1)، ذكره أبو داود.
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل، فقال: إني ذو مال كثير، وذو أهل، وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق؟ وكيف أمنع؟ (2) فقال: "تُخرج الزكاة من مالك، فإنها طهرة تطهرك وتصل [بها رحمك و] (3) أقاربك وتعرف حقّ السائل والجار والمسكين". فقال: يا رسول اللَّه أقلل فيَّ، قال: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26] فقال: حسبي، وقال: يا رسول اللَّه إذا أديتُ الزكاة إلى رسولك، فقد برئت منها إلى اللَّه ورسوله؟ قال رسول اللَّه: "نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها وإثمها على من بدَّلها" (4)، ذكره أحمد.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الصدقة على أبي رافع مولاه؟ فقال: "إنَّا آل محمد لا تحلُّ لنا الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم" (5)، ذكره أحمد.
__________
(1) رواه عبد الرزاق (6818)، ومن طريقه أحمد (5/ 83)، وأبو داود (1587) في (الزكاة): باب رضا المصدق، والبيهقي (4/ 104) من معمر عن أيوب عن رجل يقال له: ديسم السدوسي عن بشير بن الخصاصية به.
لكن رواه أحمد في "مسنده" (5/ 83)، وأبو داود (1586) من طرق عن حماد بن زيد عن أيوب به موقوفًا.
أقول: حماد بن زيد أحفظ من معمر قال ابن معين: ليس أحد أثبت في أيوب منه "أي حماد بن زيد"، وقال أيضًا: من خالفه في الناس جميعًا فالقول قوله في أيوب، وقال هذا المعنى غيره أيضًا فانظر ترجمته في "التهذيب".
وعلى كلا الأمرين: الرفع أو الوقف فالحديث مداره على دَيْسم، ولم يرو عنه إلا أيوب، وذكره ابن حبان في "الثقات"! فهو من المجاهيل.
وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) في (ك): "أصنع".
(3) ما بين المعقوفتين سقط في (ك).
(4) رواه أحمد في "مسنده" (3/ 136)، والطبراني في "الأوسط" (8802) والحاكم (2/ 360 - 361) من طريق ليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن أنس بن مالك به.
قال الهيثمي في "المجمع" (3/ 63): رواه أحمد والطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح.
أقول: لكن رواية سعيد عن أنس مرسلة كما في "التهذيب" (4/ 94) و"إكمال تهذيب الكمال" (رقم 495).
(5) رواه أحمد في "مسنده" (6/ 8 و 10 و 390)، والطيالسي (972)، وابن أبي شيبة (3/ 214)، وأبو داود (1650) في (الزكاة): باب الصدقة علي بني هاشم، والترمذي (656) في "الزكاة": باب كراهية الصدقة للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والنسائي (5/ 107) في (الزكاة): باب =
(6/293)

وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- عمر عن أَرضه بخيبر واستفتاه ما يصنع فيها؟ وقد أراد أن يتقرب بها إلى اللَّه فقال: "إن شئت حَبستَ أصلها وتصدقت بها" ففعل (1). وتصدَّق عبد اللَّه بن زيد بحائط له، فأتاه (2) أبواه فقالا: يا رسول اللَّه إنها كانت قيم وجوهنا, ولم يكن لنا مال غيره فدعا عبد اللَّه فقال: "إن اللَّه قد قبل منك صدقتك وردَّها على أبويك" فتوارثاها بعد ذلك (3)، ذكره النسائي.
__________
= مولى القوم منهم، والحاكم (1/ 404) والطحاوي في "المشكل" (4390)، وابن خزيمة (2344)، وابن حبان (3293)، والبيهقي (7/ 32)، والبغوي (1607) من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة عن ابن أبي رافع عن أبيه به.
لكن عند أحمد (6/ 10) عن ابن أبي ليلى عن الحكم، وسقط الحكم من إسناد مطبوع "مسند أحمد" (6/ 8)، انظر: "إتحاف المهرة" (14/ 249)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وصححه الحاكم على شرط الشيخين.
واسم ابن أبي رافع: عُبيد اللَّه، ثقة، أخرج له الستة، وانظر: "السلسلة الصحيحة" (1613).
(1) رواه البخاري (2737) في (الشروط): باب الشروط في الوقف، و (2772) في (الوصايا): باب الوقف كيف يكتب، ومسلم (1632) في (الوصية): باب الوقف، من حديث ابن عمر. وطرقه كثيرة في "مسند عمر" (رقم 44 - 55) للنجاد.
(2) في (ك): "فأتى".
(3) رواه النسائي في "الكبرى" (6313) مختصرًا، والدارقطني (4/ 201)، والحاكم (3/ 336 و 4/ 348) من طريق أبي بكر بن حزم عن عبد اللَّه بن زيد به.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن كان أبو بكر بن عمرو بن حزم سمعه من عبد اللَّه بن زيد، ولم يخرجاه، وقال الدارقطني: هذا مرسل لأن عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه توفي في خلافة عثمان ولم يدركه أبو بكر بن حزم.
ثم رواه الدارقطني (4/ 201) من طريق آخر عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عمرو بن سليم عن عبد اللَّه بن زيد به، وقال: وهذا أيضًا مرسل.
وعزاه الحافظ في "النكت الظراف" (4/ 345) من هذه الطريق (طريق عمرو بن سليم) للحاكم في "المستدرك"، وليس هو فيه (4/ 348).
ورواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1940 و 1941 و 1942)، والدارقطني (4/ 200، 201)، والحاكم (4/ 348)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (3/ رقم 4156) من طريق عبيد اللَّه بن عمر بن بشير بن محمد بن عبد اللَّه بن زيد عن جده عبد اللَّه بن زيد به.
قال الدارقطني: هذا مرسل بشير بن محمد لم يدرك جده عبد اللَّه بن زيد، وقال الحاكم: وهذا الحديث وإن كان إسناده صحيحًا على شرط الشيخين. فإني لا أرى =
(6/294)

وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- أي الصدقة أفضل؟ فقال: "المنيحة؛ أَن يمنح أحدكم الدرهم أو الدابة أو لبن الشاة أو لبن البقرة" (1)، ذكره أحمد.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- مرة عن هذه المسألة، فقال: "جهد المقل وابدأ بمن تعول" (2)، ذكره أبو داود.
وسئل -صلى اللَّه عليه وسلم- مرة أخرى عنها، فقال: "أَن تتصدق، وأنت صحيح شحيح
__________
= بشير بن محمد الأنصاري سمع من جده عبد اللَّه بن زيد وإنما ترك الشيخان حديث عبد اللَّه بن زيد في الأذان والرؤية التي قصها على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بهذا الإسناد لتقدم موت عبد اللَّه بن زيد فقد قيل: إنه استشهد بأحد، وقيل: بعد ذلك بيسير، واللَّه أعلم.
وانظر في وفاة عبد اللَّه بن زيد "الإصابة".
وقد قال الحافظ في "النكت الظراف": إنه استشهد في اليمامة، وانظر -غير مأمور-: "إتحاف المهرة" (6/ 652 - 654) وتعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 4360 - 4365).
(1) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 463)، وأبم يعلى (5121) من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود به، ورواه البزار (947) من طريق جعفر بن جميع عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود به.
قال الهيثمي في "المجمع" (3/ 133): ورجال أحمد رجال الصحيح.
أقول: إبراهيم الهجري لم يرو له أحد من أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وقد تكلم فيه أئمة الجرح والتعديل؛ لأنه كان رفَّاعًا، وقد ضعفه جدًا أبو حاتم والبخاري والنسائي.
قال ابن عدي: وأحاديث عامتها مستقيمة من المعنى، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبي الأحوص عن عبد اللَّه، وهو عندي ممن يكتب حديثه.
قال الحافظ ابن حجر: "القصة المتقدمة عن ابن عيينة تقتضي أن حديثه عنه صحيح؛ لأنه إنما عيب عليه رفعه أحاديث موقوفة، وابن عيينة ذكر أنه ميز حديث عبد اللَّه من حديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والحديث هنا ليس من رواية ابن عيينة فهو ضعيف.
ولبعضه شاهد فقد روى البخاري في "صحيحه" (2629) عن أبي هريرة مرفوعًا: "نعم المنيحة اللقحة الصفيّ منحة والشاة الصفي تغدو بإناء وتروح بإناء".
وآخر من حديث ابن عمرو في منيحة العنز عند البخاري أيضًا (2631)، وخرجتُه بتفصيل في تعليقي على "الأوهام التي في مدخل الحاكم" (ص 137 - 138).
(2) رواه أبو داود (1677) في (الزكاة): بابا الرخصة في ذلك، وأحمد (2/ 358)، وابن خزيمة (2444)، وابن حبان (3346)، والحاكم (1/ 414)، والبيهقي (1/ 480) من طرق عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن يحيى بن جعدة عن أبي هريرة به.
والسائل هو أبو هريرة نفسه.
وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
لكن يحيى بن جعدة لم يخرج له مسلم، وهو ثقة.
(6/295)

تخشى الفقر وتأمل الغنى" (1).
وسئل مرة أخرى عنها، فقال: "سقي الماء" (2).
[وسئل مرة أخرى عنها، فقال] (3).
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- سُراقة بن مالك عن الإبل تغشى حياضه: هل له من أجر في
__________
(1) رواه البخاري (1419) في (الزكاة): باب فضل صدقة الصحيح الشحيح، و (3748) في (الوصايا): باب الص