Advertisement

إعلام الموقعين عن رب العالمين ت مشهور 005


سلسلة مكتبة ابن القيم [6]

إعلام الموقعين عن رب العالمين

تصنيف
أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 ه

قرأه وقدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره
أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان

شارك في التخريج
أبو عمر أحمد عبد الله أحمد

[المجلد الخامس]

دار ابن الجوزي
(5/1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(5/2)

إِعلامُ الموقِّعِين عَن رَبِّ العَالمين
[5]
(5/3)

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار ابْن الْجَوْزِيّ
الطبعة الأولى
رَجَب 1423 ه

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة © 1423 ه لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر

دَار ابْن الْجَوْزِيّ للنشر والتوزيع
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية
الدمام - شَارِع ابْن خلدون ت: 8428146 - 8467589 - 8467593
ص ب: 2982 - الرَّمْز البريدي: 31461 - فاكس: 8412100
الإحساء - الهفوف - شَارِع الجامعة ت: 5883122
جدة ت: 6516549
الرياض ت: 4266339
(5/4)

[لا يجوز الإتيان بفعل يكون وسيلة إلى حرام وإن كان جائزًا]
الدلالة على المنع من وجوه (1):
الوجه الأول: قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] فحرم اللَّه تعالى سَبَّ آلهة المشركين -مع كون السبِّ غيظًا وحمية للَّه وإهانة لآلهتهم- لكونه ذريعةً إلى سبِّهم (2) اللَّه تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز.
الوجه الثاني: قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] فمنعهن من الضرب بالأرجُلِ وإن كان جائزًا في نفسه لئلا يكون سببًا إلى سَمْع الرجال صوتَ الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهنَّ (3).
والوجه الثالث: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} [النور: 58]-[لأنه] (4) أمر سبحانه مماليكَ المؤمنين ومَنْ لم يبلغ منهم [الحلم] (5) أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة لئلا يكون دخولهم هجمًا بغير استئذان فيها ذريعةً إلى اطِّلاعهم على عَوْرَاتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة، ولم يأمرهم بالاستئذان في غيرها وان أمكن في تركه هذه المفسدة لنُدُورها وقلة الإفضاء إليها فجُعِلت كالمقدمة (6).
__________
(1) هذه الوجوه وقعت في (ن) و (ق) على غير هذا الترتيب.
(2) في (ك): "سب" والمثبت من سائر النسخ.
(3) انظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 48، 49، 362 - 364)، و"مدارج السالكين" (1/ 118، 369)، و"بدائع الفوائد" (3/ 151، 271، 272)، و"الداء والدواء" (ص: 142، 221 - 223، 262)، و"الطرق الحكمية" (ص: 324 - 327)، و"الحدود والتعزيرات" (ص: 106 - 114)، وهذا الوجه وقع في (ق) و (ن) مكان الوجه التاسع والثلاثين.
(4) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك) وسقط من سائر الأصول.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) جاء هذا الوجه مكان الوجه الخمسين من (ق) و (ن).
(5/5)

الوجه الرابع: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة: 104] نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة -مع قصدهم بها الخير- لئلا يكون قولهم (1) ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم؛ فإنهم كانوا يخاطبون بها النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ويقصدون بها السبَّ، يقصدون فاعلًا من الرعونة (2)، فَنُهِيَ المسلمون عن قولها؛ سدًا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تشبهًا بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون. [ولئلا يخاطب بلفظ يحتمل معنى فاسدًا] (3).
الوجه الخامس: قوله تعالى لكليمه موسى وأخيه هارون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43 - 44] فأمر سبحانه أن يُلِينَا القولَ لأعظم أعدائه وأشدهم كفرًا وأعتاهم عليه؛ لئلا يكون إغلاظُ القول له مع أنه حقيق به ذريعةً إلى تنفيره وعدم صبره لقيام الحجة، فنهاهما عن الجائز لئلا يترتب عليه ما هو أكره إليه سبحانه (4).
الوجه السادس: أنه سبحانه نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد، وأمرهم بالعفو والصفح؛ لئلا يكون انتصارهم ذَرِيعة إلى وقوع ما هو أعظم مفسدةً من مفسدة الإغضاء واحتمال الضَّيْم، ومصلحة حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة (5).
الوجه السابع: أنه سبحانه نهى عن البيع وقت نداء الجمعة لئلا يُتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها (6).
والوجه الثامن: (7) ما رواه حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن عمرو أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مِنَ الكبائرِ شَتْمُ الرجل والديه، قالوا: يا رسول اللَّه وهل
__________
(1) في (ق): "قولها".
(2) انظر: "الدر المنثور" (1/ 252 - 253) ففيه آثار عن السلف.
(3) ما بين المعقوفتين من (و)، وعلق قائلًا: "عن ابن تيمية (ص: 263 ج: 3) فتاوى".
قلت: هي "مجموع الفتاوى الصغرى" نشر دار الكتب الحديثة.
وجاء هذا مكان الوجه العشرين في (ق) و (ن).
(4) وجاء هذا الوجه مكان الوجه السادس والخمسين في (ق) و (ن).
(5) وجاء هذا الوجه مكان الوجه السابع والخمسين في (ق) و (ن).
(6) وجاء هذا الوجه مكان الوجه الثامن والخمسين في (ق) و (ن).
(7) من بداية هذا الوجه قارن ب "بيان الدليل على بطلان التحليل" (ص: 353 - 373 - تحقيق فيحان المطيري)؛ فهي الأمثلة نفسها، إن لم تكن بلفظها.
(5/6)

يشتمُ الرَّجلُ والديه؟ قال: نعم، يسبُّ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" متفق عليه (1)، ولفظ البخاري: "إن مِنْ أكبر الكبائر أن يَلعنَ الرَّجلُ والديه، قيل: يا رسول اللَّه كيف يَلعنُ الرجلُ والديه؟ قال: يسبُّ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" فجعل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الرجل سابًا لاعنًا لأبويه بتسبّبه إلى ذلك وتوسله إليه وإن لم يقصده (2).
الوجه التاسع: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يكف عن قتل المنافقين (3) -مع كونه مصلحة- لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه، وقولهم: إن محمدًا يقتل أصحابه، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه وممن (4) لم يدخل [فيه]، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل (5).
الوجه العاشر: أن اللَّه سبحانه حرَّم الخمر لما فيها من المفاسد (6) الكثيرة المترتبة (7) على زوال العقل، وهذا ليس مما نحن فيه، لكن حرم القَطْرة الواحدة
__________
(1) أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب الأدب)، باب: لا يسب الرجل والديه، (10/ 403/ رقم 5973)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الأيمان)، باب: بيان الكبائر وأكبرها، (1/ 92/ رقم 90) وغيرهما، عن عبد اللَّه بن عمرو، ووقع في النسخ المطبوعة من "الإعلام" "عبد اللَّه بن عمر"! -رضي اللَّه عن الجميع-.
(2) قال (و): "فرق شيخ الإسلام ابن تيمية بين هذا الوجه، والوجه الأول: وهو سب المشركين بقوله: "إن سب آباء الناس هنا حرام، لكن قد جعله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من أكبر الكبائر؛ لكونه شتمًا لوالديه؛ لما فيه من العقوق، وإن كان فيه إثم من جهة إيذاء غيره". (ص: 258 فتاوى ج: 3)، نشر الكتب الحديثة. ونلحظ أن الإمام ابن القيم ينقل عن أستاذه هنا ما يكاد يكون متشابه اللفظ، فضلًا عن المعنى" اه. وجاء هذا الوجه مكان الوجه السادس والعشرين في (ق) و (ن).
(3) هو في حديث يرويه البخاري (3518) في "مناقب الأنصار": باب ما ينهى من دعوى الجاهلية و (4905) في تفسير سورة المنافقون. باب: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} و (4907) باب: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ}، ومسلم (2584) (63) في (البر والصلة): باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، من حديث جابر.
(4) في المطبوع: "ومن".
(5) جاء هذا الوجه مكان الوجه الثامن عشر في (ق) و (ن) وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ك): "المفسدة".
(7) في (ق): "المرتبة".
(5/7)

منها (1)، وحرم إمساكها للتخليل ونجَّسها (2)، لئلا تتخذ القَطْرة ذريعة إلى الحُسْوَة (3) ويُتخذ إمساكها للتخليل ذريعة إلى إمساكها للشرب (4)، ثم بالغ في سد الذريعة فنهى عن الخَلِيطين (5)، وعن شرب العصير بعد ثلاث (6)، وعن الانتباذ في الأوْعِية التي قد يتخمَّر النبيذ فيها ولا يعلم به (7)، حَسْمًا لمادة قربان المسكر، وقد صرح -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعلة في تحريم القليل فقال: "ولو رخَّصتُ لكم في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه" (8).
__________
(1) كما في حديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" وهو مخرج في موطن آخر.
(2) روى مسلم في "صحيحه" (1983) في الأشربة: باب تحريم تخليل الخمر عن أنس أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئل عن الخمر تتخذ خلًا؟ فقال: لا.
(3) "الحُسوة -بضم الحاء-: الجرعة من الشراب بقدر ما يحسى مرة واحدة، والحسوة -بفتحها-: المرة" (و).
(4) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 140).
(5) انطر: "صحيح البخاري" (كتاب الأشربة): باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر، (5601)، و"صحيح مسلم" (كتاب الأشربة) (1986)، و"سنن أبي داود" (كتاب الأشربة)، باب: في الخليطين، 3703 - وما بعده، و"سنن الترمذي" (كتاب الأشربة: باب ما جاء في خليط البسر والتمر 1876)، و"سنن النسائي" (كتاب الأشربة: باب خليط البسر والزبيب)، (8/ 291)، و"سنن ابن ماجه" (كتاب الأشربة، باب النهي عن الخليطين، 3395).
(6) روى مسلم في "صحيحه" (2004) عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينبذ له الزبيب في السِّقاء، فيشربه يومه الغد وبعد الغد، فإذا كان مساءُ الثالثة شربه وسقاه، فإن فضل شيء أهراقه. وانظر: "المجتبى" (8/ 738) للنسائي.
(7) نهيُّ النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الانتباذ في عدد من الأوعية كالحنتم والدباء والنقير والمزفت ثابت في أحاديث منها حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس في "صحيح البخاري" (53) و"صحيح مسلم" (17) وفي الأشربة 3/ 1579، وحديث أنس رواه البخاري (5587)، ومسلم (1992).
وحديث علي، وراه البخاري (5594)، ومسلم (1994).
وحديث أبي هريرة، رواه مسلم (1993).
وحديث عائشة رواه مسلم (1995).
لكن ثبت نسخ ذلك في "صحيح مسلم" (977) عن بُريدة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا" وفي "صحيح البخاري" (5592) عن جابر بن عبد اللَّه قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الظروف، فقالت الأنصار: إنه لا بُدَّ لنا منها، قال: فلا إذن".
(8) أخرج النسائي في "المجتبى" (كتاب الأشربة، باب الأذن في الانتباذ، 8/ 309) بسند =
(5/8)

الوجه الحادي عشر: [أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- حرم] (1) الخَلْوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن، والسفر بها ولو في الحج وزيارة الوالدين (2)، سدًا لذريعة ما يُحاذر من الفتنة وغَلَبات الطِّباع (3).
الوجه الثاني عشر: أن اللَّه سبحانه أمر بغضِّ البصر -وإن كان إنما يقع على محاسن الخِلْقة والتفكر في صنع اللَّه- سدًا لذريعة الإرادة والشهوة المُفْضِية إلى المحظور (4).
__________
= صحيح على شرط الشيخين عن أبي هريرة؛ قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وفد عبد القيس حين قدموا عليه عن الدَّباء، وعن النقير وعن المزفَّت والمزاد والمجبوبة، وقال: "انتبذ في سقائك أوكِهِ واشربه حلوًا. قال بعضهم: ائذن لي يا رسول اللَّه في مثل هذا. قال: "إذًا، تجعلها مثل هذه"، وأشار بيده يصف ذلك.
وأصله في "صحيح مسلم" (كتاب الأشربة)، باب: النهي عن الانتباذ في المزفت، 3/ 1577 - 1578/ رقم 1993) دون ذكر الإشارة.
وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 226 - 227) بألفاظ في بعضها: "فقال له رجل: أتأذن لي في مثل هذه؟ وأشار بيده وفرج بينهما؛ فقال: "إذًا، تجعلها مثل هذه" وأشار بيديه أكثر من ذلك.
وأخرجه ابن حبان في "الصحيح" (12/ 222 - 223/ رقم 5401 - الإحسان)، وفي آخره: "فقال رجل: يا رسول اللَّه! ائذن لي في مثل هذه -وأشار النضر بن شميل (أحد رواته) بكفه-. فقال: "إذًا تجعلها مثل هذه"، وأشار النضر بباعه، قال ابن حبان عقبه: "قول السائل: "ائذن لي في مثل هذا" أراد به إباحة اليسير في الانتباذ في الدّباء والحنتم وما أشبهها؛ فلم يأذن له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مخافة أن يتعدى ذلك باعًا؛ فيرتقي إلى المسكر فيشربه".
وانظر: "مدارج السالكين" (3/ 306)، و"مفتاح دار السعادة" (ص: 337)، و"زاد المعاد" (3/ 115)، وانظر: "الحدود والتعزيرات" (ص: 266).
وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه التاسع والخمسين.
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "نهيه عن".
(2) ورد في ذلك عدة أحاديث، منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب الجهاد، باب من اكتتب في جيش المسلمين، 6/ 142 - 143/ رقم 3006)، و (كتاب النكاح): باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم (9/ 330 - 331/ رقم 5233)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الحج): باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، (2/ 978/ رقم 1341) عن ابن عباس مرفوعًا: "لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها محرم، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم، فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه! اكتتبت في غزوة كذا، وخرجت امرأتي حاجَّة؟ قال: اذهب، فاحجج مع امرأتك".
(3) جاء هذا الوجه مكان الوجه الحادي والثلاثين في (ق) و (ن).
(4) انظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 364)، وجاء هذا الوجه مكان الوجه الثاني والثلاثين في (ق).
(5/9)

الوجه الثالث عشر: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن مَنْ فعل ذلك (1)، ونهى عن تجصيص القبور، وتشريفها (2)، واتخاذها مساجد، وعن الصلاة إليها وعندها (3)، وعن إيقاد المصابيح عليها (4)، وأمر بتسويتها (5)،
__________
(1) أخرج مسلم في "صحيحه" (كتاب المساجد ومواضع الصلاة)، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور (1/ 377 - 378/ رقم 532) ضمن حديث جُندب بن عبد اللَّه البَجَلي مرفوعًا: ". . . وإن مَنْ كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك".
وأخرج البخاري في "صحيحه" (كتاب الصلاة)، باب منه (1/ 532/ رقم 435، 436)، و (كتاب الجنائز)، باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، (3/ 200/ رقم 1330)، باب: ما جاء في قبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (3/ 255/ رقم 1390)، وكتاب (أحاديث الأنبياء)، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل، (6/ 494 - 495/ رقم 3453، 3454)، وكتاب (المغازي) باب: مرض النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ووفاته، (8/ 140/ رقم 4441، 4443، 4444)، وكتاب (اللباس) باب: الأكسية والخمائص (10/ 277/ رقم 5815، 5816)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب المساجد ومواضع الصلاة) باب: النهي عن بناء المساجد على القبور، (1/ 377/ رقم 531) عن عائشة وابن عباس رفعاه: "لعنة اللَّه على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"؛ يُحذِّر مما صنعوا.
وانظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 362)، و"تهذيب السنن" (4/ 341 - 342).
(2) أما النهي عن تجصيص القبور فهذا ثابت في "صحيح مسلم" (970) في (الجنائز): باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه، من حديث جابر.
والنهي عن تشريف القبور وهو البناء عليها ثابت في الحديث نفسه، وفي "صحيح مسلم" أيضًا (968) في باب: الأمر بتسوية القبر عن علي بن أبي طالب قال: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسولا اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . ولا قبرًا مُشْرِفًا إلا سَوّيته.
"قوله: "تشريفها" المراد به رفعها عن وجه الأرض" (و).
(3) أما النهي عن الصلاة إليها؛ فقد ورد في "صحيح مسلم" (كتاب الجنائز): باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، (98/ 972) من حديث أبي مرثد الغنوي -رضي اللَّه عنه-، قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
وأما النهي عن الصلاة عندها؛ فقد ورد في "سنن أبي داود" (كتاب الصلاة): باب المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة (492)، و"سنن الترمذي" (كتاب الصلاة): باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، (317)، و"سنن ابن ماجه" (كتاب المساجد): باب المواضع التي تكره فيها الصلاة (745) و"مسند أحمد" (3/ 83) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام".
(4) يشير إلى الحديث: "لعن رسول اللَّه زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرج". وسيأتي تخريجه -إن شاء اللَّه تعالى- مفصلًا.
(5) رواه مسلم (969) في (الجنائز): باب تسوية القبر من حديث علي بن أبي طالب قال: =
(5/10)

ونهى عن اتخاذها عيدًا (1) وعن شَدِّ الرحال إليها (2)، [لئلا يكون] (3) ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانًا والإشراك [بها] (4)، وحرَّم ذلك على مَنْ قَصَدَه ومن لم يقصده بل قصد خلافه سدًا للذريعة (5).
الوجه الرابع عشر: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها (6)، وكان من حكمة ذلك أنهما وَقْتُ سجود المشركين للشمس، وكان
__________
= ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سوّيته".
وروى مسلم أيضًا (970) من حديث جابر بن عبد اللَّه قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يجَّصص القبر وأن يقعد عليه وأن يُبنى علبه.
(1) روى أحمد (2/ 367)، وأبو داود في "المناسك" (2042): باب زيارة القبور -ومن طريقه البيهقي في "حياة الأنبياء" (رقم 15) -، وإسماعيل الفاضي في "فضل الصلاة على النبي" (رقم 20) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر ولا تجعلوا قبري عيدًا. . . " وحسّنه ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص 321 - ط الافتاء)، وابن حجر في "تخريج الأذكار" كما في "الفتوحات الربانية" (3/ 311)، وصححه النووي في "المجموع" (8/ 275)، و"الأذكار" (ص 93) وله شواهد، تكلمت عليها في تعليقي على "جلاء الأفهام" (رقم 30، 84، 85).
(2) لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قصر شد الرحال إلى المساجد الثلاثة في قوله: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
وهو حديث مشهور مستفيض مروي عن جمع من الصحابة، منهم: أبو سعيد الخدري رواه البخاري (1197) و (1995)، ومسلم (827) (415) في "الحج" (2/ 975).
ومنهم: أبو هريرة رواه البخاري (1189)، ومسلم (1397).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "ليكون".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) انظر: "تحذير الساجد في اتخاذ القبور مساجد" (ص: 83 - 84، 105، 107) لشيخنا العلامة الألباني -رحمه اللَّه تعالى-، وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الثاني.
وقال (و): "انظر ص 259 ج 3 فتاوى ابن تيمية" اه.
(6) رواه البخاري (582) في "مواقيت الصلاة": باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، و (585) في باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، و (589): باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر و (1192) في (فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة): باب مسجد قباء و (1629) في "الحج": باب الطواف بعد الصبح والعصر و (3273) في بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده، ومسلم (828) في "صلاة المسافرين": باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، من حديث ابن عمر.
(5/11)

النهي عن الصلاة للَّه في ذلك الوقت سدًا لذريعة المشابهة الظاهرة، التي هي ذريعة إلى المشابهة في القَصْد مع بُعْد هذه الذريعة، فكيف بالذرائع القريبة (1)؟
الوجه الخامس عشر: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن التشبَّه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة، كقوله: "إن اليهود والنصارى لا يَصْبِغُونَ فخالفوهم" (2).
وقوله: "إن اليهود لا يُصَلّون في نعالهم فخالفوهم" (3)، وقوله في عاشوراء: "خالفوا اليهود صُومُوا يومًا قبله ويومًا بعده" (4) وقوله (5): "لا تَشَبَّهُوا بالأعاجم" (6).
__________
(1) انظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 185، 362)، وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الثالث.
(2) رواه البخاري (3462) في (أحاديث الأنبياء): باب ما ذكر عن بني إسرائيل و (5899) في (اللباس): باب الخضاب، ومسلم (2103) في (اللباس والزينة): باب في مخالفة اليهود في الصبغ، من حديث أبي هريرة.
(3) رواه أبو داود (652) في (الصلاة): باب الصلاة في النعل -ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" (534) - وابن حبان (2816)، والحاكم (1/ 260) -ومن طريقه البيهقي (2/ 432) - والطبراني في "الكبير" (7164)، و (7165) من حديث شداد بن أوس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ولفظه: "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا في نعالهم" وزاد ابن حبان: "والنصارى"، وحسن إسناده العراقي.
وفي الباب عن أنس رواه البزار (597) قال الهيثمي (2/ 54): فيه عمر بن نبهان وهو ضعيف.
(4) رواه أحمد (1/ 241)، وابن خزيمة (2095)، والبزار (1052)، والطحاوي في "معاني الآثار" (2/ 78)، وابن عدي (3/ 956)، والبيهقي (4/ 287) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن دا اود بن علي عن أبيه عن جده ابن عباس به.
وهذا إسناد ضعيف، ابن أبي ليلى سيء الحفظ وداود بن علي ذكره ابن حبان في الثقات" وقال: "يخطئ"، وقال الذهبي: ليس حديثه بحجة. ورواه الحميدي (485) ومن طريقه البيهقي (4/ 287) من نفس الطريق بلفظ: "لئن بقيت لآمرن بصيام يوم قبله أو يوم بعده -يعني يوم عاشوراء".
ورواه عبد الرزاق (7839) -ومن طريقه البيهقي (4/ 287) - من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود. موقوف وهو صحيح الإسناد.
أقول: والمعنى الذي يريده المؤلف من مخالفة اليهود في صيام عاشوراء وعدم إفراده، وارد إشارة في حديث ابن عباس في "صحيح مسلم" (1134). . . قالوا: يا رسول اللَّه إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإذا كان العام المقبل إن شاء اللَّه صمنا اليوم التاسع".
والأحاديث في هذا تشير إلى ما قبله، أما ما بعده فالظاهر أنه فيها مقال.
(5) في (ق): "وقال".
(6) رواه البزار (2979)، وابن عدي (3/ 1008) من طريق رشدين بن كريب عن أبيه عن =
(5/12)

وروى الترمذي عنه: "ليس مِنَّا من تشبَّه بغيرنا" (1)، وروى الإمام أحمد عنه: "من تشبه بقوم فهو منهم" (2) وسر ذلك أن المشابهة في الهَدْي الظاهِرِ ذريعةٌ إلى
__________
= ابن عباس مرفوعًا: "لا تتشبهوا بالأعاجم، غيِّروا اللحى" قال الهيثمي (5/ 160): "فيه رشدين بن كريب وهو ضعيف".
(1) رواه الترمذي (2695) في "الاستئذان": باب ما جاء في كراهية إشارة اليد بالسلام، والقضاعي في "مسند الشهاب" (1190)، وابن حبان في "المجروحين" (2/ 74)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (2/ 721) من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا به وعندهم زيادة.
قال الترمذي: هذا حديث إسناده ضعيف. وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه.
(2) ورد من حديث عدد من الصحابة، منها:
أولًا: حديث ابن عمر رواه أحمد (2/ 50 و 92)، وأبو داود (4031) في "اللباس": باب في ليس الشهرة، وابن أبي شيبة (5/ 313)، وابن الأعرابي في "معجمه" (1137)، وعبد بن حميد في "المنتخب" (846)، من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية عن أبي منيب الجُرشي عن ابن عمر مرفوعًا ولفظه: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد اللَّه وحده لا شريك له ... وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم".
وعبد الرحمن بن ثابت صدوق يخطئ بأخرة كما قال الحافظ في "التقريب".
لكنه توبع، تابعه الأوزاعي، أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" (231) من طريق الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي به، وإسناده قوي، رجاله ثقات، إلا أن شيخ الطحاوي قال فيه ابن حجر: صدوق صاحب حديث يهم.
وقد اختلف فيه على الأوزاعي، فقد روي كما مر، ورواه عبد اللَّه بن المبارك عنه عن سعيد بن جبلة قال: حدثني طاوس، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . فذكره مرسلًا، رواه ابن المبارك في "الجهاد" (105) ومن طريقه القضاعي في "مسند الشهاب" (رقم 390)، وتابعه عيسى بن يونس، رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (5/ 322).
أقول: سعيد بن جبلة هذا ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (4/ 10) ولم يذكر فيه شيئًا.
وذكره في "لسان الميزان" ونقل عن محمد بن خفيف الشيرازي أنه قال: ليس هو عندهم بذاك.
أقول: ومع هذا فقد صحح هذا الحديث الحافظ العراقي في تعليقه على "الإحياء" (1/ 270) وحسنه الحافظ ابن حجر في "الفتح" (10/ 274).
ثانيًا: حديث حذيفة، رواه البزار (2966)، والطبراني في "الأوسط" (8327) من حديث علي بن غراب عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي عبيدة بن حذيفة عنه وقال الطبراني: وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن حذيفة مسندًا إلا من هذا الوجه وقد =
(5/13)

الموافقة في القصد والعمل (1).
الوجه السادس عشر: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- حَرَّمَ الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وقال: "إنكم إذا فعلتم ذلك قطَعْتم أرحامكم" (2) حتى لو رضيت المرأة بذلك لم
__________
= رواه علي بن غراب عن هشام عن أبي عبيدة عن أبيه موقوفًا.
وقال الهيثمي في "المجمع" (4/ 271): وفيه علي بن غراب، وقد وثقه غير واحد وضعفه بعضهم، وبقية رجاله ثقات.
ثالثًا: حديث أبي هريرة، عزاه الزيلعي للبزار (4/ 347) -ولم أجده في "كشف الأستار"- من طريق صدقة بن عبد اللَّه عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه مرفوعًا، وقال: ولم يتابع صدقه على روأيته هذه وغيره يرويه عن الأوزاعي مرسلًا.
أقول: صدقة هذا ضعيف. وقد تقدم من رواه مرسلًا.
رابعًا: حديث أنس، رواه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (1/ 129) من طريق بشر بن الحسين الأصبهاني حدثنا الزبير بن عدي عنه.
وبشر هذا متروك.
(1) يقول ابن تيمية: "لأن المشابهة في بعض الهدي الظاهر يوجب المقاربة ونوعًا من المناسبة يفضي إلى المشاركة في خصائصهم التي انفردوا بها عن المسلمين والعرب، وذلك يجر إلى فساد عريض" (ص 259، ج 3 فتاوى) (و)، وهذا الوجه جاء مكان الوجه التاسع عشر في (ق) و (ن).
(2) رواه أحمد (1/ 372)، والترمذي (1125) في "النكاح": باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، وابن حبان (4116)، وابن عدي (4/ 1476)، والطبراني في "الكبير" (11/ 11930) و (11931)، من طريق أبي حريز (عبد اللَّه بن الحسين) عن عكرمة عن ابن عباس به.
وقال الترمذي: حسن صحيح!! وقال الحافظ في "التلخيص" (3/ 168) حسن. وعبد اللَّه بن الحسين أبو حريز هذا وثقه أبو زرعة، وابن معين مرة وضعفه في الأخرى، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال أبو داود: ليس حديثه بشيء. وضعفه النسائي وابن عدي والجوزجاني والدارقطني. فالرجل ضعيف في الحديث ثقة في دينه، فيحتاج إلى متابعة.
وقد توبع، تابعه خصيف عند أحمد (1/ 217)، وأبو داود (2067) في (النكاح): باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء.
وخُصيف هذا قال فيه الحافظ: "صدوق سيء الحفظ خلط بأخرة".
وتابعه جابر الجعفي، رواه الطبراني في "الكبير" (11/ 11805) وجابر هذا ضعيف.
وليس في هاتين المتابعتين آخر الحديث وهي "إنكم إذا فعلتم ذلك. . . " فتبقى هذه الزيادة ضعيفة بحاجة إلى متابع أو شاهد، وهذا لم أجده.
ثم وجدت للحديث شاهدًا مرسلًا، رواه أبو داود في "المراسيل" (208) من حديث =
(5/14)

يجز (1)؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة كما علل به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (2).
الوجه السابع عشر: أنه حرم نكاح أكثر من أربع (3) لأن ذلك ذريعة إلى الجور، وقيل: العلة فيه أنه ذريعة إلى كثرة المؤنة المُفْضِية إلى أكل الحرام، وعلى التقديرين فهو من باب سد الذرائع. وأباح الأربع -وإن كان لا يؤمن الجورُ في اجتماعهن- لأن حاجته قد لا تندفع بما دونهن؛ فكانت مصلحة الإباحة أرجَحَ من مفسدة الجور [المتوقعة] (4).
الوجه الثامن عشر: أن اللَّه سبحانه حرم خِطْبَةَ المعتدة صريحًا، حتى حرَّم ذلك في عدة الوفاة وإن كان المرجعُ في انقضائها ليس إلى المرأة؛ فإن إباحة الخِطْبَة قد تكون ذريعة إلى استعجال المرأة بالإجابة والكذب في انقضاء عدتها (5).
الوجه التاسع عشر: أن اللَّه سبحانه حرَّم عقد النكاح في حال العدة وفي [حال] الإحرام وإن تأخَّر الوطء إلى وقت الحل لئلا يُتخذ العقد ذريعة إلى الوطء، ولا ينتقض هذا بالصيام؛ فإن زمنه قريب جدًا، فليس عليه كُلْفة في صبره بعضَ يوم إلى الليل (6).
الوجه العشرون: أن الشارع حَرَّمَ الطِّيبَ على المحرِمِ (7) لكونه من أسباب
__________
= عيسى بن طلحة قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة.
وإسناده حسن، فلعله يتقوى بهذا واللَّه أعلم.
وأحاديث التحريم في الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها صحيحة بل متواترة، رويت عن جمع من الصحابة، انظر: "السنن الكبرى" (7/ 166) و"أحكام القرآن" (2/ 134) للجصاص، و"التلخيص" (3/ 169). و"موسوعة الحديث النبوي" (ص 101 وما بعد/ النكاح) للشيخ عبد الملك القاضي.
(1) عند ابن تيمية زيادة، وهي قوله: "حتى لو رضيت المرأة أن تنكح عليها أختها، كما رضيت بذلك أم حبيبة لما طلبت من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يتزوج أختها درة لم يجز ذلك" (ص 280 ج 3 فتاوى) (و)، وفي (ك): "تجبر".
(2) جاء هذا الوجه مكان الوجه السابع والأربعين في (ق) و (ن).
(3) سبق تخريجه.
(4) ما بين المعقوفتين سقط (ن) و (ق)، وجاء هذا الوجه فيهما مكان الوجه الثامن والأربعين.
(5) جاء هذا الوجه مكان الوجه الثاني والأربعين في (ق) و (ن).
(6) جاء هذا الوجه مكان الوجه الثالث والأربعين في (ق) و (ن) وما بين المعقوفتين من (ك) و (ق).
(7) سبق تخريجه.
(5/15)

دواعي الوطء، فتحريمه من باب سد الذريعة (1).
الوجه الحادي والعشرون: أن الشارع اشترط للنكاح شروطًا زائدة على العقد تَقْطَع عنه شَبَهَ السِّفَاح، كالإعلان (2)، والوليّ (3)، ومَنَعَ المرأة أن تليه بنفسها، وندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة (4)؛ ["وكان أصل
__________
(1) انظر: "زاد المعاد" (1/ 244، 242 - 243)، و"مدارج السالكين" (1/ 117، 120)، و"تهذيب السنن" (2/ 345)، وجاء هذا الوجه مكان الوجه الرابع والأربعين في (ق) و (ن) وفي (ق): "الذرائع" بدل "الذريعة".
(2) في المطبوع: "كالإعلام".
(3) أما إعلان النكاح، ففيه حديث عبد اللَّه بن الزبير: "علنوا النكاح".
رواه أحمد وابنه في "المسند" (4/ 5)، والبزار (1433 - كشف)، وابن حبان (4066)، والحاكم (2/ 183)، وأبو نعيم في "الحلية" (8/ 328)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 288)، و"السنن الصغير" (2591) من طريق ابن وهب حدثني عبد اللَّه بن الأسود عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير عن أبيه مرفوعًا به، ورجاله ثقات غير عبد اللَّه بن الأسود فقال عنه أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في "المجمع" (4/ 289) وعزاه للطبراني في "الكبير" و"الأوسط" وقال: ورجال أحمد ثقات!.
وفي الباب عن عائشة، رواه ابن ماجه (1895) في النكاح: باب إِعلان النكاح، وسعيد بن منصور (635) وابن أبي حاتم في "العلل" (رقم 1280) والإسماعيلي في "معجمه" (رقم 271) وإسحاق في "مسنده" (رقم 945)، والبيهقي (7/ 290)، وابن الجوزي في "الواهيات" (رقم 1033) وفيه زيادة: "واضربوا عليه بالغربال".
وقال البيهقي: خالد بن إلياس ضعيف.
أقول بل هو أشد؛ قال أحمد: منكر الحديث.
وله طريق آخر عن عائشة رواه الترمذي (1089) في النكاح: باب ما جاء في إِعلان النكاح، وابن أبي حاتم في "العلل" (1280)، والبيهقي (7/ 290)، وابن الجوزي في "الواهيات" (رقم 1034)، وقال: وفيه عيسى بن ميمون يضعف في الحديث. وانظر: "العلل" لابن أبي حاتم (1191، 1280).
وفي الباب أيضًا عن محمد بن حاطب انظر تخريجه في الهامش الآتي وأما الولي فقد تقدمت الأحاديث فيه.
(4) أما الدف والصوت، فأصح ما ورد فيه حديث محمد بن حاطب الذي يرويه سعيد بن منصور (629) وأحمد في "مسنده" (3/ 418) و (4/ 259)، والترمذي (1088)، والنسائي (6/ 127) في النكاح: باب إعلان النكاح بالصوت وضرب الدف، وفي "الكبرى" (رقم 5562، 5564) وابن ماجه (1896)، وبحشل في "تاريخ واسط" (20) والطبراني في "الكبير" (19/ 542)، والحاكم (2/ 184)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (13/ 4557 رقم 1703)، والبيهقي (7/ 289) وفي "السنن الصغير" (2593)، والبغوي في "شرح =
(5/16)

ذلك في قوله تعالى: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [المائدة: 5] و {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25] "] (1).
لأن في الإخلال بذلك ذريعة إلى وقوع السِّفَاح بصورة النكاح، وزوال بعض مقاصد النكاح من جَحْد الفراش، ثم أكَّد ذلك بأن جعل للنكاح حريمًا من العِدَّة تزيد على مقدار الاستبراء، وأثبت له أحكامًا من المصاهرة وحرمتها ومن الموارثة زائدةً على مجرد الاستمتاع؛ فعلم أن الشارع جعله سببًا ووُصْلَة بين الناس بمنزلة الرحم كما جمع بينهما في قوله: {فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} [الفرقان: 54] (2) وهذه المقاصد تمنع شبهه بالسفاح، وتبين أن نكاح المحلل بالسفاح أشْبَهُ منه بالنكاح. [حيث كانت هذه الخصائص غير متيقنة فيه] (3).
الوجه الثاني والعشرون: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى أن يَجْمَع الرجل بين سَلَفِ وبيع" (4)
__________
= السنة" (2266)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (1/ 171 رقم 647) من طرق عن أَبي بَلج عنه مرفوعًا: "فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح".
قال الترمذي: "حديث حسن وأبو بلج: اسمه يحيى بن أبي سليم ويقال: ابن سليم أيضًا، ومحمد بن حاطب قد رأى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو غلام صغير".
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
أقول: أبو بلج هذا ذكره الذهبي في "الميزان" وذكر توثيقه عن ابن معين وابن سعد والنسائي والدارقطني. وقال البخاري: فيه نظر، وقال أحمد: روى حديثًا منكرًا، وقال ابن حبان: كان يخطئ. ثم ذكر بعض مناكيره وبلاياه. فهو بالجملة حسن الحديث إلا ما أنكر عليه. وأما الوليمة ففيها حديث: "أولم ولو بشاة". وسيأتي تخريجه.
(1) ما بين المعقوفتين من (و) فقط.
(2) في (و) و (د) و (ك): "وجعله".
(3) ما بين المعقوفتين من (و)، وقال: ما بين القوسين من "فتاوى ابن تيمية"، فهو مصدر ابن القيم (ص 261 ج 3 فتاوى) اه.
قلت: ونصه في "بيان الدليل" (ص: 362): "حيث كانت هذه الخصائص (منتفية) فيه". قال محققه: "في (ق) متيقنة" اه. وجاء هذا الوجه مكان الوجه الخامس والأربعين في (ق) و (ن).
(4) رواه أحمد في "مسنده" (2/ 178 - 179) و (205)، والطيالسي (2257)، وأبو داود (3554): في (البيوع): باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، والترمذي (1234) في (البيوع): باب كراهية بيع ما ليس عندك، والنسائي (7/ 288) في (البيوع) باب بيع ما ليس عندك و (7/ 295) باب سلف وبيع، وفي "الكبرى" (6226) و (6227) في البيوع باب سلف وبيع وباب شرطان في بيع، وابن ماجه (2188) في (التجارات): باب النهي عن بيع ما ليس عندك، وابن الجارود (601)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 46)، والدارمي (2/ 253)، والدارقطني (3/ 75)، وابن عدي في "الكامل" (2/ 678) =
(5/17)

[وهو حديث صحيح] (1) ومعلوم أنه لو أفرد أحدَهما عن الآخر صح، وإنما ذاك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يُقْرِضه ألفًا ويبيعه سلعة تساوي ثمان مئة بألف أخرى؛ فيكون قد أعطاه ألفًا و [سلعة] بثمان مئة ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا (2)، فانظر إلى حمايته الذريعة إلى ذلك بكل طريق، وقد احتج بعض المانعين لمسألة مُدِّ عَجْوة (3) بأن قال: إن مَنْ جَوزها يجوّز أن يبيع الرجل ألف دينار في منديل بألف وخمس مئة مفردة، قال: وهذا ذريعة إلى الربا، ثم قال: يجوز أن يقرضه ألفًا ويبيعه المنديل بخمس مئة، وهذا هو بعينه الذي نَهَى عنه رسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو أقرب الذرائع إلى الربا، ويلزم مَنْ لم يسدَّ الذرائَع أن يخالف النصوص ويجيز ذلك، فيكف يترك أمرًا ويرتكب نظيره من كل وجه؟ (4)
الوجه الثالث والعشرون: أن الآثار المتظاهرة في تحريم العِينَةِ عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (5) وعن الصحابة تدل على المنع من عَوْدِ السلعة إلى البائع وإن لم
__________
= و (5/ 1736 و 1767)، والطبراني في "الأوسط" (1554)، والبيهقي في "الكبرى" (5/ 267، و 313 و 336 و.34 و 343 و 348) ومن طرق كثيرة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا "لا يحل سلف وبيع ولا شرط في بيع. . . ".
وإسناده جيد. . . وانظر: تعليقي على "قواعد ابن رجب" (1/ 378 - 379) و"الموافقات" (1/ 469) و"سنن الدارقطني" (رقم 3037).
(1) ما بين المعقوفتين من (و): "وقال: "عن المصدر السابق".
قلت: انظر "بيان الدليل" (ص: 363).
(2) انظر: "تهذيب السنن" (5/ 144 - 159) و"زاد المعاد" (4/ 264)، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) قال في "المغني" (6/ 92 - 95 - ط هجر): "مد عجوة: هو أن يبيع شيئًا فيه الربا بعضه ببعض، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه كمد ودرهم بمد ودرهم أو بمدين أو بدرهمين".
(4) جاء في (ق) و (ن) هذا الوجه مكان الوجه الخامس والسبعون.
(5) ورد في هذا حديث ابن عمر وله طرق:
الأولى: إسحاق أبي عبد الرحمن عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر.
رواه أبو داود (3462) في (البيوع): باب النهي عن العينة، والدولابي في "الكنى" (2/ 65)، وابن عدي في "الكامل" (15/ 998)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 316).
وإسحاق أبو عبد الرحمن هذا هو ابن أسيد قال فيه أبو حاتم: شيخ ليس بالمشهور ولا يُشتغل به. وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ. وقال يحيى بن بكير: لا أدري حاله.
وقال أبو أحمد الحاكم في "الكنى": مجهول. وقال الأزدي: منكر الحديث تركوه. =
(5/18)

يتواطئا على الربا، وما ذاك إلا سدًا للذريعة (1).
الوجه الرابع والعشرون: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مَنَعَ المُقْرِضَ من قبول الهدية (2)،
__________
= ونقل الزيلعي في "نصب الراية" (4/ 17) عن البزار أنه قال عن إِسحاق هذا: هو ابن أبي فروة المتروك ثم نقل رد ابن القطان عليه.
الثانية: أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر.
رواه أحمد (2/ 28)، وفي "الزهد" (كما ذكره الزيلعي وغيره ولم أجده فيه، ومطبوعه ناقص)، والطبراني في "الكبير" (13583)، وقال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (5/ 487 رقم 2711) وفيما نقله عنه الزيلعي: هذا حديث صحيح رجاله ثقات.
وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (11/ 45) معلًا هذا الطريق: وعندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان معلول؛ لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا؛ لأن الأعمش مدلس ولم ينكر سماعه من عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون عطاء الخراساني،، فيكون فيه تدليس التسوية بإِسقاط نافع بين عطاء وابن عمر، فرجع الحديث إلى الإسناد الأول، وهو المشهور.
أقول: أخشى أن يكون في السند وهمٌ وذلك لأن أبا بكر بن عياش هذا وإن كان من رجال البخاري إلا أنه يهم ويغلط.
قال أبو نعيم: لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطًا منه.
وقال أحمد: ثقة ربما غلط، وكان يحيى بن سعيد لا يعبأ به، وقال أيضًا: كثير الغلط جدًا، وكتبه ليس فيها خطأ فأخشى أن يكون وَهِمَ، وأن الصواب كما قال ابن حجر: عطاء الخراساني فنرجع إلى الإِسناد الأول.
الثالثة: عطاء عن ابن عمر: يرويه الليث بن أبي سُليم، فمرة يقول: عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء رواه أبو يعلى الموصلي (رقم 5659)، والطبراني في "الكبير" (13585).
ومرة يرويه عن عطاء مباشرة رواه من طريقه الروياني في "مسنده" (1422) وأبو نعيم في "الحلية" (7/ 313 - 314، 319).
وليث ضعيف، وهذا من تخاليطه.
الرابعة: أبو جناب الكلبي عن شهر بن حوشب عن ابن عمر.
رواه أحمد في "مسنده" (2/ 42 و 84)، وأبو جناب وشهر ضعيفان.
الخامسة: ورواه بشبر بن زياد عن ابن جريج عن عطاء عن جابر مرفوعًا.
رواه ابن عدي (2/ 455) وقال: وبشير بن زياد هذا ليس بالمعروف.
ثم هو خالف في إسناده.
(1) جاء في (ق) و (ن) هذا الوجه مكان الوجه السادس والسبعون.
(2) يشير إلى حديث: "إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه أو حمله على الدابة. . فلا يركبها ولا يقبله. . . ".
ورواه ابن ماجه (2432) في "الصدقات": باب القرض، والبيهقي في "السنن الكبرى" =
(5/19)

وكذلك الصحابة (1)، حتى يحسبها من دَيْنه، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية فيكون ربا؛ فإنه يعود إليه مالُه وأخذ الفَضْل الذي استفاده بسبب القرض (2).
الوجه الخامس والعشرون: أن الوالي والقاضي والشافع ممنوع من قبول الهدية، وهو أصل فسادِ العالم، وإسنادِ الأمر إلى غير أهله، وتولية الخَوَنة والضعفاء والعاجزين، وقد دخل بذلك من الفساد ما لا يحصيه إلا اللَّه، وما ذاك إلا لأن قبوق الهدية ممن (3) لم تجر عادته بمُهَاداته ذريعة إلى قَضَاء حاجته، وحُبُّكَ الشيء يُعْمِي ويُصِمُّ، فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته مكافأة له مقرونة بشره (4) وإغماض عن كونه لا يصلح (5).
الوجه السادس والعشرون: أن السنة مَضَتْ بأنه ليس للقاتل من الميراث شيء (6)، إما عمدًا كما قال مالك (7)، وإما مباشرة كما قال أبو حنيفة (8)، وإما
__________
= (5/ 350)، وابن الجوزي في "التحقيق" رقم (1504) من طريق إسماعيل بن عياش عن عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إِسحاق النهائي (وعند البيهقي وابن الجوزي: يزيد بن أبي إِسحاق) فال: سألت أنس بن مالك. . فذكره.
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (2/ 253): هذا إسناد فيه مقال؛ عتبة بن حميد ضعّفه أحمد، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ويحيى بن أبي إِسحاق الهنائي لا يعرف حاله. . . وقال هشام بن عمار: يحيى بن أبي إِسحاق الهنائي لا أراه إلا وهم، وهذا حديث يحيى بن يزيد الهنائي ورواه شعبة ومحمد بن دينار فوقفاه.
أقول: وإسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين وهذه منها.
وفي الباب آثار صحيحة عن عدد من الصحابة انظرها مفصلة في "إرواء الغليل" (5/ 234). وانظر تعليقي على "الموافقات" (3/ 117)، وفي (ك) وحدها: "المقترض".
(1) في المطبوع: "أصحابه".
(2) انظر: (حكمة منع المقرض من قبول هدية المقترض) في: "إغاثة اللهفان" (1/ 363)، و"تهذيب السنن" (5/ 150 - 152)، وجاء هذا الوجه مكان الوجه السابع والسبعين في (ق) و (ن).
(3) في (ق): "هدية من".
(4) كذا في الأصول، وفي (ك): "يثير به" وفي (ق): "بشرط به".
(5) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 145، 146)، وجاء هذا الوجه مكان الوجه الحادي والخمسين في (ق) و (ن).
(6) الحديث تقدم تخريجه وانظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 373).
(7) انظر: "الإشراف" (5/ 191 مسألة 1947 - بتحقيقي) للقاضي عبد الوهاب.
(8) انظر: "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (7/ 251)، و"المغني" (9/ 151).
(5/20)

قتلًا مضمونًا بقصاص أو دية أو كفارة، وإما قتلًا بغير حق، وإما قتلًا مطلقًا كما هي أقوال في مذهب الشافعي وأحمد (1)، [والمذهب الأول] (2)، وسواء قصد القاتل أن يتعجَّل الميراث أو لم يقصده، فإن رعاية هذا القصد غير معتبرة في المنع وفاقًا، وما ذاك إلا لأنَّ توريث القاتل ذريعة إلى وقوع هذا الفعل؛ فسدَّ الشارعُ الذريعةَ بالمنع (3).
الوجه السابع والعشرون: أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وَرَّثُوا المطلقة المبتوتة في مرض الموت (4) حيث يُتَّهم بقصد حرمانها الميراثَ بلا تردد وإن لم يقصد الحرمان لأن الطلاق ذريعة، وأما إذا لم يُتهم؛ ففيه خلاف معروف مأخذه أن المرض أوجب تَعلّقَ حقها بماله؛ فلا يمكَّنُ من قطعه أو سدًا للذريعة بالكلية وإن كان في أصل المسألة خلاف متأخر عن إجماع السابقين (5).
الوجه الثامن والعشرون: أن الصحابة وعامة الفقهاء اتفقوا على قتل الجميع بالواحد (6) وإن كان أصلُ (7) القصاص يمنع ذلك؛ لئلا يكون عدمُ القصاص ذريعةً إلى التعاون على سَفْكِ الدماء (8).
الوجه التاسع والعشرون: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى أن تُقْطَع الأيدي في الغَزْوِ (9)
__________
(1) انظر: "مغني المحتاج" (3/ 25)، و"المغني" (9/ 151).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(3) وجاء هذا الوجه مكان الوجه السادس والعشرين في (ق) و (ن).
(4) سيذكرهم المؤلف فيما بعد، ونخرج مروياتهم بالتفصيل إن شاء اللَّه.
(5) جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الخامس والخمسين.
(6) نعم هذا مرويٌّ عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في المشهور عنهم، لكن هذا مشروط بأن يكون كل واحد من هؤلاء لو انفرد بفعله لوجب عليه القصاص. وانظر: "الأم" (6/ 24 - دار الفكر)، و"المغني" (11/ 490 - مطبعة الرياض)، و"نتائج الأفكار" (10/ 243 - دار المعرفة)، و"المدونة الكبرى" (6/ 427 - دار صادر) و"الإشراف" (4/ 88 مسألة رقم 1433) وتعليقي عليه.
(7) قال (و): "عند ابن تيمية: قياس". قلت: وهو كذلك في "بيان الدليل" (ص: 365).
(8) مسألة مشروعية قتل الجماعة بالواحد تكلم عليها ابن القيم -رحمه اللَّه- في "زاد المعاد" (3/ 78)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 363)، وانظر كتاب: "أحكام الجناية" (ص 103 - 123) للشيخ بكر أبو زيد فإنه مهم، وجاء هذا الوجه مكان الوجه السابع والعشرين في (ق).
(9) الحديث سبق تخريجه (2/ 499)، وقال (و) معلقًا: "عند ابن تيمية: نهى عن إقامة الحدود بدار الحرب" اه. قلت: وهو كذلك في "بيان الدليل" (ص 365).
(5/21)

لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفَّار، ولهذا لا تقام الحدود في الغزو كما تقدم (1).
الوجه الثلاثون: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن تقدُّم رمضان بصوم يوم (2) أو يومين، إلا أن تكون له عادة توافق ذلك اليوم (3)، ونهى عن صوم يوم الشك (4)، وما ذاك إلا لئلا يُتَّخذ ذريعةَ إلى أن يُلحق بالفرض ما ليس منه (5)، وكذلك حرَّم صوم يوم العيد (6) تمييزًا لوقت العبادة عن (7) غيره لئلا يكون ذريعة إلى الزيادة في الواجب
__________
(1) جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الخامس.
(2) في (ق): "صوم رمضان بيوم".
(3) رواه البخاري (1914) في (الصوم): باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين، ومسلم (1082) في (الصيام): باب لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، من حديث أبي هريرة.
(4) رواه الدارمي (2/ 2) وعبد الرزاق (7318) وابن أبي شيبة (3/ 72)، وأبو داود (2334) في (الصوم): باب كراهية صوم يوم الشك، وعلقه البخاري (4/ 119 - مع "الفتح") في (الصيام): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا رأيتم الهلال فصوموا"، ورواه الترمذي (686) في (الصوم): باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، والنسائي (4/ 153) في (الصيام): باب صيام يوم الشك، وابن ماجه (1645) في (الصيام): باب ما جاء في صيام يوم الشك، وأبو يعلى (1644)، وابن خزيمة (1914)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2/ 111)، وابن حبان (3585 و 3595 و 3596)، والدارقطني (2/ 157)، والحاكم (1/ 423 - 424)، والبيهقي (4/ 208) من حديث عمار بن ياسر مرفوعًا قال: "من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي مع أن أحد رواته (عمرو بن قيس) من رواة مسلم فقط. وانظر: "تغليق التعليق" (4/ 140 - 141)، و"فتح الباري" (4/ 120)، و"إقامة البرهان على عدم وجوب صوم يوم الثلاثين من شعبان" (ص 29 - 30).
(5) انظر: "زاد المعاد" (1/ 157 - 160)، "وبدائع الفوائد" (3/ 96 - 97)، "وتهذيب السنن" (3/ 214 - 222).
(6) النهي عن صيام العيدين ثابت في أحاديث منها:
ما رواه البخاري (1993) في (الصوم): باب صوم النحر، ومسلم (1138) في "الصيام": باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى، من حديث أبي هريرة.
ومنها حديث أبي سعيد الخدري، ولفظه: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن صيام يوم الفطر ويوم النحر". رواه البخاري (1197 و 1864 و 1991 و 1995)، ومسلم (140) (2/ 799).
ومنها حديث عمر بن الخطاب، رواه البخاري (1990 و 5571)، ومسلم (1137).
(7) في (ك): "من".
(5/22)

كما فعلت النصارى، ثم أكَّد هذا الغرض باستحباب تعجيل الفطر وتأخير السحور (1)، واستحباب تعجيل الفطر [في] يوم العيد قبل الصلاة (2)، وكذلك نَدَب إلى تمييز فرض الصلاة عن نفلها؛ فكره للإمام أن يتطوع في مكانه (3)، وأن يستديم جلوسَهُ مستقبل القبلة (4)، كل هذا سدًا للباب المُفْضِي إلى أن يُزاد في
__________
(1) أخرج البخاري في "صحيحه" (كتاب الصيام): باب تعجيل الإفطار (4/ 198/ رقم 1957)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الصيام): باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر (2/ 771/ رقم 1098) عن سهل بن سعد مرفوعًا: "لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر".
وأخرجه أحمد في "المسند" (5/ 147) عن أبي ذر مرفوعًا: "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخّروا السحور"، وإسناده ضعيف؛ فيه سليمان بن أبي عثمان مجهول، وابن لهيعة ضعيف. ويدل على استحباب تأخير السحور أحاديث كثيرة، منها:
ما أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الصوم): باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر (4/ 138/ رقم 1921) عن زيد بن ثابت، قال: "تسحرنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم قام إلى الصلاة، قلت (القائل أنس بن مالك): كم بين الأذان والسحور؟ قال: "قدر خمسين آية". وهذا الفعل منه -صلى اللَّه عليه وسلم- يدل على الاستحباب. وانظر: "الصيام" للفريابي (ص 59 وما بعد).
(2) روى ذلك البخاري (953) في (العيدين): باب في الأكل يوم الفطر قبل الخروج، من حديث أنس قال: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات".
وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) رواه أبو داود (616) في "الصلاة": باب الإمام يتطوع مكانه، ومن طريقه البيهقي (2/ 190)، وابن ماجه (1428) في "إقامة الصلاة": باب ما جاء في صلاة النافلة حيث تصلى المكتوبة من طريقين عن عطاء الخراساني عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يصلي الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه. . . ".
قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة.
وبمعناه أيضًا ما رواه ابن أبي شيبة -كما عزاه ابن حجر في "الفتح" (2/ 335) - عن علي قال: "من السنة أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه".
وبمعناه ما رواه أحمد (2/ 425)، وأبو داود (1006)، وابن ماجه (1427)، والبيهقي (2/ 190) من طريق الليث بن أبي سُليم عن حجاج بن عبيد عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي هريرة مرفوعًا: "أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله ".
وضعفه البخاري عند رقم (848)، وقال: ولم يصح.
قال الحافظ ابن حجر (2/ 335): "وذلك لضعف إسناده واضطرابه، تفرد به ليث بن أبي سُليم، واختلف عليه فيه". قلت: وحجاج وشيخه مجهولان.
(4) قد يدل على هذا حديث ابن مسعود في أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان ينصرف بعد الصلاة عن يساره ويمينه. =
(5/23)

الفرض ما ليس منه (1).
الوجه الحادي والثلاثون: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كره الصلاة إلى ما قد عُبِدَ من دون اللَّه تعالى (2)، وأحَب لمن صلى إلى عود أو عمود أو شجرة أو نحوه (3) أن يجعله على أحد حاجبيه (4)، ولا يصْمُدُ إليه صَمْدًا (5)، قطعًا لذريعة التشبه بالسجود إلى
__________
= رواه البخاري (852) في (الأذان): باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال، ومسلم (707) في (صلاة المسافرين): باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال.
وأصرح منه ما رواه مسلم (709) عن البراء قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه.
وكذلك حديث عائشة الذي رواه مسلم أيضًا (592) كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يقعد بعد التسليم إلا قدر ما يقول: "اللهم أنت السلام. . . ".
وانظر: "مجمع الزوائد" (2/ 146 - 147).
(1) وجاء هذا الوجه مكان الوجه الثاني والعشرين في (ق) و (ن).
(2) لم أجد حديثًا في هذا، وقد وجدت البخاري ترجم في "صحيحه" قبل حديث (431) (باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به اللَّه).
ثم ذكر حديث ابن عباس قال: انخسفت الشمس فصلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم قال: أُريت النار. وذكر معلقًا حديث أنس قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عُرضت علي النار وأنا أصلي".
ولم يذكر ابن حجر أحاديث في هذا سوى أثر عن ابن سيرين أنه كره الصلاة إلى التنور، وقال: هو بيت النار.
وأخرجه ابن أبي شيبة (2/ 156 - ط دار الفكر) وتحرف فبه "التنور" إلى "القبور": فلتصوب.
أقول: ظاهر صنيع البخاري أنه لا يرى بأسًا في الصلاة إلى النار.
والصواب التفرقة، وحكى ابن حبان في "ثقاته" (8/ 74) عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون للمجوسي إذا أسلم أن يصلي نحو القنديل.
انظر: "المحلى" (4/ 81)، و"شرح الكرماني على صحيح البخاري" (4/ 93)، و"الفتح" (1/ 528)، و"شرح تراجم أبواب التراجم" (ص 52) للدهلوي، "الأبواب والتراجم لصحيح البخاري" (2/ 215 - 216) للكاندهلوي، و"عمدة القاري" (3/ 444)، و"المغني" (2/ 72) مع "الشرح الكبير"، و"إصلاح المساجد" (226 - 228)، و"فيض الباري" (2/ 45)، وانظر في تقرير الكراهة: "مجموع الأجوبة المفيدة" (ص 47 - 49) للشيخ عبد اللَّه القرعاوي، و"حاشية ابن عابدين" (1/ 438 - 439)، و"الفقه الإسلامي وأدلته" (1/ 757).
(3) كذا في (ك) و (ق) وفي سائر الأصول: "أو نحو ذلك".
(4) تحرفت في المطبوع إلى: "جانبيه"!
(5) أخرجه أحمد في "مسنده" (6/ 4)، وأبو داود في "سننه" (كتاب الصلاة): باب إذا صلى =
(5/24)

غير اللَّه تعالى (1).
الوجه الثاني والثلاثون (2): أنه شرع الشُّفْعة (3) وسَلَّط الشريك على انتزاع الشقْص (4) من يد المشترِي (5) سدًّا لذريعة المفسدة المتعلقة بالشركة والقسمة.
الوجه الثالث والثلاثون: أن الحاكم منهِي عن رفع أحد الخَصْمين على الآخر وعن الإقبال عليه دونه، وعن مشاورته والقيام له دون خصمه (6)، لئلا يكون ذريعة
__________
= إلى سارية ونحوها، (رقم 693) من حديث المقداد -رضي اللَّه عنه- قال: "ما رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلى إلى عود، ولا عمود، ولا شجرة إلا جعله عن حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد إليه صمدًا".
والحديث ضعفه شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "ضعيف سنن أبي داود" (برقم 136).
(1) انظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 367)، و"تهذيب السنن" (1/ 341)، وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان "الوجه الرابع".
(2) جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الثالث والثمانين.
(3) قال (و): "عند ابن تيمية بعد هذا: لما فيه من رفع الشركة".
قلت: انظر "بيان الدليل" (ص 368).
(4) "السهم والنصيب والشركة" (و).
(5) تقدمت بعض أحاديث الشفعة، وهي كثيرة.
(6) أخرج أبو يعلى في "مسنده" (5867) و (6924)، والدارقطني في "سننه" (4/ 205)، والبيهقي (10/ 135) من طريق عباد بن كثير الثقفي عن أبي عبد اللَّه عن عطاء بن يسار عن أم سلمة قالت: فال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا ابتُلي أحدكم بالقضاء بين المسلمين فلا يقضِ وهو غضبان فليسو بينهم بالنظر والمجلس والإشارة ولا يرفع صوته على أحد الخصمين".
هذا لفظ أبي يعلى، قال الهيثمي في "المجمع" (4/ 197): "رواه أبو يعلى والطبراني في "الكبير" باختصار وفيه عباد بن كثير وهو ضعيف" وكذا قال الحافظ في "التلخيص" (4/ 193) وسبقهما البيهقي فقال: "في إسناده ضعف".
أقول: عباد بن كثير سبقت ترجمته وإنه تَرَكه أكثر من واحد وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": متروك الحديث واتهمه أحمد بالكذب!
وفيه أيضًا أبو عبد اللَّه قال الذهبي في "الميزان": لا يُعرف.
وكلام الهيثمي -رحمه اللَّه- يشعر بأنه في "معجم الطبراني" بالإسناد نفسه، وليس هو كذلك، فقد أخرجه في (23/ رقم 2923) وعزاه الزيلعي في "نصب الراية" (4/ 73 - 74) لإسحاق بن راهويه في "مسنده" من طريق بقية بن الوليد عن إسماعيل بن عياش عن أبي بكر التميمي عن عطاء بن يسار عنها به، دون ذكر الغضب فقط، ووجدته في "مسنده" (4/ 82 - 83 رقم 1846) وكنّى إسماعيل بأبي محمد! وقال محققه: "لم يتبين لي من هو"!! وكذا قال عن أبي بكر الآتي! =
(5/25)

إلى انكسار قلب الآخر وضعفه عن قيامه بحجته (1) وثقل لسانه بها.
الوجه الرابع والثلاثون: أنه ممنوع من الحكم بعلمه (2)؛ لئلا يكون [ذلك] ذريعة إلى حكمه بالباطل ويقول: حكمت بعلمي (3).
الوجه الخامس والثلاثون: أن الشريعة منعت من قبول شهادة العدو على عدوه (4) لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى بلوغ غَرَضِه من عدوه بالشهادة الباطلة (5).
الوجه السادس والثلاثون: أن اللَّه تعالى منع رسوله حيث كان بمكة من الجَهْرِ بالقرآن حيث كان المشركون يسمعونه فيسبّون القرآن ومَنْ أنزله ومَنْ جاء به ومَنْ أُنزل عليه (6).
__________
= وهذا فيه علتان:
الأولى: بقية بن الوليد مدلس وقد عنعن.
الثاني: إسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين، وأبو بكر هو ابن المنكدر بن عبد اللَّه بن الهدير مدني.
ومما يدخل في أدلة النهي، قوله تعالي: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)} [النساء: 135]. قال ابن عباس في معنى (اللي) و (الإعراض): "هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر" رواه ابن جرير (9/ 307).
وفي (ق): "مساررته" بدل "مشاورته".
(1) في المطبوع: "القيام بحجته"، وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الثاني والخمسين.
(2) لم يحكم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في المنافقين بعلمه، وقد أعلمه اللَّه تعالى نفاقهم، ولا على الأعرابي حتى شهد له خزيمة، ومضى تخريت ذلك، وللَّه الحمد، وانظر: "أدب القاضي" (1/ 147 - 148) لابن القاص الطبري.
(3) جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الثالث والخمسين، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) هذا قول جمهور العلماء ولم يخالف في ذلك إلا الحنفية، وانظر تفصيل أقوال الأئمة والتعليق عليها في "الإشراف" (5/ 76 مسألة رقم 1829 - بتحقيقي).
(5) يشير ابن القيم -رحمه اللَّه- إلى قوله تعالى في سورة الإسراء [الآية 110]: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110)}، وانظر: "تفسير ابن كثير" (3/ 73)، و"تفسير الطبري" (15/ 186).
وجاء هذا الوجه في (ق) مكان الوجه السابع.
(6) جاء هذا الوجه مكان الوجه الرابع والخمسين في (ق) و (ن).
(5/26)

الوجه السابع والثلاثون: أن اللَّه سبحانه أوجَبَ الحدود على مرتكبي الجرائم التي تتقاضاها الطباع (1) وليس عليها وازع طبعي، والحدودُ عقوبات لأرباب الجرائم في الدنيا كما جعلت عقوبتهم في الآخرة بالنار إذا لم يتوبوا، ثم إنه تعالى جعل التائب من الذنب كمن لا ذَنْبَ له (2)؛ فمن لقيه تائبًا توبة نصوحًا لم يعذبه مما تاب منه، وهكذا في أحكام الدنيا إذا تاب توبة نصوحًا قبل رَفعه إلى الإمام سقط عنه الحد في أصح قولي العلماء، فإذا رفع إلى الإمام لم تُسقط توبتهُ عنه الحدَّ [وإن غلب على ظنه أنه لا يعود إليها] (3) لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى تعطيل حدود اللَّه؛ إذ لا يعجز كل من وجب عليه حدُّ اللَّه تعالى (4) أن يُظهر التوبة ليتخلَّص من العقوبة وإن تاب توبة نصوحًا سدًا لذريعة السقوط (5) بالكلية.
الوجه الثامن والثلاثون: أن الشارع أمر بالاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى (6)، وفي الجمعة والعيدين والاستسقاء وصلاة الخوف (7)، مع كون صلاة
__________
(1) قال (و): "يريد ابن تيمية قوله: كالزنا والشرب والسرقة والقذف دون أكل الميتة والرمي بالكفر ونحو ذلك؛ فإنه اكتفى فيه [منه] بالعزيز".
قلت: هو في "بيان الدليل" (ص 370).
(2) سبق تخريجه.
(3) ما بين المعقوفتين من (و)، وعلق قائلًا: "عن ابن تيمية ص 262 ج 3 فتاوى" اه.
(4) كذا في (ق) و (ك) وفي سائر الأصول: "الحد".
(5) في المطبوع: "السكوت"! وجاء هذا الوجه في (ق) و (ك) مكان الوجه الثاني والثمانين.
(6) إن كان يقصد بالإمامة الكبرى "إمارة المؤمنين" ففي هذا حديث: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما"، رواه مسلم (1853) في "الإمارة": باب إذا بويع لخليفتين، من حديث أبي سعيد الخدري، وإن أراد بها إمامة الصلاة -وهو الظاهر- ففي هذا أحاديث كثيرة جدًا قولية وفعلية، منها حديث مالك بن الحويرث حيث قال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولصاحب له: "إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما".
رواه البخاري (628) في "الأذان": باب ليؤذن في السفر مُؤذن واحد -وأطرافه كثيرة انظرها هناك-، ومسلم (674) في "المساجد": باب من أحق بالإمامة.
(7) أما في الجمعة فقد تواتر عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يخطب بأصحابه ويصلِّي بهم، منها حديث أنس بن مالك: رواه البخاري (905 و 940)، وحديث سهل بن سعد: رواه البخاري (939)، ومسلم (859)، وحديث أبي هريرة: رواه مسلم (877)، وحديث النعمان بن بشير: رواه مسلم (878).
وأما صلاة العيدين: فصلاته أيضًا -صلى اللَّه عليه وسلم- بأصحابه وإمامته بهم ثابت في أحاديث:
منها حديث ابن عباس: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَجَ يوم فِطرِ أو أضحى فصلّى بالناس ركعتين ثم انصرف. =
(5/27)

الخوف بإمامين أقرب إلى حصول صلاة الأمن، وذلك سدًا لذريعة التفرق (1) والاختلاف والتنازع، وطلبًا لاجتماع القلوب وتألف الكلمة، وهذا من أعظم مقاصد الشرع، وقد سد الذريعة إلى ما يُنَاقضه بكل طريق، حتى في تسوية الصف في الصلاة (2)؛ لئلا تختلف القلوبُ، وشواهِدُ ذلك أكثر من أن تُذْكَر (3).
الوجه التاسع والثلاثون: أن السنة مَضَتْ بكراهة إفراد رجب بالصوم (4)،
__________
= رواه البخاري (964) في "العيدين": باب الخطبة بعد العيد، و (989): باب الصلاة قبل العيد وبعدها، ومسلم (884) في "العيدين": باب ترك الصلاة قبل العيد وبعدها في المصلى.
وحديث أبي واقد الليثي في قراءة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في صلاة العيد: رواه مسلم (891) في "العيدين": باب ما يقرأ به في صلاة العيدين، وحديث النعمان بن بشير: رواه مسلم أيضًا (878).
وحديث ابن عمر: رواه البخاري (963)، ومسلم (888).
وأما صلاة الاستسقاء؛ فقد ثبت أيضًا صلاته -عليه السلام- بأصحابه، منها حديث عبد اللَّه بن زيد: رواه البخاري (1012) في "الاستسقاء": باب تحويل الرداء في الاستسقاء، ومسلم (894) (2) أول الاستسقاء، وحديث عائشة -رضي اللَّه عنها-، رواه أبو داود في (الصلاة) (1173) في باب رفع اليدين في الاستسقاء، والطحاوي (1/ 325)، والحاكم (1/ 328)، والبيهقي (3/ 349) قال أبو داود: هذا حديث غريب إسناده جَيّد.
وأما صلاة الخوف فقد ثبت من طرق عديدة عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاته بأصحابه وإمامته بهم، منها حديث جابر الذي رواه مسلم (840) في (صلاة المسافرين): باب صلاة الخوف.
وحديث ابن عمر: رواه البخاري (942) في "الخوف": باب صلاة الخوف.
(1) كذا في (ن) و (ق) و (ك) وفي سائر الأصول: "التفريق".
(2) رواه مسلم (432) في "الصلاة": باب تسوية الصفوف وإقامتها، من حديث أبي مسعود.
(3) جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الرابع عشر.
(4) الذي وجدته في هذا حديث ابن عباس: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن صوم رجب كُلِّه".
رواه ابن ماجه (1743) في "الصيام": باب صيام أشهر الحُرُم، والبيهقي في "فضائل الأوقات" (رقم 15)، والطبراني في "المعجم الكبير" (10681) -ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (10/ 85) -.
وأعله البيهقي بداود بن عطاء، وكذا أعله الجورقاني في "الأباطيل"، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (رقم 913)، والذهبي في "الميزان" في ترجمة داود، والبوصيري، وداود هذا قال فيه أحمد: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ضعيف الحديث، منكر الحديث، فهو على هذا ضعيف جدًا، وذكره أيضًا ابن حجر في "تبيين العجب" (ص 47) (الحديث الثلاثون)، وذكره ابن القيم أيضًا في "المنار المنيف" (ص 97).
وانظر: "زاد المعاد" (1/ 163 - 164)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 368).
(5/28)

وكراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم وليلتها بالقيام (1)، سدًا لذريعة اتخاذ شَرْع لم يأذن به اللَّه من تخصيص زمانٍ أو مكان بما لم يخصه به؛ ففي ذلك وقوعٌ فيما وقع فيه أهلُ الكتاب (2).
الوجه الأربعون: أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمييزهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها لئلا تُفْضِي مشابهتهم إلى أن يعامَلَ الكافر معاملة المسلم، فسُدَّت هذه الذريعة بإلزامهم التميز عن المسلمين (3).
الوجه الحادي والأربعون: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ ناجية بن كعب الأسلمي وقد أرسل معه هَدْيَهُ إذا عَطِبَ منه شيء دون المَحلّ أن ينحره ويصبغ نعله التي قَلَّده بها في دمه ويخلّي بينه وبين الناس، ونهاه أن يأكل منه هو أو أحد من أهل رفقته (4)، قالوا: وما ذاك إلا لأنه لو جاز أن يَأكلَ منه أو يُطْعم أهل رفقته قبل
__________
(1) أخرج البخاري في "صحيحه" (كتاب الصوم): باب صوم يوم الجمعة (4/ 232/ رقم 1985)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الصيام): باب كراهية صوم يوم الجمعة منفردًا (2/ 801/ رقم 1144)، والترمذي في "الجامع" (أبواب القيام): باب ما جاء في كراهية صوم يوم الجمعة وحده (2/ 123/ رقم 740)، والنسائي في "الكبرى" (كتاب الصيام)، كما في "تحفة الأشراف" (10/ 351)، وابن ماجه في "السنن" (كتاب الصيام): باب في صيام يوم الجمعة (1/ 549/ رقم 1723)، وأحمد في "المسند" (2/ 495)، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام؛ إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم"، لفظ مسلم.
(2) وجاء هذا الوجه مكان الوجه الثالث والعشرين في (ق) و (ن).
(3) انظر هذه الشروط بتفصيل عند المصنف في كتاب "أحكام أهل الذمة" (735 - فما بعد - تحقيق صبحي الصالح).
وجاء هذا الوجه مكان الوجه الحادي والعشرين في (ق) و (ن).
(4) روى هذا مسلم في "صحيحه" (1325) في (الحج): باب ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق، وأبهم ذكر اسم الرجل، ورواه أحمد (4/ 225)، ومسلم (1326)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (3/ 262)، وابن أبي شيبة (4/ 33 - 34)، وابن ماجه (3105)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (4/ رقم 2037) من طريق آخر، وقال: إن ذؤيبًا أبا قبيصة حَدثه.
وروى مالك في "الموطأ" (1/ 380)، وابن أبي شيبة (4/ 33)، وأحمد (4/ 334)، وأبو داود (1762) في (المناسك): باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ، والترمذي (910) في (الحج): باب ما جاء إذا عطب الهدي ما يصنع به، والنسائي في "الكبرى" (4137)، وابن ماجه (3106) في "المناسك": باب في الهدي إذا عطب، =
(5/29)

بلوغ المحل فربما دعاه ذلك إلى أن يُقصِّر في عَلَفها وحِفْظِها لحصول (1) غرضه من (2) عَطَبِها [دون المحل كحصوله بعد بلوغ المحل من أكله هو ورفقته وإهدائهم إلى أصحابهم، فإذا أيِسَ من حصول غرضه في عَطبها] (3) كان ذلك أدعى إلى حفظها حتى تبلغ محلها وأَحْسَمَ لمادة هذا الفساد، وهذا من ألطف أنواع سد الذرائع.
الوجه الثاني والأربعون (4): أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ الملتقط أن يُشْهِدَ على اللُّقطَةِ (5)، وقد علم أنه أمين، وما ذاك إلا سدًا لذريعة الطمع والكتمان، فإذا بادر وأشهد كان أحْسَمَ لمادة الطمع والكتمان، وهذا أيضًا من ألطف أنواعها (6).

[في حسم مادة الشريك] (7)
الوجه الثالث والأربعون: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تَقُولُوا ما شاء اللَّه وشاء
__________
= والحميدي (880)، وابن خزيمة (2577)، والحاكم (1/ 447)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (4/ رقم 2308)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (3/ 161 - ط دار الغرباء)، والبيهقي (5/ 243) من حديث ناجية بن كعب الخزاعي، وكان صاحب بُدْن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: قلت: يا رسول اللَّه، كيف أصنع بما عطب من البُدنِ؟ قال: "انحرها، ثم ألق نعلها في دَمِها، ثم خلِّ بينها وبين الناس، فليأكلوها".
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وانظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 368).
(1) في (ك): "لحصولها".
(2) في (ك) و (ق): "في".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الرابع والثمانين.
(5) رواه أبو داود (1709) في (اللقطة): أوله، وابن ماجه (2505) في (الأحكام): باب اللقطة، وأحمد (4/ 162)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (6/ 456)، والطيالسي (رقم 1081)، والنسائي في "الكبرى" (رقم 5808/ 1)، (اللقطة): باب الإشهاد على اللقطة وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 671)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 136)، و"شرح مشكل الآثار" (رقم 4916)، والطبراني في "الكبير" (17/ 985 و 986 و 988 و 989)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم 4894 - الإحسان)، والبيهقي (6/ 187، 193) من طريق أبي العلاء يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير عن مطرف عن عياض بن حمار عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من وجد ضالة فليُشهد ذَوي عَدل ولا يكتم، فإن لم يجد صاحبه فهو مال اللَّه يؤتيه من يشاء". وهذا إسناد صحيح، ورواه الطبراني (17/ 990) من طريق أيوب فأسقط مطرفًا من إسناده.
(6) جاء في (ق) و (ن) هذا الوجه مكان الوجه الخامس والثمانين.
(7) ما بين المعقوفتين من هامش (ك)
(5/30)

محمد" (1)، وذمَّ الخطيب الذي قال: "مَنْ يُطِعِ اللَّه ورسولَه فقد رَشَدَ، ومن عصاهما فقد غوى" (2)، سدًا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحَسْمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ، ولهذا قال للذي قال له: "ما شاء اللَّه وشئت": أجَعَلْتَنِي للَّه نِدًّا (3)؟ فحسَمَ مادة الشرك وسد الذريعة إليه في اللفظ كما
__________
(1) الحديث يرويه عبد الملك بن عمير إلا أنه قد اختلف عليه فيه، وهو وإن كان ثقة إلا أنّ حفظه تغير.
فرواه معمر عنه عن جابر بن سَمرة: أخرجه عبد الرزاق (1983) (11/ 28)، وابن حبان (5725)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (237).
ورواه سفيان بن عيينة عنه عن رِبْعي عن حذيفة بن اليمان.
أخرجه ابن ماجه (2118) في "الكفارات": باب النهي أن يقال: ما شاء اللَّه وشئت، وأحمد (5/ 393)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (رقم 984)، والبزار (2830)، والبخاري في "التاريخ" (4/ 363).
قال البوصيري (2/ 151): هذا إسناد رجاله ثقات على شرط البخاري؛ لكنه منقطع بين سفيان وعبد الملك بن عمير.
ورواه أبو عوانة، وشعبة وحماد بن سلمة عنه عن الطُّفيل بن سَخْبَرة أخو عائشة.
أما رواية أبي عوانة فأخرجها ابن ماجه (2118)، ورواية شعبة أخرجها البخاري في "التاريخ" (4/ 363)، والدارمي (2/ 295)، والطبراني في "الكبير" (8214)، وأحمد في "مسنده" (5/ 399)، ورواية حماد بن سلمة أخرجها أحمد (5/ 72)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2743)، والطبراني في "الكبير" (8214)، والحاكم في "المستدرك" (3/ 463)، وابن أبي شيبة في "مسنده" كما ذكر البوصيري (2/ 151 - 152).
ورواه الطبراني في "الكبير" (8215) من طريق زيد بن أبي أنيسة عن عبد الملك مثل رواية الجماعة.
قال البوصيري عن رواية أبي عوانة عن عبد الملك: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات على شرط مسلم.
وقد رجّح البخاري والبزار والحاكم رواية من روى الحديث فجعله من مسند الطفيل.
وفي الباب بلفظ: "لا تقولوا ما شاء اللَّه وشاء فلان" عن حذيفة مرفوعًا، رواه أحمد (5/ 384 و 394 و 398)، وأبو داود (4980)، والنسائي في "اليوم والليلة" (985)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (236)، والبيهقي (3/ 216).
(2) رواه مسلم (870) في (الجمعة): باب تخفيف الصلاة والخطبة، من حديث عدي بن حاتم.
(3) رواه أحمد (2/ 214 و 224 و 347)، وابن ماجه (2117) في (الكفارات)، وابن أبي شيبة (9/ 118 و 10/ 346)، والبخاري في "الأدب المفرد" (783)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (345)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (988)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (235)، وابن عدي (1/ 419)، والطبراني في "الكبير" (13005 و 13006)،=
(5/31)

سدَّها في الفعل والقَصد، فصلوات اللَّه وسلامُه عليه وعلى آله أكْمَلَ صلاة وأزكاها وأتمها [وأعمها] (1).
الوجه الرابع والأربعون: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر المأمومين أن يُصَلّوا قعودًا إذا صلى إمامهم قاعدًا (2)، وقد تواتر عنه ذلك، ولم يجيء عنه ما ينسخه، وما ذاك إلا سدًّا لذريعة مُشَابهة الكفار حيث يقومون على ملوكهم وهم قعود كما علَّله (3) صلوات اللَّه وسلامه عليه [وعلى آله] (4)، وهذا التعليل منه يبطل قول من قال: إنه منسوخ، مع أن ذلك دعوى لا دليلَ عليها (5).
الوجه الخامس والأربعون: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر المصلي [بالليل] إذا نعس أن يذهب فليرقد، وقال: لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه (6)، فأمره بالنوم لئلا تكون صلاته
__________
= وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (667)، وأبو نعيم في "الحلية" (4/ 99)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (8/ 105)، والبيهقي (3/ 217) من طرق عن الأجلح -يحيى بن عبد اللَّه- عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس مرفوعًا به.
قال البوصيري (2/ 150): هذا إسناد فيه الأجلح مختلف فيه، ضعفه أحمد وأبو حاتم والنسائي وأبو داود وابن سعد، ووثقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن سفيان.
وقد حسنه شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "السلسلة الصحيحة" (139).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك) والمثبت من سائر الأصول. وجاء هذا الوجه مكان الوجه الثامن في (ق) و (ن).
(2) ورد من حديث أبي هريرة: رواه البخاري (732) في (الأذان): باب إقامة الصّف من تمام الصلاة، و (734) في باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة، ومسلم (414) في (الصلاة): باب ائتمام المأموم بالإمام، و (415) في باب النهي عن مبادرة الإمام بالتكبير وغيره.
ومن حديث عائشة رواه البخاري (688) و (1113) و (1236) و (5658)، ومسلم (412)، ومن حديث أنس بن مالك: رواه البخاري (378)، وأطرافه هناك، ومسلم (411).
وعن جمع من الصحابة أيضًا كلها فيها: "وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا. . . ".
وفي (ك): "الإمام" بدل "إمامهم".
(3) في (ن) و (ق) و (ك): "علل به".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) انظر: "زاد المعاد" (2/ 97)، وإغاثة اللهفان" (1/ 367)، وهذا الوجه جاء في (ق) و (ن) مكان الوجه الثاني عشر.
(6) رواه البخاري (212) في "الوضوء": باب الوضوء من النوم، ومسلم (786) في (صلاة المسافرين): باب أمر من نعس في صلاته بأن يرقد، من حديث عائشة، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5/32)

في تلك الحال ذريعة إلى سبِّه لنفسه، وهو لا يشعر لغلبة النوم (1).
الوجه السادس والأربعون: أن الشارع نَهَى أن يَخْطب الرجل على خِطْبة أخيه (2) [أو يَسْتَام على سَوْم أخيه] (3) أو يبيع على بيع أخيه (4)، وما ذاك إلا أنه (5) ذريعة إلى التباغض والتعادي؛ فقياسُ هذا أنه لا يستأجر على إجارته ولا يخطب ولاية ولا (6) منصبًا على خطبته، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى وقوع العداوة والبغضاء بينه وبين أخيه (7).
الوجه السابع والأربعون: أنه نهى عن البَوْل في الجُحْر (8)، وما ذاك إلا لأنه
__________
(1) وجاء في (ق) و (ن) هذا الوجه مكان الوجه الثامن والثمانين.
(2) ورد من حديث ابن عمر: رواه البخاري (5142) في (النكاح): باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع، ومسلم (1412) في (النكاح)، و (ص 1154) في "البيوع": باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه.
ومن حديث أبي هريرة: رواه البخاري (2140) في (البيوع): باب لا يبيع على بيع أخيه، و (2723) في (الشروط): باب ما لا يجوز من الشروط في النكاح، و (5144) في (النكاح): باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع، ومسلم (1430) في (النكاح): باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك و (1515) في (البيوع): باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه.
وفي الباب أيضًا عن عقبة بن عامر: رواه مسلم (1414).
(3) هو جزء من حديث أبي هريرة السابق، ورد في بعض طرقه عند البخاري (2727) في (الشروط): باب الشروط في الطلاق، ومسلم (1413) (54) في (النكاح)، و (1515) (9) و (10) في (البيوع).
وقال (و): "المساومة: المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة، وفصل ثمنها، يقال: سام يسوم سومًا، ومساوم واستام، والنهي عنه أن يتساوم المتبايعان في السلعة ويتقارب الانعقاد، فيجيء رجل آخر يريد أن يشتري تلك السلعة، ويخرج من يد المشتري الأول بزيادة على ما استقر عليه الأمر بين المتساومين، ورضيا به قبل الانعقاد" اه.
وما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(4) هو جزء من حديث أبي هريرة السابق: ورد في بعض طرقه في "صحيح البخاري" (2140) (2160) في "البيوع": باب لا يشتري حاضر لباد بالسَمْسَرة، و (2723)، ومسلم (1413) و (1515).
وفي الباب عن عقبة بن عامر: رواه مسلم (1414).
(5) في (ك): "لأنه".
(6) في (ق): "أو".
(7) انظر: "تهذيب السنن" (3/ 25، 194)، و"زاد المعاد" (4/ 163) فإنه مهم، وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الخامس عشر.
(8) رواه أحمد (5/ 82). وأبو داود (29) في (الطهارة): باب النهي عن البول في الجُحْر، =
(5/33)

قد يكون ذريعة إلى خروج حيوانٍ يؤذيه (1)، وقد يكون من مساكن الجِنِّ فيؤذيهم بالبول، فربما آذوه (2).
الوجه الثامن والأربعون: أنه نهى عن البراز في قارعة الطريق والظل والمَوارِدِ؛ لأنه ذريعة لاستجلاب اللعن كما علل به -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: "اتَّقُوا المَلَاعِنَ الثلاث"، وفي لفظ: "اتقوا اللَّاعِنَيْنِ، قالوا: وما اللاعنان يا رسول اللَّه؟ قال: الذي يتخلَّى في طريق الناس، و [في] ظلِّهم" (3).
الوجه التاسع والأربعون: أنه نهاهم إذا أُقيمت الصلاة أن يقوموا حتى يَرَوْه
__________
= والنسائي (1/ 33) في (الطهارة): باب كراهية البول في الجحر، والحاكم (1/ 186)، والبيهقي (1/ 99) من طريق قتادة عن عبد اللَّه بن سرجس.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولعل متوهمًا يتوهم أن قتادة لم يذكر سماعه من عبد اللَّه بن سرجس، وليس هذا بمستبعد فقد سمع قتادة من جماعة من الصحابة لم يسمع منهم عاصم بن سليمان الأحول، وقد احتج مسلم بحديث عاصم عن عبد اللَّه بن سرجس، وهو من ساكني البصرة"، ووافقه الذهبي.
أقول: اختلف في سماع قتادة من عبد اللَّه بن سرجس.
قال أحمد بن حنبل: ما أعلم قتادة سمع من أحد من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا من أنس بن مالك، قيل له: فعبد اللَّه بن سرجس فكأنه لم يرَ سماعًا.
وأما أبو زرعة فقد أثبت سماعه من عبد اللَّه بن سرجس.
(1) في (ق): "إلى خروج الحيوان الذي يؤذيه".
(2) انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (19/ 40 - 43)، و"إيضاح الدلالة" (2/ 128 - ضمن "مجموعة الرسائل المنيرية") وكتابي "فتح المنان" (1/ 34 - 35).
وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه السابع والثمانين.
(3) قوله: "اتقوا الملاعن الثلاث"، ورد من حديث ابن عباس، رواه أحمد (1/ 299)، وأعله الحافظ في "التلخيص" (1/ 105)، والهيثمي في "المجمع" (1/ 204) بابن لهيعة، وفيه راو لم يسم.
ومن حديث معاذ بن جبل: رواه أبو داود (26)، وابن ماجه (328)، والحاكم (1/ 167)، والبيهقي (1/ 97)، والمزي في "تهذيب الكمال" (33/ 354)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وكذا صححه ابن السكن، قال ابن حجر (1/ 105): وفيه نظر، لأن أبا سعيد الحميري لم يسمع من معاذ، وأبو سعيد هذا نفسه مجهول.
رواه مسلم (269) في (الطهارة): باب النهي عن التخلي في الطرق والظلال، من حديث أبي هريرة ولفظه: "اتقوا اللَّعَّانَيْن. . . ".
وانظر مفصلًا: "التلخيص" (1/ 105)، و"إرواء الغليل" (1/ 100 - 102)، وما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق)، وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه السادس والثمانين.
(5/34)

قد خرج (1)؛ لئلا يكون [ذلك] (2) ذريعة إلى قيامهم لغير اللَّه، وإن (3) كانوا إنما يقصدون القيامَ للصلاة، لكن قيامهم قبل خروج الإمام ذريعة ولا مصلحة فيها فنهاهم عنه (4).
الوجه الخمسون: أنه نَهَى أن تُوصَلَ صلاة بصلاة الجمعة حتى يتكلَّم أو يخرج لئلا يتخذ ذريعة إلى تغيير الفَرْض، وأن يُزاد فيه ما ليس منه، قال السائب بن يزيد: صلَّيتُ الجمعة في المَقْصورة، فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصلَّيت، فلما دخل معاوية أرسل إليّ، فقال: لا تَعُد لما فعلت، إذا صليتَ الجمعةَ فلا تَصِلْهَا بصلاة حتى تتكلم أو تخرج؛ فإن نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بذلك؛ ألَّا توصل الصلاة حتى يتكلم أو يخرج (5).
الوجه الحادي والخمسون: أنه أمر من صلى في رَحْله ثم جاء إلى المسجد أن يصلي مع الإمام وتكون له نافلة (6)؛ لئلا يتخذ قعوده والناس يصلون ذريعة إلى
__________
(1) رواه البخاري (637) في (الأذان): باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة، و (638) باب لا يسعى إلى الصلاة مستعجلًا، وليقم بالسكينة والوقار، و (909) في (الجمعة): باب المشي إلى الجمعة، ومسلم (604) في (المساجد): باب متى يقوم الناس للصلاة، من حديث أبي قتادة.
(2) ما بين المعقوفتين سقط في (ك).
(3) كذا في (ق) و (ك) وفي سائر الأصول: "ولو".
(4) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 80 و 4/ 90 - 91)، وفي المطبوع: "فَنُهُوا عنه" و (ك)، وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الثالث عشر.
(5) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الجمعة): باب الصلاة بعد الجمعة (رقم 883).
(6) رواه الطيالسي (1247)، وأحمد (4/ 160 و 161)، وأبو داود (575 و 576) في (الصلاة): باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم، والترمذي (219) في (الصلاة): باب ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة، والنسائي (2/ 112 - 113) في (الإمامة): باب إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده، وعبد الرزاق (3934)، وابن أبي شيبة (2/ 272)، والدارقطني (1/ 413 - 414 و 414)، وابن حبان (1564) و (2395)، والطبراني (22) (608 - 617)، وابن خزيمة (1279)، والطحاوي (1/ 363)، والحاكم (1/ 244 - 245)، والبيهقي في "الخلافيات" (2/ ق 55/ ب) من طرق عن يعلى عن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث رواه شعبة وهشام بن حسّان. . . عن يعلى بن عطاء، وقد احتج مسلم بيعلى بن عطاء. . . ووافقه الذهبي.
ونقل الحافظ في "التلخيص" (2/ 29) إعلاله عن الشافعي، والبيهقي وأجاب عن ذلك.
وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه التاسع والثمانين.
(5/35)

إساءة الظن به، وأنه ليس من المصلين (1).
الوجه الثاني والخمسون: أنه نهى أن يسمر بعد العشاء الآخرة إلا لمصلٍّ أو مسافر (2).
__________
(1) وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه التسعين.
(2) الحديث يرويه خيثمة بن عبد الرحمن، وقد اختلف عليه.
رواه عنه منصور، واختلف عنه أيضًا.
فقد رواه شعبة عن منصور عن خيثمة عن ابن مسعود: أخرجه الطيالسي في "مسنده" (294 - منحة أو رقم 365 - ط الأخرى) -ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (4/ 121) - وأحمد (1/ 412 و 463)، والشاشي (820، 821)، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (864 - زوائده)، وأبو نعيم في "الحلية" (4/ 121) من طرق عنه به.
وتابع شعبة عمرو بن أبي قيس، أخرجه الخطيب البغدادي (14/ 286) عن منصور به.
وهذا إسناد منقطع؛ خيثمة لم يسمع من ابن مسعود.
ورواه جرير عن منصور عن خيثمة عن رجل عن ابن مسعود، أخرجه أحمد (1/ 379)، وأبو يعلى (5378)، وتابعه سفيان الثوري، أخرجه أحمد (1/ 379، 444)، وعبد الرزاق (2135)، والبيهقي (1/ 452)، وأبو نعيم في "تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن أبي نعيم الفضل بن دكين عاليًا" (رقم 55)، وتابعه أبو عوانة. رواه ابن نصر في "قيام الليل" (115)، وهذا إسناد ضعيف لإبهام هذا الرجل.
وله طريق آخر عن منصور موصول.
رواه الطبراني في "معجمه الكبير" (10519)، و"الأوسط" (5721)، وأبو نعيم في "الحلية" (4/ 198) من طريق إبراهيم بن يوسف عن سفيان بن عيينة عن منصور عن حبيب بن أبي ثابت عن زياد بن حُدَير عن ابن مسعود به.
قال الهيثمي (1/ 314 - 315): ورجال الجميع ثقات.
أقول: إبراهيم بن يوسف هذا تكلم فيه النسائي، وقال موسى بن إسحاق: ثقة، وقال محمد الحضرمي: (صدوق)، وحبيب بن أبي ثابت مدلس، وعلى كل حال فهذا يقوي الطريق السابق.
والحديث رمز السيوطي لحسنه في "الجامع الصغير".
وصححه شيخنا الألباني في "السلسلة الصحيحة" رقم (2435)، وله شاهد موقوف على عائشة قالت: السمر لثلاثة: لعروسٍ أو مسافرٍ أو متهجدٍ بالليل.
رواه أبو يعلى (4879) قال الهيثمي في "المجمع" (1/ 314): ورجاله رجال الصحيح. ويجوز السمر في أمر المسلمين، انظر "الصحيحة" (2781).
وأما النهي عن السمر بعد العشاء مطلقًا دون استثناء فهذا ثابت في "الصحيح" من حديث أبي برزة الأسلمي، رواه البخاري (547 و 568 و 599 و 771)، ومسلم (647)، وانظر: "مجمع الزوائد" (1/ 314 - 315).
(5/36)

وكان يكره النوم قبلها والحديثَ بعدها (1)، وما ذاك إلا لأن النوم قبلها ذريعة إلى تفويتها، والسمر بعدها ذريعة إلى تفويت قيام الليل، فإن عارَضَهُ مصلحة راجحة كالسمر في العلم ومصالح المسلمين لم يكره (2).
الوجه الثالث والخمسون: [أنه نهى] (3) النساء إذا صَلَّيْنَ مع الرجال أن يرفعن رءوسهن قبل الرجال (4)؛ لئلا يكون ذريعة منهن إلى رؤية عَوْرات الرجال من وراء الأزر كما جاء التعليل بذلك في الحديث (5).
الوجه الرابع والخمسون: أنه نهى الرجل أن يتخطَّى المسجد الذي يليه إلى غيره كما رواه بقية عن المجاشع بن عمرو، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه، ولا يتخطاه إلى غيره" (6)،
__________
(1) رواه البخاري (547) في (مواقيت الصلاة): باب وقت العصر، و (568) في باب ما يكره من النوم قبل العشاء، و (599) في ما يكره من السمر بعد العشاء، و (771) في (الأذان): باب القراءة في الفجر، ومسلم (647) في (المساجد ومواضع الصلاة): باب استحباب التكبير بالصبح. . . من حديث أبي برزة الأسلمي.
(2) وجاء هذا الوجه مكان الوجه الحادي والتسعين في (ق) و (ن).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "نهيه".
(4) رواه البخاري (362) في (الصلاة): باب إذا كان الثوب ضيِّقًا، و (814) في (الأذان): باب عقد الثياب وشدها، و (1215) في (العمل في الصلاة): باب إذا قيل للمصلي: تقدم أو انتظر فانتظر؛ فلا بأس، ومسلم (441) في "الصلاة": باب أمر النساء المصليات وراء الرجال أن لا يرفعن رؤوسهنّ من السجود حتى يرفع الرجال، من حديث سهل بن سعد، لكن لفظه يوهم أن القائل قد يكون غير النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(5) جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الثالث والتسعون.
وقد ورد الحديث صريحًا من قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرفوعًا من حديث أسماء: رواه عبد الرزاق (5109)، وأحمد (6/ 348)، وأبو داود (836)، والطبراني في "الكبير" (24/ 260 و 261 و 262 و 263)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (9/ 217).
(6) رواه ابن عدي في "الكامل" (6/ 2450) من الطريق الذي ذكره المصنف.
ورواه ابن عدي أيضًا، وتمام في "فوائده" (280) من طريق آخر عن بقية عن مجاشع: حدثني منصور عن عبيد اللَّه بن عمر به، فزاد "منصور" في إسناده.
وإسناده ضعيف جدًا بل أشد، مجاشع بن عمرو هذا قال فيه ابن معين: "أحد الكذابين". وقال البخاري: منكر مجهول، وقال العقيلي: حديثه منكر غير محفوظ.
قلت: ومجاشع هذا توبع، فقد رواه الطبراني في "الكبير" (13373) و"الأوسط" (5176): حدثنا محمد بن أحمد بن نصر الترمذي: حدثنا عبادة بن زياد الأسدي: حدثنا زهير بن معاوية عن عبيد اللَّه بن عمر به. =
(5/37)

وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه وإيحاش صدر الإمام، فإن كان الإمام لا يتم الصلاة أو يُرمى ببدعة [أو يُعلن بفجور] فلا بأس بتخطيه إلى غيره (1).
الوجه الخامس والخمسون: أنه نهى الرجل بعد الأذان أن يخرج من المسجد حتى يصلي لئلا يكون خروجه ذريعة إلى اشتغاله عن الصلاة جماعةً، كما قال عمار لرجل رآه قد خرج بعد الأذان: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم" (2).
الوجه السادس والخمسون: أنه نهى عن الاحتباء يوم الجمعة (3) كما رواه أحمد في "مسنده" من حديث سهل بن معاذ عن أبيه: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الاحتباء يوم الجمعة (4) "،. . . . . .
__________
= قال الهيثمي (2/ 24): ورجاله موثقون إلا شيخ الطبراني لم أجد له ترجمة.
قلت: بل ترجمه الخطيب في "تاريخه" (1/ 365 - 366)، ووثقه الخطيب، والدارقطني، وقال أحمد بن كامل القاضي: كان قد اختلط في آخر عمره اختلاطًا عظيمًا.
وله إسناد آخر عن ابن عمر، رواه العقيلي في "الضعفاء" (3/ 432) من طريق حبيب بن غالب عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي عن ابن عمر، كذا سمّاه العقيلي "حبيب"، وسمّاه البخاري في "التاريخ الصغير" (184) "غالب بن حبيب"، وقال: منكر الحديث.
قال العقيلي: ولا أحسب الخطأ إلا في البخاري وقد روي هذا الحديث من وجه أصلح من هذا. والحديث ذكره شيخنا الألباني في "الصحيحة" (2200)!!
(1) انظر: "بدائع الفوائد" (4/ 82 - 83) في حكم هذا الفعل، وما بين المعقوفتين سقط من (ق) وجاء هذا الوجه مكان الوجه السادس عشر في (ق) و (ن).
(2) رواه مسلم (655) في (المساجد): باب النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن، من حديث أبي هريرة، وليس عن عمار (!!) كما قال المصنف.
وجاء في هامش (ق): "لعله أبو هريرة".
وهذا الوجه في (ق) و (ن) جاء مكان الوجه الثاني والتسعين.
(3) "الاحتباء: هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره أو يشده عليهما، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب" (و).
(4) رواه أحمد في "مسنده" (3/ 438)، وأبو داود (1110) في (الجمعة): باب الاحتباء يوم الجمعة، والترمذي (514) في (أبواب الجمعة): باب ما جاء في كراهية الاحتباء والإمام يخطب، وأبو يعلى في "مسنده" (1492) و (1496)، وابن خزيمة (1815)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2905)، والحاكم (1/ 289)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (13/ 4604 رقم 1730)، والطبراني في "الكبير" (20/ 384)، والبيهقي (3/ 235) كلهم =
(5/38)

وما ذاك إلا [أنه] ذريعة إلى النوم (1).
الوجه السابع والخمسون: أنه نهى المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخورًا (2)، وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال وتَشَوُّفهم إليها، فإن رائحتها وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إليها؛ فأمرها أن تخرج تَفِلةً (3)،
__________
= من طريق أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ عن أبيه به.
قال الترمذي: "حديث حسن" أقول: وهذا إسناد فيه مقال، عبد الرحيم بن ميمون: ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وتابع عبد الرحيم بن ميمون زَبَّانُ بن فائد، رواه ابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (ص 297)، وزبان ضعيف، وفي سنده أيضًا رشدين بن سعد وهو ضعيف أيضًا.
وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
رواه ابن ماجه (1134) من طريق بقية بن الوليد عن عبد اللَّه بن واقد عن محمد بن عجلان عنه به.
قال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف؛ بقية هو ابن الوليد مدلس، وشيخه، إن كان الهروي فقد وثق، وإلا فهو مجهول، وله شاهد من حديث أنس بن مالك".
أقول: عبد اللَّه بن واقد هذا ترجمه الحافظ ابن حجر في "التهذيب"، وذكر حديثه هذا، وقال: "عبد اللَّه بن واقد يحتمل أن يكون الهروي أو أبا قتادة الحراني أو غيرهما".
قلت: -القائل ابن حجر-: أما الحراني فيصغر عن إدراك محمد بن عجلان، فبقي الهروي على الاحتمال.
(تنبيه): نقل محمد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على "سنن ابن ماجه" كلام البوصيري هكذا. . . وشيخه وإن كان الترمذي (!!) قد وثقه وإلا فهو مجهول" وهذا تحريف قبيح، ويقع له كثيرًا مثل هذا.
وقول البوصيري: له شاهد من حديث أنس بن مالك وَهْمٌ، وإنما هو من حديث معاذ المذكور قبل.
وله شاهد أيضًا؛ لكنه لا يفرح به: رواه ابن عدي (4/ 1505) من حديث جابر، وفي إسناده عبد اللَّه بن ميمون القداح، قال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الرابع والتسعين، وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) روى ذلك مسلم (443) في (الصلاة): باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، من حديث زينب الثقفية امرأة ابن مسعود.
ونحوه أيضًا ما رواه مسلم (444) من حديث أبي هريرة.
(3) روى عبد الرزاق (5121)، وابن أبي شيبة (2/ 276)، وأحمد في "مسنده" (2/ 438 و 475 و 528)، والحميدي (978)، والدارمي (1/ 293)، وأبو داود (565) في الصلاة: باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، وابن الجارود (332)، وابن خزيمة =
(5/39)

وأن لا تتطيب، وأن تقف خلف الرجال (1)، وأن لا تسبح في الصلاة إذا نابها شيء، بل تصفّق ببطن كفها على ظهر الأخرى (2)، كل ذلك سدًا للذريعة وحماية عن المفسدة (3).
الوجه الثامن والخمسون: أنه نهى أن تنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظرُ إليها (4)، ولا يخفى أنَّ ذلك [سدٌ للذريعة وحماية عن مفسدة] (5) وقوعها في قلبه ومَيْله إليها بحضور صورتها في نفسه، وكم ممن أحَبَّ غيره بالوصف قبل الرؤية.
الوجه التاسع والخمسون: أنه نهى عن الجلوس بالطرقات، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى النظر [إلى] (6) المحرم، فلما أخبروه أنه لا بد لهم من ذلك، قال: أعْطُوا الطريقَ حقّه، قالوا: وما حقّه؟ قال: غضُّ البَصَر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام (7).
__________
= (1679)، وابن حبان (2214)، والبيهقي (3/ 134) من طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه، وليخرُجن تَفِلات" وهذا إسناد حَسَن، وله شاهد من حديث زيد بن ثابت. وتفلة: "تاركة للطيب" (و).
(1) وقوف المرأة خلف الرجال ثابت في أحاديث كثيرة، منها حديث أنس رواه البخاري (380) في الصلاة: باب الصلاة على الحصير -وأطرافه هناك- ومسلم (658) في الصلاة: باب جواز الجماعة في النافلة.
(2) ورد التصفيق للنساء في أحاديث منها:
حديث أبي هريرة: رواه البخاري (1203) في (العمل في الصلاة): باب التصفيق للنساء، ومسلم (422) في (الصلاة): باب تسبيح الرجل وتصفيق المرأة.
وحديث سهل بن سعد: رواه البخاري (684) في (الأذان): باب من دخل ليؤم الناس، فجاء الإمام الأول، ومسلم (421) في (الصلاة): باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام.
وليس في الأحاديث وصف التصفيق، وإنما هو من أحد الرواة.
(3) جاء هذا الوجه مكان الوجه السابع والثلاثين في (ق) و (ن).
(4) رواه البخاري (5240 و 5241) في (النكاح): باب لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها، من حديث ابن مسعود.
وفي الباب عن جابر، خرجته في "المجالسة" (رقم 3524)، وعن أبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، خرجتهما في تعليقي على "تالي التلخيص" (268).
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ن) و (ق): "سدًا للذريعة"، وبدلها في (ك): "سدًا لذريعة المفسدة"، وجاء هذا الوجه مكان الوجه الثامن والثلاثين في (ق) و (ن).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) ورد من حديث أبي سعيد الخدري: رواه البخاري (3465) في (المظالم): باب أفنية =
(5/40)

الوجه الستون: أنه نهى أن يبيت الرجلُ عند امرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا [رَحِمٍ] مَحْرَم (1)، وما ذاك إلا لأن المبيت عند الأجنبية ذريعة إلى المحرَّم.
الوجه الحادي والستون: أنه نهى أن تُبَاع السَّلعُ حيث تباع حتى تنقل عن مكانها (2)، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى جَحْد البائع البيعَ وعدم إتمامه إذا رأى المشتري قد ربح فيها، فيغرُّه (3) الطمع، وتشح نفسه بالتسليم كما هو الواقع. وأكد هذا المعنى بالنهي عن ربح ما لم يُضْمَن (4)، وهذا من محاسن الشريعة وألطف باب لسدِّ الذرائع (5).
__________
= الدور والجلوس فيها، و (6229) في (الاستئذان): باب قول اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا}، ومسلم (2121) في (اللباس والزينة): باب النهي عن الجلوس في الطرقات، وإعطاء الطريق حقه.
وفي الباب عن أبي هريرة أيضًا: رواه أبو داود (4816)، وعن البراء بن عازب: رواه أحمد (4/ 282 و 296 و 301)، والترمذي (2726)، وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الأربعين.
(1) رواه مسلم (2171) في (السلام): باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، من حديث أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا لا يبيتنّ رجل عند امرأة ثيِّب، إلا أن يكون ناكحًا أو ذا مَحْرَم"، وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك)، وجاء هذا الوجه مكان الوجه الثالث والثلاثين في (ق) و (ن).
(2) رواه البخاري (2123) في (البيوع): باب ما ذكر في الأسواق، و (2131) باب ما يذكر في بيع الطعام والحُكرة، و (2137) باب من رأى إذا اشترى طعامًا جُزافًا أن لا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله، و (2166 و 2167) باب منتهى التلقي، و (6852) في الحدود: باب كم التعزير والأدب، ومسلم (1527) (37) و (38) في (البيوع): باب بطلان المبيع قبل القبض، من حديث ابن عمر، وفي (ق): "من مكانها".
(3) في (ك): "فيغيره"، وفي (ق): "فيغريه".
(4) رواه أحمد في "مسنده" (2/ 178 - 179 و 205)، والطيالسي (2257)، وأبو داود (3504) في (البيوع): باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، والترمذي (1237) في (البيوع): باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك، والنسائي في "المجتبى" (7/ 295)، وفي "الكبرى" (6226) و (6227) في (البيوع): باب سلف وبيع، وباب شرط في بيع، وابن ماجه (2188) في (التجارات): باب النهي عن بيع ما ليس عندك، والدارمي (2/ 253)، وابن الجارود (601)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 46)، والدارقطني (3/ 75)، وابن عدي في "الكامل" (678/ 2) و (5/ 1736 و 1767)، والطبراني في "الأوسط" (1554)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (5/ 313 و 343 و 348) من طرق كثيرة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو حديث جيد.
(5) انظر: "تهذيب السنن" (5/ 130 - 137)، و"بدائع الفوائد" (4/ 56). =
(5/41)

الوجه الثاني والستون: أنه نهى عن بَيْعتين في بيعة (1)، وهو الشرطان في البيع في الحديث الآخر، وهو الذي لعاقده أوْكَسُ (2) البيعتين أو الربا في الحديث الثالث، وذلك سدًا لذريعة الرِّبا؛ فإنه إذا باعه السلعة بمئتين مؤجّلة ثم اشتراها منه بمئة حالَّة (3) فقد باع بيعتين في بيعة، فإنْ أَخَذَ بالثمن الزائد أخذ بالربا (4)، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما، وهذا من أعظم الذرائع إلى الربا، وأبعد (5) كلَّ البُعد من حمل الحديث على البيع بمئة مؤجلة أو خمسين حالَّة (6)، وليس هنا (7) ربا ولا جهالة ولا غَرَر ولا قِمار ولا شيء من المفاسد؛ فإنه خَيَّره بين أي الثمنين شاء، وليس هذا بأبعدَ من تخييره بعد البيع بين الأخذ والإمضاء ثلاثة أيام (8)،
__________
= وفي (ق) و (ك): "سد الذرائع"، وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الثمانين.
(1) بهذا اللفظ رواه أحمد في "مسنده" (2/ 432 و 475 و 503)، والدارمي (1379)، والترمذي (1231) في (البيوع): باب النهي عن بيعتين في بيعة، والنسائي (7/ 295 - 296) في (البيوع): باب بيعتين في بيعة، وفي "الكبرى" (6228)، وأبو يعلى (6124)، وابن الجارود (600)، وابن حبان (4973)، والبيهقي (5/ 343)، والبغوي (2111) من طرق عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وإسناده حسن.
ورواه محمد بن عمير عن أبي هريرة، كما عند البخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 194 - 195)، والنسائي في "الكبرى" (9750) و (9752) -لكن ليس عنده موطن الشاهد من الحديث-، والخطيب في "تالي التلخيص" (305)، وقال النسائي: وهذا منكر، ابن عمير مجهول، كما في "تحفة الأشراف" (10/ 365)، وسقط في مطبوع النسائي.
وله لفظ آخر: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا"، رواه ابن أبي شيبة (6/ 120)، وأبو داود (3461) في (البيوع)، وابن حبان (4974)، والحاكم (2/ 45)، والبيهقي (3/ 343) من الطريق السابق. وبمعناه: "ولا شرطان في بيع"، وقد تقدم تخريجه.
وانظر: "تهذيب السنن" (5/ 106 مهم، 144 - 149)، وقد خرج الحديث وتكلم على فقهه شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "السلسلة الصحيحة" (5/ رقم 2326)، فراجعها.
(2) قال (و): ". . . وأوكس من الوكس كالوعد: النقصان، والتنقيص لازم ومتعد. . . " اه.
(3) كذا في (ق) وهو الصواب، وفي سائر الأصول: "فإنه إذا باعه السلعة بمئة مؤجلة ثم اشتراها منه بمئتين حالة"!!
(4) في (ق): "الربا".
(5) في (ق): "وَبَعُد" مجودة.
(6) هذا تصريح من الإمام ابن القيم بمشروعية (بيع التقسيط) المشهور اليوم، وعليه جماهير العلماء، وعليه مآخذ ومناقشات، انظرها في "السلسلة الصحيحة" (تحت حديث رقم 2326).
(7) كذا في (ك) و (ق) وفي سائر الأصول: "ههنا".
(8) انظر: النص الوارد في ذلك وتخريجه.
(5/42)

وأيضًا فإنه فرق بين عقدين كل منهما ذريعة ظاهرة جدًا إلى الربا -وهما السلف والبيع، والشرطان في البيع (1) - وهذان (2) العقدان بينهما من النَّسَب والإخاء والتوسل بهما إلى أكل الربا ما يقتضي الجمع بينهما في التحريم، فصلوات اللَّه وسلامه على مَنْ كلامه الشفاء والعصمة والهدى والنور (3).
الوجه الثالث والستون: أنه أمر أن يُفرَّق بين الأولاد في المَضَاجَع، وأن لا يترك الذكر ينام مع الأنثى في فِرَاشٍ واحد (4)؛ لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى نَسْج الشيطان بينهما المُواصَلَة المُحرَّمة بواسطة (5) اتحاد الفراش ولا سيما مع الطول، والرجل قد يعبث في نومه بالمرأة في نومها إلى جانبه وهو لا يشعر، وهذا أيضًا من ألطف سد الذرائع (6).
الوجه الرابع والستون: أنه نهى أن يقول الرجل: خَبُثَتْ نَفْسي، ولكن ليقُلْ: لَقِسَتْ نفسي (7)، سدًا لذريعة اعتياد اللسان للكلام الفاحش، وسدًا لذريعة اتصاف
__________
(1) النهي عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع ثابت في الحديث السابق المخرج في الصفحة الماضية في النهي عن ربح ما لم يضمن.
(2) في (و): "ولهذان"!
(3) انظر: "تهذيب السنن" (5/ 105، 144 - 159)، و"زاد المعاد" (4/ 262)، وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الثامن والسبعين.
(4) هو جزء من حديث رواه أحمد (2/ 180 و 187)، وفي "العلل" رواية ابنه عبد اللَّه (1/ 48 - 49)، وابن أبي شيبة (1/ 347)، وأبو داود (495) في (الصلاة): باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، والعقيلي (2/ 167 - 168)، والدولابي في "الكنى" (1/ 159)، والدارقطني (1/ 230)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 197)، وأبو نعيم في "الحلية" (10/ 26)، والبيهقي في "سننه" (2/ 229) و (3/ 84)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (2/ 278) من طرق عن سَوَّار بن حمزة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، وسوار بن حمزة، قال فيه أحمد: لا بأس به، ووثقه ابن معين، وتكلم فيه الدارقطني والعقيلي وابن حبان، وقال العقيلي بعد روايته للحديث: لا يتابع عليهما جميعًا بهذا الإسناد.
أقول: قد توبع سوّر على هذا.
فرواه ابن عدي في "الكامل" (3/ 929)، والبيهقي (2/ 229) من طريق ليث بن أبي سُليم عن عمرو به، وليث ضعيف، لكنهما يقويان بعضهما بعضًا.
(5) في (ك): "بواصلة".
(6) وجاء هذا الوجه مكان الوجه الرابع والثلاثين في (ق) و (ن).
(7) رواه البخاري (6179) في (الأدب): باب لا يقل خبثت نفسي، ومسلم (2250) في (الألفاظ من الأدب): باب كراهية قول الإنسان: خبثت نفسي، من حديث عائشة. وقوله: "لقست: غثت، واللقس: الغثيان" (و).
(5/43)

النفس بمعنى هذا اللفظ؛ فإن الألفاظ تتقاضى معانيها وتطلبها بالمشاكلة والمناسبة التي بين اللفظ والمعنى، ولهذا قل من تجده يعتاد لفظًا إلا ومعناه غالبٌ عليه، فسدّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذريعة الخبث لفظًا ومعنى وهذا أيضًا من ألطف الباب (1).
الوجه الخامس والستون: أنه نهى أن يقول الرجل لغلامه وجاريته: عبدي، وأمَتِي، ولكن يقول: فَتَاي، وفتاتي (2)، ونهى أن يقول لغلامه: وَضِّيء ربك، أطعم ربك (3)، سدًا لذريعة الشرك في اللفظ والمعنى، وإن كان الربُّ هاهنا هو المالك كرب الدار ورب الإبل؛ فعدل عن لفظ العبد والأمة إلى لفظ الفَتَى والفَتَاة، ومنع من إطلاق لفظ الرب على السيد، حماية لجانب التوحيد (4) وسدًا لذريعة الشرك (5).
الوجه السادس والستون: أنه نهى المرأة أن تسافر بغير مَحْرَم (6)، وما ذلك إلا لأن سَفَرها بغير محرم قد يكون ذريعة إلى الطَّمعِ فيها والفجورِ بها (7).
الوجه السابع والستون: أنه نهى عن تصديق أهل الكتاب وتكذيبهم فيما يُحدِّثون به (8)؛ لأن تصديقهم قد يكون ذريعة إلى التصديق بالباطل وتكذيبهم قد
__________
(1) جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الخامس والتسعين.
(2) قطعة من الحديث الآتي.
(3) رواه البخاري (2552) في (العتق): باب كراهية التطاول على الرقيق، وقوله: عبدي أو أمتي، ومسلم (2249) في (الألفاظ من الأدب): باب حكم إطلاق لفظ العبد والأمة، من حديث أبي هريرة رفعه: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي، ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي، وفتاتي، وغلامي".
(4) في (ق): "لجنا".
(5) وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه التاسع.
(6) سبق تخريجه بلفظ: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر. . . إلخ".
(7) جاء هذا الوجه مكان الوجه الخامس والثلاثين في (ق) و (ن).
(8) رواه البخاري (4485) في (التفسير): باب {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا}، و (7362) في (الاعتصام): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شي"، و (7542) في (التوحيد): باب ذكر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وروايته عن ربه، من حديث أبي هريرة.
ولعل أصرح من حديث أبي هريرة ويوافق ما قاله المؤلف من التعليل في الحديث نفسه، حديث أبي نملة الأنصاري، الذي رواه عبد الرزاق (20059)، وأحمد (4/ 136)، وأبو داود (3644) في (العلم): باب في رواية حديث أهل الكتاب، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (4/ 140 - 141 رقم 2121)، والدولابي في "الكنى =
(5/44)

يكون ذريعة إلى التكذيب بالحق، كما عَلَّل به في نفس الحديث (1).
الوجه الثامن والستون: أنه نهى أن يُسمِّي [عبده] بأفْلَح ونَافع وَرَبَاح وَيسَار (2)؛ لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى ما يكره من الطيرة بأن يقال: ليس هاهنا يسار، ولا رباح، ولا أفلح، وإن كان إنما قصد اسمَ الغلام، ولكن سدًا لذريعة (3) اللفظ المكروه الذي يستوحشُ منه السامعُ.
الوجه التاسع والستون: [أنه نهى] الرِّجال عن الدخول على النِّساء (4) لأنه ذريعة ظاهرة.
الوجه السبعون: أنه نهى أن يسمى باسم بَرَّة (5)؛ لأنه ذريعة إلى تزكية النفس بهذا الاسم، وإن كان إنما قصد العَلَميَّة (6).
__________
= والأسماء" (1/ 58)، وابن منده وابن السكن والحارث بن أبي أسامة -كما في "الإصابة" (7/ 417) -، وابن حبان (6257)، والطبراني في "الكبير" (22) (874 - 879)، والبيهقي (2/ 10)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (6/ 3036 رقم 7033، 7034)، وفيه: "فإن كان حقًا لم تكذبوهم، دمان كان باطلًا لم تصدِّقوهم"، وإسناده جَيِّد، وفي (ك): "تحدثونا به".
(1) جاء هذا الوجه مكان الوجه الرابع والعشرين في (ق) و (ن).
(2) رواه مسلم (2136 و 2137) في "الآداب": باب كراهية التسمية بالأسماء القبيحة وبنافع ونحوه، من حديث سَمُرَة بن جندب، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق) و (ك): "سد ذريعة" وجاء هذا الوجه مكان الوجه السادس والستين في (ق) و (ن).
(4) رواه البخاري (5232) في (النكاح): باب لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ذو محرم، ومسلم (2172) في (السلام) باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها من حديث عقبة بن عامر.
وفي الباب أيضًا عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: رواه مسلم (2173)، وعن جابر وقد تقدم، وعن ابن عباس: رواه البخاري (1862)، و (3006)، و (5233)، ومسلم (1341)، وبدل ما بين المعقوفتين في (ق): "نهيه" وجاء هذا الوجه مكان الوجه السادس والثلاثين في (ق) و (ن).
(5) ورد هذا من حديث أبي هريرة: رواه البخاري (6192) في (الأدب): باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه، ومسلم (2141) في (الآداب): باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن.
ومن حديث ابن عباس: رواه مسلم (2140)، ومن حديث زينب بنت أم سلمة: رواه مسلم أيضًا (2142).
(6) جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه السابع والتسعين.
(5/45)

الوجه الحادي والسبعون: أنه نهى عن التداوي بالخَمْر (1) وإن كانت مصلحة التداوي راجحة على مفسدة ملابستها، سدًا لذريعة قربانها واقتنائها ومحبة النفوس لها، فحَسَمَ عليها المادة حتى في تناولها على وجه التداوي (2) وهذا من أبلغ سد الذرائع (3).
الوجه الثاني والسبعون: أنه نهى أن يتناجى اثنان دون الثالث (4)؛ لأن ذلك ذريعة إلى حزنه وكسر قلبه وظنِّه السُّوء (5).
الوجه الثالث والسبعون: [أن اللَّه] (6) حرَّم نكاح الأمة على القادر على نكاح الحرة إذا لم يخش العَنَت؛ لأن ذلك ذريعة إلى إرقاق ولده، حتى لو كانت الأمة من الآيسات من الحَبَل والولادة لم تحلُّ له سدًا للذريعة، ولهذا (7) منع الإمام أحمد الأسير والتاجر أن يتزوج (8) في دار الحرب خشية تعرض (9) ولده للرق، وعللَّه [هو] بعلة أخرى، وهي أنه قد لا يمكنه منع العدو من مشاركته في زوجته (10).
الوجه الرابع والسبعون: أنه نهى أن يوردَ ممرضٌ على مُصِحّ (11)؛ لأن ذلك
__________
(1) في هذا أحاديث منها حديث سويد بن طارق: رواه مسلم (1984) في (الأشربة): باب تحريم التداوي بالخمر، ولفظه: "إنها ليست بدواء، ولكنها داء".
وانظر: "التلخيص الحبير" (4/ 74).
(2) في (ن) و (ق) و (ك): "الدواء".
(3) انظر: كلام ابن القيم -رحمه اللَّه- في النهي عن التداوي بالخمر، وعلة ذلك في "زاد المعاد" (3/ 114)، وجاء هذا الوجه مكان الوجه الستين في (ق) و (ن).
(4) رواه البخاري (6288) في (الاستئذان): باب لا يتناجى اثنان دون الثالث، ومسلم (2183) في (السلام): باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه، من حديث ابن عمر.
ورواه البخاري (6290)، ومسلم (2184)، من حديث ابن مسعود.
(5) جاء هذا الوجه مكان الوجه السابع عشر في (ق) و (ن).
(6) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "أنه".
(7) في (ك): "من هذا".
(8) في (ق): "يتزوجا".
(9) كذا في (ك) و (ق) وفي سائر الأصول: "تعويض".
(10) جاء هذا الوجه مكان الوجه التاسع والأربعين في (ق) و (ن) وما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(11) رواه البخاري (5771) في (الطب): باب لا هامة، و (5774) في باب لا عدوى. ومسلم (2221) في (السلام): باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر.
وقال (و): "الممرض: الذي له إبل مرضى، فنهى أن يسقي إبله المرضى مع إبل المصح".
(5/46)

قد يكون ذريعة إما إلى إعْدَائِه وإما إلى تأذِّيه بالتوهم والخوف، وذلك سببٌ إلى إصابةِ المكروه له (1).
الوجه الخامس والسبعون: أنه نهى [أصحابه] (2) عن دخول ديار ثمود [إلا أن يكونوا] (3) باكين خشية أن يصيبهم [مثل] (3) ما أصابهم (4)، فجعل الدخول من غير بكاء ذريعة إلى إصابة المكروه (5).
الوجه السادس والسبعون: أنه نهى الرجل أن ينظر إلى من فُضِّلَ عليه في المال واللباس (6)، فإنه ذريعة إلى ازدرائِه نعمةَ اللَّه عليه واحتقارِه لها، وذلك سببُ الهَلاكِ (7).
الوجه السابع والسبعون: أنه نهى عن إنزاء الحُمُرِ (8) على الخيل (9)؛ لأن
__________
(1) جاء هذا الوجه مكان الوجه الخامس والستون في (ق) و (ن).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) رواه البخاري (433) في (الصلاة): باب الصلاة في مواضع الخَسْف والعذاب، و (3380)، و (3381) في (الأنبياء): باب قول اللَّه تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} , و (4419، 4420) في (المغازي): باب نزول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الحِجْر، و (4702) في (تفسير سورة الحجر): باب {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ}، ومسلم (2980) في (الزهد)، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، من حديث ابن عمر.
(5) جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه السادس والستين.
(6) رواه البخاري (6490) في (الرقاق): باب لينظر إلى من هو أسفل منه، ومسلم (2963) في (الزهد): من حديث أبي هريرة وفي لفظه اختلاف.
(7) جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه السابع والستين.
(8) "حملها عليها للنسل" (و).
(9) هو حديث علي وله عنه طرق:
الأولى: عبد اللَّه بن زُرَير عن علي: رواه أحمد (1/ 100)، وابنه (1/ 158)، وأبو داود (2565) في (الجهاد): باب كراهية الحمر تنزي على الخيل، والنسائي (6/ 224) في (الخيل): باب التشديد في حمل الحمير على الخيل، وابن سعد (1/ 491)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3/ 271)، وفي "مشكل الآثار" (214)، و (215)، والبزار (889)، وابن حبان (4682)، والبيهقي (10/ 22)، كلهم من طرق عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عنه به، وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات.
وتابع الليث: ابنُ لهيعة، رواه أحمد (1/ 158).
ورواه محمد بن إسحاق عن يزيد فخالف في إسناده، رواه ابن أبي شيبة (12/ 540)، والبيهقي (10/ 23) من طريق يزيد عن عبد العزيز بن أبي الصعبة عن أبي أفلح الهمداني =
(5/47)

ذلك (1) ذريعة إلى قَطْع نَسْل الخيل أو تقليلها، ومن هذا نهيهُ عن أكل لحومها إنْ صح الحديث فيه (2)، إنما كان لأنه ذريعة إلى تقليلها، كما نهاهم في بعض
__________
= عن ابن زُرير به. وكذلك رواه شعيب بن أيوب عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك ثنا الليث مثله، رواه البيهقي (10/ 22).
الثانية: علي بن علقمة عن علي:
رواه الطيالسي (156)، وأحمد (1/ 98)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3/ 271)، وفي "المشكل" (رقم 221)، والبزار (669)، وابن عدي في "الكامل" (5/ 1847)، والبيهقي (1/ 230) كلهم من طريق شريك القاضي عن عثمان بن أبي زرعة عن سالم عنه به.
وهذا إسناد ضعيف لحال شريك، وعلي بن علقمة ضعّفه البخاري والعقيلي وابن الجارود، وقال ابن عدي: ما أرى بحديثه بأسًا.
الثالثة: سالم عن علي بإسقاط علي بن علقمة:
رواه أحمد في "مسنده" (1/ 95 و 132)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (1/ 83)، وأبو طاهر السلفي "المشيخة البغدادية" (ق 23 أ).
والحديث له شاهد من حديث ابن عباس: رواه أحمد في "مسنده" (1/ 225)، و (234 - 235 و 249)، وأبو داود (808)، والترمذي (1701)، والنسائي (1/ 89 و 6/ 224 و 225)، وفي "الكبرى" (137)، وابن أبي شيبة (10/ 541)، وابن خزيمة (175)، والطحاوي في "شرح المعاني" (3/ 271)، وفي "المشكل" (216 و 217 و 218)، والطبراني في "المعجم الكبير" (10642، 10643)، والبيهقي (10/ 23)، والمزي في "تهذيب الكمال" (15/ 253)، وإسناده صحيح. وانظر: "العلل" لابن أبي حاتم (رقم 44)، وآخر من حديث دحية الكلبي رواه أحمد (4/ 311)، وابن أبي شيبة (10/ 541).
(1) في (ك) و (ق): "وذلك لأن".
(2) رواه أحمد (4/ 89 و 89 - 90)، وأبو داود (3790) في (الأطعمة): باب أكل لحوم الخيل، و (3806): باب في النهي عن أكل السباع، والنسائي (7/ 202) في (الأطعمة): باب تحريم أكل لحوم الخيل، وفي "الكبرى" (6640)، وابن ماجه (3198) في (الذبائح): باب لحوم الحمر الأهلية، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (703 و 704)، والطبراني في "الكبير" (3826 و 3827)، والدارقطني (4/ 287)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (9/ 328)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (95)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (3066)، وفي "معاني الآثار" (4/ 210)، وابن عبد البر في "التمهيد" (10/ 128)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (2/ 932 رقم 2408) من طرق عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد به مطولًا ومختصرًا. وفيه: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم خيبر عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير". وعند بعضهم عن صالح عن جده المقدام بإسقاط أبيه.
وهذا حديث فيه علل: =
(5/48)

الغزوات عن نحر ظهورهم (1) لما كان ذريعة إلى لحوق الضرر بهم بفَقْد الظّهر (2).
الوجه الثامن والسبعون: أنه نهى مَنْ رأى رؤيا يكرهها أن يتحدث بها (3)؛ فإنه ذريعة إلى انتقالها من مَرْتَبة (4) الوجود اللفظي إلى [مرتبة الوجود] (5) الخارجي كما انتقلت من الوجود الذهني إلى اللفظي، وهكذا عامة الأمور تكون في الذهن أولًا ثم تنتقل إلى الذِّكر ثم تنتقل إلى الحس، وهذا من ألطف سد الذرائع
__________
= الأولى: صالح بن يحيى هذا قال فيه البخاري: فيه نظر، وقال موسى بن هارون: لا يعرت هو ولا أبوه، ولا جده، وهذا ضعيف، وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ وقال البيهقي في "المعرفة" (7/ 262): "هذا حديث إسناده مضطرب، ومع اضطرابه فهو مخالف لحديث الثقات".
الثانية: قال أبو داود: لا بأس بلحوم الخيل، وليس العمل عليه، وهذا منسوخ قد أكل لحوم الخيل جماعة من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- منهم ابن الزبير. . . ونحوه قال النسائي.
الثالثة: قال الواقدي: إن خالد بن الوليد لم يشهد خيبر، وأسلم قبل الفتح، ذكره الزيلعي في "نصب الراية" (4/ 196)، وأحاديث الأذن في لحوم الخيل أكثر وأشهر وأصح.
(1) رواه البخاري (2484) في (الشركة): باب الشركة في الطعام والنَّهد والعُرُوض، و (2982) في (الجهاد والسير): باب حمل الزَّاد في الغزو، ومسلم (رقم 1728) في "اللقطة": باب استحباب خلط الأزواد إذا قلَّت، والمؤاساة فيها، عن سلمة بن الأكوع.
ورواه مسلم (27) (كتاب الإيمان) باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، وأبو عوانة (1/ 8)، والبغوي (1/ 98)، من حديث أبي هريرة.
وفي الباب عن ابن عباس عند أحمد (1/ 305)، وابن حبان (3812، 3845).
وعن عمر، عند إسحاق -كما في "المطالب العالية" (2/ 452) -، وأبي يعلى -كما في "المجمع" (8/ 304) -.
وانظر: أوائل "دلائل النبوة" للفريابي.
(2) جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الثامن والستين.
(3) رواه البخاري (3292) في (بدء الخلق): باب صفة إبليس وجنوده، و (5747) في (الطب): باب النفث في الرقية، و (6984) في (التعبير): باب الرؤيا من اللَّه، و (6986): باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، و (6995): باب من رأى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في المنام، و (7005) في باب الحلم من الشيطان، فإذا حلم فليبصق عن يساره، و (7044): باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها، ومسلم (2261) (3)، و (4) في (الرؤيا)، من حديث أبي قتادة.
وفي الباب عن أبي هريرة أيضًا: رواه البخاري (7017) في (التعبير): باب القيد في المنام، ومسلم (2263)، وفي (ق): "يحدث بها".
(4) في (ق): "نية" وفي هامشها: "لعله رتبة" والمثبت من سائر الأصول.
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "الوجود" وفي (ك): "مرتبة" والمثبت من سائر الأصول.
(5/49)

وأنفعها، ومن تأمل عامة الشر رآه متنقلًا في درجات الظهور طَبَقًا بعد طَبَق من الذهن إلى اللفظ إلى الخارج (1).
الوجه التاسع والسبعون: أنه سُئِل عن الخمر تتخذ خلًّا، فقال: لا (2)، مع إنه في خَلِّ الخمر الذي حَصَل بغير التخليل، وما ذاك إلا سدًا لذريعة إمساكها بكل طريق، إذ لو أذن في تخليلها لحبسها أصحابها لذلك وكان ذريعة إلى المحذور (3).
الوجه الثمانون: أنه نهى أن يتعاطى السيفَ مسلولًا (4)، وما ذاك إلا لأنه (5)
__________
(1) جاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه التاسع والستين.
(2) رواه مسلم (1983) في (الأشربة): باب تحريم تخليل الخمر، من حديث أنس.
(3) جاء هذا الوجه مكان الوجه الحادي والستين في (ق) و (ن).
(4) رواه أحمد في "مسنده" (3/ 299 و 360)، وأبو داود (2588) في (الجهاد): باب النهي أن يتعاطى السيف مسلولًا، والترمذي (2163) في (الفتن): باب ما جاء في النهي عن تعاطي السيف مسلولًا، والحاكم (4/ 290)، وابن أبي شيبة (8/ 583) من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر به.
وقال الترمذي: حديث حسن غريب من حديث حماد بن سلمة. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
ورواه ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر عن بَنَّة الجهني، فذكر نحوه وفيه قصة.
أخرجه أحمد (3/ 347)، وابن سعد (4/ 353)، والطبراني في "الكبير" (1190)، وفي "الأوسط" (2570)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (2/ 809 رقم 177)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (1/ 443 - 444 رقم 1281، 1282)، ويظهر أن هذا من تخاليط ابن لهيعة.
وقد رواه أحمد (3/ 369) من طريق ابن إسحاق قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا ذكره مع قصة.
ورواه أيضًا من طريق ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر به.
وله شاهد من حديث أبي بكرة: رواه أحمد (5/ 41)، والطبراني في "الكبير" -كما في "المجمع" (7/ 290) -، والحاكم (4/ 290) من طريق مبارك بن فضالة: حدثنا الحسن: حدثنا أبو بكرة قال: أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على قوم يتعاطون سيفًا مسلولًا فقال: لعن اللَّه من فعل هذا. . . ".
قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، وفيه مبارك بن فضالة، وهو ثقة لكنه مدلس، وبقية رجال أحمد، رجال الصحيح.
أقول: ولكنه صَرّح بالتحديث كما في "مسند أحمد".
ورواه ابن أبي شيبة (8/ 583)، عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن مرسلًا.
أقول: وعلي ضعيف.
والحديث صحيح بهذه الشواهد والطرق، واللَّه أعلم.
(5) كذا في (ق) و (ك) وفي سائر الأصول: "أنه".
(5/50)

ذريعة إلى الإصابة بمكروه، ولعل الشيطان يُعينهُ وينزع في يده فيقع المحذور أو يُقَرّب منه (1).
الوجه الحادي والثمانون: أنه أمر المارَّ في المسجد بنبال أن يُمسك على نَصْالها (2) بيده (3) لئلا يكون ذريعة إلى تأذّي رجل مسلم بالنِّصال (4).
الوجه الثاني والثمانون: أنه حَرَّم الشِّياع (5)، وهو المفاخرة بالجماع؛ لأنه ذريعة إلى تحريك النفوس والتَّشبه، وقد لا يكون عند الرجل مَنْ يغنيه من الحلال فيتخطَّى إلى الحرام، ومن هذا كان المُجاهِرُون خارجين من عافية اللَّه، وهم المتحدثون بما فعلوه من المعاصي؛ فإن السامع تتحرك نفسه إلى التشبه، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعمله إلا اللَّه (6).
__________
(1) جاء هذا الوجه مكان الوجه الثامن والعشرين في (ق) و (ن).
(2) كذا في (ق) و (ك) وفي سائر الأصول: "نصلها".
(3) رواه البخاري (452) في (الصلاة): باب المرور في المسجد، و (7075) في (الفتن): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من حمل علينا السلاح فليس منا"، ومسلم (2615) في (البر والصلة): باب أمر من مرّ بسلاح في مسجد أو سوف أو غيرهما أن يمسك بنصالها، من حديث أبي موسى الأشعري.
وفي الباب أيضًا عن جابر: رواه البخاري (451)، و (7073 و 7074)، ومسلم (2614).
(4) جاء هذا الوجه مكان الوجه التاسع والعشرين في (ق) و (ن).
(5) رواه أحمد (3/ 29 و 4/ 259)، وأبو يعلى (1396)، والدولابي (2/ 157)، والعقيلي (2/ 43)، وابن عدي (3/ 980)، والبيهقي (7/ 194)، والخطيب البغدادي (5/ 162)، من طريق دَرَّاج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "الشياع حرام".
قال الهيثمي (4/ 295): رواه أبو يعلى، وفيه دَرَّاج، وثقه ابن معين، وضعفه جماعة، وقال العقيلي: لا يعرف إلا به.
أقول: دَرَّاج أبو السمح قال فيه أحمد: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال ابن عدي بعد أن ذكر طائفة من أحاديثه -هذا منها-: وعامة هذه الأحاديث التي أمليتها مما لا يتابع دراج عليه، وفيها ما قد روي عن غيره. . . ثم ختم كلامه بما حاصله أن له مناكير، وسائر أحاديثه لا بأس بها.
والشياع يقال له أيضًا: السباع.
وانظر: "مجمع الزوائد" (4/ 295).
وقال (و): "قال ابن عبد البر: إنه [أي: الشياع] تصحيف، وهو بالسين المهملة والباء الموحدة".
(6) جاء هذا الوجه مكان الوجه الحادي والأربعين في (ن) و (ق).
(5/51)

الوجه الثالث والثمانون: أنه نهى عن البَوْل في الماء الدائم (1)، وما ذاك إلا لأن (2) تواتر البول فيه ذريعة إلى تنجيسه، وعلى هذا فلا فرق بين القليل والكثير وبول الواحد والعدد، وهذا أولى من تفسيره (3) بما دون القلتين أو بما يمكن نزحه؛ فإن الشارع الحكيم لا يأذن للناس أن يبولوا في المياه الدائمة إذا جاوزت القلتين أو لم يمكن نزحها، فإن في ذلك من إفساد مياه الناس ومواردهم ما لا تأتي به شريعة، فحكمة شريعته (4) اقتضت المنع من البول فيه قلَّ أو كثر سدًا لذريعة إفساده.
الوجه الرابع والثمانون: أنه نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو (5)؛ فإنه ذريعة إلى أن تناله أيديهم كما علل به في نفس الحديث (6).
الوجه الخامس والثمانون: أنه نهى عن الاحتكار، وقال: "لا يحتكر إلا خاطئ" (7) فإنه ذريعة إلى أن يضيق على الناس أقواتهم، ولهذا لا يمنع من احتكار ما لا يضرُّ الناس (8).
الوجه السادس والثمانون: أنه نهى عن بيع فَضْل الماء (9)؛ لئلا يكون ذريعة
__________
(1) رواه البخاري (238) في (الوضوء): باب البول في الماء الدائم، ومسلم (282) في (الطهارة): باب النهي عن البول في الماء الراكد، من حديث أبي هريرة.
(2) في (د): "أن".
(3) في (ن) و (ق) و (ك): "من تقييده".
(4) في (ق): "الشريعة".
(5) رواه البخاري (2990) في (الجهاد): باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو، ومسلم (1869) في (الإمارة): باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم، من حديث ابن عمر.
وانظره في: "تالي تلخيص المتشابه" (346)، و"جزء القاضي الأشناني" (2) وتعليقي عليهما.
(6) وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه العاشر.
(7) رواه مسلم (1605) في (المساقاة): باب تحريم الاحتكار في الأقوات، من حديث معمر بن عبد اللَّه بن نضلة.
(8) انظر: "الطرق الحكمية" (ص 279 - 280)، و"بدائع الفوائد" (4/ 49، 94)، في (ق) و (ك): "بالناس"، وجاء هذا الوجه مكان الوجه الثاني والثمانين من (ق) و (ن).
(9) رواه البخاري (2353 و 2354) في (الحرث والمزارعة): باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروي، و (6962) في (الحيل): باب ما يكره من الاحتيال، ومسلم (1566) في (المساقاة): باب تحريم فضل بغ الماء الذي يكون بالفلاة، من حديث أبي هريرة. =
(5/52)

إلى منع فضل الكلأ؛ كما علل به في نفس الحديث فجعله بمنعه [من] (1) الماء مانعًا من الكلأ لأن صاحب المواشي إذا لم يمكنه الشرب (2) من ذلك الماء لم يتمكن من المَرْعَى الذي حوله (3).
الوجه السابع والثمانون: أنه نهى عن إقامة حد الزنا على الحامل حتى تَضَع (4)، لئلا يكون [ذلك] ذريعة إلى قتل ما في بطنها، كما قال في الحديث الآخر: "لولا ما في البيوت من النِّساء والذرية لأمرتُ فتياني أن يحملوا معهم حُزَمًا من حطب فاخالف إلى قوم (5) لا يشهدون الصلاة في الجماعة فأُحرِّق عليهم بيوتهم بالنار" (6) فمنعه من تحريق بيوتهم التي عَصَوُا اللَّه فيها بتخلفهم عن الجماعة كونُ ذلك ذريعةً إلى عقوبة مَنْ لم يجب عليه حضور الجماعة من النساء
__________
= ورواه مسلم (1565) في (المساقاة)، من حديث جابر، وفي سائر الأصول: "منع فضل الماء" والمثبت من (ق) و (ك).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ك): "الشراب".
(3) انظر: "زاد المعاد" (4/ 259 - 260)، وجاء هذا الوجه مكان الوجه الثالث والستين في (ق) و (ن).
(4) لم أجد حديثًا قوليًا ينهى عن إقامة الحد على الحامل، وإنما الحديث من فعله، وهو حديث الغامدية التي زنت ثم جاءت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهي حامل فأجّلها حتى تضع، وهو حديث رواه مسلم (1695) في (الحدود): باب من اعترف على نفسه بالزنا، من حديث بريدة. و (1696) من حديث عمران بن حصين.
(5) "آتيهم من خلفهم، أو أخالف ما أظهرت من إقامة الصلاة، وأرجع إليهم، فآخذهم على غفلة، أو يكون بمعنى أتخلف عن الصلاة بمعاقبتهم" (و).
(6) بهذا اللفظ لم أجده، وإنما لفظه: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية أقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياتي يحرقون ما في البيوت بالنار".
ولعله دخل عليه حديث في حديث:
وهذا رواه أحمد (2/ 367) من طريق أبي معشر نجيح عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا به، قال الهيثمي (2/ 42): أبو معشر ضعيف. ومع هذا فقد ذكره الحافظ في "الفتح" (2/ 126) وسكت عنه.
وهو في "صحيح مسلم" (652) عن ابن مسعود أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم".
وفيه (651) (252) عن أبي هريرة: ". . . ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلًا فيُصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حُزَمٌ من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار".
ولم يرد فيه ذكر للنساء والذرية.
(5/53)

والأطفال (1).
الوجه الثامن والثمانون: (2) أنه نهى عن إدامة النَّظر إلى المجذومين (3)، وهذا
__________
(1) جاء هذا الوجه مكان الوجه الثلاثين في (ق) و (ن) وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) في (ك): "الوجه التسعون"، وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الرابع والستين.
(3) الحديث يرويه محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان، واختلف عنه، فرواه عبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند عنه عن أمه فاطمة بنت الحسين عن ابن عباس.
أخرجه من طريقه ابن أبي شيبة (8/ 320 و 9/ 44)، وفي "الأدب" (رقم 178)، وابن معين في "فوائده" (رقم 108)، وأحمد (1/ 233) -ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (35/ 258) -، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 138)، وفي "الصغير" (2/ 82)، وابن ماجه (3543) في (الطب): باب الجذام، والحربي في "غريب الحديث" (2/ 428)، وابن جرير في "تهذيب الآثار" (ص 19 - مسند علي)، وابن عدي في "الكامل" (6/ 2224)، والبيهقي في "السنن" (7/ 218 - 219).
وتابع عبد اللَّه بن سعيد، ابنُ أبي الزناد.
أخرجه الطيالسي (1601)، وابن ماجه (3543) -ومن طريقه ابن عساكر (272 - 273 النساء) -، وابن جرير في "تهذيب الآثار" (ص 19 - مسند علي)، ولوين في "جزئه" (رقم 67) -ومن طريقه ابن عساكر (273 - النساء)، والمزي في "تهذيب الكمال" (35/ 259) -، وابن وهب في "الجامع" (رقم 35).
ورواه عبد اللَّه بن عامر من رواية الفرج بن فضالة عنه عن أمه فاطمة بنت الحسين عن حسين عن أبيه علي بن أبي طالب.
أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في "زوائده على المسند" (1/ 78)، ووقع في سنده خطأ، إذ ورد هكذا: الفرج بن فضالة عن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان، وهو كذلك في "إتحاف المهرة" (ج 7/ ق 135/ ب)، و"مصباح الزجاجة" (3/ 142)، وكذلك أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (273 - النساء) وقال: "كذا قال: والصواب محمد بن عبد اللَّه" وهو على الجادة عند ابن جرير في "تهذيب الآثار" (4/ 20)، وهذا خطا قطعًا كما بيّنه أحمد شاكر.
ورواه عبد اللَّه بن عامر من رواية الفرج بن فضالة أيضًا عنه عن أمه عن أبيها عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أخرجه أبو يعلى (6774)، والدولابي في "الذرية الطاهرة" (رقم 161)، والفرج ضعيف، ضغفه ابن المديني وابن معين والنسائي والدارقطني وغيرهم، وتابع الفرج على هذه الرواية عبد اللَّه بن الحارث:
أخرجه ابن عدي في "الكامل" (14/ 473)، وعبد اللَّه بن عامر الأسلمي ضعيف.
لكن تابعه عبد اللَّه بن المبارك:
أخرجه الطبراني في "الكبير" (2897)، وعلقه البخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 139)، وفي "الصغير" (2/ 77) من رواية يحيى الحماني عنه، ويحيى ضعيف. =
(5/54)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= ورواه ضرار بن صرد عن المبارك، عند الدولابي (163) وضرار كذبه ابن معين، وقال البخاري والنسائي: متروك الحديث.
ورواه عبد اللَّه بن عامر الأسلمي من رواية الفرج بن فضالة عنه عن أمه فاطمة عن أبيها الحسين بن علي عن أمه فاطمة:
رواه الطبري في "تهذيب الآثار" في "مسند علي" (ص 20).
ورواه الدولابي (160) عن أبي ضرة عن عبد اللَّه بن عامر عن محمد بن عبد اللَّه، حدثتني أمي فاطمة عن حسين بن علي وابن عباس به.
وهذا اضطراب من الفرج بن فضالة وعبد اللَّه بن عامر الأسلمي، وكلاهما ضعيف يقبل منهما هذا.
بقي النظر في الإسناد الأول، وهو من مسند ابن عباس:
فقد قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (3/ 142): إسناد رجاله ثقات.
أقول: مدار الحديث كله إنْ سلَّمنا أنه سالم من الاضطراب على محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان. قال البخاري: عنده عجائب، وقال ابن الجارود: لا يكاد يتابع على حديث، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال مرة: ثقة! وقال ابن عدي: ومقدار ما له يكتب. ووثقه ابن حبان والعجليّ.
أقول: توثيق ابن حبان والعجلي معروف، والذي يظهر أن الرجل لا يقبل حديثه إلا بالمتابعات والشواهد.
أما قول الحافظ في "التقريب": صدوق فهذا عجيب؛ لأن أمثال هذا الراوي يقول فيهم: صدوق له أوهام، أو صدوق يخطئ، أما هكذا صدوق -أي أن حديثه في مرتبة الحسن- فهذا بعيد، وقد ضعَّفه من ذكرنا.
ثم وجدت الحافظ ذكر الحديث في "الفتح" (10/ 159)، وعزاه لابن ماجه، وقال: سنده ضعيف، وليس في إسناده من فيه كلام إلا محمد بن عبد اللَّه بن عمرو! قلت: أورد الذهبي في "الميزان" (3/ 593) هذا الحديث في ترجمة (محمد بن عبد اللَّه) هذا وقال في "ديوان الضعفاء" (ص 360): "حديثه منكر". وله طريق آخر عن ابن عباس رواه الطبراني في "الكبير" (11193) من طريق عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، قال الهيثمي في "المجمع" (5/ 101): وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن! وبقية رجاله ثقات.
أقول: ابن لهيعة معروف بتخليطه في غير رواية العبادلة عنه!! وأين أصحاب عمرو بن دينار من هذا الحديث، وانظر عنه رواية عثمان بن صالح عن ابن لهيعة "سؤالات البرذعي" (ص 417).
وله شاهد من حديث معاذ بن جبل: رواه الطبراني في "الكبير" (18/ 222)، قال الهيثمي في "المجمع" (5/ 101): وشيخه الوليد بن حماد الرملي، لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. =
(5/55)

واللَّه أعلم لأنه ذريعة إلى أن يصابوا بدائهم (1)، وهي من ألطف الذرائع، وأهل الطبيعة يعترفون به، وهو جارٍ على قاعدة الأسباب، وأخبرني رجل من علمائهم أنه أجلس (2) قرابة له يكحل الناس فرمِدَ ثم برئ، فجلس يكحلهم فرمد مرارًا، قال: فعلمت أن الطبيعة تنقل (3)، وأنه من كثرة ما يفتح عينيه في أعين الرُّمْدِ نقلت الطبيعة الرمَدَ إلى عينيه (4)، وهذا لا بُدَّ معه من نوع استعداد، وقد جبَلت الطبيعة والنفس على التشبه والمحاكاة.
الوجه التاسع والثمانون: (5) أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى الرجل أن ينحني للرجل (6) إذا لقيه (7)
__________
= أقول: ترجمة الذهبي في "تاريخ الإسلام" (22/ 320)، وابن حجر في "اللسان" (6/ 221)، ولم يذكرا فيه شيئًا.
قال شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "السلسلة الصحيحة" (1064): "وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح"!!
مع أنه ليس له إلا طريق واحد اضطرب فيه راويه، ولم يذكر له إلا شاهدًا واحدًا، وهو حديث معاذ!!
وفي (ك): "الحذمين"!!
(1) في (ن) و (ك): "بأبدانهم"، وفي باقي الأصول عدا (ق): "بإيذائهم" والمثبت من (ق).
(2) كذا في (و) و (ن) و (ق) وفي سائر الأصول: "جلس".
(3) في المطبوع و (ك): "تنتقل".
(4) "بتغير العلم الآن: انتقل ميكروب الرمد إلى عينيه" (و).
(5) جاء هذا الوجه في (ك) الوجه الحادي والتسعون وفي (ق) و (ن) مكان الوجه السابع.
(6) في (ك): "لرجل" والمثبت من سائر النسخ.
(7) رواه الترمذي في (الاستئذان) (2728) في باب ما جاء في المصافحة، وابن ماجه (3702) في (الأدب): باب المصافحة، وأحمد (3/ 198)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 281)، وابن عدي في "الكامل" (2/ 828)، والبيهقي (7/ 100)، وفي "شعب الإيمان" (8162)، و (8963) من طرق عن حنظلة بن عبيد اللَّه السدوسي عن أنس قال: أينحني بعضنا لبعض إذا التقينا؟ قال: لا. . . ثم ذكر التقبيل والمصافحة.
قال الترمذي: حديث حسن.
قلت: حنظلة هذا تكلموا فيه.
قال أحمد بن حنبل: ضعيف، وقال مرة: منكر الحديث يحدث بأعاجيب، ثم ذكر حديثه هذا، وقال يحيى بن القطان: قد رأيته وتركته على عمد، وكان قد اختلط، ومثله قال ابن معين، وقال ابن معين أيضًا: ليس حديثه بشيء، وقال ابن عدي: وإنما أنكر من أنكر رواياته لأنه كان قد اختلط في آخر عمره فوقع الإنكار في حديثه بعد اختلاطه.
أقول: فمثله لا يُحسن له حديث والعجب أن الحافظ في التلخيص (4/ 95) ذكر تحسين الترمذي ساكتًا عليه. =
(5/56)

كما يفعله كثير من المنتسبين إلى العلم ممن لا عِلْم [له] (1) بالسنة، بل يبالغون إلى أقصى حد الانحناء مبالغةً في خلاف السنة جهلًا حتى يصير أحدهم بصورة الراكع لأخيه ثم يرفع رأسه من الركوع كما يفعل إخوانهم من السجود بين يدي شيوخهم الأحياء والأموات؛ فهؤلاء أخذوا من الصلاة سجودها، وأولئك ركوعها، وطائفة ثالثة قيامها يقومون (2) عليهم الناسُ وهم قعود كما يقومون في الصلاة، فتقاسمت الفرقُ الثلاثُ أجْزَاء الصلاة، والمقصود أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن انحناء الرجل لأخيه سدًا لذريعة الشرك، كما نهى عن السجود لغير اللَّه (3)، وكما نهاهم أن يقوموا في الصلاة على رأس الإمام وهو جالس (4) مع أن قيامهم عبادة للَّه تعالى، فما الظن إذا كان القيام تعظيمًا للمخلوق وعبودية له؟ فاللَّه المستعان.
الوجه التسعون: (5) أنه حرم التفرق في الصَّرْفِ (6) وبيع الربوي بمثله قبل
__________
= وقد ذكر شيخنا الألباني في "السلسلة الصحيحة" (160) لحنظلة ثلاثة متابعين، لكن في هذه المتابعات نظر فالأولى فيها راويان متكلّم فيهما، وفي اللفظ مغايرة، والثانية متابعة قاصرة، وفيها راو ضعيف، وآخران لم يجد لهما ترجمة، والثالثة فيها متروك، فكيف يصح بها الحديث!!
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) كذا في (ك) و (ق) وفي سائر الأصول: "يقوم".
(3) لم أجده بهذا اللفظ حديثًا، وقد يصدق عليه قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما ينبغي لأحد أن يسجد لآخر، ولو كان أحد ينبغي أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"، رواه الترمذي (1159) في (الرضاعة): باب ما جاء في حق الزوج على المرأة، وابن حبان (4162)، والبيهقي (7/ 291) من طريقين عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة وحسنه الترمذي.
ورواه الحاكم (4/ 171)، والبزار (1466) من طريق آخر عن أبي هريرة، وفيه راوٍ ضعيف.
وله شواهد عن عدد من الصحابة انظر: "إرواء الغليل" (7/ 54)، وما بعدها.
(4) يريد حديث: "إذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين"، ورد من حديث جمع من الصحابة.
منهم أنس بن مالك: رواه البخاري (689)، و (732) و (733)، و (805)، و (1114)، و (1911) و (2469)، و (5289)، و (5289)، و (6684)، ومسلم (411).
وعائشة: رواه البخاري (688)، و (1113)، و (1236)، و (5658)، ومسلم (412).
وجابر: رواه مسلم (413)، وهذا أصرحها على ما يريد المؤلف.
(5) في (ك): "الوجه الثاني والتسعون" وجاء في (ن) و (ق) هذا الوجه مكان الوجه التاسع والسبعين.
(6) "بيع الذهب بالفضة. . . " (و) وفي سائر النسخ: "التفريق في الصرف" والمثبت في (ك) و (ق).
(5/57)

القبض (1)؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى التأجيل الذي هو أصل باب الربا، فحماهم من قُربانه باشتراط التقابض في الحال، ثم أوجب عليهم فيه التماثُلَ، وأن لا يزيد أحد العَوَضين على الآخر إذا كانا من جنس واحد حتى لا يُباع مدُّ جيّد بمدين رديئين وإن كانا يساويانه (2)، سدًا لذريعة ربا النّسَاء الذي هو حقيقة الربا، وأنه إذا منعهم من الزيادة مع الحلول حيث تكون الزيادة في مقابلة جَوْدَة أو صفة أو سكة أو نحوها (3)، فمنعهم منها حيث لا مقابل لها إلا مجرد الأجل أولى.

[حكمة تحريم ربا الفضل]
فهذه هي حكمة تحريم ربا الفَضْل التي خفيت على كثير من الناس، حتى قال بعض المتأخرين: لا يتبين لي حكمة تحريم ربا الفضل، وقد ذكر الشارع هذه الحكمة بعينها؛ فإنه حرَّمه سدًا لذريعة ربا النساء، فقال في [حديث] (4) تحريم ربا الفضل: "فإنّي أخاف عليكم الرَّمَاء (5) والرَّمَاء [هو] (6) الربا".

[نوعا تحريم الربا]
فتحريم الربا نوعان: نوع حُرِّم لما فيه من المفسدة وهو ربا النسيئة، ونوع حرم تحريم الوسائل وسدًا للذرائع؛ فظهرت حكمة الشارع الحكيم وكمال شريعته الباهرة في تحريم النوعين، ويلزم من لم يعتبر الذرائع ولم يأمر بسدها أن يجعل تحريم ربا الفضل تعبُّدًا محضًا لا يُعقل معناه كما صرَّح بذلك كثير منهم.
__________
(1) يدل عليه حديث عمر بن الخطاب الذي رواه البخاري (2134) في (البيوع): باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، و (2170) في باب بيع التمر بالتمر و (2174) باب بيع الشعير بالشعير، ومسلم (1986) في (المساقاة): باب الصرف، وغيره.
(2) يدل عليه ما رواه البخاري (2201)، و (2202)، و (2302)، و (2303)، و (4244)، و (4245)، و (7350)، و (7351)، ومسلم (1593) من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة.
وما رواه البخاري (2312)، ومسلم (1594) من حديث أبي سعبد.
(3) في (د)، و (ط): "أو نحوهما".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(5) في (و): "الرمّاء".
والمذكور قطعة من حديث عند أحمد (2/ 109) عن أبي هريرة مرفوعًا، ومالك في "الموطأ": (كتاب البيوع): (2/ 634) عن عمر قوله: وإسناده صحيح، وسبق تخريجه مفصلًا.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(5/58)

[أنكحة محرمة]
الوجه الحادي والتسعون: أنه أبطل أنواعًا من النكاح الذي يتراضى به الزوجان سدًا لذريعة الزنا؛ فمنها النكاح بلا وليٍّ (1)؛ فإنه أبطله سدًا لذريعة الزنا؛ فإن الزاني لا يعجز أن يقول للمرأة: "أنكحيني نفسك بعشرة [دراهم] " ويشهد عليها رجلين من أصحابه أو غيرهم، فمنعها من ذلك سدًا لذريعة الزنا، ومن هذا تحريم نكاح التحليل الذي لا رغبة للنفس فيه في إمساك المرأة واتخاذها زوجةً بل له وَطَر فيما يقضيه بمنزلة الزاني في الحقيقة وإن اختلفت الصورة (2)، ومن ذلك تحريم نكاح المُتعة الذي يعقد فيه المتمتع على المرأة مدة يقضي وطَرَه منها فيها (3)؛ فحرَّم هذه الأنواع كلها سدًا لذريعة السِّفاح، ولم يبح إلا عقدًا مؤبدًا يقصد فيه كل من الزوجين المُقَامَ مع صاحبه ويكون بإذن الولي وحضور الشاهدين أو ما يقوم (4) مقامهما من الإعلان؛ فإذا تدبرت حكمة الشريعة وتأملتها حق التأمل رأيت تحريم هذه الأنواع من باب سد الذرائع، وهي من محاسن الشريعة وكمالها (5).

[منع المتصدِّق من شراء صدقته]
الوجه الثاني والتسعون (6): أنه منع المتصدق من شراء صدقته ولو وجدها تُباع في السوق (7) سدًا لذريعة العَوْد فيما خرج عنه للَّه ولو بعِوَضِه؛ فإن المتصدق
__________
(1) سبق لفظه، وانظر: "القواعد" لابن رجب (1/ 343)، وتعليقي عليه.
(2) الأحاديث في نكاح التحليل تقدمت مفصلة وانظر: "زاد المعاد" (4/ 5 - 6، 66، 212)، و"إغاثة اللهفان" (2/ 97)، و"تهذيب السنن" (3/ 22 - 23).
وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) انظر نكاح المتعة، ومذاهب الناس فيه، والوقت الذي حُرِّم فيه في "زاد المعاد" (2/ 142 - 143، 183 - 185 و 4/ 6)، و"تهذيب السنن" (3/ 19) فإنه مهم جدًا.
(4) مضروب عليها في (ق) ومثبت بدلها: "يقاوم".
(5) جاء هذا الوجه مكان الوجه السادس والأربعين في (ق) و (ن)، وفي (ك): "الوجه الثالث والتسعون".
(6) في (ك): "الوجه الرابع والتسعون"، وجاء هذا الوجه في (ق) و (ن) مكان الوجه الثالث والسبعون.
(7) رواه البخاري (1489)، و (1490) في (الزكاة): باب هل يشتري صدقته، و (2623) في (الهبة): باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، و (2636) باب إذا حمل رجل على فرس فهو كالعمرى والصدقة، و (2775) في (الوصايا): باب وقف الدواب =
(5/59)

إذا مُنع من تملُّك صدقته بعوضها فتملّكه إياها بغير عوض أشد منعًا وأفْطَمُ للنفوس عن تعلقها بما خرجت عنه للَّه، والصواب ما حكم به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من المنع من شرائها مطلقًا، ولا رَيْبَ أن في تجويز ذلك ذريعة إلى التحيل على الفقير بأن يدفع إليه صدقة ماله ثم يشتريها منه بأقل من قيمتها، ويرى المسكين أنه قد حصل له شيء -مع حاجته- فتسمح نفسه بالبيع، واللَّه عالم بالأسرار؛ فمن محاسن هذه الشريعة الكاملة سد الذريعة ومنع المتصدق من شراء صدقته، وباللَّه التوفيق.
الوجه الثالث والتسعون (1): أنه نهى عن بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها (2)، لئلا يكون ذريعة إلى أكل مال المشتري بغير حق إذا كانت (3) معرَّضة للتلف، وقد يمنعها اللَّه، وأكد هذا الغرض بأن حَكَم للمشتري بالجائحة إذا تلفت بعد الشراء الجائز، كل هذا لئلا يُظلم المشتري ويُؤكل ماله بغير حق (4).

[النهي عن قول لو]
الوجه الرابع والتسعون: أنه نهى الرجل بعد إصابة ما قدر له (5) أن يقول: لو
__________
= والكراع، و (2970) و (2971) في (الجهاد): باب الجعائل والحملان في السبيل، و (3002)، و (3003) باب إذا حمل على فرس فرآها تباع، ومسلم (1620)، و (1621) في (الهبات): باب كراهة شراء الإنسان ما تصدَّق به ممن تصدَّق عليه، من حديث عمر بن الخطاب.
(1) في (ك): "الوجه الخامس والتسعون"، وجاء في (ق) و (ك) هذا الوجه مكان الوجه الرابع والسبعين.
(2) رواه البخاري (1486) في (الزكاة): باب من باع ثماره أو نخله أو أرضه أو زرعه، و (2183) في (البيوع): باب بيع المزابنة، و (2194) باب بيع الثمار قبل بدو صلاحها، و (2199) باب إذا باع الثمار قبل بدو صلاحها معلقًا، و (2247) و (2249) في (السلم): باب السلم في النخل، ومسلم (1534) في (البيوع): باب النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، من حديث ابن عمر رفعه: "لا تبتاعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها".
وفي الباب عن أنس: رواه البخاري (2195)، و (2197) و (2198)، و (2208)، ومسلم (1555)، ولفظه "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن النخل حتى يزهو، قيل: وما الزهو، قال: يحمارّ أو يَصْفارّ".
وعن جابر: رواه البخاري (2189)، و (2196)، و (2381)، ومسلم (1536).
(3) في (ك) و (ق): "إذ كانت".
(4) انظر: "تهذيب السنن" (5/ 154 - 155) و"زاد المعاد" (4/ 262).
(5) في (ن) و (ق): "إذا أصابه ما قدر له".
(5/60)

أني فعلت لكان كذا وكذا، وأخبر أن ذلك ذريعة إلى عمل الشيطان (1)، فإنه لا يُجْدي عليه إلا الحُزْن والنَّدَم وضيقة الصدر والتسخط (2) على المقدور واعتقاد أنه كان يمكنه دفع المقدور لو فعل ذلك، وذلك يُضعف رضاه وتسليمه وتفويضه وتصديقه بالمقدور وأنه ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن، وإذا أعرض القلب عن هذا انفتح له عملُ الشَيطان، وما ذاك لمجرد لفظ "لو"، بل لما قارنها من الأمور القائمة بقلبه المنافية لكمال الإيمان الفاتحة لعمل الشيطان، بل أرشد العبد في هذه الحال إلى ما هو أنفع له وهو الإيمان بالقَدَر والتفويض والتسليم للمشيئة الإلهية وأنه ما شاء اللَّه كان ولا بد؛ فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط، فصلوات اللَّه وسلامه على مَنْ كلامه شفاء للصدور ونور للبصائر وحياة للقلوب وغذاء للأرواح، [وعلى آله] (3)؛ فلقد أنعم به على عباده أتم نعمة، ومَنَّ عليهم به أعظم منة؛ فلله النعمة وله المنة وله الفضل وله الثناء الحسن (4).

[النهي عن طعام المتبارِيَيْن]
الوجه الخامس والتسعون (5): أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن طعام المُتبَارِيَيْنِ (6)، وهما
__________
(1) رواه مسلم في "صحيحه" (2664) في (القدر): باب في الأمر بالقوة وترك العجز، من حديث أبي هريرة.
(2) كذا في (ك) و (ق) وفي سائر الأصول: "والسخط".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(4) في (ق) و (ك): "والفضل" بدل "وله الفضل" وجاء هذا الوجه مكان الوجه الحادي عشر في (ن) و (ق)، وفي (ك): "الوجه السادس والتسعون".
(5) في (ك): "الوجه السابع والتسعون" وجاء هذا الوجه مكان الوجه السبعين في (ق) و (ن).
(6) الحديث يرويه الزبير بن خِرِّيت قال: سمعت عكرمة عن ابن عباس، ورواه عن الزبير جريرُ بن حازم، واختلف عنه.
فرواه زيد بن أبي الزرقاء عنه به مرفوعًا:
أخرجه أبو داود (3754) في (الأطعمة): باب في طعام المتباريين، والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 274).
وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
وتابعه ابن المبارك.
أخرجه: ابن عدي (2/ 509 و 551)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (6067) من طريق بقية: حدثني ابن المبارك به.
وبقية صرح بالتحديث، قال ابن عدي: وهذا الحديث الأصل فيه مرسل، وما أقل من أوصله، وممن أوصله بقية عن ابن المبارك عن جرير بن حازم. وقد أعله بالإرسال أيضًا =
(5/61)

الرجلان يقصد كل منهما مباراة الآخر ومباهاته، إما في التبرعات كالرجلين يصنعُ كلٌّ منهما دعوة يفتخر بها على الآخر ويباريه بها، وإما في المعاوضات كالبائعين (1) يُرْخِصُ كل منهما سلعته لمنع الناس من الشراء من صاحبه، ونص الإمام أحمد على كراهية الشراء من هؤلاء، وهذا النهي يتضمن سد الذريعة من وجهين:
أحدهما: أن تسليط النفوس على الشراء منهما وأكل طعامهما تفريحٌ لهما وتقوية لقلوبهما وإغراء لهما على فعل ما كره اللَّه ورسوله.
والثاني: أن تَرْك الأكل من طعامهما ذريعة إلى امتناعهما وكفِّهما عن ذلك.

[أهل السبت]
الوجه السادس والتسعون: (2) أنه تعالى عاقب الذين حفروا الحفائر يوم الجمعة فوقع فيها السمك يوم السبت فأخذوه يوم الأحد ومَسَخَهم [اللَّه] (3) قَرَدة
__________
= أبو داود حيث قال: أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس.
قلت: عرفت من وصله وهما ثقتان.
وقد تابع جرير بن حازم هارون بن موسى النحوي:
أخرجه الطبراني في "الكبير" (11942)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 128 - 129)، من طريقين عنه به.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، فإن رجاله كلهم ثقات.
وهذا يؤيد رواية الوصل، ويؤكد صحتها، وتابعه أيضًا عبد اللَّه بن عبد اللَّه:
وأخرجه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (1/ 222) به.
وخالف الزبير بن خريت، عاصمُ بن هلال فرواه عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس.
أخرجه من طريقه ابن عدي (5/ 1874)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (3/ 240).
وقال ابن عدي: وهذه الأحاديث عن أيوب بهذا الإسناد ليست محفوظة.
وقال عن عاصم: وعامة ما يرويه ليس يتابعه عليه الثقات.
وله شاهد من حديث أبي هريرة: رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (6068) من طريق معلّى بن أسد عن علي بن الحسن عن أبي حمزة السكري عن الأعمش عن أبي صالح عنه مرفوعًا: "المتباريان لا يجابان، ولا يؤكل طعامهما"، قال الإمام أحمد: يعني المتعارضين بالضيافة فخرًا أو رياءً، وسنده صحيح.
(1) في (ن) و (ك): "كالمتبايعين"!
(2) في (ك): "الوجه الثامن والتسعون" وفي (ق) و (ن) جاء مكان الوجه الحادي والسبعين.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5/62)

وخنازير، وقيل: إنهم نَصَبُوا الشباك يوم الجمعة وأخذوا الصيد يوم الأحد، وصورة الفعل الذي فعلوه مخالف لما نُهُوا عنه، ولكنهم لما جعلوا الشباك والحفائر ذريعةً إلى أخذ ما يقع فيها من الصيد يوم السبت نُزلُوا منزلة من اصطاد (1) فيه؛ إذ صورة الفعل لا اعتبار بها، بل بحقيقته (2) وقَصْد فاعله، ويلزم من لم يسدَّ الذرائع أن لا يحرم مثل هذا كما صرحوا به في نظيره سواء، وهو لو نصب قبل الإحرام شَبَكة فوقع فيها صيدٌ وهو مُحرم جاز له أخذه بعد الحل، وهذا جارٍ على قواعد من لم يعتبر المقاصد ولم يسد الذرائع.

[النهي عن كلِّ بيع يعين على معصية]
الوجه السابع والتسعون (3): قال الإمام أحمد رضي اللَّه عنه: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع السلاح في الفتنة (4)، ولا ريب أن هذا سد لذريعة الإعانة
__________
(1) في (ق): "صاد" وفي (ك): "أصاد".
(2) في (ن) و (ق): "الحقيقة".
(3) في (ك): "الوجه التاسع والتسعون" وجاء في (ق) و (ن) مكان الوجه الثاني والسبعين.
(4) رواه العقيلي في "الضعفاء" (4/ 139)، والبزار (3333 - زوائده)، والطبراني في "الكبير" (18/ رقم 286)، وابن عدي (2/ 483) والداني في "الفتن" (رقم 150)، والبيهقي (5/ 327) وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (2/ 89) من طريق بحر بن كنيز السقاء عن عبد اللَّه اللقيطي عن أبي رجاء عن عمران بن حصين مرفوعًا به.
وعزاه في "المطالب العالية" (4/ 274 رقم 4424) إلى أحمد بن منيع في "مسنده". وقال البزار: لا نعلمه يروي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا عمران، وبحر بن كنيز ليس بالقوي، واللقيطي ليس بمعروف، وقد رواه سلم (وفي مطبوعه: (مسلم) وهو خطأ، وتصويبه من "تهذيب الكمال" (11/ 222) و"تبصير المنتبه" (2/ 642)) ابن زرير عن أبي رجاء عن عمران موقوفًا.
وبحر بن كنيز قال يحيى: ليس بشيء لا يكتب حديثه، وقال البخاري: ليس بقوي عندهم، وقال النسائي والدارقطني: متروك.
وقال ابن عدي: والضعف على حديث بيّن، وقال البيهقي بعد روايته: ضعيف لا يحتج به، وقال الهيثمي (4/ 87 و 108 و 7/ 290): بحر بن كنيز متروك.
ورواه محمد بن مصعب القَرْقَساني عن أبي: الأشهب عن أبي رجاء عن عمران مرفوعًا به.
أخرجه ابن عدي (6/ 2269)، -ومن طريقه البيهقي (5/ 327) وابن حجر في "تغليق التعليق" (3/ 225) - والعقيلي (4/ 139)، والخطيب (3/ 278)، نقل العقيلي، وابن عدي عن ابن معين إنكاره على القرقساني هذا الحديث، وقال: أنّى لمحمد بن مصعب هذا يروونه عن أبي رجاء قوله: ثم قال: لم يكن من أصحاب الحديث. =
(5/63)

على المعصية، ويلزم من لم يسد الذرائع أن يجوِّز هذا البيع كما صرحوا به، ومن المعلوم أن هذا البيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان، وفي معنى هذا كل بيع أو إجارة أو معاوضة تُعين على معصية اللَّه تعالى كبيع السلاح للكفار والبُغَاة وقُطَّاع الطريق، وبيع الرقيق لمن يفسق به أو يؤاجره لذلك، أو إجارة داره أو حانوته أو خانه لمن يقيم فيها سوق المعصية، وبيع الشمع أو إجارته لمن يعصي اللَّه عليه، ونحو ذلك مما هو إعانة على ما يبغضه اللَّه ويسخطه، ومن هذا عَصْر (1) العنب لمن يتخذه خمرًا وقد لعنه رسول اللَّه هو والمعتصر معًا (2)، ويلزم من لم يسد الذرائع أن لا يلعن العاصر، وأن يُجوِّز له أن يعصر العنب لكل أحد، ويقول: القصد غير معتبر في العقد، والذرائع غير معتبرة، ونحن مطالبون بالظواهر (3)، واللَّه يتولى السرائر، وقد صرَّحوا بهذا، ولا ريب في التنافي بين هذا وبين سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

[النهي عن الخروج على الأئمة]
الوجه الثامن والتسعون: نهيه عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة -وإن ظلموا أو جاروا- ما أقاموا الصلاة (4)، سدًا لذريعة الفساد العظيم والشر الكثير بقتالهم كما هو الواقع؛ فإنه حَصَل بسبب قتالهم والخروج عليهم [من الشرور] (5) أضعاف أضعاف ما هم عليه، والأمةُ في بقايا تلك الشرور إلى الآن، وقال: "إذا
__________
= وقال البيهقي: "رفعه وهم والموقوف أصح ويروى ذلك عن أبي رجاء من قوله"، وكذا قال ابن معين نقله عنه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/ 103)، وعلّق البخاري في "صحيحه" - (4/ 322 - مع الفتح) الموقوف، في (البيوع): باب بيع السلاح في الفتنة وغيرها.
وضعفه ابن حجر في "الفتح" (4/ 323) وقال في "التلخيص" (4/ 18): وهو ضعيف، والصواب وقفه، وكذا في "التغليق" (3/ 226 - 227) وعزاه لابن أبي عاصم في "البيوع" مرفوعًا وأسنده من طريق زاهر بن طاهر مرفوعًا.
(1) في (ك): "عصير".
(2) سبق تخريجه.
(3) كذا في (ق) وفي سائر الأصول: "في الظواهر".
(4) في هذا الباب أحاديث منها:
حديث أم سلمة: رواه مسلم (1854) في (الإمارة): باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلوا.
وحديث عوف بن مالك: رواه مسلم أيضًا (1855) في باب خيار الأئمة وشرارهم.
(5) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(5/64)

بُويع الخليفتان فاقتلوا الآخر منهما" (1) سدًا لذريعة الفتنة (2).

[لِمَ جمع عثمان المصحفَ على حرف واحد]
الوجه التاسع والتسعون: جَمْع عثمان المصحف على حرف واحد من الأحرف السبعة (3) لئلا يكُون ذريعة إلى اختلافهم في القرآن، ووافقه على ذلك الصحابة -رضي اللَّه عنهم- (4).
ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لأسماء اللَّه الحسنى التي مَنْ أحصاها دخل الجنة (5)، تفاؤلًا بأنه من أحصى هذه الوجوه وعلم أنها من الدين وعمل بها دخل الجنة؛ إذ قد يكون قد اجتمع له معرفة أسماء الرب تعالى ومعرفة أحكامه، وللَّه وراء ذلك أسماء وأحكام (6).
__________
(1) رواه مسلم (1853) في (الإمارة): باب إذا بويع لخليفتين، من حديث أبي سعيد الخدري.
(2) سقط هذا الوجه بتمامه من (ك).
(3) في هذا حديث أنس بن مالك، وفي قول عثمان للَّجنة التي كُلِّفت بجمع القرآن: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزَلَ بلسانهم" رواه البخاري (4984) في فضائل القرآن: باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب، و (4987) باب جمع القرآن.
(4) سقط هذا الوجه بتمامه من (ك).
(5) يشير إلى حديث: "إن للَّه تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة".
رواه مسلم (2677) في (الذكر والدعاء): باب في أسماء اللَّه تعالى وفضل من أحصاها، من حديث أبي هريرة.
وفصلت في تخريج طرقه على وجه يكاد يكون فيه استيعاب في تعليقي على جزء أبي نعيم المفرد في طرق هذا الحديث.
قال (و): "إن للَّه أسماء حسنى أكثر من التسعة والتسعين، ومعنى الحديث: أن هذه تختص بذلك، ومعنى إحصائها: تدبرها والعمل بما توجبه، لا كما يزعم نعقة المقابر والموالد والدروشة من أن ترديدها يدخل الجنة، ولم يذكر ابن تيمية غير ثلاثين مثالًا لسد الذرائع دخلت هنا كلها ما عدا مسألة واحدة هي أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة لئلا يكون من ذريعة إلى قول الناس: إن محمدا -صلى اللَّه عليه وسلم- يقتل أصحابه؛ لأن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه، وممن لم يدخل فيه، وهذا النفور حرام. (ص 258 ج 3 فتاوى) " اه.
(6) نعم، للَّه تعالى أسماء أكثر من هذه التسعة والتسعين، فإنها لا تعد ولا تحصى، لا يعلمها إلا اللَّه تعالى؛ دليل ذلك ما صح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك. . . ". =
(5/65)

[باب قيمة سدّ الذرائع]
وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف؛ فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان (1)؛ أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المَفْسَدة، فصار (2) سد الذرائع المُفْضِية إلى الحرام (3) أحد أرباع الدين.

فصل [تجويز الحيل يناقض سد الذريعة]
وتجويزُ الحِيَل (4) يُنَاقض سدَّ الذرائع مُنَاقَضَةً ظاهرةً؛ فإن الشارع يَسُدُّ الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة (5)، فأين مَنْ يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرَّم إلى مَنْ يعمل الحيلة في التوصل إليه؟
فهذه الوجوه الذي ذكرناها وأضعافُها تدل على تحريم الحِيَل والعمل بها والإفتاء بها في دين اللَّه (6)، ومن تأمل أحاديث اللَّعْن وجد عامتها لمن استحل
__________
= والحديث أخرجه أحمد (1/ 391)، وصححه شيخنا الألباني في "تخريج الكلم الطيب" (ص 73)، والشاهد: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أخبر أن أسماءه سبحانه ثلاثة أقسام: الأول: ما علَّمه اللَّه تعالى لمن شاء من خلقه؛ سواء الملائكة أو غيرهم، ولم ينزله اللَّه تعالى في كتابه الكريم.
والثاني: قسم أنزله اللَّه سبحانه في كتابه فعرفناه به.
والثالث: قسم استأثر اللَّه عز وجل به عنده في علم غيبه، لم يطلع عليه أحدًا من خلقه، فهذا القسم الأخير انفرد اللَّه تعالى بعلمه، فدل الحديث على أن أسماء اللَّه تعالى أكثر من التسعة والتسعين اسمًا.
وانظر -إن شئت-: "مجموع الفتاوى" (6/ 379 - 382) لشيخ الإسلام، و"بدائع الفوائد" (1/ 166 - 167) للمؤلف، وتقديمي لجزء أبي نعيم "طرق حديث إن للَّه تسعة وتسعين اسمًا".
(1) في تسمية الأوامر تكليف انظر: "مدارج السالكين" (1/ 91)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 132) مهم جدًا.
(2) في (ن): "فكان".
(3) في (ق) و (ك): "المحرم".
(4) "عرّف ابن تيمية الحيلة بقوله: أن يسقط الواجب أو يحل الحرام بفعل لم يقصد به ما جُعل ذلك الفعل له أو شُرع" (و).
(5) في (ك): "بكل حيلة".
(6) في (ك) و (ق): "والافتاء في دين اللَّه بها".
(5/66)

محارم اللَّه، أو أسقط (1) فرائضه بالحيل، كقوله: "لَعَن اللَّه المحلل والمحلل له" (2)، "لعن اللَّه اليهود، حُرِّمَتْ عليهم الشحومُ فَجَمَلَوها وباعوها وأكلوا ثمنها" (3)، "لعن اللَّه الراشي والمرتشي" (4)، "لعن اللَّه آكل الربا ومُوكِلَه وكاتبه وشاهده" (5)، ومعلوم أن الكاتب والشاهد إنما يكتب ويشهد على الربا المحتال عليه ليتمكن من الكتابة والشهادة بخلاف ربا المجاهرة الظاهر (6)، ولعن في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها (7)، ومعلوم أنه إنما عصر عنبًا، ولعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة (8)، وقَرَنَ بينهما وبين آكل الربا وموكله، والمحلل والمحلل له (9)، في
__________
(1) في (د): "وأسقط".
(2) سبق تخريجه.
(3) سبق تخريجه قريبًا.
(4) أخرجه الترمذي في "الجامع" (أبواب الأحكام): باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم (3/ 623/ رقم 1337)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الأقضية): باب كراهية الرشوة (3/ 300/ رقم 3580) وابن ماجه في "السنن" (كتاب الأحكام): باب التغليظ في الحيف والرشوة (2/ 775/ رقم 2313)، وأحمد في "المسند" (2/ 164، 190، 194، 212) والطيالسي في "المسند" (رقم 2276)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 102 - 103)، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 585)، والطبراني في "الصغير" (1/ 28)، والدارقطني في "العلل" (4/ 275)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 138 - 139)، والبغوي في "شرح السنة" (1/ 87 - 88/ رقم 2493) من حديث عبد اللَّه بن عمرو بإسناد صحيح.
وفي الباب عن أبي هريرة، أخرجه الترمذي في "الجامع" (3/ 622/ رقم 1336)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 103)، وابن حبان في "الصحيح" (رقم 1196 - موارد)، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 585).
وعن أم سلمة عند الطبراني بلفظ: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لعن الراشي والمرتشي في الحكم، وإسناده جيد؛ كما في "الترغيب والترهيب" (3/ 143).
(5) سبق تخريجه.
(6) في (و) و (ق) و (ك): "ربا المجاوره الظاهر"، وقال (د): "في عامة الأصول: "ربا المجاورة الظاهر" ونعتقد أنه تحريف ما أثبتناه".
(7) سبق تخريجه.
(8) "الواصلة: التي تصل شعرها بشعر آخر زور، والمستوصلة: التي تأمر من يفعل بها ذلك، وروي عن عائشة أنها قالت: ليست الواصلة بالتي تعنون، ولا بأس أن تعري المرأة عن الشعر، فتصل قرنًا من قرونها بصوف أسود، وإنما الواصلة التي تكون بغيًا في شبيبتها، فإذا أسنَّتْ وصلتها بالقيادة.
والواشمة: صانعة الوشم، والمستوشمة أو الموتشمة: هي التي يفعل بها ذلك" (و).
(9) مسألة التحليل في النكاح انظرها في "زاد المعاد" (4/ 5 - 6، 66، 212)، و"إغاثة اللهفان" (2/ 97)، و"تهذيب السنن" (3/ 22 - 23).
(5/67)

حديث ابن مسعود (1)، وذلك للقدر المشترك بين هؤلاء الأصناف وهو التدليس والتلبيس؛ فإن هذه تُظْهر من الخِلقْة ما ليس فيها، والمحلل يظهر من الرَّغْبة ما ليس عنده، وآكل الربا يستحله بالتدليس والمخادعة فيُظهر من عَقْد التبايع ما ليس له حقيقة، فهذا يستحل الربا بالبيع، وذاك يستحل الزنا باسم النكاح، فهذا يفسد الأموال، وذاك يفسد الأنساب، وابن مسعود هو راوي هذا الحديث، وهو راوي حديث: "ما ظهر الزنا والربا في قوم إلا أحلّوا بانفسهم العقاب" (2) واللَّه تعالى مسخ الذين استحلَّوا محارمه بالحيل قردَةً وخنازير جزاء من جنس عملهم؛ فإنهم لما مسخوا شَرْعه وغيَّروه عن وجهه مسخ وجوههم وغيرها عن خلقتها، واللَّه سبحانه وتعالى ذم أهل الخِدَاع والمكر، ومن يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وأخبر أن المنافقين يُخادعون اللَّه (3) وهو خادعُهم، وأخبر عنهم بمخالفة ظواهرهم لبواطنهم وسرائرهم لعلانيتهم وأقوالهم لأفعالهم، وهذا شأن أرباب الحيل المحرمة، وهذه الأوصاف منطبقة عليهم؛ فإن المخادعة هي الاحتيال والمراوغة
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 402)، وأبو يعلى (4981)، ومن طريقه ابن حبان (4409) من طريق شربك عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود عن أبيه مرفوعًا به، وعند أحمد وأبي يعلى زيادة في أوله.
قال الهيثمي (4/ 118): "وإسناده جَيِّد"!
قلت: أنّى له الجودة، وفيه شريك، وهو القاضي سيء الحفظ، وقد اختلف فيه.
فرواه سلام بن سليم عن سماك عن عبد الرحمن عن أبيه قوله: "إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن بهلاكها".
أخرجه ابن أبي الدنيا في "العقوبات" (9)، وهذا أشبه.
ورواه عمرو بن أبي قيس عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
أخرجه الطبراني في "الكبير" (460) من طريق علي بن هاشم بن مروزق عن أبيه عنه به.
قال الهيثمي في "المجمع" (4/ 118): هاشم بن مروزق لم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات.
وهاشم هذا وثقه أبو حاتم.
ورواه عمرو بن أبى قيس أيضًا عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس.
أخرجه الحاكم (2/ 37) من طريق محمد بن سعيد بن سابق عنه به مرفوعًا، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، مع أن رواية سماك عن عكرمة مضطربة!
(3) في (ك) و (ق): "يخادعونه".
(5/68)

بإظهار أمر جائز ليتوصل به إلى أمر محرم يبطنه (1)، ولهذا يقال: "طريق خَيْدَع" إذا كان مخالفًا للقصد لا يُفطن له، ويقال للسراب: "الخيدع" لأنه يخدع من يَرَاه ويغرّه وظاهره خلاف باطنه، ويقال للضب: "خادع" وفي المثل: "أخدَعُ من ضَبٍّ" لمراوغته (2)، ويقال: "سوق خادعة" أي متلونة، وأصله الاختفاء والستر، ومنه "المَخْدَع" في البيت؛ فوزان بين قول القائل: آمنا باللَّه وباليوم الآخر، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، إنشاءًا للإيمان وإخبارًا به، وهو غير مبطن لحقيقة هذه الكلمة ولا قاصدٍ له ولا مطمئنٍ به، وإنما قاله متوصلًا به (3) إلى أمْنه وحَقْن دمه أو نَيْل غرض دنيوي، وبين قول المرابي: بعتك هذه السلعة بمئة، وليس لواحدٍ منهما غرض فيها بوجه [من الوجوه] (4)، وليس مبطنًا لحقيقة هذه اللفظة، ولا قاصدًا له ولا مطمئنًا به، وإنما تكلم بها متوسلًا (5) إلى الربا، وكذلك قول المحلِّل: تزوجتُ هذه المرأة، أو قَبِلتُ هذا النكاح، وهو غير مبطن لحقيقة النكاح، ولا قاصدٍ له ولا مريدٍ أن تكون زوجَتَه بوجه، ولا هي مريدة لذلك ولا الولي، هل تجد بينهما فرقًا في الحقيقة أو العُرْفِ؟ فكيف يُسمَّى أحدهما مخادعًا دون الآخر، مع أن قوله: بعتُ واشتريتُ واقترضتُ وأنكحتُ وتزوجتُ غير قاصد به انتقالَ الملك الذي وُضِعتْ له هذه الصيغة ولا ينوي النكاح الذي جعلت (6) له هذه الكلمة بل قَصْدُه ما ينافي مقصود العقد أو أمر آخر خارج عن أحكام العقد -وهو عود المرأة إلى زوجها المطلِّق، وعود السلعة إلى البائع- بأكثر من ذلك الثمن بمباشرته لهذه الكلمات التي جُعلت لها حقائق ومقاصد مظهرًا لإرادة حقائقها ومقاصدها ومبطنًا لخلافه؛ فالأول نفاق في أصل الدين، وهذا نفاق في فروعه، يوضح ذلك ما ثبت عن ابن عباس رضي اللَّه عنه أنه جاءه رجل فقال: إن
__________
(1) انظر: "لسان العرب" (2/ 1113) مادة (خ د ع)، و"معجم مقاييس اللغة" (1/ 279) لابن فارس.
(2) قال (و): "يضرب لمن تطلب إليه شيئًا وهو يروغ إلى غيره.
قال الشاعر:
وأخدع من ضب إذا جاء حارش ... أعد له عند الذنابة عقربا
وذلك أن بيت الضب لا يخلو من عقرب لما بينهما من الألفة". اه.
قلت: انظر: "مجمع الأمثال" (1/ 260/ 1373) للميداني.
(3) في المطبوع: "متوسلًا به".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ق): "متوصلًا".
(6) في (ن) و (ق): "وضعت".
(5/69)

عمِّي طلق امرأته ثلاثًا، أيحلها له رجل؟ فقال: مَنْ يخادع اللَّه يخدعه (1)، وصح عن أنس و [عن] (2) ابن عباس أنهما سُئلا عن العِينَةِ، فقالا: إن اللَّه لا يُخْدَع، هذا مما حرَّم اللَّه ورسوله (3)، فسمَّيا ذلك خِداعًا، كما سَمَّى عثمان وابن عمر نكاحَ المحلِّل [نِكاح] (4) دلسة (5)، وقال أيوب السختياني في أهل الحِيل: يُخادعون اللَّه كأنما يُخادِعون الصبيان، فلو أتوا الأمر عيانًا كان أهون عليَّ (6)، وقال شريك بن عبد اللَّه القاضي في "كتاب الحيل" (7): هو كتاب المخادعة.

[دليل تحريم الحيل]
وتلخيص هذا أن الحيل المحرَّمة مُخَادعة للَّه، ومخادعة اللَّه حرام: أما المقدمة الأولى فإن الصحابة والتابعين -وهم أعلم الأمة بكلام اللَّه ورسوله ومعانيه- سَمَّوْا ذلك خداعًا، وأما الثانية فإن اللَّه ذم أهل الخداع، وأخبر أن
__________
(1) مضى تخريجه.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) ذكره المؤلف -رحمه اللَّه- وعزاه لمُطَيَّن في كتابه "البيوع".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) أما تسمية عثمان لنكاح التحليل نكاح دلسة فقد رواه البيهقي في "سننه الكبرى" (7/ 208 - 209) من طريق أبي الأسود ومُعَلّى عن ابن لهيعة عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عنه.
وسليمان بن يسار الهلالي لم يسمع من عثمان بن عفان.
وأبو الأسود هو النضر بن عبد الجبار، ذكر بعضهم أن حديثه عن ابن لهيعة قبل اختلاطه، وذكره ابن حزم في "المحلى" (10/ 181) من طريق آخر عن عثمان وفيه انقطاع أيضًا، وأبو مرزوق التجيبي، لم يسمع من عثمان، وفيه راوٍ لم يعرف بجرح ولا تعديل.
وأما ابن عمر فلم أجد أنه سماه نكاح دلسة.
وقد وجدت عنه أنه سمّاه سفاحًا كما تقدم في قوله: كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وانظر "المستدرك" (2/ 199).
وروى عبد الرزاق (10776)، والبيهقي (7/ 208) من طريق معمر عن الزهري عن عبد الملك بن المغيرة قال: سئل ابن عمر عن تحليل المرأة لزوجها فقال: ذاك السفاح، ورواته ثقات.
قال (و): "والمؤلف ينقل عن شيخه ابن تيمية، انظر (ص 110 وما بعدها ج 3 فتاوى) " اه.
قلت: وانظر: "بيان الدليل" (ص 62 - 64, 283 فما بعدها) لشيخ الإسلام رحمه اللَّه تعالى.
(6) مضى تخريجه، وهو عند البخاري في "صحيحه" تعليقًا.
(7) انظر عنه لزامًا كتابي: "كتب حذر منها العلماء" (1/ 179 - فما بعد).
(5/70)

خداعهم إنما هو لأنفسهم، وأن في قلوبهم مرضًا، وأنه سبحانه خادعُهم، وكل هذا عقوبة لهم، ومدار الخداع على أصلين:
أحدهما: إظهار فعل لغير مقصوده الذي جُعِلَ له.
الثاني: إظهار قول لغير مقصوده الذي وضع له، وهذا منطبق على الحيل المحرمة، وقد عاقب اللَّه سبحانه المتحيّلين على إسقاط نصيب المساكين وقت الجداد بجد (1) جنَّتهم (2) عليهم وإهلاك ثمارهم، فكيف بالمتحيّل على إسقاط فرائض اللَّه وحقوق خلقه؟ ولَعَن أصحاب السَّبْت ومَسَخهم قردة وخنازير على احتيالهم على فعل ما حرمه عليهم.

[عن أصحاب السبت]
قال الحسن البصري في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} [البقرة: 65] قال: رَمَوُا الحيتان في السبت، ثم أرجؤوها في الماء، فاستخرجوها بعد ذلك، فطبخوها فأكلوها (3) واللهِ أوْخَمَ أكلَةٍ، أكلَةً أسْرَعُهُ (4) في الدنيا عقوبة وأسرعه عذابًا في الآخرة، واللَّه ما كانت لحوم الحيتان تلك أعظم (5) عند اللَّه من دماء قوم مسلمين، [إلا] أنه عَجَّلَ لهؤلاء وأخَّر لهؤلاء (6).
وقوله: "رموها في السبت" يعني احتالوا على وقوعها في الماء يوم السبت كما بيَّن غيرُه أنهم حَفَرُوا لها حياضًا ثم فتحوها عشية الجمعة، [أو أنه أراد أنهم رموا الحبايل يوم السبت، ثم أخروها في الماء إلى يوم الأحد، فاستخرجوها بالحيتان يوم الأحد] (7) ولم يرد أنهم باشَرُوا رميها يوم السبت؛ إذ لو اجترءوا على ذلك
__________
(1) في (د)، و (ط) و (ك): "بحد" بحاء.
(2) في (ق): "جهنم" وفوقها "كذا".
(3) في (و): "فأكلوها [فأكلوا] وقال: "عن ابن تيمية الذي ينقل عنه المؤلف (ص 711 ج 3 فتاوى).
قلت: في "بيان الدليل" (ص 74 - تحقيق فيحان المطيري): "فأكلوها"، وقال المعلق عليها: في (م) فأكلوا، وفي (ق) فأكلوها فأكلوا".
(4) كذا في (ك) و (ق) في هذا الموطن والذي يليه وهي مجودة في الأخيرة، وفي سائر الأصول: "أسرعت".
(5) في (ك) و (ق): "تلك الحيتان باعظم".
(6) انظر: "جامع البيان" (2/ 171) للطبري، "التفسير الكبير" (3/ 117، 15/ 39، 42)، "الجامع لأحكام القرآن" (7/ 306) (1/ 439)، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(7) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل" (ص 74)، والمصنف -رحمه اللَّه- ينقل نقلًا حرفيًا عن ابن تيمية، ويتصرف أحيانًا.
(5/71)

لاستخرجوها، قال شيخنا (1) رضي اللَّه عنه: وهؤلاء لم يكفروا بالتوراة وبموسى (2)، وإنما فعلوا ذلك تأويلًا واحتيالًا ظاهرُهُ ظاهرُ الاتقاء وحقيقتُه حقيقةُ الاعتداء، ولهذا -واللَّه أعلم- مُسِخوا قِردةً لأن صورة القرد فيها شبه من صورة الإنسان، وفي بعض ما يذكر من أوصافه شبه منه، وهو مخالف له في الحد والحقيقة، فلما مَسَخَ أولئك المعتدون دينَ اللَّه بحيث لم يتمسكوا إلا بما (3) يشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته مَسَخهم اللَّه قردة تشبه الإنسان في بعض ظاهره دون الحقيقة، جزاءً وفاقًا.
يقوي ذلك أن بني إسرائيل أكلوا الربا و [أكلوا] (4) أموالَ الناس بالباطل [كما قصَّهُ اللَّه في كتابه] (5)، وهو أعظم من أكل الصيد [المحرَّم] (4) في يوم بعينه، [ألا ترى أن ذلك حرام في شريعتنا -أيضًا- والصيد في السبت ليس حرامًا علينا؟ ثم إن أَكَلة الربا وأموال الناس بالباطل لم يعاقبوا] (6) بالمسخ كما عُوقب به من استحلَّ الحرام بالحيلة [وإنما عوقبوا بشيء آخر من جنس عقوبات غيرهم، فيشبه -واللَّه أعلم- أن يكون هؤلاء] (7) لما كانوا أعظم جرمًا [كانت عقوبتهم أعظم] (8)، فإنهم بمنزلة المنافقين [يفعلون ما يفعلون] (9) و [هم] (10) لا يعترفون
__________
(1) في "بيان الدليل" (ص 76)، ونقل منه بشيء من التصرف في بعض الألفاظ، غضضت الطرف عنها لكثرتها، وأثبتُّ كل ما سقط، واللَّه المستعان.
(2) الذي في "بيان الدليل": "ومعلوم أنهم لم يستحلوا تكذيبًا لموسى -عليه السلام-، وكفرًا بالتوراة، وإنما هو استحلال تأويل واحتيال. . . إلخ"، وكذا علّق (و)، وعزاه إلى "الفتاوى الصغرى" (3/ 81)، وفي (ك): "وموسى" بدل "وبموسى".
(3) في (ق): "ببعض ما".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من نسخ "الإعلام"، عدا (و) فأثبته، وقال: "ما بين القوسين عن المصدر السابق؛ فهو ينقل عنه بلفظه".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من نسخ "الإعلام"، عدا (و) فأثبته، وعلّق عليه التعليق السابق، وابن القيم -رحمه اللَّه- لشير إلى قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 160، 161].
(6) بدل ما بين المعقوفتين من نسخ "الإعلام" جميعها: "ولم يعاقب أولئك"، وعلق عليها (و) قائلًا: "يعني أكلة الربا وأكلة أموال الناس بالباطل" اه.
(7) بدل ما بين المعقوفتين في جميع نسخ الإعلام: "لأن هؤلاء".
(8) ما بين المعقوفتين سقطت من نسخة "بيان الدليل" المحققة!!
(9) ما بين المعقوفات سقطت من نسخة "بيان الدليل" المحققة!!
(10) ما بين المعقوفتين سقط من نسخ "الإعلام".
(5/72)

بالذنب بل [قد] (1) فسدت عقيدتهم وأعمالهم، [كما قال أيوب السختياني: "لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون عليّ"، كانت عقوبتهم أغلظ من عقوبة غيرهم، فإن] (2) مَنْ أكل الربا [وأموال الناس (بالباطل)] (3) والصيد المحرم عالمًا [بأنه حرام فقد اقترن] (4) بمعصيته اعترافُه بالتحريم (5) وخشيته للَّه واستغفاره وتوبته يومًا ما، واعترافه بأنه مذنب عاصٍ، وانكسار قلبه من ذل المعصية، وازدراؤه (6) على نفسه، ورجاؤه لمغفرة ربه له، وعد نفسه من (7) المذنبين الخاطئين، وهذا كله إيمان يُفْضِي بصاحبه إلى خير، بخلاف الماكر المخادع المحتال على قلب دين اللَّه، ولهذا حَذَّر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمته من ارتكاب الحيل فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم اللَّه بأدنى الحيل" (8) وقد أخبر اللَّه تعالى أنه جعل هذه القرية أو هذه الفعلة التي فعلها بأهلها: {نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66] (9).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) بدل ما بين المعقوفتين في جميع نسخ "الإعلام": "بخلاف".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من نسخة "بيان الدليل" المحققة وما بين القوسين سقط من (ك) و (ق).
(4) بدل ما بين المعقوفتين في جميع نسخ "الإعلام" و (ن): "بتحريمه فإنه يقترن".
(5) إلى هنا كان نقل ابن القيم بتصرف يسير كما رأيت، وبعد ذلك نقل بالمعنى عن شيخه، فانظر: "بيان الدليل" (ص 77 - 78).
(6) في (ن) و (ق): "إزراؤه".
(7) في (ن) و (ك) و (ق): "مع".
(8) رواه ابن بطة في جزء "إبطال الحيل" (ص 46 - 47): حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن سلم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني: حدثنا يزيد بن هارون: حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا به.
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (1/ 111 - دار المعرفة): هذا إسناد جيّد، وأحمد بن مسلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح، وذكر مثله (2/ 268) وزاد: ويصحح الترمذي بهذا الإسناد كثيرًا.
قلت: أحمد بن محمد هذا في المطبوع ابن سلم وسواء ابن سلم أو ابن مسلم فلم أعثر على ترجمته، لا في "تاريخ الإسلام" للذهبي، ولا في غيره.
والحديث قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في إبطال الحيل، (3/ 23 - 24 - من مجموع الفتاوى): "وهذا إسناد جيّد، يصحح مثله الترمذي وغيره تارة، ويحسنه تارة", وحسنه أيضًا (3/ 287)، وجوّده المصنف في "إغاثة اللهفان" (1/ 384).
وانظر: "غاية المرام" (رقم 11)، و"إرواء الغليل" (5/ 375/ رقم 1535).
(9) قال (و): "انظر ص 118 وما بعدها المصدر السابق، وقد تصرف ابن القيم في بعض ما نقل" اه.
(5/73)

[التحذير من استحلال محارم اللَّه بالحيل]
فحقيقٌ بمن اتقى اللَّه وخاف نَكَالَه أن يَحْذَر استحلالَ محارم اللَّه بأنواع المكر والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من اللَّه ما أظهره مكرًا وخديعة من الأقوال والأفعال، وأن يعلم أن للَّه يومًا تَكَعُّ فيه الرجال، وتنسف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتبلى فيه السرائر، وتظهر فيه الضمائر، ويصير الباطل فيه ظاهرًا، والسر علانية، المستور مكشوفًا، والمجهول معروفًا، [ويُحَصَّل] (1) ويبدو ما في الصدور، كما يُبَعْثرُ ويُخْرَجُ ما في القبور، وتجري أحكامُ الربِّ جل جلاله هنالك على القصود والنيات، كما جرت أحكامه في هذه الدار على ظواهر الأقوال والحركات، يوم تبيض وجوه بما في قلوب أصحابها من النصيحة للَّه ورسوله وكتابه وما فيها من البر [والصدق] (1) والإخلاص للكبير المتعال، وتَسْوَدُّ وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والغش والكذب والمكر والاحتيال، هنالك يعلم المخادعون أنهم لأنفسهم كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يلعبون، {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123] (2).

[الأعمال تابعة لمقاصد عاملها]
وقد فصل قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ (3) ما نوى" (4) الأمْرَ في هذه الحيل وأنواعها، فأخبر أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها (5)، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه لا ما أعلنه وأظهره، وهذا نص في أن من نوى التحليل كان محللًا، ومَنْ نوى الربا بعقد التبايع كان مُرَابيًا، ومن نوى المكر والخداع كان ماكرًا مخادعًا، ويكفي هذا الحديث وحده في إبطال
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) للمزيد في مسألة تحريم الحيل، انظر: "سد الذرائع" (ص 85 - 95، 627 - 629، 644)، و"الموافقات" للشاطبي (3/ 8، 108 - 110 - بتحقيقى)، و"الأشباه والنظائر" (ص 406 - 416) لابن نجيم، و"المغني" (4/ 49 - 50 - الشرح الكبير)، و"بيان الدليل" (ص 61، 351)، و"تاريخ التشريع الإسلامي" (ص 333 - 337) لمناع القطان، و"إغاثة اللهفان" (1/ 498، 583 و 2/ 3، 162)، و"ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية" (255، 282) للبوطي.
(3) في (د) و (ط) و (ك) و (ق): "وإنما لامرئ ما نوى".
(4) سبق تخريجه.
(5) في (ن) و (ق): "ونهاياتها".
(5/74)

الحيل، ولهذا صدَّر به حافظ الأمة محمد بن إسماعيل البخاري إبطال الحيل (1)، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أبطل ظاهر هجرة مهاجر أم قيس بما أبطنه ونَوَاه من إرادة أم قيس (2)، وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "البيعان بالخيار ما لم يتفرَّقا (3)، إلا أن تكونَ صَفْقَة خيار، ولا يحلُّ له أن يفارقه خشيةَ أن يسْتقيله" (4) فاستدل به الإمام أحمد وقال: فيه إبطال الحيل، وقد أشكل هذا على كثير من الفقهاء بفعل ابن عمر؛ فإنه كان إذا أراد (5) أن يلزم البيع مشى خُطَوَات (6)، ولا إشكال بحمد اللَّه تعالى في الحديث، وهو مِنْ أظهر (7) الأدلة على بطلان التحيل لإسقاط حق مَنْ له حق؛ فإن الشارع
__________
(1) قال (د): "كذا ولعل أصل الحبارة: "صدر به. . . صحيحه". وقال (و) -وكأنه يرد عليه-: "صدر المؤلف بالحديث "صحيحه" في (باب بدء الوحي)، وأخرجه في (الإيمان) و (العتق) و (الهجرة) و (الإيمان والنذور) و (ترك الحيل)، فقال في أوله: "باب في ترك الحيل، وأن لكل امرئ ما نوى من الأعمال وغيرها" ثم ذكر الحديث، فتعبير ابن القيم مستقيم، لا كما ظن بعض محققي الكتاب" اه.
(2) جعل قصة مهاجر أم قيس سببًا لورود حديث عمر "إنما الأعمال. . . " من الأوهام، ووقع في هذا الغلط ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" (1/ 79 - 82)، وأنكر ذلك ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص 9)، وابن حجر في "الفتح" (1/ 10)، وانظر: "شرح أحمد شاكر لألفية السيوطي" (ص 214)، و"التأصيل" (ص 73).
(3) في المطبوع: "حتى يتفرقا".
(4) رواه أحمد (4/ 183)، وأبو داود (3456) في (البيوع): باب خيار المتبايعين، والترمذي (1247) في (البيوع): باب ما جاء في البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، والنسائي (7/ 251 - 252) في (البيوع): باب وجوب الخيار للمتبايعين قبل افتراقهما بأبدانهما، وابن الجارود (620)، والدارقطني (3/ 6)، والبيهقي (5/ 271) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وأصل الحديث ثابت في "صحيح البخاري" (2107)، و (2109) و (2111)، و (2113) و (2116)، ومسلم (1531) من حديث ابن عمر دون قوله: "ولا يحل له أن. . . "، وهذه الزيادة تكلم فيها بعض العلماء انظر مفصلًا "فتح الباري" (4/ 331 - 332) وتعليقي على "الموافقات" (1/ 425).
وقال (و): ". . . يستقيله: يفسخ بيعه".
وفي (ق): "أن يفارق صاحبه".
(5) في (ك): "إذا كان أراد"!!
(6) رواه البخاري (2107) في (البيوع): باب كم يجوز الخيار؟ و (2116) باب إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا، ومسلم (1531) (45) في (البيوع): باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين.
(7) في (ق): "أعظم".
(5/75)

صلواتَ اللَّه وسلامه عليه وعلى آله أثبت خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين، وليحصل تمام الرضى الذي شرطه اللَّه سبحانه [فيه] (1)؛ فإن العقد قد يقع بغتة من غير تروٍّ ولا نظر في القيمة، فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريمًا يتروَّى فيه المتبايعان، ويعيدان النظر، ويستدرك كل واحد منهما عيبًا كان خفيًا، فلا أحسن من هذا الحكم، ولا أرفق (2) لمصلحة الخلق؛ فلو مكّن أحد المتعاقدين الغابن للآخر من النهوض في الحال والمبادرة إلى التفرق لفاتت مصلحة الآخر، ومقصود الخيار بالنسبة إليه، وهب أنك أنت اخترت إمضاء البيع فصاحبك لم يتسع له وقت ينظر فيه ويتروَّى، فنهوضك حيلة على (3) إسقاط حقه من الخيار، فلا يجوز حتى يخيره؛ فلو فارق المجلس لغير هذه الحاجة (4) أو صلاة أو غير ذلك ولم يقصد إبطال حَقِّ الآخر (5) من الخيار لم يدخل في هذا التحريم، ولا يُقال: هو ذريعة إلى إسقاط حق الآخر من الخيار؛ لأن باب [سدّ] (6) الذرائع متى فاتت به مصلحةٌ راجحة أو تضمَّن مفسدة راجحة لم يُلتفت إليه؛ فلو مُنع العاقد من التفرق حتى يقوم الآخر لكان في ذلك إضرارٌ به ومفسدة راجحة؛ فالذي جاءت به الشريعة في ذلك أكمل شيء وأوفَقُه للحكمة والمصلحة وللَّه الحمد.
وتأمل قوله: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلّوا محارم اللَّه بأدنى الحيل" (7) أي أسهلها وأقربها، وإنما ذكر أدنى الحيل لأنَّ المطلِّقَ ثلاثًا مثلًا من أسهل الحيل (8) عليه أن يعطي بعضَ التيوس المستعارة عشرةَ دراهم ويستعيره لينزو على امرأته نزوة وقد طيَّبها له، بخلاف الطريق الشرعي التي هي نكاح الرغبة؛ فإنها يصعب معها عَوْدُها إلى الأول جدًا، وكذلك من أراد أن يقرض ألفًا بألف وخمس مئة، فمن أدنى الحيل أن يعطيه ألفًا إلا درهمًا باسم القرض، ويبيعه خرقة تساوي [درهمًا] (9) بخمس مئة، ولو أراد ذلك بالطريق الشرعي لتعذّر عليه،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ك): "رافق" وفي (ق): "اوفق" والمثبت من سائر الأصول.
(3) في (ق): "في".
(4) في (ك) و (ق): "لغير هذا لحاجة".
(5) قال (د): في نسخة: "إبطال حق أخيه"، قلت: هو كما قال في: (ن) و (ك) و (ق).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) سبق تخريجه قريبًا.
(8) في (ق): "الأشياء".
(9) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "أربع مئة".
(5/76)

وكذلك حيلة اليهود بنصب الشباك يوم الجمعة وأخذ ما وقع فيها يوم السبت من أسهل الحيل، وكذلك إذابتهم الشَّحْم وبيعه وأكل ثمنه.
وقال الإمام أحمد في "مسنده": ثنا أسود بن عامر: ثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إذا ضَنَّ (1) الناسُ بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينَة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل اللَّه؛ أنزل اللَّه بهم (2) بلَاءً فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم" (3) ورواه
__________
(1) أي: بخلو بإنفاقهما في سبيل اللَّه، وقوله: "وتبايعوا بالعينة" فسرت بأن تبيع الشيء بثمن لأجل ثم تشتريه نقدًا بثمن أقل؛ فآلت المسألة إلى نقد عاجل قليل في نقد آجل كبير، وهو الربا بعينه، وذلك هو الواقع في قصة زيد بن أرقم.
(2) في المطبوع: "عليهم".
(3) أخرجه أحمد في "المسند" (2/ 28)، وأبو أمية الطرسوسي في "مسند ابن عمر" (رقم 22)، والطبراني في "الكبير" (رقم 13583) من طريق أبي بكر بن عياش به.
ونقل ابن التركماني في "الجوهر النقي" (3/ 316 - 317)، والزيلعي في "نصب الراية" (4/ 17) عن ابن القطان قوله في هذا الطريق -وعزاه لأحمد في "الزهد"-: "وهذا حديث صحيح، ورجاله ثقات"، ثم وقفت على كلامه في "بيان الوهم والإيهام" (5/ 295).
وتعقب ابن حجر في "التلخيص الحبير" (3/ 19) ابن القطان بقوله: "قلتُ: وعندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان معلول؛ لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا؛ لأن الأعمش مدلس، ولم ينكر سماعه من عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني، فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر؛ فرجع الحديث إلى الإسناد الأول، وهو المشهور".
قلت: العجب من الحافظ فإنه القائل عنه في "بلوغ المرام" (رقم 860): "رجاله ثقات"، وقد جعل الأعمش في الطبقة الثانية من المدلسين (الذين احتمل أئمة الحديث تدليسهم وتجاوزوا لهم عنه)، ولم يقل أحد: إن الأعمش يدلس تدليس التسوية، ولماذا يفعل ذلك وهو قد رواه عن نافع أيضًا؟ كما قال أبو نعيم في "الحلية" (1/ 314)، وفي آخر كلام ابن حجر السابق إشارة إلى ما أخرجه أبو داود في "السنن" (كتاب البيوع): باب النهي عن العينة (3/ 274 - 275/ رقم 3462)، والدولابي في "الكنى والأسماء" (2/ 65)، والبيهقي في "الكبرى" (5/ 316)، وأبو نعيم في "الحلية" (5/ 208 - 209)، وابن عدي في "الكامل" (5/ 1998) من طريق إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر.
وإسناده ضعيف، قال المنذري في "مختصر سنن أبي داود" (5/ 102 - 103): "في إسناده إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني، نزيل مصر، لا يحتج بحديثه، وفيه أيضًا عطاء الخراساني، وفيه مقال".
وتابع عطاء الخراساني: فضالة بن حصين عن أيوب عن نافع؛ كما قال أبو نعيم في =
(5/77)

أبو داود بإسناد صحيح إلى حَيْوَةَ بن شُرَيْح [المصري] (1) عن إسحاق أبي (2) الرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حَدَّثه أن نافعًا حَدَّثه عن ابن عمر (3)، شيخنا (4) -رضي اللَّه عنه-: وهذان إسنادان حَسَنانِ؛ أحدهما يشد الآخر ويقويه، فأما رجالُ الأول فأئمة مشاهير، ولكن يخاف (5) أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء أو
__________
= "الحلية" (3/ 319)، ومتابعته هذه أخرجها ابن شاهين في "الأفراد".
وفضالة لا يصلح للمتابعة، قال أبو حاتم عنه: "مضطرب الحديث".
وللحديث طرق أخرى يتقوى بها، منها:
ما أخرجه أحمد في "المسند" (2/ 42، 84) من طريق شهر بن حوشب عن ابن عمر، وشهر حديثه حسن، ولا سيما في الشواهد.
وما أخرجه أبو يعلى في "المسند" (10/ 29/ رقم 5659)، والطبراني في "الكبير" (رقم 13585)، والروياني في "المسند" (2/ 414 رقم 1422)، وابن أبي الدنيا في "العقوبات" (رقم 317)، وأبو نعيم في "الحلية" (1/ 313 - 314 و 3/ 318 - 319) من طريق ليث بن أبي سُليم عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به، وبعضهم أسقط ابن أبي سليمان، كابن أبي الدنيا.
وليث ضعيف.
والخلاصة: الحديث صحيح بمجموع طرقه، وإلى هذا أشار ابن القيم في "تهذيب السنن" (5/ 103 - 104)، فقال بعد أن سرد بعض طرقه: "وهذا يبيّن أن للحديث أصلًا، وأنه محفوظ"، وساق له الشاطبي في "الاعتصام" (2/ 576 - ط ابن عفان) شاهدًا مرفوعًا، وهو حديث: "إذا تبايعتم بالعينة. . . "، وأثرًا لعلي عند أبي داود في "السنن" (3382) و"مسند أحمد" (1/ 116)، وقال: "وهذه الأحاديث الثلاثة -وإن كانت أسانيدها ليست هناك -مما يعضد بعضه بعضًا وهو خبر حق في نفسه يشهد له الواقع".
وقد وقع المسلمون في هذه العلل؛ حتى أفضت بهم إلى أشد بلاء يصبه اللَّه على رؤوس الأمم، وهو استيلاء العدو على أوطانهم والقبض على زمام أمورهم؛ فهل لهم أن يغيروا ما بهم ويعطفوا على تعاليم دينهم؟ فنراهم كيف ينهضون لإعادة شرفهم المسلوب المغتصب بنفوس سخية وعزائم لا تفتر.
شعور فعلم فاتحاد فقوّة ... فعزم فإقدام فإحراز آمال
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ك) و (ق): "ابن".
(3) ولفظه: "قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سقط اللَّه عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم"، وهو في "سنن أبي داود" (كتاب البيوع): باب النهي عن العينة (3/ 3462)، وقد مضى تخريجه في الذي قبله.
(4) في "فتاويه" (3/ 133) (و). قلت: وهو أيضًا في "بيان الدليل" (ص 110).
(5) في "بيان الدليل": "تخاف".
(5/78)

أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر؛ فالإسناد (1) الثاني يبين أن للحديث أصلًا محفوظًا عن ابن عمر؛ فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور، وحَيْوَة بن شريح كذلك وأفضل، وأما إسحاق أبو (2) عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حَيْوة بن شُريح والليث بن سعد ويحيى بن أيوب وغيرهم، قال (3): فقد روينا (4) من طريق ثالثٍ من حديث السَّرِيّ بن سهل الجند يسابوري (5) بإسناد مشهور إليه [قال] (6): ثنا عبد اللَّه بن رشيد: ثنا عبد الرحمن [بن محمد] (7)، عن ليث عن عطاء، عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمانٌ وما مِنَّا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إذا ضَنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينَة، وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب البقر، أدخل اللَّه عليهم ذلًا لا ينزعه (8) [عنهم] (9) حتى يتوبوا ويراجعوا دينهم" (10) وهذا يبين أن للحديث أصلًا عن عطاء (11).

[العينة]
وروى (12) محمد بن عبد اللَّه الحافظ المعروف بمطيَّن (13) في كتاب "البيوع"
__________
(1) في "بيان الدليل": "والإسناد"، وقال المعلق عليه: "في الأصل -فالإسناد".
(2) هذا هو الصواب، وكذا في أصل "بيان الدليل"، و"سنن أبي داود"، وفي جميع نسخ "الإعلام": "بن".
(3) "أي شيخ الإسلام في "فتاويه"، المصدر السابق" (و).
(4) في "بيان الدليل": "وقد رويناه"، وقال المعلق: "في ق، وقد روينا".
(5) انظر: "حديث السري" (ق 164/ أ).
(6) ما بين المعقوفتين ليس في نسخ "الإعلام"، وسقطت من إحدى مخطوطتي "بيان الدليل" كما أفاد محققه.
(7) ما بين المعقوفتين من (و)، و"بيان الدليل".
(8) في (ق) و (ك): "يرفعه".
(9) ما بين المعقوفتين ليس في "بيان الدليل".
(10) في إحدى مخطوطتي "بيان الدليل": و"يرجعوا إلى دينهم". والحديث سبق ذكر طرقه قبل قليل.
(11) إلى هنا ينقل عن شيخه -رحمهما اللَّه- في "بيان الدليل (ص 109 - 110)، أما ما بعد فقد تصرف فيه واختصره من "بيان الدليل" (ص 112 - 119) أيضًا فراجعه -إن شئت-.
(12) في (ق): "وعن".
(13) هو محمد بن عبد اللَّه بن سليمان، أبو جعفر الحضرمي الكوفي -مُطَيِّن-، أحد الأئمة والحفاظ، توفي سنة 297.
وانظر ترجمته في: "سير إعلام النبلاء" (14/ 41)، و"الميزان" (3/ 607)، و"طبقات الحنابلة" (1/ 300).
(5/79)

له عن أنس أنه سُئِل عن العِينة (1)، فقال: إن اللَّه لا يُخْدَع، هذا مما حرم اللَّه ورسوله (2)، وروَى (3) أيضًا في "كتابه" عن ابن عباس قال: اتَّقُوا هذه العِينة، لا تبع دراهم بدراهم وبينهما حَرِيرة، وفي رواية أن رجلًا باع من رجل حريرة بمئة ثم اشتراها بخمسين فَسُئل (4) ابن عباس عن ذلك، فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة (5)، وسُئل ابن عباس عن العينة -يعني بيع الحريرة- فقال: إن اللَّه لا يُخْدَع، هذا مما حرم اللَّه ورسوله (6)، وروى ابن بَطَّة بإسناده إلى الأوزاعي قال: قال
رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع" (7) يعني العِينَةَ، وهذا
المرسل صالح للاعتضاد به والاستشهاد، وإن لم يكن عليه وحده الاعتماد.
وقال (8) الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن امرأته "أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم وامرأة أخرى فقالت لها أم ولد زيد: إني بعْتُ من زيد غلامًا بثمان مئة نسيئةً، واشتريته بست مئة نقدًا، فقالت: "أبْلغِي زيدًا أنَّه (9) قد أبطل جهاده مع رسول للَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، إلا أن يتوب، بئسما شَرَيْتِ (10)، وبئسما اشتريت" (11) رواه الإمام أحمد وعمل به،
__________
(1) "يقول ابن تيمية: العينة في الأصل: السلف، والسلف يعم تعجيل الثمن وتعجيل المثمن، وهو الغالب هنا، يقال: اعتان الرجل وتعين إذا اشترى الشيء بنسيئته، كأنها مأخوذة من العين، وهو المعجل، وصيغت على فعلة، لأنها نوع منه، وقال الجوزجاني: إنها من العين لحاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق" (و).
(2) ذكره المؤلف أيضًا، ولم أجد من رواه غيره.
(3) في (ن): "وعن".
(4) في (د)، و (ط): "فسأل".
(5) و (6) هذا والذي قبله عن ابن عباس في بيع العينة لم أجدهما بهذا اللفظ، وقد وجدت في "المحلى" (9/ 48 - 49) قال: روينا عن وكيع عن سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن حيان بن عمير القيسي عن ابن عباس في الرجل يبيع الجريرة -هكذا بالجيم- إلى رجل فكره أن يشتريها يعني دون ما باعها، وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وقد ذكره ابن حزم، ولم يتكلم على رواته بشيء إلا أنه روى من طريق عبد الرزاق عن سفيان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر ما يدل على الجواز، فجعله مما اختلف فيه الصحابة.
مع أن ليثًا الذي في الإسناد هو ابن أبي سُليم الضعيف! ولو أنه جاء في خبر يخالف ما ذهب إليه ابن حزم -رحمه اللَّه- لشنَّع عليه -كعادته- عفا اللَّه عنه.
(7) أخرجه الخطابى في "غريب الحديث" (1/ 218) بإسناد معضل، فهو ضعيف.
(8) كذا في (ن)، وفي غيرها: "قال".
(9) في (د)، و (ط): "أن".
(10) "شريت: أي بعت، ومنه قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} " (د).
(11) رواه أحمد وسعيد بن منصور -كما في "نصب الراية" (4/ 16) - ورواه البيهقي (5/ 330) =
(5/80)

وهذا حديث فيه شعبة، وإذا كان شعبة في حديث فاشْدُد يديك به، فمن جعل شعبة بينه وبين اللَّه فقد استوثق لدينه.
وأيضًا فهذه امرأة أبي إسحاق -وهو أحد أئمة الإسلام الكبار- وهو أعلم بامرأته وبعدالتها، فلم يكن ليروِيَ عنها سنة يُحرِّم بها على الأمة وهي عنده غير ثقة ولا يتكلم فيها بكلمة، بل يحابيها في دين اللَّه، هذا لا يظن بمن هو دون أبي إسحاق.
وأيضًا فإن هذه امرأة من التابعين قد دخلت على عائشة وسمعت منها وروت
__________
= من طريق علي بن الجعد عن شعبة عن أبي إسحاق قال: دخلت امرأتي على عائشة.
وقال: كذا جاء به شعبة عن طريق الإرسال، أي لم يقل: عن أبي إسحاق، عن امرأته كما هو في الروايات.
ورواه عبد الرزاق (14812، 14813)، وأبو القاسم البغوي في "الجعديات" (1/ 376 - 377)، والدارقطني (3/ 52)، والبيهقي (5/ 330 - 331 و 331) و"معرفة السنن" (8/ 136 رقم 11396)، من طرق عن أبي إسحاق عن امرأته العالية به، ووقع عند عبد الرزاق (14813) تسمية أم ولد زيد أنها امرأة أبي السفر.
وعند البيهقي وقع اسمها أُم مُحِبَّة، فالظاهر أنها أم محبة امرأة أبي السفر.
ورواه الدارقطني (3/ 52)، وابن سعد (8/ 487) من طريق يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية قالت: خرجتُ أنا وأم محبة إلى مكة، فدخلنا على عائشة، وقال الدارقطني: وأم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما.
وهو عند ابن سعد أوله.
أقول: العالية هذه هي بنت أيفع، رد حديثها الدارقطني والشافعي في "الأم" (3/ 33 - ط الشعب)، وابن حزم في "المحلى" (9/ 60)، وقال ابن الجوزي في "التحقيق" قالوا: العالية مجهولة لا يقبل خبرها، قلنا: بل هي معروفة جليلة القدر، ذكرها ابن سعد في "الطبقات" فقال: العالية بنت أيفع بن شراحيل امرأة أبي إسحاق السبيعي، سمعت من عائشة.
أقول: كلامه في "طبقات ابن سعد" (8/ 487).
وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي" (5/ 330): قلت: "العالية" معروفة، روى عنها زوجها، وابنها، وهما إمامان، وذكرها ابن حبان في "الثقات"، وذهب إلى حديثها هذا الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك وابن حنبل والحسن بن صالح.
ورد ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" -كما في "نصب الراية" (4/ 16) - القول بجهالتها ثم قال: "ولولا أن عند أم المؤمنين علمًا من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد".
قلت: ولذا جوّده المصنف فيما يأتي، وسبقه شيخه ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (20/ 259 - 260)، وانظر "الموافقات" (1/ 456 - 457)، وتعليقي عليه.
(5/81)

عنها، ولا يعرف أحد قَدَحَ فيها بكلمة، وأيضًا فإن الكذب والفسق لم يكن ظاهرًا في التابعين بحيث ترد به روايتهم (1).
وأيضًا فإن هذه المرأة معروفة (2)، واسمها العالية، وهي جدة إسرائيل، كما رواه حرب من حديث إسرائيل: حدثني أبو إسحاق، عن جَدَته [العالية] (3) -يعني جدة إسرائيل؛ فإنه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، والعالية امرأة أبي إسحاق، وجدة يونس، وقد حملا عنها هذه السنة، وإسرائيل أعلم بجدته وأبو إسحاق أعلم بامرأته.
وأيضًا فلم يُعرف أحدٌ قطُّ من التابعين أنكر على العالية هذا الحديث ولا قَدحَ فيها من أجله، ويستحيل في العادة أن تروي حديثا باطلًا ويشتهر في الأمة ولا ينكره عليها منكر (4).
وأيضًا فإن في الحديث قصة، وعند الحفاظ إذا كان فيه قصة دلّهم على أنه محفوظ، قال أبو إسحاق؛ حدثتني امرأتي العالية، قالت: دخلتُ على عائشة في نسوة، فقالت: [ما] (5) حاجتُكنَّ؟ فكان أول من سألها أم محبة، فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بِعْتُهُ جارية لي بثمان مئة درهم إلى العَطاء، وإنه أراد بيعها فابتعتُها منه بست مئة درهم نَقْدًا، فأقبلَتْ عليها وهي غَضبَى، فقالت: بئسما شَرَيْتِ، وبئسما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جِهَادَه إلا أن يتوب، وأفحمت صاحبتنا فلم تكلم طويلًا، ثمَّ إنها سهل عليها فقالت: يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فَتَلَتْ عليها:
__________
(1) مذهب بعض المحدثين -كابن رجب وابن كثير- تحسين حديث المستور من التابعين، أفاده شيخنا الألباني في "الصحيحة" (1/ 555 - ط القديمة)، وفصّل في هذا الذهبي، فقال في آخر "ديوان الضعفاء" (ص 478): "وأما المجهولون من الرواة، فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم، احتمل حديثه، وتلقّي بحسن الظن إذا سلم من مخالفة الأصول، أو ركاكة الألفاظ، وإن كان الرجل منهم من صغار التابعين، فيتأنى في رواية خبره، ويختلف ذلك باختلاف جلالة الراوي عنه وتحريه، وعدم ذلك" وهذا تفصيل حسن مليح. ويؤكد ما قاله المصنف قول الذهبي أيضًا في "الميزان" (4/ 604) عند تراجم النساء (فصل في النسوة المجهولات)، قال: "وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها"، وفي (ك): "روايتهم به"، وفي (ق): "رواياتهم به"، والمثبت من سائر الأصول.
(2) في (ق): "فإن لهذه المرأة معرفة".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(4) جاءت بعدها في (د) الفقرة الموضوعة بين معقوفتين في الصفحة التالية.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(5/82)

{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275] (1).
وأيضًا فهذا الحديث إذا انضمَّ إلى تلك الأحاديث والآثار أفادت بمجموعها الظن الغالب إن لم تفد اليقين.
وأيضًا فإن آثار الصحابة كما تقدم موافقة لهذا الحديث، مشتقة منه، مُفَسِّرة له.
[وأيضًا فلو لم يأت في هذه المسألة أثر لكان محض القياس ومصالح العباد وحكمة الشريعة تحريمها أعظم من تحريم الربا؛ فإنها ربًا مُسْتَحل بأدنى الحيل] (2).
وأيضًا فكيف يليق بالشريعة الكاملة التي لعنت آكِلَ الربا ومُوكِلَه، وبالغت في تحريمه، وآذنَتْ صاحبه بحرب من اللَّه ورسوله، [أن] (3) تبيحه بأدنى الحِيَل مع استواء المفسدة؟ ولولا أن عند أم المؤمنين -رضي اللَّه عنها- علمًا من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا تستريب فيه ولا تشك بتحريم مسألة العِينَةِ لَمَا أقدمت على الحكم بإبطال جهاد رجل من الصحابة باجتهادها، لا سيما إن كانت قصدت أن العمل يبطل بالردة، واستحلال الربا ردة، ولكن عذر زيد أنه لم يعلم أن هذا محرم، كما عُذِر ابن عباس بإباحته بيعَ الدرهمِ بالدرهمين (4)، وإن لم يكنْ قَصْدُها هذا، بل قَصَدت أن هذا من الكبائر التي يقاوِم إثمُها ثوابَ الجهاد ويصير بمنزلة مَنْ عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئًا، ولو كان هذا اجتهادًا منها لم تمنع زيدًا منه، ولم تحكم ببطلان جهاده، ولم تَدعُه إلى التوبة؛ فإن الاجتهاد لا يحرم الاجتهاد، ولا يحكم بطلان عمل المسلم المجتهد بمخالفته لاجتهاد نظيره، والصحابةُ -ولا سيما أم المؤمنين- أعلم باللَّه ورسوله، وأفْقَهُ في دينه من ذلك.
وأيضًا فإن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس أفْتَوْا بتحريم مسألة العِينَةِ (5)، وغَلَّظوا فيها هذا التغليظ في أوقات ووقائع مختلفة؛ [فلم] (6) يجيء عن واحد من الصحابة [ولا التابعين] (7) الرخصة في ذلك (8)، فيكون إجماعًا.
__________
(1) انظر التخريج السابق.
(2) ما بين المعقوفتين تقدّمت في (د) في الصفحة السابقة وأثبتناهاهنا كما في (ن) و (ك) و (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) تقدم تخريجه.
(5) هذا هو المتقدم عنهم، (70، 79، 80) وقارن هذا الكلام وما بعده ب"بيان الدليل" (ص 115 - 119) لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه-.
(6) في (ك) و (ق): "ولم".
(7) في (ك) و (ق): "والتابعين".
(8) في (ن) و (ك) و (ق): "الرخصة فيها"، وأشار إليها في هامش (د).
(5/83)

فإن قيل: فزيد بن أرقم قد خالف عائشة ومَنْ ذكرتم، فغاية الأمر أنها مسألة [ذات] (1) قولين للصحابة، وهي مما يسوغ فيها الاجتهاد.
قيل: لم يُقل زيد قط إن هذا حلال، ولا أفتى بها يومًا [ما] (1)، ومذهب الرجل لا يؤخذ من فعله؛ إذ لعله فعله ناسيًا أو ذاهلًا أو غير مُتأمِّل ولا ناظر أو متأولًا أو ذنبًا يستغفر [اللَّه] (2) منه ويتوب أو يُصِرُّ عليه وله حسنات تقاومه، فلا يُؤثِّر شيئًا، قال بعض السلف (3): "العلم علم الرواية (4)، يعني أنه يقول: رأيت فلانًا يفعل كذا وكذا؛ [إذ لعله] (5) قد فعله ساهيًا" وقال إياس بن معاوية (6): "لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن سَلْه يَصدُقْك" (7)، ولم يُذكر عن زيد أنه أقام على هذه المسألة بعد إنكار عائشة، وكثيرًا ما يفعل الرجل الكبير الشيء مع ذهوله عما في ضمنه من مفسدة فإذا نُبِّهَ انتبه، وإذا كان الفعل محتملًا لهذه الوجوه وغيرها لم يجز أن يُقَدَّمَ على الحكم، ولم يجُز أن يقال: مذهب زيد بن أرقم جواز العِينة، لا سيما وأم ولده قد دخلت على عائشة تستفتيها فأفتتها (8) بأخذ رأس مالها (9)، وهذا كله يدل على أنهما لم يكونا جازمين بصحة العقد وجوازه، وأنه مما أباحه اللَّه ورسوله.
وأيضًا فبيع العِينَة إنما يقع غالبًا من مضطر إليها، وإلَّا فالمُسْتغني عنها لا يشغل ذمته بألف وخمس مئة في مقابلة ألف بلا ضرورة وحاجة تدعو إلى ذلك، وقد روى أبو داود من حديث علي: "نَهَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع المضطر، وبيع الغَرَر، وبيع الثمرة قبل أن تُدْركَ" (10).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(3) هو عطاء، وأورد نحوه عنه، ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (2/ 778 رقم 1448).
(4) في (ق): "الرؤية".
(5) في (ق) و (ك): "ولعله".
(6) هو إياس بن معاوية بن قرة بن إياس المزني، أبو واثلة البصري، توفي سنة 122، انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (1/ 390).
(7) أخرجه وكيع في "أخبار القضاة" (1/ 350)، وابن أبي شيبة كما في "تهذيب الكمال" (3/ 433)، وانظر: "الموافقات" للشاطبي (5/ 315 - بتحقيقي)،
(8) في (ك) و (ق): "وافتتها".
(9) في (ك): "ماله".
(10) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 116)، وأبو داود في "سننه" (3382) في (البيوع): باب بيع المضطر، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (356)، والبيهقي (6/ 17)، وابن حزم =
(5/84)

وفي "مسند الإمام أحمد" عنه قال: "سيأتي على الناس زمان عَضُوض، يعضُّ الموسر على ما في يَدَيه، ولم يؤثر (1) بذلك، قال اللَّه تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] وينهر (2) الأشرار، ويُسْتذلُّ الأخيار، ويُبايَعُ (3) المُضْطَّرون، وقد نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع المضطر، وعن بيع الغَرَر، وبيع الثمر قبل أن يطعم" (4).
وله شاهد من حديث حذيفة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رواه سعيد، عن هُشَيْم، عن كَوْثر بن حَكيم، عن مكحول: [بَلَغَنِي] (5) عن حذيفة أنه حدث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن بعد زمانكم هذا زمانًا عَضُوضًا، يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤثر بذلك قال اللَّه تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39]، وينهر (6) شِرارُ خلق اللَّه، يبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطر حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخونه، إن كان عندك خير فَعُد به على أخيك ولا تَزِدْه هلاكًا إلى هلاكه" (7) وهذا من دلائل النبوة، فإن عامة العِينَة إنما تقع من
__________
= (9/ 22) من طرق عن هشيم: أخبرنا أبو عامر المزني صالح بن رستم: حدثنا شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي. . . فذكر كلامًا له ثم ذكر الحديث في النهي عن بيع المضطر،. . مرفوعًا.
ووقع في "سنن أبي داود": صالح بن عامر، وهو خطأ نبه عليه أبو داود حيث قال: كذا قال محمد، أي شيخه: محمد بن عيسى، وفصَّل ذلك الحافظ في "تهذيب التهذيب" في ترجمة صالح بن عامر، وبين وهم المزي في "تهذيب الكمال" حيث قال المزي: الصواب صالح عن عامر، فصالح هو ابن حي أو ابن رستم بن عامر، وعامر هو الشعبي.
قال الحافظ: بل الصواب صالح أبو عامر، والشعبي ليس له مدخل في هذا الحديث، والحديث إسناده ضعيف؛ صالح بن رستم ضعيف، ولجهالة الشيخ من بني تميم.
وقال البيهقي: وقد روي من أوجه عن علي وابن عمر وكلها غير قوية.
(1) كذا في جميع النسخ، وفي "المسند": "يؤمر".
(2) "يصيب فيه الناس عسف وظلم" (و) قلت: في جميع نسخ "الإعلام" هكذا براء آخره، وفي "المسند" بدال، وفي (ك) و (ق): "ينهك".
(3) في (ق): "يباع".
(4) هو الحديث السابق نفسه.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6) في (ك): "وينهار"، وفي (ق): "وينهك".
(7) رواه أبو يعلى -كما في "تفسير ابن كثير" (3/ 549)، وليس هو في المطبوع منه- من طريق روح بن حاتم حدثنا هشيم به.
وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (6/ 707) لابن أبي حاتم -وسقط من مطبوع =
(5/85)

رجل مضطر إلى نَفَقة يضنُّ بها عليه الموسر بالقرض حتى يربح [عليه] (1) في المئة ما أحَبَّ.

[مسألة التورّق]
وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العِينة، وإن باعها لغيره فهو التورّق (2)، وإن رَجَعتْ إلى ثالث يدخل بينهما فهو مُحَلل الربا، والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون، وأخفها التورق، وقد كرهه عمر بن عبد العزيز، وقال هو أخِيةُ الربا (3)، وعن أحمد فيه روايتان (4)، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطَر (5) وهذا من فقهه -رضي اللَّه عنه-، قال: فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر، وكان شيخنا رحمه اللَّه يمنع من مسألة التورق، وروجع فيها وأنا حاضر مرارًا (6)، فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود [فيها] (7) بعينه مع زيادة الكلفة
__________
= "تفسيره" ولفظه وسنده عند ابن كثير- وابن مردويه، وضعَّفه.
وقال ابن كثير: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده ضعف".
أقول: هذا فيه علتان.
الأولى: جهالة من حَدَّث عن حذيفة.
الثانية: كوثر بن حكيم، ضعفوه، قال أبو زرعة: ضعيف، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أحمد بن حنبل: أحاديثه بواطيل ليس بشيء، وقال الدارقطني وغيره: متروك.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ.
وقال البخاري: كوثر بن حكيم عن نافع منكر الحديث.
فهذا حديث ضعيف جدًا واللَّه أعلم.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) نص ابن تيمية: "إن باعها لغيره بيعًا ثابتًا، ولم تعد إلى الأول بحال، فقد اختلف السلف في كراهيته، ويسمونه: التورق؛ لأن مقصوده الورق" (ص 138، ج 3 الفتاوى)، وبهذا يظهر معنى التورق" (و).
قلت: وهو بنصه في "بيان الدليل" (ص 119)، وعبارة (و) فيها استدراك على (د) لما قال: "التورق: هكذا وقع هذا اللفظ في عامة الأصول، ولم يظهر لي وجهه".
(3) الأخية -بوزن قضية-: عروة تربط إلى وتد مدقوق، تشد فيه الدابة" (د).
وقال (و): "في المصدر السابق: أخبث الربا".
(4) انظر: "الفروع" (4/ 171) لابن مفلح، و"المغني" (6/ 262 - جامعة الإمام) لابن قدامة.
(5) انظر: "بيان الدليل" (ص 119).
(6) كذا في (ق) و (ك)، وفي سائر الأصول: "مرارًا وأنا حاضر".
(7) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(5/86)

بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها؛ فالشريعة لا تحرِّم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه (1).
وقد تقدم الاستدلال على تحريم العينَةِ بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحل سَلَف وبيع، ولا شرطان في بيع" (2)، وبقوله: "مَنْ باعَ بيعتين في بيعة فله أوْكَسُهُما أو الربا" (3) وأن ذلك لا يمكن وقوعه [إلا على العِينة] (4).

[من الأدلة على تحريم الحيل]
ومما يدل على تحريم الحيل قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صَيْدُ البر لكم حلال، ما لم تصيدوه أو يُصَد لكم" (5) رواه أهل "السنن"، ومما يدل على تحريمها ما رواه ابن ماجه في "سننه" عن يحيى بن أبي إسحاق قال: سألت أنَسَ بن مالك: الرجلُ منا يُقْرِضُ أخاه المال فيُهدي إليه؟ فقال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أقرض أحدكم قَرضًا فأهْدَى إليه أو حَمَلَه على الدابة فلا يَركَبها ولا يَقْبَله إلا أن يكون جَرَى بينه وبينه قبل ذلك" (6) رواه من حديث إسماعيل بن عياش عن عُتْبة بن حُميد الضَبيّ عن يحيى.
قال شيخنا (7) -رضي اللَّه عنه-: [وهذا] (8) يحيى بن يزيد الهُنَائيّ من رجال مسلم،
__________
(1) انظر: "مجموع الفتاوى" (29/ 30)، "تهذيب السنن" (5/ 108 - 109).
(2) تقدم تخريجه.
(3) رواه ابن أبي شيبة (5/ 55 - دار الفكر)، ومن طريقه أبو داود (3461) في (البيوع): باب من باع بيعتين في بيعة، وابن حبان (4974)، والحاكم (2/ 45)، والبيهقي (3/ 343) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
ومحمد بن عمرو هذا هو ابن علقمة، أخرج له مسلم في المتابعات فقط، وهو حسن الحديث.
وانظر: "تهذيب السنن" لابن القيم (5/ 105)، و"السلسلة الصحيحة" (2362).
(4) انظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 340 - 353، 363)، و"تهذيب السنن" (5/ 99 - 109) لبيان صورة العينة، ومناقشة الخلاف وأدلته، وبيان معناها لغة (ص 108)، وانظره -أيضًا- (5/ 148 - 149)، و"بدائع الفوائد" (4/ 84)، و"الوابل الصيب" (ص 14)، وما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وبياض في (ق).
(5) سبق تخريجه.
(6) سبق تخريجه (ص 19 - 20).
(7) في "بيان الدليل" (ص 327 - 330)، والمذكور باختصار وتصرف يسير.
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5/87)

وعتبة بن حميد معروف بالرواية عن الهنائي، قال [فيه] (1) أبو حاتم (2) مع تشدده: هو صالح الحديث، وقال أحمد (3): ليس بالقويّ، وإسماعيل بن عياش ثقة في حديثه عن الشاميين [وغيرهم، وإنما يضعّف حديثه عن الحجازيين، وليس هذا عن الحجازيين، فثبت أنه حديث حسن. لكن في حديثه عن غيرهم نظر] (4)، ورواه سعيد في "سننه" عن إسماعيل بن عيَّاش، لكن قال: عن يزيد بن أبي إسحاق (5) الهُنَائيّ عن أنس عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكذلك رواه البخاري في "تاريخه" عن يزيد بن [أبي] (6) يحيى الهنائي عن أنس يرفعه: "إذا أقْرَضَ أحدكم فلا يأخذ هدية" (7) قال شيخنا (8): وأظنه هو ذاك انْقَلَبَ اسمه.
وفي "صحيح البخاري" عن أبي بردة بن أبي موسى قال: قدمْتُ المدينة، فلقيت عبد اللَّه بن سَلَام، فقال لي: إنك بأرضٍ الربا فيها فاش، فإذا كان لك على رجل حَقٌّ فأهدى إليك حَمْل تِبْن أو حَمل شعير أو حمل قَتٍّ (9) فلا تأخذه فإنه ربا (10)، وفي
__________
(1) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(2) في "الجرح والتعديل" (6/ 370).
(3) انظر: "الميزان" (3/ 28).
(4) ما بين المعقوفتين أثبته من "بيان الدليل" لزيادة الفائدة، وانظر في رواية ابن عياش "التهذيب" (1/ 321) لابن حجر، و"الميزان" (1/ 240)، و"الخلافيات" للبيهقي (1/ 353 - بتحقيقي).
(5) كذا وقع في نسخ "الإعلام"، وكذا نقله ابن حجر في "التهذيب" (11/ 157) منه، والصواب (يحيى) بدل (إسحاق)، وفي "الميزان" (4/ 361): "يحيى بن أبي إسحاق الهنائي، عداده في التابعين، لا يعرف تفرد عنه عتبة بن حميد".
وانظر: "السنن الكبرى" (5/ 350)، وتعليقي على "الموافقات" (3/ 117).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(7) نقل ابن حجر في "تهذيبه" (11/ 157) كلام المصنف من قوله: "ورواه سعيد. . . إلى هنا، وقال: "هكذا رأيت في "الإعلام" لابن قيم الجوزية" والذي في "التاريخ الكبير" (8/ 310) في ترجمة يحيى بن يزيد أبو يزيد الهنائي، ما نصه: "قال لنا آدم بن شعبة سمع يحيى بن يزيد، قلت لأنس: في الرجل يكون له الدين، قال: لا يرتدف خلف دابته قال: وقال أبو معاوية عن أبي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو خطأ".
(8) الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية في "بيان الدليل" (327).
(9) في "المصباح المنير" (2/ 489): "القتُّ: حب بري لا ينبته الآدمي، فإذا كان عام قحط، وفقد أهل البادية ما يقتاتون به من لبن وتمر ونحوه، دقوه وطبخوه واجتزؤوا به على ما فيه من الخشونة".
(10) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب مناقب الأنصار): باب مناقب عبد اللَّه بن سلام (3814).
(5/88)

"سنن سعيد" هذا المعنى عن أبيّ بن كعب (1)، وجاء عن ابن مسعود أيضًا (2)، وأتى رجل عبد اللَّه بن عمر فقال: إني أقرضت رجلًا بغير معرفة فأهدى إليّ هدية جَزْلَةً، فقال: رُدُّ إليه هديته أو احسبها له (3)، وقال سالم بن أبي الجعد: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أقرضت رجلًا يبيع السمك عشرين درهمًا فأهدى إليّ سمكة قومتها بثلاثة عشر درهمًا، فقال: خذ منه سبعة دراهم (4)، ذكرهما سعيد، وذكر حرب عن ابن عباس -رضي اللَّه عنه-: إذا أسْلَفْتَ رجلًا سلفًا فلا تأخذ منه هدية ولا عارية ركوب دابة (5)؛ فنهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- هو وأصحابه المُقْرِض عن قبول
__________
(1) رواه عبد الرزاق (14652)، والبيهقي (5/ 349) عن الثوري عن الأسود بن قيس عن كلثوم بن الأقمر عن زر بن حبيش قال: أتيت أبي بن كعب. . . فذكره.
ورجاله ثقات إلا أن كلثوم بن الأقمر ترجمه ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولم أجد من روى عنه إلا الأسود بن قيس فقط، فهو في عداد المجهولين، وهو على شرط ابن حبان في "ثقاته".
وروى عبد الرزاق (14647 و 14648)، والبيهقي (5/ 349) من طريق ابن سيرين، أنّ أُبي بن كعب تسلف من عمر عشرة آلاف فبعث إليه أُبي من تمرته، وكان من أطيب أهل المدينة تمرة، وكانت تمرته تُبَكر فردَّها عليه عمر، فقال أُبي: لا حاجة لي في شيء منعك تمرتي، فقبلها عمر فقال: إنما الربا على من أراد أن يربي وينسئ.
(2) رواه البيهقي (5/ 350) من طريق هشيم أنا يونس وخالد عن ابن سيرين عنه، وقال: هذا منقطع (أي ابن سيرين لم يدرك ابن مسعود).
(3) رواه عبد الرزاق (14654) عن الثوري عن أبي إسحاق قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال:. . . فذكره، إلا أنه قال: أردد عليه هديته أو أَثِبْهُ.
وهذا منقطع؛ ويبيّنه أن عبد الرزاق، رواه (14655) عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن رجل عن ابن عمر. . . وزاد: أو أحسُبها له مما عليه أو ارددها عليه.
قال (د): "في نسخة: "أو احبسها له" بتقديم الباء على السين".
(4) وروى البيهقي (5/ 349) نحوه من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي صالح عن ابن عباس لكن لم يذكر أن الرجل كان سَمَّاكًا، وروى عبد الرزاق (14651)، والبيهقي (5/ 350) من طريق شعبة والثوري عن عمّار الدُّهني عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إنه كان جار سَمّاك فأقرضته خمسين درهمًا، وكان يبعث إليّ من سمكه فقال ابن عباس: حاسبه فإنْ كان فضلًا فردّ عليه، إن كان كفافًا فقاصصه، وهذا لفظ عبد الرزاق. ورواته ثقات، رجال الشيخين.
(5) رواه عبد الرزاق (14650) من طريق يحيى بن أبي كثير، وابن أبي شيبة (5/ 78) من طريق أيوب كلاهما عن عكرمة عن ابن عباس به، وإسناده صحيح.
وعزاه ابن تيمية في "بيان الدليل" (ص 329 - 330) لحرب الكرماني أيضًا.
(5/89)

هدية المقترض قبل الوفاء؛ لأن (1) المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء -وإن كان لم يشترط ذلك- سدًا لذريعة الربا، فكيف تجوز الحيلة على الربا؟ ومن لم يَسُدَّ الذرائع ولم يراع المقاصد ولم يُحرِّم الحيل يبيح ذلك كلَّهُ، وسنةُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهدْيُ أصحابه أحق أن يُتَبع، وقد تقدم تحريم السلف والبيع لأنه يُتَّخذ حيلة إلى الربا.

[دليل آخر على تحريم الحيل]
ويدل عَلَى تحريم الحيل الحديثُ الصحيح، وهو قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يُجمع بين مُتفرِّق ولا يُفرَّق بين مُجْتَمع خَشْيَةَ الصدقة" (2)، وهذا نصٌ في تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة أو تنقيصها بسبب الجمع والتفريق، فإذا باع بعضَ النصابِ قبل تمام الحول تحيُّلًا على إسقاط الزكاة فقد فرق بين المجتمع، فلا تسقط الزكاة عنه بالفرار منها، ومما يدل على تحريمها قوله تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] قال المفسرون من السلف ومَنْ بعدهم: لا تعط عطاءً تطلب أكثر منه، وهو أن تهدي ليُهدى إليك أكثر من هديتك (3).
وهذا كله يدل على أن صُوَر العقود غير كافية في حِلِّها وحصول أحكامها إلا إذا لم يُقصد بها قصدًا فاسدًا، [وكل ما لو شرطه في العقد كان حرامًا فاسدًا] (4) فقصده حرام فاسد، واشتراطه إعلانٌ وإظهارٌ للفساد، وقصده ونيَّته غِشٌّ وخداعٌ ومكر؛ فقد يكون أشد فسادًا من الاشتراط ظاهرًا من هذه الجهة، والاشتراط الظاهر أشد فسادًا منه من جهة إعلان المحرم وإظهاره.

[إجماع الصحابة على تحريم الحيل] (5)
ومما يدل على التحريم أن أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أجمعوا على تحريم هذه
__________
(1) في نسخ "الإعلام": "فإن"، وما أثبتناه من "بيان الدليل".
(2) رواه البخاري (1450) في (الزكاة): باب لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، و (6955) في (الحيل): باب في الزكاة، من حديث أبي بكر.
(3) في (ن) و (ق): "مما أهديت"، وانظر جملة من آثار السلف في المعنى الذي أورده المصنف في "تفسير ابن جرير" (29/ 142 - 143)، و"الدر المنثور" (8/ 324).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) الكلام الآتي مع المقدمة الأولى اختصره المصنف بتصرف من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية من "بيان الدليل" (ص 334 - 335)، وكذلك المقدمة الثانية (ص 339 - 340).
(5/90)

الحيل وإبطالها، وإجماعهم حجة قاطعة، بل هي من أقوى الحجج وآكدها، ومَنْ جَعَلهم بينه وبين اللَّه فقد استوثق لدينه.
بيان المقدمة الأولى أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه خَطَبَ الناسَ على منبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: لا أُوتي بمحلّل ولا محلَّل له إلا رجمتهما (1)، وأقرَّه سائرُ الصحابة على ذلك، وأفتى عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر أن المرأة لا تحلُّ بنكاح التحليل (2)، وقد تقدم (3) عن غير واحد من أعيانهم كأُبيّ وابن مسعود وعبد اللَّه بن سَلَام وابن عُمر وابن عباس أنهم نَهَوُا المُقْرِض عن قبول هدية المقترض، وجعلوا قبولها ربًا. وقد تقدم (4) عن عائشة وابن عباس وأنس تحريم مسألة العِينة، والتغليظ فيها، وأفتى عمر وعثمان وعلي وأبيّ بن كعب وغيرهم من الصحابة أن المبتوتة في مرض الموت تَرِثُ (5)، ووافقهم سائر المهاجرين
__________
(1) مضى تخريجه، وقال فيه ابن تيمية في "بيان الدليل" (ص 481): "وهو مشهور محفوظ عن عمر، رووه بالأسانيد الثابتة" وعزاه زيادة على ما تقدم إلى الجوزجاني وحرب الكرماني وأبي بكر الأثرم.
(2) أما عثمان فقد تقدم عنه، وروى البيهقي أيضًا (7/ 208) من طريق معلي بن منصور عن الليث بن سعد: حدثني محمد بن عبد الرحمن عن أبي مروزق التجيبي، وذكر قصة رجل أتى عثمان ليتزوج امرأة رجل ليحلها له، فقال له عثمان: "لا تنكحها إلا نكاح رغبة". وأبو مرزوق لم يسمع من عثمان، مات سنة مئة وسبع.
وأما ابن عباس فتقدم عنه أيضًا.
وأما ابن عمر فتقدم أيضًا، وروى عبد الرزاق (10776)، والبيهقي (7/ 208)، وابن أبي شيبة (3/ 390) من طريق معمر عن الزهري عن عبد اللَّه بن المغيرة قال: سئل ابن عمر عن تحليل المرأة لزوجها، فقال: ذلك السفاح. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. وأما علي، فقد روى عبد الرزاق (10803) عن هشيم عن خالد الحذاء عن مروان الأصفر (في المطبوع: الأصغر وهو خطأ) عن أبي رافع قال: سئل عثمان بن عفان وزيد بن ثابت -وعلي بن أبي طالب شاهد- عن الأمة هل يُحلّها سيدها لزوجها، إذا كان لا يريد التحليل؟ قالا: نعم، قال: فكره علي قولهما، وقام غضبانًا. وهذا إسناد رواته ثقات من رجال الصحيح، أبو رافع هو نفيع الصائغ.
لكن فيه عنعنة هشيم فإنه مدلس.
وقد ورد عن الحارث الأعور -وهو ضعيف- عن علي: "لعن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المُحلل والمحلَّل له" ومضى تخريجه.
(3) مضى بيان ذلك مع تخريجه قريبًا.
(4) مضى بيان ذلك مع تخريجه قريبًا.
(5) أما عمر -رضي اللَّه عنه-، فقد رواه عنه عبد الرزاق (12201)، وسعيد بن منصور (1960) من طريق الثوري، وشريك عن مغيرة عن إبراهيم قال: كتب عمر -رضي اللَّه عنه- إلى شريح في الذي =
(5/91)

والأنصار من أهل بدر وبيعة الرضوان ومَنْ عداهم.
__________
= طلق امرأته ثلاثًا في مرضه: ترثه ولا يرثها.
قال البيهقي: وهذا منقطع، ولم يسمعه مغيرة من إبراهيم، إنما قال: ذكر عبيدة عن إبراهيم عن عمر، وعببدة الضبي ضعيف، ولم يرفعه عبيدة إلى عمر في رواية يحيى القطان عنه. أقول: إبراهيم هو النخعي لم يدرك عمر.
ثم وجدته موصولًا بين إبراهيم وعمر، فقد أخرجه ابن أبي شيبة (4/ 151) عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة عن إبراهيم عن شريح قال: أتاني عروة البارقي من عند عمر. . . فذكره.
ورواه أيضًا سعيد بن منصور (1196 و 1962) من طريقين عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان فيما جاء به عروة البارقي من عند عمر إلى شريح. . . وهذا ظاهره الانقطاع.
وعلى كل حال فالأسانيد الثلاثة مدارها على مغيرة، وهو ابن مقسم الضبي عن إبراهيم النخعي، وفي سماعه منه نظر.
قال ابن فضيل: كان يدلس، وكنا لا نكتب عنه إلا ما قال: حدثنا إبراهيم، وقال أبو حاتم، عن أحمد: حديث مغيرة مدخول عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد، ومن يزيد بن الوليد، والحارث العكلي، وعبيدة وغيرهم قال: وجعل يضعف حديث مغيرة عن إبراهيم وحده.
وأما عثمان: فقد رواه مالك (2/ 572) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن بلاغًا أن عثمان وَرَّث امرأة عبد الرحمن بن عوف.
ورواه موصولًا: مالك (2/ 571)، وسعيد بن منصور (1958 و 1959 و 1970)، وعبد الرزاق (12195)، والبيهقي (7/ 362) من طرق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عثمان وَرّث امرأة عبد الرحمن وكان طلقها مريضًا.
وأبو سلمة بن عبد الرحمن إن كان سمع من عثمان فالإسناد صحيح.
ولم أجد من صرح بعدم السماع منه، وإدراكه ممكن حيث إنه ولد بعد سنة عشرين.
ورواه عبد الرزاق (12192)، والبيهقي (7/ 162) من طريق ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أنه سأل ابن الزبير عن رجل يطلق المرأة. . . فذكر توريث عثمان لزوجة عبد الرحمن بن عوف، وهذا إسناد صحيح موصول، رجاله رجال الصحيح.
ورواه ابن أبي شيبة (4/ 151)، وعبد الرزاق (12194) من طريقين آخرين عنه أيضًا.
وأما علي بن أبي طالب، فقد رواه عنه ابن أبي شيبة (4/ 152) عن عباد بن العوام عن أشعث عن الشعبي عنه أنه ورّث أم البنين بنت عيينة بن حصن زوجة عثمان -رضي اللَّه عنه-. وأشعث هو ابن سوّار ضعيف.
وروى مالك في "الموطأ" (2/ 572) عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان قال: كانت عند جدي امرأتان،. . . فذكر توريث عثمان وعلي لإحدى زوجات جدّه.
ومحمد بن يحيى هذا لم يدرك القصة.
وأما أبيّ بن كعب، فقد رواه عنه ابن أبي شيبة (4/ 151)، والبيهقي (7/ 363) من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن رجل من قريش عنه، وفيه رجل مبهم.
وأما غيرهم، قد ورد عن الحسن بن علي وعائشة، كما في "مصنف ابن أبي شيبة" (4/ 151 و 152).
(5/92)

وهذه وقائع متعددة لأشخاص متعددة في أزمان متعددة، والعادة تُوجب اشتهارها وظهورها بينهم، لا سيما وهؤلاء أعيان المُفتين من الصحابة الذين كانت تُضْبَطُ أقوالهم، وتنتهي إليهم فتاويهم، والناس عنقٌ واحد إليهم متلقُّون لفتاويهم، ومع هذا فلم يُحفظ عن واحدٍ منهم إلا الإنكار (1) ولا إباحة الحيل مع تباعد الأوقات وزوال أسباب السكوت، وإذا كان هذا قولهم في التحليل والعِينة وهدية المُقْترض إلى المقرض فماذا يقولون في التحيُّل لإسقاط حقوق المسلمين، بل لإسقاط حقوق رب العالمين، وإخراج الأبْضاع والأموال عن ملك أربابها، وتصحيح العقود الفاسدة والتلاعب بالدين؟ وقد صانهم اللَّه تعالى أن يروا في وقتهم من يفعل ذلك أو يُفتي به، كما صانهم عن رؤية الجهمية والمعتزلة والحلولية والاتّحادية (2) وأضرابهم، وإذا ثبت هذا عنهم فيما ذكرنا من الحيل فهو دليل على قولهم فيما هو أعظم منها.
وأما المقدمة الثانية فكل مَنْ له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائله ثم أنصف لم يَشُك أن تقرير هذا الإجماع منهم على تحريم الحيل وإبطالها ومنافاتها للدين أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس وغير ذلك مما يُدَّعى فيه إجماعُهم، كدعوى إجماعهم على عدم وجوب غسل الجمعة، وعلى المنع من بيع أمهات الأولاد، وعلى الإلزام بالطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وأمثال ذلك.
فإذا وازنت بين هذا الإجماع وتلك الإجماعات ظهر لك التفاوت، وانضم إلى هذا أن التابعين موافقون لهم على ذلك؛ فإن الفقهاء السبعة وغيرهم من فقهاء المدينة الذين أخذوا عن زيد بن ثابت وغيره متفقون على إبطال الحيل، وكذلك أصحاب عبد اللَّه بن مسعود من أهل الكوفة، وكذلك أصحاب فقهاء البصرة كأيوب وأبي الشَّعْثاء والحسن وابن سيرين، وكذلك أصحاب ابن عباس.
وهذا في غاية القوة من الاستدلال، فإنه انضم إلى كثرة فتاويهم بالتحريم في أفراد هذا الأصل وانتشارها أن عصرهم انصرم، ورقعة الإسلام متسعة (3)، وقد
__________
(1) كذا في (ن) و (ك) و (ق)، وفي سائر النسخ: "فلم يحفظ عن أحد منهم الإنكار"!!
(2) "الحلولية: هم الذين يزعمون أن اللَّه يحل في كل كائن، أو أن اللَّه روح الكائنات، والاتحادية: الذين يزعمون أن العبد يتحد بربه بضروب من العبادات والمجاهدات.
وكلاهما ملعون بلعنة اللَّه، فاللَّه بائن عن خلقه، ومن لم يعتقد بهذا فهو نافٍ لوجود اللَّه، جاحد به" (و).
(3) في المطبوع: "وبقعة الإسلام متسعة". قلت: وهي كذلك في "بيان الدليل" (ص 340).
(5/93)

دخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، وقد اتسعت الدنيا على المسلمين أعظم اتساع، وكثُر من كان يتعدى الحدود، وكان المقتضى لوجود هذه الحيل موجودًا فلم يُحفظ عن رجل واحد منهم أنه أفتى بحيلة واحدة منها أو أمر (1) بها أو دلَّ عليها، بل المحفوظ عنهم النهي والزجر عنها؛ فلو كانت هذه الحيل مما يسوغ فيها الاجتهاد لأفتى بجوازها رجلٌ منهم، ولكانت مسألة نزاع كغيرها. بل أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم متفقة على تحريمها والمنع منها، ومضى على أثرهم أئمة الحديث والسنة في الإنكار، قال الإمام أحمد في رواية موسى بن سعيد الدِّنْدانيّ (2): لا يجوز شيء من الحيل (3)، وقال في رواية الميموني وقد سأله عَمَّن حلف على يمين ثم احتال لإبطالها، فقال: نحن لا نرى الحيلة (4) وقال في رواية بكر (5) بن محمد: إذا حلف على شيء ثم احتال بحيلة فصار إليها فقد صَارَ إلى ذلك الذي حَلفَ عليه بعينه، وقال: [بَلَغني عن مالك، أو قال: قال مالك] (6): من احتال بحيلة فهو حانث، وقال في رواية صالح (7) وأبي الحارث وقد ذُكر له قول أصحاب الحيل فأنكره (8)، وقال في رواية إسماعيل بن سعيد (9) وقد سئل
__________
(1) في (ك) و (ق): "وأمر".
(2) في (ق) و (ك) و (د)، و (ط): "الديداني" وقال (و): "في الأصل وفي كل طبعاته: الديداني بالياء بدلًا من النون الأولى، والتصويب من "خلاصة تذهيب الكمال"، ومن "اللباب" لابن الأثير، وهو موسى بن سعيد بن النعمان بن حيان، وضبط في. "التقريب" بفتح الدالين، ويضبط بكسر الأولى" اه.
قلت: انظر ترجمته في "تهذيب الكمال" (29/ 70)، و"تهذيب التهذيب" (10/ 345).
(3) نقلها ابن تيمية في "بيان الدليل" (60).
(4) نقلها ابن تيمية في "بيان الدليل" (60).
(5) كذا في جميع الأصول، وهو بكر بن محمد النسائي أبو أحمد، له "مسائل أحمد"، ونقل منها ابن رجب في "قواعده" (1/ 394 - بتحقيقي)، ولكن الكلام المذكور هنا معزو في "بيان الدليل" (60) لأحمد من رواية ابن الحكم، وهو جعفر بن محمد بن أحمد بن الحكم الواسطي، ترجمته في "السير" (16/ 30)، وله "مسائل أحمد"، ونقل ابن رجب منها أيضًا، انظر على سبيل المثال: (2/ 107، 236 و 3/ 5، 221، 343 - بتحقيقي).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من جميع الأصول، وهو فقط من "بيان الدليل" (60).
(7) انظر: "مسائل صالح" (2/ 486/ 1210)،
(8) في "بيان الدليل" (ص 90): "قال الإمام أحمد في رواية صالح وأبي الحارث: هذه الحيل التي وضعها هؤلاء: فلان وأصحابه، عمدوا إلى السنن، فاحتالوا في نقضها، والشيء الذي قيل لهم: إنه حرام احتالوا فيه حتى أحلّوه".
(9) في (ن): "سعيد بن إسماعيل"!
(5/94)

عمن احتال في إبطال الشفعة، فقال: لا يجوز شيء من الحيل في إبطال حق امرئ مسلم (1)، وقال في رواية أبي طالب وغيره في الرجل يحلف وينوي غير ذلك: فاليمين على نية ما يُحلّفه عليه صاحبه إذا لم يكن مظلومًا، فإذا كان مظلومًا حلف على نيته، ولم يكن عليه من نية الذي حلَّفه شيء، وقال في رواية عبد الخالق بن منصور: من كان عنده "كتاب الحيل" في بيته يُفتي به فهو كافر بما أنزل اللَّه على محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- (2).

[من ذكروا الحيل لم يذكروا أنها كلها جائزة]
قلت: والذين ذكروا الحيل لم يقولوا أنها كلها جائزة، وإنما أخبروا أن كذا حيلة وطريق إلى كذا، ثم قد تكون الطريق محرَّمة، [وقد تكون مكروهة] (3)، وقد يُختلف فيها، فإذا قالوا: [إن] (4) الحيلة في فَسْخ المرأة النكاح أن ترتدَّ ثم تُسْلِم، والحيلة في سقوط القصاص عمن قتل أم امرأته أن يقتل امرأته إذا كان لها ولد منه، والحيلة في سقوط الكفارة عمن أراد الوطء في رمضان أن يتغدَّى ثم يطأ بعد الغداء، والحيلة لمن أرادت أن تفسخ نكاح زوجها أن تمكن ابنه من الوقوع عليها، والحيلة لمن أراد أن يفسخ نكاح امرأته ويحرمها عليه على التأبيد أن يطأ حماته أو يقبِّلها، والحيلة لمن أراد سقوط حد الزنا عنه أن يَسْكر ثم يزني، والحيلة لمن أراد سقوط الحج عنه مع قدرته عليه أن يملك ماله لابنه أو زوجته عند خروج الركب فإذا بعد استردَّ ماله، والحيلة لمن أراد حرمان وارثه ميراثه أن يقرَّ بماله كله لغيره عند الموت، والحيلة لمن أراد إبطال الزكاة وإسقاط فَرضها عنه بالكلية أن يملك ماله عند الحَوْل لابنه أو امرأته أو أجنبي ساعة من زمان ثم يسترده منه، ويفعل هكذا كل عام، فيبطل فرض الزكاة عنه أبدًا، والحيلة لمن أراد أن يملك مال غيره بغير رضاه أن يُفْسِدَه عليه أو يغير صورته فيملكه، فيذبح شاته،
__________
(1) ذكره ابن تيمية في "بيان الدليل" (60).
(2) نقلها ابن تيمية في "بيان الدليل" (187)، وقال: "رواه أبو عبد اللَّه السدوسي في "مناقب الإمام أحمد"، وذكره القاضي أبو يعلى".
وقد تكلمت على تحريم الحيل، وحذرت من بعض ما صنف في تجويزها، في كتابي: "كتب حذر منها العلماء" (1/ 179 - 185)، وانظر: "إبطال الحيل" (ص 54 - 55) لابن بطة.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(5/95)

ويشق قميصه، ويَطْحَن حبَّه ويخبزه، ونحو ذلك، والحيلة لمن أراد قتل غيره ولا يُقْتَل به أن يضربه بدبوس أو مرزبة حديد ينثر دماغه فلا يجب عليه قصاص، والحيلة لمن أراد أن يزني بامرأة ولا يجب عليه الحد أن يستأجرها لكنس بيته أو لطيِّ ثيابه أو لغسلها أو لنقل متاع من مكان إلى مكان ثم يزني بها ما شاء مجانًا بلا حد ولا غرامة، أو يستأجرها لنفس الزنا، والحيلة لمن أراد أن يسقط عنه حد السرقة أن يَدَّعي أن المال له (1) أو أن له فيه شركة فيسقط القطع عنه (2) بمجرد دعواه، أو ينقب الدار ثم يَدَع غلامه أو ابنه أو شريكه يدخل ويخْرِج متاعه (3)، أو يَدَعه (4) على ظهر دابة تخرج به، ونحو ذلك، والحيلة لمن أراد سقوط حد الزنا عنه بعد أن يشهد به عليه أربعة عدول غير متهمين أن يصدقهم فيسقط عنه الحد بمجرد تصديقهم، والحيلة لمن أراد قَطْع يد غيره ولا يُقْطَع بها أن يمسك هو وآخر السكين أو السيف ويقطعانها معًا، والحيلة لمن أرادت التخلَّف عن زوجها في السفر أن تقرَّ لغيره بدين، والحيلة لمن أراد الصيد في الإحرام أن ينصب الشِّبَاك قبل أن يُحْرم ثم يأخذ ما وقع فيها حال إحرامه بعد أن يحل.

[تكفير من يستحل الفتوى بهذه الحيل] (5)
فهذه الحيل وأمثالها لا يحل لمسلم أن يُفتي بها في دين اللَّه تعالى، ومن استحل الفتوى بهذه (6) فهو الذي كَفَّره الإمام أحمد وغيره من الأئمة، حتى قالوا: إن مَنْ أفتى بهذه الحيل فقد قلب الإسلام ظَهْرًا لبطن، ونَقَضَ عُرَى الإسلام عُرْوة عروة، وقال بعض أهل الحيل: ما نقموا علينا من أنَّا عَمَدنا إلى أشياء كانت حرامًا عليهم فاحتلنا فيها حتى صارت حلالًا، وقال آخرُ منهم: إنّا نحتال للناس منذ كذا وكذا سنة في تحليل ما حرَّم اللَّه عليهم، قال أحمد بن زهير بن مروان: كانت امرأة هاهنا بمرو أرادت أن تختلع من زوجها، فأبى زوجها عليها، فقيل لها: لو ارتددت عن الإسلام لَبِنْتِ منه، فَفَعَلت، فذكرت ذلك لعبد اللَّه بن
__________
(1) في المطبوع: "و".
(2) كذا في (ق) و (ك) وفي سائر الأصول: "عنه القطع".
(3) في (ك) و (ق): "المتاع" والمثبت من سائر الأصول.
(4) في (ك): "يدع".
(5) ما تحته بطوله -بتصرف يسير- في "بيان الدليل" (ص 183 - 190).
(6) في (ك) و (ق): "الفتيا بها".
(5/96)

المبارك، فقال: من وَضَعَ هذا الكتاب فهو كافر، ومن سَمِعَ به ورضي به فهو كافر، ومن حَمَله من كورة إلى كورة فهو كافر، ومن كان عنده فرضي به فهو كافر، وقال إسحاق بن [إبراهيم بن] (1) راهويه عن شقيق بن عبد الملك: إن ابن المبارك قال في قصة بنت أبي روح حيث أُمرت بالارتداد، وذلك في أيام أبي غسان، فذَكَر شيئًا، ثم قال ابن المبارك وهو مُغضب: أحدثوا في الإسلام، ومَنْ كان أَمَر بهذا فهو كافر، ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به أو هويه ولم يأمر به فهو كافر، ثم قال ابن المبارك: ما أرى الشيطان كان يحسن مثل هذا، حتى جاء هؤلاء فأفادها منهم فأشاعها حينئذ، أو كان يحسنها ولم يجد من يُمضيها فيهم حتى جاءا مؤلاء، وقال إسحاق الطالقاني: قيل: يا أبا عبد الرحمن إن هذا الكتاب وضعه إلى ليس، قال: إبليسٌ من الأبالسة، وقال النضر بن شُمَيْل: في "كتاب الحيل" ثلاث مئة وعشرون أو ثلاثون مسألة كلها كفر، وقال أبو حاتم الرازي: قال شَرَيك، يعني: ابن عبد اللَّه قاضي الكوفة وذكر له "كتاب الحيل"، فقال: مَنْ يخادع اللَّه يَخْدَعْه، وقال حفص بن غِياث: ينبغي أن يُكتب عليه كتاب الفجور، وقال إسماعيل بن حماد: قال القاسم بن مَعْن يعني: ابن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود قاضي الكوفة: كتابكم هذا الذي كتبتموه (2) في الحيل كتاب الفجور، وقال حماد بن زيد: سمعت أيوب يقول: وَيْلَهم! مَنْ يخدعون (3)؟ يعني: أصحاب الحيل، وقال [عبد اللَّه بن] (4) عبد الرحمن الدَّارمي: سمعت يزيد بن هارون يقول: لقد أفتى أصحاب الحيل بشيء لو أفتى به اليهودي والنصراني كان قبيحًا، فقال: إني (5) حافتُ [أني لا] (6) أطلق امرأتي بوجه من الوجوه، وإنهم قد بذلوا لي مالًا كثيرًا، فة، ل له: قَبِّل أمها، فقال يزيد بن هارون: وَيْله! يأمره أن يقبل امرأة أجنبية؟ وقال حبيش بن سندي (7): سئل أبو عبد اللَّه -يعني الإمام
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(2) في (ن) و (ق) و (ك)، و"بيان الدليل" (ص 184): "الذي وضعتموه"، وأشار إليها (د) في الهامش بقوله: "في نسخة: الذي وضعتموه".
(3) في (ك): "يخادعون".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في (ق) و (ك): "إن".
(6) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "ألا".
(7) وقع في نسخ "الإعلام" المطبوعة كلها: "حبيش بن مبشر"، وقال (د): "في نسخة: جيش بن سيدي"! وفي "بيان الدليل" (ص 186): حبيش بن سندي"! وكلاهما تصحيف، وما أثبتناه من (ن)، وهو الصواب.
انظر ترجمته في: "المقصد الأرشد" (1/ 356/ 383)، و"طبقات الحنابلة" (1/ 146)، =
(5/97)

أحمد- عن الرجل يشتري جارية ثم يعتقها من يومه ويتزوجها، أيطؤها من يومه؟ فقال: كيف يطؤها من يومه وقد وطئها ذاك بالأمس؟ هذا من طريق الحيلة، وغضب، وقال: هذا أخبث قول، وقال رجل للفُضَيلِ بن عياض: يا أبا علي استفتيتُ رجلًا في يمين حلفتُ بها، فقال لي: إن فعلتَ كذا حنثتَ، وأنا أحتال لك حتى تفعل ولا تحنث (1)، فقال له الفُضَيل: تعرف الرجل؟ [قال: نعم،] (2) قال: ارجع إليه فاسْتَثْبِتهُ فإني أحسبه شيطانًا شبِّه لك في صورة إنسان.

[لماذا حكم الأئمة بما سبق؟]
وإنما قال هؤلاء الأئمة وأمثالهم هذا الكلام في هذه الحيل لأن فيها الاحتيال على تأخير صوم رمضان، وإسقاط فرائض اللَّه تعالى من الحج والزكاة، وإسقاط حقوق المسلمين، واستحلال ما حرم اللَّه من الربا والزنا، وأخذ أموال الناس وسَفك دمائهم، وفَسْخ العقود اللازمة، والكذب وشهادة الزور وإباحة الكفر، وهذه الحيل دائرة بين الكفر والفسوق، ولا يجوز أن تُنْسَب هذه الحيل إلى أحد من الأئمة، ومن نَسَبها إلى أحد منهم فهو جاهل بأصولهم ومقاديرهم ومنزلتهم من الإسلام، وإن كان بعضُ هذه الحيل قد تنفذ على أصول إمام بحيث إذا فعلها المتحيل نفذ حكمها عنده، ولكن هذا أَمرٌ غير الإذن فيها وإباحتها وتعليمها فإن إباحَتَها شيءٌ ونفوذها إذا فعلت شيء، ولا يلزم من كون الفقيه والمفتي لا يبطلها أن يبيحها ويأذن فيها، وكثير من العقود يحرمها الفقيه ثم ينفذها ولا يبطلها، ولكن الذي نَدينُ اللَّه به تحريمها وإبطالها وعدم تنفيذها، ومقابلة أربابها بنقيض مقصودهم (3) موافقة لشرع اللَّه تعالى وحكمته وقدرته.

[لا يجوز أن ينسب القول بجواز الحيل إلى إمام]
والمقصود أن هذه الحيل لا تجوز أن تنسب إلى إمام؛ فإن ذلك قَدْح في إمامته، وذلك يتضمن القَدْحَ في الأمة حيث ائتمت بمن لا يصلح للإمامة [وفي
__________
= و"مختصره" (ص 104، 105)، و"المنهج الأحمد" (1/ 395)، و"تاريخ بغداد" (8/ 272)، و"الإكمال" (2/ 331).
(1) في (ن) و (ك) و (ق): "حتى لا تفعل ولا تحنث".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ك) و (ق): "قصودهم".
(5/98)

ذلك نسبة لبعض الأئمة إلى تكفير أو تفسيق] (1)، وهذا غيرُ جائز، ولو فرض أنه حُكي عن واحد من الأئمة بعض هذه الحيل المجمع على تحريمها فإما أن تكون الحكاية باطلة، أو يكون الحاكي لم يضبط [لفظه] (2) فاشتبه عليه فتواه بنفوذها بفتواه بإباحتها مع بُعْد ما بينهما، ولو فُرض وقوعها منه في وقت ما فلا بد أن يكون قد رجع عن ذلك، وإن لم يُحْمَل الأمر على ذلك لزم القدح في الإمام وفي جماعة المسلمين المؤتمين به، وكلاهما غير جائز، ولا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذنُ في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، إلا المكره إذا اطمأنَ قلبُهُ بالإيمان.
ثم إن هذا على مذهب أبي حنيفة وأصحابه أشد؛ فإنهم لا يأذنون في كلمات وأفعال دون ذلك بكثير، ويقولون: إنها كفر، حتى قالوا: لو قال الكافر لرجل: "إني أريد أن أسلم" فقال له: "اصبر ساعة" فقد كفر (3)، فكيف بالأمر بإنشاء الكفر؟ وقالوا: لو قال: "مُسَيْجِد" أو صغَّر لفظ المصحف كَفَر (4).

[الأئمة برءاء مما نسب إليهم]
فعلمت أن هؤلاء المحتالين الذين يُفْتُونَ بالحيل التي هي كفر أو حرام ليسوا بمقتدين (5) بمذهب أحد من الأئمة (6)، وأن الأئمة أعلم باللَّه ورسوله ودينه وأتْقَى له من أن يُفْتُوا بهذه الحيل، وقد قال أبو داود في "مسائله": سمعت أحمد وذكر أصحاب الحيل: يحتالون لنقض سنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (7)! وقال في رواية أبي
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (و): وقال: "ما بين القوسين من فتاوى ابن تيمية" (ص 170 ج 3) اه. قلت: انظره في "بيان الدليل" (ص 188).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في "الخلاصة" كافر قال لمسلم: اعرض عليّ الإسلام، فقال: اذهب إلى فلان العالم، كفر، أي: لأنه رضي ببقائه في الكفر إلى حين ملازمة العالم ولقائه، قاله القاري في "شرح ألفاظ الكفر" (رقم 51 - بترقيمي) وزاد: "وقال أبو الليث: إن بعثه إلى عالم لا يكفر، لأن العالم ربما يحسن ما لا يحسنه الجاهل، فلم يكن راضيًا بكفره ساعة، بل كان راضيًا بإسلام أتمّ وأكمل"، وقارن بما في "بيان الدليل" (ص 189).
(4) انظر: كلام الحنفية في "شرح ألفاظ الكفر" (رقم 15 - بترقيمي).
(5) كذا في (ك) و (ق) وفي سائر الأصول: "مقتدين".
(6) إلى هنا انتهى النقل عن شيخ الإسلام الذي أشرف إليه سابقًا.
(7) انظر: "مسائل أبي داود" (ص 276)، ونقلها عنه ابن بطة في "إبطال الحيل" (54) وابن تيمية في "بيان الدليل" (ص 344).
(5/99)

الحارث الصانع: هذه الحيل التي وضعوها عمدوا إلى السنن واحتالوا لنقضها، والشيء الذي قيل لهم: إنه حرام احتالوا فيه حتى أحَلُّوه، قالوا: الرهن لا يحل أن يُسْتعمل، ثم قالوا: يُحتال له حتى يستعمل، فكيف يحل بحيلة ما حرَّم اللَّه ورسوله؟ وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لعن اللَّه اليهود حرِّمت عليهم الشحوم فأذابوها فباعوها وأكلوا أثمانها" (1) أذابوها حتى أزالوا عنها اسمَ الشَّحم، وقد لعن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المحلل والمحلل له (2)، وقال في رواية ابنه صالح: عجبتُ مما يقول أرباب الحيل في الحيل [في الأَيْمان، يبطلون الأيمان بالحيل] (3) وقد قال اللَّه تعالى: {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 91]، وقال: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان: 7] وكان ابنُ عُيَيْنة يشتد عليه أمر هذه الحيل (4)، وقال في رواية الميموني وقد سأله: إنهم يقولون في رجل حَلَفَ على امرأته وهي على دَرَجة إن صَعَدتِ أو نَزَلْتِ فأنت طالق، قالوا: تُحمَلُ حَمْلًا، فقال: هذا هو الحنث بعينه، ليست هذه حيلة، هذا هو الحنث، وقالوا: إذا حلف لا يطأ بساطًا يطأ بساطين، وإذا حلف لا يدخل دارًا يُحمَل، فأقبل أبو عبد اللَّه يعجب (5)، وقال أبو طالب (6): "سمعت أبا عبد اللَّه قال له رجل: في "كتاب الحيل": إذا اشترى الرجل الأمة فأراد أن يقع بها يعتقها ثم يتزوجها، فقال أبو عبد اللَّه: سبحان اللَّه! ما أعجب هذا! أبطلوا كتاب اللَّه والسنة، جعل اللَّه العدة على الحرائر (7) من أجل الحَمْل، فليس من امرأة تُطلق أو يموت زوجها إلا تعتد من أجل الحمل، فَفَرجٌ يوطأ يشتريه ثم يعتقه على المكان فيتزوجها فيطؤها، فإن كانت حاملًا كيف يصنع؟ يطؤها رجل اليوم ويطؤها الآخر غدًا؟ [هذا] (8) نقض للكتاب والسنة، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تُوطَأ الحامل حتى
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه، وفي (ق): "الحال والمحلل له".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) انظر: "مسائل صالح" (2/ 486/ 1210)، وفيها هذا الكلام حكايةً لصالح عن أبيه، فيقول: "والعجب مما يقولون في الحيل. . . "، والمسألة اختصرها ابن القيم، وحذف منها قول ابن عيينة في أبي حنيفة.
(5) نقلها ابن تيمية في "بيان الدليل" (ص 60 - 61) بنحوه.
(6) ذكره ابن تيمية في "بيان الدليل" (ص 344).
(7) كذا في (ك) و (ق) وفي سائر الأصول: "على الحرائر العدة".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5/100)

تضع، ولا غير الحامل حتى تحيض" (1) ولا يدري هي (2) حاملٌ أم لا؟ سبحان اللَّه! ما أسْمَجَ هذا! " (3) وقال محمد بن الهيثم: سمعت أبا عبد اللَّه -يعني أحمد بن حنبل- يحكي عن محمد بن مقاتل (4) قال: شهدت هشامًا وهو يقرئ كتابًا، فانتهى بيده إلى مسألة فجازها، فقيل له في ذلك، فقال: دَعُوه، وكره مكاني، فتطلَّعتُ في الكتاب، فإذا فيه: لو أن رجلًا لَفَّ على ذكره (5) حَرِيرَةً في شهر رمضان ثم جامع امرأته نهارًا فلا قضاء عليه ولا كفارة.

فصل (6) [من الأدلة العقلية على تحريم الحيل]
ومما يدل على بطلان الحيل وتحريمها أن اللَّه سبحانه إنما أوجب الواجبات وحرَّم المحرمات لما تتضمن من مصالح عباده في معاشهم ومَعَادهم؛ فالشريعة لقلوبهم بمنزلة الغذاء الذي لا بد لهم منه والدواء الذي لا يندفع الداء إلا به، فإذا احتال العبدُ على تحليل ما حرم اللَّه وإسقاط ما فرض اللَّه وتعطيل ما شرع اللَّه كان ساعيًا في دين اللَّه بالفساد من وجوه:
أحدها: إبطاله (7) ما في الأمر المحتال عليه من حكمة الشارع ونقض حكمته فيه ومناقضته له.
والثاني: أن الأمر المحتال به ليس له عنده حقيقة، ولا هو مقصوده، وهو (8)
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) زاد (د): قبلها: "هل" ووضعها بين معقوفتين، ولا وجود لها في سائر الأصول، ولا في "بيان الدليل".
(3) في "بيان الدليل" (ص 344): "ما أسمج هذه"!.
(4) كذا في (ق) و (ك)، وفي سائر النسخ: "مقاتل بن محمد"!! والصحيح ما أثبتناه، وهو المروزي، أبو الحسن الكسائي، لقبه (رُخ)، روى عنه أحمد في "المسند" (4/ 352، 391)، ترجمته في: "الجرح والتعديل" (8/ 105)، و"تاريخ بغداد" (3/ 275)، و"ثقات ابن حبان" (9/ 81).
(5) في (ك): "ذكر فرجه".
(6) بدايات هذا الفصل أخذها ابن القيم من "بيان الدليل" (ص 341 - فما بعدها)، بشيء من التصرف.
(7) في المطبوع: "إبطالها".
(8) في (د) و (ط): "بل هو"، وقال (د): "نسخة: وهو ظاهر المشروع".
قلت: وفي "بيان الدليل": "بحيث يكون ذلك محصلًا لحكمة الشارع فيه ومقصودًا به".
(5/101)

ظاهر المشروع؛ فالمشروع ليس مقصودًا له، والمقصود له هو المحرم نفسه، وهذا ظاهرٌ كلَّ الظهور فيما يقصد الشارع؛ فإن المرابي مثلًا مقصوده الربا المحرم، وصورة البيع الجائز غير مقصودة له، وكذلك المتحيِّل على إسقاط الفرائض بتمليك ماله لمن لا يهبه درهمًا واحدًا حقيقة [بل] (1) حقيقة مقصودِهِ إسقاطُ الفرض، وظاهر الهبة المشروعة غير مقصودة له.
الثالث: نسبته ذلك إلى الشارع الحكيم وإلى شريعته التي هي غذاء القلوب ودواؤها وشفاؤها، ولو أن رجلًا تحيل حتى (2) قلب الغذاء والدواء (3) إلى ضده، فجَعل الغذاء دواءً والدواء غذاءً، إما بتغيير اسمه أو صورته مع بقاء حقيقته؛ لأهلَكَ الناس، فمن عمد إلى الأدوية المسهلة فغيَّر صورتها أو أسماءها وجعلها غذاءً للناس، أو عمد إلى السموم القاتلة فغيَّر أسماءها (4) وصورتها وجعلها أدوية، أو إلى الأغذية الصالحة فغيَّر أسماءها (4) وصورها؛ كان ساعيًا بالفساد في الطبيعة، كما أن هذا ساع بالفساد في الشريعة؛ فإن الشريعة للقلوب بمنزلة الغذاء والدواء للأبدان، وإنما ذلك بحقائقها لا بأسمائها وصورها.

[الإشارة إلى الحكمة في تحريم ما حَرَّم اللَّه]
وبيان ذلك على وجه الإشارة أن اللَّه سبحانه وتعالى [إنما] (5) حرم الربا والزنا وتوابعهما ووسائلهما؛ لما في ذلك من الفساد، وأبَاحَ البيع والنكاح وتوابعهما؛ لأن ذلك مصلحة محضة، ولا بد أن يكون بين الحلال والحرام فَرْق في الحقيقة، وإلا لكان البيع مثل الربا والنكاح مثل الزنا، ومعلوم أن الفرق في الصورة دون الحقيقة مُلْغى عند اللَّه ورسوله و [في] (6) فِطَر عباده؛ فإن الاعتبار بالمقاصد والمعاني في الأقوال والأفعال، فإن الألفاظ إذا اختلفت ومعناها واحد كان حكمها واحدًا، فإذا اتفقت الألفاظ واختلفت المعاني كان حكمها مختلفًا، وكذلك الأعمال إذا اختلفت صورها واتفقت مقاصدها، وعلى هذه القاعدة ينبني (7) الأمر والنهي والثواب والعقاب، ومَنْ تأمل الشريعة علم بالاضطرار صحة هذا؛ فالأمر المُحْتال به على المُحرَّم صورتُه صورةُ الحلالِ، وحقيقتُه ومقصودُه
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(2) في (ن) و (ق): "تحيل على".
(3) في (ك) و (ق): "الدواء والغذاء".
(4) في (ق): "اسمها".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق)
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في المطبوع: "يبني".
(5/102)

حقيقة الحرام؛ فلا يكون حلالًا فلا يترتب عليه أحكامُ الحَلالِ فيقع باطلًا، والأمر المحتال عليه حقيقته حقيقة الأمر الحرام وإن لم تكن صورتُه صورتَه، فيجب أن يكون حرامًا لمشاركته للحرام في الحقيقة.

[لا نعلّق الأحكام إلّا على المعاني]
وياللَّه العجب! أين القياس والنظر في المعاني المؤثرة وغير المؤثرة فرقًا وجمعًا؟ والكلام في المناسبات ورعاية المصالح وتحقيق المَنَاطِ وتنقيحه وتخريجه (1) وإبطال قول مَنْ عَلّقَ الأحكام بالأوصاف الطَّرْدية التي لا مناسبة بينها وبين الحكم، فكيف يعلّقه بالأوصاف المناسبة لضد الحكم؟ وكيف تُعلّق الأحكام على مجرد الألفاظ والصُّور الظاهرة التي لا مناسبة بينها وبينها وَيدَع المعاني المناسبة المقتضية (2) لها التي ارتباطُها بها كارتباط العلل العقلية بمعلولاتها؟ والعجب منه كيف ينكر مع ذلك على أهل الظاهر (3) المتمسكين بظواهر كتاب ربهم وسنة نبيهم حيث لا يقوم دليل يخالف الظاهر ثم يتمسك بظواهر أفعال المكلفين وأقوالهم (4) حيث يعلم أن الباطنَ والقصدَ بخلافِ ذلك؟ ويعلم لو تأمل حق التأمل أن مقصودَ الشارعِ غير ذلك، كما يقطع بأن مقصوده ومن إيجاب الزكاة سد خَلّة المساكين وذوي الحاجات وحصول المصالح التي أرادها بتخصيص هذه الأوصاف (5) من حماية المسلمين والذَّبِّ عن حَوْزة الإسلام، فإذا أسقطها بالتحيل فقد خالف مقصود الشارع وحَصَّل مقصود المتحيل.

[الواجب هو أن يحصل مقصود اللَّه ورسوله]
والواجب الذي لا يجوز غيره أن يحصل مقصود اللَّه ورسوله وتبطل مقاصد
__________
(1) كتب الناسخ في هامش (ق): "تنقيح المناط: تلخيص الوصف الذي أناط الشارع الحكم به وربطه به، وتنقيح المناط وتحقيق المناط وتخريج المناط متقاربة في اللفظ وقد تشتبه معانيها، وتحقيق المناط هو إثبات العلة المتفق عليها في الصورة المتنازع فيها، وتخريج المناط هو الاجتهاد في استخراج علة الحكم بطريق دالة على ذلك فكأنه أخرج العلة من معان كنهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع البر بالبر إلا مثلًا بمثل وتنقيح المناط أن العلة مذكورة في النص فلم يستخرجها بل نقح النص وأخذ منه ما يصلح للعلية وترك ما لا يصلح كأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي جامع أهله في رمضان بالكفارة فالعلة الجماع في رمضان وأما كون المجامع جامع زوجته أو كونه أعرابيًا فهذا وصف طردي لا يلتفت إليه ولا يعلل به".
(2) في المطبوع: "المفضية".
(3) في (ق): "الظاهرية".
(4) في (ق): "أقوال المكلفين وأفعالهم".
(5) في (ن) و (ك): "الأصناف".
(5/103)

المُتحيلين المخادعين، وكذلك يعلم قطعًا أنه إنما حرَّم الربا لما فيه من الضرر بالمحاويج، وأن مقصوده إزالة هذه المفسدة؛ فإذا أبيح التحيل على ذلك كان سَعْيًا في إبطال مقصود الشارع وتحصيلًا لمقصود المرابي، وهذه سبيل جميع الحيل المتوسَّل بها إلى تحليل الحرام وإسقاط الواجب، وبهذه الطريق تبطل جميعًا (1)، ألا ترى أن المتحيل لإسقاط الاستبراء مُبْطِل لمقصود الشارع من حكمة الاستبراء ومصلحته؛ فالمعينُ له على ذلك مُفوت لمقصود الشارع مُحصِّل (2) لمقصود المتحيل، وكذلك التحيل على إبطال حقوق المسلمين التي ملَّكهم إياها الشَّارع وجعله أحق بها من غيرهم إزالة لضررهم وتحصيلًا لمصالحهم.

[عود إلى الأدلة العقلية على بطلان الحيل]
فلو أباحَ التحيل لإسقاطها لكان عدم إثباتها للمستحقين أولى وأقل ضررًا من أن يثبتها ويوصي بها ويبالِغ في تحصيلها ثم يشرع التحيُّل (3) لإبطالها وإسقاطها، وهل ذلك إلا بمنزلة من بَنى بناءً مشيدًا وبالغ في إحهامه وإتقانه، ثم عاد فَنَقَضَه، وبمنزلة من أمر بإكرام رجل والمبالغة في برِّه والإحسان إليه وأداء حقوقه، ثم أباح لمن أمره أن يتحَيل بأنواع الحيل لإهانته وترك حقوقه، ولهذا يسيء الكُفّار والمنافقون ومَنْ في قلوبهم مرض (4) الظّنَّ بالإسلام والشرع الذي بعث [اللَّه] (5) به رسوله حيث ظنوا أن هذه الحيل مما جاء به الرسول وعَلِموا مناقضتها للمصالح مناقضةً ظاهرة ومنافاتها لحكمة الرب وعدله ورحمته وحمايته وصيانته لعباده؛ فإنه نهاهم عما نهاهم عنه حميةً وصيانةً، فكيف يبيح لهم الحيل على ما حماهم عنه؟ وكيف يبيح لهم التحيل على إسقاط ما فَرَضه عليهم وعلى إضاعة الحقوق التي أحقَّها عليهم لبعضهم بعضًا لقيام مصالح النوع الإنساني التي لا تتم إلا بما شرعه؟ فهذه الشريعة شَرَعَها [اللَّه] (6) الذي علم ما في ضمنها من المصالح والحكم والغايات المحمودة وما في خلافها من ضد ذلك، وهذا أمرٌ ثابتٌ لها لذاتها وبائن من أمر الرب تبارك وتعالى بها ونهيه عنها، فالمأمور به مصلحةٌ وحَسَنٌ في نفسه، و [اكتسى] (5) بأمر الرب تعالى مصلحة وحسنًا آخر، فازداد حُسنًا بالأمر ومحبة الرب وطَلَبِه له إلى حُسنه في نفسه، وكذلك المنهي عنه مَفْسَدة
__________
(1) في (ن) و (ك): "جميعها".
(2) في (ن): "محلل".
(3) في (ك): "التحليل".
(4) في المطبوع و (ك): "المرض".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(5/104)

[وقبيح] (1) في نفسه، وازداد بنهي الرب تعالى عنه وبغْضه له وكراهيته له قبحًا إلى قبحه، وما كان هكذا لم يجز أن ينقلب حُسْنه قبحًا بتغير الاسم والصورة مع بقاء الماهية والحقيقة، ألا ترى أن الشارع صلوات اللَّه وسلامه عليه وعلى آله حَرَّم بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها (2) لما فيه من مفسدة التشاحن والتشاجر (3)، ولما يؤدي إليه -إن منع اللَّه الثمرة- من أكل مال أخيه بغير حق ظلمًا وعدوانًا، ومعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بالتحيل على البيع قبل بدوّ الصلاح؛ فإن الحيلة لا تؤثر في زوال هذه المفسدة، ولا في تخفيفها، ولا في زوال ذرَّة منها؛ فمفسدة هذا العقد أمر ثابت له لنفسه، فالحيلة إن لم تَزِدْه فسادًا لم تُزِل فسادًا، وكذلك شرع اللَّه تعالى الاستبراء لإزالة مفسدة اختلاط المياه وفساد الأنساب وسَقي الإنسان بمائه (4) زَرْع غيره، وفي ذلك من المفاسد (5) ما تُوجِبُ العقولُ تحريمه [و] (6) لو لم تأت به شريعة، ولهذا فَطَرَ اللَّه الناس (7) على استهجانه واستقباحه، وَيرَوْن من أعظم الهجن أن يقوم هذا عن المرأة ويخلفه الآخر عليها، ولهذا حرم نكاح الزانية وأوجب العِدَدَ والاستبراء، ومن المعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بالحيلة على إسقاط الاستبراءِ، ومن المعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بالحيلة على إسقاط الاستبراء (8)، ولا تخِفّ، وكذلك شرع الحجَّ إلى بيته لأنه قوام للناس في معاشهم ومعادهم، ولو عُطِّل البيت الحرام عامًا واحدًا عن الحج لما أمهل الناس، ولَعُوجلوا بالعقوبة، وتوعَّد من ملك الزاد والراحلة ولم يحج بالموت على غير الإسلام (9)، ومعلوم أن التحيل لإسقاطه لا يزيل مفسدة الترك،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) سبق تخريجه.
(3) في (ك) و (ق): "التشاجر والتشاحن".
(4) في (ك) و (ق): "مائه".
(5) في (ق): "الفساد".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(7) في (ق): "العباد".
(8) انظر الاستبراء، وحكمة مشروعيته وحرمة الخيل لإسقاطه في "زاد المعاد" (4/ 189).
(9) ورد هذا في حديث يرويه علي بن أبي طالب مرفوعًا: "من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت اللَّه ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا".
رواه الترمذي (812) في الحج: باب إيجاب الحج بالزاد والراحلة وابن أبي حاتم في "التفسير" (ق 48/ أ) وابن جرير (4/ 12) والعقيلي (4/ 348) وابن عدي (7/ 2580)، ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (2/ 209) والسهمي في "تاريخ جرجان" (434) وابن مردويه -وأورد إسناده ابن كثير (2/ 70) - والتيمي في "الترغيب" (رقم 1050) والبيهقي في "الشعب" (رقم 3978) وابن حزم في "المحلى" (7/ 53) من طريق =
(5/105)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= هلال بن عبد اللَّه حدثني أبو إسحاق الهمداني عن الحارث عنه.
قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد اللَّه مجهول، والحارث يضعف في الحديث. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه فقد روى عن علي موقوفًا ولم يرو مرفوعًا من طريق أحسن من هذا.
وقال ابن عدي: هلال لم ينسب وهو مولى ربيعة بن عمرو وهو يعرف بهذا الحديث، وليس الحديث بمحفوظ ونقل عن البخاري قوله فيه: منكر الحديث.
وأما ابن الجوزي فقد نقل عن الشعبي تكذيب الحارث الأعور.
وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه ابن عدي في "الكامل" (4/ 1620) ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (2/ 209) من طريق عبد الرحمن القطامي حدثنا أبو المهزم عنه مرفوعًا: "من مات ولم يحج حجة الإسلام في غير وجع حابس أو حجة ظاهرة أو سلطان جائر فليمت أي الميتتين إما يهوديًا أو نصرانيًا".
قال ابن الجوزي: فيه أبو المهزم يزيد بن سفيان قال يحيى: ليس حديثه بشيء وقال النسائي: متروك الحديث وفيه عبد الرحمن القطامي قال عمرو بن علي: كان كذابًا، وقال ابن حبان: يجب تنكب رواياته. وله شاهد أيضًا من حديث أبي أمامة، وله عنه طريقان:
الطريق الأول: شريك عن ليث عن عبد الرحمن بن سابط عنه مرفوعًا.
أخرجه الدارمي في مسنده (2/ 28 - 29) والبيهقي (4/ 334)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (2/ 210) وسعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى -كما في "التلخيص الحبير" (2/ 222) و"نصب الراية" (4/ 411) -.
قال الحافظ ابن حجر: وليث ضعيف، وشريك سيء الحفظ، ومما يدل على سوء حفظ شريك أن سفيان الثوري رواه عن ليث فجعله عن عبد الرحمن بن سابط مرسلًا دون ذكر أبي أمامة.
أخرجه أحمد في كتاب "الإيمان" -كما في "نصب الراية" (4/ 412) - نقلًا عن "تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي وليس هو في المطبوع منه (2/ 395) - وقد رواه أيضًا مرسلًا ابن علية كما عند أحمد أيضًا، وأبو الأحوص كما عند ابن أبي شيبة.
الطريق الثاني: عمار بن مطر عن شريك عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عنه.
أخرجه ابن عدي (5/ 1728) ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (2/ 209).
قال ابن عدي عن مطر: متروك الحديث، وختم ترجمته بقوله: الضعف على رواياته بيّن وقال العقيلي: يحدث عن الثقات بالمناكير.
وقد ورد موقوفًا على عمر، أخرجه سعيد بن منصور -كما في "التلخيص" (2/ 223) - والبيهقي (4/ 334) قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر طرقه (2/ 223): وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل ابن سابط علم أن لهذا الحديث أصلًا. . . وتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع. =
(5/106)

ولو أن الناس كلهم تحيَّلوا لترك الحج والزكاة لبطلت فائدة هذين الفرضين العظيمين، وارتفع من الأرض حُكمهما بالكُليَّة، وقيل للناس: إن شئتم كُلُّكم أن تتحيلوا لإسقاطهما فافعلوا، فليتصور العبد ما في إسقاطهما من الفساد المضاد لشرع اللَّه وإحسانه وحكمته، وكذلك الحدود جعلها اللَّه تعالى زَواجَر للنفوس وعقوبة ونكالًا وتطهيرًا، فَشَرْعُهَا من أعظم مصالح العباد في المعاش والمعاد، بل لا تتم سياسة مَلِك من ملوك الأرض إلا بزواجر وعقوبات لأرباب الجرائم، ومعلوم ما في التحيل لإسقاطها من منافاة هذا الغرض وإبطاله وتسليط النفوس الشريرة على تلك الجنايات إذا علمت أن لها طريقًا إلى إبطال عقوباتها فيها، وأنها تسقط تلك العقوبات بأدنى الحيل؛ فإنه لا فرق عندها البتة بين أن تعلم أنه لا عقوبة عليها فيها وبين أن تعلم أن لها عقوبة وأن لها إسقاطها بأدنى الحيل، ولهذا احتاج البلد الذي تظهر فيه هذه الحيل إلى سياسة والٍ أو أمير يأخذ على يَدِ الجُناة ويكفّ شرهم عن الناس إذا لم يمكن أرباب الحيل أن يقوموا بذلك، وهذا بخلاف الأزمنة والأمكنة التي قام الناس فيها بحقائق ما بعث اللَّه به رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فإنهم لم يحتاجوا معها إلى سياسة أميرٍ ولا والٍ.

[طرف مما كان عليه أهل المدينة]
كما كان أهل المدينة في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم، فإنهم كانوا يحدّون بالرائحة وبالقَيْء وبالحبَل وبظهور المسروق عند السارق (1)، ويقتلون في القسامة، ويعاقبون أهل التهم، ولا يَقْبَلُون الدعوى التي تكذّبها العادة والعرف، ولا يرون الحيل في شيء من الدين ويعاقبون أربابها، ويحبسون (2) في التهم حتى يتبين حال المتهم، فإن ظهرت براءته خلّوا سبيله، وإن ظهر فجورُه قرَّروه بالعقوبة اقتداء بسنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في عقوبة المتهمين وحبسهم؛ فإن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حبس في تهمة وعاقب في تهمة، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى (3) مِنْ ذِكْر ذلك عنه وعن أصحابه ما فيه شفاءٌ وكفاية وبيان لإغناء ما جاء به عن كل وال وسائس، وأن
__________
= أقول: قد لا يحكم على الحديث بالوضع، لكن يبقى الحديث ضعيفًا كما قال العقيلي والدارقطني: لا يصح فيه شيء، ومرسل ابن سابط فيه ليث وهو ضعيف، وطرقه الباقية ضعيفة جدًا، ويظهر أن الصحيح فيه الوقف، واللَّه أعلم، وانظر: "التعقبات على الموضوعات" (رقم 110 - بتحقيقي).
(1) مضى تخريج ذلك مسهبًا، والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.
(2) في (ق): "ويحبسونهم".
(3) وتخريجه هناك.
(5/107)

شريعته التي هي شريعته لا يحتاج معها إلى غيرها، وإنما يحتاج إلى غيرها مَنْ لم يُحِطْ بها علمًا أو لم يقم بها (1) عملًا.

[ما في ضمن المحرمات من المفاسد يمنع أن يشرع إليها التحيل]
والمقصود أن ما في ضمن المحرمات من المفاسد والمأمورات من المصالح يمنع أن يشرع إليها التحيل بما يبيحها ويسقطها، وأن ذلك مناقضة ظاهرة، ألا ترى أنه بالَغَ في لعن المحلِّل للمفاسد الظاهرة والباطنة التي في التحليل التي يعجز البشر عن الإحاطة بتفاصيلها؛ فالتحيل على صحة هذا النكاح بتقديم اشتراط التحيل عليه وإخلاء صُلْبه عنه إن لم يَزدْ مفسدتَه فإنه لا يُزِيلها ولا يخّففها، وليس تحريمه والمبالغة في لعن فاعله تعبدًا لا يُعْقَل معناه، بل هو معقول المعنى من محاسن الشريعة، بل لا يمكن شريعة الإسلام ولا غيرها من شرائع الأنبياء (2) أن تأتي بحيلة؛ فالتحيّل على وقوعه وصحته إبطال لغرض الشارع وتصحيح لغرض المتحيل المخادع.

[لِمَ حرم الصيد في الإحرام]
وكذلك الشارع حَرَّم الصيد في الإحرام وتوعَّدَ بالانتقام على مَنْ عاد إليه بعد التحريم (3)، لما فيه من المفسدة الموجبة لتحريمه وانتقام الرب من فاعله، ومعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بنصب الشِّباك له قبل الإحرام بلحظة، [فإذا وقع فيها حال الإحرام أخذه بعد الحِلّ بلحظة] (4)، فإباحته لمن فعل هذا إبطال لغرض الشارع الحكيم وتصحيح لغرض المخادع.

[حكمة إيجاب الكفّارة على من وطئ نهار رمضان]
وكذلك إيجاب الشارع الكفارة على مَنْ وطئ في نهار رمضان فيه من المصلحة جَبْر وَهن الصوم، وزجر الواطئ، وتكفير جُرمه، واستدراك فرطه، وغير ذلك من المصالح التي علمها مَنْ شرَع الكفارة وأحبها ورضيها، فإباحةُ التحيل لإسقاطها بأن يتغدَّى قبل الجماع ثم يجامع نقضٌ لغرض الشارع، وإبطالٌ له،
__________
(1) في المطبوع: "به".
(2) في (ك): "الإسلام".
(3) في (ك) و (ق): "تحريمه".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق).
(5/108)

وإعمال لغرض الجاني المتحيل وتصحيح له، ثم إن ذلك جناية على حق اللَّه وحق العبيد؛ فهو إضاعة للحقين وتفويت لهما.

[حكمة تشريع حدود الجرائم]
وكذلك الشارع شَرَعَ حدود الجرائم التي تتقاضاها الطباع أشَدَّ تَقاضٍ لما في إهمال عقوباتها من مفاسد الدنيا والآخرة، بحيث لا يمكن سياسة ملكٍ ما من الملوك أن يخلو من عقوباتها ألبتة، ولا يقوم ملكه بذلك، فالإذن في التحيل لإسقاطها بصورة العقد وغيره مع وجود تلك المفاسد بعينها أو أعظم منها نَقْضٌ وإبطال لمقصود الشارع، وتصحيح لمقصود الجاني، وإغراء بالمفاسد، وتسليط للنفوس على الشر.

[عود مرة أخرى إلى إبطال الحيل]
وياللَّه العجب! كيف يجتمع في الشريعة تحريم الزنا والمبالغة في المنع منه وقتل فاعله شر القتلات وأقبحها وأشنعها وأشهرها ثم يسقط بالتحيل عليه بأن يستأجرها لذلك أو لغيره ثم يقضي غرضه منها؟ وهل يعجز عن ذلك زانٍ أبدًا؟ وهل في طباع وُلاة الأمران يقبلوا قول الزاني: أنا استأجرتها للزنا، أو استأجرتها لتَطويَ ثيابي ثم قضيت غرضي منها (1)، فلا يحل لك أن
__________
(1) هذا مذهب الشيعة الإمامية.
انظر: "اللمعة الدمشقية" (9/ 57)، "شرح شرائع الإسلام" (4/ 15).
ونقل ابن حزم في "المحلى" عن ابن الماجشون أن المخدمة سنين كثيرة لا حد على المخدم إن وطئها!! وبه قال أبو حنيفة والمعتمد في المذهب قول أبي يوسف ومحمد، وهو وجوب الحد.
"مجمع الأنهر" (1/ 595)، "شرح فتح القدير" (4/ 150)، "المبسوط" (9/ 58)، "الدر المختار" (4/ 29).
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة وابن حزم إلى وجوب الحد أيضًا، انظر: "جامع الأمهات" (ص 515)، "حاشية الدسوقي" (4/ 314)، "بداية المجتهد" (2/ 324)، "شرح الخرشي" (8/ 76)، "عقد الجواهر الثمينة" (3/ 307)، "الذخيرة" (12/ 67)، "الإشراف" (4/ 233 رقم 1587 - بتحقيقي)، "المحلى" (11/ 150)، "حلية العلماء" (8/ 15)، "المقنع" (3/ 462)، "المغني" (10/ 194).
والحق في هذا كله وجوب الحد، إذ عدمه فيه معنى يعارضه كتاب اللَّه، قال اللَّه تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2]، قاله ابن الهمام في "شرح فتح القدير" (4/ 150).=
(5/109)

تقيم (1) عليّ الحد؟ وهل ركَّبَ اللَّه في فِطَرِ الناس سقوطَ الحد عن هذه الجريمة التي هي من أعظم الجرائم إفسادًا للفراش والإنساب بمثل هذا؟ وهل يسقط الشارع الحكيم الحد عمن أراد أن ينكح أمه أو ابنته أو أخته بأن يعقد عليها العقد ثم يطأها بعد ذلك (2)؟ وهل زادهُ صورة العقد المحرم إلا فجورًا
__________
= ويتأيد هذا: بما ورد "مهر البغي سحت"، ولأن الزنى مع الإجارة يدل على غاية الرضى والاختيار، والعقوبة الشرعية تزداد مع كمال الرضى، وتقلل أو تخفف مع نقصانها، ولأن أغلب جرائم الزنى تقع لقاء أجور، فاعتبار الأجور شبهة لإسقاط الحد، يعني فسح المجال أمام الفسقة لارتكاب هذه الجريمة، وبذلك تذهب الحكمة من تشريع الحدود المشرعة للزجر، واللَّه أعلم.
وانظر: "بدائع الفوائد" للمصنف (3/ 130).
(1) في (ق): "فلا يحل لكم أن تقيموا".
(2) مذهب الحنفية إن كان عالمًا بحرمة العقد عليها عوقب بأبعد ما يكون عن التعزير سياسة، وان لم يكن عالمًا؛ فلا تعزير عليه، وهو رأي زفر والثوري.
انظر: "المبسوط" (9/ 85)، "مختصر اختلاف العلماء" (3/ 296/ رقم 1414)، "البناية" (5/ 396 - 405)، "اللباب" (1/ 300)، "الهداية" (4/ 147)، "الدر المختار" (4/ 24)، "بدائع الصنائع" (9/ 4154)، "الفتاوى البزازية" (6/ 428)، "فتح القدير" (4/ 202).
ومذهب الشافعية أن من نكح ذات محرم حد، سواء كان عالمًا أم جاهلًا.
انظر: "المهذب" (2/ 269)، "معالم السنن" (6/ 269)، "أسنى المطالب" (4/ 127)، "المنهاج" (ص 132)، "مغني المحتاج" (4/ 146)، "حلية العلماء" (8/ 15)، "مختصر الخلافيات" (4/ 429/ رقم 296)، "روضة الطالبين" (10/ 94)، "المجموع" (22/ 56).
ومذهب المالكية: لزمه الحد إن كان عالمًا بالتحريم، انظر: "المدونة" (4/ 383 أو 6/ 209 - ط دار صادر)، "الكافي" (574)، "أسهل المدارك" (3/ 162)، "مواهب الجليل" (6/ 291)، "جامع الأمهات" (ص 515)، "التاج والإكليل" (6/ 293)، "عقد الجواهر الثمينة" (3/ 206)، "الإشراف" (4/ 231 رقم 1586 - بتحقيقي)، "الذخيرة" (12/ 50) وهذا مذهب أبي يوسف ومحمد، وإليه ذهب ابن حزم.
انظر: "الدر المختار" (4/ 24)، "الفتاوى البزازية" (6/ 428)، "المحلى" (8/ 310).
ومذهب أحمد عليه الحد وفي الأرجح هو القتل.
انظر: "المغني" (12/ 341)، "الإنصاف" (10/ 183، 185)، "تنقيح التحقيق" (3/ 304)، "منتهى الإرادات" (3/ 348)، "كشاف القناع" (6/ 98)، "الكافي" (4/ 202).
وهذا مذهب جابر بن زيد وإسحاق بن راهويه وأيوب السختياني وابن أبي خيثمة، أفاده ابن قدامة، وعزاه ابن القيم في "الداء والدواء" (ص 256) لأحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث.
(5/110)

وإثمًا واستهزاء بدين اللَّه وشرعه ولعبًا بآياته؟ فهل يليق به مع ذلك رفع هذه العقوبة عنه وإسقاطها بالحيلة التي فعلها مضمومة إلى فعلها الفاحشة بأمه [وأخته] (1) وابنته؟ فأين القياسُ وذكر المناسبات والعلل المؤثرة والإنكار على الظاهرية؟ فهل بلغوا بالتمسك بالظاهر عُشْرَ مِعْشار هذا؟ والذي يقضي منه العجب أن يقال: لا يعتد بخلاف المتمسكين بظاهر القرآن والسنة، ويعتد بخلاف هؤلاء، واللَّه ورسوله منزَّه عن هذا الحكم.
وياللَّه العجب! كيف يَسقطُ القطعُ عمن اعتاد سرقة أموال الناس وكلما أمسك معه المال المسروق قال: هذا ملكي، والدار التي دخلتها داري، والرجل الذي دخلت داره عبدي؟ قال أرباب الحيل: فيسقط عنه الحد بدعوى ذلك، فهل تأتي بهذا سياسة قط جائرة أو عادلة، فضْلًا عن شريعة نبي من الأنبياء، فضْلًا عن الشريعة التي هي أكمل شريعة طرقت العالم؟
وكذلك الشارع أوجب الإنفاق على الأقارب؛ لما في ذلك من قيام مصالحهم ومصالح المنفق، ولما في تَرْكهم من إضاعتهم؛ فالتحيل لإسقاط الواجب بالتمليك في الصورة مناقضة لغرض الشارع وتتميم لغرض الماكر المحتال، وعَوْدٌ إلى نفس الفساد الذي قصد الشارع إعدامَه بأقرب الطرق، ولو تحيل هذا المخادع على إسقاط نفقة دَوابه لهلكوا، وكذلك ما فرضه اللَّه تعالى للوارث من الميراث هو حق له جعله أولى من سائر الناس به، فإباحةُ التحيل لإسقاطه بالإقرار بماله كله للأجنبي وإخراج الوارث مُضادَّة لشرع اللَّه ودينه ونقض لغرضه وإتمام لغرض المحتال، وكذلك تعليم المرأة أن تقر بدَيْنٍ لأجنبي إذا أراد زوجُهَا السفر بها.

فصل [أكثر الحيل تناقض أصول الأئمة]
وأكثر هذه الحيل لا تمشي على أصول الأئمة، بل تناقضها أعظم مناقضة. وبيانه أن الشافعي -رضي اللَّه عنه- يحرم مسألة مُدِّ عجوة ودرهم بمد ودرهم (2)، ويبالغ في
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(2) في (د): "بمدين ودرهمين"، وقال (د): "في نسخة: "بمد ودرهم"، وهو يوافق ما يذكر بعد" اه. قلت: عند الشافعية: ما حرم فيه الربا لا يجوز بيع بعضه ببعض ومع أحد =
(5/111)

تحريمها بكل طريق خوفًا أن يُتَّخذ حيلة على نوع ما من ربا الفَضْل، فتحريمُهُ للحيل الصريحة التي يتوصل بها إلى ربا النساء أولى من تحريم مد عجوة بكثير؛ فإن التحيل بمد ودرهم من الطرفين على ربا الفضل أخف من التحيل بالعِينَةِ على ربا النساء، وأين مفسدة هذه من مفسدة تلك؟ وأين حقيقة الربا في هذه من حقيقته في تلك؟ وأبو حنيفة يحرِّم مسألة العِينة (1)، وتحريمه لها يوجب تحريمه للحيلة في مسألة مد عجوة بأن يبيعه خمسة عشر درهمًا بعشرة في خرقة؛ فالشافعي يبالغ في تحريم مسألة مد عجوة ويبيح العينة، وأبو حنيفة يبالغ في تحريم العينة ويبيح مسائل مد عجوة، ويتوسع فيها، وأصل كل من الإمامين -رضي اللَّه عنهما- في أحد البابين يستلزم إبطال الحيلة في الباب الآخر، وهذا من أقوى التخريج على أصولهم ونصوصهم، وكثير من الأقوال المُخَرَّجة دون هذا.

[الحيل تقتضي رفع التحريم]
فقد ظهر أن الحيل المحرمة في الدين تقتضي رفع التحريم مع قيام موجبه ومقتضيه وإسقاط الوجوب مع قيام سببه، وذلك حرامٌ من وجوه:
أحدها: استلزامها فعل المحرم وترك الواجب.
والثاني: ما تتضمنه (2) من المَكْر والخِداع والتلبيس.
والثالث: الإغراء بها والدلالة عليها وتعليمها مَنْ لا يحسنها.
والرابع: إضافتها إلى الشارع وأن أصول شرعه ودينه تقتضيها.
والخامس: أن صاحبها لا يتوب منها ولا يعدّها ذنبًا.
والسادس: أنه يُخادع اللَّه كما يخادع المخلوق.
والسابع: أنه يسلِّط أعداء الدين على القَدْح فيه وسوء الظن به وبمن شرعه.
والثامن: أنه يُعْمِلُ فكره واجتهاده في نقض ما أبرمه الرسولُ وإبطال ما أوجبه وتحليل ما حرمه.
__________
= العوضين جنس آخر يخالفه في القيمة، كبيع ثوب ودرهم بدرهمين، ومد عجوة ودرهم بدرهمين، انظر: "المهذب" (1/ 273) و"المغني في الإنباء عن غريب المهذب والأسماء" (1/ 323) و"الزاهر" (121 - ط دار فكر عمان)، و"الموافقات" (3/ 127 - 130 - بتحقيقي)، و"الحيل الفقهية في المعاملات المالية" (144).
(1) انظر: "الهداية" (3/ 85)، "حاشية ابن عابدين" (4/ 265).
(2) في (د): "يتضمن"، وفي (ك): "تضمنه".
(5/112)

والتاسع: أنه إعانة ظاهرة على الإثم والعُدْوان، وإنما اختلفت الطريقُ؛ فهذا يعين عليه بحيلة ظاهرُهَا صحيح مشروع يتوصل بها إليه، وذاك يعين عليه بطريقه المفْضية إليه بنفسها، فكيف كان هذا معينًا على الإثم والعدوان والمتحيّل المخادع يعين على البر والتقوى.
العاشر: أن هذا ظلمٌ في حقِّ اللَّه، وحق رسوله، وحق دينه، وحق نفسه، وحق العبد المُعيَّن، وحق (1) عموم المؤمنين؛ فإنه يُغْرِي به ويعلمه ويدل عليه، والمتوصل إليه بطريق المعصية لا يظلم إلا نفسه، ومَنْ تعلق به ظلمه من المعيَّنين فإنه لا يزعم أنَّ ذلك دينٌ وشرع ولا يقتدي به الناس. فأين فسادُ أحدهما من الآخر وضرره من ضرره؟ وباللَّه التوفيق.

فصل [حجج الذين جوَّزوا الحيل]
قال أرباب (2) الحيل: قد أكثرتم من ذم الحيل، وأجلبتم بخَيْل الأدلة ورَجْلها وسمينها ومهزولها، فاسمعوا (3) الآن تقريرها واشتقاقها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأئمة الإسلام، وأنه لا يمكن أحدًا إنكارها.

[أدلتهم من القرآن]
قال اللَّه تعالى لنبيه أيوب عليه السلام: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44] فأذن لنبيه أيوب أن يتحلل من يمينه بالضرب بالضِّغْث، وقد كان نَذَر أن يضربها ضرباتٍ متعددة (4)، وهي في المتعارف الظاهر إنما تكون متفرقةً؛ فأرشده تعالى إلى الحيلة في خروجه من اليمين، فنقيس عليه سائر الباب، ونسميه وجوه المخارج من المضائق، ولا نسمّيه بالحيل التي ينفر الناس من اسمها.
وأخبر اللَّه تعالى عن نبيه يوسف -عليه السلام- أنه جعل صُواعَه في رَحْل أخيه ليَتوَّصل بذلك إلى أخذه من إخوته، ومَدَحَه بذلك، وأخبر أنه برضاه وإذنه، كما قال: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ
__________
(1) كذا في (ن) و (ك) و (ق) وفي سائر النسخ: "حقوق".
(2) في (ك): "أصحاب".
(3) كذا في (ك) و (ق)، وفي سائر النسخ: "فاستمعوا".
(4) في المطبوع و (ك): "معدودة".
(5/113)

[نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ] (1)} [يوسف: 76] فأخبر أن هذا كيده لنبيه، وأنه بمشيئته، وأنه يرفع درجة عبده بلطيف العلم ودقيقه الذي لا يهتدي إليه سواه، وأن ذلك من علمه وحكمته.
وقال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 50] فأخبر تعالى أنه مكر بمن مكر بأنبيائه ورسله، وكثير من الحيل هذا شأنها، يمكر بها على الظالم والفاجر ومن يعسر تخليص الحق منه؛ فتكون وسيلة إلى نصر مظلوم وقهر ظالم ونصر حق وإبطال باطل.
واللَّه تعالى قادر على أخذهم بغير وجه المكر الحسن، ولكن جازاهم بجنس عملهم، وليعلّم عباده أن المكر الذي يتوصَّلُ به إلى إظهار الحق ويكون عقوبة للماكر ليس قبيحًا.
وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] وخداعه لهم أن يظهر لهم أمرًا ويبطن لهم خلافه. فما تُنكرون على أرباب الحيل الذين يظهرون أمرًا يتوصلون به إلى باطن غيره اقتداءً (2) بفعل اللَّه تعالى؟

[أدلتهم من السنة]
وقد روى البخاري في "صحيحه" من حديث أبي هريرة وأبي سعيد "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمرٍ جَنيبٍ (3)، فقال: أكلُّ تمر خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ الصالح من هذا بالصَّاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا" (4) وقال في الميزان مثل (5) ذلك، فأرشده إلى الحيلة على التخلص من الربا بتوسط العقد الآخر، وهذا أصل في جواز العِينَةِ.
وهل الحيل إلا معاريض في الفعل على وِزان (6) المعاريض في القَوْل؟ وإذا كان في المعاريض مَنْدوحة عن الكذب ففي معاريض الفعل مَنْدُوحة عن المحرمات وتخلّص من المضايق.
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "الآية".
(2) في (ن) و (ك) و (ق): "أفتوا"، وقال (د)، و (ط): في نسخة: "اقتدوا"، وزاد (ط): "انظر: "أعلام الموقعين" (ط فرج اللَّه زكي الكردي ج 3 ص 157) ".
(3) "نوع جيد من أنواع التمر" (و).
(4) سبق تخريجه، وفي النسخ المطبوعة: "الجميع" بدل "الجمع".
(5) في (ك): "القرآن بمثل".
(6) في (ن) و (ك) و (ق): "وزن".
(5/114)

ولقد لقي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- طائفةً من المشركين وهو في نَفَرٍ من أصحابه، فقال المشركون: ممن أنتم؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نحن مِنْ ماء" فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: أحياء اليمن كثير، فلعلهم منهم، وانصرفوا (1).
و [قد] (2) جاء رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: احملني، فقال: "ما عندي (3) إلا ولد ناقة" فقال: ما أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وهل يلد الإِبلَ إلا النوقُ؟ " (4).
وقد رأت امرأةُ عبدِ اللَّه بن رواحة عبدَ اللَّه على جارية له، فذهبت وجاءت بسكين، فصادفته وقد قضى حاجته، فقالت: لو وجدتك على الحال التي كنت عليها لوَجَأتك، فأنكر، فقالت: فاقرأ إن كنت صادقًا، فقال:
شَهِدْتُ بأنَّ وَعْدَ اللَّه حقٌّ ... وأن النار مَثْوَى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طَافٍ (5) ... وفوق العرش رَبُّ العالمينا
وتحملُه ملائكة كِرَام (6) ... ملائكة الإلهِ مُسَوَّمينا
قالت (7): آمنت بكتاب اللَّه وكذَّبت بصري، فبلغ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فضحك ولم
__________
(1) رواه ابن هشام عن شيخه ابن إسحاق (2/ 306) قال: حدثني محمد بن يحيى بن حبان، فذكر قصته. . . ثم ذكره.
ورواه من طريقه الواقدي في "المغازي" (1/ 50)، والطبري في "تاريخه" (2/ 436)، ونقله ابن كثير في "البداية والنهاية" (3/ 264)، وابن سيد الناس في "عيون الأثر" (1/ 298)، وابن الجوزي في "الأذكياء" (140 - 141)، وابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص 41)، عن ابن إسحاق، وهو مرسل؛ محمد بن يحيى هذا تابعي.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق): "عندنا".
(4) رواه أحمد (3/ 267)، والبخاري في "الأدب المفرد" (268)، وأبو داود (4998) في (الأدب): باب المزاح، والترمذي (1991) في (البر): باب ما جاء في المزاح، وفي "الشمائل المحمدية" (238)، وأبو يعلى (3776)، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي" (ص 78)، والبيهقي (10/ 248)، والبغوي في "شرح السنة" (13/ 181 - 182) (رقم 3605) من طريق خالد بن عبد اللَّه عن حميد عن أنس. وهذا إسناد صحيح.
(5) في "الاستيعاب": "حق".
(6) قال (د)، و (ط): "في نسخة: وتحمله ملائكة شداد"، وزاد (ط) "انظر: "أعلام الموقعين" (ط فرج اللَّه زكي الكردي ج 3 ص 158) ".
قلت: والنسخة المشار إليها هي (ن) و (ق)، وفي "الاستيعاب" (غلاظ)، وما أثبتاه هنا موافق لما في "الرد على الجهمية".
(7) في (ك) و (ق): "فقالت".
(5/115)

ينكر عليه (1)، وهذا تحيل منه بإظهار القراءة لما أوهم أنه قرآن ليتخلص به من مكروه المغيرة.
__________
(1) أخرجه الدارقطني (1/ 120)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 259)، وابن أبي الدنيا -ومن طريقه ابن عساكر (346 - 347 - تراجم عبد اللَّه بن جابر- عبد اللَّه بن زيد) - والبيهقي في "الخلافيات" (رقم 322 - بتحقيقي) عن أبي نعيم، والدارقطني (1/ 121) والبيهقي في "الخلافيات" (رقم 323 - بتحقيقي) عن عمر بن زُريق كلاهما عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة (زاد ابن زريق: عن ابن عباس) قال: كان ابن رواحة مضطجعًا. . . وذكر نحوه.
وأخرجه ابن عساكر (ص 344) عن سعيد بن زكريا عن زمعة به، دون ذكر ابن عباس.
وهذا إسناد ضعيف ومنقطع، عكرمة لم يلق ابن رواحة، وزمعة ضعيف عن سلمة، ضعّفه أحمد ويحيى وأبو حاتم وغيرهم، وقال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال البخاري: يخالف في حديثه، تركه ابن مهدي أخيرًا، انظر: "التاريخ الكبير" (3/ 451)، و"الجرح والتعديل" (3/ 624) حتى من تساهل فيه كابن حبان، قال في "الثقات" (6/ 399): "يعتبر بحديثه من غير رواية زمعة بن صالح عنه".
وأخرجه محمد بن العباس اليزيدي في "أماليه" (رقم 57)، ومن طريقه ابن عساكر (340)، والذهبي في "السير" (1/ 237 - 238)، قال: نا محمد بن حرب، وأبو طاهر المخلص في "فوائده" -ومن طريقه ابن عساكر (342) - والسبكي في "طبقات الشافعية" (1/ 264)، من طريق موسى بن جعفر بن أبي كثير كلاهما قال: نا عبد العزيز بن أخي الماجشون. . . وذكره، وإسناده معضل.
وأخرج نحو هذه القصة: ابن أبي شيبة في "الأدب" (رقم 388) وعثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" (رقم 82) وابن أبي شيبة (8/ 905) -ومن طريقه ابن قدامة في "إثبات صفة العلو" (رقم 68) - وابن أبي الدنيا في "الإشراف" (رقم 239، 240) و"العيال" (رقم 572، 573) ومحمد بن الحسن في "المخارج في الحيل" (ص 8 - 9)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ص 341، 342) من طرق ضعيفة ومعضلة والقصة فيها نكرة ظاهرة، وضعفها عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" (1/ 174) وأقره ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (3/ 10) وضعفها النووي في "المجموع" (2/ 159) ومحمد بن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (1/ 426)، وأتيتُ على أسانيدها وذكر ما فيها في كتابي "قصص لا تثبت" (2/ 21 - 44)، فانظره وكذا "فتاوى رشيد رضا" (3/ 970 - 973).
(تنبيه): أخرج البخاري (1155) في (التهجد): فضل من تعارّ من الليل فصلى، بسنده إلى الهيثم بن أبي سنان أنه سمع أبا هريرة -رضي اللَّه عنه- وهو يقص في قصصه- وهو يذكر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: إن أخًا لكم لا يقول الرفث، يعني بذلك عبد اللَّه بن رواحة، وساق الأبيات وانظر تعليقي على "الخلافيات" (2/ 32 - 38) و"سنن الدارقطني" (رقم 425، 426).
(5/116)

[أدلة من عمل السَّلف]
وكان بعض السلف إذا أراد أن لا يطعم طعامًا لرجل (1) قال: أصبحت صائمًا، يريد أن أصبح فيما سلف [صائمًا] (2) قبل ذلك اليوم، وكان محمد ابن سيرين إذا اقتضاه بَعْضُ غُرَمائه وليس عنده ما يعطيه قال: أعطيك في أَحدِ اليومين إن شاء اللَّه، يريد بذلك يومي الدنيا والآخرة، وسأل رجل عن المروزي وهو في دار أحمد بن حنبل، فكره الخروج إليه، فوضع [أحمد] (3) أصبعه في كفّه، فقال: ليس المروزي هاهنا، وما يصنع المروزي هاهنا (4)؟ وحضر سفيان الثوري مجلسًا، فلما أراد النهوض منعوه، فحلف أن (5) يعود، ثم خرج وترك نَعْله كالناسي لها، فلما خرج عاد وأخذها وانصرف، وقد كان لشُرَيح في هذا الباب فقه دقيق كما أعجب رجلًا فرسُه وأراد أخذها منه، فقال له شريح: إنها إذا ربضت (6) لم تقم حتى تقام، فقال الرجل: أف أف (7)، إنما أراد شريح أن اللَّه هو الذي يُقيمها، وباع من رجل ناقة، فقال له المشتري: كم تحمل؟ فقال: احمل على الحائط ما شئت، فقال: كم تَحْلِب؟ قال: احلب في أي إناء شئت، فقال: كيف سيْرُها؟ قال: الريح لا تُلْحَقُ، فلما قبضها المشتري لم يجد شيئًا من ذلك، فجاء إليه وقال: ما وجدتُ شيئًا من ذلك، فقال: ما كذَبتك.

[أدلة أخرى لأصحاب الحيل]
قالوا: ومن المعلوم أن الشارع جعل العُقُود وسائلَ وطرقًا إلى إسقاط الحدود والمأثم، ولهذا لو وطئ الإنسان امرأة أجنبية من غير عقد ولا شُبهة لزمه الحد، فإذا عقد عليها عقد النكاح ثم وطئها لم يلزمه الحد، وكان العقد حيلة على إسقاط الحد، بل قد جعل اللَّه سبحانه الأكل والشرب واللباس حيلة على دفع أذى الجوع والعطش والبرد، والاكتفاء حيلة إلى (8) دفع [أذى] (9) الصائل من
__________
(1) في (ك) و (ق): "طعام رجل".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) أورده ابن الجوزي في "الأذكياء" (144)، وفيها: فوضع مهنا بن يحيى إصبعيه في راحته، وقال: ليس المروزي هاهنا، فضحك أحمد، ولم ينكر عليه.
(5) في (ك): "أنه".
(6) في المطبوع: "أربضت".
(7) رواه الخصاف في "الحيل" (ص 2) وهو في "المخارج في الحيل" (ص 10) المنسوب لمحمد بن الحسن.
(8) في (ن) و (ك): "على".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5/117)

الحيوان وغيره، وعقد التبايع حيلة على حصول الانتفاع بملك الغير (1)، وسائر العقود حيلة على التوصل إلى ما لا يباح إلا بها، وشرع الرهن حيلة على رجوع صاحب الدَّيْن في ماله من عين الرهن إذا أفلس الراهن أو تعذَّر الاستيفاء منه.
وقد روى سلمة بن صالح (2)، عن يزيد الواسطي، عن عبد الكريم، عن عبد اللَّه بن [أبي] (3) بريدة قال: سئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أعظم آية في كتاب اللَّه، فقال: لا أخرج من المسجد حتى أخبرك، فقام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من مجلسه، فلما أخرج إحدى رجليه أخبره بالآية قبل أن يخرج رجله الأخرى (4).

[كتاب الخصاف في الحيل]
وقد بني الخصاف (5) كتابه في الحيل على هذا الحديث، ووجَّه الاستدلال به أن من حلف [أن] (6) لا يفعل شيئًا فأراد التخلص من الحِنْثِ بفعل بعضه لم يكن حانثًا، فإذا حلف لا يأكل هذا الرغيف ولا يأخذ هذا المتاع فليَدَعْ بعضَه ويأخذ الباقي ولا يحنث، وهذا أصل في بابه في التخلص من الأيمان (7).

[عود إلى الاستدلال بعمل السلف في جواز الحيل]
وهذا السلف الطيب قد فتحوا لنا هذا الباب، ونهجوا لنا هذا الطريق،
__________
(1) في (ك): "العين".
(2) في (ن) و (ق): "سلمة بن أبي صالح"!
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(4) رواه محمد بن الحسن في "المخارج في الحيل" (ص 8) والخصاف في "الحيل" (2).
حدثنا سلمة بن صالح به هكذا!!
ورواه الدارقطني في "سننه" (1/ 310)، والبيهقي (10/ 62) من طريق سلمة بن صالح عن أبي خالد عن عبد الكريم بن أمية عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بآية. . . ثم ذكر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وقال الدارقطني في "الغرائب" (2/ 329 رقم 1520 - أطرافه): "تفرد به سلمة بن صالح عن أبي خالد الدالاني عن عبد الكريم بن أبي أمية عن أبي بريدة".
قال البيهقي: إسناده ضعيف.
أقول: سَلمة وعبد الكريم كلاهما ضعيف. وانظر: "تنقيح التحقيق" (2/ 805، 807 - ط عامر صبري)
وعزاه في "الدر المنثور" (1/ 19) لابن أبي حاتم.
(5) هو الإمام الفقيه الحنفي أبو بكر أحمد بن عمرو الشيباني المتوفى سنة 261 ه ببغداد.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) انظر كتابه "الحيل" (ص 107) (باب في الأيمان).
(5/118)

فروى قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن إبراهيم في رجل أخذه رجل فقال: إني (1) لي معك حقًا، [فقال: لا] (2)، فقال: احلف لي بالمشي إلى بيت اللَّه، فقال: يحلف له بالمشي إلى بيت اللَّه، ويعني به مسجد حَيِّهِ (3). وبهذا الإسناد أنه قال له رجل: إن فلانًا أمرني أن آتي مكان كذا وكذا، وأنا لا أقدرُ على ذلك المكان، فكيف الحيلة؟ قال: يقول: واللَّه ما أُبصرُ إلا ما سدَّدني غيري (4).
وذكر عبد الملك بن مَيْسرة عن النَّزَّال بن سَبْرة قال: جعل حذيفة يحلف لعثمان بن عفان على أشياء باللَّه ما قالها، وقد سمعناه يقولها، [فقلنا: يا أبا عبد اللَّه، سمعناك تحلف لعثمان على أشياء ما قلتها، وقد سمعناك قلتها، فقال:] (5) إني أشتري (6) ديني بعضه ببعضٍ مخالفَةَ أن يذهب كله (7)، وذكر قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن إبراهيم أن رجلًا قال له: [إني] (8) أنال من رجل شيئًا فيبلغه عني، فكيف أعتذر إليه؟ فقال له إبراهيم: قل: واللَّه إن اللَّه ليعلم ما قلت من ذلك من شيء (9)، وكان إبراهيم يقول لأصحابه إذا خرجوا من عنده وهو مُستخفٍ من الحجَّاج: إن سُئلتم عني [وحلّفتم] فاحلفوا باللَّه لا تدرون أين أنا، ولا في أي موضع أنا، واعْنُوا [أنكم] لا تدرون أين أنا من البيت، وفي أي
__________
(1) في (ق): "فقال له: إن".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) الخبر في "الحيل" للخصاف (ص 2) وفيه: "حدثنا قيس عن حماد الأعمش"! وفي "المخارج في الحيل" (9 - 10) المنسوب لمحمد بن الحسن: "حدثنا يعقوب عن قيس بن الربيع عن حماد عن إبراهيم. . . ".
(4) الخبر في "الحيل" (ص 2) للخصاف، و"المخارج في الحيل" (ص 10)، وزادا: "يعني: إلا ما بصرني ربي"، وفي (ك): "سدني".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6) في (ن) و (ق): "اشتريت"، وفي (ك): "اشترى".
(7) رواه الخصاف في "الحيل" (ص 2) حدثنا مسعر بن كدام عن عبد الملك بن ميسرة به، وهو من هذا الطريق في "المخارج في الحيل" (ص 10).
ورواه أبو نعيم في "الحلية" (1/ 279) في ترجمة حذيفة بن اليمان من طريق إبراهيم بن منويه: حدثنا عبيد بن أسباط: حدثنا عن الأعمش عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة به.
ورواته كلهم ثقات، لكن إبراهيم هذا ينظر فيه فإني لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المصادر.
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(9) رواه الخصاف في "الحيل" (ص 2) وهو في "المخارج" (ص 10).
(5/119)

موضع منه، وأنتم صادقون (1).
وقال مجاهد عن ابن عباس: ما يسرُّني بمعاريض الكلام حُمُرُ النِّعَمِ (2).

[الأدلة من الحديث]
قد ثبت في "الصحيح" من حديث حُميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلْثُوم بنت عُقْبَة بن أبي مُعَيْط -وكانت من المهاجرات الأول- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رخَّصَ في الكذب في ثلاث: في الرجل يُصْلِحُ بين الناس، والرجل يكذب لامرأته، والكذب في الحرب" (3).
__________
(1) رواه الخصاف في "الحيل" (ص 2 - 3) وهو في "المخارج" (ص 10 - 11).
(2) رواه الخصاف في "الحيل" (ص 3) ومحمد بن الحسن في "المخارج" (10) من طريق الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عنه به، وإسناده ضعيف جدًا، الحسن بن عمارة متروك.
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (6/ 185) من طريق جرير عن منصور قال: بلغني عن ابن عباس أنه قال: ما أحب لي بالمعاريض كذا وكذا، وفيه انقطاع.
(3) رواه أحمد (6/ 403 و 404)، ومسلم (2605) (101 وما بعده) وأبو داود في (الأدب): (4921) باب في إصلاح ذات البين، والنسائي في "الكبرى" (8642) في السير، باب الرخصة في الكذب في الحرب، وفي عشرة النساء (رقم 238)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (3175)، والطبراني في "الكبير" (25/ 193)، و (194)، وفي "الصغير" (189)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (10/ 197 و 198) من طرق (صالح بن كيسان، ويزيد بن الهاد، وعبد الوهاب بن رفيع) عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أمه أم كلثوم عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرفوعًا به، وعند بعضهم زيادة: "ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا".
لكن رواه مسلم (2605) من طريق يونس عن الزهري قال: لم يُرخص في الكذب. . . وكذا رواه النسائي في "عشرة النساء" (239)، ورواه النسائي في "عشرة النساء" (237) من طريق الزبيدي عن الزهري. . . وفيه: لم يرخص في شيء، فهل القائل الزهري أم أم كلثوم؟!
وقد أعل هذا الحديث بأنه مدرج من كلام الزهري، وصنيع النسائي يشير إلى ذلك، وكذا قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (5/ 300) حيث إن البخاري روى الحديث: "ليس الكذاب، لذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا" من رواية صالح بن كيسان دون ذكر: ولم يرخص في الكذب إلا في ثلاث، مع أن رواية صالح ثابتة في "صحيح مسلم" وفي غيره بإثباتها من كلام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وليس من كلام الزهري، وكون يونس بن يزيد من أثبت الناس في الزهري لا يعني إعلال هذه الزيادة بالإدراج، وقد رواها ثلاثة من الثقات غيره.
وبعد كتابة ما قلت، وجدت شيخنا الألباني سبقني إلى هذا في "السلسلة الصحيحة" =
(5/120)

وقال مُعْتمر بن سُليمان التَّيميّ، عن أبيه: حدثني نُعيم بن أبي هِنْد، عن سُويد بن غَفَلَةَ أن عليًا كرم اللَّه وجهه في الجنة لما قتل الزنادقة نظر في الأرض، ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: صدق اللَّه ورسوله، ثم قام فدخل بيته، فأكثر الناس في ذلك، فدخلْتُ عليه فقلتُ: يا أمير المؤمنين أشيء عَهِدَ إليك رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أم شيء رأيته؟ فقال: هل عليّ من بأس أن أنظر إلى السماء؟ قلت: لا، قال: فهل عليّ من بأس أن انظر إلى [السماء أو إلى] الأرض؟ قلت: لا، قال: فهل عليّ من بأس أن أقول صدق اللَّه ورسوله؟
قلت: لا، قال: فإني رجلٌ مُكائِد (1).
وقال حجاج بن مِنْهال: ثنا أبو عَوَانة، عن أبي مِسْكين قال: كنت عند إبراهيم وامرأتُه تعاتبه في جاريته وبيدها (2) مروحة، فقال: أشهدكم أنها (3) لها،
__________
= (رقم 545) ثم ذكر شاهدين، شاهد تام من لفظه، وشاهد في الكذب على الزوجة، مما يدل على أن الحديث أصلًا من كلام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وللَّه الحمد.
(تنبيه): الحديث نقله المصنف من "الحيل" (ص 3) للخصاف، وهو في "المخارج في الحيل" (ص 12).
(1) رواه الخصاف في "الحيل" (ص 3) ثنا عبد اللَّه بن الفضل وأبو عمر بن سليمان التيمي عن أبيه به، وما بين المعقوفتين منه.
ورواه أحمد بن منيع -كما في "إتحاف المهرة" (3/ ق 134/ ب) - ثنا يزيد بن هارون ثنا سليمان التيمي عن نعيم به، وقال البوصيري: "هذا الإسناد رجاله ثقات".
ورواه الطبراني في "الأوسط" (7/ 140 رقم 7101) من طريق الحسن بن زياد عن إسرائيل عن سماك بن حرب عن سويد بن غفلة به مطولًا، وإسناده ضعيف جدًا، فيه الحسن بن زياد اللؤلؤي متروك، انظر: "مجمع الزوائد" (6/ 262).
وروى أوله فقط: ابن أبي شيبة (6/ 586 و 7/ 659 - ط دار الفكر و 10/ 141 و 12/ 391 - ط الهندية)، والشافعي في "الأم" (7/ 168)، والبزار (570 - البحر الزخار)، وعثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على بشر المريسي" (ص 113 - تحقيق الشاويش و 1/ 579 - تحقيق رشيد الألمعي/ مختصرًا)، عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين، والطيالسي (168 - مختصرًا) عن شمر بن عطية كلاههما عن سويد بن غفلة به.
ورواه البخاري (3017) في (الجهاد): لا يُعذب بعذاب اللَّه، و (6922) في (استتابة المرتد) بسنده إلى عكرمة أن عليًا حرق قومًا. وفي رواية: "أتي علي بزنادقة فأحرقهم"، وانظر: "فتح الباري" (6/ 151 و 12/ 270).
وانظر: "مصنف عبد الرزاق" (20971).
(2) كذا في جميع النسخ، وفي "الحيل": "وبيده".
(3) كذا في (ك) و (ق) وفي سائر النسخ: "بأنها".
(5/121)

فلما خرجنا قال: علامَ شهدتم؟ قلنا: أشْهَدْتَنا أنك جعلت الجارية لها، قال: أما رأيتموني أشير إلى المروحة؟ (1).

[قولهم لا بأسَ بالحيل]
وقال محمد بن الحسن، عن عمرو بن ذر (2) عن الشعبي: لا بأس بالحيل فيما يحل ويجوز، وإنما الحيل شيء يتخلَّص به الرجل من [المآثم و] الحرام (3)، ويخرج به (4) إلى الحلال، فما كان من هذا ونحوه فلا بأس به، وإنما يكره من ذلك أن يحتال الرجل في حق الرجل حتى يُبْطله، أو يحتال في باطل حتى يُوهم أنه حق (5)، أو يحتال في شيء حتى يدخل فيه شبهة، وأما ما كان على السبيل (6) الذي قلنا فلا بأس بذلك (7).

[استدلالهم بالقرآن]
قالوا: وقد قال اللَّه تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] وقال غير واحد من المفسرين: مخرجًا مما ضاق على الناس، ولا ريب أن هذه الحيلَ مخارجُ مما ضاق على الناس، ألا ترى أن الحالف يضيق عليه إلزام (8) ما حلف عليه، فيكون له بالحيلة مخرج منه، وكذلك الرجل تشتد به الضرورة إلى نفقة ولا يجد مَنْ يُقْرضه فيكون له من هذا الضيق مخرج بالعِينة والتورق (9) ونحوهما، فلو لم يفعل ذلك لهلك ولهلكت عياله، واللَّه تعالى لا يشرع ذلك، ولا يضيق عليه (10) شرعه الذي وسع جميع خلقه؛ فقد دار أمره بين ثلاثة لا بد له من واحد منها: إما إضاعة نفسه وعياله، وإما الربا صريحًا، وإما المخرج من هذا الضيق [بهذه
__________
(1) أخرجه الخصات في "الحيل" (ص 4) من طريق حجاج به.
(2) كذا في (ن) و (ك) و (ق) و (ح)، وفي باقي النسخ: "بن دينار"!! وهو أعلى طبقة من هذا، وترجم الخطيب في "المتفق" (3/ 1688 - 1690) لثلاثة ممن يتسمى بهذا الاسم، ليس من بينهم أحد يروي عن الشعبي وفي مطبوع "الحيل" للخصاف: "عمرو بن زر"!!
(3) في (ن): "الجرائم"، وفي (ق): "يتخلص به من الجرائم".
(4) كذا في المطبوع و"الحيل"، وفي النسخ الخطية: "بها".
(5) في مطبوع "الحيل": "حتى يموهه".
(6) في مطبوع "الحيل": "فأسا ما كان على هذا القبيل".
(7) الحيل (ص 4).
(8) كذا في الأصول، ولعل الصواب: "التزام".
(9) مضى التعريف به.
(10) في (ك) و (ق): "عنه".
(5/122)

الحيلة] (1)، فأوجدونا أمرًا رابعًا نصير إليه، وكذلك الرجل ينزغه (2) الشيطان فيقع به الطلاق فيضيق عليه جدًا مفارقةُ امرأته وأولاده وخراب بيته، فكيف ينكر في حكمة اللَّه ورحمته أن نتحيل له بحيلة تُخْرجه من هذا الإصر والغل؟ وهل الساعي في ذلك إلا مأجور غير مأزور كما قاله إمام الظاهرية في وقته أبو محمد بن حزم (3) وأبو ثور (4) وبعض أصحاب أبي حنيفة (5)، وحملوا أحاديثَ التحريم على ما إذا شرط في صلب العقد أنه نكاح تحليل؟

[استدلالهم بعمل السلف وقولهم]
قالوا: وقد روى عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن محمد ابن سيرين قال: أرْسَلَت امرأة إلى رجل، فزوَّجته نفسها ليحلها لزوجها، فأمره عمر [بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-] أن يُقيمَ معها ولا يطلقها، وأوْعَده إن يعاقبه أن طلَّقها (6)؛ فهذا أمير المؤمنين قد صحح نكاحه، ولم يأمره باستئنافه، وهو حجة في صحة نكاح المحلل والنكاح بلا ولي.
وذكر عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه كان لا يرى بأسًا بالتحليل، إذا لم يعلم أحد الزوجين (7)، قال ابن حزم (8): "وهو قول سالم بن عبد اللَّه والقاسم بن محمد".
وصح عن عطاء فيمن نكح امرأة محلِّلًا ثم رَغِبَ فيها فأمسكها، قال: لا بأس بذلك (9).
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "بالحيلة".
(2) في المطبوع: "ينزعه" بالعين المهملة.
(3) انظر: "المحلى" (10/ 181 - 185) لابن حزم -رحمه اللَّه-.
(4) انظر: "المحلى" (11/ 487) و"نيل الأوطار" (7/ 312)، "فقه الإمام أبي ثور" (ص 471).
(5) هذه رواية بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وانظر: "اللباب (3/ 58)، "المبسوط" (6/ 9، 10)، وهو قول عند الشافعية انظر: "مغني المحتاج" (3/ 183)، "نيل الأوطار" (7/ 312).
(6) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (10786)، ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (10/ 182) ورواه عبد الرزاق أيضًا (10787) عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين به، وابن سيرين لم يدرك عمر، وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(7) رواه عبد الرزاق (10782)، ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (10/ 182)، ورواته ثقات.
(8) في "المحلى" (10/ 182).
(9) رواه عبد الرزاق (10784)، وذكره ابن حزم في "المحلى" (10/ 182).
(5/123)

وقال الشعبي: لا بأس بالتحليل إذا لم يأمر به الزوج (1).
وقال الليث بن سعد: إن تزوَّجها ثم فارقها لترجع إلى زوجها ولم يعلم المطلِّق ولا هي بذلك وإنما كان ذلك إحسانًا منه (2) فلا بأس أن ترجع إلى الأول، فإن بيَّن الثاني ذلك للأول بعد دخوله بها لم يضرُّه.
وقال الشافعي وأبو ثور: المحلِّل الذي يفسد نكاحه هو الذي يعقد عليه في نفس عقد النكاح أنه يتزوجها (3) ليحلها ثم يطلقها، فأما من لم يشترط ذلك [عليه] في عقد النكاح فعقده (4) صحيحٌ لا داخلة فيه، سواء شرط ذلك عليه قبل العقد أو لم يشرط (5)، نوى ذلك [في نفسه] أو لم ينوه، قال أبو ثور: وهو مأجور (6).
وروى بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، عن (7) أبي حنيفة مثل هذا سواء. وروى أيضًا محمد وأبو يوسف (8) عن أبي حنيفة: إذا نوى الثاني تحليلها (9) للأول لم تحل له بذلك.
وروى الحسن بن زياد عن زفر وأبي حنيفة (10): "أنه [و] إن اشترط (11) عليه في نفس العقد أنه إنما يتزوجها (12) ليحلها للأول فإنه نكاحٌ صحيح [ويحصنان به]، ويبطل الشرط، وله أن يقيم معها" (13).
فهذه ثلاث روايات عن أبي حنيفة.
__________
(1) رواه عبد الرزاق (10789)، وذكره ابن حزم في "المحلى" (10/ 182).
(2) كذا في الأصول كلها، وفي "المحلى" (10/ 182): "منه احتسابًا"، وفي (ك): "منه إِحسانًا".
(3) في (ق): "إنما تزوجها".
(4) في (ن) و (ك) و (ق): "فنكاحه"، وفي مطبوع "المحلى": "فهو عقد".
(5) في مطبوع "المحلى": "يشترط".
(6) "المحلى" (10/ 182)، وما بين المعقوفتين منه وسقط من سائر الأصول.
(7) في المطبوع: "وعن".
(8) في مطبوع "المحلى" و (ك): "عن أبي يوسف"، وفي (ق): "عن محمد عن أبي يوسف".
(9) في جميع النسخ: "وهي تحليلها"، ولا وجود ل "وهي" في "المحلى".
(10) في النسخ الخطية: "عن زفر عن أبي حنيفة"، وما أثبتناه من المطبوع، و"المحلى".
(11) في (ق): "شرط".
(12) في جميع النسخ "تزوجها"، وما أثبتناه من "المحلى".
(13) في مطبوع "المحلى": "وله أن يمسكها، فإن طلقها حلت للأول"، وما بين المعقوفات من "المحلى".
(5/124)

قالوا: وقد قال اللَّه تعالى: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، وهذا زوج، قد (1) عقد بمهر وولي ورضاها وخلوّها من الموانع الشرعية، وهو راغب في رَدِّها إلى الأول؛ فيدخل في حديث ابن عباس أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا نكاح إلا نكاح رغبة" (2) وهذا نكاح رغبة في تحليلها للمسلم كما أمر اللَّه تعالى بقوله: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما شرط في عَوْدها إلى الأول مجردَ ذَوْق العُسَيْلة بينهما، وغيَّى (3) الحلَّ بذلك فقال: "لا، حتى تذوق عُسَيْلته ويذوق عسيلتها" (4) فإذا تذاوقا العسيلة حَلَّتْ له بالنص (5).
__________
(1) في المطبوع: "وقد".
(2) رواه الطبراني في "الكبير" (11567)، وابن حزم في "المحلى" (10/ 184) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس به مرفوعًا وزاد: "ولا مستهزئ بكتاب اللَّه لم يذق العُسَيْلة".
وهذا إسناد ضعيف، إبراهيم بن إسماعيل ضعفه البخاري والنسائي وابن معين والدارقطني وغيرهم، وقوّاه أحمد، وداود بن الحصين، ثقة إلا في روايته عن عكرمة والحديث لم يذكره الهيثمي في "المجمع"!
وقال ابن حزم عقبه: "فهذا حديث موضوع، لأن إسحاق بن محمد الفروي ضعيف جدًا، متروك الحديث، ثم عن إبراهيم بن إسماعيل، وهو بلا شك، إما ابن مجمع، وإما ابن حبيبة، وكلاهما أنصاري مدني، ضعيف لا يحتج بهما".
وله شاهد من حديث ابن عمر: رواه الطبراني في "الأوسط" (6246)، والحاكم (2/ 199)، ومن طريقه البيهقي (7/ 208)، وقال فيه: لا إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
وعزاه الهيثمي في "المجمع" (4/ 267) للطبراني في "الأوسط"، وقال: ورجاله رجال الصحيح.
وقال (و): "سبق نسبة هذا إلى عثمان، وابن عمر، وقلت: إنه يُروى موقوفًا ومرفوعًا" اه.
(3) في (د)، و (ط) و (ق): "وغيًا"، وقال (د): "هكذا، والصواب أن ذوق العسيلة غاية لعدم الحل؛ فإذا حصل ذوق العسيلة؛ فقد حلت" اه.
(4) رواه البخاري (2639) في (الشهادات): باب شهادة المختبئ و (5260 و 5261) في (الطلاق): باب من جوز طلاق الثلاث، و (5265) من قال لامرأته: أنت علي حرام، و (5317) باب إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة زوجًا غيره، فلم يمسّها، و (5792) في (اللباس): باب الإزار المهذب، و (5825) باب الثياب الخضر، و (6084) في (الأدب): باب التبسم والضحك، ومسلم (1433) في النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره، من حديث عائشة.
(5) في (ق): "بالنص له".
(5/125)

قالوا: وأما نكاح الدُّلْسَة فنعم هو باطل، ولكن ما هو نكاح الدُّلْسَة (1)؟ فلعله أراد به أن تدلَّسَ له المرأة بغيرها، أو تدلِّسَ له أنها انقضت (2) عدتها ولم تنقض لتستعجل عَوْدَهَا إلى الأول.

[لم يلعن كل مُحلِّل]
وأما لعنة للمحلِّل فلا ريب أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُرِد كل محلل ومحلل له؛ فإن الولي مُحلّل لما كان حرامًا قبل العقد، والحاكم المزوج محلل بهذا الاعتبار، والبائع لأَمَتَه محلل للمشتري وَطْأها، فإن قلنا: "العام إذا خُصَّ صار مجملًا" بطل الاحتجاج بالحديث، وإن قلنا: "هو حجة فيما عدا محل التخصيص" فذلك مشروط ببيان المراد منه (3)، ولسنا ندري المحلِّل المراد من هذا النص، أهو الذي نَوَى التحليل أو شرطه قبل العقد أو شرطه في صُلْب العقد؟ أو الذي أحلَّ ما حرمه اللَّه ورسوله؟ ووجدنا كُلَّ من تزوج مطلقة ثلاثًا فإنه محلل، ولو لم يشترط التحليل ولم ينوه؛ فإن الحل حصل بوطئه وعقده (4)، ومعلوم قطعًا أنه لم يدخل في النص، فعُلِمَ أن النص إنما أراد به مَنْ أحل الحرام بفعله أو عَقْده، ونحن وكلُّ مسلم لا نشك في أنه أهل للعنة اللَّه، وأما مَنْ قصد الإحسان إلى أخيه المسلم ورَغِب في جمع شمله بزوجته، ولمَّ شَعَثِهِ وشَعَثِ أولاده وعياله؛ فهو محسن، و {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] فضلًا عن أن تلحقهم لعنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

[قواعد الفقه لا تحرم الحيل]
ثم قواعد الفقه وأدلَّته لا تحرم مثل ذلك (5)؛ فإن هذه العقود التي لم يشترط
__________
(1) "الدلسة -بالضم- أصلها: الظلمة، ويراد الخديعة والخيانة والمكر" (د)، ونحوه باختصار في (ط).
(2) في (ك): "نقضت".
(3) الذي نراه -واللَّه أعلم- أن العام إذا خصَّ بمبين سواء كان متصلًا أم منفصلًا؛ أنه يكون حجة في باقي أفراده، وهذا مذهب الجمهور من المحققين، واختاره الآمدي في "الأحكام في أصول الأحكام" (2/ 407)، والشوكاني في "الإرشاد" (ص 137 - 138)، وانظر بسط المسألة هناك، وفي "البحر المحيط " (3/ 266 - 271) للزركشي، و"الموافقات" للشاطبي (4/ 26) مع تعليقي عليه.
(4) في (ق) و (ك): "بعقده ووطئه".
(5) في (ق): "ثم أدلة الفقه وقواعده لا تحرمه".
(5/126)

المُحرَّم في صُلْبها عقود صدرت من أهلها في محلِّها مقرونة بشروطها (1)، فيجبُ الحكم بصحتها؛ لأن السبب هو الإيجاب والقبول وهما تامَّان، وأهلية العاقد لا نِزاعَ فيها، ومحليَّةُ العقد قابلة، فلم يبق إِلا القصد المقرون بالعقد، ولا تأثير له في بطلان الأسباب الظاهرة، لوجوه:
أحدها: أن المعتان (2) مثلًا إنما قصد الربح الذي وُضِعت له التجارة، "وإنما لكل امرئ ما نوى" (3) فإذا حصل له الربح حصل له مقصوده، وقد سلك الطريق المُفْضِية إليه في ظاهر الشرع، والمحلِّلُ غايتُه أنه قصد الطلاق ونواه إذا وطئ المرأة، وهو مما ملَّكه الشارع إياه، فهو كما [لو] (4) نوى المشتري إخراج المبيع عن ملكه إذا اشتراه، وسرُّ ذلك أن السببَ مقتضٍ لتأبُّد الملك، والنية لا تُغيّر موجب السبب حتى يقال: إن النية توجبُ تأقيت العقد، وليست (5) هي منافيةً لموجب العقد، فإن له أن يطلِّق. ولو نوى بعقد الشراء إتلاف المبيع وإحراقه أو إغراقه لم يقدح في صحة البيع، فنيّةُ الطلاق أولى، وأيضًا فالقصدُ لا يقدح في اقتضاءِ السبب لحكْمِه؛ لأنه خارج عما يتم به العقد، ولهذا لو اشترى عصيرًا ومن نيّته أن يتخِذَه خمرًا أو جاريةً ومن نيته أن يكرهها على البِغَاء أو يجعلها مغنية أو سلاحًا ومن نيته أن يقتل به معصومًا؛ فكلُّ ذلك لا أثر له في صحة البيع من جهة أنه منقطع عن السبب؛ فلا يخرج السبب عن اقتضاء حكمه.

[الفرق بين القصد والإكراه والشرط المقارن]
وقد ظهر بهذا الفرقُ بين هذا القصد وبين الإكراه؛ فإن الرضا شرطٌ في صحة العقد، والإكراه ينافي الرضا، وظهر أيضًا الفرقُ بينه وبين الشرط المقارِن؛ فإن الشرط المقارن يقدح في مقصود العقد؛ فغاية الأمر أن العاقد قصد محرَّمًا، لكن ذلك لا يمنع ثبوت الملك، كما لو تزوجها ليضارّ بها امرأة له أخرى، ومما يؤيد ما ذكرناه أن النية إنما تعملُ في اللفظ المُحتملِ للمنويِّ وغيره، مثل الكنايات، ومثل أن يقول: اشتريتُ كذا؛ فإنه يحتمل أن يشتريه لنفسه ولموكِّله، فإذا نوى أحدهما صح، فإذا كان السبب ظاهرًا متعينًا لمسببه لم يكن للنية الباطنة أثر في تغيير حكمه.
__________
(1) في (ق): "بشرطها".
(2) كذا في (ق) وفي سائر الأصول: "المحتال".
(3) مضى تخريجه.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق): "وليس".
(5/127)

[عن النية]
يوضّحه أن النية لا تؤثِّر في اقتضاء الأسباب الحسّيّة والعقلية المستلزمة لمسبِّباتها ولا تؤثر النية في تغييرها، يوضحه أن النية إمّا أن تكون (1) بمنزلة الشرط أو لا تكون، فإن كانت منزلة الشرط لزم أنه إذا نوى أن لا يَبيعَ ما اشتراه ولا يَهبَه ولا يتصرف فيه، أو نوى أن يخرجه عن ملكه، أو نوى أن لا يطلِّق (2) الزوجة أو يبيت عندها [كل ليلة] (3) أو لا يسافر عنها، بمنزلة أن يشترط ذلك في العقد، وهو خلاف الإجماع، وإن لم تكن بمنزلة الشرط فلا تأثير له حينئذ.

[لنا الظواهر وللَّه السرائر]
وأيضًا فنحن لنا ظواهر الأمور، وإلى اللَّه سرائرها وبواطنها؛ ولهذا يقول الرسُلُ لربهم تعالى [يوم القيامة] (4) إذا سألهم: {مَاذَا أُجِبْتُمْ} فيقولون: {لَا عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أنت عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 109] كان لنا ظواهرهم، وأما ما انطوت عليه ضمائرهم وقلوبهم فأنت العالم به.

[زعمهم أنه ظهر عذرهم في الأخذ بالحيل]
قالوا: فقد ظَهَر عذرُنا، وقامت حجتنا، فتبين أنا لم نخرج فيما أصَّلْناه -من اعتبار الظّاهر (5)، وعدم الالتفات إلى القُصُود في العقود، وإلغاء الشروط المتقدمة الخالي عنها العقدُ، والتحيُّل على التخلّص من مضايق الأيْمان وما حرَّمه اللَّه ورسوله من الربا وغيره- عن كتاب رَبَّنَا وسنة نبيّنا وأقوال السلف الطيب.

[ادعاء أن في مذاهب الأئمة فروعًا ينبنى عليها تجويز الحيل]
ولنا بهذه الأصول رهنٌ عند كل طائفة من الطوائف المنكرة علينا.

[الحيل عند الشافعية]
[فلنا] (6) عند الشافعية رُهُون كثيرة في عدة مواضع، وقد سلَّموا لنا أن
__________
(1) في (ن): "إنما تكون".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ط)، و (و)، و (ق).
(4) في (ق) و (ك): "تطلق".
(5) في (ك): "المظاهر".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5/128)

الشرط المتقدم على العقد مُلْغَى، وسلموا لنا أن القصود غير معتبرة في العقود، وسلموا لنا جواز التحيّل على إسقاط الشُّفعة، وقالوا: يجوز (1) التحيل على بيع المعدوم من الثمار فضلًا عما لم يَبْدُ صلاحه بأن يؤجِّره الأرض ويُسَاقيه على الثمر من كل ألف جُزْء على جزء، وهذا نفسُ الحِيلة على بيع الثمار قبل وجودها، فكيف تنكرون علينا التحيل على بيعها قبل بدوّ صلاحها؟ وهل مسألة العِينَة إِلا مَلِك باب الحيل؟ وهم يبطلون الشرك (2) بالعروض ثم يقولون: الحيلَة في جوازها أن يبيعَ كلُّ منهما نصف عَرَضِه لصاحبه، فيصيران شريكين حينئذ بالفعل، ويقولون: لا يصح تعليق الوكالة بالشرط، والحيلة على جوازها أن يوكله الآن ويعلق تصرفه بالشرط، وقولهم في الحيل على عدم الحنث بالمسألة السُّرَيجية (3) معروف.
وكل حيلة سواه (4) محلل بالنسبة إليه؛ فإن هذه المسألة حيلة على أن يحلف دائمًا بالطلاق ويحنث ولا يقع عليه الطلاق أبدًا.

[الحيل عند المالكية]
وأما المالكية فهم من أشد الناس إنكارًا علينا للحيل، وأصولهم تخالف أصولنا في ذلك؛ إذ عندهم أن الشرط المتقدِّم كالمقارِن، والشرط العُرْفي كاللفظي، والقُصُود في العقود معتبرة، والذرائع يجب سدها، والتغرير الفعلي كالتغرير القولي، وهذه الأصول تسد باب الحيل سدًا محكمًا. ولكن قد عِلِقْنا لهم برهون نطالبهم بفكاكها أو بموافقتهم لنا على ما أنكروه علينا، فجوَّزوا التحيل على إسقاط الشُّفعة، وقالواة لو تزوَّجها ومن نيته أن يقيم معها سنةً صح
__________
(1) في (ن) و (ق): "بجواز".
(2) في (ك) و (ق): "الشركة".
(3) المسألةُ السُّريْجيَّة: هي ما إذا قال الرجل لامرأته: إذا وقع عليك طلاقي؛ فأنت طالق قبله ثلاثًا، وهي نسبة إلى ابن سريج، القاضي الشافعي. وهذه المسألة قد اختلف فيها الشافعية، وصحح الشيرازي في "المهذب" (2/ 100) قول أبي العباس بن سريج فيها أنه لا يقع الطلاق عليها، وعللوا ذلك بأنه متى طلقها وقع الطلاق قبله ثلاثًا ومتى وقع ثلاثًا كان الطلاق الصادر منه لم يصادف محلًا.
ولا شك أن هذا خطأ جلي وقد نقل الرملي الشافعي في "نهاية المحتاج" (7/ 30) رجوع ابن سريج عن هذه المسألة، وسيرد ابن القيم على هذه المسألةُ كما سيأتي -إن شاء اللَّه- ردًا شافيًا.
(4) في (و): "سواء".
(5/129)

النكاح، ولم تعمل هذه النية في فساده (1).

[الحيل عند الحنابلة]
وأما الحنابلة فبيننا وبينهم مُعْتَرك النزال في هذه المسائل؛ فإنهم هم الذين شنَّوا علينا الغارات، ورَمَوْنا بكل سلاح من الأثر والنظر، ولم يُراعوا (2) لنا حُرمة، ولم يرقبوا فينا إِلا ولا ذمَّة. وقالوا: لو نَصَب شِباكًا للصيد قبل الإحرام ثم أخذ ما وقع فيها حال الإحرام بعد الحِلِّ جَاز. وياللَّه العجب! أي فرق بين هذه الحيلة وحيلة أصحاب السَّبتِ على الحيتان؟ وقالوا: لو نوى الزوج الثاني أن يحلّها للأول ولم يشترط ذلك جاز وحلَّت له؛ لأنه لم يشترط ذلك في العقد، وهذا تصريح بأن النية لا تؤثر في العقد. وقالوا: لو تزوجها ومن نيته أن يقيم معها شهرًا ثم يطلقها صح العقد، ولم تكن نيّة التوقيت مؤثِّرة فيه، وكلامهم في باب المخارج من الأَيْمان بأنواع الحيل معروف، وعنَّا تلقوه، ومنا أخذوه (3). وقالوا: لو حلف أن لا يشتري [منه] ثوبًا فاتهبه (4) منه وشرط له العوض لا يحنث. وقالوا بجواز مسألة التورّق (5) وهي شقيقة مسألة العِينة؛ فأي فرق بين مصير السلعة إلى البائع وبين مصيرها إلى غيره؟ بل قد يكون عَوْدُها إلى البائع أرْفَقَ بالمشتري وأقل كلفة عليه وأرفع لخسارته وتعنيه (6). فكيف تحرِّمون الضرر اليسير وتبيحون ما هو أعظم منه والحقيقة في الموضوعين (7) واحدة وهي عشرة بخمسة عشر وبينهما حَرِيرة رجعت في إحدى الصورتين إلى مالكها وفي الثانية إلى غيره؟
وقالوا: لو حلف بالطلاق لا يزوج عبده بأَمَته أبدًا ثم أراد تزويجه بها ولا يحنث فإنه يبيع العبد والجارية من رجل ثم يزوجها المشتري ثم يستردّهما منه، قال القاضي: وهذا غيرُ مُمتنعٍ على أصلنا؛ لأن عقد النكاح قد وجد في حال
__________
(1) انظر: "الإشراف" (3/ 344 مسألة 1180) وتعليقى عليه.
(2) في (ق): "يرعوا".
(3) انظر: مسألة الزواج بنية الطلاق في: "المحرر" (2/ 23) و"التنقيح المشبع" (220) و"الإنصاف" (8/ 161)، و"منتهى الإرادات" (2/ 181) و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (32/ 149) و"بيان الدليل" (46 - 47) و"الاختيارات الفقهية" (ص 220 - ط الفقي).
(4) في جميع النسخ: "فانتهبه" والمثبت من (د)، و (ق) وما بين المعقوفتين سقط منها.
(5) مضى معناها.
(6) في "نسخة: وأوفه لخسارته وتعيينه" (د). قلت: والنسخة المشار إليها هي (ن).
(7) في (ك) و (ق): "الموضعين".
(5/130)

زوال ملكه عنهما، ولا يتعلق الحنث باستدامة العقد بعد أن ملكهما؛ لأن التزويج عبارة عن العقد وقد انقضى وإنما بقي حكمه فلم يحنث باستدامة حكمه.
وقالوا: لو كان له عليه مال وهو محتاج فأحب أن يَدَعَه له من زكاته فالحيلة أن يتصدَّق عليه بذلك القدر ثم يقبضه منه، ثم قالوا: فإن كان له شريكٌ فيه فخاف أن يخاصمه فيه فالحيلة أن يهب المطلوب للطالب مالًا بقدر حصة الطالب مما له عليه (1) ويقبضه منه للطالب ثم يتصدَّق الطالب على المطلوب بما وهبه له ويحتسب بذلك من زكاته ثم يهب المطلوب ما له عليه من الدَّين ولا يضمن الطالب لشريكه شيئًا؛ لأن هبةَ الدين لمن في ذمته براءة، وإذا أبرأ أحدُ الشريكين الغريم من نصيبه لم يضمن لشريكه شيئًا، وإنَّما يضمن إذا حصل الدَّين في ضمانه.
وقالوا (2): لو أجَّره الأرض بأُجرة معلومة وشَرَط عليه أن يؤدّي خَرَاجها لم يجز؛ لأن الخراج على المالك لا على المستأجر، والحيلة في جوازه أن يؤجِّره إياها بمبلغ يكون زيادته بقدر الخراج ثم يأذن له أن يدفعَ في خراجها ذلك القدر الزائد على أجرتها. قالوا: لأنه متى زاد مقدار الخراج على الأجرة حصل ذلك دَيْنًا على المستأجر، وقد أمره أن يدفعه إلى مستحق الخراج وهو جائز.
وقالوا (3): ونظير هذا أن يؤجره دابة ويشترط عَلَفها على المستأجر لم يجز، والحيلة في جوازه هكذا سواء، يزيد في الأجرة ويوكّله أن يعلف الدابة بذلك القدر الزائد.
وقالوا: لا يصح استئجار الشجرة المثمرة (4)، والحيلة في ذلك أن يؤجِّره الأرض ويُسَاقيه على الثمرة من كل ألف جزء جزء مثلًا.
وقالوا: لو وكله أن يشتري له جارية معيَّنة بثمن معين دفعه إليه، فلما رآها أراد شراءها لنفسه، وخاف أن يحلفه أنه إنما اشتراها بمال الموكِّل له، وهو وكيله، فالوجه أن يعزل نفسه عن الوكالة، ثم يشتريها بثمن في ذمته، ثم ينقد ما معه من الثمن، ويصير لموكله في ذمته نظيره.
قالوا: وأما نحن فلا تأتي (5) هذه الحيلة على أصولنا؛ لأن الوكيل لا يملك عَزل نفسه إِلا بحضرة موكله.
__________
(1) في (ك) و (ق): "مما عليه له".
(2) "أي الحنابلة" (و).
(3) في (ك) و (ق): "قالوا".
(4) في (ك): [الشجر للثمرة].
(5) في (ق): "تتأتى".
(5/131)

قالوا: وقد قالت (1) الحنابلة أيضًا: لو أراد إجارة أرض له فيها زرع [لم يجز، والحيلة] (2) في جوازه أن يبيعه الزرع ثم يؤجره الأرض، فإن أراد بعد ذلك أن يشتري منه الزرع جاز.
وقالوا: لو شَرَط رب المال على المضارب ضمان مال المضاربة لم يصح، والحيلة في صحته أن يقرضه المال في ذمته ثم يقبضه المضارب منه، فإذا قبضه دفعه إلى مالكه الأول مضاربة ثم يدفعه رب المال إلى المضاربِ بضَاعةً فإن توى (3) فهو من ضمان المضارب؛ لأنه قد صار مضمونًا عليه بالقَرْض فتسليمه إلى رب المال مضاربة كتسليم مال له آخر. وحيلة أخرى، وهي أن يُقْرِضَ ربُّ المال المضاربَ ما يريد دفعه إليه، ثم يخرج من عنده درهمًا واحدًا، فيشاركه على أن يعملا بالمالين جميعًا على أن ما رزقه اللَّه فهو بينهما نصفين، فإن عمل أحدهما بالمال بإذن صاحبه فربح كان الرِّبح بينهما على ما شرطاه، وإن خسر كان الخسران على قدر المالين، على رب المال بقدر الدرهم وعلى المضارب بقدر رأس المال، وإنما جاز ذلك لأن المضارب هو الملزِمُ نفسَه الضمان بدخوله في القرض.
وقالوا: لا تجوز المضاربة على العرض، فإن كان عنده عرض فأراد أن يضارب عليه فالحيلة في جوازه أن يبيعه العرض ويقبض ثمنه فيدفعه إليه مضاربة ثم يشتري المضارب ذلك المتاع بالمال.
وقالوا (4): لو حلفته امرأته أن كل جارية يشتريها فهي حرة، فالحيلة في جواز الشراء ولا تُعتق أن يعني بالجارية السفينة ولا تعتق، وإن لم تحضره هذه النية وقت اليمين فالحيلة أن يشتريها صاحبه ويهبه إياها ثم يهبه نظير الثمن.
وقالوا: لو حلَّفته أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق، وخاف من هذه اليمين عند من يصحح هذا التعليق فالحيلة أن ينوي كل امرأة أتزوجها على طلاقك: أي يكون طلاقُكِ صداقَهَا، أو كل امرأة أتزوجها على رقبتك: أن تكون
__________
(1) في (ك): "قال".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "فالحيلة".
(3) "توى -بالتاء المثناة-؛ أي هلك، وفي عامة الأصول عدا (ق): "نوى" -بالنون- ونعتقد أنه تصحيف ما أثبتناه" (د) وقال (و): "هلك، وأصلها نوى، ولكن تقدم ذكرها في الكتاب توى".
(4) في (ك) و (ق): "قالوا".
(5/132)

رقبتُك صداقها فهي طالق، فلا يحنث بالتزويج على غير هذه الصفة.
وقالوا: لو أراد أن يصرف دنانير بدراهم ولم يكن عند الصيرفي مبلغ الدراهم وأراد أن يصير عليه بالباقي لم يجز، والحيلة فيه أن يأخذ ما عنده من الدراهم بقدر صَرْفه ثم يقْرِضه إياها فيصرف بها الباقي، فإن لم يوف (1) فعل ذلك مرارًا حتى يستوفي صرفه، ويصير ما أقرضه دينًا عليه، لا أنه عوض الصرف.
وقالوا: لو أراد أن يبيعه دراهم بدنانير إلى أجل لم يجز، والحيلة في ذلك أن يشتري منه متاعًا وينقده ثمنه ويقبض المتاع، ثم يشتري البائع منه ذلك المتاع بدنانير إلى أجل، والتأجيل جائز في ثمن المتاع.
وقالوا: لو مات رب المال بعد أن قبض المضارب المال انتقل إلى ورثته، فلو اشترى المضارب به بعد ذلك متاعًا ضمن؛ لأنه تصرف بعد بطلان الشركة، والحيلة في تخلص المضارب من ذلك أن يشهد رب المال أن حِصَّته من المال الذي دفعه إليه مضاربة لولده، وأنه مقارض إلى هذا الشريك بجميع ما تركه، وأمره أن يشتري لولده ما أحب في حياته، وبعد وفاته، فيجوز ذلك؛ لأن المانع منه كونه متصرفًا في ملك الغير بغير وكالة ولا ولاية، فإذا أذن له في التصرف بريء من الضمان، وإن (2) كانت هذه الحيلة إنما تتم إذا كان الورثة أولادًا صغارًا.
وقالوا: لو صالح عن المؤجل ببعضه حالًا لم يصح، والحيلة في تصحيحه أن يفسخا العقد الذي وقع على المؤجل ويجعلاه بذلك القدر الحال.
وقالوا: لو لبس المتوضئ أحد الخفين قبل غسل [الرجل] (3) الأخرى ثم غسل الأخرى ولبس عليها لم يجز المسح؛ لأنه لم يلبس على كمال الطهارة، والحيلة في جواز المسح أن يخلع هذه الفردة الثانية ثم يلبسها (4).
قالوا: ولو أوصى لرجل بخدمة عبدِه أو بما في بطن أمته جاز، فلو أراد الورثة شراء خدمة العبد أو ما في بطن الأمة من الموصى له لم يجز، والحيلة في جوازه أن يصالحوه عن (5) الموصى به على ما يبذلونه له فيجوز، وإن لم يجز البيع فإن الصلح يجوز فيه ما لا يجوز في البيع.
__________
(1) في (ن) و (ك): "فإن لم يعرف".
(2) في (ك) و (ق): "فإن".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) انظم بسط المسألةُ وأدلتها في "الخلافيات" (3/ 235 - بتحقيقي).
(5) في (ن) و (ك): "من".
(5/133)

قالوا: ولا (1) تجوز الشركة بالعروض، فإن كان لأحدهما عرض يساوي خمسة آلاف درهم وللآخر عرض يساوي ألفًا فأحَبَّا أن يشتركا في العرضين، فالحيلة أن يشتري صاحب العرض الذي قيمته خمسة آلاف [من الآخر خمسَةَ أسداس عرضه بسدس عرضه هو؛ فيصير للذي يساوي عرضه ألفًا سدس جميع المال، وللآخر خمسة أسداسه] (2)؛ لأن جميع ماليهما ستة آلاف، وقد حصل كل واحد من العرضين بهذه الشركة بينهما أسداسًا، خمسة أسداسه لأحدهما وسدسه للآخر، فإذا هلك أحدهما هلك على الشركة.
قالوا: ولا تقبل شهادة الموكل لموكله فيما هو وكيل (3) فيه، فلو لم يكن [له] (4) شاهد غيره وخاف ضياع حقه فالحيلة أن يَعْزِلَه حتى يشهد له ثم يوكله بعد ذلك إن أراد.
قالوا: ولو أعتق عبده في مرضه، وثلثه يحتمله، وخاف عليه من الورثة أن يجحدوا المال ويرثوا ثلثيه؛ فالحيلة أن يدفع إليه مالًا يشتري (5) نفسه منه بحضرة شهود، ويشهدون أنه قد أَقْبضه الماله، وصار العبد حرًا.
قالوا: وكذلك الحيلة لو كان لأحد الورثة دَيْن على الموروث (6)، وليست له به بينة، فاراد بيعه (7) العبد بَدْينه الذي له عليه فعل مثل ذلك [سواء] (8).
قالوا: ولو قال: "أوصيتُ إلى فلان، وإن (9) لم يقبل فإلى فلان" وخاف أن تبطل الوصية على مذهب مَنْ لا يرى جواز تعليق الوصية (10) بالشرط، [فالحيلة] (11) أن يقول: "فلانٌ وفلانٌ وصيّان، فإن لم يقبل أحدهما وقبل الآخر فالذي قبل هو الوصي" فيجوز على قول الجميع؛ لأنه لم يعلّق الولاية بالشرط.
قالوا: ولو أراد ذمي أن يُسْلِم وعنده خمرٌ كثير، فخاف أن يذهب عليه
__________
(1) في (ق): "فلا".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وبدله في (ق): "درهم أسداسه"!!
(3) في المطبوع: "وكيله".
(4) سقط من (ك).
(5) في (ق): "يشري".
(6) في (ق): "لأحد الورثة على الموروث بين".
(7) في (ن) و (ق): "أن يبيعه".
(8) سقط من (ق).
(9) في (ق): "فان".
(10) كذا في (ق)، وفي سائر الأصول: "الولاية".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(5/134)

بالإسلام؛ فالحيلة أن يبادر ببيعها من ذمي آخر ثم يسلم، فإنه يملك تقاضيه بعد الإسلام، فإن بادر الآخر وأسلم لم يسقط عنه ذلك، وقد نصّ عليه الإمام أحمد (1) في مجوسي باع مجوسيًا خمرًا ثم أسلما يأخذ الثمن، قد وجب له يوم باعه.
قال أرباب الحيل: فهذا رهن الفرق عندنا بأنهم قالوا بالحيل وأفتوا بها، فماذا ينكرون علينا بعد ذلك ويشنّعون (2)؟ ومثالنا ومثالهم في ذلك كقوم وَجَدُوا كنزًا فأصاب كل منهم طائفة منه في يديه، فمستقل ومستكثر، ثم أقبل بعضُ الآخذين ينقم (3) على بقيتهم، وما أخذه من الكنز في يديه (4)، فليَرْم بما أخذ منه ثم ليُنكر على الباقين.

[جواب الذين أبطلوا الحيل]
قال المبطلون للحيل: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إلهَ إِلَّا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حولَ ولا قوة إِلَّا باللَّه [العلي العظيم] (5)، فسبحان [اللَّه] (5) الذي فرَضَ الفرائض [وحرَّم المحارم] (5) وأوجب الحقوق رعاية لمصالح العباد في المعاش والمعاد، وجعل شريعته الكاملة قيامًا للناس وغذاءً لحفظ حياتهم، ودواءً لدفعِ أدوائهم، وظله الظليل الذي من استظلَّ به أَمِنَ من الحَرَور، وحِصْنه الحصين الذي من دخله نجا من الشُّرور، فتعالى شارعُ هذه الشريعة الفائقة لكل شريعة أن يشرع (6) فيها الحيل التي تُسْقِطُ فرائضه، وتحل محارمه، وتبطل حقوق عباده، ويفتح للناس أبواب الاحتيال وأنواع المكر والخداع، وأن يحيى التوصل بالأسباب المشروعة، إلى الأمور المحرمة الممنوعة، وأن يجعلها مُضْغة (7) لأفواه المحتالين، عرضه لأغراض المخادعين الذين يقولون ما لا يفعلون، ويُظهرون خلاف ما يبطنون، ويرتكبون العَبَثَ الذي لا فائدة فيه سوى ضحكة الضاحكين
__________
(1) في "مسائل الكوسج" (332/ 207): "قلت: قال الثوري في نصراني أسلف نصرانيًا في الخمر ثم أسلم أحدهما، قال: له رأس ماله.
قال أحمد: له رأس ماله. قال إسحاق: "إذا كان الثمن دراهم أو شيئًا يحل"، وانظر: "أحكام أهل الملل" للخلال (110 - 111)، و"مصنف عبد الرزاق" (8/ 196).
(2) في (ن) و (د): "تنكرون. . . وتشنعون؟ ".
(3) في (ن): "ينمم".
(4) في (ك): "يداه".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ن) و (ق): "يحل".
(7) في (ق): "مصبغة".
(5/135)

وسخرية الساخرين، فيخادعون اللَّه كما يخادعون الصبيان، ويتلاعبون بحدودِه كتلاعب المُجَّان، فيحرمون الشيء ثم يستحلّونه [إياه] (1) بعينه بأدنى الحيل، ويسلكون إليه نفسه طريقًا توهم أن المراد غيره [وقد علموا أنه هو المراد لا غيره] (2)، ويسقطون الحقوق التي وصَّى اللَّه بحفظها وأدائها بأدنى شيء، ويفرقون بين متماثلين [من كل] (3) وجه لاختلافهما في الصورة أو الاسم أو الطريق الموصل إليهما، ويستحلون بالحيل ما هو أعظم فسادًا مما يحرمونه ويسقطون بها ما هو أعظم وجوبًا مما يوجبونه.

[كمال الشريعة الإلهية وعظمتها وأثرها]
والحمد للَّه الذي نزَّه شريعته عن هذا التناقض والفساد، وجعلها كفيّة (4) وافية (5) بمصالح خلقه في المعاش والمَعَاد، وجعلها من أعظم آياته الدالة عليه، ونَصَبها طريقًا مرشدًا لمن سلكه إليه؛ فهو نورُه المبين، وحِصْنُه الحصين، وظله الظليل، وميزانه الذي لا يَعُولُ، لقد تعرَّف بها إلى ألِبَّاء عباده غاية التعرف (6)، وتحبب بها إليهم غاية التحبب، فأنِسُوا [بها] (7) منه حكمته البالغة، وتمت بها عليهم منه نعمُه السابغة، ولا إله إلّا اللَّه الذي في شرعه أعظم آية تدل على تفرده بالإلهية وتوحده بالربوبية، وأنه الموصوف بصفات الكمال، المستحق لنعوت الجلال، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العُلَى وله المَثَلُ الأعلى، فلا يدخل السوء في أسمائه ولا النقص والعيب في صفاته، ولا العبث ولا الجور في أفعاله، بل هو منزَّه في ذاته وأوصافه وأفعاله وأسمائه عما يضاد كماله بوجه من الوجوه، وتبارك اسمه، وتعالى جَدُّه، وبهرت حكمته، وتمت نعمتُه، وقامت على عباده حجتُه، واللَّه أكبر كبيرًا أن يكون في شرعه تناقض واختلاف، فلو {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] بل هي شريعة مؤتلفة النظام، متعادلة الأقسام، مبّرأة من كل نقص، ومطهَّرة من كل دَنَس، {مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا} [البقرة: 71]، مؤسسة على العدل والحكمة، والمصلحة والرحمة، قواعِدُها
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "بكل".
(4) كذا في (ك) و (ق) و (ن) وفي سائر النسخ: "كفيلة".
(5) في (ق) و (ك): "وفيّه".
(6) في (ق) و (ك): "التعريف".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5/136)

ومبانيها، إذا حَرَّمت فسادًا حرمت ما هو أولى منه أو نظيره، وإذا رَعَت صلاحًا رَعَتْ ما هو فوقه أو شبهه؛ فهي (1) صراطه المستقيم الذي لا أمْتَ فيه ولا عِوَج، ومِلّته الحنيفية السَّمْحَة التي لا ضيق فيها ولا حرج، بل هي حنيفية التوحيد سمحة العمل، لم تأمر بشيء فيقول العقل: لو نهت عنه لكان أوفق، ولم تَنْهَ عن شيء فيقول الحِجَى: لو أباحته لكان أرفق، بل أمرت بكل صلاح، ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيب، وحرمت كل خبيث، فأوامرها غذاءٌ ودواء، ونواهيها حِمْيَة وصيانة، وظاهرُها زينةٌ لباطنها، وباطنُها أجملُ من ظاهرها، شعارُهَا الصدق، وقوامها الحق، وميزانها العدل، وحكمها الفَصْل، لا حاجة بها البتة إلى أن تكمل بسياسة ملك أو رَأي ذي رأي أو قياس فقيه أو ذوق ذي رياضة أو منام ذي دين وصلاح، بل بهؤلاء (2) كلهم أعظم الحاجة إليها، ومَنْ وفق منهم للصواب فلاعتماده وتعويله عليها، لقد أكملَهَا الذي أتم نعمته علينا بشرعها قبل سياسات الملوك، وحيل المتحيلين، وأقيسه القياسيين، وطرائق الخلافيين، وأين كانت هذه الحيل والأقْيسَة والقواعد المتناقضة والطرائق القِدَدُ وقتَ نزول قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وأين كانت يوم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد تركتكم على المَحَجَّةِ البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها [بعدي] إِلَّا هالك" (3) ويوم
__________
(1) في (ق): "شبيهه، فهو".
(2) كذا في (ك) و (ق) وفي سائر الأصول: "لهؤلاء".
(3) رواه أحمد (4/ 126)، وابن ماجة (43) في (المقدمة): باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وابن أبي عاصم في "السنة" (48)، والطبراني في "المعجم الكبير" (18) (619 و 620)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 96)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 176)، والبيهقي في "المدخل" (51)، وابن عبد البر في "الجامع" (2303 و 2304) كلهم من طريق عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية به، وفيه عندهم الزيادة المعروفة: "من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا. . . ".
ورجاله ثقات، وعبد الرحمن بن عمرو هذا روى عنه جمع من الثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وصحح له الترمذي وابن حبان والحاكم.
وتابعه على هذه الفقرة أيضًا جبير بن نفير: رواه ابن أبي عاصم (49)، والطبراني في "الكبير" (18/ 642)، ورجاله ثقات إِلا شَعْوَذ الأزدي ذكره ابن أبي حاتم (4/ 390) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (6/ 451).
وله شاهد من حديث أبي الدرداء: رواه ابن ماجة (5)، وابن أبي عاصم (47).
قال شيخنا الألباني: رجاله ثقات على ضعف في إبراهيم بن سليمان الأفطس، وهشام بن عمار. =
(5/137)

قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما تركت من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم عن (1) النار إِلا أعلمتكموه" (2)؟ وأين كانت عند قول أبي ذر: لقد توفي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وما طائر يقلِّبُ جناحيه في السَّماء إِلا ذكَرَ لَنَا منه علمًا (3)، وعند قول القائل لسَلْمَان: لقد
__________
= أقول: وقد ذكره البوصيري في "زوائده" ولم يتكلم عليه!!
وما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(1) في (ك) و (ق): "من"، و"علمتكموه" بدل "أعلمتكموه".
(2) أخرجه الشافعي في "المسند" (7 - بدائع المنن)، وابن خزيمة في "حديث علي بن حجر" (3/ رقم 100) -كما في "السلسلة الصحيحة" رقم (1803) -، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 92 - 93)، وعلقه ابن عبد البر في "الجامع" (2345) عن المطلب بن حنطب مرفوعًا بلفظ: ما تركت شيئًا مما أمركم اللَّه به إِلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئًا مما نهاكم عنه إِلا نهيتكم عنه"، وهو مرسل حسن.
وله شاهد، أخرجه أحمد في "المسند" (5/ 153، 162)، والطبراني في "الكبير" (1647)، والبزار في "المسند" رقم (147 - زوائده) من حديث أبي ذر -رضي اللَّه عنه- مرفوعًا: "ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إِلا وقد بيَّن لكم".
وإسناد أحمد صحيح، وهو جزء من الحديث الآتي فانظره.
وقال (د) و (ط): "في نسخة: إِلا أخبرتكم به"، زاد (ط): "انظر: "إعلام الموقعين" ط فرج اللَّه زكي الكردي ج 3 ص 169".
قلت: النسخة المشار إليها هي (ن).
(3) رواه البزار (147)، والطبراني في "الكبير" (1647) من طريق سفيان بن عيينة عن فطر عن أبي الطفيل عن أبي ذر به، وعند الطبراني زيادة مرفوعة.
وتابع ابن عيينة كذلك سفيان الثوري، رواه الدارقطني في "علله" (6/ 290)، وقال: ليس بصحيح عنه.
قال البزار: "رواه بعضهم عن فطر عن منذر قال أبو ذر. . .، ومنذر لم يدرك أبا ذر".
أقول: وقد رجح الدارقطني في "علله" هذه الرواية المرسلة، ومما يؤيد كلام الدارقطني أن شعبة والثوري وابن نمير رووه عن الأعمش عن منذر الثوري عن أشياخ لهم عن أبي ذر.
وأما رواية شعبة فهي في "مسند الطيالسي" (479)، وأحمد (5/ 162)، وأما رواية ابن نمير فهي في "مسند أحمد" (5/ 153 - 154)، ورواية الثوري تقدّمت.
أما الهيثمي فقال (8/ 264): "ورواه الطبراني ورجال الطبراني رجال الصحيح، غير محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المُقرئ وهو ثقة". وبلفظه شاهد من حديث أبي الدرداء، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، كما في "المجمع" (8/ 264).
وقال (د) و (ط): "في نسخة: إِلا أذكرنا منه علمًا"، وزاد (ط): انظر "أعلام الموقعين" (ط المطبعة المنيرية ج 3 ص 181).
قلت: النسخة المشار إليها هي (ن)، وفي (ق): "ذكرنا".
(5/138)

علَّمكم نبيكم كلَّ شيء حتى الخِرَاءَة، فقال: أجل (1)؟ فأين علَّمهم الحيل والمخادعة والمكر وأرشدهم إليه ودلهم عليه؟ كلا واللَّه! بل حَذَّرهم (2) أشد التحذير، وأوعدهم عليه أشد الوعيد، وجعله منافيًا للإيمان، وأخبر عن لعنة اليهود لما ارتكبوه، وقال لأمَّته: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم اللَّه تعالى بأدنى الحيل" (3)، وأغلق أبواب المكر والاحتيال، وسَدّ الذرائع، وفصل الحلال من الحرام، وبَيَّنَ الحدودَ، وقسم شريعته إلى حلال بَيِّن وحرام بَيِّن وبَرْزَخ بينهما، فأباح الأول، وحرم الثاني، وحض الأمة على اتقاء الثالث خشية الوقوع في الحرام (4)، وقد أخبر اللَّه تعالى عن عقوبة المحتالين على حِلِّ ما حرَّمه عليهم وإسقاط ما فرضه (5) عليهم في غير موضع من كتابه.
قال أبو بكر الآجري (6)، وقد ذكر بعض الحيل الربوية التي يفعلها [بعض] (7) الناس: لقد مسخ اليهود قِرَدَة بدون هذا. وصدق واللَّه لآكِلُ حوتٍ صِيدَ يوم السبت أهونُ عند اللَّه وأقل جرمًا من آكل الربا الذي حرمه اللَّه بالحيل والمخادعة! ولكن كما قال الحسن: عُجِّل لأولئك عقوبة تلك الأكْلَة الوخيمة وأرجِئَت عقوبة هؤلاء (8).
وقال الإمام أبو يعقوب الجُوْزجَاني: وهل أصاب الطائفة من بني إسرائيل المسخُ إِلا باحتيالهم على أمر اللَّه بأن حفروا الحفائر (9) على الحيتان في يوم سبتهم فمنعوها الانتشار يومها إلى الأحد فأخذوها؟ وكذلك السلسلة التي كانت
__________
(1) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الطهارة): باب الاستطابة (/ 223/ 262).
(2) في (ق): "حذرهموه".
(3) سبق تخريجه.
(4) يشير إلى حديث النعمان بن بشير: "الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات. . . ".
"أخرجه البخاري (52) في (الإيمان): باب فضل من استبرأ لدينه، و (2051) في (البيوع): باب الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات، ومسلم (1599) في (المساقاة): باب أخذ الحلال وترك الشبهات.
(5) في (ق): "فرض".
(6) لعل هذا النقل من كتاب "الشبهات" للآجري ذكره له ابن خير في "فهرسته" (6/ 97) وهو في عداد المفقود، ثم رأيتُ هذا النقل عن الآجري في "بيان الدليل" (ص 71 - 72) لشيخ المصنف ابن تيمية.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(8) رواه ابن جرير (13/ 196 - 197، 197 - 198 رقم 15284، 15285)، وابن أبي حاتم (5/ 1599 رقم 8450) كلاهما في "التفسير"، وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، كما في "الدر المنثور" (3/ 591).
(9) في (ن) و (ق): "حظروا الحضائر".
(5/139)

تأخذ بعنق الظالم فاحتال لها صاحب الدُّرَّة إذ صيَّرها [في قصبة] (1) ثم دفع القصبة إلى خصمه وتقدم إلى السلسلة ليأخذها فرُفِعت (2).
وقال بعض الأئمة: في هذه القصة (3) مزجرة عظيمة للمتعاطين الحيل على المَنَاهي الشرعية ممن تَلَبَّسَ بعلم الفقه وليس بفقيه؛ إذ الفقيه مَنْ يخشى اللَّه عز وجل في الربويّات، واستعارة التيس الملعون لتحليل المطلَّقات، وغير ذلك من العظائم والمصايب الفاضحات، التي لو اعتمدها مخلوق مع مخلوق لكان في نهاية القبح، فكيف بمن يعلم السر وأخفى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (4)؟
وقال: وإذا وازَنَ اللبيبُ بين حيلة أصحاب السبت والحيل التي يتعاطاها أرباب الحيل في كثير من الأبواب ظَهَر له التفاوت ومراتب المفسدة التي بَيْنها وبين هذه الحيل، فإذا عرف قدر الشرع وعظمة الشارع وحكمته وما اشتمل عليه شرعه من رعاية مصالح العباد تبيّنَ له حقيقة الحال، وقطع بأن اللَّه تعالى يتنزه ويتعالى أن يسوغ (5) لعباده نقض شرعه وحكمته بأنواع الخداع والاحتيال (6).
__________
(1) في جميع النسخ: "بالقصبة": والمثبت من (ق) و (ك).
(2) نقل كلام الجوزجاني: ابن تيمية في "بيان الدليل" (ص 72).
وذكر خبر السلسلة أُسامة بن منقذ في كتابه "العصا" (1/ 195 - 196، ضمن "نوادر المخطوطات") قال: "زرت المقدس في سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة، وكان معي من أهله من يعرِّفني المواضع التي يصلَّى فيها ويتبرك بها!! فدخل بي إلى بيت جانب قبَّة الصخرة فيه قناديلُ وستور، فقال لي: هذا بيت السلسلة. فاستخبرته عن السلسلة فقال لي: هذا بيتٌ كانت فيه على عهد بني إسرائيل سلسلة إذا كان بين اثنين من بني إسرائيل محاكمة ووجبت اليمينُ على أحدِهما دخلا هذا البيت، فوقفا تحت السلسلة، واستُحلِف المُدَّعَى عليه، ثم يمد يده فإن كان صادقًا أمسك السلسلة، وان كان كاذبًا طالت عن يده فلا يصل إليها. فأودَعَ رَجُلٌ من بني إسرائيل جوهرًا عند رجل، ثم طلبه منه فقال: أعطيتك إياه. فقال: تحاكمني إلى السلسلة، فمضى المستودع فأخذ عصًا فشقها وحفر فيها للجوهر وتركه فيها، ثم ألصقها عليه ودهنها، أخذها في يده ودخل مع خصمه بيت السلسلة فقال للخصم: أمسِك عني هذه العصا. فَمَسَكَها ثم حلف له أنه سلّم الجَوهرة إليه ومدَّ يده فأمسك السلسلة ثم عاد أخذ العصا وخَرَجا، فارتفعت السلسلة من ذلك اليوم. ولم أر هذا الحديث مسطورًا، وإنما أوردته كما سمعته". قلت رأيته مسندًا من خبر وهب عند ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (17/ 103) ومن كلا علي عند ابن العديم في "بغية الطلب" (7/ 3410). وهو في "البداية والنهاية" (2/ 21 - 22)، و"أداب القضاء" للسروجي (106 - 107)، و"شرح أداب القاضي" (1/ 373 - 375) للصدر الشهيد.
(3) في (ق): "الآية".
(4) قارن ب "بيان الدليل" (ص 72).
(5) كذا في (ن) و (ك) و (ق) وفي سائر النسخ: "يشرع".
(6) قارن ب "بيان الدليل" (ص 76 - 77).
(5/140)

فصل [الجواب على شبه الذين جوزوا الحيل تفصيلًا]
قالوا: ونحن نذكر ما تمسكتم به في تقرير الحيل والعمل بها، ونبيِّن ما فيه، مُتَحَرِّينَ للعدل والإنصاف، منزهين لشريعة اللَّه وكتابه وسنة رسوله عن المَكْر (1) والخِدَاع والاحتيال المحرَّم، ونبيِّن انقسام الحيل والطرقِ إلى ما هو كفر محض، وفسق ظاهر، ومكروه، وجائز، ومستحب، وواجب عقلًا أو شرعًا، ثم نذكر فصلًا نبيِّن فيه التعويض بالطرق الشرعية عن الحيل الباطلة، فنقول وباللَّه التوفيق و [هو] (2) المستعان وعليه التكلان:

[الكلام على قصة أيوب]
أما قوله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44] فقال شيخنا رحمه اللَّه (3): الجواب أن هذا ليس مما نحن فيه؛ فإن للفقهاء في موجب هذه اليمين في شرعنا قولين، يعني إذا حلف ليضربَنَّ عبده أو امرأته مئة ضربة:
أحدهما: قول من يقول موجبها الضرب مجموعًا أو مُفَرَّقًا، ثم منهم من يشترط مع الجمع الوصول إلى المضروب؛ فعلى هذا تكون [هذه] (4) الفُتيا موجب هذا اللفظ عند الإطلاق، وليس هذا (5) بحيلة، إنما الحيلة أن يُصْرَفَ اللفظُ عن موجبَه عند الإطلاق.
والقول الثاني: إن موجبه الضرب المفرَّق (6)، وإذا كان هذا موجبه في شرعنا لم يصح الاحتجاج علينا بما يخالف شرعنا من شرائع من قبلنا؛ لأنَّا إن قلنا: "ليس شرعًا لنا مطلقًا" فظاهر، وإن قلنا: "هو شرع لنا" فهو مشروطٌ بعدم مخالفته لشرعنا، وقد انتفى الشرط.
وأيضًا؛ فمن تأمَّل الآية علم أن هذه الفُتْيَا خاصة الحكم؛ فإنها لو كانت
__________
(1) في (د) و (ط) و (و): "المنكر"!
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) هو شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه- ونقل ابن القيم عنه إلى آخر هذا الفصل من "بيان الدليل" (ص: 384 - 390) بتصرف واختصار وزيادة، فأشرنا إلى المهم من ذلك.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(5) في (ك): "وهذا ليس".
(6) في نسخ "الإعلام": "المعروف".
(5/141)

عامة الحكم في حق كل أحد لم يَخْفَ على نبيٍ كريم موجَبُ يمينِهِ، ولم يكن في اقتصاصها علينا كبير عبرة؛ فإنما يقص ما خرج عن نظائره [لنعتبر به ونستدل به على حكمة اللَّه فيما قَصَّه علينا] (1)، أما ما كان [هو] (1) مقتضى العادة والقياس فلا يقص، ويدل على الاختصاص قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرًا} [ص: 44] وهذه الجملة خرجت مخرج التعليل كما في نظائرها؛ فعلم أن اللَّه [سبحانه وتعالى] (1) إنما أفْتَاه بهذا جزاءً له على صبره، وتخفيفًا عن امرأته، ورحمةً بها، لا أن هذا [هو] (2) موجب هذا اليمين، [وأيضًا فإن اللَّه سبحانه وتعالى] (3) إنما أفْتَاه بهذه الفُتْيَا لئلا يحنث، كما أخبر تعالى (4).

[متى شرعت كفارة اليمين؟]
وهذا يدل على أن كفارة الأَيمْان لم تكن مشروعة بتلك الشريعة، بل ليس في اليمين إِلا البر [أو] (5) الحنث، كما هو ثابت في نذر التبرُّر في شريعتنا؛ وكما [كان في أول الإسلام] (6) قالت عائشة -رضي اللَّه عنها-: لم يكن أبو بكر يحنث في يمين، حتى أنزل اللَّه كفارة اليمين (7)، فدلَّ على أنها لم تكن مشروعة في أول الإسلام.
وإذا كان كذلك صار كأنه قد نذر ضربها، وهو نذر لا يجب الوفاء به؛ لما فيه من الضَّرر عليها، ولا يغني عنه كفارة اليمين (8)؛ لأن تكفير النذر فرع عن (9) تكفير اليمين، فإذا لم يكن كفارة النذر إذ ذاك مشروعة فكفارة اليمين أولى، وقد علم أن الواجب بالنذر يحتذى به حَذْوَ الواجب بالشرع، وإذا كان الضرب الواجب بالشرع يجب تفريقه إذا كان المضروب صحيحًا ويجوز جَمْعه إذا كان المضروب مريضًا مأيوسًا منه عند الكل أو مريضًا على الإطلاق عند بعضهم، كما ثبتت بذلك السنة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (10)، جاز أن يقام الواجب بالنذر مقام ذلك
__________
(1) ما بين المعقوفات ليس في "بيان الدليل".
(2) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(3) ما بين المعقوفتين ليس في "بيان الدليل".
(4) هنا زيادة في "بيان الدليل" وهي: "وكما قد نقل أهل التفسير أنه كان قد حلف ثمن شفاه اللَّه ليضربنها مئة سوط لما تمثل لها الشيطان وأمرها بنوع من الشرك لم تتفطن له لتأمر به أيوب" اه.
(5) في نسخ "الإعلام": "و".
(6) ما بين المعقوفتين ليس في "بيان الدليل".
(7) أخرجه البخاري (6621): في (الأيمان): باب {لَّا يُؤَاخِذُبهُمُ اللَّه بالْلَغْوِ فِىَ أَيَمَنِكُمْ}.
(8) في (ق) و (ك): "يمين".
(9) في (ن) و (ك) و (ق): "على".
(10) يشير إلى حديث الرجل المقعد الذي زنا بامرأة وكان ضعيفًا فأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُجلد =
(5/142)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= بِ (عثكال) فيه مئة شمراخ ضربة واحدة.
وهذا الحديث مداره على أبي أمامة بن سهل بن حنيف وقد اختلف عليه على أوجه:
الأول: رواه أبو الزناد ويحيى بن سعيد عنه عن أبي سعيد الخدري، أخرجه الطبراني (5446)، والدارقطني (3/ 105)، من طريق داود بن مهران وعمرو بن عون عن سفيان عنهما به.
قال الهيثمي بعد أن عزاه للطبراني (6/ 252): رجاله رجال الصحيح.
لكن رواه الشافعي في "مسنده" (2/ 79 - 80) من طريقه البيهقي (8/ 230) عن سفيان به، لم يذكر أبا سعيد، جعله عن أبي أمامة بن سهل مرسلًا.
قال البيهقي: هذا هو المحفوظ عن سفيان مرسلًا.
أقول: ورواه أيضًا عن أبي أمامة مرسلًا الزهري.
أخرجه الطبراني (5568) من طريق أحمد بن أبي شعيب عن موسى بن أعين عن إسحاق بن راشد عنه به.
إسحاق بن راشد هذا ثقة إِلا أن في حديثه عن الزهري وهم.
ومما يدل على ذلك أن الطبراني رواه بالإسناد نفسه (5587) (عدا شيخ الطبراني) فوقع فيه عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه.
أقول: قد ذكرت أن أبا الزناد قد رواه من قبل تارة عن أبي أمامة عن أبي سعيد وتارة مرسلًا.
وقد رواه المغيرة بن عبد الرحمن عنه فجعله عن أبي أمامة عن أبيه، أخرجه الطبراني (5565) من طريق عبد الملك بن مسلمة عنه، ورواته ثقات، لكن عبد الملك بن مسلمة، هذا أظنه هو المترجم في "الميزان" و"الجرح والتعديل" فإنه من نفس الطبقة، قال أبو حاتم: كتبت عنه وهو مضطرب الحديث ليس بقوي حدثني بحديث موضوع.
وقال أبو زرعة: ليس بالقوي وهو منكر الحديث.
وتابع المغيرة أيضًا عبد الرحمن بن أبي الزناد.
أخرجه الدارقطني (3/ 100) من طريق عبد العزيز بن محمد الأزدي عنه، وعبد العزيز هذا ينظر في حاله.
الثاني: يعقوب بن عبد اللَّه بن الأشج عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة.
رواه أحمد في "مسنده" (5/ 222)، وابن ماجة (2574)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2524)، والطبراني (5521) و (5522)، والنسائي في "الكبرى" (4/ 311)، وأحمد بن منيع وأبي أبي شيبة في "مسنديهما"، كما في "زوائد البوصيري" (2/ 74) من طرق عن ابن إسحاق عن يعقوب به.
قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف لأن مدار الإسناد على محمد بن إسحاق وهو مدلس. =
(5/143)

عند العذر، وقد كانت امرأة أيوب -عليه السلام- ضعيفة عن احتمال مئة ضربة (1) التي حلف أن يضربها إياها، وكانت كريمةً على ربها، فخفف عنها برحمته الواجب باليمين بأنْ أفْتَاه بجمع الضربات بالضِّغْثِ كما خفف عن المريض.

[عن النذر في الإسلام]
ألا ترى أن (2) السنة قد جاءت فيمن نذر الصدقة بجميع ماله أنه يجزيه الثلث (3).
__________
= أقول: وقد اختلف فيه على ابن إسحاق أيضًا.
فرواه ابن ماجة بعد (2574) بلا رقم عن سفيان بن وكيع عن المحاربي عنه عن يعقوب عن أبي أمامة عن سعد بن عبادة.
وهذا فيه عنعنة ابن إسحاق، وضعف سفيان بن وكيع.
الثالث: ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره بعض أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
أخرجه أبو داود (4472) من طريق ابن وهب عن يونس عنه، وهذا إسناد صحيح.
الرابع: وقد رواه غير أبي أمامة بن سهل.
فقد أخرجه الدارقطني (3/ 99) ومن طريقه البيهقي عن عثمان بن عمر عن فليح عن أبي حازم عن سهل بن سعد به. وقال الدارقطني: كذا قال، والصواب عن أبي حازم عن أبي أمامة بن سهل عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
أقول: وتابع فُلَيْحًا أبو بكر بن أبي سبرة.
أخرجه الطبراني (5820) من طريق عامر العقدي عنه.
قال الهيثمي (6/ 252): فيه أبو بكر بن أبي سبرة وهو متروك.
وبعد هذا التلخيص لطرق الحديث قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (4/ 59) عن طرق حديث أبي أمامة: فإن كانت الطرق كلها محفوظة فيكون أبو أمامة قد حمله عن جماعة من الصحابة، وأرسله مرة وقال في "بلوغ المرام" (رقم 1264): إسناده حسن إِلا أنه اختلف في وصله وإرساله.
(1) في المطبوع: "الضربة".
(2) في "بيان الدليل": "الأثري إن"!!
(3) ورد في هذا حديث أبي لبابة: رواه مالك (2/ 481) عن عثمان بن حفص بن عمر وعبد الرزاق (16397) عن ابن جريج، ومعمر، ثلاثهم عن الزهري، أن أبا لبابة، وذكره.
ووصله عن الزهري محمد بن الوليد الزبيدي، رواه عنه عن حُسين بن السائب بن أبي لبابة عن جدّه أبي لبابة فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يجزئك من ذلك الثلث".
أخرجه من طريقه ابن حبان (3371)، والبيهقي (4/ 181)، وأشار إليه أبو داود بعد (3320)، وتابعه أيضًا ابن جريج.
أخرجه من طريقه أحمد (3/ 452 - 453، و 502) قال: أخبرني الزهري به.
والزبيدي من ثقات أصحاب الزهري. =
(5/144)

فأقام الثلث في النذر مقام الجميع رحمة بالناذر وتخفيفًا عنه (1)، كما أُقيم مقامه في الوصية رحمة بالوارث ونظرًا له، وجاءت السنة فيمن نذرت الحج ماشيةً أن تركب وتُهْدِيَ (2)، إقامةً لترك بعض الواجب بالنَّذر مقام ترك [بعض] (3) الواجب
__________
= ورواه محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن الحسين بن السائب عن أبيه، قال: لما تاب اللَّه على أبي لبابة، قال أبو لبابة.
أخرجه الطبراني في "الكبير" (4509)، والبخاري في "التاريخ" (2/ 385 - 386)، ومحمد هذا ضعيف.
ورواه محمد هذا على وجه آخر فقال: عن الزهري عن حسين بن السائب بن أبي لبابة أو غيره به، ذكره البخاري أيضًا.
ورواه أسامة بن زيد عن ابن شهاب: حدثني بعض ابن السائب بن أبي لبابة عن أبي لبابة.
أخرجه الطبراني في "الكبير" (4510)، وأسامة لا بأس به، لكن الزبيدي أوثق منه، وقوله: بعض ابن السائب لعله حسين.
وتابع أسامة يونسُ أيضًا.
علقه البخاري في "التاريخ" (2/ 386) وأبو داود بعد (3320).
ورواه البيهقي (10/ 67) من طريق ابن وهب -وهو في "موطئه" كما في "التمهيد" (20/ 82) - عن يونس به.
أقول: وحسين بن السائب هذا لم يوثقه إِلا ابن حبان، وقال: يروي عن أبيه المراسيل.
وخالف هؤلاء جميعًا إسماعيل بن أمية، فرواه عن الزهري عن عبد الرحمن بن أبي لبابة عن أبيه أبي لبابة.
أخرجه الدارمي (1/ 390 - 391)، وإسماعيل من الثقات. وعبد الرحمن بن أبي لبابة لم أظفر بترجمته، وهو من اضطراب الزهري في تسميته.
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (20/ 83): "ولا يتصل حديث أبي لبابة فيما علمت ولا يستند، وقصته في السير محفوظة".
وفي الباب عن كعب بن مالك:
رواه أبو داود (3319 و 3320)، ومن طريقه البيهقي (10/ 67 - 68)، والطبراني (18/ 104)، وفي سنده اختلاف.
وحديث كعب بن مالك، ثابت في "الصحيح" لكن رواه بلفظ: "أمسك بعض مالك"، وخرجته في تعليقي على "الموافقات" للشاطبي (3/ 71)، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 1010).
(1) انظر: "تهذيب السنن" (4/ 384 - 385)، و"زاد المعاد" (3/ 23)، و"بدائع الفوائد" (4/ 83).
(2) هو يشير إلى حديث ابن عباس في نذر أخت عقبة بن عامر، وتقدم تخريجه.
(3) ما بين المعقوفتين من (ن)، و"بيان الدليل".
(5/145)

بالشرع في المناسك عند العجز عنه كطواف الوداع عن الحائض. وأفتى ابن عباس وغيره [في] (1) مَنْ نذر ذَبْح ابنه بشاة (2)، إقامةً لذبح الشاة مقام ذبح الابن كما شُرع ذلك للخليل [صلوات اللَّه وسلامه عليه] (1)، وأفْتَى أيضًا مَنْ نَذَر أن يطوف على أربع بأن يطوف أسبوعَيْن (3)، إقامة لأحد الأسبوعين مقام طواف اليدين، [وأفْتَى أيضًا هو وغيره من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- المريضَ الميئوسَ منه والشيخَ الكبيرَ الذي لا يستطيع الصوم بأن يفطرًا ويطعما كل يوم مسكينًا (4)، إقامة للإطعام مقام الصيام. وأفْتَى أيضًا هو وغيره من الصحابة الحاملَ والمرضعَ إذا خافتا على ولديهما أن تُفطرا وتُطعما كل يوم مسكينًا (5)، إقامة للإطعام مقام
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ن)، و"بيان الدليل".
(2) رواه ابن أبي شيبة (3/ 502)، وعبد الرزاق (15906)، والبيهقي (10/ 73)، وابن حزم (8/ 16) من طرق عن عكرمة عنه.
وله طرق أخرى في المصادر المذكورة، وانظر: "موطأ مالك" (2/ 476) و"جامع الأصول" (1955) و"أحكام القرآن" (3/ 378) للجصاص.
وفي (ق): "ولده" بدل "ابنه".
(3) رواه عبد الرزاق (15895) أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: رجل نذر أن يطوف على ركبتيه سبعًا، فقال: قال ابن عباس: لم يؤمروا أن يطوفوا حبوًا، ولكن ليطف سُبْعَين، سبعًا لرجليه، وسبعًا ليديه. قلت: ولم يأمره بكفارة، قال: لا.
ولم يعزه في "كنز العمال" (16/ 734 رقم 46570) إِلا لعبد الرزاق.
(4) روى البخاري في "صحيحه" (4505) في (التفسير): باب {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا. . .} عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يومٍ مسكينًا".
وله ألفاظ وطرق عن ابن عباس، وعن غيره من الصحابة انظر "مصنف عبد الرزاق" (4/ 220 - 224)، و"سنن البيهقي" (4/ 270 - 272).
(5) روى أبو داود (2318)، ومن طريقه البيهقي (4/ 230) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: والحبلى والمرضع إذا خافتا.
قال أبو داود: يعني: على أولادهما أفطرتا وأطعمتا.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم، وعزرة هو ابن عبد الرحمن تحرّف في المطبوع من "سنن أبي داود" إلى "عروة"، ووقع على الصواب في "سنن البيهقي"، و"تحفة الأشراف" أيضًا "عزرة".
وروى أبو داود أيضًا (2317) عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال: أثبتت للحامل والمرضع.
رواه من طريق أبان عن قتادة أن عكرمة حدثه عن ابن عباس وهذا إسناد صحيح أيضًا. =
(5/146)

الصيام (1)، وهذا كثير جدًا] (2)، وغير مستنكر في واجبات الشريعة أن يخفف اللَّه تعالى الشيء منها عند المشقة بفعل ما يشبهه من بعض الوجوه كما في الإبدال وغيرها، لكن مثل قصة أيوب لا يحتاج إليها في شرعنا؛ لأن الرجل لو حَلَفَ ليضربَنَّ أمته (3) أو امرأته مئة ضربة أمكنه أن يكفِّر عن يمينه من غير احتياج إلى حيلة وتخفيف (4) الضرب بجَمْعه، ولو نذر ذلك فهو نذر معصية فلا شيء عليه عند طائفة، وعند طائفة عليه كفارة يمين (5)، وأيضًا فإن المُطْلَق من كلام الآدميين محمولٌ على ما فسر به المطلق من كلام الشارع خصوصًا في الأيمان؛ فإن الرجوع فيها إلى عُرف الخطاب شرعًا أو عادة أولى من الرجوع [فيها] (6) إلى موجب اللفظ في أصل اللُّغة، واللَّه سبحانه وتعالى قد قال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] وقال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ]} (7) [النور: 4] وفهم الصحابة والتابعون ومَنْ بعدهم من ذلك أنه ضربات متعددة متفرقة لا مجموعة، إِلا أن يكون المضروب معذورًا عذرًا لا يُرْجى زواله؛ فإنه يُضرب؛ ضربًا مجموعًا، وإن كان يُرْجى زواله فهل يُؤخَّر إلى الزَّوال، أو يقام عليه مجموعًا؟ فيه خلاف بين الفقهاء، فكيف يقال: إن الحالف ليضربن موجَبُ يمينه هو الضربُ المجموع مع صحة المضروب وقوته؟ فهذه الآية هي أقوى ما يعتمد عليه أرباب الحيل، وعليها بنوا حيلهم، وقد ظهر بحمد اللَّه تعالى أنه لا متمسك لهم فيها البتَّة.

فصل [الكلام عن حيلة يوسف]
وأما إخباره سبحانه وتعالى عن يوسف -عليه السلام- أنه جعل صُوَاعه في رَحْل أخيه
__________
= رواه مالك في "الموطأ" (1/ 308) بلاغًا عن ابن عمر في الحامل إذا خافت على ولدها قال: تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينًا.
هكذا هو في "الموطأ" بلاغًا، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" (4/ 230) من طريق الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر موصولًا.
(1) انظر: "زاد المعاد" (1/ 154)، و"بدائع الفوائد" (4/ 45، 101).
(2) ما بين المعقوفتين ليس في "بيان الدليل".
(3) في (ن) و (ق): "عبده".
(4) في "بيان الدليل": "أن يخفف".
(5) فصل المصنف الخلاف في "إغاثة اللهفان" (2/ 97 - 99)، وانظر: "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (4/ 322 مسألة رقم 1673)، وتعليقي عليه.
(6) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(7) ما بين المعقوفتين سقط في (ق).
(5/147)

ليتوصل بذلك إلى أخذه وَكَيْد إخوته، فنقول لأرباب الحيل:
أولًا: هل تجوِّزون أنتم مثل هذا حتى يكون حجةً لكم؟ وإلا فكيف تحتجون بما لا تجوِّزون فعله؟! فإن قلتم: فقد كان جائزًا في شريعته، قلنا: وما ينفعكم إذا لم يكن جائزًا في شرعنا؟
قال شيخنا (1) -رضي اللَّه عنه-: و [من هذا الباب] (2) مما قد يُظنُّ أنه من جنس الحيل التي بيَّنا تحريمها وليس من جنسها قصةُ يوسف [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (2) حين كاد اللَّه له في أخذ أخيه كما قَصَّ ذلك سبحانَه (3) في كتابه، فإن فيه ضروبًا من الحيل الحسنة:

[جعل بضاعتهم في رحالهم]
أحدها: قوله لفتيانه (4): {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [يوسف: 62] فإنه تسبَّبَ بذلك إلى رجوعهم، وقد ذكروا في ذلك معاني:
منها: أنه تخوَّف أن لا يكون عندهم وَرِق يرجعون بها.
ومنها: أنه خشي أن يضرَّ أخذ الثمن بهم.
ومنها: أنه رأى لومًا [إذا] (5) أخذ الثمن منهم.
ومنها: أنه أراهم كرمه في رد البضاعة ليكون أدعى لهم إلى العَوْد، [وقد قيل] (6)؛ إنه علم أن أمانتهم تُحْوجهم إلى العَوْد ليردوها إليه (7)؛ فهذا المحتالُ به عملٌ صالح، والمقصود رجوعهم ومجيء أخيه، وذلك أمر فيه منفعة لهم ولأبيهم [وله] (8)، وهو مقصود صالح، وإنما لم يعرِّفهم نفسه لأسباب أُخر فيها أيضًا منفعة له ولهم (9) ولأبيهم وتمام لما أراده اللَّه بهم من الخير في البلاء.

[جعله السقاية في رحل أخيه]
الضرب الثاني: أنه في المرة الثانية لما {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي
__________
(1) قال (و): "هو شيخ الإسلام في فتاويه" (ص 209 ج 3 فتاوى نشر دار الكتب الحديثية). قلت: والكلام بطوله في "بيان الدليل" (ص 263 - 267)، وعليه قابلت.
(2) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(3) في نسخ "الإعلام": "تعالى".
(4) في (ك) و (ق): "لفتيته".
(5) ما بين المعقوفتين من (و) فقط.
(6) ما بين المعقوفتين في نسخ "الإعلام": "ومنها".
(7) في "بيان الدليل": "الرجعة ليؤدوه إليه".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) في نسخ "الإعلام": "لهم وله".
(5/148)

رَحْلِ أَخِيهِ} [يوسف: 70]، وهذا القدر تضمن إيهام أن أخاه سارق، وقد ذكروا أن هذا كان بمواطأة من أخيه ورضًا منه بذلك، والحق له فيم ذلك (1)، وقد دل على ذلك قوله تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ [قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]} (2) [يوسف: 69] [وفيه قولان:
أحدهما: أنه عرَّفه أنه يوسُفُ ووطَّنه عَلَى عدم الابتئاس بالحيلة التي فعلها في أخذه منهم.
والثاني: أنه] (3) لم يصرِّح له بأنه يوسف، وإنما أراد إني (4) مكان أخيك المفقود [فلا تبتئس بما يعاملك به إخوتك من الجفاء] (5).
ومَنْ قال هذا قال: إنه وضع السقاية في رَحْل أخيه والأخ لا يشعر، ولكن هذا (6) خلاف المفهوم من القرآن وخلاف ما عليه الأكثرون، وفيه ترويعٌ لمن لم يستوجب الترويع (7). وأما على القول الأول [فقد قال] (8) كعب [وغيره] (9): لما قال له: إني أنا أخوك، قال [بنيامين] (10): فأنا لا أفارقك، قال يوسف [عليه السلام] (11): فقد علمتَ اغتمام -والدي بي، فإذا حبستك ازداد غمُّه (12)، ولا يمكنني هذا إِلا بعد أن أُشْهِرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا يُحْتمل، قال: لا أبالي، فافعل ما بدا لك فإني لا أفارقك، قال: فإني أدسُّ صُوَاعي (13) هذا في
__________
(1) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (9/ 229) للقرطبي، و"التفسير الكبير" (18/ 183) للفخر الرازي.
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "الآية".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": "فإن هذا يدل على أنه عرف أخاه بنفسه، وقد قيل إنه".
(4) في "بيان الدليل": "أنا".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل".
(6) في "بيان الدليل": "فهذا".
(7) في "بيان الدليل": "الترويح"!!
(8) في "بيان الدليل": "فقال".
(9) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": "الأحبار"، وانظر ترجمته في "الجرح والتعديل" (7/ 161)، و"السير" (3/ 489)، و"تهذيب التهذيب" (8/ 438).
(10) ما بين المعقوفتين من (و)، و"بيان الدليل".
(11) ما بين المعقوفتين من (و)، و"بيان الدليل".
(12) في "بيان الدليل": "ازداد غمه بي".
(13) في "بيان الدليل": "صاعي"، وقال (ط): "في بعض الأصول "صاعي"، والصحيح "صواعي" قال تعالى في سورة يوسف: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} اه، وقال (و): "في =
(5/149)

رَحْلك، ثم أنادي عليك بالسّرقة ليتهيأ لي ردك [بعد تسريحك] (1)، قال: فافعل (2)؛ [وعلى هذا فهذا التصرف إنما كان بإذن الأخ ورضاه] (3).

[موقف عدي بن حاتم حين هَمَّ قومُه بالرّدة]
ومثل هذا النوع ما ذكر أهل السير عن عديّ بن حاتم [-رضي اللَّه عنه-] (4) أنه لما همَّ قومُه بالردة بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كَفَّهم عن ذلك، وأمرهم بالتربص (5)، وكان يأمر ابنه إذا رعى إبل الصدقة أن يبعد، فإذا جاء خاصَمَه بين يدي قومه وَهمَّ بضربه، فيقومون فيشفعون إليه فيه؛ ويأمره كل ليلة أن يزداد بعدًا، فلما [تكرر ذلك؛ أمره ذات ليلة] (6) أن يبعد بها [جدًا] (7)، وجعل ينتظره بعد ما دخل (8) الليل وهو يَلُوم قومه على شفاعتهم [فيه] (9) ومَنْعِهم إياه من ضربه (10)، وهم يعتذرون [إليه] (11) عن ابنه، ولا ينكرون إبطاءه، حتى إذا أبهار الليل (12) ركب في طلبه [فلحقه] (13)، واستاق الإبل حتى قدم بها عَلَى أبي بكر -رضي اللَّه عنه-؛ فكانت صدقات طيء مما استعان بها أبو بكر في قتال أهل الردة (14). وكذلك في الحديث [الصحيح] (11) أن عديًا قال لعمر -رضي اللَّه عنه-: [في بعض الأمراء] (15) أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى،
__________
= الأصل وفي "فتاوى" شيخ الإسلام ابن تيمية: "صاع"، والذي أثبته كلمة القرآن" اه.
وقال (د): "في الأصول: "صاعي" وهو تحريف ما أثبتناه"، وهي كذلك في (ق).
(1) ما بين المعقوفتين أثبته من (و)، و"بيان الدليل".
(2) انظر: "الجامع" للقرطبي (9/ 229)، و"التفسير الكبير" للرازي (18/ 183).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل" (ص 265): "فذلك قوله: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} الآية، فهذا التصرف في ملك الغير فيه أذى له في الظاهر إنما كان بإذن المالك" اه. وعلق (و) على ما أثبتناه هنا قائلًا: "من أين هذا الكلام؟. . . " وبنحو المذكور هنا عند المصنف في "إغاثة اللهفان" (2/ 108 - 119).
(4) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(5) في "بيان الدليل": "وأمرهم بالتربث"!!
(6) بدل ما بين المعقوفتين في نسخ "الإعلام": "كان ذات ليلة أمره".
(7) ما بين المعقوفتين ليس في "بيان الدليل"، وسقط من (ق) و (ك).
(8) في "بيان الدليل": "بعدما ذهب".
(9) ما بين المعقوفتين من (و) و"بيان الدليل".
(10) في "بيان الدليل": "من عقوبته".
(11) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(12) في "نسخ الإعلام": "حتى إذا انهار الليل".
(13) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(14) قال الحافظ ابن حجر بعد أن أشار إلى هذه القصة في "الفتح" (8/ 103): "وذلك مشهور عند أهل العلم بالفتوح". قلت: وأشار إليها عمر في قوله لعدي الآتي وهو في "صحيح البخاري".
(15) ما بين المعقوفتين من (و)، وفي "بيان الدليل": "في بعض الأمر".
(5/150)

أعرفك، أسلمت إذ كفروا، ووفيت إذا غدروا، وأقبلت إذ أدبروا (1)، وعرفت إذ أنكروا (2).
ومثل هذا ما أذن [فيه] (3) النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للوفدِ الذين أرادوا قتل كعب بن الأشْرَف أن يقولوا (4)، وأذن للحجَّاج بن عِلاط عام خيبر أن يقول (5)، و [في] (6) هذا كله [من الاحتيال المُبَاح؛ لكون صاحب الحق قد أذن فيه ورضي به] (7)، والأمر المحتال عليه طاعة للَّه وأمر مباح.

[عود إلى قصة يوسف]
الضرب الثالث: أنه أذَّنَ مؤذنٌ {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ
__________
(1) في "بيان الدليل": "وأقبلت إذا أدبروا"!
(2) رواه البخاري في "صحيحه" (4394) في (المغازي): باب قصة وفد طيء.
(3) ما بين المعقوفتين ليس في "بيان الدليل"، وبدله في (ق): "به".
(4) مقتل كعب بن الأشرف، وإذن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لهم أن يقولوا: رواه البخاري (2510) في (الرهن): باب رهن السلاح، و (3031) في (الجهاد): باب الكذب في الحرب و (3032)، باب الفتك بأهل الحرب، و (4037) في (المغازي) باب قتل كعب بن الأشرف، ومسلم (1801) في (الجهاد): باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود، من حديث جابر.
(5) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (9771)، ومن طريقه أحمد في "مسنده" (3/ 138 - 139)، والنسائي في "سننه الكبرى" (8646)، والبزار (1816)، وأبو يعلى (3479)، وابن حبان (4531) وابن قانع في "معجم الصحابة" (4/ 1494 رقم 397)، والطبراني في "الكبير" (3196)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (9/ 150 - 151)، وفي "دلائل النبوة" (4/ 268) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (2/ 728 - 729 رقم 1942) وابن كثير في "البداية والنهاية" (4/ 206). عن معمر عن ثابت عن أنس أن الحجاج بن عِلاط استأذن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عند فتح خيبر في إتيان مكة، فأذن له في القول. . . وذكر حديثًا طويلًا.
ورواه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (1/ 507 - 509)، ومن طريقه البيهقي في "الدلائل" (4/ 266 - 267) من طريق محمد بن ثور عن معمر به.
قال الهيثمي في "المجمع" (6/ 154): "ورجاله رجال الصحيح" قلت: نعم، ولكن معمر ضعيف في روايته عن ثابت، قاله ابن معين، وقال يحيى: حديث معمر عن ثابت مضطرب كثير الأوهام، انظر: "التهذيب" (10/ 244، 245) ومدار الحديث عليه.
قال البزار: "لا نعلم رواه هكذا إِلا معمر".
(6) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(7) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": "الأمر المحتال عليه مباح لكونه الذي قد أوذي قد أذن فيه".
(5/151)

مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) [قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)} إلى قوله: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ] (1) أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [يوسف: 70 - 76]، وقد ذَكَروا في تسميتهم سارقين وجهين (2):
أحدهما: أنه من باب المعاريض وأن يوسف نَوَى بذلك أنهم سرقوه من أبيه (3) حيث غَيَّبوه [عنه] (4) [في الجبِّ] (5) بالحيلة التي احتالوها (6) عليه، وخانوه فيه، والخائن يسمى سارقًا، وهو من الكلام [المرموز، ولهذا يُسمَّى خونة الدواوين] (7) لصوصًا.
افثاني: أن المنادي هو الذي قال ذلك من غير أمر يوسف، قال القاضي أبو يعلى وغيره: أمر يوسفُ بعضَ أصحابه أن يجعل الصواع (8) في رَحْل أخيه، ثم قال بعضُ الموكَّلين [بالصيعان] (9) وقد فقدوه ولم يدر (10) [من] (11) أخذه [منهم] (9): {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70] على ظنٍّ منهم أنهم كذلك، [من غير أمر يوسف لهم] (12) بذلك، [فلم يكن قول هذا القائل كذبًا إذ كان في حقه وغالب ظنه ما هو عنده، و] (13) لعل يوسف قد قال للمنادي: هؤلاء [قد] (9) سرقوا، وعَنَى [أنهم سرقوه] (14) من أبيه، [والمنادي فهم سَرِقَةَ الصُّوَاع (15)، فصَدَق يوسف في قوله، وصَدَق المنادي، وتأمل حذف المفعول
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(2) انظر: "الجامع" للقرطبي (9/ 231)، و"التفسير الكبير" للرازي (18/ 183).
(3) في (ن): "أخيه"!
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(6) في نسخ "الإعلام": "احتالوا".
(7) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": "المشهور حتى أن الخونة من ذوي الديوان يسمون".
(8) في (ن) و (ك) و (ق): "الصاع".
(9) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(10) في "بيان الدليل": "لم يدروا"، وفي (ك) و (ق): "فلم يدري".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(12) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": "ولم يأمرهم يوسف".
(13) بدل ما بين المعقوفتين في نسخ "الإعلام": "أو"، وما أثبتناه من "بيان الدليل".
(14) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": "سرقته".
(15) في (ق): "الصاع".
(5/152)

في قوله: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70] ليصح أن يضمن سرقتهم ليوسف فيتم التعريض، ويكون الكلام صِدْقًا، وذكر المفعول في قوله: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} [يوسف: 72] وهو صادقٌ في ذلك (1)، فصَدَقَ في الجملتين معًا تعريضًا وتصريحًا، وتأَمَّل قول يوسف: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} [يوسف: 79] ولم يقل: إِلا مَنْ سرق، وهو أخصر لفظًا، تحريًا للصدق، فإن الأخ لم يكن سارقًا بوجه، وكان المتاع عنده (2) حقًا؛ فالكلام من أحسن المعاريض وأصدقها] (3).
ومثل هذا قول المَلَكين (4) لداود -عليه السلام-: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} إلى قوله: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: 22 - 23] أي: غَلَبني في الخطاب، ولكن تخريج هذا الكلام على المعاريض لا يكاد يتأتَّى، وإنما وجهه أنه كلام خرج على ضرب المثال: أي إذا كان كذلك فكيف الحكمُ بيننا.
ونظير هذا (5) قول المَلَك للثلاثة الذين أراد اللَّه أن يبتليهم: "مسكينٌ وغريبٌ وعابرُ سبيل، وقد تقطَّعت بي الحبال، ولا بلاغ لي اليوم إِلا باللَّه ثم بك، فأسألك بالذي أعطاك هذا المال بعيرًا أتبلَّغ به في سَفرِي هذا" (6) وهذا ليس بتعريض، وإنما هو تصريح على وجه ضرب المثال وإيهام أني أنا صاحب [هذه] (7) القضية كما أوهم الملكان داود أنهما صاحبا القصة ليتم الامتحان.
__________
(1) قال شيخ الإسلام: "فإن يوسف لعله لم يطلعه على أن الصواع في رحالتهم ليتم الأمر إنكم لسارقون بناءً على ما أخبره به يوسف، وكذلك لم يقل: سرقتم صاع الملك، وإنما قال: (نفقده)؛ لأنه لم يكن يعلم أنهم سرقوه، أو أنه اطلع على ما صنعه يوسف -عليه السلام-، فاحترز في قوله: فقال: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}.
(2) في (ك): "عند المتاع"، وفي (ق): "عنده الكلام".
(3) ما بين المعقوفتين من كلام المصنف، وتصرف كثيرًا في النقل من شيخه إذ كلامه هو الوارد في الهامش قبل السابق.
(4) قال (و): "لم يردّ في القرآن أنهما ملكان، وإنما ورد {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ} " اه.
(5) قال (و): "هذا الكلام إلى قوله: "ليتم الامتحان" لا يوجد في الفتاوى" اه.
قلت: وفي (ق): "ومثل هذا" بدل "ونظير هذا".
(6) رواه البخاري (3464) في "أحاديث الأنبياء": باب أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل و (6653) في "الأيمان والنذور": باب لا يقول: ما شاء اللَّه وشئت، وهل يقول: أنا باللَّه ثم بك؟ ومسلم (2964) في "الزهد": أوله، من حديث أبي هريرة وقد ذكرتُه مع فوائده المستفادة منه في كتابي "من قصص الماضين" (ص 189 - 195).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5/153)

ولهذا قال نَصرُ بن حاجب (1): سُئل ابنُ عُيَيْنة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله، ويحرِّف القول فيه ليرضيه، لم يأثم (2) في ذلك؛ فقال: ألم تسمع قوله: "ليس بكاذب مَنْ أصلح بين الناس فكذب فيه" (3)؛ فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم خير من أن يصلح بين الناس بعضهم في (4) بعض، وذلك إذا (5) أراد به مرضاة اللَّه، وكره أذى المؤمن (6)، ويندم على ما كان منه، ويدفع شره عن نفسه، ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم ولا طمعًا (7) في شيء يصيب منهم؛ فإنه لم يرخص في ذلك ورخص (8) له إذا كره مَوْجِدَتهم وخاف عداوتهم.
قال حذيفة: إني أشتري ديني بعضَه ببعض مخافة أن أُقدم (9) على ما هو أعظم منه (10). [وكره -أيضًا- أن يتغير قلبه عليه] (11)، قال سفيان: وقال الملكان: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} [ص: 22] أرادا معنى شيء ولم يكونا خَصْمين فلم يصيرا بذلك كَاذِبَيْن، وقال إبراهيم: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، وقال: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وقال يوسف: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70] [أراد معنى أمرهم] (12)، فبيَّن سفيان أن هذا [كله] (13) من المعاريض المباحة [مع تسميته كذبًا، وإن لم يكن في الحقيقة كذبًا كما تقدم التنبيه على ذلك] (13).

فصل [استنباط من قصة يوسف وتعقيب عليه]
وقد احتجَّ بعضُ الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصُّلُ إلى
__________
(1) من هنا يستأنف ابن القيم النقل عن شيخ الإسلام، فانظر: "بيان الدليل" (ص 267 - 277)، وفي (ق): "الحاجب".
(2) في "بيان الدليل ": "أياثم".
(3) في نسخ "الإعلام": "يكذب فيه"، ومضى تخريج الحديث.
(4) في نسخ "الإعلام": "من".
(5) في "بيان الدليل": "أنه".
(6) في "بيان الدليل": "وكراهته أذى المؤمن"، وفي (ك): "وكره أذى المؤمنين".
(7) في "بيان الدليل": "ولا لطمع".
(8) في (ق): "وأرخص".
(9) في "بيان الدليل": "أتقدم"، وقال محققه: "في الأصل أهدم".
(10) مضى تخريجه.
(11) و (12) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل" إذ إن ابن القيم ينقل عنه حرفيًا.
(13) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(5/154)

أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا مَنْ عليه الحق.
قال شيخنا -رضي اللَّه عنه- (1): وهذه الحجة ضعيفة؛ فإن يوسف لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظَلَم يوسف حتى يقال: [إنه] (2) قد اقتصَّ منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك، نعم تخلّفه عنده كان (3) يؤذيهم من أجل تأذّي أبيهم والميثاقِ الذي أخذه عليهم، وقد استثنى (4) في الميثاق [بقوله] (5): {إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66]، وقد أُحيط بهم، ويوسف -عليه السلام- لم يكن قصده (6) باحتباس أخيه الانتقام من إخوته؛ فإنه كان أكْرَمَ من هذا، وكان في ذلك (7) من الإيذاء لأبيه (8) أعظم مما فيه من إيذاء إخوته، وإنما هو أمرٌ أمره اللَّه به ليبلغَ الكتابُ أجَلَه ويتم البلاء الذي استحق به يعقوب ويوسف [عليه السلام] (9) كمالَ الجزاء، وتبلغ حكمة اللَّه التي قضاها لهم نهايتها. ولو كان يوسف قصد القصاص (10) منهم بذلك فليس هذا موضع الخلاف بين العلماء؛ فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به (11)، وإنما مَوْضِع الخِلاف: هل يجوز له أن يسرق أو يخون مَنْ سرقه أو خانه (12) مثل ما سرق منه (13) أو خانه إياه (14)؟
__________
(1) الكلام كله متواصلًا كما ذكرت آنفًا لشيخ الإسلام -رحمه اللَّه-.
وقال (و): "في نفس الموضع من فتاويه" (ص 212 ج 3) اه.
(2) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(3) في "بيان الدليل": "نعم كان تخلفه عنده" بتقديم وتأخير.
(4) في (ن) و (ق): "استثنوا".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل".
(6) في نسخ "الإعلام": "ولم يكن قصد يوسف".
(7) في "بيان الدليل": "وكان في ضمن هذا"، وأثبت (و) كلمة "ضمن" بين معقوفتين قبل "ذلك"، وقال: "الزيادة هذه من الفتاوى ص 213 ج 3".
(8) قال (د): "في نسخة: من الإيذاء له أعظم مما. . . إلخ" اه.
(9) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(10) في "بيان الدليل": "الاقتصاص".
(11) لا شك في ذلك، لكن معلوم أن العفو والصفح أفضل؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126]، وقوله سبحانه: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40].
(12) في "بيان الدليل" و (ك): "أو يخون سرقة أو خيانة"!
(13) في "بيان الدليل": "مثل ما سرقه إياه".
(14) انظر: "تهذيب السنن" (6/ 338، 342)، و"زاد المعاد" (3/ 205)، و"مفتاح دار السعادة" (ص 432)، و"أحكام الجناية" (ص 189 - 202) مهم فراجعه.
(5/155)

وقصة يوسف لم تكن (1) من هذا الضرب، نعم لو كان يوسف أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة، مع أنه لا دلالة في ذلك على هذا التقدير أيضًا؛ فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق، [وهو] (2) أن يُحبس رجل بريء ويُعتقل للانتقام من غيره من غير أن يكون له جُرْم، [ولو قدر أن ذلك وقع من يوسف فلا بد أن يكون بوحي من اللَّه ابتلاءً منه] (3) لذلك المعتقل، كأمر إبراهيم -عليه السلام- (4) بذَبْح ابنه، فيكون المبيح له على هذا التقدير وحيًا خاصًا كالوحي الذي جاء إبراهيم بذبح ابنه، وتكون حكمته في حق المبتلى امتحانه وابتلاءه لينال درجة الصبر على حكم اللَّه والرضا بقضائه، فيكون (5) حاله في هذا كحال أبيه يعقوب في احتباس يوسف عنه.

[كيد اللَّه]
وهذا معلوم من فقه القصة وسياقها (6) ومن حال يوسف، ولهذا قال تعالى (7): {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ] (8)} [يوسف: 76] فنسب اللَّه تعالى هذا الكيد إلى نفسه كما نَسَبَه إلى نفسه في قوله: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 15 - 16] و [في] (8) قوله: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا} [النمل: 50] وفي قوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (9) [الأنفال: 30].
وقد قيل: إن تسمية ذلك مكرًا وكيدًا واستهزاءً وخِداعًا من باب الاستعارة ومجاز المقابلة نحو: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] ونحو قوله: {فَمَنِ
__________
(1) في "بيان الدليل": "ولم تكن قصة يوسف".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": "وقد بينا ضعف هذا القول فيما مضى، كان كان حقًا؛ فيوشك أن يكون اللَّه سبحانه أمر باعتقاله، وكان هذا ابتلاء من اللَّه. . . ".
(4) في نسخ "الإعلام": "كما ابتلى إبراهيم".
(5) في إحدى مخطوطتي "بيان الدليل": "ويكون"، وهو المثبت في المطبوع منه، وفي الأخرى ما أثبتناه، كما أفاده محققه، وفي نسخ "الإعلام" كلها: "وتكون".
(6) في "بيان الدليل": "وهذا الذي ذكرناه بيّن يعلم من سياق الكلام".
(7) في "بيان الدليل": "وقد دل عليه قوله سبحانه".
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "الآية".
(9) في (ق): {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ} الآية [آل عمران: 54].
(5/156)

اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وقيل وهو أصوب: بل تسميته بذلك حقيقة على بابه؛ فإن المكر إيصالُ الشر (1) إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان:
* قبيحٌ، وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه.
* وحَسَن، وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له؛ فالأول مذموم والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يُحمد عليه عدلًا منه وحكمة، وهو تعالى يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب [لا] (2) كما يفعل الظلمة بعباده، وأما السيئة فهي فعيلة مما يسوء، ولا ريب أن العقوبة تسوء صاحبها؛ فهي سيئة له حسنة من الحَكَمِ العَدْل.

[ما كيد به ليوسف]
وإذا عرفت ذلك] (3) فيوسف الصديق كان قد كِيد غير مرة: أولها أن إخوته كادوا به كيدًا حيث احتالوا [به] (4) في التفريق بينه وبين أبيه [كما دل عليه قوله: {لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}] (5)، ثم إن امرأة العزيز كادَتْهُ بما (6) أظهرت أنه راوَدَهَا عن نفسه (7) [(8) ثم أودع السجن، ثم إن النسوة كادوه حتى استجار (9) باللَّه من كيدهن فصرفه عنه، وقال (10) له يعقوب: {لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يوسف: 5] وقال الشاهد لأمرأة العزيز: {إِنَّهُ
__________
(1) في نسخ "الأعلام": "الشيء".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) كل ما بين المعقوفتين تصرف فيه ابن القيم مع شيء من الاختصار، فآثرتُ الإبقاء على ما هو عليه، مكتفيًا بالإشارة هنا، وفي (ك): "وإذا أن ذلك" وفي (ق): "وإذا عرف ذلك".
(4) ما بين المعقوفتين ليس في (ك) ولا "بيان الدليل".
(5) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(6) في "بيان الدليل": "كادت به بأن"، وفي (ق): "كادته لما".
(7) كذا في إحدى مخطوطتي "بيان الدليل"، والذي أثبته محققه! في أصل طبعته: "نفسها"، وكذا في نسخ "الإعلام"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(8) من هنا إلى آخر الفصل تصرف فيه ابن القيم كثيرًا مع زياداته على كلام شيخه، فاقتضى التنويه والتنبيه، وفي (ك) و (ق): "حتى" بدل "ثم".
(9) في المطبوع: "استعاذ"، وأشار إلى ما أثبتُّه: (د) في الهامش، وهو المثبت في (ن)، و"بيان الدليل" (ص 273)، وفي (ق): "حين" بدل "حتى".
(10) في (ك) و (ق): "فقال".
(5/157)

مِنْ كَيْدِكُنَّ [إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ] (1)} [يوسف: 28]، وقال تعالى في حق النسوة: {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} [يوسف: 34] وقال للرسول: {[وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ] (1) ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50] فكادَ اللَّه سبحانه له أحسنَ كيدٍ وألطفه وأعدله، بأن جمع بينه وبين أخيه، وأخرجه من أيدي إخوته بغير اختيارهم كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره، وكاد له عوض كيد المرأة بأن أخرجه من ضِيق السِّجن إلى فضاء المُلْك، ومكَّنه في الأرض يتبوَّأ منها حيث يشاء، وكاد له في تصديق النسوة اللاتي كذَّبنه وراودنه حتى شهدن ببراءته وعفَّته، وكاد له في تكذيب امرأة العزيز لنفسها واعترافها بأنها هي التي راودته وأنه من الصادقين؛ فهذه عاقبة مَنْ صبر على كيد الكائد له بَغْيًا وعُدْوانًا].

فصل [مكر اللَّه تعالى على ضربين]
وكيد اللَّه تعالى (2) لا يخرج عن نوعين:
أحدهما -وهو الأغلب-: أن يفعل تعالى (3) فعلًا خارجًا عن قدرة العبد الذي كاد له، فيكون الكيد قَدَرًا مَحْضًا (4) ليس هو من باب الشرع (5)، كما كاد [الذين كفروا بأن انتقم] (6) منهم بأنواع العقوبات، وكذلك كانت قصة يوسف؛ فإن [يوسف] (7) أكثر ما قَدِر (8) أن يفعل: أن ألقى الصُّواعَ في رَحْل أخيه، وأن أذَّنَ مؤذن (9) بسرقتهم، فلما أنكروا قال: {فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ} [يوسف: 74] أي جزاء السارق أو جزاء السُّرَّقِ {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ}
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(2) في "بيان الدليل" و (ك): "سبحانه".
(3) في "بيان الدليل": "سبحانه"، وفي (و): "سبحانه وتعالى".
(4) في (د)، و (ط): "قدرًا [زائدًا] محضًا".
(5) في (ك) و (ق) و (د) و (و)، و (ط): "من باب لا يسوغ"، وقال (و) معلقًا: "في الفتاوى" (ص 215 ج 3): الشرع، بدلًا من: يسوغ"، قلت: وهي كذلك في "بيان الدليل" (ص 273).
(6) بدل ما بين المعقوفتين في نسخ "الإعلام": "أعداء الرسل بانتقامه".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ط)، و (د) و (ك).
(8) في نسخ "الإعلام": "ما أمكنه"، وما أثبتناه من: "بيان الدليل".
(9) في "بيان الدليل": و"أذى المؤمن"، وفي (ن): "وأن أذن المؤذن".
(5/158)

[يوسف: 75] أي جزاؤه نفس السارق، يستعبده المسروق منه إمّا مطلقًا [وإما] (1) إلى مدة، وهذه كانت شريعة آل يعقوب.

[إعراب جملة في قصة يوسف]
ثم في إعراب هذا الكلام وجهان (2):
أحدهما: أن قوله: {جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ} [يوسف: 75] جملة مستقلة قائمة من مبتدأ وخبر، وقوله: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ} جملة ثانية كذلك مؤكدة للأولى مُقَررة لها (3)، والفرق بين الجملتين أن الأولى إخبارٌ عن استحقاق المسروق لرقبة السارق، والثانية إخبار أن هذا جزاؤه في شرعنا وحكمنا؛ فالأولى إخبار عن المحكوم عليه، والثانية إخبار عن الحكم، وإن كانا متلازِمَيْن، وإن أفادت الثانية معنى الحصر فإنه لا جزاءَ له غيره.
والقول (4) الثاني: أن {جَزَاؤُهُ} الأول مبتدأ وخبرُه الجملة الشرطية، والمعنى: جزاءُ السارق (5) أن مَنْ وُجِد المسروق في رَحْله كان هو الجزاء، كما تقول: جزاء السرقة مَنْ سرق قطعَت يدهُ، وجزاء الأعمال مَنْ عمل حسنة فبعشر أو سيئة فبواحدة، ونظائره.
قال شيخنا -رضي اللَّه عنه- (6): وإنما احتمل الوجهين لأن الجَزَاء قد يراد به نفس
__________
(1) في "بيان الدليل": "أو".
(2) انظرهما في "معاني القرآن وإعرابه" (3/ 121) للزجاج، "الجدول في إعراب القرآن" (7/ 36)، "الإعراب المفصل" (5/ 348).
(3) قال (و): "الذي في "الفتاوى" عن إعراب الكلام هو ما يأتي: "وقوله: {مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ} فيه وجهان، أحدهما: أنه هو خبر المبتدأ، وقوله بعد ذلك: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ} جملة ثانية مؤكدة للأولى، والتقدير: في جزاء هذا الفعل نفس من وجد في رحله فإن ذلك هو الجزاء في ديننا، كذلك نجزي الظالمين.
والثاني: أن قوله {مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} [يوسف: 75]، جملة شرطية هي خبر المبتدأ والتقدير: جزاء السارق هو أنه من وجد الصاع في رحله، كان هو الجزاء، كما تقول: جزاء السرقة ممن سرق قطع يده" (ص 315 ج 3) فتاوى ابن تيمية، وبعد هذا مباشرة: وإنما احتمل الوجهين إلخ". اه.
قلت: وهو في "بيان الدليل" (ص 274) كذلك، ثم قال (و): "وهذا يؤكد أن "الفتاوى" حدث فيها تعديل أو تغيير بالحذف أو بالزيادة"!!
(4) في (ق): "والوجه الثاني".
(5) في (ك) و (ق): "السرق".
(6) الكلام ما زال متواصلًا وحدة واحدة؛ سابقًا ولاحقًا، وتابع مع "بيان الدليل" (ص 274 - فما بعد).
(5/159)

الحكم باستحقاق العقوبة، وقد يراد به نفس فعل العقوبة، وقد يراد به نفس الألم الواصل إلى المُعاقَب؛ [والمقصود أن إلهام اللَّه سبحانه [لهم هذا الكلام] (1) كيدٌ كاده ليوسف خارج] (2) عن قدرته؛ إذ قد كان يمكنهم أن يقولوا: لا (3) جزاءَ عليه حتى يثبت أنه هو الذي سَرَقَ؛ فإن مجرد وجوده في رَحْله لا يوجب ثبوت السرقة (4)، وقد كان يوسف عادلًا لا [يمكنه أن] (5) يأخذهم بغير حجَّة، [وقد كان يمكنهم أن] (6) يقولوا: [جزاؤُه أن] يُفعل (7) به ما يُفعل بالسَّراق في دينكم، وقد كان في (8) دين ملك مصر -كما قاله أهل التفسير- أن يُضرب السارق (9) ويُغرَّم قيمة المسروق مرتين، ولو قالوا ذلك لم يمكنه أن يلزمهم ما لا يلزمه غيرهم (10)، ولهذا قال تعالى (11): {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [يوسف: 76]، أي: ما كان يمكنه أخذه في دين ملك بمصر؛ إذ لم يكن في دينه طريقٌ له إلى أخذه (12)، [وعلى هذا فقوله:] (13) {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} استثناء منقطع، [أي] (14) لكن إن شاء اللَّه أَخَذَه بطريق آخر، أو يكون متصلًا على بابه؛ أي إِلا أن يشاء اللَّه ذلك فيهيئ له سببًا (15) يُؤخذ به في دين الملك من
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك): "هذا الكلام لهم".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": "فلما تكلموا بهذا الكلام كان إلهام اللَّه لهم هذا كيدًا ليوسف خارجًا".
(3) في (ق): "ما"!!
(4) في "بيان الدليل": "لا يوجب حكم السارق".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (د)، و (ط) و (ق).
(6) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": "أو".
(7) في "بيان الدليل": "يقولوا: جزاؤه أن نفعل"، وما بين المعقوفتين سقط من نسخ "الإعلام".
(8) في "بيان الدليل" و (ق): "من".
(9) في "بيان الدليل": "فيما ذكره المفسرون أن السارق ليضرب"، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" (9/ 22 - 23)، و"التفسير الكبير" (18/ 184)، و"المحرر الوجيز" (8/ 31).
(10) كذا في (ق) و (ك) و"بيان الدليل"، وفي سائر النسخ: "يلزمهم بما لا يلزم به غيرهم".
(11) في "بيان الدليل" و (ك) و (ق): "سبحانه".
(12) في "بيان الدليل": "لأن دينه لم يكن فيه طريق إلى أخذه".
(13) ما بين المعقوفات سقط من مطبوع "بيان الدليل"!!
(14) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(15) في "بيان الدليل": "أو يكون مصلًا بأن يهيئ اللَّه سبحانه سببًا آخر طريق".
(5/160)

الأسباب التي كان الرجل [في دين الملك] (1) يُعتقل بها، فإذا كان المراد بالكَيْد (2) فعلًا من اللَّه -بأن ييسر لعبده المؤمن المظلوم المتوكل عليه أمورًا يحصل بها مقصودُه من الانتقام (3) من الظالم- و [وغير ذلك؛ فإذا هذا خارج] (4) عن الحيل الفقهية؛ فإن كلامنا في الحيل التي (5) يفعلها العبد، لا فيما يفعله اللَّه تعالى (6)، بل في قصة يوسف تنبيهٌ على [بطلان الحيل و] (7) أن مَنْ كاد كيدًا محرَّمًا؛ فإن اللَّه يكيده [ويعامله بنقيض قصده وبمثل عمله] (7)، وهذه (8) سنة اللَّه في أرباب الحيل (9) المحرمة أنه لا يبارك لهم فيما نالوه بهذه الحيل (10)، [كما هو الواقع] (11) ويهيء لهم كيدًا على يد من يشاء من خلقه يُجْزَوْنَ به من جنس كيدهم وحيلهم] (7).

[ما تدل عليه قصة يوسف]
وفيها تنبيه على أن المؤمن المتوكل على اللَّه إذا كاده الخلقُ فإن اللَّه يكيد له وينتصر له بغير حول منه ولا قوة.
(12) وفيها دليلٌ على أن وجود المسروق بيد السارق كافٍ في إقامة الحد عليه، بل هو بمنزلة إقراره، وهو أقوى من البينة (13)، وغاية البينة أن يستفاد منها ظن، وأما وجود المسروق بيد السارق فيستفاد منه اليقين وبهذا جاءت السنة في وجوب الحد بالحَبَلِ (14) والرائحة في الخمر (15) كما اتفق عليه الصحابة، والاحتجاج بقصة
__________
(1) ما بين المعقوفتين من مطبوع "بيان الدليل".
(2) في نسخ "الإعلام": "من الكيد".
(3) في "بيان الدليل": "بالانتقام".
(4) في نسخ "الإعلام": "كان هذا خارجًا".
(5) في "بيان الدليل": "فإنا إنما تكلمنا في حيل".
(6) في "بيان الدليل" و (ك): "اللَّه سبحانه".
(7) ما بين المعقوفات سقط من مطبوع "بيان الدليل"!!
(8) في (ن) و (ك) و (ق): "وهو".
(9) في "بيان الدليل": "مرتكب الحيل".
(10) في "بيان الدليل": "فإنه لا يبارك له في هذه الحيل".
(11) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(12) من هنا إلى آخر الفصل تصرف فيه كثيرًا ابن القيم، وزاد على ما في "بيان الدليل".
(13) انظر مبحث إقامة الحد بالقرينة الظاهرة في "الطرق الحكمية" (ص 4، 6 مهم)، وبدائع الفوائد" (4/ 13)، و"الحدود والتعزيرات" (ص 417 - 419).
(14) يشير إلى حديث الغامدية الذي رواه مسلم (1695) في الحدود: باب من اعترف على نفسه بالزنا حيث اعترفت أنها حُبلى من الزنا. لكن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجمها بعد الاعتراف.
(15) ورد في صحيح مسلم في حديث ماعز (1695) لما جاء واعترف بالزنا قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أشرب خمرًا؟ فقام رجل فاستَنْكهه فلم يجد منه ريح خمر. لكن ليس فيه ما يدل على أن ريح الخمر فيها الحد. =
(5/161)

يوسف على هذا أحسن وأوضح (1) من الاحتجاج بها على الحيل (2).
وفيها تنبيه على أن العِلَم الخفيّ [الذي] (3) يُتوصَّل به إلى المقاصد الحسنة مما يرفع اللَّه به درجات العبد؛ لقوله بعد ذلك: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [يوسف: 76] قال زيد بن أسلم وغيره: بالعلم (4). وقد أخبر تعالى عن رفعه درجات أهل العلم في ثلاثة مواضع من كتابه:
أحدها: قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام: 83] فأخبر أنه يرفع درجات من يشاء بعلم الحجة.
وقال في قصة يوسف: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [يوسف: 76] [فأخبر أنه يرفع درجات من يشاء] (5) بالعلم الخفي الذي يتوصل به صاحبه إلى المقاصد المحمودة.
وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] فأخبر أنه يرفع درجات أهل العلم والإيمان (6).

فصل (7) [النوع الثاني من كيد اللَّه تعالى لعبده]
النوع الثاني من كيده لعبده [المؤمن] (8): هو أن يُلْهمه سبحانه (9) أمرًا مباحًا
__________
= وقد ذكر المؤلف من قبل أن الخلفاء الراشدين والصحابة جلدوا في الرائحة في الخمر، فانظر ما خرجناه هناك.
(1) في (ك) و (ق): "وأصح".
(2) في (ن): "أحسن وأصح من الاحتيال بها على الحيل".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1901) بإسناد ضعيف.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(6) قال (و): "يوجد اختلاف كثير عما في "الفتاوى"، وهذا من أول: "عبر عن قصة يوسف". إلى قوله: "العلم والإيمان" اه.
قلت: وقد أشرنا إلى ذلك أيضًا.
(7) قال (و): "هو من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في "فتاويه"، ينقله ابن القيم في الأعلام" اه.
قلت: الكلام كله سابقًا ولاحقًا هو عن "بيان الدليل" متواصلًا.
(8) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل".
(9) في (د) و (ط): "تعالى"، وفي (و): "سبحانه وتعالى".
(5/162)

أو مستحبًا أو واجبًا يوَصِّله به إلى المقصود الحسن؛ فيكون على هذا إلهامه ليوسف أن يفعل ما فعل هو من كيده تعالى (1) أيضًا، وقد دل على ذلك قوله: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [يوسف: 76] فإن فيه (2) تنبيهًا على أن العلم الدقيق الموصل إلى المقصود الشرعي صفة مدح، كما أن العلم الذي يخصم به المبطَل صفةُ مدحٍ [حيث قال في قصة إبراهيم: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام: 83].] (3)؛ وعلى هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع، لكن لا يجوز أن يُراد به الكيد الذي تُستحلُّ به المحرمات أو تسقط به الواجبات؛ فإن هذا كيدٌ للَّه، واللَّه هو الذي يكيدُ الكائدَ، ومحال (4) أن يشرع اللَّه تعالى أن يُكاد دينُه، وأيضًا فإن هذا الكيد لا يتم إِلا بفعل يُقصد به غير مقصوده الشرعي، ومحال أن يشرع اللَّه لعبده أن يقصدَ بفعله ما لم يشرع اللَّه ذلك الفِعَل له (5).
فهذا هو الجواب عن احتجاج المتحيلين بقصة يوسف عليه الصلاة والسلام، وقد تبين أنها من أعظم الحجج عليهم، وباللَّه التوفيق (6).

فصل [الجواب عن حديث أبي هريرة في تمر خيبر من صور النزاع]
وأما حديث أبي هريرة وأبي سعيد "بع الجَمْع (7) بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا" (8) فما أصحه من حديث، ونحن نتلقاه بالقبول والتسليم، والكلام معكم فيه من (9) مقامين:
__________
(1) في "بيان الدليل" و (ك) و (ق): "سبحانه".
(2) في نسخ "الإعلام": "فيها"!
(3) ما بين المعقوفتين سقط من نسخ "الإعلام" كلها.
(4) في "بيان الدليل": "واللَّه هو المكيد في مثل هذا، فمحال".
(5) إلى هنا انتهى نقله عن شيخ الإسلام، مع وجود زيادة في "بيان الدليل" (ص 277 - 287)، أولها "وأيضًا فإن الأمر المشروع هو عام لا يختص به شخص دون شخص، فالشيء إذا كان مباحًا لشخص؛ كان مباحًا لكل من كان مثل حاله،. . . " فانظرها هناك.
(6) قال (و): "هناك بعد هذا كلام ذكره ابن تيمية عن القصة (ص 217) ج 3 فتاوى" اه. قلت: وهو الذي أشرت إليه آنفًا.
(7) في بعض الطبعات [ط، د]: "الجميع" وهو خطأ؛ فالجمع: كل لون من النخيل لا يعرف اسمه، أو هو تمر رديء مختلط من أنواع متفرقة، ولا يرغب فيه" قاله (و)، وما بين المعقوفتين منِّي، والتعريف الثاني هو المراد، وهو عكس الجنيب، فانظر: "لسان العرب" (1/ 695، 862) لابن منظور.
(8) سبق تخريجه.
(9) في (ك) و (ق): "في".
(5/163)

أحدهما: إبطال استدلالكم به على جواز الحيل (1).
وثانيهما (2): بيان دلالته على نقيض مطلوبكم؛ إذ هذا شأن كل دليل صحيح احتج به محتج على باطل؛ فإنه لا بد أن يكون فيه ما يدل على بطلان قوله ظاهرًا أو إيماءً، مع عدم دلالته على قوله.

[بحث في دلالة المطلق والفرق بينه وبين العام]
فأمَّا المقام الأول فنقول: غاية ما دل الحديث [عليه] (3) أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره أن يبيع سلعته الأولى بثمنٍ ثم يبتاع بثمنها تمرًا آخر، ومعلوم قطعًا أن ذلك إنما يقتضي البيع الصحيح؛ فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يأذن في العقد الباطل؛ فلا بد أن يكون العقد الذي أذن فيه صحيحًا، والشأن كل الشأن في العقد المتنازع فيه؛ فلو سلم لكم المنارعُ صحته لاستغنيتم عن الاستدلال بالحديث، ولا يمكن الاستدلال [بالحديث] (4) على صحته؛ لأنه ليس بعام؛ فإن قوله: "بع" مطلق لا عام؛ فهذا البيع لو كان صحيحًا متفقًا على صحته لم يكن هناك لفظ عام يحتج به على تناوله، فكيف وهذا البيع مما قد دلت السنة الصحيحة وأقوالُ الصحابة والقياسُ الصحيح على بطلانه كما تقدم؟ ولو اختلف رجلان في بيعٍ هل هو صحيح أو فاسد، وأراد كل واحد منهما إدخاله في هذا اللفظ؛ لم يمكنه ذلك حتى يثبت أنه بيع صحيح ومتى أثبت أنه بيع صحيح لم يحتج إلى الاستدلال بهذا المطلق؛ فتبين أنه لا حجة فيه على صورة من صور النزاع ألبتة.
ونكتة الجواب أن يقال: الأمر المطلق بالبيع إنما يقتضي البيع الصحيح، ومَنْ سلَّم لكم أن هذه الصورة التي تَوَاطأ فيها البائع والمشتري على الربا وجعلا (5) السلعة الدخيلة محللًا له غير مقصودة بالبيع بيعٌ صحيح؟ واذا كان الحديث ليس فيه عموم، وإنما هو مطلق، والأمر بالحقيقة المطلقة لشى أمرًا بشيء من صُورَها؛ لأن الحقيقة مشتركة بين الأفراد، والقَدْر المشترك ليس هو ما (6) يميز به كل واحد من الأفراد عن (7) الآخر، ولا هو مستلزمًا له؛ فلا يكون الأمر بالمشترك أمرًا بالمميز بحال، وإن كان مستلزمًا لبعض تلك القيود لا بعينه، فيكون
__________
(1) في (ك): "التحيل".
(2) في (ك) و (ق): "والثاني".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) كذا في (ق) و (ك) وفي سائر الأصول: "وجعل".
(6) في (ك) و (ق): "مما".
(7) في (ك): "على".
(5/164)

عامًا لها على سبيل البَدَل، لكن ذلك لا يقتضي العموم للأفراد على سبيل الجمع (1)، وهو المطلق (2) في قوله: "بع هذا الثوب" لا يقتضي الأمر ببيعه من زيد أو عمرو، ولا بكذا أو كذا، ولا بهذه السوق أو هذه؛ فإن اللفظ لا دلالة له على شيء [من شيء] (3) من ذلك، إذا أتى بالمسمَّى حصل ممتثلًا من جهة وجود تلك الحقيقة، لا من جهة [وجود] (4) تلك القيود، وهذا الأمر لا خلاف فيه، لكن بعض الناس يعتقد أن عدم الأمر بالقيود يستلزم عدم الإجزاء إذا أتى بها إِلا بقرينة وهو خطأ، والصواب أن القيود لا تنافي الأمر ولا تستلزمه، وإن كان لزوم بعضها لزومًا عقليًا ضرورة وقوع القدر المشترك في ضمنِ قيدٍ من تلك القيود، وإذا تبين هذا فليس في الحديث أمره أن يبيع التمر لبائع النوع الآخر ولا لغيره ولا بحلولٍ ولا بأجلٍ (5) ولا بنقدِ البلد ولا غيره (6) ولا بثمن المثل أو غيره، وكل هذه القيود خارجة عن مفهوم اللفظ، ولو زعم زاعمٌ أن اللفظ يعم هذا كله كان مبطلًا، لكن اللفظ لا يمنع الإجزاء إذا أتى بها، وإنما استفيد عدم الامتثال إذا بيع بدون ثمن المثل أو بثمن مؤجَّل أو بغير نقد البلد من العُرْفِ الذي ثبت للبيع المطلق، وكذلك ليس في اللفظ ما يدل على أنه يبيعه من البائع بعينه ولا غيره، كما ليس فيه ما يمنعه، بل كل واحد من الطرفين يحتاج إلى دليل خارج عن اللفظ المُطْلق؛ فما (7) قام الدليل على إباحته أبيح فعله بالدليل الدال على جوازه لا بهذا اللفظ وما قام دليل على المنع منه لم يُعارَض دليلُ المنع بهذا اللفظ المطلق حتى يطلب الترجيح، بل يكون دليل المنع سالمًا عن المعارضة بهذا، فإن عورض بلفظ عام متناول لإباحته بوضع اللفظ له أو بدليل خاص صحت المعارضة؛ فتأمل هذا الموضع (8) الذي كثيرًا ما يغلط فيه الناظر والمناظر، وباللَّه التوفيق.
وقد ظهر بهذا جواب مَنْ قال: "لو كان الابتياع من المشتري حرامًا لنهى
__________
(1) انظر في الفرق بين المطلق والعام: "كشف الأسرار" (1/ 312 - وما بعده) و"المدخل إلى علم أصول الفقه" (192 وما بعدها) للدواليبي، و"المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي" (573) للدريني، وتعليقي على "الخلافيات" (1/ 494).
(2) في هامش (ق): "لعله: كالمطلق".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(5) في المطبوع: "ولا تأجيل".
(6) في (ك) و (ق): "بغيره".
(7) في (ك): "فيما".
(8) كذا في (ك) و (ق)، وفي سائر الأصول: "الوضع".
(5/165)

عنه" فإن مقصوده -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما كان لبيان (1) الطريق التي بها يحصل اشتراء التمر الجيد لمن عنده رديء وهو أن يبيع الرديء بثمن ثم يبتاع بالثمن جيِّدًا، ولم يتعرض لشروط البيع (2) وموانعه؛ لأن المقصود ذكر الحكم على وجه الجملة، أو لأن المخاطب أحِيلَ على فهمه وعلمه بأنه إنما أُذِن له في بيعٍ يتعارفه الناس، وهو البيع المقصود في نفسه، ولم يُؤذن له في بيع يكون وسيلة وذريعة ظاهرة إلى ما هو ربًا صريح، وكان القوم أعلم باللَّه ورسوله وشريعته من أن يفهموا عنه أنه أذِنَ لهم في الحيل الربوية التي ظاهرها بيعٌ وباطنها ربًا، ونحن نشهد باللَّه أنه كما لم يأذن فيها بوجه لم يفهمها عنه أصحابه بخطابه بوجه، وما نظير هذا الاستدلال إِلا استدلال بعضهم على جواز أكل [كل] (3) ذي الناب والمخْلَب بقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187]، واستدلال آخر بقوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] على جواز نكاح الزانية المُصِرَّة على الزنا، واستدلال آخَرَ على ذلك بقوله: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ [وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ]} (4) [النور: 32]، واستدلال غيره به على صحة نكاح التحليل بذلك (5)، وعلى صحة نكاح المتعة، واستدلال آخر (6) على جواز نكاح المخلوقة من مائهِ إذا كان زانيًا، ولو أن رجلًا استدل بذلك على [جواز] (7) نكاح المرأة على عمتها وخالتها وأخَذَ يُعَارض به السنة لم يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال، بل لو استدل به على كل نكاح حرَّمته السنة لم يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال، وكذلك قوله: "بع الجمع" (8) لو استدل به مستدلٌ على بيع من البيوع المتنازع فيها لم يكن فيه حجة، وليس الغالب (9) أن بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشتري حتى يُقال: هذه الصورة غالبة فيُحمل اللفظ عليها، ولا هو المتعارف عند الإطلاق عرفًا وشرعًا. وبالجملة فإرادة هذه الصورة وحدها من اللفظ ممتنع، وإرادتها مع غيرها فرعٌ على عمومه، ولا عُمُومَ له، وإرادة القدر المشترك بين أفراد البيع إنما تنصرف إلى البيع المعهود عرفًا وشرعًا، وعلى التقديرات كلها لا تدخل هذه الصورة.
__________
(1) في (ق): "بيان".
(2) في (ك): "المبيع".
(3) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ن) و (ق): "نكاح المحلل".
(6) في (ن) و (ك) و (ق): "آخرين".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(8) في (د) و (ط): "بع الجميع"! وهو خطأ كما تقدم.
(9) في المطبوع: "بالغالب".
(5/166)

ومما يدل على ذلك أن هذه الصورة لا تدخل في أمر الرجل لعبده وولده ووكيله أن يشتري له كذا، فلو قال: "بع هذه الحنطة العتيقة واشْتَرِ لنا جديدة" لم يفهم السامع إِلا بيعًا مقصودًا، وشراءً (1) مقصودًا، فثبت أن الحديث ليس فيه إشعار بالحيلة الربوية البتة.
يوضحه أن قوله: "بع كذا، واشتر كذا" أو "بعت، واشتريت" لا يفهم [منه] (2) إِلا البيع الذي يُقْصَد به نَقلُ ملك المبيع نقلًا مستقرًا؛ ولهذا لا يفهم منه بيع الهازل ولا المكرِه، ولا بيع الحيلة، ولا بيع العِينَةِ، ولا يعدُّ الناسُ من اتخذ خرزةً أو عرضًا يحلل به الرِّبا ويبيعه ويشتريه صورة خالية عن حقيقة البيع ومقصوده تاجرًا، وإنما يسمونه مرابيًا ومتحيلًا، فكيف يدخل هذا تحت لفظ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟
يزيدهُ إيضاحًا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من باع بيعتين في بيعة فله أوْكسُهُما أو الربا" (3) و"نهى عن بيعتين في بيعة" (4)، ومعلومٌ أنهما متى تواطَئَا على أن يبيعه بالثمن ثم يبتاع به منه فهو بيعتان في بيعة، فلا يكون ما نهى عنه داخلًا تحت ما أذن فيه (5).
يوضحه أيضًا أنه قال: "لا يحل سَلَفٌ وبيع، ولا شَرْطان في بيع" (6) وتواطؤهما على أن يبيعه السلعة بثمن ثم يشتري منه غيرها بذلك الثمن منطبق على لفظ الحديث؛ فلا يدخل ما أخبر أنه لا يحل تحت ما أذن فيه.
يوضحه أيضًا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا" (7) وهذا يقتضي بيعًا ينشئه ويبتدئه بعد انقضاء البيع الأول، ومتى واطأه في أول الأمر على أن أبيعك وأبتاع منك فقد اتفقا على العقدين معًا؛ فلا يكون الثاني عقدًا مستقلًا مبتدأ، بل هو من تتمّة العقد الأول عندهما وفي اتفاقهما، وظاهرُ الحديثِ أنه أمر بعقدين مستقلين لا يرتبط أحدهما بالآخر ولا ينبني عليه.
__________
(1) في المطبوع و (ك): "أو شراء".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) سبق تخريجه.
(4) سبق تخريجه.
(5) قال في (د) و (ط): "في نسخة: "داخلًا فيما أذن فيه" (انظر: "إعلام الموقعين" ط المنيرية ج 3 ص 197) ". وما بين المعقوفتين زيادة (ط) على (د)، والنسخ المشار إليها هي (ن) و (ك) و (ق).
(6) سبق تخريجه.
(7) الحديث سبق تخريجه قريبًا، وفي (د) و (ط) و (ح): "بع الجميع"!!
(5/167)

ولو نَزَلنا عن ذلك كله وسلمنا أن الحديث عام عمومًا لفظيًا يدخل تحته صورة الحيلة فهو لا ريب مخصوص بصور كثيرة؛ فنخص منه هذه الصورة المذكورة بالأدلة المتقدمة على بطلان الحيل وأضعافها، والعام يُخص بدون مثلها بكثير، فكم قد خَصَّ العمومَ المفهومُ وخبرُ الواحد والقياسُ (1) وغيرُ ذلك، فتخصيصه (2) -لو فرض عمومه- بالنصوص والأقيسة وإجماع الصحابة على تحريم الحيل أولى وأحرى، بل واحد من تلك الأدلة التي ذكرناها على المنع من الحيل وتحريمها كاف في التخصيص، وإذا كنتم قد خصصتم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لعن اللَّه المحلل والمحلل له" (3) مع أنه عام عمومًا لفظيًا فخصصتموه بصورة واحدة وهي ما اشترطا في صُلْب العقد أنه إنما تزوجَّها ليحلها ومتى أحلَّها فهي طالق، مع أن هذه الصورة نادرة جدًا لا يفعلها محلل (4)، والصور الواقعة في التحليل أضعاف [أضعاف] (5) هذه، فحملتم اللفظ العام عمومًا لفظيًا ومعنويًا على أنْدَرِ صورة تكون لو قدر وقوعها، وأخليتموه عن الصور الواقعة المستعملة بين المحللين؛ فقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بع الجمع بالدراهم" (6) أولى بالتقييد بالنصوص الكثيرة والآثار والأقيسة الصحيحة التي هي في معنى الأصل وحمله على البيع المتعارف المعهود عُرفًا وشرعًا، وهذا بحمد اللَّه تعالى في غاية الوضوح، ولا يخفى على منصف يريد اللَّه ورسوله والدار الآخرة، وباللَّه التوفيق.

فصل [حكمة مشروعية البيع تمنع من صورة الحيلة]
ومما يوضح فساد حمل الحديث على صورة الحيلة وأن كلام الرسول ومنصبه العالي منزَّه (7) عن ذلك أن المقصود الذي شرع اللَّه تعالى له البيع وأحلّه لأجله هو أن يحصل ملك الثمن للبائع ويحصل ملك المبيع للمشتري؛ فيكون كلٌّ منهما قد حصل له مقصوده بالبيع، هذا ينتفع بالثمن وهذا بالسلعة، ولهذا إنما
__________
(1) انظر في هذه المباحث "الموافقات" للشاطبي (4/ 9، 15، 18، 19)، والتعليق عليه، وفي (ق): "بالمفهوم".
(2) في (ك) و (ق): "فنخصه".
(3) سبق تخريجه.
(4) في المطبوع: "المحلل".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) الحديث سبق تخريجه قريبًا، وفي (د) و (ط) و (ح): "بع الجميع"!!
(7) في (ك): "بمنزلة".
(5/168)

يكون إذا قَصَد المشتري نفسَ السِّلعة للانتفاع بها أو التجارة فيها وقَصَد البائع نفس الثمن، ولهذا يحتاط كل واحد منهما فيما يصير إليه من العرض هذا في وزن الثمن ونقده ورواجه وهذا في سلامة السلعة من العيب وأنها تساوي الثمن الذي بَذله فيها، فإذا كان مقصود كل منهما ذلك فقد قصدا بالسبب ما شرعه اللَّه له (1)، وأتى بالسبب حقيقة وحكمًا، وسواء حصل مقصوده بعقد أو توقَّف على عقود مثل أن يكون بيده سلعة وهو يريد أن يبتاع سلعة أخرى لا تباع [سلعته بها لمانعٍ] (2) شرعيٍّ أو عرفي أو غيرهما فيبيع سلعته ليملك ثمنها وهذا بيعٌ مقصود وعوضه مقصود ثم يبتاع بالثمن سلعة أخرى، وهذه قصة بلال في تمر خيبر سواء، فإنه إذا ابتاع الجميع (3) بالدراهم فقد أراد بالبيع ملك الثمن وهذا مقصود مشروع، ثم إذا ابتاع بالدراهم جنيبًا فقد عقد عقدًا ([مقصودًا مشروعًا] (4)؛ فلما كان بائعًا قصد [تملك الثمن حقيقة، ولما كان مبتاعًا قصد] (4) تملك) (5) السلعة حقيقة، فإن ابتاع بالثمن من غير المشتري [منه] (6) فهذا لا محذور فيه؛ إذ كل من العقدين مقصود مشروع، ولهذا يستوفيان حكم العقد الأول من النقد والقبض وغيرهما، وأما إذا أبتاع بالثمن من مبتاعه من جنس ما باعه فهذا يخشى منه أن لا يكون العقد الأول مقصودًا لهما، بل قصدهما بيع السلعة الأولى بالثانية فيكون ربًا بعينه، ويظهر هذا القصد بأنهما يتفقان على صاع بصاعين أولًا ثم يتوصلان (7) إلى ذلك ببيع الصاع بدرهم ويشتري به صاعين (8) ولا يبالي البائع بنقد ذلك الثمن ولا بقَبْضه ولا بعيب فيه ولا بعدم رواجه ولا يحتاط (9) لنفسه فيه احتياطَ مَنْ قَصْدُه تملكُ الثمن؛ إذ قد علم هو والآخر أن الثمن بعينه خارج منه عائد إليه، فنقدُهُ وقبضُه والاحتياط فيه يكون عبثًا، وتأمل حالَ باعةِ الحلي عِينة (10) كيف يخرج كل حلقة من غير جنسه
__________
(1) في (ق): "ما شرع له".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "بسلعته بمانع".
(3) في (ك) و (ق): "باع الجمع".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5) بدل ما بين القوسين في (ق): "مبتدأ قصد تلك".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ك) و (ق): "يتوصلا".
(8) في (ن): "بيع السلعة بدرهم، ويشتري بالصاعين".
(9) في (ن): "ولا يحتاج".
(10) كذا في (ط) و (و) و (ك) وقال (و): "في الأصل: عنه. وهو تحريف ظاهر".
ونحوه في (د)، وقال (ط): "في الأصول: "عنه" ولا معنى لها. والصحيح ما أثبتناه؛ فصورة العينة: أن يشتري السلعة بألف مؤجلة، ثم يبيعها لبائعها بثمان مئة حالة مثلًا" اه.
(5/169)

أو قطعة ما ويبيعك إياها بذلك الثمن ثم يبتاعها منك؟ فكيف لا تسأل عن قيمتها ولا عن وزنها ولا مساواتها للثمن؟ بل قد تساوي أضعافه وقد تساوي بعضه؛ إذ ليست هي القصد، وإنما القصدُ أمرٌ وراءها وجعلت هي محللًا لذلك المقصود، وإذا عرف هذا فهو إنما عقد معه العقد الأول ليعيد إليه الثمن بعينه ويأخذ العوض الآخر، وهذا تواطؤ منهما حين عَقَداه على فسخه، والعقد إذا قصد به فسخه لم يكن مقصودًا، وإذا لم يكن مقصودًا كان وجوده كعدمه، وكان توسطه عبثًا.
ومما يوضح الأمر في ذلك أنه إذا جاءه بتمر أو زبيب أو حنطة ليبتاعه (1) به من جنسه فإنهما يتشارطان ويتراضيان (2) على سعر أحدهما من الآخر، وأنه مد بمد ونصف مثلًا، ثم بعد ذلك يقول: بعتك هذا بكذا وكذا درهمًا، ثم يقول: بعني بهذه الدراهم كذا وكذا صاعًا من النوع الآخر، وكذلك في الصرف، وليس للبائع ولا للمشتري غرض في الدراهم، والغَرَضُ معروفٌ، فأين من يبيعه السلعة بثمن ليشتري به منه من جنسها إلى من (3) يبيعه إياها بثمن له غرض في تملكه وقبضه؟ وتوسطُ الثمن في الأول عبثٌ محض لا فائدة فيه، فكيف يأمر به الشارع الحكيم مع زيادة التعب والكلفة فيه.
ولو (4) كان هذا سائغًا لم يكن في تحريم الربا حكمة -سوى تضييع الزّمان وإتعاب النفوس بما لا فائدة فيه (5)؛ فإنه لا يشاء أحد أن يبتاع ربويًا بأكثر منه من جنسه [الأول] (6) إِلا قال: بعتك هذا بكذا، وابتعت منك هذا بهذا الثمن؛ فلا يعجز أحد عن استحلال ما حرمه اللَّه قط بأدنى الحيل.
يوضحه أن الربا نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة، فأمَّا ربا الفضل فيمكنه في كل مال ربوي أن يقول: بعتك هذا المال بكذا، ويُسَمَّي ما شاء، ثم يقول: اشتريت منك هذا -للذي هو من جنسه- بذلك الذي سمَّاه، ولا حقيقة له مقصودة، وأما ربا النسيئة فيمكنه أن يقول: بعتك هذه الحريرة بألف درهم أو عشرين صاعًا إلى سنة، وابتعتها منك بخمس مئة حالَّة أو خمسة عشر صاعًا، ويمكنه ربا الفضل، فلا يشاء مُرَابٍ (7) إِلا أقرضه ثم حاباه في بيع أو إجارة أو غيرهما، ويحصل
__________
(1) في (ك) و (ق): "ليبتاع".
(2) في (ن) و (ق): "ويتراوضان".
(3) في (ك) و (ق): "أن".
(4) من هنا إلى نهاية هذا الفصل في "بيان الدليل" (ص 282 - وما بعد).
(5) في المطبوع: "بلا فائدة فإنه".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) في (ك) و (ق): "مرب".
(5/170)

مقصوده من الزيادة، فيا سبحان اللَّه! أيعود الربا -الذي قد عَظم اللَّه شأنه في القرآن، وأوجب محاربة مستحله (1)، ولعن آكله وموكله وشاهديه (2) وكاتبه، وجاء فيه من الوعيد ما لم يجيء في غيره- إلى أن يُسْتَحل نوعاه بأدنى حيلة لا كلفْةَ فيها أصلًا إِلا بصورة عقد هي عبث ولعب يضحك منها ويستهزأ بها؟ فكيف يستحسن أن ينسب إلى نبي من الأنبياء فضلًا عن سيد الأنبياء، بل أن يَنسب رب العالمين إلى أن يحرم هذه المحرمات العظيمة ويوعد عليها بأغلظ العقوبات وأنواع الوعيد، ثم يبيحها بضرَبٍ من الحيل والعبث والخداع الذي ليس له حقيقة مقصودة [البتّة] (3) في نفسه للمتعاقدين؟ وترى كثيرًا من المرابين (4) -لمَّا علم أن هذا العقد ليس له حقيقة مقصودة البتة- قد جعل عنده خَرزَة ذهب، فكل من جاءه يريد أن يبيعه جنسًا بجنسه أكثر منه أو أقلَّ ابتاع منه ذلك [الجنس] (3) بتلك الخرزة، ثم ابتاع الخرزة بالجنس الذي يريد أن يعطيه إياه، أفيستجيز عاقلٌ أن يقول: إن الذي حرم بيع الفضة بالفضة متفاضلًا أحلَّها بهذه الخرزة؟ وكذلك كثير من الفجَّار (5) قد أعَدَّ سلعة لتحليل ربا النساء، فإذا جاءه مَنْ يريد ألفًا بألف ومئتين أدْخَلَ تلك السلعة محللًا، ولهذا كانت أكثر حيل الربا في بابها أغْلَظَ من حيل التحليل، ولهذا حرمها أو بعضَهَا من لم يحرم التحليل؛ لأن القصد في البيع معتبرٌ في فِطَرِ الناس؛ ولأن الاحتيال في الربا غالبًا إنما يتم بالمُوَاطأة اللفظية أو العرفية، ولا يفتقر إلى شهادة، ولكن يتعاقدان ثم يشهد (6) أن له في ذمته دينًا، ولهذا إنما لُعن شاهداه إذا عَلِما به، والتحليل لا يمكن إظهاره (7) وقت العقد؛ لكون الشهادة شرطًا فيه، والشروط المتقدمة تؤثر كالمقارِنَةِ كما تقدم تقريره؛ إذ تقديم الشرط ومقارنته لا يخرجه عن كونه عقدَ تحليلٍ ويدخله في نكاح الرغبة، والقصود معتبرة في العقود.

فصل (8) [الحكم إذا بَاع ربويًا بثمن]
وجماع الأمر أنه إذا باعه رِبَويًا بثمنٍ وهو يريد أن يشتري منه بثمنه من
__________
(1) في (ق): "مستحليه".
(2) في (ق): "وشاهده".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في (ق): "المترابين".
(5) في (ق): "التجار".
(6) في المطبوع: "يشهدان".
(7) في هامش (ق): "لعله: إِلا اظهاره".
(8) ما تحته في "بيان الدليل" (ص 284 وما بعد) بتصرف واختصار.
(5/171)

جنسه، فإما أن يواطئه على الشراء منه لفظًا، أو يكون العرف بينهما قد جرى بذلك أو لا يكون، فإن كان الأول فهو باطلٌ كما تقدم تقريره؛ فإن هذا لم يقصد ملك الثمن ولا قصد هذا تمليكه، وإنما قصد تمليك المُثْمن بالمثمن (1)، وجعلا تسمية الثمن تلبيسًا وخداعًا ووسيلة إلى الربا؛ فهو في هذا العقد بمنزلة التّيْسِ الملعون في عقد التحليل، وإن لم تَجْرِ بينهما مواطأة لكن قد علم المشتري أن البائع يريد أن يشتري منه ربويًا بربوي فكذلك؛ لأن عِلْمه بذلك ضرب من المواطأة، وهو يمنع قصد الثمن الذي يخرجان (2) به عن قصد الربا، وإن قَصَد البائعُ الشراءَ منه بعد البيع ولم يعلم المشتري؛ فقد قال الإمام أحمد: هاهنا لو باع من رجل دنانير بدراهم لم يجز أن يشتري بالدراهم منه ذهبًا إِلا أن يمضي ويبتاع بالورِقِ من غيره ذهبًا، فلا يستقيم فيجوز أن يرجع إلى الذي ابتاع منه الدنانير فيشتري منه ذهبًا (3)، وكذلك (4) كره مالك أن تصرف دراهمك من رجل بدنانير، ثم تبتاع منه بتلك الدنانير دراهم غير دراهمك في الوقت أو بعد يوم أو يومين، قال ابن القاسم: فإن طال الزمان وصح أمرهما فلا بأس به (5)؛ فوجه ما منعه الإمام أحمد -رضي اللَّه عنه- أنه متى قصد المشتري منه تلك الدنانير لم يقصد تملك الثمن، ولهذا لا يحتاط في النقد والوزن، ولهذا يقول: إنه متى بَدَا له بعد القبض والمفارقة أن يشتري منه -بأن يطلب من غيره فلا يجد- لم يكن في العقد الأول خَلَلٌ -والمتقدمون من أصحابه حملوا هذا المنع منه على التحريم (6).
وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: إذا لم يكن شرطٌ (7) ومواطأة بينهما لم يحرم (8)، وقد أوما إليه الإمام أحمد في رواية حرب؛ فإنه قال: قلت لأحمد: أشتري من رجل ذهبًا ثم أبتاعه (9) منه، قال: بَيْعُه من غيره أحَبُّ إليَّ (10)، وذكر
__________
(1) في (ن) و (ك): "الثمن بالثمن".
(2) في (ك): "يخرج".
(3) انظر: "المغنى" (6/ 114 - جامعة الإمام)، و"الإنصاف" (5/ 50 - دار إحياء التراث العربي)، و"الفروع" (4/ 167).
(4) في (ك): "ولذلك".
(5) انظر: "المدونة الكبرى" (3/ 403 - دار صادر بيروت).
(6) في (ك): "منه هذا المنع على التحريم"، وفي (ق): "هذا المنع على التحريم".
(7) في (ن) و (ك) و (ق): "غرض".
(8) انظر: "المغني" (6/ 114 - جامعة الإمام)، و"الفروع" (4/ 167).
(9) في (ك): "باعه".
(10) في (ن) و (ك) و (ق): "يبيعه من غيره أعجب إلي".
(5/172)

ابن عقيل أن أحمد لم يكرهه في رواية أخرى (1).

[حكم بيع الدراهم بالدنانير، ثم شراء هذه الدراهم بالدنانير]
وكره ابن سيرين للرجل أن يبتاع من الرجل الدراهم بالدنانير ثم يشتري منه بالدراهم دنانير (2)، وهذه المسألة في ربا الفضل كمسائل العِينَةِ في النساء، ولهذا عدَّها من الربا الفقهاء السبعةُ وأكثر العلماء، وهو قول أهل المدينة كمالك وأصحابه (3)، وأهل الحديث كأحمد وأصحابه، وهو مأثور عن ابن عمر (4)؛ ففي هذه المسألة (5) قد عاد الثمن إلى المشتري (6)، وحصلا على ربا الفضل أو النساء، وفي العِينَة قد عاد المبيع إلى البائع وأفْضى إلى ربا الفضل والنساء جميعًا، ثم إن كان في الموضعين (7) لم يقصد الثمن ولا المبيع، وإنما جعل وُصْلَة إلى الربا؛ فهذا الذي لا ريب في تحريمه، والعقد الأول [هاهنا] (8) باطل بلا توقف عند من يبطل الحيل، وقد صرح به القاضي في مسألة العِينَة في غير موضع، وحكى أبو الخطاب في صحته وجهين.

[من أحكام العينة]
قال شيخنا (9): والأول هو الصواب، وإنما تردد مَنْ تردد من الأصحاب (10) في العقد الأول في مسألة العينة؛ لأن هذه المسألة إنما ينصب (11) الخلاف فيها في العقد الثاني بناءً على أن الأول صحيح، وعلى هذا التقدير فليست من مسائل الحيل، وإنما هي من مسائل الذرائع، ولها مأخذ آخر يقتضي التحريم عند أبي
__________
(1) انظر الرواية المشار إلبها في "الفروع" لابن مفلح (4/ 167).
(2) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (8/ 129).
(3) انظر: "المحلى" (8/ 512)، و"الكافي" لابن عبد البر (2/ 637).
(4) انظره في "مصنف عبد الرزاق" (8/ 126).
(5) قال (و): في "الفتاوى": ففي هذين الموضعين" اه.
قلت: وهو كذلك في "بيان الدليل" (ص 286).
(6) في (ن): "على المشتري".
(7) في (ك) و (ق): "الوصفين" وفي هامش (ق): "لعله الموضعين".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(9) قال (و): "ص 223 ج 3 فتاوى" اه. قلت: وهو في "بيان الدليل" (286).
(10) في "بيان الدليل": "أصحابنا".
(11) في نسخ "الإعلام": "ينسب"، وما أثبتناه من "بيان الدليل"، و (ن).
(5/173)

حنيفة وأصحابه؛ [فإنهم لا يحرِّمون الحيل ويحرمون مسألة العينة] (1)، وهو أن الثمن (2) إذا لم يُسْتَوْفَ لم يتم العقد الأول؛ فيصير الثاني مَبنيًا عليه، وهذا تعليلٌ خارجٌ عن قاعدة الحيل والذرائع، فصار للمسألة (3) ثلاثة مآخذ، فلما لم يتمحض تحريمها على قاعدة الحيل توقَّف في العقد الأول مَنْ توقف، قال شيخنا رضي اللَّه عنه (4): والتحقيق أنها إذا كانت من (5) الحيل أعطيت حكم الحيل، وإلا اعتبر فيها المأخذان الآخران، هذا إذا لم يقصد العقد الأول، فإن قصد حقيقته فهو صحيح (6)، لكن ما دام الثمن في ذمة المشتري لم يجز أن يشتري منه المبيع بأقل منه من جنسه، ولا يجوز أن يبتاع منه بالثمن ربويًا لا يُباع بالأول نساء؛ لأن أحكام العقد الأول لا تتم (7) إِلا بالتقابض؛ فمتى لم يحصل التقابض كان ذريعةً إلى الربا (8)، وإن تقابضا وكان العقد مقصودًا فله أن يشتري منه كما يشتري من غيره، وإذا كان الطريق إلى الحلال هي العقود المقصودة المشروعة التي لا خِدَاع فيها ولا تحريم لم يصح أن تلحق بها صورة عقد لم تقصد حقيقته (9) [من ملك الثمن والمثمن] (10) وإنما قصد [التوصل] (11) به [إلى] (11) استحلال ما حرَّمه اللَّه [من الربا] (10)، واللَّه الموفق.
وإنما أطلنا الكلام على هذه الحجة لأنها عمدة أرباب الحيل من السنة، كما [أن] (12) عمدتهم من الكتاب: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} [ص: 44].

فصل [عدم دلالة الحديث على الحيل الربوية]
فهذا تمام الكلام على المقام الأول، وهو عدم دلالة الحديث على الحيل الربوية بوجهٍ من الوجوه.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل"!
(2) في "بيان الدليل": "وهو كون الثمن".
(3) في "بيان الدليل": "فصار لها".
(4) قال (و): "نفس المصدر السابق" اه.
قلت: انظر: "بيان الدليل" (ص 287).
(5) في "بيان الدليل": "في".
(6) في "بيان الدليل": "فإن كانت العقد الأول مقصودًا فهو صحيح".
(7) في "بيان الدليل": "لا تستوفي"، وفي (ك): "يتم".
(8) في نسخ "الإعلام": "فإذا لم يحصل كان ذريعة إلى الربا".
(9) في "بيان الدليل": "لم تقتصد حقيقته".
(10) ما بين المعقوفتين أثبته من "بيان الدليل".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل"!!
(12) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5/174)

وأما المقام الثاني -وهو دلالته على تحريمها وفسادها- فلأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهاه أن يشتري الصاع بالصاعين، ومن المعلوم أن الصفة التي في الحيل مقصودة يرتفع سعره لأجلها، والعاقل لا يخرج صاعين ويأخذ صاعًا إِلا لتميز ما يأخذه بصفة أو لغرضٍ له في المأخوذ ليس في المبذول، والشارع حكيمٌ لا يمنع المكلف مما هو مصلحة له ويحتاج إليه إِلا لتضمنه أو لاستلزامه مفسدةً أرجح من تلك المصلحة، وقد خفيت هذه المفسدة على كثير من الناس حتى قال بعض المتأخرين: لا يتبين لي وجه تحريم ربا الفضل والحكمة فيه، وقد تقدم أن هذا من أعظم حكمة الشريعة ومراعاة مصالح الخلق، وأن الربا نوعان: ربا نسيئة، وتحريمه تحريم المقاصد، وربا فضل، وتحريمه تحريم الذرائع والوسائل؛ فإن النفوس متى ذاقت الربح فيه عاجلًا تسوَّرت منه إلى الربح الآجل، فسدَّت عليها الذريعة (1) وحمى جانب الحمى، وأي حكمة وحكم أحسن من ذلك؟ وإذا كان كذلك فالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- منع بلالًا من أخذ مدّ بمدِّين لئلا يقع في الربا (2)، ومعلوم أنه لو جوَّز له ذلك بحيلة لم يكن في منعه من بيع مدين بمد فائدة أصلًا، بل كان بيعه كذلك أسهل وأقل مفسدة من توسط (3) الحيلة الباردة التي لا تغني من المفسدة شيئًا، وقد نبه على هذا بقوله في الحديث: "لا تفعل" أوه (4)، عين الربا" (5) فنهاه عن الفعل، والنَّهي يقتضي المنع بحيلة أو غير (6) حيلة؛ لأن المنهي عنه لا بد أن يشتمل على مفسدة لأجلها يُنهى عنه، وتلك المفسدة لا تزول بالتحيُّل [عليها] (7)، بل تزيد، وأشار إلى المنع بقوله: " [أوه] (7) عين الربا" فدل على أن المنع إنما كان لوجود حقيقة الربا وعينه، وأنه لا تأثير للصورة المجردة مع قيام الحقيقة؛ فلا يهمل قوله: "عين الربا" فَتَحْتَ هذه اللفظة ما يشير إلى أن الاعتبار بالحقائق، وأنها هي
__________
(1) في المطبوع: "بالذريعة".
(2) رواه البخاري (2312) في (الوكالة): باب إذا باع الوكيل شيئًا فاسدًا فبيعه مردود، ومسلم (1594) في (المساقاة): باب بيع الطعام مثلًا بمثل، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-.
(3) في (ن) و (ق): "تربط".
(4) "كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجع، وهي ساكنة الواو ومكسورة الهاء، وربما قلبوا الواو ألفًا فقالوا آه من كذا، وربما شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء، وربما حذفوا الهاء" (و).
(5) قطعة من حديث بلال السابق.
(6) في (ق): "بغير".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5/175)

التي عليها المعوَّل، وهي محل التحليل والتحريم، واللَّه تعالى لا ينظر إلى صُورَها وعباراتها التي يكسوها إياها العبد، وإنما ينظر إلى حقائقها وذواتها، واللَّه الموفق (1).

فصل [الجواب عن قولهم: إن الحيل معاريض فعلية]
وأما تمسكهم بجواز المَعَاريض وقولهم: "إن الحيل معاريضٌ فِعْلية على وزان المعاريض القولية" فالجواب من وجوه:
أحدها: أن يقال: ومَنْ سلَّم لكم أن المعاريض إذا تضمنت استباحَةَ الحرام وإسقاطَ الواجبات وإبطالَ الحقوق كانت جائزة؛ بل هي من الحيل القولية، وإنما تجوز المَعَاريض إذا كان فيها تخلُّص من ظالم، كما عَرَّضَ الخليل بقوله: "هذه أختي" (2)، فإذا تضمنت نصر الحق أو إبطال باطل كما عرَّض الخليل بقوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وكما عرض المَلَكَان (3) لداود بما ضرباه له من المثال الذي نسباه إلى أنفسهما، وكما
__________
(1) في (ك) و (ق): "وباللَّه التوفيق".
(2) قطعة من حديث: "لم يكذب إبراهيم إِلا ثلاث كذبات":
رواه البخاري (3357) في "أحاديث الأنبياء": باب قول اللَّه تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} و (5084) في "النكاح": باب اتخاذ السراري مختصرًا، ومسلم (2371) في "الفضائل": باب من فضائل إبراهيم الخليل -صلى اللَّه عليه وسلم- مطولًا من طريق جرير بن حازم عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا به.
ورواه البخاري (3358)، و (5084) من طريق حماد بن زيد عن أيوب به موقوفًا على أبى هريرة.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (6/ 391): والحديث في الأصل مرفوع كما في رواية جرير بن حازم وكما في رواية هشام بن حسان عن ابن سيرين. . . وكذا تقدم في البيوع من رواية الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا، ولكن ابن سيرين كان غالبًا لا يصرح برفع كثير من حديثه.
أقول: رواية هشام بن حسان عند أبي داود (2212)، وأبي يعلى (6039)، وابن حبان (5737)، ورواية الأعرج هي عند البخاري (2217، و 2635 و 6950) وهي في قصة سارة فقط لم يتعرض للكذبات الأخرى، وانظر كتابي "من قصص الماضين" (ص 90).
(3) "هما خصمان، لا ملكان" (و).
(5/176)

عرَّض النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: "نحن من ماء" (1)، وكما كان يُوَرِّي عن الغزوة بغيرها (2) لمصلحة الإسلام والمسلمين إذا لم تتضمن مفسدة في دين ولا دنيا، كما عرَّض -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: "إنا حاملوك على ولد الناقة" (3)، وبقوله: "إن الجنة لا تدخلها العُجُزُ" (4)،
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الجهاد): باب من أراد غزوة فورّى بغيرها، (رقم 2948)، وفي (كتاب المغازي): باب غزوة تبوك، (رقم 3951)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب التوبة): باب من حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه (2769/ 54)، من حديث كعب بن مالك -رضي اللَّه عنه-، وفي (ق): "يوري بالغزوة بغيرها".
(3) سبق تخريجه.
(4) رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" -كما في "النهاية" لابن كثير (ص 378) - والطبراني في "الأوسط" (5545)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (391) من طريق مسعدة بن اليسع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة مرفوعًا وفيه قصة.
قال الهيثمي في "المجمع" (10/ 419): "وفيه مسعدة بن اليسع وهو ضعيف".
أقول: مسعدة هذا أمره أشد، فقد قال أحمد: خرقنا حديثه منذ دهر. وكذَّبه أبو داود.
وخالفه خارجة بن مصعب، فرواه عن سعيد عن قتادة عن أنس، فأسقط سعيد بن المسيب، وجعله من مسند أنس، أخرجه ابن الجوزي في "كتابه الوفا" (2/ 445 - ط المعرفة) - وهو مطبوع دون أسانيد!! -كما في "تخريج الزيلعي على الكشاف" (3/ 407).
وخارجة هذا قال ابن معين: ليس بثقة، وقال أيضًا كذاب، وقال البخاري: تركه ابن المبارك ووكيع. وضعَّفه غير واحد.
ومما يدل على وهمهما في هذا الحديث أن عبدة بن سليمان وهو من الثقات، بل أوثق الناس في سعيد وله عنه كتاب وروى عنه قبل الاختلاط وبعده، وكان يميز ذلك. رواه عن سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب مرسلًا، أخرجه هناد في "الزهد" (24)، وله طريق آخر عن عائشة، رواه أبو الشيخ في "أخلاق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" (ص 78) أو (1/ 493 رقم 185 ط الونيان)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (2/ 142)، والبيهقي في "البعث والنشور" (343)، وفيه ليث بن أبي سُليم وهو ضعيف.
ورواه الترمذي في "الشمائل" (230)، والبيهقي في "البعث" (346)، والبغوي في "تفسيره" (8/ 14)، وفي "الشمائل" (رقم 320)، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (8/ 15) من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن البصري مرسلًا.
ومبارك مدلس وقد عنعن.
وهذه طرق موصولة ومرسلة، لعلها تجعل للحديث أصلًا.
وروى الترمذي (3296)، والطبري (27/ 186)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (390)، =
(5/177)

وبقوله: "مَنْ يشتري مني هذا العبد" (1) يريد عبد اللَّه، وبقوله لتلك المرأة: "زوجُك الذي في عينيه بياض" (2) إنما أراد به البياض الذي خلقه اللَّه في عيون بني آدم، وهذه (3) المعاريض ونحوها من أصدق الكلام، فأين في جواز هذه ما يدل على جواز الحيل المذكورة؟

[ما قيست عليه الحيل الربوية نوعان]
وقال شيخنا -رضي اللَّه عنه- (4): والذي قيست عليه الحيل الربوية وليست مثله نوعان:
أحدهما: المعاريض، وهي أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحًا، ويوهم غيره أنه يقصد به (5) معنًى آخر؛ فيكون سبب ذلك الوهم (6) كون اللفظ مشتركًا بين حقيقتين لغويتين أو عُرْفيتين أو شرعيتين أو لغوية مع إحداهما أو عرفية مع إحداهما أو شرعية مع إحداهما (7)، فيعني (8) أحدَ معنييه ويوهم السامع [له] (9) أنه إنما عنى الآخر: إما لكونه لم يعرف إلا ذلك، وإما لكون دلالة الحال
__________
= والبغوي (8/ 14) من طريق موسى بن عبيدة عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعًا "عجائزكُنّ في الدنيا عمشًا رمصًا. . " وليس فيه مزاحه -صلى اللَّه عليه وسلم- مع المرأة العجوز.
وضعفه الترمذي بموسى بن عبيدة، ويزيد بن أبان.
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرج أبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (796) ومن طريقه ابن عساكر (4/ 43 - ط دار الفكر)، وابن عدي في "الكامل" (4/ 1400) عن يحيى بن سعيد العطار عن الصلت بن الحجاج عن عاصم الأحول عن أنس أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لعائشة ذات يوم: "ما أكثر بياض عينيك".
وإسناده ضعيف، فيه يحيى العطار، والصلت بن الحجاج، وهما ضعيفان، وانفردوا به.
قال ابن عدي: "لا أعلم يرويه عن عاصم غير الصلت، ولا عنه غير يحيى العطار، وقال في الصلت -وأورد الحديث في ترجمته-، وفي بعض أحاديثه ما ينكر عليه، بل عامته كذلك، ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا"، وانظر "الميزان" (2/ 318)، و"اللسان" (3/ 194).
(3) في (ق) و (ك): "فهذه".
(4) في "بيان الدليل" (ص 255 - 260).
(5) في "بيان الدليل": "قصد به".
(6) في "بيان الدليل": "التوهم"، وفي (ق): "ويكون بسبب ذلك الوهم".
(7) في "بيان الدليل": "أو لغوية مع أحدهما، أو عرفية مع شرعية".
(8) في (ق): "فيعنيه".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل" و (ق) و (ك)، وبدله في (ن): "غير"!!
(5/178)

تقتضيه (1)، [وإما لقرينة حالية أو مقالية يضمها إلى اللفظ] (2)، أو يكون سبب التوهم كونَ اللفظ ظاهرًا في معنى فينوي به (3) معنى يحتمله باطنًا [فيه] (4)؛ بأن ينوي مَجَازَ اللفظ دون حقيقته، أو ينوي بالعام الخاصَّ أو بالمطلق المقيدَ، أو يكون سببُ التوهم كونَ المخاطب إنما يفهم من (5) اللفظ غير حقيقته لعرفٍ خاصٍ به (6) أو غفلة منه أو جهل [منه] (7) أو غير ذلك من الأسباب، مع كون المتكلم إنما قصد حقيقته؛ فهذا [كله] (8) إذا كان المقصود به دفع (9) ضرر غير مستحق [فهو] (8) جائز، كقول الخليل [صلوات اللَّه وسلامه عليه] (7): "هذه أختي" (10)، وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نحن من ماء" (11)، وقول الصدِّيق -رضي اللَّه عنه-: "هادٍ يهديني السبيل" (12)، [وأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أراد غزوة ورّى بغيرها (13)، وكان يقول: "الحرب خدعة" (14)، وكإنشاد عبد اللَّه بن رواحة (15):
شَهِدْتُ بأنَّ وَعْدَ اللَّه حقٌّ ... وأن النار مَثْوَى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طَافٍ ... وفوق العرش رَبُّ العالمينا
لما استقرأته امرأته القرآن، حيث اتهمته إصابة جاريته] (16)، وقد يكون
__________
(1) في "بيان الدليل" تقديم وتأخير بين الجملتين.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل".
(3) في المطبوع و (ك): "فيعني به".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من "الإعلام".
(5) في "بيان الدليل": "في"!
(6) في "بيان الدليل" و (ك) و (ق): "لعرف خاص له"!
(7) ما بين المعقوفتين سقط من "الإعلام".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل".
(9) في "الإعلام": "رفع".
(10) سبق تخريجه.
(11) سبق تخريجه.
(12) سبق تخريجه.
(13) سبق تخريجه.
(14) رواه البخاري (3028) و (3029) في (الجهاد): باب الحرب خدعة، ومسلم (1739) في (الجهاد): باب جواز الخداع في الحرب، من حديث أبي هريرة، ورواه البخاري (3030)، ومسلم (1740)، من حديث جابر.
(15) الشعر معزو لابن رواحة في "صحيح البخاري" (1155) في (التهجد): باب فضل من تعار من الليل فصلى و (1651) في (الأدب): باب هجاء المشركين و"التاريخ الصغير" (1/ 49 - 50)، وأحمد (3/ 451) والبيهقي (10/ 239)، وانظر: "جزء أحاديث الشعر" (رقم 19) لعبد الغني المقدسي.
(16) بدل ما بين المعقوفتين في نسخ "الإعلام" و (ك): "ومنه قول عبد اللَّه بن رواحة: شهدت بأن وعد اللَّه حق -إلى آخر الأبيات- أوهم امرأته القرآن"، ومضى بيان ضعف ذلك وللَّه الحمد والمنة.
(5/179)

واجبًا إذا [تضمن دَفْعَ ضررٍ يجب دفعه] (1) ولا يندفع إلا بذلك (2).
وهذا الضرب [وإن كان نوع حيلة] (3) في الخطاب لكنه يفارق الحيل المحرَّمة من الوجه المحتال عليه والوجه المحتال به؛ أما الأول فلكونه (4) دفع ضرر غير مستحق، [فلو تضمن كتمان ما يجب إظهاره من شهادة أو إقرار أو علم أو نصيحة مسلم أو التعريف بصفةِ معقودٍ عليه في بيع أو نكاح أو إجارة فإنه غشٌّ محرم بالنص.
قال مثنى الأنباري: قلت لأحمد بن حنبل: كيف الحديث الذي جاء في المعاريض؟ فقال: المعاريض لا تكون في الشراء والبيع، تكون في الرجل يُصْلِح بين الناس أو نحو هذا] (5).

[ضابط عن التعريض]
قال شيخنا رضي اللَّه عنه (6): والضابط أن كُلَّ ما وجب بيانه فالتعريضُ فيه حرامٌ؛ لأنه كتمان وتدليس، ويدخل في هذا الإقرار بالحق، والتعريض في الحلف عليه، والشهادة على [الإنسان و] (7) العقود [بأسرها] (7)، ووصف المعقود عليه، والفُتيا والحديث والقضاء [إلى غير ذلك] (7)، وكل ما حَرُم بيانه فالتعريضُ فيه جائزٌ، بل واجب [إن اضطر إلى الخطاب، وأمكن التعريض فيه] (8)، كالتعريض لمسائل [عن مال معصوم أو نفسه يريد أن يعتدي عليه] (9)، وإن كان بيانه جائزًا أو
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": "كان دفع الفرد واجبًا"!
(2) بعدها في مطبوع "بيان الدليل": "مثل التعريض عن دم معصوم وغير ذلك، وتعريض أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه قد يكون في هذا القبيل، وهذا الضرب. . . "، وبدل قوله (رضي اللَّه عنه) في طبعة فيحان (ص 257): (نص اللَّه) والمثبت من طبعة حمدي السلفي (ص 179).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": "نوع من الحيل".
(4) في "بيان الدليل": "أما المحتال عليه هنا فهو".
(5) ما بين المعقوفتين تصرف فيه واختصره ابن القيم -رحمه اللَّه-، وانظر: "بدائع الفوائد" (4/ 55).
(6) في "بيان الدليل" (ص 258).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من نسخ "الإعلام" وأثبتناه في "بيان الدليل".
(8) بدل ما بين المعقوفتين في نسخ "الإعلام": "إذا أمكن ووجب الخطاب".
(9) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": "عن معصوم يريد قتله".
(5/180)

كتمانه (1) جائزًا؛ فإما (2) أن تكون المصلحة في كتمانه أو في إظهاره أو كلاهما متضمن للمصلحة؛ فإن كان الأول فالتعريضُ مستحب كتورية الغازي عن الوجه الذي يريده (3)، وتورية الممتنع عن الخروج والاجتماع بمن يصدُّه عن طاعة أو مصلحة راجحة كتورية أحمد عن المروزي (4)، وتورية الحالف لظالم له أو لمن استحلفه يمينًا لا تجب عليه ونحو ذلك، وإن كان الثاني فالتورية فيه مكروهة، والإظهار مستحب، وهذا في كل موضع يكون البيان فيه مستحبًا، وإن تساوى الأمران وكان كل منهما طريقًا إلى المقصود لكون ذلك المخاطب التعريضُ والتصريحُ بالنسبة إليه سواء جاز الأمران، كما لو كان يَعْرف بعدة ألسن وخطابه بكل لسان منها يحصل مقصوده، ومثل هذا ما لو كان له غرضٌ مباح في التعريض ولا حَذَرَ (5) عليه في التصريح، والمخاطب لا يفهم مقصوده، وفي هذا ثلاثة أقوال للفقهاء وهي في مذهب الإمام أحمد:
أحدها: له التعريض؛ إذ لا يتضمن كتمان الحق (6) ولا إضرارًا بغير مستحق.
والثاني: ليس له ذلك، فإنه إيهامٌ للمخاطب من غير حاجة إليه، وذلك تغريرٌ، وربما أوقع السامع في الخبر الكاذب، وقد يترتب عليه ضرر به.
والثالث: له التعريض في غير اليمين.
وقال الفضل (7) بن زياد: سألت أحمد عن الرجل يُعرِّض (8) في كلامه يسألني عن الشيء أكره أن أخبره به، قال: إذا لم يكن يمينًا (9) فلا بأس، في
__________
(1) في "بيان الدليل": "وكتمانه".
(2) من هنا إلى آخر الفصل نقله المصنف بتصرف من ابن تيمية في "بيان الدليل"، فانظر (ص 258 - 260).
(3) في (ك) و (ق): "يريد".
(4) مضى توثيق ذلك (ص 117)، وانظر تعليقنا هناك.
(5) في (ق): "ضرر".
(6) في (ق) و (ك): "حق".
(7) كذا في (ق) وهو الصواب وفي سائر النسخ: "الفضيل"!، وهو أبو العباس القطان البغدادي، ذكره أبو بكر الخلال، فقال: "كان من المتقدّمين عند أبي عبد اللَّه، وكان أبو عبد اللَّه يعرف قدره ويكرمه، وكان يصلّي بأبي عبد اللَّه، وكان له مسائل كثيرة عن أحمد" ترجمته في "طبقات الحنابلة" (1/ 251)، و"تاريخ بغداد" (12/ 363)، و"المنهج الأحمد" (1/ 439)، و"المقصد الأرشد" (2/ 312).
(8) في نسخ "الإعلام"، وإحدى مخطوطتي "بيان الدليل": "يعارض".
(9) في "بيان الدليل": "يمين"!!
(5/181)

المعاريضِ مندوحةٌ عن الكذب، وهذا عند الحاجة إلى الجواب (1)، فأما الابتداء [فالمنع فيه ظاهر] (2)، كما دل عليه حديث أم كلثوم أنه لم يُرخِّص فيما يقول الناس: [إنه كذب] (3) إلا في ثلاث (4)، وكلها مما يحتاج إليه المتكلم، وبكل حال فغاية هذا القسم تجهيل السامع بأن يوقعه المتكلم في اعتقاد ما لم يُرِده بكلامه، وهذا التجهيل قد تكون مصلحته أرجح من مفسدته، وقد تكون مفسدتُه أرجح من مصلحته، وقد يتعارض الأمران، ولا ريب أن مَنْ كان علمه بالشيء يحمله على ما يكرهه اللَّه ورسوله كان تجهيله به وكتمانه عنه أصلح له وللمتكلم، وكذلك ما كان (5) في علمه مضرة على القائل أو تفوت عليه مصلحة هي أرجح من مصلحة البيان فله أن يكتمه عن السامع؛ فإن أبى إلا استنطاقه فله أن يعرض له.

[المقصود بالمعاريض]
فالمقصود بالمعاريض فعل واجب أو مستحب أو مباح أباح الشارع السعي في حصوله ونصب له سببًا يُفْضِي إليه؛ فلا يقاس بهذه الحيل التي تتضمن سقوط ما أوجبه الشارع وتحليل ما حرمه، فأين أحد البابين من الآخر؟ وهل هذا إلا من أفسد القياس؟ وهو كقياس الربا على البيع والميتة على المذَكَّى.

فصل (6)
فهذا [الفرق] (7) من جهة المحتال عليه، وأما [الفرق] (7) من جهة المحتال به فإن المُعرِّض إنما تكلم بحق، ونطق بصدق فيما بينه وبين اللَّه تعالى، لا سيما إن لم ينو باللفظ خلاف ظاهره في نفسه، وإنما كان [علم] (8) الظهور من ضَعْف فهم السامع وقصوره في فهم (9) دلالة اللفظ، ومعاريض النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ومُزَاحه كانت
__________
(1) في "بيان الدليل": "وهذا إذا احتاج إلى الخطاب".
(2) في "بيان الدليل": "فهو أشد، ومن رخص في الجواب قد لا يرخص في ابتداء الخطاب".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل".
(4) سبق تخريجه.
(5) في (ن) و (ك) و (ق): "إن كان".
(6) هذا الفصل نقله ابن القيم من "بيان الدليل" (ص 260 - 263) أحيانًا بنصه وأخرى بتقديم وتأخير وتصرف، وسأشير إلى ذلك إن شاء اللَّه تعالى.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل" و (ك).
(9) في "بيان الدليل": "في معرفة".
(5/182)

من هذا النوع، كقوله: "نحن من ماء" (1)، وقوله: " [إنَّا] حاملوك على ولد الناقة" (2)، و"لا يدخل الجنة العُجُز" (3)، و"زوجك الذي [في] عينيه بياض" (4) وأكثر معاريض السلف كانت من هذا، ومن هذا الباب التدليس في الإسناد، لكن هذا مكروه (5) لتعلقه بأمر الدين (6) وكون البيان في العلم واجبًا (7)، بخلاف ما قصد به دفع ظالم [أو دفع ضرر عن المتكلم] (8).

[المعاريض على نوعين]
والمعاريض نوعان:
أحدهما: أن يستعمل اللفظ في حقيقته وما وُضع له فلا يخرج به عن ظاهره، ويقصد فردًا من أفراد حقيقته، فيتوهم السامع أنه قصد غيره: إما لقصور فهمه، وإما لظهور ذلك الفرد عنده أكثر من غيره، وإما لشاهد الحال عنده، وإما لكيفية المخبر وقت التكلم من ضحك أو غضب أو إشارة ونحو ذلك، وإذا تأملت المعاريض النبوية والسلفية وجدت عامَّتَها من هذا النوع.
الثاني: أن يستعمل العام في الخاص والمطلق في المقيد، وهو الذي يسميه المتأخرون الحقيقة والمجاز، وليس يفهم أكثر من المطلق والمقيد؛ فإن لفظ الأسد والبحر والشمس عند الإطلاق له معنى، وعند التقييد له معنى يسمّونه المجاز، ولم يفرقوا بين مقيد ومقيد ولا بين قيد وقيد، فإن قالوا: "كل مقيد مجاز" لزمهم أن يكون كل كلام مركب مجازًا؛ فإن التركيب يقيده بقيود زائدة على اللفظ المطلق، وإن قالوا: "بعض القيود يجعله مجازًا دون بعض" سُئِلوا عن
__________
(1) في "بيان الدليل": "مثل قوله: نحن من ماء" اه والحديث سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه، وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) سبق تخريجه.
(4) سبق تخريجه، وذكره في "بيان الدليل" قبل الحديث السابق، وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في "بيان الدليل": "كان مكروهًا".
(6) انظر: "النكت على كتاب ابن الصلاح" (2/ 627 - 634) و"توضيح الأفكار" (1/ 372). وفي نسخ "الإعلام": "لتعلقه بالدين".
(7) في "بيان الدليل": "وكون بيان العلم واجبًا".
(8) في "بيان الدليل": "ونحو ذلك"، وما بعد ذلك تصرف فيه كثيرًا ابن القيم، وقدم فيه وأخّر، فآثرت الإبقاء والإشارة هنا، منعًا من تثقيل الحاشية.
(5/183)

الضابط ما هو؟ ولن يجدوا إليه سبيلًا، وإن قالوا: "يُعتبرُ اللفظ المفرد من حيث هو مفرد قبل التركيب، وهناك يُحكم عليه بالحقيقة والمجاز". قيل لهم: هذا أبعد وأشدُّ فسادًا؛ فإن اللفظ قبل العقد والتركيب بمنزلة الأصوات التي ينعق بها ولا تفيد شيئًا، وإنما إفادتها بعد تركيبها، وأنتم قلتم: الحقيقة هي اللفظ المستعمل، وأكثركم يقول: استعمال اللفظ فيما وضع له أولًا، والمجاز بالعكس؛ فلا بد في الحقيقة والمجاز من استعمال اللفظ فيما وُضع له، وهو إنما يستعمل بعد تركيبه، وحينئذ فتركيبه بعدة بقيود يُفهم منها مراد المتكلم، فما الذي جعله مع بعض تلك القيود حقيقة ومع بعضها مجازًا؟ وليس الغرض إبطال هذا التقسيم الحادث المبتَدَع المتناقض فإنه باطل من أكثر من أربعين وجهًا (1)، وإنما الغرض التنبيه على نَوْعي التعريض، وأنه تارة يكون مع استعمال اللفظ في ظاهره وتارة يكون بإخراجه عن ظاهره، ولا يذكر المُعرِّض قرينة تبين مراده، ومن هذا النوع عامة التعريض في الأَيْمان والطلاق، كقوله: "كل امرأة له فهي طالق" وينوي في بلد كذا وكذا، أو ينوي (2) فلانة، أو قوله: "أنت طالق" وينوي من زوجٍ كان قبله ونحو ذلك؛ فهذا القسم شيء والذي قبله شيء، فأين هذا من قصد المحتال بلفظ العقد أو صورته ما لم (3) يجعله الشارع مقتضيًا له بوجه بل جعله مقتضيًا لضدِّه؟ ولا يلزم من صلاحية اللفظ له إخبارًا صلاحيته له إنشاءً؛ فإنه لو قال: "تزوَّجت" في المعاريض وعَنَى نكاحًا فاسدًا كان صادقًا كما لو بيَّنه، ولو قال: "تزوجت" إنشاءً وكان فاسدًا لم ينعقد، وكذلك في جميع الحيل؛ فإن الشارع لمْ يشرع القَرْضَ إلا لمن قصد أن يسترجع مثل قرضه، ولم يشرعه لمن قصد أن يأخذ أكثر منه لا بحيلةٍ ولا بغيرها، وكذلك إنما شرع البيع لمن له غرضٌ في تمليك الثمن وتملك (4) السلعة، ولم يشرعه قطٌّ لمن قصد به ربا الفضل أو النساء ولا غرض له في الثمن [ولا في المُثْمن] (5) ولا في السلعة، وإنما غرضهما الربا، وكذلك النكاح لم يشرعه إلا لراغب في المرأة، لم يشرعه
__________
(1) انظرها في "الصواعق المرسلة".
(2) في (ق): "سوى".
(3) في (د)، و (ن): "ما لم"، وقال (د): "في عامة الأصول: مما لم يجعله الشارع -إلخ، وما أثبتناه هو الصحيح، و"ما" مفعول للمصدر المضاف إلى فاعله، وهو قوله: "قصد المحتال"" اه.
(4) كذا في (ق) و (ك)، وفي سائر النسخ: "وتمليك".
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "ولا في الثمن" وسقطت من (ق).
(5/184)

للمحلِّل (1)، وكذلك الخلع لم يشرعه إلا للمُفْتَديةِ (2) نفسَها من الزوج تتخلص (3) منه من سوء العشرة، ولم يشرعه للتحيل (4) على الحنث قط، وكذلك التمليك لم يشرعه اللَّه سبحانه وتعالى إلا لمن قصد نفع الغير والإحسان إليه بتمليكه سواء كان محتاجًا أو غير محتاج، ولم يشرعه لإسقاط فرض من زكاة أو حج أو غيرهما قط، وكذلك المعاريض لم يشرعها إلا لمحتاج إليها أو لمن لا يُسْقِط بها حقًا ولا يَضُرُّ بها أحدًا، ولم يشرعها إذا تضمنت إسقاط حق أو إضرارًا لغير مستحق.

[متى تباح المعاريض؟]
فثبت أن التعريض المباح ليس من المخادعة للَّه في شيء، وغايته أنه مخادعة لمخلوق أباح الشارع مخادعته لظلمه، ولا يلزم من جواز مُخَادعة الظَّالمِ المُبْطل جواز مخادعة المحق؛ فما كان من التعريض مخالفًا لظاهر اللفظ كان قبيحًا إلا عند الحاجة وما لم يكن منها مخالفًا لظاهر اللفظ كان جائزًا إلا عند تضمن مفسدة.

[بمَ تكون المعاريض]
والمعاريض كما تكون بالقول تكون الفعل، وتكون بالقول والفعل معًا، مثال ذلك أن يُظْهِر المحاربُ أنه يريد وجهًا من الوجوه ويسافر إليه ليحسب العدو أنه لا يريده ثم يكرُّ عليه وهو آمن من قصده، أو يستطرد المُبارز بين يدي خَصْمه ليظن هزيمته ثم يعطف عليه، وهذا من خداعات الحرب.

فصل [النوع الثاني من المعاريض]
فهذا أحد النوعين الذي قيست عليه (5) الحيل المحرَّمة.
والنوع الثاني: الكيدُ الذي شرعه اللَّه للمظلوم أن يكيد به ظَالِمه وبخدعه به، إما للتوصّل إلى أخذ حقه منه، أو عقوبة له، أو لكف شره وعُدْوانه عنه، كما روى (6)
__________
(1) في (ق): "لمحلل".
(2) في (ق): "لمفتدية".
(3) في (ق): "فتخلص".
(4) في (ن): "للمتحيل".
(5) في (ن): "عليهما"، وفي (ق): "اللذين قيست عليهما".
(6) في (ق): "رواه"
(5/185)

الإمام أحمد في "مسنده" "أن رجلًا شكا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من جاره أنه يؤذيه، فأمره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يَطْرَحَ متاعه في الطريق، ففعل، فجعل كل مَنْ مرّ يسأل عن شأن المتاع، فيُخْبَر بأن جار صاحبه يؤذيه، فيسبّه ويلعنه، فجاء إليه وقال: "رُدَّ متاعك إلى مكانه فواللَّه لا أوذيك بعد ذلك أبدًا" (1) فهذا من أحسن المعاريض الفعلية، وألطف الحيل التي يتوصل بها إلى دفع ظلم الظالم.
ونحن لا ننكر هذا الجنس، وإنما الكلام في الحيل على استحلال مَحَارم اللَّه، وإسقاط فرائضه، وإبطال حقوق عباده؛ فهذا النوع هو الذي يفوت أفرادُ الأدلة على تحريمه الحَصْرَ (2).

فصل [الجواب على أنَّ العقود حيل]
وأما قولكم: "جعل العقود حِيَلًا على التوصل إلى ما لا يباح إلا بها إلى آخره" فهذا موضع الكلام في الحيل، وانقسامها إلى الأحكام الخمسة (3)، فنقول:
__________
(1) رواه أبو داود (5153) في (الأدب): باب حق الجوار، والبخاري في "الأدب المفرد" (124)، وأبو يعلى (6630) ومن طريقه ابن حبان (520)، والحاكم (4/ 165) والبيهقي في "الشعب" (9547) من طريقين عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وجود ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (2/ 16) إسناده.
تنبيه: لم أجو الحديث في "المسند" عن أبي هريرة، ولا عزاه له ابن حجر في "أطراف المسند" (7/ 406 - 407) ولا في "إتحاف المهرة" (15/ 348 رقم 19447).
وللحديث شاهد من حديث أبي جحيفة رواه البخاري في "الأدب المفرد" (125) والبزار (1903 - زوائده) والطبراني -كما في "المجمع" (8/ 170) - والحاكم (4/ 166) والبيهقي في "الشعب" (9548) من طريق شريك عن أبي عمر الأودي -كذا في "إتحاف المهرة" (13/ 696) وفي مطبوع "المستدرك": "الأزدي"!! وأهمل في سائر المواضع- تفرد به شريك، وهو صدوق يخطئ كثيرًا وأبو عمر مجهول. وفي الباب عن محمد بن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام، رواه ابن أبي شيبة (8/ 546) والحاكم (4/ 165 - 166) وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (ص 81) والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (رقم 394)، وفيه شهر بن حوشب، وهو مرسل.
وحسنه شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "صحيح الأدب المفرد" (رقم 92، 93)، وذكره الذهبي في "جزء حق الجار" (ص 17 - 18) وعزاه لابن الجعد عن محمد بن يوسف ومن حديث ابن عباس.
(2) انظر: "إغاثة اللهفان" (2/ 105).
(3) في المطبوع: "أحكامها الخمس"، وفي (ك) و (ق): "وأقسامها".
(5/186)

ليس كل ما يُسمى حيلة [يُسمَّى] (1) حرامًا، قال اللَّه تعالى: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً [وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا] (2)} [النساء: 98] أراد بالحيلة التحيُّل على التخلص من بين الكفار، وهذه حيلة محمودة يُثَاب عليها، وكذلك الحيلة على هزيمة الكفار، كما فعل نُعيم بن مسعود يوم الخندق (3)، أو على تخليص ماله منهم كما فعل الحَجَّاج بن عِلاط بامرأته (4)، وكذلك الحيلة على قتل رأسٍ من رؤوس أعداء اللَّه كما فعل الذين قتلوا ابن أبي الحُقَيقِ اليهودي
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك) و (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) روى قصته ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" (3/ 247) دون إسناد، ونقله عنه الطبري في "تاريخه" (2/ 578 - 579).
ورواها من طريق ابن إسحاق البيهقي في "دلائل النبوة" (3/ 445) فذكر له إسنادًا فقال ابن إسحاق: حدثني رجل عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك قال: جاء نُعيم بن مسعود.
وهذا إسناد جيد لولا جهالة الرجل الذي روى عنه ابن إسحاق، وقد رواها أيضًا البيهقي في "الدلائل" (3/ 398) من طريق موسى بن عقبة في "مغازيه" لكن دون إسناد من موسى بن عقبة.
ورواها مفصلةً أيضًا ابن سعد في "الطبقات" (4/ 277) في ترجمة نعيم قال: أخبرنا محمد بن عمر: قال حدثنا عبد اللَّه بن عاصم الأشجعي عن أبيه قال: قال نعيم بن مسعود فذكر القصة.
ومحمد بن عمر هو الواقدي المعروف، متروك على سعة علمه، وعاصم وإن كان هو المترجم في "التهذيب" فهو عاصم بن عبد العزيز الأشجعي لم يدرك نعيم بن مسعود أيضًا.
وروى البيهقي في "دلائل النبوة" (3/ 447) من طريق ابن إسحاق: حدثنا يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت: كان نعيم رجلًا نحومًا فدعاه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إن يهود قد بعثت إليّ. . . ولكنه مختصر جدًا، وإسناده حسن، رواته ثقات، إلا محمد بن إسحاق فهو حسن الحديث.
وبنحو رواية البيهقي الأخيرة هذه: رواه ابن أبي شيبة (8/ 499) من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلًا، وسمى الرجل "مسعود".
وأخرجه الخصاف في "الحيل" (ص 3 - 4) من مرسل الزهري، ووصله مختصرًا ابن قانع في "معجم الصحابة" (14/ 5101 رقم 2025) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (5/ 2668 رقم 6393) بإسناد مظلم.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (3/ 539) خبره، وأنه هو الذي أوقع الخلاف بين قريظة وغطفان بصيغة الجزم.
(4) مضى تخريجه.
(5/187)

وكعب بن الأشرف وأبا رافع وغيرهم (1)؛ فكل هذه حيل محمودة محبوبة للَّه ومرضية له.

[اشتقاق الحيلة وبيان معناها]
والحِيلَة: مشتقة من التحوَّل، وهي النوع والحالة كالجِلْسَة والقِعْدَة والرِّكبَة فإنها بالكسر للحالة، وبالفتح للمرة، كما قيل: الفَعْلَة للمرة (2)، والفِعْلَة للحالة، والمَفْعَل للموضع، والمِفْعَل للآلة، وهي من ذوات الواو، فإنها من التحول من حَالَ يَحُولُ، وإنما انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهو قلب مَقِيس مُطّرد في كلامهم، نجو مِيزان وميقات وميعاد؛ فإنها مِفْعَال من الوَزْن والوَقْت والوَعْد (3)، فالحيلة هي نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي يتحوَّلُ به فاعلُه من حال إلى حال، ثمْ غلب عليها بالعُرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصَّل بها الرجلُ إلى حصول غرضه، بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة؛ فهذا أخص من موضوعها في أصل اللغة، وسواء كان المقصود أمرًا جائزًا أو محرمًا، وأخَصُّ من هذا استعمالُها في التوصل إلى الغرض الممنوع منه شرعًا أو عقلًا أو عادة فهذا (4) هو الغالب عليها في عُرْف الناس؛ فإنهم يقولون: فلان من أرباب الحيل، ولا تُعَاملوه فإنه مُتَحَيِّل (5)، وفلان يُعَلّمَ الناسَ الحيلَ، وهذا من استعمال المطلق في بعض أنواعه كالدابة والحيوان وغيرهما.

[انقسام الحيلة إلى الأحكام الخمسة وأمثلتها]
وإذا قسمت باعتبارها لغة انقسمت إلى الأحكام الخمسة؛ فإن مباشرة الأسباب الواجبة حيلة على حصول مسبباتها؛ فالأكل والشرب واللبس والسفر
__________
(1) أما قصة مقتل ابن أبي الحقيق، وهو أبو رافع -حيث ذكره المؤلف مرتين- فقد رواها البخاري في (الجهاد) (3022 و 3023) باب قتل النائم المشرك، وفي (المغازي): (4038 و 4039 و 4040) في (المغازي): باب قتل أبي رافع عبد اللَّه بن أبي الحقيق، ويقال: سلامة بن أبي الحقيق، من حديث البراء بن عازب.
وأما قصة مقتل كعب بن الأشرف، فقد تقدمت.
(2) تحرفت في (ن) إلى: "للمرأة"!
(3) انظر: "لسان العرب" لابن منظور، و"القاموس المحيط" للفيروزآبادي (ص 1278 - 1280) مادة حول.
(4) في (ق) و (ك): "وهذا".
(5) في (ق) و (ك): "يتحيل".
(5/188)

الواجب حيلة على المقصود منه، والعقود الشرعية واجبها ومستحبها ومُبَاحها كلها حيلة على حصول المعقود عليه، والأسباب المحرمة كلها حيلة على حصول مقاصدها منها، وليس كلامنا في الحيلة بهذا الاعتبار العام الذي هو مَوْرد التقسيم إلى مباح ومحظور؛ فالحيلة جنس تحته التوصل إلى فعل الواجب، وترك المحرَّم (1)، وتخليص الحق، ونصر المظلوم، وقهر الظالم، وعقوبة المعتدي، وتحته التوصل إلى استحلال المحرم، وإبطال الحقوق، وإسقاط الواجبات، ولما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهودُ فتستحلوا محارمَ اللَّه بأدنى الحيل" (2) غلب استعمال الحيل في عرف الفقهاء علي النوع المذموم، وكما يذم الناسُ أربابَ الحيل فهم يذمُّون أيضًا العاجزَ الذي لا حِيلَةَ عنده لعجزه وجهله بطرق تحصيل مصالحه، فالأول ماكرٌ مخادع، والثاني عاجزٌ مفرِّط، والممدوح غيرهما، وهو مَنْ له خبرة بطرق الخير والشر خَفِيِّها وظاهرها فيحسن التوصل إلى مقاصده المحمودة التي يحبُّها اللَّه ورسوله بأنواع الحيل، ويعرف طرقَ الشر الظاهرة والخفيِّة التي يتوصل بها إلى خِدَاعه والمكر به فيحترز منها ولا (3) يفعلها ولا يدل عليها، وهذه كانت حال سادات الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، فإنهم كانوا أبَرِّ الناس قلوبًا، وأعلم الخلق بطرق الشر ووجوه الخداع، وأتقَى للَّه من أن يرتكبوا منها شيئًا أو يُدْخلوه في الدين، كما قال عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-: لست بخَبٍّ ولا يخدعني الخب (4)، وكان حذيفة أعلم الناس بالشر والفتن، وكان الناس يسألون رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الخير، وكان هو يسأله عن الشر (5)، والقلبُ السليم ليس هو الجاهل بالشر الذي لا يعرفه، بل الذي يعرفه ولا يريده، بل يريد الخير والبر، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد سمَّى الحرب خُدْعَة (6)، ولا ريبَ في انقسام الخِداع إلى ما يحبه اللَّه
__________
(1) في (ن): "وترك المحظور".
(2) سبق تخريجه.
(3) في (ق) و (ك)؛ "أوْلا".
(4) أسنده المزي في "تهذيب الكمال" (3/ 417 - 418) عن إياس بن معاوية قوله، وكذا في "عيون الأخبار" (1/ 225).
(5) رواه البخاري (3606) في (المناقب): باب علامات النبوة في الإسلام و (7084) في (الفتن): باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، ومسلم (1847) (51) في (الإمارة): باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، من حديث حذيفة بن اليمان.
(6) رواه البخاري (3030) في (الجهاد): باب الحرب خدعة، ومسلم (1739) في (الجهاد): باب جواز الخداع في الحرب من حديث جابر.
(5/189)

ورسوله وإلى ما يبُغضه ويَنهى عنه، وكذلك المكر ينقسمَ إلى قسمين: محمودٍ، ومذموم؛ فالحيلة والمكر والخديعة تنقسم إلى محمود ومذموم؛ فالحيل (1) منها ما هو كفرٌ، ومنها ما هو كبيرةٌ، ومنها ما هو صغيرة، وغير المحرمة منها ما هو مكروه، ومنها ما هو جائز، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو واجب؛ فالحيلة بالرَّدة على فسخ النكاح كفر، ثم إنها لا تتأتى إلا على قول من يقول بتعجيل (2) الفسخ بالردة، فأما مَنْ وقَفَه على انقضاء العدة فإنها لا يتم لها غرضها حتى تنقضي عدتها؛ فإنها متى عُلم بردتها قتلت إلا على قول [من يقول: لا تُقتل] (3) المرتدَّة، بل يحبسها حتى تُسْلِمَ أو تموت، وكذلك التحيل بالردة على حرمان الوارث كفرٌ، والإفتاء بها كفر، ولا تتم إلا على قول مَنْ يرى أن مال المرتد لبيت المال، فأما على القول الراجح أنه لورثته من المسلمين فلا تتم الحيلة، وهذا القول هو الصواب (4)؛ فإن ارتداده أعظم من مرض الموت المَخُوف، وهو في هذه الحال قد تعلق حق الورثة مسألة، فليس له أن يُسْقط هذا التعليق (5) بتبرع، فهكذا المرتدُّ بردته تعلق حق الورثة مسألة إذ صار مستحقًا للقتل.

فصل [الحيل التي تعد من الكبائر]
وأما الحيل التي هي من الكبائر فمثل قتل امرأته إذا قتل حماته وله من امرأته ولد، والصواب أن هذه الحيلة لا تُسْقط عنه القَوَد، وقولُهم: "إنه ورث ابنه
__________
(1) في (ق): "فالحيل المحرمة".
(2) في (ن): "بتعجل".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك): "من لا يقتل".
(4) هذا قول الأوزاعي، وهو أحد الأقوال عن أحمد، وروي عن أبي بكر وابن مسعود وهو قول أبي يوسف ومحمد، انظر: "الإنصاف" (7/ 352 و 10/ 339) و"المغني" (6/ 300)، و"الإقناع" (4/ 305)، و"الكافي" (3/ 161) و"رحمة الأمة" (191). و"فقه الإمام الأوزاعي" (2/ 510).
وأما القول بأنّ ماله لبيت المال فهو مذهب المالكية والشافعية، ومذهب أبي حنيفة يورث عنه ما اكتسبه قبل ردته، ولا يورثه ما اكتسبه حال ارتداده، انظر: "المبسوط" (10/ 104) و"عمدة القاري" (23/ 260)، "وجمل الأحكام" (2/ 232) و"التفريع" (2/ 232) و"تفسير القرطبي" (3/ 49) و"الإشراف" (4/ 179 رقم 1535 - بتحقيقي) و"الأم" (6/ 151 و 7/ 330) و"المحلى" (11/ 239).
(5) في (ك): "التعلق".
(5/190)

بعض دم أبيه فسقط عنه القَوَد" ممنوعٌ؛ فإن القَوَد وجب [عليه] (1) أولًا بقتل أم المرأة، وكان لها أن تستوفيه، ولها أن تسقطه، فلما قتلها قام وليها في هذه الحال مقامها بالنسبة إليها وبالنسبة إلى أمها، ولو كان ابن القاتل؛ فإنه لم يدل كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ميزان عادل على أن الولد لا يستوفي القصاصَ من والده لغيره، وغاية ما يدل عليه الحديث أنه لا يُقَاد الوالد بولده (2)، على ما فيه من الضَّعْف وفي حكمه من النزاع، ولم يدل على أنه لا يُقَاد بالأجنبي إذا كان الولد هو مستحق [القَوَد] (3)، والفرق بينهما ظاهر؛ فإنه في مسألة المنع قد أُقِيدَ بابنه (4)، وفي هذه الصورة إنما أقيد بالأجنبي، وكيف تأتي شريعةٌ أو سِياسة عادلة بوجوب القَوَدِ على من قتل نفسًا بغير حق فإن عاد فقتل نفسًا أخرى بغير حق وتضاعف إثمُه وجرمه سقط عنه القود، بل لو قيل بتحتم قَتْله ولا بد إذا قصد هذا كان أقرب إلى المعقول والقياس (5).

فصل [حيل محرّمة]
ومن الحيل المحرَّمة التي يكفر مَنْ أفتى بها تمكينُ المرأة ابنَ زوجها من نفسها لينفسخَ نكاحُها حيث صارت موطوءة ابنه، وكذا العكس (6)، أو وطئه حماته لينفسخ نكاح امرأته، مع أن هذه الحيلة لا تتمشى إلا على قول من يرى أن حرمة المصاهرة تثبت بالزنا كما تثبت بالنكاح كما يقوله أبو حنيفة (7) وأحمد في المشهور من مذهبه (8)، والقول الراجح أن ذلك لا يحرم كما هو قول
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(2) سبق تخريجه.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في المطبوع: "بأبيه".
(5) انظر: "مفتاح دار السعادة" (ص 435)، و"أحكام الجناية" (ص 152 - 166)، وفي (ق): "العقول".
(6) في (ق): "بالعكس".
(7) انظر: "المبسوط" (4/ 204)، "الاختيار" (3/ 88)، "فتح القدير" (3/ 219)، "بدائع الصنائع" (3/ 1385)، "تحفة الفقهاء" (2/ 184)، "تبيين الحقائق" (2/ 106)، "البحر الرائق" (3/ 105)، "إيثار الإنصاف" (105)، "شرح العيني" (1/ 116)، "طريقة الخلاف في الفقه" (53) للأسمندي، "حاشية ابن عابدين" (3/ 32)، "رؤوس المسائل" (381).
(8) انظر: "مسائل أحمد" (1/ 209 رقم 1028) لابن هاني، "المغني" (9/ 526)، "الإنصاف" (8/ 166)، "تنقيح التحقيق" (3/ 180 - 182)، "كشاف القناع" (5/ 72)، "منتهى الإرادات" (2/ 652)، "تقرير القواعد" (3/ 137 - بتحقيقي).
(5/191)

الشافعي (1) وإحدى الروايتين عن مالك (2)؛ فإن التحريم بذلك موقوف على الدليل، ولا دليلَ من كتابٍ ولا سنةٍ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ صحيح، وقياسُ السفاحِ على النكاح [في ذلك لا يصح] (3) لما بينهما من الفروق، واللَّه تعالى جعل الصِّهْرَ قَسيمَ النسب، وجعل ذلك من نعمهِ التي امتنَّ بها على عباده، فكلاهما من نعمه وإحسانه؛ فلا يكون الصهر من آثار الحرام وموجباته كما لا يكون النسب من آثاره، بل إذا كان النسب الذي هو أصلٌ لا يحصل بوطء الحرام [فالصِّهْرُ الذي هو فرعٌ عليه ومُشَبَّه به أولى ألا يحصل بوطء الحرام،] (3) وأيضًا فإنه لو ثبت تحريم المصاهرة لا تثبت المحرمية التي هي من أحكامه، فإذا لم تثبت المحرمية لم تثبت الحرمة، وأيضًا فإن اللَّه تعالى [إنما] (3) قال: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ [الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ]} (4) [النساء: 23] ومن زَنَا بها الابن لا تُسمَّى حليلة لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا، وكذلك قوله: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ [مِنَ النِّسَاءِ (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ)]} (5) [النساء: 22] إنما المراد به النكاح الذي هو ضد السفاح، ولم يأتِ في القرآن أن النكاح المراد به الزنا قط، ولا الوطء المجرد عن عقد.

[مناظرة بين الشافعي ومن قال: إن الزنا يُوجب حرمة المصاهرة]
وقد تناظر الشافعي هو وبعض العراقيين في هذه المسألة ونحن نذكر مناظرته بلفظها.
قال الشافعي: الزنا لا يُحرِّم الحلال، وقال به ابن عباس (6)، قال الشافعي:
__________
(1) انظر: "الأم" (5/ 25)، "مختصر المزني" (169)، "الحاوي الكبير" (11/ 294)، "المهذب" (2/ 44)، "المجموع" (17/ 324)، "روضة الطالبين" (7/ 113)، "حلية العلماء" (6/ 377)، "مختصر الخلافيات" (4/ 139 رقم 201).
(2) انظر: "المدونة" (2/ 202)، "الكافي" (244)،"بداية المجتهد" (2/ 34)، "الخرشي" (3/ 209)، "الإشراف" (3/ 323 - 324 مسألة 1161) وتعليقي عليه.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وما بين القوسين سقط من (ك).
(6) روى عبد الرزاق (12769) عن معمر عن قتادة: سئل ابن عباس عن الرجل يزني بأم امرأته؟ قال: تخطّى بحرمة إلى حرمة ولم تحرم عليه امرأته.
وهو منقطع، قتادة لم يسمع ابن عباس، وبينهما واسطة، رواه البيهقي (7/ 168) -بإسنادين- من طريق يحيى بن معمر وعن قتادة وعن عكرمة كلاهما عن ابن عباس ورواه عبد الرزاق (12781) عن عطاء عن ابن عباس بنحوه، وفي (ك) و (ق): "وقاله ابن عباس".
(5/192)

لأن الحرام ضد الحلال، ولا يقاس شيء على ضِدِّه، فقال في قائل: ما تقول لو قبَّلت امرأةُ الرجل ابنَه بشهوة حرمت على زوجها أبدًا، فقلت [له] (1): لم قلت ذا واللَّه تعالى إنما حرم أمهات نسائكم ونحو هذا بالنكاح فلم يجز أن يُقَاس الحرامُ بالحلال؟ فقال: أجد جماعًا وجماعًا، قلت: جماعًا حُمِدَت به وأحصنت (2) وجماعًا رُجِمت به، أحدُهما نقمة والآخر نعمة، وجعله اللَّه سبحانه نسبًا وصهرًا وأوجب به حقوقًا، وجعلك مَحْرَمًا لأم امرأتك (3) وابنتها تسافر بهما، وجعل على الزنا نقمة في الدنيا بالحدِّ (4) وفي الآخرة بالنار، إلا أن يعفو اللَّه، فتقيس الحرام الذي هو نقمة على الحلال الذي هو نعمة؟ [وقلت له: فلو قال لك] (5): وجدت المطلقة ثلاثًا تحل بجماع زوج وإصابة فأحلّها بالزنا لأنه جماع كجماع، قال: إذا أخطأ؛ لأن اللَّه تعالى أحلّها بنكاح زوج، قلت: وكذلك ما حرم اللَّه في كتابه بنكاح زوج وإصابة زوج، قال: أفيكون شيء يحرمه الحلال ولا يحرمه الحرام أقول به؟ قلت: نعم ينكح أربعًا فيحرم عليه أن ينكح من النساء خامسة، أفيحرمُ عليه إذا زنا بأربع شيء من النساء؟ قال: لا يمنعه الحرام مما يمنعه الحلال، قال: فقد ترتد فتحرم على زوجها، قلت: نعم، وعلى جميع الخلق، وأقتلها وأجعل مالها فَيْئًا، قال: فقد نجد الحرام يُحرِّم الحلال، قلت: أما في مثل ما اختلفنا فيه من أمر النساء فلا (6)، انتهى.

[أحكام النكاح لا يتعلق منها شيء بالزنا]
ومما يدل على صحة هذا القول أن أحكام النكاح التي رتَّبها اللَّه تعالى عليه من العِدة والإحدَاد والميراث والحل والحرْمة ولحوق النسب ووجوب النفقة والمهر وصحة الخُلع والطلاق والظهار والإيلاء والقصر على أربع ووجوب القَسْم والعَدْل بين الزوجات وملك الرجعة وثبوت الإحصان والإحلال للزوج الأول وغير ذلك من الأحكام لا يتعلق شيء منها بالزنا، وإن اختلف في العدة والمهر، والصواب أنه لا مَهْر لبغي كما دلت عليه سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (7)، وكما فَطَرَ اللَّه
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(2) في (ك) و (ق): "وحصنت".
(3) في (ن) و (ق): "مَحْرَمًا لامرأتك"!.
(4) في (ق): "بالحدود".
(5) في (ق): "وقلت: فلو قال لك" وعندها في الهامش: "لعله: قائل".
(6) انظر نحوها في "الأم" (6/ 164 - 165) و"معرفة السنن والآثار" (10/ 115 - 116).
(7) في هذا حديث: "نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي"، رواه البخاري (2237) في =
(5/193)

سبحانه عقول الناس على استقباحه، فكيف يثبت تحريم [هذه] (1) المصاهرة من بين هذه الأحكام؟ والمقصود أن هذه الحيلة باطلة شرعًا كما هي محرمة في الدين (2).

[إبطال حيلة لإسقاط حد السرقة]
وكذلك الحيلة على إسقاط حد السرقة يقول السارق: هذا مُلْكي، وهذه داري، وصاحبها عبدي، من الحيل التي هي إلى المضحكة والسخرية والاستهزاء بها أقرب منها إلى الشرع، ونحن نقول: معاذ اللَّه أن يجعل في فطر الناس وعقولهم قبول [مثل] (3) هذا الهَذَيان البارد المناقض للعقول والمصالح، فضلًا عن أن يشرع لهم قبوله، وكيف يُظَنّ باللَّه وشَرْعِه ظن السوء أنه شرع ردَّ الحق بالباطل الذي يقطع كلُّ أحدٍ ببطلانه، وبالبهتان الذي يجزم كلُّ حاضر (4) ببهتانه، ومتى كان البهتان والوقاحة والمجاهرة بالزور والكذب مقبولًا في دين من الأديان أو شريعة من الشرائع أو سياسة أحد من الناس؟ ومن له مسكة من عقل وإن بُلي بالسرقة فإنه لا يرضى لنفسه بدعوى هذا البهت والزور، وياللَّه و [يا] (5) للعقول! أيعجز سارقٌ قط عن التكلم بهذا البهتان ويتخلَّص من قطع اليد؟ فما معنى شرع قطع يد السارق ثم إسقاطه بهذا الزور والبهتان؟!

[إبطال حيلة إسقاط اليمين عن الغاصب]
وكذلك إذا غَصَبَ شيئًا فادعاه المغصوب منه، فأنكر، فطلب تحليفه.
قالوا: فالحيلة في إسقاط اليمين عنه أن يُقِرَّ به لولده الصغير فيسقط عنه اليمين ويفوز بالمغصوب، وهذه حيلة باطلة في الشرع كما هي محرمة في الدين، بل المُقَر له إن كان كبيرًا صار هو الخصم في ذلك، وتوجهت عليه اليمين، وإن
__________
= (البيوع): باب ثمن الكلب، و (2282) في (الإجارة): باب كسب البغي والإماء، و (5346) في (الطلاق): باب مهر البغي والنكاح الفاسد، و (5761) في (الطب): باب الكهانة، ومسلم (1567) في (المساقاة): باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(2) انظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 196) و"الإشراف" (3/ 323 - 324 مسألة 1161) وتعليقي عليه.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(4) في (ن) و (ق): "ظاهر".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(5/194)

كان صغيرًا توجَّهَت اليمين على المُدَّعى عليه فإن نكلَ قُضي به للمدَّعِي، وغرم قيمته لمن أقر له به؛ لأنه بنكوله قد فوَّته عليه.

[إبطال حيلة لإسقاط القصاص]
وكذلك إذا جرح رجلًا، فخشيَ أن يموت من الجرح، فدفع إليه دواء مسمومًا فقتله.
قال أرباب الحيل: يسقط عنه القصاصُ، وهذا خطأ عظيم، بل يجب عليه القصاصُ بقتله بالسُّم، كما يجب عليه بقتله بالسيف، ولو أسقط الشارعُ القتلَ عمن قَتَل بالسم لما عجز قاتل عن قتل من يريد قتله به آمنًا؛ إذ قد علم أنه لا يجبُ عليه القَوَد، وفي هذا من فساد العالم ما لا تأتي به شريعة.

[إبطال حيلة لإخراج الزوجة من الميراث]
وكذلك وإذا أراد إخراج زوجته من الميراث في مرضه، وخاف أن الحاكم يُورِّث المبتوتة، قالوا: فالحيلة أن يقر أنه كانْ طلَّقها (1) ثلاثًا، وهذه حيلة مُحَرمة باطلة لا يحل تعليمها، ويفسق من علَّمها المريض، ويستحق عقوبة اللَّه ومع ذلك فلا تنفذ، فإنه كما هو متَّهم بطلاقها فهو متهم بالإقرار بتقدّم الطلاق على المرض، وإذا كان الطلاق لا يمنع الميراث بالتهمة (2) فالإقرار لا يمنعه للتهمة، ولا فرق بينهما؛ فالحيلة باطلة محرَّمة.
[إبطال حيلة لإسقاط الزكاة]
وكذلك إذا كان في يده نصاب فباعه أو وهبه قبل الحَوْلِ، ثم استردَّه، قال أرباب الحيل: تسقط عنه الزكاة، بل لو ادّعى ذلك لم يأخذ العامل زكاته، وهذه حيلة محرمة باطلة، ولا يُسْقِط ذلك عنه فَرْضَ اللَّه الذي فرضه وأوعده (3) بالعقوبة الشديدة مَنْ ضيَّعه وأهْمَلَه، فلو جاز إبطاله بالحيلة التي هي مكر وخداع لم يكن في إيجابه والوعيد على تركه فائدة.
وقد استقرت سنة اللَّه في خلقه شرعًا وقدرًا على معاقبة العبد بنقيض قصده،
__________
(1) في (ن): "مطلقًا".
(2) كذا في (ك)، وفي سائر الأصول: "للتهمة".
(3) في (ك) و (ق): "وأوعد"
(5/195)

كما حَرَم القاتلُ الميراثَ، وورَّث المطلقة في مرض الموت، وكذلك الفارُّ من الزكاة لا يسقطها عنه فِرَاره ولا يُعَان على قصده الباطل فيتم مقصوده ويسقط مقصود الرب تَعَالى، وكذلك عامة الحيل إنما يُساعدُ فيها المتحيَّل على بلوغ غرضه ويبطل غرض الشارع (1).

[إبطال حيلة لإسقاط الكفارة]
وكذلك المُجَامع في نهار رمضان إذا تغدَّى أو شرب الخمر أولًا ثم جامع، قالوا: لا تجب عليه الكفارة، وهذا ليس بصحيح؛ فإن إضمامه إلى إثم الجماع إثمَ الأكل والشرب لا يناسب التخفيف عنه، بل يناسب تغليظ الكفارة عليه، ولو كان هذا يسقط الكفارة لم تجب كفارة على واطئ اهتدى لجرعة ماء أو ابتلاع لُبَابة أو أكل زبيبة، فسبحان اللَّه! هل أوجب الشارع الكفارة لكون الوطء لم يتقدمه مُفطِر قبله أو للجناية على زمن الصوم الذي لم يجعله اللَّه محلًا للوطء؟ أفَترى بالأكل والشرب قبله صار الزمان محلًّا للوطء فانقلبت (2) كراهة الشارع له محبة ومَنْعُه إذنًا؟ هذا من المحال، وأفسَدُ من هذا قولهم: إن الحيلة في إسقاط الكفارة أن ينوي قبل الجماع قَطْعَ الصوم، فإذا أتى بهذه النية فليجامع آمنًا من وجوب الكفارة، ولازم [على] (3) هذا القولِ الباطل أنه لا تجب كفارة على مُجَامع أبدًا، وإبطال هذه الشريعة رأسًا؛ فإن المجامع لا بد أن يعزم على الجماع قبل فعله، وإذا عزم على الجماع فقد تضمنت نيتُه قطعَ الصوم فأفطر قبل الفعل بالنية الجازمة للإفطار فصادفه الجماع وهو مفطر بنيّة الإفطار السابقة على الفعل، فلم يفطر به، فلا تجب الكفارة (4)، فتأمل كيف تتضمن الحيل المحرمة مناقضة الدين وإبطال الشرائع (5)؟

[إبطال حيلة لإسقاط وجوب قضاء الحج]
وكذلك قالوا: لو أن مُحْرمًا خاف الفوت وخشي القضاء من قابل فالحيلة في
__________
(1) انظر: "زاد المعاد" (1/ 147 - 148)، و"مفتاح دار السعادة" (ص 329)، و"الوابل الصيب" (ص 49 - 60).
(2) في (ك) و (ق): "وانقلبت".
(3) ما بين المعقوفتين في (ق) فقط.
(4) في (ك) و (ق): "كفارة".
(5) انظر: "تهذيب السنن" (3/ 268 - 273)، و"كتاب الصلاة" (ص 61 - 63).
(5/196)

إسقاط القضاء أن يكفر باللَّه ورسوله في حال (1) إحرامه فيبطل إحرامه، فإذا عاد إلى الإسلام لم يلزمه القضاء من قابل، بناءً على أن المرتد كالكافر الأصلي، فقد أسلم إسلامًا مستأنفًا لا يجب عليه فيه قضاء ما مضى، ومن له مسكة من علم ودين يعلم أن هذه الحيلة مناقضة لدين الإسلام أشد مناقضة، فهي (2) في شق والإسلام في شق.

[إبطال حيلة لإسقاط حق صاحب الحق]
وكذلك لو وكَّلَ رجلًا في استيفاء حقه فرفعه إلى الحاكم فأراد أن يحلّفه بالطلاق أنه لا حقَّ لوكيله قِبَله، فالحيلة في حَلْفه صادقًا أن يُحضر الموكل إلى منزله ويدفع إليه حقه ثم يغلق عليه الباب ويمضي مع الوكيل، فإذا حلف أنه لا حق لوكيله قبله حَلَفَ صادقًا، فإذا رجع إلى البيت فشأنه وشأن صاحب الحق.
وهذه شرٌّ من حيلة اليهود أصحاب الحيتان، وهذه وأمثالها إنما هي من حيل اللصوص وقطاع الطريق، فما لدين اللَّه ورسوله وإدخالها فيه؟ ولا يجدي عليه هذا الفعل في بره باليمين شيئًا، بل هو حانث كل الحنث؛ إذ لم يتمكن صاحب الحق من الظفر بحقه فهو في ذمة الحالف كما هو، وإنما يبرأ منه إذا تمكَّن صاحبه من قبضه، وعدَّ نفسه مستوفيًا لحقه (3).

[إبطال حيلة لإسقاط زكاة عروض التجارة]
وكذلك لو كان له عروض (4) للتجارة فأراد أن يُسْقِطَ زكاتها، قالوا: فالحيلة
__________
(1) في (ك): "خلال".
(2) كذا في (ن)، وفي سائر النسخ: "فهو".
(3) وإن تعجب فاعجب لكثير من تجار اليوم، فإنك تجد أحدهم يحلف في سوقه عشرات الأيمان كذبًا؛ ليبيع سلعته، ولئن قلت له: هذا حرام ولا يجوز، يقول لك: إنني عند خروجي من بيتي إلى السوق أحلف يمينًا أن كل أيماني اليوم تكون كذبًا!!
فيا سبحان اللَّه! هل يا مُسَيْكين حَلْفُكَ ويمينك أن تفعل الحرام يُسوِّغ ويجوّز لك فعل الحرام؟!!
إذًا -على قولكم- لو أراد إنسان أن يقتل أو يسرق أو يزني، فليحلف أولًا لَيَفْعل كذا وكذا، ثم يفعل هذا الحرام، ولا شيء عليه!! وهذا من أعجب العجب!!
ولقد صدق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ قال: "إن التجار هم الفجار، قيل: يا رسول اللَّه! أوليس قد أحل اللَّه البيع؟ قال: بلى، ولكنهم يُحدِّثون فيكذبون، ويحلفون فيأثمون" صحيح رواه أحمد (3/ 428) وغيره، وفي "صحيح مسلم" (1/ 71) قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. . . والمنفق سلعته بالحلف الكاذب".
(4) في (ك): "غرض".
(5/197)

أن ينوي بها القُنْيَة (1) في آخر الحول يومًا أو أقل، ثم ينقض هذه النية ويعيدها للتجارة، فيستأنف بها حولًا، ثم يفعل هكذا في آخر كل حول، فلا تجب عليه زكاتها أبدًا.
فياللَّه العجب! أيروج هذا الخداع والمكر والتلبيس على أحكم الحاكمين الذي {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)} [غافر: 19]؟ ثم إن هذه الحيلة كما هي مخادعة للَّه، ومكر بدين الإسلام، فهي باطلة في نفسها، فإنها إنما تصير للقُنْية (1) إذا لم يكن من نيته إعادتها للتجارة، فأما وهو يعلم أنه لا يقتنيها البتة ولا له حاجة باقتنائها، وإنما أعَدَّها للتجارة، فكيف تتصور منه النية الجازمة للقنية (2) وهو يعلم قطعًا أنه لا يقتنيها ولا يريد اقتناءَها، وإنما هو مجرد حديث [النفس أو] (3) خاطر أجراه على قلبه بمنزلة من يقول (4) بلسانه: "أعددتها للقنية" وليس ذلك في قلبه؟ أفلا يستحيي من اللَّه مَنْ يسقط فرائضه بهذا الهوس وحديث النفس؟

[إبطال حيلة أخرى لإبطال الزكاة]
وأعجب من هذا أنه لو كان عنده عَيْنٌ من الذهب والفضة (5) فأراد إسقاط زكاتها في جميع عمره، فالحيلة أن يدفعها إلى محتال مثله أو غيره في آخر الحول ويأخذ منه نظيرها فيستأنف له الحول، [ثم (في) آخره] (6) يعود فيستبدل بها مثلها، فإذا هو فعل [مثل] (7) ذلك لم تجب عليه زكاته ما عاش، وأعظم من هذه البلية إضافة هذا المكر والخداع إلى الرسول، وأن هذا من الدين الذي جاء به.
ومثل هذا وأمثاله مَنَع كثيرًا من أهل الكتاب من الدخول في الإسلام، وقالوا: كيف يأتي رسول بمثل هذه الحيل؟ وأساءوا ظنهم به وبدينه، وتواصوا بالتمسك بما هم عليه، وظنوا أن هذا هو الشرع الذي جاء به، وقالوا: كيف تأتي بهذا شريعة أو تقوم به مصلحة أو يكون من عند اللَّه؟ ولو أن ملكًا من الملوك ساس رعيته بهذه السياسة لقدح ذلك في ملكه، قالوا: وكيف يشرعُ الحكيمُ الشيءَ
__________
(1) "القنية -بضم القاف أو كسرها، مع سكون النون فيهما-: ما اكتسبه الإنسان، واتخذه لنفسه لا للتجارة، [والنشب] " (د)، و (و)، وما بين المعقوفتين زيادة من (و) على (د).
(2) انظر الهامش السابق.
(3) في (ك) و (ق): "نفس و".
(4) في (ن) و (ك) و (ق): "أن يقول".
(5) في (ق): "والورق".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وما بين القوسين سقط من (ك).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5/198)

لما في شرعه من المصلحة ويحرِّم (1) لما في فعله من المفسدة ثم يبيح [إبطال] (2) ذلك بأدنى حيلة تكون؟ وترى الواحد منهم إذا ناظره المسلم في صحة دين الإسلام إنما يحتج عليه بهذه الحيل، كما هو في كتبهم، وكما نسمعه من لفظهم عند المناظرة، فاللَّه المستعان.
وكذلك قالوا: لو كان له نصاب من السائمة فأراد إسقاط زكاتها فالحيلة في ذلك أن يعلفها يومًا واحدًا ثم تعود إلى السَّوْم، وكذلك يفعل في كل حول، وهذه حيلة باطلة لا تسقط عنه وجوب الزكاة، بل وكل حيلة (3) يتحيَّل بها على إسقاط فرض من فرائض اللَّه أو حق من حقوق عباده لا يزيد ذلك الفرض إلا تأكيدًا وذلك الحق إلا إثباتًا.

[إبطال حيلة لإبطال الشهادة]
وكذلك قالوا: إذا علم أن شاهدين يشهدان عليه فأراد [أن] (2) يبطل شهادتهما فليخاصمهما قبل الرفع إلى الحاكم، وهذه الحيلة حسنة إذا كانا يشهدان عليه بالباطل، فإذا علم أنهما يشهدان بحق لم تحل له مخاصمتهما (4)، ولا تُسقط هذه المخاصمة شهادتهما.

[إبطال حيلة لضمان البساتين]
وكذلك قالوا: لا يجوز ضمان البساتين، والحيلة على ذلك أن يؤجِّره الأرض ويساقيه على الثمر من كل ألف جزءٍ على جزء، وهذه الحيلة لا تتم إذا كان البستان وَقْفًا وهو ناظِرُه أو كان ليتيم، فإن هذه المحاباة في المساقاة تقدح في نَظَره ووصيّته.
فإن (5) قيل: إنها تُغتفر لأجل العقد الآخر وما فيه من محاباة (6) المستأجر له، فهذا لا يجوز له أن يحابي في المساقاة لما حصل للوقف واليتيم من محاباة أخرى، وهو نظير أن يبيع له سلعة بربح ثم يشتري له سلعة بخسارة توازن ذلك الربح، هذا إذا لم يُبْنَ (7) أحد العقدين على الآخر، فإن بُني عليه كانا عقدين في
__________
(1) في (ك) و (ق): "يحرمه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في المطبوع و (ك): "بل وكذلك كل حيلة".
(4) بعدها في (ك): "له".
(5) في (ك) و (ق): "وإن".
(6) في (ك) و (ق): "المحاباة".
(7) في (ق): "يَنْبَنِ" مجودة.
(5/199)

عقد، وكانا بمنزلة (سَلَف وبيع، وشَرْطين في بيع)، وإن شرط أحد العقدين في الآخر فَسَدا، مع (1) أن هذه الحيلة لا تتم إلا على أصل مَنْ لم ير جواز المساقاة أو مَنْ خصَّها بالتحيّل (2) وحده، ثم فيها مفسدة أخرى، وهي أن المساقاة عقد جائز، فمتى أراد أحدهما فَسْخَها فَسَخها وتضرر (3) الآخر، ومفسدة ثانية، وهي أنه يجب عليه تسليم هذا الجزء من ألف جزء من جميع ثمرة البستان من كل نوع من أنواعه، وقد يتعذَّر عليه ذلك أو يتعسَّر، إما بأن يأكل الثمرة أو يهديها كلها أو يبيعها على أصولها، فلا يمكنه تسليم ذلك الجزء، وهذا (4) يقع سواء، ثم قد يكون ذلك الجزء من الألف يسيرًا جدًا، فلا يطالب به عادة، فيبقى في ذمته لليتيم وجهة (5) الوقف، إلى غير ذلك من المفاسد التي في هذه الحيلة، وأصحابُ رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم كانوا أفقَهَ من ذلك، وأعْمَقَ علمًا، وأقل تكلفًا، وأبَرَّ قلوبًا، فكانوا يرون ضمان الحدائق بدون هذه الحيلة، كما فعله عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- بحديقة أسيد بن حضير (6)، ووافقه عليه جميع الصحابة،
__________
(1) في (ك): "من".
(2) في (ق): "بالنخل".
(3) في المطبوع: "تضر".
(4) في المطبوع و (ك): "وهكذا".
(5) في (ك) و (ق): "ولجهة".
(6) أخرج ابن أبي شيبة (5/ 400)، حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن سعيد مولى عمر، أن أسيد بن حضير مات وعليه دين، فباع عمر ثمرة أرضه سنتين.
أقول: كذا هنا في الإسناد سعيد مولى عمر، وصوابه سعد، ذكره البخاري في "تاريخه الكبير" (4/ 66) قال: سعد بن نوفل أن عمر استعمله على الجار، روى عنه ابنه عبد اللَّه، قال البخاري: أراه الذي روى: "أبو سلمة كذا، (وصوابه أبو أسامة) عن هشام بن عروة عن سعد مولى ابن عمر".
ولم يذكر فيه شيئًا.
أما ابن أبي حاتم فقد ذكر "سعد بن نوفل" الجاري مديني مولى عمر بن الخطاب، روى عن عمر وعبد اللَّه بن عمرو روى عنه زيد بن أسلم (4/ 96).
وذكر في (4/ 99) سعد مولى عمر أن أسيد بن حضير أوصى إلى عمر -رضي اللَّه عنه- قاله أبو أسامة عن هشام، ونراه والد عبد الرحمن بن سعد مولى ابن عمر، وذكره الحسيني في "التذكرة" (1/ 572 رقم 2236) تحت اسم: سعد القلح، أو ابن سعد القلحة مولى عمر، روى عنه عبد اللَّه بن دينار: مجهول.
قال الحافظ في "التعجيل" (150): قلت: بل هو معروف، وهو الذي يقال له: الجاري، ثم نقل عن ابن السمعاني في "الأنساب" (2/ 9 - 10): ينسب إليه أبو عبد اللَّه سعد بن نوفل الجاري، وكان عامل عمر على الجار، روى عنه ابنه عبد اللَّه بن سعد.
ثم ذكر حديثه من رواية مالك عن عبد اللَّه بن دينار عنه. =
(5/200)

فلم ينكره منهم رجل واحد، وضمان البساتين كما هو إجماع الصحابة فهو مُقتَضى القياس الصحيح، كما تضمن الأرض لمغلّ الزرع فكذلك تضمن الشجر لمغل الثمر، ولا فرق بينهما البتة؛ إذ الأصل هنا كالأرض (1) هناك، والمغل يحصل بخدمة المستأجر والقيام على الشجر كما يحصل بخدمته والقيام على الأرض، ولو استأجر أرضًا ليحرثها ويسقيها ويستغل ما ينبته اللَّه تعالى فيها من غير بَذر (2) منه كان بمنزلة استئجار الشجر من كل وجه، لا فرق بينهما البتة، فهذا أفقه من هذه الحيلة، وأبعد من (3) الفساد، وأصلح للناس، وأوفق للقياس، وهو اختيار أبي الوفاء ابن عقيل وشيخ الإسلام ابن تيمية -رضي اللَّه عنهما-، وهو الصواب (4).

فصل [الحيلة السريجية لعدم وقوع الطلاق أصلًا]
ومن هذا الباب الحيلة السُّرَيْجية (5) التي حدثت في الإسلام بعد المئة الثالثة، وهي تمنع الرجل من القدرة على الطلاق ألبتَّة، بل تسد عليه [باب] (6) الطلاق بكل وجه، فلا يبقى له سبيل إلى التخلص منها، ولا يمكنه مخالعتها عند مَنْ يجعل الخلع طلاقًا (7)، وهي نظير سد الإنسان على نفسه باب النكاح بقوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فهو لو صح تعليقه لم يمكنهُ في الإسلام أن يتزوج امرأة ما عاش، وذلك لو صح شرعه لم يمكنه أن يطلق امرأة أبدًا.
وصورة هذه الحيلة أن يقول: كما طلقتك -أو كما وقع عليك طلاقي- فأنت طالق قبله ثلاثًا، قالوا: فلا يتصور وقوع الطلاق بعد ذلك؛ إذ لو وقع لزم
__________
= أقول: الحافظ لم يصنع شيئًا، فالحسيني -رحمه اللَّه- يريد أن الرجل لم يعرف بجرح ولا تعديل.
(1) في (ن) و (ق): "كالأصل".
(2) في (ق): "بذل".
(3) في (ك): "عن".
(4) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 155)، "تيسير الفقه الجامع للاختيارات الفقهية" (2/ 1098)، "مجموع فتاوى ابن تيمية" (30/ 110).
(5) هي نسبة إلى القاضي ابن سريج الشافعي، وقد سبق تعريفها.
(6) سقط في (ق).
(7) والصواب أنه فسخ، وهذا اختيار المصنف وشيخه ابن تيمية، انظر "مجموع فتاوى ابن تيمية" (32/ 289، 290، 309)، "الجامع للاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية" (2/ 659، 662).
(5/201)

فيه وقوع ما علَّق به وهو الثلاث، وإذا وقعت الثلاث امتنع وقوع هذا المنجَّز، فوقوعه يُفضي إلى عدم وقوعه، وما أفضى وجودُه إلى عدم وجوده لم يوجد، هذا اختيار أبي العباس بن سُريج، ووافقه عليه جماعة من أصحاب الشافعي (1)، وأبى ذلك جمهور الفقهاء من المالكية (2) والحنفية (3) والحنبلية (4) وكثير من الشافعية (5)، ثم اختلفوا في وجه إبطال هذا التعليق؛ فقال الأكثرون: هذا التعليق لغوٌ وباطلٌ من القول؛ فإنه يتضمن المحال، وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، وهذا محال، فما تضمنه فهو باطلٌ من القول، فهو بمنزلة قوله: إذا وقع عليك طلاقي لم يقع، وإذا طلقتك لم يقع عليك طلاقي، ونحو هذا من الكلام الباطل، بل قوله: "وإذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا" أدْخَلُ في الإحالة والتناقض؛ فإنه في الكلام الأول جَعَلَ وقوع الطلاق [مانعًا من وقوعه] (6) مع قيام الطلاق، وهنا جعل وقوعه مانعًا من وقوعه مع زيادة محال عقلًا وعادةً، فالمتكلم به يتكلم بالمحال قاصدًا للمحال، فوجودُ هذا التعليق وعدمُه سواء، فإذا طلقها بعد ذلك نَفذَ طلاقه (7) ولم يمنع منه مانعٌ، وهذا اختيار [أبي الوفاء] (8) ابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد وأبي العباس بن القاص (9) من أصحاب الشافعي.
وقالت فرقة أخرى: بل المحال إنما جاء من تعليق الثلاث على المنجَّز، وهذا المحال (10) أن يقع المنجز ويقع جميع ما علق به؛ فالصواب أن يقع المنجَّز ويقع [جميع ما علق به] (11) أو تمام الثلاث من المعلق، وهذا اختيار القاضي
__________
(1) وصححه الشيرازي في "المهذب" (2/ 100)، وانظر "روضة الطالبين" (7/ 417، 8/ 162)، و"فتاوى السبكي" (2/ 297 - 301)، و"الفتاوى الكبرى" لابن حجر الهيتمي (4/ 183)، و"شرح البجيرمي على الخطيب" (3/ 440)، و"أسنى المطالب" (3/ 257)
(2) انظر: "الشرح الكبير" (2/ 360، 387) للدردير، و"حاشية الخرشي" (4/ 26، 52)، و"حاشية العدوي على الخرشي" (4/ 26).
(3) انظر: "رد المحتار" (3/ 229).
(4) انظر: "المغني" (8/ 322)، و"المبدع" (7/ 346).
(5) انظر: "فتاوى السبكي" (2/ 297 - 301)، و"الفتاوى الكبرى" (4/ 183) لابن حجر الهيتمي.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(7) في المطبوع: "طلاقها".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) في (ك): "العاص".
(10) في (ك) و (ق): "محال".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5/202)

وأبي بكر وبعض الشافعية [ومذهب أبي حنيفة] (1). والذين منعوا وقوع الطلاق جملة قالوا: هو ظاهر كلام الشافعي، فهذا تلخيص الأقوال في هذا التعليق.
قال المصححون للتعليق (2): صَدَرَ من هذا الزوج طلاقان منجَّز ومعلّق، والمحل قابلٌ، وهو ممن يملك التنجيز والتعليق، والجمعُ بينهما ممتنعٌ، ولا مزية لأحدهما على الآخر، فتمانعا وتساقطا، وبقيت الزوجية بحالها، وصار كما لو تزوج أختين في عقد واحد فإنه يبطل نكاحهما لهذا الدليل بعينه.
وكذلك إذا أَعتقَ أمَتَه في مرض موته وزوَّجها عبده (3) ولم يدخل بها وقيمتها مئة ومهرها مئة وباقي التركة مئة لم يثبت لها الخيار؛ لأن إثبات الخيار يقتضي سقوط المهر، وسقوط المهر يقتضي نفي الخيار، والجمع بينهما لا يمكن، وليس أحدهما أولى من الآخر؛ لأن طريق ثبوتهما الشَّرعُ، فأبقينا النكاح ورفضنا الخيار ولم يسقط المهر، وكل ما أفضى وقوعُه إلى عدم وقوعه فهذه سبيلُه.
ومثاله في الحس إذا تشاحَّ اثنان في دخول دار، وهما سواء في القوة، وليس لأحدهما على الآخر مزية توجب تقديمه؛ فإنهما يتمانعان فلا يدخل واحدٌ منهما، وهذا مشتق من دليل التمانع على التوحيد، وهو [أنه] (4) يستحيل أن يكون للعالم فاعلان مستقلان بالفعل؛ فإن استقلالَ كل منهما ينفي استقلال الآخر، فاستقلالهما يمنع استقلالهما، ووِزَانُه (5) في هذه المسألة أن وقوعهما يمنع وقوعهما.

[مسائل عديدة من الدور الحكمي]
قالوا: وغاية ما في هذا الباب استلزام هذا التعليق لدَوْرٍ حكمي يمنع وقوع المعلَّق والمنجَّز، ونحن نريكم من مسائل الدور التي يُفْضي وقوعها إلى عدم وقوعها كثيرًا، منها ما ذكرناه (6)، ومنها ما لو وجد من أحدهما ريح وشكَّ كل واحد منهما هل هي منه أو من صاحبه، لم يجز اقتداء أحدهما بالآخر؛ لأن
__________
(1) انظر: "الهداية" (2/ 15)، "الدر المختار مع حاشية رد المحتار" (3/ 229)، وما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2) في هامش (ق): "يعني ابن سريج".
(3) في (ك): "عبد".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) في (ق): "ووازنه" وفي الهامش: "لعله: وازنه".
(6) انظر: "بدائع الصنائع" (1/ 186 - 187).
(5/203)

اقتداءه به يبطل اقتداءه، وكذلك لو كان معهما (1) إناءان أحدهما نجس [فاجتهد] (2) فأدَّى اجتهاد كل منهما إلى إناء لم تجز القدوة بينهما؛ لأنها تُفْضي إلى إبطال القُدوَة.
وكذلك إذا اجتهدا في الثَّوْبين والمَكَانَين.
ومنها لو زوج عبدَه حرة وضمن السيد مهرها ثم باعها زوجَها (3) قبل الدخول بها (4) فالبيع باطل؛ لأن صحته تؤدي إلى فساده، إذ لو صح لبطل النكاح؛ لأنها إذا ملكت زوجها بطل نكاحها، وإذا بطل سقط مهرها؛ لأن الفُرقة من جهتها، وإذا سقط مهرُها وهو الثمن بطل البيع (5) والعتق البتة، بل إما أن يصحّ البيع ولا يقع العتق إذ لو وقع العتق لبطل البيع، وإذا بطل بطل العتق؛ فوقوعه يؤدي إلى عدم وقوعه، وهذا قول المزني، وقال ابن سُرَيج: لا يصح بيعه؛ لأنه لو صح لوقع العتق قبله، ووقوع العتق قبله يمنع صحة البيع، فصحة البيع تمنع صِحَّته.
وكذلك لو قال له: "إذا رهنتك فأنت حر قبله بساعة".
وكذلك لو قال لعبيده ولا مال له سواهم وقد أفلس: "إنْ حَجَر الحاكم عليّ فأنتم أحرار قبل الحجر بيوم" لم يصح الحَجْر؛ لأن صحته تمنع صحته.
ومثله لو قال لعبده: "متى صالحت عليك فأنت حر قبل الصلح"، ومثله لو قال لامرأته: "إن صالحت فلانًا وأنتِ امرأتي فأنتِ طالقٌ قبله بساعة" لم يصح الصلح؛ لأن صحته تمنع صحته.
ومثله لو قال لعبده: "متى ضمنتُ عنك صداقَ امرأتك فأنت حرٌّ قبله إن كنت في حال الضمان مملوكي" ثمن ضمن عنه الصداق لم يصح؛ لأنه لو صح لعتق قبله، وإذا عتق [قبله] (6) لم يصادت الضمان شرطه، وهو كونه مملوكه وقت الضمان، وكذلك لا يقع العتق؛ لأن وقوعه يؤدي إلى أن لا يصح الضمان عنه، وإذا لم يصح الضمان [عنه] (6) لم يصح العتق، فكل من الضمان والعتق تؤدي صحتُه إلى بطلانه (7)؛ فلا يصح واحدٌ منهما.
__________
(1) في (ق): "معه".
(2) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(3) في المطبوع: "ثم باعه"، وفي هامش (ق): "يعني اشترى زوجها من سيده".
(4) في (ك) و (ق): "بمهرها".
(5) جاء عندها في (ق): "سقط هنا شيء" والعبارة كما هي في سائر الأصول.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) في (ق): "إبطاله".
(5/204)

ومثله [ما] (1) لو قال: "إن شاركني في هذا العبد شريك فهو حرٌّ قبله بساعة" لم تصح الشركة فيه بعد ذلك؛ لأنها لو صحت لعتق العبد وبطلت الشركة، فصحتها تُفْضي إلى بطلانها (2).
ومثله [ما] (3) لو قال: "إن وكَّلتُ إنسانًا ببيع هذا العبد أو رَهْنِه أو هبته وكالةً صحيحة فهو قَبْلها بساعة حر" لم تصح الوكالة؛ لأن صحتها تؤدي إلى بطلانها.
ومثله [ما] (3) لو قال لامرأته: "إن وكَّلت وكيلًا في طلاقك فأنت طالق قبله أو معه ثلاثًا" لم يصح توكيله في طلاقها؛ إذ لو صحت الوكالة [لطلقت في حال الوكالة أو قبلها، فتبطل الوكالة،] (4) فصحتُها تؤدي إلى بطلانها.
وكذلك لو خلَّف الميت ابنًا، فأقَّر بابن آخر للميت، فقال المُقَر به: "أنا ابنه، وأما أنت فلستَ بابنه" لم يقبل إنكار المقر به؛ لأن قبول قوله يبطل قوله، ومن هاهنا قال الشافعي: لو ترك أخًا لأب وأم فأقرَّ الأخ بابن للميت ثبت نسبه ولم يرث؛ لأنه لو ورث لخرج المُقِر عن أن يكون وارثًا، وإذا لم يكن وارثًا لم يقبل إقراره بوارث آخر، فتوريث الابن يُفْضي إلى عدم توريثه، ونازعه الجمهور في ذلك، وقالوا: إذا ثبت نسبه ترتيب عليه أحكام النسب.
ومنها الميراث، ولا يُفْضي توريثه إلى عدم توريثه؛ لأنه بمجرد الإقرار يثبت النسب ويترتب عليه الميراث والأخ كان وارثًا في الظاهر، فحين أقر كان هو كل الورثة، وإنما خرج عن الميراث بعد الإقرار وثبوت النسب؛ فلم يكن توريث الابن مبطلًا لكون [ابن] (5) المقر وارثًا حين الإقرار، وإن بطل كونه وارثًا بعد الإقرار وثبوت النسب، وأيضًا فالميراث تابع لثبوت النسب، والتابع أضعف من المتبوع، فإذا ثبت المتبوع الأقوى فالتابع أولى، ألا ترى أن النِّساء تقبل شهادتهن منفردات في الولادة ثم في النسب (6)، ونظائر ذلك كثيرة.

[مسائل يفضي ثبوتها إلى إبطالها]
ومن المسائل التي يفضي ثبوتها إلى إبطالها لو أَعْتقت المرأة في مَرَضها عبدًا فتزوَّجها وقيمته تخرج من الثلث صح النكاح ولا ميراث له؛ إذ لو ورثها
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (و).
(2) في (ن) و (ق): "بطلانه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) ما بين المعقوفتين من (ن) فقط.
(6) انظر: "الطرق الحكمية" (78 - ط المكتبة الأثرية).
(5/205)

لبطل تبرعها له بالعتق؛ لأنه يكون تبرعًا لوارث، وإذا بطل العتق بطل النكاح، وإذا بطل بطل الميراث، وكان توريثه يؤدي إلى إبطال توريثه، وهذا [على] (1) أصل الشافعي، وأما على قول الجمهور فلا يبطل ميراثه ولا عتقه ولا نكاحه؛ لأنه حين العتق لم يكن وارثًا، فالتبرع نَزَل في غير وارث، والعتق المنجَّز يتنجز (2) من حينه، ثم صار وارثًا بعد ثبوت عتقه، وذلك لا يضره شيئًا.
ومن ذلك لو أوصى له بابنه، فمات قبل قبول الوصية، وخَلَّف إخوة لأبيه، فقبلوا الوصية، عَتَقَ على الموصى له ولم يصح ميراثه منه؛ إذ لو ورث لأسقط ميراثَ الإخوة، وإذا سقط ميراثُهم بطل قبولهم للوصية، فيبطل عتقه؛ لأنه مرتب على القبول، وكان توريثه مُفْضيًا إلى عدم توريثه.
والصواب قول الجمهور أنه يرث، ولا دَور؛ لأن العتق حصل حال القبول وهم وَرَثة، ثم ترتيب على العتق تابعه وهو الميراث، وذلك بعد القبول، فلم يكن الميراث مع القبول ليلزم (3) الدور، وإنما ترتيب على القبول العتقُ وعلى العتق الميراثُ؛ فهو مترتب عليه بدرجتين.
ومن المسائل التي يُفْضي ثبوتها إلى بطلانها لو زوج عبده امرأةً ولجعل رقبته صداقها لم يصح؛ إذ لو صح لملكته وانفسخ النكاح.
ومنها لو قال لأمته: "متى أكرهتك فأنت حرة حال النكاح أو قبله" فأكرهها على النكاح لم يصح؛ إذ لو صح النكاح عَتَقَت، ولو عتقت بطل إكراهها، فيبطل نكاحها.
ومنها لو قال لامرأته قبل الدخول: "متى استقر مهرك عليّ فأنت طالق قبله ثلاثًا" ثم وطئها لم يستقر مهرها بالوطء؛ لأنه لو استقرّ لبطل النكاح قبله، ولو بطل النكاح قبله لكان المستقر نصفَ المهر لا جميعه؛ فاستقرارُه يؤدي إلى بطلان استقراره، هذا على قول ابن سريج، وأما على قول المُزَني فإنه يستقر المهر بالوطء، ولا يقع الطلاق؛ لأنه مُعَلَّق على صفة تقتضي حكمًا مستحيلًا.

فصل [مسائل يؤدي ثبوتها إلى نفيها]
ومن المسائل التي يؤدي ثبوتُها إلى نفيها لو قال لامرأته: "إن لم أطلّقك
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): " ينجز".
(3) في (ق): "لئلا يلزم".
(5/206)

اليوم فأنت طالق اليوم" ومضى اليوم [ولم يطلقها] (1) لم تطلق؛ إذ لو طلقت بمضي اليوم لكان طلاقها مستندًا إلى وجود الصفة وهي عدم طلاقها اليوم، وإذا مضى اليوم ولم يطلقها لم يقع الطلاق المعلَّق باليوم.
ومنها: [ما] (2) لو تزوج أمَةً [ثم قال لها] (3): "إن مات مولاك وورِثْتُك فأنت طالق" أو قال: "إن ملكتك فأنت طالق" ثم ورثها أو ملكها بغير إرث لا يقع الطلاق؛ إذ لو وقع لم تكن الزوجة في حال وقوعه ملكًا له؛ لاستحالة وقوع الطلاق في ملكه، فكان وقوعه مُفْضيًا إلى عدم وقوعه.
ومنها: [ما] (4) لو كان العبد بين مُوسِرَين فقال كل منهما لصاحبه: "متى أعتقت نصيبك فنصيبي حر قبل ذلك" فأعتق أحدهما نصيبه لم ينفذ عتقه؛ لأنه لو نفذ لوجب عتق نصيب صاحبه قبله، وذلك يوجب السّرَاية إلى نصيبه، فلا يصادف إعتاقه محلًا، فنفوذ عتقه يؤدي إلى عدم نفوذه. والصواب في هذه المسألة بطلان هذا التعليق لتضمنه المحال، وأيهما عتق نصيبه صح وسَرَى إلى نصيب شريكه.
ومنها لو قال لعبده: "إن دَبَّرتك فأنت حر قبله" ثم دَبَّره صح التدبير ولم يقع العتق؛ لأن وقوعه يمنع صحة التدبير، وعدم صحته يمنع وقوع العتق، وكانت صحته تُفْضي إلى بطلانه، هذا على قول المزني، وعلى قول ابن سريج لا يصح التدبير؛ لأنه لو صح لوقع العتق قبله، وذلك يمنع التدبير، وكان وقوعه يمنع وقوعه.
ونظيره أن يقول لمدبَّره: "متى أبطلت تدبيرك فأنت حرٌّ قبله" ثم أبطله بطل ولم يقع العتق. على قول المزني؛ إذ لو وقع لم يصادف إبطال التدبير محلًا، وعلى قول ابن سريج لا يصح إبطال التدبير؛ لأنه لو صَحَّ إبطاله لوقع العتق، ولو وقع العتق لم يصح إبطال التدبير.
ومثله لو قال لمدبره: "إن بعتك فأنت حر قبله" ومثله لو قال لعبده: "إن كاتبتك غدًا فأنت اليوم حر". ثم كاتبه من الغد.
ومثله لو قال لمكاتبه: "إن عجزت عن (5) كتابتك (6) فأنت [حر] (7) قبله".
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين من (ن) و (ق) و (ك).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "فقال لها".
(4) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(5) في (و): "على"، وفي (ق): "عجزتك".
(6) في (ك): "كتابك".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5/207)

ومثله لو قال: "متى زنيتَ أو سرقتَ أو وجبَ عليك حدٌّ وأنت مملوك فأنت حرٌّ قبله" ثم وجد الوصف وجب الحد ولم يقع العتق المعلَّق به؛ إذ لو وقع لم توجد الصفة، فلم يصح، وكان مستلزمًا لعدم وقوعه.
ومثله أو يقول له: "متى جنيتَ جنايةً وأنت مملوكي فأنت حرٌّ قبله" ثم جنى لم يعتق.
ومثله لو قال (1): "متى بعتك وتم البيع فأنت حر قبله" ثم باعه، فعلى قول المزني: يصح البيع ولا يقع العتق؛ لأن وقوعه يستلزم عدم (2) وقوعه، وعلى قول ابن سريج لا يصح البيع؛ لأنه يعتق قبله، وعتقه [له] (3) يمنع صحة بيعه.
ومثله لو قال لأمته: "إن صلَّيتِ ركعتين مكشوفةَ الرأس فأنت حرة قبل ذلك" فصلت مكشوفة الرأس، فعلى قول المزني تصح الصلاة دون العتق، وعلى قول ابن سريج لا تصح الصلاة لأنها لو صحت عتقت قبل ذلك، وإذا عتقت بطلت صلاتها، وكانت صحة صلاتها مستلزمة لبطلانها.
ومنها لو زوَّج أمته بحُرٍّ، وادعى عليه مَهْرَها قبل الدخول، وادعى الزوج الإعسار، وادعى سيدُ الأمة يَسارَه قبل نكاحه (4) الأمة بميراثٍ أو غيره، لم تُسمع دعواه؛ إذ لو ثبتت دعواه لبطل النكاح؛ لأنه لا يصح نكاح الأمة مع وجود الطَّول، وإذا بطل النكاح بطل دعوى المهر.
وكذلك لو تزوج بأمَةٍ فادعت أن الزوج عِنين لم تُسمع دعواها؛ إذ لو ثبتت دعواها لزال خوف العنت الذي هو شرط في نكاح الأمة، وذلك يبطل النكاح، وبطلانه يوجب بطلان الدعوى منها، فلما كانت صحة دعواها تؤدي إلى إفسادها أفسدناها.
وكذلك المرأة إذا اذعَتْ على سيِّد زوجها أنه باعه إياها بمهرها (5) قبل الدخول لم تصح دعواها؛ لأنها لو صحَّت لسقط نصف المهر وبطل البيع في العبد.
وكذلك لو شهد شاهدان على عتق عبد فحُكِمَ بعتقه، ثم ادعى العبدُ بعد
__________
(1) كذا في (ن) و (ق) و (ك)، وفي سائر الأصول: "ومثله: لو أن يقول له".
(2) في (ك) و (ق): "مستلزم لعدم".
(3) ما بين المعقوفتين من (ن) و (ق)، وسقط من سائر الأصول.
(4) في (ق) و (ك): "نكاح".
(5) في (ك): "بمهر".
(5/208)

الحكم بحرِّيته على أحد الشاهدين أنه مملوكه؛ لم تسمع دعواه؛ لأن تحقيقها يؤدي إلى بطلان الشهادة على العتق، فتبطل دعوى ملكه للشاهد.
وكذلك لو سُبِيَ مراهق من أهل الحرب ولم يُعلم بلوغه، فأنكر البلوغ، لم يُستحلف؛ لأن إحلافه يؤدي إلى إبطال استحلافه، فإنا لو حلَّفناه لحكمنا بصغره والحكم بالصغر يمنع الاستحلاف.
ونظيره لو ادعى على مُرَاهق (1) ما يوجب القصاص أو قذفًا يوجب الحد أو مالًا من مبايعة أو ضمان أو غير ذلك، وادَّعى أنه بالغ، وأنه يلزمه الحكم بذلك فأنكر الغلام ذلك، فالقول قوله، ولا يمين عليه؛ إذ لو حلفناه لحكمنا بصغره، والحكم بالصغر يُسْقِطَ اليمين عنه، وإذا لم يكن هنا يمين لم يكن رد يمين؛ لأن رَدَّ اليمين إنما يكونَ عند نكول مَن هو من أهلها.
وكذلك لو أعتق المريض جارية له قيمتها مئة، وتزوَّج بها في مرض موته، ومَهَرَهَا مئة وترك مئتي درهم، فالنكاح صحيحٌ، ولا مَهرَ لها، ولا ميراث، أما الميراث فلأنها لو ورثت لبطلت الوصية بعتقها؛ لأن العتق في المرض وصية، وفي بطلان الوصية بطلان الحرية، وفيها (2) بطلان الميراث. وأما سقوط المهر فلأنه لو ثبت لركب السيدَ دَيْنٌ، ولم تخرج قيمتها من الثلث، فيبطل عتقها كلها، فلم يكن للزوج أن ينكحها وبعضها رقيق؛ فيبطل المهر، فكان ثبوت المهر مؤديًا إلى بطلانه.
فالحكم بإبطالها مستفاد من قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92] فعيَّر تعالى مَنْ نقض شيئًا بعد أن أثبته؛ فدل على أن كل ما كان إثباته مؤديًا إلى نفيه وإبطاله كان باطلًا، فهذا ما احتجَّ به السُّرَيْجِيُّونَ (3).

[الرد على المسألة السريجية]
قال الآخرون: لقد أطلتم الخَطْب في هذه المسألة، ولم تأتوا بطائل، وقلتم ولكن [كم] (4) تركتم مقالًا لقائل، وتأبى قواعد اللغة والشرع والعقل لهذه المسائل
__________
(1) في جميع النسخ: "أم مراهق" وضرب على (أم) في (ق)، وهو الصواب.
(2) في المطبوع و (ك): "وفيه".
(3) في (ك) و (ق): "المسرجون" وفي هامش (ق): "أي أتباع ابن سريج".
(4) ما بين المعقوفتين من (ن) و (ك) و (ق).
(5/209)

تصحيحًا، والميزان العادل لها عند الوزن ترجيحًا، وهيهات أن تكون شريعتنا في هذه المسألة مشابهة لشريعة أهل الكتاب؛ إذ يستحيل وقوعُ الطلاق وتُسَدُّ دونه الأبواب، وهل هذا إلا تغييرٌ لما عُلِمَ بالضرورة من الشريعة (1)، وإلزام لها بالأقوال الشنيعة؟ وهذا أشنع من سد باب النكاح بتصحيح تعليق [وقوع] (2) الطلاق لكل مَنْ تزوجها في مدة عمره (3)؛ فإنه وإن كان نظيره (4) سَدَّ باب الطلاق، لكن قد ذهب إليه بعض السلف، وأما هذه المسألة فمما حدث في الإسلام بعد انقراض الأعصار المفضلة.

[مناقضة السريجية للعقل والشرع واللغة]
ونحن نبين مناقضة هذه المسألة للشرع واللغة والعقل، ثم نجيب عن شبهكم شبهة شبهة.
أما مناقضتها للشرع فإن اللَّه تعالى شرع للأزواج -إذا أرادوا استبدال زوج مكان زوج والتخلص (5) من المرأة- الطلاقَ- وجعله بحكمته ثلاثًا توسعة (6) على الزوج؛ إذ لعله يبدو له ويندم فيراجعها، وهذا من تمام حكمته ورأفته ورحمته بهذه الأمة، ولم يجعل أنكحتهم كأنكحة النصارى تكون المرأة غلًا في عُنُقِ الرجل (7) إلى الموت، ولا يخفى ما بين الشريعتين من التفاوت، وأن هذه المسألة منافية لإحداهما منافاة ظاهرة، ومشتقة من الأخرى اشتقاقًا ظاهرًا، ولكفي هذا الوجه وحده في إبطالها.

[مناقضتها للغة]
وأما مناقضتها للغة فإنها تضمنت كلامًا ينقض بعضه بعضًا، ومضمونه إذا وُجد الشيء لم يوجد، وإذا وجد الشيء اليوم فهو موجود قبل اليوم، وإذا فعلتُ الشيء اليوم فقد وقع مني قبل اليوم، ونحو هذا من الكلام المتناقض في نفسه الذي هو إلى المحال أقرب منه إلى الصحيح من المقال.
__________
(1) قال (د): "في عامة أصول هذا الكتاب: لما علم بالضرورة من الشريف"، وفي (ك): "لما علم اللَّه بالضرورة من الشريعة".
(2) ما بين المعقوفتين من (ن) فقط.
(3) في (ك): "عمر".
(4) في (ك) و (ق): "نظير".
(5) في (ن) و (ك) و (ق): "أو التخلص".
(6) في (و): "توسعًا"، وفي (ك) و (ق): "للزوج" بدل "على الزوج".
(7) في (ن) و (ك) و (ق): "الزوج".
(5/210)

[مناقضتها لقضايا العقول]
وأما مناقضتها لقضايا العقول فلأن الشرط يستحيل أن يتأخر وجوده عن وجود المشروط، ويتقدم المشروط عليه في الوجود، هذا مما لا يُعقل عند أحد من العقلاء؛ فإن رتبة الشرط التقدم أو المقارنة، والفقهاء وسائرُ العقلاء معهم مجمعون على ذلك؛ فلو صح تعليق المشروط بشرطٍ متأخر بعده لكان ذلك إخراجًا له عن كونه شرطًا أو جزء شرط أو علة أو سببًا؛ فإن الحكم لا يسبق شَرْطَه ولا سببه ولا علَّته؛ إذ في ذلك إخراج الشروط والأسباب والعلل عن حقائقها وأحكامها، ولو جاز تقديم الحكم على شرطه لجَازَ تقديم وقوع الطلاق على إيقاعه؛ فإن الإيقاعَ سبب، والأسباب تتقدم مسبباتها، كما أن الشروط رتبتها التقدم؛ فإذا جاز إخراج هذا عن رتبته جاز إخراج الآخر عن رتبته، فجوَّزوا حينئذٍ تقدمَ الطلاق على التطليق والعتق على الإعتاق والملك على البيع، وحِل المنكوحة على عقد النكاح. وهل هذا في الشرعيات إلا بمنزلة تقدم (1) الانكسار على الكَسْر والسيل على المطر والشبع على الأكل والولد على الوطء وأمثال ذلك؟ ولا سيما على أصل منْ يجعل هذه العلل والأسباب علاماتٍ محضةً، ولا تأثير لها، بل هي معرِّفات، والمعرِّف يجوز تأخيره عن المعرَّف (2).
وبهذا يخرج الجواب عن قولكم: إن الشروط الشرعية مُعَرِّفات وأمارات وعلامات، والعلامة يجوز تأخرها؛ فإن هذا وهم وإيهام من وجهين:
أحدهما: أن الفقهاء مجمعون على أن الشرائط الشرعية لا يجوز تأخرها عن المشروط، ولو تأخرت لم تكن شروطًا.

[أنواع الشروط وأحكام أنواعها]
الثاني: أن هذا شرط لغوي كقوله: "إن كلَّمتِ زيدًا فأنت طالق" ونحو ذلك، و"إن خرجت بغير إذني فأنت طالق" ونحو ذلك، والشروط اللغوية أسباب وعلل مقتضية لأحكامها اقتضاء المسببات لأسبابها، ألا ترى أن قوله: "إن دخلت الدار فأنت طالق" سبب ومسبب ومؤثر وأثر، ولهذا يقع جوابًا عن العلة، فإذا قال: "لم أطلقها؟ " قال: لوجود الشرط الذي علقت عليه الطلاق، فلولا أن وجوده مؤثر في الإيقاع لما صح هذا الجواب، ولهذا يصح أن يخرجه بصيغة
__________
(1) في (ق): "تقديم".
(2) في (ك): "العرف".
(5/211)

القسم فيقول: الطلاق يلزمني لا تدخلين الدار؛ فيجعل إلزامه للطلاق في المستقبل مسببًا عن دخولها الدار بالقسم والشرط، وقد غلط في هذا طائفة من الناس حيث قَسَّموا الشرط إلى شرعي ولغوي وعقلي، ثم حكموا عليه بحكم شامل فقالوا: الشرط يجب تقديمه على المشروط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط، ويلزم من انتفائه انتفاء المشروط كالطهارة للصلاة والحياة للعلم. ثم أوردوا على نفسهم (1) الشرطَ اللغوي؛ فإنه يلزم من وجوده وجود المشروط، ولا يلزم من انتفائه انتفاؤه؛ لجواز وقوعه بسبب آخر، ولم يجيبوا عن هذا الإيراد بطائل، والتحقيق أن الشروط اللغوية أسباب عقلية، والسبب إذا تم لزم من وجوده وجود مسببه، وإذا انتفى لم يلزم نفي المسبب مطلقًا؛ لجواز خلف سبب آخر، بل يلزم انتفاء السبب المعين عن هذا المسبب (2).
وأما قولكم: "إنه صَدَرَ من هذا الزوج طلاقان مُنَجز ومُعَلق، والمحل قابل لهما" فجوابه بالمنع، فإن المحل ليس بقابل للمعلق؛ فإنه يتضمن المحال، والمحل لا يقبل المحال، نعم هو قابل للمنجز وحده، فلا مانع من وقوعه، وكيف تصح دعواكم أن المحلَّ قابل للمعلق، ومنازعكم إنما نازَعَكم فيه، وقال: ليس المحل بقابل للمعلق، فجعلتم نفس الدعوى مقدمة في الدليل.
وقولكم: "إن الزوج ممن يملك التنجيز والتعليق" جوابه أنه إنما يملك (3) التعليق الممكن، فأما التعليق المستحيل فلم يملكه شرعًا ولا عرفًا ولا عادةً، وقولكم: "لا مزية لأحدهما على الآخر" باطلٌ، بل المزية كل المزية لأحدهما على الآخر؛ فإن المنجَّزَ له مزية الإمكان في نفسه، والمعلق له مزية الاستحالة والامتناع، فلم يتمانعا ولم يتساقطا، فلم يمنع من وقوع المنجز مانعٌ (4)، وقولكم: "إنه نظير ما لو تزوج أختين في عقد" جوابه أنه تنظير باطل؛ فإنه ليس نكاح إحداهما شرطًا في نكاح الأخرى، بخلاف مسألتنا، فإن المنجز شرط في وقوع المعلق، وذلك عين المحال.
وقولكم: "إنه لا مزية لأحد الطلاقين على الآخر" باطل، [بل للمنجز مزية] (5) من عدة وجوه:
__________
(1) في (ق): "نفوسهم".
(2) في (ق): "السبب".
(3) في (ك) و (ق): "ملك".
(4) سقط من (ك).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(5/212)

أحدها: قول التنجيز على التعليق.
الثاني: أن التنجيز لا خلاف في وقوع الطلاق به.
وأما التعليق ففيه نزاع مشهور بين الفقهاء (1)، والموقِعُون لم يقيموا (2) على المانعين حجةً توجب المصير إليها مع تناقضهم فيما يَقْبل التعليق وما لا يقبله، فمنازعوهم يقولون: الطلاق لا يقبل التعليق كما قلتم أنتم في الإسقاط والوقف والنكاح والبيع، ولم يفرق هؤلاء بفرقِ صحيح، وليس الغرض ذكر تناقضهم، بل الغرض أن للمنجَّز مزية على المعلَّق.
الثالث: أن المشروط هو المقصود لذاته والشرط تابع ووسيلة.
الرابع: أن المنجز لا مانع من وقوعه لأهلية الفاعل وقبول المحل، والتعليق المحال لا يصلح أن يكون مانعًا من اقتضاءِ السببِ الصحيح أثره.
الخامس: أن صحة التعليق فرع على ملك التنجيز، فإذا انتفى ملكه للمنجز في هذه المسألة انتفى صحة التعليق، فصحة التعليق تمنع من صحته، وهذه معارضة صحيحة في أصل المسألة فتأملها.
السادس: أنه لو قال في مرضه: "إذا أعتقتُ سالمًا فغانمٌ حرٌّ" ثم أعتق سالمًا ولا يخرجان من الثلث قدم المُعْتَق (3) المنجَّز على المعلق لقوته؛ يوضحه:
الوجه السابع: أنه لو قال لغيره: "ادخل الدار فإذا دخلت [فقد] (4) أخرجتك" وهو نظيره في القوة؛ فإذا دخل لم يمكنه إخراجه، وهذا المثال وزان
__________
(1) قال أبو حنيفة والشافعي: لا يقع إلا عند مجيء الأجل، وعن مالك روايتان، والراجح أن الطلاق يقع إذا جاء الأجل.
انظر للحنفية: "مختصر الطحاوي" (198 - 199)، "المبسوط" (6/ 114)، "مختصر اختلاف العلماء" (2/ 438 رقم 949)، "بدائع الصنائع" (5/ 91).
وللشافعية "الأم" (5/ 184)، "حلية العلماء" (7/ 91)، "إخلاص الناوي" (3/ 215).
وللمالكية: "المدونة" (2/ 375، 389 - ط دار صادر)، "التفريع" (2/ 83 - 84)، "الكافي" (226 - 227)، "المعونة" (2/ 844)، "جامع الأمهات" (ص 300)، "حاشية الصاوي على الشرح الصغير" (1/ 348)، "الخرشي" (4/ 54)، "الإشراف" (3/ 432 رقم 1247) وتعليقي عليه. و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (33/ 44 - 46)، "السنن الكبرى" (7/ 356) للبيهقي و"الدرة المضية" (13 - 16) للسبكي.
(2) في (ق): "يجيئوا".
(3) في (د)، و (ط) و (ك) و (ق): "قدم عتق".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5/213)

مسألتنا، فإن المعلق هو الإخراج والمنجز هو الدخول.
الثامن: أن المنجز في حيز الإمكان والمعلق قد قارنه ما جعله مستحيلًا.
التاسع: أن وقوع المنجز يتوقف على أمر واحد وهو التكلم باللفظ [اختيارًا، ووقوع المعلق يتوقف على التكلم باللفظ،] (1) ووجودِ الشرط، وما توقف على شيء (2) واحد أقرب وجودًا مما توقف على أمرين.
العاشر: أن وقوع المنجز موافق لتصرف الشارع وملك المالك، ووقوعُ المعلق بخلافه؛ لأن الزوج لم يملكه الشارع ذلك.
فهذه عشرة أوجه تدل على مزية المنجز وتبطل قولكم إنه لا مزية له، واللَّه أعلم.

فصل [عود إلى صور الدور التي يفضي ثبوتها إلى إبطالها]
وأما سائر الصور التي ذكرتموها من صُوَر الدَّوْر التي يُفضِي ثبوتها إلى إبطالها فمنها ما هو ممنوع الحكم لا يسلّمه لكم منازعكم، وإنما هي مسائل مذهبية يحتج لها ولا يحتج بها، وهم يفكون الدور تارة بوقوع الحُكْمين معًا وعدم إبطال أحدهما للآخر ويجعلونهما معلولَيْ علة واحدة ولا دَوْر، وتارة يسبق (3) أحد الحكمين للآخر سبق السبب لمسببه ثم يترتب الآخر عليه، ومنها ما هو مسلم الحكم وثبوت الشيء فيه يقتضي إبطاله.
ولكن هذا حجة لهم في إبطال هذا التعليق؛ فإنه لو صح لأفضى ثبوته إلى بُطْلانه، فإنه لو صح لزم منه وقوع طَلْقة مسبوقة بثلاث، وسَبْقها بثلاث يمنع وقوعها، فبطل (4) التعليق من أصله [للزوم المحال] (5)؛ فهذه الصور التي استشهدتم بها من أقوى حججهم [عليكم] (6) على بطلان التعليق.
وأدلتكم في هذه المسألة نوعان: أدلة صحيحة وهي إنما تقتضي (7) بطلان التعليق.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) في (ق): "شرط".
(3) في (ق) و (ك): "سبق".
(4) في (ك): "فيبطل".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق) و (ن).
(7) في (ك): "تفضي إلى".
(5/214)

[أدلتهم التي تقتضي بطلان المنجز]
وأما الأدلة التي تقتضي بطلان المنجز فليس منها دليل صحيح؛ فإنه طلاق صَدَر من أهله في محله؛ فوجب الحكم بوقوعه؛ أما أهلية المطلِّق فلأنَّه زوج مكلف مختار، وأما محلية المطلقة فلأنها زوجة والنكاحُ صحيحٌ فتدخل (1) في قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] وفي سائر نصوص الطلاق؛ إذ لو لم يلحقها (2) طلاقٌ لزم واحد من ثلاثة، وكلها منتفية:
• إما عدم أهلية المطلِّق.
• وإما عدم قبول المحلّ.
• وإما قيامُ مانعٍ يمنع من نفوذ الطلاق، والمانعُ مفقودٌ؛ إذ ليس مع مدعي قيامه إلا التعليق المحال الباطل شرعًا وعقلًا، وذلك لا يصح أن يكون مانعًا.
يوضِّحه: أن المانع من اقتضاء السبب لمسببه إنما هو وصف ثابت يعارض سببيته فيوقفها عن اقتضائها، فأما المستحيل فلا يصح أن يكون مانعًا معارضًا للوصف الثابت، وهذا في غاية الوضوح، وللَّه الحمد.

فصل [رد السريجيين]
قال السريجيون (3): لقد ارتقيتم مرتَقًى صعبًا، وأسأتم الظن بمن قال بهذه المسألة وهم أئمة علماء لا يُشَقّ غبارُهم، ولا تُغْمَز قناتُهم، كيف وقد أخذوها من نص الشافعي رحمه اللَّه تعالى، وبَنَوْها على أصوله، ونَظّرُوا لها النظائر، وأتوا لها بالشواهد؟ فنص الشافعي على أنه إذا قال: "أنت طالق قبل موتي بشهر" ثم مات لأكثر من شهر بعد هذا التعليق؛ وقع الطلاق قبل موته بشهر وهذا إيقاعُ طلاقٍ في زمن ماض سابق لوجود الشرط وهو موته، فإذا وجد الشرط تبيَّنا وقوع الطلاق قبله، وإيضاح ذلك بإخراج الكلام يخرج الشرط، كقوله: "إن مت -أو إذا متُّ- فأنت طالق قبل موتي بشهر" ونحن نلزمكم بهذه المسألة على هذا الأصل، فإنكم
__________
(1) في المطبوع: "فيدخل".
(2) في (ق): "يلحق".
(3) في (ك) و (ق): "المسرجون" وفي هامش (ق): "أي أتباع ابن سريج".
(5/215)

موافقون عليه، وكذا قوله قبل دخوله: "أنت طالق طلقة قبلها طلقة" فإنه يقع بها طلقتان وإحداهما وقعت في زمن ماض سابق على التطليق، وبهذا خرج الجواب عن قوله: "إن الوقوعَ كما لم يسبق الإيقاع فلا يسبق الطلاقُ التطليق فكذا لا يسبق شرطُه فإن الحكم لا يتقدم عليه، ويجوز تقدمُه على شرطه وأحد سببيه أو أسبابه" فإن الشرط مُعَرِّف محض، ولا يمتنع تقديم المعرف عليه، وأما تقديمه على أحد سببيه فكتقديم الكفارة على الحِنْث بعد اليمين، وتقديم الزكاة على الحول بعد ملك النصاب، وتقديم الكفارة على الجرح قبل الزهوق، ونظائره.
وأما قولكم: "إن الشرط يجب تقدمه (1) على المشروط" فممنوعٌ بل مُقتضى الشرط (2) توقفُ المشروطِ على وجوده، وأنه لا يوجد بدونه، وليس مقتضاه تأخر المشروط عنه، وهذا يتعلق باللغة والعقل والشرع، ولا سبيل لكم إلى نص عن أهل اللغة في ذلك ولا إلى دليل شرعي ولا عقلي، فدعواه غير مسموعة، ونحن لا ننكر أن من الشروط ما يتقدم مشروطَه، ولكن دعوى أن ذلك حقيقة الشرط وأنه إن لم يتقدم خرج عن أن يكون شرطًا دعوى لا دليل عليها، وحتى لو جاء عن أهل اللغة ذلك لم يلزم مثله في الأحكام الشرعية؛ لأن الشروط في كلامهم تتعلق بالأفعال كقوله: "إن رزتني أكرمتك" و"إذا طلعت الشمس جئتك" فيقتضي الشرط ارتباطًا بين الأول والثاني: فلا يتقدم المتأخر ولا يتأخر المتقدم، وأما الأحكام فتقبل التقدم والتأخر والانتقال، كما لو قال: "إذا متُّ فأنت طالق قبل موتي بشهر" ومعلوم أنه لو قال مثل هذا في الحسيات كان محالًا، فلو قال: "إذا زُرْتني أكرمتك قبل أن تزورني بشهر" كان محالًا، إلا أن يحمل كلامه على معنى صحيح، وهو إذا أردت أو عزمت على زيارتي أكرمتك قبلها.
وسر المسألة: أن نقَل الحقائق عن مواضعها ممتنعٌ، والأحكام قابلة للنقل والتحويل والتقديم والتأخير، ولهذا لو قال: "أعْتِق عبدك عني" ففعل؛ وقع العتق عن القائل، وجعل الملك متقدمًا على العتق (3) حكمًا، وإن لم يتقدم عليه حقيقة.
وقولكم: "يلزمنا تجويز تقديم الطلاق على التطليق" فذلك غيرُ لازمٍ؛ فإنه إنما يقع بإيقاعه؛ فلا يسبق إيقاعه، بخلاف الشرط، فإنه لا يوجب وجود
__________
(1) في المطبوع: "تقديمه".
(2) في المطبوع: "الشرع".
(3) في (ك): "الملك".
(5/216)

المشروط، وإنما يرتبط به، والارتباط أعم من السابق والمقارن والمتأخر، والأعم لا يستلزم الأخص.
ونكتة الفرق: أن الإيقاع موجِبٌ للوقوع؛ فلا يجوز أن يسبقه أثره وموجبه، والشرط علامة على المشروط؛ فيجوز أن يكون قبله وبعده، فوِزانُ الشرط وزِانُ الدليل، ووزانُ الإيقاع وزانُ العلة، فافترقا.
وأما قولكم: "إن هذا التعليق يتضمن المُحَالَ إلى آخره" فجوابه أن هذا التعليق تضمن شرطًا ومشروطًا، وقد تعقد القضية الشرطية في ذلك للوقوع، وقد تعقد للإبطال؛ فلا يوجد فيها الشرط ولا الجزاء، بل تعليق (1) ممتنع بممتنع، فتصدق الشرطية وإن انتفى كلٌّ من جزئيها، كما تقول: "لو كان مع اللَّه إلهٌ آخر لفسد العالم"، وكما في قوله: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [المائدة: 116] ومعلوم أنه لم يقله ولم يعلمه اللَّه، وهكذا قوله: "إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا" فقضيةٌ عقدت لامتناع وقوع طرفيها، وهما المنجز والمعلق.

[طلاقان يسبق أحدهما الآخر]
ثم نذكر في ذلك قياسًا [آخر] (2) حَرَّره الشيخ أبو إسحاق رحمه اللَّه تعالى، فقال: طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر؛ فوجب أن ينفي السابقُ منهما المتأخر. نظيره أن يقول لامرأته: "إن قَدِم زيد فأنت طالق ثلاثًا (3)، وإن قدم عمرو (4) فأنت طالقٌ طلقة، فقدم زيد بُكرةً وعمرو عشيةً (5). ونكتة المسألة أنَّا لو أوقعنا الطلاق المباشر لزمنا أن نوقع قبله ثلاثًا ولو أوقعنا قبله ثلاثًا لامتنع وقوعه في نفسه؛ فقد أدى الحكم بوقوعه إلى الحكم بعدم وقوعه، فلا يقع.

[عود إلى رد السُّريجيين]
وقولكم: "إن هذه اليمين تُفْضِي إلى سد باب الطلاق، وذلك تغيير [لشرع اللَّه] (6)؛ فإن اللَّه مَلكَ الزوجَ الطلاق رحمة به -إلى آخره" جوابه أن هذا ليس فيه تغيير للشرع، وإنما هو إتيانٌ بالسبب الذي ضيَّق به على نفسه ما وسعه اللَّه عليه، وهو هذه اليمين، وهذا ليس تغييرًا للشرع. ألا ترى أن اللَّه تعالى وَسَّع عليه
__________
(1) في (ق) و (ك): "تعلق".
(2) سقط من (ق).
(3) في (ن) و (ق): "فأنت طالق قبله ثلاثًا".
(4) في (ك) و (ق): "عمر".
(5) انظر: "المهذب" (2/ 92 - 93).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5/217)

أمر الطلاق فجعله واحدة بعد واحدة ثلاث مرات لئلا يندم، فإذا ضيق على نفسه وأوقعها بفمٍ واحدٍ حصر نفسه وضيّق عليها ومنعها ما كان حلالًا لها، وربما لم يبق له سبيل إلى عَوْدها إليه، ولذلك جعل اللَّه تعالى الطلاق إلى الرجال، ولم يجعل للنساء فيه حظًا؛ لنقصان عقولهن وأديانهن، فلو جعله إليهن لكان فيه فسادُ كبيرٌ تأباه حكمة الرب تعالى ورحمته بعباده، فكانت المرأة لا تشاء أن تستبدل بالزوج إلا استبدلت به، بخلاف الرجال؛ فإنهم أكمل عقولًا وأثبت، فلا يستبدل بالزوجة إلا إذا عِيلَ صبره، ثم إن الزوج (1) قد يجعل طلاق امرأته (2) بيدها، بأن يملّكها ذلك أو يحلف عليها أن (3) لا تفعل كذا، فتختار طلاقه متى شاءت، ويبقى الطلاق بيدها، وليس في هذا تغيير للشرع؛ لأنه هو الذي ألزم نفسه هذا الحرج بيمينه وتمليكه، ونظير هذا ما قاله فقهاء الكوفة قديمًا وحديثًا: إنه لو قال: "كل امرأة أتزوجها فهي طالق" لم يمكنه أن يتزوج بعد ذلك امرأة، حتى قيل: إن أهل الكوفة أطبقوا (4) على هذا القول، ولم يكن [في] (5) ذلك تغيير للشريعة؛ فإنه هو الذي ضيَّق على نفسه ما وَسَّع اللَّه عليه، ونظير هذا لو قال: "كل عبد وأمة أملكهما فهما حُرَّان" لم يكن [له] (5) سبيل بعد هذا إلى ملك رقيق أصلًا، وليس في هذا تغيير للشرع، بل هو المضيق على نفسه، والضيق والحرج الذي يُدْخِله المكلف على نفسه لا يلزم أن يكون الشارع قد شَرَعه له، وإن ألزمه به بعد أن ألزم نفسه، ألا ترى أن مَنْ كان معه ألف دينار فاشترى بها جارية فأولدها ثم ساءت العشرة بينهما لم يبق له طريق إلى الاستبدال بها، وعليه ضررٌ في إعتاقها أو تزويجها أو إمساكها ولا بد له من أحَدِها.
ثم نقول في معارضة ما ذكرتم: قد (6) يكون في هذه اليمين مصلحة له وغرض صحيح، بأن يكون محبًا لزوجته شديدَ الإلفِ بها، وهو مشفقٌ من أن ينزغ الشيطان بينهما فيقع منه طلاقها من غضبة أو موجدة، أو يحلف يمينًا بالطلاق أو يُبْلَى بمن يستحلفه بالطلاق ويضطر إلى الحنث، أو يُبْلَى بظالم يكرهه على الطلاق ويرفعه إلى حاكم ينفذه، أو يُبْلَى بشاهدَيْ زورٍ يشهدان عليه بالطلاق، وفي ذلك ضرر عظيم به، وكان من محاسن الشريعة أن يُجعل له طريقًا إلى الأمن من ذلك كله، ولا طريق أحسن من هذه؛ فلا ينكر من محاسن هذه الشريعة الكاملة أن
__________
(1) في (ك): "الرجل".
(2) في (ق): "المرأة".
(3) في (ق): "فإن".
(4) في (ق): "اتفقوا".
(5) سقط من (ق).
(6) في المطبوع: "بل".
(5/218)

تأتي بمثل ذلك، ونحن لا ننكر أن في ذلك نوع ضرر عليه، لكن رأى احتماله لدفع ضرر الفراق الذي هو أعظم من ضرر البقاء، وما يُنكر في الشريعة من دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما؟

فصل [الجواب على شبه أصحاب الحيلة السريجية]
قال الموقّعون: لقد دعوتم الشُّبَهَ الجَفَلَى (1) إلى وليمة هذه المسألة، فلم تَدَعُوا منها داعيًا ولا مجيبًا، واجتهدتم في تقريرها ظانين إصابةَ الاجتهاد، وليس كل مجتهد مصيبًا، ونثرتم عليها ما لا يصلح مثلها (2) للنثار، وزيّنتموها بأنواع الحلي، ولكنه حُلىٌّ مستعار؛ فإذا استردت العارية زال الالتباس والاشتباه، وهناك (تسمع بالمُعَيْدِيِّ خير من أن تراه) (3).
فأما قولكم: "أنا ارتقينا مرتقى صعبًا، وأسأنا الظن بمن قال بهذه المسألة" فإن أردتم بإساءة الظن بهم تأثيمًا أو تبديعًا فمعاذ اللَّه! بل أنتم أسأتم بنا الظن، وإن أردتم بإساءة الظن أنَّا لم نصوبهم في هذه المسألة، ورأينا الصواب في خلافهم فيها؛ فهذا قدر مشترك بيننا وبينكم في كل ما تَنَازَعْنا فيه، بل سائر المتنازعين بهذه المثابة، وقد صرح الأربعة الأئمة (4) بأن الحق في واحد من الأقوال المختلفة، وليست كلها صوابًا (5).
__________
(1) قال (و): "الجفلى: أي دعاها بجماعتها وعافتها"، ونحوه في (ط) وزاد: "وقد أخذ هذا التعبير من قول الشاعر:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآداب فينا ينتقر"
قلت: وانظر: "لسان العرب" (1/ 643).
(2) في (د) و (ك) و (ق): "مثله".
(3) مثل يضرب فيمن شهر ذكره، وتزدري مرآته.
ومعيدي: تصغير مَعَدِّي -بفتح الميم والعين وكسر الدال مع تشديدها-" (و).
وانظر: "جمهرة الأمثال" (1/ 266)، "الأمثال" (9) للضبي، "الفاخر" (65)، "فصل المقال" (121) "مجمع الأمثال" (1/ 86)، "المستصفى" (148) "اللسان" (معد).
(4) في (ق): "الأئمة الأربعة".
(5) وهذا هو الحق، فالمجتهدون منهم المصيب وله أجران، ومنهم المخطئ, وله أجر واحد، فالحق أن الحق واحد لا يتعدد، وانظر هذه المسألة في "الإحكام في أصول الأحكام" (4/ 189)، و"المستصفى" (2/ 363)، و"المحصول" (6/ 33 - 65)،=
(5/219)

وأما قولكم: "إن هذه المسألة مأخوذة من نص الشافعي" فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنها لو كانت منصوصة له فقوله بمنزلة قول غيره من الأئمة يحتج له ولا يحتج به، وقد نازعه الجمهور فيها، والحجة تفصل ما بين المتنازعين.
الثاني: أن الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه لم ينصَّ عليها ولا على ما يستلزمها.
وغاية ما ذكرتم نصه على صحة قوله: "أنت طالق قبل موتي بشهر" (1) فإذا مات لأكثر من شهر من وقت هذا التعليق تبينَّا وقوع الطلاق، وهذا [قد] (2) وافقه عليه مَنْ يبطل هذه المسألة، وليس فيه ما يدل على صحة هذه المسألة ولا هو نظيرها، وليس فيه سبق الطلاق لشرطه، ولا هو متضمن للمُحَال؛ إذ حقيقتُه؛ إذا بَقي من حياتي شهر فأنت طالق.
وهذا الكلام معقول غير متناقض ليس فيه تقديم الطلاق على زمن التطليق ولا على شرط وقوعه، وإنما نظير المسألة المتنازع فيها أن يقول: "إذا مت فأنت طالق قبل موتي بشهر" وهذا المحال بعينه، وهو نظير قوله: "إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا" أو يقول: "أنت طالق عامَ الأول" فمسألة الشافعي شيء ومسألة ابن سريج شيء، ويدل عليه أن الشافعي إنما أوقع عليه الطلاق إذا مات لأكثر من شهر من حين التعليق؛ فلو مات عقيب اليمين لم تطلق، وكانت بمنزلة قوله: "أنت طالق في الشهر الماضي" وبمنزلة قوله: "أنت طالق قبل أن أنكحك" فإن كلا الوقتين ليس بقابل للطلاق؛ لأنها في أحدهما لم تكن محلًا، وفي الثاني لم تكن فيه طالقًا قطعًا، فقوله: "أنت طالق في وقت قد مضى" ولم تكن فيه طالقًا إما إخبارٌ كاذب أو إنشاءٌ باطل، وقد قيل: يقعُ عليه الطلاق ويلغو قوله: "أمس" لأنه أتى بلفظ الطلاق ثم وَصَلَ به ما يمنع وقوعه أو يرفعه فلا يصح (3) ويقع لغوًا، وكذلك قوله: "أنت طالق طلقة قبلها طلقة" ليس فيه إيقاع
__________
= و"الإحكام" (5/ 70) لابن حزم، و"روضة الناظر" (ص 324 - 334)، و"المسودة" (ص 497 - 506)، و"شرح اللمع" (43/ 102)، و"البحر المحيط" (6/ 241 - 253)، و"إرشاد الفحول" (ص 260 - دار الفكر).
(1) انظر: "الأم" (5/ 198) و"معرفة السنن" (11/ 67 - 68)، و"مغني المحتاج" (3/ 302، 333، 334)، و"المهذب" (2/ 86).
(2) سقط من (ق).
(3) كذا في (ن) و (ق) و (ك) وفي سائر النسخ: "فلا يصلح".
(5/220)

الطلقة (1) الموصوفة بالقَبْلية في الزمن الماضي ولا تقدمها على الإيقاع، وإنما فيه إيقاع طلقتين إحداهما قبل الأخرى؛ فمن ضرورة قوله: "قبلها طلقة" إيقاعُ هذه السابقة أولًا ثم إيقاع الثانية بعدها؛ فالطلقتان إنما وقعتا بقوله: "أنت طالق" لم تتقدم إحداهما على زمن الإيقاع، وإن تقدمت على الأخرى تقديرًا، فأين هذا من التعليق المستحيل؟ فإن أبيتم وقلتم: قد وصل (2) الطلقة المنجّزة بتقدّم مثلها عليها، والسبب هو قوله: أنت طالق؛ فقد تقدم وقوع الطلقة المعلَّقة بالقَبْلية على المنجزة، ولما كان هذا نكاحًا صح، وهكذا قوله: "إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبلها ثلاثًا" أكثَرُ ما فيه تقدم الطلاقِ السابق على المنجز، ولكن المحل لا يحتملهما؛ فتدافعا وبقيت الزوجية بحالها، ولهذا لو قال: "إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قَبْله واحدة" صح لاحتمال المحل لهما.
فالجواب أنه أوقع طلقتين واحدة قبل واحدة، ولم تسبق إحداهما إيقاعه، ولم يتقدم شرط الإيقاع؛ فلا محذور، وهو كما لو قال: "بعدها طلقة، أو معها طلقة" وكأنه قال: "أنت طالق طلقتين معًا، أو واحدة (3) بعد واحدة" ويلزم من تأخر واحدة (4) عن الأخرى سبق إحداهما للأخرى، فلا إحالة، أما وقوع طلقة مسبوقة بثلاث فهو محال وقَصْدُه باطل، والتعبير عنه إن كان خبرًا فهو كذبٌ، وإن كان إنشاءً فهو منكرٌ؛ فالتكلّمُ به منكرٌ من القول وزور (5) في إخباره، منكر في إنشائه، وأما كون المعلق تمام الثلاث فههنا لمنازعيكم قولان تقدم حكايتهما وهما وجهان في مذهب أحمد (6) والشافعي رضي اللَّه عنهما (7):
أحدهما: يصح هذا التعليق ويقع المنجز والمعلق، وتصير المسألة على وزان ما نص عليه الشافعي من قوله: "إذا مات زيد فأنت طالق قبله بشهر" فمات بعد شهر، فهكذا إذا قال: "إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله واحدة" ثم مضى زمن تمكن فيه القَبْلية ثم طلقها تبينَّا وقوع المعلق في ذلك الزمان وهو متأخر عن الإيقاع؛ فكأنه قال: "أنت طالق في الوقت السابق على تنجيز الطلاق أو وقوعه معلقًا" فهو تطليق في زمن متأخر.
__________
(1) في (ق): "للطلقة".
(2) في (ك) و (ق): "وصف".
(3) في (ك) و (ق): "وواحدة".
(4) في (د): "واحدًا".
(5) في (ق): "وزور زور".
(6) "المغني" (7/ 164)،"كشاف القناع" (5/ 333).
(7) انظر ما مضى قريبًا.
(5/221)

والقول الثاني: أن هذا محال أيضًا، ولا يقع المعلق؛ إذ حقيقته أنت طالق في الزمن السابق على تطليقك تنجيزًا أو تعليقًا فيعود إلى (1) سبق الطلاق للتطليق، وسبق الوقوع للإيقاع (2)، وهو حكمٌ بتقديم (3) المعلول على علَّته.
يوضحه أن قوله: "إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله" إما أن يريد طالق قبله بهذا الإيقاع أو بإيقاعٍ متقدم. والثاني ممتنع، لأنه لم يسبق هذا الكلام منه شيء. والثاني لأنه يتضمن (4): "أنت طالق قبل أن أطلقك" وهذا عين المحال. فهذا كشف حجاب هذه المسألة وسر مأخذها، وقد تبين أن مسألة الشافعي هذه لون وهي لون آخر (5).
وأما قولكم: "إن الحُكمَ لا يجوز تقدمه على علّته، ويجوز تقدمه على شرطه (6) كما يجوز تقدمه على أحد سببيه -إلى آخره" فجوابه أن الشرط إما أن يوجد جزءًا من المُقْتضى أو يوجد خارجًا عنه، وهما قولان للنُّظار، والنزاع لَفْظِيٌّ؛ فإن أريد بالمقتضى التام فالشرط جزءٌ منه، وإن أريد به المقتضى الذي يتوقف اقتضاؤه على وجود شرط وعدم مانعه فالشرطُ ليس جزءًا منه، ولكن اقتضاؤه يتوقف عليه، والطريقة الثانية طريقة القائلين بتخصيص العلة، والأولى (7) طريقة المانعين من التخصيص، وعلى التقديرين فيمتنع تأخر الشرط عن وقوع المشروط؛ لأنه يستلزم وقوع الحكم بدون سببه التام؛ فإن الشرط إن كان جزءًا من المقتضى فظاهرٌ، وإن كان شرطًا لاقتضائه فالمعقق على الشرط [لا] (8) يوجد (9) عند عدمه، وإلا لم يكن شرطًا؛ فإنه لو كان يوجد بدونه لم يكن شرطًا، فلو ثبت الحكم قبله لثبت بدون سببه التام، فإن سببه لا يتم إلا بالشرط، فعاد الأمر إلى سبق الأثر لمؤثره والمعلول لعلته، وهذا محال، ولهذا لما لم يكن لكم حيلةَ في دَفْعه وعلمتم لزومه فررتم إلى ما لا يُجْدِي عليكم شيئًا، وهو جَعلُ
__________
(1) في (ن) و (ق): "على".
(2) في (ق): "الإيقاع للوقوع".
(3) في (ك) و (ق): "بتقدم".
(4) كذا في (ن) و (ق) و (ك)، وفي سائر النسخ: "والثاني كذلك؛ لأنه لا يتضمن".
(5) كذا في (ن) و (ق) و (ك). وفي سائر النسخ: "أن مسألة الشافعي لون وهذه لون آخر".
(6) في (ن): "على أحد شرطه"، وفي (ق): "على أحد شرطيه".
(7) في (ك) و (ق): "الأول".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك)، وفي هامش (ق): "لعله: لا".
(9) في (ك): "يوجده".
(5/222)

الشرط مجرد علامة ودليل ومعرِّف، وهذا إخراج للشرط عن كونه شرطًا وإبطال لحقيقته؛ فإن العلامة والدليل والمعرف ليست شروطًا في المدلول المعرَّف، ولا يلزم من نفيها نفيه، فإن الشيء يثبت بدون علامةٍ ومعرِّف له، والمشروط ينتفي لانتفاء شرطه وإن لم يوجد لوجوده. وكل العقلاء متفقون على الفرق بين الشرط والأمارة المَحْضَة وأن حقيقة أحدهما وحكمه دون حقيقة الآخر وحكمه، وإن كان قد يقال: إن العلامة شرط في العلم بالمعلم والدليل شرط في العلم بالمدلول، فذاك أمر وراء الشرط في الوجود الخارجي، فهذا شيء وذاك (1) شيءٌ آخر، وهذا حقٌّ، ولهذا ينتفي العلم بالمدلول عند انتفاء دليله، ولكن هل يقول أحد: إن المدلول ينتفي لانتفاء دليله؟
فإن قيل: نعم، قد قاله غير واحد، وهو انتفاء الحكم الشرعي لانتفاء دليله.
قيل: نعم فإن الحكم الشرعي لا يثبت بدون دليله، فدليلُه موجِبٌ لثبوته، فإذا انتفى الموجِب انتفى الموجَب، ولهذا [يقال:] (2) لا موجِبَ فلا موجَبَ، أما شرط (3) اقتضاء السبب لحكمه فلا يجوز اقتضاؤه بدون شرطه، ولو تأخر الشرط عنه لكان مقتضيًا بدون شرطه، وذلك يستلزم إخراج الشرط عن حقيقته، وهو محال.
وأما تقديم الحكم على أحد سببيه في الصورة التي ذكرتموها على إحدى الطريقتين، أو تقديمه على شرط بعد وجود سببه على الطريقة الأخرى؛ فالتنظير به مَغْلَطة (4)؛ فإن الحكم لم يتقدم على سببه ولا شرطه، وهذا محال، وإن وقع تسامحٌ في عبارة الفقهاء، فإن انقضاء الحول مثلًا والحنثُ والموتُ بعد الجرح شرطٌ للوجوب (5)، ونحن لم نقدِّم الوجوبَ على شرطه ولا سببه، وإنما قدَّمنا فعلَ الواجب. والفرق بين تقدم الحكم بالوجوب، وبين تقدم أداء الواجب، فظهر أن هذا وهم أو إيهام (6)، وقد ظهر أن تقديمَ شَرْط علة الحكم وموجبه على (7) الحكم أمرٌ ثابت عقلًا وشرعًا، ونحن لم نأخذ ذلك عن نصِّ أهل اللغة حتى تطالبونا بنقله، بل ذلك أمر ثابت لذات الشرط وحكم من أحكامه. وليس ذلك متلقَّى من [أهل] (8)
__________
(1) كذا في (ن)، وفي غيرها: "وذلك".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق): "لشرط" بدل "أما شرط".
(4) في (ق): "مغالطة".
(5) في (ق): "بشرط الوجوب".
(6) في (ن) و (ك) و (ق): "وهم وإيهام".
(7) في (ق): "وموجب علة الحكم".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك).
(5/223)

اللغة، بل هو ثابت في نفس الأمر لا يختلف بتقدم لفظ (1) ولا تأخره، حتى لو قال: "أنتِ طالقٌ إن دخلت الدار" أو قال: "يبعثك اللَّه إذا متِّ" أو (2) "تجب عليك الصلاة إذا دخل وقتها" ونحو ذلك فالشرط متقدم عقلًا وطبعًا وشرعًا وإن تأخر لفظًا.
وأما قولكم: "إن الأحكام تقبل النقل عن مواضعها فتتقدم وتتأخر" فتطويلٌ بلا تحصيل، وتهويل بلا تفصيل، فهل تقبل النقل عن ترتيبها على (3) أسبابها وموجباتها بحيث يثبت الحكم بدون سببه ومقتضيه؟ نعم قد يتقدم ويتأخر وينتقل لقيام سبب آخر يقتضي ذلك فيكون مرتبًا على سببه الثاني بعد انتقاله كما كان مرتبًا على الأول قبل انتقاله، وفي كل من الموضعين هو مرتب (4) على سببه هذا في حكمه وذاك في محله، وأما تنظيركم بنقل الأحكام وتقدمها على أسبابها بقوله: "أنت طالق قبل موتي بشهر" وقولكم: "إن نظيره في الحسيّات أن تقول: إن زُرتني أكرمتُك قبل زيارتك بشهر" فوهم أيضًا أو إيهام (5)، فإن قوله: "أنت طالق قبل موتي بشهر" إنما تطلق إذا مضى شهر بعد هذه اليمين حتى يتبين وقوع الطلاق بعد إيقاعه، فلو مات قبل مضي شهر لم تطلق على الصحيح؛ لأنه يصير بمنزلة: أنت طالق عام الأول؛ وليس كذلك قوله: "إن زرتنى أكرمتُك قبله بشهر" (6) فإن الطلاق حكم يمكن تقدير وقوعه قبل الموت، والإكرام فعل حسي (7) لا يكون إكرامًا بالتقدير، وإنما يكون إكرامًا بالوقوع، وأما استشهادكم بقوله: "أعتق عبدك [عنّي] (8) " فهو حجة عليكم؛ فإنه يستلزم تقدم الملك التقديري على العتق الذي هو أثره وموجَبُه، والملك شرطه، ولو جاز تأخر الشرط القدر الملك له بعد العتق، وهذا محالٌ، فعلم أن الأسباب والشروط يجب تقدمها، سواء كانت محققة أو مقدرة.

[عن القضية الشرطيّة]
وقولكم: "إن هذا التعليق يتضمن (9) شرطًا ومشروطًا، والقضية الشرطية قد
__________
(1) في (ق): "لفظه".
(2) في (ك) و (ق): "و".
(3) في (ق): "ترتبها عن" وفي الهامش: "لعله: على".
(4) في (ق): "مترتب".
(5) في (ك) و (ق): "وإيهام".
(6) في (ق): "قبل زيارتك بشهر".
(7) في (ق): "حتى".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(9) في (ق): "تضمن".
(5/224)

تعقد للوقوع وقد تعقد لنفي الشرط والجزاء- إلى آخره " فجوابه [أيضًا أن هذا] (1) من الوهم أو الإيهام (2)؛ فإن القضية الشرطية هي التي يصح الارتباط بين جزءيها، سواء كانا ممكنين أو ممتنعين، ولا يلزم من صدقها شرطية صدق جزءيها جملتين؛ فالاعتبار إنما هو بصدقها في نفسها؛ ولهذا كان قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] من أَصْدق الكلام وجُزءا الشرطية ممتنعان، لكن أحدهما ملزومٌ للآخر، فقامت القضية الشرطية من التلازم الذي بينهما؛ فإن تعدد الآلهة مستلزم لفساد السماوات والأرض، فوجودُ آلهةٍ مع اللَّه ملزومٌ لفساد السموات والأرض، والفساد لازم، فإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه، فصَدَقت الشرطية دون مفردَيْها، وأما الشرطية في مسألتنا فهي كاذبة في نفسها؛ لأنها عُقدت للتلازم بين وقوع الطلاق المنجز وسبق الطلاق الثلاث عليه، وهذا كذب في الإخبار باطل في الإنشاء؛ فالشرطية نفسها باطلة لا تصح بوجه؛ فظهر أن تنظيرها بالشرطية الصادقة الممتنعة الجزءين وهم أو إيهام (3) ظاهر لا خفاء به.

[عن الطلاقين المتعارضين]
وأما قياسكم المحرر، وهو قولكم: "طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر، فوجب أن ينفي (4) السابق منهما [المتأخر] (5) كقوله: "إن قدم زيد -إلى آخره " فجوابه أنه لما قدم زيد طلقت ثلاثًا، فقدم عمرو بعده وهي أجنبية، فلم يصادف الطلاق الثاني محلًا، فهذا معقول شرعًا ولغةً وعرفًا، فأين هذا من تعلق (6) مستحيل شرعًا وعرفًا؛ ولقد وهَنَتْ كلَّ الوهنِ مسألة إلى مثل هذا القياس استنادُهَا، وعليه اعتمادها (7).
وأما قولكم: "نكتة المسألة أنا لو أوقعنا المنجّز لزمنا أن نوقع قبله ثلاثًا -إلى آخره" فجوابه أن يقال: هذا كلام باطل في نفسه، فلا يلزم من إيقاع المنجز إيقاع الثلاث (8) قبله، لا لغةً ولا عقلًا ولا شرعًا ولا عرفًا، فإن قلتم: لأنه شرط
__________
(1) في (ق) و (ك): "أن هذا أيضًا".
(2) في (ك) و (ق): "والإيهام".
(3) في (ك) و (ق): "وايهام".
(4) في (ك): "يبقى".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6) في (ق) و (ك): "تعليق".
(7) انظر: "زاد المعاد" (4/ 51 - 63)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 283 - 338)، و"الطرق الحكمية" (ص 13 - 14)، و"تهذيب السنن" (3/ 120 - 122، 134).
(8) في (ق): "ثلاث".
(5/225)

للمعلق قبله (1)، فقد تبين فساد المعلق بما فيه كفاية، ثم نقلب عليكم هذه النكتة (2) قلبًا أصح منها شرعًا وعقلًا ولغةً، فنقول: إذا أوقعنا المنجَّز لم يمكنا (3) أن نوقع قبله ثلاثًا قطعًا (4)، وقد وُجد سببُ وقوع المنجز وهو الإيقاع، فيستلزم موجبه وهو الوقوع، وإذا وقع موجبه استحال وقوع الثلاث؛ فهذه (5) النكتة أصح وأقرب إلى الشرع والعقل واللغة، وباللَّه التوفيق.
وأما (6) قولكم: "إن المكلف أتى بالسبب الذي ضيق به على نفسه فألزمناه حكمه -إلى آخره" فجوابه أن هذا إنما يصح فيما يملكه من الأسباب شرعًا، فلا بد أن يكون السبب مقدورًا ومشروعًا، وهذا السبب الذي أتى به غير مقدورٍ ولا مشروع؛ فإن اللَّه تعالى لم يملّكه طلاقًا ينجزه تسبقه ثلاث قبله، ولا ذلك مقدور له؛ فالسبب لا مقدور ولا مأمور، بل هو كلام متناقض فاسد؛ فلا يترتب عليه تغيير (7) أحكام الشرع، وبهذا خرج الجواب عما نظرتم به من المسائل، أما:

[عن الطلاق الثلاث جملة]
المسألة الأولى -وهي إذا طلَّق امرأته ثلاثًا جملة- فهذه مما يحتجُّ لها، ولا يحتج بها -وللناس فيها أربعة أقوال:
أحدهما الإلزام بها.
والثاني: إلغاؤها جملة وإن كان هذا إنما يعرف عن فقهاء الشيعة (8).
والثالث: أنها واحدة، وهذا (9) قول أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه (10)،
__________
(1) في (ق): "قيل".
(2) في (ق): "هذه النكتة عليكم".
(3) في (ق) و (ك): "يمكننا".
(4) سقط من (ك).
(5) في (ق) و (ك): "وهذه".
(6) سقط من (ق).
(7) في (ن): "تغير".
(8) انظر "حلية العلماء" (7/ 22)، و"أحكام القرآن" (1/ 388)، وفي المطبوع: "الفقهاء الشيعة"، وفي (ك): "الفقهاء السبعة".
(9) في (ك): "وهو".
(10) روى مسلم (1472) في (الطلاق): باب طلاق الثلاث عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة.
وهو في "مصنف عبد الرزاق" (11336، 11337، و 11338)، و"سنن أبي داود" (2199)، و"المحلى" (10/ 168).
(5/226)

وجميع الصحابة في زمانه، وإحدى الروايتين عن ابن عباس (1)، واختيار أعلم الناس بسيرة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- محمد بن إسحاق والحارث العكلي وغيره، وهو أحد القولين في مذهب مالك حكاه التلمساني في "شرح تفريع ابن الجلاب" (2)، وأحد القولين في مذهب الإمام أحمد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رضي اللَّه عنه (3).
والرابع: أنها واحدة في حق التي لم يدخل بها، وثلاث (4) في حق المدخول بها، وهذا مذهب إمام أهل خراسان في وقته إسحاق بن راهويه نظير الإمام أحمد والشافعي ومذهب جماعة من السلف.
وفيها مذهب خامس، وهو أنها إن كانت منجَّزة وقعت، وإن كانت معلَّقة لم تقع، وهو مذهب حافظ الغرب وإمام أهل الظاهر في وقته أبو محمد بن حزم (5)، ولو طولبتم بإبطال هذه الأقوال وتصحيح قولكم بالدليل الذي يركن إليه العالم لم يمكنكم ذلك، والمقصود أنكم تستدلون بما يحتاج إلى إقامة الدليل عليه، والذين يَسَلِّمون لكم وقوع الثلاث جملة واحدة فريقان:
* فريق يقول بجواز إيقاع الثلاث فقد أتى المكلف عنده بالسبب المشروع المقدور فترتب عليه سبَبُه.
* وفريق يقول: تقع وإن كان إيقاعها محرمًا كما يقع الطلاق في الحيض والطُّهر الذي أصابها فيه وإن كان محرمًا لأنه ممكن، بخلاف وقوع طلقة مسبوقة بثلاث فإنه محال، فأين أحدهما من الآخر؟
__________
(1) رواه البيهقي (7/ 339) من طريق مسلم بن عصام: أخبرنا عبد اللَّه بن سعد: أخبرنا عمي: أخبرنا أبي عن ابن إسحاق: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عنه.
وهذا إسناد رواته ثقات من رجال الصحيح، غير ابن إسحاق فهو حسن الحديث، وغير مسلم بن عصام، فإني لم أجد له ترجمة فيما بين يدي.
ولكن رواية داود عن عكرمة فيها اضطراب، كما قال غير واحد من أهل الجرح والتعديل.
قال البيهقي -رحمه اللَّه-: وهذا إسناد لا تقوم الحجة به، مع ثمانية رووا عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، فتياه بخلاف ذلك، أي أن الثلاث تقع ثلاثًا، وقد وردت عنه بأسانيد صحيحة مخرجة فيما مضى.
(2) مضى التعريف به في التعليق على (3/ 388).
(3) انظر: "مجموع الفتاوى" لإمام الأئمة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه وغفر له- (32/ 311 - 312).
(4) في (ق) و (ك): "ثلاث".
(5) انظر: "المحلى" (10/ 167 - 173)، وفي سائر النسخ: "محمد بن حزم" والمثبت من (ك).
(5/227)

[فصل] (1) [عن تمليك الرجل امرأته الطلاق]
وأما نقضكم الثاني بتمليك الرجل امرأتَه الطلاقَ وتضييقه على نفسه بما وَسّع اللَّه سبحانه عليه مِنْ جَعْله بيده، فجوابه من وجوه:
أحدها: أنه بالتمليك لم يخرج الطلاق عن يده، بل هو في يده كما هو، هذا إن قيل: إنه تمليك، وإن قيل: إنه توكيل فله عَزْلُهَا متى شاء.
الثاني: أن هذه المسألة (2) فيها نزاع معروف بين السلف والخلف؛ فمنهم من قال: لا يصح تمليك المرأةِ الطلاقَ ولا توكيلها فيه، ولا يقع الطلاق إلا ممن أخذ بالساق، وهذا مذهب أهل الظاهر، وهو مأثور عن بعض السلف؛ فالنقض بهذه الصورة يستلزم إقامة الدليل عليها، والأدنى (3) لا يكون دليلًا. ومن هنا قال بعض أصحاب مالك: إنه إذا علَّق اليمين بفعل الزوجة لم تطلق إذا حنث؛ لأن (4) اللَّه تعالى مَلَّكَ الزوجَ الطلاقَ، وجعله بيده رحمةً منه، ولم يجعله إلى المرأة؛ فلو وقع الطلاق بفعلها لكان إليها إن شاءت أن تفارِقَه وإن شاءت أن تقيمَ معه، وهذا خلاف شَرْع اللَّه، وهذا أحد الأقوال في مسألة تعليق الطلاق بالشرط كما تقدم (5).
والثاني: أنه لغو وباطل، وهذا اختيار أبي عبد الرحمن ابن بنت (6) الشافعي ومذهَبُ أهل الظاهر
والثالث: أنه موجب لوقوع الطلاق عند وقوع الصفة، سواء كان يمينًا أو تعليقًا محضًا، وهذا المشهور عند الأئمة الأربعة وأتباعهم.
والرابع: أنه إن كان بصيغة التعليق لزم، وإن كان بصيغة القسَم والالتزام لم يلزم إلا أن ينويه، وهذا اختيار أبي المحاسن الروياني وغيره.
والخامس: أنه إن كان بصيغة التعليق وقع، وإن كان بصيغة القَسَم والالتزام لم يقع وإن نواه، وهذا اختيار القَفَّال في "فتاويه".
__________
(1) سقط من (ق).
(2) أفردها ابن عظوم في رسالة "التمليك"، وهي مطبوعة.
(3) في المطبوع: "والأول"، وفي (ك): "والأوهن".
(4) في المطبوع: "قال: لأن".
(5) انظر: "رسالة التمليك" (38 - 39).
(6) في (ق): "بدر"!!
(5/228)

والسادس: أنه إن كان الشرط والجزاء مقصُودَيْن وقع، وإن كانا غير مقصودين -وإنما حلف به قاصدًا منع الشرط والجزاء- لم يقع، ولا كفارة فيه، وهذا اختيارُ بعض أصحاب أحمد.
والسابع: كذلك (1)، إلا أن فيه الكفارة إذا خرج مخرج اليمين، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رضي اللَّه عنه (2)، والذي قبله اختيار أخيه. وقد تقدَّم حكاية قول مَنْ حكى إجماع الصحابة أنه إذا حنث فيه لم يلزمه الطلاق (3)، وحكينا لفظه. والمقصود الجواب عن النقض بتمليك المرأة الطلاق أو توكيلها فيه.
وأما قولكم في النقض الثالث: "إن فقهاء الكوفة صحَّحوا تعليق الطلاق بالنكاح، وهو يسد باب النكاح" فهذا القول مما أنكره عليهم سائر الفقهاء، وقالوا: هو سَدّ لباب النكاح، حتى الشافعي (4) نفسه أنكره عليهم بذلك وبغيره من الأدلة.
ومن العجب أنكم قلتم في الرد عليهم؛ لا يصح هذا التعليق؛ لأنه لم يصادف محلًا، وهو لا يملك الطلاق المنجَّز فلا يملك المعلق؛ إذ كلاهما مُسْتَدْعٍ لقيام محله، ولا محل، فهلا قبلتم منهم احتجاجَهم عليكم في [هذه] (5) المسألة السُّرَيجية بمثل هذه الحجة، وهي أن المحل غير قابِلٍ لطلقة مسبوقة بثلاث، وكان هذا الكلام لغوًا وباطلًا فلا ينعقد، كما قلتم أنتم في تعليق النكاح بالطلاق: إنه لغوٌ وباطلٌ فلا ينعقد (6).

فصل [إذا علق عتق عبده على ملكه]
وأما النقض الرابع بقوله: "كلُّ عبدٍ أو أمة أملكه فهو حرٌّ" فهذا للفقهاء فيه قولان، وهما روايتان عن الإمام أحمد:
إحداهما: أنه لا يصح كتعليق الطلاق.
والثاني: أنه يصح، والفرق بينه وبين تعليق الطلاق أن ملك العبد قد شرع
__________
(1) في (ك): "وكذلك".
(2) انظر: "الإختيارات الفقهية" (ص 286).
(3) في (ق): "طلاق".
(4) في المطبوع "حتى قال الشافعي".
(5) من (ق) فقط.
(6) انظر: "زاد المعاد" (4/ 42 - 43).
(5/229)

طريقًا إلى زوال ملكه عنه بالعتق، إما بنفس الملك كمن ملك ذا رَحِم مَحْرَم، وإما باختيار الإعتاق كمن اشترى عبدًا ليعتقه عن كفارته أو ليتقرب به إلى اللَّه عز وجل، ولم يشرع اللَّه النكاح طريقًا إلى زوال ملك البُضْع ووقوعِ الطلاق، بل هذا يترتب عليه ضد مقصوده شرعًا وعقلًا وعرفًا، [والعتق المترتب] (1) على الشراء ترتيب لمقصوده عليه شرعًا وعرفًا، فأين أحدهما من الآخر؟
وكونه قد سَدَّ على نفسه باب ملك الرقيق فلا يخلو إما أن يعلق ذلك تعليقًا مقصودًا أو تعليقًا قسميًا؛ فإن كان مقصودًا فهو قد قصد التقرب إلى اللَّه بذلك، فهو كما لو التزم صَوْم الدهر وسدَّ على نفسه باب الفطر. وإن كان تعليقًا قسَميًا فله سَعَة بما وسَّع اللَّه عليه من الكفارة كما أفتى به الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، وقد تقدم.

فصل [النقض بمن معه ألف دينار]
وأما النقض الخامس بمن معه ألف دينار فاشترى بها جاريةً وأوْلَدها (2)، فهذا أيضًا نقض فاسد؛ فإنه بمنزلة مَنْ أنفقها في شهواته وملاذه، وقعد مَلُومًا محسورًا، أو تزوج بها امرأة وقَضَى وطره منها نحو ذلك. فأين هذا من سد باب الطلاق وبقاء المرأة كالغل في عنقه إلى أن يموت أحدهما؟

فصل [لم تبن الشرائع على الصور النادرة]
وقولكم: قد يكون له في هذه اليمين مصلحة وغرض صحيح، بأن يكون محبًا لزوجته ويخشى وقوع الطلاق بالحلف أو غيره فيسرّحها" جوابه أن الشرائع العامة لم تُبْنَ على الصور النادرة، ولو كان لعموم المطلِّقين في هذا مصلحة لكانت حكمة أحكم الحاكمين تمنع الرجالَ من الطلاق بالكليّة، وتجعل الزوج (3) في ذلك بمنزلة المرأة لا تتمكن من فراق زوجها. ولكن حكمته تعالى أولى وأليق من مراعاة هذه المصلحة الجزئية التي في مراعاتها تعطيل مصلحة أكبر منها وأهم، وقاعدة الشرع والقدر تحصيل أعلى المصلحتين وإن فات (4) أدناهما، ودفع أعلى
__________
(1) في (ن) و (ق): "والمرتب".
(2) في (ق): "فأولدها".
(3) في (ق): "ويجعل الرجل".
(4) في (ق): "فاتت".
(5/230)

المفسدتين وإن وقع أدناهما (1)، وهكذا ما نحن فيه سواء؛ فإن مصلحة تمليك الرجالِ الطلاقَ أعلى وأكبَرُ من مصلحة سده عليهم، ومفسدةُ سدِّه عليهم أكبر من مفسدة فتحه لهم المُفْضِية إلى ما ذكرتم. وشرائع الرب سبحانه وتعالى كلها حِكمٌ ومصالح وعدل ورحمة، وإنما العبث والجور والشِّدة في خلافها، وباللَّه التوفيق.
وإنما أطلنا الكلام في هذه المسألة لأنها من أمهات الحيل وقواعدها، والمقصود بيان بطلان الحيل؛ فإنها (2) لا تتمشَّى على قواعد الشريعة ولا أصول الأئمة، وكثير منها -بل أكثرها- من توليدات المنتسبين إلى الأئمة وتفريعهم، والأئمة بَرَاء منها.

فصل [بطلان الحيلة بالخلع لفعل المحلوف عليه]
ومن الحيل الباطلة الحيلة على التخلص من الحنث بالخُلْع، ثم يفعل المحلوف عليه في حال البينونة، ثم يعود إلى النكاح، وهذه الحيلة باطلة شرعًا، وباطلة على أصول أئمة الأمصار: أما بطلانها شرعًا فإن هذا خُلع لم يشرعه اللَّه ولا رسوله، وهو تعالى لم يمكِّن الزوج من فسخ النكاح متى شاء؛ فإنه لازمٌ، وإنما مكَّنه من الطلاق، ولم يجعل له فَسْخَه إلا عند التشاحن (3) والتباغض إذا خافا أن لا يقيما حدود اللَّه، فشرع لهما التخلص بالافتداء؛ وبذلك جاءت السنة (4)، ولم يقع في زمن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا زمن أصحابه قط خلع حيلة، ولا في زمن التابعين، ولا تابعيهم، ولا نص عليه أحد من الأئمة الأربعة وجعله طريقًا للتخلص من الحنث، وهذا من كمال فقههم -رضي اللَّه عنهم-؛ فإن الخلع إنما جعله الشارع مقتضيًا للبينونة ليحصل مقصود المرأة من الافتداء من زوجها، وإنما يكون ذلك مقصودها إذا قصدت أن تفارقه على وجه لا يكون له عليها سبيل، فإذا حصل هذا ثم فعل المحلوف عليه وَقعَ وليست زوجته فلا يحنث، وهذا إنما حصل تبعًا
__________
(1) انظر: "مفتاح دار السعادة" (ص 341) فإنه مهم، و (ص 348)، و"الداء والدواء" (ص 225 - 226) و (ص 309 - 310)، و"روضة المحبين" (ص 132)، و"الموافقات" (3/ 53) وتعليقي عليه.
(2) في (ن) و (ق): "وإنها".
(3) في المطبوع: "التشاجر".
(4) في هذا حديث امرأة ثابت بن قيس: رواه البخاري (5273) (5277) في (الطلاق): باب الخلع وكيف الطلاق؟ من حديث ابن عباس.
(5/231)

للبينونة التابعة لقصدهما، فإذا خالعها ليفعل المحلوف عليه لم يكن قصدهما البينونة، بل حلّ اليمين، وحلُّ اليمين إنما يحصل تبعًا للبينونة لا أنه المقصود بالخلع الذي شرعه اللَّه ورسوله (1)، وأما خلع الحيلة فجاءت البينونة فيه لأجل حل اليمين، وحل اليمين جاء لأجل البينونة؛ فليس عقد الخلع بمقصود (2) في نفسه للرجل ولا للمرأة، واللَّه تعالى لا يشرع عقدًا لا يقصد واحد من المتعاقدين حقيقته، وإنما يقصدان به ضد ما شرعه [اللَّه] (3) له؛ فإنّه شُرِع لتخلُّص المرأة من الزوج، والمتحيّل يفعله لبقاء النكاح؛ فالشَّارع شرعه لقطع النكاح، والمتحيّل يفعله لدوام النِّكاح.

فصل [المتأخرون هم الذين أحدثوا الحيل ونسبوها إلى الأئمة]
والمتأخرون (4) أحْدَثوا حيلًا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة، ونسبوها إلى الأئمة، وهم مخطئون في نسبتها إليهم، ولهم مع الأئمة موقفٌ بين يدي اللَّه عز وجل، ومن عَرَف سيرة الشافعي وفضله ومكانه من الإسلام علم أنه لم يكن معروفًا بفعل الحيل، ولا بالدلالة عليها، ولا كان يشيرُ على مسلمٍ بها.

[تبرئة الشافعي من تهمة الحيل]
وأكثر الحيل التي ذكرها المتأخرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرفاتهم، تَلَقّوْها عن المشرقيين، وأدخلوها في مذهبه، وان كان رحمه اللَّه تعالى يجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيته، كما تقدم حكاية كلامه، فحاشاه ثم حاشاه أن يأمر الناس بالكذب والخداع والمكر والاحتيال وما لا
__________
(1) في (ق): "الذي شرعه اللَّه سبحانه" دون قوله: "ورسوله".
(2) في (ق): "مقصودًا".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك)، ومضروب عليها في (ق).
(4) قال (و): "يقول شيخ الإسلام في "فتاويه": "إن هذه الحيل أول ما ظهر الإفتاء بها في أواخر عصر التابعين" (ص 167 ج 3 الفتاوى) اه.
قلت: وهذا القول في "بيان الدليل" (ص 182)، وتمامه: "وأنكر ذلك علماء ذلك الزمان مثل أيوب السختياني، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد اللَّه بن المبارك، والفضيل بن عياض، ومثل شريك بن عبد اللَّه، والقاسم بن معن، وحفص بن غياث. . . ".
(5/232)

حقيقةَ له، بل ما يتيقن (1) أن باطنه خلاف ظاهره، ولا يُظن بمن دون الشافعي من أهل العلم والدين أنه يأمر أو يبيح ذلك؛ فالفرق [ظاهرٌ] (2) بين أن لا يعتبر القصد في العقد ويجريه على ظاهره وبين (3) أن يُسِّوغ عقدًا قد علم بناؤه على المكر والخداع وقد علم أن باطنه خلاف ظاهره.
فواللَّه ما سَوَّغ الشافعي ولا إمام من الأئمة هذا العقد قط، ومن نسب ذلك إليهم فهم خصماؤه عند اللَّه؛ فالذي سوغه الأئمة بمنزلة الحاكم يُجْرِي الأحكام على ظاهر عدالة الشهود وإن كانوا في الباطن شهودَ زورٍ، والذي سوغه أصحاب الحيل بمنزلة الحاكم يعلم أنهم في الباطن شهود زور كَذَبة وأنَّ ما شهدوا به لا حقيقةَ له (4) ثم يحكم بظاهر عدالتهم. وهكذا في مسألة العِينة: إنما جوَّز الشافعي أن يبيع السلعة ممن اشتراها منه جَرْيًا على ظاهر عقود المسلمين وسلامتها من المكر والخداع، ولو قيل للشافعي: "إن المتعاقدين قد تواطئا على ألفٍ بالفٍ ومئتين، وتراوضا على ذلك، وجعلا السلعة محللًا للربا" [لم] (5) يجوَّز ذلك، ولأنكره غاية الإنكار.
ولقد كان الأئمة من أصحاب الشافعي (6) ينكرون على مَنْ يحكي عنه الإفتاء بالحيل، قال الإمام أبو عبد اللَّه بن بطة (7): "سألت أبا بكر الآجري وأنا وهو بمنزله بمكة (8) عن هذا الخلع الذي يفتي به [بعض] (9) الناس، وهو أن يحلف رجل أن [لا] (10) يفعل شيئًا، ولا بد له من فعله، فيقال له: اخلع زوجتك وافعل ما حَلَفْتَ عليه ثم راجعها، واليمين بالطلاق ثلاثًا، وقلت له: إن قومًا يفتون [هذا] (11) الرجل الذي يحلف بأيمان البيعة ويحنث أن لا شيء عليه، ويذكرون أن
__________
(1) في (ن) و (ق): "ما يتبين".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق): "وأما".
(4) في (و): "لا حقيقة لا به"!
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (و).
(6) قال (و): "انظر (ص 183 ج 3) "فتاوى ابن تيمية"، فعنه يأخذ هنا أيضًا" اه.
قلت: وهو في "بيان الدليل" (ص 215 - 216).
(7) في كتاب "إبطال الحيل" (ص 69 - 71 - المكتب الإسلامي).
وفيه بعض الاختلاف أشرت إلى المهم منه.
(8) في (ك): "في منزله"، وفي (ق): "بمنزله في مكة".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من نسخ "الإعلام".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من "إبطال الحيل"، وفي (ق): "ألا".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(5/233)

الشافعي لم ير على من حلف بأيمان البيعة شيئًا، فجعل أبو بكر يعجب من سؤالي عن هاتين المسألتين في وقت واحد، ثم قال [لي] (1): [أعلم أني] (1) منذ كتبتُ العلم وجلست للكلام فيه وللفتوى ما أفتيت في هاتين المسألتين بحرف، ولقد سألت أبا عبد اللَّه الزبيري [الضرير -رحمه اللَّه-] (1) عن هاتين المسألتين كما سألتني عن (2) التعجب ممن يقدم (3) على الفتوى (4) فيهما، فأجابني فيهما بجواب كتبته عنه، ثم قام فأخرج لي كتاب "أحكام الرجعة والنشوز" من كتاب الشافعي، وإذا مكتوب على ظهره بخط أبي بكر [-رحمه اللَّه-] (1): سألت أبا عبد اللَّه الزبيري، [فقلت له: الرجل يحلف بالطلاق ثلاثًا أن لا يفعل شيئًا، ثم يريد أن يفعله] (5)، وقلت له: إن أصحاب الشافعي [رحمه اللَّه] (6) يفتون فيها بالخلع، [يخالع] (6) ثم يفعل، فقال الزبيري: ما أعرف هذا من قول الشافعي، ولا بلغني أن له في هذا قولًا معروفًا، ولا أرى من يذكر هذا عنه [إلا مُحِيلًا] " (7).
والزبيري أحد الأئمة الكبار من الشافعية، فإذا كان هذا قوله وتنزيهه للشافعي عن خلع اليمين فكيف بحيل الربا الصريح وحيل التَّحليل وحيل إسقاط الزكاة والحقوق وغيرها من الحيل المحرمة؟

فصل (8) [أمران لا بُدَّ من معرفتهما]
[تنزيه الشَّريعة]
ولا بد من أمرين أحدهما أعظم من الآخر، وهو:
* النصيحة للَّه ولرسوله وكتابه ودينه وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث اللَّه به رسوله من الهدى والبيِّنات، التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل، وبيان نفيها عن الدين وإخراجها منه، وان أدخلها فيه مَنْ أدخلها بنوع تأويل.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من نسخ "الإعلام".
(2) في "إبطال الحيل": "كما سألته على".
(3) في (ك): "مما تقدم".
(4) في (ق): "الفتيا".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من "إبطال الحيل".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من نسخ الإعلام.
(7) بدل ما بين المعقوفتين في "إبطال الحيل": "صادقًا".
(8) ما تحته مأخوذ من "بيان الدليل" (ص 203 وما بعد) بتصرف واختصار.
(5/234)

[من فضل الأئمة]
* والثاني: معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم للَّه ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم والحق في خلافها لا يُوجب اطَّراح أقوالهم جملة وتنّقصهم والوقيعة فيهم.
فهذان طرفان جائران عن القصد، وقَصْدُ السبيل بينهما، فلا نُؤثّم ولا نَعْصم، ولا (1) نسلك بهم مسلك الرافضة في عليّ ولا مسلكهم في الشيخين، بل نسلك [بهم] (2) مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصحابة، فإنهم لا يؤثّمونهم [ولا يعصمونهم] (3)، ولا يقبلون كل أقوالهم ولا يهدرونها. فكيف ينكرون علينا في الأئمة الأربعة مسلكًا يسلكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة؟ ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح اللَّه صدره للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين:
* جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم.
* أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث اللَّه بها رسوله.
ومن له علم بالشرع والواقع؛ يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قَدَم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهَفْوَة والزَّلَّة هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده؛ فلا يجوز أن يُتَّبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين (4).
قال عبد اللَّه بن المبارك: كنتُ بالكوفة فناظروني في النَّبيذ المختلف فيه، فقلت لهم: تعالَوْا فليحتج المحتج منكم عمَّن شاء من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالرخصة، فإن لم نبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة (5) صحَّت عنه، فاحتجُّوا. فلما (6) [جاءوا عن أحد برخصة إلا جئناهم بشدة (7)، فلما] (8) لم يبق في يد أحد
__________
(1) في (ق) و (ك): "فلا".
(2) ما بين المعقوفتين في (ق) فقط.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) انظر في هذا "الموافقات" (5/ 136 - 137، بتحقيقي).
(5) كذا في "الموافقات" (5/ 137) و (ق) وفي سائر الأصول: "بسند".
(6) في (ك): "فما".
(7) كذا في (ق) و (ك) و (ن)، و"الموافقات"، وفي سائر الأصول: "بسند".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5/235)

منهم إلا عبد اللَّه بن مسعود (1)، وليس احتجاجهم عنه في شدة النبيذ بشيء يصح عنه، إنما يصح عنه أنه لم ينتبذ له في الجرِّ (2) الأخضر، قال ابن المبارك فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمقٌ عُدَّ (3) أن ابن مسعود لو كان هاهنا جالسًا فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر وتخشى، فقال قائل (4): يا أبا عبد الرحمن فالنخعي والشعبي -وسَمَّى عدة معهما- كانوا يشربون الحرام (5)؟ فقلت [لهم] (6): دعوا عند المناظرة تسميه الرجال، فربّ رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن تكون منه زَلَّة، أفيجوز لأحد أن يَحتجَّ بها؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟ قالوا: كانوا خيارًا، قلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدًا بيد؟ قالوا: حرام، فقلت: إن هؤلاء رأوه حلالًا، أفماتوا وهم ياكلون الحرام؟ فبُهتوا وانقطعت حجتهم (7). قال ابن المبارك: "ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي وأنا أُنشد الشِّعرَ، فقال: يا بنيَّ لا تنشد الشعر، فقلت: يا أبت كان الحسن ينشد الشعر، وكان ابن سيرين ينشد، فقال: أي بُنَيَّ إن أخذت بشرِّ ما في الحسن وبشرِّ ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشَّرُّ كلُّه! " (8).
قال شيخ الإسلام: "وهذا الذي ذكره (9) ابن المبارك متَّفقٌ عليه بين العلماء، فإنه ما من أحد من أعيان الأئمة من (10) السابقين الأولين ومَنْ بعدهم إلا وله
__________
(1) انظر ما ورد عنه في "الأشربة" لابن قتيبة (ص 21 - 22 ط محمد كردعلي).
(2) "جمع جَرَّة، وهو الإناء المعروف من الفخار" (و).
(3) بضم أوله، وتشديد ثانيه، أي: هب أن ابن مسعود.
(4) في (ن) و (ك) و (ق): "فقال قائلهم".
(5) في (و): "حرام"! وقال (د)، و (ط): "في نسخة: يشربون الخمر".
(6) سقط من (ك).
(7) أسند هذه المناظرة باختصار البيهقي (8/ 298 - 299)، ونقلها المصنف عن ابن تيمية في "بيان الدليل" (203 - 204)، وعنه أيضًا الشاطبي في "الموافقات" (5/ 137 - 138 - بتحقيقي).
(8) أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1766، 1767) بإسناد صحيح، ونقل الشاطبي في "الموافقات" (5/ 134 - بتحقيقي) عن ابن تيمية في "بيان الدليل" (204) هذه القطعة.
(9) في (ق): "قاله".
(10) في "بيان الدليل": "أعيان الأمة"، وسقط من (ق): "من".
(5/236)

أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة" (1).
قلت: وقد قاله (2) أبو عمر بن عبد البر في أول "استذكاره" (3).
قال شيخ الإسلام (4): "وهذا باب واسع لا يُحصى، مع أن ذلك لا يغضُّ من أقدارهم، ولا يسوغ اتباعهم فيها، [كما] (5) قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، قال مجاهد (6) والحكم بن عُتيبة (7) ومالك (8) وغيرهم (9): ليس أحد من خَلْق اللَّه إلا يُؤخذ من قوله وبترك إلا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشرُّ كله (10)، قال ابن عبد البر (11): هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا، وقد روي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه في هذا المعنى ما ينبغي تأمله، فروى كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المُزنيّ، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إني لأخاف (12) على أمتي من بعدي من أعمالٍ ثلاثة، قالوا: وما هي يا رسول اللَّه؛ قال: إني أخاف عليهم من زلَّةِ العالم، ومن
__________
(1) انظر: "بيان الدليل" (ص 204 - 205).
(2) كذا في (ن) و (ك)، وفي غيره: "قال"، وكذا علق (ط): "هنا بياض في كل الأصول التي بين أيدينا" ونحوه في (د)، و (و)، و (ح)!
(3) وقد أفرد هذا البحث شيخ الإسلام في رسالة سماها: "رفع الملام" (ح).
قلت: وقول ابن عبد البر الذي أشار إليه المصنف هو: "وقد جاز على كثير منهم -أي العلماء- جهل كثير من السنن الواردة على ألسنة خاصة العلماء، ولا أعلم أحدًا من الصحابة إلا وقد شذ عنه بين علم الخاصة واردة بنقل الآحاد أشياء حفظها غيره، وذلك على من بعدهم أجوز، والإحاطة ممتنعة على كل أحد".
انظره في "الاستذكار" (1/ 36، ط المصرية و 1/ 188 رقم 84، ط قلعجي).
(4) في "بيان الدليل" (ص 205).
(5) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(6) أسنده عنه أبو نعيم (3/ 300)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 176)، وابن حزم في "الإحكام" (6/ 857)، وابن عبد البر في "الجامع" (1762 - 1795)، وإسناده صحيح.
(7) أسنده عنه ابن عبد البر (1761)، وابن حزم في "الإحكام" (6/ 883)، وإسناده صحيح، وفي (ك): "عتبة".
(8) ذكرها أحمد في "مسائل أبي داود" (ص 276)، وصححها ابن ناصر الدين في "إتحاف السالك" (ق 227/ أ).
(9) كابن عباس والشعبي، كما بيّنته في تعليقي على "الموافقات" (5/ 135) والحمد للَّه.
(10) مضى تخريجه قريبًا.
(11) في "جامع بيان العلم" (2/ 827).
(12) في (ك): "لا أخاف".
(5/237)

حكم الجائر (1)، ومن هَوًى متبع" (2).
وقال زياد بن حُدَير (3): قال عمر [-رضي اللَّه عنه-] (4): ثلاثٌ يهدِمْنَ الدين: زلةُ عالم، وجدالُ مناقٍ بالقرآن، وأئمةٌ مضلِّون (5).
وقال الحسن: قال أبو الدرداء: إن مما أخشى عليكم زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق، وعلى القرآن منارٌ كأعلام الطريق (6).
وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كل يوم، قلما يخطئه (7) أن يقول ذلك: اللَّه حَكَمٌ قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فِتَنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها (8) القرآن، حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصَّبي والأسود والأحمر، فيوشك
__________
(1) في "جامع بيان العلم" (2/ 978/ 1865)، وإحدى مخطوطتي "بيان الدليل": "ومن حكم جائر".
(2) إسناده ضعيف جدًا، وقد سبق تخريجه.
(3) في "بيان الدليل": "زياد بن جدير" وفي (ق): "زياد بن جرير"! والتصويب من "الجامع"، و"الجرح والتعديل" (3/ 529).
(4) ما بين المعقوفات من "بيان الدليل"، و"جامع بيان العلم".
(5) أخرجه الدارمي في "السنن" (1/ 71)، والآجري في "تحريم النرد والشطرنج" (رقم 48)، والفريابي في "صفة المنافق" (ص 71)، وابن المبارك في "الزهد" (ص 520)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 234)، والبيهقي في "المدخل" (رقم 833)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (رقم 641، 643)، وابن عبد البر في "الجامع" (رقم 1867، 1869، 1870)، وآدم بن أبي إياس في "العلم"، والعسكري في "المواعظ"، والبغوي والإسماعيلي، ونصر المقدسي في "الحجة" -كما في "كنز العمال" (10/ رقم 29405، 29412)، و"مسند الفاروق" (2/ 660 - 661) - من طرق عن عمر، بعضها إسناده صحيح، قال ابن كثير في "مسند الفاروق" (2/ 662) بعد أن ساق طرقه: "فهذه طرق يشدُّ القويُّ منها الضَّعيف، فهي صحيحة من قول عمر -رضي اللَّه عنه-، وفي رفع الحديث نظر، واللَّه أعلم".
(6) رواه أحمد في "الزهد" (2/ 64)، وأبو نعيم في "الحلية" (1/ 219) من طريق أبي الأشهب، ورواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (1868) من طريق جعفر بن حَيَّان كلاهما عن الحسن عن أبي الدرداء به.
ورجاله ثقات، لكن الحسن البصري مدلِّس، ولم يسمع من أبي الدرداء.
(7) كذا في "الإعلام"، و"الجامع"، وهو الصواب، وقد أثبته محقق "بيان الدليل": "قلما يخطبه"!!
(8) سقطت الواو من "بيان الدليل"، وأثبت محقق "الجامع" في متن الكتاب: "ويفتح فيه" مع أنه أشار -حفظه اللَّه- إلى أنه في بعض المخطوطات لديه: "ويفتح فيها"، وهو الصواب كما في نسخ "الإعلام".
(5/238)

أحدهم [أن يقول] (1): قد قرأت القرآن فما أظنّ أن يتّبعوني حتى ابتدع لهم غيره، فإيّاكم وما ابتدع، فإن كل بدعة ضلالة، وإيّاكم وزيغةَ الحكيم فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق، فتلقوا الحق عمن جاء به، فإن على الحق نورًا، قالوا: [و] (2) كيف زيغة الحكيم؟ قال: هي كلمةٌ تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه، فاحذروا زيغته، ولا تصدنكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء (3) و [أن] (2) يراجع الحق، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة، فمن ابتغاهما وجدهما (4).
وقال سلمان الفارسي: كيف أنتم عند ثلاثٍ: زلةِ عالمٍ، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم؟ فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم [وتقولون نصنع مثل ما يصنع فُلَان [وننتهي عمّا ينتهي عنه فلان] (5)، وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسكم منه فتعينوا عليه الشيطان] (6)، وأما مجادلة منافق (7) بالقرآن فإن للقرآن مَنَارًا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فَخُذُوه (8) وما لم تعرفوا فَكِلُوا (9) إلى اللَّه [تعالى] (10)، وأما دنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم (11).
وعن ابن عباس: "ويلٌ للأتباعِ من عَثَرات العالم، قيل: كيف ذلك (12)؟
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل" و"جامع بيان العلم".
(3) في "بيان الدليل": "أن يضيء"!!
(4) هو صحيح عنه، ومضى (1/ 112، 194 و 2/ 455).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (د)، و (ط) و (ق) و (ك) وأثبته من "بيان الدليل" (ص 260)، وأثبته (و) بلفظ: "وننهى عما ينهى عنه فلان"، وقال معلقًا: "ص 179 ج 3 فتاوى، وابن القيم ينقل كل ما فات بلفظه من هذا المصدر" اه.
(6) كل ما بين هاتين المعقوفتين سقط من "جامع بيان العلم"، فليتنبه.
(7) في "بيان الدليل": "المنافق".
(8) في (ق) و (ك): "فخذوا".
(9) في (ق) و (ك): "فكلوه".
(10) في "بيان الدليل" و (ك): "سبحانه"، وقد سقط هذا وذاك من "جامع بيان العلم".
(11) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1873) من طريق حسين الجعفي عن زائدة عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عنه.
وهذا إسناد فيه مقال؛ عطاء بن السائب اختلط، ولم يُذكر زائدة هل سمع منه قبل الاختلاط أو بعده، ورواية عطاء عن أبي البختري فيها مقال، قال شعبة: "ما حدّثك عطاء عن رجاله زاذان وميسرة وأبي البختري فلا تكتبه".
(12) كذا في نسخ "الإعلام"، و"جامع بيان العلم"، و"بيان الدليل": "كيف ذاك".
(5/239)

قال: يقول العالم شيئًا برأيه ثم يجد مَنْ هو أعلم منه برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (1) فيترك قوله [ذلك] (2) ثم يمضي الأتْباعُ" (3).
ذكر أبو عمر هذه الآثار كلها وغيره (4).
فإذا كنا قد حُذِّرْنَا [من] (5) زلة العالم وقيل لنا: إنها من أخوف ما يُخاف علينا، وأمِرْنا مع ذلك أن لا نرجع عنه، فالواجب على من شرح اللَّه صدره للإسلام إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلَّدها، بل يسكت عن ذكرها إن تيقَّن صحتها (6)، وإلا توقف في قبولها؛ [فكثيرًا] (7) ما يُحكى عن الأئمة ما لا حقيقة له، وكثير من المسائل يخرِّجها بعضُ الأتباع على قاعدة متبوعِهِ (8) مع أن ذلك الإمام لو رأى أنها تفْضِي إلى ذلك لما التزَمها، [وأيضًا فلازِمُ المذهبِ ليس بمذهب، وإن كان لازم النص حقًا (9)؛ لأن الشارع لا يجوز عليه التناقض، فلازم قوله حق، وأما مَنْ عداه فلا يمتنع عليه أن يقول الشيء ويخفى عليه لازمُهُ، ولو علم أن هذا لازمه لما قاله؛ فلا يجوز أن يقال: هذا مذهبه، ويُقوَّل ما لم يقله، وكل مَنْ له علم بالشريعة وقدرها وبفضل الأئمة ومقاديرهم وعلمهم وورعهم ونصيحتهم للدِّين تيقن أنهم لو شاهدوا أمر هذه الحيل وما أفْضَتْ إليه من التلاعب بالدين لقطعوا بتحريمها] (10).
__________
(1) في "الجامع"، و"بيان الدليل": "أعلم برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- منه".
(2) ما بين المعقوفتين أثبته من "الجامع"، و (و)، و"بيان الدليل".
(3) أخرجه البيهقي في "المدخل" (835، 836)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 14)، وابن عبد البر في "الجامع" (1877)، وإسناده صحيح.
(4) في "بيان الدليل": "وهذه آثار مشهورة رواها ابن عبد البر وغيره".
(5) ما بين المعقوفتين أثبتها محقق "بيان الدليل" من إحدى مخطوطتيه، وفي (ك): "وجدنا" بدل "حذرنا".
(6) قال (و): "في فتاوى ابن تيمية: إلى أن يتيقن من صحتها" اه.
قلت: وكذا في "بيان الدليل".
(7) في "بيان الدليل": "فما أكثر".
(8) في إحدى مخطوطتي "بيان الدليل" -وأثبته محققه-: "مسوغة"!
(9) انظر: "مجموع الفتاوى" (16/ 461، 20/ 217، 29/ 42)، "الإعتصام" (2/ 388 - بتحقيقي).
(10) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل" (ص 208): "والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، ومن علم فقه الأئمة وورعهم، علم أنهم لو رأوا هذه الحيل، وما أفضت إليه من التلاعب بالدين لقطع بتحريمها من لم يقطع به أولًا" اه. =
(5/240)

ومما يوضح ذلك أن الذين أفتوا من العلماء ببعض مسائل الحيل وأخذوا (1) ذلك من بعض قواعدهم لو بلغهم ما جاء في ذلك عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه لرجَعُوا عن ذلك يقينًا؛ فإنهم كانوا في غاية الإنصاف، وكان أحدهم يرجع عن رأيه بدون ذلك، وقد صرَّح بذلك غير واحد منهم وإن كانوا كلهم مُجْمِعين على ذلك، قال الشافعي [-رضي اللَّه عنه-] (2): إذا صح الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فاضربوا بقولي الحائط (3)، وهذا وإن كان لسانَ (4) الشافعي فإنه لسان (4) الجماعة كلهم (5)، [ومن الأصول التي أتفق عليها الأئمة] (6) أن أقوال أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المنتشرة لا تُترك إلا بمثلها، [وقد ذكرنا في التحليل والعِينة، وغيرهما من الأحاديث والآثار ما يقطع معه اللبيب أن لا حجَّةَ لأحد في مخالفتها، ولم تشتمل كتب من خالفها من الأئمة عليها حتى يقال: إنهم تأولوها، فعُلم أنها لم تبلغهم] (7).
يوضح ذلك أن القول بتحريم الحيل قطعي ليس من مسالك الاجتهاد (8).
إذ لو كان من مسالك (9) الاجتهاد لم يتكلم الصحابة والتابعون والأئمة في أرباب (10) الحيل بذلك الكلام الغليظ الذي ذكرنا منه اليسير من الكثير، وقد اتفق السلف على أنها بدعة مُحْدَثة؛ فلا يجوز تقليد مَنْ يفتي بها، ويجب نقض حكمه، ولا يجوز الدلالة للمقلِّد على مَنْ يفتي بها، وقد نص الإمام أحمد رحمه اللَّه على ذلك كله، ولا خلاف في ذلك بين الأئمة، كما أن المكيين والكوفيين لا يجوز تقليدهم في مسألة المُتْعَة والصرف والنَّبيذ، ولا يجوز تقليد بعض المدنيين في
__________
= وقال (و): "أكثر هذا الكلام القادم حتى قوله: "وكل من له علم. . . " ساقط من الفتاوى".
(1) في "بيان الدليل": "أو أخذ".
(2) ما بين المعقوفتين من "بيان الدليل".
(3) ذكره النووي في "المجموع" (1/ 108)، وشيخه أبو شامة في "مختصر المؤمل" (58)، ومضى عند المصنف نحوه، وخرجناه هناك.
(4) في (ق): "بلسان".
(5) في "بيان الدليل": "وهذا قول لسان حال الجماعة"، وانظر ما مضى.
(6) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": "ومن أصولهم".
(7) ما بين المعقوفتين أثبته من "بيان الدليل" (ص 208)، وأثبته (و)، وقال: "عن ص 180 ج 3 فتاوى ابن نيمية، فعنه ينقل ابن القيم" اه.
(8) من هنا إلى آخر الفصل فيه تصرف وزيادة من ابن القيم، فانظره في "بيان الدليل" (ص 208 - 213)، وفي (ك): "مسائل" بدل "مسالك".
(9) في (ك): "مسائل".
(10) في (ك): "باب".
(5/241)

مسألة الحشوس وإتيان النساء (1) في أدبارهن بل عند فقهاء الحديث أن مَن شرب النبيذ المخْتَلَف فيه حُدَّ، وهذا فوق الإنكار باللسان، بل عند فقهاء أهل المدينة يفسَّق، ولا تقبل شهادته.

[خطأ من زعم أنّ مسائل الخلاف لا إنكار فيها]
وهذا يرد قول مَنْ قال: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، وهذا [خلاف] (2) إجماع الأئمة، ولا يُعلم إمام من أئمة الإسلام قال ذلك، وقد نص الإمام أحمد على أن من تزوج ابنته من الزنا يُقتل، والشافعي (3) وأحمد (4) ومالك (5) لا يَرَوْن خلاف أبي حنيفة (6) فيمن تزوج أمه وابنته أن يُدْرَأ عنه الحد بشبهة دارئة للحد، بل عند الإمام أحمد -رضي اللَّه عنه- يقتل، وعند الشافعي ومالك يحد حد الزنا [في] (7) هذا، مع أن القائلين بالمتعة والصَّرْف معهم سُنَّةٌ وإن كانت منسوخة (8)، وأرباب الحيل ليس معهم سنة، ولا أثر عن صاحب ولا قياس صحيح.

[خطأ قول من قال: لا إنكار في المسائل الخلافية]
وقولهم: "إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها" ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل (9)، أما الأول فإذا كان القولُ يخالف سنةً
__________
(1) قال (د): "مسألة الحشوش هي مسألة إتيان النساء في أدبارهن، فالعطف للتفسير"، وقال (و): "في"النهاية" لابن الأثير: "ومنه حديث جابر: نهى عن إتيان النساء في حشوشهن أي أدبارهن-"، وبهذا يكون تفسيرًا لما قبله" اه.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(3) "المهذب" (2/ 44)، "حلية العلماء" (6/ 376، 379 - 380)، "تكملة المجموع" (16/ 219 - 221)، "روضة الطالبين" (7/ 112).
(4) "المغني" (7/ 485).
(5) "المدونة" (2/ 202)، "جامع الأمهات" (262)، "الخرشي" (3/ 209)، "الذخيرة" (4/ 258)، وانظر "الإشراف" (3/ 325 مسألة 1162) وتعليقي عليه.
(6) "المبسوط" (4/ 206)، "بدائع الصنائع" (3/ 1385)، "فتح القدير" (3/ 219).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) قال (و): "في الفتاوى": "لكن سنة المتعة منسوخة، وحديث الصرف يفسره سائر الأحاديث" (ص 181 ج 3 فتاوى) اه.
(9) قال (و): "نص ابن تيمية: "إلى القول بالحكم والعمل"، ولعله الأصوب؛ إذ لم يرد للفتوى ذكر بعد هذا".
قلت: وهو كذلك في "بيان الدليل" (ص 210).
(5/242)

أو إجماعًا شائعًا (1) وجب إنكاره اتفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنَّ بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقولُ فقيهٌ: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، والفقهاءُ من سائر الطوائف قد صرَّحوا بنقضِ حكم الحاكم إذا خالف كتابًا أو سنةً وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء؟ وأما إذا لم يكن في المسألة سنةٌ ولا إجماعٌ وللاجتهاد فيها مَسَاغٌ لم يُنكر (2) على مَنْ عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا.
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم.

[متى يسوّغ الاجتهاد؟]
والصواب ما عليه الأئمة (3) أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب (4) العمل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ فيها -إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به- الاجتهاد لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في قول العالم: "إن هذه المسألة قطعية أو يقينية، ولا (5) يسوغ فيها الاجتهاد" طَعْنٌ على مَنْ خالفها، ولا نسبة له إلى تعمّد (6) خلاف الصواب، والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقَّنا صحة أحد القولين فيها كثير، مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل (7)، وأن إصابة الزوج
__________
(1) في "بيان الدليل": "أو إجماعًا قديمًا" وفي (ن) و (ق): "أو أجماعًا سابقًا"، وفي (ك): "أو إجماعًا سائغًا".
(2) في المطبوع: "لم تنكر".
(3) في (ق): "الأمة".
(4) في (ق): "يثبت".
(5) في (ن) و (ك) و (ق): "أولا".
(6) في (ق): "بعد".
(7) يشير إلى قصة سبيعة الأسلمية مع زوجها الذي مات فأنكحها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد وضع حملها الذي كان في بعض الروايات بعد أربعين يومًا.
روى قصتها البخاري (3991) في (المغازي): باب رقم (10) تعليقًا، و (5319) في (الطلاق): باب {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}، ومسلم (1484) في (الطلاق): باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل من حديثها.
ورواه البخاري (4909) و (5318)، ومسلم (1485)، من حديث أم سلمة.
ورواه البخاري (5320)، من حديث المسور بن مخرمة.
(5/243)

الثاني شرط في حلِّها للأول (1)، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم يُنْزِل (2)، وإن ربا الفَضْل حَرَام (3)، وأن المتعة حرام (4)، وأن النَّبيذ المُسْكر حرام (5)، وأن المسلم لا يقتل بكافر (6)، وأن المسح على الخفين جائز حضرًا وسفرًا (7)، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق (8)، وأن رفع اليدين عند
__________
(1) رواه البخاري (2639) في (الشهادات): باب شهادة المختبئ، و (5260) في (الطلاق): باب من جَوَّز طلاق الثلاث، و (5265) باب من قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، و (5317) باب إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة، و (5792) في (اللباس): باب الإزار المهذب، و (5825): باب الثياب الخضر، و (6084) في (الأدب): باب التبسم والضحك، ومسلم (1433) في (النكاح): باب لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره، من حديث عائشة أم المؤمنين -رضي اللَّه عنهما-.
(2) في هذا أحاديث منها: حديث أبي هريرة: رواه البخاري (291) في (الغسل): باب إذا التقى الختانان، ومسلم (348) في (الحيض): باب نسخ الماء من الماء، وحديث عائشة: رواه مسلم (349)، وانظر: "التلخيص الحبير" (1/ 134)، و"إرواء الغليل" (1/ 121).
(3) فيه أحاديث منها حديث عمر: "الذهب بالورق ربًا إلا هاءً وهاء، والبر بالبر ربًا إلا هاءً وهاء، والتمر بالتمر". . . رواه البخاري (2134) في (البيوع): باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، و (2170) في باب بيع التمر بالتمر، و (2174) في بيان بيع الشعير بالشعير، ومسلم (1586) في (المساقاة): باب الصرف.
وحديث أبي بكرة: رواه البخاري (2175 و 2182)، ومسلم (1590).
وحديث أبي سعيد الخدري: رواه البخاري (2176 و 2177)، ومسلم (1584)، وغيرهم.
(4) هذا ثابت في أحاديث منها: حديث علي: رواه البخاري (4216) في (المغازي): باب غزوة خيبر، و (5115) في (النكاح): باب نهي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن نكاح المتعة أخيرًا، و (5523) في (الذبائح والصيد): باب لحوم الحمر الإنسية، و (6961) في (الحيل): باب الحيلة في النكاح، ومسلم (1407) في (النكاح): باب نكاح المتعة.
وحديث سَبْرَة الجهني: رواه مسلم (1406) وحديث سلمة بن الأكوع رواه مسلم أيضًا (1404).
(5) يدل على هذا حديث: "كل مسكر حرام"، ورد عن جمع من الصحابة، وقد تقدم تخريجه.
(6) سبق تخريجه، وفي (ق): "بالكافر"، وفي (ك): "الكافر".
(7) أحاديث المسح على الخفين كثيرة جدًا: منها حديث علي الذي جمع المسح على الخفين في السفر والحضر، وهو حديث: رواه مسلم (276) في (الطهارة): باب التوقيت في المسح على الخفين، وانظر مفصلًا: "نصب الراية" (1/ 162 - 191)، و"التلخيص الحبير" (1/ 157) ومضت أحاديث أخر.
(8) في هذا حديث سعد بن أبي وقاص: رواه البخاري (790) في (الأذان): باب وضع الأكف على الركب في الركوع، ومسلم (535) في (المساجد): باب الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق.
(5/244)

الركوع والرفع منه سنة (1)، وأن الشفعة ثابتة في الأرض والعَقَار (2)، وأن الوقف صحيح لازم (3)، وأن دية الأصابع سواء (4)، وأن يد السارق تقطع في ثلاثة دراهم (5)، وأن الخاتم من حديد (6) يجوز أن يكون صُدَاقًا (7)، وأن التيمم إلى
__________
(1) في هذا حديث ابن عمر: رواه البخاري (735) في (الأذان): باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء، و (736) في رفع اليدين إذا كبَّر، وإذا ركع رفع، و (738) باب إلى أين يرفع يديه، و (739) باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين، ومسلم (390) في (الصلاة): باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام. . . وحديث مالك بن الحويرث: رواه مسلم (391).
وانظر في هذا جزء البخاري "رفع اليدين" مع تخريجه "قرة العينين" للشيخ السندي، فإنه ذكر هذا عن سبعة عشر صحابيًا.
(2) أحاديث الشفعة تقدم غير واحد منها.
(3) يشير إلى حديث عمر في الوقف حين أصاب أرضًا بخيبر؛ فأتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يستأمره فيها فقال: يا رسول اللَّه، إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه فما تأمر به؟ قال: "إن شئت حَبَست أصلها، وتصدّقت بها" قال: فتصدق بها عمر أنّه لا يُباع، ولا يوهب ولا يورث.
رواه البخاري في "صحيحه" (2737) في (الشروط): باب الشروط في الوقف، و (2772) في (الوصايا): باب الوقف كيف يكتب، و (2773) باب الوقف للغني والفقير والضيف.
واعتنى النجاد في "مسند عمر" بطرق هذا الحديث وألفاظه، فانظره غير مأمور.
(4) رواه البخاري (6895) في (الديات): باب دية الأصابع من حديث شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: "هذه وهذه سواء، يعني الخنصر والإبهام".
ورواه من نفس الطريق، وبلفظ صريح، أبو داود (4559)، ولفظه: "الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء".
وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، رواه أحمد (2/ 207)، وأبو دا ود (4562)، والنسائي (8/ 57)، وابن ماجه (2653).
(5) رواه البخاري (6795)، و (6796)، و (6797) و (6798) في (الحدود): باب قول اللَّه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، ومسلم (1686) في (الحدود): باب حد السرقة ونصابها، من حديث ابن عمر.
(6) في (ك) و (ق): "الحديد".
(7) رواه البخاري (5029) في (فضائل القرآن): باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، و (5030) باب القراءة عن ظهر قلب، و (5087) في (النكاح): باب تزويج المعسر، و (5121) باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، و (5126) باب النظر إلى المرأة قبل التزويج، و (5132) باب إذا كان الولي هو الخاطب، و (5135) باب السلطان ولي، و (5141) باب إذا قال الخاطب للولي: زوجني فلانة، و (5149) باب التزويج على =
(5/245)

الكُوعين بضربة واحدة جائز (1)، وأن صيام الوليّ عن الميت يُجزئ عنه (2)، وأن الحاج يلبّي حتى يرمي جمرة العقبة (3)، وأن المحرم له استدامة الطيب دون ابتدائه (4)، وأن السنة أن يسلّم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه (5)، وأن خِيَارَ المجلس ثابتٌ في البيع (6)، وأن المُصَرَّاة يرد معها عوض اللبن صاعًا من تمر (7)، وأن صلاة الكسوف
__________
= القرآن وبغير صداق، و (5150) باب المهر بالعروض وخاتم الحديد، و (5871) في (اللباس): باب خاتم الحديد و (7417) في (التوحيد): باب {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} ومسلم (1425) في (النكاح): باب الصداق، وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد، من حديث سهل بن سعد.
(1) في هذا حديث عمار بن ياسر في (التيمم)، وهو في "الصحيحين"، وقد مضى تخريجه.
(2) في هذا حديث: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه".
أخرجه البخاري (1952) (كتاب الصيام): باب من مات وعليه صوم، ومسلم (1147) في (الصيام): باب قضاء الصيام عن الميت، عن عائشة -رضي اللَّه عنه-.
وانظر: "تهذيب السنن" (3/ 278 - 282)، و"الروح" (ص 120)، فقد قرر هناك أن الصحيح أنه يجزئ عنه في صيام النذر دون صيام الفرض، وبيّن سر الفرق في "تهذيب السنن".
(3) رواه البخاري (1544) في (الحج): باب الركوب والارتداف في الحج، و (1670) في النزول بين عرفة وجمع، و (1685)، و (1687) باب التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي الجمرة، ومسلم (1281) (266 و 267) في (الحج): باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة. من حديث الفضل بن عباس.
(4) سبق تخريجه.
(5) رواه الطيالسي (279)، و (308)، وابن أبي شيبة (1/ 332)، وعبد الرزاق (3130)، وأحمد (1/ 386 و 395 و 394 و 406، و 408، و 409، و 418، و 441، و 444)، وأبو داود (996) في (الصلاة) باب في السلام، والترمذي (295) في (الصلاة): باب ما جاء في التسليم في الصلاة، والنسائي (2/ 230) في (التطبيق): باب التكبير عند الرفع من الركوع، و (3/ 62) في (السهو): باب كيف السلام على اليمين، و (3/ 63 و 64) في كيف السلام على الشمال، وابن ماجه (914) في (الإقامة): باب التسليم، وابن الجارود (209)، وابن خزيمة (728)، وابن حبان (1990 و 1991 و 1993 و 1994)، والبيهقي (2/ 177) من حديث عبد اللَّه بن مسعود، وإسناده صحيح.
(6) يريد حديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"، وهو في "الصحيح"، وقد تقدم تخريجه، وفي (ك): "المبيع".
(7) سبق تخريجه.
(5/246)

بركوعين في كل ركعة (1)، وأن القضاء جائزٌ بشاهد ويمين (2)، إلى أضعاف أضعاف ذلك من المسائل، ولهذا صرح (3) الأئمة بنقض حكم مَنْ حكم بخلاف كثير من هذه المسائل، من غير طعن منهم على من قال بها.

[لا عذر يوم القيامة للمقلِّد]
وعلى كل حال فلا عذر عند اللَّه يوم القيامة (4) لمن بلغه [ما] (5) في المسألة من هذا الباب وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نَبَذَها وراء ظهره، وقلَّد مَنْ نهاه عن تقليده، وقال له: لا يحلُّ لك أن تقول بقولي إذا خالف السنة، وإذا صح الحديث فلا تعبأ بقولي، وحتى لو لم يقل له ذلك لكان (6) هذا هو الواجب عليه وجوبًا لا فسحة [له] (5) فيه، وحتى لو قال له خلاف ذلك لم يَسَعْه إلا اتباع الحجة، ولو لم يكن في هذا الباب شيء من الأحاديث والآثار البتة (7) فإن المؤمن يعلم بالاضطرار أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يكن يُعلِّم أصحابه هذه الحيل، ولا يدلّهم عليها، ولو بلغه عن أحد فعل شيئًا منها لأنكر عليه، ولم يكن أحد من أصحابه (8) يفتي بها ولا يعلمها، وذلك مما يَقطع به كل مَنْ له أدنى اطلاع على أحوال القوم وسيرتهم وفتاويهم، وهذا القدر لا يحتاج إلى دليل أكثر من معرفة حقيقة [الدين] (5) الذي بعث اللَّه به رسوله.
__________
(1) رواه البخاري (1044) في (الكسوف): باب الصدقة في الكسوف، وأطرافه كثيرة جدًا انظرها هناك، ومسلم (901) في (الكسوف): باب صلاة الكسوف، من حديث عائشة.
ورواه البخاري (1052) في (الكسوف): باب صلاة الكسوف جماعة، و (1597) في (النكاح): باب كفران العشير، ومسلم (902 و 907) في الكسوف من حديث عباس.
(2) رواه مسلم (1712) في (الأقضية): باب القضاء باليمين والشاهد، من حديث ابن عباس.
وقد تكلم بعض أهل العلم في هذا الحديث وأعلُّوه فانظر ذلك، والرد عليه في "نصب الراية" (4/ 98)، و"إرواء الغليل" (8/ 297)، وله شواهد كثيرة عن عدد من الصحابة انظرها هناك مفصلة.
وفي القضاء بالشاهد واليمين، وأنه لا يختص بالأموال، انظر: "الطرق الحكمية" (ص 63 - 75 و 141 - 161 و 350 الطريق السابع)، و"تهذيب السنن" (5/ 225 - 230) فقد حشد هناك الأحاديث وردّ على من أعلها.
(3) في (ق): "يصرح".
(4) في (ك): "لقائه".
(5) سقط من (ك).
(6) في المطبوع: "كان".
(7) في (ك): "من الأحاديث والآثار شيء البتة".
(8) في (ك): "الصحابة".
(5/247)

فصل [بيان بطلان الحيل على التفصيل]
فلنرجع إلى المقصود، وهو بيان (1) بطلان هذه الحيل على التفصيل، وأنها لا تتمشى لا (2) على قواعد الشرع ومصالحه وحكمه ولا على أصول الأئمة.

[إبطال حيلة تصحيح وقف الإنسان على نفسه]
قال شيخنا (3): "ومن الحيل الجديدة (4) التي لا أعلم بين فقهاء الطوائف خلافًا في تحريمها أن يريد الرجل أن يقف على نفسه وبعد (5) موته على جهات متصلة، [فيقول أرباب الحيل] (6): أقِرَّ أن هذا المكان (7) الذي بيدك وَقْفٌ عليك من غيرك، ويعلِّمونه الشروط التي يريد إنشاءها، فيجعلها إقرارًا؛ فيعلّمونه الكذب في الإقرار، [ويشهدون على الكذب وهم يعلمون] (8)، ويحكمون بصحته، ولا يستريب مسلم في (1) أن هذا حرام؛ فإن الإقرار شهادة (9) [من] (10) الإنسان على نفسه، فكيف يلقّن شهادة الزور ويشهد عليه بصحتها؟ ثم (11) إن كان وقف الإنسان على نفسه باطلًا في دين اللَّه فقد علَّمتموه (12) حقيقة الباطل؛ فإن اللَّه تعالى (13) قد علم أن هذا لم يكن وقفًا قبل الإقرار، ولا صار وقفًا والإقرار الكاذب (14)، فيصير المال حرامًا على مَنْ يتناوله (15) إلى يوم القيامة، وإن كان وقف الإنسان
__________
(1) سقط من (ق).
(2) سقط من (ك) و (ق).
(3) في "بيان الدليل" (197 - 198).
(4) في "بيان الدليل": "الجديرة".
(5) كذا في (ن)، و"بيان الدليل"، وفي باقي النسخ: "بعد" دون واو.
(6) في (ك): "المكان".
(7) بدلها في "بيان الدليل": "فيقولون للرجل"، وفي (ق) و (ك): "فيقول له أرباب الحيل".
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (ن) و (ق): "ويعلمونه الكذب"، وفي "بيان الدليل": "ويشهدون عليه به".
(9) في (ك): "بشهادة".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل".
(11) في "بيان الدليل": "شهادة زور ثم".
(12) في "بيان الدليل": "علمناه"، وسقط من (ق): "فقد".
(13) في "بيان الدليل": "لأن اللَّه سبحانه".
(14) في "بيان الدليل" و (ق): "بالإقرار بالكذب".
(15) في "بيان الدليل": "تناوله".
(5/248)

على نفسه صحيحًا (1) فقد أغنى اللَّه تعالى عن تكلف الكذب".
قلت: ولو (2) قيل: إنه مسألة خلاف يسوغ فيها الاجتهاد فإذا وقفه على نفسه كان لصحته مَسَاغ لما فيه من الاختلاف السائغ (3)، وأما الإقرار بوقفه من غير إنشاء متقدم فكذب بَحْت، ولا يجعله ذلك وقفًا اتفاقًا إذا أخذ الإقرار على حقيقته، ومعلوم قطعًا أن تقليد الإنسان لمن يفتي بهذا القول ويذهب إليه أقربُ إلى الشرع والعقل من توصله إليه بالكذب والزور والإقرار الباطل؛ فتقليد عالم من علماء المسلمين أعْذرُ عند اللَّه من تلقين الكذب والشهادة عليه.

فصل (4) [حيلة في الوقف]
ولهم حيلة أخرى -وهي أن الذي يريد الوقف يملّكه لبعض مَنْ يثق به (5) ثم يَقِفُه ذلك المملَّكُ عليه بحسب اقتراحه- وهذا لا شك في قبحه وبطلانه؛ فإنَّ [حد] التمليك [المشروع المعقول] (6) أن يرضى المملِّك بنقل الملك إلى المملَّك بحيث يتصرف فيه بما يُحِب (7) من وجوه التصرفات، وهنا قد علم اللَّه تعالى [والحفَظَة الموكلون بالعبد ومن يشاهدهم (8) من بني آدم] (9) من هذا (10) [المملِّك] (6) أنه لم يرض بنقل الملك إلى هذا، ولا خَطَر له على بال، ولو سأله درهمًا واحدًا فلعله كان لم يسمح به عليه (11)، ولم يرض بتصرفه فيه إلا بوقفه على المملك خاصة، بل قد ملَّكه إياه بشرط أن يتبرع عليه به وقفًا إما بشرط (12) مذكور وإما بشرط (12) معهود متواطأ عليه، وهذا تمليكٌ فاسدٌ قطعًا، وليس بهبة ولا صدقة ولا هدية ولا وصية ولا إباحة، وليس هذا بمنزلة العُمْرَى والرُّقْبَى
__________
(1) في "بيان الدليل": "وقفه صحيحًا".
(2) في (ك) و (ق): "وإن".
(3) في المطبوع: "لساغ".
(4) ما تحته من "بيان الدليل" (ص 198 - 199) باختصار، وما بين المعقوفتين منه.
(5) في "بيان الدليل": "لبعض ثقاته".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من "بيان الدليل".
(7) في (ن): "يجب".
(8) في (ك): "شاهدهم".
(9) بدل ما بين المعقوفتين في "بيان الدليل": و"خلقه".
(10) في (ك): "هنا" وفي (ق): "بهذا".
(11) في (ك): "يسمح عليه" وفي (ق): "يسمح عليه به".
(12) في (ك): "شرط".
(5/249)

المشروط فيها [العَوْد] (1) إلى المعمر، فإنه (2) هناك مَلَّكه التصرف فيه، وشَرَطَ العود، وهنا لم يملكه شيئًا [قط]، إنما تكلم بلفظ التمليك غيرَ قاصد معناه، والموهوب له يصدقه أنهما لم يقصدا حقيقة الملك، بل هو استهزاء بآيات اللَّه وتلاعب بحدوده، وسنذكر إن شاء اللَّه تعالى في الفصل الذي بعد هذا الطريق [الشرعية] (3) المُغْنية عن هذه الحيلة الباطلة.

فصل [إبطال حيلة لتأجير الوقف مدة طويلة]
ومن الحيل الباطلة: تحيّلهم على إيجار الوقف مئة سنة مثلًا، وقد شرط الواقف ألا يؤجّر أكثر من سنتين أو ثلاثًا؛ فيؤجره المدة الطويلة في عقود متفرقة في مجلس واحد، وهذه الحيلة باطلة قطعًا؛ فإنه إنما قصد بذلك دفع المفاسد المترتبة على طول مدة الإجارة، فإنها مفاسد كثيرة جدًا، وكم قد ملك من الوقف بهذه الطريق (4)، وخرج عن الوقفيّة بطول المدة واستيلاء المستأجر فيها على الوقف هو وذريته وورثته سنينًا بعد سنين؟ وكم فات البطون اللواحق من منفعة الوقفما [بالإيجار الطويل؟ وكم أوجر الوقف] (5) بدون إجارة مثله لطول المدة وقبض الأجرة؟ وكم زادت أجرة الأرض أو العَقَار (6) أضعاف ما كانت ولم يتمكن الموقوف عليه من استيفائها؟ وبالجملة فمفاسد هذه الإجارة تفوت العَدَّ، والواقف إنما قصد دفعها، وخشي منها بالإجارة (7) الطويلة، فصرَّح بأنه لا يؤجّر أكثر من تلك المدة التي شرطها، فإيجاره أكثر منها سواء كان في عقد أو عقودٍ مخالفةٍ صريحة لشرطه، مع ما فيها من المفسدة بل المفاسد العظيمة.
وياللَّه العجب! هل تزول هذه المفاسد بتعدد العقود في مجلس واحد؟ وأي غرضٍ للعاقل أن يمنع الإجارة لأكثر من تلك المدة ثم يجوّزها في ساعة واحدة
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وفي (ق): "الرجوع".
(2) في المطبوع: "فإن"، وما أثبتناه من المخطوط، و"بيان الدليل".
(3) سقط من (ك).
(4) في المطبوع و (ك): "وكم قد ملك من الوقوف بهذه الطرق"، وفي (ق): "وكم قد ملك من وقف بهذه الطريق".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ك) و (ق): "والعقار".
(7) في (ك): "بالأجرة".
(5/250)

في عقود متفرقة؟ وإذا أخره في عقوده متفرقة أكثر من ثلاث سنين، أيصحُّ أن يقال: وَفَّى بشرط الواقف ولم يخالفه؟ هذا من أبطل الباطل وأقبح الحيل، وهو مخالف لشرط الواقف ومصلحة الموقوف عليه، وتعريض لإبطال هذه الصدقة، وأن لا يستمر نفعها، وألا (1) يصل إلى من بعد الطبقة الأولى وما قاربها، فلا يحل لمُفْتٍ أن يفتي بذلك، ولا لحاكم أن يحكم به، ومتى حكم به نقض حكمه، اللهم إلا أن يكون فيه مصلحة الوقف (2)، بأن يخرب ويتعطل (3) نفعه فتدعو الحاجة إلى إيجاره مدة طويلة يعمر فيها بتلك الأجرة، فهنا يتعين مخالفة شرط الواقف تصحيحًا لوقفه واستمرارًا لصدقته، وقد يكون هذا خيرًا من بيعه والاستبدال به، وقد يكون البيع أو الاستبدال (4) خيرًا من الإجارة {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة: 220].
والذي يُقضى منه العجب التحيّل على مخالفة شرط الواقف وقصدِه الذي يقطع بأنه قَصْدُه مع ظهور المفسدة، والوقوفُ مع ظاهر شرطه ولفظِهِ المخالفِ لقصده وللكتاب والسنة ومصلحة الموقوف عليه، بحيث يكون مرضَاةَ للَّه ورسوله ومصلحة الواقف وزيادة أجره ومصلحة الموقوف عليه وحصول الرفق به مع كون العمل أحبَّ إلى اللَّه ورسوله، لا يغير شرط الواقف، وبجري مع ظاهر لفظه، وإن ظهر قصده بخلافه، وهل هذا إلا من قلَّة الفقه؟ بل من عدمه، فإذا تحيلتم على إبطال مقصود الواقف حيث يتضمن المفاسدَ العظيمةَ فهلا تحيَّلتم على مقصوده ومقصود الشارع حيث يتضمن المصالح العظيمة (5) بتخصيص لفظه أو تقييده أو تقديم شرط اللَّه عليه؟ فإن شرط اللَّه أحق وأوثق، بل يقولون هاهنا: نصوص الواقف كنصوص الشارع، وهذه جملة من أبطل الكلام، وليس لنصوص الشارع نظير من كلام غيره أبدًا، بل نصوص الواقف يتطرق إليها (6) التناقض والاختلاف، وبجب إبطالها إذا خالفت نصوص الشارع وإلغاؤها، ولا حرمة لها حينئذ البتة، ويجوز -بل يترجح- مخالفتها إلى ما هو أحب إلى اللَّه ورسوله منها وأنفع للواقف والموقوف عليه، ويجوز اعتبارها والعدول عنها مع تساوي الأمرين، ولا يتعيّن الوقوف معها، وسنذكر إن شاء اللَّه تعالى فيما بعد، ونبين ما يحل الإفتاء به وما
__________
(1) في (ك) و (ق): "ولا".
(2) في (ق): "للوقف".
(3) في (ق): "أو يتعطل".
(4) في (ق): "والاستبدال".
(5) في المطبوع و (ك): "الراجحة".
(6) في (ق): "عليها".
(5/251)

لا يحل من شروط الواقفين؛ إذ القصد بيان بطلان هذه الحيلة شرعًا وعرفًا ولغةً.

فصل [إبطال حيلة لإبرار من حلف ألا يفعل ما لا يفعله بنفسه عادة]
ومن الحيل الباطلة ما لو حلف أن لا يفعل شيئًا، ومثله لا يفعله نفسه أصلًا، كما لو حلف السلطان أن لا يبيع كذا، ولا يحرث هذه الأرض ولا يزرعها، ولا يُخرج هذا من بلده، ونحو ذلك، فالحيلة أن يأمر غيره أن يفعل ذلك، ويبر في يمينه، إذا لم يفعله بنفسه، وهذا من أبرد الحيل وأسمجها وأقبحها، وفعل ذلك هو الحنث الذي حلف عليه بعينه، ولا يشك في أنه حانث، ولا أحد من العقلاء، وقد علم اللَّه ورسوله والحَفَظَة -بل والحالف نفسه (1) - أنه إنما حلف على نفي الأمر والتمكين من ذلك، لا على مباشرته، والحيل إذا أفْضَتْ إلى مثل هذا سمجت غاية السماجة، ويلزم أرباب الحيل والظاهر أنهم يقولون: إنه إذا حلف أن لا يكتب لفلان توقيعًا ولا عهدًا ثم أمر كُتَابه أن يكتبوه له، فإنه لا يحنث، سواء كان أميًا أو كاتبًا، وكذلك إذا حلف أن لا يحفر هذا (2) البئر، ولا يَكْرِيَ هذا النهر، فأمر غيره بحَفْره وإكرائه أنه لا يحنث.

فصل [إبطال حيلة لمن حلف لا يفعل شيئًا ففعل بعضه]
ومن الحيل الباطلة لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، أو لا يسكن في [هذه] (3) الدار هذه السنة، أو لا يأكل هذا الطعام، [قالوا: يأكل] (4) الرغيف ويدع [منه] (5) لقمة واحدة، ويسكن السنة كلها إلا يومًا واحدًا، ويأكل الطعام كله إلا القَدْرَ اليسير منه ولو أنه لقمة.
وهذه الحيلة باطلة باردة (6)، ومتى فعل ذلك فقد أتى بحقيقة الحِنْث، وفَعَلَ
__________
(1) في (ق): "بل هو نفسه".
(2) في (ق): "هذا".
(3) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "فليأكل".
(5) سقط من (ق).
(6) في (ق): "وهذه حيلة باردة باطلة" وفي (ك): "وهذه حيلة باطلة باردة".
(5/252)

نَفْسَ ما حلف عليه، وهذه الحيلة لا تتأتى على قول من يقول: يحنث بفعل (1) بعض المحلوف عليه (2) ولا على قول من يقول: لا يحنث، لأنه لم يرد مثل هذه الصورة قطعًا، وإنما أراد به إذا أكل لقمة مثلًا من الطعام الذي حلف أنه لا (3) يأكله أو حبة من القِطْفِ الذي حلف على تركه، ولم يرد أنه يأكل القِطْفَ إلا حبَّة واحدة منه، وعالم لا يقول هذا.
ثم يلزم هذا المتحيل أن يجوِّز للمكلف فعل [كل] (4) ما نهى الشارع عن جملته فيفعله إلا القدر اليسير منه؛ فإن البر والحنث في الأيمان نظير الطاعة والمعصية في الأمر والنهي، ولذلك (5) لا يبر إلا بفعل المحلوف عليه جميعِهِ، لا بفعل بعضه، كما لا يكون مطيعًا إلا بفعله جميعِهِ، ويحنث بفعل بعضه كما يعصي بفعل بعضه، فيلزم هذا القائل أن يجوِّز للمحرم في الأحرام حَلْقَ (6) تسعة أعشار رأسه، بل وتسعة أعشار العشر الباقي؛ لأن اللَّه تعالى إنما نهاه عن حَلْق رأسه كله، لا عن بعضه، كما يُفتي لمن حلف لا يحلق رأسَه أن يحلقه إلا القدر اليسير منه.
وتأمل لو فعل المريض هذا فيما نهاه الطبيب عن تناوله، هل يُعَدُّ قابلًا منه؟ أو لو فعل مملوكُ الرجلِ أو زوجته أو ولده ذلك فيما نهاهم عنه، هل يكونون مطيعين له أم مخالفين؟ وإذا تحيل أحدهم على نقض غرض الآمر وإبطاله بأدنى الحيل، هل كان يقبل ذلك منه ويحمده عليه أو يعذره؟ وهل يعذر أحدًا من الناس يعامله بهذه الحيل؟ فكيف يُعامِل هو بهذا مَنْ لا تخفى عليه خافية؟

فصل [إبطال حيلة لإسقاط حق الحضانة]
ومن الحيل الباطلة المحرمة ما لو أراد الأب إسقاط حَضَانة الأم أن يسافر إلى غير بلدها، فيتبعه الولد.
وهذه الحيلة مُنَاقِضة لما قصده الشارع؛ فإنه جعل الأم أحق بالولد من الأب مع
__________
(1) في (ق): "على فعل".
(2) في (ن): "يحنث على فعل المحلوف عليه".
(3) في (ق): "ألّا".
(4) سقط من "ق".
(5) في (ن) و (ق): "وكذلك".
(6) في (ق): "أن يحلق".
(5/253)

قرب الدار وإمكان اللقاء كل وقت لو قضى به للأب، وقضى أن لا تولَّه والدة على ولدها، وأخبر أن مَنْ فَرَّق بين والدة وولدها فرّق اللَّه بينه وبين أحبته يوم القيامة (1)،
__________
(1) رواه أحمد في "مسنده" (5/ 412 - 413 و 414)، والترمذي (1283) في (البيوع): باب ما جاء في كراهية أن يفرق بين الأخوين، و (1566) في (السير): باب في كراهية التفريق بين السبي، والدارقطني (3/ 67)، والطبراني في "الكبير" (4080)، والحاكم (2/ 55)، والقضاعي (456)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (9/ 126)، والخطيب في "تالي التلخيص" (212 - بتحقيقي) من طريق حُيي بن عبد اللَّه المعافري عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن أبي أيوب الأنصاري رفعه.
وقال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. قال الزيلعي -رحمه اللَّه- (4/ 23 - 24): وفيما قاله نظر؛ لأن حيي بن عبد اللَّه لم يخرج له في "الصحيح" شيء، بل تكلم فيه بعضهم، قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (3/ 521): "قال البخاري: فيه نظر، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال النسائي: ليس بالقوي، قال: ولأجل الاختلاف فيه لم يصححه الترمذي.
أقول: وقد وجدت له متابعًا، فقد رواه الدارمي (2/ 227 - 228) من طريق الليث بن سعد قراءةً عن عبد الرحمن، وفي "نصب الراية": "عبد اللَّه بن جنادة" عن أبي عبد الرحمن الحبلي به، وهو كذلك في النسخ الخطية من "السنن"، انظر: "فتح المنان" (9/ 143 رقم 2636).
وعبد الرحمن بن جنادة هذا لم أجد له ترجمة، وهو خطأ لا وجود له، صوابه (عبد اللَّه بن جنادة) أحد أفراد الدارمي، ترجمة البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، ووثقه الهيثمي في "المجمع" (9/ 289) ويقع هذا غالبًا له فيمن وثقه ابن حبان، ثم وجدته في "ثقاته" (7/ 23).
وله طريق آخر عن أيوب: رواه البيهقي في "الشعب" (11081) من طريق بقية: حدثنا خالد بن حميد عن العلاء بن كثير عنه.
أقول: هذا إسناد رواته ثقات، ما عدا خالد بن حميد، فقد قال ابن أبي حاتم: لا بأس به. والعلاء بن كثير هو الإسكندراني، وهو ثقة لكنه لم يدرك أبا أيوب الأنصاري، وإنما يروي عن أبي عبد الرحمن الحُبلي، فأخشى أن يكون في الإسناد سقْطٌ.
فإن كان بإثبات أبي عبد الرحمن فتكون متابعة قوية لحيي بن عبد اللَّه المعافري، لكن أخشى من تدليس بقية، فيكون قد صنع شيئًا في الإسناد فانه يدلس تدليس التسوية.
وبعد أن كتبت هذا الكلام على الإسناد، وجدت الزيلعي قد عزا الحديث للبيهقي في "الشعب" بإسناد "السنن" نفسه، ثم نقل عن صاحب "التنقيح" أنه أعله بالانقطاع بين العلاء وأبي أيوب، كما قلت، فالحمد للَّه على توفيقه.
وأخرجه الفزاري في "السير" (109) عن معاوية بن يحيى عمن حدثه أن أبا أيوب به. وللحديث شواهد.
فقد رواه الدارقطني (3/ 68) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (3/ 1369 رقم 3455) =
(5/254)

ومنع أن تباع (1) الأم (2) دون ولدها والولد دونها، وان كانا في بلد واحد (3)، فكيف يجوز مع هذا التحيلُ على (4) التفريق بينها وبين ولدها تفريقًا تعزُّ معه رؤيته ولقاؤه ويعز عليها الصبر عنه وفقده؟ وهذا (5) من أمحل المحال، بل قضاء اللَّه ورسوله أحق أن الولد للأم: سافر الأب أو أقام، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للأم: "أنتِ أحَقُّ به ما لم تنكحي" (6)
__________
= من حديث حريث بن سليم العذري عن أبيه، وعزاه الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (1/ 74) لابن منده.
وفي إسناده الواقدي، كما قال الحافظ ابن حجر، والزيلعي في "نصب الراية" (4/ 24).
وله شواهد عن أبي موسى: رواه ابن أبي شيبة (7/ 193)، وابن ماجه (2250)، والدارقطني (3/ 67) -ومن طريقه ابن الجوزي في "التحقيق" (7/ 174 رقم 1717) - والقطيعي في "جزء الألف دينار" (رقم 307)، والمزي في "تهذيب الكمال" (13/ 462)، وإسناده ضعيف؛ فيه إبراهيم بن إسماعيل، وانظر: "بيان الوهم والإيهام" (2/ 223)، و"تنقيح التحقيق" للذهبي (7/ 174 و 10/ 181).
وله شاهد أيضًا من حديث عمران بن حصين: رواه الدارقطني (3/ 66 - 67)، والحاكم (2/ 55)، وتمام في "الفوائد" (رقم 729 - ترتيبه) والبيهقي (9/ 128)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو منقطع، طليق بن محمد -مع ما قيل فيه- لم يسمع من عمران، قاله الدارقطني في "أسئلة البرقاني" له (رقم 240) وبه جزم المنذري في "الترغيب" (5/ 51) والذهبي في "الميزان" (2/ 345) ووقع خلاف فيه على (طليق) فرواه عنه مرسلًا سعيد بن منصور (رقم 2658) وانظر: "نصب الراية" (4/ 25) و"علل الدارقطني" (7/ 217 - 218)، و"بيان الوهم والإيهام" (2/ 323).
(1) في (ك): "تبتاع".
(2) في (ق): "الأمة".
(3) مضى تخريجه مفصلًا، وانظر تعليقي على "الموافقات" (3/ 471 - 472).
(4) سقط من (ق).
(5) في (ك) و (ق): "هذا".
(6) رواه أبو داود (2276)، والحاكم (2/ 207)، والبيهقي (8/ 4 - 5)، من طريق الوليد بن مسلم: حدثني الأوزاعي: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا به.
وهذا إسناد جيّد، رجاله ثقات، والوليد بن مسلم مدلس صرّح بالسماع.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
ورواه عبد الرزاق (12597)، وأحمد (2/ 182)، والدارقطني (3/ 305) من طريق ابن جريج عن عمرو به، وابن جريج مدلس، ورواه أحمد (2/ 203)، وعبد الرزاق (12596)، وإسحاق بن راهويه -كما في "نصب الراية" (3/ 266) -، والدارقطني (3/ 304) من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب به، والمثنى ضعيف.
قال المصنف رحمه اللَّه في "زاد المعاد" (5/ 432): "فهو حديث احتاج الناس فيه إلى عمرو بن شعيب، ولم يجدوا أبدًا من الاحتجاج هنا به، ومدار الحديث عليه، وليس عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حديث في سقوط الحضانة بالتزويج غير هذا، وقد ذهب إليه الأئمة الأربعة وغيرهم".
(5/255)

فكيف يقال: أنت أحق به ما لم يسافر الأب (1)؟ وأين هذا في كتاب اللَّه عز وجل أو سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أو فتاوى أصحابه رضي اللَّه عنهم أو القياس الصحيح؟ فلا نص ولا قياس ولا مصلحة.

فصل [إبطال حيلة لجعل تصرفات المريض نافذة]
ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أراد حِرْمَان امرأته من الميراث، أو كانت (2) ترِكَتُه كلها عبيدًا وإماءً فأراد جَعْلَ تدبيرهم (3) من رأس المال، أن يقول في الصورة الأولى: إذا مُتُّ من مرضي هذا فأنت طالق قبل مرضي بساعةٍ ثلاثًا، ويقول في الصورة الثانية: إذا متُّ في (4) مرضي هذا فأنتم عُتَقَاء قبله بساعة، وحينئذ فيقع الطلاق والعتق في الصحة.
وهذه حيلة باطلة؛ فإن التعليق إنما وقع منه في حال مرض موته، ولم يقارنه أثره، وهو في هذه الحال لو نَجَّزَ العتق والطلاق لكان العتق من الثلث والطلاق غير مانع للميراث (5)، مع مقارنة أثره [له] (6)، وقوة المنجَّز وضعف المعلَّق، وأيضًا فالشرط هو موته في (7) مرضه، والجزاء المعلق عليه هو العتق والطلاق، والجزاء يستحيل (8) أن يسبق شرطه؛ إذ في ذلك إخراج الشرط عن حقيقته وحكمه، وقد تقدم تقرير ذلك في الحيلة السُّرَيْجية.

فصل [إبطال حيلة لتأخير رأس مال السلم]
ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا كان مع أحدهما دينار رديء ومع الآخر نصف دينار جيد، فأراد بيع أحدهما بالآخر، قال أرباب الحيل: الحَيلةُ أن يبيعه دينارًا بدينار في الذمّة، ثم يأخذ البائع الدينارَ الذي يريد شراءه بالنصف، فيريد الآخر دينارًا عوضه، فيدفع إليه نصف الدينار وفاءً، ثم يستقرضه منه، فيبقى له في
__________
(1) في (ن) و (ك): "مع الأب"، وفي (ق): "ما لم تسافري مع الأب".
(2) في (ق): "وكانت".
(3) في (ك): "مدبريهم".
(4) في (ق): "من".
(5) في (ق): "من الميراث".
(6) سقط من (ق).
(7) في (ق) و (ك): "من".
(8) في (ق): "مستحيل".
(5/256)

ذمته نصف دينار، ثم يعيده إليه وفاءً عن قرضه، فيبرأ منه (1)، ويفوز كل منهما بما كان مع الآخر.

[تحيل في السلم]
ومثل هذه الحيلة لو أراد أن يجعل بعض رأس مال السَّلَم دينارًا (2) يوفيه إياه في وقت آخر، بأن يكون معه نصف دينار [ويريد أن يُسلم إليه دينارًا] (3) في كَرِّ حنطةٍ، فالحيلة أن يسلم إليه دينارًا غير معين، ثم يوفيه نصف الدينار، ثم يعود فيستقرضه منه، ثم يوفيه إياه عمَّا له عليه من دين، فيتفرَّقان وقد بقي له في ذمته نصف دينار.
وهذه الحيلة من أقبح الحيل؛ فإنهما لا يخرجان بها عن بيع دينار بنصف دينار (4)، ولا عن تأخير رأس مال السلم عن مجلس العقد، ولكن توصَّلَا إلى ذلك بالقَرْض الذي جعلا صورته مبيحة لصريح الربا، ولتأخير قبض رأس مال السلم، وهذا غير القرض الذي جاءت به الشريعة، وهو قَرْضٌ لم يشرعه اللَّه، وإنما اتخذه المتعاقدان تلاعبًا بحدود اللَّه وأحكامه، واتخاذًا لآياته هزوًا، وإذا كان القرض الذي يجر النفع ربًا عند صاحب الشرع، فكيف بالقرض الذي يجر صريح الربا وتأخير قبض رأس مال السلم؟

فصل [إبطال حيلة لإسقاط حق الشفعة]
ومن الحيل الباطلة المحرمة التحيل على إسقاط ما جَعله اللَّه سبحانه حقًا للشريك على شريكه من استحقاق الشفعة دفعًا للضرر، والتحيل لإبطالها مناقض لهذا الغرض، وإبطال لهذا الحكم بطريق التحيل (5). وقد ذكروا وجوهًا من الحيل:
منها: أن يتفقا على مقدار الثمن، ثم عند العقد يصبره صُبْرة غير موزونة، فلا يعرف الشفيع ما يدفع، فإذا فَعَلَا ذلك فللشفيع أن يستحلف (6) المشتري أنه لا
__________
(1) في هامش (ق): "لعله يريد: من قرضه".
(2) في (ك): "دينًا".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(4) في (ق): "نصف دينار بدينار".
(5) انظر: "إغاثة اللهفان" (368/ 1)، و"تهذيب السنن" (2/ 194 و 5/ 165 - 167)، و"الطرق الحكمية" (ص 282).
(6) في (ق): "يُحَلّف".
(5/257)

يعرف قدر الثمن، فإن نكل قضى عليه بنكوله، وإن حلف فللشفيع أخذ الشَّقْصِ بقيمته.
ومنها: أن يَهَبَ الشقص للمشتري، ثم يهبه المشتري ما يرضيه، وهذا لا يسقط الشفعة، وهذا بيع وإن لم يتلفظَّا به، فله أن يأخذ الشقص بنظير الموهوب.
ومنها: أن يشتري الشقص، ويضم إليه سكينًا أو منديلًا بألف درهم، فيصير حصة الشقص من الثمن مجهولة، وهذا لا يُسقط الشفعة، بل يأخذ الشفيع الشقص بقيمته كما لو اسْتُحِق أحد العوضين وأراد المشتري أخذ الآخر، فإنه يأخذه بحصته من الثمن إن انقسم الثمن عليهما بالأجزاء، وإلا فبقيمته، وهذا الشقص مستحق شرعًا؛ فإن الشارع جعل الشفيع أحق به من المشتري بثمنه، فلا يسقط حقه منه بالحيلة والمكر والخداع.
ومنها: أن يشتري الشقص بألف دينار، ثم يصارفه عن كل دينار بدرهمين فإذا أراد أخْذَه أخَذَه بالثمن الذي وقع عليه العقد.
وهذه الحيلة لا تسقط الشفعة، وإذا أراد أخْذَه أخَذَه بالثمن الذي استقر عليه العقد وتواطأ عليه البائع والمشتري؛ فإنه هو الذي انعقد به العقد، ولا عبرة بما أظهراه من الكذب والزور والبهتان الذي لا حقيقة له؛ ولهذا لو استحق المبيع فإن المشتري لا يرجع على البائع بألف دينار، وإنما يرجع عليه بالثمن الذي تواطآ عليه واستقر عليه العقد؛ فالذي يرجع به عند الاستحقاق هو الذي يدفعه الشفيع عند الأخذ، هذا محض العَدْلِ الذي أرسل اللَّه سبحانه به رسله وأنزل به كتبه ولا تحصل (1) الشريعة سواه.
ومنها: أن يشتري بائعُ الشّقْص [من المشتري عبدًا قيمته مئة درهم بألف درهم في ذمته، ثم يبيعه الشقص بالألف (2)، وهذه الحيلة لا تبطل الشفعة، ويأخذ الشفيع الشقص] (3) بالثمن الذي يرجع به المشتري على البائع إذا استحق المبيع، وهو قيمة العبد.
ومنها: أن يشتري الشَّقْصَ بألف وهو يساوي مئة، ثم يبرئه البائع من تسع مئة، وهذا لا يسقط الشفعة، ويأخذه الشفيع بما بقي من الثمن بعد الإسقاط، وهو الذي يرجع به إذا استحق المبيع.
__________
(1) في (ك) و (ق): "تحتمل".
(2) في (ك): "بألف".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(5/258)

ومنها: أن يشتري جزءًا من الشقص بالثمن كله، ثم يهب له بقية الشقص. وهذا لا يُسْقِطها، ويأخذ الشفيع الشقص كلَّه بالثمن؛ فإن هذه الهبة لا حقيقة لها، والموهوب هو المبيع بعينه، ولا تغيّر حقائق العقود وأحكامها التي شرعت فيها بتغيّر العبارة.
وليس للمكلَّف أنْ يغيّر حكم العقد بتغيير عبارته فقط مع قيام حقيقته، وهذا لو أراد من البائع أن يهبه جزءًا من ألف جزء من الشَّقْص بغير عوض لما سمحتْ نفسُه بذلك البتة، فكيف يَهَبهُ ما يساوي مئة ألف بلا عوض؟ وكيف يشتري منه (1) الآخر مئة درهم بمئة ألف [درهم] (2)؟ وهل هذا إلا سَفَهٌ يقدح في صحة العقد؟
قال الإمام أحمد رضي اللَّه عنه في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد سأله عن الحيلة في إبطال الشفعة، فقال: لا يجوز شيء من الحيل في ذلك، ولا في إبطال حق مسلم (3).
وقال عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنه- في هذه الحيل (4) وأشباهها: مَنْ يخدع اللَّه يخدعه، والحيلة خديعة (5).
وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تحلُّ الخَدِيعَةُ لمسلم" (6)، واللَّه تعالى ذم المخادعين، والمتحيل مخادع؛ لأن (7) الشفعة شُرعت لدفع الضرر، فلو شرع
__________
(1) قال (د)، و (ط): "في نسخة: وكيف يشتري من الآخر"، وزاد (ط): "انظر: "إعلام الموقعين" ط فرج اللَّه زكي الكردي ج 3 ص 320".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) ذكرها ابن تيمية في "بيان الدليل" (ص 60)، وهي في (ك).
(4) في (ق): "الحيلة".
(5) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (1/ 300)، والبيهقي (7/ 337)، ومضى نحوه وهناك تفصيل تخريجه.
(6) رواه أبو داود الطيالسي (1345) -ومن طريقه البيهقي (5/ 317) - وأحمد في "مسنده" (1/ 433)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (5/ 95)، وابن ماجه (2241) في (التجارات): باب بيع المصراة من طريق المسعودي عن جابر الجعفي عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بيع المحفَّلات خِلابةٌ، ولا تحلَّ الخِلابة لمسلم".
قال البوصيري (2/ 19): "هذا إسناد فيه جابر الجعفي وقد اتهموه". وكذا ضعفه الحافظ ابن حجر في "الفتح" (4/ 367)، ورجّحا الوقف، وقد رجح الوقف أيضًا البيهقي.
رواه موقوفًا ابن أبي شيبة (5/ 94)، والبيهقي (5/ 317) وقال: إسناده صحيح.
(7) في (ق) و (ك): "ولأن".
(5/259)

التحيل لإبطالها لكان عَوْدًا على مقصود الشريعة بالإبطال، ولَلَحِقَ الضرر الذي قصد إبطاله.

فصل [إبطال حيلة لتفويت حق القسمة]
ومن الحيل الباطلة التحيلُ على إبطال القسمة في الأرض القابله لها، بأن يقف الشريك منها سَهْمًا من مئة ألف سهم مثلًا على [مَنْ يريد] (1)، فيصير الشريك شريكًا في الوقف، والقسمة بيع (2)؛ فتبطل.
وهذه حيلة (3) فاسدة باردة لا تبطل حق الشريك من القسمة، وتجوز القسمة ولو وقف حصته كلها؛ فإن القسمة إفراز حق وإن تضمنت مُعَاوضة، وهي غير البيع حقيقة واسمًا وحكمًا وعرفًا، ولا يُسمَّى القاسم بائعًا لا لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا، ولا يقال للشريكين إذا تقاسما: تَبَايَعا، ولا يقال لواحد منهما: إنه قد باع ملكه، ولا يدخل المتقاسمان تحت نص واحد من النصوص المتناولة للبيع، ولا يقال لناظر الوقف إذا أفرز الوقف وقسمه من غيره: إنه قد باع الوقف، وللآخر إنه قد اشترى الوقف، وكيف ينعقد البيع بلفظ القسمة؟ ولو كانت بيعًا لوجَبَتْ فيها الشفعة، ولو كانت بيعًا لما أُجبر الشريك عليها إذا طلبها شريكه؛ فإن أحدًا لا يُجْبَر على بيع ماله، ويلزم (4) بإخراج القرعة، بخلاف البيع، ويتقدَّر أحد النصيبين فيها بقدر النصيب الآخر إذا تساويا، وبالجملة فهي منفردة عن البيع باسمها وحقيقتها وحكمها.

فصل [إبطال حيلة لتصحيح المزارعة مع القول بفسادها]
ومن الحيل الباطلة التحيل على تصحيح المزارعة لمن يعتقد فسادها، بأن يدفع الأرض إلى المزارع ويؤجّره نصفها مشاعًا مدة معلومة يزرعها ببذره على أن يزرع للمؤجر النصف الآخر ببذره تلك المُدَّة، ويحفظه ويسقيه ويحصده ويذريه، فإذا فعلا ذلك أخرج البذر منهما نصفين نصفًا من المالك ونصفًا من المزارع، ثم
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "زيد".
(2) في (ك): "تبع".
(3) في (ق): "الحيلة".
(4) في (ن): "ولا يلزم".
(5/260)

خَلَطاه، فتكون الغلة بينهما نصفين، فإذا أراد صاحب الأرض أن يعود إليه ثلثا الغلة آجَرَه ثلث الأرض مدة معلومة على أن يزرع له مدة الإجارة ثلثي الأرض ويخرجان البذر منهما أثلاثًا ويخلطانه، وإن أراد المزارع أن يكون له ثلثا البذر استأجر ثلثي الأرض بِزَرع (1) الثلث الآخر كما تقدم (2).
فتأمل هذه الحيلة الطويلة الباردة المتعبة، وترك الطريق المشروعة التي فعلها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى كأنها رأي عين، واتفق عليها الصحابة، وصَحَّ فعلها عن الخلفاء الراشدين صحةً لا يشك فيها، كما حكاه البخاري في "صحيحه" (3)، فما مثل هذا (4) العدول عن طريقة القوم إلى هذه الحيلة الطويلة السمجة إلا بمنزلة مَنْ أراد الحجّ (5) من المدينة على الطريق التي حجّ فيها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه، فقيل له: هذه الطريق مسدودة، وإذا أردت أن تحج فاذهب إلى الشام ثم منها إلى العراق، ثم حج على دَرْب العراق وقد وصلت.
فياللَّه العجب! كيف تُسدُّ عليه الطَّريقُ القريبة السهلة القليلة الخطر التي سلكها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه ويُدل على الطرق (6) الطويلة الصعبة المشقة الخطرة التي لم يسلكها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا أحد من أصحابه؟
فلله العظيمِ عظيمُ حمدٍ ... كما أهدى لنا نعمًا غزارًا
وهذا شأن جميع الحيل إذا كانت صحيحة جائزة، وأما إذا كانت باطلة (4) محرمة فتلك لها شأن آخر، وهي طريق إلى مقصد آخر (7) غير الكعبة البيت الحرام، وباللَّه التوفيق.
__________
(1) في (ق): "ويزرع".
(2) انظر: "زاد المعاد" (2/ 77، 143)، و"الطرق الحكمية" (ص 286 - 290) و"تهذيب السنن" (5/ 56 - 66).
(3) "يقول الشوكاني: وقد ساق البخاري في "صحيحه" عن السلف غير هذه الآثار، ولعله أراد بذكرها الإشارة إلى أن الصحابة لم ينقل عنهم الخلاف في الجواز خصوصًا أهل المدينة، وقال طاوس وطائفة قليلة: لا يجوز كراء الأرض مطلقًا؛ لا بجزء من الثمر والطعام، ولا بذهب، ولا بفضة، ولا بغير ذلك، وذهب إليه ابن حزم، وقواه، واحتج له بالأحاديث المطلقة" (و).
قلت: فقد تقدمت هذه الآثار عنهم مفصلة مخرجة انظرها (4/ 200).
(4) سقط من (ق).
(5) في (ك): "أن يحج".
(6) في (ن) و (ق): "الطريق".
(7) في (ن) و (ق): "مقصود آخر".
(5/261)

فصل [إبطال حيلة لإسقاط حقّ الأب في الرجوع في الهبة ونحو ذلك]
ومن الحيل الباطلة التي لا تُسقط الحقَّ [إذا أراد الابنُ] (1) مَنْعَ الأب الرجوعَ فيما وهبه إياه أن يبيعه لغيره، ثم يستقيله إياه، وكذلك المرأة إذا أرادت منع الزوج من الرجوع في نصف الصداق باعته ثم استقالته.
وهذا لا يمنع الرجوع؛ فإن المحذور إبطال حق الغير من العين، وهذا لا يبطل للغير حقًا، والزائل العَائد كالذي لم يزل ولا سيما (2) إذا كان زواله إنما جُعل ذَرِيعة وصورة إلى إبطال حق الغير؛ فإنه لا يبطل بذلك.
يوضحه أن الحق كان متعلّقًا بالعين تعلقًا قَدَّمَ الشارعُ مستحقَّه على المالك لقوته، ولا يكون صورة إخراجه عن يد المالك إخراجًا لا حقيقة له أقوى من الاستحقاق الذي أثبت الشارع به انتزاعه من يد المالك، بل لو كان الإخراج حقيقةً ثم عاد لعاد حَقُّ الأول من الأخذ لوجود مقتضيه وزوال مانعه، والحكم إذا كان له مقتضٍ فمنعَ مانعٌ من إعماله ثم زال المانعُ اقتضى المُقتضى عمله.

فصل [إبطال حيلة لتجويز الوصية للوارث]
ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أراد أن يخص بعض ورثته ببعض الميراث، وقد علم أن الوصية لا تجوز، وأن عطيّته في مرضه وصية؛ فالحيلة أن يقول: كنت وهبت له كذا وكذا في صحتي، أو يقرّ له بدَيْن، فيتقدم به.
وهذا باطل، والإقرار للوارث في مرض الموت لا يصح للتهمة عند الجمهور (3)، بل مالك يرده للأجنبي إذا ظهرت التهمة (4)، وقوله هو الصحيح،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) في (ق): "ولأنه".
(3) انظر: "اللباب" (2/ 85)، "تحفة الفقهاء" (3/ 202)، "العناية" (8/ 7)، "مختصر الطحاوي" (116)، "مختصر اختلاف العلماء" (4/ 210 رقم 1906)، "المغني" (5/ 342 - مع الشرح الكبير)، "مختصر المزني" (111)، "المهذب" (2/ 344)، "فتح العزيز" (11/ 96). "روضة الطالبين" (4/ 353 - 354)، "مختصر الخلافيات" (3/ 405 رقم 130)، "المحلى" (8/ 254).
(4) انظر: "الإشراف" (3/ 97 مسألة رقم 955) وتعليقي عليه.
(5/262)

وأما إقراره أنه كان وهَبَه إياه في صحته فلا يقبل أيضًا كما لا يقبل (1) إقراره له بالدَّيْن، ولا فرق بين إقراره له بالدين أو بالعين، وأيضًا فهذا المريض لا يملك إنشاء عقد التبرع المذكور؛ فلا يملك الإقرار به، لاتحاد المعنى الموجب لبطلان الإنشاء، فإنه بعينه قائم في الإقرار، وبهذا يزول (2) النقض بالصور التي يملك فيها الإقرارَ دون الإنشاء، فإن المعنى الذي منع من الإنشاء هناك لم يوجد في الإقرار، فتأمل هذا الفرق.

فصل [تحيل لمحاباة وارثه في مرضه]
ومن الحيل الباطلة [المحرمة] (3) إذا أراد أن يحابي وارثَه في مرضه أن يبيع أجنبيًا شفيعُه وارثُه شِقْصًا بدون ثمنه، ليأخذه وارثه بالشفعة.
فمتى قصد ذلك حرمت المحاباة المذكورة، وكان للورثة إبطالها إذا كانت حيلة على محاباة الوارث، وهذا كما يبطل الإقرار له؛ لأنه [قد] (4) يتخذ حيلة لتخصيصه.
وقال أصحابنا: له الأخذ بالشفعة، وهذا لا يستقيم على أصول المذهب، إلا إذا لم يكن حيلة، فأما إذا كان حيلة فأصولُ المذهب تقتضي ما ذكرناه، ومن اعتبر سَدَّ الذرائع فأصله يقتضي عدم الأخذ بها وإن لمَ يقصد الحيلة، فإن قصد التحيل امتنع الأخذ لذلك، وإن لم يقصده امتنع سَدًّا للذريعة.

فصل [تحيلهم لإسقاط الأرش (5) في الموضحة]
ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أوْضَحَ رأسَه في موضعين وجب عليه عشرة [أبْعِرَةٍ] (6) من الإبل، فإذا أراد جعلها خمسة فليوضحه ثالثة تخرق ما بينهما.
__________
(1) في (ن) و (ق): "كما لا يصلح".
(2) في (ك): "نزول".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك)، وفي (ك): "يتخذه" بدل "يتخذ".
(5) "سميت أرشًا من قولهم: أرشت بين القوم إذا وقعت بينهم، والأرش يجبر الجراحة والجناية" (و).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(5/263)

وهذه الحيلة مع أنها محرمة فإنها لا تُسْقِطُ ما وجب عليه، فإن العَشْرَ لا تجب عليه إلا بالاندمال، فإذا فعل ذلك بعد الاندمال فهي موضحة (1) ثالثة، وعليه ديتها، فإن كان قبل الاندمال ولم (2) يستقر أرْشُ الموضحتين الأوليين حتى صار الكل واحدة من جَانب (3)، واحد فهو كما لو سَرَتِ الجناية حتى خرقت ما بينهما فإنها تصير واحدة.
وهكذا لو قطع أصبعًا بعد أصبع من امرأة حتى قطع أربعًا؛ فإنه يجب عشرون، ولو اقتصر على الثلاث وجب ثلاثون، وهذا بخلاف ما لو قطع الرابعة بعد الاندمال؛ فإنه يجب فيها عَشْر، كما لو تعدد الجاني فإنه يجب على كل واحد أرْشُ جنايته قبل الاندمال وبعده، وكذلك لو قطع أطراف رجل وجب عليه دِيَّاتٌ، فإن اندملت ثم قتله بعد ذلك فعليه مع تلك الديات دية نفس، ولو قتله قبل الاندمال فدية واحدة، كما لو قطَّعه عضوًا عضوًا حتى مات.

فصل [إبطال حيل لإسقاط حد السرقة]
ومن الحيل الباطلة الحيلُ التي فتحت للسُّرَّاق واللصوص التي لو صحت لم تقطع يد سارق أبدًا، ولعمَّ الفساد، وتتابع السراق في السرقة.
فمنها: أن ينقب أحدهما [السطح] (4) ولا يدخل، ثم يُدخل عبده أو شريكه فيُخْرِجُ المتاع [من السَّطح] (5).
ومنها: أن ينزل أحدهما من السطح، فيفتح الباب من داخل، ويدخل الآخر فيخرج المتاع.
ومنها: أن يدعي أنه ملكه، وأن رب البيت عَبْده، فبمجرد ما يدعي ذلك
__________
(1) "شجة تبدي العظم" (و).
(2) في (ك) و (ق): "لم".
(3) كذا في (ك) و (ق) وفي سائر الأصول: "جانٍ".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك).
(5) مذهب المالكية والشافعية وزفر من الحنفية أن تقطع يد المخرج، ورجَّح هذا ابن المنذر وأبي ثور، وقال أبو حنيفة: القياس هذا، ولكن المتاع إن بلغ ما يقسط على كل واحد نصابًا قطعت يد كل واحدًا استحسانًا، وانظر تفصيل المسألة في، "الإشراف" (4/ 473 - 474 مسألة 1770) وتعليقي عليه.
وما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(5/264)

يسقط عنه القطع، ولو كان رب البيت معروفَ النسب، والناس تعرف (1) أن المالَ ماله، وأبلغ من هذا أنه لو ادعى العبدُ السارقُ أن المسروق لسيده وكذَّبه السيد، قالوا: فلا قطع عليه، بل يسقط عنه [القطع] بهذه الدعوى (2).
ومنها: أن يَبْلَعَ الجوهرة أو الدنانير ويخرج بها.
ومنها: أن يغير هيئة المسروق بالحِرْزِ (3) ثم يخرج به.
ومنها: أن يدعي أن ربَّ الدار أدخله داره، وفتح له باب داره، فيسقط عنه القطع، وإن كذبه، إلى أمثال ذلك من الأقوال التي حقيقتُها أنه لا يجب القطع على سارق البتة.
وكل هذه حيل باطلة لا تُسْقِطُ القطع، ولا تُثِيرُ أدنى شبهة، ومحال أن تأتي شريعة بإسقاط عقوبة هذه الجريمة بها، بل ولا سياسة عادلة؛ فإن الشرائع مبنية على مصالح العباد، وفي هذه الحيل أعْظَمُ الفساد، ولو أن ملكًا من الملوك وَضَع عقوبة على جريمة من الجَرَائم لمصلحة رعيته ثم أسقطها بأمثال (4) هذه الحيل عُدَّ متلاعبًا.

فصل [إبطال حيلة لإسقاط حد الزنا]
ومن الحيل الباطلة الحيلَةُ التي تتضمن إسقاط حد الزنا بالكلية، وترفع هذه الشريعة من الأرض، بأن يستأجر المرأة لتطوي له ثيابه، أو تحوِّل له متاعًا من جانب الدار إلى جانب آخر، أو يستأجرها لنفس الزنا، ثم يزني بها؛ فلا يجب عليه الحد (5).
__________
(1) في (ن) و (ك) و (ق): "يعرفون".
(2) قال القاضي عبد الوهاب في "الإشراف" (4/ 500 مسألة 1790): "ولأن القطع شرع لصيانة الأموال وحفظها وفي قبول دعوى السارق ذريعة إلى إسقاط هذا المعنى لأن كل سارق يمكن أن يدعي المسروق لنفسه ليتخلص من القطع".
وانظر تعليقي على المسألة فيه، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ن): "بالقطع".
(4) في (ن) و (ق): "بمثل".
(5) هذا قول أبي حنيفة وأما المذهب المعتمد عند الحنفية فهو قول أبي يوسف محمد وهو وجوب الحد، وانظر "مجمع الأنهر" (1/ 595)، "شرح فتح القدير" (4/ 150)، "المبسوط" (9/ 58)، "الدر المختار" (4/ 29).
وهو أيضًا مذهب الشيعة الإمامية: انظر: "اللمعة الدمشقية" (9/ 57)، "شرح شرائع =
(5/265)

وأعظم من هذا كله أنه إذا أراد أن يزني بأمُّه أو أخته (1) أو ابنته أو خالته أو عمته ولا يجب عليه الحد فليعقد عليها عقد النكاح بشهادة فاسِقَين، ثم يطؤها ولا حد عليه (2).
وأعظم من ذلك أن الرجلَ المحصَنَ إذا أراد أن يزني ولا يُحدّ فليرتدّ ثم يسلم فإنه إذا زنَى بعد ذلك فلا حَدَّ عليه أبدًا حتى يستأنف نكاحًا أو وطئًا جديدًا.
وأعظم من هذا كله أنه إذا زنى بأمُّه وخاف من إقامة الحد عليه فليقتلها، فإذا فعل ذلك سقط عنه الحد، وإذا شهد عليه الشهود بالزنا ولم يمكنه القَدْح فيهم فليصدقهم (3)، فإذا صدقهم سقط عنه الحد.
ولا يخفى أمر هذه الحيل ونسبتها إلى دين الإسلام، وهل (4) هي نسبة موافقة أو هي نسبة مناقضة؟! (5)

فصل [إبطال حيلة لإبرار من حلف لا يأكل شيئًا ثم غيَّره عن حاله الأول]
ومن الحيل الباطلة أنه إذا حلف لا يأكل من هذا القمح، فالحيلة أن يطحنه ويعجنه ويأكله خبزًا، وطَرْدُ هذه الحيلة الباردة أنه إذا حلف لا يأكل هذه الشاة فليذبحها وليطبخها ثم يأكلها، وإذا حلف أنه (6) لا يأكل من هذه النخلة فليجدَّ ثمرها ثم يأكله (7)، فإن طردوا ذلك فمن الفضائح الشنيعة، وإن فرَّقوا تناقضوا،
__________
= الإسلام" (4/ 15)، ونقله ابن حزم في "المحلى" (11/ 150) عن ابن الماجشون وانظر تفصيل ذلك والكلام عليه في "الإشراف" (4/ 233 - مسألة 1587) للقاضي عبد الوهاب وتعليقي عليه.
(1) في (ك) و (ق): "وأخته".
(2) "المبسوط" (9/ 85)، "مختصر اختلاف العلماء" (3/ 296 رقم 1414) وانظر تفصيل المسألة في "الإشراف" (4/ 231 مسألة 1586) للقاضي عبد الوهاب وتعليقي عليه.
(3) "زعم المتحيلون أن تصديقه إقرار الزنا، فلا يحتاج إلى شهادة الشهود، ولا يكون ثبوته عليه بالشهادة، ثم بعد ذلك يرجع هذا الإقرار، فيسقط عنه الحد" (د).
(4) في (ك) و (ق): "هل".
(5) انظر: "الداء والدواء" (ص 256)، و"بدائع الفوائد" (3/ 130)، و"الحدود والتعزيرات" (ص 157 - 158).
وفي (ن): "أو هي نسبة متناقضة"!
(6) سقط من (ق).
(7) في المطبوع: "يأكلها".
(5/266)

فإن قالوا: "الحنطة يمكن أكلها صحاحًا بخلاف الشاة والنخلة، فإنه لا يمكن فيها ذلك" قيل: والعادة أن الحنطة لا يأكلها صحاحًا إلا الدواب والطير، وإنما تؤكل خبزًا، فكلاهما سواء عند الحالف وكل عاقل.

فصل [حيلة اليهود في الشحوم وإبطالها]
ومن الحيل الباطلة المحرمة المضاهية [للحيلة اليهودية] (1) ما لو حلف أنه لا يأكل هذا الشحم فالحيلة أن يُذِيبه ثم يأكله (2).
وهذا كله تصديق لقول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لتتبعُنَّ سنَنَ مَنْ كان قبلكم حَذْوَ القُذْةِ بالقذة (3)، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فَمنْ؟ " (4) وتصديق قوله: "لتأخذن أمتي ما أخذ الأمم قبلها شبرًا بشبر (5)، وذراعًا بذراع، حتى لو كان منهم مَنْ أتى أمه علانية لكان فيهم مَنْ يفعله" (6).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك).
(2) في المطبوع: "ثم يأكل".
(3) "القذة: ريش السهم، والمعنى: كما تقدر كل واحدة منهما على قدر صاحبتها وتقطع، يضرب مثلًا للشيئين يستويان، ولا يتفاوتان" (و).
(4) رواه البخاري (3456) في (أحاديث الأنبياء): باب ما ذكر عن بني إسرائيل، و (7320) في (الاعتصام): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لتتبعن سنن مش كان قبلكم"، ومسلم (2669) في (العلم): باب اتباع سنن اليهود والنصارى، من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لا تبعتموهم، قلنا: يا رسول اللَّه آليهود والنصارى؟ قال: "فمن"؟
(5) في (د): "شبرًا شبرًا"! وفي (ك) و (ق): "لتأخذ" بدل "لتأخذن".
(6) رواه الترمذي (2641) في (الإيمان): باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، والحاكم (1/ 129 والآجريّ في "الشريعة" (رقم 24 - ط الدميجي) و"الأربعين" (رقم 13)، وابن وضاح في "البدع" (رقم 270)، وابن نصر (62)، واللالكائي (146، 147) كلاهما في "السنة"، والتميمي في "الحجة" (17،16)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (2/ 262)، وابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص 16) من طريق عبد الرحمن بن زياد الإفريقي عن عبد اللَّه بن يزيد عن عبد اللَّه بن عمرو.
وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا مش هذا الوجه.
قال المناوي في "فيض القدير" (5/ 347): "فيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، قال الذهبي: ضعفوه".
لكن له شاهد من حديث ابن عباس: رواه الدولابي في "الكنى" (2/ 30)، والحاكم (4/ 455) من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن أبي عروة موسى بن ميسرة =
(5/267)

وهذه الحيلة في الشحوم هي حيلة اليهود (1) بعينها، بل أبلغ منها (2) فإن أولئك لم يأكلوا الشحم بعد إذابته وإنما أكلوا ثمنه.

[فصل] [إبطال حيلة لتجويز نكاح الأمة مع الطَّوْل]
ومن الحيل الباطلة المحرمة لمن أراد أن يتزوج بأمةٍ وهو قادر على نكاح حرة أن يُمَلِّكَ ماله لولده ثم يعقد على الأمة ثم يسترد المال منه.
وهذه الحيلة لا ترفعٍ المفسدة التي حُرِّم (3) لأجلها نكاح الأمة، ولا تخففها، ولا تجعله عادمًا للطَّوْلِ، فلا تدخل في قوله: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ [يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ] (4)} [النساء: 25] وهذه الحيلة حيلة على استباحة نفس ما حرم اللَّه تعالى.

فصل [تحيلهم لتعلية الكافر بناءَه على مسلم وإبطاله]
ومنها لو علَّا (5) كافر بناءه على مسلم مُنِعَ من ذلك، فالحيلة على جوازه أن
__________
= الديلمي، وابن أخيه ثور الديلمي بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: "لتركبن سنن من كان قبلكم. . . وحتى لو أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم".
ولفظه عند الحاكم: "حتى لو أن أحدهم جامع امرأته".
ويظهر أن فيه تحريفًا، إذا إن البزار وغيره رووه بلفظ: "ضاجع أمه" كما يأتي.
زاد الدولابي في إسناده: قال (أي: أبو أويس): ولا أعلمهما إلا حدثاني مثل ذلك سواء عن أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع عن أبي هريرة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي.
ورواه ابن نصر في "السنة" (43)، والبزار (3285 - زوائده) من طريقين عن أبي أويس عن ثور بن زيد عن عكرمة به.
قال البزار: "لا نعلمه إلا بهذا الإسناد، وثور مدني ثقة مشهور"، زاد ابن نصر: ثور بن زيد، وموسى بن ميسرة.
وقال الهيثمي في "المجمع" بعد أن عزاه للبزار (7/ 261): رجاله ثقات.
فهذا شاهد جيد لحديث الباب فيتقوى به، وانظر تعليقي على "الاعتصام" (3/ 157 - 158).
(1) في (ق) و (ك): "الحيلة اليهودية".
(2) في (ق): "بل هي أبلغ منها".
(3) في (ق): "حرم اللَّه".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(5) في (ك) و (ق): "أعلى".
(5/268)

يعليها مسلم ما شاء ثم يشتريها الكافر منه فيسكنها.
وهذه الحيلة وإن ذكرها بعض الأصحاب فهي مما أدخلت في المذهب غلطًا محضًا، ولا توافق أصوله ولا فروعه؛ فالصواب المقطوع به عدم تمكينه من سكناها؛ فإن المفسدة لم تكن في نفس البناء، وإنما كانت في ترّفعه على المسلمين. ومعلوم قطعًا أن هذه المفسدة في الموضعين واحدة.

فصل [إسقاط حيلة لإبراء الغاصب من الضمان]
ومن الحيل الباطلة إذا غَصَبَه (1) طعامًا ثم أراد أن يبرأ منه ولا يعلمه به، فليَدْعُه إلى داره، ثم يقدم له ذلك الطعام، فإذا أكله برئ الغاصب.
وهذه الحيلة باطلة، فإنه لم يملكه إياه، ولا مكَّنه من التصرف فيه، فلم يكن بذلك رادًا لعين ماله [إليه] (2).
فإن قيل: فما تقولون لو أهداه إليه فقَبله وتصرَّف فيه وهو لا يعلم أنه ماله؟
قيل: إن خاف من إعلامه به ضررًا يلحقه منه برئ بذلك، وإن لم يخف ضررًا وإنما أراد المنة عليه ونحو ذلك لم يبرأ، ولا سيما إن كافأه على الهدية فقبل، فهذا لا يبرأ قَطْعًا.

فصل [إبطال حيل في الأيمان]
ومن الحيل الباطلة بلا شك الحيلُ التي يُفتى بها مَنْ حلف لا يفعل الشيء ثم حلف ليفعلنه، فيتحيل له حتى يفعله بلا حنث، وذكروا لها صورًا:
أحدها: أن يحلف لا يأكل هذا الطعام، ثم يحلف هو أو غيره ليأكلنَّه، فالحيلة أن يأكل إلا لقمة منه، فلا يحنث.
ومنها لو حلف أن لا يأكل هذا الجبن (3)، ثم حلف ليأكلنه، قالوا (4): فالحيلة أن يأكله بالخبز، ويبر ولا يحنث.
ومنها: لو حلف لا يلبسُ هذا الثوب، ثم حلف هو أو غيره ليلبسنَّه،
__________
(1) في (ن): "أغصبه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ن) و (ق): "هذا الخبز"!
(4) سقط من (ق).
(5/269)

فالحيلة أن يقطع منه شيئًا يسيرًا ثم (1) يلبسه، فلا يحنث.
وطَرْدُ قولهم أن ينسل (2) منه خيطًا ثم يلبسه.
ولا يخفى أمر هذه الحيلة وبطلانها، وأنها من أقبح الخداع وأسمجه، ولا يتمشَّى على قواعد الفقه ولا فروعه ولا أصول الأئمة؛ فإنه إن كان بِتَرْك البعض لا يُعَدُّ آكلًا ولا لابسًا فإنه لا يبرأ بالحلف ليفعلن فإنه إن عدَّ فاعلًا وجب أن يحنث في جانب النفي، وإن لم يعد فاعلًا وجب أن يحنث في جانب الثبوت، فأما أن يُعد فاعلًا بالنسبة إلى الثبوت وغيرَ فاعلٍ بالنسبة إلى النفي فتلَاعُبٌ.

فصل [إبطال حيل في الظهار والإيلاء ونحوهما]
ومنها الحيل التي تُبْطِل الظهار والإيلاء والطلاق والعتق بالكلية، وهي مشتقة من الحيلة السريجية، كقوله: إن تَظَاهَرْتُ منك أو آليتُ منك فأنتِ طالق [قبله] (3) ثلاثًا، فلا يمكنه بعد ذلك ظهار ولا إيلاء، وكذلك يقول: إن أعتقتكَ فأنتَ حرٌّ قبل الإعتاق، وكذلك لو قال: إن بعتك فأنت حر قبل البيع، وقد تقدم بطلان هذه الحيل كلها.

فصل [إبطال حيلة لحسبان الدَّيْن من الزكاة]
ومن الحيل الباطلة [المحرمة] (4) أن يكون له على رجل مال، وقد أفْلَسَ غريمُه وأيس من أخذه منه، وأراد أن يحسبه من الزكاة، فالحيلة أن يعطيه من الزكاة بقدر ما عليه، فيصير مالكًا للوفاء، فيطالبه حينئذ بالوفاء، فإذا أوفاه برئ وسقطت الزكاة عن الدافع (5).

[بطلان الحيلة السابقة]
وهذه حيلة باطلة، سواء شرط عليه الوفاء أو منعه من التصرف فيما دفعه إليه
__________
(1) سقط من (ك).
(2) في (ق): "يسل" دون نون.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(5) يرى ابن تيمية جواز إسقاط الدين في الزكاة كما في "مجموع الفتاوى" (25/ 84).
(5/270)

أو مَلَّكه إياه بنية أن يستوفيه من دينه، فكل هذا لا يسقط عنه الزكاة، ولا يُعد مخرجًا لها لا شرعًا ولا عرفًا كما لو أسقط دينه وحَسَبه من الزكاة.
قال مهَّنأ (1): سألت أبا عبد اللَّه عن رجل له على رجل دين برَهْنٍ، وليس عنده قضاؤه، ولهذا الرجل زكاة مال، قال: يفرقه (2) على المساكين، فيدفع إليه رهنه، ويقول له: الدَّين الذي لي عليك هو لك، ويحسبه من زكاة ماله، قال: لا يجزئه ذلك؟ فقلت له: فيدفع إليه (3) زكاته فإن رده إليه قضى مما أخذه [من ماله] (4)؟ قال: نعم. وقال في موضع آخر -وقيل له: فإن أعطاه ثم رده إليه؟ - قال: إذا كان بحيلة فلا يعجبني، قيل له: فإن استقرض الذي عليه الدين دراهم فقضاه إياها ثم ردها (5) عليه وحَسَبها من الزكاة؟ قال: إذا أراد بهذا إحياءَ ماله فلا يجوز. ومطلقُ كلامه ينصرف إلى هذا المقيد (6)؛ فيحصل (7) من مذهبه أن دَفْعَ الزكاة إلى الغريم (8) جائز، سواء دفعها ابتداء أو استوفى حقه ثم دفع ما استوفاه إليه، وإلا أنه متى قَصَد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم يجز؛ لأن الزكاة حق للَّه وللمستحق، فلا يجوز صَرْفها إلى الدافع، ويفوز بنفعها العاجل (9).
ومما يوضح ذلك أن الشارع مَنَعه من أخْذِها من المستحق بعوضها، فقال عليه السلام: "لا تشتَرِها (10) ولا تَعُدْ في صدقتك" (11) فجعله بشرائها منه [بثمنها] (12) عائدًا فيها، فكيف إذا دفعها إليه بنية أخذها منه؟ قال جابر بن
__________
(1) ذكر روايته ابن قدامة في "المغني" (2/ 516، 517).
(2) في سائر الأصول: "قال: يفرقه" والمثبت في (ق) و (ك).
(3) سقط من (ك) و (ق).
(4) في (ك): "كما أخذه" وما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وفي هامشها: "لعله: أيأخذه".
(5) في هامش (ق): "قوله: ردها عليه أي ليوفي بها القرض الذي اقترض لو. . . ".
(6) كذا في الأصول، ولعل الصواب: "القيد".
(7) في (ك): "فتحصل".
(8) في حاشية (ك): "لعله: غير".
(9) في (ك): "العامل".
(10) في (ق): "تشتريها".
(11) رواه البخاري (1489) في (الزكاة): باب هل يشتري صدقته؟ و (2775) في (الوصايا): باب وقف الدواب والكراع والعروض والصامت، و (2971) في (الجهاد والسير): باب الجعائل والحملان في السبيل، و (3002) باب إذا حمل فرص فرآها تباع، ومسلم (1621) في (الهبات): باب كراهية شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه، من حديث ابن عمر عن عمر، فبعضهم يجعله من مسند ابن عمر، وبعضهم يجعله من مسند عمر.
(12) سقط من (ق).
(5/271)

عبد اللَّه: إذا جاء المصَّدِّق فادفع إليه صدقتك، ولا تشترِها، فإنهم كانوا يقولون: "ابتعها" فأقول: إنما هي للَّه سبحانه (1). وقال ابن عمر: لا تشترِ طهورَ مالك (2).

[المنع من شراء ما أخرجه من الزكاة]
وللمنع من شراءه (3) علتان:
إحداهما: أنه يتخذ ذَرِيعَةَ وحيلة إلى استرجاع شيء منها؛ لأن الفقير يستحي منه فلا يُمَاكسه في ثمنها، وربما أرْخَصَها ليطمع أن يدفع إليه صدقة أخرى، وربما علم أو توهم أنه إن لم يَبِعْهُ إياها استرجعها (4) منه فيقول: ظَفَرِي بهذا الثمن خير من الحرمان.
العلة الثانية: قطع طمع (5) نفسه عن العَوْد في شيء أخرجه للَّه سبحانه بكل طريق، فإن النفس متى طمعت في عوده بوجه ما فآمالُهَا بعدُ متعلقةٌ به، فلم تطب به نفسًا للَّه وهي متعلقة به، فقطع عليها طمعها (6) في العَوْد، ولو بالثمن، ليتمحص الإخراج للَّه سبحانه، وهذا شأن النفوس الشريفة (7) ذوات الأقدار والهمم، وأنها إذا أعطت عطاءً لم تسمح بالعود فيه بوجه لا بشراء ولا بغيره (8)، وتعد ذلك دناءة، ولهذا مثل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- العائدَ في هبته بالكلب يعود في قيئه (9) لخسته ودناءة نفسه وشحه بما قاءه أن يفوته.
فمن محاسن الشريعة منع المتصدق من شراء صدقته (10)، ولهذا منع من
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة (3/ 78)، وعبد الرزاق (6896) من طريق ابن جريج: قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: فذكره، وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
(2) رواه ابن أبي شيبة (3/ 78)، وعبد الرزاق (6897) من طريق يعلى بن عطاء عن مسلم بن جبير عنه، إلا أن لفظه: "لا تشتر طهرة مالك".
ورجاله ثقات رجال الصحيح إلا مسلم بن جبير هذا، فقد ترجمه البخاري، وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وفي "تهذيب التهذيب" راوٍ اسمه مسلم بن جبير يروي عن أبي سفيان طلحة بن نافع، ويروي عنه يزيد بن أبي حبيب في إسناد حديثه اختلاف، فقد يكون هذا، قال عنه الذهبي: لا يُدرى مَنْ هو.
(3) في (ق): "شرائها".
(4) في (ق): "أن يسترجعها".
(5) في (ك): "ثمره".
(6) في (ن): "طمعًا".
(7) سقط من (ك).
(8) في (ق): "غيره".
(9) رواه مسلم (1622) في (الهبات): باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض، من حديث ابن عباس.
(10) هو حديث عمر في ذلك، وقد تقدم قريبًا.
(5/272)

سُكنى بلاده التي هاجر منها للَّه وإن صارت بعد ذلك دار إسلام، كما منع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المهاجرين بعد الفتح من الإقامة بمكة فوق ثلاثة أيام (1)؛ لأنهم خرجوا عن ديارهم للَّه؛ فلا ينبغي أن يعودوا في شيء تركوه للَّه، وإن زال المعنى الذي تركوها لأجله.

[اعتراض وردّه]
فإن قيل: فأنتم تجوّزون له (2) أن يقضي بها دين المدين، إذا كان المستحقُّ له (2) غيره، فما الفرق بين (2) أن يكون الدين له أو لغيره؟ ويحصل للغريم براءة ذمته وراحة من ثقل الدَّين في الدنيا ومن حمله في الآخرة؟ فمنفعته ببراءة ذمته خيرٌ له من منفعة الأكل والشرب واللباس؟ فقد انتفع هو بخلاصه من رق الدين، وانتفع رب المال بتوصله إلى أخذ حقه، وصار هذا كما لو أقرضه مالًا ليعمل فيه ويوفيه دينه من كسبه.
قيل: هذه المسألة فيها روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد رحمه اللَّه:
إحداهما: أنه لا يجوز [له] (2) أن يقضي دينه من زكاته، بل يدفع إليه الزكاة ويؤديها هو عن نفسه.
والثانية: يجوز له أن يقضي (3) دينه من الزكاة، قال أبو الحارث: قلت للإمام أحمد: رجل عليه ألف، وكان على رجل زكاة ماله ألف، فأداها عن هذا الذي عليه الدَّيْن، أيجوز هذا من زكاته؟ قال: نعم، ما أرى بذلك بأسًا (4).
وعلى هذا فالفرق ظاهر؛ لأن الدافع لم ينتفع هاهنا بما دفعه إلى الغريم، ولم يرجع إليه، بخلاف ما إذا دفعه إليه ليستوفيه منه؛ فإنه قد أحْيا ماله بماله، ووَجْه القول بالمنع أنه قد يُتخذ ذريعةً إلى انتفاعه بالقضاء، مثل أن يكون الدين لولده أو لامرأته أو لمن (5) يلزمه نفقته فيستغني عن الإنفاق عليه؛ فلهذا (6) قال
__________
(1) روى البخاري (3933) في (مناقب الأنصار): باب إقامة المهاجر بعد قضاء نسكه، ومسلم (1353) في (الحج): باب جواز الإقامة بمكة للمهاجر منها بعد فراغ الحج والعمرة ثلاثة أيام بلا زيادة، من حديث العلاء بن الحضرمي قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "ثلاث ليال يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصَّدر"، وانظر: "فتح الباري" (7/ 267).
(2) سقط من (ق).
(3) في (ن) و (ق): "أن يقضي له".
(4) انظر ما مضى قبل قليل.
(5) في (ك): "ولمن".
(6) في (ك): "فهذا".
(5/273)

الإمام أحمد: أحَبُّ إليَّ أن يدفعه إليه حتى يقضي هو عن نفسه، قيل: هو محتاجٌ يخاف أن يدفع إليه فيأكله ولا يقضي دينه، قال: فقيل له: يوكله حتى يقضيه (1). والمقصود أنه متى فعل ذلك حيلةً لم تسقط عنه الزكاة [بما دفعه] (2)؛ فإنه لا يحل له مطالبة المعسر، وقد أسقط اللَّه عنه المطالبة، فإذا توصَّل إلى وجوبها بما يدفعه إليه فقد دفع إليه شيئًا ثم أخذه، فلم يخرج [منه شيء] (3)، فإنه لو أراد الآخذُ التصرفَ في المأخوذ وسد خَلَّته منه لما أمكنه (4)، فهذا هو الذي لا تسقط (5) عنه الزكاة، فأما لو أعطاه عطاءً قطع طمعه من عَوْده إليه ومَلَّكه ظاهرًا وباطنًا (6) ثم دفع إليه الآخذ دينه من الزكاة فهذا جائزٌ كما لو أخذ الزكاة من غيره ثم دفعها إليه، واللَّه أعلم.

فصل [إبطال حيلة لتجويز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها]
ومن الحيل الباطلة التحيل على نفس ما نهى عنه الشارع من بيع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها والحب قبل اشتداده (7)، بأن يبيعه ولا يذكر تبقيته ثم يخلّيه إلى وقت كماله فيصح البيع ويأخذه وقت إدراكه، وهذا هو نفس ما نهَى عنه الشارع إن لم يكن فعله بأدنى الحيل، ووجه هذه الحيلة أن موجَبَ العقد القطع، فيصح وينصرف إلى موجبه، كما لو باعها بشرط القطع، ثم القطع حقٌّ لهما [لا يَعْدُوهما] (8)، فإذا اتفقا على تركه جاز.

[بطلان الحيلة]
ووجه بطلان هذه الحيلة أن هذا هو الذي نهى عنه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعينه للمفسدة التي يُفضي إليها من التشاجر والتشاحن (9)، فإن الثمار تصيبها العاهات كثيرًا، فيُفْضِي بيعها قبل كمالها إلى أكْلِ مال المشتري بالباطل، كما علَّل به
__________
(1) في هامش (ق): "لعله: قال: نعم".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "شيئًا".
(4) في (ك) و (ق): "مكنه".
(5) في (ك) و (ق): "يسقط".
(6) في (ك): "باطنا وظاهرا".
(7) سبق تخريجه.
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) في (ك) و (ق): "التشاحن والتشاجر".
(5/274)

صاحب الشرع، ومن المعلوم قطعًا أن هذه الحيلة لا ترفع (1) المفسدة، ولا تزيل (2) بعضها، وأيضًا فإن اللَّه سبحانه وملائكته والناس قد علموا أن من اشترى الثمار وهي شِيصٌ (3) لم يمكن أحدًا أن يأكل منها، فإنه لا يشتريها للقطع، ولو اشتراها لهذا الغرض لكان سفهًا وبيعه مردود، وكذلك الجوز والخوخ والإجاص وما أشبهها من الثمار التي لا ينتفع بها قبل إدراكها، لا يشتريها أحد إلا بشرط التبقية، وإن سكت عن ذكر (4) الشرط بلسانه فهو قائمٌ بقلبه (5) وقلب البائع، وفي هذا تعطيل للنص وللحكمة التي نهى الشارع لأجلها؛ أما تعطيل الحكمة فظاهر، وأما تعطيل النص فإنه إنما (6) يحمله على ما إذا باعها بشرط التبقية لفظًا، فلو سكت عن التلفظ بذلك وهو مراده ومراد البائع [جاز] (7)، وهذا تعطيل لما دل عليه النص وإسقاط لحكمته.

فصل [إبطال حيلة لتجويز بيع شيء حلف ألا يبيعه]
ومن الحيل الباطلة أنه إذا حلف لا يبيعه هذه الجارية، ثم أراد أن يبيعها منه فليبعه منها تسع مئة وتسعة وتسعين سهمًا، ثم يهبه السهم الباقي (8)، وقد تقدم نظير هذه الحيلة الباطلة، وكذلك لو حلف لا يبيعه ولا يهبه (9) إياها ففعل ذلك لم يحنث.
ولو وقعت هذه الحيلة في جارية قد وطئها الحالف اليوم فأراد المالك أن يطأها بلا استبراء فله حيلتان على إسقاط الاستبراء:
إحداهما: أن يعتقها ثم يتزوجها.
والثانية: أن يملّكها لرجل [ثم] (10) يزوجه إياها، فإذا قضى وطَرَه منها ثم
__________
(1) في (ن) و (ق): "لا تدفع".
(2) في (ق) و (ك): "يزيل".
(3) قال (ط): "الشيص في الأصل: التمر الذي لم يشتد نواه، ويقصد بالشيص هنا: الثمر قبل بدو صلاحه" اه.
قلت: والكلمة فارسية معرَّبة، وانظر: "لسان العرب" (4/ 2375).
(4) في (ق): "ذلك".
(5) في (ك): "في قلبه".
(6) سقط من (ق).
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ن) و (ق): "لم يكن ذلك جائزًا".
(8) انظر خبرًا فيه نحو هذه الحيلة عند الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم 1188).
(9) في (ك): "لا يبيعه إياها ولا يهبه".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(5/275)

أراد بيعها أو وطأها بملك اليمين فليشترها من المملَّك فينفسخ نكاحه، فإن شاء باعها وإن شاء أقام على وطئها.
وتقدم أن نظير هذه الحيلة لو حلف أن لا يلبس هذا الثوب فلينسل (1) منه خيطًا ثم يلبسه، أو لا يأكل هذا الرغيف فليخرج منه لُبَابَةً (2) ثم يأكله.
قال غير واحد من السلف (3): لو فعل المحلوف عليه على وجه لكان أخفَّ وأسهل من هذا الخداع، ولو قابل العبدُ أمْرَ اللَّه ونهيه بهذه المقابلة لعُدَّ عاصيًا مخادعًا، بل لو قابل أحدُ الرعية أمْرَ الملكِ ونهيه أو العبدُ أمر سيده ونهيه أو المريضُ أمر الطبيب ونهيه بهذه المقابلة لما عذره أحد قَطُّ، ولعدَّهُ كل أحد عاصيًا، وإذا تدبر العالم في الشريعة أمر هذه الحيل لم يَخْفَ عليه نسبتها إليها ومحلها منها، واللَّه المستعان.

فصل [إبطال حيلة في الأيمان]
ومن الحيل الباطلة: لو حلف لا يبيع هذه السلعة بمئة دينار أو زاد عليها؛ فلم يجد مَنْ يشتريها بذلك فليبعها بتسعة وتسعين دينارًا، أو مئة جزء من دينار، أو أقل من ذلك، أو يبيعها بدراهم تساوي ذلك، أو يبيعها بتسعين دينارًا ومنديلًا أو ثوبًا أو نحو ذلك.
وكل هذه حيل باطلة، فإنها تتضمن نفس مخالفته لما نواه وقصده وعقد قلبه عليه، وإذا كانت يمين الحالف على ما يُصدَّقه عليه صاحبه، -كما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (4) فيمينه على ما يعلمه اللَّه من قلبه كائنًا من (5) كان؛ فلْيَقُلْ ما شاء، ولْيتحيَّل ما شاء، فليست يمينه إلا على ما عَلِمه اللَّه من قلبه، قال اللَّه تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] فأخبر تعالى أنه إنما يُعْتَبر في الأيمان قَصْدُ القلب وكَسْبُه، لا مجرد اللفظ الذي لم يقصده أو لم يقصد معناه، على التفسيرين في اللغو (6)، فكيف إذا كان
__________
(1) في (ك) و (ق): "فليسل".
(2) في (ك): "لبابته".
(3) نحو المذكور مأثور عن أيوب السختياني، أفاده ابن تيمية في "بيان الدليل" (ص 343).
(4) سبق تخريجه.
(5) في (د)، و (ط) و (ق): "ما"، وقال (د) في عامة الأصول: "كائنًا من كان".
(6) ذكرهما المصنف في كتابه: "شفاء العليل" (ص 120)، وهذا نص كلامه: "والكسب قد وقع في القرآن على ثلاثة أوجه: =
(5/276)

قاصدًا لضد ما يتحيل (1) عليه؟

فصل [إبطال حيلة لتجويز بيع أم الولد]
ومن الحيل الباطلة على أن يطا أمَتَهُ وإذا حبلت منه لم تَصِرْ أمَّ ولدٍ، فله بيعها: أن يُمَلكها لولده الصغير، ثم يتزوجها ويطؤها، فإذا ولدت منه عَتق الأولاد على الولد؛ لأنهم إخوته، ومن مَلَكَ أخاه عَتَقَ عليه.
قالوا: فإن خاف أن لا تتمشى هذه الحيلة على قول الجمهور الذين لا يجوِّزون للرجل أن يتزوج بجارية ابنه -وهو قول الإمام أحمد (2) ومالك (3) والشافعي (4) - فالحيلة أن يملِّكها لذي رَحِم محرم منه، ثم يزوِّجه إياها، فإذا ولدت عتق الولد على ملك ذي الرَّحِمِ؛ فإذا أراد بيع الجارية فليهبها له، فينفسخ النكاح، وإن لم يكن [له ذو] (5) رَحِم مَحْرَم فليملكها أجنبيًا، ثم يزوجها به (6)، فإن خاف من رِقِّ الولد فَلْيُعلِّق الأجنبي عتقهم بشرط الولادة، فيقول: كل ولد تلدينه فهو حر، فيكون الأولاد كلهم أحرارًا؛ فإذا أراد بيعها [بعد ذلك] (7) فليتّهِبْهَا من الأجنبي ثم يبيعها.
__________
= أحدها: عقد القلب وعزمه كقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] أي: بما عزمتم عليه وقصدتموه.
وقال الزجاج: أي: يؤاخذكم بعزمكم على أن لا تبروا، وأن لا تتقوا، وأن تعتلوا في ذلك بأنكم حلفتم وكأنه التفت إلى لفظ المؤاخذة، وأنها تقتضي تعذيبًا، فجعل كسب قلوبهم عزمهم على ترك البر والتقوى لمكان اليمين، والقول الأول أصح، وهو قول جمهور أهل التفسير؛ فإنه قابل به لغو اليمين، وهو أن لا يقصد اليمين؛ فكسب القلب المقابل للغو اليمين هو: عقده وعزمه. كما قال في الآية الأخرى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} فتعقيد الأيمان: هو كسب القلب".
(1) في (ق) و (ك): "يحيل".
(2) "الإنصاف" (8/ 147)، "المغني" (9/ 575 - ط هجر).
(3) "المعونة" (2/ 801)، "الإشراف" (3/ 333 مسألة 1171) وتعليقي عليه، "جامع الأمهات" (266).
(4) "المهذب" (2/ 46)، "روضة الطالبين" (7/ 208)، "المنهاج" (ص 101).
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "ذا".
(6) في (ن) و (ك) و (ق): "ثم يزوجه بها".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5/277)

[بطلان هذه الحيلة]
وهذه الحيلة أيضًا باطلة؛ فإن حقيقة التمليك لم توجد، إذ حقيقتُه نَقْلُ الملك إلى المملَّكِ يتصرف فيه كما أحب، هذا هو الملك المشروع المعقول المتعارف، فأما تمليكٌ لا يتمكن فيه المملَّك من التصرف إلا بالتزويج وحده؛ فهو تلبيسٌ لا تمليك؛ فإن المملَّك لو أراد وطأها أو الخلوة بها أو النّظَر إليها بشهوة (1) أو التصرفَ فيها كما يتصرف المالكُ في مملوكه لما أمكنه ذلك؛ فإن هذا تمليكُ تلبيسٍ وخِدَاع ومكر، لا تمليك حقيقة، بل قد علم اللَّه والمملِّكُ والمملَّكُ أن الجارية لسيدها ظاهرًا وباطنًا (2)، وأنه لم يَطِبْ قلبه بإخراجها عن ملكه بوجه من الوجوه، وهذا التمليك بمنزلة تمليك الأجنبي ماله كله ليسقط عنه زكاته ثم يسترده منه، ومعلوم قطعًا أنه لا حقيقة لهذا التمليك عُرْفًا ولا شرعًا، ولا يُعّد المملَّك له على هذا الوجه غنيًا به، ولا يجب عليه به الحج والزكاة والنفقة وأداء الديون، ولا يكون به واجدًا للطَّوْل معدودًا في جملة الأغنياء؛ فهذا هو الحقيقة، لا التمليك الباطل الذي هو مكر وخِدَاع وتلبيس.

فصل [إبطال حيلة للتمكّن من رجعة البائن بغير علمها]
ومن الحيل الباطلة التَّحيلُ على ردّ امرأته بعد أن بانت منه وهي لا تشعر بذلك، وقد ذكر أرباب الحيل وجوهًا كلها باطلة؛ فمنها: أن يقول لها: حلفْتُ يمينًا واستفتيت فقيل لي: جَدِّد نكاحك؛ فإن كان الطلاق قد وقع وإلا لم يضرُّك، فإذا أجابته قال: اجعلي الأمر إليّ في تزويجك، ثم يحضر الولي والشهود ويتزوّجها، فتصير امرأته بعد البينونة وهي لا تشع؛ فإن لم يتمكن من هذا الوجه فلينتقل إلى وجه ثان، وهو أن يظهر أنه يريد سَفَرًا ويقول: لا آمن الموت وأنا أريد أن (3) أكتب لك هذه الدار وأجعل لك هذا المتاع صَدَاقًا بحيث لا يمكن إبطاله وأريد أن أشهد على ذلك، فاجعلي أمْرَكِ إليَّ حتى أجعله صداقًا؛ فإذا فعلت عَقَدَ نكاحها على ذلك وتم الأمر؛ فإن لم يرد السفر فليُظهر أنه مريض، ثم يقول لها (3): أريد أن أجعل لك ذلك، وأخاف أن أقر لك به فلا يقبل؛ فاجعلي
__________
(1) في (ك): "لشهوة".
(2) في (ك): "باطنًا وظاهرًا".
(3) سقط من (ك).
(5/278)

أمرك إليَّ حتى أجعله صداقًا، فإذا فعلت أحْضَرَ وليها وتزوَّجها؛ فإن حذرت المرأة من ذلك كله ولم يتمكن منه لم يبق له إلا حيلة واحدة، وهي أن يحلف بطلاقها، أو يقول: قد حلفت بطلاقك أن (1) أتزوج عليك في هذا اليوم أو هذا الأسبوع، أو أسافر بك، وأنا أريد أن أتمسك بك ولا أدخل عليك ضرة ولا تسافرين، فاجعلي أمرك إليَّ حتى أخالعك وأردك بعد انقضاء اليوم وتتخلصي من الضرة والسفر، فإذا فعلت أحْضَرَ الشهود والولي (2) ثم يردها (3).

[بطلان هذه الحيل]
وهذه الحيلة باطلة؛ فإن المرأة إذا بانت صارت أجنبية منه؛ فلا يجوز نكاحها إلا بإذنها ورضاها، وهي لم تأذن في هذا النكاح الثاني، ولا رضيت به، ولو علمت أنها قد مَلَكت نفسها وبانت منه فلعلها لا ترغب في نكاحه، فليس له أن يَخدَعها على نفسها ويجعلها له زوجة (4) بغير رضاها.

[الاعتراض بجعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جد النكاح كهزله]
فإن قيل: إن النبي (5) -صلى اللَّه عليه وسلم- قد جعل جِدَّ النكاح كهْزله (6)، وغاية هذا أنه هازل.
قيل: هذا ليس بصحيح، وليس هذا كالهازل؛ فإن الهازل لم يظهر أمرًا يريد خلافه، بل تكلم باللفظ قاصدًا [أنه لا] (7) يلزمه موجبه، وذلك ليس إليه، بل إلى الشارع، وأما هذا فماكرٌ مخادعٌ للمرأة على نفسها، مظهر أنها زوجته وأن الزوجية بينهما باقية وهي أجنبية محضة؛ فهو يمكر (8) بها ويخادعها بإظهار أنها زوجته وهي في الباطن أجنبية؛ فهو كمن يمكر برجل ويخادعه على أخذ ماله بإظهار أنه يحفظه له ويَصُونه ممن يذهب به، بل هذا أفحشُ؛ لأن حرمة البُضْع أعظم من حرمة المال، والمخادعة عليه (9) أعظم من المخادعة على المال، [واللَّه أعلم] (10).
__________
(1) في (ك) و (ق): "أني".
(2) في (ك): "الولي والشهود".
(3) في (ك) و (ق): "ردها" وكتب الناسخ في هامش (ق): "ظاهر "إغاثة اللهفان" خلاف قوله هنا".
(4) في (ك) و (ق): "زوجة له".
(5) في (ك): "فالنبي"، وفي (ق): "فإن النبي".
(6) تقدم تخريجه.
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "ألا".
(8) في (ق): "يماكر".
(9) في (ن) و (ق): "والمخادعة فيه".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5/279)

فصل [إبطال حيلة لوطء المكاتبة]
ومن الحيل الباطلة الحيلةُ على وَطء مكاتبته بعد عقد الكتابة، قال أرباب الحيل: الحيلة في ذلك أن يهبها لولده الصغير، ثم يتزوجها وهي على ملك ابنه ثم يكاتبها لابنه، ثم يطؤها بحكم النكاح، فإن أتت بولد كانوا أحرارًا؛ إذ ولده قد ملكهم، فإن عجزت عن الكتابة عادت قِنًّا لولده والنكاح بحاله.

[بطلان هذه الحيلة]
وهذه الحيلة باطلة على قول الجمهور، وهي باطلة في نفسها؛ لأنه لم يملِّكها لولده تمليكًا حقيقيًا، ولا كاتبها له حقيقة، بل خداعًا ومكرًا، وهو يعلم أنها أَمَتُه ومكاتبته في الباطن وحقيقة الأمر، وإنما أظهر خلاف ذلك توصُّلًا إلى وطء الفرج الذي حرم عليه بعقد [الكتابة، فاظهر تمليكًا لا حقيقة له، وكتابةً عن غيره، وفي الحقيقة إنما هي عن] (1) نفسه، واللَّه يعلم ما تخفي الصدور.

فصل [بيان حيلة العقارب وإبطالها]
ومن الحيل المحرمة الباطلة (2) الحيلةُ التي تسمى حيلة العقارب، ولها صور:
منها: أن يُوقِف داره أو أرضه ويُشهد على وقفه (3) ويكتمه ثم يبيحها، فإذا علم أن المشتري قد سكنها أو استغلها بمقدار ثمنها أظهرَ كتابَ الوقف وادَّعى على المشتري بأجرة المنفعة، فإذا قال له المشتري: أنا وزنت الثمن، قال: و [أنت] (1) انتفعتَ بالدار والأرض فلا تذهب المنفعة مجانًا.
ومنها: أن يملِّكها لولده أو امرأته، ويكتم ذلك، ثم يبيعها، ثم يدعي بعد ذلك من ملكها على المشتري، ويعامله تلك المعاملة وضمنه المنافع تضمين الغاصب (4).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(2) في (ك): "الباطلة المحرمة".
(3) في (ك): "وقفها".
(4) في (ن) و (ق): "تضمين الغصب".
(5/280)

ومنها: أن يؤجِّرها لولده أو امرأته، [ويكتم ذلك] (1)، ثم يؤجرها من شخص آخر، فإن ارتفع الكِرَى أخرج الإجارة الأولى، وفسخ إجارة الثاني، وإن نقص الكِرَى أو استمر أبقاها.
ومنها: أن يرهن داره أو أرضه، ثم يبيعها ويأخذ الثمن فينتفع به مدة، فمتى أراد فسخ البيع واسترجاع المبيع أظهر كتاب الرَّهْن.
وأمثال هذه العقارب التي يأكل بها أشباهُ العقارب أموالَ الناس بالباطل، ويمشيها لهم مَنْ رَق علمه ودينه ولم يراقب اللَّه تعالى ولَم يَخف مقامه تقليدًا لمن قلد قوله في تضمين المقبوض بالعقد الفاسد تضمين الغاصب [تقليدًا لمن يقلده] (2)؛ فيجعل قوله إعانة لهذا الظالم المعتدي على الإثم والعدوان، ولا يجعل القول الذي قاله غيره إعانة للمظلوم على البر والتقوى، وكأنه أخذ بشق الحديث وهو: "انْصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (3) واكتفى بهذه الكلمة دون ما بعدها، وقد أعاذ اللَّه أحدًا من الأئمة من تجويز الإعانة على الإثم والعدوان، ونَصْر الظالم، وإضاعة حق المظلوم جهارًا. وذلك الإمام وإن قال: "إن المقبوضَ بالعقد الفاسدِ يُضمن ضمان المغصوب" فإنه لم يقل: إن المقبوض به على هذا الوجه -الذي هو حيلة (4) ومكر وخداع وظلم محض للمشتري وغرور له- يوجب تضمينه وضياع حقه وأخذ ماله كله وإيداعه في الحبس على ما بقي وإخراج الملك من يده، فإن الرجل قد يشتري (5) الأرض أو العَقَار وتبقى في يده مدة طويلة تزيد أجرتها على ثمنها (6) أضعافًا مضاعفة، فيؤخذ منه العقار، ويُحْسَب عليه ثمنه من الأجرة، ويبقى الباقي بقدر الثمن مرارًا، فربما أخذ ما فوقه وما تحته وفضلت عليه فَضْلة فيجتاح الظالمُ الماكرُ ماله ويَدَعُه على الأرض الخالية، فحاشا إمامًا واحدًا من أئمة الإسلام أن يكون عَوْنًا لهذا العقرب الخبيث على هذا الظلم والعدوان، والواجبُ عقوبةُ مثل هذا العقوبَةَ التي تَرْدَعه عن لَدْغ الناس والتحيل على استهلاك أموال الناس، وأن لا يمكَّن مِنْ طَلَبِ عوض المنفعة. أما على أصل مَنْ لا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(3) رواه البخاري (2443 و 2444) في (المظالم): باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا و (6952) في (الإكراه): باب يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه. . .، من حديث أنس بن مالك.
ورواه مسلم (2584) في (البر): باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، من حديث جابر.
(4) سقط من (ق).
(5) في (ك): "شرى".
(6) في (ن): "ثمنه".
(5/281)

يضُمِّن منافع الغصب -وهم الجمهور كأبي حنيفة (1) ومالك (2) وأحمد (3) في إحدى الروايتين عنه وهي أصحهما دليلًا- فظاهر، وأما مَنْ يُضَمِّنُ الغاصبَ كالشافعي (4) وأحمد (5) في الرواية الثانية فلا يتأتى تضمين هذا على قاعدته؛ فإنه ليس بغاصب، وإنما استوفى المنفعة بحكم العقد، فإذا تبين أن العقد باطل وأن البائع غَرَّه لم يجب عليه ضمان، فإنه إنما دخل على أن ينتفع بلا عوض، وأن يضمن المبيع بثمنه لا بقيمته؛ فإذا تلف المبيع بعد القبض تلف من ضمانه بثمنه، فإذا انتفع به انتفع [به] (6) بلا عوض؛ لأنه على ذلك دَخَلَ، ولو قُدِّر وجوب الضمان فإن الغارّ هو الذي يضمن؛ لأنه تسبب إلى إتلاف مال الغير بغروره، وكل من أتلف مال غيره بمباشرة أو سبب فإنه يضمنه [ولا بد] (7). ولا يقال: المشتري هو الذي باشر الإتلاف، وقد وُجِدَ متسبب ومباشر، فيحال الحكم على المباشر؛ فإن هذا غلط محض هاهنا؛ فإن المضمون هو مال المشتري الذي تلف عليه بالتضمين، وإنما تلف بتسبب الغارِّ، وليس هاهنا مباشر يحال عليه الضمان.

[اعتراض وردُّه]
فإن قيل: فهذا (8) إنما يدل على أنَّا إذا ضمنا المغرور رجع على الغارّ (9)،
__________
(1) "تبيين الحقائق" (5/ 234)، "المبسوط" (11/ 79)، "مجمع الضمانات" (129)، "الأشباه والنظائر" (284)، "تخريج الفروع على الأصول" (110) للزنجاني، "التلويح على التوضيح" (2/ 98)، "تأسيس النظر" (62، 63)، "إعلاء السنن" (16/ 337)، "درر الحكام" (2/ 267 - 268)، "ضمان المنافع" (7) للخفيف، "ضمان المنافع" (255)، للدبو، "التعويض عن الضرر" (180).
(2) "المدونة" (4/ 185)، "التفريع" (2/ 276)، "الرسالة" (233)، "بداية المجتهد" (2/ 319)، "الكافي" (435)، "الذخيرة" (8/ 294 - 296)، "الإشراف" (3/ 124 مسألة 980 - بتحقيقي) وتعليقي عليه.
(3) "المغني" (5/ 195)، "الإنصاف" (6/ 170).
(4) "الأم" (3/ 222)، "مختصر المزني" (117)، "المهذب" (1/ 367، 374)، "الوجيز" (1/ 214)، "المنهاج" (71)، "حلية العلماء" (5/ 210)، "روضة الطالبين" (5/ 14)، "قواعد الأحكام" (1/ 155)، للعز، "مغني المحتاج" (2/ 2، 286)، "إخلاص الناوي" (2/ 321 - 322).
(5) انظر مصادر الحنابلة السابقة.
(6) ما بين المعقوفتين من (ك) و (ق).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(8) في (ق): "وهذا".
(9) في المطبوع: "فهو يرجع على الغار".
(5/282)

ولا (1) يدل على تضمين الغار أبدًا (2).
قيل: هذا فيه قولان للسلف والخلف، وقد نص الإمام أحمد رحمه اللَّه على أن من اشترى أرضًا فبنى فيها أو غَرَسَ ثم استحقَّتْ؛ فللمستحق قَلْعُ ذلك، ثم يرجع المشتري على البائع بما نقص، ونص في موضع آخر أنه ليس للمستحق قلعه إلا أن يضمن نقصه ثم يرجع به على البائع، وهذا أفقه النصين وأقربهما إلى العدل؛ فإن المشتري غَرَسَ وبنى غراسًا وبناءً مأذونًا فيه، [وليس] (3) ظالمًا به، فالعرق ليس بظالم، فلا يجوز للمستحقّ قلعه حتى يضمن له نقصه، والبائع هو الذي ظلم المستحق ببيعه ماله وغرَّ المشتري ببنائه وغراسه؛ فإذا أراد المستحق الرجوع في عين ماله ضمن المغرور ما نقصَ بقلعه ثم رجع (4) به على الظالم، وكان تضمينه له أولى من تضمين المغرور ثم تمكينه من الرجوع على الغار.
ونظير هذه المسألة ما لو قبض مغصوبًا من غاصبه ببيع أو عارية أو اتهاب أو إجارة وهو يظن أنه مالك لذلك أو مأذون له فيه ففيه قولان:
أحدهما: أن المالك مخيَّر بين تضمين أيهما شاء، وهذا المشهور عند أصحاب الشافعي (5) وأحمد (6)، ثم قال أصحاب الشافعي: إن ضمن المشتري وكان عالمًا بالغصب لم يرجع بما ضمن على الغاصب، وإن لم يعلم نظرت فيما ضمن فإن التزم ضمانه بالعقد كبدَل العين وما نقص منها لم يرجع به على الغاصب؛ لأن الغاصب لم يغره، بل دخل معه على أن يضمنه، وهذا التعليل يوجب أن يرجع بما زاد على ثمن المبيع إذا ضمنه؛ لأنه إنما التزم ضمانه بالثمن لا بالقيمة، فإذا ضمنه إياه بقيمته رجع بما بينهما من التفاوت. قالوا: وإن لم يلتزم ضمانه نظرت: فإن لم يحصل له في مقابلته منفعة كقيمة الولد ونقصان الجارية بالولادة رجع به على الغاصب لأنه غَرَّه ودخل معه على أنه لا يضمنه،
__________
(1) في (ك) و (ق): "لا".
(2) أثبت (د)، و (ط) في المتن: "ابتداء"، وقالا: "في نسخة: "ولا يدل على قضمين الغار أبدًا" وزاد (ط): "انظر: "إعلام الموقعين" ط فرج اللَّه زكي الكردي ج 3 ص 242".
وجاء في (ك) و (ق): "ابتداءً".
(3) في (ك) و (ق): "ليس".
(4) في المطبوع: "يرجع".
(5) "الأم" (3/ 224)، "مختصر المزني" (117)، "المهذب" (1/ 369).
(6) "المغني" (5/ 195)، "الإنصاف" (6/ 190).
(5/283)

وإن حصلت له به في [مقابلته] (1) منفعة كالأجرة والمهر وأرْشِ البكَارة ففيه قولان: أحدهما: يرجع به؛ لأنه غرَّه ولم يدخل معه على أن يضمنه.
والثاني: لا يرجع؛ لأنه حصل (2) له في مقابلته منفعة، وهذا التعليل أيضًا يوجب على هذا القول أن يرجع بالتفاوت (3) الذي بين المسمَّى ومهر المثل وأجرة المثل اللذين ضمنهما؛ فإنه إنما دخل على الضمان بالمسمى، لا بعوض المثل، والمنفعة التي حصلت له إنما هي بما التزمه من المسمَّى (4)، ومذهب الإمام أحمد وأصحابه نحو ذلك.
وعَقْد الباب عندهم أنه يرجع إذا غُرم (5) على الغاصب بما [لم] (6) يلتزم ضمانه خاصة، فإذا غرم وهو مُودعٌ أو مُتَّهب قيمة العين والمنفعة رجع بهما؛ لأنه لم يلتزم ضمانًا (7)، وإنْ ضَمن وهو مستأجر قيمة العين والمنفعة رجع بقيمة العين والقدر الزائد على ما بذله من (8) عوض المنفعة، وقال أصحابنا: لا يرجع بما ضمنه من عِوَض المنفعة؛ لأنه دخل على ضمانه، فيقال لهم: نعم دخل على ضمانه بالمسمَّى لا بعوض المثل، وإنْ كان مشتريًا، وضمن قيمة العين [والمنفعة؟] (9) فقالوا: يرجع بقيمة المنفعة دون قيمة العين؛ لأنه التزم ضمان العين ودخل على استيفاء المنفعة بلا عوض والصحيح أنه يرجع بما زاد من قيمة العين على الثمن الذي بذله، وإن كان مستعيرًا وضمن قيمة العين والمنفعة [رجع بما غرمه من ضمان المنفعة؛ لأنه دخل على استيفائها مجانًا، ولم يرجع بما ضمنه من قيمة العين؛ لأنه دخل على ضمانها بقيمتها] (10).
وعن الإمام أحمد رواية أخرى أن ما حصل له منفعة تقابل ما غرم كالمهر والأجرة في المبيع وفي الهبة وفي العارية، وكقيمة الطعام إذا (11) قدم له أو وهب منه (12) فأكله
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) في (ق): "حصلت".
(3) في هامش (ك): "التفاوت".
(4) في (ن) و (ق): "إنما هي بالتزامه من المسمى".
(5) في المطبوع: "غره".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(7) في (ق): "ضمانهما".
(8) في (و): "ممن".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "لأنه دخل على ضمانها بقيمتها".
(11) في (ق): "الذي".
(12) في (ق): "له".
(5/284)

فإنه لا يرجع به؛ لأنه استوفى العوض، فإذا غرم عوضه لم يرجع به، والصحيح قوله (1) الأول؛ لأنه لم يدخل على استيفائه بعوض، ولو علم أنه يستوفيه بعوضه لم يدخل على ذلك، ولو علم الضيف أن صاحب البيت أو غيره يغرمه الطعام لم يأكله، ولو ضمّن المالك ذلك كله للغاصب جاز، ولم يرجع على القابض إلا بما (2) يرجع به عليه، فيرجع عليه إذا كان مستأجرًا بما غرمه من الأجرة. وعلى القول الذي اخترناه إنما يرجع عليه بما التزمه من الأجرة خاصة، ويرجع عليه إذا كان مشتريًا بما غرمه من قيمة العين، وعلى القول الآخر إنما يرجع عليه (3) بما بذله (4) من الثمن، ويرجع عليه إذا كان مستعيرًا بما غرمه من قيمة العين؛ إذ لا مسمى هناك، وإذا كان مُتَّهِبًا أو مودعًا لم يرجع عليه بشيء، فإن كان القابض من الغاصب هو المالك فلا شيء له بما استقر عليه (5) لو كان أجنبيًا، وما سواه فعلى الغاصب؛ لأنه لا يجب له على نفسه شيء، وأما ما لا يستقر عليه لو كان أجنبيًا بل يكون قراره على الغاصب فهو على الغاصب أيضًا هاهنا.
والقول الثاني: أنه ليس للمالك مطالبة المغرور ابتداءً، كما ليس له مطالبته قرارًا، وهذا هو الصحيح، ونص عليه الإمام أحمد رحمه اللَّه في المُودِع إذا أودعها -يعني الوديعة- عند غيره من غير حاجة (6) فتلِفَت فإنه لا يضمن الثاني إذا لم يعلم، وذلك لأنه مغرور (7).
وطَرْد هذا النص أنه لا يطالب (8) المغرور في جميع هذه الصور، وهو الصحيح؛ فإنه مغرور (9) ولم يدخل على أنه مطالب، فلا هو التزم المطالبة ولا الشارع ألزمه بها، وكيف يُطالب المظلوم المغرور ويُترك الظالم الغارّ؟ ولا سيما إن كان محسنًا بأخْذِهِ الوديعة {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] (10) {إِنَّمَا
__________
(1) في (ك) و (ق): "القول".
(2) في (ك): "إلا بما لا".
(3) في (و): "إليه".
(4) في (ن) و (ق): "بما بذل له".
(5) في (ن) و (ق): "كما يستقر عليه"، وفي (ك): "لما استقر عليه".
(6) في (ق): "عنده من غير حاجة".
(7) انظر: "منتهى الإرادات" (2/ 453 - 454)،"كشاف القناع" (4/ 193)، "الفنون" (1/ 12) لابن عقيل، "المغني" (9/ 261)، وفي (ق): "أنه مغرور".
(8) في (ن) و (ك) و (ق): "لا يضمن".
(9) في (ن) و (ك) و (ق): "معذور".
(10) هنا خطأ وقع في (ط) و (ن) و (د)، وصوبه (و)، و (ح)، وقال (و): "هذا أحد الأخطاء التي تكررت كثيرًا في آيات القرآن، ففي الأصل وصل بين قوله: {وما على المحسنين =
(5/285)

السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الشورى: 42] وهذا شأن الغار الظالم.
وقد قضى عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- أن المشتري المغرور بالأمة إذا وطئها ثم خرجت مستَحَقَّة، وأخذ منه سيدها المهر، رجع به على البائع لأنه غَرَّه (1).
وقضى علي رضي اللَّه عنه أنه لا يرجع به لأنه استوفى عوضه (2).
وهاتان الروايتان عن الصحابة هما قولان للشافعي [وروايتان عن الإمام أحمد] (3)، ومالك (4) أخذ بقول عمر، وأبو حنيفة (5) أخذ بقول علي رضي اللَّه عنه. وقولُ عمر أفقه لأنه لم يدخل على أنه يستمتع بالمهر، وإنما دخل على الاستمتاع بالثمن وقد بَذَله. وأيضًا فالبائع ضمن له بعقد البيع سلامَةَ الوطء كما ضمن له سلامة الولد، فكما يرجع عليه بقيمة الولد يرجع عليه بالمهر.
فإن قيل: فما تقولون في أجرة الاستخدام إذا ضمنه إياها المستحق، هل يرجع بها على الغارِّ؟
قلنا: نعم يرجع بها، وقد صرح بذلك القاضي وأصحابه، وقد قضى أمير المؤمنين [عليٌّ كرم اللَّه وجهه] (6) أيضًا بأن الرجل إذا وجد امرأته بَرْصَاء أو عَمْيَاء أو مجنونة فدخل بها فلها الصداق، ويرجع به على مَنْ غرَّه (7). وهذا محضُ
__________
= من سبيل إنما السبيل} إلخ، والصواب ما أثبتناه، وقد تكرر هذا الخطأ وغيره في كل الطبعات السابقة، وآية الشورى {فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ} إلخ" اه.
(1) روى مالك في "الموطأ" (2/ 526)، عبد الرزاق (10679)، وسعيد بن منصور (818)، والبيهقي (7/ 214) من طريق يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- قال: أيما رجل تزوج امرأة فدخل بها، فوجد بها برصًا أو مجنونة أو مجذومة، فلها الصداق بمسيسه إياها، وهو له على من غَرَّه منها.
(2) سيأتي قريبًا.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(4) "المعونة" (2/ 1059)، "التفريع" (2/ 174 - 175)، "الكافي" (347 - 348)، "التلقين" (2/ 388 - 389)، "جامع الأمهات" (360)، "بداية المجتهد" (2/ 181)، "الإشراف" (2/ 486 مسألة 806) وتعليقي عليه.
(5) "مختصر الطحاوي" (85)، "المبسوط" (13/ 95)، "تحفة الفقهاء" (2/ 90)، "إيثار الإنصاف" (315).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(7) الذي وجدته عن علي -رضي اللَّه عنه- ما رواه عبد الرزاق (16077 و 10668)، وسعيد بن منصور (820 و 821) -ومن طريقه البيهقي (7/ 215) وابن حزم في "المحلى" (10/ 110، 113) - =
(5/286)

القياسِ والميزان الصحيح؛ لأن الولي لما لم يعدمه وأتلف عليه المهر لزمه (1) غرمه.
فإن قيل: هو الذي أتلفه على نفسه بالدخول.
قيل: لو علم أنها كذلك لم يدخل بها، وإنما دخل بها بناءً على السلامة التي غرَّه بها الولي، ولهذا لو علم العيبَ ورضي به ودخل بها لم يكن هناك فسخ ولا رجوع، ولو كانت المرأة هي التي غرَّته سقط مهرها.
ونكتة المسألة أن المغرور إما محسن، وإما معذور (2)، وكلاهما لا سبيل عليه، بل ما يلزم المغرور (3) باستلزامه له (4) لا يسقط عنه كالثمن في المبيع والأجرة في عقد الإجارة.
فإن قيل: فالمهر قد التزمه، فكيف يرجع به؟
قيل: إنما التزمه في محل سليم، ولم يلتزمه في مَعِيبة ولا أمَةٍ مستحقة؛ فلا يجوز أن يُلْزَمَ به.
فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بالنكاح الفاسد؛ فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ألزمه فيه بالصداق بما استحل من فَرْجها (5)، وهو لم يلتزمه (6) إلا في نكاح صحيح.
قيل: لما أقدم على الباطل لم يكن هناك مَنْ غَرَّه، بل كان هو الغار لنفسه، فلا يذهب استيفاء المنفعة فيه مجانًا، وليس هناك مَنْ يرجع عليه، بل لو فسد النكاح بغرور المرأة سقط مهرها، أو بغرور الولي رجع عليه.
__________
= والدارقطني (3/ 267) وابن المنذر في "الأوسط" (3/ ق 208/ ب)، من طريق إسماعيل بن أبي خالد، ومطرف عن الشعبي قال: قال علي: أيما رجل تزوج امرأة فوجدها مجنونة أو برصاء، فهي امرأته إن شاء طلق، وإن شاء أمسك، وان مسها فلها المهر بما استحلّ من فرجها. ورواه الشافعي في "الأم" (7/ 158) عن سفيان عن رجل عن الشعبي به.
(1) في (د)، و (ط): "ألزمه".
(2) في (ن): "وإما مغرور".
(3) في (ك): "المعذور".
(4) في (ن) و (ك): "بالتزامه له"، وسقطت "له" من (ق).
(5) الذي وجدته في هذا صداق الملاعنة: رواه البخاري (5311) في (الطلاق): باب صداق الملاعنة، و (5312) في باب قول الإمام للمتلاعنين: إن أحدكما كاذب، و (5349، 5350) في المهر للمدخول بها، ومسلم (1493) (5) في (اللعان): أو له من حديث ابن عمر.
(6) في (ق): "يلزمه".
(5/287)

فصل [التحيل لتجويز بيع العينة] (1)
ومن الحيل المحرمة الباطلة التحيلُ على جواز مسألة العِينة، مع أنها حيلة في نفسها على الربا، وجمهور الأئمة (2) على تحريمها.
وقد ذكر أرباب الحيل لاستباحتها عدة حيل (3):
منها: أن يُحْدث المشتري في السِّلْعة حدثًا ما تنقص به أو تتعيَّبُ؛ فحينئذ يجوز لبائعها أن يشتريها بأقل مما باعها [به] (4).
ومنها: أن تكون السلعة قابلةً للتجزئ فيمسك منها جزءًا ما ويبيعه بقيتها.
ومنها: أن يضمَّ البائع إلى السلعة سكينًا أو منديلًا أو حلقة حديدًا أو نحو ذلك، فيمسكه (5) المشتري ويبيعه السلعة بما يتفقان عليه من الثمن.
ومنها: أن يهبها المشتري لولده أو زوجته أو مَنْ يثق به، فيبيعها الموهوب له من بائعها، فإذا قبض الثمن أعطاه للواهب.
ومنها: أن يبيعه إياها نفسه (6) من غير إحداث شيء ولا هبة لغيره، لكن يضم إلى ثمنها خاتمًا من حديد أو منديلًا أو سكينًا ونحو ذلك.
ولا ريب أن العِينَةَ على وجهها أسْهَلُ من هذا التكلف (7)، وأقل مفسدة، وإن كان الشارع قد حرم مسألة العِينَةِ لمفسدة فيها فإن المفسدة لا تزول بهذه الحيلة، بل هي بحالها، وانضم إليها مفسدة أخرى أعظم منها، وهي مفسدة المكر والخداع واتخاذ أحكام اللَّه هُزُوًا وهي أعظم المفسدتين. وكذلك سائر الحيل، لا تزيل المفسدة التي حرم لأجلها، وإنما يضم إليها مفسدة الخداع والمكر، وإن كانت العينة لا مفسدة فيها فلا حاجة إلى الاحتيال عليها. ثم إن العِينَة في نفسها من أدنى الحيل إلى الربا، فإذا تحيل عليها المحتال صارت حيلًا متضاعفة،
__________
(1) قال (و): "قال الذهبي. . . والعينة: السلف، وقال الرافعي: وبيع العينة: هو أن يبيع شيئًا من غيره بثمن مؤجل، ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر. . . ".
(2) في (ق) و (ك): "الأمة".
(3) انظرها في "الحيل" (ص 12) للخصاف، ففيه نحو المذكور.
(4) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(5) في المطبوع: "فيملكه".
(6) في (ق): "نفسها".
(7) في (ن): "أسهل من التكليف".
(5/288)

ومفاسد متنوعة، والحقيقة والقصد معلومان للَّه وللملائكة وللمتعاقِدَيْن ولمن حضرهما من الناس، فليَصْنَعْ أربابُ الحيل ما شاءوا، وليسلكوا أية طريق سلكوا؛ فإنهم لا يخرجون بذلك عن بيع مئة بمئة وخمسين إلى سنة، فليدخلوا محلِّل الربا (1) أو يُخْرجُوه فليس هو المقصود، والمقصود معلومٌ، واللَّه سبحانه وتعالى لا يخادع ولا تروج عليه الحيل ولا تلبس عليه الأمور.

فصل [تحيلهم لبيع المعيب دون بيان عيبه]
ومن الحيل المحرمة الباطلة -إذا أراد أن يبيع سلعةً بالبراءة من كل عيب، ولم يأمن أن يردها عليه المشتري، ويقول: لم يعين لي عيب كذا وكذا؛ أن يوكل رجلًا غريبًا لا يعرف في بيعها، ويضمن للمشتري درك المبيع، فإذا باعها قبض منه ربُّ السلعة الثمن، فلا يجد المشتري مَنْ يرد عليه السلعة.
وهذا غش حرام، وحيلة لا تسقط المأثم، فإن علم المشتري بصورة [الحال] (2) فله الرد، وإن لم يعلم فهو المُفَرِّطُ، حيث لم يضمن الدرك المعروف [الذي] (3) يتمكن من مخاصمته، فالتفريط من هذا والمكر والخداع من ذلك.

فصل [إبطال حيلة لإسقاط الاستبراء]
ومن الحيل المحرمة الباطلة أن يشتري جارية ويريد وطأها بملك اليمين في الحال من غير استبراء فله عدة حيل:
منها: أن يزوِّجه إياها البائع قبل أن يبيعها منه، فتصير زوجته، [ثم يبيعه إياها فينفسخ النكاح، ولا يجب عليه استبراء؛ لأنه مَلَك زوجته] (3)، وقد كان وطؤها حلالًا له بعقد النكاح؛ فصار حلالًا بملك اليمين.
ومنها: أن يزوجها غيره، ثم يبيعها من الرجل الذي يريد شراءها، فيملكها [مزوجة] (4) وفرجها عليه حرام؛ فيؤمر الزوج بطلاقها، فإذا فعل حلت للمشتري.
__________
(1) في (ن) و (ق): "فيدخلوا محل الربا".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) وبياض في (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(4) في (ن) و (ق): "من وجه".
(5/289)

ومنها: أن مشتريها لا يقبضها حتى يزوجها من عَبْده أو غيره، ثم يقبضها بعد التزويج، فإذا قبضها طلقها الزوج، فيطؤها سيده بلا استبراء.
قالوا: فإن خاف المشتري أن لا يطلقها الزوج استوثق بأن يجعل الزوجُ أمْرَها بيد السيد، فإذا فعل طلقها [هو] (1) ثم وطئها بلا استبراء.
ولا يخفى نسبة هذه الحيل (2) إلى الشرع، ومحلها منه، وتضمنها أن بائعها يطؤها (3) بكرةً ويطؤها (3) المشتري عشيةً، وأن هذا مناقض لما قصده الشارع من الاستبراء، ومبطل لفائدة الاستبراء بالكلية.
ثم إن هذه الحيل كما هي محرمة فهي باطلة قطعًا؛ فإن السيد لا يحل له أن يزوج موطوءته حتى يستبرئها، وإلا فكيف يُزَوِّجها لمن يطؤها ورحِمُها مشغول بمائِهِ؟ وكذلك إن أراد بَيْعَها وجب عليه استبراؤها على أصح القولين، صيانةً لمائِهِ، ولا سيما إن لم يأمن من وطء المشتري لها بلا استبراء، فههنا يتعين عليه الاستبراء قطعًا، فإذا [أراد] (4) زوجها حيلة على إسقاط حكم اللَّه تعالى وتعطيل أمره كان نكاحًا باطلًا لإسقاط ما أوجبه اللَّه من الاستبراء، وإذا طلَّقها الزوج بناءً على صحَّة هذا النكاح الذي هو مكر وخداع واتخاذٌ لآيات اللَّه هزوًا لم يحل للسيد أن يطأها بدون الاستبراء: [فإن الاستبراء] (5) وجب عليه بحكم المِلْك المتجدد، والنكاح العارض حال بينه وبينه، لأنه لم [يكن] (4) يحل له وطؤها، فإذا زال المانع عَمِل المُقتضى عَمَله، وزوالُ المانع لا يزيل اقتضاء المقتضى مع قيام سبب الاقتضاء منه. وأيضًا فلا يجوز تعطيل الوصف عن موجبه ومقتضاه من غير فواتِ شرطٍ أو قيامِ مانعٍ. وبالجملة فالمفسدة التي منع الشارع المشتري لأجلها من الوطء بدون الاستبراء لم تزل بالتحيل والمكر، بل انضمَّ إليها مفاسد المَكْرِ والخداع والتحيل.

[أعاجيب متناقضات أرباب الحيل]
فياللَّه العجب من شيء حرم لمفسدة فإذا انضم إليه مفسدة أخرى هي أكبر من مفسدته بكثير صار حلالًا، فهو بمنزلة لحم الخنزير إذا ذبح كان حرامًا، فإن
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "الحيلة".
(3) في (ن) و (ق): "يطأ".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) وبدلها في (ق): "الذي".
(5/290)

مات حَتفَ أنْفِه أو خُنِقَ حتى يموت صار حلالًا؛ لأنه لم يذبح، قال الإمام أحمد: هو حرام من وجهين، وهكذا هذه المحرمات إذا احتيل عليها صارت حرامًا من وجهين وتأكد تحريمها (1).
والذي يقضى منه العجب أنهم يَجْمَعون بين سقوط الاستبراء بهذه الحيل وبين جوب استبراء الصغيرة التي لم توطأ ولا يوطأ مثلها، وبين استبراء البكر التي لم يقرعها (2) فحل، واستبراء العجوز الهرمة التي قد أيست من الحبل والولادة، واستبراء الأمة التي يقطع ببراءة رحمها، ثم يسقطونه (3) مع العلم بأن رحمها مشغول، فأوجبتموه حيث لم يوجبه الشارع، وأسقطتموه حيث أوجبه.
قالوا: وليس هذا بعجيب (4) من تناقضكم، بل وأعجب منه إنكار كون القرعة طريقًا لإثبات الحكم مع ورود السنة الصحيحة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وعن أصحابه رضي اللَّه عنهم بها (5)، وإثبات حل الوطء بشهادة شاهدي زورٍ يعلم الزوج الواطئ أنهما شهدا بالزور على طلاقها حتى يجوز لأحد الشاهدين أن يتزوجها فيثبت الحل بشهادتهما.
وأعجب من ذلك أنه لو كان له أمة هي سُرِّية يطؤها كل وقت لم تكن فراشًا له، ولو ولدت [ولدًا] (6) لم يلحقه الولد، ولو تزوج امرأة ثم قال بحضرة الحاكم والشهود في مجلس العقد: "هي طالق ثلاثًا" وكانت (7) بأقصى المشرق وهو بأقصى المغرب صارت فراشًا بالعقد؛ فلو أتت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر لحقه نسبه.
وأعجب من ذلك قولكم: لو منع الذميُّ دينارًا واحدًا [من الجزية، وقال:] (8) "لا أؤديه" انتقض عَهْدُه وحَل ماله ودمه، ولو سَبَّ اللَّه تعالى ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- وكتابه على رؤوسنا أقبحَ سب وحَرَق أفضل المساجد على الإطلاق
__________
(1) انظر: "الفروسية" (307 - بتحقيقي).
(2) قال (ط): "ربما قرئت: "التي لن يفرعها فحل" بالفاء في "يفرعها" اه.
(3) في المطبوع: "ثم يسقطون".
(4) في (ن) و (ق): "بعجب".
(5) مضى تخريج ذلك وسقطت: "بها" من (ق).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(7) في (ق) و (ك): "أو كانت".
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (د) بياض ثم لفظة: "ول"! وقد أثبتناه من النسخ الأخرى، و (ن).
(5/291)

واستهان بالمصحف بين أيدينا أعظم استهانة وبذلَ ذلك الدينارَ فعهدُه باقٍ ودمه معصوم.
ومن العجب (1) تجويز قراءة القرآن بالفارسية، ومنع رواية الحديث بالمعنى.
ومن العجب إخراجُ الأعمال عن مُسَمَّى الإيمان وأنه مجرد التصديق، والناس فيه سواء، وتكفير من يقول مُسَيْجد أو فُقَيْه (2)، أو يُصلّي بلا وضوء (3)، أو يلتذ بآلات الملاهي (4)، ونحو ذلك.
ومن العجب إسقاط الحد عَمَّنْ استأجر امرأة للزنا أو لكنس بيته فزنا بها، وإيجابه على مَنْ وجد امرأة أجنبية على فراشه في الظلمة فجامعها يظنها امرأته.
ومن العجب التشديد في المياه حتى تنجس القناطير المقنطرة منها بقطرة بَوْل أو قطرة دم، وتجويز الصلاة في ثوب رُبْعُه مُضَمّخ بالنجاسة، فإن كانت مغلظة فبقدر راحة الكف.
ومن العجب أنه لو شهد عليه أربعة [شهود] (5) بالزنا فكذب الشهود حُدَّ، وإن صدقهم سقط عنه الحد (6).
ومن العجب [أنه] (7) لا يصح استئجار دار لتتَّخذَ مسجدًا يعبد اللَّه سبحانه فيه، ويصح استئجارها [كي] (8) تجعل كنيسة يعبد فيها الصليب أو بيت نار تعبد فيها النار.
ومن العجب أنه لو ضحك في صلاة فقهقهَ بطل وضوءهُ (9)، ولو غَنّى في
__________
(1) في المطبوع: "ومن العجيب".
(2) انظر: "شرح ألفاظ الكفر" للقاري (رقم 15 - بترقيمي).
(3) نقله القاري في "شرح ألفاظ الكفر" (رقم 35 - بترقيمي) عن،"اليتيمة" و"الفتاوى الصغرى" و"الجواهر"، ثم قال: "الصلاة بغير طهارة معصية، فلا ينبغي أن يقال بكفره إلا إذا استحلها".
(4) انظر: "شرح ألفاظ الكف" للقاري (رقم 89 - بترقيمي).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق).
(6) إن كذَّبهم كان المعتمد في ثبوت الزنا: الشهادة، ونصابها: أربعة شهود، وإن صدقهم كان ثبوته بالإقرار، وبطل الاعتماد على الشهادة، وحينئذٍ لابد من إقراره أربع مرات، فلو رجع بعد ما صدقهم كان مقرًا مرة واحدة، كذا قال المتحيلون!!
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، و (ك) وفي (ق): "استئجارها كنيسة".
(9) انظر: "تهذيب السنن" (6/ 50)، و"بدائع الفوائد" (3/ 131)، و"الخلافيات" (مسألة رقم 22)، وفي (ك) و (ق): "قهقه".
(5/292)

صلاة (1) أو قَذَف المحصنات أو شهد الزور (2) ونحو ذلك فوضوءه بحاله.
ومن العجب [أنه] (3) لو وقع في البئر نجاسة نزح منها (4) أدْلَاء معدودة، فإذا حصل الدلو في البئر تنجَّس وغرف الماء نجسًا، وما أصاب حيطان البئر من ذلك الماء نجسها، وكذلك ما بعده من الدلاء إلى أن تنتهي النوبة إلى الدلو الأخير فإنه ينزل نجسًا ثم يصعد طاهرًا فيقشقش النجاسة كلها من قَعْر البئر إلى رأسه، قال بعض المتكلمين: ما رأيت أكرم من هذا الدلو ولا أعقل (5).
ومن العجب أنه لو حلف لا يأكل فاكهة (6) حنث بأكل الجوز واللوز والفستق، ولو كان يابسًا قد أتت عليه السنون، ولا يحنث بأكل الرطب والعنب والرُّمان.
وأعجب من ذلك تعليل هذا بأن هذه الثلاثة من خيار الفاكهة وأعلى أنواعها، فلا تدخل في الاسم المطلق.
ومن العجب أنه لو حلف أن لا يشرب من النيل أو الفرات أو دِجْلَةَ فشرب بكفَّيه (7) أو بكوز أو دَلْو من هذه الأنهار لم يحنث، فإذا شرب بفيه مثل البهائم حنث.
ومن العجب أنه لو نام في المسجد وأغلقت عليه الأبواب ودَعَتْه الضرورة إلى الخلاء فطاقُ القبلةِ ومحراب المسجد أولى بذلك من مؤخر المسجد.
ومن العجب أمر هذه الحيل التي لا يزداد بها المنهي عنه إلا فسادًا مضاعفًا، كيف تباح مع تلك المفسدة الزائدة بالمكر والخداع وتحرم بدونها؟ وكيف تنقلب مفاسدُهَا بالحيل صلاحًا (8)، وتصير خمرتها خلًا، وخبثها طيبًا؟
قالوا: فهذا فصل في الإشارة إلى بيان فساد هذه الحيل على وجه التفصيل، كما تقدم الإشارة إلى فسادها وتحريمها على وجه الإجمال، ولو تتبعناها حيلة حيلة لطال الكتاب، ولكن هذه أمثلة يُحْتَذَى عليها، واللَّه الموفق للصواب (9).
__________
(1) في المطبوع: "صلاته".
(2) في (ق) و (ك): "بالزور".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) سقط من (ق) و (ك).
(5) قال (د)، و (ط): "في نسخة: ولا أعقد"، وزاد (ط): "انظر: "إعلام الموقعين" ط: فرج اللَّه زكي الكردي ج 3 ص 248" اه.
(6) في المطبوع: "لو حلف أنه لا يأكل فاكهة".
(7) في المطبوع و (ك): "بكفه".
(8) في (ق): "حلالًا".
(9) هنا انتهى الجزء الثاني من (ك) وجاء في نهاينه: "والحمد للَّه الملك الوهاب، وإياه أسأل المسامحة يوم الحساب. =
(5/293)

فصل [قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها]
قال أرباب الحيل: قال اللَّه تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] والحيل مخارج من المضايق.
والجواب إنما يتبين بذكر قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها، فنقول [وباللَّه التوفيق] (1): هي أقسامٌ:

[القسم الأول من الحيل طرق يتوصل بها إلى ما هو حرام]
القسم الأول: الطرق الخفية التي يُتَوَصَّل بها إلى ما هو محرم في نفسه، بحيث لا يحل بمثل ذلك السبب بحال، فمتى كان المقصود بها محرَّمًا في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين، وكذلك (2) كالحيل على أخذ أموال الناس وظُلْمهم في نفوسهم وسَفْك دمائهم وإبطال حقوقهم وإفساد ذات بَيْنهم، وهي من جنس حيل الشياطين على إغواء بني آدم بكل طريق.

[تحيل الشياطين على الناس]
وهم يتحيّلون عليهم [ليوقعوهم في واحدة من] (3) ستة ولابد؛ فيتحيلون عليهم بكل طريق [أن يوقعوهم في الكفر والنفاق] (3) على اختلاف أنواعه، فإذا عملت (4) حيلهم في ذلك قرَّت عيونُهم، فإن عجزت حيلهم عن مَنْ صحت فطرته وتلاها شاهد الإيمان من ربه بالوحي الذي أنزله على رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْمَلوا الحيلَةَ في إلقائه (5) في البِدْعة على اختلاف أنواعها وقبول القلب لها وتهيئته (6) واستعداده،
__________
= آخر الجزء الثاني في كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" يتلوه الجزء الثالث إن شاء اللَّه تعالى.
فصل: قال أرباب الحيل. . . والحمد للَّه رب العالمين".
أنهاه كتابة الفقير إلى ربه الرحيم المنان، عبده سليمان بن سحمان وذلك ضحى يوم الثلاثاء لخمس وعشرين خلت من رمضان المشرف من سنة 1305، والحمد للَّه على التمام، وصلى اللَّه على سيد الأنام محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين".
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "وذلك".
(3) ما بين المعقوفتين مطموسة في (ك).
(4) في (ن): "علمنا".
(5) في (ن) و (ق): "في إلقائهم".
(6) في (ن) و (ك) و (ق): "وتهيؤه".
(5/294)

فإن تَمت حِيَلهم كان ذلك أحَبَّ إليهم من المعصية، وإن كانت كبيرة، [ثم ينظرون في حال] (1) مَنِ استجاب (2) لهم إلى البدعة؛ فإن كان مُطَاعًا مَتْبُوعًا في الناس [أمَرُوه] (1) بالزهد والتعبد ومحاسن الأخلاق والشيم، ثم أطاروا له الثناء بين الناس ليصطادوا عليه الجهال ومَنْ لا علم عنده بالسنة (3)، وإنْ لم يكن كذلك جَعَلُوا بدعته عَوْنًا له على ظلمه أهلَ السنةِ وأذاهم والنيل منهم، وزَيَّنُوا له أن هذا انتصار لما هم عليه من الحق، فإن أَعجزتهم هذه الحيلة ومَنَّ اللَّه تعالى على العبد بتحكيم السنة ومعرفتها والتمييز بينها وبين البدعة ألقوه في الكبائر، وزيَّنوا له فعلها بكل طريق، وقالوا له: أنت على السُّنَّة، وفُسَّاقُ أهل السنة أولياء اللَّه، وعُبَّاد أهل البدعة أعداء اللَّه، وقبورُ فساق أهل السنة رَوْضَة من رياض الجنة، وقبور عُبَّاد أهل البدع حُفْرة من حفر النار، والتمسك بالسنة يُكفِّر الكبائر، كما أن مخالفة السنة تحبط الحسنات، وأهل السنة إن قَعَدَتْ بهم أعمالُهم قامت بهم عقائدهم، وأهل البدعة (4) إذا قامت بهم أعمالهم قعدت بهم عقائدهم، وأهل السنة [هم] (5) الذين أحسنوا الظن بربهم إذ وصَفُوه بما وصَفَ به نفسَه ووصفه به رسوله ووصفوه بكل كمال وجلال ونَزَّهُوه عن كل نقص، واللَّه تعالى عند ظن عبده به، وأهل البدع هم الذين يظنون بربهم ظَنَّ السَّوء؛ إذ يُعَطِّلُونه عن صفات كمالِه وينزهونه عنها، وإذا عَطَّلوه عنها لزم اتصافه بأضدادها ضرورة؛ ولهذا قال اللَّه تعالى في حق من أنكر صفة
واحدة من صفاته وهي صفة العلم ببعض الجزئيَّات: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [فصلت: 23]، وأخبر (6) عن الظانين باللَّه ظن السَّوْء أن {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: 6] (7) فلم يتوعَّدْ بالعقاب أحدًا أعظم ممن ظن به [ظن] (8) السوء، وأنت لا تظن به ظن السوء، فمالك وللعقاب؟ وأمثال هذا من الحق الذي يجعلونه وُصْلَة لهم، وحيلة إلى الاستهانة (9) بالكبائر، وأخذه الأمنَ لنفسه.
وهذه حيلة لا ينجو منها إلا الراسخ في العلم، العارف (10) بأسماء اللَّه
__________
(1) ما بين المعقوفتين مطموسة في (ك).
(2) في (ق): "المستجيب".
(3) في (ن): "ومن لا علم له بالسنة".
(4) في المطبوع: "وأهل البدع".
(5) سقط من (ق).
(6) في المطبوع: "وأخبرهم".
(7) ذكرت الآية في (ن): {. . . وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}!
(8) سقط من (ك).
(9) في (ن): "استهانته".
(10) في (ن) و (ق): "العالم".
(5/295)

وصفاته، فإنه كلما (1) كان باللَّه أعرف كان له أشد خشية، وكلما (2) كان به أجْهَلَ كان أشد غرورًا به وأقل خشية.
فإن أعجزتهم هذه الحيلة وعَظُم وقار اللَّه في قلب العبد هَوَّنُوا عليه الصغائر، وقالوا له: إنها تقع مُكَفَّرة باجتناب الكبائر حتى كأنها لم تكن، وربما مَنَّوه أنه إذا تاب منها -[كبائر كانت أو صغائر] (3) - كتِبَ له مكانَ كل سيئة حسنة، فيقولون [له] (3): كثِّر منها ما استطعت، ثم اربح مكان كل سيئة حسنةً بالتوبة، ولو قَبْلَ الموت بساعة؛ فإن أعجزتهم هذه الحيلة وخلَّصَ اللَّه عبده منها نَقَلوه إلى الفُضُول من أنواع المُبَاحات والتوسُّعِ فيها، وقالوا له: قد كان لداود مئة امرأة إلا واحدة ثم أراد تكميلها بالمئة، وكان لسليمان ابنه مئة امرأة، وكان للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان رضي اللَّه عنهم من الأموال ما هو معروف (4) وكان لعبد اللَّه بن المبارك والليث بن سعد من الدنيا وسَعَة المال ما لا يجهل، ويُنْسُوه ما كان هؤلاء من الفضل، وأنهم لم ينقطعوا عن اللَّه بدنياهم، بل ساروا بها إليه، فكانت طريقًا لهم إلى اللَّه عز وجل؛ فإن أعجزتهم هذه الحيلة -بأن تفتح بصيرة قلب العبد (5) حتى كأنه يشاهد بها الآخرة وما أعد اللَّه فيها لأهل طاعته وأهل معصيته، فأخذ حذره، وتأهب للقاء ربه تعالى، [واستقصر مدة هذه الحياة] (6) [في] الدنيا في جَنْب الحياة الباقية الدائمة- نقلوه إلى الطاعات [المفضولة الصغيرة] (6) الثواب ليشغلوهُ بها عن الطاعات الفاضلة الكثيرة الثواب، [فيعمل] (7) حيلته في تركه كل طاعةٍ كبيرة إلى ما هو دونها، [فيعمل] (7) حيلَتَه في تفويت الفضيلة عليه؛ فإن أعجزتهم هذه الحيلة -وهيهات- لم يبق لهم إلا حيلة واحدة، وهي تسليط أهل الباطل والبِدَع والظّلَمة عليه يؤذونه، ويُنَفِّرون الناسَ عنه، ويمنعونهم من الاقتداء به؛ ليفوِّتوا عليه مصلحة
__________
(1) في (ق): "فإن كل من".
(2) في (ق): "وكل من".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(4) انظر في أموال الزبير: "صحيح البخاري" (3129) في (فرض الخمس): باب بركة الغازي في ماله حيًا وميتًا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وولاة الأمر، وكذا "فتح الباري" (6/ 232 - 234) و"المجالسة" (رقم 2200 - بتحقيقي) وما علقناه عليه، وفي أموال عبد الرحمن بن عوف "المجالسة" أيضًا (رقم 2199 - بتحقيقي).
(5) في (ق): "بأن يفتح اللَّه بصيرة العبد".
(6) ما بين المعقوفتين مطموسة في (ك) وما بعدها من (ك).
(7) في (ك): "فيعملوا".
(5/296)

الدعوة إلى اللَّه سبحانه [وعليهم] (1) مصلحة الإجابة.
فهذه مجامع أنواع حيل الشيطان، ولا يُحصي أفرادها إلا اللَّه، ومن له مسكة من العقل يعرف الحيلة التي تمت عليه [من هذه الحيل، فإن كانت له همة إلى التخلص منها، وإلا فيسأل (2) من تمت عليه] (3)، واللَّه المستعان.

[من حيل شياطين الإنس]
وهذه الحيل من شياطين الجن نظيرُ حيل شياطين الإنس المجادِلين بالباطل ليدحضوا به الحق ويتوصلوا به إلى أغراضهم الفاسدة في الأمور الدينية والدنيوية وذلك كحيل القَرَامطة الباطنية على إفساد الشرائع، وحيل الرُّهْبَان على أشباه الحمير من عابدي الصليب (4) بما يموّهون به عليهم من المخاريق والحيل كالنور المصنوع وغيره مما هو معروف عند الناس، وكحيل أرباب الإشارات من اللاذن والتيسير والتغبير (5) وإمساك الحيَّات ودخول النار في الدنيا قبل الآخرة، وأمثال ذلك من حيل أشباه النصارى التي تروجُ على أشباه الأنعام، وكحيل أرباب الدك وخفة اليد التي تخفى على الناظرين أسبابها ولا يتفطَّنون لها (6).

[السحر وحيل السحرة]
وكحيل السَّحرة على اختلاف أنواع السحر؛ فإن سحر البيان هو من أنواع التحيل: إما لكونه بلغ في اللطف والحسن (7) إلى حد استمالة القلوب فأشبه السحر من هذا الوجه، وإما لكَوْن القادر على البيان يكون قادرًا على تحسين
__________
(1) سقط من (ق).
(2) في (ك): "فبسبيل".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في المطبوع: "عابد الصليب".
(5) في المطبوع: "من الأذن والتسيير والتغيير"، وقال (د) و (ط)، في نسخة: "من اللاذن والتعسير والتيسير -إلخ" [وكلا العبارتبن غير مستقيم، (انظر: "إعلام الموقعين" ط: فرج اللَّه زكي الكردي ج 3 ص 250) اه.
وما بين المعقوفتين زيادة (د) على (ط) وما بين القوسين زيادة (ط) على (د).
وفي (ق): "من اللاذن ومن الستر والتغبير".
(6) في (ق): "يفطنون"، وكشف هذه الحيل جمع، ومن أحسنهم عبد الرحيم بن عمر الجُوَبري (المتوفى في القرن السابع الهجري) في كتابه: "المختار في كشف الأسرار وهتك الأستار" وهو مطبوع، ولنبيل البرباري من المعاصرين: "كشف حيل الألعاب السحرية".
(7) في (ن) و (ق): "اللفظ والحسن".
(5/297)

القبيح وتقبيح الحسن فهو أيضًا يشبه السحر من هذا الوجه أيضًا، وكذلك سحر الوَهْم أيضًا هو حيلة وهمية (1)، والواقع شاهد بتأثير الوهم والإيهام (2)، ألا ترى أن الخشبة التي يتمكَّن الإنسان من المشي عليها إذا كانت قريبة من الأرض لا يمكن (3) المشي عليها إذا كانت على مَهْوَاة بعيدة القَعْر، والأطباء تنهى صاحِبَ الرُّعَاف عن (4) النظر إلى الشيء الأحمر، وتنهى المصروع عن (4) النظر إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، فإن النفوس خلقت مطية الأوهام (5)، والطَّبيعة فعَّالة (6)، والأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية، وكذلك السحر بالاستعانة بالأرواح الخبيثة إنما هو بالتحيل على استخدامها بالإشراك بها والاتصاف بهيآتها الخبيثة، ولهذا لا يعمل السحر إلا مع الأنفس الخبيثة المناسبة لتلك الأرواح، وكلما كانت النفس أخْبَثَ كان سحرها أقوى، وكذلك سحر التمزيجات -وهو أقوى ما يكون من السحر- أن يمزج بين (7) القوى النفسانية الخبيثة الفعالة والقوى الطبيعية المنفعلة، والمقصود أن السحر من أعظم أنواع الحيل [التي ينال بها الساحِرُ غرضَه، وحيل الساحر من أصعب (8) الحيل] (9) وأقواها، ولكن لا تؤثر تأثيرًا مستقرًا إلا في الأنفس البطالة (10) المنفعلة للشهوات الضعيفة تعلقُهَا بفاطر الأرض والسموات المنقطعة عن التوجه إليه والإقبال عليه؛ فهذه النفوس محل تأثير السحر.

[حيل أرباب الملاهي وغيرهم]
وكحِيَلِ أرباب الملاهي والطرب على استمالة النفوس إلى محبة الصُّوَر والوصول إلى الالتذاذ بها؛ فحيلة السماع الشيطاني على ذلك من أدنى الحيل عليه، حتى قيل: أولُ ما وقع الزنا في العالم فإنما كان بحيلة اليَرَاع (11) والغِناء، لمَّا أراد الشيطانُ ذلك لم يجد عليه حيلة أدنى من الملاهي، وكحِيَلِ اللصوص
__________
(1) في (ك): "وهيمية".
(2) رأيت لنيكولاس ويد كتابًا بعنوان: "الأوهام البصرية، فنّها وعلمها". ترجمة منى مظفر للعربية، أكّد فيه وفصّل ما ذكره المصنف.
(3) في (ك): "يتمكن من".
(4) في (ق): "إلى".
(5) في (ن) و (ق): "مظنة الأوهام".
(6) في (ق): "نقاله".
(7) في (ن): "أن تمزج".
(8) كذا في (ك)، وفي المطبوع: "أضعفَ".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(10) في المطبوع: "الباطلة".
(11) "اليراع -بزنة السحاب-: قصبة مجوفة يزمر بها" (د).
(5/298)

والسُّرَّاق على أخذ أموال الناس، وهم أنواع لا تُحصى؛ فمنهم السراق بأيديهم، ومنهم السراق بأقلامهم، ومنهم السراق بأمانتهم (1)، ومنهم السراق بما يظهرونه من الدِّين والفقر والصلاح والزهد وهم في الباطن بخلافه، ومنهم السراق بمَكْرِهم وخِداعهم وغشهم (2)، وبالجملة فحيل هذا الضرب من الناس من أكثر الحيل، وتليها حيلُ عُشَّاق الصُّوَر على الوصول إلى أغراضهم فإنها تقع في الغالب خفية، وإنما تتم غالبًا على النفوس القابلة المنفعلة الشهوانية، وكحِيلَ التتار التي ملكوا بها البلاد وقهروا بها العباد وسفكوا بها الدماء واستباحوا بها الأموال، وكحِيلَ اليهود وإخوانهم من الرافضة فإنهم بيت المكر والاحتيال، ولهذا ضُرِبَت على الطائفتين الذِّلَّةُ، وهذه سنة اللَّه تعالى في كل [مكار] (3) مخادع محتال بالباطل.

[أرباب الحيل نوعان]
ثم أرباب هذه الحيل نوعان:
* نوع يقصد به حصول مقصوده، ولا يظهر أنه حلال، كحيل اللصوص وعشَّاق الصُّور المحرمة ونحوهما.
__________
(1) في (ك): "بأمَاناتهم".
(2) إن من ينظر في هذا الكلام دون نسبته لابن القيم، يحسبه لكاتب حديث مقتدر يصور به حالة المجتمع الإسلامي الآن، حيث كثر فيه السراق بأقلامهم، وألسنتهم وأمانتهم وتدينهم الكاذب وتظاهرهم بالصلاح والزهد المفتعلين، وبصفة أخص بالخداع والمكر والغش في كل معاملة تقريبًا إلا من عصم ربك، وقليل ما هم، حتى أصبح الشخص المستقيم الذي لا يتحيل ولا يتمسح، ولا يداهن ولا ينافق في المجتمع الفاسد متهمًا بالبله أو الغباء، أو عدم الفهم لمنطق الحياة في أحسن افتراضاتهم.
وهكذا عم البلاء وطم في غفلة من الشعور الديني الصادق السليم، أو تخديره حتى أمسى عند الأكثرية في شبه غيبوبة طويلة لا صحو بعدها، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.
والمتحيلون بالدين أخطر على مجتمعاتهم من اللصوص بأيديهم، لأن هؤلاء أتوا البيوت من أبوابها، أما أولئك فقد قلبوا مقاصد الشرع والدين، وعظم بهم الخطب وصعب الاحتراز منهم.
ويليهم في الخطورة السراق بأقلامهم لأن تأثيرهم على مجتمعاتهم أوسع وأعمق، بحكم سيطرتهم على وسائل الإعلام من كتب ومجلات وصحافة وإذاعة مسموعة ومرئية، وأفلام وتمثيل، وغير ذلك من شعر وغناء ورقص ونحت ورسم، قاله محمد بن إبراهيم في كتابه "الحيل الفقهية" (ص 170 - 171).
(3) ما بين المعقوفتين من (ك) فقط.
(5/299)

* ونوع يظهر صاحبه أن مقصوده خير وصلاح ويُبْطِن خلافه.
وأرباب النوع الأول أسلم عاقبةَ من هؤلاء؛ فإنهم أتوا البيوت من أبوابها والأمر من طريقه ووجهه، وأما هؤلاء فقَلَبوا مواضع (1) الشرع والدين، ولما كان أرباب هذا النوع إنما يباشرون الأسباب الجائزة ولا يظهرون مقاصدهم أعْضلَ أمرُهم، وعظم الخَطْبُ بهم، وصعب الاحتراز منهم، وعزَّ على العالم استنقاذ قتلاهم، فاسْتبِيحت بحيلهم الفرُوج، وأُخِذت بها الأموال من أربابها فأعطيت لغير أهلها، وعُطِّلت بها الواجبات، وضُيِّعت بها الحقوق، وعَجَّت الفرُوج والأموال والحقوق إلى ربها عجيجًا، وضجَّت مما حل بها إليه ضجيجًا، ولا يختلف المسلمون أن تعليم هذه الحيل حرام، والإفتاء بها حرام، والشهادة على مضمونها حرام، والحكم بها مع العلم بحالها حرام، والذين جَوَّزوا منها ما جوَّزه (2) من الأئمة لا يجوز أن يظن بهم أنهم جوّزوه على وجه الحيلة إلى المحرم وإنما جوزوا صورة ذلك الفعل، ثم إن المتحيل المخادع المكَّار (3) أخذ صورة ما أفتوا به فتوسَّل به إلى ما منعوا منه، وركَّبَ ذلك على أقوالهم وفتاواهم، وهذا فيه الكذب عليهم وعلى الشارع، مثالُه أن الشافعي رحمه اللَّه تعالى يجوّز إقرار المريض لوارثه (4)؛ فيتخذه مَنْ يريد أن يوصي لوارثه وسيلةً إلى الوصية له بصورة الإقرار ويقول: هذا جائز عند الشافعي، وهذا كذب على الشافعي؛ فإنه لا يجوّز الوصية للوارث بالتحيل عليها بالإقرار؛ فكذلك (5) الشافعي رحمه اللَّه يجوز للرجل إذا اشترى من غيره سِلْعة بثمن أن يبيعه إياها بأقلَّ مما اشتراها منه بناء على ظاهر السلامة (6). ولا يجوز ذلك حيلة على بيع مئة بمئة وخمسين إلى سنة؛ فالذي يسدُّ الذرائع يمنع ذلك وبقول: هو يُتَّخذ حيلة إلى (7) ما حرمه اللَّه تعالى ورسوله، فلا
__________
(1) في المطبوع و (ك): "موضوع".
(2) في المطبوع: "ما جوزوا"، وفي (ك) و (ق): "جوزوه".
(3) في (ق): "الماكر".
(4) مختصر المزني" (111)، "المهذب" (2/ 344)، "فتح العزيز" (11/ 96)، "روضة الطالبين" (4/ 353 - 354)، "مغني المحتاج" (2/ 240)، "نهاية المحتاج" (5/ 64)، "مختصر الخلافيات" (3/ 405 رقم 130).
(5) في (ك) و (ق): "وكذلك".
(6) "الأم" (3/ 78 - 80) "مختصر المزني" (85)، "الحاوي الكبير" (6/ 350)، "المجموع" (10/ 141)، "روضة الطالبين" (3/ 416 - 417)،"مختصر الخلافيات" (3/ 332 رقم 104).
(7) في (ك) و (ق): "على".
(5/300)

يقبل إقرار المريض لوارثه، ولا يصح هذا البيع؛ ولا سيما (1) فإن إقرار المرء شهادة على نفسه، فإذا تطرق إليها التهمة بطلت كالشهادة على غيره. والشافعي رحمه اللَّه يقول: أقبل إقراره إحسانًا للظن بالمقر، وحَمْلًا لإقراره على السلامة، ولا سيما عند الخاتمة.
ومن هذا الباب احتيال المرأة على فَسْخِ نكاح الزوج بما يُعلمه إياها أربابُ المكر والاحتيال، بأن تنكر أن تكون أذِنَتْ للوليّ، أو بأن النكاح لم يصح لأن الولي أو الشهودَ [جلسوا] (2) وقت العقد على فراش حرير، أو استندوا إلى وسادة حرير. وقد رأيتُ مَنْ يستعمل هذه الحيلة إذا طلق الزوجُ امرأته ثلاثًا، وأراد تخليصه من عار التحليل وشَنَاره أرشده إلى القدْح في صحة النكاح بفسق الولي أو الشهود، فلا يصح (3) الطلاق في النكاح الفاسد، وقد كان النكاح صحيحًا لما كان مقيمًا معها عدة سنين، فلما أوقع الطلاق الثلاث فسد النكاح.
ومن هذا احتيال البائع على فسخ البيع بدعواه أنه لم يكن بالغًا وقت العقد، أو لم يكن رشيدًا، أو كان محجورًا عليه، أو لم يكن المبيع ملكًا له ولا مأذونًا له في بيعه.
فهذه الحيل وأمثالها لا يستريب مُسْلم في أنها من كبائر الإثم وأقبح المحرَّمات، وهي من التلاعب بدين اللَّه، واتخاذ آياته هزوًا، وهي حرام من جهتها في نفسها لكونها كذبًا وزورًا، وحرام من جهة المقصود بها، وهو إبطال حق وإثبات باطل.

[الحيل المحرمة على ثلاثة أنواع]
فهذه ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون الحيلة مُحرَّمة ويُقصد بها المحرَّم.
الثاني: أن تكون مباحة في نفسها ويُقصد بها المحرم؛ فتصير حرامًا تحريمَ الوسائلِ كالسفر لقطع الطريق وقتل النفس المعصومة.
وهذان القسمان تكون الحيلة فيهما موضوعة للمقصود الباطل المحرم، ومُفْضِية إليه، كما هي موضوعة للمقصود الصحيح الجائز ومفضية إليه؛ فإن السفر طريق صالح لهذا وهذا.
__________
(1) في (و): "لا سيما".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) في (ن) و (ك): "فلا يقع".
(5/301)

الثالث: أن تكون الطريق لم توضع للإفضاء إلى المحرم، وإنما وضعت مُفْضِية إلى المشروع كالإقرار والبيع والنكاح والهبة ونحو ذلك، فيتخذها المتحيل سُلَّمًا وطريقًا إلى الحرام، وهذا معترك الكلام في هذا الباب، وهو الذي قصدنا الكلام فيه بالقصد الأول (1).

[نوع رابع من الحيل ينقسم إلى ثلاثة أقسام يقصد بها أخذ حق]
القسم الرابع: أن يقصد بالحيلة أخذ حقٍ أو دفع باطلٍ، وهذا القسم ينقسم إلى ثلاثة أقسام أيضًا

[القسم الأول من القسم الرابع]
أحدها: أن يكون الطريق محرَّمًا في نفسه، وإن كان المقصود به حقًّا، مثل أن يكون له على رجل جق فيجحده، ولا بيّنة له، فيقيم صاحبه شاهدي زور يشهدان به، ولا يعلمان ثبوتَ (2) ذلك الحق، ومثل أن يطلق الرجل امرأته ثلاثًا، ويجحد الطلاق، ولا بينة لها، فتقيم (3) شاهدين يشهدان أنه طلقها، ولم يسمعا الطلاق منه، ومثل أن يكون له على رجل دَيْن، وله عنده وديعة، فيجحد الوديعة، فيجحد هو الدين، أو بالعكس، ويحلف ما له عندي حق، أو ما أودعني شيئًا، وإن كان يجيز هذا من يجيز مسألةَ الظَّفر، ومثل أن تدعي عليه المرأة كسوة أو نفقة ماضية كذبًا وباطلًا، فينكر أن تكون مَكَّنته من نفسها أو سَلّمت نفسها إليه، أو يقيم شاهدي زور أنها كانت ناشزًا؛ فلا نفقة لها ولا كسوة، ومثل أن يقتل رجل وليه فيقيم شاهدي زور ولم يشهدا القتل فيشهدا أنه قَتَله، ومثل أن يموت موروثه (4) فيقيم شاهدي زور أنه مات وأنه وارثه، وهما لا يعلمان ذلك، ونظائره ممن له حق لا شاهد له به فيقيم شاهدي (5) زور يشهدان له به؛ فهذا يأثم على الوسيلة دون المقصود، وفي مثل هذا جاء الحديث: "أدِّ الأمانة إلى مَنِ ائتمنك، ولا تَخُنْ من خانك" (6).
__________
(1) في (ن) و (ق): "بالفصل الأول".
(2) في (ك): "بثبوت".
(3) في (ك): "له فيقيم".
(4) في (ن): "مورثة".
(5) في (ق): "شاهد".
(6) رواه الدارمي (2/ 264)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (4/ 360)، وأبو داود (3535) في (البيوع): باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، والترمذي (1264) في (البيوع): =
(5/302)

فصل [القسم الثاني: أن تكون الطريق مشروعة]
القسم الثاني: أن تكون الطريق مشروعة، وما تُفْضي إليه مشروع، وهذه هي الأسباب التي نصبها الشارع مُفْضِية إلى مسبَّباتها كالبيع والإجارة والمُسَاقاة والمزارعة والوكالة، بل الأسباب محل حكم (1) اللَّه ورسوله، وهي في اقتضائها
__________
= باب ما جاء أن العارية مؤداة، والدارقطني (3/ 35)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (رقم 1831 و 1832)، وتمام في "فوائده" (رقم 707 - ترتيبه) والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (ص 30) والقضاعي في "مسند الشهاب" (رقم 742)، والبيهقي (10/ 271) وفي "معرفة السنن والآثار" (14/ 380 رقم 20376)، والحاكم (2/ 46)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (1/ 269)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (973 و 974) من طريق طلق بن غنام عن شريك، وقيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا به.
وقال الترمذي: حسن غريب.
وقال الحاكم: حديث شريك عن أبي حصين على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
وشريك إنما أخرج له مسلم متابعة فقط، وهو سيء الحفظ، وقد تابعه قيس بن الربيع، وهو ضعيف أيضًا لكنهما يقويان بعضهما بعضًا، فيحسَّن الحديث كما قال الترمذي.
أما أبو حاتم فقال -كما في "علل ابنه" (1/ 375) -: روى طلق بن غنام حديثًا منكرًا عن شريك وقيس.
ولا أدري ما وجه النكارة فلعله أراد قوله: "ولا تخن من خانك"، ولعله لهذا قال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت، وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح.
ذكر هذا عن أحمد: ابنُ حجر في "التلخيص" (3/ 97) عن ابن الجوزي في "العلل المتناهية" وليس هو فيه.
ونقله عن الشافعي البيهقي في "السنن".
أقول: لكن قوله: "لا تخن من خانك"، قد تفسر على معنى لا يتنافى مع قواعد الشريعة.
والحديث له شواهد، وان كانت ضعيفة، إلا أنها لا شك تجعل للحديث أصلًا.
فانظرها في: "نصب الراية" (4/ 119) و"التلخيص الحبير" (3/ 97)، وفي "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (رقم (423). وتعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 2879، 2898، 2899)، وتعليقي على "قواعد ابن رجب" (1/ 102 - 103).
(1) في (ن) و (ك) و (ق): "حكمة".
(5/303)

لمسبباتها شرعًا على وزان الأسباب الحِسِّية في اقتضائها لمسبباتها قدرًا؛ فهذا شرع الرب تعالى وذلك قدره، وهما خلقه وأمره، واللَّه له الخلق والأمر، ولا تبديل لخلق اللَّه، ولا تغيير لحكمه، فكما لا يخالف سبحانه بالأسباب القدرية أحكامها بل يُجْريها على أسبابها (1) وما خُلِقت له؛ فهكذا الأسباب الشرعية لا يُخْرجها عن سببها وما شرعت له، بل هذه سنته شرعًا وأمرًا (2)، وتلك سنته قضاءً وقدرًا وسنته الأمرية قد تبدل وتتغير كما يُعْصَى أمره ويخالف، وأما سنته القدرية {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43]، كما لا يُعصى أمره الكوني القدري.
ويدخل في هذا القسم التحيل على جلب المنافع و [على] (3) دفع المضار، وقد ألهم اللَّه تعالى ذلك لكل حيوان، فلأنواع الحيوانات من أنواع الحيل والمكر ما لا يهتدي إليه بنو آدم.
وليس كلامنا ولا كلام السلف في ذم الحيل متناولًا لهذا القسم، بل العاجز مَنْ عجز عنه، والكَيَّسُ من كان به أفْطَنَ وعليه أقْدَرَ، ولا سيما في الحرب فإنها خدعة (4) والعجز كل العجز في ترك هذه الحيلة، والإنسان مندوب إلى الاستعاذة (5) باللَّه تعالى من العجز والكسل؛ فالعجز عدم القدرة على الحيلة النافعة، والكسل عدم الإرادة لفعلها؛ فالعاجز لا يستطيع الحيلة، والكسلان لا يريدها، ومن لم يَحْتَلْ وقد أمكنته هذه الحيلة أضاع فرصته وفَرَّطَ في مصالحه، كما قال (6):
إذا المرء لم يَحْتَلْ وقد جَدَّ جِدَّه ... أضاع، وقَاسَى أمَرُه، وَهْوَ مُدْبِرُ
وفي هذا قال بعض السلف: الأمرُ أمران: أمرٌ فيه حيلة فلا يعجز عنه (7)، وأمر لا حيلة فيه فلا يجزع منه (8).
__________
(1) في (ق): "سببها".
(2) في (ك) و (ق): "أمرًا وشرعًا".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) "بفتح الخاء وضمِّها، بوزن همزة" (و).
(5) في المطبوع: "استعاذته".
(6) القائل هو تأبط شرًا، والمذكور من قصيدة طويلة له، انظرها وروايتها في "الاختيارين" (295) للأخفش الصغير، و"شرح الحماسة" للتبريزي (1/ 82)، و"شرح شواهد المغني" (330)، و"خزانة الأدب" (3/ 542).
(7) في (ن) و (ق): "فلا تعجز عنه"
(8) في (ن): "فلا تخرج منه"، وفي (ق): "فلا تجزع منه".
(5/304)

فصل [الاحتيال على الوصول إلى الحق بطريق مباحة لكنها لم تشرع له]
القسم الثالث: أن يحتال على التوصل إلى الحق أو على دفع الظلم بطريق مباحة لم توضع مُوصلة إلى ذلك، بل وضعت لغيره، فيتخذها هو طريقًا إلى هذا المقصود الصحيح، أو تكون (1) قد وضعت له لكن تكون خفيّة ولا يفطن لها، والفرق بين هذا القسم والذي قبله أن الطريق في الذي قبله نُصبَتْ مُفْضِية إلى مقصودها ظاهرًا، فسالكها سالك للطريق المعهود، والطريق في هذا القسم نصبت مفضية إلى غيره فيتوصل بها إلى ما لم توضع له؛ فهي في الفعال كالتعريض الجائز في المقَال، أو تكون مُفْضِية إليه لكن بخَفَاء، ونذكر لذلك أمثلةً ينتفع بها في هذا الباب.

[أمثلة للقسم الثالث]
المثال الأول: إذا استأجر منه دارًا مدة سنين بأجرة معلومة، فخاف أن يَغدُر به المكري في آخر المدة ويتسبب إلى فسخ الإجارة بأن يظهر أنه لم تكن له ولاية الإيجار أو أن المؤجَّرَ ملكٌ لابنه أو امرأته أو أنه كان مؤجرًا قبل إيجارِه، ويتبين أن المقبوض أجرة المثل لما استوفاه من المدة وينتزع المؤجر [له] (2) منه؛ فالحيلة في التخلّص من هذه الحيلة أن يُضَمنه المستاجر درك العين المؤجرة له أو لغيره، فإذا استحقت أو ظهرت الإجارة فاسدة رجع عليه بما قبضه منه، أو يأخذ إقرار مَنْ يخاف منه بأنه لا حق له في العين وأن كل دعوى يدعيها بسببها فهي باطلة، أو يستأجرها منه بمئة دينار مثلًا ثم يُصَارفه كل دينار بعشرة دراهم، فإذا طالبه بأجرة المثل طالبه هو بالدنانير التي وقعَ عليها العقد، فإنه لم (3) يخف من ذلك، ولكن يخاف (4) أن يغدر به في آخر المدة، فليقسط (5) مبلغ الأجرة على عدد السنين، ويجعل معظمها للسنة التي يخشى غدره فيها، وكذلك إذا خاف المؤجِّرُ أن يغدر المستأجر ويرحل في آخر المدة، فليجعل معظم الأجرة على المدة التي يامن فيها [من] (6) رحيلِهِ، والقدر اليسير منها لآخر المدة.
__________
(1) في المطبوع: "أو قد يكون".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) في (ن): "فإن لم"!
(4) في (ك) و (ق): "خاف".
(5) في (ك): "فليسقط".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5/305)

المثال الثاني: أن يخاف ربُّ الدار غيبة المستأجر، ويحتاج إلى داره فلا يسلمها أهله إليه، فالحيلة في التخلص من ذلك أن يؤجرها ربها من امرأة المستأجر، ويضمن الزوج أن ترد إليه المرأة الدار وتفرغها متى انقضت المُدَّة، أو تضمن المرأة ذلك إذا استاجر الزوج، فمتى استأجر أحدهما وضمن الآخر الرد لم يتمكن أحدهما من الامتناع، وكذلك إن مات المستاجر فجحَدَ ورثته الإجارة وادّعوا أن الدار لهم نَفَع ربَّ الدار كفالةُ الورثة وضمانُهم رد الدار إلى المؤجِّر، فإن خاف المؤجر إفلاس المستأجر وعدم تمكنه من قبض الأجرة؛ فالحيلة أن يأخذ منه كفيلًا (1) بأجرة ما سكن أبدًا، ويسمي أجرة كل شهر للضمين، ويشهد عليه بضمانه.
المثال الثالث: أن يأذن رب الدار للمستأجر أن يكون في الدار ما يحتاج إليه أو يعلف الدابة بقدر حاجتها، وخاف أن لا يحتسب له ذلك من الأجرة؛ فالحيلة في اعتداده به عليه أن يقدِّر ما تحتاج إليه الدابة أو الدار (2)، ويسمى له قدرًا معلومًا، ويحسبه من الأجرة، ويُشهد على المؤجِّر أنه قد وكله في صَرْف ذلك القدر فيما تحتاج إليه الدار أو الدابة.
فإن قيل: فهل تجَوِّزون لمن له دَيْن على رجل أن يوكله في المضاربة به أو الصدقة به أو إبراء نفسه منه أو أن يشتري له شيئًا (3)، ويبرأ المدين إذا فعل ذلك؟

[مذهب أحمد في صور المضاربة بالدَّين]
قيل: هذا مما اختلف فيه، وفي صورة المضاربة بالدَّين قولان في مذهب الإمام أحمد:
أحدهما: أنه لا يجوز ذلك، وهو المشهور، لأنه يتضمن قبض الإنسان من نفسه وإبراءه لنفسه من دَيْن الغريم بفعل نفسه، لأنه متى أخرج الدين وضارب به فقد صار [المال] (4) أمانة وبرئ منه؛ وكذلك إذا اشترى به شيئًا أو تصدق به (5).
والقول الثاني: أنه يجوز (6)، وهو الراجح في الدليل، وليس في الأدلة
__________
(1) في (ك): "كفيلة".
(2) في (ك) و (ق): "الدار أو الدابة".
(3) سقط من (ك).
(4) سقط من (ق).
(5) هذا مذهب جمهور العلماء، انظر: "بدائع الصنائع" (6/ 60) و"شرح الزرقاني على مختصر خليل" (6/ 42) و"الشركات في الشريعة" (1/ 148 - 151).
(6) في المطبوع: "لا يجوز"!
(5/306)

الشرعية ما يمنع من جواز ذلك، ولا يقتضي تجويزُه مخالفةَ قاعدة من قواعد الشرع، ولا وقوعًا في محظورٍ من ربا ولا قمار ولا بيع غَرَرٍ، ولا مفسدة في ذلك بوجه ما؛ فلا يليق بمحاسن الشريعة المنع منه، وتجويزه من محاسنها ومقتضاها (1).
وقولهم: "إنه يتضمن إبراءَ الإنسان لنفسه بفعل نفسه" كلامٌ فيه إجمال يوهم أنه هو المستقل بإبراء نفسه، وبالفعل الذي به يبرأ، وهذا إيهامٌ؛ فإنه إنما برئ بما أذن له ربُّ الدَّيْن من مُبَاشرة الفعل الذي تضمن براءَته من الدَّيْن، فأي محذور في أن يفعل فعلًا أذن له فيه ربُّ الدَّيْن، ومستحقه يتضمن براءته؟ فكيف ينكر أن يقع في الأحكام الضمنية التبعية (2) ما لا يقع مثله في المتبوعات (3)، ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر؟ حتى لو وكَّله أو أذن له أن يبرئ نفسه من الدين جاز وملك ذلك، كما لو وكل المرأة أن تُطَلِّق نفسها؛ فأي فرق بين أن يقول: طلقي نفسك إن شئت (4)، أو يقول لغر