Advertisement

إعلام الموقعين عن رب العالمين ت مشهور 004


سلسلة مكتبة ابن القيم [6]

إعلام الموقعين عن رب العالمين

تصنيف
أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 ه

قرأه وقدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره
أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان

شارك في التخريج
أبو عمر أحمد عبد الله أحمد

[المجلد الرابع]

دار ابن الجوزي
(4/1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(4/2)

إِعلامُ الموقِّعِين عَن رَبِّ العَالمين
[4]
(4/3)

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار ابْن الْجَوْزِيّ
الطبعة الأولى
رَجَب 1423 ه

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة © 1423 ه لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر

دَار ابْن الْجَوْزِيّ للنشر والتوزيع
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية
الدمام - شَارِع ابْن خلدون ت: 8428146 - 8467589 - 8467593
ص ب: 2982 - الرَّمْز البريدي: 31461 - فاكس: 8412100
الإحساء - الهفوف - شَارِع الجامعة ت: 5883122
جدة ت: 6516549
الرياض ت: 4266339
(4/4)

[الفرق بين حال الأئمة وحال المقلدين]
الوجه السادس والستون: قولكم: "قال الشافعي -رضي اللَّه عنه-: رأيُ الصحابة لنا خير من رأينا لأنفسنا (1) [ونحن نقول ونَصْدق: رأي الشافعي والأئمة لنا خير من رأينا لأنفسنا] (2) جوابه من وجوه.
أحدها: أنكم أول مخالف لقوله، ولا ترون رأيهم لكم خيرًا من رأي الأئمة لأنفسهم، بل تقولون: رأي الأئمة لأنفسهم خير لنا من رأي الصحابة لنا، فإذا جاءت الفُتيا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسادات الصحابة وجاءت الفُتيا عن الشافعي وأبي حنيفة ومالك تركتم ما جاء عن الصحابة وأخذتم بما أفتى به الأئمة، فهلَّا كان رأي الصحابة لكم خيرًا من رأي الأئمة لكم لو نصحتم أنفسكم.

[فضل الصحابة وعلمهم]
الثاني: أن هذا لا يُوجب [صحة] (3) تقليد مَنْ سِوى الصحابة؛ لما خصَّهم اللَّه به من العلم والفهم والفضل والفقه عن اللَّه ورسوله وشاهدوا الوحي والتلقي عن الرسول بلا واسطة ونزول الوحي بلغتهم وهي غضة محضة لم تُشَبْ، ومراجعتهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فيما أشكل عليهم من القرآن والسنة حتى يُجَلِّيه لهم؛ فمن له هذه المزية بعدهم؟ ومن شاركهم في هذه المنزلة حتى يقلَّد كما يقلَّدون فضلًا عن وجوب تقليده وسقوط تقليدهم أو تحريمه كما صَرَّح به غلاتُهم؟ (4) وتاللَّه إن بَيْن علم الصحابة وعلم من قلَّدتموه من الفضل كما بينهم وبينهم في ذلك. قال الشافعي في "الرسالة القديمة" بعد أن ذكرهم وذكر من تعظيمهم وفضلهم: "وهم فوقنا في كل علم واجتهادٍ وورعٍ وعقلٍ وأمر استدرك به عليهم (5)، وآراؤهم لنا أحمد وأولى [بنا] (6) من رأينا، قال الشافعي: وقد أثنى اللَّه على الصحابة في القرآن والتوراة والإنجيل، وسَبقَ لهم من الفَضْل على لسان نبيهم ما ليس لأحد بعدهم"، وفي "الصحيحين" من حديث عبد اللَّه بن مسعود عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-
__________
(1) صرح الشافعي بحجيَّة أقوال الصحابة في "الأم" (7/ 246)، و"الرسالة" (ص 597 - 598) ونقله عنه البيهقي في "المعرفة" (1/ 106) ط سيد صقر، وسينقل المصنف ذلك عنه فيما يأتي.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ق): "غلاتكم".
(5) في (ق) و (ن) و (ك): "استدرك به علم"!!
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(4/5)

قال: "خيرُ الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبقُ شهادةُ أحدهم يمينه ويمينه شهادته" (1)، وفي "الصحيحين" من حديث أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تسُبُّوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه" (2) وقال ابنُ مسعود: "إن اللَّه نَظَر في قلوب عباده فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، ثم نظر (3) في قلوب الناس بعده فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصحبته، وجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رأوه (4) قبيحًا فهو عند اللَّه قبيح" (5) وقد أمرنا
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) رواه البخاري (3673) في "فضائل الصحابة": باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو كنت متخذًا خليلًا"، ومسلم (2541) في (فضائل الصحابة): باب تحريم سب الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، ووقع عند الإمام مسلم (2540) من حديث أبي هريرة، وهو وهم كما ذكره الحافظ في "الفتح" (7/ 35)، وسبقه المزيُّ في "تحفة الأشراف" (3/ 343 - 344)، وانظر: "جزء في طرق حديث لا تسبوا أصحابي" (ص 65) لابن حجر، بتحقيقي.
(3) في (ق): "رأى".
(4) في (ك): "رآه المؤمنون" وقد وردت هكذا في كثير من مصادر الحديث التي أخرجته.
(5) رواه الطيالسي (246) -ومن طريقه البيهقي في "المدخل" (49)، وأبو نعيم (1/ 375 - 376)، والطبراني في "الكبير" (8583)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 166 - 167)، والبغوي في "شرح السنة" (105) من طرق عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود به.
ورواه أحمد في "مسنده" (1/ 379)، والبزار (130 - كشف الأستار)، والقطيعي في "زوائده على فضائل الصحابة" (541)، والطبراني في "الكبير" (8582)، والحاكم في "المستدرك" (78/ 3) من طريق عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود به.
وأظن أن هذا الاختلاف من عاصم -وهو ابن بَهدلة- فإن في حفظه شيئًا، وقد قال الدارقطني في "علله" (5/ 67): رواه نصير بن أبي الأشعث عن عاصم عن المسيب بن رافع ومسلم بن صبيح عن عبد اللَّه.
ورواه الطبراني في "الكبير" (8593) من طريق الأعمش عن أبي وائل عن عبد اللَّه، قال الهيثمي في "المجمع" (1/ 178 و 8/ 252): رجاله موثقون، وحسنه شيخنا الألباني -رحمه اللَّه تعالى- في "السلسلة الضعيفة" (2/ 17).
وقد ورد هذا مرفوعًا من كلام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (4/ 165)، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (452) من حديث أنس بن مالك.
وقال ابن الجوزي: تفرد به سليمان بن عمرو النخعي، قال أحمد: كان يضع الحديث.
وقال المصنف في "لفروسية" (ص 298 - 299 - بتحقيقي): "إن هذا ليس من كلام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإنما يضيفه إلى كلامه من لا علم له بالحديث، وإنما هو ثابت عن ابن =
(4/6)

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- باتباع سنة خلفائه الراشدين (1) وبالاقتداء بالخليفتين (2). وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (3)، وشهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لابن مسعود بالعلم (4)، ودعا لابن عباس بأن يفقهه اللَّه في الدين ويعلمه التأويل (5)، وضَمَّه إليه مرة وقال: "اللَّهم علمه الحكمة" (6) وناول (7) عمر في المنام القَدَح الذي شرب منه
__________
= مسعود من قوله، ذكره الإمام أحمد وغيره موقوفًا عليه".
(1) ورد ذلك في حديث العرباض بن سارية، وسبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.
(3) رواه البخاري (466) في (الصلاة): باب الخوخة والممر في المسجد، و (3654) في (فضائل الصحابة): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر" و (3904) في "مناقب الأنصار": باب هجرة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه إلى المدينة، ومسلم (2382) في "فضائل الصحابة": باب فضائل أبي بكر الصديق، وهو جزء من حديث طويل.
(4) هو في حديث طويل: رواه أحمد في "مسنده" (1/ 379 و 457 و 462)، والحسن بن عرفة في "جزئه" (46)، ومن طريقه البيهقي في "الاعتقاد" (284 - 285)، وأبو القاسم الحنائي في "الفوائد" (1/ ق 5/ ب أو رقم 4 - بتحقيقي)، والتيمي في "الدلائل" (2/ 502)، والذهبي في "السير" (1/ 465) - وأبو داود الطيالسي (2456 - منحة) -ومن طريقه أبو نعيم في "دلائل النبوة" (رقم 233)، وفي "الحلية" (1/ 125) - وابن سعد في "الطبقات" (3/ 150)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (631)، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ق 88 - ابن مسعود)، و"المجلس الثمانين بعد المئتين في فضل ابن مسعود" (9)، وأبو يعلى في "مسنده" (4985) و (5096) و (3511)، والطبراني في "معجمه الكبير" (8455 و 8456 و 8457)، وفي "الصغير" (513)، وابن أبي شيبة (7/ 51 و 11/ 510)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (6/ 84 - 85)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (2/ 537)، وابن حبان (6504) و (7061)، وأبو نعيم في "الدلائل" (113)، و"الحلية" (1/ 125)، واللالكائي في "السنة" (2/ 773 - 774) من طرق عن عاصم بن بَهْدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود، وفيه قوله لابن مسعود: "إنك غلام مُعلَّم".
قال الذهبي: هذا حديث صحيح الإسناد.
قلت: إسناده حسن فحسب من أجل عاصم.
وقال الهيثمي في "المجمع" (6/ 17): "ورجاله رجال الصحيح".
أقول: رواية البخاري ومسلم لعاصم مقرونة.
(5) سبق تخريجه.
(6) رواه البخاري (3756) في (فضائل الصحابة): باب ذكر ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- من حديث ابن عباس بهذا اللفظ.
وروى البخاري (75) في (العلم): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اللهم علمه الكتاب، وفي حديث (3756) في (الفضائل): من حديثه أيضًا قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللهم علمه الكتاب" وقد فَصَّلت من قبل حديث: "اللهم فقهه في الدين".
(7) في المطبوع: "وتأول".
(4/7)

حتى رأى الريَّ يخرج من تحت أظفاره، وأَوَّله بالعلم (1)، وأخبر أَنَّ القوم إنْ أطاعوأ أبا بكر وعمر يَرْشدوا (2)، وأخبر أنه لو كان بعده نبيّ لكان عمر (3)، وأخبر أن اللَّه جَعل الحقَّ على لسانه وقلبه (4)، وقال: رضيتُ لكم ما رضي لكم ابنُ أمِّ
__________
(1) رواه البخاري في (العلم) (82) باب فضل العلم، و (3681) في (فضائل الصحابة): باب مناقب عمر، و (7006) في (التعبير): باب اللَّبن، و (7007): باب إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافيره، و (7027): باب إذا أعطى فضله غيره في النوم، و (7032): باب القدح في النوم، ومسلم (2391) في (فضائل الصحابة): باب من فضائل عمر، من حديث ابن عمر.
(2) رواه مسلم (681) في (المساجد): باب قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها، من حديث أبي قتادة.
(3) رواه أحمد (4/ 154)، والترمذي (3695)، والطبراني في "المعجم الكبير" (17/ رقم 822)، والقطيعي في "زوائده على فضائل الصحابة" (رقم 199، 519، 694)، والفسوي في "تاريخه" (2/ 500)، والحاكم (3/ 85)، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (228)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (100، 101 - ترجمة عمر)، والروياني في "مسنده" (214، 223)، والدينوري في "المجالسة" (217 - بتحقيقي)، وأبو نعيم في "فضائل الخلفاء" (85)، والتيمي في "الحجة" (341)، والبيهقي في "المدخل" (65)، والخطيب في "الموضح" (2/ 414)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ص 100، 101 - ترجمة عمر) واللالكائي (491)، من طريق حيوة بن شُريح عن بكر بن عمرو عن مِشْرح بن هاعان عن عقبة بن عامر رفعه.
وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات إلا أن مشرح بن هاعان فيه كلام، ووثقه الفسوي (2/ 500)، وهو مما فات ابن حجر في "التهذيب"، فلا ينزل حديثه عن الحسن.
والحديث رواه عن مشرح ابن لهيعة أيضًا إلا أنه اضطرب فيه.
فرواه تارة عن مشرح: أخرجه القطيعي في "زوائده على فضائل الصحابة" (498)، وابن عدي (3/ 1014).
وتارة عن أبي عشانة (حي بن يؤمن): رواه الطبراني في "الكبير" (17/ 857) مع أن إسنادي القطيعي والطبراني واحد!! على كل حال هذا تخليط من ابن لهيعة لا يضر فالعمدة على ما سبق.
والحديث عزاه ابن حجر في "فتح الباري" (7/ 51) لابن حبان ولم أجده في "الإحسان".
وفي الباب عن عصمة رواه الطبراني في الكبير (7/ 475) قال في "المجمع" (9/ 68) وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف.
ورواه جمعٌ، منهم: بلال وأبو هريرة وابن عمر وأبو سعيد خَرَّجت حديثهم في تعليقي على "المجالسة" (2/ 86 - 90 رقم 217) وأسانيد الكل ضعيفة، فيتقوّى بعضها ببعض، واللَّه أعلم، قاله ابن عرَّاق في "تنزيه الشريعة" (1/ 373) وانظر: "السلسلة الصحيحة" (رقم 327).
(4) رواه أحمد في "مسنده" (5/ 165 و 177)، وفي "فضائل الصحابة" (316)، وابن أبي عاصم في "السنة" (1249)، وابن سعد (2/ 335)، وأبو داود (2962) في (الخراج): =
(4/8)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= باب في تدوين العطاء، وابن ماجه (108) في (المقدمة): باب فضل عمر، وابن أبي شيبة (12/ 21 أو 7/ 478 - ط الفكر)، والقطيعي في "زوائده على فضائل الصحابة" (521، 687، 867)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 461)، والبغوي (3876)، وابن شاهين في "جزء في حديثه" (7)، والبلاذري في أنساب الأشراف (ص 149 - 150 - أخبار الشيخين)، وابن عساكر (85 - 86 - ترجمة عمر) جميعهم من طرق عن ابن إسحاق عن مكحول عن غضيف عن أبي ذر.
وصرح ابن إسحاق بالتحديث عند الفسوي فقط.
وهذا إسناد حسن لحال محمد بن إسحاق، وغضيف بن الحارث هذا ذكره بعضهم في "الصحابة"، وهو الظاهر.
ورواه الحاكم في "المستدرك" (3/ 86 - 87)، وأبو نعيم في "الحلية" (5/ 191)، والدارقطني في "الأفراد" (2/ 269 - الأطراف)، والطبراني في "مسند الشاميين" (1543)، والبيهقي في "المدخل" (66)، واللالكائي (2490)، وابن عساكر (ص 85 - ترجمة عمر) من طريق أبي خالد الأحمر عن محمد بن إسحاق ومحمد بن عجلان وهشام بن الغاز عن مكحول عن غضيف عن أبي ذر.
وأبو خالد الأحمر هذا صدوق يخطئ؛ كما قال الحافظ ابن حجر، وانظر: "العلل" (6/ 259) للدارقطني.
ورواه أحمد في "مسنده" (5/ 145) وفي "فضائل الصحابة" (317)، وابن عساكر (ص 87 - 88) من طريق برد بن سنان عن عبادة بن نسي عن غضيف عن أبي ذر مرفوعًا.
وإسناده جيد أيضًا وهذه متابعة قوية لابن إسحاق.
وفي الباب عن أبي هريرة: رواه أحمد في "مسنده" (2/ 410)، وابنه عبد اللَّه في "زوائده على فضائل الصحابة" (315)، والقطيعي (524) و (684)، وابن أبي شيبة (7/ 480)، وابن أبي عاصم في "السنة" (1250)، والبزار (2501)، وابن حبان (6889)، وتمام في "فوائده" (4/ 272 رقم 1461 - ترتيبه) وابن الأعرابي في "معجمه" (رقم 2271 - ط الكوثر) وأبو نعيم في "الحلية" (1/ 42) و"تثبيت الإمامة" (رقم 101، 110)، والطبراني في "الأوسط" -ولم أظفر به في طبعتيه، وسنده في "مجمع البحرين" (6/ 245 رقم 3661) وعزاه له في "مجمع الزوائد" (9/ 66) - والدينوري في "المجالسة" (رقم 198 - بتحقيقي) والآجري في "الشريعة" (3/ 95 رقم 1417) وابن شاهين في "السنة" (رقم 77). والسِّلفي "معجم السفر" (ص 254 - الباكستانية وص 267 رقم 886 - ط دار الفكر) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ص 88، 89 - ترجمة عمر)، بإسناده لين.
وعن ابن عمر: رواه أحمد في "مسنده" (2/ 53 و 95) وفي "فضائل الصحابة" (313)، وابنه في "زياداته" (395)، والقطيعي (525)، والترمذي (3682) في (المناقب): باب مناقب عمر، وابن سعد (2/ 335)، والطبراني في "الأوسط" (249، 291، 3354) وفي "مسند الشاميين" (رقم 52)، وعبد بن حميد في "المنتخب" (رقم 758) وابن الأعرابي في "معجمه" (ق 228/ أ) وابن عدي (3/ 51، 4/ 407)، وابن حبان (6895)، والفسوي =
(4/9)

عبد (1)، يعني: عبد اللَّه بن مسعود (2)، وفضائلهم ومناقبهم وما خَصَّهم اللَّه به من والفضل، أكثر من أن يذكر، فهل يستوي تقليد هؤلاء وتقليد من بعدهم ممن لا يُدانيهم ولا يُقاربهم؟
__________
= (1/ 467)، وأبو نعيم في "تثبيت الإمامة" (رقم 109)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (ص 150 - ترجمة الشيخين)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (2/ 861 رقم 961) وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (1/ 382) والخليلي في "الإرشاد" (1/ 414) وتمام في "فوائده" (1460 - ترتيبه) واللالكائي في "السنة" (2489) وابن عساكر (89 - 92 ترجمة عمر) والبغوي (14/ 85).
وفي الباب عن بلال، وأبي بكر، وأبي سعيد، ومعاوية، وعائشة.
والخلاصة: أن بعض طرق حديث ابن عمر حسنة، وحديث أبي ذر يشهد له، فالحديث محتج به، وهو صحيح؛ كما أفضتُ -وللَّه الحمد- في بيان ذلك في تعليقي على "المجالسة" للدينوري (2/ 56 - 68 رقم 198).
(1) رواه موصولًا هكذا: الحاكم في "المستدرك" (3/ 317 - 318)، والبيهقي في "المدخل" (96) من طريق يحيى بن يعلى المحاربي عن زائدة عن منصور عن زيد بن وهب عن عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا به.
وقال الحاكم: "إسناده صحيح على شرط الشيخين، وله علة"، ثم ذكر علته، وهي رواية سفيان وإسرائيل عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن مرسلًا.
أقول: يحيى بن يعلى الراوي عن زائدة من الثقات، وقد رواه عنه آخر، وهو معاوية بن عمرو فجعله عنه عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن قال: حُدِّثت، مرسلًا، ومعاوية هذا من الثقات أيضًا.
أخرجه الطبراني في "الكبير" (8458)، والحديث رواه مرسلًا: أحمد في "فضائل الصحابة" (رقم 1536)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (7/ 521)، والحاكم في "المستدرك" (3/ 318) من طريق سفيان، وإسرائيل عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن مرسلًا، وقد رَجَّح الإرسال الإمام الدارقطني في "علله" (5/ 201)، وهو الظاهر.
ورواه أحمد في "الفضائل" (1539) من طريق وكيع عن مالك بن مغول عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلًا.
ورواه ابن أبي عمر في "مسنده"؛ كما في "المطالب العالية" (4/ 113) من طريق القاسم عن ابن مسعود، وهو منقطع.
وله شاهد من حديث أبي الدرداء: رواه الطبراني في "الكبير" إلا أن فيه انقطاعًا؛ كما ذكر الهيثمي في "المجمع" (9/ 920).
وشاهد آخر من حديث عمرو بن حُريث: رواه الحاكم في "المستدرك" (3/ 319)، والبيهقي في "المدخل" (99)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو حديث طويل آخره: "رضيت لكم ما رضي ابن أم عبد".
(2) في (ك) و (ق): "يعني ابن مسعود".
(4/10)

[قول الصحابة حجة]
الثالث: أنه لم يختلف المسلمون أنه ليس قول من قَلَّدتموه حجة، وأكثر العلماء بل الذي نص عليه من قلدتموه أن أقوال الصحابة حجة يجب اتباعها، ويحرم الخروج عنها كما سيأتي (1) حكاية ألفاظ الأئمة في ذلك، وأبلغهم فيه الشافعي، ونبين أنه لم يختلف مذهبه أن قول الصحابي حُجَّة، ونذكر نصوصه في الجديد على ذلك إن شاء اللَّه، وأن من حَكى عنه قولين في ذلك فإنما حكى ذلك بلازم قوله، لا بصريحه، وإذا (2) كان قول الصحابي حجة فقبول قوله واجبٌ متعيّن، وقبول قول من سواه أحسن أحواله أن يكون سائغًا، فقياسُ أحد القائلين على الآخر من أفْسد القياس وأبطله.

[ما ركزه اللَّه في فطر عباده من تقليد الأستاذين لا يستلزم جواز التقليد في الدين]
الوجه السابع (3) والستون: قولكم: "وقد جعل اللَّه سبحانه في فِطَرِ العباد تقليد المتعلمين للمعلمين والأستاذين في جميع الصنائع والعلوم إلى آخره" فجوابه أن هذا حق لا ينكره عاقل، ولكن كيف يستلزم ذلك صحة التقليد في دين اللَّه، وقبول قول المتبوع بغير حجة توجب قبول قوله، وتقديم قوله على قول من هو أعلم منه، وترك الحجة لقوله، وترك أقوال أهل العلم جميعًا من السلف والخلف لقوله؟ فهل جعل اللَّه ذلك في فطرة أحد من العالمين؟ ثم يُقال: بل الذي فطر اللَّه عليه عباده طلبُ الحجة والدليل المثبت لقول المدعي، فركز [اللَّه] (4) سبحانه في فطر الناس أنهم لا يقبلون قول من لم يقم الدليل على صحة قوله، ولأجل ذلك أقام اللَّه سبحانه البراهين القاطعة والحجج الساطعة والأدلة الظاهرة والآيات الباهرة على صدق رسله إقامةً للحجة وقطعًا للمعذرة، هذا وهم أصدقُ خلقه وأعلمُهم وأبرُّهم وأكملهم، فأَتوا بالآيات والحجج والبراهين مع اعتراف أممهم لهم بأنهم أصدق الناس، فكيف يُقبل قول من عداهم بغير حجة تُوجب قبول قوله؟ واللَّه سبحانه إنما أوجب قبول قولهم بعد قيام الحجة وظهور الآيات المستلزمة لصحة دعواهم؛ لما جعل اللَّه في فطر عباده من الانقياد للحجة، وقبول قول صاحبها، وهذا أمر مشتركٌ بين جميع أهل الأرض مؤمنُهم وكافرهم وبرُّهم وفاجرهم الانقياد للحجة وتعظيم صاحبها، وإن
__________
(1) انظر (3/ 45 و 4/ 550).
(2) في المطبوع: "وإن".
(3) في (ك) و (ق): "السادس".
(4) ما بين المعقوفتين من (ق) وحدها.
(4/11)

خالفوه عِنادًا وبغْيًا فلفوات (1) أغراضهم بالانقياد؛ ولقد أحسن القائل:
أَبْن (2) وجهَ قولِ الحقِّ في قلبٍ سامعٍ ... ودَعْه فنورُ الحقِّ يَسري ويُشرقُ
سيؤنسه رفقًا (3) وينسى نِفَارَه ... كما نسي التَّوثيق من هو مُطْلَقُ
ففطرةُ اللَّه وشرعته (4) من أكبر الحجج على فرقة التقليد.

[تفاوت الاستعداد لا يستلزم التقليد في كل حكم]
الوجه الثامن (5) والستون: قولكم: " (إن اللَّه) (6) سبحانه فاوت بين قوى الأذهان كما فاوت بين قوى الأبدان، فلا يليق بحكمته وعدله أن يفرض على كل أحد معرفة الحق بدليله في كل مسألة، إلى آخره" فنحن لا ننكر ذلك، ولا ندَّعي أن اللَّه فَرَضَ على جميع خلقه معرفة الحق بدليله في كل مسألة من مسائل الدين دِقِّه وجِلِّه، وإنما أنكرنا ما أنكره الأئمة ومَنْ تقدَّمهم من الصحابة والتابعين وما حدث في الإسلام بعد انقضاء القرون الفاضلة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، من نَصْبِ رجلٍ واحد وجعل فتاويه بمنزلة نصوص الشارع، بل تقديمها (عليها) (7) وتقديم قولَه على أقوال مَنْ بَعْد رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من جميع علماء أمته، والاكتفاء بتقليده عن تلقِّي الأحكام من كتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة، وأن يضم إلى ذلك أنه لا يقول إلا بما في كتاب اللَّه وسنة رسوله، وهذا مع تضمُّنه للشهادة بما (8) لا يعلم الشاهد، والقول على اللَّه بلا علم، والإخبار عَمَّن خالفه وإن كان أعلم منه أنه غير مصيب للكتاب والسنة ومتبوعي هو المصيبُ، أو يقول: كلاهما مصيب للكتاب والسنة، وقد تعارضت أقوالُهما، فيجعل أدلة الكتاب والسنة متعارضةً متناقضةً، واللَّه ورسوله يحكم بالشيء وضده في وقت واحد، ودينه تبع لآراء الرجال، وليس له في نَفْس الأمر حكم معين، فهو إما أن يسلك هذا المسلك أو يُخطِّئ من خالف متبوعه، ولا بد له من واحد من الأمرين، وهذا من بركة التقليد عليه.
إذا عرفت (9) هذا فنحن إنما قلنا ونقول: إن اللَّه تعالى أوْجب على العباد أن
__________
(1) في (ق) و (ك): "ولفوات".
(2) في (ق): "أين"، وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة ما أثبتناه.
(3) في المطبوع: "رشدًا".
(4) في المطبوع و (ق): "وشرعه".
(5) في (ق) و (ك): "السابع".
(6) في (ق) و (ك): "أنه".
(7) ما أثبته من (ك)، وفي باقي الأصول: "عليه".
(8) في (ن) و (ك): "مما".
(9) في (ق) و (ك): "عرف".
(4/12)

يتقوه بحسب استطاعتهم، وأصل التقوى معرفة ما يُتَّقى ثم العمل به؛ فالواجب على كل عبد أن يبذل جَهده في معرفة ما يتقيه مما أمره اللَّه به ونهاه عنه، ثم يلتزم طاعة اللَّه ورسوله، وما خفي عليه فهو (1) فيه أسوة أمثاله ممن عدا الرسول؛ فكل (2) أحد سواه قد خفي عليه بعض ما جاء به، ولم يخرجه ذلك عن كونه من أهل العلم، ولم يكلفه اللَّه ما لا يطيق من معرفة الحق واتباعه. قال أبو عمر (3): وليس أحدٌ بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا وقد خفي عليه بعض أمره، فإذا أوجبَ اللَّه [سبحانه] (4) على كل أحد ما استطاعه وبلغته قواه من معرفة الحق وعَذَرَه فيما خفي عليه منه فأخطأ أو قَلَّد فيه غيره كان ذلك هو مقتضى حكمته وعدله ورحمته، بخلاف ما لو فوّض إلى العباد (5) تقليد من شاءوا من العلماء، وأن يختارَ كلٌّ منهم [له] (6) رجلًا ينصبه معيارًا على وحيه، ويُعرض عن أخذ الأحكام واقتباسها من مِشكاة الوحي؛ فإن هذا ينافي حكمته ورحمته وإحسانه، ويؤدي إلى ضياع دينه وهجْر كتابه وسنة رسوله كما وقع فيه من وقع، وباللَّه التوفيق.

[فرق عظيم بين المقلد والمأموم]
الوجه التاسع (7) والستون: قولكم: "إنكم في تقليدكم بمنزلة المأموم مع الإمام والمتبوع مع التابع فالركب (8) خلف الدليل" جوابه إنا واللَّه حولها نُدنْدِن، ولكن الشأن في الإمام والدليل والمتبوع الذي فَرضَ اللَّه على الخلائق أن تأتم به وتتبعه وتسير خلفه، وأقسم سبحانه بعزَّته أن العباد لو أتوْه من كل طريق أو استفتحوا من كل باب لم يُفتح لهم حتى يدخلوا خلفه؛ فهذا لعمر اللَّه هو إمام الخلق ودليلهم وقائدهم حقًا، ولم يجعل اللَّه منصب الإمامة بعده إلا لمن دعا إليه، ودَلَّ عليه، وأمر الناس أن يقتدوا به، ويأتموا به، وبسيروا خلفه، وأن لا ينصبوا لأنفسهم (9) متبوعًا ولا إمامًا ولا دليلًا غيره، بل يكون العلماء مع الناس بمنزلة أئمة (10) الصلاة مع المصلين، كل واحدٍ يصلي طاعة للَّه وامتثالًا لأمره، وهم في الجماعة متعاونون متساعدون وبمنزلة (11) الوفد مع الدليل، كلهم يَحجُّ
__________
(1) كذا في الأصول ولعل الصواب: "فله".
(2) في (ك): "إذ كل".
(3) لم أظفر به في: "جامع بيان العلم".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في المطبوع: "فرض على العباد".
(6) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(7) في (ق) و (ك): "الثامن".
(8) في (ق) و (ك): "والركب".
(9) في المطبوع: "لنفوسهم".
(10) ساقطة من (ك).
(11) في كذا في (ق)، وفي باقي النسح: "بمنزلة".
(4/13)

طاعةً للَّه وامتثالًا لأمره، لا أن المأموم يصلي لأجل كون الإمام يصلي (1)، بل هو يصلي صَلَّى إمامه أو لا بخلاف المقلد؛ فإنه إنما ذهب إلى قول متبوعه لأنه قاله، لا لأن الرسول قاله، ولو كان كذلك لدار مع قول الرسول أين كان ولم يكن مقلدًا. فاحتجاجهم بإمام الصلاة ودليل الحاج من أظهر الحجج (2) عليهم.
يوضحه الوجه السبعون: (3) أن المأموم قد علم أن هذه الصلاة التي فَرضَها اللَّه سبحانه على عباده، وأنه وإمامَه في وجوبها سواء، وأن هذا البيت هو الذي فرض اللَّه حجَّه على كل من استطاع إليه سبيلًا، وأنه هو والدليل في هذا الفرض سواء، فهو لم يحج تقليدًا للدليل، ولم يصل تقليدًا للإمام.
وقد استأجر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- دليلًا يدلُّه (4) على طريق المدينة لما هاجر الهِجْرَة التي فرضها اللَّه عليه (5)، وصلَّى خلف عبد الرحمن بن عوْف مأمومًا (6)، والعالم يُصلِّي خلف مثله ومن هو دونه، بل خلف من ليس بعالم، وليس من تقليده في شيء.
يوضحه الوجه الحادي والسبعون: (7) أن المأموم يأتي بمثل ما يأتي به الإمام سواء، والركب يأتون بمثل ما يأتي به الدليل، ولو لم يفعلا ذلك لما كان هذا متَّبعًا، فالمتبع للأئمة هو الذي يأتي بمثل ما أتوا به سواء من معرفة الدليل وتقديم الحجة وتحكيمها حيث كانت ومع من كانت؛ فهذا يكون مُتَّبعًا لهم، وأما مع إعراضه عن الأصل الذي قامت عليه إمامتهم، ويسلك غير سبيلهم ثم يدَّعي أنه مؤتمٌ بهم فتلك أمانيُّهم، ويقال لهم: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النحل: 64].
__________
(1) في (ك): "لأن المأموم يصلي لا لأجل الإمام يصلي".
(2) في (ق) و (ك): "الأدلة".
(3) في (ق) و (ك): "الوجه التاسع والتسعون".
(4) "رواية البخاري: واستأجر رسول اللَّه وأبو بكر رجلًا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هاديًا خريتًا"، والخريت -بكسر الخاء وتشديد الدال-: الماهر بالهداية. وهناك في اسمه خلاف، فهو عبد اللَّه بن أرقد، أو أريقد، أو أريقط، أو رقيط" (و).
(5) رواه البخاري (2263) في الإجارة: باب استئجار المشركين عند الضرورة و (2264) باب إذا استاجر أجيرًا ليعمل له بعد ثلاثة أيام أو بعد شهر أو بعد سنة جاز و (3905) في مناقب الأنصار: باب هجرة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه إلى المدينة، من حديث عائشة أم المؤمنين.
(6) رواه مسلم (421) في الصلاة: باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام ولم يخافوا مفسدة بالتقديم، من حديث المغيرة بن شعبة.
(7) في (ق) و (ك): "الوجه السبعون".
(4/14)

[الصحابة كانوا يبلغون الناس حكم اللَّه ورسوله]
الوجه الثاني (1) والسبعون: قولكم: "إن أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فتحوا البلاد، وكان الناسُ حديثي عهد بالإسلام، وكانوا يفتونهم، ولم يقولوا لأحد منهم: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل" جوابه أنهم لم يفْتُوهم (2) بآرائهم، وإنما بلَّغوهم ما قاله نبيهم وفعله وأمر به؛ فكان ما أفْتوهم (3) به هو الحكم والحجة (4)، وقالوا لهم: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدنا إليكم، فكان ما يخبرونهم به هو نفس الدليل وهو الحُكم؛ فإن كلام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- هو (5) الحكم وهو دليل الحكم، وكذلك القرآن، وكان الناس إذ ذاك إنما يحرصون على معرفة ما قاله نبيهم وفَعَله وأمر به، وإنما تُبلِّغهم الصحابة ذلك؛ فأين هذا من زمان إنما يحرصُ أشباهُ الناس فيه على ما قاله الآخر فالآخر، وكلَّما تأخر الرجل أخذوا كلامه وهجروا أو كادوا يهجرون كلام من فوقه، حتى تجد أتباع الأئمة أشد الناس هجرًا لكلامهم، وأهل كل عصر إنما يقضون ويفتون بقول الأدنى فالأدنى إليهم وكلما بعد العهد ازداد كلام المتقدم هجرًا ورغبة عنه، حتى إن كتبه لا تكاد تجد عندهم منها شيئًا بحسب تقدم زمانه، ولكن أين قال أصحابُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- للتابعين: لينصبْ كلٌّ منكم لنفسه رجلًا يختاره فيقلده (6) دينه ولا يلتفت إلى غيره، ولا يتلقى (7) الأحكام من الكتاب والسنة، بل من تقليد الرجال، فإذا جاءكم عن اللَّه ورسوله شيء وعَمَّن نصَّبتموه إمامًا تقلدونه فخذوا بقوله، ودعوا ما بلغكم عن اللَّه ورسوله؛ فواللَّه لو كُشف الغِطاءُ لكم وحقت الحقائق لرأيتم نفوسكم وطريقكم مع الصحابة كما قال الأول:
نزلوا بمكَة في قبائل هاشم ... ونزلْت بالبيداء أبْعدَ منزلِ
وكما قال الثاني (8):
سارت مُشرِّقةً وسرتُ مُغَرِّبًا ... شتانَ بين مُشرِّقٍ ومُغرِّبِ
__________
(1) في (ق) و (ك): "الحادي".
(2) في (ك) و (ق): "يفتوا".
(3) في (ك): "أفتوا".
(4) في (د) و (ك): "وهو الحجة".
(5) في (ط): "وهو" بزيادة واو.
(6) في المطبوع: "ويقلده".
(7) كذا في (ق) و (ك) وفي باقي النسح: "يتلق".
(8) ذكره في "تاج العروس" (25/ 501) مادة (شرق) بلا نسبة، وهو في "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية" (1/ 416).
(4/15)

وكما قال الثالث:
أيها المنكِحُ الثريّا سهيلًا ... عَمْرَكَ اللَّه كيف يلتقيانِ
هي شاميَّةٌ إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقل يماني (1)

[ليس التقليد من لوازم الشرع]
الوجه الثالث (2) والسبعون: قولكم: "إن التقليد من لوازم الشَّرع والقَدَر، والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد كما تقدم بيانه من الأحكام" جوابه أنَّ التقليد المنكر المذموم ليس من لوازم الشرع، وإن كان من لوازم القَدَر، بل بطلانه وفساده من لوازم الشرع، كما عرف بهذه الوجوه التي ذكرناها وأضعافها، وإنما الذي من لوازم الشرع المتابعة، وهذه المسائل التي ذكرتم أنها من لوازم الشرع ليست تقليدًا، وإنما هي متابعة وامتثال للأمر، فإن أبيتم إلا تسميتها تقليدًا فالتقليد بهذا الاعتبار حَقٌّ، وهو من الشرع، ولا يلزم من ذلك أن يكون التقليد الذي وقع النزاع فيه من الشرع، ولا من لوازمه، وإنما بطلانه من لوازمه.
يوضحه الوجه الرابع (3) والسبعون: أن ما كان من لوازم الشرع فبطلان ضده من لوازم الشرع؛ فلو كان التقليد الذي وقع فيه النزاع من لوازم الشرع لكان بطلان الاستدلال واتباع الحجة في موضع التقليد من لوازم الشرع؛ فإن ثبوت أحد النقيضين يقتضي انتفاء الآخر، وصحة أحد الضدين يوجب بطلان الآخر، ونحرِّره دليلًا فنقول: لو كان التقليد من الدين لم يَجُز العدول عنه إلى الاجتهاد والاستدلال؛ لأنه يتضمن بطلانه.
فإن قيل: كلاهما من الدِّين: وأحدهما (4) أكمل من الآخر: فيجوزُ العدول عن المفضول إلى الفاضل.
قيل: إذا كان قد انسدَّ بابُ الاجتهاد عندكم وقطعتم طريقه وصار الفَرْض هو التقليد فالعدول عنه إلى ما قد سُدَّ بابه وقُطعت طريقه يكون عندكم معصية
__________
(1) في نسخة (ك) و (و) "يمان"، وقال (و): "الشعر لعمر بن أبي ربيعة".
قلت: وهو في "ديوان عمر بن أبي ربيعة" (ص 503) -القسم المنسوب إليه- وعزاه له: المبرَّد في "الكامل" (2/ 780 - ط الدَّالى) وأبو الفرج في "الأغاني" (2/ 359) والبغدادي في "الخزانة" (1/ 239).
(2) في (ق) و (ك): "الثاني".
(3) في (ق) و (ك): "الثالث".
(4) في المطبوع: "أو أحدهما".
(4/16)

وفاعله آثمًا، وفي هذا من قطع طريق العلم وإبطال حجج اللَّه وبيّناته وخلو الأرض من قائم للَّه بحججه (1) ما يبطل هذا القول ويدحضه، وقد ضَمِن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق لا يضرهم من خَذَلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة (2)، وهؤلاء هم أولو العلم والمعرفة بما بعث اللَّه به رسوله؛ فإنهم على بصيرة وبينة، بخلاف الأعمى الذي قد شهد على نفسه بأنه ليس من أولي العلم والبصائر.
والمقصود أن الذي هو من لوازم الشرع المتابعةُ (3) والاقتداءُ، وتقديم النصوص على آراء الرجال، وتحكيم الكتاب والسنة في كل ما تَنَازع فيه العلماء، وأما الزهد في النصوص والاستغناء عنها بآراء الرجال وتقديمها عليها والإنكار على مَنْ جعل كتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة نُصْب عينيه وعرض أقوال العلماء عليها ولم يتخذ من دون اللَّه ولا رسوله وليجةً (4) فبطلانه من لوازم الشرع، ولا يتم الدين إلا بإنكارِه وإبطالِه، فهذا لونٌ والاتباع لونٌ، واللَّه الموفق.

[الرواية غير التقليد]
الوجه الخامس (5) والسبعون: قولكم: "كل حجة أثرية احتججتم بها على بطلان التقليد فأنتم مقلِّدون لحملتِها ورُواتها، وليس بيدِ العالمِ إلا تقليد الراوي، ولا بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، ولا بيد العامي إلا تقليد العالم، إلى آخره". جوابه ما تقدم مرارًا من أن هذا الذي سمَّيتموه تقليدًا هو اتباع أمر اللَّه ورسوله ولو كان هذا تقليدًا لكان كل عالم على وجه الأرض بعد الصحابة مقلدًا، بل كان الصحابة الذين أخذوا عن نظرائهم مقلدين، ومثلُ هذا الاستدلال لا يصْدرُ إلا عن مُشاغبٍ (6) أو ملبِّس يقصد لبس الحق بالباطل، والمقلِّد لجهله أخذ نوعًا صحيحًا من أنواع التقليد واستدلَّ به على النوع الباطل منه لوجود القدْر المشترك، وغفل عن القَدر الفارق، وهذا هو القياس الباطل المتفق على ذَمِّه، وهو أخو هذا التقليد الباطل، كلاهما في البُطلان سواء.
وإذا (7) جَعَل اللَّه سبحانه خَبرَ الصَّادق حجةً وشهادةَ العدل حجة لم يكن
__________
(1) في (ق): "بحجة".
(2) سبق تخريجه.
(3) في (ق) و (ك): "فالمتابعة".
(4) في المطبوع: "من دون اللَّه ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة".
(5) في (ق) و (ك): "الرابع".
(6) في هامش (ق): "المشاغب: مهيج الشر".
(7) في (ق): "إذا".
(4/17)

متبع الحجة مقلدًا، وإذا (1) قيل إنه مقلد للحجة؛ فحيهلًا (2) بهذا التقليد وأهله، وهل نُدندن إلا حوله؟ واللَّه المستعان.

[الجواب على ادعاء أن التقليد أسلم من طلب الحجة]
الوجه السادس (3) والسبعون: قولكم: "أنتم منعتم من التقليد خشية وقوع المقلد في الخطأ بأن يكون من قَلَّده مخطئًا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق، ولا رَيبَ أن صوابه في تقليده لمن هو أعلم منه أقرب من اجتهاده هو لنفسه، كمن أراد شراءَ سلعةً لا خِبْرة له بها فإنه إذا قلَّد عالمًا بتلك السلعة خبيرًا بها أمينًا ناصحًا كان صوابه وحصول غَرَضِه أقرب من اجتهاده لنفسه". جوابه من وجوه:
أحدها: أنا مَنَعنا التقليدَ طاعةً للَّه ورسوله، واللَّهُ ورسوله منع منه، وذمَّ أهله في كتابه، وأمر بتحكيمه وتحكيم رسوله وردّ ما تنازعت فيه الأمة إليه وإلى رسوله، وأخبر أن الحُكمَ له وحده، ونهى أن يُتخذ من دونه ودون رسوله وليجةً، وأمر أن يُعتصم بكتابه، ونَهى أن يُتخذ من دونه أولياء وأربابًا يُحل من اتخذهم ما أحلَّوه ويحرم ما حَرَّموه، وجعل من لا علم له بما أنزله على رسوله بمنزلة الأنعام، وأمر بطاعة أولي الأمر إذا كانت طاعتهم طاعة لرسوله بأن يكونوا متبعين لأمره مُخبرين به، وأقسم بنفسه سبحانه أنَّا لا نؤمن حتى نُحكِّم الرسول خاصة فيما شجر بيننا لا نحكم غيره ثم لا نجد في أنفسنا حرجًا مما حكم به كما يجده المقلدون إذا جاء حكمه خلاف قول مَنْ قلدوه، وأن نسلِّم لحكمه تسليمًا (4)، كما يسلم المقلدون لأقوال من قلدوه، بل تسليمًا أعظم من تسليمهم وأكمل واللَّه المستعان، وذمَّ من حاكم إلى غير الرسول، وهذا كما أنه ثابت في حياته فهو ثابت بعد مماته، فلو كان حيًا بين أظهرنا وتحاكمنا إلى غيره لكنَّا من أهل الذم والوعيد؛ فسنَّته وما جاء به من الهدى ودين الحق، لم يمت، وإن فُقد من بين الأمة شخصُه الكريم فلم يفقد من بيننا (5) سنته ودعوته وهدْيه، والعلم والإيمان بحمد اللَّه مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، وقد ضَمِن اللَّه سبحانه حفظ الذكر
__________
(1) في (ق): "وإن".
(2) في هامش (ق): "حيهلا: أي هلم. قيل: معنى (حي): أقبل. ومعنى (هلا): أسرع".
(3) في (ك): "الخامس".
(4) ساقطة من (ق) و (ك).
(5) في (ق): "بينها".
(4/18)

الذي أنزله على رسوله؛ فلا يزال محفوظًا بحفظ اللَّه محميًا بحمايته لتقوم حجة اللَّه على عباده قرنًا بعد قَرْن؛ إذ كان نبيُّهم آخر الأنبياء ولا نبيَ بعده؛ فكان حفظه لدينه وما أنزله على رسوله مُغنيًا عن رسول آخر بعد خاتم الرسل، والذي أوجبه اللَّه سبحانه وفَرَضه على الصحابة من تلقِّي العلم والهدى من القرآن والسنة دون غيرهما هو بعينه واجبٌ على مَنْ بعدهم، وهو مُحكم لم يُنسخ ولا يتطرق إليه النسخ حتى ينسخ اللَّه العَالَم أو يطوي الدنيا، وقد ذم اللَّه تعالى من إذا دُعي إلى ما أنزل اللَّه وإلى رسوله صدَّ وأعرض، وحذَّره أن تُصيبه مصيبة بإعراضه عن ذلك في قلبه ودينه ودنياه، وحَذَّر من خالف عن أمره واتبع غيره أن تصيبه فتنة أو يصيبه عذاب أليم؛ فالفتنة في قلبه، والعذاب الأليم في بدنه وروحه (1)، وهما (2) متلازمان؛ فمن فُتن في قلبه بإعراضه عما جاء به ومخالفته له إلى غيره أصيب بالعذاب الأليم ولا بد، وأخبر سبحانه أنه إذا قضى أمرًا على لسان رسوله لم يكن لأحد من المؤمنين أن يختار من أمره غير ما قضاه، فلا خيرة بعد قضائه لمؤمن (3) ألبتَّة، ونحن نسأل المقلدين: هل يمكن أن يَخفى قضاء اللَّه ورسوله على من قلَّدتموه دينكم في كثير من المواضع أم لا؟ فإن قالوا: "لا يمكن أن يخفى عليه ذلك" أنزلوه فوق منزلة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة كلهم.

[مثل مما خفي على كبار الصحابة]
فليس أحد منهم إلا وقد خفي عليه بعض ما قضى اللَّه ورسوله به.

[مسائل خفيت على أبي بكر]
فهذا الصِّديق [رضي اللَّه عنه] (4) أعلم الأمة به خَفي عليه ميراث الجَدَّة حتى أعلمه به محمد بن مَسْلمة والمُغيرة بن شعبة (5)، وخفي عليه أن الشَّهيد لا دِية له
__________
(1) في (ن) و (ق) و (ك): "في قلبه وروحه".
(2) في (ك): "وكلاهما" وأشار فوق (كلا) إلى أنها هكذا في نسخة.
(3) ساقطة من (ق) و (ك).
(4) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(5) رواه مالك في "الموطأ" (2/ 513) في (الفرائض): باب ميراث الجدة، ومن طريقه رواه أبو داود (2894) في (الفرائض): باب ميراث الجدة، والترمذي (2101) في (الفرائض): باب ما جاء في ميراث الجدة، والنسائي في "السنن الكبرى" (4/ 75 رقم 6346)، وابن ماجه (2724) في (الفرائض): باب ميراث الجدة، وابن الجارود (959)، وأبو يعلى (119)، وابن حبان (6031)، والبغوي (2221) والبيهقي في "السنن =
(4/19)

حتى أعلمه به عمر فرجع إلى قوله (1).
__________
= الكبرى" (6/ 234)، وأحمد في "مسنده" (4/ 225 - 226) عن ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق بن خَرَشة عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر. . . والحديث رجاله ثقات، لكن عثمان بن إسحاق هذا ليس له إلا هذا الحديث، قال الدوري عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، أما ابن عبد البر فقال: فهو معروت النسب، إلا أنه غير مشهور بالرواية، وفي سماع قبيصة من أبي بكر نظر، فقد قال الحافظ في "التخليص الحبير" (3/ 82): إسناده صحيح؛ لثقة رجاله إلا أنه صورته الإرسال، فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصديق، ولا يمكن شهوده القصة. قاله ابن عبد البر بمعناه، وقد اختلف في مولده، والصحيح أنه ولد عام الفتح، فيبعد شهوده القصة، وقد أعلَّه عبد الحق تبعًا لابن حزم بالانقطاع.
وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (4/ 282): روي عن أبي بكر -إن صح-.
ورواه الترمذي (2100)، والنسائي في "الكبرى" (6345)، وابن أبي شيبة (11/ 320 - 321) وسعيد بن منصور (رقم 80)، عن سفيان، حدثنا الزهري، قال مرة: قال قبيصة، وقال مرة: عن رجل عن قبيصة بن ذؤيب به.
ورواه عبد الرزاق (10/ 274 - 275 رقم 19083)، وأحمد (4/ 225)، وأبو يعلى (120)، وابن ماجه (2724)، والنسائي في "الكبرى" (6339 - 6344)، والحاكم (4/ 338)، وآخرون، أشار إلى روايتهم الدارقطني في "العلل" (1/ 249) من طرق عن الزهري عن قبيصة به، بإسقاط الواسطة.
ورجَّح الدارقطني في "العلل" إثبات الواسطة: عثمان بن إسحاق. قال النسائي: الزهري لم يسمعه من قبيصة.
ورواه الدارمي (1/ 359) من طريق الأشعث عن الزهري قال: جاءت الجدة. . . معضلًا.
(1) وقع ذلك في قصة طويلة: أخرجها البيهقي في "السنن الكبرى" (8/ 335) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع وأبو عبيد (254) وعنه ابن زنجويه (2/ 465 - 461 رقم 742) كلاهما في "الأموال"، عن عبد الرحمن بن مهدي والأشجعي ثلاثتهم عن سفيان الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بزاخة أسد وغطفان إلى أبي بكر -رضي اللَّه عنه- يسألونه الصلح فخيرهم أبو بكر -رضي اللَّه عنه- بين الحرب المجلية أو السلم المخزية قال: فقالوا: هذا الحرب المجلية قد عرفنا فما السلم المخزية قال أبو بكر -رضي اللَّه عنه-: تؤدون الحلقة والكراع وتتركون أقوامًا تتبعون أذناب الإبل حتى يرى اللَّه خليفة نبيه والمسلمين أمرًا يعذرونكم به وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم وقتلانا في الجنة وقتلاكم في النار وتردون ما أصبتم منا ونغنم ما أصبنا منكم قال: فقال عمر -رضي اللَّه عنه-: قد رأيت رأيًا وسنشير عليك إما أن يؤدوا الحلقة والكراع فنعما رأيت، وأما أن يتركوا قومًا يتبعون أذناب الإبل حتى يرى اللَّه خليفة نبيه والمسلمين أمرًا يعذرونهم به فنعما رأيت، وأما أن نغنم ما أصبنا منهم ويردون ما أصابوا منا فنعما رأيت، وأما أن قتلاهم في النار وقتلانا في الجنة فنعما =
(4/20)

[مسائل خفيت على عمر]
وخفي على عمر تيمُّم الجنب فقال: لو بقي شهرًا لم يصلِّ حتى يغتسل (1)، وخفي عليه دية الأصابع فقضى في الإبهام والتي تليها بخمس وعشرين حتى أخبر أن في كتاب آل عمرو بن حَزْم أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى فيها بعشر (2)؛ فترك قوله ورجع إليه (3)، وخفي عليه شأن الاستئذان حتى أخبره به أبو موسى وأبو سعيد
__________
= رأيت، وأما أن يدوا قتلانا فلا، قتلانا قتلوا على أمر اللَّه فلا ديات لهم فتتابع الناس على ذلك، وفيها كلام أبي بكر ثم كلام عمر.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
ورواها ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1830) من طريق ابن مهدي عن سفيان به.
ورواها سعيد بن منصور في "السنن" (2/ 361) وابن عبد البر (1829) من طريق ابن عيينة عن أيوب الطائي عن قيس به.
وإسناده على شرط الشيخين كذلك.
وأصل القصة في "صحيح البخاري" (7221) مثل إسناد البيهقي، وهي مختصرة جدًا، فيها بعض كلام أبي بكر فقط، وعزاها ابن حجر في "الفتح" مطولة لأبي بكر البُرقاني في "مستخرجه".
(1) رواه البخاري (338) في (التيمم): باب المتيمم هل ينفخ فيها؟ و (339 و 340 و 341 و 342 و 343) باب التيمم للوجه والكفين، و (345 و 346) باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت، و (347) باب التيمم ضربة، ومسلم (368) في (الحيض): باب التيمم، من حديث عمار بن ياسر.
(2) "نص ما في الكتاب، وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل" (و) وبعدها في سائر النسح: "عشر" والصواب حذفها كما في (ك).
(3) روى عبد الرزاق في "مصنفه" (17698) من طريق الثوري والشافعي في "الرسالة" (ص 422 رقم 1160) أخبرنا سفيان وعبد الوهاب عن يحيى عن سعيد بن المسيب أن عمر جعل في الإبهام خمس عشرة، وفي السبابة عشرًا. . . حتى وجدنا كتابًا عند آل حزم عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن الأصابع كلها سواء فأخذ به.
ورواه ابن أبي شيبة (6/ 306) من طريق يحيى بن سعيد عن سعيد به مختصرًا، ورواه ابن حزم في "الإحكام" (6/ 86) من طريق البخاري ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد به بلفظه، ومنه ينقل المصنف.
لكن رواه البيهقي (8/ 93) من طريق جعفر بن عون عن يحيى بن سعيد به فقال: قضى عمر في الأصابع في الإبهام بثلاثة عشر والتي تليها باثني عشر. . .، وظاهر هذه الروايات أن الذي وجد الكتاب ليس عمر.
لكن وجدت رواية صريحة عند عبد الرزاق (17706) عن معمر عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الأنصاري عن ابن المسيب قال: قضى عمر بن الخطاب بقضاء في الأصابع =
(4/21)

الخدري (1)، وخفي عليه توريث المرأة من دية زوجها حتى كتب إليه الضَّحاك بن سُفيان الكلابي -وهو أعرابي من أهل البادية- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أَمَره أن يُورِّث امرأة أَشْيَم الضِّبابي من دية زوجها (2)، وخفي عليه حكم إمْلَاص (3) المرأة حتى سأَل عنه فوجده عند المغيرة بن شعبة (4)، وخفي عليه أمر المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أخذها من مجوس هَجَر (5)، وخفي عليه سقوط طواف الوداع عن الحائض فكان يردُّهن حتى يطهرن ثم يطفن
__________
= ثم أُخبر بكتاب كتبه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لآل حزم: في كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل فأخذ به وترك أمره الأول.
وابن المسيب لم يدرك عمر، كان صغيرًا لم يبلغ الحلم في أيامه.
وكتاب عمرو بن حزم فيه أنصبة الزكاة والديات تكلمنا عليه مرارًا.
وقوله: "في دية الأصابع عشر".
ورد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، رواه أبو داود (4562)، والنسائي (8/ 57)، وابن ماجه (2653)، وأحمد (2/ 207)، وإسناده جيد، وفي الباب عن ابن عباس وأبي موسى الأشعري، وانظر: "الزاد" (3/ 204)، و"أحكام الجناية" للشيخ بكر أبو زيد (296 - 297).
(1) رواه البخاري (2062) في (البيوع): باب الخروج في التجارة، و (7353) في (الاعتصام): باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ظاهرة، ومسلم (2153) (36) في (الآداب): باب الاستئذان من حديث أبي موسى الأشعري.
ورواه مسلم (2154) من حديث أبي موسى إلا أن الذي شهد أبو موسى وأبي بن كعب.
ورواه البخاري (6245) في (الأدب): باب التسليم والاستئذان ثلاثًا، ومسلم (2153) من حديث أبي سعيد الخدري.
(2) مضى تخريجه. وانظر: "الرسالة" للشافعي (ص 426 - 427).
(3) "الإملاص: هو أن تزلق الجنين قبل وقت الولادة" (و).
(4) رواه البخاري (6905 - 6908) (في الديات): باب جنين المرأة، و (7317 و 7318) في (الاعتصام): باب ما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل اللَّه، من حديث المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة.
ورواه مسلم (1689) في (القسامة): باب دية الجنين، من حديث المسور بن مخرمة.
والحديث عندهما جاء من طريق هشام بن عروة عن أبيه.
فقال في رواية البخاري: عن المغيرة ثم شهد محمد بن مسلمة.
وقال في رواية مسلم: عن المسور، وشهد المغيرة ومحمد بن مسلمة.
(5) رواه البخاري (3156) و (3157) في الجزية والموادعة: باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب. وانظر: "الرسالة" (ص 430 - 431) للشافعي.
(4/22)

حتى بلغه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خلاف ذلك فرَجعَ إلى قوله (1)، وخفي عليه التسوية بين دية الأصابع وكان يفاضل بينها حتى بلغته السنة في التسوية فرجع إليها (2)، وخفي عليه شأن متعة الحج وكان ينهى عنها حتى وقف على أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بها فترك قوله وأمر بها (3)، وخفي عليه جواز التسمي بأسماء الأنبياء فنهى عنه حتى أخبره
__________
(1) رواه ابن المنذر؛ كما في "الفتح" (3/ 587) بإسناد صحيح إلى نافع عن ابن عمر قال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس حتى تطهر، وتطوف بالبيت.
وروى ابن أبي شيبة -كما في "الفتح" (3/ 587) - من طريق القاسم بن محمد: كان الصحابة يقولون: إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض فقد فرغت. إلا عمر؛ فإنه كان يقول: "يكون آخر عهدها بالبيت".
وأما السنة الواردة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك: فقد أخرج البخاري (1757، 4401) ومسلم (1211) عن عائشة قالت: حاضت صفية بنت حُيَيّ بعد ما أفاضت، قالت عائشة: فذكرتُ حيضتها لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أحابستنا هي؟ " قال: فقلت: يا رسول اللَّه إنها قد كانت أفاضت، وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فَلْتَنْفِر".
وروى البخاري (1755) ومسلم (1328) عن ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض.
وخفي هذا الأمر على زيد بن ثابت حتى أخبره به ابن عباس، كما سيأتي عند المصنف (3/ 44).
ورجوع عمر سوف يأتي في (ص 39)، وهناك تخريجه، وقارن لزامًا ب: "فتح الباري" (3/ 587).
ووجدت ابنه عبد اللَّه كان يقول به ثم رجع عنه، روى ذلك البخاري (330) و (1761).
ووقع في المطبوع: "فرجع عن قوله".
(2) مضى تخريجه قريبًا.
(3) رواه البخاري (1559) في (الحج): باب من أهل في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كإهلال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- و (1724) باب الذبح قبل الحلق، و (1795) في (العمرة): باب متى يحل المعتمر، و (4346) في (المغازي): باب بعث أبي موسى، ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، ومسلم (1221) في (الحج): باب نسخ التحلل في الإحرام، والأمر بالتمام من حديث أبي موسى الأشعري، وفيه قول عمر.
ورواه مسلم (1217) و (1405) (17) من حديث ابن عباس، وفيه نهي عمر عن المتعة.
وقد روى مسلم في "صحيحه" (1222) سبب نهي عمر عن المتعة حيث قال: قد علمت أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤُوسهم.
(4/23)

[به] (1) طلحة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كَنَّاه أبا محمد فأمسك ولم يتماد (2) على النهي (3)، هذا وأبو موسى ومحمد بن مسلمة وأبو أيوب من أشهر الصحابة، ولكن لم يمرّ بباله -رضي اللَّه عنه- أمر هو بَيْنَ يديه حتى نهى عنه، وكما خفي عليه قوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] وقوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144] حتى قال: واللَّه كأني ما سمعتُها قط قبل وقتي هذا (4).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) في (ق) و (ك): "يتمادى".
(3) روى أحمد في "مسنده" (4/ 216)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (670)، والطبراني في "الكبير" (19) (544) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (1/ 166 - 167 رقم 636 - ط دار الوطن) من طريق أبي عوانة عن هلال بن أبي حميد الوَزَّان عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نظر عمر إلى ابن عبد الحميد، وكان اسمه محمدًا ورجل يقول له: فعل اللَّه بك يا محمد. . . فدعاه عمر فقال: يا ابن زيد لا أرى محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسب بك. . . فأرسل إلى بني طلحة، وهم سبعة، وسيدهم وكبيرهم محمد بن طلحة ليغير أسماءهم فقال محمد: أذكرك اللَّه يا أمير المؤمنين فواللَّه لمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- سماني محمدًا، فقال: قوموا لا سبيل إلى شيء سماه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. وأخرجه -مختصرًا- ابن قانع "معجم الصحابة" (13/ 4567 رقم 1708) وابن السكن وابن شاهين كما في "الإصابة" (6/ 7775).
قال الهيثمي في "المجمع" (8/ 49): "ورجال أحمد رجال الصحيح". وذكره الحافظ في "الفتح" (10/ 573) ساكتًا عليه.
وانظر: "زاد المعاد" (4/ 28، 29)، و"تهذيب السنن" (3/ 49 - 50).
(4) أخرج البخاري في "الصحيح" (كتاب الجنائز): باب الدخول على الميت إذا أدرج في أكفانه رقم (1242) بسنده إلى عمر بن الخطاب، قال: واللَّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها -أي: قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. . .} [آل عمران: 44]؛ فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد مات.
وأخرجه عن أبي سعيد الخدري بإسناد صحيح ابنُ عبد البر في "الجامع" (رقم 2387)، وابن مردويه؛ كما في "الدر المنثور" (6/ 89)، وتتمته: وكيف لا ننكر أنفسنا واللَّه تعالى يقول: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7].
وروى البيهقي في "دلائل النبوة" (7/ 217) عن عروة قال: لما توفي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . ثم تلا: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)} فقال عمر: هذه الآية في القرآن؟. . . وقال: قال اللَّه لمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم-: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)}، وانظر: "الدر المنثور" (4/ 336 - 338).
(4/24)

وكما خفي عليه حكم الزيادة في المهر على مهور (1) أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وبناته حتى ذكَّرته تلك المرأة بقوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20] فقال: كلُّ أحد أفقه من عمر حتى النِّساء (2).
وكما خفي عليه أمر الجد والكلالة و [بعض] (3) أبواب [من] (4) الربا فتمنَّى أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان عهد إليهم فيها عهدًا (5)، وكما خفي عليه يوم الحديبية أن وَعْد اللَّه لنبيه وأصحابه بدخول مكة مطلق لا يتعين لذلك العام حتى بينه له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (6)، وكما خفي عليه جواز استدامة الطيب للمحرم وتطيبه بعد النحر وقبل طواف الإفاضة وقد صحَّت السنة بذلك (7)، وكما خفي عليه أمر القدوم على محل
__________
(1) في المطبوع: "مهر".
(2) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (598)، وأبو يعلى في "مسنده الكبير" (757 - زوائده)، والبيهقي (7/ 233) من طريق مجالد عن سعيد عن الشعبي عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب المنبر، وفيه خطبة عمر في تحديد المهور، ومحاجة المرأة له وقوله: "كل الناس أفقه من عمر".
قال الهيثمي (4/ 283 - 284): "رواه أبو يعلى في "الكبير"، وفيه مجالد بن سعيد، وفيه ضعف وقد وثق".
أقول: مجالد بن سعيد ضَعّفوه، وهو إلى الضعف أقرب.
وأخرجه عبد الرزاق (6/ 180) -ومن طريقه ابن المنذر؛ كما في "تفسير ابن كثير" (1/ 467) - عن قيس بن الربيع عن أبي الحصين عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر. . . وذكر نحوه، وإسناده ضعيف، أبو عبد الرحمن السلمي واسمه عبد اللَّه بن حبيب بن ربيعة -لم يسمع من عمر، وقيس بن الربيع صدوق في نفسه، سيء الحفظ. وفي القصة نكارة ظاهرة، وتخالف الثابت عن عمر في النهي عن المغالاة في المهور.
وانظر في تضعيفها: "الإرواء" (6/ 348)، و"القول المعتبر في تحقيق رواية كل أحد أفقه من عمر"، و"قصص لا تثبت" (1/ 27 - 31). وانظر -غير مأمور-: "منهاج السنة النبوية" (6/ 76 ما بعد).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) ما بين المعقوفتين من (ق) وحدها.
(5) رواه البخاري (5588) في (الأشربة): باب في أن الخمر ما خامر العقل من الشرب، ومسلم (3032) في (التفسير): باب في نزول تحريم الخمر، وفيه زيادة.
(6) رواه البخاري في "صحيحه" (2731 و 2732) في (الشروط): باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط.
(7) أما خفاء جواز الطيب للمحرم بعد رمي الجمرة على عمر بن الخطاب: فقد رواه البيهقي (5/ 135) من طريق أبي اليمان عن شعيب عن نافع عن ابن عمر عنه.
ويظهر أن في الإسناد سقطًا؛ لأن شعيب بن أبي حمزة لم يدرك نافعًا. =
(4/25)

الطاعون والفرار منه حتى أُخبر بأنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها، وإذا (1) وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارًا منه" (2) هذا وهو أعلم الأمة بعد الصديق على الإطلاق، وهو كما قال ابن مسعود: "لو وضع علم عمر في كفة ميزان وجعل علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر" (3) قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: واللَّه إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم (3).
__________
= ورواه كذلك من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عنه، وهذا إسناده غاية في الصحة.
ورواه الشافعي في "مسنده" (1/ 299) عن سفيان عن عمرو بن دينار عن سالم، ربما قال عن أبيه وربما لم يقله، عن عمر.
ورواه أيضًا (1/ 299) عن سفيان عن عمرو بن دينار عن سالم عن عمر دون تردد.
وسالم لم يدرك جده عمر؛ لكن الرواية السابقة تظهر أن هذا تصرف من سالم، فمرة يذكر عن أبيه، ومرة يختصر فيرويه عن جده مباشرة.
وأما السنة في هذا: فقد روى البخاري (1539) في (الحج): باب الطيب عند الإحرام، و (1457): باب الطيب بعد رمي الجمار، و (5922) في (اللباس): باب تطييب المرأة زوجها، و (5930) باب الذريرة، ومسلم (1189) في (الحج): باب الطيب للمحرم عند الإحرام عن عائشة قالت: كنت أطيب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت.
(1) كذا في (ق) وفي باقي النسح: "فإذا".
(2) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الطب): باب ما يذكر في الطاعون، (10/ 178 - 179/ رقم 5728)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب السلام): باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، (3/ 1737/ رقم 2218) من حديث أسامة بن زيد -رضي اللَّه عنه-، وهو أشهر ما ورد في الباب، وفيه عن سعد بن أبي وقاص، وخزيمة بن ثابت، وزيد بن ثابت، وشرحبيل بن حسنة، وجد عكرمة بن خالد، وأم أيمن -رضي اللَّه عنهم-، وأخرج ذلك بتفصيل حسن شيخ المحدثين ابن حجر العسقلاني في كتابه "بذل الماعون في فضل الطاعون" (ص 250 وما بعدها).
وهذا الحجر الصحي الذي يتبجح باختراعه خدمة للإنسانية أهل هذا العصر فيه في كلتا جهتيه قصد إلى المانع لكونه مانعًا؛ فقدومهم على أرضه رفع للمانع من إصابتهم عادة؛ فنهوا عنه، وخرجوهم من أرضه تحصيل للمانع من إصابتهم، وهو بعدهم عنه، وحكمة الأول ظاهرة، وحكمة الثاني من الوجهة الدينية الصرفة الفرار من قدر اللَّه الركون إلى محض الأسباب، وإن كان عمر قال في مثله: نعم؛ نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه، ومن الوجهة الشرعية الصحية: خشية تلويث الجهات الأخرى بالجراثيم التي ربما تكون علقت بهم أو بأمتعتهم.
(3) مضى تخريجه.
(4/26)

[مسائل خفيت على عثمان وأبي موسى وابن عباس وابن مسعود]
وخفي على عثمان بن عفان أقل مدة الحمل حتى ذكَّره ابنُ عباس بقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] مع قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] فرجع إلى ذلك (1)، وخفي على أبي موسى الأشعري ميراثُ بنت الابن مع البنت السدسُ حتى ذُكر له أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ورَّثها ذلك (2)، وخفي على ابن عباس (3) تحريم لحوم الحمر الأهلية حتى ذُكر له أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حرّمها يوم خيبر (4)، وخفي على ابن مسعود حكم المُفوِّضة وترددوا
__________
(1) يشير المصنِّفُ إلى ما أخرجه مالك في "الموطأ" (2/ 825 - رواية يحيى)، ومن طريقه إسماعيل بن إسحاق القاضي في "إحكام القرآن"، كما في "المعتبر" (رقم 208)، والبيهقي في "الكبرى" (7/ 442 - 443) أنه بلغه أن عثمان بن عفان أتى بامرأةٍ قد ولدت في ستَّة أشهر، فأمر بها أن ترجم، فقال له علي بن أبي طالب: ليس ذلك عليها، وقد قال اللَّه تعالى في كتابه: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}، وقال: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} وقال: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}؛ قال: فالرضاعة أربعة وعشرون شهرًا، والحمل ستة أشهر.
ووصله ابن أبي ذئب في "موطئه" -كما في "الاستذكار" (24/ 73) -، ومن طريقه ابن جرير في "التفسير" (5/ 102)، وابن شبَّة في "تاريخ المدينة" (3/ 979)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" -ومن طريقه ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" (2/ 214) - من طريق يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط عن بعجة بن عبد اللَّه الجهني به مطوَّلًا، قال ابن حجر: "هذا موقوف صحيح" وقال: وأظن مالكًا سمعه من ابن قسيط؛ فإنه من شيوخه".
ثم قال: "وقد أخرج إسماعيل القاضي في كتاب "أحكام القرآن" بسندٍ له فيه رجل مبهم عن ابن عباس أنه جرى له مع عثمان في نحو هذه القصَّة الذي جرى لعلي، فاحتمل أنه كان محفوظًا أن يكون توافق معه، وأما احتمال التعدد؛ فبعيد جدًا".
قلت: وأخرج ما جرى وابن عباس مع عثمان -كما قال المصنف-: ابن شبَّة في "تاريخ المدينة" (3/ 977، 987)، وابن جرير في "التفسير" (5/ 34 - ط شاكر)، وسعيد بن منصور في "سننه" (3/ 2/ 69)، وعبد الرزاق في "المصنف" (7/ 351، 352)، وهذه رواية ثقات أهل مكة، والرواية الأولى رواية أهل المدينة، وأهل البصرة يرونها لعمر مع علي؛ كما عند ابن شبة في "تاريخ المدينة" (3/ 979)، والبيهقي في "الكبرى" (7/ 442).
وانظر: "الاستذكار" (24/ 74 - 75)، و"المعتبر" (ص 194) للزركشى، و"تفسير ابن كثير" (4/ 134، 157).
(2) رواه البخاري (6736) في (الفرائض): باب ميراث ابنة ابن مع ابنة.
(3) كذا في (ق) وفي باقي النسح: "ابن العباس".
(4) الذي وجدته عن ابن عباس في لحوم الحمر الأهلية: ما رواه البخاري (4227) في=
(4/27)

إليه شهرًا فأفتاهم برأيه ثم بَلَغه النص بمثل ما أفتى به (1).

[ما خفي على غير الصحابة أكثر مما يخفى على الصحابة]
وهذا باب واسع لو تتبعناه لجاء سِفرًا كبيرًا، فنسأل حينئذ فرقة التقليد: هل يجوز أن يخفى على من قلدتموه بعض شأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كما خفي ذلك على سادات الأمة أولًا؟ فإن قالوا: "لا يخفى عليه" وقد خفي على الصحابة مع قرب عهدهم؛ بلغوا في الغلو مبلغ مُدّعِي العصمة في الأئمة، وإن قالوا: "بل يجوز أن يخفى عليهم" وهو الواقع وهم مراتب في الخفاء في القلة والكثرة، [قلنا] (2): فنحن نناشدكم اللَّه الذي هو عند لسان كل قائل وقلبه، وإذا قضى اللَّه ورسوله أمرًا خفي على من قلدتموه هل تبقى لكم الخيرة بين قبول قوله ورده أم تنقطع خيرتكم وتوجبون العمل بما قضاه اللَّه ورسوله عينًا لا يجوز سواه؟ فأعدوا لهذا السؤال جوابًا، وللجواب صوابًا؛ فإن السؤال واقع؛ والجواب لازم. والمقصود أن هذا هو الذي مَنَعنا من التقليد، فأين معكم حجة واحدة تقطع العذر وتسوغ لكم ما ارتضيتموه لأنفسكم من التقليد؟

[بطلان دعوى المقلدة]
الوجه الثاني: أن قولكم: "صواب المقلد في تقليده لمن هو أعلم منه أقرب من صوابه في اجتهاده" دعوى باطلة؛ فإنه إذا قلد من قد خالَفه غيرُه ممن هو نظيره أو أعلم منه لم يدر على صوابٍ هو من تقليدِه أم على خطأ، بل هو -كما
__________
= (المغازي): باب غزوة خيبر، ومسلم (1939) في (الصيد والذبائح): باب تحريم أكل لحم الحمر الأنسية من حديثه قال: لا أدري إنما نهى عنه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من أجل أنه كان حمولة الناس؛ فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرمه في يوم خيبر لحم الحمر الأهلية.
وروى البخاري (5529) في (الذبائح والصيد): باب لحوم الحمر الإنسية، قال جابر بن زيد: يزعمون أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الحمر الأهلية، فقال: قد كان يقول ذلك: الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أَبى ذلك البحر ابن عباس وقرأ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا}، وانظر: "فتح الباري" (9/ 655) في شرح الحديث الثاني عن ابن عباس. .
(1) مضى تخريجه وقارن الأمثلة السابقة بما في "الإحكام" (6/ 85 وما بعد) و"الرسالة" للشافعي (ص 422 وما بعد).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4/28)

قال الشافعي (1) - حاطب ليل إما أن يقع بيده عود أو أفعى تلدغه، وأما إذا بذل اجتهاده في معرفة الحق فإنه بين أمرين إما أن يظفر به فله أجران وإما أن يخطئه فله أجر (2)، فهو مصيبٌ للأجر ولا بد، بخلاف المقلد المتعصب فإنه إن أصاب لم يُؤجر، وإن أخطأ لم يَسلمْ من الإثم، فأين صواب الأعمى من صواب البصير الباذل جهده؟.
الوجه الثالث: أنه إنما يكون أقرب إلى الصواب إذا عرف أن الصواب مع من قلده دون غيره، وحينئذ فلا يكون مقفدًا له، بل متبعًا للحجة، وأما إذا لم يعرف ذلك ألبتَّة فمن أين لكم أنه أقرب إلى الصواب من باذلِ جهده ومستفرغ وُسعه في طلب الحق؟
الوجه الرابع: أن الأقرب إلى الصواب عند تنازع العلماء مَنْ امتثل أمر اللَّه فردّ ما تنازعوا فيه إلى القرآن والسنة، وأما من رد ما تنازعوا فيه إلى قول متبوعه دون غيره فكيف يكون أقرب إلى الصواب.
الوجه الخامس: أن المثال الذي مثلتم به من أكبر الحجج عليكم؛ فإن من أراد شراءَ سلعةٍ أو سلوكِ طريقٍ حين اختلف عليه اثنان أو أكثر، وكلٌّ منهم يأمره بخلاف ما يأمره به الآخر، فإنه لا يقدم على تقليد واحدٍ منهم، بل يبقى مترددًا طالبًا للصواب من أقوالهم؛ فلو أقْدم على قبول قول أحدهم مع مساواة الآخر له في المعرفة والنصيحة والديانة أو كونه فوقه في ذلك عُدَّ مخاطرًا مذمومًا ولم يُمدح إن أصاب، وقد جعل اللَّه في فِطر العقلاء في مثل هذا أن يتوقَف أحدُهم ويطلب ترجيح قول المُخْتَلفين عليه من خارج حتى يستبينَ (3) له الصواب، ولم يجعل في فِطرهم الهجْمَ على قبول قول واحد واطِّراح قول من عداه.
الوجه السابع (4) والسبعون: أن نقول لطائفة المقلِّدين: هل تسوِّغون تقليد كل عالم من السلف والخلف أو تقليد بعضهم دون بعض؟ فإن سوَّغتم تقليد الجميع
__________
(1) سبق تخريج ذلك عنه.
(2) لما أخرج البخاري في "الصحيح" (كتاب الاعتصام): باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب، أو أخطأ (13/ 318/ رقم 7352)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الأقضية): باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (13/ 1342/ رقم 1716) عن أبي هريرة مرفوعًا: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب؛ فله أجران، فإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ؛ فله أجر.
(3) في (ك): "يتبين".
(4) في (ق) و (ك): "السادس".
(4/29)

كان تسويغكم لتقليد من انتميتم إلى مذهبه كتسويغكم لتقليد غيره سواء، فكيف صارت أقوال هذا العالم مذهبًا لكم تُفتون وتقضون بها وقد سوَّغتم من تقليد هذا ما سوغتم من تقليد الآخر؟ فكيف صار هذا صاحب مذهبكم دون هذا؟ وكيف استجزتم أن تردُّوا أقوال هذا وتقبلوا أقوال هذا وكلاهما عالم يسوغ اتباعه؟ فإن كانت أقوالُه من الدين فكيف سَاغَ لكم دفع الدين؟ وإن لم تكن أقواله من الدين فكيف سوغتم تقليده؟ وهذا لا جواب لكم عنه.

[مجيء روايتين عن أحد الأئمة كمجيء قولين لإمامين]
يوضحه الوجه الثامن (1) والسبعون: أن مَنْ قلَّدتموه إذا رُوي عنه قولان أو (2) روايتان سوَّغتم العمل بهما، وقلتم: مجتهدٌ له قولان فيسوغ لنا الأخذ بهذا وهذا، وكان القولان جميعًا مذهبًا لكم، فهلَّا جعلتم قول (3) نظيره من المجتهدين بمنزلة قوله الآخر وجعلتم القولين جميعًا مذهبًا لكم، وربما كان قول نظيره ومن هو أعلمُ منه أرْجح من قوله الآخر وأقرب إلى الكتاب والسنة؟!
يوضحه الوجه التاسع (4) والسبعون: أنكم معاشر المقلدين إذا قال بعض أصحابكم ممن قلدتموه قولًا خلافَ قولِ المتبوع أو خرَّجه على قوله جعلتموه وجهًا وقضيتم وأفتيتم به وألزمتم بمقتضاه، فإذا قال الإمام الذي هو نظير متبوعكم أو فوقه قولًا يخالفه لم تلتفتوا إليه ولم تعدُّوه شيئًا ومعلوم أن واحدًا من الأئمة الذين هم نظير متبوعكم أجلُّ من جميع أصحابه من أوَّلهم إلى آخرهم، فقدِّروا أسوأ التقادير أن يكون قوله بمنزلة وجه في مذهبكم. فياللَّه العجب! صار من أفتى أو حَكَم بقول واحد من مشايخ المذهب أحق بالقبول ممن أفتى بقول الخلفاء الراشدين وابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل (5)، وهذا من بركة التقليد عليكم.
وتمام ذلك الوجه الثمانون (6): أنكم إن رُمتم التخلص من هذه الخطة، وقلتم: بل يسوغ تقليد بعضهم دون بعض، وقالت (7) كلُّ فرقة منكم: يسوغ أو
__________
(1) في (ق) و (ك): "السابع".
(2) ما أثبته من (ك) وفي بقية الأصول: "و".
(3) في (ك): ". . . لكم، فهلا جعلتم قول. . . ".
(4) في (ق) و (ك): "الثامن".
(5) "كأنما يعيش ابن القيم بيننا، ويصف ما يرى ويسمع من الشيوخ" (و).
(6) في (ق) و (ك): "الوجه التاسع والسبعون".
(7) في المطبوع: "وقال".
(4/30)

يجب تقليد من قلّدناه دون غيره من الأئمة الذين هم مثله أو أعلم منه، كان أقل ما في ذلك معارضة قولكم بقول الفرقة الأخرى في ضرب هذه الأقوال بعضها ببعض، ثم يقال: ما الذي جَعل متبوعَكم أولى بالتقليد من متبوع الفرقة [الأخرى]؟ (1) بأي كتاب أم بأية (2) سنة؛ وهل تقطعت (3) الأمة أمرها بينها زُبُرًا وصار {كُلُّ [حِزْبٍ] (4) بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] إلا بهذا السبب؟ فكل طائفة تدعو إلى متبوعها وتنْأى عن غيره وتنهى عنه، وذلك مُفْضٍ إلى التفريق بين الأمة، وجعل دين اللَّه تابعًا للتشهي والأغراض وعُرضة للاضطراب والاختلاف، وهذا كله يدل على أن التقليد ليس من عند اللَّه للاختلاف الكثير الذي فيه، ويكفي في فساد هذا المذهب تناقض أصحابه ومعارضة أقوالهم بعضها ببعض، ولو لم يكن فيه من الشناعة إلا إيجابهم تقليد صاحبهم وتحريمهم تقليد الواحد من أكابر الصحابة كما صرَّحوا به في كتبهم.

[إيجاب المقلدين تقليد أئمتهم وتحريم تقليد غيرهم]
الوجه الحادي والثمانون (5): أن المقلِّدين حَكَموا على اللَّه قدرًا وشرعًا بالحكم الباطل جهارًا المخالف لما أخبر به رسوله فأخلوا الأرض من القائمين للَّه بحجة (6)، وقالوا: لم يبقَ في الأرض عالمٌ منذ الأعصار المتقدمة؛ فقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف وزُفَر بن الهُذيل ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد اللؤلؤي وهذا قول كثير من الحنفية، وقال بكر بن العلاء القُشيري المالكي (7): ليس لأحد أن يختار بعد المئتين من الهجرة، وقال آخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي وسفيان الثوري ووكيع بن الجرَّاح وعبد اللَّه بن المبارك، وقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي، واختلف المُقلِّدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه ويكون له وجه يُفتي ويحكم به ومَنْ (8) ليس كذلك، وجعلوهم ثلاث مراتب: طائفةٌ أصحابُ وجوه كابن سُريج (9) والقَفَّال
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "بأي".
(3) المثبت من (ق) وفي باقي النسح: "قطعت".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق) و (ك): "الثمانون".
(6) في المطبوع: "بحججه".
(7) له ترجمة في "ترتيب المدارك" (2/ 290 - ط مكتبة الحياة).
(8) المثبت من (ق) وفي باقي النسح: "من".
(9) في (ن): "كابن شريح".
(4/31)

وأبي حامد [الاسفرائيني] (1)، وطائفة أصحابُ احتمالاتٍ لا أصحاب وجوه كأبي المعالي، وطائفة ليسوا أصحاب وجوه ولا احتمالات كأبي حامد [الغزالي] (1) وغيره، واختلفوا متى انسد باب الاجتهاد (2) على أقوال كثيرة ما أنزل اللَّه بها من سلطان، وعند هؤلاء أن الأرض قد خلت من قائم للَّه بحجة، ولم يبق فيها من يتكلَّم بالعلم، ولم يحل لأحد بعد أن ينظر في كتاب اللَّه ولا سنة رسوله لأخذ الأحكام منهما، ولا يقضي ويُفتي بما فيهما حتى يعرضه على قول مقلِّده ومتبوعه، فإن وَافَقَه حَكَم به وأفتى به، وإلا رده ولم يقبله. وهذه أقوال كما ترى- قد بلغت من الفساد والبطلان والتناقض (3)، والقول على اللَّه بلا علم، وإبطال حججه، والزهد في كتابه وسنة رسوله، وتلقي الأحكام منهما، مبلغها، ويأبى اللَّه إلا أن يتم نوره ويُصدِّق قولَ رسوله: "إنه لن تخلو (4) الأرض من قائم للَّه بحجة" (5)، ولن تزال طائفة من أمته على محض الحق الذي بعثه به (6)، وأنه لا يزال يُبعث على رأس كل مئة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها (7)، ويكفي في فساد هذه الأقوال
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ق).
(2) لا يوجد باب للاجتهاد! بل له شروط. فمن توفرت فيه جاز له، واللَّه الموفق والهادي.
(3) في (ق): "البطلان والفساد والتناقض".
(4) في المطبوع: "لا تخلو".
(5) قطعة من وصية علي لكميل بن زياد، سيأتي تخريجها، وفي المطبوع: "بحججه".
(6) حديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق. . . " سبق تخريجه.
(7) الحديث رواه: أبو داود (4291) في (الملاحم): باب ما يذكر في قرن المئة، وابن عدي في "مقدمة الكامل" في ترجمة الشافعي (1/ 123)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 524)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (2/ 61)، والبيهقي في "معرفة السنت والآثار" في (المقدمة): في مولد الشافعي (1/ 124) وفي "مناقب الشافعي" (1/ 137)، من طريق ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب عن شراحيل بن يزيد المعافري عن أبي علقمة عن أبي هريرة مرفوعًا به.
وسكت عليه الحاكم والذهبي والحافظ ابن حجر في "الفتح" (13/ 295)، ورجال إسناده ثقات من رجال مسلم.
أما أبو داود فقال: رواه عبد الرحمن بن شُريح الإسكندراني لم يجز به شراحيل.
أقول: عبد الرحمن بن شريح هذا ثقة فاضل؛ كما قال ابن حجر، وكذلك سعيد بن أبي أيوب الذي رفع الحديث من الثقات الإثبات، فلا تُعل روايته، واللَّه أعلم.
وأفرد هذا الحديث بالتصنيف جمعٌ منهم: السيوطي، واسم جزئه "التنبئة بمن يبعثه اللَّه على رأس كل مئة" وهو مطبوع عن دار الثقة بتحقيق عبد الحميد شانوحة، ولخصه ابن طولون كما في "الفلك المشحون" (ص 92)، ولعلي القاري رسالة "في تأويل حديث =
(4/32)

أن يقال لأربابها: فإذا لم يكن لأحد أن يختار بعد مَنْ ذكرتم فمن أين وقع لكم اختيار تقليدهم دون غيرهم؟ وكيف حرَّمتم على الرجل أن يختار ما يؤديه إليه اجتهاده من القول الموافق لكتاب اللَّه وسنة رسوله، وأبحتم لأنفسكم اختيار قول من قلَّدتموه، وأوجبتم على الأمة تقليده، وحرمتم تقليد من سواه، [ورجحتموه على تقليد من سواه] (1)؟ فما الذي سوَّغَ لكم هذا الاختيار الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب، وحرم اختيار ما [دل] (2) عليه الدليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة؟ ويقال لكم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المئتين عندك ولا عند غيرك فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المئتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين أو مَنْ هو مثله من فقهاء الأمصار أو ممن جاء بعده؟ وموجب هذا القول أن أشهب وابن الماجشون ومُطرِّف بن عبد اللَّه وأصبغ بن الفَرَج وسحنون بن سعيد وأحمد بن المعذَّل (3) ومن في طبقتهم من الفقهاء كان لهم أن يختاروا إلى انسلاخ ذي الحجة من سنة مئتين، فلما استهل هلال المحرم من سنة إحدى ومئتين وغابت الشمس من تلك الليلة حرم عليهم في الوقت بلا مهلة ما كان مطلقًا لهم من الاختيار؟ ويقال للآخرين: أليس من المصائب وعجائب الدنيا تجويزكم الاختيار والاجتهاد والقول في دين اللَّه بالرأي والقياس لمن ذكرتم من أئمتكم، ثم لا تجيزون الاختيار والاجتهاد لحفَّاظ الإسلام وأعلم الأمة بكتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة وفتاواهم كأحمد بن حنبل والشافعي وإسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل البخاري وداود بن علي ونظرائهم على سعة علمهم بالسنن ووقوفهم على الصحيح منها والسقيم وتحرِّيهم (4) في معرفة أقوال الصحابة والتابعين ودقة نظرهم ولطف استخراجهم للدلائل ومن قال منهم بالقياس فقياسه
__________
= التجديد"، ولمحمد الجرجاوي: "وسيلة المجدّين في شرح حديث التجديد وتراجم المجددين" وكما في "الأعلام" (7/ 81)، وطبع في الرباط سنة 1927: "واسطة العقد النضيد في شرح حديث التجديد" لمحمد بن علي الرباطي (ت 1358 ه).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ط) و (ن) و (ق) و (ك).
(3) كذا في (ن) -وهو الصواب-، وفي سائر النسخ: "المعدل" بالدال المهملة والصواب ما أثبتناه، انظر "السير" (11/ 519)، "العبر" (1/ 434)، "الوافي بالوفيات" (8/ 184، 185) و"شذرات الذهب" (2/ 95، 96)، "المشتبه" (600)،" تبصير المنتبه" (1299).
(4) في هامش (ق): "لعله: وتبحرهم".
(4/33)

من أقرب القياس إلى الصواب، وأبعده عن الفساد، وأقربه إلى النصوص، مع شدة ورعهم وما منحهم اللَّه من محبة المؤمنين لهم وتعظيمِ المسلمين علمائِهم وعامَّتِهم لهم، فإن احتجَّ كل فريق منهم بترجيح متبوعه بوجه من وجوه التراجيح من (1) تقدم زمان أو زهد أو ورع أو لقاء شيوخ وأئمة لم يلقهم مَنْ بعده أو كثرة أتباع لم يكونوا لغيره أَمكنَ الفريق الآخر أن يُبدوا لمتبوعهم من الترجيح بذلك أو غيره ما هو مثل هذا أو فوقه، وأمكن غير هؤلاء كلهم أن يقولوا لهم جميعًا: نفوذ قولكم هذا إن لم تأنفوا من التناقض يوجب عليكم أن تتركوا قول متبوعكم لقول من هو أقدم منه من الصحابة والتابعين وأعلم وأورع وأزهد وأكثر أتباعًا وأجل، فأين أتباع ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل بل أتباع عمر وعلي من أتباع الأئمة المتأخرين في الكثرة والجلالة؟

[فضل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين]
وهذا أبو هريرة -رضي اللَّه عنه- قال البخاري (2): "حَملَ العلم عنه ثمان مئة رجل ما بين صاحب وتابع"، وهذا زيد بن ثابت من جملة أصحابه عبد اللَّه بن عباس، وأين في أتباع الأئمة مثل عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وعُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة وجابر بن زيد؟ وأين في أتباعهم مثل السَّعيدين والشعبى ومسروق وعلقمة والأسود وشُريح؟ وأين في أتباعهم مثل نافع وسالم والقاسم وعروة وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن؟ فما الذي جَعلَ الأئمةَ بأتباعِهم أَسعدَ من هؤلاء بأتباعهم؟ ولكن أولئك وأتباعهم على قدر عصرهم فعظمُهم وجلالتُهم وكبرُهم منع المتأخرين من الاقتداء بهم، وقالوا بلسان قالهم وحالهم: هؤلاء كبارٌ علينا لسنا من زبونهم، كما صَرَّحوا وشهدوا على أنفسهم بأن (3) أقدارهم تتقاصر عن تلقي العلم من القرآن والسنة، وقالوا: لسنا أهلًا لذلك، لا لقصور الكتاب والسنة، ولكن لعجزنا نحن وقصورنا، فاكتفينا بمن هو أعلم بهما مِنَّا، فيقال لهم: فَلِمَ تنكرون على من اقتدى بهما وحَكَّمهما وتحاكم إليهما وعَرضَ أقوال العلماء عليهما فما وافقهما قبِله وما خالفهما رَدَّه؟ فهب أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود فلم تنكرون على من وصل إليه وذاق حَلاوتَه؟ وكيف
__________
(1) في (ق) و (ك): "في".
(2) نقلها عن البخاري ابن الملقن في "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (1/ 214).
(3) في المطبوع: "فإن".
(4/34)

تحجّزتم الواسع من فضل اللَّه الذي ليس على قياسه عقول العالمين ولا اقتراحاتهم، وهم كان كانوا في عصركم ونشأوا معكم وبينكم وبينهم نسب قريب فالئه يَمنُّ على من يشاء من عباده، وقد أنكر اللَّه سبحانه على من رد النبوة بأن اللَّه صَرَفها عن عُظماء القرى ورؤسائها (1) وأعطاها لمن ليس كذلك بقوله: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32] وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مثل أمتي كالمطر، لا يُدرى أوَّله خيرٌ أم آخره" (2) وقد أخبر اللَّه سبحانه عن السابقين بأنهم: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 13، 14]، وأخبر سبحانه أنه: {بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ثم قال: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ثم أخبر أَنَّ {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 2 - 4].
__________
(1) في (د): "ومن رؤسائها".
(2) ورد الحديث عن جمع من الصحابة منهم:
أولًا: عمار بن ياسر، وله عنه طرق:
فقد أخرجه الطيالسي (647) عن عمران عن قتادة عن صاحب لنا عن عمار. ورواه البزار في "مسنده" (1412)، وابن حبان (7226)، والرَّامَهُرْمُزِيُّ في "الأمثال" (ص 109)، والبيهقي في "الزهد الكبير" (399)، والطبراني في "الكبير"؛ كما في "المجمع" (10/ 68) من طريق الفضيل بن سُليمان عن موسى بن عقبة عن عبيد بن سلمان الأغر عن أبيه عن عمار.
ورجاله ثقات، غير عبيد بن سلمان الأغر، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: لا أعلم فيه إنكارًا، وروى عنه جمع، وفضيل بن سليمان، قال ابن معين: ليس بثقة، وقال أبو زرعة: ليس الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وليس بالقوي. قال البزار: وهذا الإسناد أحسن من الأسانيد الأخرى التي تروى عن عمار.
ورواه أحمد (4/ 319) من طريق أبي عمر عن الحسن عن عمار.
ثانيًا: حديث أنس: رواه أحمد (3/ 130 و 143)، والطيالسي (2023)، والترمذي (2869)، وأبو الشيخ في "الأمثال" (330 و 331)، والخطيب (11/ 114)، وابن عدي (3/ 918 و 4/ 1638 و 7/ 2623) والرامهرمزي في "الأمثال" (ص 108 - 109)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (1351 و 1352)، والبيهقي في "الزهد الكبير" (400)، وحسنه الترمذي، وفي الباب أيضًا عن ابن عمر، وابن عمرو.
قال الحافظ في "الفتح" (6/ 7): "وهو حديث حسن، له طرق يرتقي بها إلى الصحة".
(4/35)

وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا من مآخذهما وحجج أصحابهما وما لَهُم وعليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتاب من كتب القوم من أولها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدًا، وذلك بحول اللَّه وقوته ومعونته وفتحه؛ فله الحمد والمنة، وما كان فيه من صواب فمن اللَّه، هو (1) المانُّ به، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، وليس اللَّه ورسوله ودينه في شيء منه، وباللَّه التوفيق.

فصل
في تحريم الإفتاء والحكم في دين اللَّه بما يخالف النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص، وذكر إجماع العلماء على ذلك.

[الدلائل على أن النص لا اجتهاد معه]
قال اللَّه تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]، وقال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51]، وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105]، وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3]، وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [الأنعام: 153]، وقال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57]، وقال تعالى: {لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] فأكد هذا التأكيد وكرَّر هذا التكرار (2) في موضع واحد لعظم مفسدة الحكم بغير ما أنزله، وعموم مضرَّته، وبلية الأمة به، وقال تعالى:
__________
(1) في (ك): "وهو".
(2) في المطبوع: "التقرير"، وفي (ق): "التكرير".
(4/36)

{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، وأنكر تعالى على مَنْ حاج في دينه بما ليس له به علم فقال: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 66] ونَهى أن يقولَ أحدٌ هذا حلال، وهذا حرام لما لم يحرمه اللَّه ورسوله نصًا، وأخبر أن فاعل ذلك مُفْترٍ عليه الكذبَ (1)، فقال: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116] والآيات في هذا المعنى كثيرة.

[الدليل من السنة على تحريم الإفتاء بغير النص]
وأما السنة ففي: "الصحيحين" من حديث ابن عَبَّاس أن هلال بن أمية قذف امرأته بشَريك بن سخماء عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكر حديث اللعان وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أبصِروها (2)؛ فإن جاءت به أكْحل العينين سابغ الألْيتين خَدَلَّج الساقين (3) فهو لشَريك بن سَحماء، كان جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية" (4) فجاءت به على النعت المكروه فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لولا ما مضى من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن" (5) يريد- واللَّه ورسوله أعلم- بكتاب اللَّه قوله تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور: 8] ويريد بالشان واللَّه أعلم أنه كان يحدها لمشابهة ولدها للرجل الذي رُميت به، ولكن كتاب اللَّه فصل الحكومة، وأسقط كل قول وراءه، ولم يبق للاجتهاد بعده موقع.
__________
(1) في المطبوع: "مفتر على اللَّه الكذب".
(2) في (ق): "أبصرها".
(3) "خدلج الساقين: عظيمهما" (و).
(4) رواه البخاري (2671) في (الشهادات): باب إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمسِ البيَّنة، و (4747) في (التفسير): سورة النور، باب {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8)}، و (5307) في (الطلاق): باب يبدأ الرجل بالتلاعن، من حديث ابن عباس. ولم يخرجه مسلم من حديثه وانما أخرجه مسلم (1496) في (اللعان): من حديث أنس.
ثم وجدت لابن عباس حديثًا في "الصحيحين"؛ لكن ليس فيه تصريح بقذف هلال لشريك بل ظاهره في قذف عويمر العجلاني لامرأته، انظره في "صحيح البخاري" (5310 و 5316 و 6855 و 6856 و 7238)، ومسلم (1497).
(5) قطعة من الحديث السابق، وانظر "الموافقات" (2/ 470 - بتحقيقي).
(4/37)

[من أقوال العلماء في ذلك المعنى]
وقال الشافعي: أخبرنا سُفيان بن عُيينة، عن عُبيد اللَّه (1) بن أبي يزيد، عن أبيه قال: أرسل عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا، فذهبتُ معه إلى عمر، فسأله عن وِلادٍ من ولادِ الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان، وأما النطفة فلفلان؛ فقال عمر: صدقت، ولكن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى بالفراش (2).
قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مَخْلَد بن خُفاف قال: ابتعت غلامًا، فاستغللته، ثم ظهرتُ منه على عيبٍ، فخاصمتُ فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي [بردّه، وقضى عليَّ] (3) برد غَلَّته، فأتيت عُروة فأخبرته، فقال: أرُوحُ إليه العشيةَ فأخبره أن عائشة -رضي اللَّه عنهما- أخبرتني أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قضى في مثل هذا أن الخَراجَ بالضمان، فعجلتُ إلى عمر فأخبرته بما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال عمر: فما أيسرَ [هذا] (4) عليَّ من [رد] (5) قضاءٍ قضيتُه، اللهم إنك تعلم أني لم أُرِدْ فيه إلا الحقَّ؛ فبَلَغَتْني فيه سنَةٌ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فراح إليه عروة؛ فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به عليَّ له (6).
قال الشافعي: وأخبرني مَنْ لا أتهم من أهل المدينة، عن ابن أبي ذئب
__________
(1) في (ق) و (د): "عبد اللَّه".
(2) هو في "مسند الشافعي" (2/ 30)، ورواه من طريقه البيهقي (7/ 402)، وفي "المعرفة" (7/ 238 رقم 2290).
ورواه بنحوه ابن ماجه (2005) في (النكاح): باب الولد للفراش، والحميدي (24)، ومسدد، والأزرقي في "أخبار مكة" (1/ 158) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3/ 104) وأبو يعلى (199 - مختصرًا)، وابن أبي عمر في "مسنده"؛ كما في "مصباح الزجاجة" (1/ 349) من طريق ابن عيينة به، وقال البوصيري: "إسناد صحيح، رجاله ثقات"، وهو كما قال.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) ما بين المعقوفتين من هامش (ق) فقط.
(6) هو في "مسند الشافعي" (2/ 144) و"الرسالة" (ص 448 رقم 1232) ومن طريقه رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 321) وفيه شيخ الشافعي وهو مبهم وأخرجه مختصرًا الطيالسي (1464) ومضى تخريج حديث "الخراج بالضمان" والحمد للَّه، وانظر تعليق الشيخ العلامة أحمد شاكر على "الرسالة".
(4/38)

قال: قَضَى سعد بن إبراهيم على رجل بقضية، برأي ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، فأخبرتُه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بخلاف ما قضى به، فقال سعد (1) لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة يُخبرني عن النبي (2) -صلى اللَّه عليه وسلم- بخلاف ما قضيتُ به، فقال له ربيعة: قد اجتهدتَ ومضى حُكُمك، فقال سعد؛ واعجبًا! أُنفذُ قضاءَ سعد بن أمِّ سعد وأردُّ قضاءَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، بل (3) أردُّ قضاءَ سعد بن أم سعد وأُنفذ قضاءَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدعا سعدٌ بكتابِ القضيةِ فشقَّه وقضى للمقضيِّ عليه (4). فليوحشنا المقلدون، ثم أوحشَ اللَّه منهم.
وقال أبو النضر (5) هاشم بن القاسم: حدثنا محمد بن راشد، عن عَبْدة بن أبي لُبابة، عن هشام بن يحيى المخزومي أن رجلًا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر، ألها أن تنفر [قبل أن تطهر] (6)؟ فقال عمر: لا، فقال له الثقفيُّ: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أفتاني في مثل هذه المرأة بغير ما أفتيتَ به، فقام إليه عمر يضربُه بالدِّرة ويقول له: لم تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (7)؟ ورواه أبو داود بنحوه.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (8): ثنا صالح بن عبد اللَّه: ثنا سُفيان بن عامر،
__________
(1) في (ق): "فقال ابن سعد".
(2) في (ق): "رسول اللَّه".
(3) في (ن)، و (ق): "بلى".
(4) أخرجه الشافعي في "الرسالة" (ص 450 رقم 1233).
(5) في (ق): "النظر".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(7) أخرجه الببهقي في "المدخل" (25)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 207، 208) من طريق أبي النضر به، وهشام بن يحيى مستور.
وروى أبو داود (2004) في (المناسك): باب الحائض تخرج بعد الإفاضة، ومن طريقه البيهقي في "المدخل" (27) والترمذي (946) في (الحج): باب ما جاء في من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت وأحمد في "المسند" (3/ 416 - 417). وابن قانع في "معجم الصحابة" (4/ 1382 رقم 356) والطبراني في "الكبير" (3/ 298 رقم 3354، 3355) والبغوي في "معجم الصحابة" (ق 101) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2/ 232) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (2/ 786 - 787 رقم 2085، 2086)، من طريق الحارث بن عبد اللَّه بن أوس عن عمر بنحوه مختصرًا.
قال المنذري في "مختصر أبي داود" (2/ ه 43): إسناده حسن. . .، وفيه قال عمر: سألتني عن شيء سألت عنه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لكيما أخالف وانظر: "الإحكام" (6/ 79) لابن حزم.
(8) أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" (1456) وابن حزم في "الإحكام" (6/ 53) بإسناد =
(4/39)

عن عتَّاب بن منصور قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا رأيَ لأحد مع سنة سَنَّها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال الشافعي: "أجمع الناس على أن مَنْ استبانت له سنة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يكن له أن يَدعَها لقول أحد [من الناس] " (1).
وتواتر عنه أنه قال: "إذا صَحَّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط" (2)، وصح عنه أنه قال: "إذا رويتُ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حديثًا ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب" (3)، وصح عنه أنه قال: "لا قولَ لأحدٍ مع سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (4).
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعد بن إياس، عن ابن مسعود أَنَّ رجلًا سأله عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فطلَّق امرأته ليتزوج أمها، فقال: لا بأس، فتزوجها الرجل، وكان عبد اللَّه على بيت المال؛ فكان يبيع نُفاية بيت المال يعطي الكثير ويأخذ القليل، حتى قَدمَ المدينةَ فسأل أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالوا: لا تحلُّ لهذا الرجل هذه المرأة، ولا تصلح الفضة إلا وزنًا بوزن، فلما قدم عبد اللَّه انطلق إلى الرجل فلم يجده، ووجد قومه فقال: إن الذي أفتيتُ به صاحبَكم لا يحل، وأتى الصيارفة فقال: يا معشر الصيارفة إن الذي كنتُ أبايعكم لا يحل، لا تحل الفضة إلا وزنًا بوزن (5).
__________
= حسن، وأخرجه بإضافات في أوله: الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 575)، والدارمي (1/ 58)، والبيهقي في "المدخل" (33).
(1) انظر: "الرسالة" (ص 425) وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) بنحوه في "آداب الشافعي" (67 - 68، 93) لابن أبي حاتم، و"الحلية" (9/ 106 - 107)، و"مناقب الشافعي" (1/ 473)، و"المدخل" (رقم 249) كلاهما للبيهقي، و"مختصر المؤمّل في الرد إلى الأمر الأول" (58 - 59)، وأفرد السبكي هذه المقولة بتصنيف مفرد بعنوان "معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وهو مطبوع.
(3) بنحوه في "آداب الشافعي" (67، 93)، و"الحلية" (9/ 106)، و"مناقب الشافعي" (1/ 474)، و"المدخل" (250)، و"الفقيه والمتفقه" (1/ 155)، و"صفوة الصفوة" (2/ 256)، و"معجم الأدباء" (17/ 310)، و"معنى قول الإمام" (ص 72 - ط البشائر) (2/ 98 - ضمن "الرسائل المنيرية")، و"مختصر المؤمّل" (57)، و"مفتاح الجنة" (83، 130)، و"الإيقاظ" (103).
(4) بنحوه في "المدخل" (24)، و"مناقب الشافعي" (1/ 473)، و"الحلية" (9/ 170)، والمصادر المتقدمة.
(5) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 282) من طريق يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (1/ 440) حدثنا عبيد اللَّه بن موسى عن إسرائيل به كاملًا. =
(4/40)

وفي "صحيح مسلم" من حديث اللَّيث، عن يحيى بن سعيد، عن سُليمان بن يسار أَن أبا هريرة وابن عبَّاس وأبا سلمة [بن عبد الرحمن] (1) تذاكروا في المتوفى عنها الحامل تضعُ عند وفاة زوجها، فقال ابن عباس: تعتد آخر الأجلين، فقال أبو سلمة: تحل حين تضع، فقال أبو هريرة: وأنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت: قد وضعت سبيعةُ بعد وفاة زوجها بيسير، فأمرها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تتزوج (2).
وقد تقدَّم من ذكر رجوع عمر -رضي اللَّه عنه-، وأبي موسى وابن عباس (3) عن اجتهادهم إلى السنة ما فيه كفاية.
وقال شدَّاد بن حكيم، عن زُفر بن الهُذيل: إنما نأخذ بالرأي ما لم يجئ الأثر (4)، فإذا جاء الأثر تركنا الرأي، وأخذنا بالأثر (5).
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة: لا قولَ لأحدٍ مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صح الخبر عنه (6)، وقد كان إمام الأئمة ابنُ خزيمة رحمه اللَّه تعالى له أصحاب ينتحلون مذهبه، ولم يكن مقلدًا، بل إمامًا مستقلًا كما ذكر البيهقي في "مدخله" (7) عن يحيى بن محمد العنبري، قال: طبقات أصحاب الحديث خمسةٌ: المالكية، والشافعية، والحنبلية، والراهوية (8)، والخزيمية أصحابُ ابن خزيمة.
وقال الشافعي: إذا حدَّث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-
__________
= وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
والجزء الأول منه رواه عبد الرزاق (10811)، ومن طريقه البيهقي (7/ 159)، وابن أبي شيبة (3/ 308) من طريق الثوري عن أبي فروة الهمداني عن سعد بن إياس أبي عمرو الشيباني عنه، وأبو فروة هذا هو عروة بن الحارث ثقة، وباقي رجاله ثقات من رجال الشيخين، وفيه رجوع ابن مسعود عن فتواه بحل أم الزوجة.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك).
(2) رواه مسلم (1485) في (الطلاق): باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل.
(3) مضى تخريجه (3/ 21، 27).
(4) في المطبوع: "ما لم نجد الأثر"، وفي (ق): "ما لم يجد الأثر".
(5) نقله الموفق الكردري في "مناقب أبي حنيفة" (ص 457)، وانظر: "لمحات النظر في سيرة الإمام زفر" (ص 14).
(6) أخرجه البيهقي في "المدخل" (29).
(7) في القسم المفقود منه.
(8) في (ق) و (ن) و (ك): "والزاهرية" بدل "والراهوية".
(4/41)

فهو ثابت، ولا يترك لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حديث أبدًا، إلا حديث وُجِد عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- آخر يخالفه (1). وقال في كتاب: "اختلافه مع مالك": ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذُر على من سمعهما مقطوعٌ إلا بإتيانهما (2).
[وقال] (3) الشافعي: قال لي قائل: دُلَني على أن عمر عمل شيئًا ثم صار إلى غيره لخبر (4) نبوي، قلت له: حدثنا سُفيان، عن الزُّهريِّ، عن ابن المسيب أن عمر كان يقول: الدية للعاقلة، ولا تَرثُ المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كتب إليه أن يُورِّث امرأة الضِّبابي من ديته فرجع إليه عمر (5)، وأخبرنا ابن عُيينة، عن عمرو وابن طاوس (6) [عن طاوس] أن عمر قال: أذكِّرُ اللَّه امرأً سمع من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الجنين شيئًا، فقام حَمَل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهُما الأخرى بمسطح (7)، فألقت جنينًا ميِّتًا، فقضى فيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بغُرَّة (8)، فقال عمر: لو لم نسمع فيه هذا لقضينا فيه بغير هذا، أو قال: إن كِدنا لنقضي فيه برأينا (9). فترك اجتهاده -صلى اللَّه عليه وسلم- للنّص.
__________
(1) نقله البيهقي في "المدخل" (24) بإسناد صحيح إليه.
(2) اختلاف الشافعي مع مالك (7/ 201) آخر "الأم"، ونقله بسنده الصحيح إليه: البيهقي في "المدخل" (35).
(3) في (ق): "قال".
(4) في (ق): "بخبر".
(5) رواه الشافعي في "مسنده" (2/ 170) في (الديات)، ورواه أبو داود (3927) في (الفرائض): باب في المرأة ترث من دية زوجها، والترمذي (1415) في (الديات)، باب ما جاء في المرأة هل ترث من دية زوجها، و (2110) في (الفرائض): والنسائي في "السنن الكبرى" (6363 - 6366) في (الفرائض): وابن ماجه (2642) في (الديات): باب الميراث من الدية، وقال الترمذي حسن صحيح.
ونص الشافعي في "الرسالة" (ص 425 - 426 - ط: شاكر) فيه زيادة حيث قال: فإن قال قائل. . . قلت: فإن أوجدتكه؟ قال: ففي إيجادك إياي ذلك دليل على أمرين:
أحدهما: أنه قد يقول من جهة الرأي. إذا لم توجد سنة، والآخر: أن السنة إذا وجدت وجب عليه ترك عمل نفسه، ووجب على الناس ترك كل عمل وجدت السنة بخلافه، وإبطال أن السنة لا تثبت إلا بخبر بعدها، وعلم أنه لا يوهنها شيء إن خالفها، قلت: أخبرنا سفيان. إلخ.
(6) في (ق): "عن عمرو بن طاوس"، وفي هامشها: "لعله: عمرو عن طاوس".
(7) "عمود للخباء والصفاة يحاط عليها بالحجارة" (و).
(8) "العبد والأمة" (و).
(9) هو في "مسند الشافعي" (2/ 103) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، وابن طاوس عن طاوس أن عمر (فسقط من السند الذي ذكره ابن القيم: طاوس)، وهو من هذا الطريق أيضًا في "رسالة الشافعي" (1174)، و"سنن البيهقي" (8/ 114). =
(4/42)

[يصار إلى الاجتهاد وإلى القياس عند الضرورة]
وهذا هو الواجب على كل مسلم؛ إذ اجتهادُ الرأي إنما يُباح للمضطر كما تباح [له] (1) الميتة والدم عند الضرورة، {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173].
وكذلك القياس إنما يُصار إليه عند الضرورة، قال الإمام أحمد رحمه اللَّه: سألت الشافعي عن القياس، فقال: عند الضرورة، ذكره البيهقي في: "مدخله" (2).
__________
= ورواه عبد الرزاق (18339)، ومن طريقه الدارقطني (3/ 117)، والبيهقي (8/ 115) عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أن عمر.
ورواه عبد الرزاق (18342) من طريق ابن جريج عن ابن طاوس به.
ورواه الشافعي أيضًا في "مسنده" (2/ 103) من طريق سفيان عن عمرو بن دينار وحده عن طاوس أن عمر، وهو من هذه الطريق في "سنن أبي داود" (4573).
ورواه النسائي (8/ 47) من طريق حماد عن عمرو عن طاوس أن عمر. . .
وهذه كلها أسانيد مرسلة؛ طاوس لم يدرك عمر، وإنما ذكرتها لأن ابن القيم -رحمه اللَّه- ذكرها من هذه الطريق.
وقد وجدته موصولًا: فقد رواه عبد الرزاق (18343)، ومن طريقه الطبراني (3482)، والدارقطني (3/ 117)، والحاكم (3/ 575) عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أن عمر. . .
وهذا إسناد صحيح، لكن وقعت عبارة عمر عند (الطبراني والحاكم): اللَّه أكبر لو لم نسمع بهذا ما قضينا بغيره!! وكلهم رووه عن طريق إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق.
وإسحاق هذا استصغر في عبد الرزاق، قال الذهبي: روى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة، فوقع التردد هل هي منه فانفرد بها أو هي معروفة مما تفرد به عبد الرزاق.
وفي مرويات الحافظ أبي بكر الإشبيلي كتاب: "الحروف التي أخطأ فيها الدبري وصحفها من مصنف عبد الرزاق" للقاضي محمد بن مفرح القرطبي.
أقول: ولفظه في "سنن الدارقطني" مع أنه من رواية إسحاق بن إبراهيم هذا: اللَّه أكبر لو لم نسمع هذه القضية لقضينا بغيره، وهي كذلك في "مصنف عبد الرزاق"، وهو "الصحيح" واللَّه أعلم.
وفي "صحيح مسلم" (1683) عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة، قال: استشار عمر بن الخطاب الناس في إملاص المرأة: فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. . .، وذكره.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) (رقم 248).
(4/43)

وكان زيد بن ثابت لا يرى للحائض أن تنفَر حتى تطوف طواف الوداع، وتَناظَر في ذلك هو وعبد اللَّه بن عباس، فقال له ابن عباس: إمّالًا (1) فسَلْ فلانةً الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرجع زيد يضحك ويقول: ما أراك إلا قد صدقتَ ذكره البخاري في "صحيحه" بنحوه (2).
وقال ابن عمر: كنا نُخابِر (3) ولا نرى بذلك بأسًا، حتى زعم رافعٌ أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك (4).
وقال عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد اللَّه: إنَّ عمر بن الخطاب نهى عن الطِّيب قبل زيارة البيت وبعد الجمرة، فقالت عائشة: طَيَّبت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيدي لإحرامه قبل أن يحرم، ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت، وسنَّةُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحق (5).
__________
(1) "إمَّالًا أي: إن كنت لا تأخذ بما أقول، فسل. . . إلخ" (د).
(2) رواه البخاري (1758) و (1759) في (الحج): باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت عن عكرمة أن أهل المدينة سألوا ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- عن امرأة طافت ثم حاضت، فقال لهم: تنفر، قالوا: لا نأخذ بقولك، وندع قول زيد، والمذكور لفظ مسلم (1328) والشافعي في "الرسالة" (رقم 1216)، وانظر: "سنن البيهقي" (5/ 164)، و"فتح الباري" (3/ 588) ففيه رجوع زيد إلى قول ابن عباس.
(3) "قيل: هي المزارعة على نصيب معين كالثلث والربع وغيرهما، وعن ابن عمر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، رواه الجماعة" (و).
(4) رواه مسلم (1547) في (البيوع): باب كراء الأرض، وأخرج البخاري في "الصحيح" (كتاب المساقاة): باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل (5/ 50/ رقم 2381)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب البيوع): باب النهي عن المحاقلة والمزابنة (3/ 1174/ رقم 1536) عن جابر -رضي اللَّه عنه-؛ قال: "نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المخابرة والمحاقلة وعن المزابنة، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحُه، وأن لا تُباع إلا بالدينار والدرهم؛ إلا العرايا" لفظ البخاري.
وفي لفظ لمسلم في آخره: "ورخص في العرايا"، والمذكور لفظ الشافعي في "الرسالة" (رقم 1225).
والعرايا جمع (عريَّة)، سميت بذلك لأنها عريت عن حكم باقي البستان، يعريها صاحبها غيره ليأكل ثمرتها، انظر: "تحرير ألفاظ التنبيه" (180) للنووي.
وانظر: حديث النهي عن المخابرة وبيان وجهه في "تهذيب السنن" (5/ 65 - 66).
(5) هو بهذا في الجمع بين قول عمر واعتراض عائشة عليه، رواه الشافعي في "مسنده" (1/ 299)، ورواه من طريقه البيهقي (5/ 135) لكن لم يذكر قول عمر.
وأصل حديث عائشة في تطييب المحرم قبل الإحرام، وقبل الطواف ثابت في "الصحيحين"، رواه البخاري (1539 و 1754 و 5922، و 5928 و 5930)، ومسلم (1189)، وانظر ما مضى.
(4/44)

قال الشافعي: فترك سالم قول جَدِّه لروايتها، قلتُ: لا كما تصنع فرقة التقليد.
وقال الأصم: أخبرنا الرَّبيعُ بن سُليمان: [سمعتُ الشافعي يقول] لنعطينَّك جملة تغنيك إن شاء اللَّه: لا تدع لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حديثًا أبدًا إلا أن يأتي عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خلافه فتعمل بما قلتُ لك في الأحاديث إذا اختلفت (1).

[نقول عن الشافعي في المسألة]
قال الأصم: وسمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقولوا بسنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ودعوا ما قلت (2). وقال أبو محمد الجارودي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم سنة [من] (3) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خلاف قولي فخذوا بالسنة ودعوا قولي، فإني أقول بها (4). وقال أحمد بن علي بن عيسى بن ماهان [الرازي] (5): سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كل مسألة تكلَّمتُ فيها صح الخبر فيها عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي (6).
وقال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: [كلُّ] ما قلت وكان (7) النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد
__________
(1) أخرجه البيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 472)، وذكره أبو شامة في "مختصر المؤمل" (57)، والسبكي في "معنى قول الإمام المطلبي" (3/ 99 - الرسائل المنيرية أو ص 121 - ط البشائر)، وابن حجر في "التأنيس" (63).
ما بين المعقوفتين من مصادر التخريج.
(2) أخرجه الخطيب في "الفقيه والمنفقه" (1/ 150)، والبيهقي في "المدخل" (249)، و"المناقب" (1/ 472 - 473)، وأبو نعيم (9/ 107)، ونحوه في "آداب الشافعي ومناقبه" (1/ 67 - 68)، و"معنى قول الإمام المطلبي" (72، 76)، و"اصفة الصفوة" (2/ 257) و"مقدمة المجموع" (1/ 108)، و"السير" (10/ 34، 78)، و"مختصر المؤمل" (57)، و"الإيقاظ" (100).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) أخرجه البيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 473)، وذكره أبو شامة في "مختصر المؤمل" (57)، والسبكي في "معنى قول الإمام المطلبي" (ص 72).
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "يقول".
(6) المقولة في "الأم" (7/ 183)، وأخرجها البيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 473)، وهي في "مختصر المؤمل" (74)، و"معنى قول الإمام المطلبي" (2/ 98 - الرسائل المنيرية)، و"مفتاح الجنة" (83، 130)، و"الإيقاظ" (14).
(7) في المطبوع: "وقد كان".
(4/45)

قال بخلاف قولي مما يصح فحديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أولى، ولا (1) تقلِّدوني (2). وقال الحاكم: سمعتُ الأصم يقول: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول، وروى حديثًا، فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد اللَّه؟ فقال: متى رويتُ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حديثًا صحيحًا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب، وأشار بيده على رؤوسهم (3).
وقال الحميدي: سأل رجل الشافعي عن مسألة فأفتاه، وقال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كذا، فقال الرجل: أتقول بهذا؟ قال: رأيت في وسطي زُنَّارًا (4)؟! أتراني خرجتُ من الكنيسة؟! أقول قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وتقول لي: أتقول بهذا؟ أروي (5) عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا أقول به (6)؟! وقال الحاكم: أنبأني أبو عمرو بن السماك مشافهة أن أبا سعيد الجَصَّاص حَدَّثهم قال: سمعتُ الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول -وسأله رجل عن مسألة فقال: رُوي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال كذا وكذا، فقال له السائل: يا أبا عبد اللَّه أتقول بهذا؟ فارتعَد الشافعيُّ واصفرَّ وحَالَ لونه، وقال: -ويحك! أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا فلم أقل به؟ نعم على الرأس والعينين، نعم على الرأس والعينين (7)، وقال: وسمعتُ الشافعي يقول: ما من أحد إلا وتذهب عليه سنةٌ لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وتعزب عنه (8)، فمهما قلت من قول أو أَصَّلتُ من أصل فيه عن
__________
(1) في المطبوع: "لا".
(2) أخرجه ابن أبي حاتم في "آداب الشافعي" (67، 68، 93)، وأبو نعيم في "الحلية" (9/ 106 - 107)، والبيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 473)، وهو في "مختصر المؤمل" (58)، و"الإيقاظ" (50، 104)، وما بين المعقوفتين من مصادر التخريج.
(3) في المطبوع و (ن) و (ك): "إلى رؤوسهم"، ومضى تخريج هذا القول قريبًا.
(4) الزُّنار: ما على وسط المجوسي والنصراني: وفي "التهذيب": ما يلبسه الذمي، بشده على وسطه. قاله ابن منظور في "اللسان" (4/ 330 - مادة زنر).
(5) في المطبوع: "روى".
(6) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (9/ 106)، و"ذِكر أخبار أصبهان" (1/ 183)، والبيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 474)، وإسناده صحيح وهو في "الإحكام" (6/ 885) لابن حزم و"مختصر المؤمل" (58)، و"معنى قول الإمام المطلبي" (2/ 98) أو ص (72 - 73 - ط دار البشائر)، و"مفتاح الجنة" (12، 129، 130)، و"الإيقاظ" (104).
(7) أخرجه أبو نعيم (9/ 106)، والبيهقي في "المناقب" (1/ 475)، وهو في "معجم الأدباء" (17/ 310)، و"معنى قول الإمام المطلبي" (73 - ط دار البشائر)، و"الإيقاظ" (100).
(8) في (ن): "وتغرب عنه".
(4/46)

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو قولي، [وجعل] (1) يردد هذا الكلام (2)، وقال الربيع: قال الشافعي: لم أسمع أحدًا نَسبتْهُ عامةٌ أو نسَبَ نفسه إلى علم يخالف في أن فَرضَ اللَّه اتباع أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والتسليم لحكمه فإن اللَّه لم يجعل لأحدٍ بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول [بكل حال] (3) إلا بكتاب اللَّه أو سنة رسوله، وأن ما سواهما تَبعٌ لهما، وأن فَرْضَ اللَّه علينا وعلى مَنْ بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- واحدٌ لا يختلف فيه [أنه] الفرض، وواجبٌ قبول الخبر عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا فرقة سأصف قولها إن شاء اللَّه تعالى. وقال الشافعي: ثم تفرَّق أهل الكلام في تثبيت خبر الواحد عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تفرقًا متباينًا، وتفرق عنهم ممن نَسبتهُ العامة إلى الفقه تفرقًا أتى بعضُهم فيه أكثر من التقليد أو التحقيق من النظر والغفلة والاستعجال بالرياسة (4). وقال عبد اللَّه بن أحمد: قال أبي: قال لنا الشافعي: إذا صح عندكم (5) الحديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقولوا لي حتى أذهب إليه (6).
وقال الإمام أحمد: كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وتَركَ قوله (7)، وقال الربيع: قال الشافعي: لا نترك الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأن لا يدخله القياس ولا موضع للقياس لموقع السنة (8)، قال الربيع [عن الشافعي]: وقد روي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بأبي هو وأمي أنه قضى في بَرْوَع
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) أخرجه البيهقي في "المناقب" (1/ 475)، وهو في "معجم الأدباء" (17/ 311)، و"مختصر المؤمل" (58)، و"معنى قول الإمام المطلبي" (76 - 77 - ط البشائر)، و"الإيقاظ" (63 - 100).
(3) بدلها في سائر النسخ "رجل قال"، وهو خطأ، والتصويب من مصادر التخريج.
(4) انظر "مناقب الشافعي" (1/ 475 - 476)، للبيهقي و"جامع بيان العلم" (1/ 562 - فما بعد).
(5) في المطبوع: "لكم".
(6) رواه الطبراني عن عبد اللَّه به؛ كما في "معنى قول الإمام المطلبي" (74)، وبنحوه عند ابن أبي حاتم في "آداب الشافعي" (95)، وأبي نعيم في "الحلية" (9/ 170)، وابن عبد البر في "الانتقاء" (75)، والبيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 476).
(7) أخرجه البيهقي في "المدخل" (251)، و"المناقب" (1/ 476)، وذكره ابن حجر في "التأنيس" (63).
(8) أخرجه البيهقي في "المناقب" (1/ 478)، وهو في "معنى قول الإمام المطلبي" (ص 77)، ونحوه في "الرسالة" للشافعي (ص 599 رقم 1817).
(4/47)

بنت وَاشِق أنكحت (1) بغير مهر، فمات زوجها، فقضى لها بمهر نسائها، وقضى لها بالميراث (2)، فإن كان ثبت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في
__________
(1) في (ن) و (ك): "ونكحت".
(2) رواه معقل بن سنان، وقد وقع فيه اختلاف، وقد وقع في حادثة استفتي فيها ابن مسعود فقام معقل وأيَّده أن هذا هو حكم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك؛ فرواه ابن أبي شيبة (4/ 300)، وأبو داود في (النكاح): (2114) باب فيمن تزوج ولم يُسمِّ صداقًا حتى مات، وابن ماجه (1891) في (النكاح): باب الرجل يتزوج، ولا يفرض لها فيموت، والنسائي (6/ 122) في (النكاح): باب إباحة التزويج بغير صداق، وفي "الكبرى" (5517)، والحاكم (2/ 180 - 181)، والبيهقي (7/ 245)، وابن حبان (4098) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، ورواه الطبراني في "الكبير" (20/ 545) من طريق أبي حذيفة، ورواه (20/ 546) من طريق يزيد الدالاني ثلائتهم عن سفيان عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود، فقال معقل بن سنان. . فذكره.
وقد اختلف فيه على الشعبي؛ كما بينه النسائي في "سننه الكبرى"؛ فانظره هناك.
وقد ذكرنا طريق ابن مهدي أنه يرويه عن سفيان عن فراس، ورواه ابن أبي شيبة (4/ 300)، وأبو داود (2115)، والنسائي (6/ 122)، وفي "الكبرى" (5519)، وابن ماجه (1891)، وابن الجارود (718)، وابن حبان (4099)، والبيهقي من طريقه عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود. . . فشهد معقل بن سنان فخالف في إسناده.
وتابعه أيضًا على هذا الطريق يزيد بن هارون، وعبد الرزاق: أخرجه عبد الرزاق (10898 و 11745)، والترمذي (1145)، وابن الجارود (718)، والطبراني في "الكبير" (20/ 543)، والبيهقي (7/ 245)، وأحمد (3/ 480)، وأبو داود (2115)، والنسائي (6/ 121) وفي "الكبرى" (5516)، بعضهم عن عبد الرزاق ويزيد معًا، وبعضهم عن يزيد وحده.
وتابعه أيضًا زيد بن الحباب: رواه الترمذي (1145)، والنسائي (6/ 198)، ورواه النسائي (6/ 121)، وفي "الكبرى" (5515)، وابن حبان (4100) من طريق زائدة عن منصور عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد اللَّه. . فقام فلان الأشجعي.
ورواه الطبراني (20/ 544) من طريق الأعمش عن إبراهيم به.
ورواه ابن أبي شيبة (4/ 301 - 302)، والنسائي (6/ 122 - 123)، وفى "الكبرى" (5518)، وابن حبان (4101)، والحاكم (2/ 180)، والبيهقي (7/ 245)، والطبراني (20/ 542) من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود. . فقام رجل يقال له: معقل بن سنان.
وقد ذكرت من قبل أنه اختلف على الشعبي فيه، ورواه أبو داود (2116)، والبيهقي (7/ 246) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حسان، وخلاس بن عمرو عن عبد اللَّه بن عتبة أن ابن مسعود. . . فقام ناس من أشجع فيهم الجَرَّاح، وأبو سنان =
(4/48)

قول أحد دون النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا في قياس ولا في شيء إلا طاعة اللَّه بالتسليم له، وإن كان لا يثبت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يكن لأحد أن يثبت عنه ما لم يثبت، ولم أحفظه من وجه يثبت مثله، هو مرة عن معقل بن يسار ومرة عن معقل بن سنان ومرة عن بعض أشجع لا يُسمَّى (1). وقال الربيع: سألت الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة، فقال: يَرفُع المصلي يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، ولا يَفعل ذلك في السجود.
قلت له: فما الحجة في ذلك؟
فقال: أنبأنا ابن عُيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مثل قولنا (2).
قال الربيع: فقلت له: فإنا نقول: يَرفعُ في الابتداء ثم لا يعود.
قال الشافعي: أنا مالك، عن نافع أن ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك (3)، قال الشافعي:
__________
= (معقل بن سنان)، والحديث قال فيه الترمذي: حسن صحيح، وصححه الحاكم على شرط الشيخين وقال: سمعت أبا عبد اللَّه محمد بن يعقوب الحافظ قال: لو حضرت الشافعي لقمت على رؤوس أصحابه، وقلت: فقد صح الحديث فقل به.
وقال البيهقي: وهذا الاختلاف لا يؤثر في الحديث فإن جميع هذه الروايات إسنادها صحيح، وقال ابن حزم: لا مغمز فيه، لصحة إسناده.
وقال النووي في "روضة الطالبين" (7/ 282): الحديث صحيح، ولا اعتبار بما قيل في إسناده.
ونقل الترمذي في "الجامع" (كتاب النكاح): باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة، فيموت عنها قبل أن يفرض لها (3/ 451) رجوع الشافعي إليه، فقال: "وروي عن الشافعي أنه رجع بمصر عن هذا القول، وقال بحديث بَرْوَع بنت واشق".
وقد جاء الحديث من روايتها هي -كما قال الحافظ في "الإصابة"، أخرجه ابن أبي عاصم- وليس هو في المطبوع من "الآحاد والمثاني" -من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عنها فذكرته، والمثنى ضعيف.
(1) "الأم": كتاب الصداق: باب التفويض: (5/ 61)، وعنه البيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 478 - 479).
(2) هو في "مسنده" (1/ 72 - ترتيب السندي)، ورواه البخاري (735) في (الأذان): باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء، و (736) باب رفع اليدين إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع، و (738) باب إلى أين يرفع، ومسلم (390) في (الصلاة): باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين.
(3) رواه مالك في "الموطأ" (1/ 77)، ومن طريقه الشافعي (1/ 72 - 73)، وأبو داود =
(4/49)

وهو -يعني مالكًا- يروي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع (1) يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك (2)، ثم خالفتم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وابن عمر، فقلتم (3): لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة، وقد رويتم عنهما أنهما رفعاهما في الابتداء وعند الرفع من الركوع، أفيجوز لعالم أن يتركَ فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (4) [وفعل] (5) ابن عمر لرأي نفسه؟ أو فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (6) لرأي ابن عمر؟ ثم القياس على قول ابن عمر، ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه، فيترك على ابن عمر ما روي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟
فكيف لم ينهه بعضُ هذا عن بعض؟ أرأيت إذا جاز له أن يروي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه رفع (7) يديه في [الصلاة] مرتين أو ثلاث وعن ابن عمر فيه اثنتين، أنأخذ بواحدة ونترك واحدة؟ أيجوِّز لغيره تَزك الذي أخذ به وأَخْذ الذي ترك؟ أو يجوز لغيره [تركه عليه. قال الشافعي: لا يجوز له ولا لغيره] (8) ترك ما روي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فقلت له: فإن صاحبنا قال: فما معنى الرفع؟ قال [الشافعي: هذه الحجة غاية في الجهالة] معناه تعظيم للَّه واتباع لسنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومعنى الرفع في الأولى معنى الرفع الذي خالفتم فيه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، ثم خالفتم فيه روايتكم عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وابن عمر معًا، [لغير قول واحد روى عنه رفع الأيدي في الصلاة، تثبت روايته] ويَروي ذلك عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة عشر رجلًا أو أربعة عشر رجلًا (9) ورُوي عن أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من غير وجه، ومن
__________
= (742) في (الصلاة): باب افتتاح الصلاة، وقال أبو داود: لم يذكر "رفعها دون ذلك" أحد غير مالك فيما أعلم.
(1) في مطبوع "المناقب" (1/ 382) -ومنه ينقل المصنف-: "إذا ابتدأ الصلاة يرفع".
(2) سيأتي تخريجه.
(3) في (ق): "وقلتم".
(4) في مطبوع "المناقب": "يترك على النبي"!!
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في مطبوع "المناقب": "أو على النبي".
(7) كذا في "المناقب"، وفي سائر النسخ "أن يرفع".
(8) ما بين المعقوفتين من "الأم"، وسقط من مطبوع "المناقب"، ونسخ "الإعلام".
(9) جمعها البخاري في جزء مفرد مطبوع أكثر من مرة، أحسنها مع "جلاء العينين" للسندي رحمه اللَّه تعالى.
وقال الذهبي في "السير" (5/ 293) عن هذه السنة: "متواترة"، وانظر -غير مأمور- كتابي "القول المبين" (ص 104 - 109 ط الأولى).
(4/50)

تركه فقد ترك السنة (1).
قلت: وهذا تصريح من الشافعي بأن تارك رفع اليدين عند الركوع و [عند] (2) الرفع منه تارك للسنة، ونص أحمد على ذلك أيضًا في إحدى الروايتين عنه.
وقال الربيع: سألت الشافعي عن الطيب قبل الإحرام بما يبقى ريحه بعد الإحرام وبعد رمي الجمرة والحلاق وقبل الإفاضة؟ فقال: جائز، وأحبُّه، ولا كراهة؛ لثبوت السنة فيه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (3) والأخبار عن غير واحد من الصحابة.
فقلت: وما حجتك فيه؟ فذكر الأخبار فيه والآثار ثم قال: أنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سالم قال: قال عمر -رضي اللَّه عنه-: مَنْ رمى الجمرة فقد حَلَّ له ما حرمُ عليه إلا النساء والطيب (4). قال سالم: وقالت عائشة: طيَّبتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيدي (5)، وسنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحق أن تتبع.
قال الشافعي: وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم، فأما ما تذهبون إليه من ترك السنة وغيرها لترك (6) ذلك [الغير] (7) لرأي أنفسكم فالعلم إذن إليكم تأتون منه ما شئتم وتدعون ما شئتم (8).
وقال في "الكتاب القديم"، (رواية الزعفراني) في مسألة بيع المُدبَّر في جواب من قال له: إن بعض أصحابك قد قال خلاف هذا، قال الشافعي: فقلت له: من تَبعَ سنَّة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وافقْتُه، ومن غَلط فتركها خالفْتُه، صاحبي (9) الذي لا أفارقه اللازم الثابت عن (10) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وإنْ بَعُد، والذي أفارق من لم يقبل
__________
(1) انظر: "الأم" (7/ 233)، و"اختلاف الحديث" (7/ 413 - 414 بهامش الأم)، و"مناقب الشافعي" (1/ 482 - 484)، وما بين المعقوفتين منه، و"طبقات الشافعية الكبرى" (2/ 100) ترجمة (أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ن).
(3) مضى تخريجه.
(4) هو في "الأم" (7/ 200)، و"مسند الشافعي" (1/ 299)، وانظر ما تقدم.
(5) سبق تخريجه قريبًا.
(6) في النسخ "وترك"، والتصويب من المصادر التي نقلت هذا الكلام!!
(7) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "لغير شيء بل".
(8) الخبر بطوله في "الأم": (7/ 199 - 200)، وعنه البيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 484).
(9) في المطبوع: "حتى صاحبي" والمثبت من (ق).
(10) في المطبوع: "لا أفارق الملازم الثابت مع"! وفي (ق) و (ك): "اللازم"، وفيها وسائر النسخ "مع"، والتصويب من مصادر التخريج.
(4/51)

بسنة (1) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وإن قرب (2).
وقال في خطبة كتابه: "إبطال الاستحسان" (3): الحمد للَّه على جميع نعمه بما هو أهله وكما ينبغي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، بعثه بكتاب عزيز: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] فهدى بكتابه، وعلى (4) لسان رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم أنعم عليه وأقامَ الحجَّةَ على خلقه لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل، وقال [تعالى] (5): {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً} [النحل: 89]، وقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وفرض عليهم اتباع ما أنزل إليهم، وسَنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لهم، فقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] فأَعلَم أن معصيته في ترك [أمره و] (6) أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يجعل لهم إلا اتباعه، وكذلك قال لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: 52 - 53] مع ما عَفَم اللَّه نبيَّه، ثم فرض اتباع كتابه فقال: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} [الزخرف: 43]، وقال: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49] وأعلمهم أنه أكمل لهم دينهم فقال عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] إلى أن قال: ثم مَنَّ عليهم بما آتاهم من العلم فأمرهم بالاقتصار عليه، وأن لا يقولوا غيره إلا ما علَّمهم، فقال لنبيِّه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: 52]، وقال لنبيه: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} [الأحقاف: 9]، وقال لنبيّه: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23 - 24] ثم أنزل على نبيه أنْ غَفَر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، يعني -واللَّه أعلم- ما تقدم من ذنبه قبل الوحي وما تأخَّر [قبل] (7) أن
__________
(1) في سائر النسخ "يقل بحديث"!.
(2) نقله البيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 485)، وقال عقبه: "وللشافعي في هذا الجنس كلام كثير تركته لكثرته وهو منقول في "المبسوط المردود إلى ترتيب المختصر"، وبعضه في كتاب "المعرفة"، واللَّه يغفر لنا وله برحمته".
(3) انظر: "الأم" (كتاب الاستحسان): (7/ 294 - 295).
(4) في المطبوع: "ثم على".
(5) ما بين المعقوفتين من (ق).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ط).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(4/52)

يعصمه فلا يذنب، فعلم ما يفعل به مِن رضاه عنه، وأنه أول شافع ومشفع يوم القيامة، وسيّد الخلائق، وقال لنبيه: {ولَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] وجاءه -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل في امرأة رجل رماها بالزنا، فقال له يَرْجع، فأوحى اللَّه إليه آية اللعان فلاعن بينهما (1)، وقال: {[قُلْ] (2) لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ] (2)} [لقمان: 34] الآية، وقال لنبيه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات: 42 - 43] فحَجَب عن نبيه علم الساعة، وكان مَنْ عدا ملائكة اللَّه المقربين وأنبياءه المصطفين من عباد اللَّه أقصر علمًا من ملائكته وأنبيائه، واللَّه عز وجل فَرضَ على خلقه طاعة نبيه، ولم يجعل لهم من الأمر شيئًا. وقد صنَّف الإمام أحمد -رضي اللَّه عنه- كتابًا في طاعة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- (3) ردَّ فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة سنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وترك الاحتجاج بها، فقال في أثناء خطبته: إن اللَّه جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسولَه الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه وخاصِّه وعامِّه وناسخه ومنسوخه وما قصد له الكتاب؛ فكان رسول اللَّه هو المعبِّر عن كتاب اللَّه الدال على معانيه، شَاهَدَه في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم اللَّه لنبيه واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلم الناس برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبما أراد اللَّه من كتابه بمشاهدتهم ما قصد له الكتاب، فكانوا هم المُعبِّرين عن ذلك بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال جابر: ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو
__________
(1) هو حديث سهل بن سعد في قصة عويمر العجلاني: رواه البخاري (423) في (الصلاة): باب القضاء واللعان في المسجد، و (4745) في (التفسير): باب {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ. . .}، و (4746) باب {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7)} و (5659) في (الطلاق): باب من جوز الطلاق الثلاث، و (5308) في (اللعان): و (5309) في (التلاعن في المسجد)، و (7165 و 7166) في (الأحكام): باب من قضى ولاعن في المسجد، و (7304) في (الاعتصام): باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين، ومسلم (1492) في أول اللعان.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) ذكره له في "مختصر الصواعق المرسلة" (2/ 530) أيضًا، وقال: "رواه عنه ابنه صالح"، ونقل خطبته؛ كما فعل هنا، وانظر: "موارد ابن القيم في كتبه" (رقم 287).
وأكثر أبو يعلى الفراء في "العدة في أصول الفقه" من النقل عنه، انظر: "فهرسته" (5/ 1790).
(4/53)

يعرف تأويله وما عَمِلَ به من شيء عملنا به، ثم ساق الآيات الدالة على طاعة الرسول، فقال جل ثناؤه في أول آل عمران: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 131 - 132]، وقال [تعالى] (1): {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32]، وقال في النساء: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، وقال: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 79 - 80]، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)} [النساء: 13 - 14]، وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا] (2)} [النساء: 105]، وقال في المائدة: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92]، وقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)} [الأنفال: 1]، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] (3)} [الأنفال: 46]، وقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 51، 52]، وقال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56]، وقال: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] وقال: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4/54)

كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] (1)} [النور: 62]، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71]، وقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، وكان الحسن يقول: لا تذبحوا قبل ذبحه (2) {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى [لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ] (3) وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 2 - 5]، وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 17]، وقال: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 1 - 5]، وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [التغابن: 12]، وقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الطلاق: 10 - 11]، وقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "الآية".
(2) روى الطبري في "تفسيره" (11/ 378) عند هذه الآية عن الحسن قال: هم قوم نحروا قبل أن يصلي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأمرهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يعيدوا الذبح.
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك): "إلى قوله".
(4/55)

شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا] (1)} [الفتح: 9]، وقال: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} [هود: 17] قال ابن عباس: هو جبريل، وقاله مجاهد (2): {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [هود: 17]، قال سعيد بن جبير: الأحزاب المِلل (3)، ثم ذكر حديث يعلى بن أمية: طُفْت مع عمر، فلما بلغنا الركن الغربيَ الذي يلي الأسود جررْتُ بيده ليستلم، فقال: ما شأنك؟ فقلت: ألا تستلم؟ فقال: ألم تطُف مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فقلت: بلى، قال: أفرأيته يستلم هذين الركنين الغربيين؟ قال: لا، قال: أليس لك فيه أسوة حسنة؟ قلت: بلى، قال: فانفذ عنك (4). قال: وجعل معاوية يستلم الأركان كلها، فقال له ابن عباس: لِمَ تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يستلمُهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال ابن
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) رواه الطبري في "تفسيره" (12/ 16) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس.
وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (4/ 410) لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس.
وقول مجاهد في "تفسيره" (1/ 301 - 352) ورواه الطبري أيضًا في "تفسيره" عنه.
(3) في (ق) و (ك) أدخل قول سعيد في الآية بعد قوله: "ومن يكفر به من الأحزاب"، وقول سعيد رواه الطبري (7/ 20 و 21).
(4) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 37)، وأبو يعلى (182) من طريق يحيى بن سعبد عن ابن جريج حدثني سليمان بن عتيق عن عبد اللَّه بن بابَيْه عن يعلى بن أمية به.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، لكن رواه عبد الرزاق (8945)، وأحمد (1/ 45) عن روح، ويعقوب بن سفيان في "المعرفة" (2/ 205)، ومن طريقه البيهقي (5/ 77) عن ابن أبي عاصم النبيل (ثلاثتهم: عبد الرزاق، وروح، وأبو عاصم)، عن سليمان بن عتيق عن عبد اللَّه بن بابيه عن بعض بني يعلى عن يعلى بن أمية به.
أقول: عبد اللَّه بن بابيه، ولقال: باباه توفي بعد المئة؛ كما ذكر الحافظ في "التقريب"، ويعلى بن أمية توفي في الأربعين فهل الصحيح إثبات الواسطة -وعندئذ يكون في الإسناد جهالة- أم يكون أدركه في وى الحديث على الوجهين؟!
وقال الحافظ في "التعجيل" (ص 542): عبد اللَّه بن بابيه عن بعض بني يعلى بن أمية: لعله صفوان.
قلت: أولاد يعلى الذين رووا عنه: صفوان، ومحمد وعثمان، وعبد الرحمن، وصفوان هو أشهرهم، وهو من الثقات، والآخرون ليس لهم في الكتب الستة شيء، وأنا أستبعد أن يكون صفوان، وإلا لسمّاه. =
(4/56)

عباس: {ولقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، فقال معاوية: صدقت (1).
__________
= ثم وجدت الزيلعي في "نصب الراية" (3/ 47) ينقل عن صاحب "التنقيح" -وهو فيه 2/ 455 رقم 1358) - أنه قال في هذا الحديث: في صحة هذا الحديث نظر. وقال أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" (1/ 256): ولكن يعل هذا الحديث بأن الأحاديث الصحاح ثبتت فيها أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. استلم الحجر، وأن عمر رآه وروى عنه ذلك.
والحديث رواه أحمد (1/ 71) من طريق محمد بن بكر عن ابن جريج أخبرني سليمان عن عبد اللَّه عن بعض بني يعلى عن يعلى قال: طفت مع عثمان. . .
وعزاه الحافظ الهيثمي (3/ 240) لأبي يعلى، وقال: "وله عند أبي يعلى إسنادان، رجال أحدهما رجال الصحيح، وفي إسناد أحمد راو لم يُسمَّ".
فهل هناك وهم؟ أم هما قصتان حصلتا مع عمر وعثمان؟ أغلب ظني أن هناك وهمًا لاتحاد مَخْرَج القصة، واللَّه أعلم.
وفي (ق): "فانذ عنك" وفوقها "كذا".
(1) رواه أحمد (1/ 217)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2/ 184) من طريق خصيف عن مجاهد عن ابن عباس.
وخصيف هذا ضعيف؛ لكن رواه عبد الرزاق (8944)، وأحمد (1/ 246 و 333 و 372)، والترمذي (858) في (الحج): باب ما جاء في استلام الحجر والركن اليماني، والطبراني في "الكبير" (10631 و 10632) من طريق عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم عن أبي الطفيل قال: كنت مع ابن عباس ومعاوية، فذكره نحوه دون ذكر الآية.
وسنده صحيح على شرط مسلم.
ورواه أحمد (1/ 372)، والطبراني في "الكبير" (10636)، والبيهقي (5/ 76 - 77) من طرق عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي الطفيل به.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
ورواه الطبراني (10634) و (10635)، والبيهقي (5/ 76) من طريقي (شعبة، وعمرو بن الحارث) عن قتادة به، وانظر: "صحيح مسلم" (1269).
وروى أحمد في "مسنده" (4/ 98) من طريق محمد بن جعفر وحجاج عن شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أبي الطفيل. . بالحديث مقلوبًا، أي عنده أن القائل: ليس من أركانه شيء مهجور. . . ابن عباس وليس معاوية.
ثم قال بعد روايته: قال شعبة: الناس يختلفون في هذا الحديث يقولون: معاوية هو الذي قال: ليس من البيت شيء مهجور؛ ولكنه حفظه من قتادة هكذا.
والصحيح الرواية الأولى؛ كما قال الدارقطني في "علله" (7/ 55)، وانظر: "الفتح (3/ 473 - 474)، و"صحيح البخاري" (رقم 1608).
وانظر كلام المؤلف -رحمه اللَّه- في "زاد المعاد" (1/ 219).
(4/57)

ثم ذكر أحمد الاحتجاج على إبطال قول من عارض السنن بظاهر القرآن وردَّها بذلك، وهذا فعل الذين يستمسكون (1) بالمتشابه في رَدِّ المحكم، فإن لم يجدوا لفظًا متشابهًا غير المحكم يردونه به استخرجوا من المحكم وصفًا متشابهًا وردوه به، فلهم طريقان في رد السنن.

[طريقان لأرباب الأخذ بالمتشابه في رد السنن]
أحدهما: ردها بالمتشابه من القرآن أو من السنن (2)، الثاني: جعلهم المحكم متشابهًا ليعطلوا دلالته.

[رد المتشابه إلى المحكم طريقة الصحابة]
وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق فعكس هذه الطريق، وهي أنهم يردُّون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يُفسِّر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضُها بعضًا، ويصدُّق بعضُها بعضًا، فإنَّها كلها من عند اللَّه، [وما كان من عند اللَّه] (3) فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره.

[أمثلة لمن أبطل السنن بظاهر من القرآن]
ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب.
المثال الأول: رد الجهمية النصوص المحكمة غاية الإحكام المبينة بأقصى غاية البيان أن اللَّه موصوفٌ بصفاتِ الكمال من العِلْم والقُدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر والوجه واليدين والغَضَب والرِّضى والفَرح والضَّحك والرحمة والحكمة، وبالأفعال كالمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك، والعلم بمجيء الرسول بذلك وإخباره به عن ربه إن لم يكن فوق العلم بوجوب الصلاة والصيام والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش والكذب فليس يقصرُ عنه، فالعلم الضروريُّ حاصل بأن الرسول أخبر عن اللَّه بذلك، وفَرضَ على
__________
(1) في (ك): "يتمسكون".
(2) في (ق): "السنة".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4/58)

الأمة تصديقه فيه، فرضًا لا يتم أصل الإيمان إلا به، فرد الجهمية ذلك بالمتشابه من قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ومن قوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] ومن قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ثم استخرجوا من هذه النصوص المجملة (1) المبينة احتمالات وتحريفات جعلوها به من قسم المتشابه.

[رد الجهمية المحكم من آيات العلو والاستواء]
المثال الثاني: ردهم المحكم المعلوم بالضرورة أن الرسل جاءوا به من إثبات علو اللَّه على خلقه واستوائه على عرشه بمتشابه قول اللَّه تعالى (2): {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] ونحو ذلك، ثم تحيَّلوا وتمحَّلوا حتى ردّوا نصوص (3) العلو والفوقية بمتشابهه.

[رد القدرية النصوص المحكمة]
المثال الثالث: رد القدرية النصوص (4) الصريحة المحكمة في قدرة اللَّه على خلقه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن بالمتشابه من قوله: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد} [فصلت: 46]، و {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (5) [الطور: 16] و [التحريم: 7] ثم استخرجوا لتلك النصوص المحكمة وجوهًا [أخر] (6) أخرجوها به من قسم المحكم وأدخلوها في المتشابه.

[رد الجبرية النصوص المحكمة]
المثال الرابع: رد الجبرية النصوص المحكمة في إثبات كون العبد قادرًا مختارًا فاعلًا [بمشيئته] (6) بمتشابه قوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (7)
__________
(1) في المطبوع و (ك): "المحكمة".
(2) في (ق) و (ك): "قوله".
(3) جمعها ابن قدامة في "إثبات العلو للَّه"، والذهبي في "العلو للعلي العظيم"، وغيرهما.
(4) جمعها الفريابي وعبد اللَّه بن وهب في أجزاء مفردة بعنوان "القدر"، وهما مطبوعان.
(5) "ليس فيها شيء بمتشابه، إنما هي محكمة أعظم الإحكام، وقد ذكرت {إنمَا تجزَونَ. . .} الآية في سورة التحريم -أيضًا- رقم: 7" (و).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(7) "ذكرت مرة أخرى في سورة التكوير: 29" (و).
(4/59)

[الإنسان: 30]، [{وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}] (1) [المدثر: 56]، وقوله: {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ [وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] (2)} [الأنعام: 39] وأمثال ذلك، ثم استخرجوا لتلك النصوص من الاحتمالات التي يقطع السامع أن المتكلم لم يُرِدها ما صيَّروها (3) به متشابهة.

[رد الخوارج والمعتزلة]
المثال الخامس: رد الخوارج والمعتزلة النصوص الصريحة المحكمة غاية الإحكام في ثبوت الشفاعة (4) للعصاة وخروجهم من النار بالمتشابه من قوله: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48]، وقوله: {ربَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران: 192]، وقوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 14] ونحو ذلك، وفعلوا فيها كفعل (5) من ذكرنا سواء.

[رد الجهمية نصوص الرؤية]
المثال السادس: رد الجهمية النصوص المحكمة التي قد بلغت في صراحتها وصحتها إلى أعلى الدرجات في رؤية المؤمنين ربهم (6) تبارك وتعالى في عرصات القيامة وفي الجنة بالمتشابه من قوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ] (7)} [الأنعام: 103]، وقوله لموسى: {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143]، وقوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51] ونحوها] (8)، ثم أحالوا المحكم متشابهًا وردوا الجميع.
__________
(1) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) في (ق): "يصّيروها".
(4) ألف الذهبي في الشفاعة جزءًا بعنوان "إثبات الشفاعة"، قال فيه (ص 20): (فشفاعته لأهل الكبائر من أمته، وشفاعته نائلة من مات يشهد أن لا إله إلا اللَّه، فمن رد شفاعته وردّ أحاديثها جهلًا منه، فهو ضال جاهل قد ظن أنها أخبار آحاد، وليس الأمر كذلك، بل هي من المتواتر القطعي، مع ما في القرآن من ذلك" وجمع الشيخ مقبل بن هادي أحاديث الشفاعة، والآثار الواردة فيها في جزء مفرد مطبوع، وكذلك فعل الدكتور ناصر الجديع في كتابه "الشفاعة عند أهل السنة والرد على المخالفين فيها" وهو مطبوع أيضًا.
(5) في المطبوع: "فعل".
(6) جمعها الدارقطني وابن النحاس والآجري وغيرهم في أجزاء مفردة، وكتب المذكورين مطبوعة.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "الآية".
(4/60)

[رد نصوص الأفعال الاختيارية]
المثال السابع: رد النصوص الصريحة الصحيحة التي تفوت العد (1) على ثبوت الأفعال الاختيارية للرب سبحانه وقيامها به كقوله: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29]، وقوله: {فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 105]، وقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، وقوله: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ} [النمل: 8]، وقوله: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} [الأعراف: 143]، وقوله: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا} [الإسراء: 16]، وقوله: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ] (2)} [المجادلة: 1]، وقوله: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181]، [وقول: النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-] (3) "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا" (4)، [وقول اللَّه تعالى] (5): {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158]، وقوله: "إن ربي قد غَضِبَ اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضبَ بعده مثله" (6)، وقوله: "إذا قال العبد: الحمدُ للَّه رب العالمين قال اللَّه: حَمَدني عبدي" (7) الحديث، وأضعاف أضعاف ذلك من النصوص التي تزيد على الألف، فردوا هذا كله مع إحكامه بمتشابه قوله: {لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76].
__________
(1) في المطبوع: "العدد".
(2) زيادة من (ك) و (ق).
(3) المثبت من (ق)، وفي باقي النسخ: "وقوله".
(4) أخرج البخاري في "الصحيح" (كتاب التهجد): باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (3/ 29/ رقم 1145)، و (كتاب الدعوات): باب الدعاء نصف الليل (11/ 128 - 129/ رقم 6321)، و (كتاب التوحيد): باب قول اللَّه تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} (31/ 464/ رقم 7494)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب صلاة المسافرين وقصرها)، باب الترغبب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه (1/ 521/ رقم 758) عن أبي هريرة مرفوعًا: ينزل ربنا تبارك ونعالى: كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فاعطيه، ومن يستغفرني فاغفر له.
(5) المثبت من (ق)، وفي باقي النسخ: "وقوله".
(6) رواه البخاري (3340) في (الأنبياء): باب قول اللَّه تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ}، و (3361): باب قول اللَّه تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}، و (4712) في تفسير سورة بني إسرائيل باب {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)}، ومسلم (194) في (الإيمان): باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، من حديث أبي هريرة.
(7) رواه مسلم (395) في (الصلاة): باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، من حديث أبي هريرة.
(4/61)

[رد المحكم من نصوص إثبات الحكمة والغاية]
المثال الثامن: رد النصوص المحكمة الصريحة التي في غاية الصحة والكثرة على أن الرب سبحانه إنما يفعل ما يفعله لحكمة وغاية محمودة، وجودها خير من عدمها، ودخول لام التعليل في شرعه وقدره أكثر من أن تعد، فردوها بالمتشابه من قوله: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] ثم جعلوها كلها متشابهة.

[رد نصوص إثبات الأسباب]
المثال التاسع: رد النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة الدالة على ثبوت الأسباب شرعًا وقدرًا كقوله: {بِمَا كنُتُم تعْمَلُونَ} (1) [المائدة: 105]، {بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [الأعراف: 39 ويونس: 52]، {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران: 182]، {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 10]، {بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93]، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} [النحل: 107]، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9]، {ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [الجاثية: 35]، وقوله: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 16]، {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26]، وقوله: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [ق: 9]، وقوله: {فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 57]، وقوله: {فَأَنْشَأْنَا (2) لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [المؤمنون: 19] وقوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة: 14]، وقوله في العسل: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69]، و [قوله] (3) في القرآن: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] إلى أضعاف [أضعاف] (4) ذلك من النصوص المثبتة للسبب (5) فردوا ذلك كله بالمتشابه من قوله: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3]، وقوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]
__________
(1) "هناك غيرها بباء السببية -أيضًا- {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]، {وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ} [السجدة: 14] وغيرها" (و).
(2) في المطبوع و (ق) و (ك): "فأنبتنا"، والصواب ما أثبتناه.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في المطبوع و (ك): "للسببية".
(4/62)

وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما أنا حملتكم ولكن اللَّه حملكم" (1) ونحو ذلك، وقوله: "إني لا أعطي أحدًا ولا أمنعه" (2)، وقوله للذي سأله عن العَزْل عن أمته: "اعزل عنها فسيأتيها ما قُدِّر لها" (3)، وقوله: "لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ" (4)، وقوله: "فمن أعدى الأول" (5)، وقوله: "أرأيت إنْ منعَ اللَّه الثمرة" (6)، ولم يقل منعها البرد أو (7) الآفة التي تصيب الثمار، ونحو ذلك من المتشابه الذي إنما يدل على أن مالكَ السَّببِ وخالقه يتصرف فيه؛ بأن يُسلبه سببيَّته إن شاء، ويُبقيها عليه إن شاء، كما سَلَبَ النار قوَّةَ الإحراق عن الخليل، ويا للَّه العجب! أترى من أثبت الأسباب، وقال: إن اللَّه خالقها أثبتَ خالقًا غير اللَّه؟!
وأما قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] فغاب عنهم فقه الآية وفهمها، والآية من أكبر معجزات النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والخطاب بها خاص لأهل بدر. وكذلك القبضة التي رمى بها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأوصلها اللَّه سبحانه إلى جميع وجوه المشركين (8)، وذلك خارج عن قدرته -صلى اللَّه عليه وسلم-،
__________
(1) رواه البخاري (3133) في (فرض الخمس): باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين -وأطرافه هناك وهي كثيرة جدًا- ومسلم (1649) في (الأيمان): باب ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه، من حديث أبي موسى الأشعري.
(2) لم أعثر عليه بهذا اللفظ، وإنما وجدت في "صحيح البخاري" (3117) في (فرض الخمس): باب قوله تعالى: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما أعطيكم وما أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت"، وبنحوه في "مسند أحمد" (2/ 248).
(3) رواه مسلم (1439) في (النكاح): باب حكم العزل، من حديث جابر.
(4) قطعة من حديث أخرجه البخاري (كتاب الطب): باب لا هامة (10/ 241/ رقم 577)، وباب لا صفر (10/ 171/ رقم 5717)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب السلام): باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر (4/ 1742 - 1743/ رقم 2220)، من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- ولفظه: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة" فقال أعرابي: يا رسول اللَّه! فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظِّباء، فيأتي البعير الأجرب؛ فيدخل بينها فيجربها؟ قال: "فمن أعدى الأول؟.
وقال (و): "والطيرة: هي التشاؤم بالشيء، ولم يجيء غيرها هي وخيرة -كذا- من المصادر هكذا".
(5) قطعة من آخر الحديث السابق.
(6) سبق تخريجه.
(7) في المطبوع: "و".
(8) رواه الطبري في "تفسيره" (9/ 205) مختصرًا، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" (ص 469 رقم 400)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (3/ 78 - 79) من طريق عبد اللَّه بن صالح قال: =
(4/63)

وهو الرمي الذي نفاه عنه، وأثبت له الرمي الذي هو في محل قدرته وهو الخذْف (1)، وكذلك القَتْل الذي نفاه عنهم هو قتل لم تباشره أيديهم، وإنما باشرته أيدي الملائكة، فكان أحدهم يشتدُّ في أَثَر الفارس وإذا برأسه قد وقع أمامه من ضربة الملك، ولو كان المراد ما فهمه هؤلاء الذين لا فقه لهم في فهم النصوص لم يكن فرق بين ذلك وبين كل قتل وكل فعل من شرب أو زنى أو سرقة أو ظلم فإن اللَّه خالق الجميع، وكلام اللَّه يُنزَّه عن هذا (2).
وكذلك قوله: "ما أنا حملتكم ولكن اللَّه حملكم" (3) لم يُرد أنَّ اللَّه حَمَلهم بالقدر، وإنما كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- متصرفًا بأمر اللَّه منفّذًا له، فاللَّه سبحانه أمره بحملهم فنفَّذ أوامره، فكأن اللَّه هو الذي حملهم، وهذا معنى قوله: "واللَّه إني لا أعطي أحدًا شيئًا ولا أمنعه" (3)، ولهذا قال: "وإنما أنا قاسم" (4) فاللَّه سبحانه هو المعطي على لسانه وهو يقسم ما يقسمه (5) بأمره، وكذلك قوله في العَزْل: "فسيأتيها ما قُدّر لها" (6) ليس فيه إسقاط الأسباب؛ فإن اللَّه سبحانه إذا قَدَّر خلق الولد سبق من الماء ما يخلق منه الولد ولو كان أقل شيء فليس من كل الماء يكون الولد، ولكن أين في السنة أن الوطء لا تأثير له في الولد ألبتة وليس سببًا له، وأن الزوج أو
__________
= حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
أقول: عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث فيه كلام، وعلي بن أبي طلحة روايته عن ابن عباس مرسلة، لكن هناك شواهد مرفوعة وموقوفة تجعل للحادثة أصلًا أصيلًا؛ فانظر: "فتح الباري" (7/ 236) و"السيرة النبوية" (2/ 239) لابن كثير، و"الدر المنثور" (4/ 39 - 42) وتعليقي على "الموافقات" (3/ 69 - 70).
(1) "رمي الحصا بالأصابع" (و).
(2) انظر مبحث ابن القيم في التعليل والأسباب في: "شفاء العليل" (396 - 418)، و"مفتاح دار السعادة" (6، 8، 36 - 38، 350 - 351، 427، 373 مهم)، و"بدائع الفوائد" (1/ 44 - 60 و 2/ 205، 210، 211 و 3/ 179 و 4/ 127 - 130)، و"الداء والدواء" (20 - 22) مهم، و"حادي الأرواح" (ص 81 - 82)، و"مدارج السالكين" (1/ 94 و 2/ 116، 118، 133، 134 و 3/ 395 - 410، 495) مهم.
(3) سبق تخريجه قريبًا.
(4) جزء من حديث، رواه البخاري في (العلم) (71): باب من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين، و (3116) في (فرض الخمس): باب قوله تعالى: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} و (7312) في (الاعتصام): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق"، وهم أهل العلم، ومسلم (1037) (100)، من حديث معاوية بن أبي سفيان.
(5) في (د): "قسمه".
(6) سبق تخريجه.
(4/64)

السيد إنْ وطئ أو لم يطأ فكلا الأمرين بالنسبة إلى حصول الولد وعدمه على حد سواء كما يقوله منكرو الأسباب؟

[المقصود من لا عدوى ولا طيرة]
وكذلك قوله: "لا عَدْوى ولا طِيرَة" (1) لو (2) كان المراد به نفي السبب كما زعمتم لم يدل على نفي كل سبب، وإنما غايته أن هذين الأمرين ليسا من أسباب الشر، كيف والحديث لا يدل على ذلك؟ وإنما ينفي ما كان المشركون يُثبتونه من سببيّة مستمرة على طريقة واحدة لا يمكن إبطالها ولا صرفها عن محلها ولا معارضتها بما هو أقوى منها، لا كما يقوله من قصر علمُه: إنهم كانوا يرون ذلك فاعلًا مستقلًا بنفسه.

[مذاهب الناس في الأسباب]
فالناس في الأسباب لهم ثلاث طرق (3):
• إبطالها بالكلية.
• وإثباتها على وجه لا يتغير ولا يقبل سلب سببيتها ولا معارضتها بمثلها أو أقوى منها كما يقوله الطبائعية والمنجمون والدهرية.
• والثالث: ما جاءت به الرسل ودل عليه الحس والعقل والفطرة: إثباتها أسبابًا، وجواز وقوع (4) سلب سببيتها عنها إذا شاء اللَّه ودفعها بأمور أخرى نظيرها أو أقوى منها، مع بقاء مقتضى السببية فيها، كما تُصرف كثير من أسباب الشر بالتوكل والدعاء والصدقة والذكر والاستغفار والعتق والصّلة، وتُصرف كثير من أسباب الخير بعد انعقادها بضد ذلك، فلله كم من خير انعقد سببه ثم صرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصوله وهو يشاهد السبب حتى كأنه أخذ باليد؟ وكم من شرٍ انعقد سببهُ ثم صُرفَ عن العبد باسباب أحدثها منعت حصولَه؟ ومن لا فقهَ له في هذه المسألة فلا انتفاع له بنفسه ولا بعلمه، واللَّه المستعان وعليه التكلان.

[رد الجهمية نصوص الكلام الإلهي]
المثال العاشر: رد الجهمية النصوص المحكمة الصريحة التي تفوت العد
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) في المطبوع: "ولو".
(3) انظر رسالة: "السببية ودورها في حياة المسلم".
(4) المثبت من (ق) وفي باقي النسخ: "وجواز بل وقوع".
(4/65)

على أن اللَّه سبحانه تكلَّم ويتكلم، وكلَّم ويُكلِّم، وقال ويقول، وأخبر و [يخبر] (1)، ونبَّأ وأَمر ويأمر، ونهى وينهى، ورضي ويرضى ويعطي ويبشّر ويُنذر ويُحذّر، ويوصل لعباده القول ويبين لهم ما يتقون، ونادى وينادي، وناجى ويناجي، ووَعد وأَوْعد، ويسأل عباده يوم القيامة ويخاطبهم ويكلم كلًا منهم ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب ويراجعه عبده مراجعة، وهذه كلها أنواع للكلام والتكليم، وثبوتها بدون ثبوت صفة التكلم له ممتنع، فردها الجهمية مع إحكامها وصراحتها وتعينها للمراد منها بحيث لا تحتمل غيره بالمتشابه من قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].

[رد النصوص المحكمة بأنه خالق كل شيء والمتكلم بنفسه]
المثال الحادي عشر: ردوا محكم قوله: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54]، وقوله: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} [السجدة: 13]، وقوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ} [النحل: 102]، وقوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وقوله: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف: 144] وغيرها من النصوص المحكمة بالمتشابه من قوله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102]، وقوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة: 40 والتكوير: 19] والآيتان حجة عليهم؛ فإن صفات اللَّه جل جلاله داخلة في مُسمَّى اسمه؛ فليس {اللَّه} اسمًا لذات لا سَمعَ لها ولا بَصَر [لها] (2) ولا حياة [لها] (2) ولا كلام [لها] (2) ولا علم، وليس هذا رب العالمين، وكلامه تعالى وعلمه وحياته وقدرته ومشيئته ورحمته داخلة في مُسمَّى اسمه؛ فهو سبحانه بصفاته وكلامه الخالق، و [كل] (3) ما سواه مخلوف، وأما إضافة القرآن إلى الرسول فإضافة تبليغ محض، لا إنشاء، والرسالة تستلزمُ تبليغَ كلام المُرسل، ولو لم يكن للمرسل كلام يبلغه الرسول لم يكن رسولًا؛ ولهذا قال غير واحد من السلف: "من أنكر أن يكون اللَّه متكلمًا فقد أنكر رسالة رسله"؛ فإن حقيقة رسالتهم تبليغ كلام من أرسلهم؛ فالجهمية وإخوانهم ردوا تلك النصوص المحكمة بالمتشابه، ثم صيَّروا الكل متشابهًا ثم ردوا الجميع، فلم يثبتوا للَّه فعلًا يقوم به يكون به فاعلًا كما لم يثبتوا له كلامًا يقوم به يكون به متكلمًا؛ فلا كلام له عندهم ولا فعال (4)، بل كلامه وفعله عندهم
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(2) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) ضبطها في (ن): "ولا فَعّال"، وفي المطبوع و (ك): "ولا أفعال".
(4/66)

مخلوق منفصل عنه، وذلك لا يكون صفة له؛ لأنه سبحانه إنما يوصف بما قام به لا بما لم يقم به.

[رد الجهمية نصوص العلو بالتفصيل]
المثال الثاني عشر: وقد تقدم ذكره مجملًاونذكره هاهنا مفصلًا: رد الجهمية النصوص المتنوعة المحكمة على علو اللَّه على خلقه وكونه فوق عباده من ثمانية عشر نوعًا (1):
أحدها: التصريح بالفوقية مقرونة بأداة مِنْ المعيِّنة (2) لفوقية الذات نحو: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50].
الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة كقوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18، 61].
الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "فيعرجُ الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم" (3).
الرابع: التصريح بالصعود إليه كقوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10].
الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وقوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55].
السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا وشرفًا، كقوله: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ:
__________
(1) فانظرها في "اجتماع الجيوش الإسلامية" (98 - فما بعدها)، و"الصواعق المرسلة" (4/ 1277 - فما بعدها).
(2) في (ن): "المعنية".
(3) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب مواقيت الصلاة): باب فضل صلاة العصر، (2/ 33/ رقم 55)، و (كتاب بدء الخلق): باب ذكر الملائكة، (6/ 306/ رقم 3223)، و (كتاب التوحيد): باب قول اللَّه تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} (13/ 415/ رقم 7429)، وباب كلام الرب مع جبريل ونداء اللَّه الملائكة (13/ 461/ رقم 7486)، ومسلم في "الصحيح": (كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما (1/ 439/ رقم 632) عن أبي هريرة مرفوعًا: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون.
(4/67)

23]، {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} (1) [الشورى: 51].
السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ [الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ] (2)} [الجاثية: 2]، {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]، {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 102] وهذا يدل على شيئين:
• على أن القرآن ظهر منه لا من غيره، وأنه الذي تكلَّم به لا غيره.
• الثاني: على علوه على خلقه وأن كلامه نزل به الروح الأمين من عنده من أعلا مكان إلى رسوله.
الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عندهُ، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206]، وقوله: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19] ففرَّق بين مَنْ له عمومًا ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا، وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه: "إنه عنده على العرش" (3).
التاسع: التصريح بأنه سبحانه في السماء، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين:
• إما أن تكون في بمعنى على.
• وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حمل النص على غيره.
العاشر: التصريح بالاستواء مقرونًا بأداة على مختصًا بالعرش الذي هو أعلا المخلوقات مصاحبًا في الأكثر لأداة "ثم" الدالة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المخاطبون [غيره] (4) من العلو والارتفاع، ولا يحتمل غيره ألبتة.
__________
(1) في المطبوع والمخطوط: "كبير"، والصواب ما أثبتناه.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) رواه البخاري (3149) في (بدء الخلق): باب ما جاء في قول اللَّه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}، و (7404) في (التوحيد): باب قول اللَّه: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}، و (7422) باب: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} و (7453) باب قوله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)}، و (7553 و 7554) باب قول اللَّه تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)}، ومسلم (2751) في (التوبة): باب في سعة رحمة اللَّه، من حديث أبي هريرة.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وقال في الهامش أنه في نسخه: "لعله: المخاطبون منه إلا العلو".
(4/68)

الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى اللَّه سبحانه كقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه يستحيي من عبده إذا رَفعَ إليه يديه أن يردَّهما صِفْرًا" (1).
__________
(1) رواه أبو داود (1488) في (الصلاة): باب الدعاء، والترمذي (3556) في (الدعوات)، وابن ماجه (3865) في (الدعاء): باب رفع اليدين في الدعاء، وابن حبان (876)، والطبراني في "المعجم الكبير" (6148)، وفي "الدعاء" (203)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 497)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (3/ 235 - 236)، وابن عدي في "الكامل" (2/ 562)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (1111)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 211)، وفي "الأسماء والصفات" (رقم 155 و 1014)، وفي "الدعوات الكبير" (رقم 180) كلهم من طرق عن جعفر بن ميمون عن أبي عثمان النهدي عن سلمان مرفوعًا به.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه.
أقول: وجعفر بن ميمون هذا في حديثه ضعف.
وتابعه على رفع الحديث أبو المعلَّى يحيى بن ميمون العطار: رواه من طريقه المحاملي في "أماليه" (رقم 433 - رواية ابن البيّع) والبغوي في "شرح السنة" (1385)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (8/ 317 و 10/ 307).
ويحيى هذا ثقة، وحَسَّن البغوي الحديث.
ورواه سليمان التيمي عن أبي عثمان به، واختلف عنه.
فرواه يزيد بن هارون عنه موقوفًا، رواه من طريقه أحمد (5/ 438)، والحاكم (1/ 497)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (1013)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
ورواه محمد بن الزبرقان عنه مرفوعًا.
رواه من طريقه ابن حبان (880)، والطبراني في "الكبير" (6130)، وفي "الدعاء" (202)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 535)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (111)، والبيهقي في "الدعوات الكبير" (181) كلهم من طرق عنه به مرفوعًا. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ومحمد بن الزبرقان هذا قال فيه الحافظ: صدوق ربما وهم ويزيد بن هارون الذي وقف الحديث على سلمان، هو من الثقات الحفاظ.
وقد وقفه أيضًا معاذ بن معاذ، رواه عن سليمان التيمي به.
رواه من طريقه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (10/ 340)، ومعاذ بن معاذ من الثقات الأثبات.
إذن الراجح في رواية سليمان التيمي الوقف؛ لأن رواتها أوثق.
وقد رواه موقوفًا عن أبي عثمان النهدي عن سلمان، ثابت وحميد وسعيد الجريري، رواه من طريقه البيهقي في "الأسماء والصفات" (156) من طريق حماد بن سلمة عنهم به.
وهؤلاء ثقات مشهورون، لكن حماد إذا جمع بين الشيوخ ربما وهم. =
(4/69)

الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا (1) والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل (2).
الثالث عشر: الإشارة إليه حسًا إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وبما (3) يجب له ويمتنع عليه من أفراخ الجهمية والمعتزلة والفلاسفة في أعظم مَجْمع على وجه الأرض يرفع أصبعه إلى السماء، ويقول: "اللهم اشهد" (4)، ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه.
الرابع عشر: التصريح بلفظ الأين الذي هو عند الجهمية بمنزلة متى في الاستحالة، ولا فرق عندهم بين اللفظين ألبتَّة، فالقائل: "أين اللَّه" و: "متى كان اللَّه" عندهم سواء، كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأعظمهم بيانًا عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلًا [بوجه] (5): "أين اللَّه" (6) في غير موضع.
__________
= ورواه أبو حبيب السلمي -وترجمه البخاري في "الكنى" (ص 24) وابن أبي حاتم (4/ 2/ 359) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا- عن أبي عثمان به، ووقفه، أخرجه عبد الغني المقدسي في "الترغيب في الدعاء" (رقم 18).
إذن: طرق الحديث المرفوعة فيها مقال، ما عدا طريق يحيى بن ميمون العطار أبي المعلى، ولعل الموقوف أصح، أما الحافظ في "الفتح" فجوَّد إسناده (11/ 143).
وفي الباب عن أنس، رواه الحاكم (1/ 497 - 498) من طريق ابن أبي الدنيا، ذكره الحاكم بعد حديث سلمان قائلًا: له شاهد بإسناد صحيح من حديث أنس، وتعقبه الذهبي قائلًا: عامر بن يساف ذو مناكير.
أقول: عامر هذا هو ابن عبد اللَّه بن يساف قال ابن عدي: مع ضعفه يكتب حديثه.
وله طرق أخرى عن أنس كلها واهية.
وفي الباب عن عدد من الصحابة ذكرهم الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 149) وفي حديثهم مقال لكن هذا يجعل للحديث أصلًا، واللَّه أعلم.
(1) سبق تخريجه.
(2) في المطبوع: "أسفل".
(3) في (د): "وما".
(4) هو في "صحيح مسلم" (1218) في (الحج): باب حجة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، من حديث جابر -رضي اللَّه عنه-.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) الحديث رواه عن معاوية بن الحكم السلمي اثنان، ضمن حديث طويل جليل في باب الصفات وفيه إجابة الجارية: "في السماء" وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اعتقها فإنها مؤمنة" على النحو التالي: أولًا: عطاء بن يسار. وعنه هلال بن أبي ميمونة، ورواه عنه ثلاثة:
1 - يحيى بن أبي كثير.
قال الذهبي في: "العلو للعلي العظيم" (16): رواه جماعة من الثقات عن يحيى بن =
(4/70)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن معاوية السلمي.
قلت: وقفت على ثمانية منهم، هم:
الأول: حجاج الصَّوَّاف؛ كما عند ابن أبي شيبة في "الإيمان" مختصرًا (رقم 84)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب المساجد ومواضع الصلاة): (باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحة، 1/ 381 - 382/ رقم 537 بعد 33)، وكتاب السلام، (باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان) (4/ 1749)، وأحمد في "المسند" (5/ 447، 448)، والنسائي في "السنن الكبرى"؛ كما في "تحفة الأشراف" (8/ 427)، وعثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" (رقم: 61)، وأبي داود في "السنن" (كتاب الصلاة): باب تشميت العاطس في الصلاة، (1/ 244/ رقم 930)، و (كتاب الأيمان والنذور): باب في الرقبة المؤمنة، (3/ 230/ رقم 3282)، و (كتاب الطب): باب في الخط وزجر الطير (4/ 16/ رقم 3909)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم 490)، والدارمي في "السنن" (1/ 354 - ولم يسق لفظه-)، وأبي عوانة في "المسند" (2/ 142 - 143)، وابن خزيمة في "الصحيح" (2/ 35 - 36/ رقم 859)، "التوحيد" (ص 122)، وابن حبان في "الصحيح"، (1/ 383 / رقم 165 مختصرًا، 6/ 124/ رقم 2248 - الإحسان)، والطبراني في "المعجم الكبير" (19/ 398 - 399، الأرقام: 938، 943، 947)، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 212)، والبغوي في "شرح السنة" (3/ 237/ رقم 726)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 360 مختصرًا)، ولفظه: ". .، ومنا رجال يخطون. قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه؛ فذاك.
الثاني: الأوزاعي؛ كما عند مسلم في "الصحيح" (1/ 383) -ولم يسق لفظه-، وأشار إليه في (4/ 1749)، وأبي عوانة في "المسند" (2/ 141)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب الصلاة، باب الكلام في الصلاة، 3/ 14 - 18)، وابن حبان في "الصحيح" (6/ 22/ رقم 2247 - الإحسان)، وابن خزيمة في "الصحيح" (2/ 35 - 36/ رقم: 859)، و"التوحيد" (ص 121)، والطبراني في "المعجم الكبير" (19/ 398/ رقم 937 و 941 و 945)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 249)، و"الأسماء والصفات" (421).
وأخرجه من طريقه مختصرًا دونه البخاري في "خلق أفعال العباد" (رقم 193)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 446)، والدارمي في "المسند" (1/ 353)، والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" (84).
الثالث والرابع: حرب بن شداد وأبان بن يزيد العطار؛ كما عند الطيالسي في "المسند" (رقم 1105).
ومن طريقه: البيهقي مختصرًا في "السنن الكبرى" (2/ 250)، و"الأسماء والصفات" (422)، وابن قدامة مختصرًا في "إثبات صفة العلو" (رقم 16).
وأخرجه أبو عوانة في "المسند" (2/ 141 - 142) بسنده إلى أبان والأوزاعي، جميعًا عن يحيى به، وفيه اللفظ المذكور. =
(4/71)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وأخرجه مختصرًا دونه عن أبان وحده به: أحمد في "المسند" (5/ 448)، وعثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" (رقم 60)، و"الرد على بشر المريسي" (ص 95)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم 489)، ومن طريقه الحافظ أبو العلاء ابن العطار في "فتيا وجوابها في ذكر الاعتقاد وذم الاختلاف" (رقم 20)، والطبراني في "المعجم الكبير" (19/ 399/ رقم 939 و 942 و 946)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (رقم 653)، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" (ص 63).
الخامس: هشام الدستوائي؛ كما عند الحربي في "غريب الحديث" (2/ 720)؛ قال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى (هو ابن سعيد القطان) عن هشام به مختصرًا.
السادس: حسين المعلم؛ كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (19/ 401/ رقم 944)، وفيه اللفظ المذكور.
السابع: همام بن يحيى؛ كما عند أحمد في "المسند" (5/ 448)، وفيه اللفظ المذكور.
رواه عن يحيى، لكن بلفظ: ". . . فمن وافق علمه علم".
الثامن: معمر، وعنه عبد الرزاق في "المصنف" (10/ 403/ رقم 19501)، وبإسناده إليه الطبراني في "المعجم الكبير" (19/ 399/ رقم 940)، والبغوي في "شرح السنة" (12/ 181/ رقم 2359).
ورواه آخر عن يحيى وهو من أقرانه، وهو:
التاسع: أيوب السختياني، ولكن عن يحيى عن هلال عن معاوية به، ولم يذكر فيه عطاء بن يسار؛ كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (19/ 402 - 403/ رقم 948) مختصرًا.
وهذا حديث سمعه يحيى من هلال؛ إذ صرح بالتحديث عند أحمد، وابن خزيمة؛ فانتفت شبهة تدليسه، كما صرح كل من هلال بن أبي ميمونة وعطاء بالتحديث عند ابن خزيمة.
2 - فليح بن سليمان:
رواه مختصرًا ولم يرد فيه السؤال المذكور، ولا جواب الجارية: البخاري في "خلق أفعال العباد" (رقم 530)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الصلاة): باب تشميت العاطس في الصلاة (1/ 245/ 931)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 446)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 249).
3 - مالك بن أنس -وذكر فيه السؤال وجواب الجارية- في "الموطأ" (2/ 776 - 777)، وعنه الشافعي في "الرسالة" فقرة: (242)، و"الأم" (5/ 280)، والنسائي في "التفسير" (2/ 255 - 256/ رقم 485)، و"السنن الكبرى" في (السير) و (النعوت)؛ كما في "تحفة الأشراف" (رقم 11378)، وابن خزيمة في "التوحيد" (ص 122)، والخطيب في "الموضح" (1/ 195)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 387). =
(4/72)

الخامس عشر: شهادته التي هي أصدق شهادة عند اللَّه وملائكته وجميع المؤمنين لمن قال: "إن ربه في السماء" بالإيمان، وشهد عليه أفراخ جهم بالكفر، وصَرح الشافعي -رضي اللَّه عنه- بأن هذا الذي وَصَفَته من أن ربها في السماء إيمان فقال في كتابه في (باب عتق الرقبة المؤمنة) وذَكَر حديث الأمة السوداء التي سوَّدت وجوه الجهمية وبيَّضت وجوه المحمدية: "فلمَّا وَصَفَت الإيمان قال: "اعتقها فإنها مؤمنة" (1) وهي إنما وصفت كون ربها في السماء، وأن محمدًا عبده ورسوله؛
__________
= ولكن قال مالك في روايته في اسم الصحابي: (عمر بن الحكم)؛ فتعقبه الشافعي؛ فقال في "الرسالة" (ص 76): "وهو معاوية بن الحكم، وكذلك رواه غير مالك، وأظن مالكًا لم يحفظ اسمه".
قلت: رواه عن مالك على الصواب يحيى بن يحيى التميمي؛ وعنه عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" (رقم 62)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 387)، وقال: "ورواه يحيى بن يحيى عن مالك مجودًا".
وانظر -غير مأمور-: "الجوهر النقي"، وشروح "الموطأ"، و"تحفة الأشراف" (رقم 11378)، وترجمة (معاوية بن الحكم) من "تهذيب الكمال" ومختصراته؛ ففيها كلام تفصيلي بخصوص هذا الشأن.
ثانيًا: أبو سلمة بن عبد الرحمن:
وعنه الزهري، وعنه جماعة؛ كما عند مسلم في "الصحيح" (كتاب السلام): باب تحريم الكهانة (4/ 1748 - 1749/ رقم 537 بعد 121)، وعبد الرزاق في "المصنف" (10/ 402/ رقم 19500)، وأحمد في "المسند" (3/ 443 و 5/ 447، 447 - 448، 449)، والطيالسي في "المسند" (رقم 1104)، والطبراني في "المعجم الكبير" (19/ 396 - 397/ رقم 933 - 936).
والحديث صحيح، وقد شكك بعضهم في سؤال النبي - صلى اللَّه عليه وسلم الجارية، وجوابها، وإقراره -صلى اللَّه عليه وسلم- لها، بقولهم تارة: إن الحديث مضطرب، وبقولهم أخرى: إنها زيدت فيما بعد في "صحيح مسلم"!
ومن زعم الاختلاف في متنه؛ فلم يصب لأنه احتج لما ذهب إليه بروايات أحسن مراتبها الضعف على أنها عند التحقيق لا تعد اختلافًا، وإنما أراد بعض أهل البدع التعلق بهذا لإبطال دلالة هذا الحديث على اعتقاد أهل السنة من أن اللَّه فوق خلقه، وكذلك تشكيك بعض أهل الزيغ في ثبوت هذا الحديث في "صحيح مسلم" هو أوهى من بيت العنكبوت، لمن علم وَفَهِمَ وأنصف، وشبهات أهل البدع لم تسلم منها آيات الكتاب، فكيف تسلم منها السنن؟!
ومن الجدير بالذكر أن الذهبي محمد هذا الحديث في "العلو للعلي العظيم" (16) من الأحاديث المتواترة الواردة في العلو، وذكر طرفًا منه، وقال: "هذا حديث صحيح".
(1) قطعة من الحديث السابق، وكلام الشافعي في "الأم" (5/ 266 - 267)، وعنه البيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 394 - 395).
(4/73)

فقَرَنَت بينهما في الذكر؛ فجعل الصادق المصدوق مجموعهما هو الإيمان.
السادس عشر: إخباره سبحانه عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطَّلع إلى إله موسى فيكذبه فيما أخبر به من أنه سبحانه فوق السماوات، فقال: {يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 36 - 37] فكذَب فرعون موسى في إخباره إياه بأن ربه فوق السماء، وعند الجهمية لا فَرق بين الإخبار بذلك وبين الإخبار بأنه يأكل ويشرب؛ وعلى زعمهم يكون فرعون قد نزه الرب عما لا يليق به وكذب موسى في إخباره بذلك؛ إذ من (1) قال عندهم: إن ربه فوق السماوات فهو كاذب؛ فهم في هذا التكذيب موافقون لفرعون مخالفون لموسى ولجميع الأنبياء، ولذلك سمَّاهم أئمة السنة: "فرعونية" قالوا: وهم شرٌّ من الجهمية؛ فإن الجهمية تقول (2): إن اللَّه في كل مكان بذاته، وهؤلاء عطلوه بالكلية، وأوقعوا عليه الوصف المطابق للعدم المحض، فأي طائفة من طوائف بني آدم أثبتت الصانع على أي وجه؛ كان قولهم (3) خيرًا من قولهم.
السابع عشر: إخباره -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه تردَّد بين موسى وبين اللَّه تعالى ويقول له موسى: ارجع إلى ربك فسله [التخفيف] (4)، فيرجع إليه ثم ينزل إلى موسى فيأمره بالرجوع إليه سبحانه، فيصعد إليه سبحانه ثم ينزل من عنده إلى موسى، عدة مرار (5).
الثامن عشر: إخباره تعالى عن نفسه وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عيانًا جهرةً كرؤية الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البَدْر (6) والذي تفهمه الأمم على
__________
(1) في (ق): "ومن".
(2) في المطبوع: "يقولون".
(3) في (ق): "قوله".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) رواه البخاري (3207) في (بدء الخلق): باب ذكر الملائكة، و (3887) في "مناقب الأنصار": باب المعراج، ومسلم (164) في (الإيمان): باب الإسراء برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى السماوات، من حديث أنس بن مالك عن صعصعة بن مالك.
ورواه البخاري (349)، و (1636)، و (3342)، ومسلم (163)، من حديث أنس عن أبي ذر.
ورواه البخاري (7517) في (التوحيد)، ومسلم (162) من حديث أنس نفسه.
(6) رواه البخاري (806): (كتاب الأذان) باب فضل السجود، و (3437) (كتاب التوحيد): باب قول اللَّه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22)}، ومسلم (182) (كتاب الإيمان): باب معرفة طريق الرؤية، من حديث أبي هريرة.
(4/74)

اختلاف لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المُقابلة والمواجهة التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة (1) محدودة غير مُفرطة في البعد فتمتنع الرؤية ولا (2) في القرب فلا تمكن الرؤية، لا تعقل الأمة (3) غير هذا، فإما أن يروه سبحانه من تحتهم -تعالى اللَّه-، أو مِنْ خَلفهم أو من أمامهم أو عن أيْمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم، ولا بد من قسم من هذه الأقسام إن كانت الرؤية حقًا، وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم كما في حديث جابر الذي في "المسند" وغيره: "بينا أهل الجنة في نَعيمهم إذ سَطَع لهم نورٌ، فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبَّار قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلامٌ عليكم" ثم قرأ قوله: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58]، ثم يتوارى عنهم، وتبقى رحمتُه وبركتُه عليهم في ديارهم" (4) ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية، ولهذا طرد الجهمية أصلهم وصَرَّحوا بذلك، ورَكِبوا النَّفيين معًا، وصدَّق أهل السنة بالأمرين معًا وأقرّوا بهما، وصار من أثبت الرؤية ونفى علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه مذبذبًا بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
فهذه أنواع من الأدلة السمعية المحكمة إذا بُسطت أفرادُها كانت ألفَ دليلٍ على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه؛ فترك الجهمية ذلك كله وردوه بالمتشابه من قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] ورده زعيمهم المتأخر بقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] وبقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].
__________
(1) في (ك): "مشافهة".
(2) في (ق): "من لا" وفوق من: "كذا".
(3) في المطبوع: "الأمم".
(4) رواه ابْنِ ماجه (184) في (المقدمة): باب فيما أنكرت الجهمية، وأبو نعيم في "الحلية" (6/ 208 - 209)، وفي "صفة الجنة" (رقم 91)، والبيهقي في "البعث والنشور" (رقم 448)، والآجري في "الشريعة" (ص 267 - ط القديمة و 2/ 1027 - 1028 رقم 615 - ط دار الوطن) و"الفوائد المنتخبة عن أبي شعيب" (ق 4) وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم 97) وأبو بكر الدينوري في "المجالسة" (5/ 362 - 363 رقم 2223)، والدارقطني في "الرؤية" (51)، وابن عدي (6/ 2039)، والعقيلي (2/ 274 - 275)، وابن أبي حاتم؛ كما في "تفسير ابن كثير" (3/ 583)، والبزار (2253) والبيهقي في "البعث والنشور" (رقم 448) وابن بلبان في "المقاصد السنية" (ص 374 - 375) واللالكائي في "السنة" (رقم 836)، كلهم من طرق عن أبي عاصم العَبَّاداني عبد اللَّه بن عبيد اللَّه عن الفضل الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعًا به. =
(4/75)

ثم ردّوا تلك الأنواع كلها متشابهة، فسلَّطوا المتشابه على المحكم وردوه به، ثم ردوا المحكم متشابهًا؛ فتارة يحتجون به على الباطل وتارة يدفعون به الحق، ومن له أدنى بصيرة يعلم أنه لا شيء في النصوص أظهر ولا أبين مرادًا (1) من مضمون هذه النصوص فإذا كانت متشابهة فالشريعة كلها متشابهة، وليس فيها شيء محكم ألبتَّة، ولازم هذا القول لزومًا لا محيدَ عنه أن ترك الناس بدونها خير له من إنزالها إليهم، فإنها أَوْهمتهم وأفهمتهم غيرَ المراد، وأوقعتهم في اعتقاد الباطل ولم يتبين (2) لهم ما هو الحق في نفسه، بل أُحيلوا فيه على ما يستخرجونه بعقولِهِم وأفكارهم ومقاييسهم؛ فنسأل [للَّه] (3) مثبِّت القلوب تبارك وتعالى أن يثبت قلوبنا على دينه وما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ إنه قريبٌ مجيب.
__________
= قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ومدار طرقه كلها على الفضل بن عيسى الرقاشي، قال يحيى: كان رجل سوء، وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 68): هذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن عيسى.
ونحوه قال الهيثمي في "المجمع" (7/ 98) بعد أن عزاه للبزار!! مع أنه في "سنن ابن ماجه" بلفظه. وضعفه الذهبي في "العلو" (رقم 99)، ونسبه ابن كثير للضياء المقدسي.
قلت: الحديث له علتان:
الأولى: عبد اللَّه بن عبيد اللَّه أبو عاصم، قال فيه العقيلي: لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به.
وقال الذهبي في "الميزان": واهٍ، واعظ زاهد إلا أنه قدري.
الثانية: الفضل الرقاشي، قال فيه ابن عيينة: ليس أهلًا أن يروى عنه وقال سلام بن أبي مطيع: لو أن فضلًا ولد أخرس كان خيرًا له. وكان شعبة يشبهه بأبان بن أبي عياش، وقال ابن عدي: والضعف بَيّن على حديثه.
أقول: فمثله ضعيفٌ جدًا على أقل حال، ولم أظفر بالحديث في "مسند أحمد" ولا في "أطرافه" ولا في "إتحاف المهرة" ولا عزاه له الهيثمي في "المجمع" وأخشى أن يكون عزو المصنف له وهمًا!!
وقد استدرك السيوطي على ابن الجوزي، فساق له في "اللآلئ المصنوعة" (2/ 461) شاهدًا من حديث أبي هريرة عزاه لابن النجار في "تاريخه".
أقول: وفيه سليمان بن أبي كريمة قال فيه ابن عدي (3/ 1112): وعامة أحاديثه مناكير، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا.
وانظر -غير مأمور-: "التعقبات على الموضوعات" (برقم 281 - بتحقيقي).
(1) في المطبوع: "دلالة".
(2) في (ق) و (ك): "ولم يبين".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4/76)

[رد النصوص في مدح الصحابة، ورد الخوارج النصوص في موالاة المؤمنين]
المثال الثالث عشر: ردَّ الرافضة النصوص الصحيحة الصريحة المحكمة المعلومة عند خاص الأمة وعامتها بالضرورة في مدح الصحابة -رضي اللَّه عنهم- والثناء عليهم ورضاء اللَّه عنهم ومغفرته لهم وتجاوزه عن سيئاتهم ووجوب محبة الأمة واتباعهم لهم واستغفارهم لهم واقتدائهم بهم بالمتشابه من قوله: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعض" (1) ونحوه.
كما ردوا المحكم الصريح من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم، كفعل إخوانهم من الخوارج حين ردّوا النصوص الصحيحة المحكمة في موالاة المؤمنين ومحبتهم وإن ارتكبوا بعضَ الذُّنوب التي تقع مكفَّرة بالتوبة النصوح، والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المُكفِّرة، ودعاء المسلمين لهم في حياتهم وبعد موتهم، وبالامتحان في البَرْزخ وفي موقف القيامة، وبشفاعة من يأذن اللَّه [له بالشفاعة] (2)، وبصدق التوحيد، وبرحمة أرحم الراحمين؛ فهذه عشرة أسباب (3) تمحقُ (4) أَثَر الذنوب، فإن عَجِزت هذه الأسباب عنها فلا بد من دخول النار، ثم يخرجون منها؛ فتركوا ذلك كله بالمتشابه من نصوص الوعيد، ورد المحكم من (5) أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم التي (6) يحتمل أن يكونوا قصدوا بها طاعة اللَّه فاجتهدوا فأدَّاهم اجتهادهم إلى ذلك فحصلوا فيه على الأجر المفرد، وكان حظ أعدائهم منه تكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم،
__________
(1) رواه البخاري (4403) في (المغازي): باب حجة الوداع، و (6166) في (الأدب): باب قول الرجل: ويلك، و (6785) في (الحدود): باب ظهر المؤمن حمى، و (6868) في (الديات): باب قول اللَّه تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا. . .} و (7077) في (الفتن): باب "لا ترجعوا بعدي كفارًا"، ومسلم (66) في "الإيمان": باب معنى قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا ترجعوا بعدي كفارًا"، من حديث ابن عمر.
وفي الباب عن جماعة من الصحابة.
(2) في (ق) و (ك): "في الشفاعة له".
(3) ذكرها مفصّلةَ مدللّةً شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية" (6/ 205 - 239) و"مجموع الفناوى" (7/ 487 - 501) وأجملها في "مجموع الفتاوى" (4/ 432).
(4) في (ق) و (ك): "تمحوا".
(5) في (ق)، و (ن) و (ك): "إلى"، وقال في هامش (ق): "لعله: وردوا المحكم من أفعالهم".
(6) في (ق) و (ك): "الذي".
(4/77)

وإن لم يكونوا قصدوا ذلك كان غايتهم أن يكونوا قد أذنبوا، ولهم من الحسنات والتوبة وغيرها ما يرفع موجب الذنب، فاشتركوا هم والرَّافضة في رد المحكم من النصوص وأفعال المؤمنين بالمتشابه منها؛ فكفَّروهم وخَرَجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان، ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على المُحكم، وتقديم الرأي على الشرع والهوى على الهدى، وباللَّه التوفيق.

[رد نصوص وجوب الطمأنينة في الصلاة]
المثال الرابع عشر: رد المحكم الصريح الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا من وجوب الطمأنينة وتوقف إجزاء الصلاة وصحتها عليه، كقوله: "لا تُجزئ صلاة لا يقيمُ الرجل فيها صُلْبَه من ركوعه وسجوده" (1)، وقوله لمن تركها: "صلِّ فإنك لم تصلِّ" (2)، وقوله: "ثم اركع حتى تطمئنّ راكعًا" (3) فنفى إجزاءها بدون الطمأنينة ونفى مُسمَّاها الشرعي بدونها وأمر بالإتيان بها، فرد هذا المحكم الصريح بالمتشابه من قوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} (4) [الحج: 77].

[رد نصوص تعيين التكبير في الصلاة]
المثال الخامس عشر: رد المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول (5) في الصلاة بقوله: "إذا قصت إلى الصلاة فكَبِّر" (3)، وقوله: "تحريمها التكبير" (6)،
__________
(1) رواه أحمد (4/ 119 و 122)، وأبو داود (855) في (الصلاة): باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، والترمذي (265) في (الصلاة): باب ما جاء فيمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، والنسائي (2/ 183) في (الافتتاح): باب إقامة الصلب في الركوع، و (2/ 214) باب إقامة الصلب في السجود، وابن ماجه (870) في (الإقامة): باب الركوع في الصلاة، والحميدي (454)، وعبد الرزاق (2856)، والطيالسي (613)، والدارمي (1/ 304)، وابن خزيمة (591 و 592 و 666)، وابن الجارود (195)، والطبراني في "الكبير" (17/ 578 - 585)، والدارقطني (1/ 348)، والبيهقي (2/ 88)، من حديث أبي مسعود البدري وهو حديث صحيح.
(2) هذا في حديث المسيء صلاته رواه البخاري (757) و (793) و (6251) و (6252) و (6667) ومسلم (397) من حديث أبي هريرة.
(3) هو في حديث المسيء صلاته الذي مضى تخريجه قبل حديث.
(4) انظر: "كتاب الصلاة" (ص: 87) وما بعدها، و"مدارج السالكين" (3/ 512 - 520).
(5) في (ك): "بالدخول".
(6) ورد من حديث علي وأبي سعيد وعبد اللَّه بن زيد وابن عباس: =
(4/78)

وقوله: "لا يقبل اللَّهُ صلاةَ أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلَة ويقول: اللَّه أكبر" (1) وهي نصوص في غاية الصحة فردَّت بالمتشابه من قوله:
__________
= أما حديث علي: فرواه أحمد في "مسنده" (1/ 123 و 179)، والشافعي (1/ 70)، وعبد الرزاق في "المصنف" (2539)، والدارمي (1/ 175)، وأبو داود (61) في (الطهارة): باب فرض الوضوء، و (618) في (الصلاة): باب الإمام يحدث بعدما يرفع رأسه من آخر الركعة، والترمذي (3) في (الطهارة): باب مفتاح الصلاة الطهور، وابن ماجه (275) في (الطهارة): باب مفتاح الصلاة الطهور، والبزار (633)، وأبو يعلى (616)، وابن عدي في "الكامل" (4/ 1448 و 6/ 2405)، والدارقطني (1/ 360 و 379)، والطحاوي في "معاني الآثار" (1/ 273)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (10/ 197)، وأبو نعيم في "الحلية" (8/ 372)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (2/ 15 و 173 و 253 - 254 و 379) من طرق عن سفيان الثوري عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي مرفوعًا به وأوله: "مفتاح الصلاة الطهور".
وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في الباب وأحسن.
قال ابن حجر في "الفتح" (2/ 322): إسناده صحيح.
أقول: عبد اللَّه بن محمد بن عقيل لا يرتقي حديثه عن درجة الحسن، إلا أن الحديث روي مرسلًا، فقد عزاه ابن دقيق العيد في "الإمام"؛ كما في " نصب الراية" (1/ 307) للطبراني والبيهقي من طريق أبي نعيم عن سفيان عن ابن عقيل عن ابن الحنفية عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلًا.
أقول: وهذا لا يُعل رواية الثقات عن سفيان.
حديث أبي سعيد:
رواه الترمذي (238) في (الصلاة): باب تحريم الصلاة وتحليلبها، وابن ماجه (276)، وابن أبي شيبة (1/ 229)، والدارقطني (1/ 366)، والعقيلي (2/ 229)، والبيهقي (2/ 85 و 380)، والحاكم (1/ 132) من طريق طريق بن شهاب عن أبى سفيان السعدي عن أبي نضرة عنه مرفوعًا عنه.
وقال الترمذي: حديث علي أجود إسنادًا، أو أصح من حديث أبي سعيد.
وصححه الحاكم على شرط مسلم!!
وضعفه العقيلي بأبي سفيان السعدي، ونقل تضعيفه عن أحمد وابن معين، وضعفه ابن حجر في "التلخيص" (1/ 216).
وانظر باقي الطرق في "نصب الراية" (1/ 308)، و"التلخيص" (1/ 216).
(1) أقرب لفظ لهذا الحديث: رواه الطبراني في "معجمه الكبير": (4526) حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا حجاج حدثنا حماد (بن سلمة) حدثنا إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة عن علي بن يحيى بن خلاد عن عمِّه (رفاعة بن رافع). . . فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يقول: اللَّه أكبر"، ورواه الحاكم (1/ 242) من طريق عفان عن حماد ولم يسق لفظه، وهذا إسناد رجاله ثقات، لكن أخشى أن يكون علي بن يحيى لم يسمع من عَمِّ أبيه رفاعة، فإن عليًا مات سنة =
(4/79)

{وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} (1) [الأعلى: 15].

[رد نصوص تعيين فاتحة الكتاب]
المثال السادس عشر: رد النصوص المحكمة الصحيحة الصريحة في تعيين قراءة فاتحة الكتاب فَرْضًا (2) بالمتشابه من قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20]،
__________
= (129) ورفاعة مات في أول خلافة معاولة، بل أكاد أجزم أنه لم يسمع منه، ونقل الحاكم عن البخاري في "التاريخ الكبير" أن حماد بن سلمة لم يُقمه. وقال أبو حاتم في "العلل" (1/ 82): "وهم حماد بن سلمة".
واعلم أن حديث رفاعة هذا هو في المسيء صلاته، وقد وردت العبارة هذه بنحوها في بعض طرقه، وقد اختلفت الروايات فبعضها تقول: عن علي عن رفاعة، وبعضها: عن علي بن يحيى عن أبيه عن عَمِّه.
فقد رواه أبو داود (858 و 859 و 860) في (الصلاة): باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، والنسائي (2/ 193) في (الافتتاح): باب الرخصة في ترك الذكر في الركوع و (3/ 225) باب الرخصة في ترك الذكر السجود، وابن الجارود (194)، والدارقطني (1/ 96)، والحاكم (2/ 242)، والطبراني في "الكبير" (4520 و 4521 و 4522 و 4523 و 4524 و 4525 و 4528). من طرق عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع عن أبيه عن عمّه رفاعة.
وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
ورواه أبو داود (861)، وابن خزيمة (545)، والطبراني (4527)، والحاكم (1/ 243)، والبيهقي (2/ 380)، والترمذي (302) من طريق إسماعيل بن جعفر، وسعيد بن أبي هلال عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن جده عن رفاعة.
هذا نفس الطريق السابق. والمقصود بجده عم أبيه المذكور هناك.
ورواه أبو داود (857) من طريق إسحاق، وأحمد (4/ 340)، والطبراني (4529) من طريق محمد بن عمرو، والطبراني (4530) من طريق عبد اللَّه بن عون ثلاثتهم عن علي عن رفاعة، وهذا منقطع بلا شك.
قال أبو حاتم في "العلل" (1/ 82): والصحيح عن أبيه عن عمّه عن رفاعة.
قال البيهقي (2/ 373): والصحيح رواية من تقدم (أي عن أبيه عن عمّه عن رفاعة) وافقهم إسماعيل بن جعفر عن يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن جده رفاعة، وقصر بعض الرواة عن إسماعيل بنسب يحيى، وبعضهم بإسناده فالقول قول من حفظ.
(1) انظر: "بدائع الفوائد" (2/ 195 - 196)، و"زاد المعاد" (1/ 51)، و"تهذيب السنن" (1/ 49 - 50) مهم.
(2) أخرج البخاري في "صحيحه" (كتاب الأذان): باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها (2/ 236 - 237/ رقم 756)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الصلاة): باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (1/ 295/ رقم 394) عن عبادة بن الصامت مرفوعًا، ولفظه: "لا صلاة لمن لم يقم بفاتحة الكتاب".
(4/80)

وليس ذلك في الصلاة، وإنما هو بدل عن قيام الليل (1)، وبقوله [للأعرابي] (2): "ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن" (3) وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة وأن يكون الأعرابي لا يحسنها، وأن يكون لم يسئ في قراءتها، فأمره أن يقرأ معها ما تيسر من القرآن، وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها؛ فهو متشابه يحتمل هذه الوجوه فلا يترك له المحكم الصريح (4).

[رد نصوص وجوب التسليم]
المثال السابع عشر: رد المحكم الصريح من توقف الخروج من الصلاة على التسليم كما في قوله: "تحليلها التسليم" (5)، وقوله: "إنما يكفي أحدكم أن يُسلِّم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله: السلامُ عليكم ورحمة اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه" (6) فأخبر أنه لا يكفي غير ذلك فرد بالمتشابه من قول ابن مسعود: "فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك" (7) وبالمتشابه من عدم أمره للأعرابي بالسلام.

[رد نصوص وجوب النية]
المثال الثامن عشر: رد المحكم الصريح في اشتراط النية لعبادة الوضوء والغسل كما في قوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [حُنَفَاءَ] (8)} [البينة:
__________
(1) قال في هامش (ق): "لعله: وإنما هو في قيام الليل".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(3) هو في حديث المسيء صلاته الذي مضى تخريجه.
(4) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 94).
(5) سبق تخريجه قريبًا.
(6) رواه مسلم (431) في (الصلاة)؛ باب الأمر بالسكون في الصلاة، من حديث جابر بن سمرة لكن عنده: "إنما يكفي أحدكم. . . ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله" هكذا مختصرًا.
ورواه الشافعي في "مسنده" (1/ 98)، وعبد الرزاق (3135)، والحميدي (896)، وأحمد (5/ 86 و 88 و 102 و 107)، وأبو داود في (الصلاة) (998 و 999): باب في السلام، والنسائي (3/ 4 - 5) في (السهو): باب السلام بالأيدي في الصلاة، وابن خزيمة (733)، وابن حبان (1880 و 1881)، والطبراني في "الكبير" (1837)، والبغوي (699) من طرق عن مِسْعر عن عبيد اللَّه بن القبطية عن جابر مرفوعًا مطولًا باللفظ الذي ذكره ابن القيم، ومختصرًا كلفظ مسلم وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وما بين المعقوفتين سقط من (د).
(7) سبق تخريجه.
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4/81)

5]، وقوله: "وإنما لامرئ ما نوى" (1) وهذا لم ينو رفع الحَدَث فلا يكون له بالنص؛ فردوا هذا بالمتشابه من قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] ولم يأمر بالنية، قالوا: فلو أوجبناها بالسنة لكان زيادة على نص القرآن فيكون نسخًا، والسنة لا تنسخ القرآن؛ فهذه ثلاث مقدمات:
إحداها: أن القرآن لم يوجب النية.
الثانية: أن إيجاب السنة لها نسخ للقرآن.
الثالثة: أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز.
وبنوا على هذه المقدمات إسقاط كثير مما صَرَّحت السنة بإيجابه كقراءة الفاتحة والطمأنينة وتعيين التكبير للدخول في الصلاة والتسليم للخروج منها.
ولا يُتصوَّر صِدْق المقدِّمات الثلاث (2) في موضع واحد أصلًا، بل إما أن تكون كلها كاذبة أو بعضه؛ فأما آية الوضوء فالقرآن قد نبَّه على أنه لم يكتف من طاعات عباده إلا بما أخلصوا له فيه الدين، فمن لم ينو التقرب إليه جملة لم يكن ما أتى به طاعة ألبتة؛ فلا يكون معتدًا به (2)، مع أن قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] إنما يَفهم المخاطب منه غسل الوجه وما بعده لأجل الصلاة كما يفهم من قوله: "إذا واجهت الأمير فترجل، وإذا دخل الشتاء فاشتر الفرو" (3) ونحو (4) ذلك؛ فإن لم يكن القرآن قد دل على النية ودلت عليها السنة لم يكن وجوبها ناسخًا للقرآن وإن كان زائدًا عليه، ولو كان كل ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخًا له لبطلت أكثر سنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ودفع في صدورها
__________
(1) أخرجه البخاري في "صحيحه" في مواطن كثيرة، منها: (كتاب بدء الوحي) باب كيف كان بدء الوحي (1/ 9/ رقم 1)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الإمارة): باب قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات" (3/ 1515/ رقم 1907)، والترمذي في "الجامع" (أبواب فضائل الجهاد): باب ما جاء فيمن يقاتل رياء (4/ 179/ رقم 1647)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الطلاق): باب فيمن عني به الطلاق والنيات (2/ 651/ رقم 2201)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب الطهارة): باب النية في الوضوء (1/ 58)، وابن ماجه في "السنن" (كتاب الزهد): باب النية (2/ 1413/ رقم 4227)، وأحمد في "المسند" (1/ 25، 43) من حديث عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، ولم يصح إلا من حديثه.
ووقع في (ن): "وإنما لكل امرئ ما نوى".
(2) سقطت من (ك) و (ق).
(3) في (ن) و (ق): "فاشتروا الفرو"!.
(4) في (ك): "أو نحو".
(4/82)

وإعجازها، وقال القائل: هذه زيادة على ما في كتاب اللَّه فلا تُقبل ولا يعمل بها، وهذا بعينه هو الذي أخبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه سيقع وحَذَّر منه كما في "السنن" من حديث المِقدام بن مَعْديكرب عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ شبعانَ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما (1) وجدتم فيه من حلالٍ فأحلوه وما وجدتم فيه من حَرَام فحرِّموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة مال المعاهد" وفي لفظ: "يوشك أن يقعد الرجل (2) على أريكته فَيُحَدَّثُ بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب اللَّه، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حَرَّمناه، وإن ما حَرَّم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كما حرم اللَّه" (3).
__________
(1) في (ق): "ما".
(2) زاد هنا في (ك) و (ق): "منكم".
(3) اللفظ الأول: أخرجه أبو داود في "السنن" (كتاب السنة): باب في لزوم السنة (4/ 200/ رقم 4604)، وأحمد في "المسند" (4/ 130 - 131)، والآجري في "الشريعة" (ص 51)، وابن نصر المروزي في "السنة" ص (116) والطبراني في "الكبير" (20/ رقم 670)، والبيهقي في "الدلائل" (6/ 549)، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/ 89)، وفي "الكفاية" (ص 9)، والحازمي في "الاعتبار" (ص 7)، وابن عبد البر في "التمهيد" (1/ 149 - 150)، والهروي في "ذم الكلام" (73) من طريق حريز بن عثمان عن عبد اللَّه بن أبي أوفى الجُرَشي عن المقدام بن معديكرب مرفوعًا، وإسناده صحيح.
وتابع حريزًا مروان بن رؤبة التغلبي؛ كما عند أبي داود في "السنن" (كتاب الأطعمة): باب النهي عن أكل السباع (3/ 355/ رقم 3804 - مختصرًا)، والدارقطني في "السنن" (4/ 287)، وابن حبان في "الصحيح" (رقم 97 - موارد)، وابن نصر المروزي في "السنة" (ص 116)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 89)، ابن رؤبة مقبول، وقد توبع.
أما اللفظ الثاني: فقد أخرجه الترمذي في "الجامع" (أبواب العلم): باب ما نُهي عنه أن يقال عند حديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (5/ 38/ رقم 2664)، وابن ماجه في "السنن" (المقدمة): باب تعظيم حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والتغليظ على من عارضه (1/ 6/ رقم 12)، وأحمد في "المسند" (4/ 130 - 131)، والدارمي في "السنن" (1/ 144)، والدارقطني في "السنن" (4/ 286)، والبيهقي في "الكبرى" (7/ 76)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 88)، و"الكفاية" (8 - 9)، وابن عبد البر في "الجامع" (رقم 2343)، والحازمي في "الاعتبار" (ص 245)، والسمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء" (ص 3)، والهروي في "ذم الكلام" (ص 72) من طريق معاوية بن صالح عن الحسن بن جابر عن المقدام بن معديكرب، وذكره.
والحسن بن جابر وثقه ابن حبان، وقال ابن حجر في "التقريب": "مقبول"، وفي الباب عن جماعة آخرين منها: =
(4/83)

قال الترمذي: حديث حسن، وقال البيهقي: إسناده صحيح، وقال صالح بن موسى، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إني قد خَلَّفتُ فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب اللَّه وسنتي، ولن يفترقا حتى يَردا عليَّ الحَوْض" (1) فلا يجوز التفريق بين ما جَمع اللَّه بينهما ويُرد أحدهما بالآخر، بل سكوته (2) عما نطق به ولا يمكن أحدًا يطرد ذلك ولا الذين أصَّلوا هذا الأصْلَ، بل قد نقضوه في أكثر من ثلاث مئة موضع منها ما هو مجمع عليه، ومنها ما هو مختلف فيه.

[السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه]
والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه؛ فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها.
الثاني: أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له.
الثالث: أن تكون مُوجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو مُحرِّمة لما سكت عن تحريمه، ولا تخرج عن هذه الأقسام، فلا تُعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها (3) زائدًا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تجبُ طاعتُه فيه، ولا تحلُّ
__________
= ما أخرجه الحميدي في "المسند" (551)، ومن طريقه الحاكم في "المستدرك" (1/ 108 - 109)، والهروي في "ذم الكلام" (ص 71)، وابن عبد البر في "الجامع" (رقم 2341)، عن ابن المنكدر مرسلًا. وانظر سائر ما ورد في الباب في مجلتنا "الأصالة" (عدد 13 ص 102 - 116).
(1) رواه ابن عدي في "الكامل" (4/ 1386 - 1387)، والدارقطني في "سننه" (4/ 245)، والحاكم (1/ 93)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (2/ 250 - 251)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 94)، والبيهقي في "سننه" (10/ 114)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (رقم 89 و 90)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم 601) كلهم من طرق عن صالح بن موسى به.
وهذا إسناد ضعيف جدًا، صالح بن موسى الطلحي هذا قال ابن معين: ليس بشيء ولا يكتب حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدًا عن الثقات، وقال ابن عدي! عامّة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد.
وصح نحوه كما تقدم.
(2) في (ق) و (ك): "بين مسكوتة".
(3) في (ن): "فكان منها"!.
(4/84)

معصيته، وليس هذا تقديمًا لها على كتاب اللَّه، بل امتثال لما أمر اللَّه به من طاعة رسوله، ولو كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يُطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق (1) القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة [خاصة] (2) تختص به، وقد قال اللَّه تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] وكيف يمكن أحدًا من أهل العلم أن لا يقبل حديثًا زائدًا على كتاب اللَّه؛ فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عَمَّتها ولا على خالتها (3)، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يَحرُم من النَّسب (4)، ولا حديث خِيار الشَّرط (5)، ولا أحاديث الشفعة (6)، ولا حديث الرهن في الحضر (7) مع أنه زائد على ما في القرآن، ولا حديث ميراث الجَدَّة (8)، ولا حديث تخيير
__________
(1) في (ك): "يوافق".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) رواه البخاري (5109 و 5110) في (النكاح): باب لا تنكح المرأة على عمتها، ومسلم (1408) في (النكاح): باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، من حديث أبي هريرة، ورواه البخاري (5108) من حديث جابر.
(4) رواه البخاري (2645) في (الشهادات): باب الشهادة على الأنساب، و (5100) في (النكاح): باب {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ}، يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، ومسلم (1447) في (الرضاع): باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، من حديث ابن عباس.
ورواه البخاري (2646) في (الشهادات)، و (3105) في (فرض الخمس): باب ما جاء في بيوت أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، و (5099)، ومسلم (1444) في (الرضاع): باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة، من حديث عائشة.
(5) رواه البخاري (2107) في (البيوع): باب كم يجوز الخيار، و (2109) باب إذا لم يوقت الخيار هل يجوز البيع، و (2111) باب "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"، و (2112) باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع، و (2113) باب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع، ومسلم (1531) في (الببوع): باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، من حديث ابن عمر.
(6) أحاديث الشفعة تقدم عدد كبير منها، واللَّه الموفق.
(7) أحاديث الرهن في الحضر كثيرة منها:
حديث أنس بن مالك: رواه البخاري (2069) في (البيوع): باب شراء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالنسيئة، و (2508) في (الرهن): باب الرهن في الحضر، ولفظه: "ولقد رهن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- درعًا له بالمدينة عند يهودي، وأخذ منه شعيرًا لأهله".
وحديث عائشة: رواه البخاري (2068)، وأطرافه كثيرة هناك، ومسلم (1603) في (المساقاة): باب الرهن وجوازه في الحضر والسفر.
(8) سبق تخريجه.
(4/85)

الأمة إذا أعتقت تحت زوجها (1)، ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة (2)، ولا حديث وجوب الكفارة على مَنْ جامع في نهار رمضان (3)، ولا أحاديث إحداد المتوفى عنها زوجها (4) مع زيادتها على ما في القرآن من العدة، فهلَّا قلتم: إنها نَسْخٌ للقرآن وهو لا يُنسخ بالسنة، وكيف أوجبتم الوتر مع أنه زيادة محضة على القرآن بخبر مختلفٍ فيه؟ وكيف زدتم على كتاب اللَّه فجوزتم الوضوء بنبيذ التَّمر بخبرٍ ضعيف؟ (5) وكيف زدتم على كتاب اللَّه فشرطتم في الصداق أن يكون أقله عشرة دراهم بخبر لا يصح ألبتَّة (6) وهو زيادة محضة على القرآن؟ وقد أخذ الناس بحديث: "لا يرث المسلمُ الكافِرَ ولا الكافر المسلم" (7)
__________
(1) هو في حديث بريدة: رواه البخاري (456) في (الصلاة: باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد، وأطرافه كثيرة جدًا تنظر هناك، ومسلم (1504 بعد 9) و (10)، و (11) في (العتق): باب إنما الولاء لمن أعتق، من حديث عائشة.
(2) رواه البخاري في "صحيحه" (304) في (الحيض): باب ترك الحائض الصوم، و (1951) في (الصوم): باب الحائض تترك الصوم والصلاة، من حديث أبي سعيد الخدري وهو قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ ".
ورواه مسلم (335) في (الحيض): باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، من حديث عائشة قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
(3) رواه البخاري (1936) في (الصوم): باب إذا جامع في رمضان، وأطرافه كثيرة تنظر هناك، ومسلم (1111) في (الصيام): باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، من حديث أبي هريرة.
(4) منها حديث أم حبيبة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: رواه البخاري (1280 و 1281) في (الجنائز): باب إحداد المرأة على غير زوجها، و (5334) في (الطلاق): باب مراجعة الحائض، و (5339) باب الكحل للحادة، و (5345) باب {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا. . .}، ومسلم (1486) في (الطلاق): باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة.
وحديث أم سلمة: رواه البخاري (5336 و 5338 و 5706)، ومسلم (1488).
وحديث زينب بنت جحش: رواه البخاري (1282 و 5335)، ومسلم (1487).
وحديث عائشة وحفصة: رواه مسلم (1490)، واختلف فيه؛ فمرة قيل: حفصة وعائشة ومرة قيل: عن حفصة ومرة: عن بعض أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وحديث أم عطية: رواه البخاري (1278 و 1279 و 5340 و 5343)، ومسلم (2/ 1127) في (الطلاق).
(5) مضى تخريجه.
وانظر تضعيف المؤلف -رحمه اللَّه- لهذا الحديث في "تهذيب السنن" (3/ 248).
(6) سيأتي تخريجه.
(7) أخرجه البخارى في "الصحيح" (كتاب الفرائض): باب لا يرث المسلم الكافر (12/ 50/ =
(4/86)

وهو زائد على القرآن، وأخذوا كلهم بحديث توريثه -صلى اللَّه عليه وسلم- بنت الابن السدس مع البنت (1) وهو زائد على ما في القرآن (2)، وأخذ الناس كلهم بحديث استبراء المسبية بحيضة (3)، وهو زائد على ما في كتاب اللَّه، وأخذوا بحديث: "مَنْ قَتَلَ قتيلًا فله سَلَبُه" (4) وهو زائد على ما في القرآن من قسمة الغنائم، وأخذوا كلهم بقضائه -صلى اللَّه عليه وسلم- الزائد على ما في القرآن من أنّ أَعيان بني الأبوين يتوارثون دون بني العِلَّات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه (5)، ولو تتبعنا هذا لطال
__________
= رقم 6764)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الفرائض): باب منه (3/ 1233/ رقم 1614)، أبو داود في "السنن" (كتاب الفرائض): باب هل يرث المسلم الكافر (3/ 326/ رقم 2909)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الفرائض): باب إبطال الميراث بين المسلم والكافر (4/ 423/ رقم 2107)، وابن ماجه في "السنن" (كتاب الفرائض): باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك (2/ 911/ رقم 2729)، وأحمد في "المسند" (5/ 200)، ومالك في "الموطأ" (2/ 519)، وغيرهم من حديث أسامة بن زيد -رضي اللَّه عنه-.
وانظر في أن اختلاف الدين من موانع الإرث: "الصواعق المرسلة" (1/ 145)، و"أحكام أهل الذمة" (2/ 417، 442)، وفي "فهرسه" (2/ 379) جملة من مسائل التوريث بين المسلم والكافر، والإشراف (4/ 683 مسألة رقم 1944 - بتحقيقي).
(1) رواه البخاري (6736) في (الفرائض): باب ميراث ابنة ابن مع ابنة، و (6742) في باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة، من حديث ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-.
(2) في (ق): "على ما في كتاب اللَّه".
(3) سبق تخريجه.
(4) رواه البخاري (3142) في (فرض الخمس): باب من لم يُخمِّس الأسلاب، و (4321 و 4322) في (المغازي): باب قول اللَّه تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ. . .}، و (7170) في (الأحكام): باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء أو قبل ذلك للخصم، ومسلم (1751) في (الجهاد والسير): باب استحقاق القاتل سلب القتيل، من حديث أبي قتادة.
وفي الباب عن سلمة بن الأكوع وغيره.
وانظر: "زاد المعاد" (2/ 194 - 195، 196 و 3/ 216، 217 - 218).
(5) رواه الحميدي (55)، وأحمد في "مسنده" (1/ 79 و 131 و 144)، والترمذي (2094 و 2095) في (الفرائض): باب ميراث الإخوة من الأب والأم، وابن ماجه (2739) في (الفرائض): باب ميراث العصبة، والطيالسي (179)، وأبو يعلى (361 و 625)، وابن أبي شيبة (10/ 160 و 11/ 402 - 403)، وعبد الرزاق (19003)، والدارقطني في "سننه" (4/ 86 - 87)، وفي "علله" (4/ 70)، وابن الجارود (950)، والحاكم (4/ 336 و 342)، والبيهقي (6/ 232 و 267)، والبزار في "مسنده" (رقم 839) كلهم من طرق عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي.
والحارث هو الأعور، ضعيف الحديث. =
(4/87)

جدًا؛ فسنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أجلُّ في صدورنا وأعظم وأفرضُ علينا أن لا نقبلها إذا كانت زائدة على ما في القرآن، بل على الرأس والعينين، [ثم على الرأس والعينين] (1) وكذلك فَرْضٌ على الأمة الأخذ بحديث القضاء بالشاهد واليمين (2) وإن كان زائدًا على ما في القرآن، وقد أخذ به أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وجمهور التابعين والأئمة (3)، والعجب ممن يرده لأنه زائد على ما في كتاب اللَّه، ثم يقضي بالنكول ومعاقد القُمُط ووجوه الآجُرِّ في الحائط وليست في كتاب اللَّه ولا سنة رسوله، وأخذتم أنتم وجمهور الأمة بحديث: "لا يُقاد الوالد بالولد" (4) مع ضعفه وهو زائد على ما في القرآن، وأخذتم أنتم والناس بحديث أخذ الجزية من المجوس (5) وهو زائد على ما في القرآن، وأخذتم مع سائر الناس بقطع رجل السارق في المرة الثانية (6) مع زيادته على ما في
__________
= قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث، والعمل على هذا عند أهل العلم.
أقول: والحارث هذا على ضعفه؛ كان عالمًا بالفرائض.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) تقدم تخريجه.
(3) روي هذا الحكم عن نيف وعشرين صحابيًا -منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والمغيرة- وسعد بن عبادة وزيد بن ثابت وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص وأبو سعيد الخدري وبلال بن الحارث وأبيّ وأم سلمة وأنس، وأبو هريرة وجابر وسُرَّق وعمارة بن حزم. . . وغيرهم من الصحابة والتابعين. انظر: "سنن الدارقطني" (رقم 4394 - 4398، 4402 - 4406) وتعليقي عليه، "شرح السنة" (10/ 103) للبغوي، "سنن البيهقي" (10/ 171) "نيل الأوطار" (8/ 237)، "تنقيح التحقيق" (3/ 552) "التلخيص الحبير" (4/ 206)، "تهذيب سنن أبي داود" (4/ 192)، "الفتح الرباني" (15/ 216) للساعاتي، "النظرية العامة لإثبات موجبات الحدود" (1/ 138 وما بعدها) "وسائل الإثبات" (1/ 186)، "الإشراف" (4/ 540 - 542) للقاضي عبد الوهاب المالكي وتعليقي عليه.
(4) تقدم تخريجه.
(5) تقدم تخريجه.
(6) ورد من حديث جابر بن عبد اللَّه وعصمة بن مالك، وأبي هريرة، والحارث بن حاطب اللخمي، وعبد اللَّه بن زيد الجهني.
* أما حديث جابر: فرواه أبو داود (4410) في (الحدود): باب في السارق يسرق مرارًا، والنسائي (2/ 90) في (قطع يد السارق): باب قطع اليدين والرجلين من السارق، والبيهقي (8/ 272) من طريق مصعب بن ثابت عن محمد بن المنكدر عنه.
قال النسائي: هذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث.
وقد تابعه هشام بن عروة، وله عنه ثلاثة طرق أخرجها الدارقطني (3/ 181)، والثلاثة فيها ضعفاء؛ كما بينه الزيلعي في "نصب الراية" (3/ 372). =
(4/88)

القرآن، وأخذتم أنتم والناس بحديث النهي عن الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال (1) وهو زائد على ما في القرآن، وأَخذت الأُمّةُ بأحاديث الحضانة (2)
__________
= * وأما حديث عصمة بن مالك: فرواه الدارقطني (3/ 137)، والطبراني في "الكبير" (17/ 483) من طريق الفضل بن المختار عن عبيد اللَّه بن موهب عنه.
وضعفه الزيلعي (3/ 373)، والحافظ في "التلخيص الحبير" (4/ 68)، والهيثمي في "المجمع" (6/ 275)، وعبد الحق الإشبيلي قال: هذا لا يصح للإرسال، وضعف الإسناد -كما في "نصب الراية"-. وقال الذهبي: يشبه أن يكون موضوعًا، "الميزان" (3/ 359). وانظر: تعليقي على "سنن الدارقطني" (3219).
* وأما حديث أبي هريرة: فرواه الدارقطني (3/ 181) من طريق الواقدي، وهو متروك.
ورواه الشافعي كما في "التلخيص الحبير" (4/ 68) عن بعض أصحابه.
وانظر: "معرفة السنن والآثار" (12/ 142)، و"تنقيح التحقيق" (15/ 112 - ط قلعجي) للذهبي، تعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 3340).
* وأما حديث الحارث بن حاطب اللخمي: فرواه النسائي في "سننه" (2/ 89)، والطبراني في "معجمه" (3408)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (784)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 382)، والبيهقي (8/ 272) من طريق حماد بن سلمة عن يوسف بن سعد به.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، فتعقبه الذهبي فقال: بل منكر.
ورواه الطبراني في "الكبير" (3409)، وابن أبي عاصم (785) من طريق خالد الحذاء عن يوسف بن يعقوب عن محمد بن حاطب، أن الحارث بن حاطب (هكذا عند الطبراني)، وعند ابن أبي عاصم: محمد بن حاطب أو الحارث، وعزاه هكذا الهيثمي في "المجمع" (6/ 277) لأبي يعلى، ولم أجده في المطبوع، وقال: ورجاله ثقات إلا أني لم أجد ليوسف بن يعقوب سماعًا من أحد من الصحابة.
* وأما حديث عبد اللَّه بن زيد الجهني: فرواه أبو نعيم في "الحلية" (2/ 6)، وقال: تفرد به حرام بن عثمان، وهو من الضعف بالمحل العظيم، بل اتهم بالكذب.
* وفي الباب مرسل، رواه أبو داود في "المراسيل" (247)، وعبد الرزاق (18773)، وابن أبي شيبة (9/ 511)، والبيهقي (8/ 273) من طريق عبد ربه بن أبي أمية عنه، وعزاه الزيلعي لمسدد، وهذا إسناد ضعيف لإرساله وجهالة عبد ربه.
(1) تقدم تخريجه وانظر: "تهذيب السنن" (6/ 379 - 380)، و"زاد المعاد" (3/ 203 - 204)، وانظر: "أحكام الجناية" (231 - 235) للشيخ بكر أبو زيد.
(2) منها حديث: "أنت أحق به ما لم تنكحي"، وسيأتي تخريجه.
ومنها حديث البراء بن عازب: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى بابنة زيد لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم"، رواه البخاري (2699) في (الصلح): باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان، و (4251) في (المغازي): باب عمرة القضاء. =
(4/89)

وليست في القرآن، وأخذتم أنتم والجمهور باعتداد المتوفى عنها في منزلها (1)؛ وهو
__________
= ونحوًا منه ورد من حديث علي بن أبي طالب: رواه أحمد (1/ 98، 115)، وأبو داود في (الطلاق): (2278) والنسائي في "خصائص علي" (رقم 188)، وأبو يعلى (405)، والطحاوي في "المشكل" (4/ 173 - ط الهندية) والحاكم (3/ 120) وابن حزم (10/ 326) والخطيب (4/ 140) وأبو الخير القزويني في "الأربعين المنتقى في مناقب المرتضى" (ق 99/ أ)، والبيهقي (8/ 6).
ومنها حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خَيّر غلامًا بين أبيه وأمه.
رواه أبو داود (2277) في (الطلاق): باب من أحق بالولد، والترمذي (1357) في (الأحكام): باب ما جاء في تخيير الغلام بين أبويه؛ و"العلل" (369)، والنسائي (6/ 185 و 186) في (الطلاق): باب إسلام أحد الزوجين، وتخيير الولد، وابن ماجه (2351) في (الأحكام): باب تخيير الصبي بين أبويه، وعبد الرزاق (12611) وسعيد بن منصور (2275)، والحميدي (1083) وأحمد (2/ 447) والدارمي (2298) والطحاوي في "المشكل" (3085) وأبو يعلى (6131) والحاكم (4/ 97)، والشافعي في "الأم" (5/ 92) و"السنن" (2/ 63)، والبيهقي (8/ 3) والبغوي (2399) من طريق هلال بن أبي ميمونة عن أبي ميمونة عنه ورجاله ثقات.
وفي "سنن النسائي" (6/ 185) من حديث عبد الحميد بن سلمة الأنصاري عن أبيه عن جده أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خيّر غلامًا بين أبيه وأمه وقال: "اللهم اهده" فذهب إلى أبيه وهو إسناد مسلسل بالمجاهيل.
(1) رواه مالك في "الموطأ" (2/ 591)، ومن طريقه الشافعي في "المسند" (2/ 53 - 54)، و"الرسالة" (1214)، والدارمي (2/ 168)، وأبو داود (2300) في (الطلاق): باب في المتوفى عنها تنتقل، والترمذي (1204) في (الطلاق): باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها، والنسائي (6/ 199 - 200 و 200) في (الطلاق): باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل، وابن ماجه (2031) في (الطلاق) باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها، وابن سعد (8/ 368)، وا بن الجارود (759)، وأحمد (6/ 370 و 420 - 421) وسعيد بن منصور (1365) والدارمي (2292) وابن حبان (4292)، والحاكم (2/ 208)، والطيالسي (1664)، وابن أبي شيبة (5/ 185)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (3328 - 3331)، والطبراني في "المعجم الكبير" (1074 - 1092)، وعبد الرزاق (12073) وعنه إسحاق بن راهويه في "المسند" (رقم 2188، 2189)، -والبيهقي (7/ 434 - 435) والبغوي (2386) - من طرق عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب عن فريعة بنت مالك بن سنان. . . فقال لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" وفي بعض الطرق عن إسحاق بن سعد بن كعب بن عجرة عن زينب به.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال محمد بن يحيى الذهلي: =
(4/90)

زائد على [ما في] (1) القرآن، وأخذتم مع الناس بأحاديث البلوغ بالسنّ والإنبات (2).
__________
= وهو حديث صحيح محفوظ، وهما اثنان: سعد بن إسحاق وهو أشهرهما، وإسحاق بن سعد بن كعب، وقد روى عنهما جميعًا يحيى بن سعيد الأنصاري فقد ارتفعت عنهما الجهالة.
وقال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (5/ 394): "وقول علي بن أحمد بن حزم: زينب بنت كعب مجهولة لم يرو حديثها غير سعد بن إسحاق وهو غير مشهور بالعدالة، قال: وعندي أنه ليس كما ذهب إليه بل الحديث صحيح، فإن سعد بن إسحاق ثقة، وممن وثقه النسائي، وزينب كذلك ثقة، وفي تصحيح الترمذي إياه توثيقها، وتوثيق سعد بن إسحاق ولا يضر الثقة أن لا يروي عنه إلا واحد".
وقال ابن عبد البر: إنه حديث مشهور.
قلت: يظهر أن صواب الرواية عن سعد بن إسحاق بن كعب لأن الذين رووا عنه أشهر وأكثر، وهو ما رجحه البيهقي، وسعد ثقة، لكن البحث في زينب، وقد اعتمدوا في تقوية حالها على تصحيح الترمذي لحديثها مع أن الترمذي رحمه اللَّه عنده بعض تساهل أحيانًا، ثم إنهم في كثير من الرواة لم يعتمدوا على هذا، وقد قواها بعضهم بإخراج مالك لها.
وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (3/ 240): ذكرها ابن فتحون، وابن الأمين (كذا) في الصحابة.
فلعل هذه الأمور مما يقوي حالها.
أما شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- فلم يرتض هذا ووقف عند قول الحافظ في "التقريب" فيها: مقبولة، أي: عند المتابعة! ولم يجد لها متابعًا، فضعَّفه، انظر: "إرواء الغليل" (7/ 207)، وقد قوّى الشيخ في كتبه مثل هذه أكثر من واحد!! ومشَّى رواية المستور من التابعين، وقرر أن هذا مذهب ابن رجب وابن كثير.
(1) ما بين المعقوفتين مضروب عليه في (ق).
(2) أما البلوغ بالسن: فقد روى البخاري (2664) في (الشهادات): باب بلوغ الصبيان وشهاداتهم، و (4097) في (المغازي): باب غزوة الخندق، ومسلم (1868) في (الإمارة): باب بيان سن البلوغ من حديث ابن عمر قال: عَرَضني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم أحد في القتال، وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني.
قال نافع (الراوي عن ابن عمر): فَقدِمتُ على عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ خليفة فحدَّثته هذا الحديث فقال: إن هذا لَحدٌّ بينَ الصغير والكبير، هذا لفظ مسلم.
ولفظ الحديث عند ابن حبان (4728): فلم يُجْزني ولم يَرَني بلغتُ، وهذه الزيادة من رواية ابن جريج، قال ابن حجر في "الفتح" (5/ 279): وهي زيادة صحيحة لا مطعن فيها لجلالة ابن جريج وتقدمه على غيره في حديث نافع، وقد صرّح فيها بالتحديث فانتفى ما يخشى من تدليسه. =
(4/91)

وهي زائدة على ما في القرآن؛ إذ ليس فيه إلا الاحتلام (1) وأخذتم مع الناس بحديث: "الخَراجُ بالضمان" (2) مع ضعفه، وهو زائد على [ما في] (3) القرآن، وبحديث [النهي عن] (3) بيع الكالئ بالكالئ (4) وهو زائد على ما في
__________
= وأما البلوغ بالإنبات: فقد روى أحمد في "مسنده" (4/ 310 و 383 و 5/ 312 و 313 - 314)، وأبو داود (4404 و 4405) في (الحدود): باب الغلام يصيب الحد، والترمذي (1584) في (السير): باب ما جاء في النزول على الحكم، والنسائي (6/ 155) في (الطلاق): باب متى يقع طلاق الصبي و (8/ 92) في (قطع يد السارق): باب حد البلوغ، وابن ماجه (2541 و 2542) في (الحدود): باب من لا يجب عليه الحد، والحميدي (888 و 889)، وعبد الرزاق (18742 و 18743)، وابن أبي شيبة (12/ 539 - 540)، وابن سعد في "الطبقات" (2/ 76 - 77)، والطيالسي (1284)، وابن حبان (4780 و 4783 و 4788)، والطبراني في "الكبير" (17/ 428 - 438)، والحاكم (2/ 123 و 35/ 3 و 389/ 4 و 390)، وابن الجارود (1045)، والبيهقي (6/ 58 و 9/ 63)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2189) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (4/ 2213 رقم 5533) من طرق كثيرة عن عبد الملك بن عُمير عن عطية القرظي قال: عُرضنا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم قريظة، وكان مَنْ أنبت قتل، ومن لم ينبت خُلِّي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فَخُلِّيَ سبيلي.
قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وابن حجر في "التلخيص" (3/ 42)، وقال: إلا أنهما لم يخرجا لعطية، وما له إلا هذا الحديث الواحد.
(1) انظر: "تحفة المودود" (ص 291 - 300).
(2) مضى تخريجه مفصلًا.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) تقدم بإيجاز، وإليك التفصيل:
رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2/ 21) من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر به.
وموسى هذا ضعيف خاصة في عبد اللَّه بن دينار.
ورواه الدارقطني في "سننه" من طريق آخر (3/ 71)، قال: حدثنا علي بن محمد المصري: حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني: حدثنا الخصيب بن ناصح: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر به.
ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" (5/ 290) من هذا الطريق ثم قال: "موسى هذا هو ابن عبيدة الرَّبذي، وشيخنا أبو عبد اللَّه قال في روايته: عن موسى بن عقبة، وهو خطأ، والعجب من أبي الحسن الدارقطني شيخ عصره روى هذا الحديث في كتاب "السنن" عن أبي الحسن علي بن محمد المصري هذا فقال: عن موسى بن عقبة، وشيخنا أبو الحسين رواه لنا عن أبي الحسن المصري في الجزء الثالث من سنن المصري فقال: عن موسى غير منسوب، ثم أردفه المصري. . . فرواه بذكر موسى بن عبيدة، ثم رواه من طريق ابن =
(4/92)

القرآن، وأضعاف أضعاف ما ذكرنا، بل أحكام السُّنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثرَ منها لم تنقص عنها؛ فلو ساغ لنا ردُّ كل سنة كانت زائدة (1) على نص القرآن لبطلت سنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كلها إلا سنة دل عليها القرآن، وهذا هو الذي أخبرَ [به] (2) النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنه سيقع ولا بُدّ من وقوع خبره.

[أنواع دلالة السنة الزائدة عن القرآن]
فإن قيل: السنن الزائدة على ما دل عليه القرآن تارة تكون بيانًا له، وتارة تكون مُنْشَئةً لحكم لم يتعرض [القرآن] (3) له، وتارة تكون مغيّرة لحكمه، وليس نزاعنا في القسمين الأولين فإنهما حجة باتفاق، ولكن النِّزاعُ في القسم الثالث وهو الذي تَرْجمته بمسألة الزيادة على النص، وقد ذهب الشيخ أبو الحسن الكرْخيُّ وجماعة كثيرة من أصحاب أبي حنيفة إلى أنها نسخ (4)، ومن هاهنا جعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخًا كما لو زاد عشرين سوطًا (5) على الثمانين في حد القَذْف.
وذهب أبو بكر الرازي (6) إلى أن الزيادة إن وَردَت بعد استقرار حكم النص منفردة عنه كانت ناسخة، وإن وردت متصلة بالنص قبل استقرار حكمه لم تكن ناسخة (7)، وإن وردت ولا يُعلم تاريخها فإن ورَدَت من جهةِ يثبت النَّصُّ بمثلها
__________
= عدي، وهو عنده في "الكامل" (6/ 2335) ثم ذكر له طرقًا كلها مدارها على موسى بن عبيدة ثم قال: والحديث مشهور بموسى بن عبيدة مرة عن نافع، ومرة عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر، وهو الصواب.
ورواه العقيلي أيضًا (4/ 162) وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (2/ 601) من طريق موسى بن عبيدة عن عبد اللَّه بن دينار به.
وانظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 364).
(1) في المطبوع: "زائدة كانت"! بتقديم وتأخير.
(2) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) انظر: "كشف الأسرار" (3/ 109)، و"فواتح الرحموت" (2/ 91)، و"تيسير التحرير" (3/ 218)، و"شرح المنار" (ص 691)، و"أصول السرخسي" (2/ 82 - 83)، و"ميزان الأصول" (727)، و"المغني" (260) للخبازي، و"كاشف معاني البديع" (2/ 263)، و"الزيادة على النص" (52) لعمر بن عبد العزيز، و (ص 32 - 33) لسالم الثقفي.
(5) في المطبوع: "صوتًا"!.
(6) في "الفصول" (2/ 315).
(7) في (ن) و (ك): "نسخًا"، وانظر: "الإحكام" (3/ 156) للآمدي و"شرح العضد على المختصر" (2/ 202)، و"الزيادة على النص" (61).
(4/93)

فإن شهدت الأصول من عمل السلف أو النظر على ثبوتهما معًا أثبتناهما، وإن شهدت بالنص منفردًا عنها أثبتناه دونها، وإن لم يكن في الأصول دلالة على أحدهما فالواجب أن يُحكم بورودهما معًا، ويكونان بمنزلة الخاص والعام إذا لم يُعلم تاريخهما ولم يكن في الأصول دلالة على وجوب القضاء بأحدهما (1) على الآخر فإنهما يُستعملان معًا، وإن كان ورود (2) النص من جهةٍ تُوجب العلم كالكتاب والخبر المستفيض وورود الزيادة من جهة أخبار الآحاد لم يجُز إلحاقها بالنص ولا العملِ بها، وذهب بعض أصحابنا إلى أن الزيادة إن غَيَّرت حكم المزيد عليه تغييرًا شرعيًا بحيث إنه لو فُعل على حد ما كان يُفعل قبلها لم يكن معتدًا به، بل يجب استئنافُه، كان نسخًا (3)، نحو ضَمِّ ركعة إلى ركعتي الفجر، وإن لم تغيّر (4) حكم المزيد عليه بحيث لو فُعل على حد ما كان يُفعل قبلها كان معتدًا به ولا يجب استئنافه لم يكن نسخًا، ولم يجعلوا إيجابَ التغريب مع الجلد نسخًا، وإيجابَ عشرين جلدة مع الثمانين نسخًا، وكذلك إيجاب شرط منفصل عن العبادة (5) لا يكون نسخًا كإيجاب الوضوء بعد فرض الصلاة، ولم يختلفوا أن إيجابَ زيادة عبادة على عبادة كإيجاب الزكاة بعد إيجاب الصلاة لا يكون نسخًا، ولم يختلفوا أيضًا أن إيجاب صلاة سادسة على الصلوات الخمس لا يكون نسخًا.

[الكلام على الزيادة المغيرة لحكم شرعي]
فالكلام معكم في الزيادة المغيِّرة في ثلاثة مواضع: في المعنى، والاسم، والحكم، أما المعنى فإنها تُفيد معنى [النسخ؛ لأنه الإزالة، والزيادة] (6) تُزيل حكم الاعتداد بالمزيد عليه وتُوجب استئنافه بدونها، وتُخرجه عن كونه جميعَ
__________
(1) في (ق): "على وجوب أحدهما بالقضاء".
(2) في (ن) و (ك) و (ق): "ورد".
(3) انظر: "المسودة" (208)، و"المستصفى" (1/ 117)، و"العدة في أصول الفقه" (3/ 814 - 820)، و"شرح الإسنوي على المنهاج" (2/ 191)، و"إحكام الأحكام" (3/ 156) للآمدي، و"فواتح الرحموت" (2/ 192)، و"حاشية البناني" (2/ 92)، و"الزيادة على النص" (36) للثقفي.
(4) في المطبوع: "يغير".
(5) انظر: "الإحكام" (3/ 56)، و"العدة" (3/ 814) و"الإسنوي على المنهاج" (2/ 191).
(6) في (ق): "النسخ والإزالة؛ لأنه زيادة".
(4/94)

الواجب، وتجعله بعضَه، وتوجب التأثيم على المُقتصر عليه بعد أن لم يكن آثمًا (1)، وهذا معنى النسخ، وعليه [ترتَّب] (2) الاسم، فإنه تابعٌ للمعنى؛ فإن الكلام في زيادة شرعية مغيرة للحكم الشرعي بدليلٍ شرعي متراخٍ عن المزيد عليه، فإن اختل وصْفٌ من هذه الأوصاف لم تكن نسخًا، فإن لم تغيّر حكمًا شرعيًا بل رفعت حكم البراءة الأصلية لم تكن نسخًا كإيجاب عبادة بعد أخرى، والزيادة إن كانت مقارِنة (3) للمزيد عليه لم تكن نسخًا وإن غيَّرته (4)، بل تكون تقييدًا أو تخصيصًا.
وأما الحكم فإن كان النصُّ المزيدُ عليه ثابتًا بالكتاب أو السنة المتواترة لم يُقبل خبرُ الواحد بالزيادة عليه، وإن كان ثابتًا بخبر الواحد قُبلت الزيادة، فإن اتفقت الأمة غلى قبول خبر الواحد في القسم الأول علمنا أنه ورد مقارنًا للمزيد عليه فيكون تخصيصًا لا نسخًا، قالوا: وإنما لم نَقبل خبرَ الواحد بالزيادة على النص لأن الزيادة لو كانت موجودةً معه لنقلها إلينا من نقل النص؛ إذ غيرُ جائزٍ أن يكون المراد إثباتَ النص معقودًا بالزيادة فيقتصر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على إبلاع النص منفردًا عنها؛ فواجبٌ إذن أن يذكرها معه، ولو ذكرها لنقلها إلينا مَنْ نقلَ النص. فإن كان النص مذكورًا في القرآن والزيادة واردة من جهة السنة فغيرُ جائزٍ أن يقتصرَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على تلاوة الحكم المنزل في القرآن دون أن يعقبها بذكر الزيادة؛ لأن حصولَ الفراغِ من النص الذي يمكننا استعماله بنفسه يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه، كقوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] فإن كان الحدُّ هو الجلد والتغريب فغير جائز أن يتلو النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الآية على الناس عارية من ذكر النفي عقبها؛ لأن سكوته عن ذكر الزيادة معها يلزمنا اعتقاد موجبها وأن الجلد هو كمال الحد؛ فلو كان معه تغريب لكان بعضَ الحد لا كماله، فإذا أخلى التلاوة من ذكر النفي عقيبها فقد أراد منا اعتقاد أن الجلد المذكور في الآية هو تمامُ الحد وكماله؛ فغير جائزٍ إلحاق الزيادة معه إلا على وجه النسخ، ولهذا كان قوله: "واغْدُ يا أُنيس على امرأةِ هذا فإن اعترفت فارجُمها" (5) ناسخًا لحديث
__________
(1) في المطبوع: "إثمًا".
(2) في نسخة (ط): "يرتب".
(3) في المطبوع: "وإن كانت الزيادة مقارنة".
(4) انظر بحث ابن القيم -رحمه اللَّه- النسخ في: "مفتاح دار السعادة" (361 - 364، 370)، و"زاد المعاد" (2/ 183)، و"شفاء العليل" (405 - 406).
(5) رواه البخاري (2314) و (2315) في (الوكالة): باب الوكالة في الحدود.-وانظر أطرافه =
(4/95)

عُبادة بن الصامت: "الثَّيب بالثيب جَلْدُ مئة والرَّجمُ" (1) وكذلك لما رَجمَ ماعزًا ولم يجلده (2)، كذلك يجب أن يكون قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] ناسخًا لحكم التغريبِ في قوله: "البِكرُ بالبكرِ جلُد مئة وتغريبُ عام" (3).
والمقصود أن هذه الزيادة لو كانت ثابتة مع النص لذكرها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عقيب التلاوة، ولنقلها إلينا من نقل المزيدَ عليه؛ إذ غيرُ جائزٍ عليهم أن يعلموا أن الحدَّ مجموعُ الأمرين وينقلوا (4) بعضه دون بعض، وقد سمعوا الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- يذكر الأمرين، فامتنع حينئذٍ العملُ بالزيادة إلا من الجهة التي ورد منها الأصل، فإذا وردت من جهة الآحاد فإن كانت قبل النصّ فقد نَسَخها النص المطلق عاريًا من ذكرها، وإن كانت بعده فهذا يُوجب نسخ الآية بخبر الواحد وهو ممتنع، فإن كان المزيدُ عليه ثابتًا بخبر الواحد جاز إلحاقُ الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به، فإن كانت واردة مع النص في خطاب واحد لم تكن نسخًا وكانت بيانًا.
فالجواب من وجوه:
أحدها: إنكم أول من نقض هذا الأصل الذي أصَّلتموه فإنكم قبلتم خبر الوضوء بنبيذ التمر (5) وهو زائد على ما في كتاب اللَّه مغيّر لحكمه؛ فإن اللَّه سبحانه جعلَ حُكمَ عادم الماء التَّيممَ، والخبرُ يقتضي أن يكون حكمه الوضوء بالنبيذ؛ فهذه الزيادة بهذا الخبر الذي لا يثبت رافعة لحكمٍ شرعي غير مقارنة ولا مقاومة له بوجه (6)، وقبلتم خبرَ الأَمَر بالوتر (7) مع رفعه لحكم شرعي، وهو اعتقاد
__________
= هناك فهي كثيرة- ومسلم (1697) في (الحدود): باب من اعترف على نفسه بالزنا، من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني.
(1) رواه مسلم في "صحيحه" (1690) في (الحدود): باب حد الزنى.
(2) رواه مسلم (1695) في (الحدود): باب من اعترف على نفسه بالزنا، من حديث بُريدة -رضي اللَّه عنه-.
(3) هو جزء من حديث عبادة السابق، وانظر: "زاد المعاد" (3/ 207).
(4) في (ق) و (ك): "وينقلون".
(5) خرجته مفصلًا في كتاب "الخلافيات" (1/ 157 - 179) (رقم 19)، وينظر "نصب الراية" (1/ 137 - 148).
(6) في (د): "مقارنة له ولا مقاومة بوجه".
(7) يشير إلى قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه زادكم صلاةً إلى صلاتكم". وورد من حديث جمع من الصحابة وهو حديث صحيح، انظره مفصلًا في "نصب الراية" (2/ 109)، و"التلخيص الحبير" (2/ 16) و"إرواء الغليل" (2/ 156).
(4/96)

كون الصلوات الخمس هي جميع الواجب ورفع التأثيم بالاقتصار عليها وإجزاء الإتيان في التَّعبدِ بفريضة الصلاة، والذي قال هذه الزيادة هو الذي قال سائر الأحاديث الزائدة على ما في القرآن، والذي نَقَلَها إلينا هو الذي نقل تلك بعينه أو أوثق منه أو نظيره، والذي فرض علينا طاعة رسوله وقبول قوله في تلك الزيادة هو الذي فرض علينا طاعته وقبول قوله في هذه، والذي قال لنا: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] هو الذي شرع لنا هذه الزيادة على لسانه، واللَّه سبحانه وَلَّاه منصبَ التشريع عنه ابتداء، كما ولاه منصب البيان لما أراده بكلامه، [بل كلامه] (1) كله بيان عن اللَّه، والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن البيان بوجهٍ من الوجوه، بل كان السلفُ الصالحُ الطيبُ إذا سمعوا الحديث عنه وجدوا تصديقه في القرآن ولم يقل أحد منهم قط في حديث واحد أبدًا: إن هذا زيادة على القرآن فلا نقبله ولا نسمعه ولا نعمل به، ورسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أجلُّ في صدورهم وسنتُه أعظمُ عندهم من ذلك وأكبر. ولا فرق أصلًا بين مجيء السنة بعددِ الطَّوافِ وعدد ركعات الصلاة ومجيئها بفرض الطمأنينة وتعيين الفاتحة والنية؟ فإن الجميعَ بيانٌ لمراد اللَّه أنه أوجب هذه العبادات على عباده على هذا الوجه، فهذا الوجه هو المراد، فجاءت السنة بيانًا للمُراد في جميع وجوهها، حتى في التشريع المبتدأ، فإنها بيان لمراد اللَّه من عموم الأمر بطاعته وطاعة رسوله، فلا فَرْق بين بيان هذا المراد وبين بيان المراد من الصلاة والزكاة والحج والطواف وغيرها، بل هذا بيانُ المراد من شيء وذاك بيانُ المراد من أعمّ منه؛ فالتغريبُ بيانٌ محض للمراد من قوله: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] وقد صرَّح النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بأن التغريب (2) بيان لهذا السبيل المذكور في القرآن، فكيف يجوز رده بأنه مخالفٌ للقرآن معارضٌ له؟ ويقال: لو قبلناه لأبطلنا به حكم القرآن؟ وهل هذا إلا قلبٌ للحقائق؟ فإن حكم القرآن العام والخاص يوجب علينا قبوله فرضًا لا يسعنا مخالفته؛ فلو خَالفْناه لخالفنا القرآن ولخرجنا عن حكمه ولا بد، ولكان في ذلك مخالفة للقرآن والحديث معًا.
يوضحه الوجه الثاني: أن اللَّه سبحانه نصب رسوله (3) -صلى اللَّه عليه وسلم- منصب المُبلِّغ المبين عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن اللَّه أنَّ هذا شرْعه ودينه، ولا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، و (ق) و (ك).
(2) سبق تخريجه.
(3) كذا في (ق)، وفي باقي النسخ: "رسول اللَّه".
(4/97)

فرق بين ما يبلّغه عنه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا.
يوضحه الوجه الثالث: أن اللَّه سبحانه أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان، وجاء البيان عن رسوله (1) -صلى اللَّه عليه وسلم- بمقادير ذلك وصفاته وشروطه؛ فوجب على الأمة قبوله، إذ هو تفصيل لِما أمر اللَّه به، كما يجب عليها (2) قبولُ الأصل المفصَّل، وهكذا أَمرَ اللَّه سبحانه بطاعته وطاعة رسوله؛ فإذا أمر الرسول بأمرٍ كان تفصيلًا وبيانًا للطاعة المأمور بها، وكان فَرْضُ قبوله كفرض قبول الأصل المفصل، ولا فرق بينهما.

[بيان الرسول على أنواع]
يوضحه الوجه الرابع: أن البيان من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقسام (3):
أحدها: بيانُ نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أَنْ كان خفيًا.
الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك كما بيَّن أن الظلم المذكور في قوله: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] هو الشركُ (4)، وأَنَّ الحسابَ اليسير هو العَرضُ (5)، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياضُ النَّهار وسواد الليل (6)، وأن الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل (7)، كما فَسَّر
__________
(1) في (ق) و (ك): "رسول اللَّه".
(2) في المطبوع: "علينا".
(3) انظر -غير مأمور- "الموافقات" (4/ 392 وما بعد).
(4) الحديث في "الصحيحين"، وقد تقدم تخريجه، وفي (ق): "أنه الشرك".
(5) رواه البخاري (103) في (العلم): باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه و (4939) في تفسير {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)}، و (6536) و (6537) في (الرقاق): باب من نوقش الحساب عذب، ومسلم (2876) في الجنة: باب إثبات الحساب، من حديث عائشة.
(6) سبق تخريجه.
(7) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 407)، والطبري (27/ 49)، والطبراني في "المعجم الكبير" (10423)، وأبو الشيخ في "العظمة" (356) من طريق عاصم عن شقيق عن ابن مسعود مرفوعًا: "رأيت جبريل على سدرة المنتهى له ست مئة جناح"، وإسناده حسن.
ورواه أحمد في "مسنده" (1/ 412 و 460)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (2/ 372) من طريق حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن ابن مسعود مرفوعًا به، وهذا اختلاف من عاصم، ففي حفظه شيء لكنه اختلاف بين ثقتين.
وأصل الحديث في "صحيح البخاري" (3232 و 4856 و 4857)، ومسلم (174) من حديث ابن مسعود أيضًا ولفظه: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى جبريل له ست مئة جناح".
(4/98)

قوله: {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] أنَّه طلوعُ الشمس من مغربها (1) وكما فسر قوله: {مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم: 24] بأنها النَّخلة (2)،
__________
(1) رواه البخاري (4635) في (تفسير الأنعام): باب {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ}، و (4636) باب لا ينفع نفسًا إيمانها، و (6506) في (الرقاق): باب رقم (40)، و (7121) في (الفتن): باب رقم (25)، ومسلم (157) في (الإيمان): باب بيان الزمن الذي يقبل فيه الإيمان، من حديث أبي هريرة.
(2) رواه الترمذي (3119) في (التفسير): باب ومن سورة إبراهيم عليه السلام، والنسائي في (تفسيره) (282)، وأبو يعلى (4165)، ومن طريقه ابن حبان (475)، والطبري (20678 و 20679)، والحاكم (2/ 352)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (7/ رقم 12252)؛ وكما في "تفسير ابن كثير" (2/ 550)، من طريق حماد بن سلمة عن شعيب بن الحبحاب عن أنس مرفوعًا: "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة. . . " هي النخلة.
وصححه الحاكم ووافقه والذهبي!!
لكن رواه الترمذي بعد (3119)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (2/ 342)، والطبري (20677 - 20681) من طرق عن شعيب بن الحبحاب عن أنس موقوفًا.
قال الترمذي "وهذا أصح -أي الوقف- من حديث حماد بن سلمة، ولا يعلم أحد رفعه غير حماد بن سلمة، ورواه حماد بن زيد، ومعمر وغير واحد ولم يرفعوه".
ومما يدل على وهم حماد بن سلمة، وأن الصواب الوقف: أنَّ الطبري رواه من طريقه موقوفًا (20680).
وحماد بن سلمة له من مثل هذه الأخطاء، وكان رفّاعًا.
ورواه البزار في "مسنده" -كما في "تفسير ابن كثير" (2/ 550) - من طريق سعيد بن الربيع عن شعبة عن معاوية بن قرة عن أنس أحسبه رفعه، وإسناده جَيّد.
لكن رواه الطبري (20674 - 20676) من طرق عن معاوية بن قرة عن أنس موقوفًا.
وله شاهد من حديث ابن عمر: رواه أحمد (2/ 91)، وابن مردويه؛ كما في "الدر المنثور" (5/ 22) من طريق شريك عن سلمة عن مجاهد عنه مرفوعًا.
قال السيوطي في "الدر": إسناده جيّد.
أقول: كيف وفيه شريك القاضي، وهو ضعيف!!
ورواه الطبري (20697) من طريق رجل عن ابن عمر مرفوعًا، وهذا يجعل للحديث أصلًا واللَّه أعلم.
وفي "صحيح البخاري" (61 و 62 و 72 و 131 و 2209 و 4698 و 5444 و 5448 و 6122 و 6144)، ومسلم (2811) من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم. . . فقال: هي النخلة".
وفي بعض ألفاظ الحديث: من يخبرني عن شجرة مثلها مثل المؤمن أصلها ثابت، وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وهذا لفظ ابن حبان (243)، وإسناده إلى ابن عمر صحيح.
(4/99)

وكما فسَّر قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] أنَّ ذلك في القبر حين يُسأل مَنْ ربك وما دينك (1)، وكما فسَّر الرعد بأنه ملك من الملائكة موكَّل بالسحاب (2)، وكما فسَّر اتخاذ أهل
__________
(1) مضى تخريجه.
(2) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 274)، والترمذي (3117)، والنسائي في "سننه الكبرى" (9072)، وابن أبي الدنيا في "المطر" (108)، وأبو الشيخ في "العظمة" (4/ 1279)، والحربي في "غريب الحديث" (2/ 688)، والطبراني في "المعجم الكبير" (12429)، و"الدعاء" (2/ 1261)، وأبو نعيم في "الحلية" (4/ 304 - 305)، والضياء في "المختارة" من طريق عبد اللَّه بن الوليد عن بكير بن شهاب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالوا: "يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء. . . قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملَك من ملائكة اللَّه عز وجل مُوَكَّلٌ بالسحاب بيده أو في يده مخراق من نار، يَزْجر به السحاب يسوقه حيث أمر اللَّه. . . ".
قال الترمذي: حسن صحيح غريب.
وقال أبو نعيم: غريب من حديث سعيد تفرد به بكير.
وقال الهيثمي في "المجمع" (8/ 242): "رواه الترمذي -باختصار- ورواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات".
أقول: نعم، رجاله ثقات، غير بكير بن شهاب فقد روى عنه اثنان هما: عبد اللَّه بن الوليد، ومبارك بن سعيد الثوري، وقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أقول: ابن حبان توثيقه معروف، وعبارة أبي حاتم هذه فيها تليين، لذلك قال فيه ابن حجر في "التقريب": مقبول.
أما الحافظ الذهبي فقال: عراقي صدوق!! فأنَّى له أن يكون صدوقًا.
وروى الطبراني في "الأوسط" (7/ 360 رقم 7731) من طريق أبي عمران عن ابن جريج عن عطاء عن جابر أن خزيمة بن ثابت -وليس بالأنصاري- سأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الرعد فقال: فذكر نحوه. . . وهو جزء من حديث طويل.
قال الهيثمي في "المجمع" (8/ 132): وفيه يوسف بن يعقوب أبو عمران ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمته، ولم ينقل تضعيفه عن أحد!
قلت: ذكره الذهبي في "الميزان"، وقال أبو عمران عن ابن جُريج بخبر باطل طويل، وعنه إنسان مجهول، واسمه محمد بن عبد الرحمن السلمي.
أقول: وقد خولف أبو عمران هذا، فقد ذكر أبو موسى في "الطوالات"، أن أبا معشر، وعبيد بن حكيم، روياه عن ابن جريج عن الزهري مرسلًا، ذكره الحافظ في "الإصابة" في ترجمة خزيمة بن حكيم السلمي ويقال: ابن ثابت ثم قال الحافظ: "وفيه غريب كثير، وإسناده ضعيف جدًا".
فهو شاهد ساقط لا يصلح، وقد ذكر هذا الشاهد شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "السلسلة الصحيحة" (4/ 492 - 493)، وخفي عليه حاله، فالحمد للَّه على توفيقه. =
(4/100)

الكتاب أحبارهم ورُهبانهم أربابًا من دون اللَّه بأنَّ (1) ذلك باستحلال (2) ما أحلوه لهم من الحَرَام وتحريم ما حَرَّموه [عليهم] (3) من الحَلَال (4)، وكما فسر القوة التي أمر اللَّه أن نعدها لأعدائه بالرّمي (5)، وكما فسر قوله: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] بأنه ما يُجزى به العَبدُ في الدنيا من الهَمِّ والنَّصبِ والخوف واللأواء (6)، وكما فسر الزيادة بأنها النَّظر إلى وجهِ اللَّه الكريم (7)، وكما فسَّر الدعاء في قوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] بأنه العبادة (8)،
__________
= والحديث له طرق موقوفة ومقطوعة، ذكرها صالح بن الأمام أحمد في "مسائل أبيه" (الأرقام 583 - 591، 611)، وابن أبي الدنيا في "المطر" (رقم 103، 106، 107، 109، 110)، وأبو الشيخ في "العظمة" (4/ 1279 - فما بعد) والسيوطي في "الدر المنثور"، وأنا أظن صوابه الوقف، واللَّه أعلم.
قال (و): "ثبت ثبوتًا علميًا قطعيًا تفسيره بغير ذلك، ولا يمكن أن نفهم في الرسول إلا أنه يقول الحق والصدق، فلينظر سند الحديث"!!.
(1) في (ق): "أن" وفي (ك): "و".
(2) في (ق): "استحلال".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) سبق تخريجه.
(5) رواه مسلم (1917) في (الإمارة): باب فضل الرمي والحث عليه، من حديث عقبة بن عامر.
وانظر طرقه ومظانه في تعليقي على "فضائل الرمي" للقرَّاب (رقم 11).
(6) مضى تخريجه.
(7) قال (و): "يعني التي وردت في قوله سبحانه تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]. وقد ذكر تفسيرها بذلك في حديث رواه أحمد، ومسلم، وابن جرير، وابن أبي حاتم" اه، ونحوه باختصار في نسخة (ط).
ولفظة "الكريم" سقطت من (ق).
والحديث رواه مسلم (181) (298) في (الإيمان): باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، من حديث صهيب الرومي، وانظر: "تفسير ابن كثير" (2/ 429).
(8) رواه الطيالسي (801)، وأحمد (4/ 267 و 271 و 276)، وابن أبي شيبة (10/ 200)، وابن المبارك في "الزهد" (1298 - 1299) و"المسند" (رقم 74) والترمذي (3247) في (التفسير): باب ومن سورة غافر، و (3372) في "الدعوات": باب ما جاء في فضل الدعاء، والنسائي في "الكبرى" (11464)، وابن ماجه (3828) في (الدعاء): باب فضل الدعاء، وأبو داود (1479) في (الصلاة): باب الدعاء، والبخاري في "الأدب المفرد" (714)، والطبري في "تفسيره" (24/ 78)، والطبراني في "الصغير" (رقم 1041) و"الدعاء" (رقم 1 - 7) وابن منده في "التوحيد" (رقم 325) والقضاعي في "مسند الشهاب" (رقم 29 - 30)، وابن حبان (895)، والحاكم (1/ 490 و 491)، وأبو نعيم =
(4/101)

وكما فسر إدبار النجوم بأنه الركعتان قبل الفجر، وأدبار السجود بالركعتين بعد المغرب (1)، ونظائر ذلك.
الثالث: بيانه بالفعل (2) كما بيَّن أوقات الصلاة للسائل بفعله (3).
الرابع: بيان ما سُئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فينزل (4) القرآن ببيانها، كما سئل عن قَذْف الزوجة (5) فجاء القرآن باللِّعان ونظائره.
الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنًا، كما سئل عن رجل أحرم في جُبِّة بعدما تضمّخ بالخَلُوق، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبَّة
__________
= في "حلية الأولياء" (8/ 120)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (1105) و"الدعوات الكبير" (رقم 4) والبغوي في "التفسير" (4/ 103) و"شرح السنة" (رقم 1384) وعبد الغني المقدسي في "الترغيب في الدعاء" (رقم 8) والمزي في "تهذيب الكمال" (3/ 1548)، من طرق عن ذر بن عبد اللَّه عن يُسَيْع الحضرمي عن النعمان بن بشير مرفوعًا: "الدعاء هو العبادة"، ثم قرأ هذه الآية: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.
وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وانظر: "الموافقات" (4/ 398 - بتحقيقي).
(1) رواه الترمذي (3275) في (التفسير): باب ومن سورة الطور، وابن جرير (26/ 181)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (10/ رقم 18646) -، وكما في "تفسير ابن كثير" (4/ 246) تفسير سورة "ق"-، وابنُ عدي في "الكامل" (3/ 1008) من طريق محمد بن فُضيل عن رشدين بن كريب عن أبيه عن ابن عباس مرفوعًا.
قال الترمذي: "هذا الحديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه من حديث محمد بن فضيل عن رشدين بن كريب".
وقال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه-: "فأما هذه الزيادة -أي تفسير أدبار السجود وإدبار النجوم- لا تعرف إلا من هذا الوجه، ورشدين بن كريب ضعيف، ولعله من كلام ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- موقوفًا عليه" وضَعَّفه الحافظ في "الفتح" (8/ 598).
أقول: رشدين هذا ضعّفه ابن معين، والنسائي والبخاري وغير واحد.
وله شاهد مرفوع من حديث علي بن أبي طالب: رواه مسدد، وابن المنذر، وابن مردويه؛ كما في "الدر المنثور" (7/ 610).
وشاهد أيضًا من حديث أبي هريرة: رواه ابن مردويه، ولا ندري حال أسانيد هذين الشاهدين.
وقد وردت آثار موقوفة بهذا التفسير، فانظر "فتح الباري" (8/ 598)، و"الدر المنثور" (7/ 638)، و"تفسير الطبري" (27/ 39).
(2) انظر: "الموافقات" (4/ 439 وما بعد) بتحقيقي.
(3) رواه مسلم (613) في (المساجد): باب أوقات الصلوات الخمس، من حديث بريدة.
(4) في المطبوع و (ن): "فنزل".
(5) مضى تخريجه.
(4/102)

ويغسل أثر الخلوق (1).
السادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداءً من غير سؤال، كما حرَّم عليهم لحومُ الحمر (2)، والمُتعة (3)، وصَيْدَ المدينة (4)، ونكاح المرأة على عَمّتها وخالتها (5)، وأمثال ذلك.
السابع: بيانُه للأمّة جواز الشيء بفعله هو له وعدم نهيهم عن التأسِّي به.
الثامن: بيانه جواز الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده (6) أو يعْلمهم يفعلونه.
التاسع: بيانه إباحة الشيء عفوًا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقًا.
العاشر: أن يحكَم القرآنُ بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته، ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف، فيحيل الربُّ
__________
(1) رواه البخاري (1536) في (الحج): باب غسل الخَلُوق ثلاث مرات من الثياب -تعليقًا-، و (1789) في (العمرة): باب ما يفعل بالحج، (1847) في (جزاء الصيد): باب إذا أحرم جاهلًا، وعليه قميص، و (4985) في (فضائل القرآن): باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب -موصولًا ومعلقًا- ومسلم (1180) في (الحج): باب ما يُباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح، من حديث يعلى بن أمية.
وقال (و) عن الخلوق: "نوع من الطيب".
(2) ورد من حديث أنس: رواه البخاري (2991 و 4199 و 5528)، ومسلم (1940).
ومن حديث جابر: رواه البخاري (4219 و 5525 و 5524)، ومسلم (1941).
ومن حديث ابن عمر: رواه البخاري (4217 و 5521 و 5522)، ومسلم (24) (561).
ومن حديث البراء بن عازب: رواه البخاري (4221 و 4223 و 4225 و 4226)، ومسلم (1938).
(3) ورد من حديث علي بن أبي طالب: رواه البخاري (4216 و 5115 و 5523 و 6961)، ومسلم (1407).
ومن حديث سَبْرَة بن معبد: رواه مسلم (1406).
(4) رواه مسلم (1362) في (الحج): باب فضل المدينة، من حديث جابر، ورواه (1363) من حديث سعد بن أبي وقاص، وروى البخاري (1873) ومسلم (1372) عن أبي هريرة أنه قال: لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذَعَرتها قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما بين لابتيها حرام".
(5) سبق تخريجه.
(6) في (ق): "يشاهدهم".
(4/103)

سبحانه وتعالى على رسوله في بيانها كقوله [تعالى] (1): {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] فالحِلُّ موقوفٌ على شروط النكاح وانتفاء موانعه (2) وحضور وقته وأهليَّةِ المحل، فإذا جاءت السنة ببيان ذلك كُلِّه لم يكن شيء (3) منه زائدًا على النص فيكون نسخًا له، وإن كان رفعًا لظاهر إطلاقه.
فهكذا كل حكم منه -صلى اللَّه عليه وسلم- زائد على القرآن، هذا سبيلُه سواءٌ بسواء، وقد قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] ثم جاءت السنة بأنَّ القاتلَ والكافرَ والرقيقَ لا يرث (4)، ولم يكن نسخًا للقرآن مع أنه زائد عليه قطعًا، أعني في مُوجبات الميراث؛ فإن القرآن أوجبه بالولادةِ وحْدَها، فزادت السنة مع وصف الولادة اتحاد الدَّين وعدم الرق والقتل، فهلَّا قلتم: إن هذه زيادة على النص فيكون نسخًا والقرآن لا يُنسخ بالسنة؟ كما قلتم ذلك في كل موضع تركتم فيه الحديث لأنه زائد على القرآن.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) في (ن)، و (ق) و (ك): "مانعه".
(3) في المطبوع: "الشيء".
(4) أما القاتل فتقدم حديثه.
وأما الكافر: فيريد حديث: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم"، وهو في "الصحيحين" وقد سبق تخريجه قريبًا.
وأما ميراث الرقيق؛ فلم أجد حديثًا صريحًا مرفوعًا في عدم ميراث الرقيق، وقد استدل الشافعي على عدم ميراث الرقيق بحديث: "من باع عبدًا له مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع".
أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب المساقاة): باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل (5/ 49/ رقم 2379)، و (كتاب الشروط): باب إذا باع نخلًا قد أُبِّرت (5/ 313 / رقم 2716)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الببوع، باب من باع نخلًا عليها ثمر، 3/ 1172/ 1543) عن ابن عمر مرفوعًا.
قال الشافعي: "فلما كان بيِّنًا في سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن العبد لا يملك مالًا وأن ما يملك العبد فإنما يملكه سيده، ولم يكن السيد بأبي الميت ولا وارث سميت له فريضة فكنا لو أعطينا العبد بأنه أب إنما أعطينا السيد الذي لا فريضة له، فورثنا غير من ورث اللَّه فلم نورث عبدًا لما وصفت".
نقلت هذا من "سنن البيهقي" (9/ 216)، ونحوه في "الأم" (3/ 72).
وقد ثبت عن علي أن المملوك لا يرث: رواه ابن أبي شيبة (11/ 270)، وعبد الرزاق (10/ 2790)، وسعيد بن منصور (1/ 45)، و"السنن الكبرى" (6/ 223)، وقد ورد أيضًا عن عدد من الصحابة، انظر المصادر السابقة و"الإشراف" (4/ 685) للقاضي عبد الوهاب، وتعليقي عليه.
(4/104)

الوجه الخامس: أنَّ تسميتَكم للزيادة المذكورة نسخًا لا توجب [بل لا] (1) تجوز مخالفتها، فإن تسمية ذلك نسخًا اصطلاحٌ منكم، والأسماءُ المتواضع عليها التابعة للاصطلاح لا توجب رفع أحكام النصوص، فأَين سَمَّى اللَّه ورسوله ذلك نسخًا؟ وأين قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: إذا جاءكم حديثي زائدًا على ما في كتاب اللَّه فردُّوه ولا تقبلوه فإنه يكون نسخًا لكتاب اللَّه؟ وأين قال اللَّه: إذا قال رسولي قولًا زائدًا على القرآن فلا تقبلوه ولا تعملوا به وردّوه؟ وكيف يسوغ ردُّ سنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بقواعد قعَّدتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللَّه بها من سلطان؟!!

[المراد بالنسخ في السنة الزائدة على القرآن]
الوجه السادس: أن يقال ما تَعْنُون بالنسخ الذي تضمَّنته الزيادة بزعمكم؟ أتعنون أن حكمَ المزيد عليه من الإيجاب والتَّحريم والإباحة بطل بالكلية، أم تعنون به تغيُّر وصفه بزيادة شيء عليه من شَرْط أو قيدٍ أو حالٍ أو مانع أو ما هو أعم من ذلك؟ فإن عنيتم الأول فلا ريب أن الزيادة لا تتضمن ذلك (2) فلا تكون ناسخة، وإن عنيتم الثاني فهو حق، ولكن لا يلزم منها بطلان حكم المزيد عليه ولا رفعه ولا مُعارضته، بل غايتها مع المزيدِ عليه كالشروط والموانع والقيود والمخصِّصات، وشيء من ذلك لا يكون نسخًا يوجب إبطال الأول ورفعه رأسًا، وإن كان نسخًا بالمعنى العام الذي يسميه السلف نسخًا وهو رفع الظاهر بتخصيصٍ أو تقييدٍ أو شرطٍ أو مانع؛ فهذا كثير من السلف يُسمّيه نسخًا (3)؛ حتى سَمَّى الاستثناء نسخًا، فإن أردتم هذا المعنى فلا مُشاحة (4) في الاسم، ولكن ذلك لا يسوغ رد السنن (5) الناسخة للقرآن بهذا المعنى، ولا يُنكر أحدٌ نسخ القرآن بالسنة
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "تأويلًا".
(2) في (ن): "في الزيادة لم تتضمن ذلك".
(3) انظر: "الموافقات" (3/ 344 - بتحقيقي)، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (13/ 29 - 30، 272 - 273)، و"الإحكام" (4/ 67) لابن حزم، و"فهم القرآن" (398) للمحاسبي و"تفسير القرطبي" (2/ 288)، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" (ص 88 - 90) لمكي بن أبي طالب، و"أحكام القرآن" (1/ 197)، ومقدمة "الناسخ والمنسوخ" (1/ 197) كلاهما لابن العربي، و"الفوز الكبير في أصول التفسير" (112 - 113) للدهلوي، و"محاسن التأويل" (1/ 13)، و"النسخ في دراسات الأصوليين" (521)، و"معالم أصول الفقه عند أهل السنة" (ص 253).
(4) "لا مجادلة" (و).
(5) في (ق): "السنة".
(4/105)

بهذا المعنى بل هو متفقٌ عليه بين الناس، وإنما تنازعوا في جواز نسخه بالسنة النَّسخُ الخاص الذي هو رفع أصل الحكم وجملته بحيث يبقى بمنزلة ما لم يُشرع ألبتَّة (1)، وإن أردتم بالنسخ ما هو أعم من القسمين -وهو رفع الحكم بجملته تارة وتقييد مطلقه وتخصيص عامّه وزيادة شرط أو مانع تارة- كنتم قد أدرجتم في كلامكم قِسْمين: مقبولًا ومردودًا كما تبيَّن؛ فليس الشأن في الألفاظ فسمّوا الزيادة ما شئتم، فإبطال السنن بهذا الاسم مما لا سبيلَ إليه.
يوضحه الوجه السابع: أن الزيادة لو كانت ناسخة لما جاز (2) اقترانها بالمزيد؛ لأن الناسخ لا يُقارن المنسوخ، وقد جوَّزتم اقترانها به، وقلتم: تكون بيانًا أو تخصيصًا، فهلَّا كان حكمها مع التأخُّر كذلك، والبيان لا يجب اقترانُه بالمبين، بل يجوز تأخيره إلى وقت حضور العمل، وما ذكرتموه من إيهام اعتقادِ خلافِ الحق فهو مُنتَقضٌ بجواز بل وجوب تأخير الناسخ وعدم الإشعار بأنه سينسخه، ولا محذور في اعتقاد موجب النص ما لم يأت ما يرفعه أو يرفع ظاهره؛ فحينئذ يعتقد موجبه كذلك، فكان كل من الاعتقادين في وقته هو المأمور به إذ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
يوضحه الوجه الثامن: أن المكلف إنما يعتقده على إطلاقه وعمومه مقيدًا بعدم ورود [ما يرفع ظاهره، كما يعتقد المنسوخ مؤبدًا اعتقادًا مقيدًا بعدم ورود] (3) ما يبطله، وهذا هو الواجب عليه الذي لا يمكنه سواه.
الوجه التاسع: أن إيجاب الشرط الملحق بالعبادة بعدها لا يكون نسخًا وإن تضمَّن رفع الأجزاء بدونه، كما صرَّح بذلك بعض أصحابكم (4) وهو الحق؛ فكذلك إيجاب كل زيادة، بل أولى أن لا تكون نسخًا؛ فإن إيجاب الشرط يرفع
__________
(1) انظر المسألة في: "الرسالة" (156) للشافعي، و"التبصرة" (264)، و"المنخول" (292)، و"المستصفى" (1/ 80)، و"أصول السرخسي" (2/ 67)، و"المحصول" (3/ 519)، و"الإحكام" (4/ 617) لابن حزم و (3/ 217) للآمدي، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (17/ 195 - 197)، و"الموافقات" (3/ 339)، و"البحر المحيط" (4/ 97 - 98)، و"المسودة" (251 - 214)، و"تيسير التحرير" (3/ 203)، و"كشف الأسرار" (3/ 175)، و"إرشاد الفحول" (191)، و"مذكرة في أصول الفقه" (84) للشنقيطي.
(2) في (ن): "لما جاء".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(4) انظر: "المستصفى" (1/ 117)، و"شرح العضد على المختصر" (2/ 202)، و"فواتح الرحموت" (2/ 92)، و"الزيادة على النص" (37 - 38) لسالم الثقفي، و"الزيادة على النص" (31 وما بعد) لعمر بن عبد العزيز.
(4/106)

إجزاء المشروط عن نفسه وعن غيره، وإيجاب الزيادة إنما يرفع إجزاء المزيد عن نفسه خاصة.
الوجه العاشر: أن الناس متفقون على أن إيجاب عبادة مستقلة بعد الثانية لا يكون نسخًا، وذلك أن الأحكام لم تُشرع جملةً واحدة، وإنما شرعها أحكم الحاكمين شيئًا بعد شيء، وكل منها زائد على ما قبله، وكان ما قبله جميع الواجب، والإثم محطوط عمَّن اقتصر عليه، وبالزيادة تغير هذان الحكمان؛ فلم يَبْقَ الأولُ جميعَ الواجب، ولم يحط الإثم عمن اقتصر عليه، ومع ذلك فليس الزائد ناسخًا للمزيد عليه؛ إذ حكمُه من الوجوب [وغيره] (1) باقٍ؛ فهكذا (2) الزيادة المتعلِّقة بالمزيد لا تكون نسخًا له (3)، حيث لم تَرفعْ حكمه، بل هو باقٍ على حكمه وقد ضم إليه غيره.
يوضحه الوجه الحادي عشر: أن الزيادة وإنْ (4) رفعت حكمًا خطابيًا كانت نسخًا، وزيادة التغريب وشروط الحكم وموانعه (5) لا ترفع حكمَ الخِطاب، وإن رفع حكم الاستصحاب.
يوضحه الوجه الثاني عشر: أن ما ذكروه من كون الأول جميع الواجب وكونه مُجْزئًا وحده وكون الإثم محطوطًا عن المقتصر عليه (6) إنما هو من أحكام البراءة الأصلية؛ فهو حكم استصحابي لم نستفده من لفظ الأمر الأول، ولا أُريد به؛ فإنَّ معنى كون العبادة مُجزئة أن الذمة بريئة بعد الإتيان بها، وحط الذم عن فاعلها معناه أنه قد خرج من عُهدة الأمر فلا يلحقه ذم، والزيادة وإن رفعت هذه الأحكام لم ترفع حكمًا دلَّ عليه لفظ المزيد.

[تخصيص القرآن بالسنة جائز]
يوضحه الوجه الثالث عشر: أن تخصيص القرآن بالسنة جائز؛ كما أجمعت
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في المطبوع و (ن): "فهذه".
(3) في المطبوع: "ناسخًا له".
(4) في المطبوع: "إن".
(5) بعدها في المطبوع "وحراحق" هكذا، قال (د): "كذا بالأصول، وربما كانت هذه الكلمة مصحفة عن "وجزائه" أو نحو ذلك".
وقال (و): "هكذا بكل نسخه"، ونحوه في (ط)، قلت: وهي ساقطة من (ق) ورسمها في (ك) غير واضح!!
(6) في المطبوع: "عمن اقنصر عليه".
(4/107)

الأمة على تخصيص قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" (1) وعموم قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يرث المسلمُ الكافر" (2) وعموم قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا قطع في ثَمرٍ ولا كَثَر" (3) ونظائر ذلك كثيرة؛ فإذا جاز التخصيص -وهو رفع بعض ما تناوله اللفظ؛ وهو نقصانٌ من معناه- فلأن تجوز الزيادة التي لا تتضمن رفع شيء من مدلوله ولا نقصانه بطريق الأوْلى والأحْرى.

[الزيادة لا توجب نسخًا]
الوجه الرابع عشر: أن الزيادة لا توجب رفع المزيد لغة ولا شرعًا ولا عرفًا ولا عقلًا، ولا تقول العقلاء لمن ازداد خيره أو ماله أو جاهه أو علمه أو ولده: إنه قد ارتفع شيء مما في الكيس، بل تقول في:
الوجه الخامس عشر: إن الزيادة قرَّرت حكم المزيد وزادته بيانًا وتأكيدًا؛ فهي كزيادة العلم والهدى والإيمان، قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، وقال: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22]، وقال: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]، وقال: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76] فكذلك زيادة الواجب على الواجب إنما تزيده قوةً وتأكيدًا وثبوتًا، فإن كانت متصلة به اتِّصال الجزاء والشرط كان ذلك أقوى له وأثبت وآكد، ولا ريبَ أن هذا
__________
(1) سبق تخريجه قريبًا.
(2) سبق -أيضًا- تخريجه قريبًا.
وقال (و): "بقيته: "ولا الكافر المسلم" رواه الجماعة، ويقول الشوكاني عن أحاديث الباب: إنها قاضية بأنه لا يرث المسلم من الكافر من غير فرق بين أن يكون حربيًا، أو ذميًا أو مرتدًا، فلا يقبل التخصيص إلا بدليل.
أقول: ونلمح من القرآن الكريم هذا المعنى؛ لأن الخطاب في آيات الميراث موجه للمؤمنين، (ولكم)، و (يوصيكم)، وهكذا" اه.
(3) سبق تخريجه مفصلًا.
وقال (د): قوله: "ولا كثر" هو بالفتح أو بالفتحتين: جمار النخل، وهو شحمهُ الذي في وسط النخلة، وهو شيء أبيض وسط النخلة يؤكل، وقيل: الكثر: الطعام أول ما يؤكل".
قلت: وهو بنصه في نسخة (ح) عدا قوله: "بالفتح"، ونحوه في (و)، و (ط).
(4/108)

أقرب إلى المعقولِ والمنقولِ والفطرةِ من جعل الزيادة مُبْطِلة للمزيد عليه ناسخة له.
الوجه السادس عشر: أن الزيادة لم تتضمن النَّهي عن المزيد ولا المنع منه، وذلك حقيقةُ النسخ، وإذا انتفت حقيقةُ النسخ استحال ثبوته.
الوجه السابع عشر: أنه لا بد في النَّسخ من تنافي الناسخ والمنسوخ، وامتناع اجتماعهما، والزيادة غير منافيةٍ للمزيد عليه ولا اجتماعهما ممتنعٌ.
الوجه الثامن عشر: أن الزيادة لو كانت نسخًا لكانت إما نسخًا (1) بانفرادها عن المزيد أو بانضمامها إليه، والقِسمان مُحال؛ فلا يكون نسخًا؛ أمَّا الأول فظاهر لأنها لا حكم لها بمفردها ألبتَّة؛ فإنها تابعة للمزيد في حكمه (2)، وأما الثاني فكذلك أيضًا؛ لأنها إذا كانت ناسخةً بانضمامها إلى المزيد كان الشيء ناسخًا لنفسه ومبطلًا لحقيقته، وهذا غير معقول، وأجاب بعضهم عن هذا بأن النسخ يقع على حكم الفعل دون نفسه وصورته، وهذا الجواب لا يُجدي عليهم شيئًا، والإلزام قائم بعينه؛ فإنه يُوجب أن يكون المزيد عليه قد نَسَخ حُكَم نفسه وجعل نفسه إذا انفرد عن الزيادة غير مجزئ بعد أن كان مجزئًا.
الوجه التاسع عشر: أن النُّقصانَ من العبادة لا يكون نسخًا لما بقي منها فكذلك الزيادة عليها لا تكونُ نسخًا لها، بل أولى؛ لما تقدم.
الوجه العشرون: أن نسخَ الزيادة للمزيد عليه؛ إما أن يكون نسخًا لوجوبه أو لإجْزائِه، أو لعدمِ وجوب غيره، أو لأمرٍ رابعٍ، وهذا كزيادة التغريب مثلًا على المئة جلدة، لا يجوز أن تكون ناسخة لوجوبها فإن الوجوب بحاله، ولا لإجزائها لأنها مجزئة عن نفسها، ولا لعدمِ وجوب الزائد لأنه رفع لحكم عقلي، وهو البراءة الأصلية؛ فلو كان رفعها نسخًا كان كُلَّما أوجب اللَّه شيئًا بعد الشهادتين قد نُسخ به ما قبله، والأمر الرابع غير متصور ولا معقول فلا يُحكم عليه.
فإن قيل: بل هاهنا أمر رابع معقول، وهو الاقتصار على الأول؛ فإنه نسخ بالزيادة، وهذا غير الأقسام الثلاثة.
فالجواب أنه لا معنى للاقتصار [على] (3) غير عدم وجوب غيره، وكونه
__________
(1) في (ك): "ناسخًا".
(2) في المطبوع: "تابعة للمزيد عليه في حكمه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4/109)

جميع الواجب، وهذا هو القسم الثالث بعينه غيَّرتم التعبير عنه وكسوتموه عبارة أخرى.
الوجه الحادي والعشرون: أن الناسخ والمنسوخ لا بد أن يتواردا على مَحلٍّ واحد يقتضي المنسوخ ثبوته والناسخ رفعه، أو بالعكس، وهذا غير متحقق في الزيادة على النص.
الوجه الثاني والعشرون: أن كُلَّ واحد من الزائد والمزيد عليه دليلٌ قائمٌ بنفسه مستقل بإفادة حكمه، وقد أمكن العملُ بالدليلين؛ فلا يجوز إلغاء أحدهما وإبطاله وإلقاء الحرب بينه وبين شقيقه وصاحبه؛ فإنَّ كل ما جاء (من عند) (1) اللَّه فهو حق يجب اتباعه والعمل به، ولا يجوز إلغاؤه وإبطاله إلا حيث أبطله اللَّه ورسولُه بنصٍ آخر ناسخ له لا يمكن الجمعُ بينه وبين المنسوخ، وهذا بحمدِ اللَّه منتفٍ في مسألتنا؛ فإن العمل بالدليلين ممكن، ولا تعارض بينهما ولا تناقض بوجه؛ فلا يسوغ لنا إلغاءُ ما اعتبره اللَّه ورسوله، كما لا يسوغ لنا اعتبار ما ألغاه، وباللَّه التوفيق.
الوجه الثالث والعشرون: أنه إن كان القضاءُ بالشاهد واليمين ناسخًا للقرآن وإثباتُ التغريب ناسخ للقرآن فالوضوء بالنبيذ أيضًا ناسخٌ للقرآن، ولا فرق بينهما ألبتَّة، بل القضاءُ بالنُّكول (2) ومعاقد القُمُط يكون ناسخًا للقرآن، وحينئذ فنسخ كتاب اللَّه بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا مَطْعن فيها أولى من نسخه بالرأي والقياس والحديث الذي لا يثبت (3)، وإن لم يكن نسخًا (4) للقرآن لم يكن هذا نسخًا له، وأما أن يكون هذا نسخًا وذاك ليس بنسخ فتحكُّم باطل وتفريقٌ بين المتماثلين (5).
الوجه الرابع والعشرون: أن ما خالفتموه من الأحاديث التي زعمتم أنها زيادة على نص القرآن إن كانت تستلزم نسخه فقطعُ رِجْل السارق في المرة الثانية (6) نسخ لأنه زيادة على القرآن، وإن لم يكن هذا نسخًا فليس ذلك نسخًا.
__________
(1) في (ك): "عن".
(2) في (ق): "والقضاء بالنكول".
(3) جميع الأحاديث المشار إليها سبق تخريجها، وقال (و): "لا ينسخ شيء من كتاب اللَّه بهذا، ولا بذاك، فهو المهيمن على كل كتاب وكل كلام".
(4) في المطبوع: "ناسخًا".
(5) في (د): "متماثلين".
(6) مضى تخريجه.
(4/110)

الوجه الخامس والعشرون: أنكم قلتم: لا يكون المهرُ أقل من عشرة دراهم (1)، وذلك زيادة على [ما في] (2) القرآن؛ فإنَّ اللَّه سبحانه أباح [اسْتحِلال] (2) البُضْع بكل ما يُسمَّى مالًا، وذلك يتناولُ القليل والكثير (3)، فزدتم على القرآن بقياسٍ في غايةِ الضَّعْف، وبخبرٍ في غاية البطلان؛ فإن جاز نسخ القرآن بذلك فلِمَ لا يجوز نسخه بالسنة الصحيحة الصريحة؟ وإن كان هذا ليس بنسخ لم يكن الآخر نسخًا.
الوجه السادس والعشرون: أنَّكم أوجبتم الطهارة للطواف بقوله: "الطَّوافُ بالبيت صلاةٌ" (4)، وذلك زيادة على القرآن؛ فإن اللَّه إنما أمر بالطواف ولم يأمر
__________
(1) قال (و): "أخرج مسلم [رقم (1405) (16)] عن أبي الزبير قال: سمعت جابرًا يقول: كنا نستمتع بالقُبْضَة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال البيهقي: وهذا وإن كان في نكاح المنعة، ونكاح المتعة صار منسوخًا فإنما فسخ منه شرط الأجل، فأما ما يجعلونه صداقًا، فإنه لم ير فيه نسخ.
وفي حديث رواه الجماعة: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، فقال: ما هذا؟ قال: تزوجت أمرأة على وزن نواة من ذهب، قال: بارك اللَّه لك، أولم ولو بشاة" وجزم الخطابي أنها كانت تساوي خمسة دراهم، واختاره الأزهري، ونقله عياض عن أكثر العلماء" اه.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) انظر: "زاد المعاد" (4/ 28 - 29)، "تهذيب السنن" (3/ 49 - 50).
(4) أخرجه الدارمي (1854، 1855)، والترمذي (960)، والبيهقي (5/ 85، 87) في "سننهم"، وابن خزيمة (2739)، وابن حبان (3836 - الإحسان) والحاكم (1/ 459 و 2/ 267) في "صحاحهم"، وابن الجارود في "المنتقى" (461)، وأبو يعلى في "المسند" (2599)، والطحاوي في "المشكل" (5973)، وابن عدي في "الكامل" (5/ 2001)، وأبو نعيم في "الحلية" (8/ 128) من طريق جرير عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس رفعه، بلفظ: "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنّكم تتكلَّمون فيه، فمن تكلَّم فيه فلا يتكلَّمن إلا بخير".
قال الترمذي: "وقد روي هذا الحديثُ عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب".
قلت: هنا أمور:
الأول: رواية جرير عن عطاء بعد الاختلاط.
الثاني: اضطرب عطاء في رفعه ووقفه، كما تراه في "المشكل" للطحاوي (9573)، و"نصب الراية" (3/ 58)، و"التلخيص الحبير" (2/ 138)، و"الإرواء" (121).
الثالث: أخرجه ابن سمويه في "فوائده" من طريق سفيان الثوري عن عطاء به، وسفيان روى عن عطاء قبل اختلاطه، ولذا حسن ابن حجر في "الأربعين العاليات" (رقم 42) هذا الحديث، بهذا الطريق. =
(4/111)

بالطهارة، فكيف لم تجعلوا ذلك نسخًا للقرآن وجعلتم القضاء بالشاهد واليمين والتغريب في حَدِّ الزنا نسخًا للقرآن؟
الوجه السابع والعشرون: إنَّكم مع الناس أوجبتم الاستبراء في جواز وطء المسبية بحديث ورد (1) زائدٌ على كتاب اللَّه، ولم تجعلوا ذلك نسخًا له، وهو الصواب بلا شك، فهلَّا فعلتم ذلك في سائر الأحاديث الزائدة على القرآن.
الوجه الثامن والعشرون: إنكم وافقتم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها بخبر الواحد (1)، وهو زائدٌ على كتاب اللَّه تعالى قطعًا (2)، ولم يكن ذلك نسخًا، فهلا فعلتم ذلك في خبر القضاء بالشاهد واليمين (1) والتغريب (1) ولم تعدُّوه نسخًا؟ وكل ما تقولونه في محل الوفاق يقوله لكم منازعوكم في محل النزاع حرفًا بحرف.
الوجه التاسع والعشرون: إنكم قلتم: لا يفطر المسافر ولا يقصر في أقل من ثلاثة أيام واللَّه تعالى قال: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، وهذا يتناول الثلاثة وما دونها (3)، فأخذتم بقياس ضعيف أو أثرٍ لا يثبت في التحديد بالثلاث، وهو زيادة على القرآن، ولم تجعلوا ذلك نسخًا، فكذلك الباقي.
الوجه الثلاثون: أنكم منعتم قَطْع من سَرقَ ما يُسرع إليه الفساد من الأموال
__________
= الرابع: وقع خلاف فيه على سفيان، فبعضهم رفعه، وبعضه أوقفه، وأخرج رواية الموقوف عنه عن عبيد اللَّه بن طاوس عن ابن عباس به: عبد الرزاق (9789)، والبيهقي (5/ 85).
الخامس: أخرج عبد الرزاق (9790)، والنسائي في "الكبرى" (3944)، والبيهقي (5/ 87) الموقوف من طريق إبراهيم بن ميسرة عن طاوس به.
السادس: الوقف له حكم الرفع، في حالة عدم صحته، وانظر: "تحفة المحتاج" (1/ 154).
السابع: اختلف في وقفه ورفعه اختلافًا شديدًا، وصححه مرفوعًا ابن السكن، وابن خزيمة وابن حبان، وصحح الوقف النسائي والبيهقي، وابن الصلاح، والنووي والمنذري، وقد فصَّل القول فيه الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (1/ 225)، وكأنه يميل إلى أن الوقف أولى، فإنه بعد أن رجح أحد طرق الحديث قال: إلا أني أظن أنَّ فيه إدراجًا.
وانظر: "نصب الراية" (3/ 57 - 58)، و"إرواء الغليل" (1/ 154)، وجزم بصحته مرفوعًا.
(1) كل هذه الأحاديث سبق تخريجها.
(2) في (ن)، و (ق): "على الكتاب قطعًا".
(3) انظر: "زاد المعاد" (1/ 133).
(4/112)

مع أنه سارق حقيقةً ولغةً وشرعًا؛ لقوله: "لا قَطْع في ثَمَر ولا كَثَر" (1)، ولم تجعلوا ذلك نسخًا للقرآن، وهو زائد عليه.
الوجه الحادي والثلاثون: إنكم رددتم السنن الثابتة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في المسح على العَمَامة (2)، وقلتم: إنها زائدة على نص الكتاب فتكون ناسخة له فلا تُقبل (3)، ثم ناقضتم فأخذتم بأحاديث المسح على الخُفَّين (4) وهي زائدة على القرآن، ولا فَرْق بينهما، واعتذرتم بالفرق بأن أحاديث المسح على الخفين متواترة بخلاف المسح على العمامة، وهو اعتذارٌ فاسد، فإن مَنْ له اطلاع على الحديث لا يشك في شهرة كُلٍّ منهما وتعدد طرقهما (5) واختلاف مخارجها وثبوتها عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قولًا وفعلًا.
الوجه الثاني والثلاثون: إنكم قبلتم شهادة المرأة الواحدة على الرَّضاع والولادة وعُيوب النِّساء (6)، مع أنه زائد على ما في القرآن، ولا يصح الحديثُ به صِحَّته بالشاهد واليمين، ورددتم (7) هذا ونحوه بأنه زائد على القرآن.
__________
(1) هذا الحديث سبق تخريجه.
(2) فيه حديث عمرو بن أمية الضَّمري: رواه البخاري في "الصحيح" (كتاب الوضوء): باب المسح على الخفين (1/ 308/ رقم 204، 205)، وفبه المسح على العمامة دون الناصية.
وقد ورد هذا أيضًا من حديث المغيرة بن شعبة لكن فيه المسح على الناصية والعمامة، وقد سبق تخريجه وفي الباب -أيضًا- عن سلمان الفارسي.
(3) انظر: "زاد المعاد" (1/ 49، 50)، و"تهذيب السنن" (1/ 112)، وكلامه في المطبوع مبتور.
(4) ورد من حديث جرير بن عبد اللَّه البجلي: رواه البخاري (387) في (الصلاة): باب الصلاة في الخفاف، ومسلم (272) في (الطهارة): باب المسح على الخفين.
ومن حديث المغيرة بن شعبة: رواه البخاري (182 و 203 و 206 و 363 و 388 و 2918 و 4421 و 5798 و 5799)، ومسلم (274).
ومن حديث حذيفة بن اليمان: رواه مسلم (273).
ومن حديث بلال: رواه مسلم (275).
ومن حديث علي بن أبي طالب: رواه مسلم (276).
هذه أحاديث الصحابة في المسح على الخفين، في "الصحيحين"، وقد ذكر الزيلعي رحمه اللَّه في "نصب الراية" (1/ 162 - 174) أحاديث جماعة من الصحابة، وخرَّجها وبين عللها؛ فلينظر فإنه هام.
(5) في المطبوع: "كل منها وتعدد طرقها"!.
(6) انظر: "الطرق الحكمية" (134 - ط المكتبة الأثرية) و"الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (4/ 549 مسألة 1816) وتعليقي عليه.
(7) في (ق) و (ك): "ورد".
(4/113)

الوجه الثالث والثلاثون: إنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في أنه لا يحرم أقل من خَمْس رَضْعات، ولا تُحرِّم الرَّضعة والرَّضعتان (1)، وقلتم: هي زائدة على القرآن، ثم أخذتم بخبرٍ لا يصح بوجه ما، في أنه لا قطع في أقل من عشرة دراهم أو ما يساويها (2)، ولم تَرَوه زيادة على القرآن، وقلتم: هذا بيان للفظ السارق؛ فإنه مجملٌ والرسول بيَّنه بقوله: "لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم" (2)، فياللَّه العجب! كيف كان هذا بيانًا ولم يكن حديث التحريم بخمس
__________
(1) التحريم بخمس رضعات: رواه مسلم (1452) في (الرضاع): باب التحريم بخمس رضعات، من حديث عائشة أم المؤمنين -رضي اللَّه عنها-.
وحديث الرضعة والرضعتان: رواه مسلم (1450) في (الرضاع): باب في المصة والمصتان، من حديث عائشة.
وفي الباب عن ابن الزبير، وقيل: عن الزبير.
(2) ورد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث أم أيمن.
أما حديث عمرو بن شعيب: فرواه أحمد في "مسنده" (2/ 204)، وابن حبان في "المجروحين" (1/ 288)، والدارقطني في "سننه" (3/ 192، 193)، وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (ص 455 رقم 609)، وإسحاق في "مسنده" -كما في "نصب الراية" (3/ 359) -، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (2/ 792 - 793) من طريق الحجاج عن عمرو بن شعيب به.
والحجاج بن أرطاة مدلس، وقالوا: أحاديثه عن عمرو دَلَّسها عن العرزمي إلا أربعة أحاديث.
ومما يؤيد هذا أني وجدت ابن حبان في "المجروحين" (2/ 247) يروي الحديث من طريق علي بن مُسْهِر عن العرزمي عن عمرو به، والعرزمي هذا متروك.
وقد خالف المثنى؛ فرواه عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن رجل من مزينة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والمثنى ضعيف.
وأما حديث ابن مسعود؛ فرواه الطبراني في "الأوسط" (7142)، وأبو نعيم في "مسند أبي حنيفة" (ص 214 - 215) من طريق أبي مطيع الحكم بن عبد اللَّه عن أبي حنيفة عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عنه مرفوعًا، وقال: لم يروه إلا الحكم.
وأبو مطيع هذا ضعيفٌ جدًا، قال أحمد: لا ينبغي أن يروى عنه، وهو متابع.
تابعه محمد بن الحسن الشيباني عن أبي حنيفة به.
رواه الدارقطني (3/ 193)؛ لكنه أُعل بالوقف.
فقد رواه الطبراني في "الكبير" (9742 و 9743) من طريقين عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود به موقوفًا.
وهو منقطع: القاسم بن عبد الرحمن لم يسمع من ابن مسعود. =
(4/114)

رضعات بيانًا لمُجملِ قوله: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23] ولا تأتون بعذر في آية القطع إلا كان مثله أو أولى منه في آية الرضاع سواءً بسواء.
الوجه الرابع والثلاثون: إنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمسح على الجَوْربين (1).
وقلتم: هي زائدة على القرآن (2)، وجَوَّزتم الوضوء بالخَمْر المحرَّمة من نبيذ التمر المسكر بخبر لا يثبت (3)، وهو خلاف القرآن.
__________
= وله طريق آخر عن ابن مسعود؛ رواه الطبراني أيضًا (7276)، وضعفه الهيثمي (6/ 274) بسليمان بن داود الشاذكوني.
والشاذكوني متروك، وفي إسناده أيضًا من لا يُعرف.
وأما حديث أم أيمن؛ فرواه الطبراني في "الكبير" (25/ 228)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3/ 163)، وفيه يحيى الحماني، وهو ضعيفٌ جدًا، وقد اختلف في إسناده كثيرًا، كما بَيَّن الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" (3/ 355 - 356)، فهذه طرق واهية لا يشد بعضها بعضًا، ثم هو مخالف للأحاديث الصحيحة في أن القطع يكون في ثلاثة دراهم.
(1) في هذا عن المغيرة بن شعبة، رواه ابن أبي شيبة (1/ 188)، وأحمد (4/ 252)، وأبو داود (159) في (الطهارة): باب المسح على الجوربين، والترمذي (99)، وابن ماجه (559) في (الطهارة): باب ما جاء في المسح على الجوربين، والنسائي في "الكبرى" (130)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 97)، والطبراني في "الكبير" (20/ 996)، وابن حبان (1338)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 283) من طرق عن سفيان عن أبي قيس الأودي عن الهذيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- توضأ ومسح على الجَوْربين والنعلين.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وقال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مسح على الخفين، وقال النسائي: لا نعلم أحدًا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة، أنه عليه السلام مسح على الخفين، ونقل البيهقي تضعيف هذه الرواية عن سفيان الثوري وابن مهدي وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، ومسلم بن الحجاج.
أقول: أبو قيس الأودي هذا من الثقات؛ لكنه خالف في هذا الحديث.
وفي الباب عن أبي موسى وبلال وعن جمع من الصحابة، انظر: "سنن البيهقي"، و"نصب الراية" (1/ 184 - 185)، وانظر: "الخلافيات" (3/ 236 وما بعد - بتحقيقي)، و"رسالة القاسمي" بتحقيق شيخنا الألباني، وتعليق المحدث أحمد شاكر.
(2) انظر رد المؤلف -رحمه اللَّه- على المخالفين في "تهذيب السنن" (1/ 121 - 123)، و"زاد المعاد" (1/ 50).
(3) تقدم تخريجه.
(4/115)

الوجه الخامس والثلاثون: إنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصوم عن المَيْت (1) والحجِّ عنه (2)، وقلتم: هو زائد على قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)} [النجم: 39] ثم جَوَّزتم أن تُعمل أعمال الحج كلها عن المُغمى عليه، ولم تروه زائدًا على قوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، وأخذتم بالسنة الصحيحة وأصبتم في حَمْل العاقلة الدية عن القاتل خطأ (3) ولم تقولوا هو زائد على قوله: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (4) [الأنعام: 164] {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} [الأنعام: 164] واعتذاركُم بأنَّ الإجماع ألجأكم إلى ذلك لا يفيد؛ لأن عثمان البتّي -وهو من فقهاء التابعين- يَرى أن الدية على القاتل (5)، وليس على العاقلة منها شيء، ثم هذا حجة عليكم أن تُجمع الأمة على الأخذ بالخبر وإن كان زائدًا على القرآن.
__________
(1) ورد من حديث عائشة، رواه البخاري (1952) في (الصوم): باب من مات وعليه صوم، ومسلم (1147) في (الصيام): باب قضاء الصيام عن الميت.
ومن حديث ابن عباس، رواه البخاري (1953)، ومسلم (1148).
وقرر المصنف أن الصحيح أنه يجزئ عنه صيام النذر دون صيام الفرض، وبَيّن سر الفرق في "تهذيب السنن" (3/ 278 - 282)، وانظر كتاب "الروح" (ص 120)، و"الموافقات" (3/ 198، 276 - بتحقيقي).
(2) ورد من حديث ابن عباس، رواه البخاري (1852) في (جزاء الصيد): باب الحج والنذور عن الميت، و (6699) في (الأيمان والنذور): باب من مات وعليه نذر، و (7315) في (الاعتصام): باب من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين.
وله ألفاظ أخرى عن ابن عباس فيها جواز الحج مطلقًا دون النذر بالحج، رواه النسائي (5/ 116) في (مناسك الحج): باب الحج عن الميت الذي لم يحج، و (5/ 118) باب تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين، وابن الجارود (498)، وابن خزيمة (3035)، والدارقطني (2/ 260).
وله في "سنن ابن ماجه" (2904) لفظ آخر من حديث ابن عباس أيضًا.
وروى مسلم (1149) في (الصيام): من حديث بُريدة قال: بينا أنا جالس عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أتته امرأة. . . قالت؟ إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت. . . ثم قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: حُجّي عنها، وانظر: "بدائع الفوائد" (4/ 121).
(3) مضى تخريجه.
(4) في "الأنعام: 164، والإسراء: 15، وفاطر: 18، والزمر: 7، أما في النجم: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38)} " (و).
(5) ذكر الجصاص في "مختصر اختلاف العلماء" (5/ 114) أن مذهبه كمذهب الشافعي: تحمل العاقلة قليل وكثير من قتل، وانظر: "الإشراف" (4/ 144 - بتحقيقي) للقاضي عبد الوهاب.
(4/116)

الوجه السادس والثلاثون: إنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في اشتراط المحرم أن يَحلَّ حيث حُبس (1) وقلتم: هو زائد على القرآن، فإن اللَّه أمر بإتمام الحج والعمرة، والإحلالُ خلاف الإتمام، ثم أخذتم وأصبتم بحديث تحريم لَبنِ الفَحْل (2)، وهو زائد على ما في القرآن قطعًا.
الوجه السابع (3) والثلاثون: ردُّكم السنة الثابتة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالوضوء من مَسِّ الفرج (4)، وأكل لحوم الإبل (5) وقلتم: ذلك زيادة على القرآن؛ لأن اللَّه تعالى، إنما ذَكَرَ الغَائط، ثم أخذتم بحديث ضعيف في إيجاب الوضوء من القهقهة (6)، وخبرٍ ضعيف في إيجابه من القيء (7)، ولم يكن إذا ذاك زائدًا على [ما
__________
(1) في هذا حديث عائشة، رواه البخاري (5089) في (النكاح): باب الأكفاء في الدين، ومسلم (1207) في (الحج): باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه. . .
قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لضباعة بنت الزبير: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني".
ورواه مسلم (1208) من حديث ابن عباس.
(2) رواه البخاري في مواطن منها (2644) في الشهادات باب الشهادة على الأنساب و (5103) في النكاح: باب لبن الفحل، ومسلم (1445) في الرضاع: باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، من حديث عائشة أم المؤمنين.
(3) في (ك): "السادس" ثم تابع الترقيم على هذا حتى آخر الوجوه.
(4) حديث: "من مس ذكره؛ فليتوضأ" صحيح، وقد سبق تخريجه مطولًا، وانظر "الخلافيات" (مسألة رقم 20 - بتحقيقي).
(5) رواه مسلم (360) في (الطهارة): باب الوضوء من لحوم الإبل، من حديث جابر بن سمرة.
وفي الباب عن البراء، رواه أحمد (4/ 288)، وأبو داود (184)، والترمذي (81)، وابن ماجه (494).
(6) أحاديث إيجاب الوضوء من القهقهة قد رُوِيَتْ عن جماعة من الصحابة، وكلها واهية لا تقوم بها حجة، انظرها مفصلة في "الخلافيات" (2/ 361) وتعليقي عليها، و"نصب الراية" (1/ 47 - 54).
وفي (ق) و (ك): "الوضوء بالقهقهة".
(7) إيجاب الوضوء من القيء فيه أحاديث قال عنها البيهقي في "الخلافيات" (2/ 324): "سقيمة، رويت بأسانيد واهية": منها:
حديث عائشة: رواه ابن ماجه (1221) في (إقامة الصلاة): باب ما جاء في البناء على الصلاة، وابن عدي (1/ 292 - 293 و 5/ 1928)، ومحمد بن الحسن في "الحجة على أهل المدينة" (1/ 69)، والدارقطني (1/ 153 و 154) والبيهقي (1/ 142)، و"المعرفة" (215)، و"الخلافيات" (619)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (608)، من طريق إسماعيل بن عياش تارة يرويه عن ابن جريج عن أبيه عن عائشة، وتارة عن ابن =
(4/117)

في] (1) القرآن إذ هو قول متبعوكم؛ فمن العجب إذا قال من قلَّدتموه قولًا زائدًا على ما في القرآن قَبلتموه وقُلتم: ما قاله إلا بدليل، وسهل عليكم مخالفة ظاهر القرآن حينئذ، وإذا قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قولًا زائدًا على ما في القرآن قلتم: هذا زيادةٌ على النص، وهو نسخ، والقرآن لا يُنسخ بالسنة، فلم تأخذوا به، واستصعبتم خلافَ ظاهرِ القرآن، فهان خلافه إذا وَافَقَ قولَ من قلَّدتموه، وصعب خلافه إذا وافق قول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
__________
= جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة، وتارة عن ابن جريج عن أبيه مرسلًا.
وتارة عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس، وهذه الرواية الأخيرة في "كامل ابن عدي" (1/ 293 و 5/ 1928)، وقد أعله ابن عدي والدارقطني والبيهقي بإسماعيل بن عياش حيث إنه ضعيف الرواية عن العراقيين والحجازيين، ورجحوا جميعًا الإرسال، أي: عن ابن جريج عن أبيه مرسلًا، كما خرجته في التعليق على "الخلافيات" (2/ 327، 333 - 334).
وممن رجح الإرسال الذهلي -كما نقله الدارقطني (1/ 155) -، وأبو حاتم؛ كما نقله عنه ابنه في "العلل" (1/ 31)، وأبو زرعة أيضًا (1/ 179)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (2/ 255)، وفي "الخلافيات" (2/ 326 - 327) وغيرهم.
ورواه الدارقطني (1/ 154)، ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (620) من طريق إسماعيل بن عياش عن عباد بن كثير، وعطاء بن عجلان عن ابن أبي مليكة عن عائشة به.
وقال: عباد بن كثير، وعطاء بن عجلان ضعيفان.
أقول: بل ضعفهما شديد؛ كما بينته في تعليقي على "الخلافيات" (2/ 333).
ورواه الدارقطني (1/ 155)، ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (621) من طريق سليمان بن أرقم عن ابن جريج عن أبيه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وسليمان هذا متروك، انظر له: "الخلافيات" (2/ 330 - 331)، وتعليقي عليه.
ومنها: حديث أبي سعيد الخدري: رواه الدارقطني في "سننه" (1/ 157) من طريق أبي بكر الداهري عن حجاج عن الزهري عن عطاء بن يزيد عنه.
وقال: أبو بكر الداهري عبد اللَّه بن حكيم متروك الحديث.
أقول: وقال ابن حبان: يضع الحديث.
ومنها: حديث أبي الدرداء: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قاءَ فتوضأ. . .
وهذا قد وقع فيه اضطراب، انظره في "الخلافيات" (659، 660)، وتعليقي عليه، و"نصب الراية" (1/ 40 - 41)، و"إرواء الغليل" (1/ 147 - 148)، وهذا ليس صريحًا في إيجاب الوضوء إذ إنه من فعله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد يكون فعله للاستحباب.
وفي الباب عن ثوبان وأبي هريرة وعلي، انظر: "الخلافيات" (658، 661، 663، 665، 667)، وانظر كلام ابن القيم عن القيء والعفو عن يسيره في "إغاثة اللهفان" (1/ 151).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4/118)

الوجه الثامن والثلاثون: إنكم أخذتم بخبر ضعيفٍ لا يثبت في إيجاب المضمضة والاستنشاق في الغسل من الجنابة (1)، ولم تروه زائدًا على القرآن، ورددتم السنة الصحيحة الصريحة في أمر المتوضئ بالاستنشاق (2)، وقلتم: هو زائد على القرآن، فهاتوا لنا الفَرْق بين ما يقبل من السنن الصحيحة، وما يرد منها فإمَّا أن تقبلوها كلها، وإن زادت على القرآن وإما أن تردوها كلها إذا كانت زائدة على القرآن وأما التحكّم في قبول ما شئتم منها ورد ما شئتم، [مما لم] (3) يأذن به اللَّه ولا رسوله، ونحن نشهد اللَّه شهادة يسألنا عنها يوم نلقاه أنا لا نردُّ
__________
(1) رواه ابن عدي في "الكامل" (1/ 479)، والدارقطني في "سننه" (1/ 115)، والبيهقي في "المعرفة" (رقم 277)، و"الخلافيات" (783، 784)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (1/ 81)، وعزاه الزيلعي (1/ 78) للبيهقي في "سننه" ولم أجده.
كلهم من طريق بركة بن محمد الحلبي حدثنا يوسف بن أسباط عن الثوري عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا.
وقال ابن عدي: "لم يروه موصولًا بهذا الإسناد غير بركة".
وقال الدارقطني: هذا باطل ولم يحدث به إلا بركة، وبركة هذا يضع الحديث، والصواب حديث وكيع الذي كتبناه قبل هذا مرسلًا عن ابن سيرين أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سن الاستنشاق ثلاثًا.
وتابع وكيعًا: عبيد اللَّه بن موسى وغيره.
ونحوه في "العلل" (8/ 105) له، وكذا عنه ابن عدي والبيهقي، ولا سيما في "الخلافيات" (2/ 438 - 441)، وابن حبان في "المجروحين" (2/ 97).
والرواية المرسلة عن وكيع عند ابن أبي شيبة (1/ 67)، والدارقطني (1/ 115)، والبيهقي في "الخلافيات" (2/ 788)، ورواية عبيد اللَّه بن موسى، عند الدارقطني (1/ 115).
وله طريق آخر: رواه ابن الجوزي في "الموضوعات" (1/ 81) من طريق سليمان بن الربيع حدثنا همام بن مسلم عن الثوري عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة.
وقال: فيه همام بن مسلم ولعله سرقه.
وقال ابن حبان: كان يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، ويسرق الحديث فبطل الاحتجاج به.
وفيه سليمان بن الربيع، قال الدارقطني: ضعيفٌ غيَّر أسماء مشايخ وروى عنهم مناكير.
(2) رواه البخاري (161) في (الوضوء): باب الاستنثار في الوضوء، و (162) في الاستجمار وِترًا، ومسلم (237) في (الطهارة): باب الإيتار في الاستنثار والاستجمار من حديث أبي هريرة، ولفظ بعض طرقه: "فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "منها فما لم".
(4/119)

لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سنة واحدة صحيحة أبدًا إلا بسنة صحيحة مثلها نعلم أنها ناسخة لها.
الوجه التاسع والثلاثون: إنكم رددتم السنة الصحيحة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في القَسْم للبكر سبعًا يُفضّلها بها على مَنْ عنده من النساء وللثيّب ثلاثًا إذا أَعرس بهما (1) وقلتم: هذا زائد على العَدْل المأمور به في القرآن ومخالف له، فلو قبلناه كنا قد نسخنا به القرآن (2)، ثم أخذتم بقياس فاسد واهٍ لا يصح في جواز نكاح الأمة لواجد الطَّوْل غير خائف العَنَت إذا لم تكن تحته حُرَّة، وهو خلاف ظاهر القرآن وزائد عليه قطعًا.
الوجه الأربعون: ردكم السنة الثابتة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بإسقاط نَفقةِ المبتوتة وسُكناها (3)، وقلتم: هو مخالف للقرآن، فلو قبلناه كان نسخًا للقرآن به، ثم أخذتم بخبر ضعيفٍ لا يصح "أن عِدَّة الأمة قرءان وطلاقها طلقتان" (4) مع كونه زائدًا على ما في القرآن قطعًا.
__________
(1) رواه البخاري (5214) في (النكاح): باب إذا تزوج البكر على الثيب، و (5214) باب إذا تزوج الثيب على البكر، ومسلم (1461) في (الرضاع): باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف، من حديث أنس قال: السنة إذا تزوج البكر أقام عدها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا.
قال أحد الرواة: ولو قلت: إنه رفعه؛ لصدقت.
وفي حديث أم سلمة في "صحيح مسلم" أيضًا (1460) قال لها -صلى اللَّه عليه وسلم-: ليس بك هوان على أهلك إن شئت سبعت عندك، وإن شئت ثلثت ثم رددتُ، قالت: ثلث.
(2) انظر: "زاد المعاد" (3/ 147 و 4/ 18 - 20).
(3) رواه مسلم (1480) في (الطلاق): باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، من حديث فاطمة بنت قيس، وقد تقدم.
(4) ورد من حديث عائشة وابن عمر وابن عباس.
أما حديث عائشة: فرواه الدارمي (2299) وأبو داود (2189) في (الطلاق): باب في سنة طلاق العبد، والترمذي (1182) في (الطلاق): باب ما جاء أن طلاق الأمة تطليقتان، وابن ماجه (2080) في (الطلاق): باب في طلاق الأمة وعدتها، وابن عدي في "الكامل" (6/ 2441 - 2442)، والطبراني في "الأوسط" (6749)، والدارقطني (4/ 392)، والحاكم (2/ 205)، وابن الجوزي في "العلل" (107)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (7/ 370، 426)، وعزاه الزيلعي في "نصب الراية" (3/ 226) للعقيلي في "الضعفاء" -ولم أجده في طبعَتيْه- كلهم من طرق عن مُظَاهِر بن أسْلَم عن القاسم عن عائشة مرفوعًا: "طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان".
وقال الحاكم في "المستدرك": "مظاهر بن أسلم شيخ من أهل البصرة، لم يذكره أحد =
(4/120)

الوجه الحادي والأربعون: ردكم السنة الثابتة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في تخيير ولي الدم [بين] (1) الدية أو القود أو العفو (2). . . . .
__________
= من متقدمي مشايخنا بجرح، فإذن الحديث صحيح"، ووافقه الذهبي!! مع أنه قد ذكر مظاهرًا هذا في "ميزانه"، ونقل تضعيفه عن جمع.
ومظاهر هذا ليس له إلا حديثين، ذكرهما ابن عدي في "الكامل"، وقال: يعرف مظاهر بحديث الأمة.
وقال أبو داود: هذا حديث مجهول.
وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث مظاهر ولا نعرف له غير هذا الحديث.
ونقل الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري قال: "الصحيح عن القاسم خلاف هذا" ثم روى بإسنادين عن القاسم أنه لا يعلم في كتاب اللَّه ولا في سنة رسوله عن عدة الأمة شيئًا، مما يدل على وهم مظاهر هذا، ولهذا قال ابن كثير في "تفسيره" (1/ 396): ومظاهر هذا ضعيف بالكلية.
وأما حديث ابن عمر: فرواه ابن ماجه (2079)، وابن عدي (5/ 1691)، والدارقطني (4/ 38)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (7/ 369) والمزي في "تهذيب الكمال" (21/ 394) من طريق عمر بن شبيب عن عبد اللَّه بن عيسى عن عطية العوفي عنه مرفوعًا: "طلاق الأمة اثنتان، وعدّتها حيضتان".
وهذا إسناد ضعيفٌ، عمر بن شبيب، وعطية ضعيفان.
قال الدارقطني: تفرد به عمر بن شبيب، وكان ضعيفًا، والصحيح عن ابن عمر ما رواه سالم ونافع عنه من قوله.
وموقوف ابن عمر: رواه مالك في "الموطأ" (2/ 574)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (7/ 425)، والدارقطني (4/ 38)، وقال بعد روايته: وكذلك رواه الليث، وابن سعد، وابن جريج، وغيرهما عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، وهذا هو المطلوب.
وحديث عبد اللَّه بن عيسى عن عطية ضعيف، وسالم ونافع أثبت منه وأصح رواية.
والوجه الآخر أن عمر بن شبيب ضعيف الحديث لا يحتج بروايته، واللَّه أعلم.
وأما حديث ابن عباس: فرواه الحاكم في "المستدرك" (2/ 205) بعد أن روى حديث عائشة المتقدم، قال أبو عاصم: فذكرته لمظاهر بن أسلم فقلت: حدثني كما حدثت ابن جريج، فحدثني مظاهر عن القاسم عن ابن عباس، فذكره.
أقول: وهذا أيضًا من تخاليط مظاهر كما تقدم.
وانظر كلام ابن القيم -رحمه اللَّه- في "زاد المعاد" (4/ 194/ 202).
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "في".
(2) ورد هذا من حديث أبي هريرة، وأبي شريح الخُزاعي.
أما حديث أبي هريرة: فرواه البخاري في (العلم): (112) باب كتابة العلم، و (2434) في (اللقطة): باب كيف تعرف لقطة أهل مكة و (6880) في (الديات): باب =
(4/121)

بقولكم: "إنها زائدة (1) على ما في القرآن، ثم أخذتم بقياسٍ من أفسد القياس"، إنه لو ضربه بأعظم دَبّوس يوجد حتى يَنْثَر دماغه على الأرض فلا قَوَد عليه، ولم تَرَوْا دْلك مخالفًا لظاهر القرآن، واللَّه تعالى يقول: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45]، ويقول: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194].
الوجه الثاني والأربعون: إنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: "لا يقتل مسلم بكافر" (2)، وقوله: "المؤمنون (3) تتكافأ دماؤُهم" (4)، وقلتم: هذا
__________
= من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، ومسلم (1355) في (الحج) باب تحريم مكة وصيدها، وأبو داود (4505) في (الديات)، والترمذي (1405) في (الديات): باب ما جاء في حكم ولي القتيل في القصاص والعفو، والنسائي (8/ 38) في (القسامة): باب هل يؤخذ من قاتل العمد الدية إذا عفا ولي المقتول عن القود، وابن ماجه (2624) في (الديات): باب من قتل له قتيل فهو بالخيار، والحديث طويل في تحريم مكة، وفيه: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين"، وقد اختلفت الروايات في تعيين الأمرين، ففي الكتب الخمسة، التخيير بين الدية والقصاص، وعند الترمذي: إما العفو أو القتل. قال ابن حجر في "الفتح": (12/ 207): وعند الترمذي: فإما أن يعفو وإما أن يقتل، والمراد العفو على الدية جمعًا بين الروايتين.
قلت: وفي حديث أبي شريح الذي رواه أبو داود (4496) في أول الديات، وابن ماجه (2623) من طريق ابن إسحاق عن الحارث بن فضيل عن سفيان بن أبي العوجاء عنه أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أصيب بقتل أو خبْل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية".
أقول: وابن إسحاق مدلس، وسفيان ضعيف، وله طريق آخر رواه أبو داود (4504)، والترمذي (1406) من طريق يحيى بن سعيد، حدثنا ابن أبي ذئب، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد قال: سمعت أبا شريح الكعبي يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فمن قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: أن يأخذوا العقل أو يقتلوا" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وفي الباب أيضًا عن عمرو بن شعيب عن أبيه جَدِّه، وإسناده جَيِّد؛ انظره في "رسالة عمرو بن شعيب عن أبيه جده" (42)، وهو في التخيير بين القود والدية.
فرجع الأمر إذن إلى التخيير بين الدية والقتل، وانظر: "نصب الراية" (3/ 351).
(1) في (ق): "زيادة".
(2) قوله: لا يقتل مسلم بكافر: رواه البخاري (6915) في (الديات): باب لا يقتل المسلم بكافر، من حديث علي.
(3) أشار في هامش (ق): إلى أنه في نسخة: "المسلمون".
(4) رواه أبو داود (3751) في (الجهاد): باب في السرية ترد على أهل العسكر، و (4531) في (الديات): باب أيقاد المسلم بالكافر؟، وأحمد في "مسنده" (2/ 211 و 215)، وابن الجارود في "المنتقى" (1073)، والخطابي في "غريب الحديث" (1/ 553) من طرق عن =
(4/122)

خلاف ظاهر القرآن؛ لأن اللَّه تعالى يقول: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] وأخذتم بخبر لا يصح عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنه: "لا قَوَد إلا بالسَّيف" (1)، وهو (2) مخالف لظاهر القرآن؛ فإنه سبحانه قال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، وقال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (3) [البقرة: 194].
الوجه الثالث والأربعون: إنكم أخذتم بخبر لا يصح عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في أنه: "لا جمعة إلا في مِصْرٍ جامع" (4)، وهو مخالف لظاهر القرآن قطعًا وزائد عليه، ورددتم الخبر الصحيح الذي لا شك في صحته عند أحدٍ من أهل العلم في أن كل بيَّعين فلا بيَع بينهما حتى يتفرقا (5)، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في وجوب الوفاء بالعقد.
الوجه الرابع والأربعون: إنكم أخذتم بخبر ضعيف: "لا تُقطع الأيدي في الغَزْو" (6)، وهو زائد على القرآن، وعدّيتموه إلى سقوط الحدود على مَنْ فَعَل أسبابها في دار الحرب، وتركتم الخبر الصحيح الذي لا ريبَ في صحته في المُصرَّاة (7)، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن من عدة أوجه.
__________
= عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهذا إسناد جَيّد.
وله شاهد أيضًا من حديث علي بن أبي طالب، رواه أبو داود (4530)، والنسائي (8/ 19 - 20، 24) في (القسامة) وإبراهيم بن طهمان في "مشيخته" (رقم 51) وابن أبي عاصم في "الديات" (رقم 122) والدارقطني (3/ 98).
(1) سبق تخريجه.
(2) في (ق): "فإنه".
(3) انظر: "تهذيب السنن" (6/ 330)، و"الصواعق المرسلة" (1/ 146)، و"مفتاح دار السعادة" (ص 435).
(4) أخرجه عبد الرزاق (8/ 168 رقم 5177) وابن أبي شيبة (2/ 101) وأبو بكر المروزي في "الجمعة وفضلها" (رقم 71) وابن المنذر في "الأوسط" (4/ 27) والطحاوي في "مشكل الآثار" (2/ 53) وابن عدي (1/ 287) والبيهقي (3/ 179) عن علي قوله.
قال البيهقي: "وهذا إنما يروى عن علي موقوفًا، فأما النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فإنه لا يروى عنه في ذلك شيء".
وقال الزيلعي في "نصب الراية": (2/ 195): "غريب مرفوعًا، وإنما وجدناه موقوفًا على علي".
ومصطلح الزيلعي (غريب)، فيما لم يظفر به، كما صرح هو بذلك.
(5) هو حديث: "البيعان بالخيار حتى يتفرقا. . . "، وتقدم تخريجه.
(6) تقدم تخريجه.
(7) حديث المصراة: أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب البيوع): باب النهي للبائع أن لا =
(4/123)

الوجه الخامس والأربعون: إنكم أخذتم بخبر ضعيفٍ -بل باطل- في أنه لا يُؤكل الطافي من السَّمك (1)، وهو خلاف ظاهر القرآن؛ إذ يقول تعالى: {أُحِلَّ
__________
= يحفِّل الإبل والبقر (4/ 361/ رقم 2150)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب البيوع): باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه (3/ 1155/ رقم 1515)، وباب حكم بيع المصراة (3/ 1158 - 1159/ رقم 1524).
(1) هو حديث: "ما ألقاه البحر أو جزَر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه".
وهو حديث يرويه أبو الزبير عن جابر، واختلف في رفعه ووقفه.
فرواه أبو داود (3815) في (الأطعمة): باب في أكل الطافي من السمك، ومن طريقه الدارقطني (4/ 268) أو (رقم 4620)، والبيهقي (9/ 255 - 256)، وابن ماجه (3247) في (الذبائح): باب الطافي من صيد البحر، وابن عدي في "الكامل" (7/ 2676) والطبراني في "الأوسط" (3/ رقم 2880) والطحاوي في "المشكل" (10/ رقم 4028) وابن الجوزي في "التحقيق" (2/ رقم 1945) من طريق يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا به.
قال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب وحماد عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا، أوقفوه على جابر.
وقال الدارقطني: "رواه غيره -أي غير يحيى بن سليم-، موقوفًا".
وقال البيهقي: يحيى بن سُليم الطائفي كثير الوهم سيء الحفظ.
أقول: يحيى وإن روى له الشيخان، إلا أنه فيه كلام، وقد اضطرب فيه أيضًا، فرواه عن إسماعيل عن نافع عن ابن عمر، ذكره المزي في "تحفة الأشراف" (2/ 287).
وقد خولف أيضًا؛ إذ رواه إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير به موقوفًا، أخرجه الدارقطني (4/ 268)، أو (رقم 4620 - بتحقيقي)، وقال: وهو الصحيح.
ورواه الدارقطني (4/ 268) (أو رقم 4619 - بتحقيقي)، ومن طريقه البيهقي (9/ 255) من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا، وقال الدارقطني: لم يسنده عن الثوري غبر أبي أحمد، وخالفه وكيع، والعَدَنِيَّان، وعبد الرزاق ومؤمل، وأبو عاصم وغيرهم عن الثوري رووه موقوفًا، وهو الصواب، وكذلك رواه أيوب السختياني وعبيد اللَّه بن عمر، وابن جريج وزهير وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبي الزبير موقوفًا. وانظر: "إتحاف المهرة" (3/ 405).
قلت: وأبو أحمد هذا ثقة ثبت؛ إلا أنه يخطئ في حديث الثوري كما قال الإمام أحمد وغيره، كما في "التهذيب" (9/ 227).
ورواه الترمذي في "العلل الكبير" (2/ 636 رقم 260) والخطيب في "تاريخ بغداد" (10/ 148) من طريق ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا.
قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: ليس بمحفوظ، ويُروى عن جابر خلاف هذا، ولا أعرف لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئًا، ذكر هذا الزيلعي في "نصب الراية" (4/ 203). =
(4/124)

لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96] فصيدُه ما صِيدَ منه حيًا، وطعامُه قال أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: هو ما مات فيه، صح ذلك عن الصِّدِّيق (1)، وابن عَبَّاس (2) وغيرهما، ثم تركتم الخبر الصحيح المصرح بأن مَيْتته حلال (3) مع موافقته لظاهر القرآن.
__________
= ورواه عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا كذلك يحيى بن أبي أنيسة وهو متروك.
ورواه بقية بن الوليد عن الأوزاعي عن أبي الزبير به، ولا يحتج بما ينفرد به بقية فكيف بما خالف فيه؟ ذكر هذا البيهقي في "سننه"، وأسنده من طريق بقية الدينوري في "المجالسة" (رقم 3498).
وله طريق آخر عن جابر: رواه ابن عدي (5/ 1923)، والدارقطني (4/ 267) أو (رقم 4618 - بتحققي) والطحاوي في "المشكل"، (4026، 4027) و"أحكام القرآن" -كما في "الجوهر النقي" (9/ 256) - وابن الجوزي في "التحقيق" (رقم 1943) و"العلل المتناهية" (2/ 664) وفيه عبد العزيز بن عبيد اللَّه، وهو واهي الحديث؛ كما قال أبو حاتم في "العلل" لابنه (2/ 46)، وانظر -غير مأمور- تعليقي على "المجالسة" (8/ 201 - 205).
(1) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (5/ 380 - 381)، وعبد الرزاق (رقم 8654)، والدارقطني في "سننه" (4/ 269) أو (رقم 4626 - بتحقيقي)، ومن طريقه البيهقي في "سننه الكبرى" (9/ 253) من طريق سفيان الثوري عن عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها، وفي رواية: أنه أكل السمك الطافي على الماء.
وهذا إسناد صحيح.
وله طرق أخرى في "سنن الدارقطني" (4/ 270) أو (الأرقام 4627 - 4632 - بتحقيقي).
وعلقه البخاري في "صحيحه" قبل حديث (5493).
وفي (ق): "أبي بكر الصديق".
(2) رواه ابن أبي شيبة (5/ 383)، وسعيد بن منصور (رقم 833) (أجزاء التفسير)، والطبري في "تفسيره" (11/ 64 - 65)، والدارقطني في "سننه" (4/ 270) أو (رقم 4628 - بتحقيقي)، والبيهقي (5/ 208 و 9/ 255) من طرق وألفاظ عنه.
(3) رواه أبو عبيد في "الطهور" (236 - بتحقيقي)، وابن عدي في "الكامل" (6/ 2418)، والدارقطني في "سننه" (1/ 35)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 143) من طريق الهقل بن زياد عن المثنى بن الصَّبَّاح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه به، وزاد؛ وماؤه طهور.
وهذا إسناد ضعيفٌ جدًا، المثنى بن الصباح قال أبو حاتم وأبو زرعة: ليّن الحديث، وقال النسائي: متروك.
ووقع في إسناد الحاكم: "الأوزاعي" بدل المثنى، قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (1/ 12): "وهو غير محفوظ". =
(4/125)

الوجه السادس والأربعون: إنكم أَخذتم وأصبتم بحديث تحريم كل ذي ناب من السِّباع ومَخْلب من الطَّير (1)، وهو زائد على ما في القرآن، ولم تروه ناسخًا، ثم تركتم حديث حل لحوم الخَيْل الصحيح الصريح (2)، وقلتم: هو مخالف لما في القرآن (3) زائد عليه، وليس كذلك.
الوجه السابع والأربعون: إنكم أخذتم بحديث المنع من توريث القاتل (4) مع أنه زائد على القرآن، وحديث عدم القَوَد على قاتل وَلَده (5)، وهو زائد على ما في القرآن، مع أن الحديثين ليسا في الصحة بذاك، وتركتم الأخذ بحديث إعتاق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لصفية وجَعَل عِتْقَها صدَاقَها (6) فصارت بذلك زوجة، وقلتم: هذا خلاف ظاهر القرآن، والحديثُ في غاية الصحة.
الوجه الثامن والأربعون: إنكم أخذتم بالحديث الضعيف الزائد على ما في
__________
= ورواه الدارقطني (1/ 37) من طريق إسماعيل بن عيَّاش عن المثنى عن عمرو بن شعيب به.
وإسماعيل حديثه صحيح عن الشاميين، والمثنى من أهل الحجاز فروايته ضعيفة بالإضافة إلى ضعف المثنى.
وفي الباب عن أبي هريرة، وهو صحيح، كما سيأتي في التعليق على (3/ 405)، وتخريجه مطولًا هناك، مع سرد من صَحَّحه من أئمة الحديث، واللَّه الموفق.
(1) رواه مسلم (1934) في (الصيد): باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع من حديث ابن عباس.
(2) في هذا أكثر من حديث، منها حديث جابر. . وأذن في لحوم الخيل: رواه البخاري (4219) في (المغازي): باب غزوة خيبر، و (5520) في (الذبائح): باب لحوم الخيل، و (5524) باب لحوم الحمر الإنسية، ومسلم (1941) في (الصيد): باب أكل لحوم الخيل.
ومنها حديث فاطمة بنت المنذر: رواه البخاري (5519) في (الصيد): باب النحر والذبح، ومسلم (1942)، وجمع ابن فطلوبغا أحاديث الباب في رسالة مفردة وهي مطبوعة بعنوان: "حكم الإسلام في لحوم الخيل".
(3) في (ق): "كتاب اللَّه".
(4) مضى تخريجه قريبًا.
(5) مضى تخريجه.
(6) رواه البخاري (371) في (الصلاة): باب ما يذكر في الفخذ، و (947) في (صلاة الخوف): باب التكبير والغلس بالصبح، و (4200 و 4201) في (المغازي): باب غزوة خيبر، و (5086) في (النكاح): باب من جعل عتق الأمة صداقها، و (5169) في باب الوليمة ولو بشاة، ومسلم (1365) (ص 1043)، و (1365) (85) (ص 1045) في (النكاح): باب فضيلة إعتاق أمة ثم يتزوجها، من حديث أنس مطولًا ومختصرًا.
(4/126)

القرآن، وهو: "كلُّ طلاقٍ جائز إلا طلاق المعتوه" (1)، فقلتم (2): هذا يدل على وقوع طلاق المكره والسَّكران، وتركتم السنةَ الصحيحة التي لا ريبَ في صحتها فيمن وَجَد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحقُّ به (3)، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن بقوله: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188] والعجب أن ظاهر القرآن مع الحديث متوافقان متطابقان؛ فإنَّ منعَ البائع من الوصول إلى الثمن وإلى عَيْن ماله إطعام له (4) بالباطل الغرماء؛ فخالفتم ظاهر القرآن مع السنة الصحيحة الصريحة.
الوجه التاسع والأربعون: إنكم أخذتم بالحديث الضعيف، وهو: "مَنْ كان له إمامٌ فقراءة الإمام له قراءة" (5)، ولم تقولوا هو زائد على القرآن في قوله: {وَأَنْ
__________
(1) رواه الترمذي (1191) في (الطلاق): باب ما جاء في طلاق المعتوه، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (1069)، من طريق مروان بن معاوية الفزاري عن عطاء بن عجلان عن عكرمة بن خالد عن أبي هريرة مرفوعًا به، وزاد: "المغلوب على عقله".
وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وعطاء بن عجلان ضعيفٌ ذاهب الحديث.
ورواه ابن عدي في "الكامل" (5/ 2003) من طريق إسماعيل بن عياش عن عطاء بن عجلان به، لكنه قال: عن ابن عباس، فلا أدري هل هذا من تخاليط عطاء بن عجلان أم أن هنالك خطأ مطبعيًا؟!
وعطاء هذا قال فيه البخاري: منكر الحديث، وكذَّبه بعضهم، وقال الحافظ في "الفتح" (9/ 345): حديث ضعيفٌ جدًا.
والصحيح أنه موقوف على علي، فقد علقه البخاري في "صحيحه" قبل حديث (5269)، ووصله عبد الرزاق (11415)، وسعيد بن منصور في "سننه" (1113، 1114، 1115، 1116) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (3/ 187) وأبو القاسم البغوي في "الجعديات" (رقم 764، 765، 766، 2549)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 395) وابن حجر في "تغليق التعليق" (4/ 458، 459)، وإسناده صحيح.
(2) في (ق): "فقالوا".
(3) رواه البخاري (2402) في (الاستقراض): باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض، ومسلم (1559) في (المساقاة): باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس، من حديث أبي هريرة.
(4) في (ق): "إطعام لماله".
(5) هذا الحديث له طرق كثيرة كلها ضعيفة، لا أطيل بذكرها، ارجع إليها مفصلة في "نصب الراية" (2/ 7 - 12)، وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (1/ 420): "مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة وكلها معلولة". =
(4/127)

لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، وتركتم الحديث الصحيح في بقاء الإحرام بعد الموت وأنه لا ينقطعُ به (1)، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في قوله: {هَلْ (2) تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 90]، وخلاف ظاهر قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا مات ابنُ آدم انقطعَ عنه عملُه إلا من ثلاث" (3).
الوجه الخمسون: رد السنة الثابتة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في وجوب الموالاة، حيث أمر الذي ترك لمعة (4) من قدمه بأن يعيد الوضوء والصلاة (5)، وقالوا: هو
__________
= وقال في "الفتح" (2/ 242): "حديث ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني وغيره".
وانظر: التفصيل في "القراءة خلف الإمام" (147 - فما بعد) للبيهقي، و"الخلافيات" (مسألة رقم 102 - مختصره) للبيهقي أيضًا، و"إمام الكلام" (74) للكنوي و"تحقيق الكلام" (394) للمباركفوري.
(1) هو حديث المحرم الذي قتلته ناقته.
رواه البخاري (1265) في (الجنائز): باب الكفن في ثوبين، و (1266) في (الحنوط)، و (1267 و 1268) في كبف يكفَّن المحرم، و (1839) في (جزاء الصيد): باب ما يُنهى من الطيب للمحرم والمحرمة، و (1849 و 1850) في المحرم يموت بعرفة، و (1851) في سنة المحرم إذا مات، ومسلم (1206) في (الحج): باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، من حديث ابن عباس.
(2) في (ق): "ولا".
(3) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الوصية): باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته (3/ 1255/ رقم 1631)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب الوصايا): باب فضل الصدقة عن الميت (6/ 251)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الأحكام): باب في الوقف (3/ 660/ رقم 1376)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وأبو داود في "السنن" (كتاب الوصايا): باب ما جاء في الصدقة عن الميت (3/ 117/ رقم 2880)، وأحمد في "المسند" (2/ 372)، والبخاري في "الأدب المفرد" (رقم 38) عن أبي هريرة مرفوعًا، ولفظ مسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له".
(4) "بقعة يسيرة من جسده لم ينلها الماء" (و).
وفي (ق): "أمر من ترك لمعة".
(5) في "صحيح مسلم" (243) في (الطهارة): باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة، من حديث عمر بن الخطاب أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصرهُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: ارجع فأحسن وُضوءَك، ثم صلى، وفي "سنن ابن ماجه" (666) نفس الحديث لكن من طريق ابن لهيعة؛ فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة!!
وانظر: "الخلافيات" للبيهقي (مسألة رقم 10 - بتحقيقي) وتعليقي عليه، و"علل =
(4/128)

زائد على كتاب اللَّه (1)، ثم أخذوا بالحديث الضعيف الزائد على كتاب اللَّه في أنَّ: "أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة" (2).
__________
= الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج" (رقم 5) لأبي الفضل الشهيد و"النكت الظراف" (8/ 16 - 17) و"التلخيص الحبير" (1/ 95).
(1) انظر: "بدائع الفوائد" (1/ 69 - 70)، و"زاد المعاد" (2/ 9).
(2) ورد من حديث أبي أمامة وواثلة ومعاذ وأبي سعيد وأنس وعائشة.
أما حديث أبي أمامة: فرواه الطبراني في "الكبير" (7586)، و"الأوسط" (603) و"مسند الشاميين" (1515، 3420)، والدارقطني في "سننه" (1/ 218) -ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 326) و"الخلافيات" (3/ 374 - 375 رقم 1041 - بتحقيقي) وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (642)، و"التحقيق" (1/ 260 رقم 303) - والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 326) وفي "المعرفة" (2/ 170 رقم 2266) وفي "الخلافيات" (1040) وابن حبان في "المجروحين" (2/ 182) وابن عدي في "الكامل" (2/ 782) من طريق عبد الملك عن العلاء بن كثير قال: سمعت مكحولًا يحدث عن أبي أمامة مرفوعًا: "أقل الحيض ثلاثة أيام. . . ".
قال الدارقطني: عبد الملك هذا رجل مجهول، والعلاء بن كثير ضعيف الحديث، ومكحول لم يسمع من أبي أمامة شيئًا.
أقول: العلاء بن كثير وقع في "المعجم الكبير": العلاء بن الحارث، وهو خطأ لأن المصادر وقع فيها: "العلاء بن كثير"، والهيثمي لما ذكره في "المجمع" (1/ 280) ذكر أنه العلاء بن كثير، ووقع (ابن الحارث) في "فيض القدير" (2/ 72) وانظر -لزامًا- بخصوصه "الجوهر النقي" (1/ 326).
والعلاء هذا شديد الضعف، قال أحمد: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات.
وعبد الملك وقع في "المجروحين": "ابن عمير"!! وقال الدارقطني في "تعليقاته على المجروحين" (ص 206 رقم 263): "قوله في هذا الإسناد: "عبد الملك بن عمير" وهم، حسان بن إبراهيم لم يسمع من عبد الملك بن عمير. وعبد الملك بن عمير لا يحدّث عن العلاء بن كثير، وإنما هو عبد الملك رجل مجهول غير منسوب ولا معروف، وهو بليّة الحديث".
ورواه ابن حبان في "المجروحين" (1/ 333)، وابن عدي (2/ 1098) -ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (رقم 1043 - بتحقيقي) - من طريق سليمان بن عمرو النخعي عن يزيد بن جابر عن مكحول عن أبي أمامة مرفوعًا به.
وسليمان بن عمرو هذا هو أبو داود النخعي الكذاب، قال ابن عدي: أجمعوا على أنه يضع الحديث.
وأما حديث واثلة: فرواه الدارقطني في "سننه" (1/ 219)، ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (رقم 1046 - بتحقيقي)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (643) =
(4/129)

الوجه الحادي والخمسون: رد الحديث الثابت عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في أنه: "لا نِكاحَ إلا بوليّ" (1)،. . . . . .
__________
= و"التحقيق" (1/ 260 - 261 رقم 304) من طريق محمد بن أنس وحماد بن منهال عن محمد بن راشد عن مكحول عنه مرفوعًا، وقال الدارقطني: ابن منهال مجهول، ومحمد بن أحمد بن أنس ضعيف.
أقول: ومحمد بن راشد قال فيه ابن حبان: كثرت المناكير في روايته فاستحق الترك.
حديث معاذ: رواه العقيلي (4/ 51) -ومن طريقه ابن الجوزي في "الواهيات" (رقم 639) و"التحقيق" (1/ 261 رقم 306) وابن حزم في "المحلى" (2/ 195 - 196) - من طريق محمد بن الحسن الصدفي عن عبادة عن عبد الرحمن بن غنم عنه مرفوعًا.
وقال العقيلي: محمد بن الحسن مجهول في النقل، وحديثه غير محفوظ.
ورواه ابن عدي (6/ 2152) -ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (3/ 419 رقم 1061 - بتحقيقي) - من طريق محمد بن سعيد الشامي عن عبد الرحمن بن غنم به.
ومحمد هذا هو المصلوب بالزندقة والصّدفي في الطريق السابق هو هو، كما تراه في "السلسلة الضعيفة" (3/ 604) وتعليقي على "الخلافيات" (3/ 390 - 391).
حديث أبي سعيد: رواه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (3/ 57) ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (رقم 1044 - بتحقيقي) والخطيب في "تاريخ بغداد" (9/ 20)، ومن طريقه ابن الجوزي في "الواهيات" (رقم 640) و"التحقيق" (1/ 262) من طريق أبي داود النخعي السابق الذكر الكذاب المشهور، وانظر: "نصب الراية" (1/ 192)، و"تنقيح التحقيق" (1/ 612).
حديث أنس: رواه ابن عدي (2/ 715)، ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (رقم 1039) وابن الجوزي في "الواهيات" (رقم 641) و"التحقيق" (1/ 261 رقم 305) من طريق الحسن بن شبيب عن الحسن بن دينار عن معاوية بن قرة عنه.
وفيه الحسن بن دينار، وابن شبيب وهما ضعيفان جدًا.
ورواه ابن عدي (2/ 598) من طريق الجلد بن أيوب عن معاوية بن قرة عن أنس.
وقال: وهذا الحديث معروف بالجلد بن أيوب.
أقول: والجلد هذا قال ابن المبارك: أهل البصرة يُضعفونه، وكان ابن عيينة يقول: جَلْد، ومن جَلْد، ومن كان جَلْد!، وقال أحمد: ضعيف ليس يساوي حديثه شيئًا، وقال الدارقطني: متروك.
وحديث عائشة: أشار إليه ابن حبان في ترجمة حسين بن علوان من كتابه "المجروحين" (1/ 245)، وقال: كان يضع الحديث لا يحل كتب حديثه، كذبه أحمد وابن معين.
وعزاه الزيلعي لابن الجوزي في "العلل المتناهية"، وفي "التحقيق" (1/ 261)، وليس هو في "العلل" في باب الحيض، ولكنه أورده في الباب الذي يليه في (النفاس، 1/ 385 رقم 465).
وانظر: "تهذيب السنن" (3/ 248).
(1) ورد من حديث جمع من الصحابة أصحها حديث عائشة الآتي بَعْد بلفظ: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل". =
(4/130)

وأنَّ مَنْ أنكحت نفسها فنكاحها باطل (1)، وقالوا: هو زائد على كتاب اللَّه؛ فإن اللَّه تعالى يقول: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232]، وقال: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 234] ثم أخذوا بالحديث الضعيف الزائد على القرآن قطعًا في اشتراط الشَّهادة في صحة النكاح.
والعجب أنهم استدلوا على ذلك بقوله: "لا نكاح إلا بولي مُرْشد وشَاهِدي عدل" (2)، ثم قالوا: لا يفتقر إلى حضور الولي ولا عدالة الشاهدين.
__________
= ومنها حديث أبي موسى الأشعري، وجابر، وابن عباس، وأبي هريرة، ومضى تخريج بعضها، وانظرها مفصلة في "نصب الراية" (3/ 185)، و"التخليص الحبير" (3/ 324 - 325)، و"إرواء الغليل" (6/ 243)، و"التحقيق الجلي لحديت لا نكاح إلا بولي" للشيخ مفلح الرشيدي، وما سيأتي.
(1) ورد من حديث عائشة، رواه عبد الرزاق (6/ 195 رقم 10472)، وابن أبي شيبة (4/ 128)، والطيالسي (1463)، والحميدي (228)، والشافعي (2/ 11)، وأحمد (6/ 47 و 66 و 165 - 166)، وأو داود (2083) في (النكاح): باب في الولي، والترمذي (1102) في (النكاح): باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، وابن ماجه (1879) في (النكاح): باب لا نكاح إلا بولي، والدارمي (2/ 137)، وابن الجارود (700). والطحاوي (3/ 7 و 8)، والدارقطني (3/ 221، 225 - 226)، والحاكم (2/ 168)، وابن عدي (3/ 1115 - 1116)، وابن حبان (4074)، والبيهقي (7/ 105 و 113 و 124 - 125 و 125 و 138)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (155، 156)، والنسائي في "الكبرى" (5394)، وسعيد بن منصور في "سننه" (528 و 529)، والبغوي (9/ 39 رقم 2262)، والخطيب في "الكفاية" (ص 380)، والسهمي في "تاريخ جرجان" (1/ 8)، وأبو نعيم (6/ 188) من طريق ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعًا: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل. . . ".
وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم على شرط الشيخين.
وقد ذكر الإمام أحمد (6/ 47) عقب الحديث: قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه، وقد رد هذه العلة الإمام الترمذي، وابن حبان، وابن عدي، والحاكم وغيرهم، انظر مفصلًا: "نصب الراية" (3/ 185)، و"التلخيص" (3/ 324 - 325)، و"إرواء الغليل" (6/ 243)، وتعليقي على "الموافقات" (3/ 49 - 50).
وقد رواه أيضًا غير سليمان بن موسى، تابعه جعفر بن ربيعة، رواه أحمد (6/ 66)، وأبو داود (2084)، والطحاوي (3/ 7)، والبيهقي (7/ 106)، وحجاج بن أرطاة، رواه ابن ماجه (1880)، وأحمد (1/ 250 و 6/ 260)، وابن أبي شيبة (4/ 130)، وعبيد اللَّه بن أبي جعفر، رواه الطحاوي (3/ 7).
وفي الباب عن جمع من الصحابة، انظر المصادر المذكورة في الهامش السابق.
(2) ورد عن جمع من الصحابة، وأصحها حديث عائشة بالإسناد السابق: ابن جريج عن =
(4/131)

فهذا طرف من بيان تناقض من رد السنن بكونها زائدة على القرآن فتكون ناسخة فلا تقبل.
الوجه الثاني والخمسون: إنكم تجوزون الزيادة على القرآن بالقياس الذي أحسن أحواله أن يكون للأمة فيه قولان: أحدهما: أنه باطلٌ مُنافٍ للدّين، والثاني: أنه صحيح مُؤخَّر عن الكتاب والسنة؛ فهو في المرتبة الأخيرة، ولا تختلفون في جواز إثبات حكم زائد على القرآن به، فهلَّا قلتم: إن ذلك يتضمن نسخ الكتاب بالقياس.
فإن قيل: قد دل القرآن على صحة القياس واعتباره وإثبات الأحكام به، فما خرجنا عن مُوجب القرآن، ولا زدنا على ما في القرآن إلا بما دَلَّنا عليه القرآن.
قيل: فهلَّا قلتم مثل هذا سواء في السُّنة الزائدة على القرآن، وكان قولكم ذلك في السنة أسعد وأصلح من القياس الذي هو محل آراء المجتهدين وعرضة للخطأ، بخلاف [قول] (1) من ضُمنت لنا العصمة في أقواله، وفَرضَ اللَّه علينا اتّباعه وطاعته.
فإن قيل: القياس بيانٌ لمراد اللَّه ورسوله من النصوص، وأنه أريد به (2) إثباتُ الحُكم في المذكور في نظيره، وليس ذلك زائدًا على القرآن، بل تفسيرٌ له وتبيين (3).
قيل: فهلَّا قلتم: إن السُّنة بيانٌ لمراد اللَّه من القرآن، تفصيلًا لما أجمله، وتبيينًا لما سَكتَ عنه، وتفسيرًا لما أبهمه، فإن اللَّه سبحانه أمر بالعدل والإحسان
__________
= سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة.
حيث زاد جماعة من الرواة فيه عن ابن جريج هذه الزيادة.
منهم جعفر بن غياث: رواه ابن حبان (4075).
وعيسى بن يونس: رواه الدارقطني (3/ 225 - 226) -ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 125) و"معرفة السنن والآثار" (10/ 55 رقم 13635) و"الخلافيات" (3/ ق 66) - وابن حزم في "المحلى" (9/ 465).
ويحيى بن سعيد: رواه البيهقي (7/ 125).
قال ابن حبان: ولا يصح في ذكر الشاهدين غير هذا الخبر، ونحوه عند ابن حزم، وانظر: "نصب الراية" (3/ 167)، و"مجمع الزوائد" (286 - 287) و"إرواء الغليل" (6/ 258 - 260) وتعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 3474).
(1) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(2) في (ق): "بها".
(3) في (ق): "بل تفسيرًا له وتبيينًا".
(4/132)

والبر والتقوى، ونهى عن الظُلم والفَواحِش والعدوان والإثم، وأباح لنا الطيِّبات، وحَرَّم علينا الخبائث؛ فكل ما جاءت به السنة فإنها (1) تفصيلٌ لهذا المأمور به والمنهي عنه، والذي أُحلّ لنا و [الذي] (2) حُرِّم علينا (3).
وهذا يتبين بالمثال التاسع عشر: وهو أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر في حديث النُّعمان بن بَشير أن نَعْدل بين الأولاد في العطيّة فقال: "اتقوا اللَّه واعْدِلوا بين أوْلَادِكم" (4).
وفي الحديث: "إني لا أَشهدُ على جَوْر" (5)، فسمَّاه جورًا، وقال: "إن هذا لا يصلُح" (6)، وقال: "شْهِد على هذا غَيْري" (7) تهديدًا له وإلّا فمن الذي يطيب قلبه من المسلمين أن يَشْهَد على ما حكم النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنه جور، وأنه لا يصلح وأنه خلاف (8) تقوى اللَّه وأنه خلاف العدل؟ وهذا الحديث من تفاصيل العدل الذي أمر اللَّه به في كتابه، وقامت به السمواتُ والأرضُ، وأسّست (9) عليه الشريعة؛ فهو أشدُّ موافقة للقرآن من كل قياس على وجه الأرض، وهو محكم الدلالة غاية الإحكام، فردّ بالمتشابه من قوله: "كلُّ أحدٍ أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين" (10)، فكونه أحقّ به يقتضي جواز تصرُّفه فيه كما يشاء وبقياسٍ متشابه على إعطاء الأجانب، ومن المعلوم بالضرورة أنَّ هذا المتشابه من العموم والقياس لا يُقاوم هذا المحكم المبيَّن غاية البيان.
__________
(1) في (ق): "فإنه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في المطبوع: "والذي أحل لنا هو الذي حرم علينا"، وفي (ن): "والذي أحل والذي حرم علينا"، وفي (ق): "والذي أحل لنا والذي حرم علينا".
(4) رواه البخاري (2587) في (الهبة): باب الإشهاد في الهبة، ومسلم (1623) (13) في (الهبات): باب كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة.
(5) هو مذكور في في بعض طرق الحديث السابق عند البخاري (2650)، ومسلم (1623) (14) و (15) و (16).
(6) هو في قصة بشير والد النعمان السابقة، لكن وردت في حديث جابر عند مسلم (1624).
(7) هو مذكور في حديث النعمان أيضًا عند مسلم فقط (1623) (17).
(8) في (د): "على خلاف".
(9) في (ن): "وأنبتت"!.
(10) رواه سعيد بن منصور (رقم 2293) والدارقطني في "سننه" (4/ 235 - 236)، ومن طريقه البيهقي (10/ 319) من طريق هشيم عن عبد الرحمن بن يحيى عن حبان بن أبي جبلة مرفوعًا به.
وقال البيهقي: هذا مرسل، حبان بن أبي جبلة القرشي من التابعين. =
(4/133)

[رد حكم المُصرَّاة بالمتشابه من القياس]
المثال العشرون: رد المحكم الصحيح الصريح في مسألة المصرّاة (1) بالمتشابه من القياس، وزعمهم أن هذا الحديث يُخالف الأصول فلا يُقبل؛ فيقال: الأصولُ كتابُ اللَّه وسنةُ رسوله وإجماعُ أمّته والقياس الصحيح الموافق للكتاب والسنّة؛ فالحديثُ الصحيحُ أصلٌ بنفسه، فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه؟ هذا من أبطل الباطل والأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما: كلامُ اللَّه، وكلامُ رسوله، وما عداهما فمردود إليهما؛ فالسنة أصل قائم بنفسه، والقياس فرع، فكيف يرد الأصل بالفرع؟ قال الإمام أحمد (2): إنما القياس أن تقيس على أصل، فأما أن تجيء إلى الأصل فتهدمه ثم تقيس، فعلى أيِّ شيء تقيس؟
وقد تقدّم بيان موافقة حديث المُصرَّاة (1) للقياس، وإبطال قول من زعم أنه خلاف القياس، وأنه ليس في الشريعة حكم يخالف القياس الصحيح، وأمّا القياس الباطل فالشريعةُ كلّها مخالفةٌ له، فياللَّه العجب! كيف وافق الوضوء بالنبيذ (3) المشتدّ للأصول حتى قُبل وخالف خبرُ المصراة للأصول حتى رُدَّ؟.
__________
= أقول: وحبان هذا ثقة، وثقه أبو العرب الصقلي، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أما السيوطي فقد ذكر الحديث في "جامعه الصغير"، ورمز لصحته فاستدرك عليه المناوي في "الفيض" (5/ 9)، وقال: وهو ذهول أو قصور فقد استدرك عليه الذهبي في "المهذب"، فقال: قلت: لم يصح مع انقطاعه.
أقول: وهثيم مدلس وقد عنعن.
وعبد الرحمن بن يحيى هذا قال عنه الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (359): لم أعرفه.
أمّا محقق "سنن الدارقطني" فقال: هو عبد الرحمن بن يحيى الصدفي أخو معاوية ليَّنه أحمد!! وهي عبارة الذهبي في "الميزان" وهذا ما اعتمده الشيخ مقبل في "تراجم رجال الدارقطني"! لكن عبد الرحمن الصدفي يروي عن هثيم، وليس العكس، فليس هو إذن. وروى البيهقي في "سننه" (6/ 178) الحديث أوّله، من طريق سعيد بن أبي أيوب عن بشير بن أبي سعيد عن عمر بن المنكدر مرفوعًا، وهذا مرسل أيضًا، وانظر كلام شيخنا الألباني في "السلسلة الضعيفة" (1/ 362)، وتعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 4477).
(1) مضى تخريجه.
(2) في رواية أحمد بن الحسين بن حسان كما في "العدة" (4/ 1336) لأبي يعلى.
(3) مضى تخريجه.
(4/134)

[رد نصوص من العرايا المحكمة بنص متشابه]
المثال الحادي والعشرون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في العرايا بالمتشابه من قوله: "التمر بالتمر مثلًا بمثل سواء بسواء" (1)، فإن هذا لا يتناول الرُّطب بالتمر.
فإن قيل: فأنتم رددتم خبَر النَّهي عن بيع الرطب بالتمر (2) مع أنه محكمٌ صريح صحيح بحديث العَرَايا (3)، وهو متشابه.
قيل: فإذا كان عندكم محكمًا صحيحًا فكيف رددتموه بالمتشابه من اشتراطِ المساواةِ بين التَّمر والتَّمر؟ فلا بحديث النهي أخذتم ولا بحديث العَرَايا، بل خالفتم الحديثين معًا، وأمّا نحن فأخذنا بالسنن الثلاثة، [ونزَّلنا] (4) كل سنة على وجهها ومقتضاها، ولم نضربْ بعضَها ببعض، ولم نخالف شيئًا منها؛ فأخذنا بحديث النَّهي عن بيع التمر بالتمر متفاضلًا، [وأخذنا بحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر مطلقًا] (5)، وأخذنا بحديث العَرَايا وخصَّصنا به عموم [حديث] (6) النهي عن بيع الرطب بالتمر؛ اتباعًا لسنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كلّها، وإعمالًا لأدلة الشرع جميعها (7) فإنها كلها حق، ولا يجوز ضرب الحق بعضه ببعض وإبطال بعضه ببعض، واللَّه الموفق.

[رد حديث القسامة]
المثال الثاني والعشرون: رد حديث القسامة (8) الصحيح الصريح المحكم (9) بالمتشابه من قوله: "لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجالٌ دماءَ رجالٍ وأموالِهم، ولكن اليمينُ على المُدَّعى عليه" (10)، والذي شرع الحكم بالقسامة هو الذي شرع
__________
(1) و (2) و (3) مضى تخريجها.
(4) في المطبوع: "وتركنا".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) انظر: "تهذيب السنن" (5/ 32 - 33).
(8) "القسامة كالقسم، وحقيقتها أن يقسم من أولياء الدم خمسون نفرًا على استحقاقهم دم صاحبهم إذا وجدوه قتيلًا بين قوم، ولم يعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين أقسم الموجودون خمسين يمينًا، ولا يكون فيهم صبي ولا امرأة، ولا مجنون ولا عبد، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل عنهم، فإن حلف المدعون استحقوا الدية، وإن حلف المتهمون لم تلزمهم الدية. "النهاية" لابن الأثير (4/ 62) (و).
(9) سبق تخريجه.
(10) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الرهن): باب إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه =
(4/135)

أن لا يُعطى أحد بدعواه المجرّدة، وكلا الأمرين حق من عند اللَّه، لا اختلافَ فيه (1)، ولم يُعط في القسامة بمجرد الدعوى، وكيف يليق بمن بهرت حكمةُ شَرْعه (2) العقول أن لا يعطي المدَّعي بمجرد دعواه عودًا من أراك ثم يعطيه بدعوى مجرّدة دم أخيه المسلم؟ وإنما أعطاه ذلك بالدليل الظاهر الذي يغلب على الظن صدقُه فوق تغليب الشاهدين، وهو اللَّوث والعداوة والقرينة الظاهرة من وجود العدو مقتولًا في بيت عدوّه، فقوَّى الشارع الحكيم هذا السبب باستحلاف خمسين من أولياء القتيل الذين يَبْعُد أو يستحيل اتفاقهم كلهم على رمي البريء بدم ليس منه بسبيل ولا يكون فيهم رجل رشيد يراقب اللَّه؟ ولو عرض على جميع العقلاء هذا الحكم، [والحكم] (3) بتحليف العدوّ الذي وجد القتيل في داره (4) بأنه ما قتله لرأوا أن ما بينهما من العدل كما بين السماء والأرض! ولو سئل كُلُّ سليمِ الحاسة عن قاتل هذا لقَالَ مَنْ وُجد في داره، والذي يقضى (5) منه العجب أن يُرى قتيل يتشحَّط في دمه وعدوُّه هارب بسكين ملطخة بالدم ويُقال: القول قوله؛ فيستحلفه (6) باللَّه ما قتله ويخلّي سبيله، ويقدم ذلك على أحسن الأحكام وأعدلها وألصقها بالعقول والفِطَر، الذي لو اتّفقت الحقلاء لم يهتدوا لأحسن منه بل ولا لمثله (7).
وأين ما تضمنه (8) الحكم بالقسامة من حفظ الدماء إلى ما تضمنه (8) تحليف مَن لا يُشك مع القرائن التي تفيد القطع أنه الجاني؟.
ونظير هذا إذا رأينا رجلًا من أشراف الناس حاسر الرأس بغير عمامة وآخر
__________
= فالبينة. . .، رقم (2514)، و (كتاب الشهادات): باب اليمين على المدّعى عليه في الأموال والحدود رقم (2668)، و (كتاب التفسير): باب {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} رقم (4552)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الأقضية): باب اليمين على المدّعى عليه رقم (1711).
(1) انظر: "زاد المعاد" (3/ 201)، و"تهذيب السنن" (6/ 325)، و"أحكام الجناية" (ص 363 - 376).
(2) في (ق): "حكمته وشرعه".
(3) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(4) في (ق) و (ك): "بداره".
(5) في (ك): "يقتضي".
(6) في (ق): "ويقال: القول فيه: يحلفه".
(7) انظر: "زاد المعاد" (3/ 100 - 101)، و"تهذيب السنن" (6/ 321 - 322)، و"الطرق الحكمية" (155، 127)، و"كتاب الروح" (ص 16)، و"أحكام الجناية" (ص 388 - 395).
(8) في (ق) و (ك): "يتضمنه".
(4/136)

أمامه يشتدّ عدوًا وفي يده عمامة وعلى رأسه أخرى؛ فإنّا ندفع العمامة التي بيده إلى حاسر الرأس ونقبل قوله، ولا نقول لصاحب اليد: القولُ قولُك مع يمينك، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو يُعطى الناس بدعواهم" (1)، لا يعارض القسامة بوجه؛ فإنه إنما نفى الإعطاء بدعوى مجرَّدة، وقوله: "ولكن اليمين ضلى المُدَّعى عليه" (1) وهو في مثل هذه الصورة حيث لا تكون مع المدعى إلّا مجرد الدعوى، وقد دلّ القرآن على رجم المرأة بلعان الزوج إذا نكَلَتْ، وليس ذلك إقامة للحد بمجرد أيمان الزوج بل بها وبنكولها، وهكذا في القسامة إنما يُقتل (2) فيها باللَّوث الظاهر والأيمان المتعدّدة المغلَّظة، وهاتان بيِّنتا هذين الموضعين، والبيّنات تختلف بحسب حال (3) المشهود به كما تقدَّم، بأربعة شهود، وثلاثة بالنَّص (4) وإن خَالَفه من خَالَفه في بيّنة الإعسار، واثنان، وواحد ويمين، ورجل وامرأتان، ورجل واحد وامرأة واحدة، وأربعة أَيْمان، وخمسون يمينًا، ونكول وشهادة الحال، ووصف المالك اللقطة، وقيام القرائن، والشَّبَه الذي يخبر به القَائِف، ومعاقد القُمُط، ووجوه الآجر في الحائط، وكونه معقودًا ببناء أحدهما عند من يقول بذلك (5)؛ فالقسامة مع اللوث [من] (6) أقوى البيّنات.

[رد السنة في النهي عن بيع الرطب]
المثال الثالث والعشرون: رد السنة الثابتة المحكمة في النهي عن بيع الرُّطب بالتمر (7) بالمتشابه من قوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]، وبالمتشابه من قياس في غاية الفساد، وهو قولهم: الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين وإما أن يكونا جنسًا واحدًا، وعلى التقديرين فلا يُمنع بيع أحدهما بالآخر، وأنت إذا نظرت إلى هذا القياس رأيته مصادمًا للسنة أعظم مصادمة، ومع أنه فاسد في نفسه، بل هما جنس واحد أحدهما أزيد من الآخر قطعًا بليِنَته فهو أزيدُ أجزاء من الآخر بزيادة
__________
(1) مضى تخريجه قريبًا.
(2) في المطبوع: "يقبل"!.
(3) في (ن) و (ك) و (ق): "أحوال".
(4) يشير إلى ما أخرجه مسلم (1044) من حديث قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحمَّلتُ حَمَالة فأتيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . وفيه: "يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة. . . ورجل أصابته فاقة، حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه. . . ".
(5) انظر: "الطرق الحكمية" (24 - ط دار الكتب العلمية)، و"بدائع الفوائد" (3/ 117، 152)، و"كتاب الحدود والتعزيرات" (ص 70 - 71).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(7) مضى تخريجه.
(4/137)

لا يمكن فصلها وتمييزها، ولا يمكن أن يجعل في مقابلة تلك الأجزاء من الرطب ما يتساويان به عند الكمال؛ إذ هو ظنٌّ وحسبان، فكان المنع من بيع أحدهما بالآخر محضُ القياس ولو (1) لم تأت به سُنَّة، وحتى لو لم يكن ربًا ولا القياس يقتضيه لكان أصلًا قائمًا بنفسه يجب التسليم والانقياد له كما يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة، ومن العجب رد هذه السنة بدعوى أنها مخالفة للقياس والأصول وتحريم بيع الكسب بالسِّمسم ودعوى أن ذلك موافق للأصول، فكلُّ أحد يعلم أن جريان الربا بين التمر والرطب أقرب إلى الربا نصًا وقياسًا ومعقولًا من جريانه بين الكسب والسمسم.

[رد الإقراع بين الأعبد الستة]
المثال الرابع والعشرون: رد المحكم الصريح الصحيح من السنة بالإقراع بين الأَعْبُد الستة المُوصى بعتقهم (2)، وقالوا: هذا خلافُ الأصول، بالمتشابه من رأي فاسد وقياس باطل (3)، بأنهم إمّا أن يكونَ كلُّ واحد منهم قد استحقّ العِتْقَ فلا يجوز نقله عنه إلى غيره أو لم يستحقه فلا يجوز أن يعتق منهم أحد، وهذا الرأي الباطل كما أنه في مصادمة السنة فهو فاسد في نفسه؛ فإن العتق إنما استحق في ثلث ماله ليس إلّا، والقياس والأصول تقتضي جمع الثلث في محل واحد، كما إذا أوصى بثلاثة دراهم وهي كل ماله، فلم يُجز الورثة، فإنّا ندفع إلى المُوصى له درهمًا ولا نجعله شريكًا بثلث كل درهم، ونظائر ذلك؛ فهذا المُعتق لعبيده كأنه أوصى بعتق ثلثهم؛ إذ هذا هو الذي يملكه، وفيه صحة الوصية؛ فالحكم بجمع (4) الثلث في اثنين منهم أحسن عقلًا وشرعًا وفطرة مِنْ جَعْل الثلث شائعًا في كل واحد منهم، فحكم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذه المسألة خيرٌ من حكم غيره بالرأي المحض.

[رد تحريم الرجوع في الهبة]
المثال الخامس والعشرون: رد السنة الصريحة المحكمة في تحريم الرجوع
__________
(1) في المطبوع: "لو".
(2) مضى تخريجه.
(3) انظر كلام ابن القيم على الحديث، وتوجيه قول الإمام أحمد: حديث الحسن عن عمران لا يصح في "الطرق الحكمية" (ص 323، 340 - 343، 367 - 368).
(4) في (ك): "بجميع".
(4/138)

في الهبة [لكل أحد] إلا للوالد (1) برأي متشابه فاسد اقتضى عكس السنة وأنه يجوز الرجوع في الهبة لكل أحدٍ إلا لوالدٍ أو لذي رَحم محرم أو لزوج أو زوجة أو يكون الواهب قد أُثيب منها، ففي هذه المواضع الأربعة يمتنع الرجوع وفرَّقوا بين الأجنبي والرحم بأن هبةَ القريب صلةٌ، ولا يجوز قطعها، وهبة الأجنبي تبرّع، وله أن يمضيه وأن لا يمضيه، وهذا مع كونه مصادمًا للسنة مصادمة محضة فهو فاسد؛ لأن الموهوبَ له حين قَبضَ العَينَ الموهوبة دَخَلت في مُلكه، وجاز له التصرّف فيها؛ فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه منه بغير رضاه، وهذا باطل شرعًا وعقلًا، وأما الوالد فولده جزء منه، وهو وماله لأبيه (2)، وبينهما من البعضية ما يوجب شدة الاتصال، بخلاف الأجنبي.
فإن قيل: لم نخالفه إلا بنصٍّ صريح صحيح، وهو حديث سالم عن أبيه عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ وَهَبَ هبةً فهو أحقُّ بها ما لم يَثُبْ منها" (3)، قال البيهقي: قال لنا أبو
__________
(1) رواه أحمد (2/ 27 و 78)، وأبو داود (3539) في "البيوع والإجارات": باب الرجوع في الهبة، والترمذي (1299) في (البيوع): باب ما جاء في الرجوع في الهبة، والنسائي (6/ 265) في (الهبة): باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده، و (6/ 267 و 268) في باب ذكر الاختلاف على طاوس في الراجع في هبته، وابن ماجه (2377) في (الهبات): باب من أعطى ولده ثم رجع فيه، وابن الجارود (994)، وأبو يعلى (2717)، وابن حبان (5123)، والدارقطني (3/ 42 - 43)، والحاكم (2/ 46)، والبيهقي (6/ 179) من حديث حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عباس وابن عمر.
وسنده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عمرو بن شعيب، فقد روى له أصحاب السنن وهو ثقة.
وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) كما ورد في الحديث الصحيح، وتقدم تخريجه.
(3) رواه الدارقطني (3/ 43)، وفي "العلل" (2/ 58)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 52)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (6/ 180 - 181)، وابن الجوزي في "التحقيق" (8/ 160 رقم 1864 - ط قلعجي) من طريق عبيد اللَّه بن موسى: أنبانا حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد اللَّه عن ابن عمر مرفوعًا به.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إلا أن نكل الحمل فيه على شيخنا"، ولم يتعقبه الذهبي بشيء في المطبوع، أما المناوي فقال في "فيض القدير": "وقفت على نسخة من تلخيص "المستدرك" للذهبي بخطه، فرأيته كتب على الهامش بخطه ما صورته: موضوع"، ولم ينقل ذلك ابن الملقن.
قلت: شيخ الحاكم هذا متابع، وإنما الخطأ فيه من عبيد اللَّه بن موسى. =
(4/139)

عبد اللَّه -يعني الحاكم-: هذا حديث صحيح، إلّا أن يكون الحمل فيه على شيخنا، يُريد: أحمد بن إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي، ورواه الحاكم من حديث عمرو بن دينار عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الواهب أحق بهبته ما لم يُثَبْ" (1)، وفي كتاب الدارقطني من حديث حَمَّاد بن سلمة، عن قَتَادة، عن الحَسَن، عن سَمُرة، عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا كانت الهبة لذي رَحمٍ محرم لم يَرجع فيها" (2)،
__________
= قال الدارقطني: والصواب عن ابن عمر عن عمر موقوفًا، وكذا في "العلل" (2/ 57 - 58) له.
وقال البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (9/ 68 - 69): وغَلِط فيه عبيد اللَّه بن موسى، والصحيح رواية عبد اللَّه بن وهب عن حنظلة عن سالم عن أبيه عن عمر موقوفًا، ثم رواه من هذا الطريق في "السنن الكبرى" (6/ 181)، وتابع ابن وهب عليه مكي بن إبراهيم، رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 81).
وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 271): وروى ابن عيينة عن عمرو عن سالم عن ابن عمر عن عمر قوله، وهذا أصح. وله طرق أخرى عن عمر قوله عند الطحاوي (4/ 81، 82).
أقول: وعبيد اللَّه بن موسى هذا ثقة؛ إلّا أنّه وَهم كما قالوا، ورواه إبراهيم بن إسماعيل بن جارية فقال: عن عمرو بن دينار عن أبي هريرة مرفوعًا.
رواه ابن ماجه (2387) في (الأحكام): باب من وهب هبة رجاء ثوابها، وابن أبي شيبة (6/ 474)، والدارقطني (3/ 43)، والبيهقي في "الكبرى" (6/ 181)، وابن الجوزي في "التحقيق" (8/ 160 رقم 1865).
قال البيهقي: وهذا المتن بهذا الإسناد أليق، وإبراهيم بن إسماعيل ضعيف عند أهل العلم بالحديث، وعمرو بن دينار عن أبي هريرة منقطع، والمحفوظ عن عمرو بن دينار عن سالم عن ابن عمر عن عمر، قال البخاري: هذا أصح، وهذا ذكره البخاري في "التاريخ" (1/ 271) ونحوه قال البوصيري، وعبد الحق الإشبيلي في "أحكامه" (5/ 441)، وابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (5/ 441) ثم احتمل الوجهين فيه (5/ 456).
وفي الباب عن ابن عباس: رواه الدارقطني في "سننه" (3/ 44)، وفيه زيادة، وسيورد المصنف سنده ولفظه قريبًا.
ورواه الطبراني في "الكبير" (11317) من طريق ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس.
وابن أبي ليلى ضعيف سيء الحفظ، وهو مخالف لحديث: "لا يحل للرجل أن يعطي الحطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده".
(1) مضى تخريجه في الذي قبله.
(2) رواه الدارقطني (3/ 44)، والحاكم (2/ 52)، والبيهقي (6/ 181)، وابن الجوزي في "التحقيق" (8/ 161 رقم 1866 - ط قلعجي) من طريق عبد اللَّه بن جعفر عن ابن المبارك =
(4/140)

وفي "الغيلانيات": ثنا إبراهيم بن [أبي] (1) يحيى، عن محمد بن عبيد اللَّه (2)، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ وَهب [هبة] (3) فارتجع بها فهو أحقُّ بها ما لم يثب منها، ولكنّه كالكلب يعود في قيئه" (4).
فالجواب أن هذه الأحاديث لا تثبت، ولو ثبتت لم تحل مخالفتها ووجب
__________
= عن حماد بن سلمة به، وقال الدارقطني: تفرد به عبد اللَّه بن جعفر.
أقول: وهو الرقي، ثقة، أما الحاكم فصححه على شرط البخاري!
وقال البيهقي: ليس إسناده بالقوي.
وقال ابن عبد الهادي في "التنقيح" -كما في "نصب الراية" (4/ 127): وليس هو في المطبوع من "التنقيح" (3/ 100 - ط دار الكتب العلمية): "رواة هذا كلهم ثقات، ولكنه حديث منكر، وهو من أنكر ما رُوي عن الحسن عن سمرة"، ثم وجدتُ الذهبي في "التنقيح" (8/ 161) يقول عنه أيضًا: "الحديث منكر".
أقول: والحسن البصري في سماعه من سمرة كلام طويل.
والنكارة فيه أنه يخالف الحديث الصحيح: "لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده"، كما سيلمح إليه المصنف قريبًا، خلافًا لما ذهب إليه الشيخ النابه النبيل الشريف حاتم العوني في "المرسل الخفي" (3/ 1447 - 1448)، فانظر كلامه إن شئت الاستزادة، واللَّه الموفق والهادي.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) كذا في (ن) و (ك) وهو الصواب وفي سائر الأصول: "عبد اللَّه".
(3) في (ق) و (ك): "منه"، وقال في هامش (ق): "لعله: هبة".
(4) أخرجه الدارقطني (3/ 44) -ومن طريقه ابن الجوزي في "التحقيق" (8/ 162 رقم 1867) - من طريق يحيى بن غيلان: حدثنا إبراهيم بن أبي يحيى به. وإسناده ضعيف جدًا؛ إبراهيم ومحمد الحرزمي متروكان، قاله الذهبي في "التنقيح" (8/ 161 - 162)، وأعلّه عبد الحق في "أحكامه" (3/ 313) بمحمد بن عبيد اللَّه العرزمي، قال: "وهو ضعيفٌ"، وتعقبه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (3/ 135) بقوله: "وبقي عليه أن يبيّن أنه لا يصل إلى العرزمي إلا على لسان كَذَّاب، لعل الجناية منه، وهو إبراهيم بن أبي يحيى، وهو بنفسه قد نَسب إليه الكذب في مواضع".
وانظر: "أطراف الغرائب والأفراد" (3/ 198 رقم 2418 - ط. دار الكتب العلمية).
(تنبيه): ظن المصنف أن الحديث في "الغيلانيات"، لوجود (يحيى بن غيلان)!! -وهو ثقة- في إسناده، فأراد أن يعلو في عزوه، فالحديث ليس فيه بطبعاته الثلاث، ولم يعزه غيره له إلّا من قلَّده.
و"الغيلانيَّات" نسبة إلى ما رواه أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزاز عن صاحبها أبي بكر محمد بن عبد اللَّه الشافعي، ولا صلة لها ب (يحيى بن غيلان)، فتنبه لذاك، تولَّى اللَّه هداك.
(4/141)

العمل بها وبحديث: "لا يحلُّ لواهب أن يرجعَ في هبته" (1)، ولا يبطل أحدهما بالآخر، ويكون الواهب الذي لا يحل له الرجوع من وهب تبرُّعًا محضًا لا لأجل العِوَض، والواهبُ الذي له الرجوعُ مَنْ وَهبَ ليتعوَّض من هبته ويثاب منها، فلم يفعل المُتَّهب، وتستعمل (2) سنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كلها، ولا يُضرب بعضها ببعض، أما حديث ابن عمر فقال الدارقطني (3): "لا يثبت مرفوعًا، والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله"، وقال البيهقي (4): "ورواه علي بن سَهْل بن المغيرة، عن عُبيد اللَّه بن موسى، ثنا حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعتُ سالم بن عبد اللَّه، فذكره، وهو غير محفوظ بهذا الإسناد، وإنما يُروى عن إبراهيم بن إسماعيل بن مُجمِّع، وإبراهيم ضعيف"، انتهى.
وقال الدارقطني: "غَلِط فيه علي بن سهل"، انتهى. وإبراهيم بن إسماعيل (5) هذا قال أبو نعيم (6): لا يُساوي حديثه فلسين، وقال أبو حاتم الرازي (7): لا يُحتج به، وقال يحيى بن معين (8): إبراهيم بن إسماعيل المكي ليس بشيء، وقال البيهقي (9): والمحفوظ عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن أبيه، عن عمر: "مَنْ وهب هبة فلم يُثَب منها فهو أحق بها إلا لذي رحم محرم" (10) قال البخاري (11): هذا أصح.
وأما حديث عُبيد اللَّه بن موسى عن حنظلة فلا أراه إلا وَهْمًا، وأما حديث حماد بن سلمة فمن رواية عبد اللَّه بن جعفر الرَّقي عن ابن المبارك، وعبد اللَّه هذا ضعيف (12) عندهم.
__________
(1) تقدم تخريجه قريبًا.
(2) الكلمتان في (ق) و (ك): بالنون بدل الياء.
(3) في "سننه" (3/ 44)، و"علله" (2/ 57 - 58).
(4) في "سننه الكبرى" (6/ 181)، و"المعرفة" (9/ 68 - 69).
(5) قال في هامش (ق): "إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع ضعيف".
(6) ذكره عنه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (2/ 84)، وأبو نعيم هو الفضل بن دكين.
(7) في "الجرح والتعديل" (2/ 84) وعبارته كما هي هناك: "يكتب حديثه ولا يحتج به وهو قريب من ابن أبي حبيبة كثير الوهم ليس بالقوي".
(8) في "تاريخ الدوري" (2/ 6).
(9) في "السنن الكبرى" (6/ 181).
(10) مضى تخريجه قريبًا.
(11) في "التاريخ الكبير" (1/ 271).
(12) بل هو ثقة، لكنه تغير بأَخرة فلم يفحش اختلاطه، وانظر له: "المختلطين" (ص 61 رقم 24) للعلائي، و"الكواكب النيرات" (ص 299 - 304)، و"الاغتباط" (ص 186)، و"تهذيب الكمال" (14/ 376 رقم 3204)، و"التقريب" (3253).
(4/142)

وأما حديث ابن عباس فمحمد بن عبيد اللَّه فيه هو العرزمي، ولا تقوم به حُجَّة، قال الفَلَّاس (1) والنَّسائي (2): هو متروك الحديث. وفيه إبراهيم بن [أبي] يحيى، قال مالك (3) ويحيى بن سعيد (3) وابن معين (4): هو كَذَّاب، وقال الدارقطني (5): متروك [الحديث] (6)، فإن لم تصح هذه الأحاديث لم يُلتفت إليها، وإن صحت وجب حملها على من وهب للعِوَض، وباللَّه التوفيق.

[رد القضاء بالقافة]
المثال السادس والعشرون: رد السنة المحكمة في القضاء بالقَافَة (7)، وقالوا: هو خلاف الأصول، ثم قالوا: لو ادّعاه اثنان ألحقناه بهما، وكان هذا مقتضى الأصول (8).
ونظير هذا:

[رد جعل الأمة فراشًا]
المثال السابع والعشرون: رد السنة المحكمة الثابتة (9) في جعل الأمة فراشًا وإلحاق الولد بالسيد وإنْ لم يدّعه، وقالوا: هو خلاف الأصول، والأمة لا تكون فراشًا، ثم قالوا: لو تزوَّجها وهو بأقصى بقعة من المشرق وهي بأقصى بقعة من المغرب وأتت بولد لستة أشهر لَحِقه، صمان علمنا بأنهما لم يتلاقيا قط (10)، وهي فراشٌ بالعقد، فأمته التي يطؤها ليلًا ونهارًا ليست بفراش، وهذه فراش، وهذا مقتضى الأصول، وحكمُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خلاف الأصول على لازم قولهم!
__________
(1) كما في "الجرح والتعديل" (8/ 2).
(2) في "ضعفائه" رقم (521) (ص 203).
(3) انظر "التاريخ الكبير" (1/ 323 و 324)، و"الجرح والتعديل" (1/ 125).
(4) "سؤالات ابن الجنيد" (ص 71 رقم 26).
(5) في "ضعفاء الدارقطني" رقم (14) لم يذكر فيه شيئًا، ونقل الذهبي عنه في "الميزان"، وابن حجر في "التهذيب" أنه قال: متروك. وقال في "سننه" (رقم 171، 465 - بتحقيقي): "ضعيف".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) سبق تخريجه.
(8) انظر الأدلة على الحكم بالقافة لابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص 8 - 9) في الرد على من أنكرها، و (ص 246 - 271)، و"زاد المعاد" (2/ 78 و 4/ 111، 113، 116 - 119)، و"تحفة المودود" (ص 281 - 283).
(9) في (ق) و (ك): "الثابتة المحكمة".
(10) انظر كلام ابن القيم حول قاعدة: (عدم لحوق الولد بمجرد العقد مع عدم الاجتماع) في "زاد المعاد" (4/ 115)، و"الطرق الحكمية" (ص 8، 253).
(4/143)

[متناقضان من دون السنة]
ونظير هذا: قياسُ الحَدث على السَّلام في الخروج من الصلاة بكل واحد منهما، ودعوى أن ذلك موجب الأصول، مع بُعد ما بين الحَدَث والسلام، وترك قياس نبيذ التمر المسكر على عصير العِنَب المُسكر في تحريم قليل كُلٍّ منهما مع شدّة الأخوة بينهما، ودعوى أن ذلك خلاف الأصول.
ونظيره أن الذمي لو مَنَع دينارًا واحدًا من الجزية انتقَضَ عهده، وحلَّ دمه وماله، ولو حَرقَ الكعبة البيت الحرام ومسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وجاهر بسبِّ اللَّه ورسوله أقبح سمت على رؤوس المسلمين فعهدُه باقٍ ودمُه معصوم، وعدم النقض (1) [بذلك مقتضى الأصول، والنقض] (2) بمنع الدينار مقتضى الأصول.
ونظيره أيضًا إباحة قراءة القرآن بالعجمية، وأنه مقتضى الأصول، ومنع رواية الحديث بالمعنى، وهو خلاف الأصول.
ونظيره: إسقاط الحد عمَّن استأجر امرأة (3) ليزنيَ بها أو تغسل ثيابه فزنى بها، وأن هذا مقتضى الأصول، وإيجاب الحد على الأعمى إذا وَجَد على فراشه امرأة فظنها زوجته فبانت أجنبية.
ونظيره أيضًا: منع المصلي من الصلاة بالوضوء من ماء يبلغ قناطير مقنطرة وقعت فيه قطرةُ دم أو بول، وإباحتهم له أن يصلي في ثوبٍ ربعه متلطِّخ بالبول وإن كان عَذِرَة فقَدْرَ راحة الكف (4).
ونظيره: دعواهم أن الإيمان واحد، والناس فيه سواء، وهو مجرد التصديق، وليست الأعمال داخلة في ماهيته (5)، وأن من مات ولم يُصلِّ صلاةً قط في عمره مع قدرته وصحة جسمه وفراغه فهو مؤمن، وتكفيرهم من يقول: مُسَيجد أو فُقيّه، بالتصغير (6)، أو يقول للخَمْر أو للسَّماع المُحرَّم: ما أطيبه وألذّه (7)!
__________
(1) في (ق): "النقض" وفي هامشة: "لعله: والنقض".
(2) ما بين المعقوفتين من المطبوع.
(3) في (ك): "أمة".
(4) انظر "بدائع الفوائد" (3/ 130 - 131).
(5) هذا مذهب المرجئة، نسأل اللَّه السلامة. انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (7/ 195 - 204)، و"منهاج السنة" (5/ 204).
(6) نص على هذا علي القاري في "شرح ألفاظ كفرية" (رقم 15 - بتحقيقي).
(7) نص على هذا علي القاري في "شرح ألفاظ كفرية" (رقم 92 - بتحقيقي).
(4/144)

ونظير ذلك: أنه لو شهد عليه أربعة بالزنا فقال: "صَدَقوا"، سقط عنه الحد بتصديقهم، ولو قال: "كَذبوا علي"، حُدَّ (1).
ونظيره: أنه لا يصح استئجار دار تجعل مسجدًا يُصلِّي فيه المسلمون، وتصح إجارتها كنيسة يعبد فيها الصليب والنار.
ونظيره: أنه لو قهقه في صلاته بطل وضوءه، ولو غَنَّى في صلاته أو قذف المحصنات أو شهد بالزور فوضوءه بحاله.
ونظيره: أنه لو وقع في البئر فارة تنجَّست البئرُ؛ فإذا نُزع منها دلوٌ فالدلو والماء نجسان، ثم هكذا إلى (2) تمام كذا وكذا دلوًا، فإذا نُزع الدَّلو الذي قبل الأخير فرشرش على حيطان البئر نجَّسها كلها فإذا جاءت النَّوْبة إلى الدلو الأخير قشقش النجاسةَ كُلَّها من البئر وحيطانها وطينها (3)، بعد أن كانت نجسة.
ونظيره: إنكار كون القرعة التي ثبت فيها ستة أحاديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (4)، وفيها آيتان من كتاب اللَّه (5) طريقًا للأحكام الشرعية (6)، وإثبات حل (7) الوطء بشهادة الزور التي يعلم المقدوح أنها شهادة زور، وبها فرَّق الشاهدان بين الرجل وامرأته (8).
ونظير هذا: إيجاب الاستيراء على السَّيد إذا ملك امرأة بكرًا لا يوطأ مثلها، مع العلم القطعي (9) ببراءة رحمها، وإسقاطه عمَّن أراد وطء الأمة التي وطئها سيّدُها البارحة ثم اشتراها هو فملَّكها لغيره وكلَّمه (10) في تزويجها منه، فقالوا:
__________
(1) "تصديقه الشهود هنا، فكأن الزنا قد ثبت عليه بإقراره، وله الرجوع عن هذا الإقرار، فيسقط عنه الحد، ولا يخفى ما في هذه الحيلة من السخف" (ط).
(2) في (ق) و (ك): "في".
(3) تصحفت في (ن) إلى: "وطيبها"، وفي (ق): "وطئها".
(4) تقدم تخريج بعضها، وذكرها جميعًا في "الطرق الحكمية" (269 - ط المكتبة الأثرية).
(5) الأولى: قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)} [آل عمران: 44].
والثانية: قوله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141)} [الصافات: 141].
(6) انظر: "الطرق الحكمية" (245، 256، 268، 332 - 384)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 166)، و"زاد المعاد" (2/ 78 و 4/ 120 - 121)، و"تهذيب السنن" (3/ 177)، و"بدائع الفوائد" (ص 262 - 271).
(7) في (ق) و (ك): "حد".
(8) في المطبوع: "والمرأة".
(9) في المطبوع: "مع القطع".
(10) في المطبوع: "ثم وكله".
(4/145)

يحلّ له وطؤها، وليس بين وطء بائعها ووطئه هو إلّا ساعة من نهار.
ونظير هذا: في التناقض إباحة نكاح المخلوقة من ماء الزاني مع كونها بعضه، مع تحريم المرضعة من لبن امرأته لكون اللّبن ثَابَ بوطئه فقد صار فيه جزء منه.
فياللَّه العجب! كيف انتهض هذا الجزء اليسير سببًا للتحريم ثم يباح له وطؤها وهي جزؤه الحقيقي وسُلالته؟ وأين تشنيعُكم وإنكاركم لاستمناء الرجل بيده عند الحاجة خوفًا من العَنَت ثم تجوِّزون له وطء بنته المخلوقة من مائه حقيقة (1)!!
ونظير هذا: لو ادّعى على ذمّي حقًا وأقام به شاهدين عبدين عالمين صالحين مقبولة شهادتهما على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم تُقبل شهادتهما عليه، فإن أقام به شاهدين كافرين حُرَّيْن قبلت شهادتهما عليه مع كَوْنهما من أكذب الخلق على اللَّه وأنبيائه ودينه.
ونظير هذا: لو تداعيا حائطًا لأحدهما عليه خشبتان، وللآخر [عليه] (2) ثلاث خشبات ولا بيّنة فهو كلّه لصاحب الخشبات الثلاث؛ فلو كان لأحدهما ثلاث خشبات وللآخر مئة خشبة فهو بينهما نِصْفين.
ونظير هذا: لو اغتصب نصراني رجلًا على ابنته أو امرأته أو حُرمته وزنى بها ثم شَدَخ رأسها بحجر أو رمى بها من أعلى شاهق فماتت (3) فلا حَدَّ عليه ولا قصاص؛ فلو قتله المسلم صاحب الحرمة بقصبة محددة (4) قُتلْ به.
ونظير هذا: أنه لو أُكره على قتل ألف مسلم أو أكثر بسَجن شهرٍ وأخذ شيء من ماله فقتلهم فلا قَوَد عليه ولا ديّة، حتى إذا أكره بالقتل على عتق أمته أو طلاق زوجته لزمه حكم الطلاق والعتق، ولم يكن الإكراه مانعًا من نفوذ حكمنا عليه، مع أن اللَّه سبحانه أباح التكلّم بكلمة الكفر مع الإكراه، ولم يُبح قتل المسلم بالإكراه أبدًا.
ونظير هذا: إبطال الصلاة بتسبيح مَنْ نابه شيء في صلاته، وقد أمر به النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (5)، وتصحيح صلاة مَنْ ركع ثم خرَّ ساجدًا من غير أن يقيم صلبه، وقد
__________
(1) سبق بيان مستفيض حول هذه المسألة، وانظر لزمًا لها "مثارات الغلط في الأدلة" (ص 29 - 30) للشريف التلمساني.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في المطبوع و (ن): "حتى ماتت".
(4) في (ن) و (ق) و (ك): "محدودة".
(5) رواه البخاري (684) في (الأذان): باب من دخل ليؤمّ الناس فجاء الإمام الأول، =
(4/146)

أبطلها النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: "لا تُجزئ صلاة لا يقيمُ الرجل فيها صُلبه في ركوعه وسجوده" (1)، ودعوى أن ذلك مقتضى الأصول.
ونظيره [أيضًا] (2): إبطال الصلاة بالإشارة لردِّ السلام أو غيره، وقد أشار النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في صلاته بردِّ السلام (3)، وأشار الصحابة برؤوسهم تارة وبأكفّهم تارة (4)، وتصحيحها مع ترك الطمأنينة، وقد أمر بها النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ونفى الصلاة بدونها (5)، وأخبر أن صلاة النقر صلاة المُنافقين (6)، وأخبر حذيفة أنَّ مَنْ صلَّى
__________
= و (1201) في (العمل في الصلاة): باب ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة للرجال، و (1204) في (التصفيق للنساء)، و (1218) في رفع الأيدي في الصلاة للرجال لأمر ينزل به، و (1234) في (السهو): باب الإشارة في الصلاة، و (2690) في (الصلح): باب ما جاء في الإصلاح بين الناس، و (2693) في باب قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نصلح، و (7190) في (الأحكام): باب الإمام يأتي قومًا يصلح بينهم، ومسلم (421) في (الصلاة): باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام، من حديث سهل بن سعد.
(1) سبق تخريجه.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) رواه ابن أبي شيبة (2/ 74)، وعبد الرزاق (3597)، والحميدي (148)، والدارمي (1/ 316)، وأبو داود (927) في (الصلاة): باب رد السلام في الصلاة، والترمذي (368) في (الصلاة): باب ما جاء في الإشارة في الصلاة، والنسائي (3/ 5) في (السهو): باب رد السلام، وابن ماجه (1017) في (إقامة الصلاة): باب المصلي يُسلَّم عليه كيف يرد، وابن الجارود (215)، وابن خزيمة (888)، وابن حبان (2258)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 454)، والطبراني في "الكبير" (7291 و 7292)، والبيهقي (2/ 259) من حديث ابن عمر. . . قال: فسألت صهيبًا -وكان معه- كيف كان النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يفعل إذا كان يُسلَّم عليه وهو يصلي؟ فقال: كان يشير بيده.
وفي بعضها: فسألت بلالًا، وفي بعضها: فسألت بلالًا أو صهيبًا.
قال الترمذي: وكلا الحديثين عندي صحيح؛ لأن قصة حديث صهيب غير قصة حديث بلال، وإن كان ابن عمر روى عنهما، فاحتمل أن يكون سمع منهما جميعًا.
وفي الباب عن صهيب.
(4) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (6/ 144 - ط. دار الفكر)، و"الأدب المفرد" (رقم 1004، 1047)، و"فتح الباري" (11/ 14)، "بدائع الفوائد" (4/ 47)، و"جلباب المرأة المسلمة" (194).
(5) تقدم في مثل حديث المسيء صلاته.
(6) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب المساجد ومواضع الصلاة): باب استحباب التبكير بالعصر (1/ 434/ رقم 622)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الصلاة): باب وقت صلاة العصر (1/ 112 - 113/ رقم 413)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الصلاة): باب ما =
(4/147)

كذلك لقي اللَّه على غير الفطرة التي فطر اللَّه عليها رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- (1)، وأخبر النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ مَنْ لا يُتم ركوعه ولا سجوده أسوأ الناس سرقةً (2)، وهذا يدلّ على أنه أسوأ حالًا عند اللَّه من سُرَّاق الأموال.
__________
= جاء في تعجبل العصر (1/ 301/ رقم 160)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب المواقيت): باب التشديد في تأخير العصر (1/ 254)، وأحمد في "المسند" (3/ 102 - 103، 247) عن أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه-، ولفظه: "تلك صلاة المنافق، يجلس يرقُبُ الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان؛ قام فنقرها أربعًا، لا يذكر اللَّه فيها إلا قليلًا".
(1) رواه البخاري في "صحيحه" (791) في (الأذان): باب إذا لم يتم الركوع من طريق زيد بن وهب قال: رأى حذيفة رجلًا لا يُتم الركوع والسجود قال. . . لو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرة.
وفي رواية عبد الرزاق (3733): ". . . صلّى صلاة جعل يَنْفُر فيها ولا يتم. . . ".
وانظر: "فتح الباري" (2/ 275).
(2) ورد من حديث أبي هريرة، وأبي قتادة، وأبي سعيد، والنعمان بن مرة.
أما حديث أبي هريرة: فرواه ابن حبان (1888)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 229)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 386)، وأبو حاتم؛ كما في "العلل" لابنه (1/ 170)، والطبراني في "الكبير" -كما في "المجمع" (2/ 120) - و"الأوسط" (رقم 8179) من طريق هشام بن عمار عن عبد الحميد بن أبي العشرين عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي!
قلت: وهذا إسناد فيه مقال، عبد الحميد هذا وان وثقه أحمد وابن معين؛ إلّا أنه يخطئ، قال البخاري: ربما يخالف في حديثه، وقال ابن حبان: ربما أخطأ، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وقال أبو حاتم عن حديثه هذا: لم يروه أحد سواه، أي من هذا الطريق إذ جعله من مسند أبي هريرة، حيث خالفه الوليد بن مسلم فقال: عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد اللَّه بن أبي قتادة عن أبيه به.
رواه أحمد في "مسنده" (5/ 310)، والدارمي (1/ 304 - 305)، والطبراني (3283)، والحاكم (1/ 299)، والبيهقي (2/ 385 - 386)، والخطيب (8/ 227)، وأبو حاتم -كما في علل ابنه (1/ 170) - وأبو زرعة أيضًا، من طريق الحكم بن موسى، وأبو جعفر السويدي عنه به.
وقد وقع تصريح الوليد بن مسلم بالسماع عند الخطيب، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال أبو حاتم: ولا أعلم أحدًا رواه عن الوليد بن مسلم غير الحكم بن موسى، مع أنه رواه أبو جعفر السويدي أيضًا، ثم قال أبو حاتم عن هذا الطريق، وطريق أبي هريرة السابق: وجميعًا عندي مُنكرين ليس لواحد منهما معنى.
قلت (القائل ابنه): لِمَ؟ قال: لأن حدبث ابن أبي العشرين لم يرو أحد سواه، وكان الوليد صنّف كتاب الصلاة، وليس فيه هذا الحديث.
وأما حديث أبي سعيد: فرواه أحمد (3/ 56)، والبزار (536)، وابن أبي شيبة (1/ =
(4/148)

ونظير هذا قولهم: لو أن رجلًا مسلمًا طاهر البدن عليه جنابة غَمَسَ يده في بئر بنيّة رفع الحدث صارت البئر كلها نجسة، يحرم شرب مائها والوضوء منه والطبخ به؛ فلو اغتسل فيها مئة نصراني قُلُف (1) عابدو الصَّليب أو مئة يهودي فماؤها باقٍ على حاله طاهر مطهِّر يجوز الوضوء به (2) وشربه والطبخ به.
ونظيره: لو ماتت فارة في ماء فصُبَّ ذلك الماء في بئر لم يُنزح منها إلّا عشرون دلوًا فقط، وتطهُر بذلك، ولو توضأ رجل مسلم طاهر الأعضاء بماء فسقط ذلك الماء في البئر فلا بدّ من أن تُنزحَ [البئر] (3) كلها.
ونظير هذا قولهم: لو عقد على أُمِّه أو أخته أو بنته ووطئها، وهو يعلم أن اللَّه حرَّم ذلك فلا حَدَّ عليه لأن صورة العقد شُبهة، ولو رأى امرأةً في الظلمة ظنّها امرأته فوطئها فعليه الحد ولم يكن ذلك شبهة.
ونظيره قولهم: لو أنه رَشَا شاهدين فشهدا بالزور المَحْض أن فلانًا طلَّق امرأته ففرَّق الحاكم بينهما جاز له أن يتزوّجها ويطاها حلالًا، [بل] (4) ويجوز لأحد الشاهدين ذلك؛ فلو حكم حاكم بصحة هذا العقد لم يجز نقضُ حكمه، ولو حكم حاكمٌ بالشاهد واليمين لنقض حكمه، وقد حكم به النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-! (5).
ونظير ذلك قولهم: لو تزوج امرأة فخرجت مجنونة بَرْصاء من قرنها إلى قدمها مجذومة (6) عمياء مقطوعة الأطراف فلا خَيارَ له، وكذلك إذا وجدت هي الزوج كذلك فلا خيار لها، وإن خرج [الزوج] (7) من خيار عباد اللَّه وأغناهم
__________
= 322)، وأبو داود الطيالسي (428 منحة)، وابن عدي (5/ 1843)، وأبو نعيم في "الحلية" (8/ 302) كلّهم من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عنه.
قال الهيثمي (2/ 120): وفيه علي بن زيد، وهو مختلف في الاحتجاج به، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وأما حديث النعمان بن مرة: فرواه مالك في "الموطأ" (1/ 167)، والنعمان هذا: الصحيح أنه تابعي كما ذكره الحافظ في "الإصابة" (3/ 559).
وله شاهد أيضًا من حديث عبد اللَّه بن مُغفَّل: رواه الطبراني في "الصغير" (335)، و"الأوسط" (رقم 3392).
قال الهيثمي (2/ 120): ورجاله ثقات، وعزاه ل "الكبير".
فهذه شواهد يتقوّى بها الحديث، واللَّه أعلم.
(1) "جمع أقلف: وهو من لم يختتن" (و).
(2) في المطبوع: "منه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ن).
(4) ما بين المعقوفتين من المطبوع.
(5) سبق تخريجه.
(6) في (ك) و (ق): "مجذمة".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4/149)

وأجملهم وأعلمهم وليس له أبوان في الإسلام وللزوجة أبوان في الإسلام فلها الفسخ بذلك (1).
ونظيره قولهم: يصح نكاح الشِّغَار (2)، ويجب فيه مهر المثل، وقد صح نهيُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عنه وتحريمه إياه (3)، ولا يصح نكاح من أعتق أمةً وجعَلَ عِتقَها صداقها، وقد فعله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (4).
ونظيره قولهم: يصحُّ نكاحُ التحليل، وقد صح لعنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لمن فعله من رواية عبد اللَّه بن مسعود وأبي هريرة وعليّ بن أبي طالب (5)، ولا يصح نكاح الأمة لمضطرٍ خائف العَنَت عادم الطَّوْل إذا كانت تحته حُرَّة ولو كانت عجوزًا شوهاء لا تعفّه.
ونظيره قولهم: يجوز بيع الكلب، وقد منع منه النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (6)، وتحريم بيع المدَبَّر، وقد باعه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (7).
__________
(1) انظر في فسخ النكاح بالعيب: "زاد المعاد" (4/ 29 - 32).
(2) "نكاح معروف في الجاهلية كان يقول الرجل للرجل: شاغرني، أي: زوّجني أختك أو ابنتك، أو مَنْ تلي أمرَها، حتى أزوّجك أختي أو ابنتي أو مَنْ أَلِيَ أمرَها، ولا يكون بينهما مهر، ويكون بضع كل واحدة منهما في مقابلة بضع الأخرى، وقيل له: شغار؛ لارتفاع المهر بينهما من شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ليبول، وقيل: الثغر: البعد، وقيل: الاتّساع" (و).
(3) رواه البخاري (5112) في (النكاح): باب الشغار، و (6960) في (الحيل): باب الحيلة في النكاح، ومسلم (1415) في (النكاح): باب تحريم نكاح الشغار، من حديث ابن عمر، وفي الباب عن جابر: رواه مسلم (1417).
وانظر: "زاد المعاد" (4/ 5)، و"تهذيب السنن" (3/ 21).
(4) يشير إلى عتقه -صلى اللَّه عليه وسلم- صفيّة، وجعل ذلك مهرها، وقد سبق تخريجه، وهو صحيح.
(5) ساق المؤلف طرقه في (3/ 420) عن عدّة من الصحابة، وخرجتها هناك.
وانظر: "زاد المعاد" (4/ 5 - 6، 66، 212)، و"تهذيب السنن" (3/ 22 - 23)، و"إغاثة اللهفان" (2/ 97).
ووقع في المطبوع بعد "علي بن أبي طالب": "كرّم اللَّه وجهه في الجنّة".
(6) رواه البخاري (2237) في (البيوع): باب ثمن الكلب، و (2282) في "الإجارة": باب كسب البغي والإماء، و (5346) في (الطلاق): باب مهر البغي والنكاح الفاسد، و (5761) في (الطب): باب الكهانة، ومسلم (1567) في (المساقاة) باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن، من حديث أبي مسعود البدري قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ثمن الكلب ومَهْر البغي. . . وفي (ق): "رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-".
وانظر كلام المؤلف -رحمه اللَّه- في تحريم بيع الكلب في "زاد المعاد" (4/ 247).
(7) سبق تخريجه.
(4/150)

ونظيره قولهم: للجار أن يمنع جاره أن يَغْرزَ خشبةَ هو محتاجٌ إلى غرزها في حائطه، وقد نهاه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن مَنْعه (1)، وتسليطهم إياه على انتزاع داره كلها منه بالشُّفعة بعد وقوع الحدود وتصريف الطُّرق، وقد أبطلها النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (2).
ونظيره قولهم: لا يحكم بالقَسَامة لأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: يحلف الذين وُجد (3) القتيل في محلتهم ودارهم خمسين يمينًا ثم يُقْضَى عليهم بالديّة، فياللَّه العجب! كيف كان هذا وفق الأصول وحكم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خلاف الأصول؟!!
ونظيره قولهم: لو تزوّج امرأة فقالت له امرأة أخرى: أنا أرضعتُك وزوْجَتَكَ، أو قال له رجل: هذه أختك من الرضاعة، جاز له تكذيبها ووطء الزوجة، مع أن هذه هي الواقعة التي أَمَر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عقبة بن الحارث بفراق امرأته لأجل قول الأمَةِ السوداء أنها أرضعتهما (4).
ولو اشترى طعامًا أو ماءً فقال له رجل: هذا ذبيحة مجوسي أو نجس لم يسعه أن يتناوله، مع أن الأصل في الطعام والماء الحل، والأصل في الأبضاع التحريم، ثم قالوا: لو (5) قال المُخبر: "هذا الطعام والشراب لفلان سَرَقه أو غصبه منه فلان"، وَسِعَهُ أن يتناوله.
ونظيره قولهم (6): لو أسلم وتحته أختان وخيَّرناه فطلَّق إحداهما كانت هي المختارة، والتي أمسكها هي المفارقة، قالوا: لأن الطلاق لا يكون إلّا في زوجة، وأصحاب أبي حنيفة (7) تخلَّصوا من هذا بأنَّه إنْ عَقَد على الأختين في عقد واحد فسد نكاحهما واستأنف نكاحَ مَنْ شاء منهما، وإن تزوج واحدة بعد واحدة فنكاح الأُولى هو الصحيح، ونكاح الثانية فاسد.
ولكن لزمهم نظيره في مسألة العبد: إذا تزوَّج بدون إذن سيده كان موقوفًا
__________
(1) رواه البخاري (2463) في (المظالم): باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره، و (5627) في (الأشربة): باب الشرب من فم السقاء، ومسلم (1609) في (المساقاة) باب غرز الخشبة في الجدار، من حيث أبي هريرة.
(2) سبق تخريجه، وفي (ق) و (ك): "رسول اللَّه".
(3) في المطبوع: "وجدوا".
(4) سبق تخريجه، وفي (ن) و (ك): "أنا أرضعتكما" بدل: "إنها أرضعتهما".
(5) في (ق) و (ك): "فلو".
(6) في المطبوع: "ونظر هذا قولهم".
(7) انظر المسألة في "مختصر اختلاف العلماء" (2/ 369 رقم 874).
(4/151)

على إجازته (1)، فلو قال له: "طلِّقها طلاقًا رجعيًا"، كان ذلك إجازة منه للنكاح، فلو قال له: "طلِّقها"، ولم يقل: "رجعيًا"، لم يكن إجازة للنكاح مع أن الطلاق في هذا النكاح لا يكون [إلا] (2) رجعيًا إلا بعد الإجازة (3)، وقبل الدخول، وأمّا قبل الإجازة والدخول فلا ينقسم إلى بائنٍ ورجعي.

[من أدرك ركعة من الصبح]
المثال الثامن والعشرون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلعَ الشمس فقد أدرك الصبح (4)، بكونها خلاف الأصول وبالمتشابه من نهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الصلاة وقت طلوع الشمس (5)، قالوا: والعامُّ عندنا يُعارض الخاص فقد تَعارضَ حاظرٌ ومُبيح، فقدَّمنا الحاظر احتياطًا؛ فإنه يُوجب عليه إعادة الصلاة، وحديث الإتمام يُجوِّز له المضي فيها، وإذا تعارضا صِرْنا إلى النص الذي يوجب الإعادة لنتيقَّن براءة الذمة، فيقال: لا ريب أن
__________
(1) وهذا قول الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وشريح والشعبي، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وهو رواية عن أحمد.
انظر: "الإشراف" (4/ 129) لابن المنذر، و"الجامع لأحكام القرآن" (5/ 141)، و"فتح القدير" (3/ 390)، و"مختصر اختلاف العلماء" (2/ 281 رقم 763)، و"الجامع الصغير" (154)، و"مختصر الطحاوي" (175)، و"المدونة" (2/ 199)، و"الدر المختار" (3/ 97، 163)، و"شرح الزرقاني" (3/ 194)، و"جواهر الإكليل" (9/ 436)، و"المغني" (1/ 285)، وبسط المسألة مع أدلتها في "أحكام الإذن في الفقه الإسلامي" (2/ 473 - 476).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في (ق): "إجازة".
(4) الحديث متفق عليه، وقد مضى تخريجه.
(5) ورد ذلك في عدّة أحاديث: منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب مواقيت الصلاة): باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس (2/ 58/ رقم 582)، وباب لا يتحرَّى الصلاة قبل غروب الشمس (2/ 60/ رقم 585)، و (كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة): باب مسجد قباء (3/ 68/ رقم 1192)، و (كتاب الحج): باب الطواف بعد الصبح والعصر (3/ 488/ رقم 1629)، و (كتاب بدء الخلق): باب صفة إبليس وجنوده (6/ 335/ رقم 3273)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب صلاة المسافرين وقصرها): باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، (2/ 567 رقم 828) عن ابن عمر مرفوعًا: "لا تحروا بصلاتكم طُلوع الشمس ولا غروبها؛ فإنها تطلع بقَرْني شيطان" لفظ مسلم، ولفظ البخاري في آخر موطن مذكور: "ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها: فإنها تطلع بين قرني شيطان، أو الشيطان".
(4/152)

قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمّ صلاته، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته" (1)، حديث واحد، قاله -صلى اللَّه عليه وسلم- في وقت واحد، وقد وجبت طاعته في شطره؛ فتجب طاعته في الشطر الآخر، وهو محكم خاص لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، لا يحتمل غيره ألبتَّة، وحديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي (2) عامٌّ مجمل قد خُص منه عصر يومه بالإجماع، وخُصّ منه قضاء الفائتة والمنسية بالنَّص (3)، وخص منه ذوات الأسباب بالسنة كما قضى النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سنة الظهر بعد العصر (4)، وأقرَّ مَنْ قضى سنة الفجر بعد صلاة الفجر، [وقد أعلمه أنها سنة الفجر] (5)، وأمر من صلَّى في رَحْله ثم
__________
(1) سبق تخريجه قريبًا.
(2) فيها أحاديث: منها حديث عقبة بن عامر: ثلاث ساعات كان ينهانا عنهنّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نصلي فيهن. . .
رواه مسلم (831) في (صلاة المسافرين): باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها.
وحديث أبي هريرة: "نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس".
أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب مواقيت الصلاة): باب لا يتحرّى الصلاة قبل غروب الشمس (2/ 61/ رقم 588)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب صلاة المسافرين): باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها (1/ 566/ رقم 825).
ومثله حديث أبي سعيد الخدري: رواه البخاري (586 و 1188 و 1197 و 1864 و 1992 و 1995)، ومسلم (827).
وحديث عمرو بن عَبسة رواه مسلم (832).
وحديث عمر بن الخطاب: رواه مسلم (826).
وحديث ابنه عبد اللَّه السابق، وغيرهما.
(3) في قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها"، رواه البخاري في "الصحيح" (كتاب المواقيت) باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، ولا يعيد إلا تلك الصلاة. . . إلخ (2/ 84/ 579)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب المساجد): باب: قضاء الفائتة واستحباب تعجيله (5/ 193/ 684)، وغيرهما من حديث أنس بن مالك.
(4) رواه البخاري (1233) في (السهو): باب إذا كُلِّمَ وهو يصلي فأشار بيده واستمع، و (4370) في (المغازي) باب وفد عبد القيس، ومسلم (834) في (صلاة المسافرين): باب معرفة الركعتين اللتين كان النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يصليهما بعد العصر، من حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-. وفي الباب عن عائشة: رواه مسلم (835).
(5) رواه ابن خزيمة (1116)، وابن حبان (2471)، والدارقطني (1/ 383 - 384)، وتمام في "فوائده" (378 - ترتيبه)، والحاكم (1/ 274 - 275)، ومن طريقه البيهقي (2/ 483) =
(4/153)

جاء مسجد جماعة أن يُصلّى معهم وتكون له نافلة، قاله (1) في صلاة الفجر، وهي
__________
= من طريق أسد بن موسى عن الليث بن سعد قال: حدّثني يحيى بن سعيد عن أبيه عن جَدّه قيس بن قَهْد (ويقال: عمرو).
ورواه ابن منده أيضًا -كما ذكره الحافظ في "الإصابة" في ترجمة قيس، وقال: غريب تفرّد به أسد بن موسى موصولًا، وقال غيره: "عن الليث عن يحيى: إن حديثه مرسل".
أقول: أسد بن موسى هو الملقب ب "أسد السنة".
قال البخاري: مشهور الحديث. ووثقه النسائي وغيره.
وقال الذهبي في "الميزان": "ما علمت به بأسًا إلا أن ابن حزم ذكره في كتاب الصيد، فقال: منكر الحديث". قلت: كذا قال ابن حزم في موطنين من "المحلى" (2/ 90 و 7/ 472) وقال عنه ضعيف في مواطن، هي: (8/ 211 و 9/ 61، 405، 10/ 377).
وتهويلات ابن حزم في هذا معروفة.
قلت: وفوق إعلال الحديث بالإرسال الذي ذكره ابن حجر؛ فإن سعيد بن قيس والد يحيى ترجمه البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولم يوثقه غير ابن حبان! ومع هذا كله قال الحاكم: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي، وقال ابن خزيمة: "خبر غريب غريب".
وللحديث طريق آخر.
رواه الشافعي في "مسنده" (1/ 57)، وأحمد (5/ 447)، والحميدي (868)، وابن أبي شيبة (2/ 254 و 14/ 239)، وأبو داود (1267)، والترمذي (422)، وابن ماجه (1154)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2156 و 2157)، وابن خزيمة (1116)، والطبراني في "الكبير" (18/ 937)، والدارقطني (1/ 384 - 385)، والحاكم (1/ 275)، والبيهقي (2/ 483)، وفي "الخلافيات" (1/ ق 166/ أ) من طريق سعد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن قيس بن عمرو به.
قال الترمذي: "غريب لا نعرفه إلّا من حديث سعد بن سعيد. . . وإسناد هذا الحديث ليس بمتّصل، محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس".
وقال أبو داود: روى عبد ربه، ويحيى ابنا سعيد هذا الحديث مرسلًا: أن جدهم صلّى مع النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بهذه القصة.
قلت: رواية يحيى تقدمت، وأما رواية عبد ربه فهي في "مصنف عبد الرزاق" (2/ 442/ رقم 4016) عن ابن جريج عنه عن جده مرسلًا.
والحديث ضعفه النووي في "المجموع" (4/ 169)، وفي "تهذيب الأسماء واللغات" (1/ 2/ 64)؛ ولكنه لعله يتقوّى بطريقيه، واللَّه أعلم. وانظر: "إعلام أهل العصر في أحكام ركعتي الفجر" (ص 221 - 229).
وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(1) في المطبوع: "وقاله".
(4/154)

سبب الحديث (1)، وأمر الداخلَ والإمامَ يخطب أن يصلي تحية المسجد قبل أن يجلس (2)، وأيضًا فإن الأمر بإتمام الصلاة، وقد طلعت الشمس فيها أمر بإتمام لا ابتداء (3)، والنهي عن الصلاة في ذلك الوقت نهيٌ عن ابتدائها لا عن استدامتها؛ فإنه لم يقل: لا تتمّوا الصلاة في هذا (4) الوقت، وإنما قال: لا تصلّوا.

[فرق بين الابتداء والدوام]
وأين أحكام الابتداء من الدوام، وقد فرَّق النص والإجماع والقياس بينهما؟ فلا تؤخذ أحكامُ الدَّوام من أحكام الابتداء ولا أحكام الابتداء من أحكام الدوام في عامة مسائل الشريعة؛ فالإحرام يُنافي ابتداء النكاح والطيب دون استدامتهما، والنكاح ينافي قيام العدة والردة دون استدامتهما، والحدث يُنافي ابتداء المسح على الخفين دون استدامته، وزوال خوف العنت ينافي ابتداء النكاح على الأمة
__________
(1) رواه أحمد (4/ 160 - 161)، والطيالسي (1247)، والدارمي (1374)، وعبد الرزاق (3934)، وابن أبي شيبة (2/ 474 - 275)، وأبو داود (575) و (576) في (الصلاة): باب فيمن صلّى في منزله ثم أدرك الجماعة، يصلي معهم، والترمذي (219) في (الصلاة): باب ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة، والنسائي (2/ 112 - 113) في (الإمامة): باب إعادة الفجر مع الجماعة لمن يصلّي وحده، وابن خزيمة (1279، 1638، 1713)، ولوين في "جزئه" (رقم 102)، وابن الغطريف في "جزئه" (رقم 87)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 363)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (3/ 222)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (3/ 134 رقم 2462)، وابن حبان (1564 و 1565)، والطبراني في "الكبير" (22/ 608 - 617)، والدارقطني (1/ 413 - 414 و 414)، والحاكم (1/ 244 - 245)، والبيهقي (2/ 300، 301) من طرق عن يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وقد أُعِلَّ، وَرَدَّ ذلك ابن حجر في "التلخيص" (2/ 29 - 30).
(2) رواه البخاري في "الصحيح" (كتاب الصلاة): باب إذا دخل المسجد فليركع (1/ 640/ 444)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب صلاة المسافرين): باب استحباب تحية المسجد (5/ 2/ 225) عن أبي قتادة.
وقد بيَّن المؤلف -رحمه اللَّه- أن حديث النهي عام مجمل وقد خُصَّ، في عدة مواضع من كتبه؛ منها: ما هو هنا، وفي "روضة المحبين" (ص 93)، و"زاد المعاد" (2/ 194).
(3) في (ق) و (ك): "لا بابتداء".
(4) في المطبوع: "في ذلك".
(4/155)

دون استدامته عند الجمهور، والزنا من المرأة ينافي [ابتداء] (1) عقد النكاح دون استدامته عند الإمام أحمد ومن وافقه (2)، والذهول عن نية العبادة ينافي ابتداءها دون استدامتها، وفقد الكفاءة ينافي لزوم النكاح في الابتداء دون الدوام، وحصول الغنى ينافي جواز الأخذ من الزكاة ابتداء [ولا ينافيه] (3) [دون] (4) دوامه، وحصول الحجر بالسفه والجنون ينافي ابتداء العقد من المحجور عليه ولا ينافي دوامه، وطرءان ما يمنع الشهادة من الفسق والكفر والعداوة بعد الحكم بها لا يمنع العمل بها على (5) الدوام ويمنعه في الابتداء، والقدرة على التكفير بالمال تمنع التكفير بالصوم ابتداء لا دوامًا، والقدرة على هدي التمتع تمنع الانتقال إلى الصوم ابتداء لا دوامًا (6)، والقدرة على الماء تمنع ابتداء التيمّم اتفاقًا، وفي منعه لاستدامة الصلاة بالتيمّم خلاف بين أهل العلم (7)، ولا تجوز إجارة العين المغصوبة ممن لا يقدر على تخليصها، ولو غصبها بعد العقد من لا يقدر المستأجر على تخليصها منه لم تنفسخ الإجارة وخُيّر المستأجر بين فسخ العقد وإمضائه، ويمنع أهل الذمة
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) هذا مذهب جماهير أهل العلم، وذهب الحسن وإبراهيم النخعي إلى أنه إذا زنت المرأة انفسخ النكاح. حكاه عنهما ابن بنت نعيم في "نوادر الفقهاء" (ص 80 - 81)، ونسب هذا القول إلى علي، أسنده عنهم ابن أبي شيبة (4/ 263 - 265)، ولعلي محمد بن الحسن في "الآثار" (2/ 89 - "جامع المسانيد") وحكاه ابن حزم (9/ 478) للحسن وطاوس والنخعي وحماد بن أبي سليمان، وحكاه العيني في "البناية" (4/ 97) عن جابر بن عبد اللَّه وعلي والحسن.
وانظر: "الحاوي الكبير" (11/ 259)، و"حلية العلماء" (6/ 377)، و"الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 124)، و"اختلاف العلماء" (ص 168)، و"المغني" (6/ 603)، و"الإشراف" (3/ 316 رقم 1152 - بتحقيقي) للقاضي عبد الوهاب، و"تكملة المجموع" (16/ 223)، و"المعونة" (2/ 795).
(3) سقطت من (ك).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في (ق): "في".
(6) انظر: "بدائع الفوائد" (4/ 28).
(7) اختلف في هذه المسألة كما ذكر المصنف، فقال الشافعية والمالكية والحنابلة بعدم البطلان، وأما الحنفية فقالوا بالبطلان، وانظر: "الأم" (1/ 64)، "المهذب" (1/ 44)، "المجموع" (2/ 342)، "الخلافيات" (2/ 449 مسألة 26) وتعليقي عليه، "المدونة" (1/ 46)، "الاستذكار" (3/ 169)، "الإشراف" (1/ 137 مسألة رقم 77) وتعليقي عليه "مسائل أحمد وإسحاق" (1/ 19)، "الإنصاف" (1/ 298)، "الأصل" (1/ 120)، "المبسوط" (1/ 124 - 125).
(4/156)

من ابتداء إحداث كنيسة في دار الإسلام ولا يمنعون من استدامتها، ولو حلف لا يتزوج أو لا يتطيّب أو لا يتطهّر فاستدام ذلك لم يحنث وإن ابتدأه حنث، وأضعاف أضعاف ذلك من الأحكام التي يُفرَّق فيها بين الابتداء والدوام؛ فيحتاج في ابتدائها إلى ما لا يحتاج إليه في دوامها، وذلك لقوة الدوام وثبوته واستقرار حكمه، وأيضًا فهو مستصحب بالأصل، وأيضًا فالدفع أسهل من الرفع (1)، وأيضًا فأحكام التَّبَع يثبت فيها ما لا يثبت في المتبوعات، والمُستدام تابع لأصله الثابت؛ فلو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي صحة ما ورد به النص، فكيف وقد توارد عليه النص والقياس؟.

[عدم تعارض شيئين في هذه المسألة]
فقد تبيَّن أنه لم يتعارض في هذه المسألة عام وخاص ولا نص وقياس، بل النص فيها والقياس متفقان، والنص العام لا يتناول مورد الخاص ولا هو داخل تحت لفظه، ولو قُدّر صلاحية لفظه له فالخاص بيان لعدم إرادته، فلا يجوز تعطيل حكمه وإبطاله، بل يتعين إعماله واعتباره، ولا تضرب (2) أحاديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعضها ببعض، وهذه القاعدة أولى من القاعدة التي تتضمن إبطال إحدى السُّنتين وإلغاء أحد الدليلين (3)، واللَّه الموفق.

[موازنة بين صورتين بطلت فيهما الصلاة]
ثم نقول: الصورة التي أبطلتم فيها الصلاة -وهي حالة طلوع الشمس- وخالفتم السنة أولى بالصحة من الصورة التي وافقتم فيها السنة؛ فإنه إذا ابتدأ العصر قبل الغروب فقد ابتدأها في وقت نهي، وهو وقت ناقص، بل هو أولى الأوقات بالنقصان، كما جعل النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقت صلاة المنافقين حين تصير الشمس بين قرنَيْ شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار (4)، وإنما كان النهي عن الصلاة قبل
__________
(1) في المطبوع: "فالدافع أمهل من الرافع".
(2) في (ك): "نضرب".
(3) انظر "الأوسط" (2/ 308) لابن المنذر، و"الخلافيات" للبيهقي (1/ 329)، و (فهارسه) (1/ 569).
(4) أما صلاة المنافقين حين تصير الشمس بين قرني شيطان، فقد تقدم في حديث رواه مسلم (622).
وأما سجود الكفار لها، ففي حديث آخر، رواه مسلم -أيضًا- في "الصحيح" (كتاب صلاة المسافرين): باب إسلام عمرو بن عبسة (رقم 832)، من حديث عمرو بن عبسة.
(4/157)

ذلك الوقت تحريمًا له وسدًا للذريعة (1)، وهذا بخلاف من ابتدأ الصلاة قبل طلوع الشمس؛ فإن الكفار حينئذ لا يسجدون لها، بل ينتظرون بسجودهم طلوعها فكيف يُقال: تبطل صلاة من ابتدأها في وقت تام لا يسجد فيه الكفار للشمس وتصح صلاة من ابتدأها وقت سجود الكفار للشمس سواء، وهو الوقت الذي تكون فيه بين قرني الشيطان فإنه حينئذ يقارنها ليقع السجود له كما يقارنها وقت الطلوع ليقع السجود له؟ فإذا كان ابتداؤها وقت مقارنة الشيطان لها غير مانع من صحتها فلأن تكون استدامتها وقت مقارنة الشيطان غير مانع من الصحة بطريق الأولى والأحرى، فإن كان في الدنيا قياس صحيح فهذا من أصحّه؛ فقد تبيّن أنَّ الصورة التي خالفتم فيها النص أولى بالجواز قياسًا من الصورة التي وافقتموه فيها.

[القياس الصحيح]
وهذا مما حصّلته عن شيخ الإسلام -قدس اللَّه روحه- وقت القراءة عليه، وهذه كانت طريقته، وإنما يقرّر أن القياس الصحيح هو ما دلّ عليه النص، وأن من خالف النص للقياس فقد وقع في مخالفة القياس والنص معًا (2)، وباللَّه التوفيق.
ومن العجب أنهم قالوا: لو صلَّى ركعة من العصر ثم غربت الشمس صحت صلاته وكان مدركًا لها؛ لقول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (3)، وهذا شطر الحديث، وشطره الثاني: "ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر" (3).

[دفع اللقطة إلى الذي يصفها]
المثال التاسع والعشرون: رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة في دفع اللقطة إلى من وَصف عِفاصَها (4)، ووِعَاءها ووِكَاءَها (5)، وقالوا: هو مخالف للأصول،
__________
(1) انظر: "قاعدة سدّ الذرائع وأثرها في الفقه الإسلامي" (ص 284 - 288).
(2) انظر: "مجموع الفتاوى" (23/ 200 - 205).
(3) سبق تخريجه قريبًا.
(4) في هامش (ق): "العفاص: هو الوعاء".
(5) رواه البخاري (5/ 96) (2427) (كتاب اللقطة): باب ضالة الإبل، ومسلم (1722) (كتاب اللقطة): من حديث زيد بن خالد.
قال (و): "العفاص: الوعاء فيه النفقة جلدًا، أو خرقة وغلاف القارورة والجلد يغطّى به رأسها، والوكاء: الخيط تشد به الصرة، والكيس وغيرهما".
(4/158)

فكيف يُعطى المُدَّعي بدعواه من غير بيّنة؟ ثم لم ينشبوا [إلى] (1) أن قالوا: من ادّعى لقيطًا عند غيره ثم وصف علامات في بدنه فإنه يُقضى له [به] (2) بغير بيّنة، ولم يروا ذلك خلاف الأصول، وقالوا: من ادعى خُصًّا (3) ومعاقد قُمطه من جهته قُضي له به ولم يكن ذلك خلاف الأصول، ومن ادعى حائطًا ووجوه الآجر من جهته قُضي له به، ولم يكن ذلك خلاف الأصول، ومن ادّعى مالًا على غيره فأنكر ونكل عن اليمين قُضي له بدعواه ولم يكن ذلك خلاف الأصول، وإذا ادّعى الزوجان ما في البيت قُضِيَ لكل واحد منهما بما يناسبه، ولم يكن ذلك خلاف الأصول.
ونحن نقول: ليس في الأصول ما يُبطل الحكم بدفع اللقطة إلى واصفها ألبتّة، بل هو مقتضى الأصول (4)؛ فإن الظنّ المستفاد بوصفه أعظم من الظن المستفاد بمجرد النكول، بل وبالشاهدين، فوصفه بيّنة ظاهرة على صحة دعواه، لا سيما ولم يعارضه معارض؛ فلا يجوز إلغاء دليل صدقه مع عدم معارض أقوى منه؛ فهذا خلاف الأصول حقًا لا موجب السنة.

[صلاة من تكلم في الصلاة ناسيًا]
المثال الثلاثون: رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة في صحة صلاة من تكلَّم فيها جاهلًا أو ناسيًا (5)، بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: من أكل في رمضان أو شرب ناسيًا صح صومه، مع اعترافهم بأن ذلك على خلاف الأصول والقياس، ولكن تبعنا فيه السُّنة (6)، فما الذي منعكم من تقديم السّنة الأخرى على القياس والأصول كما قدَّمتم خبر القَهْقهة في الصلاة والوضوء بنبيذ التمر وآثار الآبار (7) على القياس والأصول؟!.

[اشتراط البائع منفعة المبيع مدة]
المثال الحادي والثلاثون: رد السنة الثابتة المحكمة في اشتراط البائع منفعة
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ن).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) كذا ضبطها في (ن)، و (ق)، وفي المطبوع: "خصيًا"، وفي (ك): "جُصًّا".
(4) انظر: "الطرق الحكمية" (ص 7، 244).
(5) مضى تخريجه.
(6) مضى تخريجه.
(7) تقدمت كل هذه الأخبار، وهي ضعيفة، ووقع في (ق): "وإيثار الآثار".
(4/159)

المبيع مدة معلومة (1) بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: يجوز بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها بشرط القطع في الحال مع العلم بأنها لو قُطعت لم تكن مالًا ينتفع به ولا يساوي شيئًا ألبتّة، ثم لهما أن يتّفقا على بقائها إلى حين الكمال، ودعوى أن ذلك موافق للأصول، وهو عين ما نَهى عنه النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (2).

[تخيير الولد بين أبويه]
المثال الثاني والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تخيير النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الولد بين أبويه (3)، وقالوا: هو خلاف الأصول، ثم قالوا: إذا زَوَّج الولي غير الأب الصغيرة صحَّ وكان النكاح لازمًا، فإذا بلغت انقلب جائزًا وثبَتَ لها الخيار بين الفسخ والإمضاء، وهذا وفق الأصول.
[فياللَّه العجب] (4)! أين في الأصول -التي هي كتاب اللَّه وسنّة رسوله وإجماع الأمة المُستند إلى الكتاب والسنّة- موافقة هذا الحكم للأصول ومخالفة حكم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالتخيير بين الأبوين للأصول (5)؟.

[رجم الكتابيين]
المثال الثالث والثلاثون: رد السنَّة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في
__________
(1) هو في حديث جابر في شرائه الناقة من النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومضى تخريجه.
(2) مضى تخريجه.
(3) رواه أحمد (2/ 246)، والشافعي في "المسند" (2/ 62 - 63)، و"الأم" (5/ 92)، وأبو داود (2277) في (الطلاق): باب من أحق بالولد، والترمذي (1357) في (الأحكام): باب ما جاء في تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا، وفي "علله الكبير" (369)، والنسائي (6/ 185، 186) في الطلاق: باب إسلام أحد الزوجين وتخيير الولد، وابن ماجه (2351) في (الأحكام): باب تخيير الصبي بين أبويه، وعبد الرزاق (12611)، وسعيد بن منصور (2275)، والحميدي (1083)، والدارمي (2298)، والطحاوي في "المشكل" (3085)، وأبو يعلى (6131)، والحاكم (4/ 97)، والبيهقي (8/ 3)، والبغوي (2399) من طريق هلال بن أبي ميمونة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خيّر غلامًا بين أبيه وأمّه.
قال الترمذي: حسن صحيح، ورجاله كلهم ثقات.
وفي الباب عن رافع بن سنان، انظره في "الحنائيات" (رقم 228 - بتحقيقنا) وعن غيره، ومضى ذلك. وانظر: "نصب الراية" (3/ 268 - 270).
(4) ما بين المعقوفتين في المطبوع: "فيا للعجب".
(5) انظر هذا المبحث بتوسع في "زاد المعاد" (4/ 34 - 139) للمؤلف رحمه اللَّه.
(4/160)

رجم الزانيين الكتابيين (1)، بأنها خلاف الأصول، وسقوط الحد عَمَّن عقد على أُمّه ووطئها، وأن هذا هو مقتضى الأصول.
فيا عجبًا لهذه الأصول التي مَنَعت إقامة الحد على من أقامه [عليه] (2) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأسقطته عمن لم يُسقطه عنه! فإنه ثبت عنه أنه أرسل البراء بن عازب إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن يضرب عُنقَه ويأخذ ماله (3)، فواللَّه ما رضي له بحدّ الزاني حتى حَكَم عليه بضرب العنق وأخذ المال، وهذا هو الحق المحض؛ فإن جريمته أعظمُ من جريمة من زنى بامرأة أبيه من غير عقد، فإن هذا ارتكب محظورًا [واحدًا] (4)، والعاقد
__________
(1) سيأتي تخريجه.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) رواه عبد الرزاق (10804)، وابن أبي شيبة (10/ 104 - ط الهندية أو 6/ 566 - ط دار الفكر)، وسعيد بن منصور (942)، والترمذي (1362) في (الأحكام): باب فيمن تزوج امرأة أبيه، وابن ماجه (2607) في (الحدود): باب من تزوج امرأة أبيه من بعده، والنسائي (6/ 109) في (النكاح): باب ما نكح الآباء، وفي الكبرى (5488)، وأحمد في "مسنده" (4/ 290 و 297)، وأبو يعلى (1666 و 1667)، وابن حبان (4112)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3/ 148)، والدارقطني (3/ 196)، والحاكم (2/ 191)، والبغوي (10/ 304 - 305 رقم 2592) من طريق السدي (إسماعيل بن عبد الرحمن)، وأشعث بن سوار، كلاهما عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: لقيت عمي، وفي رواية: خالي. . . فقال: أرسلني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فالمُرسل ليس البراء. . .
وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
لكن رواه أحمد (4/ 295)، وأبو داود (4457) في (الحدود): باب الرجل يزني بحريمه، والنسائي (6/ 110)، وفي "الكبرى" (5489)، والدارمي (2/ 153)، والحاكم (4/ 357)، والبيهقي (7/ 162) من طريق عبد الغفار بن القاسم، وزيد بن أبي أنيسة، كلاهما عن عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء عن أبيه البراء.
أقول: عدي بن ثابت من الثقات، ولم يؤخذ عليه شيء إلّا تشيّعه، وهذا هنا لا يضر، فلا مانع أن يروي الحديث على الوجهين.
ورواه سعيد بن منصور (943)، وأحمد (4/ 295)، وأبو داود (4456)، والطحاوي (3/ 149)، والدارقطني (3/ 196)، والبيهقي (8/ 237) من طريق مطرف عن أبي الجهم عن البراء.
واعلم أنه قد اختلف في هذا الحديث في الرجل الذي بعثه النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فقال البراء: مرّ بي خالي أبو بردة بن نيار. وفي رواية: عن عمِّه. وفي رواية: مرّ بنا أناس ينطلقون، وفي رواية: رهط. . . وكل هذا لا يضر إن شاء اللَّه ما دام أنها اتّفقت على شيء واحد، وهو ضرب عنق ذلك الرجل، وما دام أن الإسناد صحيح ثابت.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4/161)

عليها ضَمَّ إلى جريمة الوطء جريمة العقد الذي حرَّمه اللَّه، فانتهك حرمة شرعه بالعقد، وحُرمةَ أُمّه بالوطء، ثم يقال: الأصول تقتضي سقوط الحد عنه، وكذلك حكم النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- برجم اليهوديين (1) هو من أعظم الأصول، فكيف رُدَّ هذا الأصل العظيم بالرأي الفاسد ويقال: إنه مقتضى الأصول (2)؟.
فإن قيل: إنما حكم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالرجم بما في التوراة إلزامًا لهما بما اعتقدا صحته.
قيل: هب أن الأمر كذلك، أفحكمٌ بحق يجب اتباعه وموافقته وتحرم مخالفته أم بغير ذلك؟ فاختاروا أحد الجوابين ثم اذهبوا إلى ما شئتم.

[الوفاء بالشروط في النكاح وفي البيع]
المثال الرابع والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الوفاء بالشروط (3) في النكاح، [و] (4) أنها أحقُّ الشروط بالوفاء على الإطلاق (5)، بأنها خلاف الأصول، والأخذ بحديث النهي عن بيع وشرط (6) الذي لا يُعلم له إسناد يصح، مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس ولانعقاد الإجماع على خلافه، ودعوى أنه موافق للأصول؛ أما مخالفته للسنة الصحيحة فإن جابرًا باع بعيره وشرط ركوبه إلى المدينة (7)، والنبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَنْ باع عبدًا وله مال فمالُه للبائع
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2) انظر: "زاد المعاد" (3/ 207).
(3) سيأتي تخريجه.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) انظر مبحث الشروط لابن القيم في "بدائع الفوائد" (1/ 43 - 60، 3/ 345)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 180).
(6) رواه الطبراني في "الأوسط" (4361) ومن طريقه أبو نعيم الأصبهاني في "مسند أبي حنيفة" (ص 160 - 161) حدثنا عبد اللَّه بن أيوب القِربي قال: حدثنا محمد بن سليمان الذُّهلي قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال: قدمتُ مكة فوجدتُ بها أبا حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرُمة. . . ثم ذكر قصةً، فقال أبو حنيفة: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع وشرط. . .
قال الهيثمي في "المجمع" (4/ 85): في طريق عبد اللَّه بن عمرو مقال.
أقول: وهذا إسناد ضعيفٌ جدًا، عبد اللَّه بن أيوب، قال الدارقطني: متروك، انظر: "تاريخ بغداد" (9/ 413)، و"لسان الميزان" (3/ 315)، ومحمد بن سليمان الذهلي لم أجد من ترجمه.
وصح من حديث عمرو بن العاص رفعه: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع" انظر تخريجه في تعليقي على "الموافقات" (1/ 469).
(7) الحديث متفق عليه، وتقدم تخريجه.
(4/162)

إلّا أن يشترطه المبتاع" (1)، فجعله للمشتري بالشرط الزائد على عقد البيع، وقال: "مَن باع نخلًا قد أُبِّرت فثمرها للذي باعها إلّا أن يشترَطها المبتاع" (2)، فهذا بيع وشرط ثابت بالسنة الصحيحة الصريحة، وأمّا مخالفته للإجماع فالأمة مجمعة على جواز اشتراط الرَّهن والكَفيل والضَّمين والتأجيل والخيار ثلاثة أيام ونقد غير نقد البلد فهذا بيع وشرط متفق عليه، فكيف يُجعل النهي عن بيع وشرط موافقًا للأصول وشروط النكاح التي هي أحق الشروط بالوفاء مخالفة للأصول (3)؟.

[المزارعة]
المثال الخامس والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في دفع الأرض بالثُّلث والربع مزارعة (4)، بأنها خلاف الأصول (5)، والأخذ بالحديث الذي لا يثبت بوجه أنه: "نهى عن قَفيز الطَّحَّان" (6)، وهو أن يدفع
__________
(1) رواه الشيخان، وتقدم تخريجه.
(2) هو جزء من الحديث السابق.
وفي (د) و (ك): "باع ثمرة قد أُبِّرت فهي للبائع إلا. . . ".
(3) انظر: "زاد المعاد" (4/ 4).
(4) الذي وجدته في المزارعة على الثلث والربع: ما رواه البخاري (2339) في الحرث والمزارعة: باب ما كان من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يواسي بعضهم بعضًا في الزراعة والثمر، و (2346) باب كراء الأرض بالذهب والفضة، و (4012) في المغازي، ومسلم (1548) في (البيوع): باب كراء الأرض بالطعام من حديث ظهير بن رافع قال: نهانا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أمرٍ كان لنا موافقًا فقلت: ما قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فهو حق. فقال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: ما تصنعون بمحاقلكم؟ قلنا: نؤاجرها على الثلث والربع. . . قال: فلا تفعلوا ازْرَعوها أو أَزْرِعُوها".
ففيه نهي عن ذلك، وانظر "الفتح" لزامًا.
وقد ثبت في "الصحيح" إعطاء النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أرض خيبر لأصحابها على النصف.
(5) انظر تقرير ابن القيم مشروعية المزارعة والمساقاة، وأنها على وفق القياس في "زاد المعاد" (2/ 77، 143)، و"الطرق الحكمية" (ص 286 - 290)، و"تهذيب السنن" (5/ 56 - 62، 64، 65، 66).
(6) رواه الدارقطني في "سننه" (3/ 47) أو (رقم 2951 - بتحقيقي)، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 339) من طريق وكيع وعبيد اللَّه بن موسى، قالا: حدثنا سفيان عن هشام أبي كليب عن ابن أبي نُعيم البجلي عن أبي سعيد الخدري قال: نهى عن عَسْب الفحل، زاد عبيد اللَّه: وعن قفيز الطحان.
أقول: عبيد اللَّه بن موسى هذا من الثقات، روى له الستة.
ورواه عبد اللَّه بن المبارك أيضًا عن سفيان وذكرها. =
(4/163)

حِنْطة (1) إلى مَنْ يطحَنُها بقفيزٍ منها أو غزله إلى مَنْ ينسجه ثوبًا بجزء منه أو زيتونه إلى من يعصره بجزءٍ منه ونحو ذلك مما لا غَرَر فيه ولا خَطَر ولا قِمَارَ ولا جهالة ولا أكل مال بالباطل، بل هو نظير دفع ماله إلى من يتجر فيه بجزءٍ من الربح، بل أولى؛ فإنه قد لا يربح [المال] (2) فيذهب عمله مجانًا، وهذا لا يذهب عمله مجانًا؛ فإنه يطحن الحب ويعصر الزيتون ويحصل على جزء منه يكون [به] (2) شريكًا لمالكه، فهو أولى [بالجواز] (2) من المضاربة، فكيف يكون المنع منه موافقًا للأصول والمزارعة التي فعلها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وخلفاؤه الراشدون خلاف الأصول؟.
__________
= أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (1024)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (رقم 711)، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
والعجب أن الذهبي ذكر هذا الحديث في ترجمة هشام أبي كليب، وقال: هذا منكر، وراويه لا يُعْرف، وكذا ذكره الحافظ في "اللسان"، ونقل كلام الذهبي، وزاد: ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التلخيص الحبير" (3/ 60): هشام أبو كليب راويه عن ابن أبي نُعيم لا يعرف.
أقول: هشام هذا هو هشام بن عائذ بن نصيب الأسدي، أبو كليب، ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (9/ 64 - 65)، وذكر أنه روى عن ابن أبي نعيم، وروى عنه الثوري ثم نقل عن أحمد بن حنبل وابن معين أنهما قالا: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ.
ثم ترجمه في هشام أبي كليب (9/ 68)، ونقل عن عبد اللَّه بن أحمد قال: سألت أبي عن هشام بن كليب الذي يروي عنه الثوري فقال: ثقة.
إذن فثبت أن هشامًا هذا ثقة، وباقي رجاله ثقات، واعلم أن ألفاظ الحديث كلها جاءت بلفظ: "نُهي" المبني للمجهول، وليس فيها ذكر النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أفاده ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (2/ 271 - 272).
أما شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- فنقل عن "مشكل الآثار" -الطبعة الهندية- لفظ الحديث: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالبناء للمعلوم، وبناء عليه تعقب ابن القطان، ولكن في طبعة مؤسسة الرسالة ورد الحديث: نُهي بالبناء للمجهول، فاللَّه أعلم.
نعم، ورد الحديث من طريق آخر بصيغة المبني للمعلوم: رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (709) من طريق عطاء بن السائب عن ابن أبي نُعيم عن بعض أصحاب النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه نهى عن عَن عَسْب التيس. . .، وقفيز الطحان، وعطاء اختلط.
ورواه (710) من طربق عطاء بن السائب عن بعض أصحاب النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- به.
وعلى كل حال فالصحيح أن مثل هذه الألفاظ لها حكم الرفع لأن الآمر الناهي في ذلك الوقت هو رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، والنهي عن عَسْب الفجل ثابت في "صحيح البخاري" وغيره، وانظر: "الأحكام الوسطى" (6/ 255) لعبد الحق الإشبيلي.
وفي هامش (ق): "حديث النهي عن قفيز الطحان غير ثابت"!!.
(1) في المطبوع: "حنطته".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4/164)

[صيد المدينة]
المثال السادس والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة التي رواها بضعة وعشرون صحابيًا في أن المدينة حرم يحرمُ صيدها (1)، ودعوى أن ذلك خلاف الأصول، ومعارضتها بالمتشابه من قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا أبا عُمير، ما فعل النُّغير" (2)، ويا للَّه العجب! أيّ الأصول التي خالفتها هذه السنن، وهي من أعظم الأصول؟ فهلّا رُدّ حديث أبي عُمير لمخالفته لهذه الأصول؟ ونحن نقول: معاذ اللَّه أن نرد لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سنة صحيحة غير معلومة النسخ أبدًا! وحديث أبي عمير يَحتمل أربعة أوجه قد ذَهَبَ إلى كلٍّ منها طائفة.
أحدها: أن يكون متقدمًا على أحاديث تحريم المدينة فيكون منسوخًا.
الثاني: أن يكون متأخرًا عنها معارضًا لها فيكون ناسخًا.
الثالث: أن يكون النغير مما صِيدَ خارج المدينة ثم أُدخل المدينة كما هو الغالب من الصيود.
الرابع: أن يكون رخصة لذلك الصغير دون غيره، كما رخص لأبي بُردة في التَّضحية بالعَنَاق دون غيره (3)؛ فهو متشابه كما تَرَى، فكيف يُجعل أصلًا يقدم على تلك النصوص الكثيرة المحكمة الصريحة التي لا تحتمل إلّا وجهًا واحدا؟.

[نصاب المعشرات]
المثال السابع والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعَشَّرات بخمسة أوسق (4) بالمتشابه من قوله: "فيما سَقَت السماءُ العشر،
__________
(1) في هذا أحاديث، منها ما: رواه مسلم عن جابر قال: قال النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرَّمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عِضَاهُها ولا يُصاد صيدها" أخرجه مسلم (1362) في الحج: باب فضل المدينة.
وانظر الأحاديث الي أشار إليها المصنف في الدراسة الحديثية الماتعة للشيخ الفاضل صالح الرفاعي بعنوان "الأحاديث الواردة في فضائل المدينة" (ص 47 - 116).
(2) رواه البخاري (6129) في (الأدب): باب الانبساط إلى الناس، و (6203) في الكنية للصبي وقبل أن يُولد للرّجل، ومسلم (2150) في (الأدب): باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته، من حديث أنس بن مالك. ولابن القاص جزء مفرد في هذا الحديث، وهو مطبوع.
قال (و) -في معنى الغير-: "تصغير النغر: فرخ العصفور والبلبل".
(3) سبق تخريجه.
(4) رواه البخاري (1404) في (الزكاة): باب ما أدي زكاته فليس بكنز، و (1447) باب زكاة =
(4/165)

وما سُقي بنَضْحٍ أو غَرْب فنصف العُشر" (1)، قالوا: وهذا يعم القليل والكثير (2)، وقد عارضه الخاص، ودلالة العام قطعية كالخاص، وإذا تعارضا قُدّم الأحوط، وهو الوجوب؛ فيقال: يجب العمل بكلا الحديثين، ولا يجوز معارضة أحدهما بالآخر وإلغاء أحدهما بالكلية؛ فإن طاعة الرسول فرضٌ في هذا وفي هذا، ولا
__________
= الورق، و (1459) باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة، و (1484) باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ومسلم (979) في (الزكاة): في أوله، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-.
قال (و): ". . . والوسق بفتح الواو وكسرها، ستون صاعًا، أو وثلاث مئة وعشرون رطلًا عند أهل الحجاز، أو أربع مئة وثمانون رطلًا عند أهل العراق" اه.
(1) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الزكاة): باب العشر فيما يُسقى من ماء السماء وبالماء الجاري (3/ 347/ رقم 1483)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الزكاة): باب صدقة الزرع (2/ 252/ رقم 1596)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الزكاة): باب ما جاء في الصدقة فيما يُسقى بالأنهار وغيرها (2/ 75/ رقم 635)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب الزكاة): باب ما يوجب العشر، وما يوجب نصف العشر (5/ 41)، وابن ماجه في "السنن" (كتاب الزكاة): باب صدقة الزروع والثمار (1/ 581/ رقم 1817)، من حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-.
وفي الباب عن جابر، رواه مسلم (981) في (الزكاة): باب ما فيه العشر، أو نصف العشر. وليس في الحديث لفظ (أو غرب)، وقد وجدت هذا اللفظ: أي: "وما سقي بالغَرْب ففيه نصف العشر" في حديث يرويه علي مرفوعًا عند أبي داود (1572)، وابن زنجويه في "الأموال" (رقم 1965)، من طريق الحارث الأعور، وفي زيادات أحمد على المسند (1/ 145)، وفي "العلل" (رقم 1250)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (4/ 76)، وابن مخلد العطار في "حديثه" (ق 86/ ب، 104/ أ) من طريق آخر ضعيف. وقال في "العلل": "قال أبي: هذا حديث أراه موضوعًا، أنكره من حديث محمد بن سالم"، وقد أعله الدارقطني في علله بالوقف (4/ 72)، ونقله عنه الحافظ في "التلخيص" (2/ 170)، ورواه عنه قوله: عبد الرزاق (7233)، ويحيى بن آدم في "الخراج" (رقم 373، 375، 379)، وابن زنجويه في "الأموال" (رقم 1965، 1968)، والبيهقي (4/ 131).
قال (و): "في حديث: "فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريًا العشر، وفيما سقي بالنضح العشر" رواه الجماعة إلا مسلمًا، لكن لفظ النسائي، وأبي داود، وابن ماجه "بعلًا" بدل "عثريًا"، والعثري: هو الذي يشرب بعروقه من ماء المطر يجتمع في حفيرة، والغرب: الدلو العظيمة التي تتخذ من جلد ثور، فإذا فتحت الراء؛ فهو الماء السائل بين البئر والحوض، وبنضح: أي ما سقي بالدوالي والاستقاء، والنواضح: الإبل التي يستقى عليها، واحدها: ناضح، وقيل: النضح: السانية من الإبل والبقر وغيرها من الرحال" اه.
(2) هذا عند أبي حنيفة (و).
(4/166)

تعارض بينهما بحمد اللَّه بوجه من الوجوه؛ فإن قوله: "فيما سقت السماء العشر"، إنما أُريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه، فذكر النوعين مفرقًا بينهما في مقدار الواجب، وأما مقدارُ النِّصاب فسكَتَ عنه في هذا الحديث، وبيَّنه نصًا في الحديث الآخر، فكيف يجوز العدول عن النَّص الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير ما دل عليه ألبتة إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يُتعلَّق فيه بعمومٍ لم يُقصد، وبيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصُّها من النصوص؟ وياللَّه العجب! كيف يخصّون عموم القرآن والسنة بالقياس الذي أحسن أحواله أن يكون مُختلَفًا في الاحتجاج به، وهو محل اشتباه واضطراب؟ إذ ما من قياسٍ إلّا ويمكن معارضته بقياس مثله أو دونه أو أقوى منه، بخلاف السنة الصحيحة الصريحة فإنها لا يعارضها إلا سنة ناسخة معلومة التأخر والمخالفة، ثم يُقال: إذا خصَّصتم عموم قوله: "فيما سقت السماء العشر" (1)، بالقَصَب والحَشيش ولا ذِكرَ لهما في النص فهلَّا خصصتموه بقوله: "لا زَكَاة في حبٍّ ولا ثمرٍ حتى يبلغَ خمسة أوسق" (2)؟، وإذا كنتم تخصّون العموم بالقياس فهلا خصَّصتم هذا العام بالقياس الجلي الذي هو من أجلى القياس وأصحه على سائر أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة؟ فإن الزكاة الخاصة لم يشرعها اللَّه (3) في مال إلا وجعل له نصابًا كالمواشي والذهب والفضة؟ ويقال أيضًا: هلَّا أوجبتم الزكاة في قليل كُلِّ مالٍ وكثيره عملًا بقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]، وبقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما من صاحب إبلٍ ولا بقر لا يُؤدي زكاتها إلا بُطح (4) لها يوم القيامة بقاعٍ قَرْقر" (5)، وبقوله: "ما من صاحب ذهب ولا فضّة لا يؤدي زكاتها إلّا صُفِّحت له يوم القيامة صفائحَ من نار" (6)، وهلَّا كان العموم (7) عندكم مقدمًا على أحاديث النُّصُب الخاصة؟ وهلا قلتم: هناك تعارض مسقط وموجب فقدَّمنا الموجب احتياطًا؟ وهذا في غاية الوضوح، وباللَّه التوفيق.
__________
(1) مضى تخريجه.
(2) رواه مسلم (979 بعده) من حديث أبي سعيد الخدري.
(3) في المطبوع: "لم يشرعها اللَّه ورسوله".
(4) "أي: ألقي صاحبها على وجهه لتطأه، والقرقر: المكان المستوي" (و).
(5) و (6) رواه مسلم في (الزكاة): باب إثم مانع الزكاة (987) من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- عنه، و (988) من حديث جابر -رضي اللَّه عنه-.
(7) في المطبوع: "هذا العموم".
(4/167)

[أقل المهر]
المثال الثامن والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز النِّكاح بما قلَّ من المهر ولو خاتمًا من حديد (1) مع موافقتها لعموم القرآن في قوله: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ} [النساء: 24]، وللقياس في جواز التراضي بالمعاوضة على القليل والكثير، بأَثرٍ لا يثبت وقياس من أفسد القياس على قطع يد السارق، وأين النكاح من اللصوصية؟ وأين استباحة الفرج به من قطع (2) اليد في السرقة (3)؟ وقد تقدم مرارًا أن أصح الناس قياسًا أهل الحديث، وكلّما كان الرجل إلى الحديث أقرب كان قياسه أصح، وكلما كان عن الحديث أبعد كان قياسه أفسد.

[من أسلم وتحته أختان]
المثال التاسع والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فيمن أسلم وتحته أختان أنه يختر في إمساك مَنْ شاء منهما وتَرْك الأخرى (4)، بأنه خلاف الأصول، وقالوا: قياس الأصول يقتضي أنه إن نكح واحدةً بعد واحدة فنكاح الثانية هو المردود، ونكاح الأولى هو الصحيح من غير تخيير، وإن نكحهما معًا فنكاحهما باطل، ولا تخيير، وكذلك حديث مَنْ أسلَم على عشرة نسوة، وربما أوَّلوا التخيير بتخييره في ابتداء العقد على من شاء من المنكوحات، ولفظ الحديث يأبى هذا التأويل أشد الإباء؛ فإنه قال: "أَمْسِك أربعًا وفارق سائِرَهنّ" (5)، رواه
__________
(1) رواه البخاري (5029) في (فضائل القرآن): باب خيركم من تعلم القرآن وعلّمه، و (5087) في (النكاح): باب تزويج المُعْسر، و (5121) في عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، و (5126) باب النظر إلى المرأة قبل التزويج، و (5132) باب إذا كان الولي هو الخاطب، و (5135) باب السلطان وليّ، و (5141) باب إذا قال الخاطب للولي: زوّجني فلانة:. . . و (5149) باب التزويج على القرآن وبغير صداق، و (5150) باب المهر بالعُروض وخاتم من حديد، و (5871) في (اللباس) باب خاتم الحديد، ومسلم (1425) في (النكاح): باب الصداق، وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد، من حديث سهل بن سعد.
(2) في (ق) و (ن) و (ك): "وأين استباحة الفرج إلى قطع".
(3) انظر كلام ابن القيم في "زاد المعاد" (4/ 28 - 29)، و"تهذيب السنن" (3/ 49 - 55).
(4) سيأتي لفظه وتخريجه بعد الحديث الآتي.
(5) رواه ابن أبي شيبة (4/ 317)، والشافعي (2/ 16)، وأحمد (2/ 14، 44 و 83)، والترمذي (1128) في (النكاح): باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشرة نسوة، وابن =
(4/168)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= ماجه (1953) في (النكاح): باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، والدارقطني (3/ 270)، أو (رقم 3624 بتحقيقي)، والحاكم (2/ 192 - 193)، وأبو يعلى (5437)، وابن حبان (4156 و 4157 و 4158)، وأبو الفضل الزهري في "حديث الزهري" (رقم 572)، والبيهقي (7/ 149 و 181 و 182)، والبغوي (2288) من طرق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اختر منهنّ أربعًا".
وهذا إسناد ظاهره الصحة!! وصححه ابن العربي في "أحكام القرآن" (1/ 313)، وابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (3/ 495 - 500)، إلا أن الحفاظ أعلّوه.
قال الترمذي: "هكذا رواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري قال: حُدِّثت عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، قال محمد:. . . وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلًا من ثقيف طلَّق نساءه، فقال له عمر: لتراجعن نساءك. . . ".
ونقل الحافظ في "التلخيص" (3/ 168) كلامًا حاصله اتفاق أئمة الحديث: ابن المديني والبخاري وأبو حاتم ومسلم ويعقوب بن أبي شيبة وأحمد وابن عبد البر وأبو زرعة على أن معمرًا وَهِمَ في هذا الحديث حيث إنه في غير بلده كان يحدث من حفظه فيهم في أشياء، وهذا منها، وقد أخذ ابن حبان والحاكم والبيهقي بظاهر الإسناد فأخرجوه، وهذا خطأ.
قلت: ورواه موصولًا مروان بن معاوية الفزاري عن الزهري عن سالم عن أبيه، قال:. . . فذكره.
رواه الدارقطني (3/ 269) أو (رقم 3623 - بتحقيقي) هكذا عن الزهري مباشرة، والذي ذكره ابن أبي حاتم في "العلل" (1/ 401) أنه يَروي عن معمر عن الزهري، ثم نقل عن أبيه: وهو وهم إنما هو عن الزهري عن ابن سويد. . .
وخالف عبد الرزاق، فرواه عن معمر عن الزهري مرسلًا: رواه في "مصنفه" (12621)، ومن طريقه الدارقطني (3/ 270)، أو (رقم 3628 - بتحقيقي) والبيهقي (7/ 182).
وممن رواه مرسلًا مالك في "الموطأ" (2/ 582)، ومن طريقه الدارقطني (3/ 270)، أو (رقم 3627 - بتحقيقي)، والبيهقي (7/ 182) عن ابن شهاب أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . .
ورواه الدارقطني (3/ 270)، أو (رقم 3626 - بتحقيقي)، والبيهقي من طريق يونس عن الزهري عن عثمان بن محمد بن أبي سويد (وقع عند البيهقي محمد بن أبي سويد) أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . .، مرسلًا.
ورواه الدارقطني والبيهقي من طريق الليث عن يونس عن ابن شهاب، قال: بلغني عن عثمان بن أبي سويد أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. . .، مرسلًا. =
(4/169)

مَعْمر، عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه أن غيلان أَسْلَم فذكره، قال مسلم: هكذا روى معمر هذا الحديث بالبصرة، فإن رواه عنه ثقة خارج البصريين حكمنا له بالصحة -أو قال: صار الحديث [صحيحًا] (1) - وإلا فالإرسالُ أولى، قال البيهقي: فوجدنا سُفيان بن سعيد الثوريّ، وعبد الرحمن بن محمد المُحَاربيّ، وعيسى بن يونس -وثلاثتهم كوفيون- حَدّثوا به عن معمر متصلًا، وهكذا رُوي عن يحيى بن أبي كثير، وهو يَمامَي (2)، وعن الفضل بن موسى، وهو خُراساني،
__________
= قلت: للحديث طريق آخر موصول من غير طريق الزهري.
رواه النسائي، -كما قال الحافظ في "التلخيص" ولم أجده-، والدارقطني (3/ 271 - 272)، (أو رقم (3633 - بتحقيقي)، وأبو الشيخ في "جزئه" (رقم 124)، والبيهقي (7/ 183) من طريق سيف بن عبيد اللَّه الجرمي: حدثنا سَرَّار بن مُجَشَّر أبو عبيدة عن أيوب عن نافع وسالم عن ابن عمر أن غيلان. . .
قال الحافظ في "التلخيص" (3/ 169): رجاله ثقات.
فهذا متابع قوي لمعمر.
وهناك متابع آخر: رواه الطبراني في "الكبير" (13221) من طريق النعمان بن المنذر عن سالم عن أبيه به.
لكن في السند واهٍ ومجهول.
أقول: والحديث له شواهد.
منها: حديث قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس: رواه سعيد بن منصور (1863 و 1864)، وابن أبي شيبة (4/ 318)، وأبو داود (2241 و 2242)، وابن ماجه (1952)، والدارقطني (3/ 271) أو (رقم 3629 - 3632 - بتحقيقي)، وأبو يعلى (6872)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (رقم 1054، 2737)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (6/ 40)، والعقيلي (1/ 299)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (2/ 262)، والطبراني في "الكبير" (18/ 922)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 183)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (4/ 2314 رقم 2429)، وابن الأثير في "أسد الغابة" (4/ 416)، وابن عبد البر في "التمهيد" (12/ 56، 58)، قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة. . .
وفي سنده ضعف واضطراب، وضغفه البخاري وابن عبد البر وغيرهما.
وحديث عروة بن مسعود الثقفي: أسلمت وتحتي عشر نسوة. . .
رواه البيهقي (7/ 184): ونقل الألباني عن الضياء في "المختارة" -كما في "إرواء الغليل" (6/ 295) -: "رجاله ثقات. .، ومحمد بن عبيد اللَّه لم يدركه".
وحديث ابن عباس: "أسلم غيلان بن سلمة وتحته عشر نسوة فأمره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . ".
رواه البيهقي (7/ 183)، وفيه الواقدي وهو متروك.
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك): "حديثًا"!!
(2) في المطبوع: "يماني".
(4/170)

عن معمر متصلًا عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فصحَّ الحديث بذلك (1)، وقد رُوي عن أيوب السّختياني، عن نافع وسالم، عن ابن عمر متصلًا، قال أبو علي الحافظ: تفرّد به سوَّار (2) بن مُجَشِّر عن أيوب، وسوار بصري ثقة، قال الحاكم: رواة هذا الحديث كلهم ثقات تقوم الحجة بروايتهم.
وقد روى أبو داود عن فَيْروز الدَّيْلميّ قال: قلتُ: يا رسول اللَّه إني أسلمت وتحتي أختان، قال: "طلِّق أيتهما شئت" (3)، فهذان الحديثان هما الأصول التي
__________
(1) انظر: "التلخيص الحبير" (3/ 168) فقد نقل كلام مسلم، ولعلّه في القطعة المفقودة من "التمييز".
(2) تحرف في المطبوع إلى "سوار بن محيشر"!!، وقال (و): "بضم السين وفتحها"!!
(3) رواه أحمد (4/ 232)، وابن أبي شيبة (4/ 317)، وأبو داود (2243) في (الطلاق): باب فيمن أسلم وعنده نساء أكثر من أربع أو أختان، والترمذي (1129 و 1130) في (النكاح): باب ما جاء في الرجل يسلم، وعنده أختان، وابن ماجه (1951) في (النكاح): باب الرجل يسلم وعنده أختان، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2847)، وابن حبان (4155)، والدارقطني (3/ 273 و 274)، والعقيلي في "الضعفاء" (2/ 44)، والطبراني في "المعجم الكبير" (18/ 843 و 845)، والبيهقي (7/ 184)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (5/ 2297 رقم 5673) من طريقين "يزيد بن أبي حبيب، وابن لهيعة" عن أبي وهب الجَيْشاني عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال:. . .
قال الترمذي: حديث حسن، وأبو وهب اسمه الديلم بن هوشع.
وهذا فيه علّتان:
الأولى: أبو وهب الجيشاني، واسمه دَيْلَم بن هوشع، وقيل: عبيد بن شرحبيل، ذكره البخاري في "التاريخ" (3/ 249)، ونقله عنه العقيلي (2/ 44)، وقال: في إسناده نظر، وقال العقيلي: لا يحفظ إلا عنه، وقال ابن القطان: مجهول الحال، وقال الحافظ في "التقريب": مقبول، وأما ابن حبان فذكره في "الثقات" (6/ 291).
الثانية: الضحاك بن فيروز: روى عنه جمع، ولم يوثقه إلّا ابن حبان، وقد نقل الحافظ في "التلخيص" (3/ 176): أن البيهقي صححه!
وذكر البيهقي اختلافًا في طريق الحديث، ثم قال: وحديث يزيد بن أبي حبيب أصح!.
والعجيب أن الحافظ في "الإصابة" (3/ 205) ذكر هذا الحديث، وعزاه لأبي داود والترمذي، ثم قال: وفي سنده مقال لأنه من رواية ابن لهيعة.
مع أنه في "سنن أبي داود" وفي أحد طريقي الترمذي ليس من رواية ابن لهيعة!!
ثم وجدتُ البخاري في "التاريخ الكبير" (4/ 333) يقول: "الضحاك بن فيروز عن أبيه، وعنه ابن وهب الجيشاني، لا نعرف سماع بعضهم من بعض".
ورواه ابن أبي شيبة (4/ 317)، وعبد الرزاق (12627)، وابن ماجه (1950)، =
(4/171)

نَردُّ ما خالفها من القياس (1)، أمَّا أن نقعِّد قاعدة ونقول (2): هذا هو الأصل ثم نرد السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة فلعمرُ اللَّه لهدم ألف قاعدة لم يؤصِّلها اللَّه ورسوله أفرضُ علينا من رد حديث واحد! وهذه القاعدة معلومة البطلان من الدين؛ فإن أنكحة الكفار لم يتعرض لها النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كيف وقعت وهل صَادَفت الشروط المعتبرة في الإسلام فتصح أم لم تُصادفها فتبطل (3)، وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج؛ فإن كان ممن يجوزُ له المقام مع امرأته أقرَّهما، ولو كان في الجاهلية قد وَقَع على غير شرطه من الوَلي والشهود وغير ذلك، وإن لم يكن الآن ممن يجوز له الاستمرار لم يقر عليه كما لو أسلم وتحته ذات رحم محرم أو أختان أو أكثر من أربع؛ فهذا هو الأصل الذي أصَّلته سنةُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وما خالفه فلا يُلتفت إليه، واللَّه الموفق.

[التفريق بين الذي يسلم وبين امرأته]
المثال الأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لم يكن يُفرِّق بين من أسلم وبين امرأته إذا لم تسلم معه، بل متى أسلم الآخر فالنكاح بحاله ما لم تتزوج" (4)، هذه سنته المعلومة.
قال الشافعيُّ: أسلم أبو سُفيان بن حرب بمرّ الظَّهران (5)، وهي دار خزاعة، وخزاعة مسلمون قبل الفتح في (6) دار الإسلام، ورجع إلى مكة، وهند بنت عتبة
__________
= والدارقطني (3/ 273) أو (رقم 3637 - بتحقيقي)، والطبراني في "الكبير" (18/ 844)، والشافعي (2/ 16)، والبيهقي (7/ 184 - 185) من طرق عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة عن أبي وهب الجيشاني عن أبي خراش الرعيني عن فيروز به.
وإسحاق هذا متروك، وأبو خراش مجهول كما في "التقريب".
(1) انظر: "زاد المعاد" (4/ 7).
(2) في (ق): "أما أن يقعد قاعدة ويقول".
(3) انظر في تقرير هذا بتأصيل وتفصيل: رسالة القاسمي "الاستئناس لتصحيح أنكحة الناس".
(4) ستأتي أمثلة على هذا، وتخريجها هناك.
(5) "أسفل مكة بعد مرحلة منها" (و).
قلت: وهي من توابع مكة، ومكة لم تكن في ذلك الوقت فتحت، فلم تصر مرّ الظهران دار إسلام بعد، فلم يختلف بها الدار، وإذا نزل العسكر بموضع لم تصر دار إسلام حتى تجري فيها أحكام المسلمين، ويكون بحيث لو أرادوا أن يقيموا فيه ويستوطنوا أمكنهم، ولم تكن مرّ الظهران بهذه الصفة، قاله ابن التركماني في "الجوهر النقي".
(6) في المطبوع و (ن): "وفي"!!.
(4/172)

مقيمة على غير الإسلام، فأخذت بلحيته، وقالت: اقتلوا الشيخ الضَّال، ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة، وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام، وأبو سفيان بها مسلم وهند كافرة، ثم أسلمت قبل انقضاء العدة واستقرا على النكاح؛ لأن عدّتها لم تنقض حتى أسلمت، وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه، وأسلمت امرأة صفوان بن أمية وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، وصارت دارهما دار الإسلام وظهر حكم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكة وهرب عكرمة إلى اليمن وهي دار حرب، وصفوان يريد اليمن وهي دار حرب، ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام وشهد حُنَيْنًا، وهو كافر ثم أسلم فاستقرت امرأته عنده بالنكاح الأول، وذلك أنه لم تنقض عدتها (1)، وقد حَفظَ أهلُ العلم بالمغازي أن امرأةً من الأنصار كانت عند رجلٍ بمكة فأسلمت وهاجرت إلى المدينة، فقدم زوجها وهي في العدة، فاستقرّا على النكاح (2). قال الزُّهريُّ: لم يبلغني أن امرأةً هاجرت إلى اللَّه ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر (3) إلّا فرّقت هجرتُها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدتها، وإنه لم يبلغنا أن امرأةً فُرِّق بينها وبين زوجها إذا قَدِمَ وهي في عدّتها (4). وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس قال: كان المشركون على منزلتين من النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، وأهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه؛ فكان إذا هاجرت امرأةٌ من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيضَ وتطهر، فإذا طهرت حلَّ لها النكاح، فإن هاجر (5) قبل أن تنكح رُدَّت إليه (6). وفي "سنن أبي داود" عن ابن عباس قال:
__________
(1) في (ن) و (ق) و (ك): "لم تنقض يعني عدّتها". والكلام السابق في "الأم" (5/ 44) ونقله عنه البيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 186)، وفي "المعرفة" (10/ 140 - 141 رقم 13978 - 13980) ومنه ينقل المصنف.
(2) في "موطأ مالك" (2/ 543)، و"سنن سعيد بن منصور" (2/ 73 - 74 - ط. الأعظمي)، و"سنن البيهقي" (7/ 186)، و"معرفة السنن والآثار" (10/ 141 - 142) طائفة من الأحاديث في رد النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للكافرين بعد إسلامها بالنكاح الأول، وهي مُرْسَلة، والعبارة المذكورة في "معرفة السنن والآثار" (10/ 141 رقم 13982).
(3) في (ق): "الحرب".
(4) أسنده عن ابن شهاب الزهري: مالك في "الموطأ" (2/ 544)، وعنه البيهقي في "المعرفة" (10/ 142 رقم 13987)، وفي "السنن الكبرى" (7/ 187).
(5) كذا في (ق) و"صحيح البخاري" وفي باقي النسخ: "هاجرت".
(6) هو في "صحيحه" (5286) في (الطلاق): باب نكاح من أسلم من المشركات وعدّتهن، =
(4/173)

"ردَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زينب ابنته على أبي العَاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يُحدث شيئًا بعد ست سنين" (1). وفي لفظ لأحمد: "ولم يُحدث شهادة ولا صداقًا"، وعند الترمذي: "ولم يُحدث نكاحًا"، قال الترمذي: هذا حديث ليس (2) بإسناده بأس. وقد رُوي بإسناد ضعيفٍ عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه: "أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ردَّها على أبي العاص بنكاح جديد" (3).
__________
= وانظر: "الروض الأنف" (5/ 200) للسهيلي، و"شرح معاني الآثار" (3/ 256)، و"نصب الراية" (3/ 210).
(1) رواه أبو داود (2240) في (الطلاق): باب إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها، والترمذي (1143) في (النكاح): باب ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما، وفي "العلل الكبير" (289)، وابن ماجه (2009) في (النكاح): باب في الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر، وأحمد (1/ 217 و 261 و 315)، وابن سعد (8/ 33)، وابن أبي شيبة (14/ 176)، وعبد الرزاق (12644)، والطحاوي في "شرح المعاني" (3/ 256)، والحاكم (2/ 200 و 3/ 237 و 638 - 639)، والدارقطني (4/ 254)، والبيهقي (7/ 187)، وفي "المعرفة" (10/ 143 رقم 13991) من طرق عن ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس.
وهذا إسناد ظاهره الصِّحة إلّا أن رواية داود عن عكرمة فيها اضطراب، قال ابن المديني: ما رواه عن عكرمة فمنكر، وقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير.
ولذلك قال الترمذي بعد إخراج الحديث: "هذا حديث ليس بإسناده بأس، ولكن لا يعرف وجه هذا الحديث، ولعلّه قد جاء هذا من قبل داود بن حصين من قبل حفظه" ثم نقل عن يزيد بن هارون قوله: "حديث ابن عباس أجود إسنادًا والعمل على حديث عمرو بن شعيب"، وانظر: "بيان الوهم والإيهام" (4/ 220 - 221).
وحديث عمرو بن شعيب هو الآتي عند المصنف.
(2) في المطبوع: "حديث حسن ليس. . . "، والصواب حذف "حسن".
(3) رواه أحمد (11/ 143 - رقم 6938)، وأبو يوسف في "الرد على سير الأوزاعي" (ص 100)، وعبد الرزاق (12648)، وسعيد بن منصور (2109)، والترمذي (1142)، وابن ماجه (2015)، والدولابي في "الذرية الطاهرة" (ص 50)، وابن سعد (8/ 32)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3/ 256)، والدارقطني (3/ 253)، والبيهقي (7/ 188)، وفي "المعرفة" (10/ 143 رقم 13990)، و"الخلافيات" (3/ ق 78) من طرق عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
ونقل عبد اللَّه بن أحمد في "العلل" (1/ 199) عن أبيه قوله: "قرأت في بعض الكتب عن حجاج قال: حدّثني محمد بن عبيد اللَّه العرزمي عن عمرو بن شعيب. . ومحمد بن عبيد اللَّه ترك الناس حديثه"، وبنحوه قال يحيى بن سعيد القطان فيما نقل عنه البيهقي، وقال عبد اللَّه بن أحمد: "وقال أبي: هذا حديث ضعيف، أو قال: واهٍ، لم يسمعه =
(4/174)

قال الترمذي (1): في إسناده مقال، وقال الإمام أحمد (2): "هذا حديث ضعيف، والصحيح أنه أقرّهما على النكاح الأول"، وقال الدارقطني (3): "هذا حديث لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ردَّها بالنكاح الأول"، وقال الترمذي في كتاب "العلل" (4) له: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: حديث ابن عباس في هذا الباب أصح من حديث عمرو بن شعيب.
فكيف يجعل هذا الحديث الضعيف أصلًا ترد به السنة الصحيحة المعلومة ويجعل خلاف الأصول (5)؟.
فإن قيل: إنما جعلناها خلاف الأصول لقوله تعالى: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10]، وقوله: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ] (6)} [البقرة: 221]، وقوله: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10]، ولأن اختلاف الدين مانعٌ من ابتداء النكاح؛ فكان مانعًا من دوامه كالرضاع.
قيل: لا تخالف السنة شيئًا من هذه الأصول، إلّا هذا القياس الفاسد؛ فإن هذه الأصول إنما دلَّت على تحريم نكاح الكافر ابتداء والكافرة غير الكتابيين،
__________
= الحجاج من عمرو بن شعيب، إنما سمعه من محمد بن عبيد اللَّه العرزمي، والعرزمي لا يساوي حديثه شيئًا، والحديث الصحيح الذي يُروى عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقرّهما على النكاح الأول".
وقال الترمذي: "هذا حديث في إسناده مقال"، وقال في "العلل الكبير" (1/ 450 - 451): "سألت محمدًا عن هذين الحديثين -أي هذا الحديث، وحديث ابن عباس الذي قبله- فقال: "حديث ابن عباس أصح في هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده".
وقال الدارقطني: "هذا لا يثبت، وحجاج لا يحتجّ به، والصواب حديث ابن عباس أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ردّهما بالنكاح الأول".
وقال البيهقي في "المعرفة": "لو صح الحديثان، لقلنا بحديث عمرو بن شعيب؛ لأن فيه زيادة ولم يثبته الحفاظ فتركناه، وأخذنا بحديث ابن عباس".
وانظر: "معالم السنن" (2/ 676) وتعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 3564).
(1) في "جامعه" (1142).
(2) في "المسند" (11/ 431 رقم 6938)، ونحوه في "العلل" لابنه عبد اللَّه (1/ 119).
(3) في "السنن" (3/ 352).
(4) (1/ 450 - 451).
(5) انظر كلام المؤلف حول هذا الحديث في "تهذيب السنن" (3/ 150 - 155).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4/175)

وهذا حق لا خلاف فيه بين الأمة، ولكن أين في هذه الأصول ما يوجب تعجيل الفرقة بالإسلام وأن لا تتوقف على انقضاء العدة؟ ومعلوم أن افترَاقَهما في الدين سببٌ لافتراقهما في النكاح، ولكن توقف السببِ على وجود شرطه وانتفاء مانعه لا يُخرجه عن السببية، فإذا وجد الشرط وانتفى المانع عَملَ عمله واقتضى (1) أثره، والقرآن إنما دلَّ على السببية، والسنة دلَّت على شرط السبب ومانعه كسائر الأسباب التي فصَّلت السنة شروطَها وموانعها؛ كقوله {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، وقوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]، وقوله: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، وقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [جَزَاءً بِمَا كَسَبَا] (2)} [المائدة: 38] ونظائر ذلك؛ فلا يجوز أن يُجعل بيان الشروط والموانع معارضة لبيان الأسباب والموجبات فتعود السنة كلها أو أكثرها معارضة للقرآن، وهذا محال.

[ذكاة الجنين]
المثال الحادي والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة بأن ذكاةَ الجنين ذكاةُ أُمِّه (3)، بأنها خلاف الأصول.
__________
(1) في (ق): "واقتص".
(2) ما بين المعقوفتين سقط في (ق) و (ك).
(3) أخرجه أبو داود في "السنن" (كتاب الأضاحي): باب ما جاء في ذكاة الجنين (3/ 103/ رقم 2827)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الأطعمة): باب ما جاء في ذكاة الجنين (4/ 72/ رقم 1476)، وابن ماجه في "السنن" (كتاب الذبائح): باب ذكاة الجنين ذكاة أمّه (2/ 1067/ رقم 3199)، وأحمد في "المسند" (3/ 31، 53)، وعبد الرزاق في "المصنف" (4/ 502/ رقم 8650)، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 900)، وأبو يعلى في "المسند" (2/ 278/ رقم 992)، وابن حبان (5889)، والدارقطني في "السنن" (4/ 272 - 273، 274)، والبيهقي في "الكبرى" (9/ 335)، والبغوي في "شرح السنة" (11/ 228 رقم 2789)، جميعهم من طريق مجالد بن سعيد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رفعه.
وإسناده ضعيف لضعف مجالد، ولكنه توبع، تابعه يونس بن أبي إسحاق، وهو متفق على ثقته، وأبو الودَّاك ثقة، احتجَّ به مسلم.
وقد ضعّفه ابن حزم في "المحلى" (7/ 419) بقوله: "مجالد ضعيف، وأبو الوداك ضعيف".
قلت: أبو الوداك وثقه ابن معين وابن حبان، وقال النسائي: "صالح". ولذا قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (4/ 157): "أمّا أبو الودَّاك فلم أرَ من ضعّفه". =
(4/176)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وأخرجه متابعة يونس عن أبي الوداك أحمد في "المسند" (3/ 39)، وابن حبان في "الصحيح" (رقم 1077 - موارد)، والدارقطني في "السنن" (4/ 274)، والبيهقي في "الكبرى" (9/ 335)، والخطيب في "الموضح" (2/ 249).
قال ابن حجر في "التلخيص" (4/ 157): "فهذه متابعة قوية لمجالد".
وقال المنذري في "مختصر السنن" (4/ 120): "وهذا إسناد حسن، ويونس -وإن تكلم فيه- فقد احتجّ به مسلم في "صحيحه""، وقال الذهبي في "الميزان" (4/ 483) -وساق كلام الأئمة فيه وعنه-: "قلت: بل هو صدوق، ما به بأس، ما هو في قوة مِسعر ولا شعبة"، وترجمه في "من تكلم فيه وهو موثق" (رقم 389).
وأخرجه أحمد في "المسند" (3/ 45)، وأبو يعلى في "المسند" (2/ رقم 1206)، والطبراني في "الصغير" (1/ 88، 168 أو رقم 242، 467)، والخطيب في "التاريخ" (8/ 412)، وأبو نعيم في "مسانيد فراس بن يحيى المكتب" (رقم 39) من طريق عطية العوفي -وهو ضعيف مدلس، ولم يصرح بالسماع- عن أبي سعيد به.
وله شاهد من حديث جابر أخرجه الدارمي في "السنن" (2/ 84)، وأبو داود في "السنن" (رقم 2828)، وأبو يعلى في "المسند" (3/ 343/ رقم 1808)، وابن عدي في "الكامل" (2/ 660، 733 و 6/ 2403)، والدارقطني في "السنن" (4/ 273)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 114)، وأبو نعيم في "الحلية" (7/ 92 و 9/ 236)، و"أخبار أصبهان" (1/ 92 و 2/ 82)، وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (رقم 288)، وابن الأعرابي في "المعجم" (رقم 200)، والسهمي في "تاريخ جرجان" (265) -موقوفًا-، والخليلي في "الإرشاد" (1/ 438)، والبيهقي في "الكبرى" (9/ 334 - 335) من طرق عن أبي الزبير عن جابر، وليس من بينها طريق الليث بن سعد، ولم يصرح أبو الزبير في أيّ منها بالتحديث؛ فهو معلول من هذه الجهة، وبنحوه أعلّه ابن حزم في "المحلى" (7/ 419).
وورد حديث ابن عمر وأبي هريرة وكعب بن مالك وأبي ليلى وأبي أيوب الأنصاري وابن مسعود وابن عباس وعلي وأبي أمامة وأبي الدرداء وعمار بن ياسر والبراء بن عازب، ولا تخلو طرقه هذه من ضعف، وليس هذا موطن سردها؛ إلّا أن الحديث صحيح ثابت من هذه الطرق، قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (4/ 156): "قال عبد الحق: لا يحتج بأسانيده كلها، وخالف الغزالي في "الإحياء" فقال: هو حديث صحيح، وتبع في ذلك إمامه".
قلت: يريد إمام الحرمين الجويني، كما صرّح به العراقي في "تخريج الإحياء" (2/ 116).
قال ابن حجر: "فإنه -أي: إمام الحرمين- قال في "الأساليب": هو حديث صحيح، لا يتطرق احتمالٌ إلى متنه، ولا ضعف إلى سنده، وفي هذا نظر، والحق أن فيها ما تنتهض به الحجة، وهي مجموع طرق حديث أبي سعيد وطرق حديث جابر". ولا داعي للإطالة بأكثر من هذا، واللَّه الموفق.
وانظر: حديث جابر هذا والكلام عليه رواية ودراية مبسوطًا عند ابن القيم في "تهذيب السنن" (4/ 19، 123)، و"بدائع الفوائد" (3/ 112).
(4/177)

وهي (1) تحريم الميتة، فيُقال: الذي جاء على لسانه تحريم الميتة هو الذي أباح الأجنّة المذكورة، فلو قدر أنها ميتة لكان استثناؤها بمنزلة استثناء السمك والجَرَاد من الميتة، فكيف وليست بميتة؟ فإنها جزء من أجزاء الأم والذَّكاة قد أتت على جميع أجزائها، فلا يحتاج أن يُفرد كل جزء منها بذكاة، والجنين تابع للأم جزء منها، فهذا هو مقتضى الأصول الصحيحة، ولو لم ترد السنة بالإباحة، فكيف وقد وردت بالإباحة الموافقة للقياس والأصول؟
فإن قيل: فالحديث حجةٌ عليكم، فإنه قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (2)، والمراد التشبيه، أي ذكاته كذكاة أمّه، وهذا يدلّ على أنه لا يُباح إلّا بذكاة تشبه ذكاة الأم.
قيل: هذا السؤال شقيق قول القائل: "كلمة تكفي العاقل"، فلو تأمَّلتم الحديث لم تستحسنوا إيراد هذا السؤال، فإن لفظ الحديث هكذا: عن أبي سعيد قال: قُلنا: يا رسول اللَّه، ننحرُ الناقةَ ونَذبحُ البقرةَ والشاةَ وفي بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ قال: "كُلُوه إن شئتم، فإن ذكاتَه ذكاةُ أمه" (2)، فأباح لهم أكله معلّلًا بأن ذكاة الأم ذكاة له، فقد اتفق النص والأصل والقياس، وللَّه الحمد.

[إشعار (3) الهدي]
المثال الثاني والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في إشْعار
__________
(1) في المطبوع: "وهو".
(2) مضى تخريجه قريبًا.
(3) الإشعار في الشرع: هو أن يشق أحد سنامي البدن، ويطعن فيه حتى يسيل دمها؛ ليعرف أنها هدي وتتميز إن خلطت، وتعرف إنْ ضلَّت، ويرتدع عنها السراق، ويأكلها الفقراء إذا ذبحت في الطريق لخوف الهلاك، وقال به جمهور الفقهاء، وهو مذهب المالكية، انظر: "الموطأ" (1/ 379)، "المدونة" (1/ 449، 451)، "المنتقى" (2/ 225)، "الزرقاني على موطأ مالك" (2/ 325)، "أسهل المدارك" (1/ 500)، "المعونة" (1/ 597)، "التفريع" (1/ 332 - 333)، "الذخيرة" (3/ 355)، "عقد الجواهر الثمينة" (1/ 450)، "تفسير القرطبي" (6/ 36 - 37، 40، 326)، "الكافي" (162)، "بداية المجتهد" (1/ 377)، "المقدمات" (2/ 7)، "شرح الزرقاني" (2/ 329)، "الخرشي" (2/ 382)، "جامع الأمهات" (ص 214)، "الفقه المالكي وأدلّته" (2/ 265).
وهذا مذهب أبي يوسف ومحمد.
انظر: "الأصل" (2/ 492)، "مختصر اختلاف العلماء" (2/ 73).
وهو مذهب الشافعية.
انظر: "الأم" (2/ 216)، "المهذب" (1/ 242)، "المجموع" (8/ 321)، "روضة الطالبين" =
(4/178)

الهدي (1)، بأنها خلاف الأصول، إذ الإشعار مُثْلة (2)، ولعمرُ اللَّه إن هذه السنة خلاف الأصول الباطلة، وما ضرَّها ذلك شيئًا، والمثلة المحرمة هي العدوان الذي لا يكون عقوبة ولا تعظيمًا لشعائر اللَّه، فأما شَقُّ صفحة سَنَام البعير المستحب أو الواجب ذبحه ليسيل دمه قليلًا فيظهر شعار الإسلام وإقامة هذه السنة التي هي من أحب الأشياء إلى اللَّه فعلى وِفْق الأصول، وأي كتاب أو سنة حَرَّم ذلك حتى يكون خلافًا للأصول؟ وقياس الإشعار على المثلة المحرمة من أفسد قياسٍ على وجه الأرض، فإنه قياس ما يحبُّه اللَّه ويرضاه على ما يُبغضه ويسخطه ويَنهى عنه، ولو لم يكن في حكمة الإشعار إلّا تعظيم شعائر اللَّه وإظهارها وعلم الناس أن (3) هذه قرابين اللَّه عز وجل تُساق إلى بيته تُذبح له ويُتقرّب بها إليه عند بيته كما يتقرب إليه بالصلاة إلى بيته عكس ما عليه أعداؤه المشركون الذين يذبحون لأربابهم ويصلّون لها، فشرع لأوليائه وأهل توحيده أن يكون نسكهم وصلاتهم للَّه وحده، وأن يظهروا شعائرَ توحيده غاية الإظهار ليُعلوا دينه على كل دين، فهذه هي الأصول الصحيحة التي جاءت السنة بالإشعار على وفقها (4)، وللَّه الحمد.
__________
= (3/ 189)، "مختصر الخلافيات" (3/ 264/ رقم 78)، "حلية العلماء" (3/ 364).
وهو مذهب الحنابلة.
انظر: "المغني" (5/ 454)، "الإنصاف" (4/ 101)، "منتهى الإرادات" (1/ 610)، "تنقيح التحقيق" (2/ 491)، "الإفصاح" (1/ 302) لابن هبيرة.
(1) ورد من حديث عائشة: رواه البخاري (1696) في (الحج): باب من أشعر وقلّد بذي الحليفة ثم أحرم، و (1699): باب إشعار البدن، ومسلم (1321 بعد 362) في (الحج): باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه.
ومن حديث ابن عباس: رواه مسلم (1243) في (الحج): باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام.
(2) قيل: إنّ كراهة أبي حنيفة الإشعار، إنما كان من أهل زمانه، فإنهم كانوا يبالغون فيه، بحيث يخاف سراية الجراحة، وفساد العضو، كذا في "اللمعات"، من "مرعاة المفاتيح" (7/ 17)، ومذهب أبي يوسف ومحمد جوازه. وانظر: "الأصل" (2/ 492 - 493)، "مختصر اختلاف العلماء" (2/ 72)، "شرح معاني الآثار" (2/ 264)، "مختصر الطحاوي" (73)، "الاختيار" (1/ 175)، "المبسوط" (4/ 138)، "تحفة الفقهاء" (1/ 400)، "شرح فتح القدير" (2/ 517 و 3/ 8)، "البناية" (3/ 640).
(3) في المطبوع: "بأن".
(4) يدلّ الحديث على أن الإشعار سنة، وبه قال الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، كما =
(4/179)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قدمناه، ودليل الحنفية أن الإشعار مثلة وتعذيب الحيوان، فهو حرام، وقولهم هذا مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار، وليس هو مثلة، بل هو كالفصد والحجامة والختان والكيّ للمصلحة، وبمشروعيته قال الجمهور من السلف والخلف.
قال الجوهري في "نوادر الفقهاء" (ص 69 - 70): "وأجمعوا أن الإشعار للبُدْنِ حَسَن، لا، بل جعله بعضهم من النسك، إلّا أبا حنيفة -رضي اللَّه عنه- فإنه كرهه".
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (3/ 543): "وأبعد من منع الإشعار واعتلّ باحتمال أنه كان مشروعًا قبل النهي عن المثلة، فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار في حجّة الوداع وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان. وقال الخطابي وغيره: اعتلال من كره الإشعار بأنه من المثلة مردود بل هو آخر كالكي وشق أذن الحيوان ليصير علامة وغير ذلك من الوسم، وكالختان والحجامة. وشفقة الإنسان على المال عادة فلا يخشى ما توهموه من سريان الجرح حتى يفضي إلى الهلاك، ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيّده الذي كرهه به كأن يقول: الإشعار الذي يفضي بالجرح إلى السراية حتى تهلك البدنة مكروه فكان قريبًا، قال الحافظ: وقد كثر تشنيع المتقدمين على أبي حنيفة في إطلاقه كراهة الإشعار وانتصر له الطحاوي في "المعاني" فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف منه هلاك البدن كسراية الجرح لا سيما مع الطعن بالشفرة فأراد سد الباب على العامة؛ لأنهم لا يراعون الحد في ذلك، وأمّا من كان عارفًا بالسنة في ذلك فلا. وروي عن إبراهيم النخعي أيضًا أنه كره الإشعار، ذكر ذلك الترمذي، قال: سمعت أبا السائب يقول: كنّا عند وكيع فقال لرجل ممن ينظر في الرأي: أشعر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ويقول أبو حنيفة: هو مثلة. قال الرجل: فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة. قال: فرأيت وكيعًا غضب غضبًا شديدًا، وقال: أقول لك: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وتقول قال إبراهيم، ما أحقك أن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا. انتهى. قال الحافظ: "وفي هذا تعقب على الخطابي حين قال: لا أعلم أحدًا من أهل العلم أنكر الإشعار غير أبي حنيفة وخالفه صاحباه، وقالا في ذلك بقول عامة أهل العلم، وفيه أيضًا تعقب على ابن حزم في زعمه أنه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلف، وقد بالغ ابن حزم في "المحلى" (7/ 110 - 112) في هذا الموضع، ويتعين الرجوع إلى ما قال الطحاوي فإنه أعلم من غيره بأقوال أصحابه"، انتهى كلام الحافظ. وقال ابن عابدين: "جرى صاحب "الدر المختار" على ما قاله الطحاوي والشيخ أبو منصور الماتريدي من أن أبا حنيفة لم يكره أصل الإشعار وكيف يكرهه مع ما اشتهر فيه من الأخبار، وانما كره إشعار أهل زمانه الذي يخاف منه الهلاك خصوصًا في حرّ الحجاز، فرأى الصواب حينئذ سدّ هذا الباب على العامة، فأمّا من وقف على الحد بأن قطع دون اللحم فلا بأس بذلك". قال الكرماني في "المناسك": "وهذا هو الأصح وهو اختيار قوام الدين وابن الهمام، فهو مستحب لمن أحسنه. قال في "النهر": وبه يستغنى عن كون العمل على قولهما بأنه حسن"، انتهى. وقال صاحب "المرعاة" (7/ 18 - 19) بعد هذا كله: "قلت: ما روي عن أبي حنيفة من القول بكراهة الإشعار، لا شك أنه مخالف للأحاديث الصحيحة ومنابذ للسنة". وانظر: "اللباب في الجمع بين السنة والكتاب" (1/ 444).
(4/180)

[لا دية لمن اطلع على قوم فأتلفوا عينه]
المثال الثالث والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لو أنَّ امرأً اطَّلع عليك بغير إذنٍ فخَذَفْتُهْ بحصاةٍ ففقأتَ عَيْنه ما كان عليك جُنَاح" (1) متفق عليه، وفي أفراد مسلم: "مَنْ اطَّلع في بيت قومٍ بغيرِ إذْنِهم فقد حَلَّ لهم أن يفقأوا عينه" (2)، وفي "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد: "اطَّلع رجلٌ من جحر في حُجرةِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومعه مِدْرَى (3) يحكُّ بها رأسه، فقال: لو أعلم أنك تنظرُ لطعنتُ به في عينك، إنما جُعل الاستئذانُ من أجل النَّظر" (4)، وفي "صحيح مسلم" عن أنس: "أن رجلًا اطَّلع من بعض حُجَرِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقام إليه بمِشْقَص، أو بمشاقص (5)، قال: وكأني أنظر إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْتِلُه ليطعنَه" (6)، وفي "سنن البيهقي" بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من اطلع على قوم بغير إذنهم فرموه فأصابوا عينه فلا دية له ولا قصاص" (7)، فردَّت هذه السنن بأنها خلاف الأصول، فإن اللَّه إنما أباح قلع العين
__________
(1) رواه البخاري (6888) في (الديات): باب من أخذ حقه أو اقتصّ دون السلطان، و (6902) باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له، ومسلم (2158) في (الآداب): باب تحريم النظر في بيت غيره، من حديث أبي هريرة.
(2) رواه مسلم في "الصحيح" (كتاب الآداب): باب تحريم النظر في بيت غيره (3/ 1699/ 2158) من حديث أبي هريرة.
(3) "المشط والقرن" (و).
(4) رواه البخاري في "الصحيح" (كتاب الاستئذان): باب الاستئذان من أجل البصر (11/ 24/ 6241)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الآداب): باب تحريم النظر في بيت غيره (3/ 1698/ 2156) من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(5) "جمع مشقص: نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض، فإذا كان عريضًا؛ فهو المِعبَلة -بكسر الميم، وفتح الباء-" (و).
(6) رواه مسلم في "الصحيح" (كتاب الآداب): باب تحريم النظر في بيت غيره (3/ 1699/ 2157) من حديث أنس بن مالك.
وهو عند البخاري في "الصحيح" -أيضًا- (كتاب الاستئذان): باب الاستئذان من أجل البصر (11/ 24/ 6242).
(7) هو في "سنن البيهقي" (8/ 338).
ورواه أيضًا أحمد (2/ 385)، وإسحاق بن راهويه (رقم 112)، والنسائي (8/ 61) في (القسامة): باب من اقتص وأخذ حقه دون السلطان، وابن الجارود (790)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (939 و 940)، وابن حبان (6004) من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن النضر بن أنس عن بَشير بن نَهِيك عنه، وإسناده على شرط مسلم.
(4/181)

بالعين، لا بجناية النظر، ولهذا لو جَنَى عليه بلسانه لم يُقطع، ولو استمع عليه بأذُنه لم يجز [له] (1) أن يقطع أذنه، فيقال: بل هذه السنن من أعظم الأصول، فما خالفها فهو خلاف الأصول (2)، وقولكم: "إنما شرع اللَّه سبحانه أخذ العين بالعين"، فهذا حقٌّ في القصاص، وأما العضو الجاني المعتدي الذي لا يمكن دفع ضرره وعدوانه إلّا برميه، فإن الآية لا تتناوله نفيًا ولا إثباتًا، والسنة جاءت ببيان حكمه بيانًا ابتدائيًا لِما سَكتَ عنه القرآن، لا مخالفًا لما حكم به القرآن، وهذا قسم (3) آخر غير فقء العين قصاصًا، وغير دفع الصائل الذي يدفع بالأسهل فالأسهل، إذ المقصود دفعُ ضَررِ صياله، فإذا اندفع بالعصا لم يُدفع بالسيف، وأما هذا المعتدي بالنظر المحرَّم الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإنه إنما يقع على وجه الاختفاء والختل، فهو قسم آخر غير الجاني وغير الصائل الذي لم يتحقق عدوانُه، ولا يقع هذا غالبًا إلّا على وجه الاختفاء وعدم مشاهدة غير الناظر إليه (4)، فلو كُلِّف المنظور إليه إقامة البيّنة على جنايته لتعذَّرت عليه، ولو أُمر بدفعه بالأسهل فالأسهل ذهبت جناية عدوانه بالنظر إليه وإلى حَريمه هدرًا، والشريعة الكاملة تأبى هذا وهذا، فكان أحسن ما يمكن وأصلحه وأكفه لنا وللجاني ما جاءت به السنة التي لا مُعارض لها ولا دافع لصحتها من خذف (5) ما هنالك، وإن لم يكن هناك بصرٌ عادٍ لم يضر خذف (5) الحصاة، وإن كان هنالك بصر عادٍ فلا يلومنَّ (6) إلا نفسه، فهو الذي عَرَّضه صاحبه للتلف، فأدناه إلى الهلاك، والخاذف (5) ليس بظالم له، والناظر خائن ظالم، والشريعة أكمل وأجلّ من أن تضيع حق هذا الذي قد هُتكت حرمته وتُحيله في الانتصار على التعزير بعد إقامة البتنة، فحَكَم اللَّه فيه بما شَرَعه على لسان رسوله، ومَنْ أحسن من اللَّه حكمًا لقوم يوقنون؟

[الكلام عن وضع الجوائح]
المثال الرابع والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وضع
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) انظر: "زاد المعاد" (3/ 204 و 4/ 113 - 114، 380)، و"تهذيب السنن" (6/ 380)، و"الطرق الحكمية" (ص 76 - 47)، و"أحكام الجناية" (ص 301 - 312)؛ فإنه مهم.
(3) في المطبوع: "اسم".
(4) في (ق) و (ك): "الناظر له".
(5) في (ق) و (ن) بالحاء المهملة.
(6) في المطبوع: "لا يلومن".
(4/182)

الجوائح، بأنها خلاف الأصول كما في "صحيح مسلم" عن جابر يرفعه: "لو بعتَ من أخيك ثمرًا فأصابته جائحةٌ فلا يحلُّ لك أن تأخذَ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " (1)، وروى سفيان بن عُيينة، عن حُميد، عن سُليمان، عن جابر أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نَهى عن بيع السّنين، وأمر بوضع الجوائح" (2)، فقالوا: هذه خلاف الأصول، فإن المشتري قد ملك الثمرة وملك التصرّف فيها، وتمَّ نقل المُلك إليه، ولو ربح فيها كان الربح له، فكيف تكون من ضمان البائع؟
وفي "صحيح مسلم" عن أبي سعيد قال: أُصيب رجل في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ثمارٍ ابتاعها، فكثر دَيْنُه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تصدَّقوا عليه"، فتصدَّقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك" (3)، وروى مالك عن أبي الرِّجَال، عن أُمّه عمرة أنه سمعها تقول: ابتاع رجل ثَمَر حائطٍ في زَمنِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فعالجه، وأقام عليه حتى تبيَّن له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع عنه، فحلف لا يفعل، فذهبت أُمُّ المشتري إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكرت له ذلك، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تألَّى أنْ لا يفعل خيرًا"، فسمع بذلك رب المال، فأتى إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه هو له (4).
__________
(1) رواه مسلم (1554) في (المساقاة): باب وضع الجوائح.
(2) رواه مسلم (1536 بعد 101) في (البيوع): باب النهي عن المحاقلة والمزابنة. . . أوّله، وهو: نهى النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع السِّنين، وقال: وفي رواية ابن أبي شيبة: عن بيع الثمر سنين.
وروى (1554) في (المساقاة): باب وضع الجوائح، الجزء الثاني منه، وهو بالسند نفسه.
وقال (و): "بيع السنين: بيع النخلة لأكثر من سنة في عقد واحد، وذكر الرافعي له تفسيرًا آخر: وهو أن يقول: بعتك هذا سنة على أنه إذا انقضت السنة؛ فلا بيع بيننا، وأردّ أنا الثمن، وترد أنت المبيع، والجوائح: جمع جائحة، وهي الآفة التي تصيب الثمار، فتهلكها" اه.
(3) رواه مسلم (1556) في (المساقاة): باب استحباب الوضع من الدَّين.
(4) هو في "الموطأ" (2/ 621)، ومن طريقه: رواه البيهقي (5/ 305)، وهذا مرسل، عمرة تابعية.
وقد وصله البخاري (2755) في (الصلح): باب هل يشير الإمام بالصلح، ومسلم (1557) في (المساقاة): باب استحباب الوضع من الدين من طريق يحيى بن سعيد عن أبي الرجال (محمد بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن حارثة) عن عمرة عن عائشة؛ فذكر نحوه مع اختلاف في القصة.
ووصله من طريق ابن أبي الرجال عن أبيه عن عمرة به: أحمد (6/ 69 و 105)، وابن حبان (5032).
(4/183)

[الجواب عن شبهات القياسيين في المسألة]
والجواب أن وضع الجوائح لا يخالف شيئًا من الأصول الصحيحة، بل هو مقتضى أصول الشريعة، ونحن بحمد اللَّه نبيِّن (1) هذا بمقامين: أمّا الأول: فحديث وَضْع الجوائح (2) لا يخالف كتابًا ولا سنةً ولا إجماعًا، وهو أصل بنفسه، فيجب قبوله، وأمّا ما ذكرتم من القياس فيكفي في فساده شهادة النص له بالإهدار، كيف وهو فاسدٌ في نفسه؟ وهذا يتبين بالمقام الثاني: وهو أن وضع الجوائح كما هو موافق للسنة الصحيحة الصريحة فهو مقتضى القياس الصحيح، فإن المشتري لم يتسلَّم الثمرة ولم يقبضها القبض التام الذي يوجب نقل الضمان إليه، فإنَّ قبضَ كُلِّ شيء بحسبه (3)، وقبض الثمار إنما يكون عند كمال إدراكها شيئًا فشيئًا، فهو كقبض المنافع في الإجارة، وتسليم الشجرة إليه كتسليم العين المؤجَّرة من الأرض والعقار والحيوان، وعُلَق البائع لم تنقطع عن المبيع، فإن له سقي الأصل وتعاهده، كما لم تنقطع عُلَق المؤجِّر عن العين المستأجرة، والمشتري لم يتسلم التسليم التام كما لم يتسلم المستأجر التسليم التام، فإذا جاء أمرٌ غالب اجتاح الثمرة من غير تفريط من المشتري لم يحل للبائع إلزامه بثمن ما أتلفه اللَّه سبحانه منها قبل تمكّنه من قبضها القبض المعتاد، وهذا معنى قول النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أرأيت إنْ منعَ اللَّه الثّمرة؟ فبمَ يأخذ أحدكُم مالَ أخيه بغير حق؟ " (4)، فذكر الحُكم، وهو قوله: "فلا يحل له أن يأخذ منه شيئًا"، وعلّة الحكم، وهو قوله: "أرأيت إن منع اللَّه الثمرة؟ "، إلى آخره، وهذا الحكم نص لا يحتمل التأويل، والتعليل وصف مناسبٌ لا يقبل الإلغاء ولا المعارضة.
وقياس الأصول لا يقتضي غير ذلك، ولهذا لو تمكَّن من القبض المعتاد في وقته ثم أخَّره لتفريط منه أو لانتظار غلاء السعر كان التلف من ضمانه ولم توضع عنه الجائحة.
وأما معارضة هذه السنة بحديث الذي أُصيب في ثمار ابتاعها فمن باب رَدِّ المحكم بالمتشابه، فإنه ليس فيه أنه أصيب فيها بجائحة (5)، بل لعله أصيب فيها
__________
(1) في (ق) و (ك): "ونحن نبين بحمد اللَّه".
(2) تقدم تخريجه قريبًا.
(3) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 250 - 251).
(4) تقدم تخريجه قريبًا.
(5) بعدها في المطبوع زيادة: "فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامة"، وهي مثبتة في (ك) بعدها بسطر كما أثبتناه. وانظر "مجموع فتاوى ابن تيمية" (30/ 273، 275 - 276).
(4/184)

بانحطاط سِعْرها، وإن قدر أن المصيبة كانت جائحة عامة، [فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامة] (1) بل لعلها جائحة خاصة كسرقة اللصوص التي يمكن الاحتراز منها، ومثل هذا لا يكون جائحة تُسقط الثمن عن المشتري، بخلاف نهب (2) الجيوش والتلف بآفة سماوية، وإن قدر أن الجائحة عامة فليس في الحديث ما يبيِّن أن التَّلف لم يكن بتفريطه في التأخير، ولو قدر أن التلف لم يكن بتفريطه فليس فيه أنه طلب الفسخ وأن توضع عنه الجائحة (3)، بل لعله رضي بالمبيع ولم يطلب الوضع، والحق في ذلك له؛ إن شاء طلبه، وإن شاء تركه، فأين في الحديث أنه طلب ذلك، وأن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- منع (4) منه؟ ولا يتم الدليل إلّا بثبوت المقدمتين، فكيف يعارض نص قوله الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير معنى واحد وهو نصٌّ فيه بهذا الحديث المتشابه؟! ثم قوله فيه: "ليس لكم فيه إلّا ذلك"، دليل على أنه لم يبق لبائع الثمار في ذمة المشتري غير ما أخذه، وعندكم المال كله في ذمّته، فالحديث حجة عليكم.
وأما المعارضة بحديث (5) مالك فمن أبطل المعارضات وأفسدها، فأين فيه أنه أصابته جائحة بوجه ما؟ وإنما فيه أنه عالجه وأقام عليه حتى تبين له النقصان، ومثل هذا لا يكون سببًا لوضع الثمن، وباللَّه التوفيق.

[صلاة من صلى خلف الصف وحده]
المثال الخامس والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الإعادة على مَنْ صلَّى خلف الصف وحده (6) كما في "المسند" بإسناد صحيح، وصحيحي: "ابن حبان" "وابن خزيمة"، عن علي بن شَيْبان: "أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى رجلًا يُصلّي خَلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال له: استقبل صلاتَك فلا صلاةَ لفردٍ خلف الصَّفِّ" (7)، وفي "السنن"، و"صحيحي ابن حبان
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ك).
(2) في (ك): "نهبة".
(3) في المطبوع: "عند الجائحة".
(4) في (ق) و (ك): "منعه".
(5) في المطبوع: "بخبر".
(6) حول ترجيح ابن القيم لبطلان الفذ خلف الصف، انظر: "تهذيب السنن" (1/ 336 - 339)، وفيه رد على من أعلَّ حديث وابصة الآتي.
(7) رواه ابن سعد (5/ 551)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 275 - 276)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1678)، وابن أبي شيبة (2/ 193 و 14/ 156)، وأحمد (4/ 23)، وابن ماجه (1003) في (إقامة الصلاة): باب صلاة الرجل خلف الصف =
(4/185)

وابن خزيمة"، عن وابصة بن معبد: "أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيدَ صلاته" (1)، وفي "مسند الإمام أحمد"، سئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن رجل صلَّى وحده خلف الصف قال: "يُعيد صلاته" (2)، فردّت
__________
= وحده، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 394)، وابن خزيمة (1569)، وابن حبان (2203) و (2204)، والبيهقي (3/ 105)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (4/ 1971 رقم 4951) من طرق عن ملازم بن عمرو: حدثنا عبد اللَّه بن بدر: حدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان: حدثنا أبي علي بن شيبان به.
قال البوصيري (1/ 195): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. وقد حَسَّنه الإمام أحمد كما نقله الحافظ في "التلخيص" (2/ 37).
وعزاه الزيلعي للبزار في "مسنده" (2/ 39)، ونقل عنه قوله: "عبد اللَّه بن بدر ليس بالمعروف، إنما حدّث عنه ملازم بن عمرو، ومحمد بن جابر، فأما ملازم فقد احتمل حديثه وإن لم أحتج به، وأما محمد بن جابر، فقد سكت الناس عن حديثه، وعلي بن شيبان لم يحدث عنه إلا ابنه، وابنه هذه صفته، وإنما ترتفع جهالة المجهول إذا روى عنه ثقتان مشهوران، فأمّا إذا روى عنه من لا يحتج بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجة، ولا ارتفعت جهالته".
أقول: هذا كلام عجيب، أما عبد اللَّه بن بدر فقد روى عنه جماعة، ووثقه ابن معين وأبو زرعة والعجلي، وابن حبان كما في "التهذيب" (5/ 135). وانظر كلام أحمد شاكر في تعليقه على "سنن الترمذي" (1/ 445).
وعلي بن شيبان ثابت الصحبة، فلا ترد صحبته بمثل هذا!!
(1) رواه الطيالسي (1201)، وابن أبي شيبة (2/ 192، 193)، وأحمد (4/ 228)، وأبو داود (682) في الصلاة: باب الرجل يصلي وحده خلف الصف، والترمذي (230 و 231) في (الصلاة): باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده، وابن ماجه (1004) في (الإقامة): باب صلاة الرجل خلف الصف وحده، والحميدي (884)، وعبد الرزاق (2482)، والدارمي (1/ 294)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 393)، وابن حجان (2198) و (2199) و (2200) و (2201)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (15/ 5241 رقم 211)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (5/ 2725 رقم 6505)، والطبراني في "الكبير" (22/ 371 - 388)، والبيهقي في "سننه" (3/ 104، 105)، وابن الجارود (319)، وقد اختلف في إسناده بَيَّن ذلك ابن حبان والبزار -كما نقله عنه الزيلعي في "نصب الراية" (2/ 38) - والبيهقي في "سننه" (3/ 104)، وفي "المعرفة" (2/ 382 - 383)، وقد ردّ ابن حبان هذا الاختلاف ولذلك ذكره في "صحيحه"، وحَسَّنه الترمذي، وردّ عن الاختلاف الواقع في سنده ردًا قويًا رائعًا شيخنا العلامة الألباني -رحمه اللَّه- في "إرواء الغليل" (2/ 323 - 329) ولذلك صحح الحديث.
(2) هو في بعض طرق حديث وابصة السابق، انظر "المسند" (4/ 228) لأحمد، و"المعجم الكبير" (22/ رقم 383) للطبراني.
(4/186)

هذه السنن المحكمة بأنها خلاف الأصول، ولعمرُ اللَّه إنها هي محضُ الأصول، وما خالفها فهو خلاف الأصول، وردت بالمتشابه من حديث ابن عباس حيث أحرم عن يسار النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأداره إلى يمينه، ولم يأمره باستقبال الصلاة (1)، وهذا من أفسد الرد، فإنه لا يشترط أن تكون تكبيرة الإحرام من المأمومين في حالٍ واحد، بل لو كبَّر أحدهم وحده ثم كبَّر الآخر بعده صحت القدوة ولم يكن السابق فذًّا، وإن أحرم وحده فالاعتبار بالمصافّة فيما تُدرك به الركعة، وهو الركوع، وأفسد من هذا الرد رَدُّ الحديث بأن الإمام يقف فَذًّا، وسنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أجلّ وأعظم في صدور أهلها أن تُعارض بهذا وأمثاله.
وأقبح من هذه المعارضة معارضتها بأن المرأة تقف خلف الصف وحدها، فإن هذا هو موقفها المشروع بل الواجب، كما أن موقفَ الإمام المشروع أن يكونَ وحده أمام الصف.
وأمّا موقف الفذ خلف الصف فلم يشرعه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ألبتَّة، بل شرع الأمر بإعادة الصلاة لمن وقف فيه، وأخبر أنه لا صلاةً له.
فإن قيل: فهب أن هذه المعارضات لم يسلم منها شيء، فما تصنعون بحديث أبي بكرة حين ركع دون الصف ثم مشى راكعًا حتى دخل في الصف، فقال له النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "زادَك اللَّه حرصًا ولا تَعُد" (2)، ولم يأمره بإعادة الصلاة، وقد وقعت منه تلك الركعة فذًّا؟.
قيل: نقبله على الرأس والعينين، ونمسك قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تعد"، فلو فعل أحد ذلك غير عالم بالنهي لقلنا له كما قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سواء، فإن عاد بعد علمه بالنهي فإما أن يجتمع مع الإمام في الركوع، وهو في الصف أولًا، فإن جَامَعه في الركوع، وهو في الصف صَحَّت صلاته؛ لأنه أدرك الركعة، وهو غير فذ كما لو أدركها قائمًا (3)، وإن رفع الإمام رأسه [من الركوع] (4) قبل أن يدخل في الصف فقد قيل: تصح صلاته، [وقد] (5) قيل: لا تصح له تلك الركعة،
__________
(1) رواه البخاري (117) في (العلم): باب السَّمر في العلم، وأطرافه كثيرة جدًا، انظرها هناك. ومسلم (763) في (صلاة المسافرين): باب الدعاء في صلاة الليل، وقيامه من حديث ابن عباس نفسه.
(2) رواه البخاري (783) في (الأذان): باب إذا ركع دون الصف.
(3) في (ق): "كما لو أدركه قائمًا".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4/187)

ويكون فذًا فيها، والطائفتان احتجّوا بحديث أبي بكرة، والتحقيق أنه قضيةُ عين: يحتملُ دخوله في الصف قبل رفع الإمام، ويحتمل أنه لم يدخل فيه حتى رفع الإمام، وحكاية الفعل لا عمومَ لها، فلا يمكن أن يحتجّ بها على الصورتين، فهي إذًا مجملة متشابهة، فلا يُترك لها النَّص المحكم الصريح، فهذا مقتضى الأصول نصًا وقياسًا (1)، وباللَّه التوفيق.

[الأذان للفجر قبل دخول وقتها]
المثال السادس والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز الأذان للفجر قبل دخول وقتها كما في "الصحيحين" من حديث سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابنِ أُمِّ مكتوم" (2)، وفي "صحيح مسلم"، عن سَمُرة عنْ النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يغرَّنكم نداء بلال، ولا هذا البَيَاض حتى يَنفجرَ الفَجرُ" (3)، وهو في "الصحيحين" من حديث ابن مسعود، ولفظه: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره (4)، فإنه يؤذن -أو قال: ينادي- بليل ليرجعَ قائِمَكُم وينتبه نائمُكم" (5)، قال مالك (6): لم تَزلْ الصبح يُنادى لها قبل الفجر، فردَّت هذه السنة لمخالفتها
__________
(1) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 85 - 86).
(2) رواه البخاري (617) في (الأذان): باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، و (620) في الأذان بعد الفجر، و (623) في الأذان قبل الفجر، و (1918) في (الصوم): باب قول النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال"، و (2656) في (الشهادات): باب شهادة الأعمى، و (7248) في (أخبار الآحاد): باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، ومسلم (1092) في (الصيام): باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر.
(3) رواه مسلم برقم (1094) في (الصيام): باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر.
(4) "بفتح السين: اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب، وبالضم: المصدر، والفعل نفسه أكثر ما يروى بالفتح، وقيل: إن الصواب بالضم؛ لأنه يالفتح: الطعام والبركة والأجر والثواب في الفعل، لا في الطعام" (و).
(5) رواه البخاري (621) في (الأذان): باب الأذان قبل الفجر، و (5298) في (الطلاق): باب الإشارة في الطلاق والأمور، ومسلم (1093) في (الصوم): باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر.
(6) في "الموطأ" (1/ 72)، ونقله البيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 147/ ب)، والزيلعي في "نصب الراية" (1/ 285)، ومحمد بن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (1/ 694).
(4/188)

الأصول والقياس على سائر الصلوات، وبحديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يرجع فينادي: ألا إن العبدَ نام، ألا إن العبدَ نام"، فرجع فنادى: "ألا إن العبد نام" (1)،
__________
(1) رواه أبو داود (532) في (الأذان): باب في الأذان قبل دخول الوقت، والدارقطني في "سننه" (1/ 244)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 139)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (1/ 383)، وفي "الخلافيات" (1/ ق 147/ ب)، وابن حزم في "المحلى" (3/ 120)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (رقم 661).
وعلّقه الترمذي في "سننه" بعد (203): من طرق عن حماد بن سلمة به.
قال أبو داود: وهذا الحديث لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة، ورواه الدراوردي عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر قال: كان لعمر مؤذن. . . وذكره نحوه وهذا أصح من ذلك.
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (10/ 59 - 60): ". . . وهذا حديث انفرد به حماد بن سلمة دون أصحاب أيوب، وأنكروه عليه، وخظؤوه فيه؛ لأن سائر أصحاب أيوب يروونه عن أيوب، قال: أذن بلال مرة بليل،. . . فذكره مقطوعًا".
وقال الترمذي في "سننه": قال علي بن المدينى: وهو غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة.
وزاد البيهقي عنه: والصحيح حديث عبيد اللَّه -يعني عن نافع- وحديث الزهري عن سالم.
وممن أعلّ الحديث أيضًا -كما ذكره الحافظ في "الفتح" (2/ 103) -: أحمد بن حنبل، والبخاري، والذهلي، وأبو حاتم، والأثرم، وانظر: "سنن البيهقي" (1/ 382، 384).
وقال الترمذي أيضًا: لو كان حديث حماد صحيحًا لم يكن لهذا الحديث معنى -أي: حديث "إن بلالًا يؤذن بليل"-.
وحماد توبع، تابعه سعيد بن زربي، أشار إلى هذه المتابعة الدارقطني والبيهقي، وأخرجها البيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 147/ ب) وضعّفا سعيدًا هذا.
ورواه عامر بن مدرك عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر به.
أخرجه الدارقطني (1/ 244) ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 148/ أ)، وابن الجوزي في "التحقيق" (2/ 95 رقم 414)، وأشار إليه البيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 384)، وعامر هذا ضعيف.
ورواه أيضًا إبراهيم بن عبد العزيز بن أبي محذورة عن ابن أبي رَوّاد به.
أخرجه ابن أبي حاتم في "العلل" (1/ 114)، والبيهقي (1/ 383)، وفي "الخلافيات" (1/ ق 148/ أ)، وقال: لا يصح.
أقول: لضعف إبراهيم هذا.
قال الدارقطني والبيهقي: وخالفهما شعيب بن حرب، فرواه عن عبد العزيز عن نافع =
(4/189)

ولا ترد السنة الصحيحة بمثل ذلك، فإنها أصل بنفسها، وقياس وقت الفجر على غيره من الأوقات: لو لم يكن فيه إلا مصادمته للسنة لكفى في رَدّه، فكيف والفرق
__________
= عن مؤذن عمر عن عمر قوله، وهذا أصح، مع أنه منقطع، قاله ابن عبد البر (10/ 60)، وانظر: "العلل" (1/ 114 رقم 308) لابن أبي حاتم، و"المحلى" (3/ 118) لابن حزم. ورواه الدارقطني (1/ 244) -ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 148/ أ) - من طريق عبد الرزاق -وهو في "مصنفه" (رقم 1888) - عن معمر عن أيوب به معضلًا.
ورواه ابن أبي شيبة (1/ 221 - 222)، والدارقطني (1/ 244)، والبيهقي (1/ 384)، وفي "الخلافيات" (1/ ق 148/ ب) من طريقين عن حميد بن هلال به مرسلًا، وهو مرسل جيد، ليس في رجاله مطعون فيه، قاله ابن دقيق العيد في "الإمام"، انظر: "نصب الراية" (1/ 284).
وله شاهد من حديث أنس: رواه البزار في "مسنده" (364 - كشف الأستار)، والدارقطني (1/ 245) -ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 148/ ب)، وابن الجوزي في "التحقيق" (2/ 96 رقم 416) من طريق محمد بن القاسم عن الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس قال: فذكره.
قال الدارقطني: محمد بن القاسم ضعيف جدًا.
قال الهيثمي في "المجمع" (2/ 5): فيه محمد بن القاسم ضعّفه أحمد، وأبو داود، ووثقه ابن معين.
قلت: محمد بن القاسم أمره أشدّ، قال أحمد بن حنبل في "العلل ومعرفة الرجال" (1/ 281): أحاديثه موضوعة، ليس بشيء، رمينا حديثه، وقال النسائي: متروك، وقال الدارقطني: يكذب.
وفي سنده أيضًا: الربيع بن صبيح، ضعيف الحديث. وانظر: "تنقيح التحقيق" (1/ 697 - 698، ط عامر صبري).
وله طريق آخر: رواه الدارقطني في "سننه" (1/ 245) -ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 148/ ب)، وابن الجوزي في "التحقيق" (2/ 95 رقم 415) - من طريق أبي يوسف القاضي عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس به.
وقال: تفرّد به أبو يوسف القاضي عن سعيد، وغيره يرسله عن قتادة.
ثم رواه من طريق عبد الوهاب مرسلًا، وقال: والمرسل أصح.
وفي الباب مرسل الحسن، ورواه سعيد بن منصور -كما في "نصب الراية" (1/ 286) -، وابن أبي شيبة (1/ 221)، ومرسل إبراهيم النخعي، رواه محمد بن الحسن في "الحجة" (1/ 75).
إذن فهذه طرق ضعيفة بل وفيها الواهي، وهي معلولة، فأقول كما قال الذهلي، ونقله عنه البيهقي (1/ 383): "شاذ غير واقع على القلب، وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر".
أمّا ابن حجر؛ فقد مال إلى تقويته في "الفتح" (2/ 103)، وسيأتي إعلال المصنف له، وانظر تعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 942 - 949).
(4/190)

قد أشار إليه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو ما في النداء قبل الوقت من المصلحة والحكمة التي لا تكون في غير الفجر؟ وإذا اختصّ وقتها بأمر لا يكونُ في سائر الصلوات امتنعَ الإلحاق.
وأما حديث حماد عن أيوب، فحديث معلول عند أئمة الحديث، لا تقوم به حجة، قال أبو داود: لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة، وقال إسحاق بن إبراهيم بن حبيب (1): سألت عليًا -وهو ابن المديني- عن حديث أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن بلالًا أذّن بليل فقال [له] (2) النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ارجع فناد: إنّ العبد نام"، فقال: هو عندي خطأ، لم يتابَع حماد بن سلمة على هذا، إنما روي أن بلالًا كان يُنادي بليل (3).
قال البيهقي: قد تابعه سعيد بن زَرَبي (4)، وهو ضعيف (5).
وأما حماد بن سلمة فإنه أحد أئمّة المسلمين حتى قال الإمام أحمد: إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتهمه، فإنه كان شديدًا على أهل البدع (6).
قال البيهقي (7): "إلا أنه لما طعن في السن ساء حفظه فلذلك ترك البخاري الاحتجاج بحديثه، وأما مسلم فاجتهد في أمره وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيّره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ أكثر من اثني عشر حديثًا أخرجها في الشواهد دون الاحتجاج به.

[لا يحتج بحديث يخالف أحاديث الثقات]
وإذا كان الأمر كذلك فالاحتياط لمن راقَبَ اللَّه عزّ وجلّ أن لا يحتجّ بما يجد من حديثه مخالفًا لأحاديث الثقات الأثبات، وهذا الحديث من جملتها". ثم
__________
(1) في (ن) و (ق) و (ك): "بن حلبه"!.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) نقله الترمذي في "الجامع" (203)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 383).
(4) كذا في (ق): وهو الطويل، وفي (ن) و (ك): "بن زرين".
وفي المطبوع: "رزين"! بتقديم الراء على الزاي، وكلاهما خطأ والصواب ما أثبتناه.
(5) "سنن البيهقي" (1/ 383)، و"الخلافيات" (1/ ق 147/ ب).
(6) نقله البيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 147/ ب- 1/ 148)، وأبو إسماعيل الأنصاري في كتابه "الفاروق"، ونقله عنه الذهبي في "السير" (7/ 450)، وانظره (7/ 447، 452)، و"نصب الراية" (1/ 286).
(7) في "الخلافيات" (1/ ق 148/ أ)، وانظر: "السير" (7/ 446، 448)، و"التهذيب" (3/ 14)، و"علل ابن أبي حاتم" (2/ 12)، و"نصب الراية" (1/ 286).
(4/191)

ذكر من طريق الدارقطني عن معمر عن أيوب قال: أذَّن بلال مرة بليل.
قال الدارقطني: هذا مرسل (1)، ثم ذكر (2) من طريق إبراهيم بن عبد العزيز (3) بن عبد الملك بن أبي مَحْذُورة، عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، [عن نافع]، عن ابن عمر أن بلالًا قال له النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما حَمَلك على ذلك؟ قال: استيقظتُ وأنا وَسْنَان، فظننتُ أن الفجر قد طلع، فأمره النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن ينادي في المدينة: ألا إن العبد قد نام، وأقعده إلى جانبه حتى طلع الفجر"، ثم قال: هكذا رواه إبراهيم بن عبد العزيز (4)، وخالفه شُعيب بن حرب، فقال عن عبد العزيز، عن نافع، عن مُؤذّن لعمر يُقال له: مَسْرُوح أنَّه أذَّن قبل الصبح، فأمره عمر أن ينادي: ألا إن العبد [قد] (5) نام، قال أبو داود: ورواه حماد بن زيد، عن عُبيد اللَّه بن عمر، عن نافع [أو غيره أنّ مؤذنًا لعمر يقال له: مسروح أو غيره، ورواه الدراوردي، عن عُبيد اللَّه بن عمر، عن نافع] (6)، عن ابن عمر: كان لعمر مُؤذّن يقال له: مسعود، فذكر نحوه (7)، قال أبو داود (8): وهذا أصح من ذلك، يعني: حديث عمر أصح.
قال البيهقي (9): وروي من وجه آخر عن عبد العزيز موصولًا، ولا يصح، رواه عامر بن مدرك عنه، عن نافع، عن ابن عمر: أن بلالًا أذّن قبل الفجر، فغضب النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأمره أن يُنادي: إن العبد نام، فوجد بلال وجدًا شديدًا.
__________
(1) انظر: "سنن الدارقطني" (1/ 244 - 245)، و"سنن البيهقي" (1/ 383).
(2) أي: البيهقي في "سننه الكبرى" (1/ 383)، ورواه ابن أبي حاتم في "العلل" (1/ 114).
(3) في المطبوع و (ك): "إبراهيم وعبد العزيز"، وفي هامش (ق): "لعله: ابن عبد العزيز".
قلت: وهو الصحيح.
(4) في المطبوع: "إبراهيم عن عبد العزيز"!.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(7) رواه أبو داود (533) في (الصلاة): باب الأذان قبل دخول الوقت، ومن طريقه الدارقطني (1/ 244)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 384)، و"الخلافيات" (1/ ق 148/ أ) من طريق عبد العزيز بن أبي رواد أخبرنا نافع عن مؤذن لعمر يقال له: مسروح، أذن قبل الفجر، فأمره عمر. . .
ومسروح المؤذن، ويقال مسعود مولى عمر ومؤذنه. قال ابن حجر في "التهذيب" (10/ 99 - 100): "قرأت بخط الذهبي: فيه جهالة".
(8) انظر: "سننه" (533)، و"سنن البيهقي" (1/ 384).
(9) في "السنن الكبرى" (1/ 384)، ومضى تخريجه.
(4/192)

قال الدارقطني (1): وهم فيه عامر بن مدرك، والصواب عن شعيب بن حرب، عن عبد العزيز، عن نافع، عن مُؤذن عمر، عن عمر من قوله.
وروي عن أنس بن مالك، ولا يصح، وروي عن أبي يوسف القاضي، عن [ابن] (2) أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس: أن بلالًا أذَّن قبل الفجر، فأمره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يصعد فينادي: ألا إن العبد نام، ففعل، وقال: ليت بلالًا لم تلده أمه، وابتلَّ من نَضْح جبينه (3).
قال الدارقطني: تفرَّد به أبو يوسف عن سعيد -يعني موصولًا- وغيره يُرسله عن سعيد، عن قتادة، عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والمرسل أصح.
ورواه الدارقطني (4) من طريق محمد بن القاسم الأسدي: ثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أنس، ثم قال: محمد بن القاسم الأسدي ضعيف جدًا، وقال البخاري: كذَّبه الإمام أحمد (5)، وروي (6) عن حُميد بن هلال أن بلالًا أذن ليلةً بسواد، فأمره النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يرجعَ إلى مقامه فينادي: إن العبد نام، ورواه إسماعيل بن مسلم، عن حُميد، عن أبي قتادة، وحُميد لم يلق أبا قتادة، فهو مرسل بكل حال.
وروي عن شَدَّاد مولى عياض (7)، قال: جاء بلال إلى النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو يتسحّر فقال: لا تؤذّن حتى يطلع الفجر، وهذا مرسل، قال أبو داود: شَدّاد مولى عياض لم يدرك بلالًا.
وروى الحسن بن عُمارة، عن طلحة بن مُصرِّف، عن سويد بن غفلة، عن
__________
(1) ذكره -أيضًا- البيهقي في "الكبرى" (1/ 384)، وانظر: "سنن الدارقطني" (1/ 244/ 49).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(3) مضى تخريجه قريبًا.
(4) في "السنن" (1/ 245/ 55)، ومضى تخريجه.
(5) في (ن) و (ق): "كذبه أحمد بن حنبل".
قلت: قال أحمد في "العلل" (1899) رواية عبد اللَّه: "كان يكذب، أحاديثه موضوعة، ليس بشيء"، وقال في رواية المروذي (رقم 230): "ما يستأهل أن يحدَّث عنه بشيء، روى أحاديث مناكير"، وانظر: "بحر الدم" (رقم 927).
(6) انظره هناك في "السنن" (1/ 244/ 51)، ومضى تخريجه قريبًا.
(7) في "سنن أبي داود" (534)، و"السنن الكبرى" (1/ 384) للبيهقي، و"الخلافيات" (1/ ق 149/ أ).
(4/193)

بلال قال: أمرني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ألا أؤذِّن حتى يطلع الفجر (1)، وعن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال مثله (2)، ولم يروه هكذا غير الحسن بن عمارة، وهو متروك، و [رواه] (3) الحجاج بن أرطاة، عن طلحة وزبيد عن سويد بن غفلة أن بلالًا لم يؤذن حتى ينشق الفجر (4)، هكذا رواه، لم يذكر فيه أمر النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكلاهما ضعيفان.
وروي عن سفيان، عن سليمان التَّيمي، عن أبي عثمان أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لبلال: لا تؤذن -وجمع سفيان أصابعه الثلاث- لا تُؤذّن حتى يقول الفجر هكذا -وصفَّ سفيان بين السبابتين ثم فرَّق بينهما (5) - قال: وروينا عن سُليمان التّيمي، عن أبي عثمان النَّهدي، عن ابن مسعود ما دلَّ على أذان بلال بليل (6)، وأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر معاني تأذينه بالليل، وذلك أولى بالقبول لأنه موصول وهذا مرسل.
وروي عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن الأسود قال: قالت لي عائشة: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أوتر (7) من الليل رَجَع إلى فراشه، فإذا أذَّن بلال قام، وكان (8) بلال يُؤذّن إذا طَلَع الفجر، فإن كان جنبًا اغتسل، وإن لم يَكن توضأ ثم صلَّى ركعتين (9)، وروى الثوري، عن أبي إسحاق في هذا الحديث
__________
(1) رواه الدارقطني في "الأفراد" (2/ 277 رقم 1362 - أطرافه) -وقال: "غريب من حديث سويد عن بلال، تفرّد به طلحة، ونفرد به الحسن عن طلحة"-، والبيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 149/ أ) أو مسألة (55 - بتحقيقي)، وأبو نعيم في "الحلية" (5/ 22) من طريق الحسن بن عمارة به، وإسناده ضعيف جدًا، الحسن بن عمارة متروك. وانظر: "نصب الراية" (1/ 277).
(2) رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 133 - 134) والدارقطني في "الأفراد" (2/ 280 رقم 1369 - أطرافه) والبيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 149/ أ)، أو مسألة (55 - بتحقيقي).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(4) رواه ابن أبي شيبة (1/ 214)، والبيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 149/ أ).
(5) رواه البيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 149/ أ).
(6) رواه من هذا الطريق: مسلم في "صحيحه" (1093)، وأبو داود (2347).
(7) في (ق): "إذا أُوتي، وقال في الهامش: "لعله: أوتر".
(8) في المطبوع: "فكان".
(9) رواه البيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 150/ أ) من طريق يوسف بن يعقوب القاضي ثنا محمد بن أبي بكر عن إسماعيل بن أبي خالد به. وهو في "مسند" أحمد (6/ 146، 171) عن هشيم عن إسماعيل به مختصرًا جدًا.
(4/194)

قال: ما كان المؤذن يؤذن حتى يطلع الفجر (1)، وروى شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود: سألتُ عائشة عن صلاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالليل، قالت: كان ينام أول الليل، فإذا كان السحر أوى (2)، ثم يأتي فراشه فإن كانت له حاجة إلى أهله ألمَّ بهم، ثم ينام، فإذا سمع النداء -وربما قالت الأذان- وثَبَ، [وربما] (3) قالت: قام، فإذا كان جُنبًا أفاض عليه الماء، [وربما] (3) قالت: اغتسل، وإن لم يكن جنبًا توضأ ثم خرج للصلاة (4).
وقال زهير بن مُعاوية عن أبي إسحاق في هذا الحديث: فإذا كان عند النّداء الأول وثب (5)، قال البيهقي (6): وفي روايته ورواية شعبة كالدليل على أن هذا النداء كان قبل طلوع الفجر، وهي موافقة لرواية القاسم عن عائشة، وذلك أولى من رواية من خالفها (7)، وروي عن عبد الكريم، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة قالت: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أذن المؤذن صلّى ركعتين (8)، ثم خرج إلى المسجد وحرم الطعام، وكان لا يؤذن إلّا بعد الفجر (9)، قال البيهقي: هكذا في
__________
(1) علّقه البيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 150/ أ) عن الثوري به.
ووصله ابن أبي شيبة (1/ 214)، وأحمد (6/ 106 - 107، 63)، وابن حزم في "المحلى" (3/ 119)، وأبو الشيخ -كما في "نصب الراية" (1/ 285) - وقال ابن حجر في "الدراية" (1/ 120): "إسناده جيد، إلّا أن أحمد ضعّفه".
(2) قال في هامش (ق): "لعله: أوتر".
قلت: ولفظه في "صحيح البخاري": "كان ينام أوّله، ويقوم آخره، فيصلي. . . "، فالأقرب ما ظنّه في هامش (ق).
(3) في (ك) و (ق): "وما" وأشار (ق) في الهامش إلى أنه في نسخة ما أثبتناه.
(4) رواه البخاري (1146) في (التهجد): باب من نام أوَّل الليل وأحيى آخره.
وأخرجه من طريق شعبة بألفاظه: الطيالسي (رقم 1386) -ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 150/ أ) - وأحمد (6/ 176).
(5) هو في "صحيح مسلم" (739) في صلاة المسافرين: باب صلاة الليل.
ورواه أيضًا من طريق زهير به: النسائي (3/ 218)، وأحمد (6/ 102)، ورواه عن أبي إسحاق بألفاظ جماعة، انظر: "مسند إسحاق" (1491)، و"أطراف مسند الإمام أحمد" (9/ 24 رقم 11453).
(6) في "الخلافيات" (1/ ق 150 - 151).
(7) في (ق) و (ك): "خالفهما".
(8) في المطبوع: "الركعتين".
(9) رواه أحمد في "مسنده" (6/ 284)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 140)، والبيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 150/ أ) من هذا الطريق، وعبد الكريم هو ابن مالك الجَزري، وانظر ما بعده، و"نصب الراية" (1/ 284)، و"الجوهر النقي" (1/ 384).
(4/195)

هذه الرواية، وهو محمول إن صح على الأذان الثاني، والصحيح عن نافع بغير هذا اللفظ، ورواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة زوج النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنها أخبرته أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح صلّى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة، والحديث في "الصحيحين" (1).

[شبهة وردها]
فإن قيل: عمدتكم في هذا إنما هو على حديث بلال، ولا يمكن الاحتجاج به، فإنه قد اضطرب الرواة فيه: هل كان المؤذن بلالًا أو ابن أم مكتوم، وليست إحدى الروايتين أولى من الأخرى، فتتساقطان، فروى شُعبة عن خبيب بن عبد الرحمن قال: سمعتُ عمَّتي أُنيسة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن ابن [أم] (2) مكتوم يُنادي بليل، فكلوا واشربوا حتى يُنادي بلال" (3)، رواه البيهقي وابن حِبَّان في "صحيحه".
__________
(1) رواه البخاري (618) في (الأذان بعد الفجر)، و (1173) في (التهجد): باب التطوّع بعد المكتوبة، و (1180): باب في الركعتين قبل الظهر، ومسلم (723) في (صلاة المسافرين): باب استحباب ركعتي سنة الفجر.
(2) ما بين المعقوفتين من (ك) و (ق).
(3) رواه أحمد في "مسنده" (6/ 433)، والنسائي في "سننه" (2/ 10 - 11) في (الأذان): باب هل يؤذنان جميعًا أو فرادى، وابن سعد (8/ 364)، وابن خزيمة (404)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (رقم 3490)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 138)، وابن حبان (3474)، والطبراني في "المعجم الكبير" (24/ 482) من طرق عن هشيم عن منصور بن زاذان عن خبيب بن عبد الرحمن عن عمته أنيسة مرفوعًا به.
وهذا إسناد رواته ثقات.
لكن رواه شعبة، واختلف عنه في لفظه، فرواه أبو داود الطيالسي (1661)، ومن طريقه: البيهقي (1/ 382) عنه عن خبيب عن عمّته قالت: كان بلال وابن أم مكتوم يؤذنان للنبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا. . .
قال البيهقي: وهكذا رواه عمرو بن مرزوق وجماعة عن شعبة.
ورواه محمد بن جعفر عنه عن خبيب عن عمّته عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: إن ابن أم مكتوم، أو بلالًا يؤذن بليل. . . على الشك.
أخرجه أحمد (6/ 433)، ومن طريقه الطبراني في "الكبير" (24/ 481)، وابن خزيمة (405).
وممن رواه عن شعبة على الشك أيضًا سليمان بن حرب: رواه من طريقه الطبراني (24/ 480)، والبيهقي (1/ 382). =
(4/196)

فالجواب أن هذا الحديث قد رواه ابن عمر، وعائشة، وابن مسعود، وسمرة بن جندب عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن بلالًا يؤذن بليل" (1)، وهذا الذي رواه صاحبا (2) "الصحيح"، ولم يختلف عليهم في ذلك، وأما حديث أنيسة (3) فاختلف عليها على (4) ثلاثة أوجه:
__________
= ورواه على الشك أيضًا يزيد بن زريع، أخرجه ابن خزيمة (405)، ورواه عن شعبة باللفظ المذكور هنا: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل. . . دون الشك: أبو الوليد الطيالسي، وأبو عمرو.
أخرجه البيهقي (1/ 382) من طريق محمد بن أيوب عنهما به.
ثم قال: ورواه محمد بن يونس الكديمي عن أبي الوليد؛ كما رواه الطيالسي وعمرو ابن مرزوق، أي بلفظ: إن بلالًا ينادي بليل. . .
وهذا اختلاف على شعبة لا أدري ممن هو.
وله شاهد من حديث عائشة: رواه أبو يعلى (4385) مختصرًا، وابن خزيمة في "صحيحه" (406)، ومن طريقه ابن حبان (3473)، والبيهقي (1/ 382) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عنها مرفوعًا: "إن ابن أم مكتوم رجل أعمى فإذا أذن. . . ".
أقول: وهذا إسناد رواته ثقات، لكن الدراوردي على إمامته كان يخطئ، قال أحمد بن حنبل: إذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدَّث من كتب الناس وَهِم، وقال أبو زرعة: سيّء الحفظ، فربما حدث من حفظه الشيء فيخطئ.
وقد رواه من هو أحفظ منه، وهو عبيد اللَّه بن عمر عن القاسم عن عائشة مرفوعًا: "إن بلالًا يؤذن. . . "، على اللفظ المشهور الذي أخرجه البخاري في "صحيحه" (623 و 1919)، ومسلم (1092) (38) بعده.
لذلك قال البيهقي: وهذا أصح، أي حديث القاسم بن محمد.
وله شاهد أيضًا من حديث زيد بن ثابت: رواه البيهقي (1/ 382)، وفيه الواقدي: وهو متروك.
وللجمع بين الأحاديث قالوا: إن الأمر كان نوبًا بين بلال وابن أم مكتوم، هذا قاله ابن خزيمة، وابن حبان.
قلت: أنت ترى أن حديثًا ابن أم مكتوم ينادي بليل. . . " لا تخلو طرقه من مقال.
والذي رواه أهل الصحيح عن ابن عمر، وابن مسعود، وسمرة، وأم المؤمنين عائشة هو: "إن بلالًا يؤذن بليل"، فالقلب إلى حديثهم أمْيَل، وهذا الذي رجّحه المؤلف -رحمه اللَّه- كما ترى، واللَّه أعلم.
(1) تقدمت أحاديثهم كلّها قريبًا.
(2) في (ق) و (ك): "أصحاب".
(3) تقدم تخريجه قريبًا، على الخلاف الذي فيه.
(4) في المطبوع: "في".
(4/197)

أحدها: كذلك، رواه محمد بن أيوب، عن أبي الوليد وابن عمر، عن شعبة.
الثاني: كحديث عائشة وابن عمر: "إن بلالًا يؤذن بليل"، هكذا رواه محمد بن يونس الكُديمي، عن أبي الوليد، عن شعبة، وكذلك رواه أبو داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق عن شعبة.
الثالث: روي على الشك: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يُؤذِّن ابن أم مكتوم"، أو قال: " [إن] (1) ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال"، كذلك رواه سُليمان بن حرب وجماعة، والصواب رواية أبي داود الطيالسي وعَمرو بن مرزوق لموافقتها لحديث ابن عمر وعائشة، وأما رواية أبي الوليد وابن عمر فممّا انقلب فيها لفظ الحديث، وقد عارضها رواية الشك ورواية الجزم بأن المؤذن بليل هو بلال، وهو الصواب بلا شك، فإنَّ ابنَ أم مكتوم كان ضرير البصر، ولم يكن له علم بالفجر، فكان إذا قيل له: "طَلَع الفَجْرُ"، أذَّنَ، وأمّا ما ادّعاه بعضُ الناس (2) أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل الأذان نُوَبًا بين بلال و [بين] (3) ابن أم مكتوم، وكان كلٌّ منهما في نوبته يؤذّن بليل، فأمر النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الناس أن يأكلوا ويشربوا حتى يؤذن الآخر، فهذا كلامٌ باطلٌ على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يجئ في ذلك أثر قط، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متّصل، ولكن هذه طريقة من يجعل غلط الرواة شريعة ويحملها على السنة، وخَبرُ ابنِ مسعود، وابنِ عمر، وعائشة، وسَمُرة الذي لم يختلف عليهم فيه أَوْلى بالصحة، واللَّه أعلم.

[الصلاة على القبر]
المثال السابع والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المستفيضة عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصلاة على القَبْر، كما في "الصحيحين" من حديث ابن عباس: "أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلّى على قَبرٍ منبوذٍ، فصفَّهم وتقدَّم فكبَّر [عليه] (4) أربعًا" (5)، وفيهما من
__________
(1) سقطت من المطبوع.
(2) كابن حبان وابن خزيمة، فيما تقدم في التعليق.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) رواه البخاري (857) في (الأذان): باب وضوء الصبيان، ومتى يجب عليهم الغسل والطهور، و (1247) في (الجنائز): باب الإذن بالجنازة، و (1319): باب الصفوف على الجنائز، و (1321) باب صفوف الصبيان مع الرجال في (الجنائز)، و (1322): باب سنة =
(4/198)

حديث أبي هريرة: "أنَّه صَلَّى على قبرِ امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد" (1)، وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صلَّى على قبر امرأة بعدما دفنت" (2)، وفي "سنن" البيهقي والدارقطني عن ابن عباس أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلَّى على قَبْر بعد شهرٍ (3)، وفيهما [عنه] (4): "أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلّى على ميت بعد ثلاث" (5)،
__________
= الصلاة على الجنائز، و (1326): باب صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز، و (1336): باب الصلاة على القبر بعدما يُدفن، ومسلم (954) في (الجنائز): باب الصلاة على القبر.
(1) رواه البخاري في "الصحيح" (كتاب الجنائز): باب الصلاة على القبر بعدما يدفن (1337)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الجنائز): باب الصلاة على القبر (9/ 652/ 956).
وقال (و): "تقم: تجمع القمامة، وهي الكناسة، وسمَّى البيهقي المرأة: أم محجن، وذكره ابن منده في "الصحابة" خرقاء اسم امرأة سوداء كانت تقم المسجد، فيمكن أن يكون اسمها خرقاء، وكنيتها: أم محجن، وقد وقع في رواية متفق عليها: أن امرأة كانت تقم المسجد، أو شابًا! " اه.
قلت: والمرأة السوداء هذه هي أم محجن، كما في "تنبيه المعلم" (181/ 380 - بتحقيقي)، وانظر: "المستفاد" (30)، و"إيضاح الإشكال" (187)، وسمّاها البيهقي كذلك في "سننه" (4/ 48) من حديث بريدة الأسلمي.
وهي غير واقعة الشاب، انظر: "الفتح" (3/ 117 - 118/ 1247).
(2) رواه مسلم في "الصحيح" (كتاب الجنائز): باب الصلاة على القبر (2/ 659/ 955).
(3) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 45)، والدارقطني في "سننه" (2/ 78) أو (رقم 1823 - بتحقيقي) من طريق بشر بن آدم عن أبي عاصم عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق الشيباني عن الشعبي عن ابن عباس، ولفظة: "بعد شهر" شاذة، انظر الحديث الآتي.
(4) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط، وفي (ق) و (ك): "عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه".
(5) رواه الدارقطني (2/ 78 أو رقم 1822 - بتحقيقي) -ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 45 - 46) - والخطيب في " تاريخ بغداد" (7/ 455) من طريق هُريم بن سفيان البجلي عن أبي إسحاق الشيباني عن الشعبي عن ابن عباس به.
ولفظة "بعد ثلاث" شاذّة.
قال البيهقي: إنَّ هُرَيْم بن سفيان، خالف الثَّوْري وعبد الواحد بن زياد وزَائِدة بن قُدَامة وهُشَيْم بن بَشِير وأبو معاوية الضرير وغيرهم، في روايتهم عن أبي إسحاق الشَّيْبَاني، حيث إنَهم لم يذكروا أنَّ صلاته عليه كانت بعد موته بثلاث.
وقال الحافظ ابن حَجَر في "فتح الباري" (3/ 205) -في الجنائز، باب الصلاة على القبر بعد ما يدفن-: "ووقع في "الأوسط" للطبراني من طريق محمد بن الصبَّاح الدُّولابي، عن إسماعيل بن زكريا، عن الشَّيْبَاني: "أنَّه صلَّى عليه بعد دَفْنِهِ بليلتين".=
(4/199)

وفي "جامع الترمذي": "أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلَّى على أُمّ سعد بعد شهر" (1).
فردّت هذه السنة (2) المحكمة بالمتشابه من قوله: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها" (3)، وهذا حديث صحيح والذي قاله [هو النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-] (4) الذي صَلَّى على القبر، فهذا قوله وهذا فعله، ولا يناقض أحدهما الآخر، فإنَّ الصَّلاةَ المنهيَّ عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر، فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختصُّ بمكان، بل فِعْلُها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه (5)، فالصَّلاةُ عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه، فإنه المقصودُ بالصلاة في الموضعين، ولا فَرقَ بين كونه على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها، بخلاف سائر الصلوات، فإنها لم تُشرع في القبور ولا إليها؛ لأنها ذريعة إلى
__________
= وقال: إنَّ إسماعيل تفرَّد بذلك. ورواه الدَّارَقُطْنِيُّ من طريق هُرَيْم بن سفيان، عن الشَّيْبَانِي فقال: "بعد موته بثلاث". ومن طريق بشر بن آدم، عن أبي عاصم، عن سفيان الثوري، عن الشَّيْبَاني فقال: "بعد شهر". وهذه روايات شاذّة، وسياق الطرق الصحيحة يدلُّ على أنَه صلَّى عليه في صَبِيحَةِ دَفْنِهِ".
(1) رواه الترمذي (1038) في (الجنائز): باب ما جاء في الصلاة على القبر، وابن أبي شيبة (3/ 239)، والبيهقي (4/ 48) من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- غائب فلما قدم صلّى عليها، وقد مضى لذلك شهر، وليس في "مصنف ابن أبي شيبة" تحديد للمدّة.
قال البيهقي: "وهو مرسل صحيح".
ثم قال: "ورواه سويد بن سعيد عن يزيد بن زريع عن شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس موصولًا، وحكى أبو داود عن أحمد أنّه قال: لا تحدّث بهذا".
وسويد بن سعيد هذا ضعيف، فكيف وقد خالف!
(2) في المطبوع: "هذه السنن".
(3) رواه مسلم في "الصحيح" (كتاب الجنائز): باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه (2/ 668/ رقم 972) من حديث أبي مَرْثَد الغنوي.
(4) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط، وفي (ق) و (ك): "والذي قاله هو الذي".
(5) ثبت أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلّي على الجنازة في المصلّى، وقد ورد هذا من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري (1245) في (الجنائز): باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه، و (1333) في باب التكبير على الجنازة أربعًا، و (3881) في (مناقب الأنصار): باب موت النجاشي، ومسلم (951) (62) في (الجنائز): باب في التكبير على الجنازة، وانظر: "فتح الباري" (3/ 199).
وانظر: "زاد المعاد" (1/ 140/ 146 و 3/ 47)، و"تهذيب السنن" (4/ 325، 331 - 332، 340).
(4/200)

اتخاذها مساجد، وقد لَعَنَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مَنْ فعل ذلك (1)، فأين ما لعن فاعله وحذّر منه وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال: "إنَّ من شِرارِ الخلق من تدركهم الساعةُ وهم أحياء، والذين يتّخذون القبور مساجد" (2)، إلى ما فعله [رسول اللَّه] (3) -صلى اللَّه عليه وسلم- مرارًا متكرّرة؟ وباللَّه التوفيق.
__________
(1) في هذا أحاديث: منها حديث أبي هريرة مرفوعًا: "قاتل اللَّه اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد" رواه البخاري (437) في (الصلاة): باب (55)، ومسلم (530) في (المساجد): باب النهي عن بناء المساجد على القبور.
وحديث ابن عباس وعائشة: رواه البخاري (435، 436)، وأطرافه كثيرة هناك، ومسلم (531)، ولفظه: "لعنةُ اللَّه على اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
(2) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 405 و 435)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (3/ 345)، وعلّقه البخاري في "صحيحه" (7067) في (الفتن): باب ظهور الفتن، وأبو يعلى في "مسنده" (5316)، وابن خزيمة في "صحيحه" (789)، وابن حبان (2325 و 6847)، والهيثم بن كليب في "مسنده" (528)، والبزار في "مسنده" (1725 - البحر الزخار)، والطبراني في "الكبير" (10413)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (1/ 143) من طرق عن زائدة عن عاصم عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن ابن مسعود مرفوعًا به.
قال الهيثمي في "المجمع" (2/ 27): "ورواه الطبراني في "الكبير" وإسناده حسن"، وذكره (8/ 13)، وقال: "رواه البزار بإسنادين في أحدهما عاصم بن بهدلة، وهو ثقة، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح".
أقول: عاصم بن بهدلة حسن الحديث.
(3) ما بين المعقوفتين في (ق) فقط.
وأما الطريق الثاني الذي ذكره الهيثمي، فرواه أحمد (1/ 454)، والبزار (1718) من طريق قيس عن الأعمش عن إبراهيم عن عبدة عن عبد اللَّه مرفوعًا.
وقيس صدوق؛ لكنه تغير لما كبر، كما في "التقريب".
وفي "صحيح مسلم" (2949) من حديث ابن مسعود أيضًا: "لا تقوم الساعة إلّا على شرار الناس". وانظر: "تغليق التعليق" (5/ 278)، و"فتح الباري" (13/ 14).
وقال (و): "ترى هل يعتبر عبدة القبور؟ وهل يصدقون هذه المحكمات، فلا يتخذوا القبور مساجد، ولا يجعلوا من موتى القبور أربابًا وآلهة؟
ويطيب لي أن أذكر هذه الصيحة المؤمنة التي أرسلها الشوكاني، وهي قوله: "ومن رَفع القبور الداخل تحت الحديث دخولًا أوّليًا القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فاعل ذلك، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها: اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك، فظنّوا أنها قادرة على جلب النفع، ودفع الضر، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأل =
(4/201)

[الجلوس على فراش الحرير]
المثال الثامن والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في النهي عن الجلوس على فراش الحرير، كما في "صحيح البخاري"، من حديث حذيفة: "نَهانَا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نشربَ في آنية الذهب والفضة، وأن نأكلَ فيها (1)، وعن الحرير والدِّيباج، وأن نجلس عليه، وقال: هو لهم في الدنيا ولنا في الآخرة" (2)، ولو لم يأت هذا النص لكان النهي عن لبسه متناولًا لافتراشه (3) كما هو متناول للالتحاف به، وذلك لبس لغةً وشرعًا كما قال أنس: "فقمتُ (4) إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِسَ" (5)، ولو لم يأت اللفظ العام المتناول لافتراشه بالنهي لكان القياس المحض موجبًا لتحريمه، إما قياس المثل أو قياس الأَوْلَى، فقد دلّ على تحريم الافتراش النص الخاص واللفظ العام والقياس الصحيح، ولا يجوز رد ذلك [كله] (6) بالمتشابه من قوله: {[هُوَ الَّذِي] (7) خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، ومن القياس على ما إذا كان الحرير بطانة الفراش دون
__________
= العباد من ربهم، وشدّوا إليها الرحال، وتمسّحوا بها، واستغاثوا، وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنّا للَّه وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع لا تجد من يغضب للَّه ويغار حمية للدين الحنيف، لا عالمًا، ولا متعلّما، ولا أميرًا، ولا وزيرًا، ولا ملكًا.
فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين، أي رزء للإسلام أشدّ من الكفر، وأيّ بلاء لهذا الدين أضرّ عليه من عبادة غير اللَّه؟ وأيّ مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البيِّن واجبًا!
لقد أسمعت لو ناديت حيًا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نارًا نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رمادِ"
(ص 84 ج 3 "نيل الأوطار"- ط عثمان خليفة) " اه.
(1) في (ق): "منها".
(2) رواه البخاري (5426) في (الأطعمة): باب الأكل في إناء مفضض، و (5632) في (الأشربة): باب الشرب في آنية الذهب، و (5633) باب آنية الفضة، و (5831) في (اللباس): باب لبس الحرير للرجال، و (5837) باب افتراش الحرير، ومسلم (2067) في (اللباس والزينة): باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة.
(3) في (ق): "متناولًا افتراشه"، وفي (ك): "متناولًا لفرشه".
(4) في المطبوع: "قمت".
(5) رواه البخاري (380) في (الصلاة): باب الصلاة على الحصير، و (860) في (الأذان): باب وضوء الصبيان، ومسلم (658) في (المساجد): باب جواز الجماعة في النافلة.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4/202)

ظهارته، فإن الحكمَ في ذلك التحريمُ على أصح القولين، والفرق على القول الآخر مباشرة الحرير وعدمها كحشو الفراش به، فإن صح الفرق بطل القياس، وإن بطل الفرق مُنع الحكم، وقد تمسك بعموم النهي عن افتراش الحرير طائفة من الفقهاء فحرَّموه على الرجال والنساء، وهذه طريقة الخراسانيين من أصحاب الشافعي، وقابلهم من أباحه للنَّوعين، والصواب التفصيل وأن من أبيح له لبسه أبيح له افتراشه ومن حرم عليه حرم عليه، وهذا قول الأكثرين، وهي طريقة العراقيين من الشافعية (1).

[خرص الثمار في الزكاة والعرايا]
المثال التاسع والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في خرص الثمار في الزكاة والعَرَايا وغيرها إذا بدا صلاحها كما رواه الشافعي عن عبد اللَّه بن نافع، عن محمد بن صالح التَّمَّار، عن الزهري، عن سعيد بن المُسيّب، عن عَتَاب بن أَسِيد أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في زكاة الكَرْم: "يُخرص كما يخرص النَّخل، ثم تُؤدَّى زكاتُه زبيبًا كما تُؤدَّى زكاةُ النخل تمرًا" (2)، وبهذا الإسناد بعينه
__________
(1) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 204 و 4/ 42)، و"زاد المعاد" (3/ 87).
(2) رواه الشافعي (1/ 243/ 661)، كما ذكره ابن القيم، ورواه ابن أبي شيبة (3/ 195)، وأبو داود (1604) في (الزكاة): باب في خرص العنب، والترمذي (644) في (الزكاة)، وابن ماجه (1819) في (الزكاة)، والنسائي (5/ 109) في (الزكاة): باب شراء الصدقة، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1/ 404 رقم 562، 563)، والطبراني (27/ 162 رقم 424)، وابن خزيمة (2317 و 2318)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (2/ 270 رقم 792)، وابن الجارود (351)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2/ 39)، وابن حبان (3278 و 3279)، والدارقطني (2/ 132 - 133)، والحاكم (3/ 595)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (4/ 2224 رقم 5535)، والبيهقي (4/ 121، 122) من طرق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد، باللفظين اللذين أوردهما المصنف.
قال أبو داود وابن قانع: سعيد لم يسمع من عَتَّاب شيئًا.
قلت: عتاب -رحمه اللَّه- متقدم الوفاة حيث توفي سنة (13)، وكانت ولادة سعيد لسننين خلتا من خلافة عمر -أي: لعله ولد بعد وفاة عتاب-.
ولذلك قال الحافظ في "التهذيب": "وأما حديثه -أي ابن المسيب- عن بلال وعتاب فظاهر الانقطاع بالنسبة إلى وفاتيهما ومولده".
ورواه الدارقطني (رقم 2019 - بتحقيقي) من طريق الواقدي -وانفرد بوصله- عن عبد الرحمن بن عبد العزيز عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن المِسْوَر بن مخرمة عن عتاب به، والواقدي متروك. =
(4/203)

"أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يبعث من يخرص على الناس كرومهم وثمارهم" (1)، وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن قال: سمعتُ عبد الرحمن بن مسعود بن نِيَار يقول: أتانا سهل بن أبي حَثْمَة إلى مجلسنا فحدَّثنا أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا خرصتم فدعُوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" (2)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ورواه أبو داود في "السنن"، ورَوَى فيها أيضًا عن عائشة: "كان النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يبعثُ عبدَ اللَّه بن رواحة إلى يهود فيخرصُ النَّخلَ حين يطيب قبل أن يُؤكل منه، ثم يُخيّر يهود فيأخذونه بذلك الخرص أم (3) يدفعونه إليهم بذلك الخرص، لكي تُحصى الزكاة قبل أن تُؤكل الثمار وتفرَّق" (4)، وروى الشافعي، عن مالك، عن ابن شِهَاب، عن
__________
= ورواه ابن أبي شيبة (3/ 195)، ومالك (2/ 703)، وابن خزيمة (4/ 14)، وابن زنجويه في "الأموال" (1987)، والبيهقي (4/ 122) عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وهو أصح.
ومع هذا فقد قال الترمذي عن الموصول: حديث حسن غريب.
ولعله لشواهده، حيث يشهد للخرص أحاديث ذكرتها في حديث عائشة الآتي.
قال (و): "وعن الشافعي فيه أقوال: وجوب الخرص، وجوازه، وندبه، وأبو حنيفة لا يجوز؛ لأنه رجم بالغيب".
(1) مضى في الذي قبله.
(2) رواه ابن أبي شيبة (3/ 194)، وأحمد (3/ 448 و 4/ 2 - 3 و 3)، وأبو داود (1605) في (الزكاة): باب في الخرص، والترمذي (643) في (الزكاة): باب ما جاء في الخرص، والنسائي (5/ 42) في (الزكاة): باب كم يترك الخارص، وابن خزيمة (2319 و 2320)، والطحاوي (2/ 39)، وابن الجارود (352)، وابن حبان (3280)، والدارمي (2/ 272)، وأبو عبيد (585)، وابن زنجويه (1992، 1993) كلاهما في "الأموال"، والحاكم (1/ 402)، والبيهقي (4/ 123) من طرق عن شعبة به، كما ذكره المصنف.
ورجاله ثقات؛ إلا عبد الرحمن بن مسعود بن نيار لم يرو عنه غير خبيب بن عبد الرحمن فقط، وذكره ابن حبان في "الثقات"! وقال ابن القطان: لا يُعرف حاله.
وانظر: "بيان الوهم والإيهام" (5/ 548 - 550 رقم 2776).
(3) كذا في جميع الأصول، وفي "سنن أبي داود": "أو".
(4) رواه أبو داود (1606) في (الزكاة): باب متى يخرص الثمر، و (3413) في (البيوع والإجارات): باب في الخرص، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (رقم 904)، وعلقه الترمذي بعد (644)، ووصله عبد الرزاق (7219)، وأبو عبيد (582 - 583)، وأحمد (6/ 163)، والدارقطني (2/ 134)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (4/ 123)، و"معرفة السنن والآثار" (6/ 111 رقم 8179) من طريق ابن جريج قال: أُخْبرت عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة به. =
(4/204)

سعيد بن المسيب أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال ليهود خيبر: "أُقرّكم على ما أقركم اللَّه، على أن الثمر بيننا وبينكم"، قال: "وكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يبعث عبد اللَّه بن رواحة فيخرص عليهم ثم يقول: إن شئتم فلكُم، وإن شئتم فلي، وكانوا يأخذونه" (1).
وفي "الصحيحين" أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرصَ حديقةَ المرأة، وهو ذاهبٌ إلى تبوك، وقال لأصحابه: "اخرصوها"، فخرصوها بعشرة أوسق، فلما قفل
__________
= ورجاله ثقات؛ لكنه منقطع بين ابن جريج وابن شهاب.
ووقع عند الدارقطني من رواية محمد بن عبد الملك بن زنجويه عن عبد الرزاق، ثنا ابن جريج عن الزهري، وهذا خطأ، فإن أحمد رواه عن عبد الرزاق فقال: ثنا ابن جريج قال: أخبرت، كما قال حجاج بن محمد وغيره عن ابن جريج، وكذا في "مصنف عبد الرزاق".
وقال الترمذي: "سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: حديث ابن جريج غير محفوظ".
وانظر: تعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 2027، 2028).
وفي الباب عن جابر: رواه أبو داود (3414 و 3415)، وأحمد (3/ 296 و 367)، والطحاوي (1/ 317، 2/ 38)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (4/ 49) من طريق أبي الزبير عن جابر، وورد تصريح أبي الزبير بالسماع عند أحمد وأبي داود وعند بعضهم مختصرًا.
وفي الباب أيضًا عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: رواه ابن زنجويه في "الأموال" (رقم 1978) من حديث ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عنه، وابن لهيعة ضعيف.
وللحديث شواهد أيضًا في "مصنف عبد الرزاق" (4/ 122، 132)، و"الأموال" (1979 - 1982) لابن زنجويه، و"التمهيد" لابن عبد البر (6/ 444) وما بعدها، و"إرواء الغليل" (3/ 281).
(1) رواه مالك في "الموطأ" (2/ 703)، ومن طريقه الشافعي في "مسنده" (1/ 242)، وابن زنجويه في "الأموال" (رقم 1981)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 122) هكذا مرسلًا.
وقال الحافظ ابن عبد البر: "هكذا روى هذا الحديث بهذا الإسناد عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد -جماعة رواة الموطأ- وكذلك رواه أكثر أصحاب الزهري، وقد وصله منهم صالح بن أبي الأخضر عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة".
وقال الدارقطني (2/ 134): "وأرسله مالك ومعمر وعقيل عن الزهري عن سعيد عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مرسلًا".
أقول: وهذا الطريق رواه البزار (1286 - كشف الأستار)، وصالح هذا ضعيف.
(4/205)

[رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-] (1) سأل (2) المرأة عن [تمر] (3) الحديقة، فقالت: بلغ عشرة أوْسُق (4).
وفي "الصحيحين" من حديث زيد بن ثابت: "رَخَّص رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لصاحب العَرِيَّة أن يبيعها بخرصها تمرًا" (5)، وصحّ عن عمر بن الخطاب [رضي اللَّه عنه] (6) أنه بعث سهل بن أبي حَثْمَة على خَرْص التمر، وقال: "إذا أتيت أرضًا فاخرصها ودع لهم قَدْر ما يأكلون" (7)، فردت هذه السنن كلها بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90]، قالوا: والخرص من باب القمار والميسر، فيكون تحريمه ناسخًا لهذه الآثار، وهذا من أبطل الباطل، فإن الفرق بين القمار والميسر والخرص المشروع كالفرق بين البيع والربا، والميتة والمُذَكَّى، وقد نَزه اللَّه رسوله وأصحابه عن تعاطي القمار وعن شرعه وعن إدخاله في الدين.
وياللَّه العجب! أكان المسلمون يقامرون إلى زمن خيبر، ثم استمرّوا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثم انقضى عصر الصحابة وعصر التابعين على القمار ولا يعرفون أن الخرصَ قمارٌ حتى بيَّنه بعض فقهاء الكوفة؟ وهذا -واللَّه- الباطل حقًا، واللَّه الموفق.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) كذا في (ك) ومصادر التخريج، وفي سائر الأصول: "سألوا"!
(3) ما بين المعقوفتين من (ك) فقط.
(4) رواه البخاري (1481) في (الزكاة): باب خرص التمر، ومسلم (4/ 1785) (1392) في (الفضائل): باب في معجزات النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أبي حُميد الساعدي.
(5) رواه البخاري (2173) في (البيوع): باب بيع الزبيب بالزبيب، و (2184 و 2188): باب المزابنة، و (2192): باب تفسير العرايا، و (2380) في (المساقاة): باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل، ومسلم (1539) في (البيوع): باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا.
(6) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(7) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (3/ 194)، والبيهقي (4/ 124) من طريق يحيى بن سعيد عن بُشير بن يسار أن عمر كان يبعث أبا حثمة (وفي المصنف: أبا خيثمة، وهو خطأ).
وهذا إسناد منقطع؛ بُشير لم يدرك عمر.
ورواه حماد بن زيد فوصله.
أخرجه الحاكم (1/ 402 - 403) والبيهقي (4/ 124) من طريقه عن يحيى بن سعيد عن بُشير عن سهل بن أبي حثمة أن عمر بن الخطاب بعث. . .
وانظر: "بيان الوهم والإيهام" (5/ 548 - 550).
(4/206)

[صفة صلاة الكسوف]
المثال الخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في صفة صلاة الكسوف وتكرار الركوع في كل ركعة كحديث عائشة، وابن عباس، وجابر، وأبيّ بن كعب، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري، كلهم رَوَى عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تكرار الركوع في الركعة الواحدة (1)، فردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من حديث عبد الرحمن بن سَمُرة قال: "كنت يومًا أرمي بأسهم وأنا بالمدينة، فانكسفت الشمس، فجمعتُ أسهُمي وقلت: لأنظُرنَّ ماذا أحدث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في كسوف الشمس، فكنت خلف ظهره فجعل يُسبّح ويُكبِّر ويدعو حتى حُسِرَ عنها فصلَّى ركعتين وقرأ بسورتين"، رواه مسلم في "صحيحه" (2)، وفي "صحيح البخاري" عن أبي بكرة قال: انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فصلّى ركعتين (3)، وهذا لا يناقض رواية مَنْ رَوى أنه ركع في كل ركعة ركوعين فهي ركعتان وتعدّد (4) ركوعهما كما يُسمَّيان سجدتين مع تعدد سجودهما كما قال ابن عمر: حفظت عن رسول اللَّه سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها (5)، وكثيرًا ما يجيء في السنن إطلاق السجدتين على الركعتين، فسنّة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصدق بعضها بعضًا، لا سيما والذين رووا تكرار الركوع أكثر عددًا وأجل وأخصّ برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الذين لم يذكروه (6).
فإن قيل: ففي حديث أبي بكرة: "فصلَّى ركعتين نحوًا مما تصلون"، وهذا صريح في إفراد الركوع.
قيل: هذا الحديث رواه شُعبة، عن يونس بن عُبيد، عن الحَسَن، عن أبي بكرة دون الزيادة المذكورة، وهو الذي رواه البخاري في "صحيحه" (7)، وزاد
__________
(1) ذكر منها عدة أحاديث ستأتي.
(2) (كتاب الكسوف): باب ذكر النداء بصلاة الكسوف: "الصلاة جامعة" (2/ 913/629).
(3) رواه البخاري في "الصحيح" (1040) في (الكسوف): باب الصلاة في كسوف الشمس، و (1062 و 1063) في باب الصلاة في كسوف القمر، و (5785) في (اللباس): باب من جرّ إزاره من غير خيلاء.
(4) في (ك): "تعدد".
(5) رواه البخاري (1172) في (التهجد): باب التطؤع بعد المكتوبة، ومسلم (729) في (صلاة المسافرين): باب فضل السنن الراتبة، وقبل الفرائض وبعدهن. . .
(6) انظر: "إحكام الأحكام" (2/ 136) لابن دقيق العيد.
(7) مضى قريبًا.
(4/207)

إسماعيل ابن عُليَّة (1) هذه الزيادة، فإن رجحنا بالحفظ والإتقان فشعبة شعبة، وإن قبلنا الزيادة فرواية من زاد في كل ركعة ركوعًا آخر زائدة على رواية من روى ركوعًا واحدًا فتكون أولى.
فإن قيل: فما تصنعون بالسنة المحكمة الصريحة من رواية سَمُرة بن جندب (2) والنُّعمان بن بَشير (3) وعبد اللَّه بن عمرو (4) أنه صلاها ركعتين كل ركعة بركوع واحد،
__________
(1) كما عند ابن حِبَّان في "صحيحه" (2835) وتابع إسماعيل على هذا يزيدُ بن زريع أخرجه من طريقه ابن خزيمة (1374)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 330)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (3/ 332). وانظر توجيه ابن حبان لها في "صحيحه" (7/ 77).
(2) رواه أحمد في "مسنده" (5/ 16)، وأبو داود (1184) في (الصلاة): باب من قال: أربع ركعات، والنسائي (3/ 140) في (الكسوف)، وفي "الكبرى" (1869)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 329)، والطبراني في "الكبير" (6797 و 6798 و 6799)، وابن حبان (2852 و 2856)، والحاكم (1/ 329 - 331)، وابن خزيمة (1397)، والبيهقي (3/ 339) من طريق الأسود بن قيس عن ثعلبة بن عَبَّاد عن سمرة به.
وهذا إسناد ضعيف؛ ثعلبة بن عباد ذكره في المجاهيل: ابنُ المديني، وابن حزم، وابن القطان، والذهبي، ومع هذا صحح حديثه الترمذي!! وذكره ابن حبان في "الثقات"! وانظر: "الميزان" (1/ 371)، و"المحلى" (5/ 94).
(3) رواه أحمد في "مسنده" (4/ 269 و 271 و 277)، وأبو داود (1193) في (الصلاة): باب من قال: يركع ركعتين، والنسائي (3/ 141)، وفي "الكبرى" (1873 و 1874)، والبزار في "البحر الزخار" (8/ 235 رقم 3294، 3295)، والحاكم (1/ 333)، وابن خزيمة (1403 و 1404)، وفي "التوحيد" (ص 379)، والطحاوي (1/ 330) من طرق عن أبي قلابة عن النعمان به، مطولًا ومختصرًا.
ورواه الطحاوي (1/ 330) من طريق أيوب عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير أو غيره، ورواه أحمد (4/ 267) من طريق عفان عن عبد الوارث عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل عن النعمان.
قال الحاكم: على شرطهما، وتكلّموا في سماع أبي قلابة من النعمان.
وفي "جامع التحصيل" قال ابنُ معين: أبو قلابة لم يسمع من النعمان بن بشير، مرسل، وقال أبو حاتم: قد أدرك النعمان، ولا أعلم سمع منه أو لا.
ورواه عن النعمان: الحسن البصري، وخرجته في تعليقي على "الحنائيات" (رقم 250).
وأفاد ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (5/ 353، 459) أن هذا حديث قد اختلف في إسناده، فروي عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير، وروي عنه عن قبيصة بن المخارق الهلالي، وروي عنه عن هلال بن عامر عن قبيصة بن المخارق.
وانظر الحديث الآتي، و"نصب الراية" (2/ 228).
(4) رواه أحمد (2/ 159)، والنسائي (3/ 137 - 139) في (الكسوف)، وفي "الكبرى" =
(4/208)

وبحديث قبيصة الهلاليّ عنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وإذا (1) رأيتم ذلك فصلّوها كأحدث (2) صلاة صلَّيتموها من المكتوبة" (3)؟ وهذه الأحاديث في "المسند" و"سنن النسائي" وغيرهما.

[الجواب عن حديث صلاتها بركعتين في كل ركعة]
قيل: الجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ أحاديث تكرار الركوع أصحّ إسنادًا وأسلم من العلّة والاضطراب، لا (4) سيما حديث عبد اللَّه بن عمرو، فإن الذي في "الصحيحين" عنه أنه قال: "كسفت الشَّمسُ على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فنودي أن الصلاة جامعة، فركع النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ركعتين في سجدة، ثم قام فركع ركعتين في سجدة، ثم جَلَس حتى جُلِّي عن الشمس" (5)، فهذا أصح وأصرح من حديث كل ركعة بركوع، فلم يبق إلا حديث سمرة بن جندب والنعمان بن بشير، وليس منهما شيء في الصحيح.
__________
= (1867 و 1883)، وأبو داود (1194)، وابن خزيمة (1389 و 1392 و 1393)، وابن حبان (2838)، والطحاوي (9/ 321) من طرق عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو.
وهذا إسناد صحيح، عطاء اختلط إلّا أنه روى عنه سفيان الثوري، وحماد، وهما ممن سمع منه قبل الاختلاط.
ورواه ابن خزيمة (1393)، والحاكم (1/ 329)، والطحاوي (1/ 329) من طريق سفيان الثوري عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن ابن عمرو.
وقال الحاكم: غريب صحيح، ووافقه الذهبي.
(1) في (ق) و (ك): "إذا".
(2) في المطبوع و (ك): "كإحدى".
(3) رواه أحمد (5/ 60، 61)، وأبو داود (1185، 1186) في (الصلاة): باب من قال أربع أربع، والنسائي (3/ 144 - 145) في صلاة الكسوف، والطبراني (18/ 375/ رقم 957، 958)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (3/ 122 رقم 1444)، وابن خزيمة (1402)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (2/ 342)، والطحاوي (1/ 331)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (4/ 2334 رقم 5739)، والبيهقي (3/ 334)، من طرق عن أبي قلابة عن قبيصة بن مُخارق الهلالي.
قال ابن خزيمة: "إنْ صحَّ الخبر"، وعلق شيخنا الألباني عليه بقوله:
"قلت: إسناده ضعيف، رجاله ثقات، لكنه معلول بعدم تصريح أبي قلابة بسماعه إياه من قبيصة أو النعمان، وفي سنده اضطراب، كما أشار إليه المصنف في الباب، وقد فصّلتُ ذلك في جزء عندي في صلاة الكسوف".
(4) في (ق) و (ك): "ولا".
(5) رواه البخاري (1051) في (الكسوف): باب طول السجود في الكسوف، ومسلم (910) في (الكسوف): باب ذكر النداء بصلاة الكسوف: "الصلاة جامعة".
(4/209)

الثاني: أن رواتها من الصحابة أكبر وأكثر وأحفظ وأجلّ من سَمُرة والنعمان بن بشير، فلا ترد روايتهم بها.
الثالث: أنها متضمنة لزيادة يجب الأخذ بها، وباللَّه التوفيق.

[الجهر في صلاة الكسوف]
المثال الحادي والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الجهر في صلاة الكسوف، كما في "صحيح البخاري" من حديث الأوزاعيّ، عن الزهري، أخبرني عُروة بن الزبير، عن عائشة: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قرأ قراءة طويلة يجهر بها في صلاة الكسوف" (1)، قال البخاري: تابعه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين عن الزهري -قلت: أما حديث سليمان بن كثير ففي "مسند أبي داود الطيالسي": حدثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن
__________
(1) الذي في "صحيح البخاري" (1065) من طريق ابن نَمِر عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة -رضي اللَّه عنها-: "جَهَر النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في صلاة الخسوف بقراءته. . . "، ورواه مسلم أيضًا (901) (5) ثم قال البخاري (1066): وقال الأوزاعي وغيره: سمعتُ الزهري عن عروة عن عائشة: "إن الشمس خسفت. . . "، وليس فيه الجهر بالقراءة من رواية الأوزاعي، كما قال المصنّف -رحمه اللَّه-.
والحديث وصله مسلم (901) (4) من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي به، وليس فيه الجهر بالقراءة أيضًا.
وعبد الرحمن بن نمر هذا الذي ذكر الجَهْر، فيه كلام فقد ضَعَّفه ابنُ معين وغيره.
أقول: وممن رواه عن الزهري بالجهر: سُليمان بن كثير، أخرجه أبو داود الطيالسي (1466)، وأحمد (6/ 76)، والبيهقي (3/ 336).
وسفيان بن حسين: أخرجه الترمذي (563)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 333)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
قلت: وفي رواية سفيان عن الزهري مقال، وقد أسهب المصنف في بيان ذلك في "الفروسية" (ص 241 - بتحقيقي).
وعقيل: أخرجه الطحاوي (3/ 333) من طريق ابن لهيعة عنه، وابن لهيعة ضعيف.
وإسحاق بن راشد: أخرجه الدارقطني (2/ 64)، والبيهقي (3/ 336)، وفيه راوٍ مجهول.
والأوزاعي: أخرجه أبو داود (1188)، والدارقطني (2/ 63 - 64)، والحاكم (1/ 334)، والبيهقي (3/ 336)، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (2/ 550): هذه طرق يعضد بعضها بعضًا يفيد مجموعها الجزم بذلك. وانظر: "بيان الوهم والإيهام" (2/ 306).
(4/210)

النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جهر بالقراءة في صلاة الكسوف (1) -، وقد تابعه عبد الرحمن بن نَمِر، عن الزهري، وهو في "الصحيحين"، أنه سمع ابن شهاب، يُحدِّث عن عروة، عن عائشة: "كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فبعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مناديًا أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فتقدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فكبّر وافتتح القرآن وقرأ قراءة طويلة يجهر بها" (2)، فذكر الحديث. قال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة -قلت: يريد قول سمرة: "صلى بنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في كسوف لم نسمع له صوتًا" (3) - وهو أصرح منه بلا شك، وقد تضمن زيادة الجهر، فهذه ثلاث ترجيحات.
__________
(1) رواه الطيالسي (رقم 714 - منحة المعبود)، ورواه أيضًا من نفس الطرق أحمد في "مسنده" (6/ 76)، والبيهقي (3/ 336)، وانظر ما كتبناه لزامًا في التعليق السابق.
(2) رواه البخاري (1065) في (الكسوف): باب الجهر بالقراءة في الكسوف، ومسلم (901) (5) في (الكسوف): باب صلاة الكسوف، وانظر أيضًا ما قدمناه قريبًا.
(3) رواه هكذا مختصرًا: أحمد في "مسنده" (5/ 14 و 19 و 23)، والترمذي (562): باب ما جاء في القراءة في الكسوف، والنسائي (3/ 148 - 149) في (الكسوف): باب ترك الجهر فيها بالقراءة، وفي "الكبرى" (1882)، وابن ماجه (1264) في (إقامة الصلاة): باب ما جاء في صلاة الكسوف، والطبراني (6796)، وابن حبان (2851)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 333) من طريق ثعلبة بن عباد عنه به.
وهذا إسناد ضعيف، وقد تقدم قبل قليل مطولًا عن سمرة.
وقد جمع ابن خزيمة، وابن حبان بين أحاديث الجهر، وهذا الحديث بأن سمرة كان في أخريات الناس بحيث لا يَسْمع صوت النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ويشهد لحديث سمرة هذا حديث ابن عباس: رواه أحمد (1/ 293 و 355)، وأبو يعلى (2745)، والطحاوي في "معاني الآثار" (1/ 332)، والبيهقي (3/ 335) من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عكرمة عن ابن عباس.
وقد رواه عن ابن لهيعة: ابنُ المبارك عند أحمد، وابن المبارك روايته عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، فهذا إسناد حسن، وشاهد جيد لحديث سمرة، وفيه: صلّيت خلف النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولعلّه يعكر على جمع ابن حبان، وابن خزيمة السابق؛ لأنه يبعد أن يكون كذلك بعيدًا.
بل رواه الطبراني في "الأوسط" (2700 و 9345) من طريق حفص بن عمر العَدَني عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، وقال: فكنت إلى جانب النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم أسمع القراءة.
لكن حفص ضعيف، والحكم فيه مقال كذلك.
* (تنبيه): ذكر الحافظ ابن حجر في "التلخيص" أن الطبراني رواه من طريق موسى بن عبد العزيز عن الحكم، ولم أجده هكذا لا في "المعجم" ولا في "مجمع البحرين".
وانظر: "شرح معاني الآثار" و"شرح السنة" (4/ 382).
(4/211)

[الرد على تخريجهم لحديث ابن عباس]
والذي ردت به هذه السنة المحكمة هو المتشابه من قول ابن عباس: "إنه صلّى الكسوف فقرأ نحوًا من سورة البقرة" (1)، قالوا: فلو سمع ما قرأ لم يُقَدِّره بسورة البقرة. وهذا يحتمل وجوهًا (2):
أحدها: أنه لم يجهر.
الثاني: أنه جهر، ولم يسمعه ابن عباس.
الثالث: انه سمع ولم يحفظ ما قرأ به فقدَّره بسورة البقرة، فإن ابن عباس لم يجمع القرآن في حياة النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإنما جمعه بعده.
الرابع: أن يكون نسي ما قرأ به وحفظ قدر قراءته، فقدرها ب[سورة] (3) البقرة، ونحن نرى الرجل ينسى ما قرأ به الإمام في صلاة يومه، فكيف يقدّم هذا اللفظ المجمل على الصريح المحكم الذي لا يحتمل إلّا وجهًا واحدًا؟

[رواية ترك الجهر بالبسملة عن أنس]
ومن العجب أن أنسًا روى ترك جهر النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (4)، ولم يصح عن صحابي خلافه، فقلتم: كان صغيرًا يصلّي خلف الصفوف فلم يسمع البسملة، وابن عباس أصغر سنًا منه بلا شك، وقدّمتم عدم سماعه للجهر على من سمعه صريحًا، فهلا قلتم: كان صغيرًا فلعله صلّى خلف الصف فلم يسمعه جهر؟ وأعجب من هذا قولكم: إن أنسًا كان صغيرًا لم يسمع (5) تلبية رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:
__________
(1) رواه البخاري (1052) في (الكسوف): باب صلاة الكسوف جماعة، ومسلم (907) في (الكسوف): باب ما عرض على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في صلاة الكسوف من أمر الجنّة والنار.
(2) انظرها أيضًا في: "معالم السنن" (1/ 702)، و"فتح الباري" (2/ 550)، و"عارضة الأحوذي" (3/ 42)، و"تحفة الأحوذي" (3/ 146)، و"المحلى" (5/ 102)، و"نصب الراية" (2/ 233)، و"السيل الجرار" (2/ 324)، وتعليقي على "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (2/ 51 مسألة رقم 378).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ن) و (ك).
(4) رواه البخاري (743) في (الأذان): باب ما يقول بعد التكبير، ومسلم (399) في (الصلاة): باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة، وانظر "الفتح" (فإنه هام)، و"مسألة التسمية" لابن طاهر القيسراني، و"الجهر بالتسمية" للخطيب، وطبع اختصاره للذهبي ضمن "ست رسائل" بتحقيق الشيخ جاسم الدوسري.
(5) في (ن) و (ق): "لم يحفظ".
(4/212)

"لبّيك حجًا وعمرة" (1)، وقدَّمتم قول ابن عمر عليه أنه أفرد الحجّ (2)، وأنس إذ ذاك له عشرون سنة، وابن عمر لم يستكملها وهو (3) بسن أنس، وقوله: "أفرد الحج"، مجمل، وقول أنس: "سمعته يقول لبيك عمرةً وحجًا"، محكم مبيّن صريح لا يحتمل غير ما يدل عليه، وقد قال ابن عمر: تمتع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج (4)، وبدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فقدَّمتم على حديث أنس الصحيح الصريح المحكم الذي لم يُختلف عليه فيه حديثًا ليس مثله في الصراحة [والبيان] (5)، ولم يذكر رواية لفظ النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد اختُلف عليه فيه.

[الاكتفاء بالنضح في بول الغلام]
المثال الثاني والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الاكتفاء في بول الغلام الذي لم يَطعم بالنضح دون الغسل، كما في "الصحيحين" [من حديث] (6) أم قيس: "أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حِجره، فبال عليه، فدعا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بماء فنضحه ولم يغسله" (7).
وفي "الصحيحين" أيضًا عن عائشة [رضى اللَّه عنها] (8) "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُؤتى بالصبيان فيبرِّك عليهم ويحنكهم (9)، فأُتي بصبي فبال عليه، فدعاء بماء فاتبعه ولم يغسله" (10). وفي "سنن أبي داود" عن لبابة (11) بنت الحارث قالت:
__________
(1) رواه مسلم (1251) في (الحج) باب إهلال النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(2) رواه مسلم (1231) في (الحج): باب الإفراد والقران بالحج والعمرة.
(3) في هامش (ق): "لعله: أو هو".
(4) رواه البخاري (1691) في (الحج): باب من ساق البدن معه، ومسلم (1227) في (الحج): باب وجوب الدم على المتمتع.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) بدله في المطبوع: "عن".
(7) رواه البخاري (223) في (الوضوء): باب بول الصبيان، و (5693) في (الطب): باب السعوط بالقسط الهندي والبحري، ومسلم (287) في (الطهارة): باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله.
(8) ما بين المعقوفتين زيادة من (ك) و (ق).
(9) "يدلك له حنكه" (و).
(10) رواه البخاري (222) في (الوضوء)، و (5468) في (العقيقة): باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعقّ عنه وتحنيكه، و (6002) في (الأدب): باب وضع الصبي في الحجر، و (6355) في (الدعوات): باب الدعاء للصبيان بالبركة، ومسح رؤوسهم، ومسلم (286) في (الطهارة).
(11) في جميع النسخ: "أمامة"، وصوابه ما أثبتناه كما في مصادر التخريج.
(4/213)

كان الحسين بن علي (1) في حجر النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فبال عليه، فقالت: الْبَس ثوبًا وأعطني إزارك حتى أغسله، فقال: "إنما يُغسل من بول الأنثى، ويُنضح من بول الذكر" (2)، وفي "المسند" وغيره عن عليّ -رضي اللَّه عنه- (3) قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بول الغلام الرضيع يُنضح، وبول الجارية يُغسل"، قال قتادة: هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلا جميعًا (4)، قال الحاكم أبو عبد اللَّه: هذا حديث صحيح الإسناد؛
__________
(1) في المطبوع بعده: "عليهما السلام".
(2) رواه أحمد (6/ 339)، وابن أبي شيبة (1/ 120)، وإسحاق بن راهويه في "المسند" (2274)، وأبو داود (375) في (الطهارة): باب بول الصبي يصيب الثوب -ومن طريقه البغوي (295)، والبيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 119/ ب) -، وابن ماجه (522) في (الطهارة): باب ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم، وابن خزيمة (282)، والطبراني في "الكبير" (25/ رقم 40)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 92)، والحاكم (1/ 166)، والبيهقي (2/ 414) من طريق أبي الأحوص عن سماك عن قابوس بن المخارق عن لبابة بنت الحارث أم الفضل به مرفوعًا.
وهكذا رواه أيضًا عن سماك:
إسرائيل، رواه إسحاق بن راهويه (2773)، وأبو يعلى (7074)، وأحمد (6/ 339).
ورواه عن سماك أيضًا هكذا: شريك، رواه الطحاوي (1/ 94).
ورواه الطبراني في "الكبير" (25/ رقم 38)، والبيهقي (4/ 414)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (4/ 1807 رقم 4570) من طريق علي بن صالح بن حي عن سماك عن قابوس بن أبي المخارق عن أبيه عن لبابة.
فزاد رجلًا في إسناده، وعلي هذا من الثقات، وتابعه عبد الملك بن حسين أبو مالك، رواه الطبراني في "الكبير" (25/ 38)، لكن عبد الملك هذا متروك.
قلت: هذا الاختلاف لا يبعد أن يكون من سماك بن حرب لأن في حديثه مقال، وهل أدرك قابوس لبابة هذه؟
نقل الحافظ في ترجمته أنه قدم مع محمد بن أبي بكر مصر في خلافة علي، ثم قال: فهو على هذا قديم لا يمتنع إدراكه لأم الفضل وحديثه عنها في "صحيح ابن خزيمة".
وللحديث طريقان آخران عن لبابة
الأول: طريق حماد بن سلمة عن عطاء الخراساني عنها.
رواه أحمد في "مسنده" (6/ 339)، والبيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 119/ ب)، ثم روى أحمد عن حماد قوله: قال حميد: كان عطاء يرويه عن أبى عياض عن لبابة، وعطاء صدوق يهم كثيرًا، ويرسل ويدلس كما قال ابن حجر.
الثاني: صالح أبو خليل عن عبد اللَّه بن الحارث عنها.
رواه أحمد أيضًا (6/ 340)، وإسناده صحيح.
(3) سقط من (ك) وفي المطبوع: "عليه السلام".
(4) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 76، 97 و 137)، وابنه في "زوائده على المسند" (1/=
(4/214)

فإن أبا الأسود الدؤلي صَحَّ سماعه من عليّ -رضي اللَّه عنه- (1)، وقال الترمذي: حديث حسن.
وفي "سنن أبي داود" من حديث أبي السَّمح خادم النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يُغسل من بول الجارية، ويُرش من بول الغلام" (2).
__________
= 137)، وأبو داود (378) في (الطهارة): باب بول الصبي يصيب الثوب، والترمذي (610) في (الصلاة): باب ما ذكر في نضح بول الغلام الرضيع، وابن ماجه (525) في (الطهارة): باب ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم، وابن المنذر في "الأوسط" (2/ 144) رقم (702)، والبزار (717)، وأبو يعلى (307)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 92)، وابن خزيمة (284)، وابن حبان (1375)، والدارقطني (1/ 129)، أو (رقم 461، 462 - بتحقيقي)، والحاكم (1/ 165 - 166)، والبيهقي (2/ 415)، وفي "الخلافيات" (1/ ق 120/ أ)، والبغوي في "شرح السنة" (296)، والذهبي في "السير" (13/ 115) من طريق معاذ وعبد الصمد عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي حرب بن الأسود عن أبيه عنه.
هكذا رواه معاذ وعبد الصمد عن قتادة به مرفوعًا.
قال الدارقطني في "العلل" (4/ 185): ووقفه غيرهما عن هشام.
ولم أجده من غير رواية هذين الاثنين ممن روياه عن هشام.
ورواه أبو داود (377)، ومن طريقه البيهقي (2/ 415)، وفي "الخلافيات" (1/ ق 120/ أ)، وابن المنذر في "الأوسط" (2/ 143 رقم 699) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به موقوفًا على عليّ.
ورواه ابن أبي شيبة (1/ 145)، وعبد الرزاق (1488) من طريق سعيد عن قتادة عن أبي حرب عن علي موقوفًا، فأسقط والد أبي حرب.
وذكلر الدارقطني في "علله" أن همامًا رواه أيضًا عن قتادة به موقوفًا.
ورواه البيهقي (2/ 415) من طريق مسلم بن إبراهيم عن هشام عن قتادة عن ابن أبي الأسود عن أبيه عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، مرسل.
والحديث قال عنه الترمذي: هذا حديث حسن، رفع هشام الدستوائي هذا الحديث عن قتادة، ووقفه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، ولم يرفعه. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (1/ 38): إسناده صحيح إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وفي وصله وإرساله وقد رجح البخاري صحته، وكذا الدارقطني.
وقال في "الفتح" (1/ 326): وإسناده صحيح، ورواه سعيد فوقفه، وليس ذلك بعلّة قادحة.
قلت: لم أجد تصريحًا للدارقطني بترجيح صحة الحديث لا في "السنن"، ولا في "العلل".
(1) في المطبوع: "عليه السلام".
(2) رواه أبو داود (376)، وابن ماجه (526)، والنسائي (1/ 158) في (الطهارة): باب بول =
(4/215)

وفي "المسند" من حديث أم كُرْز الخزاعية، قالت: أُتي النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بغلام فبال عليه فأمر به فنُضح، وأُتيَ بجارية فبالت عليه، فأمر به فغُسل (1)، وعند ابن ماجه: عن أم كُرْز الخزاعيّة أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "بول الغلام يُنضح، وبول الجارية يُغسل" (2).
وصح الإفتاء بذلك عن علي بن أبي طالب (3) وأم سلمة (4)، ولم يأت عن
__________
= الجارية، وفي "الكبرى" (287)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (469)، وابن خزيمة (283)، والدولابي في "الكنى" (1/ 37)، والطبراني في "الكبير" (22/ 958)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 166)، والدارقطني (1/ 130) أو (رقم 463 - بتحقيقي)، والبيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 120/ أ)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (5/ 2920 رقم 6840)، والمزي في "تهذيب الكمال" (33/ 384)، وصححه الحاكم.
قال الحافظ في "التلخيص" (1/ 38): قال البخاري: حديث حسن، وقال البزار وأبو زرعة: ليس لأبي السمح غيره، ولا أعرف اسمه، وقال غيره: يقال: اسمه إياد، وانظر "الفخر المتوالي" (رقم 162) للسخاوي، وتعليقي عليه.
(1) و (2) رواه أحمد في "مسنده" (6/ 422، 440، 464)، وابن ماجه (527) من طريق أبي بكر الحنفي عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أمِّ كُرْزٍ به.
والحديث عند أحمد من فعله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعند ابن ماجه من قوله، بالإسناد نفسه.
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 132): "هذا إسناد منقطع، عمرو بن شعيب لم يسمع من أم كُرْز".
لكن رواه عبد اللَّه بن موسى التيمي عن أسامة بن زيد فوصله وجعله من (مسند عبد اللَّه بن عمرو)، فقد أخرجه الطبراني في "الأوسط" (824) من طريقه عن أسامة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من فعل النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال الهيثمي في "المجمع" (1/ 285) "إسناده حسن".
أقول: عبد اللَّه بن موسى هذا كثير الأوهام، فأخشى أن يكون هذا من أوهامه، إذ سلك في حديث عمرو بن شعيب الجادة!! لأن الإسناد المشهور له عن أبيه عن جده وأبو بكر الحنفي أوثق من عبد اللَّه بن موسى بدرجات.
(3) مضى تخريجه ضمن حديثه المرفوع السابق عند المصنف، ووقع في المطبوع: "عن علي بن أبي طالب كرّم اللَّه وجهه في الجنّة".
(4) رواه أبو داود (379) -ومن طريقه البيهقي (2/ 416) - وفي "الخلافيات" (1/ ق 120/ أ)، وابن أبي شيبة (1/ 145)، وابن المنذر في "الأوسط" (2/ 143 رقم 700) من طريقين عن الحسن البصري عن أمّه عنها، وصححه البيهقي، وقال الحافظ في "التلخيص" (1/ 38): "وسنده صحيح".
ثم قال الحافظ: "ورواه البيهقي من وجه آخر عنها مرفوعًا، وصححه".
أقول: هو عنده من وجه آخر مرفوعًا، لكن البيهقي في "السنن الكبرى" لم يصححه =
(4/216)

صحابي خلافهما، فردَّت هذه السنن بقياس متشابه على بول الشيخ، وبعموم لم يرد به هذا الخاص، وهو قوله: "إنما يُغسل الثوب من أربع: من البول والغائط والمني والدم والقيء" (1)، والحديث لا يثبت، فإنه من رواية علي بن زيد بن
__________
= وإنما قال: "وهذا الحديث صحيح عن أم سلمة من فعلها"، ثم وجدته يقول في "الخلافيات" (1/ ق 120/ أ): "قد صح ذلك عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم عن عليّ بن أبي طالب وأم سلمة -رضي اللَّه عنهما-، ولا نعرف لهما من الصحابة مخالف".
(1) أخرجه أبو يعلى في "المسند" (3/ 185 - 186) (رقم 1611)، وعنه ابن عدي في "الكامل" (2/ 524 - 525) -ومن طريق ابن عدي البيهقي في "المعرفة" (2/ 245) (رقم 1263)، وابن الجوزي في "الواهيات" (رقم 542) - ثنا محمد بن أبي بكر ثنا ثابت بن حماد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عمّار به.
قال ابن عدي عقبه: "ولا أعلم روى هذا الحديث عن عليّ بن زيد غير ثابت بن حماد هذا!! "، وقال عن ثابت: "له أحاديث مناكير يخالف فيها الثقات، وهي مناكير ومقلوبات".
وتابع أبا يعلى: أحمد بن محمد بن عاصم.
أخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (1/ 176): ثنا أحمد بن محمد بن عاصم ثنا محمد بن أبي بكر به، وقال عن ثابت: "حديثه غير محفوظ، مجهول بالنقل".
وتابعه أيضًا: محمد بن حيان المازني، أخرجه من طريقه الطبراني في "الأوسط" (6/ 113 رقم 5963)، وداود بن محمد بن صالح المروزي، أخرجه من طريقه الطبراني وعنه أبو نعيم في "المعرفة" (4/ 2073 رقم 5214).
وتابع محمد بن أبي بكر المقدَّمي: إبراهيم بن زكريا أبو إسحاق الضرير.
أخرجه الدارقطني في "السنن" (1/ 127): ثنا أحمد بن علي بن العلاء ثنا محمد بن شوكر بن رافع الطوسي نا أبو إسحاق الضرير إبراهيم بن زكريا نا ثابت بن حماد به.
وقال عقبه: "لم يروه غير ثابت بن حماد؛ وهو ضعيف جدًا، وإبراهبم وثابت ضعيفان".
قلت: ومن أجلهما أورده الغساني في "تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني" (رقم 73).
وأخرجه البزار في "المسند" (رقم 248 - زوائده): ثنا يوسف بن موسى ثنا إبراهيم بن زكريا ثنا ثابت بن حماد -وكان ثقة!! - به.
وليس فيه (المني)، وإنما قال:
"إنما يغسل الثوب من الغائط والبول والقيء والدم".
وكذا وقع في نسختين صحيحتين منه؛ كما قال الزيلعي في "نصب الراية" (1/ 211)، وتعقب البيهقي في إيراده هذا الحديث فقال: "وكان البيهقي -رحمه اللَّه- توهم أن تشبيه النخامة في الحديث بالماء بالطهورية، وليس كذلك، إنما التشبيه في الطهارة، أي: النخامة طاهرة لا يغسل الثوب منها، وإنما يغسل من كذا وكذا، ولفظ الحديث يدلّ =
(4/217)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=عليه، إذ لا يلزم من نشبيه شيء بشيء استواؤهما من كل الوجوه، فصحَّ أنَّ ما قاله غير طاهرًا"، ونحوه عند شيخه ابن التركماني في "الجوهر النقي" (1/ 15).
قلت: قال البزار عقبه: "تفرّد به إبراهيم بن زكريا ولم يتابع عليه! وثابت بن حماد لا نعلم روى إلّا هذا".
قلت: أما القول عن ثابت: "وكان ثقة"، فنقله البزار عن شيخ شيخه إبراهيم بن زكريا وهو ضعيف؛ فلا يلتفت إلى قوله.
وقد تابع المقدَّمي وأبا إسحاق الضرير: إبراهيم بن عرعرة، كما عند ابن عدي في "الكامل" (2/ 524).
وقد تابع ثابتًا في روايته عن علي بن زيد: حماد بن سلمة!!
أخرجه الطبراني في "الكبير": ثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا علي بن بحر ثنا إبراهيم بن زكريا العجلي ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد به سندًا ومتنًا، كذا في "نصب الراية" (1/ 211).
وعزاه ابن حجر في "التلخيص الحبير" (1/ 23) من هذا الطريق للبزار أيضًا، وهو وهم!! إلا أنه قال عقبها:
"لكن إبراهيم ضعيف، وقد غلط فيه، إنما يرويه ثابت بن حماد".
قلت: ولذا قال الطبراني -فيما نقله ابن حجر نفسه-: "تفرد به ثابت بن حماد ولا يُروى عن عمار إلّا بهذا الإسناد".
وعزاه الهيثمي في "المجمع" (1/ 283) ل"الأوسط" للطبراني، وقال: "ومدار طرقه عند الجميع على ثابت بن حماد، وهو ضعيف جدًا".
ورواه أبو نعيم في "المعرفة"، (4/ 2073 رقم 5214) وضعَّفه بثابت، أفاده ابن حجر في "التلخيص الحبير" (1/ 33) والتضعيف غير موجود في مطبوع "المعرفة".
قلت: وهو عنده في "تاريخ أصبهان" (2/ 309)، وقال ابن حجر في "اللسان" (2/ 76): إن ثابتًا ترجمه الطوسي في "رجال الشيعة".
وأخرجه البيهقي في "الخلافيات" (1/ 147/ 16 - بتحقيقي)، وقال: "باطل، لا أصل له، إنما رواه ثابت بن حماد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عمار، وعلي بن زيد غير محتجّ به، وثابت متهم بالوضع".
وأعله أيضًا في "الكبرى" (1/ 14) بابن جدعان وثابت، واقتصر في "المعرفة" (2/ 245) على تضعيفه بثابت، وهو إعلال بالأعلى.
وقد تعقب ابن التركماني في "الجوهر النقي" (1/ 15) البيهقي بقوله عن ثابت:
"متهم بالوضع" فقال: "وثابت هذا قال عنه الدارقطني: ضعيف جدًا، وقال ابن عدي: أحاديثه مناكير ومقلوبات، وأمّا كونه متهمًا بالوضع فما رأيت أحدًا بعد الكشف التام ذكره غير البيهقي، وقد ذكر أيضًا هو هذا الحديث في كتاب "المعرفة" وقد ضعف ثابتًا هذا، ولم ينسبه إلى التهمة بالوضع". =
(4/218)

جدعان [عنه] (1) ثابت بن حماد، [قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن علي بن زيد غير ثابت بن حماد] (2)، وأحاديثه مناكير ومعلولات (3)، ولو صح وجب العمل بالحديثين، ولا يُضرب أحدهما بالآخر، ويكون البول فيه مخصوصًا ببول الصبي، كما خصّ منه بول ما يؤكل لحمه بأحاديث دون هذه في الصحة والشهرة.
__________
= قلت: ومن أجل مقولة البيهقي أودعه برهان الحلبي في "الكشف الحثيث عمَّن رمي بوضع الحديث" (رقم 181).
ونقل ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (1/ 315): أن أبا الخطاب -وهو الكلوذاني (ت 510) - قال في "الانتصار" (1/ 550) لما احتجّ عليه بهذا الحديث: "قلنا: هذا الخبر ذكر هبة اللَّه الطبري -وهو اللالكائي- أنه يرويه ثابت بن حماد، وأن أهل النقل اجمعوا على ترك حديثه".
وقال قبل ذلك: "وذكر شيخنا العلامة أبو العباس أن هذا الحديث كذب عند أهل المعرفة بالحديث".
قلت: قال أبو العباس ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (21/ 594): "أما حديث عمار بن ياسر فلا أصل له"!!
قلت: وعلي بن زيد غير محتج به -كما قال البيهقي-؛ فقد قال ابن معين في "تاريخه" (رقم 4699 - رواية الدوري): "ليس بحجة".
وقال علي بن المديني في "سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة" (رقم 21): "هو ضعيف عندنا".
وترجمه البخاري في "التاريخ الكبير" (3/ 2/ 275)، و"التاريخ الصغير" (1/ 318)، وقال أبو حاتم: "ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به"، وقال أبو زرعة: "ليس بقوي"، كذا في "الجرح والتعديل" (3/ 1/ 186) وفيه أيضًا تضعيفه عن أحمد، وأنه قال فيه: "ليس هو بالقوي"، وكان ابن عيينة يضعفه، وكان يحيى القطان يتقي الحديث عنه، وقال ابن خزيمة: "لا أحتجّ به لسوء حفظه"، وقال الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم 185): "واهي الحديث، ضعيف، وفيه ميل عن القصد، لا يحتجّ بحديثه"، وقال ابن حبان في "المجروحين" (3/ 103): "كان يهم في الأخبار، ويخطئ في الآثار، حتى كثر ذلك في أخباره، وتبين فيها المناكير التي يرويها عن المشاهير، فاستحق ترك الاحتجاج به".
وقال الزيلعي في "نصب الراية" (1/ 211) كأنه متعقب البيهقي!!: "وعلي بن زيد روى له مسلم مقرونًا بغيره، وقال العجلي: لا بأس به، وفي موضع آخر قال: يكتب حديثه، وروى له الحاكم في "المستدرك"، وقال الترمذي: صدوق"، ولخّص الحافظ حاله في "التقريب"، فقال: "ضعيف".
(1) في (ق) و (ك) و (د) و (ح) و (ط): "عن"! وهو خطأ؛ لأن ثابتًا يروي عن علي بن زيد، وليس شيخًا له؛ كما مرّ معك في تخريج الحديث.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) في مطبوع "الكامل": "ومقلوبات"، ومضت عبارة ابن عدي ضمن تخريج الحديث.
(4/219)

[جواز إفراد ركعة الوتر]
المثال الثالث والخمسون: رد السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بواحدة مفصولة، كما في "الصحيحين" عن ابن عمر أنه سئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن صلاة الليل فقال: "مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلَّى ركعة واحدة توتر له ما قد صلّى" (1)، وفي "الصحيحين" أيضًا من حديث عائشة: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلّي فيما بين أن يفرُغَ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلِّم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة" (2)، وفي "صحيح مسلم" عن أبي مِجْلَز قال: سألت ابن عباس عن الوتر، فقال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "ركعة من آخر الليل" (3)، وقد قال النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم" (4)، فإذا صلَّى القاعد ركعتين وجب بهذا النص أن تعدل صلاة القائم ركعة، فلو لم تصح لكانت صلاة القاعد أتمّ من صلاة القائم، والاعتماد على الأحاديث المتقدمة، وصح الوتر بواحدة مفصولة عن عثمان بن عفان (5)، وسعد بن أبي وقاص (6)،
__________
(1) رواه البخاري (472 و 473) في (الصلاة): باب الحلق والجلوس في المسجد، و (995 و 993) في (الوتر): باب ما جاء في الوتر، و (995) باب ساعات الوتر، و (1137) في (التهجد): باب كيف كانت صلاة النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومسلم (749) في (صلاة المسافرين): باب صلاة الليل مثنى مثنى.
(2) رواه البخاري في "الصحيح" (كتاب التهجد): باب طول السجود في قيام الليل (2/ 61 - 62/ 474)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب صلاة المسافرين): باب صلاة الليل، وعدد ركعات النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الليل، (1/ 508/ 736) من حديث عائشة.
(3) رواه مسلم في "الصحيح" (كتاب صلاة المسافرين): باب صلاة الليل مثنى مثنى (1/ 571/ 753) عن ابن عباس.
(4) رواه البخاري (1115) في (تقصير الصلاة): باب صلاة القاعد، و (1116) باب صلاة القاعد بالإيماء، من حديث عمران بن حصين.
ورواه مسلم (735) في صلاة المسافرين: باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا، من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص.
(5) رواه عبد الرزاق (4653 و 4654) من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عنه، قال الحافظ في "الفتح" (2/ 482): "إسناده صحيح"، وله طريق آخر عن عثمان في "سنن البيهقي، (3/ 25)، و"الخلافيات" له (1/ ق 171/ أ)، وقد خرجته في تعليقي على "الموافقات" (2/ 242).
(6) رواه البخاري (6356) في (الدعوات): باب الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رؤوسهم من حديث عبد اللَّه بن ثعلبة بن صُعير. =
(4/220)

وعبد اللَّه بن عُمر (1)، وعبد اللَّه بن عباس (2)، وأبي أيوب (3)، ومعاوية بن أبي سفيان (4)، وقال الحاكم أبو عبد اللَّه: ثنا عبد اللَّه بن سُليمان، ثنا أحمد بن صالح: ثنا عبد اللَّه بن وهب، عن سُليمان بن بلال، عن صالح بن كَيْسان، عن عبد اللَّه بن الفضل، عن الأعرج، وأبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا توتروا بثلاث تشبَّهوا بالمغرب، أوتروا بخمس أو سبع" (5)، رواه ابنُ حِبَّان والحاكم في "صحيحيهما"، وقال الحاكم: رواته كلهم ثقات، وله شاهد آخر بإسناد صحيح: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا طاهر بن عَمرو بن الرَّبيع بن طارق، ثنا أبي، ثنا الليث (6): ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عِرَاك بن مالك، عن أبي هريرة، فذكر
__________
= وله عنه طرق أيضًا في "مصنف عبد الرزاق" (3/ 22 و 23)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 192)، و"سنن الدارقطني" (2/ 27)، و"سنن البيهقي" (3/ 25)، و"الخلافيات" (1/ ق 171/ ب - 172/ أ).
(1) رواه مالك في "الموطأ" (1/ 125)، ومن طريقه البخاري (991) في (الوتر): باب ما جاء في الوتر.
وانظر أيضًا: "الموطأ"، و"مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 192)، و"سنن البيهقي" (3/ 26)، و"الخلافيات" (1/ ق 172/ أ - ب)، و"شرح معاني الآثار" (1/ 277، 279)، و"فوائد أبي علي الصواف" (رقم 9).
(2) روى البخاري (3764 و 3765) في (فضائل الصحابة): باب ذكر معاوية -رضي اللَّه عنه- عنه من طريق ابن أبي مليكة، قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: إنه فقيه.
وله سياق آخر في المصادر المذكورة من قبل، وانظر: "شرح معاني الآثار" (1/ 289)، و"الخلافيات" (1/ ق 172/ ب).
(3) رواه عبد الرزاق (4633)، والبيهقي (3/ 24) من طريق معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عنه، وإسناده صحيح.
وتابع معمرًا: عبد اللَّه بن هذيل الخزاعي، رواه البيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 172/ ب).
(4) مضى التعليق عليه في خبر ابن عباس.
(5) رواه الدارقطني (2/ 24 و 24 - 25 و 26 - 27) -من طريقه ابن الجوزي في "التحقيق" (3/ 175 رقم 764 - ط. قلعجي) - ومحمد بن نصر في "الوتر" (ص 129)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 292)، وابن حبان (2429)، والحاكم (1/ 304)، والبيهقي (3/ 31)، و"المعرفة" (4/ 72 رقم 5509) من طريق سليمان بن بلال به. وعبارة الحاكم في "المستدرك": "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
قلت: إنما هو على شرط مسلم فقط، وقال الدارقطني: "رواته ثقات".
(6) في المطبوع: "ثنا ابن أبي الليث"!!.
(4/221)

مثله سواء، وزاد: "أوتروا بخمس أو سبع أو تسع أو بإحدى عشرة ركعة أو أكثر من ذلك" (1)، فردَّت هذه السنن بحديثين باطلين وقياس فاسد:
أحدهما: "نَهى عن البتيراء" (2)، وهذا لا يعرف له إسناد لا صحيح ولا ضعيف، وليس في شيء من كتب الحديث المعتمد عليها، ولو صح فالبتيراء (3) صفة للصلاة [التي] (4) قد بُتر ركوعها وسجودها فلم يطمئن فيها.
الثاني: حديث يُروى عن ابن مسعود مرفوعًا: "وتر الليل ثلاث، كوتر النهار
__________
(1) رواه الحاكم (1/ 304)، والبيهقي (3/ 31 و 32)، وفي "الخلافيات" (1/ ق 174/ أ).
وقول المؤلف: "إسناده صحيح" فيه نظر، فإن طاهرًا هذا لم أجده وأظنه في عداد المجاهيل!
وذكره ابن يونس في "تاريخه"، كما في "توضيح المشتبه" (3/ 68) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، واقتصر على هذا الشيخ مقبل بن هادي في كتابه "رجال الحاكم في المستدرك" (1/ 428 - 429)، ورواه البيهقي (3/ 31 - 32) من طريق يحيى بن بكير عن الليث به، وجعله عن أبي هريرة قوله، وهذا أشبه، ويؤكده ما رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 292) من طريق بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن عراك عن أبي هريرة ولم يرفعه. دون قوله: "أو أكثر من ذلك"، وهذا أصح من الذي قبله.
(2) أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (13/ 452) عن عثمان بن محمد بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "نهى عن البتيراء -أن يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها-".
قال ابن عبد البر: "عثمان بن محمد بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم"، وبه أعلّه عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" (2/ 57)، وزاد ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (3/ 154) قوله: "والحديث من شاذ الحديث الذي لا يعرج على رواته ما لم تعرف عدالتهم، وعثمان واحد من جماعة فيه".
قلت: نعم، عثمان آفته، واضطرب فيه، فأخرجه الدارقطني في "غرائب مالك" -كما في "اللسان" (4/ 251 - 253) - عنه قال: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر رفعه، وتعقب ابن حجر ابن القطان، فانظر كلامه، وقال الذهبي في "تنقيح التحقيق" (3/ 172): "وذكروا في كتبهم. . . وذكره، فأين إسناده؟ ثم المروي عن ابن عمر أنه فسَّر البتيراء أن يصلي الرجل بركوع ناقص، وسجود ناقص". وانظر: "الاستذكار" (5/ 385)، و"نصب الراية" (2/ 120)، و"الدراية" (1/ 192)، وما تقدم يخالف قول المصنف الآتي عن هذا الحديث: "لا يعرف له إسناد لا صحيح، ولا ضعيف".
ووقع في المطبوع: "البتراء".
(3) في المطبوع: "فالبتراء".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(4/222)

صلاة المغرب" (1).
وهذا الحديث وإن كان أصلح (2) من الأول فإنه في "سنن الدارقطني"، فهو من رواية يحيى بن زكريا، قال الدارقطني: "يُقال له ابن أبي الحواجب، ضعيف، ولم يروه عن الأعمش مرفوعًا غيره"، ورواه الثوري في "الجامع" وغيره عن الأعمش موقوفًا على ابن مسعود (3)، وهو الصواب.
وأما القياس الفاسد فهو أن قالوا: رَأَيْنا المغرب وتر النهار، وصلاة الوتر وتر الليل، وقد شرع اللَّه سبحانه وتر النهار موصولًا فهكذا وتر الليل.

[الفرق بين وتر الليل ووتر النهار]
وقد صحت السنة بالفرق بين الوترين من وجوه كثيرة:
أحدها: الجمع بين الجهر والسر في وتر النهار دون وتر الليل.
الثاني: وجوب الجماعة أو مشروعيّتها فيه دون وتر الليل.
الثالث: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- فعل وتر الليل على الراحلة (4) دون وتر النهار.
__________
(1) رواه الدارقطني في "سننه" (2/ 28) -ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 174/ ب)، وابن الجوزي في "التحقيق" (3/ 171 رقم 761)، و"العلل المتناهية" رقم (773) - من طريق يحيى بن زكريا الكوفي ثنا الاعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي عن ابن مسعود به. وأعله الدارقطني كما ذكر ابن القيم، وقال البيهقي في "سننه" (3/ 31): وقد رفعه يحيى بن زكريا وهو ضعيف، وروايته تخالف رواية الجماعة عن الأعمش.
قلت: ممن رواه عن الأعمش موقوفًا: سفيان الثوري، أخرجه عبد الرزاق (4635)، -ومن طريقه الطبراني في "الكبير" (9419) - والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 294)، قال الهيثمي في "المجمع" (2/ 242): ورجاله رجال الصحيح.
ورواه أيضًا: شجاع بن الوليد، أخرجه الطحاوي (1/ 294).
ورواه أيضًا: ابن نمير، أخرجه البيهقي (3/ 30 - 31)، وانظر الطبراني (9420) و (9421)، والحديث المرفوع له شاهد من حديث عائشة: رواه ابن حبان في "المجروحين" (1/ 121)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (رقم 772)، و"التحقيق" (3/ 171 - 172 رقم 762)، وقال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح؛ قال يحيى: إسماعيل المكي ليس حديثه بشيء".
وإسماعيل هذا هو ابن مسلم.
(2) في المطبوع: "أصح".
(3) انظر التخريج السابق.
(4) مضى تخريجه.
(4/223)

[الرابع: أنه قال في وتر الليل: إنه ركعة واحدة (1) دون وتر النهار.] (2)
الخامس: أنه أوتر بتسع وسبع وخمس موصولة دون وتر النهار (3).
السادس: أنه نهى عن تشبيه وتر الليل بوتر النهار كما تقدم.
السابع: أن وتر الليل اسم للركعة وحدها، ووتر النهار اسم لمجموع صلاة المغرب كما في "صحيح مسلم"، من حديث ابن عمر وابن عباس أنهما سمعا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "الوتر ركعة من آخر الليل" (4).
الثامن: أن وتر النهار فرض ووتر الليل ليس بفرض باتفاق الناس.
التاسع: أن وتر النهار يُقضى بالاتفاق، وأما وتر الليل فلم يقم على قضائه دليل، فإن المقصود منه قد فات [فهو] (5) كتحية المسجد ورفع اليدين في محل الرفع والقنوت إذا فات، وقد توقف الإمام أحمد في قضاء الوتر، وقال شيخنا (6): لا يُقضى، لفوات المقصود منه بفوات وقته، قال: وقد ثبت عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان إذا منعه من قيام الليل نوم أو وجع صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعة (7)، ولم يذكر الوتر (8).
__________
(1) مضى تخريجه قريبًا.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) أوتر النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بتسع وسبع وخمس، موصولة، أما وتره بتسع ركعات: فرواه مسلم (746) من حديث عائشة، وقد ورد عنه صلاته سبع ركعات في حديث آخر لعائشة: رواه أحمد (6/ 53 - 54، 322)، وابن أبي شيبة (2/ 293)، والترمذي (457)، والنسائي (3/ 237، 243)، وفي "الكبرى" (رقم 1256)، وأبو عوانة (2/ 323 - 324)، وابن خزيمة (1078)، والحاكم (1/ 306)، والبغوي (962)، وهو صحيح، وأما وتره بخمس فثبت في "صحيح مسلم" (737) من حديث عائشة أيضًا.
وانظر: "زاد المعاد" (1/ 86)، و"بدائع الفوائد" (4/ 112).
(4) حديث ابن عمر في "صحيح مسلم" (752) في (صلاة المسافرين): باب صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل.
وحديث ابن عباس فيه رقم (753).
(5) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(6) انظر: "مجموع الفتاوى" (23/ 90 - 91) لشيخ الإسلام -رحمه اللَّه-.
(7) رواه مسلم (746) في (صلاة المسافرين): باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، من حديث عائشة.
(8) ورد ما قد يؤذن بالقول بجواز القضاء، وهو مذهب أهل الكوفة، وبه يقول سفيان الثوري انظر "مشكل الآثار" (11/ 353)، وذهب صاحب "بغية المتطوع" (ص 73 - 74) إلى التخيير بين هذا وما عند المصنف، واعتمد على حديث أبي سعيد: "من نام عن وتره أو =
(4/224)

العاشر: أن المقصود من وتر الليل جعل (1) ما تقدَّمه من الأشفاع كلها وترًا، وليس المقصود منه إيتار الشفع الذي يليه خاصة، وكان الأَقْيَس ما جاءت به السنّة أن يكون ركعة مفردة توتر جميع ما قبلها (2)، وباللَّه التوفيق.

[التنفل بعد الإقامة للصلاة المكتوبة]
المثال الرابع والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة أنه لا يجوز التنفل إذا أقيمت صلاة الفرض كما في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلّا المكتوبة" (3)، وقال الإمام أحمد في روايته: "إلّا التي أُقيمت" (4)، وفي "الصحيحين" عن عبد اللَّه بن مالك بن بُحَيْنَة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى رجلًا، وقد أقيمت الصلاة يُصلي ركعتين، فلما انصرف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لَاثَ به الناس، وقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الصبح أربعًا؟ الصبح أربعًا؟ " (5)، وفي "صحيح مسلم" عن عبد اللَّه بن سَرْجِس قال: دخل رجل المسجد ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في صلاة الصبح، فصلّى ركعتين قبل أنْ يصل إلى الصف، فلمَّا انصرف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له: "يا فلان بأي صلاتَيْك اعتددت؟ بالتي صَلَّيت وحدك أو بالتي صلّيت معنا؟ " (6)، وفي "الصحيحين" أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مَرَّ برجل، فكلّمه بشيء لا ندري ما هو، فلما انصرف أحطنا به نقول: ماذا قال لك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: قال لي: "يُوشك أن يصلِّي أحدكم الصبح أربعًا" (7)،
__________
= نسيه، فليصله إذا ذكره"، وهو محفوظ بلفظ: "فليصل إذا أصبح"، وهذه الصلاة هي عين الصلاة الواردة في حديث عائشة السابق، وانظر -بتأمل-: "جامع الترمذي" (465، 466)، و"العلل الكبير" (134) له.
(1) في (ك) و (ق): "فعل"، وقال في هامش (ق): "لعله: جعل".
(2) انظر: "زاد المعاد" (1/ 84).
(3) هو في "صحيح مسلم" رقم (710) في (صلاة المسافرين): باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن.
(4) رواية أحمد المشار إليها في "مسنده" (2/ 352).
(5) رواه البخاري في "الصحيح" (كتاب الأذان): باب إذا أقيمت الصلاة (1/ 166/ 663)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب صلاة المسافرين): باب كراهية الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن (1/ 493 - 494/ 711) من حديث عبد اللَّه بن مالك بن بُحَيْنة.
(6) رواه مسلم (712) في (كتاب صلاة المسافرين): باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن.
(7) هو بهذا اللفظ ليس في "الصحيحين"، بل هو في "صحيح مسلم" فقط (711 بعد 65)، وهو حديث عبد اللَّه بن مالك بن بُحَيْنَة.
(4/225)

وعند مسلم: أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رجلًا يصلّي والمؤذن يقيم الصلاة، فقال: "أتصلّي الصبح أربعًا؟ " (1)، وقال أبو داود الطيالسي في "مسنده": ثنا أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن ابن عباس قال: كنت أصلّي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني (2) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "أتصلِّي الصبح أربعًا" (3)، وكان عمر بن الخطاب إذا رأى رجلًا يصلي وهو يسمع الإقامة ضربه (4)، وقال حَمَّاد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أنه أبصر رجلًا يصلي الركعتين والمؤذن يقيم، فحَصَبَه، وقال: أتصلّي الصبح أربعًا؟ (5) فردت هذه السنن
__________
(1) رواه مسلم في "الصحيح" كتاب (صلاة المسافرين): باب كراهية الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن (1/ 494/ 711).
(2) في (ك): "فحدثني".
(3) هو في "مسند الطيالسي" (2736)، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (2/ 155)، وأحمد (1/ 238 و 355)، وأبو يعلى (2575)، وابن خزيمة (1124)، وابن حبان (2469)، والطبراني (11227)، والحاكم (1/ 307)، والبيهقي (2/ 482) من طرق عن أبي عامر الخَزَّاز به.
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وأبو عامر هذا هو صالح بن رستم، قال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتجّ به، وضعفه ابن معين، والدارقطني، ووثقه أبو داود والبزار وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن عدي: روى عنه يحيى القطان مع شدّة استقصائه، وهو عندي لا بأس به، ولم أرَ له حديثًا منكرًا جدًا.
وقد أخرج له مسلم، فمثله حسن الحديث.
ورواه البزار (518) من طريق يحيى القطان عن أبي عامر الخزاز عن أبي يزيد عن عكرمة عن ابن عباس به، وقال: "وقد رواه بعضهم عن ابن أبي مُلَيْكة عن ابن عباس، ولا نعلم رواه بهذا الإسناد إلّا يحيى عن أبي عامر".
وأظن أن هذا من أوهام أبي عامر هذا.
(4) رواه عبد الرزاق (3988) -ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (3/ 110) - عن الثوري عن جابر عن الحسن بن مسافر عن سويد بن غَفَلة قال: كان عمر يضرب على الصلاة بعد الإقامة، وجابر هو الجعفي: ضعيف، والحسن بن مسافر قال الشيخ أحمد شاكر: "لم أجد ذكره في شيء من الكتب".
وروى ابن أبي شيبة (2/ 77) انتهار عمر لمن يصلي والمؤذن يقيم، وفيه إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة وهو متروك.
(5) رواه البيهقي في "سننه" (2/ 483)، و"الخلافيات" (1/ ق 181/ أ) من طريق هدبة عن حماد به.
وصححه الحافظ ابن حجر في "الفتح" (2/ 150)، وانظر كلامه هناك.
(4/226)

كلها بما رواه الحب ج بن نصير المتروك (1)، عن عباد بن كثير، الهالك (2)، عن ليث، عن عطاء، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلّا المكتوبة"، وزاد: "إلا ركعتي الصبح" (3)، فهذه الزيادة كاسمها زيادة في الحديث لا أصل لها.
فإن قيل: فقد كان أبو الدرداء يدخل المسجد والناس صفوف في صلاة الفجر فيصلّي الركعتين في ناحية المسجد، ثم يدخل مع القوم في الصلاة (4)، وكان ابن مسعود يخرج من داره لصلاة الفجر ثم يأتي الصلاة فيصلّي ركعتين في ناحية المسجد ثم يدخل معهم في الصلاة (5).
__________
(1) انظر: "ميزان الاعتدال" (1/ 465).
(2) قال في "التقريب" (رقم 3139): "متروك، قال أحمد: روى أحاديث كذب".
(3) رواه البيهقي في "سننه الكبرى" (2/ 483)، و"الخلافيات" (1/ ق 181/ أ) من طريق حجاج به، وقال البيهقي: "لا أصل لها، وحجاج بن نصير، وعباد بن كثير ضعيفان"، وزاد في "الخلافيات": "وقد قيل عن الحجاج بإسناده عن مجاهد بدل عطاء، وليس بشيء"، وانظر تفصيل المسألة في "الخلافيات" (مسألة رقم 144 - بتحقيقي)، و"إعلام أهل العصر بأحكام ركعتي الفجر" (ص 131، وما بعد).
وفي (ك): "إلا ركعتي الفجر".
(4) روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (2/ 154) عن وكيع عن مِسْعَر عن الوليد بن أبي مالك (في "المصنف" أبي الوليد بن أبي مالك، وهو خطأ) عن أبي عبيد اللَّه عن أبي الدرداء قال: "إني لاجئ إلى القوم، وهم صفوف في صلاة الفجر، فأصلي الركعتين ثم أنضم إليهم".
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، أبو عبيد اللَّه هذا هو مُسْلم بن مِشْكَم كاتب أبي الدرداء.
ورواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 375)، والبيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 181/ أ) من طريق أبي معاوية عن مسعر عن عبيد بن الحسن عن أبي عبيد اللَّه بنحوه.
وروى عبد الرزاق (4020) نحوه عن أبي الدرداء، لكن فيه راوٍ مبهم.
(5) روى عبد الرزاق (4021 و 4022)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 374) من طريق أبي إسحاق عن عبد اللَّه بن أبي موسى قال: جاءنا ابن مسعود والإمام يصلي الفجر فصلّى ركعتين إلى سارية، ولم يكن صلّى ركعتي الفجر.
وقد روى عبد الرزاق الحديث في السند الأول عن أبي إسحاق مباشرة، وفي السند الثاني عن معمر عن أبي إسحاق، وهو الصواب؛ لأن أبا إسحاق هذا هو السبيعي لم يدركه عبد الرزاق.
وعبد اللَّه هذا هو أبو قيس، ويقال: ابن قيس، ويقال: ابن أبي موسى ثقة مخضرم، وأما محقق "المصنف" -رحمه اللَّه- فقال: لم أجده وأظنه أحد أولاد أبي موسى!! =
(4/227)

قيل: عمر بن الخطاب وابنه [عبد اللَّه] (1) في مقابلة أبي الدرداء وابن مسعود، والسنة سالمة لا معارض لها، ومعها أصح قياس يكون، فإن وقتها يضيق بالإقامة فلم يقبل غيرها بحيث لا يجوز لمن حضر أن يؤخرها ويصلّيها بعد ذلك، واللَّه الموفق (2).

[صلاة النساء جماعة]
المثال الخامس والخمسون: رد السنة الصحيحة المحكمة في استحباب صلاة النساء جماعة لا منفردات، كما في "المسند"، و"السنن" من حديث عبد الرحمن بن خَلَّاد عن أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنًا كان يؤذن لها، وأمرها أن تؤمَّ أهل دارها"، قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخًا كبيرًا (3)، وقال الوليد بن
__________
= وعلى كل حال فهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وأبو إسحاق السبيعي اختلط، ولم يذكروا أن معمرًا روى عنه بعد الاختلاط، وتابع معمرًا عليه: سفيان وزهير بن معاوية، عند الطحاوي.
وروى معناه ابن أبي شيبة (2/ 153) من طريق مطرف عن أبي إسحاق عن حارثة بن مُضَرِّب عن ابن مسعود.
وهذا إسناد صحيح أيضًا رجاله ثقات.
ورواه الطحاوي (1/ 375)، والبيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 181/ أ) من طريق أبي عبيدة عن عبد اللَّه، وهو منقطع.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 79).
(3) رواه ابن سعد في "الطبقات" (8/ 457)، وأحمد في "مسنده" (6/ 405)، والطبراني في "المعجم الكبير" (25/ 326)، والدارقطني (1/ 403 رقم 1490 - بتحقيقي)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 130)، وفي "دلائل النبوة" (6/ 381) من طريق الوليد بن عبد اللَّه بن جميع: حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت نوفل به.
ورواه أبو داود (592) في (الصلاة): باب إمامة النساء من طريق الوليد عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة.
ورواه أبو داود (591)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (3366 و 3367)، والطبراني في "الكبير" (25/ 327)، والحاكم (1/ 253)، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 333)، والبيهقي في "السنن" (3/ 130)، وفي "دلائل النبوة" (6/ 382) من طريق وكيع عن الوليد قال: حدثتني جدتي، وعبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت نوفل به.
قال الحاكم: قد احتج مسلم بالوليد بن جميع، وهذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثًا مسندًا غير هذا. =
(4/228)

جميع: حدثتني جدتي عن أم ورقة أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرها، أَو اذِنَ لها، أن تؤمَّ أهل دارها، وكانت قد قرأت القرآن على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (1)، وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن ميسرة أبي حازم، عن رائطة الحنفية أن عائشة -رضي اللَّه عنها- أمَّت نسوة في المكتوبة، فأَمَّتهن بينهن وسطًا (2)، تابعه ليث عن
__________
=أقول: وهذا الحديث له علتان:
الأولى: الاختلاف في إسناده، فقد روي كما ذكرنا، ورواه ابن السكن، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (6/ 3572 رقم 8062) من طريق الوليد عن جدته ليلى بنت مالك عن أمّها عن أم ورقة -كما في "الإصابة" (4/ 481) -.
وروي من طريق الوليد عن عبد الرحمن بن خلاد عن أبيه عن أم ورقة كما في "الإصابة"، و"تحفة الأشراف" (13/ 110).
الثانية: عبد الرحمن بن خلاد، وجدة الوليد، وهي ليلى بنت مالك؛ كلاهما مجهول، ولم يوثقهما إلّا ابن حبان كعادته.
(تنبيه): أم ورقة بنت نوفل هي نفسها أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث.
(تنبيه أخر): حسن شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- الحديث في "الإرواء" (رقم 493) ولم ينتبه للاختلاف الذي في إسناده، وساق المصادر سياقة واحدة دون تفريق أو تنبيه على الخلاف الذي فيها، وعزاه أيضًا لأبي القاسم الحامض في "المنتقى من حديثه" (ج 3/ 9/ 2)، وأبي علي الصواف في "حديثه" (89 - 91).
(1) هو مُخَرَّج مع الذي قبله.
(2) لم أجده في "المسند"، ولا في "أطرافه" (9/ 306 - 307)، وإنما رواه البيهقي (3/ 131) من طريق الامام أحمد به، ووجدته عنده في "العلل ومعرفة الرجال" (2/ 552 رقم 3611 - رواية عبد اللَّه)، ورواه عبد الرزاق (5086)، والدارقطني (1/ 404)، وابن حزم في "المحلى" (3/ 126) من طريق سفيان به.
وميسرة هذا هو ابن حبيب النهدي، أبو خازم.
قال النووي في "الخلاصة" (رقم 2357): إسناده صحيح، وانظر "نصب الراية" (2/ 30).
أقول: ورائطة الحنفية -وفي مصادر التخريج: ريطة- قال في "التقريب" (8592): "لا تعرف، من السادسة".
وذكره الحافظ في "التلخيص" (2/ 42) ساكتًا عليه!!
ورواه ابن أبي شيبة (1/ 536) من طريق علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن عائشة أنها كانت تؤم النساء تقوم معهنّ في الصف.
وهذا إسناد ضعيف، لضعف ابن أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن. وعطاء هو ابن أبي رباح.
وابن أبي ليلى توبع، تابعه ليث بن أبي سُلَيْم.
أخرجه الحاكم (1/ 203)، والبيهقي (3/ 131) من طريق عبد اللَّه بن إدريس عنه، وليث ضعيف. =
(4/229)

عطاء، عن عائشة (1)، وروى الشافعي عن أم سلمة أنها أمَّت نساء فقامت وسطهنّ (2)، ولو لم يكن في المسألة إلّا عموم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تفضلُ صلاة الجماعة على صلاة الفَذِّ (3) بسبع وعشرين درجة" (4)، لكفى.
وروى البيهقي من حديث يحيى بن يحيى: أنا ابن لهيعة، عن الوليد بن أبي الوليد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا خير في جماعة النساء إلّا في صلاة أو جنازة" (5)، والاعتماد على ما تقدم، فردّت هذه
__________
= (تنبيه): عزا الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (2/ 42) الحديث للحاكم من طريق ابن أبي ليلى، وإنما هو فيه من طريق ليث بن أبي سُلَيْم كما ذكرت.
ورواه عبد الرزاق (5087) -ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (3/ 127) - من طريق يحيى بن سعيد عن عائشة وهو منقطع.
ووصله ابن حزم في "المحلى" (3/ 126) من طريق يحيى القطان عن زياد بن لاحق عن تميمة بنت سلمة عن عائشة أنها أمّت نساء في الفريضة في المغرب، وقامت وسطهنّ، وجهرت بالقراءة، وإسناده ضعيف.
ورواه محمد بن الحسن في كتابه "الآثار" (1/ 603 رقم 217)، وكما في "نصب الراية" (2/ 31) عن أبي حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أن عائشة كانت تؤتم النساء. . .
وإبراهيم لم يسمع من عائشة.
(1) مُخرّج في الذي قبله.
(2) رواه الشافعي في "مسنده" (1/ 157)، و"الأم" (1/ 164) -ومن طريقه البيهقي (3/ 131) -، وابن أبي شيبة (1/ 536)، وابن سعد (8/ 484) عن سفيان بن عيينة، ورواه عبد الرزاق (5082) -ومن طريقه الدارقطني (1/ 455 رقم 1492 - بترقيمي) وابن حزم في "المحلى" (3/ 127) - عن سفيان الثوري كلاهما عن عمار الدهني عن حُجيرة عن أم سلمة به.
قال النووي في "الخلاصة": إسناده صحيح.
أقول: حُجيرة ترجمها ابن سعد (8/ 484) ولم يذكر فيها جرحًا ولا تعديلًا.
ورواه ابن أبي شيبة (1/ 536)، وابن حزم في "المحلى" (3/ 127) من طريق قتادة عن أم الحسن أنها رأت أم سلمة تقوم معهن في صفهنّ.
وهذا إسناد صحيح، أم الحسن هي خيرة من الثقات.
(3) قال (د): "الفذ -بفتح الفاء، آخره ذال معجمة- المنفرد"، وبنصه في (و).
(4) رواه البخاري (645) في (الأذان): باب فضل صلاة الجماعة، و (649) في (فضل صلاة الفجر في جماعة)، ومسلم (650) في (المساجد): باب فضل صلاة الجماعة، من حديث ابن عمر.
(5) رواه أحمد في "مسنده" (6/ 66 و 154) -ومن طريقه ابن الجوزي في "الواهيات" (رقم 1500) =
(4/230)

السنن بالمتشابه من قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لن يفلح قوم وَلّوا أمرهم امرأة" (1)، وهذا إنما هو في (2) الولاية والإمامة العظمى والقضاء، وأما الرواية والشهادة والفُتْيا والإمامة فلا تدخل في هذا.
والعجب (3) أنَّ من خالف هذه السنة جَوَّز أن تكون قاضية تلي أمور المسلمين، فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم ولم تفلح أخواتها من النساء إذا أمَّتهن؟.

[التسليم من الصلاة مرة أو مرتين]
المثال السادس والخمسون: رد السنة (4) الصحيحة الصريحة المحكمة عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- التي رواها عنه خمسة عشر نفسًا من الصحابة "أنه كان يسلّم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه" (5)،
__________
= -والطبراني في "الأوسط" رقم (9359) من طريق ابن لهيعة به ولفظه: "لا خير في جماعة النساء إلّا في المسجد أو جنازة قتيل".
وعند الطبراني: "إلا في مسجد جماعة".
قال الهيثمي في "المجمع" (2/ 33): "وفيه ابن لهيعة وفيه كلام".
وفي الباب عن عبادة بن الصامت، عند الطبراني من طريق يحيى بن إسحاق عنه، ويحيى لم يدرك عبادة، وبقية رجاله رجال الصحيح، قاله الهيثمي أيضًا (10/ 77 - 78).
وعن ابن عمر عند الطبراني (12/ 317 رقم 13228) بلفظ: "لا خير في جماعة النساء، ولا عند ميت، فإنهن إذا اجتمعن قلن قلن"، وفيه الوازع بن نافع، ضعيف، قاله الهيثمي (3/ 26).
(1) رواه البخاري (4425) في (المغازي): باب كتاب النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى كِسْرى وقيصر، و (7099) في (الفتن): باب رقم (18)، من حديث أبي بكرة.
(2) في بعض النسخ: "إنما ورد في".
(3) في المطبوع و (ن): "ومن العجب".
(4) في (ق): "السنن".
(5) ذكر ابن القيم أن جمعًا من الصحابة رووا عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تسليمتين في الصلاة من هؤلاء سعد بن أبي وقاص، روى حديثه مسلم (582) في (المساجد): باب السلام للتحليل من الصلاة عند فراغها وكيفيته.
ومنهم ابن مسعود: روى حديثه أبو داود (996) في (الصلاة)، والنسائي (2/ 230)، و (3/ 63 و 64)، والترمذي (295)، وابن ماجه (914) ولفظه: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسلّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة اللَّه، وعن يساره مثل ذلك"، وأصله في "صحيح مسلم" (581) فيه ذكر التسليمتين فقط.
وذكر هؤلاء العشرة البزار في "مسنده" (ق 187). =
(4/231)

منهم عبد اللَّه بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن سَمُرة، وأبو موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وعبد اللَّه بن عمر، والبراء بن عازب، ووائل بن حُجْر، وأبو مالك الأشعري، وعَدي بن عَميرة (1) الضَّمري، وطلق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو رِمْثَة، والأحاديث بذلك ما بين صحيح وحسن (2)، فرد ذلك بخمسة أحاديث مختلف في صحّتها.
أحدها: حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يسلم تسليمة واحدة" (3)، رواه الترمذي.
__________
= وانظر باقي أحاديث الصحابة في هذا في "الخلافيات" للبيهقي (مسألة 126 - بتحقيقي)، و"نصب الراية" (1/ 431 - 433)، و"التلخيص الحبير" (1/ 271)، وهي متواترة، ذكرها السيوطي في "قطف الأزهار المتناثرة" (ص 104)، والزبيدي في "لقط اللآلئ المتناثرة" (ص 111)، وانظر "التمهيد" (19/ 189 - 190)، و"الأوسط" لابن المنذر.
(1) في (ن): "عمرة"!.
(2) انظر: "بدائع الفوائد" (2/ 195)، و"زاد المعاد" (1/ 66 - 67)، و"تهذيب السنن" (1/ 51 - 52)، والأحاديث المذكورة في "الخلافيات" (مسألة رقم 126)، وجلّها في "شرح معاني الآثار" (1/ 266 وما بعد) للطحاوي.
(3) رواه الترمذي (296) في (الصلاة): باب منه -يعني مما جاء في التسليم في الصلاة-، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 270)، وابن حبان (1995)، وابن خزيمة (729)، والطبراني في "الأوسط" (رقم 970 - ط. الحرمين)، وابن المنذر في "الأوسط" (3/ 220)، وابن عدي (3/ 1075)، والحاكم (1/ 235)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 179)، و"الخلافيات" (1/ ق 111/ أ)، والدارقطني (1/ 357 - 358) أو (رقم 1337 - بتحقيقي)، وابن الجوزي في "التحقيق" (9/ 352 - 360 رقم 621 - ط قلعجي)، كلهم من طريق عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد عن هشام بن عروة به.
قال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل: زهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق عنه أشبه.
أقول: وهذه من رواية أهل الشام إذ إن عمر بن أبي سلمة دمشقي.
وعمر هذا مُتابع، فقد تابعه عبد الملك بن محمد الصَّنْعَاني، رواه ابن ماجه (919) في (الإقامة): باب من يسلم تسليمة واحدة، والطبراني في "الأوسط" (6746 - ط. الحرمين)، وابن عدي في "الكامل" (4/ 1075).
وفي المطبوع من "سنن ابن ماجه" وقعت نسبته الصغَّاني، وهذا خطأ، كما هو في كتب الرجال، وهو صنعاني من صنعاء دمشق!! وهو ضعيف والراوي عنه هشام بن عمار له أخطاء أيضًا.
وقد أعلّ هذا الحديث الطحاوي والدارقطني والترمذي والبزار وأبو حاتم وابن عبد البر =
(4/232)

والثاني: حديث عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدي، عن مصعب بن ثابت، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد، [عن سعد] (1) "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان. في آخر الصلاة تسليمة واحدة: السلام عليكم" (2).
الثالث: حديث عبد المهيمن بن عَبَّاس، عن أبيه، عن جده أنه سمع
__________
= وغيرهم أعلّوه بالوقف. انظر: "الاستذكار" (2/ 214)، و"نصب الراية" (1/ 433)، و"التلخيص الحبير" (1/ 270)، و"تنقيح التحقيق" (2/ 922)، وكلام المصنف الآتي. وأما الحاكم -فكعادته- صححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي!!
وزهير له متابعة في "مسند بقي بن مخلد" كما في "التلخيص الحبير" (1/ 270)، فقد تابعه عاصم.
قال ابن حجر: وعاصم عندي هو ابن عمر وهو ضعيف، وهم من زعم أنه ابن سليمان الأحول.
والرواية الموقوفة على عائشة في هذا عند ابن أبي شيبة (1/ 301)، وابن خزيمة (730 و 732)، وابن المنذر في "الأوسط" (3/ 222 رقم 1549)، والحاكم (1/ 231)، والبيهقي (2/ 179) من طريق عبيد اللَّه بن عمر عن القاسم عنها، وهذا إسناد على شرط الشيخين.
أقول: ذكر الحافظ في "التلخيص" حديثًا عن عائشة في وتر النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بتسع لا يقعد إلّا في الثامنة ثم يصلي التاسعة. . . ثم يسلم تسليمة.
وعزاه لابن حبان في "صحيحه"، وأبي العباس السراج في "مسنده" من طريق زرارة بن أوفى عن سعيد بن هشام عنها.
لكن لم أجد هذا في "صحيح ابن حبان"، بل وجدت فيه (2442) من الطريق نفسه أنه كان يُسلّم تسليمًا يسمعناه، وهو في "صحيح مسلم" (746) كذلك "تسليمًا"، وكذا هو في "سنن النسائي" (3/ 241).
لكن الحديث في "مسند أحمد" (6/ 236) من الطريق نفسه -أي طريق زرارة-، ولكنه ورد بلفظ: "يسلم تسليمة واحدة. . . " وسنده صحيح.
وفي الباب عن جماعة كما سيأتي عند المصنف قريبًا.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 266) من طريق الدَّرَاوَرْدي به.
ورواه أصحاب مصعب بن ثابت الثقات منهم ابن المبارك، رووه بتسليمتين، رواه ابن خزيمة (727)، وابن حبان (1992)، والبيهقي في "السنن" (2/ 178)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 267)، وأحمد (1/ 180 و 181)، وابن ماجه (915).
ورواه أيضًا غير مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن محمد به بتسليمتين، رواه مسلم (582) وغيره.
وانظر -غير مأمور- "مسند سعد بن أبي وقاص" للدورقي (رقم 22)، و"الاستذكار" (4/ 292).
(4/233)

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسلم تسليمة واحدة لا يزيد عليها، رواه الدارقطني (1).
الرابع: حديث [روح بن] (2) عطاء بن أبي ميمونة، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة بن جندب: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسلِّم [مرة] (3) واحدة في الصلاة قِبَل وجهه، فإذا سَلَّم عن يمينه سَلَّم عن يساره"، رواه الدارقطني (4).
__________
(1) في "السنن" (1/ 359) أو (رقم 1339، 1340 - بتحقيقي) -ومن طريقه ابن الجوزي في "التحقيق" (2/ 360 رقم 622 - ط. قلعجي) - وهو أيضًا في "سنن ابن ماجه" (918) في (إقامة الصلاة): باب من يسلم بتسليمة واحدة.
قال البوصيري (1/ 185): إسناده ضعيف، عبد المهيمن قال فيه البخاري: منكر الحديث.
أقول: فمثله ضعيف جدًا، قال ابن عدي في "الكامل" (5/ 1982): له قدر عشرة أحاديث أو أقل.
وكلها بهذا الإسناد.
ولسهل بن سعد حديث في التسليمتين: رواه أحمد في "سنده" (5/ 338) وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف.
وفي (ق): "ابن عياش".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من النسخ كلها، وأثبته من مصادر التخريج. وتابع المصنف عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" (2/ 217) في هذا الإسقاط وتعقّبه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (2/ 22) فقال: "جعله من حديث عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه وحفص وليس كذلك. وإنما هو من رواية روح بن عطاء قال: حدثني أبي وحفص المنقري".
قلت: وهذا التعقب يلحق المصنف أيضًا، فتأمّل.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) رواه الدارقطني (1/ 358 - 359) أو (رقم 1338 - بتحقيقي) -ومن طريقه ابن الجوزي في "التحقيق" (2/ 361 رقم 623) - وابن عدي في "الكامل" (3/ 1001 و 5/ 2005)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 179)، و"الخلافيات" (1/ ق 111/ أ) من طريق نعيم بن حماد وأبي كامل الجحدري كلاهما عن روح بن عطاء بن أبي ميمونة به.
وضعّفه ابن عدي بعطاء، وقال: وابنه روح بن عطاء في حديثه بعض ما ينكر، قال هذا في ترجمة عطاء، وذكر الحديث هنا مختصرًا ولفظه: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يسلم تسليمة تلقاء وجهه".
أقول: عطاء هذا وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وابن حبان ويعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم: صالح لا يحتجّ بحديثه وكان قدريًا.
وأبو حاتم متشدّد، وكأنه غمز الرجل لكونه قدريًا.
وعطاء قد روى له البخاري ومسلم، والعجب أن الحافظ الزيلعي قد ذكر تضعيف ابن عدي لعطاء هذا ساكتًا عليه (1/ 434). =
(4/234)

الخامس: حديث يحيى بن راشد، عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع، [عن سلمة] (1) قال: رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسلّم مرة واحدة (2).
وهذه الأحاديث لا تقاوم تلك ولا تقاربها حتى تُعارض بها.
أمّا حديث عائشة فحديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث، قال البخاري (3): "زهير بن محمد أهل الشام يروون [عنه] (4) مناكير"، وقال يحيى (5):
__________
= ثم هو مُتابع في "كامل ابن عدي"، حيث تابعه حفص المنقري، وحفص هذا من الثقات.
وأما روح فنقل ابن عدي -وأورد حديثه هكذا: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسلم في الصلاة تسليمة قبالة وجهه، فإذا سلم عن يمينه سلم عن يساره"- عن ابن معين أنه قال فيه: ضعيف، وعن أحمد أنه قال: منكر الحديث، وذكر فيه -كما ترى- ثلاث تسليمات، قاله ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (2/ 23) وسيأتي نقل المصنف اقوال أئمّة الجرح والتعديل فيه.
وللحديث علة أخرى أيضًا، وهي سماع الحسن من سمرة، إلا أن يكون كتابًا، وقد سبق احتجاج المصنف به.
وانظر: "الأحكام الوسطى" لعبد الحق الإشبيلي (1/ 413 - 414).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من النسخ كلها، وأثبته من مصادر التخريج.
(2) رواه ابن ماجه (920)، والطبراني في "الكبير" (6285) -ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (31/ 302)، وابن الجوزي في "التحقيق" (2/ 361 - 362 رقم 624) - والبيهقي (2/ 179) من طريق يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع عن سلمة به.
قال البوصيري (1/ 185): هذا إسناد ضعيف لضعف يحيى بن راشد. وسيأتي نقل المصنف أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه، وخولف، خالفه أنس بن عياض، ووقفه على سلمة، أخرجه ابن المنذر في "الأوسط" (3/ 223 رقم 1550).
وانظر "مرويات الصحابي سلمة بن الأكوع" (ص 127 - 132).
(3) في "التاريخ الكبير" (3/ 427)، و"التاريخ الأوسط" (2/ 112 - رواية الخفاف)، -والمذكور لفظه- وانظر: "تهذيب الكمال" (9/ 418).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع، وقبله فيه وفي (ق) و (ن) و (ك): "يروى"، والتصويب من "سنن الترمذي" والمصادر السابقة.
(5) قال في رواية معاوية بن صالح عنه: "ضعيف"، كذا في "الكامل" (3/ 1073)، وقال عباس الدوري في "تاريخه" (2/ 176) عنه: "ثقة". وكذا قال عثمان بن سعيد الدارمي في "تاريخه" (رقم 345)، وقال في موضع آخر (رقم 343): "وليس به بأس"، وهو ما قاله ابن الجنيد في "سؤالاته" (رقم 564)، وابن طهمان في "كلام ابن معين في الرجال" (رقم 9)، وقال ابن أبي خيثمة عنه: "صالح"، كذا في "الجرح والتعديل" (3/ رقم 2675).
(4/235)

ضعيف. والحديث من رواية عمرو بن أبي سلمة عنه، قال الطحاوي (1): "هو وإن كان ثقة فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تضعف جدًا، هكذا (2) قال يحيى بن معين فيما حَكَى لي عنه غير واحد من أصحابنا منهم علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، وزعم أن فيها تخليطًا كثيرًا"، قال: "والحديث أصله موقوف على عائشة، هكذا رواه الحفاظ".
فإن قيل: فإذا ثبت ذلك عن عائشة فبمن تعارضها في ذلك من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟.
قيل له (3): بأبي بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب (4)، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمار بن ياسر، وسهل بن سعد الساعدي، وذكر الأسانيد عنهم بذلك".
ثم قال (5): "فهؤلاء أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أبو بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وعَمَّار ومن ذكرنا معهم يسلمون عن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا ينكر ذلك عليهم غيرهم، على قرب عهدهم برؤية رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وحفظهم لأفعاله، فما ينبغي لأحد خلافه لو لم يكن رُوي في ذلك عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-[شيء]، فكيف وقد روي عنه ما يوافق فعلهم؟ ".
وأمّا حديث سعد بن أبي وقاص فحديثٌ معلول، بل باطل، والدليل على بطلانه أن الذي رواه هكذا الدراوردي خاصة، وقد خالف في ذلك جميع من رواه عن مصعب بن ثابت كعبد اللَّه بن المبارك، ومحمد بن عمرو، ثم قد رواه إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد كما رواه الناس: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسلِّم عن يمينه حتى يُرى بياض خَدِّه، وعن يساره حتى يُرى بياض خدّه"، رواه مسلم في "صحيحه" (6).
__________
(1) في "شرح معاني الآثار" (1/ 270).
(2) كذا في (ق) وعند الطحاوي، وفي سائر النسخ: "وهكذا".
(3) في (ن): "قال: قيل له".
(4) بعده في المطبوع قال: "عليهم السلام".
(5) أي الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 270 - 271)، وما بين المعقوفتين منه.
(6) (كتاب المساجد): باب اللام للتحليل من الصلاة عند فراغها وكيفيته (1/ 409/ رقم 582).
وانظر لتمام التخريج وتفصيله "مسند سعد بن أبي وقاص" للدورقي (رقم 22) مع التعليق عليه، وما قدمناه قريبًا.
(4/236)

فقد صحَّ رواية سعد "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سَلَّم تسليمتين" (1)، ومعه من ذكرنا من الصحابة، وبان بذلك بطلانُ رواية الدراوردي.
وأمّا حديث عبد المهيمن بن عَبَّاس (2) بن سهل، عن أبيه، عن جده فقال الدارقطني (3): "عبد المهيمن ليس بالقوي"، وقال ابن حبان (4): بطل الاحتجاج به.
وأما حديث عطاء بن أبي ميمونة، عن أبيه (5)، عن الحسن فمن رواية روح ابنه عنه، قال الإمام أحمد (6): منكر الحديث، وتركه يحيى (7).
وأما حديث يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة فقال يحيى [بن معين] (8): يحيى بن راشد ليس بشيء (9)، وقال النسائي (10): ضعيف.
وقال أبو عمر بن عبد البر (11): رُوي عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- "أنه كان يسلم تسليمة واحدة"، من حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث عائشة، ومن حديث أنس (12)، إلّا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث؛ لأن حديث سعد
__________
(1) رواه مسلم (582) في (المساجد): باب السلام للتحليل من الصلاة.
(2) في (ق) و (ك): "بن عياش".
(3) في "سننه" (1/ 359).
(4) في "المجروحين" (2/ 148)، وانظر "الميزان" (2/ 671).
(5) كذا في الأصول، والصواب "حديث روح بن عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن" كما قدمناه سابقًا.
(6) في "العلل" رواية عبد اللَّه (3926).
(7) وقال ابن معين في رواية (الدوري) (2/ 169) "ضعيف"، وانظر "الميزان" (2/ 60).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) كذا نقله المزي في "تهذيب الكمال" (31/ 301) عن عباس الدوري عنه، وفي "تاريخ الدوري" (2/ 642): "يحيى بن راشد كان في مجلس معتمر، وكان يروي عن الجريري".
(10) لم يترجم له في "ضعفائه"، ولا ذكره صاحب "المستخرج"، فيستدرك عليه، وهو في "الميزان" (4/ 373). وانظر "تهذيب الكمال" (31/ 299 - 302).
(11) في "الاستذكار" (4/ 291)، وبنحوه في "التمهيد" (16/ 181).
(12) أخرجه البزار (566 - زوائده)، والطبراني في "الأوسط" (8473)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 179)، وفي "الخلافيات" (1/ ق 111/ أ) من طريق عبد اللَّه بن عبد الوهاب الحجبي عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن حميد عن أنس رفعه ولفظه: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر وعمر -رضي اللَّه عنهما- يفتتحون القراءة بالحمد للَّه رب العالمين، ويسلّمون تسليمة. . . " وبعضهم اختصره.
قال ابن حجر في "الدراية" (ص 90): "ورجاله ثقات"، وصححه شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "السلسلة الصحيحة" (رقم 316) و"الإرواء" (2/ 34).
(4/237)

أخطأ فيه الدراوردي، فرواه على غير ما رواه الناس بتسليمة واحدة، وغيره يروي فيه بتسليمتين، ثم ذكر حديثه عن مصعب بن ثابت "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة" (1)، ثم قال: وهذا وهم عندهم وغلط، وإنما الحديث كما رواه ابن المبارك وغيره عن مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه "كان يسلم عن يمينه وعن يساره" (2)، وقد روي هذا الحديث بالتسليمتين من طريق مصعب، ثم ساق طرقه بالتسليمتين عن سعد، ثم ساق من طريق ابن المبارك عن مصعب، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: "رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسلم عن يمينه وعن شماله، وكأني أنظر إلى صفحة خدّه" (3)، فقال الزهري: ما سمعنا هذا من حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال له إسماعيل بن محمد: أكلّ حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سمعت؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال: لا، قال: فاجعل هذا في النصف الذي لم تسمع.
قال (4): وأما حديث عائشة -رضي اللَّه عنها- "أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يسلم تسليمة واحدة" (5)، فلم يرفعه أحد إلّا زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة، رواه عنه عمرو بن أبي سلمة [وغيره]، وزهير بن محمد ضعيف عند الجميع كثير الخطأ لا يحتجّ به، وذكر ليحيى (6) بن معين هذا الحديث فقال: عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان لا حجة فيهما.
__________
= وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح"، وقال: "ذكرته لأجل التسليمة، وباقيه في الصحيح". وانظر: "نصب الراية" (1/ 433 - 434).
ورواه ابن أبي شيبة (1/ 301) من طريق أبي خالد الأحمر، وابن المنذر في "الأوسط" (3/ 222 رقم 1546) من طريق عبد اللَّه بن بكر كلاهما عن حميد: صلّيت مع أنس، فكان يسلم تسليمة واحدة، وهذا موقوف، ولعلّه أشبه.
(1) مضى تخريجه سابقًا.
(2) هو تابع للحديث السابق، ورواية ابن المبارك عن مصعب، أخرجها الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 267)، وابن خزيمة (727)، والبيهقي في "السنن" (2/ 178) ورواه جماعة عن مصعب أيضًا.
فقد أخرجه أحمد في "مسنده" (1/ 180 و 181)، وابن أبي شيبة (1/ 298)، وابن ماجه (915)، والطحاوي (1/ 266 - 267) من طرق عنه.
(3) رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 267)، وابن خزيمة (727)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 178)، وابن حبان (1992) من طريق ابن المبارك به.
(4) أي ابن عبد البر في "الاستذكار" (4/ 293)، وبنحوه في "التمهيد" (16/ 189) له أيضًا.
(5) سبق تخريجه قريبًا.
(6) في المطبوع: "وذكر يحيى"، وكذا في "الاستذكار".
(4/238)

وأما حديث أنس فلم يأت إلا من طريق أيوب السختياني عن أنس (1)، ولم يسمع أيوب من أنس (2) عندهم شيئًا.
قال: وقد روي عن الحسن (3) مرسلًا "أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة" (4)، ذكره وكيع عن الربيع عنه، قال: "والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرًا عن كابر، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد؛ لأنه لا يخفى، لوقوعه في كل يوم مرارًا".

[الكلام على عمل أهل المدينة]
قلت: وهذا أصل قد نازعهم فيه الجمهور، وقالوا: عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار، ولا فرق بين عملهم وعمل أهل الحجاز والعراق والشام (5)، فمن كانت السنة معهم فهم أهل العمل المتبع، وإذا اختلف علماء
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة (1/ 301)، والبيهقي في "الخلافيات" (1/ ق 111/ أ) من طريق جرير بن حازم عن أيوب به. وسنده منقطع، كما سيأتي قريبًا. وجاء من طريق حميد عن أنس، ورجاله ثقات، ومضى بيان ذلك قريبًا.
(2) قاله أبو حاتم في "المراسيل" (رقم 39)، وأحمد، كما في "جامع التحصيل" (ص 176)، و"تحفة التحصيل" (ص 35)، وقال ابن حبان في "الثقات" (6/ 53): "قيل إنه سمع من أنس، ولا يصح ذلك عندي". وانظر: "شرح علل الترمذي" (2/ 590) وفيه (2/ 702): "وقال الأثرم عن أحمد: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب"، وهذه علّة أخرى للحديث.
(3) في مطبوع "الاستذكار": "الحسين"، وهو خطأ.
(4) رواه ابن أبي شيبة (1/ 334) من طريق الربيع عن وكيع به.
والربيع هذا هو ابن أنس، قال أبو حاتم والعجلي: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، ولم يتكلّم فيه ابن حبان إلا من رواية أبي جعفر الرازي حيث قال: الناس يتّقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه؛ لأن في أحاديثه عنه اضطرابًا كثيرًا.
فلا داعي إذن أن يقول فيه ابن حجر في "التقريب": صدوق له أوهام؛ لأن أوهامه من رواية أبي جعفر فقط.
ورواه عبد الرزاق (3145) عن جعفر بن سليمان عن الصلت بن دينار عن الحسن به.
والصلت هذا متروك.
(5) انظر كلام ابن القيم على عمل أهل المدينة النبوية في "بدائع الفوائد" (4/ 32)، و"زاد المعاد" (1/ 110)، وانظر "مجموع الفتاوى" (20/ 229 - 310) و"صحة أصول أهل المدينة" كلاهما لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه-، و"المستصفى" (1/ 187) =
(4/239)

المسلمين لم يكن عمل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة اتّباع السنة، ولا تُترك السنة لكون عَمَل بعض المسلمين على خلافها أو عَمِل بها غيرُهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها لتُرِكَت السنن وصارت تبعًا لغيرها، فإن عَمِل بها ذلك الغير عُمِل بها وإلّا فلا، والسنة هي العيار على العمل، وليس العمل عيارًا على السنة، ولم تضمن لنا العصمة قط في عمل مصر من الأمصار دون سائرها، والجدران والمساكن والبقاع لا تأثير لها في ترجيح الأقوال، وإنما التأثير لأهلها وسكانها، ومعلوم أن أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وظفروا من العلم بما لم يظفر به من بعدهم، فهم المُقدَّمون في العلم على من سواهم، كما هم المقدّمون في الفضل والدين، وعملهم هو العمل الذي لا يُخالف، وقد انتقل أكثرهم عن المدينة، وتفرّقوا في الأمصار، بل أكثر علمائهم صاروا إلى الكوفة والبصرة والشام مثل عليّ بن أبي طالب (1)، وأبي موسى، وعبد اللَّه بن مسعود، وعُبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، ومعاذ بن جبل، وانتقل إلى الكوفة والبصرة نحو ثلاث مئة صحابي ونيَّف، وإلى الشام ومصر نحوهم، فكيف يكون عمل هؤلاء معتبرًا ما داموا في المدينة، فإذا خالفوا غيرهم لم يكن عمل من خالفوه معتبرًا، فإذا فارقوا جدران المدينة كان عمل من بقي فيها هو المعتبر، ولم يكن خلاف مَنْ (2) انتقل عنها معتبرًا؟! هذا من الممتنع، وليس جعل عمل الباقين معتبرًا أَوْلى من جعل عمل المفارقين معتبرًا، فإن الوحي قد انقطع بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يبق إلّا كتاب اللَّه وسنة رسوله، فمن كانت السنة معه فعمله هو العمل المعتبر حقًا، ثم كيف (3) تُترك السنة المعصومة لعمل غير معصوم؟.
ثم يقال: أرأيتم لو استمرّ عمل أهل مصر من الأمصار التي انتقل إليها الصحابة على ما أدّاه إليهم مَنْ صار إليهم من الصحابة، ما الفرق بينه وبين عمل
__________
= للغزالي، و"المحصول" (4/ 162 - 169)، و"الإحكام" للآمدي (302 - 305)، و"الإحكام" (4/ 204 - 218) لابن حزم، (ومنه نقل المصنف كثيرًا من الأمثلة الآتية)، و"روضة الناظر" (ص 126)، و"الرسالة" (533 - 535)، و"المسودة" (ص 331 - 333)، و"إرشاد الفحول" (ص 82) للشوكاني، ورسالة الدكتور أحمد محمد نور سيف "عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين".
(1) بعده في المطبوع: "كرّم اللَّه وجهه".
(2) في المطبوع: "ما".
(3) في المطبوع: "فكيف".
(4/240)

أهل المدينة المستمرّ على مَنْ أَدَّاه إليهم من بها من الصحابة، والعمل إنما استند (1) إلى قول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وفعله؟ فكيف يكون قوله وفعله الذي أدَّاه من بالمدينة موجبًا للعمل دون قوله وفعله الذي أدَّاه غيرهم؟ هذا إذا كان النص مع عمل أهل المدينة، فكيف إذا كان مع غيرهم النص، وليس معهم نصٌّ يعارضه، وليس معهم إلّا مجرد العمل؟ ومن المعلوم أن العمل لا يُقابل النص، بل يُقابَل العمل بالعمل، ويسلم النص عن المعارض.
وأيضًا فنقول: هل يجوز أن يخفى على أهل المدينة بعد مفارقة جمهور الصحابة لها سنة من سنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ويكون علمها عند مَنْ فارقها أم لا؟ فإن قلتم: "لا يجوز"، أبطلتم أكثر السنن التي لم يروها أهل المدينة، وإن كانت من رواية إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه، ومن رواية أهل بيت علي عنه، ومن رواية أصحاب معاذ عنه، ومن رواية أصحاب أبي موسى عنه، ومن رواية (2) عمرو بن العاص، وابنه عبد اللَّه، وأبي الدرداء، ومعاوية، وأنس بن مالك، وعمار بن ياسر وأضعاف هؤلاء، وهذا مما لا سيل إليه.
وإن قلتم: "يجوز أن يخفى على من بقي في المدينة بعض السُّنن ويكون علمها عند غيرهم"، فكيف تُترك السنن لعمل مَن قد اعترفتم بأنَّ السنّة قد تخفى عليهم؟.
وأيضًا فإن عمر بن الخطاب كان إذا كتب إليه بعض الأعراب بسنة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عمل بها، ولو لم يكن معمولًا بها بالمدينة، كما كتب إليه الضَّحاك بن سفيان الكِلابيّ: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وَرَّث امرأة أَشْيَم الضِّبابي من دية زوجها"، فقضى به عمر (3).
وأيضًا فإن هذه السنة التي لم يعمل بها أهل المدينة لو جاء مَن رواها إلى المدينة وعمل بها لم يكن عمل مَنْ خالفه حجّة عليه، فكيف يكون حجة عليه إذا خرج من المدينة؟.
__________
(1) في (ق) و (ك): "أسند".
(2) بعدها في المطبوع زيادة كلمة "أصحاب".
(3) رواه ابن أبي شيبة (9/ 313)، وأبو داود (2927) في (الفرائض): باب في المرأة ترث من دية زوجها، والترمذي (1436) في (الديات)، و (2193) في (الفرائض)، وابن ماجه (2642)، وأحمد (3/ 452)، والطبراني في "الكبير" رقم (8145 و 8142)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1496 و 1497) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب كان يقول. . . حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان.
قال الترمذي: هذا حديث حَسَن صحيح.
(4/241)

وأيضًا فإن هذا يُوجب أن يكون جميع أهل الأمصار تبعًا لأهل المدينة (1) فيما يعملون به، وأنه لا يجوز لهم مخالفتهم في شيء، فإن عملهم إذا قُدِّم على السنة فلأن يُقدَّم على عمل غيرهم أولى، وإن قيل: إن عملهم نفسه سنة لم يحل لأحد مخالفتهم، ولكن عمر بن الخطاب ومن بعده من الخلفاء لم يأمر أحد منهم أهل الأمصار أن لا يَعْملوا بما عرفوه (2) من السنة وعَلَّمهم إياه الصحابة إذا خالف عمل أهل المدينة، وأنهم لا يعملون إلّا بعمل أهل المدينة، بل مالك نفسه منع الرشيد من ذلك، وقد عزم عليه، وقال له: قد تفرَّق أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في البلاد، وصار عند كل طائفة منهم علم ليس عند غيرهم (3)، وهذا يدل على أن عمل أهل المدينة ليس عنده حجة لازمة لجميع الأمة، وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل، ولم يقل قط في "موطئه" ولا غيره لا يجوز العمل بغيره، بل يخبر إخبارًا مجردًا أن هذا عمل أهل بلده، فإنه -رضي اللَّه عنه- وجزاه عن الإسلام خيرًا ادَّعى إجماع أهل المدينة في نيِّف وأربعين مسألة.
ثم هي ثلاثة أنواع (4):
أحدهما: لا يعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيرهم.
والثاني: ما خالف فيه أهل المدينة غيرهم وإن لم يعلم اختلافهم فيه.
والثالث: ما فيه الخلاف بين أهل المدينة انفسهم، ومن ورعه رحمه اللَّه لم يقل: إن هذا إجماع الأمة الذي لا يحلّ خلافه.

[هل حقًا أن عمل أهل المدينة حجة؟]
وعند هذا فنقول: ما عليه العمل إمّا أن يراد به القسم الأول، أو هو والثاني، أو هما والثالث، فإن اريد الأول فلا ريب أنه حجّة يجب اتّباعه، وإن أريد الثاني والثالث فأين دليله؟ وأيضًا فأحق عمل أهل المدينة أن يكون حجة العمل القديم الذي كان في زمن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه وزمن خلفائه الراشدين، وهذا كعملهم الذي كأنه مُشاهد بالحس ورأي عين في (5) إعطائهم أموالهم التي
__________
(1) كذا في (ق) وفي سائر الأصول: "تبعًا للمدينة".
(2) في (ن): "أن لا يعملوا إلا بما عرفوه"، وفي (ق): "ألا يعلموا إلا بما عرفوه"!.
(3) انظر "الموافقات" للشاطبي (3/ 270، 271)، وتعليقي عليه.
(4) انظرها مع حصر مفرداتها في رسالة الدكتور أحمد محمد نور سيف: "عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين" (ص 321 وما بعد). و"المسائل التي بناها الإمام مالك على عمل أهل المدينة" للدكتور محمد المدني بُوساق.
(5) في المطبوع: "من".
(4/242)

قسمها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على من شهد معه خيبر فأعطوها اليهود على أن يعملوها بأنفسهم وأموالهم والثمرة بينهم وبين المسلمين، يقرّونهم ما أقرَّهم اللَّه ويخرجونهم متى شاءوا (1)، واستمرّ هذا العمل كذلك لا ريب إلى أن استأثر اللَّه بنبيه -صلى اللَّه عليه وسلم- مدة أربعة أعوام، ثم استمرّ مدة خلافة الصدِّيق، وكلهم على ذلك، ثم استمرّ مدة خلافة عمر -رضي اللَّه عنهم-، إلى أن أجلاهم قبل أن يستشهد بعام (2)، فهذا هو العمل حقًا.
فكيف ساغ خلافه وتركه لعمل حادث؟.
ومن ذلك عمل الصحابة مع نبيهم -صلى اللَّه عليه وسلم- على الاشتراك في الهَدْي: البَدَنة عن عشرة (3) والبقرة عن سبعة (4)، فيا له من عمل ما أحقّه وأولاه بالاتّباع، فكيف يخالف إلى عمل حادث بعده مخالف له؟.
__________
(1) رواه البخاري (2338) في (الحرث والمزارعة): باب إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرّك اللَّه، و (3152) في (فرض الخمس): باب ما كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه.
ومسلم (1551) (6) في (المساقاة): أوّله من حديث ابن عمر.
(ملاحظة): الحديث في "صحيح البخاري" ورد في مواطن كثيرة، لكن ما أراده المؤلف موجود في الموطنين اللذين ذكرت.
وانظر "صحيح البخاري" (2285) فأطرافه هناك.
وانظر القصة مطولة في "سنن أبي داود" (3006)، و"صحيح ابن حبان" (5199)، و"سنن البيهقي" (6/ 114)، و"دلائل النبوّة" له (4/ 229)، ووقع في (ق): "متى شاء".
(2) انظر "الأموال" (ص 99) لأبي عبيد و (407) لابن زنجويه، والمذكور نقله ابن حزم في "الإحكام" (4/ 206).
(3) في (ق) و (ن): "سبعة".
(4) روى أحمد في "مسنده" (1/ 275)، والترمذي في "سننه" (905) في (الحج): باب ما جاء في الاشتراك في البدنة والبقرة، والنسائي (7/ 222) في (الضحايا): باب ما تجزئ عنه البدنة في الضحايا، وابن ماجه (3131) في (الأضاحي): باب عن كم تجزئ البدنة والبقرة، وابن حبان (4007)، والطبراني (11929)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 236 - 235) من طرق عن الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن عِلْباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال: كُنَّا مع النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفر فحضر النحر فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عَشَرة، ووقع في "صحيح ابن حبان" على الشك: وفي البعير سبعة أو عَشَرة، قال الترمذي: حسن غريب!
ورواه الحاكم (4/ 230) من طريق علي بن الحسن بن شقيق عن الحسين بن واقد عن عكرمة به بإسقاط علباء بن أحمر، وصححه على شرط البخاري ووافقه الذهبي. =
(4/243)

[سجود التلاوة في "الانشقاق"]
ومن ذلك عمل أهل المدينة الذي كأنه رأي عين في سجودهم في: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)} [الانشقاق: 1] مع نبيّهم -صلى اللَّه عليه وسلم- وتبعهم (1) أبو هريرة (2)، وإنما صحب النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة أعوام وبعض الرابع، وقد أخبر عن عمل الصحابة مع نبيّهم في آخر أمره، فهذا واللَّه هو العمل، فكيف يُقدَّم عليه عمل مَن بعدهم بما شاء اللَّه من السنين، ويُقال: العمل على ترك السجود؟.
__________
= أقول: الحسين بن واقد هذا وإن أخرج له مسلم ووثقه غير واحد، إلّا أن له بعض ما يُنكر، قال الذهبي في "الميزان": "واستنكر أحمد بعض حديثه وحَرَّك رأسه كأنه لم يَرْضه لما قيل له: إنه روى. . . ".
ولذلك قال البيهقي: وقد تفرّد به الحسين بن واقد، وحديث جابر أصح.
أقول: حديث جابر في صحيح مسلم (1318) -ومن طريقه ابن حزم في "الإحكام" (4/ 206) - وغيره. قال: نحرنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عام الحديبية البَدَنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
وروى الحاكم أيضًا من طريق محمد بن بشار ثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة البدنة عن عشرة. . . وقال: صحيح على شرط مسلم.
فتعقبه الذهبي بقوله: وخالفه ابن جريج وزهير عن أبي الزبير فقالوا: البدنة عن سبعة، وجاء عن سفيان كذلك.
وقال البيهقي في "سننه" (5/ 236): وما روي عن سفيان من أن البدنة تجزئ عن عشرة لا أحسبه إلا وهمًا، فقد رواه الفريابي عن الثوري وقال: البدنة عن سبعة، وكذلك قاله مالك بن أنس وابن جريج وزهير بن معاوية وغيرهم عن أبي الزبير عن جابر قالوا: البدنة عن سبعة، وكذلك قاله عطاء بن أبي رباح عن جابر، ورجح مسلم بن الحجاج روايتهم لما أخرجها دون رواية غيرهم.
أقول: وهذه الروايات في صحيح مسلم (1318) (350 - 353).
وفي حديث ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدَّثاه جميعًا أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خرج يريد زيارة البيت لا يريد حربًا، وساق معه الهدي صبعين بدنة عن سبعمائة رجل كل بدنة عن عشرة.
أخرجه البيهقي في "سننه" (5/ 235) وبيّن وهم ابن اسحاق، وإن الروايات الثابتة أن عددهم كان أكثر من ألف.
وانظر "معرفة السنن والآثار" (7/ 234)، و"الإحكام" (4/ 206 - 207) لابن حزم، و"نصب الراية" (4/ 209 - 210).
(1) في المطبوع: "ومعهم".
(2) مضى تخريجه، وهذا المثال وما قبله في "الإحكام" (4/ 206 - 207) لابن حزم.
(4/244)

ومن ذلك عمل الصحابة مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقد قرأ السجدة على المنبر في خطبته يوم الجمعة ثم نزل عن المنبر فسجد، وسجد معه أهل المسجد، ثم صعد (1)، وهذا العمل حق، فكيف يقال: العمل على خلافه، ويقدم العمل الذي يخالف ذلك عليه (2)؟.

[الاقتداء بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو جالس]
ومن ذلك عمل الصحابة مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في اقتدائهم به، وهو جالس (3)، وهذا كأنه رأي عين، سواء كانت صلاتهم خلفه قعودًا أو قيامًا، فهذا عمل في غاية الظهور والصحة (4)، فمن العجب أن يُقدَّم عليه رواية جابر الجُعفي عن الشعبي -وكلاهما كوفيان (5) - أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يؤمنَّ أحدٌ بعدي جالسًا" (6)! وهذه من أسقط روايات أهل الكوفة.
__________
(1) رواه البخاري (1077) في (سجود القرآن): باب من رأى أن اللَّه عزّ وجلّ لم يوجب السجود.
وانظر كلام الحافظ في "الفتح" على الحديث فإنه قد زعم بعضهم أنَّه معلق، وانظر "التلخيص" أيضًا (2/ 11).
(2) سيأتي بحث نفيس في سجود القرآن بعد قليل، وانظر: "زاد المعاد" (1/ 96)، و"تهذيب السنن" (2/ 117).
(3) ورد من حديث عائشة، رواه البخاري (688) في (الأذان): باب إنما جعل الإمام ليؤتمّ به، و (1113) في (تقصير الصلاة): باب في صلاة القاعد، و (1236) في (السهو): باب الإشارة في الصلاة، و (5658) في (المرض): باب إذا عاد مريضًا فحضرت الصلاة فصلّى بهم جماعة، ومسلم (412) في (الصلاة): باب ائتمام المأموم بالإمام.
ومن حديث أنس بن مالك: رواه البخاري (378) -وأطرافه كثيرة جدًا تنظر هناك- ومسلم (411).
(4) انظر: "زاد المعاد" (2/ 97)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 367).
(5) في المطبوع و (ن): "وهما كوفيان".
(6) رواه الدارقطني (1/ 398)، والبيهقي (3/ 80) من رواية جابر الجعفي عن الشعبي مرفوعًا به.
قال الدارقطني: لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي، وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة.
ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: قد علم الذي احتجّ بهذا أن ليست فيه حجة وأنه لا يثبت لأنه مرسل؛ ولأنه عن رجل يرغب الناس عن الرواية عنه.
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (6/ 143): وهو حديث لا يصح عند أهل العلم بالحديث، إنما يرويه جابر الجعفي عن الشعبي مرسلًا، وجابر الجعفي لا يحتج بشيء =
(4/245)

[الطِّيب قبل الإفاضة]
ومن ذلك أن سليمان بن عبد الملك عام حج، جمع ناسًا من أهل العلم، فيهم عمر بن عبد العزيز، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد، وسالم، وعبد اللَّه (1) ابنا عبد اللَّه بن عمر، ومحمد بن شهاب الزهري، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة، فكلّهم أمره بالطيب، وقال القاسم: أخبرتني عائشة أنها طَيَّبت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لِحُرْمه حين أحرم ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت (2)، ولم يختلف عليه أحد منهم، إلا أن عبد اللَّه بن عبد اللَّه (3) قال: كان عبد اللَّه رجلًا جادًّا مجدًّا، كان يرمي الجمرة ثم يذبح ثم يحلق ثم يركب فيفيض (4) قبل أن يأتي منزله، قال سالم: صدق، ذكره النسائي (5)، فهذا عملُ أهل المدينة وفتياهم، فأيُّ عملٍ بعد ذلك يخالفه يستحق التقديم عليه؟.

[المزارعة على الثلث والربع]
ومن ذلك ما رواه البخاري في "صحيحه" عن [قيس] (6) بن مسلم، عن أبي جعفر قال: "ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع، وزارع علي، وسعد بن مالك، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي، وابن سيرين، وعامل عمر بن الخطاب الناس على [أنه] (7) إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشَّطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا [وكذا] (8) "، فهذا واللَّه هو العمل الذي يستحق
__________
= يرويه مسندًا، فكيف بما يرويه مرسلًا؟! وقال ابن حزم في "الإحكام" (4/ 207): "وهذه رواية ليس في رواية أهل الكوفة أنتن منها"، والمثل المذكور مأخوذ منه.
(1) كذا في (ن)، و"الإحكام" وفي سائر النسخ: "وعُبيد اللَّه".
(2) مضى تخريجه.
(3) في المطبوع: "عبد اللَّه بن عبيد اللَّه".
(4) كذا في المطبوع، ومصادر التخريج، وفي النسخ الخطية: "ثم يفيض".
(5) في "الكبرى" (4160) في (الحج): باب إباحة الطيب بمنى قبل الإفاضة -ومن طريقه ابن حزم في "الإحكام" (4/ 207 - 208) - من طريق عَبْد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر قال: كان عبد اللَّه جادًّا مجدًا.
(6) في النسخ المطبوعة: "قاسم"!، وما أثبتناه من "صحيح البخاري" و"الإحكام".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) هو في "صحيح البخاري" في (الحرث والمزارعة): باب المزارعة بالشطر، ونحوه قبل حديث (2328) تعليقًا، وما بين المعقوفتين ليس فيه. =
(4/246)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= ووصله عن قيس بن مسلم عن أبي جعفر به، عبد الرزاق (14476) (8/ 100)، وابن أبي شيبة (5/ 145) من طريق الثوري عنه.
وأبو جعفر هذا هو محمد بن علي بن الحسين الباقر.
وقيس بن مسلم من الثقات.
وأثر علي: رواه عبد الرزاق (14471)، وابن أبي شيبة (5/ 144 - ط. دار الفكر) أو (6/ 339 رقم 1275 و 14/ 277 رقم 18366 - ط. الهندية)، والطحاوي في "المشكل" (3/ 291 - ط. الهندية)، أو (7/ 1202 - ط مؤسسة الرسالة)، وابن المنذر في "الأوسط" (4/ ق 59/ ب)، وابن حزم في "المحلى" (8/ 215) من طريق الثوري عن الحارث بن حصيرة عن صخر بن الوليد عن عمرو بن صليع عنه أنه لم ير بأسًا بالمزارعة على النصف، والحارث بن حصيرة: صدوق يخطئ، ووثقه النسائي وابن معين والعجلي وابن حبان (6/ 173).
وصخر بن الوليد: ترجمه البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، ووثقه ابن حبان (6/ 472)، وروى عنه جماعة، فإسناده حسن، وحسنهُ الطحاوي. وأثرا سعد بن مالك -وهو ابن أبي وقاص- وابن مسعود: رواهما ابن أبي شيبة (5/ 143)، والطحاوي في "المشكل" (7/ 123، 124 - ط. مؤسسة الرسالة)، وسعيد بن منصور في "سننه" -كما في "تغليق التعليق" (3/ 301)، و"الفتح" (5/ 11) -ومن طريقه البيهقي (6/ 145)، من طرق إبراهيم بن المهاجر عن موسى بن طلحة قال: كان سعد وابن مسعود يزارعان بالثلث والربع، وإسناده جيد.
ورواه بسياق أطول عبد الرزاق (14470) من طريق الثوري عن إبراهيم بن المهاجر به، وهذا إسناد جَيّد كذلك.
ورواه نحوًا من سياق عبد الرزاق ابن أبي شيبة (5/ 143)، والطحاوي في "المشكل" (7/ 124)، وفي "شرح معاني الآثار" (4/ 114) لكن في إسناده شريك القاضي وهو على كل حال مُتابع.
وأثر عمر بن عبد العزيز: رواه ابن أبي شيبة (5/ 145) من طريق خالد الحذاء أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي أن يزارع بالثلث والربع.
ورواه أيضًا من طريق يحيى بن سعيد عن عمر بن عبد العزيز، وهذان إسنادان صحيحان.
ورواه ابن حزم في "المحلى" (8/ 216) من طريق ابن أبي شيبة بالإسنادين.
وأثرا القاسم بن محمد ومحمد بن سيرين: رواهما عبد الرزاق (14474) قال: سمعت هشامًا يحدث قال: أرسلني محمد بن سيرين إلى القاسم بن محمد أسأله عن رجل قال لآخر: اعمل في حائطي هذا ولك الثلث أو الربع، فقال: لا بأس به، قال: فرجعت إلى ابن سيرين فأخبرته، فقال: هذا أحسن ما يصنع في الأرض.
وهذا إسناد صحيح. =
(4/247)

تقديمه على كل عمل خالفه، والذي مَنْ جعله بينه وبين اللَّه فقد استوثق.
فياللَّه [العَجب] (1)! أيّ عمل بعد هذا يقدم [عليه] (2)؟ وهل يكون عمل يمكن أن يقال: إنه إجماع، أظهر من هذا وأصح منه؟ (3).

[أنواع السنن وأمثلة لكل نوع منها]
وأيضًا فالعمل نوعان (4):
__________
= ورواه ابن أبي شيبة (5/ 145) -ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (8/ 216) - من طريق هشام به، وفي لفظه مغايرة واختصار.
وروى النسائي (7/ 52) في (الأيمان والنذور): باب ذكر اختلاف الألفاظ المأثورة في المزارعة عن ابن سيرين جواز ذلك.
وأثر عروة بن الزبير: رواه ابن أبي شيبة (5/ 145) من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة قال: كان أبي لا يرى بكرى الأرض بأسًا.
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
وقوله: آل أبي بكر، وآل عمر وآل علي: رواه عبد الرزاق (14477)، وابن أبي شيبة (5/ 145)، وابن حزم (8/ 217) من طرق عن عمرو بن عثمان بن موهب سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: آل أبو بكر وآل عمر وآل علي يدفعون أرضيهم بالثلث.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرج ابن أبي شيبة (7/ 339 - ط. الهندية)، والطحاوي في "المشكل" (7/ 121)، و"شرح معاني الآثار" (4/ 115)، وابن حزم (8/ 215) عن كليب بن وائل قال: "قلت لابن عمر: آتي رجلًا له أرض وماء، وليس له بذر ولا بقر، أحْرُثُ أرضه بالنصف فزرعتها ببذري وبقري، فناصفتها، فقال: حسن" وإسناده حسن.
وروى عبد الرزاق (14476)، وابن أبي شيبة (6/ 343)، وابن حزم (8/ 216) عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين، قال: "ما بالمدينة أهل بيت هجرة، لا يُعطون أرضهم بالثلث والربع"، وإسناده صحيح.
وقوله: وعامل عمر بن الخطاب الناس. . .
رواه ابن أبي شيبة -كما في "الفتح" (5/ 12) من طريق يحيى بن سعيد عن عمر.
قال الحافظ: هذا مرسل.
ورواه البيهقي (6/ 135) من طريق عمر بن عبد العزيز عن عمر ثم قال: هو مرسل.
قال الحافظ ابن حجر: فيتقوّى أحدهما بالآخر.
وانظر -غير مأمور- "تغليق التعليق" (3/ 350).
(1) سقطت من (ك).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (97/ 29، 134) و (30/ 110، 114، 125)، وتعليقي على "الإشراف" (3/ 189 - 193) للقاضي عبد الوهاب المالكي.
(4) ما تحته مأخوذ من "الإحكام" (4/ 209) لابن حزم، مع زيادة تفريع وتأصيل وتقعيد.
(4/248)

• نوع لم يعارضه نص ولا عمل قبله ولا عمل مصر آخر غيره.
• وعمل عارضه واحد من هذه الثلاثة.
فإن سوّيتم بين أقسام هذا العمل كلها فهي تسوية بين المختلفات التي فرَّق النَّصُّ والعقل بينها، وإنْ فرَّقتم بينها فلا بدَّ من دليل فارق بين ما هو معتبر منها وما هو غير معتبر، ولا تذكرون دليلًا قط إلا كان دليل مَنْ قدَّم النص أقوى، وكان به أسعد.
وأيضًا فإنّا نقسم عليكم هذا العمل من وجه آخر ليتبيّن به المقبول من المردود، فنقول: عمل أهل المدينة وإجماعهم نوعان:
أحدهما: ما كان من طريق النقل والحكاية.
والثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال.
فالأول على ثلاثة أضرب:
أحدها: نقل الشرع مبتدأ من جهة النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو أربعة أنواع: أحدها: نقل قوله، والثاني: نقل فعله، والثالث: نقل تقريره لهم على أمر شاهدهم عليه أو أخبرهم به، الرابع: نقلهم لترك شيء قام سبب وجوده ولم يفعله.
الثاني: نقل العمل المتصل زمنًا بعد زمن من عهده -صلى اللَّه عليه وسلم-.
والثالث: نقل لأماكن وأعيان ومقادير لم تتغير عن حالها.

[نقل القول، وطريقة البخاري في ترتيب "صحيحه"]
ونحن نذكر أمثلة هذه الأنواع، فأما نقل قوله فظاهر، وهو الأحاديث المدنية التي هي أمّ الأحاديث النبوية، وهي أشرف أحاديث أهل الأمصار، ومن تأمّل أبواب البخاري وجده أوّل ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يتبعها بأحاديث أهل الأمصار، وهذه كمالك عن نافع عن ابن عمر، وابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وأبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وابن شهاب عن سالم عن أبيه، وابن شهاب عن حُميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ويحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وابن شهاب عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن ابن عباس، ومالك عن موسى بن عقبة عن كريب عن أسامة بن زيد، والزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب، وأمثال ذلك.
(4/249)

[نقل الفعل]
أما نقل فعله فكنقلهم أنه توضأ من بئر بضاعة (1)، وأنه كان يخرج كل عيد
__________
(1) "هي بضم الباء، وكَسَرَها بعضهم، وهي دار بني ساعدة بالمدينة، وبئرها مشهورة معروفة" (و).
الحديث يرويه أبو سعيد الخدري، وفيه اختلاف:
فقد رواه النسائي في "سننه" (1/ 174) في (المياه): باب ذكر بئر بضاعة، وأبو يعلى (1304)، وابن جرير في "تهذيب الآثار" (رقم 1553)، والخطيب في "الموضح" (2/ 82 - 83)، وابن سمويه في "بعض الثالث من الفوائد" (ق 137/ ب)، والبيهقي في "سننه" (1/ 257 - 258)، و"الخلافيات" (3/ 204 رقم 975 - بتحقيقي)، وعبد الغني بن سعيد في "إيضاح الإشكال"-كما في "البدر المنير" (2/ 58) - من طريقين عن عبد العزيز بن مسلم القسملي عن مطرف عن خالد بن أبي نوف عن سَليط عن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يتوضأ من بئر بضاعة فقلت: يا رسول اللَّه أتتوضأ منها، وهي يُلقى فيها ما يلقى من النّتَن؟ فقال: إن الماء لا ينجسه شيء.
أقول: خالد بن أبي نوف، اختلف في اسمه، فقيل: هو خالد بن كثير، وصَوَّب أبو حاتم أنه غيره، وقال: يروي ثلاثة أحاديث مراسيل، وذكره ابن حبان في "الثقات"! كعادته.
وسليط هذا هو ابن أيوب لم يوثقه أحد، وذكره ابن حبان في "ثقاته".
وابن أبي سعيد هو عبد الرحمن، وباقي الإسناد ثقات.
لكن رواه أحمد (3/ 15 - 16) -ومن طريقه الخطيب في "الموضح" (2/ 82) -، والطحاوي في "معاني الآثار" (1/ 12) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، وعيسى بن إبراهيم عن عبد العزيز به دون ذكر (سليط).
وأخرجه ابن عدي (2/ 459) وبكير هذا ضعيف.
ورواه بكير بن خُنيس عن مطرف به كذلك، بإسقاط (سليط).
ورواه محمد بن فضيل وأسباط بن محمد عن مطرف عن خالد عن ابن إسحاق عن سليط عن أبي سعيد، دون واسطة بين (سليط) و (أبي سعيد)، فرجع الحديث إلى ابن إسحاق، وأرسله إلى أبي سعيد.
رواه ابن جرير في "تهذيب الآثار" (2/ 209) والخطيب في "الموضح" (2/ 83).
ورواه الطيالسي (2199)، وابن جرير (رقم 1556)، والطحاوي (1/ 11)، والبيهقي في "الخلافيات" (رقم 968) عن حماد عن ابن إسحاق عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن (وعند البيهقي: ابن عبد اللَّه) عن أبي سعيد دون واسطة بين (ابن إسحاق) و (عبيد اللَّه).
ورواه أبو معاوية الضرير عن ابن إسحاق، فلم يقم إسناده وخلط فيه، فقال: عن عبيد اللَّه بن عتبة، ومرة قال: عن عبيد اللَّه بن عمر، وكذلك قال حماد بن سلمة (وسبقت روايته قريبًا) عن محمد بن إسحاق، وقال جرير بن عبد الحميد: عن ابن إسحاق بلغني =
(4/250)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن رافع عن أبي سعيد. وقد قارب؛ لأن ابن إسحاق رواه عن سليط عن عبيد اللَّه، أفاده الدارقطني في "العلل" (11/ 287).
وقد اختلف فيه على سليط.
فرواه محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عنه عن عُبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج عن أبي سعيد.
أخرجه أبو داود (67) في (الطهارة): باب ما جاء في بئر بضاعة -ومن طريقه البيهقي في "سننه الكبرى" (1/ 257)، و"المعرفة" (2/ 78 رقم 1817) - والدارقطني (1/ 30) -ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (970 - بتحقيقي) -، وابن جرير في "تهذيب الآثار" (رقم 1551)، وسقط عند ابن جرير والدارقطني: "عبيد اللَّه بن"! وهو من أوهام محمد بن سلمة، قاله الدارقطني في "العلل" (11/ 286 - 287).
وقد اختلف فيه على ابن إسحاق في إسناده، وفي اسم الراوي عن أبي سعيد الخدري.
فرواه أحمد الوهبي، وإبراهيم بن سعد، ويونس بن بكير عنه: حدثني سَليط عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن رافع عن أبي سعيد.
أخرجه البخاري في "التاريخ" (5/ 389)، وأبو عبيد في "الطهور" (رقم 145 - بتحقيقي)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 11)، والدارقطني (1/ 31)، والبيهقي في "الخلافيات" (3/ 201 رقم 971، 972، 973)، وكذا رواه شعيب بن إسحاق، وهو أشبه بالصواب، أفاده الدارقطني في "العلل" (11/ 287).
ورواه يحيى بن واضح عنه عن سليط عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن أبي سعيد.
أخرجه البخاري في "التاريخ" (5/ 389)، ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (3/ 199 رقم 969 - بتحقيقي).
ورواه إبراهيم بن سعد مرة أخرى عنه عن عبد اللَّه بن أبي سلمة عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن رافع.
أخرجه الدارقطني (1/ 32) -ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (رقم 974) - وابن جرير في "تهذيب الآثار" (1563)، وسمويه في بعض الثالث من فوائده (ق 137/ ب)، والبخاري في "تاريخه" (5/ 389)، وهذا السند الأخير توبع عليه ابن إسحاق، فرواه أيضًا إبراهيم بن سعد عن الوليد بن كثير عن عبد اللَّه بن أبي سلمة به، لكن قال عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه أخرجه أحمد في "مسنده" (3/ 86).
والوليد بن كثير اختلف عليه.
فرواه أبو أسامة عنه عن محمد بن كعب القرظي عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن رافع عن أبي سعيد.
فزاد أبو أسامة: "محمد بن كعب".
أخرجه أحمد (3/ 31)، وابن أبي شيبة (1/ 141 - 142)، والبخاري في "التاريخ" =
(4/251)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= (5/ 389)، وأبو داود (66)، والترمذي (66) في (الطهارة): باب ما جاء في أن الماء لا ينجسه شيء، والنسائي (1/ 174)، وابن الجارود (47)، وابن المنذر في "الأوسط" (1/ 269)، والدارقطني (1/ 30)، وابن منده -كما في "البدر المنير" (2/ 57) - وسمويه في "بعض الثالث من فوائده" (ق 139/ أ)، والبيهقي (1/ 4 - 5 و 257)، وفي "الخلافيات" (3/ 196 - 197 رقم 966، 967 بتحقيقي)، والبغوي (2/ 60 رقم 283).
قال الترمذي: حدبث حسن، وقد جَوَّده أبو أسامة.
وقال الدارقطني في "العلل" (11/ 288): "وأحسنها إسنادًا حديث الوليد بن كثير"،
ونقل الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (1/ 13) تصحيحه عن أحمد وابن معين.
ونقل عن ابن القطان أنه أعلّه بجهالة راويه عن أبي سعيد، واختلاف الرواة في اسمه واسم أبيه.
أقول: وقد قال ابن القطان: في هذا الرجل -أي الراوي عن أبي سعيد- خمسة أقوال ثم قال: وكيفما كان فهو ممن لا يعرف له حال.
وهذا هو الصواب في إسناد هذا الحديث.
ورواه الشافعي في "مسنده" (1/ 21)، وابن جرير في "تهذيب الآثار" (رقم 1552)، والبيهقي (1/ 258) وفي "المعرفة" (2/ 77 رقم 1814) من طريق ابن أبي ذئب عمّن لا يتهم عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن العدوي (وفي إسناد الشافعي عن الثقة عنده عمَّن حدثه، أو عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه) عن أبي سعيد. والثقة الذي حدث ابن أبي ذئب ابن إسحاق، فيكون هذا قولًا آخر، حكاه ابن القطان قولًا لابن إسحاق، وانظر: "نيل الأوطار" (1/ 28).
ويشوّش على هذا، ما أخرجه أبو عبيد في "الطهور" (146 - بتحقيقي) عن ابن إسحاق وابن أبي ذئب عمّن أخبرهم عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن عن أبي سعيد.
وأخرجه عبد الرزاق (255) عن معمر عن ابن أبي ذئب عن رجل عن أبي سعيد به.
فقد رواه أبو داود الطيالسي (2155)، ومن طريقه البيهقي (1/ 258)، وفي "الخلافيات" (رقم 978) من طريق قيس بن الربيع عن طريف عن أبي نضرة عنه قال: كنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأتينا على غدير فيه جيفة. . .، وقيس ضعيف.
ورواه البيهقي (1/ 258)، وفي "الخلافيات" (رقم 979)، والطحاوي (1/ 12) وابن جرير في "تهذيب الآثار" (رقم 1557) من طريق شريك عن طريف عن جابر أو أبي سعيد، وشريك ضعيف، وطريف هو ابن شهاب أبو سفيان السعدي، ضعّفه ابن معين والدارقطني، وقال النسائي: متروك.
ورواه أبو عبيد في "الطهور" (رقم 147)، وابن ماجه (5020)، وابن عدي في "الكامل" (4/ 1437 - 1438) من طريق شريك به، عن أبي سعيد بالجزم.
ورواه ابن جرير (رقم 1559)، والبيهقي أيضًا (1/ 258) بإسناد فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. =
(4/252)

إلى المصلَّى فيصلّي به العيد هو والناس (1)، وأنه كان يخطبهم قائمًا على المنبر
__________
= وقد روي من حديث سهل بن سعد.
رواه قاسم بن أصبغ في "مصنفه"، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن في "مستخرجه" على سنن أبي داود -كما في "التلخيص" (1/ 13) - من طريق محمد بن وضاح: حدثنا عبد الصمد بن أبي سكينة الحلبي عن عبد العزيز بن أبي حاتم عن أبيه عنه.
قال الحافظ ابن حجر: ابن أبي سكينة مجهول لم نجد عنه راويًا إلا محمد بن وضاح.
أقول: ورواه أيضًا من حديث سهل بن سعد، الدارقطني (1/ 32)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 12)، وسمويه في "بعض الثالث من فوائده" (ق 139/ أ)، والبيهقي (1/ 259) وابن حزم في "المحلى" (1/ 155) من طريقين عن محمد بن أبي يحيى عن أبيه عن سهل به.
وفي "سنن الدارقطني": محمد بن أبي يحيى عن أمّه قالت. . .
أقول: محمد بن أبي يحيى هذا وثقه أبو داود والخليلي، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال أبو حاتم: تكلّم فيه يحص القطان، وقال ابن شاهين: فيه لين.
وأبوه أبو يحيى اسمه سمعان، روى عنه ابناه: محمد وأنيس، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال النسائي: ليس به بأس.
أقول: والراويان عن محمد بن أبي يحيى حاتم بن إسماعيل، وفضيل بن سليمان كلاهما كان في حفظه شيء.
أحدهما قال: عن محمد عن أبيه.
والآخر: عن محمد عن أمّه.
والحديث صححه أحمد بن حنبل قال الخلال: قال أحمد: حديث بئر بضاعة صحيح، ونقله عنه أبو بكر عبد العزيز في "الشافي"، كما قال ابن الجوزي في "التحقيق" (1/ 42)، والمزي في "تهذيب الكمال" (2/ ق 881). وصححه أيضًا يحيى بن معين وابن حزم، وحسّنه ابن القطان في "بيان الوهم والايهام" (ق 1/ 208)، وقال ابن أصبغ: أحسن شيء في بئر بضاعة. وقال العيني: إسناده صحيح وصححه النووي وابن الملقن.
انظر: "التخيص الحبير" (1/ 12)، و"تحفة المحتاج" (1/ 137)، و"المجموع" (1/ 82)، و"المغني" (1/ 25)، و"خلاصة البدر المنير" (1/ 7)، و"البناية في شرح الهداية" (1/ 320)، و"إرواء الغليل" (1/ 45 - 46)، و"الهداية في تخريج أحاديث البداية" (1/ 266)، و"تحفة الطالب" لابن كثير (رقم 146)، و"تنقيح التحقيق" (1/ 205 - 207)، و"البدر المنير" (2/ 51 - 61).
(1) في هذا أحاديث منها: حديث أم عطية، رواه البخاري (324) في (الحيض): باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين، و (351) في (الصلاة): باب وجوب الصلاة في الثياب، و (971) في (العيدين): باب التكبير أيام منى، و (974) باب خروج النساء والحيض إلى المصلى، و (980) باب إذا لم يكن لها جلباب في العيد، و (981) باب اعتزال الحيض المصلى، و (1652) في (الحج): باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا =
(4/253)

وظهره إلى القبلة ووجهه إليهم (1)، وأنه كان يزور قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا (2)،
__________
= الطواف بالبيت، ومسلم (890) في (صلاة العيدين): باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى.
وحديث ابن عباس: رواه البخاري (863) في (الأذان): باب وضوء الصبيان، ومتى يجب عليهم، و (977) في (العيدين): باب العلم الذي في المصلى -وأطرافه كثيرة جدًا- تنظر رقم (98).
وحديث أبي سعيد الخُدري: رواه البخاري (956) في (العيدين): باب الخروج إلى المصلى، ومسلم (889) في (العيدين).
(1) أما خطبة النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قائمًا: فقد رواه البخاري (920) في (الجمعة): باب الخطبة قائمًا، و (928) باب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة، ومسلم (861) في (الجمعة): باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة، من حديث ابن عمر.
ورواه مسلم من حديث جابر بن سمرة (862).
وأما أنه كان يخطب مستقبل الناس: فقد روى البخاري (1013) في (الاستسقاء): باب الاستسقاء في المسجد الجامع، ومسلم (897) في (الاستسقاء): باب الدعاء في الاستسقاء من حديث أنس قال: أن رجلًا دخل المسجد يوم جُمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قائم يخطب، فاستقبل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قائمًا ثم قال: يا رسول اللَّه. . .
ويفهم هذا أيضًا من حديث جابر الذي رواه البخاري (930 و 931 و 1166)، ومسلم (875) قال: بينا النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال له النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أصلّيت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع.
أقول: وقد ترجم البخاري في "صحيحه": (باب يستقبل الإمام القوم، واستقبال الناس الإمام إذا خطب) ثم ذكر حديث أبي سعيد أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَلَسَ ذات يوم على المنبر وجلسنا حَوْله.
قال الحافظ ابن حجر: ووجه الدلالة منه أن جلوسهم حوله لسماع كلامه يقتضي نظرهم إليه غالبًا.
أقول: وما ذكرتُ كالصريح في استقبال الإمام للناس.
ونقل الحافظ عن ابن المنذر قال: "لا أعلم في ذلك خلافًا بين العلماء"، وهو ليس في كتابه "الإجماع"، وإنما معناه في "الأوسط" (4/ 74).
قال: وقال الترمذي: لا يصح عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيه شيء، قال الحافظ: أي صريحًا.
أقول: أي: من قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، أما فعله فواضح.
(2) أما زيارته قباء راكبًا وماشيًا: فرواه البخاري (1191) في كتاب (فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة): باب مسجد قباء، و (1193) باب من أتى مسجد قباء كل سبت، و (1194) باب إتيان مسجد قباء ماشيًا وراكبًا، و (7326) في (الاعتصام): باب ذكر النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وحض على اتفاق أهل العلم، ومسلم (1399) في (الحج): باب فضل مسجد قباء، من حديث ابن عمر.
(4/254)

وأنه كان يزورهم في دورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم (1) ونحو ذلك.

[نقل التقرير]
وأما نقل التقرير، فكنقلهم إقراره لهم على تلقيح النَّخل (2)، وعلى تجاراتهم التي كانوا يتّجرونها، وهي على ثلاثة أنواع: تجارة الضرب في الأرض، وتجارة الإدارة، وتجارة السّلم (3)، فلم يُنكر عليهم منها تجارة واحدة، وإنما أنكر (4) عليهم فيها الربا الصريح ووسائله المفضية إليه أو التوسل بتلك المتاجر إلى الحَرَام
__________
(1) وأما زيارته لأصحابه في دورهم فهذا ثابت في أحاديث منها:
حديث أنس بن مالك: رواه البخاري (380) في (الصلاة): باب الصلاة على الحصير، و (727) في (الأذان): باب المرأة وحدها تكون صفًا، و (860) باب وضوء الصبيان،، و (871 و 874) باب صلاة النساء خلف الرجال، و (1164) في (التهجد): باب ما جاء في التطوّع مثنى مثنى، ومسلم (658) في (التهجد): باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى.
وحديث أنس أيضًا في زيارة النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لأم أيمن: رواه مسلم (2454) في (فضائل الصحابة): باب من فضائل أم أيمن.
وحديث أم حرام: رواه البخاري (2799 و 2780)، ومسلم (1912).
وأما عيادته لمرضاهم، ففي هذا أحاديث منها:
حديث سعد: رواه البخاري (1295 و 2742 و 2744 و 3936 و 4459 و 5354 و 5659 و 5668 و 6373 و 6733)، ومسلم (1628).
وحديث ابن عباس: رواه البخاري (3616 و 5622 و 5656 و 7470).
وحديث ابن عمر: رواه البخاري (1354)، ومسلم (924).
وأما تشييع الجنائز:
منها حديث جابر بن سمرة: رواه مسلم (965) في (الجنائز): باب ركوب المصلي على الجنازة إذا انصرف.
وحديث عبد الرحمن بن جوشن: رواه أحمد (5/ 36 و 38)، وأبو داود (3182 و 3183)، والنسائي (4/ 42 - 43)، والبيهقي (4/ 22)، وإسناده صحيح.
وحديث ابن عمر: رواه أبو داود (3179)، والترمذي (1007 و 1008)، والنسائي (4/ 56)، وابن ماجه (1482)، وأحمد (2/ 8)، والدارقطني (2/ 70)، والبيهقي (4/ 23، 24).
(2) ورد من حديث طلحة بن عبيد اللَّه: رواه مسلم (2361) في (الفضائل): باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا.
وحديث رافع بن خديج: رواه مسلم (2362)، ومن حديث عائشة وأنس رواه مسلم أيضًا (2363).
(3) "أن تعطي ذهبًا أو فضة في سلعة معلومة إلى أمد معلوم، فكأنك قد أسلمت الثمن إلى صاحب السلعة" (و).
(4) في المطبوع: "حرم".
(4/255)

كبيع السلاح لمن يقاتل به المسلم، وبيع العصير لمن يعصره خمرًا، وبيع الحرير لمن يلبسه من الرجال ونحو ذلك مما هو معاونة على الإثم والعدوان.
وكإقرارهم على صنائعهم المختلفة من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة، وإنما حرَّم عليهم فيها الغشّ والتوسّل بها إلى المحرمات، وكإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة (1)، وذكر أيام الجاهلية (2) والمسابقة على الأقدام (3)، وكإقرارهم على المناهدة (4) في السفر (5)، وكإقرارهم على الخُيلاء في الحرب (6)، ولبس
__________
(1) في هذا أحاديث منها حديث حسّان بن ثابت في إنشاده الشعر في مسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. رواه البخاري (453) في (الصلاة): باب الشعر في المسجد، ومسلم (2485) في "فضائل الصحابة": باب فضائل حسان بن ثابت. وانظر مطلع كتابي "شعر خالف الشرع" يسر اللَّه إتمامه بخير وعافية.
(2) من ذلك ما رواه مسلم (2322) في (الفضائل): باب تبسّمه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن سماك بن حرب قال: قلتُ لجابر بن سَمُرة: أكنت تُجالس رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: نعم، كثيرًا، كان لا يقوم من مصلّاه الذي يصلي فيه الصُّبح حتى تطلع الشمس، فإذا طَلَعت قام وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسَّم -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(3) قد يدلّ على هذا مسابقته هو نفسه -صلى اللَّه عليه وسلم- لعائشة أم المؤمنين في الحديث الذي رواه أحمد (6/ 39، 129، 182، 261، 264، 280)، وابن أبي شيبة (12/ 508 - 509)، والحميدي (261)، وأبو داود (2578) في (الجهاد): باب السبق على الرجل، وابن ماجه (1979) في (النكاح): باب حسن معاشرة النساء، والنسائي في "عشرة النساء" (56 و 57 و 58 و 59)، والطيالسي (1462)، وأبو القاسم البغوي في "الجعديات" (3454)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (1880)، والطبراني (23/ رقم 124، 125)، والبيهقي (10/ 17 - 18 و 18)، وابن حبان (4691) من حديث عائشة قالت: سابقتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فسبقته، فلما حملتُ اللحم سابقته فسَبَقني، فقال: "هذه بتلك"، وعند بعضهم أطول من هذا، وهو حديث صحيح. وانظر "الفروسية" (85 - بتحقيقي)، و"الإرواء" (5/ 327).
(4) كذا في (ق) و (ك) وهو الصواب، وفي سائر الأصول والنسخ: "المهادنة"!! و (المناهدة): إخراج كل واحد من الرفقة نفقة على قدر نفقة صاحبه، انظر: "لسان العرب" (3/ 430 مادة نهد)، وكتابي "المروءة وخوارمها" (ص 154).
(5) تدلل عليه نصوصًا عديدة، جمع البخاري في "صحيحه" أربعة منها ووضعها في (كتاب الشركة) وبوّب عليها (باب الشركة في الطعام والتهد والعروض)، منها (رقم 2486) عن أبي موسى الأشعري رفعه: "إنّ الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قلَّ طعامُ عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسّوية، فهم مني وأنا منهم"، ورواه أيضًا مسلم (2500) في "فضائل الصحابة": باب من فضائل الأشعريين -رضي اللَّه عنهم-، وانظر: "زاد المعاد" (2/ 77، 130 - 133، 143 و 2/ 44، 224).
(6) روى ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام (3/ 11 - 12) - في قصة أبي دجانة =
(4/256)

الحرير فيه (1)، وإعلام الشجاع منهم بعينه بعلامة من ريشة أو غيرها.
وكإقرارهم على لبس ما نَسَجه الكفار من الثياب (2)، وعلى إنفاق ما ضربوه من الدراهم، وربما صار عليها صورة ملوكهم (3)، ولم يضرب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا خلفاؤه مدة حياتهم دينارًا ولا درهمًا، وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار.
__________
= سِمَاك بن خرشة في تبختره بين الصفين في غزوة أحد، قال ابن إسحاق فحدثني جعفر بن عبد اللَّه بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الأنصار من بني سلمة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنها مشية يبغضها اللَّه إلا في مثل هذا الموطن" ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" (3/ 233 - 234) من طريق ابن إسحاق لكن سَمّى الرجل الذي من بني سلمة معاوية بن معبد بن كعب بن مالك.
أقول: ومعاوية بن معبد هذا ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/ 378) وذكر أنه يروي عن جابر بن عبد اللَّه ونقل فيه قول ابن معين: لا أعرفه. قال ابن أبي حاتم: يعني لأنه مجهول، فهذا مرسل ضعيف.
ثم وجدت له طريقًا آخر رواه الطبراني في "الكبير" (6508) من طريق خالد بن سليمان بن عبد اللَّه بن خالد بن سماك بن خرشة عن أبيه عن جده فذكره مثله.
قال الهيثمي في "المجمع" (6/ 109): وفيه من لم أعرفه.
أقول: وأظنه مرسلًا كذلك! كما هو ظاهر الإسناد.
وروى الدارمي (2/ 149) وأحمد في "مسنده" (5/ 445 و 446) وأبو داود (2659) في الجهاد: باب في الخيلاء في الحرب، والنسائي (5/ 78) في الزكاة: باب الاختيال في الصدقة، وابن حبان (4762) وسعيد بن منصور في "سننه" (2548) والطبراني في "الكبير" (1772 - 1777) والبيهقي في "سننه الكبرى" (7/ 308 و 9/ 156) وفي "الأسماء والصفات" (1053) وابن أبي عاصم في "الجهاد" (294) من طرق عن يحيى ابن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم عن ابن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: ". . . ومن الخيلاء ما يبغض اللَّه ومنها ما يُحب اللَّه فأما الخيلاء التي يحب اللَّه فاختيال الرجل بنفسه عند القتال واختياله عند الصدقة. . . " وإسناده ضعيف فإن لجابر وابنين وكلاهما مجهول، ومع هذا فقد صحح الحافظ ابن حجر إسناده في "الإصابة" في ترجمة جابر بن عتيك!
(1) روى البخاري في "صحيحه" في مواطن منها (2920) في (الجهاد): باب الحرير في الحرب، ومسلم (2076 بعد 26) في (اللبالس والزينة): باب إباحة لبس الحرير للرجل إذا كان به حكة أو نحوها عن أنس "أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا إلى النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-يعني القمل- فأرخص لهما في الحرير فرأيته عليهما في غزاة"، وانظر: "فتح الباري" (6/ 101).
(2) انظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 153).
(3) في المطبوع: "وربما كان عليها صور ملوكهم".
(4/257)

وكإقراره لهم بحضرته على المزاح المباح (1)، وعلى الشبع في الأكل (2)، وعلى النوم في المسجد (3)، وعلى شركة الأبدان (4)، وهذا كثير من أنواع السنن احتجّ به الصحابة وأئمّة الإسلام كلهم.
وقد احتجّ به جابر في تقرير الربّ في زمن الوحي؛ كقوله: "كنا نعزلُ
__________
(1) وجدت في هذا قصة طويلة في سفر أبي بكر ومعه جماعة فيهم نُعيمان وسويبط وكان أحدهما رجلًا مزَّاحًا (وقد اختلف هل هو جماعة، فيهم نعيمان أو سويبط) وحصل معهما قصة طريفة فلما قدموا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأخبروه ضحك النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه منه حولًا.
روى القصة أحمد في "مسنده" (6/ 316)، وابن ماجه (3719) في الأدب: باب المزاح -وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع في "مسنديهما" كما في "مصباح الزجاجة" (2/ 250) - من طريق زمعة بن صالح عن الزهري عن عبد اللَّه بن وهب بن زمعة عن أم سلمة، قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف زمعة بن صالح وإن أخرج له مسلم فإنما أخرج له مقرونًا بغيره، وقد ضعّفه وأحمد وابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة وأبو داود والنسائي، وقد ذكر القصة الحافظ ابن حجر في "الإصابة" في ترجمة سُويبط ساكتًا عليها.
أقول: ومزاحه هو -صلى اللَّه عليه وسلم- مع أصحابه مشهور ذكره المؤلف من قبل، وخرجنا الأحاديث هناك.
(2) في هذا أحاديث كثيرة منها حديث أنس في أكل الصحابة في دار أبي طلحة بحضرة النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، رواه البخاري في مواطن منها (5381) في (الأطعمة): من أكل حتى شبع، ومسلم (2040) في (الأشربة): باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه، ومنها حديث أبي هريرة في خروج النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكر وعمر من بيوتهم جوعى وفيه: "فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العِذْق وشربوا فلما أن شبعوا ورووا. . . " أخرجه مسلم (2038).
(3) في هذا أحاديث، منها حديث عبد اللَّه بن عمر أنه كان ينام وهو شابٌّ أعْزَب لا أهل له في مسجد النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، رواه البخاري في "صحيحه" في مواطن كثير، انظر أطرافه عند رقم (440) في (الصلاة): باب نوم الرجال في المسجد.
ومنها حديث سهل بن سعد في إتيان النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عليًا -رضي اللَّه عنه- وهو راقد في المسجد، وقول النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- له: "قم يا أبا تراب"، رواه البخاري أيضًا (441).
(4) يدل على هذا حديث عبد اللَّه بن مسعود قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نُصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء.
أخرجه أبو داود (3388) في (البيوع): باب الشركة على غير رأس مال، والنسائي في "المجتبى" في (البيوع): باب الشركة بغير مال، وفي "الكبرى" (8659): باب الأسْر، وابن ماجه (2288) في (التجارات): باب الشركة والمضاربة، والبيهقي في "سننه الكبرى" (6/ 79) من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود عنه، وهذا إسناد فيه انقطاع، أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وذكره الحافظ في "التلخيص" (3/ 49) ساكتًا عليه!! وانظر: "الإرواء" (1474).
(4/258)

والقرآن ينزل، فلو كان شيء يُنهى عنه لنهى عنه القرآن" (1)، وهذا من كمال فقه الصحابة وعلمهم، واستيلائهم على معرفة طرق الأحكام ومداركها، وهو يدل على أمرين:
أحدهما: أن أصل الأفعال الإباحة، ولا يَحْرم منها إلّا ما حَرَّمه اللَّه على لسان رسوله.
الثاني: أنَّ علم الرب تعالى بما يفعلون (2) في زمن شرع الشرائع ونزول الوحي وإقراره لهم عليه دليل على عفوه عنه، والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أنه في الوجه الأول يكون معفوًّا عنه استصحابًا، وفي الثاني يكون العفو عنه تقريرًا لحكم الاستصحاب، ومن هذا النوع تقريره لهم على أكل الزُّرُوع التي تُداس بالبقر، من غير أمر لهم بغسلها، وقد علم -صلى اللَّه عليه وسلم- أنها لا بدّ أن تبول وقت الدياس، ومن ذلك تقريره لهم على الوقود في بيوتهم وعلى أطعمتهم بأرواث الإبل وأخثاء البقر وأبعار الغنم، وقد علم أن دُخانَها ورمادها يصيب ثيابهم وأوانيهم، ولم يأمرهم باجتناب ذلك، وهو دليل على أحد أمرين ولا بدّ: طهارة ذلك، أو أن دخان النجاسة ورمادها ليس بنجس.
ومن ذلك تقريرهم على سجود أحدهم على ثوبه إذا اشتدَّ الحرُّ (3)، ولا يقال في ذلك: إنه ربما لم يعلمه، لأن اللَّه قد عَلِمه وأقرَّهم عليه ولم يأمر رسوله بإنكاره عليهم، فتأمل هذا الموضع.
ومن ذلك تقريرهم على الأنكحة التي عقدوها في حال الشرك ولم يتعرّض لكيفية وقوعها، وإنما أنكر منها ما لا مَسَاغ له في الإسلام حين الدخول فيه (4).
__________
(1) رواه البخاري (5207 و 5208 و 5209) في (النكاح): باب العزل، ومسلم (1445) في (النكاح): باب حكم العزل.
(2) في (ك): "يفعلونه".
(3) في هذا حديث أنس بن مالك قال: كُنَّا نصلي مع النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيضع أحدُنا طرف الثوب من شدة الحرِّ في مكان السجود، أخرجه البخاري (385) في (الصلاة): باب السجود على الثوب في شدة الحر، و (542) باب وقت الظهر عند الزول، و (1208) في العمل في الصلاة: باب بسط الثوب في الصلاة في السجود، ومسلم (620) في (المساجد): باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر.
(4) وذلك مثل أمره -صلى اللَّه عليه وسلم- لمن عنده أكثر من أربع نسوة أن يبقي أربعًا ويطلق سائرهن، ومثل من كان عنده أختان، أن يفارق إحداهما. . . وقد ذكر المؤلف ذلك في غير هذا الموطن وخرَّجناه مفصلًا في (3/ 168).
(4/259)

ومن ذلك تقريرهم على ما بأيديهم من الأموال التي اكتسبوها قبل الإسلام بربًا أو غيره، ولم يأمر بردها، بل جعل لهم بالتوبة ما سلف من ذلك، ومنه تقرير الحبشة باللّعب في المسجد بالحِرَاب، وتقرير عائشة على النظر إليهم (1)، وهو كتقرير النساء على الخروج والمشي في الطرقات وحضور المساجد (2) وسماع الخطب التي كان يُنادى بالاجتماع لها (3)، وتقريره الرجال على استخدامهنَّ في الطَّحن والغسل والطبخ والعجن وعلف الفرس والقيام بمصالح البيت (4)، ولم يقل للرجال قط: لا يحل لكم ذلك إلا بمعاوضتهن أو استرضائهن حتى يتركن الأجرة، وتقريره لهم على الإنفاق عليهن بالمعروف من غير تقدير فرضٍ ولا حبٍّ ولا خبز، ولم يقل لهم: لا تبرأ ذممكم من الإنفاق الواجب إلا بمعاوضة الزوجات من ذلك على الحبِّ الواجب لهنّ مع فساد المعاوضة من وجوه عديدة، أو بإسقاط الزوجات حقهن من الحَبّ، بل إقرارهم (5) على ما كانوا يعتادون نفقته
__________
(1) لعب الحبشة في المسجد ونظر عائشة إليهم بحضرة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثابت من حديث عائشة نفسها، أخرجه البخاري في (الصلاة) (454 و 455): باب أصحاب الحِرَاب في المسجد -وأطرافه هناك- ومسلم (892) (17) - (21) في (صلاة العيدين): باب الرخصة في اللعب.
(2) أحاديث خروج النساء إلى المساجد كثيرة، منها حديث ابن عمر رواه البخاري (865) في (الأذان): باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغَلَس، و (873): باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد، ومسلم (442) كتاب (الصلاة): باب خروج النساء إلى المساجد.
وحديث أبي هريرة: "لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه وليخرجن تفلات" وقد تقدم تخريجه.
(3) مثل خُطبة الجمعة، وفي هذا تقول أم هشام بنت حارثة بن النعمان -وهي أخت عمرة بنت عبد الرحمن لأمها-: ما حفظتُ (ق) إلّا من في رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب بها كل جمعة.
وخطبة العيدين فقد روى ابن عباس أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلَّى يوم العيد ثم بعد خطبته أتى النساء فوعظهن وذكرهنّ أمرهن بالصدقة، وأخرج ذلك البخاري (977) في (العيدين): باب العَلَم الذي بالمصلى ومسلم (884) أول صلاة العيدين.
(4) روى البخاري في "صحيحه" في مواطن منها (3113) في فرض الخمس: باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، و (5361) في (النفقات): باب عمل المرأة في بيت زوجها، و (5362): باب خادم المرأة، ومسلم (2727) في (الذكر والدعاء): باب التسبيح أول النهار وعند النوم عن عليّ بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرَّحَى في يدها و. . . وذكر أنها طلبت من النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خادمًا فعلّمها النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ما تقول عند النوم، وقال: "فهو خيرٌ لكما من خادم"، وانظر ما قاله الحافظ ابن حجر في "الفتح" (5/ 506 و 507)، والسخاوي في "رجحان الكفة" (ص 112، 115) فإنه هام.
(5) في المطبوع: "بل أقرهم".
(4/260)

قبل الإسلام وبعده، وقرّر وجوبه بالمعروف، وجعله نظير نفقة الرقيق في ذلك (1)، ومنه تقريرهم على التطوّع بين أذان المغرب والصلاة، وهو يراهم ولا ينهاهم (2).
ومنه تقريرهم على بقاء الوضوء، وقد خفقت رؤوسهم من النوم في انتظار الصلاة ولم يأمرهم بإعادته (3)، وتطرق احتمال كونه لم يعلم ذلك مردود بعلم اللَّه به، وبأن القوم أجلّ وأعرف باللَّه ورسوله أن لا يخبروه (4) بذلك، وبأن خفاء مثل ذلك على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو يراهم ويشاهدهم خارجًا إلى الصلاة ممتنع (5).
ومنه تقريرهم على جلوسهم في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا (6).
__________
(1) انظر "الفتاوى الكبرى" (2/ 234 - 235)، وكتابي "من قصص الماضين" (ص 129).
(2) روى مسلم في "صحيحه" (836) في (صلاة المسافرين): باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب عن مُختار بن فُلفل عن أنس: ". . . وكنا نصلي على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقلت له: أكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلَّاهما؟ قال: كان يرانا نصلّيهما فلم يأمُرنا ولم يَنْهنا"، وانظر: "بدائع الفوائد" (4/ 114 - 115).
(3) روى أبو داود في "سننه" (200) في (الطهارة): باب الوضوء من النوم -ومن طريقه البيهقي في "سننه الكبرى" (1/ 119) -، والدارقطني (1/ 131) أو (رقم 468 - بتحقيقي) من طريق هشام الدسوائي عن قتادة عن أنس قال: كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلّون ولا يتوضؤون. قال الدارقطني: صحيح.
وروى الدارقطني (1/ 130 - 131)، والبيهقي (1/ 120) من طريق ابن المبارك عن معمر عن قتادة عن أنس قال: "رأيت أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوقظون للصلاة حتى أني لأسمع لأحدهم غطيطًا ثم يقومون فيصلّون ولا يتوضئون"، قال ابن المبارك: هذا عندنا وهم جلوس، وصححه الدارقطني، وحديث قتادة عن أنس هذا في "صحيح مسلم" (376) في (الحيض): باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، ولفظه: "كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينامون ثم يصلون ولا يتوضأون"، وفي "صحيح البخاري" (642) و (643) و (6292)، و"صحيح مسلم" (376) من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: أقيمت الصلاة ورجلٌ يناجي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فما زال يناجيه حتى نام أصحابه، ثم قال: فصلّى.
وفي لفظ مسلم: فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه، ثم جاء فصلّى بهم.
وانظر للفائدة: "صحيح ابن حبان" (3/ 379 و 380)، و"نصب الراية" (1/ 46 - 47)، و"التلخيص الحبير" (1/ 116)، و"فتح الباري" (1/ 314 - 315).
في (ق): "ولم يأمرهم بإعادة الوضوء".
(4) في (ن): "أن لا يخبره".
(5) انظر: "بدائع الفوائد" (4/ 89).
(6) أخرج ابن أبي شيبة (1/ 146) عن وكيع، وابن أبي شيبة (1/ 340) وسعيد بن منصور (646) و (647) عن عبد العزيز بن محمد، كلاهما عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: "كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يدخلون المسجد ويخرجون منه، ولا يصلون فيه، ورأيت ابن عمر يفعله" لفظ عبد العزيز. وله لفظ آخر: "رأيت رجالًا من أصحاب رسول اللَّه =
(4/261)

ومنه تقريرهم على مبايعة عميانهم على مبايعتهم وشرائهم بأنفسهم من غير نهي لهم عن ذلك يومًا ما، وهو يعلم أن حاجة الأعمى إلى ذلك كحاجة البصير (1).
ومنه تقريرهم على قبول الهدية التي يخبرهم بها الصبي والعبد والأمة (2)، وتقريرهم على الدخول بالمرأة التي يخبرهم بها النساء أنها امرأته، بل الاكتفاء بمجرد الإهداء من غير إخبار.
ومنه تقريرهم على قول الشعر وإن تغزَّل أحدهم فيه بمحبوبته، وإن قال فيه ما لو أقر به في غيره لأخذ به كتغزل كعب بن زهير بسعاد (3)، وتغزّل حسان في شعره، وقوله فيه:
__________
= يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضئوا وضوء الصلاة". ولفظ وكيع عن هشام عن زيد (دون ذكر عطاء) قال: كان الرجل منهم يجنب، ثم يدخل المسجد، فيحدث فيه، وإسناده حسن. وانظر: "تهذيب السنن" (1/ 157 - 158)، و"طريق الهجرتين" (ص 379).
(1) بيع العميان من زمن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى الوقت الحاضر لم يمنعوا من بياعاتهم ولم ينكر عليهم أحد، قاله الكاساني في "بدائع الصنائع" (5/ 164).
قلت: وجوز النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لحبان بن منقذ البيع والشراء، وقال له: "إذا بايعت فقل لا خلابة"، وكان ضريرًا.
وأدلّة المانعين لا تنهض وليست في المسألة، انظرها ومناقشتها في كتاب أستاذنا ياسين دراركة -حفظه اللَّه-: "نظرية الغرر في الشريعة الإسلامية" (1/ 373 - 381)، "الإشراف" (2/ 497 مسألة 815) للقاضي عبد الوهاب وتعليقي عليه.
(2) انظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 363)، و"بدائع الفوائد" (1/ 6 و 3/ 145 - 146).
(3) روى قصته ابن إسحاق -كما في "سيرة ابن هشام" (4/ 157) - قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة فذكر قصة كعب بن زهير، وتغزله بسعاد في بداية القصيدة، وعاصم بن عمر هذا مات بعد المئة والعشرين وهو من الثقات، فالقصة مرسلة.
ورواه من طريق ابن إسحاق الحاكم في "المستدرك" (3/ 584).
وللقصة إسناد آخر وفيها تغزل كعب، أخرجها ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2706)، والحاكم في "المستدرك" (3/ 579) ومن طريقه البيهقي في "دلائل النبوّة" (5/ 207 - 211) وابن ديزيل في "جزئه" (ص 53)، وثعلب في "مجالسه" (2/ 340)، وأبو الفرج في "الأغاني" (15/ 142)، وابن خير الإشبيلي في "الفهرست" (400 - 401) من طريق إبراهيم بن المنذر الحزاميّ نا حجاج بن ذي الرُّقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير بن أبي سُلمى عن أبيه عن جده، وصححه الحاكم في (3/ 583) ووافقه الذهبي وذكر القصة بهذا الإسناد الحافظ ابن حجر في "الإصابة" في ترجمة كعب وقال: "ووقعت لنا بعلو في جزء إبراهيم بن ديزيل الكبير"، وسكت على الإسناد! مع أن الحجاج وأباه وجده لا ترجمة لهم!!
وروى القصة أيضًا الحاكم في "المستدرك" (3/ 582) ومن طريقه البيهقي في "دلائل النبوّة" (5/ 211) من طريق موسى بن عقبة في "مغازيه" لكن دون إسناد من موسى إلى النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-! =
(4/262)

كأن سبيئة (1) من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
ثم ذكر وصف الشراب، إلى أن قال:
ونشربها فتتركنا ملوكًا ... وأسدًا لا ينهنهنا اللقاء (2)
فأقرّهم على قول ذلك وسماعه، لعلمه ببرِّ قلوبهم ونزاهتهم وبعدهم عن كل دَنَسٍ وعيب، وأن هذا إذا وقع [مقدمة] (3) بين يدي ما يحبه اللَّه ورسوله من مدح الإسلام وأهله وذم الشرك وأهله والتحريض على الجهاد والكرم والشجاعة فمفسدته مغمورة جدًا في جنب هذه المصلحة، مع ما فيه من مصلحة هزّ النفوس واستمالة إصغائها وإقبالها على المقصود بعده، وعلى هذا جرت عادة الشعراء بالتغزّل بين يدي الأغراض التي يريدونها بالقصيد.
ومنه تقريرهم على رفع الصوت بالذكر بعد السلام، بحيث كان مَنْ هو خارج المسجد يعرف انقضاء الصلاة بذلك، ولا ينكره عليهم (4).
__________
= وروى أولها فقط الحاكم (3/ 582) من طريق محمد بن عبد الرحمن الأوقص عن ابن جدعان.
وابن جدعان هو علي بن زيد ضعيف، ثم بينه وبين النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مفاوز.
ولعل القصة بهذه الطرق يكون لها أصل، واللَّه أعلم. وانظر "القول المستجاد في بيان صحة قصيدة بانت سعاد" للعلامة إسماعيل الأنصاري رحمه اللَّه، و"توثيق قصيدة بانت سعاد في المتن والإسناد" للدكتور سعود الفنيان.
(1) في المطبوع "خبيئة"، وفي (ق): "سبية".
(2) ذكر هذه الأبيات ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام (4/ 43) - وأن حَسَّانًا قالها بعد فتح مكة- دون إسناد.
أما المؤلف -رحمه اللَّه- فقد ذكر في "زاد المعاد" (3/ 416 طبعة مؤسسة الرسالة) إن حسانًا قالها بعد عمرة الحديبية، وعلى الحالتين كان ذلك قبل تحريم الخمر، راجع: "أفعال الرسول" للأشقر (2/ 114 - 115) وقارن ب "نظم الدرر" للبقاعي (14/ 119 - 120)، وانظر: "ديوان حسان بن ثابت" (ص 56 - 57) بشرح البرقوقي، وفيه: "ما ينهنهنا"، وفي المطبوع: "كان خبيئة"، والتصويب من "الديوان" و (ن).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) روى البخاري (841) في الأذان: باب الذكر بعد الصلاة ومسلم (583) (122) في المساجد: باب الذكر بعد الصلاة عن ابن عباس: "أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال ابنُ عباس: كنت أعلمُ إذا انصرفوا لذلك إذا سمعتُهُ.
ومن الوجه نفسه؛ رواه البخاري (482) ومسلم (583) (120) و (121) ولفظه: كنا نعرف انقضاء صلاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالتكبير.
وانظر لبيان معنى الحديث: "فتح الباري" (2/ 225 - 326).
(4/263)

فصل (1)
وأما نقلهم لتركه -صلى اللَّه عليه وسلم- فهو نوعان، وكلاهما سنة:
أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله في شهداء أحد: "ولم يغسلهم ولم يُصل عليهم" (2)، وقوله في صلاة العيد: "لم يكن أذانٌ ولا إقامة ولا نداء" (3)، وقوله في جمعه بين الصلاتين: "ولم يُسبِّح بينهما ولا على إثر واحدة منهما" (4)، ونظائره.
والثاني: عدم نَقْلهم لِما لو فَعَله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله، فحيث لم ينقله واحد منهم ألبَتة ولا حدَّث به في مجمع أبدًا علم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفّط بالنية (5) عند دخوله في الصلاة (6)، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمّنون على دعائه دائمًا بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات (7)، وتركه وفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الثانية، وقوله: "اللهمّ اهدنا فيمن هديت"، يجهر بها ويقول المأمومون (8) كلهم: "آمين" (9)، ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغيرٌ ولا كبيرٌ ولا رجلٌ ولا امرأةٌ ألبتَّة، وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يخلّ به يومًا واحدًا، وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة، ولرمي الجمار، ولطواف
__________
(1) ما تحته تأصيل وتقعيد في الرد على رسالة الغماري: "حسن التفهم والدرك لمسألة الترك".
(2) رواه البخاري (1343) في (الجنائز): باب الصلاة على الشهيد، و (1346) باب من لم ير غسل الشهداء، و (1347) باب من يقدم في اللحد، و (1353) باب اللحد والشق في القبر، و (4079) في (المغازي): باب من قتل من المسلمين يوم أحد، من حديث جابر.
(3) رواه البخاري (960) في (العيدين): باب المشي والركوب إلى العيد بغير أذان ولا إقامة، ومسلم (886) في (العيدين)، من حديث ابن عباس، ورواية مسلم أتم.
(4) هو بهذا اللفظ الصريح: رواه البخاري (1673) في (الحج): باب من جمع بينهما ولم يتطوع.
وانظر أطراف الحديث في "صحيح البخاري" (1091).
(5) في (ن): "اللفظ بالنية".
(6) انظر: "زاد المعاد" (1/ 15)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 136 - 139)، و"تحفة المودود" (ص 93)، وكتابي: "القول المبين في أخطاء المصلين" (225).
(7) انظر: "زاد المعاد" (1/ 66)، وكتابي "القول المبين في أخطاء المصلين" (298).
(8) في المطبوع: "المأمون"، ولعل الصواب ما أثبته.
(9) انظر مبحث القنوت مطولًا في: "كتاب الصلاة" (127 - 129)، و"زاد المعاد" (1/ 69 - 73) للمؤلف رحمه اللَّه، وكتابي "القول المبين" (126 - 132).
(4/264)

الزيارة، ولصلاة الاستسقاء والكسوف، وعن هاهنا (1) يُعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنّة، فإن تَرْكه -صلى اللَّه عليه وسلم- سنة كما أن فِعْله سنة، فإذا أستحببنا قعل ما تَرَكه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق.
فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟
فهذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسنّته، وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وقُبِل لاستحبَّ لنا مستحبٌّ الأذانَ للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟ واستحبّ لنا مستحب آخر الغُسْلَ لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة: يرحمكمُ اللَّه، ورفع بها صوته، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحتا لنا آخر لبس السواد والطرحة للخطيب، وخروجه بالشاويش يصيح بين يديه ورفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر اسم اللَّه واسم رسوله جماعة وفُرادى، وقال: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ واستحبّ لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب، وقال: من أين لكم أنّ إحياءَهما لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة، وقال: كلُّ من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ ومن هذا تركه أخذ الزكاة من الخضروات والمباطخ وهم يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة، فلا يطالبهم بزكاة، ولا هم يؤدّونها إليه (2).

فصل [نقل الأعيان]
وأما نقل الأعيان وتعيين الأماكن فكنقلهم الصَّاع والمدّ وتعيين موضع المنبر، وموقفه للصلاة والقبر والحجرة ومسجد قباء وتعيين الروضة والبقيع والمصلى ونحو ذلك، ونقل هذا جارٍ مجرى نقل مواضع المناسك كالصَّفا والمروة ومنًى ومواضع الجمرات ومزدلفة وعرفة ومواضع الإحرام كذي الحُلَيْفة والجُحْفة وغيرهما.

فصل [نقل العمل المستمر]
وأما نقل العمل المستمر فكنقل الوقوف والمزارعة، والأذان على المكان
__________
(1) في (ق) و (ك): "هنا".
(2) انظر: "زاد المعاد" (1/ 149)، و"تهذيب السنن" (2/ 192) كلاهما للمصنف، وانظر مسألة الزكاة في الخضروات في "الإشراف" (2/ 154 مسألة 473) للقاضي عبد الوهاب المالكي، وتعليقي عليه.
(4/265)

المرتفع (1)، والأذان للصبح قبل الفجر، وتثنيه الأذان وإفراد الإقامة، والخطبة بالقرآن وبالسنن دون الخطبة الصناعية وبالتسجيع والترجيع التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فهذا النقل وهذا العمل حجة يجب اتّباعها، وسنّة متلقاة بالقبول على الرأس والعينين، وإذا ظفر العالم بذلك قَرَّت به عينُه، واطمأنت إليه نفسُه.

فصل [العمل الذي طريقه الاجتهاد]
وأما العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال فهو معترك النزال ومحل الجدال، قال القاضي عبد الوهاب (2): وقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ليس بحجة أصلًا، وأن الحجة هي إجماع أهل المدينة من طريق النقل، ولا يُرجَّح به أيضًا أحد الاجتهادين على الآخر، وهذا قول أبي بكر (3)، وأبي يعقوب الرازي، والقاضي أبي بكر بن منتاب (4)، والطيالسي والقاضي أبي الفرج والشيخ أبي بكر الأبهري (5)، وأنكروا أن يكون هذا مذهبًا لمالك أو لأحد من معتمدي أصحابه.
والوجه الثاني: أنه وإن لم يكن حجة فإنه يُرجَّح به اجتهادهم على اجتهاد غيرهم، وبه قال بعض الشافعية (6).
والثالث: أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجّة وإن لم يحرم خلافه،
__________
(1) انظر: "بدائع الفوائد" (4/ 74 - 75).
(2) في كتابه "أصول الفقه"، كما صرّح به ابن تيمية في "صحة أصول أهل المدينة" (33)، ونقل القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (1/ 47 وما بعد) والزركشي في "البحر المحيط" (4/ 485) والقرافي "نفائس الأصول" جلَّ هذا النقل عنه، وانظر: "عمل أهل المدينة" (ص 88 وما بعد).
(3) هو أبو بكر القاضي، محمد بن الطبب الباقلاني (المتوفى 403 ه) الملقّب بشيخ السنة، من رؤساء المذهب المالكي، له مصنفات كثيرة، ترجمته في "الديباج" (267)، و"شذرات الذهب" (3/ 168) ثم وجدته في "ترتيب المدارك" (1/ 50): "ابن بُكير" وهو الصواب واللَّه أعلم.
(4) كذا في المطبوع، وهو الصواب وفي (ن): "ابن مساب".
(5) وهذا الذي صححه الباجي في "إحكام الفصول" (482).
(6) في المطبوع: "بعض أصحاب الشافعي" وقال القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (1/ 51): "ولم يرتضه القاضي أبو بكر [الباقلاني]، ولا محققوا أئمتنا ولا غيرهم".
(4/266)

كإجماعهم من طريق النقل، وهذا مذهب قوم من أصحابنا، وهو الذي [يدل] عليه كلام أحمد بن المعذّل وابن بكير (1) وغيرهما، وذكر الشيخ أن في "رسالة مالك إلى الليث بن سعد" ما يدلّ عليه، وقد ذكر أبو مصعب (2) في "مختصره" مثل [ذلك] (3)، والذي صرّح به القاضي أبو الحسن بن أبي عمر (4) في "مسألته التي صنّفها على أبي بكر الصيرفي"، نقضًا لكلامه على أصحابنا في إجماع أهل المدينة، وإلى هذا يذهب جل أصحابنا المغاربة أو جميعهم.

[حال خبر الآحاد]
فأمّا حال الأخبار من طريق الآحاد فلا تخلو من ثلاثة أمور:
* إما أن يكون صحبها عمل أهل المدينة مطابقًا لها.
* أو أن يكون عملهم بخلافها.
* أو أن لا يكون منهم عمل أصلًا لا بخلاف ولا بوفاق.
فإن كان عملهم موافقًا لها كان ذلك آكد في صحتها (5) ووجوب العمل بها، إذا كان العمل من طريق النقل، وإن كان من طريق الاجتهاد كان (6) مرجحًا للخبر على ما ذكرنا من الخلاف، وإن كان عملهم بخلافه نُظر، فإن كان العمل المذكور على الصفة [المذكورة] (7) التي ذكرناها فإن الخبر يُترك للعمل عندنا، لا خلاف بين أصحابنا في ذلك، وهذا أكبر الغرض بالكلام في هذه المسألة، وهذا كما نقوله في الصاع والمد وزكاة الخضراوات وغير ذلك.
__________
(1) في المطبوع: "وأبي بكر"، والمثبت من النسخ الخطية. و"نفائس الأصول" وعند القاضي عياض: "وعليه يدل كلام أحمد بن المعذل وأبي مصعب وإليه ذهب أبو الحسن بن أبي عمر من البغداديين وجماعة من المغاربة من أصحابنا".
(2) هو أحمد بن أبي بكر الزهري (المتوفى 242 ه)، له كتاب "مختصر في قول مالك"، مشهور، فقيه أهل المدينة من غير مدافع، روى عنه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" ترجمته في "ترتيب المدارك" (4/ 347).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) هو علي بن ميسرة القاضي، ولي قضاء إنطاكية، له كتاب في "إجماع أهل المدينة" من طبقة الأبهري من العراقيين، ترجمته في "الديباج المذهب" (197)، ووقعت كنيته في النسخ المطبوعة من "الإعلام" و (ك): "أبو الحسين"!!
(5) في (ق): "تصحيحها".
(6) في (ن): "وكان".
(7) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(4/267)

وإن كان العمل منهم اجتهادًا، فالخبر أولى منه عند جمهور أصحابنا، إلّا من قال منهم: إن الإجماع من طريق الاجتهاد حجة.
وإن لم يكن في المدينة (1) عمل يوافق موجب الخبر أو يخالفه، فالواجب المصير إلى الخبر، فإنه دليل منفرد عن مُسْقِط أو معارض.

[تقديم عمل أهل المدينة المتصل على خبر الآحاد]
وهذا (2) جملة قول أصحابنا في هذه المسألة، وقد تضمّن ما حكاه أن عملهم الجاري مجرى النقل حجة، فإذا أجمعوا عليه فهو مقدَّم على غيره من أخبار الآحاد، وعلى هذا الحرف بَنَى المسألة وقرَّرها، وقال: والذي يدل على ما قلناه أنهم إذا أجمعوا على شيء نقلًا أو عملًا متصلًا، فإن ذلك الأمر معلوم بالنقل المتواتر الذي يحصل به العلم، [وينقطع العذر فيه، ويجب ترك أخبار الآحاد له؛ لأن المدينة بلدة جمعت من الصحابة مَنْ يقع العلم] (3) بخبرهم فيما أجمعوا على نقله، فما هذا سبيله إذا ورد خبرُ واحدٍ بخلافه كان حجّة على ذلك الخبر وتُرك له، كما لو روي لنا خبر واحد فيما تواتر به نقل جميع الأمة لوجب ترك الخبر للنقل المتواتر من جميعهم، فيقال: من المحال عادةً أن يُجمعوا على شيء نقلًا أو عملًا متصلًا من عندهم إلى زمن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه وتكون السنة الصحيحة الثابتة قد خالفته، هذا من أبْيَن الباطل، وإن وقع ذلك فيما أجمعوا عليه من طريق الاجتهاد فإن العصمة لم تُضْمن لاجتهادهم، فلم يجمعوا من طريق النقل ولا العمل المستمر على هذه الشريطة على بطلان خِيَار المجلس، ولا على التسليمة الواحدة، ولا على القنوت في الفجر قبل الركوع، ولا على ترك الرفع عند الركوع والرفع منه، ولا على ترك السجود في المُفصَّل، ولا على ترك الاستفتاح والاستعاذة قبل الفاتحة، ونظائر ذلك، كيف وقدماؤهم الذين نقلوا العلم الصحيح الثابت الذي كأنه رأي عين عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه بخلاف ذلك؟ فكيف يقال: إن تركه عمل مستمر من عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى الآن؟ هذا من المحال، بل نقلهم الصاع والمد والوقوف والأخاير (4) وترك زكاة الخضراوات
__________
(1) في المطبوع: "بالمدينة".
(2) في (ق) و (ك): "هذا" دون واو في أوله.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) في (ق) بالحاء المهملة، وفي المطبوع بالخاء المعجمة، وهو الصواب.
(4/268)

حق، ولم يأت عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سنة تخالفه ألبتّة، ولهذا رجع أبو يوسف إلى ذلك كلّه بحضرة الرشيد لمّا ناظره مالك (1) وتبيّن له الحق، فلا يلحق بهذا عملهم من طريق الاجتهاد، ويُجعل ذلك نقلًا متصلًا عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتُترك له السنن الثابتة، فهذا لون [وذلك] (2) لون، وبهذا التمييز والتفصيل يزول الاشتباه ويظهر الصواب.

[العمل في المدينة بعد انقراض عصر الصحابة]
ومن المعلوم أن العمل بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين والصحابة بالمدينة كان بحسب مَنْ فيها من المفتين والأمراء والمحتسبين على الأسواق، ولم تكن الرعية تُخالف هؤلاء، فإذا أفتى المفتون نفَّذه الوالي، وعمل به المُحتسب، وصار عملًا، فهذا هو الذي لا يُلتفت إليه في مخالفة السنن، لا عمل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وخلفائه والصحابة فذاك هو السنة، فلا يُخلط أحدهما بالآخر، فنحن لهذا العمل أشدُّ تحكيمًا، وللعمل الآخر إذا خالف السنة أشدُّ تركًا، وباللَّه التوفيق.
وقد كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يفتي وسليمان بن بلال المحتسب ينفِّذ فتواه فتعمل الرعية بفتوى هذا وتنفيذ هذا، كما يطّرد العمل في بلد أو إقليم ليس فيه إلّا قول مالك على قوله وفتواه، ولا يجوِّزون العمل هناك بقول غيره من أئمّة الإسلام، فلو عمل به أحد لاشتدّ نكيرهم عليه، وكذلك [كل] (3) بلد أو إقليم لم يظهر فيه إلّا مذهب أبي حنيفة، فإن العمل المستمر عندهم على قوله، وكل طائفة اطرد عندهم عمل [من] (4) وصل إليهم قوله ومذهبه ولم يألفوا غيره.
ولا فرق في هذا العمل بين بلد وبلد، والعمل الصحيح ما وافق (5) السنة.

[تغير عمل أهل المدينة من عصر إلى عصر]
وإذا أردت وضوح ذلك فانظر العمل في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- في جهره بالاستفتاح في الفرض في مصلَّى النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وعمل الصحابة به (6)، ثم العمل في زمن مالك بوصل التكبير بالقراءة من غير
__________
(1) انظر تفصيل ذلك في "حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي" (ص 29).
(2) في (ق) و (ك): "وذاك".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ن) و (ك): "ما وافقته".
(6) رواه مسلم في "صحيحه" (399) (52) في "الصلاة": باب حجة من قال: لا يجهر =
(4/269)

استفتاحٍ ولا تعوّذ (1).
وانظر العمل في زمن الصحابة كعبد اللَّه بن عمر في [اعتبار] (2) خيار المجلس ومفارقته لمكان التبايع ليلزم العقد (3) ولا يخالفه في ذلك صحابي، ثم العمل به في زمن التابعين، وإمامُهم وعالمهم سعيد بن المسيب يُفتي به ويعمل به ولا ينكره عليه مُنكر، ثم صار العمل في زمن ربيعة وسليمان بن بلال بخلاف ذلك.
__________
= بالبسملة من طريق الوليد بن مسلم: حدّثنا الأوزاعي عن عبدة أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهمّ وبحمدك.
وعبدة هو ابن أبي لبابة، قال أبو حاتم: رأى ابن عمر رؤية، وقال العلائي (ص 231): أخرج له مسلم عن عمر والظاهر أنه مرسل إذا كان لم يدرك ابن عمر وأم سلمة.
أقول: ورواية مسلم هذه في الشواهد، وانظر: "تذكرة المحتاج" (ص 45 - 46) لابن الملقن، و"شرح النووي على مسلم" (4/ 111 - 112)، و"غرر الفوائد المجموعة" (2/ 778 - ملحق بآخر كتابي "الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح")، و"التلخيص الحبير" (1/ 229).
وروى الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 111) من طريق الحكم عن عمرو بن ميمون، قال: صلّى بنا عمر -رضي اللَّه عنه- بذي الحليفة فقال: اللَّه أكبر سبحانك اللَّهمّ وبحمدك. . . ورجاله ثقات.
وله طريق آخر، خرجته في "الطهور" (رقم 96) لأبي عبيد القاسم بن سلام.
وفي "مصنف عبد الرزاق" (2/ 75) روايات عن عمر في دعاء الاستفتاح، لكن ليس فيها أنه كان يجهر بها.
وانظر حول دعاء الاستفتاح، وترجيح ابن القيم القول بسنيته: "زاد المعاد" (1/ 52)، و"الإشراف" (1/ 251 مسألة 172) للقاضي عبد الوهاب وتعليقي عليه.
(1) "عقد الجواهر الثمينة" (1/ 132)، و"التلقين" (1/ 103)، و"الذخيرة" (2/ 187)، "المدونة" (1/ 161)، "المعونة" (1/ 216)، "بداية المجتهد" (1/ 96)، "قوانين الأحكام" (ص 75)، "جامع الأمهات" (ص 94)، "الإشراف" (1/ 251 مسألة 172 - بتحقيقي).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) رواه البخاري (2107) في (البيوع): باب كم يجوز الخيار؟ وعلَّقه في (2116) باب إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته قبل أن يتفرّقا، ولم ينكر البائع على المشتري، وهذا وصله أبو نعيم والإسماعيلي -كما في "الفتح" (4/ 336) -، ومسلم (1531) في (المساقاة): باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين.
وانظر: "فتح الباري" (4/ 328)، و"الموافقات" (1/ 425 - بتحقيقي)، و"الإشراف" (2/ 436 مسألة 758 - بتحقيقي).
(4/270)

وانظر إلى العمل في زمن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والصحابة خَلْفه وهم يرفعون أيديهم في الصلاة في الركوع والرفع منه (1)، ثم العمل في زمن الصحابة بعده حتى كان عبد اللَّه بن عمر إذا رأى من لا يرفع يديه حَصَبه (2)، وهو عمل كأنه (3) رأي عَيْن، وجمهور التابعين يعمل به في المدينة (4) وغيرها من الأمصار كما حكاه البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما [عنهم] (5)، ثم صار العمل بخلافه.
وانظر إلى العمل الذي كأنه رأي عين من صلاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على ابني بَيْضاء: سُهيل وأخيه في المسجد والصحابة معه (6)، وصلَّت عائشة على سعد بن
__________
(1) تقدم تفصيل لهذا الإجمال وتخريجه هناك، وذكر في "زاد المعاد" (1/ 218 - 219 - ط. مؤسسة الرسالة) أنه ورد الرفع عن ثلاثين نفسًا.
(2) رواه البخاري في "جزء رفع اليدين" (15) عن الحميدي -وهو في "مسنده" (رقم 615 - ط. الأعظمي، ورقم 627 - ط. حسين أسد) - والدارقطني (1/ 289)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص 218)، والسهمي في "تاريخ جرجان" (ص 433)، وابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد" (ص 83) جميعهم من طريق الوليد بن مسلم: سمعت زيد بن واقد يحدث عن نافع به، وإسناد صحيح، وصرّح الوليد بالتحديث.
لكنه قال: رماه بالحصى.
وباللفظ الذي ذكره المؤلف عزاه الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (1/ 220) "للمسند" -ولم أجده فيه- ولم يذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 101 - 103)، ولا ابن حجر نفسه في "أطراف المسند" واقتصر في "إتحاف المهرة" (9/ 90) في عزوه على الدارقطني، وأهمل أحمد، وقد ذكره الحافظ أيضًا في "الفتح" (2/ 220)، وعزاه للبخاري في "جزئه" فقط، وهو في "مسائل عبد اللَّه لأبيه" (ص 70 - ط. المكتب الإسلامي).
وعزاه ابن عبد البر في "التمهيد" (5/ 65) لأبي بكر الأثرم عن أحمد، وانظر: "تنقيح التحقيق" (1/ 769).
(3) في المطبوع: "كان".
(4) في المطبوع: "بالمدينة".
(5) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 89 - 90 و 4/ 91)، و"زاد المعاد" (1/ 52، 55، 62 - 63)، و"تهذيب السنن" (1/ 368 - 369)، جميعها للمصنف.
وانظر: "جزء رفع اليدين" للبخاري (ص 154 وما بعد)، و"المحلى" (4/ 79 - 80)، و"الاستذكار" (2/ 126 - ط. المصرية القديمة)، و"إيضاح أقوى المذهبين في مسألة رفع اليدين" لأبي حفص عمر بن عيسى الباريني (ت 764 ه)، نشر دار البخاري، المدينة النبوية.
وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) رواه مسلم (973) (101) من حديث عائشة، قالت: واللَّه ما صلّى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على ابني بيضاء إلّا في المسجد: سُهيل وأخيه.
ورواه (973) (99) و (105) قالت: "ما صلّى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على سُهيل بن بيضاء. . . " فقط.
(4/271)

أبي وقاص في المسجد (1).
وصُلِّي على (2) عمر بن الخطاب في المسجد، ذكره مالك عن نافع عن عبد اللَّه (3)، قال الشافعي: ولا نرى أحدًا من الصحابة حضر موته فتخلَّف عن جنازته، فهذا عمل مجمع عليه عندكم، قاله لبعض المالكية، وروى هشام عن أبيه أنَّ أبا بكر صُلِّي عليه في المسجد (4)، فهذا العمل حق (5)، ولو تركت السنن للعمل لتعطَّلت سنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ودرست رسومها وعَفَت آثارها، وكم من عمل قد اطّرد بخلاف السنة الصريحة على تقادم الزمان وإلى الآن، وكل وقت تُترك سنة ويُعمل بخلافها ويستمر عليها العمل فتجده (6) يسيرًا من السنة معمولًا به على نوع تقصير.
__________
(1) هو في الحديث السابق، لكن هي أمرت أن يدخل إلى المسجد، فيُصلّى عليه.
وجزم الحافظ ابن حجر في "الإصابة" أنه صُلّي عليه في المسجد.
(2) في (ق): "وصلى علي على عمر".
(3) رواه مالك (1/ 230)، ومن طريقه ابن أبي شيبة (3/ 242)، وعبد الرزاق (6577) عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: صُلّي على عمر في المسجد، وإسناده صحيح غاية.
وانظر الهامش الآتي.
وله إسناد آخر: رواه ابن أبي شيبة (3/ 243)، وفيه مجاهيل.
(4) رواه عبد الرزاق (6576) -ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (5/ 162) - وابن أبي شيبة (3/ 242)، وابن سعد (3/ 206، 207)، وأبو بكر الدينوري في "المجالسة" (رقم 2179 - بتحقيقي) من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه -وفي رواية عند ابن سعد: عن أبيه أو غيره، شك وكيع- قال: ما صُلّي على أبي بكر إلّا في المسجد، وهذا إسناد منقطع عروة لم يدرك أبا بكر، ولد في خلافة عثمان.
ورواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (1/ 185 - 186 رقم 120) عن ابن أبي عمر عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن مولى لهم قال: "صُلِّي على أبي بكر -رضي اللَّه عنه- في المسجد".
وأخرج ابن سعد (3/ 206) عن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب أن أبا بكر وعمر صلِّي عليهما في المسجد تجاه المنبر.
وأخرج ابن سعد (3/ 207)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (ص 80 - أخبار الشيخين) عن ابن جريج عن بعض ولد سعد: أن عمر حين صلّى على أبي بكر في المسجد ربَّع.
وذكره الحافظ في "الفتح" (3/ 199) ساكتًا عنه.
(5) انظر: "زاد المعاد" (1/ 140 و 3/ 47)، و"تهذيب السنن" (4/ 325)، و"الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (1/ 93 - 94 مسألة رقم 417) وتعليقي عليه.
(6) في (ق): "فخذ".
(4/272)

[تعطيل السنن بتركها]
وخذ بلا حسبان (1) ما شاء اللَّه من سنن قد أهملت وعُطِّل العمل بها جملة، فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس: تركت السنة، فقد تقرّر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل ألبتّة، وإنما يقع من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودًا، وكل عمل طريقه النقل فإنه لا يخالف سنة صحيحة ألبتّة.
فلنرجع إلى الأمثلة التي تُرك فيها المحكم للمتشابه، فنقول:

[الجهر بآمين]
المثال السابع والخمسون: ترك السنة المحكمة الصحيحة في الجهر بآمين في الصلاة (2)؛ كقوله في "الصحيحين": "إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا فإنه مَنْ وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفر له [ما تقدَّم من ذنبه"] (3)، ولولا جهره بالتأمين لما أمكن
المأموم أن يؤمّن معه ويوافقه في التأمين، وأصرح من هذا حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كُهَيْل، عن حُجْر بن عَنْبَس، عن وائل بن حُجْر قال: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا قال: ولا الضالين، قال: آمين، ورفع بها صوته"، وفي لفظ: "وطوَّل بها" (4)، رواه الترمذي وغيره، وإسناده صحيح.
__________
(1) في المطبوع: "بلا حساب".
(2) انظر: "زاد المعاد" (1/ 52)، و"بدائع الفوائد" (3/ 52)، و"تهذيب السنن" (1/ 438 - 439).
(3) رواه البخاري (780) في (الأذان) باب جهر الإمام بالتأمين، و (6402) في (الدعوات): باب التأمين، ومسلم (410) في (الصلاة): باب التسميع والتحميد والتأمين، من حديث أبي هريرة.
وله لفظ آخر عن أبي هريرة أيضًا: "إذا قال الإمام: "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" فقولوا: آمين، فإنه من وافق. . . ".
رواه البخاري (782 و 4475)، ومسلم (410) (76).
وما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(4) رواية سفيان عن سلمة به: أخرجها ابن أبي شيبة (2/ 425)، وأحمد (4/ 316 و 317)، وأبو داود (932) في (الصلاة): باب التأمين وراء الإمام، والترمذي (248) في (الصلاة): باب ما جاء في التأمين، والدارمي (1/ 284)، والطبراني في "الكبير" (22/ رقم 111)، والدارقطني (1/ 334)، والبيهقي (2/ 57)، والبغوي (586). =
(4/273)

وقد خالف شعبة سفيان في هذا الحديث، فقال: "وخفض بها صوته"، وحكم أئمة الحديث وحفاظه في هذا لسفيان، فقال الترمذي (1): "سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كُهَيْل في هذا الباب أصح من حديث شعبة، أخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع، فقال: "عن حُجْر أبي العَنْبَس"، وإنما كنيته أبو السَّكن، وزاد فيه: علقمة بن وائل، وإنما هو حُجْر بن عَنْبَس عن وائل بن حُجْر، ليس فيه علقمة، وقال: "وخفض بها صوته"، والصحيح أنه جهر بها". قال الترمذي (2): "وسألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة [هذا] (3)، فقال: حديث سفيان أصحّ من حديث شعبة، وقد روى العلاء بن صالح عن سلمة بن كُهَيْل نحو رواية سفيان".
وقال الدارقطني (4): "كذا قال شعبة: "وأخفى بها صوته"، ويقال: إنه وَهِمَ فيه؛ لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كُهَيْل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: "ورفع صوته بآمين"، وهو الصواب". وقال البيهقي (5): "لا أعلم اختلافًا بين أهل العلم بالحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان (6)، وقال
__________
= ورواه أيضًا عن سلمة ابنه محمد، أخرجه الطبراني في "الكبير" (22/ رقم 113).
ورواه أيضًا العلاء بن صالح: رواه ابن أبي شيبة (1/ 299)، وأبو داود (933)، والترمذي (249)، والطبراني (22/ رقم 114)، ووقع عند أبي داود (علي بن صالح) وهو وهم، قاله المزي.
والذي قاله في هذا الحديث: "وأخفى بها صوته" شعبة، وروايته عند الطيالسي (1024) -ومن طريقه البيهقي (2/ 57) -، وقد اختلف عليه، فرواه مرة كرواية عامة أصحابه، أخرجه الطبراني (22/ رقم 109)، ورواه مرة فأقام إسناده ومتنه، أخرجه البيهقي (2/ 57) وصحح إسناده في "المعرفة"، والمشهور عن شعبة خلاف رواية الثوري، والصحيح رواية الثوري، قال ابن حجر في "التلخيص": "قد رجحت رواية سفيان بمتابعة اثنين له، بخلاف شعبة، فلذلك جزم النقاد بأن روايته أصح"، انظر نقولات المصنف الآتية، وكلامه في "تهذيب السنن" (1/ 438). وانظر: "تنقيح التحقيق" (2/ 832 - 833 ط. عامر صبري)، و"الأحكام الوسطى" (2/ 177)، و"بيان الوهم والإيهام" (3/ 373 - 375)، و"السلسلة الصحيحة" (رقم 464). وانظر: "نصب الراية" (1/ 371)، و"التلخيص" (1/ 237)، وجزئنا المفرد في طرق هذا الحديث: "القول الجلي في صفة صلاة النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الواردة في حديث وائل بن حجر الحضرمي"، يسر اللَّه إتمامه ونشره.
(1) في "جامعه" (2/ 28 - 29 - ط. شا كر).
(2) في "جامعه" أيضًا (2/ 29).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في "سننه" (1/ 334).
(5) في "الخلافيات" (2/ 64 - مختصره)، وبعضه في "معرفة السنن" (1/ 531).
(6) انظر: "تهذيب التهذيب" (4/ 111 - 115).
(4/274)

يحيى بن سعيد: ليس أحد أحبّ إليّ من شعبة، ولا يعدله عندي أحد، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان، وقال شعبة: سفيان أحفظ مني" (1)، فهذا ترجيح لرواية سفيان، وترجيح ثان، وهو متابعة العلاء بن صالح (2) ومحمد بن سلمة بن كهيل (3) له، وترجيح ثالث، وهو أن أبا الوليد الطيالسي -وحسبك به- رواه عن شعبة بوفاق الثوري في متنه (4)، فقد اختلف على شعبة كما ترى، قال البيهقي (5): "فيحتمل أن يكون تنبَّه لذلك فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر [ذلك] (6) علقمة في إسناده"، وترجيح رابع، وهو أن الروايتين لو تقاوَمَتا لكانت رواية الرفع متضمّنة لزيادة وكانت أولى بالقبول، وترجيح خامس، وهو موافقتها وتفسيرها لحديث أبي هريرة: "إذا أمَّن الإمام فأمَّنوا، فإن الإمام يقول: آمين، والملائكة تقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له" (7)، وترجيح سادس، وهو ما رواه الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا فرغ من قراءة أمّ القرآن رفع صوته بآمين" (8)، ولأبي داود بمعناه، وزاد بيانًا فقال:
__________
(1) انظر: "تاريخ ابن معين" (2/ 215 - رواية الدوري)، و"التهذيب" (4/ 113 - 115).
(2) تقدم تخريجه.
(3) تقدم تخريجه.
(4) رواه البيهقي (2/ 57).
(5) في "الخلافيات" (2/ 65 - مختصره).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) رواه البخاري (780) في (الأذان): باب جهر الإمام بالتأمين، و (781) باب فضل التأمين، و (782) باب جهر المأموم بالتأمين، و (4475) في (التفسير): باب "غير المغضوب عليهم ولا الضالين"، و (6402) في (الدعوات): باب التأمين، ومسلم (410)، من حديث أبي هريرة قريبًا منه.
وأقرب لفظ لهذا المذكور: رواه النسائي (2/ 144) في (الصلاة): باب جهر الإمام بآمين.
وعزاه الحافظ في "الفتح" (2/ 264) للسراج وأبي داود، ولكن ليس لفظه هكذا في "سنن أبي داود".
(8) هو في "المستدرك" (1/ 223)، ورواه أيضًا ابن حبان (1806)، وابن خزيمة (571)، والدارقطني (1/ 335)، وابن عبد البر في "التمهيد" (7/ 14)، والبيهقي في "السنن" (2/ 58)، وابن الجوزي في "التحقيق" (2/ 247 رقم 519 - ط. قلعجي) كلّهم من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزُّبيدي عن عمرو بن الحارث: حدثنا عبد اللَّه بن سالم عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري عن سعيد وأبى سلمة عنه.
قال الدارقطني: إسناده حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
ونقل الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (1/ 236) أن البيهقي قال: حسن صحيح.
ولبس هو في "سننه"، وإنما نقل تحسينه عن الدارقطني. =
(4/275)

"قال آمين حتى يُسمع مَنْ يليه من الصف الأول" (1)، وفي رواية عنه: "كان النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]، قال: آمين، يرفع بها صوته، ويأمر بذلك" (2)، وذكر البيهقي عن عليّ [كرّم اللَّه وجهه] (3) قال: "سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: آمين إذا قرأ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} " (4).
__________
= أقول: وهذا إسناد فيه مقال، إسحاق بن إبراهيم قال أبو حاتم: شيخ لا بأس به، ولكنهم يحسدونه، سمعت يحيى بن معين أثنى عليه خيرًا، وقال النسائي: ليس بثقة.
وعمرو بن الحارث هو الحمصي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الذهبي: "لا تعرف عدالته"، واختلف فيه عن الزبيدي في إسناده ومتنه، قاله الدارقطني في "العلل" (8/ 85)، وانظر: "مرويات الإمام الزهري المعلّة" (2/ 865).
وقد علّق معناه عن أبي هريرة البخاري في "صحيحه" بعد (782) من حديث أبي نعيم المجمر عنه.
وهذا وصله أحمد (2/ 497)، والنسائي (2/ 134)، وابن الجارود (184)، وابن خزيمة (499)، والحاكم (1/ 232)، وابن حبان (1797)، والبيهقي (2/ 58)، من طريق سعيد بن أبي هلال عنه، قال: "صلّيتُ وراء أبي هريرة فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم قرأ بأمّ الكتاب حتى إذا بلغ غير المغضوب عليهم ولا الضالين! قال: آمين، وقال الناس: آمين. . . ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-"، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(1) رواه أبو داود (934) في (الصلاة): باب التأمين وراء الإمام، وابن ماجه (853) في (إقامة الصلاة): باب الجهر بآمين، وأبو يعلى (6220)، والمزي في "تهذيب الكمال" (34/ 28) من طريق بشر بن رافع عن أبي عبد اللَّه ابن عم أبي هريرة عن أبي هريرة.
قال البوصيري في "الزوائد" (1/ 175): "هذا إسناد ضعيف أبو عبد اللَّه لا يعرف حاله، وبشر ضعفه أحمد".
أقول: وقد ذكره البوصيري في "الزوائد" مع أنه في "سنن أبي داود" لوجود زيادة في لفظه.
وانظر: "نصب الراية" (1/ 371)، و"التلخيص الحبير" (1/ 238)، و"تنقيح التحقيق" (2/ 835 - ط. عامر صبري).
(2) في "سنن الدارقطني" (1/ 335) من طريق بحر السقاء عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا قال: ولا الضالين، قال: آمين، ورفع بها صوته.
وقال: بحر السقاء ضعيف. وانظر: "علل الدارقطني" (8/ 89).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) رواه ابن ماجه (854) في (إقامة الصلاة): باب الجهر بآمين، وابن أبي حاتم في "علله" (1/ 93)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (ق 1/ 96) من طريق ابن أبي ليلى عن سَلَمة بن كهيل عن حُجيّة بن عَديّ عن علي به. =
(4/276)

[وعنده أيضًا] (1) "أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا قرأ ولا الضالين رفع صوته بآمين" (2)، وعند أبي داود عن بلال أنه قال للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تسبقني بآمين" (3)، قال الرَّبيع: سئل الشافعي عن الإمام: هل يرفع صوته بآمين؟ قال: نعم، ويرفع بها مَنْ خلفه أصواتهم، فقلت: وما الحجَّة؟ فقال: أخبرنا مالك، وذكر حديث أبي هريرة المتفق على صحته، ثم قال: ففي قول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا" (4)، دلالة على أنه أَمَر الإمام أن يجهر بآمين؛ لأَنَّ مَنْ خلفه لا يعرفون وقت تأمينه إلّا بأن يسمع تأمينه، ثم بيَّنه ابنُ شهاب فقال: وكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: آمين، فقلت للشافعي: فإنَّا نكره للإمام أن يرفع صوته بآمين، فقال: هذا خلاف ما روى صاحبنا وصاحبكم عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولو لم يكن عندنا وعندهم علم إلّا هذا الحديث الذي ذكرناه عن مالك، فينبغي أن يستدلَّ بأن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يجهر بآمين، وأنه أمر الإمام أن يجهَر بها، فكيف ولم يزل أهلُ العلم عليه؟ " (5).
وروى وائل بن حُجْر أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كان يقول: آمين يرفع بها صوته" (6)، ويَحكي مَدَّه إياها، وكان أبو هريرة يقول للإمام: لا تسبقني بآمين، وكان يؤذِّن
__________
= قال أبو حاتم: هذا خطأ إنما هو سلمة عن حجر أبي العنبس عن وائل بن حجر عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهذا من ابن أبي ليلى. كان ابن أبي ليلى، سيء الحفظ.
ومما يدل على وهم ابن أبي ليلى أن المطلب بن زياد رواه عنه عن عدي بن ثابت عن زر عن علي به.
ذكره ابن أبي حاتم (1/ 93)، قال أبو حاتم: هذا خطأ.
ورواه أيضًا عن عبد الكريم عن عبد اللَّه بن الحارث عن ابن عباس عن علي ذكره الدارقطني في "علله" (3/ 186) ثم قال: والاضطراب في هذا من ابن أبي ليلى لأنه كان سيء الحفظ، والمشهور عنه حديث حجية بن عدي.
وضعفه البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 175).
(تنبيه): عزا المؤلف الحديث للبيهقي، ولم أجده لا في "السنن" ولا في "المعرفة"، وهو في "الخلافيات" (2/ 66 - 67 - مختصره) له.
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "وعنه أيضًا رضي اللَّه عنه" وفي (ق): "وعنده أيضًا عنه".
(2) سبق في الذي قبله.
(3) مضى تخريجه، وهو في "سنن أبي داود" (937)، وروي مرسلًا، أفاده المنذري في "مختصر سنن أبي داود" (1/ 440).
(4) أقرب لفظ لهذا ما رواه مسلم (410) (74) و (75)، وهو في "الأم" (1/ 109)، و"الخلافيات" (1/ 67 - مختصره).
(5) انظر: "الأم" (1/ 109)، و"الخلافيات" (2/ 67 - 68 - مختصره).
(6) مضى تخريجه.
(4/277)

[له] (1)، أنبأنا مسلم بن خالد، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء: كنت أسمع الأئمّة: ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين، ومَنْ خلفهم آمين، حتى إن للمسجد للجَّة (2) "، وقوله: "كان أبو هريرة يقول للإمام لا تسبقني بآمين"، يريد ما ذكره البيهقي بإسناده عن أبي رافع أن أبا هريرة كان يؤذّن لمروان بن الحكم، فاشترط [عليه] (3) أن لا يسبقه بالضالين، حتى يعلم أنه قد وَصلَ إلى الصَّف، فكان مروان إذا قال: {وَلَا الضَّالِّينَ}، قال أبو هريرة: (آمين) يمدّ بها صوته (4)، وقال: إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم (5). وقال عطاء: أدركت مئتين من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا المسجد إذا قال الإمام: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} سمعتُ لهم رجَّة بآمين (6).
__________
(1) مضى تخريجه، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) رواه الشافعي في "مسنده" (1/ 82)، ومن طريقه البيهقي في "السنن" (2/ 59)، و"الخلافيات" (2/ 68 - مختصره)، ومسلم بن خالد هذا وثّقه ابن معين، وضعّفه في مرة أخرى، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لا يحتجّ به.
وضعفه أبو داود، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وهو حسن الحديث.
وذكر له الذهبي جملة من الأحاديث ثم قال: فهذه الأحاديث وأمثالها يُرَدَّ بها قوة الرجل ويُضَعَّف، وفيه عنعنة ابن جريج، ولعله تلقاه عن خالد بن أبي نوف فقد رواه عن عطاء بلفظ: "أدركت مئتين من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا المسجد (يعني الحرام)، إذا قال الإمام: {وَلَا الضَّالِّينَ} رفعوا أصواتهم بآمين"، وفي رواية: "سمعت لهم رجّة بآمين"، أخرجه ابن حبان في "الثقات" (2/ 74)، والبيهقي (2/ 59)، وخالد هذا مترجم في "الجرح والتعديل" (1/ 2/ 355 - 356) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
والأثر علّقه البخاري في "صحيحه" باب جهر الإمام بالتأمين قبل رقم (780) بصيغة الجزم، وقال ابن حجر في "الفتح" (2/ 208): "وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، وقال: ويعني ابن جريج، قلت له: أكان ابن الزبير يؤمن على إثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمن من وراءه حتى أن للمسجد لجّة، ثم قال: إنما آمين دعاء"، وهو في "مصنف عبد الرزاق" (2640)، ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (3/ 364)، وقد صرح ابن جريج في هذه الرواية أنه تلقى ذلك عن عطاء مباشرة، فأمنّا بذلك تدليسه، وثبت بذلك هذا الأثر عن الزبير، قاله شيخنا الألباني في "الضعيفة" (952).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 59)، و"الخلافيات" (2/ 513 - 514 - مختصره)، وإسناده صحيح.
(5) مضى تخريجه.
(6) رواه ابن حبان في "الثقات" (2/ 74)، والبيهقي (2/ 59) من طريق علي بن الحسن بن شقيق أنبانا أبو حمزة عن مطرف عن خالد بن أبي نوف عنه. =
(4/278)

فردّ هذا كله بقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204]، والذي أنزلت عليه هذه الآية هو الذي رفع صوته بالتأمين، والذين أمروا بها رفعوا به أصواتهم، ولا معارضة بين الآية والسنة بوجهٍ ما.

[بيان الصلاة الوسطى]
المثال الثامن والخمسون: ترك القول بالسنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن الصلاة الوسطى صلاة العصر (1)، بالمتشابه من قوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، وهذا عَجبٌ من العجب، وأعجب منه تركها بأن في مصحف عائشة: (وصلاة العصر)، وأعجب منهما تركها بأن صلاة الظهر تقام في شدّة الحر وهي في وسط النهار، فأكَّدها اللَّه تعالى بقوله: {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238]، وأعجب من ذلك تركها بأن المغرب وسطى بين الثنائية والرباعية، فهي أحق بهذا الاسم من غيرها، وأعجب منه تركها بأن صلاة العشاء قبلها صلاة آخر النهار، وبعدها صلاة أوّل النهار، وهي وسطى بينهما، فهي أحق بهذا الاسم من غيرها، وقول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ونصّه الصريح [المحكم] (2) الذي لا يحتمل إلّا ما
__________
= وخالد بن أبي نوف هذا تقدم في الذي قبله.
وأبو حمزة هو محمد بن ميمون المروزي ثقة فاضل.
(1) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم 628)، والترمذي في "الجامع" (رقم 181 و 2985)، والطيالسي في "المسند" (رقم 366)، وأحمد في "المسند" (1/ 392، 403، 404، 456)، وغيرهم عن ابن مسعود مرفوعًا.
وأخرجه الترمذي في "جامعه" (أبواب الصلاة): باب ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر (1/ 340 - 341/ رقم 182)، و (أبواب تفسير القرآن): باب ومن سورة البقرة (5/ 217/ رقم 2983)، وأحمد في "المسند" (5/ 7، 8، 12، 13، 22)، والطبراني في "الكبير" (رقم 6823، 6824، 6825، 6826)، وابن جرير في "التفسير" (2/ 344)، والبيهقي في "الكبرى" (1/ 460)، والدمياطي في "كشف المغطَّى في تبيين الصلاة الوسطى" (رقم 31، 32، 33، 34، 35) من طرق عن الحسن عن سمرة به.
والحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، وتابع الحسن سليمان بن سمرة، فرواه عن أببه ضمن وصية جامعة كما عند ابن زَبْر في "وصايا العلماء" (88 - 89)، -ومن طريقه الدمياطي في "كشف المغطى" (رقم 37) -، والطبراني في "الكبير" (رقم 7001، 7002، 7007، 7008، 7009، 7010) مفرَّقًا، وإسناده ضعيف، فيه خبيب بن سليمان من المجهولين، وجعفر بن سعد ليس بالقوي.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(4/279)

دلّ عليه أَوْلى بالاتّباع (1)، واللَّه الموفق.

[ما يقول الإمام في الرفع من الركوع]
المثال التاسع والخمسون: ترك السنة الصحيحة الصريحة في قول الإمام: "ربنا ولك الحمد"، كما في "الصحيحين"، من حديث أبي هريرة: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا قال: سَمِعَ اللَّه لمن حمده، قال: اللَّهمّ ربنا لك الحمد" (2).
وفيهما أيضًا عنه: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يكبِّر حين يقوم، ثم يكبِّر حين يركع، ثم يقول: سمع اللَّه لمن حمده، حين يرفع صُلْبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربَّنا ولك الحمد" (3).
وفي "صحيح مسلم" عن ابن عمر: "أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع اللَّه لمن حمده، اللهمّ ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد" (4)، وعن أبي سعيد: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع اللَّه لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد -وكلنا لك عبد- لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ" (5)، فردت
__________
(1) انظر: "زاد المعاد" (2/ 87)، و"كتاب الصلاة" (ص 34).
(2) حديث أبي هريرة الذي في "صحيح البخاري" (796) في (الأذان): باب فضل "اللهمّ ربنا لك الحمد"، و (3228) في (بدء الخلق): باب إذا قال أحدكم: آمين، و"صحيح مسلم" (409) في (الصلاة): باب التسميع والتحميد. . . لفظه: "إذا قال الإمام: سمع اللَّه لمن حمده:. . . فقولوا" فهو من قوله عليه السلام.
(3) رواه البخاري (789) في (الأذان): باب التكبير إذا قام من السجود، و (803) باب يهوي بالتكبير حين يسجد، ومسلم (392) (28).
(4) لم أجد هذا الحديث في "صحيح مسلم" من حديث ابن عمر، وإنما وجدته من حديث ابن أبي أوفى (476) في (الصلاة): باب ما يقول: إذا رفع رأسه من الركوع، ومن حديث علي بن أبي طالب (771) في (صلاة المسافرين): باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، وفي "صحيح البخاري" (735) عن ابن عمر أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يرفع يديه حذو منكبيه، إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: "سمع اللَّه لمن حمده ربنا ولك الحمد".
(5) رواه مسلم (477) وقريبًا منه من حديث ابن عباس أيضًا (478).
وقال (و): "ولا ينفع ذا الغنى غناه، وإنما ينفعه الإيمان والطاعة، وقد انتقد أبو عبيد من قالها بكسر الجيم" اه.
(4/280)

هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: "إذا قال الإمام سمع اللَّه لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد" (1).

[إشارة المتشهد بإصبعه]
المثال الستون: رد السنة الصحيحة المحكمة في إشارة المصلِّي في التشهد بإصبعه (2) كقول ابن عمر: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا جلس في الصلاة وضع كفَّه اليمنى (3) على فخذه اليمنى وقَبضَ أصابعه كُلَّها، وأشار بإصبعه (4) التي تلي الإبهام"، رواه مسلم (5)، وعنده أيضًا عنه: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على رُكبتيه ووضع إصبعه التي تلي الإبهام فدعا بها" (6)، وعنده أيضًا عن عبد اللَّه بن الزبير: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا قعد في الصلاة وضع يديه على ركبتيه وأشار بأصبعه" (7)، ورواه خُفاف بن إيماء بن رخَصَة (8)، ووائل بن
__________
(1) سبق تخريجه آنفًا، وانظر: "زاد المعاد" (1/ 56)، و"كتاب الصلاة" (ص 122 - 123).
(2) انظر: "زاد المعاد" (1/ 65).
(3) في النسخ الخطية: "الأيمن".
(4) "في الأصبع تسع لغات، فهمزته مثلثة، ومع كل حركة تثلث الباء" (و).
(5) (580) (116) في (المساجد): باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين.
(6) رواه مسلم (رقم 580) في (المساجد): باب صفة الجلوس في الصلاة.
(7) رواه مسلم في "الصحيح" (579) في (المساجد): باب صفة الجلوس في الصلاة.
(8) وفي المطبوع و (ق): "بن رحضة"، وفي (ك): "بن حصبة"، والصواب ما أثبتناه.
أخرج حديثه أحمد في "مسنده" (4/ 57) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (2/ 985 - 986 رقم 2423) والبيهقي في "سننه" (2/ 133) من طريقه ابن إسحاق حدثني عمران بن أبي أنس عن أبي القاسم مقسم مولى عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل قال: حدثني رجل من أهل المدينة، فذكر إشارته باصبعه في الصلاة، وتأييد خفاف له وأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان هكذا يصنع، ذكره الهيثمي في "المجمع" (2/ 131) وعزاه لأحمد وقال: "وأبو يعلى بنحوه وسمّى المبهم الحارث، ولم أجد من ترجمه ولم يسمه أحمد".
أقول: هو في "مسند أبي يعلى" (908)، وقال محقّقه -حفظه اللَّه- بعد أن ذكر إسناد أحمد والبيهقي: وهذا إسناد ظاهره أنه منقطع غير أن الرواية التي عندنا -أي في "مسند أبي يعلى"- لعلها تعبن في تعيين الرجل المجهول وأنه ابن خُفاف، فإذا كان الأمر كذلك يكون الإسناد صحيحًا.
أقول: لخفاف ولد اسمه الحارث مترجم في "التهذيب"، روى عنه خالد بن عبد اللَّه بن حرملة ففط، وقد أخرج له مسلم ولم يذكروا لمقسم روايةً عنه، ثم إن في طرق الحديث هذا ما يدل على أنه ليس هو؛ إذ قد وقع عند البيهقي قول خُفاف له: ابنَ أخي لم تفعل هذا؟ ثم قوله كذلك في بعض الروايات قال: فرآني خفاف بن إيماء وكانت =
(4/281)

حُجْر (1)، وعبادة بن الصامت (2)، ومالك بن نمير (3) الخزاعي عن أبيه (4) كلهم عن
__________
= له صحبة مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا أصنع ذلك،. . . فهذا يدل على أنه ليس ابنه، واللَّه اعلم، وأن الحارث -كما قال الهيثمي يحتاج إلى نظر-.
ثم وجدت الحديث في "معجم الطبراني" (4176) من طريق ابن إسحاق أيضًا عن عمران به بإسقاط الرجل الذي من أهل المدينة، ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 140) وقال: ورجاله ثقات!
أقول: مقسم له رواية عن خُفاف لكن هل سَمِع منه؟ لم أجد من صَرَّح، وواضح في هذا الحديث أنه لم يسمعه منه وإنما سمعه بالواسطة. فتبقى جهالة حال هذا الرجل، واللَّه أعلم.
(1) أخرج حديثه الحميدي (885)، والطيالسي (1020)، وعبد الرزاق (2522)، وأحمد (4/ 316 و 317 و 318 و 319)، وأبو داود (726) في (الصلاة): باب رفع اليدين في الصلاة، و (957) في باب كيف الجلوس في التشهد، والنسائي (2/ 236) في (الافتتاح): باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول، و (3/ 34) في (السهو): باب صفة الجلوس في الركعة التي يقضى فيها الصلاة، و (3/ 35): باب موضع الذراعين وباب موضع المرفقين، وفي "الكبرى" (رقم 659 و 1096 و 1097)، وابن ماجه (912) في الإقامة: باب الإشارة في التشهد، وابن حبان (1945)، والطبراني في "الكبير" (22/ رقم 78 - 81، 83 - 90)، و"الدعاء" (رقم 637)، وابن خزيمة (713)، والدارقطني (1/ 295 - 291)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 259)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (2/ 72 و 1/ 131)، والبغوي (563)، وابن حزم (4/ 125 - 126) كلهم من طرق كثيرة عن عاصم بن كليب عن أبيه عنه في وصف صلاة النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيها إشارته -صلى اللَّه عليه وسلم- بالسبابة، وإسناده قوي.
وانفرد زائدة في الرواية عن عاصم عن كليب، فقال: "فرأيته يحركها يدعو بها"، أخرجه من طريقه أحمد في "مسنده" (318/ 4)، وأبو داود (727)، والنسائي (2/ 126 - 127) في "الافتتاح": باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة، و (3/ 37) في (السهو): باب قبض الثنتين من أصابع اليد اليمنى، وفي "السنن الكبرى" (رقم 873، 1100)، والدارمي (1/ 314، 315)، وابن الجارود (208)، وابن خزيمة (697، 698، 713، 714)، وابن حبان (1860)، والطبراني (22/ رقم 82، 83)، والبيهقي (2/ 132).
(2) أخرجه البيهقي في "الخلافيات" (2/ 96 - مختصره).
(3) في النسخ المطبوعة و (ك) و (ق): "ومالك بن بهز"!! وهو خطأ، صوابه ما أثبتناه.
(4) أخرج حديثه أحمد في "مسنده" (3/ 471)، وأبو داود (991) في (الصلاة): باب الإشارة في التشهد، والنسائي (3/ 39) في (السهو): باب إحناء السبابة في الإشارة، وفي "الكبرى" (رقم 1103، 1106) وابن ماجه (911) في (الإقامة): باب الإشارة في التشهد، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2329) و (2330)، وابن خزيمة (715 و 716)، والبخاري في "تاريخه الكبير" (8/ 661)، وابن حبان (1946)، وابن قانع في =
(4/282)

النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه فعل ذلك، وسئل ابن عباس عنه فقال: هو الإخلاص (1).
فردّ (2) ذلك كله بحديث لا يصح، وهو ما رواه محمد بن إسحاق، عن
__________
= "معجم الصحابة" (1145)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (5/ 2688 رقم 6433، 6434)، والبيهقي (2/ 131)، والمزي في "تهذيب الكمال" (30/ 25) من طرق عن عصام بن قدامة عن مالك بن نُمير الخزاعي عن أبيه أنه رأى النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- واضعًا يده اليمنى على فخذه اليمنى رافعًا أصبعه السبابة قد حناها شيئًا وهو يدعو.
ونمير الخزاعي لا يُعرف إلا بهذا الحديث يرويه عنه ابنه مالك، قال الدارقطني: يعتبر به، وقال ابنُ القطان: لا يعرف حال مالك ولا روى عن أبيه غيره. وقال الذهبي: لا يُعرف وذكره ابن حبان في الثقات!! فهو في عداد المجاهيل فالإسناد ضعيف، وقد ذكره الحافظ ابن حجر -رحمه اللَّه- وذكر حديثه هذا ولم يتكلم عليه.
(1) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 133) من طريق ابن فضيل عن الأعمش عن أبي إسحاق عن العيزار، قال: سئل ابن عباس عن الرجل يدعو يشير بأصبعه، فقال ابن عباس: هو الإخلاص.
وهذا إسناد رجاله ثقات، وأبو إسحاق هو السبيعي اختلط، وقد أخرج له مسلم من رواية الأعمش عنه، ورواه عنه أيضًا الثوري -وقد أخرج له البخاري من روايته عنه ورواية الثوري هذه أشار إليها البيهقي، قال: ورواه الثوري في "الجامع" عن أبي إسحاق عن أربدة عن ابن عباس.
أقول: وأربدة هذا صدوق، وذكر أبو الفتح الأزدي في "ذكر اسم كل صحابي. . . " (رقم 20) أنه لم يرو عنه إلا أبو إسحاق السبيعي، ومثل هذا الاختلاف لا يضر، فهو اختلاف بين اثنين مقبولين في الرواية.
وقد روي مرفوعًا، أخرجه الحاكم (4/ 320)، ومن طريقه البيهقي (2/ 133) من طريق الحسن بن علي بن زياد عن عبد العزيز بن عبد اللَّه عن سليمان بن بلال عن عباس بن عبد اللَّه بن معبد عن أخيه إبراهيم بن معبد عن ابن عباس أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "هكذا الإخلاص" يشير بأصبعيه التي تلي الإبهام.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
فتعقبه الذهبي، قلت: ذا منكر بمرة.
أقول: رجاله كلهم ثقات، غير الحسن بن علي فينظر في حاله، فإني لم أجد له ترجمة إلا في "الأنساب" (7/ 136) للسمعاني، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وترجمته هكذا عنده: "والحسن بن علي بن زيد السَّري، يروي عن أحمد بن الحسن اللهبي، حدث عنه أبو بكر بن إسحاق الضَّبغي النيسابوري".
قلت: وعليه فهو مجهول.
وبناءً على انفراده به أعلّه الذهبي بالنكارة.
وهذه من نقدات الإمام الذهبي التي لا يصل إليها إلا من خَبَر حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرحمه اللَّه ورضي عنه.
(2) في المطبوع و (ن): "فردوا".
(4/283)

يعقوب بن عُتْبة، عن أبي غَطَفان المُرّيّ، عن أبي هريرة مرفوعًا: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، ومن أشار في صلاته إشارة تُفهم عنه فليُعِدْها" (1).
قال الدارقطني (2): "قال لنا ابن أبي داود: أبو غَطَفان هذا مجهول (3)، وآخر الحديث زيادة في الحديث، ولعلّه من قول ابن إسحاق، والصحيح عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يشير في الصلاة".

[ما يصنع بشعر المرأة الميتة]
المثال الحادي والستون: رد السنة الصحيحة الصريحة في ضفر رأس المرأة الميتة ثلاث ضفائر؛ كقوله في "الصحيحين" في غسل ابنته: "اجْعَلْنَ رأسها ثلاثة قرون"، قالت أم عطية: ضَفَرْنا رأسها وناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون وألقيناه من خلفها (4)، فرد ذلك بأنه يشبه زينة الدنيا، وإنما يرسل شعرها شقّين على
__________
(1) رواه أبو داود (944) في (الصلاة): باب الإشارة في الصلاة، والدارقطني (2/ 83) ومن طريقه البيهقي (2/ 262)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (رقم 726) من طريق ابن إسحاق به.
قال أبو داود: هذا الحديث وهم.
وقال الدارقطني: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا مجهول، وآخر الحديث زيادة في الحديث، ولعله من قول ابن إسحاق، والصحيح عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يشير في الصلاة، رواه أنس وجابر وغيرهما عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال الدارقطني: وقد رواه ابن عمر وعائشة".
قلت: إعلال الحديث بأبي غطفان غير صحيح، فقد وثقه ابن معين والنسائي، وأخرج له مسلم في "صحيحه" (3/ 1601)، لكن آخره معلول لمخالفته للأحاديث الصحيحة، وقد أعلّه غير من ذكرت، منهم: الإمام أحمد -كما في "نصب الراية" (2/ 90 - 91) - وأعلّه أبو حاتم، فقال كما في "علل ابنه" (1/ 75): وليس في شيء من الأحاديث هذا الكلام، وليس عندي بذاك الصحيح، إنما رواه ابن إسحاق.
أقول: وابن إسحاق مدلس، وقد عنعن، وأوهامه معروفة، فيظهر أن هذا منه، وليس من أبي غطفان، واللَّه أعلم.
وانظر: "نصب الراية" (2/ 90)، وذكره مغلطاي في "الدر المنظوم" (رقم 125) في الضعيف.
وفي (ق) و (ك): "ومن أشار إِشارة في صلاته تفهم. . . ".
(2) في "سننه" (2/ 83)، وعنه البيهقي في "الخلافيات" (2/ 97 - مختصره).
(3) بل معروف وموثق، كما قدمناه تحت تخريج الحديث.
(4) أقول: رواية "الصحيحين" ليس فيها أمر، وإنما قالت أم عطية مشطناها ثلاثة قرون، وفي =
(4/284)

ثدييها (1)، وسنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أولى بالاتّباع (2).

[وضع اليدين في الصلاة]
المثال الثاني والستون: ترك السنة الصحيحة الصريحة التي رواها الجماعة عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْر قال: "صلّيت مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" (3)، ولم
__________
= رواية: وجعلنا رأسها ثلاثة قرون، انظر "صحيح البخاري" (1254 و 1259 و 1260 و 1262 و 1263)، ومسلم (939).
نعم ورد الأمر بهذا في "صحيح ابن حبان" (3033)، والطبراني في "الكبير" (25/ 98)، وإسناده صحيح.
وانظر للفائدة "فتح الباري" (3/ 134).
(1) في (ق): "شقتين على ثديها".
(2) في المطبوع: "أحق بالاتّباع".
(3) طريق سفيان عن عاصم الذي أشار إليه ابن القيم: رواه أحمد في "مسنده" (4/ 318)، والطبراني في "الكبير" (22/ 78) وعندهما: يضع يده اليمنى على اليسرى، وليس فيه: (على صدره)، ولم يحك هذه العبارة غير مؤمل بن إسماعيل، كما قال المصنف.
وقد روى الحديث جمع عن عاصم غير سفيان كلهم قال: "وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى"، لكن دون تحديد المكان، كما عند أحمد (4/ 311، 318، 319)، والدارمي (1/ 314)، وابن أبي شيبة (1/ 390)، والطيالسي (ص 137)، والنسائي (2/ 126)، وابن ماجه (1/ 266)، وابن الجارود (ص 89، 81)، والطبراني في "الكبير" (22/ رقم 78)، وابن عبد البر في "التمهيد" (20/ 71)، وابن المنذر في "الأوسط" (3/ 90)، والبيهقي (2/ 228) وغيرهم، كما بيّنته بالتفصيل في جزء مفرد، وللَّه الحمد والمنّة، وانظر: "فتح الغفور في وضع الأيدي على الصدور" (ص 31 وما بعد) لمحمد حياة السندي، و"درهم الصرة في وضع اليدين تحت السرة" (ص 28)، وما بعده للتتوي، و"إبكار المنن" (ص 106)، و"تحفة الأحوذي" (2/ 89).
وأما رواية مؤمل عن سفيان الثوري بوضعها على الصدر، فأخرجها ابن خزيمة (1/ 242 - 243 رقم 479)، والبيهقي (2/ 30)، ومؤمل ضعيف.
وله طريق آخر ضعيف أيضًا.
(تنبيه): قال الشيخ محمد حياة السندي في رسالته: "فتح الغفور" (ص 34): "فهم بعض الناس (أي من كلام المصنف السابق) أنه يقصد به ترك السنة الصحيحة الصريحة، وهي وضع اليدين فوق الصدر، وليس هذا من غرضه، بل إنه ينتقد المالكية القائلين بالإرسال؛ لأنه ذكر في الفصل نفسه عدة أحاديث منها ما رواه مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق في وضع اليمين على الشمال. . . ثم قال رحمه اللَّه، فردّت هذه الآثار برواية ابن القاسم عن مالك قال: "تركه أحب إليّ، ولا أعلم شيئًا قط ردت به سواه"، فافهم ذلك.
(4/285)

يقل: "على صدره"، غير مُؤَمّل بن إسماعيل، وفي "صحيح مسلم" (1) عنه: "أنه رأى النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رفع يديه حين دخل في الصلاة ثم كبَّر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يَرْكَعَ أخرج يديه ثم رفعهما وكبَّر فركع (2)، فلما قال: سمع اللَّه لمن حمده، رفع يديه فلما سجد سجد بين كفَّيه"، وزاد أحمد وأبو داود: "ثم وضع يده اليمنى على كفّه اليسرى والرسغ والساعد" (3)، وفي "صحيح البخاري" عن سهل بن سعد، قال: "كان الناس يُؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة"، قال أبو حازم: ولا أعلمه إلّا يَنمي (4) ذلك إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (5)، وفي "السنن" عن ابن مسعود أنه كان يصلّي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فوضع يده اليمنى على اليسرى (6)،
__________
(1) رواه مسلم (401) في (الصلاة): باب وضع يده اليمنى على اليسرى.
(2) في المطبوع: "فرفع".
(3) رواه أحمد (4/ 318)، وأبو داود (727)، والنسائي (2/ 126 - 127)، وفي "الكبرى" (رقم 873، 1100)، وابن الجارود (208)، وابن خزيمة (480)، وابن حبان (1860)، والطبراني في "الكبير" (22/ رقم 82)، وابن المنذر في "الأوسط" (3/ 93)، والبيهقي (2/ 28، 132) من طريق زائدة عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل.
(4) في المطبوع: "إلا ينهى".
(5) رواه البخاري (740) في (الأذان): باب وضع اليمنى على اليسرى، وفي (ق) و (ك): "إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
(6) رواه ابن أبي شيبة (1/ 391)، وأبو داود (755) في (الصلاة): باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، والنسائي (2/ 126) في (الافتتاح): في الإمام إذا رأى رجلًا قد وضع شماله على يمينه، وفي "الكبرى" (رقم 872)، -ومن طريقه ابن عبد البرّ في "التمهيد" (20/ 72) - وابن ماجه (811) في (إقامة الصلاة): باب إذا وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وابن عدي في "الكامل" (2/ 647 و 648)، وأبو يعلى (5041)، والدارقطني في "سننه" (1/ 286 - 287)، والعقيلي (1/ 283 - 284)، والبيهقي (2/ 28) من طريق هُشيم: حدثنا الحجاج بن أبي زينب عن أبي عثمان النهدي عنه.
ورواه ابن عدي والدارقطني من طريق محمد بن زيد الواسطي عن حجاج به.
وحجاج بن أبي زينب هذا وإن أخرج له مسلم، فقد قال أحمد بن حنبل: "أخشى أن يكون ضعيف الحديث، وقال ابن المديني: ضعيف، وقال الدارقطني: ليس بقوي ولا حافظ، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال ابن معين وأبو داود وابن عدي: لا بأس به، وقال الدارقطني في رواية أخرى: ثقة".
ومما يؤيّد سوء حفظ حجاج هذا: أن ابن أبي شيبة (1/ 427)، وابن عدي روياه من طريق يزيد بن هارون عنه، عن أبي عثمان مرسلًا. =
(4/286)

وقال [علي] (1): "من السُّنة في الصلاة وضع الكَفِّ (2) على الكَفِّ (2) تحت السرة"، رواه أحمد (3)، وقال مالك في "موطئه" (4): وضع اليدين إحداهما (5) على الأخرى في الصلاة، ثم ذكر حديث سهل بن سعد.
وذكر عن عبد الكريم ابن أبي المُخَارِق البصري أنه قال: من كلام النبوّة: "إذا لم تستح فافعل ما شئت، ووضع إحدى اليدين في الصلاة على الأخرى يضع اليمنى على اليسرى، وتعجيلُ الفطر، والإسْتِينَاءُ بالسحور" (6).
__________
= قال ابن عبد البر: "أرسله يريد بن هارون عن الحجاج عن أبي عثمان، وهشيم أحفظ من الذي أرسله".
ورواه محمد بن الحسن الواسطي عنه عن أبي سفيان عن جابر به.
رواه ابن عدي (2/ 648)، والدارقطني (1/ 287)، وانظر: "تحفة الأشراف" (7/ 80).
وقال الدارقطني: ووهم فيه، وقول هشيم عنه أصح، وكذا في "العلل" له (5/ 338 - 339).
أقول: محمد بن الحسن هذا ثقة، فلماذا لا يكون هذا الاختلاف من أوهام الحجاج بن أبي زينب، وليس من محمد بن الحسن؟!
والحديث حسنه الحافظ في "الفتح" (2/ 224)، والنووي في "الخلاصة" (رقم 1090)، وابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (5/ 339 - 342)، وانظر "نصب الراية" (1/ 318)، و"تنقيح التحقيق