Advertisement

إعلام الموقعين عن رب العالمين ت مشهور 003


سلسلة مكتبة ابن القيم [6]

إعلام الموقعين عن رب العالمين

تصنيف
أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 ه

قرأه وقدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره
أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان

شارك في التخريج
أبو عمر أحمد عبد الله أحمد

[المجلد الثالث]

دار ابن الجوزي
(3/1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(3/2)

إِعلامُ الموقِّعِين عَن رَبِّ العَالمين
[3]
(3/3)

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار ابْن الْجَوْزِيّ
الطبعة الأولى
رَجَب 1423 ه

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة © 1423 ه لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر

دَار ابْن الْجَوْزِيّ للنشر والتوزيع
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية
الدمام - شَارِع ابْن خلدون ت: 8428146 - 8467589 - 8467593
ص ب: 2982 - الرَّمْز البريدي: 31461 - فاكس: 8412100
الإحساء - الهفوف - شَارِع الجامعة ت: 5883122
جدة ت: 6516549
الرياض ت: 4266339
(3/4)

[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي] (1)

فصل [تناقض أهل القياس دليل فساده]
قالوا (2): ومما يبين فساد القياس وبطلانه تناقض أهله فيه، واضطرابهم تأصيلًا وتفصيلًا.
أما التأصيل فمنهم من يحتج بجميع أنواع القياس، وهي: قياس العلة، والدلالة، والشبه (3)، والطرد، وهم غُلاتهم كفقهاء ما وراء النهر وغيرهم، فيحتجون (4) في طرائقهم على منازعهم في مسألة المنع من إزالة النجاسة بالمائعات بأنه مائع لا تُبنَى عليه القناطر ولا تجري فيه السفن؛ فلا تجوز (5) إزالة النجاسة به كالزيت والشيرج، وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي إلى التلاعب بالدين أقرب منها إلى تعظيمه (6).
وطائفة يحتجون (7) بالأقيسة الثلاثة دونه، وتقول: قياس العلة أن يكون الجامع هو العلة التي لأجلها شُرع الحكم في الأصل، وقياس الدلالة: أن يُجمع بينهما بدليل العلة، وقياس الشبه: أن يتجاذب الحادثة أصلان حاظر ومبيح، ولكل واحد من الأصلين أوصاف، فتلحق الحادثة بأكثر (8) الأصلين شبهًا بها، مثل أن يكون بالإباحة أشبه بأربعة أوصاف وبالحظر بثلاثة؛ فيلحق بالإباحة.
وقد قال الإمام أحمد في هذا النوع في رواية أحمد بن الحسين (9): القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه (10) في
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) وحدها.
(2) أي: النافون للقياس.
(3) في (ن) و (ك): "التشبيه"!
(4) في (ق): "ويحتجون".
(5) في (ق): "يجوز".
(6) انظرها مفصّلة مع الرد عليها عند القاضي أبي يعلى في "العدة" (5/ 1438 - 1439).
(7) في (ك) و (ق): "تحتج".
(8) في (ق): "ألحقنا الحادثة أكثر".
(9) نقله القاضي أبو يعلى في (العدة في أصول الفقه) (5/ 1432، 1436) من رواية أحمد بن الحسين بن حسان عن أحمد، وأفاد أن نحوه عن أحمد في رواية الأثرم ووقع في (ق): "أحمد بن الحسن".
(10) في (ك): "شابهه".
(3/5)

حال (1) وخالفه في حال، فأردتَ أن تقيس عليه فهذا خطأ، وقد خالفه في بعض أحواله ووافقه في بعضها، فإذا كان مثله في كل أحواله فما أقبلت به وأدبرت به فليس في نفسي منه شيء؛ وبهذا قال أكثر الحنفية (2) والمالكية (3) والحنابلة (4)؛ وقالت طائفة: لا قياس إلا قياس العلة فقط، وقالت فرقة بذلك، [و] (5) لكن إذا كانت العلة منصوصة.
ثم اختلف (6) القياسيون في محل القياس فقال جمهورهم: يجري في الأسماء والأحكام؛ وقالت فرقة: [لا بل] (5) لا تثبت الأسماء قياسًا، وإنما محل القياس الأحكام.
ثم اختلفوا فأجراه جمهورهم في العبادات واللغات والحدود والأسباب وغيرها، ومنعه طائفة في ذلك (7)، واستثنت طائفة الحدود والكفارات [فقط] (8)، واستثنت طائفة أخرى معها الأسباب (9).
وكل هؤلاء قسموه إلى ثلاثة أقسام: قياس أولى، وقياس مثل، وقياس أدنى؛ ثم اضطربوا في تقديمه على العموم أو بالعكس على قولين، واضطربوا في تقديمه على خبر الآحاد الصحيح؛ فجمهورهم قدم الخبر.
و [قد] (10) قال أبو بكر بن الفرج القاضي وأبو بكر الأبهري المالكيان (11):
__________
(1) في (ن): "في كل حال".
(2) منهم الجرجاني والسرخسي، انظر "كشف الأسرار" (3/ 1085)، و"أصول السرخسي" (2/ 176)، و"تيسير التحرير" (4/ 52)، و"ميزان العقول" (ص 599).
(3) انظر: "إحكام الفصول" (655)، و"الإشارة" (300 - 301) كلاهما للباجي.
(4) انظر: "روضة الناظر" (2/ 321)، و"المسودة" (ص 427)، و"التمهيد" (4/ 30)، و"شرح الكوكب المنير" (4/ 198).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك). وانظر "مشيخة الرازي" (244) في عدم ثبوت الأسماء قياسًا.
(6) في (ق): "اختلف القياسون" وقال في الهامش: "لعله: فاختلف".
(7) في (ق) و (ك): "ومنعت طائفة من ذلك".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) انظر: "المحصول" (5/ 349) للرازي، و"الإحكام" (4/ 64 - 67) للآمدي، و"المستصفى" (2/ 334) للغزَّالي، و"الرسالة" (ص 528) للشافعي، و"المسودة" (ص 398)، و"روضة الناظر" (ص 305) لابن قدامة، و"البرهان" (2/ 895) للجويني.
(10) ما بين المعقوفتين من (ق).
(11) نقله عنهما ابن حزم في "الإحكام" (8/ 45)، وتعقّبهما بقوله: "وما يعلم في البدع أشنع من هذا القول! ثم هو مع شناعته بارد سخيف متناقض" وطول في الرد عليه بعبارات شديدة؛ كعادته، رحمه اللَّه تعالى.
(3/6)

هو مقدم على خبر الواحد، ولا يمكنهم ولا أحد من الفقهاء طرد هذا القول ألبتة، بل لا بد من تناقضهم، واضطربوا في تقديمه على الخبر المرسل، وعلى قول الصحابي؛ فمنهم من قدم القياس، ومنهم من قدم المرسل وقول الصحابي، وأكثرهم -بل كلهم- يقدمون هذا تارة، وهذا تارة؛ فهذا تناقضهم في التأصيل.
وأما تناقضهم في التفصيل فنذكر منه طرفًا يسيرًا يدل على ما وراءه من قياسهم في المسألة قياسًا وتركهم فيها مثله أو ما هو أقوى منه، أو تركهم نظير ذلك القياس أو أقوى منه في مسألة أخرى، لا فرق بينهما ألبتة.

[أمثلة من تناقض القياسيين]
فمن ذلك أنهم أجازوا الوضوء بنبيذ التمر، وقاسوا في أحد القولين عليه سائرَ الأنبذة، وفي القول الآخر لم يقيسوا عليه، فإن كان هذا القياس حقًا فقد تركوه، وإن كان باطلًا فقد استعملوه، ولم يقيسوا عليه الخل ولا فرق بينهما؛ وكيف كان نبيذ التمر تمرةً طيبةً وماءً طهورًا (1)، ولم يكن الخل عنبةً طيبةً وماءً طهورًا (1)، والمرق لحمًا طيبًا وماءً ظهورًا (2)، ونقيع المشمش [والزبيب] (3) كذلك؟ فإن ادعوا الإجماع على عدم الوضوء بذلك فليس فيه إجماع؛ فقد قال الحسن بن صالح بن حي، وحميد بن عبد الرحمن: يجوز الوضوء بالخل، وإن كان الإجماع (4) كما ذكرتم فهلا قستم المنع من الوضوء بالنبيذ على ما أجمعوا عليه من المنع من الوضوء بالخل؟ فإن قلتم: اقتصرنا على موضع النص ولم نقس عليه، قيل لكم: فهلا سلكتم ذلك في جميع نصوصه، واقتصرتم على محالها الخاصة، ولم تقيسوا عليها؟ فإن قلتم: لأن هذا خلاف القياس، قيل لكم: فقد صرحتم أن ما ثبت على خلات القياس يجوز القياس عليه، ثم هذا يبطل أصل القياس، فإنه إذا جاز ورود الشريعة (5) بخلاف القياس علم أن القياس ليس من الحق، وأنه عينُ الباطل؛ فإن الشريعة لا ترد بخلاف الحق أصلًا؛ ثم إن من قاعدتكم أن خبر الواحد إذا خالف الأصول لم يقبل، وفي أي الأصول وجدتم ما
__________
(1) في (ق) و (ك): "ماء طهور"!
(2) في (ق): "لحم طيب وماء طهور".
(3) في (ق) و (ك): "الزيت"، وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة كما أثبتناه.
(4) في (ق): "إجماع".
(5) في (ن): "الشرع"، وفي (ك) و (ق): "جاز ورود الشرع".
(3/7)

يجوز التطهير (1) به خارج المصر والقرية [ولا يجوز التطهير (1) به داخلهما] (2)؟ فإن قالوا: اقتصرنا في ذلك على موضع النص، قيل: فهلا اقتصرتم به على خارج مكة فقط حيث جاء الحديث، وكيف ساغ لكم قياس الغسل من الجنابة في ذلك على الوضوء دون قياس داخل المِصْر على خارجه؟
وقياس العنبة الطيبة والماء الطهور واللحم الطيب والماء الطهور والدِّبْس الطيب والماء الطهور على التمرة الطيبة والماء الطهور، فقستم قياسًا، وتركتم مثله، وما هو أولى منه، فهلا اقتصرتم على مورد الحديث ولا عديتموه [إلى] (3) أشباهه ونظائره؟
ومن ذلك أنكم قستم على خبر مرويّ: "يا بني المطلب إن اللَّه كَرِه لكم غسالة أيدي الناس" (4) فقستم على ذلك الماء الذي يُتوضأ به، وأبحتم لبني المطلب غسالة أيدي الناس التي نص عليها الخبر، وقستم الماء المستعمل في رفع الحدث (5) وهو طاهر لاقى أعضاءً طاهرة (6) على الماء الذي لاقى العذرة والدم والميتات، وهذا من أفسد القياس، وتركتم قياسًا أصح منه وهو قياسه على الماء المستعمل في محل التطهير من عضو إلى عضو ومن محل إلى محل، فأيّ (7) فرق بين انتقاله من عضو المتطهر الواحد إلى عضوه [الآخر] (3) وبين انتقاله إلى عضو أخيه المسلم؛ وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مثل المسلمين (8) في توادهم وتراحمهم [وتعاطفهم] (9) كمثل الجسد الواحد" (10)، ولا ريب عند كل عاقل أن قياس جسد المسلم على جسد أخيه أصح من قياسه على العَذِرَة والجِيَفِ والميتات والدم.
ومن ذلك أنكم قستم الماء الذي توضأ به الرجل على العبد الذي أعتقه في
__________
(1) في (ق) و (ك): "التطهر".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "لا داخلها".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) ذكره الزيلعي في "نصب الراية" (2/ 403)، وقال: "غريب بهذا اللفظ" أي لا أصل له، وبمعناه ما رواه مسلم في "صحيحه" (1072) في (الزكاة): باب ترك استعمال آل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على الصدقة، ضمن حديث طويل جاء فيه: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس".
(5) انظر: "بدائع الفوائد" (4/ 47)، و"زاد المعاد" (2/ 129).
(6) في (ن): "لاقى طاهر"!
(7) في (ق) و (ك): "وأي".
(8) في (ق) و (ك): "المؤمنين".
(9) ما بين المعقوفتين أثبته من (ق).
(10) سيأتي تخريجه.
(3/8)

كفارته والمال الذي أخرجه في زكاته، وهذا من أفسد القياس، وقد تركتم قياسًا أصح في العقول والفطر منه، وهو قياس هذا الماء الذي قد أُدي به عبادة على الثوب الذي قد صُلِّي فيه، وعلى الحصى الذي رُمي به (1) الجِمَار مرة عند من يجوِّز منكم الرمي بها ثانية، وعلى الحجر الذي استُجمر به مرة إذا غسله أو لم (2) يكن به نجاسة.
ومن ذلك أنكم قستم الماء الذي وردت عليه النجاسة فلم تغيِّر له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا على الماء الذي غيَّرت النجاسة لونه أو طعمَه أو ريحَه، وهذا من أبعد القياس عن الشرع والحس (3)، وتركتم قياسًا أصح منه، وهو قياسه على الماء الذي ورد على النجاسة؛ فقياس الوارد على المورود مع استوائهما (4) في الحد والحقيقة والأوصاف أصحُ من قياس مئة رطل [ماء وقع فيه شعرة كلب على مئة رطل] (5) خالطها مثلها بولًا وعذرة حتى غيّرها.
ومن ذلك [أنكم] (6) فرَّقتم بين ماء جارٍ بقدر طرف الخنصر تقع فيه النجاسة فلم تغيره وبين الماء العظيم المستبحر إذا وقع فيه مثل رأس الإبرة من البول، فنجّستم الثاني دون الأول، وتركتم محض القياس فلم تقيسوا الجانب الشرقي من غدير كبيرٍ (7) في غربيِّه نجاسة على الجانب الشمالي والجنوبي، وكل ذلك مُمَاسٌّ لما قد تنجَّس عندكم مماسة مستوية.
وقاسوا باطن الأنف على ظاهره في غسل الجنابة، فأوجبوا الاستنشاق، ولم يقيسوه عليه في الوضوء الذي أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فيه بالاستنشاق [نصًا] (8)،
__________
(1) في (ك): "بها".
(2) في (ق) و (ك): "ولم"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(3) في (د)، و (و) و (ح): "والحسن"، وقال (د): كذا، ولعله "والحس".
قلتُ: وهو ما أثبته (ط).
(4) في (ق) بعدها: "الورود أصح مع استوائهما".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ق): "غدير كثير".
(8) ورد ذلك عند أحمد في "المسند" (4/ 211، 33)، وأبو داود في "سننه" (كتاب الطهارة): باب الاستنثار (1/ 35/ 142)، والترمذي في "سننه" (كتاب الصوم): باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم (3/ 146/ 788)، والنسائي في "سننه" (كتاب الطهارة): باب المبالغة في الاستنشاق (1/ 66) وابن ماجه في "سننه" (كتاب الطهارة): باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار (1/ 142/ 407)، والحاكم في "المستدرك" =
(3/9)

ففرقوا بينهما، وأسقطوا الوجوب في محل الأمر به، وأوجبوه في غيره، والأمر بغسل الوجه في الوضوء كالأمر بغسل البَدَن (1) في الجنابة سواء.
ومن ذلك أنكم قستم النسيان على العمد في الكلام في الصلاة، وفي فعل المحلوف عليه ناسيًا، وفيما يوجب الفدية [من محظورات الإحرام] (2) كالطيب واللباس والحلق والصيد، وفي حَمْل النجاسة في الصلاة، ثم فرَّقتم بين النسيان والعمد في السلام قبل تمام الصلاة، وفي الأكل والشرب في الصوم، وفي ترك التسمية على الذبيحة، وفي غير ذلك من الأحكام، وقستم الجاهل على الناسي في عدة مسائل وفرَّقتم بينهما في مسائل أُخر، ففرقتم بينهما فيمن نسي أنه صائم فأكل أو شرب (3) لم يبطل صومه، ولو جهل فظن وجودَ الليل فأكل أو شرب فسد صومه، مع أن الشريعة تعذر الجاهل كما تعذر الناسي أو أعظم (4)؟ كما عذر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المسيء في صلاته بجهله بوجوب الطمأنينة فلم يأمره بإعادة ما مضى (5)، وعَذَر الحامل المستحاضة بجهلها بوجوب الصلاة والصوم عليها مع الاستحاضة ولم يأمرها بإعادة ما مضى (6)، وعَذَرَ عديَّ بن حاتم بأكله في رمضان حين تبين له الخيطان اللذان جعلهما تحت وسادته (7) ولم يأمره بالإعادة (8)، وعَذَر أبا ذر بجهله
__________
= (1/ 147، 148)، وغيرهم من طريق إسماعيل بن كثير، قال: سمعت عاصم بن لقيط عن أبيه، وفيه عن النبي قوله للقيط: "وبالغ في الاستنشاف إلا أن تكون صائمًا".
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو كما قالوا، وانظر "الطهور" لأبي عبيد (284) بتحقيقي، و"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (1/ 262).
وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(1) في (ق) و (ك): "كالأمر بغسل اليدين"!
(2) في (ن): "في الإحرام".
(3) في (ق): "فأكل وشرب".
(4) في (ق) و (ك): "وأعظم".
(5) حديث المسيء صلاته رواه البخاري (757) في الأذان: باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، و (6251) و (6252) في الاستئذان: باب من رد فقال: إن عليك السلام، و (6667) في الأيمان والنذور، ومسلم (397) في الصلاة: باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من حديث أبي هريرة.
ووقع في (ق) و (ك): "لما مضى".
(6) لم أجده بعد بحثٍ واستقصاءٍ، وفي "مصنف عبد الرزاق" (1/ 316) آثار فلتنظر، وكذا في "سنن البيهقي"، ووقع في (ن): "ولم يأمرها بالإعادة" وسقطت "الحامل" من (ك).
(7) في (ق): "حتى يبين له" وفي (ق) و (ك): "وساده".
(8) سيأتي تخريجه.
(3/10)

بوجوب الصلاة إذا عدم الماء فأمره بالتيمم ولم يأمره بالإعادة (1)، وعذر الذين
__________
(1) هي قصة وقعت لأبي ذر رواها مطولةً أبو داود (332) في الطهارة: باب الجنب يتيمم، وابن حبان (1311) و (1312)، والحاكم (1/ 170)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 220) من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بُجدان عن أبي ذر وذكرها.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه إذ لم نجد لعمرو بن بُجْدان راويًا غير أبي قلابة الجرمي، وهذا مما شرطت فيه، وثبت أنهما خرجا مثل هذا في مواضع من الكتابين" ووافقه الذهبي.
أقول: عمرو بن بُجْدان هذا ذكره ابن حبان في "الثقات" ووثقه العجلي. وتوثيقهما معروف، وذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا وقال ابن القطان: لا يعرف له حال. وكذا قال ابن حجر في "التقريب".
أما الحافظ ابن دقيق العيد فرد على ابن القطان كما -في "نصب الراية" (1/ 149) - فقال: ومن العجب كون ابن القطان لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بُجْدان مع تفرده بالحديث وأي فرق بين أن يقول: هو ثقة أو يصحح له حديثًا انفرد به؟ وإن كان توقف عن ذلك لكونه لم يرو عنه إلا أبو قلابة، فليس هذا مقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلك لا يوجب جهالة الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله وهو تصحيح الترمذي.
أقول: هنا أمران:
الأول: تصحيح الترمذي لحديث لا يعني توثيق رواته وذلك لأن الإمام الترمذي معروف عنه بالاستقراء أنه لا يحكم على السند وإنما يحكم بمجموع طرق الحديث، وهذا الحديث جاء في آخره: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو عشر حجج فإن وجد الماء فليمسّ بشرته الماء" وهو الجزء الذي رواه الترمذي (124) وهذا له شواهد.
الثاني: أن رواية واحد أو اثنين أو أكثر عن راو لا تعتبر توثيقًا له هذا هو الأصل وإنما العبرة بتصريح أحد علماء الجرح والتعديل أو أكثر بالتوثيق، لكن عُرف بالاستقراء -كما قال الذهبي- أن رواية جماعة من الثقات عن راو مما يُحسِّن أمره، أما هنا فلم يرو عنه إلا أبو قلابة فقط ولم ينص أحد على توثيقه فهو إذن على الجهالة.
والحديث رواه ابن أبي شيبة (1/ 156 - 157)، وأحمد (5/ 146) والطيالسي (484)، وأبو داود (333)، والدارقطني (1/ 187) من طرق عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر عن أبي ذر.
ورواه عبد الرزاق (912)، وأحمد (5/ 146 - 147) من طريقين عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني قشير عن أبي ذر.
قال أحمد شاكر في تعليقه على "سنن الترمذي" (1/ 215): وهذا الرجل هو الأول نفسه لابن بني قشير من بني عامر كما في "الاشتقاق" لابن دريد (ص 181) وهو عمرو بن بجدان نفسه، وفي السند اختلاف آخر ذكره الدارقطني في "علله" (9/ 252 - 255): ثم قال: والقول قول خالد ومعناه. =
(3/11)

تَمَعَّكوا في التراب كتمعك الدابة لما سمعوا فرض التيمم ولم يأمرهم بالإعادة (1)، وعذر معاوية بن الحكم بكلامه في الصلاة عامدًا لجهله بالتحريم (2)، وعذر أهل قباء بصلاتهم إلى بيت المقدس بعد نَسْخ استقباله لجهلهم (3) بالناسخ ولم يأمرهم بالإعادة (4)، وعذر الصحابةُ والأئمة بعدهم من ارتكب محرمًا جاهلًا بتحريمه فلم يحدّوه (5).
__________
= ورواه دون ذكر القصة مقتصرًا على قوله: الصعيد الطيب وضوء المسلم: عبد الرزاق (913) وأحمد (5/ 155 و 180) والترمذي (124) والنسائي (1/ 171) والدارقطني (1/ 186، 187) والبيهقي (1/ 212) من طريق أبي قلابة عن عمرو به.
ثم وجدت لقصة أبي ذر شاهدًا من حديث أبي هريرة رواه الطبراني في "الأوسط" (1355) من طريق مقدم بن محمد المقدمي حدثنا القاسم بن يحيى بن عطاء حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: كان أبو ذر في غنيمةٍ له. . . فذكر القصة.
وقال: لم يرو هذا الحديث عن محمد إلا هشام ولا عن هشام إلا القاسم تفرد به مُقَدَّم.
أقول: ونقل الزيلعي في نصب الراية (1/ 150) عن ابن القطان قوله: إسناده صحيح وهو غريب من حديث أبي هريرة وله علة والمشهور حديث أبي ذر.
وقال الهيثمي (1/ 261): ورجاله رجال الصحيح.
ونقل الحافظ في "التلخيص" (1/ 154) عن الدارقطني في "العلل" أن إرساله أصح.
أقول: وأنا أخشى أن يكون فيه وهم، فإن مقدم بن محمد هذا وإن وثقه البزار والدارقطني وروى له البخاري إلا أن ابن حبان في "الثقات" قال: يُغرْب ويخالف. وانظر لزامًا "الخلافيات" للبيهقي (2/ 455) وتعليقي عليه.
(1) أحدهم عمار بن ياسر روى حديثه البخاري (338) في التيمم: باب المتيمم هل ينفخ فيهما، و (341) في التيمم للوجه والكفين ومسلم (368) (112) من حديث عبد الرحمن بن أبزى، ورواه البخاري (347) ومسلم (368) (110) من حديثه.
(2) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الصلاة) باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة رقم (537) من حديث معاوية بن الحكم نفسه.
(3) في المطبوع: "بجهلهم" وفي (ك): "استقبالهم بجهلهم".
(4) ورد أن أهل قباء جاءهم الخبر وهم في الصلاة فاستداروا إلى الكعبة، جاء هذا من حديث ابن عمر، رواه البخاري (403) في الصلاة: باب ما جاء في القبلة ومن لا يرى الإعادة على من شك فصلى إلى غير القبلة، و (4488) و (4490) و (4491) و (4493) و (4494) في التفسير، و (7251) في أخبار الآحاد: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، ومسلم (526) في المساجد: باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة. وقد جاء من حديث غيره من الصحابة أيضًا.
(5) أما عند الصحابة لمن ارتكب محرمًا: فانظر مثلًا "سنن البيهقي" (7/ 238 - 239) وتعليقي على "الطرق الحكمية" للمصنف.
(3/12)

وفرّقتم بين قليل النجاسة في الماء وقليلها في الثوب والبدن، وطهارة الجميع شرط لصحة الصلاة، وترك الجميع صريح القياس في مسألة الكلب؛ فطائفة لم تقس عليه غيره، وطائفة قاست عليه الخنزير وحده دون غيره كالذئب الذي هو مثله أو شر منه، وقياس الخنزير على الذئب أصح (1) من قياسه على الكلب، وطائفة قاست عليه البغل والحمار، وقياسهما على الخيل التي هي قرينتهما (2) في الذكر وامتنان اللَّه [سبحانه] (3) على عباده بها (4) بركوبها (5) واتخاذها زينة وملامسة (6) الناس لها أصح من قياس البغل [على الكلب (7)؛ فقد علم كل أحد أن الشبه بين البغل والفرس أظهر وأقوى من الشبه بينه وبين الكلب، وقياس البغل] (8) والحمار على السِّنَّوْر لشدة (9) ملامستهما والحاجة إليهما وشربهما من آنية البيت أصح من قياسهما على الكلب.
وقستم الخنافسَ والزنابيرَ والعقاربَ والصِّرْدَانَ على الذباب في أنها لا تنجس بالموت بعدم النفس السائلة لها وقلة الرطوبات والفضلات التي توجب التنجيس فيها (10)، ونَجَّسَ من نَجَّس منكم العظام بالموت مع تعريها من الرطوبات والفضلات [جملة] (11)، ومعلوم أن النفس السائلة التي في تلك الحيوانات المقيسة أعظم من النفس المسائلة التي في العظام.
وفرَّقتم بين ما شرب منه الصقر والبازي والحدأة والعقاب والأحناش (12) وسباع الطير وما شرب منه سباع [البهائم من غير فرق بينهما] (13)؛ [قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن الفرق في هذا بين سباع] (14) الطيور وسباع ذوات الأربع، فقال: أما في القياس فهما سواء، ولكني أستحسن في هذا (15).
__________
(1) في (ق): "وقياس الخنزير عليه أصح".
(2) في (ق): "قرينتها".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في المطبوع و (ن): "لها".
(5) في (ك) و (ق): "يركبونها".
(6) في (ق): "وملابسة".
(7) قال في هامش (ق): "لعله: قياسهما على الكلب وقياس".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق)، وقال في هامش (ق): "لعله: قياسهما على الكلب وقياس".
(9) في المطبوع: "بشدة" وفي (ك) و (ق): "لشدة ملابستهما".
(10) انظر تفصيل المسألة وأدلتها في "الخلافيات" مسألة (رقم 40) للبيهقي، وتعليقي عليها.
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(12) في (ق) و (ك): "والأجناس".
(13) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(14) ما بين المعقوفتين مذكور في (ق) بعد قوله الآتي: "وسباع ذوات الأربع".
(15) الذي وجدته في "كتاب الآثار" لأبي يوسف (ص 7، رقم 33): "عن أبي حنيفة عن حماد =
(3/13)

وتركتم صريح القياس في التسوية بين نبيذ التمر والزبيب والعسل والحنطة ونبيذ العنب، وفرقتم بين المتماثلين، ولا فرق بينهما ألبتة، مع أن النصوص الصحيحة الصريحة قد سَوَّت (1) بين الجميع.
وفرَّقتم بين من معه إناءان طاهر ونجس فقلتم: يريقهما ويتيمم، ولا يتحرّى فيهما (2)، ولو كان معه ثوبان كذلك يتحرى فيهما، والوضوء بالماء النجس كالصلاة في الثوب النجس، ثم قلتم: فلو كانت الآنية ثلاثة تحرى ففرقتم بين [الاثنين والثلاثة، وهو فرق بين] (3) متماثلين، وهذا على أصحاب الرأي، وأما أصحاب الشافعي ففرقوا بين الإناء الذي كلّه بول وبين الإناء الذي نصفه فأكثر بول، فجوّزوا الاجتهاد بين الثاني والإناء الطاهر، دون الأول، وتركوا محض القياس في التسوية بينهما.
وقستم القيء على البول، وقلتم: كلاهما طعام أو شراب خرج من الجوف، ولم تقيسوا الجشوة (4) الخبيثة على الفسوة ولم تقولوا: كلاهما ريح خارجة من الجوف.
وقستم الوضوء وغسل الجنابة على الاستنجاء وغسل النجاسة (5) في صحته بلا نية، ولم تقيسوهما على التيمم وهما أشبه به من الاستنجاء، ثم تناقضتم فقلتم: لو انغمس جنب (6) في البئر لأخذ الدلو ولم ينوِ الغسل لم يرتفع حدثه، كما قاله أبو يوسف ونقض أصله في أن مسَّ الماء لبدن الجنب يرفع حدثه وإن لم ينوِ، وقال محمد: بل يرتفع حدثه ولا يفسد الماء، فنقض أصله في فساد الماء الذي يرفع الحدث (7).
__________
= عن إبراهيم أنه قال: "لا بأس بسؤر السنور، إنما هي من أهل البيت". ووقع في (ق): "ولكن استحسن".
(1) في (ك): "ساوت".
(2) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 259، 273 و 4/ 28)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 129، 176).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) "الجشوة: نفس المعدة بالريح الخارج من الفم". (ط).
(5) في (ن): "غسل الجنابة".
(6) في (ق): "الجنب".
(7) في اشتراط النية في الطهارة، انظر كلام المؤلف -رحمه اللَّه- في "تهذيب السنن" (1/ 48)، و"بدائع الفوائد" (3/ 186 - 193 مهم جدًا)، و"الخلافيات" للبيهقي (مسألة رقم 7) مع تعليقي عليها.
(3/14)

وقستم التيمم إلى المرفقين على غسل اليدين إليهما (1)، ولم تقيسوا المسح على الخفين إلى الكعبين على غسل الرجلين إليهما، ولا فرق بينهما ألبتة، وأهل الحديث أسعدُ بالقياس منكم كما هم أسعد بالنص.
وقستم إزالة النجاسة عن الثياب بالمائعات على إزالتها بالماء (2)، ولم تقيسوا إزالتها من القذر بها على الماء، فما الفرق؟ ثم قلتم: تُزَال من المَخْرَجين بكل مزيل جامد، ولا تزال من سائر البدن إلا بالماء، وقلتم: تزال من المخرجين بالروث اليابس، ولا تزال بالرجيع اليابس، مع تساويهما في النجاسة (3).
وقستم قليل القيء على كثيره في النجاسة، ولم تقيسوه عليه في كونه حدثًا (4)، وقستم نوم المتورِّك على المضطجع في نقض الوضوء، ولم تقيسوا عليه نوم الساجد (5) وتركتم محض القياس المؤيد بالسنة المستفيضة في مسح العمامة (6) -[إذ] (7) هي ملبوس معتاد ساتر لمحل الفرض ويشق نزعه على كثير من الناس إما لحنك (8) [أو لكلاب] (9) أو لبرد- على المسح على الخفين، والسنة قد سَوّتْ بينهما (10) في المسح كما هما (11) سواء في القياس ويسقط فرضهما في التيمم، وقستم مسح الوجه واليدين في التيمم على الوضوء في وجوب الاستيعاب [ولم تقيسوا مسح الرأس في الوضوء على الوجه في وجوب الاستيعاب] (12)، والفعل
__________
(1) انظر تفصيل المسألة وأدلتها في "الخلافيات" (مسألة رقم 28) للبيهقي، وتعليقي عليها.
(2) انظر تفصيل المسألة وأدلتها في "الخلافيات" (رقم 1) وتعليقي عليها.
(3) انظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 151).
(4) انظر تفصيل المسألة وأدلتها في "الخلافيات" للبيهقي (رقم 15، 16) وتعليقي عليها.
(5) انظر: "بدائع الفوائد" (4/ 89).
(6) انظر: "تهذيب السنن" (1/ 112) ولاحظ أن كلام المؤلف -رحمه اللَّه- هناك مبتور في المطبوع، وانظر: "زاد المعاد" (1/ 49، 50).
(7) في المطبوع و (ن): "و".
(8) "يقال: تحنك: أدار العمامة من تحت حنكه" (و).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) انظر ما مضى من الإشارة إلى أحاديث المسح على الخفين، والإشارة إلى أحاديث المسح على العمامة، وانظر: "دفع الملامة في استخراج أحكام العمامة" (ص 142 - 229)، "فقه الممسوحات" (135 - 169)، "أحكام المسح على الحائل" (497 - 589).
(11) في (ق): "وكلاهما".
(12) في (ق): "ولم تقيسوهما على مسح الرأس"، وسقط من (ك).
(3/15)

والباء والأمر في الموضعين سواء (1).
وقستم وجود الماء في الصلاة على وجوده خارجها في بطلان صلاة المتيمم به (2)، ولم تقيسوا القهقهة في الصلاة على القهقهة في خارجها (3)، وفرقتم بين تقديم الزكاة قبل وجوبها فأجزتموه وبين تقديم الكفارة [قبل وجوبها] (4) فمنعتموه، وقستم وجه المرأة في الإحرام على رأس الرجل [وتركتم قياس وجهها على يديها أو على بدن الرجل] (4)، وهو محض القياس وموجب السنّة فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سَوّى بين يديها ووجهها وبين يدي الرجل ووجهه حيث قال: "لا تلبس القفازين ولا النقاب" (5) وكذلك قال: "لا يلبس المحرمُ القميصَ ولا السَّراويل ولا تنتقب المرأة" (6) فتركتم محض القياس وموجب السنّة.
وقستم المزارعة والمساقاة (7) على الإجارة الباطلة فأبطلتموهما، وتركتم محض القياس وموجب السنّة وهو قياسهما على المضاربة والمشاركة (8) فإنهما أشبه بهما منهما بالإجارة؛ فإن صاحب الأرض والشجر يدفع أرضه وشجره لمن يعمل عليهما وما رزق اللَّه من نماء (9) فهو بينه وبين العامل، وهذا كالمضاربة (10) سواء؛ فلو لم تأتِ السنّة الصحيحة بجوازها (11) لكان القياس يقتضي جوازها (11) عند القياسيين (12).
__________
(1) الموضعين هما: آية الوضوء {. . . وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ. . .} الآية السادسة من سورة المائدة، وآية التيمم: {. . . فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ. . .} الآية الثالثة والأربعون من سورة النساء (ط).
(2) انظر تفصيل المسألة وأدلتها في "الخلافيات" (رقم 26)، وتعليقي عليها.
(3) انظر تفصيل المسألة وأدلتها في "الخلافيات" (رقم 22)، وتعليقي عليها وسقطت "في" من (ك) و (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب جزاء الصيد: باب ما يُنهى من الطيب للمحرم والمحرمة، 1838) من حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-.
(6) سبق تخريجه (1/ 364).
(7) "انظر: نيل الأوطار فيهما" (و).
(8) سيأتي تخريج هذه الأحاديث المشار إليها.
(9) في (ق) و (ك): "النماء".
(10) "هي أن تعطي مالًا لغيرك يتجر فيه، فيكون له سهم معلوم من الربح، وهي مفاعلة من الضرب في الأرض". (و).
(11) في (ق): "بجوازهما".
(12) في (ق): "القياسين".
(3/16)

واشترط (1) أكثرُ من جوزّها كون البذر من رب الأرض، وقاسها على المضاربة في كون المال من واحد والعمل من واحد.
وتركوا محض القياس وموجب السنّة (2)؛ فإن الأرض كالمال في المضاربة، والبذر يجري مجرى الماء والعمل فإنه يموت في الأرض، ولهذا (3) لا يجوز أن يرجع إلى ربه مثلُ بذرة ويقتسما الباقي، ولو كان كرأس المال في المضاربة لجاز، بل اشترط (4) أن يرجع إليه [مثل] (5) بذرة كما [يشترط أن] (6) يرجع إلى رب المال مثل ماله، فتركوا [محض] (7) القياس كما تركوا موجب السنّة الصحيحة الصريحة وعمل الصحابة كلهم.
وقستم إجارة الحيوان للانتفاع بلبنه على إجارة الخبز للأكل، وهذا من أفسد القياس، وتركتم محض القياس وموجب القرآن، فإن اللَّه سبحانه قال: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] فقياس الشاة والبقرة والناقة للانتفاع بلبنها على الظئر أصح وأقرب إلى العقل من قياس ذلك على إجارة الخبز للأكل؛ فإن الأعيان المستخلفة شيئًا بعد شيء تجري مجرى المنافع كما جرت مجراها في المنيحة (8) والعارية والضمان بالإتلاف، فتركتم [محض القياس.
وقستم على ما لا خفاء بالفرق بينه وبينه، وهو أن الخبز والطعام تذهب جملته بالأكل ولا يخلُفُه غيره، بخلاف اللبن ونقع البئر، وهذا من أجلى القياس.
وقستم الصداق على ما يُقطع فيه يَدُ السارق، وتركتم] (9) محض القياس وموجب السنّة (10)؛ فإنه عقد مُعَاوضة فيجوز بما يتراضى عليه المتعاوضان ولو خاتمًا (11) من حديد.
وقستم الرجل يسرقُ العين ثم يملكها بعد ثبوت القطع على ما إذا ملكها قبل ذلك، وتركتم محض القياس وموجب السنّة؛ فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يسقط القطع عن
__________
(1) في (ق) و (ك): "فاشترط".
(2) سيأتي تخريج الأحاديث المشار إليها.
(3) في (ق): "وبهذا".
(4) في (ق) و (ك): "يشترط".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) ما بين المعقوفتين من (ك) و (ق).
(7) ما بين المعقوفتين من (ق).
(8) "منحة الناقة: جعل له وبرها ولبنها وولدها، فهي منيحة". (و).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك) وقال في هامش (ق): "سقط شيء".
(10) سيأتي تخريج هذه الأحاديث المشار إليها.
(11) في (ق): "خاتم".
(3/17)

سارق الرداء بعدما وهبه إياه صَفْوَان (1)، وفرقتم بين ذلك وبين الرجل يزني بالأمة
__________
(1) أخرجه مالك في "الموطأ" (2/ 834)، وعنه الشافعي في "المسند" (325)، والطبراني في "الكبير" (7325)، والطحاوي في "المشكل" (2383)، والبيهقي (8/ 265) عن ابن شهاب عن صفوان بن عبد اللَّه بن صفوان: أن صفوان بن أمية قيل له: إنه من لم يهاجر هلك! فقدم صفوان بن أمية المدينة، فنام في المسجد، وتوسّد رداءه، فجاء سارق، فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارق، فجاء به إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أسرقت رداء هذا؟ " قال: نعم، فأمر به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تقطع يده، فقال صفوان: هو عليه صدقة. فقال: "هلا قبل أن تأتيني به" وهذا مرسل.
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (11/ 612): "هكذا روى هذا الحديث جمهور أصحاب مالك مرسلًا، ورواه أبو عاصم النبيل عن مالك عن الزهري عن صفوان بن عبد اللَّه بن صفوان عن جده؛ قال: قيل لصفوان:. . . " وذكره بنحوه.
قال: "ولم يقل أحد فيما علمت في هذا الحديث عن صفوان بن عبد اللَّه بن صفوان عن جده؛ غير ابن عاصم -وهو النبيل-؛ ورواه شبابة بن سوار عن مالك عن الزهري عن عبد اللَّه بن صفوان عن أبيه".
قلت: رواية شبابة؛ أخرجها ابن ماجه (2595)، والطحاوي في "المشكل" (2384)، وابن عبد البر في "التمهيد" (11/ 216).
ورواية أبي عاصم النبيل، أخرجها الطبراني (7325).
قال الطحاوي: "ووافق شبابة على هذا الإسناد في هذا الحديث أبو علقمة الفروي".
وإذا كان إسناد هذا الحديث كما ذكرنا، احتمل أن يكون الزهري قد سمعه من عبد اللَّه بن صفوان، عن أبيه، وسمعه من صفوان بن عبد اللَّه، فحدّث به مرة هكذا ومرة هكذا، كما يفعل في أحاديثه عن غيرهما ممن يحدث عنه.
فإن قال قائل: أفيتهيأ في سنه لقاء عبد اللَّه بن صفوان؟
قيل له: نعم ذلك غير مستنكر، لأن عبد اللَّه بن صفوان قُتل مع عبد اللَّه بن الزبير في اليوم الذي قتل فيه من سنة ثلاث وسبعبن، والزهري يومئذ سنّه أربع عشرة سنة، لأن مولده كان في السنة التي قتل فيها الحسين بن علي -رضي اللَّه عنهما-، وهي سنة إحدى وستين.
فقال قائل: فقد يجوز أن يكون عبد اللَّه بن صفوان هو ابن عبد اللَّه بن صفوان.
قيل له: ما نعلم لصفوان بن عبد اللَّه ابنًا أُخذ عنه شيء من العلم، وإنما عبد اللَّه بن صفوان بن أمية" انتهى.
قلت: ولحديث صفوان هذا طرق عديدة يصح بمجموعها.
أخرجها أحمد (3/ 401 و 6/ 465، 466)، والنسائي (8/ 68 - 70)، وأبو داود (4394)، وابن الجارود (828)، والدارقطني (3/ 204 - 206)، والحاكم (4/ 380)، والطحاوي (2385 - 2389)، والطبراني (7338 - 7341)، والبيهقي (8/ 267).
وصحح هذا الحديث جمع من العلماء.
انظر: "التمهيد" (11/ 215 - 220)، "بيان الوهم والإيهام" (1/ 90)، "تنقيح التحقيق" =
(3/18)

ثم يملكها فلم تروا ذلك مسقطًا للحد، مع أنه لا فرق بينهما.
وقستم قياسًا أبعد من هذا فقلتم: إذا قُطع بسرقتها مرة ثم عاد فسرقها لم يقطع به ثانيًا، وتركتم محض القياس على ما إذا زنى بامرأةٍ فحُدَّ بها ثم زنى بها ثانية فإن الحد لا يسقط عنه، ولو قذفه [فَحُدَّ ثم قَذَفه] (1) ثانيًا لم يسقط [عنه] (2) الحد.
وقستم نذر صوم يوم العيد في الانعقاد ووجوب الوفاء على نذر صوم اليوم القابل له شرعًا، وتركتم محض القياس وموجب السنّة (3)، ولم تقيسوه على صوم يوم الحيض، وكلاهما غير محل للصوم شرعًا فهو بمنزلة الليل.
وقستم وجعلتم المحتقن بالخمر كشاربها في الفطر بالقياس، ولم تجعلوه كشاربها في الحد؛ وقستم (4) الكافر الذمي والمعاهد على المسلم في قتله به، ولم تقيسوه (5) على الحربي في إسقاط القود.
ومن المعلوم قطعًا أن الشبه الذي بين المعاهد والحربى أعظم من الشبه الذي بين الكافر والمسلم، واللَّه سبحانه [وتعالى] (6) قد سوى بين الكفار كلهم في إدخالهم [نار] (6) جهنم، وفي قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين، [وفي عدم التوارث بينهم وبين المسلمين] (6)، وفي منع قبول شهادتهم على المسلمين، وغير ذلك، وقطع المساواة بين المسلمين والكفار؛ فتركتم محض القياس -وهو التسوية بين ما سوى (7) اللَّه بينه- وسويتم بين ما فرّق اللَّه بينه.
ومن العجب أنكم قِسْتُمُ المؤمنَ على الكافر في جَريان القصاص بينهما في النفس والطرف، ولم تقيسوا العبد المؤمن على الحُرِّ في جريان القصاص بينهما في الأطراف؛ فجعلتم حرمة عدوِّ اللَّه الكافر في أطرافه أعْظَمَ من حرمة وليه المؤمن (8)،
__________
= (3/ 324)، "نصب الراية" (3/ 368)، "التلخيص الحبير" (4/ 64)، "نيل الأوطار" (7/ 375).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) سيأتي تخريج الأحاديث المشار إليها.
(4) في (ق) و (ك): "وقاسوا".
(5) في (ق): "ولم يقيسوه".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ق) و (ك): "ما يسوي".
(8) انظر: "تهذيب سنن أبي داود" (6/ 330)، و"الصواعق المرسلة" (1/ 146)، و"مفتاح دار السعادة" (ص 435)، وانظر كتاب: "أحكام الجناية" (ص 167 - 173) للشيخ الفاضل بكر أبو زيد -حفظه اللَّه-.
(3/19)

وكان نقص المؤمن العبودية (1) الموجب للأجرين عند اللَّه أنقص عندكم من نقص الكفر، وقلتم: يقتل الرجلُ بالمرأة، ثم ناقضتم فقلتم: لا يؤخذ طرفه بطرفها، وقلتم: يقتل العبد بالعبد وإن كانت قيمة أحدهما مئة درهم و [قيمة] (2) الآخرة مئة ألف درهم، ثم ناقضتم فقلتم: لا يؤخذ طرفه بطرفه، إلا أن تتساوى قيمتهما، فتركتم (3) محض القياس؛ فإن اللَّه سبحانه ألغى التفاوتَ بين النفوس والأطراف في الفضل لمصلحة المكلفين، ولعدم ضبط التساوي؛ فألغيتم ما اعتبره اللَّه [سبحانه] (4) من الحكمة والمصلحة، واعتبرتم ما ألغاه من التفاوت، وقستم قوله: "إن كَلَّمتُ فلانًا أو بايعته فامرأتي طالق [وعبدي حر" على ما إذا قال: "إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق] (4) " ثم عديتم ذلك إلى قوله: "الطلاق يلزمني لا أكلم فلانًا" ثم كلّمه، ولم تقيسوه على قوله: "إن كلّمت فلانًا فعليَّ صومُ سنة، أو حج إلى بيت اللَّه، أو فمالي صدقة" وقلتم: هذا يمينٌ (5) لا تعليق مقصود؛ فتركتم محض القياس؛ فإن (6) قوله: "الطلاق يلزمني لا أكلم فلانًا" يمين لا تعليق، وقد أجمع الصحابة على أن قصد اليمين في العتق يمنع من وقوعه، وحكى غيرُ واحدٍ إجماع الصحابة أيضًا على أن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق إذا حنث، وممن حكاه أبو محمد بن حزْم (7)، [وحكاه] أبو القاسم عبد العزيز بن إبراهيم (8) بن أحمد بن علي التميمي (9) المعروف بابن بَزيزة (10) في كتابه المسمى ب"مصالح
__________
(1) في (ق) و (ك): "فكأن نقص العبودية".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك) ووقع في (ق): "والآخر مئة".
(3) في (ق) و (ك): "وتركتم".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ق) و (ك): "هذا نهي".
(6) في (ق) و (ك): "وإن".
(7) فقال: "واليمين بالطلاق لا يلزم، وسواء بر أو حنث لا يقع به طلاق، ولا طلاق إلا كما أمر اللَّه عز وجل، ولا يمين إلا كما أمر اللَّه عز جل على لسان رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، برهان ذلك: قول اللَّه عز وجل: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ}، وجميع المخالفين لنا ههنا لا يختلفون في أن اليمين بالطلاق والعتاق والمشي إلى مكة وصدقة المال؛ فإنه لا كفارة عندهم في حنثه في شيء منه إلا بالوفاء بالفعل، أو الوفاء باليمين، فصح بذلك يقينًا أنه ليس شيء من ذلك يمينًا؛ إذ لا يمين إلا ما سماه اللَّه تعالى يمينًا" انظر: "المحلى" (10/ 211 - 212/ مسألة: 1969).
(8) في (ق) و (ك): "عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم" وبدل ما بين المعقوفتين في (ق): "وحكى".
(9) في (ق) و (ك): "التيمي".
(10) هو الفقيه المفسر أبو محمد عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد القرشي التميمي المالكي، توفي سنة (660 ه). =
(3/20)

الأفهام في شرح كتاب الأحكام" (1) في بابٍ ترجمتُه: البابُ الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه.
وقد قدمنا في "كتاب الأيمان" اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق [والشرط] (2) وغير ذلك: هل يلزم أم لا؟ فقال علي بن أبي طالب وشُريح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يُقضى بالطلاق على مَنْ حلف به فحنث (3)، ولا يُعرف لعلي (4) في ذلك مخالف من الصحابة؛ قال (5): وصح عن عطاء فيمن قال لامرأته: "أنت طالق إن لم أتزوج عليك" قال: إن لم يتزوج عليها حتى يموت أو تموت فإنهما يتوارثان (6)، وهو قول الحكم بن عُتَيْبة (7)، ثم حكى عن عطاء فيمن حَلَف بطلاق امرأته ليضربنَّ زيدًا فمات أحدهما أو ماتا معًا فلا حنث
__________
= انظر ترجمته في: "التبصير" (1/ 79)، و"التوضيح" (1/ 482).
(1) هذا الكتاب ذكره الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" في عدة مواضع، انظر كتابنا "معجم المصنفات الواردة في فتح الباري" (رقم 667).
ووقع في (ق): "مصلح الأفهام في شرح كتاب الأحكام".
(2) في (ق) و (ك): "والمشي".
(3) قول علي: هو ما رواه ابن حزم في "المحلى" (10/ 212) تعليقًا عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن رجلًا تزوج امرأة وأراد سفرًا، فأخذه أهل امرأته، فجعلها طالقًا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل، ولم يبعث إليها بشيء، فلما قدم خاصموه إلي عليّ، فقال علي: اضطهدتموه حتى جعلها طالقًا، فردها عليه.
وأخرج عبد الرزاق (11454)، وسعيد بن منصور (رقم 1025 - ط الأعظمي)، وأبو عبيد -ومن طريقه ابن حزمٍ في "المحلى" (10/ 205) - عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال: سأل رجل عليًا، قال: قلت: إنْ تزوّجتُ فلانة، فهي طالق، فقال علي: ليس بشيء.
وقول شريح: أخرجه عبد الرزاق (رقم 11467)، ومن طريق ابن حزم (10/ 212).
وقول طاوس، أخرجه عبد الرزاق (رقم 11469)، ومن طريقه ابن حزم (10/ 213) أيضًا.
(4) في المطبوع و (ن): "ولم يعلم لعلي كرم اللَّه وجهه في الجنة".
(5) أي: ابن حزم في "المحلى" (10/ 212).
(6) قول عطاء: رواه عبد الرزاق (11310) (6/ 368)، ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (10/ 212) عن ابن جريج عن عطاء بالعنعنة.
(7) قول الحكم بن عتيبة: رواه عبد الرزاق (11309) ومن طريقه ابن حزم (10/ 212) عن الثوري عن غيلان بن جامع عنه، وسنده صحيح.
وذكره ابن حزم في "المحلى" (10/ 212)، وتصحف اسمه في مطبوع "الإعلام" إلى "ابن عتبة"!!
(3/21)

عليه ويتوارثان (1)، وهذا صريح في أَنَّ يمين الطلاق لا يلزم (2)، ولا تطلق الزوجة بالحنث فيها، ولو حنث قبل (3) موته لم يتوارثا، فحيث أثبت التوارث دلّ على أَنَّها زوجة عنده، وكذلك عكرمة مولى ابن عباس أيضًا عنده يمين الطلاق لا يلزم، كما ذكره عنه سُنيد (4) بن داود في "تفسيره" في سورة النور عند قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور: 21] ومن العجب أنكم قلتم: [إذا قال] (5): "إن شَفى اللَّه مريضي فعليَّ صوم شهر، أو صدقة، أو حَجة" (6) لزمه لأنه قاصدٌ للنذر، فإذا قال: "إن كَلَّمتُ فلانًا فعليَّ صوم، أو صدقة" لم يلزمه (7)؛ لأنه نذرُ لجاجٍ وغضب، فهو يمين فيه كفارة اليمين؛ فجعلتم قَصْده لعدم الوقوع مانعًا من ثلاثة أشياء: إيجاب ما التزم (8)، ووجوبه عليه، ووقوعه (9).
وقلتم: لو قال: "إن فعلت كذا فعليَّ الطلاق" وفعله لَزِمه، ولم يمنع قصد الحلف من وقوعه، وهو أبغض الحلال إلى اللَّه (10)، ومنع من وجوب القُرُبات
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق بنحوه (رقم 11310)، ومن طريقه ابن حزم.
(2) في (ق): "تلزم".
(3) في (ق): "قبيل".
(4) في (ك): "سعيد".
(5) في (ق): "إن قال" وسقط من (ك).
(6) في (ن) و (ق): "أو حج".
(7) في (ق): "يلزم".
(8) في (ق) و (ك): "إيجاب بالتزام".
(9) في (ن) و (ك) و (ق): "ووقوعه عليه".
(10) يشير إلى حديث: "أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق"، وهو ضعيف.
أخرجه أبو داود في "السنن" (كتاب الطلاق): باب كراهية الطلاق (2/ 255 رقم 2178)، ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (7/ 322)، وابن عدي في "الكامل" (6/ 2453) من طريق محمد بن خالد الوهبي عن معرِّف بن واصل عن محارب بن دثار عن ابن عمر مرفوعًا.
وإسناده ضعيف، شذ محمد بن خالد الوهبي في وصله؛ فرواه من هو أوثق منه وأكثر عددًا فأرسلوه، وهذا البيان.
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم 2177) -ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (7/ 322): ثنا أحمد بن يونس، والبيهقي أيضًا (7/ 322) من طريق يحيى بن بُكير، وابن أبي شيبة في "المصنف" (5/ 253) من طريق وكيع بن الجراح، وعبد اللَّه بن المبارك في "البر والصلة" -كما في "المقاصد الحسنة" (12) -، وأبو نعيم الفضل بن دكين -كما قال الدارقطني في "العلل" (4/ ق 52/ ب) -، خمستهم عن معرَّف بن واصل عن محارب مرسلًا دون ذكر (ابن عمر) فيه، وهذا هو الصواب، وهو الذي رجحه أبو حاتم -كما في "العلل" (1/ 431) لابنه-، والدارقطني في "العلل" (4/ ق 52/ ب)، والخطابي في "معالم السنن" (4/ 231)، وإليه مال البيهقي حيث رجح رواية أبي داود عن أحمد بن يونس المرسلة على رواية محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن أحمد بن يونس الموصولة - =
(3/22)

التي هي أحبُّ شيء إلى اللَّه؛ فخالفتم صريح القياس والمنقول عن الصحابة والتابعين بأصحَّ إسناد يكون، ثم ناقضتم القياس من وجه آخر فقلتم: إذا قال: "الطَّلاقُ يلزمني لأفعلنَّ كذا إن شاءَ اللَّه" ثم لم يفعله لم يحنث؛ لأنه أخرجه مخرج اليمين؛ وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ حَلفَ فقال: إن شاء اللَّه، فإن شَاء فَعل وإن شاء ترك" (1) فجعلتموه يمينًا، ثم قلتم: يلزمه وقوع الطلاق؛ لأنه تعليقٌ فليس بيمين، ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم: لو قال: "الطلاق يلزمني لا أجامعها سنة" فهو مُؤلٍ فيدخل في قوله [تعالى] (2): {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226] والألية والإيلاء [والائتلاء] (2) هو الحلف بعينه كما في الحديث:
__________
= وهي عند الحاكم (2/ 196)، والبيهقي- حيث قال عقبها: "ولا أراه -أي: ابن أبي شيبة- حفظه".
وقد جاء الحديث موصولًا من حديث ابن عمر، ولكن من طريق المعتمد عليها "كالقابض على الماء"، أخرجه ابن ماجه في "السنن" (رقم 2018)، وأبو أمية الطرسوسي في "مسند ابن عمر" (رقم 14)، وابن حبان في "المجروحين" (2/ 64) -ومن طريقه ابن الجوزي في "الواهيات" (رقم 1056) -، وتمام في "الفوائد" (رقم 798 - ترتيبه) -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (2/ ق 103/ أ) -، وابن عدي في "الكامل" (4/ 1630) من طريق عبيد اللَّه بن الوليد الوصافي عن محارب به.
والوصافي ليس بشيء؛ كما قال ابن معين، وقال الفَلَّاس والنسائي: متروك الحديث؛ فإسناده ضعيف جدًا.
وفي الباب عن معاذ عند الدارقطني في "السنن" (4/ 35)، وابن عدي في "الكامل" (2/ 694) بلفظ: "ما أحل اللَّه شيئًا أبغض إليه من الطلاق"، وله ألفاظ أخرى، وإسناده ضعيف.
وحمل الفقهاء هذا الحديث على الصور التي لا يتحقق فيها الموجب للفراق؛ فإنه يكون وقتئذ من المكروه الذي يناله نصيب من بغض اللَّه لما يترتب عليه من الإساءة للزوجة أو أقاربها، أو الولد الذي تتركه من خلفها، وإنما سمّي بالحلال؛ لأن الحلال يطلق على ما يقابل الحرام، فيتناول المباح والمكروه.
(1) رواه أحمد (2/ 6 و 48 - 49 و 68 و 126 و 127 و 153)، وأبو داود (3262) في (الأيمان والنذور): باب الاستثناء في اليمين، والترمذي (1531) كذلك، والنسائي (7/ 12) في (الأيمان والنذور): باب من حلف فاستثنى، و (7/ 25) باب الاستثناء، وابن ماجه (2105) في (الكفارات): باب الاستثناء في اليمين، والدارمي (2/ 185)، والبيهقي (7/ 360 - 361 و 10/ 46) من طرق عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، وإسناده صحيح.
ولفظه: ". . . إن شاء مضى، وإن شاء ترك غير حنث"، وفي حديث أبي هريرة في "صحيح البخاري" (6720)، و"صحيح مسلم" (1654) (23). . . "لو قال: إن شاء اللَّه لم يحنث".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3/23)

"تأَلَّى على اللَّه أن لا يفعل خيرًا" (1)، وقال تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} [النور: 22]، وقال الشاعر:
قليل الألَايا حافظٌ لِيمينه ... وإن بَدَرتْ منهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ (2)
ثم قلتم: وليس بيمين فيدخل في قوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] فياللَّه العَجَب: ما الذي أحلَّه عامًا وحَرَّمه عامًا، وجعله يمينًا وليس بيمين؟ ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم: إن قال: "إن فعلتُ كذا فأنا كافر" وفَعَله لم يكفر؛ لأنه لم يقصد الكفر، وإنما قصد منع نفسه من الفعل بمنعها من الكفر؛ وهذا حق، لكن نقضتموه في الطلاق والعتاق مع أنه لا فرق بينهما ألبَتَّة في هذا المعنى الذي منع من وقوع الكفر، ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم: لو قال: "إن فعلتُ كذا فعليَّ أن أطلق امرأتي" فحنث لم يلزمه أن يطلقها، ولو قال: "إن فعلته فالطلاق يلزمني" فحنث وقع عليه الطلاق، ولم (3) تفرق اللغةُ [ولا] (4) الشريعة بين المصدر و [أن] (4) والفعل (5).
فإن قلتم: الفرقُ بينهما أنه التزم (6) في الأول التطليق [وهو فعله] (7)، وفي الثاني وقوع الطلاق وهو أَثرُ فعله.
قيل: هذا الفرق الذي تخيَّلتموه لا يُجدي شيئًا؛ فإن الطلاق هو التطليق بعينه، وإنَّما أَثَرُه كونُها طالقًا، وهذا غير الطلاق؛ فههنا (8) ثلاثة أمور مرتبة:
__________
(1) أي: حلف، يقال: تألَّى، يتألى، تأليًا، وائتلى يأتلي ائتلاءً: إذا حلف.
والحديث: أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب الصلح): باب هل يشير الأمام بالصلح (5/ 307/ رقم 2705)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب المساقاة): باب استحباب الوضع من الدين، (3/ 1191 - 1192/ رقم 1557) عن عائشة؛ قالت: سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صوت خصوم بالباب، عالية أصواتهم، واذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: "واللَّه لا أفعل" فخرج عليهما رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "أين المتألي على اللَّه لا يفعل المعروف؟ "، وأبهم مسلم شيخه فيه، انظر به: "غرر الفوائد المجموعة" (ص 678 - 680 - بتحقيقي).
(2) "البيت في "اللسان" (14/ 40 - مادة ألا) غير منسوب، ورواه ابن خالويه: قليل الإلاء، وفسر أبو عبيدة: لا يأتل بأنه من ألوت، أي: قصرت" (و).
(3) في المطبوع و (ك) و (ق): "ولا".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك)، ووقع في (ق): "و" بدل "ولا".
(5) "لأنه لا فرق في المعنى بين المصدر الصريح، والمصدر المؤول من أنْ والفعل" (ط).
(6) في (ن) و (ق) و (ك): "إن الملتزم".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(8) في (ق): "وههنا".
(3/24)

التزام التطليق، وهذا غير الطلاق بلا شك، والثاني: إيقاع التطليق، وهو الطلاق بعينه الذي قال اللَّه فيه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229]، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الطلاق لمن أخذ بالساق" (1). الثالث: صَيْرُورة (2) المرأة طالقًا وبينونتها؛ فالقائل: "إن فعلتُ كذا فعليَّ الطلاق" لم يُرد هذا الثالث قطعًا، فإنه ليس إليه ولا من فِعْله، وإنَّما هو إلى الشارع، والمكلفُ إنما يلزم ما يدخل تحت مقدرته (3) وهو إنشاء الطلاق؛ فلا فرق أصلًا بين هذا اللفظ وبين قوله: "فعليَّ أن أُطلِّق" فالتفريق بينهما تفريق بين متساويين، وهو عدول عن محض القياس من غير نص ولا إجماع ولا قول صاحب.
يوضحه أن قوله: "فالطلاق لازم لي" إنما هو فعله الذي يلزمه بالتزامه (4)؛ وأما كونها طالقًا فهذا وصفها، فليس هو لازمًا له، وإنما هو لازم لها (5)، فلينظر
__________
(1) رواه ابن ماجه (2081) من طريق يحيى بن عبد اللَّه بن بكير ثنا ابن لهيعة عن موسى بن أيوب الغافقي عن عكرمة عن ابن عباس به مطولًا، وفيه قصة.
وضعفه البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 358) بابن لهيعة.
قلت: ومما يدل على ضعفه أنه رواه مرة أخرى مرسلًا؛ كما رواه الدارقطني (4/ 37)، ومن طريقه البيهقي (7/ 360)، وابن لهيعة توبع، فقد رواه الطبراني في "الكبير" (11800) من طريق يحيى الحماني عن يحبى بن يعلى عن موسى بن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس به.
ويحيى الحماني ضعيف.
وله متابعة أخرى، فقد رواه الدارقطني (4/ 37)، والبيهقي (7/ 360) من طريق أبي عتبة أحمد بن الفرج الحجازي، حدثنا بقية بن الوليد حدثنا أبو الحجاج المهري عن موسى بن أيوب به.
وأحمد بن الفرج هذا ضعفه محمد بن عوف الطائي، وقال ابن عدي: ليس ممن يُحتج بحديثه، أو يُتدين إلا أنه يكتب حديثه، وقال ابن أبي حاتم: محله الصدق.
وله شاهد من حديث عصمة بن مالك رواه ابن عدي في "الكامل" (6/ 2040)، والطبراني في "الكبير" (17/ 473)، والدارقطني (4/ 37)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" من طريق الفضل بن المختار البصري عن عبيد اللَّه بن موهب عنه مرفوعًا.
وهذا إسناد ضعيف جدًا، الفضل هذا قال فيه أبو حاتم: أحاديثه منكرة يحدث بالأباطيل، وقال ابن عدي: وعامته مما لا يتابع عليه إما إسنادًا وإما متنًا.
(2) في (ق): "والثالث تصيير" وفي (ك): "تصيير".
(3) في (ن) و (ق) و (ك): "قدرته".
(4) في (ق) و (ك): "إن فعله هو الذي يلزم بالتزامه".
(5) في (ق) و (ك): "فليس هو لازمًا [لها]، وإنما هو لازم له"، وما بين المعقوفتين هنا سقط من (ك).
(3/25)

اللبيبُ المُنصفُ الذي العلمُ أحب إليه من التقليد إلى مقتضى القياس المحض واتباع الصحابة -رضي اللَّه عنهم- (1) والتابعين في هذه المسألة، ثم ليختر لنفسه ما شاء، واللَّه الموفق.
ثم [ناقضتم] (2) أيضًا من وجه آخر فقلتم: لو قال: "إن حلفتُ بطلاقك أو وقع مني يمين بطلاقك" أو لم يَقُل: بطلاقك، بل قال: "متى حلفتُ أو أَوقعتُ (3) يمينًا فأنتِ طالق" ثم قال: "إن كَلَّمتُ فلانًا فأَنت طالقٌ" حنث وقد وقع عليه الطلاق؛ لأنه قد حلف وأوقع اليمين، فأدخلتم الحلف بالطلاق في اسم اليمين والحلف في كلام [المكلف، ولم تدخلوه في اسم اليمين والحلف في كلام] (4) اللَّه ورسوله، وزعمتم أنكم اتبعتم في ذلك القياس والإجماع، وقد أريناكم مخالفتكم لصريح القياس مخالفة لا يمكنكم الانفكاك عنها بوجه، ومخالفتكم للمنقول عن الصحابة والتابعين كأصحاب ابن عباس؛ فظهر عند المنصفين أَنَّا أَولى بالقياس والاتِّباع منكم في هذه المسألة، وباللَّه التوفيق.
وقلتم: لو شهد عليه أربعة بالزنا فصَدَّق الشهود سقط عنه الحد (5) وإن كَذَّبهم أُقيم عليه الحد؛ وهذا من أفسد قياس (6) في الدنيا؛ فإن تصديقهم إنما زادهم قوة، وزاد الإمام يقينًا وعلمًا أعظم من العلم الحاصلِ بالشهادة وتكذيبه، وتفريقكم -بأن البيِّنة لا [يُعمل بها إلا] (7) مع الإنكار فإذا أقرَّ فلا عمل للبينة، و [الإقرار مرةً لا يكفي فيسقط الحد- تفريقٌ باطلٌ؛ فإن العمل هاهنا بالبينة] (8) لا بالإقرار، وهو إنما [صدر منه تصديق البينة التي وجب الحكم بها بعد الشهادة، فسواء أقر أو لم يقر؛ فالعملُ إنما] (8) هو بالبينة (9).
وقلتم: لو وجد الرجلُ امرأة في فراشه فظنَّ أنها امرأته [فوطئها (10) حُدَّ حَدَّ الزنا]، ولا يكون هذا شبهة مسقطة للحد، [ولو عقد على ابنته أو أُمِّه ووطئها كان ذلك شبهةً مسقطة للحد] (8)، ولو حبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد وولدت مرة
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(3) في (ق): "أو واقعت".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (د): "الحسد".
(6) في (ك): "القياس".
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "تعمل"، وفي (ق): "تعمل إلا".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) انظر كتاب: "الحدود والتعزيرات" (ص: 159 - 160) للشيخ بكر أبو زيد.
(10) زاد هنا في (ك): "شبهة مسقطة للحد" والعبارة في (ق): "فوطئها حد شبهة مسقطة للحد حد الزنا".
(3/26)

بعد مرة لم تحد، ولو تقايأ (1) الخمر كل يوم لم يُحد؛ فتركتم محض القياس والثابت عن الصحابة [-رضي اللَّه عنهم-] (2) ثبوتًا لا شك فيه من الحد بالحبل ورائحة الخمر (3).
وقلتم: لو شهد عليه أربعة بالزنا فطعن في عدالتهم حُبس إلا (4) أن يُزكى الشهود، ولو شهد عليه اثنان بمالٍ فطعن في عدالتهما لم يحبس قبل التزكية؛ فتركتم محض القياس وقستم دعوى المرأتين الولد وإلحاقه بهما وجعلهما أُمَّيْنِ له على دعوى الرجلين، وهذا من أفسد القياس؛ فإن خروج الولد من أمين معلوم الاستحالة، وتخليقه من ماء الرجلين ممكن بل واقع، كما شهد به القَائِف عند عمر وصَدَّقه (5).
وقلتم: لو قال لأجنبي: "طلِّقِ امرأتي" فله أن يطلّق في المجلس وبعده، ولو قال لامرأته: "طلقي نفسك" فلها أن تطلق [نفسها] (6) ما دامت في المجلس، ثم فرقتم بينهما بأن "طلقي نفسك" تمليكٌ لا توكيل؛ لاستحالة أن يكون [الإنسان] (7) وكيلًا في التصرت لنفسه فيقيَّد بالمجلس، وأما بالنسبة إلى الأجنبي فتوكيل فلا يتقيد، [وهذا الفرق] (6) دعوى مجردة ولم تذكروا (8) حجة على أن قوله: "طلِّقي نفسك" تمليك، وقولكم: "الوكيل لا يتصرف لنفسه" جوابه له أن
__________
(1) في (ق): "تقيأ".
(2) ما بين المعقوفتين من (ق).
(3) مضى تخريج هذه الآثار المشار إليها.
(4) في (ق): "إلى".
(5) أخرج الدينوري في "المجالسة" (رقم 2085 - بتحقيقي) بسنده إلى الأصمعي قال: "اختصم رجلان إلى عمر بن الخطاب في غلام كلاهما يدَّعيه، فسأل عمر أمّه، فقالت: غشيني أحدُهما ثم هرقت ماءً، ثم غشيني الآخر، فدعا عمر قائفين فسألهما، فقال أحدهما: أعلن أم أسر؟ قال: بل أسر قال: اشتركا فيه، فضربه عمر حتى اضطجع، ثم سأل الآخر، فقال مثل قوله، فقال: ما كنت أرى هذا يكون وقد علمت أن الكلبة تسفدها الكلاب، فتؤدي إلى كل فَحْل نَخلَهُ".
وإسناده ضعيف، وهو معضل.
وعلقه ابن قتيبة في "عيون الأخبار" (2/ 81 - 82 - ط دار الكتب العلمية) عن الأصمعي أيضًا.
وفي (ق) و (ك): "عند عمر فصدقه".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ن) و (ك).
(8) في (ق) و (ك): "ولم يذكروا".
(3/27)

يتصرف لنفسه ولموكله، ولهذا كان الشريك وكيلًا بعد قبض المال والتصرف وإن كان متصرفًا لنفسه، فإن تصرفه لا يختص به، ثم ناقضتم هذا الفرق فقلتم: لو قال: "أبرئ نفسك من الدَّيْن الذي عليك" فإنه لا يتقيدُ بالمجلس، ويكون توكيلًا، مع أَنَّه تصرف مع نفسه؛ ففرَّقتم بين "طلِّقي نفسك" و"أبرئ نفسك مما عليك من الدين" وهو تفريق بين متماثلين، فتركتم محض القياس.
وقالوا: من أقام شهود زور على أن زيدًا طَلَّق امرأته فحكم الحاكم بذلك فهي حلال لمن تزوجها من الشهود، وكذلك لو أقام شهود زور على أن فلانة تزوجته بولي ورضى فقضى القاضي بذلك فهي له حلال، وكذلك لو شهدوا عليه بأنه أعتق جاريته هذه فقضى القاضي بذلك فهي حلال لمن تزوجها ممن يدري باطن الأمر؛ فتركوا محض القياس وقواعد الشريعة، ثم ناقضوا فقالوا: لو شهدوا له زورًا بأنه وهب له مملوكته هذه أو باعها منه لم يحل له وطؤها [بذلك] (1)، ثم ناقضوا بذلك أعظم مناقضة فقالوا: [لو شهدا] (2) بأنه تزوجها بعد انقضاء عدتها من المطلق وكانا (3) كاذِبَيْن فإنها لا تحل وحَبْسها على زوجها أعظم من حبسها على عدته؛ فأحلّوها في أعظم العِصْمَتين، وحَرَّموها في أدناهما، وحرمة النكاح أعظم من حرمة العدة.
وقلتم: لا يُحد الذميُّ إذا زنى بالمسلمة ولو كانت قُرشيَّة علوية (4) أو عَبَّاسية [ولا بسبِّ] (5) اللَّه ورسوله وكتابه ودينه جَهْرةً في أسواقنا ومجامعنا، ولا بتخريب مساجد المسلمين ولو أَنَّها المساجد الثلاثة (6)، ولا ينتقض عهده بذلك، وهو معصوم المال والدم، حتى إذا منع دينارًا واحدًا مما عليه من الجزية وقال: "لا أعطيكموه" (7) أنتقضَ بذلك عَهدُه (8)، وحَل ماله ودمه، ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم: لو سرق لمسلم عشرة دراهم لقُطِعت يده، ولو قذفه حُدَّ بقذفه؛ فيا للقياس الفاسد الباطل المُناقِض للدين والعقل الموجب لهذه الأقوال التي يكفي في ردها
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "شهد".
(3) في (ق): "فكانا".
(4) في (ق) و (ك): "قرشية أو علوية".
(5) في (ق): "ولو سب".
(6) "المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد الرسول بالمدينة المنورة، والمسجد الأقصى، وعيَّنها لما تختص به من مزيد الشرف" (ط).
(7) في (ق) و (ك): "أعطينكموه".
(8) في (ق) و (ك): "انتقص عهده بذلك".
(3/28)

تصورها، كيف استجاز المستجيز تقديمها على السُّنن والآثار؟ [واللَّه المستعان] (1).
وأجزتم شهادة الفَاسِقَيْن والمحدُودَيْن في القذف والأعميَيْن في النكاح، ثم ناقضتم فقلتم: لو شهد فيه عَبْدان صالحان عالمان يُفْتيان في الحلال والحرام لم يصح النكاح ولم ينعقد بشهادتهما؛ فمنعتم انعقاده بشهادة من عَدَّلَهُ اللَّه ورسوله [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (1) وعقدتموه بشهادة من فَسَّقَهُ اللَّه ورسوله ومنع من قبول شهادته.
وقلتم: لو شهد شاهد على زيد أنه غصب عمرًا مالًا اْو شَجَّه أو قذفه وشهد آخر بأَنه أقر بذلك ولم يتم النصاب لم يقض عليه بشيء (2)، ولو شهد شاهد بأنه طَلَّق امرأته أو أعْتَقَ عبده أو باعه وشهد آخر بإقراره بذلك تمت الشهادة وقُضي عليه.
وقلتم: لو قال له: "بعتك هذا العبد [بألف] (3) " فإذا هو جارية أو بالعكس فالبيع باطل؛ فلو قال: "بِعتُك هذه النعجة بعشرة" فإذا هي كبشٌ أو بالعكس فالبيع صحيح، ثم فرَّقتم بأن قلتم: المقصودُ من الجارية والعبد مختلف، والمقصود من النعجة والكبش متقارب وهو اللحم، وهذا غير صحيح؛ فإن الدَّر والنَّسل المقصود من الأنثى لا يوجد في الذكر، وعسب الفحل وضرابه المقصود منه لا يوجد في الأنثى، ثم ناقضتم أبْيَنَ مناقضة بأن قلتم: لو قال: "بعتك هذا القمح" فإذا هو شعير أو "هذه الألية" فإذا هي شحمٌ لم يصح البيع مع تقارب القصد.
وقلتم: لو باعه ثوبًا من ثوبين لم يصح البيع لعدم التعيين، فلو كان (4) ثلائة أثواب فقال: "بعتك واحدًا منها" صح البيع؛ فياللَّه العجب! كيف أبطلتموه مع قلة الجهالة والغرر وصححتموه مع زيادتهما؟ [أفترى زيادة] (5) الثوب الثالث خففّت الغرر ورفعت الجهالة (6)؟ وتفريقكم بأن العقد على واحد من اثنين يتضمن الجهالة والتغرير لأنه قد يكون أحدهما مرتفعًا والآخر رديئًا فيُفضي إلى التنازع والاختلاف، فإذا كانت ثلاثة فالثلاثة تتضمن الجيد والرديء والوسط، فكأَنه قال:
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق) و (ك): "أقر بذلك لم يتم النصاب ولم يقص عليه بشيء".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في المطبوع و (ن): "فلو كانت".
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "فزيادة" وفي (ك): "أقوى فزيادة".
(6) في (ق) و (ك): "ورفعته".
(3/29)

"بعتك أوسطها" وذلك أقل غررًا من بيعه واحدًا من اثنين رديء وجيد، وإذا أمكن حملُ كلام المتعاقدين على الصحة فهو أولى من إلغائه، وهذا الفرق ما زاد المسألة إلا غررًا وجهالة؛ فإن النزاع كان يكون في ثوبين فقط وأما الآن فصار في ثلاثة، وإذا قال: "إنما وقع العقد على الوسط" قال الآخر: "بل على الأدنى، أو على الأعلى".
وقلتم: لو اشترى جاريةً ثم أراد وطأها قبل الاستبراء لم يجز، ولو تيقَّنَّا فراغ رحمها بأن كانت بكرًا أو كانت بائعتها امرأة معه في الدار بحيث تيقَّن أنها غير مشغولة الرحم، أو باعها وقد ابتدأت في الحيضة ونحو ذلك، ثم قلتم: لو وطئها السيدُ البارحةَ ثم زوَّجها منه الغد جاز له وطؤها ورحمها مشتمل (1) على ماء الوطء (2)؛ فتركتم محض القياس والمصلحة وحكمة الشارع لفرقٍ مُتَخَيَّل (3) لا يُجْدي شيئًا، وهو أن النكاح لما صح كان ذلك حكمًا بفراغ الرحم، فإذا حكم بفراغ رحمها (4) جاز له وطؤها، فيُقال: ياللَّه العجب! كيف يُحكم بفراغ رحمها وهو حديث عهد بوطئها؟ وهل هذا إلا حكمٌ باطلٌ مخالف للحس والعقل والشرع؟ نعم لو أنكم قلتم: "لا يحل له تزوجها حتى يستبرئها ويحكم بفراغ رحمها" لكان هذا فرقًا صحيحًا وكلامًا متوجهًا، ويقال حينئذ: لا معنى لاستبراء الزوج؛ فله أن يطأها عقيب العقد فهذا محض القياس، وباللَّه التوفيق.
وقلتم: من طاف أربعة أشواط من السبع فلم يكمله حتى رجع (5) إلى أهله أنه يجبره بدم وصح حَجُّه، إقامة للأكثر مقام الكل، فخرجتم عن محض القياس؛ لأن الأركان لا مدخل للدم في تركها، وما أمر به الشارعُ لا يكون المكلف ممتثلًا به حتى يأتي بجميعه، ولا يقوم أكثره مقام كله، كما لا يقوم الأكثر مقام الكل في الصلاة والصيام والزكاة والوضوء وغسل الجنابة، فهذا هو القياس الصحيح، والمأمور ما لم يفعل ما أُمر به فالخطاب متوجهٌ إليه بعد، وهو في عهدته والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يسامح المتوضئ بترك لمعة في محل الفرض لم يصبها الماء (6)،
__________
(1) في المطبوع: "مشتغل".
(2) في (ق): "الواطئ".
(3) في (ق) و (ك): "مستحيل".
(4) في (ق): "الرحم".
(5) في (ق): "يرجع إلى أهله. . . ويصح حجه".
(6) أخرجه مسلم (243) (كتاب الطهارة): باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة عن عمر بن الخطاب، وخرجته مع العناية بألفاظه والحكم عليها مع الأحكام المستنبطة منها في تعليقي على "الخلافيات" للبيهقي (1/ مسألة رقم 10)، والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.
(3/30)

ولا أقام الأكثر مقام الكل, والذي جاءت به الشريعة هو الميزان العادل، لا هذا الميزان العائل، وباللَّه التوفيق.
وقستم الادِّهَانَ بالخل والزيت في الإحرام على الادهان بالمسك والعنبر في وجوب الفدية، ويا بُعد ما بينهما، ولم تقيسوا نبيذ التمر على نبيذ العنب مع قرب الأخوة التي بينهما.
وقلتم: لو أفطر في نهار رمضان فلزمته الكفارة ثم سافر لم تسقط عنه؛ لأَنَّ سفره قد يُتخذ وسيلة وحيلة إلى إسقاط ما أوجب الشرعُ، فلا تسقط (1)، وهذا بخلاف ما إذا مرض أو حاضت المرأة فإن الكفارة تسقط؛ لأن الحيض والمرض ليس من فعله، ثم ناقضتم أعظم مناقضة فقلتم: لو احتال لإسقاط الزكاة عند آخر الحول فملَّك ماله لزوجته (2) لحظة فلما انقضى الحول استرده منها، واعتذاركم بالفرق -بأن هذا تحيُّل على [منع الوجوب، وذاك تحيل على] (3) إسقاط الواجب بعد ثبوته، والفرق بينهما ظاهر- اعتذار (4) لا يجدي شيئًا، فإنه كما لا يجوز التحيل لإسقاط ما (5) أوجبه اللَّه [ورسوله] (3) لا يجوز التحيل لإسقاط أحكامه بعد انعقاد أسبابها ولا تسقط بذلك.
وإذا انعقد سبب الوجوب لم يكن للمكلف إلى إسقاطه (6) بعد ذلك سبيل، وسبب الوجوب هنا قائم (7) وهو الغِنَى بملك النِّصاب، وهو لم يخرج عن الغِنَى بهذا التحيّل. ولا يَعدُّه اللَّه ولا رسوله ولا أحد من خلقه ولا نفسه فقيرًا مسكينًا بهذا التحيل يستحق (8) أخذ الزكاة ولا تجب عليه الزكاة.
هذا من أقبح الخداع والمكر، فكيف يَروجُ على من يعلم خفايا الأمور وخبايا (9) الصدور؟ وأين القياس والميزان والعدل الذي بعث اللَّه به [رسله من] (10) التحيّل على المحرمات وإسقاط الواجبات؟ وكيف تخرج الحيلة المفسدة التي في العقود المحرمة عن كونها مفسدة؟ أم كيف [يقلبها] (11) مصلحة محضة ومن
__________
(1) في (ق): "يسقط".
(2) في (ق): "زوجته".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في (ق) و (ك): "اعتذارًا"!
(5) في (ق): "من".
(6) في المطبوع و (ن): "لم يكن للمكلف لإسقاطه".
(7) في (ق) و (ك): "وسبب الوجوب في هذا قائم".
(8) في (ق) و (ك): "فيستحق".
(9) في (ك): "وخفايا"
(10) في (ق) و (ك): "رسوله إلى".
(11) في المطبوع و (ن): "يقلل بها".
(3/31)

المعلوم أن المفسدة تزيد بالحيلة ولا تزول وتُضاعَف (1) ولا تَضْعُف؟ فكيف تزول المفسدة العظيمة التي اقتضت لعنة اللَّه ورسوله للمُحلِّل والمُحَلَّل له (2) بأن يشترطا ذلك قبل العقد ثم يعقدا بنيَّة ذلك الشرط ولا يشترطاه (3) في صُلب العقد؟ فإذا أَخْلَيا صلب العقد من التلفظ بشرطه حسب، واللَّه ورسوله والناس وهما يعلمون أن العقد إنما عُقد على ذلك، فياللَّه العجب! أكانت هذه اللعنة [على مجرد ذكر الشرط في صُلب العقد، فإذا تقدم على العقد انقلبت اللعنة] (4) رحمة وثوابًا؟ وهل الاعتبار في العقود إلا بحقائقها ومقاصدها؟ وهل الألفاظ إلا مقصودة لغيرها قصد الوسائل؟ فكيف يُضاع المقصود ويُعدل عنه في عقد مساوٍ لغيره من كل وجه لأجل تقديم لفظ أو تأخيره أو إبداله بغيره والحقيقة واحدة؟ هذا مما تُنَزَّه عنه الشريعة الكاملة المشتملة على مصالح العباد في دينهم ودنياهم؛ فأصحاب الحيل تركوا محض القياس، فإن ما احتالوا عليه من العقود المحرمة مساوٍ من كل وجه لها في القصد والحقيقة والمفسدة والفارق أمر صوري أو لفظي لا تأثير له ألبتة، فأيُّ فرقٍ بين أن يبيعه تسعة (5) دراهم بعشرة ولا شيء معها وبين أن يضم إلى أحد العَوضَين خرقة تساوي فلسًا أو عود حطب أو أذن شاة ونحو ذلك؟ فسبحان اللَّه! ما أعجب حال هذه الضميمة الحقيرة التي لا تقصد! كيف جاءت إلى المفسدة التي أذن اللَّه ورسوله بحرب من توسل إليها بعقد الربا فأزالتها [ومحتها] (6) بالكلية، بل قَلَبتها مصلحة، وجعلت حرب اللَّه ورسوله سلمًا ورضًا؟ وكيف جاء مُحلِّل الربا المُستعار الذي هو أخو مُحلِّل النِّكاح إلى تلك المفاسد العظيمة فكشطها كشط الجلد عن اللحم بل قلبها مصالح بإدخال سلعة بين المُرَابيَيْن تعاقدا (7) عليها صورة ثم أُعيدت إلى مالكها؟ وللَّه (8) ما أفقه ابن عباس في الدين وأعلمه بالقياس والميزان! حيث سئل عما هو أقربُ من ذلك بكثير فقال: دراهم
__________
(1) في (ق): "وتتضاعف".
(2) كما ورد في الحديث الصحيح، وتقدم تخريجه، والعبارة في (ك): "للمُحلّ والمُحلَّل له بأن شرطا".
(3) في المطبوع: "ولا يشرطاه".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ق) و (ك): "سبعة".
(6) في (ق) و (ك): "وصحتها"!، وقال في هامش (ق): "لعله: صححتها".
(7) في (ق): "المرابين يعاقد عليها".
(8) في (ق): "وذلك".
(3/32)

بدراهم دخلت بينهما حريرة (1)، فياللَّه العجب! كيف اهتدت هذه الحريرة لقلب مفسدة الربا مصلحة ولعنة آكله رحمة وتحريمه إذنًا وإباحة؟
ثم أين القياس (2) والميزان في إباحة العِينَة التي لا غرض للمرابيين (3) في السلعة قط، وإنما غرضهما ما يعلمه اللَّه ورسوله وهما والحاضرون من أخذ مئة حالة وبذل مئة وعشرين مُؤجّلة [في ذمته، ثم يبيعها بنقد] (4)، ليس لهما غرض وراء (5) ذلك ألبتة، فكيف يقول الشارع الحكيم: إذا أردتم حِلّ هذا فتحيَّلوا عليه بإحضار سلعة يشتريها آكلُ الربا بثمنٍ مؤجل في ذمته ثم يبيعها للمرابي بنقد حاضر فينصرفان على مئة بمئة وعشرين والسلعة حرف جاء لمعنى في غيره؟ وهل هذا إلا عُدُول عن محض القياس وتفريق بين متماثلين في الحقيقة والقصد والمفسدة من كل وجه؟ بل مفسدة الحيل الربوية أعظم من مفسدة الربا الخالي عن الحِيلة، فلو لم تأت الشريعة بتحريم هذه الحيل لكان محضُ القياس والميزان العادل يوجب تحريمها؛ ولهذا عاقب اللَّه سبحانه و [تعالى] (6) من احتال على استباحة (7) ما حَرَّمه بما لم يعاقب به من ارتكب ذلك المحرم عاصيًا؛ فهذا من جنس الذنوب التي يُتاب منها، وذاك من جنس البدع التي يظن صاحبها أنه من المحسنين.
والمقصود ذكر تناقض أَصحاب القياس والرأي فيه، وأنهم يُفَرِّقون بين المتماثِلَيْن، ويجمعون بين المُخْتَلفيْن، [كما] (6) فَرَّقتم بين [ما] (6) لو وكَّل رجلين معًا في الطلاق فقلتم: لأحدهما أن ينفرد بإيقاعه، ولو وكلهما (معًا) في الخُلع لم يكن لأحدهما أن ينفرد به، وفرقتهم [بين الأمرين] (6) بما لا يجدي شيئًا، وهو أن الخلع كالبيع وليس لأحد الوكيلين الانفراد به لأنه أشرك بينهما في الرأي ولم يرض بانفراد أحدهما، وأما الطلاق فليس المقصود منه المال، وإنما هو تنفيذ قوله وامتثال أمره، فهو كما لو أمرهما بتبليغ الرسالة، وهذا فَرْق لا تأثير له ألبتة،
__________
(1) سيأتي تخريجه.
(2) في (ق): "ثم إن القياس".
(3) في (ق): "للمرابين".
(4) ما بين المعقوفتين من (ك) وكتب فوقها أنه كذا في نسخة وفي (ق): "في ذمته" فقط، وسقط من سائر النسخ.
(5) في (ك) و (ق): "غير".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك). وما بين الهلالين سقط من (ق) وحدها.
(7) في (ق) و (ك): "إباحة".
(3/33)

بل هو باطل فإنَّ احتياج الطلاق (1) ومفارقة الزوجة إلى الرأي والخبرة والمشاورة مثلُ احتياج الخلع أو أعظم؛ ولهذا أمر اللَّه سبحانه ببعث الحَكميْن معًا، وليس لأحدهما أن ينفرد بالطلاق، مع أنهما وكيلان عند القياسيين، واللَّه تعالى (2) جعلهما حكمين، ولم يجعل لأحدهما الانفراد، فما بال وكيلي الزوج لأحدهما الانفراد؟ وهل هذا [إلا] (3) خروج عن محض القياس وموجب النص؟ وقلتم: لو قال لامرأته: "طلِّقي نفسك" ثم نهاها في المجلس ثم طَلَّقت نفسها وقع الطلاق، ولو قال ذلك لأجنبي ثم نهاه في المجلس ثم طلق لم يقع الطلاق؛ فخرجتم عن موجب (4) القياس، وفرقتم بأن قوله لها تمليك وقوله للأجنبي توكيل، وقد تقدم بطلان هذا الفرق قريبًا، وقلتم: لو وَصَّى إلى عبد غيره فالوصية باطلة وإن أجاز سيده، ولو وكَّل عبد غيره فالوكالة جائزة وإن ردها السيد ولكن تُكره بدون إذنه، وقلتم: إذا أَوْصى بأن يعتق عنه عبدًا بعينه فأعتقه الوارثُ عن نفسه وقع عن الميت، ولو أعتقه الوَصِيُّ عن نفسه لم يجز عن نفسه ولا عن الميت، وفرَّقتم بأن تصرف الوارث بحق الملك فنفذ تصرفه وإن خالف المُوصي، وتصرف الوصي بحق الوكالة فلا يصح فيما خالف المُوصي [وتصرف] (5)، وهذا فرقٌ لا يصح، فإن تعيين المُوصي للعتق (6) في [هذا] (3) العبد قطع ملك الوارث له، فهو كما لو أوصى إلى أَجنبي بعتقه سواء؛ وإنما ينتقل إلى الوارث من التركة ما زاد على الدَّيْن والوصية اللازمة.
وقلتم: لو قال: "ثلث مالي لفلان وفلان" وأحدهما ميت فالثلث كله للحي [وقلتم:] (7) ولو قال: "بين فلان وفلان" وأحدهما ميت فللحي نصفه، وهذا تفريق بين متماثلين لفظًا ومعنًى وقصدًا، واقتضاء الواو للتشريك كاقتضاء "بين" ولهذا استويا في الإقرار وفي استحقاق كل واحد منهما النصف لو كانا حَيّين، وقلتم: لو أوصى له بثلث ماله وليس له من المال شيء، ثم اكتسب مالًا فالوصية لازمة في ثُلُثه، ولو أوصى له بثلث غنمه ولا غنم له ثم اكتسب غنمًا فالوصية باطلة؛
__________
(1) في (ق) و (ك): "فإن احتياجه في الطلاق".
(2) في (ق) و (ك): "فاللَّه سبحانه"، ووقع في (ق) قبلها: "القياسين".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في (ق) و (ك): "محض".
(5) ما بين المعقوفتين من (ك) و (ق).
(6) في (ق) و (ك): "الموصى بالعتق".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع، ووقع في (ق): "لو قال".
(3/34)

فتركتم محض القياس، وفرقتم بفرق (1) لا تأثير له، ولا يتحصَّل منه عند التحقيق شيء، واللَّه المستعان وعليه التكلان.

فصل [مَثلٌ مما جمع فيه القياسيون بين المتفرقات]
وجمعتم بين ما فرَّق اللَّه بينه من الأعضاء الطاهرة والأعضاء النجسة؛ فنجَّستم الماء الذي يُلاقي هذه وهذه عند رفع الحدث، وفرقتم بين ما جمع اللَّه بينه من الوضوء والتيمم فقلتم: يصح أحدهما بلا نية دون الآخر، وجمعتم بين ما فرَّق اللَّه بينهما من الشُّعور والأعضاء فنجستم كليهما بالموت، وفرقتم بين ما جمع اللَّه بينهما من سباع البهائم فنجستم منها الكلب والخنزير دون سائرها، وجمعتم بين ما فرق اللَّه بينه وهو الناسي والعامد والمخطئ والذاكر والعالم والجاهل؛ فإنه سبحانه (2) فرّق بينهم في الإثم فجمعتم بينهم في الحكم في كثير من المواضع، كمن صلى بالنجاسة ناسيًا أو عامدًا، وكَمَنْ فعل المحلوف عليه ناسيًا أو عامدًا، [وكمن تطيَّب في إحرامه أو قَلَّم ظُفره أو حلق شعره ناسيًا أو عامدًا] (3) فسويتم بينهما، وفرقتم بين ما جمع اللَّه بينه من الجاهل والناسي فأوجبتم القضاء على من أكل في رمضان جاهلًا ببقاء النهار دون الناسي، وفي غير ذلك من المسائل، وفرقتم بين ما جمع اللَّه بينه من عقود الإجارات كاستئجار الرجل لطحن الحب بنصف كُرٍّ (4) من دقيقٍ واستئجاره لطحنه بنصف كُرٍّ منه، فصححتم الأول دون الثاني، مع استوائهما من جميع الوجوه، وفرَّقتم بأَنَّ العمل في الأول [في] (5) العوض الذي استأجره به ليس مُسْتَحقًا عليه، وفي الثاني العملُ مستحقٌ عليه فيكون مستحقًا له وعليه، وهذا فرق صوري لا تأثير له ولا تتعلق (6) بوجوده مفسدةٌ قط، لا جهالة ولا ربا ولا غَرَر ولا تنازع ولا هي مما يمنع صحة العقد بوجه، وأيُّ غررٍ أو مفسدة أو مضرة للمتعاقِدَيْن في أن يدفع إليه غزله ينسجه
__________
(1) في المطبوع و (ن): "تفريقًا".
(2) في (ق): "فإن اللَّه سبحانه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) "الكر": مكيال للعراق. (ط).
قلت: الكُرّ -بضم الكاف وتشديد الراء، جمعه: أكرار-: مكيال لأهل العراق، قدره 60 قفيزًا، أو 40 أردبًا، أو 720 صاعًا. انظر: "معجم لغة الفقهاء" (ص: 379).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) في (ق): "يتعلق".
(3/35)

ثوبًا بربعه وزيتونه يعصره زيتًا بربعه وحبه يطحنه بربعه؟ وأمثال ذلك مما هو مصلحة محضة للمتعاقدين لا تتم مصلحتهما في كثير من المواضع إلا به؛ فإنه ليس كل واحد يملك عوضًا يستأجر به من يعمل له ذلك، والأجير محتاج إلى جزء من ذلك، والمستأجر محتاج إلى العمل، وقد تراضيا بذلك، ولم يأت من اللَّه ورسوله نصٌ يمنعه، ولا قياسٌ صحيح، ولا قولُ صاحب، ولا مصلحةٌ معتبرة ولا مرسلة، ففرقتم بين ما جمع اللَّه بينه، وجمعتم بين ما فرق اللَّه بينه، فقلتم: لو اشترى عنبًا ليعصره خمرًا أو سلاحًا ليقتل به مسلمًا ونحو ذلك إنَّ البيع صحيح، وهو كما لو اشتراه ليقتل به عدو اللَّه ويجاهد به في سبيله أو اشترى عنبًا ليأكله، كلاهما سواء في الصحة، وجمعتم بين ما فرق اللَّه بينه فقلتم: لو استأجر (1) دارًا ليتخذها كنيسةً يَعبدُ فيها الصليب والنار جاز له كما لو استأجرها ليسكنهما، ثم ناقضتم أعظم مناقضة فقلتم: لو استأجرها ليتخذها مسجدًا لم تصح الإجارة، وفرقتم بين ما جمع اللَّه بينه فقلتم: لو استأجر أجيرًا بطعامه وكسوته لم يجز، واللَّه سبحانه لم يفرِّق بين ذلك وبين استئجاره بطعام مُسمَّى وثياب معينة، وقد كان الصحابة [-رضي اللَّه عنهم-] (2) يؤجر (3) أحدهم نفسه في السَّفر والغَزو بطعام بطنه ومركوبه (4)، وهم أفقه الأمة، وفرقتم بين ما جمع اللَّه بينه من عقدين متساويين من كل وجه، وقد صرح المتعاقدان فيهما بالتراضي، وعلم اللَّه سبحانه تراضيهما والحاضرون، فقلتم: هذا عقد باطل لا يفيد الملك ولا الحِل حتى يصرحا بلفظ: بعتُ واشتريتُ، ولا يكفيهما أن يقول كل واحد منهما: أنا راضٍ بهذا كل الرضى، ولا قد رضيت بهذا عوضًا عن هذا، مع كون هذا اللفظ أدلَّ على الرضى الذي جعله اللَّه [سبحانه] (5) شرطًا للحل من لفظة: بعت واشتريت؛ فإنه [لفظ] (6) صريحٌ فيه، وبعت واشتريت إنما يدل عليه باللزوم؛ وكذلك عقدُ النكاح، وليس ذلك من العبادات التي تعبَّدنا الشارع فيها بألفاظ لا يقوم غيرها مقامها كالأذان وقراءة الفاتحة في الصلاة وألفاظ التشهد وتكبيرة الإحرام وغيرها، بل هذه العقود تقع من
__________
(1) في (ق) و (ك): "لو اشترى".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ن).
(3) في (ق) و (ك): "يؤاجر".
(4) في (ق): "وركوبه".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) قال في هامش (ق): "لعله: رضى" وسقطت لفظة (في) من (ق).
(3/36)

البرِّ والفاجر والمسلم والكافر، ولم يتعبدنا (1) الشارع فيها بألفاظ معينة، فلا فرق أصلًا بين لفظ الإنكاح (2) والتزويج وبين كل لفظ يدل على معناهما.
وأفسدُ من ذلك اشتراط العربية مع وقوع النكاح من العرب والعجم والتُّرك والبربر ومن لا يَعْرِف كلمة عربية، والعجب أنكم اشترطتم تلفظه بلفظ (3) لا يَدري ما معناه ألبتة وإنما هو عنده بمنزلة صوتٍ في الهواء (4) فارغ لا معنى تحته، فعقدتم [العقد] (5) به، وأبطلتموه بتلفظه (6) باللفظ الذي يعرفه ويفهم معناه ويميز بين معناه وغيره، وهذا من أبطل القياس، ولا يقتضي القياس إلا ضد هذا، فجمعتم بين ما فرق اللَّه بينه، وفرقتم بين ما جمع اللَّه بينه.
وبإزاء هذا القياس قياس من يُجوِّز قراءة القرآن بالفارسية، ويجوز انعقاد الصلاة بكل لفظ يدل على التعظيم -كسبحان اللَّه، وجَلَّ اللَّه، واللَّه العظيم، ونحوه- عربيًا كان أو فارسيًا، ويجوز إبدال لفظ التشهد بما يقوم مقامه، وكل هذا من جنايات الآراء والأقيسة، والصوابُ اتِّباعُ ألفاظ العبادات، والوقوف معها، وأما العقود والمعاملات فإنما تتبع مقاصدها والمراد منها بأي لفظ كان؛ إذ لم يشرع اللَّه ورسوله لنا التعبد بألفاظ معينة لا نتعداها (7).
وجمعتم بين ما فرّق اللَّه بينه من إيجاب النفقة والسكنى للمبتوتة وجعلتموها كالزوجة، وفرّقتم بين ما جمع اللَّه ورسوله بينه من ملازمة الرجعية المعتدة والمتوفى عنها زوجها منزلهما (8) حيث يقول [تعالى] (9): {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ} [الطلاق: 1]، وحيث أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المتوفى عنها أن تمكث في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله (10)، وجمعتم بين ما فرّق اللَّه بينهما من بول الطفل والطفلة
__________
(1) في (ق): "ولا يتعبدنا".
(2) في (ق): "لفظ النكاح".
(3) في (ق) و (ك): "اشترطتم تلفظًا".
(4) في (ق) و (ك): "بمنزلة صوري في الهواء".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) في (ن): "بلفظه".
(7) انظر في هذا "الموافقات" للإمام الشاطبي (1/ 440 و 2/ 513 - بتحقيقي).
(8) في (ق) و (ك): "منزلها".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) رواه مالك في "الموطأ" (2/ 591)، وأحمد (6/ 370 و 420 - 421)، والدارمي (2/ 168)، وأبو داود (2300) في (الطلاق: باب المتوفى عنها تنتقل)، والترمذي (1204) في (الطلاق: باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها)، والنسائي (6/ 199 و 199 - 200) في (الطلاق: باب مقام المتوفى عثها زوجها في بيتها حتى تحل)، وابن ماجه (2031) في (الطلاق: باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها) كلهم من طرق عن سعيد بن =
(3/37)

الرَّضِيعينِ فقلتم: يُغْسَلان (1)، وفرّقتم بين ما جمعت السنّة بينه من وجوب غسل قليل البول وكثيره، وفرّقتم بين ما جمع اللَّه ورسوله بينهما من ترتيب أعضاء الوضوء وترتيب أركان الصلاة، فأوجبتم الثاني دون الأول، ولا فرق بينهما لا في المعنى ولا في النَّقل، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- هو المبين عن اللَّه سبحانه أَمْره ونهيه، ولم يتوضأ قط إلا مرتبًا ولا مرة واحدة في عمره (2) كما لم يُصَلِّ إلا مرتبًا، ومعلوم أن العبادة المنكوسة ليست كالمستقيمة، ويكفي هذا الوضوء اسمه وهو أنه وضوء منكس، فكيف (3) يكون عبادة؟ وجمعتم بين ما فرّق اللَّه بينه من إزالة النجاسة ورفع الحدث فسوَّيتم بينهما في صحة كل منهما بغير نية، وفرّقتم بين ما جمع اللَّه بينهما من الوضوء والتيمم فاشترطتم النية لأحدهما دون الآخر، وتفريقكم بأن الماء يطهر بطبعه فاستغنى عن النية بخلاف التراب فإنه لا يصير مطهرًا إلا بالنية فرقٌ صحيح بالنسبة إلى إزالة النجاسة فإنه مزيلٌ لها بطبعه، وأما رفع الحدث فإنه ليس رافعًا له بطبعه؛ إذ الحدث ليس جسمًا محسوسًا يرفعه الماء بطبعه بخلاف النجاسة، وإنما يرفعه بالنية؛ فإذا لم تقارنه النية بقي على حاله، فهذا هو القياس المحض.
__________
= إسحاق بن كعب بن عُجرة عن عمته زينب بنت كعب أن الفريعة بنت مالك. . . به، وفيه قصة.
وأعله عبد الحق -كما في "التلخيص الحبير" (3/ 240) - بجهالة حال زينب وبأن سعد بن إسحاق غير مشهور العدالة.
وتعقبه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (5/ 394 - 395) بأن سعدًا وثقه النسائي، وابن حبان وزينب وثقها الترمذي.
قال ابن حجر: وذكرها ابن فتحون، وابن الأمين (كذا!! الصواب: الأثير) في "الصحابة".
(1) انظر: "تحفة المودود" (ص: 213 - 217).
(2) قلت: قال البيهقي -رحمه اللَّه- في "الخلافيات" (1/ 478 - بتحقيقي): "ولم يرو عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه توضأ منكوسًا قط" اه.
قلت: والترتيب في أعضاء الوضوء مما لا بد منه، والأحاديث التى اعتمد عليها القائلون بغير ذلك: الصريح منها غير صحيح، والصحيح منها لا يفيد ما ذهبوا إليه، وانظر: "تنقيح التحقيق" (1/ 402 - 403) فهنالك مؤيدات كثيرة لهذا القول، ولا يتسع المقام لسرد ذلك بالتفصيل، وانظر: كتاب "الخلافيات" للإمام البيهقي (1/ 478 - 496/ المسألة: 11 - بتحقيقي).
(3) في (ق) و (ك): "أنه وضوء منكوس، وكيف".
(3/38)

وجمعتم بين ما فرّق اللَّه بينه فسويتم بين بدن أطيب المخلوقات وهو وليُّ اللَّه المؤمن وبين بدن أخبث المخلوقات وهو عدوه الكافر، فنجستم كليهما بالموت، ثم فرقتم بين ما جمع اللَّه بينه فقلتم: لو غُسل المسلم ثم وقع في الماء لم ينجسه، ولو غُسل الكافر ثم وقع في ماء نجَّسه، ثم ناقضتم في الفرق بأن المسلم إنما غُسل ليُصَلَّى عليه فطهر بالغسل لاستحالة الصلاة عليه وهو نجس بخلاف الكافر، وهذا الفرق ينقض ما أصَّلتموه من أن النجاسة بالموت نجاسة عينية فلا تزول بالغسل لأن سببها قائم وهو الموت، وزوال الحكم مع بقاء سببه ممتنع، فأي القياسين هو المعتدُّ به في هذه المسألة؟ وفرقتم بين ما جمعت السنّة والقياس بينهما فقلتم: لو طلعت عليه الشمس وقد صَلَّى من الصبح ركعة بطلت صلاته، ولو غربت عليه الشمس وقد صلى من العصر ركعة صحت صلاته، والسنّة الصحيحة الصريحة قد سَوَّت بينهما (1)، وتفريقكم بأنه في الصبح خَرج (2) من وقت كامل إلى [غير] (3) وقت [كامل ففسدت صلاته وفي العصر خرج من وقت كامل إلى وقت] (4) كامل وهو وقت صلاة فافترقا (5)، ولو لم يكن في هذا القياس إلا مخالفته لصريح السنّة لكفى في بطلانه؛ فكيف وهو قياس فاسد (6) في نفسه؟ فإن الوقت الذي خرج إليه في الموضعين ليس وقت الصلاة الأولى، فهو ناقصٌ بالنسبة إليها، ولا ينفع كماله بالنسبة إلى الصلاة التي هو فيها.
فإن قيل: لكنه خرج إلى وقت نَهْي في الصبح وهو وقت طلوع الشمس، ولم يخرج إلى وقت نهي في المغرب.
قيل: [و] (7) هذا فرق فاسد؛ لأنه ليس بوقت نهي عن هذه الصلاة التي هو فيها بل [هو] (8) وقت أمر بإتمامها بنص صاحب الشرع حيث يقول: "فَلْيُتِمَّ صلاته" (9)،
__________
(1) رواه البخاري (579) في (مواقيت الصلاة: باب من أدرك من الفجر ركعة)، ومسلم (608) في (المساجد): باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، من حديث أبي هريرة.
(2) في (ق) و (ك): "خروج".
(3) ما بين المعقوفتين مضروب عليه في (ق) وسقط في (ك).
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) بياض يسع ثلاث كلمات، وسقط من (ك).
(5) في (ق) و (ك): "فافترقتا".
(6) في (ك): "باطل".
(7) ما بين المعقوفتين من (ق).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) قطعة من الحديث السابق.
(3/39)

وإن كان وقت نهي بالنسبة إلى التطوع؛ فظهر أن الميزان الصحيح مع السنّة الصحيحة، [وباللَّه التوفيق] (1).
وجمعتم بين ما فرّق اللَّه بينه فقلتم: المختلعة البائنة التي قد ملكت نفسها يلحقها الطلاق، فسويتم بينها وبين الرجعية في ذلك، وقد فرّق اللَّه بينهما بأن جعل هذه مفتدية لنفسها مالكة لها كالأجنبية وتلك زوجها أَحقُّ بها، ثم فرّقتم بين ما جمع اللَّه بينه، فأوقعتم عليها مُرْسَلَ الطلاق دون مُعلَّقة وصريحه دون كنايته (2)؛ ومن المعلوم أن من مَلَّكه اللَّه أحد الطلاقين ملكه الآخر، ومن لم يملكه هذا لم يملكه هذا!!
وجمعتم بين ما فرّق اللَّه بينه فمنعتم مِن أَكْل الضَّبَّ وقد أُكل على مائدة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو ينظر، فقيل له: أحرام هو؟ فقال: لا (3)، فقستموه على الأحناش والفيران، وفرقتم بين ما جمعت السنة بينه من لحوم الخيل التي أكلها الصحابة على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لحوم الإبل وأذن اللَّه [تعالى] فيها (4)؛ فجمع اللَّه [سبحانه] (5) ورسوله بينهما في الحل، وفرّق اللَّه ورسوله بين الضب والحنش في التحريم، وجمعتم بين ما فرقت السنّة بينه من لحوم الإبل وغيرها حيث قال: "توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم" (6) فقلتم: لا نتوضأ لا من هذا (7) ولا من هذا، وفرقتم بين ما جمعت الشريعة بينه فقلتم في
__________
(1) في (ق) و (ك): "واللَّه أعلم".
(2) قال في هامش (ق): "قوله: "فأوقعتم عليها من مرسل الطلاق. . . " إلخ، الظاهر أن العبارة مقلوبة؛ لأن المروي عن أبي حنيفة أنه يلحقها الطلاق الصريح المعين دون الكناية والمرسل، وهو أن يقول: كل امرأة لي طالق".
(3) أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب الذبائح والصيد): باب الضب (9/ 663/ رقم 5537)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الصيد والذبائح): باب إباحة الضب، (3/ 1543/ رقم 1946)، عن خالد بن الوليد -رضي اللَّه عنه-.
(4) أخرجه البخاري (5519) في (الصيد): باب النحر والذبح، ومسلم (1942) في (الصيد): باب في أكل لحوم الخيل عن أسماء قالت: "نحرنا فرسًا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأكلناه" وانظر رسالة ابن قطلوبغا: "حكم الإسلام في لحوم الخيل" (ص 53 وما بعدها)، وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الحيض: باب الوضوء من لحوم الابل، رقم: 360)، من حديث جابر بن سمرة.
(7) في (ق): "لا يتوضأ من هذا".
(3/40)

القيء: إنْ كان ملء الفم فهو حَدَث (1)، وإن كان دون ذلك فليس بحدث، [ولا يُعرف في الشريعة شيء يكون كثيره حدثًا دون قليله، وأما النوم فليس بحدث] (2)، وإنما هو مظنة فاعتبر (3) ما يكون مظنة وهو الكثير، وفرَّقتم بين ما جمع اللَّه بينه فقلتم: لو فتح على الإمام في قراءته لم تبطل صلاته، ولكن تُكره (4)؛ لأن فتحه قراءة منه، والقراءة خلف الإمام مكروهة، ثم قلتم: فلو (5) فتح على قارئ غير إمامه بطلت صلاته؛ لأن فتحه عليه مخاطبة له فأبطلت الصلاة (6)، ففرقتم بين متماثلين؛ لأن الفتح إن كان مخاطبة في حق غير الإمام فهو مخاطبة في حق الإمام (7)، وإن لم يكن مخاطبة في حق الإمام فليس بمخاطبة في حق غيره، ثم ناقضتم من وجه (8) آخر أعظم مناقضةً فقلتم: لو نوى (9) الفَتْح على غير الإمام خرج عن كونه قارئًا إلى كونه مُخاطِبًا بالنية، ولو نوى الربا الصريح والتحليل الصريح وإسقاط الزكاة بالتمليك الذي اتخذه حِيلة لم يكن مرابيًا ولا مسقطًا للزكاة ولا محللًا بهذه النية (10).
فياللَّه العجب! كيف أَثَّرت نية الفتح والإحسان على القارئ وأخرجته عن كونه قارئًا إلى كونه مخاطبًا ولم تُؤثِّر نية الربا والتحليل مع إساءته بهما وقصده نفس ما حرمه (11) اللَّه فتجعله مرابيًا محللًا؟ وهل هذا إلا خروج عن محض القياس وجمع بين ما فرّق الشارع بينهما وتفريق بين ما جمع بينهما؟
وقلتم: لو اقتدى المسافر بالمقيم بعد خروج الوقت لا يصح اقتداؤه، ولو اقتدى المقيم بالمسافر بعد خروج الوقت صح اقتداؤه.
وهذا تفريق بين متماثلين، ولو ذهب ذاهب إلى عكسه لكان من جنس قولكم سواء، ولأمكنه تعليله بنحو ما عَلَّلتم به.
ووجَّهتم (12) الفرق بأَنَّ مِنْ شرط صحة اقتداء المسافر بالمقيم أن ينتقل فرضُه إلى فرض إمامه، وبخروج الوقت استقر الفرض عليه استقرارًا لا يتغير بتغير
__________
(1) انظر تفصيل المسألة وأدلتها في "الخلافيات" (مسألة رقم 21 - بتحقيقي).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) في المطبوع: "وإنما هو مظنته فاعتبروا".
(4) في (ق): "يكره".
(5) في (ق): "لو".
(6) في (ق): "فأبطلتم الصلاة".
(7) في (ق) و (ك): "في حقه".
(8) في (ن): "في وجه".
(9) في المطبوع: "لما نوى".
(10) في (ن): "ولا محلَّلًا ولا مسقطًا".
(11) في (ق): "حرم".
(12) في (ك): "وجمعتم".
(3/41)

حاله فبقي فرضه ركعتين؛ فلو جَوَّزنا له اقتداءَه بالمقيم بعد خروج الوقت جَوَّزنا اقتداء من فرضه ركعتان (1) بمن فرضه أربعٌ، وهذا لا يصح، كمُصلِّي الفجر إذا اقتدى بمصلي الظهر، وليس كذلك المقيم إذا اقتدى بالمسافر بعد خروج الوقت؛ إذ ليس من شرط [صحة] (2) اقتداء المقيم بالمسافر أن ينتقل (3) فرضه إلى فرض إمامه؛ [بدليل أنه لو اقتدى به في الوقت لم ينتقل فرضه إلى فرض إمامه، بخلاف المسافر، فإنه لو اقتدى بالمقيم في الوقت انتقل فرضه إلى فرض إمامه] (4).
ثم ناقضتم وقلتم (5): إذا كان الإمام مسافرًا وخلفه مسافرون ومقيمون فاستخلف الإمام مقيمًا فإن فرض الإمام لا ينتقل إلى فرض إمامه وهو فرض المُقِيمين؛ مع أنَّ الفرق في الأصل مدخول. وذلك أن الصلاتين سواء في الاسم والحكم والوَضْع والوجوب، وإن اختلفتا في كون الإمام مصلِّيًا (6)، فإذا صلى [الإمام] (7) أربعًا وجب على المأموم أن يصلي بصلاته كما لو كان في الوقت، وخروج الوقت لا أثر له في ذلك، فإن الذي فرضه اللَّه عليه في الوقت هو بعينه فَرْضُه بعد الوقت، ولا سيما (8) إذا كان نائمًا أو ناسيًا؛ فإن وقت اليقظة والذكر هو الوقت الذي شرع اللَّه له الصلاة فيه، وعذر السفر قائم، وارتباط صلاته بصلاة الإمام حاصل، فما الذي فرّق بين الصورتين مع اتحاد السبب الجامع وقيام الحكمة المجوِّزة للقصر والمرجِّحة لمصلحة الاقتداء عند الانفراد؟ وفرقتم بين ما جمعت الشريعة بينهما -وهو الحيض، والنفاس- فجعلتم أقل الحيض محدودًا إما بثلاثة أيام أو بيوم (9) وليلة [أو يوم]، ولم تحدوا أقل النفاس (10)، وكلاهما دمٌ خارج من الفرج يمنع أشياء ويوجب أشياء، وليسا اسمين شرعيين لم يُعرفا إلا بالشريعة، بل هما اسمان لغويان رد الشارع أُمَّته فيهما إلى ما يتعارفه النساء حيضًا
__________
(1) في (ق) و (ك): "الركعتان".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) في (ق) و (ك): "ينقل".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(5) في (ق): "ثم ناقضتم فقلتم" وفي (ك): "ثم تناقضتم فقلتم".
(6) في (ق) و (ك): "وإن اختلفا في كون الإمام يصلي".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (ق) و (ك): "بعد الوقت الذي. . . ولا سيما" هكذا بزيادة "الذي" مع فراغ يسع كلمة، وبدل ما بين المعقوفتين في (ق): "أو بيوم".
(9) انظر تفصيل المسألة وأدلتها في "الخلافيات" للبيهقي (مسألة رقم 47 - بتحقيقي).
(10) انظر تفصيل المسألة وأدلتها في "الخلافيات" للبيهقي (مسألة رقم 49 - بتحقيقي).
(3/42)

ونفاسًا، قليلًا كان أو كثيرًا. وقد ذكرتم هذا بعينه في النفاس، فما الذي فَرَّق بينه وبين الحيض؟ ولم يأتِ عن اللَّه ولا عن رسوله ولا عن الصحابة تحديدُ أقل الحيض بحد [أبدًا] (1)، ولا في القياس ما يقتضيه.
والعجب أنكم قلتم: المرجع فيه إلى الوجود حيث لم يحدّه الشارع، ثم ناقضتم فقلتم: حد أَقلِّه يومٌ وليلة.
وأما أصحابُ الثلاث فإنما اعتمدوا على حديث توهَّموه صحيحًا وهو غير صحيح باتفاق أهل الحديث (2)، فهم أعذر من وجه؛ قال المُفرِّقون: بل فرَّقنا بينهما بالقياس الصحيح؛ فإن للنفاس علمًا ظاهرًا يدل على خروجه من الرَّحم وهو تقدم الولد عليه، [فاستوى قليله وكثيره؛ لوجود علمه الدال عليه] (3)، وليس مع الحيض علم يدل على خروجه من الرحم، فإذا امتد زمنه صار امتداده علمًا ودليلًا على أنه حيض معتاد، وإذا (4) لم يمتد لم يكن معنا ما يدل عليه أنه حيض (5) فصار كدم الرُّعاف.
ثم ناقضوا (6) في هذا الفرق نفسه أبْيَنَ مناقضة؛ فقال أصحاب الثلاث: لو امتد يومين ونصف يوم دائمًا لم يكن حيضًا حتى يمتد ثلاثة أيام.
وقال أصحاب اليوم (7): لو امتد من غدوة إلى العصر دائمًا لم يكن حيضًا حتى يمتد إلى غروب الشمس؛ فخرجوا بالقياس عن محض القياس.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) وهو حديث أبي أمامة رفعه: "لا يكون الحيض للجارية والثيب التي قد أيست من الحيض أقل من ثلاثة أيام".
أخرجه الدارقطني (1/ 218)، والطبراني في "الأوسط" (603)، و"مسند الشاميين" (1515، 3420)، و"الكبير" (7586)، وابن حبان في "المجروحين" (2/ 182)، والبيهقي (1/ 326)، و"المعرفة" (2266)، و"الخلافيات" (1040، 1041 - بتحقيقي) بسند واهٍ جدًا كما بينته في تعليقي على "الخلافيات" (3/ 376 - 379).
وقال ابن رجب في "فتح الباري" (2/ 150) عن أحاديث التوقيت: "وروي مرفوعًا من طرق، والمرفوع كله باطل لا يصح، وكذلك الموقوف طرقه واهية، وقد طعن فيها غير واحد من الأئمة الحفاظ"، وقال: (2/ 151): "ولم يصح عند أكثر الأئمة في هذا الباب توقيت مرفوع ولا موقوف، وإنما رجعوا فيه إلى ما حُكي من عادات النساء خاصة".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في (ك): "وإنما".
(5) في (ك): "حيضة".
(6) في (ك): "ناقضوه".
(7) في (ك): "الثلاث".
(3/43)

وقلتم: إذا صلى جالسًا ثم تشهد في حال القيام سهوًا فلا سجودَ عليه، وإن قرأ في حال التشهد فعليه السجود، وهذا فرق بين متساويين من كل وجه؛ وقلتم: إذا افتتح الصلاة في المسجد فظن أنه قد سبقه الحَدَثُ فانصرف ليتوضأ ثم علم أنه لم يسبقه الحدث وهو في المسجد جاز له المضي في (1) صلاته، وكذلك لو ظن أنه قد أَتم صلاته ثم علم أنه لم يتم، ثم قلتم: لو ظن أن على ثوبه نجاسة أو أنه لم يكن متوضئًا فانصرف ليتوضأ أو يغسل ثوبه ثم علم أنه كان متوضئًا أو طاهر الثوب لم يجز له البناء طى صلاته، ففرَّقتم بين [متساوييْن] (2) لا فرق بينهما وتركتم محض القياس، وفرقتم بأنه لما ظن سبق الحدث فقد انصرف من صلاته انصراف استئنافٍ لا انصراف رفض، فإنه لو تحقق ما ظنه جاز له المضي، فلم يصر قاصدًا للخروج من الصلاة، فلم يمتنع البِناءُ, وكذلك (3) لو ظَنَّ أنه قد أتم صلاته فلم ينصرف انصراف رفضٍ، وإذا لم يقصد الرفض لم تصر الصلاة مرفوضة كما لو سَلَّم ساهيًا، وليس كذلك إذا ظن أنه لم يتوضأ أو [أن] (4) على ثوبه نجاسة لأنه انصرف منها انصراف رفضٍ ونوى الرفض مقارنًا لانصرافه؛ فبطلت كما لو سلم عامدًا، وهذا الفرقُ غير مجدٍ شيئًا، بل هو فرق بين ما جمعت الشريعة بينهما (5)، فإنه في الموضعين انصرف انصرافًا مأذونًا فيه أو مأمورًا به، وهو معذور في الموضعين، بل هذا الفرق حقيقٌ باقتضائه ضد ما ذكرتم، فإنه إذا ظن أنه لم يتوضأ فانصرافه مأمور به وهو عاصٍ للَّه بتركه، بخلاف ما إذا ظن أنه قد أتم صلاته فإن انصرافه مباحٌ مأذونٌ له فيه، فكيف تصحُّ الصلاة مع هذا الانصراف وتبطل بالانصراف المأمور به؟ ثم إنه أيضًا في انصرافه [حين] (6) ظَنَّ أنه قد أَتم صلاته ينصرف انصراف تركٍ حقيقةً لأنه يَظنّ أنه قد فرغ منها، فتَركها تَرْكَ مَنْ قد أكملها، ومن ظن أنه محدث فإنما تركها ترك قاصدٍ ليكملَهَا (7)، فهي أولى بالصحة.
وقلتم: لو قال: "للَّه عَلَيَّ أن أُصلي ركعتين" [وقال آخر: "وأنا للَّه عَلَيَّ
__________
(1) في (ق): "على".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع و (ن) و (ك): "ما".
(3) في (ق) و (ك): "فكذلك".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ق): "بينه".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في المطبوع و (ن): "لتكملتها".
(3/44)

أصلي ركعتين"] (1) لم يجز لأحدهما أن يأتم بصاحبه؛ لأنهما فرضان بسببين، وهو نذر كل (2) واحد منهما، ولا يُؤدَّى فرضٌ خلف فرض آخر؛ ثم ناقضتم فقلتم: لو قال الآخر: "وأنا للَّه عليَّ أن أصلي الركعتين (3) اللتين أوجَبْتُ على نفسك" جاز لأحدهما أن يأتم بالآخر؛ لأنه أوجب على نفسه عين ما أوجبه (4) الآخر على نفسه، فصارتا كالظهر الواحدة، وهذا ليس يُجدي شيئًا؛ فإن سبب الوجوب مختلف كما في الصورة الأولى سواء، وهو نذر كل واحد منهما على نفسه وليس الواجب على أحدهما هو عين الواجب على الآخر، بل هو مثله، ولهذا لا يتأَدَّى أحدُ الواجبين بأداء الآخر، ولا فرق بين المسألتين في ذلك ألبتة، فإن كل واحد [منهما] (5) يجب عليه ركعتان نظير ما وجب على الآخر بنذره (6)، فالسبب مماثل (7)، والواجب مماثل، والتعدد في الجانبين سواء، فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين، وخروج عن محض القياس.
وفرّقتم بين ما جمع النَّصُّ والميزان بينهما، فقلتم: إذا ظفر برِكَاز فعليه فيه الخمس، ثم يجوز له صرفه إلى أولاده وإلى نفسه إذا احتاج إليه، وإذا وجب عليه عُشْرُ الخارج من الأرض لم يكن [له] (8) صرفه إلى ولده ولا إلى نفسه، وكلاهما واجب عليه إخراجه لحق اللَّه (9) وشكر النعمة بما أنعم عليه من المال، ولكن لما كان [الركاز مالًا مجموعًا لم يكن نماؤه وكمالُه بفعله فالمؤنة فيه أيسر كان الواجب فيه أكثر، ولمَّا كان] (10) الزَّرع فيه من المُؤنة والكُلفة والعمل أكثر مما في الركاز كان الواجب فيه (11) نصفه وهو العشر، فإن اشتدت المؤنة بالسقي بالكلفة حُط الواجبُ إلى نصفه وهو نصف العشر، فإن اشتدت المؤنة في المال غيره بالتجارة والبيع والشراء كل وقت وحفظة وكراء مخزنه ونقله خفف إلى شطره وهو ربع العشر؛ فهذا من كمال حكمة الشارع [في] (12) اعتبار كثرة الواجب وقلَّته،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق)، وقال في هامش (ق): "لعل هنا سقط"! هكذا، والصواب: "سقطًا".
(2) في (ق): "لكل".
(3) في (ق): "ركعتين".
(4) في (ق) و (ك): "ما أوجب به".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) في (ق): "على آخر بنذره".
(7) في (ق) و (ك): "متماثل".
(8) ما بين المعقوفتين من (ق).
(9) في (ق) و (ك): "بحق اللَّه".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(11) في (ق): "كان له الواجب فيه".
(12) في (ق) و (ك): "ب".
(3/45)

فكيف يجوز له أن يعطي الواجب الأكثر الذي هو أقل مؤنة وتعبًا وكلفة لأولاده ويمسكه لنفسه وقد أضعفه عليه الشارع أكثر من كل واجب في الزكاة ومخرج الجميع وإيجابه واحد نصًا واعتبارًا؟ فالتفريق بينهما تفريق بين ما جمعت الشريعة بينهما حيث قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "في الركاز الخمس، وفي الرِّقَةِ (1) ربعُ العُشُرِ" (2).
وقلتم: لو أَودعَ مَنْ لا يعرفه مالًا فغاب عنه سنين ثم عَرَفه فلا زكاةَ عليه؛ لأنه لا يقدر على ارتجاعه منه، فهو كما لو دفنه بمغارة فنسيه (3)، ثم ناقضتم فقلتم: لو أودعه من يعرفه فنسيه [سنين] (4) ثم عرفه فعليه زكاة تلك السنين الماضية كلها، والمال خارجٌ عن قَبْضَتِه وتصرفه، وهو غير قادر على ارتجاعه في الصورتين، ولا فرق بينهما، وقد صَرَّحتم في مسألة المغارة (5) أنه لو دفنه في موضع (6) منها ثم نسيه فلا زكاةَ عليه إذا عرفه بعد ذلك، ولا فرق في هذا بين المغارة (5) وبين المودع بوجه؛ ثم ناقضتم من وجه آخر وقلتم: لو دفنه في داره وخفي عليه موضعه سنين ثم عرفه وجبت عليه الزكاة لما مضى.
وقلتم: لو وجبت عليه أربع شياه فاخرج ثنتين سمينتين تُساوي الأربع جاز، فطرد قياسكم هذا أنه لو وجب عليه عشرة أقفزة بُرّ فأخرج خمسة من بُرِّ مرتفع تُساوي قيمة العشرة التي هي عليه جاز، وطرده لو وجب عليه خمسة أبعرة فأخرج بعيرًا يساوي قيمة الخمسة أنه يجوز، ولو وجب [عليه] (7) صاع في الفطرة فأخرج ربع صاع يساوي الصاع الذي لو أخرجه لتأَدَّى به الواجبُ إنه يجوز، فإن طَرَدتم هذا القياس فلا يخفى ما فيه من تغيير المقادير الشرعية والعدول عنها، ولزمكم طرده في أَنَّ مَنْ (8) وجب عليه عتقُ رقبةٍ فأعتق عُشْرَ رقبة تساوي قيمة رقبة غيرها
__________
(1) "الفضة والدراهم المضروبة منها، وأصل اللفظة: الورق، وهي الدراهم المضروبة خاصة، فَحُذِفت الواو، وعوض منها الهاء، وجمعها: رقات ورقين" (و).
(2) أخرجه البخاري (1499) في (الزكاة): باب في الركاز الخمس، و (2355) في (الشرب): باب من حفر بئرًا في ملكه لم يضمن، و (6912، 6913) في الديات: باب العجماء جبار، ومسلم (1710)، من حديث أبي هريرة.
وقوله: "وفي الرقة ربع العشر" رواه البخاري (1454) في (الزكاة): باب زكاة الغنم من حديث أنس عن أبي بكر، وهو جزء من حديث طويل.
(3) في (ق): "بمفازة ونسيه".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق): "المفازة".
(6) في (ق) و (ك): "بموضع".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (ق): "ولزمكم طرده وأن من".
(3/46)

جاز؛ ومَنْ نذر الصدقة بمئة شاة فتصدَّق بعشرين تساوي قيمة المئة جاز، ثم ناقضتم فقلتم: لو وجب عليه أُضحيتان فذبح واحدًا سمينًا يساوي وسطين (1) لم يجز، ثم فرّقتم بأن قلتم: المقصود في الأضحية الذبح وإراقة الدم، وإراقةُ دم واحد لا تقوم (2) مقام إراقة دمين، والمقصود في الزكاة سدُّ خُلّة الفقير وهو يحصل بالأجود الأقل كما يحصل بالأكثر إذا كان دونه (3)؛ وهذا فرق إن صح لكم [في الأضحية لم يصح لكم] (4) فيما ذكرناه من الصور، فكيف ولا يصح في الأضحية؟ فإن المقصود في الزكاة (5) أمور عديدة منها: سدُّ خلَّة الفقير، ومنها إقامة عبودية اللَّه بفعل نفس ما أُمِرَ به، ومنها شكر نعمته عليه في المال، ومنها إحراز المال وحفظه بإخراج هذا المقدار منه، [ومنها المواساة بهذا المقدار لما علم اللَّه فيه من [المصلحة] (6) مصلحة رب المال ومصلحة الآخذ] (7). ومنها التعبد بالوقوف عند حدود اللَّه وأن لا يُنْقَص منها ولا تُغيَّر، وهذه المقاصد إن لم تكن أعظم من مقصود إراقة الدم في الأضحية فليست بدونه، فكيف يجوز إلغاؤها واعتبار مجرد إراقة الدم؟ ثم إنَّ هذا الفرق ينعكس عليكم من وجه آخر، وهو أن مقصود الشارع من إراقة دم الهدي والأضحية التقرب إلى اللَّه سبحانه بأجل ما يقدر عليه من ذلك النوع وأعلاه وأغلاه ثمنًا وأنفسه عند أهله، فإنَّه لن يَنَالَه سبحانه لحومُها ولا دماؤها وإنما يناله تقوى العبد منه، ومحبته له، وإيثاره بالتقرب إليه بأَحبِّ شيء إلى العبد وآثره عنده وأنفسه لديه، كما يتقرب المُحبُّ إلى محبوبه بأنفس ما يقدر عليه وأفضله عنده.
ولهذا فطر اللَّه العباد على أن مَنْ تقرَّب إلى محبوبه بأفضل هدية يقدر عليها وأجلها وأعلاها كان أحظى لديه، وأحب إليه ممن تقرب إليه بألف واحد رديء من ذلك النوع. وقد نَبَّه سبحانه على هذا بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ
__________
(1) في (ق): "سبطين".
(2) في (ق): "يقود".
(3) انظر حكمة التشريع في الزكاة، وفرضيتها، ومقاديرها، وفي مستحقيها، ووقتها، ونصابها، ومن تجب عليه في "زاد المعاد" (1/ 147 - 148)، و"مفتاح دار السعادة" (ص: 329)، و"الوابل الصيب" (ص: 49 - 60).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) انظر في ذلك "الموافقات" للشاطبي (3/ 120 - 121 - بتحقيقي).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ن) و (ك).
(7) ما بين المعقوفتين مذكور في (ق) بعد قوله الآتي: "وأن لا ينقص منها ولا تغير".
(3/47)

طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267]، وقال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ (1)} [البقرة: 177]، وقال (2): {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الإنسان: 8] وسُئل النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أفضل الرقاب فقال: "أغلاها ثمنًا وأَنفَسُها عند أهلها" (3) ونذر عمر أن ينحر (4) نجيبةً فأعطى بها نجيبتين، فسأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أَن يأخذَهما بها وينحرهما، فقال: "لا، بل انحرها إياها" (5) فاعتبر في الأضحية عين المنذور دون ما يقوم مقامه وإن كان أكثر منه، فلأن يُعتبر في الزكاة نفس الواجب دون ما يقوم مقامه ولو كان أكثر منه أولى وأحرى.
وطرد قياسكم أنه لو وجب عليه أربعُ شياهٍ جياد فأخرج عشرة مِنْ أردأ الشياه وأهزلها وقيمتهن قيمة الأربع، أو وجب عليه أربع حقاق (6) جياد فأخرج عشرين ابن لبون من أردأ الإبل وأهزلها أنه يجوز، فإن منعتم ذلك نقضتم (7) القياس، وإن طردتموه تيممتم الخبيث منه تنفقون، وسلَّطتم رب المال على إخراج رديئه ومعايبه عن جَيِّده، والمرجع في التقويم إلى اجتهاده، وفي هذا من مخالفة الكتاب والميزان ما فيه.
__________
(1) في (ق): "على حبه ذوي القربى".
(2) في (ق) و (ك): "وقوله".
(3) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب العتق): باب أيُّ الرقاب أفضل (5/ 148/ رقم 2518) عن أبي ذر -رضي اللَّه عنه-.
(4) في (ق): "ونذر عمر نحر".
(5) روى البخاري في "التاريخ" (2/ 230)، وأبو داود (1756)، ومن طريقه البيهقي (5/ 241 - 242) من طريق أبي عبد الرحيم عن جهم بن الجارود عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه قال: "أهدى عمر بن الخطاب نجيبًا فأعطى بها ثلاث مئة دينار، فأتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه، إني أهديت نجيبًا، فأعطيت بها ثلاث مئة دينار، أفأبيعها واشتري بثمنها بُدْنًا؟ قال: "لا، انحرها إياها".
وعزاه الحافظ في "التلخيص" لابن خزيمة، وابن حبان، وفيه الجهم بن جارود، وهو مجهول، لم يرو عنه غير أبي عبد الرحيم؛ كما ذكر الذهبي في "الميزان".
وسقطت "لا" من (ك) و (ق).
(6) في (و): "حقائق"، وعلق قائلًا: "الحقاق من الإبل: جمع حق وحقة، وهو الذي دخل في السنة الرابعة، وعند ذلك يتمكن من ركوبه وتحميله، وابن اللبون وبنت اللبون ما أتى عليه سنتان، ودخل في الثالثة، فصارت الأم لبونًا، أي: ذات لبن؛ لأنها تكون قد حملت حملًا آخر، ووضعته" اه.
(7) زاد هنا في (ك) و (ق): "ذلك".
(3/48)

وفرّقتم بين ما جمع الشارع بينه وجمعتم بين ما فرق بينه، أما الأول فقلتم: يصح صوم رمضان بنية من النهار قبل الزوال، ولا يصح صوم الظهار وكفارة الوطء في رمضان وكفارة القتل إلا بنية من الليل (1)، وفرّقتم بينهما بأن صوم رمضان لمَّا كان معينًا بالشرع أجزأ بنية من النهار، بخلاف صوم الكفارة، وبنَيْتُم على ذلك أنه لو قال: "للَّه عليَّ صوم يوم" فصامه بنية قبل الزوال لم يجزئه، ولو قال: "للَّه عليَّ أن أصوم غدًا" فصامه بنية قبل الزوال جاز، وهذا تفريق بين ما جمع الشارع بينه من صوم الفرض وأخبر أنه لا صيام لمن لم يبيِّتُه من الليل (2)، وهذا في صوم الفرض، وأما النفل فصح [عنه] أنه كان -صلى اللَّه عليه وسلم-، (3) يُنشئه بنية من النهار (4)، فسوَّيتم بينهما في أجزائهما بنية من النهار وقد فَرَّق الشارع بينهما. وفرّقتم بين بعض الصوم المفروض [دون] (5) بعض في اعتبار النية من الليل وقد سَوَّى الشارع بينهما.
والفرق بالتعيين وعدمه عديم التأثير فإنه وإن تعيَّن لم يصر عبادة إلا بالنية؛ ولهذا لو أمسك عن الأكل والشرب من غير نية لم يكن صائمًا؛ فإذا لم تقارن النية جميع أجزاء اليوم فقد خرج بعضُه عن أن يكون عبادة؛ فلم يُؤد ما أمِرَ به، وتعيينه لا يزيد وجوبه إلا تأكيدًا واقتضاءً؛ فلو قيل: إن المُعيَّن أولى بوجوب النية من الليل من غير المعين لكان أصح في القياس، والقياس الصحيح هو الذي
__________
(1) انظر مبحث النية عند المؤلف في "زاد المعاد" (1/ 288)، و"تهذيب السنن" (3/ 327 - 328، 331 - 333).
(2) أخرجه أبو داود (2454)، والترمذي (730)، والنسائي (4/ 196، 197)، وابن خزيمة (1933) عن ابن شهاب عن سالم بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه بن عمر عن حفصة رفعته: "من لم يبيّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له"، وإسناده صحيح.
وأخرجه أحمد (6/ 287)، وليس فيه ابن عمر، والدارمي (1705)، والنسائى (4/ 196)، وابن ماجه (1705) من طرق عن سالم به.
(3) زيادة من (ك) و (ق) ووقع في (ق): "وأما النفل فصح أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان ينشئه".
(4) أخرجه مسلم (1254) (كتاب الصيام): باب جواز صيام النافلة بنية من النهار قبل الزوال، وجواز فطر الصائم نفلًا من غير عذر عن عائشة، قالت: قال لي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذات يوم: يا عائشة! هل عندكم شيء؟ قالت: فقلتُ: يا رسول اللَّه؟ ما عندنا شيء. قال: فإني صائم.
وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في المطبوع و (ن): "و".
(3/49)

جاءت به السنّة من الفرق بين الفرض والنفل؛ فلا يصح الفرض إلا بنية من الليل، والنفل يصح بنية من النهار؛ لأنه يُتسامَح فيه ما لا يتسامح في الفرض، كما يجوز أن يُصلّي النفل قاعدًا وراكبًا على دابته إلى القبلة وغيرها. [وفي] (1) ذلك تكثير النفل وتيسير الدخول فيه، والرجل لما كان مخيَّرًا بين الدخول فيه وعدمه ويخير بين الخروج منه وإتمامه خُيِّر بين التبييت والنية من النهار؛ فهذا محض القياس وموجب السنّة. وللَّه الحمد.
وفرّقتم بين ما جمع اللَّه بينهما من جماع الصائم والمعتكف فقلتم: لو جامع في الصوم ناسيًا لم يفسد صومه، ولو جامع المعتكف ناسيًا فسد اعتكافه وفرّقتم بينهما بأن الجماع من محظورات الاعتكاف، ولهذا لا يباح ليلًا ولا نهارًا، وليس من محظورات الصوم؛ لأنه يباح ليلًا. وهذا فرق فاسد جدًا؛ لأن الليل ليس محلًا للصوم فلم يحرم فيه الجماع؛ وهو محل للاعتكاف فحرم فيه الجماع؛ فنهار الصائم كليل المعتكف في ذلك، ولا فرق بينهما، والجماعُ محظورٌ في الوقتين، ووزان ليل الصائم اليوم الذي يخرج فيه المعتكف من اعتكافه، فهذا هو القياس المحض، والجمع بين ما جمع اللَّه بينه والتفريق بين ما فرق اللَّه بينه، وباللَّه التوفيق.
وقلتم: لو دخل عَرَفَة في طلب بعيرٍ له أو حاجة ولم ينوِ الوقوف أجزأه عن الوقوف، ولو دار حول البيت في طلب شيءٍ سقط منه ولم ينوِ الطواف لم يجزئه، وهذا خروج عن محض القياس، وفَرّقتم تفريقًا فاسدًا فقلتم: المقصود الحضور (2) بعرفة في هذا الوقت وقد حصل، بخلاف الطواف؛ فإن المقصود العبادة ولا تحصل إلا بالنية، فيقال: والمقصود بعرفة العبادة أيضًا، فكلاهما ركنٌ مأمور به، ولم ينوِ المكلف امتثال الأمر لا في هذا [ولا في هذا؛ فما الذي صحح هذا وأبطل هذا؟ ولما تنبَّه بعضُ القياسيين لفساد هذا] (3) الفرق عدل إلى فرق آخر؛ فقال: الوقوف ركن يقع في نفس الإحرام، فنية الحج مشتملة عليه، فلا يفتقر إلى تجديد نية، كأَجْزَاء الصلاة من الركوع والسجود ينسحب (4) عليها نية الصلاة.
__________
(1) ما بين المعقوفتين غير مقروء جيدًا في (ق)، وفي (ك): "في".
(2) في (ق): "الحصول" وقال في الهامش: "أكثر العلماء لا يشترطون للوقوف بعرفة النية".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك)، وفي هامش (ك): "لعله: ولما نوى المكلف اعتبار الأمر في هذا الفرق".
(4) في (ق): "وتشتمل".
(3/50)

وأما الطواف فيقع خارج العبادة (1) فلا تشتمل عليه نية الإحرام فافتقر إلى النية، ونحن نقول لأصحاب هذا الفرق: ردُّونا إلى الأول فإنه أقل فسادًا وتناقضًا من هذا، فإن الطواف والوقوف كلاهما جزء من أجزاء العبادة، فكيف تضمنت [جزءًا من أجزاء] (2) العبادة لهذا الركن دون هذا؟ وأيضًا فإن طواف المعتمر يقع في الإحرام، وأيضًا فطواف الزيارة يقع في بقية الإحرام، [فإنه إنما] (3) حل من إحرامه قبله تحللًا أول ناقصًا (4)، والتحلل الكامل موقوف على الطواف.
وفرّقتم بين ما جمعت السنّة والقياس بينهما فقلتم: إذا أحرم الصبي ثم بلغ فجدد إحرامه قبل أن يقف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام، وإذا أحرم العبد ثم عتق فجدد إحرامه لم يجزئه عن حجة الإسلام، والسنّة قد سَوَّت بينهما، وكذا القياس، فإن إحرامهما قبل البلوغ والعتق صحيح وهو سبب للثواب، وقد صارا من أهل وجوب الحج قبل الوقوف بعرفة فأجزأهما عن حجة الإسلام، كما لو لم يوجد منهما إحرام قبل ذلك، فإن غاية ما وجد منهما من الإحرام أن يكون وجوده كعدمه، فوجود الإحرام السابق على العتق لم يضره شيئًا بحيث يكون عدمه أنفع له من وجوده، وتفريقكم بأن إحرام الصبي إحرام تخلق وعادة وبالبلوغ انعدم ذلك فصح منه الإحرام عن حجة الإسلام، وأما العبد فإحرامه إحرام عبادة لأنه مكلف فصح إحرامه موجبًا فلا يتأتَّى (5) له الخروج منه حتى يأتي بموجبه فرق فاسد (6)؛ فإن الصبي مثاب (7) على إحرامه بالنص، وإحرامه إحرام عبادة -وإن كانت لا تُسقط الفرض- كإحرام العبد سواء.
وفرّقتم بين ما جمع القياس الصحيح بينه فقلتم: لو قال: ["أحِجُّوا فلانًا حجة" فله أن يأخذ النفقة ويأكل بها ويشرب ولا يحج، ولو قال] (8): "أحِجُّوه عني" لم يكن له أن يأخذ النفقة إلا بشرط الحج (9)، وفرّقتم بأن في المسألة الأولى أخرج كلامه مخرج الإيصاء بالنفقة له، وكأنه أشار عليه بالحج، ولا حق للمُوصي في الحج الذي يأتي به، فصححنا الوصية بالمال، ولم نُلزِم (10) المُوصى
__________
(1) في (ك) و (ق): "الإحرام".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "نية".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك): "فإنما".
(4) في (ك): "وقبل تحلل أول ناقص" وفي (ق): "قبل الطواف تحللًا ناقصًا"
(5) في (ق) و (ك): "ولا يتأتى".
(6) "خير تفريقكم السابقة". (و).
(7) في (ق): "يثاب".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) بعدها في (ق) فراغ يسع نصف سطر.
(10) في (ق): "ولا يلزم".
(3/51)

له بما لا حَقَّ للمُوصي فيه، وأما في المسألة الثانية فإنما قصد أن يعود نفعه إليه بثواب النفقة (1) في الحج، فإن لم يحصل له غرضه لم تنفع الوصية، وهذا الفرق نفسه هو المبطل للفرق بين المسألتين؛ فإنه بتعيُّن الحج قطع ما توهموه (2) من دفع المال إليه يفعل به ما يريد، وإنما قصد إعانته على طاعة اللَّه ليكون شريكًا له في الثواب، ذاك بالبدن وهذا بالمال، ولهذا عين الحج مصرفًا للوصية، فلا يجوز إلغاء ذلك وتمكينه من المال يصرفه في ملاذِّه وشهواته، هذا من أفسد القياس، وهو كما لو قال: "أعطوا فلانًا ألفًا ليبني بها مسجدًا أو سقاية أو قنطرة" لم يجز أن يأخذ الألف [إن لم] (3) يفعل ما أوصى به، كذلك الحج سواء.
وفرّقتم بين ما جمع محض القياس بينهما فقلتم: إذا اشترى عبدًا ثم قال له: "أَنت حُرٌّ أمس" عتق عليه، ولو تزوجها ثم قال لها: "أنت طالق أمس" لم تطلق، وفرّقتم بأن العبد لما كان حرًا أمس اقتضى تحريم شرائه واسترقاقه [اليوم] (4)، وأما الطلاق فكونها مطلقة أمس لا يقتضي تحريم نكاحها اليوم، وهذا فرق صوري لا تأثير له ألبتة، فإن الحكم إن جاز تقديمه (5) على سببه وقع العتق والطلاق في الصورتين، وإن امتنع تقدمه [في الموضعين] (6) على سببه لم يقع واحد منهما، فما بال أحدهما وقع دون الآخر؟ (7).
فإن قيل: نحن لم نفرِّق بينهما في الإنشاء، وإنما فرقنا بينهما في الإقرار والإخبار، فإذا أقرّ بأَنَّ العبدَ حر بالأمس [لزمه العتق، وإذا أقرّ بالطلاق] (8) لم يلزم بطلان النكاح اليوم؛ لجواز (9) أن يكون المُطلِّق الأول قد طلقها أمس قبل الدخول فتزوج هو بها اليوم.
__________
(1) في (ق) و (ك): "أن يعود إليه بثبوت النفقة".
(2) في المطبوع: "توهمتموه".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "ولا".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ق): "تقدمه".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 100، 148)، و"تهذيب السنن" (5/ 424 - 425) و (6/ 339).
(8) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "فقد بطل أن يكون عبدًا، فعتق باعترافه، وإذا أقر بأنها طالق أمس".
(9) في (ق): "إذ يجوز".
(3/52)

قلنا: إذا كانت المسألة على هذا الوجه فلا بد أن يقول: أنت طالق أمس من غيري، أو ينوي ذلك، فينفعه حيث يدين؛ فأما إذا أطْلق فلا فرق بين العتق والطلاق.
فإن قيل: يمكن أن يطلقها بالأمس ثم يتزوجها اليوم.
قيل: هذا يمكن في الطلاق الذي [لم] (1) يُستوف إذا كان مقصوده الإخبار، فأما إذا قال: "أنت طالق أمس ثلاثًا" ولم يقل من زوج كان قبلي ولا نواه فلا فرق أصلًا بين ذلك وبين قوله للعبد: "أنت حرّ أمس" فهذا التفصيلُ هو محض القياس، وباللَّه التوفيق.
وجمعتم بين ما فرّقت السنّة بينهما فقلتم: يجب على البائن الإحداد كما يجب على المُتوفى عنها، والإحداد لم يكن من ذلك لأجل العدة، وإنما كان لأجل موت الزوج, والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نفى وأثبت وخصَّ (2) الإحداد بالمتوفى عنها زوجها (3)، وقد فارقت المبتوتة في وصف العدة وقدرها وسببها؛ فإن سببها الموت، وإن لم يكن الزوج دخل بها، وسبب عدة البائن الفراق وإن كان الزوج حيًا، ثم فرّقتم بين ما جمعت السنّة بينهما فقلتم: إن كانت الزوجة ذمية أو غير بالغة فلا إحداد عليها، والسنّة تقتضي التسوية كما يقتضيه القياس.
وفرّقتم بين ما جمع القياس المحض بينهما فقلتم: لو ذبح المُحرم صيدًا فهو ميتة لا يحل أكله، ولو ذبح الحلال صيدًا حَرَميًا فليس بميتة وأكله حلال، وفرّقتم بأن المانع من (4) ذبح المحرم فيه، فهو كذبح المجوسي والوثني، فالذابح غير أهل، وفي المسألة الثانية الذابح أهل، والمذبوح محلٌّ للذبح إذا كان حلالًا،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق)، واحتمله في هامش (ق).
(2) تصحفت في (ق) إلى: "وحض".
(3) أخرجه مسلم (1490) (كتاب الطلاق): باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة: عن حفصة أو عن عائشة أو عن كلتيهما أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يحلّ لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر (أو: تؤمن باللَّه ورسوله) أن تحدّ على ميّتٍ فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجها".
وأخرجه البخاري (5334، 5335، 5336) (كتاب الطلاق): باب تحد المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا، ومسلم (1486، 1487، 1489) (كتاب الطلاق): باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة عن أم حبيبة بنحوه.
وانظر حكم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في إحداد المعتدة نفيًا وإثباتًا في "زاد المعاد" (4/ 220 - 226) للمؤلف -رحمه اللَّه-. وسقطت "زوجها" من (ك).
(4) في المطبوع و (ك): "في".
(3/53)

وإنما منع منه حُرْمة المكان، ألا ترى أنه لو خرج من الحَرَم حل ذبحه؛ وهذا من أفسد فرق، وهو باقتضاء عكس الحُكم أولى؛ فإن المانع في الصيد الحَرَمي في نفس المذبوح، فهو كذبح ما لا يؤكل، والمانع في ذبح المحرم في الفاعل، فهو كذبح الغاصب.
وقلتم: لو أرسل كلبه على صَيْد في الحل فطرده حتى أدخله الحرم فأصابه لم يضمنه، ولو أرسل سهمه على صيد في الحل فأطارته (1) الريح حتى قَتَل صيدًا في الحرم ضمنه، وكلاهما تولَّد القتل فيه عن فعله، وفرّقتم بأن الرمي حصل بمباشرته وقوّته التي أمدّت السهم فهو محض فعله، بخلاف مسألة الكلب فإن الصيد فيه يُضاف إلى فعل الكلب، وهذا الفرق لا يصح، فإن إرسال السهم والكلب (2) كلاهما من فعله؛ فالذي (3) تولَّد منهما تولد عن فعله، وجَرَيانُ السَّهم وعَدْو الكلب كلاهما هو المتسبب فيه، وكون الكلب له اختيار والسهم لا اختيار له فرق لا تأثير له إذ (3) كان اختيار الكلب بسبب إرسال صاحبه له.
وقلتم: لو رهن أرضًا مزروعة أو شجرًا مثمرًا دخل الزرع والثمر في الرهن، ولو باعهما لم يدخل الزرع والثمر (4) في البيع، وفرّقتم بينهما بأن الرهن متصل بغيره، واتصال الرهن بغيره يمنع صحته؛ للإشاعة (5)، فلو لم يدخل فيه الزرع والثمرة لبطل، بخلاف المبيع، فإن اتصاله بغيره لا يبطله، إذ الإشاعة لا تنافيه، وهذا قياس في غاية الضعف؛ لأن الاتصال هنا اتصال مجاورة، لا إشاعة، فهو كرهن زيت في ظروفه (6) وقماش في أعداله ونحوه.
وقلتم: لو أُكره على هبة جاريته لرجل فوهبها له مالكها فأعتقها الموهوب له نفذ عتقُه، ولو باعها لم يصح بيعه، وهذا خروج عن محض القياس، وتفريقكم -بأن هذا عتق صدر عن إكراه والإكراه لا يمنع صحة العتق، وذلك (7) بيعٌ صدر عن إكراه والإكراه يمنع صحة البيع- لا يصح؛ لأنه إنما أكره على التمليك، ولم يكن للمكره غرض في الإعتاق، والتمليك لم يصح، والعتق لم يكره عليه فلا ينفذ كالبيع سواء، هذا مع أنكم تركتم القياس في مسألة الإكراه على البيع والعتق،
__________
(1) في (ك) و (ق): "فطارت به".
(2) في (ق): "الكلب والسهم".
(3) في (ق): "إذا".
(4) في (ك) و (ق): "الثمرة".
(5) في المطبوع و (ك): "صحة الإشاعة".
(6) في (ق): "ضروفه".
(7) في (ق): "وذاك".
(3/54)

فصححتم العتق (1) دون البيع، وفرّقتم بأن العتق لا يدخله خيار فصح مع الإكراه [كالطلاق، والبيع يدخله الخيار فلم يصح مع الإكراه] (2)، وهذا فرق لا تأثير له، وهو فاسد في نفسه؛ فإن الإقرار والشهادة والإسلام لا يدخلها خيار، ولا تصح مع الإكراه، وإنما امتنعت عقود المكره من النفوذ لعدم الرضى الذي هو مُصحِّحُ العقد، وهذا (3) أمر تستوي فيه عقوده كلها معاوضاتها (4) وتبرعاتها وعتقه وطلاقه وخلعه وإقراره، وهذا هو محض القياس والميزان؛ فإن المُكْرَه محمول على ما أكره عليه غير مختار له، فأقواله كأقوال النائم والناسي، فاعتبار بعضها وإلغاء بعضها خروج عن محض القياس، وباللَّه التوفيق.
وقلتم: لو وقع في الغدير العظيم -الذي إذا حُرِّك (5) أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر- قطرة دم أو خمر أو بول آدمي نجَّسَه كله، وإذا وقع في آبار الفلوات والأمصار البعرُ والرَّوثُ والأخباثُ لا تنجِّسها (6) ما لم يأخذ وجه ربع الماء أو ثلثه، وقيل: أن لا يخلو دلوٌ عن شيء منه، ومعلوم أنَّ ذلك الماء أقرب إلى الطيب والطهارة حسًا وشرعًا من هذا؛ ومن العجب أنكم نجَّستُم الأدهان والألبان والْخَلَّ والمائعاتِ بأسرها بالقطرة من البول والدم، وعفوتم عما دون ربع الثوب من النجاسة المخففة، وعما دون [قدر] (7) الكف من المغلَّظة، وقستم العفو عن ربع الثوب على وجوب مَسْح ربع الرأس ووجوب حَلْق ربعه في الإحرام، وأين مسح الرأس من غسل النجاسة؟ ولم تقيسوا الماء والمائع على الثوب مع عدم ظهور أثر النجاسة فيها (8) ألبتة وظهور عينها ورائحتها في الثوب، ولا سيما عند محمد (9) حيث يعفو عن قدر ذراع [في ذراع] (10)، وعند أبي يوسف عن قدر شبر في شبر (11)، وبكل حال فالعفو عما هو دون ذلك بكثير مما لا نسبة له إليه
__________
(1) في (ق): "المعتق".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(3) في (د): "وهو أمر. . . ".
(4) في (د) و (ك): "معاوضتها".
(5) في المطبوع: "تحرك".
(6) في (ق): "ينجسها".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (ق): "فيهما".
(9) هو محمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنبفة، ومثله المذكور بعد ذلك: أبو يوسف، وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الكوفي -رحم اللَّه الجميع-.
(10) "الاختيار" (1/ 72) ونقله الطحاوي في "مختصره" (31) عن أبي يوسف.
وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(11) "الاختيار" (1/ 72) ونقله الشاشي في "الحلية" (2/ 44) عن أبي بكر الرازي.
(3/55)

في المائع (1) الذي لا يظهر أثر النجاسة فيه بوجه بل يحيلها ويذهب عينها وأثرها أولى وأحْرَى.
وجمعتم بين ما فرّق الشرع والحس بينهما، فقستم المني الذي هو أصْلُ الآدميين على البول والعذرة، وفرّقتم بين ما جمع الشرع والحسُّ بينهما ففرّقتم بين بعض الأشربة المسكرة وغيرها مع استوائها (2) في الإسكار، فجعلتم بعضها نجسًا كالبول وبعضها طاهرًا طيّبًا كاللبن والماء، وقلتم: لو وقع في البئر نجاسة تنجَّس (3) ماؤها وطينها، فإن نزح منها دلو فرشرش (4) على حيطانها تنجست حيطانها، وكلما نزح منها شيء نبع مكانه شيء فصادف ماءً نجسًا وطينًا نجسًا، فإذا وجب نزح أربعين دلوًا مثلًا فنزح تسعة وثلاثون كان المنزوح والباقي كله نجسًا، والحيطان التي أصابها الماء والطين الذي في قرار البئر، حتَّى إذا نزح الدلو الأربعون قشقش النجاسة كلها، فطهر الطين والماء وحيطان البئر وطهر نفسه، فما رؤي أكرم من هذا الدلو ولا أعقل ولا أخير!!

فصل
[و] قالت الحنابلة والشافعية (5): لو تزوجها على أن يَحُجَّ بها لم تصح التسمية ووجب مهر المثل، وقاسوا هذه التسمية على ما إذا تزوجها على شيء لا يدرى ما هو، ثم قالت الشافعية: لو تزوج الكتابية على أن يعلمها القرآن جاز، وقاسوه على جواز إسماعها (6) إياهُ، فقاسوا أبعد قياس، وتركوا محض القياس، فإنهم صَرَّحُوا بأنه لو استأجرها ليحملها إلى الحج جاز، ونزلت الإجارة على العُرْفِ، فكيف صح أن يكون مورد العقد الإجارة ولا يصح أن يكون صداقًا؟ ثم ناقضتم أبين مناقضة فقلتم: لو تزوجها على أن يردَّ عبدَها الآبقَ من مكان كذا وكذا صح مع أنّه قد يقدر على رده وقد يعجز عنه؟ فالغَرَرُ الذي في هذا الأمر أعظم من الغرر الذي في حملها إلى الحج بكثير، وقلتم: لو تزوجها على أن يُعَلمها القرآن أو بعضَه صح، وقد تقبل التعليم وقد لا تقبله، وقد يطاوعها لسانها وقد يأبى عليها، وقلتم: لو تزوجها على مهر المثل صحت التسمية مع اختلافه
__________
(1) في المطبوع: "في الماء والمائع".
(2) في (ق): "وغيرهما مع استوائهما".
(3) في (ق): "ينجس".
(4) في المطبوع: "فترشرش".
(5) في (ن) و (ق) و (ك): "وقالوا"، وما بين المعقوفتين سقط من (ح) و (ق).
(6) في (ق): "سماعها".
(3/56)

لامتناع مَنْ يساويها من كل وجه أو لقربه (1) وإن اتفق مَنْ يساويها في النسب فنادر جدًا من يساويها (2) في الصِّفات والأحوال التي يقل المهر بسببها ويكثر، فالجهالة التي في حجه بها دون هذا بكثير، وقلتم: لو تزوجها على عبد مطلق صح ولها الوسط، ومعلوم أن في الوسط من التفاوت ما فيه، وقلتم: لو تزوجها على أن يشتري لها عبدَ زيدٍ صحت التسمية، مع أنه غرر ظاهر؛ إذ تسليم المهر موقوف على أمر غير مقدور له، وهو رِضَى زيد ببيعه، ففيه من الخطر ما في رد [عبدها] (3) السابق، وكلاهما أعظم خطرًا من الحج بها، وقلتم: لو تزوجها على أن يرعى غنمها مدة صح، وليس جهالة حملانها [إلى الحج] (3) بأعظم (4) من جهالة أوقات الرعي ومكانه، على أن هذه المسألة بعيدة من أصول أحمد ونصوصه، ولا تُعرف منصوصة عنه، بل نصوصه على خلافها، قال في رواية مهنأ، فيمن تزوج على عبد من عبيده جاز: وإن كانوا عشرةَ عبيدٍ يُعْطِي من أوسطهم، فإن تشاحَّا أقرع بينهما، قلت: وتستقيم القرعة في هذا؟ قال: نعم (5)، وقلتم: لو خالعها على كفالة ولدها عشر سنين صح، وإن لم يذكر قدر الطعام والإدام والكسوة، فياللَّه العجب (6)! أين جهالة هذا من جهالة حملانها إلى الحج؟!

فصل
وقالت (7) الشافعية: له أن يجبر ابْنَتَه البالغة المفتية (8) العالمة بدين اللَّه التي تفتي في الحلال والحرام على نكاحها بمن هي أكره الناس له، وأشد الناس نُفرة عنه بغيَر رضاها، حتَّى لو عينت كفوًا شابًا جميلًا ديِّنًا تحبّه وعَيَّنَ كفوًا شيخًا مشوّهًا دميمًا كان العبرة بتعيينه دونها، فتركوا مَحْضَ القياس والمصلحة ومقصود النكاح من الود والرحمة وحسن المعاشرة، وقالوا: لو أراد أن يبيع لها حَبْلًا (9) أو عُودَ أراكٍ من مالها لم يصح إلَّا برضاها، وله أن يرقَّها مدة العمر عند مَنْ هي
__________
(1) في (ق) و (ك): "من يساويهما من كل وجه والقرابة".
(2) في (ق) و (ك): "وإن اتفق تساويهما في النسب فنادر جدًا تساويهما".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) في (ق): "أعظم".
(5) نقل ابن رجب في "قواعده" (3/ 221) (بتحقيقي) رواية مهنأ هذه.
(6) في (د): "فياللعجب".
(7) في (ق): "قالت".
(8) في (ق): "المعنسة". وقال (د) و (ط): في نسخة: "الغنية".
(9) قال (د) و (ط): في نسخة: "جلا".
(3/57)

أكرهُ شيء فيه بغير رضاها، قالوا: وكما خرجتم عن محض القياس خرجتم عن صريح السنة؛ فإنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خَيَّرَ جاريةً بكرًا زوَّجَها أبوها وهي كارهة (1)، وخيَّر أُخرى ثيبًا (2)، ومن العجب أنكم قلتم: لو تصرَّفَ في حبل من مالها على غير وجه الحفظ لها كان مردودًا، حتَّى إذا تصرَّف في بُضْعها على خلاف حظها كان لازمًا، ثم قلتم: هو أخبر بحظها منها، وهذا يرده الحس؛ فإنها أعلم بميلها ونفرتها وحظها ممن [تحب أن] (3) تعاشره وتكره عشرته، وتعلقتم بما رواه مسلم من حديث ابن عباس يرفعه: "الْأَيِّمُ أحَق بنفسها من وليها، والبكر تُسْتَأذن في نفسها، وإذْنها صُمَاتها" (4) وهو حجة عليكم، وتركتم ما في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة يرفعه: "لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن" (5)
__________
(1) ورد في الباب أحاديث عديدة، منها: ما أخرجه أحمد (1/ 273)، وأبو داود (2096)، والنسائي في "الكبرى" -كما في "التحفة" (6001) - وابن ماجه (1875) عن عكرمة عن ابن عباس أن جارية بكرًا أتت النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكرت له أن أباها زوّجها وهي كارهة، فخيّرها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
هكذا رواه جرير بن حازم يزيد بن حبان عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلًا، كما عند أبي داود (2097) وهو المحفوظ، على ما ذكر البيهقي (7/ 117) وهذا الذي رجحه ابن أبي حاتم في "العلل" (1/ 414 رقم 1243) عن أبيه، والدارقطني والحديث صحيح بمجموع طرقه، قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (2/ 249 - 250): "فأما قصة الجارية البكر التي زوجها أبوها وهي كارهة، تظاهرت بها الروايات، من حديث ابن عمر وجابر وابن عباس وعائشة" قال: "ذكر فيها أبو داود حديث ابن عباس، وهو صحيح، ولا يضرّه أن يرسله بعض رواته، إذا أسنده من هو ثقة".
وانظر تتمة كلامه، و"نصب الراية" (3/ 190 - 191) و"الحنائيات" (رقم 232) وتعليقي عليه.
(2) يشير إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (5138، 5139) كناب النكاح: باب إذا زوّج ابنته وهي كارهة، فنكاحه مردود عن خنساء بنت خذام الأنصاريّة أنَّ أباها زوَّجها وهي ثيّبٌ، فكرهت ذلك، فأتت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فردّ نكاحه.
وانظر حديثًا آخر في "مصنف عبد الرزاق" (6/ 146)، و"سنن البيهقي" (7/ 120)، وانظر الكلام عليه في "الأحكام الوسطى" (5/ 168)، و"بيان الوهم والإيهام" (3/ 82).
وانظر: "زاد المعاد" (4/ 2 - 3)، "تهذيب السنن" (3/ 40 - 43 مهم).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق) والعبارة قبلها: "أعلم بميلها وحظها ونفرتها".
(4) أخرجه مسلم (1421): كتاب النكاح: باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت.
(5) أخرجه البخاري (5137): كتاب النكاح: باب لا يُنْكِح الأبُ وغَيرُه البكر والثَّيِّب إلَّا =
(3/58)

وفيهما أيضًا من حديث عائشة قالت: "قلت: يا رسول اللَّه تُسْتأمر النساء في أبْضَاعهن؟ قال: نعم، قلت (1): فإن البكر تُسْتَأذن فتستحيي، قال: إذْنُهَا صِمَاتهَا" (2) فنهى أن تنكح بدون استئذانها، وأمر بذلك وأخبر أنه (3) هو شَرْعه [وحكمه] (4)، فاتفق على ذلك أمره ونهيه وخبره، وهو محض القياس والميزان.

فصل
وقالت الحنابلة والشافعية والحنفية: لا يصح بيع المَقاثِي والمَباطِخ والباذنجان إلَّا لقطة (5)، ولم يجعلوا المعدوم تبعًا للموجود مع شدة الحاجة إلى ذلك، وجعلوا المعدوم مُنزلًا منزلة الموجود في منافع الإجارة للحاجة إلى ذلك، وهذا مثله من كل وجه؛ لأنَّه يُستخلف كما تُستخلف المنافع، وما يقدر من عروض الحظر له فهو مشترك بينه وبين المنافع، وقد جوَّزوا بيع الثمرة إذا بدا الصلاح في واحدة منها، ومعلوم أن بقية الأجزاء معدومة فجاز بيعها تبعًا للموجود، فإن فرّقوا بأن هذه أجزاء متصلة، وتلك أعيان منفصلة، فهو فرق فاسد من وجهين:
أحدهما: أن هذا لا تأثير له ألبتة.
الثاني: أن من الثَّمرة التي بدا صلاحها (6) ما يخرج أثمارًا متعددة كالتوت والتين فهو كالبطيخ والباذنجان من كل وجه، فالتفريق خروجٌ عن القياس والمصلحة، وإلزام بما لا يُقدر عليه إلَّا بأعظم كلفة ومشقة، وفيه مفسدة عظيمة يردها القياس؛ فإن اللقطة لا ضابط لها، فإنه يكون في المقاثي (7) الكبار والصغار وبين ذلك، فالمشتري يريد استقصاءَها، والبائع يمنعه من أخذ الصغار، فيقع بينهما من التنازع والاختلاف والتشاحن ما لا تأتي به شريعة (8)، فأين هذه
__________
= برضاها، و (6946) كتاب الإكراه: باب لا يجوز نكاحُ المكرَه، و (6971) كتاب الحيل: باب في النكاح، ومسلم (1420) كتاب النكاح: باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت.
(1) في (ق): "فقلت".
(2) انظر الحاشية (5) من الصفحة السابقة.
(3) في (ق): "بأنه".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك) ووقع في (ق): "واتفق".
(5) في (ق) و (ن) و (ك): "لقطة لقطة".
(6) في (ك): "أن الثمرة التي بدا صلاحها" وعندها أشار في الهامش "لعله: منها".
(7) في المطبوع و (ق): "المقثأة".
(8) في (ق) و (ك): "فيقع بينهما التنازع والاختلاف والتشاحن وما لا يأتي به الشريعة".
(3/59)

المفسدة العظيمة التي هي منشأ النزاع التي من تأمَّل مقاصد الشريعة علم قصد الشارع لإبطالها وإعدامها إلى المفسدة اليسيرة التي في جعل ما لم يوجد (1) تبعًا لما وجد لما فيه من المصلحة؟ وقد اعتبرها الشارع، ولم يأتِ عنه حرف واحد أنه نهى عن بيع المعدوم (2)، وإنما نهى عن بيع الغرر (3)، والغررُ شيء وهذا شيء، ولا يُسمَّى هذا البيع غررًا لا لغة ولا عرفًا ولا شرعًا (4).

فصل [من تناقض القياسيين مراعاة بعض الشروط دون بعضها الآخر]
وقالت الحنفية والمالكية والشافعية: إذا شَرَطت (5) الزوجة أن لا يخرجها الزوج من بلدها أو دارها أو أن لا يتزوج عليها ولا يَتسرَّى فهو شرطٌ باطل، فتركوا محض القياس، بل قياس الأولى، فإنهم قالوا: لو شرطت في المهر تأجيلًا أو غير نقد البلد أو زيادة على مهر المثل لَزِمَ الوفاء بالشرط، فأين المقصود الذي لها في الشرط الأول إلى المقصود الذي في هذا الشرط؟ وأين فواته إلى فواته؟ وكذلك من قال منهم: لو شرط أن تكون جميلة شابة سويَّة فبانت عجوزًا شمطاء قبيحة المنظر أنه لا فسخ لأحدهما بفوات شرطه، حتَّى إذا فات درهم واحد من الصداق فلها الفسخ لفواته قبل الدخول، فإن استوفى المعقود عليه ودخل بها وقضى وَطَره منها ثم فات الصداق جميعه ولم تظفر [منه] (6) بحبةٍ واحدةٍ فلا فسخ لها، وقستم الشرط الذي دخلت عليه على شرط أن لا يؤويها ولا يُنفق عليها (7)،
__________
(1) في (ق) و (ك): "ما لا يوجد".
(2) حول بيع المعدوم وأنواع المعدوم انظر: "زاد المعاد" (4/ 262 - 266)، و"تهذيب السنن" (5/ 158).
(3) النهي عن بيع الغرر أخرجه مسلم في "صحيحه" (كتاب البيوع): باب بطلان بيع الحصاة، (10/ 156 - نووي) من حديث أبي هريرة.
(4) اختار ابن القيم -رحمه اللَّه- جواز بيع المقاثي والمباطخ والمغيبات في الأرض بعد أن يبدو صلاحها، وناقش الخلاف فيها، والحيلة في الجواز على قول الممانع، ورجح وضع الحوائج فيها، فانظر: "زاد المعاد" (4/ 267 - مهم)، و"بدائع الفوائد" (4/ 15، 74).
(5) في (ق): "اشترطت".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك) وقال في (ق) قبلها: "ولم يظفر".
(7) في (ق) و (ك): "على شرط ألا يؤدها ولا ينفق عليها".
(3/60)

ولا يطأها و (1) لا ينفق على أولاده منها ونحو ذلك مما هو من أفسد القياس الذي فرّقت الشريعة بين ما هو أحقُّ بالوفاء منه وبين ما لا يجوز الوفاء به، وجمعتم بين ما فرَّق الشرع والقياس بينهما، وألحقتم (2) أحدهما بالآخر، وقد جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الوفاء بشروط النكاح التي يَستحلُّ بها الزوج [فرج] (3) امرأته أولى من الوفاء بسائر الشروط على الإطلاق (4)، فجعلتموها أنتم دون سائر الشروط وأحقها بعدم الوفاء وجعلتم الوفاء بشرط الواقف المخالف لمقصود الشارع كترك النكاح وكشرط الصلاة في المكان الذي شَرَطَ فيه الصلاة وإن كان وحده وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين (5)، وقد ألغى الشارع هذا الشرط في النذر الذي هو قُرْبَة محضةٌ وطاعة فلا تتعين عنده بقعة عَيَّنها الناذر للصلاة إلَّا المساجد الثلاثة، وقد شرط الناذر في نذره تعيّنه؛ فألغاه الشارع لفضيلة غيره [عليه] (6) أو مساواته له فكيف يكون [شرط الواقف] (7) الذي غيره أفضل منه وأحب إلى اللَّه ورسوله لازمًا يجب الوفاء به؟ وتعيين الصلاة في مكان مُعيَّن لم يرغب الشارع فيه ليس بقربة، وما ليس بقربة لا يجب الوفاء به في النذر، ولا يصح اشتراطه في الوقف.

[هل يعتبر شرط الواقف مطلقًا]
[فإن قلتم: الواقفُ لم يخرج ماله إلَّا على وجه معين، فلزم اتباعُ ما عَيَّنه في الوقف] (8) من ذلك الوجه، والناذر قصد القربة، والقُرَبُ متساوية في المساجد غير الثلاثة، فتعيّن (9) بعضها لغو.
قيل: هذا الفرق [بعينه] (8) يوجب عليكم إلغاء ما لا قربة فيه من شروط
__________
(1) في المطبوع: "أو".
(2) في (ق): "فألحقتم".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) يشير المصنف -رحمه اللَّه- إلى ما أخرجه البخاري (2721) (كتاب الشروط): باب الشروط في المهر عند عُقدة النكاح، و (5151) (كتاب النكاح): باب الشروط في النكاح، ومسلم (1418) (كتاب النكاح): باب الوفاء بالشروط في النكاح عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أحق الشُّروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج".
(5) انظر: "زاد المعاد" (4/ 4 - 5، 8).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "الشرط" في (ك): "شرط".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) في (ق): "فتعيين".
(3/61)

الواقفين (1)، واعتبار ما فيه قربة، فإن الواقف إنما مقصوده بالوقف التقريب إلى اللَّه فتقربه بوقفه كتقربه بنذره؛ فإن العاقل لا يبذل ماله إلَّا لما له فيه مصلحة عاجلة أو آجلة؛ والمرء في حياته قد يبذل ماله في أغراضه، مباحة كانت أو غيرها وقد يبذله فيما يقربه إلى اللَّه، وأما (2) بعد مماته فإنما يبذله فيما يظن أنه يقرب إلى اللَّه، فلو (3) قيل له: "إن هذا المصرف لا يقرب إلى اللَّه [عز وجل] (4)، أو إن غيره أفضل وأحب إلى اللَّه منه وأعظم أجرًا" لبادر إليه، ولا ريب أن العاقل إذا قيل له: "إذا بذلت مالك في مقابلة هذه الشروط (5) حصل لك أجر واحد، وإن تركته حصل لك أجران" فإنّه يختار ما فيه الأجر الزائد، فكيف إذا قيل له: "إن هذا لا أجر فيه ألبتة" فكيف إذا قيل [له] (6): "إنه مخالف لمقصود الشارع مضاد له يكرهه اللَّه ورسوله"؟ وهذا كشرط العزوبية مثلًا وترك النكاح، فإنه شرط لترك واجب أو سنّة أفضل من صلاة النافلة وصومها أو سنَّة دون الصلاة والصوم، فكيف يلزم الوفاء ب[شرط] (7) ترك الواجبات والسنن اتباعًا لشرط الواقف وترك شرط اللَّه ورسوله الذي قضاؤه أحق وشرطه أوثق؟
يوضحه أنه لو شرط في وقفه أن يكون على الأغنياء دون الفقراء كان (8) شرطًا باطلًا عند جمهور الفقهاء، قال أبو المعالي الجويني -هو إمام الحرمين-[-رضي الله عنه-] (9): ومعظم أصحابنا قطعوا بالبطلان، هذا مع أن وصف الغنى وصف مباح ونعمة من اللَّه وصاحبه إذا كان شاكرًا فهو أَفضل من الفقير مع صبره عند طائفة كثيرة من الفقهاء والصوفية (10)، فكيف يلغى هذا الشرط ويصح شرط الترهب (11)
__________
(1) انظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 378).
(2) في (ق): "فأما".
(3) في (د): "ولو".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في المطبوع: "هذا الشرط".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (د).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) في (ق): "أكان".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) انظر في المفاضلة بين الفقر والغنى: "تفسير القرطبي" (3/ 329 و 5/ 343 و 14/ 306 و 15/ 216 و 19/ 213)، و"عدة الصابرين" (ص: 193 - 195، 284، 203 - 204، 208 - 209، 217، 313 - 314، 317 - 322)، و"مجموع فتاوى شيخ الإسلام" (11/ 21، 69، 119 - 121، 195 و 14/ 305 - 306)، ورسالة محمد البيركلي (ت: 981 ه): "المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر" وهي مطبوعة عن دار ابن حزم - بيروت سنة 1414 ه في 64 صحيفة، وانظر: "الموافقات" (1/ 187 - 188 و 5/ 366 - 367 - بتحقيقي).
(11) في (ك): "الترهيب".
(3/62)

في الإسلام الذي أبطله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: "لا رهبانية في الإسلام" (1)؟
يوضحه أن من شرط التعزُّب فإنما قصد أن تركه أفضل وأحب إلى اللَّه، فقصد أن يتعبد الموقوف عليه بتركه، وهذا هو الذي تبرأ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- منه بعينه فقال: "مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مِنِّي" (2)، وكان قصد أولئك الصحابة هو قصد هؤلاء الواقفين بعينه سواء، فإنهم قصدوا ترفيه (3) أنفسهم على العبادة وترك النكاح الذي يشغلهم تقربًا إلى اللَّه بتركه، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيهم ما قال، وأخبر أنه من رغب عن سنته فليس منه؛ وهذا في غاية الظهور، فكيف يحل الإلزام بترك شيء قد أخبر به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنَّ مَنْ رغب عنه فليس منه؟ هذا ممَّا لا تحتمله الشريعة بوجه.

[عَرْض شروط الواقفين على كتاب اللَّه]
فالصواب الذي لا تسوغ الشريعة (4) غيره عرض شروط الواقفين على كتاب اللَّه سبحانه وعلي شرطه، فما وافق كتابه وشرطه فهو صحيح، وما خالفه
__________
(1) قال في "كشف الخفاء" (2/ 377): "قال ابن حجر: لم أره، لكن في حديث سعد بن أبي وقاص عند البيهقي: إن اللَّه أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة" اه.
قلت: هو عند البيهقي في "السنن الكبرى" (8/ 78).
وأخرج عبد الرزاق (10375)، وأحمد (6/ 106، 226، 268)، والبزار (1458 - زوائده)، وابن حبان (9 - الإحسان) عن عائشة مرفوعًا: "يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا".
وإسناده قوي
وأخرجه الدارمي في "سننه" (كتاب النكاح): باب النهي عن التبتل (2/ 133) عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قال رسول اللَّه لعثمان بن مظعون: يا عثمان إني لم أؤمر بالرهبانية. . . ".
(2) أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب النكاح): باب الترغيب في النكاح (9/ 104/ رقم 5063)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب النكاح): باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة (2/ 1020/ رقم 1401) من حديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه-، وأخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب فضائل القرآن): باب قول المقريء للقاريء: حسبك، (9/ 94/ رقم 5052) دون لفظة: "من رغب. . . "، وهي ثابتة من طريق سند البخاري؛ كما عند اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (1/ 97).
(3) الترفيه: "التسكين والأقامة على الشيء" (د، ط، ح)، وقال (و): "رفا فلانًا سكن من الرعب، والمقصود جعل أنفسهم تسكن إلى العبادة".
قلت: وانظر: "لسان العرب" (3/ 1698 - 1699)، ووقع بدلها في (ق): "توفية".
(4) في (ق): "لا يسوغ في الشريعة".
(3/63)

كان شرطًا باطلًا مردودًا، ولو كان مئة شرطٍ، وليس ذلك بأعظم من رد حكم الحاكم إذا خالف حكم اللَّه ورسوله، ومن رد (1) فتوى المفتي، وقد نص اللَّه سبحانه على رد وصية الجانف في وصيته والآثم فيها، مع أن الوصية تصح في غير قربة، وهي أوسع من الوقف، وقد صرح صاحب الشرع برد كل عمل ليس عليه أمره، فهذا الشرط مردود بنص رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (2) فلا يحل لأحد أن يقبله ويعتبره ويصححه.
ثم كيف يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما أخرج الواقف ماله لمن قام بها وإن لم تكن قربة ولا للواقفين فيها غرض صحيح، [وإنما غرضهم ما يقربهم إلى اللَّه] (3)، ولا يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما بذلت المرأة بَضْعَها للزوج بشرط وفائه لها بها، ولها فيها (4) أصح غرض ومقصود، وهي أحق من كل شرط يجب الوفاء به بنص رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (5)؛ وهل هذا إلَّا بخروج (6) عن محض القياس والسنّة؟

[خطأ القول بأن شرط الواقف كنص الشارع]
ثم من العجب العجاب قول من يقول: إن شروط الواقف كنصوص الشارع، ونحن نبرأ إلى اللَّه من هذا القول، ونعتذر ممَّا جاء به قائله، ولا نعدل بنصوص الشارع غيرها أبدًا، وإن أحسنَّا الظن بقائل هذا القول حُمل كلامه على أنها كنصوص الشارع في الدلالة، وتخصيص عامِّها بخاصها، وحمل مطلقها على مقيدها، واعتبار مفهومها كما يعتبر منطوقها، وأما أن تكون كنصوصه في وجوب الاتِّباع وتأثيم من أخلّ بشيء منها فلا يُظن ذلك بمن له نسبة ما إلى العلم، فإذا كان حكمُ الحاكمِ ليس كنص الشَّارعِ، بل يرد ما خالف حُكمَ اللَّه ورسوله من ذلك، فشرط الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالرد والإبطال،
__________
(1) في (د): "ورد".
(2) هو قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".
أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب البيوع): باب إذا اصطلحوا على صلح جور؛ فالصلح مردود (رقم 2697)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الأقضية): باب نقض الأحكام الباطلة (رقم 1718)، من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-.
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "ولا يقربهم" وفي (ك): "ولا ما يقربهم".
(4) كذا في (د)، وفي سائر النسخ "فيه" وله وجه.
(5) سبق تخريجه قريبًا.
(6) في (ك): "خروج".
(3/64)

فقد (1) ظهر تناقضهم في شروط الواقفين وشروط الزوجات، وخروجهم [فيها] (2) عن موجب القياس الصحيح والسنّة، وباللَّه التوفيق.
يوضح ذلك أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا قَسَم يُعطي الآهل حَظَّين والعزب حظًا (3)، وقال: "ثلاثةٌ حق على اللَّه عونهم" (4) ذكر منهم الناكح يريد العفاف؛ ومصححو هذا الشرط عكسوا مقصوده، فقالوا: نعطيه ما دام عزبًا، فإذا تزوج لم يستحق شيئًا، ولا يحل لنا أن نُعينه؛ لأنَّه ترك القيام بشرط الواقف وإن كان قد فعل ما هو أحبُّ إلى اللَّه ورسوله؛ فالوفاء بشرط الواقف المتضمن لترك الواجب أو السنة المقدمة على فضل الصوم أو (5) الصلاة لا يحلُّ (6) مخالفته، ومن خالفه كان عاصيًا آثمًا، حتى إذا خالف الأحب إلى اللَّه ورسوله و [خالف] (7) الأرضى له كان بارًّا مثابًا قائمًا بالواجب عليه!
يوضح بطلان هذا الشرط وأمثاله من الشروط المخالفة لشرع اللَّه ورسوله أنكم قلتم: كلُّ شرط يخالف مقصود العقد فهو باطل، حتى أبطلتم (8) بذلك شرط دار الزوجة أو بلدها، وأبطلتم اشتراط البائع الانتفاع بالمبيع مدة معلومة، وأبطلتم اشتراط الخيار بعد (9) ثلاثة، وأبطلتم اشتراط نفع البائع في المبيع ونحو ذلك من الشروط التي صححها النَّصُّ والآثار عن الصحابة والقياس، كما صَحَّح عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان (10) اشتراط المرأة دارها أو بلدها أو أن لا يتزوج عليها (11)، ودلَّت السنّة على أن
__________
(1) في (ق): "وقد".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) أخرجه أبو داود (2953)، وأحمد (6/ 25، 29)، والبيهقي (6/ 346) من حديث عوف بن مالك الأشجعي -رضي اللَّه عنه-. وانظره مفصلًا في (5/ 86).
(4) سيأتي تخريجه.
(5) في (ق) و (ك): "و".
(6) في (ق): "تحل".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (د) و (ك).
(8) في (ق): "حتى إذا أبطلتم".
(9) بدلها في (د): "فوق" وفي (ق): "بعد ثلاث".
(10) في (ق): " أبي سفيان -رضي اللَّه عنه-".
(11) أثر عمر رواه عبد الرزاق (10608) (6/ 227)، وابن أبي شيبة (3/ 326 - دار الفكر)، والبيهقي (7/ 249) من طريق يزيد بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد اللَّه عن عبد الرحمن بن غنم عن عمر، وإسناده صحيح.
وله طرق أخرى عن عمر في "مصنف عبد الرزاق"، و"سنن البيهقي" ثم روى عبد الرزاق عن عمر خلافه بسند فيه ضعف. =
(3/65)

الوفاء به أحقُّ من الوفاء بكل شرط (1)، وكما صححت السنّة اشتراطَ انتفاع البائع بالمبيع مدة معلومة (2)، فأبطلتم ذلك، وقلتم: يُخالِف مقتضى العقد، وصححتم الشروط المخالفة [بمقتضى عقد الوقف لعقد الوقف] (3)؛ إذ هو عقد قُربة مقتضاه التقريب إلى اللَّه تعالى (4) ولا رَيبَ أن شرط ما يخالف القُربة يناقضه مناقضة صريحة؛ فإذا شرط عليه الصلاة في مكان لا يُصلّي فيه إلَّا هو وحده أو واحدٌ بعد واحد أو اثنان فعدوله عن الصلاة في المسجد الأعظم الذي يجتمع فيه جماعة المسلمين مع قربه (5) وكثرة جماعته فيتعدَّاه إلى مكان أقل جماعة وأَنقص فضيلة وأقل أجرًا اتباعًا لشرط الواقف المخالف لمُقتضى عقد الوقف خروجٌ عن محض القياس، وباللَّه التوفيق.
يوضحه أن المسلمين مُجمعون على أن العبادة في المساجد من الذِّكر والصلاةِ وقراءةِ القرآن أفضلُ منها عند القبور؛ فإذا منعتم فعلها في بُيوتِ اللَّه سبحانه وأوجبتم على الموقوف عليه فعلها بين المقابر إن أراد أن يتناولَ الوقف [وإلا كان] (6) تناوله حرامًا كنتم قد ألزمتموه بترك الأحبِّ إلى اللَّه الأنفع للعبد والعدول إلى الأنقص المفضول (7) أو المنهي عنه مع مخالفته لقصد الشارع تفصيلًا وقصد الواقف إجمالًا فإنه إنما يقصد الأَرْضى [للَّه] (8) والأحبَّ إليه؛ ولما كان في ظنّه أن هذا أرضى للَّه (9) اشترط؛ فنحن نظرنا إلى مقصوده ومقصود الشارع، وأنتم نظرتم إلى مجرد لفظه سواء وافق رضا اللَّه ورسوله ومقصوده في
__________
= وأما أثر معاوية وعمرو بن العاص: فرواه عبد الرزاق (10612)، وابن أبي شيبة (3/ 326) من طريق عبد الكريم عن أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود أن معاوية سأل عنها عمرو بن العاص فقال: لها شرطها.
وإسناده صحيح.
عبد الكريم هو ابن مالك الجزري، وهذان الأثران في اشتراط المرأة دارها.
(1) مضى لفظه وتخريجه.
(2) رواه البخاري (2718) في (الشروط): باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز، ومسلم (715) (ص 1221) في (المساقاة): باب بيع البعير واستثناء ركوبه، من حديث جابر بن عبد اللَّه.
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك): "لمقتضى عقد الوقف".
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "ولا يكون" وفي (ق): "وألا".
(5) في المطبوع: "مع قدمه".
(6) في (ق): "سبحانه".
(7) في (ق) و (ك): "إلى بعض المفضول".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) في المطبوع: "إرضاء للَّه"، وفي (ك): "رضا للَّه".
(3/66)

نفسه أو لا، ثم لا يمكنكم طردُ ذلك أبدًا، فإنه لو شَرَط أن يُصلي وحده حتى لا يخالط الناس بل يتوفر على الخلوة والذكر أو شرط أن لا يشتغل بالعلم والفقه ليتوفر على قراءة القرآن وصلاة الليل وصيام النهار أو شرط على الفقهاء ألا يجاهدوا في سبيل اللَّه ولا يصوموا تطوعًا ولا يصلوا النوافل وأمثال ذلك، فهل يمكنكم تصحيحُ هذه الشروط؟ فإن أبطلتموها فعقدُ (1) النكاح أفضل من بعضها أو مساوٍ له في أصل القُرْبة، وفعلُ الصلاة في المسجد الأعظم العتيق الأكثر جماعة أفضل (2) وذكر اللَّه وقراءة القرآن في المسجد أفضلُ منه بين القبور، فكيف تلزمون بهذه الشروط المفضولة وتبطلون ذلك؟ فما هو الفارق بين ما يصح من الشروط وما لا يصح؟ ثم لو شرط المبيت في المكان الموقوف ولم يشترط التعزُّب فأبحتم له التزويج فطالبته الزوجة بحقها من المبيت وطالبتموه بشرط الواقف منه فكيف تقسمونه بينهما؟ أم ماذا تُقدِّمون: ما أوجبه اللَّه (3) ورسوله من المبيت والقَسْم (4) للزوجة مع ما فيه من مصلحة الزوجين وصيانة المرأة وحفظها وحصول الإيواء المطلوب من النكاح، أم ما شرطه الواقف وتجعلون شرطه أحق والوفاء به أَلزم؟ أم تمنعونه من النكاح والشارع والواقف لم يمنعاه منه؟ فالحق أن مبيتَهُ عند أهله إن كان أحبَّ إلى اللَّه ورسوله جاز له، بل استحب ترك شرط الواقف لأجله، ولم يمنعه فعل ما يحبه اللَّه ورسوله من تناول الوقف، (5) بل ترك ما أوجبه سببًا لاستحقاق الوقف، فلا نص ولا قياس ولا مصلحة للواقف ولا للموقوف عليه ولا مرضاة للَّه ورسوله.
والمقصود بيان [بعض] (6) ما في الرأي والقياس من التناقض والاختلاف الذي هو من عند غير اللَّه (7)؛ لأن ما كان من [عنده فإنه] (8) يصدِّق بعضه بعضًا، ولا يخالف بعضه بعضًا، وباللَّه التوفيق.
__________
(1) في (ق) و (ك): "ففعل".
(2) بعدها فراغ في (ق) يسع كلمتين، قال في الهامش: "لعله: منها في الأقل؛ وإلا نقص".
(3) في (د): "ما أوجبه من اللَّه".
(4) في (ق) و (ك): "من المبيت والفسخ".
(5) زاد هنا في (ك) و (ق): وهو ترك ما يحبه اللَّه ورسوله.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ق) و (ك): "الذي يبين أنه من عند غير اللَّه".
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "عند اللَّه فهو".
(3/67)

فصل [هل في اللطمة والضربة قصاص؟]
[وقالت الحنفية والشافعية والمالكية ومتأخرو أصحاب أحمد] (1): إنه لا قصاص في اللطمة والضربة، وإنما فيه التعزير، وحكى بعض المتأخرين في ذلك الإجماع (2)، وخرجوا عن محض القياس وموجب النصوص وإجماع الصحابة؛ فإن ضمان النفوس والأموال مبناه (3) على العدل، كما قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، وقال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] فأمر بالمماثلة في العقوبة والقصاص؛ فيجب اعتبارها بحسب الإمكان، والأمثل هو المأمور [به] (4)؛ فهذا المَلْطُوم المضروب قد اعتُدي عليه، فالواجب أن يَفعل بالمُعْتَدي كما فَعَل به، فإن لم يمكن كان الواجب ما هو الأقرب والأمثل (5)، وسقط ما عَجِز عنه العبدُ من المساواة من كل وجه، ولا ريب أن لطمة بلطمة وضربة بضربة في محلهما بالآلة التي لطمه بها أو بمثلها (6) أقربُ إلى المماثلة المأمور بها حسًا وشرعًا من تعزيره بها بغير جنس اعتدائه وقدره وصفته، وهذا هو هَدْيُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وخلفائه الراشدين ومحض القياس [وهو منصوص الإمام أحمد، ومن خالفه في ذلك من أصحابه فقد خرج عن نص مذهبه وأصوله كما خرج عن محض القياس] (7) والميزان، قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في [كتابه] (4) "المترجم" له: "باب في القصاص من اللطمة والضربة: حدثني إسماعيل بن سعيد قال: سألتُ أحمد [بن حنبل] (4) عن القصاص من اللطمة والضربة، فقال: عليه القود من اللطمة والضربة" وبه قال أبو داود وأبو خَيْثَمة
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "وقالت الشافعية والمالكية والحنفية والمتأخرون من أصحاب أحمد".
(2) انظر: "زاد المعاد" (3/ 78 - 90، 200، 203، 304، 213)، و"تهذيب السنن" (6/ 334 - 344)، و"مفتاح دار السعادة" (ص 432)، وانظر: "أحكام الجناية" (ص: 204 - 228) للشيخ بكر أبو زيد.
(3) في (ق) و (ك): "مبناها".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق): "الأمثل والأقرب".
(6) في (ق): "مثلها".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3/68)

وابنُ أبي شيبة، وقال إبراهيم الجوزجاني: وبه أقول: لما حدثنا شَبَابَة بن سَوَّار: ثنا شعبة، عن يحيى بن الحصين قال: سمعتُ طارق بن شهاب يقول: لَطَمَ أبو بكر رجلًا يومًا لطمة، فقال له: اقتصَّ، فعفا الرجل (1)، حدثنا شَبَابة: أنبأ شعبة (2)، عن مخارق قال: سمعت طارقًا يقول: لطم ابن أخ لخالد بن الوليد رجلًا من مُراد، فأقاده خالد منه (3)، حدثنا أبو بَهْز: حدثنا أبو بكر بن عَيَّاش قال: سمعتُ الأعمش، عن كُمَيل بن زياد قال: لطمني عثمان ثم أقادني فعفوتُ (4)، حدثني ابن الأصفهاني: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن نَاجِيَة، عن عمه يزيد بن عربي قال: رأيت عليًا [كرم اللَّه وجهه في الجنة] (5) أقاد من لطمة (6)، وحدثنا الحُميديُّ: ثنا سفيان: ثنا عبد اللَّه بن إسماعيل بن زياد ابن أخي عمرو بن دينار أن ابن الزبير أقاد من لَطْمة (7)، ثنا يزيد بن هارون: أنا الجُريريُّ، عن أبي نَضْرة، عن أبي فراس قال: خطبنا عمر فقال: إني لم أبعث عُمَّالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن إنما بعثتهم ليبلِّغوكم دينكم وسنَّة
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة (6/ 448 - دار الفكر) من طريق شبابة بن سوار به، وسقط منه "شعبة بن الحجاج"، ورواته ثقات.
وطارق بن شهاب مات سنة (83)، وهو قد رأى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأخرجه عبد الرزاق (9 رقم 18042) عن سعد بن إبراهيم عن سعيد بن المسيب به، وانظر: "المحلى" (8/ 308)، و"كنز العمال" (5/ 596).
(2) في (ق): "إنا بشر"، وفي (ك): "ثنا شبابة بن بشر".
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (6/ 447 - دار الفكر)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8/ 65) من طريقين عن مخارق عن طارق أن خالدًا. . .، وإسناده صحيح.
(4) أخرجه البيهقي (8/ 50)، ولم يعزه في "كنز العمال" (15/ 71) إلا له.
(5) ما بين المعقوفتين من (د) و (ك).
(6) أخرجه ابن أبي شيبة (6/ 447 ط دار الفكر، و 9/ 445 - ط الهندية)، وابن المنذر في "الأوسط" (4/ ق 276/ أ) من طريق المسعودي عن عبد اللَّه بن عبد الملك بن أبي عتبة عن ناجية أبي الحسن عن أبيه: أن عليًا. . . ".
وأخرجه الخطيب في "تلخيص المتشابه" (1/ 259) عن غيلان بن جامع عن يزيد بن عربي به.
(7) رواه البيهقي (8/ 65) من طريق يعقوب بن سفيان عن الحميدي عن سفيان عن عبد اللَّه بن إسماعيل عن عمرو بن دينار.
ورواه ابن أبي شيبة (6/ 447 - دار الفكر)، والبيهقي (8/ 65) من طريقين عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن الزبير، والأثر سقط بتمامه من (ق) و (ك).
(3/69)

نبيكم ويقسموا فيكم فيئكم، فمَنْ فُعل به غير ذلك فليرفعه إليّ فوالذي نفسُ عمر بيده لأقصنَّه منه، فقام إليه (1) عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إنْ كان رجلٌ [من المسلمين] (2) على رعية فأدَّب بعض رعيته لتقصنه منه؟ فقال عمر: ألا أقصه (3) منه وقد رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقصُّ من نفسه؟ (4) ثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن ابن حَرْملة قال؛ تلاحى رجلان فقال أحدهما: ألم أخنقك حتى سَلَحت؟ فقال: بلى، ولكن لم يكن لي عليك شهود، فاشهدوا على ما قال، ثم رفعه إلى عمر بن عبد العزيز، فأرسل في ذلك إلى سعيد بن المسيب فقال: يخنقُه
__________
(1) في (ك): "له".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) في (ك) و (ق): "لأقصنه"، وقال في هامش (ق): "لعله: ألا أقصه".
(4) أخرجه أبو داود في "سننه" (كتاب الديات): باب القود من الضربة وقص الأمير من نفسه (4/ 183/ رقم 4537)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب القسامة): باب القصاص من السلاطين (8/ 34)، وأحمد في "المسند" (1/ 41)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (10/ 480)، وأبو يعلى في "المسند" (1/ 174 - 175/ رقم 196)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (9/ 29، 42)، و"الشعب" (5/ 555/ رقم 2379)، والفريابي في "فضائل القرآن" (رقم 170، 172 - 173)، والآجري في "أخلاق أهل القرآن" (رقم 26)، ومسدد كما في "المطالب العالية" (ق 75/ ب)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 439) عن أبي فراس -وهو مقبول-؛ أن عمر -رضي اللَّه عنه- قال: "رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقص من نفسه".
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (9/ 468/ رقم 18040)، والبزار في "مسنده" (رقم 285)، والدارقطني في "الأفراد" (ق/ 20/ 1 - الأطراف) من وجه آخر عنه، وفيه ضعف.
وقد وردت قصص كثيرة تشهد لهذا الحديث، منها:
- عند الطبراني: عن عبد اللَّه بن جبير الخزاعي، واختلف في صحبته، والراجح أنه ليس له صحبة، ولذا قال عنه في "التقريب": "مجهول".
- وعند عبد الرزاق في "المصنف" (9/ 465 - 466/ رقم 18037): عن أبي سعيد الخدري، وإسناده واهٍ جدًا، فيه أبو هارون العبدي، واسمه عمارة بن جُوَيْن، وهو متَّهم.
- وعند عبد الرزاق في "المصنف" (9/ 469/ رقم 18042) من مرسل سعيد بن المسيب.
- وعند عبد الرزاق في "المصنف" (9/ 466، 467/ رقم 18038، 18039) من مرسل الحسن البصري.
- وكذا عند ابن إسحاق -كما في "سيرة ابن هشام" (2/ 278) -، وعبد الرزاق كما في "الإصابة" (3/ 218) عن سواد بن غزية، وإسنادهما ضعيف.
ومجموع هذه الطرق يعطيها قوة، واللَّه أعلم.
(3/70)

كما خَنَقه حتى يُحدث أو يفتدي منه، فافتدى منه بأربعين بعيرًا، فقال ابن كثير: أحسِبُه ذكره عن عثمان (1)، ثنا الحسين بن محمد (2): ثنا ابنُ أبي ذئب، عن المُطَّلب بن السائب أن رجلين من بني ليث اقتتلا، فضرب أحدهما الآخر فكسر أنفه، فانكسر عظم كَفِّ الضارب، فأقاد أبو بكر من أنف المضروب ولم يُقد من كف الضارب، فقال سعيد بن المسيب: كان لهذا أيضًا القود من كَفِّه، قضى عثمان أن كل مقتتلين [اقتتلا ضمنا ما بينهما، فأقيد منه] (3)، فدخل المسجد وهو يقول: يا عباد اللَّه كسر ابنُ المسيب يدي (4)، قال الجوزجاني: فهذا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وجلة أصحابه فإلى من يركن بعدهم؟ أو كيف يجوز خلافهم؟ ".
قلت: وفي "السنن" لأبي داود، والنَّسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقسم قسمًا أقبل رجل فأكبَّ [عليه] (5) فطعنه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعُرْجُون كان معه، فجَرحَ وجهه (6)، فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: تعال فاسْتِقدْ، فقال: بل عفوتُ يا رسول اللَّه (7)؛ وفي "سنن" النسائي، وأبي داود، وابن ماجه عن عائشة [-رضي اللَّه عنها-] (5): "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث أبا جَهْم بن حُذيفة مُصدقًا (8)، فلاحَاه (9) رجلٌ في صَدَقتِه، فضربه أبو جَهْم فشجَّه، فأتوا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق (10/ 24/ رقم 18245)، وابن أبي شيبة (6/ 387 - ط دار الفكر)، ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (10/ 459) بنحوه.
وإسناده صحيح.
وذكره ابن المنذر في "الإشراف" (3/ 119)، وابن قدامة في "المغني" (7/ 835)، وانظر: "كنز العمال" (15/ 112) ووقع في (ق): "فذاكر ابن كثير. . . " بدل "فقال ابن كثير".
(2) في (ق): "ثنا الجبير بن محمد"وفي (ك): "حدثنا الجرير بن محمد".
(3) في (ق): "ضمن ما بينهما فاقتد منه".
(4) انظر: "الإشراف" لابن المنذر (3/ 119).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ق): "بوجهه".
(7) رواه أبو داود (4536) في (الديات): باب القود من الضربة، وقص الأمير من نفسه، والنسائي (8/ 32) في (القسامة): باب القود في الطعنة، وأحمد (3/ 28)، وابن حبان (6434)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8/ 43 و 48) من طريق بكير بن الأشج عن عبيدة بن مُسافع عن أبي سعيد الخدري، وعبيدة بن مسافع روى عنه ابنه مالك وهو مجهول كما في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، وبكير بن الأشج وهو ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات" على عادته!!
(8) "مصدقًا: جامعًا للصدقات" (ط).
(9) "لاحاه ملاحاة: خاصمه ونازعه، وفي الحديث: نهيت عن ملاحاة الرجال: أي مقاولتهم ومخاصمتهم" (ح).
(3/71)

فقالوا: القودُ يا رسول اللَّه، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لكم كذا وكذا" [فلم يرضوا [به] (1)، فقال النبي [-صلى اللَّه عليه وسلم-]، (2): "لكم كذا وكذا" فرضوا، فقال النبي (3) -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنني خاطب [العشية] (1) على الناس ومخبرهم برضاكم" فقالوا (4): نعم، فخطب رسول اللَّه (5) -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "إن هؤلاء أتوني يُريدون القصاص (6)، فعرضت عليهم كذا وكذا، فقال النَّبيُّ] (7): فَرَضوا، أرضيتُم؟ " فقالوا (8): لا، فهمَّ المهاجرون بهم، فأمرهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يكفُّوا عنهم، فكفوا عنهم، ثم دعاهم فزادهم، فقال: أرضيتم؟ فقالوا (8): نعم، [فقال: إني خاطبٌ على الناس ومخبرُهُم برضاكم، فقالوا: نعم، فخطب النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم] " (9) وهذا صريحٌ في القَوَدِ في الشَّجّة، ولهذا صولحوا من القود مرة بعد مرة حتى رضوا، ولو كان الواجب الأَرْشُ (10) فقط لقال لهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين طلبوا القود: إنه لا حَقَّ لكم فيه (11)، وإنما حقكم في الأرش.
فهذه سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهذا إجماع الصحابة، وهذا ظاهر القرآن، وهذا محض القياس؛ فعارض المانعون هذا كله بشيء واحد وقالوا: اللطمة والضربة لا يمكن فيهما المماثلة، والقصاص لا يكون إلَّا مع المماثلة. ونَظَرُ الصحابة أكمل وأصح وأتبع للقياس، كما هو اتبع للكتاب والسنّة، فإن المماثلة من كل وجه متعذرة، فلم يبق إلَّا أحد أمرين؛ قصاصٌ قريب إلى المماثلة، أو (12) تعزيرٌ بعيد منها، والأول أولى؛ لأنَّ التعزير لا يعتبر فيه جنس الجناية ولا قدرها، بل قد
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (د).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق): "رسول اللَّه".
(4) في (ق): "قالوا".
(5) في (ق): "النبي".
(6) في (ق): "القود".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك)، وسقطت "فرضوا" من (ق).
(8) في (ق): "قالوا".
(9) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (18032)، ومن طريقه رواه أحمد (6/ 232)، وأبو داود (4534) في (الديات) باب العامل يُصاب على يديه خطأ، والنسائي (8/ 35) في (القسامة): باب السلطان يُصاب على يده، وابن ماجه (2638) في (الديات): باب الجارح يفتدي بالقود، وابن حبان (4487)، والبيهقي (8/ 49) عن معمر عن الزهري عن عروة عنها، وإسناده صحيح.
وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(10) "الدية" (و).
(11) في (ق) و (ك): "لا حظ لكم فيه".
(12) في (ق): "و".
(3/72)

يُعزِّر بالسوط والعصا، وقد يكون (1) لطمه أو ضربه بيده، فأين حرارة السوط ويبسه إلى لين اليد، وقد يزيد وينقص، وفي العقوبة بجنس ما فعله تَحَرِّ للمماثلة (2) بحسب الإمكان، وهذا أقربُ إلى العدل الذي أمر اللَّه به وأنزل به الكتاب والميزان: فإنه قصاص بمثل ذلك العضو في مثل المحل الذي ضرب فيه بقَدَرِه، وقد يساويه أو يزيد قليلًا أو ينقص قليلًا، وذلك عفو لا يدخل تحت التكليف، كما لا يدخل [تحت] (3) التكليف المساواة في الكيل والوزن في (4) كل وجه كما قال تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام: 152] فأمر بالعدل المقدور، وعفا عن غير المقدور منه، وأما التعزيرُ فإنه لا يسمى قصاصًا، فإن لفظ القصاص يدل على المماثلة، ومنه قَصَّ الأثرَ إذا اتَّبَعه وقَصَّ الحديثَ إذا أتى به على وجهه، والمقاصّة: سقوط أحد الدَّيْنين بمثله جنسًا وصفة، وإنما هو تقويم للجناية، فهو قيمة لغير المُثلى، والعدول إليه كالعدول إلى قيمة المتلف (5)، وهو ضَربٌ له بغير تلك الآلة في غير ذلك المحل، وهو إما زائدٌ وإما ناقصٌ، ولا يكون مماثلًا ولا قريبًا من المثل، فالأول أقرب إلى القياس، والثاني تقويم للجناية بغير جنسها كبدلِ المُتْلفِ، والنزاع أيضًا فيه واقع إذا لم يوجد مثله من كل وجه كالحيوان والعقار والآنية والثياب وكثير من المعدودات والمذروعات، فأكثر القياسيين (6) من أتباع الأئمة الأربعة قالوا: الواجبُ في بدل ذلك عند الإتلاف القيمة، قالوا: لأنَّ المثل في الجنس يتعذَّر (7)، ثم طَردَ أصحابُ الرأي قياسهم فقالوا: وهذا هو الواجب في الصيدُ في الحرم والإحرام إنما تجب قيمته لا مثله كما لو كان مملوكًا. ثم طردوا هذا القياس في القرض فقالوا: لا يجوز قرض ذلك لأنَّ موجب القرض رد المثل، وهذا لا مثل له. [ومنهم من خرج عن] (8) موجب هذا القياس في الصيد لدلالة القرآن والسنّة وآثار الصحابة [على أنه] (9) يضمن بمثله من النعم وهو مثل مقيد بحسب الإمكان وإن لم يكن مثلًا من كل وجه وهذا قول الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد، وهم
__________
(1) في (ك): "ويكون قد".
(2) في (ق) و (ك): "وقد يزيد وينقص في العقوبة، فأين ما يفعله بتحري المماثلة".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في (ق): "من".
(5) انظر: "تهذيب السنن" (6/ 340 - 341 مهم)، و"الداء والدواء" (ص: 213 - 214).
(6) في (ق): "القياسين".
(7) في (ق): "لأن الجنس في المثل يتعذر"!.
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) بياض.
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3/73)

يجوِّزون قرض الحيوان أيضًا كما دلت عليه السنّة الصحيحة؛ فإنه قد ثبت عنه -صلى اللَّه عليه وسلم-[في الصحيح] (1) أنه استسْلَفَ بَكْرًا وقضى جملًا رباعيًا (2)، وقال: "إن خياركم أحسنكم قضاء" (3).
ثم اختلفوا بعد ذلك في مُوجب قرض الحيوان، هل يجب رَدُّ القيمة أو المثل؟ على قولين، وهما في مذهب أحمد وغيره، والذي دَلَّت عليه سنّة رِسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الصحيحة الصريحة أنَّه يجب رَدُّ المثل (4)، وهذا هو المنصوص عن أحمد، ثم اختلفوا في الغَصْب والإتلاف على ثلاثة أقوال، وهي في مذهب أحمد: أحدها: يضمن الجميع بالمثل بحسب الإمكان، والثاني: يضمن الجميع بالقيمة، والثالث: يضمن الحيوان بالمثل (5) وما عداه كالجواهر ونحوها بالقيمة.
واختلفوا في الجِدار يُهدم، هل يضمن بقيمته أو يُعاد مثله؟ على قولين، وهما للشافعي، والصحيح ما دلت عليه النصوصُ وهو مقتضى القياس الصحيح، وما عداه فمناقض للنص والقياس (6)؛ لأنَّ الجميع يضمن بالمثل تقريبًا، وقد نص اللَّه سبحانه على ضمان الصيد بمثله من النَّعَم، ومعلوم أن المماثلة بين بعير وبعير أعظم من المماثلة بين النَّعامة والبعير وبين شاة وشاة أَعظم منها بين طير
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) "البكر: الفتيّ من الإبل، والرباعي من الإبل: من ألقى السنن الرباعية، وهي ما بين الثنية والناب، ولا يلقى الإبل أسنانها الرباعية إلَّا في السنة السابعة من عمرها، ويقال حينئذ: أنها أربعت" (ط).
(3) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب المساقاة): باب من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه (رقم 1600)، من حديث أبي رافع -رضي اللَّه عنه-.
(4) روى ذلك البخاري (2305) في (الوكالة): باب وكالة الشاهد والغائب جائزة، و (2306) في (الوكالة): في قضاء الديون، و (2390) في (الاستقراض): باب استقراض الإبل، و (3292) باب هل يعطي أكبر من سِنِّه، و (2393) باب حسن القضاء، و (2401) في باب لصاحب الحق مقال، و (2606) في (الهبة): باب الهبة المقبوضة، وغير المقبوضة، و (2609) باب من أُهدَي له هدية، وعنده جلساؤه فهو أحق، ومسلم (1601) في (المساقاة): باب من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه، من حديث أبي هريرة.
(5) في (د): "والثالث أن الحيوان يضمن بالمثل".
(6) استدل البخاري بقصة الراهب جريج، وقوله لمَّا قالوا له: "نبني صومعتك من ذهب؟ قال: لا، إلَّا من طين".
وبَوَّب على هذا (باب إذا هدم حائطًا فليبن مثله) باب رقم (35) من كتاب المظالم حديث (2482).
(3/74)

وشاة، وقد رَدَّ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بدل البعير الذي اقترضه مثله [دون قيمته] (1) ورد عوض القَصْعَة التي كسرتها بعض أزواجه بقصعة (2) نظيرها، وقال: إناءٌ بإناء وطعامٌ (3) بطعام (4)، فسوَّى بينهما في الضَّمان، وهذا عين العدل ومحض القياس وتأويل القرآن.
وقد نص الإمام أحمد على هذا في (مسائل إسحاق بن منصور)، قال إسحاق: قلت لأحمد: قال سفيان: من كسر شيئًا صحيحًا: فقيمته صحيحًا، فقال (5) أحمد: إنْ كان يوجدُ مثله فمثله، وإن كان لا يوجد مثله فعليه قيمته (6)، ونص عليه أَحمد في رواية إسماعيل بن سعيد فقال: سألت أحمد عن الرجل يكسر قصعة الرجل أو عصاه أو يشق ثوبًا لرجل (7)، قال: [عليه المثل في العصا والقصعة والثوب، فقلت: [أرأيت] (8) إن كان الشق قليلًا، فقال] (9):
__________
(1) تقدم قبل قليل من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في المطبوع: "قصعتها".
(3) في (د)، و (ط): "وطام" بسقوط حرف العين!
(4) رواه أحمد (6/ 148 و 277)، وأبو داود (3568) في (البيوع): باب من أفسد شيئًا يغرم مثله، والنسائي (7/ 71) في عشرة النساء: باب الغيرة، وفي عشرة النساء من "الكبرى" (19)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (4/ 132)، والبيهقي (6/ 96) من طريق فُليت: ويُقال: أفلت عن جسرة عن عائشة، قال البيهقي: فليت وجسرة فيهما نظر.
أقول: أما فليت: فقد قال فيه أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال الدارقطني: صالح، ووثقه ابن حبان وصحح حديثه ابن خُزيمة.
وجسرة بنت دجاجة قال عنها البخاري: عندها عجائب، وذكرها العجلي، وابن حبان في الثقات كالعادة!!
وقد حَسَّن الحافظ ابن حجر هذا الحديث في "الفتح" (5/ 125).
وله شاهد من حديث أنس رواه الترمذي (1363) في الأحكام باب ما جاء فيمن يُكسر له الشيء من طريق أبي داود الحفري عن سفيان الثوري عن حُميد عنه وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وأصل القصة في "صحيح البخاري" (2481 و 5225) من حديث أنس أيضًا ولكن ليس فيه: "إناء بإناء وطعام بطعام".
(5) في (ق): "قال".
(6) هي عند ابن منصور في "مسائله للإمام أحمد" (396/ 309)، وفيها بدل: "فقال أحمد": "قال" وبدل "فعليه قيمته": "فقيمته صحيحًا"، وفي آخرها: وقال إسحاق: كما قال أحمد"، ووقع في (ك): "وإن كان مالًا".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(8) في (ق): "ثوب الرجل".
(9) في (ق): "عليه المثل في القصعة والعصا والثوب، قلت: إن كان الشق قليلًا؟ قال".
(3/75)

صاحب الثوب مُخيَّر في ذلك قليلًا كان أو كثيرًا.
وقال في رواية إسحاق بن منصور: مَنْ كَسَر شيئًا صحيحًا فإن كان [شيئًا] (1) يوجد مثله [رد مثله] (2) وإن كان لا يوجد مثله فعليه قيمته، فإذا كَسَر الذهب فإنه يصلحه (3) إنْ كان خلخالًا، وإن كان دينارًا أعطى دينارًا آخر مكانه، قال إسحاق: كما قال (4)، وقال في رواية موسى بن سعيد (5): وعليه المثل في العصا والقَصْعَة والقصبة إذا كسر وفي الثوب، ولا أقول في العبد والبهائم والحيوان، وصاحب الثوب مُخيَّر إن شاء شق الثوب وإن شاء [أخذ] (6) مثله، واحتج في رواية ابنه عبد اللَّه (7) بحديث أنس فقال حُميد، عن أنس: "أنَّ رسول اللَّه (8) -صلى اللَّه عليه وسلم- كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بقَصْعة (9) فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القَصْعة، فأخذَ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الكسرتين فضم إحداهما (10) إلى الأخرى وجعل يجمع فيهما الطعام ويقول: غَارَت أُمُّكم، كلوا، فأكلوا، وجلس رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (11) حتى جاءت قصعةُ التي هو في بيتها فدفع القصعة إلى الرسول، وحبس المكسورة
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "فمثله" وفي (ق) بعدها: "وإن كان ما لا يوجد مثله".
(3) في (ق): "يصلح".
(4) رحم اللَّه الإمام ابن القيم، فقد تصرف في اللفظ، ودمج المسألتين مع بعضهما، فالنصف الأول هنا هي الرواية السابقة.
ثم قال ابن منصور: "قلت: قال [أي: سفيان]: فإذا كسر الذهب، فقيمته بالفضة، وإذا كسر الفضة فقيمتها بالذهب، قال أحمد: يُصْلِحُهُ له أحَبُّ إليَّ إن كان خلخالًا، وإن كان دينارًا أعطاه دينارًا آخر مثله، وقال إسحاق: كما قال، إلَّا أنه إن أعطاه الذهب من الفضة، أو الفضة من الذهب جاز".
كذا في "مسائل ابن منصور" (397/ 310)، والصحيح من المذهب: أن من غصب شيئًا، فأتلفه، أو غيَّر من صفته متعمدًا؛ فعليه رده بزيادته وأرش نقصه. انظر "الإنصاف" (6/ 146).
قلت: والذي يكسر شيئًا من مال غيره فهو كالغاصب.
(5) في (ك) و (ق) "موسى بن إسماعيل".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) لم أظفر به في "مسائل الإمام أحمد" رواية ابنه عبد اللَّه، لا في طبعة عليّ المهنا، ولا في طبعة المكتب الإسلامي.
(8) في (ق): "النبي".
(9) في (ق): "القصعة".
(10) في (ق): "وضم إحديهما".
(11) في (د): "وحبس الرسول".
(3/76)

في بيته" والحديث في صحيح البخاري (1)، وعند الترمذي فيه: ["فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-] (2): طعام بطعام وإناء بإناء" وقال: حديثٌ صحيحٌ (3)، وعند أَبي داود، والنسائي [فيه] (2) قالت عائشة: "فقلت: يا رسول اللَّه ما كفارة ما صنعت؟ قال: إناء مثل إناء وطعام مثل طعام" (4)، وهذا هو مذهبه الصحيح عنه عند ابن أبي موسى، قال في "إرشاده" (5): ومن استهلك لإنسان (6) مَا لَا يُكال ولا يُوزن عليه (7) مثله إن وُجد، وقيل: عليه قيمته، وهو اختيار المحققين من أصحابه، وقضى عثمان وابن مسعود على مَنْ استهلك لرجل فصلانًا بفُصلانٍ مثلها (8)، وبالمثل قضى شُريح والعنبري، وقال به قتادة وعبد اللَّه بن عبد الرحمن الدَّارمي (9)، وهو الحق، وليس مع من أوجب (10) القيمة نص ولا إجماع ولا قياس، وليس معهم أكثر ولا أكبر من قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أعتق شِرْكًا له في عبد فكان
__________
(1) في (كتاب المظالم): باب إذا كسر قصعة أو شيئًا لغيره (2481)، و (كتاب النكاح): باب الغيرة (رقم 5225).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) عند الترمذي في "سننه" (كتاب الأحكام): باب ما جاء فيمن يكسر له الشيء (3/ 631 رقم (1363) وفيه قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ومض الكلام عليه.
(4) عند أبي داود في "سننه" (كتاب البيوع): باب فيمن أفسد شيئًا يغرم مثله (3/ 826)، والنسائي في "سننه" (كتاب عشرة النساء): باب الغيرة (7/ 71)، ومضى الكلام عليه.
(5) "الإرشاد" للقاضي الشريف الهاشمي محمد بن محمد بن أبي موسى (المتوفى سنة 428 ه)، وهو متن اعتمد مؤلفه المسائل التي يوجد للإمام فيها رواية أخرى، فما كان فيه روايتان فأكثر، ذكرهما وهو محقق في رسائل علمية بالمعهد العالمي للقضاء في السعودية، من "المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل" (2/ 681)، وطبع مؤخرًا.
(6) في (د): "لآدمي".
(7) في (ك) و (ق): "فعليه".
(8) هذه عبارة ابن حزم في "المحلى" (8/ 141).
(9) قضاء شريح، أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (8/ 218 - 219 رقم 14953) -ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (8/ 141) - عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن شريح أنه قضى في قصار شقَّ ثوبًا أن الثوب له، وعليه مثله. فقال رجل: أو ثمنه. فقال شريح: إنه كان أحب إليه من ثمنه. قال: إنه لا يجد. قال: لا وجد، وقال ابن حزم: "وعن قتادة أنه قضى في ثوب استهلك بالمثل"، وهو في "مصنف عبد الرزاق" (8/ 219 رقم 14954).
وقول الدارمي في "سننه" (2/ 264).
(10) أشار في (ق) إلى أن في نسخة: "أوجبه" وبعدها بياض يسع كلمة واحتمل فيها "القيمة".
(3/77)

له من المال ما يَبلغُ ثَمَنَ العبدِ قُوِّمَ عليه [قيمة عدل] ولا وَكْسَ ولا شَطَط (1) فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد" (2) قالوا: فأوجب (3) النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في إتلاف نصيب الشريك القيمة لا المثل، فقسنا على هذا كل حيوان، ثم عَدَّيناه إلى كل غير مثليّ، قالوا: ولأن القيمة أضبط وأحصر بخلاف المثل، قال الآخرون: أما الحديث الصحيح فعلى الرأس والعين وسمعًا [له] (4) وطاعة، ولكن فيما دل عليه، وإلا فيما (5) لم يدل عليه ولا أريد به فلا ينبغي أن يُحمل عليه، وهذا التضمين الذي يضمنه ليس [هو] (6) من باب تضمين المتلفات، بل هو من باب تملُّك مال الغير بقيمته؛ فإن نصيب الشريك يملكه المُعتق ثم يُعتق عليه، فلا بد من تقدير دخوله في ملكه ليعتق عليه، ولا خلاف بين القائلين بالسراية في ذلك، ولأن (7) الولاء له، وإن تنازعوا: هل يسري عقيب عتقه، أو لا يُعتق حتى يُؤدي القيمة، أو يكون موقوفًا فإذا أدى تبيَّن أنه عتق من حين العتق؟ وهي في مذهب الشافعي (8)، والمشهور في مذهبه ومذهب أحمد القول الأول (9)، وفي مذهب مالك (10) القول الثاني، [وعلى هذا الخلاف ينبني (11) ما لو أَعتق الشريكُ نَصيبَه
__________
(1) "الوكس: النقص، والشطط: الجور" (و).
(2) رواه البخاري (2522 و 2523 و 2524 و 2525) في (العتق): باب إذا أَعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين الشركاء، ومسلم (1501) في (العتق): أوله، و (3/ 1286) في (الأيمان) باب من أعتق شركًا له في عبد، من حديث ابن عمر.
ولفظ الحديث تمامًا كما ذكر المؤلف عند مسلم (3/ 1287) (50).
وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) في المطبوع: "أوجب".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (د): "فما" وفي (ق): "لا فيما".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (د) و (ك).
(7) في (د): "وأن".
(8) انظر: "الأم" (7/ 197)، "مختصر المزني" (319)، "روضة الطالبين" (12/ 112، 117) "مغني المحتاج" (4/ 495 - 496)، "مختصر الخلافيات" (5/ 187)، و"الإشراف" (رقم 1581، 1589).
(9) انظر: "المغني" (5/ 239)، "كشاف القناع" (4/ 512)، "الإنصاف" (7/ 409)، "منتهى الإرادات" (2/ 580)، "تنقيح التحقيق" (3/ 1435)، "قواعد ابن رجب" (3/ 331 - 332 - بتحقيقي).
(10) انظر: "الموطأ" (2/ 772)، "المدونة" (2/ 360)، "التفريع" (2/ 21)، "المعونة" (3/ 1433)، "الإشراف" (4/ 609 رقم 1860 - بتحقيقي)، "الذخيرة" (11/ 140)، "مواهب الجليل" (6/ 336)، "أسهل المدارك" (3/ 245).
(11) في (د): "يبتنى".
(3/78)

بعد عتق الأول؛ فعلى القول الأول لا يُعتق، وعلي القول الثاني] (1) يُعتق عليه ويكون الولاء بينهما، وينبني (2) على ذلك أيضًا إذا قال أحد الشريكين: "إذا عتق نصيبك فنصيبي حر" فعلى القول الأول لا يصح هذا التعليق ويعتق نصيبه من مال المعتق، وعلي القول الثاني يصح التعليق ويعتق على المعلق، والمقصود أن التضمين ههنا كتضمين الشفيع [الثمن] (3) إذا أخذ بالشفعة، فإنه ليس من باب ضمان الإتلاف، ولكن من باب التقويم للدخول في الملك، لكن الشفيع أَدخل الشارع الشقص (4) في ملكه بالثمن باختياره والشريك المعتقُ أدخل الشِّقْص في ملكه بالقيمة بغير اختياره، فكلاهما تمليك: هذا بالثمن، وهذا بالقيمة، فهذا شيء وضمان المتلف شيء، قالوا: وأيضًا فلو سلم أنه ضمان إتلاف لم يدخل على أن العبد الكامل إذا أتلف يضمن بالقيمة، والفرق بينهما أن الشريكين إذا كان بينهما مالًا ينقسم كالعبد والحيوان والجوهرة ونحو ذلك فحقُ كل واحدٍ منهما في نصف القيمة، فإذا (5) اتفقا على المُهايأة جاز، وإن تنازعا وتشاحا (6) بيعت [العينُ] (7) وقسم [بينهما] (8) ثمنها على قدر ملكيهما كما يقسم المثلي، فحقهما في المثلي في عينه، وفي المُتقوَّم عند التشاجر والتنازع في قيمته، فلولا أن حقه في القيمة لما أجيب إلى البيع إذا طلبه، وإذا ثبت ذلك [فإذا أَتلف له] (9) نصف عبد فلو ضمناه بمثله لفات حَقُّه من نصف القيمة الواجبة له شرعًا عند طلب البيع، والشريك إنما حقه في نصف القيمة، وهما لو [تقاسماه] (10) تقاسماه بالقيمة، فإذا أتلف أحدهما نصيب شريكه ضمنه بالقيمة، وعكسه المثلي لو تقاسماه تقاسماه بالمثل، فإذا أتلف أحدهما نصيب شريكه ضمنه بالمثل، فهذا هو القياس والميزان الصحيح طردًا وعكسًا الموافق للنصوص وآثار الصحابة، ومن خالفه فلا بد له من أحد أمرين: إما مخالفة السنة الصحيحة وآثار الصحابة إن طرد قياسه، وإما التناقض البيّن إن لم يطرده (11).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) في (د): "يبتنى".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) "السهم والنصيب والشرك" (و).
(5) في (ق): "فإن".
(6) في المطبوع: "وتشاجرا".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) بياض ووقع قبلها: "وإذا طلبه".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(11) انظر تأصيلًا وتفصيلًا لما ورد تحت هذا الباب في دراسة الأستاذ عليّ محيى الدين القره =
(3/79)

فصل [حكومة النَّبيَّين الكريمين داود وسليمان]
وعلي هذا الأصل تنبني الحكومة المذكورة في كتاب اللَّه [عز وجل] (1) التي حكم فيها النَّبيّان الكريمان داود وسليمان صلى اللَّه عليهما وسلم؛ إذ حكما في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، والحرث: هو البستان، وقد رُوي أنه كان بستان عنب، وهو المُسمَّى بالكرم، والنَّفش: رعيُ الغنم ليلًا، فحكم داود بقيمة المُتْلَف، فاعتبر الغنم فوجدها بقدر القيمة، فدفعها إلى أصحاب الحرث، إما لأنهم (2) لم يكن لهم دراهم أو تعذر بيعها [ورضوا بدفعها] (1) ورَضي أولئك بأخذها بدلًا عن القيمة، وأما سليمان فقضى بالضمان على أصحاب (3) الغَنَم أن يضمنوا ذلك بالمثل بأن يَعْمروا البُستان حتى يعود كما كان، ولم يُضيّع عليهم مغله من (4) الإتلاف إلى حين العود، بل أعطى [أصحاب البستان] (5) ماشية أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نَماءِ حَرْثهم، وقد اعتبر النماءين فوجدهما (6) سواء، وهذا هو العلم الذي خصَّه اللَّه به وأثنى عليه بإدراكه (7).
وقد تنازع علماء المسلمين في مثل هذه القضية (8) على أربعة أقوال:
أحدها: موافقة الحكم السُّليْمَاني في ضمان النَّفش وفي المثل (9)، وهو
__________
= داغي بعنوان "قاعدة المثلي والقيمي في الفقه الإسلامي"، وهي من منشورات دار الاعتصام، القاهرة، سنة 1413 ه، ووقع في (ق): "وإلا التناقض البين".
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) في (د): "لأنه".
(3) في (ق) و (ك): "صاحب" وفي (ق) بعدها: "أن يضمنوا".
(4) زاد هنا في (ك) و (ق): "حين".
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "صاحب الحرث" وفي (ق): "صاحبه".
(6) في (ق): "فوجدوهما".
(7) إذ يقِول سبحانه وتعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا}. ا. ه (ط).
قلت: والآيات من سورة الأنبياء، الآيتان: (78، 79).
(8) في (ق): "القصة".
(9) في (ق): "موافقة حكم سليمان وضمان النفش بالمثل" وفي (ك): "ضمان النفش في المثل".
(3/80)

الحقُّ (1)، وهو أحد القولين في مذهب أَحمد، ووجه للشافعية والمالكية، والمشهور عنهم (2) خلافه.
والقول الثاني: موافقته في ضمان النفش دون التضمين بالمثل، وهذا هو المشهور من مذهب مالك (3) والشافعي (4) وأحمد (5).
والثالث: موافقته في التضمين بالمثل دون النفش كما إذا رَعَاها صاحبُها باختياره دون ما إذا انفلتت (6) ولم يشعر بها، وهو قول داود ومن وافقه (7).
والقول الرابع: أن النفش لا يوجب الضمان بحال، وما وَجبَ من ضمان الراعي بغير النفش فإنه يضمن بالقيمة لا بالمثل، وهذا مذهب أبي حنيفة (8).
وما حَكمَ به نبيُّ اللَّه سليمان هو الأقرب إلى العدل والقياس، وقد حكم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن على أهل الحَوائطِ حِفْظَهَا بالنهار وأَن ما أفسدت المواشي بالليل ضمانه على أهلها (9)، فصح بحكمه ضمان النفش، وصح بالنصوص السابقة
__________
(1) انظر: "مفتاح دار السعادة" (ص: 62)، و"تهذيب السنن" (6/ 341).
(2) في (د): "عندهم" وفي (ق): "ووجه للشافعي".
(3) انظر: "التفريع" (2/ 282)، "المعونة" (3/ 1370)، "الإشراف" (3/ 242 رقم 1090 - بتحقيقي)، "تفسير القرطبي" (11/ 314)، "الفروق" (6/ 186)، "تبصرة الحكام" (2/ 355 - 356) "الخرشي" (8/ 112 - 113)، "مواهب الجليل" (6/ 323).
(4) انظر: "اختلاف الحديث" (7/ 402 - مع "الأم")، "روضة الطالبين" (10/ 195)، "مغني المحتاج" (4/ 204)، "حاشية الشرواني" (9/ 207 - 208)، "حاشية الشبراملسي" (8/ 35).
(5) انظر: "المحرر" (2/ 162)، "الإنصاف" (12/ 541)، "تنقيح التحقيق" (3/ 331).
(6) في (د): "تفلتت".
(7) انظر: "المحلى" (12/ 335).
(8) انظر: "مختصر الطحاوي" (251 - 252)، "اللباب" (3/ 164)، "تبيين الحقائق" (3/ 152)، "جامع الفصولين" (2/ 114)، "مختصر اختلاف العلماء" (5/ 211 رقم 2310) ووقع في (ق): "من ضمان الرعي".
(9) رواه عبد الرزاق (18437)، ومن طريقه أحمد (5/ 436)، وأبو داود (3569) في (الأقضية): باب المواشي تفسد زرع قوم، والدارقطني (3/ 154 - 155)، والبيهقي (8/ 342) عن معمر عن الزهري عن حرام بن مُحيّصة عن أبيه أن ناقةً للبراء بن عازب دخلت حائطًا.
قال الدارقطني والبيهقي: خالفه وهب وأبو مسعود الزجاج عن معمر فلم يقولا: عن أبيه.
وقال أبو داود -كما نقله عنه ابن عبد البر على ما ذكر ابن التركماني- لم يتابع أحد عبد الرزاق على قوله في هذا الحديث: عن أبيه، وقال ابن عبد البر: أنكروا عليه قوله فيه: عن أبيه، وقال ابن حزم: هو مرسل، رواه الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة عن أبيه.
أقول: لكن رواه النسائي في "الكبرى" (8/ 366 - تحفة الأشراف) من طريق محمد بن =
(3/81)

والقياس الصحيح وجوب الضمان بالمثل، وصح بنص الكتاب الثناء على سليمان بتفهيم هذا الحكم، فصح أَنه الصواب، وباللَّه التوفيق.

[ما يُفعل بالجاني على النفس]
ومن ذلك المماثلة في القصاص في الجنايات الثلاث على النفوس والأموال والأعراض؛ فهذه ثلاث مسائل:
[الأولى]: هل يُفعل بالجاني كما يُفعل بالمجني عليه (1)؟ فإن كان الفعل
__________
= كثير، والدارقطني (3/ 155) من طريق الشافعي عن أيوب بن سويد كلاهما عن الأوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه، وفي "سنن الدارقطني" عن أبيه إن شاء اللَّه عن البراء.
إلا أن رواه الشافعي في "مسنده" (2/ 107)، والدارقطني (3/ 155) من طريق أيوب بن سويد وليس فيه "عن أبيه".
ورواه الحاكم (2/ 47 - 48) من طريق محمد بن كثير، وليس فيه "عن أبيه"، أقول وسعد بن محيصة هذا قيل: له صحبة أو رؤية.
ورواه الشافعي (2/ 107)، وأحمد (4/ 295)، وأبو داود (3570)، والطحاوي في "معاني الآثار" (3/ 203)، والحاكم (2/ 47 - 48)، والدارقطني (3/ 155)، والبيهقي (8/ 341) من طرق عن الأوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة عن البراء بن عازب ووقع فيه اختلاف من هو صاحب الناقة. . .
قال الحاكم: صحيح الإسناد على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي، فإن معمرًا قال: عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه.
أقول: ومثل هذا الخلاف لا يضر إن شاء اللَّه إذا كان هنالك سماع لحرام بن محيصة من البراء.
ولم يتكلم المتقدمون في سماع حرام من البراء، إلا أن ابن حبان وابن حزم وعبد الحق قالوا: لم يسمع، وهؤلاء من المتأخرين، وفي قولهم نظر وما أدري ما دليلهم؟ فإن البراء مات سنة (72)، وحرام مات سنة (113)، وعمره (70) سنة فأدركه والسماع منه ممكن جدًا.
وأما مالك فقد روى الحديث عن الزهري مرسلًا.
رواه في الموطأ (2/ 747 - 748)، ومن طريقه الشافعي (2/ 107)، والطحاوي (2/ 203)، والدارقطني (3/ 156)، والبيهقي (8/ 341) عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء هكذا.
ورواه أيضًا الليث بن سعد عن الزهري مرسلًا: رواه ابن ماجه (2332).
قال ابن عبد البر: والحديث من مراسيل الثقات وتلقاه أهل الحجاز وطائفة من أهل العراق بالقبول، وجرى عليه عمل أهل المدينة.
(1) في (ق) و (ك): "هل يفعل المجني عليه كما فعل الجاني؟ " وسقط ما بين المعقوفتين من (ق).
(3/82)

محرمًا لِحقِّ اللَّه كاللواط وتجريعه الخمر لم يُفعل به كما فعل اتفاقًا؛ وإن كان غير ذلك كتحريقه بالنار وإلقائه في الماء ورض رأسه بالحجر ومنعه من الطَّعام والشَّراب حتى يموت فمالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه يَفعلون به كما فَعَل، ولا فَرْق بين الجرح (1) المزهق وغيره، وأبو حنيفة وأحمد في رواية عنه يقولان (2): لا يقتل إلا بالسيف في العنق خاصة، وأحمد في رواية ثالثة يقول: إن كان الجرح مزهقًا فُعل به كما فَعَل، وإلا قُتِل بالسيف، وفي الرواية الرابعة يقول: إن كان مُزهقًا أو موجبًا للقود بنفسه لو انفرد فُعل به كما فَعل، وإن كان غير ذلك قُتل بالسيف، والكتاب والميزان مع القول الأول، وبه جاءت السنّة (3)، فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رضَّ رأس اليهودي بين حجرين كما فعل بالجَارِية (4)، وليس هذا قتلًا لنقضه العهد [لأن ناقض العهد] (5) إنما يقتل (6) بالسيف في العنق، وفي أَثر مرفوع: "مَنْ حرّق حَرَّقناه، ومن غرَّق غرَّقناه" (7) وحديث: "لا قَوَدَ إلا بالسيف" (8)
__________
(1) في (د): "الجرج".
(2) في (ق): "يقولون".
(3) انظر: "زاد المعاد" (3/ 205)، و"تهذيب السنن" (6/ 338، 342)، و"مفتاح دار السعادة" (ص: 432)، وانظر: "أحكام الجناية" (ص: 189 - 202) للشيخ بكر أبو زيد -حفظه اللَّه-.
(4) رواه البخاري (2413) في "الخصومات": باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود، و (2746) في (الوصايا): باب إذا أومأ المريض برأسه إشارة بينة جازت، و (5295) في (الطلاق): باب الإشارة في الطلاق، و (6876) في (الديات): باب سؤال القاتل حتى يقر، و (6879) باب من أقاد بالحجر، و (6884) باب إذا أقر بالقتل مرة قُتل به، و (6885) باب قتل الرجل بالمرأة، ومسلم (1672) في (القسامة): باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر، من حديث أنس بن مالك.
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك): "و".
(6) زاد هنا في (ك) و (ق): "في ذلك".
(7) رواه البيهقي في "السنن" (8/ 43) من طريق بشر بن حازم عن عمران بن يزيد بن البراء عن أبيه عن جده مرفوعًا: "من عرض عرضنا له ومن حرق حرقناه. . . ".
قال الزيلعي (4/ 344): "قال صاحب "التنقيح" في هذا الإسناد من يُجهل حاله كبشر وغيره". أقول: فقد طُبع "تنقيح التحقيق" كاملًا وهو فيه (3/ 275) دون قوله: كبشر.
وقال الحافظ في "التلخيص" (4/ 19) نحوه ثم قال: وإنما قاله زياد في خطبته.
(8) ورد عن جماعة من الصحابة منهم:
أولًا: أبو بكرة: رواه ابن ماجه (2668) من طريق الحر بن مالك عن مبارك بن فضالة عن الحسن عنه به.
وقال البزار كما نقله عنه شيخنا الألباني في "إرواء الغليل" (7/ 285): ولا نعلم أحدًا =
(3/83)

قال الإمام أحمد: ليس إسناده بجيد، والثابت عن الصحابة أنه يُفعل به كما فَعَل، فقد اتفق على ذلك الكتاب والسنّة والقياس وآثار الصحابة، واسم القصاص يقتضيه لأنه يستلزمُ المُماثَلة.

[ضمان إتلاف المال]
المسألة الثانية: إتلاف المال؛ فإن كان ممَّا له حُرمة كالحيوان والعبيد (1)
__________
= قال: عن أبي بكرة إلا الحر بن مالك، وكان لا بأس به، وأحسبه أخطأ في هذا الحديث لأن الناس يروونه عن الحسن مرسلًا.
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (2/ 88): هذا إسناد ضعيف لضعف مبارك بن فضالة وتدليسه.
أقول: والحسن البصري مدلس أيضًا.
ومما يدل على اضطراب المبارك بن فضالة أنه رواه أيضًا عن الحسن عن نعمان بن بشير.
رواه من طريق الدارقطني (3/ 106)، والبيهقي (8/ 62 - 63) من طريق الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي ثنا موسى بن داود عنه به.
ورواه أيضًا الوليد بن محمد عنه عن الحسن عن أبي بكرة، رواه الدارقطني (3/ 105 - 106)، وابن عدي (7/ 2543)، والبيهقي (8/ 63)، وقال ابن عدي عن الوليد هذا: "أحاديثه غير محفوظة"، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي. . . فقال: "هذا حديث منكر".
ومما يدل على ضعف رواية فضالة: أنه رواه ابن أبي شيبة (6/ 396 - دار الفكر) من طريق أشعث بن عبد الملك، وعمرو عن الحسن مرفوعًا مرسلًا، وأشعث وعمرو أوثق من فضالة بدرجات.
ثانيًا: حديث أبي هريرة: رواه ابن عدي (3/ 1102)، ومن طريقه البيهقي (8/ 63)، وابن الجوزي في "العلل" (2/ 792)، والدارقطني (3/ 87)، والبيهقي (8/ 63)، وفيه سليمان بن أرقم وهو متروك.
ثالثًا: حديث ابن مسعود: رواه الطبراني في "الكبير"، وابن عدي (5/ 1978)، والبيهقي (8/ 62)، وفيه سليمان بن أرقم وعبد الكريم بن أبي المخارق، وهما ضعيفان جدًا.
رابعًا: حديث علي بن أبي طالب: رواه الدارقطني (3/ 87 - 88)، وقال: معلى بن هلال متروك.
والحديث طرقه كلها ضعيفة، كما قال عبد الحق في "بيان الوهم والإيهام" (5/ 181 - 185 رقم 2411)، ونقله عنه ابن حجر كما في "التلخيص الحبير" (4/ 19)، وأقره، وقال البيهقي: لم يثبت له إسناد.
(1) في (ق): "كالعبيد والحيوان".
(3/84)

فليس له أن يُتلف ماله كما أَتلف مَالَه، وإن لم تكن له حُرمة كالثوب يشقُّه والإناء يكسره فالمشهور أنه ليس له أَن يُتلف عليه نظير ما أتلفه، بل له القيمة في (1) المثل كما تقدم، والقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه كما فعله الجاني [به] (2)؛ فيشق ثوبه كما شق ثوبه، ويكسر عصاه كما كسر عصاه إذا كانا متساويين، وهذا من العدل، وليس مع من منعه نص ولا قياس ولا إجماع! فإن هذا ليس بحرام لِحقِّ اللَّه، وليست حرمة المال أعظم من حرمة النفوس والأطراف، وإذا مَكَّنه الشارع أن يُتلف طَرَفَه بِطرفه فتمكينه من إتلاف ماله في مقابلة ماله (3) هو أولى وأحرى، وإن حكمةَ القصاص من التَّشَفِّي ودرك الغَيْظ (4) لا تحصل إلا بذلك، ولأنه قد يكون له غرض في أذاه وإتلافِ ثيابه ويعطيه قيمتها، ولا يشق ذلك عليه لكثرة ماله، فيَشفي نفسَه منه (5) بذلك، وَيبقى المجني عليه بُغبنهِ وغيظِه، [فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه ودَرْك ثأره] (6) وبَرْد قلبه وإذاقة الجاني من الأذى ما ذاق هو (7)؟ فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسها [معًا] (2) يأبى ذل وقوله: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، [وقوله] (2): {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] يقتضي جواز ذلك، وقد صَرَّح الفُقهاء بجواز إحراق زروع (8) الكفار وقطع أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا، وهذا عين المسألة، وقد أقرّ اللَّه [سبحانه] (2) الصحابة على قطع نخل اليهود لما فيه من خِزْيِهِم (9)، وهذا يدل على أنه (10) سبحانه يُحبُّ خزي الجاني الظالم ويشرعُه، وإذا جَازَ تحريق متاع الغَالّ (11) لكونه تعديَّ على المسلمين في خيانتهم في شيء
__________
(1) في المطبوع: "القيمة أو المثل".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق): "في مقابلة ما أتلفه هو" وفي (ك): "في مقابلة أنه هو".
(4) في (ق) و (ك): "الغيض".
(5) في (ق): "فيشتفي منه".
(6) بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "فكيف يعطي عطاؤه القيمة من شفى غيظه وأدرك ثأره" وفي (ق) قبلها: "فيشتفي بذلك ويبقى المجني عليه بقيته وغيظه".
(7) في (ق): "وبرد قلبه وأذاق الجاني من الأذى من ذاق هو؟ فحكم هذه الشريعة".
(8) في (ق): "زرع".
(9) انظر: سورة الحشر، آية (5).
(10) في (ق): "أن اللَّه".
(11) أخرج أبو داود في "سننه" (رقم 2714) عن صالح بن محمد قال: غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبد اللَّه بن عمر وعمر بن عبد العزيز، فغل رجل متاعًا، فأمر الوليد بمتاعه، فأُحرق وطيف به، ولم يعطه سهمه. =
(3/85)

من الغنيمة فلأن يُحرق مالُه إذا حَرقَ مالَ المسلم المعصوم أولى وأحرى، وإذا شُرعت العقوبة المالية (1) في حَقِّ اللَّه الذي مسامحته به أكثر من استيفائه فلأن تُشرع في حق العبد الشحيح أولى وأحرى، ولأن اللَّه سبحانه شرع القصاص زجرًا للنفوس عن العدوان، وكان من الممكن أن يوجبَ الدية استدراكًا لظلامة المجني عليه بالمال، ولكن ما شرعه أَكمل وأَصلح للعباد، وأشفى لغيظ المجني عليه (2)، وأحفظ للنفوس والأطراف، وإلا فمن كان في نفسه من الآخر مِنْ قَتْله وقَطْع (3) طرفه قَتَله وقَطَع (3) طَرَفَه وأعطى ديته، والحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك، وهذا بعينه موجود في العدوان على المال.
فإن قيل: فهذا ينجبرُ (4) بأن يعطيه نظيرَ ما أتلفه عليه.
قيل: إذا رضي المجني عليه بذلك فهو كما لو رضي بدية طرفه، [فهذا هو محض القياس] (5)، وبه قال الأحمدان: أحمد بن حنبل وأحمد ابن تيمية (6)، قال في رواية موسى بن سعيد: وصاحب الشيء مُخيَّر (7)، إن شاء شَقَّ الثوبَ، وإن شاء [أخذ] (8) مثله.

[كيف يُجزى الجاني على العرض؟]
المسألة الثالثة: الجناية على العِرْض، فإن كان حرامًا في نفسه كالكذب عليه وقَذفهِ وسَبِّ والديه فليس له أن يَفعل به كما فُعل به اتفاقًا، وإن سَبَّه في نفسه أو
__________
= وروى أيضًا (رقم 2715) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه، قال أبو داود وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد -ولم أسمعه منه-:
"ومنعوه سهمه"، وصالح بن محمد بن زائدة أبو واقد الليثي، وهو ليس ممن يحتج به، ورواه مرفوعًا، وهذا الذي ذكره عن الوليد -وهو ابن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم- أصح من المرفوع، كما قال أبو داود، وانظر: "عون المعبود" (7/ 383)، "تفسير القرطبي" (4/ 259). وهذا أحد الروايتين عن أحمد، انظر: "تقرير القواعد" (2/ 404 - بتحقيقي) لابن رجب.
(1) كما هو مبسوط في "الطرق الحكمية". وانظر: "العقوبة بالغرامة المالية" للدكتور ماجد أبو رخية، منشورات مكتبة الأقصى، عمان.
(2) في (ق) و (ك): "وأشفى للغيظ عليه".
(3) في المطبوع: "أو قطع".
(4) في (ق): "تخيير".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" (18/ 167 - 169).
(7) في (د): "يخير" وفي (ك): "مختار".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3/86)

سَخِرَ به أو هزأ به أو بال عليه أو بصق عليه أو دعا عليه فله أن يفعل به نظير ما فعل به متحريًا للعدل، وكذلك إذا كسعه أو صفعه فله أن يستوفيَ منه نظير ما فعل به سواء، وهذا أَقرب إلى الكتاب والميزان وآثار الصحابة من التعزير المخالف للجناية جنسًا ونوعًا (1) وقدرًا وصفة، وقد دلّت السنّة الصحيحة الصريحة على ذلك، فلا عبرة بخلاف من خالفها؛ ففي "صحيح البخاري": "أن نساء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أَرسلنَ زَيْنب بنت جحش إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تكلمه في شأن عائشة، فأتته فأغلظت، وقالت: إن نساءَك يَنْشُدنك العَدْلَ في بنت (2) ابن أبي قُحافة، فرَفَعت صوتَها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة، فسبَّتها، حتى إنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لينظر إلى عائشة هل تتكلم، فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، قالت: فنظر النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى عائشة وقال: إنها بنتُ أبي بكر" (3)، وفي "الصحيحين" [في] (4) هذه القصة، قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- زينب بنت جحش زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-وهي التي كانت تُساميني في المنزلة عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرت الحديث، وقالت: ثم وقعت فيَّ، فاستطالت عليَّ، وأنا أرقبُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأرقبُ طَرفَه: هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يكره أن أَنتصر، فلما وقعت بها لم أَنْشَبها حتى أنحيت عليها (5)، قالت: فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وتبسَّم: "إنها ابنةُ أبي بكر"، وفي لفظ [فيهما]: "فلم أنشبها أن أثخنتها غلبة" (6) وقد حكى اللَّه سبحانه عن يوسف الصديق إنه قال لإخوته: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا [وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ] (7)} [يوسف: 77] لما قالوا: {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} (8) [يوسف: 77]
__________
(1) في (ق): "نوعًا وجنسًا".
(2) في (ق): "ابنة".
(3) أخرجه البخاري (2581) في (الهبة): باب من أهدى إلى صاحبه وتَحرَّى بعض نسائه دون بعض، ومسلم (2442) في (فضائل الصحابة): باب في فضل عائشة، من حديث عائشة، ووقع في (ق): "ابنة".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (د).
(5) "تريد كلام عائشة -رضي اللَّه عنها- أنها لما خاصمتها؛ لم تزل بها حتى غلبتها" (ط)، وفي (ك) و (ق): "أثخنت".
(6) انظر الحديث السابق، ووقع في (ق): "أثخنتها عليه"، وما بين المعقوفتين قبلها سقط من (ق).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) أول الآية: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ}، وختامها {أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77] " (و).
(3/87)

للمصلحة (1) التي اقتضت كتمان الحال، ومن تأمل الأحاديث رأى ذلك فيها كثيرًا جدًا، وباللَّه التوفيق.

فصل [قوة أدلة الفريقين تحتاج إلى نظر دقيق]
قالوا: وهذا غَيْضٌ من فيضٍ، وقطرة من بحر، من تناقض القياسيين (2) الآرائيين وقولهم بالقياس وتركهم لما هو نظيره من كل وجه أو أولى منه (3) وخروجهم في القياس عن موجب القياس، كما أوجب لهم مخالفة السنن والآثار كما تقدم الإشارة إلى بعض ذلك، فليوجدنا القياسيون (4) حديثًا واحدًا صحيحًا [صريحًا] (5) غير منسوخ قد خالفناه لرأي أو قياس أو تقليد رجل، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلًا، فإن كان مخالفةُ القياس ذنبًا (6) فقد أريناهم مخالفته صريحًا، ثم نحن أسعدُ الناس بمخالفته منهم؛ لأنا إنما خالفناه للنصوص؛ وإن كان حقًا فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
فانظر إلى هذين البَحْرين اللذين قد تلاطمت أمواجهما، والحزبين اللذين قد ارتفع في مُعتركِ الحَرْب عَجَاجُهما، فجرَّ كلُّ منهما جيشًا من الحجج لا تقوم له الجبال، وتتضاءل له شجاعةُ الأبطال، وأدلى كل منهما (7) من الكتاب والسنة والآثار بما خضعت له الرقاب، وذَلَّت له الصِّعاب، وانقاد له علم كل عالم، ونفَّذَ (8) حكمه كلُّ حاكم، وكان نهاية قدم الفاضل النحرير الراسخ في العلم أن يفهم عنهما ما قالاه، ويحيط علمًا بما أضَّلاه وفضَّلاه؛ فليعرف الناظر في هذا المقام قدره، ولا يتعدى طوره، وليعلم أن وراء سويقتيه (9) بحارًا طامية، وفوق مرتبته في العلم مراتب فوق السُّهى (10) عالية، فمن وثق من نفسه بأنه (11) من
__________
(1) في (د) و (ك): "ذلك للمصلحة".
(2) في (ق): "القياسين".
(3) في (ق): "وأولى منه" وفي (ك): "وأولى".
(4) في (ق): "القياسون".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) في المطبوع و (ك): "دينًا"، وفي (ق): "فإذا كان".
(7) في المطبوع: "وأتى كل واحد منهما".
(8) في (ن): "وفقده".
(9) في (د) و (ك): "سويقته"، وفي (ق): "سويقيته بحار طامية".
(10) في (ك): "السماء" وفي (ق): "الشمس"، وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة ما أثبتناه.
(11) في (د): "فإن وثق من نفسه أنه"، وفي (ك): "فإن من وثق من نفسه بأنه".
(3/88)

فرسان هذا الميدان، وجملة هؤلاء الأقران، فليجلس مجلس الحكم بين الفريقين، ويحكم بما يرضي اللَّه ورسوله بين هذين الحزبين، فإن الدين كله للَّه، وإن الحكم إلا للَّه، ولا ينفع في هذا المقام: قاعدة المذهب كيت وكيت، وقطع به جمهورٌ [من] (1) الأصحاب، وتحصَّل لنا في المسألة كذا وكذا وجهًا، [و] (1) صحح هذا القول خمسة عشر، وصحح الآخر سبعة، وإن على نسبُ علمه قال: "نصَّ عليه" (2) فانقطع النزاع، ولزم ذلك النص في قرن الإجماع (3)، واللَّه المستعان وعليه التكلان.

فصل [القول الوسط بين الفريقين]
قال المتوسطون بين الفريقين: قد ثَبتَ أن اللَّه سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان، [فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه فالميزان] (4) الصحيح لا يتناقض في نفسه ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض (5) دلالة النصوص الصحيحة، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصحيح (6) والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة يصدق بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض؛ فلا يناقض القياس الصحيح النص الصحيح أبدًا، ونصوص الشارع نوعان: أخبار، وأوامر، فكما أن أخباره لا تخالف العقل (7) الصحيح، بل هي نوعان: نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملة أو جملة وتفصيلًا، ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه من حيث الجملة، فهكذا أوامره سبحانه نوعان: نوع يشهد به القياس والميزان، ونوع لا يستقل بالشهادة به ولكن لا يخالفه، كما (8) أن القسم الثالث
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "نصًا".
(3) "أي: لصق به، وجمع حتى صار نظيره" (ط).
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك): "والميزان".
(5) في (ن): "فلا تناقض"، وفي (ك) و (ق): "فلا تناقض أدلة".
(6) في المطبوع و (ن): "النص الصريح".
(7) في (ق) و (ن) و (ك): "القول"!، وقال في هامش (ق): "لعله: العقل" وزاد بعد الصحيح في (ك) و (ق): "أبدًا".
(8) في (د): "وكما".
(3/89)

في الأخبار محال وهو ورودها بما يرده العقلُ الصحيحُ (1) فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح.

[إحاطة الأوامر الشرعية بأفعال المكلفين]
وهذه الجملة إنما تنفصل بعد تمهيد قاعدتين عظيمتين: إحداهما (2) أن الذِّكر الأمري محيطٌ بجميع أفعال المكلفين أمرًا ونهيًا وإذنًا وعفوًا، كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علمًا وكتابةً وقدرًا، فعلمه وكتابه وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده وأمره ونهيه وإباحته وعفوه [الواقعة تحت التكليف وغيرها] (3)، قد أحاط بجميع أفعالهم التكليفية، فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد الحكمين: إما الكوني، وإما الشرعي الأمري (4)، فقد بَيِّن اللَّه سبحانه على لسان رسوله بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمره (5) به وجميع ما نهى عنه وجميع ما أحلَّه وجميع ما حرمه وجميع ما عفا عنه، وبهذا يكون دينه كاملًا كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي] (6)} [المائدة: 3] ولكن قد يقصُر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص وعن وجه الدلالة وموقعها (7)، وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن اللَّه ورسوله، لا يحصيه إلا اللَّه، ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خص اللَّه سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى (8) عليه وعلي داود بالعلم والحُكْم (9)، وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه "الفَهْمَ الفَهْمَ فيما أُدلي إليك" (10)، وقال علي: "إلا فهمًا يؤتيه اللَّه عبدًا في كتابه" (11)، وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (12) ودعا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لعبد اللَّه بن عباس أن
__________
(1) في (ن)، و (ق) و (ك): "العقل الصريح"، وفي (ق): "فكذا" بدل "فكذلك".
(2) في (ق): "إحديهما".
(3) ما بين المعقوفتين مذكور في المطبوع قبل قوله: "وأمره" والعبارة قبلها في (ق): "وعفوه وأمره ونهيه وإباحته".
(4) انظر: "مفتاح دار السعادة" (ص: 324 - 334)، و"مدارج السالكين" (2/ 458 - 459)، و"الصواعق المرسلة" (1/ 5، 88، 90)، و"اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص: 3).
(5) في (ق): "أمر".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ق) و (ك): "وتنويعها".
(8) في (ق): "اثنى اللَّه سبحانه".
(9) في (ك): "الحكيمة".
(10) سبق تخريجه.
(11) سبق تخريجه.
(12) سبق تخريجه.
(3/90)

يُفَقِّهه (1) في الدين ويعلمه التأويل (2)، والفرق بين الفقه والتأويل أن الفقه هو فهمُ المعنى المراد (3)، والتأويل إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى التي هي آخيَّتُه وأصله، وليس كل من فقه في الدين عرف التأويل، فمعرفة التأويل يختص به الراسخون في العلم، وليس المراد به تأويل التحريف وتبديل المعنى؛ فإن الراسخين في العلم يعلمون بُطلانَه، واللَّه يعلم بطلانه.

فصل [اختلفوا هل تحيط النصوص بحكم جميع الحوادث.
رأي الفرقة الأولى]
والناس انقسموا في هذا الموضع إلى ثلاث فرق: فرقة قالت: [إن] (4) النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث، وغلا بعض هؤلاء حتى قال: ولا بعُشر معشارها (5)، قالوا: فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص، ولعمرُ اللَّه إن هذا مقدار [النصوص في] (6) فهمه وعلمه ومعرفته لا مقدارها في نفس الأمر، واحتج هذا القائل بأن النصوص متناهية، وحوادث العباد غير متناهية، وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ممتنع، وهذا احتجاج فاسد [جدًا] (4) من وجوه:
أحدها: أن مالا تتناهى أفراده لا يمتنع أن يُجعل أنواعًا، فيُحكم لكل نوع منها بحكم واحد فتدخل الأفراد التي لا تتناهى تحت ذلك النوع.
الثاني: أن أنواع الأفعال بل والأعراض كلها متناهية.
الثالث: أنه لو قُدِّر عدم تناهيها فإن أفعال (7) العباد الموجودة إلى يوم القيامة متناهية، وهذا كما تُجعل الأقارب نوعين: نوعًا مباحًا، وهو بنات العَمِّ والعمة وبنات الخال والخالة، وما سوى ذلك حرام، وكذلك تجعل ما ينقض الوضوء محصورًا، وما سوى ذلك لا ينقضه، وكذلك ما يفسد الصوم، وما يوجب الغسل وما يوجب العدة، وما يُمنع منه المحرمُ، وأمثال ذلك، وإذا كان أرباب المذاهب
__________
(1) في (ق): "يفهمه" وفي الهامش: "صوابه يفقهه".
(2) سبق تخريجه.
(3) في (ق) و (ك): "هو معنى المراد".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) انظر: "الإحكام" لابن حزم، "مجموع فتاوى ابن تيمية" (19/ 280).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(7) في (ق): "تناهيها فأفعال العباد".
(3/91)

يضبطون مذاهبهم ويحصرونها بجوامع تحيط بما يَحلُّ ويَحرمُ عندهم مع قصور بيانهم فاللَّه ورسوله المبعوث بجوامع الكلم أقدر على ذلك، فإنه -صلى اللَّه عليه وسلم- يأتي بالكلمة الجامعة وهي قاعدة عامة وقضية كليَّة تجمع أنواعًا وأفرادًا وتدل دلالتين دلالة طرد ودلالة عكس.
وهذا كما سئل -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه عن أنواع من الأشربة كالبتْع والمِزْر (1)، وكان قد أوتي بجوامع الكلم فقال: "كل مسكر حرام" (2)، و"كُلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ" (3)، و"كُل قرضٍ جر نفعًا فهو ربا" (4)، و"كُلُّ شرطٍ ليس في كتاب اللَّه فهو
__________
(1) "البتع": بكسر فسكون: أي: كعنب نبيذ العسل المشتد أو سلالة العنب، والمزر: نبيذ الذرة والشعير" (و).
(2) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب المغازي): باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع (8/ 4343/62 و 4344 و 4345)، من حديث أبي موسى.
وفي "صحيح البخاري" (كتاب الأشربة): باب الخمر من العسل (10/ 41/ 5585)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الأشربة: باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام (3/ 1585/ 2001) عن عائشة قالت: سئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن البِتْع؟ فقال: "كل شراب أسكر؛ فهو حرام".
وأخرجه مسلم برقم (2002) عن جابر مرفوعًا بلفظ: "كل مسكر حرام"، وبرقم (2003) عن ابن عمر مرفوعًا: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام".
(3) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الصلح): باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (5/ 301/ رقم 2697)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الأقضية): باب نقض الأحكام الباطلة، وردّ محدثات الأمور (3/ 1343/ رقم 1718) بلفظ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد"، وورد بلفظ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، علقه البخاري في "صحيحه" (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة): باب إذا اجتهد العامل (13/ 317)، ووصله مسلم في "صحيحه" (كتاب الأقضية): باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (3/ 1343 - 1344).
وانظر: "فتح الباري" (5/ 302)، و"تغليق التعليق" (3/ 396 و 5/ 326).
(4) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (رقم 437 - زوائده)، وأبو الجهم الباهلي في "جزئه" (ق 63/ أ/ ب أو رقم 92 - ط الرشد) والبغوي في "حديث العلاء بن مسلم" (ق 280) -كما في "الإرواء" (5/ 235) - من طريق سوار بن مصعب عن عمارة الهمداني عن علي.
قال ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق": "هذا إسناد ساقط وسوار متروك الحديث"، وكذا قال السخاوي، وابن حجر في "التلخيص" (3/ 34)، وتبعه الشوكاني في "النيل" (5/ 232)، وقال البوصيري في "إتحاف المهرة" (3/ 34/ ب): "وهذا إسناد ضعيف، لضعف سوّار بن مصعب الهمذاني، وله شاهد وهو موقوف على نضلة بن عبيد، ولفظه: =
(3/92)

باطلٌ" (1)، و"كل المسلم على المسلم حرام دمُه وماله وعرضه" (2)، و"كل أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين" (3)، و"كل مُحدثةٍ بدعة وكل بدعة ضلالة" (4)،
__________
= "كل قرض جرّ منفعة فهو وجه من وجوه الربا" رواه الحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "سننه"، واللفظ له" انتهى.
وفي معناه ما رواه ابن ماجه (2432)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (5/ 350) من طريق إسماعيل بن عياش حدثني عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي قال: سألت أنس بن مالك: الرجل منا يُقرض أخاه فيُهدي له؟ فرفع معنى الحديث إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (2/ 48): هذا إسناد فيه مقال، عتبة بن حميد ضعفه أحمد، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ويحيى بن أبي إسحاق الهنائي لا يُعرف حاله.
ووقع في مطبوع "السنن الكبرى": "يزيد بن أبي يحيى" بدل يحيى بن أبي إسحاق، وهو وهم.
(1) رواه البخاري في مواطن منها: (2155) في البيوع: باب الشراء والبيع مع النساء، و (2561) في المكاتب: باب ما يجوز من شروط المكاتب، و (2717) في الشروط: باب الشروط في البيوع، ومسلم (1504) في العتق: باب إنما الولاء لمن أعتق، من حديث عائشة.
(2) رواه مسلم (2564) في (البر والصلة): باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، من حديث أبي هريرة.
(3) رواه الدارقطني في "سننه" (4/ 235 - 236)، ومن طريقه البيهقي في "سننه" (10/ 319) من طريق عبد الرحمن بن يحيى عن حبان بن أبي جبلة مرفوعًا.
وقال البيهقي: "هذا مرسل، حبان بن أبي جبلة القرشي من التابعين".
وعبد الرحمن بن يحيى الصدفي أخو معاوية بن يحيى لَيّنه أحمد.
وقال المناوي في "فيض القدير" (5/ 9): "أشار المصنف لصحته، وهو ذهول أو قصور، فقد استدرك عليه الذهبي في "المهذب"، فقال: قلت: لم يصح مع انقطاعه" أ. ه.
وله طريق آخر عند البيهقي في "سننه" (6/ 178) من طريق سعيد بن أبي أيوب عن بشير بن أبي سعيد عن عمر بن المنكدر مرفوعًا بلفظ: "كل ذي مال أحق بماله".
ولم أجد في الرواة من اسمه عمر بن المنكدر فلعله محمد بن المنكدر كما استظهره شيخنا الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم 359)، وبشير هذا استظهر كذلك أنه ابن سعيد المترجم في "الجرح والتعديل" ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه شيئًا، وهو مرسل أيضًا.
(4) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الجمعة): باب تخفيف الصلاة والخطبة (867)، عن جابر -رضي اللَّه عنه-.
(3/93)

و"كُلُّ معروفٍ صدقة" (1) وسَمَّى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- هذه الآية جامعة فاذة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} (2) [الزلزلة: 7، 8] ومن هذا قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)} [المائدة: 90] فدخل في الخمر كل مسكرٍ، جامدًا كان أو مائعًا، من العنب أو من غيره، ودخل في الميسر كل أكل مالٍ بالباطل، وكل عمل محرم يُوقع في العداوة والبغضاء ويصدُ عن ذكر اللَّه وعن الصلاة، ودخل في قوله (3): {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] كل يمين منعقدة، ودخل في قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4] كل طَيّبٍ من المطاعم والمشارب والملابس والفروج، ودخل في قوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] ما لا تُحصى أفراده من الجنايات وعقوباتها حتى اللَّطمة والضَّربة والكَسْعة كما فهم الصحابة، ودخل في قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)} [الأعراف: 33] تحريم كل فاحشة ظاهرة وباطنة، وكل ظلم وعدوان في مال أو نفس أو عرض، وكل شرك باللَّه وإن دَقَّ في قول أو عمل أو إرادة بأن يُجعل للَّه عدلًا بغيره (4) في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد، [وكل قول على اللَّه لم] (5) يأتِ به نصٌّ عنه
__________
(1) ورد من حديث حذيفة: رواه أحمد (5/ 383 و 397 و 398 و 405)، ومسلم (1005) في (الزكاة): باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، وأبو داود (4947) في (الأدب): باب المعونة للمسلم.
ومن حديث جابر، رواه أحمد (3/ 344 و 360)، والبخاري (6021) في (الأدب): باب كل معروف صدقة، والترمذي (1970) في (البر والصلة): باب ما جاء في طلاقة الوجه وحسن البشر.
(2) وهي لما سُئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الحُمُر فقال: "ما أنزل عَلي فيها شيءٌ إلا هذه الآية الجامعة الفاذة".
رواه مالك في "الموطأ" (2/ 444)، ومن طريقه البخاري (2371) في (الشرب والمساقاة): باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار، و (2860) في الجهاد: باب الخيل ثلاثة، و (3646) في المناقب، و (4962 و 4963) في (التفسير)، و (7356) في (الاعتصام) باب الأحكام التي تعرف بالدلائل، ورواه مسلم (987) في (الزكاة): باب إثم مانع الزكاة، من حديث أبي هريرة.
(3) في (ق): "قوله تعالى".
(4) في (ق) و (ك): "يجعل عدلًا لغيره".
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "وكل قائل على اللَّه ما لم".
(3/94)

ولا عن رسوله في تحريم أو تحليل أو إيجاب أو إسقاط أو خبر عنه باسم أو صفة نفيًا أو إثباتًا، أو خبرًا عن فعله؛ فالقول عليه بلا علم حرام في أفعاله وصفاته ودينه، ودخل في قوله {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45]، وجوبه في كل جرح يمكن القصاص منه، وليس هذا تخصيصًا، بل هذا (1) مفهومٌ من قوله: {قِصَاصٌ} [المائدة: 45] وهو المماثلة، ودخل في قوله: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] وجوب نفقة الطفل وكسوته ونفقة مرضعته على كل وارث قريبٍ أو بعيدٍ، ودخل في قوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] جميع الحقوق التي للمرأة وعليها، وأن مرد ذلك إلى ما يتعارفه الناس بينهم ويجعلونه معروفًا لا منكرًا، والقرآن والسنة كفيلان بهذا أتم كفالةٍ.

فصل الفرقة الثَّانية
قابلت هذه الفرقة، وقالت: القياس كُلُّه باطلٌ، محَرَّم في الدين، ليس منه، وأنكروا القياس الجلي الظَّاهر حتى فرقوا بين المتماثلين، وزعموا أن الشارع لم يشرع شيئًا لحكمة أصلًا، ونفوا تعليل خلقه وأمره، وجَوَّزوا -بل جزموا- بأنه يُفرّق بين المتماثلين، ويقرن بين المختلفين في القضاء [والشرع، وجعلوا كل مقدور فهو عدل، والظلم عندهم هو] (2) الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين.
هذا (3) وإن كان قاله طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في إثبات القدر، [وخالفوا القدرية والنفاة؛ فقد أصابوا في إثبات القدر وتعليق] (4) المشيئة الإلهية بأفعال العباد الاختيارية كما تتعلق بذواتهم وصفاتهم، وأصابوا في إثبات (5) تناقض القدرية النفاة، ولكن (6) ردّوا من الحق المعلوم بالعقل والفطرة والشرع ما سَلَّطوا عليهم به خصومهم، وصاروا ممن رد بدعة ببدعة، وقابل الفاسد بالفاسد، ومكَّنوا خصومهم بما نفوه من الحق من الرد عليهم، وبيان تناقضهم، ومخالفتهم الشرع والعقل.
__________
(1) في (ق): "هو".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك)، ووقع في (ق): "هو الممتنع الممتنع لذاته".
(3) في (ك) و (ق): "وهذا".
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك): "وتعلق".
(5) في (ك) و (ق): "بيان".
(6) في (ق): "لكن".
(3/95)

فصل الفرقة الثالثة (1)
قوم نفوا الحكمة والتعليل والأسباب، وأقروا بالقياس كأبي الحسن الأشعري وأتباعه ومن قال بقوله من الفقهاء أتباع الأئمة، وقالوا: إن علل الشرع إنما هي مجرد أمارات وعلامات محضة كما قالوه في ترك الأسباب. وقالوا: إن الدعاء علامة محضة على حصول المطلوب، لا أنه سَببٌ فيه، والأعمال الصالحة والقبيحة علاماتٌ محضة ليست سببًا في حصول الخير والشر، وكذلك جميع ما وجدوه من الخلق والأمر مقترنًا بعضه ببعض قالوا: أحدهما دليل على الآخر، مقارنٌ له اقترانًا عاديًا، وليس بينهما ارتباط سببية ولا علة ولا حكمة، ولا له فيه تأثير بوجه من الوجوه.
وليس عند أكثر الناس غير أقوال هؤلاء الفرق الثلاثة (2)، وطالب الحق إذا رأى ما في هذه الأقوال من الفساد والتناقض والاضطراب ومناقضة بعضها لبعض [ومعارضة بعضها لبعض] (3) بقي في الحيرة، فتارة يتحيز إلى فرقة منها له ما لها وعليه ما عليها، وتارةً يتردد بين هذه الفرق تميميًا (4) مرَّة وقيسيًا أخرى، وتارة يَلقى الحرب بينهما ويقف في النظارة (5)، وسبب ذلك خفاء الطريقة المثلى والمذهب الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الأديان، وعليه سلف الأمة وأئمتها والفقهاء المعتبرون من إثبات الحِكَم والأسباب والغايات المحمودة في خلقه سبحانه وأمره، وإثبات لام التعليل وباء السببية في القضاء والشرع كما دلت عليه النصوص مع صريح العقل والفطرة واتفق عليه الكتاب والميزان.
ومن تأمل كلام سلف الأمة وأئمة أهل السنة رآه يُنكر قول الطائفتين المنحرفتين عن الوسط؛ فينكر قول المعتزلة المكذبين بالقدر، وقول الجهمية المنكرين للحِكَم والأسباب والرحمة، فلا يرضون لأنفسهم بقول القدرية المجوسية، ولا بقول القدرية الجبرية نفاة الحكمة والرحمة والتعليل، وعامة البدع المحدثة (6) في أصول الدين من قول هاتين الطائفتين الجهمية والقدرية، والجهمية
__________
(1) في (ق): "والفرقة الثالثة".
(2) في (ق): "الثلاث".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(4) في (ك) و (ق): "يمنيًا"، وقال في هامش (ق): "لعله تيميًا".
(5) في (ق) و (ك): "ويقف للنضارة".
(6) في (ق) و (ك): "الحادثة".
(3/96)

رؤوس الجبرية وأئمتهم أنكروا حكمة اللَّه ورحمته وإن أقروا بلفظ مجرد فارغ عن حقيقة الحكمة والرحمة، والقدرية النفاة أنكروا كمال قدرته ومشيئته؛ فأولئك أثبتوا نوعًا من [الملك بلا حمد، وهؤلاء أثبتوا نوعًا من] (1) الحمد بلا ملك؛ فأنكر أولئك عُمومَ حَمْدِه، وأنكر هؤلاء عموم مُلكه، وأثبت له الرسل وأتباعهم عموم الملك وعموم الحمد كما أثبته لنفسه؛ فله كمال الملك وكمال الحمد؛ فلا يخرج عينٌ ولا فعلٌ عن قدرته ومشيئته وملكه، وله في كل ذلك حكمة وغاية مطلوبة يستحق عليها الحمد، وهو في عموم قدرته ومشيئته وملكه على صراطٍ مستقيم، وهو حمده الذي يتصرف في ملكه به لأجله (2).
والمقصود أنهم كما انقسموا ثلاث (3) فرق في هذا الأصل انقسموا في فرعه -وهو القياس- إلى ثلاث فرق: فرقة أنكرته بالكلية، وفرقة قالت به وأنكرت الحِكَم والتعليل والأسباب (4)؛ والفرقتان أخلت النصوص عن تناولها لجميع أحكام المكلفين (5) وأنها أحالت على القياس، ثم قالت غلاتهم: أحالت عليه أكثر الأحكام، وقال متوسطوهم: بل أحالت عليه كثيرًا من الأحكام لا سبيل إلى إثباتها (6) إلا به.

[النصوص محيطة بأحكام جميع الحوادث]
والصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث، وهو أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلنا اللَّه ولا رسوله (7) على رأي ولا قياس، بل قد بين الأحكام كلها، والنصوص كافية وافية بها، والقياس الصحيح حق مطابق (8) للنصوص، فهما دليلان: الكتاب والميزان، وقد تخفى دلالةُ النص أو لا تبلغ العالم فيعدل إلى القياس، ثم قد يظهر موافقًا للنص فيكون قياسًا صحيحًا، وقد يظهر مخالفًا له فيكون فاسدًا؛ وفي نفس الأمر (9) لا بد من موافقته أو مخالفته، ولكن عند المجتهد قد تخفى موافقته أو مخالفته.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك)، والعبارة في (ق): "أنواعًا من الجهل بلا ملك".
(2) في المطبوع: "ولأجله".
(3) في (د): "إلى ثلاث".
(4) في المطبوع و (ق) و (ك): "والمناسبات"!
(5) في (ق) و (ك): "أفعال المكلفين".
(6) في (ق) و (ك): "اتباعها".
(7) في (ق): "يحلنا اللَّه ورسوله".
(8) في (ق) و (ك): "موافق".
(9) في (ق): "فيكون فاسدًا في نفس الأمر".
(3/97)

فصل [الرد على الفرق الثلاث]
وكل فرقة من هذه (1) الفرق سَدُّوا على أنفسهم طريقًا من طرق الحق؛ فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر ممَّا تحتمله؛ فنفاة القياس لما سدّوا على أنفسهم (2) باب التمثيل والتعليل واعتبار الحِكَم والمصالح وهو من الميزان والقسط الذي أنزله اللَّه احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب، فحمَّلوهما فوق الحاجة ووسعوهما أكثر مما يَسعَانه، فحيث (3) فهموا من النص حكمًا أثبتوه ولم يبالوا بما وراءه، وحيث [لم يفهموا منه نفوه، وحملوا الاستصحاب] (4)، وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها (5)، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد، وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس وتركهم له، وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه.
ولكن أخطأوا من أربعة أوجه:
أحدها: رد القياس الصحيح، ولا سيما المنصوص على علته التي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ، ولا يتوقف عاقل في أن قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما لعن عبدَ اللَّه حِمَارًا (6) على كثرة شُرْبه للخمر: "لا تلعنه، فإنه يُحِبُّ اللَّه ورسوله" (7) بمنزلة قوله: لا تلعنوا كل من يحب اللَّه ورسوله، وفي أن قوله: "إن اللَّه ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُرِ فإنها رِجْسٌ" (8) بمنزلة قوله:
__________
(1) في (ك): "هؤلاء" وفي (ق): "هؤلاء الفرق الثلاث".
(2) في (د): "نفوسهم".
(3) في (ق): "حيث".
(4) في (ق): "لم يفهموه منه نفوه وحملوه الاستصحاب".
(5) في (ق) و (ك): "ونظرها".
(6) في نسخة: "خمارًا"، وفي أخرى: "حمادًا"، وكلاهما تحريف وصوابه: "حمارًا" بالحاء والراء المهملتين وانظر: "الإصابة" في ترجمة (حمار) (1/ 351) -التجارية، كذا في (د)، ونحوه باختصار في (و)، ووقع في (ق): "رسول اللَّه" بدل "النبي".
(7) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الحدود): باب: ما يكره من لعن شارب الخمر، (رقم: 6780)، من حديث عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-.
تنبيه: الرجل اسمه: عبد اللَّه، ولقبه: حمار.
(8) أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب المغازي): باب غزوة خيبر (7/ 467، 467 - 468/ رقم 4198، 4199)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم =
(3/98)

ينهيانكم (1) عن كل رجس، وفي أن قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] نهي عن كل رجس، وفي [أن] (2) قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في الهِرِّ (3): "ليست بنَجَس إنها من الطَّوافين عليكم والطوافات" (4) بمنزلة قوله: كل ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس (5)؛ ولا يستريب أحد في أن من قال لغيره: "لا تأكل من هذا الطعام فإنه مسموم"، نَهْي [له] (6) عن كل طعام كذلك، وإذا قال: "لا تشرب هذا الشراب فإنه مسكر" نَهْي له عن كل مسكر، و"لا تتزوج (7) هذه المرأة فإنها فاجرة" وأمثال ذلك.
الخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص؛ فكم من حُكم دَلَّ عليه النص ولم يفهموا دلالته عليه، وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ، دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعُرفه عند المخاطبين، فلم يفهموا من قوله: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] ضربًا ولا سبًا ولا إهانة غير لفظة أف، فقصَّروا في فهم الكتاب كما قصَّروا في اعتبار الميزان.
الخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، وجزمهم بموجبه؛ لعدم علمهم بالناقل، وليس عدم العلم علمًا بالعدم.

[الاستصحاب: معناه وأقسامه]
وقد تنازع الناس في الاستصحاب، ونحن نذكر أقسامه ومراتبها (8)
__________
= أكل لحم الحمر الإنسية (3/ 1540/ رقم 1940) عن أنس؛ قال: ". . . فأمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا طلحة، فنادى: إن اللَّه ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس أو نجس".
وفي الباب عن جماعة من الصحابة.
(1) في (ق): "ينهاكم".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ك): "الهرَّة"، وفي (ق): "الهرة إنها ليست".
(4) الحديث صحيح، وقد سبق تخريجه.
(5) في (ق) و (ك): "فإنها ليست بنجس"!
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ق): "تزوج".
(8) انظر هذه المباحث في: "الإحكام في أصول الأحكام" (4/ 132) للآمدي، و"المحصول" (6/ 109) للرازي، و"المستصفى" (1/ 217) للغزالي، و"شرح تنقيح الفصول" (ص: 447) للقرافي، و"روضة الناظر" (ص: 137) لابن قدامة، و"شرح مختصر الروضة" (3/ 147) للطوفي، و"الإحكام" (5/ 2 - 49) لابن حزم، و"الفقيه والمتفقه" (1/ 216) للخطيب، و"شرح اللمع" (2/ 977 - 993) للشيرازي، و"إرشاد الفحول" (ص: 237) للشوكاني، وانظر: "أثر الأدلة المختلف فيها" (ص: 183 - 238) للدكتور مصطفى البغا.
(3/99)

فالاستصحابُ: استفعالٌ من الصحبة، وهي استدامة إثبات ما كان ثابتًا أو نفي ما كان منفيًا (1)، وهو ثلاثة أقسام: استصحاب البراءة الأصلية، واستصحاب الوصف المُثْبت للحكم الشرعي حتى يثبت (2) خلافه، واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع.

[استصحاب البراءة الأصلية]
فأما النوع الأول (3) فقد تنازع الناسُ فيه: فقالت طائفة من الفقهاء والأصوليين: إنه يصلح للدفع لا للإبقاء، كما قاله بعض الحنفية، ومعنى ذلك أنه يصلح لأن يدفع به من ادعى تغيير الحال [لا] (4) لإبقاء الأمر على ما كان، فإن بقاءه على ما كان إنما هو مستند إلى موجب الحكم، لا إلى عدم المُغيِّر له، فإذا لم نجد دليلًا ناقلًا ولا مثبتًا (5) أمسكنا، لا نثبت الحكم ولا ننفيه، بل ندفع (6) بالاستصحاب دعوى مَنْ أثبته (7)، فيكون حالُ المتمسك بالاستصحاب كحال المعترض مع المستدل؛ فهو يمنعه الدلالة حتى يثبتها، لا أنه (8) يقيم دليلًا على نفي ما ادعاه، وهذا غير حال المعارض؛ فالمعارض لون والمعترض لون، فالمعترض يمنع دلالة الدليل، والمعارض يسلم دلالته ويقيم دليلًا على نقيضه (9)، وذهب الأكثرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنه يصلح لإبقاء الأمر على ما كان عليه، [قالوا: لأنَّه إذا غلب على الظن انتفاء الناقل غلب على الظن بقاء الأمر على ما كان عليه] (10).

[استصحاب الوصف المثبت للحكم]
ثم النوع الثاني استصحابُ الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه، وهو حجة، كاستصحاب حكم الطهارة وحكم الحدث واستصحاب بقاء النكاح (11)
__________
(1) في (ك): "منتفيًا".
(2) في (ك) و (ق): "حيث ثبت"، واحتمل في هامش (ق) ما أثبتاه.
(3) في (ن): "فأما القسم الأول".
(4) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك) ووقع في (ق): "يصلح للدفع".
(5) في (ن): "ناقلًا ولا مبينًا"، وفي المطبوع و (ك): "نافيًا ولا مثبتًا".
(6) في (ق): "بل يدفع".
(7) في (ق): "يثبته".
(8) في (ق) و (ك): "لأنه".
(9) في (ن): "نقضه".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(11) في (ن): "وحكم استصحاب بقاء النكاح".
(3/100)

وبقاء الملك وشُغل الذمة بما تُشغل به (1) حتى يثبت خلاف ذلك، وقد دل الشارع على تعليق الحكم به في قوله في الصيد: "وإن وجَدْتهُ غريقًا فلا تأكله، فإنك لا تَدْري الماءُ قَتَله أو سهمُك" (2) وقوله: "فإن خالطها (3) كلامه من غيرها فلا تأكل، فإنك إنما سَمَّيت على كلبك ولم تُسمِّ على غيره" (4) لما كان الأصلُ في الذبائح التحريم وشَكَّ هل وجد الشرط المبيح أم لا بقي الصيدُ على أصله في التحريم، ولما كان الماء طاهرًا فالأصل (5) بقاؤه على طهارته ولم يزلها بالشك، ولما كان الأصل بقاء المتطهر على طهارته لم يأمره بالوضوء مع الشك في الحدث، بل قال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (6)، ولما كان الأصل بقاء الصلاة في ذمَّته أمر الشاكَّ أن يبنى على اليقين ويطرح الشك (7)، ولا يعارض هذا
__________
(1) في (ن): "تشتغل به".
(2) رواه البخاري (5484) في (الذبائح والصبد): باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة، ومسلم (1929) (6، 7) في (الصيد والذبائح): باب الصيد بالكلاب المعلَّمة، من حديث عدي بن حاتم.
وفي البخاري: "فإنك لا تدري أيها قتل".
(3) في (ن): "خالطته"، وفي (د): "وإن خالطها".
(4) أخرجه الخاري في "الصحيح" (كتاب الذبائح والصيد): باب إذا أكل الكلب (9/ 609/ رقم 5483)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الصيد والذبائح): باب الصيد بالكلاب المعلمة (3/ 1529/ رقم 1929) عن بيان عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قلت: إنا قوم نصيد بهذه الكلاب.
قال: "إذا أرسلت كلابك المعلَّمة، وذكرت اسم اللَّه، فكل مما أمسكن عليك وإن قتلن؛ إلا أن يأكل الكلب؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه، لأن خالطها كلاب من غيرها، فلا تأكل". لفظ البخاري.
(5) في (ق): "في الأصل".
(6) رواه البخاري (137) في (الوضوء): باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، و (177) باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القُبُل والدُبُر، و (2056) في (البيوع): باب من لم يَرَ الوساوس ونحوها من الشبهات، ومسلم (361) في الحيض: باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلِّي بطهارته تلك، من حديث عبد اللَّه بن زيد.
وفي الباب عن أبي هريرة: رواه مسلم (362)، وانظر: "الخلافيات" للبيهقي (مسألة رقم 17)، وتعليقي عليه.
(7) يشير إلى ما أخرجه مسلم (571): (كتاب المساجد ومواضع الصلاة): باب السهو في الصلاة والسجود له من حديث أبي سعيد الخدري رفعه: "إذا شك أحدكم في صلاته، =
(3/101)

رفعهُ للنِّكاح المتيقِّن بقول الأمة السوداء إنها أرضعت الزوجين (1)؛ فإن أصل الأبضاع على التحريم، وإنما أبيحت الزوجة بظاهر الحال مع كونها أجنبية، وقد عارض هذا الظاهر ظاهرٌ مثله أو أقوى منه وهو الشهادة، فإذا تعارضا تساقطا (2) وبقي أصلُ التحريم لا معارض له؛ فهذا الذي حكم به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو عين الصواب ومحض القياس، وباللَّه التوفيق.
ولم يتنازع الفقهاء في هذا النوع، وإنما تنازعوا في بعض أحكامه لتجاذب المسألة أصلين متعارضين، مثاله أن مالكًا منع الرجل إذا شك هل أحدث أم لا من الصلاة حتى يتوضأ، لأنه وإن كان الأصل بقاء الطهارة فإن الأصل بقاء الصلاة في ذِمّته (3)، فإن قلتم: لا نخرجه من الطهارة [بالشك] (4)، قال مالك: [ولا ندخله في الصلاة بالشك] (5)، فيكون قد خرج منها بالشك، فإن قلتم: يقين (6) الحدث قد ارتفع بالوضوء فلا يعود بالشك، قال منازعكم (7): وبقين البراءة الأصلية قد ارتفع بالوجوب فلا (8) يعود بالشك، قالوا: والحديث الذي تحتجون به من أكبر حُجَجِنا، فإنه مَنَع المصلي بعد دخوله في الصلاة بالطهارة المتيقَّنة أن يخرج منها بالشك، فأين هذا من تجويز الدخول فيها بالشك (9)؟ ومن ذلك لو شك هل طَلَّق واحدة أو ثلاثًا فإن مالكًا يلزمه بالثلاث؛ لأنه تيقن طلاقًا وشك هل هو ممَّا تُزيلُ أَثَره الرَّجعةُ أم لا، وقول الجمهور في هذه المسألة أصح؛ فإن النكاح متيقن فلا يزول بالشك، ولم يعارض يقين النكاح إلا شك محض فلا
__________
= فلم يدر كم صلّى، ثلاثًا أو أربعًا، فليطرح الشك، وليَبْن على ما استيقن، ثم يسجدُ سجدتين قبل أن يُسَلِّم، فإن كان صلّى خمسًا، شَفَعْنَ له في صلاته، وإنْ كان صلّى إتمامًا لأربع، كانتا ترغيمًا للشيطان".
(1) سبق تخريجه.
(2) في (ك): "وتساقطًا"، انظر -لزامًا- "القواعد الفقهية" لابن رجب (3/ 162 - بتحقيقي).
(3) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 272)، و"إغاثة اللفهان" (1/ 175 - 176).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "لا يدخل في الصلاة".
(6) في (ق) و (ك): "تيقن".
(7) في المطبوع و (ق) و (ك): "منازعهم".
(8) في (ق): "ولا".
(9) كتب هنا في هامش (ق): "في صحيح مسلم" عن أبي هريرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا؛ فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا"، قال الجمهور: وهذا عام في حال الصلاة وغيرها".
قلت: وانظر تفصيل المسألة في "الخلافيات" للبيهقي (مسألة رقم 17 - بتحقيقي).
(3/102)

يزول به، وليس هذا نظير الدخول في الصلاة بالطهارة التي شك في انتقاضها؛ فإن الأصل هناك شغل الذمة وقد وقع الشك في فراغها، ولا يُقال هنا (1): إن الأصل التحريم بالطلاق وقد شككنا في الحِل، فإن التحريم قد زال بنكاح متيقن وقد حصل الشك في ما يرفعه، فهو نظير ما لو دخل في الصلاة بوضوء متيقن ثم شك في زواله، فإن قيل: هو متيقن للتحريم بالطلاق شاك في الحل بالرَّجعة، فكان جانب التحريم أقوى، قيل: ليست الرجعية بمحرِّمَة، وله أن يخلو بها، ولها أن تتزين له وتتعرض له، وله أَن يطأها، والوطءُ رجعة عند الجمهور، وإنما خالف في ذلك الشافعيُّ وحده (2)، وهي زوجته في جميع الأحكام إلا في القسم خاصة، ولو سلم أنها محرمة فقولُكم: "إنه متيقن للتحريم" إن أردتم به التحريم المطلق فإنه (3) غير متيقن، وإن أردتم به مطلق التحريم لم يستلزم أن يكون بثلاث؛ فإن مطلق التحريم أعم من أن يكون بواحدة أو يكون بثلاث، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص، وهذا في غاية الظهور.

فصل [استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع]
النوع الثالث (4): استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، وقد اختلف فيه الفقهاء والأصوليون هل هو حجة (5)؟ على قولين: أحدهما: أنه حجة، وهو قول المُزَنَي (6)، والصَّيْرفي (7) وابن شاقلا (8). . . .
__________
(1) أشار في هامش (ق) إلى أنه في نسخة: "ولا يقال هنا: هب أن الأصل التحريم".
(2) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 97) للمؤلف رحمه اللَّه، وفي (ق) بعدها: "وهي زوجة في جميع الأحكام".
(3) في (ك) و (ق): "فهو".
(4) في المطبوع و (ق) و (ك): "القسم الثالث".
(5) انظر تفصيل المسألة في: "المعتمد" (2/ 884)، و"المحصول" (9/ 106)، و"المستصفى" (1/ 223)، و"التبصرة" (ص 526)، و"الإحكام" للآمدي (4/ 136)، و"الإبهاج" (3/ 182)، و"تيسير التحرير" (4/ 177)، و"نهاية الوصول" (8/ 3956)، و"البحر المحيط" (6/ 21)، و"تخريج الفروع على الأصول" (ص: 73) للزنجاني، و"المسودة" (494).
(6) هو الإمام إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني المصري أبو إبراهيم، من كبار أصحاب الشافعي (ت: 264 ه).
(7) هو الإمام محمد بن عبد اللَّه الصيرفي أبو بكر الشافعي (ت: 330 ه)، وسقط اسمه من (ق) و (ك).
(8) هو الإمام إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا الحنبلي، (ت: 369 ه).
(3/103)

وابن حامد (1) وأبي عبد اللَّه الرَّازي (2)، والثاني: ليس بحجة، وهو قول أبي حامد (3)، وأبي الطيب الطَّبري (4) والقاضي أبي يعلى (5)، وابن عَقيل (6) وأبي الخَطَّاب (7) والحَلْواني (8) وابن الزَّاغُوني (9)، وحجة هؤلاء أن الإجماع إنما كان على الصفة التي كانت قبل محل النزاع كالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء في الصلاة، فأما بعد الرؤية فلا إجماع، فليس هناك ما يُستصحب؛ إذ يَمتنع دعوى الإجماع في محل النزاع، والاستصحاب إنما يكون لأمر ثابت فيُستصحب ثبوتُه، أو لأمر منتفٍ (10) فيستصحب نفيه، قال الأولون: غاية ما ذكرتم أنه لا إجماع في محل النزاع، وهذا حق، ونحن لم نَدَّع الإجماع في محل النزاع، بل استصحبنا حال المجمع عليه حتى يثبت ما يزيلُه، قال الآخرون: الحكم إذا كان إنما ثبت بالإجماع (11)، وقد زال الإجماع، زال الحكم لزوال دليله (12)، فلو ثبتَ الحكم [بعد ذلك] (13) لثبتَ بغير دليل، وقال المُثبتون: الحكم كان ثابتًا، وعلمنا بالإجماع ثُبوتَه، فالإجماع ليس هو عِلَّةُ ثبوته ولا سبب ثبوته في نفس الأمر حتى يلزم من زوالِ العلةِ زوال معلولها، ومن زوال السبب زوال حكمه، وإنما الإجماع دليلٌ عليه، وهو في نفس الأمر مستندٌ إلى نص أو معنى [نص] (14)، فنحن نعلمُ أن الحكم المجمع عليه ثابتٌ في نفس الأمر، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من
__________
(1) هو الإمام الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي الحنبلي، (ت: 403 ه).
(2) هو الإمام محمد بن عمر بن الحسين بن فخر الدين الرازي، إمام أُصولي مفسر (ت: 606 ه)، وكلامه في "المحصول": (6/ 109).
(3) هو الإمام أبو حامد الغزالي، محمد بن محمد (ت: 505 ه)، وكلامه في "المستصفى" (2/ 222).
(4) هو الإمام طاهر بن عبد اللَّه بن طاهر بن عمر الطبري الشافعي، (ت: 450 ه).
(5) هو الإمام الحسن بن الحسين بن أبي هريرة الشافعي أبو علي (ت: 345 ه).
(6) هو الإمام علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي أبو الوفاء (ت: 513 ه).
(7) هو الإمام محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني الحنبلي أبو الخطاب (ت: 510 ه).
(8) هو الإمام عبد الرحمن بن عمار بن علي بن محمد الحلواني الحنبلي، يكنى بأبي محمد، (ت: 546 ه)، أو لعله: محمد بن علي بن محمد بن عثمان الحلواني الحنبلي (ت: 505 ه).
(9) هو الإمام علي بن عبيد اللَّه بن نصر بن السري الزاغوني الحنبلي أبو الحسن، فقيه أصولي (ت: 527 ه).
(10) في (ق): "منفي".
(11) في المطبوع: "بإجماع".
(12) في المطبوع: "بزوال".
(13) بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "لذلك".
(14) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3/104)

انتفاء الإجماع انتفاء الحكم، بل يجوز أن يكون باقيًا ويجوز أن يكون منتفيًا، لكن الأصل بقاؤُه، فإن البقاء لا يفتقر إلى سبب حادث، ولكن يفتقر إلى بقاء (1) سبب ثبوته، وأما الحكم المخالف فيفتَقِر إلى ما يُزيل [الحكم] (2) الأَوَّل، وإلى ما يُحدث الثاني، وإلى ما يُبينه (3)، فكان ما يفتقر إليه الحادثُ أكثر ممَّا يفتقر إليه الباقي، فيكون البقاء أولى من التغيير، وهذا مثلُ استصحاب حال براءة الذمة، فإنها كانت بريئة قبل وجود ما يُظنّ [به] (4) أنه شاغل، ومع هذا فالأصل البراءة، والتحقيق أن هذا دليل من جنس استصحاب البراءة، ومن لا يُجوِّز الاستدلال به إلا بعد معرفة المزيل فلا يجوز الاستدلال به لمن لم يعرف الأدلة الناقلة، [كما لا يجوز الاستدلال بالاستصحاب لمن يعرف الأدلة الناقلة] (5)؛ وبالجملة فالاستصحاب لا يَجوزُ الاستدلالُ به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل، فإن قَطَع المُسْتَدِل بانتفاء الناقل قطع بانتفاء الحكم، كما يُقطع ببقاء شريعة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنها غير منسوخة، وإن ظَنَّ انتفاءَ النَّاقل أو ظن انتفاء دلالته ظن انتفاء النَّقلْ، وإن كان الناقل معنى مؤثرًا وتبيَّن له عدم اقتضائه تبيّن له انتفاء النقل، [وإن كان الناقل معنى مؤثرًا وتبين له عدم اقتضاءه تبيّن له انتفاء النقل] (6)، مثل رؤية الماء في الصلاة لا تنقض (7) الوضوء، وإلا فمع تجويزه لكونه ناقضًا للوضوء لا يطمئن ببقاء الوضوء، وهكذا كل مَنْ وقع النزاع في انتقاضِ وضوئه ووجوب الغسل عليه فإن الأصل بقاء طهارته، كالنزاع في بطلان الوضوء بخروج النجاسات من غير السبيلين، وبالخارج النادر منهما، وبمس النساء بشهوة (8) وغيرها، وبأكل ما مَسَّته النار، وغسل الميت، وغير ذلك، لا يمكنه اعتقاد استصحاب الحال فيه حتى يتيقن له بطلان ما يُوجب الانتقال، وإلا بَقي شاكًّا، وإن لم يتبين له صحة الناقل -كما لو أخبره فاسق بخبر (9) - فإنه مأمور بالتبيُّن والتَّثبت، لم يُؤمر بتصديقه ولا بتكذيبه (10) فإنَّ كليهما ممكن منه، وهو مع خبره لا يَستدلُّ باستصحاب الحال كما
__________
(1) في (ق) و (ك): "انتفاء".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) في المطبوع: "ما ينفيه".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(7) في (ق): "ينقض".
(8) في (ق): "الشهوة".
(9) انظر: "بدائع الفوائد" (4/ 68)، و"الطرق الحكمية" (ص: 173)، و"إغاثة اللهفان" (2/ 81)، و"مدارج السالكين" (2/ 16).
(10) في (ق): "تكذيبه".
(3/105)

كان يستدل به بدون خبره، ولهذا (1) جعل لوثًا وشُبهة، وإذا شهد مجهول الحال فإنه هناك شاك في حال الشاهد، ويلزم منه الشك في [حال] (2) المشهود به، فإذا تبين كونه عدلًا تم الدليل، وعند شهادة المجهولين تضعف البراءة أعظم مما [تضعف] عند شهادة الفاسق (3)، [لأنه ليس بدليل، لكن يمكن صدقه، وذلك] (4) قد يكون دليلًا ولكن لا تعرف دلالته، [وأما هناك فقد علمنا أنه ليس بدليل، لكن يمكن وجود المدلول [عليه] في هذه الصورة؛ فإن صِدْقَه ممكن] (5).

فصل [الدليل على أنه حجة]
ومما يدل على أن استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة أن تبديل (6) حال المَحلِّ المُجمع على حكمه أو لا كتبديل (7) زمانه ومكانه وشخصه، وتبديل (8) هذه الأمور وتغيُّرها لا يمنع استصحاب ما ثبت له قبل التبديل (9)، فكذلك تبدُّل وصفه وحاله لا يمنع الاستصحاب حتى يقوم (10) دليل على أن الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلًا للحكم مثبتًا لضده، كما جعل الدباغ ناقلًا لحكم نجاسة الجلد، وتخليل الخَمْرة للحكم بتحريمها (11)، وحدوث الاحتلام ناقلًا لحكم البراءة الأصلية، وحينئذ لا يبقى التمسك بالاستصحاب صحيحًا، وأما مجرد النزاع فإنه لا يوجب سقوط استصحاب حكم الإجماع، والنزاع في رؤية الماء في الصلاة (12) وحدوث العَيْب عند المُشتري واستيلاد الأمة
__________
(1) في (ن): "هذا".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) في المجهول وأحكامه في البيوع وغيرها، انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 209 و 4/ 23، 51)، و"إغاثة اللهفان" (ص: 164، 176، 167، 177، 178) وبدل ما بين المعقوفتين في (ق): "يضعف".
(4) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع و (ق) و (ك): "فإنه في الشاهد".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) وما بين الهلالين سقط من (ق).
(6) في المطبوع و (ن): "تبدُّل"
(7) في المطبوع و (ن): "كتبدل".
(8) في المطبوع و (ن): "تَبَدُّل".
(9) في المطبوع و (ن): "التبدل".
(10) في (ق): "يرد".
(11) في (ق) و (ك): "ناقلًا لحكم تحريمها" وفي (ق): "وتخلّل الخمر".
(12) قال في هامش (ق): "مذهب مالك والشافعي ورواية عن أحمد: لا يبطل تيممه بوجود الماء في الصلاة".
(3/106)

لا يُوجب رفع ما كان ثابتًا قبل ذلك من الأحكام؛ فلا يقبل قول المعترض: إنه قد زال حكم الاستصحاب بالنزاع الحادث؛ فإن النزاع (1) لا يرفع ما ثبت من الحكم؛ فلا يمكن المعترض رفعه إلا أن يقيم دليلًا على أن ذلك الوصف الحادث جعله الشارع دليلًا على نقل الحكم، وحينئذ فيكون معارضًا في الدليل لا قادحًا في الاستصحاب، فتأمله فإنه التحقيقُ في هذه المسألة.

فصل [الأصلي في الشروط الصحة أو الفساد]
الخطأ الرابع لهم: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة (2)، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقدٍ أو معاملة استصحبوا بطلانه، فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من اللَّه بناء على هذا الأصل، وجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه، وهذا القول هو الصحيح؛ فإن الحكم ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم (3)، ومعلوم أنه لا حرامٌ إلا ما حَرَّمه اللَّه ورسوله، ولا تأثيم إلا ما أثمَّ اللَّه ورسوله به فاعله، كما أنه لا واجبَ إلا ما أوجبه اللَّه، ولا حرامَ إلا ما حرمه اللَّه، ولا دينَ إلا ما شرعه؛ فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم (4).
والفرق بينهما أن اللَّه سبحانه لا يُعبدُ إلا بما شرعه على ألسنة رُسُلِه، فإن العبادة حَقُّه على عباده، وحَقُّه الذي أحقَّه هو ورضي به وشَرَعَه، وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها؛ ولهذا نعى اللَّه سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين (5) -وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما
__________
(1) في (ن): "فإنه".
(2) انظر مباحث في الشرط في "بدائع الفوائد" (1/ 43 - 60 و 3/ 345)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 180)، ووقع في (ق): "عقود المسلمين ومعاملاتهم وشروطهم".
(3) في (ق): "حكم بالتأثيم والتحريم".
(4) انظر: "روضة الناظر" (22)، "التبصرة" (533)، "الإبهاج" (1/ 61، 84)، "المسوّدة" (479)، "الإحكام" (1/ 52) للآمدي، "مجموع فتاوى ابن تيمية" (7/ 45 - 46 و 29/ 151 و 21/ 535، 539).
(5) في (ن): "ولهذا نهى اللَّه سبحانه المشركين عن خلاف هذين الأصلين".
(3/107)

لم يشرعه- وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان [ذلك] (1) عفوًا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله؛ فإن الحلال ما أحلَّه اللَّه، والحرام ما حرمه، وما سكت عنه فهو عفو، فكلُّ شَرْط وعَقْد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القولُ بتحريمها؛ فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما (2) عدا ما حَرَّمه؟
وقد أمر [اللَّه تعالى] (3) بالوفاء بالعقود والعهود كلها؛ فقال [تعالى] (1): {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وقال: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ} [الإسراء: 34]، وقال: {وَالَّذِينَ [هُمْ] (1) لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32)} [المعارج: 32]، وقال [تعالى] (1): {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة: 177]، وقال [تعالى] (1): {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)} [الصف: 2، 3]، وقال؛ {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)} [آل عمران: 76]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58] وهذا كثير في القرآن، وفي "صحيح مسلم" من حديث الأعمش، عن عبد اللَّه بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أربعٌ مَنْ كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومَنْ كانت فيه خَصْلةٌ منها (4) كانت فيه خَصْلةٌ من النِّفاق [حتى يَدَعَهَا] (1): إذا حَدَّث كَذَب، وإذا عَاهَدَ غَدَر، وإذا وعد أخلَفَ، وإذا خَاصَم فَجَر" (5) وفيه من حديث سعيد بن المُسيَّب، عن أبي هريرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من عَلاماتِ المنافقِ ثلاثٌ وإن صلى وصَامَ وزعم أنه مسلم: إذا حَدَّث كَذَب، وإذا وَعَدَ أخلف، وإذا ائتُمنَ خانَ" (6)، وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمر عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يُرفعُ لكل غادرٍ لواء يوم القيامة بقدر غَدْرَته، فيُقال: هذه غَدْرَةُ فلان بن فلان" (7)، وفيهما من حديث عقبة بن عامر عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: إن أحقَّ
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "ما".
(3) في (ق): "سبحانه".
(4) في (د): "منهن" وفي (ق): "فيه خصله منها كان فيه خصلة".
(5) هو فيه (58) في (الإيمان): باب خصال الإيمان.
وهو في "صحيح البخاري" أيضًا فقد رواه في (الإيمان): (34) باب علامة المنافق، و (2459) في (المظالم): باب إذا خاصم فجر، و (3178) في (الجزية)؛ باب إثم من عاهد ثم غدر من طريق الأعمش به.
(6) هو فيه (59) (108 و 109 و 110) في الإيمان: باب بيان خصال المنافق.
(7) رواه البخاري (3188) في (الجزية): باب إثم الغادر للبر والفاجر، و (6177 و 6178) =
(3/108)

الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفُروج" (1)، وفي "سنن أبي داود" عن أبي رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما رأيته أُلقيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول اللَّه، واللَّه إني لا أَرجعُ إليهم أبدًا، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إني لا أَخِيسُ (2) بالعهد، ولا أحبس البُرُدَ (2)، ولكن ارْجِع إليهم، فإنْ كانَ في نفسك الذي في نفسك الآنَ فارْجِع" قال: فذهبت ثم أتيتُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأَسلمتُ (3)، وفي "صحيح مسلم" عن حذيفة قال: "ما مَنَعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجتُ أنا وأبي حُسَيْلٌ، فاخَذَنَا كُفَّارُ قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فاخذوا مِنَّا عَهْدَ اللَّه وميثاقَه لننصرِفَنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبرناه الخبرَ، فقال: "انْصرِفَا نَفِي (4) لهم بعهدِهم
__________
= في (الأدب): باب ما يُدعى الناس بآبائهم، و (6966)، في (الحيل): باب إذا غصب جاريته فزعم أنها ماتت، و (7111) في (الفتن): باب إذا قال عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه، ومسلم (1735) في (الجهاد): باب تحريم الغدر.
(1) رواه البخاري (2721) في (الشروط): باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح، و (5151) في (النكاح): باب الشروط في النكاح، ومسلم (1418) في (النكاح): باب الوفاء بالشروط في النكاح.
(2) "هو بخاء معجمة، أي: لا أنقضه وأخلفه، والبرد: الرسل جمع بريد، وهو الرسول" (ط)، ونحوه في (و).
(3) رواه أبو داود (2758) في (الجهاد): باب في الإمام يُسْتَجَنُّ به في العهود، والنسائي في "الكبرى" (5/ 205 رقم 8674)، وابن حبان (4877)، والحاكم (3/ 598)، والطبراني في "الكبير" (963)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (9/ 145)، والبغوي في "شرح السنة" (11/ 163) من طرق عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن الحسن بن علي بن أبي رافع عن جده أبي رافع به.
وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات.
ورواه أحمد في "مسنده" (6/ 8) من طريق عبد الجبار بن محمد عن ابن وهب به، وقال: عن أبيه عن جده.
والحسن بن علي هذا ترجمه الحافظ في "التهذيب"، وقال: روى عن جده، وقيل: عن أبيه عن جده، وثقه النسائي، وابن حبان.
قلت: كل من روى الحديث عن ابن وهب ذكر روايته عن جده إلا عبد الجبار بن محمد هذا، وقد ترجمه الحافظ في "تعجيل المنفعة"، ولم يوثقه إلا ابن حبان في "ثقاته"!
وقد ترجمه ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه شيئًا، والخطأ في هذا الإسناد منه، واللَّه أعلم.
(4) في (ق): "نفيء" بالهمز.
(3/109)

ونستعينُ اللَّه عليهم" (1)، وفي "سنن أبي داود" عن عبد اللَّه بن عامر قال: دعتني أمي يومًا ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قاعد في بيتها، فقالت: تعال أُعْطِك، فقال لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما أردت أن تعطيه؟ " فقالت: أعطيه تمرًا، فقال لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أما إنك لو لم تعطيه شيئًا كُتبت عليك كذبة" (2)، وفي "صحيح البخاري" من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "قال اللَّه عز وجل: ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غَدَر، ورجلٌ بَاعَ حرًا [فأكل ثمنه]، ورجل استاجر أجيرًا [فاستوفى منه] ولم يُعْطِ أَجْرَه" (3)، وأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عمر بن الخطاب أن يُوفي بالنَّذر الذي نذره في الجاهلية من اعتكافه ليلة عند المسجد الحرام (4)، وهذا عَقْدٌ كان قبل الشرع (5)، وقال ابن وهب: [ثنا هشام بن سعد،
__________
(1) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الجهاد والسير): باب الوفاء بالعهد (1787).
(2) رواه أبي شيبة (8/ 405)، وأحمد (3/ 447)، والبخاري في "التاريخ" (5/ 11)، وأبو داود في (الأدب): باب في التشديد في الكذب (4991)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (10/ 198 - 199) من طريق محمد بن عجلان عن مولى لعبد اللَّه بن عامر بن ربيعة العدوي عن عبد اللَّه بن عامر به.
ومولى عبد اللَّه هذا وقع تسميته في بعض الروايات "زيادًا" كما ذكر الحافظ في "الإصابة"، ولم أجد له ترجمة.
وقال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء": "وله شاهد من حديث أبي هريرة وابن مسعود، ورجالهما ثقات إلا أن الزهري لم يسمع من أبي هريرة".
أقول: وحديث أبي هريرة يأتي.
ووقع في (ك): "تعال أعطيك. . . لكتبت عليك كذبة".
(3) أخرجه أحمد في "المسند" (2/ 358)، والبخاري في "الصحيح" (كتاب البيوع): باب إثم من باع حرًا (2227)، وفي (كتاب الإجارة): باب إثم من منع أجر الأجير (2270).
وما بين المعقوفتين سقط من (ك)، وفيه بدل من "لم يُعْط"، "لم يعطيه" وفي (ق): "وأكل ثمنه" وسقط "فاستوفى منه ولم يعطه أجره".
(4) رواه البخاري (2032) في (الاعتكاف): باب الاعتكاف ليلة، و (2042) في (الاعتكاف): باب من لم ير عليه -إذا اعتكف- صومًا، و (2043) في (الاعتكاف): باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم، و (6697) في "الأيمان والنذور": إذا نذر أو حلف أن لا يكلم إنسانًا في الجاهلية ثم أسلم، ومسلم (1656) (27) في (الأيمان): باب نذر الكافر، وما يفعل فيه إذا أسلم، من حديث ابن عمر.
ورواه البخاري (3144) في فرض الخمس من حديث نافع أن عمر دون ذكر ابن عمر.
(5) في (ق): "وهكذا كان عقد قبل الشرع".
(3/110)

عن زيد بن أسلم أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "وأْيُ المؤمن واجب" (1) قال ابن وهب: و] (2) أخبرني إسماعيل بن عَيَّاش، عن أبي إسحاق أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقول: "ولا تَعِدْ أخاك عِدَةً وتخلفه، فإن ذلك يُورثُ بينك وبينه عداوة" (3)، قال ابن وهب: وأخبرني اللَّيثُ بن سعد، عن عُقيل بن خالد، عن ابن شِهاب، عن أبي هريرة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَنْ قال لصبِيِّ: تعالَ هذا لك، ثم لم يعطهِ شيئًا فهي كذبة" (4)، وفي "السنن" من حديث كثير بن عبد اللَّه بن زيد بن عَمرو بن عوف عن أبيه عن جده يرفعه: "المؤمنون عند شروطهم" (5)، وله شاهد من حديث محمد بن
__________
(1) رواه أبو داود في "المراسيل" (523) (ص 352) من طريق ابن وهب ورجاله ثقات.
وفي "المراسيل": مرسل آخر بمعناه (522)، و"الوأي: الوعد" (ط).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) رواه ابن وهب في "جامعه" (208) لكن قال: وأخبرني مسلمة وغيره عن رجل عن أبي إسحاق فذكره.
وكأنه حصل من المؤلف سبق نظر، فإن الحديث قبله يرويه عن إسماعيل بن عياش.
ومسلمة هذا قال فيه ابن معين ودحيم: ليس بشيء، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث.
وأبو إسحاق هذا هو الهمداني السبيعي وهو ثقة من التابعين، فالإسناد ضعيف جدًا.
ويشهد لأوله: ما رواه الترمذي (1995) في (البر والصلة): باب ما جاء في المراء، والبخاري في "الأدب المفرد" (394)، وابن أبي الدنيا في (الصمت): (123 و 390)، وأبو نعيم في "الحلية" (3/ 344) من طريق ليث بن أبي سليم عن عبد الملك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: "لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدة فتخلفه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعبد الملك عندي هو ابن بشير".
أقول: لكن نقل الحافظ العراقي عبارة الترمذي غريب دون قوله: "حسن" (2/ 180)، وقال: "فيه ليث بن أبي سليم وضعفه الجمهور".
(4) رواه ابن وهب في "جامعه" (514)، وأحمد في "مسنده" (2/ 452)، وقال الهيثمي في "المجمع" (1/ 142): رواه أحمد من رواية الزهري عن أبي هريرة، ولم يسمعه منه.
ويشهد له حديث عبد اللَّه بن عامر السابق، وفي (ق): "تعال هاه لك".
(5) رواه الترمذي (1352)، وابن عدي (6/ 2081)، والطبراني في "الكبير" (17/ 30)، والدارقطني (3/ 27)، والبيهقي (6/ 79)، وفي "المعرفة" (10/ 237 رقم 14349)، من طرق كثير بن عبد اللَّه به.
وقال الترمذي: "حسن صحيح"!!
وكثير هذا تكلموا فيه قال الشافعي: من أركان الكذب، وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة، وقال ابن عدي: عامة حديثه لا يتابع عليه. =
(3/111)

عبد الرحمن [بن] (1) البَيْلَماني عن أبيه، عن ابن عمر يرفعه: "النَّاسُ على شروطهم ما وافق الحق" (2)، وليست العمدة على هذين الحديثين، بل على ما تقدم.

فصل [أجوبة المانعين]
وأصحاب القول الآخر يجيبون عن هذه الحجج: تارة بنسخها، وتارة بتخصيصها ببعض العهود والشروط، وتارة بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه، وتارة بمعارضتها بنصوص أخرى، كقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحديث الصحيح: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب اللَّه، ما كان من شَرطٍ ليس في كتاب اللَّه فهو باطلٌ وإن كان مئةَ شرط، كتابُ اللَّه أحق، وشرطُ اللَّه أوثقُ" (3)، وكقوله: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (4)، وكقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)} [البقرة: 229] ونظائر هذه الآية.
قالوا: فصح بهذه النصوص إبطال كل عهد وعقد ووعد (5) وشرط ليس في كتاب اللَّه الأمرُ به أو النَّصُ على إباحته، قالوا: وكل شرط أو عقد ليس في النصوص إيجابه ولا الإذن (6) فيه فإنه لا يخلو من أحد وجوهٍ أربعةٍ: إما أن يكون
__________
= وقد قوّى أمره الترمذي والبخاري وابن خزيمة على ما قاله الحافظ في "الفتح"، والصحيح أنه ضعيف الحال.
ولذا قال الحافظ في "التلخيص" (3/ 23) عن حديثه هذا: "ضعيف"، والحديث له شواهد انظرها مفصلة في "التلخيص" (23/ 3)، و"إرواء الغليل" (5/ 142 - وما بعده) وتعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 2855، 2856)، ووقع في (ق): "الناس على شروطهم ما وافق الحق".
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) رواه البزار (1296 - كشف الأستار)، والعقيلى (4/ 48) من طريق محمد بن الحارث عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني به.
ذكره العقيلي في ترجمة محمد بن الحارث، وقال: قال ابن معين: ليس بشيء، وقال البزار: عبد الرحمن له مناكير وهو ضعيف عند أهل العلم.
وقال الهيثمي في "المجمع" (4/ 86): وفيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، وهو ضعيف جدًا.
(3) أخرجه البخاري (2168) كتاب البيوع: باب إذا اشترط شروطًا في الييع لا تحل، ومسلم (1504): كتاب العتق: باب إنما الولاء لمن أعتق، من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-.
(4) سبق تخريجه قريبًا.
(5) في (ق): "كل عهد ووعد وعقد وشرط".
(6) في (ق) و (ك): "ولا الإيذان".
(3/112)

صاحبُه قد التزم فيه إباحةَ ما حَرَّم اللَّه ورسوله، أو تحريم ما أباحه، أو إسقاط ما أوجبه، أو إيجاب ما أسقطه، ولا خامس لهذه الأقسام البتة؛ فإن مَلَّكتُم المُشترط والمعاقد (1) والمعاهد جميع ذلك انسلختم من الدين، وإن ملكتموه البعض دون البعض تناقضتم، وسألناكم ما الفرق بين ما يملكه من ذلك وما لا يملكه؛ ولن تجدوا إليه سبيلًا.

فصل [رد الجمهور على أجوبة المانعين]
قال الجمهور: أما دعواكم النسخ [فإنها دعوى] (2) باطلة تتضمن أن هذه النصوص ليست من دين اللَّه، ولا يحل العمل بها، وتجب مخالفتها، وليس معكم برهان قاطع بذلك؛ فلا تسمع دعواه، وأين التحاكم (3) إلى الاستصحاب والتثبت (4) به ما أمكنكم؟
وأما تخصيصها فلا وجه له، وهو يتضمن إبطال ما دلت عليه من العموم، وذلك غير جائز إلا ببرهان من اللَّه ورسوله.
وأما ضعف بعضها من جهة السند فلا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة.
وأما معارضتها بما ذكرتم فليس بحمد اللَّه بينها وبينه تعارض، وهذا إنما يعرف بعد معرفة المراد بكتاب اللَّه في قوله: "ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه" (5)، ومعلوم أنه ليس المراد به القرآن قطعًا، فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، بل عُلمت من السنة؛ فعُلم أنَّ المرادَ بكتاب اللَّهِ حُكمُه كقوله: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24]، وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كتابُ اللَّه القصاصُ" (6) في
__________
(1) في (ق): "والعاقد".
(2) في (ق): "فدعوى".
(3) في المطبوع: "التجاؤكم"، وفي (ق): "فأين التحاكم".
(4) في المطبوع: "والتسبب".
(5) سبق تخريجه قريبًا.
(6) رواه البخاري (2806) في (الجهاد): باب قول اللَّه عز وجل: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} و (4500) في (التفسير): تفسير سورة البقرة: باب {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}، و (4611) في تفسير سورة المائدة: باب قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}، ومسلم (1675) في (القسامة): باب إثبات القصاص في الأسنان، وما في معناها، من حديث أنس بن مالك.
(3/113)

كسر السن فكتابُه سبحانه يُطلَق على كلامه وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله، ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم اللَّه فهو مخالف له فيكون باطلًا (1)؛ فإذا كان اللَّه ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- قد حكم بأن الولاء للمُعتِق، فشرط خلاف ذلك يكون شرطًا مخالفًا لحكم اللَّه سبحانه، ولكن أين في هذا أن ما سكت عن تحريمه [من العقود والشروط يكون باطلًا حرامًا] (2) [وتعديًا لحدوده] (3)؛ وتعدِّي حدود اللَّه هو تحريم ما أحلَّه اللَّه أو إباحة ما حرمه أو إسقاط ما أوجبه، لا إباحة ما سكت عنه أو عفا عنه، بل تحريمه هو نفس تعدي حدوده.
وأما ما ذكرتم من تضمن الشرط (4) لأحد تلك الأمور الأربعة ففاتكم قسم خامس وهو الحق، وهو ما أباح اللَّه سبحانه للمكلف تنويع أحكامه بالأسباب التي مَلَّكه إياها، فيباشر من الأسباب ما يُحلُّه له بعد أن كان حرامًا عليه، أو يُحرِّمه عليه بعد أن كان حلالًا له، أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبًا، أو يُسقطه بعد وجوبه (5)، وليس في ذلك تغيير لأحكامه، بل كل ذلك من أحكامه سبحانه؛ فهو الذي أحل وحرم وأوجب وأسقط، وإنما إلى العبد الأسباب المقتضية لتلك الأحكام ليس إلا، فكما أن شراء (6) الأمة ونكاح المرأة يُحلُّ له ما كان حرامًا عليه قبله وطلاقها وبيعها بالعكس يحرمها عليه ويُسقط عنه ما كان واجبًا عليه من حقوقها، كذلك التزامه (7) بالعقد والعهد والنذر (8) والشرط؛ فإذا ملك تغيير الحكم بالعقد ملكه بالشرط الذي هو تابع له؛ وقد قال تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، فأباح التجارة التي تراضَى بها المتبايعان؛ فإذا تراضيا على شرطٍ لا يخالف حكم اللَّه جاز لهما ذلك، ولا يجوز إلغاؤه وإلزامهما بما لم يلتزماه ولا ألزمهما اللَّه و [لا] (9) رسوله به، ولا (10) يجوز إلزامهما بما لم يلزمهما اللَّه ورسوله به ولا هما التزماه ولا إبطال ما شَرطَاهُ مما لم يحرم اللَّه ورسوله عليهما شَرْطَه، ومُحرِّم الحلال كمحلل الحرام، فهؤلاء ألغوا من شروط
__________
(1) انظر: "زاد المعاد" (4/ 24).
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "لم يكن باطلًا".
(3) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(4) في (ق): "الشروط".
(5) في المطبوع: "أو يسقط وجوبه بعد وجوبه".
(6) في (ق): "سرى".
(7) في (ن): "إلزامه".
(8) في (ن): "كالنذر".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) في (ق): "فلا".
(3/114)

المتعاقدين ما لم يلغه اللَّه ورسوله (1)، وقابلهم آخرون من القياسيين (2) فاعتبروا من شروط الواقفين ما ألغاه اللَّه ورسوله، وكلا القولين خطأ، بل الصوابُ إلغاءُ كل شرط خالف حكم اللَّه، واعتبار كل شرط لم يحرمه اللَّه ولم يمنع منه، وباللَّه التوفيق.

فصل [أخطاء القياسيين]
وأما أصحاب الرأي والقياس [فإنهم] (3) لمَّا لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها وافية بالأحكام ولا شاملة لها؛ وغلاتُهم على أنها لم تفِ بعُشر معشارها فوسَّعوا (4) طرق الرأي والقياس، وقالوا بقياس الشَّبَه، وعلقوا الأحكام بأوصاف لا يُعلم أن الشارع عَلَّقها بها، واستنبطوا عللًا لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها، ثم اضطرهم ذلك إلى أن عارضوا بين كثير من النصوص والقياس، ثم اضطربوا فتارة يُقدِّمون القياس، وتارة يقدمون النص، وتارة يفرقون بين النَّص المشهور وغير المشهور، واضطرهم ذلك أيضًا إلى أن اعتقدوا في كثير من الأحكام أنَّها شُرعت على خلاف القياس؛ فكان خطؤهم من خمسة أوجه:
أحدها: ظنهم قصور النصوص عن بيان جميع الحوادث.
الثاني: معارضة كثير من النصوص بالرأي والقياس.
الثالث: اعتقادهم في كثير من أحكام الشريعة أنها على خلاف الميزان والقياس، والميزان هو العدل، فظنوا أن العدل خلاف ما جاءت به هذه (5) الأحكام.
الرابع: اعتبارهم عللًا وأوصافًا [لم يُعلم اعتبار الشارع لها وإلغاؤهم عللًا وأوصافًا] (6) اعتبرها الشارع كما تقدم بيانه.
الخامس: تناقضهم في نفس القياس كما تقدم أيضًا.
ونحن نعقد ههنا ثلاثة فصول:
__________
(1) زاد بعدها في (ن): "عليهما".
(2) في (ق): "قياسين".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ق): "وسعوا".
(5) في (د): "من هذه".
(6) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "ما"، وفي (ق): "وأوصافًا ما لم يعلم. . . ".
(3/115)

الفصل الأول: في بيان شمول النصوص للأحكام، والاكتفاء بها عن الرأي والقياس.
الفصل الثاني: في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس، وبطلانها مع وجود النص.
الفصل الثالث: في بيان أن أحكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح، وليس فيما جاء به الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح.
وهذه الفصول الثلاثة من أهم فصول الكتاب، وبها يتبين للعالم المنصف مقدار الشريعة وجلالتها وهيمنتها وسعتها وفضلها وشرفها على جميع الشرائع، وأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كما هو عامُّ الرسالة إلى كل مكلف فرسالته عامة في كل شيء من الدين أصوله وفروعه ودقيقه وجليله، فكما لا يخرج أحدٌ عن رسالتِه فكذلك لا يخرج حكمٌ تحتاج إليه الأمة عنها وعن بيانه له، ونحن نعلم أنا لا نوفِّي هذه [الفصول] (1) حقَّها ولا نقارب، وأنَّها أَجلُّ من علومنا وفوق إدراكنا، ولكن ننبه أدنى تنبيه ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح أبوابها وينهج طرقها، واللَّه المستعان وعليه التكلان.

الفصل الأول [شمول النصوص وإغناؤها عن القياس]
في شمول النصوص وإغنائها (2) عن القياس.
وهذا يتوقف على بيان مقدمة، وهي أن دلالة النصوص نوعان: حقيقية، وإضافية، فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته، وهذه الدلالة لا تختلف، والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه، وجودة [فكره] (3) وقريحته، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ ومراتبها، وهذه الدلالة تختلف اختلافًا متباينًا بحسب تباين السامعين في ذلك، وقد كان أبو هريرة وعبد اللَّه بن عمر (4) أحفظَ الصحابة للحديث وأكثرهم رواية له، وكان الصِّدِّيقُ وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أفقه منهما، بل عبد اللَّه بن عباس أيضًا أفقه منهما ومن عبد اللَّه بن عمر، وقد أنكر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على عمر فهمه إتيانَ البيتِ الحرام عام الحُدَيبية من إطلاقِ قوله:
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في (ن): "استغناؤها".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في (ق): "عمرو"، وله وجه.
(3/116)

"إنك ستأتيه وتطوف به" (1) فإنه لا دلالة في هذا اللفظ على تعيين العام الذي يأتونه فيه، وأنكر على عديّ بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفسَ العقالين (2)، وأنكر على مَنْ فهم من قوله: "لا يدخلُ الجنةَ مَنْ كان في قلبه مثقالُ حبة خَرْدلةٍ من كِبْر" شمول لفظه لحسْن الثوب وحُسن النعل، وأخبرهم أنه: "بَطرُ الحق وغَمطُ الناس" (3) وأنكر على من فهم من قوله: "مَنْ أحبَّ لقاء اللَّه أحبَّ اللَّه لقاءَه، ومن كره لقاءَ اللَّهِ كره اللَّه لقاءه" أنه كراهة الموت، وأخبرهم أن هذا للكافر إذا احْتُضِرَ وبُشِّر بالعذاب فإنه حينئذ يكره لقاء اللَّه، واللَّه يكره لقاءه، وأن المؤمن إذا احْتُضِرَ وبُشِّر بكرامة اللَّه أحَبَّ لقاء اللَّه وأحبَّ اللَّه لقاءه (4)، وأنكر
__________
(1) هو جزء من الحديث الطويل في صلح الحديبية رواه البخاري (2731 و 2732) في (الشروط): باب الشروط في الجهاد، من حديث المِسور بن مخرمة ومروان.
وانظر: "مرويات غزوة الحديبية".
(2) أخرج البخاري في "صحيحه" (كتاب التفسير): باب {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ} (8/ 182/ رقم 4059)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الصيام): باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، (2/ 766 - 767/ رقم 1090) عن عدي بن حاتم؛ قال: لما نزلت: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]؛ قال له عدي بن حاتم: يا رسول اللَّه! إِني أجعل تحت وسادتي عِقاليْن: عقالًا أبيضَ وعِقالًا أسود، أعرف الليل من النهار.
فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِن وسادتك لعريض، إِنما هو سواد الليل وبياض النهار" لفظ مسلم.
وأخرج البخاري في "صحيحه" (رقم 4511)، ومسلم في "صحيحه" (رقم 1091) عن سهل بن سعد؛ قال: أنزلت: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}، ولم ينزل: {مِنَ الْفَجْرِ}، وكان رجال إِذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما؛ فانزل اللَّه بعده: {مِنَ الْفَجْرِ}؛ فعلموا أنما يعني الليل من النهار.
(3) رواه مسلم (91) في (الإيمان): باب تحريم الكبر وبيانه، من حديث ابن مسعود.
و"بطر الحق": التكبر عليه فلا يقبله، و"غمط الناس": احتقارهم، والإزدراء بهم (ط).
ووقع في (ك) و (ق) بدل "حبة خَرْدلة"، "ذرة".
(4) رواه البخاري (6507) في (الرقاق): باب من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، من حديث عبادة بن الصامت، وفي الباب عن عائشة، رواه مسلم (2684) في (الذكر والدعاء): باب من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه. . .، وعلقه البخاري بعد (6507).
وعن أَبي هريرة: رواه مسلم أيضًا (2685).
(3/117)

على عائشة (1) إذ فهمت من قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8)} [الانشقاق: 8] معارضته لقوله [-صلى اللَّه عليه وسلم-]: "مَنْ نُوقش الحِسَاب عُذِّبَ" وبيَّن لها أن الحساب اليسير هو العَرْض، أي حساب العرض لا حساب المناقشة (2)، وأنكر على مَنْ فهم من قوله [تعالى] (3): {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]، أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة وأنه لا يسلم أحدٌ من عمل السوء، وبيَّن لهم أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بِالهَمِّ (4) والحَزَنِ والمرض والنَّصبِ وغير ذلك من مصائبها، وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة (5)، وأنكر على مَنْ فهم من قوله [تعالى] (3): {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] (3)} [الأنعام: 82] أنه ظُلم
__________
(1) في (ق) و (ك): "أم سلمة".
(2) الحديث أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب التفسير): باب: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8)}، (8/ 697/ 4939)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها) (4/ 2204/ 2876)، عن عائشة -رضي اللَّه عنها- وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ن): "بالغَمِّ".
(5) في هذا حديث أَبي بكر الصديق: رواه أحمد في "مسنده" (1/ 11)، وهناد (49)، وأبو يعلى (98 و 99 و 100 و 101)، والطبري (10523 - 10528)، والمروزي في "مسند أبي بكر" (111 و 112)، وابن حبان (2910 و 2926)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (394)، والحاكم (3/ 74 - 75)، والبيهقي (3/ 373) من طرق عن إِسماعيل بن أَبي خالد عن أَبي بكر بن أَبي زهير عنه قال: يا رسول اللَّه! كيف الصلاح بعد هذه الآية: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}، وكل شيء عَمِلنا جُزينا به؟! فقال: "غفر اللَّه لك يا أبا بكر ألست تمرض، ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء؟ " قلت: بلى! قال: "هو ما تجزون به"، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
قلت: هذا إسناد ضعيف: أبو بكر بن أبي زهير لم يدرك أبا بكر الصديق، ثم هو لم يذكر بجرح ولا تعديل.
ورواه أبو يعلى (18)، و (99)، والطبري (10521 و 10522 و 10529 و 10533 و 10534)، والترمذي (3039)، والحاكم (3/ 552 - 553) من طرق عن أبي بكر وكل أسانيده فيها مقال لا أطيل ذكرها وانظر: "علل الدارقطني" (1/ 284 و 285).
وفي الباب عن عائشة: رواه أحمد (6/ 65 - 66)، وأبو يعلى (4675)، و (4839)، وابن حبان (2923)، قال الهيثمي (7/ 12): رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح.
أقول: فيه يزيد بن أَبي يزيد ليس من رجال الصحيح، ذكره البخاري وابن أَبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقد روى عنه جمع.
وروى مسلم (2574) في (البر والصلة): باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض من حديث أبي هريرة قال: لما نزلت {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} بلغت من المسلمين مبلغًا =
(3/118)

النَّفس بالمعاصي، وبيَّن لهم أنه الشرك، وذَكَر قولَ لقمان لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)} [لقمان: 13] (1) مع أن سياق اللفظ عند (2) إعطائه حقه من التأمل يبين ذلك؛ فإن اللَّه سبحانه لم يقل ولم يظلموا أنفسهم، بل قال: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] ولَبْسُ الشيء بالشيء تغطيتهُ به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطي الإيمانَ ويحيطُ به ويلبسه إلا الكفرُ، ومن هذا قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)} [البقرة: 81] فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن أبدًا، فإن إيمانه يمنعه من إحاطة الخطيئة به، ومع أن سياق قوله: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)} [الأنعام: 81] ثم حُكمُ اللَّه أعدلُ حُكمٍ وأصدقُه أَنَّ مَنْ آمن ولم يلبس إيمانه بظلم فهو أحق بالأمن والهُدى، فدل على أن الظلم الشِّرك، وسأله عمر بن الخطاب (3) -رضي اللَّه عنه- عن الكَلالَة وراجعه فيها مرارًا، فقال: تكفيك آية الصَّيف (4)،
__________
= شديدًا فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة يُنْكبها أو الشوكة يشاكها"، وانظر له -لزامًا- "غرر الفوائد المجموعة" (رقم 19 - بتحقيقي ضمن "الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح".
(1) أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب الإيمان): باب ظلم دون ظلم (1/ 87/ رقم 32)، و (كتاب الأنبياء): باب قول اللَّه -تعالى-: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} (6/ 389/ رقم 3360)، و (كتاب أَحاديث الأنبياء): باب قول اللَّه -تعالى-: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} (6/ 465/ رقم 3428، 3429)، و (كتاب التفسير): باب {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} (8/ 294/ رقم 4629)، وباب سورة لقمان (8/ 513/ رقم 4776)، و (كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم): باب إِثم من أشرك باللَّه وعقوبته في الدنيا والآخرة (12/ 264/ رقم 6918)، وباب ما جاء في المتأولين، (12/ 303/ رقم 6937)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الإيمان): باب صدق الإيمان وإِخلاصه، (1/ 114 - 115/ رقم 124)، عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-.
وقال بعض أهل العلم: "فتكون الآية {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} من قبيل: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)} فلا يقال: كيف يتأتى لبس الإيمان بالشرك، ولا يوجد الإيمان معه؟! وفي قصة الصحابة في الآية، والحديث الدلالة الواضحة على أَن هذه المطلقات من النواهي غير الصريحة لم تحدد تحديدًا يوقف عنده؛ فهي في الآية والحديث في أعلى مراتب النهي، وقد فهم الصحابة أنها شاملة للمراتب الأخرى".
(2) في (ق): "مع".
(3) في (ق): "عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-".
(4) هي آية الكلالة التي في آخر النساء؛ لأنها نزلت في الصيف، أما الأولى نزلت في الشتاء (و).
(3/119)

واعترف عمر بأنه خَفِيَ عليه فهمهما وفهمها الصديق (1)، وقد نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن لحومِ الحُمرِ الأهلية ففهم بعض الصحابة من نهيه أنه لكونها لم تُخمَّس وفهم بعضهم أن النهي لكونها (2) كانت حمولة القوم وظهورهم، وفهم بعضهم [أنه لكونها] (3) كانت جوَّالي القرية، وفهم علي بن أبي طالب وكبار الصحابة -رضي اللَّه عنهم- ما قَصَدَه [رسول اللَّه] (4) -صلى اللَّه عليه وسلم- بالنهي وصَرَّح بعلَّته من كونها رجسًا (5)، وفهمت المرأة
__________
(1) رواه مسلم في "صحيحه" (567) في (المساجد): باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها، و (1617) في (الفرائض)، باب ميراث الكلالة من حديث عمر، وانظر: "سنن سعيد بن منصور" (رقم 587، 591) تحقيق الشيخ سعد الحميد حفظه اللَّه، ووقع في (ق): "خفي عليه فهمها وفهمها".
(2) في (ك) و (ق): "لأنها".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "أنها".
(4) في (ق): "النبي".
(5) النهي عن لحوم الحمر ثابت من حديث جابر: رواه البخاري (4219) في (المغازي): باب غزوة خيبر، و (5520) في (الذبائح): باب لحوم الخيل، و (5524) باب لحوم الحمر الإنسية، ومسلم (1941) في (الصيد): باب في أكل لحوم الخيل.
ومن حديث أنس: رواه البخاري (2991) في (الجهاد): باب التكبير عند الحرب، و (4199) في (المغازي): باب غزوة خيبر، و (5528) في (الذبائح): باب لحوم الحمر الإنسية، ومسلم (1940) في (الصيد): باب تحريم أَكل الحمر الإنسية، ومن حديث ابن عمر: رواه البخاري (4217)، و (5521)، و (5522)، ومسلم (561) (24)، و (25).
ومن حديث البراء بن عازب رواه البخاري (4221 و 4223 و 4225 و 4226)، ومسلم (1938) (28)، و (29) وفي بعضها عن البراء وعبد اللَّه بن أَبي أوفى، ومن حديث سلمة بن الأكوع في "الصحيحين" أيضًا.
وحديث علي رواه البخاري (4216) و (5115) و (5523) و (6961)، ومسلم (1407)، وأما ما ورد عن الصحابة فقد روى البخاري (4227)، ومسلم (1939) عن ابن عباس قوله: "لا أدري إنما نهى عنه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من أجل أنه كان حمولة الناس. . . أو حرّمه في يوم خيبر. . وروى البخاري في "الصحيح" (4220)، ومسلم في "الصحيح" (1937) من حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى قال. . . وتحدثنا بيننا فقلنا: حرَّمها ألبتة وحرمها من أجل أنها لم تخمس.
وروى البخاري أَيضًا في "صحيحه" (4420) من حديث ابن أبي أوفى، وفيه: "وقال بعضهم: نهى عنها ألبتة؛ لأنها كانت تأكل العذرة. وقد ورد في حديث أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حرمها من أجل جوال القرية، رواه أبو داود (3809)، وابن أبي شيبة (8/ 87)، وابن سعد (6/ 48)، والطبراني (18/ 664) (665) (666)، و (667)، والبيهقي (9/ 332) من حديث غالب بن أبجر، وفي سنده اضطراب واختلاف، كما قال البيهقي وغيره، وانظر: "نصب الراية" (4/ 196).
(3/120)

من قوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: 20] جواز المُغَالاة في الصَّداق فذكرته لعمر فاعترف به (1)، وفهم ابن عباس من قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] مع قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] أن المرأة قد تَلدُ لستة أشهر، ولم يفهمه عثمان فهمَّ برجم امرأة ولدت لها حتى ذكَّره به ابنُ عباس فأقر به (2)، ولم يفهم عمر من قوله:
__________
(1) الأثر لا يصح وسيأتي تخريجه.
(2) رواه عبد الرزاق (13446)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (4952) عن معمر، وابن شبّة في "تاريخ المدينة" (3/ 977) عن يونس كلاهما عن الزهري عن أَبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف قال: رفع إِلى عثمان. . . فذكره، ورجاله ثقات، وأبو عبيد صوابه مولى عبد الرحمن بن أزهر اسمه سعد بن عبيد ثقة، ورواه سعيد بن منصور في "سننه" (2075)، وعبد الرزاق (13447)، وابن أَبي حاتم في "التفسير" (2/ 428 رقم 2265)، وعنه ابن شبة في "تاريخ المدينة" (3/ 978) من طريق الأعمش عن مسلم بن صبيح عن قائد لابن عباس فذكره.
وعزاه في "الدر المنثور" (1/ 688) لوكيع وابن أبي حاتم وله طرق أخرى عن ابن عباس دون ذكر قضية عثمان مع المرأة.
وقد ورد نحو هذا الفهم أيضًا عن عدة من الصحابة فأخرج مالك في "الموطأ" (2/ 825 - رواية يحيى)، ومن طريقه إسماعيل بن إِسحاق القاضي في "أحكام القرآن"، وكما في "المعتبر" (رقم 208)، والبيهقي في "الكبرى" (7/ 442 - 443) أنه بلغه أَن عثمان بن عفان أتي بامرأة قد ولدت في ستة أشهر، فامر بها أَن ترجم، فقال له علي بن أَبي طالب: ليس ذلك عليها، وقد قال اللَّه -تعالى- في كتابه: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} وقال: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}، وقال: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} قال: فالرضاعة أربعة وعشرون شهرًا، والحمل ستة أشهر.
ووصله ابن أبي ذئب في "موطئه"، كما في "الاستذكار" (24/ 73)، ومن طريقه ابن جرير في "التفسير" (35/ 102)، وابن شبة في "تاريخ المدينة" (3/ 979)، وابن أَبي حاتم في "تفسيره"، ومن طريقه ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" (2/ 214) من طريق يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط عن بعجة بن عبد اللَّه الجهني به مطولًا، قال ابن حجر: "وهذا موقوف صحيح"، وقال: "وأظن مالكًا سمعه من ابن قسيط؛ فإِنه من شيوخه".
ثم قال: وقد أخرج إِسماعيل القاضي في كتاب "أحكام القرآن" بسندٍ له فيه رجل مبهم عن ابن عباس أنه جرى له مع عثمان في نحو هذه القصة الذي جرى لعلي؛ فاحتمل أن كان محفوظًا أن يكون تواقق معه، وأما احتمال التعدد؛ فبعيد جدًا".
وما جرى بين ابن عباس مع عثمان هي رواية ثقات أهل مكة، والرواية الأولى رواية أهل المدينة، وأهل البصرة يروونها لعمر عن علي؛ كما عند ابن شبة في "تاريخ المدينة" (3/ 979)، والبيهقي في "الكبرى" (7/ 442).
وانظر: "الاستذكار" (24/ 74 - 75)، و"المعتبر" (ص 194) للزركشي، و"تفسير ابن كثير" (4/ 136، 157).
(3/121)

"أُمرت أن أقاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عَصموا مِنِّي دِماءَهم وأَموالَهم إلا بحقها" قتال مانعي الزكاة حتى بَيّن له الصديق فأقرَّ به (1)، وفهم قُدامة بن مَظْعون من قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} [المائدة: 93] رفع الجُناح (2) عن الخَمْر حتى بَيَّن له عمر أنه لا يتناول الخمر (3)، ولو تأمَّل سياق الآية لفهم المراد منها، فإنه إنما رفع الجُناح عنهم فيما طعموه مُتَّقين له فيه، وذلك إنما يكون باجتناب ما حَرَّمه من المطاعم؛ فالآية لا تتناول المحرَّم بوجه ما، وقد فهم من قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] انغماس الرجل في العدو حتى بَيَّن له (4) أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التَّهلُكة، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضات اللَّه، وأن الإلقاء [بيده] (5) إلى التهلكة هو الإقبال على الدنيا وعمارتها وترك الجهاد (6)، وقال الصِّدِّيقُ -رضي اللَّه عنه-: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتَضَعُونها على غير مواضعها (7): {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] وإني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنَّ الناس إذا
__________
(1) انظر تفصيل ذلك عند البخاري في "الصحيح" (كتاب الزكاة): باب وجوب الزكاة (3/ 262/ رقم 1399، 1400)، و (كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم): باب قتل من أبى قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردة (12/ 275/ رقم 6924، 6925) مع كلام الشارح ابن حجر في "الموطن الثاني"، وانظر "مسند الفاروق" (2/ 672 - 673) لابن كثير رحمه اللَّه.
(2) في (ق): "أنه رفع للجناح".
(3) أخرجه ابن أبي شيبة وابن المنذر بنحوه؛ كما في "الدر المنثور" (3/ 174)، والقاضي إِسماعيل في "الأحكام"، وابن شبة في "تاريخ المدينة" (3/ 842 - 844)، والبيهقي في "الكبرى" (8/ 315)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (5/ 56).
(4) في (ق): "لهم".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) رواه أبو داود (2512) في (الجهاد): باب في قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} والترمذي (2972) في "التفسير": باب ومن سورة البقرة، والطبري (3179)، و (3180)، والطبراني في "الكبير" (4060)، والحاكم (2/ 275)، والبيهقي (9/ 99) من طريق يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبى عمران قال:. . . فذكر قصة أبي أيوب وذاك الرجل وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وفي (ك): "هو ترك الجهاد والإقبال على الدنيا وعمارتها".
(7) في (ق): "موضعها".
(3/122)

رَأوا المنكر فلم يغيِّروه أوشك أن يعمَّهُم اللَّه بعقاب من عنده" (1) فأخبرهم أنهم يضعُونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلافَ مَا أريد بها، وأشكل على ابن عباس أمْرُ الفِرْقَةِ الساكتة التي لم ترتكب ما نُهيت عنه من اليهود: هل عُذِّبُوا أو نَجَوا حتى بين له مولاه عِكْرِمة دخولهم في الناجين دون المعذبين، وهذا هو الحق؛ لأنه سبحانه قال عن الساكتين: {وَإِذْ [قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ] (2) لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} [الأعراف: 164] فأخبر أنهم أنكروا فعلهم وغضبوا عليهم، وإن لم يواجهوهم بالنهي فقد واجههم به مَن أدَّى الواجب عنهم، فإن
__________
(1) رواه الحميدي (3)، وأحمد (1/ 522، 527)، وابن أبي شيبة (ق 11/ أ)، وعبد بن حميد (1 - "المنتخب") في "مسانيدهم"، وأَبو داود في (الملاحم): (4338) باب الأمر والنهي، والترمذي (2168) في "الفتن": باب ما جاء في نزول العذاب إِذا لم يغير المنكر، و (3057) في "التفسير": باب ومن سورة المائدة، وابن ماجه (4005) في "الفتن": باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمروزي في "مسند أبي بكر" (86 - 89)، والبزار في "مسنده" (رقم 65، 68)، وأبو يعلى في "مسنده" (128 و 130 و 131 و 132)، وابن حبان (304 و 305)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (1165 - 1170)، وابن أبي الدنبا في "الأمر بالمعروف" (رقم 1، 40)، والضياء في "المختارة" (رقم 54، 60)، والطبري في "التفسير" (7/ 98)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (رقم 62، 63)، والطبراني في "مكارم الأخلاق" (رقم 79)، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (528)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 91)، والخطيب في "الفصل والوصل" (ق 7/ أ)، والخطابي في "العزلة" (ص 103) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (رقم 123)، والذهبي في "معجم الشيوخ" (1/ 120)، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" (ص 381)، من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن حازم عن أبي بكر الصديق مرفوعًا به.
والذين رووه عن إسماعيل مرفوعًا أكثر من عشرين نفسًا ذكرهم الدارقطني في "علله" (1/ 251).
وقد رواه بعضهم عن إسماعيل فوقفوه على أبي بكر.
قال البزار: والحديث لمن زاد فيه إذا كان ثقة.
وقال أبو زرعة كما في "علل ابن أبي حاتم" (2/ 98): وأحسب إسماعيل بن أبي خالد كان يرفعه مرة ويوقفه مرة.
أقول: يظهر أن هذا ليس من إسماعيل بل من قيس بن أبي حازم: فقد رواه أبو يعلى (129) من طريق الحكم عن قيس به موقوفًا، لذلك قال الدارقطني: وجميع رواة هذا الحديث ثقات (أي من وصل ومن وقف)، ويشبه أن يكون قيس بن أبي حازم كان ينشط في الرواية مرة فيسنده ومرة يجبن عنه فيوقفه على أبي بكر.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3/123)

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فلما قام به أولئك سقط عن الباقين، فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم، وأيضًا فإن اللَّه سبحانه إنما عذب الذين نَسُوا ما ذُكِّروا به وعَتْوا عمَا نُهوا عنه، وهذا لا يتناول الساكتين قطعًا، فلما بين عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذبين كَسَاه بُرْدَة [وفرح به] (1)، وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة: ما تقولون في: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)} [النصر: 1] السورة؟ قالوا: أمر اللَّه نبيَّه إذا فَتحَ عليه أن يستغفره، فقال لابن عَبَّاس: ما تقول أنت؟ قال: هو أجلُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أعلمه إيَّاه، فقال: ما أعلمُ منها غيرَ ما تَعلم (2)، وهذا من أدق الفهم وألطفه، ولا يدركه كل أحد، فإنه سبحانه لم يُعلِّق الاستغفار بعلمه (3)، بل علّقه بما يحدثه هو سبحانه من نعمة من فَتْحِه على رسوله ودخول الناس في دينه، وهذا ليس بسببٍ للاستغفار، فعلم أن سببَ الاستغفار غيرُه (4)، وهو حضور الأجل الذي من تمام نعمة اللَّه على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه ليلقى ربه طاهرًا مطهرًا من كل ذنب فيقدم عليه مسرورًا راضيًا مرضيًا عنه، ويدل عليه أيضًا قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 3] وهو -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُسبِّح بحمده دائمًا (5)، فعلم أن المأمور به من
__________
(1) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (2/ 240)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (15272) أخبرنا ابن جريج قال: حدثني رجل عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يومًا فذكره مطولًا جدًا وإسناده ضعيف لإبهام الرجل.
ورواه الطبري (15271) من طريق يحيى بن سليم عن ابن جريج عن عكرمة. . فأسقط منه الرجل المبهم، ورواه الطبري (15269)، و (15270) من طريق حماد عن داود عن عكرمة عن ابن عباس. . . وهو مختصر.
ورواية داود بن الحصين عن عكرمة ضعيفة، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) رواه البخاري (3627) في (المناقب): باب علامات النبوة في الإسلام، و (4294) في (المغازي): باب منزل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم الفتح، و (4430) باب مرض النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ووفاته، و (4969) في "التفسير" باب قوله: {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2)}، و (4970) باب قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} من حديث ابن عباس عن عمر.
(3) في المطبوع: "بعمله" وقال في هاش (ق): "لعله: بعمله" ثم ضرب عليه.
(4) في (ن): "فعلم أنه غيره".
(5) روى مسلم في "صحيحه" (484) (218) من حديث عائشة قالت: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يكثر من قول: "سبحان اللَّه وبحمده، استغفر اللَّه وأتوب إليه" قالت: قلت: يا رسول اللَّه ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟! قال: "جعلت لي علامة في أمتي إِذا رأيتها =
(3/124)

ذلك التسبيح بعد الفتح ودخول الناس في هذا الدين أمرٌ أكبر (1) من ذلك المتقدم، وذلك مقدمةٌ بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي تُرقيه إلى ذلك المقام بقيةٌ فأمره بتوفيتها، ويدل عليه أيضًا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال (2)، فشرعها (3) في خاتمة الحج وقيام الليل، وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سَلَّم من الصلاة استغفر ثلاثًا (4)، وشرع للمتوضئ [بعد كمال وضوئه أن يقول] (5): "اللَّهم اجعلني من التوَّابين واجعلني من المتطهرين" (6) فعُلم أن التوبةَ مشروعةٌ عَقيب الأعمال الصالحة، فأمر رسولَه
__________
= قلتها: إِذا جاء نصر اللَّه والفتح. . . " إلى آخر السورة.
وروى البخاري (794)، و (817)، و (4293)، و (4967)، و (4968)، ومسلم (484) من حديث عائشة أيضًا قالت: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" يتأول القرآن.
وفي إحدى روايات البخاري: ما صلى بعد أن نزل عليه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)} صلاةً إلا يقول فيها: "سبحانك ربنا. . . " وسقطت "دائمًا" من (ق).
(1) في (ق): "ودخول الناس في الدين أمر أكثر من ذلك".
(2) انظر: "مدارج السالكين" (1/ 175)، و (2/ 62، 426)، و (3/ 435)، و"جلاء الأفهام" (ص: 188)، و"طريق الهجرتين" (ص: 371)، و"التبيان في أقسام القرآن" (ص: 59، 184).
(3) في (ق): "فشرعه".
(4) رواه أحمد (5/ 275)، و (279)، و (280)، ومسلم (591) في (المساجد): باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، من حديث ثوبان، وسقطت "ثلاثًا" من (ق).
(5) في (ق): "أن يقول بعد كمال وضوئه".
(6) رواه الترمذي (55) في (الطهارة): من طريق زيد بن حباب عن معاوية عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عمر.
وقال: "حديث عمر قد خولف زيد بن الحباب في هذا الحديث وروى عبدُ اللَّه بن صالح وغيره عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبي إِدريس عن عقبة بن عامر عن عمر، وعن ربيعة عن أبي عثمان عن جُبير بن نُفير عن عمر.
وهذا حديثٌ في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا الباب كبير شيء.
وقال الحافظ ابن حجر في "أمالي الأذكار" -كما في "الفتوحات الربانية" (1/ 19) -: وهذه الزيادة التي عند الترمذي لم تثبت في هذا الحديث فإن جعفر بن محمد تفرد بها ولم يضبط الإسناد. . .
ثم قال: وقد وجدت للزيادة شاهدًا من حديث ثوبان أخرجه الطبراني، قلت: هو عند الطبراني في "الأوسط"، كما ذكر الهيثمي في "المجمع" (1/ 239)، وقال: تفرد به مسور بن مورع ولم أَجد من ترجمه، وفيه أحمد بن سهيل الوراق ذكره ابن حبان في: =
(3/125)

بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دينه أفواجًا، فكأنَّ التبليغَ عبادةٌ قد أكملها وأدَّاها، فشُرع له الاستغفارُ عقيبها، والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم من الآية حكمًا أو حكمين، ومنهم من يفهم [منها] (1) عشرة أحكام أو (2) أكثر من ذلك، ومنهم من [يقتصر فهمُه] (3) على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائِه [وإشارته وتنبيهِه] (4) واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر (5) متعلق به فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يَنْتبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به، وهذا كما فهم ابنُ عباس من قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] مع قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] أن المرأة قد تَلِدُ لستة أشهر (6)، وكما فهم الصدِّيقُ من آية الفرائض في أول السورة وآخرهَا أن الكلالةَ مَنْ لا ولدَ له ولا والِد، وأسقط الإخوةَ بالجدِّ (7)، وقد أرشد النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عُمَر إلى هذا الفهم حيث سأله عن الكلالة وراجَعَه
__________
= "الثقات"، وهو في "الكبير" من حديث ثوبان، وليس فيه هذه الزيادة (1441)، وفي إسناد "الكبير" أبو سعيد البقال، والأكثر على تضعيفه.
وقال الحافظ ابن حجر: وله شاهد آخر غريب من حديث البراء. وانظر: "نتائج الأفكار" (1/ 237 - 241).
قلت: وللشيخ أحمد شاكر على حديث الباب كلام يستحق النظر. وانظر: "زاد المعاد" (1/ 95).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "و".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك) والمطبوع: "يقتصر في الفهم".
(4) في (ق): "وتنبيهه وإشارته".
(5) في (ن): "بضم النص إلى نص آخر".
(6) بيان ذلك أننا إِذا طرحنا الحولين -مدة الرضاع- من الثلاثين شهرًا مدة الحمل والفصال؛ لبقي معنا ستة أشهر وهي المدة التي استنتجها ابن عباس -رضي اللَّه عنه- التي قد تلد المرأة لها (ط).
قلت: والأثر سبق تخريجه.
(7) قول أبي بكر في الكلالة: رواه عبد الرزاق (10/ 304 رقم 19191)، وابن جرير في "التفسير" (8/ 54 رقم 8747، 8745، 8746)، وابن أبي شيبة (11/ 415 - 416)، والدارمي (1/ 365)، وسعيد بن منصور في "السنن" (رقم 591)، والبيهقي (6/ 223، 224)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 199) من طريق الشعبي عن أبي بكر، وهو منقطع الشعبي لم يدرك أبا بكر، وعزاه ابن حجر في "التلخيص" (4/ 195) لكتاب =
(3/126)

السؤال فيها مرارًا، فقال: يكفيك آية الصَّيْف (1)، وإنما أشكل على عمر قولُه: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 176]، الآية، فدلَّه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على ما يبيِّن له المراد منها وهي الآية الأولى التي نزلت في الصيف، فإنه وَرَّثَ فيها ولَدَ الأم في الكلالة (2) السدس، ولا ريبَ أنَّ الكلالةَ فيها مَنْ لا ولد له ولا والد، وإن عَلَا.
ونحن نذكر عدة مسائل مما اختلف فيها السَّلَفُ ومَنْ بعدهم، قد (3) بينتها النصوص، ومسائل قد احتُجُّ فيها بالقياس وقد بيَّنها النَّصُ وأغنى فيها عن القياس.

[المسألة المشتركة في الفرائض]
المسألة الأولى: [المشتركة في الفرائض] (4)، وقد دل القرآن على اختصاص ولَدِ الأم فيها بالثلث، بقوله (5) تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12] وهؤلاء ولد الأم، فلو أدخلنا معهم ولد الأبوين لم يكونوا شركاء في الثلث بل يزاحمهم فيه غيرهم، فإن قيل: بل وَلدُ الأبوين منهم، إلغاء لقرابة الأب، قيل: هذا وهم، لأن اللَّه سبحانه قال (6) في أول الآية: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 12] ثم قال: {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12] فذَكَرَ حُكمَ واحدهم وجماعتهم حكمًا يختص به الجماعة منهم كما يختص به واحدُهُم، وقال في ولد الأبوين: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
__________
= "الحجة" لقاسم بن محمد من طريق ابن سيرين عن أبي بكر وقال: وهو منقطع وفي (ك) و (ق): "بالأب" وسقطت "وقد" من (ق).
(1) الحديث في "صحيح مسلم" وقد سبق تخريجه قريبًا.
(2) في (ق) و (ك): "بالكلالة".
(3) في (د): "وقد" ووقع في (ق): "عدة مسائل مما عليه السلف ومن بعدهم قد".
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ط): "المشتركة" وفي (ك) و (ق): "المشركة"، وانظر عنها: "شرح الرحبية" (ص 50 - 52)، "العذب الفائض" (1/ 101 - 102)، "عدة الباحث" (31 - 32).
(5) في (ك) و (ق): "لقوله".
(6) في (ن): "ذكر".
(3/127)

الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 176] فذكر حكم ولد الأب والأبوين واحدُهُم وجماعتهم، وهو حكم يختص به جماعتهم [كما يختص به واحدهم] (1) فلا يشاركهم فيه غيرُهُم، فكذا حكم ولد الأم، وهذا يدل على أن أحد الصِّنفين غيرُ الآخر، فلا يشارك أحدُ الصنفين الآخر، وهذا الصنف الثاني هو ولد الأبوين أو الأب بالإجماع (2)، والأول هو ولد الأم بالإجماع، كما فسَّرته قراءةُ بعض الصحابة (3): "من أم" وهي تفسيرٌ وزيادةُ إيضاح، وإلا فذلك معلوم من السياق ولهذا ذكر سبحانه ولد الأم في آية الزوجين، وهم أصحاب فرض مُقَدَّر لا يخرجون عنه، ولا حَظَّ لأحد منهم في التعصيب، ولم يذكر فيها أحدًا من العصبة، بخلاف ذكر (4) في آية العمودين الآية التي قبلها؛ فإن لجنسهم حظًا في التعصيب، ولهذا قال في آية الإخوة من الأم والزوجين: {غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: 12] ولم يقل ذلك في آية العمودين، فإن الإنسان كثيرًا ما يَقْصِدُ ضِرَار الزوجين (5) وولد الأم لأنهم ليسوا من عصبته، بخلاف أولاده وآبائه فإنه لا يضَارهم في العادة، فإذا (6) كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث لم يجز تنقيصهم منه، وأما ولد الأبوين فهم جنس آخر وهم عصبته (7) وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألِحْقُوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فلأوْلى رَجلٍ ذَكَر" (8) وفي
__________
(1) في (ن): "كواحدهم".
(2) في (ن): "والصنف الثاني هو ولد الأبوين والأب بالإجماع".
(3) أخرج الدارمي (2/ 366)، وابن أبي شيبة (11/ 416 - 417)، وسعيد بن منصور (3/ 1187)، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" (رقم 589)، والطبري (8/ 61 - 62/ ط شاكر)، والبيهقي (6/ 333، 231) من طريق القاسم بن عبد اللَّه بن ربيعة بن قانف أن سعدًا كان يقرؤها: "وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم"، والقاسم لم يرو عنه إلا يعلى بن عطاء، ووثقه ابن حبان (5/ 302)، وانظر: "التهذيب" (8/ 320).
وعزاه في "الدر المنثور" إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر وذكر أبو حيان في "البحر المحيط " (3/ 160) أن هذه قراءة أُبيّ وقال ابن المنذر في "الإجماع" (ص 83): "وأجمعوا أن مراد اللَّه عز وجل في الآية في أول سورة النساء الأخوة من الأم، وبالتي في آخرها الإخوة من الأب والأم "، وحكى هذا الإجماع الرازي (9/ 233 - 224) والقرطبي (5/ 78) في "تفسيريهما"، وانظر -غير مأمور-: "القراءات وأثرها في التفسير والأحكام" (2/ 761 - 764).
(4) في المطبوع: "ما ذكر" وفي (ق): "من ذكر".
(5) في (ق): "الزوج".
(6) في (ق): "وإذا".
(7) في (ن): "عصبة".
(8) رواه البخاري في "الصحيح" (كتاب الفرائض): باب ميراث الولد من أبيه وأمه، =
(3/128)

هذه المسألة لم تُبْقِ الفرائضُ شيئًا، فلا شيء للعصبة بالنَّص، وأما قول القائس (1): "هَبْ أن أبانا كان حمارًا" فقول باطل حسًا وشرعًا، فإن الأبَ لو كان حمارًا لكانت الأم أتانًا، وإذا قيل: يُقدَّر وجوده كعدمه، قيل: هذا باطل، فإن الموجود لا يكون كالمعدوم، وأما بطلانه شرعًا فإن اللَّه سبحانه حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم.
فإن قيل: الأب إن لم ينفعهم لم يضرهم.
قيل: بل قد يضرهم كما ينفعهم (2) فإن ولد الأم لو كان واحدًا وولد الأبوين مئة وفَضَل نصفُ سدس (3) انفرد ولد الأم بالسُّدُس، واشترك ولد الأبوين في نصف السدس، فهلَّا قبلتم (4) قولَهم ههنا: هَبْ أن أبانا كان حمارًا؟ وهلا قدَّرتم الأب مَعْدُومًا فخرجتم عن القياس كما خرجتم عن النص، وإذا جاز أن ينقصهم الأبُ جاز أن يحرمهم، وأيضًا فالقرابة المتصلة الملتئمة من الذكر والأنثى لا تفرق أحكامها، هذه قاعدة النسب في الفرائض وغيرها، فالأخ من الأبوين لا نجعله (5) كأخ من أب وأخ من أم فنعطيه السدس [فرضًا] (6) بقرابة الأم والباقي تعصيبًا بقرابة الأب.
فإن قيل: فقد فرقتم بين القرابتين (7)، فقلتم في ابني عم أحدهما أخ لأم: يُعطى الأخ للأم بقرابة الأم السدسَ ويقاسم ابن العم بقرابة العمومة.
قيل: نعم هذا قول الجمهور، وهو الصواب، وإن كان شُرَيْح ومَنْ قال (8) بقوله أعطى الجميع لابن العم الذي هو أخ لأم، كما لو كان ابن عم لأبوين، والفرقُ بينهما على قول الجمهور أن كليهما في بُنوَّة العم سواء، وأما الأخوة للأم فمستقلة ليست [مقترنة] (6) بأبوة حتى تُجعل كابن العم للأبوين، فههنا (9) قرابة الأم
__________
= (12/ 11/ رقم 6732)، وباب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن، (12/ 16/ رقم 6735)، وباب ميراث الجد مع الأب والإخوة (12/ 18/ رقم 6737)، وباب أبناء عم أحدهما أخ لأم، والآخر زوج، (12/ 27/ رقم 6746)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الفرائض): باب ألحقوا الفرائض بأهلها (3/ 1233/ رقم 1615)، عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-.
(1) في (ن): "القياسيين".
(2) في (ن): "بلى. . . ".
(3) في (ن): "نصف السدس".
(4) في (ق): "قلتم".
(5) في (ن): "لا يحصل".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ن): "قد فرقتم أحكام القرابتين".
(8) في (ك): "يقول".
(9) في (ق): "فهنا".
(3/129)

منفردة عن قرابة العمومة، بخلاف قرابة الأم في مسألتنا فإنها متحدة بقرابة الأب.
ومما يبين أن عدم التشريك هو الصحيح أنه لو كان فيها أخوات لأب لفرض لهنَّ الثلثان وعالَت الفريضة، فلو كان معهن أخوهن سَقَطْنَ به، ويُسمَّى الأخ المشئوم، فلما كنَّ بوجوده يَصِرْن عصبة صار تارة ينفعهن، وتارة يضرهن ولم يجعل وجوده كعدمه في حال الضرار فكذلك قرابة الأب لما صار الإخوة بها عَصَبة صار ينفعهم تارة ويضرهم أخرى، وهذا شأن العَصَبة فإن العَصَبة تارة تحُوزُ (1) المالَ وتارة تحوز (1) أكثره وتارة تحوز أقله وتارة تَخيبُ (2)؛ فمن أعطى العصبة مع استغراق الفروض المال (3) خرج عن قياس الأصول وعن موجب النص.
فإن قيل: فهذا (4) استحسان.
قيل: لكنه استحسان يخالف الكتاب والميزان، فإنه ظلمٌ للإخوة من الأم حيث يؤخذ ضهم ويُعطاه غيرهم، وإن كانوا يَعقِلُون عن الميت ويُنفِقون عليه لم يلزم من ذلك أن يشاركوا مَنْ لا يعقل ولا يُنفق في ميراثه، فعاقلة المرأة -من أعمامها وبني عمها وإخوتها- يعقلون عنها، وميراثها لزوجها وولدها كما قضى بذلك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (5)، فلا يمتنع أن يعقل ولدُ الأبوين ويكون الميراثُ لولد الأم.

[المسألة العمرية]
المسألة الثانية: العمريتان (6)، والقرآن يدل على قول جمهور الصحابة فيها كعمر وعثمان وعبد اللَّه بن مسعود وزيد بن ثابت: إن للأم ثُلثَ ما بقي بعد فَرْضِ [أحد] الزوجين (7)، وههنا طريقان:
__________
(1) في (ق): "يحوز".
(2) في (ق): "يخيب".
(3) في (ق): "للمال".
(4) في (ق): "هذا".
(5) أخرج البخاري (6745) (كتاب الفرائض): باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره عن أبي هريرة قال: قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميِّتًا بغُرَّة: عبد أو أمة ثم إنّ المرأة التي قضى عليها بالغرة توفِّيت، فقضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها.
(6) العمريتان: هما: (زوج وأب وأم) و (زوجة وأم وأب)، انظر: "المغني" (6/ 279)، "الميراث في الشريعة الإسلامية" (ص 344).
(7) أخرج البيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 228)، وابن حزم في "المحلى" (9/ 261 - =
(3/130)

أحدهما: بيان عدم دلالته على إعطائِها الثلث كاملًا مع الزوجين، وهذا أظهر الطريقين.
والثاني: دلالته على إعطائها ثُلثَ الباقي، وهو أدقُّ وأخفى من الأول، أما الأول فإن اللَّه سبحانه إنَّما أعطاها الثلث كاملًا إذا انفرد الأبوان بالميراث، فإن قوله سبحانه: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: 11] شرطان (1) في استحقاق الثلث: عدمُ الولد، وتفردُهما بميراثه، فإن قيل: ليس في قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} [النساء: 11] ما يدل على أنهما تفردا بميراثه، قيل: لو لم يكن [تفردُهما] (2) شرطًا لم يكن في قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} [النساء: 11] فائدة، وكان تطويلًا يغني عنه قوله: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: 11] فلما قال: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} [النساء: 11] علم أن استحقاق الأم الثلث موقوف على الأمرين، وهو سبحانه ذكر أحوالَ الأم كُلِّها نصًا وإيماء، فذكر أن لها السدس مع الإخوة، وأن لها الثلث كاملًا مع عدمِ الولد وتفرُّدِ الأبوين بالميراث، بقي لها
__________
= 262)؛ عن عكرمة قال: أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين، فقال زيد: للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وللأب بقية المال. فقال ابن عباس: للأم الثلث كاملًا. وفي لفظ له: فأرسل إليه ابن عباس: "أفي كتاب اللَّه تجد هذا؟ قال: لا، ولكن أكره أن أفضّل أمًا على أب، قال: وكان ابن عباس يعطي الأم الثلث من جميع المال".
وأخرج عبد الرزاق في "المصنف" (رقم 19018)، والدارمي (2/ 250)، والبيهقي (6/ 228) في "سننيهما"، وسفيان الثوري في "الفرائض" (رقم 14)؛ عن إبراهيم قال: خالف ابن عباس أهل الصلاة في زوج وأبوين، فجعل النصف للزوج، وللأم الثلث من رأس المال، وللأب ما بقي" لفظ عبد الرزاق، ولفظ الدارمي: "وجعل للأم الثلث من جميع المال".
وعلقه عنه ابن حزم في "المحلى" (9/ 260).
وأسند عبد الرزاق (19017، 19019)، وابن أبي شيبة (11/ 238)، وسفيان (12، 15)، وسعيد بن منصور (9)، والدارمي (2/ 249)، والبيهقي (6/ 228)؛ بإسناد صحيح عن عثمان، وابن أبي شيبة (11/ 239، 240، 241)، وسعيد (6 - 8)، وسفيان (13 - 15)، وعبد الرزاق (19019)، والدارمي (2/ 2500)، والبيهقي (6/ 228)، وابن حزم (9/ 260)؛ عن عمر وابن مسعود (ثلاثتهم) قالوا بما قال به زيد بن ثابت في الأثر السابق.
وانظر: "حلية العلماء" (6/ 281)، "التهذيب في الفرائض" (ص 199)، "موسوعة فقه ابن عباس" (1/ 132 - 136).
وما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(1) في المطبوع و (ن): "شرط أنَّ".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3/131)

حالة ثالثة -وهي مع عدم الولد وعدم تفرد الأبوين بالميراث- وذلك لا يكون إلا مع الزوج والزوجة، فإما أن تُعطى في هذه الحال الثلث كاملًا وهو خلاف مفهوم القرآن، وإما أن تُعطى السُّدس فإنَّ اللَّه سبحانه لم يجعله فرضها إلا في موضعين مع الولد ومع الإخوة، وإذا امتنع هذا وهذا كان الباقي بعد فرضِ الزوجة (1) هو المال الذي يستحقه الأَبوان، ولا يشاركُهُما فيه مُشارِك، فهو (2) بمنزلة المال كله إذا لم يكن زوج ولا زوجة، فإذا تقاسماه أثلاثًا كان الواجب أن يتقاسما الباقي بعد فرض الزوجين كذلك.
فإن قيل: فمن أين تأخذون حكمها إذا ورثته الأم [مع] (3) مَنْ دون الأب كالجد والعم والأخ وابنه.
قيل: إذا كانت تأخذ الثلث مع الأب فأخذُها له مع مَنْ دُونه من العصبات أولى، وهذا من باب التنبيه.
فإن قيل: فمن أين أعطيتموها الثلثَ كاملًا إذا كان معها ومع هذه العَصَبة الذي هو دون الأب زوج أو زوجة، واللَّه سبحانه إنما جعل لها الثلث كاملًا إذا انفرد الأبوان بميراثِه على ما قرَّرتموه، فإذا كان جد وأم أو عم وأم أو أخ وأم أو ابن عم أو ابن أخ مع أحد الزوجين (4)، فمن أين أعُطيت الثلث كاملًا، ولم ينفرد الأبوان بالميراث؟
قيل: بالتنبيه ودلالة الأولى، فإنها إذا أخذت الثلث كاملًا مع الأب فلأن تاخذه مع [ابن] (5) العم أولى وأما إذا كان أحَدُ الزوجين مع هذه (6) العصبة فإنه ليس له إلا ما بقي بعد الفروض، ولو استوعبت الفروضُ المالَ سقط كأم وزوج وأخ لأم، بخلاف الأب.
فإن قيل: فمن أين تأخذون حكمها إذا كان مع العَصَبَة ذو فرض غير البنات والزوجة؟
__________
(1) في المطبوع و (ك): "الزوجبن"، وفي (ق): "الزوجة و"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(2) في (ق): "وهو".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وبدله في المطبوع: "و" وفي (ق): "الأم من دون الأب" وفي الهامش: "لعله مع".
(4) في (ق): "أو ابن أخ وأم مع أحد الزوجين".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ق): "هذا".
(3/132)

قيل: لا يكون ذلك إلا [مع] (1) ولد الأم أو الأخوات لأبوين أو لأب (2) واحدة أو أكثر، واللَّه سبحانه قد أعطاها السدس مع الإخوة، فدلَّ على أنها تأخذ الثلث مع الواحد إذ ليس بإخوة.
بقي (3) الأختان والأخوان؛ فهذا مما تنازع فيه الصحابة فجمهورُهم أدخلوا الاثنين في لفظ الإخوة، وأبى ذلك ابنُ عباس (4)، ونَظَرُه أقرب إلى ظاهر اللفظ (5)، ونظر الصحابة أقربُ إلى المعنى وأولى به؛ فإن الإخوة إنما حجبوها
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) في المطبوع و (ن): "للأبوين أو للأب".
(3) في (ن): "أما".
(4) يريد ما رواه ابن جرير (8/ 40 رقم 8732 - ط شاكر) والحاكم (4/ 335)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 227) وابن حزم (9/ 258) من طريق ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه دخل على عثمان بن عفان فقال: إن الأخوين لا يردان الأم إلى الثلث؛ قال اللَّه عز وجل: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} فالأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة، فقال عثمان بن عفان: لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"! قلت: بل إسناده ضعيف.
قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (3/ 85): "وفيه نظر، فإن فيه شعبة مولى ابن عباس وقد ضعَّفه النسائي". قلت: وضعفه أيضًا مالك ويحيى القطان، وأبو زرعة، وقال ابن حبان: "روى عن ابن عباس ما لا أصل له، حتى كأنه ابن عباس آخر".
وانظر: "حلية العلماء": (6/ 281)، "الإشراف" (5/ 201 مسألة رقم 1953) وتعليقي عليه، "تفسير ابن جرير" (8/ 40 - ط شاكر)، "موسوعة فقه ابن عباس" (1/ 135 - 136).
(5) الراجح ما قال به جماهير أهل العلم سلفًا وخلفًا، قال ابن جرير في "تفسيره" (8/ 41 - 43 - ط شاكر): "والصواب من القول في ذلك عندي أن المعنى بقوله: "فإن كان له إخوة" اثنان من إخوة الميت فصاعدًا، على ما قاله أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، دون ما قاله ابن عباس رضي اللَّه عنهما لنقل الأمة وراثة صحة ما قالوه من ذلك عن الحجة وإنكارهم ما قاله ابن عباس في ذلك.
فإن قال قائل: وكيف قيل في الأخوين: "إخوة"، وقد علمت أن "الأخوين" في منطق العرب مثالًا لا يشبه مثال "الإخوة" في منطقها؟
قيل: إن ذلك وإن كان كذلك؛ فإن من شأنها التأليف بين الكلامين يتقارب معنياهما، وإن اختلفا في بعض وجوههما، فلما كان ذلك كذلك وكان مستفيضًا في منطقها منتشرًا مستعملًا في كلامها: "ضربت من عبد اللَّه وعمرو رؤوسهما، وأوجعت منهما ظهورهما"، وكان ذلك أشد استفاضة في منطقها من أن يقال: أوجعت منهما ظهريهما"، وإن كان مقولإً: "أوجبت ظهريهما"، كما قال الفرزدق [في "ديوانه" (554)]:
بما في فؤادينا من الشوق والهوى ... فيبرأ منهاض الفوائد المشعف =
(3/133)

إلى السدس لزيادة ميراثِهِم على ميراثِ الواحد، ولهذا لو كانت واحدةً أو أخًا واحدًا لكان لها الثلث معه، فإذا كان الإخوةُ ولدَ أمِ كان فرضُهم الثُّلثَ اثنين كانا (1) أو مئة، فالاثنان والجماعة في ذلك سواء، وكذلك لو كُنَّ أَخواتٍ لأب أو لأب وأم ففرضُ الثنتين (2) وما زاد واحد، فحجبُها عن الثلث إلى السدس باثنين كحَجْبها بثلاثة سواء، لا فرق بينهما ألبتة.
وهذا الفهم في غاية اللطف، وهو من أدق فهم القرآن، ثم طرد ذلك في الذكور من ولد الأب والأبوين لمعنى يقتضيه (3)، وهو توفير السدس الذي حُجبت عنه لهم لزيادتهم على الواحد (4) نظرًا لهم ورعايةً لجانبهم، وأيضًا فإن قاعدة الفرائض أن كُلَّ حكم اختصَّ به الجماعة عن الواحد اشتركَ فيه الاثنان وما فوقهما كولدِ الأُمِّ والبناتِ وبناتِ الابنِ والأَخواتِ للأبوين أو للأب، والحَجْبُ ههنا قد اختص به الجماعة، فيستوي فيه الاثنان وما زاد عليهما، وهذا هو القياس
__________
= غير أن ذلك وان كان مقولًا فأصح منه: "بما في أفئدتنا"، كما قال جل ثناؤه: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4].
فلما كان ما وصفت من إخراج كل ما كان في الإنسان واحدًا إذا ضم إلى الواحد منه آخر من إنسان آخر فصارا اثنين من اثنين، بلفظ الجميع، أفصح في منطقها وأشهر في كلامها، وكان "الإخوان" شخصين كل واحد منهما غير صاحبه، من نفسين مختلفين، أشبه معنياهما معنى ما كان في الإنسان من أعضائه واحدًا لا ثاني له، فأخرج اثناهما بلفظ اثني العضوين اللذين وصفت، فقيل: "إخوة" في معنى "الأخوين"، كما قيل: "ظهور" في معنى "الظهرين"، و"أفواه" في معنى "فموين"، و"قلوب" في معنى "قلبين".
وقد قال بعض النحويين: إنما قيل: "إخوة"؛ لأن أقل الجمع اثنان، وذلك أن ضم شيء إلى شيء صارا جميعًا بعد أن كانا فردين، فجمعا ليعلم أن الاثنين جمع".
وانظر: "المبسوط" (29/ 145)، "الاختيار" (4/ 163)، "الفتاوى الهندية" (6/ 449)، "شرح السراجية" (129 - 131)، "شرح الرحبية" (60 - 61)، "حاشية البقري على المارديني" (ص 19، 65)، "نهاية الهداية" (1/ 188 - 191)، "التهذيب في الفرائض" (ص 199)، "مغني المحتاج" (3/ 10)، "روضة الطالبين" (5/ 11)، "الإقناع" (3/ 85)، "المغني" (6/ 176)، "الإفصاح" (2/ 85)، "زاد المسير" (2/ 27)، "معاني القرآن" للزجاج (2/ 22)، "أنوار التنزيل" للبيضاوي (2/ 71)، "الحقوق المتعلقة بالتركة" (322 - 324).
(1) في (ق) و (ك): "كانوا".
(2) في (ك): "البنتين".
(3) في (ق): "وهو لمعنىً يقتضيه".
(4) في (ق) و (ن): "لزيادتهم لهم عن الواحد"! وانظر: "الأشراف" للقاضي عبد الوهاب (5/ 201) وتعليقي عليه.
(3/134)

الصحيح والميزان الموافق لدلالة الكتاب وفهم أكابر الصحابة؛ وأيضًا فإن الأمة مُجْمِعة على أن قوله [تعالى] (1): {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11] يدخل في حكمه الثنتان (2)، وإن اختلفوا في كيفية دخولهما في الحكم كما سيأتي، فهكذا دخول الأَخَويْن في الإخوة؛ وأيضًا فإن لفظ الإخوة كلفظ الذكور والإناث والبنات والبنين، وهذا كله قد يُطلق ويراد به الجنس الذي جاوَزَ الواحد وإن لم يزد على اثنين، فكلُّ حكمٍ عُلِّق بالجمع من ذلك دخل فيه الاثنان كالإقرار والوصية [والوقف] (1) وغير ذلك؛ فلفظ الجمع قد يُرَاد به الجنس المتكثِّر أعم من تكثيره بواحد أو اثنين (3)، كما أن لفظ المثنَّى قد يراد به المتعدّد أعم من أن يكون تعدده بواحد أو أكثر، نحو: {ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4] ودلالتهما [حينئذ] (4) على الجنس المتكثر (5)، وأيضًا فاستعمال [الاثنين في الجمع بقرينة واستعمال] (4) الجمع في الاثنين بقرينة (6) جائز بل واقع، وأيضًا فإنه سبحانه قال: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 176] وهذا يتناول الأخَ الواحدَ والأخت الواحدة كما يتناول مَنْ فوقهما (7)، ولفظُ الإخوةِ وسائرُ ألفاظ الجمع [قد] (8) يُعْنَى به الجنسُ من غير قصد التعدد، كقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] وقد يُعْنَى به العددُ من غير قصد [لعدد معين بل لجنس التعدد، وقد يُعنى به العددُ مع قصدِ معدودٍ معيَّن] (9)، فالأول يتناول الواحدَ وما (10) زاد، والثاني يتناول الاثنين وما (10) زاد، والثالث يتناول الثلاثة فما زاد عند إطلاقه، وإذا قُيِّد اختص بما قيد به. ومما يدل على أن قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] أن المراد به الاثنان فصاعدًا أنه سبحانه قال: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "البنتان".
(3) في (ق) و (ك): "الجنس المنكر أعم من تنكيره بواحد واثنين".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ق): "المنكر".
(6) في (ق): "فاستعمال الجمع بقرينة في الاثنين".
(7) في (ن) و (ق): "ما فوقهما".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وفي (ق): "قصد تعدد" بدل "قصد التعدد".
(9) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "العدد المعين"، وبعده فراغ يسع كلمتين.
(10) في (ق): "فما".
(3/135)

شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12] فقوله: {كَانُوا} [النساء: 12] ضمير جمع، ثم قال: {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12] فذكَرهم بصيغة الجَمْعِ المُضْمَر وهو قولُه: {فَهُمْ} [النساء: 12] والمْظْهَر وهو قوله: {شُرَكَاءُ} [النساء: 12] ولم يذكر قبل ذلك إلا قوله: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} [النساء: 12] فذكر حكم الواحد وحكم اجتماعه (1) مع غيره، وهو يتناول الاثنين قطعًا؛ فإن قولَه: {أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ} [النساء: 12] أي أكثر من أخ أو أخت، ولم يرد أكثر من مجموع الأخ والأخت، بل أكثر من الواحد، فدل على أن صيغةَ الجَمْعِ في الفرائض تتناول العدَدَ الزائد على الواحد مطلقًا، ثلاثةً كان أو أكثرَ منه؛ وهذا نظير قوله: {وَإِنْ (2) كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 176] ومما يوضح ذلك أن لفظ الجمع قد يختص بالاثنين مع البيان وعدم اللبس، كالجمع المضاف إلى اثنين مما يكون المضاف فيه جزءًا من المضاف إليه أو كجزئه، نحو "قلوبهما" و"أيديهما"، فكذلك يتناول الاثنين فما فوقهما مع البيان (3) بطريق الأَوْلَى، وله ثلاثةُ أحوالٍ: أحدها: اختصاصُه بالاثنين، الثانية: صلاحيتُه لهما، الثالثة: اختصاصُه بما زاد عليهما، وهذه الحالُ له عند إطلاقه، وأما عند تقييده فبحسب ما قُيِّد به، وهو حقيقةٌ في الموضعين، فإن اللفظ تختلف دلالته بالإطلاق والتقييد، وهو حقيقةٌ في الاستعمالين؛ فظهر أن فهم جمهور الصحابة أحسن من فهم ابن عباس في حَجْب الأم بالاثنين، كما أن فهمهم في العمريتين أتمُّ من فهمه؛ وقواعد الفرائض تشهد لقولهم؛ فإنه إذا اجتمع ذكرٌ وأنثى في طبقة واحدة كالابنِ والبنتِ والجدِّ والجدّةِ والأَبِ والأمِّ والأخِ والأختِ فإما أن يأخذ الذكر ضعفَ ما تأخذه (4) الأنثى أو يساويها؛ وأَمَّا أن تأخذ الأنثى ضعفَ الذَّكرِ فهذا خلاف قاعدة الفرائض التي أوجبها شرعُ اللَّه وحكمته؛ وقد عهدنا اللَّه سبحانه أعطى الأب ضعفَ ما أعطى الأم إذا انفرد الأبوان بميراث الولد، وساوى بينهما في وجود الولد، ولم يفضِّلها عليه في موضع واحد، فكان جعل الباقي بينهما بعد نصيبِ أحدِ الزوجين أثلاثًا هو الذي يقتضيه الكتاب والميزان؛ فإن ما يأخذه الزوج أو الزوجة من المال كأنه مأخوذٌ بدَيْنٍ أو وصية إذ لا قرابةَ بينهما، وما يأخذه الأبوان يأخذانه بالقرابة، فصارا هما المستقلين بميراث الولد بعد فرض الزوجين، وهما في طبقة واحدة، فقسم الباقي بينهما أثلاثًا.
__________
(1) في (ق): "وحكمه في اجتماعه".
(2) في (ق): "فإن".
(3) في (ك): "البنات".
(4) في (ق): "تأخذ".
(3/136)

فإن قيل: فههنا (1) سؤالان: أحدهما: أنكم هلَّا أعطيتموها ثلثَ جميع المال في مسألة زوجة وأبوين؛ فإن الزوجة إذا أخذتِ الرُّبعَ وأخذت هي الثلث كان الباقي للأب وهو أكثر من الذي أخذته، فوفيّتُم حينئذ بالقاعدة، وأعطيتموها الثلثَ كاملًا، والثاني: أنكم هلَّا جعلتم لها ثلثَ الباقي إذا كان بدل الأب في المسألتين جَدٌّ.
قيل: قد ذهب إلى كل واحد من هذين المذهبين ذاهبون من السلف الطيب، فذهب إلى الأول محمد ابن سيرين (2) ومَنْ وافقه، وإلى الثاني عبد اللَّه بن مسعود (3)، ولكن أبى ذلك جمهورُ الصحابة والأئمة بعدهم، وقولُهم أصحُّ في الميزان وأقرب إلى دلالة الكتاب؛ فإنا لو أعطيناها (4) الثلث كاملًا بعد فرض الزوجة (5) كنّا قد خَرَجْنَا عن قاعدة الفرائض وقياسها (6) وعن دلالة الكتاب، فإن الأب حينئذٍ يأخذ [رُبُعًا وسُدُسًا] (7)، والأم لا تساويه ولا تأخذ شطره، وهي في طبقته، وهذا لم يشرعه اللَّه قط، ودلالة الكتاب لا تقتضيه؛ وأما في مسألة الجد فإن الجد أبعد منها، وهو يُحجَب بالأب، وليس في طبقتها فلا يُحجبُها عن شيء من حَقِّها، فلا يمكن أن تُعطى ثُلثَ الباقي ويُفضل الجد عليها بمثل ما تأخذ، فإنها أقرب منه، وليس في درجتها، ولا يمكن أن تُعطى السُّدس؛ فكان فرضها الثلث كاملًا.
وهذا مما فهمه الصحابة -رضي اللَّه عنهم- من النصوص بالاعتبار الذي هو في معنى
__________
(1) في (ق): "ههنا".
(2) انظر: "المحلى" (9/ 269 - 270)، و"معجم فقه السلف" (6/ 257 - 258).
(3) أخرجه عبد الرزاق (10/ 270 رقم 19072)، ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (9/ 295) ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" (6/ 250) من طريق يزيد بن هارون كلاهما عن سفيان الثوري -وهو في "الفرائض" (رقم 27) وسقط منه ذكر (ابن مسعود)!! - عن الأعمش عن إبراهيم عن مسروق عن ابن مسعود أنه قال في جد وابنة وأخت: هي من أربعة، للبنت سهمان، وللجد سهم، وللأخت سهم، فإن كانتا أختين فمن ثمانية، للبنت أربعة وللجد سهمان، وللأخت بينهما سهمان، فإن كن ثلاث أخوات فمن عشرة، للبنت خمسة أسهم، وللجد سهمان، وللأخوات ثلاثة أسهم بينهن. وإسناده على شرط الشيخين وانظر: "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (5/ 214) وتعليقي عليه.
(4) في المطبوع: "لو أعيناها".
(5) في (ن): "الزوج".
(6) في (ق) و (ك): "عن قاعدة الفرائض وقاعدتها".
(7) في (ن): "السدس".
(3/137)

الأصل، أو بالاعتبار الأولى، أو بالاعتبار الذي فيه إلحاقُ الفرع بأشبه الأَصْلين به، أو تنبيه اللفظ، أو إشارته وفَحْواه، أو بدلالة التركيب، وهي ضَمُّ نص إلى نص آخر، وهي غير دلالة الاقتران، بل هي ألطف منها وأدق وأصح كما تقدم.
فالقياس المحض والميزان الصحيح أنَّ الأم مع الأب كالبنت مع الابن والأخت مع الأخ؛ لأنهما ذكرٌ وأُنثى من جنس واحد، وقد أعطى اللَّه [سبحانه] (1) الزوجَ ضِعْفَ ما أعطى الزوجة تفضيلًا لجانب الذُكورية، وإنما عدل عن هذا في ولد الأم لأنهم يُدْلُون بالرحم المجرَّدِ ويُدْلُون بغيرهم وهو الأم، وليس لهم تعصيبٌ [بحال] (2)، بخلاف الزوجين والأبوين والأولاد، فإنهم يُدْلُون بأنفسهم، وسائر العصبة يُدْلون بذكرٍ كولدِ البنين وكالإخوةِ للأبوين أو للأب، فإعطاءُ الذَّكرِ مثلُ حَظِّ الأنثيين معتبرٌ فيمن يُدْلي بنفسه أو بعصبة؛ وأما مَنْ يُدلي بالأمومة كولد الأم فإنه لا يُفضَّلُ ذكرُهم على أنثاهم، وكان الذكر كالأنثى في الأخذ، وليس الذكر كالأنثى في باب الزوجية ولا في باب الأبوة ولا البنوة ولا الأخوة؛ فهذا هو الاعتبارُ الصحيحُ، والكتاب يدل عليه كما تقدم بيانه.
وقد تناظر ابنُ عباس وزيد بن ثابت في العمريتين، فقال له ابن عباس: أين في كتاب اللَّه ثُلثُ ما بقي؟ فقال زيد: وليس في كتاب اللَّه إعطاؤها الثلث كله مع الزوجين (3)، أو كما قال، بل كتابُ اللَّه يمنعُ إعطاءَها الثلث مع أحد الزوجين؛ فإنه لو أعطاها الثلثَ مع الزوج لقال: فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث، فكانت تستحقه مطلقًا، فلما خَصَّ الثلثَ ببعض الأحوال عُلم أنَّها لا تستحقه مطلقًا، ولو أعطيته مطلقًا لكان قولُه: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} [النساء: 11] زيادة في اللفظ ونقصًا في المعنى، وكان ذِكْرُه عديمَ الفائدة، ولا يمكن أن تُعطى السدس [لأنه إنما جُعلَ لها مع الولد أو الإخوة، فدل القرآن على أنها لا تُعطى السدس] (4) مع أحد
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق).
(3) رواه عبد الرزاق (19020) (10/ 254)، وابن أبي شببة (7/ 327 - 328 - دار الفكر)، والبيهقي (6/ 228)، وابن حزم (9/ 261 - 262) من طريق عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عكرمة عن ابن عباس. . . وفيه: في كتاب اللَّه تجد هذا؟! وإسناده صحيح.
ورواه الدارمي (2/ 346) نحوه من طريق شعبة عن الحكم عن عكرمة به ورواته ثقات.
ورواه ابن أبي شيبة من طريق عبدة عن الأعمش عن ابن عباس.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3/138)

الزوجين ولا تعطى الثلث؛ وكان قسمةُ ما بقي بعد فرض الزوجين بين الأبوين مثلَ قسمةِ أَصلِ المال بينهما، وليس بينهما فرقٌ أصلًا لا في القياس ولا في المعنى.
فإن قيل: فهل هذه دلالةٌ خطابيةٌ لفظية أو قياسية محضة؟
قيل: هي ذات وجهين؛ فهي لفظيةٌ من جهةِ دلالةِ الخطاب، وضمِّ بعضه إلى بعض، واعتبارِ بعضِه ببعض؛ وقياسيةٌ من جهة اعتبار المعنى، والجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، وأكثر دلالات النصوص كذلك كما في قوله: "مَنْ أعتق شِرْكًا [له] في عبد" (1) وقوله: "أيما رجل وَجَدَ مَتَاعَه بعينِه عند رجلٍ قد أفْلَسَ فهو أحقُّ به" (2) وقوله: "من باع شركًا له في أرض أو رَبْعة (3) أو حائط (4) " حيث يتناول الحوانيت؛ وقوله (5): {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النور: 23] فخص الإناث باللفظ، إذ كُنَ سببَ النزول، فنَصَّ عليهن بخصوصهن، وهذا أصح من فَهْم من قال من أهل الظاهر: المرادُ بالمحصناتِ: الفروجُ المحصناتُ، فإن هذا لا يفهمه السامع من هذا اللفظ ولا من قوله: {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} [النساء: 25] ولا من قوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ
__________
(1) تمام الحديث: "وكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّمَ عليه العَدْل، فأعطى شركاءَهُ حصصهم وعتق عليه العبد، وإلَّا؛ فقد عتق منه ما عتق".
أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الشركة): باب تقويم الأشياء بين الشركاء (5/ 132/ رقم 2491)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب العتق): باب منه (/ 2/ 1139 رقم 1501)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الأحكام): باب العبد يكون بين الرجلين (3/ 629/ رقم 1346)، وأبو داود في "السنن" (كتاب العتق): باب مَنْ رَوى أنه لا يُستسعى (4/ 256 / رقم 3940)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب البيوع): باب الشركة في الرقيق (7/ 319)، وابن ماجه في "السنن" (كتاب العتق): باب من أعتق شركًا له في عبد (2/ 844/ رقم 2527)، من حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-. وما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) رواه البخاري (2402) في (الاستقراض): باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض، ومسلم (1559) في (المساقاة): باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس، من حديث أبي هريرة.
(3) "الربع: المنزل، والربعة أخص" (و).
(4) رواه أحمد (3/ 312 و 397)، ومسلم (1608) (133) في (المساقاة): باب الشفعة من حديث جابر، ولفظه: "من كان له شريك في رَبْعة أو نخل. . . "، وفي مسلم بلفظ: "الشفعة في كل شِرك في أرض رَبْع أو حائط. . . ".
(5) في (ق): "وقوله تعالى".
(3/139)

النِّسَاءِ} [النساء: 24] ولا من قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النور: 23] بل هذا من عُرْف الشارع، حيث يُعبِّر باللفظ الخاص عن [المعنى] (1) العام، وهذا غير باب القياس؛ وهذا تارة يكون لكون اللفظ الخاص صار في العُرف عامًّا كقوله: {لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} (2) [النساء: 53] {مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} (3) [فاطر: 13] {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} (4) [النساء: 49، الإسراء: 71] ونحوه، وتارة لكونه قد عُلم بالضرورة من خطاب الشارع تعميمُ المعنى لكل ما كان مماثلًا للمذكور، وأن التَّعيين في اللفظ لا يُراد به التخصيص بل التمثيل، أو لحاجة المخاطب إلى تعيينه بالذكر، أو لغير ذلك من الحِكَم.

فصل [مسألة ميراث الأخوات مع البنات]
المسألة الثالثة: ميراث الأخوات مع البنات وأنهن عصبة؛ فإن القرآن يدل عليه كما أوجبته السنة الصحيحة (5)، فإن اللَّه سبحانه قال: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء: 176] وهذا دليل على أن الأختَ ترثُ النِّصف مع عدم الولد، وأنه هو يرث المال كله مع عدم ولدها، وذلك يقتضي أن الأخت مع الولد لا يكون لها النِّصفُ مما ترك؛ إذ لو كان كذلك لكان قوله: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 176] زيادة في اللفظ، ونقصًا (6) في المعنى، وإيهامًا لغير المراد، فدل على أنَّها مع الولد لا ترثُ النصفَ، والولد إما ذكر وإما أنثى، [فأما
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (د) و (ط): "لا يكون نقيرًا"!، وفي (و): "لا يظلمون نقيرًا"، وما أثبتناه من (ق).
(3) في (ق) و (د) و (ط) -أيضًا-: "وما يملكون من قطمير"! بزيادة الواو.
(4) وردت مرتين في [النساء: 149]، و [الإسراء: 71] " (و).
(5) أخرج البخاري (6741) (كتاب الفرائض): باب ميراث الأخوات مع البنات عَصَبة بسنده إلى سليمان عن إبراهيم عن الأسود قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- النصفُ للابنة، والنصف لأُخت، ثم قال سليمان: قضى فينا، ولم يذكر: على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-".
وأخرج (6742) عن ابن مسعود قال: لأقضين فيها بقضاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت.
(6) في (ق): "ونقص".
(3/140)

الذكر] (1) فإنه يُسْقطها كما يُسقط الأخ بطريق الأولى، ودل قوله: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء: 176] على أن الولدَ يُسقطه كما يسقطها، وأما الأنثى فقد دلَّ القرآنُ على أنها إنما تأخذ النصفَ ولا تمنع الأخ عن النصف الباقي إذا كانت بنت وأخ، بل دل القرآن مع السنة والإجماع أن الأخ يفوز بالنصف الباقي، كما قال تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 33] وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألْحِقُوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأوْلى رجلٍ ذكرٍ" (2) وليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت مع إناث الولد بغير جهة الفرض، وإنما صريحُه ينفي أن يكون فرضُها النصفَ مع الولد (3)، فبقي ههنا ثلاثة أقسام: إما أن يُفرضَ لها أقل من النصف، وإما أن تُحرمَ بالكلية، وإما أن تكون عَصَبة، والأولُ مُحَال، إذ ليس للأخت فرضٌ مُقدر غير النصف، فلو فرضنا لها أقلَّ منه لكان ذلك وضع شرع جديد، فبقي إما الحِرمانُ وإما التعصيبُ (4)، والحرمانُ لا سبيل إليه؛ فإنها وأخاها في درجة واحدة، وهي لا تُزاحم البنت (5)، فإذا لم يسقط أخوها بالبنت لم تسقط هي بها أيضًا، فإنها لو سَقَطت بالبنت ولم يسقط أخوها بها لكان أقوى منها وأقربَ إلى الميت، وليس كذلك، وأيضًا فلو أسقطتها البنتُ إذا انفردت عن أخيها لأسقطتها مع أخيها، فإن أخاها لا يزيدُها قوةً، ولا يحَصِّلُ لها نفعًا في موضع واحد، بل لا يكون إلا مضرًا لها ضررَ نقصان أو ضرر حرمان، كما إذا خلَّفت زوجًا وأمًا وأخوين لأم وأختًا لأب وأم، فإنها يُفرض لها النصفُ عائلًا، وإن كان معها أخوها سَقَطَا معًا، ولا تنتفع به في الفرائض في موضع واحد؛ فلو أسقطتها البنتُ إذا انفردت لأسقطتها بطريق الأولى مع من يضعفها ولا يقويها؛ وأيضًا فإن البنت إذا لم تُسْقط ابنَ الأخ وابن العم [وابن عم الأب] (6) والجد وإن بَعُد فأنْ (7) لا تُسْقِطَ الأخت مع قربها بطريق الأولى، وأيضًا فإن قاعدة الفرائض إسقاط البعيد بالقريب، وتقديم الأقرب على الأبعد، وهذا عكس ذلك فإنه يقتضي (8) تقديم الأبعد جدًا الذي بينه وبين الميت وسائط كثيرة على الأقرب الذي ليس بينه وبين الميت إلا واسطة الأب وحده، فكيف يرثُ ابنُ عمِّ جَدِّ الميت مثلًا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) سبق تخريجه.
(3) في (ق) و (ك): "وإنها صريحة أن يكون فرضها مع عدم الولد".
(4) في (ق): "أو التعصيب".
(5) في (ن): "البنين".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) في (ق): "فلأن".
(8) في المطبوع و (ك): "يتضمن".
(3/141)

مع البنت وبينه وبين الميت وسائط كثيرة وتُحرم الأخت القريبة التي ركَضَتْ معه في صُلْب أبيه ورحم أمه؟ هذا من المحال الممتنع شرعًا؛ فهذا من جهة الميزان. وأما من جهة فهم النص فإن اللَّه سبحانه قال في الأخ: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء: 176] ولم يمنع ذلك ميراثه منها إذا كان الولد أنثى، فهكذا قوله: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176] لا ينفي أن ترث غيرَ النصف مع إناث الولد أو ترث (1) الباقي إذا كان نصفًا؛ لأن هذا غير الذي أعطاها إياه فرضًا مع عدم الولد، فتأمله فإنه ظاهر جدًا؛ وأيضًا فالأقسام ثلاثة:
* إما أن يقال: يُفرضُ لها النصف مع البنت.
* أو يقال: تَسقطُ معها بالكلية.
* أو يقال: تأخذ ما فَضَلَ بعد فَرْضِ البنت أو البنات.
والأول ممتنع للنص والقياس، فإن اللَّه سبحانه إنما فرض لها النصفَ مع عدم الولد، فلا يجوز إلغاءُ هذا الشرط وفَرْضُ النصف لها مع وجوده، واللَّه سبحانه إنما أعطاها النصف إذا كان الميتُ كَلَالة لا ولدَ له ولا والد، فإذا كان له ولد لم يكن الميتُ كلالةً فلا يفرض لها معه [منه] (2)؛ وأما القياس فإنها لو فُرض لها النصف مع وجود البنت لنقصت البنت عن النصف إذا عالت الفريضة [كزوجة أو زوج] (3) وبنت وأخت [وإخوة] (4)، والإخوة لا يزاحمون الأولاد لا بفرضٍ ولا تعصيب، فإن الأولاد أولى منهم، فبطل فرض النصف، وبطل سقوطها بما ذكرناه؛ فتعين القسم الثالث وهو أن تكون عصبة لها ما بقي، وهي أولى به من سائر العصَبَات الذين هم أبعد منها؛ وبهذا جاءت السنة الصحيحة الصريحة التي قضى بها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فوافَقَ قضاؤه كتابَ ربه والميزانَ الذي أنزله (5) مع كتابه؛ وبذلك قضى الصحابةُ بعده كابن مسعود ومُعاذ بن جبل وغيرهما.
فإن قيل: لكن خرجتم عن قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألحقُوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فلأوْلى رجلٍ ذكرٍ" (6) فإذا أعطينا البنت فرضها وجب أن يُعطى الباقي لابن الأخ
__________
(1) في (ق) و (ك): "وترث".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "كزوج".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق): "لكتاب ربه وللميزان الذي أنزل".
(6) سبق تخريجه.
(3/142)

أو العم أو ابنه دون الأخت؛ فإنه رجل ذكر، فأنتم عدَلتم عن هذا النص وأعطيتموه الأنثى، فكنا أسعدَ بالنص منكم، وعملنا به وبقضاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حيث أعطى البنتَ النصفَ وبنتَ الابن السدسَ والباقي للأخت إذا لم يكن هناك أولى رجل ذكر (1)، فكانت الأختُ عصبةَ، وهذا توسط بين قولكم و [بين] (2) قول من أسقط الأخت بالكلية، وهذا مذهب إسحاق بن راهويه، وهو اختيار أبي محمد بن حزم (3)، وسقوطها بالكلية مذهب ابن عباس كما قال عبد الرزاق: أنبا معمر، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمة: قيل لابن عباس: رجلٌ تَركَ ابنته وأخته لأبيه وأمه، فقال: لابنته (4) النصفُ ولأمهِ السدسُ وليس لأخته شيءٌ مما ترك، وهو لعصبته، فقال له السائل: إنّ عُمر قضى بغير ذلك، جَعلَ للبنتِ النصفَ، وللأختِ النصفَ، فقال ابنُ عباس: أأنتم أعلم أم اللَّه؟ قال معمر: فذكرت ذلك لابن طاوس، فقال [لي] (2): أخَبَرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول: قال اللَّه عز وجل: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176] فقلتم أنتم: لها النصفُ، وإن كان له ولد (5)، وقال ابنُ أبي مُليكة، عن ابن عباس: أَمرٌ ليس في كتاب اللَّه ولا في قضاءِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وستَجِدُونه في الناس كُلِّهم: ميراثُ الأخت مع البنت (6).
فالجواب أن نصوص رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كلها حق يُصدِّقُ بعضُها بعضًا ويجب الأخذُ بجميعها، ولا يُترك له نصٌ إلا بنص آخر ناسخ له، لا (7) يُترك بقياسٍ ولا رأي ولا عملِ أهلِ بلدٍ ولا إجماع، ومحال أن تُجمعَ الأمةُ على خلاف نص له إلا أن يكون له نص آخر ينسخه؛ فقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فما أبْقَتِ الفرائضُ فلأوْلى رجلٍ
__________
(1) أخرجه البخاري (6742) (كتاب الفرائض): باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة عن ابن مسعود، ومضى لفظه قريبًا.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) انظر: "المحلى" (9/ 256 - 257) لابن حزم، ونقله عن ابن راهويه.
(4) في (ق): "لبنته".
(5) رواه عبد الرزاق (19023) (10/ 254)، ومن طريقه البيهقي (6/ 233)، وابن حزم (9/ 257) عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة قال جاء ابن عباس. . . وإسناده صحيح.
(6) رواه الحاكم في "المستدرك" (4/ 337)، والقاضى إسماعيل في "أحكام القرآن"، ومن طريقه ابن حزم (9/ 257) من طريق مصعب بن عبد اللَّه عن ابن أبي مليكة به، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(7) في (ق): "ولا".
(3/143)

ذكرٍ" (1) عامٌّ قد خص منه قوله: "تَحُوزُ المرأة ثلاثَ مواريث: عتيقَها، ولقيطَها، وولدَهَا الذي لاعَنَتْ عليه" (2) وأجمع الناسُ على أنها عَصبة عتيقها، واختلفوا في كونها عصبة لقيطها وولدها المنفي باللعان، وسُنَّةُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تقضي (3) بين المتنازعين، فإذا خُصَّت منه هذه الصور بالنص (4) وبعضها مجمعٌ عليه خصت منه هذه الصورة لما ذكرناه من الدلالة (5).
فإن قيل: قولُه: "فلأولى رجل ذكر" إنما هو في الأقارب الوارثين بالنسب وهذا لا تخصيص فيه (6).
قيل: فأنتم تقدمون المعتق على الأخت مع البنت، وليس من الأقارب، فخالفتم النصين معًا، وهو -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "فلأولى رجل ذكر" فأكده بالذكورة ليبين أن العاصب بنفسه المذكور هو الذكر دون الأنثى، وأنه لم يرد بلفظ الرجل ما يتناول الذكر والأنثى كما في قوله: "مَنْ وَجَدَ متاعَهُ عند رجل قد أفلس" (7) ونحوه مما يُذكر فيه لفظ الرجل والحكمُ يعمُّ النوعين، وهو نظير قوله في حديث الصدقات: "فابْنُ لَبُونٍ ذكر" (8) ليبين أن المراد الذكر دون الأنثى، ولم يتعرض في الحديث
__________
(1) سبق تخريجه قريبًا.
(2) رواه أحمد (3: 106، 490 و 4/ 107)، وأبو داود (2906) (الفرائض): باب ميراث ابن الملاعنة، والترمذي (2115) في (كتاب الفرائض): باب ما جاء في ما يرث النساء من الولاء، وابن ماجه (2742) في (الفرائض): باب تحوز المرأة ثلاث مواريث، والنسائي في "الكبرى" (ق 83، 84) -وكما في "التحفة" (9/ 78) - والطحاوي في "المشكل" (7/ 309 رقم 2870)، والدارقطني (4/ 89، 90)، وابن عدي في "الكامل" (5/ 1707)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 340 - 341)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (6/ 240) كلهم من طريق عمر بن رؤبة عن عبد الواحد بن عبد اللَّه عن واثلة، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه"، وفي كلامه نظر.
فقد قال ابن عدي عن عمر بن رؤبة: "وإنما أنكروا عليه أحاديثه عن عبد الواحد النصري".
وصححه الحاكم في "المستدرك" وسكت الذهبي، مع أنه ذكر عمر بن رؤبة في "الميزان"، وقال: ليس بذاك، وليس له في "السنن" إلا هذا الحديث، فالحديث ضعيف.
انظر: "الإرواء" (1576)، وتعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 4049، 4050).
(3) في المطبوع: "تفصل".
(4) في (ق) و (ك): "بالنصوص".
(5) في (ق): "بما ذكرناه من الأدلة".
(6) في (ن): "وهذا لا يخص منه".
(7) مضى تخريجه، ووقع في (ق): "من وجد متاعه بعينه عند رجل".
(8) هو في "صحيح البخاري" (1448) في (الزكاة): باب الفرض في الزكاة، وانظر أطرافه هناك، وقال فيه: "وعنده ابن لبون فإنه بقبل منه" من حديث أنس عن أبي بكر، وقوله: "فابن لبون ذكر" وارد في طرق الحديث الأخرى منها عن أبي داود (1567) وغيره.
(3/144)

للعاصب بغيره، فدلَّ قضاؤه الثابتُ عنه في إعطاء الأخت مع البنت وبنت الابن (1) ما بقي أن (2) الأخت عصبة بغيرها، فلا تنافي بينه وبين قوله: "فلأولى رجل ذكر" بل هذا إذا لم يكن ثَّمَّ عصبة بغيره، بل كان العصبة عصبة بأنفسهم، فيكون أولاهُم وأقربُهم إلى الميت أحقهم بالمال؛ وأما إذا اجتمع العصبتان (3) فقد دلَّ حديثُ ابن مسعود الصحيح أن تعصيب الأخت أولى من تعصيب مَنْ هو أبعدُ منها، فإنه أعطاها الباقي ولم يعطه لابن عمه مع القطع (4)، فإن العرب بَنُو عم بعضُهم لبعض، فقريب وبعيد، ولا سيما إن كان ما حكاهُ ابنُ مسعود من قَضَاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضاء عامًا كليًا، فالأمر حينئذ يكون أظهر وأظهر.

فصل [صحة قول الجمهور في مسألة ميراث الأخوات]
ومما يبين صحة قول الجمهور أن قوله تعالى: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176] إنما يدل منطوقُه على أنها تَرِثُ النصف مع عدم الولد، والمفهوم إنما يقتضي أن الحكم في المسكوت ليس مماثلًا للحكم في المنطوق، فإذا كان فيه تفصيلٌ حصل بذلك مقصود المخالفة، فلا يجب أن تكون كل صورة من صُوَر المسكوت مخالفة لكل صور المنطوق، ومَنْ تَوَهم ذلك فقد توهم باطلًا، فإن المفهوم إنما يدل بطريق التعليل أو بطريق التخصيص، والحكم إذا ثبت لعلةٍ فانتفت في بعض الصور أو جميعها جاز أن يخلُفها علةٌ أخرى.
وأما قصد التخصيص فإنه يحصل بالتفصيل، وحينئذ فإذا نَفَيْنَا إرْثَهَا مع ذكور
__________
(1) في المطبوع: "وبنت البنت".
(2) في (ق): "لأن".
(3) في (ن): "العصبات".
(4) أخرجه البخاري (6742): كتاب الفرائض: باب ميراث الأخوات مع البنات عَصبة، ومضى لفظه.
وانظر: "الفرائض" للثوري (16)، و"مصنف عبد الرزاق" (19031، 19032)، و"سنن سعيد بن منصور" (28 - ط الأعظمي)، و"مسند أحمد" (1/ 463)، و"سنن الدارمي" (2/ 252)، و"مسند الطيالسي" (375)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (11/ 245)، و"سنن ابن ماجه" (2721)، و"جامع الترمذي" (2093)، و"سنن الدارقطني" (4/ 79)، و"سنن البيهقي" (6/ 329)، و"منتقى ابن الجارود" (962)، ووقع في (ق): "مع القطع أن العرب".
(3/145)

الولد ونفينا (1) إرثَها النصفَ [فرضًا] (2) مع إناثهم وَفَّينا بدليل الخطاب.

فصل [المراد بأولى رجل ذكر في المواريث]
ومما يبين أن المراد بقوله؛ "فلأولى رجل ذكر" العصبةُ بنفسه لا بغيره أنه لو كان بعد الفرائض إخوةٌ وأخواتٌ أو بَنُون وبنات [أو بنات] ابن وبنو ابن لم ينفرد الذكر (3) بالباقي دون الإناث بالنص والإجماع، فتعصيبُ الأختِ بالبنت كتعصيبها بأخيها؛ فإذا لم يكن قوله: "فلأولى رجل ذكر" موجبًا لاختصاص أخيها دونها لم يكن موجبًا لاختصاص ابن عم الجد (4) بالباقي دونها.
يوضحه أنه لو كان معها أخوها لم تسقط، وكان الباقي بعد فرض البنات بينها وبين أخيها هذا، وأخوها أقربُ إلى الميت من الأعمام وبنيهم، فإذا لم يُسقطها [الأخ] (5) فَلأن لا يُسقطها ابنُ عم الجد بطريق الأولى والأحْرَى، وإذا لم يسقطها ورثت دونه، لكونها أقْرَبَ منه، بخلاف الأخ فإنها تشَاركه (6)، لاستوائهما في القرب من الميت، فهذا مَحْضُ القياس والميزان الموافق لدلالة الكتاب ولقضاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (7)؛ وعلى هذا الطريق فلا تخصيص في الحديث، بل هو على عُمومِه، وهذه الطريقة (8) أفْقَه وألطف.
يوضح ذلك أن قاعدة الفرائض أن جنس أهل الفروضِ فيها مُقَدَّمون على جنس العصبة، سواء كان ذا فَرْضٍ مَحْض أو كان له مع فَرْضِه تعصيبٌ في حال إما بنفسه وإما بغيره، والأخَوات من جنس أهل الفرائض؛ فيجب تقديمهنَّ على من هو أبعد منهن ممن لا يرث إلا بالتعصيب المحض كالأعمام وبنيهم وبني الإخوة، والاستدلال بهذا الحديث على حرمانِهنّ مع البناتِ كالاستدلال على حرمانِهنَّ مع إخوتِهنَّ وحرمانِ بناتِ الابن، بل البنات أنفسهن مع إخوتهن، وهذا (9) باطلٌ بالنص، والإجماع، فكذا الآخر.
ومما يوضحه أنا رأينا قاعدة الفرائض أن البعيد من العَصَبات يعصبُ من هو
__________
(1) في المطبوع و (ك): "أو نفيًا".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) في (ق): "الذكور".
(4) في (ق): "والجد".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) في (ن): "مشاركته".
(7) مضى تخريجه.
(8) في (د): "الطريق".
(9) في (ق): "وهو".
(3/146)

أقرب منه إذا لم يكن له فرضٌ، كما إذا كان بناتٌ وبناتُ ابنِ وأسفل منهن ابنُ ابنِ ابنٍ فإنه يعصبُهن فيحصل (1) لهن الميراث بعد أنْ كُنَّ محروماتٍ، وأما أن البعيد من العَصَبَات يمنع الأقرب من الميراث بعد أن كان وارثًا فهذا ممتنع شرعًا وعقلًا، وهو عكس قاعدة الشريعة، واللَّه الموفق.
وفي الحديث مسلك آخر، وهو، أن قولَه: "ألحقوا الفرائض بأهلها" المراد به من كان من أهلها في الجملة، وإن لم يكن في هذه الحال من أهلها كما في اللفظ الآخر: "اقْسِمُوا المالَ بين أهل الفرائض" (2) وهذا أعم من كونه من أهل الفرائض بالقوة أو بالفعل، فإذا كانوا كلهم من أهل الفرائض بالفعل كان الباقي للعصبة، وإن كان فيهم مَنْ هو من أهلِ الفرائضِ بالقوةِ وإن حُجب عن الفرضِ بغيره دَخَلَ في اللفظ الأول وإن لم يكن لأولى رجلٍ ذكر معه شيءٌ، وإنما يكون له إذا كان أهل الفرائض مطلقًا معدومين، واللَّه أعلم.

فصل [ميراث البنات]
المسألة الرابعة: ميراث البنات، وقد دلَّ صريحُ النص على أن للواحدة النصف ولأكثر من اثنتين الثلثين، بقي الثِّنْتان (3)، فأشْكَلَ دلالة القرآن على حكمهما على كثير من الناس، فقالوا: إنما أثبتناه بالسنة الصحيحة، وقالت طائفة: بالإجماع، وقالت طائفة: بالقياس على الأختين.
قالوا: واللَّه سبحانه نصَّ على الأختينِ دون الأَخوات، ونص على البنات دون البنتين، فأخذنا حكم كل واحدة من الصورتين المسكوت عنها من الأخرى.
وقالت طائفة: بل أُخذ من نص (4) القرآن، ثم تنوعت طرقهم في الأخذ: فقالت طائفة: أخذناه من قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] فإذا أخذ الذكرُ الثلثين والأنثى الثلثَ عُلم قطعًا أن حظ الأنثيين الثلثان، وقالت طائفة: إذا كان للواحدة مع الذكر الثلثُ، لا الربع،
__________
(1) في (ق): "ويحصل".
(2) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الفرائض): باب ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، (3/ 1234 / رقم 1615)، من حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-.
(3) في (ن): "بقي البنتان".
(4) في (د): "نصوص".
(3/147)

فلأن (1) يكون لها الثلث مع الأنثى أوْلى وأحْرَى، وهذا من تنبيه النص بالأدنى على الأعلى، وقالت طائفة: أخذناه من قوله سبحانه (2): {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} [النساء: 11] فقيد النِّصفَ بكونها واحدةً، فدل بمفهومه على أنه لا يكون لها إلا في حال وَحْدَتها، فإذا كان معها مثلُها فإما أن تُنقصَها عن (3) النصفِ وهو محالٌ أو يشتركان فيه وذلك يُبطلُ الفائدةَ في قوله: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً} [النساء: 11]، ويجعلُ ذلك لغوًا مُوهِمًا خلافَ المراد به وهو محال، فتعين القسم الثالث وهو انتقالُ الفرضِ من النصف إلى ما فوقه وهو الثُلثان.
فإن قيل: فأيُّ فائدةٍ [في التقييد بقوله] (4): {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} [النساء: 11] والحكمُ لا يختص بما فوقهما؟
قيل: حسنُ ترتيب الكلامِ وتأليفهِ ومطابقةِ مضمرِه لظاهره أوجبَ ذلك؛ فإنه سبحانه قال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11]، فالضمير في {كُنَّ} مجموعٌ يطابق الأولاد، أي: فإن كان الأولادُ نساءً فذكر لفظ الأولاد وهو جمع {كُنَّ} (5) وهو ضمير جمع، و {نِسَاءً} وهو اسم جمع، فلم يكن بد من فوق اثنتين، وفيه نكتة أخرى، وهي (6) أنه سبحانه قد ذكر ميراثَ الواحدةِ نصًا وميراث الثنتين تنبيهًا كما تقدم، فكان في ذكر العدد الزائد على الاثنتين دلالة على أن الفرضَ (7) لا يزيدُ بزيادتِهنَّ على الاثنتين كما زاد بزيادة الواحدة على الأخرى. وأيضًا فإن ميراثَ الاثنتين قد عُلم من النص، فلو قال: {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ} [النساء: 176] كان تكرارًا (8) ولم يُعلم منه حكم ما زاد عليهما، فكان ذكر الجمع في غاية البيان والإيجاز، ومطابقة أولُ الكلام وآخرُه وحسن تأليفه وتناسبه. وهذا بخلاف سياق آخر السورة فإنه قال: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: 176]، فلم يتقدم اسمُ جمعٍ ولا ضميرُ جمع يقتضي أن يقول: فإن كُنَّ [نساءً] (9) فوق اثنتين.
__________
(1) في (د) و (ك): "فأن".
(2) في (ق): "تعالى".
(3) في (ق): "من".
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "بالتقييد بقوله له".
(5) في (د): "وضمير كُنَّ" وفي (ق): "وكن".
(6) في المطبوع و (ق) و (ك): "وهو".
(7) في (ن): "النص".
(8) في المطبوع و (ق) و (ك): "تكريرًا".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3/148)

وقد ذَكَر ميراثَ الواحدةِ وأنه النصفُ، فلم يكن بُدّ من [ذكر] (1) ميراث الأختين وأنه الثلثان؛ لئلا يُتوهَّم أن الأخرى إذا انضمت إليها أخذت نصفًا آخر، ودل تشريكُه بين البنات وإن كَثُرن [في الثلثين] (2) على تشريكه بين الأخوات وإن كثرن [في ذلك] (2) بطريق الأولى؛ فإن البناتِ أقربُ من الأخواتِ ويُسقطنَ فرضهن؛ فجاء بيانُه سبحانه في كُلِّ من الآيتين من أحسن البيان، فإنه لما بَيَّن ميراث الاثنتين (3) بما تقرر بين ميراث ما زاد عليهما، وفي آية الإخوة والأخوات لمَّا بين ميراثَ الأخت والأختين لم يحتج أن يبين ميراث ما زاد عليهما؛ إذ قد عُلمَ بيانُ الزائد على الاثنتين في مَنْ هن (4) أوْلى بالميراث من الأخوات، ثم بيَّن حُكمَ اجتماع ذكورهم وإناثهم، فاستوعب بيانُه جميعَ الأقسام.

فصل
المسألة الخامسة: ميراث بنت الابن السدس مع البنت، وسقوطها إذا استكمل البناتُ الثلثين (5)، ودلالة القرآن على هذا أخفى من سائر ما تقدم، وبيانها أنه تعالى (6) قال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11] وقد عُلم أن الخطاب يتناول ولد البنين، دون ولد البنات، وأن قوله: {أَوْلَادِكُمْ} يتناول مَنْ ينتسب إلى الميت وهم ولدُه وولدُ بنيه، وأنه يتناولُهم على الترتيب، فيدخل فيه ولدُ البنين عند عدم ولد الصُّلبِ؛ فإذا لم يكن إلا بنتٌ فلها النصف، وبقي من نصيبِ البناتِ السدسُ، فإذا كان ابنُ ابنٍ (7) أَخذَ الباقي كله بالتعصيب للنص، فإن كان معه أخَواته شاركْنَه في الاستحقاق لأنهن معه عصبة، وهذ أحد ما يدل على [أن] (1) قوله: "فلأولى رجلٍ ذكر" (8) لا يمنع أن تأخُذ الأنثى إذا كانت عصبية (9) بغيرها؛ ولهذا أخذت الأختُ مع البنت الباقيَ بالتعصيب، لأنها عصبية (9) بها، وإن لم يكن مع البنت إلا بناتُ ابنٍ فقد كنَّ بصَدَد أخذ الثلثين لولا البنتُ، فإذا أخذت النصف فالسدس الباقي لا مانع لهن من أخذه فيفُزنَ به؛ ألا ترى أنه إذا استكمل البنات الثلثين لم يكن لهن
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) في المطبوع و (ق): "الابنتين".
(4) في (ق): "هو".
(5) انظر المسألة في "الإشراف" (5/ 204 رقم 1955 - بتحقيقي) للقاضي عبد الوهاب.
(6) في (ق): "وبيانه أنه سبحانه".
(7) في (ق): "فإذا كان بنت وابن ابن".
(8) الحديث في "صحيح مسلم"، وقد سبق مرارًا.
(9) في المطبوع و (ن) و (ك) و (ق): "عصبة".
(3/149)

شيءٌ، ولو لم يكن بناتٌ أخذنَ جميع الثلثين، فإذا قُدِّمت البنت عليهن بالنصف أخذن بقية الثلثين اللذين كُنَّ يفزن بهما جميعًا لولا البنت، وهذا حكم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-[سواء] (1).
فإن قيل: فمن أين أعطيتم بناتِ الابنِ إذا استكمل البناتُ الثلثين وكان معهن أخوهن، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل الباقي لأولى رجلٍ ذَكَر؟
قيل: قد تقدم بيان ذلك مستوفى، وأن هذا حكم كل عصبة معه وارث من جنسه في درجته كالأولاد والإخوة بخلاف الأعمام وبني الإخوة.
فإن قيل: فكيف عَصَّبَ ابنُ ابنِ الابنِ مَنْ فوقه وليس في درجته؟
قيل: إذا كان يَعصبُ مَنْ [هو] (2) في درجته مع أنه أنزلُ ممن فوقه ولا يُسقطه فتعصيبه لمن (3) هو فوقه وأقرب منه إلى الميت بطريق الأولى؛ فإذا كان الأنْزلُ لا يقوى هو على إسقاطه فكيف يقوى على إسقاط (4) الأعلى (5)؟ على أن عبد اللَّه بن مسعود لا يُعصِّبُ به مَنْ في درجته ولا من فوقه، بل يخصه بالباقي (6). ووجه قوله
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق): "من".
(4) في (ن): "إسقاطه" وفي (ق): "يقوي هو على إسقاط".
(5) انظر في هذا: "الذخيرة" (13/ 42)، "الإشراف" (5/ 205 رقم 1956 بتحقيقي)، "المعونة" (3/ 1672)، "عقد الجواهر الثمينة" (3/ 437، 438)، "شرح السنة" (8/ 335)، "المحلى" (9/ 269)، "حلية العلماء" (6/ 283)، "المبسوط" (29/ 141)، "أحكام القرآن" للجصاص (2/ 101)، "شرح السراجية" (159)، "شرح الرحبية" (78 - 80)، "التهذيب في الفرائض" (206)، "أحكام المواريث" (151) للشلبي، "التركات والمواريث" (ص 137) "التحقيقات المرضية" (109، 125).
(6) أخرج عبد الرزاق في "المصنف" (15/ 151/ رقم 19012)؛ والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 235)؛ عن معبد بن خالد، عن مسروق في ابنتين وبني ابن ذكورًا وإناثًا، قال مسروق: كانت عائشة تشرك بينهم، ثم قال: وكان ابن مسعود يقول: للذكران دون الأناث، والأخوات بمنزلة البنات، ولفظ البيهقي، وكان عبد اللَّه لا يشرك بينهم، يعني: يجعل ما بقي للذكر دون الإناث، وسنده صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم 11143) ضمن خبر، فيه: "وكان عبد اللَّه لا يزيد الأخوات والبنات على الثلثين".
وفي لفظ البيهقي (6/ 230) ضمن خبر، فيه: "وفي قول عبد اللَّه بن مسعود، للابنتين الثلثان، وما بقي للذكر دون الأنثى؛ لأنه لم يكن يزيد البنات على الثلثين".
وذكره عنه البغوي في "شرح السنة" (8/ 335)، وابن حزم في "المحلّى" (9/ 269، =
(3/150)

أنَّها لا ترث مفردةٌ (1) فلا ترث مع أخيها، كالمحجوبة برقِّ أو كفرٍ، بخلاف ما إذا كانت وارثةً كبنتٍ وبنتِ ابنٍ معها أخوها فإنه يعصبها اتفاقًا لأنها وارثةٌ. وقولُ الجمهور (2) أصحُّ، فإنها وارثة في الجملة، وهي ممن يستفيدُ التعصيب بأخيها. وهنا إنَّما سقط ميراثها بالفرض لاستكمال من فوقها الثلثين، ولا يلزم من سقوطِ الميراثِ بالفرض سقوطه بالتعصيب مع قيام مُوجبهِ وهو وجودُ الأخِ، [وإذا كان وجودُ الأخِ] (3) يجعلُها عصبةً فيمنعها الميراثَ بالكلية ولولاه وَرِثت بالفرضِ وهو الأخُ المشئوم فالعَدْل يقتضي أن يجعلَها عصبةً فيورِّثَها إذا لم ترث بالفرض وهو الأخُ النافعُ، فهذا محض القياس والميزان، وقد فهمت دلالة الكتاب عليه.
والنزاعُ في الأختِ للأب مع الأختِ أو الأخواتِ للأبوين كبنتِ الابنِ مع البنتِ والبناتِ (4) سواء، وباللَّه التوفيق.

فصل [ميراث الجد مع الإخوة]
المسألة السادسة: ميراث الجد مع الإخوة، والقرآن يدل على قول (5) الصدِّيق ومَنْ معه من الصحابة كأبي موسى وابن عباس وابن الزبير وأربعة عشر منهم -رضي اللَّه عنهم- (6)، ووجه دلالة القرآن على هذا القول قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ]} (7) [النساء: 176] إلى آخر الآية، فلم يجعل للإخوة ميراثًا إلا في الكلالة.
__________
= 271) وفيه: "وهو قول ابن مسعود وعلقمة وأبي ثور وأبي سفيان"، والسرخسي في "المبسوط" (29/ 142)، والشاشي في "حلية العلماء" (6/ 838)، والكلوذاني في "التهذيب في الفرائض" (ص 206)، ونقله عن علقمة وأبي ثور، وقال: "وكان جمهور العلماء من الصحابة وغيرهم يجعلون الباقي بين الذكور والإناث".
(1) في (ق): "منفردة".
(2) انظر: "الذخيرة" (13/ 42)، "عقد الجواهر الثمينة" (3/ 442)، "المعونة" (3/ 1671)، "جامع الأمهات" (ص 551)، "حلية العلماء" (6/ 838)، "التهذيب في الفرائض" (206)، "التحقيقات المرضية" (ص 109 - 110).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(4) في (ق): "أو البنات".
(5) في المطبوع: "يدل لقول".
(6) تقدم تخريج هذه الآثار في ميراث الجد.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3/151)

وقد اختلف الناس في الكلالة، والكتابُ يدل على قول الصِّدِّيق أنها ما عدا الوالد والولد (1)، فإنه سبحانه قال في ميراثِ وَلدِ الأم: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 12] فسَوَّى بين ميراث الإخوة في الكَلالةِ وإنْ فرَّق بينهم في جهةِ الإرثِ ومقداره، فإذا كان وجودُ الجدِّ مع الإخوة للأم لا يُدْخِلهم في الكلالة، بل يمنعهم من صِدْقِ اسم الكلالة على الميت أو عليهم أو على القرابة، فكيف أُدخل ولد الأب في الكلالة ولم يمنعهم وجودُه صدقَ اسمها؟ وهل هذا إلا تفريقٌ محض بين ما جمع اللَّه بينه؟
يوضحه الوجه الثاني، وهو أن ولد الولد يمنع الإخوة من الميراث، ويخرج المسألة عن كونها كلالة؛ لدخوله في قوله: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 176] ونسبة أبي (2) الأبِ إلى الميت كنسبةِ ولدِ ولده إليه، فكما أن الولَد وإن نَزَلَ يُخرج المسألة عن الكلالة فكذلك أبو (2) الأب وإن علا، ولا فرق بينهما ألبتة.
يوضحه الوجه الثالث، [وهو] (3) أن نسبة الإخوة إلى الجد كنسبة الأعمام إلى أبي الجد، فإن الأخَ ابنُ الأب والعم ابن الجد، فإذا خَلَفَ عَمَّه وأبا جده فهو كما لو خلف أخاه وجدَّه سواء، وقد أجمع المسلمون على تقديم أبي (2) الجد على العم، فكذلك يجب تقديم الجد على الأخ، وهذا من أبين القياس وإن لم يكن هذا قياسًا جليًا فليس في الدنيا قياسٌ جلي!
يوضحه الوجه الرابع، وهو أن نسبة ابن الأخ إلى الأخ كنسبة أبي (2) الجد إلى الجد، فإذا قال الأخ: أنا أرِثُ (4) مع الجد لأني ابنُ أبي (2) الميت والجد أبو أبيه (5) فكِلانا في القُرب إليه سواء، صاحَ ابنُ الأخِ مع أبي (2) الجد (6) وقال: أنا ابنُ ابنِ أبي (2) الميت فكيف حَرَمتموني مع أبي أبي أبيه ودرجَتُنا واحدة؟ وكيف
__________
(1) سبق تخريج قول أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- في الكلالة.
(2) في المطبوع: "أب".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في (ق): "وارث".
(5) في أصول هذا الكتاب: "والجد ابن أبيه" تحريف (ظاهر عما أثبتناه) [لا يستقيم المعنى المراد، انظر: "إعلام الموقعين" (1/ 328 - الطبعة المنيرية) (2/ 72 - مطبعة: فرج اللَّه زكي الكردي)]، كذا في (د)، و (ط)، وما بين القوسين زيادة (د) على (ط)، وما بين المعقوفتين زيادة (ط) على (د).
(6) في (ق): "مع ابن الجد".
(3/152)

سمعتم قول أبي مع الجدِّ ولم تسمعوا قولي مع أبي الجد؟
فإن قيل: أبو الجدِّ جَدٌ وإنْ علا، وليس ابنُ الأخ أخًا.
قيل: فهذا حجةٌ عليكم؛ لأنه إذا كان أبو الأب أبًا، و [أبو] الجدِّ جدًا، فما للإخوة ميراثٌ مع الأب بحال.
فإن قلتم: نحن نجعل أبا الجَدِّ جدًا، ولا نجعل أبا الأب أبًا.
قيل: هكذا فعلتم، وفرَّقتم بين المتماثلين، وتناقضتم أبين تناقض، وجعلتموه أبًا في موضع وأخرجتموه عن الأبوة في موضع.
يوضحه الوجه الخامس، وهو أن نسبة الجد إلى الأب في العَمُود الأعلى كنسبة ابنِ الابنِ إلى الابن في العمود الأسفل، فهذا أبو أبيه، وهذا ابنُ ابنهِ، فهذا يُدْلي إلى الميت بأبي الميت (1)، وهذا يُدلي إليه بابنهِ، فكما كان ابنُ الابنِ ابنًا فكذلك يجب أن يكون أبو الأب أبًا، فهذا هو الاعتبار الصحيح من كل وجه وهذا معنى قول ابن عباس: ألَا يَتَّقي اللَّه زيدٌ؟ يجعل ابنَ الابن ابنًا ولا يجعل أبا الأب أبًا؟ (2)
يوضحه الوجه السادس، وهو أن اللَّه سبحانه سَمَّى الجَدَّ أبًا في قوله: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78] وقوله: {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 27] وقوله: {أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)} [الشعراء: 76] وقول يوسف: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف: 38] وفي حديثِ المعراج: "هذا أبوك آدم، وهذا أبوك إبراهيم" (3) وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لليهود: "مَنْ أبوكم؛ قالوا: فلانٌ، قال: كذبتم، بل أبوكم فلانٌ، قالوا: صدقتَ" (4) وسَمَّى ابنَ الابنِ ابنًا كما في قولهْ {يَابَنِي آدَمَ} [الأعراف: 26] و {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 47] وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ارْمُوا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا" (5) والأبوةُ والبنوةُ من الأمور المتلازمة المتضايفة
__________
(1) في المطبوع: "باب الميت".
(2) سبق تخريجه.
(3) هذا ثابت في حديث أنس عن مالك بن صعصعة: رواه البخاري (3207) في (بدء الخلق): باب ذكر الملائكة، و (3887) في (مناقب الأنصار): باب المعراج، ومسلم (164) في (الإيمان) باب الإسراء برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى السماوات.
(4) رواه أحمد (2/ 451)، والبخاري (3169) في (الجزية): باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يُعفى عنهم، و (5777) في (الطب): باب ما يذكر في سَمِّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، من حديث أبي هريرة.
(5) رواه البخاري (2899) في (الجهاد): باب التحريض على الرمي، و (3373) في =
(3/153)

يمتنع ثبوت أحدهما بدون الآخر، فيمتنع ثبوتُ بنوَّةِ الابنِ (1) إلا مع ثبوت الأبوَّةِ لأبي الأب.
يوضحه الوجه السابع، وهو أن الجد لو مات ورثه بنو بنيه دون إخوته باتفاق الناس، فهكذا الأب إذا مات يرثه أبو أبيه دون إخوته، وهذا معنى قول عمر بن الخطاب لزيد: كيف يرثني أولادُ عبدِ اللَّه دون إخوتي ولا أرثهم دون إخوتهم؟ (2) فهذا هو القياس الجلي والميزان الصحيح الذي لا مغمزَ فيه ولا تطفيف.
يوضحه الوجه الثامن، [وهو] (3) أن قاعدة الفرائض وأصولها [أنه] (4) إذا كان
__________
= (الأنبياء): باب قول اللَّه تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ}، و (3507) في (المناقب): باب نسبة اليمن إلى إسماعيل، من حديث سلمة بن الأكوع. وانظر: "الفروسية" (ص 91 - بتحقيقي).
(1) في المطبوع: "ثبوت البنوة لابن الابن" وفي (ق): "فيمتنع بثبوت بنوة الابن".
(2) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (6/ 248) عن زيد بن ثابت -رضي اللَّه عنه- أنه كتب إلى معاوية في شأن الجد؛ قال: "وجرى بيني وبين عمر كلام في الجد مع الإخوة، وكنت أرى يومئذٍ أن الأخوة أقرب حقًا إلى أخيهم من الجد، وكان يرى أن الجد أقرب".
وحسنه ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" (1/ 160)، وأخرج الدارمي (رقم 2910، 2911) مذهب أبي بكر، وقال ابن حجر عنه: "هذا موقوف صحيح، وثبت عن أبي بكر من طرق أخرى من رواية ابن عباس وابن الزبير وأبي سعيد الخدري وغيرهم، وبعضها في البخاري".
قلت: قال البخاري في "صحيحه" (كتاب الفرائض): باب ميراث الجد مع الأب والإخوة (8/ 18 - الفتح): "وقال أبو بكر وابن عباس وابن الزبير: الجد أب، وقرأ ابن عباس: {يَابَنِي آدَمَ. . . وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}، ولم يذكر أن أحدًا خالف أبا بكر في زمانه، وأصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- متوافرون، وقال ابن عباس: يرثني ابن ابني دون إخوتي ولا أرث أنا ابن ابني"، قال: "ويذكر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد أقاويل مختلفة".
قلت: وسيذكرها المصنف قريبًا، وانظرها مع الكلام عليها في "تغليق التعليق" (5/ 214 - 222)، وخلاصة ما في هذا الباب أن المال للجد ثابت عن أبي بكر، وتابعه عمر وعثمان وابن عباس وابن الزبير وغيرهم، ثم رجع بعضهم إلى القول بالمقاسمة، وهو قول الأكثر، وأما القول بحرمان الجد؛ فجاء عن زيد وعلي وعبد الرحمن بن غنم، ثم رجع علي وزيد الى المقاسمة. وانظر: "الموافقات" (5/ 160 - 162) و"الإشراف" (5/ 212 رقم 1961) وتعليقي عليهما -ففيه تخريج ما ورد عن المذكورين- و"حلية العلماء" (6/ 305) و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (31/ 342)، و"التحقيقات المرضية" (ص 138 - 139).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(3/154)

قرابةُ المُدْلي من الواسطة من جنس قرابة الواسطة كان أقوى مما إذا اختلف جنس القرابتين، مثال ذلك أن الميت يُدْلي إليه ابنُه بقرابة البنوَّة، وأبوهُ يُدْلي إليه بقرابة الأبوة، فإذا أدلى إليه واحد ببنوَّةِ البنوة وإنْ بعُدت كان أقوى ممن يدلي إليه بقرابة بنوة الأبوة وإن قربت، فكذلك قرابةُ أبوة الأبوة وإن عَلَتْ أقوى من قرابة بنوة الأب وإنْ قرُبت، وقد ظهر اعتبار هذا في تقديم جَدِّ الجد، وإن عَلا على ابنِ الأخِ وإن قَرُب وعلى العم؛ لأن القرابة التي يُدْلي بها الجد من جنسٍ واحد وهي الأبوة، والقرابة التي يدلي بها الأخ وبَنُوه من جنسين وهي بنوة الأبوة، ولهذا قُدِّمت قرابةُ ابنِ الأخ على قرابة ابن الجد؛ لأنها قرابةُ بنوةِ أبٍ، وتلك قرابةُ بنوةِ أبي أب، فبين ابنُ (1) الأخ فيها وبين الميت جنسٌ واحد وهي الأخوةُ، فبواسطتها وَصَل إليه، بخلاف العم فإن بينه وبينه جنسين (2) أحدهما الأبوة والثاني بنوتها، وعلى هذه القاعدة بناء [باب] (3) العَصَبات.
يوضحه الوجه التاسع، وهو أن كُلَّ بني أبٍ أدنى وإن بَعدُوا عن الميت يُقَدَّمون في التعصيب على بني الأبِ الأعلى وإن كانَوا أقربَ إلى الميت، فابنُ ابنِ ابنِ الأخ يُقدَّم على العَمِّ القريب، وابنُ ابنِ ابنِ العَمِّ وإن نزل يُقدَّم على عَمّ الأبِ، وهذا مما يبين أن الجنس الواحد يقومُ أقصاه مقام أدناه، ويقدَّم الأقصى على من يقدم عليه الأدنى، فيُقدم ابنُ ابنِ الابنِ على من يقدم عليه الابنُ، وابن ابن الأخ على من يُقدَّم عليه الأخُ، وابن ابن العم على من يقدم عليه العم، فما بال أبي (4) الأب وحدَه خرج عن (5) هذه القاعدة ولم يقدم على من يقدم عليه الأب؟
وبهذا يظهر بطلان تمثيل الأخ والجد بالشجرة التي خرج منها غصنان والنهر الذي خرج منه ساقيتان (6)، فإن القرابة التي من جنس واحد أقوى من القرابة المركبة من جنسين؛ وهذه القرابة البسيطة مقدمة على تلك المركبة بالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار الصحيح، ثم قياس القرابة على القرابة والأحكام الشرعية على مثلها أولى من قياس قرابة الآدميين على الأشجار والأنهار مما ليس في الأصل حكم شرعي، ثم نقول: بل النهر الأعلى أولى بالجَدْول من الجدول التي (7) اشتق
__________
(1) زاد هنا في (ك): "أب".
(2) في (ق): "جنسان"!
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في المطبوع: "أب".
(5) في (د): "من".
(6) تقدم وتخريجه.
(7) في (ق) و (ك): "الذي".
(3/155)

منه، وأصل الشجرة أولى بغصنها من الغصن الآخر، فإن هذا صِنْوه ونظيره الذي لا يحتاج إليه، وذلك أصله وحاكمله الذي يحتاج إليه، واحتياج الشيء إلى أصله أقوى من احتياجه إلى نظيره، فاصلُه أولى به من نظيره.
يوضحه الوجه العاشر، [وهو] (1) أن هذا القياس لو كان صحيحًا لوجَبَ طَرْدُه، ولما انتقض، فإن طرده تقديم الإخوة على الجد، فلما اتفق المسلمون على بطلان طَرْده علم أنه فاسد في نفسه.
يوضحه الوجه الحادي عشر، [وهو] (1) أن الجد يقوم مقام الأب في التعصيب في كل سورة من صُوره، ويُقدَّم على كل عصبة يقدم عليه الأب، فما الذي أوجب استثناء الإخوة خاصة من هذه القاعدة؟
يوضحه الوجه الثاني عشر، [وهو] (1) أنه إن كان الموجِبُ لاستثنائهم قربهم (2) وجب تقديمهم عليه، وإن كان مساواتهم له في القرب وجب اعتبارهم (3) في بنيهم وآبائه لاشتراكهم في السبب الذي اشترك فيه هو والإخوة، وهذا مما لا جوابَ [لهم] (4) عنه.
يوضحه الوجه الثالث عشر، وهو أنه قد اتفق الناس على أن الأخَ لا يُساوي الجد، فإن لهم قولين: أحدهما: تقديمُه (5) عليه، والثاني: توريثُه معه، والمورِّثون لا يجعلونه كأخ مطلقًا، بل منهم مَنْ يقاسم به الإخوة إلى الثلث (6)، ومنهم من يُقاسمهم به إلى السدس (7)، فإن نَقَصَتْه المقاسمةُ عن ذلك أعطوه إياه فرضًا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) في المطبوع: "قوتهم".
(3) في (ك) و (ق): "اعتبارها".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ك) و (ق): "وتقديم الجد عليه".
(6) هذا مذهب جماهير العلماء، انظر: "قوانين الأحكام الشرعية" (332، 335)، "الموافقات" (5/ 160 - 162)، "الإشراف" (5/ 212 رقم 1961).
(7) هذا مذهب علي -رضي اللَّه عنه-.
أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (11/ 293)، والدارمي (2917، 2918)، والبيهقي (6/ 249)، في "سننهما" والطحاوي في "اختلاف العلماء" (4/ 462 - مختصره)، وابن حجر في "تغليق التعليق" (5/ 219، 221)، من طرق عن الشعبي قال: كتب ابن عباس إلى على، وابن عباس بالبصرة: إني أتيتُ بجد وستة إخوة، فكتب إليه علي: أن أعطِ الجدّ سُبُعًا، ولا تعطه أحدًا بعده. وإسناده قوي.
وفي مطبوع "سنن الدارمي": "سدسًا" بدل "سبعًا"، وهو خطأ، وصوابه ما في المصادر الأخرى، وهو على الجادة في "سنن الدارمي" (10/ 76 - مع "فتح المنان").
وأخرج يزيد بن هارون في "الفرائض" عن الشعبي، قال: كان علي يشرك بين الجد =
(3/156)

وأدخلوا النقصَ عليهم أو حَرموهم، كزوجٍ وأمٍ وجدٍّ وأخٍ، فلو كان الأخُ مساويًا للجد وأولى منه كما ادَّعى المورثون أنه القياس لساواه في هذا السدس أو قُدِّم عليه (1)، فعُلم (2) أنَّ الجدَّ أقوى، وحينئذ فقد اجتمع عَصَبتان وأحدهما أقوى من الآخر فيقدم عليه.
يوضحه الوجه الرابع عشر، [وهو] (3) أن المورِّثين للإخوة لم يقولوا في التوريث قولًا يدل عليه نصٌ ولا إجماعٌ ولا قياسٌ مع تناقضهم، وأما المقَدِّمون له على الإخوة فهم أسْعَدُ الناس بالنص والإجماع والقياس وعدم التناقض، فإن من المورثين مَنْ يُزاحِم به إلى الثلث، ومنهم من يزاحم به إلى السدس، وليس في الشريعة مَنْ يكون عَصَبة يُقاسم عصبة نظيره إلى حد ثم يُفرض له بعد ذلك الحد، فلم يجعلوه معهم عصبةً مطلقًا، ولا ذا فرض مطلقًا، ولا قدموه عليهم مطلقًا، ولا ساوَوْهُ بهم مطلقًا، ثم فرضوا له سدسًا أو ثلثًا بغير نص ولا إجماع ولا قياس، ثم حَسَبُوا عليه الإخوة من الأب ولم يعطوهم شيئًا إذا كان هناك إخوة لأبوين، ثم جعلوا الأخواتِ معه عصبةً إلا في سورة واحدة فرضوا فيها للأخت، ثم لم يهنوها بما فرضوا لها (4)، بل عادوا عليها بالإبطال فأخذوه وأخذوا ما أصابه فقسموه بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم أعالوا هذه المسألة خاصةً من مسائل الجد والإخوة، ولم يُعِيلوا غيرها، ثم ردُّوها بعد العَوْل إلى التعصيب، وسَلِم المُقدِّمون له على الإخوة من هذا كله (5) مع فَوْزهم بدلالة الكتاب والسنة والقياس ودخولهم في حزب الصِّدِّيق.
يوضحه الوجه الخامس عشر، [وهو] (3) أن الصِّديقَ لم يَختلف عليه أحدٌ من
__________
= والإخوة إلى السدس، يجعله كأحدهم، أفاده ابن حجر في "التغليق" (5/ 220).
وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (11/ 293/ رقم 11267)، والدارمي (2919، 2921)، والبيهقي (6/ 249) في "سننهما"؛ عن عبد اللَّه بن سَليمة أن عليًا كان يجعل الجد أخًا حتى يكون سادسًا.
وإسناده ضعيف.
وله طرق أخرى عن علي انظرها في: "سنن الدارمي" (2120، 2122)، "مصنف عبد الرزاق" (10/ 268)، "مصنف ابن أبي شيبة" (11/ 292، 295، 298 - 299)، "سنن سعيد بن منصور" (1/ 53)، "سنن البيهقي" (6/ 249)، "تغليق التعليق" (5/ 225).
(1) في المطبوع: "وقدم عليه".
(2) في (ق): "وعلم".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في (ق) و (ك): "فرض لها".
(5) في المطبوع و (ق): "والمقدم له على الإخوة سلم من هذا كله".
(3/157)

الصحابة في عهده أنه مقدَّم على الإخوة، قال البخاري في "صحيحه" في [باب] (1) ميراث الجد مع الإخوة: "وقال أبو بكر وابن عباس وابن الزبير: "الجَدُّ أبٌ"، وقرأ ابنُ عباس: {يَابَنِي آدَمَ} [الأعراف: 26] {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف: 38] ولم يذكر أن أحدًا خالف أبا بكر في زمانه، وأصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- متوافرون، وقال ابن عباس: يرثني ابنُ ابني دون إخوتي ولا أرث أنا ابنَ ابني؟ ويُذكر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أقاويل مختلفة" (2)، انتهى، وقال عبد الرزاق: ثنا ابنُ جُرَيج قال: سمعتُ ابنَ أبي مليكة يحدث أن ابنَ الزُّبير كتب إلى أهل العراق: إن الذي قال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو كنت متخذًا خليلًا حتى ألقى اللَّه سِوى اللَّه لاتخذتُ أبا بكر خليلًا" كان يجعل الجدَّ أبًا (3)، وقال الدارمي في "صحيحه": ثنا مُسلم (4) بن إبراهيم: ثنا وُهَيبٌ: ثنا أيوب: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جعله الذي قال [له] (5) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذته خليلًا ولكن أخوَّة الإسلام أفضل" يعني: أبا بكر جعله أبًا (6). ثنا محمد بن يوسف (7)، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدَةَ
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) انظره في "صحيح البخاري" قبل حديث (رقم 6737) في (كتاب الفرائض): باب ميراث الجد مع الأب والأخوة (8/ 18 - مع الفتح).
(3) هو في "المصنف" لعبد الرزاق (19049) (2/ 263) لكن سنده هكذا: ابن جريج عن أبيه عن ابن الزبير.
ووالد ابن جريج هو عبد العزيز، وهو ليّن.
نعم رواه أحمد في "مسنده" (4/ 4 و 5)، والبيهقي (6/ 246) من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة به.
ورواه البخاري (3658) في (الفضائل): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: لو كنت متخذًا خليلًا، والبيهقي (6/ 246) من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير به.
(4) في المطبوع والمخطوط: "سلم" وفي (ق): "سالم"، وصوابه ما أثبتناه، كما في "سنن الدارمي".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) رواه الدارمي (2/ 353)، وإسناده صحيح، وهو في "صحيح البخاري" (6738) في (الفرائض) باب ميراث الجد مع الأب والإخوة، و"سنن سعيد بن منصور" (1/ 46 رقم 48)، و"سنن البيهقي" (6/ 246) من طرق عن أيوب به.
(7) في (ق) و (ك): "محمد بن يونس".
(3/158)

قال: لقيتُ مروان بن الحكم بالمدينة فقال: يا ابن أبي موسى ألم أُخْبَرْ اْن الجدَّ لا ينزل فيكم منزلة الأب وأنت لا تنكر؟ قال: قلت: [ولو كنت] (1) أنت لم تنكر، قال مروان: فأنا أشْهَدُ على عثمان بن عفان أنه شهد على أبي بكر أنه جعل الجدَّ أبًا، إذا لم يكن دونه أب (2). ثنا يزيد بن هارون: ثنا أشعث، [عن عروة] (3)، عن الحسن قال: إن الجد قد مضت فيه سُنَّة، وإن أبا بكر جعل الجدَّ أبًا، ولكن الناس تحيَّروا (4)، وقال حماد بن سلمة: ثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن مروان قال: قال لي عثمان بن عفان: قال لي عمر (5): إني قد رأيت في الجد رأيًا، فإن رأيتم أن تتَّبعوه فاتبعوه، فقال عثمان: إن نَتبعْ رأيَك فرأيك رشد (6)، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان، قال: وكان أبو بكر يجعله أبًا (7)، والمورِّثون للإخوة
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) أخرجه الدارمي (2/ 353) ووقع متنه في المطبوعة بإسناد الذي قبله، والذي نقله المصنف صحيح يوافق النخ الخطية منه، وهو كذلك فيه (10/ 66 رقم 3088 - مع "فتح المنان").
ووقع اختلاف فيه على أبي إسحاق الشيباني.
فأخرجه سعيد بن منصور (44) -ومن طريقه ابن حزم (9/ 287) - والبيهقي (6/ 246) من طريق الشيباني به، ولكن زاد سعيد بعد أبي إسحاق: (سعيد بن أبي بردة).
وأخرجه الدارمي (3085 - مع "فتح المنان") عن أبي إسحاق عن كردوس عن أبي موسى عن أبي بكر أنه جعل الجدّ أبًا، و (رقم 3086) عنه عن أبي بردة عن كردوس عن أبي موسى به، وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة (11/ 288).
وأخرجه الدارمي (3087) عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي بردة عن مروان عن عثمان أن أبا بكر كان يجعل الجد أبًا، وسنده صحيح، قاله ابن حجر في "الفتح" (12/ 20).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) رواه الدارمي (2/ 353) لكن ليس في إسناده "عروة" وكذا في الطبعة الأخرى (10/ 68 رقم 3092)، وفيها "سنته"، بدل "فيه سنة" ولا أدري أيها أصح اثبات عروة أم إسقاطه، فإن أشعث هو ابن سَوّار الكندي، وآخر من حدث عنه يزيد بن هارون، وأشعث هذا أدرك الحسن البصري، وروى عنه وعلى كل حال فهو ضعيف في الرواية.
وأخرج قوله سعيد بن منصور (1/ 46 رقم 45).
تنبيه: وقع في الطبعتين من "سنن الدارمي": ولكن الناس تخيروا، بالخاء وهو خطأ.
(5) في المطبوع و (ك): "إن عمر قال لي"، وسقطت من (ك): "إن".
(6) في (د): "فهو رشد"، وفي (ق): "فرأيك رشيد".
(7) هو ينقل عن الدارمي، وليس فيه هذا من طريق حماد بن سلمة، وإنما رواه (2/ 354 أو 10/ 75 رقم 3096 - مع "فتح المنان") من طريق وهيب عن هشام بن عروة به. ثم وجدت نقل المصنف عن "المحلى" لابن حزم (9/ 287) بالحرف، ورواه =
(3/159)

بعدهم عمرُ وعثمانُ وعلي وزيد وابن مسعود (1)، فأما عمر فإن أقواله اضطربت فيه، وكان قد كتب كتابًا في ميراثه، فلما طُعِنَ دعا به فمحاه (2). وقال الخُشنيُّ: عن محمد بن بَشَّار (3)، عن محمد بن أبي عَدي، عن شُعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر حين طُعِنَ: إني لم أقض في الجد شيئًا (4). وقال وكيع: عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: مات ابنٌ لابن عمر بن الخطاب، فدعا زيدَ بن ثابت فقال: شَعِّبْ ما كنت تشعّب إني لأعلم (5) أنَّي أولى به منهم (6)، وأما علي فقال عبد الرزاق: عن معمر: ثنا أيوب، عن سعيد بن جبير،
__________
= عبد الرزاق (19051 و 19052) من طريق ابن جريج ومعمر كلاهما عن هشام به.
ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 246) من طريق موسى بن عقبة حدثنا عروة بن الزبير به.
وأسانيده صحيحة.
(1) انظر: "المحلى" (9/ 287)، ووقع في (ق): "عمر وعلي وعثمان وزيد وابن مسعود".
(2) أما اضطراب أقوال عمر في الجد، فقد روى ابن أبي شيبة في "المصنف" (7/ 363)، وعبد الرزاق (19043 و 19044)، ومن طريقه ابن حزم (9/ 295)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 245)، وابن حجر في "تغليق التعليق" (5/ 218 - 219) من طريق عَبَيدة السلماني قال: لقد حفظت من عمر بن الخطاب فيها مئة قضية مختلفة، وإسناده صحيح.
قال ابن حزم: "لا سبيل إلى وجود إسناد أصح من هذا".
وروى نحوه الدارمي (2/ 351) لكن قال: ثمانين قضية.
وأما أنه كتب كتابًا فلما طعن محاه.
فقد روى ذلك ابن أبي شيبة (7/ 363) من طريق معمر عن الزهري عن سعيد عن عمر. وسعيد لم يدرك عمر.
وروى الدارمي أيضًا (2/ 351) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري وابن أبي شيبة (11/ 320) عن الزهري كلاهما عن سعيد بن المسيب أن عمر كتب ميراث الجد. . . حتى إذا طعن دعا به فمحاه.
وله طريقان آخران عند البيهقي (6/ 245).
(3) في المطبوع و (ك): "يسار"، وفي (ق): "سيار" وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة: "يسار"، وما أثبتناه من (ن)، هو الصواب كما في كتب الرجال.
(4) رواته ثقات لكن في سماع سعيد من عمر نظر، وروى عبد الرزاق (19046) من طريق ابن سيرين عن عمر نحوه.
وابن سيرين لم يدرك عمر، وانظر: "المحلى" (9/ 294).
(5) في المطبوع: "لأني أعلم".
(6) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (53) عن هشيم عن أبي بشر به. وفيه: "شغب. . . مشغبًا" بالغين المعجمة، وأخرجه أحمد في "العلل" (1868) من طريق شعبة عن أبي =
(3/160)

عن رجل من مراد قال: سمعت عليًا يقول: مَنْ سرَّه أن يتقحَّمَ (1) جراثيم جهنم فَلْيَقْضِ بين الجد والإخوة (2)، وأما عثمان وابن مسعود فقال البَغويُّ: ثنا حجَّاجُ بن المِنْهال: ثنا حماد بن سلمة: أخبرنا اللَّيث بن أبي سُلَيْم، عن طاوس أن عثمان وعبد اللَّه بن مسعود قالا: الجدُّ بمنزلةِ الأب (3).
فهذه أقوال المورثين كما ترى قد اختلفت في أصل (4) توريثهم معه، واضطربت في كيفية التوريث، وخالفت دلالة الكتاب والسنة والقياس الصحيح، بخلاف قول الصديق ومَنْ معه (5).
يوضحه الوجه السادس عشر، [وهو] (6) أن الناس اليوم قائلان: قائلٌ بقول أبي بكر، وقائل بقول زيد، ولكن قول الصديق هو الصواب وقول زيد بخلافه، فإنه يتضمن تعصيبَ الجَدِّ للأخوات وهو تعصيبُ الرجل جنسًا آخر ليسوا من جنسه، وهذا لا أصل له في الشريعة، إنما يُعْرَف في الشريعة تعصيب الرجال للنساء إذا كانوا من جنس واحد كالبنين والبنات والإخوة والأخوات، ولا يُنتقض هذا بالأخوات مع البنات فإن الرجال لم يعصبوهنَّ، وإنما عصبهن البناتُ، ولما كان تعصيبُ البنين أقوى كان الميراث لهم دون الأخوات، بخلاف قول من عصَّب الأخوات بالجد، فإنه عصبهنَّ بجنس آخر أقوى تعصيبًا منهن، وهذا لا عهد به في الشريعة البتة.
__________
= بشر، وفيه: "شعث. . . مشعثًا". وقال: "وقال وكيع. . . شعب. . . وهو الصواب" قلت: وإسناده منقطع، سعيد لم يسمع عمر.
(1) في (ق) و (ك): "يقتحم".
(2) رواه عبد الرزاق (19048)، وابن أبي شيبة (7/ 363 - ط دار الفكر)، و (11/ 319 - ط الهندية)، وسعيد بن منصور في "السنن" (56، 57 - ط الأعظمي)، والدارمي (2/ 352)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 245 - 246) من طريق أيوب به، وفيه هذا الرجل المبهم.
(3) قال الحافظ في "الفتح" (12/ 19): "وأخرج يزيد بن هارون من طريق ليث عن طاوس أن عثمان وابن عباس كانا يجعلان الجد أبًا" ويزيد بن هارون هذا أحد المشاهير له كتاب في "الفرائض" نقل عنه الحافظ في مواطن من "شرحه".
وأخرجه القاضي إسماعيل، ومن طريقه ابن حزم (9/ 288) عن حماد بن سلمة به. وفي إسناده ليث بن أبي سُليم وهو ضعيف.
(4) في (ك) و (ق): "أصول"، ووقع في (ق): "واضطرب في كيفية التوريث".
(5) سبق تخريجه تقريبًا.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (و) و (ق) و (ك).
(3/161)

يوضحه الوجه السابع عشر، [وهو] (1) أن الجد والإخوة لو اجتمعوا في التعصيب لكانوا إما من جنس واحد أو من جنسين، وكلاهما باطل، أما الأول فظاهر البطلان لوجهين: أحدهما: اختلافُ جهة التعصيب، والثاني: أنهم لو كانوا من جنس واحد لاستووا في الميراث والحرمان كالإخوة والأعمام وبنيهم إذا انفردوا، وهذا هو التعصيب المعقول في الشريعة، وأما الثاني فبطلانُه أظهر، إذ قاعدة الفرائض أن العصبةَ لا يرثون في المسألة إلا إذا كانوا من جنس واحد، وليس لنا عصبة من جنسين يرثان مُجتَمِعيْن قط، بل هذا محال (2)، فإن العصبة حكمُه أن يأخذَ ما بقي بعد الفروض، فإذا كان هذا حكم هذا الجنس وجب أن يأخذَ دون الآخر، وكذلك الجنس الآخر فيفضي أحدهما (3) إلى حرمانهما، واشتراكهما ممتنع لاختلاف الجنس، وهذا ظاهر جدًا.
يوضحه الوجه الثامن عشر، [وهو] (4) أن الجدَّ أبٌ في باب الشهادة وفي بابِ سقوط القصاص، وأبٌ في باب المنعِ من دفعِ الزكاة إليه، وأبٌ في باب وجوب إعتاقه (5) على ولد ولده، وأبٌ في باب سقوط القطع في السرقة، وأبٌ عند الشافعي في باب الإجبار في النكاح، وفي باب الرجوع في الهبة، وفي باب العتق بالملك، وفي باب الإجبار على النفقة، وفي باب إسلام ابن ابنهِ تبعًا لإسلامه، وأبٌ عند الجميع في باب الميراث عند عدم الأب فرضًا وتعصيبًا في غير محل النزاع، فما الذي أخرجه عن أبوَّته في باب الجد والإخوة؟ فإن اعتبرنا تلك الأبواب فالأمر في أبوته في محل النزاع ظاهر، وإن اعتبرنا باب الميراث فالأمر أظهرُ وأظهر.
يوضحه الوجه التاسع عشر، [وهو] (6) أن الذين وَرَّثوا الإخوة معه إنما ورَّثوهم لمساواة تعصيبهم لتعصيبه (7)، ثم نقضوا الأصل، فقدَّموا تعصيبَهُم على تعصيبه في باب الوَلَاءِ وأسقطوه بالإخوة لقوة تعصيبهم عندهم، ثم نقضوا ذلك أيضًا فقدَّموا الجدَّ عليهم في باب ولاية النكاح، وأسقطوا تعصيبهم بتعصيبه، وهذا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (د): "بل هو محال".
(3) في (ق): "أخذهما".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) أشار في هامش (ق) إلى أنه في نسخة: "إعفافه".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (و) و (ق) و (ك).
(7) في المطبوع و (ك): "تعصيبه لتعصيبهم".
(3/162)

غاية التناقض والخروج عن القياس لا بنص ولا إجماع.
يوضحه الوجه العشرون، وهو قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (1) فإذا خَلَّفت المرأةُ زوجَهَا وأمها وأخاها وجدها (2)؛ فإن كان الأخ أولى رجل ذَكَر فهو أحقُّ بالباقي، وإن كانا سواء في الأولوية وجَبَ اشتراكُهما فيه، وإن كان الجَدُّ أولى وهو الحق الذي لا ريب فيه فهو أولى به، وإذا كان الجد أولى رجل ذَكَر وجب أن ينفرد بالباقي بالنص، وهذا الوجه وحده كافٍ وباللَّه التوفيق.
وليس القصد هذه المسألة بعينها، بل بيان دلالة النص والاكتفاء به عما عداه، وأن القياسَ شاهدٌ وتابع، لا أنه مستقل في إثبات حكم من الأحكام لم تدل عليه النصوص.
ومن ذلك الاكتفاء بقوله: "كُلٌّ مسكرٍ خَمْر" (3) عن إثبات التحريم بالقياس في الاسم أو في الحكم كما يفعله مَنْ لم يحسن الاستدلال بالنص.
ومن ذلك الاكتفاء بقوله (4): {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] عن إثبات قطع النَّبَّاش بالقياس اسمًا أو حكمًا، إذ السارقُ يعمُّ في لغةِ العرب وعُرْفِ الشارع [سارقَ] (5) ثياب الأحياء والأموات.
ومن ذلك الاكتفاء بقوله (4): {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ [لَكُمْ] (6) تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] في تناوله لكل يمينٍ منعقدةٍ يحلفُ بها المسلمون، من غير تخصيص إلا بنص أو إجماع، وقد بيَّن ذلك سبحانه (7) في قوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] (89)} (6) [المائدة: 89] فهذا صريحٌ في أنَّ كل يمين منعقدة فهذا كفارتها، وقد أدخلتِ الصحابةُ في هذا
__________
(1) الحديث في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"، وقد سبق مرارًا.
(2) في (ق): "زوجها وأمها وجدها وأخاها".
(3) أخرجه مسلم في "صحيحه" (كتاب الأشربة): باب بيان أن كل مسكر خمر، وأنَّ كل خمر حرام (3/ 1587/ رقم 2003)، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"، وعن عائشة في "الصحيحين" وقد سبق.
(4) في (ق): "بقوله تعالى".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ق): "وقد بين سبحانه ذلك".
(3/163)

النص الحلفَ بالتزام الواجباتِ والحلف بأحب القُرباتِ المالية إلى اللَّه وهو العتقُ، كما ثبت ذلك عن ستة (1) منهم ولا مخالف لهم من بقيَّتِهم (2)، وأدخلت فيه الحلفَ بالبغيض إلى اللَّه وهو الطلاق كما ثبت ذلك عن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه (3) ولا مخالف له منهم (4)، فالواجبُ تحكيمُ هذا النص العام والعملُ بعمومه حتى يثبت إجماع الأمة إجماعًا متيفنًا (5) على خلافه، فالأمة لا تُجمِع على خطأ البتة.
ومن ذلك الاكتفاء بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ" (6) في إبطالِ كُلِّ عقدِ نهى اللَّه ورسوله عنه وحَرَّمه، وأنه لغوٌ لا يُعتدُّ به، نكاحًا كان أو طلاقًا أو غيرهما، إلا أن تُجمع الأمة إجماعًا معلومًا على أن بعض ما نهى اللَّه ورسوله عنه وحَرَّمه من العقود صحيحٌ لازم معتدّ به غير مردود، فهي لا تجمع على خطأ، وباللَّه التوفيق.
ومن ذلك الاكتفاء بقوله [تعالى] (7): {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] مع قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" (8) فكل ما لم يبين اللَّه ولا رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- تحريمَه من المطاعم و [المشارب] (7) والملابس والعقود والشروط فلا يجوز تحريمها، فإن اللَّه سبحانه قد فصَّل لنا ما حرم علينا، فما كان من هذه الأشياء حرامًا فلا بد أن يكون تحريمه مفصلًا، وكما أنه لا يجوز [إباحة ما حرّمه اللَّه، فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا عنه ولم يحرمه] (9)، وباللَّه التوفيق.
__________
(1) في (د): "سنة" بالنون! والصواب أنه ثبت عن سبعة منهم، هم: ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة، وأم سلمة، وحفصة، وزينب ربيبة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (33/ 50) وأسند ذلك عنهم البيهقي: كتاب الأيمان: باب من جعل شيئًا من ماله صدقة أو في سبيل اللَّه. . . (10/ 65).
(2) في (ق) و (ك): "من نفسهم".
(3) مضى تخريجه.
(4) "هدي الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- الثابت عنه: أن من كان حالفًا، فليحلف باللَّه، أو فليسكت وأن من حلف بغير اللَّه، فقد كفر، فلا يجوز الحلف بطلاق ولا عتاق ولا غيرهما مما ليس من هدي اللَّه" (و)، وانظر مذهب علي في الحلف بالطلاق: "المحلى" (10/ 211 - 213)، و"إغاثة اللهفان" (2/ 89)، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (47/ 33 - 50).
(5) في (ق) و (ك): "مستيقنًا".
(6) الحديث في "الصحيحين"، وقد سبق تخريجه.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) سبق تخريجه.
(9) في (ق): "وكما أنه لا يجوز تحريم ما عفا عنه لم نحرمه".
(3/164)

الفَصل الثَّاني [ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس]
في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس، وأن ما يُظن مخالفته للقياس فأحد الأمرين لازم فيه ولا بد: إما أن يكون القياس فاسدًا، أو (1) يكون ذلك الحكم لم يثبت بالنص كونه من الشرع (2).
وسألت شيخنا قدس اللَّه روحه (3) عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم: "هذا خلافُ القياس" لِما ثبت بالنص أو قول الصحابة أو بعضهم، وربَّما كان مجمعًا عليه، كقولهم: طهارةُ الماء إذا وقعت فيه نجاسةٌ [على] (4) خلاف القياس، وتطهيرُ النجاسةِ على خلاف القياس، والوضوءُ من لحوم الإبل، والفِطْر بالحجامة، والسَّلَم، والإجارة، والحوالة، والكتابة، والمُضَاربة، والمزارعة، والمساقاة، والقَرْض، وصحةُ صوم الأكل الناسي (5)، والمضيُّ في الحج الفاسد، كل ذلك على خلاف القياس، فهل ذلك صواب أم لا؟
فقال: ليس في الشريعة ما يخالف القياس. وأنا أذكر ما حصلته من جوابه بخطه ولفظه، وما فتح اللَّه سبحانه لي بِيُمن إرشاده، وبركة تعليمه، وحسن بيانه وتفهيمه (6).

[لفظ القياس مجمل]
[أصْلُ هذا أن لفظ] (7) القياس لفظ مجمل، يدخل فيه القياس الصحيح
__________
(1) في (ك): "وأما أو".
(2) في (ق): "الشارع".
(3) هو شيخ الأسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه- وانظر السؤال والجواب عنه بطوله في "مجموع الفتاوى" (20/ 504 - 585) و (1/ 21 - 23)، وللشيخ عمر بن عبد العزيز -رحمة اللَّه عليه- كتاب بعنوان: "المعدول به عن القياس حقيقته وحكمه، وموقف شيخ الإسلام أحمد بن تيمية منه" وهو من منشورات مكتبة الدار، بالمدينة النبوية، سنة 1408 ه.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ق): "ناسيًا".
(6) في (ن): "وما فتح اللَّه سبحانه عليَّ من بركة إرشاده، وحسن تعليمه. . فقط، ووقع في (ق): "بتمييز إرشاده. . .".
(7) بدل ما بين المعقوفتين سقط من (ك): "إنّ أصل هذا أن تعلم أن" وفي (ق): "أصل هذا أن يعلم أن".
(3/165)

والفاسد، والصحيح هو الذي وَرَدَتْ به الشريعة، وهو الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، فالأول قياس الطَّرْد، والثاني قياس العكس، وهو من العدل الذي بعث اللَّه به نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علَّق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها، ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط، وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو أن لا يكون بين الصورتين فرقٌ مؤثر في الشَّرع، فمثل هذا القياس أيضًا لا تأتي الشريعة بخلافه، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأحكام بحكمٍ يفارق به نظائره فلابد أن يختص ذلك [النوع] (1) بوصف يوجب اختصاصه بالحكم ويمنع مساواته لغيره، لكن (2) الوصف الذي اختص به ذلك النوع وقد (3) يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر، وليس من شرط القياس الصحيح أن يَعْلم صحتَه كلُّ أحد، فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر، وحيث علمنا أن النص [ورد] (4) بخلاف قياس علمنا قطعًا أنه قياس فاسد، بمعنى أن سورة النص امتازت عن تلك الصور التي يُظن أنها مثلها بوصفٍ أوجب تخصيصَ الشارع لها بذلك الحكم، فليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا، ولكن يخالف القياس الفاسد، وإن كان بعضُ الناس لا يعلم فساده، ونحن نبين ذلك فيما ذكر في السؤال.

[شبهة من ظن خلاف القياس وردها]
فالذين قالوا: "المضاربة والمُسَاقاة والمزَارعة على خلاف القياس" ظنّوا أن هذه العقود من جنس الإجارة؛ لأنها عملٌ بعوض، والإجارة يشترط فيها العلم بالعِوَض والمعوض، فلما رأوا العمل والرِّبْحَ في هذه العقود غير معلومين قالوا: هي على خلاف القياس (5)، وهذا من غلطهم؛ فإن هذه العقود من جنس
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق) و (ك): "فكيف".
(3) في (ق): "قد".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) ممن نص على أن المضاربة ثبتت على خلاف القياس: الكاساني في "بدائع الصنائع" (6/ 79) والعيني في "البناية" (7/ 874)، وأما بشأن المزارعة، فانظر: "البناية" (8/ 701، 703)، وأما بشان المساقاة، فانظر: "البناية" أيضًا (8/ 741 - 744)، "فتح الباري" (5/ 13). وانظر "مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 506 - 511) و"زاد المعاد" (2/ 77، 143)، و"الطرق الحكمية، (ص: 286 - 290)، و"تهذيب السنن" (5/ 56 - 62، 64، 65، 66).
(3/166)

المشاركات، لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، والمشاركاتُ جنسٌ غير جنس المعاوضات، وإن كان فيها شَوْبُ المعاوضة، وكذلك المقاسمة جنس غير جنس المعاوضة المحضة، وإن كان فيها شَوْبُ المعاوضة حتى ظن بعضُ الفقهاء أنها بيع يشترط فيها شروط البيع الخاص.

[العمل المقصود به المال على ثلاثة أنواع]
وإيضاح هذا أن العمل الذي يقصد به المال ثلاثة أنواع (1):
أحدهما: أن يكون العمل مقصودًا معلومًا مَقْدُورًا على تسليمه، فهذه الإجارة اللازمة.
الثاني: أن يكون العمل مقصودًا، لكنه مجهولٌ أو غَرَرٌ، فهذه الجَعَالة (2)،
وهي عقدٌ جائزٌ ليس بلازم، فإذا قال: "مَنْ رد عبدي الآبق فله مئة" فقد يقدر على رده وقد لا يقدر، وقد يردُّه من مكان بعيد أو قريب، فلهذا لم تكن لازمة، لكن هي جائزة، فإن عَمِل العملَ استحق الجعل، وإلّا فلا، ويجوز أن يكون الجُعْلُ فيها إذا حصل بالعمل جزءًا شائعًا ومجهولًا جهالة لا تمنع التسليم، كقول أمير الغزو: "مَنْ دَلَّ على حصنٍ فله ثلث ما فيه" أو يقول (3) للسّريَّة التي يسيرُ بها: "لكم خمسُ ما تغنمون أو ربُعُه" وتنازعوا في السَّلَب: هل هو مُستحقٌ بالشرع كقول الشافعي (4) أو بالشرط كقول أبي حنيفة (5) ومالك (6)؟ [على قولين] (7) وهما
__________
(1) انظر كتاب "الفروسية" (ص 98 - 99 بتحقيقي).
(2) "ما يجعل على العمل من أجر أو رشوة، ومن هنا يتبين أنها ليست بحلال في كل حال" (و).
قلت: وانظر: "الفروسية" (ص 101 - بتحقيقي).
(3) في (ق) و (ك): "ويقول".
(4) انظر: "الأم" (4/ 153) "الحاوي الكبير" (14/ 155 - ط دار الكتب العلمية)، "المجموع" (21/ 184، 187)، "حلية العلماء" (7/ 658)، "مغني المحتاج" (4/ 234)، "نهاية المحتاج" (6/ 144)، "مختصر الخلافيات" (4/ 46 رقم 172).
(5) انظر: "الرد على سير الأوزاعي" (46 - 47)، "الآثار" (190)، "عمدة القاري" (12/ 206)، "فتح القدير" (5/ 512).
(6) انظر: "الموطأ" (2/ 455)، "المدونة" (1/ 386)، "التفريع" (1/ 358)، "المعونة" (1/ 606)، "الذخيرة" (3/ 421)، "الرد على الشافعي" (52 - 53) لابن اللباد.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3/167)

روايتان عن أحمد (1)، فمن جعله مستحقًا بالشرط جعله من هذا الباب، ومن ذلك إذا جعل للطبيب جُعْلًا على الشفاء جاز، كما أخذ أصحابُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- القطيع من الشَّاءِ الذي جعله لهم سَيِّدُ الحي، فَرَقَاه أحدُهم حتى برئ (2)، والجُعْل كان على الشفاء لا على القراءة، ولو استأجر طبيبًا إجارة لازمة على الشفاء لم يصح؛ لأن الشفاء غير مقدور له (3)، فقد يشفيه اللَّه وقد لا يشفيه، فهذه ونحوه مما تجوز فيه الجَعَالة، دون الإجارة اللازمة.

فصل
وأما النوع الثالث فهو: ما لا يُقْصَد فيه العمل، بل المقصود فيه المال، وهو المضاربة، فإن ربَّ المال ليس له قصدٌ في نفس العمل كما للجاعل (4)، والمستأجر [له] (5) قصد في عَملِ العامل، ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئًا لم يكن له شيءٌ، وإن سَمَّى هذا جَعَالة بجزء مما يحصل من العمل كان [هذا] (6) نزاعًا لفظيًا، بل هذه مشاركة: هذا بنفعِ ماله، وهذا بنفع بدنه (7)، وما قسم اللَّه من ربح كان بينهما على الإشاعة؛ ولهذا لا يجوز أن يختص أحدُهما بربح مقدر؛ لأن هذا يخرجهما عن العَدْل الواجب في الشركة، وهذا هو الذي نهى عنه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من المزارعة، فإنهم كانوا يشترطون لربِّ الأبيض زرعَ بقعة بعينها، وهو ما نبت على الماذياناتِ (8) وأقبال الجداول ونحو ذلك، فنهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عنه (9)، ولهذا قال الليث بن سعد وغيره: " [إن] (5) الذي نَهَى عنه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرٌ لو نَظرَ فيه ذو البصيرة
__________
(1) انظر: "المغني" (13/ 64)، "المبدع" (3/ 370)، "المحرر" (2/ 174)، "الإنصاف" (4/ 148)، "منتهى الإرادات" (1/ 635)، "كشاف القناع" (3/ 70).
(2) أخرجه البخاري (2276) (كتاب الإجارة): باب ما يُعطى في الرُّقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب، عن أبي سعيد الخدري رفعه، ووقع في (ق): "فرقاه بعضهم حتى برأ".
(3) في (ن): "لأنه غير مقدور له".
(4) في المطبوع: "في نفس عمل العامل كالمجاعل"، وفي (ن) و (ك): "في نفس عمل العامل كالجاعل".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك).
(7) في (ن): "هذا ينفع بماله، وهذا ينفع ببدنه"، وفي (ق): "هذا لنفع ماله، وهذا لنفع بدنه".
(8) "بكسر الذال وفتحها: مسائل الماء، أو ما ينبت على حافتي مسيل الماء، أو حولي السواقي" (و). قلت: وهي لفظة معربة، وليست عربية.
ووقع في (ك): "وهو ما ينبت على الماذيانات"
(9) أخرج البخاري (2332) (كتاب الحرث والمزارعة): باب ما يكره من الشروط في =
(3/168)

بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز" (1)، فتبين (2) أن النهي عن ذلك مُوجَبُ القياس، فإن هذا لو شرط في المضاربة لم يجز، فإن مبنى المشاركات (3) على العدل بين الشريكين، فإذا خُصَّ أحدهما بربح دون الآخر لم يكن ذلك عدلًا، بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء مشاع (4) فإنهما يشتركان في المَغْنَمِ والمَغْرم، فإن حصل ربح اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في المغرم، وذهب نفعُ بَدَنِ هذا كما ذهب نفعُ مال هذا، ولهذا كانت الوضيعة على المال؛ لأن ذلك في مقابلة ذهاب نفع المال، ولهذا كان الصواب أنه يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل (5)، فيُعْطَى العامل ما جرت العادة أن يُعطاه (6) مثله إما نصفه أو ثلثه، فأما أن يُعطى شيئًا مقدَّرًا مضمونًا في ذمة المالك كما يُعطى في الإجارة والجَعَالة فهذا غلط ممن قاله، وسببُ غلطه (7) ظنُّه أن هذه إجارة فإعطاءه في فاسدها عوضَ المثلِ كما يعطيه في الصحيح المُسمَّى، ومما يبين غلط هذا القول أن العامل قد يعمل عشر سنين أو أكثر، فلو أُعطي أجرة أُعطي (8) أضعاف رأس المال، وهو في الصحيح (9) لا يستحق إلا جزءًا من الربح إن كان هناك ربح، فكيف يستحق في الفاسدة أضعاف ما يستحقه في الصحيحة؟ وكذلك الذين أبطلوا المزارعة والمساقاة (10) ظنوا أنهما إجارة بعوض مجهول فابطلوهما، وبعضُهم صحَّح منهما (11)
__________
= المزارعة، ومسلم (1547) (كتاب البيوع): باب كراء الأبيض بالذهب والوَرِق عن رافع قال: كنا أكثر أهل المدينة حقلًا، وكان أحدنا يكري أرضه، فيقول هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أخرجت ذه، ولم تخرج ذه، فنهاهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. لفظ البخاري.
وأخرج مسلم (1536) (96) عن جابر بن عبد اللَّه قال: كُنّا في زمان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نأخذ الأرض بالثلث أو الربع بالماذيانات فقام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك، فقال: من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فلْيُمسِكها".
(1) علق البخاري في "الصحيح" (كتاب الحرث والمزارعة): (قبل رقم 2346، 2347) عن الليث بن سعد قوله: "وكان الذي نُهي عن ذلك، ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه، لما فيه من المخاطرة".
ووقع في (ك) و (ق): "إذا نظر فيه ذو البصر".
(2) في (ن): "فبين".
(3) في (ن): "الشركات" وفي (ق): "بناء المشاركات".
(4) في المطبوع: "شائع".
(5) زاد هنا في (ك): "لا أجرة المثل".
(6) في (ك) و (ق): "يُعطى".
(7) في (ن): "وسببه".
(8) في (ق): "فلو أُعطي أجرة المثل أعطي".
(9) في (د) و (ك): "الصحيحة".
(10) في (ق): "المساقاة والمزارعة".
(11) في (ق): "منها".
(3/169)

ما تدعو إليه الحاجة كالمساقاة على الشجر لعدم إمكان إجارتها بخلاف الأرض فإنه يمكن إجارتها، وجوَّزوا من المزارعة ما يكون تبعًا للمساقاة إما مطلقًا وإما إذا كان البياضُ الثلث، وهذا كله بناء على أن مُقتضى الدليل بطلان المزارعة، وإنما جُوِّزت للحاجة، ومن أعطى النظر حقه على أن المزارعة أبعد عن الظلم والغرر من الإجارة بأجرة مسماة مضمونة في الذمة، فإن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالزرع النابت في الأرض، فإذا لزمته الأجرة ومقصوده [من الزرع] (1) قد يحصل وقد لا يحصل كان في هذا حصول أحد المعاوضين (2) على مقصوده دون الآخر، فأحدُهما غانمٌ ولا بد، والآخر متردد بين المغنم والمغرم، وأما المزارعة فإن حصل الزرع اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان، فلا يختص أحدهما بحصول مقصوده دون الآخر، فهذا أقرب إلى العدل وأبعد عن الظلم والغرر من الإجارة.

[الأصل في جميع العقود العدل]
والأصل في العقود كلها إنما هو العدل الذي بُعثت به الرسل وأُنزلت به الكتب، قال اللَّه تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] والشارع نهى عن الربا لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم، والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا، وكلاهما أكل المال (3) بالباطل، وما نهى عنه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من المعاملات -كبيع الغَرر (4)، وبيع الثمر قبل بُدُوِّ صلاحه (5)، وبيع السِّنين (6)، وبيع حبَل الحَبَلة (7)،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ن): "حصول أحدهما".
(3) في (ق): "للمال".
(4) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب البيوع): باب بطلان بيع الحصاة (10/ 156 - نووي)، من حديث أبي هريرة.
(5) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الشرب والمساقاة): باب النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، (رقم 2194)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب البيوع): باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها (10/ 177 - نووي)، من حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-.
(6) أخرجه البخاري في "الصحيح" (2381) (كتاب المساقاة): باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، ومسلم (1536) (85) (كتاب البيوع): باب النهي عن المحاقلة والمزابنة وعن المخابرة وبيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها، وعن بيع المعاومة، وهو بيع السنين، عن جابر بن عبد اللَّه قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة (قال أحدهما -أي أبو الزبير أو سعيد بن ميناء: بيع السنين هي المعاومة وعن الثنيا ورخص في العرايا".
(7) أخرجه البخاري (2143) (كتاب البيوع): باب بيع الغرر وحَبَلَ الحبلة، ومسلم (1514) =
(3/170)

وبيع المُزَابَنة (1) والمحَاقَلة (2)، وبيع الحصاة (3)، وبيع المَلاقيح والمضامين (4)، ونحو ذلك- هي داخلة إما في الربا وإما في الميسر.
فالإجارة بالأجرة المجهولة مثل أن يَكْرِيَه الدار بما يكسبه المكتري من (5) حانوته من المال هو من الميسر، وأما المُضَاربة والمسَاقاة والمزَارعة فليس فيها شيء من الميسر، بل هي [من] (6) أقْوَم العَدْل، وهو مما يبين لك أن المزارعة التي يكون فيها البَذْر من العامل أولى بالجواز من المزارعة التي يكون فيها البذر من رب الأرض؛ ولهذا كان أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يزارعون على هذا الوجه، وكذلك عَامَلَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أهلَ خيبر بشَطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعملوها من أموالهم (7)، والذين اشترطوا أن يكون البذر من رب الأرض قاسُوا ذلك على
__________
= (كتاب البيوع): باب تحريم بيع الرجل حبل الحبلة، وانظر في معناه ما سيأتي قريبًا.
(1) مضى تخريجه قريبًا، وانظر في معناه ما سيأتي قريبًا.
(2) أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب البيوع): باب بيع المخاضرة (2207)، من حديث أنس.
(3) أخرجه مسلم (1513) (كتاب البيوع): باب بطلان بيع الحصاة والذي فيه غرر عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر.
وانظر في معناه: "المعلم بفوائد مسلم" (2/ 160)، و"الموافقات" (2/ 522 و 3/ 417 - بتحقيقي)، وما سيأتي قريبًا.
(4) أخرجه مالك في "الموطأ" (4060 - رواية يحيى ورقم 2610 - رواية أبي مصعب الزهري) عن سعيد بن المسيب قوله.
وورد مرفوعًا في أحاديث فيها ضعف، وانظر: "مجمع الزوائد" (4/ 204)، وقال (و): "الحبل: مصدر سمي به المحمول، والحبل الأول يراد به ما في بطون النوق من الحمل، والثاني -الحبلة- حبل الذي في بطون النوق، وإنما نهى عنه لمعنيين، أحدهما: أنه غرر، وبيع شيء لم يخلق بعد، وهو أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أن تكون أنثى، فهو بيع نتاج النتاج، وقيل أراد بحبل الحبلة أن يبيعه إلى أجل ينتج فيه الحمل الذي في بطن الناقة، فهو أجل مجهول ولا يصح، والمزابنة: بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر، وفي المحاقلة اختلاف، فقيل: هي اكتراء الأبيض بالحنطة، وقيل: هي المزارعة على نصيب معلوم كالثلث والربع، وقيل: هي بيع الطعام في سنبله بالبر، أو بيع الزرع قبل إدراكه، وبيع الحصاة هو أن يقول البائع أو المشتري: إذا نبذت إليك الحصاة، فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يقول: بعتك من السلع ما تقع عليه حصاتك إذا رميت بها، أو بعتك من الأبيض إلى حيث تنتهي حصاتك، والكل فاسد لأنه من بيوع الجاهلية، والملاقيح: جمع ملقوح، وهو جنين الناقة، وقيل ما في صلب الفحل، وما في بطن الناقة يسمى: مضمونًا".
(5) في المطبوع و (ق) و (ك): "في".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) أخرجه البخاري (2328) (كتاب الحرث والمزارعة): باب المزارعة بالشطر، و (2331): =
(3/171)

المضاربة، فقالوا: المضاربة المال فيها من واحد والعمل من آخر، فكذلك المزارعة ينبغي أن يكون البَذْر فيها من مالك الأرض، وهذا القياس -مع أنه مخالف للسنة الصحيحة ولأقوال الصحابة- فهو من أفسد القياس، فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه، ويقتسمان الربح، فهذا نظير الأرض في المزارعة، وأما البَذْر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه بل يذهب كما يذهب نفع الأرض فإلحاقه بالنفع الذاهب أولى من إلحاقه بالأجل (1) الباقي؛ فالعامل إذا أخرج البَذْرَ ذهب عمله وبذره، ورب الأرض يذهبُ نفعُ أرضه، وبدن هذا (2) كأرض هذا؛ فمن جعل البَذْرَ كالمال في المضاربة كان ينبغي له أن يعيد مثل هذا البذر إلى صاحبه، كما قال مثل ذلك في المضاربة، كيف ولو اشترط رب البذر عَوْد نظيره لم يجوّزوا ذلك؟

فصل [الحوالة موافقة للقياس]
وأما الحوالة فالذين قالوا: "إنها على خلاف القياس" (3) قالوا: هي بيع دين بدين، والقياس يأباه، وهذا غلطٌ من وجهين (4):
أحدهما: أن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ (5)، والكالئ: هو المؤخَرُ الذي لم يُقْبَضْ (6)، كما لو أسلم شيئًا في شيء في الذمة، وكلاهما مُؤخَّر، فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ (7)، وأما بيع الدَّيْن بالدَّيْن فينقسم إلى بيع واجب بواجب كما ذكرنا،
__________
= باب المزارعة مع اليهود ونحوه، ومسلم (1551) (كتاب المساقاة): باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع، عن ابن عمر.
(1) في المطبوع و (ق) و (ك): "بالأصل".
(2) في (ق) و (ك): "وبذر هذا".
(3) هذا قول كثير من المالكية والشافعية انظر: "المهذب" (1/ 344)، "فتح العزيز" (10/ 338)، "شرح منح الجليل" (6/ 187).
(4) انظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 364)، "مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 513) وذهب معظم فقهاء الحنفية والحنابلة إلى أنه موافق للقياس، انظر: "البناية" (6/ 808)، "إحكام الأحكام" (3/ 198 - 199) لابن دقيق العيد، "فتح الباري" (4/ 465 - 466)، "شرح النووي على صحح مسلم" (10/ 228)، "المغني" (4/ 576)، "حاشية الروض المربع" (2/ 191).
(5) سيأتي تخريجه.
(6) زاد هنا في (ك): "بالمؤخر الثاني".
(7) "وصورته: أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل، لم يجد ما يقضي به، =
(3/172)

وهو الممتنع (1)، وينقسم إلى بيع ساقط بساقط، وساقط بواجب، وواجب بساقط، وهذا فيه نزاع.
قلت (2): الساقطُ بالساقط في سورة المقاصَّة، والساقطُ بالواجبِ كما لو باعه دينًا له في ذمته بدَيْن آخر من غير جنسه، فسقط الدينُ المبيعُ ووجب عِوَضه، وهو (3) بيع الدين ممن هو في ذمته، وأما بيع الواجب بالساقط فكما لو أسلم إليه في كُر (4) حنطة بعشرة دراهم في ذمته فقد وجب له عليه دَيْن وسقط له عنه دين غيره، وقد حُكي الإجماع على امتناع هذا، ولا إجماع فيه، قاله شيخنا، واختار جوازه (5)، وهو الصواب، إذ لا محذور فيه، وليس (6) بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى، فإن المنهيَّ عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة فإنه لم يتعجل أحدُهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله وينتفع صاحب المؤخر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة، وأما ما عداه من الصور الثلاث فلكل منهما غَرضٌ صحيح ومنفعة مطلوبة، وذلك ظاهر في مسألة التقاص، فإن ذمتهما تبرأ من أسرِها، وبراءةُ الذمة مطلوبٌ (7) لهما وللشارع، فأما في الصورتين الأخرتين (8) فأحدهما يُعجِّل براءة ذمته والآخر ينتفع (9) بما يربحه، وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته والآخر يحصل على الربح -وذلك في بيع العين بالدين- جاز أن يفرغَهَا من دَيْنٍ ويشغلها بغيره، وكأنه شغلها به ابتداء (10) إما بقرض أو (11) بمعاوضة، فكانت ذمته مشغولة بشيء، فانتقلت من شاغل إلى شاغل، وليس هناك بيع كالئ بكالئ، وإن كان بيع دَيْن بدين فلم ينهَ الشَّرعُ (12) عن ذلك لا بلفظه ولا بمعنى لفظه، بل قواعد الشرع تقتضي جوازه؛ فإن الحوالة اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمةِ المُحيل إلى ذمة المُحال عليه، فقد عاوض
__________
= فيقول بِعْنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه منه، ولا يجري بينهما تقابض، يقال: كلأ الدين كلوءًا فهو كاليء إذا تأخر" (و). قلت: ولنزيه حماد دراسة مفردة مطبوعة في هذه المسألة.
(1) في المطبوع: "هو ممتنع".
(2) القائل هو الإمام ابن القيم -رحمه اللَّه-.
(3) في المطبوع: "وهي".
(4) "الكر: مكيال للعراق" (ط).
(5) له في "تفسير آيات أشكلت" (2/ 635 وما بعد) مبحث مطول جدًا، تتطابق عباراته مع "الإعلام" أحيانًا، انظره فإنه مفيد، وقارن ب"مجموع الفتاوى" (29/ 511 - 512).
(6) في (ق) و (ك): "ولا هو".
(7) في (ق): "مطلوبة".
(8) في المطبوع: "الأخيرتين".
(9) في (ق): "انتفع".
(10) في (ق): "أبدأ".
(11) في (ق): "وإما".
(12) في (ك) و (ق): "الشارع".
(3/173)

المُحيلُ المحتالَ بدينه بدين آخر (1) في ذمة ثالث (2)، فإذا عاوضَهُ من دَيْنه على دين آخر في ذمته كان أولى بالجواز وباللَّه التوفيق.
رجعنا إلى كلام شيخ الإسلام، قال (3): الوجه الثاني -يعني مما يبين أن الحوالة على وفق القياس- أنَّ الحوالة من جنس إيفاء الحق، لا من جنس البيع، فإن صاحب الحق إذا استوفى من المَدينِ (4) مالَه كان هذا استيفاء، فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدَّيْن عن الدين الذي في ذمةِ المُحيل؛ ولهذا ذكر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الحوالة في معرض الوفاء، فقال في الحديث الصحيح: "مَطْلُ الغني ظلم، وإذا أُتْبعَ أحدكم على مليء فَلْيَتَّبع" (5) فأمر المَدِينَ بالوفاء، ونهاه عن المطل، وبين أنه ظالم إذا مطل، وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على مليء، وهذا كقوله [تعالى] (6): {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] أمر المستحق أن يطالب بالمعروف، وأمر المؤدي (7) أنْ يؤدّي بإحسان، ووفاءُ الدين ليس هو البيع الخاص وإن كان فيه شَوْب (8) المعاوضة، وقد ظنَّ بعضُ الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاءِ المَدين بسبب [أن] (9) الغريم إذا قبض الوفاء صار في ذمة المدين مثله (10)، ثم إنه يقاصُّ ما عليه بماله، وهذا تكلُّفٌ أنكره جمهور الفقهاء، وقالوا: بل نفس المال الذي قَبضهُ يحصلُ به الوفاء، ولا حاجَة أن يُقدِّر في ذمة المستوفي دَيْنًا، وأولئك قَصَدُوا أن يكون وفاء دين بدين مطلق، وهذا لا حاجة إليه، فإن الدَّينَ من جنس المطلق الكلي والمعيَّن من جنس المعين، فمن ثبت في ذمته دين مطلق كلي فالمقصود منه هو الأعيان الموجودة، وأي مُعين
__________
(1) في المطبوع: "من دينه بدين آخر".
(2) في (ق) و (ك): "في ذمته ثابت".
(3) من هنا يستأنف ابن القيم كلام شيخه -رحمهما اللَّه تعالى- فتابِعْه في "مجموع الفتاوى" (20/ 512 - فما بعدها)، وللشيخ صالح السلطان بحث مطبوع في (بيع الدين) (مهم).
(4) في (ق): "الدين".
(5) أخرجه البخاري (2287) (كتاب الحوالات): باب في الحوالة، وهل يرجع في الحوالة، و (2288) باب إذا أحال على مليء فليس له رد، ومسلم (1564) (كتاب المساقاة): باب تحريم مطل الغني، من حديث أبي هريرة.
"أي إذا أحيل على قادر، فليحتل، قال الخطابي: أصحاب الحديث يروونه: أتبع -بتشديد التاء- وصوابه بسكون التاء بوزن أكرم" (و).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في المطبوع: "المدين".
(8) في (ك): "ثبوت".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(10) في (ق): "في ذمته للمدين مثله".
(3/174)

استوفاه حَصَل به المقصودُ من ذلك الدين المطلق.

فصل [القرض على وفق القياس]
وأما القرض فمن قال: "إنه على خلاف القياس" (1) فشُبْهته أنه بيع رِبَوي بجنسه مع تأخر القبض، وهذا غلط (2)، فإن القرض من جنِس التبرع بالمنافع كالعارية، ولهذا سَمَّاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-[مَنِيحَةً] (3) فقال: "أو مَنيحة ذهب أو منيحةَ وَرِقٍ" (4) وهذا من باب الإرفاق، لا من باب المعاوضات، فإن باب المعاوضات يُعطي كلٌّ منهما أصلَ المال على وجه لا يعود إليه، وباب القرض من جنس باب العارية والمنيحة وإفقار الظهر مما يُعطي فيه أصل المال لينتفعَ بما يستخلف منه ثم يُعيده إليه بعينه إن أمكن وإلا فنظيره ومثله (5)، فتارةً ينتفع بالمنافع كما في عارية العَقَار وتارة يمنحه ماشيةً ليشرب لبنها ثم يعيدها أو شجرة (6) ليأكل ثمرها ثم يعيدها، وتُسمَّي العريه، فإنهم يقولون: أعراه الشجرة (7)، وأعاره المتاع، ومَنَحه الشاة، وأفقره الظهر، وأقرضه الدراهم، واللبن والثمر لمَّا كان يستخلف شيئًا بعد شيء كان بمنزلة المنافع، ولهذا كان في الوقف يجري مجرى المنافع، وليس هذا من باب البيع في شيء بل هو من باب الإرفاق والتبرع والصدقة، وإن كان المُقْرضُ قد ينتفع أيضًا بالقَرْض كما في مسألة السفتجة (8)، [ولهذا كرهها من كرهها] (9)، والصحيح أنها لا تكره؛ لأن المنفعة لا تخص المقرض، بل ينتفعان بها جميعًا (10).
__________
(1) قاله الكاساني في "بدائع الصنائع" (7/ 396) وقارن ب"الفروق" (4/ 2).
(2) انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 514).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) أخرج أحمد (4/ 272) عن النعمان بن بشير رفعه: "من منح منيحة وَرِقٍ أو ذهبٍ، أو سقى لبنًا، أو أهدى زُقاقًا، فهو كعدل رقبة"، وإسناده حسن.
وفي الباب عن البراء بن عازب، عند أحمد (4/ 285، 286 - 287، 296، 300، 304)، والترمذي (1597): أبواب البر والصلة: باب ما جاء في المنحة، والخطابي في "غريب الحديث" (1/ 728)، وابن حبان (5096)، والبغوي (1663) وإسناده جيد.
(5) في (ق) و (ك): "أو مثله".
(6) في (ن): "أو شجرًا".
(7) في (ق): "الشجر".
(8) "أن يعطي مالًا لآخر، وللآخر مال في بلد المعطي، فيوفيه إياه ثَمَّ، فيستفيد أمن الطريق" (و).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) انظر: "تهذيب السنن" (5/ 152 - 153).
(3/175)

فصل [إزالة النجاسة على وفق القياس]
وأما إزالة النجاسة فمن قال: "إنها على خلاف القياس" (1) فقوله مِنْ أبطل الأقوال وأفسدها (2)، وشبهته أن الماء إذا لاقى نجاسة تنخس بها، ثم [لاقى] (3) الثاني والثالث كذلك، وهلمَّ جرًا، والنجس لا يزيل نجاسة، وهذا غلط، فإنه يقال: فلم (4) قلتم: إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسةً نَجُسَ؟ فإن قلتم: الحكم في بعض الصور كذلك، قيل: هذا ممنوع عند من يقول: [إن] (3) الماء لا يَنْجُس إلا بالتغير.
فإن قيل: فيقاس ما لم يتغيّر على ما تغيّر.
قيل: هذا من أبطل القياس حسًا وشرعًا، وليس جَعْلُ الإزالة مخالفةً للقياس بأولى من جعل تنجيس الماء مخالفًا للقياس، بل يقال: إن القياس يقتضي أن الماء إذا [لاقى نجاسة لا ينجس، كما أنه إذا] (5) لاقاها حال الإزالة لا ينجس؛ فهذا القياسُ أصحُّ من ذلك القياس؛ لأن النجاسة تزول بالماء حسًا وشرعًا، وذلك معلوم بالضرورة من الدين [بالنص والإجماع] (5)؛ وأما تنجيسُ الماء بالملاقاة فموردُ نزاعٍ، فكيف يُجعل مَوردُ النزاعِ حجةً على مواقع الإجماع (6)؟ والقياسُ يقتضي رد موارد النزاع إلى مواقع الإجماع، وأيضًا فالذي تقتضيه العقولُ أن الماء إذا لم تغيره النجاسة لا ينجس، فإنه باق على [أصل] (5) خلقته، فهو (7) طيب، فيدخل في قوله: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} (8) [الأعراف: 157]. وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة فاستحالت بحيث لم يظهر لها لونٌ ولا طعمٌ ولا ريحٌ.
__________
(1) ذهب جمع من الحنفية إلى هذا، انظر: "البناية" (1/ 711)، "بدائع الصنائع" (1/ 83).
(2) انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 515 - 516).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ق): "لم".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك)، وانظر حول الإجماع على أن الماء يزيل النجاسة: "تفسير القرطبي" (13/ 14) "المجموع" (1/ 81)، "مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 516).
(6) في (ق): "القياس" وصحح في الهامش ما أثبتناه هنا.
(7) في. (د): "وهو".
(8) بعدها في (د): {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ}.
(3/176)

وقد تنازع الفقهاء: هل القياس يقتضي نجاسة الماء بملاقاة النجاسة إلا ما استثناه الدليل (1)، أو القياس يقتضي أنه لا ينجس إذا لم يتغير؟ على قولين، والأول قول أهل العراق، والثاني قول أهل الحجاز، وفقهاء الحديث منهم من يختار هذا ومنهم من يختار هذا (2).
وقول أهل الحجاز هو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول (3)، فإن اللَّه سبحانه أباح الطَّيبات وحَرَّم الخبائث، والطيَّبُ والخبيثُ يثبت للمَحَلِّ (4) باعتبار صفات قائمة به، فما دامت تلك الصفة فالحكمُ تابعٌ لها، فإذا زالت وخَلَفتها الصفة الأخرى زال الحكم وخلله ضده، وهذا (5) هو مَحْضُ القياس والمعقول، فهذا الماء والطعام كان طيبًا لقيام الصفةِ الموجبةِ لِطِيبه، فإذا زالت تلك الصفة وخَلَفتها (6) صفة الخبث عاد خبيثًا، فإذا زالت صفة الخَبَث عاد [إلى ما كان] (7) عليه، وهذا كالعصير الطيب إذا تخَمَّر صار خبيثًا فإذا عاد إلى ما كان عليه عاد طيِّبًا، [والماء الكثير إذا تغير بالنجاسة صار خبيثًا فإذا زال التغير عاد طيبًا، والرجل المسلم إذا ارتدَّ صار خبيثًا فإذا عاد إلى الإسلام عاد طيبًا] (8)، والدليل على أنه طيب الحس والشرع: أما الحس فلأن الخبث لم يظهر له فيه أثرٌ بوجه ما لا في لونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ، ومحالٌ صِدْقُ المشتقِّ بدون المشتق منه، وأما الشرع فمن وجوه:
أحدها: أنه كان طيبًا قبل ملاقاته لما يتأثر به، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت رفعه، وهذا يتضمن أنواع الاستصحاب الثلاثة المتقدمة: استصحاب براءة الذمة من الإثم بتناوله شربًا أو طبخًا أو عجنًا (9)، وملابسة واستصحاب (10) الحكم الثابت وهو الطهارة، واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع.
__________
(1) في (ق): "إلا ما استثنى في الدليل".
(2) انظر: "إحكام الأحكام" (1/ 21 - 22) لابن دقيق العيد، "فتح الباري" (1/ 348)، "شرح النووي على صحيح مسلم" (1/ 187)، "البناية" (1/ 711).
(3) انظر: "تهذيب السنن" (1/ 56 - 74)، و"بدائع الفوائد" (3/ 130، 131، 257 - 258).
(4) في (ق) و (ك): "في المحل".
(5) في (د) و (ك): "فهذا".
(6) في (ق): "وخلفها".
(7) بدل ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق): "خلا".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) في (ق) و (ك): "وطبخًا وعجنًا".
(10) في (د): "وملابسة استصحاب" وفي (ك): "أو استصحاب".
(3/177)

الثاني: أنه لو شرب هذا الماء الذي قُطِرت فيه قطرةٌ من خمر مثل رأس الذبابة (1) لم يُحدّ اتفاقًا، ولو شربه صبيٌّ وقد قطرت فيه قطرة من لبن لم ينشئ الحرمة، فلا وجه للحكم بنجاسته لا من كتاب ولا سنة (2) ولا قياس.
والذين قالوا: "إن الأصل نجاسة الماء بالملاقاة" تناقضوا أظهر (3) تناقض، ولم يمكنهم طَرْدُ هذا الأصل: فمنهم من استثنى مقدار الُقلَّتين (4) على خلافهم فيها، ومنهم من استثنى ما لا يمكن نَزحُه، ومنهم من استثنى ما إذا حُرِّكَ أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر (5)، ومنهم من استثنى الجاري خاصة، وفرَّقوا بين ملاقاة الماء في الإزالة إذا ورد على النجاسة وملاقاتها له إذا وردت عليه بفروق: منها أنه وارد على النجاسة فهو فاعلٌ وإذا وردت عليه فهو مَوْرُود مُنْفعل وهو أضعف، ومنها أنه إذا كان واردًا فهو جارٍ (6) والجاري له قوة، ومنها أنه إذا كان واردًا فهو في محل التطهير وما دام في محل التطهير فله عمل وقوة، والصواب [أن مقتضى القياس] (7) أن الماء لا ينجس إلا بالتغير (8)، وأنه إذا تغيَّر في محل التطهير فهو نجس أيضًا، وهو في حال تغيره لم يزلها، وإنما خففها، ولا تحصل الإزالة المطلوبة إلا إذا كان غير متغير، وهذا هو القياس في المائعات كلها: أن يسيرَ النجاسةِ إذا استحالت في الماء ولم يظهر لها (9) فيه لونٌ ولا طعمٌ ولا رائحةٌ فهي من الطيبات لا من الخبائث، وقد صح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: " [إن] الماء لا
__________
(1) في (ق): "الذباب".
(2) في (د): "ولا من سنة".
(3) في (د): "أعظم".
(4) كما جاء في حديث صحيح، أفرده العلائي في جزء مطبوع، وأسهبت في تخريجه في تعليقي على "الطهور" لأبي عبيد (167)، و"الخلافيات" للبيهقي (مسألة رقم 41 رقم 965)، والمذكور مذهب أبي عبيد في "الطهور" (ص 235 - 237).
(5) وهذا مذهب الحنفية، انظر: "شرح فتح القدير" (1/ 79 - 81)، و"البناية" (1/ 313 - 314، 330)، و"حاشية ابن عابدين" (1/ 128).
(6) في (ق): "جاري".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) وهذا مذهب مالك والأوزاعي والليث وابن وهب وإسماعيل بن إسحاق ومحمد بن بكير، والحسن بن صالح، وبه قال أحمد في رواية، انظر: "الكافي" (1/ 155)، و"التمهيد" (1/ 326 - 327)، و"بداية المجتهد" (1/ 24)، و"تفسير القرطبي" (3/ 42)، و"المغني" (1/ 24)، و"أحكام القرآن" (3/ 419) للجصاص، "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (1/ 259 - 260)، و"فقه الأوزاعي" (1/ 9 - 10)، و"تهذيب الآثار" (2/ 219) لابن جرير.
(9) في (ق): "له".
(3/178)

ينجس" (1) وصح عنه أنه قال: "إن الماءَ لا يجنُب" (2) وهما نصان صريحان في أن
__________
(1) ورد في حديث بئر بضاعة، وله طرق أحسنها ما أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 141 - 142)، وأحمد (3/ 31)، وأبو داود (66)، والترمذي (1/ 95)، والنسائي (1/ 174)، والدارقطني (1/ 30)، وابن الجارود (47)، وابن المنذر في "الأوسط" (1/ 269)، والبغوي (283) عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب القرظي عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن رافع بن خديج عن أبي سعيد رفعه قال الترمذي: "حديث حسن، وقد جوّد أبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد"، وقال البغوي: "هذا حديث حسن صحيح".
قلت: وانظر سائر طرقه في تعليقي على "الطهور" لأبي عبيد (رقم 145، 146، 147، 148).
والحديث صحيح لشواهده وطرقه، ومن أحسن شواهده حديث سهل بن سعد.
أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 12)، والدارقطني (1/ 32)، والبيهقي (1/ 259)، وقاسم بن أصبغ في "مصنفه"، ومن طريقه ابن حزم (1/ 155)، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن في "مستخرجه على سنن أبي داود. . كما في "التلخيص الحبير" (1/ 13).
والحديث صححه أحمد بن حنبل، قال الخلال: قال أحمد: حديث بئر بضاعة صحيح، وصححه ابن معين، وابن حزم، وابن أصبغ، وحسنه ابن القطان.
وانظر -غير مأمور-: "تحفة الطالب" (146)، و"البدر المنير" (2/ 51 - 61)، و"خلاصته" (1/ 7)، و"تحفة المحتاج" (1/ 137)، و"المجموع" (1/ 82)، و"المغني" (1/ 25)، و"تنقيح التحقيق" (1/ 205 - 207)، و"التلخيص الحبير" (1/ 12)، و"البناية في شرح الهداية" (1/ 320)، و"الإرواء" (1/ 45 - 46)، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) أخرجه أحمد (6/ 330)، والطيالسي (115)، وأبو يعلى (7098)، وإسحاق بن راهويه (2016) في "مسانيدهم" وأبو عبيد في "الطهور" (رقم 149، 150 - بتحقيقي)، وأبو القاسم البغوي في "الجعديات" (2424)، وابن ماجه (372)، والدارقطني (1/ 52)، وابن جرير في " تهذيب الآثار" (1/ 204، 205)، وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (58)، والخطيب في "الأسماء المبهمة" (ص 300) من طريق شريك عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس عن ميمونة.
وتوبع شريك، تابعه كل من:
أولًا: أبو الأحوص، كما عند ابن أبي شيبة (1/ 143)، وأبي داود (68)، والترمذي (65)، وابن ماجه (370)، وابن حبان (1238)، وابن جرير في "تهذيب الآثار" (2/ 202)، والبيهقي (1/ 267)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ثانيًا: سفيان الثوري، كما عند: عبد الرزاق (396)، والدارمي (1/ 187)، وإسحاق =
(3/179)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= (2017، 2018)، وأحمد (1/ 235، 284، 358)، والنسائي (1/ 175)، وابن ماجه (371)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 26)، وابن حبان (2/ 271) رقم (1239 - مع الإحسان)، وابن الجارود في "المنتقى" رقم (48) و (49)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 267)، وابن خزيمة في "صحيحه" (1/ 57 - 58) رقم (109)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (10/ 403) و"الأسماء المبهمة" رقم (148)، وأبو يعلى في "المسند" كما في "المجمع" (1/ 214)، وابن جرير في "تهذيب الآثار" (2/ 202 و 203 و 205)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 159)، وابن المنذر في "الأوسط" (1/ 268 و 296)، وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" رقم (57).
ثالثًا: شعبة، كما عند:
ابن خزيمة في "الصحيح" (1/ 48) رقم (91)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 159) والبزّار في "المسند" (1/ 132) رقم (250 - كشف الأستار)، وابن جرير في "تهذيب الآثار" (2/ 206).
رابعًا: حماد بن سلمة، كما عند:
ابن جرير في "تهذيب الآثار" (2/ 206).
خامسًا: يزيد بن عطاء، كما عند:
الدارمي في "السنن" (1/ 187).
سادسًا: إسرائيل، كما عند:
ابن جرير في "تهذيب الآثار" (1/ 204) وعبد الرزاق في "المصنف" (1/ 109) رقم (397) وعنده: "عن إسرائيل عن عكرمة به"!!
سابعًا: عنبسة، كما عند: ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" رقم (55).
قال الخطيب البغدادي في "الأسماء المبهمة" (ص 299): "هذا الحديث إنما يحفظ عن سماك عن عكرمة".
وهذا الحديث صحيح.
صححه ابن خزيمة والترمذي وقال الحاكم: "حديث صحيح في الطهارة ولم يخرجاه، ولا يحفظ له علة"!! قلت: وقد أعلّه بعضهم، كما سيأتي.
وقال الهيثمي في "المجمع" (1/ 213): "رجاله ثقات".
وقال الحازمي -كما في "التلخيص الحبير" (1/ 14) -:
"لا يعرف مجوّدًا إلا من حديث سماك بن حرب عن عكرمة، وسماك مختلف فيه، وقد احتجّ به مسلم".
قلت: وتوهين الحديث بسماك غير صحيح.
قال الحافظ في "الفتح" (1/ 300):
"وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التّلقين، لكن قد رواه عن شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم". =
(3/180)

الماء لا ينجس بالملاقاة، ولا يسلبه طَهُوريتُه استعمالَه في إزالة الحدث، ومَنْ نجَّسه بالملاقاة أو سَلبَ طَهُوريته بالاستعمال فقد جعله ينجس ويجنب، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثبت عنه في "صحيح البخاري" أنه سئل عن فارة وقعت في سَمْن فقال: "ألقُوهَا وما حولها وكُلُوه" (1) ولم يفصل بين أن يكون جامدًا أو مائعًا قليلًا أو كثيرًا، فالماء من طريق الأولى يكون هذا حكمه، وحديث التفريق بين الجامد (2) والمائع حديثٌ معلول (3)، وهو غلط من معمر من عدِّة وجوهٍ بيَّنها البخاريُّ في "صحيحه"
__________
= ولكن البزار تكلَّم في طريق شعبة، فقال: "لا نعلم أسنده عن شعبة إلا محمد بن بكر، وأرسله غيره" قلت: وهو البرساني، وثقه جماعة، منهم: ابن معين وأبو داود والعجلي. ولم يتفرد بوصله عن شعبة فقد تابعه: محمد بن جعفر، كما عند ابن جرير. والوصل مقدم على الإرسال؛ لأنه من باب زيادة الثقة، بل زيادة أكثر من واحد منهم.
وانظر: "تنقيح التحقيق" (1/ 220 - 222).
(1) سبق تخريجه.
(2) في (ق): "بين المائع والجامد".
(3) أخرجه أبو داود (3842) (كتاب الأطعمة): باب في الفأرة تقع في السمن، ومن طريقه البيهقي (9/ 353)، عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رفعه: "إذا وقعت الفأرة في السَّمن، فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه"، وكذا رواه معمر عن الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس عن ميمونة، عند النسائي (7/ 178): كتاب (الصيد والذبائح): باب الفأرة تقع في السمن، وورد التفريق بين (المائع)، و (الجامد): -عند الطيالسي (2716) عن ابن عيينة عن ابن شهاب عن عبيد اللَّه عن ابن عباس عن ميمونة.
ورواه إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة به، وكذا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن الزهري به، كذا في "الفتح" (1/ 344) ورواية ابن مهدي عند النسائي (7/ 178) (كتاب الصيد والذبائح): باب الفأرة تقع في السمن.
وحكم الحفَّاظ بتوهيم (معمر) وأن المتابعات المذكورة لا تفيد! قال البخاري في "صحيحه": (عقب 5538) (كتاب الذبائح والصيد): باب إذا وقعت الفارة في السّمن الجامد أو الذائب، ورواه من طريق الحميدي ثنا سفيان حدثنا الزهري قال أخبرني عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة أنه سمع ابن عباس يحدثه عن ميمونة: إنَّ فأرةً وقعت في سمنٍ فماتت، فسُئل النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عنها فقال: "ألقوها، وما حولها وكلوه" قال: "وقيل لسفيان: فإنّ معمرًا يحدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة؟ قال: ما سمعت الزهري يقول إلا عن عبيد اللَّه عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولقد سمعته منه مرارًا" ثم قال (رقم 5539):
"حدثنا عبد ان أخبرنا عبد اللَّه عن يونس عن الزهري عن الدابة تموتُ في الزيت والسمن، وهو جامد أو غير جامد، الفارة أو غيرها، قال: بلغنا أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر =
(3/181)

والترمذيُّ في "جامعه" وغيرهما (1)، ويكفي أن الزهري الذي روى عنه معمر حديث التفصيل قد روى عنه الناسُ كُلُّهم خلَاف ما روى عنه معمر، وسئل عن هذه المسألة فأفتى بأنها تُلْقَى وما حولها ويؤكل الباقي في الجامد والمائع والكثير والقليل، واستدلل بالحديث (2)، [فهذه فُتْيَاه] (3)، وهذا استدلاله، وهذه رواية الأئمة عنه، فقد اتفق على ذلك النص والقياس، ولا يصلح للناس سواه، وما عداه من الأقوال فمتناقض لا يمكن لصاحبه طرده كما تقدم، فظهر أن مخالفة القياس فيما خالف النص لا فيما جاء به النص.
__________
= بفأرة ماتت في سمن، فأمر بما قُرب منها فطُرح، ثم أكل".
ثم أخرجه برقم (5440)، وكذا (235، 236) (كتاب الوضوء): باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء من طريق مالك -وهو في "الموطأ" (2/ 971) - عن ابن شهاب عن عبيد اللَّه عن ابن عباس عن ميمونة رفعته دون التفرقة، وأخرجه الترمذي (1798): (أبواب الأطعمة): باب ما جاء في الفارة تموت في السمن عن سفيان عن الزهري به، دون التفرقة، وقال عقبه: "وروى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نحوه، وهو حديث غير محفوظ، قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: وحديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وذكر فيه أنه سئل عنه، فقال: إذا كان جامدًا فالقوها وما حولها، وإن كانت مائعًا فلا تقربوه، هذا خطا أخطا فيه معمر، قال: "والصحيح حديث الزهري عن عبيد اللَّه عن ابن عباس عن ميمونة".
ونحوه في "العلل الكبير" (2/ 758 - 759 رقم 319) للترمذي، وعنده عن البخاري قوله في هذا الحديث: "وهم فيه معمر، ليس له أصل".
ووهَّم أبو حاتم الرازي معمرًا في هذه اللفظة، انظر: "العلل" (2/ 12 رقم 1507) لابنه.
أما وجود هذه الزيادة في رواية ابن عيينة، فقال عنها ابن حجر في "الفتح": "وهذه الزيادة في رواية ابن عيينة غريبة، وانفرد إسحاق عنه بالتفصيل دون حفاظ أصحابه، مثل أحمد، والحميدي ومسدد، وغيرهم"، وقال: "ولم يذكر أحد منهم لفظة (جامد) إلا عبد الرحمن بن مهدي، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن ابن عيينة عن ابن شهاب، ورواه الحميدي والحفاظ من أصحاب ابن عيينة بدونها، انظر: "الفتح" (1/ 344 و 9/ 668 - 669).
(1) انظر: "تهذيب السنن" (5/ 336 - 341)، و"بدائع الفوائد" (3/ 257 - 258 مهم)، و"التلخيص الحبير" (3/ 4).
(2) كما في "صحيح البخاري" (رقم 5539)، ومضى قوله قريبًا ضمن تخريج الحديث.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3/182)

فصل [طهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس]
وعلى هذا الأصل فطهارة الخَمر بالاستحالة على وَفْق القياس، فإنها نجسة لوصف الخَبَث، فإذا زال الموجِبُ زال الموجَبُ، وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها [بل] (1) وأصل الثواب والعقاب، وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت (2)، وقد نَبَشَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قبورَ المشركين من موضع مسجده، ولم ينقل التراب (3)، وقد أخبر اللَّه سبحانه عن اللَّبن أنه يخرج من بين فَرْث ودَمٍ، وقد أجمع المسلمون على أن الدابة إذا عُلِفَتْ بالنجاسة ثم حُبست وعُلِفت بالطاهرات حل لبنها ولحمها، وكذلك الزروع (4) والثمار إذا سقِيت بالماء النجس ثم سقيت بالطاهر حلَّت (5) لاستحالة وصفِ الخبث وتبدله بالطيب. وعكس هذا أن الطيب إذا استحال خبيثًا صار نجسًا كالماء والطعام إذا استحال بَوْلًا وعذرةً، فكيف أثّرت الاستحالة في انقلاب الطَّيِّب خبيثًا ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيبًا؟ واللَّه تعالى يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب، ولا عبرة بالأصل، بل بوصف الشيء في نفسه، ومن الممتنع بقاءُ حكم الخبيث وقد زال اسمه ووصفه، والحكم تابع للاسم والوصف دائر معه وجودًا وعدمًا، فالنصوص المتناولةُ لتحريمِ الميتةِ والدم ولحم الخنزير والخَمرِ لا تتناول الزروع (6) والثمار والرَّماد والملح والتراب والخَل لا لفظًا ولا معنى، لا نصًا ولا قياسًا. والمفرِّقون بين استحالة الخمر وغيرها قالوا: الخمر نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة، فيقال لهم: وهكذا الدم والبول (7) والعذرة إنما
__________
(1) بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 119 - 120)، و"القواعد" لابن رجب (1/ 172) وتعليقي عليه، وانظر مقالة الأستاذ محمد بن سليمان الأشقر: "المواد المحرمة والنجسة واستعمالها في الغذاء والدواء" في "مجلة المشكاة" المجلد الأول الجزء الأول (84) وما بعد، ثم رأيتها بتمامها في كتابه "أبحاث اجتهادية في الفقه الطبي" (91 - 125).
(3) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الصلاة): باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد؟ (رقم 428)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب المساجد): باب ابتناء مسجد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (رقم 524)، من حديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه-.
(4) في المطبوع و (ك): "الزرع".
(5) في (ق): "أحالت الاستحالة" وفي (ك): "أحالت".
(6) في (ق): "والزرع".
(7) في (ق): "البول والدم".
(3/183)

نجست بالاستحالة وطهرت (1) بالاستحالة، فظهر أن القياس مع النصوص وأن مخالفة القياس في الأقوال التي تخالف النصوص.

فصل [الوضوء من لحوم الإبل على وفق القياس]
وأما قولهم: "إن الوضوء من لحوم الإبل على خلاف القياس؛ لأنها لحم، واللحم لا يتوضأ منه" (2) فجوابه أن الشارع فَرَّق بين اللَّحمين، كما فرَّق بين المكانين، وكما فرَّق بين الراعيين: [رعاة الإبل ورعاة الغنم] (3) فأمر بالصلاة في مَرَابِض الغَنَمِ دون أعطان الإبل (4)، وأمر بالتوضؤ من لحوم الإبل
__________
(1) في المطبوع و (ك): "فتطهر".
(2) وقالوا: لأن أكله مما يدخل، والوضوء مما يخرج، راجع: "المجموع" (2/ 56 - 57) "بدائع الصنائع" (1/ 32) وتجد تصحيح المصنف للحديث في "تهذيب السنن" (1/ 136 - 138)، وانظر: "زاد المعاد" (3/ 186)، و"بدائع الفوائد" (4/ 125)، ونحوه من كلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (20/ 523)، و"مجموعة الرسائل الكبرى" (2/ 250 - 251)، و"حقيقة الصيام" (ص 48). وانظر "فتح المنان بجمع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن الجان" بقلمي (1/ 38 - 45).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم 360) عن جابر بن سمرة: "أن رجلًا سأل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ"، قال: "أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم، فتوضأ من لحوم الإبل".
قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم". قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا".
و (مرابض): جمع مربض، موضع الربوض، وهو للغنم بمنزلة الاضطجاع للإنسان، والبروك للإبل، والجثوم للطير، وانظر: "مجمع بحار الأنوار" (3/ 619).
ولم يحدد أحد من شراح "صحيح مسلم" اسم السائل للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وانظر: "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" (ص 113 رقم 205 - بتحقيقي).
وفي الباب عن البراء بن عازب:
أخرجه أبو داود في "السنن" (رقم 184)، والترمذي في "الجامع" (رقم 81)، وابن ماجه في "السنن" (رقم 513)، وعبد الرزاق في "المصنف" (1/ 407 - 408/ رقم 1596)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 46)، وابن خزيمة في "الصحيح" (1/ 21 - 22)، وابن المنذر في "الأوسط" (1/ 138/ رقم 29)، وأحمد في "المسند" (4/ 288/ 303)، والروياني في "المسند" (1/ 279 - 280/ رقم 415)، وابن حبان في "الصحيح" (ص 78 - موارد)، وابن الجارود في "المنتقى" (ص 19)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 159)، وابن عبد البر في "التمهيد" (22/ 333)، وهو صحيح. =
(3/184)

دون الغَنَم (1)، كما فرَّق بين الربا والبيع، والمُذَكَّى (2) والمَيْتة؛ فالقياس الذي يتضمن التسوية بين ما فرق اللَّه بينه مِنْ أبطل القياس وأفسده، ونحن لا ننكر أن في الشريعة ما يخالف القياس الباطل، هذا مع أن الفرق بينهما ثابت في نفس الأمر، كما فرَّق بين أصحابِ الإبلِ وأصحابِ الغنمِ فقال: "الفَخْرُ والخيَلَاءَ في الفَدَّادين (3) أصحاب الإبل، والسكينة في أصحاب الغنم" (4) وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطانًا (5)، وجاء أنها جنٌّ خُلقت من جن (6)، ففيها قوة شيطانية،
__________
= قال ابن عبد البر: "وقد روي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- هذا المعنى من حديث أبي هريرة"، والبراء، وجابر بن سمرة، وعبد اللَّه بن مغفل، وكلها أسانيد حسان، وأكثرها تواترًا وأحسنها حديث البراء".
وقال ابن خزيمة: "لم نر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الحديث صحيح من جهة النقل، لعدالة ناقليه"، كذا في "الإصابة" (2/ 414)، وقد استوعبت أحاديث الباب في جمعي لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية على الجن، بدراسة مستقلة، مطبوعة في مجلدين، انظرها (1/ 41 وما بعد) والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات، وانظر ما سيأتي قريبًا.
(1) سبق في الذي قبله.
(2) في (ق) و (ن) و (ك): "والذكي".
(3) "هم الذين تعلوا أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، واحدهم: فداد، يقال: فد الرجل يفد فديدًا إذا اشتد صوته، وقيل: هم المكثرون من الإبل، وقيل: هم الجمالون والبقارون والحمارون والرعيان، وقيل: إنما هو الفدادين مخففًا، واحدها: فدان -بتشديد الدال-، وهي البقر التي يحرث بها" (و).
(4) أخرجه البخاري (3301) (كتاب بدء الخلق): باب خير مال المسلم، و (3499) (كتاب المناقب): باب منه، و (4387، 4388) (كتاب المغازي): باب قدوم الأشعريين، ومسلم (52) (كناب الإيمان): باب تفاضل أهل الإيمان، من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- ووقع في (ق): "الفدادين من أصحاب الإبل".
(5) أخرجه ابن أبي شيبة (7/ 117 - ط دار الفكر)، وأحمد (3/ 494)، والدارمي (2/ 285 - 286)، وابن حبان في "الصحيح" (رقم 1073 - الإحسان)، والطبراني في "الكبير" (رقم 3993)، و"الأوسط" (رقم 1945)، عن حمزة بن عمرو الأسلمي، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "على ظهر كل بعير شيطان فإذا ركبتموها، فسموا اللَّه ولا تقصروا عن حاجاتكم"، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 131): "رواه أحمد والطبراني في "الكبير"، و"الأوسط"، ورجالهما رجال الصحيح، غير محمد بن حمزة، وهو ثقة".
(6) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 384)، وعبد الرزاق في "المصنف" (رقم 1602)، وأحمد في "المسند" (5/ 54، 55، 56، 57)، والطيالسي في "المسند" (رقم 913)، وعبد بن حميد في "مسنده" (رقم 501 - المنتخب)، والشافعي في "الأم" (1/ 92)، و"مسنده" (رقم 199)، والنسائي في "المجتبى" (2/ 56)، و"الكبرى" (رقم 814)، وابن ماجه في "السنن" (رقم 769)، والمحاملي في "أماليه" (رقم 85)، =
(3/185)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 384)، والروياني في "المسند" (رقم 898)، وابن حبان في "الصحيح" (رقم 1702 - "الإحسان")، وأبو القاسم البغوي في "الجعديات" (رقم 3301)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 449)، و"معرفة السنن والآثار" (رقم 5111)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم 504)، وابن عبد البر في "التمهيد" (22/ 334)، من طرق عن الحسن البصري عن عبد اللَّه بن مغفل، قال: "نهانا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نصلي في أعطان الإبل ومبارك الإبل؛ لأنها خلقت من الشياطين، ونصلي في مرابض الغنم".
وفي رواية لأحمد (5/ 55): "لا تصلوا في عطن الإبل، فإنها من الجن خلقت، ألا ترون عيونها وهبابها إذا نفرت، وصلوا في مراح الغنم، فإنها هي أقرب من الرحمة".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (22/ 333): "وحديث عبد اللَّه بن مغفل رواه نحو خمسة عشر رجلًا عن الحسن، وسماع الحسن من عبد اللَّه بن مغفل صحيح"، وقال الهيثمي في "المجمع" (2/ 26): "رجال أحمد رجال الصحيح"، وصححه الشوكاني في "نيل الأوطار" (2/ 23).
قلت: انظر تفصيل ذلك في: "المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس" (4/ 1712 - 1714، 1735 - 1737).
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (12/ 334) عقب الحديث: "وفي بعض هذه الآثار، فإنها جن خلقت من جن"، وقال قبل: "وجاء في الحديث الثابت: أنها جن خلقت من جن".
فلعل هذا مستند ابن تيمية -رحمه اللَّه- (شيخ المصنف) في نقل هذا الحديث، وهو بالمعنى ساقه ابن عبد البر في معرض التفرقة بين مراح الغنم وعطن الإبل، واكتفى صاحب "الحاوي في تخريج أحاديث مجموع الفتاوى" (ص 112/ رقم 573) في التخريج بقوله: "أخرجه ابن ماجه وأحمد" ولم يشر إلى لفظيهما، فأوهم أنه عنده بلفظ: "إنها جن خلقت من جن" كما أورده ابن تيمية، وهو خلاف ذلك، وهذا قصور ظاهر في التخريج.
قال ابن حبان في "صحيحه" (4/ 602 - "الإحسان") عقب الحديث: "قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإنها خلقت من الشياطين" أراد به أن معها الشياطين، وهكذا قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فليدرأه ما استطاع، فإن أبي، فليقاتله، فإنه شيطان". ثم قال في خبر صدقه بن يسار عن ابن عمر: "فليقاتله؛ فإن معه القرين"".
قلت: قد يتأيد هذا التأويل بما أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" من مرسل خالد بن معدان: "إن الإبل خلقت من الشياطين، وإن وراء كل بعير شيطان"، ونقل المناوي في "فيض القدير" (2/ 320) عن ابن جرير قوله: "معناه أنها خلقت من طباع الشياطين، وأن البعير إذا نفر كان نفاره من شيطان يعدو خلفه فينفره، ألا ترى إلى هيئتها وعينها إذا نفرت؟ " انتهى. =
(3/186)

والغاذِي شبيه بالمغتذي، ولهذا حَرَّمَ كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير (1)؛ لأنها دواب عادية، فالاغتذاء بها يجعل في طبيعة المغتذي من العُدْوان ما يضرُّه في دينه، فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها تلك القوة الشَّيْطانية والشيطان خُلِق من نار والنارُ تُطفأ بالماء، هكذا جاء الحديث، ونظيره الحديث الآخر: "إن الغَضَبَ من الشيطان، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" (2) فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في وضوئه ما يُطفيء تلك القوة الشيطانية فتزول تلك المفسدة، ولهذا
__________
= وقال الزمخشري عن الجاحظ: "زعم بعضهم أن الإبل فيها عرق من سفاد الجن بهذا الحديث وغلطوا، وإنما ذلك لأن للشيطان فيها متسعًا، حيث سبقت أولًا إلى إغراء المالكين على إخلالهم بشكر النعمة العظيمة فيها، فلما زواها عنهم لكفرانهم أغرتهم أيضًا على إغفال ما لهم من حق جميل الصبر على الرزية بها وسولت في الجانب الذي يستعملون فيه نعمتي الركوب والحلب أنه الآثام وهو بالحقيقة الأيمن". انتهى.
(1) أخرج البخاري (5530) (كتاب الذبائح والصيد): باب أكل كل ذي ناب من السِّباع، ومسلم (1932) (كتاب الصيد والذبائح): باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، عن أبي ثعلبة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وأخرج مسلم (1934) عن ابن عباس: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير.
(2) أخرجه أحمد (4/ 226)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (7/ 8)، وأبو داود في "السنن" (4784) (كتاب الأدب): باب ما يقال عند الغضب، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (2/ 464/ رقم 1267، 1268)، والطبراني في "المعجم الكبير" (17/ 167، 169/ رقم 443، 447)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (4/ 2215) رقم (5537)، وابن حبان في "المجروحين" (2/ 25)، والبغوي في "شرح السنة" (3583)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (40/ 464)، عن أبي وائل القصاص، قال: "دخل على عروة بن محمد السعدي، فكلّمه رجل، فأغضبه، فقام فتوضأ، ثم رجع وقد توضأ، فقال حدثني أبي عن جدي عطية قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
وصحابي الحديث عطية بن عروة السعدي نزل الشام، وله ثلاثة أحاديث، ترجمته في "طبقات ابن سعد" (7/ 430)، و"الطبقات" للإمام مسلم (1/ 194/ رقم 432 - بتحقيقي)، و"الجرح والتعديل" (6/ 383)، و"الاستيعاب" (3/ 144)، و"أسد الغابة" (4/ 44)، و"الإصابة" (2/ 485)، وابنه محمد صدوق، ووهم من ذكره في الصحابة.
وانظر: "الإصابة" (3/ 475)، و"الميزان" (3/ 648)، وعروة بن محمد مجهول، وقال عنه في "التقريب": "مقبول"، أي إذا توبع، ولم أظفر له بمتابعة، فإسناده ضعيف.
وأعله شيخنا الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم 582) بجهالة كل من عروة وابنه محمد.
(3/187)

أُمِرنَا بالوضوء مما مَسَّت النار (1) إما إيجابًا منسوخًا، وإما استحبابًا غير منسوخ، وهذا الثاني أظهر لوجوه: منها (2) أن النسخ لا يُصَار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الحديثين، ومنها أن رُوَاة أحاديث الوضوء بعضهم متأخر الإسلام كأبي هريرة، ومنها أن المعنى الذي أُمرنا بالوضوء لأجله منها هو اكتسابُها من القوة النارية وهي مادة الشيطان التي خُلق منها والنارُ تُطفأ بالماء، وهذا المعنى موجود فيها، وقد ظهر اعتبار نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب (3)، ومنها أن أكثر ما مع [من] (4) ادّعى النسخ أنه ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة أنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أكَلَ مما مسَّت النار ولم يتوضأ" (5) وهذا إنما يدل على عدم وجوب الوضوء، لا على عدم استحبابه، فلا تنافي بين أمره وفعله (6)، وبالجملة فالنسخ إنما يُصار إليه عند التنافي، وتحقق التاريخ، وكلاهما منتفٍ وقد يكون الوضوء من مَسّ الذَّكَر (7) ومس النساء (8) من هذا الباب، لما في ذلك من تحريك الشهوة، فالأمر بالوضوء منهما على وفق القياس، ولما كانت القوةُ الشيطانية في لحوم الإبل لازمةً كان الأمر بالوضوء منها لا مُعارض له من فعلٍ ولا قول، ولما كان في ممسوس النار عارضةً صح فيها (9) الأمر والترك، ويدل على هذا أنه فرق بينها وبين لحوم الغَنَم في الوضوء، وفرق بينها وبين الغنم في مواضع الصلاة، فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل وأذِنَ في الصلاة في مَرَابض الغنم (10)، وهذا يدل على أنه ليس ذلك
__________
(1) أخرجه مسلم (352): (كتاب الحيض): باب الوضوء مما مست النار بسنده إلى عبد اللَّه بن إبراهيم بن قارظ أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال: إنما أتوضأ من أثوار أَقِط أكلتُها؛ لأني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "توضأوا مما مست النار".
و"الأثوار" جمع ثور، وهو قطعة من (الأقط)، و (الأقط) يتخذ من اللبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى يمصل.
(2) في (ك): "أحدها".
(3) في (ق): "نظيره بالأمر به من الغضب" وأشار إلى أن في نسخة "بالوضوء".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) أخرج البخاري (207) (كتاب الوضوء) باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، ومسلم (354) (كتاب الطهارة): باب نسخ الوضوء مما مست النار عن ابن عباس أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أكل كتف شاةٍ ثم صلّى ولم يتوضّأ.
(6) انظر: "تهذيب السنن" (1/ 137 - 138)، و"بدائع الفوائد" (4/ 125).
(7) انظر تفصيل المسألة وأدلتها في "الخلافيات" للبيهقي (مسألة رقم 20)، وتعليقي عليها.
(8) انظر تفصيل المسألة وأدلتها في "الخلافيات" (مسألة رقم 19) وتعليقي عليها.
(9) في (ق): "فيه".
(10) تقدم تخريجه قريبًا.
(3/188)

لأجل الطهارة والنجاسة، كما أنه [لمَّا] (1) أمر بالوضوء من لحوم الإبل دون لحوم الغنم عُلم أنه ليس ذلك لكونها مما مَسَّتْه النار، ولما كانت أعطانُ الإبل مأوى للشيطان لم تكن مواضع للصلاة كالحُشُوشِ (2)، بخلاف مَبَاركها في السفر، فإن الصلاة فيها جائزة؛ لأن الشيطان هناك عارض، وطردُ هذا المنعُ من الصلاة في الحمَّام لأنه بيت الشيطان (3)، وفي الوضوء من اللحوم الخبيثة كلحوم السباع إذا أبيحت للضرورة روايتان، والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل، فإذا عُقِل المعنى لم يكن بُدٌّ (4) من تعديته، ما لم يمنع منه مانع، واللَّه أعلم.

فصل [الفطر بالحجامة على وفق القياس]
أما الفِطْر بالحِجَامة (5) فإنما اعتقد من قال: "إنه على خلاف القياس" (6) ذلك بناء على أن القياسَ الفِطْرُ بما دخل لا بما خرج، وليس كما ظنُّوه، بل الفطر بها محض القياس، وهذا إنما يتبين بذكر قاعدة، وهي: أن الشارع الحكيم شرع الصوم على أكمل الوجوه وأقومها بالعَدْل، وأمَرَ فيه بغاية الاعتدال، حتى نَهى عن الوِصَال (7)، وأمر بتعجيل الفِطْر وتأخير السحور (8)، وجعل أعدلَ الصيامِ
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) "أماكن قضاء الحاجة في الخلو" (ط).
(3) انظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 253)، و"زاد المعاد" (2/ 147، 183).
(4) في (ق): "بعد".
(5) انظر كلام المؤلف -رحمه اللَّه تعالى- حول الفطر بالحجامة في "زاد المعاد" (1/ 163 و 3/ 82 - 83)، و"تهذيب السنن" (3/ 243 - 258 مهم جدًا) ووقع في (ق): "وأما الفطر بالحجامة".
(6) هذا قول بعض الحنفية، انظر: "البناية" (3/ 318)، "بدائع الصنائع" (2/ 92) ووقع في (ق): "إنها على خلافه".
(7) أخرجه البخاري (1964) (كتاب الصوم): باب الوصال، وابن راهويه في "المسند" (4/ ق 77/ ب)، ومن طريق البيهقي (4/ 282)، وأحمد (6/ 242، 258)، والفريابي في "الصيام" (29) من حديث عائشة، وانظر: "الموافقات" (2/ 239 - بتحقيقي) للشاطبي.
(8) لو قال المصنف: "ندب" بدل "أمر" لكان أصوب.
ويدل عليه، ما أخرجه البخاري (1957) (كتاب الصوم): باب تعجيل الإفطار، ومسلم (1098) (كتاب الصيام): باب فضل السحور، وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر عن سهل بن سعد مرفوعًا: "لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر".
ويدل على استحباب تأخير السحور، ما عند أحمد (5/ 147) عن أبي ذر رفعه: "لا =
(3/189)

وأفضلَه صيامَ داود (1)، فكان من تمام الاعتدال في الصوم أن [لا] (2) يُدخل الإنسان ما به قُوامُه كالطعام والشراب ولا يخرج ما به قوامه كالقيء والاستمناء، وفرق بين ما يمكن الاحترازُ منه من ذلك وما لا يمكن، فلم يُفطر بالاحتلام ولا بالقيء الذارع كما لا يفطر بغبار الطَّحين وما يسبق من الماء إلى الجوف عند الوضوء والغسل، وجعل الحيض منافيًا للصوم دون الجنابة، لطول زَمَانِه (3) وكثرةِ خروج الدم وعدم التمكن من التطهير قبل وقته بخلاف الجنابة، وفرقٌ بين دم الحِجَامة ودمِ الجرح فجعل الحجامةَ من جنسِ القيءِ والاستمناءِ والحيضِ وخروجَ الدَّمِ من الجرح والرُّعافِ من جنس الاستحاضةِ والاحتلامِ وذرعِ القيء، فتناسبت الشريعة وتشابهت تأصيلًا وتفصيلًا، وظهر أنها على وفق القياس الصحيح والميزان العادل، وللَّه الحمد (4).

فصل (5) [التيمم جار على وفق القياس]
ومما يُظن أنه على خلاف القياس باب التيمم، قالوا: إنه على خلاف
__________
= تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور"، وإسناده ضعيف، فيه سليمان بن أبي عثمان مجهول، وابن لهيعة.
ويدل عليه ما أخرجه البخاري (1921) (كتاب الصوم): باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر عن زيد بن ثابت قال: تسحّرنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم قام إلى الصلاة، قلت: (القائل أنس بن مالك): كم بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية، وفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- يدل على الاستحباب.
(1) أخرج البخاري (1131) (كتاب التهجد): باب من نام عند السحر، ومسلم (1159) (كتاب الصيام) باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، عن عبد اللَّه بن عمرو رفعه: "أحب الصلاة إلى اللَّه صلاة داود -عليه السلام-، وأحب الصيام إلى اللَّه صيام داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يومًا، ويفطر يومًا".
وأخرجه البخاري في مواطن عديدة، انظر: (الأرقام 1152، 1153، 1974، 1975، 1976، 1977، 1978، 1980، 3418، 3419، 3420، 5052، 5053، 5054، 5199، 6134، 6277).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) في (ك) و (ق): "زمنه".
(4) انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 527 - 528).
(5) هذا الفصل والذي يليه لم أجدهما في "مجموع الفتاوى"، وإنما وجدتهما في رسالة: "القياس في الشرع الإسلامي" (ص: 27 - 29) لشيخ الإسلام -رحمه اللَّه-.
(3/190)

القياس من وجهين: أحدهما،: أن التراب مُلَوَّث لا يُزيلُ دَرَنًا ولا وَسَخًا ولا يطهِّر البدن كما لا يطهِّر الثوب، والثاني: أنه شُرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها، وهذا خروجٌ عن القياس [الصحيح] (1).
ولعمرُ اللَّهِ إنه خروج عن القياس الباطل المُضادِّ للدين، وهو على وفق القياس الصحيح؛ فإن اللَّه سبحانه جعل من الماء كل شيء حيّ، وخَلقَنا من التراب، فلنا مادتان: الماء، والتراب، فجعل منهما نَشْأَتَنا وأقواتنا، وبهما تطهَّرَتا وتعبَّدَنا، فالترابُ أصلُ ما خلق منه الناس، والماءُ حياةُ كل شيء، وهما الأصل في الطبائع التي ركَّب اللَّه عليها (2) هذا العالم وجعل قوامه بهما، وكان أصلُ ما يقع به تطهير الأشياء من الأدناس والأقذار هو الماءُ في الأمر المعتاد، فلم يجز العدولُ عنه إلا في حالة العَدمِ أو العذر بمرض ونحوه (3)، وكان النقل عنه إلى أخيه وشقيقه التراب أولى من غيره، وإن لَوَّثَ ظاهرًا فإنه يُطهِّر باطنًا ويقوِّي (4) طهارة الباطن فيزيل دَنَسَ الظاهرِ أو يخففه، وهذا أمر يشهده من له بصر نافذ بحقائق الأعمال وارتباط الظاهر بالباطن وتأثر كل منهما بالآخر وانفعاله عنه.

فصل [الحكمة في كون التيمم على عضوين]
وأما كونه في عضوين ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة، فإن وضعَ الترابِ على الرؤوسِ مكروهٌ في العادات، وإنما يُفعل عند المصائب والنوائبِ، والرِّجْلَان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم للَّه والذل له والانكسار للَّه ما هو من أحبِّ العبادات إليه وأنفعها للعبد، ولذلك (5) يستحبُّ للساجد أن يترِّبَ وجهه للَّه، وأن لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد وجعل بينه وبين التراب وِقايةً فقال: "تَرِّبْ وجهك" (6) وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرِّجْلين.
__________
(1) انظر: "البناية شرح الهداية" (1/ 175)، و"بدائع الصنائع" (1/ 20)، وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) في (د) و (ك): "عليهما".
(3) في (د) و (ك): ". . . العدم والعذر بمرض أو نحوه".
(4) في (د): "ثم يقوى".
(5) في (ن): "وكذلك".
(6) أخرج أحمد (6/ 310، 323)، وإسحاق بن راهويه (90، 91، 92)، والترمذي (381، =
(3/191)

وأيضًا فموافقة ذلك للقياس من وجه آخر، وهو أن التَّيمم جُعل في العُضوين المغسولين، وسَقطَ عن العضوين الممسوحين، فإن الرِّجْليْنِ تُمسحان (1) في الخف، والرأس في العمامة، فلما خَفَّف عن المغسولين بالمسح خفف عن الممسوحين بالعفو؛ إذ لو مُسِحَا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما، بل كان فيه انتقالٌ من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب، فظهر أن الذي جاءت به الشريعة هو أعدلُ الأمور وأكملها، وهو الميزان الصحيح.
وأما كونُ تيمم الجنب كتيمم المحدث فلما سَقطَ مسحُ الرأس والرجلين بالتراب عن المحدث سقط مسح البدن كله بالتراب عنه بطريق الأولى، إذ في ذلك من المشقة والحرج والعُسر ما يُناقض رخصة التيمم، ويَدْخُل أكرمُ المخلوقات على اللَّه في شبه البهائم إذا تمرَّغ في التراب، فالذي جاءت به الشريعة لا مَزِيدَ في الحسن والحكمة والعدل عليه، وللَّه الحمد.

فصل [السلم جار على وفق القياس]
وأما السَّلَم فمن ظَنَّ أنه على خلاف القياس تَوَهَّم دخوله تحت قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تبع ما ليس عندك" (2) فإنه بيعُ معدومٍ، والقياسُ يمنعُ
__________
= 382): أبواب الصلاة: باب ما جاء في كراهية النفخ في الصلاة، والطبراني (23 رقم 742، 743، 744، 745)، وابن حبان (5/ 1913)، وأبو يعلى (12/ 6954)، والحاكم (1/ 271)، والبيهقي (2/ 252)، عن أم سلمة قالت: رأى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- غلامًا لنا، يقال له: أفلح، إذا سجد نفخ، فقال: "يا أفلح! تَرِّب وجهك" لفظ الترمذي. وإسناده ضعيف، فيه أبو صالح مولى آل طلحة بن عبيد اللَّه، لم يوثقه غير ابن حبان، وأومأ ابن حجر في "الفتح" (3/ 85) إلى ضعفه.
وفي جميع الأصول: "كما قال بعض"!! والقائل في المصادر هو الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-!!
(1) في (ق): "يمسحان".
(2) أخرجه أحمد (3/ 204، 403، و 434)، وعبد الرزاق (14214)، وابن أبي شيبة (6/ 129) والشافعي (2/ 143)، والطيالسي (1318)، وأبو داود (3503) (كتاب الإجارة): باب الرجل يبيع ما ليس عنده، والترمذي (1232) (كتاب البيوع): باب كراهية بيع ما ليس عندك، والنسائي (4613) (كتاب البيوع): باب ما ليس عند البائع، وابن ماجه (2187) (كتاب التجارات): باب النهي عن بيع ما ليس عندك وعن ربح ما لم يضمن، وابن الجارود (602)، والطبراني في "الكبير" (3097 - 3105)، و"الأوسط" (5139) و"الصغير" (770)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 41)، وابن حبان (4983)، =
(3/192)

منه (1)، والصواب أنه على وفق القياس، فإنه بيع مَضْمونٍ في الذمة موصوف مقدور على تسليمه غالبًا، وهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة، وقد تقدم أنها (2) على وفق القياس، وقياسُ السَّلَم على بيع العَيْن المعدومة التي لا يدري أيَقْدِرُ على تحصيلها أم لا، والبائع والمشتري منها على غرَر، من أفسد القياسَ صورةً ومعنى، وقد فطر اللَّه سبحانه العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور له (3)، وبين السلم إليه في مُغَلٍّ مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه، فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكَّى (4) والربا والبيع.
وأما قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لحكيم بن حزام: "لا تَبعْ ما ليس عندك" (5) فيحمل على معنيين (6):
أحدهما: أن يبيعَ عينًا معيَّنة وهي ليست عنده، بل ملك للغير، فيبيعها ثم يسعى في تحصيلِها وتسليمِها إلى المشتري.
والثاني: أن يريد بيعٍ ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمَّة، [وهذا أشبه، فليس] (7) عنده حسًا ولا معنى، فيكون قد باعه شيئًا لا يدري هل يحصل [له] (8) أم لا، وهذا يتناول أمورًا:
أحدها: بيعُ عينٍ معيَّنة ليست عنده.
الثاني: السَّلَم الحال في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه.
الثالث: السلم المؤجل إذا لم يكن على ثقة من توفيته [عادة] (8) فأما إذا كان على ثقة من توفيته عادة فهو دَيْن من الديون، وهو كالابتياع بثمنٍ مؤجلٍ، فأيُّ فرقٍ بين كون أحد العوضين مؤجَّلًا في الذمة وبين الآخر؟ فهذا محضُ القياس
__________
= والدارقطني (2/ 8 - 9)، والبيهقي (5/ 267، 313)، كلهم عن حكيم بن حزام -رضي اللَّه عنه- مرفوعًا به. قال الترمذي: "حديث حسن".
والحديث صحيح، له شاهد من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، خرجته في تعليقي على "الموافقات" (1/ 469) وللَّه الحمد.
(1) انظر حول هذا: "البناية" (6/ 623)، "المنتقى" للباجي (4/ 297)، "إحكام الأحكام" (3/ 156).
(2) في المطبوع: "أنه".
(3) في (ن): "ولا يقدر عليه".
(4) في (ق): "والذكي".
(5) مضى تخريجه في الصفحة السابقة.
(6) في (ك) و (ق): "فيحتمل معنيين".
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "وليس".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3/193)

والمصلحة، وقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، وهذا يعمَّ الثَّمنَ والمُثمَن، وهذا هو الذي فهمه تُرجمانُ القرآن [من القرآن] (1) عبد اللَّه بن عبَّاس فقال: أشهد أن السلف المضمون في الذمة حلالٌ في كتابِ اللَّه، وقرأ هذه الآية (2).
فثبت أن إباحة السلَم على وفق القياس والمصلحة، وشُرع على أكمل الوجوه وأعدلها، فشَرطَ فيه قبضَ الثمن في الحال، إذ لو تأخر لحصل شغل الذمتين (3) بغير فائدة، ولهذا سُمِّي سلمًا لتسليم الثمن، فإذا أخَّر (4) الثمن دخل في حكم الكالئ بالكالئ بل هو نفسه، وكثرت المُخاطرة، ودخلت المعاملة في حد الغرر، ولذلك منع الشارع أن يُشترطَ فيه كونه من حائط معين؛ لأنه قد يتخلَّف فيمتنع التسليم (5).
والذين شرطوا أن يكون دائم الجنس غير منقطع قصدوا به إبعاده من الغرر بإمكان التسليم، لكن ضيَّقوا ما وَسَّع اللَّه، وشرطوا ما لم يشرطه، وخرجوا عن موجب القياس والمصلحة: أما القياس فإنه أحد العوضين، فلم يشترط دوامه ووجوده كالثمن، وأما المصلحة فإن في اشتراط ذلك تعطيل مصالح الناس، إذ الحاجة التي لأجلها شرع اللَّه ورسوله السلم (6) الارتفاقُ من الجانبين، هذا يرتفقُ بتعجيل الثمن، وهذا يرتفقُ برخص المثمن، وهذا قد يكون في مُنقطعِ الجنس كما قد يكون في مُتَّصله فالذي جاءت به الشريعة أكمل شيء وأقومه بمصالح العباد.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (رقم 4064)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (2/ 554 رقم 2948)، والحاكم (2/ 286)، والبيهقي (6/ 18، 19) عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس عنه.
وإسناده حسن، أبو حسان الأعرج صدوق.
وأخرج ابن جرير (3/ 116)، وابن أبي حاتم (2/ 5540 رقم 2947) عن ابن أبي نجيح عن ابن عباس قال: "السلم في الحنطة كيل معلوم".
وانظر: "تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة" (1/ 159 - 160) للشيخ الدكتور عبد العزيز الحميدي.
(3) في (ن): "الذمة".
(4) في (ك) و (ق): "تأخّر".
(5) في (ن): "السلم".
(6) في (ن): "في السلم" وفي (ق): "شرع اللَّه ورسوله السلم لأجلها".
(3/194)

فصل [الكتابة تجري على وفق القياس]
وأما الكتابة فمن قال هي على خلاف القياس (1) قال: هي بيع السيد ماله بمالِه، وهذا غلطٌ (2)، وإنما باع العبد نفسَه بمالٍ في ذِمّته، والسيد لا حقَّ له في ذمةِ العبد وإنما حقُّه في بدنه، فإن السيد حقه في ماليَّة العبدِ لا في إنسانيّته، وإنما يُطالبُ العبد بما في ذِمَّته بعد عتقه، وحينئذٍ فلا ملك للسيد عليه، وإذا عرف هذا فالكتابةُ بيعُه نفسَه بمالٍ في ذمته، ثم إذا اشترى نَفْسَه كان كَسْبُه له ونفعه له، وهو حادثٌ على ملكه الذي استحقه بعقد (3) الكتابة، ومن تمام حكمة الشارع أنه أخَّرَ فيها العتق إلى حين الأداء؛ لأن السيد لم يَرْضَ بخروجه عن ملكه إلا بأن يُسلِّم له العوض، فمتى لم يسلم له العوَضُ وعجز العبد [عنه] (4) كان له الرجوع في البيع، فلو وقع العتق لم يمكن رفعه (5) بعد ذلك، فيحصل السيد على الحرمان، فراعى الشَّارع مصلحة السيد ومصلحة العبد، وشَرعَ الكتابةَ على أكمل الوجوه وأشدها مطابقة للقياس الصحيح، وهذا هو القياس في سائر المُعَاوضات، وبه جاءت السنة الصحيحة الصريحة التي (6) لا معارض لها: أنَّ المشتري إذا عجز عن الثمن كان للبائع الرجوعُ في عينِ ماله، وسواء حكم الحاكم بفَلَسِه أم لا (7)، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يشترط حُكْمَ الحاكم، ولا أشار إليه، ولا دل عليه بوجهٍ ما، فلا وجْه لاشتراطه، وإنما المعنى الموجب للرجوع هو الفَلَسُ الذي حال بين البائع وبين الثمن، وهذا المعنى موجودٌ بدون حكم الحاكم، فوجبَ ترتبُ (8) أثَرِه عليه، وهو
__________
(1) هذا رأي الكاساني في "بدائع الصنائع" (4/ 134)، وابن حجر في "فتح الباري" (5/ 184).
(2) انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 530 - 531).
(3) في (ق): "استحقه له بعقد".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ن): "لم يمكن دفعه".
(6) في المطبوع: "الذي"!
(7) يشير إلى ما أخرجه البخاري (2402) (كتاب الاستقراض): باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحق به، ومسلم (1559) (كتاب المساقاة): باب من أدرك ما باعه عند المشتري، عن أبي هريرة رفعه: "من أدرك ماله بعينه عند رجُلٍ، أو إنسانٍ، قد أفلس، فهو أحق به من غيره".
وانظر: "قواعد ابن رجب" (1/ 410 - بتحقيقي).
(8) في المطبوع و (ن): "فيجب ترتيب".
(3/195)

محضُ العَدْلِ وموجب القياس، فإن المشتري لو اطلع على عَيْب في السِّلْعة كان له الفسخُ بدون حكم حاكم، ومعلومٌ أن الإعسار عيب في الذمة لو علم به البائع لم يرض بكون ماله في ذمة المُفْلِس، فهذا محض القياس الموافق للنص ومصالح العباد، وباللَّه التوفيق.
وطَرْدُ هذا القياس عجزُ الزوج عن الصَّدَاق، أو عجزُه عن الوطء (1)، وعجزُه عن النفقة والكسوة (2)، وطرده عجزُ المرأة عن العوض في الخُلْع أن للزوج الرجعة، وهذا هو الصواب بلا ريب، فإنه لم يخرج البُضْعَ عن ملكه (3) إلا بشرط سلامة العوض، وطَرْدُه الصلح عن القصاص إذا لم يحصل له ما يصالح (4) عليه فله العَوْدُ إلى طلب القصاص، فهذا موجب العدل ومقتضى قواعد الشريعة وأصولها، وباللَّه التوفيق (5).

فصل [بيان أن الإجارة على وفق القياس]
وأما الإجارة فالذين قالوا: "هي على خلاف القياس" (6) قالوا: هي بيعُ
__________
(1) في (ن): "وإذا عجز عن الوطء"، وفي (ق) و (ك): "وعجزه عن الوطء".
(2) في (ن): "وعجز عن النفقة والكسوة".
(3) في (ق): "عن نفسه".
(4) في (ل) و (ق): "صالحه".
(5) هنا انتهى المجلد الأول، من طبعة (د)، وكتب في الهامش ما نصه: "قد تم -بحمد اللَّه تعالى وتوفيقه- الجزء الأول من كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" وهو أشهر تصانيف الإمام الجليل شمس الدين أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر، المعروف بابن قيم الجوزية، ويليه -إن شاء واهب القُوَى والقُدَر- الجزء الثاني منه مفتتحًا بقوله: "فصل، وأما الإجارة فالذين قالوا هي على خلاف القياس- إلخ" نسأله -سبحانه- أن يعين على إتمامه، بمنه وفضله".
وبه أيضًا تنتهي طبعة (ط)، وكتب في هامشه ما نصه: "قد تم بحمد اللَّه -الذي بنعمته تتم الصالحات- الجزء الأول من كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" تأليف الإمام شمس الدين أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، ويليه إن شاء اللَّه الجزء الثاني وأوله: "فصل في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس".
نسأل اللَّه جلت قدرته أن يعيننا بفيض منه، وأن يساعدنا على إتمامه إنه على ما يشاء قدير: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم".
(6) هذا رأي جماهير الحنفية، انظر: "بدائع الصنائع" (4/ 173)، "البناية" (7/ 768 - 769). ووقع في (ق) و (ك): "إنها على خلاف القياس".
(3/196)

معدوم لأن المنافَع معدومةٌ حين العقد، ثم لما رأوا الكتاب قد دل على جواز إجارة الظِّئْر (1) للرِّضاع بقوله: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6]، قالوا: إنها (2) على خلاف القياس من وجهين:
أحدُهما: كونها إجارة.
والثاني: أن الإجارة عقدٌ على المنافع، وهذه عقدٌ على الأعيان، ومن العجب أنه ليس في القرآن ذكر إجارة جائزة إلا هذه (3)، وقالوا: هي على خلاف القياس (4) والحُكم إنما يكون [على] (5) خلاف القياس إذا كان النص قد جاء في موضع يشابهه (6) بنقيض ذلك الحكم، فيقال: هذا خلاف [قياس ذلك] (7) النص، وليس في القرآن ولا في السنة ذكرُ فساد إجارة شبه هذه الإجارة (8)، ومنشأُ وهمِهم ظنُّهم أن مورد عقد الإجارة لا يكون إلا منافع هي أعراض (9) قائمة بغيرها، لا أعيان قائمة بنفسها، ثم افترق هؤلاء فرقتين: فقالت فرقة: إنما احتملناها على خلافِ القياسِ لورود النص، فلا نتعدَّى (10) محله، وقالت فرقة (11): بل نخرّجُها على ما يوافق القياس، وهو كون المعقود عليه [أمرًا] (12) غير اللبن، بل هو إلقامُ الصبيِّ الثدي ووضعه في حجر المرضعة، ونحو ذلك من [المنافع التي هي] (13) مقدمات الرضاع، واللبن يدخل تبعًا غير مقصود بالعقد، ثم طردوا ذلك في مثل
__________
(1) "الظئر" -بكسر فسكون-: المرأة ترضع ولد غيرها (د). قلت: ونحوه في (ط).
(2) في (ن): "هي".
(3) بل وردت مشروعية الإجارة في [سورة القصص آية: 26، 27]، و [سورة البقرة آية: 233]، انظر وجه الدلالة منها في "محاسن التأويل" (3/ 611)، و [الكهف آية: 77]، وترجم البخاري عليها (باب إذا استأجر أجيرًا على أن يقيم حائطًا يريد أن ينقض جاز)، (4/ 445) مع "الفتح"، وكذا وجهها الماوردي في "الحاوي الكبير" (9/ 202 - 203)، و [الزخرف: آية 33] على ما ذكر ابن كثير في "تفسيره" (4/ 127)، وانظر: "الإجارة الواردة على عمل الإنسان" (ص 35 - 37).
(4) كما في "بدائع الصنائع" (4/ 175).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ق): "متشابهة".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) ذهب العيني في "البناية" (7/ 950) إلى أن إجارة الظئر وفق القياس، وكذا شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (20/ 550).
(9) في (ق) و (ك): "هي عارضة أعراض".
(10) في (ق): "يتعدى".
(11) في (ق) و (ك): "وقالت طائفة".
(12) في (ن): "أعراض".
(13) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3/197)

ماء البئر والعيون التي في الأرض المستأجرة، وقالوا: يدخل (1) ضمنًا [وتبعًا] (2)، فإذا وقعت الإجارة على نفس العين والبئر لسقي الزرع والبستان قالوا: إنما وردت الإجارة على مجرد إدلاءِ الدَّلو في البئر وإخراجه، [و] (3) على مجرد إجراء العين في أرضه (4)، مما هو قلب الحقائق، وجعلُ المقصودِ وسيلةً والوسيلة مقصودةً، إذ من المعلوم أن هذه الأعمال إنما هي وسيلة إلى المقصود بعقد الإجارة، وإلا فهي بمجردها ليست مقصودة، ولا معقودًا عليها، ولا قيمة لها أصلًا، وإنما هي كفتح الباب وكقَوْد الدابة لمن اكترى دارًا أو دابة.
ونحن نتكلم على هذين الأصلين الباطلين: على أصل من جعل الإجارة على خلاف القياس، وعلى أصل من جعل إجارة الظِّئر ونحوها على خلاف القياس، فنقول وباللَّه التوفيق (5).
أما الأصل الأول فقولهم: "إن الإجارة بيعُ معدومٍ، وبيعُ المعدوم باطل" دليلٌ مبني على مقدمتين مجملتين غير مُفَصَّلتين (6)، قد اختلط في كل منهما الخطأ بالصواب، فأما المقدمة الأولى -هي كون الإجارة بيعًا- إن أردتم [به] (7) البيع الخاصّ الذي يكون العقد فيه على الأَعيانِ لا على المنافعِ فهو باطلٌ، وإن أردتم به البيعَ العامَّ الذي هو مُعاوضةٌ إما على عينٍ وإما على منفعة فالمقدمة الثانية باطلة، فإن بيع المعدوم ينقسم إلى بيعِ الأعيانِ وبيع المنافع (8)، ومن سلّم بطلان بيع المعدوم فإنما يُسلِّمه في الأعْيان، ولما كان لفظُ البيع يحتمل هذا وهذا تنازَعَ الفقهاء في الإجارة: هل تنعقد بلفظ البيع؟ على وجهين.

[ليس للعقود ألفاظ محدودة]
والتحقيق أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت (9) بأي لفظ من الألفاظ عَرفَ به المُتعاقدانِ مقصودَهما، وهذا حكمٌ شاملٌ لجميع العقود، فإن الشارع لم
__________
(1) في (ن): "وأما كونه يدخل. .".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ن): "على أرضه".
(5) قارن بما في: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 546).
(6) في (ن): "منفصلتين".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) انظر كلام المصنف -رحمه اللَّه- حول بيع المعدوم في: "الزاد" (4/ 262 - 266)، و"تهذيب السنن" (5/ 158).
(9) في (ق): "انعقد". وانظر: "الإنصاف" (6/ 4 - 5).
(3/198)

يَحُدَّ لألفاظ العقود حدًا، بل ذكرها مُطلقةً، فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ الفارسية والرومية والتركية فانعقادها بما يدل عليها من الألفاظ العربية أولى وأخرى، ولا فرق بين النكاح وغيره، وهذا قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد. قال شيخنا (1): بل نصوص أحمد لا تدل إلا على هذا القول، وأما كونه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج، فإنما هو قول ابن حامد والقاضي وأتباعه (2)، وأما قدماء أصحاب أحمد فلم يشترط أحدٌ منهم ذلك، وقد نص أحمد على أنه إذا قال: "أعْتَقت أمَتي وجعلتُ عتِقَها صداقها" أنه ينعقد (3) النكاح، قال ابن عقيل: وهذا يدلُّ على أنه لا يختص النكاح بلفظ (4)، وأما ابن حامد فطرد أصْله وقال: لا ينعقد حتى يقول مع ذلك: "تزوجتها" وأما القاضي فجعل هذا موضع استحسان خارجًا عن القياس، فجوَّز النكاحَ في هذه الصورة خاصة بدون لفظ الإنكاح والتزويج وأصول الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا؛ فإنَّ من أصوله أن العقودَ تنعقد بما يدل على مقصودها من قولٍ أو فعلٍ ولا يَرى اختصاصها بالصيغ. ومن أصوله أن الكناية مع دلالة الحال كالصريح كما قاله في الطلاق والقذْف وغيرهما، والذين اشترطوا لفظ الإنكاح والتزويج قالوا: ما عداهما كناية فلا يثبت حكمها إلا بالنية وهي أمر باطن لا اطلاع للشاهد عليه، إذ الشهادة إنما تقع على المسموع، لا على المقاصد والنيات، وهذا إنما يستقيم إذا كانت ألفاظ الصريح والكناية ثابتة بعُرف الشرع وفي عرف المتعاقدين، والمقدمتان غير معلومتين، أما الأولى (5) فإن الشارع استعمل لفظ التمليك في النكاح فقال: "ملكْتكها بما معك من القرآن" (6) وأعتق
__________
(1) يقول ابن تيمية: "وينعقد النكاح بما عدّه الناس نكاحًا بأي لغة وفعل كان، ومثله: كل عقد، والشرط بين الناس ما عدوه شرطًا" (4/ 29) من "الفتاوى الكبرى" (ط): "دار الكتب الحديثة" (و). قلت: وهذا ما قرره في "مجموع الفتاوى" (32/ 133)، و"الاختيارات الفقهية" (ص 438)، وقال عنه (32/ 15): "وهو الأشبه بالكتاب والسنة وآثار الصحابة" وانظر: "ترجيحات شيخ الإسلام ابن تيمية في النكاح" (ص 87 وما بعد)، و"الجامع للاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية" (2/ 593).
(2) انظر: "الإنصاف" (8/ 45 - 46)، "الفروع" (5/ 169)، "كشاف القناع" (5/ 38).
(3) في المطبوع: "بعقد".
(4) انظر: "القواعد الفقهية" (1/ 65 - بتحقيقي) لابن رجب.
(5) في (ق): "الأول".
(6) رواه البخاري (5030) في (فضائل القرآن): باب القراءة عن ظهر قلب، و (5087) في =
(3/199)

صفيَّة وجعل عتقها صداقها (1)، ولم يأت معه بلفظ إنكاح ولا تزويج، وأباح اللَّه ورسوله النكاحَ وردَّا فيه الأمَّةَ إلى ما تتعارفه نكاحًا بأي لفظ كان.

[عودة الى الرد على من زعم أنَّ الإجارة بيع معدوم]
ومعلوم أن تقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية تقسيمٌ شرعي (2)، فإن لم يقم عليه دليل شرعي كان باطلًا، فما هو الضابط لذلك؟ وأما المقدمة الثانية فكون اللفظ صريحًا أو كناية أمر يختلف باختلاف عُرف المتكلم والمخاطب والزمان والمكان، فكَم من لفظ صريح عند قوم وليس بصريح عند آخرين، وفي مكان دون مكان وزمان دون زمان؟ فلا يلزم صريحًا (3) في خطاب الشارع أن يكون صريحًا عند كل متكلم، وهذا ظاهر.

[جوز الشارع المعاوضة على المعدوم]
والمقصود أن قوله "إن الإجارة نوع من البيع" إن أراد به البيع الخاص فباطل، وإن أراد به البيع العام فصحيح، لكن (4) قولُه: "إن هذا البيع لا يرد على معدوم" دعوى باطلة؛ فإن الشارع جَوَّز المعاوَضة العامة على المعدوم، فإن قستم بيع المنافع على بيع الأعيان فهذا قياس في غاية الفساد فإن المنافع لا يمكن أن
__________
= (النكاح): باب تزويج المعسر، و (5121) نجاب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، و (5126) في (النظر إلى المرأة قبل التزويج)، و (5141) باب إذا قال الخاطب للولي: زوجني فلانة، و (5871) في (اللباس): باب خاتم الحديد، ومسلم (1425) في (النكاح): باب الصداق، وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد، من حديث سهل بن سعد.
وله لفظ آخر: "زوجتكها بما معك من القرآن"، وآخر "أنكحتكها بما معك. . ."، وهو في "صحيح البخاري" بجميع ألفاظه أنظر أطراف الحديث في صحيح البخاري عند رقم (2310).
(1) رواه البخاري (4200) في (المغازي): باب غزوة خيبر، و (5086) في (النكاح): باب من جعل عتق الأمة صداقها، و (5169) باب الوليمة ولو بشاة، ومسلم (1365) (84 - 85) (ص 1043 و 1044 و 1045) في (النكاح): باب من جعل عتق الأمة صداقها، من حديث أنس مطولًا ومختصرًا.
(2) بين كلمتي "تقسيم شرعي" في (ق) بياض يسع كلمة.
(3) في (ق): "فلا يلزم من كونه صريحًا".
(4) في (د): "ولكن".
(3/200)

يُعقد عليها في حال وجودها البتة، بخلاف الأعيان، وقد فرّق بينهما الحِسّ والشرع؛ فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر أن يُؤخر العقدُ (1) على الأعيان التي لم تخلق إلى أن تخلق (2) كما نهى عن بيع السِّنين (3) وحَبَلِ الحبلة والثمر قبل أن يبدو صلاحه والحبِّ حتى يشتد (4)، ونهى عن الملاقيح والمضامين (5) ونحو ذلك، وهذا يمتنع مثله في المنافع، فإنه لا يمكن أن تُباعَ إلا في حال عدمها، فهاهنا أمران: أحدهما: يمكن إيرادُ العقد عليه (6) في حال وجوده وحال عَدَمِه، فنهى الشارعُ عن
__________
(1) بين كلمتي "يؤخر العقد" في (ق) بياض قدر كلمتين وقال: "يؤجر" بدل "يؤخر".
(2) هذا ليس بنص وإنما قاعدة أخذها من الأحاديث النبوية، ثم بدأ يذكر أمثلة بعدها.
(3) بيع السنين: "هو أن يبع ثمرة نخله لأكثر من سنة؛ لأنه غرر، وبيع ما لم يخلق" (و).
(4) أما النهي عن بيع السنين، فثابت في حديث رواه مسلم (1536) (101) في (البيوع): باب كراء الأرض من حديث جابر.
أما النهي عن بيع حَبَل الحَبَلة: فرواه البخاري في "صحيحه" (2143) في (البيوع) باب بيع الغرر وحَبَل الحَبَلة، و (2256) في (السلم): باب السلم إلى أن تنتج الناقة، و (3843) في (مناقب الأنصار): باب أيام الجاهلية، ومسلم (1514) في (البيوع): باب تحريم حبل الحبلة.
وأما النهي عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، والحب حتى يشتد فمخرج في مواطن كئيرة ووقع في (ق) و (ك): "قبل بدو صلاحه".
(5) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (14138) عن معمر، وابن عيينة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر مرفوعًا، قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (3/ 12): إسناده قوي.
وفي الباب عن أبي هريرة: رواه البزار في "مسنده" (1267) من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد عنه، وقال: لا نعلم أحدًا رواه هكذا إلا صالح، ولم يكن بالحافظ، قال الهيثمي في "المجمع" (4/ 104): فيه صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف، وقال نحوه ابن حجر في "التلخيص" (3/ 12).
وفي الباب أيضًا عن ابن عباس: رواه البزار (1268)، والطبراني في "الكبير" (11581) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عنه، قال الهيثمي (4/ 104): وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وثقه أحمد وضعفه جمهور الأئمة.
أقول: بل ضعفوه شديدًا، ورواية داود عن عكرمة فيها ضعف أيضًا.
وروى مالك في "الموطأ" (2/ 654) عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: وإنما نُهي من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين والملاقيح، ورواه عبد الرزاق (14137) عن معمر عن ابن شهاب به، ونقل ابن حجر في "التلخيص" عن الدارقطني في "علله" قوله: تابعه معمر (أي عن الزهري)، ووصله عمر بن قيس عن الزهري، والصحيح قول مالك.
(6) في (ك): "عليهن".
(3/201)

بيعه حتى يوجدَ وجوَّز منه بيع ما لم يوجد تبعًا لما وُجِد إذا دعت الحاجة إليه، وبدون الحاجة لم يجوّزه.
والثاني ما لا يمكن إيرادُ العقدِ عليه إلا في حال عَدَمِهِ [كالمنافع] (1)، فهذا جوَّزَ العقد عليه ولم يمنع منه.
فإن قلت: أنا أقيس أحد النوعين على الآخر، وأجعل العلة [مجرد] (1) كونه معدومًا.
قيل: هذا قياسٌ فاسد؛ لأنه يتضمن التسوية بين المختلفين، وقولك: "إن العلة مجرد كونه معدومًا" دعوى بغير دليل، بل دعوى باطلة، [فلمَ لا] (2) يجوز أن تكون العلة في الأصل كونه معدومًا يمكن تأخير بيعه إلى زمنِ وجوده؟ وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدمٍ خاص، وأنت لم تبيّن أنَّ العلةَ في الأصل مجرد كونه معدومًا، فقياسك فاسد، وهذا كافٍ في بيان فساده بالمطالبة، ونحن نبين بطلانه في نفسه، فنقول: ما ذكرناه علةٌ مطردةٌ، وما ذكرته علةً منتقضة، فإنك إذا عَلّلْت بمجرد العدم (3) وَردَ عليك النقضُ بالمنافع كُلِّها وبكثيرٍ (4) من الأعيان وما علّلنا به لا ينتقض، وأيضًا فالقياس المحْضُ وقواعد الشريعة وأصولها ومناسباتها (5) تشهد لهذه العلة، فإنه إذا كان له حال وجود وعدمٍ كان في بيعه حال العدم مخاطرة وقمار، وبذلك علَّل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المنع حيث قال: "أرأيت إن منع اللَّه الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ " (6) وأما ما ليس له إلا حالٌ واحدٌ (7) والغالبُ فيه السلامة فليس العقد (8) عليه مُخاطرةً ولا قمارًا، وإن كان فيه مخاطرة يسيرة فالحاجة داعية إليه، ومن أصول الشريعة أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما، والغَرَر إنما نُهي عنه لما فيه من الضرر بهما أو بأحدهما (9)،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) قال في هامش (ق): "لعله: فإنه" وسقطت "لا" منها.
(3) في (ك): "المعدوم".
(4) في (ق) و (ك): "والكثير".
(5) في (ق) و (ك): "ومناسبتها".
(6) رواه البخاري (2198) في (البيوع): باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، و (2208) باب بيع المخاضرة، ومسلم (1555) في (المساقاة): باب وضع الجوائح، من حديث أنس بن مالك.
(7) في (ق): "واحدة".
(8) في (ن): "فليس العدم".
(9) أخرج مسلم في "صحيحه" (كتاب البيوع): باب بطلان بيع الحصاة والذي فيه غرر، =
(3/202)

وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضَررٌ أعظم من ضرر المخاطرة، فلا يُزيل أدنى الضررين بأعلاهما، بل قاعدةُ الشريعة ضد ذلك، وهو دفعُ أعلى الضَّررين باحتمال أدناهما (1)، ولهذا لما نهاهم عن المُزابنة لما فيها من ربا أو مخاطرة أباحَها لهم في العَرايا للحاجة (2)؛ لأن ضررَ المنعِ من ذلك أشدُّ من ضرر المُزابنة، ولما حرَّم عليهم الميتة لما فيها من خَبْث التغذية أباحها لهم عند الضرورة (3)، ولما حرَّم عليهم النظر إلى الأجنبية (4) أباح منه ما تدعو إليه الحاجة
__________
= (4/ 1153/ رقم 1513) عن أبي هريرة قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر"، وبيع الحصاة فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة.
والثاني: أن يقول: بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمي الحصاة.
والثالث: أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعًا، فبقول: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة، فهو مبيع منك بكذا.
وبيع الغرر: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة؛ كبيع الآبق والمعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن. . . ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل لأنه كرر من غير حاجة، ومعنى الغرر الخطر والغرور والخداع، وعلم أن بيع الملامسة وبيع المنابذة وبيع حبل الحبلة وبيع الحصاة وعسيب الفحل وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة هي داخلة في النهي عن الغرر، ولكن أفردت بالذكر ونهى عنها لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة.
(1) انظر كلام ابن القيم حول هذه القاعدة في "مفتاح دار السعادة" (ص 341)، فإنه مهم، و (ص: 348)، و"الداء والدواء" (ص 225 - 226، 309 - 310)، و"روضة المحبين" (ص 132).
(2) انظر حول بيع العرايا وجوازه للحاجة: "زاد المعاد" (2/ 194)، (3/ 88).
والحديث رواه البخاري (2173) في (البيوع): باب بيع الزبيب بالزبيب، والطعام بالطعام، و (2184 و 2188) باب بيع المزابنة، و (2192) في باب تفسير العرايا، و (2380) في (المساقاة): باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، ومسلم (1539)، من حديث زيد بن ثابت.
(3) في المطبوع و (ق) و (ك): "لهم للضرورة".
(4) ورد ذلك في أحاديث كثيرة، خرجناها في رسالة أبي بكر بن حبيب العامري (ت 530 ه): "أحكام النظر إلى المحرمات"، منها ما أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الأدب): باب نظر الفجأة (رقم 2159) عن جرير بن عبد اللَّه البجلي، قال: سألت رسول اللَّه عن نظر الفجأة، فقال لي: "اصرف بصرك". =
(3/203)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= ومنها حديث علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، أنه قال: إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أردف الفضل بن عباس خلفه في الحج، فجاءت جارية من خَثْعَم تستفتي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلوى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عنق الفضل لئلا ينظر إليها، فقال له عمه العباس: لويت عنق ابن عمك يا رسول اللَّه، فقال -عليه السلام-: "رأيت شابًا وشابةً، فلم آمن الشيطان عليهما".
والحديث أخرجه أحمد في "المسند" (1/ 76، 157)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الحج): باب ما جاء أن عرفة كلها موقف (رقم 885)، وأبو داود مختصرًا في "السنن" (كتاب المناسك): باب الصلاة بجمع (رقم 1935)، وابن ماجه مختصرًا في "السنن" (كتاب المناسك): باب الوقف بعرفات (رقم 3010)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (2/ 72)، وابن خزيمة في "الصحيح" (4/ 262/ رقم 2837)، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 471)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 122 و 7/ 89)، وأبو يعلى في "المسند" (1/ 264 - 265، 413 - 414/ رقم 312، 544) من طرق عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن علي به.
وإسناده صحيح، وتابع الثوريَّ جماعة، منهم: المغيرة بن عبد الرحمن، ومسلم بن خالد الزنجي؛ كما عند عبد اللَّه في "زوائد المسند" (1/ 76، 81)، وإبراهيم بن إسماعيل -وهو ضعيف-، كما عند البزار في "البحر الزخار" (رقم 479)، وقد وهم فيه، فقال: "عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن علي عن عبيد اللَّه بن أبي رافع عن علي".
قال البزار عقبه: "وهذا الحديث قد رواه الثوري والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد اللَّه بن أبي رافع عن علي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وخالفهما إبراهيم بن إسماعيل في هذا الإسناد؛ فقال: عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن علي عن عبيد اللَّه بن أبي رافع عن أبيه عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، والصواب حديث الثوري والمغيرة".
قلت: وذكره الدارقطني في "العلل" (رقم 411)، وقال: "هو حديث يرويه الثوري والدراوردي، ومحمد بن فليح والمغيرة بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن الحارث، وخالفهم إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، فرواه عن. . . . زاد فيه أبا رافع، ووهم، والقول قول الثوري ومن تابعه، واللَّه أعلم.
ورواه يحيى بن عبد اللَّه بن سالم عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن علي عن أبيه عن علي، ولم يذكر ابن أبي رافع، والصواب ما ذكره من قول الثوري ومن تابعه".
قلت: وللحديث شواهد كثيرة؛ منها حديث الفضل بن العباس وابن عباس وجابر، وغيرهم رضوان اللَّه عليهم، وانظر: "التلخيص الحبير" (3/ 150).
قال ابن بطال: "وفي الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة"، وقال: "ويؤيده أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يحول وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها، فخشي الفتنة عليه"، وقال: "وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما رُكِّب فيه من الميل إلى النساء، والإعجاب بهن"، راجع: "فتح الباري" (11/ 10).
(3/204)

للخاطب والمعامل والشاهد والطبيب! (1).
فإن قلت: فهذا كله على خلاف القياس.
قيل: إن أردت أن الفَرْع اختصَّ بوصف أوجب (2) الفرق بينه وبين الأصل فكل حكم استند إلى هذا الفرق الصحيح فهو على خلاف القياس [الفاسد] (3)، وإن أردت أن الأصل والفرع استويا في المقتضي والمانع واختلف حكمهما فهذا باطل [قطعًا] (4)، ليس في الشريعة منه مسألة واحدة، والشيءُ إذا شابه غيرَهُ في وصفٍ وفارَقَه في وصفٍ كان اختلافُهما في الحكم باعتبار الفارق مخالفًا لاستوائهما باعتبار الجامع.

[أقيسة أبطلها القرآن]
وهذا هو القياس الصحيح طردًا وعكسًا، وهو التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، وأما التسوية بينهما في الحكم مع افتراقهما فيما يقتضي الحكم أو يمنعه فهذا هو القياس الفاسد الذي جاء الشرع دائمًا بإبطاله، كما أبطل قياس الربا على البيع، وقياس الميتة على المُذكَّى وقياس المسيح [عيسى عليه الصلاة والسلام] (3) على الأصنام، وبيّن الفارق بأنه عبدٌ أنعم عليه بعبوديته ورسالته، فكيف يعذِّبه بعبادةِ غيره له مع نهيه عن ذلك وعدم رضاه به؟ بخلاف الأصنام، فمن قال: "إن الشريعة تأتي بخلاف القياس الذي هو من هذا الجنس" فقد أصاب، وهو من كمالِها واشتمالِها على العَدْل والمصلحة والحكمة، ومن سَوَّى بين الشيئين لاشتراكهما في أمر من الأمور يلزمه أن يسوّي بين كل موجودين لاشتراكهما في مُسمَّى الوجود.

[القياس الفاسد أصل كل شر]
وهذا من أَعظم الغلط والقياس الفاسد الذي ذمَّه السلف، وقالوا: "أوَّل من قاس إبليس" (5)، و"ما عُبِدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس" (6)، وهو القياس الذي
__________
(1) انظر في هذا: "النظر في أحكام النظر بحاسة البصر" (379 - 386) لابن القطان الفاسي.
(2) في (د): "يوجب".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) مضى تخريجه (1/ 467).
(6) مضى تخريجه (1/ 467، 471).
(3/205)

اعترف أهل النار في النار ببطلانه حيث قالوا: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97، 98]. وذم اللَّه أهله بقوله: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1]، أي يقيسونه على غيره وُيسوُّون بينه وبين [غيره في] (1) الإلهية والعبودية، وكل بِدْعة ومقالة فاسدة في أديان الرسل فأصلُها من القياس الفاسد، فما أنكرت الجَهْمية صفاتَ الربِّ وأفعالَه وعُلوَّه على خلقه واستواءَه على عرشه وكَلامَه وتكليمه لعباده ورؤيتَهُ في الدار الآخرة إلا من القياس الفاسد، وما أنكرت، القَدَرِيَّة عمومَ قدرتِه ومشيئته وجعلت في ملكه ما لا يشاء وأنه يشاء ما لا يكون إلا بالقياس الفاسد، وما ضلَّت الرافضةُ وعادوْا خيار الخلق وكفّروا أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وسَبُّوهم إلا بالقياس الفاسد، وما أنكرت الزنادقةُ والدُّهْريةُ معادَ الأجسام وانشقاقَ السماواتِ وطيَّ الدنيا وقالت بقدم العالم إلا بالقياس الفاسد، وما فَسد ما فسد من أمر العالم وخرب [ما خرب منه] (2) إلا بالقياس الفاسد، [وأولُ ذنبٍ عُصِيَ به القياسُ الفاسد] (3)، وهو الذي جَرَّ على آدم وذريته مِنْ صاحب هذا القياس ما جر، فأصْلُ شر الدنيا والآخرة جميعه من هذا القياس الفاسد، وهذه [حكمة لا يدْريها] (4) إلا من له اطلاع على الواجب والواقع وله فقه في الشرع والقدر.

فصل [بيع المعدوم لا يجوز]
وأما المقدمة الثانية -وهي أن بيع المعدوم (5) لا يجوز- فالكلام عليها من وجهين (6):
أحدهما: مَنْعُ صحة هذه المقدمة؛ إذ ليس في كتاب اللَّه ولا في سنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا في كلام أحدٍ من أصحابه أن بيعَ المعدومِ لا يجوز، لا بلفظٍ عام
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) وحدها.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق)، "ومنه" ثابتة في (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك) "جمعة لا يدري بها".
(5) في (ن): "المعدم".
(6) سبق قريبًا كلام له حول بيع المعدوم -وانظر أيضًا - غير مأمور-: "الزاد" (4/ 262 - 266)، و"تهذيب السنن" (5/ 158).
(3/206)

ولا بمعنى عام، وإنما في السنة النهيُ عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة؛ فليست العلةُ في المنع لا العدم ولا الوجود، بل الذي وَرَدت به السنة النهي عن بيع الغَرَر (1)، وهو ما لا يُقْدَر على تسليمه، سواء كان موجودًا أو معدومًا كبيع العبد الآبقِ والبعير الشارد وإن كان موجودًا، إذ موجبُ البيع تسليم المبيع، فإذا كان البائع عاجزًا عن تسليمه فهو غَرَر ومُخاطرة وقمار فإنه لا يُباع إلا بوَكْس، فإن أمكن المشتري تسلُّمه كان قد قَمَر البائعَ، وإن لم يمكنه ذلك قمرَه البائع، وهكذا المعدوم الذي هو غَرَر نُهِي (2) عنه للغرر لا للعدم، كما إذا باعه ما تحمل هذه الأمَةُ أو هذه الشجرة (3)؛ فالمبيع لا يُعرف وجوده ولا قَدره ولا صفته؛ وهذا من الميْسِر الذي حرّمه اللَّه ورسوله، ونظير هذا في الإجارة أن يكريه دابة لا يقدر على تسليمها، سواء كانت موجودة أو معدومة، وكذلك في النكاح إذا زوَّجه أمة لا يملكها أو ابنةً لم تولد له، وكذلك سائر عقود المعاوضات، بخلاف الوصية فإنها تبرُّع محض فلا غرر في تعلُّقها (4) بالموجود والمعدوم وما يقدر على تسليمه إليه وما لا يقدر، وطرده الهبة، إذ لا محذور فيها (5)، وقد صح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- هِبة المُشاع المجهول (6) في قوله لصاحب كبة الشّعر حين أخذها من المغنم وسأله أن يَهبَها له فقال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك" (7).
__________
(1) سبق تخريجه قريبًا.
(2) في (ق): "ينهى".
(3) في (ن): "وما تحمل هذه الشجرة" وفي (ق): "ما تحمل هذه الدابة أو هذه الشجرة".
(4) في (ق): "تعليقها".
(5) في (ن): "إذ ليس ذلك فيها"، وفي المطبوع: "إذ لا محذور في ذلك فيها".
(6) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 209)، (4/ 23، 51)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 164، 167، 176، 177، 178) وكلاهما لابن القيم -رحمه اللَّه-.
ووقع في (ق) و (ك): "المشاع المجهول لقوله".
(7) رواه أحمد (2/ 184)، والنسائي (6/ 262 - 263) في (الهبة): باب هبة المشاع والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 336)، وفي "دلائل النبوة" (5/ 194)، وابن هشام في "السيرة النبوية" (4/ 189)، وأبو داود (2694)، وابن الجارود في "المنتقى" (1080) من طرق عن محمد بن إسحاق حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو جزء من حديث طويل، وهذا إسناد جيد وقد صَرّح فيه محمد بن إسحاق بالسماع.
وانظر مفصلًا رسالة: "عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده" (رقم 81) للأستاذ أحمد عبد اللَّه.
وسقطت "أما" من (ك) و (ق).
(3/207)

[جَوَّز الشرع بيع المعدوم في بعض المواضع]
الوجه الثاني: أن نقول: بل الشرع صحَّح بيع المعدوم في بعض المواضع؛ فإنه أجاز بيع الثمر بعد بُدُوِّ صلاحه والحبِّ بعد اشتداده (1)، ومعلومٌ أن العقدَ إنما ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يُخلق (2) بعد، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيعه قبل بدوّ صلاحه، وأباحه بعد بدو الصلاح، ومعلوم أنه إذا اشتراه قبل الصَّلاح بشرط القَطْع كالحصرم جاز، فإنما نُهي عن بيعه إذا كان قصدهُ التَّبْقِية إلى الصلاح (3)، ومن جوّز بيعه قبل الصلاح وبعده بشرط القطع أو مطلقًا وجعل موجب العقد القطع، وحرم بيعه بشرط التبقية أو مطلقًا؛ لم يكن عنده (4) لظهور الصلاح فائدة، ولم يكن فرق بين ما نُهي عنه من ذلك وما أُذن فيه؛ فإنه يقول: موجب العقد التسليم في الحال، فلا يجوز شرط تأخيره سواء بدا صلاحُه أو لم يُبد.

[الصواب في المسألة]
والصواب قول الجمهور الذي دلت عليه سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والقياسُ الصحيح.
__________
(1) رواه أحمد (3/ 221، 250)، وابن أبي شيبة (7/ 116)، وأبو داود (3371) في (البيوع): باب ما جاء في كراهية بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، والترمذي (1228) في (البيوع): باب ما جاء في كراهية بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وابن ماجه (2217) في (التجارات): باب النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، وأبو يعلى (3744)، وابن حبان (4993)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 24)، والدارقطني (3/ 47 - 48)، والحاكم (2/ 19)، والبيهقي (5/ 301) من طرق عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع العنب حتى يسوَدَّ، وعن بيع الحب حتى يشتدَّ.
وقال الترمذي: حسن غريب.
وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وفي النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها دون قوله والحب حتى يشتد أحاديث في "الصحيحين" منها: حديث ابن عمر، رواه البخاري (1486 و 2194)، ومسلم (1534)، وحديث أنس رواه البخاري (1488 و 2189 و 2196 و 2381)، ومسلم (1555).
وعن جابر رواه البخاري (1487، 2189، 2196، 2381)، ومسلم (1536).
(2) في (ك) و (ق): "يوجد".
(3) انظر: "تهذيب سنن أبي داود" (5/ 154 - 155)، و"زاد المعاد" (4/ 262) كلاهما لابن القيم -رحمه اللَّه-.
(4) في (ن): "عقده".
(3/208)

وقوله: "إن موجب العقد التسليم في الحال" جوابه أن موجب العقد إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان مما يَسوغُ لهما أن يوجباه، وكلاهما منتفٍ في هذه الدعوى؛ فلا الشارعُ أوجبَ أن يكونَ كلُّ مبيعٍ مستحق التسليم (1) عقيب العقد، ولا العاقدان التزما ذلك، بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه، وتارة يشترطان التأخير إما في الثمن وإما في المُثمَنِ، وقد يكون للبائع غرضٌ صحيح [ومصلحة] (2) في تأخير التسليم [للمبيع، كما كان] (2) لجابر [-رضي اللَّه عنه- غرض صحيح] (2) في [تأخير تسليم] (2) بعيره إلى المدينة، فكيف يمنعه الشارعُ ما فيه مصلحة له ولا ضرر على الآخر فيها؟ إذ قد رضي بها كما رضي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-[على جابر] (3) بتأخير تسليمِ البعير (4)، ولو لم ترد السنة بهذا لكان محض القياس يقتضي جوازه، ويجوزُ لكل بائع أن يستثني من منفعة المبيعِ ما له فيه غرضٌ صحيحٌ (5)، كما إذا باع عقارًا واستثثى سكناه مدة أو دابة واستثنى ظهرها، ولا يختص ذلك بالبيع، بل لو وهبه [شيئًا] (6) واستثنى نفْعَه مدة، أو أعتق عبدَه واستثنى خدمته مدة، أو وقف عينًا واستثنى غَلّتها لنفسه مدة حياته، أو كاتبَ أمَةً واستثنى وَطْئها مدة الكتابة، ونحوه، وهذا كله منصوص أحمد، وبعضُ أصحابه يقول: إذا استثنى منفعةَ المبيع فلا بد أن يُسلِّمَ العين إلى المشتري ثم يأخذها ليستوفي المنفعة، بناءً على هذا الأصل الذي قد تبين فساده، وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقيب العقد، وعن هذا الأصل قالوا: (7) لا تصح الإجارة إلا على مدة تَلِي العقد، وعلى هذا بَنَوْا ما إذا باع العين المؤجرة؛ فمنهم من أبطل البيع لكون المنفعة لا تدخل على (8) البيع فلا يحصل التسليم، ومنهم من قال: هذا مستثنى بالشرع، بخلاف المُستثنى بالشرط وقد اتفق الأئمة على صحة بيع الأمة المزوجة وإن كانت منفعة البضع للزوج ولم تدخل في البيع واتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه كما إذا باع مخزنًا له فيه متاع كثير لا ينقل في يوم ولا أيام فلا يجب عليه جمع دواب البلد ونقله في ساعة واحدة بل
__________
(1) في (ق) و (ك): "كل بيع يستحق به التسليم".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) تقدم تخريجه.
(5) انظر كلامًا قويًا لابن القيم حول الاستثناء في البيع في "بدائع الفوائد" (4/ 4).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(7) زاد هنا في (ك) و (ق): "إنه".
(8) في (ق): "في".
(3/209)

قالوا: هذا مستثنى بالعرف، فيقال: وهذا من أقوى الحجج عليكم، فإن المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعُرف، كما أنه أوسع من المستثنى بالشرع؛ فإنه يثبت بالشرط ما لا يثبت بالشرع، كما أن الواجب بالنّذر أوسع من الواجب بالشرع.

[منع أن موجب العقد التسليم عقيبه]
وأيضًا فقولُكم: "إن موجب العقد استحقاق التسليم عقيبه" (1) أتعنون أن هذا مُوجَبُ العقد المطلق أو مطلق العقد؟ فإن أردتم الأول فصحيح، وإن أردتم الثاني فممنوع؛ فإن مطلق العقد ينقسم إلى المطلق والمقيد، وموجب العقد المقيد ما قُيِّد به، كما أن موجبَ العقد المقيد بتأجيل الثمن وثبوت خيار الشَّرط والرهن والضمين هو ما قُيِّد به، وإن كان موجبه عند إطلاقه خلاف ذلك؛ فموجبُ العقد المطلق شيءٌ وموجب العقد المقيد شيء، والقبض في الأعيان (2) والمنافع كالقبض في الدَّيْن، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جوَّز بيع الثمرة بعد بُدُوِّ الصلاح (3) مستحقة الإبقاء إلى كمال الصلاح، ولم يجعل موجَبَ العقد القبض في الحال، بل القبضُ المتعادِ عند انتهاء صلاحها، ودخل فيما أذن فيه بيع ما هو معدوم [و] (4) لم يُخلَق بعد، وقبض ذلك بمنزلة قبض العين المؤجرة، وهو قبض يبيح التصرف في أصح (5) القولين، وإن كان قبضًا لا يوجب انتقال الضمان، بل إذا تلفَ المبيعُ قبل قبضه المعتاد كان من ضمان البائع كما هو مذهب أهلِ المدينة وأهلِ الحديث؛ أهلِ بلدته وأهل سنته، وهو مذهب الشافعي قطعًا؛ فإنه علّق القول به على صحة الحديث (6)، وقد صح صحةً لا ريب فيها من غير الطريق التي توقّف الشافعي فيها فلا يسوغ أن يقال: مذهبه عدم وضع الجوائح، وقد قال (7): إن صح الحديث قلت به، رواه من طريق توقف في صحتها، ولم تبلغه الطريقُ الأخرى التي لا علة
__________
(1) في (ق): "عقبه".
(2) في (ق): "وقبض الأعيان".
(3) سبق تخريجه قريبًا.
(4) ما بين المعقوفتين من (ن).
(5) في (ق): "أحد".
(6) انظر: "الأم" (3/ 57 - ط دار الفكر).
والحديث الذي صح هو: ما أخرجه مسلم (1554): (كتاب المساقاة): باب وضع الجوائح عن جابر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بوضع الجوائح، وانظر: "الجوائح وأحكامها" (ص 181) وما سيأتي.
(7) زاد هنا في (ك) و (ق): "فيها".
(3/210)

لها (1) ولا مطْعن فيها، وليس مع المنازع دليلٌ شرعي يدلُّ على أنّ كلّ قبض جوَّز التّصرف ينقل الضمان، وما لم يجوِّز التصرف لا ينقل الضمان، فقبضُ العين المؤجَّرة يُجوِّز التصرف ولا ينقل الضمان، وقبض العين المسْتامةِ والمستعارة والمغصوبة يوجب الضمان ولا يجوّز التصرف (2).

فصل [بيع المقاثي والمباطخ ونحوهما]
ومن هذا الباب [بيع] المقاثي والمباطخ (3) والباذجان؛ فمن منع بيعه إلا لقْطةً لقطة قال: لأنه [بيع] (4) معدوم (5)؛ فهو كبيع الثمرة قبل ظهورها، ومن جوّزه كأهل المدينة (6) وبعض أصحاب أحمد (7) فقولهم أصحُّ، فإنه لا يمكن بيعها إلا
__________
(1) في (ك) و (ق): "فيها"، وقارن ب "مجموع الفتاوى" (30/ 270).
(2) انظر كلام المصنف على وضع الجوائح، والرد على من تأوَّل الحديث فيها في "تهذيب السنن" (5/ 119 - 120)، و"زاد المعاد" (4/ 272)، وانظر -غير مأمور- "الجوائح وأحكامها" للدكتور سيمان الثنيان، دار عالم الكتب.
(3) "المقاثي: جمع مقثأة، وهو موضع زراعة القثاء. والمباطخ: جمع مبطخة، وهو موضع زراعة البطيخ" (د). قلت: ونحوه في (ط)، وانطر: "زاد المعاد" (4/ 267)، و"بدائع الفوائد" (4/ 15، 74) وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) قال القرافي في كتابه "الأمنيّة في إدراك النية" (74): "والعجب ممن يعتمد أن المعاوضة على المعدوم على خلاف الأصل، مع أن الشريعة طافحة به في مواردها ومصادرها، حتى لا يكاد يعرى عنه باب كما قد رأيت، بل الأوامر والنواهي والأدعية والشروط ومشروطاتها في التعليقات والوعود والوعيدات وأنواع الترجي والتمني والإباحات كلها لا تتعلق إلا بمعدوم فتأمل ذلك حق تأمله تجد فيه فقهًا كبيرًا ينتفع به في محاولة الفقه واتساع النظر ودفع الإشكالات عن القواعد والفروع.
وإنما أكثرت من مثل التقدير لأني رأيت الفقهاء الفضلاء إذا قيل لهم ما مثال إعطاء الموجود حكم المعدوم والمعدوم حكم الموجود؟ صعب عليهم تمثيل ذلك، وإن فعلوا فعساهم يجدون المثال أو المثالين فأردت أن يتسع الفقيه هذا الباب ويسهل عليه. اه.
(6) انظر: "المنتقى" (4/ 222 - 223) للباجي، و"بداية المجتهد" (2/ 179)، و"القوانين الفقهية" (ص 225).
(7) انظر: "المغني" (4/ 207)، و"المبدع" (4/ 166 - 167).
وبهذا قالت طائفة من الشافعية، انظر: "مغني المحتاج" (2/ 92)، و"تكملة المجموع" (11/ 446). =
(3/211)

على هذا الوجه، ولا تتميز اللّقطة المبيعةُ من (1) غيرها، ولا تقوم المصلحة ببيعها كذلك، ولو كُلِّف الناس به لكان أشقّ شيءٍ عليهم وأعظمه ضررًا، والشريعة لا تأتي به، وقد تقدم أن ما لا يُباع (2) إلا على وجْه واحد لا يَنْهى الشارع عن بيعه، وإنَّما نَهى الشَّارعُ عن بج الثمار قبل بدو صلاحها (3) لإمكان تأخير بيعها إلى وقت بُدُوِّ الصلاح (4)، ونظير ما نَهى عنه وأَذن فيه سوى (5) بيع المقاثي إذا بدا فيها الصلاح ودخول الإجزاء والأعيان التي لم تخلق بعد كدخول أجزاء الثمار وما يتلاحق في الشجر منها، ولا فرق بينهما البتة (6).

فصل [ضمان الحدائق والبساتين]
وبنوا على هذا الأصل الذي لم يدل عليه دليل شرعي، بل دل على خلافه، وهو بيع المعدوم [بطلان] (7) ضمان الحدائق والبساتين، وقالوا: هو بيعٌ للثمرِ قبل ظهوره أو قبل بدو صلاحه؛ ثم منهم من حكى الإجماع على بطلانه (8)، ولَيس مع المانعين [حجةٌ على ما] (9) ظنّوه، فلا النص يتناوله ولا معناه، ولم تجمع (10) الأمة على بطلانه، فلا نص مع المانعين ولا قياس ولا إجماع (11)؛ ونحن نبين انتفاء هذه الأمور الثلاثة:
__________
= وقارن ما عند المصنف ب "مجموع فتاوى ابن تيمية" (29/ 484، 485، 489).
(1) في المطبوع: "عن".
(2) في (ن): "أنها لا تباع".
(3) سبق تخريجه قريبًا.
(4) في (ق): "صلاحها".
(5) قال (د) و (ح): "هكذا في النسختين، والكلام غير تام، فليتدبر".
قلت: وعلق (و) و (ط) بنحو هذا التعليق.
(6) انظر: "زاد المعاد" (4/ 267) فإنه مهم، و"بدائع الفوائد" (4/ 15، 74).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ط).
(8) هذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، وهو منصوص عن أحمد في بعض الروايات انظر: "المبسوط" (16/ 32)، و"روضة الطالبين" (5/ 78)، و"الفروع" (4/ 416).
(9) بدل ما بين المعقوفتين في (ط): "كما"، وأشار إليها في الحاشية، وقال: ". . . وربما كان صواب الجملة هكذا: "وليس مع المانعين دليل على ما ظنوه" أو نحو ذلك انظر: "إعلام الموقعين" - ط المطبعة المنيرية (1/ 361)، وطبعة فرج اللَّه الكردي (2/ 118) " ا. ه.
قلت: والجملة في (ق) و (ن) و (ك): "وليس كما ظنوه".
(10) في (ن): "ولا تجمع".
(11) انظر: حول تقدير ابن القيم جواز ضمان الحدائق والبساتين (القبالات) سواء مع الأرض =
(3/212)

أما الإجماع، فقد صح عن عمر [بن الخطاب] (1) -رضي اللَّه عنه- أنه ضَمَّن حديقة أُسيد بن حُضير ثلاث سنين وتسلَّف الضَّمان فقضى به دينًا كان على أُسيد (2)، وهذا بمشهد من الصحابة، ولم ينكره منهم رجل واحد، ومَنْ جعل مثل هذا إجماعًا فقد أجمع الصحابة على جواز ذلك، وأقلُّ درجاته أن يكون قول صحابي، بل قول الخليفة الراشد، ولم ينكره منهم مُنْكِر، وهذا حجة عند جمهور العلماء، وقد جوز بعض أصحاب أحمد ضمان البساتين مع الأرض المؤجرة؛ إذ لا يمكن إفراد إحداهما عن الأخرى (3)، [و] (1) اختاره ابنُ عقيل، وجوَّز بعضهم ضمان الأشجار مطلقًا مع الأرض وبدونها، [و] (1) اختاره شيخنا وأفرد فيه مصنفًا (4)؛ ففي مذهب أحمد ثلاثة أقوال، وجَوَّز مالك ذلك تبعًا للأرض في قدر الثلث (5).
__________
= أو بدونها: "أحكام أهل الذمة" (1/ 108، 112)، وقارن بما في "مجموع فتاوى ابن تيمية" (30/ 283).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) أخرجه حرب بن إسماعيل الكرماني، قال: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن هشام بن عروة عن أبيه أن أسيد بن حُضير توفي وعليه ستة آلاف درهم دينًا، فدعى عمر بن الخطاب غرماءه، فقبلهم أرضه سنين، وفيها النخل والشجر. وهكذا ذكره ابن كثير في "مسند الفاروق" (1/ 358)، وبَوَّب عليه (أثر في ضمان البساتين) وقال: "هذا إسناد جيد، وإن كان فيه انقطاع، وقال: "ومعنى: قبلهم: أي ضمنهم. وقد ذهب إلى معناه بعض العلماء، ونصره ابن عقيل وغيره من متأخري أصحاب الإمام أحمد رحمه اللَّه".
أقول: وسبب انقطاعه هو عدم سماع عروة من عمر.
وأخرجه ابن سعد في "طبقاته" (3/ 606) بإسناد ضعيف، وانظر: "سير أعلام النبلاء" (1/ 342، 343)، و"أسد الغابة" (1/ 113).
(3) في (ق): "أحدهما عن الآخر" وكذا في (ك) إلا أنه قال: "الأخرى". وانظر: "الفروع" (4/ 416) لابن مفلح.
(4) ذكر ابن رشيق في رسالته: "أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية" (ص 27): "قواعد في مسائل في النذور والضمان" وفي مكتبة الشيخ حماد الأنصاري -رحمه اللَّه- مجموع برقم (271) فيه (23 رسالة) لابن تيمية، منها برقم (14): (فصل في الضمان) وفي جامعة برنستون - جاريت (رقم 1521) من (ق 46 - 52): (مسائل في الإجارة ونقص بعض المنفعة والجوائح والفرق بين الجانحة في الزروع والثمار وغير ذلك" فلعل بعضها المرادة هنا، واللَّه أعلم.
(5) انظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" (4/ 21)، و"القوانين الفقهية" (238)، وانظر لمذهب الحنفية "المبسوط" (16/ 32)، ومذهب الشافعية في "روضة الطالبين" (5/ 178).
(3/213)

قال شيخنا (1): والصواب ما فعله عمر -رضي اللَّه عنه-؛ فإن الفرق بين البيع والضمان (2) هو الفرق بين البيع والإجارة، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الحب حتى يشتد (3) ولم ينه عن إجارة الأرض للزراعة مع ان المستأجر مقصودُه الحبّ بعمله فيخدم الأرض ويحرثها ويسقيها ويقوم عليها، وهو نظيرُ مستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيه ويقوم عليه، والحبُّ نظيرُ الثمر، والشجر نظير الأرض (4)، والعملُ نظير العمل؛ فما الذي حرَّم هذا وأحلَّ هذا؟ [وهذا] (5) بخلاف المشتري؛ فإنه يشتري ثمرًا وعلى البائع [المؤنة: مؤنة] (6) الخدمة والسَّقي والقيام على الشجر؛ فهو (7) بمنزلةِ الذي يشتري الحبّ وعلى البائع مؤونة (8) الزرع والقيام عليه؛ فقد ظهر انتفاءُ القياس والنص، كما ظهر انتفاءُ الإجماع، بل القياس الصحيح مع المجوِّزين، كما معهم الإجماع القديم.
فإن قيل: فالثمر أعيان، وعقد الإجارة إنما يكون على المنافع!
قيل: الأعيان هنا حَصلَت بعمله في الأصل المستأجر، كما حصل الحبُّ بعمله في الأرض المستأجرة.
فإن قيل: الفرق أن الحبَّ حصل من بَذْرِه، والثمر حصل من شجر المؤجِّر (9). قيل: لا أثر لهذا الفرق في الشرع، بل قد ألغاه الشارع في المساقاة والمزارعة فسوَّى بينهما؛ والمُساقي يستحقُّ جزءًا من الثمرة الناشئة من أصل [الملك؛ والمزارع يستحق جزءًا من الزرع النابت في أرض] (10) المالك، وإن كان البذرُ منه، كما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة (11) وإجماع الصحابة، فإذا لم يؤثر هذا الفرق في المساقاة والمزارعة التي يكون النماء فيها مشتركًا لم يؤثر في
__________
(1) في "مجموع الفتاوى" (30/ 283) نحوه، وانظر: "الجامع للإختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية" (3/ 1115 - 1119).
(2) في (ق): "الضمان والبيع" وسقطت "البيع" من (ك).
(3) سبق تخريجه.
(4) وقع في (ن): "والحب نظير الثمرة، والشجرة نظير الأرض".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في المطبوع و (ن) و (ك): "مؤونة" وسقطت "وعلى البائع" من (ق) واحتملها في الهامش.
(7) في (ن): "وهو".
(8) في (ق): "مؤنة".
(9) في (ق): "الشجر المؤجر".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(11) سبق تخريجه.
(3/214)

الإجارة بطريق الأولى؛ لأن إجارة الأرض لم يُختلف فيها كالاختلاف في المُزارعة، فإذا كانت إجارتها عندكم أجْوز من المزارعة فإجارة الشجر أولى بالجواز من المساقاة عليها، فهذا محْضُ القياس وعمل الصحابة ومصلحة الأمة، وباللَّه التوفيق.
والذين منعوا ذلك وحَرَّمُوه توصلوا إلى جوازه بالحيلة الباطلة شرعًا وعقلًا، فإنهم يؤجِّرونه الأرض وليست مقصودة له البتة (1)، ويساقونه على الشجرة من ألف جزء على جزء مساقاة غير مقصودة [وإجارةً غير مقصودة] (2)، فجعلوا ما لم يُقصد مقصودًا، وما قُصد غير مقصود، وحابوا في المساقاة أعظم محاباة، وذلك حرامٌ باطل في الوقف وبستان المولّى عليه من يتيم أو سفيهٍ أو مجنون، ومحاباتهم إياه في إجارة الأرض لا تُسَوِّغ لهم محاباة المستأجر في المساقاة، ولا يسوِّغ اشتراط أحد العقدين في الآخر، بل كل عقد مستقل بحكمه، فأين هذا من فعل أمير المؤمنين وفقهه؟ وأين القياس من القياس والفقه من الفقه؟ فبينهما في الصحة بُعْدُ ما بين المشرقين (3)!

فصل [إجارة الظئر على وفق القياس الصحيح]
فهذا الكلام على المقام الأول، وهو كون الإجارة على خلاف القياس، وقد تبين بطلانه.
وأما المقام الثاني -وهو أن الإجارة التي أذن اللَّه فيها في كتابه وهي إجارة الظِّئْر على خلاف القياس- فبناءٌ منهم على هذا الأصل الفاسد (4)، وهو أن المُستحَق بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان، وهذا الأصل لم يدل عليه كتابٌ ولا سنة ولا إجماعٌ ولا قياسٌ صحيح، بل الذي دلّت عليه الأصول أن الأعيانَ التي تَحدُث شيئًا فشيئًا مع بقاء أصلها حكمُها حكم المنافع كالثمر في
__________
(1) في (ن): "وليست مقصودًا له".
(2) ما بين المعقوفتين في (ق) قبل: "وحابوا في المساقاة" في السطر الذي بعده.
(3) في (ق): "وبينها في الصحة أبعد ما بين المشرقين".
(4) انظر إجارة الظئر ونحوه وبيان أنها على وفق القياس: "زاد المعاد" (2/ 15 - 16)، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 550. 30/ 230)، و"الإنصاف" (6/ 3)، و"المعدول به عن القياس حقيقته وحكمه وموقف شيخ الإسلام ابن تيمية منه" (ص 154 - 156).
(3/215)

الشجر واللَّبن في الحيوان والماء في البئر؛ ولهذا سوَّى بين النوعين في الوقف، فإن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الفائدة، فكما يجوز أن تكون فائدة الوقف منفعةً كالسكنى وأن تكون ثمرة وأن تكون لبنًا كوقف الماشية للانتفاع بلبنها، وكذلك في باب التبرعات كالعارية لمن ينتفعُ بالمتاع ثم يردّه، والعريّة لمن يأكل ثمرَ (1) الشجرة ثم يردها، والمنيحة لمن يشرب لبن الشاة ثم يردها، والقرض لمن ينتفع بالدراهم ثم يرد بدلها القائم مقام عينها؛ فكذلك في الإجارة تارة يكريه العين للمنفعة التي ليست أعيانًا، وتارة للعين التي تحدث شيئًا من بعد شيءٍ مع بقاء الأصل كلبن الظئر ونقع البئر؛ فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئًا بعد شيء [مع بقاء الأصل] (2) كانت المنفعة (3)، والمسوِّغ للإجارة هو ما بينهما من القدر المشترك، وهو حدوث المقصود بالعقد شيئًا فشيئًا، سواء كان الحادث عينًا أو منفعة، وكونه جسمًا أو معنًى قائمًا بالجسم لا أثر له في الجواز والمنع مع اشتراكهما في المُقتضي للجواز، بل هذا النوع من الأعيان الحادثة شيئًا فشيئًا أحقُّ بالجواز؛ فإن الأجسام أكْملُ من صفاتها، وطردُ هذا القياس جواز إجارة الحيوان غير الآدمي لرضاعه، [فإن الحاجة تدعو إليه كما تدعو إليه في] (4) الظئر من الآدميين بطعامها وكسوتها، ويجوز (5) استئجار الظئر من البهائِمِ بعلَفِها، والماشية إذا عاوض على لبنها فهو نوعان:
أحدهما: أن يشتريَ اللَّبنَ مدة، ويكون العلف والخدمة على البائع، فهذا بيْع محضٌ.
والثاني: أن يتسلَّمها (6) ويكون علفُها وخدمتُها عليه، ولبنها [له] (7) مدة الإجارة؛ فهذا إجارة وهو كضمان البساتين (8) سواء وكالظئر؛ فإن اللبن يُستوفى شيئًا فشيئًا مع بقاء الأصل؛ فهو كاستئجار العين ليسقيَ بها أرضَه، وقد نص مالك على جواز إجارة الحيوان مدةً للبنه ثم مِنْ أصحابه من جوَّز ذلك تبعًا لنصه،
__________
(1) في (ق): "ثمرة".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق): "كالمنفعة".
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "وجواز إجارة".
(5) في (ن): "وجواز"، وفي (ق) و (ك): "و".
(6) في المطبوع: "ويسلمها".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق) وقال في هامش (ق): "لعله بلبنها".
(8) في (د): "البستان".
(3/216)

ومنهم من منعه، ومنهم من شرط فيه شروطًا ضيَّقوا بها مورد النص ولم يدل عليها نصه (1)، والصواب الجواز، وهو موجب القياس المحْض، فالمجوّزون أسْعد بالنص من المانعين، وباللَّه التوفيق.

فصل [حمل العاقلة الدية عن الجاني طبق القياس]
ومن هذا الباب قول القائل: "حمل العاقلة الدية عن الجاني على خلاف القياس" ولهذا لا تحمل [العاقلة] (2) العمدَ (3) ولا العبدَ (4) ولا الصُّلحَ (5) ولا الاعتراف ولا ما دون الثُّلث، ولا تحمل جنايةَ الأموال، ولو كانت على وِفْق القياس لحملت ذلك كُلَّه (6).
والجواب أن يقال: لا ريب أن من أتلف مضمونًا كان ضمانُه عليه، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، ولا تُؤخذ نفس بجريرة غيرها؛ وبهذا جاء شرع اللَّه سبحانه
__________
(1) انظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" (4/ 20)، وانظر مذهب الحنفية في "المبسوط" (16/ 33)، ومذهب الشافعية في "روضة الطالبين" (5/ 178 - 179)، و"مغني المحتاج" (2/ 332 - 333).
(2) ما بين المعقوفتين من نسخة (ك) و (و)، وقال (و): "العقل دية القتيل خطأ المستحقة بالشرع".
(3) ولا شبه العمد، على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (20/ 553)، وهو مذهب مالك خلافًا لجماهير الفقهاء.
(4) قال (ط): "لأن العبد عبارة عن سلعة من السلع" وقال (د): "كذا"، وفي (ق): "لا تحمل العبد ولا العهد".
(5) يعني أن كل جناية عمد، فإنها من مال الجاني خاصة، ولا يلزم العاقلة منها شيء، وكذلك ما اصطلحوا عليه من الجنايات في الخطأ، وكذلك إذا أعترف الجاني بالجناية من غير بينة تقوم عليه، وإن ادعى أنها خطأ لا يقبل منه، فلا تلتزم بها العاقلة، وأما العبد فهو أن يجني على حر فليس على عاقلة مولاه شيء من جناية عبده، وإنما جنايته في رقبته، وهو مذهب أبي حنيفة، وقيل: هو أن يجني حر على عبده، وإنما جنايته في رقبته، وهو مذهب أبي حنيفة، وقيل: هو أن يجني حر على عبد، فليس على عاقلة الجاني شيء، إنما جنايته في ماله خاصة، وهو قول ابن أبي ليلى، وما بين هذين [] يستلزمه سياق الكلام فوضعته. وفي حديث: لا تعقل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا. والعاقلة العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يعطون دية قتيل الخطأ (و).
(6) انظر بيان أن حمل العاقلة الدية على وفق القياس: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 553)، و"المعدول به عن القياس" (163 - 165) وانظر في خلافه! "بدائع الصنائع" (7/ 255).
(3/217)

وجزاؤه، وحمل العاقلة الدية غير مناقضٍ لشيء من هذا (1) كما سنبينه، والناس متنازعون في العَقْل: هل تحمله العاقلة ابتداءً أو تحمُّلًا؟ على قولين (2)، كما تنازعوا في صدقة الفطر التي يجب (3) أداؤها عن الغير كالزوجة [والولد] (4)، هل تجب ابتداءًا أو تحملًا؟ [على قولين] (4)، وعلى ذلك ينبني ما لو أخرجها من تُحمِّلت عنه عن نفسه بغير إذن المُتحمِّل لها؛ فمن قال: هي واجبة على الغير تحملًا قال: تجزئ في هذه الصورة، ومن قال: هي واجبة عليه ابتداءً قال: لا تجزيء، [بل] (5) هي كأداء الزكاة عن الغير، وكذلك القاتل إذا لم تكن (6) له عاقلةٌ، هل تجب الدية في ذمة القاتل [أولًا] (5)؛ على قولين، بناء على هذا الأصل، والعَقْلُ فارقَ غيره من الحقوق في أسباب اقتضت اختصاصه بالحكم، وذلك أن دية المقتول مال كثير، والعاقلة إنما تحمل الخطأ، ولا تحمل العَمْد بالاتفاق، ولا شبهه على الصحيح، والخطأُ يُعْذَر فيه الإنسان، فإيجاب الدية في ماله فيه ضررٌ عظيم عليه من غير ذنب تعمَّده، وإهدارُ دم المقتول من غير ضمان بالكلية فيه إضرار بأولاده وورثَته، فلا بد من إيجاب بدلِه، فكان من محاسنِ الشَّريعة وقيامها بمصالح العباد أنْ أوجبَ بدله على مَنْ عليهم موالاة القاتل ونُصرته، فأوجب عليهم إعانته على ذلك. وهذا كإيجابِ النفقات على الأقاربِ وكسوتهم، وكذا مسكنهم وإعفافهم إذا طلبوا النكاحِ، وكإيجابِ فَكاك الأسير من يد العدو (7)، [فإنه أسير] (8) بالدية التي لم يتعمَّد سبَبَ وجوبها ولا وجبت باختيار مستحقها كالقرض والبيع، وليست قليلة؛ فالقاتل في الغالب لا يقدر على حملها، وهذا بخلاف العمد، فإن الجاني ظالم مستحق للعقوبة ليس أهلًا أن يُحمل عنه بدل القتل (9)؛ وبخلاف شبه العمد؛ لأنه قاصد للجناية متعمد لها، فهو آثم معتدٍ،
__________
(1) في (ن): "غير مناقض لهذا".
(2) انظر: "أحكام الجناية" (335 - 337) للشيخ بكر أبو زيد.
(3) في (ق): "هل تجب"، وقال في الهامش: "إذا وجب".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن). وانظر في المسألة "الإشراف" (2/ 192 مسألة 515) للقاضي عبد الوهاب، وتعليقي عليه.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ق): "يكن".
(7) في المطبوع: "من بلد العدو".
(8) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "فإن هذا أسيف" وفي (ق): "فإن هذا أسير"، وفي (ك): "فإن هذا أيسر".
(9) في (ق) و (ك): "بدل القتيل".
(3/218)

بخلاف بدل المُتلف من الأموال؛ فإنه قليل في الغالب لا يكاد المُتْلِف يعجز عن حمله، وشأن النفوس غير شأن الأموال؛ ولهذا لم تحمل العاقلة ما دون الثلث عند أحمد ومالك (1) لقلّته واحتمال الجاني حمله (2)، وعند أبي حنيفة لا تَحْمِل ما دون أقل المقدّر كأرْشِ المُوضحة (3) وتحمل ما فوقه (4)، وعند الشافعي تحمل القليل والكثير طردًا للقياس (5)؛ وظهر بهذا كونها لا تحمل العبد فإنه سلعة من السلع ومال من الأموال، فلو حملت بدله لحملت بدل الحيوان والمتاع؛ وأما الصلح والاعتراف فعارض هذه الحكمة فيهما معنًى آخر، وهو أن المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه قد يتواطآن على الإقرار بالجناية ويشتركان فيما تحمله العاقلة ويتصالحان على تغريم العاقلة، فلا يسْري إقراره ولا صلحه، [فلا يجوز إقراره] (6) في حق العاقلة، ولا يقبل قوله فيما يجب عليه (7) من الغرامة، وهذا هو القياس الصحيح؛ فإن الصلح والاعتراف يتضمن إقراره ودَعْواه على العاقلة بوجوب المال عليهم؛ فلا يقبل ذلك في حقهم، ويقبل بالنسبة إلى المعترف كنظائره، فتبين أن إيجاب الدية على العاقلة من جنس ما أوجبه الشارع من الإحسان إلى المحتاجين كأبناء السبيل والفقراء والمساكين.
وهذا من تمام الحكمة التي بها قيام مصلحة العالم؛ فإن اللَّه سبحانه قسم خلقه إلى غني وفقير، ولا تتم مصالحهم إلا بسدِّ خَلّة الفقير، فأوجب سبحانه في فضول أموال الأغنياء ما يسد [به] (8) خلّة الفقراء، وحرّم الربا الذي يضر بالمحتاج، فكان أمره بالصّدقة ونهيه عن الربا أخوين شقيقتين؛ ولهذا جمع اللَّه
__________
(1) في (ق): "الإمام أحمد ومالك"، وانظر مذهب أحمد في "الإنصاف" (10/ 126)، و"المغني" (9/ 506 - 507)، ومذهب مالك في "الأشراف" للقاضي عبد الوهاب (4/ 144 مسألة 1491) وتعليقي عليه، و"حاشية الخرشي" (8/ 45)، و"القوانين الفقهية" (298)، و"المنتقى" (7/ 102) وهذا اختيار ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (20/ 385).
(2) في (ق): "لحمله".
(3) "لموضحة: الشجة التي تبدي وضح العظم، أي: بياضه، والجمع: المواضح والتي فرض فيها خمس من الإبل هي ما كان منها في الرأس والوجه، فأما الموضحة في غيرها، ففيها الحكومة، والأرش: ما يأخذ المشتري من البائع إذا اطلع على عيب، وأروش الجنايات والجراحات من ذلك، لأنها جابرة لها" (و).
(4) انظر: "الهداية" (4/ 229).
(5) انظر: "المهذب" (2/ 271).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(7) في (ق): "عليها".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3/219)

بينهما في قوله: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276]، وقوله: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39] وذكر [اللَّه] (1) سبحانه أحكام الناس في الأموال في آخر سورة البقرة، وهي ثلاثة: عدل، ظلم (2)، وفضل؛ فالعدل البيع، والظلم الربا، والفضل الصدقة؛ فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم، وذم المرابين وذكر عقابهم، وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمى.
والمقصود أن حمل الدية من جنس ما أوجبه من الحقوق لبعض العباد على بعض كحق المملوك والزوجة والأقارب والضيف، ليست من باب عقوبة الإنسان بجناية غيره، فهذا لون، وذاك (3) لون، واللَّه الموفق.

فصل [بيان أن المُصرَّاة على وفق القياس]
وممّا قيل فيه: إنه على خلاف القياس حديث المُصرَّاة (4)، قالوا: وهو
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "وظلم".
(3) في (ق): "وذلك".
(4) رواه البخاري (2148 و 2159) في (البيوع): باب النهي للبائع أن لا يُحفِّل الإبل والبقر والغنم، و (2151) باب إن شاء رد المُصرَّاة وفي حلبتها صاع من تمر، ومسلم (1515) (11) في (البيوع): باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه وسومه على سومه. . .، وتحريم التصرية، من حديث أبي هريرة. ورواه البخاري (2149) و (2164) من حديث ابن مسعود، وقال (و): "عن أبي هريرة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: قال: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها، وصاعًا من تمر" متفق عليه، وفي رواية: "من اشترى مصراة فهو منها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ومعها صاعًا من تمر لا سمراء" رواه الجماعة إلا البخاري.
قال الشافعي: التصرية هي ربط أخلاف الشاة أو الناقة، وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر، فيظن المشتري أن ذلك عادتها، فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها. وأصل التصرية: حبس الماء. وظن بعضهم أن المصراة من صررت. قال في "الفتح": إن الأصح هو أنها من صريت اللبن إذا جمعته، قال: لأنه لو كان من صررت لقيل: مصرورة أو مصررة لا مصراة، على أنه قد سمع الأمران في كلام العرب. ولا تصروا إن كان من الصر، فهو بفتح التاء، وضم الصاد وإن كان من الصرى فيكون بضم التاء، وفتح الصاد، وفي الحديث الثاني اضطراب، وهذا في قوله: "من تمر لا سمراء" ففي مسلم وأبي داود: من طعام لا سمراء، وفي البزار: صاع من بر لا سمراء، وفي مسند =
(3/220)

يخالف القياس من وجوه (1): منها أنه تضمن (2) رَدَّ البيع (3) بلا عيبٍ ولا خلف في صفة، ومنها أن "الخراج بالضمان" (4)؛ فاللَّبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه وقد ضمنه إياه، ومنها أن اللبن من ذوات الأمثال وقد ضمنه إياه بغير مثله، ومنها أنه إذا انتقل من التضمين بالمثل فإنما ينتقل إلى القيمة والتمر لا قيمة ولا مثل، ومنها أن المال المضمون إنما يُضمن بقَدَره في القلة والكثرة، وقد قدر ههنا (5) الضمان بصاع.

[الرد على ذلك]
قال أنصار الحديث: كل ما ذكرتموه خطأ، والحديث موافق لأصول الشريعة وقواعدها، ولو خالفها لكان أصلًا بنفسه، كما أن غيره أصلٌ بنفسه (6)، وأصول الشرع لا يُضرب بعضها ببعض، كما نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-[عن] (7) أن يُضرب كتابُ اللَّه بعضه ببعض (8)، بل يجب اتباعها كلها، ويُقر كل منها على أصله وموضعه؛ فإنها كلها من عند اللَّه الذي أتقن شرعه وخلقه، وما عدا هذا فهو الخطأ الصريح.
__________
= أحمد: صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر؛ وفي أبي داود: ردها ورد معها مثل أو مثلي لبنها قمحًا. وقال الحافظ في الفتح: إن حديث الجماعة إسناده ضعيف، وإن ابن قدامة قال: إنه متروك الظاهر" اه.
(1) ذكر العيني في "عمدة القاري" (11/ 270) ثمانية منها، وكذا التهانوي في "إعلاء السنن" (13/ 60)، وهو منقول عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، انظر: "أصول السرخسي" (1/ 341)، و"المبسوط" (13/ 38)، و"التحرير مع شرحه التيسير" (3/ 52)، وأصول البزدوي" (2/ 380)، و"مرآة الأصول" (2/ 18)، و"رد المحتار" (4/ 47)، وانظر في مناقضتها: "فتح الباري" (4/ 364 - 365)، و"شرح النووي على صحيح مسلم" (10/ 162)، "وشرح السنة" (8/ 125).
(2) في (ن): "يتضمن".
(3) في (ك) و (ق): "المبيع".
(4) سيأتي تخريجه قريبًا.
(5) في (ق): "هنا".
(6) انظر: "زاد المعاد" (4/ 242، 272) للمصنف -رحمه اللَّه- و"مجموع فتاوى ابن تيميه" (20/ 556 - 558)، و"المعدول به عن القياس" (ص 116 - 124).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) رواه أحمد (2/ 178 و 181 و 185 و 196)، وابن سعد في "الطبقات" (4/ 192)، وابن ماجه (85) في (المقدمة)، والبخاري في "خلق أفعال العباد" (ص 70)، والآجري في "الشريعة" (ص 68)، وابن مردويه -كما في "تفسير ابن كثير" (1/ 354 - 355) - كلهم من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإسناده جيد.
(3/221)

فاسمعوا الآن هدْم الأصول الفاسدة التي يُعترض بها على النصوص الصحيحة: أما قولكم: "إنه تضمّن الرد من غير عيب ولا فوات صفة" فأين في أصول الشريعة المُتلقّاة عن صاحب الشرع ما يدل على انحصار الرد بهذين الأمرين؟ وتكفينا هذه المطالبة، ولن تجدوا إلى إقامة الدليل على الحصر سبيلًا؛ ثم نقول: بل أصول الشريعة توجبُ الرد بغير ما ذكرتم، وهو الرد بالتدليس والغش، فإنه هو والخلف في الصفة من باب واحد، بل الرد بالتدليس أولى من الرد بالعيب، فإن البائع يُظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله، فإذا أظهر للمشتري أنه على صفة فبان بخلافها كان قد غشه ودلّس عليه، فكان له الخيار بين الإمساك والفسخ، ولو لم تأت الشريعة بذلك لكان هو محْض القياس وموجب العدل فإن المشتري إنما بَذل ماله [في المبيع] (1) بناء على الصفة التي أظهرها له البائع، ولو علم أنه على خلافها لم يبذل له فيها ما بذل، فإلزامه للمبيع (2) مع التدليس والغش من أعظم الظلم الذي تتنزّه الشريعة عنه، وقد أثبت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الخيار للركبان إذا تُلُقُّوا واشتُرِيَ منهم قبل أن يهبطوا السوق ويعلموا السِّعْر (3)، وليس ههنا عيبٌ ولا خلف في صفة، ولكن فيه نوع تدليس وغش.

فصل [الخراج بالضمان]
وأما قولكم: "الخراج بالضمان" (4) فهذا الحديث وإن كان قد رُوي فحديث
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) في (ق): "بالمبيع".
(3) رواه مسلم (كتاب البيوع): باب تحريم تلقي الجلب (1519) (17)، من حديث أبي هريرة.
(4) رواه أحمد (6/ 80 و 116)، وأبو داود (3510) في (البيوع): باب فيمن اشترى عبدًا فاستعمله ثم وجد به عيبًا، والترمذي تعليقًا، بإثر حديث (1285) في (البيوع): باب ما جاء فيمن يشتري العبد ويستغله ثم يجد به عيبًا، وابن ماجه (2243) في (التجارات): باب الخراج بالضمان، والدارقطني (3/ 53)، والطحاوي (4/ 21 - 22)، وابن الجارود (626)، والحاكم (2/ 14 - 15) من طرق عن مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعًا، وقال أبو داود: إسناده ليس بذلك، وأما الحاكم فصححه ووافقه الذهبي.
قلت: مسلم بن خالد ضعيف سيء الحفظ، ولكه توبع.
فرواه: الترمذي (1286)، وابن عدي (5/ 1702)، والبيهقي (5/ 322) من طريق عمر بن علي المقدمي عن هشام به. =
(3/222)

المُصَرّاة (1) أصحُّ منه باتفاق أهل الحديث قاطبة، فكيف يُعارض به مع أنه لا تعارض بينهما بحمد اللَّه؟ فإن الخراج اسم للغلَّة مثل كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذلك، وأما الولد واللبن (2) فلا يُسمَّى خراجًا، وغايةُ ما في الباب قياسُه عليه بجامع كونهما من الفوائد، وهو من أفسد القياس؛ فإنّ الكسْب الحادث
__________
= وقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب من حديث هشام بن عروة، واستغرب محمد بن إسماعيل هذا الحديث من حديث عمر بن علي. قلت: عمر بن علي ثقة لكنه مدلس فلا يبعد أن يكون أخذه من مسلم بن خالد؛ لذلك قال ابن عدي: وهذا يعرف بمسلم بن خالد.
ورواه ابن عدي (7/ 2605)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (8/ 297) وابن الجوزي في "العلل" (482) من طريق خالد بن إبراهيم المكفوف عن هشام به. وزاد ابن عدي: ويعقوب بن الوليد، وقال: هذا حديث مسلم بن خالد عن هشام بن عروة سرقه منه يعقوب هذا، وخالد بن مهران وهو مجهول. وله طريق آخر عن عروة.
رواه الشافعي (2/ 143 - 144)، والطيالسي (1464)، وأحمد (6/ 49 و 160 و 208 و 237)، وأبو داود (3508)، والترمذي (1285)، والنسائي (7/ 254 - 255) في (البيوع): باب الخراج بالضمان، وابن ماجه (2242)، والدارقطني (3/ 35)، وابن الجارود (627)، والعقيلي (4/ 231)، وأبو يعلى (4537 و 4575 و 4614)، والحاكم (2/ 15)، والبيهقي (5/ 321) من طرق عن ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف عن عروة به وفيه قصة، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
أقول: ومخلد بن خفاف هذا قال فيه أبو حاتم: لم يرو عنه غيره (أي ابن أبي ذئب) وليس هذا إسناد تقوم بمثله حجة. وقال ابن عدي: لا يعرف له غير هذا الحديث. وقال البخاري: فيه نظر. ووثقه ابن حبان وابن وضاح!!.
أقول: ذكر الحافظ في "التهذيب" أنه روى عنه أيضًا يزيد بن عياض لكنه متروك.
والحديث صححه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (5/ 494 رقم 2718) وأقره ابن حجر في "التلخيص" (3/ 22)، وقواه شيخنا الألباني أيضًا في "إرواء الغليل" (1446، 1521).
وفسره الترمذي بأن يشتري الرجل العبد يستغله ثم يظهر به عيب فيرده، فالغلة للمشتري لأن العبد لو هلك هلك في ضمانه، ونحو هذا يكون في الخراج بالضمان. اه. يعنى: وهو يقتضي أن اللبن للمشتري؛ فكيف يرد عنه الصاع من التمر؟ وقد أجيب عنه أولًا بأن حديث المصراة أقوى من حديث الخراج بالضمان، وثانيًا بأن اللبن المصَّرى كان حاصلًا قبل الشراء في ضرعها؛ فليس من الغلة التي إنما تحدث عند المشتري، فلا يستحقه المشتري بالضمان؛ فلا بد من قيمته، انظر: "نيل الأوطار" (5/ 245) للشوكاني، و"الموافقات" (3/ 204، 427، 430، 455 بتحقيقي)، و"تهذيب السنن" للمصنف (5/ 158 - 159).
(1) سبق تخريجه.
(2) في (ق): "اللبن والولد".
(3/223)

والغلة لم يكن موجودًا حالَ البيع، وإنما حدث بعد القبض، [وأما اللبن ههنا فإنه كان موجودًا حال العقد] (1)، فهو جزء من المعقود عليه، والشارع لم يجعل الصاع عوضًا عن اللبن الحادث، وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضّرع (2)، فضمانه هو محض العدل والقياس.
وأما تضمينه بغيرِ جنسِه ففي غاية العدل؛ فإنه لا يمكن تضمينه بمثله البتة، فإن اللبن في الضّرع محفوظ غير مُعرّض للفساد، فإذا حلب صار عُرضة لحمضه وفساده، فلو ضمن اللبن الذي كان في الضوع بلبن محلوب في الإناء كان ظلمًا تتنزّه (3) الشريعة عنه.

[الحكمة في رد التمر بدل اللبن]
وأيضًا فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط (4) باللبن الموجود وقت العقد، فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري، وقد يكون أقلّ منه [أو أكثر] (5) فيفضي إلى الربا؛ لأن أقل الأقسام أن تُجهل المساواة.
وأيضًا فلو وكلناه إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لكثرُ النزاع والخصام بينهما، ففَصلَ الشارع (6) الحكيم -صلاة اللَّه وسلامه عليه [وعلى آله] (7) - النزاع وقَدَّره بحد لا يتعدّيانه قطعًا للخصومة وفصلًا للمنازعة، وكان تقديرُه بالتمر أقربَ الأشياء إلى اللبن، فإنه قوت أهل المدينة كما كان اللبن قوتًا لهم، وهو مكيل كما أن اللبن مكيل؛ فكلاهما مطعوم مقْتات [مَكِيل، وأيضًا فكلاهما يُقْتات] (8) به بلا صنعة ولا علاج، بخلاف الحنطة والشعير والأرز، فالتمر أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون بها إلى اللبن.
فإن قيل: فأنتم (9) توجبون صاع التمر في كل مكان، سواء كان قوتًا لهم أو لم يكن.
__________
(1) في (ن): "واللبن ههنا موجود حال البيع".
(2) في (ق): "الموجود في الضرع وقت العقد".
(3) في (ق): "تنزه".
(4) في (ق): "بعد العقد قد اختلط".
(5) في (ق): "وأكثر".
(6) انظر حول إطلاق مصطلح (الشارع)، و (المشرع) على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، والمفتين: "الموافقات" (5/ 255 - 256) وتعليقى عليه.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) وفي (ق): "فكلاهما مقتات به بلا صنعة".
(9) في (ق): "أنتم".
(3/224)

قيل: هذا في مسائل النزاع وموارد الاجتهاد، فمن الناس منْ يوجب ذلك، ومنهم من يوجب في كل بلد صاعًا من قوتهم، ونظير هذا تعيينه -صلى اللَّه عليه وسلم- الأصناف الخمسة في زكاة الفطر (1) وأن كل [أهل] (2) بلد يُخرجون من قوتِهم مقدار الصاع (3)، وهذا أرجح وأقرب إلى قواعد الشرع، [وإلا] (4) فكيف يُكلّفُ مَنْ قوتُهم السمك مثلًا أو الأرز الدّخن (5) إلى التمر، وليس هذا بأول تخصيص قام الدليل عليه، وباللَّه التوفيق.

فصل [أمر الذي صلى فذًا بالإعادة]
ومن ذلك ظنُّ بعض الناس (6) أن أمره -صلى اللَّه عليه وسلم- لمن صلّى فذًّا خَلْف الصَّف بالإعادة على خلاف القياس (7)؛ فإن الإمام والمرأة فذّان وصلاتهما صحيحة.
وهذا من أفسد القياس وأبطله؛ فإن الإمام يُسن في حقه التقدم، وأن يكون وحده، والمأمومون يُسن في حقهم الاصطفاف، فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس، والفرقُ بينهما أن الإمام إنما جُعل ليُؤْتَمّ به وتُشاهد أفعالُه وانتقالاته، فإذا كان قُدَّامهم حصل مقصود الإمامة، وإذا كان في الصف لم يشاهده إلّا مَنْ يليه، ولهذا جاءت السنة بالتقدم (8)، [ولو كانوا
__________
(1) بعدها في (ق) بياض يسع كلمتين.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك).
(3) رواه البخاري (1506) في (الزكاة): باب صدقة الفطر صاعًا من طعام، و (1508) باب: صاع من زبيب، و (1510) باب الصدقة قبل العيد، ومسلم (985) (18) في (الزكاة): باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، من حديث أبي سعيد الخدري.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ق): "والدخن".
(6) في المطبوع: "ظن بعضهم" وفي هامش (ق): "حكم صلاة الفذ".
(7) وذلك بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "استقبل صلاتك، فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف"، ومضى تخريجه، ووجه القول بأنه خلاف القياس أن الاصطفاف ليس ركنًا للصلاة، ولا شرطًا لها حتى يلزم من فقدانه إعادتها، فلو حكم عليها بمثل ما حكم على نظائرها من صلاة الإمام أمام المصلين وحده، وصلاة المرأة خلف الرجال وحدها، لاقتضى القياس عدم إعادتها على خلاف القياس، انظر مع رده على نحو ما عند المصنف في "مجموع فتاوى ابن تيميه" (20/ 558 - 559).
(8) في هذا أحاديث منها: حديث أنس: قال فصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا، =
(3/225)

ثلاثة] (1)، محافظةً على المقصود بالائتمام، وأما المرأة فإن السنة وقوفها فذة إذا لم يكن هناك امرأة تقف معها؛ لأنها منهية عن مُصافة الرِّجال (2)، فموقفها المشروع أن تكون خلف الصف فذة، وموقف الرجل المشروع أن يكون في الصف، فقياسُ أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده، وهو قياس المشروع على غير المشروع.
فإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها! قيل: هذا غير مُسلَّم، بل إذا كان صفُّ نساء (3) فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة كحكم الرجل بالنسبة إلى صفُّ الرجال، لكن موقف المرأة وحدها خلف الرجال (4) يدل على شيئين: أحدهما أن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذَّر عليه الدخول في الصف ووقف [معه] (5) فذًا صحت صلاته للحاجة، وهذا هو القياس المحض؛ فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها؛ الثاني -هو (6) طرد هذا القياس- إذا لم يمكنه أن يُصلِّي مع الجماعة إلا قُدّام الإمام فإنه يصلي قدامه وتصح صلاته، وكلاهما وجهٌ في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخنا رحمه اللَّه (7).
وبالجملة فليست المُصَافة أوْجب من غيرها، فإذا سقط ما هو أوجب منها
__________
= رواه البخاري (380) في (الصلاة): باب الصلاة على الحصير، و (727) في (الأذان): باب المرأة وحدها تكون صفًا، و (857): باب وضوء الصبيان. .، و (780 و 874) باب صلاة النساء خلف الرجال، ومسلم (658) في المساجد باب جواز الجماعة في النافلة.
ومنها حديث جابر الطويل في صحيح مسلم (3010) في الزهد والرقائق: فأخذ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيدينا جميعًا فأقامنا خلفه.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ورد من فعله -صلى اللَّه عليه وسلم- إقامة النساء خلفه كما في حديث أنس السابق، وفي حديث أبي هريرة موفوعًا: "خير صفوف الرجال أولها. . .، وخير صفوف النساء آخرها" رواه مسلم (440) وغيره.
(3) في المطبوع: "صف النساء" وفي هامش (ق): "صلاة المرأة خلف صف نساء غير صحيحة".
(4) في المطبوع و (ن) و (ك): "خلف صف الرجال".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) وقال في الهامش: "إذا لم يجد الرجل موقفًا في الصف صحت صلاته فذًا".
(6) في (ق): "وهو".
(7) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص: 71) لشيخ الإسلام -رحمه اللَّه-. وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3/226)

للعذر فهي أولى بالسقوط (1)، ومن قواعد الشرع الكلية أنه "لا واجبَ مع عجزٍ، ولا حرامَ مع ضرورة" (2).

فصل [الرهن مركوب ومحلوب وعلى من يركب ويحلب النفقة]
ومن ذلك قول بعضهم: إن الحديث الصحيح -وهو قوله: "الرَّهنُ مركوبٌ ومحلوب، وعلى الذي يركبُ ويحلبُ النفقة" (3) - على خلاف القياس، فإنه جوَّز لغير المالك أن يركب الدابة و [أن] (4) يحلبها، وضمَّنه (5) ذلك بالنفقة لا بالقيمة، فهو مخالف للقياس من وجهين (6).
والصواب ما دل عليه الحديث، وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه؛ فإن الرهن إذا كان حيوانًا فهو محترمٌ في نفسه لحقِّ اللَّه سبحانه، وللمالكِ فيه حَقُّ الملك، وللمرتهن حق الوثيقة، وقد شرع اللَّه سبحانه الرَّهنَ مقبوضًا بيد المرتهن، فإذا كان بيده فلم يَرْكبه ولم يحلبه ذهب نفعه باطلًا (7)، وإن مَكَّن صاحبه من ركوبه خرج عن (8) يده وتوثيقه، وإن كَلَّف صاحبه كل وقت أن يأتي ليأخذ (9) لبنه
__________
(1) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 86 - 87) للمؤلف -رحمه اللَّه-.
(2) انظر كلام ابن القيم على هذه القاعدة في "تهذيب السنن" (1/ 47 - 48).
(3) اللفظ الوارد في الصحيح هو "الرهن يركب بنفقته ولبن الدر يُشرب إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب نفقته"، رواه البخاري (2511 و 2512) في (الرهن): باب الرهن مركوب ومحلوب، من حديث أبي هريرة.
ولفظ الرهن مركوب ومحلوب: رواه الدارقطني (3/ 34)، وابن عدي (1/ 272)، والبيهقي (6/ 38)، والخطيب (6/ 184)، والحاكم (2/ 58) من طرق عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وقال الحاكم: "إسناده صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لإجماع الثوري وشعبة على توقيفه عن الأعمش، وأنا على أصلي الذي أصلته في قبول الزيادة من الثقة".
ورواه موقوفًا البيهقي (6/ 38)، ورجح الدارقطني في "العلل" (10/ 112 رقم 1903)، والخطيب الوقف، وكما ذكر الحافظ في "الفتح" (5/ 142) و"التلخيص الحبير" (3/ 36): وانظر: تعليقي على "الإشراف" (3/ 23).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق): "وضمن".
(6) انظر تفصيل ذلك في: "البناية" (9/ 645) للعيني، و"سبل السلام" (3/ 769) للصنعاني.
(7) في (ن): "ذهبت نفقته باطلًا".
(8) في (ن): "من".
(9) في (ق) و (ك): "أن يأخذ".
(3/227)

شق عليه غاية المشقّة، ولا سيما مع بعد المسافة، وإن كلف المرتهن بيع اللبن وحفظ ثمنه للراهن شق عليه؛ فكان مُقتضى العَدْل والقياس ومصلحة الراهن والمُرْتَهِن والحيوان أن يستوفيَ المُرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما بالنفقة (1)، ففي هذا جمع بين المصلحتين، وتوفير الحقَّين (2)، فإن نفقة الحيوان واجبة على صاحبه، والمرتهن إذا أنفق عليه أدّى عنه واجبًا، وله فيه حق، فله أن يرجعَ ببدَلِه، ومنفعةُ الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلًا، فأخْذُها خيرٌ من أن تُهدَر (3) على صاحبها باطلًا ويُلزم بعوض ما أنفق المُرتهن، وإن قيل للمُرتهن؛ "لا رجوع لك" كان في ذلك إضرارٌ (4) به، ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان، فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يُختار.
فإن قيل: ففي هذا أن منْ أدّى عن غيره واجبًا فإنه يرجع ببدله، وهذا خلاف القياس؛ فإنه إلزام له بما لم يلتزمه، ومعاوضة لم يرض بها.
وقيل (5): وهذا أيضًا محض القياس (6) والعدل والمصلحة، وموجب الكتاب، ومذهبُ أهلِ المدينة وفقهاءِ الحديث، أهلِ بلدته وأهلِ سنته، فلو أَدَّى عنه دينَه (7) أو أنفق على مَنْ تلزمه نفقته أو افْتَداه من الأسر ولم ينو التبرُّع فله الرجوع، وبعض أصحاب أحمد فرَّقَ بين قضاء الدين ونفقة القريب؛ فجوَّز الرجوع في الدين دون نفقة القريب، قال: لأنها لا تصير دينًا (8)؟
قال شيخنا (9): والصواب التسوية بين الجميع، والمحققون من أصحابه ساووا بينهما (10)، ولو افتداه من الأسر كان له مطالبتُه بالفِداء، وليس ذلك دَيْنًا عليه، والقرآن يدل على هذا القول، فإن اللَّه تعالى قالَ: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ
__________
(1) في (ن): "ويعوض ثمنها".
(2) في (ق): "للحقين".
(3) في (ق): "تذهب".
(4) في (ق): "كان فيه إضرار".
(5) في (ق): "قيل".
(6) في (ن): "محض الكتاب".
(7) في (ق) و (ك): "دينًا".
(8) انظر المسألة بتفصيلها في "القواعد" لابن رجب (1/ 523 - بتحقيقي).
(9) "هو شيخ الإسلام ابن تيمية" (و).
قلت: الكلام بطوله مع تصرف يسير جدًا في "مجموع الفتاوى" (20/ 560 - 561)، وانظر: "المعدول به عن القياس" (ص 132 - 134).
(10) انظر مبحث: "من أدى عن غيره واجبًا" لابن القيم في "الطرق الحكيمة" (ص 20).
(3/228)

أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] فأمر بإيتاء الأجر (1) بمجرد الإرضاع، ولم يشترط عقدًا ولا إذن الأَب، وكذلك قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233]، فأوجب ذلك عليه، ولم يشترط عقدًا ولا إذنًا، ونفقةُ الحيوان واجبةٌ على مالكه، والمستأجر والمرتهن له فيه حق، فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على رَبِّه كان أحق بالرجوع بالإنفاق على ولده (2)، فإن قال الراهن: أنا لم آذن لك في النفقة، قال: هي واجبة عليك، وأنا أستحق أن أطالبك بها لحفظ المرهون والمُستأجر، فإذا رضي المنفِقُ بأن يعتاض بمنفعة الرهن وكانت (3) نظير النفقة كان قد أحسن إلى صاحبه، وذلك خيرٌ محضٌ، فلو لم يأت به النص لكان القياس يقتضيه، وطَرْدُ هذا القياس أن المُودعَ والشريك والوكيل إذا أنفق على الحيوان واعتاض عن النفقة بالركوب والحلْب جاز ذلك كالمرتهن.

فصل [الحكم في رجل وقع على جارية امرأته موافق للقياس]
ومما قيل: "إنه من أبعد الأحاديث عن القياس" حديثُ الحسن، عن قَبيصة بن حُرَيْث عن سلمة بن المُحبَّق أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "قضى في رجل وقع على جاريةِ امرأتِه إنْ كان استكرهَها فهي حرةٌ، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوَعتْهُ فهي له وعليه لسيِّدتها مثلها" وفي رواية أخرى: "وإن كانت طاوَعتْه فهي ومثلها من ماله لسيدتها" (4)، رواه أهل "السنن" وضعَّفه بعضهم من قبل إسناده، وهو
__________
(1) في (ق): "فأمر بمجرد إيتاء الأجر".
(2) في المطبوع و (ق) و (ك): "كان أحق بالرجوع من الإنفاق على ولده".
(3) في (ق): "نظير".
(4) هذا يرويه عمرو بن دينار عن الحسن به، واختلف عنه، فرواه أحمد في "مسنده" (5/ 6)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (4/ 72)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1066)، والطبراني في "الكبير" (6337)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8/ 240) من طريق سفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، ومحمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن الحسن عن سلمة.
ووقع تصريح الحسن بالسماع من سلمة في "التاريخ الكبير"، لكن قال البخاري: لم يسمع الحسن من سلمة بينهما قبيصة بن حريث ولا يصح.
وتابع عمرًا على هذا يونس بن عبيد: رواه من طريقه أحمد، والنسائي في "الكبرى" =
(3/229)

حديثٌ حسن يحتجون بما هو دونه في القوة، ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه مع لينٍ في سنده (1).
__________
= (7231)، ورواه عبد الرزاق (13418) (7/ 343) من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن عن قبيصة عن سلمة، فزاد قبيصة: وهو الذي ذكره البخاري، ولكنه قال: لا يصح، وقال في قبيصة: في حديثه نظر، نقله عنه ابن عدي والعقيلي، وليس هو في المطبوع في ترجمة قبيصة من "التاريخ الكبير"، وكأنه يريد الاضطراب الذي وقع في هذا الحديث أو لمخالفته. ورواه قتادة عن الحسن، واختلف عنه.
فرواه أبو داود (4461) في (الحدود): باب في الرجل يزني بجارية امرأته، والنسائي في (الحدود) (6/ 125): باب إحلال الفرج، وفي "السنن الكبرى" (7232)، وأحمد في "مسنده" (5/ 6) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سلمة.
ورواه عبد الرزاق (13417)، ومن طريقه أحمد (5/ 6)، وأبو داود (4460)، والنسائي (6/ 124)، وفي "الكبرى" (7233)، والطبراني في "الكبير" (6336)، والعقيلي في "الضعفاء" (3/ 484)، والبيهقي في "الكبرى" (8/ 240) عن معمر عن قتادة عن الحسن عن قبيصة عن سلمة.
ورواه شعبة عن قتادة، واختلف عنه، فرواه أحمد (5/ 6) من طريق محمد بن جعفر عنه عن قتادة عن الحسن عن سلمة، ورواه الطبراني في "الكبير" (6335)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (3/ 1344 رقم 3395)، والبيهقي في "الكبرى" (8/ 240) من طريق بكر بن بكار عن شعبة عن قتادة عن الحسن عن جون بن قتادة عن سلمة، ورواه أبو حاتم في "العلل" (1/ 447)، والطبراني في "الكبير" (6339)، والبيهقي في "الكبرى" (8/ 240) من طريق سلامة بن مسكين عن الحسن قال: حدثني قبيصة عن سلمة، ورواه ابن ماجه (2552) في (الحدود): باب من وقع على جاريته، وابن أبي عاصم في "الأحاد والمثاني" (1065)، والدارقطني (3/ 84) من طريق هشام عن الحسن عن سلمة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رُفع إليه رجل وقع على جارية امرأته فلم يحده.
أقول: ويظهر أن أبا حاتم كان يرجح طريق الحسن عن قبيصة عن سلمة، ففي "علل ابن أبي حاتم" (1/ 447): "قلت لأبي: هما صحيحان؟ قال: نعم. . . قلت: الحسن عن سلمة متصل؟ قال: لا، (ثم ساق طريق الحسن عن قبيصة) فأدخل بينهما قبيصة بن حريث فاتصل الإسناد. فقلت: الحسن سمع من سلمة، وروى محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن الحسن؛ سمعت سلمة بن المحبق؟ قال: هذا عندي غلط غير محفوظ".
وقال النسائي: ليس في هذا الباب شيء صحيح يحتج به، وقال البيهقي: حصول الإجماع من فقهاء الأمصار بعد التابعين على ترك القول به دليل على أنه إن ثبت صار منسوخًا بما ورد من الأخبار في الحدود. وانظر: "جزء أبي الجهم الباهلي" (رقم 58).
(1) انظر: "زاد المعاد" (3/ 208 - 209)، وكلام المصنف هناك.
(3/230)

قال شيخ الإسلام (1): وهذا الحديث يستقيم على القياس مع ثلاثة أصول صحيحة، كلٌّ منها قول طائفة من الفقهاء:
أحدهما: أن من غيَّر مال غيره بحيث فوّت مقصوده عليه فله أن يَضمنه بمثله، وهذا كما لو (2) تصرّف في المغصوب بما أزال اسمه ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد (3) وغيره:
أحدها: أنه باقٍ على مُلكِ صاحبه، وعلى الغاصبِ ضمانُ النقص، ولا شيء عليه في الزيادة كقول الشافعي (4).
والثاني: يملكُه الغاصبُ بذلك، ويضمنُه لصاحبه كقول أبي حنيفة (5).
الثالث: يُخيَّر المالك بين أخذه وتضمين النقص وبين المطالبة بالبَدَل، وهذا أعدل الأقوال وأقواها؛ فإن فوّت (6) صفاته المعنوية -[مثل أن] (7) ينسيه صناعته أو يضعف قوته، أو يُفسد عقله أو دينه- فهذا أيضًا يخيَّر المالك فيه بين تضمين النَّقص وبين المطالبة بالبدل، ولو قطع ذَنَبَ بغلة القاضي فعند مالك يضمنها بالبدل ويملكها لتعذر مقصودها على المالك في العادة؛ أو يُخيَّر المالك (8).

فصل [المتلفات تضمن بالجنس]
الأصل الثاني: أن جميع المُتْلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة، حتى الحيوان فإنه إذا اقترضه رُدّ مثله، كما اقترض النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بَكْرًا وردَّ خيرًا منه (9)، وكذلك المغرُور يضمن ولده بمثله (10) كما قَضت به
__________
(1) الكلام بطوله بتصرف يسير في "مجموع الفتاوى" (20/ 562 - 566) لابن تيمية -رحمه اللَّه- انظر منه (20/ 162 - 167، 562 - 566)، وانظر: "المعدول به عن القياس وموقف ابن تيمية منه" (ص 166 - 169)، و"تيسير الفقة الجامع للاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية" (2/ 1070 - 1074)، و (3/ 1145 - 1146).
(2) في (ق): "إذا".
(3) انظر: "المغني" (5/ 403 - 404).
(4) انظر: "المهذب" (1/ 484 - 485).
(5) انظر: "حاشية ابن عابدين" (6/ 190 - 191).
(6) في (ق) و (ك): "فوات".
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "بأن".
(8) انظر: "الإشراف" (3/ 119 - 120)، و"الموافقات" (5/ 196) وتعليقي عليهما.
(9) رواه مسلم (1600) في (المساقاة): باب من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه، من حديث أبي رافع.
(10) في المطبوع و (ق): "بمثلهم".
(3/231)

الصَّحابة (1)، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقصة داود وسليمان -صلى اللَّه عليه وسلم- (2) من هذا الباب؛ فإن الماشية كانت قد أتْلفت حرْث القوم فقضى داودُ بالغنم لأصحاب الحرْث كأنه ضمَّنهم ذلك بالقيمة (3)، ولم يكن لهم مال إلا الغَنَم فأعطاهم الغنم بالقيمة (4)، وأما سليمان فحكم (5) بأن أصحاب الماشية يقومون على الحرث حتى يعود كما كان فضمّنهم إياه بالمِثْل، وأعطاهم الماشية يأخذون منفعتها عوضًا عن المنفعة التي فاتت من غلّة الحرث إلى أن يعود، وبذلك أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز فيمن أتلف له شجر، فقال الزهري: يغرسُه حتى يعود كما كان، وقال ربيعة وأبو الزناد: عليه القيمة، فغلَّظ الزهري القول فيهما، وقول الزهري: وحكم سُليمان هو موجب الأدلة (6)؛ فإن الواجب ضمان المُتْلف (7) بالمثل بحسب الإمكان كما قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] وقال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وقال: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] وقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] وإن كان مثل [هذا] (8) الحيوان والآنية والثياب من كل وجه متعذرًا فقد دار الأمر بين شيئين: الضمان بالدراهم المخالفة للمثل في الجنس والصفة [والماهية] (8) والمقصود والانتفاع وإن ساوت
__________
(1) الذي وجدته في هذا: ما رواه مالك في "الموطأ" (1/ 741)، ومن طريقه البيهقي (7/ 219) أنه بلغه أن عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان قضى أحدهما في امرأة غَرَّت رجلًا بنفسها، وذكرت أنها حُرَّة فتزوّجها فولدت له أولادًا، فقضى أن يفدي ولده بمثلهم ثم ذكر مالك كلامًا، وهو غير الذي نقله عنه البيهقي!
ونقل نحو مذهب عمر، عن علي، وهو مشهور في كتب الفقه، انظر: "المحلى" (8/ 565) مسألة (1259)، و"المغني" (5/ 238 - 307)، و"المجموع" (13/ 292 - 329)، و"سبل السلام" (3/ 70)، و"نيل الأوطار" (5/ 362)، و"معجم فقه السلف" (5/ 47 - 49).
وانظر بحث ابن القيم في: "تهذيب السنن" (6/ 340 - 341)؛ فإنه مهم، و"الداء والدواء" (ص 213 - 214) في مبحث التوبة من الظلامات المالية.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ن): "ضمنه إياه بالقيمة".
(4) في المطبوع و (ق): "فأعطاهم القيمة".
(5) في (ن): "وحكم سليمان".
(6) انظر: "مفتاح دار السعادة" (ص 62)، و"تهذيب السنن" (6/ 341)، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 563 - 564)، و"تيسير الفقة الجامع للإختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية" (2/ 1070 - 1074)، "التقريب لفقه ابن القيم" (1/ 170) للشيخ الفاضل بكر أبو زيد.
(7) في (ن): "المتلفات".
(8) ما بين المعقوفتين من (ق).
(3/232)

[المضمون] (1) في المالية، والضمان بالمثل بحسب الإمكان المساوي للمُتلف في الجنس والصفة والمالية والمقصود والانتفاع، ولا ريب أن هذا أقربُ إلى النص (2) والقياس والعدل، ونظير هذا ما ثبت بالسنة (3) واتفاقِ الصحابة من القصاص في اللّطْمة والضربة (4) وهو منصوصُ أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد تقدم
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وفي (ق) و (ك): "ومن تساوت المضمونات" وفي (ق): "وأن" بدل "ومن".
(2) في المطبوع: "النصوص".
(3) في (ن): "بالنص".
(4) أما السنة في القصاص من اللطمة فلم أجد حديثًا صريحًا إلا في "مصنف ابن أبي شيبة" (9/ 446) من طريق الحكم أن العباس بن عبد المطلب لطم رجلًا فأقاده النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من العباس فعفا عنه.
والحكم هذا هو ابن عتيبة لم يدرك العباس، والحديث المشهور أن مسلمًا لطم يهوديًا فجاء اليهودي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ليس فيه أنه أقاده منه، وهو حديث ثابت في "صحيح البخاري" (3398 و 4638 و 6916 و 7427)، و"صحيح مسلم" (2374) من حديث أبي سعيد، وفي "صحيح البخاري" (2411)، ومسلم (2373) من حديث أبي هريرة.
وترجم النسائي في "سننه" (7/ 33): باب القود من اللطمة ثم ذكر حديثًا لابن عباس فيه لطمة العباس لرجل، فجاء أهله إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وليس فيه ذكر القصاص.
وروى أبو الفتح الأزدي في "ذكر اسم كل صحابي. . . " (رقم 349) من حديث ابن عمر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقاد من خَدَش، وسنده مظلم.
وأما القصاص من الضربة ففي ذلك أحاديث منها: حديث أبي سعيد الخدري، رواه أحمد (3/ 28)، وأبو داود (4536) في (الديات): باب القود من الضربة، والنسائي (8/ 32) في (القسامة): باب القود من الطعنة، والبيهقي (8/ 43)، وابن حبان (6434) من طريق بكير بن الأشج عن عبيد بن مسافع عنه قال: بينما رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقسم شيئًا أقبل رجل. . . فطعنه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعرجون معه فجُرح بوجهه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تعال فاستقده"، ورجاله ثقات، غير عبيدة بن مسافع لم يوثقه إلا ابن حبان.
وحديث سواد بن عمرو: رواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (3/ 1404 رقم 3550)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (6/ 2193، 2194 رقم 637، 638)، والبيهقي (8/ 48)، والبغوي في "معجم الصحابة" (ق 144/ ب) -وكما في "الإصابة" (2/ 95) -، واختلف هل القصة مع سواد بن عمرو أو ابن غزية، فانظر: "الإصابة"، وانظر شواهده في "سنن البيهقي" (8/ 49).
وأما ما ورد عن الصحابة في اللطمة، فقد ورد عن أبي بكر: رواه ابن أبي شيبة (9/ 446)، وعن ابن الزبير: رواه ابن أبى شيبة (9/ 446)، والبيهقي (8/ 65).
وعن علي بن أبي طالب: رواه ابن أبى شيبة (9/ 446)، ومسدد في "مسنده" -كما في "تغليق التعليق" (5/ 253)، وعن المغيرة أيضًا: رواه ابن أبي شيبة (9/ 446)، وأما ما ورد عن الصحابة في الضربة. فقد ورد ذلك عن عمر أخرجه عبد الرزاق- كما قال =
(3/233)

تقرير ذلك وإذا كانت المماثلة من كل وجه متعذرة حتى في المكيل والموزون فما كان أقرب إلى المماثلة فهو أولى بالصواب، ولا ريب أن الجنس إلى الجنس أقرب مماثلةً من الجنس إلى القيمة؛ فهذا هو القياس وموجب النص (1)، وباللَّه التوفيق.

[مَنْ مثَّل بعبده عتق عليه]
الأصل الثالث: أن من مثّل بعبده عتَقَ عليه (2)، وهذا مذهب فقهاء الحديث وقد جاءت بذلك آثار (3) مرفوعة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (4). . . . .
__________
= الحافظ في "التغليق" (5/ 253) - عن مالك عن عاصم بن عبيد اللَّه بن عامر بن ربيعة، وانظر "فتح الباري" (12/ 228 - 229) و"تغليق التعليق" (5/ 252 - 254) ففيه آثار عن التابعين أيضًا. وقد تقدم شيء من هذا أيضًا.
(1) في المطبوع: "النصوص".
(2) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 148) للمصنف.
(3) في (ن): "أخبار".
(4) في هذا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفيه قصة: رواه أحمد في "مسنده" (2/ 182)، و (2/ 225)، وعبد الرزاق في "مصنفه" (17932)، وأبو داود (4519) في (الديات): باب من قتل عبده أو مثل به أيقاد منه؟ وابن ماجه (2680) في (الديات): باب من مثَّل بعبده فهو حر، والبيهقي (8/ 36)، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (ص 137)، وابن سعد في "الطبقات (7/ 506)، وابن منده -كما في "الإصابة" (1/ 533) - والطبراني في "المعجم الكبير" (5301) من طرق عن عمرو به، وسنده جيد.
وأخرج البخاري في "التاريخ الكبير" (3/ 2/ 182)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (3/ 182)، والطبراني في "الأوسط" (9/ 298 - 299، 8652)، وأبو بكر الإسماعيلي في "مسند عمر" -كما في "مسند الفاروق" (1/ 371 - 372) لابن كثير-، وابن عدي في "الكامل" (ق 596)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 215، 216)، والبيهقي في "الكبرى" (6/ 36) -من طريق عمر بن عيسى المدني الأسدي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال: "جاءت جارية إلى عمر، وقالت: إن سيدي اتهمني فأقعدني على النار حتى أحرق فرجي. فقال: هل رأى ذلك عليك؟ قالت: لا. قال: أفاعترفت له بشيء؟ قالت: لا. قال: عليَّ به. فلما رأى الرجل قال: أتعذب بعذاب اللَّه؟ قال: يا أمير المؤمنين! اتهمتها في نفسها. قال: رأيت ذلك عليها؟ قال: لا. قال: فاعترفت؟ قال: لا. قال: والذي نفسي بيده؛ لو لم أسمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده"؛ لأخذتها منك. فبرزه فضربه مئة سوط، ثم قال: اذهبي فأنت حرة، مولاة للَّه ورسوله، سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من حُرِّق بالنار أو مثل به؛ فهو حر، وهو مولى اللَّه ورسوله".
قال الليث: هذا أمرٌ معمول به. =
(3/234)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=قال ابن كثير في "مسند الفاروق" (1/ 372): "هكذا رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في "مسند عمر"، وهو إسناد حسن؛ إلا أن البخاري قال في عمر بن عيسى هذا: هو منكر الحديث، فاللَّه أعلم".
والحديث فيه دلالة ظاهرة توضح لمذهب مالك وغيره من السلف في أن من مثّل بعبده يعتق عليه حتى عداه بعضهم إلى مَنْ لاط بمملوكه، أو زنى بأمة غيره أنها تعتق عليه.
وفيه أيضًا أنه لا ولاء له عليه والحالة هذه؛ لقوله: "وهو مولى اللَّه ورسوله"، وقد نص الإمام الليث بن سعد على قبول هذا الحديث، وأنه معمول به عندهم".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وتعقبه الذهبي في "التلخيص" بقوله: "قلت: بل فيه عمر بن عيسى القرشي، وهو منكر الحديث".
وقال الهيثمي في "المجمع" (6/ 388): "فيه عمر بن عيسى القرشي، ذكره الذهبي في "الميزان" وذكره له هذا الحديث، ولم يذكر فيه جرحًا، وبيض له، وبقية رجاله وثقوا".
قلت: الموجود في مطبوع "الميزان " (3/ 316) الذي بين أيدينا: "قال البخاري: منكر الحديث، وقال العقيلي: مجهول بالنقل، وقال النسائي: ليس بثقة، منكر الحديث".
وقال ابن حبان في "المجروحين" (2/ 87): "كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به فيما وافق الثقات؛ فكيف إذا انفرد على الأثبات بالطامات؟! ".
فالحديث المذكور إسناده ضعيف جدًا.
ومدار الحديث على عمر هذا، قال الطبراني: "لم يروه عن ابن جرير إلا عمر بن عيسى، تفرد به الليث". وانظر: "اللسان" (4/ 320 - 322).
وأخرج مالك في "الموطأ" (2/ 776/ رقم 7): "أنه بلغه أن عمر بن الخطاب أتته وليدة قد ضربها سيدها بنار أو أصابها بها فأعتقها".
وأخرجه موصولًا من طرق عنه عبد الرزاق في "المصنف" (9/ 438/ رقم 17929، 17930، 17931)، وصح نحوه في المرفوع.
أخرج مسلم في "صحيحه" (كتاب الأيمان، باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده، 3/ 1278/ رقم 1657)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الأدب، باب حق المملوك، رقم 5168)، وأحمد في "المسند" (2/ 25، 45، 61)، وأبو يعلى في "المسند" (10/ 158 - 159/ رقم 5782)؛ عن زاذان أبي عمر؛ قال: أتيتُ ابن عمر وقد أعتق مملوكًا، قال: فأخذ من الأرض عودًا أو شيئًا، فقال: ما فيه من الأجر ما يَسْوَى هذا؛ إلا أني سمعتُ رسول اللَّه-صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "مَنْ لطم مملوكه أو ضربه؛ فكفارته أن يعتقه".
وأخرجه ابن عدي (2/ 786)، والحاكم (4/ 268) عن ابن عمر رفعه: "من مثّل بعبده فهو حر"، وإسناده ضعيف جدًا، فيه حمزة النصيبي متروك، متهم بالوضع.
قال النووي في "شرح صحيح مسلم" (4/ 206): "قال العلماء: في هذا الحديث =
(3/235)

وأصحابه كعمر بن الخطاب (1) وغيره.
فهذا الحديث موافق لهذه الأصول الثلاثة الثابتة بالأدلة الموافقة للقياس العادل؛ فإذا طاوعتهُ الجاريةُ فقد أفسدها على سيدتها (2) فإنها مع المطاوعة تنقصُ قيمتُها إذ تصير زانية، ولا تُمكَّن سيدتُها من استخدامها حق الخدمة، لغيرتها (3) منها وطمعِها في السيد، واستشراف السيد إليها، وتتشامخ على سيدتِها فلا تطيعها كما كانت تطيعها قبل ذلك، والجاني إذا تصرّف في المال بما ينقص قيمته كان لصاحبه المطالبة بالمثل، فقضى الشَّارعُ لسيدتها بالمثل، وملّكه الجارية؛ إذ لا يُجمع لها بين العِوَض والمعوَّض، وأيضًا فلو رضيت سيدتها أن تبقى الجارية على ملكها وتغرمه ما نقص من قيمتها كان لها ذلك، فإذا لم ترض وعَلِمت أن الأمةَ قد فَسَدت عليها ولم تنتفع بخدمتها كما كانت قبل ذلك من أحسن (4) القضاء أن يُغرَّم السيدُ مثلها ويملكها.
فإن قيل: فاطردوا هذا القياس وقولوا: إن الأجنبيَّ إذا زنى بجارية قوم حتى أفسدها عليهم أن [لهم القيمة أو] (5) يطالبوه ببدلها.
قيل: نعم هذا مُوجب القياس إن لم يكن بين الصورتين فَرْق مؤثرٌ، وإن كان بينهما فرق انقطع الإلحاق؛ فإن الإفساد الذي في وَطء الزوج بجارية امرأته بالنسبة إليها أعظم من الإفساد الذي في وطء الأجنبي (6)، وبالجملة فجواب هذا السؤال جواب مركب؛ إذ لا نص فيه ولا إجماع.
__________
= الرفق بالمماليك، وحسن صحبتهم وكف الأذى عنهم"، وقال: وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس واجبًا، وإنما هو مندوب رجاء كفارة ذنبه؛ فبه إزالة إثم ظلمه".
قلت: في نقله الإجماع نظر، وفي كلام العلماء ما يشوش على هذا الإجماع انظر: "الإشراف" (3/ 121)، "تقرير القواعد" (1/ 189) وتعليقي عليهما.
(1) ما ورد عن عمر في ذلك رواه البيهقي في "سننه الكبرى" (8/ 36) وفيه عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف إلا في رواية الكبار عنه، كما قرر الحافظ في مقدمة "الفتح"، وانظر الهامش السابق.
وثبت ذلك عن ابنه عبد اللَّه، أخرجه أبو الجهم العلاء بن موسى الباهلي في "جزئه" (رقم 59)، وإسناده صحيح.
(2) في (ق): "فقد أفسد عليها جاريتها".
(3) قال في هامش (ق): "لعله: لنفرتها".
(4) في (ق): "كان من أحسن".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك) ووقع في (ق): "حتى أفسدها عليهم لهم أن يطالبوه".
(6) انظر: "زاد المعاد" (3/ 208 - 209)، "والحدود والتعزيرات" (137 - 146).
(3/236)

فصل [استكراه السيد لجاريته وعبده]
وأما إذا استكرهها فإن هذا من باب المثلة، فإن الإكراه على الوطء مُثْلة؛ فإن الوطء يجري مجرى الجناية، ولهذا لا يخلو عن عُقر أو عقوبة، ولا يجري مجرى منفعة الخدمة، فهي لما صارت له بإفسادها على سيدتها أوجب عليه مثلها كما في المطاوعة، وأعتقها عليه لكونه مَثَّل بها.
قال شيخنا (1): ولو اسْتَكره عبده على الفاحشة عَتق عليه، ولو استكره أمة الغير على الفاحشة عتقت عليه، وضمنها بمثلها، إلا أن يفرق بين أمة امرأته وبين غيرها، فإن كان بينهما فرق شرعي وإلا فموجب القياس التسوية.
وأما قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ [إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ] (2) غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 33] فهذا نهي عن إكراههن على كسب المال بالبغاء، كما قيل: إن عبد اللَّه بن أُبيّ رأس المنافقين كان له إماءٌ يُكرههن على البِغَاء (3)، وليس هذا استكراهًا للأمة (4) على أن يزني بها هو، فإن هذا بمنزلةِ التَمثيل بها، وذاك إلزامٌ لها لأن (5) تذهبَ هي فتزني، مع أنه يمكن أن يُقال: العتقُ بالمثلة لم يكن مشروعًا عند نزول الآية، ثم شُرع بعد ذلك.

[ما من نص صحيح إلا وهو موافق للعقل]
قال شيخنا (6): والكلام على هذا الحديث من أدقِّ الأمور، فإن كان ثابتًا فهذا الذي ظهر في (7) توجيهه، وإن لم يكن ثابتًا فلا يحتاج إلى الكلام عليه.
__________
(1) انظر: "مجموع الفتاوى" (25/ 566 - 567).
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(3) روى مسلم في "صحيحه" (3029) في (التفسير) من طريق جابر قال: كان عبد اللَّه بن أُبىّ يقول لجارية له: اذهبي فأبغينا شيئًا فأنزل اللَّه: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} إلى قوله: {غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
وله رواية أخرى: إن جارية لعبد اللَّه بن أُبّى بن سَلُول يقال لها: مُسَيكَة، وأخرى يقال لها: أميمة فكان يكرههما على الزنى. . .
(4) في (ن): "للإمام".
(5) في (ق): "بأن".
(6) انظر: "مجموع الفتاوى" (20/ 567 - 568).
(7) في (ن): "من".
(3/237)

قال: وما عرفت حديثًا صحيحًا إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة قال: وقد تدبَّرتُ ما أمكنني من أدلةِ الشَّرعِ فما رأيت (1) قياسًا صحيحًا يخالف حديثًا صحيحًا، كما أن المعقول الصحيح لا يخالف المنقول الصحيح، بل متى رأيت قياسًا يُخالف أثرًا فلا بد من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده [مما] (2) يخفى كثيرٌ منه على أفاضل العلماء فضلًا عمن هو دونهم، فإن إدراك الصفةِ المؤثرةِ في الأحكام على وجهها ومعرفة المعاني التي عُلِّقت بها الأحكام من أشرف العلوم، فمنه الجليُّ (3) الذي يعرفه أكثر الناس، ومنه الدقيقُ الذي لا يعرفه إلا خواصُّهم، فلهذا صارت أقْيِسَةُ كثيرٍ من العلماء تجيءُ مخالفةً للنصوص لخفاء القياس الصحيح، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام، [انتهى] (4).
فإن قيل: فهَبْ (5) أنكم خرّجتم ذلك على القياس، فما تصنعون بسقوط الحد عنه وقد وطئ فرجًا لا مِلْك له فيه ولا شُبهة مِلك؟
قيل: الحديث لم يتعرض [للحد] (6) بنفي ولا إثبات، وإنما دلّ على الضمان وكيفيته.
فإن قيل: فكيف تخرِّجون حديث النعمان بن بشير في ذلك: "إنّها إن (7) كانت أحَلّتها له جُلِد مئة جلدة، وإن لم تكن أحلّتها له رُجم بالحجارة" (8) على القياس.
__________
(1) في (ن): "فما وجدت".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في هامش (ك): "صوابه: الجليل".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق) و (ك): "هب".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(7) في (ق): "إذا".
(8) الحديث رواه أبو بشر، وقد اختلف عنه:
رواه هشيم عنه عن حبيب بن سالم عن النعمان: أخرجه الطيالسي (796)، وأحمد (4/ 277 - 278)، والترمذي (1451) في (الحدود): باب الرجل يقع على جارية امرأته، والنسائي في "الكبرى" (7226) في (الرجم)، والبيهقي (8/ 239).
ورواه شعبة عنه عن خالد بن عرفطة عن حبيب بن سالم عن النعمان، فزاد خالد بن عرفطة: أخرجه أحمد (4/ 277)، وأبو داود (4459) في (الحدود): باب في الرجل يزني بجارية امرأته، والنسائي في "الصغرى" (6/ 123 - 124) في (النكاح): باب إحلال الفرج، وفي "الكبرى" (7225)، والبيهقي (8/ 239).
ويرويه قتادة وقد اختلف عنه. فرواه أبان عنه عن قتادة عن عرفطة عن حبيب عن النعمان: أخرجه أحمد (4/ 276)، وأبو داود (4458)، والنسائي في "الصغرى" =
(3/238)

قيل: هو بحمدِ اللَّه موافقٌ للقياس، مطابقٌ لأصول الشريعة وقواعدها؛ فإن إحلالَها له شبهةٌ كافية في سقوط الحد عنه، ولكن لما لم يملكها بالإحلال كان الفرجُ محرَّمًا عليه، وكانت المئة تعزيرًا له وعقوبةً على ارتكاب فرج حرام عليه، وكان إحلالُ الزوجة له وطأها شبه دارئةٍ للحدِّ عنه.

[التعزير]
فإن قيل: فكيف تُخرِّجون التعزيز بالمئة على القياس.
قيل: هذا من أسهل الأمور؛ فإن التعزير لا يقدَّر بقدرٍ [معلوم] (1)، بل هو بحسب (2) الجريمة في جنسِها وصفتِها وكِبَرِها وصِغَرِهَا (3)، وعمرُ بن الخطاب (4) قد تنوَّع تعزيرُه في الخمر؛ فتارة بحلْق الرأس، وتارة بالنفي، وتارة بزيادة أربعين
__________
= (6/ 124)، وفي "الكبرى" (7228)، والبيهقي (8/ 239).
قال قتادة: كتبت إلى حبيب بن سالم فكتب إليَّ بهذا، فوافق رواية شعبة عن خالد، ورواه سعيد بن أبي عروبة عنه عن حبيب بن سالم عن النعمان: أخرجه الترمذي (1452)، والنسائي في "الصغرى" (6/ 124)، وفي "الكبرى" (7227)، وأحمد (4/ 277).
وتابع سعيدًا أيوبُ بن مسكين: رواه الترمذي (11452)، ورواه ابن ماجه (2551) في (الحدود)، واختلف في اسم الراوي عن قتادة ففي المطبوع، وكذا المطبوع بتحقيق الأعظمي (2579) سعيد بن أبي عروبة، وفي "تحفة الأشراف" (9/ 16): شعبة، ويظهر أن الصواب: سعيد لأني لم أعثر في هذا الحديث على رواية لشعبة عن قتادة. ورواه همام عنه واختلف عنه: فرواه الحوضي عنه عن قتادة عن حبيب بن يساف عن حبيب بن سالم عن النعمان، أخرجه البيهقي (8/ 239).
ورواه هدبة عنه عن قتادة عن حبيب بن سالم عن حبيب بن يساف عن النعمان، أخرجه النسائي في "الكبرى" (7229)، والبيهقي (8/ 239).
ووقع في المطبوع من النسائي: حبيب بن سالم بن يساف وهو خطأ، قال الترمذي: حديث النعمان هذا في إسناده اضطراب، سمعت محمدًا يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، ونقل المزي قوله في "السنن الكبرى" بعد روايته (9/ 17): أحاديث النعمان هذه مضطربة.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك)، وفي (د): "يتقدر بقدر معلوم".
(2) في (ق): "بل هو على حسب الجريمة".
(3) انظر مقدار التعزير: أقله وأكثره لابن القيم في "الطرق الحكمية" (106 - 109)، (396 - 308)، و"إغاثة اللهفان (1/ 331)، و"تهذيب السنن" (6/ 266)، و"الحدود والتعزيرات" (465 - 483) للشيخ بكر أبو زيد.
(4) في (ق): "وعمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-"
(3/239)

سوْطًا على الحد الذي ضَرَبَه (1) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر، وتارة بتحريق حانوت الخَمَّار (2)، وكذلك تعزيرُ الغالِّ قد جاءت السنة بتحريق متاعه (3)، وتعزيرُ مانع
__________
(1) في (ق) و (ك): "ذكره"، وأشار في هامش (ق) إلى أنه في نسخة: "ضربه".
(2) أما النفي وحلق الرأس وتحريق حانوت الخمار: فهذا مخرج عن عمر بالتفصيل في تعليقي على "الطرق الحكمية"، وللَّه الحمد، وأما الزيادة، فقد ثبت أنه زاد إلى الثمانين، كما في "صحيح البخاري" (6779) في (الحدود): باب الضرب بالجريد والنعال من حديث السائب بن يزيد، وفي "صحيح مسلم" (1706) (36) في (الحدود): باب حد الخمر، من حديث أنس بن مالك، وفيه أيضًا (1707) من حديث علي بن أبي طالب.
(3) روى أحمد في "مسنده" (1/ 22)، وسعيد بن منصور في "سننه" (2729)، وابن أبي شيبة (10/ 52)، وأبو داود (2713) في (الجهاد): باب عقوبة الغال، والترمذي (1461) في (الحدود): باب ما جاء في الغال، والبزار (123)، وأبو يعلى (204)، وابن عدي (4/ 1377)، والحاكم (2/ 127)، والبيهقي (9/ 102 - 103)، والجورقاني في "الأباطيل" (588)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (959)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (4240 - 4243) من طريق صالح بن محمد بن زائدة عن سالم عن أبيه عن عمر مرفوعًا: "من وجدتم في متاعه غلولًا فأحرقوه واضربوه" قال الترمذي: غريب، وقال الجورقاني: منكر، وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (4/ 291) عن صالح بن محمد: منكر الحديث يروي عن سالم عن ابن عمر عن عمر رفعه: من غلَّ فأحرقوا متاعه، وقال ابن عباس عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الغلول: ولم يحرق، وذكره الدارقطني في "علله" (2/ 52 - 53) وقال: والمحفوظ أن سالمًا أمر بهذا، ولم يرفعه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا ذكره عن أبيه ولا عن عمر. أما ابن الجوزي فقد نقل عنه قوله: أنكروا هذا الحديث على صالح، وهو حديث لم يتابع عليه، ولا أصل له من حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أما الحاكم فصححه، ووافقه الذهبي.
وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدَّه: رواه ابن الجارود (1082)، والحاكم (2/ 130)، والبيهقي (9/ 102) من طريق علي بن بحر عن الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب به أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكر وعمر حَرَّقوا متاع الغال وضربوه. . . ".
ورواه أبو داود (2715) من طريق موسى بن أيوب: حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا زهير به، ثم قال أبو داود: وحدثنا به الوليد بن عتبة وعبد الوهاب بن نجدة قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب قوله. فهذا إعلال للحديث بالإرسال، ويظهر هذا من زهير بن محمد فإن رواية أهل الشام عنه مضطربة قال أحمد: كأن زهيرًا الذي يروي عنه الشاميون آخر.
أما البيهقي -رحمه اللَّه- فقد قال عن زهير الذي في الرواية المرسلة: ويقال: إن زهيرًا هذا مجهول وليس بالمكي.
أقول: هذا لا يستقيم. =
(3/240)

الصَّدقةِ بأخذها وأخذِ شَطْرِ ماله معها (1)، وتعزيرُ كاتمِ الضَّالَّةِ الملتقطة بإضعاف الغُرْم عليه (2)، وكذلك عقوبة سارق ما لا قَطْع فيه يُضعَّف عليه الغُرْم (3)، وكذلك قاتل الذِّميِّ عمدًا أضْعف عليه عمر وعثمان ديته (4)، وذهب إليه أحمد وغيره.
__________
= ورجح الحافظ في "الفتح" (6/ 187) الرواية المرسلة.
والحديث أشار إلى ضعفه البخاري حيث قال -رحمه اللَّه- في (كتاب الجهاد): باب القليل من الغلول، ولم يذكر عبد اللَّه بن عمرو عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه حَرَّق متاعه وهذا أصح. ثم روى بإسناده إلى عبد اللَّه بن عمرو (3074) قال: كان على ثُقل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل يُقال له: كِركرة فمات، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هو في النار" فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءةً قد غلها.
قال الحافظ ابن حجر في "شرحه": "قوله: "وهذا أصح" إشارة إلى أن حديث الباب الذي لم يذكر فيه التحريق أصح من الرواية التي ذكرها بصيغة التمريض، وهي التي أشرت إليها من نسخة عمرو بن شعيب".
واعلم أن الأحاديث الكثيرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه لم يكن يصلِّ على من غل، وليس في واحدٍ منها أنه حرَّق متاعه إلا في هذين الحديثين وفيهما مقال كما رأيت. واللَّه أعلم.
(1) رواه أحمد (5/ 2 و 4)، وأبو داود في (الزكاة) (1575) في زكاة السائمة، والنسائي (5/ 15) في (الزكاة): باب عقوبة مانع الزكاة، و (5/ 25) في باب سقوط الزكاة عن الإبل إذا كانت رسلًا، والدارمي (1/ 396)، وابن الجارود (341)، وابن خزيمة (2266)، والطبراني (19/ 984 - 988) وعبد الرزاق (6824) وابن أبي شيبة (3/ 122) والحاكم (1/ 398)، والبيهقي (4/ 105 و 116) من طرق عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. أقول: حديث بهز حسن، كما هو مقرر في علم المصطلح.
(2) هذا والذي بعده وردا في حديث واحد من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. رواه أبو داود في "سننه" (1710 و 1711 و 1712 و 1713) في (اللقطة)، و (4388) في (الحدود): باب ما لا قطع فيه، والترمذي (1289)، والنسائي (8/ 85) و (85 - 86) في (قطع يد السارق): باب الثمر يسرق بعد أن يؤويه الجرين، وأحمد في "مسنده" (10/ 161) رقم (6683) و (11/ 29) رقم (6746) و (11/ 118) رقم (6891) و (11/ 142) رقم (6936) و (12/ 45) رقم (7094) طبعة شاكر، وابن الجارود (827)، وأبو عبيد في "الأموال" (رقم 859)، وابن زنجويه في "الأموال" (2/ 738 و 739)، والدولابي في "الكنى" (2/ 107)، والدارقطني (3/ 194 - 195)، والطبراني في "الأوسط" (530) و (2004) و (2671)، وابن عساكر في "تاريخه" (8/ 473) من طرق كثيرة عن عمرو بن شعيب به، وإسناده جيد.
(3) سبق تخريجه في الذي قبله.
(4) أما عن عمر: فقد روى البيهقي (8/ 32) من طريق يحيى بن سعيد أن عمر أُتي برجل من أصحابه قد جرح رجلًا من أهل الذمة، فأراد أن يقيده فقال المسلمون: ما ينبغي هذا =
(3/241)

فإن قيل: فما تصنعون بقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يُضربُ فوقَ عشرةِ أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدودِ اللَّه" (1).

[الكلام على حديث: "لا يضرب فوق عشرة أسواط"]
قيل: نتلقَّاه بالقبول والسمع والطاعة، ولا منافاة بينه وبين شيءٍ مما ذكرنا (2)، فإن الحد في لسانِ الشارع (3) أعمّ منه في اصطلاح الفقهاء؛ فإنهم يريدون بالحدود عقوباتِ الجناياتِ المُقدّرة بالشرع خاصة، والحدُّ في لسان الشارع أعمّ من ذلك؛ فإنه يُراد به هذه العقوبة تارةً ويراد به نفس الجناية تارةً، كقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] فالأولُ حدودُ الحرام، والثاني: حدودُ الحَلال (4)، وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه حدَّ حُدودًا فلا تعْتدوها" (5) وفي حديث النوَّاس بن سمعان
__________
= فقال عمر -رضي اللَّه عنه-: إذًا نضعف عليه العقل فأضعفه. وهذا إسناد منقطع.
ورواه من طريق آخر عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يحدث الناس. . . فقضى عليه عمر بألف دينار مغلظًا عليه، وهذا منقطع أيضًا.
ورواه عبد الرزاق (18480)، والبيهقي (8/ 33) من طريق سفيان وابن جريج عن عمرو بن دينار عن رجل قال: كتب عمر في رجل مسلم قتل رجلًا من أهل الكتاب: إن كان لصًا أو حاربًا فأضرب عنقه وإن كان لِطَيرة منه في غضب فأغرمه أربعة ألاف درهم، وهذا إسناد ضعيف للراوي المبهم. وروى نحوه البيهقي (8/ 33) من طريق القاسم بن أبي بزة عن عمر؛ والقاسم هذا لم يدرك عمر.
وأما الرواية عن عثمان: فقد روى عبد الرزاق (18492) عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن رجلًا قتل رجلًا من أهل الذمة عمدًا فرفع إلى عثمان فلم يقتله به وغلَظ عليه الدية مثل دية المسلم. وهذا إسناد في غاية الصحة كما قال ابن حزم. ووقع في (ق): "أضعف عمر وعثمان عليه ديته".
(1) رواه البخاري (6848 و 6849 و 6850) في (الحدود): باب كم التعزير والأدب؟ ومسلم (1708) في (الحدود): باب قدر أسواط التعزير، من حديث أبي بردة بن نيار. وعند البخاري (6849) عمن سمع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(2) في (ن): "وبين ما ذكرناه".
(3) في (ن): "في كلام الشارع".
(4) انظر: "الحدود والتعزيرات" (ص 21 - 26) للشيخ بكر أبو زيد -حفظه اللَّه-.
(5) هو جزء من حديث أبي ثعلبة الخشني: "إن اللَّه فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها" رواه الطبراني في "الكبير" (22) رقم (589)، والدارقطني في "سننه" (4/ 183 - 184)، وأبو نعيم في "الحلية" (9/ 17)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 9)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2012)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (10/ 12 - 13) =
(3/242)

الذي تقدم في أول الكتاب (1): ". . . والسوران حدود اللَّه. . "، ويراد به تارة جنس العقوبة، وإن لم تكن مُقدَّرة، فقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يُضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود اللَّه" (2) يريد الجناية (3) التي هي حَقُّ اللَّه.
فإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذا كان المرادُ بالحدِّ الجنايةَ.
قيل: في ضَرْب الرجل امرأتَه وعَبْدَه وولدَه، وأجيره للتأديب ونحوه، فإنه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط؛ فهذا أحْسَن ما خُرِّج عليه الحديث، وباللَّه التوفيق.

فصل [المضي في الحج الفاسد لا يخالف القياس]
وأما المضي في الحج الفاسد فليس مخالفًا للقياس؛ فإن اللَّه سبحانه أمر بإتمام الحج والعمرة، فعلى مَنْ شرع فيهما أن يمضي فيهما وإن كان متطوعًا بالدخول باتفاق الأئمة، وإن تنازعوا فيما سواه من التطوعات: هل تلزم بالشروع أم لا؟ فقد وَجَب عليه بالإحرام أن يمضيَ فيه إلى حين يتحلَّل، ووجب عليه الإمساك عن الوطء، فإذا وطئ فيه لم يسقط [وطؤه] (4) ما وجب عليه من إتمام النُّسك، فيكون ارتكابه ما حرَّمه اللَّه عليه سببًا لإسقاط الواجب عليه (5)، ونظير هذا الصائم إذا أفطر عمدًا لم يُسقِط عنه فِطرُه ما وجب عليه من إتمام الإمساك، ولا يُقال له: قد بطل صومُكَ فإن شئت أن تأكل فكُل، بل يجبُ عليه المضيُّ فيه
__________
= من طرق عن داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة.
ورجاله ثقات، إلا أن مكحولًا كان كثير الإرسال والتدليس، بل قال أبو مسهر: ما صح عندي سماعه إلا من أنس بن مالك، وقد نفوا سماعه ممن مات بعد أبي ثعلبة. وله علة أخرى وهي الوقف. فقد رواه حفص بن غياث، ويزيد بن هارون عن داود به موقوفًا، أخرجه البيهقي (10/ 12).
وقال الدارقطني في "علله" (6/ 324): وقال قحذم سمعت مكحولًا يقول لم يتجاوز به. قال: والأشبه بالصواب مرفوعًا وهو أشهر. أقول: وتبقى العلة الأولى وهي سماع مكحول وتدليسه. وللحديث شواهد، تقدمت.
(1) مضى تخريجه.
(2) تقدم تخريجه قريبًا.
(3) في (ق): "يريد به الجناية".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ن): "فيكون ارتكابه ما حرم سببًا لإسقاط ما أوجب" وفي (ق): ". . . تسببًا لإسقاط الواجب عليه".
(3/243)

وقضاؤه، لأن الصائم له حدٌ محدود وهو غروب الشمس (1).
فإن قيل: فهلا طرَدْتُم ذلك في الصلاة إذا أفسدها، وقلتم: يمضي فيها ثم يعيدها؟
قيل: من ههنا ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أن المضي في الحج الفاسد على خلاف القياس (2)، والفرق بينهما أن الحج له وقتٌ محدودٌ وهو يوم عرفة كما للصيام (3) وقت محدود وهو الغروب، وللحج مكانٌ مخصوص لا يمكن إحلال المُحْرِم قبل وصوله إليه كما لا يمكن فطر الصائم قبل وصوله إلى وقت الفطر (4)، فلا يمكنه فعله، ولا فعل الحج ثانيًا في وقته، بخلاف الصلاة فإنه يمكنه فعلها ثانيًا في وقتها؛ وسرُّ الفرق أن وقت الصيام والحج بقدر فعله لا يَسَع غيره، ووقت الصلاة أوْسع منها فيسع غيرها، فيمكنه تدارك فعلها إذا فسدت في أثناء الوقت، ولا يمكن تدارك الصيام والحج إذا فسدا إلا في وقتٍ آخرَ نظير الوقت الذي أفسدهما فيه، واللَّه أعلم (5).

فصل [العذر بالنسيان]
وأما من أكل في صومه ناسيًا فمن قال: "عدم فطره ومضيه في صومه على خلاف القياس" ظن أنه من باب ترك المأمور ناسيًا، والقياس أنه يلزمه الإتيان بما تركه، كما لو أحدث ونَسي حتى صلَّى (6)، والذين قالوا: "بل [هو] (7) على وفْق القياس" حُجَّتُهم أقوى؛ لأن قاعدة الشريعة أَنَّ مَنْ فعل محظورًا ناسيًا فلا إثمَ عليه، كما دل عليه قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:
__________
(1) انظر: "تهذيب السنن" (3/ 275 - 276)، و"مدارج السالكين" (1/ 381) ووقع في (ق): "لأن الصيام له حد".
(2) انظر في تفصيل ذلك: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 568 - 569)، و"المعدول به عن القياس" (114 - 115).
(3) في (ك): "للصائم".
(4) في (ن): "قبل وقته" وفي (ق): "كما لا يمكن فطر الصيام".
(5) انظر هذا الفصل بتمامه وكماله بتصرف يسير جدًا في "مجموع الفتاوى" (20/ 568 - 569).
(6) نحوه في "البناية شرح الهداية" (3/ 300 - 301)، و"المجموع" (6/ 325).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3/244)

286] وثبت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن اللَّه سبحانه استجاب هذا الدعاء، وقال: قد فعلت (1)؛ وإذا ثبت أنه غيرُ آثمٍ فلم يفعل في صومه محرَّمًا فلم يبطل صومه، وهذا محض القياس؛ فإن العبادة إنما تبْطلُ بفعل محظور أو ترك مأمور (2).
وطردُ هذا القياس أن من تكلّم في صلاته ناسيًا لم تبطل (3) صلاته. وطرْدُه أيضًا أن من جامع في إحرامه أو صيامه ناسيًا لم يبطُل صِيامُه ولا إحرامه. وكذلك من تطيّب أو لبِس أو غطّى رأسه أو حلق رأسه أو قَلَّم ظفره ناسيًا فلا فِدْية عليه، بخلاف قَتْل الصيد، فإنه من باب ضمان المُتْلفات فهو كدِية القتِيل، وأما اللباس والطيب فمن باب الترفُّه، وكذلك الحلق والتقليم ليس من باب الإتلاف فإنه لا قيمةَ له في الشرع ولا في العُرف، وطرد هذا القياس أن من فعل المحلوف عليه ناسيًا لم يَحْنَث، سواء حلف باللَّه أو بالطلاق أو بالعتاق (4) أو غير ذلك؛ لأن القاعدة أن مَنْ فعل المنهيّ عنه ناسيًا لم يُعَدَّ عاصيًا، والحنثُ في الأيمان كالمعصية في الأيمان، فلا يعدُّ حانثًا مَنْ فعل المحلوف عليه ناسيًا.

[طرد هذا القياس في أمور كثيرة]
وطرد هذا أيضًا أن من باشر النَّجاسة في الصلاة ناسيًا لم تبطل صلاته، بخلاف من ترك شيئًا من فروض الصلاة ناسيًا أو تَركَ الغُسل من الجنابة أو الوضوء أو الزكاة أو شيئًا من فروض الحج ناسيًا فإنه يلزمه الإتيان به؛ لأنه لم يُؤَدِّ ما أُمر به، فهو في عهدة الأمر؛ وسِرُّ الفرق أن من فعل المحظور ناسيًا يُجعل وجوده كعدمه، ونسيان ترك المأمور لا يكون عذرًا في سقوطه، كما كان فعل
__________
(1) قطعة من حديث طويل: أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الإيمان): باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق (1/ 116/ رقم 126)، والترمذي في "الجامع" (أبواب تفسير القرآن): باب ومن سورة البقرة (5/ 221 - 222/ رقم 2992)، والنسائي في "الكبرى" (كتاب التفسير) (1/ 293 - 294/ رقم 79)، وأحمد في "المسند" (1/ 233)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 286)، وابن جرير في "التفسير" (3/ 95)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (210 - 211)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص 67 - 68)، وابن حبان في "الصحيح" (11/ 458/ رقم 5069)، من حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-.
(2) انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 569 - 570) -والمذكور منه-، و"المعدول به عن القياس وموقف ابن تيمية منه" (112 - 113).
(3) في (ن): "لم تفسد".
(4) في (ق): "العتاق".
(3/245)

المحظور نسيانًا (1) عذرًا في سقوط الإثم عن فاعله.
فإن قيل: فهذا الفرق حجة عليكم؛ لأن ترك المفطرات في الصوم من باب المأمورات، ولهذا تُشترط (2) فيه النية، ولو كان فِعْلُ المُفطرات (3) من باب المحظور لم يحتج إلى نية كفعل سائر المحظورات (4).
قيل: لا ريبَ أن النية في الصوم شرطٌ، ولولاها لما كان عبادة، [ولا أُثيب عليه؛ لأن الثواب لا يكون] (5) إلا بالنية؛ فكانت النيةُ شرطًا في كون هذا الترك عبادة، ولا يختص ذلك بالصوم، بل كل تركٍ لا يكون عبادة يُثاب عليه (6) إلا بالنية، ومع ذلك فلو فعله ناسيًا لم يأثم به، فإذا نوى تركها لته ثم فعلها ناسيًا لم يقْدَحْ نسيانه في أجره، بل يثاب على قصد تركها للَّه، ولا يأثم بفعلها ناسيًا، وكذلك الصوم.
وأيضًا فإن فعل الناسي غير مضاف إليه، كما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أكلَ أو شَربَ ناسيًا فليتمَّ صوْمه؛ فإنما أطعمه اللَّه وسقاه" (7) فأضاف فعله ناسيًا إلى اللَّه لكونه لم يُردْه ولم يتعمده، وما يكون مضافًا إلى اللَّه تعالى لم يدخل تحت قدرة العبد فلم (8) يكلَّف به، فإنه إنما يُكلَّف بفعله، ولا بما يَفْعل فيه، ففعل الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير (9)، وكذلك لو احتلم الصائم في منامه أو ذَرَعَه القيءُ (10) في اليقظة لم يفطر، ولو استدعى ذلك أفطر (11) به؛ فلو كان ما يُوجد بغير قصده كما يوجد بقصده لأفطر بهذا وهذا.
__________
(1) في (د) و (ك): "ناسيًا".
(2) في (ق): "يشترط".
(3) في (ق): "المفطر".
(4) في (ن): "كفعل من يرى المحظورات"، وفي (ق) و (ك): "كترك سائر المحظورات".
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "يثاب عليه".
(6) في المطبوع و (ن): "ولا يثاب عليه".
(7) رواه البخاري (1933) في (الصوم): باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا، و (6669) (في الأيمان والنذور): باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان، ومسلم (1155) في (الصوم): باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر، من حديث أبي هريرة.
(8) في (ق): "ولم".
(9) انظر: "زاد المعاد" (1/ 162)، و"تهذيب السنن" (3/ 237 - 239) مهم، و (3/ 276 - 277).
(10) "ذرعه القيء: غلبه، والمراد: أنه وقع من غير اختيار له فيه، ولهذا قابله بقوله: "ولو استدعاه، أي: طلبه" (د).
قلت: وبنحوه في (ط).
(11) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من ذرعه القيء، فليس عليه قضاء، ومن استقاء، فليقض". =
(3/246)

[هل هناك فرق بين الناسي والمخطئ]
فإن قيل: فأنتم تُفطِّرون المخطئ كمن أكل يظنه ليلًا فبَانَ نَهَارًا (1).
قيل: هذا فيه نزاعٌ معروف بين السَّلف والخلف، والذين فرَّقوا بينهما قالوا: فعل المُخطئ يمكن الاحتراز منه، بخلاف الناسي.
ونُقل عن بعض السلف أنه يفطر في مسألة الغروب دون مسألة الطلوع كما لو استمر الشك.
قال شيخنا (2): وحجةُ مَنْ قال لا يُفطر في الجميع أقوى، ودلالة الكتاب والسنة على قولهم أظهر؛ فإن اللَّه سبحانه سوَّى بين الخطأ والنسيان في عدم المؤاخذة. ولأن فِعلَ محظوراتِ الحجِّ يستوي فيه المخطئ والناسي، ولأن كلَّ واحد منهما غيرُ قاصدٍ للمخالفة، وقد ثبت في الصحيح أنهم أفْطرُوا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم طلعت الشَّمْسُ (3)، ولم يثبت في الحديث أنهم أُمِرُوا بالقضاء، ولكن هشام بن عُروة سُئِل عن ذلك فقال: لا (4) بدَّ من قضاء، وأبوه عروة أعلم منه، وكان يقول: لا قضاء عليهم (5)، وثبت في "الصحيحين" أن بعض الصحابة أكلوا حتى ظهر الخيطُ الأسودُ من [الخيط] (6) الأبيض (7) ولم يُؤمر أحدٌ (8) منهم بقضاء وكانوا مخطئين، وثبت عن عمر بن الخطاب أنه أفطر ثم تبين النهار فقال:
__________
= رواه أحمد (2/ 498)، وأبو داود (2380)، والترمذي (1/ 139) وغيرهم، وصححه شيخنا الألباني في "الإرواء" (923).
(1) بعدها في المطبوع زيادة كلمة "أفطر".
(2) انظر هذا الفصل من بدايته إلى آخر قول شيخ الإسلام هذا في "مجموع الفتاوى" (20/ 569 - 573).
(3) رواه البخاري (1959) في (الصوم): باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس، من حديث أسماء.
(4) في (ق): "و".
(5) هكذا قال -رحمه اللَّه- والذي وجدته عن عروة في "مصنف عبد الرزاق" (7390) عن معمر عن هشام عنه: "عليه القضاء".
وانظر: "فتاوى ابن تيمية" (25/ 232)، و"بدائع الفوائد" (3/ 272)، و"تهذيب السنن" (3/ 236 - 239) مهم جدًا.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من نسخة (ك) و (ط) و (ق)، وفي الأخيرتين قبلهما: "الحبل" بدل "الخيط".
(7) سبق تخريجه.
(8) في المطبوع: "ولم يأمر أحدًا".
(3/247)

لا نقضي؛ لأنا لم نتجانفْ لإثم، وروي عنه أنه قال: نقضي (1)، وإسناد الأول أثْبتُ، وصحَّ عنه أنه قال: الخطْبُ يسيرٌ (2)؛ فتأوَّل ذلك من تأوله على أنه أراد خفة أمر القضاء، واللفظ لا يدل على ذلك.
قال شيخنا (3): وبالجملة فهذا القول أقوى أثرًا ونظرًا، وأشبه بدلالة الكتاب والسنة والقياس.
قلت له: فالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مر على رجل يحتجم فقال: "أفطرَ الحاجمُ والمحجوم" (4) ولم يكونا عالمين بأن الحجامة تُفَطّر، ولم يبلغهما قبل ذلك قوله:
__________
(1) الذي وجدته في عدم القضاء عن عمر: ما رواه عبد الرزاق (7395) (4/ 179)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 217) من طرق عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: "أفطر الناس في زمان عمر. . . ثم طلعت الشمس من سحاب. . فقالوا نقضي هذا اليوم فقال عمر: ولم؟ فواللَّه ما تجنفنا لإثم.
ورواه شيبان عن الأعمش عن المسيب بن رافع عن زيد بن وهب، روى ذلك البيهقي.
أقول: لكن الروايات الصحيحة عن عمر هي وجوب القضاء.
وهي في "مصنف عبد الرزاق" (7392 و 7393 و 7394)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 440)، و"السنن الكبرى" (4/ 217).
لذلك نقل البيهقي عن يعقوب بن سفيان الفارسي أنه كان يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة ويعدها مما خولف فيه.
(2) رواه مالك في "الموطأ" (1/ 303)، ومن طريقه البيهقى في "السنن الكبرى" (4/ 217) عن زيد بن أسلم عن أخيه خالد بن أسلم أن عمر. . .
فقال: الخطب يسير وقد اجتهدنا، وخالد بن أسلم لم يدرك عمر.
ورواه ابن أبي شيبة (2/ 441) من طريق سفيان بن عيينة لكن قال: عن زيد بن أسلم عن أخيه عن أبيه به. فصح الإسناد واتصل بذكر أسلم العدوي مولى عمر وهو ثقة مخضرم.
قال مالك في تفسير (الخطب يسير): القضاء فيما نرى واللَّه أعلم وخفة مؤونته ويساره، يقول: أصوم يومًا مكانه.
ورواه عبد الرزاق (7392) عن ابن جريج قال حدثني زيد بن أسلم عن أبيه. . . لكن فيه: فقال عمر: الخطب يسير وقد اجتهدنا نقضي يومًا!
وانظر مفصلًا: "مصنف عبد الرزاق" (4/ 178 - 179)، و"سنن البيهقي" (4/ 217)، و"فتح الباري" (4/ 200).
(3) المصدر السابق.
(4) رواه أحمد (4/ 122، 123، 124، 125)، وعبد الرزاق (7519 و 7520)، وابن أبي شيبة (3/ 49)، وأبو داود في الصوم (2368) و (2369) باب في الصائم يحتجم، وابن =
(3/248)

"أَفطرَ الحاجمُ والمحجوم" ولعل الحكم إنما شرع ذلك اليوم.
فأجابني بما مضمونه [أن الحديث] (1) اقتضى أنَّ ذلك الفعل مُفَطِّر، وهذا كما لو رأى إنسانًا يأكل أو يشرب فقال: أفطر الآكل والشارب؛ فهذا فيه بيانُ السبب المقتضي للفطر، ولا تعرُّضَ فيه للمانع.
وقد علم أن النسيان مانع للفطر بدليل خارجٍ، فكذلك الخطأ والجهل، واللَّه أعلم.

فصل (2) [الحكم في امرأة المفقود على وفق القياس]
ومما ظُن (3) أَنه على خلاف القياس ما حكم به الخلفاء الراشدون في امرأة المفقود؛ فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه أجّل امرأته أربع سنين وأمرها أن تتزوج، فقدم المفقود بعد ذلك فخيَّره عمر بين امرأته وبين مهرها (4)؛
__________
= ماجه (1681) في (الصوم): باب ما جاء في الحجامة للصائم، والدارمي (2/ 14)، والطيالسي (1118)، والطبراني في "الكبير" (7124 و 7127 و 7128 و 7129 و 7130 و 7131 و 7132 و 7147 و 7149 و 7150 و 7153 و 7154 و 7184 و 7188)، والبيهقي (4/ 265)، والحاكم (1/ 429)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2/ 99) من حديث شداد بن أوس، وكذا جاء من حديث ثوبان، يرويه عنهما أبو أسماء الرحبي قال البخاري -كما نقله عنه الترمذي في "علله الكبير" (1/ 362 - 364) -: ليس في الباب أصح من حديث ثوبان وشداد بن أوس، فذكرت له الاضطراب، فقال: كلاهما عندي صحيح. وكذا ذكر الترمذي عن ابن المديني كذلك. وانظر مفصلًا "نصب الراية" (4/ 472)، و"إرواء الغليل" (4/ 65).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) هذا الفصل مأخوذ برُمَّته بتصرف يسير جدًا، وبدون ذكر مسألة أبي داود الآتية من "مجموع الفتاوى" (20/ 576 - 582) لشيخ الإسلام -رحمه اللَّه-.
(3) في (ق): "وما يظن".
(4) روى ذلك عبد الرزاق في "مصنفه" (12317) عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن عمر وعثمان، وإسناده صحيح.
وله إسناد آخر وفيه قصة في "المصنف" أيضًا (12321)، ورواه أيضًا وفيه قصة عبد الرزاق (12322)، وفيه رجل مبهم، لكنه سُمّي عند البيهقي (7/ 446)، وسعيد بن منصور في "سننه" (رقم 1752)، ورجاله ثقات أيضًا.
وفي "موطأ مالك" (2/ 576) قال: وأدركت الناس ينكرون الذي قال بعض الناس على عمر بن الخطاب أنه قال:. . . وانظر -لزامًا-: "مصنف ابن أبي شيبة" (4/ 238)، =
(3/249)

فذهب الإمام أحمد إلى ذلك، وقال: ما أدري مَنْ ذهب إلى (1) غير ذلك إلى أيِّ شيء يذهب، وقال أبو داود في "مسائله": سمعت أحمد (2) -وقيل له: في نفسك شيءٌ من المفقود؟ - فقال: ما في نفسي منه شيء، هذا خمسة من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمروها أن تتربّص (3)، قال أحمد: [هذا] من ضيقِ علمِ الرجل أن لا يتكلم في امرأة المفقود (4).
وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد: إن مذهب عمر في المفقود يخالف القياس (5)، والقياس أنها زوجة القادم بكل حال، إلا أن نقول: الفُرْقة تنفذ ظاهرًا وباطنًا؛ فتكون زوجة الثاني بكل حال، وغلا بعض المخالفين لعمر في ذلك فقالوا: لو حَكم حاكمٌ بقول عمر في ذلك لنُقضَ حكمُه لبعده عن القياس. وطائفة ثالثة اْخذت ببعض قول عمر، وتركوا بعضه، فقالوا: إذا تزوجت ودخل بها الثاني فهي زوجته، ولا تُردُّ إلى الأول، وإن لم يدخل بها رُدَّت إلى الأول.

[مَنْ تَصَرَّف في حق غيره هل تصرفه مردود أو موقوف؟]
قال شيخنا (6): من خالف عمر لم يهتدِ إلى ما اهتدى إليه عمر، ولم يكن له من الخبرة بالقياسِ الصحيحِ مثل خبرة عمر، وهذا إنما يتبين بأصْلٍ، وهو وقْفُ العقود إذا تَصَرَّفَ الرجل في حق الغير بغير إذنه، هل يقع تصرفه مردودًا أو موقوفًا على إجازته؟ على قولين [مشهورين] (7) هما روايتان عن أحمد: إحداهما أنها تقف
__________
= و"شرح السنة" (9/ 314)، و"سنن البيهقي" (7/ 446)، و"نصب الراية" (3/ 472)، و"التلخيص الحبير" (3/ 266)، و"قواعد ابن رجب" (1/ 524 و 3/ 126 - بتحقيقي)، و"الإرواء" (7/ 150).
(1) في (ك) و (ق): "وإلى".
(2) في (ك) و (ق): "أبا عبد اللَّه".
(3) "تتربص: تنتظر" (د).
(4) انظر: "مسائل أبي داود" (ص 177)، وما بين المعقوفتين منها، وفي بعض نسخها: "هذا عندي".
(5) حكاه ابن قدامة في "المغني" (7/ 490)، وكذا المرغيناني في "الهداية" (2/ 181)، ووضحه العيني في شرحه "البناية" (6/ 66)، وكذا الشيرازي في "المهذب" (2/ 147).
(6) في "مجموع الفتاوى" (20/ 576 - 577)، وانظر: "تيسير الفقه الجامع للاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية" (2/ 844 - 847).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) وفي (ق): "قولين مشهورين وهما".
(3/250)

على الإجازة، وهو مذهب أبي حنيفة (1) ومالك (2)، والثانية: أنها لا تقف، وهو أشهر قَوْلي الشافعي (3)، وهذا في النكاح والبيع والإجارة، وظاهر مذهب أحمد التفصيل (4)، وهو أن المتصرف إذا كان معذورًا لعدم تمكنه من الاستئذان وكان به حاجة إلى التصرف وقف العقد على الإجازة (5) بلا نزاعٍ عنده، وإن أمكنه الاستئذانُ أو لم تكن به حاجة إلى التصرف ففيه النزاع؛ فالأول مثلُ منْ عنده أموالٌ لا يعرف أصحابها كالغُصُوب والعَوَاري ونحوها فإذا تعذّر عليه معرفة أصحاب الأموال (6) ويئس منهم فإن مذهب أبي حنيفة (7) ومالك (8) وأحمد (9) أنه يتصدّق بها عنهم؛ فإن ظهروا بعد ذلك كانوا مخيَّرين بين الإمضاء وبين التضمين. وهذا مما جاءت به السنة في اللُّقطة (10)؛ فإن الملتقط يأخذها بعد التعريف ويتصرف فيها ثم إن جاء صاحبها كان مخيَّرًا بين إمضاء تصرفه وبين المطالبة بها، فهو تصرف موقوف لمّا تعذر الاستئذان ودعت الحاجة إلى التصرف، وكذلك
__________
(1) انظر: "مختصر الطحاوي" (82 - 83)، "اللباب" (2/ 18)، "البدائع" (5/ 146، 147، 163، 235)، "فتح القدير" (5/ 138، أو 7/ 51 - ط دار الفكر)، "تحفة الفقهاء" (2/ 45)، "حاشية ابن عابدين" (5/ 106 - 107).
(2) انظر: "المعونة" (2/ 1039)، "التلقين" (2/ 386)، "الإشراف" (2/ 505 مسألة رقم 825 - بتحقيقي) كلها للقاضي عبد الوهاب المالكي، "التفريع" (2/ 318)، "الكافي" (395 - 396) "الفواكه الدواني" (2/ 148)، "الخرشي" (5/ 18)، "حاشية الدسوقي" (3/ 12)، "قوانين الأحكام" (212).
(3) انظر: "الأم" (3/ 15 - 16)، "الإمتاع" (91 - 92)، "المهذب" (1/ 269)، "المجموع" (9/ 259، 261)، "روضة الطالبين" (3/ 253)، "مغني المحتاج" (2/ 15)، "نهاية المحتاج" (3/ 402 - 403)، "حواشي الشرواني والعبادي" (4/ 246 - 247)، "حلية العلماء" (4/ 74 - 75)، "مختصر الخلافيات" (3/ 340 رقم 107)، "إخلاص الناوي" (2/ 18).
(4) انظر: "فتاوى ابن تيمية" (20/ 579 - 580).
(5) في نسخة (ط): "الإجارة"!.
(6) في المطبوع: "أرباب الأموال".
(7) "حاشية رد المحتار" (1/ 443).
(8) "فتاوى ابن رشد" (1/ 632)، "المعيار المعرب" (9/ 551).
(9) "قواعد ابن رجب" (2/ 383 - بتحقيقي)، "المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين" (1/ 244/ 28)، "مسائل صالح" (1/ 288/ 232).
(10) جاء هذا في حديث زيد بن خالد الجهني، رواه: البخاري (91) في (العلم): باب الغضب في الموعظة والتعليم -وأطرافه كثيرة هناك-، ومسلم (1722) في أول اللقطة.
وحديث سويد بن غفلة أيضًا: رواه البخاري (2426 و 2437)، ومسلم (1723).
(3/251)

المُوصي بما زاد على الثلث [وصيّتُه موقوفةٌ] (1) على الإجازة عند الأكثرين، وإنما يخيَّرون بعد الموت (2)، فالمفقودُ المنقطعُ خبرهُ إن قيل: "إن امرأته تبقى إلى أن يُعلَم خبرُه" بقيت لا أيِّمًا ولا ذات زوج إلى أن تبقى من القواعد أو تموت، والشريعة لا تأتي بمثل هذا، فلما أُجِّلت أربع سنين ولم ينكشف خبرُه (3) حُكِم بموته ظاهرًا (4).
فإن (5) قيل: يَسوغُ للإمام أن يفرق بينهما للحاجة، فإنما ذلك بعد اعتقاد موته، وإلا فلو عُلمت حياتُه لم يكن مفقودًا، وهذا كما ساغ التصرُّف في الأموال التي تعذَّر معرفةُ أصحابها، فإذا قدم الرجل تبيَّنَا (6) أنه كان حيًا، كما إذا ظهر صاحب المال، والإمام قد تصرف في زوجته بالتفريق؛ فيبقى هذا التفريق موقوفًا على إجازته؛ فإن شاء أجاز ما فعله الإمام وإن شاء ردّه، وإذا أجازه صار كالتفريق المأذون فيه، ولو أذن للإمام أن يفرِّق بينهما وقعتِ الفرقةُ (7) بلا ريب، وحينئذٍ فيكون نكاح الثاني صحيحًا، وإن لم يُجِزْ ما فَعَلَهُ الإمامُ كان التفريق باطلًا فكانت باقيةً على نكاحه فتكون زوجته، فكانَ القادم مخيَّرًا بين إجازةِ (8) ما فعله الإمام ورده، وإذا أجاز فقد أخرج (9) البُضْع عن ملكه، وخروج البُضع من (10) ملك الزوج متقوم عند الأكثرين كمالك والشافعي وأحمد في أنصِّ الروايتين، والشافعي يقول: هو مضمونٌ بمهر المثل، والنزاع بينهم فيما إذا شهد شاهدان أنه طلَّق امرأته ثم رجعا عن الشهادة، فقيل: لا شيء عليهما، بناء على أن خروج
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك): "مرقوف" وسقطت "وصيته" من (ق).
(2) انظر: "بدائع الفوائد" (1/ 4) للإمام ابن القيم -رحمه اللَّه- ووقع في (ق) و (ك): "وإنما يجيزونه بعد الموت".
(3) في المطبوع: "ولم يكشف خبره".
(4) انظر: "المغني" (9/ 133 - 134)، "المبدع" (8/ 130)، "تقرير القواعد" (3/ 176 - بتحقيقي)، وهذا مذهب المالكية: انظر "المدونة" (2/ 91 - 92) "التفريع" (2/ 107 - 108)، (الرسالة، (302)، "الإشراف" (4/ 41 مسألة 1393 - بتحقيقي)، "المعونة" (2/ 820)، "جامع الأمهات" (327) "المنتقى" (4/ 93)، "الخرشي" (4/ 150)، "عقد الجواهر الثمينة" (2/ 269).
(5) في هامش (ق): "لعله: فإذا".
(6) في (ق) و (ك): "ثبت".
(7) في (ن) و (ق): "فرق، ووقعت الفرقة".
(8) في نسخة (د): "إجارة".
(9) في (ق): "خرج".
(10) في المطبوع و (ن): "عن"، وما أثبتناه من (ق) و"مجموع الفتاوى".
(3/252)

البُضْع من ملك الزوج ليس بمتقوّم، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين اختارها متأخرو أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وقيل: عليهما مهرُ المثل، وهو قول الشافعي، وهو (1) وجهٌ في مذهب أحمد، وقيل: عليهما المُسمَّى، وهو مذهب مالك، وهو أشهرُ في نص أحمد، وقد نصَّ على ذلك فيما إذا أفسد نكاح زوجته (2) برضاع أنه يرجع المُسمَّى، والكتاب والسنة يدلان على هذا القول؛ فإن اللَّه تعالى قال: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة: 10، 11] وهذا هو المُسمَّى دون مهر المثل؛ ولذلك (3) أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- زوجَ المختلعة أن يأخذَ ما أعطاها دون مهر المثل (4)، وهو سبحانه إنما يأمر في المُعاوضات المُطْلَقة بالعدل.

[القول بوقف العقود عند الحاجة]
فحكم أمير المؤمنين في المفقود ينبني على هذا الأصل، والقول بوقف العقود عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة، ثبت ذلك عنهم في قضايا متعددة، ولم يُعلم أن أحدًا منهم أنكر ذلك، مثل قضية ابن مسعود في تصَدُّقه عن (5) سَيّد الجارية التي ابتاعها بالثمن الذي كان له عليه في الذِّمة لما تعذَّرت عليه معرفتُه (6)
__________
(1) في (ق): "و".
(2) في (د): "امرأته".
(3) في (ق) و (ك): "وكذلك".
(4) رواه مالك في "الموطأ" (2/ 564)، ومن طريقه الشافعي في "مسنده" (2/ 50 - 51)، وأحمد (6/ 433 - 434)، وأبو داود (2227) في (الطلاق): باب في الخلع، والنسائي (6/ 169) في (الطلاق): باب ما جاء في الخلع، وابن الجارود (749)، والبيهقي (7/ 312 - 313)، وابن حبان (4280) عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن حبيبة.
ورواه أيضًا الشافعي (2/ 50)، وابن سعد (8/ 445)، والبيهقي (7/ 313) من طرق عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته عن حبيبه بنت سهل الأنصارية أنها كانت تحت ثابت بن قيس بنحوه، وهذا إسناد صحيح رواته رواة الشيخين عدا صحابية الحديث.
ورواه أبو داود (2228) من طريق عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة. وهو إسناد صحيح أيضًا، ولا يضر الاختلاف على صحابية الحديث.
(5) في (ق): "على" وفي (ك): "تصرفه على".
(6) كان عبد اللَّه بن مسعود قد اشترى جاريةً، فدخل بيته ليأتي بالثمن، فلم يجد البائع، =
(3/253)

وكتصدق الغالِّ بالمال المغلول من الغَنيمة لما تعذَّر قسمه بين الجيش، وإقرارُ معاوية له على ذلك وتصويبُه له (1)، وغير ذلك من القضايا، مع أن القول بوقف العقود [مطلقًا] (2) هو الأظهر في الحجة، وهو قول الجمهور، وليس في ذلك ضررٌ أصلًا، بل هو إصلاح بلا إفساد (3)؛ فإن الرجل قد يرى أن يشتريَ لغيره أو يبيعَ له أو يؤجِّرَ له أو يستأجِرَ له (4) ثم يشاوره، فإن رضي وإلا لم يحصل له ما يضره، وكذلك في تزويج وَليَّته ونحو ذلك، وأما مع الحاجة فالقول به لا بد منه، فمسألة المفقود هي مما يُوقف (5) فيها تفريق الإمام على إذن الزوج إذا جاء كما يقف تصرف المُلتَقط على إذن المالك إذا جاء (6)، والقول بردَّ المهر [إلى الزوج] (7) بخروجِ بُضْع امرأته عن ملكه، ولكن تنازعوا في المهر الذي يرجعُ به: هل هو ما أعطاها هو أو ما أعطاها الثاني، وفيه روايتان عن أحمد: إحداهما (8) يرجع بما مَهرَها الثاني؛ لأنها هي التي أخذته، والصواب أنه إنما يرجع بما مَهَرها هو؛ فإنه الذي يستحقه، وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حقّ له فيه، وإذا ضمن الثاني للأول المهر فهل يرجع به عليها؟ فيه روايتان [عن أحمد] (9): إحداهما يرجعُ؛ لأنها هي التي أخذته، والثاني قد أعطاها المهرَ الذي عليه، فلا يضمن مَهْرين، بخلاف المرأة فإنها لما اختارت فِراقَ الزوج الأول ونكاح الثاني فعليها أن تردَّ المهر؛ لأن الفرقة جاءت من جهتها، والثانية لا يَرجع؛ لأن المرأة
__________
= فجعل يطوف على المساكين، ويتصدق عليهم بالثمن، ويقول: اللهم عن ربّ الجارية، فإن قَبلها فذاك، وإن لم يقبل فهو لي، وعليَّ له مثله يوم القيامة، نقله هكذا شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته: "الحلال والحرام وبعض قواعدهما في المعاملات المالية" (ص 23 - ط مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب)، وهي في "مجموع الفتاوى" (29/ 311 - 331)، وقد ذكرتها وتخريجها في كتابي: "أحكام المال الحرام" يسر اللَّه إتمامه ونشره.
(1) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (2732) عن ابن المبارك عن صفوان بن عمرو عن حوشب بن سيف فذكر قصة طويلة، وحوشب بن سيف هذا ذكره البخاري، وابن أبي حاتم في "كتابيهما" ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" كعادته!
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) في (ق): "بل هو صلاح بلا فساد".
(4) في (ق): "أو يستأجر له أو يؤجر له".
(5) في (ق): "يقف".
(6) في (ق): "جاء هو".
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "إليه".
(8) في (ق): "إحديهما".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3/254)

تستحقُّ المهرَ بما استحل من فرجها، والأول يستحق المهر بخروج البُضْعِ عن ملكه، فكان على الثاني، وهذا المأثور عن عمر في مسألة المفقود (1)، وهو عند طائفة من الفقهاء من أبعد الأقوال عن القياس (2)، حتى قال بعض الأئمة: لو حكم به حاكم نُقض حكمه، وهو مع هذا أصح الأقوال وأحراها في القياس (3)، وكل قول قيل سواه فهو خطأ، فمن قال: "إنها تعاد (4) إلى الأول بكل حال"، أو "تكون مع الثاني بكل حال" فكلا القولين خطأ؛ إذ كيف تُعاد إلى الأول وهو لا يختارها ولا يريدها، وقد فُرِّق بينه وبينها تفريقًا سائغًا في الشرع، وأجاز هو ذلك التفريق؟ فإنه وإن تبيَّن للإمام أن الأمر بخلاف ما اعتقده فالحق في ذلك للزوج، فإذا أجاز ما فعله الإمام زال المحذور، وأما كونها زوجة الثاني بكل حال مع ظهور زَوْجها وتبين أنَّ الأمر بخلاف ما فعل الإمام فهو خطأ أيضًا؛ فإنه مسلمٌ لم يفارق امرأته، وإنما فُرِّق بينهما بسبب ظَهرَ أنه لم يكن كذلك، وهو يطلب امرأته، فكيف يُحال بينه وبينها؟ وهو لو طلب ماله أو بدله رُدَّ إليه فكيف لا ترد إليه امرأته وأهله أعز عليه من ماله؟ وإن قيل: "حق الثاني تعلق بها" قيل: حقه سابق على حق الثاني، وقد ظهر انتقاض السبب الذي به استحق الثاني أن تكون زوجةً له، وما المُوجِبُ لمراعاة حق الثاني دون الأول؟ فالصواب ما قضى به أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- (5)؛ ولهذا تعجَّب أحمد ممن خالفه، فإذا ظهر صحة ما قاله الصحابة -رضي اللَّه عنهم- وصوابه في مثل هذه المشكلات التي خالفهم فيها مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي فلأن يكون الصواب [معهم] (6) فيما وافقهم هؤلاء بطريق الأولى.

[ابن تيمية يقول: الصحابة أفقه الأمة وأعلمها ودليل قوله]
قال شيخنا (7): وقد تأمَّلتُ من هذا الباب ما شاء اللَّه فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها، واعْتبر هذا بمسائلِ الأيمان والنذور والعتق وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط؛ فالمنقول فيها عن الصحابة هو أصحُّ الأقوال، وعليه يدل
__________
(1) مضى تخريجه.
(2) كما تراه في "البناية" (6/ 66) للعيني، و"المغني" (7/ 490)، و"المهذب" (2/ 147).
(3) في (ن): "وأطردها في القياس".
(4) في (ن): "إنها لا تعاد"!.
(5) سبق قريبًا.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(7) في "مجموع الفتاوى" (20/ 582 - 583).
(3/255)

الكتاب والسنة والقياس الجلي، وكل قول سوى ذلك فمخالف للنصوص مناقض للقياس، وكذلك في مسائل غير هذه مثل مسألة ابن المُلَاعِنَة ومسألة ميراث المرتد، وما شاء اللَّه من المسائل، لم أجد أجْود الأقوال إلا أقوال الصحابة، وإلى ساعتي هذه ما علمت قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه، لكن العلم بصحيحِ القياسِ وفاسدِه من أجَلِّ العلوم، وإنما يَعرف ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإِسلام من المحاسن التي تفوق التعداد، وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد، وما فيها من الحكمة البالغة والنعمة السابغة والعدل التام، واللَّه أعلم، انتهى.

فصل [مسألة الزُّبية]
ومما أشكل على كثير من الفقهاء من قضايا الصحابة وجعلوه من أبعد الأشياء عن القياس مسألة التزاحم، وسقوط المتزاحمين في البئر، وتسمى مسألة الزُّبْيَة (1).
وأصلُها أن قومًا من أهل اليمن حفروا زُبْية للأسد؛ فاجتمع الناس على رأسها، فهوى فيها واحد، فجذب ثانيًا، فجذب الثاني ثالثًا، فجذب الثالث رابعًا، فقتلهم الأسد، فرُفِع ذلك إلى أمير المؤمنين [علي] (2) كرَّم اللَّه وجهه [في الجنة] (2) وهو على اليمن، فقضى للأول بربع الدية، وللثاني بثلثها, وللثالث بنصفها, وللرابع بكاملها (3)، وقال: أجْعَلُ الدية على من حضر رأس البئر؛ فرفع ذلك إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "هُوَ كما قال". رواه سعيد بن منصور في "سننه": ثنا أبو عَوانة وأبو الأحْوَص، عن سِماك بن حرب، عن حَنَش الصَّنعانيِّ، [عن علي] (4).
__________
(1) انظر كلام المصنف -رحمه اللَّه- على مسألة الزبية، وبيان أنها على وفق القياس في: "زاد المعاد" (3/ 201 - 202).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من نسخة (ط).
(3) في (ق): "بكمالها".
(4) رواه أبو داود الطيالسي (114)، وابن أبي شيبة (9/ 400) و (10/ 175)، والشافعي في "الأم" (7/ 164)، وأحمد (77/ أو 28 أو 152)، وفي "فضائل الصحابة" (1239، 1240) وابن أبي عاصم في "الديات" (283) والبزار (732 أو رقم 1532 - كشف الأستار)، ووكيع في "أخبار القضاة" (1/ 95 - 97 و 97)، والطحاوي في "المشكل" =
(3/256)

فقال أبو الخطاب وغيره: ذهب أحمدُ إلى هذا توقيفًا على خِلاف القياس.
والصواب أنه مقتضى القياس والعَدْل، وهذا يتبين بأصل، وهو أن الجناية إذا حصلت من فعلٍ مضمونٍ ومُهْدر سقط ما يقابل المهدر واعتُبر ما يُقابل المضمون، كما لو قتل عبدًا مشتركًا بينه وبين غيره، أو أتلف مالًا مشتركًا أو حيوانًا سقط ما يُقابل حَقَّه ووجب عليه ما يقابل حقَّ شريكه، وكذلك لو اشترك اثنان في إتلاف مالِ أحدِهما أو قَتْلِ عبده أو حيوانه سقط عن المشارك (1) ما يقابل فعله، ووجب على الآخر من الضمان بقِسْطه (2)، وكذلك لو اشترك هو وأجنبي في قتل نفسه كان على الأجنبي نصفُ الضمان، وكذلك لو رمى ثلاثةً بالمنجنيق فأصاب الحجَرُ أحدَهم فقتله فالصحيح أن ما قابل فعل المقتول ساقط ويجب ثُلثا ديته على عاقلة الآخرين، هذا مذهب الشافعي واختيار صاحب "المغني" (3) والقاضي أبي (4) يعلى في "المجرَّد".

[حكم علي في القارصة [والقامصة] والواقصة]
وهو الذي قضى به علي (5) في مسألة القارِصة [والقامصة] والواقِصة (6)، قال الشعبي: وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن فركبت إحداهُنَّ على عُنُق الأخرى فقرَصَت الثالثةُ المركوبةَ فقمصت فسقطت الرَّاكبة فوقصت [أي كسرت] (7) عنقها
__________
= (3/ 58 - 59 - ط الهندية)، وأبو الخير القزويني في "الأربعين المنتقى في مناقب المرتضى" (ق 104/ ب)، وابن حزم (9/ 368)، والبيهقي (8/ 111) من طريق سماك عن حنش عن علي، قال ابن أبي عاصم: "هذا الخبر حسن ولا أعرف معناه"، وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يُروى إلا عن علي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا نعلم له طريقًا عن علي إلا هذا الطريق". وقلت: وحَنَش هذا ضعفه البخاري والنسائي وأبو حاتم وابن حبان والحاكم وغيرهم، وضعفه به البيهقي وابن حزم، وأورده الذهبي في "الميزان"، (1/ 619) ضمن مناكيره. وما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(1) في (ن) و (ك): "سقط حق المشارك" وفي (ق): "سقط من حق المشاركة".
(2) في نسخة (ط): "بسقطه".
(3) انظر: "المغني" (8/ 327 - 328/ 6866).
(4) في نسخة (ط): "أبو"!.
(5) في المطبوع: "عليُّ عليه السلام".
(6) "القارصة: اسم فاعل من قرص بأصابعه، والقامصة: النافرة الضاربة برجليها، والواقصة بمعنى الموقوصة، وهي التي كسر عنقها" (و) وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3/257)

فماتت، فرُفع ذلك إلى عليّ (1) فقضى بالدية أثلاثًا على عواقلهنَّ، وألقى (2) الثلث الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل نفسها (3).
وإذا ثبت هذا فلو ماتوا بسقوط بعضهم فوق بعض كان الأول قد هلك بسبب مركَّب من أربعة أشياء: سقوطه، وسقوط الثاني، والثالث، والرابع. وسقوط الثلاثة فوقه من فعله وجنايته على نفسه، فسقط ما يقابله وهو ثلاثة أرباع الدية، وبقي الربع الآخر لم يتولَّد من فعله، وإنما تولد من التزاحم فلم يُهدر؛ وأما الثاني فلأن هلَاكه كان من ثلاثة أشياء: جَذْب من قبله له، وجَذْبه هو لثالث ورابع (4)؛ فسقط ما يقابل جذبه وهو ثلثا الدية، واعتُبر ما لا صُنع له فيه، وهو الثُلُث الباقي؛ وأما الثالث فحصل تلفه بشيئين: جذب من قبله له، وجذبه هو للرابع، فسقط فعله دون السبب الآخر؛ فكان لورثته النصف، وأما الرابع فليس منه فعل البتة، وإنما هو مجذوب محْض، فكان لورثته كمال الدية، وقضى بها على عواقل الذين حضروا البئر لتدافعهم وتزاحمهم.
فإن قيل: على هذا سؤالان:
أحدهما: أنكم لم توجبوا على عاقلة الجاذب شيئًا مع أنه مباشر، وأوجبتم على عاقلة مَنْ حضر البئر ولم يُباشر؛ وهذا خلاف القياس.
الثاني: [هب أن هذا] (5) يتأتَّى لكم فيما إذا ماتوا بسقوط بعضهم على بعض، فكيف يتأتى لكم في مسألة الزُّبية، وإنما ماتوا بقتل الأسد؟ فهو كما لو تجاذبوا فغرقوا في البئر.
قيل: هذان سؤالان قويان، وجواب الأول أن الجاذب لم يُباشر الإهلاك وإنما تَسبَّب إليه، والحاضرون تسببوا بالتزاحم، وكان تسبُّبهم أقوى من تسبب الجاذب (6)؛ لأنه أُلجيء إلى الجذب؟ فهو كما لو ألقى إنسانٌ إنسانًا على آخر
__________
(1) في المطبوع: "علي عليه السلام".
(2) في المطبوع: "وألغى".
(3) رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" (1/ 96)، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (8/ 112)، والشافعي في "الأم" (7/ 163) كلاهما عن ابن أبي زائدة عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن علي، ومجالد بن سعيد ليس بالقوي.
وانظر: "المغني" (8/ 328/ 6866).
(4) في (ق) و (ك): "الثالث والرابع".
(5) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع، و (ق) و (ك): "أن هذا هب أنه"!.
(6) في (ق) و (ك): "وكان سببهم أقوى من سبب الجاذب".
(3/258)

فنفضه عنه لئلا يقتلَه فمات، فالقاتل هو المُلقي. وأما السؤال الثاني فجوابه أن المباشر للتَّلف كالأسد والماء والنار، لما لم يمكن الإحالة عليه أُلغي فعله، وصار الحكم للسبب؛ ففي مسألة الزّبية ليس للرابع فعل البتة، وإنما هو مفعولٌ به محض، فله كمال الدية، والثالث فاعل ومفعول به فأُلغي ما يقابل فعله واعتُبر فعل الغير به، فكان قسطه نصف الدية، والثاني كذلك لأنه (1) جاذبٌ لواحد والمجذوبُ جاذبٌ لاخر (2)؛ فكان الذي حصل عليه من تأثير الغير فيه ثلث السبب وهو جذب الأول له فله ثُلثُ الدية، وأما الأولُ فثلاثة أرباعِ السبب من فعله، وهو سقوط الثلاثة الذين سقطوا بجذبه مباشرةً وتسببًا، وربعه من وقوعه بتزاحم الحاضرين، فكان حظُّهُ ربع الدية، وهذا أولى من تحميل عاقلة القتيل ما يقابل فعله، ويكون لورثته، وهذا هو خلاف القياس؛ لأن الدية شرعت مُواساة وجبْرًا، فإذا كان الرجل هو القاتل لنفسه أو مشاركًا في قتله لم يكن فعله بنفسه مضمونًا كما لو قَطَعَ طَرفَ نفسه أو أتلف مال نفسه؛ فقضاء عليٍّ (3) أقرب إلى القياس من هذا بكثير، وهو أولى أيضًا من أن يُحمل فعل المقتول على عَواقل الآخرين كما قاله أبو الخَطَّاب في مسألة المنجنيق أنه يُلْغي فعل المقتول في نفسه وتجب ديته بكاملها على عاقلة الآخرين نصفين، وهذا أبعد عن القياس مما قبله، إذ كيف تتحمل (4) العاقلة والأجانب جناية الإنسان على نفسه، ولو تحملتها العاقلةُ لكانت عاقلتهُ أولى بتحمُّلها، وكلا القولين يخالف القياس؛ فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين -رضي اللَّه عنه -.
وهو أيضًا أحسنُ (5) من تحميلِ ديةِ الرابع لعاقلة الثالث، وتحميلِ دية الثالث لعاقلة الثاني، وتحميلِ دية الثاني لعاقلة الأول، وإهدار دية الأول بالكلية؛ فإن هذا القول وإن كان له حظٌّ من القياس فإن الأول لم يَجْنِ عليه أحد، وهو الجاني على الثاني فديَّته على عاقلته، والثاني على الثالث، والثالث على الرابع، والرابع لم يَجْنِ على أحدٍ فلا شيءَ عليه؛ فهذا قد يُوهم (6) أنه في ظاهر القياس أصح من قضاء أمير المؤمنين ولهذا (7) ذهب إليه كثير من الفقهاء من أصحاب أحمد
__________
(1) في المطبوع: "إلا أنه"!.
(2) في (ق) و (ك): "جاذب الآخر" وسقطت "لواحد" من (ك).
(3) في المطبوع: "علي عليه السلام".
(4) في (ق): "تحمل العاقلة جناية الإنسان".
(5) في (ق): "وهو أحسن أيضًا".
(6) في المطبوع: "قد توهم".
(7) في (ك) و (ق): "ولقد".
(3/259)

وغيرهم، إلا أن ما قضى به عليٌّ أفقه؛ فإن الحاضرين ألجأوا الواقفين بمزاحمتِهم لهم فعواقلُهم أولى يحمل الدية من عواقل الهالكين، وأقرب إلى العدل من أن يُجمع عليهم بين هلاكِ أوليائهم وحمل ديَّاتهم، فتتضاعف عليهم المصيبة، ويُكسروا من حيث ينبغي جَبْرهم، ومحاسن الشريعة تأبى ذلك، وقد جعل اللَّه سبحانه لكل مصاب حظًا من الجبر، وهذا أصلُ شرع حملِ العاقلة الدية جبرًا للمصاب وإعانةً له.
وأيضًا فالثاني والثالث كلاهما مجنيٌّ عليهما فهما جانيان على أنفسهما وعلى من جَذَباه، فحصل هلاكهم [كلهم] (1) بفعل بعضهم ببعض، فألغَى ما قابل فعل كل واحد بنفسه، واعْتَبر جنايةَ الغير عليه.
وهو أيضًا أحسنُ من تحميلِ ديةِ الرابع لعواقل الثلاثة، وديةِ الثالث لعاقلة الثاني والأول، وديةِ الثاني لعاقلة الأول خاصة، وإنما (2) كان له أيضًا حظٌّ من قياس [تنزيلًا للسَّبب منزلة المُسيِّب، وقد اشترك في هَلاك الرابع] (3) الثلاثةُ الذين قبله، وفي هلاك الثالث الاثنان، وانفرد بهلاك الثاني الأول، ولكن قول عليّ [عليه السلام] (4) أدق وأفقه.

فصل [الحكم في بصير يقول أعمى فيخرّان معًا وفق القياس]
ومما يُظنَّ أنه يخالف (5) القياس ما رواه عليّ بن رباح اللَّخْميّ أنّ رجلًا كان يقول أعمى، فوَقَعا في بئرٍ، فخرَّ البَصيرُ، ووقع الأعمى فوقه فقتله، فقضى عمرُ بْنُ الخطاب -صلى اللَّه عليه وسلم- بعقْل (6) البصير على الأعمى، فكان الأعمى يدور في الموسم وينشد:
يا أيها الناسُ لَقِيت مُنْكرا ... هل يَعْقِلُ الأعمى الصَّحِيحَ المُبْصِرا؟
خرّا معًا كلاهما تكسَّرا (7)
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (د).
(2) في (ق): "وإن".
(3) في (ق): "تنزيلا لسبب السببب منزلة السبب وقد اشترك في هذا الرابع".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق) و (ك): "بخلاف".
(6) "العقل: الدية" (و).
(7) رواه ابن أبي شيبة، ومن طريقة ابن حزم في "المحلى" (10/ 506)، والدارقطني في =
(3/260)

وقد اختلف الناس في هذه المسألة؛ فذهب إلى قضاء عمر هذا عبدُ اللَّه بْنُ الزبير وشُرَيحٌ وإبراهيم النَّخعيُّ والشَّافعيُّ وأحمد وإسحاق (1)، وقال بعض الفقهاء: القياس أنه ليس على الأعمى ضمانُ البصير؛ لأنه الذي قَادَه إلى المكان الذي وقعا فيه وكان سببَ وقوعه عليه، وكذلك (2) لو فعله قصدًا منه لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمانُ الأعمى، ولو لم يكن سببًا لم يلزمه ضمانُه بقصده، قال أبو محمد المقدسي في "المغني" (3): لو قيل هذا لكان له وجه، إلا أن يكون مُجْمعًا عليه فلا يجوز مخالفة الإجماع.
والقياس حكم عمر -رضي اللَّه عنه-، لوجوه:
أحدها: أن قوْده له مأذونٌ فيه من جهة الأعمى، وما تولَّد من مأْذونٍ فيه لم يُضمن كنظائره.
الثاني: (4) قد يكون قوْدُه له مستحبًا أو واجبًا، ومن فعل ما وجب عليه أو نُدِب إليه لم يلزمه ضمان ما تولَّد منه.
الثالث: أنه قد اجتمع على ذلك الإذْنان: إذن الشارع وإذن الأعمى، فهو مُحْسن بامتثاله أمر الشارع محسن إلى الأعمى بقوْدِه له، و {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] وأما الأعمى فإنه سقط على البصير فقتله، فوجب عليه ضمانُه، كما لو سقط إنسان من سطح [على آخر] (5) فقتله، فهذا هو القياس.
وقولهم: "هو الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه" فهذا لا يوجب الضمان (6)؛ لأن قوْده ماذون فيه من جهته ومن جهة الشارع، وقولهم: "وكذلك (2) لو فعله قصدًا لم يضمنه" فصحيحٌ لأنه مسيءٌ وغيرُ مأذونٍ له في ذلك، لا من جهة الأعمى ولا من جهة الشارع، فالقياس المحْض قول عمر، وباللَّه التوفيق.
__________
= "سننه" (3/ 98 - 99)، ومن طريقه البيهقي (8/ 112) من طريق عُليّ بن رباح عن عمر.
قال ابن حجر في "التخليص" (3/ 37): فيه انقطاع، وقال ابن حزم: الرواية عن عمر لا تصح في أمر الأعمى, لأنه عن علي بن رباح والليث، وكلاهما لم يدرك عمر أصلًا.
وانظر تعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 3111).
(1) انظر: "المغني" (8/ 328 - 329)، أو (7/ 819 مع "الشرح الكبير").
(2) في (ق): "ولذلك".
(3) (8/ 328 - 329/ 6868).
(4) زاد هنا في (ك) و (ق): "إنه".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(6) كذا في (ق) واحتمل في الهامش "عدم" قبل "الضمان".
(3/261)

فصل [حكم عليٍّ في جماعة وقعوا على امرأة وفق القياس]
ومما أشكل على جمهور الفقهاء وظنّوه في غاية البعد عن القياس الحكم الذي حكم به عليُّ بنُ أبي طالب [كرم اللَّه وجهه في الجنة] (1) في الجماعة الذين وقعوا على امرأة في طُهْرٍ واحد، ثم تنازعوا الولد، فأقرع بينهم فيه.
ونحن نذكر هذه الحكومة ونبيّن مطابقتها للقياس؛ فذكر أبو داود والنَّسائيُّ من حديث عبد اللَّه بن الخَليل (2) عن زيد بن أرقم قال: كنت جالسًا عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجاء رجلٌ من أهل اليمن، فقال: إنّ ثلاثة من أهل اليمن أتوْا عليًا يختصمون إليه في ولد قد وَقعوا على امرأة في طُهر واحد، فقال لاثنين: طِيبا بالولد لهذا، ([فقالا: لا] (3)، ثم قال لاثنين: طِيبا بالولد لهذا (4)، [فقالا: لا] (3)، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، [فقالا: لا]) (3)، فقال: أنتم شُركاء مُتشاكسون، إني مُقرعٌ بينكم، فمن قُرِع فله الولدُ وعليه لصاحبيه ثُلثا الدية، فأقرع بينهم، فجعله لمن قُرع له، فضحِك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى بدَت أَضراسُه أو نواجِذُه (5). وفي إسناده
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) في (ق): "عبد اللَّه بن أبي الخليل".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "فأبيا" وبدل ما بين الهلالين في (ك): "فأبيا" وسقطت العبارة الأخيرة (لاثنين. . . لا) من (ق).
(4) في (ق): "طيبا لهذا بالولد".
(5) الحديث فيه اختلاف واضطراب في سنده، بيّن ذلك وفصله ابن أبي حاتم في "علله" (1/ 402) رقم (1204) و (2/ 273) رقم (2137)، والدارقطني في "علله" (3/ 117 - 120)، والبيهقي في "سننه" (10/ 266 - 267)، ورجَّح أبو حاتم والبيهقي رواية الوقف، وكذا النسائي في "سننه" (6/ 184) قال أبو حاتم: اختلفوا في هذا الحديث فاضطربوا، والصحيح حديث سلمة بن كهيل. ونحوه قال البيهقي. وقال أبو حاتم في مكان آخر: وأتقنهم سلمة بن كهيل، والشيباني قوي. أقول: رواية سلمة بن كهيل، رواها أبو داود (2271) في (الطلاق): باب من قال بالقرعة، والنسائي في "سننه" (6/ 184) في (الطلاق): باب القرعة في الولد، والبيهقي في "سننه" (10/ 267) من طريق شعبة عنه عن الشعبي عن أبي الخليل أو ابن الخليل عن علي موقوفًا.
ورواية الشيباني وهو سليمان بن أبي سليمان، أبو إسحاق رواها النسائي في "سننه" (6/ 183) من طريقه عن الشعبي عن رجل من حضرموت عن زيد بن أرقم به مرفوعًا، وأخرجه ابن أبي شيبة (7/ 352)، والحميدي (785 أو رقم 803 - ط حسين أسد)، وأحمد (4/ 374)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب الطلاق، باب القرعة في الولد إذا تنازعوا فيه، 6/ 182 - 183)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الطلاق، باب من قال =
(3/262)

يحيى بن عبد اللَّه [الكنديَّ] الأَجْلح (1)، ولا يحتج بحديثه. لكن رواه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقات إلى عبد خير عن زيد بن أرقم، قال: أُتي علي بثلاثة وهو باليمن وَقعوا على امرأةٍ في طهرٍ واحد، فقال لاثنين: أتُقرَّانِ لهذا؟ قالا: لا، حتى سألهم جميعًا، فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا، فأقرَعَ بينهم، فألحق
__________
= بالقرعة إذا تنازعوا في الولد، رقم 2269)، والطيالسي في "المسند" (رقم 187)، والقطيعي في "زياداته على فضائل الصحابة" (رقم 1095)، والطبراني (4990) , والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (1/ 45)، والحاكم في "المستدرك" (3/ 135 - 136)، والبيهقي في "الكبرى" (10/ 267) والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 134)؛ عن الأجلح بن عبد اللَّه، عن الشعبي، عن عبد اللَّه بن الخليل، عن زيد بن أرقم؛ قال: "أتى علي باليمن. . . " (وذكره). وفي آخره: قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما أجد فيها إلا ما قال علي".
وتابع الأجلح: محمَّد بن سالم -وهو متروك، قاله البيهقي في "الكبرى" (10/ 267) -، وأبو حاتم الرازي؛ كما في "العلل" لابنه (2/ رقم 2317).
وتابعهما: جابر الجعفي، أفاده الدارقطني في "العلل" (3/ 313)، وقال أبو حاتم: "وخالفهما -أي: الأجلح ومحمد بن سالم- جابر الجعفي فيما روى عنه ورقاء؛ فقال: عن الشعبي، عن علي بن زربي، عن زيد بن أرقم، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
قلت: ظفرتُ به عن قيس عن جابر مثل رواية الأجلح؟ فالظاهر أن خلافًا وقع فيه على جابر! والخلاف في هذا الحديث على ضروبٍ وألوانٍ شديدة، ولذا قال أبو حاتم في "العلل" (1/ رقم 1204): "اختلفوا في هذا الحديث واضطربوا"، وقال: "والصحيح حديث سلمة بن كهيل"، وقال في موطن آخر (2/ رقم 3317): "وأتقنهم سلمة بن كهيل".
ومضى تخريجه والأثر من طريقه. وانظر سائر الطرق في "علل الدارقطني" و"علل ابن أبي حاتم".
ونقل ابن رجب في "تقرير القواعد" (3/ 232 - بتحقيقي) عن أحمد في رواية علي بن سعيد قوله عن هذا الحديث: "لا أعرفه صحيحًا"، وأوهنه"، بينما قال في رواية صالح (2/ 105 - 106/ 662): "مختلف فيه" وكذا سينقله المصنف عنه قريبًا.
وانظر: "الطرق الحكمية" (ص 430 - ط العسكري)، و"المحلى" (10/ 150).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك)، وفي (د) و (ط): "الكندري"!، والمثبت من (و) وهو الصواب، وقال: "قال المنذري: لا يحتج بحديثه. وقال في "الخلاصة": وثقة يحيى بن معين والعجلي، وقال ابن عدي: يعد في الشيعة مستقيم الحديث، وضعفه النسائي. رواه الخمسة إلا الترمذي، ورواه أبو داود والنسائي موقوفًا على علي بإسناد أجود من إسناد المرفوع، وكذلك رواه الحميدي في "مسنده" وقال في: فأغرمه ثلثي قيمة الجارية لصاحبيه". انتهى. وانظر: "ميزان الاعتدال" (4/ 388) للذهبي، ووقع في (ن) يحيى بن عبد اللَّه بن الأجلح، هكذا.
(3/263)

الولد بالذي صارت له القرعة، وجعل [لصاحبيه] (1) عليه ثُلثي الدِّية (2)، فذُكر ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فضحك حتى بدت نواجذُه (3). وقد أُعلَّ هذا الحديث بأنه روي عن عبد خير بإسقاط زيد بن أرقم فيكون مرسلًا، قال النسائي: وهذا أصوب (4)، قلت: وهذا ليس بعلة، ولا يوجب إرسالًا في الحديث؛ فإن عبد خير سمع من عليٍّ وهو صاحب القصة، فهب أن زيد بن أرقم لا ذِكْر له في المتن، فمن أين يجيءُ الإرسال؟

[حكم الفقهاء في الحديث]
وبعد، فقد اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث، فذهب إلى القول به (5) إسحاق بن راهويه، وقال: هو السنة في دعوى الولد. وكان الشافعي يقول به في القديم، وأما الإِمام أحمد فسُئل عنه فرجّح عليه حديث القَافَة (6) وقال: حديث القافة أحبُّ إليَّ (7).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ك): "وجعل ثلثا الدية على الآخرين". وفي (ق): "الدية، قال فذكر".
(3) أخرجه عبد الرزاق (2348)، والنسائي (6/ 182)، وأبو داود (2270)، وابن ماجه (2348)، والطبراني في "الكبير" (4987)، والبيهقي (10/ 266 - 267) من طريق سفيان الثوري عن صالح الهمداني عن الشعبي عن عبد خير به.
قال البيهقي: "هذا الحديث مما يعد في أفراد عبد الرزاق عن الثوري" قال: "والمشهور في هذا الباب. . " وذكر طريق الأجلح.
قلت: ويتأيد ذلك، بما أخرجه أحمد (4/ 373) عن عبد الرزاق عن الثوري عن الأجلح به، وكذا رواه أحمد بن الفرات أبو مسعود عن عبد الرزاق، عند الطبراني (4988).
(4) في (ن) و (ق): "وهذا الصواب" وفي (ك): "وهذا صواب". وقال في "الكبرى" (3/ 380): "هذه الأحاديث كلها مضطربة الأسانيد".
(5) في (ن): "فذهب إليه".
(6) رواه البخاري (3555) في (المناقب): باب صفة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، و (3731) في "فضائل الصحابة): باب مناقب زيد بن حارثة، و (6770 و 6771) في (الفرائض): باب القائف. ومسلم (1459) في (الرضاع): باب العمل بإلحاق القافة بالولد، من حديث عائشة.
وقال (ط) -تعريفًا للقافة-: "نسبة الولد إلى أبيه بعلامات تثبت بنوته له" اه.
(7) قال أحمد -في رواية ابن منصور-: وحديث عمر في القافة أعجب إلى، نقله ابن رجب في "تقرير القواعد" (3/ 233) قلت: وكلام أحمد دقيق، فالذي قضى به عمر، إنما وقع له في حادثة كالمنقولة عن علي في الحالة السابقة.
أخرج مالك في "الموطأ" (461 - رواية يحيى، ورقم 2889 - رواية أبي مصعب) - =
(3/264)

وههنا أمران: أولهما دخول الولد (1) في النسب.
والثاني: تغريم من خَرَجت له القرعة ثُلثُي دية ولده لصاحبيه، وكُلٌّ منهما بعيدٌ عن القياس؛ فلذلك قالوا: هذا [من] (2) أبعد شيء عن القياس.
فيُقال: القرعة قد تستعمل عند فقدان مُرَجِّح سواها من بيّنة أو إقرار أو قافة (3)، وليس ببعيد تعيين المستحق بالقرعة في هذا (4) الحال؛ إذ هي غاية المقدور عليه من أسباب ترجيح الدعوى (5)، ولهذا دخول في دعوى الأَمْلاك المرسلة التي لا تثبُتُ بمّرينة ولا أمارة (6)، فدخولها في النَّسب الذي يثبُتُ بمجرد
__________
= وعنه: الشافعي في "المسند" (330)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 263) - عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار: "أن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإِسلام. قال سليمان: فأتى رجلان، كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعا عمر قائفًا، فنظر إليهما، فقال القائف: لقد اشتركا فيه، فضربه عمر بالدرة، قال: ما يدريك؟! ثم دعا المرأة؛ فقال: أخبريني خبرك. فقالت: كان هذا لأحد الرجلين يأتيها وهي في الإبل لأهلها؛ فلا يفارقها حتى يظن وتظن أن قد استمر بها حمل، ثم انصرف عنها، فهرقت الدماء، ثم خلف هذا (تعني: الآخر)، ولا أدري من أيهما هو؟ قال: فكبر القائف؛ فقال عمر للغلام: والِ أيهما شئت".
وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"، وعنه البيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 263)؛ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- قضى في رجلين ادَّعيا رجلًا لا يدري أيهما أبوه؛ فقال عمر -رضي اللَّه عنه- للرجل: "أَتبع أيهما شئت".
قال البيهقي: "هذا إسناد صحيح موصول"، وقال (10/ 264): "ورواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن عمر -رضي اللَّه عنه- موصولة، ورواية سليمان بن يسار لها شاهدة، وكلاهما يثبت قول عمر -رضي اللَّه عنه-: "والِ أيَّهما شئت".
وللأثر طرق أخرى عند البيهقي وغيره. وانظر بعضًا منها عند عبد الرزاق في "المصنف" (7/ 360 - 361).
(1) في المطبوع: "دخول القرعة". وفي (ق): "أحدهما دخول الولد".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) "القائف": الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، والجمع: القافة" (و).
(4) في (ق): "هذه".
(5) في (ن): "من الباب بترجيح الدعوى"، وفي (ق): "من الباب ترجيح الدعوى"، وقال في الهامش: "لعله: المقدور عليه في الباب من ترجيح الدعوى" وفي (ك): "وعليه من أسباب" وفي (ق): "ولها دخول".
(6) انظر: "زاد المعاد" (4/ 121)، و"البدائع" (3/ 266)، و"الطرق الحكمية" (269، 351) للمصنف، و"قواعد ابن رجب" (3/ 231 - بتحقيقي).
(3/265)

الشَّبه الخفي المستند إلى قولِ القائفِ أوْلى وأحْرى.
وأما أمر الدية فمشكلٌ جدًا؛ فإن هذا ليس بقتل يُوجب الدية، وإنما هو تفويتُ نسبه بخروج القُرعة له؛ فيمكن أن يُقال: وطءُ كل واحد صالحٌ لجعْل الولد له، فقد فوّته كل واحد [منهم] (1) على صاحبه بوطئه، ولكن لم يتحقق مَنْ كان له الولد منهم، فلما أخرجته القرعةُ لأحدهم صار مُفوِّتًا لنسبه على صاحبيه، فأجرى ذلك مجرى إتلاف الولد، ونزل الثلاثةُ منزلة أبٍ واحد، فحَصّةُ المُتْلف منه (2)، ثلثُ الدية؛ إذ قد عاد الولد له؛ فيغرَّم لكل [وَاحد] (3) من صاحبيه ما يخصُّه، وهو ثلثُ الدية (4).
ووجه آخر أحسن من هذا: [وهو] (5) أنه لما أتلفه عليهما بوطئه ولحوق الولد به وَجَب عليه ضمانُ قيمته، وقيمة الولد شرعًا [هي] (1) ديتُه، فلزمه (6) لهما ثُلُثا قيمته وهي ثلثا الدية، وصار هذا كمن أتلف عبدًا بينه وبين شريكين له فإنه يجب عليه ثُلُثا القيمة لشريكيه؛ فإتلاف الولدِ [الحُرِّ] (1) عليهما بحكم القرعة كإتلاف الرقيق الذي بينهم، ونظير هذا تضمين الصحابة (7) المغرور بحرية الأمة لما فات رِقُّهم على السيد (8) بحريَّتهم، وكانوا بصدد أن يكونوا أرقاء له، وهذا من ألْطف ما يكون من القياس وأدقِّه، ولا يهتدي إليه إلا أفهام الراسخين في العلم؛ وقد ظن طائفةٌ -أيضًا- أن هذا على (9) خلاف القياس، وليس كما ظَنُّوا، بل هو محضُ الفقه، فإن الولد تابع للأم في الحرية والرق، ولهذا ولد الحر من أمةِ الغيرِ رقيقٌ، وولدُ العبد من الحرة حُرٌّ.
قال الإِمام أحمد: إذا تزوج الحُرُّ بالأمة رقَّ نصفُه، وإذا تزوج العبد بالحرة عَتقَ نصفه؛ فولدُ الأمة المزوجة بهذا المغرور كانوا بصدد أن يكونوا أرقاء لسيدها, ولكنْ لما دخل الزوجُ على حرية المرأة دخل على أن يكونَ أولاده أحرارًا، والولدُ يتبع اعتقاد الواطئ فانعقد أولاده (10) أحرارًا، وقد فَوَّتهم على السيد، وليس مراعاة أحدهما بأولى من مراعاة الآخر، ولا تفويت حق أحدهما بأولى من حق صاحبه؛ فَحفِظَ الصحابةُ الحَقَّين وراعوا الجانبين، فحكموا بحرية
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2) في (ك) و (ق): "منهم".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) انظر "زاد المعاد" (4/ 120 - 121).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ن) و (ك).
(6) في (ق): "ولزمه".
(7) انظر ما مضى (216).
(8) في (ق): "سيدهم".
(9) في (د): ". . . طائفة أن هذا أيضًا على".
(10) في المطبوع و (ق): "ولده".
(3/266)

الأولاد وإن كانت أمّهم رقيقة؛ لأن الزوج إنما دخل على حرية أولاده، ولو توهَّم رقهم لم يدخل على ذلك، ولم يضيّعوا حق السيد بل حكموا على الواطيء بفداء أولاده، وأعطوا العَدْل حقه؛ فأوجبوا فدائهم بمثلهم تقريبًا لا بالقيمة، ثم وفوا العدل بأن مَكَّنوا المغرورَ من الرجوع بما غرمه على من غَرَّه؛ لأن غُرْمه كان بسبب غروره (1)، والقياس والعدل يقتضي أن من تسبب إلى إتلاف مال شخص أو تغريمه أنه يضمن ما غرمه، كما يضمن ما أتلفه؛ إذ غايته أنه إتلافٌ بسبب، وإتلاف المُسَبِّب (2) كإتلاف المباشر في أصل الضمان.
فإن قيل: وبعد ذلك كله فهذا خلاف القياس أيضًا؛ فإن الولد كما هو بعضُ الأم وجزء منها فهو بعض الأب، وبعضيَّتُه للأب أعظم من بعضيته للأم، ولهذا إنما يذكرُ اللَّه سبحانه في كتابه تخليقَه من ماءِ الرجل كقوله: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق: 5 - 7] , وقوله: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} [القيامة: 37]، ونظائرها من الآيات التي إن لم تختص بماء الرجل فهي فيه أظهر، وإذا كان جزءًا من الواطئ وجزءًا من الأم فكيف كان مُلكًا لسيِّد الأم دون سيد الأب؟ ويخالف القياس من وجه آخر، وهو أن الماءَ بمنزلة البَذْر، ولو أن رجلًا أخذ بَذْر غيره فزرعه في أرضه كان الزَّرع لصاحب البذر وإن كان عليه أجرةُ الأرض.
قيل: لا ريبَ أن الولد منعقدٌ من ماءِ الأب كما هو منعقد من ماء الأم، ولكن إنما تكوّن (3) وصار مالًا متقوَّمًا في بَطْن الأم؛ فالأجزاءُ التي صار بها كذلك من الأم أضعافُ أضعاف الجزء الذي من الأب، مع مساواتها له في ذلك الجزء؛ فهو إنما تكوَّن في أحشائها من لحمها ودمها, ولمَّا وَضَعَه الأب لم يكن له قيمة أصلًا، بل كان كما سَمَّاه اللَّه ماءً مهينًا لا قيمة له، ولهذا لو نزا فحلُ رجل على رمكة (4) آخر كان الولدُ لمالك الأم باتفاق المسلمين، وهذا بخلاف البذر فإنه مالٌ متقوَّم له قيمة قبل وضعه في الأرض يعاوض عليه بالأثمان، وعسب الفحل لا يعاوض عليه، فقياس أحدهما [على الآخر] (5) من أبطل القياس.
__________
(1) في (ن): "لأن غرته بسبب غروره".
(2) في المطبوع و (ن): "المتسبب".
(3) في (ق): "يكون".
(4) "الرَّمَكَة -محركة-: الفرس والبرذونة تُتخذ للنسل، والجمع: رمك، وجمع الجمع: أرماك" (د)، ونفسه في (ح)، ونحوه في (و)، و (ط).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3/267)

[لماذا جعل النسب للأب]
فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في النسب، وجعلتموه للأم كما جعلتموه للأب؟
قيل؛ قد اتفق المسلمون على أن النَّسبَ للأب، كما اتفقوا على أنه يتبع الأم في الحُريَّة والرق (1)، وهذا هو الذي يقتضي حكم اللَّه (2) شرعًا وقدرًا؛ فإنَّ الأبَ هو المولودُ له، والأم وِعاءٌ يكون فيها (3)، واللَّه سبحانه جعل الولدَ خليفة أبيه وشَجْنَته (4) والقائم مقامه، ووضع الأنساب بين عباده؛ فيُقال: فلانٌ ابن فلان، ولا تتمُّ مصالحُهم وتعارفُهم ومعاملاتُهم إلا بذلك، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13] فلولا (5) ثبوتُ الأنساب من قبل الآباء لما حَصلَ التعارفُ، ولفسد نظام العباد؛ فإن النساءَ محتجباتٌ مستورات عن العيون؛ ولا يمكن في الغالب أن تعرف عين الأم فيشهد على نسب الولد منها، فلو جُعلت (6) الأنسابُ للأمَّهات لضاعت وفسدت، وكان ذلك مناقضًا للحكمة والرحمة والمصلحة، ولهذا إنما يُدْعى الناس يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم.
قال البخاريُّ في "صحيحه": (بابُ يُدْعَى الناس بآبائهم يوم القيامة)، ثم ذكر حديث: "لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة عند اسْتِهِ بِقَدْرِ غَدْرته، يُقال: هذه غَدْرةُ فلانِ ابنِ فُلان" (7).
__________
(1) انظر أحكام النسب في "تهذيب السنن" (3/ 175، 177، 178 - 183).
(2) في المطبوع: "الذي تقتضيه حكمة اللَّه".
(3) في المطبوع و (ن): "وإن تكون فيها".
(4) "الشجن -محركة- والشجنة -بسكون الجيم والشين مثلثة- يطلق على معان، فيطلق على الحاجة، وعلى الغصن المشتبك، وعلى الشعبة من كل شيء ووقع في بعض النسخ "ونتيجته" (د)، ونحوه في (ط)، و (و)، و (ح) ووقع في (ق) و (ك): "ونسخته".
(5) في (ق): "ولولا".
(6) في (ق): "جعل".
(7) هو بهذا اللفظ مركب من أحاديث: حديث أبي سعيد الخدري: رواه مسلم في (الجهاد) (1738) باب تحريم الغدر.
وحديث ابن مسعود: رواه البخاري (3186) في (الجهاد): باب إثم الغادر، ومسلم (1736).
وحديث ابن عمر: رواه البخاري (3188) (كتاب بدء الخلق): باب إثم الغادر للبر والفاجر، و (6177 و 6178) (كتاب الأدب): باب ما يُدعى الناس بآبائهم، و (6966) (كتاب الحيل): باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت. . .، ومسلم (1735).
وحديث أنس: رواه البخاري (3187)، ومسلم (1737).
(3/268)

فكان من تمام الحكمة أن جعل الحرية والرق تبعًا للأم، والنسب تبعًا للأب، والقياس الفاسدُ [إنما] (1) يَجمعُ ما فرَّق اللَّه بينه أو يُفرِّق (2) بين ما جمع اللَّه بينه.

[من أحكام الولاء]
فإن قيل: فهلَّا طردتم ذلك في الولاء، بل جعلتموه لموالي الأم (3)؟ والولاء لحمُهُ كلُحْمة النَّسب.
قيل: لمَّا كان الولاء من آثار الرق وموجباته كان تابعًا له في حكمه، فكان لموالي الأم، ولما كان في شائبةِ النسب وهو لُحْمةٌ كلحمته رجع إلى موالي الأب عند انقطاعه عن موالي الأم، فروعيَ فيه الأمران، ورُتب عليه الأثران.
فإن قيل: فهلَّا جعلتم الولد في الدِّين تابعًا لمن له النسب، بل ألحقتموه بأَبيه تارة وبأمه تارة؟.
قيل: الطفل لا يستقل بنفسه، بل لا يكون إلا تابعًا لغيره؛ فجعله الشارع تابعًا (4) لخير أبويه في الدين تغليبًا لخير الدِّينين، فإنه إذا لم يكن له بد من التبعية لم يجز أن يَتبعَ من هو على دين الشيطان، وتنقطع تبعيته عمن هو على دين الرحمن؛ فهذا مح الذي حكمة اللَّه تعالى (5) وشرعه.
فإن قيل: فاجعلوه تابعًا لسابيه في الإِسلام وإن كان معه أبواه أو أحدهما، فإن تبعيته لأبويه (6) قد انقطعت وصار السابي هو أحقُّ به.
قيل: نعم، وهكذا نقول سواء، وهو قول إمام أهل الشام عبدُ الرحمن بن عمرو الأوزاعي (7)، ونص عليه أحمد (8)، واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية (9).

[المسبي تابع في الإِسلام لسابيه]
وقد أجمع الناس على أنه يُحكم بإسلامه تبعًا لسابيه إذا سُبي وحده، قالوا:
__________
(1) في (ق) و (ك): "دائمًا".
(2) في (ك): "ويفرق" وفي (ق): "يجمع بين ما فرق اللَّه بينه ويفرق".
(3) في (ن) و (ك): "لولي الأم".
(4) في (ق): "تبعًا".
(5) في (ق) و (ك): "في حكم اللَّه تعالى" وكلمة "تعالى" سقطت من (ق).
(6) في (ن): "فإن تبعية الأبوين".
(7) انظر: "فقه الإِمام الأوزاعي" (2/ 426).
(8) انظر: "المغني" (10/ 473)، و"الجامع" للخلّال (2/ 418 - 419).
(9) انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (34/ 132).
(3/269)

لأن تبعيَّته قد إنقطعت عن أبويه صار تابعًا لسابيه، واختلفوا فيما إذا سُبي مع أحدهما على ثلاثة مذاهب:
أحدهما: يُحكم بإسلامه، نَصَّ عليه أحمد (1) في إحدى الروايتين، وهي المشهورة من مذهبه، وهو قول الأوزاعي (2).
والثاني: لا يُحكم بإسلامه؛ لأنه لم ينفرد عن أبويه.
الثالث: أنه إنْ سُبي مع الأب تبعه في دينه، وإن سُبيَ مع الأم وحدها فهو مسلم، وهو قول مالك.
وقول الأوزاعي وفقهاء [أهل] (3) الثغر أصحُّ وأسلم من التناقض؛ فإن السابي قد صار أحق به، وقد انقطعت تبعيته لأبويه، ولم يبق لهما عليه حكم (4)، فلا فَرْق بين كونهما في دار الحرب [وبين كونهما] (5) أسيرين في أيدي المسلمين، بل انقطاعُ تبعيته لهما في حال أسرهما [وقَهْرهما] (6) وإذلالهما واستحقاق قتلهما أولى من [انقطاعها حال قوةِ شوكتهما وخوف معرَّتِهما، فما الذي يُسوغ له الكفر باللَّه والشرك به وأبواه أسيران] (7) في أيدي المسلمين ومنعه من ذلك وأبواه في دارِ الحرب؟ وهل هذا إلا تناقضٌ محضٌ؟ وأيضًا فيُقال لهم: إذا سُبيَ الأبوان ثم قُتلا فهل يستمرُ الطفل على كفره عندكم أو تحكمون بإسلامه؟ فمن قولكم أنه يستمر على كفره كما لو ماتا، فيقال: وأي كتاب أو سنةٍ أو قياسٍ صحيح أو معنى معتبر أو فرق مؤثر بين أن يُقتلا في حال الحرب أو بعد الأسر والسبي؟ وهل يكونُ المعنى الذي حُكم بإسلامه لأجله إذا سُبي وحده زائلًا (8) بسبائهما ثم قَتْلِهما بعد ذلك؟ وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلين؟ وأيضًا فهل تعتبرون وجود الطفل والأبوين في ملك سَابٍ واحدٍ أو يكون معهما في جُملة العسكر؟ فإن اعتبرتم الأول طُولبتم بالدليل على ذلك، وإن اعتبرتم الثاني فمن المعلوم انقطاع تبعيته
__________
(1) انظر: "المغني" (10/ 473)، و"الجامع" للخلّال (2/ 418 - 419).
(2) انظر: "فقه الإِمام الأوزاعي" (2/ 426).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(4) في (ق) و (ن) و (ك): "له عليهما حكم".
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "أو" وفي (ق): "أو بين كونهما".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك): "انقطاعه عنهما والشرك به وأبواه أسيرين".
(8) في (ق) و (ك): "وهل المعنى. . . زائل".
(3/270)

لهما واستيلائهما عليه، واختصاصه بسابيه، ووجودهما بحيث لا يُمكَّنان منه ومن تربيته وحضانته، واختصاصهما به لا أَثَرَ له، وهو كوجُودِهما في دار الحرب سواء، وأيضًا فإن الطفل لما لم يستقلّ بنفسه لم يكن (1) بُدٌّ من جعله تابعًا لغيره، وقد دار الأمر بين أن يُجعل تابعًا لمالكه وسَابيه ومَنْ هو أحقُّ الناس به وبين أَن يُجعل تابعًا لأبويه ولا حَقَّ لهما فيه بوجه، ولا ريبَ أن الأولَ أولى. وأيضًا فإن ولاية الأبوين قد زالت بالكليّة، وقد انقطع الميراث وولاية النكاح وسائر الولايات، فما بالُ ولاية الدِّين الباطل باقية وحدها؟ وقد نص الإِمام أحمد على منع أهل الذمة أن يشتروا رقيقًا من سَبي المسلمين، وكتب بذلك عمر بن الخطاب إلى الأمصار (2)، واشْتَهر ولم ينكره مُنْكر فهو إجماع من الصحابة، وإن نازع فيه بعض الأئمة، وما ذاك إلا أنَّ في تمليكه للكافر ونقله عن يدِ المسلمِ قطعٌ (3) لما كان بصدده من مشاهدةِ معالم الإِسلام وسماعه القرآن (4)، فربما دعاه ذلك إلى اختياره، فلو كان تابعًا لأبويه [على دينهما] (5) لم يُمنعا من شِراء، وباللَّه التوفيق.
فإن قيل: فيلزمكم على هذا أنه لو مات الأبوان أن تحكموا بإسلام الطفل لانقطاع تبعيّته للأبوين ولا سيما وهو (6) مسلمٌ بأصل الفطرة، وقد زال مُعارِض الإِسلام، وهو تهويدُ الأبوين وتنصيرُهما.
قيل: قد نص الإِمام أحمد (7) على ذلك في رواية جماعة من أصحابه، واحتج بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما من مولودٍ إلا يُولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه ويُنصِّرانه ويمَجِّسانه" (8) فإذا لم يكن له أبوان فهو على أصل الفطرة فيكون مسلمًا.
__________
(1) في (ق): "ولم يكن".
(2) أخرج ذلك عبد الرزاق في "المصنف" (6/ 49 و 10/ 367)، وأوضح منه عند النحل الذي "الجامع" (1/ 176 - 177 ورقم 276 - 280)، وانظر "المغني" (9/ 126)، و"موسوعة فقه عمر بن الخطاب" (ص 135).
(3) في (ق) و (ك): "مسلم قطعًا".
(4) في (ق): "للقرآن".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(6) في (ق): "فهو".
(7) نقل ذلك عنه -ضمن روايات- أبو يعلى في "الروايتين والوجهين" (2/ 370)، وأفاد ابن حجر في "الفتح" (3/ 348 - 349) أن هذه رواية الميموني عنه، وقال: "وذكره ابن بطة".
ونقله ابن حجر عن ابن القيم خلافًا لما قرره هنا!! وانظر: "معالم السنن" (7/ 86 - 88 ط شاكر والفقي)، و"شرح النووي على صحيح مسلم" (16/ 208)، وفي (د): "قد نص على ذلك الإِمام أحمد".
(8) رواه البخاري في (الجنائز): (1358 و 1359) باب إذا أسلم الصبي، و (1385) باب ما =
(3/271)

فإن قيل: فهلا طردتم (1) هذا فيما لو انقطع نسبُه عن الأب مثل كونه ولدَ زنا أو منفيًّا (2) بلعان؟
قيل: نعم؛ لوجودِ المُقتضي لإسلامه بالفطرة، وعدم المانع وهو وجود الأبوين، ولكن الراجح في الدليل قول الجمهور، وأنه لا يُحْكم بإسلامه بذلك، وهو الرواية الثانية عنه اختارها شيخ الإِسلام (3)، وعلى هذا فالفرق بين هذه المسألة ومسألة المَسْبي أن المسبيَّ قوإنقطعت تبعيته [لمن هو على دينه، وصار تابعًا لسابيه المسلم بخلاف من مات أبواه أو أحدُهما فإنه تابعٌ لأقاربه أَو وصيِّ أبيه؛ فإن انقطعت تبعيَّته] (4) لأبويه فلم تنقطع لمن يقوم مقامَهما من أقاربه أو أوصيائه، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أخبر عن تهويدِ الأبوين وتنصيرِهما (5)، بناءً على الغالب (6)، وهذا لا مفهومَ له لوجهين: أحدهما أنه مفهومُ لقب، والثاني (7) أنه خرج مَخْرَج الغالب. ومما يدل على ذلك العملُ المستمرُ من عَهْد الصحابة وإلى اليوم بموت أهل الذِّمة وتركهم الأطفال، ولم يتعرض أحد من الأئمة و [لا] (8) ولاةَ الأمور لأطفالهم، ولم يقولوا: هؤلاء مسلمون، ومثل هذا لا يهمِلُه الصحابةُ والتابعون وأئمةُ المسلمين.
فإن قيل: فهل تطردون هذا الأصل في جعله تبعًا للمالك، فتقولون: إذا اشترى المسلمُ طفلًا [كافرًا] (9) يكون مسلمًا تبعًا له، أو تتناقضون فتفرِّقون بينه وبين السَّابي؟ وصورة المسألة فيها (10) إذا زَوَّج الذمي عَبْدَه الكافر من أمته فجاءت بولد أو تزوج الحرُّ منهم أمةً فأولدها ثم باع السيد هذا الولد لمسلم؟
قيل: نعم نطرده ونحكمُ بإسلامه. قاله شيخنا قدَّس اللَّه روحه (11)، ولكن جادة المذهب أنه باقٍ على كفره كما لو سُبي مع أبويه وأولى. والصحيح قول
__________
= قيل في أولاد المشركين، و (4775) في (التفسير): باب لا تبديل لخلق اللَّه، و (6599) في (القدر): باب اللَّه أعلم بما كانوا عاملين، ومسلم (2658) في (القدر): باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، من حديث أبي هريرة.
(1) في المطبوع: "فهل تطردون".
(2) في (ك) و (ق): "منتفيًا".
(3) انظر: "مجموع الفتاوى" (4/ 246).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) سبق تخريجه قريبًا.
(6) في (ق): "بناء للغالب".
(7) في (ق): "الثاني".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(10) في (ق): "فيما".
(11) انظر: "مجموع الفتاوى" (4/ 246).
(3/272)

شيخِنا؛ لأن تبعيَّته للأبوين قد زالت، وانقطعت الموالاةُ والميراثُ والحضانةُ بين الطفل والأبوين، وصار المالكُ أحقَّ به، وهو تابعٌ له؛ فلا يُفرد عنه بحكم، فكيف يُفرد عنه في دِينه؛ وهذا طرد الحكم (1) بإسلامه في مسألة السباء، وباللَّه التوفيق.

فصل [ليس في الشريعة ما يخالف العقل]
فهذه نبذة يسيرة تطلعك على ما وراءها من أنه ليس في الشريعة شيءٌ يخالف القياس، ولا في المنقول عن الصحابة الذي لا يُعلم لهم فيه مخالف، وأن القياسَ الصحيحَ دائرٌ مع أوامرها ونواهيها وجودًا وعدمًا، كما أن المعقولَ الصحيح (2) دائرٌ مع أخبارها وجودًا وعدمًا، فلم يخبر اللَّه و [لا] (3) رسوله بما يناقض صريح العقل، ولم يشرع ما يناقض الميزان والعدل.

[شبهات لنفاة القياس وأمثلة لها]
ولنفاة الحكم والتعليل والقياس هاهنا سؤالٌ مشهور، وهو أن الشريعة قد فَرَّقت بين المتماثلين، وجمعت بين المختلفين؛ فإن الشارع فرض الغُسل من المني وأَبطل الصوم بإنزاله عمدًا وهو طاهر، دون البَوْل والمذي وهو نجس, وأَوجبَ غسل الثوب من بول الصبيَّة والنَّضْحِ من بول الصبي مع تساويهما، ونقص الشطر من صلاة المسافر الرباعية وأبقى الثلاثية والثنائية على حالهما، وأوجبَ [قضاءَ] (4) الصوم على الحائض دون الصلاة مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها، وحرم النَّظر إلى العجوز الشَّوْهاء القبيحةِ المَنْظر إذا كانت حُرَّة وجوزه إلى الأمةِ الشَّابة البارعة الجمال، وقطع سارقَ ثلاثة دراهم دون مُختلسِ ألف دينار أو منتهبها أو غاصبها، ثم جعل ديتها خمس مئةِ دينار؛ فقطعها في ربع دينار، وجعل ديتها هذا القدر الكثير (5)، وأوجبَ حدَّ الفرية على مَنْ قذف غيره بالزنا دون من قذفه بالكفر وهو شرٌّ منه (6)، واكتفى بالقتل بشاهدين دون الزنا والقتل أكبر من الزنا، وجلد
__________
(1) في (ق): "للحكم".
(2) في (ن): "المعقول الصريح".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ط).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5) في المطبوع: "الكبير".
(6) انظر في ذلك كله: "بدائع الفوائد" (3/ 140 - 141)، و"الحدود والتعزيرات" (208 - 210) للشيخ بكر أبو زيد.
(3/273)

قاذفَ الحرِّ الفاسق دون العبد العفيف الصالح، وفرّق في العدة بين الموت والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما، وجعل عدة الحرة ثلاث حيض واستبراء الأمة بحيضة والمقصود العلم ببراءة الرحم، وحرم المطلقة بثلاث على الزوج المُطلِّق ثم أباحها له إذا تزوجت بغيره وحالها في الموضعين واحدة, وأوجب غسل غير الموضع الذي خرجت منه الريح ولم يوجب غسله، ولم يعتبر توبة القاتل وندمه قبل القدرة عليه واعتبر توبة المحارب قبل القدرة عليه، وقبل شهادة العبد والمملوك عليه بأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال كذا وكذا ولم يقبل شهادته على آحاد الناس أنه قال كذا وكذا، وأوْجب الصدقة في السوائم وأسقطها عن العوامل، وجعل الحرة القبيحة الشّوْهاء تُحصِّن الرجل والأمة البارعة الجمال لا تحصنه، ونَقضَ الوضوءَ بمس الذَّكر دون مس سائر الأعضاء ودون مس العَذْرة والدَّم (1)، وأوجب الحد في القطرة الواحدة من الخمر ولم يوجبه بالأرطال الكثيرة من الدم والبول، وقَصرَ عدد المنكوحات على أربع وأطلق ملكَ اليمين من غير حصرٍ، وأباح للرجل أن يتزوج أربعًا ولم يبح للمرأة إلا رجلًا واحدًا مع وجود الشهوة وقوة الداعي (2) من الجانبين، وجوَّز للرجل أن يستمتع من أمَتِهِ بالوطء وغيره ولم يجوّز للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره، وفرَّق بين الطلقة الثانية والثالثة في تحريمها على المُطلِّق بالثالثة دون الثانية، وفرق بين لحم الإبل ولحم الغَنَم والبقر والجواميس وغيرها فأوْجب الوضوء من لحم الإبل وحده (3)، وفرق بين الكلب الأسود والأبيض في قطع الصلاة بمرور الأسود وحده، وفرق بين الريح الخارجة من الدُّبر فأوجب بها الوضوء وبين الجشوة الخارجة من الحلق فلم يوجب بها الوضوء، وأوجب الزكاة في خمس من الإبل وأسقطها (4) عن عدة آلاف من الخيل، وأوجب في الذهب والفضة والتجارة رُبع العُشْرِ وفي الزروع والثمار العشر أو نصفه وفي المعدن الخمس، وأوجب في أول نصاب من الإبل من غير جنسها وفي أول نصاب من البقر والغنم من جنسه، وقطع يد السارق لكونها آلة المعصية فأذهب العضو الذي تعدّى به على الناس ولم يقطع اللسان الذي يقذف به
__________
(1) "ستأتي كلمة البول في الرد بدلًا من الدم" (و).
(2) في (ك) و (ق): "الدواعي".
(3) انظر تصحيحه في "تهذيب السنن" (1/ 136 - 138) وما مضى.
(4) في (ن): "وقطعها"!.
(3/274)

المحصنات الغافلات ولا الفرْج الذي يرتكب به المُحرَّم (1)، وأوجب على الرقيق نصف حدِّ الحر مع أن حاجته إلى الزّجر عن المحارم كحاجة الحر، وجعل للقاذف إسقاط الحد باللعان في الزوجة دون الأجنبية وكلاهما قد أَلحق [بها] (2) العار، وجوَّز للمسافر المترفِّه في سفره رخصة القصر والفطر دون المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة في سببه (3)، وأوجب على كل مَنْ نَذَر للَّه طاعة الوفاء بها، وجوَّز لمن حلف على فعلها أن يتركها ويكفر يمينه، وكلاهما قد التزم فعلها للَّه (4)، وحرَّم الذئبَ والقردَ وما له ناب من السباع وأباح الضبع [على قول] (5) ولها نابٌ تكسر به، وجعل شهادة خزيمة بن ثابت وحده بشهادتين (6) وغيره من الصحابة أفضل منه وشهادته بشهادة [شاهد] (7)، ورخص لأبي بُرْدة بن
__________
(1) انظر: كشف الشبه الواردة على العقوبة بالقطع في "بدائع الفوائد" (2/ 211 - 212)، و"الحدود والتعزيرات" (353 - 360) للشيخ بكر أبو زيد. وفي (ق): "الذي يرتكب به المحارم".
(2) ما أثبته من (ك) وحدها، وفي جميع المصادر "به".
(3) في هامش (ق): "تسببه".
(4) في (ق): "التزم فعلًا للَّه".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(6) وقع هذا في قصة حصلت: رواها البخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 87)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" رقم (2084)، والطبراني في "الكبير" (3730)، والحاكم (2/ 18) من طريق زيد بن الحباب عن محمَّد بن زرارة بن ثابت حدثني عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- اشترى فرسًا وفيه: "من شهد له خزيمة أو شهد عليه. . . فحسبه".
ومحمد هذا لم يذكره إلا ابن حبان في "الثقات" (7/ 414).
ورواه أحمد (5/ 215 - 216)، وأبو داود (3607) في (الأقضية): باب إذا علم العالم صدق الشاهد الواحد. . .، والنسائي (7/ 301) في (الأقضية) باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع، وابن أبي عاصم (2085)، والذهلي في "الزهريات" -كما في "الفتح" (8/ 518) -، والحاكم (2/ 17) من طرق عن الزهري عن عمارة بن خزيمة أن عمه،. . .، وفيه القول في خزيمة. وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
قال الحاكم: هذا صحيح الإسناد ورجاله باتفاق الشيخين ثقات ولم يخرجاه.
وفي "صحيح البخاري" في (التفسير): (4784) باب: "فمنهم من قضى نحبه. . . " قال زيد بن ثابت: لم أجدها عند أحد إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شهادته شهادة رجلين.
ووقع في (ق) و (ك): "بشاهدين".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك) و (ق).
(3/275)

نِيار في التضحية بالعناق وقال: لن تجزيء عن أحدٍ بعدك (1)، وفرق بين صلاة الليل والنَّهار في السر والجهر ثم شَرَعَ الجهرَ في بعض صلاة النهار كالجمعة والعيدين، وورَّث ابنَ [ابنِ] (2) العم وإن بعُدَت درجته دون الخالة التي هي شقيقة الأم، وحَرَّم أخذ مال الغير إلا بطيب نفسه (3) وسلَّطه على أخذ عقاره وأرضه بالشُّفعة ثم شرع الشفعة فيما يمكن التَّخلصّ من ضرر الشركة بقسمته دون ما لا يمكن قسمته كالجَوْهَرة والحيوان وهو أولى بالشفعة، وحَرَّم صومَ أول يوم من شوال (4) وفرض صومَ آخر يوم من رمضان مع تساوي اليومين، وحرم على الإنسان نكاحَ بنت أخته وأخيه وأباح له نكاح بنتَ أخي أبيه وأخت أمه (5)، وحَمَّل العاقلة ضمان جناية الخطأ على النفوس دون الجناية على الأموال، وحرم وطء الحائض لأذى الدم وأباح وطء المستحاضة مع وجود الأذى، ومنع بيع مُدِّ حنطة بمدٍّ وحفنة وجَوَّز بيع مد حنطة بصاع فأكثر من الشعير؛ فحرم ربا الفَضْل في الجنس الواحد دون الجنسين، ومنع المرأة من الإحدادِ على أبيها وابنها فوق ثلاثة أيام وأوجب [عليها] (6) أن تُحِد على الزوج وهو أجنبي أربعة أشهر وعشرًا،
__________
(1) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب العيدين)، باب الأكل يوم النحر، (2/ 447 - 448/ رقم 955)، وباب الخطبة بعد العيد، (2/ 453/ رقم 965)، وباب التبكير إلى العيد، (2/ 456/ رقم 968)، وباب كلام الإِمام والناس في خطبة العيد، (2/ 471/ رقم 983)، و (كتاب الأضاحي): باب سنة الأضحية، (3/ 10 رقم 5545)، وباب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأبي بُرده: ضح بالجذع من المعز، ولن تجزئ عن أحد بعدك (10/ 12/ رقم 5556، 5557)، وباب الذبح بعد الصلاة (10/ 19/ رقم 5560)، وباب من ذبح قبل الصلاة أعاد (10/ 20/ رقم 5563)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الأضاحي): باب وقتها (3/ 1552/ رقم 1961)، والترمذي في "الجامع" أبواب الأضاحي، باب ما جاء في الذبح بعد الصلاة (4/ 93/ رقم 1508)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الأضاحي): باب ما يجوز من السنن من الضحايا (3/ 96/ رقم 2800)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب الأضاحي): باب ذبح الضحية قبل الإِمام (7/ 222)، عن البراء بن عازب مرفوعًا.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في المطبوع: "إلا بطيبة من نفسه".
(4) في تحريم صوم يوم العيد أحاديث:
منها حديث أبي هريرة: رواه البخاري (1993) في (الصوم): باب صوم يوم النحر، ومسلم (1138) في (الصيام): باب ما يُنهى عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى.
وحديث ابن عمر: رواه البخاري (1994)، و (6705 و 6706)، ومسلم (1139).
وحديث عمر وأبي سعيد الخدري وعائشة وكلها ثابتة في "الصحيح".
(5) أي: بنت أخت أمه.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3/276)

وسوّى بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والمالية كالوضوء والغسل والصلاة والزكاة والصوم والحج وفي العقوبات كالحدود ثم جعلها على النِّصف من الرجل في الدية والشهادة والميراث والعقيقة، وخَصَّ بعض الأزمنة على بعض وبعض الأمكنة على بعض بخصائص مع تساويها؛ فجعل ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، وجعل شهرَ رمضان سيد المشهور، ويوم الجمعة سيد الأيام، ويوم عرفة ويوم النحر وأيام مِنًى أفضل الأيام، وجعل [مكان] (1) البيت أفضل بقاع الأرض (2).

[كيف يمكن القياس مع الفرق بين المتماثلات؟]
قالوا: وإذا كانت الشريعةُ قد جاءت بالتفريق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات -كما جمعت بين الخطأ والعَمْد في ضمان الأموال، و [في] (3) قتلِ الصيدِ، وجَمَعت بين العاقلِ والمجنونِ والطفلِ والبالغِ في وجوب الزكاة، وجمعت بين الهرةِ والفأرةِ في طهارة كُلٍّ منهما، وجمعت بين الميتة وذبيحة المجوسي في التحريم، وبين ما مات من الصيد وذَبَحه المحرمُ في ذلك، وبين الماء والتراب في التطهير- بطل القياس، فإن مبناه (4) على هذين الحرفين، وهما أصل قياس الطرد وقياس العكس.

[الجواب عن هذه الشبه]
والجواب أن يقال: الآن حَمِي الوطيسُ، وحميت أنوف أنصار اللَّه ورسوله لنصرِ دينه (5) وما بعث به رسوله، وآن لحزب الحق (6) أن لا تأخذهم في اللَّه لومةُ لائم وأن لا يتحيزوا (7) إلى فئة معينة، وأن ينصروا اللَّه ورسوله بكل قولِ حَقٍّ قاله مَنْ قاله، ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قالته طائفتهم وفريقهم كائنًا ما كان ويردون ما قاله منازعوهم وغير طائفتهم كائنًا ما كان؛ فهذه طريقة أهل العصبية وحميَّة أهل الجاهلية، ولعمرُ اللَّه!! إن صاحب هذه الطريقة لمضمونٌ له الذمُّ إنْ أخطأ، وغير ممدوح إنْ أصاب، وهذا حالٌ لا يرضى بها من نصحَ نفسه وهُدي لرشده (8)، واللَّه الموفق.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ط).
(2) انظر في هذه المفاضلات: "زاد المعاد" (1/ 42 وما بعد - ط مؤسسة الرسالة).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) تحرف في المطبوع إلى: "مبدأه".
(5) في (ق) و (ك): "دين اللَّه".
(6) في المطبوع: "لحزب اللَّه".
(7) في (ق): "يتحيز".
(8) في (ق) و (ك): "رشده".
(3/277)

وجواب هذا السؤال من طريقين مجمل ومفصل:

[الجواب المجمل]
أما المجمل فهو أن ما ذكرتم من الصور وأضعافِها وأضعافِ أضعافها فهو من أبين الأدلة على عظم هذه الشريعة وجلالتها، ومجيئها على وفق العقولِ السليمةِ والفطرِ المستقيمة، حيث فَرَّقت بين أحكام هذه الصور المذكورة لافتراقها (1) في الصفات التي اقتضت في الأحكام، ولو ساوت بينها في الأحكام لتوجَّه السؤال، وصعُبَ الانفصال، وقال القائل: قد ساوت بين المختلفات، وقرنت الشيءَ إلى غير شَبَهه (2) في الحُكم، وما امتازت صورة من تلك الصور بحكمها دون الصورة الأخرى إلا لمعنًى قام بها أوجب اختصاصها بذلك الحكم، ولا اشتركت صورتان في حكم إلا لاشتراكهما في المعنى المقتضي لذلك الحكم، ولا يضر افتراقُهما في غيره، كما لا ينفع اشتراك المختلفين في معنى لا يوجب [الاشتراك في] (3) الحكم؛ فالاعتبارُ في الجمع والفرق إنما هو في المعاني (4) التي لأجلها شُرعت تلك الأحكام وجودًا وعدمًا.

[جواب ابن الخطيب]
وقد اختلفت أجوبة الأصوليين عن هذا السؤال بحسب أفهامهم ومعرفتهم بأسرار الشريعة؛ فأجاب ابن الخطيب (5) عنه بأن قال: غالبُ أحكام الشريعة مُعلَّلة برعاية المصالح المعلومة، والخصم إنما بيَّن خلافَ ذلك في صُور قليلة جدًا، وورُود الصور النَّادرة (6) على خلاف الغالب لا يقدح في حصول الظن، كما أن الغيْم الرطب إذا لم يمطر نادرًا لا يقدح في نزول المطر منه (7).
وهذا الجواب لا يُسمنُ ولا يغني من جوع، وهو جواب أبي الحسين (8)
__________
(1) في (ن): "وافتراقها".
(2) في المطبوع و (ك): "شبيهه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ن) و (ك).
(4) في (د): "هو بالمعاني".
(5) في "المحصول" (2/ 2/ 237 - 242 - 291)، وانظر: "نفائس الأصول" (9/ 3995).
ومن الجدير بالذكر أن اضطرابًا شديدًا وقع في مذهب الرازي في هذه المسألة، وأخطأ عليه غير واحد، انظر -لزامًا- تعليقي على "الموافقات" (2/ 9 - 11).
(6) في المطبوع: "الصورة النادرة".
(7) انظر: "العدة" لأبي يعلى (4/ 1285).
(8) في (ن): "أبي الحسن".
(3/278)

البصري (1) بعينه.
وأجاب عنه أبو الحسن الآمدي (2) بأن التفريق بين الصُّور المذكورة في الأحكام إما لعدم صلاحية ما وقع جامعًا، أو لمعَارضٍ له في الأصل أو في الفرع، وأما الجمع بين المختلفات فإما (3) لاشتراكِهما في معنى جامعٍ صالحٍ للتعليل، أو لاختصاص كل صورة بعلَّة صالحة للتعليل؛ فإنه لا مانع عند اختلاف الصور وإن اتحد نوعُ الحكم أن تُعلَّل بعلل مختلفة.

[جواب أبي بكر الرازي الحنفي]
وأجاب عنه أبو بكر الرازي الحنفي (4) بأن قال: لا معنى لهذا السؤال؛ فإنا لم نقل بوجوب (5) القياس من حيثُ اشتبهت المسائل في صورها وأعيانها وأسمائها, ولا (6) أوجبنا المخالفةَ بينها من حيث اختلفت في الصُّورِ والأعيانِ والأسماء، وإنما يجب القياس بالمعاني التي جُعلت أماراتٍ للحكم وبالأسباب الموجبة له، فنعتبرُها في مواضعها، ثم لا نبالي باختلافها ولا اتفاقها من وجوهٍ أُخرَ غيرها، مثال ذلك أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-[لما] (7) حرَّم التفاضُلَ في البُرِّ بالبر من جهة الكيل [وفي الذهب بالذهب من جهةِ الوَزْن (8) اسْتَدْللنا به على أن الزيادة المحظورة معتبرةٌ من جهة الكيل] (9) أو الوزن مع الجنس؛ فحيث وُجدا أوجبا (10) تحريم التفاضل. وإن اختلف المبيعان من وجوهٍ أخر، كالجص -وهو مكيل- فحكمه حكم البر من حيث [شاركه في] كونه مكيلًا وإن خالفه من وجوه أخر، [و] (7) كالرصاص -وهو موزون- فحكمه كحكم الذهب في تحريم التفاضل وإن خالفه في أوصافٍ أُخر، فمتى عُقل المعنى الذي به تعلَّق الحكم وجُعل علامة له وجب اعتباره حيث وُجد، كما رجم ماعزًا لزناه (11)، وحكم بإلقاء الفأرة وما
__________
(1) في "المعتمد": (2/ 194).
(2) نحوه في "إحكام الأحكام" (3/ 279).
(3) في المطبوع و (ك) و (ق): "فإنما كان".
(4) وهو الجصاص والمذكور في "أصوله" المسمى "الفصول" (4/ 86 - تحقيق د. عجيل النشمي) بنوع اختصار وتصرف.
(5) في المطبوع و (ن): "بموجب"، وعند الجصاص: "نقبل بوجوب".
(6) في (ن): "وإلا".
(7) ما بين المعقوفتين من المطبوع و (ك) و (ق).
(8) يشير إلى حديث: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة"، والحديث متفق عليه، ومضى تخريجه.
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(10) كذا عند الجصاص، وفي الأصول: "أوجبنا"!!
(11) في (ن): "في زناه" وسيأتي تخريجه.
(3/279)

حولها لما ماتت في السَّمن (1)؛ فعقَلْنا عموم المعنى لكل زانٍ وعموم المعنى لكل مائع جاور النَّجاسة، إلا أن المعنى تارة يكون جليًا ظاهرًا، وتارة يكون خفيًا غامضًا، فيستدل عليه بالدلائل التي نصبها اللَّه عليه.

[جواب القاضي أبي يعلى]
وأجاب عنه القاضي أبو يعلى (2) بأن قال: "العقل إنما يمنع أن يُجمع بين الشيئين المختلفين من حيث اختلفا في الصفاتِ النفسية، كالسواد والبياض، وأن يفرِّق بين المتماثلين (3) فيما تماثلا فيه (4) من صفات النفس كالسوادين والبياضين وما يجري مجرى ذلك وأما (5) ما عدا ذلك فإنه لا يمتنع أن يُجمعَ بين المختلفين في الحكم الواحد، ألا ترى أن السواد والبياض قد اجتمعا في منافاة العمرة وما يجري مجراها من الألوان؛ فإن القُعودَ في الموضع الواحد قد يكون حسنًا إذا كان فيه نفعٌ لا ضررَ فيه، وقد يكون قبيحًا إذا كان فيه ضررٌ من غير نفع يُوفي (6) عليه وإن كان القعود [المقصود] (7) في ذلك الموضع متفقًا (8)، وقد يكون القعود في مكانين مجتمعين في الحُسْن بأن يكون في كُلٍّ منهما نفعٌ لا ضررَ فيه وإن كانا مختلفين، على أن ذلك (9) يؤكد صحة القياس وذلك أن المثلين في العقليات إنما وَجبَ تساوي حكمهما؛ لأنَّ كل واحد منهما قد سَاوى الآخر فيما لأجله [قد] (10) وَجبَ له الحكم إما لذاته كالسوادين أو لعلة أوجبت ذلك كالأسودين، وهكذا القول في المختلفين، وعلى هذه الطريقة بعينها يجري القياسُ؛ لأنا إنما نحكم للفرعِ بحكم الأصل إذا شاركه [في] (10) علة الحكم، كما أن اللَّه تعالى (11) إنما نص على حكم واحد في الشيئين (12) إذا اشتركا فيما أوْجب (13) الحكم فيهما، فقد بان بذلك صحة ما ذكرناه".
__________
(1) مضى تخريجه.
(2) في كتابه: "العُدَّة في أصول الفقه" (4/ 1288 - 1289).
(3) في المطبوع: "المثلين".
(4) في "العدة": ". . . بين المثلين فيما تقابلا فيه".
(5) في "العدة": "فأما".
(6) في "العدة": "يوفر"!!.
(7) سقط من (ق) و (ك) ومن مطبوع "العدة".
(8) كذا في (ق) و"العدة" وفي باقي النسخ "متيقنا".
(9) في مطبوع "العدة": "على أن هذا".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من مطبوع "العدة".
(11) في مطبوع "العدة": "لأن اللَّه".
(12) في (ق) و (ك): "السنن".
(13) في مطبوع "العدة": "فيما له وجب" وفي (ك): "في السنن إذا اشتركا. . . ".
(3/280)

[جواب القاضي عبد الوهاب]
وأجاب عنه القاضي عبد الوهاب المالكي (1) بأن قال: دعواكم بأن هذه الصور (2) التي اختلفت أحكامُها متماثلة في نفسها دعوى، والأمثلة لا تشهد لها، ألا ترى أنه لا يمتنع أن يتفق الصوم والصلاة في امتناع أدائها من الحائض ويفترقان في وجوب القضاء، والتماثل في العقليات لا يُوجب التساوي في الأحكام الشرعيات.
وأيضًا فهذا يُوجب منع القياس في العقليات.
وأيضًا فإن القياس جائزٌ على العلة المنصوص عليها مع وجود المعنى الذي ذكره.
فهذه أجوبة النُّظار، ونحن بعون اللَّه وتوفيقه نفرد كل مسألة منها بجواب مفصَّل، وهو المسلك الثاني الذي وعدنا به.

[جواب مفصل] [لماذا وجب الغسل من المني دون البول؟]
أما المسألة الأولى وهي إيجاب الشارع -صلى اللَّه عليه وسلم- الغسل من المني (3) دون البول فهذا من أعظم محاسنِ الشَّريعة وما اشتملت عليه من الرَّحمة والحكمة والمصلحة؛ فإن المنيَّ يخرجُ من جميع البدن، ولهذا سمَّاه اللَّه سبحانه وتعالى (سُلالة) , لأنه يَسيلُ من جميع البدن، وأما البول [فإنما هو] (4) فضْلة الطعام والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة؛ فتأثُّرُ البَدنِ بخروج المنيِّ أعظمُ من تأثره بخروج البول؛ وأيضًا فإن الاغتسال من خروج المني من أنفع شيء للبَدنِ والقلب والروح، بل جميع الأرواح القائمة بالبدن فإنّها تَقْوى بالاغتسال، والغسلُ يَخْلفُ عليه ما تحلَّل منه بخروج المني، وهذا أمر يعرف بالحس؛ وأيضًا فإن الجنابة
__________
(1) له مجموعة من كتب الأصول، مثل: "التلخيص" و"المفاخر" و"الإفادة" و"المقدمات"، أكثر العلماء من النقل منها وهي ليست مطبوعة، ولم أظفر لها بنسخ خطية، وبقيت بقية من بعض آثاره الأصولية جمعها الأستاذ محمَّد السليماني من كتبه الفقهية وبطون كتب الأصول، ووضعها في آخر "المقدمة في الأصول" لابن القصار (ص 229 - 308) وانظر تقديمي لكتاب "الإشراف".
(2) في (ك): "الصورة".
(3) وذلك بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الماء من الماء".
(4) في (ق) و (ك): "فإنه".
(3/281)

توجب ثقلًا وكسلًا والغسل يحدث له نشاطًا وخفة، ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة: كأنما ألقيت عني جبلًا (1)، وبالجملة فهذا أمرٌ يُدركه كلُّ [ذي] حس سليم وفطرة صحيحة، ويعلمُ أنَّ الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب مع ما تحدثه الجنابة من بُعْدِ القلب والروح عن الأرواح الطيبة، فإذا اغتسل زال ذلك البُعدُ، ولهذا قال غير واحد من الصحابة: إن العبد إذا نام عَرَجت روحُه، فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كان جُنُبًا لم يُؤذن لها (2)، ولهذا أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الجنب إذا نام أن يتوضأ (3).
وقد صرَّح أفاضلُ الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يُعيدُ إلى البدن قوَّتَه، ويخلف عليه ما تحلَّل منه، وإنه من أنفع شيءٍ للبدن والروح، وتركه مضر، ويكفي شهادة العقل والفطرة بحسنه، وباللَّه التوفيق.
على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول لكان في ذلك أعظم حَرجٍ ومشقة على الأمة تمنعه حكمةُ اللَّه ورحمتُه وإحسانُه إلى خلقه.

فصل [الفرق بين الصبي والصبية]
وأما غسل الثوب من بول الصبية ونضْحه من بول الصبي إذا لم يَطْعَما فهذا للفقهاء فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهما يُغسلان جميعًا.
والثاني: يُنْضحان.
__________
(1) هو جزء من حديث أبي ذر في الاغتسال من الجنابة تقدم مطولًا مفصلًا فيما مضى.
ووقع في المطبوع: "حملًا" بدل "جبلًا"، وما بين المعقوفتين بعدها سقط من (ك) , واستدركه (ق) في الهامش.
(2) انظرها مفصلة في كتاب "الروح" (ص 437 - ط دار ابن كثير) للمصنف.
(3) رواه البخاري في "صحيحه" (287) في (الغسل): باب نوم الجُنب، و (289) و (290) في الجنب يتوضأ ثم ينام، ومسلم (306) في الحيض: باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، من حديث ابن عمر.
وفي صحيح مسلم (306) (24) قال: هل ينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم ليتوضأ ثم لينم حتى يغتسل إذا شاء، وانظر: "التلخيص الحبير" (1/ 141).
(3/282)

والثالث: التفرقة، وهو الذي جاءت به السُّنة (1)، وهذا من محاسن الشريعة وتمامِ حكمتِها ومصلحتها.
والفرق بين الصبيِّ والصَّبيَّة من ثلاثة أوجه (2):
أحدها: كثرةُ حملِ الرجال والنساء للصبي (3) فتعم البلْوى ببوله، فيشق غسله (4).
والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقًا هاهنا وهاهنا، فيشق غسل ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى.
الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذَّكَر، وسببُه حرارةُ الذَّكر ورطوبة الأنثى؛ فالحرارة تخفف من نتن البول وتذيبُ منها ما لا يحصل مع الرطوبة، وهذه معانٍ مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق.

فصل [الفرق بين الصلاة الرباعية وغيرها]
وأما نقْصُه الشَّطر من صلاة المسافر الرباعية دون الثلاثية والثنائية ففي غاية المناسبة؛ فإن الرباعية تحتمل الحَذْفَ لطولها، بخلاف الثنائية، فلو حذف شَطْرَها لأجْحف بها ولزالت حكمة الوتر الذي شُرع خاتمة العمل، وأما الثلاثية فلا يمكن [حذف] (5) شَطْرُها، وحذف ثلثيها مخلٌّ بها، وحذف ثلثها يخرجها عن حكمة شرعها وترًا، فإنها شرعت ثلاثًا لتكونَ وترَ النهار، كما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "المغربُ وترُ النهار؛ فأوْتِرُوا صلاة الليلِ" (6).
__________
(1) حديث الغسل من بول الصبية والنضح من بول الصبي، ورد في أماكن كثيرة جدًا ومضى تخريجه.
(2) انظر: "تحفة المودود" (ص 213 - 217).
(3) في المطبوع: "للذكر".
(4) في المطبوع: "فيشق عليه غسله".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ن) و (ك).
(6) رواه عبد الرزاق (4675 و 4676)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (2/ 183) (دار الفكر)، وأحمد في "مسنده" (2/ 30 و 4 أو 82 - 83 و 154)، والنسائي في "سننه الكبرى" (1382) في أول كتاب الوتر، والطبراني في "المعجم الصغير" (1081) من طرق عن ابن سيرين عن ابن عمر به مرفوعًا، بإسناده صحيح، وصححه العراقي في "تخريخه على الإحياء"، أما السيوطي في "الجامع الصغير" فاقتصر على حُسنه!! ورواه النسائي في "الكبرى" (1383)، وابن أبي شيبة (2/ 184) من طريق خالد بن الحارث =
(3/283)

فصل [لماذا وجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة؟]
وأما إيجابُ قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة فمن تمامِ محاسن الشريعة وحكمتها ورعايتها لمصالح المكلفين؛ فإن الحيضَ لما كان منافيًا للعبادة لم يُشرع فيه فعلها، وكان في صلاتها أيام الطُّهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض، فتحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطُّهْر؛ لتكررها كل يوم، بخلاف الصوم، فإنه لا يتكرر، وهو شهرٌ واحد في العام، فلو سقط عنها فعله بالحيض (1) لم يكن لها سبيلٌ إلى تدارك نظيره، وفاتت عليها مصلحتُه، فوجب عليها أن تصوم شهرًا في طهرها؛ لتحصل مصلحة الصوم التي هي من تمام رحمة اللَّه بعبده وإحسانه [إليه] (2) بشرعه، وباللَّه التوفيق.

فصل [حكم النظر إلى الحرة وإلى الأمة]
وأما تحريمُ النَّظرِ إلى العجوزِ الحُرَّة الشَّوهاء القبيحة وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال فكذب على الشارع، فأين حَرَّم اللَّه هذا وأباح هذا؟ واللَّه سبحانه إنما قال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] ولم يُطلق اللَّه و [لا] (3) رسوله للأعينِ النَّظرَ إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حَرم عليه بلا ريب، وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شَرع للحرائر أن يسترْنَ وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك، لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال، وأما إماء التسرِّي اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن فأين أباح اللَّه ورسوله لهن أن يكشفنَ وجوهَهنَّ في الأسواقِ والطُّرقاتِ ومجامعِ الناس وأذن للرجال في التمتع (4) بالنظر إليهن؟ فهذا غلط محض على الشريعة،
__________
= السلمي عن الأشعث (سقطت من المصنف) عن ابن سيرين مرسلًا دون ذكر ابن عمر. وهذا لا يضر لوصل الثقات له.
ورواه أبو نعيم في "الحلية" (6/ 348) من طريق مالك بن أنس عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر وقال: "غريب من حديث مالك تفرد به مالك بن سليمان".
(1) في (ق): "فعله أيام الحيض".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(4) في (ن): "وأمر الرجال بالتمتع"، وفي (ك): "وأذن للرجال بالتمتع".
(3/284)

وأكد هذا الغلط أن بعض الفقهاء سمع قولَهم: إن الحرةَ كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالبًا كالبَطْن والظهر والساق؛ فظن أن ما يظهر غالبًا حكمه حكم وجه الرجل، وهذا إنما هو في الصلاة لا في النَّظر، [فإن العورةَ عورتان: عورةَ النظر، وعورةَ الصلاة؛] (1) فالحرة لها أن تصلي مكشوفةَ الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك، واللَّه أعلم.

فصل [الفرق بين السارق والمنتهب]
وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وترْك قَطْع المُختلس والمُنْتَهب والغاصب فمن تمام حكمة الشارع أيضًا؛ فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه يَنْقُبُ الدور ويهتك الحِرْز ويكسر القُفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز [منه] (2) بأكثر من ذلك، فلو لم يُشْرَع قطعه لسرق الناس بعضُهم بعضًا، وعظم الضرر، واشتدت المحنة بالسُّرَّاق، بخلاف المنتهب والمختلس؛ فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يَديه، ويخلِّصوا حَقَّ المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم، وأما المختلس فإنه إنما يأخذ (3) المال على حين غفلة من صاحبه وغِرَّة (4)، فلا يخلو من نوع تفريط يُمكِّن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه؛ وأيضًا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حِرز مثله غالبًا، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخلِّيك عنه وغفلتكَ عن حفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالبًا، فهو كالمنتهب؛ وأما الغاصب فالأمر فيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ (5) كفُّ عُدْوان هؤلاء بالضَّرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال كما سيأتي.
فإن قيل: فقد وردتِ السنة بقطع جاحد العارية (6)، وغايته أنه خائن،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) ما بين المعقوفتين من (ن).
(3) في المطبوع: "يأخذوا".
(4) في المطبوع و (ك): "على حين غفلة من مالكه وغيره".
(5) في (ق): "يشرع"، وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة ما أثبتناه من المطبوع و (ن).
(6) انظر: "زاد المعاد" (3/ 211، 212)، و"تهذيب السنن" (6/ 209 - 212)، و"إغاثة اللهفان" (2/ 73)، و"الحدود والتعزيرات" (404 - 417).
(3/285)

والمعير سَلَّطه على قبضِ ماله، والاحترازُ منه ممكنٌ بان لا يَدفعَ إليه المال؛ فبطل ما ذكرتم من الفرق.
قيل: لَعَمْرُ اللَّه لقد صح الحديث بان امرأةً كانت تستعيرُ المتاع وتجْحده فأمر بها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقُطِعت يدها (1)، فاختلف الفقهاء في سبب القطع: هل كان سرقتها وعرّفها الراوي بصفتها لأن (2) المذكورَ سببُ القطع كما يقوله الشافعي ومالك وأبو حنيفة (3)، أو كان السببُ المذكور هو سبب القطع كما يقوله أحمد (4) ومن وافقه؟ ونحن في هذا المقام لا ننتصر لمذهب معين ألبتة، فإن كان الصحيح قولَ الجمهور اندفع السؤال، وإن كان الصحيح [هو قول] (5) الآخر فموافقتُه للقياسِ والحكمةِ والمصلحةِ ظاهرٌ جدًا؛ فإن العارية من مصالح بني آدم التي لا بدَّ لهم منها, ولا غنى لهم عنها، وهي واجبةٌ عند حاجة المستعير وضرورته إليها إما بأُجرة أو مجانًا، ولا يمكن المعير كل وقت أن يشهد على العارية ولا يمكن الاحتراز بمنع العارية شرعًا وعادةً وعرفًا, ولا فرق في المعنى بين مَنْ توصَّل إلى أخذ متاع غيره بالسرقة وبين من توصل إليه بالعارية وجحدها، وهذا بخلاف جاحد الوديعة؛ فإن صاحب المتاع فرّط حيث ائْتمنهُ.

فصل [الفرق بين اليد في الدية وفي السرقة]
وأما قَطعُ اليد في ربع دينار وجعل ديتها خمس مئة دينار فمن أعظم المصالح والحكمة؛ فإنه احتياطٌ (6) في الموضعين للأموال والأطراف، فقَطَعها في ربع دينار حفظًا للأموال، وجعل ديتها خمس مئة دينار حفظًا لها وصيانة، وقد
__________
(1) رواه مسلم (1688) (10) في (الحدود): باب قطع السارق الشريف، من حديث عائشة.
(2) في (ق): "لا أن".
(3) انظر: "المدونة الكبرى" (4/ 417)، و"شرح معاني الآثار" (2/ 98)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 502)، و"بداية المجتهد" (2/ 244)، و"معالم السنن" (3/ 306)، و"شرح المنهاج" (4/ 194)، و"المحلى" (11/ 362)، و"أحكام السرقة في الشريعة الإِسلامية" (ص 78 - 83).
(4) انظر: "المغني" (9/ 80، 94)، و"طرح التثريب" (8/ 29)، و"نيل الأوطار" (7/ 307)، و"سبل السلام" (4/ 65).
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "هو القول", وفي (ك): "قول".
(6) في المطبوع: "احتاط".
(3/286)

أورد بعض الزنادقة (1) هذا لسؤال وضمّنه بيتين، فقال:
يدٌ بخمسِ مئين من عسْجدٍ وُدِيت (2) ... ما بالها قُطعت في رُبع دينار
تناقضٌ مالنا إلا السكوت له ... ونسْتجير بمولانا من العارِ (3)
فأجابه بعض الفقهاء (4) بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت هانت، وضمنه الناظم قوله (5):
يَدٌ بخمس مئين من عسجد (6) وُدِيت ... لكنها قطعت في ربع دينار
حماية الدم أغلاها، وأرْخَصها ... صيانة (7) المال، فانظر (8) حكمة الباري
[وروي أن الشافعي (9) رحمه اللَّه أجاب بقوله:
__________
(1) "ينسبان إلى أبي العلاء المعري، وحفظي: "يد بخمس مئين مسجد"" (د)، وبنحوه في (ط). وانظر ما سيأتي.
قلت: قال الذهبي في "الميزان" (1/ 112) في ترجمة (أحمد بن عبد اللَّه بن سليمان أبو العلاء المعري): "له شعر يدل على الزندقة"! وانظر -لزامًا- في تحقيق ذلك: "إعلام النبلاء" (4/ 154 وما بعده) للطباخ، وانظر كتابي: "الإشارات" (رقم 125).
(2) "كنت أسمعها: "يد بخمس مئين مسجد وديت"، وكذلك في الجواب الآتي عنها" (و).
(3) في (ك): "النار".
(4) هو ابن الجوزي، كما في "حاشية البيجوري على شرح ابن القاسم" (2/ 246).
(5) هو القاضي عبد الوهاب المالكي، ويقال: إن هذا الجواب للشريف الرَّضي، أفاده المَقْبَليّ في "العلم الشامخ" (97 - 98)، ونسبه الصاوي في "حاشيته" (1/ 89، 283) للقاضي عبد الوهاب، وذكر الصفدي في "الغيث المسجم" (1/ 82) البيتين المنسوبين لأبي العلاء، وذكر نظمًا لعلم الدين السخاوي في الرد عليه.
ونسبها لأبي العلاء جمع أيضًا، منهم: ابن حجر في "الفتح" (12/ 98)، وأورد رد القاضي عبد الوهاب، وفسره بقوله: "وشرح ذلك: أن الدية لو كانت ربع دينار لكثرت الجنابات على الأيدي، ولو كان نصاب القطع خمس مئة دينار لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطرفين" وانظر: "المعلم" (2/ 254 - 255)، "حاشية البيجوري" (2/ 246)، "اللسان" (1/ 205 - 206)، كتابنا "شعر يخالف الشرع" (الباب الخامس) منه.
(6) في (ك): "بخمس مئين عسجد"، وفي (ق): "بخمس مئة عسجد".
(7) تحرفت في المطبوع إلى: "خيانة"!.
(8) في (ن): "فافهم".
(9) "لا يتفق ذلك مع أن قائل البيتين هو المعري" (د)، ونحوه في (ط).
قلت: لأن المعري توفي (449 ه) بعد الشافعي بمدة، ولذا لا تصح النسبة للشافعي، ولعل القائل فقيه شافعي من عصر أبي العلاء، أو القاضي عبد الوهاب (ت 433 ه) أو =
(3/287)

هناك مظلومةٌ غالت بقيمتها ... وههُنا ظَلَمت هانَت على الباري
وأجاب شمس الدين الكردي بقوله:
قل للمصرِّيِّ (1) عارٌ أيما عار ... جهْلُ الفتى وهو عن ثوب التُّقى عارِ
لا تقدحن زناد الشِّعر عن حِكم ... شعائر الشَّرع لم تُقْدح بأشعارِ
فقيمة اليد نصف الألف من ذهب ... فإن تعدّت فلا تسوى بدينارِ] (2)

فصل (3) [حكمة جعل نصاب السرقة ربع دينار]
وأما تخصيصُ القطع بهذا القدر فلأنه لا بد من مقدار يُجعل ضابطًا لوجوب القطع؛ إذ لا يمكن أن يقال: يُقْطع بسرقة فلْس أو حبَّة حنطةٍ أو تمرة، ولا تأتي الشريعة بهذا، وتُنزَّه حكمة اللَّه وإحسانه ورحمته عن ذلك، فلا بد من ضابط، وكانت [الثلاثة دراهم] (4) أول مراتب الجمع، وهي مقدار ربع دينار، وقال إبراهيم النخعي وغيره (5) من التابعين: "كانوا لا يقطعون في الشيء التافه" (6)؛ فإن
__________
= الشريف الرضي (ت 436 ه) كما قدمناه. ونسب للشافعي في "زهر الربيع" (1/ 348) و"ديوان الشافعي" (281 - جمع مجاهد بهجت)!!.
(1) يعني أبا العلاء المعري، فهو الذي ينسب إليه البيتان المذكوران". (و).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "ثلاثة دراهم".
(5) في (ق): "أو غيره".
(6) أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (6/ 466 - ط دار الفكر) من طريق عبد الرحيم بن سليمان، وابن عدي في "الكامل" (4/ 1509) من طريق عبد اللَّه بن قبيصة كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لم يكن يقطع على عهد النبي في الشيء التافه. وإسناده صحيح، وعبد اللَّه بن قبيصة في بعض حديثه نكرة، كما قال ابن عدي، ولم ينفرد به، فقد توبع عليه، خلافًا لما قال ابن عدي.
وروي مرسلًا، فأخرجه ابن أبي شيبة (6/ 466)، وعبد الرزاق (10/ 235 رقم 18959) في "مصنفيهما"، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8/ 255) من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه؛ قال: "كان السارق على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقطع في ثمن المجنّ، وكان المجنّ يومئذ له ثمن، ولم يكن يقطع في الشيء التافه"، لفظ ابن أبي شيبة.
ولفظ عبد الرزاق: "إن سارقًا لم يقطع في عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في أدنى من مجن، جحفة أو ترس. . . " بنحوه.
قال البيهقي: "والذي عندي أن القدر الذي رواه من وصله من قول عائشة، وكل من =
(3/288)

عادة الناس التسامح في الشيء الحقير من أموالهم إذ (1) لا يلحقهم ضرر بفقده، وفي التقدير بثلاثة دراهم حكمة ظاهرة؛ فإنها كفاية المقتصد في يومه له ولمن يمونه غالبًا، وقوت اليوم للرجل وأهله له خطرٌ عند غالب الناس؛ وفي الأثر المعروف: "من أصبح آمنًا في سِرْبه، معافًى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها" (2).
__________
= رواه موصولًا حفاظ أثبات، وهذا الكلام الأخير (أي: وإن يد السارق لم تقطع في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الشيء التافه، وهو لفظ البيهقي) من قول عروة، فقد رواه عبدة بن سليمان، وميّز كلام عروة من كلام عائشة -رضي اللَّه عنها-". وانظر: "نصب الراية" (3/ 360).
وانظر في ترجيح اشتراط النصاب والرد على شبه المخالفين: "المبسوط" (9/ 36)، "الرسالة" للشافعي (ص 224)، "معالم السنن" (3/ 304)، "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 607)، "الإشراف" (4/ 452 بتحقيقي)، "طرح التثريب" (8/ 25 - 27)، "فتح الباري" (12/ 106 - 107)، "إحكام الأحكام" (4/ 127)، "زاد المعاد" (5/ 49)، "نيل الأوطار" (7/ 300)، "السرقة" للشهاوي (ص 34 - 36)، "أحكام السرقة" (151 - 157) للكبيسي، "النظرية العامة لإثبات موجبات الحدود" (1/ 50)، "الحدود والتعزيرات" (369 وما بعدها).
(1) في المطبوع: "إذا"!
(2) رواه ابن حبان (671)، وفي "روضة العقلاء" (ص 277 - 278)، والطبراني في "مسند الشاميين" (22)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (539)، وأبو نعيم في "الحلية" (5/ 249) من طريق عبد اللَّه بن هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة عن أبيه عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء.
وهذا إسناد ضعيف جدًا عبد اللَّه بن هانئ ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (5/ 194) فقال: روى عنه محمَّد بن عبد اللَّه بن محمَّد بن مخلد عن أبيه عن إبراهيم بن أبي عبلة أحاديث بواطيل. سمعت أبي يقول: قدمت الرحلة فذكر لي أن في بعض القرى هذا الشيخ وسألت عنه فقيل: هو شيخ يكذب، فلم أخرج إليه ولم أسمع منه.
وقال الذهبي في "الميزان": متهم بالكذب. أما ابن حبان فذكره في "الثقات" (8/ 357)!! وأبوه هانئ ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أغرب. وأما الهيثمي فقال في "مجمع الزوائد" (10/ 289): ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم.
وله شاهد من حديث عبيد اللَّه بن محصن. رواه البخاري في "الأدب المفرد" (رقم 301 و 303)، و"التاريح الكبير" (5/ 372)، والترمذي (2346) في "الزهد"، والحميدي (439)، والعقيلي في "الضعفاء" (2/ 146)، والقضاعي (540)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (4/ 146 رقم 2126، 2127)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (10/ 3597 رقم 1158)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (4/ 1874 رقم 4716)، والبيهقي في "الشعب" (7/ 294، 295 رقم 10362، 10363، 10364)، والخطيب في "تاريخ =
(3/289)

فصل [حكمة حد القذف بالزنا دون الكفر]
وأما إيجاب حد الفرية على من قذف غيره بالزِّنا دون الكفر ففي غاية المناسبة؛ فإن القاذف غيره (1) بالزنا لا سبيل (2) للناس إلى العلم بكذبه، فجُعل حد الفرية تكذيبًا له. وتبرئة لعرض المقذوف، وتعظيمًا لشأن هذه الفاحشة التي يُجلد من رمى بها مسلمًا. وأما من رمى غيره بالكفر فإن شاهد حال المسلم واطِّلاع المسلمين عليه كافٍ في تكذيبه، ولا يلحقه من العار في كذبه عليه (3) في ذلك ما يلحقه عليه في الرمي بالفاحشة، ولا سيما إن كان المقذوف امرأة؛ فإن العار والمعرَّة التي تلحقها بقذفه بين أهلها وتَشَعُّب ظنون الناس وكوْنهم بين مصدق ومكذِّب لا يلحق مثله بالرمي بالكفر.

فصل [حكمة الاكتفاء في القتل بشاهدين دون الزنا]
وأما اكتفاؤه في القتل بشاهدين دون الزنا ففي غاية الحكمة والمصلحة؛ فإن الشارع احْتاط للقِصاص والدماء واحْتاط لحد الزنا، فلو لم يقبل في القتل إلا أربعة لضاعت الدِّماء، وتواثب العادُون، وتجرؤوا على القَتْل؛ وأما الزنا فإنه بالغَ في سَتْرِه كما قَدَّر اللَّه ستره، فاجتمع على ستره شرع اللَّه وقدره، فلم يقبل فيه إلا
__________
= بغداد" (3/ 463) من طريق سلمة بن عبيد اللَّه عن أبيه.
وسلمة هذا قال عنه أحمد: لا أعرفه وقال العقيلي: مجهول في النقل، ولا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به.
أقول: وعبيد اللَّه بن محصن هذا قال ابن السكن: يقال له صحبة، وفي إسناده نظر.
ويشهد له حديث ابن عمر: رواه الطبراني في "الأوسط" (1849)، والبيهقي في "الشعب" (7/ 294 رقم 10360)، وقال الهيثمي (10/ 289): فيه علي بن عباس وهو ضعيف.
أقول: وفيه عطية العوفي وهو ضعيف أيضًا.
وحديث ابن عمر أيضًا: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه أبو بكر الداهري وهو ضعيف، كما ذكر الهيثمي أيضًا. فالحديث بمجموع طرقه يظهر أنه حسن؛ كما قال شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- ومن قبل السيوطي.
(1) تصحفت "غيره" في (ق) إلى "عيّره".
(2) في (ق): "ولا سبيل".
(3) في (ن): "بكذبه عليه".
(3/290)

أربعة يَصِفون الفعل وَصْف مشاهدةٍ ينتفي معها الاحتمال، وكذلك في الإقرار، لم يكتف بأقل من أربع مرات حِرْصًا على ستْر ما قدَّر (1) اللَّه ستره، وكره إظهاره، والتكلم به، وتوعد من يحب إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.

فصل [الحكمة في جلد قاذف الحر دون العبد]
وأما حدُّ (2) قاذفِ الحُرِّ دون العبد فتفريقٌ بشَرْعه (3) بين ما فرق اللَّه بينهما بقدره، فما جعل اللَّه سبحانه العبد كالحر من كل وجه لا قدرًا ولا شرعًا، وقد ضرب اللَّه سبحانه لعباده الأمثال التي أخْبر فيها بالتفاوت بين الحر والعبد، وأنهم لا يرضون أن تساويهم عبيدُهم في أرزاقهم، فاللَّه سبحانه وتعالى فضَّل بعض خلقه على بعض، وفضَّل الأحرار على العبيد في الملك وأسبابه والقدرة على التصرف، وجعل العبدَ مملوكًا والحُرَّ مالكًا، ولا يستوي المالك والمملوك، وأما التسوية بينهما في أحكام الثواب والعقاب فذلك مُوجَب العدْل والإحسان؛ فإنه يوم [الجزاء] (4) لا يبقى هناك عبد وحر ولا مالك ومملوك (5).

فصل [الحكمة في التفريق بين عدة الموت والطلاق]
وأما تفريقه في العدّة بين الموت والطلاق، وعِدَّة الحرة وعدة الأمة، وبين الاستبراء والعِدة، مع أن المقصود العلم ببراءة الرحم في ذلك كله، فهذا إنما يتبين وجهه إذا عُرفَتِ الحكمة التي لأجلها شُرعت العدة وعُرفَ أجناس العدد وأنواعها.

[الحكم في شرع العدة]
فأما المقام الأول ففي شرع العدة عِدَّةُ حِكَم (6):
منها: العلم ببراءة الرحم، وأن لا يجتمعَ ماءُ الواطئين فأكثر في رَحمٍ
__________
(1) في (ك): "قدّس".
(2) في المطبوع: "وأما جلد".
(3) في المطبوع: "لشرعه"، وفي (ك): "شرعه".
(4) ما بين المعقوفتين من المطبوع.
(5) في المطبوع: "ولا مالك ولا ملوك".
(6) انظر: كلام المصنف على الحكم الشرعية في "العدة" في "زاد المعاد" (4/ 189). وفي (ن) و (ق) زاد بعدها كلمة "السر".
(3/291)

واحد، فتختلط الأنسابُ وتفسد، وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعةُ والحكمة.
ومنها: تعظيمُ خطر هذا العقد، ورفعُ قدره، وإظهارُ شرفه.
ومنها: تطويل زمان الرَّجعة للمطلِّق؛ إذ لعله أن يندم ويفيء فيصادف زمنًا يتمكن فيه من الرجعة.
ومنها: قضاءُ حق الزوج، وإظهارُ تأثير فقْده في المنع من التزيُّن والتجمل، ولذلك شُرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الولد والوالد.
ومنها: الاحتياط لحق الزوج، ومصلحة الزوجة، وحق الولد، والقيام بحق اللَّه الذي أوجبه؛ ففي العدة أربعة حقوق، وقد أقام الشارع الموتَ مقام الدخول في استيفاء المعقود عليه؛ فإن النكاح مدتُّه العمر، ولهذا أقيم مقام الدُّخول في تكميل الصداق، وفي تَحريم الربيبة عند جماعة من الصحابة ومَنْ بعدهم كما هو مذهب زيد بن ثابت (1) وأحمد في إحدى الروايتين عنه؛ فليس المقصود من العِدَّة مجرد براءة الرحِمِ، بل ذلك من بعض مقاصدها وحكمها.

[أجناس العِدد]
المقام الثاني في أجناسها:
وهي أربعةٌ في كتاب اللَّه، وخامس بسنةِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (2):
الجنس الأول: أربابُ العِدَّة (3)، {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].
الثاني: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].
الثالث: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228].
الرابع: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4].
__________
(1) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (6/ 276)، و"سنن سعيد بن منصور" (رقم 937 و 938)، والآخر (604 - ط الصميعي)، و"سنن البيهقي" (7/ 160) ولم أجد أثرًا واضحًا عن زيد بن ثابت، وانظر: "الدر المنثور" (2/ 474 - 475).
(2) انظر: "زاد المعاد" (4/ 182 - 183).
(3) في المطبوع: "أم باب العدة".
(3/292)

الخامس: قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا توطأ حاملٌ حتى تَضعَ، ولا حائل (1) حتى تُستبرئ بحيضة" (2) ومُقدَّمُ هذه الأجناس [كلها] (3) الحاكم عليها كلها وَضْعُ العمل، فإذا وُجد فالحكمُ له، ولا التفات إلى غيره، وقد كان بين السلف نزاعٌ في المُتوفَّى عنها أنها تتربص أبْعد الأجلين، ثم حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل (4)؛ وأما عدةُ الوفاة فتجبُ بالموت، سواء دخل بها أو لم يدخل، كما دل عليه عموم القرآن والسنة الصحيحة (5). . . .
__________
(1) "أصل الحائل: التي حمل عليها، فلم تلقح، أو التي لم تلقح سنة أو سنتين أو سنوات، وكذلك كل حائل، وقوله سبحانه: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} يتناول كل مطلقة بهذا الوصف" (و).
(2) رواه أحمد (3/ 28 و 62 و 87)، والدارمي (2/ 171)، وأبو داود (2157) في (النكاح): باب في وطء السبايا، والحاكم (2/ 195)، والدارقطني (4/ 112)، والبيهقي (7/ 449 و 9/ 124) من طريق شريك عن قيس بن وهب عن أبي الودَّاك عن أبي سعيد.
وشريك هو القاضي سيء الحفظ، ومع هذا قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (1/ 171 - 172): إسناده حسن! ولكنه قال في "الفتح" (4/ 424): وليس على شرط الصحيح. أما الحاكم فقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي!!. وإنما أخرج مسلم لشريك مقرونًا.
وقد أعلّه بشريك ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (3/ 22 رقم 817)، وقال: وهو من ساء حفظه بالقضاء.
ونقله عنه "الزيلعي" (3/ 234).
نعم الحديث بشواهده حسن فانظرها مفصلة في "نصب الراية" (3/ 233 - 234 و 4/ 252 - 253)، و"التلخيص" (1/ 171 - 172)، و"تالي تلخيص المتشابه" (261 - بتحقيقي)، وتعليقي على "سنن الدارقطني" (رقم 4115)، وتعليقي على "الإشراف" (2/ 497)، و"إرواء الغليل" (1/ 200 - 201).
ووجدت شاهدين لم يذكروهما جميعًا وهما:
شاهد من حديث معاوية: رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (4/ 353)
وآخر من حديث أنس بن مالك: رواه ابن عدي (1/ 292) , ذكره فيما لم يتابع عليه إسماعيل بن عياش.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(4) انظر في هذا: "الإشراف" (4/ 281) لابن المنذر، و"التمهيد" (20/ 37)، و"المحلى" (10/ 263 - 265)، و"المغني" (11/ 227 - 228)، و"تهذيب السنن" (3/ 203)، و"زاد المعاد" (5/ 598 - 599 - ط موسسة الرسالة) كلاهما للمصنف، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (98/ 34).
(5) في هذا حديث فُريعة بنت مالك: رواه مالك في "الموطأ" (2/ 591)، ومن طريقه: =
(3/293)

واتفاق الناس (1)؛ فإن الموتَ لما كان انتهاءَ العقد وانقضاءَه استقرَّت به الأحكام: من التوارث، واستحقاق المهر، وليس المقصود بالعدة هاهنا مجرد استبراء الرحم كما ظَنَّه بعضُ الفقهاء؛ لوجوبها قبل الدخول، ولحصول الاستبراء بحيْضَة واحدة، ولاستواء [الآيسة و] (2) الصغيرة والآيسة وذوات القُرُوء في مدتها، فلما كان الأمر كذلك قالت طائفة: هي تعبُّدٌ مَحْضٌ لا يُعقل معناه، وهذا باطلٌ لوجوهٍ.
منها: أنه ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة يَعْقُلُ معناه مَنْ عَقَله ويخفى على مَنْ خفي عليه (3).
ومنها: أن العدد ليست من باب العبادات المحضة؛ فإنها تجب في حق الصغيرةِ والكبيرةِ والعاقلةِ والمجنونةِ والمسلمة والذميَّة، ولا تفتقر إلى نية (4).
ومنها: أن رعايةَ حق الزوجين والولد والزوج الثاني ظاهر فيها؛ فالصواب (5) أن يُقال: هي حريم لانقضاء النكاح لما كمل، ولهذا تجد فيها رعاية
__________
= الشا فعي في "الرسالة" (1214)، وفي "المسند" (2/ 53 - 54)، وأحمد في "مسنده" (6/ 370 و 420 - 421)، والدارمي (2/ 168)، وابن أبي شيبة (5/ 184) وعبد الرزاق (12073، 12076)، وأبو داود (2300) في (الطلاق): باب في المتوفى عنها تنتقل، والترمذي (1204) في (الطلاق): باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها، والنسائي (6/ 199 و 199 - 200 و 200) في (الطلاق): باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل، والنسائي (3528 - 3530، 3532)، وابن ماجه (2031) في (الطلاق): باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها، وابن سعد (8/ 368)، وابن الجارود (759)، والطحاوي (3/ 77) وابن حبان (1331، 1332)، والطبراني (24/ 439)، والبيهقي (7/ 434 و 435)، والحاكم (2/ 208)، والبغوي (2386) من طرق عن سعد بن إسحاق عن عمته عنها.
قال الترمذي: "حسن صحيح"، وقال ابن عبد البر: "إنه حديث مشهور، فوجب اعتباره والعمل به"، وقال الذهبي: "هو حديث محفوظ"، وقال ابن القطان: "الحديث صحيح". وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(1) في (ق) و (ك): "واتفاق أمر الناس". وحكي عن الحسن والشعبي أن غير المدخول بها لا تعتد، وهذا قول شاذ، انظر: "الإشراف" (4/ 294) لابن المنذر، "المحلى" (10/ 278)، "الأم" (7/ 332)، "فتح الباري (9/ 396) -وفيه نفي الاتفاق في المسألة- و"المغني" (11/ 284)، و"شرح فتح القدير" (4/ 160 - 161).
(2) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(3) انظر في تقرير هذا المعنى: "الموافقات" للشاطبي (1/ 395) مع تعليقي عليه.
(4) انظر: "بدائع الفوائد" (3/ 178) للمصنف -رحمه اللَّه-.
(5) في (ق) و (ك): "والصواب".
(3/294)

لحق الزوج وحرمة له، ألا ترى أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان من احترامِه ورعايةِ حقوقه تحريمُ نسائِه بعده، ولما كانت نساؤُه في الدنيا هن نساؤه في الآخرة قطعًا، لم يحلَّ لأحد أن يتزوجَ بهنَّ بعده، بخلاف غيره؛ فإن هذا ليس معلومًا في حقه، فلو حرمت المرأة على غيره لتضررت ضررًا (1) محققًا بغير نفع معلوم، ولكن لو (2) تأيَّمتْ على أولادها كانت محمودةً على ذلك. وقد كانوا في الجاهلية يُبالغون في احترام حق الزوج وتعظيم حريم هذا العقد غاية المبالغة من تربُّص (3) سنة في شَرِّ ثيابها وحِفْشِ (4) بيتها (5)، فخفَّفَ اللَّه عنهم ذلك بشريعته التي جعلها رحْمَةً وحكمة ومصلحة ونعمة، بل هي من أجَلِّ نعمه عليهم على الإطلاق، فله الحمد كما هو أهله.
وكانت أربعة أشهر وعشرًا على وفق الحكمة والمصلحة؛ إذ لا بُدَّ من مدة مضروبة، وأولى المُدد بذلك المدة التي يعلم فيها بوجود [حمل] (6) الولد وعدمه؛ فإنه يكون أربعين يومًا نُطفة، ثم أربعين علقة، ثم أربعين مُضْغة، فهذه أربعة أشهر، ثم ينفخ فيه الروح في الطور الرابع، فقُدِّر بعشرة أيام لتظهر حياته بالحركة إن كان ثم حمْلٌ (7).

فصل [حكمة عدة الطلاق]
وأما عِدَّةُ الطَّلاقِ فلا يمكن تعليلها بذلك؛ لأنها إنما تجب بعد المسيس بالاتفاق، ولا ببراءةِ الرَّحم؛ لأنه يحصل بحيْضة كالاستبراء، وإن كان براءةُ الرحم بعض مقاصدها, ولا يقال: "هي تعبد" لما تقدم، وإنما يتبين حكمها إذا عرف ما
__________
(1) في (ق): "تضررًا" وفي (ك): "تضررت تضررًا".
(2) في (ك) و (ق): "إن".
(3) "انظر: إلى قول لبيد بن ربيعة:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر"
(د).
(4) "الحفش: البيت الصغير الذليل جدًا، أو ما كان من شعر". (و).
(5) وثبت ذلك في "صحيح البخاري" (5336، 5337) (كتاب الطلاق): باب تُحِدُّ المتوفَّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، من حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(7) انظر الحكمة في عدة الوفاة وتقديرها بأربعة أشهر وعشرًا في "زاد المعاد" (4/ 209).
(3/295)

فيها من الحقوق؛ ففيها حَقٌّ للَّه (1)، وهو امتثالُ أمره وطلبُ مرضاته، وحق للزوج المُطلِّق وهو اتساع زمن الرجعة له، وحق للزوجة، وهو استحقاقها النفقة (2) والسكنى ما دامت في العدة، وحق للولد، وهو الاحتياط في ثبوت نَسبِه وأن لا يختلط بغيره، وحق للزوج الثاني، وهو أن لا يسْقِي ماءه زرع غيره (3).
__________
(1) في (د): "حق اللَّه".
(2) في (د) و (ك): "للنفقة".
(3) ورد ذلك في حديث: رواه أحمد (4/ 108)، وسعيد بن منصور (2722)، وابن أبي شيبة (12/ 222 - 223 و 14/ 465)، والدارمي (2/ 230)، والترمذي (1131) في (النكاح): باب ما جاء في الرجل يشتري الجارية وهي حامل، وابن سعد في "الطبقات" (2/ 114 - 115)، وأبو داود في "سننه" (2158 و 2159) في (النكاح): باب في وطء السبايا، و (2708) في (الجهاد): باب في الرجل ينتفع من الغنيمة بشيء، وأبو إسحاق الفزاري في "السير" (ص 242 - 244)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3/ 251)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (4/ 209 - 210 رقم 2193، 2194، 2195)، والطبراني في "الكبير" (4482 و 4483 و 4484 و 4489)، وابن حبان (4850)، والبيهقي (7/ 449 و 9/ 62) من طرق عن أبي مرزوق ربيعة بن سليم عن حَنَش عن رويفع به.
وأبو مرزوق: ربيعة بن سليم، ذكره ابن حبان في "الثقات" وروى عنه جمع، أما الحافظ ابن حجر فقال في الأسماء: مقبول، وفي الكنى قال: ثقة!! وحسنه في "فتح الباري" (6/ 185).
وربيعة هذا توبع، تابعه الحارث بن يزيد.
أخرجه أحمد (4/ 108)، والطبراني (4488) من طريق ابن لهيعة عنه، وابن لهيعة ضعيف.
ورواه الترمذي (1131) في (النكاح): باب ما جاء في الرجل يشتري الجارية وهي حامل من طريق ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن ربيعة بن سليم عن بسر بن عبيد اللَّه عن رويفع. . .
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن" فخالف ربيعة هنا فقال: عن بُسر، وأخشى أن يكون هذا من اضطرابه.
والحديث حسنه شيخنا الألباني في "إرواء الغليل" (13/ 267) ثم وجدت له شاهدًا من حديث ابن عباس: رواه الحاكم (2/ 56 و 137) وصححه ووافقه الذهبي.
والأصح من هذا كله ما أخرجه مسلم في "صحيحه" (كتاب النكاح، باب تحريم وطء الحامل المسبيّة، 2/ 1065)، وأبو داود في "السنن" (كتاب النكاح، باب في وطء السبايا، 2/ 247/ رقم 2156)، والدارمي في "السنن" (2/ 227)، وأحمد في "المسند" (5/ 195، 6/ 446)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 194)؛ عن أبي الدرداء، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنه أتى بامرأة مُجِحَّ على باب فُسطَاطٍ، فقال: لعله يريدُ أن يُلمَّ بها؟ فقالوا: نعم. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: لقد هممتُ أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبرَه، كيف يُورِّثُهُ وهو لا يحلُّ له؟! كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟! ". لفظ مسلم.
والمُجِح؛ بميم مضمومة، ثم جيم مكسورة، ثم حاء مهملة: وهي الحامل التي قربت =
(3/296)

[ما يترتب على حقوق العدة]
ورَتَّب الشارعُ على كل واحد من هذه الحقوق ما يناسبه من الأحكام؛ فرتب على رعاية حقه هو لزوم المنزل وأنها لا تَخْرُج ولا تُخْرَج، هذا موجب القرآن ومنصوص إمام أهل الحديث وإمام أهل الرأي، ورتب على حقِّ المُطلِّق تمكنه من الرجعة ما دامت في العدة، وعلى حقها استحقاق النفقة والسكنى، وعلى حقِّ الولد ثبوت نَسَبِه وإلحاقه بأبيه دون غيره، وعلى حق الزوج الثاني دخوله على بصيرةِ ورحم بريء غير مشغول بولد لغيره؛ فكان في جعلها ثلاثة قروء رعاية لهذه الحقوق، وتكميل لها، وقد دل القرآن على أن العدة حق للزوج عليها بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ} [الأحزاب: 49] فهذا دليل على أن العدة للرجل على المرأة بعد المسيس، وقال تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228] فجعل الزوج أحق بردها في العدة؛ فإذا كانت العدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر طالت مدة التربُّص لينظر في أمرها هل يمسكها بمعروف أو يُسَرِّحُها بإحسان، كما جعل اللَّه سبحانه للمُولي تربُّص أربعة أشهر لينظر في أمره هل يفيءُ أو يطلق، وكما جعل مدة تسيير الكفار أربعة أشهر لينظُروا في أمرهم ويختاروا لأنفسهم (1).
فإن قيل: هذه العلة باطلة؛ فإن المختلعة والمفسوخ نكاحها بسبب من الأسباب والمطلقة ثلاثًا والموطوءة بشبهة والمزني بها تعتدُّ بثلاثة أقراء، ولا رجْعة هناك، فقد وجب الحكم (2) بدون علته، وهذا يبطل كونها علة.

[عدة المختلعة]
قيل: شرط النقض أن يكون الحكم في صورةٍ ثابتًا بنص أو إجماع، وأما كونه قولًا لبعض العلماء فلا يكفي في النقض به، وقد اختلف الناس في عدة المختلعة، فذهب إسحاق (3) وأحمد (4) في أصح الروايتين عنه دليلًا أنها تعتد
__________
= ولادتها، كما في "شرح النووي" (10/ 14)، والفسطاط: بيت الشعر، ويُلِمُّ بها؛ بضم الياء، وكسر اللام ثم ميم؛ أي: يطأها.
(1) انظر: "زاد المعاد" (4/ 209 - 210).
(2) في المطبوع: "فقد وجد الحكم".
(3) "معالم السنن" (3/ 143)، "نيل الأوطار" (8/ 34)، "المحلى" (10/ 239).
وهو مذهب ابن المنذر وداود وأصحابه غير ابن حزم وأبي ثور.
(4) انظر: "المغني" (7/ 449)، و"الإنصاف" (8/ 392 - 393)، و"منتهى الإرادات" (3/ 160) , =
(3/297)

بحيضة واحدة، وهو مذهب عثمان بن عفان وعبد اللَّه بن عباس (1)، وقد حُكي إجماع الصحابة ولا يعلم لهما مُخالِف (2)، وقد دَلَّت عليه سُنَّةُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الصحيحة دلالة صريحة (3)، وعُذر من خالفها أنها لم تبلغه، أو لم تصح عنده، أو ظن الإجماع على خلاف موجبها، وهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر: أما رجحانه أثرًا فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يأمر المختلعة قط أن تعتد بثلاث حيض، بل قد رَوى أهل "السنن" عنه من حديث الرُّبيِّع بنت مُعوِّذ أن ثابت بن قيس ضرب امرأته فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد اللَّه بن أُبيّ بن سَلول (4)، فأتى أخوها يشتكي إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأرسلَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى ثابت، فقال: "خُذِ الذي لك عليها (5) وخلِّ سبيلها" قال: نعم، فأمرها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تتربَّص حيضةً واحدةً وتلحق بأهلها (6)؛ وذكر أبو داود والنَّسائي من حديث ابن عباس أن امرأةَ ثابت بن
__________
= و"تنقيح التحقيق" (3/ 216)، و"كشاف القناع" (5/ 216)، و"بداية المبتدي" (2/ 27)، و"نيل الأوطار" (7/ 38)، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (32/ 110)، "المسائل الفقهية في اختيارات شيخ الإِسلام ابن تيمية" (ص 21 - 22) لإبراهيم ولد المصنف، "الجامع للاختيارات الفقهية لشيخ الإِسلام ابن تيمية" (2/ 659/ 662).
(1) أما قول عثمان: فقد رواه ابن أبي شيبة (4/ 87)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 450 - 451) من طريق عبيد اللَّه بن عمر، وحجاج عن نافع عن ابن عمر عنه، وهذا إسناد صحيح.
ورواه عبد الرزاق (11859) عن معمر عن أيوب عن نافع أن معاذ بن عفراء. . . فذكر قول عثمان، وسقط من إسناده "عبد اللَّه بن عمر"؛ كما قال المحقق رحمه اللَّه.
أما قول ابن عباس: فرواه ابن أبي شيبة (4/ 87) من طريق عبد الرحمن بن محمَّد المحاربي عن ليث عن طاوس عنه، وليث هذا هو ابن أبي سُليم، إذ إنه هو الذي يروي عن طاوس وهو ضعيف.
وانظر: "فتح الباري" (9/ 307)، "التلخيص الحبير" (3/ 231)، وهو مذهب عمر وعلى وابن مسعود انظر: "السنن الكبرى" (7/ 316)، "مسند الشافعي" (2/ 291 - "بدائع المنن")، "المحلى" (10/ 238)، "مجموع فتاوى ابن تيمية" (32/ 289، 290)، "التلخيص الحبير" (3/ 231)، "الإشراف" (3/ 376 - 377 مسألة رقم 1207 - بتحقيقي).
(2) في (ق): "ولا يعرف لهما مخالف".
(3) انظر كلام المصنف حول عدة المختلعة في: "زاد المعاد" (4/ 35 - 36)، وسيأتي النص في ذلك قريبًا من كلام المصنف.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ن) وبعدها في (ق): "يشتكيه" بدل "يشتكي".
(5) في المطبوع: "خذ الذي لها عليك".
(6) مضى تخريجه.
(3/298)

قيس اختلعت من زوجها، فأمرها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-[أو أُمرتْ] أن تعتدَّ بحيضة (1)، قال الترمذي (2): الصحيح أنها أُمرت أن تعتد بحيضة، وهذه الأحاديث لها طرقٌ يصدق بعضها بعضًا، وأُعِلَّ الحديث بعلتين: أحدا