Advertisement

إعلام الموقعين عن رب العالمين ت مشهور 002


سلسلة مكتبة ابن القيم [6]

إعلام الموقعين عن رب العالمين

تصنيف
أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 ه

قرأه وقدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره
أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان

شارك في التخريج
أبو عمر أحمد عبد الله أحمد

[المجلد الثاني]

دار ابن الجوزي
(2/1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(2/2)

إِعلامُ الموقِّعِين عَن رَبِّ العَالمين
[2]
(2/3)

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار ابْن الْجَوْزِيّ
الطبعة الأولى
رَجَب 1423 ه

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة © 1423 ه لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر

دَار ابْن الْجَوْزِيّ للنشر والتوزيع
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية
الدمام - شَارِع ابْن خلدون ت: 8428146 - 8467589 - 8467593
ص ب: 2982 - الرَّمْز البريدي: 31461 - فاكس: 8412100
الإحساء - الهفوف - شَارِع الجامعة ت: 5883122
جدة ت: 6516549
الرياض ت: 4266339
(2/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[وبه أَستعين، رب يسر وأعن يا كريم] (1)

[خطبة الكتاب]
الحمد للَّه الذي خلق خلقه أَطْوَارًا، وصَرَّفهم في أطوار التخليق كيف شاء عِزَّةً واقتدارًا، وأرسل الرسل إلى المُكَلَّفين إعذارًا منه وإنذارًا، فأتَمَّ بهم (2) على من اتبع سبيلَهم نعمته (3) السابغة، وأقام بهم على مَنْ خالف مَنَاهجهم حجته البالغة، فنصَبَ الدليلَ (4)، وأنار السبيل، وأزاح العِلَل، وقطع المعَاذير، وأقام الحجَّة، وأوضح المحَجَّة (5)، وقال: {هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} [الأنعام: 153]، وهؤلاء رسلي {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] فعمَّهم بالدعوة على ألسِنَةِ رسلهم (6) حجّةً [منه] (7) وعَدْلًا، وخَصَّ بالهداية مَنْ شاء منهم نعمةً [منه] (8) وفضلًا، فقبِلَ نعمةَ الهداية مَنْ سبقت له [من اللَّه] (8) سابقة السعادة، وتَلَقَّاها باليمين، وقال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19] , ورَدَّها مَنْ غَلَبَتْ عليه الشقاوة ولم يرفع بها رأسًا بين (9) العالمين, فهذا فضلُه وعَطَاؤه {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} (10) [الإسراء: 20] , ولا فَضْلُه بممنون (11)، وهذا عَدْله وقضاؤه ف {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ك) فقط.
(2) في (ك): "لهم".
(3) في (ق) و (ن): "نعمه".
(4) في (ك): "ونصب الدلائل".
(5) "المحجة": جادة الطريق (ط).
(6) في (ق): "رسله".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ن).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(9) في (ك): "من".
(10) بدل الآية في (ن) و (ق) و (ك): "وما عطاؤه بمحظور".
(11) "المحظور": الممنوع، و"الممنون": المقطوع، أو الذي يمن به معطيه (د)، ونحوه في (ط).
(2/5)

وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] فسبحان مَنْ أفاض على عباده النعمة، وكَتَب على نفسه الرحمة، وأودع الكتابَ الذي كتبَه، أنَ رحمتَه تغلب غضبه، وتبارك (1) مَنْ له في كل شيء على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وحكمته أعْدَلُ شاهد، ولو لم يكن إلَّا أنْ فاضَلَ بين عباده في مراتِب الكَمَال (2)، حتى عَدَل (3) الآلافَ المؤلَّفَةَ منهم بالرجل الواحد، ذلك ليُعلِم عباده أنه أنزل التوفيقَ مَنَازِلَه، ووضع الفضلَ مواضعه، وأنه يختصُّ برحمته مَنْ يشاء وهو العليم الحكيم، وأن الفضل بِيَدِ اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.
أحمدُه -والتوفيقُ للحمد من نعمه-، وأشكره -والشكرُ كفيلٌ بالمزيد من فضله [وكرمه] (4) وقَسْمِه-، وأستغفره، وأتوب إليه من الذنوب التي توجب زَوَالَ [نعمه، وحلول نقمه] (5).
وأشهد أنْ لا إله إلا اللَّه -وحده لا شريك له-، كلمة قامت بها الأرض والسماوات، وفَطَر اللَّه عليها جميعَ المخلوقات، وعليها أُسِّسَتِ الملة، ونُصِبت القِبلة، ولأجلها جُرّدت سيوف الجهاد، وبها أمر اللَّه سبحانه جميعَ العباد؛ وهي (6) فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها، ومفتاحُ عُبُوديته التي دعا الأمم على ألسن رُسُله إليها، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السَّلام، وأساس الفرض والسُّنَّة، ومَنْ كان آخر كلامه: لا إله إلا اللَّه؛ دخَل الجنة.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخِيرَتُه (7) من خلقه، وحجته على عباده، وأمِينُه على وَحْيه، أرسله رحمةً للعالَمين، وقُدوةً للعالِمين (8)، ومَحَجَّةً للسالكين، وحُجَّةً على المعَاندين، وحَسْرةً على الكافرين.
أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى اللَّه بإذنه وسراجًا منيرًا، وأنعم به على أهل الأرض نعمةً لا يستطيعون لها شُكورًا، فأَمدَّه بملائكته المُقَرَّبين (9)، وأيَّده بنصره وبالمؤمنين، وأنزل عليه كتابه المبين، الفارقَ بين الهُدَى والضلال، [والغي والرشاد] (10)، والشك واليقين، فشرَحَ
__________
(1) في (ق): "فتبارك".
(2) في (ك): "الجمال".
(3) في (ق) و (ن): "حتى تعدل".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(5) في (ك): "نعمته وحلول نقمته".
(6) في المطبوع: "فهي".
(7) "بفتح الياء وسكونها" (و).
(8) في (ق): "للعاملين".
(9) في (ق): "بالملائكة المقربين".
(10) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) بياض.
(2/6)

[اللَّه] (1) له صَدْره، ووضع عنه وِزْرَه، ورفَع له ذِكْره، وجعل الذِّلَّة (2) والصَّغَار على مَنْ خالف أمره، وأقْسَم بحياته في كتابه المبين، وقَرَن اسمَه باسمه، فإذا ذُكر: ذكر معه -كما في الخُطَب والتَّشَهُّد والتأذين-، وافترض على العباد طاعَتَه ومحبته والقيام بحقوقه، وسَدَّ الطرق كلها إليه وإلى جنته؛ فلم يفتح لأحد إلا من طريقه؛ فهو الميزان الراجح الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله تُوزَن الأخلاق والأقوال والأعمال، والفُرْقَانُ المُبين الذي باتِّباعه تميز (3) أهل الهدى من أهل الضلال.
ولم يَزَلْ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُشَمِّرًا في ذات اللَّه -تعالى- لا يرده عنه رادٌّ، صادعًا بأمره لا يصده عنه صادٌّ، إلى أن بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونَصَح الأمة، وجاهد في اللَّه حق الجهاد، فأشرقت برسالته الأرضُ بعد ظُلُماتها، وتألفت به القلوبُ بعد شَتاتها، وامتلأت به الأرضُ (4) نورًا وابتهاجًا، ودخل الناسُ في دين اللَّه أفواجًا، فلما أكمل اللَّه -تعالى- به الدين، وأتم به النعمة على عباده المؤمنين، استأثر به ونَقَله إلى الرفيق الأعلى، والمحلِّ الأسْنى، وقد ترك أمته على المحجة البيضاء، والطريق الواضحة الغراء، فصلَّى اللَّه، وملائكتُه، وأنبياؤه، ورسُلُه، والصالحون من عباده عليه [وآله] (5) -كما وحَّد اللَّه، وعرّف به، ودعا إليه- وسلم تسليمًا كثيرًا.

[أشرف العلوم ومن أين يقتبس]
أما بعد: فإن أولى ما يَتَنافَسُ (6) فيه (7) المتنافسون، وأحْرَى [ما يتسابق] (8) في حَلْبة (9) سِباقه المتسابقون (10): ما كان بسعادة العبد في مَعَاشه ومَعَاده كَفيلًا، وعلى طريق هذه السعادة دليلًا، وذلك العِلْم النافعُ، والعمل الصالح، اللذان (11) لا سعادَةَ للعبد إلا بهما، ولا نجاة (12) له إلا بالتعلُّقِ بسببهما، فَمَنْ رُزِقَهما: فقد
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(2) في (ن): "الذل".
(3) في المطبوع: "يميز".
(4) في (ن) و (ق) و (ك): "وامتلأت به الدنيا".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(6) في (ق): "تنافس".
(7) في المطبوع: "به".
(8) سقطت من (ك) و (ق).
(9) "الحلبة -بالفتح- الدفعة من الخيل في الرهان" (ح).
(10) في (ن) و (ق): "وأجرى في حلبة سباقه المتسابقون".
(11) في (ن) و (ك) و (ق): "اللذين"!!
(12) في (ك): "حجة".
(2/7)

فاز وغنم، ومن حُرِمَهما: فالخيرَ كله حُرِم، وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم، وبهما يتميز البر من الفاجر، والتقي من الغَوِيّ، والظالم من المظلوم.
ولما كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا، وشَرَفُه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرفُ العلوم على الإطلاق علْمَ التوحيد، وأنفعها على أحكام [أفعال] (1) العبيد، ولا سبيل إلى اقتباس هذين النورين، وتلقي هذين العِلْمين؛ إلا من مِشْكَاة مَنْ قامت الأدلة القاطعة على عِصْمَته، وصَرَّحت الكتبُ السماوية بوجوب طاعته ومُتَابعته، وهو: الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 4].

[نوعا التلقي عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-]
ولما كان التَّلَقِّي عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- على نوعين: نوع بواسطة، ونوع بغير واسطة، وكان التَّلقي بلا واسطة حظَّ أصحابه الذين حازوا قصبات (2) السِّباق، واستولَوْا على الأمد (3)، فلا مَطْمَع (4) لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق، ولكن المُبرِّز: من اتبع صراطهم (5) المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم، والمتخلِّف: مَنْ عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال؛ فذلك المنقطع التائه في بَيْداء المهالك والضلال.

[ما كان عليه الصحابة من علم وعمل]
فأي خَصْلة خير لم يسبقوا إليها؟ وأيّ خطَّة رُشدٍ لم يستولوا عليها؟ تاللَّه لقد وَرَدُوا رأسَ الماء من عين الحياة عَذْبًا صافيًا زُلالًا، وأطَّدوا (6) قواعد الإسلام فلم يَدَعُوا لأحد بعدهم مَقَالًا، فتحوا القلوب [بِعَدْلهم] (7) بالقرآن والإيمان، والقُرَى بالجهاد بالسيف (8) والسِّنان، وألْقَوا إلى التابعين ما تلقوه من مِشْكاة النبوة خالصًا صافيًا، وكان سَنَدُهم فيه عن نبيهم -صلى اللَّه عليه وسلم-، عن جبريل، عن رب العالمين
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ن) و (ك).
(2) في (د): "قصباب"!.
(3) في (ك): "الأمة".
(4) في المطبوع: "فلا طمع".
(5) في (ك): "طريقهم".
(6) في المطبوع: "وأيدوا" وفي (ك): "وتلدوا" وأشار في الهامش أنه في نسخة: "وأطدوا".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وفي (ن) و (ك): "بعده".
(8) في (ق): "والسيف".
(2/8)

سَنَدًا صحيحًا (1) عاليًا، وقالوا: هذا عَهْدُ نبينا إلينا، وقد عهدنا (2) إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا، وهي وصيته وفرضه عليكم، فَجَرَى التابعون لهم بإِحسان على منهاجهم (3) القويم، واقْتَفَوْا على آثارهم صراطَهم المستقيم، ثم سلك تابعو التابعين هذا المسلك الرشيد، {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} (4) [الحج: 24]، وكانوا بالنسبة إلى مَنْ قبلهم -كما قال أصدق القائلين-: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 13، 14].

[وقوف الأئمة والتابعين مع الحجة والاستدلال]
[ثم جاءت الأئمة من القرن الرابع المُفَضَّل (في إحدى الروايتين)، كما ثَبَتَ في "الصحيح"] (5) من حديث أبي سعيد، وابن مسعود، وأبي هريرة، وعائشة، وعِمْرَان بن حُصَين (6)، فسلكوا على آثارهم اقتصاصًا، واقتبسوا هذا
__________
(1) في (ك): "بسند صحيح".
(2) في (ن) و (ق) و (ك): "عهدناه".
(3) في (ن): "مناهجهم".
(4) في (ن): "صراط العزيز الحميد"!!.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) حديث أبي سعيد: رواه البخاري في "صحيحه" (2897) في (الجهاد): باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، و (3594) في (المناقب) في (علامات النبوة)، و (3649) في (الفضائل): باب فضائل أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومسلم (2532) في (فضائل الصحابة)، باب فضل الصحابة.
وحديث ابن مسعود: رواه البخاري (2652) في (الشهادات): باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، و (3651) في (فضائل الصحابة): باب فضائل أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، و (6429) في (الرقاق): باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس عليها، و (6658) في (الأيمان والنذور): باب إذا قال أشهد باللَّه أو شهدت باللَّه، ومسلم (2533) في (الفضائل): باب فضل الصحابة.
وقد ورد في "الصحيحين" بذكر: "ثم الذين يلونهم" مرتين، ولكنه عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (12/ 175) -ومن طريقه ابن حبان- (7227) -، ذكرها ثلاث مرات، وفي بعض طرق مسلم: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: "ثم يتخلف".
وأما حديث أبي هريرة: فرواه مسلم (2534) في (الفضائل): باب فضائل الصحابة بلفظ طخير أمتي قرني الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم واللَّه أعلم أذكر الثالث أم لا".
وأما حديث عمران بن حصين: فرواه البخاري (2651) في (الشهادات): باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، و (3650) في (فضائل الصحابة): باب فضائل أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- و (6428) في (الرقاق): باب ما يحذر من زهرة الدنيا، و (6695) في (الأيمان والنذور): باب فضل الصحابة. وفيه: "فلا أدري! أقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد قرنه مرتين أو ثلاثة؟! " =.
(2/9)

الأمرَ من (1) مشكاتهم اقتباسًا، وكان دين اللَّه -سبحانه- أجَلَّ في صدورهم، وأعْظَمَ في نفوسهم، من أن يقدِّموا عليه رأيًا أو معقولًا أو تقليدًا أو قياسًا، فطار لهم الثناء الحسنُ في العالمين، وجعل اللَّه -سبحانه- لهم لسان صِدْقٍ في الآخرين، ثم سار على آثارهم الرَّعِيلُ الأول من اْتباعهم، ودَرَجَ على منهاجهم الموفَّقُون من أشياعهم، زاهدين في التعصب للرجال، واقفين مع الحجة والاستدلال، يَسيرون مع الحق أين سارت ركائبُه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مَضَاربه، إذا بَدَا لهم الدليلُ باخذته (2) طاروا إليه زَرَافاتٍ ووُحْدانًا (3)، وإذا دعاهم الرسولُ إلى أمر انتدبوا إليه (4)، ولا يسألونه على ما قال برهانًا (5)، ونصوصه أجلّ في صدورهم، وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قولَ أحدٍ من الناس، أو يُعَارضوها برأيٍ أو قياس.

[ليس المتعصب من العلماء]
ثم خَلَفَ من بعدهم خُلُوف، {فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
__________
= أقول: وهو في "مصنف ابن أبي شيبة" (12/ 176)، ومن طريقه ابن حبان (7229)، ذكر "ثم الذين يلونهم" ثلاث مرات، ورواه الطبراني في "الكبير" (18/ رقم 585)، من طريق ابن أبي شيبة، فذكر "ثم الذين يلونهم" مرتين.
وأما حديث عائشة: رواه مسلم (2536)، ولفظه: "القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث".
(1) في المطبوع: "عن".
(2) قال (ط): "الأخذة -بضم الهمزة- رقية كالسحر، يريد أنهم يهرعون إلى الدلالة القوية التي تأخذ بمجامع القلوب"، ونحوه في (د)، ووقع في (ن) و (ك) بدلها: "ناجذيه" وفي (ق): "أبدى. . . ناجذيه".
(3) "أخذ هذه الفاصلة من معنى قول شاعر الحماسة:
قَومٌ إِذا الشرُّ أبْدَى ناجِذَيْه لهمْ ... طارُوا عليه زَرَافَاتِ وَوُحْدَانا
والزرافات: جمع زرافة -بِزِنَةِ سحابة-، وهي الجماعة، والمعنى: أسرعوا إلى إجابته مجتمعين ومتفرقين، يريد لم يتخلف أحد عن إجابته" (د)، ونحوه في (ط)، وقال:
"لقد كان المؤلف -رحمه اللَّه- مثقفًا؛ عالمًا بالشعر والأدب، انظر فى ذلك: [كتاب] "ابن قيم الجوزية" للدكتور عبد العظيم شرف الدين (ص 76) وما بعدها" اه.
وكتب (ح): "الزرافة: الجماعة من الناس، والزرافات: الجماعات" اه.
(4) في (ق): "انتدبوا له".
(5) "وأخذ هذه الفاصلة من قول شاعر الحماسة -أيضًا-:
لا يسأَلونَ أخاهُمْ حينَ ينْدُبُهمْ في ... النائباتِ على ما قال بُرْهانا" (د)، (ط).
(2/10)

فَرِحُونَ} [الروم: 22] تقطعوا أمرهم بينهم زبرًا، وكلٌّ إلى ربهم راجعون وجَعَلوا (1) التعصُّبَ للمذاهب ديانتَهم (2) التي بها يَدِينون، ورؤوسَ أموالهم التي بها يَتَّجرون، وآخَرُون منهم قَنَعُوا بِمَحْض التقليد؛ وقالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23]، والفريقان بمَعْزَلٍ عما ينبغي اتباعه من الصواب، ولسان الحق يتلو عليهم: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} [النساء: 123]؛ قال الشافعي -قدس اللَّه تعالى روحه-: "أجمع المسلمون على أن مَنْ استبانت له سنةُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لم يكن له أن يَدَعَها لقول أحدٍ من الناس"، وقال أبو عمر (3) وغيره من العلماء: أجمع الناسُ على أن المقلِّد ليس معدودًا من أهل العلم، وأنَّ العلم معرفَةُ الحق بدليله. وهذا كما قال أبو عمر -رحمه اللَّه [تعالى] (4) -؛ فإن الناس لا يختلفون أن العلم: هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد (5).
فقد تضمَّن هذان الإجماعان: إخراجَ المتعصب بالهوى؛ والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء، وسقوطهما باستكمال مَنْ فوقهما الفروض من وراثة الأنبياء.

[العلماء ورثة الأنبياء]
" فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما وَرَّثُوا العلم، فمن أخذه أخَذَ بحظٍّ وافر" (6)، وكيف يكون من ورثة
__________
(1) في (ك) و (ق): "جعلوا".
(2) في (ك): "دياناتهم".
(3) في "جامع بيان العلم" (787/ 2، و 993 - ط دار ابن الجوزي) بنحوه.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في نسخة (و): "تقليده".
(6) أخرج أبو داود في "السنن": (كتاب العلم): باب الحث على طلب العلم (3/ 317/ رقم 3641)، وابن ماجه في "السنن" (المقدمة): باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، (1/ 81/ رقم 223)، وأحمد في "المسند" (5/ 196)، والدارمي في "السنن" (1/ 98)، والطحاوي في "المشكل" (1/ 429)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم 88 - الإحسان)، والبزار في "المسند" (رقم 136 - زوائده)، والبغوي في "شرح السنة" (1/ 275 - 276/ رقم 129)، والبيهقي في "الآداب" (رقم 1188)، والخطيب في "الرحلة" (77 - 78)، وابن عبد البر في "الجامع" (رقم 169، 170، 171، 172) عن أبي الدرداء مرفوعًا: "من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا. . . "، وفيه: "إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وأورثوا العلم؛ فمن أخذه أخذ بحظ وافر" وفي بعض أسانيده ضعف وبعضها حسن في الشواهد، وللحديث شواهد يتقوى بها قال ابن حجر في "الفتح" (1/ 160): قال ابن حبان عقب الحديث: "في هذا الحديث بيان واضح أن =
(2/11)

الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من يجهد ويكدح في ردِّ ما جاء به إلى قول مُقَلَّده ومتبوعه، ويُضيِّع [عليه] (1) ساعات عمره في التعصب والهوى، ولا يشعر بتضييعه!؟

[فتنة التعصب والمتعصبين]
تاللَّه إنها فتنة عَمَّت فأَعْمَتْ، وَرَمَتِ القلوب فأصْمَتْ (2)، رَبَى عليها الصغير، وَهَرِمَ فيها الكبير، واتخذ (3) لأجلها القرآن مهجورًا، وكان ذلك بقضاء اللَّه وقَدَره في الكتاب مسطورًا، ولما عمَّت بها البليَّة، وعظمت بسببها (4) الرزيَّة، بحيث لا يعرفُ أكْثَرُ الناس سواها ولا يعدُّونَ العلم إلا إياها، فطالِبُ الحق من مَظَانِّه (5) لديهم مَفْتون، مُؤْثِره (6) على ما سواه عندهم مَغْبُون، نَصَبوا لمن خالفهم في طريقتهم (7) الحَبائل، وبَغَوْا له الغوائل، ورَمَوْه عن قوس الجهل والبغي والعناد, وقالوا لإخوانهم: {إِنِّي أَخَافُ (8) أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26].
فحقيقٌ بِمَنْ لنفسه عنده قَدْرٌ وقيمَة، ألَّا (9) يلتفت إلى هؤلاء، ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رُفِعَ له علم السنة النبوية شَمَّرَ إليه، ولم يَحْبِسْ نفسَه عليهم، فما هي إلا ساعة حتى يُبَعْثَر ما في القبور، ويحصَّل ما في الصدور، وتتساوى أقدام الخلائق في القيام للَّه، وينظر [كل عبد ما قدَّمت يداه، ويقع التمييز بين المحقّين والمُبْطِلين، ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم] (10)، وسنة نبيهم؛ أنهم كانوا كاذبين.
__________
= العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرناه، هم الذين يعلمون علم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- دون غيره من سائر العلوم؛ ألا تراه يقول: "العلماء ورثة الأنبياء"؟ والأنبياء لم يورثوا إلا العلم، وعِلْمُ نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم-: سنته، فمن تَعرَّى عن معرفتها؛ لم يكن من ورثة الأنبياء".
(1) ما بين المعقوفتين من (ق).
(2) "رمى، فأصمى": أي: [رمى ف]، أصاب [من الصيد] مقتلًا، وفي الحديث (عن الصيد): "كل ما أصميت، ودع ما أنميت" [الصحاح] (د)، و (ط)، ما بين المعقوفات زيادات (ط) على (د)، وما بين القوسين زيادة (د) على (ط).
(3) في (ك): "واتخذوا".
(4) في (ك): "لسببها".
(5) "مظان"، جمع فظنة، الجمع الذي يظن أن الشيء فيه، ولقد استعمل الظن هنا بمعنى العلم (ط)، ووقع في (ق): "طالب العلم" بدل "طالب الحق".
(6) في (ك) و (ق): "ومؤثرة".
(7) في (ق) و (ن): "طريقهم".
(8) في (ق): "إنا نخاف".
(9) في (ق): "أن لا".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/12)

فصل [علماء الأمة على ضَربين]
ولما كانت الدعوةُ إلى اللَّه [-عز وجل-] (1)، والتبليغ عن رسوله، [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (1) شِعَار حزبه المُفْلِحين، وأتباعه من العالمين، كما قال -تعالى-: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، وكان التبليغ عنه نوعين (2): تبليغ ألفاظ ما (3) جاء به، وتبليغ معانيه؛ كان العلماءُ من أمته منحصرين في قسمين:
أحدهما: حُفَّاظ الحديث وجَها بذته، ونقَّاده (4) الذين هم أئمة الأنام، وزوامل الإسلام، الذين حفظوا على الأمة (5) مَعَاقد الدين ومَعَاقله، وحَمَوْا من التغيير والتكدير مواردَه وَمناهله، حتى وَرَدَ مَنْ سَبَقَتْ له من اللَّه الحسنى تلك المناهِلَ صافية من الأدناس لم تَشُبْها الآراء تغييرًا، ووردوا فيها (6) {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} [الإنسان: 6]، وهم الذين قال فيهم الإمام أحمد بن حنبل [-قدس اللَّه روحه-] (1) في خطبته المشهورة، في كتابه [في] (1) "الرد على الزنادقة والجهمية" (7): "الحمدُ للَّه الذي جعل في كل زمان فترةٍ من الرسل، بقايا من أهل العلم يَدْعُونَ من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحْيُونَ بكتاب اللَّه -تعالى (8) - الموتى، ويبصّرون بنِور اللَّه أهلَ العَمَى، فكم من قتيل لإبليس قد أَحْيَوْهُ؟ وكم من ضال تائه قد هَدَوْه؟ فما أَحْسَنَ أَثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم! يَنْفُون عن كتاب اللَّه تحريف الغالينَ، وانتحالَ المبطلين، وتأَويلَ الجاهلين، الذين عقدوا أَلْوِيَةَ البدعةِ، وأطلقوا عِنان (9) الفتنة فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على اللَّه، وفي اللَّه، وفي كتاب اللَّه بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، وَيخْدَعُون جُهال الناس بما يُشَبهون عليهم؛ فنعوذ باللَّه من فتنة المُضِلِّينَ" (10).
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ق).
(2) في المطبوع و (ك): "من عين".
(3) في المطبوع و (ك): "تبليغ ألفاظه وما".
(4) في المطبوع: "والقادة".
(5) في المطبوع: "الأئمة".
(6) في (ن) و (ق): "ووردوا منها".
(7) "جهم بن صفوان": أبو محرز السمرقندي، الضال المبتدع، الجاحد للصفات الإلهية، رأس الجهمية، قتله نصر بن سيار سنة ثمان وعشرين ومئة.
قلت: العبارة المذكورة في "الرد على الزنادقة والجهمية" (ص 52 - ضمن "عقائد السلف").
(8) في (ق): "عز وجل".
(9) في مطبوع "الرد على الجهمية": "عقال".
(10) في (ن): "فتن المضلين"، وكذا في مطبوع "الرد على الجهمية"، ونقل المصنف هذه =
(2/13)

فصل [فقهاء الإسلام ومنزلتهم]
القسم الثاني: فُقَهاء الإسلام (1)، ومَنْ دارت الفُتْيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام، وعُنُوا بضَبْط قواعد الحلال والحرام؛ فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجةُ الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أَفْرَضُ عليهم من طاعة الأمهات والآباء؛ بنص الكتاب، قال اللَّه -تعالى-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].

[من هم أولوا الأمر]
قال عبد اللَّه بن عباس في إحدى الروايتين عنه، وجابرُ بن عبد اللَّه، والحسنُ البَصْري، وأبو العَالية، وعَطاء بن أبي رَبَاح، والضَّحاك، ومجاهد [ابن جبر] (2) في إحدى الروايتين عنه: أولو الأمر همُ العُلماء، وهو إحدى الروايتين عن [الإمام] (3) أحمد، [و] (4) قال أبو هريرة، وابن عباس في الرواية الأخرى، وزيد بن أسلم، والسُّديُّ، ومُقَاتل: هم الأمراء، وهو الرواية الثانية عن أحمد (5).
__________
= المقولة في "الصواعق المرسلة" (3/ 927 - 928)؛ وقال عقبها: "وهذه الخطبة تلقاها أحمد عن عمر بن الخطاب، أو وافقه فيها!! فقد ذكرها محمد بن وضاح في أول كتابه في "الحوادث والبدع".
قلت: أخرجها ابن وضاح في "البدع" (رقم: 3) عن عمر بإسناد ضعيف، وذكرها المصنف ضمن ديباجته ل "مفتاح دار السعادة" (1/ 103 - 104 - ط دار ابن عفان).
(1) "كنا نود أن يضيف الإمام ابن القيم إلى حفاظ الحديث وصفًا آخر، وكذلك إلى الفقهاء وصفًا هو الوصف الذي يجد في سبيله كل مسلم المتدبر للقرآن العاملين به" (و).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك)، وفي (ن): "ابن جبير".
قال المزي في "تهذيب الكمال" (27/ 228): "مجاهد بن جبر، ويقال: ابن جبير، والأول أصح".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (و).
(5) الذين قالوا هم العلماء:
قول جابر: رواه الطبراني (5/ 148)، وفيه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف، وله طرق أخرى عند أحمد في "مسائل الخلال" (ق 7/ أ)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 122 - 123) =
(2/14)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وعنه البيهقي في "المدخل إلى السنن الكبري" (رقم 268)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (3/ 988 رقم 5533)، وابن عبد البر في "الجامع" رقم (1419)، وبعض أسانيده لا بأس بها. وعزاه في "الدر المنثور" (2/ 315) لابن أبي شيبة، وعبد بن حُميد، والحكيم الترمذي، وابن المنذر. وقول ابن عباس: رواه الطبراني (5/ 419)، والحاكم (1/ 123)، وعنه البيهقي في "المدخل" (رقم 266)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (3/ 989 رقم 5534)، وعزاه في (الدر المنثور" (2/ 315) لابن المنذر أيضًا، وهو في "صحيفة علي بن أبي طلحة" (رقم (232).
وقول الحسن البصري: رواه عبد الرزاق في "التفسير" (1/ 166)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (3/ 989 رقم 5536)، وسعيد بن منصور في "السنن" (4/ 289 رقم 654)، والبيهقي في "المدخل" (رقم 269، 271)، والطبري (5/ 149)، وإسناده صحيح.
وقول أبي العالية: رواه الطبري (5/ 149) وعزاه في "الدر" لابن أبي شيبة.
وقول عطاء بن أبي رباح: رواه سعيد بن منصور في "السنن" (4/ 1289 رقم 655)، والدارمي في "السنن" (1/ 72) والطبري (5/ 149)، وابن عبد البر في "الجامع" (رقم 1417)، والبيهقي في "المدخل" (رقم (269).
وقول مجاهد: رواه الطبري (5/ 149)، وعبد الرزاق في "التفسير" (1/ 166)، وسعيد بن منصور في "السنن" (4/ 287 رقم 653 و 656)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (3/ 989 رقم 5535)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (12/ 213 رقم 12580)، وأبو نعيم في "الحلية" (3/ 292 و 293)، وابن عبد البر في "الجامع" (رقم 1418)، والبيهقي في "المدخل" (رقم 270 و 271) وله طرق عنه وهو صحيح.
وعزاه في "الدر" لسعيد بن منصور، وابن أبي حاتم وعبد بن حميد.
وأما من قال هم الأمراء:
قول أبي هريرة: رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (3/ 988 رقم 5530، 5532)، وسعيد بن منصور في "السنن" (4/ 1287 رقم 652)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (12/ 212 - 213 رقم 12577 و 12/ 214 - 215 رقم 12585)، والطبري (5/ 147)، وإسناده صحيح، وصححه ابن حجر في "الفتح" (8/ 254)، وأحمد شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري" (8/ 498 رقم 9856).
وقول ابن عباس: رواه الطبري (5/ 147)، ويؤيّده ما أخرجه البخاري في "الصحيح" (رقم 4584) (كتاب التفسير): باب {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}، ومسلم في "الصحيح" (رقم 1834): (كتاب الإمارة): باب وجوب طاعة الأمراء وغيرهما: عن ابن عباس؛ قال: نزلت في عبد اللَّه بن حذافة إذ بعثه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في السِّريَّة.
وانظر "تفسير ابن عباس"، ومروياته في التفسير من كتب السنة (1/ 245 - 247) لعبد العزيز الحميدي.
وقول زيد بن أسلم والسدي: في تفسير الطبري (5/ 148). وانظر قول أحمد في "مسائل الخلال" (ق 7/ أ)، و "مرويات أحمد بن حنبل في التفسير" (1/ 370 - 373).
(2/15)

[طاعة الأمراء تابعة لطاعة العلماء]
والتحقيق أن الأمراء إنما يُطَاعون إذا أَمَرُوا بمقتضى العلم؛ فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف، [وما أوجبه العلم] (1)، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء، ولما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء، وكان الناس كلهم لهم تبعًا، كان صلاحُ العالم بصلاح هاتين الطائفتين، وفساده بفسادهما، كما قال عبد اللَّه بن مبارك، وغيره من السلف: صنفان من الناس إذا صلحا (2) صلح الناس، وإذا فسدا (3) فسد الناس، قيل: من هم؟ قال: الملوك، والعلماء (4)، وقال (5) عبد اللَّه بن مبارك (6):
رأيْتُ الذنوبَ تُمِيتُ القلوبَ ... وقد يورث الذُّلَّ إدْمانُهَا
وتَرْكُ الذنوبِ حياةُ القلوب ... وخَيْرٌ لنفسِكَ عِصْيَانُها
وهل أفسد الدينَ إلا الملوكَ ... وأحْبارُ سوءٍ ورُهْبَانُهَا

فصل [ما يشترط فيمن يوقع عن اللَّه ورسوله أو صفات المبلغين عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-]
ولما كان التبليغُ عن اللَّه -سبحانه- يعتمد العلم بما يبلغ، والصدقَ فيه، لم تصلح مرتبة التبليِغ بالرواية والفُتْيَا؛ إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالمًا بما يُبلِّغ، صادقًا فيه، ويكون مع ذلك حَسَنَ الطريقة، مرضِيَّ السيرة، عدلًا في أقوالِه وأفعاله، متشابه السِرِّ والعلانية في مَدْخله ومَخَرْجه وأحواله؛ وإذا كان
__________
(1) في (ك): "لا فيما أوجبه أحد".
(2) في (ك): "صلحوا".
(3) في (ك): "فسدوا".
(4) أخرجه الدينوري في "المجالسة" (رقم 469 - بتحقيقي)، وأبو نعيم في "الحلية" (7/ 5) وابن الجوزي في "المصباح المضيء" (1/ 245)، و"الشفاء" (ص 43 - 44) عن سفيان الثوري قوله.
وروي مرفوعًا ولم يصح، كما بيّنته في تعليقي علي "فضيلة العادلين"، لأبي نعيم و"تخريجه" للسخاوي (رقم 36)، وقول سفيان أشبه.
(5) في المطبوع و (ك): "كما قال".
(6) عزاها غير واحد من العلماء والأدباء لعبد اللَّه بن المبارك، كما بيّنته بإسهاب في تعليقي على "المجالسة" (رقم 177)، والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصّالحات.
ووقع في (ق): "المبارك".
(2/16)

مَنْصِبُ التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنْكَر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السّنيات، فكيف [بمنصب التوقيع] (1) عن رب الأرض والسماوات؟.
فحقيقٌ بمن أقِيمَ في هذا المنصب أن يُعِدَّ له عُدَّته، وأن يتأهب له أهْبَتَه، وأن يعلم قَدْرَ المقام الذي أُقيمَ فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصَّدْع به؛ فإن اللَّه ناصرُه وهاديه، وكيف (2) وهو المنصب الذي تولَّاه بنفسه ربُّ الأرباب؛ فقال تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النساء: 127]، وكفى بما تولاه اللَّه (تعالى- بنفسه) (3) شرفًا وجلالةً؛ إذ يقول في كتابه: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176]، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه (4)، وليُوقِنْ أنه مسئول غدًا ومَوْقُوف بين يدي اللَّه.

فصل [أول من وَقَّع عن اللَّه هو الرسول أو منصبُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في التبليغ والإفتاء]
وأول من قام بهذا المنصب الشريف: سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخَاتَم النبيين، عبدُ اللَّه ورسوله، وأمينه على وَحْيه، وسفيره بينه وبين عباده؛ فكان يُفتي عن اللَّه بوَحْيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86)} [ص: 86]. فكانت فتاويه -صلى اللَّه عليه وسلم- جوامعَ الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب، وهي في وجوب اتِّبَاعها، وتحكيمها، والتحاكم إليها ثانية الكتاب، وليس لأحدٍ من المسلمين العُدُولُ عنها ما وجَدَ إليها سبيلًا، وقد أمر اللَّه عباده بالرَّدِّ إليها (5) حيث يقول: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].

فصل [الأصحاب -رضي اللَّه عنهم- الذين قاموا بالفتوى بعده -صلى اللَّه عليه وسلم-]
ثم قام بالفتوى بَعْده بَرْكُ (6) الإسلام، وعِصَابة الإيمان، وعَسْكر القرآن،
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "بالتوقيع".
(2) في (ق): "وكيف".
(3) في (ق): "بنفسه تعالى".
(4) في (ك): "فتياه".
(5) في (ق): "وقد أمر اللَّه -تعالى- بالرد إليها".
(6) "البرك" -بفتح الباء وسكون الراء- أصله صدر الإنسان، وجماعة الإبل، ويجوز أن =
(2/17)

وجند الرحمن، أولئك أصحابه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أَبرُّ (1) الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إيمانًا، وأعمها نصيحةً، وأقربها إلى اللَّه وسيلة، وكانوا بين مُكْثِر منها ومُقِلٍّ ومتوسط.

[المكثرون للفتوى من الصحابة]
والذين حُفِظَتْ عنهم الفتوى من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (2) مئة ونَيِّف وثلاثون نفسًا، ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عَبَّاس، وعبد اللَّه بن عمر.
قال أبو محمد بن حَزْم (3): ويمكن أن يُجمع من فتوى كُلِّ واحد منهم سِفْر ضخم.
قال: وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فُتْيَا عبد اللَّه بن عباس -رضي اللَّه عنهما- (4) - في عشرين كتابًا.
وأبو بكر [محمد] (5) المذكور أحدُ أئمة الإسلام في العلم والحديث.

[المتوسطون في الفتيا منهم]
قال أبو محمد: والمتوسطون منهم فيما رُوي عنهم من الفُتيا: أبو بكر
__________
= يكون مأخذ هذا اللفظ من كل واحد من هذين المعنيين؛ فإن البلغاء يطلقون على المقدم من القوم لفظ الصدر، فهم يقولون: فلان صدر الأفاضل، وقد يشتقون منه فيقولون: تصدَّر فلان قومه؛ كما يشبهون الرجل الجلد القوي بالجمل (د)، وقال (ط):
"البرك": صدر كل شيء، والمراد أنهم المقدَّمون من المؤمنين، يقصد بهم الصحابة -رضي اللَّه عنهم-. ووقع في (ق): "ترك"!!.
(1) في المطبوع: "ألين".
(2) في (ق): "الفتوى من الصحابة".
(3) هو الإمام ابن حزم الظاهري -رحمه اللَّه-، المتوفى سنة 456 ه، صاحب الكتاب القيم: "المحلّى"، و"الإحكام في أصول الأحكام"، و"الفصل في الملل والأهواء والنحل"، وغيرها من الكتب والرسائل المفيدة.
وكلامه هذا اختصره الإمام ابن القيم -رحمه اللَّه- من "الإحكام" (5/ 92 - 104)؛ فانظره -إن شئت-.
وانظر الرسالة الثالثة الملحقة بكتاب: "جوامع السيرة" لابن حزم المسماة ب "أصحاب الفتيا من الصحابة ومن بعدهم على مراتبهم في كثرة الفتيا" (ص: 319 - 335).
(4) في (ق): "رضي اللَّه عنه".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ن).
(2/18)

الصِّدِّيق، وأُمُّ سَلَمة، وأنسُ بن مالك، وأبو سعيد الخُدْري، وأبو هريرة، وعثمان بن عَفَّان، وعبد اللَّه بن عَمْرو بن العَاص، وعبد اللَّه بن الزُّبير، وأبو موسى الأشْعريّ، وسعد بن أبي وَقَّاص، وسَلْمان الفارسيّ، وجابر بن عبد اللَّه، ومعاذ بن جَبَل؛ فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يُجمع من فُتيا كل واحد منهم (1) جزءٌ صغير جدًّا، ويُضَاف إليهم: طَلْحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عَوْف، وعِمْرَان بن حُصَين، وأبو بَكْرة، وعُبَادة بن الصَّامِت، ومعاوية بن أبي سفيان.

[المقلون من الفتيا منهم]
والباقون منهم مُقِلُّون في الفتيا، لا يُروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان (2)، والزيادة اليسيرة على ذلك؛ يمكن أن يُجمع من فتيا جميعهم جزءٌ صغير فقط، بعد التقصّي والبحث، وهم: أبو الدَّرْداء، وأبو اليُسر، وأبو سَلَمَة المخزوميّ، وأبو عُبَيدة بن الجَرَّاح، وسعيد بن زيد، والحسن والحسين ابنا علي، والنُّعمان بن بشير، وأبو مَسْعود، وأبيّ بن كعب، وأبو أيوب، وأبو طلحة، وأبو ذَرّ، وأم عطيّة، وصفية أم المؤمنين، وحَفْصة، وأم حبيبة، وأسامة بن زيد، وجعفر بن أبي طالب، والْبَرَاء بن عازب، وقُرَظة بن كعب، ونافع أخو أبي بكرة لأمه، والمِقْدَاد بن الأسود، وأبو السَّنابل، والجارود العَبْدي (3)، وليلى بنت قائِف، وأبو مَحْذُورة، وأبو شُرَيْح الكَعْبي، وأبو بَرْزَة الأسلمي، وأسماء بنت أبي بكر، وأم شَريك، والحَوْلاء (4) بنت تُوَيْت (5)، وأُسيد بن الحُضير، والضَّحاك بن قَيْس، وحبيب بن مَسْلمة، وعبد اللَّه بن أنيس، وحُذَيفة بن الْيَمَان، وثُمامة بن أَثال، وعَمَّار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبو الغَادية (6) السُّلَمي، وأم الدرداء الكبرى، والضحاك بن خليفة المازني، والحكم بن عمرو الغفاري، ووابصة بن
__________
(1) في (ن) و (ق): "كل امرئ منهم".
(2) في (ك): "أو المسألتان".
(3) كذا الصواب في "الإحكام" و (ن)، وفي المطبوع: "والجارود، والعبدي"، ولعل الخطأ من الطابع.
(4) في بعض النسخ "الخولاء" بالخاء، والتصحيح من (ق)، و"المؤتلف والمختلف" للدارقطني (238)، ورسالة "أصحاب الفتيا" لابن حزم، و"طبقات ابن سعد" (8/ 178)، و"الإصابة": (313)، و"الإحكام" (5/ 93).
(5) في (ن) و (ك): "بنت ثويب"، والتصويب من (ق) و"توضيح المشتبه" (1/ 673).
(6) في (ن) و (ق) و (ك): "وأبو العَادية"!! والتصويب من "المؤتلف" (4/ 192) للدارقطني.
(2/19)

مَعْبد الأسدي، وعبد اللَّه بن جعفر [البرمكي] (1)، وعَوْف بن مالك، وعديّ بن حاتم، وعبد اللَّه بن أبي أوفى، وعبد اللَّه بن سَلَام، وعمرو بن عَبَسة، وعَتَّاب بن أَسيد، وعثمان بن أبي العاص، وعبد اللَّه بن سَرْجِس، وعبد اللَّه بن رَوَاحة، وعَقيل بن أبي طالب، وعائذ بن عمرو، وأبو قَتَادة، [و] (2) عبد اللَّه بن معمر العَدوي (3)، [وعُمير بن سعد] (4)، وعبد اللَّه بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن
أخوه، وعاتكة بنت زيد بن عمرو، وعبد اللَّه بن عَوْف الزهري، وسعد بن مُعاذ، وسعد بن عُبادة، وأبو مُنيب، وقيس بن سعد، وعبد الرحمن (5) بن سهل، وسَمُرَة بن جُنْدُب، وسهل بن سعد الساعدي، ومعاوية (6) بن مُقَرن، وسويد بن مُقَرِّن، ومعاوية بن الحكم، وسَهْلة بنت سهيل، وأبو حذيفة بن عتبة، وسَلَمة بن الأكْوَع، وزيد بن أرقم، وجَرير بن عبد اللَّه البَجَلي، وجابر بن سَمُرَة (7)، وجُوَيْرِية أم المؤمنين، وحسَّان بن ثابت، وحبيب بن عدي، وقُدَامة بن مَظْعون، وعثمان بن مظعون، وميمونة أم المؤمنين، ومالك بن الحُويرث، وأبو أُمامة الباهليّ، ومحمد بن مسلمة، وخَبَّاب بن الأرَتّ، وخالد بن الوليد، وضمرة بن [العِيص] (8)، وطارق بن شهاب، وظُهَيْر بن رافع، ورافع بن خَديج، وسيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (9)، وفاطمة بنت قيس، وهشام بن حكيم بن حِزَام، وأبوه حكيم بن حزام، وشُرَحْبِيل بن السِّمْط، وأم سلمة، ودِحْيَة بن خليفة الكلبي، وثابت بن قيس بن الشَّمَّاس، وثَوْبَان مولى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، [وسُرّق]،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ن) و (ك).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وهو الصحيح كما في "الإحكام" (93/ 5)، وغيره.
(3) في (ن): "والعدوي" وفي (ق): "العابدي"!!، وقال في هامش (ق): "لعله: معمر العدوي".
(4) كذا الصواب كما في "الإحكام" و (ن) و (ق)، وفي المطبوع: "عمي بن سعلة"! ولعله خطأ من الناسخ، وانظر: "رسالة أصحاب الفتيا" (ص 323) لابن حزم الملحقة بكتابه "جوامع السيرة".
(5) في (ك): "عبد اللَّه".
(6) في المطبوع: "وعمرو"! والتصويب من (ن) و (ق)، و"الإحكام".
(7) في المطبوع: "جابر بن سلمة"!! والتصويب من (ن) و (ف)، و"الإحكام".
(8) كذا الصواب -أيضًا-، كما في "الإحكام" (5/ 94)، و"رسالة أصحاب الفتيا" (ص: 323)؛ وفي المطبوع: "الفيض"، وفي (ن) و (ف): "لقيط" وفي (ك): "الغيض" بالغين.
(9) في (ق): "صلى اللَّه عليه وسلم".
(2/20)

والمغيرة بن شعبة (1)، وبُريدة بن الحُصَيْب (2) الأسلمي، ورُوَيْفَع بن ثابت، وأبو حميد، وأبو أُسيد، وفَضَالة بن عُبيد، وأبو محمد روينا عنه وجوب الوتر -قلت: [أبو محمد] (3) هو مسعود بن أوس الأنصاري، نَجَّاري بَدْري (4) - وزَيْنب بنت أم
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع، وأثبته من (ن)، وفي "الإحكام": "وسرّق المغيرة بن شعبة" بدون فاصلة بين الاسمين! فأوهم أنه اسم واحد والصواب أن "سرق"، هذا هو صحابي آخر، كما في رسالة "أصحاب الفتيا"، قال: محققها: "بضم أوله وتشديد الراء بعدها قاف، وضبطه العسكري بتخفيف الراء، وزن غدر وعمر، وأنكر على أصحاب الحديث تشديد الراء، ويقال: اسم أبيه أسد، صحابي نزل مصر، انظر: "الإصابة" (3116) اه.
(2) في المطبوع: "الخصيب"!.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(4) ورد هذا في سؤال سأله أحد التابعين لعبادة بن الصامت: أن أبا محمد كان يقول: الوتر واجب في حديث رواه مالك في "الموطأ" (1/ 123 رواية يحيى الليثي) في (الصلاة): باب الأمر بالوتر و (ص 520 رقم 503 - رواية ابن القاسم وص 121 رقم 181 - رواية سويد و 1/ 119 رقم 299 - رواية أبي مصعب وق 28/ أ- رواية ابن بكير)، وأحمد في "مسنده" (5/ 315 - 316، 319، و 322)، والحميدي (388)، وعبد الرزاق في "مصنفه" (4575)، وابن أبي شيبة (2/ 296)، وفي "مسنده" (ق 97/ ب)، والدارمي في "سننه" (1/ 370)، وأبو داود في "سننه" (1420) في (الصلاة): باب فيمن لم يوتر، والنسائي في "المجتبى" (1/ 130) في (الصلاة): باب المحافظة على الصلوات الخمس و"الكبرى" (رقم 322)، وابن ماجه في "سننه" (1401) في (الإقامة): باب ما جاء في فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها، والهيثم الشاشي في "مسنده" (رقم 1281 - 1287) وابن حبان في "صحيحه" (رقم 1731، 1732، 1416 - الإحسان) وأبو الحسين البزاز في "غرائب حديث الإمام مالك" (رقم 4) والبيهقي في "سننه" (1/ 361 و 2/ 8، و 467 و 10/ 217) والبغوي في "شرح السنة" (977) من طريق محمد بن يحيى بن حَبّان، عن ابن محيريز، عن المُخْدَجي أنه قال لعبادة بن الصامت: يا أبا الوليد، إن أبا محمد (رجل من الأنصار كانت له صحبة) يقول: الوتر واجب.
والمُخدجي هذا لا يُعرف إلا بهذا الحديث، وليس فيه توثيق، لكن روى الحديث أحمد في "مسنده" (5/ 317)، وأبو داود (425) في (الصلاة): باب المحافظة على وقت الصلوات، ومن طريقه البيهقي في "السنن" (3/ 367)، وابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (2/ 955 رقم 1034)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم 820)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم 793)، وأبو نعيم في "الحلية" (5/ 130) من طريق عبد اللَّه الصُّنابحي عن عبادة؛ لكن قال الحافظ ابن حجر في "النكت الظراف" (4/ 255): أخرجه الطبراني في "الأوسط" (5/ 56 رقم 4658 و 9/ 126 رقم 9315) في ترجمة أبي زرعة الدمشقي: حدثنا آدم، حدثنا أبو غسان (وهو محمد بن مطرف)، وقال في روايته عن أبي عبد اللَّه الصُّنابحي، وهو الصواب. =
(2/21)

سلمة، وعتبة بن مسعود، وبلال المؤذّن، وعَرَفة (1) بن الحارث، وسَيَّار بن رَوْح أو روح (2) بن سيار (3)، وأبو سعيد بن المُعلَّى، والعباس بن عبد المطلب، وبُسر بن [أبي] (4) أرْطَاة، وصهَيب بن سنان، وأم أيمن، وأم يوسف، والغامدية، ومَاعِز، وأبو عبد اللَّه البصري (5).
فهؤلاء مَنْ نُقِلَتْ عنهم الفتوى من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-[صريحة] (6)، [وما أدري بأيّ] (7) طريق عَدَّ معهم أبو محمد [بن حزم] (8): الغامدية وماعزًا، ولعله تخيَّل أن إقدامهما على جواز الإقرار بالزنا؛ من غير استئذان لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك هو فتوى لأنفسهما بجواز الإقرار، وقد أُقِرَّا عليها (9)، فإن كان تَخَيَّلَ هذا فما أَبْعَدَهُ من خيال، أو لعله ظفر عنهما بفتوى في شيء من الأحكام.

فصل [الصحابة سادة العلماء وأهل الفتوى]
وكما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها فهم سادات المفتين والعلماء.
قال الليث، عن مجاهد: العلماء أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-. وقال سعيد، عن قتادة في قوله -تعالى-: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [سبأ: 6] قال: أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- (10)، [وقال -تعالى-: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ
__________
= فهذه متابعة قوية يُقوَّى بها الحديث.
ملاحظة: ذكر ابن القيم أن اسم أبي محمد هو: مسعود بن أوس، ورجح الحافظ في "الإصابة" أنه مسعود بن زيد بن سبيع.
(1) في المطبوع: "وعروة"!!.
(2) في (ك): "أبي أروح".
(3) اختلف في اسمه، وهو في "التاريخ الكبير" (2/ 160 - 161) وفي "الإصابة" (في حرفي الراء والسين)، ووقع في المطبوع بدل "سيار": "سياه"!
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك)، وفي الأصول: "وبشر"! وهو خطأ. انظر "المؤتلف" للدارقطنى (2/ 761).
(5) قال في هامش (ق): "هذا كله كلام ابن حزم".
(6) ما بين المعقوفتين من (ق).
(7) بدل ما بين المعقوفتين فى (ق): "فبأي".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك).
(9) في (ح) و (ف): "عليهما".
(10) قول مجاهد: رواه ابن عبد البر في "الجامع" (1424)، من هذا الطريق، وليث هو ابن أبي سُلَيم، وهو ضعيف.
وقول قتادة: رواه الطبري (22/ 62)، وابن أبي حاتم (10/ 3161 رقم 17869)، =
(2/22)

إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا} [محمد: 16] [قالوا] (1): (فالذين أوتوا) العلم: أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-] (2).

[أعظم الصحابة علمًا]
وقال يزيد بن عَميرة، لما حضر معاذَ بن جبل الموتُ؛ قيل: يا أبا عبد الرحمن! أوْصِنَا، قال: أجلسوني، إن العلم والإيمان مكانهما مَنْ ابتغاهما وَجَدَهما، يقول ذلك ثلاث مرات، التمسوا (3) العلم عند أربعةِ رهطٍ: عند عُويمر أبي الدرداء (4)، وعند سَلْمان الفارسي، وعند عبد اللَّه بن مسعود، وعند عبد اللَّه بن سَلَام (5).
وقال مالك بن يَخَامِرَ: لما حضرت [معاذًا] (6) الوفاةُ بكيتُ، فقال: ما يُبكيك؟ قلت: واللَّه ما أبكي على دنيا [كنت] (7) أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللَّذَيْن كنت أتعلمهما منك، فقال: إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، اطلب العلم عند أربعةٍ، فذكر هؤلاء الأربعة، ثم قال: فإن عجز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعْجَزُ، فعليك بمعلِّم إبراهيم (8)، قال:
__________
= وابن عبد البر (1422) من طريق سعيد عنه، وعزاه في "الدر المنثور" (6/ 674)، لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وإسناده صحيح.
وذكره عنه البغوي في "معالم التنزيل" (4/ 496).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك)، وما بين الهلالين من (ق) وحدها.
(3) في بعض النسخ المطبوعة: "النمس" بالنون!، وفي بعضها "التمس"، وما أثبتناه من (ن) و (ق).
(4) في المطبوع: "عويمر بن أبي الدرداء"!
(5) أخرجه البخاري في "التاريخ الصغير" (1/ 73)، والترمذي في "الجامع" (رقم 3804)، والنسائي في "فضائل الصحابة" رقم (149)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (4/ 86)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 467 - 468) -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (7/ 417) - والحاكم في "المستدرك" (3/ 416)، من طريقين عن يزيد بن عميرة به.
وإسناده حسن، وقال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
(6) في بعض النسخ: "معاذ"!
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك).
(8) "معلّم إبراهيم:" هو اللَّه -جل جلاله-، وإبراهيم: هو أبو الأنبياء، خليل الرحمن، علَّمه اللَّه، فأقام الحجة حتى بُهت الذي كفر، وقال اللَّه -تعالى-: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} - الآية (د)، ونحوه في (ط)، والآية: [الأنعام: 83].
(2/23)

فما نزلت بي مسألة عجزت عنها إلا قلت: يا معلم إبراهيم (1).
وقال أبو بكر بن عَيَّاش، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، قال: قال عبد اللَّه: علماء الأرض ثلاثة: فرجل بالشام، وآخر بالكوفة، وآخر بالمدينة، فأما هذان فيَسْألان الذي بالمدينة، والذي بالمدينة لا يسألهما عن شيء (2).
وقال الشعبي: ثلاثة يَسْتفتي بعضُهُم من بَعْض [وثلاثة يستفتي بعضهم من بعض] فكان [عمر وعبدُ اللَّه وزيد بن ثابت يَستفتي بعضهم من بعض، وكان] عليّ وأُبيّ بن كعب وأبو موسى الأشعري يستفتي بعضهم من بعض، قال الشَّيباني: فقلت للشعبي: وكان أبو موسى بذاك؟ فقال: ما كان أعلمه، قلت: فأين معاذ؟ فقال: هلك قبل ذلك (3).
وقال أبو البَخْتَري: قيل لعلي بن أبي طالب: حَدِّثنا عن أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: عن أَيِّهم؛ قالوا: عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قرأ القرآن، وعَلِم السُّنة، ثم انتهى، وكفاه بذلك. قالوا (4): فحدثنا عن حُذَيفة؛ قال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين. قالواة فأبو ذر، قال: كُنَيِّف (5) مَليء علمًا عُجن فيه (6). قالوا: فعمار، قال: مؤمِنٌ نَسِيٌّ؛ إذا ذكرته ذكر، خَلَط [اللَّه] (7) الإيمان بلَحْمه (8) ودمه، ليس للنار فيه نصيب. قالوا: فأبو موسى قال: صبغ في العلم
__________
(1) رواه البيهقي في "المدخل" (102) من طريق الفسوي، وهو في "تاريخه" (1/ 467 - 468) وقد رواه الحاكم (1/ 98)، وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: لكن فيه أبو صالح عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث بن سعد، فيه مقال، وانظر ما قبه وستأتي هذه الوصية لتلميذ آخر في التعليق على (ص 112) وهي عند الهروي في "ذم الكلام" (ص 187).
(2) إسناده منقطع.
(3) روى نحوه -أيضًا- من قول الشعبي: أبو خيثمة في "العلم" (رقم: 94)، والبيهقي في "المدخل" (ص: 149) وذكر نحوه الذهبي في "السير" (2/ 389) من قول الشعبي -أيضًا- دون آخره، وما بين المعقوفتين أثبته من (ن) و (ق) والزيادة الثانية سقطت من (ك).
(4) في المطبوع: "قال"!
(5) الكنف -بالكسر-: وعاء يكون فيه أداة الراعي، وبتصغيره جاء الحديث: "كنيف مليء علمًا" (د)، (ح)، ونحوه في (ط).
(6) في المطبوع: "عجز فيه"، وقال في هامش (ن): "في نسخة: عجن فيه"، وهو المثبت في (ق) وفي (ك): "عجز فعجز فيه".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(8) في (ق): "بالجمر" وفي هامشه: "بلحمه".
(2/24)

صبغة. قالوا: فسَلْمان، قال: علم العلم الأوَّل والآخِر، بَحْرٌ لا ينزح (1)، منا أهل البيت. قالوا؛ فحدثنا عن نفسك يا أمير المؤمنين، قال: إياها أردتم (2)، كنت إذا سُئِلْتُ أَعْطَيْت (3)، وإذا سكتُّ ابْتُدِيت (4).
وقال مُسلم، عن مَسْروق؛ شامَمَت (5) أَصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة: إلى علي، وعبد اللَّه، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبيّ ابن كعب، ثم شاممت (5) الستة فوجدت علمهم انتهى إلى عليّ وعبد اللَّه (6).
وقال مسروق أيضًا: جالستُ أصحابَ محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- فكانوا كالإخَاذِ (7) الإخاذة
__________
(1) زاد في (ك) وفي هامش (ق): "إمام أهل السنة".
(2) في (ق): "أردتم إياها".
(3) في نسخة (د): "أُعْطِت"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(4) أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (4/ 85، 86)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (7/ 536)، وأبو خيثمة، والهيثم بن كُليب -ومن طريقهما ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (7/ ق 411، 416 - 417) - وابن منيع في "مسنده" -كما في "المطالب العالية" (رقم 4022) -، والطبراني في "الكبير" (رقم 6041، 6042) -ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (1/ 187)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (7/ ق 416) - وابن الأعرابي في "معجمه" (رقم 400 - ط ابن الجوزي) -ومن طريقه ابن عساكر (7/ ق 416) - والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (2/ 540)، وأبو نعيم في "الحلية" (1/ 129، 187)، و"ذكر أخبار أصبهان" (1/ 54) -ومن طريق "الأخبار": ابن عساكر (7/ ق 415) - والحاكم في "المستدرك" (3/ 319)، وابن عبد البر في "الاستيعاب" (2/ 59)، وابن عساكر (7/ ق 415، 415 - 416، 417 أو 33/ 142، 143 ط دار الفكر)، من طرق -مطولًا ومختصرًا- عن علي -رضي اللَّه عنه- به.
وهو صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(5) "شاممت أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-"، أي: بحثت عنهم (ط). قلت: الأصح: جالستُهم ودنوتُ منهم، كما في "اللسان".
ووقعت في (ك): "شاهدت".
(6) رواه الطبراني في "الكبير" (8513)، وقال الهيثمي في "المجمع" (9/ 160): "ورجاله رجال الصحيح غير القاسم بن معين وهو ثقة" كذا فيه، وصوابه ابن معن، فليصحح.
ورواه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 444 - 445)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (33/ 154 - 155) والذهبي في "السير" (1/ 493).
(7) "الإخاذ": بالكسر-: [الغديران]، واحده: إخاذة (د)، (ح)، وبدل ما بين المعقوفيتن في (د): "الغدران".
قلت: وانظر: "غريب أبي عبيد" (4/ 367)، و"النهاية" (1/ 28)، و"الفائق" (1/ 17)، و"اللسان": مادة (أخذ)، وأورد جميعهم هذا الأثر.
(2/25)

تَروي الراكب، والإخاذة تروي الراكبين، والإخاذة تروي العَشَرة (1)، والإخاذة لو نزل بها أهلُ الأرض لأصدرتهم (2)، وإن عبد اللَّه من تلك الإخاذ (3).
وقال الشَّعبي: إذا اختلف الناسُ [في شيء] (4)؛ فخذوا بما قال عمر (5).
وقال ابن مسعود: إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم (6).
وقال أيضًا: لو أنَّ عِلْمَ عمر وضع في كِفَّة (7) الميزان ووُضع علم أهل الأرض في كِفَةٍ؛ لرجَحَ علم عمر (8).
وقال حذيفة: كأَنَّ عِلْم الناس مع علم عمر دُسَّ في جحر (9).
__________
(1) في (ن): "الإخاذ يروي الراكب، والإخاذ يروي الراكبين، والإخاذة: العشرة، والإخاذ".
وفي (ق): "كالإخاذ يروي الراكب، والإخاذ يروي الراكبين والإخاذ العشرة والإخاذ".
وفي (ك): "الإخاذ يروي الراكب، والإخاذ يروي الراكبين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ. . . ".
(2) "أصدرتهم": أشبعتهم من الماء (ط)، وفي (ن) و (ق) و (ك): "لأصدرهم" و (ك): "نزلت به" و (ق): "نزل به".
(3) رواه أبو خيثمة في "العلم" (123)، -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (33/ 156 - 157)، و"المجلس الثمانون بعد المئتين" (رقم 16) -، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (2/ 542)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (2/ 342)، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (150) من طريق الأعمش عن مسلم عنه، وإسناده صحيح.
وأخرجه أبو عبيد في "الغريب" (4/ 366 - 367)، من طريق عمرو بن مرة عن مسروق به. واسناده صحيح أيضًا، وزاد ابن حزم في "الإحكام" (6/ 64) أبا عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود بين عمرو بن مرة ومسروق.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5) رواه أحمد في "فضائل الصحابة" (342) من طريق سَيَّار عن الشعبي، قال: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا إلى قول عمر، وإسناده صحيح.
(6) رواه الطبراني في "الكبير" (8809) و (8810)، وقال الهيثمي (9/ 69): "رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح؛ غير أسد بن موسى، وهو ثقة".
ورواه -أيضًا- أبو خيثمة في "العلم" (رقم: 61)، والفسوي (1/ 462 - 463)، والبيهقي في "المدخل" (70) وابن عساكر (241، 242 ترجمة عمر).
(7) كل من استدار فهو كِفة -بالكسر-، نحو: كفة الميزان (د) و (ح).
(8) رواه الطبراني في "الكبير" (8808) و (8809) و (8810) ضمن الأثر الذي قبله.
ورواه الفسوي (1/ 462)، وأبو خيثمة في "العلم" (60)، والبيهقي في "المدخل" (70) وابن عساكر (241، 242 - ترجمة عمر)، والحاكم (3/ 86)، وصححه على شرط الشيخين.
(9) رواه ابن سعد في "الطبقات" (2/ 336)، ومن طريقه، ابنُ عساكر (ص 243 - ترجمة =
(2/26)

وقال الشعبي: قُضَاة هذه الأمة [أربعة]: عمر، وعلي، وزيد، وأبو موسى (1).
وقال سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ [باللَّه] (2) من مُعْضِلةٍ ليس لها أبو حسن (3).
وشهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لعبد اللَّه بن مسعود بأنه غُلَيِّمٌ (4) مُعَلَّم (5)، وبدأ به في
__________
= عمر المطبوعة)، من طريق الأعمش عن شِمْر عنه، وإسناده حسن، ولكن شمر ما أظنه أدرك حذيفة.
(1) أخرجه ابن أبي الدنيا في "القضاة"، وعنه وكيع في "أخبار القضاة" (1/ 104)، وذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (2/ 389) وفيه مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، وما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ن).
(3) رواه ابن سعد في "الطبقات" (2/ 339)، وعبد اللَّه بن أحمد في "زوائده" على "فضائل الصحابة" (رقم: 1100) من طريق مؤمل بن إسماعيل، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد عنه به.
وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف مؤمل، وسعيد لم يدرك عمر بن الخطاب.
قال (د): "أبو حسن": علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، و"المعضلة" المسألة يشق ويعسر حلها، وقد اشتهر عليّ -كرم اللَّه وجهه- بالفقه والفهم، ومعرفة وجوه الحكم، حتى قيل: "قضية ولا أبا حسن لها" أي: ولا حَلَّال لها اه.
وقال (ط): هو علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، و"المعضلة": كل شديد معي، والمعنى: أن عمر -رضي اللَّه عنه- كان يستعيذ مما يتعسر له، فإذا كان عسيرًا على عليِّ -وهوَ الفقيه الأعلم- فهو على غيره أشد عسرًا، وكان عمر -رضي اللَّه عنه- يقول: "لولا علي لهلك عمر" اه.
أما (ح) و (و) فاقتصرا على قولهما: "يعني علي بن أبي طالب".
(4) في المطبوع: "عليم" بالعين المهملة، وهو خطأ، وصوابه بالمعجمة -كما في مصادر التخريج-.
وفي (ك) و (ق): "أبو الحسن".
(5) أخرجه أحمد قي "المسند" (1/ 379)، والطبراني في "الكبير" (9/ 76، 77 رقم 8456)، وأبو يعلى في "المسند" (8/ 452 رقم 4985)، وابن حبان في "الصحيح" (8/ 149 رقم 6470 - الإحسان)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (3/ 150 - 151)، والحسن بن عرفة في "جزئه" (رقم 46) -ومن طريقه البيهقي في "الاعتقاد" (284 - 285)، وأبو القاسم الحنائي في "الفوائد" (1/ ق 5/ ب)، والتيمي في "دلائل النبوة" (2/ 502 - 503)، والذهبي في "السير" (1/ 465) - وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم 631)، -ومن طريقه ابن عساكر في "المجلس الثمانين بعد المئتين في فضل ابن مسعود" (رقم 9)، و"التاريخ" (ق 88 - أخبار ابن مسعود أو 33/ 71 وما بعد/ ط دار =
(2/27)

قوله: "خُذُوا القرآن من أربعة: من ابن أم عَبْد (1)، ومن أبي بن كعب، ومن سالم مولى أبي حذيفة، ومن معاذ بن جبل" (2).
ولما ورد أهل الكوفة على عمر أجازهم، وفَضَّلَ أهلَ الشام عليهم في الجائزة، فقالوا: يا أمير المؤمنين تفضل أهل الشام علينا؟ فقال: يا أهل الكوفة أجزعتم أنْ فَضَّلت أهل الشام عليكم لبعد شُقَّتهم وقد آثرتكم بابن أم عَبْد؟ (3).
وقال عقبة بن عمرو: ما أرى أحدًا أعلم بما أنزل [اللَّه] (4) على محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- من عبد اللَّه [بن مسعود] (4)، فقال أبو موسى: إنْ تَقُلْ ذلك فإنه كان يَسْمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل (5).
__________
= الفكر) -، والبيهقي في "الدلائل" (1/ 420 - 421 و 6/ 84 - 85)، وأبو نعيم في "الدلائل" (ص 113) و"الحلية" (1/ 125)، واللالكائي في "السنة" (2/ 773 - 774)، من طرق عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: مرَّ بي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا في غنم لعقبة، فمسح رأسي، وقال: "يرحمك اللَّه، إنك غُلَيِّم مُعلَّم".
قال الذهبي: "هذا حديث صحيح الإسناد".
قلت: بل هو حسن، من أجل عاصم بن بهدلة.
(1) "هو عبد اللَّه بن مسعود" (م) و (ح)، ونحوه في (و).
(2) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب فضائل الصحابة): باب مناقب عبد اللَّه بن مسعود (7/ 102/ رقم 3760)، و (كتاب مناقب الأنصار): مناقب أبىّ بن كعب (7/ 126 رقم 3808)، و (كتاب فضائل القرآن): باب القُرَّاء من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (9/ 46/ رقم 4999)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب فضائل الصحابة): باب من فضائل عبد اللَّه بن مسعود وأمه -رضي اللَّه عنهما- (4/ 1913 رقم: 2464)، عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا.
وله طرق عديدة عند ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (33/ 130 - 133).
(3) رواه ابن أبي شيبة (7/ 521) من طريق مالك بن الحارث عن أبي خالد؛ قال: (فذكره).
وروى نحوه -أيضًا- من قول عمر: الحاكم (3/ 388) -وصححه ووافقه الذهبي والطبراني في "الكبير" (9/ 85 رقم 8478) - وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (33/ 149) والذهبي في "السير" (1/ 485 - 486).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(5) رواه الطبراني في "الكبير" (8495)، والحاكم (3/ 316) وابن حزم في "الإحكام" (6/ 63) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (43/ 133 - 144) من طرق: عن الأعمش، عن مالك بن الحارث. عن أبي الأحوص، عن عقبة، وسقط (أبو الأحوص) من سند الحاكم.
وأخرجه مسلم (2461) في "الفضائل": باب من فضائل عبد اللَّه بن مسعود من طريق الأعمش به، وفي آخره: "لقد كان يشهد إذا غبنا. ويؤذن له إذا حجبنا".
(2/28)

وقال عبد اللَّه: ما أُنزلت سورة إلا وأنا أَعلم فيمَ (1) أُنزلت، ولو أني أعلم أن رجلًا أعلم بكتاب اللَّه مني تبلغه الإبل لأتيته (2).
وقال زيد بن وهب: كنت جالسًا عند عمر فأقبل عبد اللَّه فدنا منه، فأكبَّ عليه وكَلَّمه بشيء، ثم انصرف، فقال عمر: كُنَيِّفٌ مليء علمًا (3).
وقال الأعمش، عن إبراهيم: إنه كان لا يَعْدل (4) بقول عمر وعبد اللَّه إذا اجتمعا، فإذا اختلفا كان قول عبد اللَّه أعْجَبَ إليه؛ لأنه كان ألطف (5).
وقال أبو موسى: لَمَجْلِسٌ كنت أجالسه عبدَ اللَّه أوْثَقُ في نفسي من عمل سَنَة (6).
وقال عبد اللَّه بن ببريدة في قوله -تعالى (7) -: {حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا} [محمد: 16]، قال: هو عبد اللَّه بن مسعود (8).
__________
(1) في (ك) و (ق): "فيما".
(2) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب فضائل القرآن): باب القُرَّاء من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (9/ 47/ 5002)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب فضائل الصحابة): باب من فضائل عبد اللَّه بن مسعود وأمه -رضي اللَّه عنهما- (4/ 1913 - 2463).
(3) رواه ابن سعد في "الطبقات" (2/ 344 و 3/ 156)، وأحمد في "فضائل الصحابة" رقم (1550)، وأبو نعيم في "الحلية" (1/ 129)، والبيهقي في "المدخل" (100)، والحاكم في "المستدرك" (3/ 318)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (2/ 543)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (33/ 144 - 146)، و"المجلس الثمانون بعد المئة" (رقم 14)، من طرق عن الأعمش عن زيد بن وهب به. وإسناده صحيح.
وله طريق آخر وبسياقه أخرى، رواه عبد الرزاق (18187)، ومن طريقه الطبراني (9735)، قال الهيثمي في "المجمع" (3/ 306): ورجاله رجال الصحيح إلا أن قتادة لم يدرك ابن مسعود، وذكره الذهبي في "السير" (1/ 491).
(4) "لا يعدل": [أي] لا يساوي بقول عمر وعبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قول أحد غيرهما (ط)، وبدل ما بين المعقوفتين فيها: "أن"! ونحوه في (ح) و (د).
(5) رواه أحمد في "فضائل الصحابة" (350) من طريق أبي شهاب عن الأعمش به، دون قوله: "فإذا اختلفا. . . "، وإسناده حسن. أبو شهاب هو الحناط موسي بن نافع.
(6) رواه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (2/ 545) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (33/ 153) والذهبي في "السير" (1/ 493) و"تاريخ الإسلام" (ص 388 - الخلفاء الراشدون) من طريقين عن أبي موسي، وإسناده لا بأس به.
(7) في (ق): "عز وجل".
(8) رواه ابن أبي شيبة (7/ 522)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (33/ 144) من طريق صالح بن حيان عنه، وصالح ضعيف. وعزاه لهما السيوطي في "الدر المنثور" =
(2/29)

وقيل لمسروق: كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: واللَّه لقد رأيت الأحْبار (1) من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسألونها عن الفرائض (2).
وقال أبو موسى: ما أشكل علينا أصحابَ محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- حديثٌ قط؛ فسألناه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا (3).
وقال ابنُ سِيرين: كانوا يَرَوْنَ أن أعلمهم بالمناسك عثمان بن عفان، ثم ابن عمر بعده (4).
وقال شهْر بن حَوْشب: كان أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، إذا تحدثوا وفيهم مُعَاذ نظروا إليه هَيْبَةً له (5).
وقال علي: أبو ذر أَوْعَى (6) علمًا، ثم أَوْكى (7) عليه، فلم يخرج منه شيئًا (8) حتى قُبض (9).
وقال مسروق: قدمتُ المدينةَ فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم (10).
__________
= (7/ 466). وانظر: "تفسير القرطبي" (16/ 2386)، و"تفسير مبهمات القرآن" (2/ 511) للبلنسي.
(1) في (ق) و (ن) و (ك): "الأخيار".
(2) سيأتي تخريجه قريبًا.
(3) رواه الترمذي (3883) في "المناقب": باب فضل عائشة، من طريق خالد بن سلمة عن أبي بردة عن أبي موسى. وقال: حسن صحيح.
ونقل عنه الذهبي في "السير" (2/ 179) قال: حسن غريب. ورجاله ثقات.
وانظر: "صحيح مسلم" (349).
(4) رواه ابن سعد في "الطبقات" (3/ 60) من طريق سليم بن أخضر، عن ابن عون، عنه، وإسناده صحيح.
ورواه البيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (121).
(5) رواه أبو نعيم في "الحلية" (1/ 231)، وشهر بن حوشب فيه كلام.
(6) في (ق): "وُعي".
(7) في (ق): "أوكي".
(8) في (ق): "شيء"
(9) ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (2/ 60)، وروى نحوه ابن سعد في "الطبقات" (2/ 354 و 4/ 232)، ورجاله ثقات.
وقال (ط): "أوكى عليه": احتفظ به، وليس هذا من الاحتجاز المذموم للعلم، ولكن كانت هناك ظروف منعت من نشر علمه -رضي اللَّه عنه- ليس هنا مجالها. اه.
(10) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (19/ 323 - 325)، وهو في تهذيب تاريخ ابن عساكر" (5/ 451) لابن بدران.
(2/30)

وقال الجُرَيْري، عن أبي تَميمةَ: قدمنا الشام فإذا الناس مجتمعون يُطِيفون (1) برجل، قال: قلت: مَنْ هذا؟ قالوا: [هذا] (2) أفقه مَنْ بقي من أصحاب النبي (3) -صلى اللَّه عليه وسلم-، هذا عمرو البِكَالي (4).
وقال سعيد: قال ابن عباس -وهو قائم على قبر زيد بن ثابت-: هكذا يَذْهَب العلم (5).

[فضلُ ابنِ عباس]
وكان مَيْمون بن مِهْران إذا ذُكِر ابن عباس وابن عمر عنده؛ يقول: ابن عمر
__________
(1) في (ك): "مطيفون".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ن).
(3) في (ق): "محمد".
(4) عزاه الحافظ في "الإصابة" (3/ 24 أو 4/ 700 - ط البجاوي) للبخاري في "التاريخ الصغير" (1/ 323 - رواية الخفاف) وابن نصر في "قيام الليل" وابن مندة وابن السكن. وذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (6/ 313) مختصرًا، وأورده ابن الأثير في "أسد الغابة" (4/ 89)، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (7/ 421) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (4/ 2026 رقم 5092) والطبراني في "الكبير" (17/ 43 - 44 رقم 91 - مختصرًا) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (46/ 459، 460، 465)، وصححه ابن حجر.
(5) أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (3/ 381)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (4/ 85 رقم 2042)، والطبراني في "الكبير" (5/ 108 - 109 رقم 4749)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 485)، والحاكم في "المستدرك" (3/ 428)، وابن سعد في "طبقاته" (2/ 361 - 362)، والبيهقي في "المدخل" (رقم 95)، والمبارك بن عبد الجبار الطيوري في "الطيوريات" (ج 2/ ق 34/ ب- "انتخاب السِّلفي")، وابن عساكر (19/ 333 - 334) من طرق عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار (مولى بني هاشم)، قال: "جلسنا مع ابن عباس في ظل القصر في جنازة زيد بن ثابت، فقال: لقد دفن اليوم علم كثير"، وإسناده صحيح.
وأخرجه ابن سعد في "طبقاته" (2/ 361)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 484، 485)، والطبراني في "الكبير" (5/ رقم 4750، 4751)، والحاكم في "المستدرك" (3/ 422) والدينوري في "المجالسة" (رقم 339 - بتحقيقي) -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (19/ 336 - دار الفكر) - وابن عساكر (19/ 334 - 336) من طرق عنه بنحوه.
والخبر في "جامع بيان العلم" (1/ 601 رقم 1035)، و"البيان والتبيين" (1/ 257)، و"عيون الأخبار" (2/ 143 - ط دار الكتب العلمية)، و"سير السلف" (ق 58/ أ)، و"السير" (2/ 440).
(2/31)

أوْرَعُهما، وابن عباس أعلمهما (1).
وقال أيضًا: ما رأيت أفْقَه من ابن عمر، ولا أعْلَمَ من ابن عباس (1).
وكان ابن سيرين يقول: اللهم أبْقِنِي ما أبقيتَ ابن عمر أقتدي به.
وقال ابن عباس: ضَمَّنِي رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال: "اللهم علِّمه الحكمة"، وقال أيضًا: دعَانِي رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فمَسحَ على ناصيتي، وقال: "اللهم علمه الحكمة، وتأويلَ الكتاب" (2).
ولما مات ابن عباس قال محمد ابن الحنفيَّة: مات رَبَّانِيُّ هذه الأمة (3).
وقال عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتْبة: ما رأيت أحدًا أعلم بالسنة، ولا أجْلَد رأيًا، ولا أثقب نظرًا حين ينظر من ابن عباس (4)، وإن كان عمر بن الخطاب
__________
(1) أخرجه الدينوري في "المجالسة" (رقم 2584 - بتحقيقي)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ص 37 - ترجمة عبد اللَّه بن عمران - عبد اللَّه بن قيس، أو 31/ 115 - ط دار الفكر) عن عمرو بن ثابت، عن ميمون بن مهران به. وهذا إسناده ضعيف لضعف عمرو بن ثابت وهو ابن أبي المقدام الحداد.
وأخرجه أحمد في "الزهد" (2/ 123)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 491) -ومن طريقه ابن عساكر- وأبو بكر المروزي في "الورع" (رقم 211 - ط زغلول، أو رقم 225 - ط الزهيري)؛ وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (2/ 366) بسنديهما إلى طاوس قوله.
وأورده الذهبي في "السير" (3/ 212) عن طاوس، وقال: "وكذا يُروى عن ميمون بن مهران" والخبر في "تاريخ الإسلام" (حوادث 61 - 800 ص 457).
(2) أخرجه البخاري (75) في (العلم): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللهم علِّمه الكتاب"، و (3756) في (فضائل الصحابة): باب ذكر ابن عباس رضي اللَّه عنهما و (7270) في أول (الاعتصام) من حديث ابن عباس بهذا اللفظ، وهو في صحيح البخاري (143)، ومسلم (2477) بلفظ: "اللهم فقهه في الدين".
(3) رواه ابن سعد في "الطبقات" (2/ 368) من طريق سفيان الثوري عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي كلثوم، عن ابن الحنفية. ورواته ثقات، غير أن سالم بن أبي حفصة قال عنه الحافظ في "التقريب": صدوق غال في تشيعه، وأبو كلثوم إن كان هو المترجم في "الجرح والتعديل" في (الكنى)، حيث قال: "سمع حسين بن علي"، فهو في هذه الطبقة، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا فهو في عداد المجاهيل وإلا فلينظر.
(4) رواه عبد اللَّه بن أحمد في زوائده علي "فضائل الصحابة" (1906)، وإسناده صحيح، ورواه ابن سعد في "الطبقات" (2/ 368)، وفيه كلام آخر طويل، وذكره ابن عبد البر في "الإستيعاب" (2/ 352) عن أبي الزناد، عن عبيد اللَّه غير مسند.
ووقع في المطبوع: "مثل ابن عباس" بدلًا من: "من ابن عباس".
(2/32)

لَيَقُولُ له: قد طَرأتْ [علينا] عُضَلُ أقضيةٍ (1) أنتَ لها ولأمثالها (2).
وقال عطاء بن أبي رَبَاح: ما رأيت مجلسًا قط أكرم من مجلس ابن عباس، أكثر فقهًا وأعظم، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن [عنده] (3)، وأصحاب الشعر عنده، يُصْدِرهم كلهم في وادٍ واسع (4).
وقال ابنُ عَبَّاس: كان عمر بن الخطاب يسألني مع الأكابر من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (5).
وقال ابن مسعود: لو أنَّ ابن عباس أدرك أسناننا ما عَسَره (6) مِنَّا رجل (7).
__________
(1) "عضل أقضية: قضية أعيت العلماء" (ط)، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) رواه عبد اللَّه بن أحمد في زوائده على "فضائل الصحابة" (1913)، وابن الأثير في "أسد الغابة" (3/ 193) من طريق أبي الزناد، عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن عمر، وعبيد اللَّه لم يسمع من عمر بن الخطاب.
وروى ابن سعد في "الطبقات" (2/ 369) عن سعد بن أبي وقاص؛ قال: ولقد رأيت عمر بن الخطاب يدعو للمعضلات، ثم يقول: عندك قد جاءتك معضلة.
وإسناده ضعيف جدًّا، فيه الواقدي وأبو بكر بن عبد اللَّه بن أبي سبرة، وهما متروكان.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في "زوائده على فضائل الصحابة" (2/ 978 / رقم 1929) عن إبراهيم بن أبي الوزير، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 520) عن يحيى بن عبد اللَّه بن بكير، والبُرجُلاني في "الكرم والجود" (رقم 60)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (1/ 174)، و"الفقيه والمتفقه" (1/ 174) عن داود بن مهران، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (4/ 44 - دار الفكر) عن عبد الأعلى بن حماد النَّرْسيّ؛ والمروزي في "زوائد الزهد" (رقم 1175) -ومن طريقه الدينوري في "المجالسة" (رقم 1227 - بتحقيقي) - جميعهم عن عبد الجبار بن الورد؛ قال: قال عطاء به.
وإسناده صحيح. والخبر في "التذكرة الحمدونية" (2/ 97)، و"ربيع الأبرار" (3/ 289)، وقارن ب "الحلية" (1/ 320، 321)، و"العقد الثمين" (5/ 191)، و"الشريشي" (1/ 286 - 287).
وقال (ط): "كان -رضي اللَّه عنه- آخذًا من كل علم، فقد كان فقيهًا مفسرًا، راويةً للشعر"، وقال (د): "معنى هذا: أنه كان فقيهًا مفسرًا راوية للشعر".
(5) أخرج البخاري في "صحيحه": (كتاب المغازي): باب {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)} (رقم (4294)، وباب مرض النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ووفاته (رقم 4430)، و (كتاب التفسير): باب قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} (رقم 4970) وغيره ما يؤيده.
وانظر -غير مأمور- تعليقي على "الموافقات" (4/ 210 - 211).
(6) "ما عسره": أي ما خالفه (ط) و (ح) و (د)، ونحوه في (و).
(7) رواه ابن سعد في "الطبقات" (2/ 366)، وأبو عروبة في "طبقاته" (ص 68 - منتقاه) من =
(2/33)

وقال مغيرة (1): قيل لابن عباس: أنَّى (2) أَصبتَ هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول (3).
وقال مجاهد: كان ابن عباس يُسَمَّى البَحْر من كثرة علمه (4).
وقال طاوس: أدركت نحوًا من خمسين من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا ذَكَر ابن عباس شيئًا فخالفوه لم يزل بهم حتى يقرِّرُهم (5).
__________
= طريق مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن ابن مسعود، وكذا رواه الحاكم (3/ 537)، والفسوي في "تاريخه" (1/ 495)، وابن أبي شيبة (7/ 519) -ووقع فيه وفي (ن) و (ك): "ما عشره منا رجل"- وسنده صحيح.
وقال الذهبي في "السير" (3/ 347): "ويقال: عاشره".
ورواه أبو خيثمة في "العلم" (48)، وأحمد في "فضائل الصحابة" (1559) و (1562) والبيهقي في "المدخل" (125) و (126).
(1) وقع في المطبوع و (ك): "مكحول"! والتصويب من (ق) و (ن)، ومصادر التخريج.
(2) في (ك): "أين".
(3) رواه البيهقي في "المدخل" (427) من طريق المغيرة بن مقسم، عن ابن عباس، والمغيرة لم يسمع من ابن عباس، ورواه -أيضًا- من الطريق نفسه: أحمد في "فضائل الصحابة" (1877)، وابنه (1903).
وروى الطبراني في "الكبير" (10620) -ومن طريقه أبو نعيم (1/ 318) - من طريق أبي بكر الهذلي عن الحسن قال: وكان عمر إذا ذكره قال: له لسان سؤول، وقلب عقول.
وقال الهيثمي في "المجمع" (9/ 277): "أبو بكر الهذلي ضعيف".
وروى نحوه عن عمر أيضًا: الحاكم (3/ 539, 540) من طريق معمر عن الزهري عن عمر؛ إلا أنه منقطع.
(4) رواه ابن سعد في "الطبقات" (2/ 366) من طريق حماد بن أسامة عن الأعمش قال: حُدِّثنا عن مجاهد. . . وقال: وأُخْبِرت عن ابن جريج عن عطاء قال:. . . (فذكره)، وله طرق صحيحة في "مستدرك الحاكم" (3/ 535)، و"المعرفة والتاريخ" (1/ 496) للفسوي، و"تاريخ بغداد" (1/ 174)، و"تاريخ دمشق" (12/ 309 - مختصره)، و"الطبقات" (ص 70 - منتقاه) لأبي عروبة الحراني.
(5) روى ابن سعد (2/ 367) والبخاري في "التاريخ الكبير" (3/ 1/ 4) وعبد اللَّه بن أحمد في "زياداته على فضائل الصحابة" (2/ 967) من طريق ليث بن أبي سُليم (وهو ضعيف) عن طاوس قال: لزمت هذا الغلام. . . إني رأيت سبعين من أصحاب رسول للَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا تدارؤوا في شيء، صاروا إلى قول ابن عباس.
وروى ابن سعد في "الطبقات" (2/ 372) وأحمد في "العلل" (2/ 61 - رواية عبد اللَّه) وابن معين في "الجزء الثاني من فوائده" (رقم 195 - رواية أبي بكر المروزي) من طريق =
(2/34)

وقيل لطاوس: أدركْتَ أصحابَ محمدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم انقطعتَ إلى ابن عباس! فقال: أدركتُ سبعين من أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ إذا تَدَارَءُوا في شيء انتهوا إلى قول ابن عباس (1).
وقال ابنُ أبي نَجيح: كان أصحاب ابن عباس يقولون: ابنُ عباسٍ أعلم من عُمر ومن عليّ ومن عبد اللَّه، ويعدون ناسًا، فيَثِبُ عليهم الناس، فيقولون: لا تَعْجَلوا علينا، إنه لم يكن أحد من هؤلاء إلا وعنده من العلم ما ليس عند صاحبه، وكان ابن عباس قد جَمَعه كُلَّه.
وقال الأعمش: كان ابن عباس إذا رأيْتَه قلتَ: أجمل الناس، فإذا تكلَّم قلت: أفصح الناس، فإذا حدَّث قلت: أعلم الناس (2).
وقال مجاهد: كان ابن عباس إذا فَسَّر الشيء رأيت عليه النور (3).
__________
= حبيب بن أبي ثابت عن طاوس قال: ما رأيت أحدًا قط عند ابن عباس ففارقه حتى يقرره. ورجاله ثقات غير أن فيه تدليس حبيب بن أبي ثابت وصرح بسماعه عند ابن معين. فصح، والحمد للَّه.
وله طريق أخرى عن طاوس، عند عبد اللَّه بن أحمد في "زياداته على فضائل الصحابة" (2/ 979 - 982) وقال (ط): "يقررهم": يناقشهم حتى يعنرفوا قوله: [إذ] كان -رضي اللَّه عنه- راوية قوي الحجة. وفيها بدل ما بين المعقوفتين: "إذا"، ونحوه باختصار في (د).
ونسب هذا القول في (ك) إلى أبي طاوس!
(1) رواه ابن سعد في "الطبقات" (2/ 366 - 367) وأبو عروبة الحراني في "طبقاته" (ص 67 - منتقاه)، وفيه ليث بن أبي سُليم، وهو ضعيف.
ورواه ابن سعد -أيضًا- في "الطبقات" (2/ 372)، والبغوي كما في "الإصابة" (2/ 324)، وابن الأثير في "أسد الغابة" (3/ 193)، وأحمد في "فضائل الصحابة" (1892)، وأبو عروبة في "الطبقات" (ص 66 - منتقاه)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (12/ 309 - مختصره).
وقال (ط): "تدارؤوا تدافعوا في الخصومة، يريد إذا اختلفوا"، ونحوه في (د).
(2) رواه البلاذري في "أنساب الأشراف" (3/ 30) من قول مسروق، وعزاه الحافظ في "الإصابة" (2/ 325) لِ "أمالي الصولي"، والأعمش يرويه عن أبي الضحى عن مسروق.
ورواه أحمد في "فضائل الصحابة" (1872) وأبو عروبة الحراني في "طبقاته" (ص 70 - منتقاه) من طريق شريك، عن الأعمش به، وشريك هو النخعي: ضعيف.
وذكره ابن عساكر في "تاريخه" (12/ 312 - مختصره)، والذهبي في "السير" (3/ 351).
(3) رواه عبد اللَّه في زوائده على "فضائل الصحابة" (1935) وأبو عروبة الحراني في "الطبقات" (ص 69 - منتقاه) من طريق الطيالسي عن شعبة، عن منصور، عنه، وإسناده صحيح، ووقع في (ق) و (ك): "كان ابن عباس إذا أفتى بشيء. . . ".
(2/35)

فصل [مكانة عمر بن الخطاب العلمية]
قال الشعبي: مَنْ سَرَّه أن يأخذ بالوَثيقة في القضاء، فليأخذ بقول عمر (1).
وقال مجاهد: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به (2).
وقال ابن المسيِّبِ: ما أعْلَم أحدًا بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أعلم من عمر بن الخطاب (3).
وقال أيضًا: كان عبد اللَّه يقول: لو سلك الناس واديًا وشِعْبًا، وسَلَك عمرُ واديًا وشعبًا، لسلكتُ وادي عمر وشِعْبَه (4).
وقال بعض التابعين: دُفِعْتُ إلى عمر فإذا الفقهاء عنده مثل الصِّبيان، قد اسْتَعْلى عليهم في فقهه وعلمه (5).
وقال محمد بن جَرير: لم يكن أحد له أصحاب معروفون حَرَّروا فُتْياه ومذاهبه (6) في الفقه غير ابن مسعود، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر، وكان لا
__________
(1) رواه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 457)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (9/ 9)، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (72)، وفي "السنن الكبرى" (10/ 109) من طريق سفيان عن صالح بن حي عنه. وإسناده صحيح.
(2) رواه أحمد في "فضائل الصحابة" (349)، عن هشيم: أخبرنا العوام عن مجاهد، وإسناده صحيح، ورواه -أيضًا- (342) من قول الشعبي.
(3) ولذا كان يحيى بن سعيد يقول: إنّ ابن المسيب كان يُسمَّى راوية عمر بن الخطاب، لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته.
وانظر -غير مأمور-: "التمهيد" (6/ 302)، و"تهذيب الكمال" (11/ 74)، و"فقه الإمام سعيد بن المسيب" (1/ 68).
(4) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (2/ 209 - ط دار الفكر) (باب من كان يقنت في الفجر): حدثنا وكيع، حدثنا محمد بن قيس عن الشعبي به. والشعبي لم يسمع من ابن مسعود كما قال أبو حاتم الرازي.
ولم يعزه في "كنز العمال" (8/ 77 رقم 21963) إلا له.
(5) رواه ابن سعد في "الطبقات" (2/ 336)، ومن طريقه: ابنُ عساكر في "تاريخه" (ص: 240 - ترجمة عمر)، عن هارون (في "الطبقات": البربري، وفي "تاريخ ابن عساكر": البزار. ويظهر أنه البربري)، وهو هارون أبو محمد مولى آل المغيرة، فهو في هذه الطبقة، وهو (ثقة ثبت) عن رجل من أهل المدينة؛ قال:. . . فذكره.
(6) في (ك) و (ق): "ومذهبه".
(2/36)

يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويَرْجعُ من قوله إلى قوله (1).
وقال الشعبي: كان عبد اللَّه لا يَقْنُت (2)، ولو قنت عمر لقَنَتَ عبدُ اللَّه (3)

فصل [مكانة عثمان بن عفان العلمية]
وكان من المُفْتِينَ عثمان بن عفان. قال ابن جرير: غير أنه لم يكن له أصحاب يعرفون (4)، والمبلغون عن عمر فُتياه ومَذَاهبه، وأحكامه في الدِّين بعده [كانوا] (5) أكثر من المبلغين عن عثمان والمؤدين عنه (6).

[مكانة علي بن أبي طالب العلمية]
وأما عليّ بن أبي طالب [عليه السلام] فانتشرت أحكامه وفتاواه (7)، ولكن (8) قاتلَ اللَّه الشيعة؛ فإنهم أفسدوا كثيرًا من علمه بالكذب عليه، ولهذا [تجد] (9) أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه (10) إلا (11) ما كان من طريق أهل بيته، وأصحاب عبد اللَّه بن مسعود (12)، كعَبِيدة
__________
(1) أي: كان ابن مسعود يترك مذهبه إلى قول عمر ومذهبه (ط).
(2) بعدها في المطبوع: "وقال":.
(3) أخرجه ابن أبي شببة في "المصنف" (2/ 209 - ط دار الفكر) ضمن الأثر السابق عن ابن مسعود: "لو سلك الناس واديًا. . . ".
وانظر -غير مأمور- "موسوعة فقه عمر بن الخطاب" (ص 439)، و"مسند الفاروق" (1/ 168) لابن كثير.
(4) في (ق) و (ك): "معروفون".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) وجمع فقهه الأستاذ محمد رَوَّاس قلعجي في "معلمة" مطبوعة عن دار النفائس، وانظر منها (ص: 7) عن سبب قلة المنقول من فقه عثمان -رضي اللَّه عنه-.
(7) في المطبوع: و (ق): "وفتاويه" وما بين المعقوفتين سقط (ق).
(8) في (ق): "لكن".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(10) في (ق) و (ك): "وفتاويه".
(11) زاد هنا في (ك): "على".
(12) أخرج مسلم في "مقدمة صحيحة" (ص 14 - ط عبد الباقي) عن طاوس قال: أُتي ابن عباس بكتابٍ فيه قضاءُ علي -رضي اللَّه عنه-، فمحاه إلا قَدْرَ، (وأشار سفيان بن عيينة بذراعه)، وأخرج بسنده إلى أبي إسحاق؛ قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي -رضي اللَّه عنه-، قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم اللَّه أيّ علم أفسدوا. =
(2/37)

السَّلْماني، وشُريح وأبي وائل ونحوهم، وكان -رضي اللَّه عنه-[وكرم وجهه] (1) - يشكو عدم حَمَلَة العلم الذي أودِعَه، كما قال: إن ههنا علمًا لو أصبت له حملةَ.

فصل [عمن انتشر الدين والفقه؟]
والدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود، وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب عبد اللَّه بن عمر، وأصحاب عبد اللَّه بن عباس (2)؛ فعِلْمُ الناسِ عامَّتُه عن أصحاب هؤلاء الأربعة؛ فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عمر، وأما أهل مكة فعلمهم (3) عن أصحاب عبد اللَّه بن عباس، وأما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد اللَّه بن مسعود.
قال ابن جرير: وقد قيل: إن ابن عمر وجماعةً ممن عاش بعده بالمدينة من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما كانوا يُفْتُونَ بمذاهب زيد بن ثابت، وما كانوا أخذوا عنه، مما (4) لم يكونوا حفظوا فيه عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قولًا.
وقال ابن وَهْبٍ: حدثني موسى بن عُلَيّ اللَّخْمي، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية؛ فقال: مَنْ أراد أن يسأل عن الفرائض فَلْيَأْتِ
__________
= وأخرج أبو القاسم البغوي في "الجعديات" (رقم 2556) عن الشعبي قال: "ما كُذب على أحد من هذه الأمة ما كُذب على علي -رضي اللَّه عنه-".
وأخرج أيضًا برقم (1210) بسنده أن ابن سيرين كان يرى عامة ما يروون عن علي -رضي اللَّه عنه- كذبًا.
قال النووي عقب الأثر الثاني في "شرح صحيح مسلم" (1/ 83): "فأشار -أي أبو إسحاق- بذلك إلى ما أدخلته الروافض والشيعة في علم علي -رضي اللَّه عنه- وحديثه، وتقوّلوه عليه من الأباطيل، وأضافوه إليه من الروايات والأقاويل المفتعلة والمختلقة، وخلطوه بالحق، فلم يتميّز ما هو صحيح عنه مما اختلقوه".
وانظر نحو ما عند المصنف في: "منهاج السنة النبوية" (2/ 464 و 110 - 111)، و"درء تعارض العقل والنقل" (5/ 26)، و"بغية المرتاد" (ص 321)، وكتابنا: "كتب حذر منها العلماء" (1/ 110 - 111 و 2/ 248 - 249).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "عن أصحاب عبد اللَّه بن عباس وعبد اللَّه بن مسعود وأصحاب زيد بن ثابت وأصحاب عبد اللَّه بن عمر. . . ".
(3) في (ك): "فكان علمهم".
(4) في (ق): "ما".
(2/38)

زيدَ بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فَلْيَأْتِ مُعَاذ بن جَبَل، ومن أراد المال فليأتِنِي (1).

[الآخذون عن عائشة]
وأما عائشة فكانت مُقَدَّمةً في العلم بالفرائض (2)، والأحكام، والحلال، والحرام، وكان من الآخذين عنها -الذين لا يكادون يتجاوزون قولها، المتفقهين بها-: القاسمُ بن محمد بن أبي بكر، ابن أخيها، وعروةُ بن الزبير ابنُ أختها أسماء.
قال مسروق: لقد رأيت [مَشْيَخة] (3) أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسألونها عن الفرائض (4).
وقال عروة بن الزبير: ما جالستُ أحدًا قطُّ كان أعلم بقضاءِ ولا حديث الجاهلية (5)، ولا أَرْوى للشِّعر، ولا أعلم بفريضة ولا طِبٍّ من عائشة (6).
__________
(1) رواه الحاكم في "المستدرك" (3/ 271) من طريق عبد الرحمن بن مهدي و (3/ 272 - 273) من طريق أبي عاصم، وابن سعد في "الطبقات" (2/ 348، 359) عن الواقدي، ثلاثتهم عن موسى به.
وصححه في الموطن الثاني على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الحافظ في "الفتح" (7/ 126)، وكلام الحاكم متعقب بان الحسن بن موسى من شيوخ الطبراني، لم أظفر بقول فيه تجريح أو تعديل له.
انظر "الإكمال" (7/ 215)، و"السير" (13/ 534)، وعلى كل حال فهو مُتابع وموسى بن عُلَي، وأبوه لم يخرج لهما البخاري في "الصحيح" وإنما في "الأدب المفرد"، وموسى صدوق ربما أخطأ، وأبوه ثقة مات بعد المئة وعشرة فهو لم يدرك عمر.
(2) في المطبوع: "والفرائض".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) رواه الدارمي في "سننه" (2/ 342 - 343)، وابن سعد في "الطبقات" (8/ 66)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 11)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 489)، والبيهقي في "المدخل" (110)، والطبراني في "الكبير" -كما في "مجمع الزوائد" (9/ 242) - وقال الهيثمي: إسناده حسن.
أقول: رووه كلهم من طريق الأعمش عن مسلم بن صبيح عنه، ورجاله مشهورون.
(5) في المطبوع: "ولا بحديث بالجاهلية".
(6) لم أجده بهذا اللفظ، لكن وجدت نحوه عند الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 489)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 11)، وانظر: "حلية الأولياء" (2/ 49).
والعبارة في (ك) و (ق) هكذا: "ولا أروى مشيخة للشعر، ولا أعلم بفريضة لا طبِّ أعلم من عائشة".
(2/39)

فصل [من صارت إليه الفتوى من التابعين]
ثم صارت الفَتْوَى في أصحاب هؤلاء (1) كسعيد بن المسَيَّب راويةِ عُمر (2) وحاملِ علمه. قال جعفر بن ربيعة: قلت لعِرَاك بن مالك: مَنْ أفقه أهل المدينة؟ قال: أما أفقههم فقهًا، وأعلمهم بقضايا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقضايا أبي بكر، وقضايا عمر، وقضايا عثمان، وأعلمهم بما مضى عليه الناس فسعيد (3) بن المسيب؛ وأما أغزرهم حديثًا فعروة بن الزبير، ولا تشاء أن تَفْجُر من عبيد اللَّه [بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود] (4) بحرًا إلا فَجرته.
قال عراك: وأفقههم عندي ابنُ شهاب؛ لأنه جمع عِلمَهم إلى علمه (5). وقال الزهري: كنت أطلب العلم من ثلاثة: سعيد بن المسيب، كان أفقهَ الناس، وعروة بن الزبير وكان بحرًا لا تكدره الدِّلاء، وكنت لا تشاء أن تجد عند عبيد اللَّه طريقة من علم -لا تجدها عند غيره- إلا وجدت (6).
وقال الأعمش: فقهاء [أهل] (7) المدينة [أربعة]: سعيد بن المسيب، وعُروة، وقَبيصة، وعبد الملك (8).
__________
(1) انظر: "الإحكام" (5/ 95 - 103) لابن حزم، والرسالة الثالثة الملحقة ب "جوامع السيرة" (ص: 324 - 335) لابن حزم -أيضًا-.
(2) "الراوية" في الأصل: المزادة فيها الماء (ح).
(3) في (ن) و (ق): "سعيد".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (و) و (ك) و (ق)، وقد علقها (ح) في الهامش؛ تمييزًا لعبيد اللَّه.
(5) رواه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (1/ 471) ومن طريقه أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (رقم 227 - ترجمة الزهري) من طريق الليث عن جعفر به وجعفر هذا من الثقات ومثله عراك، وذكره الذهبي في "السير" (5/ 337)؛ وهو جزء من كلام طويل لعراك بن مالك.
(6) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ص 65 - 66 - ترجمة الزهري)، والعبارة في "السير" مجزأة (4/ 222 و 425 و 477) و (5/ 344) ونحوه من كلام عراك في "السير" (5/ 337).
وخرجت بإسهاب مقولة: "وكان عروة بحرًا لا تكدره الدلاء" في تعليقي على "المجالسة" (رقم 185)، فانظره غير مأمور.
والعبارة في (ك) و (ق): "لا تجده عند غيره إلا وجدته".
(7) ما بين المعقوفتين من (ق)، وما بين المعقوفتين بعدهما سقط منها. وكلمة "أربعة" سقطت من (ك).
(8) ذكره رشيد الدين العطار في "مجرد أسماء الرواة عن مالك" (ص 395 رقم 1581)، عن =
(2/40)

[الفقهاء الموالي]
وقال عبد الرحمن بن زَيْد بن أسْلم: لما مات العَبَادِلة -عبدُ اللَّه بن عباس، [وعبدُ اللَّه بن عمر] (1)، وعبدُ اللَّه بن الزبير، وعبدُ اللَّه بن عَمْرو بن العاص-؛ صار الفقه في جميع البلدان إلى المَوالي؛ فكان فقيهَ أهل مكة: عَطَاء بن أبي رَبَاح، وفقيهَ أهل اليمن: طاوس، وفقيهَ أهل اليمامة: يحيى بن أبي كثير، وفقيهَ أهل الكوفة: إبراهيمُ، وفقيهَ أهل البصرة: الحسنُ، وفقيه أهل الشام: مكحولٌ، وفقيه أهل خُرَاسان، عطاء الْخُرَاساني، إلا المدينةَ فإن اللَّه خَصَّها بقرشي، فكان فقيهَ أهل المدينة سعيدُ بن المسيب غيرَ مُدَافَع.
وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب؛ قال: مررتُ بعبد اللَّه بن عمر، فسلَّمت عليه ومَضَيْتُ، قال: فالتفتَ إلى أصحابه؛ فقال: لو رأى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- هذا لسَرَّه، فرفَع يديه [جدًّا وأشار بيده] (2) إلى السماء.
وكان سعيد بن المسيَّب صِهْرَ أبي هريرة، زَوَّجه أبو هريرة ابنتَه، وكان إذا رآه قال: أسال اللَّه أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة (3)، ولهذا أكثر عنه من الرواية.

فصل [فقهاء المدينة المنورة]
وكان الْمُفْتونَ بالمدينة من التابعين: سعيد بن المسيب، وعُرْوة بن الزُّبير، والقاسم بن محمد، وخَارجة بن زيد، وأبا (4) بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
__________
= ابن عبد البر في "التمهيد" (6/ 307)، والقاضي عياض في "ترتيب المدارك" (2/ 224)، ورواه البخاري في "التاريخ الكبير" (7/ 175) من قول أبي الزناد، والذهبي في "السِّير" (4/ 425) من قوله أيضًا.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) أخرجه الترمذي (2549) وابن ماجه (4336) وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم 585، 587) وابن حبان في "صحيحه" (7438 - الإحسان)، والطبراني في "الأوسط" (1714)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (3/ 41)، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم 253)، والمزي في "تهذيب الكمال" (16/ 225). وإسناده ضعيف، انظر: "السلسلة الضعيفة" (1722). وانظر "سير أعلام النبلاء" (4/ 224) و"الطبقات" (2/ 381، 5/ 121) لابن سعد.
(4) في (ق): "وأبو".
(2/41)

هشام، وسُليمان بن يَسَار، وعُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتْبة بن مسعود، وهؤلاء هم الفقهاء [السبعة] (1)، وقد نظمهم القائل، فقال (2):
إذا قيل مَنْ في العلم سَبْعَة أَبْحُرٍ ... رِوَايتهم ليست عن العلم خَارِجَهْ
فقل: هم عُبَيد اللَّه، عروة، قاسم، ... سعيدٌ، أبو بكرٍ، سُلَيْمان، خَارِجَهْ
وكان من أهل الفتوى: أَبَانُ بن عثمان [بن عفان] (3)، وسالم [بن عبد اللَّه بن عمر الخطاب] (3) ونافع، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعلي بن الحسين.
وبعد هؤلاء: أبو بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم، وابناه: محمد، وعبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عَمرو (4) بن عثمان وابنه محمد، وعبد اللَّه والحسن (5) ابنا محمد ابن الْحَنَفِيَّة، وجعفر بن محمد بن علي، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، ومحمد بن الْمُنْكَدِر، ومحمد ابن شهاب الزُّهْري، وجَمَعَ محمد بن نوح "فتاويه" في ثلاثة أسْفَار ضَخْمة على أبواب الفقه، وخَلْق سوى هؤلاء.

فصل [فقهاء مكة ومفتوها]
وكان المفتون بمكة: عَطَاء بن أبي رَبَاح، وطاوسُ بن كَيْسان، ومجاهد بن جبر، وعُبَيد (6) بن عُمَير، وعمرو بن دينار، وعبد اللَّه بن أبي مُلَيْكَة (7)،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) عزاها اللكنوي في "الفوائد البهية" (ص 203) لمحمد بن يوسف بن الحسين بن عبد اللَّه الحلبي الحنفي، المعروف ب: ابن الأبيض، الشهير ب: قاضي العسكر، المتوفى سنة 614 ه.
(3) ما بين المعقوفتين زيادة من نسخة (و).
(4) في المطبوع و (ك) و (ق): "بن عمر"!
(5) في المطبوع: و (ق) و (ك): "والحسين"! والتصويب من (ن) و"الإحكام".
(6) أشار في (ق) إلى أنه في نسخة: "وعبيد اللَّه".
(7) كذا في "الإحكام" (5/ 95)، وفي رسالة "أصحاب الفتيا" (ص: 324)، وفي (و): "عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة"، وفي "التقريب" (312/ 3454): "عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي مليكة أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة (ع) " اه.
(2/42)

وعبد الرحمن بن سَابِط، وعكرمة [مولى ابن عباس] (1).
ثم [من] (2) بعدهم: أبو الزُّبير المكي، وعبد اللَّه بن خالد بن أَسِيد، وعبد اللَّه بن طاوس.
ثم بعدهم: عبدُ الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج، وسُفْيان بن عُيَيْنَة، وكان أكثر فتواه (3) في المناسك، وكان يتوقف في الطلاق (4).
وبعدهم: مسلم بن خالد الزَّنْجي، وسعيد بن سالم القَدَّاح.
وبعدهما الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ثم عبد اللَّه بن الزُّبير الْحُمَيْدِي، وإبراهيم بن محمد الشَّافعي [ابنُ عم محمد] (5)، وموسى بن أبي الجارود، وغيرهم.

فصل [فقهاء البصرة]
وكان من المفتين بالبصرة عمرو بن سَلِمَة (6) الْجَرْمِي، وأبو مريم الحَنفَي، وكعب بن سُوْر (7)، والحسن البَصْري، وأدرك خمسَ مئة من الصحابة، وقد جمع بعضُ العلماء فتاويه في سبعة أسفارٍ ضخمة. قال أبو محمد بن حَزم (8): وأبو الشَّعْثاء جابر بن زيد، ومحمد ابن سِيرين، وأبو قِلابة عبدُ اللَّه بن زيد الجَرْمي، ومسلم بن يَسَار، وأبو العالية، وحُمَيد بن عبد الرحمن، ومُطَرِّف بن عبد اللَّه [بن] (9) الشِّخِّير، وزُرَارة بن أبي أوْفَى، وأبو بُرْدَة بن أبي موسى.
ثم بعدهم: أيوب السِّخْتِيَاني، وسُليمان التَّيمي، وعبد اللَّه بن عون (10)، ويونس بن عُبَيْد، والقاسم بن ربيعة، وخالد بن أبي عمران، وأشعث بن عبد الملك
__________
(1) ما بين المعقوفتين زيادة من نسخة (و).
(2) ما بين المعقوفتين من (ف).
(3) في المطبوع و (ك): "فتواهم".
(4) نقله الميموني عن أحمد، كما في "تهذيب الكمال" (11/ 190).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) وفي (ك): "ابن عُمير".
(6) في (ق): "عمرو بن مسلمة".
(7) وقع في المطبوع: "ابن سود" بدال في آخره، وصوابه راء، وفي (ك) و (ق): "سوار" وانظر: "المؤتلف والمختلف" (3/ 1297) للدارقطني.
(8) في "الإحكام" (5/ 96).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(10) وقع في المطبوع: "عوف"!!
(2/43)

الحُمْراني، وقَتَادة، وحفص بن سليمان، وإياس بن معاوية القاضي.
وبعدهم: سَوَّار القاضي، وأبو بكر العَتَكي، وعثمان بن سليمان البَتِّيُّ (1)، وطلحة بن إياس القاضي، وعُبيد اللَّه بن الحسن العَنْبري، وأشعث بن جابر بن زيد.
ثم بعد هؤلاء: عبد الوهاب بن عبد المجيد (2) الثَّقَفي، وسعيد بن أبي عَرُوبة، وحماد بن سَلَمة، وحماد بن زيد، وعبد اللَّه بن داود [الخُرَيبي] (3)، وإسماعيل ابن عُلَيَّة، وبِشْر بن المُفضَّل، ومُعاذ بن مُعَاذ العَنْبَري، ومَعْمَر بن راشد، والضَّحاك بن مَخْلد، ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاري.

فصل [فقهاء الكوفة]
وكان من المفتين بالكوفة (4): عَلْقمة بن قَيْس النَّخَعي، والأسود بن يزيد النَخَعي -وهو عم علقمة-، وعَمرو بن شَرَحبيل الهمْدَاني (5)، ومسروق بن الأَجْدَع الهمداني، وعَبيدة السَّلْماني، وشُرَيح بن الحارث القاضي، وسليمان بن ربيعة الباهلي، وزيد بن صُوحان، وسُوَيْد بن غَفَلة، والحارث بن قيس الجُعْفي، وعبد الرحمن بن يزيد النَّخَعي، وعبد اللَّه بن عُتْبة بن مسعود القاضي، وخَيْثَمة بن عبد الرحمن، وسَلَمة بن صُهَيب، ومالك بن عامر، وعبد اللَّه بن سَخبرة، وزِرُّ بن حُبَيش، وخِلاس بن عَمرو، وعمرو بن ميمون الأوْدِي، وهَمَّام بن الحارث، والحارث بن سُوَيد، ويزيد بن معاوية النَّخَعي، والرَّبيع بن خُثَيْم، وعتبة بن فَرْقَد،
__________
(1) في (ق) و (ك): "التيمي".
(2) في (ق) و (ك): "عبد الحميد".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في نسخ المطبوع: "الْحَرشي" وفي (ق) و (ك): "الجويني" والصواب ما أثبتناه؛ كما في (ن) و"الإحكام" (5/ 98)، وفي "التقريب" (301/ 3297): "عبد اللَّه بن داود بن عامر الهمداني، أبو عبد الرحمن الخريبي. . . كوفي الأصل. . . " وكما في "ذكر أسماء التابعين" (1/ 202) للدارقطني.
وقد ذكره ابن حزم نفسه في رسالته "أصحاب الفتيا" الملحقة ب "جوامع السيرة" (ص 331) كما أثبتناه، لكن جعله من فقهاء أهل الكوفة، ومر بك قول الحافظ.
وانظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" (5/ 82)، و"الجرح والتعديل" (5/ 47)، و"الطبقات" (7/ 295) لابن سعد، وانظر: "ثلاث رسائل حديثية" للنسائي (ص 89 - بتحقيقنا).
(4) في (ق): "في الكوفة".
(5) في (ن): "الهمذاني".
(2/44)

وصِلَة بن زُفَر (1)، وشَرِيك بن حنبل، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وعُبيد (2) بن نَضْلة، وهؤلاء أصحاب علي، وابن مسعود.
وأكابر التابعين كانوا (3) يُفْتُونَ [في الدين] (4)، ويستفتيهم الناسُ، وأكابرُ الصحابة حاضرون يُجَوِّزُون لهم ذلك، وأكثرهم أخذوا عن عمر وعائشة وعلي، ولقي عمرُو (5) بن ميمون الأوديُّ مُعَاذَ بن جبل، وصَحِبه، وأخذ عنه، وأوصاه معاذ عند موته أن يَلْحَق بابن (6) مسعود فيصحبه ويطلب العلم عنده، ففعل ذلك (7).
ويضاف إلى هؤلاء: أبو عُبَيدة وعبد الرحمن، ابنا عبد اللَّه بن مسعود، وعبدُ الرحمن بن أبي ليلى، وأخذ عن مئة وعشرين من الصحابة، ومَيْسَرة، وزَاذَان، والضحاك.
ثم بعدهم: إبراهيم النَّخَعي، وعامر الشَّعْبي، وسعيد بن جُبَير، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، وأبو بكر بن أبي موسى، ومُحارب بن دثار، والحكم بن عُتَيْبة، وجَبَلة بن سُحَيم [وصحب ابن عمر] (8).
ثم بعدهم: حَمَّاد بن أبي سليمان، ومنصور (9) بن المُعْتَمِر، وسليمان الأعمش، ومِسْعَر بن كِدَام.
ثم بعدهم: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد اللَّه بن شُبْرُمة، وسعيد بن أشوع، وشَرِيك القاضي، والقاسم بن مَعْن، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، والحسن بن صالح بن حَيّ.
ثم بعدهم: حَفْص بن غِياث، ووَكيع بن الجَرَّاح، وأصحابُ أبي حنيفة، كابي يوسف القاضي، وزُفَر بن الهُذَيل، وحَمَّاد بن أبي حنيفة، [والجَرَّاح] (10)، والحسن بن زياد اللؤلؤي القاضي، ومحمد بن الحسن قاضي الرقَّة، وعافية
__________
(1) في (ق) و (ك) زيادة: "وعتبة بن قوقلة، وفتيلة بن زفر"!.
(2) في (ق): "وعبد اللَّه".
(3) في (ن): "وكانوا"، وما أثبتناه من (ق) والمطبوع و"الإحكام" (5/ 99).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ن): "عمر".
(6) في (ق): "ابن".
(7) انظر: "مسند أحمد" (5/ 231)، و"السير" (4/ 158 - 159).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) وفي (ك): "وصَحِب عمر".
(9) في المطبوع و (ق) و (ك): "وسليمان"
(10) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(2/45)

القاضي (1)، وأسد بن عَمرو، ونُوح بن دَرَّاج القاضي، وأصحابُ سفيان الثَّوْري، كالأشْجَعي، والمُعَافى بن عمران، وصاحبي [الحسن بن حَيّ: حُمَيْد الرُّؤاسي] (2)، ويحيى بن آدم.

فصل [فقهاء الشام]
وكان من المفتين بالشام: أبو إدريس الخَوْلاني، وشُرَحبيل بن السِّمْط، وعبد اللَّه (3) بن أبي زكريا الخُزَاعي، وقَبيصة بن ذُؤَيب الخُزَاعي، وجُنادة ابن أبي أمية (4)، وسليمان بن حبيب الْمُحَاربي، والحارث بن عُمَيرة الزُّبَيْدي (5)، وخالد بن مَعْدان، وعبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، وجُبَيْر بن نفير.
__________
(1) في (ق) و (ك): "وعافية بن القاضي".
(2) في المطبوع و (ق) و (ك): "الحسن بن حي الزولي" هكذا اسم واحد!! والتصويب من (ن) والمصادر الآتية؛ فالأول هو الحسن بن صالح بن صالح بن حَيّ الثوري، ثقة، فقيه، عابد رُمي بالتشيع؛ انظر: "التقريب" (161/ 1250)، و"ميزان الاعتدال" (1/ 496/ 1869)، و"الإحكام" (5/ 100) لابن حزم، ورسالته الملحقة ب "جوامع السيرة" (ص: 331).
أما الثاني: فهو حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسي، انظر: "التقريب" (182/ 1551)، و"الأحكام"، والرسالة السالفة الذكر لابن حزم (الموضع نفسه).
فكلٌّ من حميد ويحيى صاحب للحسن، وانظر: "ثلاث رسائل حديثية" للنسائي (ص: 137 - بتحقيقي).
(3) في (ق) و (ك): "وعبيد اللَّه"، والمثبت من سائر النسخ و"طبقات ابن سعد" (7/ 456).
(4) في المطبوع و (ق) و (ك): "حبان بن أمية" وفي (ن): "حبان بن أبي أمية"، والتصويب من "التقريب" (134/ 116) لابن حجر، و"ذكر أسماء التابعين" (1/ 96/ 176) للدارقطني، و"الإحكام" (5/ 101) لابن حزم، ورسالته الملحقة ب "جوامع السيرة" (ص 331).
(5) كذا في (و) وهو الصواب كما في (ن)، و"الإحكام" (5/ 101)، وفي (د) و (ط) و (ح): "الحارث بن عمير الزبيدي"!
لكن وقع في رسالة ابن حزم الملحقة ب "جوامع السيرة" (ص 331): "الحارث بن عمير الدُّهْمَاني"! فعلق عليه المحقق قائلًا: هكذا في الأصل، وبدله في "إعلام الموقعين": "الحارث بن عميرة الزبيدي"؛ ولم نعرف هذا ولا ذاك؟ اه.
قلت: والصواب ما أثبتناه، وهو الحارث بن عميرة الزُّبَيْدي أخو يزيد بن عميرة الزُّبيدي المذكور في "التقريب" (604/ 7759)، وانظر: "توضيح المشتبه" (4/ 272) لابن ناصر الدين.
(2/46)

ثم كان بعدهم: عبدُ الرحمن بن جبير بن نفير، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حَيْوة، وكان عبد الملك بن مروان يُعَدُّ في المُفْتِين قبل أن يلي ما وَلي، وحُدَير (1) بن كُرَيْب.
ثم كان بعدهم: يحيى بن حمزة القاضي، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو (2) الأوزاعي، وإسماعيل بن أبي المُهاجِر، وسُليمان بن موسى الأموي، وسعيد بن عبد العزيز، ثم مَخْلَد بن الحسين، والوليد بن مسلم، والعباس بن مَزْيَد (3) صاحب الأوزاعي، وشُعيب بن إسحاق صاحب أبى حنيفة، وأبو إسحاق الفَزَاري صاحب ابن المُبَارك.

فصل [فقهاء مصر]
في المُفْتِين من أهل مصر: يَزيد بن أبي حَبيب، وبُكَيْر بن عبد اللَّه ابن [الأشَجِّ] (4)، وبعدهما: عمرو بن الحارث -وقال ابن وهب: لو عاش لنا عمرو بن الحارث ما احتجنا معه إلى مالك ولا إلى غيره (5) - والليث بن سَعْد، وعُبَيد اللَّه بن أبي جعفر (6).
وبعدهم: أصحابُ مالك [كعبد] (7) اللَّه بن وَهْب، وعثمان بن كِنانة، وأشْهَب، وابن القاسم على غلبة تقليده لمالك إلا في الأَقلِّ، ثم أصحاب الشافعي كالمُزَني، والبُويْطي، وابن عبد الحكم، ثم غلب عليهم تقليدُ مالك وتقليد الشافعي، إلا قومًا قليلًا لهم اختيارات كمحمد بن علي بن يوسف (8)، وأبي جعفر الطحاوي.
__________
(1) في (ن): "جدير"، وفي (ق) و (ك): "جرير".
(2) في (ق): "عمر".
(3) في (ن): "بن مرثد" وفي (ك) و (ق): "يزيد".
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك): "والأشجع".
(5) ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (6/ 351).
(6) في (ق): "وعبيد اللَّه بن جعفر".
(7) في (و): "كعب اللَّه"!
(8) كذا في المطبوع والنسخ الخطية، ولعله يريد محمد بن علي بن وهب، الشهير ب "ابن دقيق العيد"، له ترجمة في "طبقات الشافعية الكبرى" (6/ 2 - 22)، "حسن المحاضرة" (1/ 273 - 275).
(2/47)

[فقهاء القيروان]
وكان بالْقَيْرَوَان: سَحْنُون بن سعيد، وله كثير في الاختيارات (1)، وسعيد بن محمد الحداد.

[فقهاء الأندلس]
وكان بالأندلس ممن له شيء من الاختيارات (2): يحيى بن يحيى، وعبد الملك بن حَبيب، وَبَقِيُّ بن مَخْلد، وقاسم بن محمد صاحب الوثائق، تحفظ لهم فتاوى يسيرة، وكذلك مَسْلمة بن عبد العزيز القاضي، ومُنْذِر بن سعيد. قال أبو محمد [بن حَزْم] (3): وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي مَنْ بلغها استحقَّ الاعتدادَ به في الاختلاف (4): مسعودُ بن سليمان، ويوسف بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد البرّ.

فصل [فقهاء اليمن]
وكان باليمن: مُطَرِّف بن مازن قاضي صَنْعاء، وعبد الرزّاق بن هَمَّام، وهشام بن يوسف، ومحمد بن ثور، وسِمَّاك بن الفَضْل.

فصل [فقهاء بغداد]
وكان بمدينة السلام (5) [من المفتين] (6) خلق كثير، ولما بناها المنصور أقْدَمَ إليها من الأئمة والفقهاء والمحدِّثين بشرًا كثيرًا، فكان (7) من أعيان المفتين بها: أبو عُبَيْد القاسمُ بن سَلَّام، وكان جَبلًا نُفخ فيه الرُّوح علمًا وجَلالةً ونبلًا وأدبًا، وكان منهم أبو ثَوْر إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي، وكان قد جالس
__________
(1) في (ن): "وله يسير من الاختيار"، وفي المطبوع و (ق): "وله كثير من الاختيار".
(2) في المطبوع: "الاختيار".
(3) في "الإحكام في أصول الأحكام" (5/ 102)، وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في (ك) و (ق): "الخلاف".
(5) في هامش (ك): "أي بغداد".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(7) في (ق): "وكان".
(2/48)

الشافعي وأخذ عنه، وكان أحمد يُعَظِّمه؛ ويقول: هو في مِسْلاخ الثوري (1).

[الإمام أحمد بن حنبل]
وكان بها إمام أهل السنة على الإطلاق: أحمد بن حنبل، الذي ملأ الأرض علمًا وحديثًا وسنة، حتى إن أئمة الحديث والسنة بعده هم أتباعُه إلى يوم القيامة، وكان [-رضي اللَّه عنه-] (2) شديدَ الكراهة لتصنيف الكتُب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يُكتب كلامُه، ويشتد عليه جدًّا، فعلم اللَّه حُسْنَ نيته وقَصْده، فكتب من كلامه وفَتْواه أكثر (3) من ثلاثين سفرًا، ومَنَّ [اللَّه سبحانه] (4) علينا بأكثرها؛ فلم يَفُتْنَا منها إلا القليل، وجمع الخَلَّالُ نصوصه في "الجامع الكبير" (5) فبلغ [نحو] (6) عشرين سِفْرًا أو أكثر، ورُويت فتاويه ومسائله وحُدِّثَ بها قرنًا بعد قرن، فصارت إمامًا وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلِّدين لغيره لَيُعَظِّمونَ نصوصَه وفتاواه، ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوى الصحابة، ومن تأَمَّلَ فتواه (7) وفتاوى الصحابة رأى مُطابقة كل منهما للأخرى (8)، ورأى الجميع كأنها تخرج من مِشْكاة واحدة (9)، حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان، وكان تَحَرِّيه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه، بل أعظم، حتى إنه لَيُقَدِّمُ فتاواهم على الحديث المرسل. قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في "مسائله": قلت لأبي عبد اللَّه: حديثٌ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مُرْسَل برجال ثبت أحَبُّ إليك، أو حديث عن
__________
(1) انظر: "طبقات الشافعية" (2/ 74) للسبكي، ووقع في المطبوع: "سلاح الثوري" وما أثبتناه من (ن) والسّلْخ: هو الجلد، كما في "اللسان" (25/ 3) وقال في هامش (ق): "يقال: فلان في مسلخ فلان: أي على هديه وسمته".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق): "أكثر أكثر".
(4) بدل ما بين المعقوفتين في نسخة (و) فراغ.
(5) مطبوع منه "أحكام أهل الملل" في مجلد بتحقيق سيد كسروي حسن، عن دار الكتب العلمية - ببيروت، و"أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض" في مجلدين بتحقيق إبراهيم بن حمد السلطان عن مكتبة المعارف - بالرياض.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) في (ق): "فتاويه".
(8) في المطبوع: "على الأخرى" وفي (ق): "للآخر".
(9) أحسن وصفٍ وصف به الإمام أحمد -رحمه اللَّه-: "تابعي جليل تأخّر به الزمن".
(2/49)

الصحابة والتابعين (1) متصل برجال ثبت؟ قال أبو عبد اللَّه [رحمه اللَّه]: عن الصحابة أعْجَبُ إليّ (2).

[أصول فتاوى أحمد بن حنبل]
وكانت (3) فتاويه مبنية على خمسة أصول (4):

أحدها: النصوص، فإذا وُجد النَّص أفتى بموجَبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا مَنْ خالفه -كائنًا من كان-، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المَبْتُوتة (5) لحديث فاطمة بنت قَيْس (6).
__________
(1) في (ق): "أو التابعين".
(2) هو في "مسائل إسحاق بن هانئ" (2/ 165) وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) كذا في (ق). وفي سائر النسخ: "وكان".
(4) انظر: "أصول مذهب الإمام أحمد" لعبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، و"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل" (ص 49 - 202)، و"طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى (2/ 281 - 290)، حيث أودع فيه ما كتبه أبو محمد رزق اللَّه بن عبد الوهاب التميمي البغدادي (المتوفى سنة 488 ه) في أصول مذهب أحمد ومشربه، وللشيخ عثمان المرشد "الرأي عند الإمام أحمد" رسالة ماجستير لم تطبع، وصنفت كتب في أصول فتاوى أحمد، انظر -غير مأمور-: "المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل" (1/ 149 - 158) للشيخ بكر أبو زيد -حفظه اللَّه-.
(5) روى ذلك عنه مسلم في "الصحيح" (كتاب الطلاق): باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، (رقم: 1480 بعد 46).
(6) أخرج مسلم في "صحيحه" (كتاب الطلاق)، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها (2/ 1117/ رقم 1480)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب الطلاق): باب نفقة الحامل المبتوتة (6/ 210)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الطلاق، باب ما جاء في المطلقة ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة، (2/ 325/ رقم 1191)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الطلاق) باب في نفقة المبتوتة، (2/ 715/ رقم 2289)، وابن ماجه في "السنن" (كتاب الطلاق): باب المطلقة ثلاثًا هل لها سكنى ونفقة؟ (1/ 656 / رقم 2035، 2036)، وأحمد في "المسند" (6/ 411، 412)، وابن حبان في "الصحيح" (رقم 4240 - الإحسان)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3/ 64)، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 671)، والدارقطني في "السنن" (4/ 22 - 25)، والبيهقي في "الكبرى" (7/ 472 - 474) عن فاطمة بنت قيس؛ قالت: "طلقني زوجي على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة".
وفي رواية مسلم (برقم 1480 بعد 46) وغيره فيها زيادة: وقال عمر: لا نترك كتاب اللَّه وسنة نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم- لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى =
(2/50)

ولا إلى خلافه في التَّيمم للجُنُب (1) لحديث عمار بن ياسر (2)، ولا [إلى] (3) خلافه في استدامة المحرِم الطيبَ الذي تطيب به قبل إحرامه (4) لصحة حديث عائشة في ذلك (5)، ولا [إلى] (3) خلافه في منع المفرد والقارن من الفَسْخ إلى التمتع (6) لصحة أحاديث الفسخ (7)، وكذلك لم يلتفت إلى قول عثمان، وعلي،
__________
= والنفقة، قال اللَّه -عز وجل-: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1].
(1) هو في قصته مع عمار. رواه البخاري (338) في التيمم: باب المتيمم هل ينفخ فيهما؟ و (339 - 343) باب: التيمم للوجه والكفين، ومسلم (368) في الحيض: باب التيمم.
وروايات مسلم أصرح في بيان قول عمر.
ووقع في (ن): "في التيمم في الجنب".
(2) انظر التخريج السابق.
(3) ما بين المعقوفتين زيادة من نسخة (و) و (ق).
(4) روى ذلك ابن أبي شيبة في "المصنف" (4/ 286، 287، 288 - ط: دار الفكر)، والبيهقي (5/ 35) من طرق عن عمر -رضي اللَّه عنه-، واعتذر له البيهقي.
(5) أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب الغسل): باب من تطيب ثم اغتسل وبقي الطيب، (1/ 381/ رقم 270، 271)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الحج): باب الطيب للمحرم عند الإحرام (رقم 1190) عن عائشة: "أنا طيَّبتُ رسول اللَّه ثم طاف في نسائه"، وقالت: و"كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: "يتطيب بأطيب ما يجد"، وعنده أيضًا (برقم 1191)، عنها: "كنت أطيب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك".
(6) أخرج البخاري (1559) في (الحج): باب من أهل في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كإهلال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، و (1724) باب الذبح قبل الحلق، و (1795) في (العمرة) باب: متى يحل المعتمر؟ و (4346) في (المغازي): باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، ومسلم (1221) في (الحج): باب في فسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام من حديث أبي موسى منع عمر من ذلك، ورواية مسلم أوضح حيث قال عمر لأبي موسى: "إن نأخذ بكتاب اللَّه فإن كتاب اللَّه يأمر بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فإن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يحل حتى بلغ الهَدْي مَحلَّه".
(7) منها حديث جابر: رواه البخاري (1568) في (الحج): باب التمتع والقران والإفراد بالحج و (1570) باب: من لبّى بالحج وسَمّاه، و (1651) باب تقضي المناسك كلها إلا الطواف، و (1785) في (العمرة): باب عمرة التنعيم، و (2505) و (2506) في (الشركة): باب الاشتراك في الهدي والبدن، و (7230) في التمني: باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، و (7367) في (الاعتصام): باب نهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- التحريم إلا ما تعرف إباحته، ومسلم (1216) في (الحج): باب بيان وجوه الإحرام.
ورواه مسلم (1247). =
(2/51)

وطلحة، وأبي أيوب، وأبيّ بن كعب في ترك الغُسْل من الإكسال (1)؛ لصحة حديث عائشة أنها فَعَلَتْه هي ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فاغتسلا (2)، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس (وإحدى الروايتين عن علي) أن عِدَّةَ المتوفى عنها الحامل أقصى الأجلين (3) لصحة حديث سُبَيْعة الأَسْلَميَّة (4)، ولم يلتفت إلى قول مُعَاذ ومعاوية في توريث
__________
= ومن حديث ابن عباس: رواه البخاري (1085) و (2505)، ومسلم (1240)، وانظر كلام المؤلف -رحمه اللَّه- في "زاد المعاد" (1/ 191، 204 - 218)، و"تهذيب السنن" (3/ 308 - 318).
(1) في صحيح البخاري (292) في (الغسل): باب غسل ما يُصيبُه من فَرْج المرأة، عن زيد بن خالد الجهني، سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمن؟ فقال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، قال عثمان سمعته من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام وطلحة بن عُبيد اللَّه، وأبيّ بن كعب -رضي اللَّه عنهم- فأقروا بذلك.
ثم روى عن عروة بن الزبير أخبره أن أبا أيوب أخبره: أنه سمع ذلك من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكلا الطريقين رواهما مسلم (347 و 86 و 87)، لكن في الأول قول عثمان فقط دون باقي الصحابة.
وانظر "فتح الباري" (1/ 397)، و"مصنف عبد الرزاق" (1/ 249)، وما بعدها، و"مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 112 - 113)، و"الموافقات" للشاطبي (3/ 275 - 276) وتعليقي عليه.
وفي (د) و (ط): يقال: "أكسل الرجل": إذا جامع ولم ينزل، ونحوه في (و).
(2) أخرج مسلم في "صحيحه" (كتاب الحيض): باب نسخ "الماء من الماء" ووجوب الغسل بالتقاء الختانين (1/ 272 / رقم 350) عن عائشة -رضي اللَّه عنها-؛ قالت: إن رجلًا سأل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليهما الغُسلُ؟ وعائشة جالسة؛ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل".
وانظر: "بدائع الفوائد" (3/ 126) للمؤلف.
(3) أما قول ابن عباس: فأخرجه البخاري (4909) في التفسر: باب {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} ومسلم (1485) في الطلاق: باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل.
وأما أثر علي: فأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (11714) من طريق مسلم أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، ثم قال: وبلغه أن عليًا قال. . .
وفي "سنن البيهقي" (7/ 435) قال: وعن مسلم قال: "كان يقول: آخر الأجلين. . ."، ومسلم هذا لم يصح له سماع من علي؛ كما قال أبو زرعة وغيره.
(4) رواه البخاري (5319) و (5320) في (الطلاق): باب {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}، ومسلم (1484) في (الطلاق): باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها بوضع الحمل.
وانظر: "زاد المعاد" (4/ 183 - 184)، و"تهذيب السنن" (3/ 203).
(2/52)

المسلم من الكافر (1) لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما (2)، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصَّرْف (3) لصحة الحديث بخلافه (4) ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحُمُرِ كذلك (5)، وهذا كثير جدًّا.

[ما أنكره الإمام أحمد من دعوى الإجماع]
ولم يكن يُقَدِّمُ على الحديث الصحيح عملًا ولا [قولًا ولا] (6) رأيًا ولا قياسًا، ولا قولَ صاحب، ولا عدمَ علمه بالمخالف الذي يُسمّيه كثير من الناس (7) إجماعًا، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كَذَّبَ أحمدُ من ادَّعى هذا الإجماع، ولم يُسِغْ (8) تقديمَه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي [-أيضًا-] (9) نصَّ في "رسالته الجديدة" على أن ما لا يُعْلَم فيه خلاف (10) لا يُقال له إجماع، ولفظُه: ما لا يُعلم فيه خلاف فليس إجماعًا (11). وقال عبد اللَّه بن أحمد [بن حنبل] (9): سمعت أبي
__________
(1) قول معاذ رواه ابن أبي شيبة (7/ 384 - دار الفكر)، وأحمد (5/ 30)، وسنده صحيح.
وقول معاوية: رواه ابن أبي شيبة (7/ 384) من طريق إسماعيل عن الشعبي، عن عبد اللَّه بن مغفل؛ قال: ما رأيت قضاء بعد قضاء أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وسنده صحيح.
(2) رواه البخاري (6764) في (الفرائض): باب لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، ومسلم (1614) في أول (الفرائض) من حديث أُسامة بن زيد وغيره.
وفي (ك): "عن التوارث بينهما".
(3) سيأتي تخريجه.
وقال (و): يعني ما كان يتكلم به في شان تحريم ربا النسيئة، وإباحة ربا الفضل اه.
وقال (د) و (ط) و (ح): يعني في قوله: "لا ربا إلا في النسيئة" وقد رجع عنه أخيرًا بعد العلم اه.
(4) سيأتي تخريجه.
(5) رواه عنه الحميدي (859)، والبخاري (5529)، والبيهقي (9/ 330) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن الحكم بن عمرو الغفاري، ورواية البيهقي مطولة، وفيها استدلال ابن عباس بالتحريم.
ووقع في (ن): "لذلك" بدلا من "كذلك".
(6) ما بين المعقوفتين من (ق).
(7) في (ن): "أكثر الناس".
(8) في (ن): "ولم يسوغ" وفي (ق) "لم يستطع"!.
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) في المطبوع: "بخلاف"!.
(11) فتشت "الرسالة" المطبوعة بتحقيق الشيخ أحمد شاكر -مرارًا-، فلم أجد هذه العبارة!! وانظر "جماع العلم" (ص 50) للشافعي، ونقل ابن الموصلي هذه العبارة في "مختصر الصواعق المرسلة" (2/ 440).
(2/53)

يقول: ما يَدَّعي فيه الرجلُ الإجماعَ فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يُدْرِيه، ولم يَنْتَه إليه؟ فليقل: لا نعلم (1) الناسَ اختلفوا، هذه دعوى بِشْر المِرِّيسيّ والأَصَم، ولكن (2) يقول: لا نعلم (1) الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك، هذا لفظه (3).
ونصوصُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أجَل عند الإمام أحمد -وسائِرِ أئمة الحديث- من أن يُقَدِّموا عليها ما توهِّمَ إجماعًا (4) مضمونه عدم العلم بالمخالف، [ولو ساغ لتعطَّلت النصوصُ، وساغ لكل مَنْ لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يُقَدِّمَ جهله بالمخالف على النصوص] (5)؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دَعْوى الإجماع، لا ما يظنه بعضُ الناس أنه استبعاد لوجوده.

فصل [الأصل الثاني لأحمد: فتاوى الصحابة]
الأصل الثاني من أصول (6) فتاوى الإمام أحمد: ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يُعْرَف له مخالف منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيرها، ولم يَقُل: إن ذلك إجماع، بل من وَرَعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئًا يَدْفَعه، أو نحو هذا، كما قال (7) في رواية أبي طالب لا أعلم شيئًا يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحَدَ عشر (8) من التابعين عطاء ومجاهد وأهل المدينة على قبول شهادة العبد (9) وهكذا قال أنس بن مالك: لا أعلم أحدًا ردَّ شهادة العبد (10)، حكاه عنه الإمام أحمد (11)، وإذا وجد
__________
(1) في (ق): "يعلم".
(2) في المطبوع: "ولكنه".
(3) انظر: "مسائل عبد اللَّه" (ص: 438 - 439)، و"مختصر الصواعق المرسلة" (2/ 440).
(4) في المطبوع و (ن): "يقدموا عليها توهم إجماع".
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "ولو ساغ لكل من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص، ولو ساغ هذا؛ لتعطلت النصوص".
(6) في (ق): "فتاوي".
(7) في (ق): "ونحو هذا الكلام قال. . . ".
(8) في (ق): "وأحد وعشرين" وفي (ك): "واحدى وعشرين".
(9) في المطبوع: "على تسري العبد".
(10) سيأتي تخريجه.
(11) انظر في قبول شهادة العبد؛ والتدليل عليه مبسوطًا في "الطرف الحكمية" (ص 165) الطريق الرابع عشر، (ص 181 - 187)، و"بدائع الفوائد" (1/ 5).
(2/54)

[الإمام] (1) أحمد هذا النوع عن الصحابة لم يقدم عليه عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا.

فصل [الثالث: الاختيار من فتاوى الصحابة إذا اختلفوا]
الأصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخيَّر من أقوالهم ما كان أقربَهَا إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين (2) له مُوَافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول.
قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في "مسائله": قيل لأبي عبد اللَّه: يكون الرجلُ في [قرية] (3) فيُسأل عن الشيء فيه اختلاف، قال: يُفْتي بما وافَقَ الكتابَ والسنة (4)، وما لم يُوافق الكتاب والسنة: أَمْسَك عنه، قيل له: أفتخاف عليه؟ (5) [قال] (6): لا (7).

فصل [الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف]
الأصل الرابع: الأخذ بالمرسَل والحديثِ الضَّعيف، إذا لم يكن في الباب شيء [يدفعه] (8)، وهو الذي رجَّحَه على القياس، وليس المرادُ بالضعيف عنده الباطلَ، ولا المنكَرَ، ولا ما في رواته (9) مُتَّهم؛ بحيث لا يَسُوغ الذهابُ إليه والعمل به (10)، بل الحديث الضعيف عنده قَسِيم الصحيح (11) وقسم من أقسام
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ك): "يتيسر".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "قومه"، والتصويب من (ن) و (ق) وفيها "يسأل" و"المسائل".
(4) في "مسائل ابن هانئ" بعدها: "يفتي به".
(5) وقع في المطبوع: "أفيجاب عليه"!، وعلَّق (د) قائلًا: كذا، وربما كان الأصل "أفيجب عليه؟ " أي الإفتاء. اه.
قلت: والتصويب من "مسائل ابن هانئ"، و (ن)، و (ق).
(6) في النسخ المطبوعة كلها: "قيل"، وما أثبتناه من "المسائل" و (ن) و (ق).
(7) انظر: "مسائل ابن هانئ" (2/ 167).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) في المطبوع: "روايته" والتصويب من (ن) و (ق).
(10) في المطبوع: "فالعمل به".
(11) في (ن): "أقسام من الصحيح"، وفي (ك): "قسم من الصحيح".
(2/55)

الحَسَن (1) ولم يكن يُقَسِّم الحديث إلى: صحيح وحسن وضعيف، بل إلى: صحيح وضعيف، والضعيف (2) عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب (3) أثرًا (4) يدفعه، ولا قولَ صاحب، ولا إجماع على خلافه؛ كان العمل به عنده أولى (5) من القياس.
وليس أحَدٌ من الأئمة [الأربعة] إلا وهو موافِقُه (6) على هذا الأصل من حيث الجملة فإنه ما منهم أحد إلا و [قد] (7) قَدَّم الحديثَ الضعيف على القياس.

[تقديم أبي حنيفة الحديث الضَّعيف على القياس]
فقدم أبو حنيفة حديثَ القهْقَهَة في الصلاة (8) على مَحْض القياس، وأجمع أهل الحديث على ضَعْفِه (9)، وقدم حديثَ الوضوء بنبيذ التمر (10) على القياس، وأكثر أهل الحديث يُضَعِّفه (11)، وقدَّم حديثَ: "أكْثَرُ الحيضِ عَشَرَةُ أيامٍ" (12)
__________
(1) انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (18/ 25 و 1/ 252)، "والتوسل والوسيلة" (ص 88 - ط محب الدين الخطيب)، و"قواعد في علوم الحديث" (ص 99 - 100) للتهانوي، و"النكت على ابن الصلاح" لابن حجر (1/ 424 - 429)، و"شرح علل الترمذي" (1/ 337) لابن رجب، و"تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بين واقع المحدِّثين ومغالطات المتعصّبين" للشيخ ربيع بن هادي (ص 67 - 85).
(2) في المطبوع: و (ق) و (ك): "وللضعيف".
(3) في (ن) و (ق): "في الكناب"، وقال في هامش (ن): "في نسخة: في الباب".
(4) في (ك): "أمر".
(5) في (ق): "كان العمل عنده به أولى".
(6) في (ق) و (ك): "إلا يوافقه"، وما بين المعقوفتين من (ق).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(8) سيأتي تخريجه.
(9) انظر: "تهذيب السنن" (6/ 50)، "وبدائع الفوائد" (3/ 131)، و"الخلافيات" (2/ 370 - 416) وتعليقي عليه.
(10) سيأتي تخريجه.
(11) سيأتي تضعيف ابن القيم لهذا الحديث في عدة مواضع متفرقة، وانظر: "تهذيب السنن" (3/ 284) و"الخلافيات" (1/ 168 - 192) وتعليقي عليه.
(12) ورد عن جماعة من الصحابة، منهم:
أبو أمامة: رواه الطبراني في "الكبير" (7586)، و"الأوسط" (رقم 603)، و"مسند الشاميين" (2/ رقم 1515 و 4/ رقم 3420)، والدارقطني (1/ 218)، وابن عدي في "الكامل" (2/ 782)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 326)، و"المعرفة" (2/ رقم 2266)، و"الخلافيات" (3/ رقم 1040، 1041)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (642)، وفي إسناده مجهول، وضعيف، وإعلال بالانقطاع.
وله طريق آخر عن أبي أمامة: رواه ابن حبان في "المجروحين" (1/ 333)، وابن عدي (3/ 1098 - 1099)، والبيهقي في "الخلافيات" (3/ رقم 1043)، وفيه راو =
(2/56)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= كذاب وانظر -لزامًا- تعليقي على "الخلافيات" (3/ 375 - 381).
ومن حديث واثلة بن الأسقع: رواه الدارقطني (1/ 219)، والبيهقي في "الخلافيات" (3/ رقم 1046)، وابن الجوزي في "الواهيات" (643)، و"التحقيق" (رقم 304)، وفيه مجهول وضعيف؛ كما قال الدارقطني، وانظر "تنقيح التحقيق" (1/ 613)، و"نصب الراية" (1/ 192).
ومن حديث معاذ بن جبل: رواه ابن عدي (6/ 2152)، وفيه محمد بن سعيد المصلوب الكذاب.
وله طريق آخر، رواه العقيلي (4/ 51)، ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (2/ 195)، وابن الجوزي في "الواهيات" (639)، و"التحقيق" (رقم 406)، وأعله العقيلي بجهالة محمد بن الحسن الصدفي، وقال: وحديثه غير محفوظ.
وحكم عليه ابن حزم (2/ 197) بالوضع، وأقره عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" (1/ 214).
ومن حديث أبي سعيد الخدري: رواه ابن الجوزي (640)، والخطيب (9/ 20)، وفيه أبو داود النخعي، وهو كذاب، وانظر "أجوبة أبي زرعة الرازي على أسئلة البرذعي" (2/ 525 - 526).
ومن حديث أنس: رواه ابن عدي في "الكامل" (2/ 715)، ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (رقم 1039)، وابن الجوزي في "الواهيات" (641)، و"التحقيق" (رقم 305).
وفي إسناده الحسن بن دينار، وهو ضعيف، وانظر تعليقي على "الخلافيات" (3/ 373 - 374)، وقد أُعل الحديث بالوقف، فقد رواه ابن عدي (2/ 598)، ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (3/ 355 رقم 1026 - بتحقيقي)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (3/ 406، 407)، ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" (3/ 354 رقم 1025 - بتحقيقي)، والدارمي في "السنن" (1/ 210)، والعقيلي في "الضعفاء" (1/ 205)، والدارقطني في "السنن" (1/ 209، 210)، و"المؤتلف والمختلف" (2/ 868، 869)، والشافعي في "الأم" (1/ 64)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 322، 322 - 323، 323) و"المعرفة" (2/ 168 - 169، 170)، و"الخلافيات" (3/ 357، 358)، من طرق عن الجلد بن أيوب عن معاوية بن قرة عن أنس به موقوفًا؛ والجلد هذا -أيضًا- ضعيف، وضعفه الشافعي في "الأم" (1/ 64)، والإمام أحمد كما في "سنن الدارقطني" (1/ 210)، و"تاريخ أبي زرعة الدمشقي" (2/ 684 رقم 2094، 2095)، وابن عبد البر في "التمهيد" (16/ 82)، وعبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" (1/ 215)، وابن رجب في "فتح الباري" (2/ 150).
وهذه الطرق كلها واهية لا يصح بها الحديث.
وأطلق أحمد -في رواية الميموني- أنه ما صح عن أحد من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه =
(2/57)

-وهو ضعيف باتفاقهم- على محض القياس؛ فإن [الدم] (1) الذي تراه في اليوم الحادي عشر (2) مُسَاوٍ في الحدِّ والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر (3)، وقَدَّم حديثَ: "لا مهر أقلّ من عشرة دراهم" (4) -وأجمعوا على ضعفه بل بطلانه- على مَحْض القياس، فإن بَذْلَ الصداق مُعَاوضة في مقابل (5) بذل البُضْع، فما تراضَيَا عليه جاز قليلًا كان أو كثيرًا (6).

[تقديم الشافعي الضعيف على القياس]
وقَدَّم الشافعي خبر تحريم صَيْد وَجٍّ (7) مع ضعفه على القياس، وقدم خبر
__________
= قال في الحيض: "عشرة أيام، أو خمسة عشر". نقله الزركشي في "شرح مختصر الخرقي" (1/ 408)، وقال ابن المنذر في "الأوسط" (2/ 229): إنه قال في رواية الميموني وأيضًا عن أثر أنس وأحاديث الباب: "ليس بشيء، أو قال: ليس يصح" وانظر "مسائل صالح" (رقم 458، 668)، و"مسائل عبد اللَّه" (رقم 168، 169)، و"مسائل أبي داود" (ص 22)، وقال البيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 323): "وقد روي في أقلّ الحيض، وأكثره أحاديث ضعاف، قد بيّنت ضعفها في "الخلافيات". قلت: انظر منه (مسألة رقم 480 بتحقيقي) فقد استوفيت الكلام على أحاديث الباب وعللها.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع و (ق) و (ك): "الثالث عشر"، وقال في هامش (ق): "لعله: الحادي عشر".
(3) انظر تضعيف المؤلف -رحمه اللَّه- الحديث في "تهذيب السنن" (3/ 248).
(4) رواه أبو يعلى (2094)، وابن عدي (6/ 2411)، والدارقطني في "سننه" (3/ 244 - 245)، والبيهقي (7/ 133 و 240)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (2/ 263) من طرق مدارها كلها على مُبَشَّر بن عُبيد، ومبشر هذا قال عنه أحمد: "روى عنه بقية وأبو المغيرة أحاديث موضوعة كذب"، وقال مرة أخرى: "ليس بشيء يضع الحديث" وقال الدارقطني: متروك يضع الأحاديث ويكذب. وقال ابن عدي: هذا الحديث مع اختلاف ألفاظه في المتون واختلات إسناده باطل لا يرويه إلا مبشر.
(5) في (ك) و (ق): "مقابلة".
(6) انظر: "زاد المعاد" (4/ 28 - 29)، و"تهذيب السنن" (3/ 49 - 50).
(7) هو حديث: "أن صيد وَجِّ وعضاهه حَرَم مُحَرَّم للَّه".
رواه الحميدي، (63) وأحمد (1/ 165)، وأبو داود (2032)، والعقيلي (4/ 93)، والبيهقي (5/ 200)، والدارقطني في "علله" إملاء (4/ 240)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 140) من طريق محمد بن عبد اللَّه بن إنسان، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن أبيه الزبير.
وهذا إسناد ضعيف، محمد بن عبد اللَّه هذا قال البخاري (1/ 140): لم يُتابع عليه. وذكر أباه، وقال: لم يصح حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وفي حديثه نظر =
(2/58)

جواز الصلاة بمكة في وقت النهي (1) مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد، وقَدَّم في أحد قَوْليه حديث: "مَنْ قاءَ أو رُعِفَ فليتوضأ ولْيَبْنِ على صلاته" (2) على القياس مع ضعف الخبر (3) وإرساله.

[تقديم مالك المرسل، والمنقطع، والبلاغات]
وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسَلَ، والمنقطع، والبَلاغات، وقولَ الصحابي على القياس.

[الأصل الخامس عند أحمد: القياس للضرورة]
فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نصّ، ولا قول الصحابة، أو أحد (4) منهم، ولا أثر مرسل، أو ضعيف: عَدَل إلى الأصل الخامس -وهو القياس- فاستعمله للضرورة، وقد قال في "كتاب الخلَّال": سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنما يُصَار إليه عند الضرورة (5)، أو ما هذا معناه.
__________
= قال (ح) و (د): "وَجَّ" -بفتح الواو تشديد الجيم- موضع بناحية الطائف، وقيل: اسم جامع لحصونها، وقيل: اسم واحد منها. اه، واقتصر (و) على قوله: "موضع بناحية الطائف"، ونحوه في (ط). وانظر: "زاد المعاد" (2/ 201).
(1) أقول: إن أراد حديث: "يا بني عبد مناف، لا تمنعن أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة من ليل أو نهار".
فهو حديث صحيح رواه أحمد (4/ 80، 81، 82، 83، 84)، وعبد الرزاق (9004)، والحميدي (561)، وأبو داود (1894) في (المناسك): باب الطواف بعد العصر، والترمذي (868) في (المناسك): باب ما جاء في الصلاة بعد العمر، وبعد الصبح لمن يطوف، والنسائي (1/ 284) في (المواقيت): باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة و (5/ 223) في (المناسك): باب في إباحة الطواف في كل الأوقات، وابن ماجه (1254) في الإقامة: باب ما جاء في الصلاة بمكة في كل الأوقات، والدارقطني (1/ 423)، وأبو يعلى (7396) و (7415)، وابن حبان (1552 و 1553 و 1554)، والطبراني (1599 و 1600 و 1601 و 1602)، والبيهقي (2/ 461) و (5/ 92)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 448)، وابن خزيمة في "صحيحه" (1280) من طريق عبد اللَّه بن باباه عن جبير بن مطعم، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي.
(2) الحديث عند ابن ماجه وغيره، وسيأتي تخريجه مفصلًا.
(3) في (ق): "مع ضعف مخبره".
(4) في المطبوع و (ق): "أو واحد".
(5) انظر: "الرسالة" (ص: 599/ 1817) للإمام الشافعي -رحمه اللَّه-.
(2/59)

[وقال في "رواية أبي الحارث": ما تصنع بالرأي والقياس، وفي الحديث ما يغنيك عنه؟
وقال في "رواية عبد الملك المَيْموني": يَجْتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المُجْمَل والقياس] (1).
فهذه الأصول الخمسة من (2) أصول فتاويه، وعليها مَدَارها، وقد يتوقف في الفتوى؛ لتعارض الأدلة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين.
وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء في المسألة التي ليس فيها (3) أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام (4).
وكان يُسَوِّغُ استفتاء فقهاء [أصحاب] (5) الحديث وأصحاب مالك، وَيدُلُّ عليهم، ويمنع من استفتاء مَنْ يُعْرِض عن الحديث، ولا يبني مذهبه عليه، ولا يسوِّع العمل بفتواه (6).
قإل ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه عن الذي جاء في الحديث: "أجْرَؤكم على الفُتْيا أجرؤكم على النار" (7)، قال أبو عبد اللَّه [رحمه اللَّه] (8): يُفتي بما لم يسمع (9). قال: وسألته عَمَّن أفتى بفتْيا [يعيى] (10) فيها؛ قال: فإثمها على من
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك)، وقوله: "رواية أبي الحارث" سقط من (ق).
(2) في (ق): "هنا" وفي هامشه: "لعله هي".
(3) في المطبوع و (ن): "بمسألة ليس فيها".
(4) أسندها عنه ابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد" (ص 178) ونقلها ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (21/ 291).
(5) ما بين المعقوفتين من (ق).
(6) في (ق) و (ك): "بقوله".
(7) الحديث رواه الدارمي في "سننه" (في المقدمة): باب: الفتيا وما فيه من الشدة، (1/ 57) من حديث عبيد اللَّه بن أبي جعفر مرسلًا، وعزاه في "كشف الخفاء" (1/ 51) لابن عدي مرسلًا -كذلك-، ولم أره فيه، وانظر: "إبطال الحيل" (65) لابن بطة، و"فيض القدير" (1/ 158) للمناوي.
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) انظر "مسائل ابن هانئ" (2/ 165 - 166/ 1916)، و"الآداب الشرعية" (2/ 67).
(10) في نسخة (و) و (ق) و (ك): "يعني"، وفي "مسائل ابن هانئ": "يعني نعيًا فيها"، وقال المحقق: "كذا الأصل. . . "، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(2/60)

أفتاها، [قلت] (1): على أيِّ وجه يُفتي حتى [يعلم (ما)] (2) فيها؟ قال: يفتي بالبحث، لا يدري أيش أصلها (3).
وقال أبو داود في "مسائله": ما أحْصِي ما سمعت أحمد سُئِل عن كثير (4) مما فيه الاختلاف [في] العلم فيقول: لا أدري (5). قال: وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عُيَيْنة في [الفتوى] (6) أحسن فُتْيا منه، كان أهون عليه أن يقول: [لا أدري] (7).
وقال عبد اللَّه بن أحمد في "مسائله": سمعت أبي يقول: قال (8) عبد الرحمن بن مهدي: سأل رجل من أهل الغرب (9) مالك بن أنس عن مسألة، فقال: لا أدري، فقال: يا أبا عبد اللَّه تقول لا أدري؟! [قال: نعم، فابلغ مَنْ وراءك أني لا أدري (10).
وقال عبد اللَّه: كنت أسمع أبي كثيرًا يسأل عن المسائل؛ فيقول: لا أدري] (11)
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) (ك) (ق).
(2) في (ن): "يعني" وفي (ك): "يعلم" وما بين الهلالين سقط من (ق).
(3) انظر: "مسائل ابن هانئ" (2/ 165/ 1915).
(4) في (ق): "عن شيء كثير".
(5) انظر: "مسائل أبي داود": (ص 275)، وبدل ما بين المعقوفتين فيها: "من".
(6) في "مسائل أبى داود": "الفتيا"، وكلاهما صحيح، لكن "الفتيا" في كلام العرب أفصح وأكثر استعمالًا، وتعريف الإفتاء: هو إخبار بحكم اللَّه تعالى عن دليل شرعي لمن سأل عنه في أمر نازل. انظر: "الفتيا ومناهج الإفتاء" (ص 7 - 9) للدكتور محمد الأشقر.
(7) انظر: "مسائل أبي داود" (ص 276)، وبدل ما بين المعقوفتين فيها: "لا دري" بسقوط ألف المضارعة! وفيها زيادة: "من لا شيء، يقول: من يحسن -يعني: هذا-؟ يعني: على هذا سَلْ العلماء" اه.
(8) في المطبوع: "وقال".
(9) في (ق) و (ن): "أهل المغرب".
(10) أسنده إلى ابن مهدي: ابن أبي حاتم في "مقدمة الجرح والتعديل" (ص 18)، والآجري في "أخلاق العلماء" (ص 134)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 174)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (2/ 838 رقم 1573)، والبيهقي في "المدخل" (رقم 816)، وأبو نعيم في "الحلية" (6/ 323) بألفاظ متقاربة.
وذكره القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (1/ 145 - 146)، والشاطبي في "الموافقات" (5/ 325 - بتحقيقي).
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2/61)

[ويقف] (1) إذا كانت المسألة (2) فيها اختلاف، [وكثيرًا ما] (3) كان يقول: سَلْ غيري، فإن قيل [له] (4): مَنْ نسأل؟ قال: سَلوا العلماء (5)، ولا يكاد يُسمّي رجلًا بعينه (6). قال: وسمعت أبي يقول: كان ابن عُيَيْنة لا يفتي في الطلاق، ويقول: مَنْ يُحْسِن هذا؟! (7).

فصل [كراهة السلف التسرع في الفتوى]
وكان السَّلَف من الصحابة والتابعين يكرهون التَّسرُّعَ في الفَتْوَى، ويود كل واحد منهم أن (8) يكفيه إياها غيرُه؛ فإذا رأى أنها قد تعيَّنت عليه بَذَلَ اجتهادَهُ في معرفة حكمها من الكتاب والسنة، أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى.
وقال عبد اللَّه بن المبارك: حدثنا (9) سفيانُ، عن عطاء بن السَّائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ قال: أدركت عشرين ومئة من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أُراه قال: في المسجد، فما [كان] منهم مُحَدِّثٌ إلا وَدَّ أنَّ أخاه كَفَاه الحديث، ولا مُفْتٍ إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا (10).
وقال الإمام [أحمد] (11): حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في "مسائل عبد اللَّه": "وذلك".
(2) في المطبوع: "مسألة"، وفي (ق): "ويقف إذا كان مسألة فيها خلاف لا وفي (ك) أيضًا "خلاف" بدل "اختلاف".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في "مسائل عبد اللَّه": "وكثير مما".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5) في (ق): "سل".
(6) انظر: "مسائل عبد اللَّه" (438/ 1583).
(7) لم أظفر بها في "مسائل عبد اللَّه"، ولا في "العلل" له، ونقلها الميموني عن أحمد كما في "تهذيب الكمال" (11/ 190).
(8) في (ق) و (ن) و (ك): "يود أحدهم أن".
(9) في (ق): "عبد اللَّه بن المبارك رضي اللَّه عنه ثنا".
(10) رواه ابن المبارك في "الزهد" (ص 19) -ومن طريقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 163) -، ورواه أيضًا ابن سعد في "الطبقات" (6/ 110) من طريقين عن سفيان بهذا الإسناد، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 12 - 13)، والبيهقي في "المدخل" (800 و 801). وإسناده صحيح عطاء اختلط لكن رواية سفيان الثوري عنه قبل الاختلاط، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/62)

عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ قال: أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-ما منهم رجل يُسْأل عن شيء إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه، ولا يحدِّثُ حديثًا إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه (1).

[فتوى الطلاق ثلاث]
وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، أن بُكير [بن] (2) الأشج أخبره عن معاوية بن أبي عياش، أنه كان جالسًا عند عبد اللَّه بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البكير؛ فقال: إن رجلًا من أهل البادية طَلَّقَ امرأته ثلاثًا فماذا تَرَيَانِ؟ فقال عبد اللَّه بن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد اللَّه بن عباس، وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم ائتنا فأخبرنا، فذهبتُ، فسألتهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفْتِهِ [يا أبا هريرة] (3) فقد جاءتكَ مُعْضِلة، فقال أبو هريرة: الواحدة تُبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره (4).

[عود إلى كراهية السلف التَّسرُّع في الفتيا]
وقال مالك، عن يحيى بن سعيد؛ قال: قال ابن عباس: إن كلَّ من أفتى الناسَ في كل ما يسألونه [عنه] (5) لمجنون (6). قال مالك: وبلغني عن ابن مسعود
__________
(1) رواه أبو خيثمة في "العلم" (21) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (2/ 163) من طريق جرير به وجرير سمع من عطاء بعد الاختلاط لكنه متابع كما في الذي قبله.
وفي (ك) و (ق): "ولا محدث حديثًا".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(4) رواه الشافعي في "مسنده" (2/ 36) -ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 334) -، عن مالك بهذا الإسناد، وفيه: "وقال ابن عباس مثل ذلك". ورواته ثقات غير معاوية بن أبي عياش فقد ترجمه البخاري وابن أبي حاتم في كتابيهما وذكرا أنه روى عنه ابن إسحاق وبكير بن الأشج ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا وترجمه ابن حبان في "الثقات" (7/ 467). وعلقه أبو داود (2198) عن مالك.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) قول ابن عباس: رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 164)، والبيهقي في "المدخل" (799) (ص 433) من طريق مالك به، وهو منقطع، يحيى لم يدرك ابن عباس.
(2/63)

مثل ذلك، رواه ابن وضاح، عن يوسف بن عَدي، عن عَبْد (1) بن حميد، عن الأعمش، عن شَقيق، عن عبد اللَّه، ورواه حَبيب بن [أبي] (2) ثابت [عن الأعمش] (3)، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه (4).
وقال (5) سحنون بن سعيد: أجْسَرُ الناس على الفتيا أقَلُّهم علمًا، يكون عند الرجل البابُ الواحد من العلم يظن أن الحق [كله] (6) فيه.

[الجرأة على الفتوى]
قلت: الجرأة على الفُتيا تكون من قلة العلم ومن غَزَارته وسَعَته، فإذا قلَّ علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتَّسَعت فُتْياه، ولهذا كان ابن عباس من أوْسَع الصحابة فتيا، وقد تقدم أن فتاواه (7) جُمِعَتْ [في] (8)
__________
(1) في (ن): "عبيد" وهو خطأ.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ن).
(4) رواه الدارمي (1/ 61)، وأبو خيثمة في "العلم" (10) والطبراني في "المعجم الكبير" (9/ 211 رقم 8923 و 8924)، وابن بطة في "إبطال الحيل" (66)، وأبو القاسم البغوي في "الجعديات" (رقم 324)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 197)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (رقم 1590)، والبيهقي في "المدخل" (798) من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. وإسناده صحيح.
وقوله: "رواه ابن وضاح عن يوسف"، هو في "جامع بيان العلم" (2/ 164)، وقوله: "ورواه حبيب. . " هو في "جامع بيان العلم" لكن عن حبيب، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، ولذا وضعنا "عن الأعمش" بين معقوفتين، وسقط من جميع النسخ.
وتابع أبا وائل موسى بن أبي كثير -ولم يسمع ابن مسعود- أخرجه أبو يوسف في "الآثار" (1/ 200 رقم 903).
(5) في (ق): "قال".
(6) روى ابن عبد البر في "الجامع" (2/ 816، 817، / 1124 رقم 1525، 1527، 2209)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 166) عن أيوب السختياني، وابن عيينة: "أجسرُ الناس على الفتيا أقلهم علمًا باختلاف العلماء"، زاد أيوب: "وأمسك الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء".
وذكر الذهبي أول العبارة عنه في "السير" (12/ 66)، وما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وانظر "الموافقات" (5/ 123)، وتعليقي عليه.
(7) في (ن) و (ق): "فتاويه".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، و (ق) و (ك).
(2/64)

عشرين سِفْرًا، وكان سعيد بن المسيب أيضًا واسعَ الفتيا، وكانوا يسمونه [الجريء] (1)، كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سُليمان المُرادي، عن أبي إسحاق؛ قال: كنت أرى الرجلَ في ذلك الزمان وإنه لَيَدْخُل يسأل عن الشيء فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس حتى يُدْفَع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية (2) الفتيا، قال: وكانوا يدعونه سعيد بن المسيب الجريء (3). وقال (4) سحنون: إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية اْقوال من ثمانية أئمة من العلماء، فكيف ينبغي أن أعْجَلَ بالجواب [قبل الخبر] (5)، فَلِمَ أُلام على حبس الجواب؟ (6).

[من يجوز له الفتيا]
وقال ابن وهب: حدثنا أَشْهَل (7) بن حاتم، عن عبد اللَّه بن عَوْن، عن ابن سِيرين، قال: قال حذيفة: إنما يُفْتي الناسَ أحدُ ثلاثة: من يَعلم ما نُسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بدًا، أو أحمق متكلف، قال: فربما قال ابن سيرين: فلست بواحدٍ من هذين، ولا أُحبُّ أن أكون الثالث (8).
__________
(1) ما بين المعقوفتين زيادة من (ن) ونسخة (و) و (ك) و (ق).
(2) في (ق): "كراهة".
(3) انظر: "الطبقات" (2/ 382 - 383) لابن سعد وفي (ق): "وكانوا يدعونه".
(4) في (ق): "قال".
(5) في (ن) و (ق) و (ك): "حتى أتخير".
(6) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (2211).
(7) في (ن): "إسماعيل"!
(8) رواه من طريقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2114) ورجاله ثقات ورواه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (2/ 157 أو 2/ 331 رقم 1047 - ط دار ابن الجوزي) من طريق ابن عون به.
ورواه الدارمي في "المقدمة" (1/ 62) وعبد الرزاق في "المصنف" (11/ 231 رقم 20405)، والحازمي في "الاعتبار" (6 - 7)، وابن النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (1/ 415)، والبيهقي في "المدخل للسنن الكبرى" (رقم 70)، وابن عبد البر (2117) من طريقين عن ابن سيرين به.
قلت: ابن سيرين لم يدرك حذيفة، وقد نص في "التهذيب" على أن روايته عنه مرسلة ثم وجدته يروي عنه هذا الأثر بالواسطة، إذ أخرجه الدارمي (1/ 62) وابن الجوزي في "الناسخ والمنسوخ" (31) من طريق هشام بن حسان عنه، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن حذيفة، وأبو عبيدة هذا لم يوثقه إلا ابن حبان.
(2/65)

[المراد بالناسخ والمنسوخ عند السلف والخلف]
قلت (1): ومراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة -وهو اصطلاح المتأخرين-، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما: بتخصيص، أو تقييد، أو حَمْل مُطْلق على مُقَيد (2)، وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم ليسمون الاستثناء (3)، والشرط والصفة نسخًا، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ومَنْ تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه (4) ما لا يُحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها [حملُ كلامهم على الا] صطلاح الحادث المتأخر (5).
وقال هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين؛ [قال] (6): قال حذيفة: إنما يفتي [الناس أحدُ ثلاثة: رجل يعلم ناسخ] (7) القرآن ومنسوخه، وأمير لا يجد بدًا، وأحمق متكلف، قال ابن سيرين: ([فأنا] (8) لست أحد هذين، وأرجو أن لا أكون أحمق متكلفًا) (9).

[عود إلى كراهية الأئمة للفتيا]
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب "جامع فضل العلم": حدثنا خَلَف بن القاسم: ثنا يحيى بن الربيع: ثنا محمد بن حماد المصيصي: ثنا إبراهيم بن واقد: ثنا المطلب بن زياد؛ قال: حدثني جعفر بن حسين إمامنا؛ قال: رأيت أبا حنيفة في النوم، فقلت: ما فعل اللَّه بك يا أبا حنيفة؟ قال: غَفَر لي، فقلت له:
__________
(1) كذا في (ق)، وفي سائر النسخ: "قال".
(2) في (ن): "أو تقييد مطلق على المقيد" ومقيد وقعت في (ك) و (ق) كذلك بالتعريف.
(3) في المطبوع: "يسمون الاستثناء".
(4) في (ن): "رأى من ذلك ما فيه".
(5) انظر في تقرير هذا: "الموافقات" (3/ 344 - بتحقيقي)، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (13/ 29، 272 و 14/ 101)، و"الاستقامة" (1/ 23)، و"الإحكام" لابن حزم (4/ 67)، و"فهم القرآن" للمحاسبي (398)، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" (ص 88 - 90) لمكي، و"الفوز الكبير" (ص 112 - 113) للدهلوي، و"محاسن التأويل" (1/ 13)، و"تفسير القرطبي" (2/ 288)، و"النسخ في دراسات الأصوليين" (521)، و"معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة" (ص 254) وما بين المعقوفتين بياض في (ق).
(6) و (7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(9) انظر التخريج السابق وما بين الهلالين بياض في (ق).
(2/66)

بالعلم؟ فقال: ما أضَرَّ الفتيا على أهلها! فقلت: فبم؟ قال: بقول الناس فيَّ ما لم يعلم اللَّه [أنه] مِنِّي (1).
قال أبو عمر: وقال سحنون يومًا: إنا للَّه، ما أشقى المفتي والحاكم! ثم قال: ها أنذا يُتعلم مني ما تُضْرَب به الرقاب، وتُوَطأ به الفروج وتُؤخذ (2) به الحقوق، أما كنت عن هذا غنيًا (3)؟.
قال أبو عمر: وقال أبو عثمان الحَدَّاد: القاضي أيْسَرُ مأْثمًا وأقرب إلى السلامة من الفقيه -يريد المفتي-؛ لأن الفقيه مِنْ شأنِهِ إصدار ما يَرد عليه من ساعته بما حَضَرَهُ من القول، والقاضي شأنه الأناة والتثبت، ومن تأنّى وتثبت تهيَّأَ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديهة (4). انتهى.
وقال غيره: المفتي أقربُ إلى السلامة من القاضي؛ لأنه لا يلزم بفتواه، وإنما يخبر بها من استفتاه، فإن شاء قَبل قوله، وإن شاء تركه؛ وأما القاضي فإنه يلزم بقوله، فيشترك هو والمفتي في الإخبار عن الحكم، ويتميز القاضي بالإلزام (5)، والقضاء؛ فهو من هذا الوجه خَطرُه أشَدُّ.

[خطر تولي القضاء]
ولهذا جاء في القاضي من الوعيد والتخويف ما لم يأت نظيرُه في المفتي كما رواه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة [-رضي اللَّه عنها-]، أنها ذكر عندها القُضَاة فقالت: سمعت رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "يُؤتَى بالقاضي العَدْلِ يوم القيامة فَيَلْقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يَقْضِ بين اثنين في تمرة قط" (6).
__________
(1) انظر: "الجامع" (رقم 2219) وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "ويؤخذ".
(3) انظر: "الجامع" (رقم 2220).
(4) انظر: "الجامع" (رقم 2221).
(5) في (ك) و (ق): "بالإلزام به".
(6) رواه الطيالسي (1446) "منحة المعبود" -ومن طريقه البيهقي (10/ 96) - والبخاري في "التاريخ الكبير" (4/ 282)، ووكيع في "أخبار القضاة" (1/ 20 - 21) عن عمر بن العلاء اليشكري، حدثنا صالح بن سرج بن عبد القيس، عن عمران بن حطان؛ قال: سمعت عائشة. . . فذكره.
قال البيهقي: كذا في كتابي عمر بن العلاء.
ثم رواه من طريق آخر فقال: عن عمرو بن العلاء، وكذا في "تاريخ البخاري"، وهو الصواب، قال أبو حاتم: روى عنه أبو داود الطيالسي؛ فقال: عمر بن العلاء.
أقول: صالح بن سرج ذكره البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا =
(2/67)

وروى الشعبي، عن مسروق، عن عبد اللَّه يرفعه: "ما مِنْ حاكم يحكم بين الناس إلا وُكِّلَ به مَلك آخذ بقَفَاه حتى يقف به على شَفير جهنم، فيرفع رأسه إلى اللَّه، فإن أمره أن يَقْذِف قَذَفه في مَهْوى أربعين خريفًا" (1).
وفي "السنن" من حديث ابن بُرَيْدة، عن أبيه؛ قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة؛ رجلٌ عَرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى بين الناس بالجهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار فهو في النار" (2).
__________
= تعديلًا، وكذا عمرو بن العلاء إلا أنه روى عنه جمع من الثقات، وعمران بن حطان كان خارجيًا، إلا أنه صدوق روى له البخاري.
وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(1) رواه أحمد (1/ 431)، وابن ماجه (2311)، والدارقطني (4/ 205)، والبيهقي (10/ 89 و 96 - 97)، ووكيع في "أخبار القضاة" (1/ 19)، من طريق مجالد بن سعيد، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عبد اللَّه بن مسعود به مرفوعًا.
قال البوصيري في "الزوائد" (2/ 29): "هذا إسناد ضعيف لضعف مجالد بن سعيد".
وسقطت "قذفه" من (ك) والعبارة في (ق): "فإن أمره أن يقذفه قذفه. . . ".
(2) رواه أبو داود في (الأقضية): باب في القاضي يخطئ (3573)، والترمذي (1322 م) في (الأحكام): باب ما جاء عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في القاضي، والنسائي في "الكبرى" كما في "تحفة الأشراف" (2/ 95)، وابن ماجه (2315) في (الأحكام): باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق، ووكيع في "أخبار القضاة" (1/ 14)، والبيهقي (10/ 116) من طريق خلف بن خليفة عن أبي هاشم الرماني عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه، وقال أبو داود: "وهذا أصح شيء فيه، يعني: حديث ابن بريدة: القضاة ثلاثة".
أقول: خلف بن خليفة ثقة، إلا أنه تغير في آخر عمره حيث بلغ التسعين أو المئة، لكنه توبع.
فقد رواه ابن عدي (2/ 865) و (4/ 1332)، والطبراني في "الكبير" (2/ 1154)، والحاكم (4/ 90)، والبيهقي (10/ 117)، ووكيع في "أخبار القضاة" (1/ 14)، والروياني في "مسنده" (رقم 66)، من طريق شريك عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه مرفوعًا، وصححه الحاكم على شرط مسلم! ووافقه الذهبي، وقال في "الكبائر" (ص 103 - بتحقيقي): "إسناده قوي"، قلت: نعم، في الشواهد؛ وإلا فشريك هو القاضي سيء الحفظ.
ورواه الطبراني في "الكبير" (1156) من طريق قيس بن الربيع عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه به.
وقيس ضعيف.
ورواه ابن عدي (6/ 2161) من طريق محمد بن جابر، عن أبي إسحاق، عن ابن =
(2/68)

وقال عمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-] (1): ويل لدَيَّان مَنْ [في] (2) الأرض من ديان من في السماء، يوم يلقونه، إلا مَنْ أمر بالعدل، وقضى بالحق، ولم يقض على هوى، ولا على قرابة، ولا على رَغَب ولا رَهَب، وجعل كتاب اللَّه مرآة [بين] (3) عينيه (4)
وفي "سنن أبي داود" من حديث أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عَدْلُه جورَه فله الجنة، ومن غلب جَوْرُه عدله فله النار" (5)
__________
= بريدة، عن أبيه، وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن أبي إسحاق غير محمد بن جابر، ومحمد هذا ضعيف".
ورواه الحاكم (4/ 90)، ووكيع في "أخبار القضاة" (1/ 15) من طريق عبد اللَّه بن بكير عن حكيم بن جبير عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه به! وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الذهبي: "ابن بكير الغنوي منكر الحديث". وقد ذكره -أي الحديث- الحافظ في
"التلخيص" وسكت عليه، وله شاهد من حديث ابن عمر، رواه وكيع في "أخبار القضاة" (1/ 15، 16 - 17)، والطبراني في "الكبير" -كما في "مجمع الزوائد" (4/ 193) وقال: رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير" -ورجال الكبير ثقات-، ورواه أبو يعلى نحوه.
والحديث صحيح بمجموع طرقه، انظر: "إرواء الغليل" (8/ 235)، و"المجالسة" (رقم 1597 - بتحقيقي)
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من نسخة (د).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(4) رواه الأصم، ومن طريقه ابن عساكر في "أماليه"، كما في "تخريج أحاديث العادلين" (ص 163 - بتحقيقي)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (10/ 117)، من طريق عقبة بن عقبة: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، حدثني إسماعيل بن عبيد اللَّه، عن عبد الرحمن بن غَنْم عنه.
وإسناده جيد. وتوبع عقبة، فأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه": (كتاب السياسة) -كما في "تخريج أحاديث العادلين" (ص 163)، و"كنز العمال" (5/ 757) - عن بشر بن بكر، وأبو نعيم في "العادلين" (رقم 44 - بتحقيقي) عن عبد الأعلى بن مسهر، وابن أبي شيبة -ومن طريقه وكيع في "أخبار القضاة" (1/ 30 - 31) -، وأحمد في "الزهد" (ص 155) كلاهما قال: ثنا وكيع حدثنا سعيد بن عبد العزيز به.
وأخرجه ابن أبي الدنيا في "مواعظ الملوك"، ومن طريقه ابن عربي في "محاضرة الأبرار" (2/ 116 - 117)، والمحاسبي في "الرعاية" (ص 48)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ص 285 - 286 - ترجمة عمر: من طرق عن عمر بنحوه، وأخرجه الخرائطي في "فضيلة الشكر" (رقم 67)، والبيهقي في "الشعب" (6/ رقم 7393) من قول كعب الأحبار كلم عمر بن الخطاب به.
(5) رواه أبو داود (3575) في (الأقضية): باب في القاضي يخطئ، -ومن طريقه البيهقي =
(2/69)

وفي "سنن البيهقي" من حديث ابن جُرَيْج (1)، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللَّه مع القاضي ما لم يَجُرْ، فإذا جار برئ [اللَّه منه ولزمه الشيطان" (2)
__________
= (10/ 88) - من طريق ابن نجدة عن جَدّه يزيد بن عبد الرحمن، وهو أبو كثير، قال: حدثني أبو هريرة به.
وهذا إسناد ضعيف، موسى بن نجدة هذا قال فيه الذهبي: لا يعرف، وقال الحافظ: مجهول.
والحديث ذكره شيخنا الألباني -رحمه اللَّه تعالى- في "الضعيفة" (1186)، وذكره الحافظ في "الفتح" (13/ 124) ساكتًا عليه.
(1) في (ن) و (ق) و (ك): "ابن جرير"!
(2) هذا المتن بهذا الإسناد إنما هو حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى، وقد وقع سبقُ نظر من الإمام ابن القيم -رحمه اللَّه- حيث أن الأسناد الذي ذكره هو لحديث آخر وهو: "إذا جلس القاضي في مكانه هبط عليه ملكان يسددانه ويوفقانه ويرشدانه ما لم يجر؛ فإذا جار عرجا وتركاه"، وقد خرجناه في غير هذا المكان.
ثم ذكر البيهقي بعده حديث ابن أبي أوفى المذكور، وله لفظ آخر ذكره ابن القيم بعده.
وحديث ابن أبي أوفى رواه الترمذي (1330) في (الأحكام): باب ما جاء في الإمام العادل، وابن حبان (5062)، والحاكم (4/ 93)، والبيهقي (10/ 88 و 134) من طرق عن عمرو بن عاصم، حدثنا عمران القطان عن الشيباني (سليمان بن أبي سليمان أبي إسحاق) عنه مرفوعًا به.
وهذا إسناد على شرط الشيخين.
لكن رواه ابن ماجه (2312) في (الأحكام): باب التغليظ في الحيف والرشوة، وابن عدي في "الكامل" (6/ 2145)، ومن طريقه البيهقي (10/ 88)، والمزي في "تهذيب الكمال" (6/ 458) من طرق عن محمد بن بلال، عن عمران القطان، عن حسين. [في "سنن ابن ماجه" و"تهذيب المزي" ابن عمران وفي "الكامل": (المعلم)]. عن أبي إسحاق الشيباني به.
ومحمد بن بلال هذا صدوق يُغْرب كما قال الحافظ، وعمرو بن عاصم ليس بذاك وإن أخرج له الشيخان إلا أن له أوهامًا، فالظاهر أن عمران سمعه بواسطة ثم سمعه مباشرة، وهذا كثير الوقوع.
وفي الباب عن معقل بن يسار، رواه أحمد (5/ 26)، قال الهيثمي (4/ 193): وفيه أبو داود الأعمى وهو كذاب.
وعن زيد بن أرقم، رواه الطبراني في "الكبير" (5077)، وفيه -أيضًا- أبو داود وهو كذاب.
وعن ابن مسعود رواه الطبراني (9792)، وفيه حفص بن سليمان القارئ وهو متروك.
وعن ابن عباس وأبي موسى، عند وكيع في "أخبار القضاة" (1/ 13) بسندين ضعيفين جدًّا.
(2/70)

وفيه من حديث] (1) حُسَين المُعلِّم، عن الشَّيْباني، عن [ابن] (2) أبي أوفى قال: قال رسو [ل اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه مع القاضي] (1) ما لم يجر، فإذا جار وكَلَه إلى نفسه" (3).
وفي "السنن الأربعة" من حديث أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ قعد قاضيًا بين المسلمين فقد ذَبَحَ [نفسَه] بغير سكين" (4).
وفي "سنن البيهقي" من حديث أبي حازم عن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-،
__________
(1) ما بين المعقوفتين بياض في (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) أخرجه ابن ماجه في "السنن" (2/ رقم 2312)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (4/ رقم 2365)، والبزار في "البحر الزخار" (8/ رقم 3335، 3337)، وابن عدي في "الكامل" (6/ 1245)، ووكيع في "أخبار القضاة" (1/ 35)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 88)، والمزي في "تهذيب الكمال" (6/ 458) عن عمران القطان، عن حسين المعلم به.
وأخرجه النرمذي في "الجامع" (2/ رقم 1345)، وابن حبان في "الصحيح" (11/ رقم 5062 - الإحسان)، والبزار في "البحر الزخار" (8/ رقم 3336)، والدينوري في "المجالسة" (رقم 4293 - بتحقيقي)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 93)، ووكيع في "أخبار القضاة" (1/ 34)، والبيهقي في "الكبرى" (10/ 88) عن عَمرو بن عاصم الكِلابي عن عمران القطان به، وأسقط (حسين المعلم).
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
(4) رواه أحمد (2/ 230 و 365)، وابن أبي شيبة (7/ 238)، وأبو داود (3571) و (3572) في (الأقضية): باب في طلب القضاء، والترمذي (1325) في (الأحكام): باب ما جاء عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في القاضي، وابن ماجه (2308) في (الأحكام): باب ذكر القضاة، ووكيع في "أخبار القضاة" (1/ 8 و 9 - 12)، وأبو يعلى (5866) و (6613)، والطبراني في "الصغير" (491)، وابن عدي (1/ 224) و (2/ 465)، والدارقطني (4/ 203 و 204)، والبيهقي (10/ 96)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (395) و (396)، والبغوي في "شرح السنة" (2496)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (6/ 151)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (2/ 756 و 757)، والحاكم (4/ 91) من حديث أبي هريرة.
وقال الترمذي: "حسن غريب" وحسنه البغوي.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وقال ابن الجوزي: "لا يصح" فرده الحافظ في "التلخيص" (4/ 184)، وقال: "ليس كما قال"، وكفاه قوة تخريج النسائي له، وذكر الدارقطني الخلاف فيه على سعيد المقبري، قال: "والمحفوظ عن سعيد المقبري عن أبي هريرة" قلت: واعتنى بطرقه عنه وكيع في "أخبار القضاة" (1/ 7 - 12) وقَوَّاه العقيلي (3/ 298).
وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/71)

قال: "وَيْلٌ للأمراء، وويل للعُرَفَاء، وويْلٌ للأمناء، ليتمنَّيَن (1) أقوامٌ يوم القيامة أن نواصيهم كانت معلقةً بالثريا، يتجلجلون بين السماء والأرض، وأنَّهم لم يَلُوا عملًا" (2).

[الوعيد على الإفتاء]
وأما المفتي: ففي "سنن أبي داود" من حديث مسلم بن يَسَار، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ قال عليّ ما لم أقل، فَلْيَتَبوَّأ بيتًا في جهنم، ومن أفتي بغير علم كان إثمُهُ على مَنْ أفتاه، ومن أشار على أخيه بامر يعلم الرُّشدَ في غَيْره فقد خانه" (3) فكل خطر على المفتي فهو على القاضي، وعليه مِنْ زيادة الخطر ما يختص به، ولكن خطر المفتي أعظم من جهة أخرى؛ فإن فَتْوَاه شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره.
__________
(1) في (ن): "ليتمنى".
(2) رواه أبو داود الطيالسي (2523)، وأحمد (2/ 352)، والحاكم (4/ 91)، والبيهقي (10/ 97)، وأبو يعلى (6217)، والبغوي (2468) من طريق هشام الدستوائي عن عباد بن أبي علي، عن أبي حازم به، وعند بعضهم أخصر مما هو هنا.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي (5/ 200): رجاله ثقات.
أقول: وعَبّاد بن أبي علي، ترجمه البخاري (6/ 35)، وابن أبي حاتم (6/ 84) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، لكن روى عنه جمع من الثقات، ووثقه ابن حبان، فمثله حسن الحديث -إن شاء اللَّه-.
ثم وجدت ابن حبان (4483) يرويه من طريق موسى بن أعين، عن معمر، عن هشام بن حسان، عن أبي حازم (مولى أبي رُهْم)، عن أبي هريرة، مرفوعًا به.
فإن كان الإسناد هكذا صحيحًا لا سِقْط فيه؛ فهذه متابعة قوية لعباد بن أبي علي، فإن هشام بن حسان من الثقات الأثبات، وباقي رواته ثقات، والحديث عزاه الحافظ في "الفتح" (13/ 169) لأحمد وابن خزيمة.
ورواه عبد الرزاق (20660) من طريق معمر عن صاحب له، عن أبي هريرة!
وروى نحوه البزار (1643 - كشف الأستار)، والحاكم (4/ 91) من طريقين عن عاصم بن بهدلة، عن يزيد بن شريك، عن أبي هريرة مرفوعًا: "ليوشكنّ رجل يتمنى أنه خرَّ من الثريا، وأنه لم يلِ من أمر الناس شيئًا" وصححه الحاكم، وهو حسن فقط لحال عاصم بن بهدلة.
والحديث له شاهد من حديث عائشة، رواه أبو يعلى (4745)، وفي إسناده عمر بن سعد النَّصري، وليث بن أبي سُليم وهما ضعيفان، ومجاهد في سماعه من عائشة نَظَر.
ووقع في (ن): "لم يعملوا عملًا" وفي (ك) و (ق): "لم يكونوا عملوا".
(3) سيأتي تخريجه (2/ 439، 462).
(2/72)

وأما الحاكم فحكمه جزئي (1) خاص، لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله؛ فالمفتي يفتي حكمًا عامًا كليًا أنَّ: مَنْ فَعَلَ كذا [ترتب عليه كذا] (2)، ومن قال كذا لزمه كذا، والقاضي يقضي قضاء معينًا على شخص معين، فقضاؤه خاص مُلْزِم، وفتوى العالم عامة غير ملزِمة، وكلاهما (3) أجْرُهُ عَظيم، وخَطَرُه كبير.

فصل [المحرمات على مراتب أربع، وأشدها: القول على اللَّه بغير علم]
وقد حرم اللَّه -سبحانه- القول عليه بلا علم (4) في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات (5)، بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا] (6) وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] فرتَّبَ المحرماتِ أربعَ مراتبَ، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنَّى بما هو أشد تحريمًا وهو (7) الإثم والظلم، ثم ثلَّثَ بما هو أعظم تحريمًا منهما وهو الشرك به (8) سبحانه، ثم ربَّع بما هو أشد تحريمًا من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعمُّ القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي دينه وشرعه. وقال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116 - 117].
فتقدم عليهم (9) سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم لما
__________
(1) في (ق): "فحكمه جزؤ".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) في المطبوع و (ك) و (ق): "فكلاهما".
(4) في المطبوع و (ك): "بغير علم"، وفي (ق): "حرم اللَّه عليه القول بغير علم".
(5) سيأتي بحث قيم لابن القيم -رحمه اللَّه- في تحريم الفتيا بغير علم، وانظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 158)، و"الداء والدواء" (209 - 210)، و"الفوائد" (ص: 98 - 99)، و"مدارج السالكين" (1/ 372 - 374)، و"بدائع الفوائد" (3/ 275).
(6) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(7) في (ق): "أشد تحريمًا منه وهو".
(8) في (ق): "باللَّه".
(9) في المطبوع و (ك) و (ق): "إليهم"، وسقطت لفظة "سبحانه" من (ق)
(2/73)

لم يحرمه: هذا حرام، ولما لم يحله: هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال وهذا حرام؛ إلا لما (1) علم أنَّ اللَّه سبحانه أحَلّه أو حرمه (2).
وقال بعض السلف (3): ليتَّقِ أحَدُكم أن يقول: أحل اللَّه كذا (4)، وحرم كذا، فيقول اللَّه [له] (5): كذبت، لم أحل كذا، ولم أحرم كذا؛ فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلمُ ورودَ الوحي المبين بتحليله وتحريمه (6): أحَلّه اللَّه، وحرَّمه اللَّه، [لمجرد التقليد أو بالتأويل] (7).

[النهي عن أن يقال: هذا حكم اللَّه]
وقد نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحديث الصحيح أميرَهُ بريدة أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم اللَّه، وقال: "فإنَّكَ لا تَدْري أتصيبُ حكم اللَّه فيهم أم لا، ولكن أنْزِلْهُمْ على حكمك وحكم أصحابك" (8). فتأمل كيف فرَّق بين حكم اللَّه وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يُسمَّى حكم المجتهدين: حكم اللَّه.
ومن هذا: لما كتب الكاتبُ بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-]، حكمًا حكم به؛ فقال: هذا ما أرى اللَّه أميرَ المؤمنين عمر، فقال: لا تقل هكذا، ولكن قُلْ: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (9).
__________
(1) في المطبوع: "إلا بما".
(2) في المطبوع: "أحله وحرمه"، وسقطت لفظة "سبحانه" من (ق).
(3) هو الربيع بن خثيم، كما صرح به المصنف وسيأتي تخريجه.
(4) في (ق): "أن يقول لما لا يعلم أحل اللَّه. . . ".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(6) قال (ط): في نسخة "لما يعلم ولا ورد الوحي المبين بتحليله وتحريمه. . . " انظر: "إعلام الموقعين" طبعة: فرج اللَّه زكي الكردي ج 1 صفحة 43" اه، وفي (د) نحوه باختصار.
(7) في (ك): "بمجرد التقليد وبالتأويل" وفي (ق): "أو حرمه بمجرد التقليد وبالتأويل".
(8) هو جزء من حديث بريدة، رواه مطولًا مسلم (1731) في (الجهاد): باب تأمير الأمراء على البعوث، ولكن ليس فيه: "وحكم أصحابك". وعند أبي داود (2612) وأبي عوانة (4/ 67) والبيهقي (9/ 97، 184): "ولكن أنزلوهم على حكمكم" وزاد أبو يعلى (1413): "ثم احكموا فيهم ما رأيتم" ووقع في (ق): "إنك لا تدري أتصيب".
(9) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 116)، وأبو ذر الهروي في "ذم الكلام" (2/ 102 - 103 رقم 258)، وابن حزم في "الإحكام" (6/ 48)، وقال ابن حجر في "التلخيص" (4/ 195): "إسناده صحيح" وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/74)

وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سَلَفِنا، ولا أدركت أحدًا أقْتدي به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، ما كانوا (1) يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا، ونرى هذا حسنًا؛ ونتقي هذا (2)، ولا نرى هذا (3). ورواه عنه عتيق بن يعقوب، وزاد: ولا يقولون: حلال ولا حرام، أما سمعت قول اللَّه [-تعالى- {قُلْ] أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59]، الحلالُ، ما أحلّه اللَّه ورسوله، والحرام ما حرمه اللَّه ورسوله (4).

[لفظ الكراهة يطلق على المحرم ودليله، وغلط المتأخرين في ذلك وسببه]
قلت: وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورَّع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فَنَفَى المتأخرون التحريمَ عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سَهُل عليهم لفظ (5) الكراهة وخَفّتْ مؤنته عليهم؛ فحمَله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثير [جدًّا] (6) في تصرفاتهم؛ فحصل بسببه (7) غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة (8)، و [قد] (9) قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه، ولا أقول هو حرام، ومذهبه تحريمه، وإنما تورَّع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان (10).
__________
(1) في المطبوع: "وما كانوا".
(2) في المطبوع: "فينبغي هذا".
(3) علقه عنه ابن عبد البر في "الجامع" (2091)، والقاضي عياض في "ترتيب المدارك" (1/ 145)، والشاطبي في "الموافقات" (5/ 324 - 325 - بتحقيقي).
(4) تابع لما قبله، وجزء منه، وبدل ما بين المعقوفتين في (ق): "سبحانه".
(5) في (ن): "أمر".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(7) في (ن): "بسببهم".
(8) انظر: "بدائع الفوائد" (4/ 6)، و"المسودة في أصول الفقه" (ص: 529 - 530).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(10) أخرج مالك في "الموطأ" (2/ 538)، ومن طريقه الشافعي في "الأم" (5/ 3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 163) عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب أن رجلًا سأل عثمان بن عفان عن الأختين من ملك اليمن، فقال عثمان: أحلتها آية، وحَرَّمتها آية، فأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك. . . وإسناده صحيح، ورواه البيهقي من طريق آخر عن ابن شهاب به.
(2/75)

وقال أبو القاسم [عمر بن الحسين] الخِرَقي (1) فيما نقله عن أبي عبد اللَّه: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة (2). ومذهبه أنه لا يجوز، وقال في رواية أبي داود: ويستحب أن لا يدخل الحمام إلا بمئزر (3). وهذا استحبابُ وجوبٍ، وقال في رواية إسحاق بن منصور: إذا كان أكثر مال الرجل حرامًا فلا يعجبني أن يؤكل ماله (4)، وهذا على سبيل التحريم.
وقال في رواية ابنه عبد اللَّه: لا يعجبني أكلُ ما ذُبح للزهرة ولا الكواكب (5) ولا الكنيسة، وكل شيء ذبِح لغير اللَّه، قال اللَّه [-عز وجل-]: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (6) [المائدة: 3]. فتأمَّل كيف قال: "لا يعجبني" فيما نَصَّ اللَّه [-سبحانه-] (7) على تحريمه، واحتج [هو] (8) أيضًا بتحريم اللَّه له في كتابه، وقال في رواية الأثرم: أكره لحومَ الجلَّالة وألبانَها (9)، وقد صَرَّح بالتحريم في رواية حَنْبل وغيره، وقال في رواية ابنه عبد اللَّه: أكره [(أكل) لحمِ] الحيَّةِ والعقرب؛ لأن الحية لها ناب والعقرب له حُمة (10)، ولا يختلف مذهبه في تحريمه، وقال في رواية حَرْب: إذا صاد الكلبُ من غير أن
__________
(1) ما بين المعقوفتين من نسخة (و)، وقال في (ح): بالخاء المعجمة، والراء المهملة، شيخ الحنابلة اه.
وقال (و): شيخ الحنابلة، وصاحب "المختصر"، كانت له تصانيف كثيرة، أودعها بغداد، وسافر، فاحترقت اه.
(2) انظر: "مختصر الخرقي" (1/ 58/ 87 مع "المغني") لابن قدامة -رحمه اللَّه-، وفي (ن): "من آنية الذهب والفضة".
(3) انظر: "مسائل أبي داود" (ص: 20)، وفي المطبوع: "إلا بمئزر له".
(4) بنصه في "مسائل ابن منصور" (216/ 54).
(5) وفي (ك) و (ق): "ولا للكواكب ولا للكنيسة".
(6) تصرف المؤلف -رحمه اللَّه- في اللفظ شيئًا ما، انظر: "مسائل عبد اللَّه" (226/ 984، 985). وبدل ما بين المعقوفتين في (ق): "سبحانه".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(9) الجلَّالة: "البقرة تتبع النجاسات" (و).
(10) انظر: "مسائل عبد اللَّه" (272/ 1017)، وما بين المعقوفتين سقط منها، ولفظ تعليله هناك: "وذلك أن العقرب لها حمة، والحية لها ناب".
وقال (د)، و (ح): "الحمة": كثبة السم، أو الإبرة يضرب بها الزنبور، والحية وغير ذلك، ويلدغ بها، وأصلها: حمو أو حمى، والهاء عوض عن الواو أو عن الياء. اه، وبنحو الشطر الأول في (و) و (ط)، وما بين الهلالين سقط من (ق).
(2/76)

يُرْسَل فلا يعجبني؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وسَمَّيْتَ" (1) فقد أطلق لفظة: "لا يعجبني" على ما هو حرام عنده، وقال في رواية جعفر بن محمد النَّسائي: لا يعجبني المُكْحُلة والمِرْوَد (2)، يعني من الفضة، وقد صرح بالتحريم في عدة مواضع، وهو مذهبه بلا خلاف؛ وقال جعفر بن محمد -أيضًا-: سمعت أبا عبد اللَّه سُئل عن رجل قال لامرأته: كل امرأة أتزوجها أو جاريةٍ أشتريها للوَطْء وأنت حية؛ فالجارية حرة والمرأة طالق، قال: إن تزوَّجَ لم آمُرْهُ أن يفارقها، والعتقُ أخشى أن يلزمه؛ لأنه مخالف للطلاق، قيل له: يَهَبُ له رجل جارية، قال: هذا طريق الحيل (3)، وكرهه، مع أن مذهبه تحريم الحِيَلِ وأنها لا تخلِّصُ من الأيمان، ونص على كراهة البطة (4) من جلود الحمر، وقال: [لا] (5) تكون ذَكِية، ولا يختلف مذهبه في التحريم، وسئل عن شعر الخنزير، فقال: لا يعجبني، وهذا على التحريم (6)، وقال: يكره القِدُّ (7) من جلود الحمير (8)، ذَكِيًّا وغير ذكي؛ [و] (9) لا يكون ذكيًا، وأكرهه لمن يعمل وللمستعمل؛ وسئل عن رجل
__________
(1) رواه البخاري (175) في (الوضوء): باب الماء الذي يُغسل به شعر الإنسان، و (2054) في (البيوع): باب تفسير المشبهات، و (5475) في (الذبائح): باب التسمية على الصيد، و (5476) باب صيد المعراض، و (5483): باب إذا أكل الكلب، و (5484) باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة، و (5486) باب إذا وجد مع الصيد كلبًا آخر، و (5487) باب ما جاء في التصيّد، و (7397) في (التوحيد): باب السؤال باسماء اللَّه -تعالى- والاستعاذة بها، ومسلم (1929) في الصيد: باب الصيد بالكلاب المعلمة من حديث عدي بن حاتم، وفي الباب عن أبي ثعلبة الخشني، رواه البخاري (5478)، و (5488)، و (5496)، ومسلم (1930).
(2) المرود -بكسر الميم-: الميل الذي يكتحل به، وحديدة تدور في اللجام، ومحور البكرة إذا كان من حديد، انظر: "لسان العرب" (3/ 1774).
وقال في (ق): "لا تعجبني".
(3) في المطبوع: "الحيلة".
(4) "البطة [هي] رأس الخف بلا ساق" (د) و (ط) و (ح) و (و)، وما بين المعقوفتين زيادة الأخيرة عليهم.
(5) ما بين المعقوفتين من (ك) و (ق).
(6) في (ن) و (ك) و (ق): "على سبيل التحريم".
(7) "القد" -[بالكسر]: السير يقد من جلد غير مدبوغ (و) و (ط) و (ح) و (د)، وما بين المعقوفتين زيادة الأخير عليهم.
(8) في (ن) و (ق) و (ك): "الحُمُر".
(9) بدلها في (ن) والمطبوع: "لأنه" وسقطت من (ك) و (ق).
(2/77)

حلف لا ينتفع بكذا، فباعه و (1) اشترى به غيره، فكره ذلك، وهذا عنده لا يجوز وسئل عن ألبان الأُتُنِ (2) فكرهه وهو حَرَام عنده، وسئل عن الخمر تتخذ (3) خلًا، فقال: لا يعجبني، وهذا على التحريم [عنده] (4)؛ وسئل عن بَيْع الماء، فكرهه، وهذا في أجوبته أكثر من أن يُسْتَقْصَى، وكذا (5) غيره من الأئمة.

[إطلاق المكروه على الحرام عند الحنفية]
وقد نص محمد بن الحسن (6) [على] (7) أن كل مكروه فهو حرام، إلا أنه لما لم يجد فيه نصًّا قاطعًا لم يطلق عليه لفظ الحرام (8)؛ وروى محمد أيضًا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقْرَبُ؛ وقد قال في "الجامع الكبير" (9): يكره الشرابُ في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء، ومراده التحريم؛ وكذلك قال أبو يوسف ومحمد: يكره النومُ على فرش الحرير والتوسُّدُ على وَسَائده (10)، ومرادهما التحريم؛ وقال أبو حنيفة وصاحباه: يكره أن يلبس الذكور من الصبيان الذهبَ والحرير، وقد صَرَّح الأصحابُ أنه حرام، وقالوا: إن التحريم لما ثَبَتَ في
__________
(1) زاد هنا في (ك) و (ق): "وانتفع بثمنه".
(2) "الأتن" -بضم الهمزة والتاء- جمع أتان، وهي أنثى الحمار (د) ونحوه في (و) و (ط).
(3) في (ق): "يتخذ".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(5) في (ق): "وكذلك".
(6) هو الإمام الفقيه محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، أبو عبد اللَّه (131 - 189 ه)، صاحب الإمام أبي حنيفة، ويرجع له الفضل في نشر مذهب أبي حنيفة، وعُرِفَ به، قال الشافعي: "لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن؛ لقلتُ: لفصاحته"، له الكثير من كتب الفقه والأصول، منها: "الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير"، و"الموطأ"، و"الحجة على أهل المدينة"، و"المبسوط" و"السير الكبير" و"الصغير"، وغيرها، انظر ترجمته في "الأعلام" (6/ 80) للزركلي، و"معجم المؤلفين" (9/ 207).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) والمطبوع.
(8) نقله عنه الكاساني في "بدائع الصنائع" (5/ 118).
ووقع في (ك): "التحريم" ووقع في (ق): "إلا إن لم يجد فيه نصًا قاطعًا لم يطلق عليه لفظ التحريم".
(9) في (ن) و (ك) و (ق): "الجامع الصغير" والصواب: "في "الجامع الكبير"".
(10) انظر: "الجامع الصغير" (ص 476 - مع "النافع الكبير") و"بدائع الصنائع" (5/ 131، 132). وقال في (ق): "يكره الشرب".
(2/78)

حق الذكور، وتحريمُ اللبس يحرم الإلْبَاسَ، كالخمر لما حَرُم شربُهَا حرم سَقْيُها، وكذلك قالوا: يكره (1) مِنْدِيلُ الحرير الذي يُتَمَخطُ فيه ويتمسح من الوضوء، ومرادهم التحريم؛ وقالوا: يكره بيعُ العَذَرَة، ومرادهم التحريم؛ وقالوا: يكره الاحتكار في أقوات (2) الآدميين والبهائم إذا أضَرَّ بهم وضيَّق عليهم، ومرادهم التحريم (3)؛ وقالوا: يكره بيع السِّلاح في أيام الفتنة، ومرادهم التحريم؛ وقال أبو حنيفة: يكره بيع أرض مكة، ومراده (4) التحريم عنده؛ وقالوا (5): ويكره اللَّعِبُ بالشِّطْرَنْج، وهو حرام عندهم (6)؛ قالوا: ويكره أن يَجْعَل الرجلُ في عنق عبده أو غيره طَوْقَ الحديدِ الذي يمنعه من التحرك، وهو الغُلُّ، وهو حرام؛ وهذا كثير في كلامهم جدًّا.

[حكم المكروه عند المالكية]
وأما أصحاب مالك فالمكروه عندهم مَرْتبَةٌ بين الحرام والمُبَاح، ولا يطلقون عليه اسم الجَوَازِ، ويقولون: إن أكل كل ذي نابٍ من السباع مكروه غير مباح؛ وقد قال مالك في كثير من أجوبته: أكره كذا، وهو حرام (7)؛ فمنها أن مالكًا نص على كراهة الشّطْرَنْج، وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم، وحمله بعضُهم على الكراهة التي هي دون التحريم.

[رأي الشافعي في اللعب بالشِّطْرَنْج وتحريمه]
و [كذلك] (8) قال الشافعي في اللعب بالشطرنج: هو (9) لَهْوٌ شبه الباطل، أكرهه، ولا يتبين لي تحريمُه (10)؛ فقد نصَّ على كراهته، وتوقَّف في تحريمه؛ فلا
__________
(1) في (ن): "يحرم".
(2) في (ن): "قوت".
(3) انظر: "الطرق الحكمية" (279 - 280)، و"بدائع الفوائد" (4/ 49، 94).
(4) في المطبوع: "ومرادهم".
(5) في (ق) والمطبوع: "قالوا".
(6) انظر: "الفروسية" للمصنف (ص 302 - 315) وتعليقي عليه.
(7) زاد في (ك): "عنده" والعبارة في (ق): "حرام عنده فمن ذلك أن".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(9) في (ق) والمطبوع: "إنه".
(10) انظر: "الأم" (6/ 213)، "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (2/ 200، 202).
وقال في "الأم" (6/ 224): "ولا نحب اللعب بالشطرنج، وهو أخف من النرد".
وانظر "سنن البيهقي" (10/ 212)، و"معرفة السنن والآثار" (7/ 431 - 432) في الشهادات أواخر الكتاب.
(2/79)

يجوز أن ينسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائز وأنه مباح، فإنه لم يقل هذا ولا ما يدل عليه؛ والحق أن يقال: إنه كرهها، وتوقف في تحريمها، فأين هذا [من] (1) أن يُقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحتها (2)؟.

[حكم تزوج الرجل ابنته من الزنا عند الشافعي]
ومن هذا أيضًا أنه نصَّ على كراهة تَزَوَّج الرجل ابنتَه [المخلوقة] (3) من ماء الزنا، ولم يقل قَطُّ إنه مباح ولا جائز (4)، والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2) قال ابن القيم في "الفروسية" (ص: 313 - بتحقيقنا): "والشافعي لم يجزم بإباحتها، فلا يجوز أن يقال: مذهب الشافعي إباحتها؛ فإن هذا كذب عليه، بل قال: "وأما الشطرنج؛ فلم يتبيّن لي تحريمها"، فتوقف -رضي اللَّه عنه- في التحريم، ولم يُفْتِ بالإباحة"، ثم قال: فصح عن ابن عمر أنه قال: "الشطرنج شر من النرد".
ونص مالك على ذلك، وقال الإمام أحمد وأبو حنيفة: النرد أشد تحريمًا منها.
ووقع في (ق): "تجويز اللعب بها وإباحته" وفي المطبوع: "وإباحته".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع ووقع في (ق): "كراهة تزويج".
(4) قال شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في "تحذير الساجد" (ص: 37): "لقد أخطأ من نسب إلى الإمام الشافعي القول بإباحته تزوج الرجل ابنته من الزنا بحجة أنه صرح بكراهة ذلك، والكراهة لا تنافي الجواز إذا كانت للتنزيه! " ثم نقل كلام ابن القيم من هنا، وقال قبل ذلك (ص: 35 - 37): ". . . لا أستبعد حمل الكراهة في عبارة الشافعي المتقدمة خاصة على الكراهة التحريمية؛ لأنه هو المعنى الشرعي المقصود في الاستعمال القرآني، ولا شك أن الشافعي متأثر باسلوب القرآن غاية التاثر، فإذا وقفنا في كلامه على لفظ له معنى خاص في القرآن الكريم وجب حمله عليه، لا على المعنى المصطلح عليه عند المتأخرين، فقد قال تعالى: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}، وهذه كلها محرمات، فهذا المعنى -واللَّه أعلم- هو الذي أراده الشافعي -رحمه اللَّه- بقوله المتقدم: "وأكره. . . " ويؤكد أن هذا المعنى هو المراد من الكراهة في كلام الشافعي في هذه المسألة أن من مذهبه أن الأصل في النهي التحريم، إلا ما دل الدليل على أنه لمعنى آخر، كما صرح بذلك في رسالته "جماع العلم" (ص 125) ونحوه في كتابه "الرسالة" (ص 343)، ولذلك فإني أقطع بان التحريم هو مذهب الشافعي" اه باختصار.
قلت: قال الإسمندي (المتوفى: 552 ه) في "طريقة الخلاف في الفقه بين الأئمة الأسلاف" (ص 51 - 53/ 21 - بتحقيق د. محمد زكي عبد البر): "مسألة: البنت المخلوقة من ماء الزاني يحرم على الزاني نكاحها، والوجه فيه، أن هذه ابنته، فيحرم عليه" فانظر الأدلة هناك، والنقاش مع المخالف مبسوطًا.
وفي "مسائل عبد اللَّه لأبيه" (331/ 1218) قال: "سألت أبي عن رجل زنا بامرأة =
(2/80)

الذي أحَلَّه (1) اللَّه به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظ الكراهة؛ لأن الحرام يكرهه اللَّه ورسوله (2)؛ وقد قال تعالى عقب (3) ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} إلى قوله: [{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} إلى قوله:] (4) {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} إلى قوله: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} إلى قوله: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} إلى قوله: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} (5) [إلى قوله: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} إلى آخر الآيات؛ ثم قال]: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء:23 - 38]، وفي "الصحيح": "إن اللَّه [عز وجل] (4) كَرِهَ لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (6).

[استعمال السلف والخلف للفظ الكراهة]
والسَّلَفُ (7) كانوا يستعملون الكراهَةَ في معناها الذي استعملت فيه في كلام اللَّه ورسوله، ولكِنِ المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم، وتركُهُ أرْجَحُ من فعله، ثم حمل من حمل [منهم] (8) كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغَلِطَ في ذلك، وأقْبَحُ غَلطًا منه مَنْ حمل لفظ الكراهة أو لفظ "لا ينبغي" في كلام اللَّه ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث.
__________
= فجاءت بابنة من فجور، ثم كبرت الابنة، هل يجوز أن يتزوج بها؟ قال: معاذ اللَّه! يتزوج ابنته!! هذا قول سوء. . . " اه.
وقال الخرقي في "مختصره" (7/ 90/ 5355 مع "المغني"): "ووطء الحرام محرم؛ كما يحرم وطء الحلال والشبهة"، وانظر: "المغني" (7/ 91/ 5358).
وانظر "القواعد الفقهية" لابن رجب (آخر القاعدة الثانية والخمسون بعد المئة (3/ 114 - بتحقيقي)، و"الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (3/ 325 رقم 1162) وتعليقي عليه و"مثارات الغلط في الأدلة" (ص 29 - 30) للشريف التلمساني.
(1) في المطبوع: "أَجَلَّه" بالجيم.
(2) انظر: "زاد المعاد" (4/ 173 - 174).
(3) في (ق): "عقيب".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده إلى قوله".
(6) رواه البخاري (1477) في (الزكاة): باب قول اللَّه تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}، و (2408) في (الاستقراض): باب ما ينهى عنه من إضاعة المال، و (5975) في (الأدب): باب عقوق الوالدين من الكبائر، ومسلم (3/ 1341) (593) في (الأقضية): باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، من حديث المغيرة بن شعبة.
(7) في (ق): "فالسلف".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2/81)

[إطراد استعمال لا يَنبغي في المحظور شرعًا]
وقد اطَّرد في كلام اللَّه ورسوله استعمالُ "لا ينبغي" في المَحْظُور شرعًا أو قدرًا، وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى: {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم: 92] وقوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69]، وقوله: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ [وَمَا يَسْتَطِيعُونَ]} (1) [الشعراء: 211] وقوله على لسان نبيه: "كذَّبَنِي ابنُ آدَمَ وما ينبغي له، وشتمني ابن آدم وما ينبغي له" (2). وقوله - صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه لا يَنَامُ ولا ينبغي له أن ينام" (3) وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في لباس الحرير: "لا ينبغي هذا للمتقين" (4) وأمثال ذلك (5).

[ما يقوله المفتي فيما اجتهد فيه]
والمقصود أن اللَّه [سبحانه] (1) حَرَّمَ القول عليه بلا علم في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، والمفتي يخبر عن اللَّه [عز وجل] (1) وعن دِينه، فإن لم يكن خبره مطابقًا لما شَرَعَه (6) كان قائلًا عليه بلا علم، ولكن إذا اجتهدَ واستفرغ وُسْعَه في معرفة الحق وأخطأ لم يلحقه الوعيد، وعفى له [عن ما] (7) أخطأ به، وأثيب على اجتهاده، ولكن لا يجوز أن يقول لما أداه إليه اجتهاده، ولم يظفر فيه بنص عن اللَّه ورسوله (8): إن اللَّه حرم كذا، وأوجب كذا، وأباح كذا، أو (9) إن هذا هو حكم اللَّه؛ قال ابن وَضَّاح: ثنا يوسف بن عَديّ، ثنا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) رواه البخاري (3193) في (بدء الخلق) أوله، و (4974) في تفسير سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} باب (1)، و (4975) باب قوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} من حديث أبي هريرة.
(3) رواه مسلم في "الصحيح" (كتاب الإيمان): باب قوله -عليه السلام-: "إن اللَّه لا ينام" (1/ 161 - 179/ 162) من حديث أبي موسى الأشعري.
(4) رواه البخاري (375) في (الصلاة): باب من صلى في فروج حرير ثم نزعه، و (5081) في (اللباس): باب القباء وفروج حرير هو القباء، ومسلم (2075) في (اللباس والزينة): باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة، من حديث عقبة بن عامر.
(5) انظر: "بدئع الفوائد" (4/ 3)، و"الداء والدواء" (ص 194).
(6) في (ق) بعدها: "اللَّه".
(7) في (ق): "عما".
(8) في (ق): "وعن رسوله صلى اللَّه عليه وسلم".
(9) في المطبوع و (ك) و (ق): "و".
(2/82)

عَبيدة بن حُميد، عن عطاء بن السائب قال: [قال] (1) الربيع بن خُثَيْم: إياكم أن يقول الرجل لشيء: إن اللَّه حرم هذا أو نَهى عنه، فيقول اللَّه: كذبت [عليَّ] (2) لم أحرمه ولم أنْهَ عنه، أو يقول: إن اللَّه أحَلَّ هذا أو أمَرَ به، فيقول اللَّه: كذبت [عليَّ] (2) لم أُحلّه ولم آمُرْ به (3).
قال أبو عمر: وقد روي عن مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل به فيُسْأل عنه فيجتهد فيه رأيَهُ: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} (4) [الجاثية: 32].

فصول (5) في كلام الأئمة في أدَوَات الفُتْيا (6)، وشروطها ومَنْ ينبغي له أن يفتي وأنْ يَسَع قول المفتي: "لا أدري"؟ (7)
[أدوات الفتيا]
قال الإمام أحمد، في رواية ابنه صالح عنه: ينبغي للرجل إذا حَمَل نفسَه على الفُتْيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالمًا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين من (ن) و (ك).
(3) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (2090)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 218) من طريق ابن وضاح به.
وعطاء بن السائب اختلط، وعبيدة ممن روى عنه بعد الاختلاط.
وله طريق أخرى عند أبي ذر الهروي في "ذم الكلام" (2/ 139 رقم 289 - ط المحققة).
وورد نحوه عن ابن مسعود قوله، في "المعجم الكبير" (9/ 231 رقم 899) للطبراني، وفيه من لم يسم، كما في "المجمع" (1/ 177).
وفي (ك): "الربيع بن خيثمة".
وفي (ن) الجملة الأخيرة: "لم أحرمه، ولم آمر به" والصواب ما أثبتناه.
(4) ذكره هكذا ابن عبد البر في "الجامع" (2092) بدون إسناد، وهو في "ترتيب المدارك" (1/ 148)، و"الموفقات" (5/ 329 - بتحقيقي).
(5) كذا في (ن) و (و) و (لتى)، وفي (د) و (ح) و (ط): "فصل".
(6) في (ن): "أدوات الجهاد".
(7) انظر هذا المبحث في "بدائع الفوائد" (3/ 117)، و"زاد المعاد" (2/ 78)، و"تهذيب السنن" (3/ 40)، و"مدارج السالكين" (1/ 4 - 7) مهم، (3/ 143 - 148، 198، 438)، و"طريق الهجرتين" (ص: 712 - 716).
(2/83)

بالسُّنن، وإنما جاء خلافُ مَنْ خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقلة معرفتهم بصحيحها من سَقيمها (1).
و [قال] (2) في رواية ابنه عبد اللَّه: إذا كان عند الرجل الكتُبُ المصنفة فيها قول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، واختلاف الصحابة والتابعين، فلا يجوز أن يعمل بما شاء، ويتخير فيقضي به ويعمل به حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به (3)؛ فيكون يعمل (4) على أمر صحيح (5).
وقال في رواية أبي الحارث: لا يجوز الإفتاء إلا لرجلٍ عالمٍ بالكتاب والسنة (6).
وقال في رواية حَنْبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول مَنْ تقدَّم، وإلَّا فلا يُفتي (7).
وقال محمد بن عبيد اللَّه بن المُنادي: سمعت رجلًا يسأل أحمد: إذا حفظَ الرجلُ مئة ألفِ حديثٍ يكون فقيهًا؟ قال: لا، قال: فمئتي ألفٍ؟ قال: لا، قال: فثلاث مئة ألف؟ قال: لا، قال: فأربع مئة ألف، قال بيده هكذا، وحرّك يده (8).
__________
(1) رواه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (2/ 332/ 1049) بسنده إلى صالح به، ونقله عنه القاضي أبو يعلى في "العدة في أصول الفقه" (5/ 1595)، وابن تيمية في "المسودة" (ص 515)، ولم أظفر به في مطبوع "مسائل صالح".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك).
(3) في (ق): "منه".
(4) في (ن): "فيكون يعتمد"، وأظنها: "فيكون معتمدًا"، فسبق قلم الناسخ وفي (ك): "العمل".
(5) نص المسألة في "مسائل عبد اللَّه" (438/ 1584): "قال: سالت أبي عن الرجل تكون له الكتب المصنفة فيها قول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك منها، فيفتي به، ويعمل به؛ قال: لا يعمل حتى يسأل: ما يؤخذ به منها؟ فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم" اه.
وأسندها عنه أبو حفص في "أخبار أحمد" -كما في "العدة" (5/ 1601) - وانظر "المسودة" (ص 517)، و"صفة الفتوى" (ص 26).
(6) نقله القاضي أبو يعلى في "العدة" (5/ 1595)، وابن تيمية في "المسودة" (ص 515).
(7) نقله أبو يعلى في "العدة" (5/ 1595)، وابن تيمية في "المسودة" (ص 515).
(8) أخرجها أبو حفص العكبري في "بعض تعاليقه"، قاله القاضي أبو يعلى في "العدة" (5/ 1597).
وروى الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 163 أو 2/ 345 رقم 1072 - ط ابن الجوزي) =
(2/84)

قال أبو الحسن (1): وسألت جَدِّي محمدَ بن عبيد اللَّه، قلت: فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل؟ قال: أخذ عن ست مئة ألف (2).
قال أبو حفص (3): قال لي أبو إسحاق: لما جلستُ في جامع المنصور للفتيا ذكرت هذه المسألة، فقال لي رجل: فانت هو ذا [لا] (4) تحفظ هذا المقدار حتى تفتي الناس فقلت له: -عافاك اللَّه- إنْ كنتُ لا أحفظُ هذا المقدار، فإني هو ذا أفْتِي الناس بقول مَنْ كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه (5).
قال القاضي أبو يَعْلَى (6): "وظاهر هذا الكلام [من أحمد] أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذ لم يحفظ من الحديث هذا القدرَ الكثير الذي ذكره، وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتوى. . . "، ثم ذكر حكاية أبي إسحاق لما جلس في جامع المنصور، قال: "وليس هذا الكلام من أبي إسحاق مما يقتضي أنه كان يُقَلِّد أحمد فيما يفتي به؛ لأنه قد نص في بعض "تعاليقه على كتاب العلل" على الدلالة على منع الفتوى بغير علم؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} " [الإسراء: 36].
__________
= من طريق الحسن بن إسماعيل عن أحمد بن حنبل نحوه إلا أن فيه: قيل خمس مئة ألف؟ قال: أرجو، فزاد مئة ألف.
وفي إسناده محمد بن أحمد بن المقيل، فيه ضعف، انظر: "تاريخ بغداد" (1/ 346 - 348)، وذكره ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (2/ 164).
وفي (ك): "وقال محمد بن عبد اللَّه بن المُنادي".
(1) في الأصول جميعها، "أبو الحسين" والمثبت من (ك) و (ق) هو الصواب وهو أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد اللَّه بن المنادي، ترجمته في "طبقات الحنابلة" (2/ 3).
(2) نقله القاضي أبو يعلى في "العدة" (5/ 1597)، وابنه في "طبقات الحنابلة" (2/ 164)، وفي "تاريخ بغداد" (4/ 419 - 420) قال أبو زرعة: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث! فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.
قال (و): "لا بد أن يكون قبلها تدبر القرآن بكل آية فيه، وقد كان الإمام كذلك" (و)
وفي (ك): "أجاب عن ست مائة ألف".
(3) هو العكبري.
(4) ما بين المعقوفتين سقطت من (ق).
(5) نقله أبو يعلى في "العدة" (5/ 1597) وابنه في "طبقات الحنابلة" (2/ 164)، "ولكن يجب أن يكون على بينة من مأخذ الحكم، وإلا تردَّى في التقليد الذميم" (و).
(6) في "العدة في أصول الفقه" (5/ 1597، 1597 - 1598)، وما بين المعقوفتين من (ك) و (ق).
(2/85)

[هل تجوز الفتوى بالتقليد؟]
قلت: هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد (1):
أحدها: أنه لا يجوز الفَتْوى بالتقليد؛ لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم حرام، ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم، وأن المقلد لا يُطْلَق عليه اسم عالم، وهذا قول أكثر الأصحاب وقول جمهور الشافعية.
والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فيجوز له أن يقلد غيره من العلماء إذا كانت الفَتْوَى لنفسه، ولا يجوز أن يقلد العالم فيما يُفتي به غيره، وهذا قول ابن بَطَّة وغيره من أصحابنا؛ قال القاضي (2): ذكر ابنُ بَطَّة في "مكاتباته إلى البرمكِي": لا يجوز له أن يفتي بما يسمع مَنْ يفتي، وإنما يجوز أن يقلد لنفسه، فأما أن يتقلد لغيره ويفتي (3) به فلا.
والقول الثالث: أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد، وهو أصح الأقوال، وعليه العمل، قال القاضي (4): ذكر أبو حَفْصٍ في "تعاليقه" قال: سمعت أبا علي الحسن بن عبد اللَّه النَّجَّاد يقول؛ سمعت أبا الحسن بن بشار (5) يقول: ما (6) أعِيبُ على [رجل] (7) يحفظ [عن أحمد] (8) خمسَ مسائل؛ استند إلى بعض سَوَاري المسجد يُفتي بها (9).
__________
(1) انظر: "المسودة في أصول الفقه" (ص 513 - 514)، و"روضة الناظر وجنة المناظر" (ص 338 - 340) لابن قدامة، و"صفة الفتوى والمفتي والمستفتى" (18 - 26) لابن حمدان الحنبلي، و"شرح مختصر الروضة" (3/ 629 - 637) للطوفي.
(2) في "العدة" (5/ 1598)، وفيه: "بما يسمع ممن يفتي. . . يقلد نفسه"، ونقلها ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (4/ 562)، وابن حمدان في "صفة الفتوى والمفتي" (ص 26).
(3) في (ق): "أو".
(4) في "العدة" (5/ 1598) وفيه: "يحفظ لأحمد" وقال عقبها: "وهذا منه مبالغة" وزاد في "المسودة" عليه "في فضله"، ونقلها ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (4/ 562)، وابن تيمية في "المسودة" (ص 517)، وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة".
(5) في المطبوع: "أبا الحسين بن بشران"!! وصوابه ما أثبتناه؛ كما في "المنهج الأحمد" (2/ 7)، و"طبقات الحنابلة" (2/ 57)، والمصادر السابقة، ووقع في (ق): "إنما سمعت أبا الحسن بن بشران".
(6) في (ك): "إنما".
(7) في (ق): "من".
(8) سقطت من (ك) و (ق).
(9) في (ق): "يفتي الناس بها".
(2/86)

[شرط الإفتاء عند الشافعي]
وقال الشافعي فيما رواه عنه الخطيبُ في كتاب "الفقيه والمتفقه" له: لا يحل لأحد [أن] (1) يفتي في دين اللَّه إلا رجلًا عارفًا بكتاب اللَّه بناسخه ومنسوخه (2)، وبمُحْكَمِه (3) ومُتَشَابهه، وتأويله وتنزيله، ومَكّيّه ومَدَنيّه، وما أُريد به، و [فيما أُنزل، ثم] (4) يكون بعد ذلك بَصيرًا بحديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبالناسخ والمنسوخ (5)، ويعرف من الحديث مثلَ ما عرف من القرآن، ويكون [بصيرًا] (6) باللغة، بصيرًا بالشعر وما يحتاج إليه [للسنة] (7) والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، [وقلة الكلام،] (4) ويكون بعد هذا مُشْرِفًا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحةٌ بعد هذا، فإذا كان [هذا] (4) هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن (هكذا) [فليس له أن يفتي] (8).
وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: ما تقول في الرجل يسأل عن الشيء فيجيب بما في الحديث وليس بعالم في الفقه؟ فقال: ينبغي للرجل إذا حَمَلَ نفسه على الفُتْيا أن يكون عالمًا بالسنن، عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، وذكر الكلام المتقدم (9).
__________
(1) سقطت من مطبوع "الفقيه والمتفقه".
(2) "الحق أنه ليس في القرآن آية يبطل العمل بها؛ كما يزعم المتأخرون، بل كل آية مفروضة علينا العمل بما توجبه" (و). قلت: وهذا إنكار للناسخ والمنسوخ. وهي نغمة رددها بعض المتأخرين من غير الموفقين، فكن على حذر منها.
(3) كذا في "الفقيه والمتفقه" وفي نسخ الإعلام "محكمه" دون (ب) ووقع في (ق): "بناسخة".
(4) ما بين المعقوفات زيادات "الفقيه والمتفقه" على "الإعلام"، ووقع في (ق): "أن".
(5) في (ق): "بالناسخ والمنسوخ منه".
(6) في "الفقيه والمتفقه": "نصيرًا" والصواب ما أثبتناه.
(7) بدل ما بين المعقوفتين في "الفقيه والمتفقه": "للعلم".
(8) بدل ما بين المعقوفتين في "الفقيه والمتفقه": "فله أن يتكلم في العلم ولا يُفتي"، وبدل ما بين الهلالين في (ق): "كذلك" اه.
وانظر كلام الشافعي -رحمه اللَّه- بطوله في "الفقيه والمتفقه" (2/ 331 - 332/ 1048 ط دار ابن الجوزي).
(9) ونصه: "وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في السنة، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها" اه.
وفي (ك) و (ق): "عالمًا بوجوه الأسانيد الصحيحة".
انظر: "الفقيه والمتفقه" (2/ 332/ 1049)، و"المسودة" (ص 515).
(2/87)

وقال علي بن شقيق: قيل لابن المبارك: متى يفتي الرجل؛ قال: إذا كان عالمًا بالأثر، بصيرًا بالرأي (1).
وقيل ليحيى بن أكثم: متى يجب للرجل أن يفتي؟ فقال: إذا كان بصيرًا بالرأي بصيرًا بالأثر (2).
قلت: يريدان بالرأي القياسَ الصحيح والمعانيَ والعللَ الصحيحة التي عَلّق الشارع بها الأحكام وجعلها مؤثرة فيها طَرْدًا وعكسًا (3).

فصل في تحريم الإفتاء في دين اللَّه بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول
قال اللَّه (4): {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (5) [القصص: 50] فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما: إمَّا الاستجابة للَّه والرسول وما جاء به، وإما اتباع الهوى، فكُلُّ ما لم يأتِ به الرسول فهو من الهوى.
[(6) وقال تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ]} (7) [ص: 26] فقسَّم سبحانه طريق الحكم بين الناس إلى الحقِّ، وهو الوحي الذي أنزله اللَّه على رسوله (8)، وإلى الهَوَى، وهو ما خالفه.
وقال تعالى لنبيه [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (7): {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ
__________
(1) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 332/ 1050)، بسند جيد.
وأخرجه البيهقي في "المدخل" (187)، وابن عبد البر في "الجامع" (1532).
(2) علقه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 333/ 1051) عن أبي نعيم عن إبراهيم بن محمد بن حاتم الزاهد عن الفضل بن محمد الشعراني عنه.
(3) من قوله: "وقال في رواية أبي إلى هنا بدله في (ن): "إلى أن قال -رحمه اللَّه-".
ووقع في (ق): "يريد".
(4) في (ق): "اللَّه سبحانه".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) من هنا إلى قوله (ص 92): "وإن عاقبته أحسن عاقبة" بدله في (ن): "إلى أن قال -رحمه اللَّه-".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (ق): "رسله".
(2/88)

أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) [إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] (1) وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 18، 19] فقسَّم الأمر بين الشريعة التي جَعَله [هو] (2) سبحانه عليها وأوحى إليه العملَ (3) بها، وأمَرَ الأمة بها، وبين اتِّباع أهواء الذين لا يعلمون؛ فأمر بالأول، ونهى عن الثاني.
وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3]، فأمر باتِّباع المنزِّل منه خاصة، وأعْلَمَ أن من اتَّبع غيره فقد اتبع من دونه أولياء.
قال (4) تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، فأمر تعالى (5) بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلامًا بأن طاعة الرسول تجب استقلالًا من غير عَرْضِ ما أمر به [على الكتاب، بل إذا أمر وجَبَتْ طاعتُه مطلقًا، سواء (6) كان ما أمر به] (7) في الكتاب أو لم يكن [فيه] (8)، فإنه أوتي الكتاب ومثلَه معه، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالًا، بل حذف الفعلَ، وجعل طاعَتَهم في ضمن طاعة الرسول؛ إيذانًا بأنهم إنما يُطَاعون تَبَعًا لطاعة الرسول، فَمَنْ أمَرَ منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومَنْ أمَر (9) بخلاف ما جاء به الرسولُ فلا سَمْع [له] ولا طاعة كما صح عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "لا طاعَةَ لمخلوق في معصية الخالق" (10) وقال: "إنما الطَّاعة في
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق): "بالعمل".
(4) في (ق): "وقال".
(5) في (ق): "اللَّه".
(6) في نسخة (د): "سواه"!.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) وفي الهامش: "لعله ما أمر به الكتاب وسواء كان" وبدل ما بين الهلالين في (ق): "و".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) زاد في (ك) و (ق) هنا: "منهم".
(10) ورد بهذا اللفظ من حديث عمران بن حصين، أخرجه القضاعي في "مسند الشهاب" (873)، وعلقه الخطيب في "تاريخ بغداد" (3/ 145) من طريق محمد بن جعفر الوركاني حدثنا يحيى الأبح عن محمد ابن سيرين عنه.
وإسناده جيد لكن في سماع محمد ابن سيرين من عمران نظر، وفي بعض طرق الحديث سماعه منه، وهذا بحاجة إلى بحث.
ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (18/ 381) من طريق يحيى بن سليم، عن =
(2/89)

المَعْرُوف" (1)، وقال في ولاة الأمور: "مَنْ أمركم منهم بمعصية اللَّه فلا سَمْعَ [له] ولا طاعة" (2)، وقد أخبر -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الذين أرادوا دخولَ النار لمَّا أمرهم أميرُهم بدخولها: "أنّهُمْ لو دَخَلُوا لما خَرَجُوا منها" (3) مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعةً لأميرهم، وظنًا أن ذلك واجب عليهم، ولكن لما قَصَّرُوا في الاجتهاد، وبادَرُوا إلى [طاعة (4) مَنْ أمَرَ ب] معصية اللَّه، وحَمَلُوا عموم الأمر بالطاعة بما (5) لم يُرِدْه الآمر [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (6)، وما قد عُلِمَ من دينه [إرادةُ] (6) خلافِهِ،
__________
= هشام بن حسان، عن الحسن عن عمران، ويحيى بن سليم -هو الطائفي- فيه كلام، والحسن مدلس، وقد عنعن، وفي سماعه من عمران نظر أيضًا.
ورواه ابن أبي شيبة (12/ 546) من طريق مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلًا.
واعلم أن حديث عمران بن حصين هذا ثابت من طرق عنه بلفظ: "لا طاعة لمخلوق في معصية اللَّه"، رواه أحمد (4/ 426 و 432 و 436 و 5/ 66 و 67)، والطيالسي (856)، وعبد الرزاق (25700)، والبزار (1613 و 1614 و 1615 و 1616)، والطبراني في "الكبير" (3159 و 3160 و 18/ 324 و 367 و 381 و 385 و 407 و 432 - 438).
(1) هو جزء من حديث رواه البخاري (4340) في (المغازي): باب سرية عبد اللَّه بن حُذافة السهمي، و (7145) في (الأحكام): باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن في معصية، و (7257) في (أخبار الآحاد): باب ما جاء في إجازة خبر الواحد، ومسلم (1840) في (الإمارة): باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، من حديث علي بن أبي طالب.
(2) الحديث رواه أحمد (3/ 67)، وابن أبي شيبة (12/ 543 و 14/ 341)، وابن ماجه (2863) في (الجهاد): باب لا طاعة في معصية اللَّه، وأبو يعلى (1349)، ومن طريقه ابن حبان (4558)، جميعهم من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن أبي سعيد الخدري به مرفوعًا بلفظ: "من أمركم بمعصية فلا تطيعوه"، وهو جزء من حديث طويل، ورجاله رجال الصحيح عدا محمد بن عمرو، وهو حسن الحديث.
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (2/ 123): هذا إسناد صحيح.
وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) رواه البخاري (4340) في (المغازي): باب سرية عبد للَّه بن حذافة السهمي، و (7145) في (الأحكام): باب السمع والطاعة للحكام ما لم تكن معصية، و (7257) في (أخبار الآحاد): باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، ومسلم (1840) في (الإمارة) باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، من حديث علي بن أبي طالب.
ووقع في (ك) و (ق): "أنهم لو دخلوها".
(4) في (ك) و (ق): "طاعته في".
(5) في (ق) و (ك): "فيما".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/90)

فَقَصَّرُوا في الاجتهاد، وأقْدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها من غير تثبُّت وتبيُّن، هل ذلك طاعة للَّه ورسوله أم لا؟ فما الظنُّ بمنْ أطاع غيرَه في صريح مخالفة ما بَعَثَ اللَّه به رسولَه؟ ثم أمر تعالى برد ما تنازع فيه المؤمنون إلى اللَّه ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأخبرهم أن ذلك خير لهم في العاجل، وأحسنُ تأويلًا في العاقبة (1).

[حكم تنازع العلماء]
وقد تضمن هذا أمورًا:
منها: أن أهلَ الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام، ولا يخرجون بذلك عن الإيمان، وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين، وأكمل الأمة إيمانًا.

[لم يختلف الصحابة في مسائل الصفات والأسماء والأفعال]
ولكن بحمد اللَّه لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتابُ والسنة كلمةً واحدة، من أولهم إلى آرهم، لم يَسُوموها تأويلًا، ولم يُحَرِّفُوها عن مواضعها تبديلًا، ولم يبدو لشيء منها إبطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يَدْفَعُوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم: يجب صَرْفها عن حقائقها، وحملها على مجازها، بل تَلَقَّوْها بالقَبُول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرًا واحدًا، وأجْرَوْها على سَنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهلُ الأهواء والبِدَع حيث جعلوها عِضِينَ، وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها من غير فُرْقَان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه (2) كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه.

[التنازع في بعض الأحكام لا يخرج عن الإيمان]
والمقصُودُ: أن أهل الإيمان لا يُخْرِجُهم تنازعُهم في بعض مسائل الأحكام
__________
(1) انظر في هذا المعنى: "الصواعق المرسلة" (3/ 828 و 4/ 1520 - 1521)، و"التبيان في أقسام القرآن" (430، 431).
(2) في (ق): " أنكروا".
(2/91)

عن حقيقة الإيمان إذا رَدُّوا ما تنازعوا فيه إلى اللَّه ورسوله؛ كما شرطه اللَّه عليهم بقوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59] ولا رَيْبَ أن الحكم المعلق على شرط ينتفي عند انتفائه.

[الأمر بالرد دليل على أن الكتاب والسنة يشتملان على حكم كل شيء]
ومنها: أن قوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} نكرةٌ في سياق الشرط تعمُّ كلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دِقِّهِ وجِلِّهِ، جَلِيَّهِ وخَفِيِّهِ، ولو لم يكن في كتاب اللَّه ورسوله بيانُ حكم ما تَنَازعوا فيه ولم يكن كافيًا، لم يأمر بالردّ إليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع (1) إلى مَنْ لا يوجَد عنده فَصْلُ النزاع.
ومنها: أن الناس أجمعوا أن الرد إلى اللَّه سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- هو الرد (إلى نفسِه) (2) في حياته، وإلى سنته بعد وفاته.

[الرد إلى اللَّه والرسول من موجبات الإيمان]
ومنها: أنه جعل هذا الرد من موجِبَاتِ الإيمان ولوازمه، فإذا انْتَفَى هذا الرد انتفى الإيمان؛ ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين؛ فإنه من الطرفين، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر، ثم أخبرهم أن هذا الرد (3) خيرٌ لهم، وأن عاقبته أحْسَنُ عاقبة] (4).

[المتحاكمون إلى الطاغوت]
ثم أخبر سبحانه أن مَنْ تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسولُ، فقد حَكَّم الطاغوتَ وتحاكم إليه، والطاغوت: كُل ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود أو متبوع أو مُطَاعٍ؛ فطاغوتُ كل قوم مَنْ يتحاكمون إليه غير اللَّه ورسوله، أو يعبدونه من دون اللَّه، أو يتبعونه على غير بصيرة من اللَّه، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة للَّه؛ فهذه طواغيت العالم إذا تأملتَهَا وتأملت أحوالَ الناس معها،
__________
(1) في (ك) و (ق): "التنازع".
(2) في (ك) و (ق): "إليه بنفسه".
(3) سقطت من (ك) و (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وكتب بدله: "إلى أن قال -رحمه اللَّه-".
(2/92)

رأيت أكثرهم [ممن أعرض عن عبادة اللَّه] (1) إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى اللَّه ورسوله (2) إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريقَ (3) الناجِينَ الفائزين من هذه الأمة -وهم الصحابة ومن تبعهم- ولا قَصدوا قَصْدَهم، بل خالفوهم في الطريق والقصد معًا، ثم أخبرنا تعالى عن هؤلاء أنهم (4) إذا قيل لهم: تَعَالَوْا إلى ما أنزل اللَّه وإلى الرسول أعْرَضُوا عن ذلك، ولم يستجيبوا للداعي، ورَضُوا بحكم غيره، ثم توعَّدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم (5) وأموالهم؛ بسبب إعراضهم عما جاء به الرسولُ وتحكيم غيره، والتحاكم إليه؛ كما قال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة: 49]، اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق، أي بفعل (6) ما يرضي الفريقين، ويوفق بينهما كما يفعله من يروم التوفيق بين ما جاء به الرسول وبين ما خالفه، ويزعم أنه بذلك محسن قاصد الإصلاح والتوفيق، والإيمان إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به الرسول، وبين كل ما خالفه من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي؛ فمحضُ الإيمان في هذا الحربُ لا في التوفيق، وباللَّه التوفيق.
[ثم أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يُحَكِّمُوا رسولُه في كل ما شَجَرَ بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحَرَجُ والضِّيقُ عن (7) قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم -أيضًا- بذلك حتى يسلموا تسليمًا، وينقادوا انقيادًا.
وقال [تعالى] (8): {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، فأخبر سبحانه: أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومَن تخير بعد ذلك فقد ضَلَّ ضلالًا مبينًا] (9).
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (و) و (ط): "رأيت أكثرهم من عبادة اللَّه"، وعلق (ط) قائلًا: "كذا في الأصل، ولعل صواب الجملة: "رأيت أكثرهم عدلوا عن عبادة اللَّه"، وفي (د) و (ح): "رأيت أكثرهم [عدلوا] من عبادة اللَّه".
(2) في المطبوع: "وإلى الرسول".
(3) في (ك) و (ق): "سبيل".
(4) في المطبوع و (ك) و (ق): "بأنهم".
(5) في (ن) و (ك) و (ق): "أو أبدانهم".
(6) في (ق): "أن يفعل".
(7) في (ق): "من".
(8) سقطت من (ق).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) وآخر جملة سقطت من (ك) و (ق) ووقع في (ق): "قضاء اللَّه وقضاء رسوله صلى اللَّه عليه وسلم".
(2/93)

[معنى التقديم بين يدي اللَّه ورسوله]
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]} (1) [الحجرات: 1]، أي: لا تقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى يأمر، ولا تُفْتُوا حتى يفتي، ولا تقطعوا أمرًا حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويُمْضِيه، روى (2) علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [-رضي اللَّه عنهما-] (1): لا تقولوا خِلَافَ الكتاب والسنة (3)، وروى العوفي [عنه] (4) قال: نُهُوا أن يتكلموا بين يدي كلامه (5).
والقول الجامع في معنى الآية: لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أو يفعل (6).
وقال [تعالى] (7): {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] فإذا كان رَفْعُ أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم؛ فكيف تقديم آرائهم، وعقولهم، وأذواقهم، وسياساتهم، ومعارفهم، على ما جاء به ورفعها عليه؟ أليس (8) هذا أولى أن يكون مُحْبِطًا لأعمالهم (9)؟.
وقال [تعالى] (7): {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور: 62]، فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا إذا كانوا معه إلا باستئذانه؛ فأولى [أن يكون] (10) من لوازمه أن لا
__________
(1) سقطت من (ق).
(2) في (ق): "وعن".
(3) رواه الطبري (26/ 116)، وابن أبي حاتم (10/ 3302 رقم 18604)، كلاهما في "التفسير"، وأبو نعيم في "الحلية"، وأبو ذر الهروي في "ذم الكلام" (2/ 115 - 116 رقم 266) من طريق معاوية، عن علي به وهو في "صحيفة علي بن أبي طلحة" (458)، وعزاه في "الدر" (7/ 546) لابن المنذر وابن مردويه، وعلي لم يسمع من ابن عباس بينهما مجاهد.
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "عن ابن عباس".
(5) رواه الطبري (26/ 116)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (10/ 3302 رقم 18606)، من هذا الطريق نفسه، وعزاه في "الدر المنثور" (7/ 546) لهما ولابن مردويه.
ووقع في (ق): "نهوا عن أن يتكلموا".
(6) انظر في تفسير الآية للمصنف -أيضًا- "الصواعق المرسلة" (3/ 996 - 998).
(7) سقطت من (ق).
(8) في (ن) و (ق): "أو ليس".
(9) نحوه في "الوابل الصيب" (21) للمؤلف.
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2/94)

يذهبوا إلى قولٍ، ولا مذهبٍ [علميٍّ] (1)؛ إلا بعد استئذانه، وإذنُه يُعْرَفُ بدلالة ما جاء على أنه أذِن فيه (2).

[ينزع العلم بموت العلماء]
[وفي "صحيح البخاري" من حديث أبي الأسود، عن عُرْوَة بن الزبير، قال: حَجَّ علينا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فسمعته يقول: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن اللَّه لا يَنْزعُ العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعًا، ولكن يَنْزِعُه مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يُسْتَفْتَوْنَ فيفتون برأيهم فيُضِلُّون ويضِلُّون" (3)، وقال وكيع: حدثنا هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا ينزع اللَّه العلمَ من صدور الرجال، ولكن ينزع العلم بموت العلماء، فإذا لم يُبْقِ عالمًا اتَخَذَ الناس رؤسَاء جهالًا؛ فقالوا بالرأي، فضلُّوا وأضلوا" (4).
__________
(1) في (ك): "عملي" ولعلها الصواب.
(2) من هنا إلى ص (114): "أنه يحدث فيها بعدهم" بدله في (ن): "ثم ذكر - رحمه اللَّه من الأحاديث المرفوعة والموقوفة ما يصرح بذم الرأي، وتكلف القول بلا علم، والتغليظ على فاعله إلى أن قال". وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة): باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف الرأي، (13/ 282/ 7307)، ومسلم في "الصحيح": (كتاب العلم): باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل (4/ 2058 رقم 2673) عن عبد اللَّه بن عمرو.
ووقع في (ق): "ولكن نزعه قبض العلماء مع علمهم".
(4) أخرجه البخاري (100)، وفي "التاريخ الكبير"، (1/ 1/ 256 - 257)، ومسلم (2673) (13)، والنسائي في "الكبرى" -كما في "التحفة" (6/ 361) -، والترمذي (2652)، وابن ماجه (52)، والدارمي (1/ 77)، وأحمد (2/ 162، 190)، وابن أبي حاتم في "مقدمة الجرح والتعديل" (ص 254)، وابن المبارك في "الزهد" (816)، وأبو خيثمة في "العلم" (121)، والطبراني في "الصغير" (459 - مع الروض الداني)، و"الأوسط" (رقم 55، 992، 2322)، وابن حبان (4571، 6719، 6723)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (1/ 196، و 2/ 138، 142)، و"الحلية" (10/ 24 - 25)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (1/ 148 - 149، 149، 149 - 150)، والبغوي في "شرح السنة" (147 و 1/ 316)، وأبو القاسم البغوي في "الجعديات" (2771)، والداني في "الفتن" (264، 265)، والبيهقي (10/ 116)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (1103 - 1107)، وابن جميع في "معجم شيوخه" (رقم 156، 164، 241، 324)، والطحاوي في "المشكل" (1/ 127)، والخطيب في "تلخيص المتشابه" (1/ 380، 548)، و"تاليه" (رقم 262 - =
(2/95)

وفي "الصحيحين" من حديث عروة بن الزبير قال: قالت عائشة: يا ابن أختي بَلَغَنِي أن عبد اللَّه بن عمرو مارٌّ بنا إلى الحج، فالْقَهُ فاسأله؛ فإنه قد حَمَلَ عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- علمًا كثيرًا، قال: فلقيته فسألته عن أشياء يذكرها عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه لا ينزع العلم من الناس انتزاعًا، ولكن يقبض العلماء، فيرفع العِلْم معهم، ويَبقى في الناس رؤوسٌ جهال، يُفْتُونَهم بغير علم، فيُضِلُّون ويَضِلُّون"، قال عروة: فلما حدثْتُ عائشةَ بذلك؛ أعظمت ذلك وأنكرته (1)، قالت: أَحَدَّثَكَ أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول هذا؟ قال عروة: نعم، حتى إذا كان عام قابل قالت لي: إن ابن عَمْرو قد قدم، فالْقَه، ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم، قال: فلقيتُه فسألته فذكرهُ لي نحو ما حدثني به في المرة الأولى، قال عروة: فلما أخبرتُها بذلك قالت: ما أحْسَبه إلا قد صَدَق، أراه لم يزد فيه شيئًا، ولم ينقص.
وقال البخاري في بعض طرقه: "فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون"، وقال: فقالت عائشة: واللَّه لقد حفظ عبدُ اللَّه (2).
__________
= بتحقيقي)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ص 188 - ترجمة عبد اللَّه بن الحسين بن غنجدة 7/ 143 - ترجمة أحمد بن فياض بن إسماعيل)، وابن النجار في "ذيل تاريخ بغداد" (18/ 38)، والرافعي في "تاريخ قزوين" (3/ 130) والذهبي في "الميزان" (2/ 306) و"السير" (6/ 36)؛ من طرق عن هشام بن عروة به.
وأخرجه البخاري (7307)، ومسلم (2673 بعد 13)، وأحمد (2/ 203)، والطيالسي (2292)، والنسائي في "الكبرى" -كما في "تحفة الأشراف" (6/ 361) - والطحاوي في "المشكل" (1/ 128، 129)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (2/ 320)، وابن عبد البر (1/ 150، 151 و 2/ 33)، والبغوي (1/ 316)، والجورقاني في "الأباطيل" (104)، وأبو عمرو الداني في "الفتن" (262، 263)؛ من طرق عن عروة به.
قال الذهبي في "السير" (6/ 36): "هذا حديث ثابت، متصل الإسناد، هو في دواوين الإسلام الخمسة -ما عدا "سنن أبي داود"-، وهو من ثلاثة عشر طريقًا عن هشام، ومن طريق أبي الأسود يتيم عروة عن عروة نحوه، وقد حدث به عن هشام عدد كثير سماهم أبو القاسم العبدي".
وساق الذهبي أربع مئة وإحدى وثمانين نفسًا ممن رواه عن هشام، وانظر: "فتح الباري" (1/ 195 و 12/ 283).
(1) في (ق): "عظمت ذلك وأنكرته فقالت".
(2) رواه البخاري (100) في (العلم): باب كيف يقبض العلم، و (7307) في (الاعتصام): باب ما يذكر في ذم الرأي وتكلف القياس، ومسلم (2673) في (العلم): باب رفع العلم وقبضه، ومحاورة عائشة لعروة، رواها مسلم كما ذكرها المؤلف هنا، وهي في البخاري الموضع الثاني مختصرة.
(2/96)

[الوعيد على القول بالرأي]
وقال نُعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك: ثنا عيسى بن يونس، عن حَرِيز بن عثمان الرَّحَبي (1): ثنا عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تفترق أمتي على بِضْع وسبعين فرقة، أعْظَمُها فتنةً قومٌ يقيسون الدين برأيهم، يحرِّمون [به] (2) ما أحلَّ اللَّه، ويحلُّون ما حرم اللَّه" (3).
__________
(1) كذا الصواب؛ كما في "تقريب التهذيب" (156/ 1184)، وفي (د): "جريز بن عثمان الرَّحَبي"، وفي (ح) و (و) و (ط): "حريز بن عثمان الزنجي"، وفي (ق): "جرير بن عثمان بن بحير" وعلق (د) قائلًا: "وقع في أصول هذا الكتاب: "الزنجي"، وما أثبتناه من "التقريب" اه.
وقال (و): "هو في "التقريب": "الرحبي" -بفتح الراء، وبالحاء والباء-" اه.
ونحوه في (ح)، وقال (ط): كذا الأصل، وفي "التقريب": "الرحبي" اه، وفي (ق) و (ك): "جرير بن عثمان بن يحيى".
(2) سقطت من (ق).
(3) أخرجه الطبراني في "الكبير" (18/ 90)، وفي "مسند الشاميين" (رقم 1072)، وابن عدي في "الكامل" (3/ 1264 و 7/ 2483)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 430)، والبزار في "المسند" (رقم 172 - زوائده)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (13/ 307 - 308)، و"الفقيه والمتفقه" (1/ 179 - 180)، والبيهقي في "المدخل" (رقم 207)، والهروي في "ذم الكلام" (ص 83)، وابن بطة في "الإبانة" (رقم 813)، وابن عبد البر في "الجامع" (رقم 1673)، وابن حزم في "إبطال القياس" من طرق عن نعيم بن حماد به، والحديث ضعيف، وأشار إلى ذلك الشاطبي في "الموافقات" (5/ 147 - بتحقيقي) بقوله: "ذكره ابن عبد البر بسند لم يرضه"، ثم قال: "وإن كان غيره قد هون الأمر فيه".
قلت: الحديث ضعيف آفته نعيم بن حماد، وقد تكلم الحفاظ فيه بسببه، قال ابن عدي: "وهذا إنما يعرف بنعيم بن حماد، رواه عن عيسى بن يونس فتكلم الناس بجرّاه، ثم رواه رجل من أهل خراسان، يقال له: الحكم بن المبارك، يكنى أبا صالح، يقال له: "الخواشتي"، ويقال: إنه لا بأس به، ثم سرقه قوم ضعفاء ممن يعرفون سرقة الحديث، منهم: عبد الوهاب بن الضحاك، والنضير بن طاهر، وثالثهم سويد الأنباري"، وقال البيهقي عقبه: "تفرد به نعيم بن حماد، وسرقه عنه جماعة من الضعفاء، وهو منكر، وفي غيره من أحاديث الصحاح الواردة في معناه كفاية، وباللَّه التوفيق".
وقال ابن عبد البر: "هذا عند أهل العلم بالحديث، حديث غير صحيح حملوا فيه على نعيم بن حماد، وقال أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين: حديث عوف بن مالك هذا لا أصل له، وأما ما روي عن السلف في ذم القياس؛ فهو عندنا قياس على غير أصل أو قياس يُردُّ به الأصل. =
(2/97)

قال أبو عمر بن عبد البر: "هذا هو القياس على غير أصل، والكلام في الدين بالْخَرْصِ والظن، ألا ترى إلى قوله في الحديث: "يحلّون الحرام ويحرّمون الحلال"، ومعلوم أن الحلال ما في كتاب اللَّه وسنة رسوله تحليلُه، والحرام ما في كتاب اللَّه وسنة رسوله تحريمُه، فمن جهل ذلك وقال (1) فيما سُئِل عنه بغير علم، وقَاسَ برأيه ما خرج به عن السنة (2)؛ فهذا الذي قاس الأمور برأيه فَضَلَّ وَأَضَلَّ، فأما من (3) رَدَّ الفروعَ إلى أصولها فلم يقل برأيه" (4).
__________
= قلت: مراد أحمد ويحيى هذا الحديث بلفظه المذكور، وفيه ذكر وذم للقياس، وإلا؛ فقد أخرج ابن ماجه في "السنن" (رقم 3992)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم 63)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (رقم 149) بسند جيد، من حديث عوف بن مالك مرفوعًا: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة؛ فواحدة في الجنة، وسبعين في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وإحدى وسبعين في النار، والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة؛ فواحدة في الجنة واثنتين وسبعين في النار".
قيل: يا رسول اللَّه من هم؟ قال: "هم الجماعة".
وأخرجه من حديثه -أيضًا- الحاكم في "المستدرك" (1/ 128 - 129) من طريق أخرى، ولكن فيها كثير بن عبد اللَّه المزني، لا تقوم به الحجة.
ولحديث عوف بلفظ السابق -وليس بلفظ المصنف- شواهد عديدة من حديث أبي هريرة، ومعاوية، وأنس وعبد اللَّه بن عمرو، وقد صححه جمع من الحفاظ كما بين ذلك بتطويل وتحقيق متين شيخنا الألباني -رحمه اللَّه تعالى- في "السلسلة الصحيحة" (رقم 203، 204).
وقد ضعف حديث عوف -بلفظ المصنف- الزركشي، فقال في "المعتبر" (ص 227): "هذا حديث لا يصح، مداره على نعيم بن حماد، قال الحافظ أبو بكر الخطيب في "تاريخه" [13/ 311] بهذا الحديث سقط نعيم بن حماد عند كثير من أهل الحديث، وكان يحيى بن معين لا ينسبه إلى الكذب، بل إلى الوهم، وقال النسائي ليس بثقة.
وقال أبو زرعة: قلت ليحيى بن معين في حديث نعيم هذا، وسألته عن صحته فأنكره، قلت يه: من أين يؤتى؟ قال: شُبِّه له. وقال محمد بن علي بن حمزة المروزي: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث، قال: ليس له أصل. قلت: فنعيم بن حماد؟ قال: نعيم ثقة. قلت: كيف يحدث ثقة بباطل؟ قال: شبه له".
(1) في (ق): "قال".
(2) مفعول قاس، أي: الذي خرج بسببه عن السنة، واللَّه أعلم (ح)، ووقع في المطبوع: "ما خرج منه عن السنة".
(3) في المطبوع: "ومن".
(4) "جامع بيان العلم" (2/ 1039 بعد رقم 1997).
(2/98)

وقالت طائفة من أهل العلم: مَنْ أداه اجتهادهُ إلى رأي رآه ولم تَقُمْ عليه حجة فيه بعد فليس مذمومًا (1)، بل هو معذور، خالفًا كان أو سالفًا، ومَنْ قامت عليه الحجة فعانَدَ وتمادى على الفتيا برأي إنسان بعينه، فهو الذي يَلْحَقه الوعيد؛ وقد رُوِّينا في "مسند عَبْد بن حُمَيدَ" (2): ثنا عبد الرزاق: ثنا سفيان الثوري، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من قال في القرآن برأيه فَلْيَتَبَؤَأ مَقْعَدَه من النار" (3).

فصل فيما روي عن صِدِّيقِ الأمة وأعلمها من إنكار الرأي
روينا عن عَبْد بن حُمْيد: ثنا أبو أسامة، عن نافع، عن عمر الجُمحيّ، عن ابن أبي مليكة قال: قال أبو بكر [-رضي اللَّه عنه-] (4): أيُّ أرضٍ تُقِلني، وأيُّ سماء تُظِلني
__________
(1) في (ق): "فليس هذا مذمومًا".
(2) في (و): "عبيد بن حميد"!!
(3) أخرجه الترمذي في "الجامع" (برقم 12950 و 4023) -وأحمد (1/ 233 و 269 و 323)، والنسائي في "الكبرى" (8085)، وأبو داود في رواية ابن العبد، كما في "تحفة الأشراف" (4/ 423) -، والطبري (1/ 34) والطبراني في "الكبير" (12392)، والبغوي (118) وابن بطة في "الإبانة" (رقم 799) من طريق عبد الأعلى الثعلبي به وحسنه الترمذي وصححه ابن القطان، لكن فيه عبد الأعلى بن عامر الثعلبي ضعفه أحمد وأبو زرعة وقال: ربما رفع الحديث وربما وقفه، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال النسائي: ليس بالقوي ويكتب حديثه، وبالجملة فكلمة أهل الجرح والتعديل على تضعيفه، ومما يدل على ضعفه أنه اضطرب فيه فرواه مرفوعًا، ورواه موقوفًا -كما سيأتي.
وله شاهد لا يفرح به عن جندب بن عبد اللَّه البجلي مرفوعًا بلفظ: "من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ".
أخرجه الترمذي في "الجامع" (أبواب التفسير): باب في الذي يفسر القرآن برأيه، (5/ 200/ رقم 2952)، وأبو داود في "السنن" (كتاب العلم): باب الكلام في كتاب اللَّه بغير علم، (3/ 320/ رقم 3652)، والنسائي في "فضائل القرآن" (رقم 111)، وأبو يعلى في "المسند" (3/ 90/ رقم 1520)، و"المفاريد" (رقم 32)، وابن بطة في "الإبانة" (2/ 614 رقم 798).
وإسناده ضعيف -أيضًا-؛ فيه سهيل بن أبي حزم ليس بالقوي، قال الترمذي: "وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم" اه.
وانظر: "الإيمان" (ص 273) لابن تيمية، و"شرح العقيدة الطحاوية" (167)، و"رفع الأستار" (111).
(4) سقط من (ق).
(2/99)

إن (1) قلت في آيةٍ من كتاب اللَّه برأيي، أو بما لا أعلم (2).
__________
(1) في (ق): "إذا".
(2) له طرق كثيرة متعددة عن أبي بكر، وهي لا تخلو من كلام أو انقطاع، ولكنه بمجموعها يصل إلى درجة الحسن -إن شاء اللَّه تعالى-، كما قال الحافظ ابن حجر وغيره، وهذا التفصيل:
أخرجه مسدد في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (ق 135/ ب و 3/ 300/ رقم 3527 المطبوعة) من طريق عبد اللَّه بن مرة، والطبري في "تفسيره" (1/ 78/ رقم 78، 79) من طريق إبراهيم النخعي، وعبد اللَّه بن مرة، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 833 - 834/ رقم 1561 - ط الجديدة) من طريق إبراهيم النخعي عن أبي معمر عن أبي بكر به.
وإسناده منقطع، أبو معمر هو عبد اللَّه بن سَخْبَرة الأزدي، لم يسمع من أبي بكر، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (6/ 317)، وابن حجر في "الفتح" (13/ 271) لعبد بن حميد من طريق النخعي عن أبي بكر -من غير ذكر أبي معمر-، قال ابن حجر: "وهذا منقطع بين النخعي والصديق".
قال ابن عبد البر عقبه: "وذكر مثل هذا عن أبي بكر الصديق: ميمون بن مهران، وعامر الشعبي، وابن أبي مليكة".
قلت: أخرجه من طريق ابن أبي مليكة: سعيد بن منصور في "سننه" (1/ 168/ رقم 39 - ط الجديدة) -ومن طريقه البيهقي في "المدخل" (رقم 792) - بإسناد صحيح إلى ابن أبي مليكة، وهو لم يسمع من أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه-.
وأخرجه من طريق الشعبي: ابن أبي شيبة في "المصنف" (10/ 512/ رقم 10152)، والخطيب في "الجامع" (2/ 193/ رقم 1585)، وروايته عن أبي بكر مرسلة، وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (رقم 824 وص 227 - ط غاوجي)، وابن أبي شيبة في
"المصنف" (10/ 513/ رقم 10156)، وعبد بن حميد في "تفسيره"، ومن طريقه الثعلبي في "تفسيره"، قاله الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (4/ 158) بإسناد صحيح إلى العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي به.
والعوام ثقة ثبت؛ فإسناده صحيح إلا أنه منقطع بين التيمي وأبي بكر؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مقدمة أصول التفسير" (ص 108)، و"مجموع الفتاوى" (13/ 372)، والزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (4/ 158)، وابن كثير في "تفسيره" (1/ 5، 4/ 473)، وابن حجر في "الفتح" (13/ 271).
وأخرجه البيهقي في "الشعب" (5/ 288/ رقم 2082) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن القاسم بن محمد أن أبا بكر الصديق -رضي اللَّه عنه-. . . وذكر نحوه.
وإسناده ضعيف، فيه ابن جدعان وهو ضعيف، والقاسم بن محمد روايته عن جده مرسلة؛ كما قال العلائي في "جامع التحصيل" (ص 310).
والأثر بمجموع هذه الطرق لا ينزل عن مرتبة الحسن؛ فقد ساقه ابن حجر في "الفتح" من طريق التيمي والنخعي، وأعَّلهما بالانقطاع، وقال: "لكن أحدهما يقوّي الآخر".
(2/100)

وذكر الحسن بن علي الحُلْواني: حدثنا عارم، عن حماد بن زيد، عن سعيد ابن أبي صدقة، عن ابن سيرين قال: لم يكن أحَدٌ أهْيَبَ بما (1) لا يعلم من أبي بكر [-رضي اللَّه عنه-] (2)، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهْيَبَ بما (1) لا يعلم من عمر [-رضي اللَّه عنه-] (2)، وإن أبا بكر نزلَتْ به قضيةٌ فلم يجد في كتاب اللَّه منها أصلًا، ولا في السنة أثرًا فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خَطَأ؛ فمني وأستغفر اللَّه (3).

فصل في المنقول من ذلك عن عمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-] (2)
[قال ابن وهب: ثنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-] (4) قال وهو على المنبر: يا أيها الناس إن (5) الرأي إنما كان من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مصيبًا، إن اللَّه كان يُرِيهِ، وإنما هو منا الظنُّ والتكلفُ (6).
قلت: مُراد عمر [-رضي اللَّه عنه-] (7) قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105]، فلم يكن له رأي غير ما أراه اللَّه إياه، و [أما] (7) ما رأى غيره فظن وتكلف.
قال سفيان الئوري: ثنا أبو إسحاق الشَّيْباني، عن أبي الضَّحى، عن مسروق، قال: كَتَب كاتبٌ لعمر بن الخطاب: "هذا ما رأى اللَّه ورأى عمر"، فقال: بئس ما قلت، قل: هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمن عمر (8).
وقال ابن وهب: أخبرني ابن لَهِيعَةَ، عن عبيد (9) اللَّه بن [أبي] (7) جعفر قال: قال عمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-] (7): السُّنَّةُ ما سَنَّهُ اللَّه ورسولُه [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (7)، لا
__________
(1) في (ق): "لما".
(2) سقط في (ق).
(3) السند المذكور رجاله ثقات لكن ابن سيرين لم يسمع من أبي بكر ولا من عمر، وأورده ابن عبد البر في "الجامع" (2/ 911/ 1712) عن ابن مسعود، ولم يسنده.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ق): "إنما".
(6) أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" (2000) من طريق ابن وهب به، وابن شهاب لم يدرك عمر.
(7) سقط من (ق).
(8) رواه البيهقي في "السنن الكبير" (10/ 116)، وقال ابن حجر في "التلخيص" (4/ 195): إسناده صحيح.
(9) في جميع المطبوعات و (ق) و (ك): "عبد"، ولعل الصواب ما أثبتناه؛ كما في التخريج الآتي.
(2/101)

تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة (1).
قال (2) ابن وهب: وأخبرني ابن لَهِيعَةَ، عن أبي الزِّناد، عن محمد بن إبراهيم التيمي أن عمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-] (3) قال: أصبح أهلُ الرأي أعْدَاء السنن، أعيتهم أن يَعُوهَا وتَفَلَّتَتْ منهم أن يَرْوُوها، فاسْتَبَقُوهَا بالرأي (4).
قال ابن وهب: وأخبرني عبد اللَّه بن عياش (5)، عن محمد بن عَجْلان، عن عبيد اللَّه بن عمر أن [عمر] بن الخطاب قال: اتَّقُوا الرأي في دينكم (6).
وذكر ابن عجلان، عن صَدَقة بن أبي عبد اللَّه أن عمر بن الخطاب كان يقول: أصحابُ الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديثُ أن يحفظوها وتَفَلَّتَتْ [منهم] (7) أن يَعُوها، واسْتَحْيَوْا حين سُئلوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم (8).
__________
(1) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (2014)، وابن حزم في "الإحكام" (6/ 786) من طريق ابن وهب، وعُبيد اللَّه بن أبي جعفر لم يسمع من عمر؛ إذ هو متأخر عنه.
وذكره القاضي أبو يعلى في "العدة" (4/ 1305) عن ابن عمر لا عن عمر.
(2) في (ق): "وقال"
(3) سقط من (ق).
(4) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (2001) من طريقه، لكن في إسناده: ابن لهيعة عن ابن الهادي، وليس عن أبي الزناد؛ كما ذكر المؤلف، وعلى كلا الإسنادين فالسند جيد، فابن الهاد، هو عبد اللَّه بن يزيد بن الهاد، وهو ثقة، وأبو الزناد كذلك.
(5) وقع في المطبوع و (ك): "عبد اللَّه بن عباس"! نسبه لجدِّه.
(6) رواه البيهقي في "المدخل" (210)، وابن عبد البر في "الجامع" (2002) من طريق ابن وهب، لكن شيخ ابن وهب وقع في "المدخل": "عبد اللَّه بن سليمان: وفي "الجامع": "عبد اللَّه بن عياش".
قلت: عبد اللَّه بن عياش هذا هو ابن عياش بن عباس: وهو ضعيف، أخرج له مسلم في الشواهد، وعبد اللَّه بن سليمان صدوق يخطئ.
وعلى كل حال فالإسناد منقطع؛ عبيد اللَّه لم يسمع من عمر. انظر ما قبله وما بعده. وما بين معقوفتين سقط من (و).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) رواه ابن أبي زمنين في "السنة" (رقم 8)، وابن عبد البر في "الجامع" (2003) من طريق ابن وهب، عن رجل من أهل المدينة، عن ابن عجلان به.
وإسناده ضعيف، للرجل المبهم، وصدقة بن عبد اللَّه بن كثير القرشي، ترجمه ابن أبي حاتم (4/ 433)، والبخاري (4/ 297) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وهو من طبقة أتباع التابعين عند ابن حبان، فهو لم يدرك عمر.
(2/102)

وذكر ابن الهادي (1)، عن محمد بن إبراهيم التَّيْمي قال: قال عمر بن الخطاب: إياكم والرأيَ، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديثُ أن يَعُوهَا، وتفلتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدين برأيهم (2).
[و] (3) قال الشعبي: عن [عمرو بن حُرَيْث]، قال: قال عمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-] (3): إياكم وأصحابَ الرأي فإنهم أعداء السنن، أعْيتَهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا (4).
وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصِّحة.
وقال محمد بن عبد السلام الخُشَنيّ: ثنا محمد بن بشار: حدثنا يونس ابن (5) عُبيد اللَّه العميري (6): ثنا مُبارك بن فَضَالة، عن عُبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيها الناس، اتَّهِمُوا الرأي في الدين، فلقد رأيتني وإني لأرُدُّ أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- برأيي فاجتهد ولا آلو، وذلك
__________
(1) في (ق): "ابن الهاد".
(2) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (2005)، وابن حزم في "الإحكام" (6/ 1019) من طريق أبي بكر بن أبي داود، عن محمد بن عبد الملك القزاز، عن ابن أبي مريم، ونافع بن يزيد، عن ابن الهاد به، وإسناده جيد.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (2004)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 180)، وابن حزم في "الأحكام" (6/ 1019)، واللالكائي في "السنة" (رقم 201)، والبيهقي في "المدخل" (213) من طريق عبد الرحمن بن شريك القاضي عن أبيه عن مجالد بن سعيد عن الشعبي به.
وعبد الرحمن وأبوه ومجالد ضعفاء.
نعم هو صحيح بطرقه وله طرق أخرى عند الدارمي في "السنن" (1/ 49)، والآجري في "الشريعة" (رقم 48، 52، 74)، وابن أبي زمنين في "السنة" (رقم 7)، والتيمي في "الحجة" (1/ 205، 312)، وابن بطة في "الإبانة" (رقم 83، 84، 790)، والهروي في "ذم الكلام" (ص 68)، وأبي الفضل المقرئ في "ذم الكلام" (ص 103 - 104)، واللالكائي في "السنة" (رقم 202)، وابن النجار -كما في "كنز العمال" (1/ 375) - بألفاظ متقاربة، وانظر تعليقي على "الموافقات" (4/ 327) للشاطبي.
ووقع في نسخة (و): "عمرو بن الحارث"، وفي النسخ الأخرى: "عمرو بن حرث"!! وكلاهما خطأ، وصوابه كما أثبتناه.
(5) في (ق): "عن" ووقع اسمه في سائر النسخ: "بن عبيد العمري" وما أثبتناه هو الصواب، كما في مصادر ترجمته.
(6) في (ق): "عبيد العمري".
(2/103)

يوم أبي جَنْدَل (1)، والكتابُ يكتب وقال: اكتبوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال: يكتب (2) باسمك اللهم، فرضي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبيْتُ، فقال: يا عمر تراني قد رضيتُ وتأبى؟ (3)
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبدُ الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مَعْمر بن أبي حَبيبة مولى بنت صَفْوَان، عن عُبيد بن رفاعة، عن أبيه رفاعة بن رافع قال: بينما أنا عند عمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-] (4) إذ دَخَلَ عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين هذا زيد بن ثابت يُفتِي الناسَ في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر: عليّ به، فجاء زيد، فلما رآه عمر، فقال عمر: أيْ عَدُوَّ نفسه قد بلغْتَ أن تفتي الناس برأيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، واللَّه ما فعلْتُ، ولكن سمعتُ من أعمامي حديثًا فحَدَّثت به: من أبي أَيوب، ومن أُبيّ بن كعب، ومن رفاعة بن رافع، فقال عمر: عليّ برفاعة بن رافع، فقال: قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل (5) أن يغتسل؟ قال (6): قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لم يأتنا فيه عن اللَّه تحريم، ولم يكن فيه عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شيء، فقال عمر: ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يعلم (7) ذلك؟ قال: ما أدري، فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار، فَجُمِعُوا، فشاورهم فشار الناس أن لا
__________
(1) "كان ذلك في صلح الحديبية، حين اتفق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على أن يرجع هو وأصحابه ويعودوا من قابل، وكتبوا بذلك كتابًا، وكان عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- يرى أن في ذلك إعطاء الدنية، ورجع إلى الصديق -رضي اللَّه عنه- فأمره أن يسمع ويطيع" قاله (د)، وفي (ط): "هو يوم صلح الحديبية، انظر القصة بطولها في كتب الغزوات" اه. ووقع في (ق): "والكاتب يكتب".
(2) في (ق) و (ك): "فقالوا تكتب".
(3) رواه عبد اللَّه بن أحمد في "زوائد فضائل الصحابة" (558)، والطبراني في "الكبير" (82:)، والبيهقي في "المدخل" (217) من هذا الطريق، وقال الهيثمي (1/ 179): "رواه أبو يعلى ورجاله موثقون، وإن كان فيهم مبارك بن فضالة وهو مدلس وقد عنعن".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
ثم ذكره (6/ 145 - 146)، وقال: "رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح"، وهو في "كشف الأستار" (2/ 338).
وفي "صحيح البخاري" نحوه (7308) من قول سهل بن حنيف.
(5) "أكسل: جامع ولم ينزل" (ط).
(6) في (ق): "فقال".
(7) في (ق): "يفعل".
(2/104)

غُسْلَ (1)، إلا ما كان من مُعَاذ وعلي، فإنهما قالا: إذا جاوز الختانُ الختان وجب الغسلُ، فقال (2) عمر: هذا وأنتم أصحابُ بَدْرٍ قد اختلفتم، فمن بعدكم أشَدُّ اختلافًا، فقال علي: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحَدٌ أعلم بهذا من شأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من أزواجه، فأرسَلَ إلى حَفْصَة فقالت: لا علم لي (3)، فأرسل إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختان، الْخِتَانَ فقد وجب الغسل، فقال: لا أسمع برجلٍ فعل ذلك إلا أوْجَعْتُه ضربًا (4).

قول عبد اللَّه بن مسعود [في (ذم) الرأي] (5)
قال البخاري: حدثنا سُنيد (6): ثنا يحيى بن زكريا، عن مجالد، (عن الشعبي)، عن مسروق، عن عبد اللَّه قال: لا يأتي عليكم عامٌ إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول: أمير خير من أمير، ولا عامٌ أخْصَبُ من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تَجِدُون منهم (7) خَلَفًا، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم (8).
__________
(1) في (ق): "فأشار الناس ألا غسل".
(2) في (ق): "قال".
(3) في (ق): "لا علم لي بهذا".
(4) أخرجه الطحاوي في في "المشكل" (2/ 348 - 349)، و"شرح معاني الآثار" (1/ 58 - 59)، وأحمد في "المسند" (5/ 115)، والطبراني في "الكبير" (5/ 34 - 35/ رقم 4536)، وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 115، 19/ 111 - ط دار الفكر).
بسند رجاله ثقات غير ابن إسحاق؛ وهو مدلس وقد عنعن.
(5) ما بين المعقوفتين من (و) و (ط)، وما بين القوسين زيادة (ط) عليهما.
(6) كذا في (ق)، وفي غيرها: "جنيد".
(7) في (ق) و (ك): "فيهم".
(8) أخرجه الدارمي في "السنن" (1/ 65)، والطبراني في "الكبير" (9/ 109 رقم 8551)، وابن وضاح في "البدع" (رقم 78، 248)، وابن أبي زمنبن في في "السنة" (رقم 10)، والداني في "الفتن" (رقم 210، 211)، والفسوي في "المعرفة" (3/ 393)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 182)، وابن بطة في "الإبانة" (1/ ق 26/ ب)، والبيهقي في "المدخل" (رقم 205)، وابن عبد البر في "الجامع" (رقم 2007، 2008، 2009، 2010)، والهروي في "ذم الكلام" (2/ 129 رقم 280)، من طرق مدارها على مجالد بن سعيد وفي (ك): "مجاهد بن سعيد"، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود به.
وإسناده ضعيف؛ لضعف مجالد واختلاطه، قال الهيثمي في "المجمع" (1/ 180): "وفيه مجالد بن سعيد وقد اختلط"، ومع هذا؛ فقد جوّده ابن حجر في "فتح الباري" (13/ 20).
نعم، هو جيد من طرق أخرى، أخرجه يعقوب بن شيبة، أفاده ابن حجر -أيضًا- =
(2/105)

وقال ابن وهب: ثنا شقيق: عن مجالد به، قال: ولكن ذَهَابُ خياركم وعلمائكم، ثم يَحْدُث قوم يَقِيسُون [الأمور] برأيهم فينهدم الإسلام، ويثلم (1).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد، (عن الشعبي)، عن مسروق قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: عُلَماؤكم يذهبون، ويتخذ الناس رؤوسًا جهالًا يَقِيسون الأمور برأيهم (2).
وقال سُنَيْد بن داود: حدثنا محمد بن فَضل (3)، عن سالم بن أبي حَفْصة، عن مُنْذر الثوري، عن الرَّبيع بن خُثَيْم أنه قال: قال عبدُ اللَّه: ما عَلّمَكَ اللَّه [من علم] (4) في كتابه فاحْمدِ اللَّه، وما استأثر به عليك من علم فكِلْه إلى عالمه، ولا تتكلف؛ فإن اللَّه [عز وجل] (5) يقول [لنبيه] (6): {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (7) [ص: 86]. يروى هذا عن الربيع بن خثيم وعن عبد اللَّه.
وقال سعيد بن منصور: حدثنا خَلَف بن خَليفة: ثنا أبو يزيد، عن الشعبي قال: قال ابن مسعود: إياك وأرأيت [أرأيت] (6)، فإنما هَلَك مَنْ كان قبلكم بأرأيت [أرأيت] (5)، ولا تقيسوا شيئًا فتزلَّ قَدَمٌ بعد ثبوتها، وإذا سُئل أحدكم عما لا يعلم؛ فليقل: لا أعلم؛ فإنه ثلث العلم (8).
__________
= (13/ 20). وانظر: "سنن البيهقي" (3/ 363).
وأوله محفوظ في حديث أنس مرفوعًا.
أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب الفتن): باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شرٌّ منه، (13/ 19 - 20/ رقم 7068)، وغيره بسنده إلى الزبير بن عدي؛ قال: "أتينا أنس بن مالك؛ فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج؛ فقال: اصبروا؛ فإنه لا يأتي عليكم زمانٌ إلا والذي بعده أشرُّ منه، حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيِّكم -صلى اللَّه عليه وسلم-".
(1) هذه الزيادة عند ابن وضاح وأبي عمرو الداني وغيرهما.
و"يثلم: بمعنى ينكسر، والمقصود: اندراسه" (ط) وفي (ح): "أي يكسر، وهو كناية عن اندراسه"، وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
وفي (ك): "وسيهدم" وفي (ق): "فيهدم".
(2) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (2010) من طريق ابن أبي شيبة به، ومجالد ضعيف.
(3) في (ق): "فضيل".
(4) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (2011)، وأبو ذر الهروي في "ذم الكلام" (ص 138) من طريق سنيد بن داود، لكنه قال: عن الربيع بن خيثم أنه قال: يا عبد اللَّه. . . وسنيد هذا ضعيف.
(8) رواه الطبراني في "الكبير" (9/ 109 رقم 8550، وأبو ذر الهروي في "ذم الكلام" =
(2/106)

وصح عنه في الْمُفَوِّضَة (1) أنه قال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه ورسولُه بريء [منه] (2).

قول عثمان بن عفان [-رضي اللَّه عنه-] (3) [في (ذم) الرأي] (4)
قال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عَبَّاد، عن عبد اللَّه (5) بن الزبير قال: أنا واللَّه مع عثمان بن عفان بالْجُحْفَة إذ قال عثمان وذُكِرَ له التمتع بالعمرة إلى الحج: أتموا الحجَّ وأخلصوه (6) في أشهر الحج، فلو أخرَّتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيتَ زورتين كان أفضل؛ فإن اللَّه قد أوْسَعَ في الخير، فقال له علي (7): عمدت إلى سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ورُخْصَة رَخّصَ اللَّه للعباد بها في كتابه (8) تُضَيِّقُ عليهم فيها وتنهى عنها، [وكانت لذي الحاجة ولنائي الدار] (9)، ثم أهلّ علي بعمرة وحج معًا، فأقبل عثمان بن عفان [-رضي اللَّه عنه-] (3) على الناس فقال: أَنَهَيْتَ عنها؟ إني لم أنهَ عنها، إنما كان رأيًا أشرتُ به، فمن شاء أخَذَه ومن شاء تركهُ (10).
__________
= (رقم 278) من هذا الطريق، وفيه أبو يزيد وهي كنية جابر الجعفي، ووقعت في جميع النسخ من "الإعلام" أبو زيد!! قال الهيثمي (1/ 180): "والشعبي لم يسمع من ابن مسعود، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف".
ورواه الطبراني (9081) من طريق يحيى الحماني عن قيس عن جابر الجعفي عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود وهذا إسناد متصل لكن فيه الجعفي وهو ضعيف ويحيى الحماني وهو متهم بسرقة الحديث. وورد نحوه عن ابن عباس عند الهروي في "ذم الكلام" (رقم 273).
(1) "التفويض في النكاح": التزويج بلا مهر (د) و (ح) و (ط)، ونحوه في (و).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (و)، وفي (ق) و (ك): "منه برئ".
والأثر أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (10898) عن علقمة عن ابن مسعود.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين من (و) و (ط) و (ق)، وما بين القوسين زيادة (ط) عليها.
(5) كذا في (ق): "عبد اللَّه" وهو الصواب، لأن يحيى هذا هو ابن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، يروي عن أبيه وعن جده، كما في "التهذيب"، وهو في الثقات، وفي سائر النسخ: "عبيد اللَّه"!!
(6) في (ق): "فأخلصوه".
(7) زاد هنا في (ق) و (ك): "الحمد للَّه".
(8) في (ق): "رخص للعباد فيها في كتابه" ومثلها في (ك) إلا أنه قال: "رخص اللَّه للعباد".
(9) في (ق): "فكانت لذي الحاجة والنائي الدار".
(10) اختلاف عثمان ثابت بغير هذا السياق في "صحيح البخاري" في (كتاب الحج): باب التمتع والقران والإفراد في الجج (1563 و 1569).
(2/107)

فهذا عثمان يخبر عن رأيه أنه ليس بلازم للأمة الأخذُ به [بل مَنْ شاء أخذ به] (1) ومن شاء تركه، بخلاف سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فإنه لا يَسَعُ أحدًا تركها، لقول أحد كائنًا (2) من كان.

قول علي بن أبي طالب [-رضي اللَّه عنه-] (3) [في (ذم) الرأي] (4)
قال أبو داود: حدثنا أبو كُرَيْب محمد بن العلاء: ثنا حفص بن غِيَاث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق [السَّبيعي] (3)، عن عبدِ خَيْر، عن علي [-رضي اللَّه عنه -] (3) أنه قال: لو كان الدينُ بالرأي لكان أسْفَلُ الْخُفِّ أولى بالمسح من أعلاه (5).

قول عبد اللَّه بن عباس [-رضي اللَّه عنه -] (3) [في (ذم) الرأي] (4)
قال ابن وهب: أخبرني بِشْر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عَبْدَة بن أبي لُبَابة، عن ابن عباس أنه قال: مَنْ أحدث رأيا ليس في كتاب اللَّه ولم تَمْضِ به سنة [من] (3)
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (و) بياض وسقط من (ق).
(2) في (ق): "كائن".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين من (و) و (ط)، وما بين القوسين زيادة (ط) عليهما.
(5) هو في "سنن أبي داود" (162) و (164) في (الطهارة): باب المسح على الخفين، ورواه بهذا اللفظ -أيضًا- ابن أبي شيبة (1/ 181) -ومن طريقه الهروي في "ذم الكلام" (2/ 106 - 107) - والدارقطني (1/ 199، 204) وابن المنذر في "الأوسط" (2/ 111) والبيهقي (1/ 292). وفي "المدخل" (219)، والبغوي (239)، من طريق حفص بن غياث به.
وتابع حفصًا: وكيع، عند ابن أبي شيبة (1/ 19) وأحمد (1/ 95) وابنه (1/ 114، 124)، وأبي يعلى (346، 613) ومحاضر، عند: أبي ذر الهروي في "ذم الكلام" (2/ 106 رقم 262).
ويزيد بن عبد العزيز، عند: أبي داود (163) ومن طريقه البيهقي (2/ 292)، وعيسى بن يونس، عند النسائي في "االكبرى" -كما في "التحفة" (7/ 419) - وابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (56) -ومن طريقه الذهبي في "السير" (13/ 300) - وابن حزم في "المحلى" (2/ 56).
وتوبع الأعمش، فرواه عن أبي إسحاق ابنه يونس، كما عند: أحمد (1/ 148)، والدارمي (1/ 181)، والبيهقي (1/ 292)، وأبي نعيم (8/ 190)، ورواه إبراهيم بن طهمان أيضًا، عن أبي إسحاق، عند البيهقي (1/ 292) ورواه عن عبد خير، ابنه قيل اسمه المسيب أفاده أبو ذر الهروي -عند الحميدي (47) - ومن طريقه ابن عبد البر في "التمهيد" (11/ 149)، والهروي في "ذم الكلام " (263)، والشافعي في "الأم" (7/ 151). =
(2/108)

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يدر على ما هو منه إذا لقي اللَّه [عز وجل] (1).
وقال عفان بن مسلم الصَّفَّار: ثنا عبد الرحمن بن زياد: حدثنا الحسن بن عمرو الفُقَيْمي، عن أبي فَزَارة قال: قال ابن عباس: إنما هو كتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فمن قال بعد ذلك برأيه؛ فلا أدْرِي أفِي حسناته يجد ذلك أم في سيئاته (2).
وقال عَبْدُ بن حُمَيد (3): حدثنا حُسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن ليث، عن بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار (4).
__________
= وعبد اللَّه بن أحمد في "زوائد المسند" (1/ 114/ 124)، وابن جرير في "التفسير" (6/ 82)، وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (122)، والهروي في "ذم الكلام" (2/ 107).
ورواه شريك عن السُّدِّي عن عبد خير بنحوه، عند الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 35).
قال الحافظ في "التلخيص" عن هذا الأثر (1/ 160): إسناده صحيح، وانظر مفصلًا "علل الدارقطني" (4/ 44).
(1) رواه البيهقي في "المدخل" (190) من طريق أحمد بن عُبيد الصفار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ورواه الدارمي (1/ 57) والهروي في "ذم الكلام" (2/ 216 رقم 280) من طريق الأوزاعي، عن عبدة، عن ابن عباس؛ كما هو هنا.
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (1402 و 2013) من طريق عفان -وفي جميع نسخ في "الإعلام" عثمان، وهو خطأ-، عن عبد الرحمن بن زياد به.
وعبد الرحمن بن زياد: هو ابن أنعم الإفريقي ضعيف.
وأبو فزارة راشد بن كيسان لم يدرك ابن عباس.
(3) في (ق) و (ك): "عبد الرحمن بن حميد".
(4) رواه الطبري (1/ 35) من طريق عبد بن حميد بهذا الإسناد وهو إسناد ضعيف لضعف ليث وهو ابن أبي سليم، ورواه من طريق عمرو بن قيس، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن ابن عباس وهو ضعيف أيضًا لضعف عبد الأعلى وهو ابن عامر الثعلبي وقد رُوي مرفوعًا أيضًا. رواه أحمد (1/ 233 و 269 و 323)، والترمذي (2950، 4023)، والنسائي في "الكبرى" (8085)، وأبو داود في "رواية ابن العبد" -كما في "تحفة الأشراف" (4/ 423) - والطبري (1/ 34)، والطبراني في "الكبير" (12392)، وابن بطة في "الإبانة" (رقم 799)، والبغوي (118) من طريق عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا، وحسنه الترمذي، وصححه ابن القطان، وفيه عبد الأعلى وهو ضعيف.
(2/109)

قول سهل بن حُنيف (-رضي اللَّه عنه-) [في ذم الرأي] (1)
قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا أبو عَوَانة، عن الأعمش، عن أبي وَائِل قال، قال سهل بن حُنَيْف: أيها الناس [اتهِمُوا رأيَكم (على دينكم)] (2)، لقد رأيتُني يومَ أبي جَنْدل، ولو أستطيع أن أردَّ أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لرددته (3).

قول عبد اللَّه بن عمر [في ذم الرأي] (4) (-رضي اللَّه عنه-)
قال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث أن عمرو بن دينار قال: أخبرني طاوس، عن عبد اللَّه بن عمر أنه كان إذا لم يجد في الأمر يُسْأل عنه شيئًا قال: إن شئتم أخبرتكم بالظن (5).
وقال البخاري: قال لي صدقة، عن الفضل بن موسى، عن موسى بن عُقبة، عن الضَّحاك، عن جابر بن زيد قال: لقيني ابنُ عمر فقال: يا جابر، إنك من فقَهَاء البصرة، وتُسْتَفْتَى فلا تفتيَنَّ إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية (6).
__________
(1) ما بين المعقوفتين من نسخة (ط) وما بين الهلالين سقط من (ق).
(2) في (ق) و (ك): "اتهموا آراءكم" وما بين الهلالين سقط من (ق).
(3) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الجزية والموادعة): باب منه، (6/ 281/ رقم 3181)، و (كتاب المغازي): باب غزوة الحديبية، (7/ 457/ رقم 4189)، و (كتاب التفسير): باب {يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}، (8/ 587 /رقم 4844)، و (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة): باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، (13/ 282/ رقم 7307)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الجهاد والسير): باب صلح الحديبية في الحديبية، (3/ 1411 - 1412/ رقم 1785)، وأحمد في "المسند" (3/ 485)، والحميدي في "المسند" (رقم 404)، والبيهقي في "السنن" (9/ 222).
(4) ما بين المعقوفتين من نسخة (ط) وما بين الهلالين سقط من (ق).
(5) ذكره ابن عبد البر في "جامعه" (1443 ص 777) كذا. قال: قال ابن وهب وسنده صحيح.
(6) أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (2/ 204). -ومن طريقه ابن حزم في "الإحكام" (8/ 540) - وسنده صحيح، رجاله كلهم ثقات.
وأخرجه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (12/ 63) وأبو نعيم في "الحلية" (3/ 86) من طريق آخر عن الفضل بن موسى به.
وأخرجه الدارمي (2/ 161 رقم 171 - مع "فتح المنان")، والهروي في "ذم الكلام" (2/ 217 رقم 282) من طريق آخر عن الضحاك به.
ووقع في (ق) و (ك): "صدقة بن الفضل".
(2/110)

وقال مالك، عن نافع عنه: العلم ثَلَاث: كتاب ناطق (1)، وسنة ماضية، ولا أدري (2).

قول زيد بن ثابت (-رضي اللَّه عنه-) [في ذم الرأي] (3)
قال البخاري: حدثنا سُنيد بن داود: ثنا يحيى بن زكريا مولى ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن (4) أبي خالد، عن الشَّعبي، قال: أتَى زيدَ بن ثابت قومٌ، فسألوه عن أشياء، فأخبرهم بها، فكتبوها ثم قالوا: [لو] أخبرناه، قال: فأتوه فأخبروه، فقال: أعذرًا لعل كل شيء حدثتكم خطأ، إنما اجتهدتُ لكم رأيي (5).

قول مُعَاذ بن جبل (-رضي اللَّه عنه-) [في ذم الرأي] (6)
قال حماد بن سلمة: ثنا أيوبُ السِّخْتِيَاني، عن أبي قلابة، عن يزيد بن عَميرة (7) عن مُعَاذ بن جبل قال: تكونُ فِتَنٌ فيكثر فيها المال، ويُفتح القرآن حتى
__________
(1) في المطبوع: "كتاب اللَّه الناطق".
(2) رواه الطبراني في "الأوسط" (1005) من طريق إبراهيم بن المنذر، حدثنا عمر بن الحصين، قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
قال الهيثمي في "المجمع" (1/ 172): "وفيه حصين غير منسوب، رواه عن مالك بن أنس وروى عنه إبراهيم بن المنذر ولم أر من ترجمه".
كذا قال: والموجود "عمر بن الحصين" واستظهر محقق "جامع بيان العلم" أنه عمرو بن الحصين المتروك!! ولعله هو فهو في نفس الطبقة، ثم وجدتُ رشيد الدين العطار ذكره في كتابه "مجرد أسماء الرواة عن مالك" (ص 317 رقم 1308) في ترجمة (عمر بن حفص أبو حفص العبدي) وهذا قال عنه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (7/ 344): "كان ضعيفًا عندهم في الحديث، كتبوا عنه، وتركوه، وما يؤخذ من التنصيص مقدم على ما يؤخذ بالاجتهاد والاستنباط.
وتابعه أبو حذافة عن مالك به، عَلَّقه ابن عبد البر (1387)، وأبو حذافة هذا روايته "للموطأ" صحيحة، وخَلَّط في غيرها وهو أحمد بن إسماعيل بن محمد.
ورواه ابن عبد البر (1387) (ص 753) من طريق آخر فيه راويان ضعيفان.
(3) ما بين المعقوفتين من نسخة (ط) وما بين الهلالين سقط من (ق).
(4) في الأصول: "ابن خالد"، وفي هامش (ق): "لعله: ابن أبي".
(5) رواه من طريقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2069) (ص 1068) وسنيد ضعيف، وما بين المعقوفتين سقط من (ك) وفي المطبوع: "اجتهدت لكم برأيي".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ط) و (ك) و (ق) وما بين الهلالين أيضًا سقط من (ق).
(7) في المطبوع: "بن أبي عميرة"!! والصواب حذف "أبي" انظر: "تالي تلخيص المتشابه" للخطيب (2/ 496)، وتعليقي عليه.
(2/111)

يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق والمؤمن، فيقرؤه الرجلُ فلا يُتَّبع، فيقول: واللَّه لأقرأنَّهُ عَلَانيةً، فيقرؤه علانية فلا يتبع، فيتخذ مسجدًا، ويبتدع كلامًا ليس من كتاب اللَّه ولا من سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإيَّاكم وإيَّاه؛ فإنه بِدْعَة وضلالة، قاله معاذ ثلاث مرات (1).

قول أبي موسى الأشعري [في ذم الرأي] (2)
قال البغوي: ثنا الحجَّاجُ بن المِنْهَال: ثنا حماد بن سلمة، عن حُميد، عن أبي رجاء العُطَارِدي قال: قال أبو موسى الأشعري: مَنْ كان عنده علم فَلْيُعَلِّمه الناسَ، وإن لم يعلم فلا يقولَنَّ ما ليس له به علم، فيكونَ من المتكلفين ويَمْرُقَ من الدين (3).
__________
(1) أخرجه الحاكم (4/ 466)، وابن وضاح في "البدع والنهي عنها" (رقم 63) عن حماد بن سلمة به، وصححه الحاكم على شرط مسلم، وهو كما قال.
وأخرجه التيمي في في "الحجة" (1/ 303 - 304)، واللالكائي في "السنة" (1/ 89 - رقم 117) عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن معاذ بنحوه، وأسقط (يزيد بن عميرة).
وأخرجه أبو عمرو الداني في "الفتن" (رقم 284) عن عبيد اللَّه بن عمر، والهروي في "ذم الكلام" (ص 187) عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي كلاهما عن أيوب به مختصرًا.
وذكر الطفاوي وصية معاذ ليزيد بن عميرة، كوصية مالك بن يخامر المتقدمة تحت عنوان (أعظم الصحابة علمًا).
وأخرجه الدارمي في "السنن" (1/ 67 أو رقم 205)، وأبو ذر الهروي في "ذم الكلام"
(ص 187) عن مروان بن محمد، حدثنا سعيد -وهو ابن عبد العزيز-، عن ربيعة بن يزيد، عن معاذ به.
وإسناده منقطع، ربيعة لم يرو إلا عن متأخري الصحابة، ومعاذ مات سنة (17) أو (18)، فهو لم يدركه، واللَّه أعلم.
وسعيد بن عبد العزيز اختلط.
وللأثر طريق أخرى صحيحة، ستأتي، انظر (1/ 194 - 195 و 2/ 455).
(2) ما بين المعقوفتين من (ط).
(3) أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (4/ 109 - 110) أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي، حدثنا حميد الطويل، عن أبي رجاء عن أبي المهلب، قال: سمعت أبا موسى على منبره وهو يقول: وذكره.
وإسناده حسن، رجاله كلهم ثقات غير عبد الوهاب وهو صدوق، وأبو المهلب هو الجرمي.
ولم يعزه في "الدر المنثور" (7/ 209) إلا لابن سعد.
(2/112)

قول معاوية بن أبي سفيان [في ذم الرأي -رضي اللَّه عنه-] (1)
قال البخاري: حدثنا أبو اليَمَان: ثنا شُعيب، عن الزهري قال: "كان محمدُ بن جُبَير بن مُطَعم يحدث أنه كان عند معاوية في وَفْدِ من قريش، فقام معاوية فحمِدَ اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنه قد بَلَغني أن رجالًا فيكم يتحدثون بأحاديثَ ليست في كتاب اللَّه، ولا تُؤْثَر عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأولئكم جُهَّالكم (2).

[إخراج الصحابة الرأي من العلم]
فهؤلاء من الصَّحابة: أبو بكر الصِّدِّيق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبدُ اللَّه بن مسعود، وعبدُ اللَّه بن عباس، وعبدُ اللَّه بن عُمَر، وزيدُ بن ثابت، وسهلُ بن حُنَيْف، ومُعَاذ بن جبل، ومعاويةُ خالُ المؤمنين (3)، وأبو موسى الأشعري يُخْرِجُونَ الرأيَ عن العلم، ويذمونه، ويحذرون منه، وَيَنْهَونَ عن الفُتْيَا به، ومن اضْطُر منهم إليه أخبَر أنه ظن، وأنه ليس على ثقةٍ منه، وأنه يجوز أن يكون منه ومن الشيطان، وأن اللَّه ورسوله برئ منه، وأن غايته أن يَسُوغ الأخذُ به عند الضرورة من غير لزوم لاتباعه ولا للعمل به، فهل يوجد عن (4) أحد منهم قَطُّ أنه جَعَلَ رأي رجل بعينه دينًا تُتْرَكُ له السنن الثابتة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويُبَدَّع ويُضَلَّل مَنْ خالفه إلى اتباع السنن؟
فهؤلاء بَرْكُ (5) الإسلام، وعصابة الإيمان، وأئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأنْصَحُ الأئمة للأمة، وأعلمهم بالأحكام وأدلتها، وأفْقَهُهُمْ في دين اللَّه، وأعمقهم علمًا، وأقلّهم تكلفًا، وعليهم دارت الفتيا، وعنهم انتشر العلم، وأصحابُهم هم
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ط).
(2) رواه البخاري في "الصحيح" (كتاب المناقب): باب مناقب قريش (3500)، و (كتاب الأحكام): باب الأمراء من قريش (7139).
(3) "لأن أخته أم حبيبة [زوج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-] فهي، أم المؤمنين؛ فهو خالهم" اه. كذا في (ط)، (د)، (ح)، ونحوه في (و)، وما بين المعقوفتين زيادة (ط) عليهم.
(4) في المطبوع: "فهل تجد من".
(5) "بفتح الباء وسكون الراء - أي: صدر الإسلام" (د) و (ح)، ونحوه في (ط).
وقال (و): "الجماعة من الأشراف".
ووقع في (ق): "نزك الإسلام"!! والصواب ما أثبتناه.
(2/113)

فقهاء الأمة، ومنهم مَنْ كان مُقيمًا بالكوفة كعلي وابن مسعود، وبالمدينة كعمر بن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت، وبالبَصْرَة كأبي موسى الأشعري، وبالشام كمُعَاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان، وبمكة كعبد اللَّه بن عباس، وبمصر كعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعن هذه الأمصار انتشر العلم في الآفاق، وأكثر مَنْ رُوي عنه التحذير من الرأي مَنْ كان بالكوفة إرهاصًا بين يَدَيْ ما عَلِم اللَّه [سبحانه] (1) أنه يحدث فيها بعدهم] (2).

فصل [تأويل ما روي عن الصحابة من الأخذ بالرأي]
قال أهل الرأي: وهؤلاء الصحابةُ ومَنْ بعدهم من التابعين والأئمة -وإن ذَمُّوا الرأيَ، وحَذّروا منه، ونَهَوْا عن الفتيا والقضاء به، وأخرجوه من (3) جملة العلم- فقد رُوي عن كثير منهم الفُتْيَا والقضاء به، والدلالة عليه، والاستدلال به، كقول عبد اللَّه بن مسعود في المُفَوِّضة (4): أقول فيها برأيي (5)، [وقول عمر بن الخطاب لكاتبه: قل: هذا ما رأى عمر بن الخطاب (6)، وقول عثمان بن عفان في الأمر بإفراد العُمْرَة عن الحج: إنما هو رأيٌ رأيته (7)، وقول علي في أمَّهات الأولاد: اتفق رأيي ورأيُ عمر على أن لا يُبَعْنَ (8).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) من قوله: في "صحيح البخاري" في صفحة (95) إلى هنا بدله في (ن): "ثم ذكر -رحمه اللَّه- في الأحاديث المرفوعة والموقوفة ما يصرح بذم الرأي وتكلف القول بلا علم، والتغلبظ على فاعله، إلى أن قال:. . .".
(3) في (ق): "عن".
(4) "التفويض في النكاح: التزويج بلا مهر" (ط)، ووقع في هامش (ق) زيادة "به" قبل "في المفوضة".
(5) سبق تخريجه.
(6) سبق تخريجه.
(7) سبق تخريجه.
(8) رواه الشافعي في "الأم" (7/ 162)، وسعيد بن منصور في "السنن" (رقم 2046 - 2048 - ط الأعظمي)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (6/ 436) وابن شبة في "تاريخ المدينة" (2/ 729 - 730)، والفسوي في "المعرفة" (1/ 442)، والدولابي في "الكنى" (2/ 113)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 343، 348، و"المدخل" (رقم 86)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1616)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 64) وابن حزم في في "المحلى" (9/ 217)، من طرق عن عبيدة، عن علي، وإسناده صحيح.
ووقع في (ق): "على ألا يبعثن".
(2/114)

وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى شُرَيح: إذا وَجَدْتَ شيئًا في كتاب اللَّه فاقْض به، ولا تلتفت إلى غيره، وإن أتاك شيء ليس في كتاب اللَّه فاقْضِ بما سنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن أتاك ما ليس في كتاب اللَّه [ولم يَسُنَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فاقضِ بما أجمع عليه الناس، وإن أتاك ما ليس في كتاب اللَّه ولا] (1) سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فإن شئتَ أن تجتهد رأيَكَ فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، وما أرى التأخرَ إلا خيرًا لك، ذكره سفيان الثوري، عن الشَّيْبانيّ، عن الشعبي، عن شُرَيْح أن عمر كتب إليه (2).

[طريقة أبي بكر وعمر في الحكم على ما يرد عليهما]
وقال أبو عُبيد في كتاب "القضاء": ثنا كَثير بن هِشَام، عن جعفر بن بُرْقَان، عن مَيْمون بن مَهْران قال: كان أبو بكر الصِّدِّيق إذا ورَدَ عليه حكمٌ؛ نَظَرَ في كتاب اللَّه تعالى، فإن وَجَد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب اللَّه نَظَر في سنة رسول اللَّه -رضي اللَّه عنه- فإن وَجَد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناسَ: هل علمتم أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القومُ فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سُنَّةً سَنَّها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيُهم على شيء قضى به (3).
وكان عمر يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجدَ ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر [فيه] (4) قَضاءٌ قضى به، وإلا جَمَعَ علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيُهم على شيء قضى به (5).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك)، ووقع في (ق): "ولم يسن فيه رسول اللَّه".
(2) الأثر صحيح، وسيأتي تخريجه قريبًا.
(3) رواه الدارمي في "سننه" (1/ 58) من طريق زهير بن معاوية، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 114) من طريق عمر بن أيوب، كلاهما عن جعفر بن برقان به نحوه، ورجاله ثقات إلا أن ميمون بن مهران لم يدرك أبا بكر، وكان يرسل.
ووقع في (ق): "فإذا أعياه ذلك".
(4) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(5) أخرجه بنحوه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (193)، والخليلي في "الإرشاد" (1/ 309)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1/ 106 - ط القديمة)، والبيهقي في "المدخل" (رقم 803)، وذكره الذهبي في "السير" (8/ 372 - 373).
(2/115)

[طريقة ابن مسعود]
وقال أبو عبيد: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: أكثروا عليه ذاتَ يوم فقال: إنه قد أتى علينا زمان وَلَسْنَا نقضي (1)، ولسنا هناك، ثم إن اللَّه بلَّغَنا ما ترون، فمن عُرِضَ عليه قضاء بعد اليوم فَلْيَقْضِ بما في كتاب اللَّه، فإن جاءه أمر ليس في كتاب اللَّه ولا قَضَى به نبيه (2) -صلى اللَّه عليه وسلم-[فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاءه أمر ليس في كتاب اللَّه ولا قضى به نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-] (3) ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقل: إنّي أرى، وإني أخاف؛ فإن الحلال بَيِّنٌ والحرام بيِّن، وبين ذلك مشتبهات (4)، فَدَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يريبك (5).
وقال محمد بن جَرير الطَّبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم: أنا هُشَيْم: أنا سَيَّار، عن الشَّعْبي قال: لما بعث عمر شُرَيْحًا على قضاء الكوفة قال [له]: انْظُرْ ما يتبين لك في كتاب اللَّه فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك في كتاب اللَّه فاتبع فيه سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد فيه رأيك (6).
__________
(1) في (ك) و (ق): "نفتي".
(2) في (ق): "رسول اللَّه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4) في (ك): "شبهات".
(5) أخرجه النسائي في "سننه" (8/ 230)، والدارمي (1/ 61)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (7/ 241)، والدارقطني في "العلل" (5/ 211)، والطبراني في "المعجم الكبير" (9/ 210 رقم 892)، ووكيع في "أخبار القصاة" (1/ 76). والبيهقي (10/ 115)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 200 - 201)، وابن بشران في "أماليه" (رقم 1111)، وابن عبد البر (1597)، وأبو ذر الهروي في "ذم الكلام" (2/ 204 رقم 361 - ط مكتبة العلوم والحكم)، وأبو العباس الطبري في "أدب القاضي" (1/ 84 - 85 رقم 20)، وابن حزم في "الإحكام" (5/ 205) من طريق الأعمش به. وجعل بعضهم (حريث بن ظهير) بدل (عبد الرحمن بن يزيد) وقرنهما بعضهم، وقال النسائي: "هذا الحديث جيد جيد"، ورجاله كلهم ثقات. وهو عند ابن أبي شببة وابن بشران من طريق أبي معاوية به.
(6) أخرجه بهذا اللفظ -أيضًا- ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 848 / رقم 1598)، وأخرجه النسائي في "المجتبى" (كتاب آداب القضاة): باب الحكم باتفاق أهل العلم، (8/ 231) -ومن طريقه الضياء في "المختارة" (رقم 133) - والدارمي في "سننه" (1/ 60)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (7/ 241 - ط دار الفكر) -ومن طريقه ابن أبي عاصم- كما في "مسند الفاروق" (2/ 548)، ومن طريقه الضياء في "المختارة" (رقم 134) - وسعيد بن منصور -ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (10/ 110) -، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 99)، وابن عبد البر في "الجامع" (2/ 846/ رقم 1595، =
(2/116)

[من قياس الصحابة]
وفي كتاب عمر إلى أبي موسى: "اعْرِفِ الأشبَاهَ والأمثال، وقِسِ الأمور" (1). وقايَسَ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت في المكاتَبِ (2)، وقايسه في الجدِّ والإخوة؛ فشَبَّهه عليٌّ بسيلٍ انشعبت منه شُعْبة، ثم انشعبت من الشعبة شعبتان (3)، وقايسه (4) زيد على شجرة انشعب منها غُصْن، وانشعب من الغصن غصنان (5). وقولهما في الجد: إنه لا يحجب الإخوة (6)، وقاس ابنُ عباس الأضراس
__________
= 1596)، ووكيع في "أخبار القضاة" (2/ 189 - 190)، وابن حزم في "الإحكام" (5/ 206 و 6/ 29 - 30)، والبيهقي (10/ 115) من طرق عن الشعبي عن شريح أنه كتب إلى عمر -رضي اللَّه عنه- يسأله فكتب إليه، وذكروه بألفاظ متقاربة، وإسناده صحيح، وصححه ابن حجر في "موافقة الخُبر الخَبر" (1/ 120)، وعزاه ابن كثير في "مسند الفاروق" (2/ 548) لأبي يعلى، وفي (ق) و (ك): "ما لم يبن" بدل "ما لم يتبين" و"ما لم يبن لك في السنة" وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(1) هذه العبارة جزء من كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري -رضي اللَّه عنه- أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/ 206، 207)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 150)، وأيضًا في "معرفة السنن والآثار" (14/ 240)، وقال: "وهو كتاب معروف مشهور لا بد للقضاة من معرفته والعمل به" اه.
قلت: والكتاب صحيح ثابت، سيأتي تخريجه مسهبًا إن شاء اللَّه تعالى.
(2) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (7/ 342 و 8/ 391، 395، 406 - 407)، "شرح معاني الآثار" (2/ 113)، "سنن البيهقي" (10/ 331)، "المحلى" (6/ 137 و 9/ 33، 241)، و"الآثار" (رقم 860) لأبي يوسف، "الإشراف" لابن المنذر (1/ 349، 356)، "تفسير القرطبي" (12/ 254).
وفي (ك) و (ق): سقطت "الواو" من "وزيد".
(3) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (19058)، والبيهقي في "السنن" (6/ 247) من طريق الثوري، عن عيسى المدني، عن الشعبي قال: "كان من رأي أبي بكر وعمر. . ." فذكره.
لكن في "مصنف عبد الرزاق" قال في سياق القصة: "قال الثوري: وبلغني أنه قال له: يا أمير المؤمنين. . . وبلغني أن عليًا حين سأله عمر. . .".
أما في "سنن البيهقي" فهو عنده موصول إلى الشعبي، والشعبي لم يدرك زمان عمر.
ورواه الحاكم (4/ 339)، وليس فيه هذا التفصيل إذ أنه ذكر السيل فقط من طريق ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب. .، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(4) في (ق): "وقاسه".
(5) هو تابع لسابقه؛ إذ هما في نفس القصة والسياق.
(6) سيأتي تخريجه.
(2/117)

بالأصابع، وقال: اعتبرها بها (1)؛ وسئل عليٌّ (-رضي اللَّه عنه-) عن مَسِيره إلى صِفِّين: هل كان بعهدٍ عَهِدهُ إليه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أم رأْي رآه؟ قال: بل رأي رأيته (2).
وقال عبد اللَّه بن مسعود وقد سئل عن المفوضة: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه ورسوله منه بريء (3).

[حال ابن مسعود]
وقال ابنُ أبي خَيْثَمة: ثنا أبي: ثنا محمد بن خَازِم (4)، عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: مَنْ عَرَضَ له منكم قضاء فَلْيَقْضِ بما في كتاب اللَّه، فإن لم يكن في كتاب اللَّه فَلْيَقْضِ بما قضى فيه نبيُّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن جاءَهُ أمرٌ ليس في كتاب اللَّه ولم يَقْضِ فيه نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم- فَلْيَقْضِ بما قضى به الصالحون، فإن جاءَهُ أمر ليس في كتاب اللَّه ولم يقض به نبيه ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه، فإن لم يُحْسِن فَلْيَقُم ولا يستحيي (5).
__________
(1) رواه مالك في "الموطأ" (2/ 862)، ومن طريقه عبد الرزاق (17495)، والشافعي في "مسنده" (2/ 111)، والبيهقي في "سننه" (8/ 90). عن داود بن الحُصين أن أبا غطفان بن طريف المُزِّيّ أخبره أن مروان بن الحكم أرسله إلى ابن عباس وإسناده صحيح.
وفي (ق): "اعتبروها بها".
(2) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (11/ 449 رقم 25971)، وأحمد في "السنة" (رقم 1194، 1196)، وفي "مسنده" (1/ 122، 142، 148)، وابنه عبد اللَّه في "زياداته على السنة" (رقم 1195)، وأبو داود (4666) في "السنة": باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة، وأبو عبيد في "الأموال" (رقم 495)، والخطابي في "الغريب" (1/ 633)، والخطيب في "الموضح" (1/ 393)، والبيهقي (8/ 193)، وابن حزم (10/ 353) من طريق إسماعيل ابن عُلَيَّة، عن يونس، عن الحسن، عن قيس بن عباد قال: قلت لعلي. وإسناده صحيح.
ورواه أحمد (1/ 142 - 143) من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن قيس بن عباد به مطولًا. وعلي هذا ضعيف.
وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) سبق تخريجه، وفي (ق): "منه برءاء".
(4) في (ق) و (ك): "حازم".
(5) أخرجه الدارمي في "السنن" (1/ 59)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 848 - 849/ رقم 1599) -والمذكور لفظه-، وإسناده صحيح، وصححه ابن حجر في "موافقة الخُبر الخَبر" (1/ 119).
وأخرجه البيهقي في "الكبرى" (10/ 115) من طريق آخر عن ابن مسعود.
وفي المطبوع: "فإن جاء أمر".
وفي (ك) و (ق): بدل من "ولم يقضِ فيه" "ولم يقضِ به" وفي (ق): "يستحي".
(2/118)

[حال ابن عباس]
وذكر سفيان بن عُيَيْنَة، عن عُبيد اللَّه بن أبي يزيد (1) قال: سمعت ابن عباس إذا سئل عن شيء فإن كان في كتاب اللَّه قال به، وإن لم يكن في كتاب اللَّه وكان عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال به، فإن لم يكن في كتاب اللَّه ولا عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وكان عن أبي بكر وعمر قال به، فإن لم يكن في كتاب اللَّه ولا عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا عن أبي بكر وعمر اجتهد رأيه (2).

[حال أبيّ بن كعب]
وقال ابن أبي خَيْثمة: حدثني أبي: ثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، عن سُفيان، عن عبد الملك بن أبْجَر (3)، عن الشعبي، عن مسروق قال: سألتُ أبيَّ بن كعب عن شيء فقال: أكان هذا؟ قلت: لا، قال: فأجِمَّنَا (4) حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا (5).

[جملة من أخذ من الصحابة بالرأي]
قال أبو عمر بن عبد البر: وروينا عن ابن عباس أنه أرسل إلى زيد بن ثابت: أفي كتاب اللَّه ثُلُثُ ما بقي؟ فقال: أنا أقول برأيي وتقول برأيك (6).
__________
(1) في (ق) و (ك): "عبد اللَّه بن يزيد".
(2) أخرجه الدارمي في "السنن" (1/ 59)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (7/ 242)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (2/ 366)، والحاكم (1/ 127)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 115)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 202 - 203 رقم 1600، 1601، 1602)، وابن حزم في "الإحكام" (5/ 206 و 6/ 28 - 29)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 849 - 850/ رقم 1600، 1601، 1602) من طريق سفيان بن عيينة عن، عُبيد اللَّه بن أبي يزيد؛ قال: سمعت ابن عباس: إذا سئل. . . به.
وإسناده صحيح، وصححه البيهقي، وانظر "نصب الراية" (4/ 64).
(3) في (ق) و (ك): "عبد الملك بن الحارث".
(4) "من الإجمام، أي: اتركنا وأرحنا"، (د) و (ح) و (ط)، ونحوه في (و).
(5) رواه الدارمي في "السنن" (2/ 132 رقم 157 - مع "فتح المنان")، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (3/ 499)، وأبو خيثمة في "العلم" (رقم: 76)، ومن طريقه ابن عبد البر (1604)، وإسناده صحيح، ورواه ابن بطة في "الإبانة" (315) و (316) من طريق سفيان به.
(6) هو في "الجامع" برقم (1605) دون سند.
(2/119)

وعن ابن عمر أنه سئل عن شيء فَعَلَهُ: أرأيتَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فعل هذا أو شيء رأيته؟ قال: بل شيء رأيته (1).
وعن أبي هريرة أنه كان إذا قال في شيء برأيه قال: هذه من كِيسِي، ذكره ابن وهْبَ، عن سُليمان بن بلال، عن كثير بن زَيْد، عن وليد بن رَبَاح (2) عن أبي هريرة (3).
وكان أبو الدرداء يقول: إيَّاكم وفِرَاسَةَ العلماء (4)، احذروا أن يشهدوا عليكم شهادَةً تكُبُّكُمْ على وجوهكم في النار، فواللَّه إنه للحَقُّ يقذف اللَّه في قلوبهم (5).
قلت: وأصل هذا في الترمذي (6) مرفوعًا: "اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور اللَّه، ثم قرأ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75].
__________
(1) ذكره ابن عبد البر (1606) عنه من غير إسناد.
(2) وفي (ك) و (ق): "هذا من كيسي" و"ابن أبي رباح" وزيادة "أبي" خطأ.
(3) علقه عنه ابن عبد البر في "الجامع" (1607)، وإسناد ابن وهب حسن، كثير بن زيد هو الأسلمي، فيه كلام، ووليد بن رباح قال البخاري: حسن الحديث وقال أبو حاتم: صالح.
وروى البخاري (5355) في (النفقات) حديثًا ثم زاد فيه أبو هريرة كلامًا فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة.
وروى أحمد في "مسنده" (2/ 299) حديثًا -أيضًا- ثم قال أبو هريرة: "هذه من كيسي".
(4) "الفراسة -بالكسر-: الاسم من قولك: تفرست فيه خيرًا" و"هو يتفرس" أي: "يتثبت وينظر" (د) و (ط) و (ح).
(5) ذكره ابن عبد البر (1609) دون إسناد.
وفي (ك): "بشهادة تكبُّكم".
(6) رواه الترمذي (3127) في (التفسبر): باب ومن سورة الحجر، والبخاري في "التاريخ الكبير" (7/ 354)، وابن جرير في "تفسيره" (14/ 46)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (7/ 2270 رقم 12427)، وأبو الشيخ في "الأمثال" رقم (127)، والعقيلي في "الضعفاء" (4/ 129)، وأبو نعيم في "الحلية" (10/ 281 و 282)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (3/ 191 و 7/ 242)، من طريق عمرو بن قيس، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا به.
قال الترمذي: "حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
قلت: فيه عطية العوفي وهو ضعيف.
ثم أعله العقيلي بعلة أخرى حيث رواه من طريق سفيان عن عمرو بن قيس قال: كان يقال: اتقوا فراسة المؤمن. . . =
(2/120)

وقال أبو عمر: ثنا عبد الوارث بن سفيان: ثنا قاسم بن أصْبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخُشَنِي (1) ثنا إبراهيم بن أبي الفياض البَرْقّي الشيخ الصالح: ثنا سُليمان بن يَزيع الإسكندراني: ثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن سعيد بن المسَيَّبِ، عن علي، قال: قلت: يا رسول اللَّه الأمر ينزل بنا لم يَنْزِل فيه القرآن، ولم تَمْضِ فيه منك سنة، قال: "اجْمَعُوا له
__________
= قال: وهذا أولى، ونحوه قال الخطيب في "تاريخ بغداد".
والحديث له شواهد عن جمع من الصحابة، منها: حديث أبي أمامة: رواه الطبراني في "الكبير" (7497)، وأبو نعيم في "الحلية" (6/ 118)، والقضاعي (663)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (5/ 99)، وابن عدي في "الكامل" (4/ 1523 و 6/ 2401)، وابن عبد البر في "الجامع" (1197) من طريق عبد اللَّه بن صالح عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عنه.
قال الهيثمي في "المجمع" (10/ 268): "إسناده حسن".
وقال السيوطي في "اللآلئ" (2/ 330): "فإنه بمفرده على شرط الحسن، وعبد اللَّه بن صالح لا بأس به".
قلت: هذا الطريق في رواته كلام، وإليك التفصيل:
راشد بن سعد ثقة كثير الإرسال، ومعاوية بن صالح: وثقه ابن معين، والعجلي، وابن حبان، وعبد الرحمن بن مهدي، وكان يحيى بن سعيد لا يرضاه.
وقال ابن عدي: وما أرى بحديثه بأسًا وهو عندي صدوق.
وأما عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، فقد تكلموا فيه كثيرًا، وقد قال فيه ابن حجر في "هدي الساري": "إن حديثه في الأول كان مستقيمًا، ثم طرأ عليه فيه تخليط؛ فمقتضى ذلك: أن ما يجيء من رواينه عن أهل الحذق كيحيى بن معين، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم؛ فهو صحيح حديثه، وما يجيء من رواية الشيوخ عنه فيتوقف فيه".
وقال في "التقريب": "صدوق كثير الغلط، ثَبْتٌ في كتابه، وكانت فيه غفلة".
أقول: وكلا القولين لابن حجر فيه نظر، نَعَم الرجل كان متماسكًا ثم فسد في آخر عمره، وما يدرينا أن هؤلاء رووا عنه من صحيح حديثه فقط؛ قد يكون البخاري -إن صح أنه أخرج له في الصحيح- ينتقي من حديثه لأنه يخرج له في "الصحيح" فهل كان ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم لا يروون عن الراوي إلا صحيح حديثه؟
وأما أنه ثبت في كتابه فهذه عبارة لاين معين، لكن يظهر من ترجمته أنه كان عنده غفلة، فيُدخل له أحاديث في كتبه ثم يرويها، وقد قال هذا ابن حبان وغيره.
وعلى كل حال؛ فالإسناد هذا ضعفه مُحْتَمِل.
والحديث له طرق أخرى؛ ولكنها كلها واهية شديدة الضعف، لا تصلح في المتابعات، انظرها مفصلة في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (1821).
(1) في (ق) و (ك): في "الحسني".
(2/121)

العالِمين (1) -أو قال: العابدين- من المؤمنين، فاجعلوه شُورى بينكم، ولا تَقْضُوا (2) فيه برأي واحد" (3).
وهذا غريب جدًّا من حديث مالك، وابراهيم البَرْقي وسُليمان ليسا ممن يحتج بهما.
وقال عمرُ لعلي وزيد: لولا رأيُكما لاجتمع رأيي ورأي أبي بكر، كيف يكون ابني ولا أكون أباه؟ يعني الجد (4).
وعن عمر أنه لقي رجلًا فقال: ما صنعت؟ قال: قضى عليٌّ وزيدٌ بكذا، قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال: فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردُّك إلى كتاب اللَّه أو [إلى] سنة نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم- لفعلت، ولكني أردك إلى رأيٍ، والرأي مشترك (5). فلم يَنْقُضْ ما قال علي وزيد.
وذكر الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال: إن اللَّه اطَّلَعَ في قلوب العباد فرأى قلب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- خير قلوب العباد؛ فاختاره لرسالته، ثم اطلع في قلوب العباد بعده فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته، فما
__________
(1) وقع في (ق): "ولم يمض" و (ق) و (ك): "الصالحين".
(2) في (ق) و (ك): "ولا تفتوا".
(3) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (1611) و (1612)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 191 و 2/ 184).
قال ابن عبد البر: "هذا حديث لا يعرف من حديث مالك؛ إلا بهذا الإسناد، ولا أصل له في حديث مالك عنده، واللَّه أعلم، ولا في حديث غيره، وابراهيم البَرْقي، وسليمان بن بزيع، ليسا بالقويين، ولا ممن يحتج بهما، ولا يعوَّل عليهما".
ونقل الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" عن الدارقطني قوله في "غرائب مالك": "لا يصح، تفرد به إبراهيم بن أبي الفياض، عن سليمان، ومن دون مالك ضعيف، ونحوه نقل عن الخطيب في الرواة عن مالك".
قلت: إبراهيم وسليمان ترجمهما في "الميزان"، ونقل عن ابن يونس قوله في الأول: روى عن أشهب مناكير، وفي الثاني: منكر الحديث.
وسليمان جاء اسم أبيه في (ك): "ربيع"!!
(4) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 247) من طريق الشعبي به وقال: هذا مرسل، الشعبي لم يدرك أيام عمر، غير أنه مرسل جيد.
وذكره ابن عبد البر في "الجامع" (1613) دون إسناد.
(5) ذكره ابن عبد البر هكذا دون إسناد (1614) (ص 854). وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/122)

رآه المؤمنون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند اللَّه قبيح (1).
وقال ابن وهب عن ابن لَهِيعة: إن عمر بن عبد العزيز استعمل عُرْوَة بن محمد السَّعْدي على اليمن، وكان من صالحي عُمَّال عمر، وإنه كتب إلى عمر يسأله عن شيء من أمر القضاء، فكتب إليه عمر: لَعَمْرِي، ما أنا بالنشيط على الفتيا وما وجدت منها بُدًّا، وما جعلتك إلا لتكفيني، وقد حَمَّلتك ذلك، فاقض فيه برأيك (2).
[و] (3) قال محمد بن سعد: أخبرني رَوْح بن عُبادة: ثنا حماد بن سلمة، عن الجُرَيْري أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال للحسن: أرأيت ما تُفْتِي به الناس، أشيء سمعته أم برأيك؟ فقال الحسن: لا واللَّه ما كُلُّ ما نفتي به سمعناه، ولكنْ رأيُنَا لهم خير من رأيهم لأنفسهم (4).
وقال محمد بن الحسن: مَنْ كان عالمًا بالكتاب والسنة وبقول أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وبما استحسن فقهاء المسلمين وَسِعَهُ أن يجتهد رأيه فيما يُبتلى به، ويقضي به، ويمضيه في صلاته وصيامه وحجِّه وجميع ما أُمِرَ به ونُهي عنه، فإذا
__________
(1) أخرجه الطيالسي في "المسند" (رقم 246)، وأحمد في "المسند" (رقم 3600 - ط شاكر) والطبراني في "الكبير" (9/ 18 رقم 8582، 8583، 8593)، والبزار في "مسنده" (رقم 130 - زوائده)، والحاكم في "المستدرك" (3/ 78 - 79)، وأبو نعيم في "الحلية" (1/ 377 - 378)، والبيهقي في "المدخل" (ص 8)، و"الاعتقاد" (ص 162)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم 150) بأسانيد بعضها حسن، عن ابن مسعود موقوفًا، قال الزركشي في "المعتبر" (رقم 294): "لم يرد مرفوعًا، والمحفوظ وقفه على ابن مسعود".
قلت: أخرج الخطيب في "تاريخه" (4/ 165) نحوه مرفوعًا، وفيه سليمان بن عمرو النخعي كذاب.
قال المصنف في "الفروسية" (ص 298 - بتحقيقي) عنه: "إن هذا ليس من كلام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، يضيفه إلى كلامه مَنْ لا عِلْم له بالحديث، وإنما هو ثابت عن ابن مسعود من قوله، ذكره الإمام أحمد وغيره موقوفًا عليه".
(2) علقه من طريقه: ابن عبد البر (1617)، وابن لهيعة مات سنة 174 ه، وقد ناف عن الثمانين، فيظهر أنه لم يدرك الحادثة، فهو منقطع.
(3) ما بين المعقوفتين من (ك) و (ق).
(4) رواه ابن سعد في "الطبقات" (7/ 165)، من هذه الطريق، وذكره ابن عبد البر عن ابن سعد (1619، ص 856)، وإسناده صحيح، رواته كلهم ثقات والجُريري هو سعيد بن إياس اختلط، لكن رواية حماد بن سلمة عنه قبل الاختلاط.
(2/123)

اجتهد ونَظَرَ وقاس على ما أشبه ولم يألُ؛ وَسِعَهُ العمل بذلك، دفين أَخْطَأَ الذي ينبغي أن يقول به (1).

فصل
ولا تعارض بحمد اللَّه بين هذه الآثار، عن السادة الأخيار، بل كلها حق، وكل منها له وجه، وهذا إنما يتبين بالفرق بين الرأي الباطِلِ الذي ليس من الدين والرأي [الحق] (2) الذي لا مَنْدُوحة [عنه] (2) لأحد من المجتهدين، فنقول وباللَّه المستعان:

[معنى الرأي]
الرأي في الأصل مصدر رَأَى الشَيءَ، يَرَاهُ، رَأْيًا (3)، ثم غلب استعماله على المْرئي نفسه من باب استعمال المصدر في المفعول، كالهَوَى في الأصل مصدر هَوِيه يَهْوَاهُ هَوًى (4)، ثم استعمل في الشيء الذي يُهْوَى؛ فيقال: هذا هَوَى فلانٍ، والعرب تفرق بين مصادر فعل (الرؤية) بحسب محلها (5) فتقول: رأى كذا في النوم رُؤْيا، ورآه في اليقظة رؤيةً، ورأى كذا -لما يعلم بالقلب ولا يرى بالعين- رَأيًا، ولكنهم خَصُّوه بما يراه القلب بعد فِكْرٍ وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات؛ فلا يقال لمن رأى بقلبه أمرًا غائبًا عنه مما يَحُسُّ به: إنه رأي (6)، ولا يقال أيضًا للأمر المَعْقُول الذي لا تختلف فيه العقولُ ولا تتعارض فيه الأمارات: إنه رأي، وإن احتاج إلى فكر وتأمل كدقائق الحساب ونحوها (7).
__________
(1) ذكره ابن عبد البر (1622) هكذا بدون إسناد.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) راجع "لسان العرب" (3/ 1537 - 1545 - ط: دار المعارف) لابن منظور، و"القاموس المحيط" (1658 - ط: الرسالة) للفيروزأبادي، وانظر: "الرأي وأثره في مدرسة المدينة" (ص 31 - 38) للدكتور أبي بكر إسماعيل محمد ميقا.
(4) في (ن): "مصدر عن هواه هوى".
(5) في المطبوع و (ق) و (ك): "محالها".
(6) وقع في (ق): "لا يقال" بدل "فلا يقال" وفي المطبوع: "إنه رأيه"، وفي (ن): "إنه رآه".
(7) انظر في ذلك: "الكليات" لأبي البقاء الكفوي (2/ 293)، و"التوقيف على مهمات التعاريف" (354) للمناوي، و"المفردات" للراغب (303)، و"مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه" (ص 7 - 8) لعبد الوهاب خلاف.
(2/124)

[الرأي على ثلاثة أنواع]
فإذا عُرِف هذا فالرأي ثلاثة أقسام:
رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه؛ والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح، وعملوا به وأفْتَوا به، وسَوَّغُوا القول به، وذمُّوا الباطل، ومنعوا من العمل [به] (1) والفتيا والقضاء به، [وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله.
والقسم الثالث: سَوَّغوا العمل والفُتْيَا والقضاء به] (2) عند الاضطرار إليه حيث لا يوجد منه بُدٌّ، ولم يلزموا أحدًا العمل به، ولم يُحرِّموا مخالفته، ولا جعلوا مُخالِفَه مخالفًا للدين، بل غايته أنهم خَيَّرُوا بين قبوله ورده؛ فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه، كما قال الإمام أحمد: سألت الشافعي عن القياس، فقال لي: عند الضرورة (3) وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة: لم يُفَرِّطُوا فيه ويُفَرِّعُوه ويُوَلِّدُوه ويُوَسِّعُوه كما صنع المتأخرون، بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار، وكان أسهل عليهم من حفظها، كما يوجد كثير من الناس يضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه وتَعَسُّر حفظه، فلم يتعدَّوا (4) في استعماله قدر الضرورة، ولم يَبْغُوا العدول (5) إليه مع تمكنهم من النصوص والآثار؛ كما قال تعالى في المضطر إلى الطعام المُحَرَّم: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (6)} [البقرة: 173] فالباغي: الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصُّل إلى المُذَكَّى، والعادي: الذي يتعدَّى قدر الحاجة بأكلها.

[الرأي الباطل وأنواعه]
فالرأي الباطل أنواع:
أحدها: الرأي المخالف للنص، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) ووقع في (ق): "سوغوا العمل به".
(3) انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي (ص 599 رقم 1817)، سؤال أحمد في كتاب الخلال، كما سبق عند المصنف.
(4) في (ق) و (ك): "فلم يعدو".
(5) في (ن) و (ق) و (ك): "بالعدول".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/125)

فسادُه وبطلانه، ولا تحلُّ الفتيا به ولا القضاء، وإن (1) وقع فيه مَنْ وقع بنوع تأويلٍ وتقليد.
النوع الثاني: هو الكلام في الدين بالخرْص والظن، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها، فإنَّ مَنْ جهلها وقاسَ برأيه فيما سئل عنه بغير علم، بل لمجرد (2) قدر جامع بين الشَّيئين ألحق أحدهما بالآخر، أو لمجرد قدرٍ فارقٍ يراه بينهما، ففرق (3) بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص والآثار؛ فقد وقع في الرأي المذموم الباطل [فضلَّ وأضل] (4).

فصل [الرأي المتضمن تعطيل الأسماء والصفات الإلهية]
النوع الثالث (5): الرأيُ المتضمنُ تعطيلَ أسماءِ الربِّ وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال من الْجَهْمِيَّة والمُعْتَزلة والقَدَريَّة ومن ضَاهَاهُم، [حيث استعمل أهله قياساتِهِم الفاسدة وآراءَهم الباطلة وشُبَهَهَم الداحضة في رَدِّ النصوص الصحيحة الصريحة، فردوا لأَجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم، ومعاني النصوص التي [لم يجدوا] (6) إلى رَدِّ ألفاظها سبيلًا، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف [والتأويل] (7)، فانكروا لذلك رؤية المؤمنين رَبَّهم في الآخرة، وأنكروا كلامه وتكليمه لعباده، وأنكروا مباينته للعالم، واستواءه على عرشه، وعُلوَّهُ على المخلوقات، وعموم قدرته على كل شيء، بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجن والإنس عن تعلُّقِ قُدْرَتِه ومشيئته وتكوينه لها، ونَفَوْا لأجلها حَقائقَ ما أَخبرَ به عن نفسه وأَخبرَ به رسولُه (8) من صِفاتِ كَمالهِ ونُعوتِ جَلَاله؛ وحرَّفوا لأجلها النصوص عن مَواضِعِها، وأخرجوها عن معانيها [وحقائقها] (9) بالرأي
__________
(1) في (ق): "ولو".
(2) في (ق): "بمجرد".
(3) في المطبوع و (ق) و (ك): "يفرق".
(4) ما بين المعقوفتين من (ك) و (ق).
(5) في (ك): "وأصل النوع الثالث" وفي (ق): "ويصل النوع الثالث المتضمن لتعطيل".
(6) في (ق): "لا يجدون".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (ق): "وأخبرت رسله" وفي (ك): "وأخبرت به رسله".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2/126)

المجرد الذي حقيقته أنه زُبالة الأذهان ونُخالة الأفكار وعُفارة (1) الآراء ووساوس الصدور، فملأوا به الأوراق سَوَادًا، والقلوب شُكوكًا، والعالم فسادًا.

[نشأة الفساد من تقديم الرأي والهوى على الوحي]
وكل من له مسْكَة من عقل، يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، و [لا] (2) في أمة إلا فسد أمرها أتمَّ الفساد] (3)، فلا إله إلا اللَّه كم نُفِيَ بهذه الآراء من حق، وأُثْبِتَ بها من باطل، وأميت بها من هدًى، وأحيي بها من ضلالة؟ [وكم هُدِمَ بها من مَعْقَل الإيمان (4)، وعُمِّر بها من دين الشيطان؟ وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل (5) الآراء الذين لا سَمْعَ لهم ولا عَقْل، بل هم شرٌّ من الحُمُر (6)، وهم الذين يقولون يوم القيامة: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] (7).

[النوع الرابع من الرأي]
النوع الرابع: الرأي الذي أُحدثت به البدع، وغُيِّرت به السنن، وعمَّ به البلاء، وتربَّى عليه (8) الصغير، وهَرِمَ فيه الكبير.
فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمَّة وأئمتها على ذمِّه وإخراجه من الدين.

[النوع الخامس من الرأي]
النوع الخامس: ما ذكره أبو عمر بن عبد البر عن جمهور أهل العلم أن الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وعن أصحابه والتابعين [- رضي اللَّه عنهم-] (9) أنه
__________
(1) وكذا في (ك) وفي الهامش: "لعله عصارة" وفي (ق): "وعصارة"، ووقع في (ك): "ونخامة الأفكار".
(2) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) وفي (ك) و (ق): "إلا وفسد أمرها فساد".
(4) في (ق): "للإيمان".
(5) في (ق) بعدها: "هذه".
(6) في (ق): "الحمير".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(8) في (ق) و (ك): "فربا فيه".
(9) بدل ما بين المعقوفتين في "الجامع": "هو"، ووقع في (ق): "وعن الصحابة"، وما بين المعقوفتين سقط منها.
(2/127)

القول في [أحكام] (1) شرائع الدين بالاستحسان والظُّنون، والاشتغال بحفظ المعْضِلات والأغلوطات، ورَدِّ الفروع [والنوازل] (2) بعضها على (3) بعضٍ قياسًا، دون ردها على أصولها والنظر في عللها واعتبارها، فاستُعْمِل فيها الرأي قبل أن [تنزل] (4)، وفُرِّعت وشُققت (5) قبل أن تقع، [وتُكّلِّم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن] (6)، قالوا: وفي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن، والبعث على [جهلها] (7)، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها، ومن كتاب اللَّه [عز وجل] ومعانيه، واحتجوا (8) على [صحة] (9) ما ذهبوا إليه [من ذلك] (10) بأشياء.

[لَعْنُ مَنْ يسأل عَمَّا لم يكن]
ثم ذكر من طريق أسد بن موسى: ثنا شَرِيك عن لَيْث، عن طاوس، عن ابن عمر قال: لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر يلعن مَنْ سأل (11) عما لم يكن (12)، ثم
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2) ما بين المعقوفتين من مطبوع "جامع بيان العلم".
(3) في (ن): "إلي".
(4) في المطبوع من: "الإعلام": "ينزل" ولعل الصواب ما أثبتناه.
(5) في (ق): "وشقت".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(7) في "الجامع" بدلها: "حملها" وأشار المحقق في الهامش إلى أنه في نسخة أخرى "جهلها".
(8) سقطت من (ق).
(9) في نسخ "الإعلام": "احتجوا" والواو من "الجامع" لابن عبد البر.
(10) ما بين المعقوفتين من مطبوع "جامع بيان العلم".
(11) في نسخ "الإعلام": "يسأل".
(12) أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" (2/ 1054 - 1055/ رقم 5362) من طريق أسد بن موسى به.
وإسناده ضعيف لضعف شريك وليث بن أبي سُليم.
وأخرجه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 7) عن شربك عن ليث عن نافع مولى ابن عمر به، وأخرجه أبو خيثمة في "العلم" (143) والخطيب (2/ 8) عن جرير عن ليث عن مجاهد بن جبر به.
وأخرجه الدارمي في "السنن" (1/ 47) -ومن طريقه البيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (رقم 293) -، وابن بطة في "الإبانة" (317)، وابن عبد البر في "الجامع" (2051، 2052) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس قال: قال عمر وهو =
(2/128)

ذكر من طريق أبي داود: ثنا إبراهيم بن موسى الرَّازي (1): ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن عبد اللَّه بن سعد، عن الصُّنابحي، عن معاوية [-رضي اللَّه عنه-] (2) أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الأُغُلُوطات (3).
__________
= على المنبر: "أحرِّج باللَّه على كل امرئ مسلم سأل عن شيء لم يكن؛ فإن اللَّه قد بين ما هو كائن".
ورجاله ثقات؛ إلا أنه ضعيف لانقطاعه فإن طاوسًا لم يلق عمر.
وأخرجه أبو خيثمة في "العلم" (رقم 125)، وابن عبد البر في "الجامع" (رقم 2056) من طريق حبيب بن الشهيد، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (رقم 292) من طريق سفيان، كلاهما عن ابن طاوس عن طاوس؛ قال: قال عمر: لا يحل لكم أن تسألوا عما لم يكن. . "، وإسناده منقطع كالذي قبله.
وأخرجه الدارمي في "السنن" (1/ 47) من طرق حماد بن يزيد المنقري -وفي مطبوعه: ابن زيد، وهو خطأ- عن أبيه، قال: جاء رجل يومًا إلى ابن عمر، فسأله عن شيء لا أدري ما هو، فقال له ابن عمر. . . (وذكره). وإسناده مقبول.
وأشار إليه البخاري في "التاريخ الكبير" (8/ 358).
وأخرجه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (712) من طريق يعلى بن عبيد عن أبي سِنان عن عمرو بن مُرَّة؛ قال: خرج عمر على الناس؛ فقال: "أُحرِّج عليكم أن تسألونا عما لم يكن. .".
وإسناده ثقات؛ إلا أنه منقطع أيضًا، عمرو بن مرة لم يلق عمر.
والأثر بمجموع هذه الطرق يدل على أن له أصلًا.
وهناك شواهد كثيرة عن السلف تدل على كراهيتهم السؤال عن الحوادث قبل وقوعها، تراها في مقدمة "سنن الدارمي" باب كراهية الفتيا، و"الفقيه والمتفقه" (2/ 7)، باب القول في السؤال عن الحوادث والكلام فيها قبل وقوعها، و"جامع بيان العلم" (2/ 1037 وما بعدها - ط ابن الجوزي)، باب ما جاء في ذم القول في دين اللَّه تعالى بالرأي والظن والقياس على غير أصل، وعيب الإكثار من المسائل دون اعتبار، و"المدخل إلى السنن الكبرى" (ص 218) وما بعدها، باب من كره المسألة عما لم يكن ولم ينزل به وحي، و"الآداب الشرعية" (2/ 76 - 79) لابن مفلح.
وانظر في الكلام على هذا المسلك في الفقه وتأريخه والمقدار المحمود منه في: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 700)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 483)، و"جامع العلوم والحكم" (شرح الحديث التاسع 1/ 243)، و"الفقيه والمتفقه" (2/ 9 - 12)، و"الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" (2/ 117 - 122)، و"منهج السلف في السؤال عن العلم وفي تعلم ما يقع وما لم يقع"، وما سيأتي في آخر الكتاب (الفائدة 38).
(1) في (ق): "الداري".
(2) ما بين المعقوفتين من "الجامع".
(3) أخرجه أبو داود في "السنن" (كتاب العلم): باب التوَّقي في الفُتيا، (3/ 321/ رقم 3656)، وأحمد في "المسند" (5/ 435)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 305)، =
(2/129)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= والطبراني في "الكبير" (19/ 380/ رقم 982)، والآجري في "أخلاق العلماء" (183)، وتَمَّام في "الفوائد" (رقم 114، 115، 116 - مع ترتيبه الروض البسام)، وابن بطة في "الإبانة" (300، 302)، والدارقطني في "الأفراد" (ق 246/ أ - ب مع أطراف الغرائب)، والخطابي في "غريب الحديث" (1/ 354)، والهروي في "ذم الكلام" (ص 135)، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (رقم 303، 305)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 10 - 11)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 1055 - 1056/ رقم 2037، 2038)، والمزِّي في "تهذيب الكمال" (ق 687) من طريقين عن الأوزاعي به. وفي إحدى الطريقين أبهم اسم الصحابي.
وإسناده ضعيف؛ من أجل عبد اللَّه بن سعد بن فروة؛ فإنه مجهول كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (2/ 2/ 64)، وترجمه ابن حبان في "الثقات" (7/ 39)، وقال: "يخطئ"، وبه أعله المنذري في "مختصر سنن أبي داود" (5/ 250)، ولذا قال فيه ابن حجر في "التقريب": "مقبول"؛ أي: إذا توبع، ولم يتابع. وانظر ترجمته في "ميزان الاعتدال" (2/ 428).
نعم، له شواهد، ولكن لا يفرح بها.
فقد أخرجه الطبراني في "الكبير" (19/ 913)، وفي "مسند الشاميين" (رقم 2130) من طريق سليمان بن داود الشاذكوني، عن عبد الملك، عن عبد اللَّه، عن إبراهيم بن أبي عَبْلة، عن رجاء بن حَيْوَة، عن معاوية مرفوعًا، والشاذكوني متهم.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (19/ رقم 865)، وفي "مسند الشاميين" (رقم 2257)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 1056/ رقم 2039) من طريق سليمان بن أحمد الواسطي، عن الوليد بن مسلم، عن عبد اللَّه بن سعد، عن عبادة بن نُسي، عن الصنابحي، عن معاوية مرفوعًا بلفظ: "نهى عن عُضَل المسائل".
وهذا إسناد واه، فيه علل كثيرة:
الأولى: مخالفة الوليد بن مسلم لكل من عيسى بن يونس وروح بن عبادة؛ إذ روياه عن الأوزاعي، عن عبد اللَّه بن سعد، عن الصنابحي، قال الأول: عن معاوية، وقال الآخر: عن رجل من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يسمه.
الثانية: الوليد بن مسلم مدلس، ولم يصرح بالسماع.
الثالثة: جهالة عبد اللَّه بن سعد كما تقدم.
الرابعة: سليمان بن أحمد الواسطي، متروك، بل اتهمه ابن معين.
قال الدارقطني في "العلل" (7/ 67/ رقم 1219): "والصحيح حديث عيسى بن يونس، وأفاد أن عبد الملك بن محمد الصنعاني رواه فوهم فيه؛ فقال: "عن الأوزاعي عن عمرو (!!) بن سعد عن عبادة بن نُسي عن معاوية".
وعلى أيّ حال الحديث ضعبف، لا يجوز الاحتجاج به.
قال بعض أهل العلم: الأغلوطات: أي: التي يغالط بها العلماء ليزلوا فيهيج بذلك شرٌّ وفتنة، وإنما نهى عنها لأنها مع إيذائها غير نافعة في الدين.
(2/130)

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي بإسناده [مثله] (1)؛ وقال: فسَّره الأوزاعي يعني صِعَاب المسائل. وقال الوليد بن مسلم: عن الأوزاعي، عن عبد اللَّه بن سَعْد، عن عبادة بن [نسي، عن] (2) الصُّنَابحي، عن معاوية بن أبي سُفيان أنهم ذكروا المسائل [عنده] (3)، فقال: أتعلمون أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-[نهى عن عُضَل المسَائِل (4).
قال أبو عمر: واحتجوا أيضًا بحديث سهل [بن سعد] (5) وغيره أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-] (6) كره المسائل وعَابَها (7)، وبأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه [عز وجل] (8) يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال" (9).
[وقال ابن أبي خَيْثمة: ثنا أبي: [ثنا عبد] (10) الرحمن بن مهدي: ثنا مالك، عن الزُّهْري، عن سهل بن سعد قال: لعن رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المسائل وعابها (11).
قال أبو بكر: هكذا ذكره أحمد بن زهير بهذا الإسناد، وهو خلاف لفظ "الموطأ" (12).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(2) بدل ما بين المعقوفتين في نسخ "الإعلام" و (ق) و (ك): "قيس"، والتصويب من "الجامع".
(3) ما بين المعقوفتين ليس في "الجامع".
(4) مضى في التخريج السابق.
(5) ما بين المعقوفتين من "الجامع".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) رواه البخاري (5259) في (الطلاق): باب من جَوَّز الطلاق الثلاث، ومسلم (1492) في أول اللعان.
(8) ما بين المعقوفتين من "الجامع".
(9) رواه البخاري (1477) في (الزكاة): باب قول اللَّه تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}، و (2408) في (الاستقراض): باب ما يُنهى عن إضاعة المال، و (5975) في (الأدب): باب عقوق الوالدين من الكبائر، ومسلم (3/ 1341) (593) في (الأقضية): باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة من حديث المغيرة، ورواه مسلم (1715) من حديث أبي هريرة.
(10) بدل ما بين المعقوفتين في نسخة (د) بياض، وأثبته من (ق) و (ك) ومن النسخ الأخرى، و"الجامع".
(11) رواه أبو خيثمة في (العلم) (77) بلفظ "كره رسول اللَّه. . ." ورواه ابن عبد البر (2042، ص 1057) من طريقه؛ ولكن قال: "لعن رسول اللَّه".
ورواه مالك في الموطأ (2/ 566) في (الطلاق): باب ما جاء في اللعان، ومن طريقه البخاري (5259) في (الطلاق) باب من جوز الطلاق الثلاث، ومسلم (1492) في (اللعان) أوله عندهم "كره رسول" وهو جزء من حديث طويل.
(12) انتهى بطوله من "الجامع" لابن عبد البر (2/ 1054 - 1057) باختصار يسير.
وما بين المعقوفتين سقط من (ن) ووقع في (ق): "وهي خلاف لفظ "الموطأ"".
(2/131)

قال أبو عمر: وفي سماع أشهب: سئل مالك عن قول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال"، فقال: أما كثرة السؤال [فلا أدري أ] (1) هو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل؛ فقد كره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المسائل وعَابَها (2)، وقال اللَّه [عز وجل] (3): {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101] فلا أدري أهو هذا أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاء؟!.
وقال الأوزاعي، عن عَبْدة بن أبي لُبَابة: وددت أن [حَظِّيَ] (4) من أهل هذا الزمان أن لا أسالهم عن شيء ولا يسألوني [عن شيء] (5)، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدَّراهم بالدَّراهم (6).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) قال ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 1059/ رقم 2047): "وفي سماع أشهب: سئل مالك عن قول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . (وذكره) ".
وأخرج زهير بن حرب أبو خيثمة في "العلم" (رقم 77) -ومن طريقه أبو ذر الهروي في "ذم الكلام" (ص 132)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 1057/ رقم 2042) - عن عبد الرحمن بن مهدي، ثنا مالك، عن الزهري، عن سهل بن سعد؛ قال: "كره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المسائل وعابها".
هكذا ذكره زهير بن حرب، ورواه عنه ابنه أحمد -كما عند ابن عبد البر-؛ فقال: "لعن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المسائل وعابها". وهذا خلاف لفظ "الموطأ" وكذا خلاف لفظ غير واحدٍ ممن رواه عن مالك على الجادة بلفظ: "كره. ." كما عند مالك في "الموطأ" (2/ 566 - رواية يحيى) -ومن طريقه البخاري في "الصحيح" (كتاب الطلاق): باب من جوَّز الطلاق الثلاث. . .، (9/ 361/ رقم 5259)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب اللعان): باب منه (2/ 1129/ رقم 1492)، وأحمد في "المسند" (5/ 334)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الطلاق): باب في اللعان، (2/ 273 رقم 2245)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (رقم 2043، 2044) - عن الزهري به، وفيه قصة طويلة.
وأخرجه من طرق عن الزهري به: البخاري في "صحيحه" (كتاب التفسير): باب {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ}. . . (8/ 448/ رقم 4745)، و (كتاب الاعنصام بالكتاب والسنة): باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلوّ في الدين والبدع، (13/ 276/ رقم 7304)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب اللعان): باب منه (2/ 1130/ رقم 1492 بعد 2، 3)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب الطلاق): باب بدء اللعان (6/ 170/ رقم 3466)، وابن ماجه في "السنن" (كتاب الطلاق): باب اللعان (2/ 667/ رقم 2066)، وأحمد في "المسند" (5/ 336، 337).
(3) في (ق): "سبحانه".
(4) في "الجامع": "أحظى".
(5) ما بين المعقوفتين من "الجامع".
(6) أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" (2045، ص 1058) وأخرجه الدارمي (1/ 67) وأبو زرعة الدمشقي في "تاريخه" (1/ 355) من طريق رجاء بن أبي سلمة عن عبدة مختصرًا.
(2/132)

قال: واحتجوا أيضًا (1) بما رواه ابن شِهَاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أباه يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "أعْظَمُ المسلمين في المسلمين جُرْمًا مَنْ سأل عن شيء لم يُحرَّم على المسلمين فحرَّم عليهم من أجل مسألته" (2).
وروى ابن وهب أيضًا قال: حدثني ابن لَهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ذَرُوني ما تركتكم؛ فإنما أهلك (3) [من كان قبلكم بكثرة] (4) سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فَخُذُوا منه ما استطعتم" (5).
وقال سفيان بن عُيَيْنة، عن عمرو، عن طاوس قال: قال عمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-] (6) وهو على المنبر: أحَرِّجُ باللَّه على [كل] (7) امرئ سأل عن شيء لم يكن، فإن اللَّه [عز وجل] (8) قد بَيَّين ما هو كائن (9).

[سؤال الصحابة عما ينفع]
وقال أبو عمر: وروى جَرير (10) بن عبد الحميد ومحمد بن فُضَيْل عن عطاء بن السَّائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: ما رأيت قومًا خَيْرًا من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض -صلى اللَّه عليه وسلم-، كلهن في القرآن: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ}، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ}، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} ما كانوا يسألونه إلا عما ينفعهم (11).
__________
(1) في (ك) و (ق): "له".
(2) سيأتي تخريجه.
(3) كذا في "الجامع" وفي سائر النسخ "هلك".
(4) في "الجامع": "الذين من قبلكم".
(5) الحديث متفق عليه، وسيأتي تخريجه قريبًا.
(6) ما بين المعقوفتين من "الجامع".
(7) "التحريج: التضييق، وتحرج: أي تأثم" (د) و (ط) و (ح)، وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك) وسقطت لفظة: "باللَّه" من (ك) و (ق).
(8) ما بين المعقوفتين من "الجامع".
(9) تقدم تخريجه وانظر الكلام المنقول بطوله عن ابن عبد البر في "الجامع" (2/ 1059 - 1061).
(10) في (ك) و (ق): "جبير" وقال في هامش (ق): "لعله جرير".
(11) أخرجه الدارمي في "السنن" (1/ 51)، والطبراني في "الكبير" (11/ 454/ رقم 12288)، وابن بطة في "الأبانة" (رقم 296) من طريق محمد بن فضيل، عن عطاء به، بألفاظ متقاربة. =
(2/133)

قال أبو عمر: ليس في الحديث من الثلاث عَشْرَة مسألة إلا ثلاث (1).
قلت: ومراد ابن عباس بقوله: "ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة" المسائل التي حكاها اللَّه في القرآن عنهم، وإلا فالمسائل التي سألوه عنها وبيّنَ لهم أحكامها بالسنة لا تكاد تحصى، ولكن إنما كانوا يسألونه عما ينفعهم من الواقعات، ولم يكونوا يسألونه عن المقدَّرات والأغلوطات وعُضَل المسائل، ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها، بل كانت همَمُهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به، فإذا وقع بهم أمر سألوا عنه فأجابهم (2).

[الأشياء التي نُهيَ عن السؤال عنها]
وقد قال [اللَّه] (3) تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} [المائدة: 101 - 102].
وقد اختُلِف في هذه الأشياء المسؤول عنها: هل (4) أحكام قَدَريَّة أو أحكام شرعية؟ على قولين؛ فقيل: إنها أحكام شرعية عفا اللَّه عنها، أي سكتَ عن تحريمها فيكون سؤالهم عنها سبب تحريمها، ولو لم يسألوا
__________
= وقال ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2/ 1062/ رقم 2053): "روى جرير بن عبد الحميد، ومحمد بن فضيل، عن عطاء. . (وذكره) ".
قلت: وجرير وابن فضيل ممن رويا عن عطاء بعد الاختلاط؛ فالإسناد ضعيف، قال الهيثمي في "المجمع" (1/ 159): "فيه عطاء بن السائب، وهو ثقة، ولكنه اختلط، وبقية رجاله ثقات"، وحكمه هذا أدق من قول ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (2/ 77): "إسناده حسن"، إلا أنه فاته العزو للبزار، وهو عنده باللفظ الذي أوردناه آنفًا؛ كما أفاده السيوطي في "الإتقان" (في النوع الثاني والأربعين، 2/ 315)، وصححه. ولتحرير عدد الأسئلة التي في القرآن، وجدتُ أن مصادر التخريج تتابعت على إيراد الأثر بلفظ: "ثلاث عشرة مسألة"، وعند البزار: "عن اثنتي عشرة مسألة، كلها في القرآنِ" قال السيوطي في "الإتقان" (2/ 315) عقبه: "أورده الإمام الرازي بلفظ: "أربعة عشر حرفًا"، ثم ذكرها عنه تعدادًا، ثم بيّن أن اثنين منها -وهما السؤال عن الروح، والسؤال عن ذي القرنين- سألهما غير الصحابة، ثم قال: "فالخالص اثنا عشر؛ كما صحت به الرواية".
قلت: رواية الطبراني فيها ستة عشر من الأسئلة، وبعضها ليس في القرآن.
(1) انظر: "جامع بيان العلم وفضله" (2/ 1062/ 2053).
(2) من قوله: "وقال الأوزاعي" إلى هنا سقط من (ن).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ق) بعدها: "هي".
(2/134)

[عنها] (1) لكانت عفوًا، ومنه قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- وقد سُئل عن الحج-: "أفي كُلِّ عام؟ فقال: لو قُلتُ نعم لوجبت، ذَرُوني ما تركتكم، فإنما هَلَكَ مَنْ كان قبلكم بكثرة مَسَائِلِهم (2) واخِتلافِهِم على أَنْبِيائِهم" (3)؛ ويدل على هذا التأويل حديثُ أبي ثعلبة [المذكور] (4) "إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرْمًا [من سَئل عن شيء لم يُحرّم، فحُرِّم من أجل مسألته" (5)]، ومنه الحديث الآخر: "إن اللَّه فَرَضَ فرائض فلا تضيِّعوها، وحد حدودًا فلا تَعْتَدُوها، وحَرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم [من] (6) غير نِسْيَانٍ فلا تبحثوا عنها" (7) وفُسِّرت بسؤالهم عن أشياء من الأحكام القدرية؛ كقول عبد اللَّه بن حُذَافة: "مَنْ أبي يا رسول اللَّه؟ " (8)، وقول آخر: "أيْنَ أبي (9) يا رسول اللَّه؟ " قال: "في النار" (10).

[توضيح معنى آية النهي عن السؤال]
والتحقيق أن الآية تعم النهيَ عن النوعين، وعلى هذا فقوله تعالى: {إِنْ تُبْدَ
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ق).
(2) في (ن): "فإنما أهلك الذين قبلكم كثرة مسائلهم".
(3) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب العمرة): باب عمرة التنعيم، (3/ 606/ رقم 1785)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الحج): باب بيان الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران (2/ 883 - 884/ رقم 1216)، من حديث جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه-.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5) سيأتي تخريجه.
وبدل ما بين المعقوفتين في المطبوع و (ك): "الحديث"، اختصارًا له.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) سيأتي تخريجه.
(8) رواه البخاري (93) في (العلم) باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث، و (540) في (مواقيت الصلاة): باب وقت الظهر عند الزوال، و (6362) في (الدعوات): باب التعوذ من الفتن، و (7089) في (الفتن): باب التعوذ من الفتن، و (7294) في (الاعتصام): باب ما يكره من كثرة السؤال، ومسلم (2359) في (الفضائل) باب توقيره -صلى اللَّه عليه وسلم- وترك إكثار سؤاله، من حديث أنس بن مالك.
(9) في (ق): "أنا" بدل "أبي"، وأشار في الهامش إلى أن في نسخة ما أثبتناه.
(10) أخرجه مسلم، (كتاب الإيمان): باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار (1/ 191، رقم 203)، وأبو داود (كتاب السنة): باب في ذراري المشركين (4/ 191)، والجورقاني في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" (1/ 232 - 233).
(2/135)

لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [إما] (1) في أحكام الخلق والقدر، فإنه يسوءهم أن يبدوَ لهم [ما يكرهونه مما سألوا عنه، وإما في أحكام التكليف فإنه يسوءهم أن يبدوَ لهم] (2) ما يشقُّ عليهم تكليفه مما سألوه عنه.
وقوله [تعالى] (3): {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} فيه قولان:
أحدُهما: أنَّ القُرْآن إذا نَزَل بها ابتداءً بغير سؤال فسَألتُم عن تفصيلِها وعِلْمها أُبديَ لكم وبُيّنَ لكم، والمراد بحين النزول زمنه المتصل [به] (4)، لا الوقت المقارن للنزول، وكأن في هذا إذنًا لهم في السؤال عن تَفْصيل المُنزَّل ومعرفته بعد إنزاله؛ ففيه رفعٌ لتوهُّمِ المَنْعِ من السؤال عن الأشياء مطلقًا.
والقول الثاني: أنه من باب التهديد والتحذير، أي [إن] (5) سألتم عنها في وقتِ نُزولِ الوَحي جاءكم بيانُ ما سألتم عنه [ولا بد، وبَدا لكم ما يسُؤكم؛ (لأنه وقت وحي، فاحذروا أن يُوحيَ اللَّه إلى رسوله في بيان ما سألتم عنه ما] (6) يسوءكم والمعنى: لا تتعرضوا للسؤال عما يسوءُكُم) (7) بيانُه، وإن تعرضتم له في زمن الوحي أُبديَ لكم.
وقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} أي: عن بيانها خبرًا وأمرًا، بل طوى بيانَها عنكم رحمةً ومغفرةً وحلمًا (8) واللَّه غفور حليم.
فعلى القول الأول: عفا اللَّه عن التكليف بها تَوْسِعَةَ عليكم، وعلى القول الثاني: عفا اللَّه عن بيانها لئلا يسوءكم بيانها (9).
وقوله: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)} أراد نوع تلك المسائل، لا أعيانها، أي قد تعرَّضَ قوم من قبلكم لأمثال هذه المسائل، فلما بُيِّنَت لهم كفروا بها، فاحذروا مشابهتَهُم والتعرُّضَ (10) لما تعرضوا له.
ولم ينقطع حكم هذه الآية، بل [لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال] (11) عما
__________
(1) في (ق): "ما".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(5) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع و (ن): "ما" وسقط من (ك).
(6) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع و (ن): "بما" ووقع في (ق): "مما يسؤكم والمعنى".
(7) ما بين الهلالين سقط من (ك).
(8) في (ك) و (ق): "وحكمة".
(9) في (ق) و (ك): "لئلا يسؤكم شأنها".
(10) في (ق): بعد هذه الكلمة: "والتعرض".
(11) العبارة في (ق): "بل ينبغي ألّا يتعرض للسؤال".
(2/136)

إن بدا له ساءه، بل يستعفي ما أمكنه، ويأخذ بعفو اللَّه، ومن ههنا قال عمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-] (1): يا صاحب الميزاب، لا تخبرنا، لما سأله رفيقه عن مائِه أطاهر أم لا (2)؟ وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طَوَاه عنه وسَتَره، فلعلَّه يسوءه إن بَدَى له، فالسؤال عن جميع ذلك تعرُّض لما يكرهه اللَّه؛ فإنه سبحانه يكره إبدائها، ولذلك سكت عنها، [واللَّه أعلم] (3).

فصل [الآثار عن التابعين في ذم الرأي]
قالوا: ومن تدبر الآثار المروية في ذم الرأي وجدَها لا تخرج عن هذه الأنواع المذمومة، ونحن نذكر آثار التابعين ومَنْ بعدهم بذلك؛ ليتبيَّن مرادهم:
قال الخُشَني: ثنا محمد بن بَشَار: ثنا يحيى بن سعيد القَطَّان، عن مُجَالد عن الشعبي، قال: لعن اللَّه أَرأيتَ (4).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) أخرجه مالك في "الموطأ" (1/ 23 - 24 رقم 14): (كتاب الطهارة): باب الطهور للوضوء -ومن طريقه عبد الرزاق في "المصنف" (1/ 76 - 77 رقم 250)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 250) - عن يحيى بن عبد الرحمن عن عمر بنحوه، وفي إسناده انقطاع، قاله ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (1/ 246)، وفضل النووي فقال في "المجموع" (1/ 174):
"هذا أثر إسناده صحيح إلى يحيى بن عبد الرحمن، لكنه مرسل منقطع، فإن يحيى -وإن كان ثقة- لم يدرك عمر، بل ولد في خلافة عثمان، هذا هو الصواب"، ثم قال: "إلا أن هذا المرسل له شواهد تقويه".
قلت: ذكرتها وخرجتها في تعليقي على "الطهور" لأبي عبيد القاسم بن سلام (رقم 221، 222، 223)، و"الخلافيات" (3/ 124 رقم 927).
وانظر -غير مأمور-: "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 142)، و"مصنف عبد الرزاق" (1/ 76، 77)، و"تهذيب الآثار" للطبري (2/ 213، 218، 219)، و"سنن الدارقطني" (1/ 26)، و"الأوسط" لابن المنذر (1/ 310).
(3) في (ق): "ابتداءها" وما بين المعقوفتين سقط منها.
(4) أخرجه البيهقي في "المدخل" (رقم 226)، وابن عبد البر في "الجامع" (رقم 2095)، وابن بطة في "الإبانة" (رقم 605)، وفي إسناده مجالد بن سعيد وهو ضعيف، لكن هو صحيح عنه، فانظر "الموافقات" (5/ 383 - 384 بتحقيقي).
(2/137)

قال يحيى بن سعيد: وثنا صالح بن مُسْلِم قال: سألت الشعبي عن مسألة من النكاح فقال: إن أخبرتُكَ برأيي [فَبُل] عليه (1).
[قالوا: فهذا قول الشعبي في رأيه، وهو من كبار التابعين] (2)، وقد لَقي مئة وعشرين من الصحابة، وأخذ عن جمهورهم (3).
وقال الطحاوي: ثنا سُليمان بن شُعَيْب: ثنا عبد الرحمن بن خالد: ثنا مالك بن مِغْوَل، عن الشعبي قال: ما جاءكم به هؤلاء عن أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فخذوه، وما كان من رأيهم فاطرحوه في الحشِّ (4).
[وقال البخاري: حدثنا سُنيد بن داود: ثنا حماد بن زيد (5)، عن عمرو بن دينار قال: قيل لجابر بن زيد: إنهم يكتبون ما يسمعون منك، قال: إنا للَّه وإنا إليه
__________
(1) رواه ابن حزم في "الإحكام" (6/ 52) من طريق يحيى بن سعيد به. وروى أبو نعيم في "الحلية" (4/ 319) من طريق عبد الرحمن بن حماد الشُّعْيثي (في المطبوع: الشعبي: وهو خطأ!): حدثنا صالح بن مسلم به نحوه، وليس فيه أن المسألة في النكاح ونحوه في "طبقات ابن سعد" (6/ 250) من طريق محمد بن جحادة عن الشعبي، وبدل ما بين المعقوفتين في (و): "قبل"!.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) انظر "تهذيب الكمال" (14/ 28 - 40).
(4) رواه ابن حزم في "الإحكام" (6/ 54) من طريق الطحاوي به، وعنده (خالد بن عبد الرحمن) بدل (عبد الرحمن بن خالد)! ورواه الدارمي (1/ 67)، ومن طريقه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (4/ 319)، وعلقه ابن عبد البر (1439) من طريق مالك بن مغول -وهو من الثقات- به.
وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (11/ 256) (20476)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (4/ 319)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1438)، والبيهقي في "المدخل" (814) عن الثوري، ومعمر عن ابن أَبْجَر قال لي الشعبي: ما حدثوك عن أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فخذ به، وما قالوا برأيهم فبُل عليه. وإسناده صحيح.
وأخرجه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (2/ 592)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (6/ 251) من طريق ابن أبي السفر، والخطيب في "الجامع" (2/ 190 رقم 1575) من طريق أبي نعيم، وابن بطة في "الإبانة" (2/ 517 رقم 607) من طريق ابن إدريس، جميعهم عن الشعبي بألفاظ.
و"الحش" (بضم الحاء وفتحها وكسرها): [والجمع: الحشان، مثل: ضيف وضيفان، والحش -أيضًا]: البستان المخرج -أيضًا-؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين. [والجمع: الحشوش]. (و) (ح)، وما بين القوسين زيادة (و) على (ح)، وما بين المعقوفتين زيادة (ح) على (و)، وفي (ط) باختصار شديد.
(5) في (ق) و (ن): "قال البخاري" وفي (ق) بعد "حماد بن زيد" زيادة: "عن زيد"!!
(2/138)

راجعون، يكتبونه وأنا أرجع عنه غَدًا (1).
وقال إسحاق بن راهويه] (2): قال سفيان بن عُيَينة: اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم، لا أن [يقول هو] (3) برأيه.
[وقال ابن أبي خَيْثَمة: ثنا الحَوْطي: ثنا إسماعيل بن عَيَّاش، عن سوادة بن زياد وعَمرو بن المُهاجر عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس: إنه لا رَأْيَ لأحد مع سنةٍ سَنَها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-] (4).
قال أبو نَضْرَة (5): سمعت أبا سَلَمة بن عبد الرحمن يقول للحسن البصري: بَلَغني أنك تُفْتِي برأيك، فلا تُفْتِ برأيك إلا أن يكون سنةً عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (6).
[وقال البخاري: حدثني محمد بن مَحْبوبِ: ثنا عبد الواحد: ثنا الزِّبْرقان بن عبد اللَّه الأسدي أن أبا وائل شَقِيق بن سَلَمة قالَ: إياك ومجالسَةَ من يقول: أرأيت أرأيت (7).
__________
(1) ورواه من طريقه ابن عبد البر (2070) (ص: 1069) وعنه ابن حزم في "الإحكام" (6/ 25) وسنيد ضعيف.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) في (ك): "يقولوا"، وفي (ق): "أن يقول برأيه".
(4) أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" (1456) (ص 781) وعنه ابن حزم في "الإحكام" (6/ 53) من هذا الطريق، وانظر "الموافقات" (3/ 29 - 30) و (4/ 460 - 461) وتعليقي عليه.
وما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5) كذا في (ق) و (ك) وهو الصواب، وفي (ن): "أبو بصرة"، وفي المطبوع: "أبو بصيرة"، ووقع في (ق): "وقال".
(6) أخرجه الدارمي في "السنن" (1/ 58)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 163)، وأبو إسماعيل الهروي في "ذم الكلام" (رقم 321)، وابن حزم في "الإحكام" (6/ 54)، من طريق أبي نضرة عن أبي سلمة، وأبو نضرة هو المنذر بن مالك من الثقات، وكذا باقي رواته، فإسناده صحيح.
وفي (ك) و (ق): "إلا أن تكون سنة سنها رسول اللَّه".
(7) أخرجه البخاري في "التاريخ الأوسط" (1/ 374 رقم 831/ رواية الخفاف) ومن طريقه ابن حزم في "الإحكام" (6/ 55) - والدارمي (1/ 66)، والبيهقي في "المدخل" (229) وأبو إسماعيل الهروي في "ذم الكلام" (2/ 282 رقم 368) من طريق يحيى بن سعيد عن الزِّبْرقان، وسنده صحيح.
ورواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (رقم 2094 ص 1076) وابن بطة في الإبانة (2/ 451 رقم 429) من طريق علي بن هاشم بن البريد، وأخرجه ابن بطة =
(2/139)

وقال أبان بن عيسى بن دِينار، عن أبيه، عن ابن القاسم، عن مالك، عن ابن شِهَاب قال: دَعُوا السنة تمضي، لا تَعَرَّضُوا لها بالرأي] (1).
وقال يُونُس، [ثنا ابن وهب أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن أبي الأسود -وهو محمد بن عبد الرحمن بن نَوْفَل- سمعت عُرْوة بن الزبير يقول: ما زال أمرُ بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم المولِّدون [أبناء] سَبَايا الأمم (2)، فأخذوا فيهم بالرأي، فأضَلُّوهم (3).
__________
= (رقم 415) من طريق عبدة بن سليمان الكلابي، وابن حزم في "الإحكام" (6/ 228) من طريق عبد الواحد بن زياد جميعهم عن الزِّبْرقان به.
وفي جميع الأصول: "ابن الزبرقان بن عبد اللَّه الأسيدي"!! وكذا في (ق)، وسقطت منه (ابن) قبل (الزبرقان) والصواب ما أثبتناه وترجمه البخاري في "التاريخ الكبير" (3/ 436) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ثم وجدت أن الإمام أحمد وابن معين وثقاه، وقال ابن المديني: قلت ليحيى: إن سفيان كان لا يحدث عن الزّبرقان؟ قال: لأنه لم يره، ليت كل من يحدث عنه سفيان كان ثقة مثل الزبرقان، قلت: كان ثقة؟ قال: كان صاحب حديث.
(1) أخرجه ابن حزم في "الإحكام" (6/ 55) من طريق أبان بن عيسى به.
عيسى بن دينار ترجمه القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (2/ 18) قال: "لم يذكر أحد من أصحاب علم الرجال والأثر سماعًا لعيسى من مالك، ولا أثبتوه، ولا روى أحد من الفقهاء وعلماء الرأي والمسائل له مقالًا عن مالك، ولا رفعوا له عنه فتيا، وعيسى في شهرته لا يخفى مثل هذا من فضائله، ويعد أول مناقبه" كذا في "مجرد أسماء الرواة عن مالك" (325 رقم 1335) لرشيد الدين العطار، وهو يروي هذا الأثر عن مالك بواسطة ابن القاسم، وابنه أبان لم أظفر له بترجمة، وما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2) في (ن): "المولدون وسبايا الأمم"، وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) رواه ابن حزم في "الإحكام" (6/ 55) من طريق يونس بن عبد الأعلى به، وما بين المعقوفتين منه، وسقط من جميع الأصول. ورواه الدارمي في "مقدمة السنن" (1/ 50) من طريق علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن محمد بن عبد الرحمن به، وإسناده صحيح.
ورواه البيهقي في "معرفة السنن الآثار" (1/ 188 رقم 335) في المقدمة، في ذم الاقتداء بمن لم يؤمر بالاقتداء به (1/ 109)، وفي "المدخل" (222)، وابن عبد البر في "الجامع" (2031)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (3/ 394) من طريق سفيان بن عيينة، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (3/ 393) من طريق إسماعيل بن عياش كلاهما عن هشام بن عروة به، وذكره ابن عبد البر (2015) من طريق هشام عن أبيه =
(2/140)

وذكر ابن وَهْب، عن ابن شِهَاب أنه قال وهو يذكر ما وَقَعَ فيه الناسُ من هذا الرأي وتركهم السنن، فقال: إن اليهودَ والنصارى [إنما] (1) انسلخوا من العلم الذي بأيديهم حين اتَّبَعُوا الرأي وأخذوا فيه (2).
[وقال ابن وَهْب: حدثني ابنُ لَهيعة أن رجلًا سأل سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن شيء، فقال: لم أسمع في هذا شيئًا، فقال له الرجل: فأخبرني أصلحك اللَّه برأيك، فقال: لا، ثُمَّ أعاد عليه، فقال: إني أَرْضى برأيك (3)، فقال [سالم: إنِّي] لعلِّي إنْ أخبرتُك برأيي ثم تذهب فأرّى بعد ذلك رأيًا غيره فلا أجدك (4).
وقال البُخاريُّ: حدثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه الأُوَيْسيُّ: ثنا مالك بن أنس قال: كان رَبيعة يقول لابن شهاب: إن حالي ليس يُشْبه حالك، أنا أقول برأيي
__________
= وخالف أصحاب هشام: وكيع، فرواه عن هشام عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو قوله، أخرجه ابن أبي شيبة (15/ 177 رقم 19438).
وخالفهم قيس بن الرببع، فرواه عن هشام عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو رفعه، أخرجه البزار في "مسنده" (1/ 96 - "كشف الأستار")، وقال: "لا نعلم أحدًا" قال: عن هشام عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو إلا قيس، ورواه غيره مرسلًا.
وعزاه الهيثمي في "المجمع" (1/ 180) للبزار وقال: "فيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة، والثوري، وضَعَّفه جماعة، وقال ابن القطان: هذا إسناد حسن".
أقول: قيس بن الربيع لا يُحسَّن حديثه! والعجب أنه ذكره في الزوائد مع أن ابن ماجة أخرجه.
فرواه (56) من طريق سويد بن سعيد ثنا ابن أبي الرِّجال عن الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد اللَّه بن عمرو رفعه. قال البوصيري في "الزوائد" (1/ 50) هذا إسناد ضعيف لضعف ابن أبي الرِّجال.
ورُوي من حديث عائشة -أيضًا- رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 180)، وفيه عبد اللَّه بن محمد بن يحيى بن عروة، وهو متروك.
وروى البيهقي في "المعرفة" (1/ 109) نحوه عن عمر بن عبد العزيز.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ذكره عنه ابن عبد البر في "الجامع" (2028) (ص 1051) دون إسناد.
(3) في (ك): "بذلك" وبدل ما بين المعقوفتين في (ق): "يا ابن أخي".
(4) أخرجه ابن حزم في "الإحكام" (6/ 55) من طريق ابن وهب به. وذكره ابن عبد البر (1442) (ص 777) هكذا: وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن سالم، وسنده حسن.
(2/141)

مَنْ شاء أخذه وعمل به ومَنْ شاء تركه (1).
وقال الفريابي: ثنا أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: سمعت حماد بن زيد يقول: قيل لأيوبَ السِّخْتِياني: مالك لا تنظر في الرأي؟ فقال أيوب: قيل للحمار مالك لا تَجترُّ (2)؟ قال: أكره مَضْغَ الباطل (3).
وقال الفِرْيَابي: ثنا العَبَّاس بن الوليد بن مَزْيَد: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعيَّ يقول: عليك بآثار مَنْ سَلَفَ وإن رَفَضَك الناسُ، وإياك وآراء الرجال وإن زَخْرَفوا لك القول (4).
وقال أبو زرعة: ثنا أبو مُسْهِر قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول أنه كان إذا سُئِل (5) لا يُجيبُ حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، هذا الرأي، والرأيُ يخطئُ ويصيب] (6).
__________
(1) هو في "التاريخ الكبير" له (3/ 286 - 287)، هكذا قال عبد العزيز بن عبد اللَّه. . . إن حالي ليس يشبه حالك: أنا أقول برأيي، مَنْ شاء أخذه، وأنت تحدث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فتحفظ، ورواته ثقات.
(2) "من الاجترار والجرة -بالكسر-: ما يخرجه البعير للاجترار، فيأكله ثانية، وبفتح: وقد اجتروا جر" (ح). وفي (ك) و (ق): "قيل للحمار".
(3) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (2085) (ص 1073)، وابن حزم في "الإحكام" (6/ 53) بهذا الإسناد، وإسناده صحيح. وأخرجه الدينوري في "المجالسة" (رقم 2950) من طريق الدورقي به.
(4) رواه ابن عبد البر (2077) وعن ابن حزم في "الإحكام" (6/ 52 - 53) من طريق الفريابي به، ورواه البيهقي في "المدخل" (233) من طريق محمد بن يعقوب عن العباس به، وإسناده جيد.
وأخرجه الآجري في "الشريعة" (ص 58 - ط القديمة و 1/ 445/ رقم 127)، والخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (8)، والهروي في "ذم الكلام" (رقم 116، 317) من طريق العباس بن الوليد به.
وذكره الذهبي في "العلو" (ص 138)، وابن قدامة في "ذم التأويل" (ص 67).
وفي (ك): "وإياك ورأي الرجال".
(5) في (ق) و (ك) والنسخ المطبوعة: "قال: كان سعيد بن عبد العزيز إذا سئل"! وفيه نقص، وصوابه ما أثبتناه كما عند أبي زرعة.
(6) أخرجه أبو زرعة الدمشقي في "تاريخه" (1/ 326 رقم 622) -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (11/ ق 399) وابن حزم في "الإحكام" (6/ 57) - وذكره الذهبي في "السير" (5/ 161) في ترجمة (مكحول)، ورواته ثقات، أبو مسهر هو عبد الأعلى بن مسهر وما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2/142)

وقد روى أبو يوسف والحسن بن زياد كلاهما عن أبي حنيفة أنه قال: عِلْمُنَا هذا رأيٌ، وهو أحسن ما قَدِرْنا عليه، ومن جاءنا بأحْسَنَ منه قبلناه منه.
[وقال الطحاوي: ثنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم: ثنا أشهب بن عبد العزيز قال: كنتُ عند مالك فسُئل عن ألبتَّة (1)، فأخَذْتُ ألواحي لأكتب ما قال، فقال لي مالك: لا تفعل، فعَسَى في العشيِّ أقول: إنها واحدة] (2).
وقال مَعْنُ بن عيسى القَزَّاز: سمعت مالكًا يقول: إنما أنا بشر أُخطئ وأُصيب، فانظروا في قولي، فكلُّ ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتابَ والسنة فاتركوه (3).
فرضيَ اللَّه عن أئمة الإسلام، وجَزَاهم عن نصيحتهم [للأمة] (4) خيرًا، ولقد امتثل وصيتَهم وسلك سبيلَهم أهلُ العلم والدين من أتباعهم.

[المتعصبون عكسوا القضية]
وأما المتعصبون فإنهم عكسوا القضية، ونظروا في السنة، فما وافق أقوالَهم منها قبلوه، وما خالفها تحيَّلوا في ردِّه أو ردِّ دلالته، وإذا جاء نظيرُ ذلك أو أضعفُ منه سندًا ودلالَةً وكان موافقًا (5) قولَهم قبلوه، ولم يستجيزوا رده، واعترضوا به على (6) منُازعيهم، وأشاحوا (7) وقرَّروا الاحتجاج بذلك السند ودلالته، فإذا جاء ذلك السندُ [بعينه] (8) أو أقوى منه، ودلالته كدلالة ذلك أو
__________
(1) "ألبتة": يريد طلاق ألبتة، وهو أن يقول الرجل لزوجته: أنت طالق ألبتة: أي لا رجعة لك" (ط)، ونحوه باختصار في (و) و (ح).
(2) رواته ثقات، ونحوه في "ترتيب المدارك" (1/ 150) و"الموافقات"، (5/ 331، 332 - بتحقيقي).
وما بين المعقوفتين سقط من (ن) ووقع في (ق): "قال الطحاوي".
(3) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (1435 و 1436)، من طريق إبراهيم بن المنذر عن معن بن عيسى به. وإسناده حسن.
وذكره القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (1/ 146 - 147)، والشاطبي في "الموافقات" (5/ 331 - بتحقيقي).
وفي (ك): "فكل ما وافق الحقّ والسنة".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في المطبوع و (ك): "يوافق" وفي (ق): "أو أضعف منه".
(6) في (ق) و (ك): "وأعرضوا به عن".
(7) في (ق) و (ك): "وأشاعوا".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2/143)

أقوى منه في خلاف قولهم، دفَعُوهُ ولم يقبلوه، وسنذكر من هذا إن شاء اللَّه طَرَفًا عند ذكر غائلة (1) التقليد وفساده، والفرق بينه وبين الاتِّباع.

[كلام أئمة الفقهاء في الرأي]
و [قال بَقِيُّ بن مَخْلَد: ثنا سَحْنون والحارثُ بن مِسْكين] (2)، عن [ابن] (3) القاسم عن مالك أنه كان يُكثر أن يقول: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} (4) [الجاثية: 32].
وقال القعنبي: دخلت على مالك بن أنس في مَرَضِه الذي مات فيه، فسلّمْتُ عليه، ثم جلستُ، فرأيته يبكي، فقلت له: يا أبا عبد اللَّه، ما الذي يبكيك؟ فقال [لي]: يا ابن قعنب، ومالي لا أبكي؟ ومَنْ أحقُّ بالبكاء مِنِّي؟ واللَّه لودِدْتُ أني ضُربت بكلِّ (5) مسألة أفْتَيْتُ فيها بالرأي سَوْطًا، وقد كانت لي السَّعَة فيما قد سُبقت [إليه]، وليتني لم أفْتِ بالرأي (6).
وقال ابنُ أبي داود: ثنا أحمد بن سِنان قال: سمعت الشافعيَّ يقول: مَثَلُ الذي يَنْظرُ في الرأي ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عُولج حتى بَرأ فأعقل ما يكون قد هاج به (7).
وقال ابن أبي داود: حدثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: لا تكاد تَرَى أحدًا ينظر في الرأي إلا وفي قلبه دَغَل (8).
__________
(1) "الغائلة" الشر، وفي "الصِّحاح" (5/ 1788): "فلان قليل الغائلة، والغالة الشر" (ح). ووقع في (ق): "وسنذكر من هذا طرفًا أن شاء اللَّه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (و).
(4) ذكره ابن عبد البر بصبغة التمريض (2092) (ص 1075) دون إسناد، وذكره أيضًا القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (1/ 148)، والشاطبي في "الموافقات" (5/ 329 - بتحقيقي).
(5) في (ق) و (ك): "في كل".
(6) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (2081، ص 1072) من طريق مالك بن علي عن القعنبي به. وفي سنده محمد بن عمر بن لبابة ضعيف الرواية.
وأسنده من طريق القعنبي به: الحميدي في "جذوة المقتبس" (2/ 552 - 553) والضبي في "البغية" (ص 464)، وابن حزم في "إبطال القياس" (67) وقال: "ثبت عنه"، ونحوه في "ترتيب المدارك" (1/ 149 - 150)، و"الموافقات" (5/ 330 - بتحقيقي) وما بين المعقوفات سقط من (ق).
(7) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (2034) (ص 1053)، وإسناده حسن.
(8) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (2035) (ص 1054) بهذا الإسناد. =
(2/144)

وقال عبد اللَّه بن أحمد أيضًا: سمعت أبي يقول: الحديثُ الضعيف أحَبُّ إليَّ من الرأي، وقال عبد اللَّه (1): سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجدُ [فيه] إلا صاحبَ حديثٍ لا يعرف صحيحَه من سقيمه وأصحابَ رأيٍ، فتنزل بهم (2) النازلة؟ فقال أبي: يسأل أصحابَ الحديث، ولا يسأل أصحابَ الرأي، ضعيفُ الحديثِ أقوي من الرأي (3).

[أبو حنيفة يقدم الحديث الضعيف على الرأي والقياس]
وأصحاب أبي حنيفة [رحمه اللَّه] (4) مُجْمِعُونَ على أن مذهبَ أبي حنيفة أن ضعيف الحديث [عنده أولى] (5) من القياس والرأي، وعلى ذلك بَنَى مذهبه، كما قدَّم حديث القَهْقَهة (6) مع ضعفه على القياس والرأي، [وقَدَّم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السَّفر (7) مع ضَعْفه على الرأي والقياس، ومنع قَطْعَ السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم (8) والحديث فيه ضعيف، وجعل أكثرَ الحيض عشرةَ أيام (9) والحديث فيه ضعيف، وشَرَط في إقامة الجمعة المِصْرَ والحديثُ فيه كذلك (10)
__________
= و"الدغل" [بالتحريك]: الفساد" (ط)، (ح)، وما بين المعقوفتين. زيادة (ح) على (ط).
(1) في المطبوع: "فقال عبد اللَّه".
(2) في المطبوع: "فتنزل به".
(3) الذي وجدته في "مسائل عبد اللَّه" (ص 438): "سألت أبي عن الرجل يريد أن يَسأل عن الشيء من أمر دينه مما يبتلى به من الأيمان في الطلاق وغيره، وفي مصره من أصحاب الرأي، ومن أصحاب الحديث لا يحفظون، ولا يعرفون الحديث الضعيف، ولا الإسناد القوي، فلمن يسأل؟ لأصحاب الرأي، أو لهؤلاء -أعني- أصحاب الحديث، على ما قد كان من قلة معرفتهم؟ قال: يسأل أصحاب الحديث، لا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث خير من رأي أبي حنيفة". والمذكور لفظ ابن حزم في "إبطال القياس" (ص 67).
ورواه عن عبد اللَّه عن أحمد بنحو ما عند المصنف: الخطيب في "تاريخ بغداد" (13/ 418)، وأبو إسماعيل الهروي في "ذم الكلام" (2/ 179 - 180 رقم 326).
وبدل ما بين المعقوفتين في (ق): "فيها".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق): "أولى عنده" وكذا في "إبطال القياس" (ص 68).
(6) سيأتي تخريجه.
(7) سيأتي تخريجه.
(8) سيأتي تخريجه.
(9) سبق تخريجه.
(10) قلت: هو يريد حديث: "لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع" وهذا قال عنه الزيلعي: غريب مرفوعًا (2/ 195).
أما الحافظ ابن حجر فقال في "التلخيص" (2/ 254) "ضعيف" وقال النووي في "المجموع": ضعيف جدًّا، وهذا يوهم أن له سندًا مرفوعًا وليس كذلك!!. =
(2/145)

وترك القياس المحْضَ في مسائل [الآبار] لآثار فيها غيرِ مرفوعةٍ (1)، فتقديمُ (2) الحديثِ الضعيفِ وآثار الصحابة على القياس والرأي (3) قولهُ، وقولُ الإمام أحمد.

[المراد بالحديث الضعيف عند السلف]
وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل ما يسميه المتأخرون حسنًا قد يسميه المتقدمون ضعيفًا كما تقدم بيانه] (4).

[السلف جميعهم على ذم الرأي]
والمقصود أن السلف جميعَهم على ذَمِّ الرأي والقياس المخالِفِ للكتاب والسنة، وأنه لا يحل العمل به لا فُتْيَا ولا قضاءً (5)، وأن الرأي الذي لا يُعلم
__________
= فقد رواه عبد الرزاق (5175) (5/ 167)، من طريق الحارث، عن علي موقوفًا، والحارث ضعيف، وعزاه الزيلعي لابن أبي شيبة من طريق الحارث -أيضًا-، ولم أجده فيه، ولعله في "مسنده".
ورواه عبد الرزاق (5176)، وابن أبي شيبة (2/ 10 - دار الفكر)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 179)، وفي "معرفة السنن والآثار" (1672، 2/ 467)، من طريق سعد بن عدة عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، وسنده صحيح، وعزاه الحافظ في "الفتح" (2/ 457) لأبي عبيد، وصححه موقوفًا على علي، وكذا في "الدراية" (131).
ورواه ابن عدي (1/ 286 - 287)، عن علي موقوفًا بإسناد فيه راو ضعيف.
وانظر في توجيه قول علي والرد على الحنفية في الاحتجاج به: "التحقيقات العلى بإثبات فرضية الجمعة في القرى" (ص 33 - 34) لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، وانظر في المسألة: "إعلاء السنن" (8/ 1)، "فضائل الجمعة" (ص 97 - 102).
(1) انظر في المسألة: "شرح فتح القدير" (1/ 102 - 103) لابن الهمام، و"البناية شرح الهداية" (1/ 406) للعيني، و"الجوهر النقي" (1/ 267) لابن التركماني.
وانظر الآثار الواردة في الباب عند أبي عبيد في "الطهور" (ص 241 - 249 - بتحقيقي)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 17)، وابن أبي شيبة في: "المصنف" (1/ 162)، وابن المنذر في "الأوسط" (1/ 274)، وعبد الرزاق في "المصنف" (1/ 82 - 83)، والدارقطني في "السنن" (1/ 33)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 266)، وابن عبد البر في "التمهيد" (1/ 326)، وابن حزم في "المحلى" (1/ 146). وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ك) و (ق): "فيقدم".
(3) زاد هنا في (ك): "فهذا".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5) انظر في تقرير هذا: "بيان فضل علم السلف على علم الخلف" (ص 57) ورسالة: =
(2/146)

مخالفته للكتاب والسنة ولا موافقته فغايته أن يسوغ العمل به عند الحاجة إليه، من غير إلزام ولا إنكار على من خالفه.
[قال أبو عمر بن عبد البر: ثنا عبد الرحمن بن يحيى: ثنا أحمد بن سعيد بن حزم: ثنا عبد اللَّه بن يحيى [بن يحيى] (1)، عن أبيه أنه كان يأتي ابنَ وَهْبٍ فيقول له: من أين؟ فيقول له: من عند ابن القاسم، فيقول له ابن وهب: اتَّقِ اللَّه؛ فإن أكثر هذه المسائل رأي (2).
وقال الحافظ أبو محمد: ثنا عبد الرحمن بن سلمة: ثنا أحمد بن خليل: ثنا خالد بن سعيد: أخبرني محمد بن عمر بن كنانة، ثنا أبان بن عيسى بن دينار قال: كان أبي قد أجْمَع على ترك الفتيا بالرأي، وأحَبَّ الفُتْيَا بما رُوي من الحديث، فأعجلته المنية عن ذلك (3).
وقال أبو عمر: وروى الحسنُ بن واصل أنه قال: إنما هَلَكَ مَنْ كان قبلكم حين تشَعَّبَتْ بهم السُّبُلُ، وحادُوا عن الطَّريق، وتركوا الآثار، وقالوا في الدين برأيهم، فضلَّوا وأضلَّوا (4).
قال أبو عمر: وذكر نُعَيْم بن حَمَّاد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق: مَنْ يَرْغَب برأيه عن أمر اللَّه يَضِلُّ (5).
وذكر ابن وهب قال: أخبرني بكر بن مضر (6) عن رجل من قريش أنه سمع ابنَ شِهاب يقول، وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتركهم السنن، فقال: إن اليهود والنصارى إنما انْسَلَخُوا من العلم الذي كان بأيديهم حين اشتقوا الرأي وأخذوا فيه (7).
__________
= "جميع الرسل كان دينهم الإسلام" (ص 34 - 38) كلاهما لابن رجب، و"صون المنطق" (ص 155 - 157)، "فتح الباري" (13/ 291 - 292). وفي (و)، و (ح): "ولا قضى"، وعلق (و) قائلًا: "أي القضاء"، وقال (ح): "بالقصر: القضاء، وهو الحكم".
(1) ما بين المعقوفتين من نسخة (و) فقط.
(2) الخبر في "ترتيب المدارك" (1/ 541 ط مكتبة الحياة) ووقع في (ق): "فإن كثرة هذه المسائل".
(3) أورده القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (2/ 19 - ط مكتبة الحياة) والذهبي في "السير" (10/ 440).
(4) أخرجه في "الجامع" (2026) دون إسناد.
(5) هو في "الجامع" (2/ 1051 رقم 2027) ورجاله ثقات غير نُعيم ففيه كلام.
(6) كذا في هامش (ق) وهو الصواب لأن الذي يروي عنه ابن وهب بكر بن مضر وليس (ابن نصر)، كما في جميع النسخ!!
(7) ذكره هكذا ابن عبد البر (2028، ص 1051)، وفيه الراوي المبهم.
(2/147)

وذكر ابن جَرير في [كتاب] (1) "تهذيب الآثار" له عن مالك قال: قُبِضَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد تمَّ هذا الأمر واستكمل؛ فإنما ينبغي (2) تَتّبع آثارَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا تتبَّع (3) الرأي؛ فإنه من اتَّبع الرأي جاء رجلٌ آخر أقوى منه في الرأي فاتبعه، [فأنت] كلما جاء رجل غَلَبَكَ اتبعته (4).
وقال نُعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك، عن عبد اللَّه بن وَهْب أن رجلًا جاء إلى القاسم بن محمد، فسأله عن شيء، فأجابه، فلما ولّى الرجلُ دَعَاه فقال له: لا تَقُلْ إن القاسم زعمَ أن هذا هو الحق، ولكن إذا اضْطُرِرْتَ إليه عملتَ به (5).
وقال أبو عمر: قال ابن وَهْب: قال لي مالك بن أنس، وهو يُنكر كثرةَ الجواب للمسائل: يا عبد اللَّه، ما علمتَه فَقُلْ به ودُلَّ عليه، وما لم تعلم فاسكت، وإياك أن تتقلد للناس قِلادَةَ سوء (6).
وقال أبو عمر: وذكر محمد بن حارث بن أسد الخُشَني: أنبأنا أبو عبد اللَّه محمد بن عَبّاس (7) النَّحَّاس قال: سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد الحداد يقول: سمعتُ سحنون بن سعيد يقول: ما أدري ما هذا الرأي! سُفِكت به الدِّماء، واسْتُحِلَّت به الفُرُوج، واسْتُحِقَّت به الحقوق، غير أنَّا رأينا رجلًا صالحًا فقلدناه] (8).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق) بعدها: "أن".
(3) في (ق): "يتبع".
(4) ذكر سنده من "جامع بيان العلم" ابن عبد البر (2/ 1099 رقم 2072) من طريق الحسن بن الصباح، عن إسحاق بن إبراهيم الحنيني، عن مالك، وإسحاق ضعيف.
ثم رواه (2117) من طريق يعقوب الفسوي، عن الحسن به، وفيه إسحاق -أيضًا- وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في "الجامع" (2/ 1070/ رقم 2076)، ورواته ثقات غير نعيم ففيه كلام. وفي (ك): "أن ابن القاسم زعم".
(6) أخرجه الدوري في "ما رواه الأكابر عن مالك" (رقم 39)، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (رقم 822)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (170)، وابن عبد البر في "الجامع" (2/ 1071 رقم 2080) بإسنادٍ صحيح إلى ابن وهب.
وذكره الشاطبي في "الموافقات" (5/ 382 - 383 بتحقيقي)، وفي النسخ جميعها: "يا أبا عبد اللَّه"!! والصواب حذف "أبا" كما في مصادر التخريج.
(7) في (ق) و (ك): "ابن عياش".
(8) هو في "الجامع" (2082) بإسناد صحيح، وما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2/148)

وقال سَلَمة بن شَبيب: سمعت أحمد يقول: رأيُ الشافعي ورأيُ مالك ورأيُ أبي حنيفة كلّه عنده رأي (1)، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار (2).
وقال أبو عُمَر بن عبد البر: أنشدني عبد الرحمن بن يحيى: أنشدنا أبو علي الحسن بن الخضر الأسيوطي (3) بمكة أنشدنا محمد بن جعفر: أنشدنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حنبل عن أبيه:
دينُ النبيِّ محمدٍ آثارُ (4) ... نِعْمَ المطيَّةُ للفتى الأخْبَارُ
لا تُخدَعَنَّ عن الحديث وأهلِهِ ... فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نَهَارُ
ولربما جهل الفتى طُرُقَ الهُدَى ... والشمسُ طالعةٌ لها أنوارُ (5)
ولبعض أهل العلم:
العلم قال اللَّه قال رسوله ... قال الصَّحابةُ ليس خُلْفٌ فيهِ
ما العلم نَصْبُكَ للخلاف سَفَاهَةً ... بين النصوص وبين رأي سَفِيهِ
كلَّا! ولا نَصْبُ الخلاف جَهَالةَ ... بين الرسول وبين رأي فقيهِ
كلَّا! ولا رَدُّ النُّصوصِ تعمُّدًا ... حَذَرًا من التَّجْسيم والتَّشبيهِ
حاشا النُّصُوصَ من الذي رُمِيَتْ به ... من فرْقَةِ التَّعطيل والتَّمويهِ

فصل في الرأي المحمود، وهو أنواع
[النوع] (6) الأول: رأي أفقه الأمة، وأبَرِّ الأمة قلوبًا، وأعمقهم علمًا (7)، وأقلهم تكلَّفًا، وأصحهم قُصُودًا، وأكملهم فِطْرة، وأتمهم إدراكًا، وأصفاهم
__________
(1) في النسخ الخطية: "كلٌّ عنده رأي"!!
(2) أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" (2107)، من طريق العباس بن الفضل، عن سلمة به، وإسناده صحيح.
(3) في (ق) و (ك): "الحسين بن الخضر الأسبوطي".
(4) قال (و): "كان الواجب أن يقال: دين النبي محمد قرآن!! والشعر الآخر أدق وأوفى في دلالته" اه.
(5) هو في "الجامع" (رقم 1459)، ونسب الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (163)، هذه الأبيات لعبدة بن زياد الأصبهاني، وكان عبد الرحمن بن مهدي يتمثل بها -أيضًا-، كما عند أبي إسماعيل الهروي في "ذم الكلام" (2/ 193 - 194 رقم 347) بسنده إليه.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(7) في (ن): "وأعمقها علمًا".
(2/149)

أذهانًا، الذين (1) شاهدوا التنزيل، وعَرَفوا التأويل، وفَهِمُوا مقاصد الرسول؛ فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كنسبتهم إلى صحبته؛ والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل، فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قَدْرهم إلى قَدْرهم.

[قول الشافعي في الصحابة وآرائهم]
قال الشافعي [رحمه اللَّه] (2) في "رسالته البغدادية" التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني (3)، وهذا لفظه: "وقد أثنى اللَّه تبارك وتعالى على أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم اللَّه وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصَّالحين، أدُّوا إلينا سُنَنَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وشاهدوه والوحي (4) ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عامًا وخاصًا وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا (5)، وهم فوقنا في كل عملٍ واجتهادٍ وورعٍ [وعقلٍ] (2) وأمرٍ استدرك به علم واستنبط به، وآراوْهم [لنا] (2) أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومَنْ أَدْرَكنا ممن يُرْضى أو حُكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فيه سُنَّةً إلى قولهِم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله".
ولما كان رأي الصحابة عند الشافعي بهذه المثابة قال [الشافعي] (6) في الجديد في كتاب الفرائض في ميراث الجد والإخوة (7): وهذا مذهب تلقيناه عن زيد بن ثابت، وعنه أخذنا أكثر الفرائض.
قال: والقياس عندي قتل الرَّاهبِ لولا ما جاء عن أبي بكر -رضي اللَّه عنه- (8)، فترك
__________
(1) في المطبوع: "الذي"!
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) ذكره البيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 442)، هكذا دون إسناد.
وروى في "المدخل" (41) أوله بدون إسناد.
(4) في (ق) و (ك): "وشاهدوا الوحي".
(5) في (ق): "وحملنا".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك).
(7) انظره في "كتاب الأم" (4/ 85)، ولفظه هناك: "وهذا قول زيد بن ثابت، وعنه قبلنا أكثر الفرائض" اه.
(8) في وصية "طويلة" له، انظر تخريجي لها في تعليقي على "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (مسألة 1592). وسقطت "رضي اللَّه عنه" من (ق).
وفي (ك): "أبي الصديق رضي اللَّه عنه".
(2/150)

صريح القياس لقول (1) الصديق. وقال في رواية الربيع عنه: والبدعة ما خالف كتابًا أو سنةً أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فجعل ما خالف قول الصحابي (2) بدعة، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى إشباع الكلام في هذه المسألة، وذكر نصوص الشافعي عند ذكر تحريم الفتوى بخلاف ما أفتى به الصحابة، ووجوب اتّباعهم في فتاويهم، [وأن لا] (3) يخرج من جملة أقوالهم، وأن الأئمة متفقون على ذلك.

[ليس مثل الصحابة أحد، وما وافق فيه عمر القرآن]
والمقصود أن أحدًا ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، و [كيف يساويهم] (4) وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته؟ كما رأى عمر [في أَسَارَى] (5) بدر أن تُضرب أعناقُهم فنزل القرآن بموافقته (6)، ورأى أن تُحجب نساء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فنزل القرآن بموافقته (7)، ورأى أن يُتخذ من مقام إبراهيم مصلى فنزل القرآن بموافقته (8)؛ وقال لنساء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما اجتمعن في الغيرة عليه: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ} [التحريم: 5] فنزل القرآن بموافقته (9)، ولما توفي عبد اللَّه بن أبيّ قام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه، فقال: يا رسول اللَّه إنه منافق، فصلى عليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأنزل اللَّه
__________
(1) في (ق): "لرأي".
(2) في (ق): "الصحابة".
(3) في (ق): "وألّا".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق): "بأسارى".
(6) سيأتي تخريجه.
(7) انظر ما بعده.
(8) و (9) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الصلاة): باب ما جاء في القبلة، (1/ 504/ رقم 402، و (كتاب التفسير) باب قوله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (8/ 168/ رقم 4483)، وباب في سورة الأحزاب (8/ 527/ رقم 4790)، وباب في سورة التحريم (8/ 660/ رقم 4916)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب فضائل الصحابة): باب من فضائل عمر -رضي اللَّه عنه- (4/ 1865/ رقم 2399)، والنسائي في "التفسير" (الأرقام 18، 435، 623)، والترمذي في "الجامع" (4/ 69)، وابن ماجه في "السنن" (1/ 322/ رقم 1009)، وأحمد في "المسند" (1/ 23 - 24، 24، 36)، والدارمي في "السنن" (2/ 44)، من قول عمر -رضي اللَّه عنه-.
وقد جمع موافقات عمر وتكلم عليها في رسالة مفردة السيوطي في "قطف الثمر" وهي مطبوعة ضمن "الحاوي للفتاوى"، واعتنى بها عناية جيدة ابن شبة في "تاريخ المدينة"، وذكر طرفًا منها ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ص 97 وما بعدها، ترجمة عمر).
(2/151)

عليه: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} (1) [التوبة: 84].

[حكم سعد بن معاذ وابن مسعود بحكم اللَّه]
وقد قال سعد بن معاذ لما حكَّمه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في بني قريظة: إني أرى أن تُقْتل مقاتلتُهم، وتُسبى ذرياتُهم (2)، وتُغنم أموالُهم، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه من فوق سبع سماوات" (3).
ولما اختلفوا في [المفوضة (4) شهرًا إلى ابن مسعود قال]: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه ورسوله بريء منه، أرى أن لها مَهْر نسائها لا وَكْس ولا شَطَطْ، ولها الميراث، وعليها العِدَّة، فقام ناس من أشْجَعَ فقالوا: نشهد أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى في امرأة منا يُقال لها بَرْوَع بنت واشِق، بمثل ما قضيت [به]، فما فرح ابن مسعود بشيء بعد الإسلام فرحه بذلك (5).
__________
(1) رواه البخاري في "الجنائز" (1269) باب (الكفن في القميص)، وفي (4670) في التفسير: سورة التوبة: باب {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ. . .} و (4672) باب {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}، و (5796) في اللباس: باب لبس القميص، ومسلم (2400) من حديث ابن عمر.
(2) في (ك) و (ق): "ذريتهم".
(3) رواه البخاري (3043) في (الجهاد): باب إذا نزل العدو على حكم رجل، و (3804) في (المناقب): باب مناقب سعد بن معاذ، و (4121) في (المغازي): باب مرجع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من الأحزاب، و (6262) في (الاستئذان): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قوموا إلى سيدكم، ومسلم (1768) في (الجهاد): باب جواز قتال من نقض العهد، من حديث أبي سعيد الخدري.
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "شهر قال ابن مسعود".
(5) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 447)، وأبو داود (2116) في (النكاح): باب فيمن تزوج ولم يُسمِّ صداقًا حتى مات، والترمذي (1145) في (النكاح): باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها، والنسائي (6/ 121 و 122) في (النكاح): باب إباحة التزوج بغير نكاح، و (6/ 198) في (الطلاق): باب عدة المتوفى عنها زوجها قبل أن يدخل بها، وعبد الرزاق (10898 و 10899 و 11745)، وابن الجارود (718)، وابن حبان (4100)، و (4101)، والطبراني في "الكبير" (20/ 543 و 544 و 545)، والحاكم (2/ 180)، والبيهقي (7/ 245 و 246)، من طرق عن عبد اللَّه بن مسعود، وهو صحيح.
وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/152)

[رأي الصحابة خير من رأينا لأنفسنا]
وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا [لأنفسنا، وكيف لا] (1)، وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمةً وعلمًا ومعرفةً وفهمًا عن اللَّه ورسوله ونصيحةً للأمة، وقلوبهم على قلب نبيهم (2)، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غَضًّا طريًا لم يَشُبْه إشكالٌ، ولم يَشُبه خلافٌ (3)، ولم تدنسه (4) معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم (5) من أفسد القياس.

فصل النوع الثاني من الرأي المحمود
الرأي الذي يفسر النصوص، ويبيّن وجه الدلالة منها، ويقررها ويوضح محاسنها، ويُسهِّل طريق الاستنباط منها، كما قال عَبْدَان: سمعت عبد اللَّه بن المبارك يقول: "ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث" (6).
وهذا هو الفهم الذي [يختص اللَّه سبحانه به] (7) من يشاء من عباده.
ومثال هذا رأي الصحابة [-رضي اللَّه عنهم-] (8) في العَوْل (9) في الفرائض عند تزاحم الفروض، ورأيهم في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين، ورأيهم في توريث المَبْتُوتَة في مرض الموت، ورأيهم في مسألة جَرِّ الولاء، ورأيهم في المُحْرم يقع على أهله بفساد حجه ووجوب المُضيّ فيه
__________
(1) في (ق): "خيرًا من رأينا فكيف لا".
(2) في (ق) بعدها: "صلى اللَّه عليه وسلم".
(3) في (ك) و (ق): "اختلاف".
(4) في (ق): "يدنسه".
(5) في (ق) و (ك): "بقياس آرائهم".
(6) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (8/ 168)، وابن عبد البر في "الجامع" (رقم 1457)، وأبو إسماعيل الهروي في "ذم الكلام" (2/ 268 رقم 343) عن عبدان بن عثمان به.
(7) في (ق): "يخص اللَّه به".
(8) سقط من (ق).
(9) "عالة الفريضة": إذا ارتفعت، وزادت سهامها على أصل حساب الموجب عن عدد وارثيها، كمن مات وخلف ابن تين وأبوين وزوجة، فللابنتين الثلثان، وللأبوين السدسان، وهما الثلث، وللزوجة الثمن، فمجموع السهام واحد، وثمن واحد، فأصلها ثمانية، والسهام تسعة" لابن الأثير (و).
(2/153)

والقضاء والهَدْي من قابل، ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا لكل يوم مسكينًا، ورأيهم في الحائض تَطْهُرُ قبل طلوع الفجر تصلي المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل الغروب صلت الظهر والعصر، ورأيهم في الكلالة، وغير ذلك.
قال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون: أنا عاصم الأحول، عن الشعبي قال: سُئل أبو بكر عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد (1).
فإن قيل: كيف يجتمع هذا مع ما صح عنه من قوله: "أَيُّ سَمَاء تُظِلُّني؟ وأي أرض تُقِلُّني إن قلت في كتاب اللَّه برأيي" (2)، وكيف يجامع هذا الحديث الذي تقدم: "من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"؟ (3).
فالجواب أن الرأي نوعان:
أحدهما: رأي مجرد لا دليل عليه، بل هو خَرْص وتخمين، فهذا الذي أعاذ اللَّه الصديق والصحابة منه.
والثاني: رأي مستندٌ إلى [استدلال واستنباط] (4) من النص وحده، أو من نص آخر معه، فهذا من ألطف فَهْمِ النصوص وأدقه، ومنه رأيه في الكلالة أنها ما عدا الوالد والولد، فإن اللَّه سبحانه ذكر الكلالة في موضعين من القرآن، ففي أحد الموضعين (5) وَرَّثَ معها الأخَ والأختَ من الأم، ولا ريب أن هذه الكلالة ما عد الوالد والولد، والموضع الثاني (6) وَرَّث معها ولد الأبو ين أو (7) الأب النصف أو (7) الثلثين، فاختلف الناس في هذه الكلالة، والصحيح فيها قول الصديق الذي
__________
(1) سيأتي تخريجه.
(2) مضى تخريجه.
(3) مضى تخريجه.
(4) في (ك): "الاستدلال والاستنباط".
(5) يعني قوله -سبحانه-: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 12]، (و)، (ط).
(6) يعنى قوله -سبحانه-: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 176]، (و): ونحوه في (ط) و (ح).
(7) في (ن) و (ك): "و" ووقع في (ق): "والثلثين".
(2/154)

لا قول سواه، وهو الموافق للغة العرب كما قال (1):
وَرِثْتُم قَنَاةَ المَجْدِ لا عَنْ كَلالةٍ ... عَنْ ابْنَي مَنَافٍ: عَبْدِ شَمْسٍ وهَاشِمِ
أي: إنما ورِثْتموها عن الآباء والأجداد، لا عن حواشي النسب (2)، وعلى هذا فلا يَرِثُ ولد الأب والأبوين، لا مع أب [ولا] (3) مع جد، كما لم يرثوا مع الابن ولا ابنه، وإنما ورثوا مع البنات؛ لأنهم عصبة فلهم ما فضل عن الفروض (4).

فصل النوع الثالث من الرأي المحمود
[الرأي] (5) الذي تواطأت عليه الأمة، [وتَلَقاه] (6) خلَفُهم عن سلفهم، فإنّ ما تواطئوا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابًا، كما تواطئوا عليه من الرواية والرؤيا، وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأصحابه وقد تعددت منهم رؤيا ليلة القدر في السبع (7) الأواخر من رمضان: "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر [فمن كان منكم متحريها، فلْيتحرَّها في السبع الأواخر] " (8)، فاعتبر -صلى اللَّه عليه وسلم- تواطؤَ رؤيا المؤمنين؛
__________
(1) الشعر للفرزدق في "ديوانه" (2/ 309) يخاطب سليمان بن عبد الملك، ورواية صدره: ورثتم قناة الملك غير كلالة.
والبيت في: "لسان العرب" (5/ 3918)، و"خزانة الأدب" (1/ 90)، و"الكامل" للمبرد (3/ 1125 - ط الدالي)، وعزاه للفرزدق.
(2) "حواشي": جمع حاشية، وهي أهل الرجل وخاصته؛ كما في "القاموس" (ح).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(4) "انظر في معنى الكلالة وتفصيل فرائضها: "كتاب روح المعاني" للآلوسي (4/ 349 - 351، 6/ 67 - 70، الطبعة الأولى لمؤسسة الحلبي) (ط) ووقع في (ق) "الفرائض".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك).
(6) ما بين المعقوقين سقط من (ق) و (ك).
(7) في المطبوع و (ك) و (ق): "العشر"، وقال في هامش (ق): "لعله السبع"، وهو الموافق لما في الحديث.
(8) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب ليلة القدر): باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر، (رقم 2015)، و (كتاب التهجد): باب فضل من تعار من الليل فصلى، (رقم 1158)، و (كتاب التعبير): باب التواطؤ على الرؤيا، (رقم 6991)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الصيام): باب فضل ليلة القدر، والحث على طلبها، (رقم 1165)، عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، وما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ن) و (ك).
(2/155)

فالأمة معصومة فيما تواطأت عليه من روايتها ورؤياها [ورأيها] (1)، ولهذا [كان] (2) من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله، ولا ينفرد به واحد، وقد مدح اللَّه سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم، وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-] (3) ليس عنده فيها نصٌّ اللَّه ولا عن رسوله جَمَعَ لها أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم جعلها شورى بينهم (4).
قال البخاري: حدثنا سُنيد: ثنا يزيد، عن العوَّام بن حَوْشَب، عن المُسيَّب بن رافع قال: كان إذا جاءه (5) الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة سمى صوافي الأمر فرفع إليهم، فجمع لهم أهل العلم، فإذا (6) اجتمع عليه رأيهم [فهو] الحق (7).
وقال محمد بن سُليمان الباغَنْدي (8): ثنا عبد الرحمن بن يونس: ثنا عمر بن أيوب: أخبرنا عيسى بن المسيب، عن عامر، عن شُريح القاضي، قال لي عمر بن الخطاب: [أن] (9) اقضِ بما استبان لك من قضاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن لم تعلم [كل أقضية رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-] (10)، فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضى به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك، واسْتَشِر أهل العلم والصلاح (11).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) كان -رضي اللَّه عنه- يجمع الشباب تارة، وأهل بدر تارة أخرى، أخرج الأول عنه: الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (193)، والخليلي في "الإرشاد" (1/ 309)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1/ 106 - ط القديمة)، وذكره عنه الذهبي في "السير" (8/ 372 - 373)، وأخرج الثاني: البيهقي في "المدخل" (رقم 803).
(5) في (ق): "جاء".
(6) في (ق): "وإذا".
(7) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2071)، من هذا الطريق، وسُنَيد هو ابن داود قال ابن حجر: ضُعِّف مع إمامته ومعرفته.
قال (ح): "هكذا في النسختين، والمعنى من إيراد هذه الجمل ظاهر إلا أن في التركيب ركاكة: تدبر"!!.
وقال (و): "وقد أعجلني ما كنت فيه عن مراجعة الحديث في البخاري، فليراجع، ففيه هنا اضطراب ونقص!! قلت: وما بين المعقوفتين سقط من المطبوع، والأثر ليس في "صحيح البخاري".
(8) في (ق) و (ك): "الباغدي".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(11) أخرجه النسائي في "المجتبى" (كتاب آداب القضاة، باب الحكم باتفاق أهل العلم =
(2/156)

وقال الحُميدي: ثنا سُفيان: ثنا الشَّيبانيّ، عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح: إذا حضرك أمر لا بد منه، فانظر ما في كتاب اللَّه فاقض به، فإن لم يكن، ففيما (1) قضى به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن لم يكن ففيما (1) قضى به الصالحون وأئمة العدل، فإن لم يكن فأنت بالخيار، فإنْ شئتَ أن تجتهد رأيك فاجتهد رأيك، وإنْ شئت أن تؤامرني، ولا أرى مؤامرتك إيايَّ إلا خيرًا لك، والسلام (2).

فصل النوع الرابع من الرأي المحمود
أن يكون بعد طلب عِلْم الواقعة من القرآن، فإن لم يجدها في القرآن ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة فبما قضى به الخلفاءُ الرَّاشدون أو اثنان منهم أو واحد، فإن لم يجده، ففيما (3) قاله واحد من الصحابة [-رضي اللَّه عنهم-] (4)، [فإن لم يجده] (5) اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب اللَّه وسنة رسوله (6) -صلى اللَّه عليه وسلم- وأقضية أصحابه، فهذا هو الرأي الذي سَوَّغَه (7) الصحابة واستعملوه، وأقروا (8) بعضهم بعضًا عليه.
قال علي بن الجَعْد: أنبأنا شعبة، عن سَيَّار (9)، عن الشعبي، قال: أخذ عمر فرسًا من رجل على سَوْم، فحَمَل عليه فَعَطِبَ، فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا، فقال الرجل: إني أَرْضى بشُريح العِراقي، فقال شُريح:
__________
= (8/ 231) -ومن طريقه الضياء في "المختارة" (رقم 1340) - وسعيد بن منصور -ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (10/ 110) -، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 99)، وابن عبد البر في "الجامع" (2/ 846/ رقم 1595)، وابن حزم في "الإحكام" (6/ 29 - 30)، والبيهقي (10/ 115) من طرق عن الشعبي عن شريح، أنه كتب إلى عمر -رضي اللَّه عنه- يسأله؛ فكتب إليه، وذكروه بألفاظ، منها المذكور هنا، ومنها ما سيأتي عند المصنف، وهو صحيح، وصححه ابن حجر في "موافقة الخُبْر الخَبر" (1/ 20). وانظر ما سيأتي قريبًا.
(1) في (ق) و (ك): "فبما".
(2) رواته ثقات، لكن صورته صورة المرسل لأن الشعبي لم يدرك عمر بن الخطاب وانظر ما قبله.
(3) في (ق): "فبما".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(6) في (ق): "نبيه"
(7) في (ق) و (ك): "سوغته".
(8) في (ق) و (ك): "وأقر".
(9) في (ق) و (ن) و (ك): "عن سنان".
(2/157)

أخذته صحيحًا سليمًا، فأنتَ له ضامنٌ حتى تردَّه صحيحًا سليمًا، قال: فكأنه أعجبه فبعثه قاضيًا، وقال: ما استبان لك من كتاب اللَّه فلا تسأل عنه، فإن لم يستبن في كتاب اللَّه فمن السنة، فإن لم تجده في السنة فاجتهد رأيك (1).

[خطاب عمر إلى أبي موسى]
وقال أبو عبيد: [ثنا] (2) كثير بن هشام، عن جعفر بن بُرْقان، وقال أبو نعيم: عن جعفر بن بُرْقان، عن مَعْمَر البَصْري، عن أبي العَوَّام، وقال سفيان بن عيينة: ثنا إدريس [أبو عبد اللَّه بن إدريس] (3) قال: أتيت سعيد بن أبي بُرْدة فسألته عن رسائل (4) عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بُرْدة، فأخرج له (5) كُتُبًا، فرأيت [في كتاب] (6) منها، رجعنا إلى حديث [أبي] (6) العَوَّام، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: " [أَمَّا بعد] (6)، فإن القضاء فريضةٌ محكمةٌ، وسنةٌ متبعةٌ، فَافْهَم إذا أُدْلي إليك، فإنه لا ينفع تكلُّم بحق لا نفاذ له، وآسِ (7) الناس في مَجْلِسِكَ، وفي وجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حَيْفِكَ، ولا يَيأس (8) ضعيف من عدلك، البينة على المُدَّعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا أو حَرَّم حلالًا، ومن ادَّعى حقًا غائبًا أو بينة فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن [أحضر] (9) بَيِّنة أعطيتَه بحقِّه، وإن أعجزه ذلك اسْتَحْلَلْتَ (10) عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعمى (11)، ولا يمنعنَّك قضاءٌ قضيتَ فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فَهُدِيتَ [فيه] (12)
__________
(1) أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" (2/ 848 - رقم 1598) ورواته ثقات، لكنه مرسل الشعبي لم يسمع من عمر وله شواهد كثيرة، وقد تقدم، وسيأتي قريبًا، وفي (ن): "اجتهد برأيك".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(4) في المطبوع: "رُسُل"، وفي (ك): "مسائل".
(5) في المطبوع و (ق) و (ك): "إليه".
(6) سقطت من (ك).
(7) في المطبوع: "آس"، وفي (ق) و (ك): "وواس".
(8) في المطبوع: "ولا يبأس".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(10) في (ق): "استحلت".
(11) في المخطوط: "للعلماء".
(12) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2/158)

لرشدك أن تُراجعَ فيه الحق، فإن (1) الحقَّ قديمٌ لا يُبْطله شيءٌ، ومُراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجَرَّبًا عليه شهادة زور، أو مجلودًا في حدٍ، أو ظنِّينًا في ولاءٍ أو قرابة، فإن اللَّه تعالى تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبيِّنات والأَيْمان، ثم الفَهْمَ الفَهْم فيما أُدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في [قرآنٍ ولا سنة] (2)، ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال، ثم اعمد (3) فيما ترى إلى أحبِّها إلى اللَّه وأشبهها بالحق، وإيِّاك والغضب والقلق والضَّجر والتأذِّي بالناس والتنكُّر (4) عند الخصومة، أو الخصوم، شك أبو عبيد، فإن القضاء في مواطن الحق مما يُوجبُ اللَّه به الأجر، ويُحسنُ به الذِّكر.
فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه اللَّه ما بينه وبين الناس، ومن تَزَيَّن بما ليس في نفسه شانَهُ اللَّه، فإن اللَّه تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصًا، فما ظنُّك بثواب عند اللَّه في عاجل رزقه، وخزائن رحمته، والسلام عليك ورحمة اللَّه" (5).
__________
(1) في (ق): "وإن".
(2) في (ك): "القرآن والسنة" وفي (ق): "ولا في سنة".
(3) في (ن) و (ق) و (ك): "ثم اعتمد".
(4) في (ن): "والشك".
(5) أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/ 207)، أو رقم (4381 - بتحقيقي)، وابن أبي الدنيا في "القضاء"، و"الإخلاص والنية" (رقم 80 - مختصرًا)، -وعنه الدينوري في "المجالسة" (8/ 267 رقم 3534 - بتحقيقي)، ومن طريقه ابن عربي في "محاضرة الأبرار" (2/ 293) -، ووكيع في "أخبار القضاة" (1/ 70 - 73، 283 - 293)، والقاضي المعافى، -ومن طريقه الشجري في "الأمالي" (2/ 235 - 236) -، والدارقطني (4/ 207)، وابن القاص في "أدب القاضي" (1/ 168)، والبيهقي (6/ 65 و 10/ 106، 119، 135، 182، 253 - مفرقًا)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (32/ 72 - ط دار الفكر)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 200)، والهروي في "ذم الكلام" (ص 181)، وابن حزم في "المحلى" (9/ 399) و"الإِحكام" (2/ 442 - 443 و 7/ 146 - 147) وابن عبد البر في "الاستذكار" (22/ 31) وابن الجوزي في "تاريخ عمر" (135) وابن العربي في "عارضة الأحوذي" (9/ 170)، من طرق عن ابن عيينة، عن إدريس الأودي قال: أتيت سعيد، وفي رواية: أخرج إلينا سعبد بن أبي بُردة به.
وهذا إسناد رجاله ثقات مشهورون؛ لكن رواية سعيد إنما هي من كتاب عمر، وسعيد هذا روايته عن ابن عمر مرسلة، فكيف عن عمر؟ مات بعد المئة وثلاثين.
وأخرجه ابن أبي شيبة (4/ 345)، والبيهقي (10/ 150)، و"معرفة السنن والآثار" =
(2/159)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= (14/ 240 - 241 رقم 19792) وابن عساكر (32/ 71)، من طريق جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام البصري، قال: كتب عمر بن الخطاب. . وذكره.
وهذا إسناد جيد، وأبو العوام هذا هو عبد العزيز بن الربيع من الثقات، لكنه لم يدرك عمر. وانظر "الإرواء" (8/ 241).
قال البيهقي عقبه في "المعرفة": "وهذا الكتاب قد رواه سعيد بن أبي بردة، وروي عن أبي المليح الهذلي أنه رواه" وقال: "وهو كتاب معروف مشهور، لا بُدَّ للقضاة من معرفته والعمل به".
قلت: ورواية أبي المليح، أخرجها أبو يوسف القاضي في "الخراج" (ص 264 رقم 20/ 202 - ط إحسان عباس، مختصرًا)، -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (32/ 70 - 71 - ط دار الفكر، مطولًا) والدارقطني في "السنن" (4/ 206 - 207 أو رقم 4380 - بتحقيقي)، والبيهقي (10/ 197)، وابن عساكر (32/ 70)، والسيوطي في "الأشباه والنظائر"، عن عبيد اللَّه بن أبي حميد عن أبي المليح به.
وعبيد اللَّه بن أبي حميد، ضعيف، بل تركه أحمد، وقال البخاري: منكر الحديث، وتابعه أبو بكر الهذلي -وهو متروك- عند محمد بن الحسن، كما في "المبسوط" (16/ 60)، وأبو المليح لم يسمع من عمر.
قال الجاحظ في "البيان والتبيين" (2/ 48): "رسالة عمر -رضي اللَّه عنه- إلى أبي موسى الأشعري - رحمه اللَّه رواها ابن عيينة وأبو بكر الهذلي ومسلمة بن محارب، رووها عن قتادة!. ورواها أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن عبيد اللَّه بن أبي حُميد الهذلي، عن أبي المليح أسامة الهذلي، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري. ." وساقها.
قلت: ورواها الشعبي، فيما أخرجه هناد في "الزهد" (2/ 436 رقم 859 - مختصرة)، -ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (1/ 50) -، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (302 - 303 - أخبار الشيخين) مطولة.
ورواها -أيضًا- مطولة: الوليد بن معدان، عند: ابن شَبَّة في "تاريخ المدينة" (2/ 775 - 776)، وابن حزم في "الإحكام" (2/ 442 و 7/ 146) و"المحلى" (9/ 393)، وفيه عبد الملك بن الوليد بن معدان، متروك، ساقط بلا خلاف وأبوه مجهول، قاله ابن حزم.
ورواها أيضًا: عيسى بن موسى، عند: البلاذري في "أنساب الأشراف" (304 - أخبار الشيخين)، وقتادة، عند: مدمر في "الجامع" (20676) بسندٍ جيد، قاله ابن مفلح في "أصوله" (3/ 1323).
وذكر هذه الرسالة، واعتنى بها كثير من العلماء، وتداولتها كتب الأدب، ومدحتها، ففي "الكامل" (1/ 19 - ط الدالي) للمبرد عنها: "وهي التي جمع فيها -أي عمر- جمل الأحكام واختصرها بأجود الكلام، وجعل الناس بعده يتخذونها إمامًا، ولا يجد مُحِقٌّ عنها مَعْدِلًا، ولا ظالم من حدودها محيصًا" وساقها، وفسر غريبها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية" (6/ 71): "ورسالة عمر المشهورة في القضاء إلى أبي موسى الأشعري تداولها الفقهاء، وبَنَوْا عليها واعتمدوا على ما فيها من الفقه وأصول الفقه، ومن طرقها ما رواه أبو عبيد وابن بطة وغيرهما بالإسناد =
(2/160)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= الثابت عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال:. . ."، وذكرها.
وعزاه ابن حزم في "المحلى" (9/ 393) لأبي عبيد، وعلقه من طريق كثير ابن قتيبة في "عيون الأخبار" (1/ 133).
وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (4/ 196): "وساقه ابن حزم من طريقين وأعلهما بالانقطاع، لكن اختلاف المخرج فيها مما يقوّي أصل الرسالة، لا سيما وفي بعض طرقه أن راويه أخرج الرسالة مكتوبة".
وجوّد البُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (ص 219) إسناد رسالة عمر -رضي اللَّه عنه-، وانظر: "نصب الراية" (4/ 81)، و"الدراية" (295)، و"الجامع الكبير" (1/ 1156)، و"عارضة الأحوذي" (9/ 170) -وفيه: "وقد رويت من أسانيد كثيرة، لا نطول بها، وشهرتها أغنت عن إسنادها"- و"الاستذكار" (5/ 297) -وفيه: "وهذا الخبر روي عن عمر من وجوه، رواه أهل الحجاز، وأهل العراق، وأهل الشام، ومصر، والحمد للَّه"-.
ومما ينبغي ذكره هنا أمور:
الأول: اتخذ المصنف التعليق على هذه الرسالة وسيلة للإفاضة في كثير من أسرار التشريع التي نصب ابن القيم نفسه لبيانها، والدفاع عنها، وكتابنا هذا "إعلام الموقعين" يكاد يكون كتابًا موضوعًا لشرح رسالة عمر -رضي اللَّه عنه-.
الثاني: ورد في هذه الرسالة أحاديث نبوية، لم يرفعها عمر إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، مثل: "البينة على من ادعى"، "الصلح جائز بين المسلمين. . .".
الثالث: طعن ابن حزم في صحة هذه الرسالة، في مواطن من "المحلى"، منها (1/ 58 مسألة 100) قال: "في الرسالة المكذوبة على عمر" وكذا في مسألة (1793) و (1803)، وقال في "إبطال القياس" (6): "وهذه الرسالة لا تصح، تفرد بها عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، وكلاهما متروك، ومن طريق عبد اللَّه بن أبي سعيد وهو مجهول، ومثلها بعيد عن عمر" وكذا في مواطن من "الإحكام" أيضًا، منها: (7/ 146 - 147)، و"النبذ" (110).
وهذا الزعم بتفرد ابن معدان بها غير صحيح، وإن قاله ابن حجر في ترجمته في "اللسان" (6/ 227)، انظر في الرد على ابن حزم: "المقنع" (1/ 247)، و"أصول الفقه" لابن مفلح (3/ 1324)، و"المعتبر" (ص 222)، و"الإرواء" (8/ 241)، و"فهرس اللبلي" (ص 89)، تعليق العلامة الشيخ أحمد شاكر على "المحلى" (1/ 56 - 57)، و"ابن حزم، حياته وعصره" (388 - 389) للشيخ محمد أبو زهرة، و"الأبحاث السامية" (1/ 118 - 119) للشيخ محمد المرير التطواني، و"منهج عمر بن الخطاب في التشريع" (ص 48 - 50) لمحمد بلتاجي، ومجلة "العربي" الكويتية: عدد (79) (ص 20)، سنة 1965 م، و"رسالة القضاء لأمير المؤمنين" لأحمد سحنون (ص 209 وما بعد، 437 وما بعد)، و"رسالة عمر" لبازمول (ص 26 - 38).
الرابع: اعتنى المرصفي "بغية الآمل" (1/ 83 - 84) بكلام المصنف وتعليقاته عليها.
الخامس: كتب مرجوليوث فصلًا عن هذه الرسالة في مجلة "الجمعية الآسيوية" عمد فيه =
(2/161)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= للمقارنة بين ثلاث روايات اختارها، وهي: رواية الجاحظ، وابن قتيبة، وابن خلدون في "تاريخه" (1/ 390 - 391). وحاول أن يجعل من اختلاف الروايات سببًا للتشكيك في صحتها، وعجب أن تكون هذه الرسالة قد نقلت شفاهًا من عمر لأبي موسى!! وليس أحد الأمرين -فيما نرى- داعيًا للتشكيك في صحة هذه الرسالة، أما الثاني: فلأن أغلب الروايات تدور على سعيد بن أبي بردة، وفيها يقول الراوي عنه: "فأخرج لنا كتابًا". وأما الأول: فلأن اختلاف الروايات في الحديث لا يكون سببًا قادحًا فيه، وموجبًا لرده، خصوصًا وأن هذا الكتاب عن عمر لا عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو مكتوب في معنى خاص، لا يغير من شأنه اختلاف الروايات فيه، ما دامت كلها تحمل هذا المعنى، والعلماء الخبيرون بالأخبار، وطرق نقلها، لم يشكوا في صحتها، من التعليق على "أخبار القضاة" (1/ 74) بتصرف وزيادة.
وطعن في هذه الرسالة: اليهودي المجري جولد تسهير، كما في "نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي" (75) لعلي حسن عبد القادر، والمستشرق جوستاف فون جربناوم في كتابه "حضارة الإسلام"، انظر مقدمة التحقيق لكتاب "أقيسة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" (ص 63) لأحمد حسن جابر وعلي أحمد الخطيب.
وشكك محمود بن عرنوس في كتابه "تاريخ القضاء في الإسلام" (14 - 16) في صحتها، ولا دليل يعتمد عليه في هذا التشكيك، وسيأتي كلام متين للمصنف حولها.
السادس: وقعت زيادات على الموجود في كتب الرواية من هذه الرسالة عند أبي الحسن علي بن عبد اللَّه المتيطي (ت 570 ه) وذلك في كتابه "النهاية والتمام في معرفة الوثائق والأحكام" (ق 22/ ظ).
السابع: أفرد محمد بن محمد بن أبي القاسم القسنطيني شرح هذه الرسالة بجزء مفرد، سماه: "الافتتاح من الملك الوهاب في شرح رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب"، وهي مخطوطة في الخزانة الملكية بالرباط.
الثامن: قام الدكتور الشيخ سعود بن سعد بن دريب بدراسة هذه الرسالة، والرد على الاعتراضات والشكوك حولها، سواء من الأقدمين أم من المعاصرين، وذكر أربعين مصدرًا ومرجعًا من كتب السنة، والتاريخ، وعلوم القرآن، والفقه، والآداب، ذكرت هذه الرسالة واعتنت بها، ونشر دراسته هذه في "مجلة البحوث الإسلامية" (العدد السابع، ص 269 - 289). وقام -أيضًا- الدكتور الشيخ ناصر بن عقيل الطريفي بكتابة بحث مفيد حولها، بعنوان: "تحقيق رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري وبيان ما تضمنته من توجيهات للقضاة": ونشره في "مجلة البحوث الإِسلامية" -أيضًا- (العدد السابع عشر، ص 196 - 254). وقام -أيضًا- الأستاذ أحمد سحنون بكتابه دراسة مستقلة بعنوان: "رسالة القضاء لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، توثيق وتحقيق ودراسة، ونشرت عن وزارة الأوقاف بالمغرب، سنة 1412 ه، دافع فيها عن صحة الرسالة. وقام أيضًا أحمد بازمول بكتابة دراسة جيدة منشورة بعنوان "رسالة عمر إلى أبي موسى في القضاء وآدابه، رواية ودراية".
وانظر هذه الرسالة -أيضًا- في: "العقد الفريد" (1/ 86 - 88)، و"إعجاز القرآن" (140 - 142)، و"أدب القاضي" (1/ 250، 570، 688 و 2/ 8، 93، 231) =
(2/162)

قال أبو عبيد: فقلت لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا.
وهذا (1) كتاب جليل، تلّقاه العلماءُ بالقبول، وبَنَوْا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه، وإلى تأمله والتفقه فيه.

[شرح كتاب عمر في القضاء]
وقوله: "القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة" يريد به أن ما يحكم به [الحاكم] (2) نوعان:
أحدهما: فرض محكم غير منسوخ، كالأحكام الكلية التي أحكمها اللَّه في كتابه.
والثاني: أحكام سَنَّها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهذان النوعان هما المذكوران في حديث عبد اللَّه بن عمرو (3) عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "العلمُ ثلاثةٌ فما سِوى ذلك فهو فَضْل: آيةٌ محكمةٌ، وسنةٌ قائمةٌ، وفريضةٌ عادلةٌ" (4).
__________
= و"الأحكام السلطانية" (71، 72) كلاهما للماوردي، و"الرياض النضرة" (2/ 397 - 398)، و"التذكرة الحمدونية" (1/ 347 - 348) و"المستصفى" (2/ 59)، و"أدب القاضي" للخصاف (1/ 213)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 506)، و"تبصرة الحكام" (1/ 61)، و"معالم القربة" (98)، و"بدائع الصنائع" (7/ 9)، و"الإحكام" (2/ 54) للآمدي، و"المبسوط" (16/ 59)، و"طلبة الطلبة" (129)، و"الإحكام في نوازل الأحكام" (ص 12)، و"نثر الدر" (2/ 24 - 25)، و"نهاية الأرب" (6/ 257)، و"مقدمة ابن خلدون" (220)، و"مآثر الإنافة" (180)، و"طبقات الفقهاء" للشيرازي (39)، و"صبح الأعشى" (10/ 193 - 194)، و"شرح نهج البلاغة" (3/ 811)، و"جمهرة رسائل العرب" (252، 253)، و"مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة" (343 - 344)، و"أخبار عمر" للطنطاوين (ص 217 - 218).
(1) في (ن): "هذا" من غير واو.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) كذا في (ن) و (ق)، وهو الصواب، وفي باقي النسخ "ابن عُمر". . . بضم العين!.
(4) رواه أبو داود (2885) في (الفرائض): باب ما جاء في تعليم الفرائض، وابن ماجه (54) في (المقدمة): باب في اجتناب الرأي والقياس، والدارقطني (4/ 67 - 68)، والحاكم (4/ 332)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 208)، والبغوي في "شرح السنة" (1/ 291)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 172)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1384) من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا، به.
وسكت عليه الحاكم، وقال الذهبي عنه وعن حديث سابق: "الحديثان ضعيفان"، قلت: علَّتُه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو الإفريقي، وهو ضعيف.
(2/163)

رواه ابنُ وَهْب: عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد اللَّه بن رافع عنه.
ورواه بَقِيَّةُ عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن أبي هريرة "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- دخل المسجد فرأى جَمْعًا من الناس على رجل، فقال: "ما هذا"؟ قالوا: يا رسول اللَّه، رجل علَّامة، قال: "وما العلامة"؟ قالوا: أعلم الناس [بأنساب العرب، وأعلم الناس بعربية، وأعلم الناس بالشعر (1)، وأعلم الناس] بما اختلف فيه العرب، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر" (2).
وقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "العلم ثلاثة، وما خلا فهو فَضْل: آية محكمة (3) أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة" (4).

[صحة الفهم نعمة]
وقوله: "فافهم إذا أُدلي إليك"، صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نِعم اللَّه التي أنعم بها على عبده، بل ما أُعطيَ عبدٌ عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجلَّ منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامُه عليهما، وبهما بايَنَ (5) العبدُ طريقَ المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريقَ الضَّالين الذين فسدت فهومهم (6)، ويصير من المُنْعَم عليهم الذين حَسُنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم، الذين أُمرنا أن نسأل اللَّه أن يهدينا صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه اللَّه في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق
__________
(1) في المطبوع: "بشعر".
(2) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (1385) من طريق سليمان بن محمد الخزاعي، حدثنا هشام بن خالد، عن بقية به، وقال: في إسناد هذا الحديث رجلان لا يحتج بهما، وهما: سليمان وبقية.
قلت: وبقية مدلس مشهور، وكان يدلس عن الضعفاء والمتروكين، وهذا منها، وابن جريح مدلس أيضًا وقد عنعن.
ووقع في (ق): "ما هذا؟ فقالوا:. . .".
وما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(3) في المطبوع: "علم آية محكمة".
(4) الحديث ضعيف، ومرَّ قبل الحديث السابق.
(5) في المطبوع: "يأمن"، وفي (ق) و (ك): "يتميز العبد من"، وفي (ك): "بايَنَ العبد من طريق".
(6) في (ق): "فسد مفهومهم".
(2/164)

والباطل، والهُدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى.

[التمكن بنوعين من الفهم]
ولا يتمكن المفتي [ولا] (1) الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن (2) والأمارات والعلامات، حتى يحيط به علمًا.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حُكْم اللَّه الذي حَكَم به في كتابه أو على لسان رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بَذَلَ جَهْده واستفرغ وُسْعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا (3)؛ فالعالم مَنْ يتوصل بمعرفة الواقع [والتفقه فيه] (4) إلى معرفة حكم اللَّه ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دُبُرٍ إلى معرفة براءته وصدقه، وكما توصل سليمان -صلى اللَّه عليه وسلم- (5) بقوله: "ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما" (6) إلى معرفة عين الأم (7)، وكما توصَّل أميرُ المؤمنين علي -رضي اللَّه عنه- (8) بقوله للمرأة التي حملت كتاب
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ن): "به القرائن"، وفي (ق): "فهم الواقع أي: الفقه فيه باستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن".
(3) انظر: "الطرق الحكمية" (2/ 3)، و"زاد المعاد" (2/ 78)، و"البدائع" (3/ 117)، و"مدارج السالكين" (1/ 41).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) وفي (ك): "والتفقه" دون "فيه".
(5) في (ق): "عليه السلام".
(6) "ادعت امرأتان ولدًا، فحكم داود -كما رُوي- للكبرى، فقال سليمان ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فسمحت الكبرى بذلك، وقالت الصغرى: لا تفعل -يرحمك اللَّه! - هو ابنها، فقضى به للصغرى" "الطرق الحكمية" (ص 5)، للإمام ابن القيم" (و) اه.
وفي (ك): "أشقق الولد بينهما".
(7) رواه البخاري (3427) في (أحاديث الأنبياء): باب قول اللَّه تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)}، (6769) في (الفرائض): باب إذا ادعت المرأة ابنًا، ومسلم (1720) في (الأقضية): باب اختلاف المجتهدين، من حديث أبي هريرة.
(8) في الأصول جميعًا: "عليه السلام"!! بدل "-رضي اللَّه عنه-" وجاء في (ق): "علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه".
(2/165)

حاطب لمَّا أنكرته: "لتخرجن الكتاب أو لنُجَرِّدَنَّك" إلى استخراج الكتاب منها (1)، وكما توصل الزبير بن العوام بتعذيب أحد ابني أبي الحقيق بأمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى دلَّهم على كنز [حُيَي] (2) لما ظهر له كذبه في دعوى ذهابه بالإنفاق بقوله: "المال كثير والعهد أقرب من ذلك" (3) وكما توصل النعمان بن بشير بضرب المتهمين بالسرقة إلى ظهور المال المسروق عندهم، فإن ظهر وإلا ضرب من اتهمهم كما ضربهم، وأخبر أن هذا حكم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (4).
ومن تأَمَّل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومَنْ سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث اللَّه بها رسوله.
__________
(1) رواه البخاري (3007) في (الجهاد): باب الجاسوس، و (3081) في باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة، و (3983) في (المغازي): باب فضل من شهد بدرًا، و (4274) في (المغازي): باب غزوة الفتح، و (4890) في (التفسير) باب {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ}، و (6259) في (الاستئذان): باب من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين، و (6939) في (استتابة المرتدين): باب ما جاء في المتأولين، ومسلم (2494) في (فضائل الصحابة): باب في فضائل أهل بدر، من حديث علي -رضي اللَّه عنه-.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وبدله في المطبوع: "جبى"!! وهو خطأ.
(3) رواه ابن حبان في "الصحيح" (11/ 607 - 609) رقم (5199 - "الإحسان")، والبيهقي في "الدلائل" (4/ 229 - 231)، و"السنن الكبرى" (6/ 114) بإسناد رجاله ثقات، قاله الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (7/ 479). وصححه شيخنا الألباني في "تخريج أحاديث فقه السيرة" (273)، وأخرجه مختصرًا: أبو داود في "السنن" رقم (3006) من طريق أخرى عن حماد بن سلمة به، وأخرجه مختصرًا: أحمد في "المسند" (2/ 17، 22، 37) والبخاري في "الصحيح" رقم (2328، 2329، 2331)، ومسلم في "الصحيح" (رقم 1551)، وأبو داود في "السنن" (رقم 3408)، والترمذي في "الجامع" (رقم 1383)، وابن ماجه في "السنن" (رقم 2467)، وغيرهم.
(4) رواه أبو داود (4382) في (الحدود): باب في الامتحان بالضرب، والنسائي (8/ 66) في (قطع يد السارق): باب امتحان السارق بالضرب والحبس، روياه من طريق بقية، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا أزهر بن عبد اللَّه الحَرَازي، عن النعمان، وليس فيه أنه ضربهم بل هددهم بذلك.
وهذا إسناد جيد رجاله ثقات، وأزهر فيه كلام، لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، وأما النسائي فقال: هذا حديث منكر، لا يحتج بمثله وإنما أخرجته ليعرف!!.
قال أبو داود: إنما أرهبهم بهذا القول، أي: لا يجب الضرب إلا بعد الاعتراف.
وانظر: "الطرق الحكمية" (16 - 21) مهم، و"بدائع الفوائد" (3/ 117 - 119، 152 - 156 مهم، 174 - 175)، و"زاد المعاد" (2/ 78، 79، 143)، و"الحدود والتعزيرات" (70 - 71) للشيخ بكر أبو زيد.
(2/166)

وقوله: "فيما (1) أُدلي إليك" [أي ما توصل] (2) به إليك من الكلام الذي يُحكم به بين الخصوم، ومنه قولهم: أَدلى [فلان] (3) بحجَّتِه، وأدلى بنَسَبه، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: 188] أي: تضيفوا ذلك إلى الحكام، وتتوصلوا بحكمهم إلى أكلها.
فإن قيل: لو أُريد (4) هذا المعنى لقيل: "وتُدْلُوا بالحكام إليها" وأما الإدلاء بها إلى الحكام فهو التوصل بالبرطيل (5) بها إليهم، فَتَرْشُوا الحاكم لتتوصلوا (6) بِرِشْوَتِهِ إلى أكله (7) بالباطل.
قيل: الآية تتناول النوعين: فكل منهما إدلاء إلى الحكام [بسببها] (8)، فالنهي عنهما معًا.
وقوله: "فإنه لا ينفع تكلُّم بحق لا نفاذ له" ولايةُ الحق: نفوذُه، فإذا لم ينفذ كان ذلك عزلًا له عن ولايته، فهو بمنزلة الوالي العدل الذي في توليته مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، فإذا عزل عن ولايته لم ينفع، [ومراد عمر بذلك] (9): التحريض على تنفيذ الحق إذا فهمه الحاكم، ولا ينفع، تكلمه به إن (10) لم يكن له قوة [على] (11) تنفيذه، فهو تحريض منه على العلم بالحق والقوة على تنفيذه، وقد مدح اللَّه سبحانه أُولي القوة في (12) أمره، والبصائر في دينه فقال: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص: 45] [فالأيدي: القوي] (13) على تنفيذ أمر اللَّه، والأبصار: البصائر في دينه.
__________
(1) في المطبوع و (ك): "فما".
(2) في (ن): "فيما توصل"، وفي (ك): "فيما يتوصل" وفي (ق): "مما يتوصل".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(4) في المطبوع: "فلو أراد".
(5) "الرشوة، وبرطله: رشاه" (و).
(6) في (ق) و (ك): "فيرشوا الحاكم ليتوصلوا".
(7) في المطبوع: "الأكل".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(9) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "وفي ذلك".
(10) في (ق): "إذا".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(12) في (ق) زيادة: "في".
(13) في (ك): "والأيدي: القوة" وفي (ق): "والأيدي القوى".
(2/167)

[واجب الحاكم]
وقوله: "وآس الناس (1) في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حَيْفك، ولا ييأس ضَعيفٌ من عدلك" إذا عدل الحاكم في هذا بين الخَصْمين فهو عنوان عدله في الحكومة، فمتى خص أحد الخصمين بالدخول عليه، أو (2) القيام له، أو صَدْر المجلس، أو الإقبال عليه والبشاشة له، والنظر إليه، كان عنوان حَيْفِه وظلمه، وقد رأيت في بعض التواريخ [القديمة] (3) أن أحد قضاة العدل في بني إسرائيل أوصاهم إذا دفنوه أن ينبشوا قبره بعد مدة، فينظروا هل تغيَّر منه شيءٌ أم لا، وقال: إني لم أَجُرْ قط في حكم، ولم أحاب فيه، غير أنه دخل عليَّ خصمان كان أحدهما صديقًا لي فجعلت أصغي إليه بأُذُني أكثر من إصغائي إلى الآخر، ففعلوا ما أوصاهم به، فرأوا أذنه قد أكلها التراب، ولم يتغير جسده (4).

[في تخصيص أحد الخصمين مفسدتان]
وفي تخصيص أحد الخصمين بمجلس أو إقبال أو إكرام مَفْسَدَتان:
إحداهما (5): طمعه في أن تكون الحكومة له، فيَقْوى قلبُه وجنانُه.
والثانية: أن الآخر يَيْأس من عدله ويضعف قلبه، وتنكسر حجَّتُه.

[معنى البينة]
وقوله: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" البينة في كلام اللَّه و [كلام] (6) رسوله، وكلام الصحابة: [اسم] (7) لكل ما يُبين الحقَّ، فهي أعم من البينة في اصطلاح الفقهاء، حيث خصوها بالشاهدين (8)، أو الشاهد واليمين، ولا حَجْر في الاصطلاح؛ ما لم يتضمن حَمْل كلام اللَّه ورسوله عليه، فيقع بذلك الغَلَط في فَهْم النصوص، وحملها على غير مراد المتكلم [منها] (9).
__________
(1) في (ق) و (ن): "وآس بين الناس".
(2) في (ق): "و".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(4) أخرج النهرواني في "الجليس الصالح" (4/ 92) نحوه بسندٍ إلى بشر بن عبد اللَّه ابن سيار أنَّ رجلًا من بني إسرائيل حضره الموت. . . به. ونحوه في "تنبيه الخواطر" (ص 608).
(5) في (ق): "أحدهما".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) في (ق) و (ك): "خصوا بها الشاهدين".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وفي (ق): "بها".
(2/168)

[غلط المتأخرين في تفسير البينة]
وقد حصل بذلك للمتأخرين أغلاط شديدة في فهم النصوص، ونذكر من ذلك مثالًا واحدًا، وهو ما نحن فيه [من] (1) لفظ البينة، فإنها في كتاب اللَّه اسم لكل ما يبيِّن الحقَّ؛ كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ} [الحديد: 25]، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ [وَالزُّبُرِ]} (1) [النحل: 43، 44]، وقال: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: 4]، وقال: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} [الأنعام: 57]، وقال: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} [هود: 17] وقال: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ} [فاطر: 40] وقال: {بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى} [طه: 133].
وهذا كثير [في القرآن] (2)، لم يختص لفظ البينة بالشاهدين، [بل] (3) ولا استعمل في الكتاب فيهما ألبتة (4)، إذا عرف هذا فقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للمدَّعي: "ألك بينة" (5) وقول عمر: "البينة على المدعي"، وإن كان هذا قد روي مرفوعًا (6) المراد
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ن).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ق) و (ك): "فيه ألبتة".
(5) ورد هذا في أكثر من حديث: منها حديث عبد اللَّه بن مسعود، أخرجه: أحمد (1/ 379 و 426 و 5/ 211)، والبخاري في (الخصومات) باب كلام الخصوم بعضهم في بعض (2416 و 2417)، وفي (الشهادات): باب سؤال الحاكم المدعي هل لك ببينة؟ (2666 و 2667)، وأبو داود في (الأيمان والنذور): باب فيمن حلف يمينًا ليقتطع بها مالًا لأحد (3243)، والترمذي في (البيوع): باب ما جاء في اليمين الفاجرة يقتطع بها مال المسلم (1269)، وابن ماجه في (الأحكام): باب من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مالًا (2323)، والبيهقي (10/ 179 - 180).
وحديث وائل بن حُجْر، أخرجه مسلم (139) في (الأيمان): باب وعيد من اقتطع من مسلم بيمين فاجرة، وأبو داود (3245) في (الأيمان والنذور): باب فيمن حلف يمينًا ليقتطع بها مالًا لأحد، و (3623) في (الأقضية): باب الرجل يحلف على علمه فيما غاب عنه، والترمذي (1340) في (الأحكام): باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
(6) هو جزء من رسالة عمر لأبي موسى في القضاء التي تقدمت، ورواه الدارقطني (4/ 218) من طريق شريح عن عمر، وفي إسناده عبد العزيز بن عبد الرحمن الجزري قال النسائي: ليس ثقة، وقال ابن حبان: لا يحل الاخجاج به، وحَمَل أحمد على حديثه. =
(2/169)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وقد ورد مرفوعًا من حديث ابن عباس، وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، ومن حديث ابن عمر.
* أما حديث ابن عباس، فقد رواه البيهقي (10/ 252) من طريق الفريابي، عن سفيان، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، والفريابي هو: محمد بن يوسف، من الثقات؛ إلا أنه ربما أخطأ في حديث سفيان، فقد رواه أصحاب نافع بن عمر بلفظ "اليمين على المُدَّعى عليه"، أخرجه البخاري (2514 و 2668)، ومسلم (1711) (2)، وأبو داود (3619)، والترمذي (1342)، والنسائي (8/ 248)، وغيرهم.
مما يدل على وجود خطأ لا محالة، إما من الفريابي وإما من سفيان.
ولفظ الحديث: "البينة على المدعي" له طريق آخر عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، فقد رواه البيهقي (10/ 252) من طريق الحسن بن سهل، حدثنا عبد اللَّه بن إدريس، حدثنا ابن جريج، وعثمان بن الأسود عنه به، وهو عند الطبراني في "الكبير" (11225) مختصر، ورجاله ثقات إلا الحسن بن سهل فقد ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وقد روى عنه أبو زرعة، وأبو زرعة متشدِّد، لكن أصحاب ابن جريج رووه أيضًا بلفظ: "اليمين على المُدَّعى عليه"، أخرجه البخاري (4552)، ومسلم (1711 بعد 1)، وعبد الرزاق (15193)، والطبراني (11224)، والدارقطني (4/ 157)، وابن حبان (5082 و 5083)، وغيرهم.
لكن حسَّن إسناده الحافظ في "الفتح" (5/ 283).
ورواه الشافعي في "مسنده" (2/ 181) من طريق مسلم بن خالد، عن ابن جريج به، قال: "البينة على المُدعي" -أحسبه قال ولا أثبته- إنه قال: "واليمين على المدعى عليه"، ومسلم بن خالد هذا هو الزنجي ضعيف، وقد اضطرب فيه كما يأتي.
* وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فله عنه طرق:
فقد رواه الترمذي (1341) في الأحكام: باب ما جاء في أن البيّنة على المدَّعي واليمين على المدعى عليه من طريق محمد بن عبيد اللَّه العرزمي وقال: "هذا حديث في إسناده مقال، ومحمد بن عبيد اللَّه العرزمي يضعف في الحديث. . ." قلت: بل أمره أشد.
ورواه الدارقطني (4/ 157 و 218) والبيهقي (10/ 256) من طريق الحجاج بن أرطاة عن عمرو به والحجاج مدلس، وقالوا: "إنَّ أحاديث عمرو أخذها عن العرزمي ودلسها" ورواه البيهقي (10/ 256) من طريق المثنى عن عمرو به والمثنى ضعيف.
ورواه الدارقطني (3/ 111 و 4/ 218) والبيهقي (8/ 123) وابن عدي (6/ 2312) من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب به ومسلم ضعيف، وقد اضطرب فيه فقد جعله من قبل من مسند ابن عباس وهنا من مسند ابن عمرو، وجعله أيضًا من مسند أبي هريرة، رواه الدارقطني (3/ 110 و 4/ 218) وابن عدي (6/ 2312).
* حديث ابن عمر، رواه ابن حبان (5996) مطولًا جدًّا، والدارقطني (4/ 218 - 219) =
(2/170)

به: كلُّ (1) ما يُبيّن الحق من شهود أو دلالة، فإنَّ الشارع في جميع المواضع يقصد ظهورَ الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه وشواهد له، ولا يردُ حقًا قد ظهر بدليله أبدًا فيضيع حقوقَ اللَّه وعباده ويعطِّلها، ولا يقف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة في تخصيصه به مع مُسَاواة غيره في ظهور الحق أو رجحانه عليه ترجيحًا (2) لا يمكن جَحْده ودفعه، كترجيح شاهد الحال على مجرد اليد، في صورة مَنْ على رأسه عمامة وبيده عمامة وآخر خَلْفه مكشوف الرأس يعدو أثره، ولا عادة له بكشف رأسه، فبيِّنة الحال ودلالته هنا تُفيد من ظهور صدق المُدّعي أَضْعَاف ما يفيده مجرد اليد عند كل أحد، فالشارعُ لا يُهْمل مثل هذه البيِّنة والدلالة، ويضيّع حقًا يعلم كل أحد ظهوره وحجته، بل لمَّا ظنَّ هذا من ظَنَّه ضيَّعوا طريق الحكم (3)، فضاع كثير من الحقوق لتوقف ثبوتها عندهم على طريق معين، وصار الظالم الفاجر ممكَّنًا من ظلمه وفجوره، [فيفعل ما يريد] (4)، ويقول: لا يقوم عليَّ بذلك شاهدان اثنان، فضاعت حقوقٌ كثيرةٌ للَّه ولعباده، فحينئذٍ (5) أخرج اللَّه أمر هذا الحكم العام (6) من أيديهم، وأدخل (7) فيه من أمر الإمارة والسياسة ما يحفظ به الحق تارة ويَضِيعُ به أخرى، ويحصلُ به العدوان تارة والعدل (8) أخرى، ولو عَرفَ ما جاء به الرسول على وجهه لكان فيه تمام المصلحة المُغْنية عن التفريط والعدوان (9).
__________
= بلفظ: "المُدَّعى عليه أولى باليمين إلا أن تقوم بينة"، ورجاله ثقات إلا سنان بن الحارث، فقد أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ولم يذكر فيه شيئًا، وقد روى عنه ثلاثة من الثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وانظر "إرواء الغليل" (8/ 266).
وقال الترمذي -رحمه اللَّه-: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وغيرهم، أن البينة على المُدَّعي واليمين على المدعى عليه"، وانظر "الطرق الحكمية" بتحقيقي.
(1) في المطبوع: "ألك".
(2) في (ق): "ترجحًا".
(3) في (ن) و (ق): "ضيقوا طريق الحق".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5) في المطبوع: "حينئذٍ" وفي (ق): "وحين".
(6) في المطبوع: "أخرج اللَّه أمر الحكم العلمي" وفي (ق): "أخرج اللَّه هذا الحكم العام عن أيديهم".
(7) في (ق): "دخل".
(8) في (ن) و (ك): "والعدول".
(9) قلت: انظر "الطرق الحكمية" (ص 5 - وما بعدها) لابن القيم، و"مجموع الفتاوى" (20/ 388 - 390 و 34/ 238 و 35/ 392 - 395) لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه-.
(2/171)

[نصاب الشهادة في القرآن]
وقد ذكر اللَّه [سبحانه] (1) نصاب الشهادة في القرآن في خمسة مواضع؛ فذكر نصاب شهادة الزنا أربعة في سورة النساء وسورة النور، وأما في غير الزنا فذكر شهادة الرجلين، والرجل والمرأتين في الأموال؛ فقال في آية الدَّيْن: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282]، فهذا في التحمل والوثيقة التي يحفظ بها صاحب المال حَقَّه، لا في طريق الحكم وما (2) يحكم به الحاكم؛ فإن هذا شيءٌ وهذا شيءٌ، وأمر في الرجعة بشاهدين عَدْلين، وأمر في الشهادة على الوصية في السفر [باستشهاد عدلين من المسلمين أو آخرين (3) من غيرهم، وغير المؤمنين هم الكفار، والآية صريحةٌ في قبول شهادة الكافرين على الوصية في السفر] (4) عند عدم الشاهدين المسلمين، وقد حكم بها (5) النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والصحابة بعده ولم يجئ بعدها ما يَنْسَخُها، فإن المائدة من آخر القرآن نزولًا، وليس فيها منسوخ، وليس لهذه الآية مُعَارِضٌ ألبتة، ولا يصح أن يكون المراد بقوله: {مِنْ غَيْرِكُمْ} من غير قبيلتكم، فإن اللَّه [سبحانه] (1) خاطب بها المؤمنين كافة بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: 106] [ولم يخاطب بذلك قبيلة معينة حتى يكون قوله: "من غيركم"] (6) أيتها القبيلة، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَفْهَم هذا من الآية بل إنما فهم [منها] (7) ما هي صريحة فيه، وكذلك أصحابه (8) من بعده، وهو سبحانه ذَكَر ما تُحفظ به الحقوق من الشهود، ولم يذكر أن الحكام [لا يحكمون] (9) إلا بذلك، فليس في القرآن نَفْي الحكم بشاهد ويمين (10)، ولا بالنُّكُولِ ولا باليمين المردودة، ولا بأَيْمان القَسَامة، ولا بأَيْمان اللِّعان، وغير ذلك مما يُبيّن الحق ويُظهره ويدل عليه.
وقد أجمع (11) المسلمون على أنه يقبل في الأموال رجل وامرأتان، وكذلك
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ك): "ولا ما".
(3) في (ق): "آخران".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) في المطبوع: "وقد حكم به" وفي (ق): "بشاهدين من غير المسلمين وقد حكم بها".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(8) في (ك): "الصحابة".
(9) في (ك): "لم يحكموا".
(10) في (ق) و (ك): "بالشاهد واليمين".
(11) في المطبوع و (ن) و (ك): "وقد اتفق".
(2/172)

توابعها من البيع، [والأجل فيه] (1) والخِيار فيه، والرَّهْن، والوصية للمُعَيَّن، وهبته، والوقف عليه، وضمان المال وإتلافه، ودَعْوى رق مجهول النسب، وتسمية المهر، وتسمية عِوَض الخلع، و [يقبل في ذلك (كله) رجل وامرأتان] (2).
وتنازعوا في العتق، والوكالة في المال، والإيصاء إليه [فيه] (3)، ودعوى قَتْل الكافر لاستحقاق سَلَبه، ودَعْوى الأسير الإسلامَ [السابق] (4) لمنع رقه، وجناية الخطأ والعَمْد التي لا قَوَد فيها، والنكاح، والرَّجْعة، هل يقبل فيها رجل وامرأتان أم لا بد من رجلين؟ (5) على قولين، وهما روايتان عن أحمد، فالأول قولُ أبي حنيفة، والثاني قول مالك والشافعي، والذين قالوا لا يقبل إلا رجلان قالوا: إنما ذكر اللَّه الرجل والمرأتين في الأموال، دون الرجعة والوصية وما معهما، [فقال لهم الآخرون] (6): ولم يذكر [سبحانه] (3) وصف الإيمان (7) في الرَّقبة إلا في كفارة القَتْل، ولم يذكر فيها إطعام ستين مسكينًا، وقلتم: نحمل (8) المطلق على المقيد إما بيانًا وإما قياسًا، وقالوا أيضًا (9): فإنه سبحانه إنما قال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] [وفي الآية الأخرى] (10): {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: 106] بخلاف آية الدَّيْن فإنه قال: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] وفي الموضعين الآخرين لمّا لم يَقُل: {رَجُلَانِ} لم يَقُل: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ}.
[فإن قيل: اللفظ مذكر؛ فلا يتناول الإناث] (11).
قيل: قد استقرَّ في عُرْف الشارع أن الأحكام المذكورة بصيغة المذكَّرين إذا أُطْلِقَت ولم تقترن بالمؤنث فإنها تتناول (12) الرجال والنساء؛ لأنه يُغلَّب المذكر عند الاجتماع كقوله: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وقوله: {وَلَا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "الإيصال"، وما بين الهلالين سقط من المطبوع.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5) انظر: "الطرق الحكمية" (ص 149، 159، 161 - 170 الطريق الثامن).
(6) في (ق): "وقال الآخرون".
(7) في (ق) بعدها: "إلا".
(8) في (ك): "يُحمل".
(9) في (ق): "قالا وأيضًا".
(10) في (ق): "وقال".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(12) في (ق): "فإنه يتناول".
(2/173)

يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282]، وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ (1)} [البقرة: 183] وأمثال ذلك، وعلى هذا فقوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] يتناول الصنفين، لكن قد استقرت (2) الشريعة على أن شهادة المرأة نصفُ شهادة الرجل، فالمرأتان في الشهادة كالرجل الواحد، بل هذا أولى؛ فإن حضور النساء عند الرجعة أيسر من حضورهن عند كتابة الوثائق بالديون، [وكذلك حضورهن عند الوصية وقت الموت] (3)، فإذا جَوَّز الشارعُ استشهاد النساء في وثائق الديون (4) التي يكتبها الرجال مع أنها إنما تكتب غالبًا في مَجَامع الرجال فلأن يسوغ (5) ذلك فيما تشهده (6) النساء كثيرًا كالوصية والرَّجْعَة أولى.
يوضِّحه: أنه قد شَرَعَ في الوصية استشهادَ آخرين من غير المسلمين عند الحاجة؛ فلأن يجوز استشهاد رجل وامرأتين بطريق الأولى والأحرى، بخلاف الديون فإنه لم يامر فيها باستشهاد آخرين من غيرنا؛ إذ كانت (7) مُدَاينة المسلمين تكون بينهم وشهودهم حاضرون، والوصية في السفر قد لا يشهدها إلا أهل الذمة، وكذلك الميت قد لا يَشهَدُه إلا النساء. وأيضًا فإنما أمر في الرَّجْعَة باستشهاد ذَوَي عَدْلٍ؛ لأن المستشهد هو المشهود عليه بالرجعة، وهو الزوج؛ لئلا يكتمها، فأمر بأن يستشهد أكمل النصاب، ولا يلزم إذا لم يشهد (8) هذا الأكمل أن لا (9) يقبل عليه شهادة النصاب الأنقص، فإن طرق الحكم أعم من طرق حفظ الحقوق (10)، وقد أمَرَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الملتقطَ أن يُشهد عليه ذَوَي عدل، ولا يكتم، ولا يغيب (11)، ولو شهد عليه باللقطة رجل وامرأتان قُبِلتْ بالاتفاق، بل يحكم عليه بمجرد وصف صاحبها لها.
__________
(1) في (ق) بعدها: "كما كُتب على الذين من قبلكم".
(2) في (ق): "استقر في".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ن) و (ك) و (ق): "الدين".
(5) في (ق) و (ن) و (ك): "يشرع".
(6) في (ق): "يشهده".
(7) في (ق): "إذا كانت".
(8) في (ن): "يستشهد".
(9) في (ق): "ألّا".
(10) انظر: "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" (ص 67، 161)، و"الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (5/ 54 مسألة 1817) وتعليقي عليه.
(11) رواه أحمد (4/ 161 - 162)، و"الطيالسي" (رقم 1801)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (6/ 456)، وأبو داود (1709) في (اللقطة)، وابن ماجة (2505) في (اللقطة): باب اللقطة، والطبراني في "الكبير" (17/ 985، 986، 988، 989)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم 4894 "الإحسان")، والبيهقي (6/ 187 و 193)، والنسائي في "الكبرى" =
(2/174)

وقال تعالى في شهادة المال: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] وقال في الوصية والرَّجْعَة: {ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] لأن المستشهد [هناك صاحب الحق فهو يأتي بمن يرضاه لحفظ حقه، فإن لم يكن عدلًا كان هو المضيَّع لحقه، وهذا المستشهد يستشهد] (1) بحق ثابت عنده، فلا يكفي رضاه به، بل لا بُدَّ أن يكون عَدْلًا في نفسه، وأيضًا فإن اللَّه سبحانه [وتعالى] (1) قال هناك: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] لأن صاحب الحق هو الذي يحفظ [حقه فيحفظه] (2) بمن يرضاه، وإذا قال مَنْ عليه الحق: أنا راض (3) بشهادة هذا عليَّ، ففي قَبُوله نزاع، والآية تدل على أنه يقبل، بخلاف الرجعة والطلاق فإن فيهما حقًا للَّه، وكذلك الوصية فيها حقٌّ لغائب.
ومما يوضح ذلك أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في المرأة: " [أليست] (1) شهادتها نصف شهادة الرجل؟ " (4) فأطلق ولم يقيد، ويوضحه أيضًا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للمُدَّعي لمَّا قال: هذا غَصَبني أرضي، فقال: "شَاهِداكَ أو يَمينه" (5)، وقد عَرَف أنه لو أتى برجل وامرأتين حكم له، فعلم أن هذا يقوم مقام الشاهدين، وأن قوله: "شاهداك
__________
= (رقم 5808/ 1) (اللقطة): باب الإشهاد على كتاب اللقطة. وابن الجارود (رقم 671) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 136)، و"شرح مشكل الآثار" (رقم 4916)، كلهم من طريق يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير، عن أخيه مُطَرِّف، عن عياض بن حمار، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل، ثم لا يغيّره ولا يكتم، فإن جاء ربها فهو أحق بها وإلا فهو مال اللَّه يؤتيه من يشاء"، وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات من رجال الصحيح.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "ماله".
(3) في (ن): "أنا أرض" وفي (ق): "أنا أرضى".
(4) هو جزء من حديث رواه مطولًا: البخاري في (الحيض): باب ترك الحائض الصوم رقم (304)، وفي (الشهادات): باب شهادة النساء (2658)، ومسلم في (الإيمان) باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات (80)، وابن حبان في "صحيحه" (5744)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (1/ 308 و 4/ 235 - 236) من حديث أبي سعيد الخدري. ووقع في (ن): "أليست شهادتها نصف الرجل".
(5) رواه البخاري (2357) في (المساقاة): باب الخصومة في البئر، و (2516) باب إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه، و (2670) في (الشهادات): باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود، و (4550) في (التفسير): باب {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا. . .}، ومسلم (138) (221) في (الأيمان): باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، من حديث الأشعث بن قيس.
(2/175)

أو يمينه" إشارة إلى الحجة الشرعية (1) التي شعارها الشاهدان، فإما أن يُقال: لفظ "شاهدان" معناه دَليلان يَشْهدان، وإما أن يُقال: رجلان أو ما يقوم مقامهما والمرأتان دليل بمنزلة الشاهد.
يوضحه أيضًا: أنه لو لم يأت المُدَّعي بحجة حَلَف المُدَّعى عليه، فيمينهُ كشهادة آخر (2)؛ فصار معه دليلان شاهدان، أحدهما: البراءة، والثاني: اليمين، وإن نَكَل (3) عن اليمين فمن قضى عليه بالنُّكُول؛ قال: النكول إقرار أو بدل (4)، وهذا جيد إذا كان المدعَّى عليه هو الذي يعرف الحق دون المدَّعي، [كما] (5) قال عثمان لابن عمر: تحلف أنك بعته وما به عَيْب تعلمه، فلما لم يحلف قَضَى عليه (6)، وأما الأكثرون فيقولون: إذا نكل [تُرد اليمين] (7) على المُدَّعي فيكون نكول الناكل دليلًا (8)، ويمين المُدَّعي دليلًا ثانيًا، فصار الحكم بدليلين: شاهد ويمين، والشارع إنما جعل الحكم في الخصومة بشاهدين؛ لأنَّ المُدَّعي لا يحكم له بمجرد قوله، والخصم منكر، وقد يحلف أيضًا، فكان أحدُ الشاهدين يقاومُ
__________
(1) في (ن): "إشارة إلى حجة الشريعة التي. . ."، وفي (ق): "إلى أن الحجة الشرعية. . ." دون "إشارة"، واحتملها في الهامش.
(2) في (ن) و (ق): "بيمينه كشاهد آخر".
(3) في "الصحاح": "نكل عن العدو، وعن اليمين ينكل بالضم: أي جبن"، وفي "القاموس": "نكل عنه -كضرب، ونصر، وعلم- نكولًا نكص وجبن". اه. (د) و (ح)، وفي (ط) باخنصار. وانظر في الحكم بالنكول: "الإشراف" (5/ 47 مسألة 1810، 1811 - بتحقيقي)، و"الذخيرة" (11/ 58)، و"روضة الطالبين" (11/ 20)، و"حلية العلماء"، (8/ 283). و"مختصر الخلافيات" (5/ 172) ووقع في (ق): "فإن نكل".
(4) في (ن): "إقرار وبدل"، وفي (ق) و (ك): "إقرار أو بذل".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) أخرجه مالك في "الموطأ" (3/ 612)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (6/ 330)، وعبد الرزاق في "المصنف" (8/ 163)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 328)، و"المعرفة" (8/ 132) و"السنن الصغير" (2/ 264)، وابن حزم في "المحلى" (9/ 42). من طريق يحيى بن سعيد عن سالم بن عبد اللَّه أن عبد اللَّه بن عمر باع غلامه بثمان مئة درهم وباعه بالبراءة -فذكر قصةً وفيها قول عثمان هذا وصورته صورة الإرسال لأن سالمًا لم يدرك القصة إلا أن يكون أخذها عن أبيه.
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "فرد" وفي (ك): "فرد اليمين" وفي (ق): "ردت اليمين".
(8) في (ق) و (ك): "فيكون نكوله إن نكل دليلًا".
(2/176)

الخصم المنكر؛ فإن إنكاره ويمينه كشاهد، ويبقى الشاهد الآخر خبرَ عدلٍ لا مُعارضَ له؛ فهو حجة شرعية لا معارض لها.
وفي (1) الرواية إنما يُقْبَل خبر الواحد إذا لم يعارضه أقْوَى منه، فاطَّرد القياس والاعتبار في الحكم والرواية.
يوضحه أيضًا: أن [المقصود] (2) بالشهادة أن يُعلم بها ثبوت المَشْهودِ به، وأنه حقٌّ وصدق، فإنها خبر عنه، وهذا لا يختلف بكون المشهود به مالًا، أو طلاقًا، أو عتقًا، أو وصية، بل من صُدِّق في هذا صُدِّق في هذا، فإذا (3) كان الرجل مع المرأتين كالرجلين يُصدَّقان في الأموال، فكذلك صِدْقهما في هذا؛ وقد ذكر اللَّه [سبحانه] حكمة تَعَدُّد الأنثيين (4) في الشهادة، وهي أن المرأة قد تنسى الشهادة وتضل عنها فتذكِّرَها الأخرى، ومعلوم أن تذكيرها لها بالرجعة (5) والطلاق والوصية مثل تذكيرها لها بالدَّين وأولى، وهو سبحانه أمر بإشهاد امرأتين لتوكيد الحفظ؛ لأن عَقْلَ المرأتين وحفظهما يقوم مقام عقل رجل وحفظه، ولهذا جعلت على النصف من الرجل في الميراث والدِّية والعقيقة والعِتْق؛ فعتق امرأتين يقوم مقام عتق رجل، كما صح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ أعْتَقَ أمرأً مسلمًا أعتَقَ اللَّه بكل عضوٍ منه عضوًا [منه] (6) من النار، ومن أعتق امرأتين مسلمتين أعتَقَ اللَّه بكل عضو منهما عضوًا [منه] (7) من النار" (8) ولا ريب أن هذه الحكمة في التعدُّد هي
__________
(1) في (ك): "وقال في".
(2) في (د): "المقصوء" ولعله خطأ مطبعي.
(3) في (ق): "لماذا".
(4) في المطبوع و (ن): "الاثنين" وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ن): "أن تذكرها الرجعة" وفي (ك): "أن تذكرها بالرجعة" وفي (ق): "أن تذكيرها بالرجعة".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك).
(8) رواه أبو داود الطيالسي (1197)، وأحمد في "مسنده" (4/ 235)، وأبو داود (3967) في (العتق): باب أي الرقاب أفضل؟ وابن ماجه (2522) في (العتق): باب العتق، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1408)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (725 و 726)، والطبراني في "الكبير" (20/ 755 و 756)، والبيهقي (10/ 272) من طرق عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن شُرحبيل بن السِّمْط قال: قلنا لكعب بن مرة. . فذكره وفيه زيادة.
قال أبو داود بعده: سالم لم يسمع من شرحبيل، مات شرحبيل بصفين.
أقول: سالم بن أبي الجعد مات في حدود المئة، وقد ذكروا أنه لم يسمع من جماعة من الصحابة ممن مات بعد شرحبيل بن السمط، فهو لم يسمع من عائشة، وأم سلمة. =
(2/177)

عند التحمل (1)، فأما إذا عَقَلت المرأة وحَفِظت وكانت ممن يوثق بدينها فإنَّ المقصود حاصلٌ بخبرها، كما يحصل بأخبار الديانات، ولهذا تقبل شهادتها وَحْدَها في مواضع، ويحكم بشهادة امرأتين ويمين الطالب في أصح القولين، وهو قول مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد (2).
قال شيخنا [-قدس اللَّه روحه-] (3): لو قيل يحكم بشهادة امرأة ويمين الطالب لكان متوجهًا، قال: لأن المرأتين إنما أقيمتا مقام الرجل في التحمل لئلا
__________
= والصحابي راوي الحديث هو: كعب بن مرة، وقيل: مرة بن كعب، ورجح غير واحد أنه كعب بن مرة، ورواه أحمد (4/ 321) من طريق سالم عن رجل عن كعب.
ورواه النسائي في "السنن الكبرى" (4881، 4882)، ومن طريقه الطحاوي (730/ 731) من طريقين عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن كعب، فأسقط شرحبيل، ثم رواه منصور على الصواب فقال: حُدِّثت عن كعب بن مرة.
رواه النسائي في "الكبرى" (4880)، والطحاوي في "المشكل" (128 و 729) من طريقين عن زائدة عنه به.
وقد وجدت ابن عبد البر في "الاستيعاب" يقول في ترجمة كعب بن مرة (3/ 278): "وله أحاديث مخرجها عن أهل الكوفة يروونها عن شرحبيل بن السمط عن كعب بن مرة السلمي البهزي، وأهل الشام يروون تلك الأحاديث بأعيانها عن شرحبيل بن السمط، عن عمرو بن عَبَسَة".
قلت: وهذا الحديث وجدته من طريق شرحبيل بن السمط عن عمرو بن عَبَسة عند الطحاوي في "المشكل" (732) من طريق أيوب، عن أبي قلابة عنه به ولفظه: "من أعتق رقبة مسلمة. . . ومن أعتق رقبتين مسلمتين فهما فداؤه. . ."، قال أيوب: فحسبته يعني: امرأتين.
وإسناده صحيح؛ لكن وقع في سند الطحاوي: شرحبيل بن حسنة وهو خطأ.
وأصل الحديث في إعتاق الرقبة دون ذكر: "ومن أعتق امرأتين" ثابت في "صحيح البخاري" (2517 و 6715)، ومسلم (1509) عن أبي هريرة.
وانظر -لزامًا- "فضل الرمي في سبيل اللَّه" للقراب (رقم 17، 26) وتعليقي عليه و"فوائد الشاشي" (رقم 1) والتعليق عليه.
(1) في المطبوع: "هي في التحمل".
(2) انظر "الطرق الحكمية" (ص 174 - 177، الطريق العاشر، و"المدونة" (4/ 90)، و"شرح الزرقاني على الموطأ" (3/ 393)، و"المنتقى" (5/ 214)، و"تبصرة الحكام" (1/ 271)، و"المعونة"، (3/ 1548)، و"الإشراف" (5/ 46 مسألة 1809 - بتحقيقي) كلاهما للقاضي عبد الوهاب، و"جامع الأمهات" (ص 477)، و"شرح الزركشي" (7/ 313 - 314)، و"المحلى" (9/ 405) وفي (ق): "في مذهب أحمد".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) والعبارة بعدها في (ق): "ولو قيل بحكم. . .".
(2/178)

تنسى إحداهما، بخلاف الأداء، فإنه ليس [في] (1) الكتاب ولا في السنة أنه لا يحكم إلا بشهادة امرأتين، ولا يلزم من الأمر باستشهاد المرأتين وَقْتَ التحمل ألا يحكم بأقل منهما؛ فإنه سبحانه (2) أمر باستشهاد رجلين في الديون، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، ومع هذا فيحكم بشاهد واحد (3) ويمين الطالب، ويحكم بالنكول والرد وغير ذلك.
فالطرق التي يحكم بها الحاكم أوْسَعُ من الطرق التي أرشَدَ اللَّه صاحبَ الحق إلى أن يحفظ حقه بها، وقد ثبت في "الصحيح" عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه سأله عقبة بن الحارث، فقال: "إني تَزَوَّجْتُ امرأة، فجاءت أمة سوداء، فقالت: إنها أرضَعَتْنَا" فأمره بفراق امرأته، فقال: "إنها كاذبة"، فقال: "دَعْهَا عنك" (4) ففي هذا قَبُول شهادة المرأة الواحدة، وإن كانت أَمَةً، وشهادتها على فعل نفسها، وهو أصل في شهادة القاسم والخارِص والوَزان والكَيَّال [على فعل نفسه] (5).

فصل [وجوب معرفة هذا الأصل العظيم]
وهذا أصل عظيم؛ فيجب [أن يُعرف، غلط فيه] (6) كثير من الناس؛ فإن اللَّه [سبحانه] (7) أمر بما يُحْفَظُ به الحقُّ فلا (8) يحتاج معه إلى يمين صاحبه -وهو الكتاب والشهود- لئلا يجحد الحق [أو ينسى] (7)، ويحتاج صاحبه إلى تذكير مَنْ لم يذكر، إما جُحُودًا واما نسيانًا، ولا يلزم من ذلك أنه إذا كان هناك ما يدل على الحق لم يقبل إلا هذه الطريق التي أمره أن يحفظ حقَّه بها.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في (ق): "فإن اللَّه سبحانه".
(3) في (ن): "فيحكم بشهادة واحد".
(4) أخرجه البخاري في "الصحيح" (رقم 2660): كتاب (الشهادات): باب شهادة المرضعة، و (رقم 5104) (كتاب النكاح): باب شهادة المرضعة عن عقبة بن الحارث.
وأصل الحديث في مواطن من "صحيح البخاري"، هي: (رقم 88): (كتاب العلم): باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله، و (رقم 2052): (كتاب البيوع): باب تفسير المشبَّهات و (رقم 2640): (كتاب الشهادات): باب إذا شهد شاهد أو شهود بشيء فقال آخرون: ما علمنا ذلك.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(6) في (ق): "أن يعرف فيه غلط كثير".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (ق): "ولا".
(2/179)

فصل [ما يتعلق بشهادة الزنا وغيرها]
وإنما أمر اللَّه (1) [سبحانه] (2) بالعَدَد في شهود الزنا؛ لأنه مأمور فيه بالسَّتْر، [ولهذا غَلَّظَ فيه النِّصاب، فإنه] (3) ليس هناك أحق، (4) يضيع، [وإنما حد (5) وعقوبة، والعقوبات تُدْرَأ بالشُّبهات، بخلاف حقوق اللَّه وحقوق عباده التي تضيع إذا لم يقبل فيها قول الصادقين] (6)، ومعلوم أن شهادة العَدْل رجلًا كان أو امرأةً أقوى من استصحاب الحال، فإن استصحاب الحال من أضعف البيّنات (7)، ولهذا يُدفع (8) بالنكول تارة، وبا ليمين المردودة، [وبالشاهدين] (9) وبالشاهد واليمين، ودلالة الحال، وهو نظير رفع استصحاب الحال في الأدلة الشرعية بالعموم والمفهوم والقياس، [فيرفع بأضعف الأدلة، فهكذا] (10) في الأحكام يرفع بأدنى النصاب، ولهذا قدَّم الخبر الواحد في أخبار (11) الديانة على الاستصحاب، مع أنه يلزم جميع المكلفين، فكيف لا يقدم عليه فيما هو دونه؟ ولهذا كان الصحيح الذي دلت عليه السنة التي لا مُعارِضَ لها أن اللُّقَطَة إذا وصفها واصف صفةً تدلُّ على صدقه دُفعت إليه بمجرد الوصف (12)، فقام وَصْفُه لها مَقَامَ الشاهدين (13)، بل وصفه لها بيِّنة تبيِّن صدقَه وصحَّةَ دعواه، فإنَّ البيِّنة اسم لما يُبيِّن الحق (14).
وقد اتفق العلماء أن مواضع الحاجات يقبل فيها من الشهادات (15) ما لا يقبل في غيرها من حيث الجملة، وإن تنازعوا في بعض التفاصيل، وقد أمر اللَّه [سبحانه] (2) بالعمل بشهادة شاهدين من غير المسلمين عند الحاجة، [في الوصية
__________
(1) في (ن): "وأما أمر اللَّه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "و".
(4) في (د): "حتى".
(5) في (ق): "وإنما هو حد".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(7) في (ق): "من ضعف البيانات"، وقال في الهامش: "لعله: أضعف".
(8) في (ق): "يرفع".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(11) في (ق): "أحكام".
(12) الحديث المشار إليه، سبق تخريجه.
(13) في (ك): "الشاهد" وفي (ق): "مقام الشاهدين وصفة لها".
(14) انظر: "الطرق الحكمية" (ص 7، 244).
(15) في (ك): "الشهادة".
(2/180)

في السفر] (1) مُنَبِّهًا بذلك على نظيره، وما هو أولى منه؛ كقبول شهادة النِّساء منفردات في الأعراس والحمَّامات والمواضع التي تنفرد النساء بالحضور فيها، ولا ريب أنَّ قبول شهادتهن هنا أولى من قبول شهادة الكفار على الوصية في السفر (2)، وكذلك عمل الصحابة وفقهاء المدينة بشهادة الصِّبيان على تَجارُحِ بعضهم بعضًا (3)، فإن الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم، ولو لم تقبل شهادتهم وشهادة النساء منفرداتٍ لضاعت الحقوق وتعطَّلت وأُهملت مع غلبة الظن أو القطع بصدقهم، ولا سيما إذا جاءوا مجتمعين قبل تفرقهم ورجوعهم إلى بيوتهم وتواطئوا على خبر واحد، وفُرِّقُوا وقت الأداء واتفقت كلمتهم، فإنَّ الظن الحاصل حينئذٍ من شهادتهم أقوى بكثير من الظن الحاصل [من شهادة] (4) رجلين، وهذا مما لا يمكن دفعُه وجَحْدُه، فلا يُظَنّ (5) بالشريعة الكاملة الفاضلة المتضمنة (6) لمصالح العباد في المعاش والمَعَاد أنها تُهْمِلُ مثل هذا الحق وتضيّعه، مع ظهور أدلته وقوتها، وتقبله مع الدليل الذي هو دون ذلك.

[حكم شهادة العبد]
وقد روى أبو داود في "سننه" في قضية (7) اليهوديين اللّذين زَنَيا، فلما شهد أربعةٌ من اليهود عليهما أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-[برَجْمهما] (8)،. . . .
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2) انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (15/ 297).
(3) انظر في قبول شهادة الصبيان على تجارح بعضهم بعضًا: "الموطأ" (2/ 726) (كتاب الأقضية: باب القضاء في شهادة الصبيان)، و"الاستذكار" (22/ 77 - 79)، و"المدونة" (4/ 80)، و"تفسير القرطبي" (3/ 391 - 392، 395)، و"تبصرة الحكام" (1/ 216 و 2/ 7)، و"المحلى" (9/ 420)، و"الإنصاف" (12/ 37)، و"الأم" (7/ 88) وقد وردت آثار عديدة تدلل على الجواز، انظرها وتخريجها في تعليقي على "الإشراف" (5/ 42 - 43 مسألة 1807) للقاضي عبد الوهاب، و"الطرق الحكمية" (ص 170 - الطريق الخامس عشر).
(4) في (ق): "بشهادة".
(5) في المطبوع: "فلا نظن".
(6) في المطبوع و (ق) و (ك): "المنتظمة".
(7) في (ق) و (ن): "في قصة".
(8) أخرجه أبو داود (4452) في (الحدود): باب في رجم اليهوديين، والبزار (1558 - "كشف الأستار")، والدارقطني (4/ 169 - 170) من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر فذكره.
قال الدارقطني: "تفرد به مجالد عن الشعبي، وليس بالقوي" أما الهيثمي فقد ذكره في =
(2/181)

و [قد تقدم] (1) حكم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بشهادة الأمة الواحدة على فعل نفسها (2)، وهو يتضمن شهادة العبد، وقد حكى الإمامُ أحمد عن أنس بن مالك إجماعَ الصحابة على شهادته فقال: ما علمت أحدًا رَدَّ شهادة العبد (3)، وهذا هو الصواب، فإنه إذا قُبلت شهادتهُ على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حكم يلزم [جميع] (4) الأمة، فلأَن تُقبل
__________
= "مجمع الزوائد" (6/ 271 - 272) لوجود زيادة في متنه عما في "سنن أبي داود"، وقال: "رواه البزار من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر وقد صححها ابن عدي".
أقول: لا أدري كيف صححها ابن عدي؟ وعبارته كما في "كامله" (6/ 2417): "ومجالد له عن الشعبي عن جابر أحاديث صالحة، وعن غير جابر من الصحابة أحاديث صالحة، وجملة ما يرويه عن الشعبي، وقد رواه عن غير الشعبي ولكن أكثر روايته عنه، وعامة ما يرويه غير محفوظ".
وقد نقل تضعيفه عن غير واحد من أئمة الجرح والتعديل!.
وقد رواه الحميدي في "مسنده" (1294)، وأبو يعلى (2136) من طريق سفيان عن مجالد به، لكن ليس فيه أنه شهد أربعة شهود؟
والعجيب أن الهيثمي ذكره عن أبي يعلى (6/ 256) مرسلًا، وقال: "ورجاله ثقات". هكذا مع أن فيه مجالدًا! وهو في "المسند" المطبوع موصول.
وقال ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (3/ 551) -وكما في "نصب الراية" (4/ 85) -: "قوله في الحديث: "فدعا بالشهود فشهدوا" زيادة في الحديث تفرد بها مجالد، ولا يحتج بما انفرد".
وأخرجه أبو داود (4453 و 4454). من طريقين عن الشعبي مرسلًا، ولم يذكر "فدعا بالشهود فشهدوا".
وما بين المعقوفتين بياض في (ك)، وفي الهامش: "لعله أن يرجما".
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) هو حديث الأمة التي زعمت أنها أرضعت، أخرجه أحمد (4/ 7 و 383 - 384)، والحميدي (579)، وعبد الرزاق (13968 و 15435)، والبخاري (2052) في (البيوع): باب تفسير المشتبهات، وفي (النكاح) (5104) باب شهادة المرضعة، وأبو داود (3604)، والترمذي (1151) في (الرضاع): باب ما جاء في شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، والنسائي (6/ 109) في (النكاح): باب الشهادة في الرضاع، من حديث عقبة بن الحارث -رضي اللَّه عنه-.
وفي (ك): "وأمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم شهادة الأمة. . .".
(3) انظر: "مسائل صالح لأبيه" (2/ 313)، و"الإنصاف" (12/ 60 - 61)، و"المغني" (9/ 195 - 197)، و"المحلى" (10/ 598)، و"حلية العلماء" (8/ 247)، و"الإشراف" (5/ 61 رقم 1821 - بتحقيقي)، و"تفسير القرطبي" (3/ 389 - 390، 399 و 5/ 414).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ن).
(2/182)

شهادته على واحد من الأمة في حكم جزئيٍّ أولى وأحرى، وإذا قبلت شهادته على حكم اللَّه ورسوله في الفروج والدماء والأموال في الفتوى، فلأن تقبل شهادته على واحد من الناس أولى وأحرى، كيف وهو داخل في قوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}؟ فإنه منا وهو عَدْل وقد عَدَّله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: "يَحْمِلُ هذا العلم من كل خَلَفٍ عَدُولُه" (1) وعَدَّلَتْه الأمة في الرواية عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-[والفتوى] (2)، وهو من رجالنا فيدخل في قوله: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] وهو مسلم فيدخل في قول عمر بن الخطاب: "والمسلمون عُدُولٌ بعضهم على بعض" (3) وهو صادق فيجب العمل بخبره، وأن لا يرد (4)، فإن الشريعة لا تردُّ خبر الصادق، بل تعمل (5) به، وليس بفاسق، فلا يجب التثبُّتُ في خبره وشهادته، وهذا كله من تمام رحمة اللَّه وعنايته بعباده، وإكمال دينهم لهم، وإتمام نعمته عليهم بشريعته؛ لئلا تضيع حقوق اللَّه وحقوق عباده مع ظهور الحق بشهادة الصادق، لكن إذا أمكن حفظ الحقوق بأعلى الطريقين، فهو أولى كما أمر بالكتاب والشهود؛ لأنه أبلغ في حفظ الحقوق.

[حول شهادة اليمين]
فإن قيل: أمرُ الأموال أسهل، فإنه يُحكم فيها بالنُكول، وباليمين المردودة، وبالشاهد واليمين، بخلاف الرَّجْعة والطلاق.
قيل: هذا فيه نزاع، والحجة إنما تكون بنص أو إجماع، فأما الشاهد واليمين فالحديث الذي في "صحيح مسلم" عن ابن عباس: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى بالشاهِدِ واليمين" (6) ليس فيه أنه في الأموال، وإنما هو قول عمرو بن دينار (7)، ولو كان مرفوعًا عن ابن عباس فليس فيه اختصاص الحكم بذلك في
__________
(1) سيأتي تخريجه، و (عَدوله) بفتح العين، جمع (عَدل).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) هو قطعة من كتاب عمر لأبي موسى الأشعري، ومضى تخريجه.
(4) في (ق): "وألا".
(5) في (ق): "لا يعمل".
(6) الحديث في "صحيح مسلم" كما قال المؤلف -رحمه اللَّه- في (كتاب الأقضية)، باب: القضاء باليمين والشاهد، (3/ 1337/ 1712).
(7) ورد كلام عمرو هذا في بعض طرق الحديث، عند أحمد في "المسند" (1/ 323)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 167)، وانظر: "الطرق الحكمية" (63 - 65، 141، 161، 350 - الطريق السابع)، و"تهذيب السنن" (5/ 225 - 230)، فهناك الأحاديث، والرد على من أعلَّها.
(2/183)

الأموال وحدها، فإنه لم يخبر عن شرع عام شَرَعَه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الأموال، وكذلك سائر ما رُوي من حكمه بذلك، إنما هو في قضايا معينة قضى فيها بشاهد ويمين، وهذا كما لا يدل على اختصاص حكمه بتلك القضايا لا يقتضي اختصاص حكمه (1) بالأموال، كما أنه إذا حكم بذلك في الديون لم يدلَّ على أنَّ الأعيان ليست كذلك، بل هذا يحتاج إلى تنقيح المَنَاط، فيُنظر ما حكم لأجله إن وُجد في غير محل حكمه عُدِّيَ إليه.
وفي حديث عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أن المرأة إذا أقامت شاهدًا واحدًا على الطلاق، فإن حَلَف الزوج أنه لم يُطلِّق لم يُقضَ عليه، وإن لم يَحْلف حَلَفت المرأة، ويُقضى عليه" (2).

[الاحتجاج بصحيفة عمرو بن شعيب]
وقد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ولا يُعْرَف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها واحتجَّ بها (3)، وإنما طعن فيها من [لم] (4) يتحمَّل (5) أعباء الفقه والفتوى، كأبي حاتم البُسْتي (6) وابن حزم (7) وغيرهما (8)؛ وفي هذه الحكومة أن يُقضى في الطلاق بشاهد وما يقوم
__________
(1) في المطبوع و (ق) و (ك): "لا يقتضي اختصاصه".
(2) رواه ابن ماجه (2038)، والدارقطني (4/ 64)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (2/ 45) من طريق عمرو بن أبي سلمة التنيسي، عن زهير، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب به.
وفيه علل: زهير بن أبي سلمة، قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق له أوهام، وزهير بن محمد ثقة لكن في رواية أهل الشام عنه مناكير -وهذه منها-، وابن جريج مدلس، وقد عنعن.
أما البوصيري فقال (1/ 352): "إسناد حسن رجاله ثقات"!.
(3) انظر تفصيل هذا الاحتجاج في دراسة الأخ أحمد عبد اللَّه أحمد بعنوان: "رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده في الكتب التسعة" (ص 63 - 74)، وهي أطروحة للماجستير، مرقومة على الآلة الكاتبة.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (و).
(5) في (ق) و (ك): "يحتمل".
(6) انظر له "الثقات" (4/ 357 و 6/ 437)، و"المجروحين" (2/ 71، 73).
(7) انظر له "المحلى" (8/ 270، 317).
(8) مثل: الشافعي، فيما نقله عنه البيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 396)، وأيوب السختياني، كما في "الجرح والتعديل" (6/ 238)، و"الضعفاء الكبير" (3/ 273)، وأبو داود السجستاني كما في "السير" (5/ 169)، و"الميزان" (3/ 264)، وابن عدي في "الكامل" (5/ 1767).
(2/184)

مقام شاهد آخر من النكول ويمين المرأة، بخلاف ما إذا أقامت شاهدًا واحدًا وحلف الزوج أنه لم يُطَلِّق، فيمينُ الزوج عارَضَتْ شهادةَ الشاهد، وترجح جانبه بكون الأصل معه؛ وأما إذا نكل الزوج فإنه يُجعل نكوله مع يمين المرأة كشاهد آخر، ولكن هنا لم يُقض بالشاهد ويمين المرأة ابتداءً؛ لأن الرجل أعلم بنفسه هل طلّق أم لا، وهو أحفظ [لما وقع منه] (1)، فإذا نكَلَ وقام الشاهد الواحد، وحلفت المرأة كان ذلك دليلًا ظاهرًا [جدًّا] (1) على صدق المرأة أفلم يقضي عليه بالنكول وحده، ولا بيمين المرأة، وإنما قضى بالشاهد المقوى بالنكول ويمين المرأة] (2).
فإن قيل: ففي الأموال إذا أقام شاهدًا (3) وحلف (4) المدَّعِي حُكم له، ولا تُعْرَض اليمين على المُدَّعى عليه؛ وفي حديث عمرو بن شعيب: "إذا شهد الشاهد الواحد، وحلف الزوج أنه لم يُطَلِّق لم يُحكم عليه" (5).
قيل: هذا من تمام حكمة هذه الشريعة وجَلالَتها، أن (6) الزوج لما كان أعْلَم بنفسه هل طلَّق أم لا، وكان أحفظ لما وقع منه وأعْقَل له وأعلم بنيَّته، وقد يكون [قد] (7) تكلم بلفظ مجمل أو بلفظ يظنه الشاهد طلاقًا وليس بطلاق، والشاهد يشهد بما سمع، والزوج أعلم بقصده ومراده، جعل الشارعُ يمين الزوج معارضةً لشهادة الشاهد الواحد، ويُقويّ جانبه الأصلُ واستصحابُ النكاح، فكان الظن المستفاد من ذلك أقوى من الظن المستفاد من مجرد الشاهد الواحد، فإذا نكَلَ قوي الأصلُ (8) في صدق الشاهد، فقاوم ما في جانب الزوج، فَقوَّاه الشارع بيمين المرأة، فإذا حلفت مع شاهدها ونكول الزوج قوي جانبها جدًّا، فلا شيء أحسن ولا أَبْيَن ولا أَعْدَل من هذه الحكومة، وأما المال المشهود به فإن المُدَّعي إذا قال: أقرضتُه أو بِعْتُه أو أعَرتُه، أو قال: غَصَبني أو نحو ذلك، فهذا الأمر لا يختص بمعرفته المطلوب (9)، ولا يتعلق بن يته وقصده، وليس مع المُدَّعى عليه من شواهد صدقه ما مع الزوج من بقاء عصمة النكاح، وإنما معه مجرد براءة الذمة، وقد عُهد كثرة اشتغالها بالمعاملات، فقويَ الشاهد الواحد والنكول أو يمين
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2) ما بين المعقوفتين من (ك) و (ق).
(3) في المطبوع: "إذا قام شاهد".
(4) في (ق): "أو حلف".
(5) تقدم تخريجه قريبًا.
(6) في (ك) و (ق): "لأن".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (ن) و (ك): "قويَ الأمر".
(9) في (ن): "فهذا أمر لا يختص بمعرفة المطلوب" ووقع في (ق): "ونحو ذلك فهذا أمر لا يختص بمعرفته".
(2/185)

الطالب على رَفْعها، فحُكم له، فهذا كله مما يبين حكمة الشارع (1)، وأنه يقضي بالبينة التي تبين الحق وهي الدليل الذي يدل عليه، والشاهد الذي يشهد به، بحسب الإمكان.

[يحكم بشهادة الشاهد الواحد إذا ظهر صدقه]
بل الحق أن الشاهد الواحد إذا ظهر صِدقُه حكم بشهادته وحده (2)، وقد أجاز النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شهادة الشاهد الواحد لأبي قتادة بقتل المشرك وَدَفع إليه سَلَبه بشهادته وحده، ولم يُحَلِّف أبا قتادة (3)، فجعله بيِّنةً تامة، وأجاز شهادةَ خزيمة بن ثابت وحده بمبايعته -صلى اللَّه عليه وسلم- الأعرابي (4) وجعل شهادته بشهادتين لما استندت إلى تصديقه [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (5) بالرسالة المتضمنة تصديقه في كل ما يخبر به (6)، فإذا شهد المسلمون بأنه صادق في خبره عن اللَّه فبطريق الأَوْلى يشهدون أنه صادق (7) عن رجل من أمته، ولهذا كان من تَرَاجِم بعض الأئمة على حديثه (8): "الحكم بشهادة الشاهد الواحد إذا عُرف صِدْقُه" (9).
__________
(1) في (ن) و (ك): "مما يبين حكمه"، وفي (ق): "ما يبين حكمته".
(2) انظر: "الطرق الحكمية" (ص 126).
(3) أخرجه البخاري (3142) في (فرض الخمس): باب من لم يخمس الأسلاب، و (4321) في (المغازي): باب قول اللَّه تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا}، وعلَّقه (4322)، ووصله (7170) في (الأحكام): باب الشهادة تكون عند الحاكم، ومسلم (1751) في (الجهاد): باب استحقاق القاتل سلب القتيل، من حديث أبي قتادة نفسه.
(4) في المطبوع و (ن): "بمبايعته للأعرابي".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) أخرجه أبو داود (رقم 3607) (كتاب الأقضية): باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، والنسائي (7/ 301 - 302) (كتاب البيوع): باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع، وأحمد (5/ 215 - 216)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (4/ 115، 116 رقم 2084، 2085)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 87)، والطبراني في "الكبير" (4/ 101 رقم 3730)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 17 - 18)، وإسناده صحيح.
(7) في (ق) بعد هذه الكلمة: "في خبره".
(8) في (ق): "على هذا الحديث".
(9) انظر "سنن أبي داود" (كتاب الأقضية) (3/ 308).
(2/186)

فصل [تشرع اليمين من جهة أقوى المتداعيين]
والذي جاءت به الشريعة أن اليمين تُشرع من جهة أقوى المتداعيين، فأي الخصمين تَرجَّح جانبه جُعلت اليمين من جهته، وهذا مذهب الجمهور كأهل المدينة وفقهاء الحديث كالإمام أحمد والشافعي ومالك وغيرهم (1)؛ وأما أهل العراق فلا يحلِّفون إلا المُدَّعى عليه وحده، فلا يجعلون اليمين إلا من جانبه فقط، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، والجمهور يقولون: قد ثبت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قضى بالشاهد واليمين (2)، وثبت عنه أنه عرض الأَيْمان في القسامة على المدَّعِين أولًا، فلما أبَوْا جعلها من جانب المُدَّعى عليهم (3)، وقد جعل اللَّه [سبحانه] (4) أيمان اللعان من جانب الزوج أولًا، فإذا نكَلَتِ المرأة عن معارضة (5) أَيْمانه بأَيْمانها وجب عليها العذاب بالحد، وهو العذاب المذكور في قوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] فإن المُدَّعي لما ترجَّح جانبه بالشاهد الواحد شُرعت اليمين من جهته، وكذلك أولياء الدَّم ترجَّحَ جانبهم باللَّوث فشُرعت اليمين من جهتهم وأُكِّدت بالعدد تعظيمًا لخطر النفس، وكذلك الزوج في اللعان جانبه أرجح (6) من جانب المرأة قطعًا، فإن إقدامه على إتلاف فراشه،
__________
(1) انظر: "تهذيب السنن" (6/ 321 - 322، 325)، و"زاد المعاد" (3/ 200 - 201)، و"الطرق الحكمية" (ص: 71، 155، 127)، و"الروح" (ص 16)، وانظر: "أحكام الجناية" (388 - 395) للشيخ الفاضل بكر أبو زيد -حفظه اللَّه-.
(2) سبق تخريجه قريبًا.
(3) أخرجه البخاري (3173) في (الجزية والموادعة): باب الموادعة والمصالحة مع المشركين، و (6143) في (الأدب): باب إكرام الكبير، ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال، و (6898) في (الديات): باب القسامة، و (7192) في (الأحكام)، باب كتاب الحاكم إلى عماله، ومسلم (1669) في (القسامة) أوله، من حديث سَهْل بن أبي حَثْمة، ورافع بن خديج.
وانظر: "تهذيب السنن" (6/ 325 - 326)، و"زاد المعاد" (3/ 201)، و"الطرق الحكمية" (ص 4، 10، 95، 155)، و"إغاثة اللهفان" (2/ 119)، و"بدائع الفوائد" (3/ 118)، و"الروح" (ص 16)، و"أحكام الجناية" (ص 363 - 376).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق): "معارضته عن" وفي (ك): "معارضته".
(6) في (ن): "أقوى".
(2/187)

ورميها بالفاحشة على رؤوس الأشهاد، وتعريض نفسه لعقوبة الدنيا والآخرة، وفضيحة أهله ونفسه على رؤوس الأشهاد، مما تاباه طباع العقلاء، وتَنفِرُ عنه (1) نفوسهم، لولا أن الزوجة اضْطَرَّتْهُ بما رآه وتيَّقنه (2) منها إلى ذلك، فجانبه أقوى من جانب المرأة قطعًا، فشُرعت اليمين من جانبه، ولهذا كان [الصواب] (3) القتل في القَسَامة واللِّعان وهو قول أهل المدينة، فأما فقهاء (4) العراق فلا يقتلون لا بهذا ولا بهذا، وأحمد يقتل بالقسامة دون اللعان، والشافعي يقتل باللعان دون القسامة (5)، وليس في شيء من هذا ما يعارض الحديث الصحيح، وهو قوله [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (6): "لو يُعطَى الناسُ بدَعْوَاهم لادَّعَى قومٌ دماءَ قومٍ وأموالَهم، ولكن اليمين على المُدَّعى عليه" (7) فإن هذا إذا لم يكن مع المُدَّعي إلا مجرد الدعوى، فإنه لا يُقضى له بمجرد الدعوى، فأما إذا ترجَّحَ جانبه بشاهد أو لَوْثٍ أو غيره لم يقض له بمجرد دَعْوَاه، بل بالشاهد المجتمع من ترجُّح (8) جانبه ومن اليمين، وقد حكم سُليمان بن داود عليه السلام لإحدى المرأتين بالولد لترجُّحِ (9) جانبها بالشفقة على الولد وإيثارها لحياته ورضى الأخرى بقتله، ولم يَلتفت إلى إقرارها للأخرى به، وقولها: "هو ابنها" (10)، ولهذا كان من تراجم الأئمة على هذا الحديث: "التَّوْسِعَة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: [أفعل ليستبين الحق] (11)
__________
(1) في (ك): "منه".
(2) في (ق): "بما رآه وعلمه" وفي (ك): "بما رآه وقيعة".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في (ق): "أهل".
(5) انظر كلام المؤلف -رحمه اللَّه- في "الطرق الحكمية" (ص 10).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الرهن): باب إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه، فالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه (رقم 2514)، و (كتاب الشهادات)، باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود (رقم 2668)، و (كتاب التفسير)، باب {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} (رقم 4552)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الأقضية): باب اليمين على المدعى عليه (رقم 1711).
(8) في المطبوع و (ن): "ترجيح".
(9) في (ن): "لما ترجح".
(10) سبق تخريجه قريبًا.
(11) في (و): "أفعل كذا ليستبين به الحق"، وعلّق قائلًا: هذه ترجمة أبي عبد الرحمن النسائي في "سننه"، وزيادة كلمة (كذا) من "الطرق الحكمية" للمؤلف اه.
وفي (د) و (ط) و (ح): "أفعل ليستبين به الحق". =
(2/188)

ثم ترجم [عليه] (1) ترجمة أخرى أحسن من هذه وأفقه فقال: "الحكم بخلاف ما يَعْترف به المحكوم [عليه] (2) إذا تبيّن للحاكم أن الحقَّ غير ما اعترف به" (3) فهكذا يكون فهم الأئمة من النصوص واستنباط الأحكام التي تشهد العقول والفِطَرُ بها [منها] (4)، ولعمر اللَّه: إنّ هذا هو العلم (5) النافع لا خَرْصُ الآراء وتخمين الظنون (6).
فإن قيل: ففي القسامة يُقبل مجرد أَيمان المُدَّعين، ولا تُجعل أَيمان المُدَّعى (7) عليهم بعد أيمانهم دافعة للقتل، وفي اللعان ليس كذلك، بل إذا حلف الزوج مُكِّنَتِ المرأة أن تدفع عن نقسها بأيمانها، ولا تُقتل بمجرد أيمان الزوج، فما الفرق؟
قيل: هذا من كمال الشريعة وتمام عَدْلها [ومحاسنها] (8)؛ فإن المحلوف عليه في القَسَامة [حقٌّ] (8) لآدمي، وهو استحقاق الدم، وقد جُعلت الأيمان المكررة بيِّنة تامة مع اللَّوْث، فإذا قامت البينة لم يُلتفت إلى أَيمان المُدَّعى عليه (9)، وفي اللعان المحلوف عليه حقٌّ للَّه وهو حد الزنا، ولم يشهد به أربعة شهود، وإنما جُعل الزوج (10) أن يحلف أيمانًا مكررةً مؤكدةً باللعنة أنها جَنَت على فراشه وأفسدته، فليس له شاهد إلا نفسه، وهي شهادة ضعيفة، فمكنت المرأة أن تعارضها بأيمان مكررة [مثلها] (8)، فإذا نكلَتْ [ولم تُعارضها] (8) صارت أيمان الزوج [مع نكولها] (8) بينة قوية [لا معارض لها] (8)؛ ولهذا كانت الأيمان أربعة لتقوم مقام الشهود الأربعة، وأُكِّدت بالخامسة هي (11) الدعاء على نفسه [باللعنة] (8)
__________
= قلت: وكل هذه فيها زيادات، والصواب ما أثبتناه، كما في "سنن النسائي" (8/ 236)، وفيها بدل كلمة "التوسعة": "السعة"، ووقع في (ق) و (ك): "أفعل ليتبين له الحق".
(1) ما بين المعقوفتين من (ن) و (و)، وعلّق (و) قائلًا: "يعني: النسائي، وإن كان لم يسبق ذكره" اه.
(2) كذا في (و)، ولعله الصواب -واللَّه أعلم-، وفي (ق) و (ك)، وباقي النسخ و"الكشاف على تحفة الأشراف" (14/ 379) معزوًا ل"السنن الكبرى" للنسائي "له".
(3) قال (و): "ترجم عليه أخرى، فقال: نقض الحاكم ما حكم به غيره ممن هو مثله، أو أجل منه، وفيه قاعدة أخرى: "الحكم بالقرائن وشواهد الأحوال".
قلت: انظر: "المجتبى" (8/ 234 فما بعدها) للنسائي.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5) كذا في (ق)، وفي غيرها: "العمل".
(6) انظر "الطرق الحكمية" (ص 3).
(7) في (ن): "ولا يجعل المدعى".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(9) في (ك) و (ق): "عليهم".
(10) في (ق): "للزوج".
(11) في (ق): "وهي".
(2/189)

إن كان كاذبًا، ففي القَسَامة جُعل اللوث وهو (1) الأمارة الظاهرة الدالة على أن المُدَّعى عليهم [قبلوه] (2) شاهدًا، وجُعلت الخمسين يمينًا شاهدًا آخر، وفي اللعان جُعلت أَيْمان الزوج كشاهد، ونكولها كشاهد آخر.

[لا يتوقف الحكم على شهادة ذكرين أصلًا]
والمقصود أن الشارع لم يَقف الحكم في [حفظ] (3) الحقوق [البتة] (4) على شهادة رجلين (5)، لا في الدماء ولا في الأموال ولا في الفروج ولا في الحدود، بل قد حَدَّ الخلفاء الراشدون والصحابة [-رضي اللَّه عنهم-] (6) في الزنا بالحبَل، وفي الخمر بالرائحة والقيء (7)
__________
(1) في (ق): "وهي"
(2) في (د) و (ط) و (ق): "قتلوه"!
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وبدله في (ق) و (ك): "حق من".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) وفي (ك): "الحقوق إليه البتة".
(5) في المطبوع و (ق) و (ك): "ذكرين".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) أخرج مالك في "الموطأ" (2/ 842)، ومن طريقه النسائي في "سننه" (8/ 326) عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال: إني وجدت في فلان ريح شراب، فزعم أنه شراب الطلاء، وأنا سائل عما شرب، فإن كان مسكرًا جلدته، فجلده عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- الحد تامًا.
ورواه عبد الرزاق (17028) عن معمر، والبيهقي (8/ 315) من طريق سفيان كلاهما عن الزهري به نحوه.
وعلقه البخاري في "صحيحه" قبل حديث (5598)، قال: قال عمر: وجدت في عبيد اللَّه ريح شراب، وأنا سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته.
ففي هذه الروايات أنه جلد بعد السؤال، أو أنه أراد الاستفسار.
لكن رواه ابن جريج، حدثني الزهري به، فقال: أنه حضر عمر بن الخطاب -وهو يجلد رجلًا- وجد منه ريح شراب، فجلده الحد تامًا. أخرجه عبد الرزاق (17029).
ورواه ابن أبي ذئب عن الزهري به فقال: أن عمر كان يضرب في الريح.
أخرجه ابن أبي شيبة (6/ 532 - دار الفكر) حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب به، والأسانيد المذكور كلها صحيحة.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (10/ 65) عن رواية ابن جريج: ظاهره أنه جلده بمجرد وجود الريح منه، وليس كذلك لما تبين من رواية معمر.
وقال عن رواية ابن أبي ذئب: فإنها أشد اختصارًا، وأعظم لبسًا.
وروى عبد الرزاق (17030) عن معمر عن إسماعيل بن أبي أمية قال: كان عمر إذا وجد من رجل ريح شراب جلده جلدات، إن كان ممن يدمن الشراب، وإن كان غير مدمن تَرَكه، وإسماعيل بن أمية ثقة ثبت إلا أنه لم يدرك عمر بن الخطاب. =
(2/190)

وكذلك إذا ظهر (1) المسروق عند السارق (2) كان أولى بالحد من ظهور [الحبل و] (3) الرائحة في الخمر، وكل ما يمكن أن يقال في ظهور المسروق أمكن أن يقال في الحَبل والرائحة، بل أولى، فإن (4) الشبهة التي تعرض [في الحبل] (5) من الإكراه ووطء الشبهة؛ وفي الرائحة لا يعرض مثلها في ظهور العين [المسروقة] (6)، والخلفاء الراشدون والصحابة [-رضي اللَّه عنهم-] (7) لم يلتفتوا إلى هذه الشبهة التي هي إلى تجويز (8) غلط الشاهد ووهمه وكذبه أظهر منها [بكثير] (9)، فلو عُطِّل
__________
= وروى نحوه ابن أبي شيبة (6/ 533) عن عبد اللَّه بن الزبير، وفي إسناده ابن جريج وهو مدلس.
هذا ما وجدته عن عمر من الخلفاء، وقد رأيت أنه لم يجلد بالرائحة فقط!!
وجَلَد عثمانُ -ووافقه عليّ- بالتقيّؤ، أخرج مسلم في "صحيحه" (1707): (كتاب الحدود): باب حدّ الخمر، ضمن قصة، فيها قول عثمان: "إنه لم يتقيَّأ حتى شربها، فقال: (أي: عثمان): يا عليّ! قُم، فاجْلدْه. . ." وكذا عمر، أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (6/ 533).
وأما الحبل، والحد به، فسيأتي مفصَّلًا عند المصنف (3/ 348)، وكان علي -رضي اللَّه عنه- يسمّيه -أي: الحبل-: (زنا العلانية)، انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 134) و"المغني" (8/ 211) و"الأوسط" (2/ 14) "وموسوعة فقه علي" (ص 316).
وأما ما ورد عن الصحابة في ذلك، فقد روى البخاري (5001) في (فضائل القرآن): باب القراء من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومسلم (801) في (صلاة المسافرين): باب فضل استماع القرآن، وطلب القراءة من حافظ للاستماع وابن أبي شيبة في "المصنف" (6/ 532 - ط دار الفكر)، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: كنت بحمص فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا، فقرأت عليهم سورة يوسف، فقال رجل من القوم: واللَّه ما هكذا أنزلت. . فبينا، أنا أكلمه إذا وجدت منه ريح الخمر، قل: فقلت: أتشرب الخمر وتُكذِّب بالكتاب، لا تبرح حتى أجلدك، قال: فجلدته الحد.
وانظر: "الطرق الحكمية" (ص 4، 6)، و"زاد المعاد" (2/ 78 - 79، 143 و 3/ 211)، و"الحدود والتعزيرات" (ص 325 - 342) للشيخ بكر أبو زيد، فإنه مهم جدًّا.
(1) في المطبوع: "إذا وجد".
(2) انظر: "بدائع الفوائد" (4/ 13)، و"الحدود والتعزيرات" (ص 417 - 419).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في (ق): "وإن".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (و) و (ك): "الشبهة إلى تجويز"، وفي باقي النسخ المطبوعة: "الشبهة التي تجويز"! هكذا.
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2/191)

الحدُّ بها لكان تعطيله بالشبهة التي تكمن في شهادة الشاهدين أولى (1)، فهذا محض الفقه والاعتبار و [مصالح العباد، وهو] (2) من أعظم الأدلة على جلالة فقه الصحابة وعظمته (3) ومطابقته لمصالح العباد، وحكمة الرب وشرعه، وأن التفاوت الذي بين أقوالهم وأقوال من بعدهم كالتفاوت الذي [بين] (4) القائلين.

[لم يردّ الشَّارعُ خبرَ العدل]
والمقصود أن الشارع [صلوات اللَّه وسلامه عليه وعلى آله] (5) لم يَرُدَّ خبر العدل قط، لا في رواية ولا في شهادة، بل قَبلَ خبرَ العدل الواحد في كل موضع أَخْبر به، كما قبل شهادتَهُ لأبي قتادة بالقتيل (6) وقبل شهادة خزيمة وحده (7)، وقبل شهادة الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان (8).
__________
(1) في (ن): "شهادة الشاهد أولى" وفي (ك): "يمكن من شهادة الشاهدين".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) في (ق) و (ك): "وعصمته".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(6) مضى تخريجه ووقع في (ق): "بالقتل".
(7) مضى تخريجه.
(8) أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 68)، وأبو داود (2340) في (الصوم): باب في شهادة الواحد على رؤية الهلال، والنسائي (4/ 132) في (الصوم): باب قبول شهادة الرجل الواحد على رؤية هلال رمضان، والترمذي (691) في (الصوم): باب ما جاء في الصوم بالشهادة، وابن ماجه (1652) في (الصيام): باب ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال، والدارمي (2/ 5)، وأبو يعلى (2529)، وابن الجارود (379)، و (380) وابن خزيمة (1923 و 1924)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (482 و 483 و 484)، وابن حبان (3446)، والدارقطني (2/ 158)، والحاكم (1/ 424)، والبيهقي (4/ 211، 212) من طرق عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس فذكره.
وهذا إسناد ضعيف؛ سماك في روايته عن عكرمة ضعف، قال أبو داود: رواه جماعة عن سماك، عن عكرمة مرسلًا، وقال الترمذي: حديث ابن عباس فيه اختلاف، وروى سفيان الثوري وغيره عن سماك، عن عكرمة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلًا، وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلًا.
أما الحاكم فقال: قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة، ومسلم بأحاديث سماك، وهذا الحديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي!!.
والمرسل: رواه عبد الرزاق (7342)، وابن أبي شيبة (3/ 67 - 68)، وأبو داود (2341)، والنسائي (4/ 132)، والطحاوي (485)، والدارقطني (2/ 159) من طرق عن سماك عن عكرمة مرسلًا.
وقال النسائي: إنه أولى بالصواب، وفي "نصب الراية" (2/ 443) و"التلخيص الحبير" =
(2/192)

وقبل شهادة الأمة السوداء وحدها على الرضاعة (1)، وقبل خبر تميم وحده وهو خبر عن أمر حسي شاهده ورآه فقبله ورواه عنه (2)، ولا فرق بينه وبين الشهادة؛ فإن كلًا منهما [خبر] (3) عن أمر مستند إلى الحِسِّ والمشاهدة، فتميم شهد بما رآه وعاينه، وأخبر به النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فصدَّقه وقَبِل خَبَرَه، فأيُّ فرق بين أن يشهد العدل الواحد على أمر رآه وعَاينه يتعلق بمشهود له وعليه وبين أن يخبر بما رآه وعاينه مما يتعلق بالعموم؟. وقد أجمع المسلمون على قبول أذان المُؤذن الواحد، وهو شهادة منه بدخول الوقت، وخبر عنه يتعلق بالمخبر وغيره، وكذلك أجمعوا على قبول فتوى المفتي الواحد، وهي خبر عن حكم شرعي يعم المستفتي وغيره.

[جانب التحمل غير جانب الثبوت]
وسر المسألة أنه (4) لا يلزم من الأمر بالتعدد في (5) جانب التحمل وحفظ الحقوق الأمر بالتعدد في جانب الحكم والثبوت؛ فالخبر الصادق (6) لا تأتي الشريعة بردِّه أبدًا، وقد ذمَّ اللَّه في كتابه من [كذَّب بالحقِّ، و] (7) رَدُّ الخَبرِ الصَّادقِ تكذيبٌ بالحق (8)، وكذلك الدلالة الظاهرة لا ترد إلا بما هو مثلها أو أقوى منها، واللَّه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق، بل أمر بالتثبت والتبين (9)، فإن ظهرت
__________
= (2/ 187) نقلًا عن النسائي زيادةً على ما قال: "إن سماكًا إذا تفرد بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يلقن فيتلَقَّن".
وفي الباب عن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال، فرأيتُه فأخبرت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فصام، وأمر الناس بصيامه، رواه الدارمي (2/ 4)، وأبو داود (2342)، وابن حبان (3447)، والدارقطني (2/ 156)، والحاكم (1/ 423)، والبيهقي (4/ 212) وإسناده صحيح، صححه الدارقطني، والحاكم، وابن حبان، والنووي، والذهبي، وغيرهم.
(1) رواه البخاري (88) في (العلم): باب الرحلة في المسألة النازلة، وتعليم أهله، و (2052) في (البيوع): باب تفسير المشبهات، و (2640) في (الشهادات): باب إذا شهد شاهد أو شهود بشيء، و (2659) باب شهادة الإماء والعبيد، و (2660) باب شهادة المرضعة، و (5104) في (النكاح): باب شهادة المرضعة، من حديث عقبة بن الحارث.
(2) هو حديث تميم الداري في قصة الدجال، رواه مسلم (2942) في (الفتن وأشراط الساعة): باب قصة الجَسَّاسة، من حديث فاطمة بنت قيس.
(3) ما بين المعقوفتين من (ك) وحدها.
(4) في المطبوع: "أن".
(5) في (ن): "من".
(6) في (ق): "فخبر الصادق".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (ق): "تكذيبًا بالحق".
(9) في المطبوع: "بل بالتثبيت والتبيين".
(2/193)

الأدلة على صدقه قُبِل خبرهُ، وإنْ ظهرت الأدلة على كذبه رُد خبره، وإن (1) لم يتبين واحد من الأمرين وُقف خبره؛ وقد قَبِلَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خبر الدليل المشرك الذي استأجره ليدله على طريق المدينة في هجرته لما ظهر له صدقه وأمانته (2)؛ فعلى المسلم أن يتبع هدي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في قبول الحق، ممن جاء به، من وليٍّ وعدو، وحبيب وبغيض، وبَرٍّ وفاجر، ويرد الباطل على من قاله كائنًا من كان، قال عبد اللَّه بن صالح: ثنا الليث بن سَعْد، عن ابن عَجْلان، عن ابن شِهَاب أن معاذ بن جبل كان يقول في مجلسه كل يوم قَلَّما يخطئه أن يقول ذلك: "اللَّه حكم قِسْط (3)، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنًا يكثر فيها المال، ويُفتح فيها القرآن، حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول: [قد] (4) قرأت القرآن، فما أظنُّ أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم؛ فإنَّ الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإنَّ المنافق قد يقول كلمة الحق، فتَلَقُّوا الحقَّ عن من جاء به، فإنَّ على الحق نورًا، قالوا: وكيف زَيْغة الحكيم؟ قال: هي الكلمة [تروعكم] (5) وتنكرونها وتقولون: ما هذا؟! فاحذروا زيغته، ولا يصدَّنَّكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة" (6).
__________
(1) في (ق): "فإن".
(2) أخرج خبر الدليل: البخاري (2263) في (الإجارة): باب استئجار المشركين عند الضرورة، و (2264) في باب إذا استأجر أجيرًا ليعمل له بعد ثلاثة أيام، و (3905) في (مناقب الأنصار): باب هجرة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه إلى المدينة، من حديث عائشة.
(3) "حكم قسط: حكم عدل (ط)، وقال (ح): "القسط -بالكسر-: العدل، من المصادر الموصوف بها كالعدل، يستوي فيه الواحد والجمع".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(6) علقه بن عبد البر في "الجامع" (1871) من هذا الطريق، وابن شهاب لم يسمع من معاذ.
وقد روي من طريق الزهري موصولًا، فقد رواه أبو نعيم في "الحلية" (1/ 232) من طريق الوليد بن مسلم: حدثنا ابن عجلان، عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني حدثه عن معاذ.
لكن رواه أبو داود (4611) في (السنة) باب لزوم السنة، وأبو نعيم في "الحلية" (1/ 233) -ومن طريقه الذهبي في "السير" (1/ 456) - والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (2/ 321) -ومن طريقهما البيهقي في "المدخل" (834) - والفريابي في "صفة المنافق" =
(2/194)

[الحاكم يحكم بالحجة التي ترجّح الحق]
والمقصود أن الحاكم يحكم بالحجَّة التي ترجِّح الحقَّ إذا لم يعارضها مثلها، والمطلوب منه ومن كل من يحكم بين اثنين أن يعلم ما يقع، ثم يحكم فيه بما يجب، فالأول مداره على الصِّدق، والثاني مداره على العدل (1)، وتمت كلماتُ (2) ربك صدقًا وعدلًا، واللَّه عليمٌ حكيم.

[صفات الحاكم وما يشترط فيه]
فالبيّنات والشهادات تظهر لعباده معلومة، وبأمره وشرعه يحكم بين عباده، والحكم إما إبداءً وإما إنشاءً؛ فالإبداء إخبارٌ وإثباتٌ وهو شهادة، والإنشاء [أمر و] (3) نهي وتحليلٌ وتحريم؛ والحاكم فيه ثلاث صفات؛ فمن جهة الإثبات (4) هو شاهد، ومن جهة الأمر والنَّهي هو مُفْتٍ، ومن جهة الإلزام بذلك هو ذو سلطان، وأقل ما يشترط فيه صفات الشاهد باتفاق العلماء؛ لأنه يجب عليه الحكم بالعدل،
__________
= (رقم 41) -ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (32/ 219)، والذهبي في "السير" (8/ 143) - من طريق الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، (ووقع في سند أبي نعيم: أبو يزيد الخولاني، والظاهر أنه خطأ)، عن يزيد بن عميرة عن معاذ فذكر نحوه، وإسناده صحيح. ويظهر أن أبا إدريس الخولاني كان يرويه على الوجهين، إذ أنه ولد في حياة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقد أدرك معاذًا.
ورواه جمع عن الزهري موصولًا غير عقيل بن خالد، منهم:
* معمر بن راشد، وعنه عبد الرزاق في "المصنف" (11/ رقم 20750)، ومن طريقه: الآجري في "الشريعة" (47)، واللالكائي في "السنة" (رقم 116) وابن بطة في "الإبانة" (143).
* جعفر بن بُرقان، ومن طريقه ابن وضاح في "البدع والنهي عنها" (رقم 59).
* صالح بن كيسان، ومن طريقه الفريابي في "صفة المنافق" (42).
* شعيب، ومن طريقه الخطيب في "تالي التلخيص" (2/ 497 - 498 رقم 300 - بتحقيقي).
وله طريق آخر عن معاذ، مضى تخريجه (1/ 112)، وانظر (2/ 415).
(1) انظر: "الطرق الحكمية" (ص 190 - 194، 173، 20 الطريق السادس عشر)، و"مدارج السالكين" (1/ 360 - 361).
(2) في (ق): "كلمة".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(4) في المطبوع: "لإثبات".
(2/195)

وذلك يستلزم أن يكون عدلًا في نفسه؛ فأبو حنيفة لا يعتبر إلا العدالة، والشافعي وطائفة من أصحاب أحمد يعتبرون معها الاجتهاد.

[يجب تولية الأصلح للمسلمين]
وأحمد يوجب تولية الأصلح فالأصلح من الموجودين، وكل زمان بحسبه، فيُقدَّم الأدْيَنُ العَدْل على الأَعلم الفاجر، وقضاة السنة على قضاة الجهمية، وإن كان الجهميُّ أفْقَه، ولما سأله المتوكل عن القضاة أرسل إليه درجًا (1) مع وزيره، يذكر فيه تولية أناس [وعزل أناس] (2)، وأمسك عن أناس، وقال: لا أعرفهم، وروجع في بعض مَنْ سَمَّى لقلَّة علمه، فقال: لو لم يولوه لولّوا فلانًا، وفي توليته مضرة على المسلمين؛ ولذلك (3) أمر أن يُوَلَّى على الأموال الدَّيِّنُ السُّنِّي دون الدَّاعي إلى التَّعطيل؛ لأنَّه يضرُّ النَّاسَ في دينهم، وسئل عن رجلين أحدهما أنكى للعدو (4) مع شربه الخمر والآخر أَدْيَن، فقال: يُغْزى مع الأَنكى (5) في العدو؛ لأنه أنفع للمسلمين.

[تولية الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- الأنفع على من هو أفضل منه]
وبهذا مضتْ سَنّةُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فإنه كان يُوَلّي (6) الأنفع للمسلمين على من هو أفضل منه، كما وَلَّى خالد بن الوليد من حين أسلم على حروبه لنكايته في العدو، وقَدَّمه على بعض السابقين من المهاجرين والأنصار مثل عبد الرحمن بن عوف، وسالم مولى أَبى حُذيفة، وعبد اللَّه بن عمر (7)؛ وهؤلاء ممن أنفق [من] (8) قبل الفتح وقاتل، وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا؛ وخالد كان (9)
__________
(1) "الدرج": الذي يكتب فيه، وكذلك الدرج بالتحريك، يقال: أنفذته في درج الكتاب: أي في طيه (د) و (ح) و-أيضًا- "لسان العرب" (3/ 1353) لابن منظور، ونحوه باختصار في (ط).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) في المطبوع و (ق): "وكذلك".
(4) في المطبوع و (ك): "في العدو".
(5) "أنكى العدو، وفيه نكاية: قتل وجرح" (د)، ونحوه في (ط) ونحو ما قرره المصنف في "السياسة الشرعية". (ص 21) لابن تيمية.
(6) في (ن): "فإنه مرات يولي".
(7) في (ك) و (ق): "عبد اللَّه بن عَمرو".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) (د) و (ط): "وخالد وكان" بزيادة "و".
(2/196)

ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل، فإنه أسلم بعد صلح الحديبية هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة الحَجَبي (1)، ثم إنه فعل مع بني جذيمة ما [تبرأ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- منه] (2)، حين رفع يديه إلى السماء، وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" (3) ومع هذا فلم يعزله، وكان أبو ذر من أسبق السابقين وقال له (4): "يا أبا ذر إنِّي أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولَّيَنَّ مال يتيم. قال نعم" (5) وأمّر عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل (6)؛ لأنه كان يقصد أخواله بني عذرة؛ فعلم أنهم يطيعونه مَا لَا يطيعون غيره للقرابة؛ وأيضًا فلِحُسن سياسة عمرو وخبرته وذكائه ودهائه (7)، فإنه كان من أدهى العرب؛ ودهاة العرب أربعة هو أحدهم، ثم أردفه بأبي عبيدة، وقال: "تَطَاوعا ولا تَخْتلفا" فلما تنازعا فيمن يُصلِّي سَلَّم أبو عبيدة لعمرو؛ فكان (8) يصلي بالطائفتين وفيهم أبو بكر (9)؛ وأمَّر أسامة بن زيد مكان أبيه لأنه -مع كونه خليقًا للإمارة- أحرص على
__________
(1) "نسبة إلى حجابة البيت الحرام" (و) وفي (ك): "الجمحي".
(2) في (ق): "تبرأ منه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
(3) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الأحكام): باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم؛ فهو رد، (9/ 91)، قال (و): ". . . وكان خالد قد دعا بني جذيمة إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر" اه. وسقطت "إني" من (ك).
(4) في (ق) بعدها: "النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
(5) أخرجه مسلم في "صحيحه" (كتاب الإمارة): باب كراهة الإمارة بغير ضرورة (3/ 1457 - 1458/ رقم 1826)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الوصايا): باب ما جاء في الدخول في الوصايا (رقم 2868)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب الوصايا): باب النهي عن الولاية على مال اليتيم (6/ 255)، والبيهقي في "الكبرى" (3/ 129 و 6/ 283) من حديث أبي ذر -رضي اللَّه عنه-.
(6) تأمير عمرو بن العاص على غزوة ذات السلاسل: أخرجه البخاري (3662) في (فضائل الصحابة): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: لو كنت متخذًا خليلًا، و (4358) في (المغازي): باب غزوة ذات السلاسل، ومسلم (2384) في (فضائل الصحابة): باب من فضائل أبي بكر.
وانظر مفصلًا: "طبقات ابن سعد" (2/ 131)، و"دلائل النبوة" للبيهقي (4/ 397).
(7) "الدهاء: جودة الرأي [والأدب] " (د) و (ط)، وما بين المعقوفتين زيادة (د) على (ط).
(8) في (ق): "وكان".
(9) أما قوله لأبي عبيدة، وعمرو بن العاص "تطاوعا. . . "؛ فرواه أحمد في "مسنده" (1/ 196) من طريق عامر بن شراحيل قال: بعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جيش ذات السلاسل فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (6/ 206): رواه أحمد، وهو مرسل ورجاله رجال الصحيح؛ لأن الشعبي لم يدرك القصة. =
(2/197)

طلب ثأر أبيه من غيره (1)، وقَدَّم أباه زَيدًا في الولاية على جعفر ابن عمه مع أنه مولى (2)، ولكنه من أسبق الناس إسلامًا قبل جعفر، ولم يلتفت (3) إلى طَعْن الناس في إمارة أسامة وزيد، وقال: "إن تطعنوا في إمارة أسامة فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيْم اللَّه! إنه (4) خليقًا للإمارة، ومن أحبِّ الناس إليَّ" (5) وأَمَّر خالد بن
__________
= وروى القصة -أيضًا- وفيها نهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الخلاف، البيهقي في "دلائل النبوة" (4/ 398) من حديث موسى بن عقبة مرسلًا، و (4/ 399) من حديث محمد بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن الحصين مرسلًا -أيضًا-، ومحمد هذا ترجمه ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأخرجها أبو داود في "الزهد" (رقم 25)، والخطيب في "الموضح" (2/ 98) موصولًا بإسناد صحيح.
وذكر القصة ابن هشام في "السيرة النبوية" (4/ 299) عن ابن إسحاق دون إسناد، وكذا ذكرها ابن سعد في "الطبقات" (2/ 131)، والمحب الطبري في "الرياض النضرة" (1/ 253 - 254) دون إسناد أيضًا.
وأما تسليم أبي عبيدة الإمارة لعمرو وصلاته بهم؛ فمذكور في المصادر التي ذكرت.
وأما كون أبي بكر كان تحت إمرته فمذكور فيها أيضًا.
وروى البخاري (3662 و 4358)، ومسلم (2384) من حديث عمرو بن العاص أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها ... ؛ وأخرجه البيهقي في "الدلائل" (4/ 401) من نفس الطريق قال: بعثني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على جيش ذي السلاسل، وفي القوم أبو بكر وعمر.
(1) تأميره لأسامة وكونه خليقًا بالإمارة: أخرجه البخاري (3730) في (فضائل الصحابة): باب مناقب زيد بن حارثة، و (4250) في (المغازي): باب غزوة زيد بن حارثة، و (4468) في بَعْث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أسامة بن زيد في مرضه الذي توفي فيه، و (4469) باب رقم (86)، و (6627) في (الأيمان والنذور): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-) وأيم اللَّه، و (7187) في (الأحكام): باب من لم يكترث بطعن من لا يعلم في الأمراء حديثًا، ومسلم (2426) في (فضائل الصحابة): باب فضائل زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد من حديث ابن عمر.
(2) أخرجه البخاري في "الصحيح" (رقم 4251) (كتاب المغازي): باب عمرة القضاء عن البراء قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لزيد: "أنت أخونا ومولانا" ضمن حديث طويل.
(3) في المطبوع: "يلفت".
(4) في المطبوع و (ك): "إن كان".
(5) أخرجه البخاري (3730) في (فضائل الصحابة): باب مناقب زيد بن حارثة، و (4250) في (المغازي): باب غزوة زيد بن حارثة، و (4468) في (المغازي): باب بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أسامة بن زيد في مرضه الذي توفي فيه، و (6627) في (الأيمان والنذور): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وأَيْم اللَّه"، ومسلم (2426) في (فضائل الصحابة): باب فضائل زيد بن حارثة، من حديث ابن عمر. ووقع في (ق): "إنه لخليق للإمارة".
(2/198)

سعيد بن العاص وإخوته لأنهم من كبراء قريش (1) وساداتهم ومن السابقين الأولين، ولم يتول أحد (2) بعده (3).
والمقصود أن هديه -صلى اللَّه عليه وسلم- تولية الأنفع للمسلمين وإن كان غيره أفضل منه، والحكم بما يظهر الحق ويوضحه إذا لم يكن هناك أقوى منه يعارضه، فسيرته تولية الأنفع والحكم بالأظهر، ولا تستطل هذا الفصل فإنه من أنفع فصول الكتاب [واللَّه المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به] (4).

فصل [الصُلح بين المسلمين]
وقوله: "والصلح جائز بين المسلمين الا صلحًا أحَلَّ حرامًا أو حرم حلالًا" (5) هذا مروي (6) عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، رواه الترمذي وغيره من حديث عَمرو بن عَوْف المُزَني أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الصُّلحُ جائزٌ بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحلَّ حرامًا" والمسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا" قال الترمذي: هذا حديث صحيح (7)؛ وقد ندب اللَّه سبحانه إلى الصلح بين المتنازعين (8) في الدماء فقال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] وندب الزوجين إلى الصلح عند التنازع في حقوقهما، فقال (9): {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128] وقال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] وأصلح النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين
__________
(1) في (ق): "من أكبر قريش"!
(2) في (ق) و (ك): "ولم يتولوا لأحد".
(3) انطر: "معجم الصحابة" لأبي نعيم (2/ 939 - ط دار الوطن)، و"الإصابة" (2/ 237 - 239).
(4) ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق) إلا أنه قال في (ق): "ولا قوة إلا باللَّه".
(5) تكلم المؤلف -رحمه اللَّه- أيضًا- عن الصلح في الشريعة الإسلامية، ورد الصلح الجائر، وأن الصلح يعتمد العدل في "بدائع الفوائد" (3/ 101)، فانظره -إن شئت-.
(6) في (ك) و (ق): "هذا يُروى".
(7) الحديث صحيح، أخرجه الترمذي (1352)، وابن ماجه (2353)، من طريقين عن كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده وهذا إسناد ضعيف، من أجل كثير، وسيأتي مفصَّلًا إن شاء اللَّه تعالى.
(8) في المطبوع: "الطائفتين".
(9) في (ق) و (ك) بعدها: "تعالى".
(2/199)

بني عَمرو بن عوف فيما وقع بينهم (1)، ولما تنازع كعب بن مالك وابن أبى حَدْرَد في دَيْنٍ على [ابن] (2) أبي حَدْرد، أصلح النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ بأن استوضع من دَيْن كَعْبٍ الشَّطْرَ و [أمر] (3) غريمه بقضاء الشطر (4)، وقال لرجلين اختصما عنده: "اذْهَبَا فاقْتَسما ثم توخَّيَا الحقَّ ثم اسْتهما ثم ليحلل كلٌّ منكما صاحبه" (5)، وقال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عِرْض أو شيء فلْيتحلّله منه اليوم قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهمٌ، وإن كان له عملٌ صالح أُخِذَ منه بقدر مَظْلمته، وإنْ لم يكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه" (6) وجَوَّز في دم العمد أن يأخذ
__________
(1) أخرجه البخاري (684) في (الأذان): باب من دخل ليؤم الناس؛ فجاء الإمام الأول، و (1201) في (العمل في الصلاة): باب ما يجوز من التسبيح، والحمد في الصلاة للرجال، و (1218) باب رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به، و (1234) في (السهو): باب الإشارة في الصلاة، و (2690) في (الصلح): باب ما جاء في الإصلاح بين الناس و (7190) في (الأحكام): باب الإمام يأتي قومًا فيصلح بينهم، ومسلم (421) في (الصلاة): باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام، من حديث سهل بن سعد.
وفي (ك): "لما وقع بينهم".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) هذه الكلمة من (و) و (د) و (ك) و (ق)، وقال (و): "يقتضيها السياق، وستأتي مصرحًا بها" اه. ونحوه في (ط).
(4) أخرجه البخاري (457) في (الصلاة): باب التقاضي والملازمة في المسجد، و (471) باب رفع الصوت في المساجد، و (2418) في (الخصومات): باب كلام الخصوم بعضهم في بعض، و (2706) في (الصلح): باب هل يشير الإمام بالصلح، و (2710) باب الصلح بالدين والعين، ومسلم (1558) في (المساقاة): باب استحباب الوضع من الدين من حديث كعب بن مالك.
(5) أخرجه أحمد (6/ 320)، وابن أبي شيبة (7/ 233 - 234)، وأبو داود (3584) و (3585) في (الأقضية): باب في قضاء القاضي إذا أخطأ، وابن الجارود (1000)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 154 و 155)، وفي "مشكل الآثار" (755 و 760)، والطبراني في "المعجم الكبير" (23/ 663)، والدارقطني (4/ 238 - 239 و 239)، والبيهقي (6/ 66) و (10/ 260)، والبغوي (2508) من طريق أسامة بن زيد الليثي، عن عبد اللَّه بن رافع، عن أم سلمة، وفيه قصة، وإسناده حسن؛ لحال أسامة بن زيد.
(6) أخرجه البخاري (2449) في (المظالم): باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له هل يُبين مظلمته؟ و (6534) في الرقاق: باب القصاص يوم القيامة، من حديث أبي هريرة.
(2/200)

أولياء القتيل ما صُولحوا عليه (1)، ولما أستشهد عبد اللَّه بن حَرَام الأَنصاريّ والد جابر -رضي اللَّه عنه- (2)، وكان عليه دَيْن، سأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- غرماءه أن يقبلوا ثمر حائطه ويحلِّلوا أباه (3)؛ وقال عطاء، عن ابن عباس: إنَّه كان لا يرى باسًا بالمخارجة، يعني: الصلح في الميراث (4)؛ وسُمِّيت المخارجة لأنَّ الوارث يُعْطَى ما يُصَالَح عليه ويُخرجُ نفسه من الميراث، وصولحت امرأة عبد الرحمن بن عوف من نصيبها من ربع الثمن على ثمانين ألفًا (5)، وقد روى مِسْعَر، عن [أزهر، عن] (6)
__________
(1) لعله يشير إلى حديث "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقتل وإما أن يفدي. . . " وهو جزء من حديث طويل، أخرجه البخاري (112) في (العلم): باب كتابة العلم، و (2434) في (اللقطة): باب كيف تُعرَّف لقطة أهل مكة، و (6880) في (الديات): باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، ومسلم (1355) في (الحج): باب تحريم مكة وصيدها من حديث أبي هريرة.
(2) في (ق): "رضي اللَّه عنهما".
(3) أخرجه البخاري (2127) في (البيوع): باب الكيل على البائع والمعطي، و (2395) في (الاستقراض): باب إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز، و (2396) باب إذا قاصَّ أو جازفه في الدين تمرًا بتمر أو غيره، و (2405) في (الشفاعة): باب في وضع الدين، و (2601) في (الهبة): باب إذا وهب دينًا على رجل، و (2709) في (الصلح): باب الصلح بين الغرماء، و (2781) في (الوصايا): باب قضاء الوصي ديون الميت، و (3580) في (المناقب): باب علامات النبوة في الاسلام، و (4053) في (المغازي): باب {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا. . .}، من حديث جابر بن عبد اللَّه وفي (ك): "ثمرة حائطه".
(4) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 65) من طريق سعيد بن منصور، عن هُشيم: حدثنا داود بن أبي هند، عن عطاء به وإسناده صحيح.
وانظر "مصنف عبد الرزاق" (8/ 288 - 289).
(5) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (1955)، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 65)، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: صولحت امرأة عبد الرحمن. . .، وأبو سلمة كان عمره يوم وفاة أبيه أقل من تسع سنوات.
وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (3/ 136) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين؛ فذكره وهذا مرسل -أيضًا-.
وأخرج عبد الرزاق (15256) عن عمرو بن دينار أنها أخرجت بثلاث وثمانين ألف درهم.
وأخرج ابن سعد في "الطبقات" (3/ 136) عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف -أيضًا- أخرجت بمئة ألف. وهذه الطرق تدلل على أنّ له أصلًا.
وانظر "الطبقات" أيضًا.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (و) وفي (ك): "ابن مسعود عن أزهر" وفي هامش (ق) أشار إلى أنه في نسخة "مسعود".
(2/201)

مُحارب قال: قال عمر: "رُدُّوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإنَّ [فصل] (1) القضاء يُحدثُ بين القوم الضَّغائن" (2)، وقال عمر أيضًا: "ردُّوا الخصوم [لعلهم أن يصطلحوا، فإنه آثر للصِّدْق، وأقل للخيانة" (3)، وقال عمر أيضًا: "ردُّوا الخصوم] إذا كانت بينهم قرابة، فإنَّ فصل القضاء يُورث بينهم الشنآن" (4).

فصل [الحقوق ضربان حق اللَّه تعالى وحق عباده]
والحقوق نوعان: حَقٌّ للَّه، وحَقٌّ لآدمي، فحق اللَّه [لا مَدْخَلَ للصلح فيه كالحدود والزكَوَات والكفارات ونحوها، وإنما الصلح] (5) بين العبد وبين ربه (6)
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(2) أخرجه ابن أبي شيبة (5/ 346)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 66) من طريق مِسْعَر به، وأزهر هو: العَطَّار، ومُحارب هو: ابن دِثار لم يسمع من عمر بن الخطاب.
وأخرجه عبد الرزاق (15304) من طريق الثوري عن رجل عن محارب به، وذكره في "المغني" (9/ 53).
(3) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 66) من طريق مُصرِّف بن واصل عن محارب بن دثار قال عمر:. . . فذكر نحوه.
وهو منقطع؛ كما قال البيهقي، ووقع عنده: "وأقل للحنات"!.
وفي (ن): "وأقل للجناية".
(4) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 66)، وأبو القاسم البغوي -كما في "مسند الفاروق" لابن كثير (2/ 550) - من طريق الحسن بن صالح عن علي بن بَذِيمة عن عمر، وعلي لم يدرك عمر، مات بعد "130" لذلك قال البيهقي عن جميع هذه الروايات: "هذه الروايات عن عمر منقطعة" اه.
ونسبه في "كنز العمال" (5/ 14438، 14440) لعبد الرزاق، ولم أجده في "مصنّفه"، وللبيهقي في "السنن الكبرى".
وما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) بعدها في (ق) بياض يسع كلمتين وجاء بعده: "أمر"، وقال في الهامش: "لعله: لا يقبل الصلح؛ لأنه يعطل الحدود، وقد أمر اللَّه".
(2/202)

في إقامتها، لا في إهمالها، ولهذا لا تقبل الشفاعة في الحدود (1)، وإذا بلغت السلطان فلَعَن اللَّه الشَّافع والمُشَفَّع.
وأما حقوق الآدميين؛ فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها، والصلح العادل هو الذي أمر اللَّه به ورسوله [-صلى اللَّه عليه وسلم-]، (2)، كما قال: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} [الحجرات: 9]، والصلح الجائر هو الظلم بعينه، وكثير من الناس لا يعتمد العدل في الصلح، بل يصلح صلحًا ظالمًا جائرًا، فيصالح بين الغريمين على دون الطفيف (3) من حق أحدهما، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صالح بين كعب وغريمه [وصالح] (4) أعدل الصلح فأمره أن يأخذ الشطر ويدع الشطر (5)؛ وكذلك لما عزم على طلاق سَوْدَة رضيت بأن تَهبَ له ليلَتَها وتُبقي على حَقِّها من النفقة والكسوة (6)، فهذا
__________
(1) في المطبوع: "لا يقبل بالحدود".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) والعبارة بعدها: "كما قال تعالى".
(3) في (ك) و (ق): "التطفيف" وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة: "الطفيف".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(5) سبق تخريجه قريبًا وقوله: "يدع الشطر" سقط من (ك).
(6) ورد من حديث عائشة وحديث ابن عباس.
أما حديث عائشة: فأخرج أبو داود في "سننه" (2135) في (النكاح): باب القسم بين النساء -ومن طريقه البيهقي (7/ 74 - 75) - والحاكم (2/ 186) من طريق أحمد بن يونس عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وإسناده جيد، رجاله كلهم ثقات مشاهير، وفي عبد الرحمن بن أبي الزناد كلام خاصة في روايته عن أهل العراق.
وتابع أحمد بن يونس على رواية الحديث موصولًا: الواقدي، أخرجه ابن سعد (8/ 53)، والواقدي متروك، وتابعه أبو بلال الأشعري أيضًا، أخرجه ابن مردويه في "تفسيره" -كما في "تفسير ابن كثير" (2/ 575) -.
وأبو بلال الأشعري روى عنه أبو حاتم الرازي، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ورواه ابن مردويه -أيضًا- من طريق عبد العزيز الدراوردي مختصرًا، وقد رواه سعيد بن منصور في تفسير سورة النساء رقم (702)، ومن طريقه البيهقي (7/ 297) عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به مرسلًا ولم يذكر عائشة.
وهذا لا يعل رواية الوصل، لأنّ من وصلها ثقة حافظ.
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه الطيالسي (2683)، والطبري (10608)، والترمذي (3040)، في تفسير سورة النساء، والطبراني في "المعجم الكبير" (11746)، والبيهقي (7/ 297) من طريق سماك عن عكرمة عنه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب!! مع أن رواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب كبير. =
(2/203)

أعدل الصلح، فإن اللَّه سبحانه أباح للرجل أن يطلق زوجته ويستبدل بها غيرها، فإذا رضيت بترك بعض حقها وأخذ بعضه وأن يمسكها كان هذا من الصلح العادل، وكذلك أرشد الخصمين اللذين كانت بينهما المواريث (1) بأن يتوخيا الحق بحسب الإمكان ثم يحلل كل منهما صاحبه (2)؛ وقد أمر اللَّه [سبحانه] (3) بالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين أولًا، فإن بغت إحداهما على الأخرى فحينئذٍ أمر بقتال الباغية لا بالصلح فإنها ظالمة، ففي الإصلاح مع ظلمها هضم لحق الطائفة المظلومة، وكثير من الظلمة المصلحين يصلح بين القادر والظالم والخصم الضعيف المظلوم، بما يَرْضَى به القادر رضًى لصاحب الجاه (4)، ويكون له فيه الحظ، ويكون الإغماص والحيف فيه على الضعيف، ويظن أنه قد أصلح، ولا يتمكن (5) المظلوم من أخذ حقه، وهذا ظلم، بل يُمكَّن المظلوم من استيفاء حقه، ثم يُطلب إليه برضاه أن يَتْرك بعض حقه بغير محاباة لصاحب الجاه، ولا يشتبه (6) بالإكراه للآخر بالمحاباة ونحوها.

فصل [الصلح إما مردود وإما جائز نافذ]
والصلح الذي يُحل الحَرام ويُحَرِّم الحلال كالصلح الذي يتضمن تحريم بُضْعٍ حلال، أو حل (7) بُضْعٍ حرام، أو ارقاق حُر، أو نقل نسب [أو ولاء] (8) عنَ محل إلى محل، أو أكل ربًا، أو إسقاط واجب، أو تعطيل حد، أو ظلم ثالث، وما أشبه ذلك؛ فكل هذا صلح جائر مردود.
فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى اللَّه [سبحانه] (3)
__________
= وحسنه كذلك الحافظ في "الإصابة" (4/ 330) في ترجمة (سودة)، وذكره في "الفتح" (9/ 313) ساكتًا عنه.
وفي "طبقات ابن سعد" روايات مرسلة تشهد لهذا.
وروى البخاري (5212)، ومسلم (1463) هبة سودة يومها لعائشة؛ لكن ليس فيه ذكر السبب، قالت عائشة: فلما كبرت جعلت يومها من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لعائشة، قالت: يا رسول اللَّه! قد جعلت يومي منك لعائشة.
(1) في (ن) و (ق): "كان بينهما إرث".
(2) إسناده حسن، وقد سبق تخريجه قريبًا.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في المطبوع (ن): "بما يرضى به القادر صاحب الجاه".
(5) في المطبوع: "ولا يمكن".
(6) في (ن): "ولا يشير"، وفي (ق) و (ك): "ولا يشبه".
(7) في المطبوع: "أو إحلال".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/204)

ورضى الخصمين؛ فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل؛ فيكون المصلح عالمًا بالوقائع، عارفًا بالواجب، قاصدًا، للعدل؛ فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم، كما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصائم القائم؟! قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: إصلاح ذات البَيْن؛ فإن فساد ذات البَيْن [هي] (1) الحَالِقَة، أما إِنِّي لا أقول [تحلق] (2) الشَّعْر، ولكن [تحلق] (2) الدِّين" (3) وقد جاء في أثر: أصلحوا بين الناس، فإن اللَّه يصلح بين المؤمنين يوم القيامة (4)؛ وقد قال تعالى:
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) تصحفت في (و) إلى: "بحلق".
(3) أخرجه هناد في "الزهد" (رقم 1310) -ومن طريقه الترمذي في "الجامع" أبواب صفة القيامة (4/ 663/ رقم 2509) -، وأحمد في "المسند" (6/ 444 - 445)، والبخاري في "الأدب المفرد" (106)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الأدب): باب في إصلاح ذات البين (4/ 280/ رقم 4919)، والبيهقي في "الآداب" (رقم 130)، و"الشعب" (3/ 430) والتيمي في "الترغيب" (1/ 105، 107 رقم 181، 188)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (رقم 400) عن أبي الدرداء؛ قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصوم والصلاة والصدقة؟ ". قالوا بلى: قال: "إصلاح ذات البين، وإن فساد ذات البين هي الحالقة".
قال الترمذي: "هذا حديث صحيح، ويُروى عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين".
ثم أخرج الترمذي برقم (2510)، وأحمد في "المسند" (1/ 165، 167)، والبزار في "المسند" (رقم 2002 - الزوائد)، وأبو يعلى في "المسند" (2/ 32/ رقم 669)، عن الزبير مرفوعًا: "دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر؛ ولكن حالقة الدِّين، والذي نفس محمد بيده؛ لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بما يُثبت ذلك لكم؟ أفشوا السلام". لفظ أبي يعلى.
وإسناده ضعيف؛ ولكنه حسن بشواهده، ولآخره: "والذي نفسي بيده. . . " شاهد عن أبي هريرة، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم 54)، وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (رقم 260)، وزاد في آخره: "وإياكم والبغضة؛ فإنها هي الحالقة، لا أقول لكم: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين"، ولفظ الترمذي (رقم 2508) عنه مرفوعًا: "إياكم وسوء ذات البين؛ فإنها الحالقة".
وانظر: "غاية المرام" (414)، و"الإرواء" (2/ 239)، و"صحيح الأدب المفرد" (رقم 197).
(4) أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (2/ 1/ 459 مختصرًا)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 576) وأبو يعلى -كما في "المطالب العالية" (4655) و"تفسير ابن كثير" (2/ 285)، و"الجامع الكبير" (1/ 145 رقم 410) - وابن أبي الدنيا في "حسن الظن باللَّه" (رقم 118)، وابن أبي داود في "البعث" (رقم 32)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (رقم 402)، وأبو الشيخ في "الترغيب" والبيهقي في "البعث" -وسقط من مطبوعه، كما في =
(2/205)

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] (1)} [الحجرات: 10].

فصل [يؤجل القاضي الحكم بحسب الحاجة]
وقوله (2): "مَنْ ادّعى حقًا غائبًا أو بينةً فاضرِبْ له أمدًا ينتهي إليه" هذا من تمام العدل، فإن المُدّعي قد تكون حجته أو بينته غائبة، فلو عُجِّل عليه بالحكم بطل حقه، فإذا سأل أمدًا تحضر (3) فيه حجته أجيب إليه، ولا يتقيد ذلك بثلاثة أيام، بل بحسب الحاجة، فإن ظهر عناده ومدافعته للحاكم لم يضرب له أمدًا، بل يفصل الحكومة، فإنَّ ضرْب هذا الأمد إنَّما كان لتمام العدل، فإذا كانت فيه إبطال للعدل لم يُجَبْ إليه الخصم.

[قد يتغير الحكم بتغير الاجتهاد]
وقوله: "ولا يمنعنك قضاءٌ قَضيتَ به اليوم فراجعت فيه رأيك وهُديت فيه لرُشْدك (4) أن تُراجعَ فيه الحق، فإنَّ الحق قديم، ولا يبطله شيءٌ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل" يريد أنك إذا اجتهدت في حكومة ثم وقعت لك مرة أخرى فلا يمنعك (5) الاجتهاد الأول من إعادته، فإن الاجتهاد قد يتغير، ولا يكون الاجتهاد الأول مانعًا من العمل بالثاني إذا ظهر أنه الحق، فإن الحق أولى بالإيثار؛ لأنه قديم سابق على الباطل، فإن كان الاجتهاد الأول قد سبق الثاني والثاني هو الحق فهو أسبق من الاجتهاد الأول، لأنه (6) قديم سابق على ما سواه،
__________
= "الترغيب" للمنذري (3/ 210) - جميعهم من طريق عباد بن شيبة عن سعيد بن أنس عن أنس به.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد"!! وتعقبه المنذري بقوله: "كذا قال! " والذهبي في "التلخيص" بقوله: "عباد ضعيف، وشيخه لا يعرف".
قلت: تفرد به عباد، وقال عنه ابن حبان في "المجروحين" (2/ 171) "منكر الحديث جدًّا على قلّة روايته، لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به من المناكير" وانظر: "الميزان" (2/ 366).
وأما سعيد بن أنس فهو مجهول، قاله العقيلي، وقال البخاري -وأورد الحديث في ترجمته-: "لا يتابع عليه"، وقال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص 118 - رقم 1578): "لا يعرف" وانظر: "الميزان" (2/ 126).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) "أي قول عمر في كتابه إلى أبي موسى، فالمؤلف ما زال آخذًا في شرحه" (و).
(3) في (ق): "يحضر".
(4) في (ق): "رشدك".
(5) في (ن): "فلا يمنعنك".
(6) في (ن): "فإنه".
(2/206)

ولا يبطله وقوع الاجتهاد الأول على خلاف (1)، بل الرجوع إليه أولى من التمادي على الاجتهاد الأول.
قال عبد الرزاق: حدثنا مَعْمر، عن سِماك بن الفَضْل، عن وهب بن مُنبِّه، عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: قضى عمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-]، (2) في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وإخوتها (3) لأبيها وأمها وأخوتها (3) لأمها، فأشرك عمر بين الإخوة للأم والأب والإخوة للأم في الثلث، فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا، قال (4) عمر: "تلك على ما قضينا يومئذٍ، وهذه على ما قضينا اليوم" (5)؛ فأخذ أمير المؤمنين (6) في كلا الاجتهادين بما ظهر له أنه الحق، ولم يمنعه القضاء الأول من الرجوع إلى الثاني، ولم ينقض الأول بالثاني؛ فجرى أئمة الإسلام بعده على هذين الأصلين (7).

[من ترد شهادته]
قوله: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مُجرَّبًا عليه شهادة زور، أو مجلودًا في حد، أو ظنِّينًا في ولاءٍ أو قرابة" لما جعل اللَّه سبحانه هذه الأمة أمة وسطًا، ليكونوا شهداء على الناس -والوسط: العدل الخيار- كانوا عدولًا بعضهم على بعض، إلا من قام به مانع الشهادة، [وهو أن يكون قد] (8) جُرِّب عليه شهادة
__________
(1) في (ق): "خلافه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في المطبوع: "وأخويها".
(4) في (ق): "فقال".
(5) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 120)، وابن عبد البر في "الجامع" (1670) من طريق معمر به.
وإسناده صحيح؛ رجاله كلهم ثقات. وعزاه ابن كثير في "مسند الفاروق" (1/ 383) لمحمد بن نصر المروزي، وقال: "وهذا إسناد صحيح". وانظر "الموافقات" (5/ 161 - بتحقيقي).
(6) زاد هنا في (ك): "بما ظهر كله" وسقطت كلمة "كلا" الآتية.
(7) ليس للحاكم إذا تغير اجتهاده في القضية أن ينقض الاجتهاد الأول؛ لأن ذلك يؤدي إلى عدم استقرار الأحكام الشرعية، شرط ذلك: أن لا يكون ما حكم به أولًا مخالفًا لدليل قطعي؛ فإنه حينئذٍ ينقضه اتفاقًا.
وانظر في ذلك: "المحصول" (6/ 64) للرازي، و"الإحكام" (4/ 219) للآمدي، و"أدب القضاة" (ص 161 - 167) لابن أبي الدم الحموي الشافعي، و"الأشباه والنظائر" (ص 105) لابن نجيم الحنفي، و"المستصفى" (2/ 382) للغزالي، و"المسودة" (ص 543)، و"إرشاد الفحول" (ص 263) للشوكاني.
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "ممن".
(2/207)

الزور؛ فلا يوثق (1) بعد ذلك بشهادته، أو من جُلد في حد؛ لأنَّ اللَّه سبحانه نهى عن قبول شهادته، أو متَّهم بأن يجر إلى نفسه نفعًا من المشهود له، كشهادة السيد لعتيقه بمال أو شهادة العتيق لسيده إذا كان في عياله أو منقطعًا إليه يناله نَفْعُه، وكذلك شهادة القريب لقريبه لا تُقْبل مع التُّهْمة، وتقبل بدونها، وهذا هو الصحيح.

[شهادة القريب لقريبه أو عليه]
وقد اختلف الفقهاء في ذلك: فمنهم من جوَّز شهادة القريب لقريبه مطلقًا كالأجنبي، ولم يجعل القرابة مانعة من الشهادة بحال، كما يقوله أبو محمد بن حزم وغيره من أهل الظاهر (2)، وهؤلاء (3) يحتجُّون بالعمومات التي لا تُفرِّق بين أجنبي وقريب، وهؤلاء أسعد بالعمومات.

[منع شهادة الأصول للفروع والعكس ودليله]
ومنعت طائفة شهادة الأصول للفروع والفروع للأصول خاصة، وجَوَّزت شهادة سائر الأقارب بعضهم لبعض، وهذا مذهب الشافعي (4) وأحمد (5)، وليس مع هؤلاء نص صريح صحيح بالمنع.
واحتج الشافعي بأنه لو قبلت شهادة الأب لابنه لكانت [شهادة منه] (6) لنفسه لأنه منه؛ وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما فاطمة بضعة مِنّي يُريبني ما رَابَها، ويُؤذيني ما آذاها" (7) قالوا: وكذلك بنو البنات، فقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحسن: "إن ابني هذا
__________
(1) في (ك): "يؤمن".
(2) انظر "المحلى" (9/ 412) لابن حزم -رحمه اللَّه-.
وهذا مذهب داود وأبي ثور والمزني، قاله الشاشي في "حلية العلماء" (8/ 258) وانظر: "فقه الإمام أبي ثور" (760)، "أدب القاضي" (1/ 309) لابن القاص، "الإشراف" (5/ 70 - بتحقيقي) للقاضي عبد الوهاب.
(3) في (ق): "وهم".
(4) "الأم" (7/ 42)، "روضة الطالبين" (11/ 236)، "مغني المحتاج" (4/ 434)، "نهاية المحتاج" (8/ 134)، "أدب القاضي" (1/ 309) لابن القاص، "حلية العلماء" (8/ 258) "المهذب" (2/ 330)، "الحاوي الكبير" (16/ 163 - ط دار الكتب العلمية)، "فتح الوهاب" (2/ 121).
(5) "المغني" (9/ 191)، "الإنصاف" (12/ 66)، "منتهى الإرادات" (3/ 596)، "كشاف القناع" (6/ 428)، "تنقيح التحقيق" (3/ 548 رقم 804)، "الإفصاح" (436).
(6) بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "شهادته".
(7) بهذا اللفظ رواه مسلم (2449) في (فضائل الصحابة): باب فضائل فاطمة بنت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، من حديث المسور بن مخرمة. =
(2/208)

سَيّد" (1) قال الشافعي: فإذا شهد له فإنما يشهد لشيء منه، قال: [وبنوه هم] (2) منه، فكأنه شهد لبعضه، قالوا: والشهادة تُردُّ بالتُّهمة، والوالد متَّهم في ولده؛ فهو ظنينٌ في قرابته، قالوا: وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الأولاد: "إنكم لتُبَخِّلُونَ وتُجَبّنُون، وإنكم لمن ريْحَان اللَّه" (3) وفي أثر آخر: "الولد مَبخَلة مَجْبَنة" (4) قالوا: وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنت ومالُكَ لأبيك" (5) فإذا كان مال الابن لأبيه فإذا شهد له الأب
__________
= وأصل الحديث في "صحيح البخاري"، لكن بغير اللفظ المذكور هنا انظر (3110) و (3714) و (3767).
(1) رواه البخاري (2704) في (الصلح): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للحسن بن علي: "ابني هذا سيد"، و (3629) في (المناقب): باب علامات النبوة في الإسلام، و (3746) في (فضائل الصحابة): باب مناقب الحسن والحسين -رضي اللَّه عنهما-، و (7109) في (الفتن): باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للحسن بن علي: "إن ابني هذا لسيد. . . "، من حديث أبي بكرة.
(2) في (ق): "وبنوهم".
(3) رواه أحمد في "مسنده" (6/ 409) وفي "فضائل الصحابة" (1363)، والحميدي في "مسنده" (334)، والترمذي (1910) في (البر والصلة): باب ما جاء في حب الولد، والباغندي في "مسند عمر بن عبد العزيز" (18)، وابن قتيبة في "غريب الحديث" (1/ 407)، وابن أبي الدنيا في "العيال" (182)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (6/ 60 رقم 3269)، والطبراني في "الكبير" (24) (609، 614)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 202) وفي "الأسماء والصفات" (ص 461)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (5/ 300)، والمزي في "تهذيب الكمال" (25/ 338) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن ابن أبي سويد عن عمر بن عبد العزيز قال: نعمت المرأة الصالحة خولة بنت حَكِيم رفعته، وعند بعضهم "تجهلون" بدل (تجبنون) وعند بعضهم زيادة في آخره.
وإسناده ضعيف، ابن أبي سويد هو محمد بن أبي سويد الطائفي الثقفي مجهول كما قال الحافظ في "التقريب"، ولمحقق "مسند عمر بن عبد العزيز" كلام آخر في تعيينه!! ينظر!! ثم هو منقطع بين عمر بن عبد العزيز وخولة؛ كما قال الترمذي وغيره، وله شاهد وهو الآتي.
وعزاه الزَّبيدي في "الإتحاف" (8/ 208 و 9/ 21) إلى العسكري في "الأمثال".
(4) رواه أحمد في "مسنده" (4/ 172)، وفي (فضائل الصحابة): (1362)، وابن أبي شيبة (12/ 97)، وابن ماجه (3666) في (الأدب): باب بر الوالد والإحسان إلى البنات، والطبراني في "الكبير" (2587)، والحاكم في "المستدرك" (3/ 164)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 202)، وفي "الأسماء والصفات" (461)؛ كلهم من طريق عبد اللَّه بن عثمان بن خُثَيم عن سعيد بن أبي راشد عن يعلى العامري به، وفي بعضها: "مجهلة" وصححه الحاكم على شرط مسلم وقال البوصيري: "إسناده صحيح رجاله ثقات".
ورواه عبد الرزاق (20143) عن طريق ابن خثيم مرسلًا دون ذكر سعيد ولا يعلى.
ورواه البزار (1891) والحاكم (3/ 296) من طريق ابن خثيم عن محمد بن الأسود بن خلف عن أبيه أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . وذكره.
(5) ورد عن جمع من الصحابة، منهم: جابر بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن =
(2/209)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= عمرو، وعبد اللَّه بن مسعود، وأنس بن مالك، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وسمرة بن جندب، وعائشة -رضي اللَّه عنهما-.
* أما حديث جابر، فأخرجه ابن ماجه في "السنن" (رقم 2291)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 158)، وفي "المشكل" (4/ 277) رقم (1598 - ط المحققة)، أو (2/ 230 - ط القديمة)، والطبراني في "الأوسط" (رقم 3534، 6728)، والمخلص في "حديثه" (12/ 69/ ب - المنتقى منه)؛ -كما في "الإرواء" (3/ رقم 838) -، وابن عدي في "الكامل" (7/ 2621 - 2622)، من طريق عيسى بن يونس، عن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رفعه.
قال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" (2/ 202): "إسناده صحيح: ورجاله ثقات على شرط البخاري"، وعزاه السخاوي في "المقاصد الحسنة" (رقم 196) لبقي بن مخلد من هذا الطريق، وتابع يوسف على وصله:
* أبان بن تغلب، عند الإسماعيلي في "المعجم" (806/ رقم 408)، وابن عدي في "الكامل" (5/ 1727)، وقال: "وهذا الحديث رواه عن ابن المنكدر جماعة، ومن حديث أبان بن تغلب غريب لم يروه غير زهير، وعن زهير عمار بن مطر".
قلت: وعمار هالك، وتركه بعضهم، انظر "اللسان" (4/ 275).
* عمرو بن أبي قيس، عند: الخطيب في "الموضح" (2/ 74)، وابن بشران في "الأمالي" (2/ 287 - 288 رقم 1526) ونقل ابن الملقن في "خلاصة البدر المنير" (رقم 1999) عن البزار أنه صححه، وقال المنذري: إسناده ثقات، وصححه عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الكبرى" (ق 170/ ب).
* المنكدر بن محمد بن المنكدر، عند الطبراني في "الصغير" (2/ 62 - 63)، و"الأوسط" (رقم 6570)، وفيه قصة ومعجزة، أخرجه من أجلها البيهقي في "الدلائل"، ورواه في "السنن" (7/ 481) مختصرًا دونها، وخرجه أبو الشيخ في "عوالي حديثه" (1/ 22/ أ)، والمعافى بن زكريا في "جزء من حديثه" (ق 2/ أ) مطولًا، وقال الطبراني عقبه: "لا يُروى عن محمد بن المنكدر بهذا التمام والشعر إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبيد بن خلصة"، والمنكدر ضعفوه من قبل حفظه، وهو في الأصل صدوق.
وعبيد بن خلصة لا يعرف، ولم أجد من ترجمه، كذا قال شيخنا في "الإرواء" (3/ 325)، وهو المراد بقول السخاوي في "المقاصد" (101)، وقبله الهيثمي في "المجمع" (4/ 155)، والغماري في "الهداية" (8/ 540): "وفي إسناده من لا يعرف".
* هشام بن عروة، أخرجه البزار في "مسنده"، ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (8/ 103)، وصححه فيه (8/ 106 و 9/ 407 و 10/ 160 و 11/ 344)، وصححه ابن القطان من هذا الوجه كما في "المقاصد" (ص 100).
وقد أعلّ هذا الطريق كثير من المتقدمين بمخالفة الثوري وابن عيينة لمن وصلوه، قال أبو حاتم بعد ذكره لمن وصله -وهم الثلاثة المتقدمون-: "هذا خطأ، وليس هذا =
(2/210)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= محفوظًا عن جابر، رواه الثوري وابن عيينة عن ابن المنكدر أنه بلغه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال ذلك، قال أبي: وهذا أشبه" كذا في "العلل" (1/ 466) رقم (1399) لابنه.
وقال البزار عقبه: "إنما روي عن هشام مرسلًا" يعني بدون جابر.
ونقل ابن التركماني في "الجوهر النقي" (7/ 481) قول البزار عنه: "ومن صحيح هذا الباب حديث ذكره بقي بن مخلد. . .".
قلت: أخرجه الشافعي في "الرسالة" (رقم 1290 - ط شاكر)، ومن طريقه البيهقي في "المعرفة" (1/ 166) رقم (263)، و (11/ 298) رقم (15587)، وسعيد بن منصور في "سننه" (رقم 2290): أخبرنا سفيان عن محمد بن المنكدر به مرسلًا.
وأفاد البيهقي قبله أنه لم يقل أحد من أهل الفقه به وقال بعده: "لا يثبت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-"، وقال: "وأن اللَّه لما فرض للأب ميراثه من ابنه، فجعله كوارث غيره، فقد يكونُ أقل حظًا من كثير من الورثة، دل ذلك على أن ابنه مالك للمال دونه"، وقال: "ومحمد بن المنكدر غاية في الثقة والفضل في الدين والورع، ولكنا لا ندري عمن قبل هذا الحديث".
قال البيهقي في "المعرفة" (1/ 167) عقب قول الشافعي الأخير: "وقد رواه بعض الناس موصولًا بذكر جابر فيه، وهو خطأ".
ونقل فيه -أيضًا- (12/ 158) تضعيف الشافعي له، ونقل الشافعي -بناءً على ما تقدم- أن أهل العلم أجمعوا على خلافه!!
قلت: لا يوجد حديثٌ لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا أسعد اللَّه عالمًا وقال به، وقد رأيت منذ عشر سنوات تقريبًا بحثًا ماتعًا في هذا للسندي في "دراسات اللبيب" فانظره غير مأمور.
والحديث على توجيه الشافعي السابق، ومعارضته له بما فرض اللَّه للأب مع عدم حفظه من وصله، ينحى إلى ضعفه، وزاد البيهقي -نصرةً له، ووجد الموصول- أن زيادة "عن جابر" خطأ! وفصَّل في "الكبرى" (7/ 481) منشأ هذا باستشكال ثم عَرَّج على تأويل له، قال: "من زعم أن مال الولد لأبيه احتجَّ بظاهر هذا الحديث، ومن زعم أن له من ماله ما يكفيه إذا احتاج إليه، فإذا استغنى عنه لم يكن للأب من ماله شيء، احتج بالأخبار التي وردت في تحريم مال الغير، وأنه لو مات وله ابن لم يكن للأب من ماله إلا السدس، ولو كان أبوه يملك مال ابنه لحازه كله.
ويروى عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "كل أحد أحق بماله من والده وولده والناس أجمعين" وبمثل هذا احتج ابن حزم في "المحلى" (8/ 103 - 106 و 9/ 417 و 10/ 460 و 11/ 344) على أنه منسوخ! وأطال في ذلك.
قلت: الحديث الناسخ "كل أحد. . . " ضعيف، أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" رقم (2293)، والدارقطني في "السنن" (4/ 235)، والبيهقي في "الكبرى" (7/ 481 و 10/ 319) عن حبان بن أبي جبلة مرفوعًا، وهو ضعيف، حبان من التابعين، ولذا تعقب المناوي في "فيض القدير" (5/ 9) السيوطي لما رمز لصحته في "الجامع الصغير" =
(2/211)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فقال: "أشار المصنف لصحته، وهو ذهول أو قصور، فقد استدرك عليه الذهبي في "المهذب" فقال: قلت لم يصح مع انقطاعه".
وأخرجه البيهقي في "الكبرى" (6/ 178) عن عمر بن المنكدر مرسلًا، ونقل الطحاوي في "المشكل" (4/ 279) عن شيخين له توجيهًا آخر، وهذا نص كلامه:
"سألت أبا جعفر محمد بن العباس (1) عن المراد بهذا الحديث، فقال: المراد به موجود فيه، وذلك أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال فيه: "أنت ومالك لأبيك" فجمع فيه الابن، ومال الابن، فجعلهما لأبيه، فلم يكن جعله إياهما لأبيه على ملك أبيه إياه، ولكن على أن لا يخرج عن قول أبيه فيه، فمثل ذلك قوله: مالك لأبيك، ليس على معنى تمليكه إياه ماله، ولكن على معنى أن لا يخرج عن قوله فيه.
وسألت ابن أبي عمران عنه، فقال: قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا الحديث: "أنت ومالك لأبيك" كقول أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنما أنا ومالي لك يا رسول اللَّه، لما قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر" (2) انتهى.
وقد لخص ابن عبد البر في "الاستذكار" (24/ 142) معنى كلامهما بقوله: "قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنت" ليس على التمليك، فكذلك قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ومالك" ليس على التمليك، ولكنه على البر به، والإكرام له".
ونحوه عند ابن حبان في "الصحيح" (2/ 143 و 10/ 75 - الإحسان).
والتوجيه الأول أقرب لزيادة وردت في حديث عائشة ستأتي، واللَّه الموفق.
والخلاصة: الحديث صحيح بمجموع طرقه، قال ابن حجر في "الفتح" (5/ 211): "فمجموع طرقه لا تحطه من القوة، وجواز الاحتجاج به"، وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (100 - 102) بعد أن سرد طرقه: "والحديث قوي".
أما شواهده:
فحديث ابن عمر، وله أربع طرق:
الأولى: ما أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 1/ 406) قال لي محمد بن مهران، وأبو يعلى في "المسند" (10/ 98 - 99) رقم (5731) حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، وابن معين في "تاريخه" (4/ 156 - 157) رقم (3685) ثلاثتهم قال: حدثنا معتمر بن سليمان قال: فيما قرأت على فضيل بن ميسرة، عن أبي حريز، عن إسحاق أنه حدثه أن عبد اللَّه بن عمر، وذكر نحوه.
وقال ابن أبي سمينة: "عن أبي إسحاق" بزيادة "أبي"!!
قال الدوري في "تاريخه" عقبه: "قلت ليحيى: ابن أبي سمينة البصري حدثنا به عن معتمر يقول: عن أبي إسحاق؟! فأخرج يحيى "كتاب معتمر" كذا فيه: "أن إسحاق حدثه". =
_______
(1) العجيب أنّ محققه لم يعرفه، وهو مترجم في "السير" (14/ 144 - 145).
(2) خرجته بإسهاب في تعليقي على "المجالسة" (رقم 151) للدينوري، فانظره غير مأمور.
(2/212)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قلت: يتأكد ذلك أن البخاري أورده في ترجمة إسحاق في باب (ومن أفناء الناس)، وإسحاق هذا في عداد المجاهيل، وقد خفي ذلك على شيخنا الألباني في "الإرواء" (3/ 328)؛ فقال: "وهذا سند حسن في المتابعات، رجاله كلهم ثقات غير أبي حريز، واسمه عبد اللَّه بن حسين، قال الحافظ في "التقريب" صدوق يخطئ".
قلت: نعم، أبو حريز وثقه أبو زرعة وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وضعفه أحمد وغيره، ولكن لم ينتبه لإسحاق، وأثبته (أبو إسحاق) مع عزوه له ل"تاريخ ابن معين"، ولم يلتفت لمقولة الدوري عقبه آنفة الذكر، ولم يعزه ل"تاريخ البخاري".
وعلى فرض أنه (أبو إسحاق) -وهيهات- فهو السبيعي!! ونقل ابن أبي حاتم في "المراسيل" (ص 146) عن أبيه قوله: "لم يسمع أبو إسحاق من ابن عمر، ما رآه رؤية".
وأخرج أحمد في "الورع" (رقم 396): حدثنا معتمر -كذا- قال: قرأت على الفضيل أن أبا إسحاق -كذا بزيادة (أبي) وإسقاط (أبي حريز) ولعله من المحقق، فالكتاب مليء بمثل هذا على جودة مادته ونفاسته، ولا قوة إلا باللَّه.
الثانية: أخرج البخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 1/ 406)، وابن قتيبة في "عيون الأخبار" (3/ 86 ط المصرية، و 3/ 98 ط دار الكتب العلمية) من طريق عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن مطر، عن الحكم بن عتيبة، عن النخعي، عن ابن عمر رفعه، وفي آخره: "أو ما علمت أنك ومالك لأبيك" لفظ ابن قتيبة، ولم يورد البخاري لفظه.
الثالثة: أخرجه البزار في "مسنده"؛ كما في "نصب الراية" (3/ 339) من طريق ميمون بن زيد، عن عمر بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر فذكره.
وقال: "لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد!! وعمر بن محمد فيه لين".
قلت: ورد عن ابن عمر من غير هذا الإسناد فليس الأمر كما قال البزار، وميمون ليّنه أبو حاتم، وعزاه الغماري في "الهداية" (8/ 542) من هذا الطريق للطبراني في "الكبير"، وما إخاله إلا وهمًا!
الرابعة: أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم 5132) من طريق محمد بن أبي بلال، ثنا خلف بن خليفة عن محارب بن دثار عنه مرفوعًا بلفظ: "الولد من كسب الوالد".
قال شيخنا الألباني في "الإرواء" (3/ 328): "وابن أبي بلال هذا لم أعرفه".
قلت: هو محمد بن بكار بن بلال العاملي، وسيأتي عنه في حديث عمر!
وقد خالفه سعيد بن منصور، فأخرجه في "سننه" (رقم 2295) نا خلف بن خليفة قال: سمعت واللَّه محارب بن دثار رفعه، وهو مرسل، وهو الأشبه، في هذا الطريق.
وحديث عبد اللَّه بن عمرو، أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (7/ 61) من طريق ابن جريج، وأحمد في "المسند" (2/ 214)، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 995)، والبيهقي في "معرفة السنن" (11/ 300 رقم 15596)، وفي "الكبرى" (7/ 480) من طريق عبيد اللَّه بن الأخنس، وأبو داود في "السنن" (رقم 3530)، وابن خزيمة -كما في "الهداية" (8/ 541) - وابن المقرئ في "معجمه" (523)، والبيهقي في "الكبرى" =
(2/213)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= (7/ 480) من طريق حبيب المعلم، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 158) من طريق حسين -وأخشى أن يكون تصحيفًا عن (حبيب): المعلم-، وأحمد في "المسند" (2/ 514)، وابن ماجه في "السنن" (رقم 2292) من طريق حجاج بن أرطاة كلهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "أتى أعرابي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فقال: إن أبي يريد أن يجتاح مالي، قال: أنت ومالك لوالدك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أموال أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئًا".
وأخرجه أبو بكر الشافعي في "حديثه" (2/ ب)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (2/ 22)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (12/ 49)، والأبهري في "الفوائد" (2/ أ)، والسِّلفي في "الطيوريات" (ج 7/ ق 115/ ب)، وابن النقور في "القراءة على الوزير" (2/ 20/ ب)، -كما في "الإرواء" (3/ 225) - من طريق قتادة عن عمرو بن شعيب به مختصرًا مقتصرًا على "أنت ومالك لأبيك" من غير ذكر ذلك الرجل أو الأعرابي.
قال البيهقي في "المعرفة" (1/ 167) رقم (266). "وقوله: إن لأبي مالًا ليس في أكثر الروايات عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده"!!
قلت: تبرهن لك خلاف ذلك، فهذا القول سقط من رواية قتادة فحسب، وهو موجود في رواية خمسة من أصحاب عمرو بن شعيب، فتنبه.
وقال البيهقي ما قال، تعقيبًا على مقولة الشافعي السابقة في حديث جابر.
وحديث عبد اللَّه بن مسعود، أخرجه ابن أبي حاتم في "العلل" (2/ 472 رقم 1416)، والطبراني في "الصغير" (1/ 8)، و"الأوسط" (1/ 67) رقم (57)، و"الكبير" (10/ 82 رقم 10019)، و"مسند الشاميين" (3/ رقم 2481)، والمعافى بن زكريا في "جزء من حديثه (ق 2/ أ)، وابن عدي في "الكامل" (6/ 2398)، وعبد الأعلى بن مسهر في "نسخته" (رقم 48)، وابن المقرئ في "معجمه" (896) من طرق عن أبي مطيع معاوية بن يحيى، ثنا إبراهيم بن عبد الحميد بن ذي حماية عن غيلان بن جامع عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود به.
قال الطبراني: "لا يروى عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن ذي حماية، وكان من ثقات المسلمين".
قلت: ابن ذي حماية تحرف في "المجمع" (4/ 154) إلى حماد.
وقال الهيثمي: "لم أجد من ترجمه" وتوثيق الطبراني السابق عزيز، وهو مترجم في "التاريخ الكبير" (1/ 1/ 304 - 305)، وقال الهيثمي: "وبقية رجاله ثقات".
قلت: معاوية بن يحيى، وحماد بن أبي سليمان، كلاهما صدوق له أوهام.
وأعله أبو حاتم الرازي بكلام سيأتي في حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-.
وحديث أنس بن مالك: أخرجه أبو بكر الشافعي في "فوائده" (رقم 88 - بتحقيقي - انتقاء الدارقطني "الرباعيات") وفيه الحباب بن فضالة ضعيف.
وحديث أبي بكر الصديق (أو حديث رجل مبهم رفعه للنبي بحضرة أبي بكر): أخرجه =
(2/214)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= الطبراني في "الأوسط" (1/ 448 - 449) رقم (810)، والبيهقي في "الكبرى" (7/ 481)، و"المعرفة" (11/ 350 رقم 15597)، وإسناده ضعيف، فيه المنذر بن زياد قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد إلا المنذر بن زياد".
قلت: وهو متروك كما قال الدارقطني، وكذا في "المجمع" (4/ 155)، وقال البيهقي: "غير قوي".
وحديث عمر بن الخطاب: أخرجه البزار في "البحر الزخار" (1/ 419 - 420 رقم 295)، وابن عدي في "الكامل" (3/ 1212)، والدارقطني في "الأفراد" (ق 20/ ب) من طريق محمد بن بلال نا سعيد بن بشير، عن مطر، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن عمر به.
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر عن النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا من هذا الوجه، وقد رواه غير مطر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده".
وقال الدارقطني: "تفرد به مطر الوراق، عن عمرو بن شعيب عنه، ولم يروه عنه غير سعيد بن بشير".
وقال ابن عدي: "ولا أدري تشويش هذا الإسناد ممن هو، لأن هذا الحديث يرويه جماعة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، ولا أعلم رواه عن سعيد بن المسيب عن عمر إلا من حديث سعيد بن بشير هذا"، وقال عن سعيد بن بشير: "ولعله يهم في الشيء بعد الشيء ويغلط".
وقال أبو حاتم في "العلل" (2/ 469 رقم 1408)، لابنه عن طريق حديث عمر: "هذا خطأ، إنما هو عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
ونحوه في "مسند الفاروق" لابن كثير (2/ 557).
وقال الهيثمي في "المجمع" (2/ 84): "وسعيد بن المسيب لم يسمع من عمر".
قلت: وقع خلاف في ذلك، ورجح المزي وابن حجر أنه روى عنه وسمع منه، وليس هذا موطن التفصيل.
وحديث سمرة بن جندب: أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم 7084)، و"الكبير" (7/ 230) رقم (6961)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (2/ 234)، والبزار في "مسنده" (رقم 1260 - زوائده) -كما في "نصب الراية" (3/ 338) - من طريق أبي مالك الجوداني -واسمه عبد اللَّه بن إسماعيل- عن جرير بن حازم عن الحسن به.
وإسناده ضعيف ومنقطع، الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، وعبد اللَّه بن إسماعيل "تفرد به"؛ كما قال الطبرانى، وقال العقيلى عنه: "عن جرير منكر الحديث، لا يتابع على شيء من حديثه".
قلت: والحقيقة أنه توبع، ولكن المتابعة عدم، فأخرجه ابن بشران في "الأمالي" (ق 56/ أ) أو (1/ 148 رقم 334) من طريق عبد للَّه بن حرمان الجهضمي عن جرير به.
وابن حرمان لم أظفر به. =
(2/215)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-: قال العقيلي في "الضعفاء الكبير" (2/ 234) عقب حديث سمرة السابق: "وفي هذا الباب أحاديث من غير هذا الوجه، وفيها لين، وبعضها أحسن من بعض، ومن أحسنها حديث الأعمش عن منصور عن عمارة بن عمير عن عمته عن عائشة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أولادكم من كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم".
قلت: أخرج هذا الحديث بهذا اللفظ ونحوه، سعيد بن منصور في "سننه" رقم (2287 - ط الأعظمي)، وإسحاق بن راهويه في "المسند" (رقم 1508، 1657)، والدارمي في "السنن" (2/ 247)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 1/ 406 - 407)، وأبو داود في "السنن" (رقم 3528، 3529) والنسائي في "المجتبى" (7/ 240 - 241)، والترمذي في "الجامع" (رقم 1358)، وابن ماجه في "السنن" (رقم 3137، 2290)، وأحمد في "المسند" (6/ 31، 41، 127، 162، 193، 201، 202 - 203)، والحميدي في "المسند" (246)، والطيالسي في "المسند" (رقم 1580)، وابن حبان في "الصحيح" (10/ 72 - 73) رقم (4259 - الإحسان)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 45، 46)، والسهمي في "تاريخ جرجان" (239)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 480)، و"المعرفة" (11/ 298 - 299 رقم 15589، 15590) من طريق عمارة به.
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي.
قلت: عمة عمارة لم أهتد إليها، وفي بعض الروايات "عن أمه" وأم عمارة لم أهتدِ إليها أيضًا، وفي "المستدرك" "عن أبيه" بدل "عن عمته"، ولكنها توبعت، تابعها الأسود عن عائشة، كما عند سعيد بن منصور في "سننه" رقم (2288)، وإسحاق في "مسنده" (رقم 1507، 1561)، والنسائي في "المجتبى" (7/ 241)، وابن ماجه في "السنن" (رقم 2137) وأحمد في "المسند" (6/ 42، 220)، وابن حبان في "الصحيح" (10/ 74 رقم 4260، 4261 - الإحسان)، والبيهقي في "المعرفة" (11/ 299 رقم 15593)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص 76) وإسناده صحيح.
وأخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (رقم 2289) عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن عائشة قولها.
وعد أبو حاتم الرازي -كما في "العلل" (1/ 472 رقم 1416) - طريق أبي مطيع معاوية -وفي المطبوع بينهما (ابن)!! فلتحذف- عن ابن أبي حماية به إلى ابن مسعود رفعه بلفظ: "أنت ومالك لأبيك" خطأ، قال: "إنما هو حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة".
قلت: زاد فيه حماد عن إبراهيم: "إذا احتجتم" قال الثوري: وهذا وهم من حماد، وقال أبو داود: هو منكر، قاله البيهقي في "المعرفة" (11/ 299).
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (2/ 284)، والبيهقي في "الكبرى" (7/ 480) من طريق إبراهيم بن ميمون الصائغ عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عنها، بلفظ: "إن =
(2/216)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= أولادكم هبة اللَّه لكم {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} [الشورى: 49]: فهم وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها".
وإسناده صحيح، وفيه فائدة فقهية هامة وهي أنه يبين أن الحديث المشهور: "أنت ومالك لأبيك"، ليس على إطلاقه، بحيث إن الاب يأخذ من مال ابنه ما يشاء، كلا وإنما يأخذ ما هو بحاجة إليه، أفاده شيخنا الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم 2564). وانظر عن معناه:- "بر الوالدين" (ص 183 - 185) للطرطوشي.
وورد عن عائشة باللفظ الذي أورده المصنف من ثلاثة طرق:
الأولى: ما أخرجه ابن حبان في "الصحيح" (2/ 142 رقم 410 - الإحسان)، و (10/ 74 - 75 رقم 4262 - الإحسان)، من طريق حصين بن المثنى، حدثنا الفضل بن موسى، عن عبد اللَّه بن كيسان، عن عطاء به.
وإسناده ضعيف، الحصين مترجم في "الجرح والتعديل" (3/ 197)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وابن كيسان ضعفه أبو حاتم، والنسائي، وقال العقيلي: "في حديثه وهم كثير".
والعجب من ابن الملقن فإنه اقتصر عليه في "تحفة المحتاج" (2/ 377) وقال: "وهو أصح طرقه الثمانية"؛ ولكنه قال في "خلاصة البدر المنير" (رقم 1999): "له سبعة طرق أُخر، موضحة في الأصل، وأصحها هذا، وطريق جابر". وانظر "الإرواء" (6/ 66 - 67).
الثانية: أخرجه أبو القاسم الحامض في "حديثه" -كما في "المنتقى منه" (2/ 8/ 1) - حدثنا إبراهيم بن راشد، ثنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود.
قلت: وإبراهيم بن راشد هو الأدمي، قال ابن أبي حاتم، (1/ 1/ 99): "كتبنا عنه ببغداد، وهو صدوق" قلت: وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين غير الأسود، وهو ابن موسى بن باذان المكي، لم أجد له ترجمة، وقد ذكره في "التهذيب" في جملة من روى عنهم ابنه عثمان، قاله شيخنا في "الإرواء" (3/ 326).
الثالثة: أخرجه ابن عدي في "الكامل" (2/ 747) من طريق الحسن بن عبد الرحمن ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رفعته، وقال عقبه: "وهذا حديث ليس له أصل عن وكيع، وإنما يروى هذا عن عبد اللَّه بن عبد القدوس، عن هشام بن عروة".
قلت: والحسن بن عبد الرحمن الاحتياطي يسرق الحديث منكر عن الثقات.
انظر "اللسان" (2/ 218)، و"تاريخ بغداد" (7/ 337).
وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (2/ 611) والخطيب في "تالي التلخيص" (رقم 310 - بتحقيقي) من طريقين عن الحارث بن عبيدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وفيه: "اردد على أبيك ما حبست عنه، فإنك ومالك كسهم من كنانته".
والحارث هو الكلاعي ضعفه الدارقطني، وقال ابن حبان في "المجروحين" (1/ 224): "يأتي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد".
وقال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (2/ 1/ 81) "شيخ ليس بالقوي". =
(2/217)

بمالٍ كان قد شهد به لنفسه، قالوا: وقد قال أبو عبيد: ثنا مروان بن معاوية، عن يزيد الجزري (1)، قال: أحسبه يزيد بن سنان، قال الزهري: عن عروة، عن عائشة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ظنينٍ في ولاء ولا قرابة (2) ولا مجلود" (3) قالوا: ولأن بينهما من البعضية والجزئية ما يمنع قبول
__________
= وورد عن عائشة مرفوعًا بلفظ: "يد الوالد مبسوطة في مال ولده، وأن أمرك في أن تخرج من أهلك، فاخرج منها".
أخرجه أبو الشيخ في "الفوائد" (رقم 22) بسند ضعيف، ومنقطع.
وورد -أيضًا- عن مبهمين من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- أحدهما أنصاري، عند سعيد بن منصور في "سننه" (رقم 2291، 2292).
ومن مرسل محمد بن المنكدر، وعمر بن المنكدر، ومضيا عند كلامي على حديث جابر، ومن مرسل محارب بن دثار، ومضى عند الكلام على حديث ابن عمر، ومن مرسل المطلب بن عبد اللَّه بن حَنْطب، عند: أبي عبيد في "المواعظ والخطب" (رقم 17) وفيه: "وأطع والديك، وإن أمراك أن تخرج من مالك فاخرج منه".
والخلاصة: أن الحديث صحيح بمجموع طرقه هذه كما أسلفنا، وهذا ما قال به ابن حجر وتلميذه السخاوي، فيما قدمناه عنهما واللَّه الموفق.
(1) في جميع نسخ "الإعلام" المطبوعة والمخطوطة "قال أبو عبيد: ثنا جرير عن معاوية عن يزيد. . . " وهذا خطأ، إلا أن في المخطوطة: "الجريري"!! بدل "الجزري"، والذي عند أبي عبيد: "حدثناه مروان الفزاري عن شيخ من أهل الجزيرة، يقال له: يزيد بن زياد، قال أبو عبيد: هو يزيد بن سنان عن الزهري. . . " وفي "المحلى" -ومنه ينقل المصنف-: ". . . من طريق أبي عبيد نا مروان بن معاوية عن يزيد الجزري". والمثبت منه.
(2) في المطبوع: "أو قرابة".
(3) أخرجه أبو عبيد في "الغريب" (2/ 153) -ومن طريقه البغوي في "التفسير" (1/ 410 - ط دار الفكر)، وابن حزم في "المحلى" (9/ 416)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (18/ ق 282 - 283)، والترمذي في "الجامع" (رقم 2298) - وابن عدي في "الكامل" (7/ 2714)، وابن أبي حاتم في "العلل" (1/ 476)، والدارقطني (4/ 244)، والبيهقي (10/ 155) من طريق مروان بن معاوية به. وإسناده ضعيف يزيد هذا من شيوخ مروان بن معاوية كان مروان يحسن الظن به لكن ضعفه أحمد وابن معين وابن المديني وأبو حاتم والبخاري وأبو داود والنسائي وابن عدي وابن حزم وقال ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول: هذا حديث منكر" وضعفه الترمذي. ويشهد له ما أخرجه أحمد في "المسند" (2/ 181، 204، 208، 225)، وأبو داود في "السنن" (4/ 24/ رقم 2600)، وابن ماجه في "السنن" (2/ 792/ رقم 2366)، وعبد الرزاق في "المصنف" (رقم 15364)، والدارقطني في "السنن" (4/ 243)، وابن جميع في "معجم الشيوخ" (ص: 108)، ابن مردويه في "ثلاثة مجالس من أماليه" (رقم 280)، والبيهقي في "الكبرى" (10/ 155) من طرق عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي عمر على =
(2/218)

الشهادة، كما مُنعَ (1) من إعطائِه [من] الزكاة، [ومن قَتْله بالولد] (2)، وحَدِّه بقذفه؛ قالوا: ولهذا لا يثبُتُ له في ذمته دين عند جماعة من أهل العلم، ولا يطالب به، ولا يُحبس من أجله، قالوا: وقد قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النور: 61]، ولم يذكر بيوت الأبناء لأنها داخلة في بيوتهم (3) أنفسهم، فاكتفى بذكرها [دونها] (4)، وإلا فبيوتهم أقرب من بيوت مَنْ ذُكر في الآية؛ قالوا: وقد قال تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الزخرف: 15] أي: ولدًا، فالولد جزء؛ فلا تقبل شهادة الرجل في (5) جزئه.
قالوا: وقد قال -صلى اللَّه عليه وسلم- (6): "إن أطْيَبَ ما أكَلَ الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" (7) فكيف يشهد الرجل لكسبه؟ قالوا: والإنسان مُتَّهم في ولده، مَفْتُونٌ به، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 25] فكيف تقبل شهادة المرء لمن قد جُعل (8) مفتونًا به؟ والفتنة محل التهمة.

فصل [الرد على من منع شهادة الأصول للفروع والفروع للأصول]
قال الآخرون: قال اللَّه تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ
__________
= أخيه، ولا موقوف على حد"، وبعض طرقها حسنة، وقواه ابن حجر في "التلخيص الحبير"، وفي الباب عن أبي هريرة، عند البيهقي في "الكبرى" (10/ 201)، وبعضهم أرسله كما في "الغيلانيات" (رقم: 599)، وأخرجه أبو داود في "المراسيل" (رقم 396)، وأبو عبيد في "الغريب" (2/ 155) بسند رجاله ثقات إلى طلحة بن عبد اللَّه بن عوف عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو مرسل، فهو ضعيف.
(1) في (ق): "يمنع" وما بين المعقوفتين بعدها سقط من (ق).
(2) في (ق): "ومن قتل الوالد بالولد".
(3) في (ق): "بيوت".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ك) و (ق): "لجزئه".
(6) في (ق): "النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
(7) رواه أحمد (6/ 42 و 220)، والنسائي (7/ 241) في (البيوع): باب الحث على الكسب، وابن ماجه (2137) في (التجارات): باب الحث على المكاسب، وابن حبان (4260) و (4261)، والبيهقي (7/ 480) من طرق عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة مرفوعًا به، وسنده صحيح على شرطهما، ومضى قريبًا ضمن تخريج حديث "أنت ومالك لأبيك"، فراجعه (ص 259 - 218).
(8) في (ك): "جعله".
(2/219)

حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] وقال [تعالى] (1): {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] و [قد] (1) قال [تعالى] (1): {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] وقد قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ] (1)} [البقرة: 282] وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 106] ولا رَيْبَ في دخول الآباء والأبناء والأقارب في هذا اللفظ كدخول الأجانب؛ وتناولها للجميع بتناول واحد (2)، هذا مما لا يمكن دفعه، ولم يستثن [اللَّه سبحانه ولا رسوله] (3) من ذلك أبًا ولا ولدًا ولا أخًا ولا قرابة، ولا أجمع المسلمون على استثناء أحد من هؤلاء؛ فتلزم (4) الحجة بإجماعهم.
وقد ذكر عبد الرزاق عن أبي بكر بن أبي سَبْرَة، عن أبي الزِّناد، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة قال: قال عمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-] (5): تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه (6). وعن عمرو بن سُليم الزُّرقيّ، عن سعيد بن المسيب مثل هذا (7).
وقال ابن وهب: ثنا يونس، عن الزُّهريِّ قال: لم يكن يُتَّهم سَلَفُ المسلمين الصالح [في] (5) شهادة الوالد لولده، [ولا] (5) الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الزوج لإمرأته، ثم دَخِلَ الناسُ (8) بعد ذلك فظهرت منهم أمور حَمَلَتْ الوُلاة على اتهامهم، فتُرِكَت شَهادةُ من يُتَّهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "تناولًا واحدًا" وفي (ك): "تناول واحد".
(3) في (ق): "اللَّه ورسوله".
(4) في (ق): "ما يلزم".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) رواه عبد الرزاق (15471)، وابن حزم في "المحلى" (9/ 415)، وذكره في "المغني" (9/ 191)، وفيه أبو بكر بن أبي سبرة، وهو ضعيف جدًّا، وقد رماه بعضهم بالوضع.
(7) رواه عبد الرزاق (15472) بالإسناد السابق، وذكره -أيضًا- ابن حزم في "المحلى" (9/ 415)، وعلته أبو بكر بن أبي سبرة -أيضًا-.
(8) "دخل الناس -بوزن فرح- فسدوا، [ظهر فيهم المكر والخديعة والفساد] " (د) (ط)، وما بين المعقوفتين زيادة (ط) على (د).
قلت: وفي "اللسان" (3/ 1342) لابن منظور قال: "دخِل الناس -بكسر الخاء- من الدخل، وهو ما داخلهم فساد في عقل أو جسم، والدَّخَل: العيب والغش والفساد".
(2/220)

والأخ والزوج والمرأة، لم يُتَّهم إلا هؤلاء في آخر الزمان (1).
وقال أبو عُبيد: حدثني الحسن بن عازب، عن جَدِّه شبيب بن غَرْقَدَة قال: كنتُ جالسًا عند شُرَيح، فأتاه علي بن كاهل وامرأة وخصم، فشهد لها عليُّ بن كاهل وهو زوجها، وشهد لها أبوها، فأجاز شريحٌ شهادتهما؛ فقال الخصم: هذا أبوها وهذا زوجها، فقال له شريح: أتعلم شيئًا تُجرِّحُ به شهادتهما؟ كلُّ مسلم شَهادتُه جائزة (2).
وقال عبد الرزاق: ثنا سفيان بن عُيَينة، عن شَبيب بن غَرْقَدة قال: سمعت شُريحًا أجاز لامرأة شهادة أبيها وزوجها، فقال له الرجل: إنه أبوها وزوجها، فقال شريح: فمن يشهد للمرأة إلا أبوها وزوجها؟ (3).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا شَبَابة، عن ابن أبي ذِئْب، عن سُليمان قال: شهدتُ لأمي عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، فقضى بشهادتي (4).
وقال عبد الرزاق: ثنا معمر، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه الأنصاري قال: أجاز عمر بن عبد العزيز شهادة الابن لأبيه إذا كان عَدْلًا (5).
قالوا: فهؤلاء عمر بن الخطاب وجميعُ السلف وشُرَيح وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم يجيزون شهادة الابن لأبيه والأب لابنه، قال
__________
(1) علقه ابن حزم في "المحلى" (9/ 415 - 416) من طريق ابن وهب به.
(2) رواه ابن حزم في "المحلى" (9/ 416) من طريق أبي عبيد به، والحسن بن عازب لم أجده ولكانه متابع، ورواه عبد الرزاق في "المصنف" (15473)، ومن طريقه ابن حزم (9/ 416) عن ابن عيينة عن شبيب بن غرقدة قال: سمعت شُريحًا. . . وفيه أنه أجاز شهادة أبيه وزوجها، وليس فيه تفصيل كما هنا. ورواته ثقات.
ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (5/ 343 - دار الفكر)، ومن طريقه ابن حزم (9/ 416)، من طريق أبي حباب عن شريح أنه أجاز شهادة أب وزوج؛ هكذا مختصرًا.
(3) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (رقم 15473)، -ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (9/ 416) ورواته ثقات كما تقدم، وسقط هذا الأثر بتمامه من (ق) و (ك).
(4) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (5/ 343) - ط دار الفكر)، ومن طريقه ابن حزم (9/ 419) -ورواته ثقات سليمان هو ابن أبي سليمان أبو إسحاق الشيباني.
وفي (ك) و (ق): "شهدت لابني".
(5) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (رقم 15475) -ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (9/ 416) - ورواته ثقات، عبد اللَّه بن عبد الرحمن الأنصاري هو أبو طُوالة، قاضي المدينة لعمر بن عبد العزيز.
(2/221)

ابن حزم (1): "وبهذا يقول إياس بن معاوية، وعثمان البَتِّيُّ، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمزني، وأبو سُليمان وجميع أصحابنا" يعني: داود بن علي وأصحابه.
وقد ذكر الزهري أن الذين رَدُّوا شهادة الابن لأبيه والأب لابنه والأخ لأخيه هم المتأخرون (2)، وأن السلف الصالح لم يكونوا يَرُدُّونها.
قالوا: وأما حججكم (3) على المنع فَمَدَارها على شيئين:
أحدهما: البعضية التي بين الأب وابنه، وأنها تُوجِب أن تكون شهادة أحدهما للآخر شهادة لنفسه، وهذه حجة ضعيفة؛ فإن هذه البعضية لا توجب أن تكون كبعضه في الأحكام، [لا في أحكام الدنيا ولا] (4) في أحكام الثواب والعقاب؛ فلا يلزم من وجوب شيء على أحدهما أو تحريمه وجوبُهُ على الآخر وتحريمه من جهة كونه بَعْضَه، ولا من وجوب الحد على أحدهما وجوبه على الآخر، وقد قال [النبي] (5) -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يجني والدٌ على ولده" (6) فلا يَجْني عليه،
__________
(1) في "المحلى" (9/ 416).
(2) من الولاة، كما في "المحلى" (9/ 416).
(3) في المطبوع: "حجتكم".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) وبدله في (ق): "لا".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) رواه ابن أبي شيبة في "المسند" (رقم 561، 562)، وأحمد (3/ 499)، والترمذي (3087) في (التفسير): باب ومن سورة التوبة، وابن ماجه (2669) في (الديات): باب لا يجني أحد على أحد، و (3055) في (المناسك): باب الخطبة يوم النحر، والطبراني في "الكبير" (58/ 18، 59)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (10/ 3710) رقم (1228)، والبيهقي (8/ 27) كلهم من طريق شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه مطولًا ومختصرًا.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
أقول: لكن سليمان بن عمرو هذا لم يوثقه إلا ابن حبان، وقال ابن القطان: مجهول. وهو اللائق بحاله فإنه لم يرو عنه إلا اثنان أحدهما ضعيف!.
وله شاهد من حديث طارق المحاربي، رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (14/ 300)، و"المسند" (رقم 822)، والبخاري في "خلق أفعال العباد" (27)، النسائي (8/ 55) في (القسامة): باب هل يؤخذ أحد بجريرة أحد؟ وابن ماجه (2670) في (الديات): باب لا يجني أحد على أحد، وابن خزيمة في "الصحيح" (159)، والحاكم (2/ 611 - 612)، والدارقطني (3/ 44 - 45)، والطبراني في "الكبير" (8175)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (3/ 1556 - 1557 رقم 3939)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (5/ 380 =
(2/222)

ولا يُعَاقَب بذنبه، ولا يُثاب بحسناته، ولا تجب عليه الزكاة ولا الحج بغنى الآخر، ثم [قد] (1) أجمع الناس على صحة بيعِه منه وإجَارتِه ومُضاربتِه ومُشاركتِه، فلو امتنعت (2) له لكونه جزءًا منه؛ فيكون شاهدًا لنفسه لامتنعت هذه العقود؛ إذ يكون عاقدًا لها مع نفسه.
فإن قلتم: هو مُتَّهم بشهادته له، بخلاف هذه العقود؛ فإنه لا يتهم فيها معه.
قيل: هذا عَوْد (3) منكم إلى المأخذ الثاني، وهو مأخذ التهمة، فيقال: التهمة وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريبًا أو أجنبيًا، ولا ريب أن تهمة الإنسان في صَدِيقِهِ وعَشِيره ومن يعنيه (4) مودته ومحبته أعظم من تهمته في أبيه وابنه، والواقع شاهد بذلك، وكثير من الناس يُحابي صَديقَه وعَشيرَه وذا وُدِّه أعظم مما يحابي أباه وابنه.
فإن قلتم: الاعتبار بالمظنة، وهي التي تنضبط، بخلاف الحكمة؛ [فإنها] (5) لانتشارها وعدم انضباطها لا يمكن (6) التعليل بها.
قيل: هذا صحيح في الأوصاف التي شهد لها الشرع بالاعتبار، وعَلَّق بها الأحكام، دون مظانها، فأين علق الشارع عدم قبول الشهادة بوصف الأبوة أو البنوة أو الأخوة؟ والتابعون إنما نظروا إلى التهمة، فهي الوصف المؤثر في الحكم، فيجب (7) تعليق الحكم به وجودًا وعدمًا، ولا تأثير لخصوص القرابة ولا عمومها، بل قد توجد القرابة حيث لا تهمة، وتوجد التهمة حيث لا قرابة، والشارع إنما علق قبول الشهادة بالعدالة وكون الشاهد مرضيًا، وعلَّق عدم قبولها بالفسق، ولم يُعلِّق القبول والرد بأجنبية (8) ولا قرابة.
قالوا: وأما قولكم: "إنه غير متهم معه في تلك العقود" فليس كذلك، بل هو متهم معه في المحاباة، ومع ذلك فلا يوجب ذلك إبطالها، ولهذا لو باعه في
__________
= - 381) وهو حديث صحيح، صححه الحاكم ووافقه الذهبي، والبوصيري في "مصباح الزجاجة"، وصححه ابن حبان حيث رواه في "صحيحه" (6562)، وله شواهد أخرى تجدها في "إرواء الغليل" (7/ 332).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق) بعدها: "شهادته".
(3) في (ك): "هذه دعوى".
(4) في (ق): "يصنعه".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(6) في (ن) و (ك): "لم يمكن".
(7) في (د): "فجيب" كذا بتقديم الجيم على الياء، والتصويب من باقي النسخ و (ن).
(8) في (ق): "بأجنبي".
(2/223)

مرض موته ولم يُحَابِهِ لم يبطل البيع، ولو حاباه بَطَلَ في قدر المحاباة، فعلق البطلان بالتهمة لا بمظنتها.
قالوا: وأما قوله [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (1): "أنْتَ ومَالُكَ لأبيكَ" (2) فلا يمنع شهادة الابن لأبيه، فإن الأبَ ليس هو وماله لابنه، ولا يدل الحديث على [عدم] (3) قبول شهادة أحدهما للآخر، والذي دل عليه الحديث أكثَرُ منازعينا لا يقولون به، بل عندهم أن مال الابن له حقيقة وحكمًا، وأن الأب لا يتملك عليه منه شيئًا، والذي لم يدل عليه الحديث حمَّلتموه إياه، والذي دل عليه لم تقولوا به، ونحن نتلقى أحاديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-[كلها] (4) بالقبول والتسليم، ونستعملها في وجوهها (5)، ولو دل قوله: "أنت ومالك لأبيك" (2) على أن لا تُقبل شهادةُ الولد لوالده ولا الوالد لولده لكُنَّا أول ذاهب إلى ذلك، ولما سبقتمونا إليه، فأين موضع الدلالة؟ واللام في الحديث ليست للملك قطعًا، وأكثركم يقول: ولا للإباحة إذ لا يُبَاح مال الابن لأبيه؛ ولهذا فرَّقَ بعضُ السلف فقال: تقبل شهادة الابن لأبيه، ولا تقبل شهادة الأب لابنه، وهو إحدى الروايتين عن الحسن والشَّعْبيّ (6) ونَصَّ عليه أحمد في رواية عنه (7)، ومن يقول: هي للإباحة أسْعَدُ بالحديث، وإلَّا تعطلت فائدته ودلالته، ولا يلزم من إباحة أَخْذَهِ ما شاء من ماله [أن لا] (8) تُقبل
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) سبق تخريجه مطولًا قريبًا.
(3) ما بين المعقوفتين من (د) و (ق) و (ط) و (ك) وأشار إلى أنها في نسخة هكذا، وقال (ط): "في بعض الأصول التي في أيدينا بدون كلمة "عدم"، ولعل الصحيح: "ولا يدل الحديث على "عدم" قبول شهادة أحدهما للآخر" حتى يستقيم له الدليل" اه.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ك): "على وجهها".
(6) الذي وجدته في مصنف ابن أبي شيبة (5/ 342 - دار الفكر) عن الشعبي: أنه كان لا يجيز شهادة الرجل لأبيه، ويجيز شهادة الرجل لابنه أي عكس ما هو هنا، رواه عن ابن أبي زائدة عن أشعث عنه وأشعث أظنه ابن سَوّار فهو الذي يروي عن الشعبي وهو مُتكلَّم فيه، والمصنف ينقل عن "المحلى" (9/ 415)، وانظر "موسوعة فقه الحسن" (2/ 565).
(7) قال في "الكافي" (4/ 528): "وعنه [أي الإمام أحمد]: تقبل شهادة الولد لوالده؛ لدخوله في العموم، ولا تقبل شهادة الأب لابنه؛ لأن ماله كماله؛ لقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنت ومالك لأبيك" فكانت شهادته" اه.
ونقل هذه الرواية عن الإمام أحمد: صاحب "المغني" (10/ 186)، و"الإنصاف" (12/ 66)، وعنه روايات أخرى انظرها في "مسائل عبد اللَّه" (436/ 1579)، وفي "مسائل صالح" (1/ 469/ 490)، وفي "مسائل ابن هانئ" (2/ 37/ 1337)، والمصادر السابقة -أيضًا-.
(8) في (ق): "ألا".
(2/224)

شهادته له بحال، مع القطع أو ظهور انتفاء التهمة، كما لو شهد له بنكاح أو حَدٍّ أو ما لا تلحقه به تهمة.
قالوا: وأما كونه لا يُعطى من زكاته، ولا يُقاد به، ولا يحدُّ به (1)، ولا يَثْبُت له في ذمته دَيْن، ولا يُحْبس به؛ فالاستدلال إنما يكون بما ثَبَتَ بنص أو إجماع، وليس معكم شيء من ذلك، فهذه مسائل نزاع لا مسائل إجماع، ولو سلم ثبوت (2) الحكم فيها أو في بعضها لم يلزم منه عدم قبول شهادة أحدهما للآخر حيث تنتفي التهمة؛ ولا تَلَازُم بين قبول الشهادة وجَرَيان القصاص وثبوت الدَّين له في ذمته لا عقلًا ولا شرعًا، فإن تلك الأحكام اقْتَضَتها الأبوة التي تمنع من مساواته للأجنبي في حَدِّه به، وإقادته منه، وحَبْسه بدَيْنه، فإن منصب الأبوة (3) يأبى ذلك، وقبحه مركوز في فِطَر الناس، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رأوْهُ قبيحًا فهو عند اللَّه قبيح، وأما الشهادة فهي خَبَر يعتمد الصدق والعَدَالة، فإذا كان المُخْبِرُ به صادقًا مبرِّزًا في العدالة غير متهم في الأخبار (4) فليس قَبُولُ قوله قبيحًا عند المسلمين، ولا تأتي الشريعة برد خبر المخبر به واتهامه.
قالوا: والشريعة مَبْنَاها على تصديق الصادق وقبول خبره، وتكذيب الكاذب والتوقف في خبر الفاسق المتهم؛ فهي لا تَردُّ حقًا، ولا تَقْبل باطلًا.
قالوا: وأما حديث عائشة (5) فلو ثبت لم يكن فيه دليل، فإنّه إنما يدل على عدم قبول شهادة المتهم في قرابته أو ذي ولاية، و [نحن] (6) لا نقبل شهادته إذا ظهرت تُهمَته، ثم منازعونا لا يقولون بالحديث، فإنهم لا يردُّون شهادة كل قرابة، والحديث ليس فيه تخصيص لقرابة الإيلاد بالمنع، وإنما فيه تعليق المنع بتهمة القرابة، فألغيتم (7) وَصْفَ التهمة، وخَصَّصتم وصف القرابة بفردٍ منها؛ فكنا نحن أسْعَدَ بالحديث منكم، وباللَّه التوفيق.
وقد قال محمد بن الحكم: إن أصحاب مالك يُجيزون شهادة الأب والابن
__________
(1) في (ق): "ولا يحد بقذفه".
(2) في (ق): "بثبوت".
(3) في المطبوع: "أبوته".
(4) زاد هنا في (ك) و (ق): "به".
(5) المتقدم، وهو: "لا يجوز شهادة خائن. . .".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ق): "فنفيتم".
(2/225)

[والأخ] (1) والزوج والزوجة على أنه وَكَّلَ فلانًا، ولا يجيزون شهادتَهم أن فلانًا وكَّلَه؛ لأن الذي يوكِّل لا يتهمان عليه في شيء (2).

[شهادة الأخ لأخيه]
وأما شهادة الأخ لأخيه فالجمهور يجيزونها، وهو الذي في "التهذيب" من رواية ابن القاسم (3) عن مالك، إلا أن يكون في عياله، وقال بعض المالكية: [لا تجوز إلا على شَرْط] (4)؛ ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: هو أن يكون مبرزًا في العدالة، وقال بعضهم: إذا لم تَنَلْه صِلتُه، وقال أشهب: تجوز (5) في اليسير دون الكثير، فإن كان مبرزًا جاز في الكثير وقال بعضهم: تقبل مطلقًا إلا فيما تتضح (6) فيه التهمة، مثل أن يشهد له بما يكسب (7) به الشاهد شرفًا وجاهًا (8).

[الصحيح قبول شهادة الابن لأبيه، والأب لابنه]
والصحيح أنه تقبل شهادة الابن لأبيه والأب لابنه فيما لا تهمة فيه، [ونص عليه أحمد (9)؛ فعنه في المسألة ثلاث روايات: المنع، والقبول فيما لا تهمة
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) العبارة بحروفها في "عقد الجواهر الثمينة" (3/ 142 - 143) وفيه: "يتّهمون" بدل "يتهمان".
(3) انظر: "المدونة الكبرى" (4/ 21 دار الكتب العلمية) أو (4/ 80 - 81 و 5/ 154 - ط دار صادر).
(4) في (ق): "يجوز على شرط".
(5) في (ق): "يجوز".
(6) في المطبوع: "تصح" والتصويب من (ق) و (ن) و"عقد الجواهر".
(7) في "عقد الجواهر": "يكتسب".
(8) النقل السابق من "عقد الجواهر الثمينة" لابن شاس (3/ 142) بتصرف يسير.
وقال القاضي عبد الوهاب في "الإشراف" (5/ 74 - بتحقيقي): "تقبل شهادة الأخ لأخيه إلا فيما يتهم له فيه من دفع عار أو ما أشبه ذلك" وانظر: "المعونة" (3/ 1532)، "جامع الأمهات" (471)، "الذخيرة" (10/ 263، 282 - 283)، "تفسير القرطبي" (5/ 411)، "حاشية الدسوقي" (4/ 168 - 169).
(9) نقلها عنه صاحب "المغني" (10/ 186/ 8382)، ومَثَّل له بالنكاح والطلاق والقصاص، والمال إذا كان مُسْتغنى عنه، وانظر: "الإنصاف" (12/ 66).
أما صاحب "الكافي " فإنه أطلق رواية القبول، فقال فيه (4/ 528): "وعنه: تقبل شهادتهما؛ لأنهما عدلان من رجالنا، فيدخلان في عموم الآيات والأخبار" اه.
(2/226)

فيه] (1)، والتفريق بين شهادة الابن لأبيه فتقبل، وشهادة الأب لابنه فلا تقبل، واختار ابن المنذر (2) القبول كالأجنبي.
وأما شهادة أحدهما على الآخر فنصَّ الإمام أحمد على قبولها (3)، وقد دل عليه القرآن في قوله [تعالى] (4): {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135].
وقد حكى بعض أصحاب أحمد عنه رواية ثانية أنها لا تقبل؛ قال صاحب "المغني": ولم أجد في "الجامع" -يعني "جامع الخلال"- خلافًا عن أحمد أنها تقبل (5)، وقال بعض الشافعية: لا تقبل شهادة الابن على أبيه في قصاص ولا حدِّ قَذْف، قال: لأنه لا يُقْتل بقَتْله، ولا يُحدُّ بقذفه، وهذا قياسٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فإن [الحد والقتل] (6) في صورة المنع لكون المستحق هو الابن، وهنا المستحق أجنبي (7).
ومما يدل على أن احتمال التهمة بين الولد ووالده لا يمنع (8) قبول الشهادة أن شهادة الوارث لمورِّثه جائزة بالمال وغيره، ومعلوم أن تَطَرُّقَ التهمة السببية مثلُ تطرقها إلى [الوالد والولد] (9)، وكذلك شهادة الابنين على أبيهما بطلاق ضَرَّةِ أُمِّهما جائزة، مع أنها شهادة للأم، ويتوفر حظها من الميراث، ويخلو لها وَجْه
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) قال في "الإقناع" (2/ 527): "فكل مسلم قِبله شهادةً، فعليه القيام بها، وعلى الحاكم قبولها منه على ظاهر كتاب اللَّه، وسواء كان الشاهد والد المشهود له أو ولده،. . . ".
(3) انظر: "المغني" (10/ 186 - 187/ 8383)، و"الكافي" (4/ 528 - 529).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) نصه في "المغني" (10/ 186 - 187/ 8383): "وهذا [أي: القول بقبولها] قول عامة أهل العلم، ولم أجد عن أحمد في "الجامع" فيه خلافًا، ثم استدل بالآية السابقة، ثم قال: "فأمر بالشهادة عليهم، ولو لم تقبل لما أمر بها، ولأنها إنما ردت للتهمة في إيصال النفع، ولا تهمة في شهادته عليه. . . ".
(6) في (ق): "القتل والحد".
قلت: أما الرواية التي نقلها ابن القيم -رحمه اللَّه- عن الإمام أحمد أنّها لا تقبل؛ فقد نسبها صاحب "المغني" حكاية عن القاضي في "المجرد"، ثم ردها ابن قدامة -رحمه اللَّه- فانظرها -إن شئت- في الموضع السابق.
(7) وقول بعض الشافعية هذا رده ابن قدامة -أيضًا- في "المغني" فراجعه -إن شئت-. وانظر ما مضى (ص 222).
(8) في (ق): "تمنع".
(9) في (ق): "الولد والوالد".
(2/227)

الزوج، ولم تُرَدَّ هذه الشهادة باحتمال التهمة؛ فشهادة الولد لوالده (1) وعكسه بحيث (2) لا تُهمَة هناك أولى بالقبول، وهذا هو القول الذي نَدِينُ اللَّه به، وباللَّه التوفيق.

فصل [شاهد الزور]
وقوله (3): "إلا مُجربًّا عليه شهادة زور" يدل على أن المرة الواحدة من شهادة الزور تستقل برد الشهادة، وقد قَرَن اللَّه -سبحانه- في كتابه بين الإشراك وقول الزور، وقال تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ (4)} [الحج: 31]، وفي "الصحيحين" [-أيضًا-] عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: الشرك باللَّه، ثم عقوق الوالدين (5)، وكان متكئًا فجلس، ثم قال: ألا وقَوْل الزور، ألا وقول الزور (6)، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت" (7)، وفي "الصحيحين"، [عن أنس] عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أكبر الكبائر: الإشراك باللَّه، وقَتْلُ النفس، وعُقُوق الوالدين، وقول الزور أو قال: وشهادة الزور" (8).

[الكذب في غير الشهادة من الكبائر]
ولا خلاف بين المسلمين أن شهادة الزور من الكبائر، واختلف الفقهاء في
__________
(1) العبارة في (ق): "ولم يرد هذه الشهادة احتمال التهمة بشهادة الولد لوالده".
(2) في (ق): "فحيث".
(3) أي "قول عمر في كتاب القضاء الذي أرسله إلى أبي موسى" (و).
(4) الآية في (ق): " {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا. . .} ".
(5) في (ق): "وعقوق الوالدين" وما بين المعقوفتين قبلها سقط من (ق).
(6) في (ق): "ألا وشهادة الزور" وسقطت: "لا وقول الزور" الثانية من (ك).
(7) رواه البخاري (2654) في (الشهادات): باب ما قيل في شهادة الزور، ومسلم (87) في (الأيمان): باب بيان الكبائر وأكبرها، من حديث أبي بكرة.
(8) رواه البخاري (2653) في (الشهادات): باب ما قيل في شهادة الزور، و (5977) في (الأدب): باب عقوق الوالدين، و (6871) في (الديات): باب قول اللَّه تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا}. . .، ومسلم (88) في (الإيمان): باب بيان الكبائر وأكبرها، وما بين المعقوفتين من (ق) وفي (ك) و (ق): "وفي الصحيحين أيضًا".
(2/228)

الكذب في غير الشهادة: هل هو من الصغائر أو من الكبائر؟ على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد، حكاهما أبو الحسين في "تمامه" (1)، واحتج مَنْ جعله من الكبائر بأن اللَّه [-سبحانه-] (2) جعله في كتابه من صفات شَرِّ البريّة، وهم الكفار والمنافقون، فلم يصف به إلا كافرًا أو منافقًا، وجعله عَلَمَ أهلِ النار وشِعارَهم، وجعل الصدق عَلَم أهل الجنة وشعارهم.
وفي "الصحيح" من حديث ابن مسعود [قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-] (3): "عليكم بالصدق؛ فإنه يهدي إلى البِرّ، وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصْدُق حتى يكتب عند اللْه صدِّيقًا، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللَّه كَذَّابًا" (4).
وفي "الصحيحين" مرفوعًا: "آيَةُ المنافِقِ ثلاث: إذا حَدَّث كذب، وإذا وَعَدَ أخلف، وإذا ائْتُمِنَ خان" (5)، وقال معمر، عن أيوب، عن [ابن] (6) أبي مُليكة عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: "ما كان خُلُقٌ أبغض إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة، فما تزال (7) في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة" (8)،
__________
(1) هو "كتاب التمام" لأبي الحسين ابن القاضي أبي يعلى، وقد نقل الروايتين عن الإمام أحمد؛ فالأولى: أنه كبيرة، والثانية: أنه صغيرة، انظر: كتابه هذا (2/ 258 - 425).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق): "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال".
(4) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الأدب): باب قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}، (6094)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب البر والصلة): باب قبح الكذب (2607).
(5) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب الإيمان): باب علامة المنافق، (1/ 89/ رقم 23)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الإيمان): باب بيان خصال المنافق، (1/ 78 رقم 59)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الإيمان): باب ما جاء في علامة المنافق (رقم 2631)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب الإيمان): باب علامة المنافق، (8/ 117).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7) في (ق): "يزال".
(8) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (20195)، ومن طريقه أحمد (6/ 152)، والترمذي في (كتاب البر والصلة): باب ما جاء في الصدق والكذب (1973)، وابن حبان (5736)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 196)، والبغوي (3576) عن معمر به؛ لكن عند عبد الرزاق وأحمد: "عن ابن أبي مليكة أو غيره" على الشك.
ورواه ابن عدي (6/ 2292) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، عن حماد عن أيوب عن ابن أبي مليكة به. ومحمد هذا متهم بوضع الحديث.
(2/229)

وقال مروان الطَّاطَري (1): ثنا محمد بن مسلم: ثنا أيوب، عن [ابن] (2) أبي مليكة، عن عائشة قالت: "ما كان شيء أبْغَضَ إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الكذب، وما جَرَّب على أحد كذبًا فرجع إليه ما كان حتى يعرف منه توبة" (3).
حديث حسن، رواه الحاكم في "المستدرك" من طريق ابن وهب، عن محمد بن مسلم، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عائشة [-رضي اللَّه عنها -] (4) وروى [عبد الرزاق] (5)، عن مَعْمَر، عن موسى بن أبي شَيْبة (6) أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أبطَلَ شهادة رجل في كذبة كذبها" (7)، وهو مرسل، وقد احتج به أحمد (في إحدى الروايتين عنه)، وقال قَيْس بن أبي حَازم: سمعت أبا بكر الصديق [-رضي اللَّه عنه-] (4) يقول: "إياكم والكذب، فإن الكذب مُجَانب الإيمان" يُروى موقوفًا ومرفوعًا (8)؛
__________
(1) "مروان بن محمد بن حسان الأسدي الدمشقي، الطاطري -بفتح الطاءين- وثقه أبو حاتم، وقال البخاري: مات سنة عشر ومائتين" (د).
ووقع في (ق) و (ك): "مروان الطاهري".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) رواه البيهقي (10/ 196) من طريق مروان به ثم قال: وأخرجه شيخنا (أي الحاكم) فيما لم يُمل من كتاب "المستدرك" عن الأصم عن ابن عبد الحكم، عن ابن وهب، عن محمد بن مسلم، عن أيوب عن محمد بن سيرين عن عائشة.
قلت: هو في "المستدرك" (4/ 98)، وصححه ووافقه الذهبي.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (و): "عبد الرازق".
(6) قال في هامش (ق): "لعله: عائشة".
(7) رواه عبد الرزاق (برقم 20197)، ومن طريقه العقيلي في "الضعفاء" (4/ 163)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 196)، وموسى هذا هو ابن أبي شيبة، ويقال: ابن شيبة، قال فيه أحمد: "روى عنه معمر أحاديث مناكير، وقال العقيلي: لا يعرف إلا به".
هذه هي عبارته في "الضعفاء"، وفي "تهذيب ابن حجر" قال العقيلي: "لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به".
وموسى هذا له مرسل آخر في "المراسيل" لأبي داود (307)، والعجيب أن الشيخ شعيب -حفظه اللَّه- قال عن موسى هذا: مجهول؛ مع أن ترجمته في "التهذيب" واضحة وكذلك في "الميزان"، وفي "التهذيب" ترجمة لآخر قبله بنفس الاسم، وهو مجهول؛ فلعله حَصَل معه سبق نظر. وقوله في آخر الحديث: "كذبها" لا توجد لا في "المصنف" ولا في "الضعفاء"، وقد وضع المحقق في "المصنف" فراغًا، وقال: في (ص) كلمة ممحوة.
(8) أما الموقوف؛ فرواه وكيع في الزهد (399)، ومن طريقه هناد في "الزهد" (1368)، وابن المبارك في "الزهد" (255)، وأحمد في "مسنده" (1/ 5)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (477)، والدارقطني في "علله" (1/ 258 - 259)، والخرائطي في "مساويء الأخلاق" (رقم 133)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (8/ 592)، والبيهقي في "سننه =
(2/230)

وروى شعبة، عن سَلَمة بن كُهيل، عن مُصْعب بن سعد، عن أبيه قال: "المسلم يُطْبَعُ على كل طبيعة غير الخيانة والكذب" (1)، ويُروى مرفوعًا [أيضًا] (2).
__________
= الكبرى" (10/ 196 - 197) و"الشعب" (رقم 4806، 4807) من طرق عن قيس بن أبي حازم به موقوفًا، وقد صحح الوقف الدارقطني، والبيهقي.
وانظر عن وهم من رفعه: "علل الدارقطني" (1/ 258 - 259). وهو -مرفوع- عند ابن عدي في "الكامل" (1/ 43) والبيهقي في "الشعب" (4804، 4805).
وأفاد أن الموقوف رواه جماعة، وانظر "مسند أبي بكر الصديق" للمروزي (رقم 92، 95).
(1) رواه من طريق شعبة هكذا موقوفًا: ابن المبارك في "الزهد" (ص 285 رقم 828)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (492)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 197).
ورواه -أيضًا- عن سلمة موقوفًا، سفيان الثوري، أخرجه ابن أبي شيبة (8/ 592 و 11/ 18)، وفي (الإيمان) (81)، والدارقطني في "العلل" (4/ 331).
قال الدارقطني في "العلل": وقيل عن الثوري عن سلمة مرفوعًا ولا يثبت.
أقول: وقد روي مرفوعًا من حديث سعد؛ كما قال ابن القيم، وهذا المرفوع رواه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (رقم 144)، وفي "الصمت" (474)، وأبو يعلى في "مسنده" (رقم 771)، والبزار في "مسنده" (1139)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (589 و 591)، وابن عدي في "الكامل" (1/ 44)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 197) و"الشعب" (رقم 4809، 4810)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (1175) من طريق داود بن رشيد عن علي بن هاشم بن البريد عن الأعمش عن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد عن أبيه، ورواه الدورقي في "مسند سعد" (65)؛ دون ذكر أبي إسحاق؛ وقد أعله بالوقف البزار، وأبو زرعة (2/ 328 - 329) والدارقطني في "علله" (4/ 329 - 330)، والبيهقي، وابن الجوزي؛ حيث رواه كما قلنا من قبل سفيان وشعبة؛ فأوقفاه على سعد.
قال الحافظ في "الفتح" (10/ 508): "وسنده قوي وذكر الدارقطني في "العلل" أن الأشبه أنه موقوف".
وجعل ابن الجوزي الوهم من علي بن هاشم وشَنَّع عليه، مع أنه لم يُؤخذ عليه إلا تشيعه فقط.
وله شاهد من حديث ابن عمر، رواه ابن عدي (4/ 1630)، وابن أبي عاصم في "السنة" (115)، والقضاعي (590) والبيهقي في "الشعب" (رقم 4811)، وفيه عبيد اللَّه بن الوليد الوصافي، وهو ضعيف جدًّا.
ومن حديث أبي أمامة، رواه ابن أبي شيبة في "الإيمان" (82)، وابن أبي عاصم في "السنة" (114)، وأحمد في "مسنده" (5/ 252)، وابن عدي في "الكامل" (1/ 44) وهو منقطع.
قال شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في تعليقه على "السنة": "وللحديث شواهد كلها واهية وبعضها أشد ضعفًا من بعض".
وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص 315): وهو مما يُحكم له بالرفع على الصحيح؛ لكونه مما لا مجال للرأي فيه.
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (و): "إليه".
(2/231)

[أحاديث عن كبيرة شهادة الزور]
وفي "المُسْنَد" والتِّرمذيِّ من حديث خُرَيْم بن فاتِك الأَسديّ، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "صَلّى صلاة الصبح، فلما انصرف قام قائمًا فقال: عَدَلَتْ شهادة الزور الشرك باللَّه" ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ]} (1) [الحج: 31].
وفي "المسند" من حديث عبد اللَّه بن مسعود عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "بين يَديّ الساعة تسليمُ الخَاصَّة وفَشْو التِّجارة حتى تُعين المرأة زوجها (2) على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق" (3)، وقال الحسن بن زياد
__________
(1) رواه أحمد (4/ 321 و 322)، وأبو داود (3599) في (الأقضية): باب في شهادة الزور، والترمذي (2300) في (الشهادات): باب ما جاء في شهادة الزور، وابن ماجه (2372) في (الأحكام): باب شهادة الزور، والطبراني في "الكبير" (4162)، والبيهقي (10/ 121)، والطبري (9/ 144 - دار الكتب العلمية)، والمزي في "تهذيب الكمال" (3/ 447)، من طريق سفيان بن زياد العُصْفُري، عن أبيه عن حبيب بت النعمان الأسدي، عن خريم بن فاتك به، قال الحافظ في "التلخيص" (4/ 190): إسناده مجهول.
أقول: زياد العصفري، وحبيب بن النعمان كلاهما مجهول.
ورواه العقيلي (3/ 434) من طريق غالب بن غالب عن أبيه عن جده عن جندب عن خريم، وقال: إسناده مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث.
ورواه أحمد (4/ 178 و 233)، والترمذي (2299)، والطبري (9/ 144 - 145)، من طريق سفيان بن زياد عن فاتك بن فضالة، عن أيمن بن خريم، وقال الترمذي: هذا الحديث غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد، وقد اختلفوا في رواية هذا الحديث عن سفيان بن زياد، ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعًا من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وكأنّ الذهبي يميل إلى تضعيف هذا الحديث فقال: وفي الآثار. . .
وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "سلم الخاصة سوء التجارة حتى تفيء المرأة زوجها" وفي (ك): "بنو التجارة حتى تفتن المرأة".
(3) رواه أحمد (1/ 407 - 408، 419)، والبخاري في "الأدب المفرد" (1049) (باب من كره تسليم الخاصة)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 98، 445 - 446) والطحاوي في "المشكل" (4/ 385)، والبزار -كما في "مجمع الزوائد" (7/ 329) - من طريق بشير بن سليمان (أبو إسماعيل)، عن سَيَّار أبي الحكم عن طارق عن ابن مسعود به مرفوعًا.
ووقع في "المسند": أبو بشير أبو إسماعيل وهو خطأ.
وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وطارق هو ابن شهاب الأحمسي رأى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يسمع منه، وانظر شاهدًا آخر له في "السلسلة الصحيحة" (رقم 2767)، وهو في "صحيح الأدب المفرد" (ص 401 رقم 801)، وانظر: "إتحاف المهرة" (10/ 267) وفاته العزو ل "الأدب المفرد"!
(2/232)

اللؤلؤي: ثنا أبو حنيفة قال: كُنّا عند محارب بن دِثار، فتقدم إليه رجلان، فادَّعى أحدهما على الآخر مالًا، فجحده المُدَّعَى عليه، فسأله البينة، فجاء رجل فشهد عليه، فقال المشهود عليه: لا واللَّه الذي لا إله إلا هو ما شهد عليّ بحق، وما علمته إلا رجلًا صالحًا، غير هذه الزلة؛ فإنه فَعَلَ هذا لحقدٍ كان في قلبه عليّ، وكان محارب متكئًا فاستوى جالسًا ثم قال: يا ذا الرجُلُ سمعتُ ابنَ عمر يقول: سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "ليأتينّ على الناس يومٌ تشيب فيه الوِلْدان، وتَضَع الحوامل ما في بطونها، وتضرب الطير بأذنابها، وتضع ما في بطونها من شدة ذلك اليوم، ولا ذنب عليها وإن شاهد الزور [لا تقار] (1) قدماه على الأرض حتى يُقْذَفَ به في النار" (2)؛ فإنْ كنْتَ شهدتَ بحقِّ فاتَّقِ اللَّه وأقم على شهادتك، وإنْ كنتَ شهدتَ بباطلٍ فاتَقِ اللَّه وغطِّ رأسك، وأخرُج من ذلك الباب (3) [فغطى الرجل رأسه وخرج من ذلك الباب] (4).
وقال عبد الملك بن عُمير: كنت في مجلس محارب بن دثار، وهو في قضائه، حتى تقدم إليه رجلان، فادعى أحدهما على الآخر حقًا، فأنكره، فقال: ألك بينة؟ فقال: نعم، ادْعُ فلانًا، فقال المُدَّعى عليه: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، واللَّه إن شَهِدَ عليّ ليشهدن بزور، ولئن سألتَنِي (5) عنه لأزكِّينَّه؛ فلما جاء الشاهد قال محارب بن دثار: حدثني عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن الطير لتَضْرِبُ بمناقيرها، وتقذف ما في حَوَاصلها، وتُحرِّك أَذْنابَها من هَوْل يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تقار [قدماه]، (6) على الأرض حتى يُقْذَفَ به في النار"، ثم قال للرجل: بم تشهد؟ قال: كنت "أُشْهِدْتُ" (7) على شهادة وقد أُنسيتها، أرجع فأتذكَّرها (8)، فانصرف ولم يشهد عليه بشيء (9)، ورواه أبو يعلى المَوْصلي في "مسنده" فقال: ثنا محمد بن بَكَّار، ثنا زَافِر، عن أبي علي قال: كنت عند محارب بن دثار، فاختصم إليه رجلان، فشهد على أحدهما شاهد، فقال الرجل: لقد شهد عليّ بزور، ولئن سُئلت عنه لأُزِّكينه (10)، وكان محارب متكئًا فجلس ثم
__________
(1) في (د): "لا يقار"، وكلاهما جائز لغةً وفي (ك): "تقام".
(2) سيأتي تخريجه قريبًا.
(3) سيأتي تخريجه قريبًا.
(4) ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق).
(5) في (ق): "ولئن سألني".
(6) في (و): "قدماء". . .!!
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) في (ق): "قال: ارجع فتذكرها".
(9) سيأتي تخريجه قريبًا.
(10) في المطبوع و (ق): "ليزكيني".
(2/233)

قال: سمعت عبد اللَّه بن عُمر يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تزولُ (1) قدما شاهِدِ الزور من مكانهما حتى يوجب اللَّه له النار"، وللحديث طرقٌ إلى محارب (2).
__________
(1) في (ق): "نزال".
(2) رواه الطبراني في "الأوسط" (رقم 7766)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (4/ 363)، والشجري في "أماليه" (2/ 238)، والمعافى في "الجليس الصالح" (3/ 163)، ووكيع في "أخبار القضاة" (3/ 34) من طريق هارون بن الجهم أبو الجهم، قال: حدثنا عبد الملك بن عُمير، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر مرفوعًا به. وقال العقيلي: "ليس له في حديث عبد الملك بن عمير أصل، وإنما هذا حديث محمد بن الفرات الكوفي، عن محارب بن دثار عن ابن عمر حدثناه الصائغ عن شبابة عن محمد بن الفرات".
وقال عنه الذهبي: منكر؛ انظر "السير" (5/ 218)، و"الميزان" (4/ 282).
وحديث محمد بن الفرات هذا، رواه البخاري في "التاريخ الصغير" (2/ 139)، وفي "الكبير" (1/ 208)، وابن ماجه في "الأحكام" (2373) باب شهادة الزور، وأبو يعلى (5672)، وابن حبان في "المجروحين" (2/ 281)، والعقيلي (4/ 123)، وابن عدي (6/ 2149) وابن أبي الدنيا في "الأهوال" (رقم 39)، والحاكم (4/ 98)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (2/ 403)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 122)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (3/ 249)، وفي "العلل المتناهية" (2/ 761)، و"المقلق" (رقم 36)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي!!
وقال البيهقي: "محمد بن الفرات كوفي ضعيف".
أقول: بل محمد بن الفرات أشد من هذا؛ فقد قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: شيخ كَذَّاب، وذكره الذهبي في "الميزان"، ونقل أقوال العلماء فيه!.
وقال ابن عدي: وهذان الحديثان لا أعلم يرويهما عن محارب غير محمد بن الفرات.
قلت: بل رواهما غيره؛ فرواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (11/ 63)، ووكيع في "أخبار القضاة" (3/ 34)، والمعافى النهرواني في "الجليس الصالح" (3/ 164) من طريق الحسن بن زياد اللؤلؤي، حدثنا أبو حنيفة عن محارب بن دثار عن ابن عمر مرفوعًا، والحسن بن زياد اللؤلؤي ضعيف جدًّا بل كذبوه، وهو من هذا الطريق في "مسند أبي حنيفة" (2/ 288 - 279/ جامع المسانيد). ورواه أبو نعيم في "الحلية" (7/ 264)، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (2/ 761) من طريق محمد بن خليد، قال: حدثنا خلف بن خليفة قال: حدثنا مِسْعر، عن محارب عن ابن عمر به مرفوعًا.
قال ابن الجوزي: محمد بن خليد، قال ابن حبان: يقلب الأخبار ويسند الموقوف لا يحل الاحتجاج به إذا انفرد، أقول: وخلف بن خليفة اختلط.
وانظر "مجمع الزوائد" (4/ 200)، و"اللآلئ المصنوعة" (2/ 450)، و"نهاية البداية"، و"النهاية" لابن كثير (ص 181)، و"السلسلة الضعيفة" (رقم 1259، 1260).
(2/234)

فصل [الحكمة في رد شهادة الكذاب]
وأقوى الأسباب في رد الشهادة والفُتيا والرواية الكذبُ؛ لأنه فسادٌ في نفس آلة الشَّهادة والفتيا والرواية، فهو بمثابة شهادة الأعمى على رؤية الهلال، وشهادة الأصم الذي لا يسمع على إقرار المقر؛ فإن اللسان الكذوب بمنزلة العُضو الذي [قد] (1) تعطل نَفْعُه، بل هو شر منه، فشرُّ ما في المَرْء لِسانٌ كَذوبٌ؛ ولهذا يجعل اللَّه [-سبحانه-] (1) شعارَ الكاذب عليه يوم القيامة، وشعارَ الكاذب على رسوله (2) سَوَاد وجوههم، [والكذبُ له تأثير عظيم في سواد الوجه، ويكسوه بُرْقُعًا من المقْت يراه كلُّ صادق؛ فسيما الكاذب في وجهه] (3) يُنادي عليه (4) لمن له عينان، والصادق يرزقه اللَّه مَهَابة وجَلالة (5)، فمن رآه هابه وأحبه، والكاذب يرزقه إهانة (6) ومَقْتًا، فمن رآه مَقَته واحتقره، وباللَّه التوفيق، [وإليه ننيب] (7).

فصل [رد شهادة المجلود في حد القذف]
وقول أمير المؤمنين -رضي اللَّه عنه- في كتابه: "أو مجلودًا في حد" المراد به القاذفُ إذا حُدَّ للقذف لم تقبل شهادته بعد ذلك، وهذا متفقٌ عليه بين الأمة قبل التوبة (8)، والقرآن نص فيه (9).

[حكم شهادة القاذف بعد التوبة]
وأما إذا تاب، ففي قبول شهادته، قولان مشهوران للعلماء: أحدهما لا تقبل،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في (ق) و (ك): "ينادي عليهم".
(5) في (ق): "حلاوة ومهابة".
(6) في (ق): "يرزقه مهانة" وفي (ك): "يرزقه اللَّه مهانة".
(7) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(8) في (ك): "بين الأئمة قبل التوبة" وانظر عقوبات القاذف في "زاد المعاد" (2/ 113 - 115)، (3/ 210)، و"الحدود والتعزيرات" (ص 224 - 244).
(9) فقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)} [النور: 4].
(2/235)

وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأهل العراق (1)، والثاني تقبل، وهو قول مالك (2) والشافعي (3) وأحمد (4)؛ وقال ابن جُرَيْج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عَبَّاس: شهادةُ الفاسق (5) لا تجوز وإن تاب (6). وقال القاضي إسماعيل: ثنا أبو الوليد: ثنا قيس، عن سالم، عن قيس بن عاصم قال: كان أبو بكرة إذا أتاه رجل يُشهده قال: أشْهِدْ غيري، فإن المسلمين قد فَسَّقُوني. وهذا ثابت عن مجاهد وعكرمة والحسن ومسروق والشعبي، في إحدى الروايتين عنهم، وهو قول شُريح (7).
__________
(1) انظر "مختصر الطحاوي" (332)، "اللباب" (4/ 60) "المبسوط" (16/ 125)، "مختصر القدوري" (107)، "روضة القضاة" (1/ 258)، "شرح أدب القاضي" (4/ 443)، "أدب القضاة" (329) للسروجي، "البناية" (7/ 164)، "أحكام القرآن" (3/ 273) للجصاص، "الكشاف" (3/ 62)، "رؤوس المسائل" (536) كلاهما للزمخشري، "جامع الأسرار" (2/ 327 - 328) للكاكي، "البحر الرائق" (7/ 86)، "تبين الحقائق" (4/ 219)، "درر الحكام" (2/ 378).
(2) "الإشراف" (5/ 58 - بتحقيقي)، "المعونة" (3/ 1537) كلاهما للقاضي عبد الوهاب، "تفسير القرطبي" (12/ 180، 181) "المنتقى" (5/ 207)، "شرح الزرقاني على الموطأ" (3/ 390)، "تبصرة الحكام" (1/ 223)، "تفسير القرطبي" (12/ 180 - 182)، "شرح الزرقاني على مختصر خليل" (8/ 112)، "حاشية الدسوقي" (4/ 73).
(3) "الأم" (7/ 89)، "المهذب" (2/ 331)، "المنهاج" (ص 153)، "مختصر الخلافيات" (5/ 148 رقم 357)، "معرفة السنن والآثار" (14/ 264)، "السنن الكبرى" (10/ 152 - 154)، "أدب القاضي" (1/ 303) لابن القاص، "مغني المحتاج" (4/ 439)، "نهاية المحتاج" (8/ 138)، "فتح الوهاب" (2/ 121) "حاشية البجيرمي على الخطيب" (4/ 385).
(4) "التمهيد" للكلوذاني (2/ 91)، "العدة" (2/ 678) لأبي يعلى، "روضة الناظر" (2/ 185)، "الوصول" (1/ 251) لابن برهان، "المسودة" (156)، "شرح الكوكب المنير" (3/ 312)، "مختصر الطوفي" (112)، "مختصر البعلي" (120)، "قواعد ابن اللحام" (257).
(5) في (ق): "شهادة القاذف".
(6) روى أبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، وابن المنذر وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (رقم 269) عن ابن عباس {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} ثم استثنى {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا}، فتاب اللَّه عليهم من الفسوق، وأما الشهادة فلا تجوز، وذكر نحوه من رواية ابن مردويه، أفاده السيوطي في "الدر المنثور" (6/ 130) وقال ابن حزم في "المحلى" (9/ 431): "روينا من طريق ابن جريج. . . " به.
(7) رواه البيهقي في "سننه" (10/ 152) من طريق قيس عن سالم بهذا الإسناد، لكن وقع عند البيهقي سعيد بن عاصم بدل قيس بن عاصم ولعل الصواب قيس حيث إني لم أجد راويًا اسمه سعيد بن عاصم. =
(2/236)

واحتج أرباب هذا القول بأن اللَّه سبحانه أبَّدَ المنع من قبول شهادتهم (1) بقوله: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4]، وحكم عليهم بالفسق، ثم استثنى التائبين من الفاسقين، وبقي المَنْعُ من قبول الشهادة على إطلاقه وتأبيده.
قالوا: وقد روى أبو جعفر الرَّازي، عن آدم بن فَائِد، عن عَمرو بنَ شُعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام ولا محدودة، ولا ذي غَمْرٍ (2) على أخيه" وله طرق إلى عمرو، ورواه ابن ماجه من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو، ورواه البيهقي من طريق المثنى بن الصَّبَّاح عن عمرو (3)، قالوا: وروى يزيد بن أبي زياد الدِّمشقي، عن الزُّهريّ، عن عُروة، عن عائشة ترفعه: "لا تجوز شهادة خَائنٍ ولا خَائنةٍ، ولا مجلود في حَدٍّ، ولا ذي غَمْر لأخيه، ولا مُجَرَّب عليه [شهادة] (4) زور، ولا ظَنين في ولاء أو
__________
= وسالم المذكور في الإسناد هو ابن عجلان الأفطس من الثقات مات سنة 132، ولم أجد في الرواة من اسمه قيس بن عاصم إلا صحابيًا وسالم لم يدركه قطعًا وقيس المذكور هو قيس بن الربيع فيه كلام -وكأن البيهقي يميل إلى تضعيف الأثر فقد قال بعده: "وهذا إن صح" ثم وجدت المصنف ينقل هذا الأثر عن ابن حزم في "المحلى" (9/ 431) قال: "روينا من طريق إسماعيل بن إسحاق به" وصرح بأن أبا داود هو الطيالسي. وسالم هو الأفطس.
وقول الحسن في عدم قبول شهادة القاذف: رواه عبد الرزاق (15554 و 13572)، عن معمر عن قتادة، أو غيره عن الحسن، وله طريق آخر، أخرجه عبد الرزاق (15555)، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (رقم 273)، وابن جرير (18/ 62)، ورواه أبو عبيد (رقم 272) والبيهقي (10/ 156) من طريق يونس عن الحسن.
وقول شريح: رواه عبد الرزاق (13574، 15553)، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (رقم 270، 271)، ووكيع في "أخبار القضاة" (2/ 284)، وابن جرير في "التفسير" (18/ 62 - ط المعرفة)، والبيهقي (10/ 156).
وقول الشعبي: رواه عبد الرزاق (برقم 15552 و 13576)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 153). وحكاه ابن حزم في "المحلى" (9/ 431) عن المذكورين جميعًا.
(1) في (ن): "شهادة".
(2) "حقد وضغن" (و).
(3) أخرجه أحمد (2/ 181 و 204 و 208 و 225)، وأبو داود (3600 و 3601)، وعبد الرزاق (رقم 15364)، وابن ماجه (2366)، وابن جميع في "معجم الشيوخ" (ص 108)، وابن مردويه في "ثلاثة مجالس من أماليه" (رقم 28)، وابن عدي (6/ 2209)، والدارقطني (4/ 244)، والبيهقي (10/ 155 و 200 و 201)، من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وطرقه كلها ضعيفة ولكن يُقوِّي بعضها بعضًا، وانظر تعليقي على "الموافقات" للشاطبي (4/ 65 - 66).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2/237)

قرابة" (1)، وروى عن سعيد بن المسيب عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلًا.
قالوا: ولأن (2) المنع من قبول شهادته جُعِلَ من تمام عقوبته، ولهذا لا يترتب المنع إلا بعد الحد، فلو قَذفَ ولم يُحَد لم ترد شهادته، ومعلوم أن الحد إنما زاده طُهْرة وخَفَّف عنه إثم القَذْف أو رَفَعه، فهو [بعد الحد خيرٌ منه قبله، ومع هذا فإنما تُرد شهادته بعد الحد] (3)، فردُّها من تَمامِ عقوبته وحَدِّه، وما كان من الحدود ولوازمها فإنه لا يسقط بالتوبة، ولهذا لو تاب القاذف لم تمنع [توبتُه] (4) إقامةَ الحد عليه فكذلك شهادته، وقال سعيد بن جبير: تُقبل توبته فيما بينه وبين اللَّه من العذاب العظيم، ولا تقبل شهادته. وقال شريح: لا تجوز شهادته أبدًا، وتوبته فيما بينه وبين ربه (5).
وسرُّ المسألة أن ردَّ شهادته جُعل عقوبة لهذا الذنب؛ فلا يسقط (6) بالتوبة كالحد.
قال الآخرون، واللفظ للشافعي: والثُّنْيَا (7) في سياق الكلام على أول الكلام وآخره في جميع ما يذهب إليه أهلُ الفقه إلا إن يَفْرِق بين [ذلك] (8) خبر، وأنبأنا ابن عيينة قال: سمعت الزهري يقول: زعم أهلُ العراق أن شهادة المحدود لا تجوز، وأَشْهَد لأَخْبَرني (9) فلانٌ أن عمر قال لأبي بكرة: تُبْ أَقْبَلْ شهادتك، قال سفيان: نسيتُ اسمَ الذي حدث الزهري، فلما قمنا سألت مَنْ حضر، فقال لي
__________
(1) رواه الترمذي (2298)، والدارقطني (4/ 244)، وابن عدي في "الكامل" (7/ 2714) وابن أبي حاتم في "العلل" (1/ 476)، وأبو عبيد في "الغريب" (2/ 153) -ومن طريقه البغوي في "التفسير" (1/ 410 - ط دار الفكر)، وابن حزم في "المحلى" (9/ 416)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (18/ ق 282 - 283)، والبيهقي (10/ 155)، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد الدمشقي، ويزيد يضعف في الحديث، ولا يُعرف هذا الحديث من حديث الزهري إلا من حديثه".
وقال أبو زرعة: "هذا حديث منكر".
وضَعَّفه الدارقطني والبيهقي؛ ولكن بعض طرقه حسنة، وقواه الحافظ في "التلخيص الحبير" (4/ 198)، وانظره في "الغيلانيات" (599).
(2) في (ق): "وكأن".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "يعد بعض الحد".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) انظر "المحلى" (9/ 431، 432) وفي (ك): "وبني اللَّه".
(6) في (ق): "تسقط".
(7) "الثنيا": اسم من الاستثناء (ط).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(9) في (ك): "لأن خبرني".
(2/238)

عَمرو بن قيس: هو سعيد بن المسيب، فقلت لسفيان: فهل (1) شَككَتَ فيما قال لك؟ قال: لا هو سعيد غير شك (2).
قال الشافعي: وكثيرًا ما سمعته يحدث فيُسَمِّي سعيدًا، وكثيرًا ما سمعته يقول: عن سعيد إن شاء اللَّه، وأخبرني [به] (3) من أثق به من أهل المدينة عن ابن شهاب، عن ابن (4) المسيب أن عمر لما جَلَد الثلاثة استتابهم، فرجع اثنان فقبل شهادتهما (5)، وأبى أبو بكرة أن يرجع فرد شهادته (6)، ورواه سُليمان بن كَثير، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيب أن عمر قال لأبي بكرة وشِبْل ونافع: مَنْ تاب منكم قُبِلَت شَهادته (7)، وقال عبد الرزاق: ثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن مَيْسَرة، عن ابن المسيب أن عمر قال للذين شهدوا على المغيرة: توبوا تُقبل شهادتكم، فتاب منهم اثنان وأبى أبو بكرة أن يتوب، فكان عمر لا يقبل شهادته (8).
قالوا: والاستثناء عائد على جميع [ما تقدمه سوى الحد] (9)، فإن المسلمين مجمعون على أنه لا يَسْقُط عن القاذف بالتوبة، وقد قال أئمة اللغة: إن الاستثناء يرجع إلى ما تقدم كله (10). قال أبو عُبيد في "كتاب القضاء": وجماعة أهل
__________
(1) في (ق): "هل".
(2) أخرجه الشافعي في "المسند" (2/ 393 رقم 644، 645 - مع "شفاء العي")، والبيهقي في "السنن" (1/ 152)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 153)، وإسناده صحيح.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ق): "عن سعيد بن المسيب".
(5) في (ق): "شهادتهم".
(6) أخرجه الشافعي في "المسند" (2/ 393 - 394 رقم 646)، وفي سنده مبهم، والقصة لها طرق عديدة، انظر: "الإرواء" (8/ 28 - 30 رقم 2361).
(7) علقه ابن حزم في "المحلى" (9/ 431) من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي نا محمد بن كثير نا سليمان بن كثير به، وانظر الهامش الآتي.
(8) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (برقم: 15550 و 13565) ثنا محمد بن مسلم به.
وأخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (رقم 276) -ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (9/ 431) - ثنا ابن أبي مريم عن محمد بن مسلم به. وإسناده صحيح وانظر "السنن الكبرى" للبيهقي (10/ 152).
(9) في (ن): "ما تقدم إلا الحد"، وفي (ق) و (ك): "ما تقدم سوى الحد".
(10) الجمل المتعاقبة بالواو إذا تعقبها استثناء، هل يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط، أم إلى كل الجمل؟
ذهب إلى الأول: أبو حنيفة، وجمهور أصحابه بشرط أن لا يقوم دليل يفيد التعميم، وذهب إلى الثاني: أصحاب الشافعي، قالوا: "ما لم يخصه دليل" عكس الأحناف، وذهب جماعة إلى الوقف، وجماعة أخرى إلى التفصيل فيها. =
(2/239)

الحجاز ومكة على قبول شهادته؛ وأما أهل العراق فيأخذون بالقول الأول (1) لا تقبل أبدًا، وكلا الفريقين إنما تأولوا القرآن فيما نرى، والذين لا يقبلونها يذهبون إلى أن المعنى انقطع [من] (2) عند قوله: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4] ثم استأنف فقال: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 4] فجعلوا الاستثناء من الفسق خاصة دون الشهادة؛ وأما الآخرون فتأولوا أن الكلام تَبعَ بعضُه بعضًا على نَسَق واحد فقالوا (3): {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} فانتظم الاستثناء كلَّ ما كان قبله.
قال أبو عُبيد: وهذا عندي هو القول المعمول به؛ لأن من قال به أكثر وهو أصح في النَّظَر، ولا يكون القول بالشيء أكثر من الفعل، وليس يختلف المسلمون في الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب (4).
قالوا: وأما ما ذكرتم عن ابن عباس فقد قال الشافعي: بلغني عن ابن عباس أنه وإن يجيز شهادة القاذف إذا تاب (5)، وقال علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} ثم قال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب اللَّه تقبل (6). وقال شَرِيك، عن أبي حَصين، عن الشعبي: يقبل اللَّه توبته ولا يقبلون شهادته (7)؟! وقال مُطَرِّف عنه: إذا فرغ من ضربه فأكذب
__________
= انظرها في: "البرهان" (1/ 288 - 289)، و"الكوكب الدري" (393 - 398)، و"إرشاد الفحول" (ص 150 - 152، المسألة العاشرة)، وفي "الإحكام" (2/ 278 - 280) للآمدي، "والاستغناء في حكم الاستثناء" (ص 657)، و"شرح تنقيح الفصول" (ص 249) كلاهما للقرافي، و"إحكام الفصول" (277)، و"الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (5/ 59 وتعليقي عليه)، و"تفسير القرطبي" (12/ 180 - 181).
(1) في (ق) بعدها: "أنه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) كذا في (ق) و (ك) وفي سائر النسح: "فقال".
(4) نحو المذكور هنا عند أبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ" أيضًا (ص 153 - 154).
(5) قبول ابن عباس لشهادته رواه البيهقي (10/ 153) وابن حزم في "المحلى" (9/ 431) من طريق علي بن أبي طلحة عنه وانظر ما بعده.
(6) رواه ابن جرير الطبري (18/ 79 - 80)، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (رقم 275) والبيهقي في "سننه الكبرى" (10/ 153)، وعزاه في "الدر المنثور" لابن المنذر (6/ 131)، من طريق عبد اللَّه بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي به، وعبد اللَّه بن صالح، ومعاوية فيهما كلام، وعلي بن أبي طلحة أرسل عن ابن عباس ولم يره وله "صحيفة" عنه انظر هذا الخبر فيها (رقم 907).
(7) رواه البيهقي (10/ 153) من هذا الطريق وسنده ضعيف، لضعف شريك وهو القاضي، وأبو حصين هو عثمان بن عاصم من الثقات. =
(2/240)

نفسه ورجع عن قوله قبلت شهادته (1).
قالوا: وأما تلك الآثار التي رويتموها ففيها ضعف؛ فإن آدم بن فائد غير معروف، ورواته عن عمرو (2) قسمان: ثقات، وضعفاء، فالثقات لم يذكر أحدٌ منهم: "أو مجلود في حد" وإنما ذكره الضُّعفاء كالمُثنَّى بن الصَّبَّاح وآدم والحَجَّاج (3)، وحديث عائشة فيه يزيد وهو ضعيف، ولو صحت الأحاديث لحُمِلت على غير التائب، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له (4)، وقد قبل شهادتَه بعد التوبة عمر وابن عباس (5)، ولا يُعلم لهما في الصحابة مخالف.
قالوا: وأعظم موانع الشهادة الكفر والسحر [وقتل النفس] (6) وعقوق الوالدين [والزنا] (7)، ولو تاب من هذه الأشياء قُبلت شهادته اتفاقًا؛ فالتائب من القذف أولى بالقبول.
قالوا: فأين جناية قتله من قذفه؟ قالوا: والحد يَدْرَأ عنه عقوبة الآخرة، وهو طُهْرة له؛ فإن الحدود طهرة لأهلها، فكيف تُقبل شهادته إذا لم يتطهر بالحد وترد [إذا كان] (8) أطهر ما يكون؟ فإنه بالحد والتوبة قد يَطْهُر طُهرًا (9) كاملًا.
قالوا: ورد الشهادة بالقذف إنما هو مستند إلى العلَّة التي ذكرها اللَّه عقيب هذا الحكم، وهي (10) الفسق، وقد ارتفع الفسق بالتوبة، وهو (11) سبب الرد؛ فيجب ارتفاع ما ترتب عليه وهو المنع.
__________
= ورواه عبد الرزاق (13576، 15552)، من طريق الثوري، وأبو عبيد في "الناسخ" (رقم 281) من طريق يزيد بن هارون كلاهما عن إسماعيل عن الشعبي، ورواته ثقات، إسماعيل هذا هو ابن أبي خالد الأحمسي، ثقة ثبت، أخرج له الجماعة. وأخرجه ابن جرير (18/ 60)، وعلقه البخاري في "صحيحه" (3/ 150).
(1) رواه البيهقي (10/ 153).
(2) كذا في (ق)، وهو الصواب، وفي غيرها: "عمر"!!
(3) لكن روايتهم تقوي بعضها بعضًا، وقارن ب "السنن الكبرى" للبيهقي (10/ 155).
(4) سيأتي تخريجه.
(5) قبول عمر شهادته عند عبد الرزاق (15549 و 15550)، وأبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (رقم 276)، وابن حزم (9/ 431)، والبيهقي (10/ 152)، وابن عباس عند أبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (رقم 275) والبيهقي (10/ 153).
(6) في (ق): "والقتل".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(9) ضبطها في (ك) و (ق): "تطهَّر".
(10) في (ق): "وهو".
(11) في (ق): "وهي".
(2/241)

قالوا: والقاذف فاسق بقذفه، حُدَّ أو لم يحد، فكيف تقبل شهادته في حال فسقه وترد شهادته بعد زوال فسقه؟.
قالوا: ولا عهد لتا في الشريعة بذنب واحد أصلًا يُتَاب منه ويَبْقى أَثرُه المترتب عليه من رد الشهادة، وهل هذا إلا خلاف المعهود منها، وخلاف قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"؟ (1) وعند هذا فيقال: تَوْبته من القذف تُنزله منزلة من لم يقذف؛ فيجب قبول شهادته، [أو كما قالوا] (2).
قال المانعون: القذف متضمن للجناية على حَقِّ اللَّه وحق الآدمي، وهو من أوفى الجرائم، فناسب تغليظ الزجر، وردُّ الشهادة من أقوى أسباب الزجر (3)، لما فيه من إيلام القلب والنكاية في النفس، إذ هو عَزْل لولاية لسانه الذي استطال به على عِرْض أخيه، وإبطال لها، ثم هو عقوبة في محل الجناية، فإن الجناية حصلت بلسانه، فكان أولى بالعقوبة فيه، وقد رأينا الشارع قد اعتبر هذا حيث قطع يد السارق، فإنه حد مشروع في محل الجناية؛ ولا يُنْتَقض هذا بأنه لم يجعل عقوبة الزاني بقطع العضو الذي جنى به لوجوه:
أحدها: أنه عضو خفي مستور لا تراه العيون، فلا يحصل الاعتبار المقصود من الحد بقطعه.
الثاني: أن ذلك يفضي إلى إبطال آلات التناسل وإنقطاع النوع الإنساني.
الثالث: أن لذة البدن جميعه بالزنا كلذة العضو المخصوص، فالذي نال البدن (4) من اللذة المُحرَّمة مثل ما نال الفرج، ولهذا كان حد الخمر على جميع البدن.
__________
(1) أخرجه ابن أبي الدنيا في "التوبة" (رقم 85)، -ومن طريقه ابن عساكر في "التوبة" (رقم 9) -، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 154) عن ابن عباس رفعه.
وإسناده ضعيف، فيه سَلْم بن سالم البلخي، وسعيد الحمصي، وضعفه البيهقي؛ وقال الذهبي: "إسناده مظلم"، وانظر "تخريج الإحياء" (5/ 2083).
وفي الباب عن ابن أبي سعيد الأنصاري، عند الطبراني في "الكبير" (22/ 306)، وأبي نعيم في "الحلية" (10/ 398)، وفيه مجاهيل، انظر "المجمع" (10/ 200)، وعن أبي عُتبة الخولاني عند البيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 154)، بإسناده ضعيف.
وانظر -غير مأمور- تخريج "الإحياء" (5/ 2583)، و"السلسلة الضعيفة" (رقم 615، 616).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) في (ق) و (ك): "من أقوى أسبابه".
(4) في (ق) و (ك): "اللسان".
(2/242)

الرابع: أن قطع هذا العضو مُفْضٍ إلى الهلاك، [وغير المحصن لا تستوجب جريمتُه الهلاك] (1)، والمُحْصَن إنما يُناسب (2) جريمته أشنع القتلات، ولا يناسبها قطع بعض أعضائه؛ فافترقا (3).
قالوا: وأما قبول شهادته قبل الحدِّ وردُّها بعده، فلِمَا تقدم أن رد الشهادة جُعِلَ من تمام الحد وتكملته؛ فهو كالصفة والتتمة للحد؛ فلا يتقدم عليه، ولأن إقامة الحد عليه يُنْقِص حاله عند الناس، وتقلّ حرمته، وهو قبل إقامة الحد قائم الحرمة غير منتهكها (4).
قالوا: وأما التائب من الزنا والكفر والقتل، فإنما قبلنا شهادته؛ لأنَّ ردَّها كان نتيجة الفسق، وقد زال، بخلاف مسألتنا فإنا قد بينا أنَّ ردَّها من تتمة الحد، فافترقا.
قال القائلون [بقبولها] (5): تغليظ الزجر لا ضابط له، وقد حصلت مصلحة الزجرِ بالحد، وكذلك سائر الجرائم جعل الشارع مصلحة الزجر عليها بالحد، وإلا فلا تَطْلُق نِساؤُه، ولا يُؤْخَذ مالُه، ولا يُعزل عن مناصبِه، ولا تَسْقط روايته؛ لأنه أغلظ [عليه] (5) في الزجر، وقد أجمع المسلمون على قبول رواية أبي بكرة [-رضي اللَّه عنه-] (6)؛ وتغليظ الزجر من الأوصاف المنتشرة التي لا تنضبط، وقد حصل إيلام القلب والبدن والنكاية في النفس بالضرب الذي أخذ من ظهره؛ وأيضًا فإن رد الشهادة لا ينزجر به أكثر القاذفين، وإنما يتأثر بذلك وينزجر أعيان الناس، وقَلَّ أن يُوجد القذف من أحدهم، وإنما يوجد غالبًا من الرَّعَاع والسَّقط ومَنْ لا يبالي برد شهادته وقبولها؛ وأيضًا فكم من قاذفٍ انقضى عمره وما أدى شهادة عند حاكم، ومصلحة الزجر إنما تكون في منع النفوس مما هي (7) محتاجة إليه، وهو كثير الوقوع منها، ثم هذه المناسبة التي ذكرتموها يعارضها ما هو أقوى منها؛ فإن رد الشهادة أبدًا تلزم منه مفسدة فوات الحقوق على الغير وتعطيل الشهادة في محل الحاجة إليها، ولا يلزم مثل ذلك في القبول؛ فإنه لا مفسدة فيه في حق الغير؛ من عدل تائب (8) قد أصلح ما بينه وبين اللَّه، ولا ريب أن اعتبار مصلحة يلزم منها
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) في (ق): "تناسب".
(3) انظر "الداء والدواء" (ص 160)، و"الحدود والتعزيرات" (ص 97 - 100).
(4) في (ق): "منهكها".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في المطبوع: "إنما تكون بمنع النفوس ما هي".
(8) في (ك): "وتاب" ووقع في (ق): "عدل وتاب فقد أصلح".
(2/243)

مفسدة أولى من اعتبار مصلحة يلزم منها عدة مفاسد في حق الشاهد وحق المشهود له وعليه، والشارع له تَطلُّع إلى حفظ الحقوق على مستحقيها بكل طريق وعدم إضاعتها، فكيف يُبطل حقًا قد شَهد به عَدْلٌ رَضِي (1) مقبول الشهادة على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعلى دينه روايةً وفتوى؟
وأما قولكم: "إن العقوبة تكون في محل الجناية" فهذا غير لازم؛ لما تقدم من عقوبة الشارب والزاني وقد جعل اللَّه سبحانه عقوبة هذه الجريمة على جميع البدن دون اللسان، [وإنما جعل عقوبة اللسان] (2) بسبب الفسق الذي هو محل التهمة، فإذا زال الفسق بالتوبة فلا وجه للعقوبة بعدها (3).
وأما قولكم: "إن رد الشهادة من تمام الحد" فليس كذلك؛ فإن الحد تَمَّ باستيفاء عَدَدِه، وسببه نفس القذف؛ وأما رد الشهادة فحكم آخر أوجبه الفسق بالقذف، لا الحد، فالقذف أوجب حكمين: ثبوت الفسق، وحصول الحد، وهما [حكمان] (4) متغايران.

فصل [رد الشهادة بالتهمة]
وقوله: "أو ظنينًا في ولاء أو قرابة" الظنين: المتَّهم، والشهادة تُردُّ بالتهمة، ودل هذا على أنها لا تُرَدُّ بالقرابة كما ترد (5) بالولاء، وانما ترد [بتهمتهما] (6)، وهذا هو الصواب كما تقدم؛ وقال أبو عبيد: ثنا حَجَّاج، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبي سَبْرة، عن أبي الزِّناد، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن عمر بن الخطاب أنه قال: تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه، إذا كانوا عدولًا، لم يقل اللَّه حين قال: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] إلا والدًا وولدًا وأخًا (7)، هذا لفظه؛ وليس في ذلك عن عمر
__________
(1) في المطبوع: "مرضي".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) انظر: "تهذيب السنن" (3/ 62 - 63)، و"زاد المعاد" (4/ 40)، و"الطرق الحكمية" (ص 4).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في (ق): "كما لا ترد".
(6) في المطبوع: "بتهمتها".
(7) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (15471) وابن حزم في "المحلى" (9/ 415)، من طريق ابن أبي سبرة به، وابن أبي سبرة هذا ضعيف جدًّا وقد اتهم.
وفي (ك): "لا والدًا. . . ".
(2/244)

روايتان، بل إنما مَنعَ من شهادة المتهم في قرابته وولائه (1)؛ وقال أبو عبيد: حدثني يحيى بن بُكَيْر، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حَبيب، أن عمر بن عبد العزيز كتب أنه تجوز شهادة الولد لوالده (2). وقال إسحاق بن راهويه (3): لم تزل قُضَاة الإسلام على هذا، وإنما قُبلَ قولُ الشاهد لِظنِّ صدقه، فإذا كان مُتَّهمًا عارضت التُّهمةُ الظَّنَّ؛ فبقيت البراءة الأصلية [ليس] لها (4) معارض مقاوم.

فصل [شهادة مستور الحال]
وقوله: "فإن اللَّه تبارك وتعالى تولى من العباد (5) السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات" يريد بذلك أن من ظهرت لنا منه علانية خيرٍ قبلنا شهادته ووكلنا سَرِيرَتَه إلى اللَّه [سبحانه] (6)، فإن اللَّه [سبحانه] (7) لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر، بل على الظواهر، والسرائر تبع لها، وأما أحكام الآخرة فعلى السرائر، والظواهر تبع لها.
وقد احتج بعض أهل العراق بقول عمر هذا على قبول شهادة كل مسلم لم تظهر منه ريبة وإن كان مجهول الحال (8)؛ فإنه قال: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض" ثم قال: "فإن (9) اللَّه [تعالى] (7) تَوَّلى من عباده السرائر، وسَتَر عليهم الحدود" ولا يدلُّ كلامه على هذا المذهب، بل قد روى أبو عبيد: ثنا الحَجَّاج، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: [قال] (7) عمر بن الخطاب: لا
__________
(1) في (ك) و (ق): "وولايته".
(2) رواته ثقات لكن ابن لهيعة في روايته ضعف من غير رواية العبادلة عنه وهذه منها، وروى عبد الرزاق في "المصنف" (15475) -ومن طريقه ابن حزم في "المحلّى" (9/ 416) - عن معمر عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الأنصاري قال: "أجاز عمر بن عبد العزيز شهادة الابن لأبيه إذا كان عدلًا".
(3) انظر: "المحلى" (9/ 416) ووقع في (ق): "لم يزل".
(4) ما بين المعقوفتين من (ق) فقط.
(5) في (ن): "العبد".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (و) و (ق) و (ك).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) انظر المجهول وأحكامه في البيوع وغيرها في "بدائع الفوائد" (3/ 209 و 4/ 23، 51)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 164، 167، 176، 177، 178).
(9) في (ق): "إن".
(2/245)

يؤسر (1) أحد في الإسلام بشهداء السوء؛ فإنه لا يقبل إلا العدول (2).
وثنا إسحاق بن علي، عن مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: قال عمر بن الخطاب [-رضي اللَّه عنه-] (3): واللَّه لا [يؤسِرَنَّ] (1) رجل في الإسلام بغير العدول (4).
وثنا إسماعيل بن إبراهيم (5)، عن الجُرَيْري، عن (6) أبي نَضْرة، عن أبي فِراس أن عمر بن الخطاب قال في خطبته: مَنْ أظهر لنا خيرًا ظننا به خيرًا وأحببناه عليه، ومن أظهر لنا شرًا ظننا به شرًا وأبغضناه عليه (7).

[الحد والبيّنة]
وقوله: "وستر عليهم الحدود" يعني المحارم، وهي حدود اللَّه التي نهى عن
__________
(1) في (ك) و (د) و (ط): بدون همز الواو ووقع في (ق): "يوسرن".
وقال (و): "أي: لا يحبس"، وأصله الأسرة، القد، وهو قدر ما يشد به الأسير" اه.
(2) اسناده ضعيف، المسعودي هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتبة، اختلط والحجاج بن محمد الأعور سمع منه بعد الاختلاط، وتوبع، تابعه وكيع، وعنه ابن أبي شيبة في "المصنف" ومن طريقه ابن حزم في "المحلى"، (9/ 394)، والقاسم لم يسمع من عمر، وفي المطبوع: "فإنا لا نقبل إلا العدول".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) رواه مالك في "الموطأ" (2/ 720)، ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 166) من طريق ابن بكير عن مالك به.
وإسناده ضعيف ربيعة هو المعروف بربيعة الرأي، لم يسمع من عمر بن الخطاب.
(5) في (ق): "إسحاق بن إسماعيل بن إبراهيم".
(6) في (ق) و (ك): "وعن".
(7) أبو فراس هذا هو النهدي، لا يُعرف، وقال الحافظ في التقريب: مقبول!.
والجريري اختلط إلا أن إسماعيل بن إبراهيم، هو ابن علية سمع منه قبل الاختلاط. والأثر صحيح، أخرجه البخاري في "صحيحه": كتاب الشهادات: باب الشهداء العدول: (رقم 2641) -ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (9/ 394) - عن عبد اللَّه بن عتبة -رضي اللَّه عنه- قال: "إن أناسًا كانوا يُؤخذون بالوحي في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وإنّ الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمنَّاه وقرَّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء، اللَّه يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نُصَدِّقه، وإنْ قال: إنّ سريرته حسنة"، وفات المزي في "تحفة الأشراف"، وذكره ابن حجر في "النكت الظراف" (8/ 52) وقال: "وأغفله المزي، وهو في جميع الروايات".
(2/246)

قُرْبَانها، والحد يراد به الذنب تارة والعقوبة أخرى (1).
وقوله: "إلا البينات (2) والأَيمان" يريد بالبينات الأدلة والشواهد، فإنه قد صح عنه الحد في الزنا بالحبل (3)، فهو بَيِّنة صادقة، بل هو أصدق من الشهود، وكذلك رائحة الخمر بينة على شربها عند الصحابة وفقهاء [أهل] المدينة [وأكثر فقهاء الحديث] (4).

فصل [الأيمان في كتاب عمر]
وقوله: "والأَيمان" يريد بها أيمان الزوج في اللِّعان، وأيمان أولياء القتيل في القسامة، وهي قائمة مقام البينة (5).

فصل [القول في القياس]
وقوله: "ثم الفَهْم الفهم فيما أُدلي إليك مما (6) وَرَدَ عليك مما ليس في قرآن ولا سنةِ، ثم قَايِس الأمور عند ذلك، واعْرِفْ الأمثال، [ثم اعمد] (7) فيما ترى [إلى] (8) أَحبِّها إلى اللَّه وأشبهها بالحق" هذا أحد [الآثار] (9) ما اعتمد عليه القَيَّاسون في الشريعة (10)، وقالوا: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى، ولم ينكره
__________
(1) انظر "الحدود والتعزيرات" (ص 21 - 26)، للشيخ الفاضل الدكتور بكر أبو زيد -حفظه اللَّه-.
(2) في (ق): "بالبينات".
(3) مضى تخريج ذلك.
(4) انظر: "سنن البيهقي" (8/ 315 - 316)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (6/ 532 - دار الفكر) ومضى تخريج ذلك عنهم، والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.
وما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5) في (ن): "وهي غاية مقام البينة".
(6) في (و): "بما" وسقطت "الفهم" الثانية من (ك).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ن)، وبدله في (ق): "واعتمد".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ن) و (ك).
(9) كذا في (ك) و (ق)، وقال في هامش (ق): "لعله: الأمور" وسقط عن المطبوع، وبدل "ما" في (ك): "التي".
(10) في القياس ومباحثه انظر: "جلاء الأفهام" (388 بتحقيقي)، و"الصواعق المرسلة" (1/ 131 - 132، 132، 187) للمؤلف -رحمه اللَّه-. ووقع في (ق): "التي اعتمد عليها".
(2/247)

أحد من الصحابة، بل كانوا متفقين على القول بالقياس، وهو أحد أصول الشريعة، ولا يستغني عنه فقيه.

[إشارات القرآن إلى القياس]
وقد أرشد اللَّه [تعالى] (1) عباده إليه في غير موضع عن كتابه، فقاس (2) النَّشْأة الثانية على النشأة الأولى في الإمكان، وجعل النشأة الأولى أصلًا والثانية فرعًا عليها؛ وقاس حياة الأموات بعد الموت على حياة الأرض بعد موتها بالنبات؛ وقاس الخلق الجديد الذي أنكره أَعداؤه على خلق السماوات والأرض، وجعله من قياس الأَوْلَى [كما جعل قياس النشاة الثانية على الأُوْلى من قياس الأَوْلى؛ وقاس] (3) الحياة بعد الموت على اليقظة بعد النوم، وضرب الأمثال، وصَرَّفها في الأنواع المختلفة، وكلها أقيسة عقلية يُنبِّه بها عبادَهُ على أن حُكم الشَّيءِ حُكْمُ مثله، فإن الأمثال كلها قِياسات يُعلم منها حكم المُمثَّل عن الممثَّل به؛ وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلًا تتضمن تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحكم.
وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]؛ فالقياس وضرب (4) الأمثال من خاصة العقل، وقد رَكَّز اللَّه في فِطَر الناس وعقولهم التسويَةَ بين المتماثلين وإنكار التفريق بينهما، والفرق بين المختلفين وإنكار الجمع بينهما.

[مدار الاستدلال]
قالوا: ومَدَارُ الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين؛ فإنه إما استدلال بمعين على معين، أو بمعين على عام، أو بعام على عام، [أو بعامٍّ على معيِّنٍ] (5)، فهذه الأربعة هي مَجَامِعُ ضروب الاستدلال.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق) بعدها: "سبحانه".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "وقياس"، وبدل "قاس" في (ك): "وقياس".
(4) في المطبوع: "في ضرب".
(5) في المطبوع: "أو بعام على معين، أو بعام على عام، بتقديم وتأخير" وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/248)

[الاستدلال بالمعيَّن على المعيَّن]
فالاستدلالُ بالمُعيَّن على المعين هو الاستدلال بالملزوم على لازمه، فكلُّ ملزومٍ دليلٌ على لازمه، فإن كان التلازم من الجانبين كان كلٌّ منهما دليلًا على الآخر ومدلولًا له، وهذا النوع ثلاثة أقسام: أحدها: الاستدلال بالمؤثِّر على الأثَر. والثاني: الاستدلال بالأثر على المؤثر. والثالث: الاستدلال بأحد الأثَرَين (1) على الآخر. فالأول كالاستدلال بالنار على الحريق، والثاني كالاستدلال (2) بالحريق على النار، والثالث كالاستدلال (2) بالحريق على الدخان، ومَدَارُ (3) ذلك كله على التلازم، فالتسوية بين المتماثلين، هو الاستدلال بثبوت أحد الأَثَرين على الآخر، وقياسُ الفَرْق هو الاستدلال بانتفاء أحد الأثرين على انتفاء الآخر، أو بانتفاء اللازم على انتفاء ملزومه، فلو جاز التفريقُ بين المتماثلين؛ لانسدَّت طرقُ الاستدلال وغُلِّقت أبوابه.
قالوا: وأما الاستدلال بالمُعيَّن على العام، فلا يتم إلا بالتسوية بين المتماثلين؛ إذ لو جاز الفرقُ لما كان هذا المعينُ دليلًا على الأمر العام المشترك بين الأفراد (4)، ومن هذا أدلة القرآن بتعذيب المعينين الذين عذَّبهم على تكذيب رُسُله وعِصْيان أمره، على أن هذ الحكم عام شامل لكل (5) مَنْ سَلك سبيلهم واتَّصف (6) بصفتهم، وهو سبحانه قد نَبَّه عباده على نفس هذا الاستدلال، وتعدية هذا الخصوص إلى العموم، كما قال تعالى عقيبَ إخباره عن عقوبات الأمم المكذِّبة لرسُلهم وما حَلَّ بهم: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ}؟ [القمر: 43]، فهذا مَحْض تعدية الحكم إلى مَنْ عدا المذكورين بعموم العلة، وإلا (7) فلو لم يكن حُكمُ الشيء حُكمَ مثله لما لزمت التعدية، ولا تمت الحجة؛ ومثلُ هذا قولهُ تعالى عَقيب إخباره عن عقوبة قوم عادٍ حين رأوا العارض في السماء فقالوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} فقال [تعالى] (8): {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ
__________
(1) في (ن): "بإحدى الأثرين"
(2) في (ق): "الاستدلال".
(3) وقع قبلها في (ق): "وعلى الدخان بالحريق".
(4) في (ن): "من الأفراد".
(5) في المطبوع: "على".
(6) في (ق): "أو اتصف".
(7) سقط من (ك) وسقط من (ق): "وإلا" فقط.
(8) سقطت من (ق).
(2/249)

فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)} ثم قال: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأحقاف:24، 26]؛ فتأمل قوله: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ} وكيف تجد المعنى (1) أن حكمكم كحكمهم (2)، وأَنَّا إذا كُنا (1) قد أهلكناهم بمعصية رُسُلنا (3) ولم يدفع عنهم ما مُكّنُوا فيه من أسباب العيش فأنتم كذلك، تسوية بين المتماثلين، وأن هذا مَحْضُ عَدْلِ اللَّه بين عباده.
ومن ذلك قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)} [محمد: 10]، فأخبر أن حُكْمَ الشيء حكمُ مثله.
وكذلك كل موضع أمر اللَّه سبحانه فيه بالسَّيْر في الأرض، سواء كان السير الحسي على الأقدام والدوابِّ، أو السير المعنوي بالتفكر والاعتبار، أو كان اللفظ يَعمُّهما وهو الصواب، فإنه يدلُّ على الاعتبار والحذر أن يحل بالمُخَاطَبين ما حل بأولئك، ولهذا أمر اللَّه سبحانه أولي الأبصار بالاعتبار بما حَلَّ بالمكذبين، ولولا أن حكم النظير حكم نظِيرهِ حتى [تَعْبُر] (4) العقولُ منه إليه لَما حَصَلَ الاعتبار، وقد نفى اللَّه سبحانه عن حُكْمه وحِكْمته التسوية بين المختلفين في الحكم، فقال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)} [القلم: 35، 36]، فأخبر أن هذا حكمٌ باطل في الفِطَر والعقول، لا يليق نسبته إليه سبحانه، وقال [تعالى] (5): {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)} [الجاثية: 21]، وقال [تعالى] (5): {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)} [ص: 28]، أفلا تَرَاه كيف ذَكّرَ العقول ونَبَّه الفِطَر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره، وعدم التسوية بين الشيء (6) ومُخَالِفه في الحكم؟ وكل هذا من الميزان الذي أنزله اللَّه مع كتابه وجَعَله قَرينه ووزيره، فقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [الشورى: 17]، وقال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ
__________
(1) بدله في (ق) و (ك): بياض، وبعده "العقل".
(2) في (ق): "حكمهم".
(3) في (ق): "رسول اللَّه".
(4) في (ك): "المعين".
(5) سقطت من (ق).
(6) في (ك): "الشيئين".
(2/250)

لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]، وقال [تعالى] (1): {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)} [الرحمن: 1، 2]، فهذا الكتاب، ثم قال: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)} [الرحمن: 7]، و [الميزان] (1) يُراد به العَدْلُ والآلة (2) التي يُعْرَفُ بها العدل وما يُضَاده.

[الأولى تسمية القياس بما سَمَّاه اللَّه به]
والقياس الصحيح هو الميزان؛ فالأولى (3) تسميتُه بالاسم الذي سمَّاه اللَّه به، فإنه يدل على العَدْل، وهو اسم مَدْح واجب على كل واحد في كل حال بحسب الإمكان، بخلاف اسم القياس فإنه ينقسم إلى حق وباطل، وممدوح ومذموم، ولهذا لم يجئ في القرآن مَدْحُه ولا ذَمُّه، ولا الأمر به ولا النهي عنه، فإنه مورد تقسم إلى صحيح وفاسد؟.
فالصحيح (4) هو الميزان الذي أنزله مع كتابه.

[أمثلة من القياس الفاسد أشار إليها القرآن]
والفاسد ما يضاده، كقياسِ الذين قاسُوا البيعَ على الربا بجامع (5) ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية، وقياسِ الذين قاسوا المَيْتَةَ على المذكَّى (6) في جَوَاز أكلها بجامع ما يشتركان فيه من إزهاق الروح؛ هذا بسببٍ (7) من الآدميين وهذا بفعل اللَّه؛ ولهذا تجد في كلام السلف ذمَّ القياسِ وأنه ليس من الدِّين، وتجد في كلامهم استعمالَهُ والاستدلالَ به، وهذا حق [وهذا حق] (8) كما سنبينه إن شاء اللَّه تعالى.

[أنواع القياس]
والأقْيِسَةُ المستعملة في الاستدلال [ثلاثة] (9): قياس علة، وقياس دَلالَة، وقياس شَبه، وقد وردت كلها في القرآن.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ن): "الدلالات".
(3) في (ق): "والأولى".
(4) في المطبوع: "والصحيح".
(5) في (ق): "مع".
(6) في (ق): "الذكي".
(7) في (ك) و (ق): "السبب"، وقال في هامش (ق): "لعله: بسبب".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2/251)

فأما قياس العلة؛ فقد جاء في كتاب اللَّه [عز وجل] (1) في مواضع، منها قوله [تعالى] (1): {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (2)} [آل عمران: 59]، فاخبر [تعالى] (1) أن عيسى نظير آدم في التكوين بجامع ما يشتركان فيه من المعنى الذي تَعلَّق به وجود [سائر المخلوقات، وهو مجيئها طَوْعًا لمشيئته (3) وتكوينه، فكيف يَستنكرُ وجودَ عيسى من غير أبٍ مَنْ يُقِرُّ بوجود، (4) آدم من غير أبٍ ولا أُمٍّ؟ ووجود حؤَاء من غير أم؟ فآدم وعيسى عليهما السلام نَظِيرَان يجمعهما المعنى الذي يصحُّ تعليقُ الإيجاد والخلق [به] (1)، ومنها قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ] (5)} [آل عمران: 137]، أي: قد كان (6) من قبلكم أممٌ أمثالكم فانظروا إلى عواقبهم السيئة، واعلموا أن سبب ذلك ما كان من تكذيبهم بآيات اللَّه ورسله، وهم الأصل وأنتم الفرع، والعِلَّةُ الجامعةُ: التَّكذيبُ، والحُكُم: الهلاك (7).
ومنها قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [الأنعام: 6]، فذكر سبحانه (8) إهلاك مَنْ قبلنا من القرون، وبَيَّنَ أن ذلك كان لمعنى القياس (9)، وهو ذنوبهم، فهم الأصل ونحن الفرع، والذُّنوبُ العِلَّةُ الجامِعة، والحكم الهلاك فهذا محض قياس العلة، وقد أكَّده سبحانه بضَرْبٍ من الأوْلى، وهو أن مَنْ قبلنا كانوا أقوى منا فلم تَدفع عنهم قوتُهم وشدتُهم ما حلَّ بهم، ومنه قوله تعالى: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [التوبة: 69]
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ق): "فكان".
(3) في (ن): "كمشيئته"، وفي (ق): "بمشيئته".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) من هنا إلى قوله: "ولهذا كان" ص 255 سقط من (ك).
(6) في "ق" بعدها: "لكم "
(7) في (ن): "والحكم بالهلاك".
(8) في (ن): "فبين سبحانه" ووقع في "ق": "إهلاك من كان قبلنا".
(9) قال في هامش (ق): "للمعنى القياسي".
(2/252)

وقد اختُلِفَ في محل هذه الكاف (1) وما يتعلق به، فقيل: هو رفع خبر مبتدأ محذوف، أي: أنتم كالذين من قبلكم، وقيل: نَصبٌ بفعل محذوف، تقديرُه فعلتم كفعل الذين من قبلكم، والتشبيه على هذين القولين في أعمال الذين من قبل، وقيل: إن التشبيه في العذاب، ثم قيل: العاملُ محذوف، أي لَعَنهم وعَذَّبهم كما لعن الذين من قبل، وقيل: بل العاملُ ما تقدم، أي وعد اللَّه المنافقين كوعد الذين من قبلكم، ولَعَنهم كلعنهم، ولهم عذاب مقيم كالعذاب الذي لهم.
والمقصود أنه سبحانه ألحَقَهم بهم في الوعيد، وسَوَّى بينهم فيه كما تساووا في الأعمال، وكَوْنُهم كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالًا وأولادًا فَرْقٌ غير مؤثِّر، فعلَّق الحكم بالوصف الجامع المؤثر، وألغى (2) الوصفَ الفارق، ثم نَبَّه [سبحانه] (3) على أن مشاركتهم في الأعمال اقتضت مشاركتهم في الجزاء فقال: {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} [التوبة: 69]، فهذه هي العلة المؤثرة والوصف الجامعُ، وقوله: {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} هو الحكم، والذين من قبل هم الأصل، والمخاطَبُون الفرع (4).
قال عبد الرزاق في "تفسيره": ثنا مَعْمَر، عن الحسن في قوله: {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} قال: بدينهم (5). ويروى عن أبي هريرة (6).
وقال ابن عباس: استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا (7). وقال آخرون: بنصيبهم من الدنيا (8).
__________
(1) يقصد بها الكاف الداخلة على الاسم الموصول في قوله تعالى: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}. . . (ط)، وفي المطبوع: "هذا الكاف" ووقع في (ق): "وما تتعلق به".
(2) في (ن): "وألقى".
(3) سقطت من المطبوع.
(4) في (ق): "والخاطبون هم الفرع".
(5) رواه عن الحسن عبد الرزاق في "تفسيره" (2/ 283 - مكتبة الرشد)، والطبري في "تفسيره" (6/ 176)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (6/ 1834 رقم 10504)، وتصحف في المطبوع "إلى بذنبهم"، والتصويب من (ن) ومصادر التخريج.
(6) أخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" (4/ 1834 رقم 10506)، وأبو الشيخ، كما في "الدر المنثور" (4/ 233).
(7) في "الدر المنثور" (3/ 458) عن ابن عباس قال: بذنبهم، عزاه لابن أبي حاتم -وهو في "تفسيره" (4/ 1835 رقم 10509) - وأبي الشيخ.
(8) انظر "تفسير الطبري" (10/ 176)، وعزاه في "الدر المنثور" (3/ 458) لابن أبي حاتم -وهو في "تفسيره" (4/ 1834 رقم 10505) - عن السدي.
(2/253)

[الْخَلَاق]
وحقيقة الأمر أن الخَلَاق هو النصيب والحظُ، كأنه الذي خُلِق للإنسان وقُدِّر له، كما يقال (1): قَسْمه الذي قُسِمَ له، ونصيبه الذي نصب له، أي: أُثبت، وقِطه الذي قُطَّ له، أي قُطِع.
ومنه قوله [تعالى] (2): {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}، وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما يَلْبَسُ الحرير في الدنيا مَنْ لا خَلاق له [في الآخرة] " (3) والآية تتناول ما ذكره السلف كله، فإنه [سبحانه] (2) قال: {كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً} فبتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن يعملوا للدنيا والآخرة، وكذلك الأموال والأولاد، وتلك القوة والأموال والأولاد هي الخَلَاق، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم وأولادهم في الدنيا، ونفس الأعمال التي عملوها بهذه القوة من الخَلَاق الذي استمتعوا به، ولو أرادوا بذلك اللَّه والدارَ الآخرة لكان لهم خَلَاق في الآخرة، فتمتُّعهم بها أخْذُ حظوظهم العاجلة، وهذا حال مَنْ لم يعمل إلا لدنياه، سواء كان [عَمَله من] (4) جنس العبادات أو غيرها، ثم ذكر سبحانه حال الفروع فقال: {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ} فدلَّ هذا على أن حُكمَهم حُكمُهم، وأنه ينالهم ما نالهم؛ لأن حُكْمَ النظير حُكْم نظيرِهِ.
ثم قال: {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} فقيل: الذي صفة لمصدر محذوف، أي: كالخوض الذي خاضوا، وقيل: لموصوف محذوف، أي: كخوض القوم الذي خاضوا (5)، وهو فاعل الخوض، وقيل: {الَّذِي} مصدرية [كما] (6)، أي: كخوضهم، وقيل: هي موضع الذين.
__________
(1) في (ق): "تقول".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) رواه البخاري (886) في (الجمعة): باب يلبس أحسن ما يجد، و (948) في أول العيدين، و (2104) في (البيوع): باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء، و (2612) في (الهبة): باب هدية ما يكره لبسها، و (3054) في (الجهاد والسير): باب التجمل للوفود، و (5841) في (اللباس): باب الحرير للنساء، و (6081) في (الأدب) باب من تجمل للوفود، ومسلم (2068) في (اللباس والزينة): باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، من حديث ابن عمر، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "في".
(5) في (ن): "أي الخوض الذي خاضوا"، وفي "ق": "أي كالفوج الذي خاضوا".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/254)

[أصل كل شر البدع واتباع الهوى]
والمقصود أنه [سبحانه] (1) جمع بين الاستمتاع بالخَلَاق وبين الخوْض بالباطل؛ لأنَّ فساد الدين، إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلم به وهو الخوض، أو يقع في العمل بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق، فالأول: البدَع، والثاني: اتّباع الهوى، وهذان هما أصل كل شر وفتنة [وبلاء] (1)، وبهما كُذَّبَت الرسل، وعُصِي الرب، ودُخِلت النار، وحَلَّت العقوبات، فالأول من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات، ولهذا كان (2) السلف يقولون: [احْذَرُوا من الناس صِنْفَين: صاحبَ هَوًى [فَتَنَه] (3) هواه، وصاحب دنيا أعجبته دنياه.
وكانوا يقولون:] (4) احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مَفْتُون، فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ويعملون بخلافه، وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم.
وفي صفة الإمام أحمد [-رحمه اللَّه (5) -]: عن الدنيا ما كان أصْبَرَه، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته البِدَعُ فنَفَاها، والدنيا فأباها. وهذه حال أئمة المتقين الذين وصفهم اللَّه في كتابه بقوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] فبالصبر تُتْرك الشهوات، وباليقين تُدفع الشبهات، كما قال تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3]، وقوله: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص: 45].
وفي بعض المراسيل: "إنَّ اللَّه يحبُّ البصَرَ الناقد عند ورود الشبهات، ويُحبُّ العَقْلَ الكاملَ عند حلول الشهوات" (6).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) من ص 252 إلى هنا سقط من (ك).
(3) في (و) و (د): "فتنته"!
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) قال ذلك أبو عمير بن النحاس الرملي، أفاده الذهبي في "السير" (11/ 198)، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) رواه القضاعي في "مسند الشهاب" (1080 و 1081)، والبيهقي في "الزهد" رقم (952)، وأبو مطيع في "أماليه"، وأبو مسعود سليمان بن إبراهيم الأصبهاني في "الأربعين" كما في "إتحاف السادة" (10/ 105)، وأبو نعيم في "الحلية" (6/ 199) من طريق هلال بن العلاء، حدثنا أبي، حدثنا عمر بن حفص العبدي عن حوشب، ومطر الوراق، عن الحسن عن عمران بن حصين مرفوعًا به، وفيه زيادة، قال البيهقي: "تفرد به عمر بن حفص".
قلت: وضعَّفه الجمهور، قاله العراقي في "تخريج الإحياء" (4/ 388)، وقال محقق =
(2/255)

فقوله تعالى: {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ} إشارة إلى اتّباع الشهوات وهو داء العصاة، وقوله: {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} إشارة إلى الشبهات وهو داء المبتدِعَةِ وأهل الأهواء والخصومات، وكثيرًا ما يجتمعان، فَقَلَّ من تجده فاسدَ الاعتقاد إلا وفسادُ اعتقاده يَظْهر في عمله (1).
والمقصود أن اللَّه أخبر أن في هذه الأمة مَنْ يستمتع بخَلاقَه كما استمتع الذين من قبلهم (2) بخَلَاقهم، ويخوض كخوضهم، وأنهم لهم من الذم والوعيد كما للذين من قبلهم، ثم حَضهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم فقال: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [التوبة: 70].
فتأمل صحةَ هذا القياس وإفادتَهُ لمن عُلِّقَ عليه من الحكم، وأن الأصل والفرعَ قد تساويا في المعنى الذي عُلّق به العقاب، وأكده كماِ تقدم بضَرْبٍ مِنَ الأَوْلى، وهو شدة القوة وكثرة الأموال والأولاد، فإن (3) لم يتعذَّر على اللَّه عقابُ الأقوى منهم بذَنْبه فكيف يتعذر عليه عقاب مَنْ هو دونه؟
ومنه قوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: 133]، فهذا قياس جَلِيٌّ، يقول سبحانه: إن شئتُ أذهبتُكم واستخلفتُ غيرَكم كما أذهبتُ مَنْ قبلكم (4) واستخلفتكم.

[في الآية أركان القياس الأربعة]
فذكر أركان القياس الأربعة: علة الحكم، وهي عُمومُ مَشيئتهِ وكمالِها، والحكم، وهو إذهابُه بهم (5) وإتيانه بغيرهم، والأصل، وهو مَنْ كان مِن قَبْل، والفرع، وهم المخاطبون.
__________
= "الشهاب": في إسناده عمر بن حفص العبدي، وهو متروك، وفي هلال بن العلاء كلام، أقول: وفي سماع الحسن من عمران نظر. وانظر: "تذكرة الموضوعات" (188).
(1) ونحوه في "الكلام على مسألة السماع" (173)، و"الصواعق المرسلة" (2/ 511) كلاهما للمصنف.
(2) في المطبوع: "قبله".
(3) في (ق): "فإذا".
(4) في (ن): "كما أذهبتُ غيركم من قبلكم" وفي (ق): "كما أهلكت من قبلكم".
(5) في (ق): "لهم".
(2/256)

[عودة إلى أمثلة من القياس في القرآن]
ومنه قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ] (1)} [يونس: 39]، فاخبر أن مَنْ قَبْلَ المُكذِّبين (2) أصلٌ يُعْتبر به، والفرع نفوسهم، فإذا ساووهم في المعنى ساووهم في العاقبة.
ومنه قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) [فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا] (3) وَبِيلًا (16)} [المزمل: 15، 16] فأخبر [سبحانه] (4) أنه أرسل محمدًا [-صلى اللَّه عليه وسلم- لينا] (4) كما أرسل موسى إلى فرعون، وأن فرعون عصى رسوله فأخذه أخذًا وبيلًا، فهكذا مَنْ عصى منكم محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- (5)، وهذا في القرآن كثير جدًّا (6)، فقد فُتح لك بابه.

فصل [قياس الدلالة]
وأما قياس الدَّلَالة فهو الجمع بين الأصل والفَرْعِ بدليل العلة ومَلْزَومها؛ ومنه قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39]، فدَّل [سبحانه] (7) عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحققَّوهُ وشاهَدوه على الإحياء الذي استبعدوه، وذلك قياس إحياءٍ على إحياء، واعتبارُ الشيء بنظيره؛ والعلة الموجِبة هي عموم قدرته [سبحانه] (7)، وكمال حكمته؛ وإحياء الأرض دليل العلة.
ومنه قوله تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} [الروم: 19]، فدلَّ بالنظير على النظير، وقَرَّبَ أحَدَهما من
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "الآية".
(2) العبارة في (ق): "من قبل من المكذبين".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(4) سقطت من (ق).
(5) زاد بعده في (ن): "ومنه قوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} ".
ووقع في (ق): "وأخذه أخذًا وبيلًا".
(6) في (ق): "وهذا كثير في القرآن جدًّا".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/257)

الآخر جدًّا بلفظ الإخراج، أي يَخْرجون (1) من الأرض أحياءً كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.
ومنه قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) [ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39)] (2) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)} [القيامة: 36 - 40].
فبَيّن سبحانه كيفيةَ الخلقِ واختلافَ أحوال الماء في الرحم إلى أن صارَ منه الزوجان الذكر والأنثى، وذلك أمارة وجود صانع قادر على ما يشاء، ونَبَّه سبحانه (3) عباده بما أحْدَثَه في النطفة المَهِينة الحَقِيرة من الأطوار، وسَوْقها في مراتب الكمال من مرتبة إلى [مرتبة] (4) أعلى منها، حتى صارت بَشَرًا سَوِيًا في أحسن خَلْق (5) وتقويم - على أنه لا يحسن به أن يترك هذا البشر سُدَى مُهْمَلًا معطلًا لا يَأمُره ولا يَنْهاه ولا يقيمه في عبوديته، وقد ساقه في مراتب الكمال من حين كان نطفة إلى أن صار بَشَرًا سَويًا، فكذلك يسوقه في مراتب كماله طبقًا بعد طبَق، وحالًا بعد حال، إلى أن يصير جاره في داره، يتمتَّع بأنواع النعيم، وينظر إلى وجهه، ويسمع (6) كلامه.
ومنه قوله سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ] (7) يَشْكُرُونَ (58)} [الأعراف: 57، 58]، فأخبر سبحانه أنهما إحياءان، [وأن] (8) أحدهما معتبر بالآخر مَقِيس عليه، ثم ذكر قياسًا آخر، أنَّ مِن الأرض ما يكون أرضًا طيبةً فإذا أَنزل (9) عليها الماء أخرجتْ نباتَها بإذن ربها، ومنها ما تكون أرضًا خبيثة لا تُخرج نَباتَها إلا نكدًا، أي: قليلًا غير مُنْتَفع به، فهذه إذا أنزل عليها الماء لم تخرج ما أخرجت الأرض الطيبة، فشَبَّه سبحانه الوَحْيَ الذي أنزله من السماء على القلوب بالماء الذي أنزله على الأرض
__________
(1) في (ق): "تخرجون".
(2) في (ق): "إلى قوله".
(3) في (ق): "تعالى".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في (ق): "خلقه".
(6) في (ق): "فيسمع".
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(8) في (ق): "و".
(9) في المطبوع: "أنزلنا" ووقع في (ق): "ومن الأرض ما تكون أرضًا".
(2/258)

بحُصُول الحياة بهذا وهذا، وشَبَّه القلوبَ بالأرض إذ هي محل الأعمال، كما أنَّ الأرض محلُّ النبات، وأنَّ القلبَ الذي لا ينتفع بالوحي ولا يزكو عليه ولا يؤمن به كالأرض التي لا تنتفع بالمطر ولا تخرج نباتها به إلا قليلًا (1) لا ينفع، وأن القلب الذي آمن بالوحي وزَكَا عليه وعمل بما فيه كالأرض التي أخرجت نباتَها بالمطر؛ فالمؤمن إذا سَمعَ القرآن وعَقَله وتَدَبَّرَه بانَ أثرهُ عليه، فشُبِّه بالبَلدِ الطيب الذي يمرعُ ويخصب ويحسن أثر المطر عليه فيُنبت من كل زوج كريم، والمعْرِضُ عن الوحي عَكْسُه، واللَّه الموفق.
ومنه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ] (2) لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5]، يقول سبحانه: إن كنتم في ريب من البعث فلستم ترتابون في أنكم مَخْلُوقون، ولستم ترتابون في مبدأ خَلْقِكم من حال إلى حال إلى حين الموت، والبعث الذي وُعِدْتم به نظير النشأة الأولى، فهما نظيران في الإمكان والوقوع، فإعادتكم [بعد الموت] (3) خَلْقًا جديدًا كالنشأة الأولى التي لا ترتابون فيها، فكيف تنكرون إحدى النشأتين مع مشاهدتكم لنظيرها؟
وقد أعاد سبحانه (4) هذا المعنى وأبْدَاه في كتابه بأوْجَز العبارات، وأدَلِّها، وأفصحها، وأقْطَعها للعُذْر، وألزمها للحجة، كقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) [نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61)] (2) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62)} [الواقعة: 58 - 62]، فدلَّهم بالنشأة الأولى على الثانية، وأنهم لو تذكَّروا لعلموا أن لا فَرْقَ بينهما في تَعلُّق القدرة بكل واحدة منهما، وقد جمع سبحانه بين النشأتين في قوله؛ {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47)} [النجم: 45 - 47] وفي (5) قوله: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً
__________
(1) في (ق): "يخرج نباتها إلا قليلًا".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) زاد هنا في (ك): "ذكر"، والعبارة في (ق): "أعاد سبحانه ذكر هذا المعنى في كتابه وأبداه".
(5) في (ق): "و".
(2/259)

فَخَلَقَ فَسَوَّى (38)} [إلى قوله: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ] (1) الْمَوْتَى} [القيامة: 37 - 40]، وفي قوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ (قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) [الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ] (2) وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83))} [يس: 78 - 83].

[تضمُّن الآيات عشرة أدلة]
فتضمنت هذه الآيات عشرة (3) أدلة: أحدها: قوله: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ} فذَكَّره مبدأ خلقه ليدلَّه به على النشأة الثانية، ثم أخبر أن هذا الجاحِدَ لو ذَكَر خَلْقه لما ضربَ المثلَ، بل لمَّا نسي خَلْقه ضَرَب المثل؛ فَتَحْتَ قوله: {وَنَسِيَ خَلْقَهُ} ألطف جوابِ وأبينُ دليلِ، وهذا كما تقول لمن جَحَدَك أن تكون قد أعطيته شيئًا: فلانُ جَحَدَني الإحسان إليه ونسي الثياب التي عليه والمالَ الذي معه والدارَ التي هو فيها؛ حيث لا يمكنه جَحْدُ أن يكون ذلك منك؛ ثم أجيبَ عن سُؤالِه بما يتضمن أبلغ الدليلِ على ثبوت ما جَحَده فقال: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} فهذا جواب واستدلال قاطع، [ثم أكد] (4) هذا المعنى [بالإخبار] (5)، بعموم عِلْمِهِ بجميع خلقه (6)، فإنَ تعذُّرَ الإعادة عليه إنما يكون لقصور علمه أو قصور في قدرته، ولا قصور في علم مَنْ هو بكل خلق عليم، ولا قدرةَ فوق قدرةِ (7) مَنْ خلق السمواتِ والأرض، وإذا أراد شيئًا، قال (8) له: كنْ فيكون وبيده ملكوت كل شيء، فكيف تَعْجزُ قدرتُه وعلمُه عن إحيائكم بعد مماتكم ولم تعجز (9) عن النشأة الأولى ولا عن خَلْق السموات والأرض؟ ثم أرشد عباده إلى دليل واضح [جلي] (10) متضمن للجواب عن شُبَهِ المنكرين بألطف الوجوه
__________
(1) في (ق): " {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} إلى قوله".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) وبدل ما بين الهلالين في (ق): "إلى آخر السورة".
(3) انظر سبعة منها في "الصواعق المرسلة" (4/ 1225 - 1226) وفيه كلام مسهب رائع حولها أيضًا، انظره (2/ 473 - 477).
(4) في (ق): "فأكد".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ق): "الخلق".
(7) في (ق) و (ك): "ولا في قدرة".
(8) في (ك): "أن يقول له".
(9) في (ق): "يعجز".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ق)
(2/260)

وأبينها وأقربها إلى العقل، فقال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)} فإذن (1) هذا دليل على تمام قدرته وإخراج الأموات من قبورهم كما أخرج النار من [الشجرة الخضراء] (2)، وفي ذلك جوابٌ عن شُبْهةِ من قال من مُنكري المعاد: الموتُ باردٌ يابسَ، والحياة طَبْعها الرطوبة والحرارة، فإذا حَل الموتُ بالجسم لم يمكن أن تحل فيه الحياة بعد ذلك لتضاد ما بينهما، وهذه شبهة تليق بعقول المكذبين الذين لا سَمْعَ لهم ولا عَقْل؛ فإن الحياة لا تجامع الموتَ في المحل الواحد ليلزم ما قالوا، بل إذا أوجَدَ اللَّه فيه الحياة وطَبْعَها ارتَفَع الموتُ وطبعُه، وهذا الشجر الأخضر طبعُه الرطوبة والبرودة تَخرجُ منه النار الحارة اليابسة، ثم ذكر ما هو أوضح للعقول من كل دليل، وهو خَلْق السَّموات والأرض مع عظَمتهما وسَعَتهما وأنه لا نِسبةَ للخلق الضعيف إليهما، و [مَنْ] (3) لم تعجز قدرته وعلمه عن هذا الخلق العظيم الذي هو أكبر من خلق الناس كيف تعجز عن إحيائهم بعد موتهم؟ ثم قَرَّر هذا المعنى بذكر وَصفين من أوصافه مُستلزمين لما أخبر به فقال: {بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} فكونه خَلاقًا عليمًا يقتضي أنه (4) يخلق ما يشاء، ولا يعجزه ما أراده من الخلق، ثم قرر هذا المعنى بأن عموم إرادته وكمالها لا يَقْصر عنه (5) ولا عن شيء أبدًا، فقال: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)} فلا يمكنه الاستعصاء عليه، ولا يتعذر عليه، بل يأتي طائعًا منقادًا لمشيئته وإرادته، ثم زاده تأكيدًا وإيضاحًا [بقوله] (6): {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} فنَّزهَ نفسه عما يَظنُّ (7) به أعداؤه المنكرون للمَعَاد [مُعظِّمًا لها] (8) بأن مُلْك كلِّ شيء بيده يتصرف فيه تصرف المالكِ الحق في مملوكه الذي لا يمكنه الامتناعُ عن أي تصرف شاءه فيه، ثم ختم السورة بقوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} كما أنهم ابتدأوا منه هو فكذلك مَرْجِعُهم إليه، فمنه المبدأ وإليه المَعَاد، وهو الأول والآخر: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: 42].
__________
(1) في (ق) و (ك): "فإن".
(2) في (ك): "من الشجر الأخضر"، ووقع في (ق) بعدها: "أو في".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في المطبوع و (ك): "أن".
(5) في (ك) و (ق): "لا تقصر عن .. . . "، ومكان النقط بياض، وقال في هامش (ق): "لعله: إعادتهم، واللَّه أعلم".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في المطبوع: "نَطَق".
(8) في (ق): "معلمًا".
(2/261)

ومنه قوله تعالى: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا}؟ [مريم: 66، 67]، فتأمل تضمن (1) هذه الكلمات -على اختصارها وإيجازها وبلاغتها- للأصل والفرع والعلة والحكم.
ومنه قوله تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا}؟ [الإسراء: 49]، فردّ عليهم سبحانه ردًّا يتضمن الدليل القاطع على قدرته على إعادتهم خلقًا جديدًا فقال: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء: 50، 51] فلما استبعدوا أن يُعيدهم اللَّه خلقًا جديدًا بعد أن صاروا عظامًا ورفاتًا قيل لهم: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ}، سواء كان الموت أو السماء أو الأرض أو أي خلق [استعظمتموه وكبرُ في صُدوركِم] (2)؛ ومَضْمُونُ الدليل أنكم مَرْبُوبُون مخلوقون مقهورون على ما يشاء خالقكم، وأنتم لا تقدرون على تغيير أحوالكم مِنْ خِلْقَة إلى خِلْقة لا تقبل الإضمحلال كالحجارة والحديد، ومع ذلك فلو كنتم على هذه الخلقة من القوة والشدة لنفذت أحكامي فيكم وقدرتي ومشيئتي، ولم تسبقوني ولم تفوتوني، كما يقول القائل لمن هو في قَبْضَته: اصْعَدْ إلى السماء فإني لاحِقُكَ، أي لو صعدت إلى السماء لِحقتُك، وعلى هذا فمعنى الآية: لو كنتم حجارة أو حديدًا أو أعْظَمَ خلقًا من ذلك؛ لما أعجزتموني ولما فتُّموني (3) وقيل: المعنى كونوا حِجَارة أو حديدًا عند أنفسكم، أي صَوِّروا أنفسكم وقَدِّروها [كذلك] (4) خَلْقًا لا يضمحلُّ ولا ينحل، فإنَّا سنميتكم ثم نحييكم ونعيدكم خلقًا جديدًا، وبَيْن المعنيين فَرْقٌ لَطيف، فإنَّ المعنى الأول يقتضي أنكم لو قَدَرتُم على نَقْل خلقتكم (5) من حالة إلى حالة هي أشد منعها وأقوى لنفذت مشيئتنا وقدرتنا فيكم ولم تعجزونا، فكيف وأنتم عاجزون عن ذلك؟
والمعنى الثاني يقتضي أنكم صوروا أنفسكم وأنزلوها هذه المنزلة، ثم انظروا أتفوتونا وتعجزونا أم قدرتُنا ومشيئتُنا مُحيطة بكم ولو كنتم كذلك؟ وهذا من
__________
(1) سقطت من (ك) و (ق).
(2) في (ق) و (ك): "استعظموه وكبر في صدورهم".
(3) في (ق): "فتوني".
(4) ما بين المعقوفتين من (ق).
(5) في (ن): "خلقكم".
(2/262)

أبلغ البراهين القاطعة التي لا تعرض فيها شبهة البتة، بل لا تَجدُ العقولُ السليمة عن الإذعان والانقياد لها بُدًّا (1)، فلما علم القومُ صحة هذا البرهان وأنه ضروري انتقلوا إلى المطالبة بمن يُعيدهم فقالوا: مَنْ يعيدنا؟ وهذا سواء كان سؤالًا منهم عن تعيين المعيد أو إنكارًا منهم له فهو (2) من أقبح التعنّت وأَبينِه، ولهذا كان جوابه: {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} ولمَّا علم القومُ أن هذا جوابٌ قاطع انتقلوا إلى باب آخر من التعنت، وهو السؤال عن وَقْت هذه الإعادة، فأنْغَضُوا إليه رؤوسهم (3) وقالوا: متى هو؟ فقال تعالى: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} فليتأمل اللبيبُ لُطْفَ موضع (4) هذا الدليل، واستلزامه لمدلوله استلزامًا لا مَحِيدَ عنه، وما تضمنه من السؤالات (5) والجواب عنها أبلغ جواب وأصحه وأوضحه، فلله ما يفوت المعْرضين عن تدبُّر القرآن المتعوضين عنه بزبالة الأذهان ونُخَالة الأفكار (6).
ومنه قوله تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا] (7) وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)} [الحج: 5 - 7]، وقوله [تعالى] (8): {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)} [فصلت: 39]، جعل [اللَّه] (8) سبحانه إحياء الأرض [بالنبات] (8) بعد موتها نظيرَ إحياء الأموات، وإخراج النبات منها نظير إخراجهم من القبور، ودلَّ بالنظير على نظيره.
__________
(1) وقع في (ق): "السليمة بدًا عن الإذعان والانقياد لها".
(2) في (ن): "وهذا"، ووقع في (ق): "فهو أقبح التعنت".
(3) يقال: نغض رأسه، من باب نصر وضرب، أي: تحرك، وأنغضه هو، أي حركه كالمتعجب من الشيء، ومنه قوله تعالى: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ} [الإسراء: 51] " (د)، ونحوه في (ط) و (خ) و (و).
(4) في المطبوع: "موقع".
(5) وقع في (و): "السؤلان"، وفي (ك): "تضمنته من السؤالات".
(6) في (ك): "ونخامة الأفكار" وفي (ق): "ونحاتة" وانظر تفسير الإمام ابن القيم لهذه الآيات في كتابه القيم: "الصواعق المرسلة" (3/ 478 - 480).
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/263)

[في الآيتين دليل على خمسة مطالب]
وجعل ذلك آيةً ودليلًا على خمسة مطالب، أحدها: وجود الصانع، وأنه الحق المبين، وذلك يستلزم إثبات صفات كماله وقدرته وإرادته وحياته وعلمه وحكمته ورحمته وأفعاله. الثانى: أنه يحيي الموتى. الثالث: عمومُ قدرته على كل شيء. الرابع: إتيان الساعة وأنها لا ريب فيها. الخامس: أنه يخرج الموتى من القبور كما يخرج (1) النبات من الأرض.

[لِمَ تكرر الاستدلال بإخراج النبات من الأرض على إخراج الموتى؟]
وقد كَرَّر سبحانه ذكر هذا الدليل في كتابه مرارًا؛ لصحة مقدماته، ووضوح دَلَالته، وقُرْب تَنَاوله، وبُعْده من كل معارضة وشُبْهة، وجَعَلَه تبصرةً وذكرى كما قال تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8)} [ق: 7، 8].

[التذكر]
فالمنيب إلى ربِّه يتذكَّر بذلك، فإذا تذكَّر تبصَّرَ به، فالتذكُّر قبل التبصُّر، وإن قُدِّمَ (2) عليه في اللفظ كما قال [تعالى] (3): {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)} [الأعراف: 201]، والتذكر: تَفَعُّلٌ من الذِّكر، وهو حصول (4) صورة من المذكور في القلب، فإذا استحضره القلبُ وشاهدَهُ على وَجْهه أوْجَبَ له [البصيرة، فابْصَرَ] (5) ما جُعل دليلًا عليه، فكان في حقه تبصرةً وذكرى، والهدى مداره على هذين الأصلين: التَّذكُّر، والتَّبصُّر.

[دعوة الإنسان إلى النظر]
وقد دعا سبحانه الإنسانَ إلى أن ينظر في مبدأ خلقه [ورزقه] (3)، ويستدل بذلك على مَعَاده وصِدْق ما أخبرت به الرسل؛ فقال في الأول: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ
__________
(1) في (د): "أخرج".
(2) زاد هنا في (ك): "فاضلة".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في المطبوع: "صورة المذكور"، وله وجه.
(5) في (ن) و (ك): "الصبر، فالصبر"، وفي (ق): "البصر، فالبصر"، ولعل الصواب ما أثبتناه وهو من المطبوع.
(2/264)

خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) [إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)}] (1) [الطارق: 5 - 9]، فالدافق على بابه، ليس فاعلًا بمعنى مفعول كما يَظُنُه بعضهم، بل هو بمنزلة ماءٍ جارٍ، وواقِفٍ، وساكِن.

[الصُّلب والترائب والنطفة]
ولا خلاف أن المراد بالطلب صلبُ الرجلِ، واخْتُلف في الترائب، فقيل: المراد بها ترائبه أيضًا، وهي عظام الصَّدْر ما بين التَرْقْوة إلى الثَّنْدُوَة (2)، وقيل: المرادُ ترائبُ المرأة، والأول أظهر؛ لأنه سبحانه قال (3): [{يَخْرُجُ] مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7)} [الطارق: 7]، ولم يقل: يخرج من الصُّلْب والتَّرَائب، فلا بد أن يكون ماء الرجل خارجا من بين هذين المحِلَّيْن (4)؛ كما قال في اللَّبن: يخرج {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} [النحل: 66]، وأيضًا فإنه سبحانه أخبر أنه خَلَقه من نطفة في غير موضع، والنطفة هي ماء الرجل، كذلك قال أهل اللغة، قال الجوهري (5): "النطفة الماء الصافي قَلَّ أو كَثُرَ، [والجمع: النطاف] (6)، والنطفة ماء الرجل، والجمع نُطَفُ؛ وأيضًا فإن الذي يُوصَفُ بالدَّفْقِ والنضح (7) إنما هو ماء الرجل، ولا يُقال: نَضَحَت المرأة الماء ولا دَفَقَتْه، والذي أوجَبَ لأصحاب القول الآخر ذلك أنهم رأوا أهلَ اللغة قالوا: الترائب مَوْضِعُ القلادة من الصَّدْر (8)، قال الزَّجَّاج (9): أهلُ اللغة مُجْمِعون على ذلك، وأنشدوا لامرئ القَيْس:
__________
(1) في (ك): إلى قوله: {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10)} وبدل ما بين الهلالين في (ق): "إلى قوله: {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10)} ".
(2) "الثندوة للرجل، الثدي للمرأة" (ط).
قلت: قال في "اللسان" (1/ 510): "لحم الثدي، وقال ابن السكيت: هي الثندوة للحم الذي حول الثدي، غير مهموز" اه.
(3) في (ق): "لأنه قال تعالى" وما بين المعقوفتين بعدها سقط من (ق).
(4) في المطبوع و (ك): "المختلفين".
(5) انظر: "الصحاح" (4/ 1434 - ط: دار العلم للملايين)، وما بين المعقوفتين منه.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ق): "والفضخ".
(8) انظر: "لسان العرب" (1/ 230) لابن منظور، و"تحفة المودود" للمصنف (239)؛ فذكر نحو ما هنا.
(9) في "معاني القرآن وإعرابه" (5/ 312).
(2/265)

مُهفْهَفَةٌ بَيْضَاءُ غَيْرُ مُفَاضَةٍ ... تَرَائبُهَا مَصْقُولَة كَالسَّجَنْجَلِ (1)
وهذا لا (2) يدلّ على اختصاص الترائب بالمرأة، بل يُطْلَق على الرجل والمرأة، قال الجوهري: التَّرَائب عِظَامُ الصدر ما بين التَّرْقُوة إلى الثنَّدُوة (3).
وقوله: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8)} الصحيح أن الضمير يرجع على الإنسان (4) أي: إن اللَّه على ردِّه [إليه لقادر يوم القيامة] (5)، وهو اليوم الذي تُبْلَى فيه السرائر، ومَنْ قال: "إن الضمير يرجع إلى (6) الماء أي: إن اللَّه على رَجْعه في الإحليل أو في الصَّدر أو حَبْسه عن الخروج لقادر" فقد أبْعَد، وإن كان اللَّه [سبحانه] (7) قادرًا على ذلك، ولكن السياق ياباه، وطريقه القرآن -وهي (8) الاستدلالُ بالمبدأ والنشأة الأولى على المعَاد والرجوع إليه- وأيضًا فإنه قَيَّده بالظرف، وهو: "يوم تُبلى السرائر".

[عود إلى الدعوة إلى النظر]
والمقصود أنه سبحانه دعا الإنسان أن ينظر في مَبْدَأ خلقه ورزقه، فإن ذلك يدلُّه دلالةً ظاهرة على مَعَاده ورجوعه إلى ربه.
وقال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ
__________
(1) قال (ط): "البيت رقم 31 من معلقة امرئ القيس".
قلت: انظر "شرح المعلقات السبع" (27) لأبي عبد اللَّه الحسين الزوزني، قال (و): "المهفهفة: اللطيفة الخصر، الضامرة البطن، و"المفاضة": المرأة العظيمة البطن، المسترخية اللحم، و"الترائب": جمع التريبة: وهي موضع القلادة من الصدر، و"السقل والصقل": إزالة الصدأ، والدنس وغيرهما، و"السجنجل": المرآة لغة رومية، عربتها العرب، وقيل: بل هو قطع الذهب والفضة، يقول: هي امرأة دقيقة الخصر، ضامرة البطن، وغير عظيمة البطن، ولا مسترخيته، وصدرها براق اللون، متلألئ الصفا تلألؤ المرآة، (الزوزني في شرح المعلقات) "، ونحوه في (د) و (ط) و (ح).
(2) سقطت من (ك).
(3) انظر: "الصحاح" (1/ 91 - ط: دار العلم للملايين) للجوهري، ووقع في (ق): "الترقوة والثندوة".
(4) أفاض المصنف في كتابه: "التبيان في أحكام القرآن" (100 - 108) في تصويب هذا القول، وذكر عشرة أوجه تدل عليه.
(5) في (ق) و (ك): "يوم القيامة إليه لقادر".
(6) في المطبوع: "يرجع على".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (ق): "وطريقة القرآن هي".
(2/266)

شَقًّا (26) [فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا] (1) (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31)} [عبس: 24 - 31]؛ فجعل سبحانه نَظَره في إخراج طعامه من الأرض دليلًا على إخراجه هو منها بعد موته، استدلالًا بالنظير على النظير.
ومن ذلك قوله سبحانه ردًا (2) على الذين [قالوا: {(وَقَالُوا)] (3) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49)} [الإسراء: 49]، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [الإسراء: 99]، أي: مثلَ هؤلاءِ المكذِّبين، والمراد به النشأة [الثانية] (4)، وهي الخلق الجديد، وهي المثل المذكور في غير موضع، وهم [هم] (4) بأعيانهم، فلا تنافي في شيء من ذلك، [بل هو الحق] (5) الذي دل عليه العقل والسَّمْع، ومَنْ لم يفهم ذلك حَق فهمه تخبَّطَ عليه أمرُ المعاد، وبقي منه في أمر مَرِيج؛ والمقصودُ أنه دَلَّهم [سبحانه] (6) بخلق السموات والأرض على الإعادة والبَعث، وأكد هذا القياسَ بضرب من الأَوْلى، وهو أن خلق السَّموات والأرض أكْبرُ من خلق الناس، فالقادر على خلق ما هو أكبر وأعظم منكم أقْدَر على خلقكم، وليس أول الخلق بأهْوَنَ عليه من إعادته، فليس مع المكذبين بالقيامة إلا مجردُ تكذيب اللَّه ورُسُله وتعجيز قدرته، ونسبة علمه إلى القصور، والقدح في حكمته؛ ولهذا يخبر [اللَّه] (6) سبحانه عمن أنكر ذلك بأنه كافر بربه (7)، جاحد له، لم يُقِرَّ بربِّ العالمين فاطِرِ السموات والأرض (8) كما قال تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} [الرعد: 5]، وقال المؤمن للكافر الذي قال: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا (9) مُنْقَلَبًا (36)} [الكهف: 36]؛ فقال له: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37)} [الكهف: 37]، فمنكر المعاد كافر برب العالمين وإن زعم أنه مُقِر به.
ومنه قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(2) في (ك): "رادًا".
(3) بياض في (ك) وفى الهامش: "لعله: أنكروا البعث" وما بين الهلالين سقط من (ق).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5) في (ق) و (ك): "بالحق".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ق): "به".
(8) انظر: "بدائع التفسير" (3/ 82 - 83).
(9) "منها: الضمير يعود على الجنة، وقرأ نافع والشامي وابن كثير "منهما" أي: من الجنتين" (ط) و (خ).
(2/267)

النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} [العنكبوت: 20]، يقول تعالى: انظروا كيف بَدأتُ (1) الخَلْقَ؛ فاعتبروا الإعادة بالابتداء، ومنه قوله [تعالى] (2): {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19)} [الروم: 19] (3)، وقوله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا] (4) إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50)} [الروم: 50].
وقوله: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) [وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا] (5) كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)} [ق: 9 - 11]، وقال [تعالى] (2): {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا} (6) [الأنبياء: 104]، والسِّجِّل: الورق المكتوب فيه، والكتاب: نفس المكتوب (7)، واللام بمنزلة على، أي: نطوي السماء كطيّ الدَّرْج (8) على ما فيه من السطور المكتوبة، ثم استدل على النظير بالنظير فقال: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا}.

فصل [قياس الشبه وأمثلة له]
وأما قياس الشبه فلم يحكه اللَّه سبحانه إلا عن المُبطلين؛ فمنه قوله تعالى إخبارًا عن إخوة يوسف أنهم قالوا لما وجدوا الصُّوَاع (9) في رَحْل أخيهم: {إِنْ
__________
(1) في (ق): "بدأ".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) قال ابن القيم -رحمه اللَّه- فيما يأتي: "فدل بالنظير على النظير، وقرب أحدهما من الآخر جدًّا بلفظ الأخراج، أي: يخرجون من الأرض أحياء؛ كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي"، وانظر: "بدائع التفسير" (3/ 389 دار ابن الجوزي).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك)، ووقع في (ق): "ومنه قوله" بدل "وقوله تعالى".
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(6) "الكتاب: هو المكتوب، وقد قرأ حمزة وحفص والكسائي: "للكتب" (ط) و (ح).
قلت: قال ابن الجزري -رحمه اللَّه-: "واختلفوا في (السجل للكتاب)؛ فقرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص (للكُتُب) بضم الكاف والتاء من غير ألف على الجمع، وقرأ الباقون بكسر الكاف وفتح التاء مع الألف على الإفراد" اه. انظر: "النشر في القراءات العشر" (2/ 325 - ط دار الكتب العلمية).
(7) في (ك): "المكتوبات".
(8) في (ك) و (ق): "السجل"
(9) في (ق) و (ك): "المتاع".
(2/268)

يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 77]، فلم يجمعوا بين الأصل والفرع بعلة ولا دليلها، وإنما ألحقوا أحدهما بالآخر من غير دليل جامع سوى مُجَرَّد الشَّبَه الجامع بينه وبين يوسف، فقالوا: هذا مقيس على أخيه، بينهما شبه من وجوه عديدة، وذاك قد سرق فكذلك هذا، وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ، والقياس بالصورة (1) المجردة عن العلة المقتضية (2) للتساوي، وهو قياس فاسد، والتساوي في قرابة الأخوة ليس بعلة للتساوي في السرقة لو كان (3) حقًا، ولا دليل على التساوي فيها؛ فيكون الجمع لنوع شبه خالٍ عن العلة ودليلها.
ومنه قوله تعالى إخبارًا عن الكفار [أنهم قالوا] (4): {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} فاعتبروا مجرد صورة (5) الآدمية وشبه المجانسة، واستدلوا بذلك على أن حكم أحد الشبهين حكم الآخر؛ فكما لا نكون نحن رسلًا فكذلك أنتم، فإذا تساوينا في هذا الشبه فأنتم مثلنا لا مزية لكم علينا، وهذا من أبطل القياس؛ فإن الواقع من التخصيص والتفضيل جعل (6) بعض هذا النوع شريفًا وبعضه دنيًا (7)، وبعضه مرؤوسًا وبعضه رئيسًا، وبعضه ملكًا وبعضه سوقة، يبطل هذا القياس، كما أشار سبحانه إلى ذلك في قوله: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] (4)} [الزخرف: 32].
وأجابت الرسل عن هذا السؤال بقولهم: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11]، وأجاب اللَّه [سبحانه] (4) عنه بقوله: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]، وكذلك قوله [سبحانه] (4): {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34)} [المؤمنون: 33، 34]، فاعتبروا المساواة في البشرية وما هو من خصائصها من الأكل والشرب، وهذا مجرد (8) قياس شبه وجمع صوري، ونظير
__________
(1) في (ق) و (ك): "بالضرورة".
(2) في (ن) و (ك): "المفضية".
(3) في (ق): "كانت".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) في المطبوع: "صورة مجرد" بتقديم وتأخير، ووقع في (ق): "وشبه المجانسة فيها".
(6) في المطبوع: "وجعل".
(7) في (ن): "وضيعًا".
(8) سقطت من (ك).
(2/269)

هذا قوله (1): {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} [التغابن: 6].
ومن هذا قياس المشركين الربا على البيع بمجرد الشبه الصوري، ومنه قياسهم الميتة على الذَّكيّ في إباحة الأكل بمجرد الشبه.
وبالجملة فلم يجئ هذا القياس في القرآن إلا مردودًا مذمومًا، ومن ذلك قوله [تعالى] (2): {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 194، 195]، فبين سبحانه (3) أن هذه الأصنام أشباح وصور خالية عن صفات الإلهية، وأن المعنى المعتبر معدوم فيها، وأنها لو دعيت لم تجب؛ فهي صور خالية عن أوصاف ومعان تقتضي عبادتها، وزاد هذا تقريرًا بقوله: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 195]، أي أن جميع ما لهذه (4) الأصنام من الأعضاء التي نحَتتْها أيديكم إنما هي صور عاطلة عن حقائقها وصفاتها؛ لأن المعنى المراد المختص بالرِّجلِ هو مَشْيُها، وهو معدوم في هذه الرجل؛ والمعنى المختص باليد هو بطشها وهو معدوم في هذه اليد؛ والمراد بالعين إبصارها وهو معدوم في هذه العين؛ ومن الأُذن سَمْعُها وهو معدوم فيها، والصور في ذلك كله ثابتة موجودة، وكلها فارغة خالية عن الأوصاف والمعاني، فاستوى وجودها وعدمها، وهذا كله مدحض لقياس الشبه الخالي عن العلة المؤثرة والوصف المُقْتضي للحكم، واللَّه أعلم (5).

فصل [ضرب الأمثال في القرآن والحكمة فيه]
ومن هذا ما وقع في القرآن من الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون؛ فإنها تشبيه شيء بشيء في حكمه (6)، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر، واعتبار أحدهما بالآخر، كقوله تعالى في حق المنافقين: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ
__________
(1) في (ق) بعدها: "تعالى".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3) في (ق): "تعالى".
(4) في (ق) و (ك): "جميع مثال هذه".
(5) انظر: "الصواعق المرسلة" (3/ 915).
(6) في (ك): "حكمته".
(2/270)

ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)}] [البقرة: 17، 18] (1) إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)} [البقرة: 20]، فضرب للمنافقين بحسب حالهم مَثَلين: مثلًا ناريًا، ومثلًا مائيًا، لما في النار والماء من الإضاءة (2) والإشراق والحياة؛ فإن النار مادة النور، والماء مادة الحياة، وقد جعل اللَّه الوحي الذي أنزله (3) من السماء متضمنًا لحياة القلوب واستنارتها، ولهذا سماه روحًا ونورًا، وجعل قَابِلِيه أحياءَ في النور، ومن لم يرفع به رأسًا أمواتًا في الظلمات، وأخبر عن حال المنافقين بالنسبة إلى حظهم من الوحي أنهم (4) بمنزلة من استوقد نارًا لتضيء له وينتفع بها، وهذا لأنهم دخلوا في الإسلام فاستضاؤا به، وانتفعوا به، وآمنوا به، وخالطوا المسلمين (5)، ولكن لما لم يكن لصحبتهم مادة من قلوبهم من نور الإسلام طفئ عنهم، وذهب اللَّه بنورهم، ولم يقل بنارهم؛ فإن النار فيها الإضاءة والإحراق، فذهب اللَّه بما فيها من الإضاءة، وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق، وتركهم في ظلمات لا يبصرون، فهذا حال من أبصر ثم عَمي، وعَرف ثم أنكر، ودخل في الإسلام ثم فارقه بقلبه، فهو لا يرجع إليه؛ ولهذا قال: {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)} ثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي (6)، فشبههم بأصحاب صَيِّب -وهو المطر الذي يَصوب، أي؛ ينزل من السماء- فيه (7) ظلمات ورعد وبرق، فلضعف بصائرهم (8)، وعقولهم اشتدت عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده وأوامره ونواهيه وخطابه الذي يشبه الصواعق، فحالهم كحال من أصابه مطر فيه ظلمة ورعد وبرق، فلضعفه وخوره جعل أصبعيه في أذنيه، وغمض عينيه خشية من صاعقة تصيبه (9).
__________
(1) "وتمام الآيات: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} (ط)، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) في (ن): "من الإحياء".
(3) في (ق): "أنزل".
(4) في المطبوع: "وأنهم".
(5) في (ق) و (ن): "وخالفوا المسلمين". وقال في هامش (ق): "لعله: وخالطوا" وقوله: "آمنوا به" سقطت من (ك) و (ق).
(6) في (ك): "الثاني".
(7) في (ق): "وفيه".
(8) في (ق) و (ك): "أبصارهم".
(9) انظر كلام ابن القيم -رحمه اللَّه- حول تفسير هذه الآيات بتوسع أكثر من هذا في كتابه الفذ: "اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص 12 - 16، الطبعة الهندية)، و"الوابل الصيب" (ص 68 - 72 تحقيق الأرناؤوط)، و"شفاء العليل" (ص 96).
(2/271)

[مخانيث الجهمية والمبتدعة]
وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيرًا من مخانيث تلاميذ الجهمية والمبتدعة (1) إذا سمعوا شيئًا من آيات الصفات وأحاديث الصفات المنافية لبدعتهم رأيتهم عنها معرضين. {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)} [المدثر: 50، 51] ويقول مخنثهم (2): سُدُّوا عنا هذا الباب، واقرؤوا شيئًا غير هذا، وترى قلوبهم مولية وهم يجمحون؛ لثقل معرفة الرب سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته على عقولهم وقلوبهم (3)، وكذلك المشركون على اختلاف شركهم، إذا جُرِّدَ لهم التوحيد وتُليت عليهم النصوص (4) المُبطلة لشركهم اشمأزت قلوبهم، وثقلت عليهم (5)، ولو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم لفعلوا، وكذلك (6) تجد أعداء أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، إذا سمعوا نصوص الثناء [على الخلفاء] (7) الراشدين وصحابة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثقل ذلك عليهم جدًّا، وأنكرته قلوبهم؛ وهذا كله شَبَه ظاهر، ومَثَل مُحقَّق من إخوانهم من المنافقين في المثل الذي ضربه اللَّه لهم [بالماء] (8) فإنهم لمّا تشابهت قلوبهم تشابهت أعمالهم [نسال اللَّه العفو والعافية] (9).
__________
(1) في (ن) و (ق): "تلاميذ دين الجهمية والمبتدعة"، وفي (ك): "دين تلاميذ. . . ".
(2) في (ق): "مجيبهم"، وفي (ك): "محسنهم".
(3) قال (ط): "لقد حرص ابن القيم على إثبات أن للَّه صفات لا تحصى، وقد دفعه ذلك إلى التوسط، حتى قال بقيام الحوادث بذاته -تعالى-، انظر تفصيل ذلك في "مدارج السالكين"، وفي "ابن قيم الجوزية" للدكتور عبد العظيم شرف الدين اه.
قال أبو عبيدة: وكلام ابن القيم -وشيخه ابن تيمة من قبل- في مسائل الصفات هو مذهب السلف الصالح، وجزاهما اللَّه خيرًا، فإنهما نصرا الحق في هذا الباب، وكشفا اللثام عن شبه أهل الزيغ والبدع والطغام، ولم يبق لمنصف بعدهما كلام، أما بالنسبة إلى قيام الحوادث بالذات، فانظر كتابنا "الردود والتعقبات" (ص 73 وما بعد)، و"موقف ابن تيمية من الأشاعرة" (3/ 1053).
وانظر: "الرد على المنطقيين" (ص 463 - 464)، و"درء تعارض العقل والنقل" (10/ 17)، و"مجموع الفتاوى" (16/ 304) جميعها لابن تيمة، ووقع في (ق): "على قلوبهم وعقولهم".
(4) في (ك) و (ق): "نصوصه".
(5) في (ق) و (ن) و (ك): "وثقل عليهم".
(6) في المطبوع: "ولذلك".
(7) في (ن): "عليهم".
(8) في (ق): "الذي ضرب اللَّه لهم".
(9) ما بين المعقوفتين من (ق).
(2/272)

فصل [المثل المائي والناري في حق المؤمنين]
وقد ذكر اللَّه المثلين المائي والنَّاري في سورة الرعد، ولكن في حق المؤمنين؛ فقال [تعالى] (1): {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ [ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ] (2) كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)} [الرعد: 17]، فشبه [سبحانه] (3) الوحي الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات، وشبه القلوب بالأودية، فقلب كبير يسع علمًا عظيمًا كواد كبير يسع ماءً كثيرًا، وقلب صغير إنما يسع بحسبه كالوادي الصغير، فسالت أودية بقدرها، واحتملت قلوب من الهدى والعلم بقدرها؛ وكما أن السيل إذا خالط الأرض ومرَّ عليها احتمل غثاءً وزبدًا فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوبَ أثار ما فيها من الشَّهوات والشُّبهات ليَقْلَعَها ويُذهبها، كما يثير الدواءُ وقتَ شُرْبه من البدن أخلاطَه [فيتكدَّر بها شاربه] (4)، وهي من تمام نفع الدواء، فإنه أثارها ليذهَب بها، فإنه لا يجامعها ولا يساكنها (5)؛ وهكذا يضرب اللَّه الحق والباطل.
ثم ذكر المثل الناري فقال: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} وهو الخَبَثُ الذي يخرج عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد فتُخرجُه النار وتميِّزه وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به فيُرمى ويُطرح ويذهب جُفاءً؛ فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها كما يطرح السيل والنار ذلك الزَّبدَ والغُثاءَ والخبث، ويستقر في قرار الوادي الماءُ الصَّافي الذي يستقي منه الناسُ ويزرعون ويسقون أنعامهم، كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمانُ الخالصُ الصَّافي الذي يَنفع صاحبه ويَنْتفع به غيره؛ ومن لم
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) بدلها في (ق): "إلى قوله".
(3) في المطبوع: "شبه الوحي".
(4) في (ن): "فسكرت بها مجاريه"، وفي (ق) و (ك): "فيتكرب بها شاربه".
(5) في المطبوع: "ولا يشاركها".
(2/273)

يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما ولعرف ما يُراد منهما فليس من أهلهما، واللَّه الموفق (1).

فصل [مثل الحياة الدنيا]
ومنها قوله: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ [حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ] (2) كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)} [يونس: 24]، شبَّه سبحانه الحياة الدنيا بأنها (3) تتزين في عين الناظر [فتروقُه] (4) بزينتها وتُعجبه فيميل إليها ويهواها اغترارًا منه بها، حتى إذا ظنَّ أنه مالك لها قادر عليها سلبها بغتة أحوج ما كان إليها، وحيل بينه وبينها، فشَبَّهها بالأرض التي ينزل الغيث عليها فتَعْشُب ويحسنُ نباتُها ويروق منظرها للناظر، فيغتزُ بها، ويظن أنه قادرٌ عليها، مالكٌ لها، فيأتيها أمر اللَّه فتدرك نباتَها الآفةُ بغتةَ، فتصبح كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنه، وتصبح يداه صفرًا (5) منها؛ فهكذا حال الدنيا والواثق بها سواء؛ وهذا من أبلغ التشبيه والقياس، ولما كانت الدنيا عرضة لهذه الآفات، والجنة سليمة [منها] (6) قال: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} فسماها هنا (7) دار السلام لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا، فعمَّ بالدعوة إليها، وخصَّ بالهداية مَنْ يشاء، فذاك عدله وهذا فضله.
__________
(1) انظر تفسير الإمام ابن القيم -رحمه اللَّه- لهذه الآية في "مفتاح دار السعادة" (ص 66 - 67)، و"طريق الهجرتين" (ص 98)، و"الوابل الصيب" (ص 82 - 78 - بتحقيق الأرناؤوط).
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(3) في المطبوع: "في أنها"، وفي (ك) و (ق): "أنها".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من مضروب عليه في (ن).
(5) في (ك): "صفراء".
(6) في (ن): "والجنة مسلمة منها". وفي (ك): "والجنة سليمة". وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) في (ن) و (ق) و (ك): "ههنا".
(2/274)

فصل [مثل المؤمنين والكافرين]
ومنها قوله [تعالى] (1): {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)} [هود: 24]؛ فإنه [سبحانه] (1) ذكر الكفار، ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، ثم ذكر المؤمنين، ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات (2) إلى ربهم، فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن، وجعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم عن سماعه؛ فشُبِّه بمن بصره (3) أعمى عن رؤية الأشياء، وسمعه أصم عن سماع الأصوات، والفريق الآخر بصير القلب سميعه، كبصير العين وسميع الأذن؛ فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين، ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا}.

[مثل الذين اتخذوا الأولياء]
ومنها قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] فذكر سبحانه أنهم ضعفاء، وأن الذين [اتخذوهم أولياءَهم] (4) أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتًا، وهو أوهن البيوت وأضعفها؛ وتحت هذا المثل أن [هؤلاء] (5) المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون اللَّه أولياء فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا، كما قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)} [مريم: 81، 82]، وقال [تعالى] (5): {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ [وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ] (6)} [يس: 74، 75]، وقال بعد أن ذكر إهلاك الأمم المشركين: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) "الإخبات": الخشوع (ط).
(3) في (ن): "شبه عن بصره".
(4) بدل ما في المعقوفتين في (ك): "أتخذهم أولياءهم" وفي (ق): "اتخذوهم أولياء".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) بدلها في (ق): "الآية".
(2/275)

ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} (1) [هود: 101].

[من اتخذ أولياء من دون اللَّه أشرك]
فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من دون اللَّه وليًا يتعزَّز به ويتكبّر (2) به ويستنصر به لم يحصل له به إلا ضد مقصوده، وفي القرآن أكثر من ذلك، وهذا من أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك وخسارة صاحبه وحصوله على ضدِّ مقصوده.
فإن قيل: فهم يعلمون أنّ أوهن البيوت بيت العنكبوت، فكيف نَفى عنهم علم ذلك بقوله: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.
فالجواب: أنه [سبحانه] (3) لم ينف عنهم علمهم بوهن بيت العنكبوت، وإنما نفى عنهم علمهم بأن اتخاذهم أولياء من دونه كالعنكبوت اتخذت بيتًا، فلو علموا ذلك لما فعلوه، ولكن ظنوا أن اتخاذهم الأولياء من دونه يفيدهم عزًا وقوة (4)، فكان الأمر بخلاف ما ظنُّوه، [ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم] (5).

فصل [تمثيل أعمال الكافرين بالسَّراب]
ومنها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ [إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ] (6)} [النور: 39، 40].
__________
(1) "التتبيب": الخسران والهلاك (ط).
(2) في (ك): "يتكثر" والعبارة في (ق): "يتعزر به ويتكثر".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في المطبوع: "وقدرة" ووقع في (ق): "تفيدهم".
(5) ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(6) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "الآية".
(2/276)

[المعرضون عن الحق نوعان]
ذكر سبحانه (1) للكافر مثلين: مثلًا للسراب (2)، ومثلًا بالظلمات المتراكمة، وذلك لأن المعرضين عن [الهدى و] (3) الحق نوعان: أحدهما من يظن أنه على شيء فيتبين له (4) عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان يظنه، وهذه حال أهل الجهل وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدى وعلم، فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء، وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب [بقيعة] (3)، يُرى في عين الناظر [ماءً] (5) ولا حقيقة له.

[الأعمال التي لغير اللَّه وعلى غير أمره]
وهكذا الأعمال التي لغير اللَّه وعلى غير أمره، يحسبها العامل نافعة له وليست كذلك، وهذه الأعمال التي قال اللَّه [عز وجل] (3) فيها: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)} [الفرقان: 23]، وتامَّل [تشبيه] (6) اللَّه سبحانه السراب بالقِيعة -وهي الأرض القفر الخالية من [البناء والشجر والنبات] (7)، والعالم- فمَحَلُّ (8) السَّرابِ أرضٌ قَفْر لا شيء بها، والسراب لا حقيقة له، وذلك مطابق لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى. وتامل ما تحت قوله: {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً}، والظمآن الذي قد اشتدَّ عطشه، فرأى السراب فظنه ماءً فتبعه فلم يجده شيئًا، بل خانه أحوج ما كان إليه (9)، فكذلك هؤلاء، لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسول (10)، ولغير اللَّه، جُعلت كالسراب، فرفعت لهم أظمأ ما كانوا وأحوج ما كانوا إليها، فلم يجدوا شيئًا، ووجدوا اللَّه [سبحانه ثَمَّ] (11)؛ فجازاهم بأعمالهم ووفَّاهم حسابهم.
وفي "الصحيح" من حديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث التجلِّي يوم القيامة: "ثم يُؤتى بجهنم تُعْرَض كأنها السراب، فيُقال لليهود: ما كنتم
__________
(1) في (ق): "تعالى".
(2) في (ق) و (ك): "بالسراب".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) في (ق) و (ك): "فيبين له".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) في المطبوع: "جَعْل".
(7) في (ق): "البناء والنبات والشجر".
(8) في (ق): "محل".
(9) في (و) و (ق) و (ك): "بل جاء ربه أحوج ما كان إليه".
(10) في (ن) و (ق) و (ك): "الرسل".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/277)

تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزيرًا ابن اللَّه، فيُقال: كذبتم، لم يكن للَّه صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن اللَّه، فيقال لهم: كذبتم، لم يكن للَّه صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال لهم: اشربوا، فيتساقطون" (1) وذكر الحديث.
وهذه حال كل صاحب باطل، فإنه يخونه باطله أحوج ما كان إليه، فإن الباطل لا حقيقة له، وهو كاسمه باطل؛ فإذا كان الاعتقاد غيرَ مطابق ولا حق كان مُتعلّقه باطلًا؛ وكذلك إذا كانت غايةُ العمل باطلةً -كالعمل لغير اللَّه، وعلى (2) غير أمره- بطل العملُ ببطلان غايته، وتضرَّر عامله ببطلانه، وبحصول ضدِّ [ما كان يأمِّله، فلم يذهب عليه عملُه واعتقادُه، لا له ولا عليه، بل صار مُعذبًا بفوات نَفْعِه، وبحصول ضد] (3) النفع، ولهذا قال [تعالى] (3): {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)} [النور: 39] فهذا مثل الضال الذي يحسب أنه على هدى.

فصل [أصحاب مثل الظلمات المتراكمة]
النوع الثاني: أصحاب [مثل] (4) الظلمات [المتراكمة] (4)، وهم الذين عرفوا الحقَّ والهدى، وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال، فتراكمت عليهم ظلمة الطَّبْع وظلمة النفوس وظلمة الجهل، حيث لم يعملوا بعلمهم فصاروا جاهلين، وظلمة اتباع الغَيّ والهوى، فحالهم كحال من كان في بحر لُجّيّ لا ساحل له، وقد غشيه موج ومن فوق ذلك الموج موج، ومن فوقه سحاب مظلم، فهو في ظلمة البحر
__________
(1) أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب التفسير): باب {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}، (4581)، و (كتاب التوحيد): باب قول اللَّه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} (رقم 7437)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الإيمان): باب معرفة طريق الرؤية، (رقم 183) عن أبي سعيد.
(2) في المطبوع: "أو على".
(3) في (ق): "هذا"، وقال في الهامش: "لعله: ضد". وبدل ما بين المعقوفتين في (ك): "هذا".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2/278)

وظلمة الموج وظلمة السحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه اللَّه منها إلى نور الإيمان، وهذان المثلان بالسراب الذي ظنه مادة الحياة وهما (1) الماء والظلمات المضادة للنور نظير المثلين اللذين ضربهما اللَّه للمنافقين والمؤمنين، وهما (2) المثل المائي والمثل الناري، وجعل حظَّ المؤمنين منهما الحياة والإشراق، وحظ المنافقين منهما الظلمة المضادة للنور والموت المضاد للحياة؛ فكذلك الكفار في هذين المثلين، حظُهم من الماء السراب الذي يغُرّ الناظر ولا حقيقة له، وحظهم (3) الظلمات المتراكمة، وهذا يجوز أن يكون المراد به حال كل طائفة من طوائف الكفار، وأنهم عدموا مادة الحياة والإضاءة بإعراضهم عن الوحي؛ فيكون المثلان (4) صفتين لموصوف واحد؛ ويجوز (5) أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار، وأن أصحاب المثل الأول هم الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة، بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف، فكانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وأصحاب المثل الثاني هم الذين استحبوا الضلالة على الهدى، وآثروا الباطل على الحق، وعَمُوا عنه بعد أن أبصروه، وجحدوه بعد أن عرفوه، فهذا (6) حال المغضوب عليه، والأول (7) حال الضالين؛ وحال الطائفتين مخالف لحال المنعم عليهم المذكورين في قوله [تعالى] (8): {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [الْمِصْبَاحُ]} (8) إلى قوله: [{لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}] (9) [النور:30، 38] فتضمنت الآيات أوصاف الفرق الثلاثة: المُنْعَم عليهم وهم أهل النور، والضالين وهم أصحاب السراب، والمغضوب عليهم وهم أهل الظلمات المتراكمة، واللَّه أعلم.

[أصحاب مثلي السراب والظلمات]
فالمثل الأول من المثلين لأصحاب العمل الباطل الذي لا ينفع، والمثل الثاني لأصحاب [العلوم والنظر والأبحاث الذي لا ينفع (10)، فأولئك أصحاب
__________
(1) في المطبوع و (ق): "وهو".
(2) في المطبوع: "وهو".
(3) في (ق) بعدها: "من النور".
(4) في (ق) و (ك): "المثل".
(5) في (ق): "ويحتمل".
(6) في (ف): "فهذه".
(7) في (ق): "عليهم والأولى".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9) بدلها في (ق): " {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ".
(10) في (ق): "تنفع".
(2/279)

العمل الباطل، وهؤلاء أصحاب] (1) العلم (2) الذي لا ينفع والاعتقادات الباطلة، وكلاهما مضاد للهدى ودين الحق، ولهذا مَثَّل حال الفريق الثاني في (3) تلاطم أمواج [لشكوك و] (4) الشبهات والعلوم الفاسدة في قلوبهم بتلاطم أمواج البحر فيه، وأنها أمواج متراكمة من فوقها سحاب مظلم، وهكذا أمواج الشكوك والشُّبه في قلوبهم المظلمة التي قد تراكمت عليها سُحُبُ الغَي والهوى والباطل، فليتدبر اللبيبُ أحوال الفريقين، وليطابق بينهما وبين المثلين، يعرف عظمة القرآن وجلالته، وأنه تنزيل من حكيم حميد.
وأخبر سبحانه أن الموجب لذلك أنه لم يجعل لهم نورًا، بل تركهم على الظلمة التي خلقوا فيها فلم يخرجهم منها إلى النور؛ [فإنه سبحانه ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور] (5)، وفي "المسند" من حديث عبد اللَّه بن عمرو أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّه خَلَقَ خَلْقَه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه [من] (5) ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ" (6) فلذلك أقول: جَفَّ القلم على علم اللَّه، فاللَّه [سبحانه] (4) خلق الخلق في ظلمة، فمن أراد هدايته جعل له نورًا وجوديًا يُحيي به قلبه وروحه، كما يحيي بدنه بالروح التي ينفخها فيه، فهما حياتان: حياة البدن بالروح، وحياة الروح والقلب بالنور، ولهذا سَمّى سبحانه الوحي روحًا لتوقُّف الحياة الحقيقية عليه، كما قال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [النحل: 2]، [وقال: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(2) في (ق): "العمل" وأشار إلى أنه في نسخة "الباطل".
(3) في (ق): "و".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من "ق".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) رواه أحمد (2/ 176 و 197) والطيالسي (57 - المنحة أو رقم 291)، والترمذي (2642) في (الإيمان): باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، وابن أبي عاصم (241 و 242 و 243 و 244)، والآجري في "الشريعة" (ص 175 ط الفقي أو 2/ 757 رقم 337، 338 - ط الدميج)، وابن حبان (6169 و 6170)، واللالكائي (1077 و 1079)، والحاكم (1/ 30) والفريابي في "القدر" (رقم 66، 67، 68، 69، 70، 71) وابن بطة في "الإبانة" (2/ 134 رقم 135)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (1/ 203 رقم 229)، و"السنن الكبرى" (9/ 4) من طرق عن عبد اللَّه بن الديلمي، عن عبد اللَّه بن عمرو، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي (7/ 193 - 194): ورجال أحد إسنادي أحمد ثقات.
ورواه البزار (2145) من طريق يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو. ووقع في (ك) و (ق): "عبد اللَّه بن عمر".
(2/280)

يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [غافر: 15]] (1)، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا]} (2) [الشورى: 52]؛ فجعل وحيه روحًا ونورًا، فمن لم يُحيه بهذا (3) الروح فهو ميت، ومن لم يجعل له نورًا فهو في الظلمات ما له من نور (4).

فصل [تمثيل الكفار بالأنعام]
ومنها قوله: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)} [الفرقان: 44]؛ فشَبَّه أكثر الناس بالأنعام، والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له، وجعل الأكثرين أضل سبيلًا من الأنعام؛ لأن البهيمة يهديها سائقُها فتهتدي وتتبع الطَّريقَ، فلا تحيد عنها يمينًا ولا شمالًا، والأكثرون يدعوهم الرسلُ (5) ويهدونهم السَّبيلَ فلا يستجيبون ولا يهتدون ولا يفرقون بين ما يضرُّهم وبين ما ينفعهم، والأنعام تُفَرِّق بين ما يضرها من النبات والطريق فتجتنبه وما ينفعها فتؤثره، واللَّه تعالى لم يخلق للأنعام قلوبًا تعقل بها، ولا ألسنةً تنطق بها، وأعطى اللَّه ذلك لهؤلاء، ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب والألسنة والأسماع والأبصار، فهم أضلُّ من البهائم، فإنَّ من لا يهتدي (6) إلى الرُّشْدِ وإلى الطريق -مع الدليل إليه- أضلُّ وأسوأ حالًا ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه.

فصل [ضرب لكم مثلًا من أنفسكم]
ومنها قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "الآية".
(3) في (ك): "هذه".
(4) أسهب ابن القيم -رحمه اللَّه- في تفسير هذه الآيات هنا، وكذلك في كتابه الفذ "اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص 6 - 12) فراجعه؛ وانظر له -أيضًا- "الجواب الكافي" (ص 269)، و"مفتاح دار السعادة" (ص 59). ووقع في (ق): " {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا} ".
(5) في (ن) و (ق) و (ك): "يدعونهم الرسل".
(6) في (ق): "فإن من لم يهتد".
(2/281)

مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ [فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ] (1) كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28)} [الروم: 28]، وهذا دليل قياس (2) احتج اللَّه سبحانه به على المشركين حيث جعلوا له من عَبيده ومُلْكه شركاء، فأقام عليهم حُجة يعرفون صحتها من نفوسهم، لا (3) يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحِجَاج أن يُؤخذ (4) الإنسان من نفسه، ويُحتج عليه بما هو في نفسه، مُقَرَّرٌ عندها، معلومٌ لها، فقال: هل لكم مما ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائِكم شُركاءَ في المال والأهل؟ أي: هل يُشارككم عَبيدُكُم في أَموالكم وأهليكم فأنتم وهم في ذلك سواء تخافون أن يقاسموكم أموالكم ويشاطروكم إياها، ويستأثرون ببعضها عليكم، كما يخافُ الشَّريكُ شَريكَه؟ وقال (5) ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضُكم بعضًا (6)، والمعنى هل يرضى أحد منكم أن يكون عبدُه شَريكَه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك فهو (7) يخاف أن ينفرد في ماله بأمرٍ يتصرف فيه كما يخاف غيره من الشُّركاءِ الأَحرار؟ فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي؟ فإن كان هذا الحكم باطلًا في فطركم وعقولكم -مع أنه جائز عليكم ممن في حقكم؛ إذ ليس عبيدكم ملكًا لكم حقيقة، وإنما هم إخوانكم جعلهم اللَّه تحت أيديكم، وأنتم وهم عبيد لي (8) - فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي، مع أنّ مَنْ جعلتموهم (9) لي شُركاءَ عَبيدي ومُلْكي وخَلْقي؟ فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول (10).
__________
(1) بدلها في (ق): "إلى قوله".
(2) في (ق): "دليل قياسي" وسقطت لفظة "سبحانه" من (ق).
(3) في (ك) و (ق): "ولا".
(4) في المطبوع و (ك): "يأخذ".
(5) في (ق): "قال".
(6) أخرجه الطبري في "التفسير" (21/ 39)، قال: حُدِّثْتُ عن حجاج عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وفيه راو مبهم. ولم يعزه في "الدر المنثور" (6/ 492) إلا لابن جرير.
(7) في (ق): "فهل".
(8) في (ك): "عبيدي".
(9) في (ق): "جعلتموه".
(10) انظر تفسير ابن القيم -رحمه اللَّه- لهذه الآيات -أيضًا- في "الجواب الكافي" (ص 207)، و"مدارج السالكين" (1/ 240).
(2/282)

فصل [مثل من قياس العكس (التمثيل بالعبد المملوك)]
ومنها قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ [وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ] (1) وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76)} [النحل: 75، 76] (2) هذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس، وهو نفي الحكم لنفي علته وموجبه، فإن القياس نوعان: قياس طرد يقتضي إثباتَ الحكم في الفرع لثبوت علَّة الأصل فيه؛ وقياس عكس يقتضي نفيَ الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه؛ فالمثل الأول [ما] (3) ضربه اللَّه سبحانه لنفسه وللأوثان، فاللَّه سبحانه هو المالك لكل شيء ينفق كيف يشاء على عبيده سرًا وجهرًا وليلًا ونهارًا، يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سحَّاء (4) الليل والنهار، والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء، فكيف تجعلونها [شركاء لي] (5) وتعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين؟ وهذا قول مجاهد وغيره (6)؛ وقال ابن عباس: هو مثل ضربه اللَّه للمؤمن والكافر، ومثل المؤمن في الخير الذي عنده [بمن] (7) رزقه منه رزقًا حسنًا فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرًا وجهرًا، والكافر بمنزلة عبد مملوك [عاجز] (8) لا يقدر على شيء؛ لأنه لا خير عنده، فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء؟ (9) والقول الأول أشبه بالمراد، فإنه (10)
__________
(1) في (ق) بدلها: "إلى قوله".
(2) انظر تفسيره لهذه الآيات من سورة النحل في "الصواعق المرسلة" (3/ 1030 - 1036)، و"مفتاح دار السعادة" (ص 410، 413 - 414).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4) "السَّحُّ": الصب والسيلان من فوق (ط).
(5) في (ق): "شركائي".
(6) انظر: "تفسير الطبري" (14/ 151)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (7/ 2293)، "والدر المنثور" (5/ 149 - 151).
(7) في المطبوع و (ك): "ثم".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) عند الطبري (14/ 149) كلام لابن عباس غير هذا، وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (7/ 2292، 2293)، و"الدر المنثور" (5/ 149).
(10) في (ق): "لأنه".
(2/283)

أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسبًا بقوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ] (1)} [النحل: 73، 74]؛ ثم قال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحِّد كمن رزقه منه رزقًا حسنًا، و [الكافر] (2) المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، فهذا مما نَبَّه عليه المثل وأرشد إليه، فذكره ابن عباس مُنَبِّهًا [به] (3) على إرادته لا (4) أن الآية اختصَّت [به] (1)، فتأمله فإنك تجده كثيرًا في كلام ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرآن، فيظن الظان أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره فيحكيه قوله (5).

فصل [مثل ضَرَبَه اللَّه لنفسه]
وأما المثل الثاني فهو مثل ضربه اللَّه [سبحانه وتعالى] لنفسه ولما يُعبد (6) من دونه أيضًا، فالصنم الذي يعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق، بل هو أبكم القلب [واللسان] (7)، قد عدم النطق القلبي واللساني، ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء البتّة، ومع هذا فأينما أرسلته لا يأتيك بخير، ولا يقضي لك حاجة، واللَّه سبحانه حي قادر متكلم، يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم، وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد، فإن أمره بالعدل -وهو الحق- يتضمن أنه سبحانه عالم به، مُعلِّم به (8)، راض به، آمرٌ لعباده به، محبٌّ لأهله، لا يأمر بسواه، [بل تنزَّه عن ضدِّه الذي هو الجور والظلم والسّفه والباطل، بل أمره] (9) وشرعه عدلٌ كله، وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه، وهم المجاورون له عن يمينه على منابر من نور (10)،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3) سقطت من المطبوع.
(4) في (ك): "لأن".
(5) انظر في هذا "الموافقات" (3/ 514) للشاطبي.
(6) في (ن): "يعبدون". وفي (ك): "يعبدون هم". وما بين المعقوفتين قبلها سقط من (ق).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8) في (ق): "له".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(10) يشير المصنف إلى قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن المقسطين عند اللَّه عز وجل على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا". =
(2/284)

وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني والأمر القدري الكوني، وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه ما، كما في الحديث الصحيح: "اللهم إني عبدك [ابنُ عبدك] (1) ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عَدْلٌ فيَّ قضاؤك" (2) فقضاؤه هو أمره الكوني، فإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، فلا يأمر إلا بحق وعدل، وقضاؤه وقدره (3) القائم به حق وعدل، وإن كان في المقضي المقدر ما هو جور وظلم فالقضاء غير المقضي، والقدر غير المقدر.

[إنَّ ربي على صراط مستقيم]
ثم أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم، وهذا نظير قول رسوله هود (4): {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56]؛ فقوله: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} نظير قوله: "ناصيتي بيدك" (2) وقوله: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، نظير قوله: "عدل فيَّ قضاؤك" (2)؛ فالأول ملكه، والثاني حمده، وهو سبحانه له الملك وله الحمد، وكونه [سبحانه] (5) على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق، ولا يأمر إلا
__________
= أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم 1827) عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا، وخرجته بنفصيل في تعليقي على "فضيلة العادلين" (رقم 20) لأبي نعيم الأصبهاني.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 391 و 452)، وأبو يعلى (5297)، والطبراني في "الكبير" (10352)، وابن حبان (972)، والحاكم في "مستدركه" (1/ 509) من طريق فضيل بن مرزوق، أخبرنا أبو سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه عن ابن مسعود به.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، إنْ سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد اللَّه عن أبيه، فإنه مختلف في سماعه من أبيه".
قلت: سماعه من أبيه أثبته غير واحد من الأئمة، منهم سفيان الثوري وابن معين والبخاري وأبو حاتم.
وقد وقع خلاف في أبي سلمة هذا، حقق أمره شيخنا محمد ناصر الدين الألباني -رحمه اللَّه- في "السلسلة الصحيحة" (199) فراجعه فإنه هام.
ورواه البزار (3122)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (342) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود.
وفيه عبد الرحمن بن إسحاق وهو الواسطي، وهو ضعيف ثم هو منقطع.
(3) في (ق): "وقدره وقضاؤه".
(4) في المطبوع: "شعيب"!.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/285)

بالعدل، ولا يفعل إلا ما هو مصلحة [ورحمة] (1) وحكمة وعدل؛ فهو على الحق في أقواله وأفعاله؛ فلا يقضي على العبد بما يكون ظالمًا له به، ولا يأخذه بغير ذنبه، ولا ينقصه من حسناته شيئًا، ولا يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها ولم يتسبب (2) إليها شيئًا، ولا يؤاخذ أحدًا بذنب غيره، ولا يفعل قط ما لا يُحمد عليه، ويُثنى به عليه، ويكون له فيه العواقب الحميدة، والغايات المطلوبة، فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كله.
قال محمد بن جرير الطبري (3): وقوله: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يقول: إن ربي على طريق الحق، يُجازي المحسن من خلقه بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا يظلم أحدًا منهم شيئًا، ولا يقبل منهم إلا الإسلام له، والإيمان به. ثم حكى عن مجاهد من طريق شِبْل [عن] (4) ابن أبي نجيح عنه: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} قال: الحق (5)، وكذلك رواه ابن جُرَيْج عنه.
وقالت فرقة: هي مثل قوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14]، وهذا اختلاف عبارة، فإن كونه بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
وقالت فرقة: في الكلام حذف، تقديره: إن ربي يحثُّكم على صراط مستقيم ويحضكم عليه؛ وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية التي أريد بها فليس كما زعموا، ولا دليل على هذا المُقدَّر، وقد فَرَّق [اللَّه] (6) سبحانه بين كونه آمرًا بالعدل وبين كونه على صراط مستقيم؛ وإن أرادوا أن حَثّه على الصراط المستقيم من جملة كونه على صراط مستقيم فقد أصابوا.
وقالت فرقة أخرى: معنى كونه على صراط مستقيم أن مَردَّ العباد والأمور كلها إلى اللَّه لا يفوته شيء منها، وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية فليس كذلك، وإن أرادوا أن هذا من لوازم كونه على صراط مستقيم ومن مقتضاه وموجبه فهو حق.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك) و (ق).
(2) في (ك): "ينسب".
(3) في "التفسير" (12/ 60).
(4) زيادة "عن" من تفسير الطبري (و). وهي في (ق).
(5) رواه الطبري (12/ 61) من طرق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهو في "تفسير مجاهد" (1/ 305).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(2/286)

وقالت فرقة أخرى: معناه كل شيء تحت قدرته وقهره وفي ملكه وقبضته، وهذا وإن كان حقًا فليس هو معنى الآية، وقد فَرَّق [عليه السلام] (1) بين قوله: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} وبين قوله: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فهما معنيان مستقلان.
فالقول قول مجاهد: وهو قول أئمة التفسير (2)، ولا تحتمل العربية غيره إلا على استكراه؛ وقال (3) جرير يمدح عمر بن عبد العزيز:
أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوجَّ الموارد مستقيم (4)
وقد قال تعالى: {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 36].
وإذا كان سبحانه هو الذي جعل رسله وأتباعهم على الصراط [المستقيم] (5) في أقوالهم وأفعالهم؛ فهو [سبحانه] (5) أحق بأن (6) يكون على صراط مستقيم في قوله وفعله، [وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو موافقة أمره؛ فصراطه الذي هو سبحانه عليه هو ما يقتضيه حمده وكماله ومجده من قول الحق وفعله] (7)، وباللَّه التوفيق.

فصل
وفي الآية قولٌ ثان مثل الآية الأولى، سواء أنه مثل ضربه اللَّه للمؤمن والكافر، وقد تقدم ما في هذا القول، (وباللَّه التوفيق) (8).

فصل [في تشبيه من أعرض عن كلام اللَّه وتدبره]
ومنها قوله تعالى في تشبيه مَنْ أعرض عن كلامه وتدبُّره: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "شعيب"، وفي (ك): "وقد فرق. . . عليه السلام" وفي الهامش: "لعله هود".
(2) في (ك): "المفسرين".
(3) في (ق): "قال".
(4) هو في "ديوان جرير" (1/ 218) شرح محمد بن حبيب، من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك، وليس عمر بن عبد العزيز!.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ق): "أن".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(8) في (ك) و (ق): "واللَّه الموفق" ووقف في (ق): "قول ثاني".
(2/287)

مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 49 - 51]، شبَّههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن [بحُمر رأت الأسدَ أو الرماة] (1) فَفرَّت منه، وهذا من بديع القياس التمثيلي (2)، فإن القوم في جهلهم بما بعث اللَّه به رسوله كالحُمُر، وهي لا تعقل شيئًا، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور، وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحمر عما يهلكها ويعقرها، وتحت المستنفرة معنى أبلغ من النافرة؛ فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضًا وحضه على النفور، فإن في (الاستفعال) من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرد، فكأنها تواصت بالنفور، وتواطأت عليه، ومن قرأها بفتَح الفاء (3)، فالمعنى أن القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته.

فصل [مثل الذي حُمِّل الكتاب ولم يعمل به]
ومنها قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] (4)} [الجمعة: 5]؛ فقاس من حَمَّلَه [سبحانه] (5) كتابَهُ ليؤمنَ به ويتَدَبَّره ويعملَ به ويدعُوَ إليه، ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظَهْر قلب، فقراءته بغير تدبر ولا تَفهُّم ولا اتباع له ولا تحكيم له (6) وعمل بموجَبه، كحمارٍ على ظهره زَامِلَةُ أسفارٍ لا يدري ما فيها، وحَظُّه منها حملها على ظهره ليس إلا؛ فحظُّه من كتاب اللَّه كحظِّ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره؛ فهذا المثلُ وإنْ كان قد ضُرِبَ لليهود فهو مُتناوِل من حيث المعنى لمن حَمل القرآن فترك العَمَل به، ولم يؤدِّ حقه، ولم يَرْعَه حقَّ رعايته (7).
__________
(1) في (ق): "بالحمر إذا رأيت الأسد والرماة".
(2) في المطبوع: "القياس والتمثيل" وفي (ق): "من باب القياس الئمثيلي".
(3) "أي على صيغة اسم المفعول" (ط).
(4) في (ق) بدلها: "الآية".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6) في (ق): "وتحكيم له".
(7) انظر تفسير ابن القيم لهذه الآيات في "اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص 16)، و"هداية الحيارى" (ص 286 - 287).
(2/288)

فصل [مثل من انسلخ من آيات اللَّه]
ومنها: قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) [وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ] (1) يَتَفَكَّرُونَ (176)} [الأعراف: 175، 176] (2) فشبه سبحانه من آتاه كتابَهُ وعَلّمه العلم (3) الذي [منعه] (4) غيرَه، فترك العملَ به، واتَّبع هواه، [وآثر سَخَطَ اللَّه على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوقَ على الخالق] (5) بالكلب الذي هو من أخْبَث الحيوانات، وأوضَعها قَدْرًا، وأخَسِّها (6) نفسًا، وهمتُه لا تتعدَّى بطنه، وأشدها شرهًا (7) وحرصًا، ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمَّمُ ويستروح (8) حِرْصًا وشرهًا، ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزاءه، وإذا رميت إليه بحَجَر رجع إليه ليعضه من فرط نهمته (9) وهو من أمهَنِ الحيوانات، وأحملها للهَوَان، وأرضاها بالدنايا، والجِيَفُ القذرة المُروحَة (10) أحبُّ إليه من اللحم الطري، والعذرة أحبُّ إليه من الحلوى (11)، وإذا ظفر بميتة تكفي مئة كلب لم يَدع كلبًا واحدًا (12) يتناول [معه] (13) [منها شيئًا] (13)
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "إلى قوله".
(2) انظر: "تفسير الطبري" (9/ 128)؛ فقد ذكر هناك أكثر الأقوال الواردة هنا.
(3) في (ق) و (ك): "وعلمه العظيم".
(4) في (و): "منه" ولعل الصواب ما أثبتناه.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6) في (ك) و (ق): "وأخبثها".
(7) في (ن): "شرًا"، والصواب ما أثبتناه.
والشَّرَه: أسوأ الحرص، وهو غلبة الحرص، كذا في "لسان العرب" (13/ 506 - دار الفكر).
(8) في (ن): "ويروح"، وفي (ق): "ويتروح".
(9) قال (ح): "النهم" -بالتحريك-: إفراط الشهوة في الطعام، و"النهمة": بلوغ الهمة والشهوة في الشيء. اه.
وقال (د): "نهمته: شهوته البالغة إلى الطعام" ونحوه في (ط).
(10) "راح الشيء، وأروح": أنتن، (و)، نحوه باختصار في (ط).
(11) في (ن) و (ق): "الحلو".
(12) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(13) ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(2/289)

إلا هَرَّ عليه (1) [وقهره] (2)، لحرصه وبخله وشَرَهه، ومن عجيب أمره وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثة وثياب دَنيَّة وحال رزِية نَبَحه وحَمَل عليه، كأنّه يتصور مشاركته له ومنازعته في قوته، وإذا رأى ذا هَيْئة حَسَنة وثياب جميلة ورياسة وضع له خطمه بالأرض، وخَضَع له، ولم يرفع إليه رأسه.

[سر بديع في تشبيه من آثر الدنيا بالكلب]
وفي (3) تشبيه من آثر الدنيا وعاجِلَها على اللَّه والدار الآخرة -مع وفور علمه- بالكلب في حال لهفه (4) سرٌّ بديع، وهو أن هذا الذي حاله ما ذكره اللَّه من انسلاخه من آياته واتباعه هواه؛ إنَّما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن اللَّه والدار الآخرة، فهو شديد اللهف عليها، ولهفه نظير لهف الكلب الدائم (5) في حال إزعاجه وتركه، واللهف واللهث شقيقان وأخَوَان (6) في اللفظ والمعنى، قال ابن جُريج: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له، [إن تحمل عليه يلهث أو (7) تتركه يلهث، فهو مثل الذي يترك الهدى، لا فؤاد له] (8) إنما فؤاده منقطع (9). قلت: مراده بانقطاع فؤاده أنّه ليس له فؤاد يَحْمله على الصبر وترك اللهث؛ وهكذا الذي انسلخ من آيات اللَّه، لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها، فهذا يلهف على الدنيا من قلِّة صبره عنها، وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء، فالكلب من أقل الحيوانات صبرًا عن الماء، وإذا عطش أكلَ الثرى من العطش، وإنْ كان فيه صبر على (10) الجوع؛ وعلى كل حال فهو من أشد الحيوانات لهثًا، يلهث قائمًا وقاعدًا وماشيًا [وواقفًا] (11)، وذلك لشِّدة حرصه؛ فحرارة الحرص في كبِدِه [توجب له دوامَ اللهث] (8)، فهكذا مُشَبَّههُ شدة الحرص
__________
(1) قال (د): "هر عليه": نبحه، وفي (ط): "صَوّت عليه، وهو صوت دون النباح".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) وفي (ك): "ونهره". وفي بعض النسخ: "شيئًا إلا عن غلبةٍ وقهر".
(3) في (ن): "وفيه"!.
(4) في المطبوع: "لهثه".
(5) في (ن): "القائم".
(6) في (ق): "وأخوان" وبياض على قدر حرف (و).
(7) في (ن): "وإن".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9) رواه الطبري (9/ 129) بعد أن روى من طريق ابن جريج عن مجاهد، قال: قال ابن جريج.
(10) في (ق): "عن".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك).
(2/290)

وحرارة الشهوة (1) في قلبه توجب له دوام اللهف، فإن حملتَ عليه بالموْعِظة (2) والنصيحة فهو يلهف، [وإنْ تركته ولم تعظه فهو يلهف]، (3) قال مجاهد: وذلك مثل (4) الذي أُوتي الكتاب ولم يعمل به (5)، وقال ابن عباس: إنْ تحملْ عليه الحكمةَ لم يحملها، وإنْ تركته لم يهتد إلى خير، كالكلب إنْ كان رابضًا لهث، وإنْ طرد لهث (6)، وقال الحسن: "هو المنافق لا يثبت على الحق، دُعِيَ أو لم يُدْعَ، وُعِظَ أو لم يوعَظْ، كالكلب يلهث طُرِدَ أو ترك (7) " وقال عطاء: ينبح إن حملت عليه أو لم تحمل عليه، وقال أبو محمد بن قتيبة: "كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عَطَش [أو علة] (8) [إلا] (9) الكلب فإنه يلهث في حال الكَلال (10) وحال الراحة وحال الصحة وحال المرض [وحال الريّ] (11) والعطش.
فضربه اللَّه مثلًا لمن كذب بآياته، وقال (12): إنْ وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال كالكلب إنْ طردته [وزجرته، فسعى] لهث وإن تركته على حاله لهث، ونظيره قوله [سبحانه] (13): {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ
__________
(1) في (ق): "فهكذا مشبهه لشدة حرارة الشهوة" وفي (ك): "فهكذا أشبهه لشدة حرارة الشهوة".
(2) في المطبوع: "الموعظة".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) في (ن) و (ق) و (ك): "مثال".
(5) أخرجه الطبري في "التفسير" (9/ 128 - 129)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (5/ 1620 - 1621 رقم 8570) من طريقين عن مجاهد قال: هو مثل الذي يقرأ القرآن، ولا يعمل به.
وانظر "تفسير مجاهد" (1/ 251)، وعزاه في "الدر المنثور" (3/ 116) لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.
(6) أخرجه الطبري في "التفسير" (9/ 129)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (5/ 1620 رقم 8569) من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وعلي لم يسمع من ابن عباس بينهما مجاهد أو عكرمة أو سعيد بن جبير، وانظر "صحيفة علي بن أبي طلحة" (رقم 509)، وعزاه في "الدر المنثور" (3/ 608) لابن المنذر أيضًا.
وفي (ك): "وأن طردته لهث".
(7) في "تفسير الطبري" (9/ 129): "كان الحسن يقول: هو المنافق".
(8) ما بين المعقوفتين من "تأويل مشكل القرآن" (ص 369) لابن قتيبة.
(9) بدل ما بين المعقوفتين في "تأويل مشكل القرآن": "خلا".
(10) في (ك) و (ق): "الضلال" وقال في هامش (ق): "لعله: الكلال".
(11) ما بين المعقوفتين ليس في "المشكل" ولا في (ك) ولا في (ق).
(12) زاد في (ك) بعدها: "ابن عطية"!! وهو خطأ، فالكلام ما زال لابن قتيبة.
(13) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2/291)

أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} " (1) [الأعراف: 193].

[إيتاؤه الآيات والانسلاخ]
وتأمَّل ما في هذا المثل من الحكم والمعاني (2): فمنها قوله: {آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} فاخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته، فإنها نعمة، واللَّه هو الذي أنعم بها عليه، فأضافها إلى نفسه، ثم قال: {فَانْسَلَخَ مِنْهَا} أي خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها، وفارقها فراق الجلد يُسْلَخ عن اللحم، ولم يقل: فسلخناه منها، لأنه هو الذي تسبِّبَ إلى انسلاخه [منها] (3) باتّباع هواه، ومنها قوله [سبحانه] (4): {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} أي: لحقه وأدركه؛ كما قال [تعالى في فرعون و] (5) قوم فرعون: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} [الشعراء: 60]، وكان (6) محفوظًا محروسًا بآيات اللَّه، مَحْمِي الجانب بها من الشيطان، لا ينال منه شيئًا إلا على غِرَّة [وخطفة] (3)، فلما انسلخ من آيات اللَّه ظفر به الشيطان ظَفْرَ الأسدِ بفريسته، فكان من الغاوين العاملين بخلاف عِلْمِهم (7)، الذين يعرفون الحقَّ، ويعملون بخلافه، كعلماء السوء.

[رفعناه بها]
ومنها: أنه [سبحانه] (4) قال: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} فأخبر سبحانه أن الرِّفعة عنده ليست بمجرد العلم، فإن هذا كان من العلماء، وإنما هي باتباع الحق وإيثاره وقَصْدِ مرضاة اللَّه، فإنَّ هذا كان من أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه اللَّه بعلمه ولم ينفعه به، فنعوذُ باللَّه من علم لا ينفع، وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا
__________
(1) انظر: "تأويل مشكل القرآن" (ص 369) لابن قتيبة.
ونقله عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" (3/ 197)، والدميري في "حياة الحيوان الكبرى" (2/ 310) وما بين المعقوفتين قبلها سقط من (ق).
(2) في المطبوع و (ك): "والمعنى".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "في"، وسقط "قوم فرعون" من (ك) ووقع في (ق): "في فرعون وقومه".
ما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وفي (ك): "وحفظه" وفوقها "كذا".
(6) في (ق): "فكان".
(7) في ط الجيل: "خلاف الذين علَّمهم".
(2/292)

شاء بما آتاه من العلم، وإن لم يرفعه اللَّه فهو موضوع لا يرفع أحدٌ به رأسًا (1)، فإنَّ (1) الخافضَ الرافعَ سبحانَه (2) خَفَضَه ولم يرفعه (3)، والمعنى: لو (4) شئنا فصَّلناه وشَرَّفْنَاه ورفَعْنَا قَدْرَه ومنزلته بالآيات التي آتيناه، قال ابن عباس: ولو شئنا لرفعناه بعلمه بها (5)، وقالت طائفة: الضمير في قوله: {لَرَفَعْنَاهُ} عائد على الكفر، والمَعْنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكُفْرَ بما مَعَه من آياتنا، قال مجاهد وعطاء: لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعَصْمناه (6)؛ وهذا المعنى حق، والأول هو مراد الآية، وهذا من لوازم المراد، وقد تقدم أن السلف كثيرًا ما ينبهون على لازم معنى الآية فيظن الظَّانُّ أن ذلك هو المراد منها.

[أخلد إلى الأرض]
وقوله: {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} قال سعيد بن جبير: ركَن إلى الأرض (7) وقال مجاهد: سكن (8)، وقال مقاتل: رَضي بالدنيا وقال أبو عبيدة: لزمها وأَبطأ، والمخلد (9) من الرجال هو: الذي يُبْطئ (10) مشيته، ومن الدواب:
__________
(1) في (ق): "رأسه" ووقع بعدها: "فإن اللَّه الخافض".
(2) في (ق): "فاللَّه".
(3) انظر لفتة بديعة للمصنف في شرح حديث "إن حقًا على اللَّه ما ارتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" يفصِّل فيه هذا المعنى في كتابه "الفروسية" (ص 90 - 91 - بتحقيقي).
(4) في (ق): "ولو".
(5) أخرجه الطبري في "التفسير" (6/ 127) عن ابن جُريج قال ابن عباس: "لرفعه اللَّه بعلمه" وابن جريج لم يدرك ابن عباس بينهما مفاوز، وعزاه في "الدر المنثور" (3/ 610) لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، ووقع في المطبوع: "لرفعناه بعمله بها"، واستظهره في هامش (ق).
(6) الذي وجدته عن مجاهد في "جامع البيان " (6/ 127)، وفي "الدر المنثور" (3/ 610) قال: "لرفعنا عنه بها".
(7) أخرجه الطبري في "جامع البيان" (6/ 127)، من طريق سفيان بن وكيع عن أبيه عن إسرائيل عن أبي الهيثم عن سعيد، وسفيان ضعيف، ورواه ابن جرير (6/ 127)، وابن أبي حاتم (5/ 1619 رقم 8560) من طريق شريك عن سالم عن سعيد، وشريك هو "القاضي سيء الحفظ، وعزاه في "الدر المنثور" (3/ 611) لعبد بن حميد أيضًا.
(8) أخرجه الطبري في "جامع البيان" (6/ 127) من طريق عيسى عن ابن أبي نجيح عنه، ووقع في (ن): "ركن" بدل: "سكن".
(9) في (ك) و (ق): "وأما المخلد"، وقال في هامش (ق): "لعله لأن. . . ".
(10) في (ق): "تبطئ".
(2/293)

التي (1) تبقى ثناياه إلى أن تخرج رَبَاعيته (2)، وقال الزجاج: خلد وأخلد، وأصله من الخلود وهو الدوام والبقاء (3)، ويقال: أخلد فلان بالمكان: إذا أقام به، قال مالك بن نُوَيْرَة (4):
بأبناء حَيٍّ من قَبائِلِ مالكٍ ... وَعَمرو بْنِ يَرْبُوع أقاموا فأخْلَدُوا (5)
قلت: ومنه قوله [تعالى] (6): {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} [الواقعة: 17]؛ أي قد خلقوا للبقاء؛ [لذلك] (7) لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم على سن واحد [أبدًا] (7)، وقيل: هم المقَرَّطُون في آذانهم والمسَوَّرُون في أيديهم، وأصحاب هذا القول فسَّرُوا اللفظة ببعض لوازمها، وذلك أمارة التخليد (8) على ذلك السن، فلا تنافي بين القولين.

[اتبع هواه]
وقوله: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} قال الكلبي: اتبع مسافلَ الأمور وترك مَعَاليها، وقال أبو روق (9): اختار الدنيا على الآخرة، وقال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه،
__________
(1) في (ق): "الذي".
(2) انظر: "مجاز القرآن" (1/ 233) لأبي عبيدة، ففيه نحوه.
(3) قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" (2/ 391): "ومعناه: ولكنه سكن إلى الدنيا، يقال: أخلد فلان إلى كذا وكذا، وخلد إلى كذا وكذا، وأخلد أكثر في اللغة، والمعنى أنه سكن إلى لذات الأرض"، ونقله عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" (3/ 197).
وفي (ق) و (ك): "تخلَّد وأخلد" ووقع بعدها "ويقال".
(4) في (ق) زيادة كلمة "شعرًا".
(5) البيت لمالك بن نويرة من قصيدة عدتها 26 بيتًا في "الأصمعيات" (1/ 25) وقبله في أولها:
إلَّا أَكُنْ لاقَيْتُ يَوْمَ مُخَطِطٍ ... فَقَدْ خَبَّرَ الرُكْبانُ ما أَتَوَدَّدُ
أَتانِي بِنَقْرِ الخُبْرِ ما قَدْ لَقِيتُهُ ... رَزِينٌ وَرَكْبٌ حَوْلَهُ مُتَصَعِّدُ
يُهِلُّونَ عُمّارًا إذا مَا تَغَوَّرُوا ... وَلاقَوْا قُرَيْشًا خَبَّرُوهَا فَأَنْجَدُوا
والشاهد في قوله: "فأخلدوا" أي: أقاموا، كالشاهد قبله".
ووقع في (ق) و (ك): "وأخلدوا".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وفي (ق) و (ك): "كذلك".
(8) في (ق) و (ك): "وذلك إشارة إلى الخليد".
(9) هو الإمام المحدث المفسر عطية بن الحارث (ت 105 ه)، روى عن الضحاك بن مزاحم، وعكرمة وغيرهما، وروى له أصحاب السنن الأربعة، عدا الترمذي، انظر =
(2/294)

وقال ابن زيد: كان هواه مع القوم (1)، يعني: الذين حاربوا موسى وقومه، وقال يمان: اتبع امرأته (2) لأنها هي التي حملته على ما فعل.

[تفسير الاستدلال في الآية]
فإن قيل: لكن للاستدراك؛ فيقتضي أن يثبت بعدها نفي ما قبلها، أو نفي ما أثبت (3)، كما تقول: لو شئت لأعطيته لكنِّي لم أُعطِه، ولو شئت لما فعلت كذا لكني فعلته؛ فالاستدراك يقتضي: ولو شئنا لرفعناه بها [ولكنَّا لم نشأ أو لم نرفع، فكيف استدرك بقوله] (4): {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} بعد قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا}؟
قيل: هذا من الكلام الملحوظِ فيه جانب المعنى المعدولِ فيه عن مُرَاعاة الألفاظ إلى المعاني، وذلك أن مضمون قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أنه لم يَتَعَاط الأسباب التي تقتضي رَفْعَه (5) بالآيات من إيثار اللَّه ومَرْضَاته على هَوَاه، ولكنه آثَرَ الدنيا وأخلد إلى الأرض واتَّبَعَ هواه.
وقال الزمخشري: "المعنى ولو لَزِمَ [العمل بالآيات ولم ينسلخ منها] (6) لرفعناه بها، [وذلك أن مشيئة اللَّه تعالى رَفْعه تابعة للزومه الآياتِ، فذُكرت] (7) المشيئة والمرادُ ما هي تابعة له ومُسَببة (8) عنه، كأنه [قيل: ولو لزمها لرفعناه
__________
= ترجمته في: "الطبقات" (6/ 369) لابن سعد، و"تهذيب التهذيب" (7/ 224) لابن حجر العسقلاني.
(1) انظر: "تفسير الطبري" (6/ 128) و"زاد المسير" (3/ 197)؛ ووقع في المطبوع: "ابن دريد"!!.
(2) في (ق) و (ك): "وقال هامان مع امرأته"، وقال في الهامش: "في نسخة يمان"، وقال: "كذا من كان هواه".
(3) في المطبوع و (ك): "فإن قيل: الاستدراك بلكن يقتضي أن يثبت بعدها ما نفي قبلها، أو ينفي ما أثبت".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5) في (ن): "رفعته"، ووقع في (ق): "لم يتعاطى".
(6) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع و (ق) و (ك): "آياتنا"، ووقع في (ق): "قال الزمخشري".
(7) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع و (ق) و (ك): "فذكر".
(8) في (ك): "ومشيئة" وفي الهامش: "ومسببة".
(2/295)

بها] (1)، قال: ألا ترى إلى قوله: {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} (2) فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أن يكون {وَلَوْ شِئْنَا} في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال: لو شئنا لرفعناه، ولكنا لم نشأ" (3).
فهذا منه شِنْشِنة نعرفها من قَدَرِيٍّ [نافٍ للمشيئة العامة، مُبْعد للنُّجْعة] (4) في جعل كلام اللَّه معتزليًا قدريًا، فأين قوله: {وَلَوْ شِئْنَا} من قوله: "ولو لزمها" ثم إذا كان الملزوم لها (5) موقوفًا على مشيئة اللَّه وهو الحق بطل أصله، وقوله: "إن مشيئة اللَّه تابعة للزومه الآيات" مِنْ أفْسَدِ الكلام وأبْطَلِهِ، بل لزومُه لآياته تابع (6) لمشيئة اللَّه، فمشيئة اللَّه سبحانه متبوعة، لا تابعة، وسبب لا مسبب، وموجبٌ مقتضٍ لا مقتضًى، فما شاء اللَّه وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده (7).

فصل [مثل من القياس التمثيلي (مثل المغتاب)]
منها (8) قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ] (9) إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)} [الحجرات: 12]، وهذا من أحسن القياس التمثيلي، فإنه شَبَّه تمزيق عِرْضِ الأخ بتمزيق لحمه، ولما كان المُغْتَابُ يمزق
__________
(1) ما بين المعفوفتين سقط من (ق) و (ك) وكذلك "كأنه" سقطت من (ق).
(2) سقط من "الكشاف".
(3) إلى هنا انتهى كلام الزمخشري من تفسيره: "الكشاف" (2/ 104 - ط دار المعرفة بيروت).
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "بأن المشبهة العاملة" ووقع بعدها في (ق): "فإن المشيئة العاملة".
(5) في المطبوع و (ن): "اللزوم لها"، وقال في الهامش (ن): "لعله: الملزوم لها"، وما بعدها مذكور في (ن) بعد قوله: "وهو الحق"، وفي (ك) و (ق): "الملزوم" دون "لها".
(6) في (ك): "تابعة".
(7) انظر تفسير ابن القيم لهذه الآيات بشيء من التفصيل في كتابه القيم "الفوائد" فقد أفاد وأجاد.
ولم يتعقب ابن المنيِّر في كتاب "الانتصاف" الزمخشريَّ في هذا الموطن، ولذا فات الدكتور الشيخ صالح الغامدي في كتابه القيم "المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف للزمخشري".
(8) في (ق): "ومنها".
(9) بدلها في (ق): "إلى قوله".
(2/296)

عرضَ أخيه في غيبته كان بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت، ولما كان المغتاب عاجزًا عن دَفْعِه عن نفسه بكونه غائبًا عن ذمِّه كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ولما كان مُقْتَضَى الأخوة التراحُمَ والتواصُلَ والتناصر فعلّق عليها المغتاب ضدَّ مقتضاها من الذم والعَيْب والطعن كان ذلك نظيرَ تقطيع لحم (1) أخيه، والأخوة تقتضي حِفْظَه وصيانته والذبَّ عنه، ولما كان المغتاب [متمتعًا بعرض أخيه] (2) متفكهًا بِغِيبته (3) وذمه متحلِّيًا بذلك شُبِّه [بآكل لحم أخيه بعد تقطيعه، ولمَّا كان المغتاب محبًا لذلك مُعْجَبًا به شُبَّه] (4) بمن يُحب أكل لحم أخيه ميتًا، ومحبته لذلك قَدْرٌ زائد على مجرد أكله، كما أن أكله قدرٌ زائد على تمزيقه (5).
فتأمل هذا التشبيهَ والتمثيلَ وحُسْنَ مَوْقِعه ومُطابقةَ المعقول فيه المحسوس، وتأمل إخباره عنهم بكراهة أكْلِ لحم الأخ ميتًا، ووصْفهم بذلك في آخر الآية، والإنكار عليهم في أولها أن يُحِبَّ (6) أحدهم ذلك، فكَمَا أن هذا مكروه في طباعهم فكيف يحبون ما هو مثله ونظيره؟ فاحتجَّ عليهم بما كرهوه على ما أحبوه، وشَبَّه لهم ما يحبونه بما هو أكره شيء إليهم، وهو أشدُّ شيء نُفْرَةً عنه؛ فلهذا يوجِبُ العقلُ والفِطْرَة والحكمة أن يكونوا أشدَّ شيء نفرةً عما هو نظيره ومشبهه، وباللَّه التوفيق.

فصل [مثل بطلان أعمال الكفار]
ومنها قوله [تعالى] (7): {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18)} [إبراهيم: 18]؛ فشبه تعالى (8) أعمالَ الكفار في بُطْلانها وعدم الانتفاع بها برمَادٍ مَرَّتْ عليه ريحٌ شديدة في يوم عاصف، فشَبَّه [سبحانه] (9) أعمالهم -في حُبُوطها
__________
(1) في ط الجيل: "تقطيعه للحم".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3) في (ن): "بعيبه".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) وبدلها في ط الجيل: "تقطيعه للحم".
(5) في (ق): "على مجرد تمزيقه".
(6) في (ق): "أيحب".
(7) سقطت من (ك).
(8) في (ق): "سبحانه".
(9) سقطت من (ق).
(2/297)

وذَهَابها باطلًا كالهَباء المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان، وكَوْنِها لغير اللَّه [عز وجل] (1) وعلى غير أمره- برمادٍ طَيَّرَتْهُ الريحُ العاصفُ فلا يقدر صاحبُه على شيء منه وقتَ شدة حاجته إليه؛ فلذلك قال: {لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ}، لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء، فلا يرون له أثرًا من ثواب ولا فائدة نافعةً، فإن اللَّه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، موافقًا لشَرْعه.

[أنواع الأعمال]
والأعمالُ أربعة، فواحِدٌ مقبول وثلاثة مردودة؛ فالمقبولُ: الخالصُ الصوابُ، فالخالص أن يكون للَّه لا لغيره، والصواب أن يكون مما شَرعه [اللَّه] (1) على لسان رسوله، والثلاثة المردودة ما خالف ذلك.

[في تشبيه الأعمال المردودة سرٌّ بديع]
وفي تشبيهها [بالرماد سرٌّ بديع، وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد] (2) في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا، فكانت الأعمال التي لغير اللَّه وعلى غير مُرَاده طعْمَةً للنار، وبها تسَعَّر النار على أصحابها، ويُنشئُ اللَّه [سبحانه] (1) لهم من أعمالهم الباطلة نارًا وعذابًا، كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره [ونهيه] (1) التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيمًا ورَوْحًا (3)، فأثرَّت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رَمادًا، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون اللَّه وقود النار.

فصل [مثل الكلمة الطيبة]
ومنها قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ] (4)} [إبراهيم: 24]؛ فشَبَّهَ سبحانه [وتعالى] (1)
__________
(1) سقطت من (ق).
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) و (ك): "برماد".
(3) في (ك): "وزوجات".
(4) في (ك) و (ق) إلى قوله: {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.
(2/298)

الكلمةَ الطيبة بالشجرة الطيبة؛ لأن الكلمة الطيبة تُثْمِرُ العملَ الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع.

[مفهوم الكلمة الطيبة والأصل الثابت والفرع الذي في السماء]
وهذا طاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: "الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا اللَّه"، فإنها تُثْمِر جميعَ الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، وكل عمل صالح مَرْضِيٍّ للَّه ثمرة هذه الكلمة، وفي "تفسير علي بن أبي طلحة"، عن ابن عباس قال: "كلمة طيبة: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، كشجرة طيبة وهو المؤمن، أصلها ثابت: قول لا إله إلا اللَّه، في قلب المؤمن، وفرعُها في السماء، يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء" (1). وقال الربيع بن أنس: "كلمة طيبة هذا مثل الإيمان؛ فالإيمان (2): الشجرة الطيبة، وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص فيه، وفَرْعه في السماء: خشية اللَّه" (3) والتشبيه على هذا القول أصَحُّ وأظْهَر وأحسن؛ فإنه سبحانه شَبَّه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتةِ الأصْلِ الباسِقَةِ الفَرْع في السماء علوًا، التي لا تزال تُؤتي ثمرتها كل حين، وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقًا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب، التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدةٌ إلى السماء.

[أثر التوحيد في عبادة الإنسان وسلوكه وخُلُقه]
ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها (4)، ومُرَاعاتها حق رعايتها، فمن رَسَخَت هذه الكلمةُ في قلبه بحقيق