Advertisement

إعلام الموقعين عن رب العالمين ت مشهور 001

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب: إعلام الموقعين عن رب العالمين
المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية (المتوفى: 751 ه)
قدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان
شارك في التخريج: أبو عمر أحمد عبد الله أحمد
الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، 1423 ه
عدد الأجزاء: 7 (منهم جزء لمقدمة التحقيق وجزء للفهارس)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
سلسلة مكتبة ابن القيم [6]

إعلام الموقعين عن رب العالمين

(المقدمة)

صنعة
أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان

[المجلد الأول]

دار ابن الجوزي
(1/1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1/2)

إِعلامُ الموقِّعِين عَن رَبِّ العَالمين
(الْمُقدمَة)
[1]
(1/3)

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار ابْن الْجَوْزِيّ
الطبعة الأولى
رَجَب 1423 ه

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة © 1423 ه لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر

دَار ابْن الْجَوْزِيّ للنشر والتوزيع
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية
الدمام - شَارِع ابْن خلدون ت: 8428146 - 8467589 - 8467593
ص ب: 2982 - الرَّمْز البريدي: 31461 - فاكس: 8412100
الإحساء - الهفوف - شَارِع الجامعة ت: 5883122
جدة ت: 6516549
الرياض ت: 4266339
(1/4)

مقدمة المحقق
إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه؛ فلا مضل له، ومن يُضلل؛ فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء: 1].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد:
فهذه طبعة جديدة من كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" للإمام الرباني، وشيخ الإسلام الثاني (ابن قيم الجوزية)، رحمه اللَّه تعالى، يأخذ مكانه اللائق به في المكتبة التراثية، بعد ضبط نصه، ومقابلته على عدة نسخ خطية (1)، والتعليق عليه (2)، وتخريج أحاديثه وآثاره، وتوثيق نقولاته، مع مقارنة مواضعه بمواطن بحثها في كتبه الأخرى (3).

* نسبة الكتاب لمؤلفه:
نسبة هذا الكتاب لابن القيم صحيحة بيقين، والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا، منها:
__________
(1) يأتي وصفها إن شاء اللَّه تعالى.
(2) ذكرتُ جميع تعليقات مشاهير المحققين الأقدمين، وعزوتُها لهم، ورمزت لكل واحد منهم برمز، وسيأتي بيان ذلك.
(3) اعتمدتُ في ذلك على "تقريب فقه الإمام ابن القيم" للعلامة الشيخ بكر أبو زيد حفظه اللَّه.
(1/5)

أولًا: نسبه له بعنوان: "إعلام الموقعين عن رب العالمين" جماعة من العلماء ممن ترجم له، منهم: تلميذه ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 450)، وقال: "ثلاث مجلدات"، وعنه ابن العماد في "شذرات الذهب" (6/ 169).
وذكر له أيضًا بالعنوان نفسه: ابن حجر في "الدرر الكامنة" (3/ 402)، والداودي في "طبقات المفسرين" (2/ 603)، والسيوطي في "بغية الوعاة" (1/ 63)، والشوكاني في "البدر الطالع" (2/ 144)، والعليمي في "المنهج الأحمد" (5/ 94)، و"الدر المنضد" (2/ 522)، وابن ضويان في "رفع النقاب" (320)، وحاجي في "كشف الظنون" (1/ 125)، والبغدادي في "هدية العارفين" (2/ 158)، والزِّركلي في "الأعلام" (6/ 56)، والطريقي في "معجم مصنفات الحنابلة" (4/ 276).
ونسبه له بعنوان مقارب (1): تلميذه خليل بن أيبك الصفدي في "أعيان العصر" (4/ 369)، و"المنهل الصافي" (3/ ق 62).
ثانيًا: ذكره المصنف في ثلاثة من كتبه: "الفوائد" (ص 30 - ط دار اليقين)، و"التبيان في أقسام القرآن" (ص 146 - ط طه شاهين)، و"إغاثة اللهفان" (1/ 22 - ط الفقي)، وأحال في هذه الكتب على مباحث موجودة في كتابنا "الإعلام"، وسيأتي بيان هذا مفصلًا قريبًا تحت عنوان (ضبط اسمه).
ثالثًا: الموجود على النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق (2)، وغيرها، فإنها جميعًا مطبقة على صحة نسبة هذا الكتاب لابن القيم.
رابعًا: نقولات العلماء الكثيرة المستفيضة على اختلاف أمصارهم وأعصارهم، وتنوِّع مذاهبهم وفنونهم ومشاربهم منه، وهذا النقل قد يقع بالحرف، على طول فيه أحيانًا، أو اختصار، أو بالإحالة على بحث مسألة على وجه فيه تحرير وتدقيق، وهذا بعض ما يدلّل على ذلك، واللَّه الموفق:
1 - قال برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت 884 ه) في كتابه "المبدع" (7/ 68): "وقوى في "إعلام الموقعين"، أن الرجل أشدُّ شهوة من المرأة، وأنَّ حرارته أقوى من حرارة المرأة، والشهوة تتبعها الحرارة، بدليل أن الرجل إذا جامع امرأة، أمكنه مجامعة غيرها في الحال"، وهذا موجود في نشرتنا (2/ 326).
__________
(1) سيأتي تفصيل ذلك تحت عنوان (ضبط اسمه).
(2) سيأتي وصفها إن شاء اللَّه تعالى.
(1/6)

2 - وقال أيضًا في (7/ 74): "وفي "إعلام الموقعين": وظاهره أنه إذا لم يجد طولًا لحرة مسلمة ووجد طولًا لحرة كتابيه أن له نكاح الأمة، قاله في "الانتصار" لظاهر الآية، وصرح الأكثر بعدم اشتراط الإسلام. . . " وهذا موجود في نشرتنا (4/ 268).
3 - ونقل في (7/ 86)، مسألة (تزويج عبده بمطلقته) (1)، وقال: "قاله في "إعلام الموقعين"" وهذا موجود في نشرتنا (4/ 448 - 449).

في نقولات عديدة جدًّا، تراها مزبورة في هذه المقدمة، تحت العناوين: (ضبط اسمه)، (أهمية الكتاب وفائدته وأثره فيما بعده)، (موضوعه).
* ضبط اسمه (2):
ذُكِر هذا الكتاب على وجوه وألوان، الصحيح والقوي منها اثنان:
الأول: "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، وبهذا اشتهر عند العلماء والباحثين، مع التنويه على اختلافهم (3) في ضبط همزة (إعلام) هل هي بالكسر أم بالفتح؟ فذهب بعضهم إلى أنه بالكسر، وهذا هو الدارج على ألسنة علماء العصر، وسمعتُه هكذا -بالكسر- بالنطق من مجموعة من المشايخ والعلماء، منهم: شيخنا المحدث محمد ناصر الدين الألباني، وشيخنا الفقيه العلامة مصطفى الزرقاء، مع قوله: "لا يوجد -فيما أعلم- دليل يصلح للقطع بأن مؤلفه رحمه اللَّه وضعه هكذا أو هكذا، لأني أتذكر أني تتبعتُ الدلائل كثيرًا، فلم أصل إلى نتيجة قطعية. ولكلٍ دليل:
فذِكرُه -أي ابن القيم- كبارَ أهل الفُتيا والقضاء من الصحابة والتابعين على نطاق واسع: يُوحي بالفتح جمعًا (لِعَلَم) (4). وكونُه -أي الكتابْ- يتضمّن كثيرًا من الفقه والتوجيه والتأصيل الشرعي في رأيهِ وفهمِه واجتهاده: يُوحي بالكسر،
__________
(1) سيأتي ذكر لفظ ابن القيم لها بحروفها، تحت عنوان (أهمية الكتاب وفائدته وأثره فيما بعده) في النقل الثاني للمرداوي في "الإنصاف" من كتابنا هذا.
(2) انظر في ذلك: هامش "قواعد علوم الحديث" (97 - 99) للتهانوي، "ابن قيم الجوزية حياته وآثاره" (ص 127 - 130)، "القواعد الفقهية المستخرجة من إعلام الموقعين" (ص 83).
(3) أعني اختلاف الباحثين والعلماء والمطلعين المعاصرين، إذ لم يطرق الأقدمون -فيما نعلم- هذا الضبط. ولا أعرف مصنفًا في ضبط أسماء الكتب خاصة.
(4) للفتح توجيه آخر أدق وأضبط، سيأتي قريبًا في كلام الشيخ بكر أبو زيد.
(1/7)

كأنما هو خطاب للمتصدّين للفتوى والقضاء، الموقّعين عن اللَّه، فهو إعلام لهم. فتكون القضية فيه قضيةَ ترجيح لأحد الوجهين، استحسانًا باختلاف التقدير، لا قضيةَ خطأ وصواب، لأنّ مدار الخطأ والصواب في أحدهما إنما هو معرفةُ ما وضَعَ المؤلف وأراد، وهذا لم يُعرف".
وأما الفتح، فهذا الذي ذهب إليه الأستاذ العلامة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، في الطبعة التي اعتنَى بإخراجها، وطُبعت بمطبعة السعادة بالقاهرة سنة 1374 في أربعة أجزاء، فقد أَثبت الهمزة فوق الألف في كلامه لبيان اختتام كل جزء من الأجزاء الأربعة، وفي مفتتح فهرس كل جزء منها، وفي ختام كل فهرس منها أيضًا، مما دَلَّ على أن ذلك مقصود له للإشارة إلى هذا الضبط.
وقد قوّى الشيخ بكر أبو زيد (الفتح) وجوز (الكسر) في جهد بذله في مطابقة العنوان للمضمون فقال: "الإعلام -بكسر الهمزة- بمعنى (الإخبار) "، كما قال الراغب وغيره.
والموقع بمعنى المفتي والقاضي. فيكون المعنى مع تقدير متعلق الخبر (إخبار الموقعين من القضاة والمفتين عن ربّ العالمين بأحكام أفعال العبيد).
وهذا التقدير لمتعلق الخبر واضح من قول ابن القيم في مقدمته للكتاب:
"أما بعد: فإن أولى ما يتنافس فيه المتنافسون، وأحرى ما يتسابق في حلبة سباقه المتسابقون، ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلًا، وعلى طريق هذه السعادة دليلًا" (1).
ثم قال:
"ولما كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا، وشرفه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد، وأنفعها علم أحكام أفعال العبيد" (2).
وقد أفاض ابن القيم رحمه اللَّه تعالى في أجزاء الكتاب بأحكام أفعال العبيد في جملة من أبواب الدين ومسائله.
ويضاف إلى هذا التوجيه: أن عامة الذين ذكروا هذا الكتاب من مترجميه جاء رسمه بكسر الهمزة، لكن -في الواقع- أن هذا لا يعني كثيرًا من الناسخ أو الطابع أو غيرهما".
__________
(1) "أعلام الموقعين" (1/ 7).
(2) "أعلام الموقعين" (1/ 8).
(1/8)

ثم ذكر الفتح، ووجهه بقوله:
"ولم يزل في نفسي معرفة توجيه هذا القول من علماء الآفاق الذين ينطقونه هكذا (أعلام. .) بفتح الهمزة فوجدتهم يطبقون على التوجيه بأن ابن القيم رحمه اللَّه تعالى، قد ذكر في صدر كتابه جماعة من فقهاء الأمصار من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- فمن بعدهم فهو جمع (عَلَم) بمعنى شخص له أثره؛ جمعه (أعلام). فالمعنى (كبار أهل العلم من القضاة والمفتين الموقعين عن ربّ العالمين) "، ثم ذكر طرفًا من كلام شيخنا الزرقا السابق، فيه توجيه الفتح بنحو الذي ذكره، ورده بقوله:
"وفي الواقع أن هذا التوجيه ليس بالقائم، فإن ما ذكره ابن القيم في هذا الكتاب من كبار أهل الفتيا والقضاء هو: في نحو عشرين صحيفة في صدر الكتاب. والكتاب يقع في أربعة مجلدات تحوي نحو ألف صحيفة مادتها مباحث في الفقه والتوجيه والتقعيدات الشرعية فيكون هذا الاسم (أعلام. .) بهذا التوجيه لا يصدق إلا على نحو عشرين صحيفة لا غير، والاسم لا بد من دلالته على المسمى. فالتسمية والحالة هذه لا تدل عليه. فالفتح إذًا بناء على هذا التعليل سبيله الرفض واللَّه أعلم" ثم قال تحت عنوان (توجيه آخر) ما نصه:
"وإنني بعد التأمل والرجوع إلى مادة (عَلَم) في كتب اللغة تبين لي أن الذي ينبغي التعليل والتوجيه به لمن قال (أعلام الموقعين) بفتح الهمزة هو أن يقال:
إن العلَم في اللغة ما ينصب في الفلوات للاهتداء به وما يجعل على الطرق من منارات ومعالم ليستدل به على الأرض. وجمعه (أعلام) بالفتح.
ومنه قيل للراية (علَم) والجمع (أعلام). وقيل أيضًا للجبل (علم) ويجمع أيضًا على (أعلام).
وعليه يكون معنى الكتاب بالفتح (أعلام الموقعين. . .) هو: (الأحكام التي تصدر عن القضاة والمفتين الموقعين عن رب العالمين) فهي أعلام لهم تدلهم وتهديهم إلى الطريق السّوي والمَشْرع الرّوي. وهذا تساعد عليه مادة الكتاب التي تدور في معظمها على الأحكام لا على الأعلام وتتركز على أحكام الأشخاص.
ونستطيع من هذا أن نقول: بجواز الفتح والكسر لهمزة (أعلام) وهو بكسر الهمزة أشهر، وبالفتح أولى؛ لعدم الحاجة إلى تقدير متعلق للخبر كما تقدم" (1).
__________
(1) وأكد ذلك بالتسمية الثانية له، وهي "معالم الموقعين"، انظر عنها ما سيأتي قريبًا.
(1/9)

ووقعت تسميته هكذا -بهمزة في أوله-: "إعلام الموقعين" في مطبوعات كثير من الكتب، وبعضها لتلاميذ المصنف والمعتنين بكتبه، المهتمين بها، مثل: "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 450) لابن رجب (ت 795 ه)، و"المبدع" (7/ 68، 74، 86) لبرهان الدين إبراهيم بن مفلح (ت 884 ه) و"تصحيح الفروع" (6/ 281، 428 - ط دار الكتب العلمية) و"الإنصاف" (6/ 345 - ط الفقي و 20/ 433 - ط التركي) كلاهما لعلاء الدين المرداوي (ت 885 ه) و"التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح" (2/ 794) لأحمد بن محمد الشويكي (ت 939 ه)، و"شرح الكوكب المنير" (4/ 526، 545، 546) لابن النجار (ت 972 ه) وذكره ابن حجر (ت 852 ه) هكذا في "الدرر الكامنة" (3/ 402) وذكره في "فتح الباري" (12/ 336) مختصرًا هكذا "الإعلام"، وكذا في زياداته على "تهذيب الكمال" في "تهذيب التهذيب" ترجمة (يحيى بن أبي إسحاق الهنائي) (1) (11/ 157)، في جمع آخرين، يأتي ذكر بعضهم.
وهكذا سمِّي في جُلِّ النسخ الخطية (2) المعتمدة في التحقيق، وهكذا يسميه المعاصرون في أبحاثهم ومؤلفاتهم وتحقيقاتهم، ومن صنف في التراجم منهم، مثل: عمر رضا كحالة في "معجم المؤلفين" (9/ 107) والزِّركلي في "الأعلام" (6/ 56)، وهكذا وقع اسمه في "كشف الظنون" (1/ 125).
والآخر: "معالم الموقعين عن رب العالمين".
هكذا سماه خليل بن أيبك الصفدي (ت 764 ه) -وهو من تلاميذ المصنف- في "الوافي بالوفيات" (2/ 196) و"أعيان العصر وأعوان النصر" (4/ 369) و"المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي" (3/ ق 62)، وأبو ذر أحمد بن الإمام برهان الدين سبط بن العجمي (ت 884 ه) في كتابه "تنبيه المعلم مبهمات صحيح مسلم" (ص 107 - بتحقيقي) ذكره مختصرًا هكذا: "معالم الموقعين".
وقد ذكره ابن القيم (المصنف) مختصرًا هكذا "المعالم" في غير كتاب من كتبه، وهذا الذي وقفتُ عليه منها:
- قال في "الفوائد" (ص 30 - ط دار اليقين) بعد كلام: "وقد ذكرنا هذا القياس وأمثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا "المعالم"؛ بيّنا بعض ما
__________
(1) انظر: "أعلام الموقعين" (4/ 88) وتعليقي عليه.
(2) سيأتي ذكرها ووصفها.
(1/10)

فيها من الأسرار والعبر" وهذا البيان في نشرتنا (1/ 251 - 253).
- وقال في "التبيان في أقسام القرآن" (ص 146 - ط طه شاهين): "وقد بيّنّا في كتاب "المعالم" بطلان التحيل وغيره من الحيل الربوية من أسماء الرب وصفاته" قلت: وهذا في نشرتنا (1/ 126 - 127).
- وقال في "إغاثة اللهفان" (1/ 22 - ط الفقي) بعد ذكر المثالين: الناري والمائي في أوائل سورة البقرة (الآية 17، 18): "وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين وبعض ما تضمّناه من الحكم في كتاب "المعالم" وغيره".
وكلامه على هذه الحكم في نشرتنا (1/ 270 - 271).
فهذه ثلاثة مواطن صرح فيها المصنف باسم كتابه هذا: "المعالم" هكذا، وهو "معالم الموقعين" على ما ذكر بعض مترجميه والناقلين عنه فيه.
وأثبت ناسخ أصل (ك) على طرة الجزء الثالث منه: "كتاب "معالم الموقعين عن رب العالمين" وضرب على "معالم" وأثبت فوقها "إعلام"، وعنوان الكتاب في نسخة (ن): "معالم الموقعين عن رب العالمين" (1).
قال الشيخ العلامة بكر أبو زيد -حفظه اللَّه تعالى- بعد ذكره التسميتين السابقتين: "إعلام" و"معالم":
"وهذا غير ممتنع أن يسمي المؤلف كتابه باسمين، وله نظائر في أسماء مؤلفاته، وهو مسلك مألوف عند أهل العلم.
وهذه تسمية سليمة تنتظم موضوع، الكتاب ومادتَه، لأن (معالم) جمع (معلم) ومعلم الشيء دلالته، ومنه معلم الطريق، وما يستدل به عليه من أثر ويجمع على (معالم).
وتكون تسمية الكتاب بهذا (معالم الموقعين) مطابقة تمامًا لمن سماه بلفظ (أعلام الموقعين) بناء على التوجيه الذي استظهرته قريبًا واللَّه أعلم".
بقي بعد هذا التنبيه على ورود اسم الكتاب على وجهٍ فيه تطبيع أو خطأ، وجاء هذا أيضًا على وجهين، هما:
الأول: "إعلام -بكسر الهمزة- الموفقين -بالفاء- عن رب العالمين" هكذا أُثبِت في مطبوع "هدية العارفين" (2/ 158) للبغدادي، وهذا خطأ قطعًا، يُعلم
__________
(1) ذكره "معالم الموقعين" هكذا: ناشر "زاد المعاد"، الطبعة النظامية الهندية، سنة 1298 ه.
(1/11)

ذلك يقينًا من خلال المرور على الكتاب، فإن الأوهام والأخطاء والتطبيعات كثيرة فيه، والآخر: "أعلام -بفتح الهمزة- الموفقين -بالفاء- أيضًا".
هكذا ذكره محمد أنور الكشميري (ت 1352 ه) في كتابه "فيض الباري على صحيح البخاري" (2/ 267) عند كلامه على مسألة (قبض اليدين في الصلاة)، قال وأغرب قلمه: "ومر عليه ابن القيم في "أعلام الموقعين" (والصحيح أنه "أعلام الموفقين")، وقال: إن الحديث رواه ابن خزيمة. . . ".
قلت: هذا الوجه كالذي قبله، "غريب، يُعدُّ من سبق القلم، وتغيير الاسم العَلَم، وهو ليس بجائز إلا بنصٍّ عن صاحبه. وقد تابعه على هذه التسمية تلميذه الشيخ محمد بدر عالَم الميرتهي رحمه اللَّه في تعليقاته على "فيض الباري" وهي من إملاءات الكشميري أيضًا، وذلك في مواضع، منها: (2/ 259 و 3/ 241)، فأثبته "أعلام الموفّقين". وقد علمت ما فيه، فلا تَهِم فيه" (1).
والخلاصة أن الصواب "إعلام الموقعين" و"معالم الموقعين".
"وأنه ليس هناك نص من المؤلف أو من قدماء النقلة على فتح الهمزة أو كسرها في "إعلام"، وأن كسر الهمزة هو الأكثر المستفيض، والاستفاضة طريق من طرق الحكم الشرعي في فك الخصام وفي النزاع برد الحقوق إلى مستحقيها، فهي هاهنا من باب الأولى والأحرى. فيجوز النطق بكسرها.
كما يجوز نطقه بفتحها؛ لأنه تضمن قواعد وأحكامًا يُهتدى بها، والفتح بهذا التعليل يساعده ويقويه ورود تسمية الكتاب بلفظ (معالم الموقعين)، وأن تعليل فتح الهمزة بأنه يحوي جملة من أسماء القضاة والمفتين غير متوجه، كما أن تسميته بلفظ (أعلام الموقعين) لا مستند لها، بل هي تسمية غريبة وشاذة، واللَّه أعلم" (2).

* حجمه:
طبع الكتاب أكثر من مرة (3)، وجل طبعاته في أربع مجلدات وأصله في ثلاث، وقد وصفه تلميذ المصنف صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت 764 ه) بقوله في "أعيان العصر" (4/ 369) و"الوافي بالوفيات" (2/ 196)
__________
(1) من هامش "قواعد في علوم الحديث" (ص 98 - 99).
(2) "ابن القيم الجوزية: حياته وآثاره" (ص 132).
(3) سيأتي الكلام على طبعاته.
(1/12)

عنه: "سِفر كبير"، وقال ابن رجب (1) في "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 450): "ثلاث مجلدات"، وكذلك قال الداودي في "طبقات المفسرين" (2/ 63) وصديق حسن خان في "أبجد العلوم" (3/ 140) والحجوي في "الفكر السامي" (2/ 20 - ط الرباط و 2/ 292 - ط الباز).
وقال علاء الدين المرداوي في "الإنصاف" (20/ 433 - ط عبد اللَّه التركي) بعد مسألة: "قال ابن القيم رحمه اللَّه في "إعلام الموقعين" في الجزء الثالث في "الحيل" وقال في "تصحيح الفروع" (6/ 428 - ط دار الكتب العلمية أو 6/ 494 - ط عالم الكتب) في مسألة في (الحيل) -وهي (تضمين المفتي) -: "قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" في الجزء الأخير. . "، فحاصل هذين النَّقلين أن نسخته ثلاثة أجزاء، فتأمل.
وظهر الكتاب مطبوعًا في ثلاثة أجزاء في مطبعة فرج اللَّه الكردي (2)، سنة 1325 ه - 1907 م، بمصر وهكذا وقعت تجزئة الكتاب في كثير من أصوله الخطية، مثل نسخة (3) (ك) من أصولنا المعتمدة، وكذلك النسخة المحفوظة في العراق بخط نعمان الآلوسي رحمه اللَّه تعالى، وغيرهما.

* موضوعه ومباحثه:
- توطئة:
زعم بعض المعاصرين (4) أنه كتاب في (التوحيد)! وهذا ليس بصحيح، وفي الحقيقة أن ترتيب مؤلفات ابن القيم بالنسبة إلى موضوعها، أعني: العلم الذي يبحث فيه كل مؤلف -بحيث نقول: إن هذا الكتاب في التوحيد، وهذا في الحديث، والآخر في الأصول- أمر عسر، لأنّ أي مؤلف من مؤلفاته لا يعالج موضوعًا وفنًّا واحدًا، فكتابنا هذا على الرغم أنه ليس في التوحيد، إلا أن فيه استطرادات (5) في
__________
(1) وعنه ابن العماد في "شذرات الذهب" (6/ 169) وصديق حسن خان في "أبجد العلوم" (3/ 140).
(2) انظر: "معجم المطبوعات العربية والمعربة" (1/ 223) "ذخائر التراث العربي" (1/ 220).
(3) سيأتي إن شاء اللَّه تعالى وصفُها.
(4) هو يوسف سركيس الدمشقي في كتابه "معجم المطبوعات العربية والمعربة" (1/ 223 رقم 3).
(5) انظر -مثلًا-: كلامًا في (الإرجاء) في (3/ 144) وكلامًا في (العلو) في (3/ 75) وكلامًا في (المقارنة بين الشرائع) في (2/ 303 - 304)، ففي هذه المواطن تقر عين الموحد، ويفرح ببرد اليقين الذي يجده عنده، بخلاف غيرهم من أهل البدع والعقائد الفاسدة، واللَّه الهادي.
(1/13)

التوحيد، لا تكاد تجدها بالوضوح والقوة المطروقة فيه في الكتب المختصّة بذلك، وهكذا.
ومن هاهنا؛ نستطيع أن نقرر أن الغالب على كتابنا هذا (مباحث أصولية) واستطرادات (فقهية) (1)، جمعها عقدُ (أسرار الشريعة)، وأنها (قواعد) مطردة، والغالب عليها أنها (معلَّلة)، ولم يشذ منها شيء عن (العقل) الصحيح، و (القلب) السليم، و (الذوق) الجيد، التابع ذلك كله لنصوص الوحيين الشريفين، وآثار السلف الصالحين ومنهجهم في التلقِّي والاستنباط والفتوى، البالغ (الذروة)، بحيث اصطفاهم اللَّه لنبيِّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، كما اصطفى (نبيَّه) -صلى اللَّه عليه وسلم- لسائر الخلق، فهم القدوة، وفي منهجهم -فقط- يُعبد اللَّه بحق، وتأتي -حينئذٍ - العبادة بثمارها وبركاتها وآثارها، فينال صاحبها خيري الدنيا والآخرة، ويتقلب في مرضاة اللَّه عز وجل في الدور الثلاثة: الدنيا، والبرزخ، والآخرة.
__________
(1) يجد الناظر في قائمة مصادر دراسات المعاصرين عند تقسيمهم إياها على (الموضوعات) اضطرابًا في (تصنيف) كتابنا هذا، فمثلًا، ذكره الدكتور مصطفى جمال الدين في كتابه "البحث اللغوي عند الأصوليين" (ص 318) تحت (مصادر متنوعة في التفسير والحديث والتاريخ والطبقات وأمثاله)! وذكره الدكتور سالم الثقفي في كتابه "الزيادة على النص" (ص 132) تحت (مراجع عامة ومعاجم لغوية ودوائر معارف)! وذكره بعضهم تحت (كتب الفقه) قال المحمصاني في كتابه "المجاهدون في الحق" (ص 169) عن ابن القيم: "وأهم كتبه الفقهية كتاب "أعلام الموقعين"" وذكره آخرون تحت (كتب الأصول) كما فعل الشيخ راغب الطباخ في كتابه: "الثقافة الإسلامية" (ص 409 ط سنة 1369 ه) وذكره غيرهم تحت (كتب الحنابلة)! مع أنه لم يرد له ذكر في "المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة".
ويعجبني وصفه ب "موسوعة فقهية أصولية" كما في "مقاصد الشريعة" (ص 111).
ومما يستحق الذكر بهذا الصدد، قول صاحب "من أحكام الديانة" (السفر الأول) (ص 151): "وأصول الفقه والفقه علمان، لهما علم يشتركان فيه، ينبغي أن يكون فرعًا مستقلًا باسم (علوم علم الفقه وأصوله)، فيدخل فيه آداب المفتي والمستفتي، وأهلية الأصولي والفقيه، وتاريخ التشريع" انتهى.
قال أبو عبيدة: ومباحث كتابنا: "الأعلام" هي المشتركة بين علمَي: الفقه والأصول، وإن كانت تارة إلى الفقه أظهر، بل بعض المسائل فيه فقهية خالصة، ولكن ساقها لتعلّقِ لها بالأصول، أو لإظهار حكَمِها وأسرارها، أو تأييدًا لمسألة شبيهة بها، أو نحو ذلك، مع مراعاة بنائه المسائل على الآثر بتَوسع، فهو كتاب فقه، توسع فيه في الاستدلال والتأصيل والتحليل؛ ولذا ذكره الشيخ بكر أبو زيد في "المدخل المفصل" (2/ 894) تحت عنوان (الكتب الجوامع في الفقه وغيره) وذكره (2/ 990) ضمن (الكتب الجوامع)، أيضًا.
(1/14)

نعم، هنالك استطرادات في معالجة مسائل امتُحِن بسببها المصنف وشيخه ابن تيمية، هي ثمار لتلك القواعد والأصول والأسرار التي قامت بقوة في نفس صاحبها، وتبرهنت عنده أدلة جليّة قوية تخصّها، وقوّتها عنده لما رآها قد وردت على وجه القطع في عموم نصوص الشريعة، فزادته تقريرًا وزانت في أعين الناظرين إليها، ووزنت حجج المخالفين لما تقع المقارنة بينها.

- رد مؤاخذة، وبيان أمر كلّي على عجالة:
وينبغي أن ينظر إلى هذه الاستطرادات بالسياق والوقت الذي كتبت فيه، فهي -في الجملة- من انفرادات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في ذلك الوقت، ووقع تشغيب عليهما بسببها، فلا أقلّ من أن تذكر بتأصيل وتفصيل، وتعالج معالجة علمية منصفة متجردة، بعيدة عن (المألوف) آنذاك، منسجمة مع (أصولها) و (حِكَمها) و (أشباهها) و (نظائرها)، لتوضع موضعها، ويراعى فيها (الحق) و (العدل)، فلا مندوحة في هذا الاستطراد لمن راعى هذه المسوِّغات (1)، وهي بمثابة (المسائل الأنموذجية) العلمية العملية، على تلك الموائمة الرائعة بين (الألفاظ) و (المعاني)، والتخريج العلمي الرزين بين (الأصول) و (الفروع)، والربط المحكم الوثيق بين (الأحكام) و (الحِكَم).
ومما ينبغي أن لا ينسى أن هذه المسائل التي نسجها ذلك العقد من (الحِكَم) و (الأسرار) وتضمنتها تلك (المسائل) و (الفروع) القائمة على (الأصول) و (النصوص) و (الآثار)، حواها جميعًا ثوبٌ زاهٍ قَشيبٌ، ربطت فيه -كلٌّ بمقداره وموقعه منه-، وهو موضوع (الفتوى) و (المفتين)، ومعالجة ما يقعون فيه من تجاوزات، والخروج عن (السابلة)، وتورطهم في الوقوع ب (الحيل).

- فصول نافعة وأصول جامعة في القياس:
وهذه كلمات مجموعة من العلماء والباحثين والمطلعين، فيها إبراز لمباحث مميزة في هذا الكتاب:
- قال صديق حسن خان في "ظفر اللاظي بما يجب في القضاء على القاضي" في آخر (مقدمته) (ص 28):
"وفي "إعلام الموقعين عن رب العالمين" فصولٌ نافعة، وأصول جامعة في
__________
(1) قارنه -لزامًا- بما في "القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين" (151، 154).
(1/15)

تقرير القياس، والاحتجاج به، ولعلك لا تظفر بها في غير ذلك الكتاب، ولا بقريب منه" (1) انتهى.
قلت: نعم، في كتابنا هذا فصول ثلاثة عن القياس تكاد لا تجدها في كتاب، وهي:
الأول: في بيان شمول النصوص للأحكام، والاكتفاء بها عن الرأي والقياس.
الثاني: في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس، وبطلانها مع وجود النص.
الثالث: في بيان أنَّ أحكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح، وليس فيما جاء به الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح.
قال ابن القيم في كتابنا (2/ 116) بعد ذكره هذه الفصول الثلاثة:
"وهذه الفصول الثلاثة من أهم فصول الكتاب، وبها يتبيّن للعالِم المنصف مقدار الشريعة وجلالتها وهيمنتها وسعتها وفضلها وشرفها على جميع الشرائع، وأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كما هو عامُّ الرسالة إلى كل مكلف، فرسالته عامة في كل شيء من الدين أصوله وفروعه، ودقيقه وجليله، فكما لا يخرج أحدٌ عن رسالته، فكذلك لا يخرج حكم تحتاج إليه الأمة عنها، وعن بيانه له".
قال: "ونحن لا نعلم أنا لا نوفِّي هذه الفصول حقَّها ولا نقارب، وأنها أجلُّ من علومنا، وفوق إدراكنا، ولكن ننبه أدنى تنبيه، ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح أبوابها، وينهج طرقها، واللَّه المستعان، وعليه التكلان".
قرر هذا بعد ذكره خطأ القياسيين من خمسة أوجه (2)، وركز في مباحث الفصول الثلاثة على ضرورة التنبيه على: "التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثيرٌ منه على أفاضل العلماء فضلًا عمن هو دونهم، فإن إدراك الصفةِ المؤثرةِ في الأحكام على وجهها ومعرفة المعاني التي عُلِّقت بها الأحكام من أشرف العلوم، فمنه الجليُّ الذي يعرفه أكثر الناس، ومنه الدقيقُ الذي لا يعرفه إلا خواصُّهم، فلهذا صارت أقْيِسَةُ كثيرٍ من العلماء تجيءُ مخالفةً للنصوص لخفاء
__________
(1) ذكرها صديق حسن خان في كتابه "الجنة بالأسوة الحسنة بالسنة" وكذلك فعل ابنه محمد أبو الخير في "الطريقة المثلى في الإرشاد إلى ترك التقليد واتباع ما هو الأولى" (ص 49 - 61) الفصلان: السابع والثامن بتمامهما.
(2) انظرها في (2/ 115).
(1/16)

القياس الصحيح، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام" (1).
ولم يأتِ في هذا الذي قرره ببدع من القول، بل هو الجادة المطروقة، وقد صرح هو بذلك؛ فأصغ إليه وهو يقول في (2/ 256):
"لم أجد أجود الأقوال إلا أقوال الصحابة، وإلى ساعتي هذه ما علمت قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه، لكن العلم بصحيحِ القياسِ وفاسدِه من أجَلِّ العلوم، وإنما يَعرف ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد، وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد، وما فيها من الحكمة البالغة والنعمة السابغة والعدل التام، واللَّه أعلم" (2).
واشتهر هذا المبحث عن ابن القيم، وصرح في كتابنا هذا أنه كان هو السبب في تقرير شيخه ابن تيمية إياه (3)، قال في (2/ 165): "وسألتُ شيخنا -قدس اللَّه روحه- عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم: هذا خلاف القياس (4). . . فقال: ليس في الشريعة ما يخالف القياس" قال: "وأنا أذكر ما
__________
(1) "إعلام الموقعين" (2/ 238).
(2) انظر -له-: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (17/ 182) وانظر منه: (8/ 179 و 13/ 19 و 146/ 14) و"شفاء العليل" (400 - 430) و"الجواب الكافي" (39 - 41) و"مفتاح دار السعادة" (350 - 351) كلها لابن القيم، و"تعليل الأحكام للشلبي" (14 - 22) و"أضواء البيان" (4/ 679).
(3) ألف الشيخ عمر بن عبد العزيز رحمه اللَّه كتابًا بعنوان "المعدول به عن القياس، حقيقته وحكمه وموقف شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية منه"، وقد نشر محب الدين الخطيب ما يخص هذه المسألة في كتاب، جمع فيه كل كلام ابن تيمية وابن القيم، وانظر -لزامًا-: ما سنذكره في هذه المقدمة تحت عنوان (بين المصنف وشيخه ابن تيمية).
(4) توسع الحنفية في هذا، ولذا نازع متأخروهم ابنَ القيم في رده عليهم، انظر -مثلًا-: مبحث (الإجارة) هل هو على خلاف القياس أم لا؟ في "إعلاء السنن" (16/ 182 - 183)، ولأبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري مبحث مطول في ذلك، راجعه في "من أحكام الديانة" (السفر الأول) (ص 336 - 357)، وهو بعنوان: "عقد الإجارة مظهر للقياس الصحيح، وتحقيق الخلاف بين الحنفية وابن قيم الجوزية، ومعنى القياس هاهنا" واعتنى عناية قوية بمناقشة كلام ابن القيم، وبيان مراده على وجه تفصيلي تحليلي، تظهر منه دقة ابن القيم الشديدة، وقارنه بما في "تمكين الباحث من الحكم بالنص بالحوادث" لوميض العمري (ص 42 - 43)، واللَّه الموفق.
(1/17)

حصَّلته من جوابه بخطّه ولفظه، وما فتح اللَّه سبحانه لي بيُمن إرشاده، وبركة تعليمه، وحسن بيانه وتفهيمه". وقال في (3/ 158) بعد كلام: "وهذا مما حصّلته عن شيخ الإسلام -قدس اللَّه روحه- وقت القراءة عليه، وهذه كانت طريقته، وإنما يقرر أن القياس الصحيح هو ما دل عليه النص، وأنَّ من خالف النص للقياس فقد وقع في مخالفة القياس والنص معًا".
قلت: فهذا المبحث إذن عند مصنفنا وهو في أصوله من بركات وحسنات شيخه ابن تيمية، ولذا قال محمد بن أحمد الفتوحي، الشهير ب (ابن النجار) (ت 972 ه) في كتابه النافع "شرح الكوكب المنير" (4/ 225): "وقد ذكر الشيخ تقي الدين -وتبعه ابن القيم- أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس، وما لا يُعقل معناه، وبيّنَا ذلك بما لا مزيد عليه".
وظفرت بنحوه للمرداوي (ت 885 ه)، قال في "التحبير في شرح التحرير" (7/ 3539): "قلت: قد ذكر الشيخ تقي الدين وتبعه ابن القيم في "إعلام الموقعين" أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس ولا ما لا يعقل معناه، وبيَّنوا ذلك بما لا مزيد عليه، واللَّه أعلم".
ولخَّص العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني في رسالته المسّماة: "الاقتباس لمعرفة الحق من أنواع القياس" كلام ابن القيم هذا، وتصرف فيه، ولم يخرج عنه، وإن لم يصرح بالنقل عن ابن القيم فيها، إلا أن اسمها "الاقتباس" يدلل على ذلك، وكذلك قوله في آخرها (ص 53): "انتهى ما أردتُ نقله، وتقريبه للناظرين، وتحقيقاته للمتناظرين، وبيان طرق القايسين، وشعب الطرق بهم ذات الشمال وذات اليمين، فمن حقق ما قربناه، وكرر النظر فيما سُقناه؛ اتضح له ما كان خفيًّا، وصار بعد ذلك أمرًا جليًا، بنشرنا ما كان مجملًا ومطويًا" وصدق رحمه اللَّه فيما قال.

- عناية المصنف بكتاب عمر في القضاء:
وكانت هذه المباحث البديعة التي لا تكاد تجدها في غير كتابنا هذا استطرادًا عند شرح ابن القيم كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء (1).
وهذا الكتاب مهمٌّ، وله موقعٌ بارزٌ في "إعلام الموقعين" وأخذ شرحُه مساحة
__________
(1) انظره في نشرتنا (1/ 158).
(1/18)

واسعة منه (1)، وقد نبه على هذا العلماء.
قال صديق حسن خان في "ظفر اللاظي" (باب وجوب نصب ولاية القضاء والإمارة وغيرهما) (ص 76 - 77) بعد أن أورد الكتاب بطوله، قال: "قال الحافظ ابن القيم في "إعلام الموقعين": "هذا كتاب جليل، تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوجُ شيء إليه، وإلى تأمّله (2)، والتَّفقّه فيه. . . " (3) انتهى. ثم شرح هذا الكتاب، وأطال إطالة حسنةً تُستطاب، وأتى بالعجب العُجاب في ضمن الفصول إلى آخر الكتاب" انتهى.
وقال الشيخ محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي (4) في كتابه "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" (5):
"وهذا الكتاب كاف في سعة مدارك عمر في الفقه والتشريع وأحكام الضوابط، وفيه التنصيص على أصول مهمة كقياس الشبه، وتقديم الكتاب على السنة، ثم هي على الرأي، ولذلك خص بالشرح، وشرحه في "إعلام الموقعين" بنحو ثلاثة أسفار (6) فانظره تَرَ ما استنبط منه من الأحكام والأسرار، ومنه استنبطت كيفية القضاء وأحكامه".
وقد أشاد جمع من المعاصرين بصنيع ابن القيم في شرحه كتاب عمر، وهذه جملة من النقولات التي تدلل على ذلك:
* قال أستاذنا العلامة مصطفى الزرقا رحمه اللَّه في كتابه "المدخل الفقهي العام" (1/ 74 - 75) بعد أن نقله بتمامه: "وقد تولى ابن القيم شرحه بإسهاب في مواطن عديدة من "إعلام الموقعين"".
* وقال المستشار علي منصور في "نظم الحكم والإدارة" (ص 293): "جمع -أي عمر -رضي اللَّه عنه- فيها، جل الأحكام، واختصرها بأجود الكلام، وجعل الناس
__________
(1) هو في نشرتنا في المجلد الأول من صفحة (158) إلى (آخره) ومن (أول) المجلد الثاني إلى (ص 438) وينتهي بانتهاء المجلد الأول من بعض الأصول الخطية: مثل (ق) و (ك).
(2) تحرف في مطبوع "ظفر اللاظي" إلى: "وإني تأمّلته"!! فليصحح.
(3) "الإعلام" (1/ 163 - نشرتنا).
(4) قد يفهما من كلامه أن كتاب "الأعلام" خاص بشرح كتاب عمر، وهذا ما صرح به بعض المعاصرين! وسيأتي كلامهم ومناقشته، واللَّه الموفق.
(5) (2/ 20 - ط الرباط سنة 1340 ه و 2/ 297 - ط الباز).
(6) العبارة توهم أن "إعلام الموقعين" بتمامه شرح لكتاب عمر! والأمر ليس كذلك!
(1/19)

بعده يتخذونها إمامًا ولا يجد محقُّ عنها معدلًا، ولا ظالم عن حدودها محيصًا" ثم ذكر أنه نقلها عن ابن القيم، وأنه شرحها في "إعلام الموقعين" في أكثر من أربع مئة صفحة.
*وقال الشيخ الأستاذ مناع القطان رحمه اللَّه في كتابه: "التشريع والفقه الإسلامي تاريخًا ومنهجًا" (ص 126): "وكتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، كتاب فريد في بابه، يجمع كثيرًا من قواعد الأصول والفقه واستنباط الأحكام، ويدل على أصالة رأي، ودقّة فهم، وحسن بصيرة" قال:
"وقد شرحه العلامة ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين" شرحًا مستفيضًا واستخلص منه علمًا غزيرًا".

- هل كتاب "الأعلام" شرح لكتاب عمر في القضاء؟
بل ذهب بعض المعاصرين إلى أكثر من هذا، فجعلوا كتابنا هذا "إعلام الموقعين" خاصًا بشرح كتاب عمر في القضاء إلى أبي موسى الأشعري!
قال الحجوي الثعالبي في "الفكر السامي" (2/ 20) بعد كلام عن كتاب عمر:
"وشرحه في "إعلام الموقعين" بنحو ثلاثة أسفار، فانظره تَرَ ما استنبط منه من الأحكام والأسرار، ومنه استُنْبِطَتْ كيفية القضاء وأحكامه".
وقال الأستاذ عبد العزيز مصطفى المراغي في تحقيقه الجيد لكتاب "أخبار القضاة" لوكيع، خص هامش (1/ 73 - 74) لهذا الكتاب، ومما قاله فيه: "وقد تولى تفسيره كثير، منهم:. . . و"إعلام الموقعين" لابن القيم يكاد يكون كتابًا موضوعًا لشرح كتاب عمر، اتخذ التعليق عليه وسيلة للإفاضة في كثير من أسرار التشريع التي نصب ابن القيم نفسه لبيانها، والدفاع عنها".
وتصريح الأستاذ محيي هلال السرحان أوضح في الدلالة على ذلك، قال بعد كلام: "إن ابن القيم قد ألف كتابه "إعلام الموقعين" بشرحه لخصوصه" (1).
قال أبو عبيدة: في كلامه هذا تجوّز، نعم، عناية ابن القيم بشرح كتاب عمر
__________
(1) "أدب القاضي" بشرح الصدر الشهيد (1/ 214 - الهامش)، وصرح جمع من المعاصرين بإفاضة ابن القيم في "إعلام الموقعين" بشرح كتاب عمر في القضاء، انظر -على سبيل المثال-: ترجمة الأستاذ محمد رشدي لكتاب "فن القضاء" لمؤلفه ج. رانسون (ص 171 وما بعد) والدكتور عطية مشرف في كتابه "القضاء في الإسلام" (96).
(1/20)

في القضاء لا تنكر، ولكن جعل كتاب "الأعلام" شرحًا له فحسب، فهذا أمر غير صحيح، وبهذه المناسبة نقرر الآتي:
إن مادة كتاب "الإعلام" بالجملة هي الفقه وأصوله، وذكرت المسائل الفقهية خدمة لأصول عالجها وأفاض فيها على طريقة لا تكاد تجدها، لا من حيث المضمون ولا الأسلوب في بطون الكتب الأصولية المطروقة (1)!
ويعجبني كلام الشيخ بكر أبو زيد في وصف مباحث الكتاب: قال عنه: "الجامع لأمهات الأحكام، وحقائق الفقه، وأصول التشريع، وحكمته وأسراره" (2).
وإليك وصف عام لكتابنا هذا حتى الوصول إلى ما بدأنا به من الكلام على القياس (3):

- مباحث كتاب "الأعلام" لغاية إيراد المصنف كتاب عمر في القضاء:
كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" ذخيرة جليلة، عامرة بمباحث قيمة في الفقه والأصول والأحكام والقضاء يعتد بها أهل السنة على اختلاف مذاهبهم، ويقدِّرون ما تميَّزت به من سعة الأفق وشمول النظر ودقة التناول وقوة الحجة في الدفاع عن مذاهب أصحاب السنة.
الفصول الأولى من "الأعلام" خصصت للكلام عن الفتوى (4) وكونها توقيعًا
__________
(1) ولذا قال صاحب "ضوابط للدراسات الفقهية" (ص 125 - 126): "إن هناك عددًا من العلماء تناولوا الأصول دون التقيّد بمذهب معين كما هي الحال في دراسات شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم تلميذه ابن القيم، خاصة في كتابه "إعلام الموقعين"".
وعدّ صاحب "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة" (ص 549) كتابنا هذا ضمن (قائمة بجهود ابن القيم في أصول الفقه) وأعاده (ص 563) ضمن (قائمة بأسماء الكتب المشتملة على أبحاث أصولية لأهل السنة والجماعة)، إلا أنه صرح في (ص 40) منه أنه "ليس خاصًا في أصول الفقه إلا أنَّ معظم مباحثه تتعلق بالأصول" ثم عرف به بكلام سأذكره قريبًا إن شاء اللَّه.
(2) "ابن قيم الجوزية: حياته وآثاره" (ص 71 - 72).
(3) مأخوذ بتصرف من كتاب "رسالة القضاء لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب" (ص 372 وما بعد) للأستاذ أحمد سحنون، وفيه رد على من زعم أن كتابنا هو عبارة عن شرح لرسالة عمر فقط!
(4) اشتهر الكتاب بهذه المباحث، إذ بدأ المصنف كتابه بها، وختمه بمباحثها التأصيلية، ثم سرد فتاوى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وظهر أثر هذه المباحث التي تخص الفتوى على وجه جلي في =
(1/21)

عن اللَّه تعالى (1)، وأول من وقع عنه، سبحانه، الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم الصحابة -رضي اللَّه عنهم- وفيهم مكثرون من الفتوى ومتوسطون ومُقلُّون- ومن صارت إليه الفتوى من التابعين، ثم من فقهاء الأمصار الإسلامية بالمشرق والمغرب، تليها فصول عن الأصول الخمسة لفتاوى الإمام أحمد -رضي اللَّه عنه-:
النص من الكتاب والسنة، وما أفتى به الصحابة، فإذا اختلفوا في فتاويهم فأقربها إلى الكتاب والسنة، ثم الأخذ بالحديث المرسل وبالضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، ثم القياس. ومنه عقد فصولًا في: كراهة العلماء التسرع في الفتوى والجرأة عليها، وخطر ولاية القضاء، وخطر القول على اللَّه تعالى بغير علم.
وإطلاق الأئمة لفظ الكراهة على ما هو حرام، وكلامهم في أدوات الفتيا وشروطها، وهل تجوز الفتوى بالتقليد؟ وتحريم الإفتاء في دين اللَّه بالرأي إلا ما كان منه مقبولًا محمودًا، وذلك هو رأي الصحابة، والرأي المفسر للنصوص،
__________
= كتب الأصول التي ألفت في القرن التاسع وما بعد، وسيأتي تفصيل ذلك تحت عنوان (أهمية الكتاب وفائدته وأثره فيما بعده).
والغالب على الظن أن جل مباحث كتاب صديق خان المسمى "ذخر المحتي من آداب المفتي" من كتابنا هذا.
ثم رأيته مطبوعًا فوجدت الشيخ عبد القادر الأرناؤوط -حفظه اللَّه- يقول في تقديمه له (ص 5): "وقد اختصر هذا البحث من كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" لشيخ الإسلام ابن قيم الجوزية -رحمه اللَّه- وزاد عليه فوائد عظيمة، وفرائد مفيدة. . . " وقال محققه أبو عبد الرحمن الباتني نحوه في (ص 12) ثم رأيت المصنف نفسه يقول فيه (ص 25): "فجمعت في هذا السفر من آداب الفتيا وشأن التقليد ما نطق به أئمه هذا الشان، وأثبتوه في كتبهم بأبلغ برهان، وأشفى بيان، لا سيما ما حققه الواحد المتكلم الحافظ محمد بن أبي بكر القيم في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين" من فوائد هذا الباب، وشواهد هذا الإياب والذهاب، فاستفدتُ منه فوائد أثيرة، وزدت عليه فرائد يسيرة". وانظر منه: (ص 30، 32، 34، 42، 44، 49، 52، 56، 58، 61 - 62، 63، 65، 66، 68، 90، 98، 99، 101، 118، 126، 129، 131، 132، 134 - 135، 152 - 153، 173، 180 - 181).
(1) هذه تسمية قديمة مسبوق بها ابن القيم، قال ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (ص 27) بعد كلام: "ولذلك قيل في الفتيا: إنها توقيع عن اللَّه تبارك وتعالى"، وانظر: "المجموع" (1/ 73) للنووي، وهي خير من تسمية القرافي في كتابه "الإحكام" (ص 25) ب (ترجمان عن اللَّه)، انظر: "الفتيا" لمحمد الأشقر (ص 26)، و"من يملك حق الاجتهاد" (ص 7) للعودة، و"ابن القيم أصوليًا" (ص 357 - 358).
(1/22)

والذي تواطأت عليه الأمة وتلقاه الخلف عن السلف، فإن لم يجد المفتي، أو القاضي، ذلك، اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب اللَّه تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام وأقضية أصحابه -رضي اللَّه عنهم-.
وهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة واستعملوه وأقر بعضهم بعضًا عليه. . .
وهنا ساق المصنف (كتاب عمر -رضي اللَّه عنه- في القضاء)، عند وصوله إلى (الرأي المقبول) بأنواعه الأربعة، أورده في النوع الأخير منها.

- مباحث (الفتوى) في الكتاب:
ولا بد هنا من إبراز (مباحث الفتوى) (1) في كتابنا هذا، إذ كاد أن يكون أوسع معلمة فيها، ولذا قال صديق حسن خان في "إكليل الكرامة" (ص 80 - 81) بعد كلام: "فالكلام في شروط المفتي وما يُعتبر به مبسوط في كتب الأصول والفقه، وقد أوضحها. . . والحافظ الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين عن رب العالمين" بما يشفي العليل، ويروي الغليل، فإنْ شئت الاطلاع، فارجع إليه، يتَّضح لك الحق من الباطل، والخطأ من الصواب، ولا تكن من الممترين" (2).
وذكر عبد القادر بدران في "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل" (ص 392) مسائل في (الفتوى)، وقال:
"واعلم أن أمثال هذه المباحث، يُكْثِر من ذكرها الفقهاء في كتب الفروع في (باب آداب القاضي والمفتي)، فلا نطيل بها هنا، وقد أوسع المجال في هذا المقال الإمامُ شمس الدين محمد ابن قيم الجوزية في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين" بما لا مزيد عليه، فليُراجعه من أراد استطلاع الحقّ مِنْ برُوجه، فَجزاه اللَّه خيرًا" انتهى.
وصدق رحمه اللَّه تعالى، إذ إن اختياراته في (مباحث الفتوى) ظاهرة عند كثير من العلماء والباحثين والمطلعين، على حسب ما يأتي بيانه تحت عنوان (أهمية الكتاب وفائدته وأثره فيما بعده).

- الرأي وأنواعه:
وأما (الرأي وأنواعه) فتقسيمات المصنف له بديعة، واستدلالاته لها غالية،
__________
(1) لا تنس أن للمصنف عودة حميدة مفصّلة مع هذه المباحث، وانظر ما سيأتي (681).
(2) الظاهر أنه ألف كتابه المشار إليه قريبًا في (الفتوى) بعد تأليفه "إكليل الكرامة"، فتأمل!.
(1/23)

رفيعة، فيها حق وعدل، وإنزال للآثار السلفية في موضعها، على وجه لا تجده بهذا التأصيل والتقسيم والتفريع والتدليل في كتاب (1)، ولذا كان محط إعجاب وتقدير كثير من الباحثين المعاصرين (2).

- أصول الإمام أحمد:
بقي الكلام على (أصول الإمام أحمد)، فإن المصنف أولاها (عناية فائقة)، بسبب معرفته القويّة لها، وحذْقه وإعجابه بها، وسيأتيك نقل طويل من كلامه يدلل على ذلك تحت مبحث (مصادر المصنف وموارده) وقد نقل ابن بدران هذه الأصول في (العقد الثالث) -وهو خاص بها- في كتابه "المدخل" (ص 121 - 129)، قال في آخرها: "هذا مجمل مسالك الإمام أحمد في الفتيا والاجتهاد واستنباط الأحكام" (3).

هذه أهم المباحث التي تطرق إليها المصنف، قبل سرده كتاب عمر -رضي اللَّه عنه- في القضاء.
- كتاب عمر -رضي اللَّه عنه- في القضاء (4):
يأخذ شرح (كتاب عمر في القضاء إلى أبي موسى الأشعري) موضعًا هامًا وواسعًا من كتابنا هذا، فهو يأتي في نشرتنا هذه في جزئين (الأول والثاني)، فهو
__________
(1) قال في (1/ 124) بعد إيراده للآثار: "ولا تعارض -بحمد اللَّه- بين هذه الآثار، عن السادة الأخيار، بل كلها حق، وكل منها له وجه، وهذا إنما يتبيّن بالفرق بين الرأي الباطل -الذي ليس من الدين- والرأي الحق، الذي لا مندوحة عنه لأحد من المجتهدين، فنقول وبالله المستعان. . . ".
(2) انظر -على سبيل المثال-: "القول المفيد" للشوكاني (56، 57 - ط عبد الرحمن عبد الخالق)، و"وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة وخطر التقليد" لعلي خشان (ص 36 - 38)، و"المدخل إلى الفقه الإسلامي" (ص 196 - 197 - ط الثانية) للخياط، و"فقه الاختلاف" لعمر الأشقر (65 - 67)، و"مراعاة الخلاف" (75) للسنوسي، ويظهر النقل جلبًا من كتابنا هذا في المؤلفات المفردة في الرأي، مثل: "الرأي وأثره في الفقه الإسلامي" لإدريس جمعة و"الرأي في الفقه الإسلامي" لمختار القاضي.
(3) تحرف في الأصل إلى "واستنباط الكلام"!! وفي "القول المفيد" (ص 57) للشوكاني: "وأما الإمام أحمد فهو أشد الأئمة الأربعة تنفيرًا عن الرأي، وأبعدهم عنه، وألزمهم إلى السنة، وقد نقل عنه ابن القيم في مؤلفاته ك"إعلام الموقعين" ما فيه التصريح بأنه لا عمل على الرأي أصلًا"، واعتنى جمع من المعاصرين بكلام ابن القيم في هذا الموضوع.
(4) لا تنس ما قدمناه قريبًا تحت عنوان (عناية المصنف بكتاب عمر في القضاء).
(1/24)

يبدأ من (ص 158) من (المجلد الأول) إلى (آخره) ومن (بداية) (المجلد الثاني) إلى (ص 438) منه، وأما بالنسبة إلى الأصول الخطية فهو عبارة عن جل المجلد الأول، فشرحه ينتهي بنهاية المجلد الأول على تقسيم المصنف (1)، فهو نحو ثلث الكتاب (2)، عدا ما أدرجه من مباحث (سبق ذكرها) بين يديه.
ويندرج تحت هذا الشرح (عناوين) (3) فرعية ل (فصول) (4) و (مباحث) و (تفريعات) و (مسائل)، بلغ عددُها فيما أحصيتُ (ثلاثًا وأربع مئة) عنوانًا، لما هو شرح (كتاب القضاء) هذا.
أدرج ابن القيم هذا الكتاب في (النوع الرابع) من (الرأي المقبول)، فذكره بسند أبي عبيد القاسم بن سلام من كتابه "القضاء" -بواسطة ابن حزم، كما سيأتي بيانه عند الحديث عن الموارد- وعقب عليه بقوله (1/ 163): "وهذا كتاب جليل تلقَّاه العلماءُ بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة" ثم بدأ في شرحه، فمضت الفقرات الأولى منه مشروحة بإيجاز، مع استطراد يسير إلى ما يتعلق بها من مسائل، ومن بديع تأصيلاته هنا ما يخص (فقه الواقع) (5)، الذي كثر الخوض فيه بحق دون عدل، أو بظلم مع تجاوز للأحكام الشرعية، من إهمال أو تنقيص في العلماء الربانيين، وكلام المصنف في هذا الباب هو البلسم الشافي والدواء الكافي، قال في (1/ 165):
"ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فقه الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا.
__________
(1) كذا وقع في نسختي (ق) و (ك) الآتي وصفهما.
(2) إذ أصله ثلاثة مجلدات، كما بيَّناه تحت عنوان (حجمه).
(3) هي من صنيع القائمين على نشر الطبعات الآتي وصفها في آخر هذه المقدمة، وبعضها أثبته من هوامش بعض النسخ الخطية، واستفدتُ من جميع المطبوعات وما فزتُ به من هوامش على المخطوطات التي اعتمدتها في التحقيق، وأثبت ما رأيتُه ضروريًا، ومناسبًا، واللَّه الموفق.
(4) بعضها موجود في الأصول الخطية، فهي من صنيع المصنف، وعلامته في طبعتنا ما لم يكن بين المعقوفتين.
(5) انظر: "فقه الواقع دراسة أصولية"؛ ففيه (ص 60 - 64) نقل عن المصنف في هذا الموضوع، ومناقشة لمن نقل كلامه.
(1/25)

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم اللَّه الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده، واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا".
قال: "فالعالم مَنْ يتوصل بمعرفة الواقع، والتفقه فيه، إلى معرفة حكم اللَّه ورسوله. . . " ثم قال بعد كلام في (1/ 166):
"ومن تأمل الشريعة، وقضايا الصحابة، وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث اللَّه بها رسوله".
قلت: صدق رحمه اللَّه، لو اطلع على هذا المتنازعون في هذه (المسألة)، التي وقع بسببها (التهاجر) و (التصارم)، وسوء (الظن)، والقيل والقال، لأراحوا واستراحوا، وجمعوا (الحق) إلى (العدل)، فاكتمل الخير، وظهرت ثمرته وبركته على طلبة العلم، واللَّه الواقي والهادي.
وأطال الاستطراد عندما ورد في كتاب عمر -رضي اللَّه عنه-: "البَيِّنة على من ادعى، واليمين على من أنكر"، فأسهب جدًّا في الكلام على البينة، وغلط المتأخرين في تفسيرها، ونصاب الشهادة، وما يتعلق بشهادة الزنا وغيرها، وحكم شهادة العبد، وشهادة اليمين، والحكم بشهادة الواحد إذا ظهر صدقه، وتشرع اليمين من جهة أقوى المتداعيين، ولا يتوقف الحكم على شهادة ذكرين أصلًا، ولم يردّ الشارعُ خبرَ العدل، وجانب التحمل غير جانب الثبوت، ثم تعرض للحاكم وصفاته وما يشترط فيه، وأنه يجب تولية الأصلح للمسلمين، واستطرد في التدليل على ذلك لأهميته، ونبَّه على سر استطراده بقوله في (1/ 199):
"ولا تستطل هذا الفصل، فإنه من أنفع فصول الكتاب، واللَّه المستعان، وعليه التكلان" ثم تكلم عن الصلح بين المسلمين، وجره ذلك إلى بيان أن (الحقوق نوعان)، وأن منها المردود ومنها النافذ، وأن للقاضي أن يؤجل الحكم بحسب الحاجة، وأن حكمه قد يتغير بتغيّر اجتهاده.
واستكمل مباحث الشهادة عندما ورد في كتابه: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض" فبيّن (من ترد شهادته) (وشهادة القريب لقريبه أو عليه) و (منع شهادة الأصول للفروع) و (عكسه) و (دليله) و (ردود العلماء على بعضهم بعضًا) في هذه المسألة، و (شهادة الأخ لأخيه)، ثم صوب شهادة الابن لأبيه والعكس.
وبعدها شرح قول عمر في الكتاب: "إلا مجربًا عليه شهادة زور أو مجلودًا
(1/26)

في حد"، واستطرد في الكلام عن شهادة الزور وأنها من الكبائر، والحكمة في رد شهادة الكذاب، ورد شهادة المجلود في حد القذف، وحكم شهادة القاذف بعد توبته، ورد الشهادة بالتّهمة، وشهادة مستور الحال.
وقدم ابن القيم في هذه المباحث آراء العلماء، وأدلتهم، وتوجيه الأدلة، والكلام على صحتها، واستطرد في الاحتجاج برواية (عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده) ليؤكد صحة بعض اختياراته، ولم يقتصر في هذا على شرح ما جاء في كتاب عمر فقط، واستغرق ذلك (1/ 168 - 247).

- عودة إلى مباحث (القياس) في الكتاب:
وتابع الشرح بإيجاز إلى وصوله إلى قول عمر:
"ثم الفهم الفهم فيما أُدلي إليك، مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال".
فانصرف إلى تأصيل (القياس) (1)، وما ترك القول فيه حتى استوفاه في صفحات عديدة، استغرقت من (ص 247) في (المجلد الأول) إلى (نهايته)، ومن (أول) (المجلد الثاني) إلى (ص 425) منه من نشْرتنا هذه، قال في نهايته بعد استطرادات وتفريعات فيها تأصيلات بديعات:
"فهذا ما يتعلق بقول أمير المؤمنين: "واعرف الأشباه والنظائر"".
وفي لفظ: "واعرف الأمثال. . . " قال: "فلنرجع إلى شرح باقي كتابه".
فموضوع القياس بلغ في نشرتنا هذه (ست مئة وستين صفحة)، فلا غرو أن يربط العلماء بين (كتابنا) و (موضوع القياس)، كما قدمنا في مطلع هذا البحث.
وبدأ المصنف ببيان أن الصحابة كانوا متفقين على القول بالقياس، وأخذ في تقرير أنه أحد أصول الشريعة، ولا يستغني عنه فقيه، وبيّن أن اللَّه أرشد عباده في غير موضع إليه، وقال في (1/ 248):
"وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلًا تتضمن تشبيه الشيء بنظيره، والتسوية بينهما في الحكم".
وقال في (1/ 248): "وقالوا: ومدار الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين، فإنه إما استدلال بمعين على معين، أو بمعين
__________
(1) لا تنس ما قدمناه في مطلع هذا المبحث (فصول نافعة وأصول جامعة في القياس).
(1/27)

على عام، أو بعام على معين، أو بعام على عام، فهذه الأربعة هي مجامع ضروب الاستدلال".
وبيَّنَ كل ضرب من الأربعة، واستدل له بنصوص من القرآن الكريم، ونبه على أن القياس ينقسم إلى حق وباطل، فهو إما صحيح أو فاسد، قال (1/ 251):
"فالصحيح هو الميزان الذي أنزله تعالى مع كتابه، والفاسد ما يضاده، كقياس الذين قاسوا البيع على الربا بجامع ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية، وقياس الذين قاسوا الميتة على المذكى في جواز أكلها، بجامع ما يشتركان فيه من إزهاق الروح: هذا بسبب من الآدميين وهذا بفعل اللَّه، ولهذا تجد في كلام السلف ذم القياس وأنه ليس من الدين، وتجد في كلامهم استعمالَه والاستدلالَ به، وهذا حق وهذا حق. . . ".
وانتقل إلى الحديث عن الأقيسة الثلاثة المستعملة في الاستدلال: (قياس علة) و (قياس دلالة) و (قياس شبه). وقد وردت كلها في القرآن الكريم بشاهد من الآيات التي تقصاها لكل من الأقيسة الثلاثة، واقتضى الموضوع، في قياس العلة وقياس الدلالة، أن يستدل بما جاء في القرآن الكريم من آيات بتحليل الأحكام، وما ورد في السنة من علل الأحكام والأوصاف المؤثرة فيها طردًا وعكسًا، ذكرها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ليدل على ارتباطها بها وتعديها بتعدي أوصافها وعللها. . . وقد قرب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، الأحكام إلى أمته بذكر نظائرها وأسبابها وضرب لها الأمثال. . . وجوز للحاكم أن يجتهد رأيه، وجعل له على خطئه في اجتهاد الرأي أجرًا واحدًا، إذا كان قصده معرفة الحق واتباعه. وقد كان أصحاب رسول -صلى اللَّه عليه وسلم- يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره.
وتخلل ذلك استطرادات عجيبة في الاستنباطات القرآنية، وتوظيفها في كون القياس ميزانًا، والوقوف على أسرار بديعة من الآيات، لعلك لا تظفر بها في كتاب (1).
ولم ينس ابن القيم خلال هذه المباحث ذكر لفتات تاريخية من أحداث جرت له مع مخالفيه من المنحرفين، فقال مثلًا في (1/ 272): "وقد شاهدنا نحن
__________
(1) سيأتيك أن كلام المصنّف على (الأمثال) استُلَّ من هذا الكتاب على أنه تصنيف مفرد! وألف الطوفي الحنبلي (ت 716) كتاب "الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية"، ذكر فيه المسائل الأصولية التي تستنبط من القرآن، وهو مطبوع.
(1/28)

وغيرنا كثيرًا من مخانيث تلاميذ الجهمية والمبتدعة إذا سمعوا شيئًا من آيات الصفات وأحاديث الصفات المنافية لبدعتهم رأيتهم عنها معرضين. . . ".
والمتتبع لكلامه في هذا المبحث يحسب أنه يقرأ في كتاب تفسير، يركز صاحبه على أوجه الهداية منه، وفيه أيضًا بيان أثر العقيدة على صاحبها، وذكر أمثلة للمؤمنين والكفار، وبعضها يخص اللَّه رب العالمين، من حيث الأسماء والصفات، ويكاد ينسى ما بدأ به من ذكر لتوجيه عمر ووصيته لأبي موسى في كتابه المذكور.
واستطرد في بيان السر في ضرب الأمثال، وفرع عليه أصل (عبارة الرؤيا)، وذكر قواعد جامعة وكليات نافعة لتعبير (الرؤى)، بعضها مدلل بأحاديث نبوية (1)، ورجع إلى تأصيل كون أمثال القرآن أصولًا وقواعد لعلم التعبير، ثم ربط ذلك كله بموضوع (القياس)، من إلحاق النظير بالنظير، وإنكار التفريق بين المتماثلين.
وجره هذا إلى الكلام على (مراد المتكلم) وأن ذلك يعرف تارة من عموم لفظه، وتارة من عموم علّته، والأمور تتضح بأضدادها -كما يقولون- وبناء عليه قرر أنه "قد يعرض لكل من أصحاب الألفاظ وأصحاب المعاني ما يخلُّ بمعرفة مراد المتكلّم، فيعرض لأرباب الألفاظ:
1 - التقصير بها عن عمومها، وهضمها تارة.
2 - وبتحميلها فوق ما أريد بها تارة.
ويعرض لأرباب المعاني فيها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ".
قال في (1/ 387): "فهذه أربع آفات هي منشأ غلط الفريقين" قال:
"ونحن نذكر بعض الأمثلة لذلك، ليعتبر بها غيره"، وأخذ في الاسترسال بذكر قواعد شرعية مبنية على النصوص، قلَّ أن يؤصلها إلا من وفقه اللَّه لذلك.
ثم عقد مقارنةً -بناءً على تأصيله السابق- بين (القياسيين) و (الظاهرية)، وبيَّن
__________
(1) قال المصنف في "الزاد" (3/ 615 - 616 - ط مؤسسة الرسالة) (فصل: قدوم وفد بني حنيفة) بعد كلام فيه تعبير للرؤى لأبي العباس العابر: "وهذه كانت حال شيخنا هذا، ورسوخه في علم التعبير، وسمعتُ عليهِ عدة أجزاء، ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه لصغر السن، واخترام المنية له رحمه اللَّه تعالى".
وفي ذيول العبر" (4/ 155) في ترجمة (ابن القيم): "وحدث عن شيخه التعبير وغيره".
ونقل عبد اللَّه الغماري في خاتمة كتابه "الرؤيا في القرآن والسنة" (ص 158 - 163) كلام ابن القيم هذا بتمامه، وعنون عليه (قاعدة عظيمة في التعبير)، وفي البال جمع كلامه في تأليف مفرد، يسر اللَّه ذلك بمنّه وكرمه.
(1/29)

أن كلًا منهما مفرط، وذلك من خلال أمثلة في فهم بعض النصوص الشرعية وذكر وجوب إعطاء اللفظ والمعنى حقّهما، وذكر أمثلة توضيحية تدلّل على مراده، وفيها ما يدلّل على عبقريته في وضع الأشياء في أماكنها، وبعد ضرب هذه الأمثلة، تفرغ للرد على (نفاة القياس)، وبدأه مُجمِلًا ما سبق بقوله في (1/ 400): "قد أتينا على ذكر فصول نافعة، وأصول جامعة، في تقرير القياس والاحتجاج به، لعلك لا تجده في غير هذا الكتاب، ولا بقريب منه".
قال أبو عبيدة: وكلامه -واللَّه- حق، فقد طرق موضوع القياس بما يخدم النصوص، وبناه عليها، وفصل الجيد من الرديء، والسليم من السقيم، والصحيح من الضعيف، بوجه فيه اتباع للسلف، وبُعد عن المباحث الكلامية التي لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب (الأصول) المعروفة.
وتعرض بعد ذلك في صفحات عديدة من (1/ 403 - 425) بسرد أمثلة ذكرها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم صاغ بعد ذلك إشكالات عليها وعلى الأمثلة السابقة، ذَكَرها من القرآن على لسان (نفاة القياس)، واستطرد في ذكر (أدلة نفاة القياس)، متعرضًا إلى ما ورد عن الصحابة والتابعين من نهيهم عنه، وأن القياس يعارض بعضه بعضًا (1)، وأن أهله متناقضون، مع إيراد أمثلة تدل على ذلك، ثم مثل على ما جمع فيه القياسيون بين المتفرقات، وأنهم راعوا بعض الشروط دون بعضها الآخر في بعض المسائل، وهذا من تناقضهم، وعرض تحت هذا مسائل فقهية عديدة، أطال النَّفس في بعضها، ثم عقد مقارنة بين (القائسين) و (معارضيهم) بلغة قوية، فقال في (2/ 88 - 89) وعلى لسان (المعارضين):
"وهذا غَيْضٌ من فيضٍ، وقطرة من بحر، من تناقض القياسيين الآرائيين وقولهم بالقياس وتركهم لما هو نظيره من كل وجه أو أولى منه وخروجهم في القياس عن موجب القياس، كما أوجب لهم مخالفة السنن والآثار كما تقدم الإشارة إلى بعض ذلك، فليوجدنا القياسيون حديثًا واحدًا صحيحًا صريحًا غير منسوخ قد خالفناه لرأي أو قياس أو تقليد رجل، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلًا، فإن كان مخالفةُ القياس ذنبًا فقد أريناهم مخالفته صريحًا، ثم نحن أَسعدُ الناس بمخالفته منهم؛ لأنا إنما خالفناه للنصوص؛ وإن كان حقًّا، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
فانظر إلى هذين البَحْرين اللذين قد تلاطمت أمواجهما، والحزبين اللذين قد
__________
(1) هنا ينتهي (المجلد الأول) من نشرتنا.
(1/30)

ارتفع في مُعتركِ الحَرْب عَجَاجُهما، فجرَّ كلُّ منهما جيشًا من الحجج لا تقوم له الجبال، وتتضاءل له شجاعةُ الأبطال، وأدلى كل منهما من الكتاب والسنّة والآثار بما خضعت له الرقاب، وذَلَّت له الصِّعاب، وانقاد له علم كل عالم، ونفَّذَ حكمه كلُّ حاكم، وكان نهاية قدم الفاضل النحرير الراسخ في العلم أن يفهم عنهما ما قالاه، ويحيط علمًا بما أَصَّلَاه وفصَّلاه؛ فليعرف الناظر في هذا المقام قدره، ولا يتعدى طوره، وليعلم أن وراء سويقتيه بحارًا طامية، وفوق مرتبته في العلم مراتب فوق السُّهي عالية، فمن وثق من نفسه بأنه من فرسان هذا الميدان، وجملة هؤلاء الأقران، فليجلس مجلس الحكم بين الفريقين، ويحكم بما يرضي اللَّه ورسوله بين هذين الحزبين، فإن الدين كله للَّه، وإن الحكم إلا للَّه، ولا ينفع في هذا المقام: قاعدة المذهب كيت وكيت، وقطع به جمهور من الأصحاب، وتحصَّل لنا في المسألة كذا وكذا وجهًا، وصحح هذا القول خمسة عشر، وصحح الآخر سبعة، وإن علا نسبُ علمه قال: "نصَّ عليه" فانقطع النزاع، ولزم ذلك النص في قرن الإجماع، واللَّه المستعان وعليه التكلان". ثم قرر ما رضيه، فقال على لسان -ما سماهم- (المتوسطين بين الفريقين):
"قد ثبت أن اللَّه سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان، فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصحيح والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة يصدق بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض؛ فلا يناقض القياسُ الصحيحُ النصَّ الصحيحَ أبدًا".
وفصل الأمر بتقرير قاعدة مهمة هي:
بيان إحاطة الأوامر الشرعية بأفعال المكلفين، وبجميع الحوادث، ورد على ما هو شائع في كتب الأصول بأن الأصول متناهية، وحوادث العباد غير متناهية، وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ممتنع، وزيّفه من وجوه ثلاثة، وضرب أمثلة عديدة تؤتد ذلك، ثم عرج على بطلان القول بنفي الحكمة والتعليل، وربط موضوع (القياس) وبيان انحراف الغالين فيه والمنكرين له بأصول عقدية (1) تخالف معتقد أهل السنة، قال في (2/ 96، 97):
__________
(1) مما يخدم (التوحيد) و (علم أصول الفقه) في آن واحدٍ، بيان عوار الآراء الأصولية المبنية =
(1/31)

"ومن تأمل كلام سلف الأمة وأئمة أهل السنة رآه يُنكر قول الطائفتين المنحرفتين عن الوسط؛ فينكر قول المعتزلة المكذبين بالقدر، وقول الجهمية المنكرين لِلحِكَم والأسباب والرحمة، فلا يرضون لأنفسهم بقول القدرية المجوسية، ولا بقول القدرية الجبرية نفاة الحكمة والرحمة والتعليل، وعامة البدع المحدثة في أصول الدين من قول هاتين الطائفتين الجهمية والقدرية، والجهمية رؤوس الجبرية وأئمتهم أنكروا حكمة اللَّه ورحمته وإن أقروا بلفظ مجرد فارغ عن حقيقة الحكمة والرحمة، والقدرية النفاة أنكروا كمال قدرته ومشيئته؛ فأولئك أثبتوا نوعًا من الملك بلا حمد، وهؤلاء أثبتوا نوعًا من الحمد بلا ملك؛ فأنكر أولئك عُمومَ حَمْدِه، وأنكر هؤلاء عموم مُلكه، وأثبت له الرسل وأتباعهم عموم الملك وعموم الحمد كما أثبته لنفسه؛ فله كمال الملك وكمال الحمد؛ فلا يخرج عينٌ ولا فعلٌ عن قدرته ومشيئته وملكه، وله في كل ذلك حكمة وغاية مطلوبة يستحق عليها الحمد، وهو في عموم قدرته ومشيئته وملكه على صراطٍ مستقيم، وهو حمده الذي يتصرف في ملكه به لأجله.
والمقصود أنهم كما انقسموا ثلاث فرق في هذا الأصل انقسموا في فرعه -وهو القياس- إلى ثلاث فرق: فرقة أنكرته بالكلية، وفرقة قالت به وأنكرت الحِكَم والتعليل والأسباب؛ والفرقتان أخلت النصوص عن تناولها لجميع أحكام المكلفين وأنها أحالت على القياس، ثم قالت غلاتهم: أحالت عليه أكثر الأحكام، وقال متوسطوهم: بل أحالت عليه كثيرًا من الأحكام لا سبيل إلى إثباتها إلا به" قال:
"والصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث، وهو أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلنا اللَّه ولا رسوله على رأي ولا قياس، بل قد بيَّن الأحكام كلها، والنصوص كافية: وافية بها، والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، فهما دليلان: الكتاب والميزان، وقد تخفى دلالةُ النص أو لا تبلغ العالم فيعدل إلى القياس، ثم قد يظهر موافقًا للنص فيكون قياسًا صحيحًا، وقد يظهر مخالفًا له فيكون فاسدًا؛ وفي نفس الأمر لا بد من موافقته أو مخالفته، لكن عند المجتهد قد تخفى موافقته أو مخالفته".
ثم قوّم أهل القياس ونفاته، بقوله في (2/ 98):
"وكل فرقة من هذه الفرق سَدُّوا على أنفسهم طريقًا من طرق الحق؛
__________
= على أصول عقدية بدعية مخالفة لأصول السلف، وهذا باب يحتاج إلى تأليف، والقياس مَثَلٌ له، كما عند ابن القيم، و (صيغة الأمر) مثل آخر، نبه عليه الشنقيطي في "مذكرته"، وهكذا، يسر اللَّه له طالبًا شادًا جادًا متفننًا من أهل السنة.
(1/32)

فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله؛ فنفاة القياس لما سدّوا على أنفسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحِكَم والمصالح وهو من الميزان والقسط الذي أنزله اللَّه احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب، فحمَّلوهما فوق الحاجة ووسعوهما أكثر مما يَسعَانه، فحيث فهموا من النص حكمًا أثبتوه ولم يبالوا بما وراءه، وحيث لم يفهموا منه نفوه، وحملوا الاستصحاب، وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد، وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس وتركهم له، وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه.
ولكن أخطأوا من أربعة أوجه. . . " وذكرها (1).
وفصَّل في أخطاء القياسيين، وتعرض إلى (الاستصحاب): معناه وأقسامه، وعاد إلى ذكر أخطاء أهل القياس الخمسة (2).
وتفرغ ابن القيم بعد ذلك للرد على من أبطلوا القياس، فتعقّب أقوالهم وفندها، وكأنه في هذا المبحث يتعقب كل ما ذكره ابن حزم في رسالة "إبطال القياس" (3) ومبحث (القياس) من كتابه "الإحكام" (4) بحيث يمكن اعتبار ما في (إعلام الموقعين) من مباحث في القياس، رسالة مستقلة في إثباته، والرد على إبطال الظاهرية له.
ويعفيني -القارئ الكريم- من متابعة التعريف بجهد المصنف في (القياس) بما ذكرته في مطلع هذا الفصل تحت عنوان (فصول نافعة وأصول جامعة في القياس)، فإنه متمم للمذكور هنا، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فإن الكتاب بين يديه، والإكثار من سياق فقراته فيه تطويل، وجميع مباحثه في هذا الباب ماتعة، نافعة، قوية، رائعة، تستحق الوقوف عندها (5)، ليُعلم الفرق بين (التحقيق) و (التفتيش) من جهة، و (الجمع) و (التقميش)
__________
(1) انظرها في (2/ 98 - 112).
(2) انظرها في (2/ 115).
(3) لابن حزم ملخّص لها، منه نسخة محفوظة في المكتبة العبدلية (الصادقية) بجامع الزيتونة بتونس، وهو بخط الحافظ الذهبي، وله تعقبات قوتة وجيّدة عليه، علقه من خط ابن عربي الصوفي، وكدت أن أفرغ من تخريج نصوصه وتوثيقها، واللَّه الهادي.
(4) انظر ما سيأتي عنه: تحت عنوان (مصادر المصنف وموارده). وقد فرغتُ -وللَّه الحمد- من مقابلته على أصلين خطيين وتخريج أحاديثه وآثاره، وتوثيق نصوصه. تمهيدًا لنشره، يسر اللَّه ذلك بمنه وكرمه.
(5) وسيأتي كلام عنه أيضًا، انظر: "منهج ابن القيم في كتابه".
(1/33)

من جهة أخرى، ولا سيما في باب الأصول وتخريج فروعه عليه على وفق منهج أهل السنة والجماعة، المعظمين للأثر، الواقفين عند الدليل.
ورحم اللَّه صديق حسن خان، فإنه تكلم عن القياس، وأنواعه المستعملة في الاستدلال، وقال: "وأمثلة هذه الأقيسة على وجه البسط والتفصيل ذكرها ابن القيم رحمه اللَّه في "الأعلام" لا يتسع هذا المختصر لذكرها" (1).
وأخيرًا. . . فإن المصنف بعد ذكره مباحث القياس، التي طالت وتشعبت وتفرعت، رجع إلى كتاب عمر في القضاء، قال في (2/ 425): "فهذا ما يتعلق بقول أمير المؤمنين -رضي اللَّه عنه-: "واعرف الأشباه". . . ": وهنا تنتهي مباحث القياس، قال: "فلنرجع إلى شرح باقي كتابه" ومضى بعد ذلك في شرح ما بقي من فقراته في (2/ 425 - 438).

- إلماحة في رد كون كتابنا شرحًا لكتاب عمر في القضاء فحسب:
مما مضى يتبيَّن بجلاء؛ أن ابن القيم أولى كتاب عمر في القضاء أهمية واضحة، ولكن كتابه أوسع منه، حتى خلال شرحه لفقراته، فإنه ذكر مسائل وأصولًا ما كان أصبره عليها! وأطول نفسه في عرضها ومناقشتها! وكان يعنون في خروجه عنه ب (فصل) تارة، ويفرع ويدلل من باب تأصيل ما قاله عمر في كتابه المهيب الذي أرسى فيه قواعد عامة للقضاة (2).
وتكرار المصنف لفقراته في مواطن من كتابه لا يأذن للمنصف أن يقرر أنه عبارة عن شرح له، فقد أورده -مثلًا- بتمامه البيهقي في "سننه الكبرى" في (كتاب القضاء)، ثم ذكر فقرات منه في كتب (الشهادة) و (البيّنة) و (اليمين)، ولم يقل أحد أن "سنن البيهقي" شرح لكتاب عمر -رضي اللَّه عنه-!

- تحريم الفتوى بغير علم:
بدأ المصنف بعد إتمامه شرح كتاب عمر، وما يتعلق به من استطراد وتفصيل
__________
(1) "ذخر المحتي" (ص 49).
(2) انظر في بيان ذلك: "تاريخ الأمم الإسلامية" (2/ 9 - 11) للخضري، "تاريخ الأدب العربي" (184) للزيات، "تاريخ الإسلام السياسي" (1/ 486)، مقدمة مترجم "فن القضاء" لرانسون (171 - 202)، "الفاروق عمر" لمحمد حسنين هيكل (2/ 225 - 226)، "تاريخ الفقه الإسلامي" (104 - 105) لمحمد يوسف موسى، "محاضرات في تاريخ التشريع" (45)، "القضاء المغربي بين الأمس واليوم" (14 - 16) كلاهما لحماد العراقي، "أخبار عمر" (185 - 186) للطنطاوي، "مقاصد الشريعة" لعلال الفاسي (269 - 270).
(1/34)

وتأصيل وتدليل بتقرير حرمة الإفتاء في دين اللَّه بغير علم، وأن الواجب على من لا يعلم أن يقول: لا أدري، وبيَّن أنّ هذه طريقة السلف الصالح، وكان ذلك تمهيدًا لبحث:

- تفصيل القول في التقليد:
لا يخفى أنّ مسألة الاجتهاد والتقليد قد أخذت طورًا خطيرًا، ودارت كثيرًا على ألسنة أهل العلم، وتناولتها أقلام كتابنا، ونجم عنها سوءُ تفاهم، وتفرق كلم، واختلاف عظيم بين المجددين لعهد السلف، وبين المقلدين الحريصين على اتباع سبل أشياخهم، وحملوا على بعضهم حملاتٍ شديدة الوطأة، حتى كاد بعضهم يكفر بعضًا، ومنشأ ذلك استرسال الفريقين في صرف القول على إطلاقه، بدون قيد ولا شرط ولا تفصيل (1).
- وعمل ابن القيم في كتابنا هذا إلى ضبط أنواع التقليد، فقال في أول مباحثه (2/ 447): (ذكر تفصيل القول إلى التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه، والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، وإلى ما يسوغ من غير إيجاب).
وقسَّم كلَّ نوع إلى أقسام، وذكر الفرقَ بين الاتباع والتقليد، وحُججَ كل فريق، وما قاله الأئمة الأربعة عن تقليدهم، ثم خص (فصلًا) في (2/ 470 - 574، و 3/ 5 - 36) (في عقد مجلس مناظرة بين مقلّد وصاحب حجة منقاد للحق حيث كان) وأطال النفس جدًّا في هذه المباحث التي أشاد الباحثون والعلماء بها، وأحالوا إليها (2)، قال
__________
(1) "عمدة التحقيق" (140).
(2) انظر في ذلك -على سبيل المثال-: "القول السديد في كشف حقيقة التقليد" لمحمد الأمين الشنقيطي (ص 34 - 35، 64 - 66)، "مقام الرشاد بين التقليد والاجتهاد" لفيصل بن عبد العزيز آل مبارك (ص 27 - 32)، "المنهج الفريد في الاجتهاد والتقليد" لوميض العمري (46، 63، 89، 224، 236، 239 - 240، 242، 244 - 245، 248 - 249، 258 - 259)، "عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق" (126، 140، 150، 162، 202) ومواطن أخر تعرف من (فهرس الأعلام) و (فهرس الكتب) (في الطبعة الثانية منه - دار القادري)، "المدخل لدراسة الفقه الإسلامي" (130 - 135) لإبراهيم عبد الرحمن، "التقليد في الشريعة الإسلامية" لعبد اللَّه بن عمر محمد الأمين الشنقيطي (ص 41، 66، 72، 81، 97، 100، 103، 120، 132 - 133، 134، 136، 144، 145، 168)، "القول المفيد" للشوكاني (56 - 57) "المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل" (1/ 66)، "التصور اللغوي عند الأصوليين" (35 - 36) سيد أحمد عبد الغفار.
(1/35)

الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في (رسائله الشخصية) (1) في رسالة له إلى الشيخ عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللطيف:
"والحاصل أن صورة المسألة: هل الواجب على كل مسلم أن يطلب علم ما أنزل اللَّه على رسوله، ولا يعذر أحد في تركه البتة؟ أم يجب عليه أن يتبع "التحفة" (2) -مثلًا-" قال:
"فأعْلمُ المتأخرين وسادتهم، منهم ابن القيم، قد أنكروا هذا غاية الإنكار، وأنه تغيير لدين اللَّه" وقال بعد كلام:
"فعندكم كتاب "إعلام الموقعين" لابن القيم، فقد بسط الكلام فيه على هذا الأصل بسطًا كثيرًا، وسرد من شبه أئمتكم ما لا تعرفون أنتم ولا آباؤكم، وأجاب عنها، واستدلّ لها بالدلائل الواضحة القاطعة .. . . " (3)، وقال فيها أيضًا:
"وإنْ أردتَ النظر في "إعلام الموقعين" فعليك بمناظرةٍ في أثنائه عقدها بين مقلد وصاحب حجة. . . " (4).
وقال فيها بعد أن أورد نصًّا طويلًا منه ومن كتاب "الإيمان" لابن تيمية: "فتأمل هذا الكلام بشراشر قلبك، ثم نزِّله على أحوال الناس وحالك، وتفكَّر في نفسك، وحاسبها بأيّ شيء تدفع هذا الكلام، وبأي حجة تحتج يوم القيامة على ما أنت عليه" (5).
وقال صديق حسن خان بعد كلام:
"وهاهنا أبحاثٌ في التَّقلِيد وانقسامه إلى ما يُحْرَمُ القول فيه والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، إلى ما يسوغ من غير إيجاب. قد أطال الحافظُ ابنُ القيِّم في "الأعلام" في تفصيل القول في ذلك إلى كراريس طويلة، وحرَّر احتجاج المقلِّدين وأدلَّتهم، وأجاب عن كل حُجَّةٍ ودليل لهم، جوابًا شافيًا كافيًا وافيًا، لم يغادر شيئًا من الرَّدِّ على المقلِّدين. وذكر إحدى وثمانين وجهًا في الاحتجاج
__________
(1) مطبوعة ضمن كتاب "مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب".
(2) يريد "تحفة المحتاج" للهيتمي.
(3) "الرسائل الشخصية" (254 - 255).
(4) "الرسائل الشخصية" (258)، وذكرها برمّتها السيد محمد رشيد رضا في مجلة "المنار" (م 6/ ص 500 - 506، 539 - 544، 594 - 598، 616 - 620، 680 - 682، 696 - 699، 766 - 770، 820 - 822، 853 - 856، 939).
(5) "الرسائل الشخصية" (305).
(1/36)

عليهم، وليس الكلام على ذلك من غرضنا في هذا الكتاب، وما أحقَّ أبحاثَه هذه بالإفراز وجعلها كتابًا مستقلًا، مع ضَمِّ كلام القاضي العلَّامة محمد بن علي الشوكاني في مؤلَّفاته في التَّقلِيد -وهو أيضًا كثير جدًّا- في مؤلَّفات مستقلَّة، وغضون أبحاثٍ ومسائل في تفسيره "فتح القدير" وغيره" (1).
وقد أفصح ابن القيم: أن مبحثه في (التقليد) كمبحثه في (القياس) فيه جدّة وإحاطة وشمول على وجه تخلو منه الكتب، قال في (3/ 36) ما نصه:
"وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا من مآخذهما وحجج أصحابهما وما لَهُم وعليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتاب من كتب القوم من أولها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدًا، وذلك بحول اللَّه وقوته ومعونته وفتحه، فله الحمد والمنة، وما كان فيه من صواب فمن اللَّه، هو المانُّ به، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، وليس اللَّه ورسوله ودينه في شيء منه، وباللَّه التوفيق".
ومن نافلة القول: أن عدم إدخال ابن القيم ربقة التقليد في عنقه، من أسباب نضج عقله، وسمو فكره، ووقوفه على الشيء الكثير من أسرار الشريعة، ولو كان غيره سلك هذا المسلك لصار الناس إخوانًا، ولكان للشريعة وضع آخر، فكم أفسد التقليد عقولًا، وكم أهوت العصبية المذهبية بالأفكار إلى مكان سحيق، فقتلت المواهب، ونصبت النزاع في مواضع الوفاق، وفرقت كلمة المسلمين.

- وجوب إعمال النصوص:
ثم عاد بعد ذلك إلى التركيز على إعمال النصوص، وأن الاجتهاد والقياس إنما يعمل به عند الضرورة، والواجب رد المتشابه إلى المحكم، لا العكس، ثم ذكر ثلاثة وسبعين مثالًا لمن أبطل السنن بظاهر القرآن تمسكًا بالمتشابه في ردّ المحكم، وقال قبل سردها في (3/ 58): "ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدّة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب" وبدأها في الرد على بدع عقدية، قال بها الجهمية والقدرية والجبرية والخوارج والمعتزلة، واستطرد في (المثال الثاني عشر) فذكر ثمانية عشر دليلًا على (علوّ اللَّه على خلقه وكونه فوق عباده) وصرح بأنه اختصر الأدلة عليها، قال في (3/ 75): "فهذه أنواع من الأدلة
__________
(1) "ذخر المحتي" (ص 60، 61).
(1/37)

السمعية المحكمة إذا بُسطت أفرادُها كانت ألفَ دليل على علوّ الرَّبّ على خلقه واستوائه على عرشه"، واقتصر على التوحيد إلى آخر (المثال الثالث عشر)، ثم شرع في ذكر أمثلة في مسائل فقهية، جُلُّها في الرد على أهل الرأي والقياس، أعني النوع الذي أصَّل ردّه فيما سبق لمخالفته نصوص الوحي.

- الزيادة على النص:
ولم تخل مباحث هذه الأمثلة من تأصيل وتقعيد، وتفريع، فذكر -مثلًا- تحت (المثال الثامن عشر) مسألة (الزيادة على النَّصّ) وقرر أن "السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه" (1)، وسرد أمثلة كثيرة جدًّا، فيها الرد على معطلي الاستدلال بالسنة بحجة الزيادة على النّص وألزمهم بأنهم فعلوا ذلك في مسائل عديدة (2). ثم نقل عن أهل الرأي أنواع دلالة السنة الزائدة على القرآن، وناقشهم في التأصيل والتنويع، ورده عليهم من اثنين وخمسين وجهًا، قال قبل ذكر الأخير منها (3/ 132): "فهذا طرف من بيان تناقض من رد السنن بكونها زائدة على القرآن، فتكون ناسخة؛ فلا تقبل" (3).
وذكر تحت (المثال الخامس والعشرين) النصوص التي فيها الرجوع عن الهبة، واعتنى بألفاظها، واضطر ليظهر الحق فيها إلى التخريج والكلام في الرواة، والعناية بالثابت من الألفاظ (4).
__________
(1) انظرها في (3/ 84).
(2) انظر: (3/ 85 - 93).
(3) أفرد الدكتور عمر بن عبد العزيز رحمه اللَّه في كتابه "الزيادة على النص" (72) في (المطلب الثالث) من (الفصل الثاني): (موقف الإمام ابن القيم من الزيادة على النص)، وقال أوله: "عنى الإمام ابن القيم بمسألة الزيادة على النص عناية فائقة، ولا تكاد تذكر هذه المسألة عند المطلعين على كتب أهل السنة المتبعين لطريقة السلف الصالح -رضي اللَّه عنهم-، والمهتمين بها إلا ويذكرون معالجة ابن القيم لها، مما يحمل الباحث فيها على إفراد مبحث لموقف العلامة ابن القيم رحمه اللَّه منها" قال:
"وأوسع معالجة له رحمه اللَّه لهذه المسألة في كتابه القيم "إعلام الموقعين" تناولها في أربع وعشرين صحيفة منه، ولا أعلم مؤلفًا بحثها في مثل هذه الكمية من الصحائف".
وأطال الكلام فيه في تحليل رأي ابن القيم، انظر منه: (ص 72 - 91)، وظهر أثر كتابنا على وجه جلي في دراسة الأستاذ الشيخ سالم بن علي الثقفي المنشورة عن المطبعة السلفية بمصر بعنوان "الزيادة على النص" انظر منها: (ص 19، 20، 22، 59، 66، 67، 76، 77، 80، 81، 82، 83).
(4) انظر: (3/ 138 - 143).
(1/38)

وذكر تحت (المثال السابع والعشرين) نظائر للمسالة التي أدرجها تحته، وهي مسائل قال بها (القياسون) ب (دعوى أنّ ذلك موجب الأصول) (1)، وكان ذلك استطرادًا حسنًا، يدلل على ملكة ابن القيم الفقهية القوية.
وذكر تحت (المثال الثامن والعشرين) استطرادًا وتأصيلًا أن (أحكام الابتداء غير أحكام الدوام)، وبرهن أن النص والإجماع والقياس فرَّق بينهما (2).
وشد النفس في (المثال السادس والخمسين) (3)، فجمع الأحاديث في المسألة المبحوثة وعزاها إلى دواوين السنة، وتكلم على درجتها، وبيَّن ما يخالفها، ثم استطرد ف (تكلم على عمل أهل المدينة) (4)، وذكر أمثلة تخرّج على هذا الأصل، وتعرض لمنهج البخاري في "صحيحه" (5)، وحجيَّة فعله -صلى اللَّه عليه وسلم- وإقراره، ثم تعرض إلى "نقلهم لتركه -صلى اللَّه عليه وسلم-" وأنه نوعان، وكلاهما سنة، ثم تعرض لنقل العمل المستمر، للعمل الذي طريقه الاجتهاد، وحال خبر الواحد معه، ومنزلته منه، وحكم العمل في المدينة بعد انقراض عصر الصحابة، وتغير عمل أهل المدينة من عصر إلى عصر، ثم لخص ذلك بقوله في (3/ 273):
"وخذ بلا حسبان ما شاء اللَّه من سُننٍ قد أهملت وعُطِّل العملُ بها جملة، فلو عمل بها من يعرفها، لقال الناس: تركت السنة، فقد تقرر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل ألبتة، وإنما يقع من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودًا، وكل عملٍ طريقه النقل، فإنه لا يخالف سنة صحيحة ألبتة" (6).
ثم ذكر (المثال السابع والخمسين) وذكر فيه (3/ 273 - 279) اختلاف
__________
(1) انظر: (3/ 144 - 152).
(2) انظر: (3/ 155 - 158).
(3) استغرق من صفحة (239) إلى صفحة (273) من (المجلد الثالث).
(4) اعتنى الباحثون والمطلعون بكلام ابن القيم في هذا الموضوع، فنجد -مثلًا- في كتاب "عمل أهل المدينة" لأحمد محمد نور سيف (ص 94 - 95) عنوان (مراتب العمل عند ابن القيم وحجيّة كل مرتبة) ثم قارن بين تقسيماته في كتاب "الأعلام" وتقسيمات كل من القاضي عياض وابن تيمية، انظر: (ص 96 - 101)، وكذلك فعل الدكتور محمد المدني بوساق في كتابه "المسائل التي بناها الإمام مالك على عمل أهل المدينة" (1/ 74 - 75، 86 - 93).
(5) انظر: صلته بعمل أهل المدينة في (3/ 249).
(6) انظر في مناقشة هذا: بحث "أصول المذهب المالكي" المنشور في مجلة "الفقه المالكي والتراث القضائي بالمغرب" العددان (5 - 6) رمضان 1407 ه (ص 71، 93 - 94).
(1/39)

الرواة في حكم الجهر بالتأمين، وأيَّد الجهر بستة مرجِّحات حديثيَّة.
وكذلك أطال النفس الحديثي بتتبع ما ورد في (وضع اليدين في الصلاة) وذلك في (المثال الثاني والستين) (1).

- العرف وحجيته:
وذكر في (المثال السبعين) مسألة (انتفاع المرتهن بالمرهون)، واستدل للجواز بأصلين، وأيده بأنه مأذون فيه عرفًا، ثم استرسل في (مسألة العرف)، وقال في (3/ 316): "وقد أُجري العرف مجرى النطق في أكثر من مئة موضع. . . " وأخذ يسرد الكثير منها، ثم تعرض إلى أن (الشرط العرفي كالشرط اللفظي)، وأخذ يفرع على ذلك أمثلة لا صلة لها بعين المسألة المذكورة تحت المثال اللهم إلا الاشتراك في موضوع (العرف) فحسب.
فهو يرجح بالنظائر، ويؤكد أن الشريعة قواعد مطردة، ومن خلالها يُوضِح الحقَّ في (المسائل الأصولية)، فالقارئ يعجب من طول نفس المصنف، وتفريعاته، وتحليلاته، واستدلالاته، وإيراده كلام الخصوم، وكيفية توجيهه وردّه، على وجه لا يقدر عليه إلا من آتاه اللَّه بسطة في العلوم والفهوم، وتفننًا في الموضوعات والرسوم.
ولا يُنسَى في هذا المقام المثال قبل الأخير، وهو: (المثال الثاني والسبعون) في (الجمع بين الصلاتين للعذر) (2)، فإنه وضع المسألة في مكانها الشرعي اللازم، وربطها بأوقات الصلوات، وأنها خمسة في السعة والرفاهية، وثلاثة في الضيق والشدة، وأن القرآن ذكر الأوقات على هذين النَّحوَيْن، وفي هذا إشارة إلى دلالة القرآن على مشروعية الجمع للعذر والحاجة. ورد على المعترضين بكلام لا تكاد تجده عند أحد غير المدرسة التي ينتسب إليها ابن القيم (3).
__________
(1) انظر: (3/ 285 - 292)، وسيأتي تحت عنوان (منهج ابن القيم في كتابه) تأصيل وزيادة حول هذا الموضوع.
(2) لصاحب هذه السطور دراسة مفردة مطبوعة أكثر من مرة بعنوان "فقه الجمع بين الصلاتين في الحضر بعذر المطر".
(3) انظر: (3/ 329 - 335).
ومن الجدير بالذكر هنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة مطبوعة أكثر من مرة بعنوان "تيسير العبادات" وهي في "مجموع الفتاوى" (21/ 449 - 462) ذهب فيها إلى مثل هذا. ثم رأيتُها مطبوعة مقابلة على نسختين خطيتين في "مجموع فيه مصنفات لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى" بتحقيق إبراهيم بن شريف الميلي.
(1/40)

- تغير الفتوى بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد:
ثم عقد بعد ذلك (فصلًا) في (تغيّر الفتوى، واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد) هو من نفائس هذا الكتاب، وفرائد مباحثه، ونبه على ذلك المصنف بقوله في أوله (3/ 337):
"هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهلِ به غَلَطٌ عظيم على الشريعة أوْجَبَ من الحرج والمشقة وتكليفِ ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رُتَب المصالح لا تأتي به.
فإن الشريعة مَبْنَاها وأساسَهَا على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عَدْلٌ كلُّها، ورحمةٌ كلها، ومصالحُ كلها، وحكمةٌ كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عَدْل اللَّه بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- أتَمَّ دلالةٍ وأصدَقَها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهُدَاه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقُه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل؛ فهي قرّة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح؛ فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خيرٍ في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسومٌ قد بقيت لخَرِبَت الدنيا وطِوِيَ العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك اللَّه السموات والأرض أن تزولا".
ثم أخذ في تفصيل ما أجمله فيه بالتمثيل، فذكر أولًا: الأمر بالمعروف وأنه على مراتب، بعضها مشروع، والآخر ممنوع. ثم مثل ب (النهي عن القطع الأيدي في الغزو)، ثم استطرد فذكر (سقوط الحد بالتوبة)، وأورد النصوص الواردة في ذلك، والإشكالات، وحلها، ثم تطرق إلى (اعتبار القرائن وشواهد الأحوال في التهم).
ثم ذكر أمثلة أخرى، ووصل إلى (المثال السادس) وهو طواف الحائض بالبيت، وذكر مذاهب العلماء، وفصل في المسألة على وجه لا تجده في المطوّلات، فذكر أن الحائض لا تخلو من ثمانية أقسام، وسردها في (3/ 357 -
(1/41)

358) ورجح الثامن منها، ورجع إلى الأقسام المتبقيَّة وأبطلها، وتعيّن الثامن بقوّة، ودفع أربعة اعتراضات عليه، ثم اضطره هذا الاختيار إلى التعرض لحكم طواف الجنب والمحدث والعريان بغير عذر، ثم تعرض للنصوص التي فيها منع الحائض من الطواف، وعالجها من ناحية حديثية بإعلالها وإسقاطها على النحو المقرر عند أئمة هذا الشأن. ثم رجع إلى الفرق بين الحائض والجنب، وفرع مسألة (قراءة القرآن) لهما عليها، ثم ربط ذلك كله بطواف الحائض. ورد تشبيه الطواف بالصلاة من جميع الوجوه، ثم ذكر (الجوامع والفوارق بين الطواف والصلاة) على وجه تكاد تخلو منه كتب (الأشباه والنظائر)، وختم المبحث ب (فصل) خصه في حكم الطهارة للطواف، واستغرقت هذه المسألة في نشرتنا عشرين صفحة (1)، وهي مبحوثة فيه بحثًا نموذجيًا، من حيثية ذكر الأقوال والمذاهب، وأدلتهم، وذكر الاعتراضات والمناقشات، وسبب الخلاف، وأشباه المسألة ومؤيِّداتها مع ذكر الأحوال التي تعتري الحائض، وكل هذا بمبحث أصولي، فقهي، حديثيّ، وعرض سلس وأسلوب مشوق ماتع، ولذا نعود ونقرر أن القول بأن كتابنا له موضوع خاص ما خرج عنه غير دقيق، على النحو الذي أومأنا إليه في مطلع هذا المبحث، واللَّه الموفق.
وكذلك فعل في (المثال السابع) وهو في (حكم جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد)، فإنه بحثه بإسهاب، وله "الباع الطويل في شرحه والكلام عليه، ونصرة القول بوقوع الطلاق الثلاث طلقة واحدة فقط، كما هو معروف مشهور" (2).
وأورد اعتراضات المخالفين، من قولهم: "فتوى صحابي الحديث على خلافه"، فأصَّل المسألة، وذكر الأمثلة التي تخرَّج عليها، وأقوال العلماء فيها، وألزمهم بتناقضهم في هذا الاعتراض، وقال بعد أن سرد عشرات المسائل، وأومأ إلى أدلتها في المرفوع، ومخالفة راويها:
"وهذا باب يطول تتبّعه، وترى كثيرًا من الناس إذا جاء الحديثُ يوافق قولَ مَنْ قلَّده وقد خالفه راويه يقول: الحجة فيما رَوَى، لا في قوله، فإذا جاء قولُ
__________
(1) من (ص 356) إلى (ص 377) من (المجلد الثالث).
(2) من كلام العلامة أحمد شاكر في كتابه "نظام الطلاق في الإسلام" (ص 43)، والملاحظ أن ابن القيم بسط وفصل ووضح المسألة بإسهاب، وكرر ذلك في "زاد المعاد" و"إغاثة اللهفان"، انظر عن سر ذلك: "ابن القيم حياته وآثاره" (77 - 78).
(1/42)

الراوي موافقًا لقول مَنْ قلده والحديث بخلافه قال: لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده نَسْخُه، وإلا كان قَدْحًا في عَدَالته، فَيَجْمَعُونَ في كلامهم بين هذا وهذا، بل قد رأينا ذلك في الباب الواحد، وهذا من أقبح التناقض.
والذي ندينُ اللَّه به ولا يَسَعُنا غيره وهو القصد في هذا الباب أن الحديث إذا صح عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخْذُ بحديثه وتَرْك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحدٍ من الناس كائنًا من كان لا راويه ولا غيره؛ إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديثَ، أو لا يَحْضُره وقتَ الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارَضًا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه، ولو قدر انتفاء ذلك كله، ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه، لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفَتُه لما رواه سقوطَ عدالتِهِ حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك" (1).
ثم عاد وربط هذا المثال بأصله (تغير الفتوى)، فقال في (3/ 408):
"وإذا عرف هذا فهذه المسألة مما تغيرت الفَتْوَى بها بحسب الأزمنة كما عرفت؛ لما رأته الصحابة من المصلحة؛ لأنهم رأوا مَفْسَدة تتابع الناس في إيقاع الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم، فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع، ولم يكن باب التحليل الذي لَعَنَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فاعله (2) مفتوحًا بوجه ما، بل كانوا أشد خلق اللَّه في المنع منه، وتوعد عمر فاعله بالرجم، وكانوا عالمين بالطلاق المأذون فيه وغيره".
قال صديق حسن خان ملخصًا لمباحث السابقة:
"وفي "الأعلام" فصلٌ مستقلٌّ في تحريم الإفتاء، والحكم في دين اللَّه بما يخالف النُصوص، وسقوط الاجتهاد والتَّقليد عند ظهور النَّص، وذكر إجماع
__________
(1) "إعلام الموقعين" (3/ 407 - 408)، ومن الجدير بالذكر أن المصنف بيَّن بالتفصيل والتمثيل ما خفي على أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من أحاديث، قال صديق حسن خان في "ذخر المحتي" (ص 63): "وقد سرد تلك الخفايا الحافظ ابن القيم في "الأعلام" اسمًا باسم، ثم قال: وهذا باب لو تتبعناه لجاء سفرًا كبيرًا" وانظره أيضًا (ص 68).
(2) انظر تخريجه في (3/ 412).
(1/43)

العلماء على ذلك، لا نطول الكلام بذكر ما فيه من الأدلَّة. والآياتُ الدَّالَّةُ على وجوب اتِّباع الرَّسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أيضًا كثيرةٌ جدًّا، وكذلك أمثلةُ رَدِّ النُصوص المحكمة بالمتشابه لا تكاد تنحصر، ذكرَ جملةً صالحةً منها في "الإعلام"، وبلَّغها إلى المثال الثالث والسبعين، ثم حرَّر فصولًا نفيسةً طَيِّبَةً في بيان تغيير الفتوى واختلافها بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد؛ وهو فصلٌ عظيمُ النفع جدًّا وقع بسبب الجهلِ به غَلَطٌ عظيمٌ على الشَّريعة، أوْجَبَ من الحرج والمشقَّة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعْلَمُ أن الشَّريعةَ الباهرة التي هي في أعلى رُتَبِ المصالح لا تأتي به" (1).
ثم ذكر ابن القيم إلماحة تاريخية عما يجري في عصره بسبب عدم القول بهذه الفتوى (2)، وقال في (3/ 408 - 412):.
"وأما في هذه الأزمان التي قد شكت الفروجُ فيها إلى ربها من مفسدة التحليل، وقبح ما يرتكبه المحللون، مما هو رمد -بل عمى- في عين الدِّين، وشجًى في حلوق المؤمنين، من قبائحَ تُشْمِتُ أعداء الدين به وتمنع كثيرًا ممن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدّونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رَسْمَه، وغيّرت منه اسمه، وضمخ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل، وقد زعم أنه قد طيّبها للحليل، فيا للَّه العجب! أيُّ طيب أعارَها هذا التيسُ الملعون؟ وأيُّ مصلحة حصلت لها ولمطلقها بهذا الفعل الدُّون؟ أترى وقوفَ الزوجِ المطلِّق أو الولي على الباب والتيسُ الملعونُ قد حل إزارها وكشف النقاب وأخَذ في ذلك المرتع والزوجُ أو الولي يُنَاديه: لم يقدَّم إليك هذا الطعام لتشبع، فقد علمت أنت والزوجة ونحن والشهود والحاضرون والملائكة الكاتبون ورب العالمين أنك لست معدودًا من الأزواج، ولا للمرأة أو أوليائها بك رضًا ولا فرح ولا ابتهاج، وإنما أنت بمنزلة التيس المستعار للضِّرَاب، الذي لولا هذه البَلْوَى لما رضينا وقوفَكَ على الباب؛ فالناس يُظهرون النكاح ويعلنونه فرحًا وسرورًا، ونحن نتواصَى بكتمان هذا الداء العُضال ونجعله أمرًا مستورًا؛ بلا نِثَار
__________
(1) "ذخر المحتي" (ص 65).
(2) كان هذا من دوافع بحثه (الحيل) بتاصيل وتفصيل، كما سيأتي بيانُه قريبًا إن شاء اللَّه تعالى.
(1/44)

ولا دُفٍّ ولا خِوَان ولا إعلان، بل التواصي بهُسَّ ومسَّ والإخفاء والكتمان؛ فالمرأة تُنكَح لدينها وحسبها ومالها وجمالها، والتيس المستعار لا يسأل عن شيء من ذلك، فإنه لا يمسك بعصمتها، بل قد دخل على زوالها، واللَّه تعالى قد جحل كل واحد من الزوجين سكَنًا لصاحبه، وجعل بينهما مودة ورحمة ليحصل بذلك مقصودُ هذا العقد العظيم، وتتم بذلك المصلحة التي شَرَعَهُ لأجلها العزيزُ الحكِيم، فسَلِ التيسَ المستعار: هل له من ذلك نصيب، أو هو من حكمة هذا العقد ومقصوده ومصلحته أجنبي غريب؟ وسَلْه: هل اتخذ هذه المصابة حليلة وفراشًا يأوي إليه؟ ثم سَلْها: هل رضيت به قط زوجًا وبعلًا تُعَوِّلُ في نوائبها عليه؟ وسل أولي التمييز والعقول: هل تزوجت فلانة بفلان؟ وهل يعد هذا نكاحًا في شرع أو عقل أو فطرة إنسان؟ وكيف يلعن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رجلًا من أمته نكح نكاحًا شرعيًا صحيحًا، ولم يرتكب في عقده محرمًا ولا قبيحًا؟ وكيف يشبهه بالتيس المستعار (1)، وهو من جملة المحسنين الأبرار؟ وكيف تُعَيَّر به المرأة طول دهرها بين أهلها والجيران، وتظل ناكسة رأسها إذا ذكر ذلك التيس بين النسوان؟ وسل التيس المستعار: هل حَدَّثَ نفسَه وقت هذا العقد الذي هو شقيق النفاق، بنفقة أو كسوة أو وزن صداق؟ وهل طمعت المصابة منه في شيء من ذلك، أو حدثت نفسها به هنالك؟ وهل طلب منها ولدًا نجيبًا، واتخذته عشيرًا وحبيبًا؟ وسل عقول العالمين وفِطَرَهم: هل كان خير هذه الأمة أكثرهم تحليلًا، أو كان المحلل الذي لعنه اللَّه ورسوله أهداهم سبيلًا؟ وسل التيس المستعار ومن ابتليت به: هل تجمَّلَ أحد منهما بصاحبه كما يتجمل الرجال بالنساء والنساء بالرجال، أو كان لأحدهما رغبة في صاحبه بحسبٍ أو مالٍ أو جمالٍ؟ وسل المرأة: هل تكره أن يتزوج عليها هذا التيسُ المستعار أو يتسرّى، أو تركه أن تكون تحته امرأة غيرها أخرى، أو تسأله عن ماله وصنعته أو حسن عشرته وسعة نفقته؟ وسل التيس المستعار: هل سأل قط عما يسأله عنه مَنْ قصد حقيقة النكاح، أو يتوسل إلى بيت أحمائه بالهدية والحمولة والنقد الذي يتوسل به خاطب المِلَاح؟ وسَله: هل هو أبو يأخذ أو أبو يعطي؟ وهل قوله عند قراءة أبي جاد هذا العقد: خذي نفقة هذا العرس أو حُطِّي؟ وسَلْه: هل تحمَّلَ من كُلْفة هذا العقد خذي نفقة هذا العرس أو حطي؟ وسله عن وليمة عُرْسه: هل أوْلَم ولو بشاة؟ وهل دعا إليها أحدًا من
__________
(1) انظر تخريج ذلك في (3/ 410).
(1/45)

أصحابه فقضى حقه وأتاه؟ وسَلْه: هل تحمَّل من كلفة هذا العقد ما يتحمله المتزوجون، أم جاءه كما جرت به عادة الناس الأصحابُ والمهنئون؟ وهل قيل له: بارك اللَّه لكما وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية، أم لعن اللَّه المحلل والمحلَّل له لعنة تامة وافية؟
ثم سَلْ مَنْ له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حُرَّة مَصُونة أنْشَبَ فيها المحلل مخالِبَ إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان وكان بعلها منفردًا بوطئها فإذا هو والمحلل فيها ببركة التحليل شريكان؟ فلعمر اللَّه! كم أخرج التحليل مخدرة من سترها إلى البغاء، وألقاها بين براثن العُشَرَاء والخدناء؟ ولولا التحليل لكان منال الثريا دون منالها، والتدرع بالأكفان دون التدرع بجمالها، وعناق القَنَا دون عناقها، والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها.
وسَلْ أهل الخبرة: كم عَقَدَ المحلل على أم وابنتها؟ وكم جمع ماءَه في أرحام ما زاد على الأربع وفي رحم الأختين؟ وذلك مُحَرَّم باطل في المذهبين، وهذه المفسدة في كتب مفاسد التحليل لا ينبغي أن تفرد بالذكر وهي كموجة واحدة من الأمواج، ومن يستطيع عد أمواج البحر؟! وكم من امرأة كانت قاصِرَةَ الطّرْف على بعلها، فلما ذاقت عُسَيْلَة المحلل خرجت على وجهها فلم يجتمع شمل الإحصان والعفة بعد ذلك بشملها، ومن كان هذا سبيله فكيف يحتمل أكمل الشرائع وأحكمها تحليله؟! ".
وأخذ في سرد الأحاديث، عازيًا لها إلى دواوين السنة، ذاكرًا من أعلّها، وحجتهم في ذلك، ثم رد عليهم بتقرير ثبوتها، على منهج أهل العلم.
ثم عقد فصلًا عن (التيس المستعار)، الذي كثر وجوده بسبب القول بأن جمع الطلاق الثلاث بلفظ واحد يعدُّ ثلاث تطليقات، وفضل في أدلة تحريمه، وعدم إدراجه تحت معاني النكاح ومقاصده، وعدم وجوده في الصحابة ثم لخص مراده من هذا كله بقوله في (3/ 425):
"وإنما المقصود أن هذا شأن التحليل عند اللَّه ورسوله وأصحاب رسوله، فألزمهم عمر بالطلاق الثلاث إذا جَمَعُوها ليكُفُّوا عنه إذا علموا أن المرأة تحرم به، وأنه لا سبيل إلى عَوْدِها بالتحليل، فلما تغيَّر الزمانُ، وبَعُدَ العهدُ بالسنة وآثار القوم، وقامت سوق التحليل ونفقت في الناس؛ فالواجب أن يُرَدَّ الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وخليفته من الإفتاء بما يعطِّل سوق التحليل أو يقللها
(1/46)

ويخفف شرها، وإذا عرض على مَنْ وفَّقه اللَّه وبَصَّره بالهدى ووَفَقَّهه في دينه مسألة كون الثلاث واحدة ومسألة التحليل ووَازَنَ بينهما تبيَّن له التفاوتُ، وعلم أيَّ المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين.
فهذه حجج المسألتين قد عرضت عليك، وقد أُهديت -إنْ قبلتها- إليك، وما أظن عَمَى التقليد إلا يزيد الأمر على ما هو عليه، ولا تدع التوفيق يقودك اختيارًا إليه، وإنما أشرنا إلى المسألتين إشارة تُطلع العالم على ما وراءها، وباللَّه التوفيق".
وقد أحسن الشاعر الشهير معروف الرصافي (ت 1364) في الانتصار لمذهب ابن القيم في قصيدته (1) (المطلقة)، وهذا مقتطف من خاتمتها:
ألا قُل في الطلاق لموقعيه ... بما في الشرع ليس له وجوبُ
غلوتم في ديانتكم غلُوًّا ... يضيق ببعضه الشرع الرحيبُ
أراد اللَّه تيسيرًا وأنتم ... من التعسير عندكم ضروبُ
وقد حلّت بأمتكم كروب ... لكم فيهن -لا لهم- الذنوبُ
وَهَى حَبْل الزواجِ وَرَقّ حتى ... يكادُ إذا نَفخْتَ له يذوبُ
كخيطٍ من لعاب الشمس أدلت ... به في الجوّ هاجرة حلوبُ
يمزّقه من الأفواه نفث ... ويقطعه من النسم الهبوبُ
فدى ابن القيّم الفقهاء كم قد ... دعاهم للصواب فلم يجيبوا
ففي "أعلامه" للناس رشد ... ومزدجر لمن هو مستريبُ
نحا فيما أتاه طريق علمٍ ... نحاها شيخه (2) الحبر الأديبُ
وبيّن حكم دين اللَّه لكن ... من الغالين لم تَعِهِ القلوبُ
لعلّ اللَّه يحدث بعدُ أمرًا ... لنا فيخيب منه من يخيبُ
وقال الأستاذ محمد رشيد رضا في "مناره" (3) عند كلامه على هذه المسألة:
"وأطال ابن القيم في تخريج أحاديث الباب والكلام عليها، وأثبته بالكتاب والسنّة، واللغة والعرف، وعمل أكثر الصحابة" ثم قال:
"واقترح بعض الفقهاء والعقلاء على حكومتنا المصرية الرجوع فيها إلى أصل الكتاب والسنّة، الذي كان أوّل من بسط دلائله شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه
__________
(1) نشرت في آخر بعض طبعات "إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان" (الإغاثة الصغرى).
(2) يريد ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى.
(3) (م 28/ ج 9/ 683).
(1/47)

المحقق ابن القيّم في كتبه: "إعلام الموقعين" و"إغاثة اللهفان" و"زاد المعاد" ووافقهما وأيّدهما من أعلام السنّة وفقهاء الحديث بعدهما. . . " إلخ كلامه.
قال أبو عبيدة: ومن سنن اللَّه الكونية الشرعية معًا: أنه لا يبقى إلا الأصلح، وثمار كثير من المصلحين لا تظهر إلا بعدهم، وهكذا كان في هذه المسألة التي أطنب المصنف في التدليل عليها، وأصبحت علمًا عليه، وأصبح علمًا عليها (مع شيخه ابن تيمية)، فإننا نشاهد ونسمع في جل بلاد الإسلام اليوم أن قوانين المحاكم الشرعية (1) على المذهب الذي ارتضاه المصنف (2).
ثم ذكر المثال الثامن، وهو في (موجبات الأيمان والأقارير والنذور)، وهذا أوسع باب، وفيه أظهر أمثلة على تغير الأحكام بتغير الزمان، إذ مدار ذلك على العرف من جهة، وعلى الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية من جهة أخرى، وفي هذا يقول أستاذنا مصطفى الزرقا رحمه اللَّه: "وقد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أن الأحكام التي تتبدّل بتبدّل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية، أي: التي قررها الاجتهاد بناء على القياس أو على دواعي المصلحة، وهي المقصودة بالقاعدة الآنفة الذكر: "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان".
أمّا الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية كحرمة المحرمات المطلقة، وكوجوب التراضي في العقود، والتزام الإنسان بعقده، وضمان الضرر الذي يلحقه بغيره، وسريان إقراره على نفسه دون غيره، ووجوب منع الأذى وقمع الإجرام وسدّ الذرائع إلى الفساد، وحماية الحقوق المكتسبة، ومسؤولية كل مكلف عن عمله وتقصيره، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره. . . إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها، فهذه لا تتبدَّل بتبدُّل الأزمان بل هي الأصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدل باختلاف الأزمنة المحدثة.
فوسيلة حماية الحقوق مثلًا -وهو القضاء- كانت المحاكم فيه تقوم على أسلوب القاضي الفرد، وقضاؤه على درجة واحدة قطعية؛ فيمكن أن تتبدَّل إلى
__________
(1) انظر مثلًا: قانون (25) لسنة (1929 م) للمحاكم الشرعية بمصر.
(2) انظر: "فقه السنة" (2/ 271).
(1/48)

أسلوب محكمة الجماعة، وتعدد درجات المحاكم بحسب المصلحة الزمنية التي أصبحت تقتضي زيادة الاحتياط لفساد الذمم.
فالحقيقة: أن الأحكام الشرعية التي تتبدَّل بتبدل الزمان، مهما تغيَّرت باختلاف الزمن؛ فإن المبدأ الشرعي فيها واحد، وهو إحقاق الحق، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وليس تبدُّل الأحكام إلا تبدُّل الوسائل والأساليب الموصلة إلى غاية الشارع؛ فإن تلك الوسائل والأساليب في الغالب لم تحددها الشريعة الإسلامية، بل تركتها مطلقة؛ لكي يختار منها في كل زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجًا وأنجح في التقويم علاجًا" (1).
وقد حمَّل بعض الناس (2) كلام ابن القيم رَحمه اللَّه ما لا يحتمل، حتى إنهم جعلوه وكأنه يقرر جواز تفسير النصوص أو تغيير الاجتهاد المبنى عليها تبعًا للمصلحة! هكذا على الإطلاق!!
والذي يظهر -بل هو المتيقن- أن ابن القيم رحمه اللَّه ما أراد ذلك، ويتبين هذا بأمور منها:
أولًا: أن الأمثلة التي أوردها ابن القيم في ذلك الفصل تدور كلها على الحالات التالية:
الأولى: الحالة التي يُثبِتُ تَغيرَ النصِ فيها نصٌّ آخرُ، كنهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تقطع الأيدي في الغزو (3).
وفي هذا المثال عطل الحد في ظرف خاص بنصٍّ خاص، بل وجد مانع شرعي من قيام الحد، دل عليه النص، وهذه الحال تختلف تمامًا عن الدعوى التي حمل عليها كلام ابن القيم، وينادي بها العقلانيون (أصحاب الفكر المستنير)!! زعموا!
الثانية: الحالة التي تتعارض فيها المصالح التي تثبتها النصوص، كترك إنكار المنكر إذا كان يستلزم ما هو أنكر منه، وهذه الحال كسابقتها، لا تدخل في الدعوى التي ادّعي أن كلام ابن القيم يدل عليها.
الثالثة: حالة يستعمل فيها القياس، وإلحاق الأشباه والنظائر بأمثالها التي تثبتها النصوص، كما في حديث المصرّاة: "من اشترى شاة مصراة، فهو فيها
__________
(1) المدخل الفقهي العام (2/ 924 - 925).
(2) انظر: "فلسفة التشريع في الإسلام" (ص 241) لصبحي المحمصاني.
(3) انظر تخريجه في (2/ 499).
(1/49)

بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردّها وردّ معها صاعًا من تمر" (1)، فذكر التمر لأنه الغالب في قوت البلد؛ فيخرج في كل موضع صاعًا من قوت ذلك البلد الغالب، فيخرج في البلاد التي قوتهم البر صاعًا من بر، وإن كان قوتهم الأرز فصاعًا من أرز. . . وهكذا.
وهذه الحال خارجة محلّ الدعوى؛ إذ هي قائمة على ما أثبته النص بالقياس عليه، بل لا يعدم ذلك ما يشير إليه، واللَّه أعلم.
الرابعة: حالة استثنائية قاهرة خاصة بحالة العجز والضرورة، ومثالها صحة طواف الحائض إذا خشيت أن تفوتها رفقتها في الحج؛ تنزيلًا لها منزلة العجز؛ كما صحت الصلاة ممن لا يستطيع القيام، مع أن القيام ركن، بل جعلوا ذلك بمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتشترط مع القدرة وتسقط مع العجز.
وهذه الحال لا دليل فيها على الدعوى.
الخامسة: الحالات التي اعتبر الشارع فيها العرف والعادة؛ كالتراضي في العقود وألفاظ الأيمان، والطلاق. . . ونحو ذلك.
وبتأمل هذه الحالات لا نجد حالة واحدة قدِّمت فيها المصلحة أو العرف على النص.
ثانيًا: عند النظر في كلام ابن القيم وتتبعه نجده يدور حول تقرير قيام الشرع في نصوصه وما دلت عليه من أحكام على مراعاة المصلحة والعوائد بحسب الأزمان والأماكن؛ فهو ينفي وجود تعارض أو مخالفة بين المصلحة ونصوص الكتاب والسنة؛ فكيف يقال: إنه يقول بتقديم المصلحة على النص، أو تفسيره بها؟!
ثالثًا: لابن القيم رحمه اللَّه كلام يؤكد أن المذكور مراده، وهو قوله رحمه اللَّه في معرض إجابة عن سؤال عن طائفة من أهل العلم أنهم قالوا: -وسياق كلامه يدل أنه معهم-: "الأحكام نوعان:
نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة؛ كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة
__________
(1) انظر تخريجه في (2/ 220، 497).
(1/50)

بالشرع على الجرائم. . . ونحو ذلك؛ فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.
والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالًا؛ كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة" (1).
وهذا الكلام منه رحمه اللَّه يدلّ على أنه لا يقول بتغيير دلالة النصوص بحسب المصلحة، إنما يُعمِلَ المصلحة فيما أعملته فيه النصوص، وباللَّه التوفيق (2).
ومبحث كتابنا في "تغير الفتوى" لاقى قبولًا حسنًا عند العلماء، وصرح غير واحد ممن اعتنى في هذه المسألة بذلك (3).
وأخيرًا، لا بد من التنويه هنا على أمور:
الأول: إن تغير الفتوى بالمعنى الذي قرره وأصّله المصنّف، ومثَّل عليه إنما هو إعمال لما أمرت به الشريعة، وراعته في أصولها الكلية وجزئياتها الفرعية، إذ من الفتيا ما يكون من حيثيات الحكم فيها مراعاة العرف والمصلحة، فإذا تغير
__________
(1) "إغاثة اللهفان" (1/ 330 - 331).
(2) "تغيّر الفتوى" (34 - 37)، وانظر: "مفهوم تجديد الدين" (271 - 273)، "العرف والعمل" للجيدي (145)، "نظرية العرف" للخياط (79 - 81).
(3) لا داعي لنقل كلامهم طلبًا للاختصار، وينظر في ذلك "ذخر المحتي" (125 - 126)، وفيه: "وتكلم في "الأعلام" على هذا الفصل كلامًا مشبعًا وافيًا كافيًا"، "تغيّر الأحكام" لإسماعيل كوكسال (17، 53، 171)، "المدخل" للدواليبي (ص 318)، "التطور روح الشريعة"، (190 - 193) للشرقاوي، "محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء" (254 - 259) لعلي الخفيف، "مباحث العلة في القياس عند الأصوليين" (127) لعبد الحكيم السعدي، "أصول الفتوى وتطبيق الأحكام الشرعية في بلاد غير المسلمين" (62 - 66)، "مباحث في أحكام الفتوى" لعامر الزيباري (55، 87)، "عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق" (74 - 75، 335) للباني -قال فيه: "عقد ابن القيم في "إعلام الموقعين" فصلًا ممتعًا واسعًا في تغير الفتوى واختلافها بحسن تغير الأزمنة والأمكنة. . . ثم ساق -أحسن اللَّه مثواه- لاختلاف الفتوى باختلاف مقتضى الحال أمثلة كثيرة وفَّى بها الموضوع حقَّه، تؤيد ما أسلفناه" قال: "ومن أراد أن يدرك لباب الشريعة، وما انطوت عليه من الحكم والمصالح والتسامح، فعليه بالاطلاع على هذا الفصل، لأنّ به العجب العُجاب"-، "تغير الفتوى" لبازمول (15، 34 - 36، 47)، "مفهوم تجديد الدين" (271 - 273) لبسطامي محمد سعيد.
(1/51)

العرف أو تخلّفت المصلحة، تغيّرت الحيثيّة، فتتغيّر لذلك الفتيا (1).
الثاني: أسهب المصنف في ذكر مسائل يختلف حكمها لتغير العرف والعادة، فبدأ بجملة من مسائل الأيمان، أناط الحكم فيها على نية حالفها وقصده وأنه إذا أطلق اعتبر سبب اليمين وما هيَّجها، وقام ذلك مقام القصد والنية، ثم تعرض إلى حكم الطلاق حال الغضب وقرر فيه أن الإنسان لا يؤاخذ حين يخطئ من شدة الغضب، ثم ذكر حكم يمين اللغو باللَّه وبالطلاق، وحكم تعليق الطلاق على الشرط، وصور وقوعه وعدمه، وقرر في خلال هذه المباحث -نصرةً لاختياره- ضرورة اعتبار النية والمقاصد في الألفاظ، وفرع عليه أيمان وعقود المخطئ والمكره والمستهزئ والهازل، ثم تعرض إلى حكم الحلف بالحرام، ومذاهب العلماء فيه، واستطرد فذكر (أيمان البيعة) و (أيمان المسلمين) واختلاف العلماء وأقوالهم في ذلك.
الثالث: ذكر المصنف في أواخر تعرضه (للمثال الثامن) كلمة جامعة مهمة في هذا الموضوع، نسوقها لأهميتها، قال في (3/ 470) ما نصه:
"وعلى هذا أبدًا تجيء الفتاوى في طول الأيام، فمهما تجدد في العُرْف شيء فاعتبره، ومهما سقط فألْغِهِ، ولا تجمد على المنقول في الكتب طولَ عمرك، بل إذا جاءك رجلٌ من غير إقليمك يستفتيك فلا تُجْرِهِ على عُرْف بلدك، وسَلْه عن عرف بلده فأجْرِهِ عليه وأفْتِهِ به، دون عرف بلدك والمذكور في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمودُ على المنقولات أبدًا ضلالٌ في الدين وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين" وقال أيضًا:
"وهذا محض الفقه، ومَنْ أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرْفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضلَّ وأضل، وكانت جنايته على الدين أعْظَمَ من جناية من طَبَّبَ الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضَرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم واللَّه المستعان".
إن كثيرًا من الموضوعات الفقهية ذات العلاقة بالمعاملات، وعيوب النكاح، وقضايا القصاص والجراح بنى الفقهاء المتقدمون الأحكام فيها حسب التصورات،
__________
(1) "تغير الفتوى" (33) لبازمول.
(1/52)

والخبرات، والمستوى العلمي الذي بلغته عصورهم، ومجتمعاتهم، ليس من المناسب اليوم، بل ومن غير المعقول أن تكرر تلك الأحكام، وتردد تلك المسائل دون وعي وإدراك لتغير العرف فيها، أو ما استحدث من تقدم علمي في معالجتها، مثلًا: كان الفقهاء يعدون بعض الأمراض موجبًا لفسخ النكاح لأنها كانت مما يستعصي علاجه مثل الرتق، والفتق، والبخر، منها الخاص بالرجال، ومنها الخاص بالنساء، ومنها المشترك بينهم، أصبح معظمها في الوقت الحاضر -بحمد اللَّه- سهل العلاج، سريع البرء، وما سطره الفقهاء، وما قدموه من تصورات فيه دلالة على وعيهم التام بأحوال مجتمعاتهم، فجاءت الأحكام منسجمة متوافقة مع بيئاتهم التي عاشوها، واللوم كله يقع على الذين يفرضون الماضي على الحاضر دون وعي بالاختلاف والتباين بين العصرين، فيجترون ويكررون ما في كتب التراث الفقهي، لا يعيشون عصرهم، ولا يدرون ما يحدث فيه من تطورات اجتماعية، وعلمية وإيثارًا للطريق السهل، وتفاديًا لعناء البحث ومتاعبه.
الأمانة العلمية تقتضي بذل أقصى الجهد للتوصل إلى الحقائق العلمية، والمتغيرات الاجتماعية في كافة مراحل البحث بتصور واع، وإدراك لحقائق الأمور، وتفتح كامل دون تفريط حتى تكون صادقة، متطورة، متجددة تصدر الأحكام والدراسات عن تصورات ومفاهيم مشتركة بين الباحث والقارئ، فيشعر أنه طرف فيها، وجزء منها، تتحدث عن واقع يعيشه (1).
الرابع: ختم ابن القيم الكلام على (تغير الفتوى) بمسألة (المهر) وحكم تأجيل (بعضه)، وأنه يستحق -بناء على العرف العام- المطالبة به بموت أو فرقة، ودلّل على المسألة بالآثار، وأن الليث حكى الإجماع عليه، واستطرد هنا بذكر رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، فأوردها بطولها من "المعرفة والتاريخ" للفسوي، وموطن الشاهد في (3/ 483) خمسة سطور منها، ثم عاد إلى التفريع على مسألة (المهر المؤجل)، فذكر (مهر السر ومهر العلن)، وصوره السبعة (2)، وأدار الأحكام على المسائل المتقدمة كلها بالقصد والنية، قال في (3/ 496): "فدل على أن القصد روح العقد ومصححه ومُبطله، فاعتبار القصود في العقود
__________
(1) "منهج البحث في الفقه الإسلامي" (99 - 100).
(2) انظرها في (3/ 493 - 496).
(1/53)

أولى من اعتبار الألفاظ" (1) وذكر أن هذا هو العدل، وقال في ضرورته للمفتي والعالم في (3/ 497):
"واللَّه تعالى يحب الإنصاف، بل هو أفضلُ حِلْية تحلَّى بها الرجل، خصوصًا من نصب نفسه حَكَمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال اللَّه تعالى لرسوله: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى: 15] فورثةُ الرسولِ منصبهم العدل بين الطوائف وألا يميل أحدُهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه، بل يكونُ الحقُّ مطلوبه يَسِيرُ بسيرِه وينزل بنزوله، ويدين بدين العدل والإنصاف ويحكّم الحجة، وما كان عليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه فهو العلم الذي قد شَمَّرَ إليه، ومطلبه الذي يحوم بطلبه عليه، لا يثني عنانه عنه عذل عاذل، ولا تأخذهُ فيه لومة لائم، ولا يصده عنه قول قائل".
وأكد ذلك بأحكام النائم والناسي والسكران والجاهل والمكره والمخطئ من شدة الفرح أو الغضب أو المرض ونحوهم، وبمنع بعض المباحات لما هو مقصود بالحرمة.

- المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات كما هي معتبرة في العبادات:
وأكد هذه القاعدة بقوله في (3/ 499): "وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمُها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات، كما هي معتبرة في التقربات والعبادات" وقال في (3/ 550): "ودلائل هذه القاعدة تفوت الحصر"، وأخذ يستدل ويفرع بمسائل كثرت الحاجة إليها في عصره، وجمد علماء الألفاظ على الموجود في بطون الكتب، فتعرض ل (أنواع شروط الواقفين) وحكم كل نوع، ثم أخذ في ذكر مسائل فقهية مدللة، وتأصيل بعض الكليات التي لها تعلّق بهذه المسائل، مثل: (النية لها تأثير في العقود) (2) و (إبطال كل شرط يخالف القرآن) (3)، وعقد بعد ذلك مناظرة
__________
(1) من بديع كلام الغزالي في "معيار العلم" (ص 171): "الشرع كثير الالتفات إلى المعاني، قليل الالتفات إلى الصور والأسامي".
(2) اتَّهم البوطي في "ضوابط المصلحة" (ص 262 وما بعد) ابن القيم بالتناقض! وزعم أنه لا دليل على هذه القاعدة! وناقشه بقوة الدكتور حسين حامد في كتابه "نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي" فانظر كلامه، فإنه مفيد.
(3) في "المدخل المفصل" (1/ 52): "ولابن القيم -رحمه اللَّه تعالى- في "إعلام الموقعين" بحث نفيس مطول في إبطال شروط الواقفين غير الشرعية، وأنها تصرف في الأقرب لمقصد الواقف من المصارف الشرعية".
(1/54)

بين الجامدين على اللفظ والعاملين بالمعنى والقصد. قال في (3/ 513 - 514):
"فانظر ملتقى البحرين، ومُعْتَرَكَ الفريقين، فقد أبرز كل منهما حجته، وخاض بحر العلم فبلغ منه لُجَّتَه، وأدْلى من الحجج والبراهين بما لا يُدفع، وقال ما هو حقيق بأن يقول له أهل العلم: قل؛ يُسْمَعْ، وحُججُ اللَّه لا تتعارض، وأدلة الشرع لا تتناقض، والحق يُصدّق بعضه بعضًا، ولا يقبل معارضة ولا نقضًا، وحرامٌ على المقلد والمتعصب أن يكون من أهل هذا الطراز الأول، أو يكون على قوله وبحثه إذا حقَت الحقائق المُعَوَّل، فليجرب المدعي ما ليس له والمدعي في قوم ليس منهم نفسَه وعملَه وما حصَّله في الحكم بين الفريقين، والقضاء للفصل بين المتغالِبَيْن، وليبطل الحجج والأدلة من أحد الجانبين، ليسلم له قول إحدى الطائفتين، وإلا؛ فليلزم حدَّه، ولا يتعدى طَوْرَه، ولا يمد إلى العلم الموروث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- باعًا يقصر عن الوصول إليه، ولا يَتَّجر بنقدٍ زائفٍ ولا يروج عليه، ولا يتمكن من الفصل بين المقالين إلا من تجرد للَّه مسافرًا بعزمه وهمته إلى مطلع الوحي، مُنْزِلًا نفسَه منزلَةَ من يتلقاه غضًّا طريًّا مِنْ في رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يعرض عليه آراء الرجال ولا يعرضه عليها، ويحاكمها إليه ولا يحاكمه إليها".
وأخذ في تقرير قاعدة الإعمال لا الإهمال، وعدّ عشرة أشياء (1) لا يؤاخذ اللَّه المكلف بها، لعدم قصده وعقد قلبه الذي يؤاخذه به، وراح يدلّل عليها، بما لا يدع مجالًا للشك في ذلك، ورجع إلى بيان أقسام الألفاظ الثلاثة (2) بالنسبة إلى مقاصد المتكلمين ونيّاتهم وإراداتهم، وبيَّن متى يحمل الكلام على ظاهره، ومتى لا يحمل؟

- الحيل:
وبعد هذه التوطئة المهمة، أخذ في الكلام المفصَّل على (الحيل) وصوره، وأقسامه، وقرر أنّ أصحاب الحيل وقفوا مع الظواهر والألفاظ ولم يراعوا المقاصد والمعاني، وأنهم استحلوا (حقائق) المحرمات، بتسميتها بأسماء لا نصيب لها من الشرع إلا (الألفاظ) ومن الأمثلة على ذلك قوله في (3/ 530) بعد كلام: "وأما استحلال القتل باسم الإرهاب الذي تُسميه ولاة الجور سياسة وهيبة وناموسًا
__________
(1) انظرها في (3/ 515).
(2) انظرها في (3/ 518).
(1/55)

وحرمة للملك، فهو أظهر من أن يذكر" (1) وقوله في (3/ 532):
"ولو أوْجَبَ تبديلُ الأسماء والصور تبدُّلَ الأحكام والحقائق لفسدت الديانات، وبُدِّلت الشرائع، واضمحل الإسلام، وأي شيء نَفَعَ المشركين تسميتهم أصنامَهم آلهةً وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها؟ وأي شيء نَفَعهم تسمية الإشراك باللَّه تقربًا إلى اللَّه؟ وأي شيء نَفَع المعطِّلين لحقائق أسماء اللَّه وصفاته تسميةُ ذلك تنزيهًا؟ وأي شيء نفع الغلاةَ من البشر واتخاذهم طواغيت يعبدونها من دون اللَّه تسمية ذلك تعظيمًا واحترامًا؟ وأي شيء نفع نُفَاة القدر المخرجين لأشرف ما في مملكة الرب تعالى من طاعة أنبيائه ورسله وملائكته وعباده عن قدرته تسمية ذلك عدلًا؟ وأي شيء نَفَعهم نفيهم لصفات كماله تسمية ذلك توحيدًا؟ وأي شيء نفع أعداء الرسل من الفلاسفة القائلين بأن اللَّه لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام ولا يحيي الموتى ولا يبعث مَنْ في القبور ولا يعلم شيئًا من الموجودات ولا أرسل إلى الناس رسلًا يأمرونهم بطاعته تسمية ذلك حكمة؟ وأي شيء نفع أهل النفاق تسمية نفاقهم عقلًا معيشيًا وقَدْحَهم في عقل من لم ينافق نفاقهم ويُدَاهن في دين اللَّه؟ وأي شيء نفع المَكَسَة تسمية ما يأخذونه ظلمًا وعدوانًا حقوقًا سلطانية وتسمية أوضاعهم الجائرة الظالمة المناقضة لشرع اللَّه ودينه شرع الديوان؟ وأي شيء نفع أهل البِدَعِ والضلال تسمية شبههم الداحضة عند ربهم، وعند أهل العلم والدين والإيمان عقليات وبراهين؟ وتسمية كثير من المتصوّفة الخيالات الفاسدة والشطحات حقائق؟ فهؤلاء كلهم حقيق أن يتلى عليهم: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم: 23] ".
وبناءً عليه، ذكر أن المحتال لا يجوز أن يحصل على مقصوده، وفرق بينه وبين المكره واستطرد في ذكر الهازل وحكم عقوده، وفرع عليه حكم نكاحه وأن الشارع رتب عليه حكمًا، لأن "عقد النكاح يشبه العبادات في نفسه" (2)، وخلص من خلال ما مضى إلى أن "ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة، فإنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر أن يُقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام ويلتزموا طاعة اللَّه ورسوله، ولم يُؤمر أن يُنقِّب عن قلوبهم ولا أن يشق بطونهم، بل يُجْرِي عليهم أحكام اللَّه في الدنيا إذا دخلوا في دينه، ويجري أحكامه في الآخرة على قلوبهم ونيّاتهم؛
__________
(1) صدق رحمه اللَّه، ولا أدري ماذا يقول لو رأى الذي رأيناه، ولا قوة إلا باللَّه!
(2) انظر: (3/ 542).
(1/56)

فأحكام الدنيا على الإسلام، وأحكام الآخرة على الإيمان" (1).
واستَخْلَص من ذلك أسرارَ الشرع في جملة مسائل، ذكر الراجح عنده فيها، وناقش كلامًا للشافعي، ووجهه على ما ذكره آنفًا، موردًا عليه أجوبة علمية تظهر أسرار الشرع وحكمه، مزيلًا ما قد يحصل تشويش على الذي قعّده بسببه، وأظهر في هذه المسائل أقوال المذاهب وسبب اختلافهم، وأدلتهم، ومناقشاتهم ورجح فيها أنه متى "قام دليل على الباطن لم يلتفت إلى ظاهر قد عُلم أن الباطن بخلافه" (2)، وبناءً عليه فرق بين توبة الكافر الأصلي وتوبة الزنديق، وعدم توبة الأخير إلا إن ظهر منه حسن الإسلام، وتوبة نصوح قبل رفعه إلى السلطان، ثم تعرض ل (الشروط وأثرها على العقد) ورد قول من قال إن الشرط المتقدم لا يؤثر شيئًا، وقال عنه: "وهل هذا إلا فتح لباب الحيل؟ بل هو أصل الحيل وأساسها" (3) وهو أقرب الوسائل والذرائع إلى حصول ما قصد الشارع عدمه وإبطاله.

- سد الذرائع وتوظيفه للمنع من الحيل:
ومن ثم تعرض لقاعدة سد الذرائع، بتأصيل على وجه بديع غاية، قال في (3/ 552): "ونحن نذكر قاعدة سد الذرائع ودلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والميزان الصحيح عليها" وذكر تحتها أنواع الوسائل (4)، وحكم كل نوع، وقرر أنه لا يجوز الإتيان بفعل يكون وسيلة إلى حرام، وإن كان جائزًا، واستدل على ذلك من تسعة وتسعين وجهًا (5).
قال في (4/ 65): "ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لأسماء اللَّه الحسنى التي مَنْ أحصاها دخل الجنة، تفاؤلًا بأنه من أحصى هذه الوجوه وعلم أنها من الدين وعمل بها دخل الجنة؛ إذ قد يكون قد اجتمع له معرفة أسماء الرب تعالى ومعرفة أحكامه، وللَّه وراء ذلك أسماء وأحكام".
وقال أيضًا:
"وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف؛ فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان؛ أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما:
__________
(1) انظر: (3/ 542).
(2) (3/ 548).
(3) (3/ 551).
(4) هنا ينتهي المجلد الثالث من نشرتنا.
(5) انظرها في: (4/ 5 - 65).
(1/57)

ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المَفْسَدة، فصار سد الذرائع المُفْضِية إلى الحرام أحد أرباع الدين" (1).
ولذا، فإن سد الذرائع "يمثل الدور الدفاعي والوقائي بالنسبة لمقاصد الشريعة، ولا سيما أن المصلحة ينبغي أن ينظر إليها من جانبين: الوجود والعدم" ولذا فإن جماع المقاصد وقوامها جلب المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وهذا يلتقي مع ضرورة النظر في (مآلات الأفعال) (2).
ويقودنا هذا إلى القول بأن الأخذ بسد الذرائع يمثل سدًا لأبواب التحيل على الشرع، وحسمًا لمادة الشر والفساد، لعلم الشارع بما جبلت عليه النفوس، من خفي هواها الذي لا يزال يسري بها حتى يقودها إلى الهلكة، فسدّ الذرائع يمثل تقويمًا لمسار المكلفين ومقاصدهم، ويحملهم على أن يوافقوا قصد الشارع في تكاليفه وأحكامه، وعلى ألا يتحذلقوا على الشارع، فربما أوقعهم ذلك في الكفر أو الابتداع أو الفسوق أو العصيان (3).
واستفاد ابن القيم من التقرير السابق أن القول بتجويز الحيل يناقض سد الذرائع، قال في (4/ 66): "فهذه الوجوه التي ذكرناها وأضعافها تدل على تحريم الحيل والعمل بها والإفتاء بها في دين اللَّه" وأخذ في سرد أدلة تحريم الحيل، وذم السلف لها، وبيَّن أن القول بحرمتها أقوى من القياس (4)، قال في (4/ 93 - 94):
__________
(1) انظر: (4/ 65).
(2) وهو الذي نادى به الشاطبي على وجه فيه تأصيل بديع، انظر: "الموافقات" (5/ 177 - 200 - بتحقيقي).
(3) انظر: "بيان الدليل" (352 - 353 بتحقيق - فيحان) و"تفسير آيات أشكلت" (2/ 681)، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (23/ 214 - 215 و 32/ 228 - 229).
(4) قال صديق حسن خان في "ذخر المحتي" مبّينًا مباحث كتابنا هذا بعد كلام: "ثم ذكر بعد ذلك فصولًا في الحيل التي أحدثها الفقهاء، وضرب لها أمثلة كثيرة يبلغ عدُّها إلى المثال الخامس عشر بعد المئة، وذكر تحت كل مثال منها مخارج منها، فجاء الكتاب سفرًا كبيرًا"، وقال (ص 118) بعد ذكره الحيل المحرمة والحيل الجائزة: "وقد ذكر الحافظ ابن القيم رحمه اللَّه في "الأعلام" من النوعين، ما لعلك لا تظفر بجملته في غير ذلك الكتاب، واللَّه الموفق للصواب" وقال (ص 129): "وقد تكلم في "الأعلام" على هذه المسألة مستوفًى، لعلك لا تظفر بمثله في كتاب غيره، فإن شئت فراجعه وباللَّه التوفيق".
وقال المحمصاني في "فلسفة التشريع في الإسلام" (ص 225): "وقد عقد ابن القيم في هذا الموضوع، -أي: الحيل- فصولًا طويلة، بيَّن فيها بإسهاب الأدلة على بطلان هذه الحيل، ورد على حجج من جوّزها، ثم فرق بين الحيل المحرمة والحيل المشروعة، وضرب منها أمثلة كثيرة".
(1/58)

"فكل مَنْ له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائله ثم أنصف لم يَشُكَّ أن تقرير هذا الإجماع منهم على تحريم الحيل وإبطالها ومنافاتها للدين أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس وغير ذلك مما يُدَّعى فيه إجماعُهم، كدعوى إجماعهم على عدم وجوب غسل الجمعة، وعلى المنع من بيع أمهات الأولاد، وعلى الإلزام بالطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وأمثال ذلك.
فإذا وازنت بين هذا الإجماع وتلك الإجماعات ظهر لك التفاوت، وانضم إلى هذا أن التابعين موافقون لهم على ذلك، فإن الفقهاء السبعة وغيرهم من فقهاء المدينة الذين أخذوا عن زيد بن ثابت وغيره متفقون على إبطال الحيل، وكذلك أصحاب عبد اللَّه بن مسعود من أهل الكوفة، وكذلك أصحاب فقهاء البصرة كأيوب وأبي الشَّعْثاء والحسن وابن سيرين، وكذلك أصحاب ابن عباس.
وهذا في غاية القوة من الاستدلال، فإنه انضم إلى كثرة فتاويهم بالتحريم في أفراد هذا الأصل وانتشارها أن عصرهم انصرم، ورقعة الإسلام متسعة، وقد دخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، وقد اتسعت الدنيا على المسلمين أعظم اتساع، وكثُر من كان يتعدى الحدود، وكان المقتضى لوجود هذه الحيل موجودًا، فلم يُحفظ عن رجل واحد منهم أنه أفتى بحيلة واحدة منها أو أمر بها أو دلَّ عليها، بل المحفوظ عنهم النهي والزجر عنها؛ فلو كانت هذه الحيل مما يسوغ فيها الاجتهاد لأفتى بجوازها رجلٌ منهم، ولكانت مسألة نزاع كغيرها. بل أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم متفقة على تحريمها والمنع منها، ومضى على أثرهم أئمة الحديث والسنة في الإنكار".
وأخذ في سرد مفردات الحيل في أبواب متعددة من أبواب الفقه، وقرر أنه لا يجوز أن ينسب القول بجواز الحيل إلى إمام، لأن ذلك قدح في إمامته، وأن الأئمة برءاء مما نسب إليهم من ذلك، ثم أخذ في سرد الأدلة العقلية على ذم الحيل وتحريمها، وفصَّل في ذكر حِكم الشرع (1) في أحكام متعددة، وبيّن أن أكثر الحيل تناقض أصول الأئمة، وأنها تقتضي رفع التحريم من عشرة وجوه (2).
وبعد هذا كله، رجع إلى حجج الذين جوَّزوا الحيل، وذكر أدلتهم من القرآن والسنة وعمل السلف، وادعاءهم أن في المذاهب فروعًا ينبني عليها تجويز
__________
(1) انظر: ما سيأتي عن ذلك (ص 185) من هذه المقدمة.
(2) انظرها في (4/ 112 - 113).
(1/59)

الحيل، وكرّ عليها بمناقشة المبطلين لها، وأجوبتهم عنها.
والمصنف في عرضه ورده، يختار أقوى الأدلة، ويعرضها بأبلغ عبارة وأنصعها وأقواها، ويوجه الأدلة على المنع ثم على الجواز، ثم على المنع بما يدهش ويحيّر اللبيب، سبحان اللَّه الواهب الفتاح، المعطي، الكريم، الجواد، الواسع.
وهذا يدل على تفنُّن مصنِّفنا، وأنه شبعان ريان من استحضار النصوص، وفهمها، وتوجيهها، وعلى ذكرٍ بأشباهها ونظائرها، وعلى قدرة فائقة في رد انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فرحمه اللَّه رحمة واسعة، ورضي عنه. وتعرض رحمه اللَّه في أثناء هذه الردود إلى عقد مقارنة بين شريعتنا وشريعة من قبلنا (1)، وأوجه الوفاق والفراق بينهما في بعض الأمور، ولم ينس بعض المباحث (العقدية) كالكلام على (كيد اللَّه) (2) وأنواعه، ولا على بعض المباحث (الأصولية)، كالكلام على (دلالة المطلق والفرق بينه وبين العام) (3)، وقوى توجيهاته بذكر (الحِكَم) في بعض ما احتج به القائلون بالحيل، فضيق عليهم، بإلزامات مقنعة، وتفريعات عديدة عجيبة، ونظائر ونقولات شهيرة، وتفريقات كثيرة، كتفرقته بين (الحيل) و (المعاريض) (4) و (الذريعة) (5)، وفرع عليه الكلام على (فقه المعاريض)، والضابط في أحكامها، وأنواعها، وكتفرقته بين (العقود) و (الحيل)، وقال تحت هذا في (4/ 186): "فهذا موضع الكلام في الحيل، وانقسامها إلى الأحكام الخمسة" (6).
وهنا أخذ في التأصيل، فبيّن معنى (الحيلة)، واشتقاقها، وأقسامها، وأمثلة كل قسم، وأورد تحت هذه الأمثلة: (مسائل يفضي ثبوتها إلى إبطالها) (7) و (مسائل يؤدي ثبوتها إلى نفيها) (8) وطول الكلام على (المسألة السريجية) و (الطلاق الثلاث جملة)، وقرر أن "المتأخرين أحدثوا حيلًا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة، ونسبوها إلى الأئمة، وهم مخطئون في نسبتها إليهم، ولهم مع الأئمة موقف بين
__________
(1) وانظر في ذلك أيضًا: (2/ 304).
(2) انظر: (4/ 156 - 159، 162 - 163).
(3) انظر: (4/ 164 - 168).
(4) انظر: (4/ 176).
(5) انظر: "مقاصد الشريعة" لابن عاشور (116).
(6) أشاد العلماء بكلام المصنف على الحيل، وسيأتي لاحقًا شيء من ذلك، وانظر: "المدخل لدراسة الفقه الإسلامي" (135 - 142) لإبراهيم عبد الرحمن.
(7) انظر: (4/ 205 - 206).
(8) انظر: (4/ 206 - 209).
(1/60)

يدي اللَّه عز وجل، ومن عرف سيرة الشافعي وفضله ومكانه من الإسلام علم أنه لم يكن معروفًا بفعل الحيل، ولا بالدلالة عليها، ولا كان يشير على مسلم بها، وأكثر الحيل التي ذكرها المتأخرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرفاتهم. . . " (1).
وذكر هنا أمرين مهمين جدًا، قال في (4/ 234 - 235):
"ولا بد من أمرين أحدهما أعظم من الآخر، وهو:
* النصيحة للَّه ولرسوله وكتابه ودينه وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث اللَّه به رسوله من الهدى والبيِّنات، التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل، وبيان نفيها عن الدين وإخراجها منه، وإن أدخلها فيه مَنْ أدخلها بنوع تأويل.
* والثاني: معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم للَّه ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم والحق في خلافها لا يُوجب اطِّراح أقوالهم جملة وتنقّصهم والوقيعة فيهم.
فهذان طرفان جائران عن القصد، وقَصْدُ السبيل بينهما، فلا نُؤثّم ولا نَعْصم، ولا نسلك بهم مسلك الرافضة في عليّ ولا مسلكهم في الشيخين، بل نسلك بهم مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصحابة، فإنهم لا يؤثّمونهم ولا يعصمونهم، ولا يقبلون كل أقوالهم ولا يهدرونها. فكيف ينكرون علينا في الأئمة الأربعة مسلكًا يسلكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة؟ ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح اللَّه صدره للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين:
* جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم.
* أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث اللَّه بها رسوله.
ومن له علم بالشرع والواقع؛ يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قَدَم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهَفْوة والزَّلَّة هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده؛ فلا يجوز أن يُتَبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين".
وأخذ في التدليل على هذا التأصيل، وقرر أخيرًا "أن القول بتحريم الحيل
__________
(1) انظر: (4/ 232).
(1/61)

قطعي ليس من مسالك الاجتهاد" (1) و"قد اتفق السلف على أنها بدعة محدثة" (1).

- مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد:
وذكر هنا أصلًا على وجه الاستطراد، بيَّن فيه خطأَ إطلاق قوله (مسائل الخلاف لا إنكار فيها) (2)، وفرق بين (مسائل الاجتهاد) و (مسائل الخلاف)، وقال في (4/ 243): "وإنما دخل هذا اللبس (أي قولهم: مسائل الخلاف لا إنكار فيها) من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس، ممن ليس لهم تحقيق في العلم".
وتقرير هذا الأصل اليوم مهم، ويعمل على تقويم تلك العبارة الشائعة القائلة "ليعاون بعضنا بعضًا فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه" (3) فالإعذار إنما يكون في (المسائل الاجتهادية) لا (الخلافية)، فيزاد في آخرها "مما له وجه"، ويجب على قائلها ألا يطرح البحث والنظر في الراجح، ويتكئ على الخلاف، ويبقى راتعًا في جهله، نعم، الواجب عدم التشنيع على المخالف، والتعنيف له في المسائل الاجتهادية، ولكن مع المناصحة واتباع الدليل والسعي لإزالة الخلاف إن أمكن.
ثم قال المصنف بعد ذلك في (4/ 248): "فلنرجع إلى المقصود، وهو بيان بطلان هذه الحيل على التفصيل. . . " وأخذ في سرد حيل الوقف والأيمان وإسقاط حق الحضانة، وجعل تصرفات المريض نافذة، والسَّلَم، والشفعة، وتفويت حق القسمة، والمزارعة، والهبة، والوصية، والميراث، والأروش وإسقاط الحدود: السرقة، والزنا؛ والنكاح، والبنيان، والضمان، والظهار، والإيلاء، والزكاة، والبيع، والطلاق، ثم ذكر أعاجيب متناقضات أرباب الحيل، وقاعدة في أقسام الحيل ومراتبها، وذكر من هؤلاء (السراق)، وقال عنهم: "وهم أنواع لا تحصى، فمنهم السراق بأيديهم، ومنهم السراق بأقلامهم، ومنهم السراق بأماناتهم، ومنهم السراق بما يظهرونه من الدين والفقر والصلاح والزهد، وهم في الباطن بخلافه،
__________
(1) انظر: (4/ 241).
(2) نقل كلامَ المصنِّف بالجملة مع مقدمات وتتمات لهذه المسألة جمعٌ من المعاصرين، وأفردوه برسائل مستقلة، مثل: "حجج الأسلاف في بيان الفرق بين مسائل الاجتهاد ومسائل الخلاف" و"الاختلاف وما إليه" وغيرهما.
(3) لأخينا الفاضل الدكتور حمد العثمان "زجر المتهاون بضرر قاعدة المعذرة والتعاون"، فانظره، فإنه مفيد.
(1/62)

ومنهم السراق بمكرهم وخداعهم وغشهم، وبالجملة، فحيل هذا الضرب من الناس أكثر الحيل" (1)، وذكر نوعي أرباب الحيل، وأنواع الحيل المحرمة الثلاثة (2)، وذكر تحتها مئة وسبع عشرة مثلًا.
واستطرد في بعض هذه الأمثلة، وأوجز في بعضها الآخر، ولم تخلُ انفرادات شيخه ابن تيمية منها، فذكر -مثلًا- (المثال الثاني والستين) وهو في (مسألة الحلف بالطلاق)، وذكر أثر ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-: "العتق ما ابتغي به وجه اللَّه، والطلاق ما كان عن وطر" (3)، وقال:
"فتأمل هاتين الكلمتين الشريفتين الصادرتين عن علم قد رسخ أسفلُه، وبَسَقَ أعلاه، وأينعت ثمرتُه، وذللت للطالب قطوفُه، ثم احكم بالكلمتين على أيمان الحالفين بالعتق والطلاق، هل تجد الحالفَ بهذا ممن يبتغي به وجه اللَّه، والتقربَ إليه بإعتاق هذا العبد؟ وهل تجد الحالفَ بالطلاق ممن له وطر في طلاق زوجته؟ فرضي اللَّه عن حَبْرِ هذه الأمة لقد شَفَتْ كلمتاه هاتان الصدورَ، وطبقتا المفصلَ، وأصابَتَا المحزَّ، وكانتا برهانًا على استجابة دعوة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- له أن يعلمه اللَّه التأويل ويفقهه في الدين، ولا يوحشنَّك مَنْ قد أقرَّ على نفسه هو وجميع أهل العلم أنه ليس من أولي العلم، فإذا ظفرتَ برجل واحد من أولي العلم طالب للدليل مُحَكم له متبع للحق حيث كان وأين كان ومع من كان زالت الوحشة وحصلت الألفة، ولو خالفك فإنه يخالفك ويعذرك، والجاهل الظالم يخالفك بلا حجّة ويكفّرك أو يُبَدِّعُكَ بلا حجة، وذنبك رغبتك عن طريقته الوخيمة، وسيرته الذميمة، فلا تفتر بكثرة هذا الضرب، فإن الآلاف المؤلفة منهم لا يعدلون بشخص واحد من أهل العلم، والواحد من أهل العلم بعدل بملء الأرض منهم" (4).
وأخذ بعد ذلك في ذكر الآثار الدالة على أن الجماعة صاحب الحق، وإن
__________
(1) انظر: (4/ 299)، وما علقناه عليه لزامًا.
(2) انظرها في (4/ 310 وما بعد).
(3) انظر تخريجه في التعليق على (4/ 387).
(4) انظر: (4/ 387 - 388) واعتنى الشوكاني في "نيل الأوطار" (7/ 57 - 60) بكلام المصنف عناية فائقة، وقال: "ومن المطوّلين للبحث في هذه المسألة الحافظ ابن القيم. . . فإنه ذكر في كتابه المعروف "إعلام الموقعين" خمسة عشر مذهبًا، وسنذكر ذلك على طريقة الاختصار، ونزيد عليه فوائد. . . ".
(1/63)

كان وحده (1)، ثم قال في آخر المثال: "وكان الإمام أحمد هو الجماعة، ولما لم تحمل هذا عقول الناس، قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين! أتكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون كلهم على الباطل وأحمد وحده هو على الحق؟ فلم يتسع علمه لذلك؛ فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل؛ فلا إله إلا اللَّه، وما أشبه الليلة بالبارحة، وهي السبيل المَهْيَع لأهل السنة والجماعة حتى يلقوا ربهم، مضى عليها سلفهم، وينتظرها خلفهم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)} [الأحزاب: 23] ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم" (2).
واستطرد في (المثالى الثالث بعد المئة) وهو في (حيلة يتخلّص بها من غريم يريد الإنقاص أو التأجيل) وختمها ب (الفرق بين المضطهد والمكره)، وقال عنها في (4/ 434): "وهذه المسألة من نفائس هذا الكتاب، والجاهل الظالم لا يرى الإحسان إلا إساءة ولا الهدى إلا الضلالة".
واستطرد جدًا في (المثالى السابع عشر بعد المئة) وهو في (المخارج من الوقوع في التحليل في الطلاق)، وفرع في (المخرج الرابع) وهو يشتمل على (حكم الاستثناء في الطلاق) وذكر الخلاف فيه، وأقوال الأئمة، ثم ذكر (تعليق الطلاق على فعل يقصد به الحض والمنع)، وحقق هذه الفروع، وفصل في أنواع (التعليق)، وزيّف كلام بعض الفقهاء، فقال في (4/ 477) ما نصه:
"من أقبح القبائح، وأبْيَن الفضائح، التي تشمئز منها قلوب المؤمنين، وتنكرها فطر العالمين، ما تمسَّك به بعضكم، وهذا لفظه بل حُرُوفه، قال: لنا أنَّه علَّق الطلاق بما لا سبيل لنا إليه فوجب أن يقع؛ لأن أصله الصفات المستحيلة، مثل قوله: "أنت طالق إنْ شاء الحَجَرُ" أو "إنْ شاء الميتُ"، أو "إن شاء هذا المجنون المطبق الآن"، فيا لك من قياس ما أفسده، وعن طريق الصواب ما أبعده! وهل يستوي في عقل أو رأي أو نظر أو قياس مشيئة الرب -جلَّ جلاله-، ومشيئة الحجر والميت والمجنون عند أحد من عقلاء الناس؟ وأقبحُ من هذا -واللَّه المستعان، وعليه التكلان، وعياذًا به من الخذلان، ونزغات الشيطان- تمسّك بعضهم بقوله: "علَّق الطلاق بمشيئة مَنْ لا تُعْلم مشيئته فلم يصح التعليق"، كما لو قال: "أنت طالق إن شاء إبليس"، فسبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك،
__________
(1) انظر: (4/ 388 - 390).
(2) انظر: (4/ 389 - 390).
(1/64)

وتعالى جدُّك، ولا إلهَ غيرُك، وعياذًا بوجهك الكريم، من هذا الخذلان العظيم، ويا سبحان اللَّه! لقد كان لكم في نصرة هذا القول غنًى عن هذه الشبهة الملعونة في ضروب الأقيسة، وأنواع المعاني والإلزامات فسحة ومتسع، واللَّه شرف نفوس الأئمة الذين رفع اللَّه قدرهم، وشاد في العالمين ذكرهم، حيث يأنفون لنفوسهم ويرغبون بها عن أمثال هذه الهذيانات التي تسودُّ بها الوجوه قبل الأوراق، وتُحِلُّ بقمر الإيمان المحاقَ".
وعاد إلى تقرير صحة التعليق بالمشيئة، وقال عنه: "فهذا أمر معقول شرعًا، وفطرة، وقدرًا" (1) وقال عنه: "وهذا في غاية الظهور لمن أنصف" (2).
وسرد الأحاديث والآثار، وتكلّم على صحتها، وضعّف بعضًا مما يؤيد اختياره، قال في (4/ 482): "ولو كنا ممن يفرح بالباطل -ككثير من المصنفين، الذين يفرح أحدهم بما وجده مؤيّدًا لقوله- لفرحنا بهذه الآثار، ولكن ليس فيها غنية، فإنها كلها آثار باطلة موضوعة على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" وأخذ في بيان عللها، ومناقشة المانعين، وأطال النفس جدًا في ذلك، وراح في تفصيل الكلام على نية الاستثناء، ومتى تعتمد؟ وهل يشترط فيه النطق به؟ وقال في (4/ 496): "وهذا بعض ما يتعلق بمخرج الاستثناء، ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب".
وكذلك فعل في (المخرج الخامس) وهو في (فعل المحلوف عليه مع الذهول)، ففرق بيت (الذهول) و (النسيان)، و (الجاهل) بالمحلوف عليه و (المخطئ)، واستطرد في ذكر (التأويل) و (درجاته الثلاث)، وأقوال من أفتى بعدم الحنث، وذكر حكم فعل المحلوف عليه مكرهًا وخص فصلًا في (حكم المتأول، والجاهل، والمقلد) وأورد وقائع وأدلة تجفي هذه الأحكام، ثم عقد فصلًا في (تعذر فعل المحلوف عليه، وعجز الحالف عنه).
وفصل جدًا في (المخرج الثاني عشر) وهو في (بحث أن يمين الطلاق من الأيمان المكفَّرة)، وذكر رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، ومحنته بسبب هذه المسألة (3)، وأنه رحمه اللَّه حكاه عن جماعة من العلماء الذين سمت هممُهم وشرفت
__________
(1) انظر: (4/ 477).
(2) انظر: (4/ 478).
(3) أشار ابن كثير في "البداية والنهاية" (14/ 293) إلى هذه المحنة، فقال: "وقد كان -أي ابن القيم- متصدّيًا للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وجرت بسببها فصول يطول بسطُها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره" وانظر: =
(1/65)

نفوسُهم فارتفعت عن حضيض التقليد المحض إلى أوج النظر والاستدلال، ولم يكن مع خصومه ما يردون به عليه أقوى من الشكاية إلى السلطان، فلم يكن له برد هذه الحجة قبل، وأما ما سواها فبيَّن فساد جميع حججهم، ونقضها أبلغ نقض، وصنف في المسألة ما بين مطول ومتوسط ومختصر ما يقارب ألفي ورقة، وبلغت الوجوه التي استدل بها عليها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقياس وقواعد إمامه خاصة وغيره من الأئمة زهاء أربعين دليلًا وصار إلى ربه وهو مقيم عليها داع إليها مباهل لمنازعيه، باذل نفسه وعرضه، وأوقاته لمستفتيه؛ فكان يفتي في الساعة الواحدة فيها بقلمه ولسانه أكثر من أربعين فتيا؛ فعطلت لفتاواه مصانع التحليل، وهدمت صوامعه وبيعه، وكسدت سوقه، وتقشَّعت سحائب اللعنة عن المحلِّلين، والمحلَّل لهم من المطلقين، وقامت سوق الاستدلال بالكتاب والسنة والآثار السلفية، وانتشرت مذاهب الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة الإسلام للطالبين، وخرج من حبس تقليد المذهب المعيّن به من كرمت عليه نفسه من المستبصرين، فقامت قيامة أعدائه وحُسّاده ومن لا يتجاوز ذكر أكثرهم باب داره أو محلته، وهجنوا ما ذهب إليه بحسب المستجيبين لهم غاية التهجين، فمن استخفّوه من الطغام وأشباه الأنعام قالوا: هذا قد رفع الطلاق بين المسلمين، وكثَّر أولاد الزنا في العالمين، ومن صادفوا عنده مسكة عقل ولب قالوا: هذا قد أبطل الطلاق المعلّق بالشرط، وقالوا لمن تعلقوا به من الملوك والولاة: هذا قد حل بيعة السلطان من أعناق الحالفين، ونسوا أنهم هم الذين حلوها بخلع اليمين، وأما هو فصرح في كتبه أن أيمان الحالفين لا تغير شرائع الدين، فلا يحل لمسلم حل بيعة السلطان بفتوى أحد من المفتين، ومن أفتى بذلك كان من الكاذبين المفترين على شريعة أحكم الحاكمين (1).
وقال: "ولعمر اللَّه لقد مني من هذا بما مُني به من سلف من الأئمة المرضيين، فما أشبه الليلة بالبارحة للناظرين، فهذا مالك بن أنس تواصل أعداؤه إلى ضربه بأن قالوا للسلطان: إنه يحل عليك أيمان البيعة بفتواه أن يمين المكره لا تنعقد، وهم يحلفون مكرهين غير طائعين، فمنعه السلطان، فلم يمتنع لما
__________
= "الدرر الكامنة" (3/ 401). وتذكر كتب التراجم أن لابن تيمية "قاعدة في أن جميع أيمان المسلمين مكفرة" في (مجلد لطيف).
(1) انظر: (4/ 540).
(1/66)

أخذه اللَّه في الميثاق على من آتاه اللَّه علمًا أن يبينه للمسترشدين، ثم تلا على أثره محمد بن إدريس الشافعي فوشى به أعداؤه إلى الرشيد أنه يحل أيمان البيعة بفتواه أن اليمين بالطلاق قبل النكاح لا تنعقد، ولا تطلق إن تزوجها الحالف، وكانوا يُحلِّفونهم في جملة الأيمان: "وإن كل امرأة أتزوجها فهي طالق"، وتلاهما على آثارهما شيخ الإسلام فقال حسَّاده: هذا ينقض عليكم أيمان البيعة، فما فَتَّ ذلك في عضد أئمة الإسلام، ولا ثَنَى عزماتهم في اللَّه وهممهم، ولا صدهم ذلك عما أوجب اللَّه تعالى عليهم من اعتقاده والعمل به من الحق الذي أداهم إليه اجتهادهم، بل مضوا لسبيلهم، وصارت أقوالهم أعلامًا يهتدي بها المهتدون، تحقيقًا لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)} [السجدة: 24] " (1).

- حجية قول الصحابي:
ونقله عن جمع من العلماء من لدن الصحابة إلى من قال به في عصره، واستطرد في هذا المقام بالاحتجاج بالآثار السلفية، والفتاوى الصحابية، وأنها أولى بالأخذ من آراء المتأخرين وفتاويهم، وأن قُربها من الصواب بحسب قرب أهلها من عصر الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وحط على المانعين بالأخذ بها، وصور حال بعض المفتين في عصره، بقوله في (4/ 545 - 546):
"فكيف إذا عيَّن الأخذ بها (أي: أقوال الأئمة الأربعة) حكمًا وإفتاءً، ومنع الأخذ بقول الصحابة، واستجاز عقوبة من خالف المتأخرين لها، وشهد عليه بالبدعة والضلالة، ومخالفة أهل العلم وأنه يكيد الإسلام؟ تاللَّه لقد أخذ بالمثل المشهور: (رمتني بدائها وانْسَلَّتْ)، وسمَّى ورثة الرسول باسمه هو، وكساهم أثوابه، ورماهم بدائه، وكثير من هؤلاء يصرخ ويصيح ويقول ويعلن أنه يجب على الأمة كلهم الأخذ بقول من قلدناه ديننا، ولا يجوز الأخذ بقول أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وغيرهم من الصحابة، وهذا كلامٌ مَن أخذ به وتَقَفَده، ولاه اللَّه ما تولى، ويجزيه عليه يوم القيامة الجزاء الأوفى، والذي ندين اللَّه به ضد هذا القول".
- وعمل على ترتيب الأخذ بفتاوى الصحابة، فبدأ بترجيح أقوال أبي
__________
(1) انظر: (4/ 541).
(1/67)

بكر (1)، ثم ذكر قول الصحابي إن لم يخالف قول صحابي آخر، وفصل في مذهب الشافعي وأقواله في الاحتجاج بقول الصحابي، ورد الاعتراضات على ذلك، واحتج على وجوب اتباعهم بالآيات والأحاديث والآثار والمعقول، وذكر ستة وأربعين (2) وجهًا في وجوب العمل بقول الصحابي (3).
قال صديق حسن خان عن مباحث المصنف في كتابنا هذا:
"ثم حرَّر فصلًا في جواز الفتوى بالآثار السَّلَفِيَّةِ، والفتاوى الصحابية، وأنها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخِّرين وفتاويهم، وأن قربَها إلى الصَّواب بحسب قُرْب أهلِها من عصر الرَّسول صلوات اللَّه وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه؛ فكلَّمَا كان العهدُ بالرَّسُول أقرب، كان الصَّواب أغلب، وهذا حكمٌ بحسب الجنس لا بحسب كلِّ فرْدٍ فرْد من المسائل، لكن المفضَّلون في العصر المتقدِّم أكثرُ من المفضلين في العصر المتأخِّر، وهكذا الصَّواب في أقوالهم أكثرُ من الصَّواب في أقوال من بعدهم، فإن التَّفاوت بين علوم المتقدِّمين والمتأخِّرين كالتَّفاوت الذي بينهم في الفضل والدِّين" (4).

- فوائد تتعلق بالفتوى:
ثم ختم كتابه بفوائد تتعلق بالفتوى، قال في (5/ 40):
"ولنختم الكتاب بفوائد تتعلق بالفتوى".
وذكر سبعين من الفوائد الفرائد التي تتعلق بذلك، وهذه نماذج تدل على ذلك: أورد تحت (الفائدة الثالثة والعشرين) (صفات المفتي) ومن بينها (الإخلاص) و (الحلم والوقار والسكينة)، وأخذ يفصل في هذه الأخلاق، ولا
__________
(1) انظر -لزومًا-: "منهاج السنة النبوية" (8/ 210).
(2) انتهى المجلد الرابع من نشرتنا بالوجه الثالث والعشرين منها.
(3) ينظر لزومًا (5/ 21 - 23) آخر (الوجه الثالث والأربعين)، إذ عقد المصنف فيه مقارنة بين فضل الصحابة والمتأخرين عنهم، يظهر فيه جليًّا مراد المصنف من وجوب اتباعهم وعدم الخروج عن فهمهم.
ومما ينبغي أن لا يهمل: أن هنالك علاقة بين المباحث السابقة (سد الذرائع) و (الحيل) و (قول الصحابي)، إذ الصحابة هم أعلم الناس بالمقاصد الشرعية، وأشد الناس معرفة بما أراد اللَّه وأراد رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأقوال الصحابة تشكل ضابطًا مهمًا في ذلك على وجه الاعتدال، وتنزيلها على الواقع في مسائل نكون لمن بعدهم بمثابة (النماذج).
(4) "ذخر المحتي" (66 - 67).
(1/68)

سيما (السكينة) منها، فذكر أسبابها وأنواعها، ثم ذكر من بقية الصفات: (العلم) و (الكفاية) و (معرفة الناس)، وتكلم عليها في (5/ 106 - 114) بكلام تربويّ علمي تأصيلي، يندر أن تجده عند غيره، واللَّه الموفق.
وذكر في آخر (الفائدة الرابعة والخمسين) وجوب تعظيم حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال في (5/ 179 - 180):
"وقد كان السَّلفُ الطَّيِّبُ يشتدُّ نكيرُهم وغضبُهم على مَنْ عارض حديثَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنًا من كان، ويهجرون فاعل ذلك، وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوِّغون غير الانقياد له والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان، بل كانوا عاملين بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، وبقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65]، وبقوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)} [الأعراف: 3] وأمثالها، فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم: "ثبت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال كذا وكذا"، يقول: من قال بهذا؟! ويجعل هذا دفعًا في صدر الحديث، يجعل جهله بالقائل به حجة له في مخالفته وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحل له دفع سنن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمثل هذا الجهل، وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفته تلك السنة، وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأقبح من ذلك: عذرُه في دعوى هذا الإجماع، وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة، واللَّه المستعان.
ولا يعرف إمام من أئمة الإسلام ألبتة قال: لا نعمل بحديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى نعرف من عمل به، فإن جَهِلَ مَنْ بلغه الحديث مَنْ عَمِل به لم يحل له أن يعمل به، كما يقول هذا القائل".
وفصل في (الفائدة الخامسة والخمسين) -وهي في (عدم جواز إخراج النصوص عن ظاهرها لتوافق مذهب المفتي) - فذكر ذم العلماء للكلام وأهله،
(1/69)

وبيَّن أن "أصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده اللَّه ورسوله بكلامه، وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل؟ فمن بابه دخل إليها، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل" (1) وبيّن أن فساد الأديان السابقة إنَّما وقع بالتأويل (2)! وذكر (دواعي التأويل) وبعض (آثاره)، وسرد الشرور التي وقعت في الأمة على وجه استقرائي، ورد ذلك كله إلى (التأويل) المذموم، ثم ذكر أمثلة له.

- فتاوى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-:
وختم كتابه بسرد فتاوى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (3)، فقال في (5/ 209):
"ولنختم الكتاب بذكر فصولٍ يسيرٍ قدرها، عظيم أمرها من فتاوى إمام المفتين، ورسول رب العالمين، تكون روحًا لهذا الكتاب، ورَقْمًا على جلة هذا التأليف" فبدأ بفتاوى في العقيدة، ثم بالفقه: الطهارة، والصلاة وأركانها، وبالموت والموتى (الجنائز)، والزكاة، والصوم، وقال عنها في (5/ 300): "فللَّه ما أجلَّ هذه الفتاوى! وما أحلاها! وما أنفعها! وما أجمعها لكل خير! فواللَّه! لو أن الناس صرفوا همهم إليها؛ لأغنتهم عن فتاوى فلان وفلان، واللَّه المستعان".
ثم ذكر فتاوى الصوم، والحج، وفتاوى في بيان فضل بعض سور القرآن، وفتاوى في بيان فضل بعض الأعمال (4)، وفتاوى في الكسب والأموال، وإرشادات لبعض الأعمال، وفتاوى في أنواع البيوع، وفتاوى في الرهن والدين، وفتاوى في تصدُّق المرأة، وفي مال اليتيم، واللقطة، والهدية وما في حكمها، والمواريث، والعتق، والزواج، وأحكام الرضاع، والطلاق، والخلع، والظهار، واللعان، والعِدَد، وثبوت النسب، والحداد، ونفقة المعتدة وكسوتها، والحضانة ومستحقِّيها، وجرم القاتل وجزائه، والديات، والقسامة، وحد الزنى، وأثر اللوث، والعمل بالسياسة، وساق تحته كلامًا يرحل إليه، ومما قال بعد كلام:
"قلت: هذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضَنْك ومعترك
__________
(1) انظر: (5/ 187).
(2) انظر: (5/ 187 - 188).
(3) قال الشيخ بكر أبو زيد في كتابه "المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل" (2/ 919): "وقد اعتنى من علمائنا الحنابلة: الإمام ابن القيم رحمه اللَّه فجمع فتاوى إمام المفتين نبيّنا ورسولنا محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- في خاتمة كتابه "إعلام الموقعين"، وطبعت مفردة".
(4) انظرها أيضًا في: (5/ 406 - 409).
(1/70)

صعب فَرَّطَ فيه طائفة فعطَّلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرأوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسَدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطل وعطلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق، ظنًا منهم مُنَافاتها لقواعد الشرع، والذي أُوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها فلما رأى وُلَاةُ الأمر ذلك، وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة، وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض وتفاقَمَ الأمر وتعذَّر استدراكه، وأفرط فيه طائفة أخرى فسوغت منه ما يُناقض حكم اللَّه ورسوله، وكلا الطائفتين أُتِيَتْ من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث اللَّه به رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن اللَّه أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقِسْط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأي طريق كان فذلك من شرع اللَّه ودينه ورضاه وأمره، واللَّه تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته، وأماراته في نوع واحد ويبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بيَّن بما شرعه من الطرف أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها والطرق أسباب ووسائل لا تُراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبَّه بما شرعه من الطرق على أشباهها وأمثالها ولن تجد طريقًا من الطرق المثبتة للحق إلا وفي شَرْعِهِ سبيل للدلالة عليها وهل يُظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟
ولا نقول: إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها وتسميتها سياسة أمرٌ اصطلاحي وإلا فإذا كانت عَدْلًا فهي من الشرع" (1).
وساق أمثلة عديدة مليحة على السياسة العادلة من سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وسيرته، وسيرة خلفائه الراشدين ومن بعدهم (2)، ثم قال (5/ 517):
"وتقسيمُ بعضهم طرقَ الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدينَ إلى عقل ونقل، وكل ذلك تقسيم باطل، بل
__________
(1) انظر: (5/ 512 - 513).
(2) انظر: (5/ 513 - 517).
(1/71)

السياسة والحقيقة والطريقة والعقل كل ذلك ينقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد؛ فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها والباطل ضدها ومنافيها، وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العبادُ في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أمته إلى أحدٍ بعده، وإنما حاجتهم إلى مَنْ يبلّغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومات محفوظات لا يتطرق إليها تخصيص عموم بالنسبة إلى المرسل إليه وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه مَنْ بُعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به".
ثم قال بعد ذلك (5/ 518 - 519) عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:
"وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برُمَّته، ولم يحوجهم اللَّه إلى أحد سواه فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصةٌ تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها، ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وَفَق اللَّه له أصحاب نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم- ورضي عنهم الذين اكتفوا بما جاء به واستغنوا به عما سواه وفتحوا به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدنا إليكم، وقد كان عمر -صلى اللَّه عليه وسلم- يمنع من الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزبد أفكارهم وزبالة أذهانهم عن القرآن والحديث؟ فاللَّه المستعان".
وقال أيضًا (5/ 519):
"وياللَّه العجب كيف كان الصحابة -رضي اللَّه عنهم- والتابعون قبل وضع هذه القوانين التي أتى اللَّه بنيانها من القواعد وقبل استخراج هذه الآراء والمقاييس والأوضاع؟ أهل كانوا مهتدين مكتفين بالنصوص أم كانوا على خلاف ذلك؟ حتى جاء المتأخرون فكانوا أعلم منهم وأهدى وأضبط للشريعة منهم وأعلم باللَّه وأسمائه وصفاته، وما يجب له، وما يمتنع عليه منهم؟ فواللَّه لأن يَلقى اللَّه عبده بكل ذنب ما خلا الإشراك خير من أن يلقاه بهذا الظن الفاسد والاعتقاد الباطل".
(1/72)

ثم نقل كلامًا للإمام أحمد وللإمام مالك في السياسة الشرعية، وقال في (5/ 521):
"وأبعد الناس من الأخذ بذلك الإمام الشافعي، مع أنه اعتبر قرائن الأحوال في أكثر من مئة موضع، وقد ذكرنا منها كثيرًا في غير هذا الكتاب" وسرد أمثلة عليها.
ثم قال بعد ذلك في (5/ 522): "فلنرجع إلى فتاوى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-"، وذكر طرف من (فتاويه) في الأطعمة وساقها، ثم ذكر فتاويه -صلى اللَّه عليه وسلم- في العقيقة، وفي الأشربة، وفي الأيمان، وفي النذور، والنيابة في فعل الطاعة، وفي الجهاد، وفي الطب، والطيرة، والفأل، والاستصلاح، ثم ذكر فتاويه في أبواب متفرقة (1)، ثم ختم الكتاب ب (فصل) عنونه ب (مستطرد من فتاويه -صلى اللَّه عليه وسلم- فارجع إليها) (2).
والملاحظ أن هذه الفتاوى أشبه ما تكون بالمادة الحديثية، فقد ذكر المصنف ألفاظ الأحاديث وعزاها إلى دواوين السنة، وحكم على بعض أسانيدها.

- أمور جملية لا بد منها:
وأخيرًا لا بد من ذكر أمور جُمْليَّة مهمة، بها نختم هذا المبحث:
الأول: كتابنا هذا يؤكد بيقين أن ابن القيم فقيه النفس، وله اختيارات مذكورة في كتب المتأخرين، وأنه متفنن في العلم وهذا يترجم ما ذكره غير واحد عنه بأنه يحسن الفقه وغيره، قال الذهبي -مثلًا- عنه: "وكان يشتغل في الفقه، وُيجيد تقريره" (3) ونعته ب "الفقيه الإمام المفتي المتفنن" (4) و"الإمام العلامة ذو الفنون" (5) وقال السخاوي: "العلامة الحجة المتقدّم في سعة العلم، ومعرفة الخلاف، وقوة الجنان،. . . انتفع به الأئمة" (6)، وقال ابن تغري بردي: "كان بارعًا في عدة علوم، ما بين تفسير وفقه وعربيَّة ونحو وحديث وأصول وفروع" (7)، وقال الصفدي:
__________
(1) مثل: التوبة، وحق الطريق، والكذب، والشرك وما يلحق به، وطاعة الأمراء، وسد الذرائع، والجوار، والغيبة، والكبائر، وأخذ يعدد مفرداتها على وجه حسن.
(2) انظر: (5/ 584).
(3) "المعجم المختص" (ص 269).
(4) "المعجم المختص" (ص 269).
(5) "ذيول العبر" (4/ 155).
(6) "وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام" (1/ 53 - 54).
(7) "النجوم الزاهرة" (10/ 195).
(1/73)

"وكان ذا ذهن سيّال، وفكر إلى حل الغوامض ميّال، قد أكبّ على الاشتغال، وطلب من العلوم كلَّ ما هو نفيسٌ غالٍ، وناظر وجادل وجالد الخصوم وعادل، قد تبحّر في العربية وأتقنها، وحرّر قواعدها ومكّنها، واستطال بالأصول، وأرهف منها الأسنة والنُّصُول، وقام بالحديث وروى منه، وعرف الرجال وكلَّ من أُخذ عنه.
وأما التفسير فكان يستحضر من بحاره الزخّارة كلَّ فائدة مِهمّة، ومن كواكبه السيارة كل نيّر يجلو حَنَادس الظُّلمة.
وأمّا الخلاف ومذاهب السلف فذاك عُشه الذي مِنه دَرَج، وغابُه الذي ألفه لَيْثُه الخادر ودخل وخرج.
وكان جريء الجنان ثابت الجأش لا يُقَعقع له بالشنان، وله إقدام وتمكن أقدام، وحظّه موفور" (1)، وقال عنه أيضًا: "وأكب على الطلب، وصنَّف، وصار من الأئمة الكبار في علم التفسير والحديث والأصول، فقهًا وكلامًا والفروع والعربية" (2).
وقال ابن حجر: "وكان جريء الجنان (3)، واسع العلم، عارفًا بالخلاف، ومذاهب السلف" (4)، وقال الشوكاني: "برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، واشتهر في الآفاق، وتبحّر في معرفة مذاهب السلف" ونعته ب "العلامة الكبير المجتهد المطلق" (5).
وقال ابن رجب: "وتفقه في المذهب وأفتى وبرع وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفًا بالتفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين وإليه فيهما المنتهى، وبالحديث ومعانيه وفقهه ودقائق الاستنباط منه لا يلحق في ذلك وبالفقه وأصوله وبالعربية وله فيها اليد الطولى وبعلم الكلام والنحو وغير ذلك من كلام أهل
__________
(1) "الوافي بالوفيات" (2/ 196).
(2) "أعيان العصر" (4/ 367 - 368).
(3) نعت الذهبيُّ في "المعجم المختص" (ص 269) ابن القيم بقوله: "جريء على الأمور، غفر اللَّه له"! فتعقبه الشوكاني في "البدر الطالع" (2/ 143 - 144) بقوله: "قلت: بل كان متقيّدًا بالأدلة الصحيحة، معجبًا بالعمل بها، غير معوّل على الرأي، صادعًا بالحق، لا يحابي فيه أحدًا، ونعمت الجرأة".
(4) "الدرر الكامنة" (3/ 401) و"أبجد العلوم" (3/ 139).
(5) "البدر الطالع" (2/ 143).
(1/74)

التصوف وإشاراتهم ودقائقهم له في كل فن من الفنون اليد الطولى والمعرفة الشاملة" (1)، ونقله صديق حسن خان وزاد:
"وكان عالمًا بالملل والنحل، ومذاهب أهل الدنيا علمًا أتقن وأشمل من أصحابها" (2).
وقد أقر كبار العلماء من المفسرين والمحدثين والمحققين البارزين والأتقياء الصالحين سلفًا وخلفًا بفضل شيخ الإسلام ابن القيم ونبوغه وتفوقه وعبقريته في الذكاء وسعة الاطلاع والذاكرة الحادة ودقة النظر وقوة الاستنباط وملكة الاجتهاد وبما فيه من دواعي الإصلاح والتجديد والاجتهاد وأدواته وحرية الفكر والعمل وإصابة الرأي واتباع الكتاب والسنة والتمسك بهما والاعتماد عليهما وغيرها من الخصائص والميزات، كما اعترفوا بزهده وورعه وتقواه وتفانيه في اللَّه وإخلاصه وغيرته على دين اللَّه والحمية الدينية، وأشادوا بخدماقه ووجهوا تحية تقدير واحترام إليه.
الثاني: قرأ المصنف على مجموعة من الشيوخ كتبًا فقهية وأصولية مهمة، استفاد منها في كتابنا، فقرأ -مثلًا- "المقنع" و"مختصر الخرقي" على الشيخ مجد الدين إسماعيل بن محمد الحراني، وأخذ الفرائض أولًا عن والده، وكان له فيها يد، ثم اشتغل على إسماعيل المذكور، وقرأ عليه أكثر "الروضة" لابن قدامة، وقرأ على ابن تيمية قطعة من "المحرر"، وقطعة من "المحصول" ومن كتاب "الأحكام" للآمدي، وعلى الصفي الهندي أكثر "الأربعين" و"المحصل" وقرأ قطعة من الكتابين على ابن تيمية أيضًا، وكثيرًا من تصانيفه (3).

* جهود العلماء والباحثين في التعريف بموضوع الكتاب:
الثالث: قامت محاولات في التعريف بموضوع الكتاب من قبل العلماء والمطّلعين (4)، وعلى رأسهم: الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، -رحمه اللَّه
__________
(1) "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 448).
(2) "أبجد العلوم" (3/ 139).
(3) "أعيان العصر" (4/ 366 - 367)، و"الوافي بالوفيات" (2/ 195)، و"الدرر الكامنة" (3/ 400 - 401)، و"البدر الطالع" (2/ 143)، و"أبجد العلوم" (3/ 139)، وانظر ما سيأتي عن مصادر المصنف.
(4) حصر صاحب "القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين" (ص 87 - 89) موضوع الكتاب في الفتيا، فقال بعد كلام: "وبعد هذا العرض المفصَّل لأهم فصول الكتاب يظهر لنا جليًا موضوعه، فهو يتناول أصول الفتيا وأدواتها وشروطها، وآداب =
(1/75)

تعالى- وسيأتي كلامُه تحت (الأصول المعتمدة في نشرتنا هذه) تحت وصف (النسخة الثالثة) المرموز لها ب (ن)، إذ أثبت ناسخها كلامًا مجملًا حسنًا له في ذلك.
ومن بين هؤلاء صاحب كتاب "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة"، قال عنه (ص 40): "ليس خاصًا في أصول الفقه، إلا أن معظم مباحثه تتعلق بالأصول"، وقال (ص 41 - 42):
"أما كتاب "إعلام الموقعين" فقد ذَكَرَ فيه ابن القيم مباحث أصولية مهمة أفاض الكلام عليها. فمن هذه المباحث:
القياس، الاستصحاب، التقليد، الزيادة على النص، قول الصحابي، الفتوى، دلالة الألفاظ على الظاهر، سد الذرائع وتحريم الحيل، ليس في الشريعة ما يخالف القياس.
وهناك مباحث أخرى نفيسة ازدان بها هذا الكتاب. فمن ذلك:
* ذكر أئمة الفتيا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
* شرح خطاب عمر -رضي اللَّه عنه- في القضاء.
* أنواع الرأي المحمود والمذموم.
* مسائل في الطلاق والأيمان.
* فتاوى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في العقيدة وفي الأبواب الفقهية.
* أمثلة على الحيل المباحة والباطلة.
* أمثلة على رد المحكم بالمتشابه.
* أمثلة على رد السنن بظاهر القرآن.
وقد امتاز هذا الكتاب بكثرة الأمثلة الفقهية على عدد من المسائل الأصولية، وامتاز أيضًا ببيان حكمة التشريع ومقاصد الشريعة، إضافة إلى حسن البيان وجمال الأسلوب، كما أن الكتاب جامعٌ لكثير من الأحاديث النبوية والآثار المروية عن الصحابة والتابعين، وفيه نُقُولٌ مطوَّلة مهمة عن بعض الأئمة.
فهو بذلك غاية في منهج أهل السنة والجماعة وعمدة في بيان طريقة السلف.
__________
= المفتي والمستفتي، وطبقات المفتين، وتحريم الإفتاء في دين اللَّه بالرأي المخالف للنصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص"! قلت: والكتاب أوسع من ذلك، فهذه المباحث -كما تقدم معنا- هي مطالع وخواتيم الكتاب فحسب، واللَّه الهادي.
(1/76)

والكتاب يحتاج إلى تخريج آثاره وفهرسة مباحثه ومطالبه، وحقيقٌ بدراسة تبرز محاسنه وتُفْصح عن منهج مؤلفه ومصادره فيه ومقاصده منه.
قلت: ستأتي (ميزات) كتابنا هذا بالتفصيل، وأرجو أن أكون قد قمت بما يحتاجه هذا الكتاب من خدمة لائقة به، واللَّه الموفق للخيرات، والهادي للصالحات.
وللشيخ محمد رشيد رضا كلمة جامعة في التعريف بالكتاب، قال رحمه اللَّه تعالى:
"لم يؤلف مثله أحد من المسلمين في حكمة التشريع ومسائل الاجتهاد والتقليد والفتوى، وما يتعلق بذلك، كبيان الرأي الصحيح والفاسد، والقياس الصحيح والفاسد، ومسائل الحيل وغير ذلك من الفوائد التي لا يستغني عن معرفتها عالم من علماء الإسلام" (1).
ووجدت مقالة بعنوان: "ابن القيم وإعلام الموقعين" (2)، للكطيف أحمد، استعرض فيه بعض مباحث "الأعلام" وهذا نصه كلامه:
"بعد تقديم خطبة الكتاب، بدأ المؤلف بإبراز ما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون المسلمون، وهو "العلم النافع، والعمل الصالح" اللذان لا سعادة للعبد إلَّا بهما، واللذان بسببهما انقسم الناس إلى: مرحوم ومحروم، ولما كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا كان أفضل العلوم هو التوحيد، ولا سبيل إلى اقتباسه إلَّا من حياض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي يكون التلقي منه على نوعين: بواسطة، وبدون واسطة، فالذين تلقوا عنه بلا واسطة هم أصحابه رضوان اللَّه عليهم، والذين يجب ألَّا يحيد عن طريقهم من يختار نهج اللَّه. . والذين تلقوا عنه بواسطة هم الفقهاء.
بعد ذلك قدم المؤلف جملة فصول كل منها يتناول قضية من القضايا الإسلامية التي يجب على المسلم الاطلاع عليها، منها:
كلام التابعين في الرأي -كلام السلف- آراء في الرأي المحمود -الصلح جائز بين المسلمين. . بيان أهل الهدى وأهل الضلالة- بيان أسرار آيات القرآن. . وسوف أركز على فصل في الجزء الثاني خاص بالتقليد والمقلدين".
__________
(1) مجلة "المنار" عدد شوال، 1327 - (ص 786) (المجلد 12).
(2) منشورة في مجلة "الأمة" القطرية، عدد جمادى الآخرة سنة 1402 ه، العدد الثامن عشر، السنة الثانية (ص 72 - 73).
(1/77)

ثم قال تحت عنوان: (بطلان التقليد):
"ركز ابن القيم تركيزًا كبيرًا على عدة مسائل منها: محاربة التقليد، ومنع الحيل في الأحكام. . وقد واجه القضية الأولى مواجهة علمية فذة، وبحثها بحثًا مستفيضًا لم يسبقه إليه أحد من فقهاء المذاهب جميعًا، إذ عقد في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين" فصلًا مطولًا بلغ أكثر من سبعين صفحة، وساق إحدى وثمانين حجة من المنقول والمعقول في تأييد ما ذهب إليه من بطلان التقليد، وخلص إلى القول بأن التقليد الذي يحرم القول فيه والإفتاء به ثلاثة أنواع:
- الإعراض عما أنزل اللَّه، وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء.
- تقليد من لا يعلم المقلِّد أنه أهل لأن يُؤْخَذَ بقوله.
- التقليد بعدم قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلِّد.
وقد ذم اللَّه سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من كتابه. فقال:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)} [البقرة: 170]. وقال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، والتقليد ليس بعلم. وقوله تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67)} [الأحزاب: 67].
وما دام التقليد بكل أنواعه باطلًا، فيبقى التسليم والرجوع إلى الأصول وهي: الكتاب والسنة وما كان في معناهما. . والابتعاد عن التأويلات التي لا تستند إلى أي أثر، لقول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إني لا أخاف على أمتي من بعدي، إلَّا من أعمال ثلاثة؛ قالوا: وما هي يا رسول اللَّه؟ قال: أخاف عليهم زلة عالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع".
وقد جمع المصنفون في السُّنَّة بين فساد التقليد وإبطاله، وبين زلة العالم، ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالم قد يزلّ ولا بد، إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله، ويُنَزَّلُ قوله منزلة قول المعصوم -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقد ذكر البيهقي وغيره من حديث كثير عن أبيه عن جده مرفوعًا: "اتقوا زلة العالم، وانتظروا فيأته". . وقال عبد اللَّه بن المعتز:
(1/78)

"لا فرق بين بهيمة تنقاد، وبين إنسان يقلد".
وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم، وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة، فقال الشافعي: "مثل الذي يطلب العلم بلا حجة، كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه، وهو لا يدري" ذكره البيهقي.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: "لا يحل لأحدٍ أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه".
وهكذا سلك الإمام ابن القيم في طرحه لإشكالية التقليد منهجًا علميًا، إذ قدم المعطيات كما هي، متحليًا بما يجب أن يكون عليه العالم الحقيقي، المزود بثقافة شمولية واستقلال في الرأي من تجرد، ثم ناقش كل واحدة على حدة، مستدرجًا محاوريه إلى الاقتناع بوجهة نظره، والتسليم ببطلان الجمود الفكري، بل بتناقض المقلدين فيما يأتون به من حجج، حيث يصورهم (خشبًا مسندة) ليس لها شخصية، بل هي ظلال لغيرها، تجتر الأفكار، وتسلك النهج السهل، بل تتجرأ -من حيث لا تدري- فتخالف أمر اللَّه وأمر رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهدي أصحابه وأحوال أئمتهم، فاللَّه أمر برد ما تنازع عليه المسلمون إليه وإلى رسوله، والمقلدون قالوا: إنما نردُّه إلى من قلَّدناه. وقد ورد عن الرسول الكريم -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا" وهو ذم للمختلفين، وتحذير من سلوك سبيلهم .. وإنما كثر الاختلاف وتفاقم أمره بسبب التقليد وأهله؛ وهم الذين فرقوا الدين وصيروا أهله شيعًا".
ثم ختم مقاله بعنوان (دروس من ابن القيم) قال فيه:
"من هذه القراءة السريعة يمكن أخذ الدروس الآتية من الإمام ابن قيم الجوزية وهي:
- الإسلام ضد التقليد الأعمى.
- تراثنا الإسلامي نابض بالحياة، وقابل للأخذ والعطاء.
- يجب محاصرة الخلاف، والدعوة إلى توحيد العالم الإسلامي.
- يجب التجنيد في سبيل الدعوة الإسلامية قولًا وعملًا.
- الدفاع عن قضايانا بطرق تربوية مرنة بعيدًا عن كل تشنج وعصبية.
- الرجوع بالأمة الإسلامية إلى الصفاء الروحي الأول: القرآن، والسنة، مقتدين بمعاذ بن جبل حين سأله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما بعثه إلى اليمن: "كيف تصنع إن
(1/79)

عرض عليك قضاء؟ " قال: أقضي بما في كتاب اللَّه. قال: "فإن لم يكن في كتاب اللَّه؟ " قال: فبسنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال: "فإن لم يكن في سنة رسول اللَّه؟ " قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال: فضرب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صدري ثم قال: "الحمد للَّه الذي وفق رسول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما يرضي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-".
فلنحاول أن نسلك هذا النهج القويم، وأن نرضي اللَّه ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، مبتعدين عن الخلافات والشبهات، مرددين قوله تعالى:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] " انتهى كلامه (1).
ثم ظفرتُ بكلمة لسعاد مسلَّم حماد في أطروحتها الماجستير "منهج ابن القيم في دراسة الأديان" (2)، عرفت بكتابنا هذا بقولها:
"إعلام الموقعين عن رب العالمين" مجلدان في أربعة أجزاء تناول ابن القيم في هذا الكتاب الأصول التي يجب أن يعتمد عليها المسلمون في فتواهم، وطريقة الصحابة في الإفتاء، ثم تناول الشروط الواجبة فيمن يبلِّغ عن اللَّه ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ثم تناول الأصول التي أقام عليها الأئمة فتواهم وطريقتهم في الإفتاء، كذلك تناول كل أصل من أصول الإفتاء بالتفصيل، وتناول مسائل فقهية تناولها لأئمة المسلمين من قبله، وبين فيها أحكامهم من خلال ما اعتمدوا عليه من كتاب اللَّه وسنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-.
من هذه المسائل: الزواج والطلاق والطهارة والحج والميراث والزكاة والأيمان والبيوع.
ثم ذكر فتاوى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- في العقيدة وكل الأمور التي تهم المسلمين في حياتهم.
ويعتبر هذا الكتاب من المؤلّفات الثرية بآراء ابن القيم في الفتوى والاجتهاد ويتضح فيه منهجه الذي يسير عليه، ويدعو إليه جميع المسلمين خاصة من يقوم بالإفتاء إلى أن يجعل كتاب اللَّه وسنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- هما الأساس الذي يجب أن يعتمد عليه، وبالإضافة إلى ذكره لمذاهب أئمة المسلمين الذين ساروا على نهج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وصحابته.
__________
(1) عليه مؤاخذات. وهو تعريف ضعيف، بعيد عن لغة العلم. وفيه ظلم لمادة الكتاب!
(2) المقدَّمة إلى جامعة عين شمس، قسم الدراسات الفلسفية، كلية البنات (ص 16).
(1/80)

وقد وضح الإمام ابن القيم شروطًا لمن يبلغ عن اللَّه ورسوله منها: العلم والصدق، لأنه لا تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق وحسن طريقة عرض السيرة، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق.
وأول من تحققت فيه هذه الشروط هو: رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان الهدف من هذا الكتاب عند ابن القيم هو التأويل الصحيح لأحكام اللَّه بناءً على النصوص من كتاب اللَّه تعالى وسنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- وفتاوى الصحابة، والخبر المتواتر ثم القياس للضرورة، وبين خطر التقليد والقول بالرأي القائم على الهوى دون اعتماد على كتاب اللَّه وسنة رسوله".
ومن الكلمات الجوامع في التعريف بهذا الكتاب ما قاله الدكتور صبحي محمصاني في كتابه "المجاهدون في الحق" (1) عند ذكره ابن القيم، قال بعد كلام:
"المهم أن نشير إلى اجتهاد ابن القيم في مسائل المعاملات الشرعية، وإلى نواحي التجدد في اجتهاده. ونحن نرى أنه كان من طبقة المجتهدين في المذهب الحنبلي، ونرى أنه برهن في ذلك على نظر ثاقب، وتفكير صائب. فاعتمد على روح الشريعة الحقيقية، وعلى حكمتها العادلة. فقال في بعض المسائل أقوالًا جريئة، لم يقل بها أحد قبله ولا بعده من الفقهاء المسلمين. وتوسع في مسائل أخرى توسعًا، يدل على مرونة الشريعة، وعلى مسايرتها للتطور والمدنية. فوصل بالنتيجة إلى تحليلات ونظريات، شبيهة بالنظريات القانونية العصرية.
ونحن لا نرى مجالًا لإيضاح جميع نظرياته وآرائه الفقهية. إنما نكتفي، على سبيل المثال، بتلخيص ما قاله في بعض المسائل المهمة الحساسة، لأجل تبيين النهج العلمي، الذي اتبعه، والنحو العادل الذي انتحاه، ولأجل إثبات أن ما وصل إليه هذا الفقيه المجدد في بعض المسائل، وهو من اتباع المذهب الحنبلي الذي اشتهر بالمحافظة الشديدة، لم يصل إليه اتباع مدرسة أهل الرأي ولا مؤسسها الإمام الأعظم.
وأهم المسائل التي أرى تلخيصها في هذا المعرض هي: محاربة التقليد والجمود، واعتماد القصد في التصرفات، وحرية التعاقد، ومنع الحيل في الأحكام، وإحياء أعمال الفضولي المحسن، والمحافظة على حقوق الغرماء، والتوسع في قواعد البينات. وإني أعتمد في هذا التلخيص، بوجه خاص، على كتاب "إعلام الموقعين"".
__________
(1) (ص 170 - 171، 191 - 192).
(1/81)

ثم تكلم على هذه المسائل بإفاضة وتفصيل، وقال تحت عنوان (الخلاصة):
"نحن نستبين مما تقدم أن ابن قيم الجوزية لم يكن من الفقهاء العاديين. بل كان من النوابغ، الذين نظروا إلى الشريعة الإسلامية على حقيقتها، والذين تحروا عن مقاصدها وغاياتها، وتمسكوا بها غير مبالين بما قاله غيرهم.
وعلى هذا حارب ابن القيم التقليد الأعمى، والجمود والخرافات الشكلية، والتفصيلات الآرائية، ودقق في الاجتهاد. فاعتبر المقاصد أساسًا للحكم في تصرفات الناس ومعاملاتهم، وأفتى بتحريم التحيل على الشرع، وتوسع في أصول المحاكمات وطرق البينات.
فتوصل بذلك كله إلى نظريات عصرية، كنظرية المنفعة في أعمال الفضولي، ومبدأ حرية التعاقد، ومبدأ تقدير قيمة الشهادات، وعدم تجزئة الإقرار، وفسخ عقود المديون المضرة، ومبدأ تغير الأحكام بتغير الأزمان والأمكنة والأحوال، وما شابه من النظريات والمبادئ، التي لا نراها اليوم إلا في أحدث الشرائع. وذلك كله في زمن سابق لها بعدة قرون.
وما هذا كله إلا دليل من الأدلة الكثيرة، على أن الشريعة الإسلامية تحوي من الأسس القويمة، ما جعلها تماشي المدنية في الماضي، وما يجعلها اليوم قابلة لأن تساير كل تطور في الحاضر والمستقبل. وإذا كان الأمر على عكس ذلك، في وقت من الأوقات، فلم يكن مرده إلا إلى جمود بعض المتأخرين، وإلى تقصيرهم في تفهم معاني الشريعة الحقيقية، كما يجب أن تفهم، وكما فهمها أمثال شمس الدين أبي عبد اللَّه ابن قيم الجوزية".
قال أبو عبيدة: نستطيع أن نقرر بكل أريحية من خلال العرض السابق: أن لابن القيم في كتابه هذا اختيارات أصولية وفقهية كثيرة، تدل على اطلاع غزير، وأفق واسع، وإدراك لمصالح الناس، ولبّ الفقه والشريعة، وهو بهذا مصلح ومجدد (1)، ورحم اللَّه صديق حسن خان لما قال عنه وعن شيخه ابن تيمية:
"وقد جدد اللَّه بهما الدين الحنيف، والأعمال القيمة العظيمة التي قام بها
__________
(1) ترجم الأستاذ عبد المتعال الصَّعيدي في كتابه "المجددون في الإسلام" (ص 229 - 232) للإمام ابن القيم، وأخذ عليه أنه حارب علم الفلسفة: ولم يظهر -كعادته في كتابه- أوجه التجديد الحقيقية عند ابن القيم، وغمز فيه بما حقّه المدح، وليس هذا موطن البسط، وتكفي هذه الإشارة للمعتنين بعلم السلف ومنهجهم، واللَّه الهادي والواقي.
(1/82)

الشيخان لم يعهد مثلها لا من السلف ولا من الخلف، وقد شحنت الكتب والدواوين والسجلات والوثائق التاريخية وكتب السير من ذكر مآثر هؤلاء" (1).
ولا يمكن لأحدٍ ينظر في كتابنا هذا، أن ينكر الجهود التي بذلها ابن القيم في خدمة الفقه، ومنزلته الرفيعة في ذلك، ودقة فهمه، وحدة ذهنه، وسعة معرفته، بل نستطيع أن نقرر من خلال كتابنا هذا أنه رحمه اللَّه أحيا مدرسة الحديث والسنة في عصره، وأحيا الاجتهاد، والرجوع إلى النصوص الشرعية، وتحكيم الدليل، فلم يكتف بالهجوم على التقليد المتعصب فحسب، بل زاول الاجتهاد، ورجّح المسائل غير مكترث لمخالفة الكثرة مستعملًا أصول السلف فلم يخترع للمسائل التي اجتهد فيها أصولًا جديدة، بل استطاع أن يطبق أصول السلف وينزع عنها أحكامًا للقضايا المستجدة، ويمكن أن نردد مع مالك بن نبي قوله عنه وعن شيخه ابن تيمية: "قدما الترسانة (!!) الفكرية التي استمدت منها كل الحركات الإسلامية التي جاءت بعده".
__________
(1) "حجج الكرامة في آثار القيامة" (ص 136 - 137).
(1/83)

مصادر المصنف وموارده في كتابه هذا
* توطئة:
الإمام ابن القيم -رحمه اللَّه تعالى- واسع الاطلاع: "شديد المحبّة للعلم وكتابته ومطالعته، وتصنيفه، واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما" (1) "لا يتهيأ لغيره تحصيل عشره من كتب السلف والخلف" (2).
قال صلاح الدين الصفدي عنه: "ما جمع أحد من الكتب ما جمع، لأن عمره أنفقه في تحصيل ذلك، ولما مات شيخنا فتح الدين اشترى من كتبه أمهات وأصولًا كبارًا جيّدة، وكان عنده من كل شيء في غير ما فنّ ولا مذهب بكل كتاب نسخٌ عديدة، منها ما هو جيد نظيف، وغالبها من الكرندات، وأقام أولاده شهورًا يبيعون منها غير ما اصطفوه لأنفسهم" (3).
وقال ابن حجر -رحمه اللَّه تعالى- عنه: "وكان مغرى بجمع الكتب، فحصّل منها ما لا يحصر، حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهرًا طويلًا، سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم" (4)؛ ومنعم النظر في كتابنا هذا، يجد مصداق هذا النقل، ومما ينبغي ذكره هنا:
أولًا: إن ابن القيم نقل من كثير من الكتب بواسطة.
ثانيًا: إن ابن القيم نقل أقوالًا ونصوصًا من كتب، لم يصرح بأسماء عناوينها.
ثالثًا: إن ابن القيم نقل من بعض المصادر وأكثر من ذلك، ونقل من مصادر أخرى، ولم يكثر.
__________
(1) "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 449) لابن رجب.
(2) "البداية والنهاية" (14/ 246) لابن كثير.
(3) "أعيان العصر" (4/ 368).
(4) "الدرر الكامنة" (4/ 22) لابن حجر، وعنه الشوكاني في "البدر الطالع" (2/ 144).
(1/84)

رابعًا: أكثر ابن القيم النقل عن شيخه ابن تيمية فيما شافهه فيه، ومن كثير من كتبه (1).
خامسًا: للمصنف منهج علمي في النقل، فجل النقولات معزوة إما لأصحابها (وهو الغالب) وإما لأسماء مؤلّفيها، وفي بعض الأحايين ينقل من غير عزو.
سادسًا: للوقوف على مصادره في النقل فوائد عظيمة، أهمها: أن ذلك يفيد كثيرًا في ضبط النص، والوقوف على اللفظ بعينه عند التخريج، وكشف الخطأ والوهم الذي يمكن أن يقع فيه الناقل.
وظفرتُ من هذا النوع الأخير على أشياء مهمة، مثل:

* كتب البيهقي:
تبيَّن لي أن المصنف -رحمه اللَّه تعالى- يكثر من النقل من "الخلافيات" (2) للبيهقي، -ولم يسمه (3) - ويورد كثيرًا من النصوص (الأحاديث والآثار وكلام أئمة الجرح والتعديل) منه، ومن بين ما نقل منه، قوله: "وقد قال الدارقطني: "كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن فرج بن فضالة، ويقول:. . . " وهذا القول في "الخلافيات" وغيره لعمرو -بفتح العين لا ضمها- ابن علي وهو الفلاس، فتحرفت في نسخة المصنف إلى "عمر بن علي" فظنها المصنف للدارقطني! انظر (3/ 299).
ووقع سقط في جميع طبعات "الإعلام" أثبتناه منه، انظر -مثلًا- (3/ 300).
وهنالك نصوص جهدتُ في البحث عنها، فلم أجدها مسندة إلا فيه: انظر -مثلًا- (3/ 194، 195).
والأدلة على نقل المصنف من "الخلافيات" كثيرة جدًا، وتكاد النصوص التي يسردها في الاحتجاج في كثير من المسائل لا تخرج عما فيه، وإن كان بعضها في "الصحيحين" أو أحدهما، فالمصنف ينقل بفهم وحذق، وعلم ودراية،
__________
(1) انظر ما سيأتي تحت عنوان: (بين المصنف وشيخه ابن تيمية)، فهناك تفصيل هذا الإجمال.
(2) فرغت من تحقيق أجزاء منه، وطبع ثلاثة منها، يسر اللَّه إتمامه بخير وعافية.
(3) ولا ذكر له في "موارد ابن القيم في كتبه"!!
(1/85)

وتنقيح وتحقيق، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولا نطيل بالسرد وإنما نكتفي بالإحالة على ما يلي: (3/ 188 - 197، 214 - 219، 220 - 223، 225 - 228، 228 - 231، 231 - 239، 273 - 278، 284، 293 - 294، 295، 299 - 301، 301 - 302، 303 - 304)، وغيرها كثير.
ومن الكتب التي ينقل منها المصنّف، ويكثر: كتب البيهقي الأخرى غير "الخلافيات"، مثل: "السنن الكبرى"، وقد صرح باسمه في ستة مواضع من كتابه هذا، هي (1/ 70، 71 و 3/ 181، 199 و 4/ 458، 479)، ونقل منه في مواطن عديدة جدًا غير هذه المواطن، وصرح فقط بعزو الكلام للبيهقي، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 70، 71، 240، 241، و 3/ 142، 173، 181، 276، 438، و 4/ 458، 460، 479، 481).
ونقل أيضًا من كتابه "معرفة السنن والآثار" إذ وجدتُ أقوالًا معزوة للبيهقي، وهي بالحرف في "المعرفة"، انظر -على سبيل المثال-: (3/ 142، 173، 274، 392 - 394، 507، و 4/ 193).
ونقل أيضًا من كتابه "المدخل إلى السنن الكبرى"، وسماه في مواطن من كتابه هذا، هي: (3/ 41، 43 و 4/ 551)، ونقل كثيرًا من أقوال الشافعي وأحواله بواسطته، ووقع النقل منه دون تسمية في مواطن، منها: (2/ 469، 470، 3/ 41 - 42، 43، 47 و 4/ 389، 552 - 553) وغيرها.
ونقل أيضًا من كتابه "مناقب الشافعي" وصرح باسمه في (5/ 1185، وكان قد نقل منه -قبل- في مواطن أخرى، مثل (1/ 150 و 3/ 40، 45، 46، 47، 49، 51، 52، 73).

* كتب الشافعي:
والملاحظ أن المصنف ينقل عن الشافعي (من كتبه وكتب أصحابه، ومذهبه، وكتب تراجمه وتراجم علماء المذهب) كثيرًا، وهاك التفصيل: صرح المصنّف بالنقل من مجموعة من كتب الإمام محمد بن إدريس الشافعي -رضي اللَّه عنه-، هي:
1 - "إبطال الاستحسان" (1)، ونقل خطبته برمتها في (3/ 52) وصرح باسمه.
__________
(1) مطبوع في هوامش الجزء السابع من كتاب "الأم" (ص 267 وما بعد) وفي "موسوعة الإمام الشافعي" (10/ 107 - 138).
(1/86)

2 - "الاختلاف مع الإمام مالك" (1)، نقل منه مرات، وصرح باسمه في (2/ 560 و 3/ 42 و 4/ 551).
3 - "الرسالة" (2) وذكرها بأكثر من عنوان، فتارة هكذا: "الرسالة" كما في (5/ 185)، وتارة ب "الرسالة البغدادية" كما في (1/ 150) وقال عنها: "التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني"، وتارة كما في (3/ 5): "الرسالة القديمة"، وتارة كما في (3/ 51): "الكتاب القديم" "رواية الزعفراني".
ومن الجدير بالذكر هنا أن "رسالة الشافعي" القديمة العراقية (3)، لم تصل إلينا كاملة، ولكن نقولات ابن القيم تدلل على أنها كانت موجودة في القرن الثامن الهجري، اللهم إلا إذا كانت نقولاته بواسطة مَنْ قبله، وهذا هو الغالب على الظن، إذ وجدتُ النُّقولاتِ التي عزاها له موجودة بالحرف في "مناقب الشافعي" للبيهقي، قارن ما في هنا (1/ 150) بما في "مناقب الشافعي" (1/ 442)، وما في هنا (3/ 51) بما في "المناقب" (1/ 485).
وأما "رسالته" الجديدة، فقد وضعها في مصر بعد أن قدم إليها، واستقر فيها، وبعد أن ظهرت له حقائق علمية مهمة، اضطرته إلى إعادة تأليفها، والتعديل في أبوابها، والتغيير في أحكامها، ويبدو أنه قد ألفها من حفظه، إذ لم تكن كتبه كلها معه حينما ارتحل إلى مصر، وقد جاء فيها ما يدل على ذلك، قال: "وغاب عني بعض كتبي، وتحققت بما يعرفه أهل العلم مما حفظت، فاختصرتُ خوف طول الكتاب، فأتيتُ ببعض ما فيه الكفاية، دون تقصِّي العلم في كل أمره" (4).
وقد أملاها الشافعي على كبار أصحابه المصريين، وعلى رأسهم الربيع بن سليمان المرادي، وقد رواها الناس عنه وعن غيره، وهذه "الرسالة" المصرية وصلت إلينا كاملة، وهي المطبوعة.
__________
(1) مطبوع في الجزء السابع من كتاب "الأم" (ص 277 وما بعد) وفي "موسوعة الإمام الشافعي" (9/ 341 - 614).
(2) طبع أكثر من مرة، أحسنها بتحقيق وشرح وتعليق العلامة أحمد شاكر رحمه اللَّه تعالى.
(3) يرى بعضهم أن الشافعي ألف كتابه "الرسالة القديمة" وهو في مكة، ويميل إلى هذا القول أحمد شاكر في مقدمة "الرسالة" (10 - 11) وعبد الغني الدقر في كتابه "الشافعي فقيه السنة الأكبر" (ص 107، 210 - 211)، والذي أراه أنه ألف "الرسالة" في بغداد، وللتفصيل مقام آخر.
(4) "الرسالة" (ص 11، 12 - ط شاكر).
(1/87)

ونَقْلُ المصنِّف من "الرسالة" كثير، إذ وقع له منها نقولات واكتفى بعزوها لصاحبها، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 53 و 2/ 565 و 3/ 38، 39، 40 و 4/ 551).
ووقع في (5/ 100) ذكر ل"شرح الرسالة" للجويني، ولا نعرف الآن شيئًا عن شروح لهذا الكتاب العظيم، وتصريح المصنف لا يدل على وجود هذا الشرح في زمانه، إذ النقل منه -كما صرح هو به- إنما وقع بواسطة ابن الصلاح.
4 - "الأم" (1) نقل منه كثيرًا، وسمّاه في موطن واحد، هو (2/ 489) وقال: "في رواية الربيع" وذكر في (1/ 151) رواية الربيع عن الشافعي، ولم يسمّ كتابًا.
ونقْلُ المصنف منه كثير، انظر -على سبيل المثال-: 1/ 150 و 2/ 210 و 3/ 45، 49، 51، 73، 173، 277، 430 و 4/ 193).
ومما يجدر ذكره أن المصنف نقل من هذا الكتاب في عدة مواضع، وسمّاه "الكتاب الجديد"، قال في (1/ 150): "قال الشافعي في "الجديد" في كتاب الفرائض في ميراث الجد والإخوة" وساق ما في "الأم" (4/ 85)، ونقل في (2/ 482) عدة نصوص عن الشافعي، وقال في آخرها: "وقد قال -أي الشافعي- في موضع آخر من "كتابه الجديد". . . ".
وقال في (4/ 551): "وقد صرح الشافعي في الجديد من رواية الربيع عنه. . . ".
5 - "المسند" (2).
__________
(1) هو مطبوع مرات عديدة، وحاول بعضهم التشكيك في صحة نسبته لمصنِّفه، فطبع كتابًا مفردًا في ذلك، لم يأت فيه ببرهان ولا حجة، انظر: تفنيد هذه الشبهة في كتابي "كتب حذر منها العلماء" (2/ 348 - 361)، ورواية أبي علي الحسن بن حبيب الحصائري الدمشقي (ت 338 ه) ل "الأم"، عن الربيع هي المشهورة، على تلاحق الأقلام فيها. وأما الكتاب المطبوع، ففيه خلط رواية الحصائري مع "ترتيب الأم" للسراج البُلْقيني (ت 805 ه) خلطًا فظيعًا، بإزالة الحواجز، وتكرير البحوث، حتى تجد في صلب الكتاب ذكر أقوال المزني والبويطي وأبي حامد الإسفراييني وأبي الطيب الطبري وأبي الحسن الماوردي وابن الصباغ ومن بعدهم، كما في (1/ 114، 158) وغيرهما، فأزال الطابع الانتفاع بالكتاب بما فعل، فالواجب إعادة طبعه من أصل وثيق.
(2) قال الرازي في "مناقب الشافعي" (ص 83) عنه: (كتاب مشهور في الدنيا، ولم يقدر أحد على الطعن فيه" وذكره له الشيخ محمد الخضري في كتابه "تاريخ التشريع الإسلامي" =
(1/88)

ووجدتُ نقولات عديدة في كتابنا هذا من "المسند" للإمام الشافعي، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 238 - 239 و 2/ 387 و 3/ 38، 42، 49، 203، 204 - 205، 507 و 4/ 322 و 5/ 273، 323) ولعل بعض هذه النقولات وقعت له بواسطة البيهقي، ولم يصرح المصنف باسمه.

* كتب الشافعية:
ولم يقتصر نَقلُ المصنف على كتب الإمام الشافعي، وإنما تعداه إلى أصحابه، فنقل -مثلًا- من:
- "مختصر المزني" (1)، وصرح باسمه في (2/ 469)، ونقل منه في (1/ 47، 222، 359، و 2/ 103، 462 و 4/ 204، 206، 208، 334، 454 و 5/ 126).
__________
= (ص 311) وزعم أنه "ما خرجه من الأحاديث في كتاب "الأم""!! والصواب أنه ليس من تأليفه، وإنما جمعه من سماعات الأصم بعض أصحابه، ولذلك لا يستوعب حديث الشافعي، فإنه مقصور على ما كان عند الأصم من حديثه، قاله النووي في "طبقات الشافعية" في ترجمة (محمد بن يعقوب، أبي العباس النيسابوري الأصم، ت 346 ه)، وقال أحمد بن عبد الرحمن البنا في "بدائع المنن" (ص 3) بعد كلام: "التحقيق أن هذا "المسند" جمعه أبو العباس الأصم من كتب الإمام الشافعي"، وبيَّن الذهبي سبب هذا الجمع، فقال في "السير" (12/ 589) في ترجمة (الربيع بن سليمان): "وقد سمعنا من طريقه "المسند" للشافعي، انتقاه أبو العباس الأصم من كتاب "الأم" لينشط لروايته للرَّحالة، وإلا فالشافعي رحمه اللَّه لم يؤلف مسندًا".
قال أبو عبيدة: لا تعارض بين الأقوال المذكورة -أعني قول النووي: "جمعه من سماعات الأصم بعض أصحابه"، وأن الأصم الذي جمعه- فإن الأصم أفسد أصوله بعد جمعه، واعتمد على ما انتقاه عنه تلميذه الشيخ الإمام القدوة المحدث أبو عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مطر النيسابوري (ت 360 ه). و"المسند" يقع في ثمانية أجزاء، كما في "التحبير"، وهو مطبوع مرارًا، وله أكثر من شرح.
(1) انتشر هذا الكتاب انتشارًا واسعًا، وشرحه عدّة من الكبار، وكان يقال: كانت البكر يكون في جهازها نسخة منه، وكان صاحبُه إذا فرغ من تبييض مسألة، وأودعها في "مختصره" صلى للَّه ركعتين، قال أحمد بن سريج فيه: "يخرج "مختصر المزني" من الدنيا عذراء، لم يفتض، وهو أصل الكتب المصنّفة في مذهب الشافعي، وعلى مثاله رتَّبوا، ولكلامه فسَّروا وشرحوا"، وكان أبو زرعة القاضي شرط لمن حفظه مئة دينار، كذا في "السير" (14/ 233)، وانظر: "وفيات الأعيان" (1/ 17،)، و"طبقات الشافعية الكبرى" (2/ 94)، و"طبقات الشافعية" (21) لابن هداية اللَّه.
(1/89)

ونقل من كثير من كتب الشافعية المتأخرين، مثل:
- "شرح التنبيه" وصرح باسمه في (3/ 446) وعزاه لأبي القاسم بن يونس، وصرح به في (4/ 518) قال بعد مسألة: "والوجوه الثلاثة في مذهب الشافعي، حكاها شارح "التنبيه" وغيره".
والظاهر أن مراده: أبو القاسم بن يونس السابق، ولكن يا ترى من أبو القاسم هذا؟ وما هو شرحه؟
الشروح على "التنبيه" للشيرازي كثيرة جدًا، ذكر منها أستاذنا محمد عقلة -حفظه اللَّه- في أطروحته للدكتوراه في الأزهر "الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وأثره في الفقه" ثمانية وأربعين شرحًا وذكر فيه (1/ 142) من بينها:
- "غنية الفقيه في شرح التنبيه" (1) لشرف الدين أبي العباس أحمد بن كمال الدين بن يونس الأربلي الموصلي (المتوفى سنة 622 ه)، فلعله المراد هنا، وإن اختلفت الكنية! إذ هو مذكور في كتب التراجم ب (أبي الفضل) كما في "التكملة لوفيات النقلة" للمنذري (3/ 145 رقم 2033)، و"السير" (22/ 248) وغيرهما؛ خلافًا للمثبت على النسخ الخطية من "شرحه" هذا (أبو العباس)؛ وخلافًا لما في الأصول الخطية وجميع طبعات كتابنا "الإعلام" (2): "أبو القاسم"، ولعل ابن السبكي أهمل لذلك كنيته في "طبقات الشافعية الكبرى" (8/ 39 - 40)، مع عنايته التامة بالشافعية المتأخرين، والتفصيل في ذكر أحوالهم واختياراتهم.
وعملتُ جاهدًا في النظر في فهارس المخطوطات لأعثر على شيء يسعف بشأن هذا الكتاب، فلعل هناك ابن يونس آخر شرح "التنبيه"، فلم أفز بشيء، وذكرتُ ما وقفتُ عليه من نسخ (3) لهذا الكتاب في التعليق على (3/ 446).
ووجدته ينقل أيضًا من:
__________
(1) يغلب على الظن أن المصنف ينقل مذهب الشافعي والأقوال فيه منه، والأمر يحتاج إلى عرض ذلك عليه، واللَّه الموفق.
(2) لم يرد لهذا الكتاب ذكر -حسب ما في "موارد ابن القيم في كتبه" (61) - عند ابن القيم إلا في كتابنا هذا و"إغاثة اللهفان"، وأهمل في "الإغاثة" (2/ 91 - ط الفقي و 2/ 122 - ط محمد عفيفي) كنيته، واقتصر على قوله (ابن يونس).
(3) ثم طبع (الجزء السادس) من "الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط" (الفقه وأصوله) عن (مؤسسة آل البيت/ الأردن) فوجدت فيه (ص 460 - 461) (18) نسخة خطية لهذا الكتاب، وبعضها قد فات في تلك التعليقة، فيتنبه لذلك، واللَّه ولي التوفيق.
(1/90)

- "المهذب" للشيرازي، كما في (4/ 217) ولم يسمّه.
- "بحر المذهب" لأبي المحاسن الروياني، صرح به في (5/ 150)، ولكن ضمن كلام عزاه لابن الصلاح، وهو في "أدب المفتي والمستفتي" له، فهو إذًا ينقل منه بواسطة.
- "نهاية المطلب في دراية المذهب" (1) للجويني، صرح باسمه مختصرًا هكذا "النهاية" في (4/ 454)، ونقل منه دون تصريح في مواطن، منها (4/ 515).
- "التتمة" للمتولّي أبو سعد عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري، صرح باسمه والنقل منه في (3/ 467)، وعرَّفْتُ به وبنسخه الخطية في التعليق على نشرتنا هذه.
- "الذخائر" كذا ذكره في (4/ 533)، ونقل منه مذهب الحنفية في مسألة من (الأيمان) وهي في (الفصل السادس: في تقييد الأيمان المطلقة بالدلالة) منه، إلا أني رأيته في "زاد المعاد" (5/ 505 - ط مؤسسة الرسالة) يذكره ضمن كتب الشافعية، ولم يسمّ صاحبه؛ وفي "كشف الظنون" (1/ 822): ""الذخائر في فروع الشافعية" (2) للقاضي أبي المعالي [علي بن] مجلّي بن جميع المخزومي الشافعي (المتوفى سنة 550)، وهو من الكتب المعتبرة في هذا المذهب" ولم أظفر له -بعد بحث- بأية نسخة خطية.
- "فتاوى القفال" ذكره بهذا الاسم في (4/ 228، 517)، وهكذا مذكور في "كشف الظنون" (2/ 1228) دون أيّ إيضاح، ونقل المصنف عن صاحبه في (4/ 543 و 5/ 167) أيضًا، ولم يرد له ذكر (3) في كتب المصنف الأخرى!
ثم استدركتُ، فقلت: وجدته مذكورًا في "إغاثة اللهفان" (2/ 91 - ط الفقي)، قال: "وأما الشافعية، فقال ابن يونس في "شرح التنبيه". . . " إلى قوله: "وقال القفال في "فتاويه" (4). . . " ثم قال: "هذا لفظه" أي: لفظ ابن يونس، واستفدنا
__________
(1) هو أهم كتب إمام الحرمين الفقهية وأوسعها وأكبرها وأشهرها، وهو كبير جدًا، إذ تقع بعض نسخه الخطية في ستة وعشرين مجلدًا، له نسخ كثيرة في دار الكتب المصرية وفي مكتبات الإسكندرية، وآيا صوفيا، والظاهرية، والأحمدية بحلب، وأحمد الثالث، وغيرها.
(2) مدحه ابن شاكر الكنبي في "عيون التواريخ" (12/ 495 - ط العراقية) بقوله: "وهو كتاب مبسوط جمع من المذاهب شيئًا كثيرًا، وفيه نقل غريب، ربما لا يوجد في غيره، وهو من الكتب المعتبرة المرغوب فيها".
(3) حسب ما في "موارد ابن القيم في كتبه" (74/ رقم 317)!
(4) ونقل الكلام المذكور في كتابنا هذا.
(1/91)

من هذا أمرين: الأول: إن المصنف ينقل منه بواسطة، والآخر: إن الكتاب من كتب الشافعية، وقد صرح المصنف بذلك في (5/ 167).
وأخيرًا. . مما يجدر التنبيه عليه أن المصنّف ينقل عن الشافعي، ويفرق بين مذهبه الجديد والقديم، انظر -على سبيل المثال-: (4/ 550)، ويبيّن غلط العلماء عليه وعلى مذهبه، وزيف ما ادّعاه بعض المتأخرين من أقوال نسبت للشافعي وهو منها بريء، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 80 و 3/ 11 و 4/ 232، 550)، وتعرض لتاريخ وجود الحيل في هذا المذهب وسببه في (4/ 232).
وجميع هذا يدل على معرفة المصنف بهذا المذهب على وجه جيد قوي، ويدل أيضًا على معرفة أعلامه وكتب تراجمه، فقد نقل من "طبقات الفقهاء" لأبي إسحاق الشيرازي في (5/ 77) -ولم يسمه- وسماه في (4/ 525): "طبقات أصحاب الشافعي" ونقل من "آداب الشافعي ومناقبه" لابن أبي حاتم (5/ 181) -ولم يسمه- وسبق أن قررنا نقله من "مناقب الشافعي" للبيهقي.

* كتب الحنفية:
ينقل المصنف في كتابه هذا من جملة من كتب الحنفية، وهذا ما وقفت عليه منها:
- "الأصل" لمحمد بن الحسن الشيباني، صرح باسمه في (2/ 489) على أنه من الكتب المعتمدة عند الحنفية، ولم أظفر بنقل المصنف منه.
- "الجامع الكبير" لمحمد بن الحسن أيضًا، صرح باسمه في (1/ 78).
- "المخارج في الحيل" المنسوب (1) لمحمد بن الحسن أيضًا، نقل أخبارًا وأقوالًا وأحكامًا هي في مطبوع الكتاب هكذا بالحرف، ولم يسم الكتاب وعزى المصنف بعضها لمحمد بن الحسن، انظر -على سبيل المثال-: (4/ 117، 118، 119، 120، 122، 413، 414).
__________
(1) قال ابن أبي العوام سمعت ابن أبي عمران يقول سمعت ابن سماعة يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول عن كتاب في المخارج والحيل -كان يتداوله بعض الناس-: "هذا الكتاب ليس من كتبنا، وإنما أُلقي فيها"، قال ابن أبي عمران: إنما وضعه إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. انظر: "عمدة القاري" (24/ 109)، و"الميزان" للشعراني (1/ 98 - 99)، و"بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني" (ص 83)، و"فلسفة التشريع في الإسلام" (224).
(1/92)

- "المبسوط" للسرخسي، نقل عن صاحبه ولم يسمه في (4/ 423).
- "الحيل" للخصاف، نقل منه المصنف وصرح باسمه في (2/ 367 و 4/ 118)، ونقل منه فيما عدا ذلك مرات أيضًا، انظر -على سبيل المثال-: (4/ 117، 119، 120، 121، 122، 441).
- "الذخيرة" نقل منه المصنّف في أكثر من موطن، وسماه، ولم يصرح باسم مؤلّفه، مع "ذكره في سياق مذهب الحنفية" (1)، قال في (4/ 493) بعد كلام: "كما صرَّح به أصحاب أبي حنيفة، قال صاحب "الذخيرة" في (كتاب الطلاق) في (الفصل السادس عشر) منه:. . . " وقال في (4/ 496): "قال أصحاب أبي حنيفة -واللفظ لصاحب "الذخيرة"-: .. . . "، وقال في (4/ 517): "قال صاحب "الذخيرة" من الحنفية:. . . " ونقل نصًا طويلًا.
فمن هو صاحب هذا الكتاب؟ وما هو خبره؟ وما تتمة اسمه؟ وهل طبع أم لا؟ أقول وباللَّه التوفيق:
ذهب بعض المعاصرين (2) أنه لابن طاهر! وليس كذلك، فكتاب ابن طاهر: "الذخيرة" ليس في الفقه الحنفي، وإنما هو في ترتيب أحاديث "الكامل في تراجم الضعفاء وعلل الحديث" لابن عدي على الحروف، وهو مطبوع (3)، وهو المذكور في "زاد المعاد" (4/ 277 - ط مؤسسة الرسالة)، فهما كتابان لا كتاب واحد!
وهذا الكتاب الذي أكثر المصنف النقل عنه، والذي اعتمده في نقل مذهب الحنفية إنما هو -في نظري- "الذخيرة البرهانية" (4) أو "ذخيرة الفتاوى" لمحمود بن
__________
(1) "موارد ابن القيم في كتبه" للشيخ بكر أبو زيد (ص 46).
(2) هو الأستاذ عبد المجيد جمعة الجزائري في كتابه الجيِّد "القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين" (ص 139)، ذكره تحت عنوان (مصادر الكتاب)، وهي عبارة عن جداول فيها أسماء المصنفات على الحروف.
وأكثر ابن القيم من النقل عن كتب لم يسمِّها، ففاتت من تكلم عن موارده، بل صرح بعزو أحاديث في كتب هي ليست -على التحقيق- موجودة فيها، فعُدَّت من موارده خطأ، مثل "الغيلانيات"، وسيأتي بيان ذلك، ونقل عن كثير من المصنفات بواسطة غيره، وعدت هذه أيضًا من موارده، وفي هذا ما لا يخفى، واللَّه الموفق والهادي.
(3) بتحقبق الدكتور عبد الرحمن الفريوائي عن دار السلف بالرياض سنة 1416 ه.
(4) جمع فيه مسائل الواقعات، وذكر جواب ظاهر الرواية، وأضاف إليها من واقعات النوادر وأقاويل المشايخ، انظر: "كشف الظنون" (1/ 823)، "المدخل إلى مذهب أبي حنيفة النعمان" (195 - مضروب على الآلة الكاتبة) لأحمد حوى.
(1/93)

الصدر السعيد تاج الدين أحمد بن الصدر الكبير برهان الدين عبد العزيز بن عمر بن مازة (ت 616 ه) اختصره من كتابه "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" (1)، وله نسخ خطية عديدة (2)، جلها في إستانبول ومصر، والأحمدية بحلب، ثم ظفرتُ بنسخة منه في تشستربتي (3) بدبلن في إيرلندا، وتأكّد لي من خلالها أنه مراد المصنف، وهذا البيان:
أولًا: نقل المصنف في (4/ 477) نصًا طويلًا، ولم يعزه لأحد، وقال قبله: "وهذا لفظه بل حروفه"، وهو في "الذخيرة البرهانية" (ق 154/ ب).
ثانيًا: الفصل السادس عشر من كتاب "الذخيرة" هو في (الاستثناء في الطلاق) والمذكور عند المصنف في (4/ 493) هو فيه بالحرف (ق 104/ ب) أيضًا.
ثالثًا: عزى المصنف في (3/ 496) نقلًا له هو فيه (ق 104/ ب) أيضًا بحروفه.
رابعًا: عند المصنف في (3/ 517) نقلًا هو فيه (ق 101/ أ).
- "شرح القدوري" (4) ذكره في معرض ذكره مذهب الحنفية في (4/ 517)، والصحيح أنه نقل منه بواسطة الكتاب السابق "الذخيرة" إذ النص المنقول في كتابنا
__________
(1) هو كتاب جامع عظيم، ذكر في مقدمته أنه جمع مسائل "المبسوط" و"الجامعين" و"السير" و"الزيادات"، وألحق بها مسائل النوادر والفتاوى والواقعات، وضمّ إليها فوائد استفادها من والده ومشايخ زمانه، وما قيل عنه: أنه غير معتمد، انظر: "الفوائد البهية" (205 - 207)، "المدخل إلى مذهب أبي حنيفة النعمان" (186).
(2) ذُكر منها في "الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي -الفقه وأصوله-" (4/ 233 - 240) تسعون نسخة خطية، وانظر: "تاريخ بروكلمان" (6/ 303)، "فهرس مخطوطات كوبرلي" (1/ 278)، "فهرس الكتب الموجودة بالمكتبة الأزهرية" (2/ 158 - 159)، "فهرس دار الكتب المصرية" (1/ 421)، "نوادر المخطوطات في مكتبات تركيا" (1/ 168)، "فهرس مكتبة داماد إبراهيم باشا" (48)، مجلة "المورد" العراقية (7/ 1 - 2/ 350)، سنة 1978 م، "الآثار الخطية في المكتبة القادرية" (2/ 52).
(3) تحت رقم (3867) في (640) ورقة، انظر: "فهرس مكتبتها" (1/ 510).
(4) لمتن "القدوري" شروح كثيرة، انظر عنه وعن شروحه: "الفوائد البهية" (106 - 107)، "كشف الظنون" (2/ 1631 - 1634)، "المذهب الحنفي" لأحمد النقيب (2/ 464 - 467)، "المدخل إلى مذهب أبي حنيفة النعمان" (183، 220) لأحمد سعيد حوى.
والقدوري هو أحمد بن محمد بن أحمد، أبو الحسين البغدادي، انتهت إليه رياسة الحنفية بالعراق (ت 428 ه)، انظر: "تاج التراجم" (7)، "الفوائد البهية" (30).
(1/94)

هذا موجود في "إغاثة اللهفان" بحروفه (2/ 91 - ط الفقي) وقال المصنف فيه عقب الفقرة التي فيها اسم هذا الكتاب: "هذا كله لفظ صاحب "الذخيرة"".
ومن الملاحظ جليًا أنّ ذكر الحنفية كثير في الكتاب (1)، وأنه اعتنى بمذهبهم، ونقله من كتبهم وأشار إليه من خلال ما في "الخلافيات" للبيهقي (2) إذ أفرد فيه المسائل التي وقع فيها خلاف بين (الشافعية) و (الحنفية) خاصة، وأنه اعتنى بالمسائل التي خالفوا فيها الدليل، ب (نفس فقيه) في عبارات انتصر فيها للحق، وعالج ذلك بالعدل، من غير شطط بل ربما رجح في بعض الأحايين مذهب أبي حنيفة على ما سواه.
وأخيرًا. . . فقد نقل المصنف في (4/ 413، 414)، من كتاب سماه "مناقب أبي حنيفة" ولم يعزه لأحد، والموجود فيه مذكور في كتابَيِ الكردري والموفق، وهما مطبوعان.

* كتب المالكيّة:
لا يقلّ نقل المصنف من كتب المالكية عن سائر نقولاته من المذاهب الأخرى، وقد نقل عن كتب الإمام مالك، وأكثر من ذلك، وهذه أسماء الكتب التي نقل منها:
* كتب الإمام مالك:
* "الموطأ" (3) صرح باسمه مرات، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 131 و 2/ 317، 387، 412، 3/ 287، و 4/ 380، 550)، ونقل المصنف أحاديث وآثارًا وأقوالًا عديدة جدًّا وعزاها لمالك، دون تصريحه بنقلها من كتابه هذا وهي فيه، انظر -على سبيل المثال-: (4/ 371 و 7/ 312، 387 و 3/ 183، 188، 287 و 4/ 380، 494، 550 و 5/ 264، 303، 537، 557، 560، 563، 601) ولم يقتصر نقل المصنف على "الموطأ" وإنما تعدّاه إلى "شروحاته" وقد صرح ببعضها، وهذا البيان:
__________
(1) انظر: (فهرس الفرق والجماعات والطوائف): الآرائيون، أصحاب أبي حنيفة، أهل الرأي، أهل العراق، أهل الكوفة، بعض الحنفية، بعض المتأخرين من الحنفية، جمهور الحنفية، جمهور فقهاء الحنفية، جمهور القياسيين، الحنفية، فقهاء العراق، فقهاء الكوفة، القياسيون، مشايخ مذهب أبي حنيفة.
(2) انظر: ما قررناه بشأن نقل المصنف منه في أول هذا المبحث.
(3) انظر كلامًا لابن حبان عن منهجه فيه في التعليق على (2/ 388).
(1/95)

* شروح "الموطأ":
- "التمهيد" لابن عبد البر، صرح باسمه في (2/ 430 و 3/ 288) ووجدتُ نقولاتٍ كثيرة وقعت للمصنف منه، ولم يعزها له، واكتفى بعزوها لابن عبد البر فقط، انظر -على سبيل المثال-: (2/ 412، 413، 435، و 288/ 3 و 4/ 377).
- "الاستذكار" له أيضًا، صرح باسمه في (4/ 237)، ونقل المصنف منه في مواطن ولم يصرح باسمه، انظر -على سبيل المثال-: (2/ 317 و 3/ 238، 289 (مهم)، 291 (مهم)، 471، 546)، وصرح في (3/ 288) بالنقل من الشرحين السابقين.
- "المنتقى" للباجي، نقل منه ولم يصرح باسمه في (3/ 471).

* كتب ابن عبد البر الأخرى:
أكثر المصنف من النقل من كتب ابن عبد البر، ولم يقتصر نقله من "التمهيد" و"الاستذكار" فحسب، وإنما نقل أيضًا من كتبه التالية:
- "جامع بيان العلم" صرح باسمه في مرتين، هما (1/ 66 و 2/ 450) بينما نقل منه وصرح باسم صاحبه دونه مرات عديدة جدًا، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 11، 67، 83، 98، 101، 102، 103، 106، 110، 118، 119، 120، 122، 123، 127، 128، 131، 132، 133، 134، 137، 139، 141، 142، 143، 144، 147، 148، 149، 153، 156، 157، 158، 163، 164، 194، 207، 359، 360، 361، 467، 468، 471، 477، و 2/ 450 - 453، 457، 459 - 465، 467، 479، و 3/ 13 و 4/ 237، 238، 239، 240).
- "الانتقاء" نقل منه وصرح باسمه في (4/ 520)، وهو في مناقب الأئمة: أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم اللَّه تعالى.
- "الكافي" ناقل منه وصرح باسمه في (4/ 531)، وهو في فروع الفقه المالكي.

* كتب المالكية الفقهية الأخرى:
نقل المصنّف من كثير من كتب المالكية، والذي وجدتُه من خلال عملي في الكتاب: أنه غالبًا ينقل المذهب والأقوال فيه من كتاب ابن شاس الذي سماه
(1/96)

"الجواهر" (1) وصرح باسمه مرتين في (3/ 355 و 4/ 531).
وهنالك نصوص كثيرة، وبعضها طويل جدًّا، في كتابنا هذا موجودة بالحرف في مطبوع "الجواهر" هذا، ولم تعز له، ولا لصاحبه، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 225 - 226، 226 و 3/ 459، 469 - 470، 474 - 475، 4/ 380 - 381، 494، 514، 532).
ونقل المصنف أيضًا من:
"المدونة" (2) وصرح باسمه في (2/ 489)، ونقل منه في مواطن، منها (3/ 293، 355)، ونقل عنه بواسطة الكتاب السابق، وعزى الكلام لابن القاسم، فحسب واعتمد ما في هذا الكتاب أيضًا بواسطة "تهذيب المدونة" (3) للبراذعي، وصرح باسمه في (1/ 226 و 4/ 380 - 381)، مختصرًا هكذا "التهذيب" ولم يذكر اسم مؤلفه.
- "التفريع" لابن الجلاب، نقل منه ولم يسمه في (4/ 405).
ونقل أيضًا من:
__________
(1) وهو مطبوع بعنوان "عقد الجواهر الثمينة في فقه عالم أهل المدينة" وسماه ب "الجواهر" في جملة من كتبه، مثل "الزاد" (5/ 715، 725 - 726، 794 - ط مؤسسة الرسالة)، و"أحكام أهل الذمة" (3/ 1255 - ط الرمادي)، و"بدائع الفوائد" (1/ 59)، و"الفروسية" (225 - بتحقيقي).
(2) هي عند أهل الفقه ككتاب سيبويه عند أهل النحو، قاله ابن رشد في "المقدمات" (1/ 44) وهي مصرية المولد، ووجدت في إفريقية وتونس المكانة العظمى في الاعتماد، وفي "ترتيب المدارك" (3/ 299): "هي أصل المذهب، المرجح روايتها على غيرها عند المغاربة، وإياها اختصر مختصروها، وشرح شارحوها، وبها مناظراتهم ومذاكرتهم" وضمت بين دفتيها أكثر سماعات ابن القاسم عن مالك، فقد كان يجيب ابن القاسم عن السؤال بقول مالك ولا يحيد عنه، حتى لو كان بلاغًا بلغه، إلا إذا لم يجد شيئًا فيلجأ إلى رأيه، انظر: "ترتيب المدارك" (3/ 296 - 297)، "اصطلاح المذهب عند المالكية" (98 - 99، 148 - 151).
(3) قال ابن خلدون في "مقدمته" (245) عنه: "اعتمده المشيخة من أهل إفريقية، وأخذوا به، وتركوا ما سواه"؛ وفي "نفح الطيب" (4/ 172): عنه: "الكتاب المعتمد عليه الآن الذي ينطلق عليه اسم الكتاب عند المالكية حتى الإسكندرية"؛ وفي "الفكر السامي" (2/ 209): "حصل عليه الإقبال شرقًا وغربًا، دراسة، وشرحًا وتعليقًا واختصارًا من أئمة المالكية بالأندلس والمغرب، وتركوا به "المدونة" ومختصراتها"، وفيه (2/ 398): "صار من اصطلاحهم إطلاق "المدونة" عليه"، وقد طبع منه المجلد الأول حتى تاريخ هذه السطور.
(1/97)

- "شرح التلمساني" عليه، وصرح باسمه في (3/ 388 و 4/ 227)، وعرفت بالكتاب والشرح في تعليقي على (3/ 388)، واللَّه الموفق.
- "المقدمات الممهدات" لأبي الوليد بن رشد، ونقل منه وصرح باسمه في (4/ 519).
- "الفروق" للقرافي، نقل منه نصًا طويلًا ولم يسمه في (3/ 469، 470).
- "مختصر أبي مصعب" (1) نقل منه، وسماه في (3/ 267).
وأبو مصعب هذا هو أحمد بن أبي بكر الزهري (ت 242 ه) له كتاب "مختصر في قول مالك" مشهور، وصاحبه فقيه أهل المدينة من غير مدافع (2).
ونَقْلُ المصنفِ من هذا الكتاب بواسطةٍ نَقْلٌ طويلٌ عن القاضي عبد الوهاب، وهو في حجية إجماع أهل المدينة، ولعبد الوهاب كتاب "أصول الفقه" نقل منه جمع (3)، ولكن هذا النقل عند ابن تيمية (4) في "صحة أصول أهل المدينة" (33)، فالظاهر أن النقل عن أبي مصعب والقاضي عبد الوهاب إنما هو بالواسطة؛ وهنالك ذكر في (فهرس الأعلام) لعشرات الفقهاء من المالكية، ينقل المصنف عنهم بواسطة الآخرين، فمثلًا في (2/ 464) ينقل المصنف عن ابن خويز منداد وعن محمد بن حارث في "أخبار سحنون بن سعيد" وإنما وقع له ذلك بواسطة ابن عبد البر في "الجامع" كما أوضحناه في التعليق عليه، وفي (3/ 459)، نقل عن "المبسوط" لعبد الملك، ووقع له ذلك بواسطة ابن شاس في "الجواهر" وفي (3/ 267)، نقل عن أبي الحسن بن أبي عمر (5) في "مسألته التي صنفها على أبي بكر الصيرفي" وهي في إجماع أهل المدينة، وهي منقولة بالواسطة أيضًا وكذلك النقل عن ابن خويز منداد في كتاب له، في (4/ 464) فهو بواسطة ابن عبد البر في "الجامع"، ومثلها كثير كثير (6).
__________
(1) توجد نسخة منه في خزانة جامعة القرويين بفاس في (174) ورقة، برقم (40/ 874) كتبت بقرطبة سنة 359 ه، وهو من أقدم ما تحتوي عليه الخزانة القروية. انظر: "فهرس مخطوطات خزانة القرويين" (2/ 538 - 539)، و"أقدم المخطوطات العربية" (203)، و"تاريخ سزكين" (مجلد 3/ 1/ 154).
(2) انظر: "ترتيب المدارك" (4/ 347).
(3) انظر تعليقي على: (3/ 266).
(4) سأفرد استفادة المصنف من شيخه ابن تيمية ببحث خاص.
(5) انظر ترجمته في التعليق على (3/ 267).
(6) انظر ما كتبناه تحت: "الحاصل من المحصول" في (كتب الأصول).
(1/98)

ولا ينسى في هذا المقام ما أورده المصنّف في (3/ 267، 477) بواسطة الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1) من المكاتبة العلمية الرفيعة بين الإمامين مالك والليث بن سعد، ومجاوب بعضهما بعضًا، بما يصلح أن يقتدي به العلماء، ولا سيما في هذا الزمان، الذي كثر فيه الهرج والمرج، وغاب الأدب مع العلماء الكبار، وإلى اللَّه المشتكى، ولا قوة إلا باللَّه.

* كتب الإمام أحمد والحنابلة:
الإمام أحمد بن حنبل وكتبه ومسائله على اختلاف رواتها، وكتب أصحابه ومذهبه هي أكثر ما يذكر في كتابنا هذا.

* كتب الإمام أحمد ومسائل أصحابه له:
ينقل المصنف كثيرًا من "المسند" للإمام أحمد (2). ولكثير من كتب الإمام أحمد غير "المسند" ذكر في كتابنا هذا مثل:
- "طاعة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-".
قال في (2/ 53):
"وقد صنف الإمام أحمد -رضي اللَّه عنه- كتابًا في طاعة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، ردّ فيه على من احتجّ بظاهر القرآن في معارضة سنن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وترك الاحتجاج بها، فقال في أثناء خطبته. . . " وأورد نصًا طويلًا جدًّا منه.
وأفاد في "مختصر الصواعق" (2/ 530) أن ابنه صالحًا رواه عنه، ونقل النّص نفسه، ووجدتُ أن أبا يعلى الفراء يكثر من النقل عنه في كتابه "العدة في أصول الفقه" (3) أيضًا.
- "الرد على الزنادقة والجهمية" وهو مطبوع.
نقل منه في (1/ 13) خطبة كتابه، وصرَّح باسمه.
- "الزهد".
__________
(1) مدحه المصنف بقوله في (3/ 477): "كتاب جليل، غزير العلم، جم الفوائد".
(2) سيأتي توضيح ذلك عندا الكلام عن موارد المصنف الحديثيّة، وهنالك نَقْلُ مدح ابن القيم للإمام أحمد.
(3) وهو من موارد المصنف، الأصولية، كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى، ولم أعثر فيه على النص الموجود بطوله في كتابنا عن كتاب "طاعة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-" للإمام أحمد.
(1/99)

نقل منه في (2/ 431) أثرًا لعائشة بإسناده، ولم يصرح باسمه.
- "رسالة أحمد إلى مسدد".
نقل منها في (5/ 63)، ووقع له هذا النقل بواسطة أبي الحسين ابن القاضي أبي يعلى في كتابه "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد".
ومن الجدير بالذكر أنه ذكر في (الفائدة الثامنة) من (الفوائد التي تتعلق بالفتوى) مسائل عديدة عن أحمد بروايات جمع من أصحابه، مأخوذة بالحرف من هذا الكتاب، انظر نشرتنا (5/ 55 - 64) ولم يقع تصريح باسم هذا الكتاب (1)، ولا النقل عن مؤلفه، بل قال في (5/ 57) بعد جملة مسائل: "ذكر هذه المسائل القاضي أبو علي الشريف" وهذه عبارة القاضي أبي الحسين ابن القاضي أبى يعلى في "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" (ص 38)!.
ومن هذا وغيره ندرك بيقين أن "المسائل" للإمام أحمد لمجموعة من تلاميذه المذكورةَ في كتابنا هذا، لم ينقل المصنف منها جميعًا، وإنما وقع له بعضها بواسطة غيره، ولا سيما القاضي أبي يعلى الفراء وغيره من الحنابلة.
وهذه قائمة بكتب "المسائل" للإمام أحمد مرتبة على أسماء أصحابها من أصحاب الإمام وتلاميذه، مع ذكر أماكن ذكرها في نشرتنا هذه:
- رواية الأثرم، نقل منها في (1/ 76 و 3/ 382، 388، 440، 489 و 4/ 527).
- رواية أحمد بن الحسين، نقل منها (بالواسطة) في (2/ 5).
- رواية أحمد بن القاسم، نقل منها في (4/ 516).
- رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ (وهي مطبوعة)، نقل منها في (1/ 49، 50، 55، 60، 396، و 4/ 495 و 5/ 116).
- رواية إسحاق بن منصور الكوسج (2)، نقل منها في (1/ 76 و 2/ 75، 76 و 3/ 489، 494، و 4/ 468، 494، و 5/ 61، 520) ووقع في بعض هذه المواطن نقل بواسطة ابن تيمية تارة، وأبي الحسين في "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" تارة أخرى، وبواسطة القاضي أبي يعلى مرة ثالثة، وتصرف في ألفاظ بعض المسائل، كما تراه في (2/ 76).
__________
(1) وصرح به في "تهذيب السنن" (6/ 104).
(2) طبع منه قسم المعاملات، ونمي إليَّ أنه عثر عليه بتمامه، وأنه قيد التحقيق، واللَّه الموفق.
(1/100)

- رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي، نقل منها في (2/ 68، 75، 233، 373، و 3/ 351 و 4/ 94، 259، 492).
والملاحظ أنه ينقل منه بالحرف، كما صرح في الموطن الأخير.
ونقل المصنف أيضًا من شرح لهذه الرواية، وهو:
- كتاب "المترجم" (1) للسعدي الجوزجاني (إبراهيم بن يعقوب).
قال في (3/ 351) بعد كلام: "وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفصلين جميعًا. ففي "مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي" التي شرحها السعدي بكتاب سماه "المترجم"" (2).
ومن الجدير بالذكر أن المصنف أكثر من النقل عن "المترجم" وأورد آثارًا بالإسناد منه، انظر -على سبيل المثال-: (2/ 68 - 71 و 3/ 350، 351، 417، 437 - 438 و 4/ 473، 493).
ووجدتُ بعض هذه النقولات مأخوذة من "بيان الدليل" (3) لشيخ المصنف ابن تيمية رحمهما اللَّه تعالى.
- رواية ابن بدينا (4)، ذكرها المصنف في (3/ 488) بواسطة "بيان الدليل" أيضًا.
- رواية بكر بن محمد (5)، ذكرها المصنف في (4/ 94، 436) والنقل في الموطن الأول بواسطة "بيان الدليل" (6) أيضًا، والآخر بواسطة القاضي أبي يعلى في "الفصول"، كما صرح به المصنف.
- رواية جعفر بن محمد النسائي، ذكرها في (1/ 77).
- رواية أبي الحارث الصانع (7)، ذكرها في (1/ 60، 84 و 2/ 559 و 3/
__________
(1) انظر تعريفي به في التعليق على "قواعد ابن رجب" (2/ 304 - 305).
(2) وقع خطأ لصاحب "القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين" (ص 142 - 143) لما قال معرفًا به: "المترجم" شرح مسائل الشافعي"!! وكذلك في (ص 144) عند ذكره "مسائل أحمد" برواية الجوزجاني، وهي تحريف عن الجرجرائي كما في (4/ 348)، وانظر التعليق عليه.
(3) اعتمد عليه المصنف كثيرًا، وسيأتي بيان ذلك مفصلًا تحت عنوان (بين المصنف وشيخه ابن تيمية).
(4) انظر ترجمته في التعليق على (3/ 488).
(5) انظر ترجمته في التعليق على (4/ 94).
(6) عزى فيه النقل نفسه لأحمد من رواية ابن الحكم!
(7) انظر ترجمته في التعليق على (4/ 468).
(1/101)

489 و 4/ 94، 99 - 100، 273، 454، 457، 468، 516 و 5/ 114).
ووقعت له هذه النقول -أبو بعضها- بواسطة القاضي أبي يعلى في "العدة" وابن تيمية في "بيان الدليل"، كما تراه موضحًا في التعليق على بعض المواطن المذكورة.
- رواية حرب بن إسماعيل، ذكرها في (1/ 76 و 4/ 172، 495، و 5/ 520) ووقعت له في بعض المواطن بواسطة القاضي أبي يعلى، كما صرح هو بذلك.
- رواية أبي حرب الجرجرائي، ذكرها في (3/ 320، 4/ 348).
- رواية حنبل، ذكرها في 1/ 76، 84 و 2/ 373، 426 و 3/ 429 و 4/ 455، 468، 527 و 5/ 114، 520)، ونقل المصنف بعض هذه المواطن من "العدة" لأبي يعلى، كما تبرهن لي بيقين، وبعضها من "زاد المسافر" لأبي بكر عبد العزيز كما صرح هو نفسه بذلك.
- رواية الخلال، ذكرها في (3/ 370).
وذكر المصنف كتابًا آخر له سيأتي -إن شاء اللَّه قريبًا-، وورد له ذكر في إسناد بعض الأخبار، انظر (1/ 49، 473).
- رواية أبي داود السجستاني (1).
نقل منها المصنف في (1/ 61، 76 و 2/ 250، 469 و 4/ 99 و 5/ 115، 116، 117).
- رواية ابنه صالح، نقل منها المصنف في (1/ 83، 87 و 3/ 489 و 4/ 94، 100، 515، 516، 527 و 5/ 58، 59، 114).
ومن الجدير بالذكر هنا الأمور الآتية:
أولًا: بعض المسائل المنسوبة لصالح ليست في القسم المطبوع منه.
ثانيًا: وجدتُ بعضها مسندة عند الخطيب وغيره من طريق صالح عن أبيه، ولم أعثر عليه في المطبوع من "مسائله" بطبعتَيْه.
ثالثًا: وجدتُ بعض هذه النقول في "محنة الإمام أحمد" لصالح، كما في (5/ 58) مثلًا.
__________
(1) طبعت مرتين، بتحقيقين مستقلَّين، والغالب على الطبعة الأولى (ط- رشيد رضا) المسائل الفقهية، والغالب على الطبعة الأخرى (ط مكتبة دار العلوم والحكم) السؤال عن الرواة وأسماء الرجال، وكل منهما تكمل الأخرى، وأغلب النقولات الموجودة عند ابن القيم في الطبعة الأولى منهما.
(1/102)

رابعًا: اختصر المصنف بعض هذه النقولات من هذه المسائل، انظر (4/ 100).
- رواية أبي طالب، ذكرها المصنف في (1/ 396 و 2/ 392، 559 و 3/ 371 و 4/ 95، 100، 454، 457، 468، 516 و 5/ 62) وكثير من هذه النقولات وقعت للمصنف بواسطة القاضي أبي يعلى وابنه أبي الحسين وغيرهما.
- رواية ابنه عبد اللَّه، نقل المصنف منها في مواطن عديدة، هي: (1/ 53، 61 - 62، 76، 84، 144، 145، 149، و 2/ 76، 558 - 559 و 3/ 47، 369، و 4/ 449، 527 و 5/ 114 - 115، 115).
ومن الجدير بالذكر هنا الأمور الآتية:
أولًا: صرح المصنف ببعض النقولات من هذه "المسائل"، ولم أظفر بها في طبعتَي الكتاب، ووجدتها في مصادر أخرى للمصنف، مثل: "جامع بيان العلم" لابن عبد البر، و"الفقيه والمتفقه" للخطيب، و"المدخل" للبيهقي، كما تراه في (1/ 61) وانظر (2/ 76 و 4/ 527).
ثانيًا: ظفرتُ ببعض النقولات المعزوة لعبد اللَّه إنما هي عند الميموني، كما في (1/ 61 - 62).
ثالثًا: تصرف المصنف في ألفاظ بعض المسائل، كما في (1/ 76، 84، 145).
رابعًا: نقل المصنف بعض هذه المسائل بالواسطة، كما في (1/ 84، 144، 145، 149، و 2/ 559 و 3/ 47، و 5/ 114 - 115، 115).
خامسًا: بعض هذه النقولات عن عبد اللَّه عن أبيه ليست في "المسائل" وإنما هي في "العلل ومعرفة الرجال" مثل ما في (3/ 369).
- رواية عبد الخالق بن منصور، ذكرها في (4/ 95)، ونقل منها بواسطة "بيان الدليل"، كما بيّنتُه في التعليق على الموطن المذكور.
- رواية عبد الملك بن عبد الحميد أبي الحسين الميموني، ذكرها في (1/ 60 و 3/ 371، 372، و 4/ 94، 100، 374، 453، 469، 513 و 5/ 60 (وفيها ثلاث روايات)، 63).
ومن الجدير بالذكر أن نقل المصنف من هذه المسائل إنما كان بالواسطة، وقد صرح في بعض المواطن بذلك، مثل (3/ 371، 372 و 4/ 453، 513) وانظر (4/ 94، 100، و 5/ 60، 63).
(1/103)

- رواية علي بن سعيد، ذكرها في (4/ 408)، ونقل منها بالواسطة.
- رواية أبي علي الشريف القاضي (1)، ذكرها في (5/ 56 - 57) على إثر جملة مسائلة منقولة عنها، والنقل إنما كان بواسطة أبي الحسين بن القاضي أبي يعلى، كما بيّنتُه في تعليقي على الموطن المذكور.
- رواية الفضل بن زياد، ذكرها مرتين في (4/ 181 و 5/ 62) والنقل منها فيهما بالواسطة، كما بيّنتُه في تعليقي على الموطنين المذكورين.
- رواية مثنى الأنباري، ذكرها في (4/ 180).
- رواية محمد بن الحكم (2)، ذكرها في (3/ 371، 373 و 4/ 513) ووقع نقل المصنف من هذه "المسائل" بالواسطة، كما صرح هو بذلك في المواطن المذكورة.
- رواية محمد بن عبيد اللَّه بن المنادي، ذكرها في (1/ 85 و 5/ 115) والنقل عنها بالواسطة، كما بيّنتُه في التعليق على الموطنين المذكورين.
- رواية المروزي، ذكرها في (2/ 559، 3/ 394، و 4/ 117، 181، 492 و 5/ 520).
- رواية ابن مشيش، ذكرها في (2/ 392).
- رواية مهنأ بن يحيى الشامي، ذكرها في (2/ 57، 383 و 4/ 271، 372) ونقولات المصنف هذه بالواسطة.
- رواية موسى بن سعيد الدِّنداني (3)، ذكرها المصنف في (2/ 76، 86 و 4/ 94)، ونقل المصنف منه بالواسطة كما بيّنته في التعليق على الموطن الأخير.
- رواية يوسف بن موسى، ذكرها في (5/ 114)، ونقلها بواسطة "العدة" للقاضي أبي يعلى.
هؤلاء هم رواة المسائل للإمام أحمد، الذين وقع ذكرهم في كتابنا هذا، والنقل عن كثير منهم إنما كان بواسطة كتب الحنابلة غالبًا.
__________
(1) هو عمّ القاضي أبي يعلى، رحمهما اللَّه تعالى.
(2) هنالك (محمد بن الحكم) المالكي، غير هذا، وله ذكر في كتابنا، كما تراه في (فهارس الأعلام).
(3) تحرف في جُلّ طبعات "الإعلام" إلى (الديداني)! انظر تعليقي على: (4/ 94).
(1/104)

* معرفة المصنف لمذهب أحمد وإعجابه به:
ومن الجدير بالذكر أن مذهب الإمام أحمد في أصوله وفروعه ومسائله هو أكثر المذاهب تردادًا في كتابنا هذا، والمصنِّف عارف به، معتنٍ بكتبه، محرر له، مدقق في النقولات التي تذكر عن صاحبه، ولذا زيّف كثيرًا مما نسبه إليه أصحابُه مما لم يثبت عنه، فقد كشف رحمه اللَّه اللثام في مواطن كثيرة عن أخطاء نسبها أهل المذهب ومتأخروهم إلى الإمام أحمد، وهي ليست على النحو الذي ذكروه، انظر -على سبيل المثال-: (2/ 57 و 3/ 371 و 4/ 327، 469) ولم يكتم الإمام ابنُ القيم إعجابه بمسائل الإمام أحمد وفتاويه، وأظهر جهود العلماء بهذا الخصوص، قال في معرض ذكره الإمام أحمد:
"وكان إمام أهل السنة على الإطلاق الذي ملأ الأرض علمًا وحديثًا وسنة، حتى إن أئمة الحديث والسنة بعده هم أتباعُه إلى يوم القيامة، وكان -رضي اللَّه عنه- شديدَ الكراهة لتصنيف الكتُب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يُكتب كلامُه، ويشتد عليه جدًّا، فعلم اللَّه حُسْنَ نيته وقَصْده، فكُتِب من كلامه وفَتْواه أكثرُ من ثلاثين سفرًا، ومَنَّ اللَّه سبحانه علينا بأكثرها؛ فلم يَفُتْنَا منها إلى القليل، وجمع الخَلَّالُ نصوصه في "الجامع الكبير" فبلغ نحو عشرين سِفْرًا أو أكثر (1)، ورُويت فتاويه ومسائله وحُدِّثَ بها قرنًا بعد قرن، فصارت إمامًا وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلِّدين لغيره لَيُعَظِّمونَ نصوصَه وفتاواه، ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوى الصحابة، ومن تأَمَّلَ فتواه وفتاوى الصحابة رأى مُطابقة كل منهما للأخرى، ورأى الجميع كأنها تخرج من مِشْكاة واحدة، حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان، وكان تَحَرِّيه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه، بل أعظم، حتى إنه لَيُقَدِّمُ فتاواهم على الحديث المرسل" (2).
__________
(1) قال ابن تيمية: "في نحو أربعين مجلدًا" وقال الذهبي: "في بضعة عشر مجلدًا، أو أكثر"، وقال ابن الجوزي -رحمه اللَّه تعالى-: "في نحو مئتي جزء"، قال ابن بدران: "ولا معارضة بين قوليهما، لأنّ المتقدّمين كانوا يطلقون على (الكراس)، وعلى ما يقرب من الكراسين: (جزءًا)، وأما (السفر): فهو ما جمع أجزاء، فتنبه". وانظر: (المدخل المفصل" (2/ 667 - 670).
(2) قارن ما هنا بما في "مناقب الإمام أحمد" (191) لابن الجوزي، فأصل الكلمة له، وكلام ابن القيم السابق تجلية له، وانظر: "مطالب أولي النهى" (1/ 24)، و"المدخل" (46 - 47) لابن بدران.
(1/105)

* كتاب "الجامع الكبير" للخلال:
نقل المصنف في سائر مصنّفاته (1) من "الجامع الكبير" (2) للخلال، وأثنى عليه في كثير من كتبه (3)، ووقع النقل منه في مواطن من كتابنا هذا، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 59، 227) - هذا النقل بواسطة "المغني" كما صرح ابن القيم- و (1/ 473) -وهو بواسطة "الفقيه والمتفقه" للخطيب- و (3/ 370).

* كتب القاضي أبي يعلى الفراء:
ومن الحنابلة الذين يكثر جدًّا المصنف من النقل عنهم في كتابنا هذا: القاضي أبو يعلى الفراء، وقد صرح بالنقل من جملة من كتبه، مثل:
- "إبطال الحيل" (4) للقاضي أبي يعلى، صرح باسمه في (4/ 395، 408، 411)، ونقل منه ولم يصرح باسمه في مواطن عديدة منها: (4/ 414 - 416، 416).
- "التعليق الجديد".
- "التعليق القديم".
ذكرهما في (3/ 494)، ولم ينقل منهما مباشرة، وإنما بواسطة شيخه ابن تيمية (5) في "بيان الدليل"، كما بيّنتُه في التعليق على الموطن المذكور.
__________
(1) مثل: "إغاثة اللهفان"، "اجتماع الجيوش الإسلامية"، "تحفة المودود"، "أحكام أهل الذمة"، "الطرق الحكمية"، "تهذيب السنن"، انظر: "موارد ابن القيم في كتبه" (38 رقم 143).
(2) لم يطبع منه إلا قطع يسيرة في (أحكام أهل الملل والردة والزندقة وتارك الصلاة والفرائض)، انظر تعليقي على: (1/ 49)، وهنالك في مكتبات العالم قطع من "الجامع الكبير" لمجهولين، مثل ما في "فهرس المكتبة المحمودية" (114) برقم (220)، و"فهرس مكتبة فاتح بإستانبول" (90) برقم (1553)، و"فهرس مكتبة بشير آغا" (31) برقم (13)، فلعلها -أو بعضها- جزء من هذا الكتاب، وليحرر، فإنه مهم غاية.
(3) تجد هذا الثناء مجموعًا في "موارد ابن القيم" (ص 47).
(4) ذكره ابنه في "طبقات الحنابلة" (2/ 205) وعده أستاذنا محمد أبو فارس في كتابه "القاضي أبو يعلى الفراء وكتابه الأحكام السلطانية" (ص 245) من الكتب المفقودة.
(5) قال ابن تيمية في رسالة أرسلها من مصر إلى أهله في الشام: "وترسلون أيضًا من "تعليق القاضي أبي يعلى" الذي بخط القاضي أبي الحسين إن أمكن الجميع، وهو أحد عشر مجلدًا، وإلا فمن أوله مجلدًا، أو مجلدين أو ثلاثة"، كذا في "العقود الدرية" (285). وتتمة اسم الكتاب "التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة" مدحه ابن بدران في "مدخله" (452) وعرف به، وقال: لم أطلع منه، إلا على المجلد الثالث، وهو ضخم، ويوجد من هذا الكتاب المجلد الرابع في دار الكتب المصرية، رقم (140 - فقه حنبلي) =
(1/106)

- "الجامع" (1) نقل منه وسماه في (3/ 492).
- "المجرد" (2) نقل منه وسماه في (2/ 257، 3/ 492).
- "الخلاف الكبير" (3) نقل منه وسماه في (3/ 492) ودون تسمية في (3/ 320) وغيره نقل المصنف من هذه الكتب بواسطة شيخه ابن تيمية أيضًا في كتابه "بيان الدليل"، كما صرح هو بذلك.
- "الكفاية" (4) نقل منه وسماه في (5/ 146)، ونقل منه بواسطة ابن حمدان في "صفة الفتوى".
هذه الكتب التي سماها للقاضي أبي يعلى، ونقل كثيرًا من كتاب لم يسمِّه له، وهو:
__________
= وعنه نسخة مصورة في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية، (رقم 18 - اختلاف الفقهاء)، كما في "فهارسها" (1/ 330)، ثم وجدت نسخة من المجلد نفسه في خزانة فيض اللَّه أفندي بإستانبول في (310) ورقات، كما في "نوادر المخطوطات العربية في تركيا" (2/ 305)؛ وسيأتى بعنوان "الخلاف الكبير".
(1) لأبي يعلى "الجامع الصغير" وهو مطبوع عن دار أطلس بتحقيق الدكتور ناصر بن سعود السلامة، والنقل المذكور عند المصنف ليس فيه، وإنما في "الجامع الكبير"، وقد عمل المصنف قطعة منه ولم يتمّه، انظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 193 - 230)، و"سير أعلام النبلاء" (18/ 89).
(2) نبَّه ابن رجب في "قواعده" (3/ 257) على عيب منهجي فيه، وهو اشتباه القاضي فيه جواب أحمد وجواب سفيان في أسئلة ابن منصور لهما، فخلط كثيرًا بين كلامهما، قال ابن رجب: "فلينبّه لذلك".
وذكر ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (30/ 299 - 300) فائدة مهمة عن هذا الكتاب، قال: "فالقاضي رحمه اللَّه صنّف "المجرد" قديمًا، بعد أن صنف "شرح المذهب"، وقبل أن يُحْكِمَ "التعليق" و"الجامع الكبير"، وهو يأخذ المسائل التي وضعها الناس، وأجابوا فيها على أصولهم، فيجيب فيها بما نص عليه أحمد وأصحابه، وبما تقتضيه أصوله عنده، فربما حصل في بعض المسائل التي تتفرع وتتشغب ذهولٌ للمفرع في بعض فروعها عن رعاية الأصول والنصوص في نحو ذلك" وقارنه ب "المدخل المفصل" (2/ 709).
(3) هو "التعليق الكبير" المتقدِّم وهو الذي ألف عليه ابن الجوزي "تحقيقه" وقام ب "تنقيح التحقيق" -كلٌّ على حده- الذهبي ومحمد بن عبد الهادي وهما مطبوعان مع "التحقيق في مسائل التعليق" أيضًا.
(4) تتمة اسمه: "في أصول الفقه"، يقع في خمسة أجزاء، بقي منه المجلد الرابع في دار الكتب المصرية، برقم (365 - أصول الفقه)، ونسخة أخرى في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية، برقم (90 - أصول الفقه)، انظر: نماذج منه في كتاب "القاضي أبو يعلى الفراء" لأستاذنا الدكتور محمد أبو فارس -حفظه اللَّه- (ص 231 - 237).
(1/107)

- "العدة في أصول الفقه"، ونقل كثيرًا من "المسائل" على اختلاف رواياتها منه، كما أومأنا إليه عند سرد "المسائل لأحمد" على حسب أسماء رواتها.
وللتَّيقُّن على نقل المصنف من "العدة" تنظر هذه المواطن من نشرتنا مع التأمل في التعليق على بعضها: (1/ 84، 85، 86، 351، و 2/ 280 (مهم)، 284، 559 (مهم) و 5/ 104، 114، 115).

* كتب ابن القاضي أبي يعلى:
وجدتُ المصنف ينقل من كتابين من كتب أبي الحسين ابن القاضي أبي يعلى، وصرح باسم واحد منها، ولم يذكر الآخر مع أنه أكثر من النقل منه، بل لم يَعْزُ النقولات إليه، وإنما أوردها على حسب ما فيه معزوة لأصحاب "المسائل" عن أحمد فحسب!
وأما الذي صرح باسمه فهو، كتاب:
- "التمام" كذا في (1/ 229) وتتمة اسم الكتاب "لما صح في الروايتين والثلاث والأربع عن الإمام، والمختار من الوجهين عن أصحابه العرانين الكرام"، وهو مطبوع.
وأما الذي لم يصرح به فهو:
- "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" نقل منه نقولات عديدة في (الفائدة الثامنة) من (الفوائد التي تتعلق بالفتوى)، انظر نشرتنا (5/ 55 - 64).

* كتب أبي الخطاب الكلوذاني:
نقل المصنف من غير كتاب من كتب أبي الخطاب؛ هذا ما وقفت عليه منها:
- "الانتصار في المسائل الكبار" (1) لأبي الخطاب الكَلْوذاني، نقل منه وصرح باسمه في (3/ 539)، وهنالك نقولات عديدة في الكتاب عن أبي الخطاب غير معزوة لكتاب، انظر -على سبيل المثال-: (2/ 257، 259 و 3/ 474، 494، و 4/ 173، 543 و 5/ 202)، وبعضها في "الانتصار" هذا ووجدتُ بعضها في:
__________
(1) يوجد في دار الكتب الظاهرية تحت (5454) قسم منه، وقد حققه ثلاثة من الباحثين، ونشر ناقصًا -على حسب أصوله- عن مكتبة العبيكان، سنة 1413 ه - 1993 م، في ثلاثة مجلدات في مسائل الطهارة والصلاة والزكاة فقط.
(1/108)

- "الهداية" له أيضًا، انظر (3/ 474).
- "التمهيد في أصول الفقه" نقل منه ولم يسمه، وإنما عزى الثقل لأبي الخطاب وهو في هذا الكتاب في (5/ 202).

* كتب الحنابلة الأخرى:
نقل المصنف من كتب أخرى كثيرة للحنابلة، هذه هي:
- "الإرشاد" للشريف محمد بن أحمد بن أبي موسى، أبي علي الهاشمي القاضي (ت 428 ه)، وهو من أصحاب القاضي أبي يعلى، وهو متن اعتمد مؤلفه المسائل التي يوجد للإمام فيها رواية أخرى، فما كان فيه روايتان فأكثر، ذكرها (1).
نقل المصنف منه وصرح باسمه في (2/ 77 و 4/ 511، 535)، ونقل منه ولم يصرح باسمه في (4/ 328، 331).
- "شرح الإرشاد" (2) لابن أبي موسى أيضًا، نقل منه المصنف وسمّاه في (5/ 126).
- "مختصر الخرقي" (3)، نقل منه المصنف وصرح باسمه مرات عديدة، انظر -على سبيل المثال-: (3/ 341 و 4/ 370، 532).
ونقل منه ولم يصرح باسمه في (1/ 76 و 3/ 492 و 4/ 328، 468).
- وشرحه: "المغني" لابن قدامة المقدسي، نقل منه وصرح باسمه مرات، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 227، و 2/ 257، 261، و 3/ 345، 468 و 4/ 408، 449، 468، 494، 495، 513، 531، 532)، ونقل منه ولم يصرح في (3/ 341 و 4/ 450).
- "الفصول" (4) لابن عقيل الحنبلي، نقل منه وسماه في (4/ 436).
__________
(1) له نسخة في المكتبة المحمودية وغيرها، وحُقِّقَ رسائلَ علميةَ، بالمعهد العالي للقضاء في السعودية وطبع حديثًا بتحقيق الدكتور عبد اللَّه التركي، وانظر: "المدخل المفصل" (2/ 681).
(2) لعله هو المخطوط المسمى "كتاب مما يذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل" في مكتبة جامعة الرياض (1928 م 2)، قاله الزركلي في "الأعلام"، وانظر: "المدخل المفصل" (2/ 706 - 707).
(3) قرأه ابن القيم على شيخه مجد الدين إسماعيل بن محمد الحراني، قاله الصفدي في "أعيان العصر" (4/ 366).
(4) في عشرة أجزاء، ويسمى "كفاية المفتي"، منه نسخة في شستربتي، ومنه الجزء الثالث في دار الكتب المصرية، تحت رقم (13 - أصول فقه)، ومنتخب منه في الظاهرية تحت رقم (750 عام)، انظر: "الدر المنضد" (ص 25)، "ذيل طبقات الحنابلة" (1/ 156).
(1/109)

- "الفنون" لابن عقيل أيضًا، نقل منه نصًا فيه (مناظرة بين ابن عقيل وبعض الفقهاء) في (5/ 512)، وصرح المصنف في "الطرق الحكمية" (ص 15 - ط العسكري) أنها في كتابه "الفنون".
ومن الجدير بالذكر أن المصنف نقل عن ابن عقيل (1) كثيرًا، ولم يسمّ إلا "الفصول" له، انظر -على سبيل المثال-: (2/ 199، 213، و 40/ 172، 173، 201، 543) فلعل هذه النقولات منه.
- "عمدة الأدلة" له، نقل منه في (2/ 400) ولم يسمه، وإنما قال: "واختيار ابن عقيل في آخر مصنفاته" وصرح بالمذكور المرداوي في "الإنصاف" (5/ 13).
- "المحرر" (2) لمجد الدين أبي البركات ابن تيمية، نقل منه المصنف، وصرح باسمه في (4/ 408، 448)، ونقل منه، ولم يصرح به في (4/ 437 و 5/ 506، 507)، واكتفى في هذه المواطن بعزو النقولات لصاحبه.
- "الشافي" (3) لأبي بكر عبد العزيز غلام خلال (ت 363)، نقل منه وصرح باسمه في (2/ 426 و 3/ 371 و 4/ 453).
- "زاد المسافر" (4) لأبي بكر عبد العزيز أيضًا، نقل منه وصرح باسمه في (2/ 426 و 4/ 453، 455).
__________
(1) لعله نقل من كتابه: "الواضح في أصول الفقه"، انظر التعليق على: (5/ 106).
(2) قرأ ابن القيم قطعة منه على شيخه حفيد مصنفه (ابن تيمية) قاله الصفدي في "أعيان العصر" (4/ 366).
(3) ذكر القاضي أبو يعلى هذا الكتاب، وقال: "نحو ثمانين جزءًا" كذا في "تاريخ بغداد" (10/ 459) وتحرف فيه إلى "الشافعي"! فليصوب. قال الذهبي عن صاحبه: "كان كبير الشأن، من بحور العلم، له الباع الأطول في الفقه"؛ وقال عن كتابه: "ومن نظر في كتابه "الشافي" عرف محله من العلم، لولا ما بشَّعه بغضِّ بعض الأئمة، مع أنه ثقة فيما ينقله". انظر: "السير" (16/ 143 - 145)، "طبقات الحنابلة" (9/ 112 - 127)، قلت: في "دفتر مكتبة ولي الدين" (53): "الشافي" لمجهول، رقم (959)، يكشف عنه، ولم أظفر له بنسخة مع طول نظر، وكئرة ترداده في فهارس المخطوطات، ولا ندري، فالأيام حبلى، فلعلها تكشف عن شيء بشأنه، واللَّه أعلم.
(4) حاكى فيه "الجامع" لشيخه الخلال، وسمى في مقدمته الرواة عن أحمد أصحاب المسائل، وانظر: "المدخل المفصل" (1/ 457 و 2/ 672).
وظفرتُ بنسخ خطية بالعنوان نفسه لعالم بن علاء الحنفي! فهو غيره، ثم تبيَّن لي أن "الفتاوى التاتارخانية" لعالم هذا تسمى "زاد المسافر" أيضًا.
(1/110)

ومن الجدير بالذكر أن المصنف نقل عن أبي بكر عبد العزيز، ولم يعز النقل لكتاب، كما تراه في (4/ 447، 513)، فالنقل من أحد هذين الكتابين، والظاهر من عبارات المصنف أنه ينقل منه مباشرة، واللَّه أعلم.
- "المستوعِب" (1) لنصير الدين محمد بن عبد اللَّه السّامري (ت 616 ه)، نقل المصنف منه وسماه في (4/ 527).
- "الخلع" (2) لابن بطة، ذكره وسماه في (5/ 105) وإنما ينقل منه بواسطة القاضي في "العدة" كما بيّنته في التعليق على الموطن المذكور.
- "إبطال الحيل" لابن بطة أيضًا، نقل منه في مواطن، ولم يصرح باسمه، انظر -على سبيل المثال-: (4/ 233 - 234 و 5/ 135، 157).
- "مكاتبات ابن بطة إلى البرمكي"، نقل منه وسماه في (1/ 86)، ونقل منه بواسطة "العدة" لأبي يعلى، كما بينته في التعليق على الموطن المذكور.
ونقل المصنف عن ابن بطة في مواطن، ولم يسمّ كتابًا له، انظر (1/ 86 و 3/ 467، 499 و 4/ 80، 576، 577) وبعضها -كالموطن الأول- وقع له بواسطة "العدة" للقاضي أبي يعلى.
"الرعاية" (3) لأبي عبد اللَّه بن حمدان (ت 695 ه)، نقل منه وصرح باسمه في (4/ 431، 491).
ووقع ذكر لابن حمدان في غير هذين الموطنين، ولا سيما في مباحث
__________
(1) ضمّن كتابه هذا كثيرًا من أمهات كتب المذهب، فقال في مقدمته (1/ 78 - 79): "فمن حصل كتابي هذا أغناه عن جميع هذه الكتب المذكورة، إذ لم أُخِل بمسألة منها إلا وقد ضمّنتُه حكمها أو ما فيها من الروايات وأقاويل أصحابنا" مدحه ابن بدران في "المدخل" (ص 217) وضبط اسمه بكسر العين المهملة، وطبع الموجود منه بتحقيقين كل على حدة، والنقل المذكور ليس في مطبوعه!
(2) سماه أبو يعلى في "العدة" (5/ 1599): "الرد على من أفتى في الخلع" وكذلك فعل ابنه في "طبقات الحنابلة" (2/ 57 - ترجمة أبي حفص عمر بن محمد بن رجاء العكبري)، ولم أظفر بأثر له في فهارس دور المخطوطات.
(3) من المجلد الثاني منه نسخة في شستربتي، تحت رقم (3541) منسوخة سنة 706 ه، في (278) ورقة، انظر: "فهرس مكتبة شستربتي" (1/ 327) وللمؤلف شرح له بعنوان "الغاية القصوى شرح الرعاية الكبرى" منه نسخة خطية بالظاهرية برقم (2755) ونسخة أخرى في مكتبة الأوقاف العراقية برقم (1/ 23011) مجاميع، في (275) ورقة، وحُقِّقَ جُزءٌ من "الرعاية الكبرى" رسالة في الجامعة الإسلامية، انظر: "المدخل المفصل" (2/ 746 - 747).
(1/111)

(الفتوى)، فهو ينقل من كتاب خاص له في ذلك، كما سيأتي تحت (كتب الفتاوى).
- "تعاليق أبي حفص العكبري"، ذكره في (1/ 86)، ونقل منه بواسطة القاضي أبي يعلى كما صرح به المصنف، وتبيّن لي أن النقل من "العدة في أصول الفقه".
هذا ما وقفتُ عليه من كتب الإمام أحمد وأصحابه وأهل مذهبه التي نقل عنها المصنف.

* كتب فقهية أخرى:
تبيَّن لنا من خلال الجولة السابقة أن المصنف متضلع في الفقه، متفنّن فيه، عنده أمات كتب المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة.
وكان رحمه اللَّه حريصًا على فقه الأصحاب، ذاكرًا مذاهب علماء الأمصار ومن بعدهم، وأشار إلى جملة من الكتب في هذا الباب، هي:

* فتاوى بعض السلف:
- "فتيا عبد اللَّه بن عباس" ذكره في (1/ 18)، قال نقلًا عن ابن حزم في رسالته "أصحاب الفتيا من الصحابة": "وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب ابن أمير المؤمنين المأمون "فتيا عبد اللَّه بن عباس"، في عشرين كتابًا"، ولم يتبرهن لي أنه نقل منه، أو رآه، وإنما هو خبر عن كتاب، وكذا ذكره في "الوابل" (ص 100)، و"هداية الحيارى" (ص 122)، وذِكْرُهُ له جُمْلي، يغيب عند ذكر أقوال ابن عباس في المسائل، وهذا يرجِّح ما أومأتُ إليه من عدم وقوف المصنف عليه، واللَّه أعلم، ومثله:
- "فتاوى محمد بن شهاب الزهري" ذكره في (1/ 42)، قال نقلًا عن ابن حزم أيضًا: "ومحمد بن شهاب الزهري، وجمع محمد بن نوح "فتاويه" في ثلاثة أسفار ضخمة على أبواب الفقه" (1).
ولم يَرِدْ ذكرٌ لهذا الكتاب في غير هذا الموطن، ولا في سائر كتب ابن القيم، مما يجعلنا نرجح أنَّ ذِكرَهُ مجردُ خبر نقله عن ابن حزم فحسب، وعده مع الذي قبله (2) من (موارد المصنف) فيه نظر لا يخفى.
ومن كتب الفقه التي نقل منها المصنف:
__________
(1) وجمعها أيضًا ابن القنتوري (284 - 380) في أجزاء كثيرة، قاله المقريزي في "المقفَّى الكبير" (5/ 277).
(2) كذا كثير من "المسائل" لأحمد، وغيرها مما مضى ومما سيأتي، ووقع التنبيه على نَقْل المصنف منها بواسطة.
(1/112)

* كتب ابن المنذر:
- "الإشراف على مذاهب أهل العلم" (1) لابن المنذر، ولم يصرح باسم الكتاب، وعزى أقوالًا لابن المنذر هي فيه، انظر (4/ 323).
- "الإجماع" له أيضًا، كما في (4/ 406)، ولم يصرح باسمه.
- "الإقناع" له أيضًا، كما في (1/ 227 و 5/ 140)، ولم يصرح باسمه.

* كتب أخرى:
- "الخراج" ليحيى بن آدم، نقل (2) منه وصرح باسمه في (2/ 374).
- "البيوع" لمطين، ذكره وصرح باسمه في (4/ 79، 80)، ونقل منه بواسطة شيخه ابن تيمية في "بيان الدليل" كما بيّنته في التعليق على الموطن المذكور.
ومن الكتب التي نقل منها المصنف وأكثر:

* كتب ابن حزم:
نقل المصنّف كثيرًا عن ابن حزم، واعتمد عليه في ذكر مذاهب بعض فقهاء السلف وعلماء الأمصار، وأورد من بعض كتبه آثارًا سلفية، وتبرهن لي كثرة نقله من:
- "المحلى" صرح باسمه في (4/ 501، 521، 525)، ونقل منه ولم يصرح باسمه في (1/ 184، 208، 218، 220 - 221، 222، 224، 245، 236 - 237، 238، 239، 367، 368، 375 - 376، 393 - 394، و 2/ 20، 21 - 22، 143، 159، 161، 392، 394، 399، 450 و 3/ 372، 388، 421، 440، 441، 444، 448، 451، 452، 453، 454، 455، 456، 457، 458، 471، و 4/ 123، 125، 227، 433، 521، 522، 537، 542).
ومما يلاحظ من هذه النقول الأمور الآتية:
أولًا: في كثير من هذه المواطن نقولات عن ابن حزم في "المحلى"، ولم يَعزُها المصنف له ولا لكتابه.
ثانيًا: جل هذه النقولات في تحرير مذاهب العلماء، وقد صرح المصنف بذلك لما قال -مثلًا- في (4/ 537): ". . . ثلاثة أقوال للسلف معروفة صرح بها
__________
(1) يحتمل أن يكون النقلان الآتيان اللذان ظفرتُ بهما في "الإجماع" و"الإقناع" لابن المنذر -وهما يناسبان ما عد المصنف- في "الإشراف" ولكن مطبوعه ناقص، وتأمل مواطن الإحالات.
(2) النقل منه إنما هو حديث نبوي، وهو في "صحيح مسلم"! كما بيّنته في التعليق على الموطن المذكور.
(1/113)

أبو محمد بن حزم"، وقال في (4/ 542): ". . . وأما من بعد التابعين، فقد حكى المعتنون بمذاهب العلماء كأبي محمد بن حزم. . . ".
ثالثًا: في كثير من هذه النقولات أحاديث وآثار، ذكر المصنف طرفًا من سندها، ونقله عن إمام مشهور من أئمة التصنيف من العلماء، كابن أبي شيبة وعبد الرزاق وأبي عبيد القاسم بن سلام (1) وسعيد بن منصور وغيرهم، وإنما هو عند ابن حزم بسنده إلى واحد من هؤلاء وغيرهم.
رابعًا: ذكر المصنف في بعض هذه المواطن مذهب ابن حزم، واختيار أهل الظاهر، كما تراه -مثلًا- في (3/ 471 و 4/ 227، 525).
خامسًا: مدح المصنف ابن حزم، ونعته في (4/ 123): "إمام الظاهرية في وقته"؛ وقال عنه في (4/ 227): "وهو مذهب حافظ الغرب وإمام أهل الظاهر في وقته أبو محمد بن حزم".
سادسًا: لا يعني من كل ما سبق أن المصنف كان ينقل عن ابن حزم دون تحر ولا تدقيق، أو أنه كان يقبل كلامه جميعه، بل صرح بالرد عليه في مواطن، منها (1/ 377)، وردَّ على إهماله المعاني، وعدم إعماله القياس حتى الجلي منه، فقال في (2/ 277) بعد كلام: "الآن حَمِي الوطيسُ (2)، وحميت أنوف أنصار اللَّه ورسوله لنصرِ دينه وما بعث به رسوله، وآن لحزب الحق أن لا تأخذهم في اللَّه لومةُ لائم، وأن لا يتحيزوا إلى فئة معينة، وأن ينصروا اللَّه ورسوله بكل قولِ حَقٍّ قاله مَنْ قاله، ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قالته طائفتهم وفريقهم كائنًا ما كان ويردون ما قاله منازعوهم وغير طائفتهم كائنًا ما كان؛ فهذه طريقة أهل العصبية وحميَّة أهل الجاهلية، ولعمرُ اللَّه!! إن صاحب هذه الطريقة لمضمونٌ له الذمُّ إنْ أخطأ، وغير ممدوح إن أصاب، وهذا حالٌ لا يرضى بها من نصحَ نفسه وهُدي لرشده، واللَّه الموفق".
- "الإحكام" له أيضًا، ولم يصرح باسمه، وأَكثرَ جدًّا من النقل عنه، وهذا الدليل:
- نقل منه أسماء المفتين من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في (1/ 18 - 22) قال
__________
(1) انظر الكلام الآتي على كتاب "القضاء" له.
(2) "حمي الوطيس" كلمة ضمن حديث طويل، أخرجه مسلم في "صحيحه": كتاب الجهاد والسير: باب في غزوة حنين (رقم 1775). قال النووي في "المنهاج" (12/ 164) في شرحها: "هو بفتح الواو وكسر الطاء المهملة وبالسين المهملة، قال الأكثرون: هو شبه التنور، يسجر فيه، ويضرب مثلًا لشدّة الحرب التي يشبه حرها حره" ثم قال بعد كلام: "وهذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه، الذي لم يسمع من أحدٍ قبل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
(1/114)

ناسخ بعض الأصول الخطية عقبه: "هذا كله كلام ابن حزم" قلت: وهو في "الإحكام" له (5/ 92 - 104) ونحوه في رسالة "الفتيا من الصحابة ومن بعدهم على مراتبهم في كثرة الفتيا" (1) (ص 319 - 335).
- ونقل منه في (1/ 40 - 48) من صارت إليه الفتوى من التابعين، وهو في "الإحكام" (5/ 95 - 103) ورسالة "الفتيا" (324 - 335) كلاهما لابن حزم.
- نقل منه في (1/ 128 - 142) جملة أخبار هي موجودة في "الإحكام" (6/ 53 - 57) بالأسانيد التي عند المصنف.
- وكذلك فعل فى (1/ 461 - 465، 467 - 471)، فنقل جملة من الآثار هي في "الإحكام" (8/ 28 - 36)، وبعضها أقوال للأئمة، وكذلك فعل في (2/ 451 - 452) قارن بما في "الإحكام" (6/ 179 - 180).
- ونقل في (1/ 479) فقرةً هي في "الإحكام" (8/ 44) في (عدم حجية القياس).
ونقل في (2/ 6) مذهب أبي بكر بن الفرج القاضي وأبي بكر الأبهري المالكيين، وكلامهما بالحرف في "الإحكام" (8/ 45)، وتعقَّبهما ابن حزم، ولم ينقل المصنف تعقّبه.
ونقل في (2/ 448 - 449) نصًا طويلًا، موجودًا في "الإحكام" (6/ 124).
ونقل في (2/ 455 - 457) أخبارًا هي عند ابن عبد البر في "الجامع" وابن حزم في "الإحكام" وقال على إثرها: "قال أبو عمر:. . . " يريد ابن عبد البر، ثم قال: "وقال غير ابن عبد البر:. . . " ونقل كلامًا هو بحروفه في "الإحكام" (6/ 44)، فهذه حيدة متقضدة من المصنف عن ابن حزم.
ونقل في (2/ 457، 458، 475، 472) آثارًا هي في "الإحكام" -على الترتيب- (6/ 68، 97 - 98، 120 - 121، 127) وكذلك فعل في (2/ 473، 474) قارن بما في "الإحكام" (6/ 61، 62، 67).
وذكر في (2/ 530) مقولة عمر "إني لأستحيي من اللَّه أن أخالف أبا بكر" وقال: "وهذا تقليد له منه، فجوابه من خمسة أوجه" قلت: هذه الأوجه الخمسة في "الإحكام" (6/ 65 - 67)، وذكر في (2/ 530 - 531) أمثلة على مخالفة عمر لأبي بكر هي جميعًا في "الإحكام" (6/ 66).
__________
(1) وهي الرسالة الثالثة الملحقة بالطبعة الأولى من كتابه "جوامع السيرة".
(1/115)

وذكر في (2/ 534 - 537) أمثلة من مخالفة ابن مسعود لعمر هي جميعًا في "الإحكام" (6/ 61 - 62) وفي (2/ 538): نقل كلامًا بحروفه في "الأحكام" (4/ 214) وقارن ما هنا (2/ 543) بما في "الإحكام" (6/ 83)، وما هنا (2/ 554) بما في "الإحكام" (6/ 82 - 84) أيضًا.
وذكر في (3/ 19 - 28) مسائل خفيت على أبي بكر، جلها في "الإحكام" (6/ 85 وما بعد).
ونقل في (3/ 243) عبارة هي في "الإحكام" (4/ 206)، وفيه أيضًا (3/ 243 - 244) مثلين، هما في "الإحكام" أيضًا (4/ 206 - 207) وقارن ما هنا (3/ 245 - 246) بما في "الإحكام" (4/ 207 - 208).
وذكر المصنف في (3/ 248) أن عمل أهل المدينة نوعان، وهما في "الإحكام" (4/ 209) وزاد المصنف عليهما تفريعًا وتأصيلًا وتقعيدًا، مع الإشارة التي استفاد ابن القيم فيها من ابن حزم.
ونقل المصنف من "الإحكام" أيضًا في (5/ 75، 118).
هذه النقولات تثبت استفادة المصنف الكثيرة من ابن حزم، ولعله يوجد في الكتاب غيرها، وما ذكرناه فيه غنية وكفاية على الدعوى التي ذكرناها، واللَّه الموفق والمسدد.
ونقل المصنف من كتاب آخر لابن حزم، هو:
- "مراتب الإجماع" له، نقل منه وصرح باسمه في (4/ 539).
ونقل كذلك من كتابه "ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل" (1) ولم يصرح باسمه، وفي كتابنا جل النقولات السلفية التي فيه، واللَّه الموفق.

* كتب الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام:
ومن الكتب الفقهية التي نقل المصنف منها: كتب الإمام أبي عبيد وصرح بأسماء اثنين منها، هما:
- "القضاء" لأبي عبيد القاسم بن سلام، نقل منه وسماه في (1/ 115، 239).
ونقل منه من دون تسمية في (1/ 116، 158 - 159، 221، 240، 244، 245، 245 - 246، 246).
- "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد، نقل منه ولم يصرح باسمه في (1/ 240).
__________
(1) سأعمل -إن شاء اللَّه تعالى- على نشره قريبًا.
(1/116)

- "غريب الحديث" (1) لأبي عبيد أيضًا، نقل منه وصرح باسمه في (5/ 117)، ونقل منه دون تسميته في (1/ 218، و 4/ 459، 460).
- "الأموال" نقل مذهبه في بعض المسائل هي في هذا الكتاب، ولم يسمه انظر (2/ 318).
ونقل المصنف في (3/ 382) تضعيف أبي عبيد لبعض الأحاديث، ونقل في (3/ 474 و 4/ 469، 550) مذهبه في بعض المسائل الفقهية.
ولا شك أن المصنف ينقل عن أبي عبيد في كثير من المواطن بالواسطة، ولا سيما من كتابه "القضاء"، وقد اعتمد في النقل عنه على "المحلى" لابن حزم، كما تراه في مواطن من المحالّ المذكورة، واللَّه الهادي والموفق.

* كتب الفتوى:
نقل المصنف من عدة كتب أُفردت في مباحث (الفتوى)، وصرح بأسماء بعضها، ونقل عن أصحاب بعضها الآخر دون تسمية لها، وهذا ما وقفت عليه منها:
- "أدب المفتي والمستفتي" لابن الصلاح.
نقل منه ولم يصرح باسمه، واكتفى بعزو الكلام لصاحبه، كما في (5/ 76 - 77، 100، 101، 144، 166).
وهناك نصوص (2) في هذا الكتاب، لم تقع معزوة له ولا لمؤلفه، انظر (5/ 124، 134 - 135، 140، 141، 143، 146، 147).
واعتماد المصنف على هذا الكتاب أصيل ومهم، وأرى أن تسمية المصنف لكتابنا مأخوذة منه، وكثير من تقسيمات المصنف وتفريعاته في مباحث (الفتوى) منه (3).
- "تعظيم الفتيا" (4) لابن الجوزي.
__________
(1) انظر: (5/ 117) ففيه كلام للإمام أحمد عن هذا الكتاب.
(2) بعض هذه النصوص موجودة عند ابن الصلاح وغيره، ولم يعزها المصنف لأحد، وفي بعضها تأصيلات نظرية غير معزوة وهي عند ابن الصلاح، ولذا ألحقت القسم الأول بها.
(3) انظر مثلًا: مقارنة بين ابن الصلاح وابن القيم في أقسام المفتين، ومدى تأثر الثاني بالأول في "التخريج عند الفقهاء والأصوليين" (ص 317) لباحسين.
(4) فرغت من تحقيقه عن نسخة خطية جيدة بخط ابن أخت ابن الصلاح، وهو ناسخ مُجوِّد، ولكن فيها نقص انظر: (5/ 131 - 132)، وأنا بصدد تحصيل نسخة أخرى تامة، ليَرَى طريقَهُ إلى النور، يسر اللَّه ذلك في القريب العاجل بمنّه وكرمه.
ثم قلت: حصلت نسخة أخرى جيدة من جامعة (ييل)، والسقط عينه فيها، وتمّ طبعه =
(1/117)

لم يصرح المصنف باسم هذا الكتاب، واكتفى بعزو بعض النقولات لمؤلفه أبي الفرج بن الجوزي، كما تراه في (5/ 131، 132، 133، 134).
- "صفة الفتوى والمستفتي" (1) لأبي عبد اللَّه بن حمدان الحنبلي، نقل منه وسماه في (5/ 147) وتعقّبه في هذا الموطن، وهنالك نقولات أخرى منه في (5/ 118، 124، 144، 166).
- "رسالة أصحاب الفتيا من الصحابة ومن بعدهم على مراتبهم في كثرة الفتيا" لابن حزم، نقل منها المصنف نقولات طويلة (1/ 18 وما بعد) وهي تشترك مع ما في "الإحكام" لابن حزم أيضًا، وقد بيّنّا ذلك عند الكلام على (كتب ابن حزم).
وأشار المصنف في كثير من المواطن إلى (فتاوى شيخه ابن تيمية)، وسيأتي توضيح ذلك تحت عنوان (بين المصنف وشيخه ابن تيمية) وكذلك إلى بعض فتاويه، فقال في (4/ 512) في مسألة (الرجل يمرُّ على المكاس برقيق له، فيطالبه بمكسهم، فيقول: هم أحرار، ليتخلص من ظلمه، ولا غرض له في عتقهم) قال: "لا يُعتقون" ثم قال: "وبهذا أفتينا نحن تجارَ اليمن لما قدموا منها، ومروا على المكاسين، فقالوا لهم ذلك".
ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من النقولات والآثار في مبحث (الفتوى) نقله المصنف من:
- "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" لأبي الحسين بن القاضي أبي يعلى، وسبق بيان ذلك.
- "جامع بيان العلم" لابن عبد البر، وقد سبق بيان ذلك.
- "المحلى" لابن حزم.
- "الإحكام" لابن حزم أيضًا، وسبق بيان ذلك أيضًا.
- "الفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي.
نقل منه المصنف وسماه في (1/ 87 و 4/ 450)، ونقل منه ولم يصرح باسمه في مواطن كثيرة، منها (1/ 83 - 84، 88، 351، 355، 465، 466، 470، 471، 472، 473، 474، و 5/ 134).
ونقل كذلك كثيرًا في هذه المباحث من كتب (أصول الفقه)، ونخصها
__________
= ونشره في مصر والبحرين، والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.
(1) مطبوع بهذا العنوان، وسماه المصنف في (5/ 147): "أدب المفتي والمستفتي" ولعله ذكره بموضوعه!
(1/118)

بالكلام الآتي على وجه فيه إيجاز واختصار، واللَّه الموفق.

* كتب أصول الفقه:
سبق أن قررنا نقل المصنف من جملة من كتب الأصول المهمة، مثل: "الرسالة"، و"إبطال الاستحسان" كلاهما (1) للشافعي، و"العدة في أصول الفقه" للقاضي أبي يعلى (2)، "التمهيد في أصول الفقه" لأبي الخطاب الكلوذاني (3)، و"الإحكام" لابن حزم (4)، ولعله ينقل من "الواضح في أصول الفقه" لابن عقيل (5).
وهنالك كتب أصولية غير مذكورة بعناوينها ينقل منها المصنّف، ولم يسمِّها تبرهن لي ذلك من خلال عرض النقولات التي عنده عليها، من مثل:
- "الفصول في الأصول" لأحمد بن علي الرازي الجصاص (ت 370 ه).
نقل المصنف نصًا طويلًا في (2/ 279 - 280) هو فيه (4/ 86 - ط النشمي) بحروفه، واستفدتُ في (مواطن) منه ل (تقويم النص)، ونقل نصًا طويلًا أيضًا (3/ 93 - 94) هو في "الفصول" أيضًا (2/ 315 وما بعد).
- "الحاصل من المحصول" (6) لأبي عبد اللَّه الأرموي (ت 656 ه).
نقل المصنف مسألة عزاها للمؤلِّف، وعرف به، فقال في (3/ 471): "أفتى بها تاج الدين أبو عبد اللَّه صاحب "الحاصل"".
والمسألة التي نقلها منه هي (الحلف بالأيمان اللازمة) لاغية، لا يلزم فيها شيء.
ولا تدل عبارة المصنف أنه نقل من "الحاصل"، وإنما نقل مذهب صاحبه في مسألة، وينقل المصنف عنه بالواسطة كما صرح به ابن القيم (7)، ولم يرد ل"الحاصل" ذكر في كتب ابن القيم في غير هذا الموطن (8)، و"الحاصل"، المذكور
__________
(1) انظر: مبحث (كتب الشافعي).
(2) انظر: مبحث (كتب القاضي أبي يعلى الفراء) ضمن (كتب الحنابلة).
(3) انظر: مبحث (كتب القاضي أبي الخطاب الكلوذاني) ضمن (كتب الحنابلة).
(4) انظر: مبحث (كتب ابن حزم).
(5) انظر: التعليق على (5/ 106)، ولا تنس ما أشرنا إليه من نقله من بعض كتب الأصول بالواسطة، كما سبق بيانه عند "شرح الرسالة" للجويني، وكتب القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي، وكتاب "الكفاية" للقاضي أبي يعلى الفراء.
(6) طبع بتحقيق الدكتور عبد السلام أبو ناجي، نشر جامعة قاريونس - ليبيا.
(7) وكان ذلك بواسطة ابن بزيزة في "شرح أحكام عبد الحق".
(8) على حسب ما في "موارد ابن القيم في كتبه".
(1/119)

عند المصنف غير "التحصيل من المحصول" المطبوع لسراج الدين أبي الثناء الأرموي، ذلك أن صاحب "التحصيل" كنيته (أبو الثناء) بينما كناه المصنف (أبو عبد اللَّه)، ولقب الأول في كتب التراجم (سراج الدين) بينما لقب صاحب "التحصيل" (تاج الدين) وفرق بينهما جمع، منهم شيخ شيوخنا العلامة محمد راغب الطباخ في كتابه الماتع "الثقافة الإسلامية" (1) (ص 246 - ط الأولى سنة 1369 ه).
- "المحصول" (2) لابن الخطيب الرازي، نقل مسألة أصولية منه في (2/ 278).
- "المعتمد" لأبي الحسين البصري، نقل مسألة أصولية منه في (2/ 278 - 279).
- "الإحكام في أصول الأحكام" (3) للآمدي، نقل مسألة أصولية منه في (2/ 279).
- "الكشف عن مناهج الأدلة" لأبي الوليد بن رشد، نقل منه وسماه في (5/ 189 - 190، 191).

* كتب الحيل:
سبق مما مضى أن ابن القيم نقل من أكثر من كتاب من كتب الحيل، لصلتها الوثيقة بكثير من مباحث الكتاب، وهذه هي الكتب التي نقل منها بهذا الخصوص:
- "المخارج في الحيل" المنسوب (4) لمحمد بن الحسن، سبق الكلام عليه تحت عنوان (كتب الحنفية).
- "الحيل" للخصاف، وسبق الكلام عليه تحت عنوان (كتب الحنفية).
- "إبطال الحيل" للقاضي أبي يعلى، سبق الكلام عليه تحت عنوان (كتب الحنابلة).
- "إبطال الحيل" لابن بطة، سبق الكلام عليه تحت عنوان (كتب الحنابلة).
__________
(1) من أجمع ما يلزم المبتدئ من طلبة العلم، ومن خلاله يقف على أمات الكتب في كل فن، وقد قاربت من الفراغ من التعليق عليه، يسر اللَّه إتمامه بخير وعافية.
(2) قرأ قطعة منه على ابن تيمية، كما في "أعيان العصر" (4/ 367).
(3) قرأ قطعة منه على ابن تيمية، كما في "أعيان العصر" (4/ 367).
(4) انظر: ما مضى تحت (كتب الحنفية) من الكلام على نسبة الكتاب لمحمد بن الحسن رحمه اللَّه تعالى.
(1/120)

"بيان الدليل في بطلان التحليل" لابن تيمية، وأكثر جدًّا من النقل منه، كما سيأتي بيانُه تحت عنوان (بين المصنف وشيخه ابن تيمية).

* كتب التفسير:
نقل المصنف من جملة من كتب التفسير، ولم يسمّ أغلبها، وتبرهن لي ذلك نقله منها، وهذا التفصيل:
- "تفسير ابن جرير الطبري" (1) نقل منه ولم يصرح باسمه في (1/ 286) وهنالك كتب تفسير لبعض السلف، عزاها المصنف لأصحابها، ولم يصرح بنقله من كتاب، ولم يعزها لمخرج، وهي عند ابن جرير، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 290، 291، 293، 299، 301، 304، 305، 317).
- "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة، نقل منه ولم يصرح باسمه في (1/ 291، 292).
- "تفسير سُنيد بن داود" نقل منه وصرح به في (2/ 22 و 3/ 444 و 4/ 523، 542) ونعته في الموطن الأخير بقوله: "المشهور"، ونقل منه بالواسطة ولم يصرح باسمه في (1/ 105، 106، 111، 138 - 139، 156).
- "مجاز القرآن" (2) لأبي عبيدة معمر بن المثنى، نقل منه ولم يصرح باسمه في (1/ 293 - 294).
- "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج، ذكر مقولة عزاها للزجاج في (1/ 265، 294) وهي في هذا الكتاب على وجه مقارب، ثم تبيّن لي أن النقل منه بواسطة:
- "زاد المسير" لابن الجوزي، لم يصرح باسمه ولا اسم مصنفه، وهنالك نقولات فيه، مثل (1/ 294، 361 - 362).
__________
(1) انظر تعليقنا على: "صحيفة علي بن أبي طلحة" الآتي ذكرها.
(2) يتأكد هذا المصدر بوجود ذكر له في "مختصر الصواعق" (1/ 242) وقال عنه فيه: "أول من عرف عنه في الإسلام أنه نطق بلفظ المجاز أبي عبيدة معمر بن المثنى، فقد صنف في تفسير القرآن كتابًا مختصرًا، سماه "مجاز القرآن"، وليس مراده به قسيم الحقيقة، فإنه تفسير لألفاظه، بما هي موضوعة له، وإنما عنى بالمجاز ما يعبَّر به عن اللفظ، ويفسَّر به، كما سمى غيرُه كتابَه "معاني القرآن"، أتى ما يُعنى بالفاظه ويراد بها، وكما يسمِّي ابن جرير الطبري وغيره ذلك تأويلًا".
(1/121)

- "صحيفة علي بن أبي طلحة" ذكره وسماه في (1/ 299): "تفسير علي بن أبي طلحة"، ونقل منه في (1/ 94، 240).
ونقل المصنف من هذه الصحيفة بواسطة التفاسير المسندة، مثل "تفسير ابن جرير"، إذ جميع المواطن المذكورة آنفًا هي عند ابن جرير، ولم يعزها له المصنف.
- "تفسير يحيى بن سلام" نقل منه ولم يسمه في (1/ 322).
- "تفسير عبد الرزاق" نقل منه وصرح باسمه في (1/ 253).
- "الكشاف" للزمخشري، نقل منه، وسماه في (1/ 314) ورد على قول استشكله وذكر ثلاثة أجوبة، ونقل منه دون تسمية في (1/ 296) وبيَّن ما في كلامه من مخالفة عقدية، فقال بعد كلام: "فهذا منه شنشنة نعرفها من قَدَرِيّ نافٍ للمشيئة العامة، مُبْعدًا للنجعة، في جعل كلام اللَّه معتزليًا قدريًا. . . ".
ومن الكتب التي نقل عنها المصنف، ولها تعلق بمادة التفسير:
- كتاب "الناسخ والمنسوخ" لأبي جعفر النحاس، نقل منه وصرح باسمه في (2/ 299).

* كتب اللغة والغريب والأدب والتاريخ:
نقل المصنف من مصادر عديدة في اللغة والأدب والتاريخ، وصرح بأسماء القليل منها، ووقفتُ على كتب أخرى، ووقع عزو النصوص لصاحبها دون التصريح باسمها، وهنالك نقولات في كتابنا تذكر عادة في كتب الأدب لم أستطع الوقوف على مصدر المؤلف فيها (1)، وهذا تفصيل ما وقع التصريح به، والوقوف عليه:
- "الصحاح" للجوهري، نقل منه ولم يصرح باسمه في (1/ 265، 266، 397 و 5/ 234).
- "غريب الحديث" لأبي عبيد، صرح باسمه في معرض بيان للإمام أحمد عنه في (5/ 117)، ونقل منه دون تصريح باسمه في (1/ 218 و 4/ 459، 460).
- "غريب الحديث" لابن قتيبة، نقل منه ولم يصرح باسمه في (1/ 472).
- "الكتاب" لسيبويه، نقل منه ولم يصرح باسمه في (1/ 314).
- "التاريخ والمعرفة" (2) لأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، نقل منه رسالة
__________
(1) انظر -غير مأمور- تعليقي على: (5/ 199).
(2) هو مطبوع بعنوان "المعرفة والتاريخ" بتحقيق الدكتور أكرم العمري.
(1/122)

الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، وصرح باسمه في (3/ 477)، وقال عنه (1): "كتاب جليل غزير العلم، جم الفوائد".
- "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" لم يصرح المصنف باسمه، ونقل أخبارًا هي فيه (1/ 242، 471 و 2/ 458)، وهي منقولة بواسطة "الإحكام" لابن حزم.
- "التاريخ الأوسط".
- "التاريخ الكبير" كلاهما للبخاري، نقل المصنف منهما، وسيأتي ذكره أيضًا عند الكلام على (موارد المصنف الحديثية)، وعلى الكلام على الرواة خاصة.
ونقل بعض الأخبار من كتب في التاريخ، ولم يفصح عنها، فقال مثلًا في (1/ 168): "وقد رأيتُ في بعض التواريخ القديمة. . . " وذكر خبرًا.
ومن الكتب التي لها تعلق بالأدب، ونقل منها المصنف:
- "أمثال الحديث" للرامهرمزي، لم يسمه، وصرح في مواطن بعزو الكلام لمؤلفه، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 409، 411، 415، 416، 417، 418، 422، 423).

* كتب التوحيد والعقائد:
لا يخلو كتابنا من لفتات قوية في التوحيد (2)، على الرغم من أن الكتاب لم يصنّف في هذا الفنّ، وقد نقل المصنِّف استطرادًا بعض النقولات من كتب التوحيد، مثل:
- "الرد على الزنادقة والجهمية" للإمام أحمد، وقد صرح باسمه، ونقل منه، كما سبق بيانه تحت (كتب الإمام أحمد والحنابلة).
- "الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية" (3) لأبي المعالي الجويني، صرح باسمها ونقل منها نصًا طويلًا في (5/ 181 - 183).
- "التفرقة" لأبي حامد الغزالي، نقل منه المصنف وصرح باسمه في (5/ 183، 183 - 184، 184).
__________
(1) أي عن كتاب الفسوي.
(2) انظرها في (فهرس الفوائد العلمية) في (المجلد الأخير) الخاص بالفهارس.
(3) قال المصنف في "اجتماع الجيوش الإسلامية" (113): "وفيها رجع عن التأويل في الأسماء والصفات" قلت: والنص الذي رجع فيه هو المنقول في كتابنا هذا، إلا أنه صرح فيه بالتفويض، انظر تعليقنا على الموطن المذكور.
(1/123)

* موارد المصنف الحديثية:
نقل المصنّف في كتابه هذا كثيرًا من أحاديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وآثار السلف، بل كانت هذه النصوص هي عمدته في الكتاب، واعتمد في نقلها على كثير من دواوين السنة، وبعضها نقل منه بالواسطة، ونستطيع أن نجمل موارد المصنف الحديثية في كتابه هذا تحت هذه المحاور:

* الصحف والنسخ الحديثية (ووقعت له هذه بالواسطة غالبًا).
* دواوين السنة المشهورة (الصحاح، السنن، المسانيد والمعاجم).
* كتب أحاديث الأحكام وشروحها.
* كتب العلل.
* كتب مسندة تعتني بآثار السلف.
* كتب التراجم والرواة والجرح والتعديل.
وهذه كلمة مفصّلة عن كل محور من هذه المحاور، وباللَّه التوفيق:
* الصحف والنسخ الحديثية:
أفردتُها لعلوّ إسنادها، وأهميتها، والنقل منها إنما يكون بواسطة ما سيأتي تحت المحاور الأخرى، والأمثلة عليها في كتابنا هي:
- "صحيفة علي بن أبي طلحة" مضى الكلام عنها تحت (كتب التفسير).
- "صحيفة سليمان اليشكري":
نقل منها في (2/ 385) بواسطة الترمذي، فنقل عن البخاري قوله: "يحدث قتادة عن "صحيفة سليمان اليشكري" وكان له كتاب عن جابر بن عبد اللَّه".
قال المصنف عقبها: "قلت: وغاية هذا أن يكون كتابًا، والأخذ من الكتب حجة".
- "صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده":
نقل منها في (1/ 184) حديثًا بالواسطة، وقال: "وقد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة ب"صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده"، ولا يعرف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها، واحتج بها. . . ".
- "كتاب الحسن البصري عن سمرة بن جندب":
نقل منه حديثًا في (2/ 380) بواسطة أبي داود والنسائي والترمذي في
(1/124)

"سننهم" وقال: "وقد صح سماع الحسن من سمرة، وغاية هذا أنه كتاب، ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديمًا وحديثًا، وأجمع الصحابة على العمل بالكتب، وكذلك الخلفاء بعدهم، وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب".
- "كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري":
نقله بتمامه واعتنى بشرحه (1) فقرة فقرة، وأطال النّفَس جدًّا بذلك، وصرح باسمه في (1/ 117) فقال: "وفي "كتاب عمر إلى أبي موسى": اعرف الأشباه. . . " وذكره (2) في (1/ 158 - 159) بتمامه، وقال عنه في (1/ 163): "وهذا كتاب جليل، تلقّاه العلماءُ بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه، وإلى تأمله".
- "كتاب عمر بن الخطاب إلى شُريح":
ذكره ونقل منه بالواسطة في (1/ 115، 156، و 2/ 479، 557).
- "كتاب آل عمرو بن حزم":
ذكره ونقل منه بالواسطة في (2/ 332 و 3/ 21 و 5/ 553).
- "مسائل عبد اللَّه بن سلام" للجويباري الكذّاب.
والصحيح أن هذه المسائل واردة في حديث في "صحيح البخاري" (3329)، وهي ثلاثة فحسب، وقد ولَّدها بعض الكذابين فجعلها كتابًا مستقلًا.
أورد المصنف في (5/ 218 - 219) مسألة من المسائل الواردة في الحديث، ثم قال: "وهذه إحدى مسائل عبد اللَّه بن سلام الثلاث، والمسألة الثانية. . . والثالثة. . . " ثم قال: "فولدها الكاذبون، وجعلوها كتابًا مستقلًا، سموه "مسائل عبد اللَّه بن سلام"، وهي هذه الثلاثة في "صحيح البخاري"".
قلت: أشار إلى صحيفة "مسائل ابن سلام" من توليد أحمد بن عبد اللَّه الجويباري الكذاب، وللإمام البيهقي جزء مفرد في بيان ذلك، حققتُه عن أصلين خطيين، وهو مطبوع في (المجموعة الثانية) من "مجموعة أجزاء حديثية"، والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.
__________
(1) ذكر في كتابه "أحكام أهل الذمة" (2/ 744) شرحًا له لأبي القاسم الطبري، ولم يصرح بالنقل منه في كتابنا هذا.
(2) بواسط كتاب "القضاء" لأبي عبيد القاسم بن سلام والمصنف ينقل منه بواسطة ابن حزم في "المحلى"، كما سبق بيانه، واللَّه الموفق.
(1/125)

* دواوين السنة المشهورة (الصحاح، السنن، المسانيد والمعاجم):
جل مادة المصنف الحديثية من دواوين السنة المشهورة، فهو لم يخرج عنها إلا في النادر، ونجمل الكلام عن هذه الدواوين، فنقول:

- الصحاح وشروح "الصحيحين" ومستدركاتهما:
أكثر المصنف من النقل من "الصحيحين" أو أحدهما، أعني: "صحيحي البخاري ومسلم"، فذكر مثلًا:
- "الصحيحين" هكذا (1) في جملة مواضع، منها: (1/ 96، 228، 229، 306، 406، 408، 411، و 2/ 58، 87، 108، 247، 310، 332، 398، و 3/ 5، 6، 37، 181، 188، 196، 198، 205، 206، 209، 211، 213، 220، 225، 273، 280، 284، 301، 326، 329، 464، 465، 458، و 5/ 131، 156، 162، 242، 338، 436، 437، 543، 576، 578).
وفي الكتاب أحاديث كثيرة جدًّا في "الصحيحين" معزوة لهما (2)، وقد لا تعزى في بعض الأحايين، ولعلها عزيت لأحدهما وهي فيهما (3) في أحايين أخر، انظر -على سبيل المثال-: (5/ 398، 400، 402، 420، 421، 422، 428، 443، 445، 461، 463، 465، 470، 473، 476، 477، 478، 481، 483، 484، 486، 487، 488، 492، 494، 495، 496، 497، 501، 503، 504، 525، 527، 531، 534، 546، 549، 550، 552، 559، 563، 566، 567، 576، 590، 591، 592، 594، 595، 597، 599، 601).
- "صحيح البخاري" عزى المصنف له أحاديث، وسمى كتابه في مواطن منها (1/ 95، 398، 421، 426، 458، و 2/ 77، 87، 110، 158، 181، 268، 379، 387، 533، 571، و 3/ 44، 173، 202، 207، 210، 246، 286، 315، 431، 434، 504 و 4/ 88، 114، 261، 375، 394، 451، 578 و 5/ 45، 196، 219).
__________
(1) أي بلفظ "في "الصحيحين". . . " ونحوه.
(2) بقول المصنف غالبًا عقب الحديث: "متفق عليه".
(3) هنالك أحاديث عزاها المصنف ل"الصحيحين" وهي ليست فيهما، وسيأتي التنبيه عليها تحت (ملاحظاتي على مادة المصنّف الحديثية).
(1/126)

وفي الكتاب أحاديث كثيرة جدًّا معزوة للبخاري دون التصريح باسم كتابه وغير معزوة، انظر منها -على سبيل المثال-: (2/ 158، 379، 387 و 3/ 249 و 4/ 405، 451 - 453 و 5/ 45، 196 - 197، 433، 464، 471، 474، 503، 525، 529، 535، 556، 558، 561، 598).
ومن الجدير بالذكر هنا أمور:
أولًا: إن المصنف نقل عن غير "الصحيح" للبخاري، فعزا آثارًا وأقوالًا هي عنده في "التاريخ الكبير" و"التاريخ الأوسط" (1) وغيرهما.
ثانيًا: إن بعض هذه النقول كانت بالواسطة.
ثالثًا: إن للمصنف عناية فائقة بمذهب البخاري ومنهجه فى "صحيحه"، وهذا الدليل:
1 - قال في (3/ 249) بعد كلام عن الأحاديث المدنية: "هي أُمّ الأحاديث النبويّة، وهي أشرف أحاديث أهل الأمصار، ومن تأمَّل (أبواب البخاري)، وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يُتْبِعها بأحاديث أهل الأمصار، وهذه كمالك عن نافع عن ابن عمر، وابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وأبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وابن شهاب عن سالم عن أبيه، وابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ويحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وابن شهاب عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن ابن عباس، ومالك عن موسى بن عقبة عن كريب عن أسامة بن زيد، والزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب، وأمثال ذلك".
2 - قال في (4/ 405) عن مسألة رجحها: "وتبويب البخاري وترجمته واستدلاله يدلُّ على اختياره هذا المذهب. . . " ثم ذكر ما في "صحيحه" وقال: "فتأمل هذا الاستدلال".
3 - وقال في (4/ 451 - 453) وأورد الترجمة من "صحيح البخاري" وما تحتها من معلقات على وجه الاحتجاج والرضى والقبول، وقال: "هذا لفظ الترجمة" ثم ساق بقية الباب.
__________
(1) سيأتي بيان ذلك تحت عنوان (كتب التراجم والرواة والجرح والتعديل).
(1/127)

4 - وذكر في (5/ 45) تبويبًا للبخاري على وجه الاحتجاج بالذي تحته من حديث.
5 - وكذلك فعل في (5/ 196 - 197).
رابعًا: نقل المصنف مذاهب بعض السلف من "صحيح البخاري" ولم يعزها له، كما في (2/ 168 - 169).
خامسًا: المدقِّق في النقولات عن "الصحيح" يعلم يقينًا أنَّ المصنِّف متمكِّنٌ جدًّا من هذا الكتاب، عارفٌ به وبمباحثه وبمنهجه.
سادسًا: نقل المصنّف من بعض شروحات هذا الصحيح، ولم يصرح باسم أيٍّ منها (1)، إلا أني وجدته ينقل في (3/ 523) من "أعلام الحديث" للخطابي، ولكن بواسطة شيخه ابن تيمية في "بيان الدليل".
- "صحيح مسلم"، نقل منه كثيرًا جدًّا، وصرح باسمه في (1/ 183، 307، 460، و 2/ 108، 109، 280، 281، 286، 306، 387 و 3/ 41، 181، 183، 188، 199، 207، 220، 224، 225، 236، 295، 296، 297، 309، 377، 420، 464 و 4/ 575 و 5/ 5، 9، 72، 155، 214، 478، 527، 581).
ونقل منه مرات عديدة جدًّا واكتفى بعزو الحديث لمسلم (2)، وأعل بعض ألفاظ وقعت فيه، كما في (5/ 558)، وأزال إشكالات عن بعض ألفاظ هي فيه أيضًا، كما في (5/ 499) ولم يكتفِ المصنف بالنقل عن "الصحيحين" أو أحدهما، وإنما تعدى إلى:
- "صحيح ابن خزيمة"، نقل منه وسماه في (3/ 185، 186).
- "صحيح ابن حبان"، نقل منه وسماه في (1/ 310 و 3/ 185، 196، 221، و 5/ 233، 377).
ونقل منه في مواطن، وعزى الحديث له دون التصريح باسم "صحيحه"، في
__________
(1) مع تصريحه في "تهذيب السنن" (1/ 53) ب "شرح ابن بطال" بواسطة "موارد ابن القيم في كتبه" (62).
(2) ترى مواطن ذلك في (فهرس الأعلام) في المجلد الأخير، واللَّه الموفق. وقد وقع التصريح بعزو بعض الأحاديث إلى "صحيح مسلم" في بعض النسخ دون بعض وهي ليست في مطبوعة كما تراه في (5/ 287).
(1/128)

(2/ 237، 305، 309، 418 و 5/ 379، 380، 382، 383، 384، 385، 389، 444).
ونقل المصنف من "سنن الدارمي" (1) وسماه في (2/ 158): "صحيح الدارمي" وكذلك من "مستدرك الحاكم" وسماه في (5/ 572، 574): "صحيح الحاكم"، وفي هذا تساهل كما هو مقرر عند علماء المصطلح.
والنقل من "المستدرك" كثير، فنقل منه وسماه في (1/ 230 و 3/ 221، 378، 417، 420، و 5/ 31، 287، 572، 574).
بينما نقل عن صاحبه دون تسمية الكتاب في مواطن أُخرى، منها: (2/ 366، 572، 574، و 3/ 46، 140، 171، 204، 214، 275، 297، 300، 524).
ومن الجدير بالذكر أن النقولات ليست كلها أحاديث نبويّة، بل بعضها آثار سلفية، وبعضها أمور تقعيدية في (علم المصطلح) وغيره، فقال مثلًا في (5/ 31) في معرض كلام عن حجية قول الصحابي في (التفسير): "قال أبو عبد اللَّه الحاكم في "مستدركه": وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع".
وهذا يدلل على دقة اطلاع المصنف على خفايا هذا الكتاب ومسائله، ودقائقه فضلًا عن نصوصه.
ومن الجدير بالذكر أن المصنف كان يقول تارة بعد كلام: "وهي موجودة في "الصحاح""، هكذا بالتعميم دون تخصيص، وكان يقول في أحايين أخرى: "وفي "الصحيح": .. " هكذا أيضًا دون تعيين، كما تراه في (1/ 9، 179، 229، 277، 424، و 2/ 74، 375، 517 و 3/ 197، 295، 377، 451، و 4/ 120، 574، و 5/ 15، 16، 17، 46، 303، 322، 335، 430، 508).
وهذه النصوص في "الصحيحين" أو أحدهما.
وفي الكتاب نصوص معزوة لغير "الصحيحين" وهي فيهما أو في أحدهما، وبعضها معزو ل"الصحيحين" وهي في أحدهما فقط، وبعضها معزو لأحدهما وهي فيهما، وسيأتي التمثيل على ذلك تحت عنوان (ملاحظاتي على مادة المصنّف الحديثيّة).
__________
(1) سيأتي بيان ذلك قريبًا.
(1/129)

* السنن:
اعتمد المصنف في كتابه هذا على "السنن" كثيرًا، وأجمل في العزو إليها تارة، وفصّل أخرى، فذكرها هكذا "السنن" في مواطن، هي: (1/ 68 و 2/ 111، 229، 298، و 3/ 83، 185، 228، 286، 295، 329، 365، 537، و 4/ 87، 374، 413، 463، و 5/ 243، 411، 412، 415، 423، 424، 427، 434، 435، 436، 444، 452، 473، 478، 510، 552، 555، 581، 583).
وذكرها بقوله في (1/ 71 و 2/ 382): "وفي "السنن الأربعة". . . "، "وروى أهل "السنن الأربعة". . . ".
وأما المواطن التي فصَّل فيها، فهى كثيرة، ومدار الأحاديث عليها، وهذه هي عناوين "السنن" التي صرح بها:
- "سنن أبي داود"، نقل منه وسماه في (1/ 69، 72، 181، و 2/ 71، 77، 78، 109، 110، 262، 263، 298، 316، 330، 380، 387 و 3/ 173، 204، 213، 215، 277، 378، 382، 414، و 4/ 455 و 5/ 480).
وأما المواطن لم يصرح باسم "السنن"، واكتفى بعزو الحديث لصاحبها فكثيرة جدًّا، تطلب من فهرس الأعلام (1) في المجلد الأخير الخاص بالفهارس، واللَّه الموفق.
ومن الجدير بالذكر هنا الأمور الآتية:
أولًا: احتج المصنف ببعض تبويباته، فقال في (1/ 186) مثلًا: "ولهذا كان من تراجم بعض الأئمة على حديثه: (الحكم بشهادة الشاهد الواحد إذا عُرِف صدقه) " قلت: وهذا في "سنن أبي داود" في (كتاب الأقضية) (3/ 308).
ثانيًا: ذكر في بعض المواطن الحديث بسند أبي داود، وذكر كلامه في الاختلاف عليه، انظر مثلًا (2/ 316 - 317 و 3/ 192، 302).
ثالثًا: حكم على أسانيد أبي داود بالصحة تارة، كما في (2/ 387) ويصححها بشواهدها تارة كما في (2/ 262 - 264، 299 و 4/ 84 - 85) ويحسنها تارة كما في (4/ 78) ويضعّفها تارة كما في (3/ 193).
__________
(1) مع مراعاة أن المصنف ينقل عن "مسائل أبي داود" لأحمد أيضًا كما سبق بيانه تحت (كتب الإمام أحمد)، ومواطن النقل منها في الفهرس المذكور مدموجة مع "السنن".
(1/130)

رابعًا: كان في بعض الأحايين يعزو الحديث و"السنن" ويورد لفظ أبي داود، كما في (4/ 463) مثلًا، ويصحح ألفاظه في بعض المواطن، كما في (2/ 77) ويعتني بها كما في (3/ 275 - 276 و 5/ 284، 318).
خامسًا: نقل عنه تفسير بعض غريب الحديث، كما في (4/ 455).
سادسًا: هنالك أحاديث معزوة ل"السنن" هذه، وهي ليست في مطبوعها وبعضها فيه، ولكنها عند البخاري أو مسلم، كما سيأتي التنبيه عليه قريبًا تحت عنوان (ملاحظاتي على مادة المصنف الحديثية).
- "جامع الترمذي"، نقل منه المصنف في مواطن وأكثر، وهذه التي صرح باسم الكتاب فيها (2/ 182، 365، و 3/ 200، 412، 416، و 4/ 463).
وهنالك نقولات عديدة جدًّا، عزاها المصنف للترمذي ولم يسمّ كتابه، تراها في الكشف عن (الترمذي) في (فهرس الأعلام) من (المجلد الأخير) الخاص بالفهارس، واللَّه الهادي للصالحات.
ومن الجدير بالذكر أمور:
أولًا: اعتمد عليه في الحكم على بعقر الأحاديث، وأحال أحيانًا على كلامه أو على نقله عن شيخه البخاري أو على كليهما، كما تراه في (2/ 181 - 182، 299، 365 - 366، 379 - 380، و 3/ 174 - 175، 413، و 5/ 5، 9 - 10، 243، 324، 432، 436، 444، 454، 474، 492، 495، 499، 553، 562، 586، 587، 595، 597).
ثانيًا: اعتمدنا على "جامع الترمذي" في إثبات نقص وقع في جميع النسخ المطبوعة من كتابنا هذا، كما تراه -مثلًا- في (2/ 365).
ثالثًا: تكلم على أسانيد بعض الأحاديث التي نقلها من هذا الكتاب، وذكر الاختلاف فيها على الرواة، ونقدها، كما تراه في (2/ 374 - 375)، وحكم عليها بالتصحيح، كما في (2/ 379 و 4/ 463 - 464 و 5/ 537 - 538)، وبالتحسين كما في (5/ 374، 496)، وبالتضعيف كما في (3/ 174، 416 و 5/ 358).
رابعًا: قرن في كثير من الأحاديث عزو الحديث لأحمد مع الترمذي، كما تراه في (1/ 120، 232، 407 و 2/ 451 و 3/ 414، و 5/ 432، 448، 553)، بل قرن حكمهما على إسناد، فإنهما يصححان مثله، انظر (5/ 460).
(1/131)

خامسًا: شرح المصنف غريب بعض الأحاديث التي عزاها للترمذي، انظر -على سبيل المثال-: (5/ 454 - 455).
سادسًا: عزى المصنف بعض الأحاديث للترمذي، وهي في "جامعه" بلفظ آخر، انظر مثلًا: (2/ 365 و 5/ 389).
سابعًا: وأخيرًا: إن تسمية المصنف لكتاب الترمذي "الجامع" هو أدق من تسميته ب "السنن" إذ مادته أوسع من الأحكام الفقهية.
- "سنن النسائي"، نقل المصنف من "السنن الصغرى" المسمى ب "المجتبى" و"السنن الكبرى" كلاهما للنسائي، واكتفى بقوله "في "سنن النسائي"" أو "ذكره النسائي في "سننه"" ونحو ذلك، كما تراه في (2/ 71، 384 و 9/ 203، 347، 349، 412، 413).
أما مجرد عزو الحديث للنسائى فقط دون ذكر اسمه: "سننه" فهذا كثير، يطلب من مجلد الفهارس (1).
وبعض نقولات المصنف في "سننه الكبرى" كما تراه في (3/ 347 و 4/ 314).
وحكم المصنف على أحاديث النسائي، وصرح بصحتها: فقال مثلًا في (2/ 379): "صحيح"، وفي (2/ 384): "على شرط مسلم"، وفي (3/ 347 - 348): "ليس فيه بحمد اللَّه إشكال"، وتعقّب حكمه في (2/ 264).
وقال في (2/ 347): "رُوِّينا (2) في "سنن النسائي". . . ".
ونقل في (1/ 188) على إثر حديث، قال: "ولهذا كان من تراجم الأئمة على هذا الحديث. . . " وأورد ترجمة النسائي عليه، ثم قال (1/ 189): "ثم ترجم عليه ترجمة أخرى أحسن من هذه وأفقه" وذكر ترجمة أخرى له، وقال: "فهكذا يكون فهم الأئمة من النصوص واستنباط الأحكام التي تشهد العقولُ والفطر بها منها ولعمر اللَّه! إن هذا هو العلم النافع، لا خرص الآراء، وتخمين الظنون".
__________
(1) عند (النسائي) في (فهرس الأعلام).
(2) ضبطها هكذا (رُوِّينا) مبنية للمجهول هذا هو الراجح، ونصره جماعة، وضَّح ذلك عبد الغني النابلسي في رسالته "إيضاح ما لدينا في ضبط كلمة روينا"، وهي برمتها في هامش من تعليقي على "تعظيم الفتيا" لابن الجوزي، وهو مطبوع، والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.
(1/132)

وذكر أيضًا في (3/ 350) ترجمة للنسائي على حديث، وصرح بأنها له، وهي في "سننه الكبرى" (4/ 314).
ومن الجدير بالذكر أنه عزى بعض الأحاديث للنسائي وهو في "صحيح مسلم"، كما تراه في (3/ 349 - 350) وكذلك فعل في حديث آخر وهو في البخاري، كما تراه في (5/ 311) وساق لفظ النسائي في (5/ 492) وعزاه لأبي داود، وعزى حديثًا للنسائي لم أجده فيه! كما في (5/ 594).
- "سنن ابن ماجه"، نقل منه وصرح باسمه في (2/ 71، 301، 379، 381، 384، و 3/ 414، 416، 420، 528 و 4/ 87، 458، و 5/ 155).
وفي الكتاب نقولات عديدة منه، اكتفى المصنف بعزوها لصاحبها، تطلب من المجلد الخاص بالفهارس (1).
ولم تسلم بعض الأحاديث فيه من نقدات المصنف، فقد حكم بنكارة بعض الألفاظ، على الرغم من إيراد ابن ماجه لها بإسناد مشهور، كما تراه في (2/ 301 - 302)، وتردد في تضعيف بعضها كما في (3/ 420) ويورد شواهد لبعضها، كما في (3/ 528 - 529).
وصحح أسانيد بعض الأحاديث فيه، كما تراه في (2/ 379، 381 - 382)، وحسّن بعضها كما في (4/ 87)، وقال عن بعضها كما في (2/ 384): "رجال هذا الإسناد محتج بهم في "الصحيح"" ورَدَّ تضعيف بعض العلماء لبعض الأحاديث فيه، انظر -مثلًا-: (3/ 416 - 419).
وهنالك أحاديث في هذه "السنن" لم يعزها المصنف لها وعزاها لمصدر أبعد، كالبيهقي مثلًا، كما في (3/ 276)، ورأيت في نسخ كتابنا الخطية ومطبوعاته أحاديث معزوة لابن ماجه، وهي ليست في مطبوع "سننه" كما في (2/ 381 - 382).
- "سنن الدَّارمي"، نقل منه المصنف وسماه في (2/ 158): "صحيح الدارمي" (2).
- "سنن سعيد بن منصور"، نقل منه المصنف وسماه في (3/ 341، 405، 406، 421، و 4/ 88، 89)، ونقل عن صاحبه دون التصريح باسم كتابه في (1/ 106، 468 و 2/ 256، 388، و 3/ 291 - 292، 372، 395) ولا يبعد عندي
__________
(1) عند (ابن ماجه) في (فهرس الأعلام).
(2) في هذا تجوّز لا يخفى! مع التنويه إلى أن النقل نفسه في "صحيح البخاري" أيضًا.
(1/133)

أن بعض هذه المواطن منقولة بالواسطة، من خلال ابن عبد البر وابن حزم، كما هو موضح في التعليق على المواطن المذكورة.
- "سنن الدارقطني" (1)، نقل منه المصنف وسماه في مواطن، هي (2/ 316، 317، و 3/ 199، 223، 419، 429، و 5/ 284).
وأما النقل عن الدارقطني دون التصريح باسم "سننه"، فكثير جدًّا ينظر في (فهرس الأعلام) من المجلد الخاص بالفهرسة، واللَّه الموفق.
وأعلّ المصنف بعض أحاديثه، كما في (2/ 316 - 317) ورجّح الوقف على الرفع، وضعّف بعضها كما في (3/ 140 - 143 و 5/ 308) واعتمد في بعض ذلك على قول الدارقطني عليها، وزاد تفصيلًا على قوله، كما تراه (3/ 140، 175، 192، 193، 223، 237، 284، 299)، واعتمد عليه في توهيم بعض الحفاظ في بعض الألفاظ، انظر (3/ 274).
وينبغي هنا ذكر الأمور الآتية:
أولًا: نقل المصنف من "سنن الدارقطني" في بعض الأحايين بالواسطة (2)، فنقل مثلًا في (3/ 234): "حديث عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن عن سمرة: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسلم مرة واحدة. . . " قال: "رواه الدارقطني" وهكذا وقع في "الأحكام الوسطى" (2/ 217) لعبد الحق الإشبيلي بإسقاط (روح بن) قبل (عطاء بن أبي ميمونة) كما هو في "سنن الدارقطني" (3) (1/ 358 - 359) أو رقم (1338 - بتحقيقي)، فتابع المصنِّفُ عبدَ الحق في هذا الإسقاط، وتعقب عبدَ الحق ابنُ القطان في "بيان الوهم والإيهام" (2/ 22).
ثانيًا: حكم المصنف على بعض أسانيده بالصحة، كما في (5/ 310) أو
__________
(1) فرغت من مقابلته على نسخ خطية، وعرض أحاديثه على مظانها وسائر كتب الدارقطني و"إتحاف المهرة" لابن حجر، يسر اللَّه إنجازه على الوجه الذي فيه تدقيق وإفادة، واللَّه الموفق.
(2) ولا سيما البيهقي في "سننه" و"خلافياته" كما في (3/ 438)، انظر ما قدمناه في أول الكلام على المصادر تحت (كتب البيهقي)، وكذلك بواسطة ابن بزيزة في "شرح أحكام عبد الحق" كما صرح المصنف به في (3/ 429).
(3) وكذلك في "التحقيق" لابن الجوزي (2/ 361 رقم 623) من طريق الدارقطني بإثبات (روح بن).
(1/134)

الحسن كما في (5/ 312)، ونقل ذلك عنه، قال في (5/ 325) على إثر حديث: "قال الدارقطني: رجال إسناده كلهم ثقات".
ثالثًا: لم يكن دقيقًا في بعض هذه الأحكام، كما تراه في التعليق على (5/ 312).
- "سنن البيهقي"، مضى الكلام عليه في أول الكلام على موارد المصنف، تحت (كتب البيهقي).
- "سنن الأثرم" (1)، نقل منه أثرًا طويلًا، وصرح باسمه في (3/ 436) وفي الكتاب نقولات عديدة عن الأثرم، هي في "مسائله للإمام أحمد" كما سبق توضيحه.

* المسانيد والمعاجم:
صرح المصنف بالنقل من عدة (مسانيد) (2) في كتابه هذا، وكان أكثرها وأشهرها على الإطلاق:
- "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، نقل عنه وأكثر جدًّا، ولعله لم تقع له كثرة نقل من كتاب كما وقع له منه، وجلُّ هذه النقولات معزوة لأحمد (3)، دون تصريح باسم "المسند".
وهذه المواطن التي صرح فيها باسم "المسند" (1/ 232، 280، 302، 308، 407، 410، 414، 420، 422، و 2/ 307، 451، و 3/ 75، 185، 186، 209، 214، 216، 228، 297، 329، 378، 382، 412، 413، 414، 415، 527، 528، و 4/ 38، 77، 85، 374، 413، 498، 581، و 5/ 9، 231، 243، 246، 279، 286، 452).
ومن الجدير بالذكر هنا أمور، هي:
أولًا: إعجاب المصنف الشديد بالإمام أحمد، فقد ذكر ذلك في مناسبات عديدة وألفاظ قوية، فقال -مثلًا- في (1/ 49) عنه: "إمام أهل السنة على
__________
(1) لا أعرف له أثرًا، سوى قطعة يسيرة من أوله محفوظة في الظاهرية.
(2) انظر: (5/ 54).
(3) انظر: (أحمد بن حنبل) في (فهرس الأعلام) من المجلد الأخير، مع التنبّه أن كثيرًا من المواطن فيه لا صلة لها ب "المسند" إذ ينقل عن "مسائل" أصحابه له، وكذا عن كتب أخرى، كما قدمناه تحت عنوان (كتب أحمد بن حنبل).
(1/135)

الإطلاق"؛ و"الذي ملأ الأرض علمًا وحديثًا وسنة، حتى إن أئمة الحديث والسنة بعده هم أتباعُه إلى يوم القيامة"؛ ومدح علمه جدًّا، وقال عن (فتاويه) و (مسائله): "حُدِّث بها قرنًا بعد قرن، فصارت إمامًا وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد، والمقلّدين لغيره، ليعظّمون نصوصَه وفتاواه، ويعرفون لها حقَّها وقُربها من النصوص وفتاوى الصحابة، ومن تأمل فتواه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة كلّ منهما للأُخرى، ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة،. . . " وأسهب في بيان أصول فتاويه على وجه جيِّد.
ثانيًا: لم يقع في عزو المصنف في غير موطن تمييز بين "المسند" و"زوائده" انظر -على سبيل المثال- (3/ 287 و 5/ 209، 212، 213، 314، 596)، وعزى بعض الأحاديث لأحمد وهي في "صحيح مسلم" كما في (1/ 410 و 5/ 332، 445)، أو "مجتبى النسائي"، كما فى (5/ 326)، بينما عزى بعض الأحاديث لابن عبد البر وهي في "المسند" كما في (2/ 288)، وللبزار وهي عند أحمد كما في (5/ 584).
ثالثًا: عزى المصنف بعض الأحاديث لأحمد، وهي ليست بالألفاظ المذكورة في "المسند" كما تراه في (1/ 302 و 5/ 346)، وعزى بعضها له عن صحابي، وهي في "المسند" عن صحابي آخر، كما في (1/ 410 - 411)، وبعضها لم أجدها فيه بالكلية كما في (2/ 451 و 3/ 297 و 5/ 326).
- "مسند البزار"، نقل منه وصرح به في (5/ 584)، ونقل في (2/ 543) عن البزار، بواسطة ابن حزم في "الإحكام".
- "مسند الطيالسي"، نقل منه وصرح به في (3/ 210، 226)، ونقل منه دون تصريح إلا باسم صاحبه في (1/ 67 و 2/ 431 (1)، و 3/ 198، 204، 275 (2) و 4/ 413، 579).
- "مسند أبي بكر بن أبي شيبة"، نقل منه وصرح به في (3/ 415).
- "مسند عبد بن حميد"، نقل منه وصرح به في (1/ 99)، ونقل منه في (1/ 64 (3)، 109) (4).
- "مسند أبي يعلى"، نقل منه وصرح به في (1/ 233).
__________
(1) بواسطة الإمام أحمد رحمه اللَّه.
(2) بواسطة البيهقي رحمه اللَّه.
(3) بواسطة ابن عبد البر رحمه اللَّه.
(4) بواسطة الطبري رحمه اللَّه.
(1/136)

- "المعجم الكبير" للطبراني، نقل منه وصرح به في (1/ 421، و 5/ 234، 235، 237)، ونقل منه (1) ولم يسمه في (4/ 580).

* كتب أحاديث الأحكام وشروحها:
نقل المصنف من بعض كتب (أحاديث الأحكام)، وهذا ما صرح به منها:
- "الأحكام" (2) لأبي عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد المقدسي الصالحي، المعروف ب "ضياء الدين" (ت 643 ه)، نقل منه في (5/ 422)، قال بعد أن ذكر حديثًا: "ذكره أبو عبد اللَّه المقدسي في "أحكامه"".
- "الأحكام" لعبد الحق الإشبيلي، نقل منه بعض الأحاديث والآثار (3)، وسيأتي بيان ذلك في:
- "شرح أحكام عبد الحق"، ذكره المصنف بهذا العنوان مرات، وسمى مؤلفه، ابن بزيزة، قال في (2/ 363)، ونقل عنه نصًا في مسألة (الحلف بالطلاق) وأنه لا يلزم، وقال عن هذا المذهب: "صحيح عن علي ولا يعرف له في الصحابة مخالف" وقال بعده مباشرة:
"ذكره ابن بَزيزة في "شرح أحكام عبد الحق الإشبيلي"، فاجتهد خصومه في الرد عليه بكل ممكن، وكان حاصل ما ردوا به قولَه أربعة أشياء: أحدهما -وهو عمدة القوم- أنه خلاف مرسوم السلطان، والثاني: أنه خلاف الأئمة الأربعة، والثالث: أنه خلاف القياس على الشرط والجزاء المقصودين كقوله: "إن أبرأتِنِي فأنتِ طالق" ففعلَتْ، والرابع: أن العمل قد استمر على خلاف هذا القول، فلا يلتفت إليه، فنقَضَ -يريد ابن تيمية- حُجَجَهم وأقام نحوًا من ثلاثين دليلًا على صحة هذا القول، وصنَّف في المسألة قريبًا من ألف ورقة، ثم مضى لسبيله راجيًا
__________
(1) نقل أثرًا لحذيفة، وعزاه للطبراني وأبي نعيم وهو في "صحيح البخاري"!!
(2) قال ابن رجب: "في عشرين جزءًا في ثلاث مجلدات، يعوز قليلًا"، وأتمه ابن أخيه وتلميذُه محمد بن عبد الرحيم المقدسي (ت 688 ه)، قال ابن طولون: "وتمم تصنيف "الأحكام" الذي خرجه عمه الحافظ ضياء الدين"؛ وللعلامة الفقيه محمد بن أحمد بن عبد الهادي (ت 744 ه): "الأحكام الكبرى المرتبة على أحكام الحافظ الضياء"، كمل منها سبع مجلدات؛ انظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 437)، "القلائد الجوهرية" (1/ 135 و 2/ 314)، "التنويه والتبيين في سيرة محدث الشام الحافظ ضياء الدين" (323 - 324).
(3) انظر ما قدمنا قريبًا عند كلامنا على "سنن الدارقطني"، والتعليق على (3/ 234).
(1/137)

من اللَّه أجرًا أو أجرين، وهو ومنازعوه يوم القيامة عند ربهم يختصمون".
وأعاد النقل عنه في (3/ 471) المسألة نفسها، ولكن زاد ذكر مذهب تاج الدين أبي عبد اللَّه الأرموي في المسألة.
وسمى صاحبه واسم كتابه في (2/ 20 - 21) لما نقل حكم المسألة نفسها منه، قال: "وحكاه أبو القاسم عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التَّميمي المعروف ب (ابن بَزيرة) في كتابه المسمى ب "مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام في باب ترجمته: (الباب الثالث: في حكم اليمين في الطلاق أو الشك فيه): وقد قدمنا في كتاب (الأيمان) (1) اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والشرط وغير ذلك: هل يلزم أم لا؟ فقال علي بن أبي طالب وشريح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يقضى بالطلاق على من حلف به فحنث، ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة، قال: وصحح. . . ".
وأعاد نقل مذهب علي في (4/ 520 - 521) وسمى الكتاب "شرح أحكام عبد الحق" وسمى مصنفه: "أبا القاسم التميمي".

* كتب العلل:
نقل المصنف من بعض (كتب العلل)، وصرح بأسماء كتابين منها، هما:
__________
(1) ظن صاحب "القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب "إعلام الموقعين" أن كتاب "الأيمان" لابن القيم، وقال: "لم أجد من المترجمين لحياته من نسب هذا الكتاب إليه -أي إلى ابن القيم!! - وقد قال في الموضعين المشار إليهما: "وقد قدمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والشرط وغير ذلك، هل يلزم أم لا؟ " واللَّه أعلم".
قال أبو عبيدة: القائل في الموضعين: "وقد قدمنا. . . " هو ابن بزيزة وليس ابن القيم، والموطن الأول هو السابق وهو عندنا في (2/ 20 - 21)، وأما الموطن الثاني، فهو في نشرتنا (3/ 441)، قال ابن القيم فيه بعد كلام: "قال عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التميمي المعروف ب (ابن بزيرة) في "شرحه لأحكام عبد الحق": (الباب الثالث: في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه): وقد قدمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء. . . " ووقع في بعض المطبوعات. "قاله عبد العزيز. . . " فأصبح: "وقدمنا. . . " من كلام ابن القيم، وهذا خطأ، فالقائل: "وقد قدمنا في كتاب الأيمان. . . " هو ابن بزيزة، هذا واضح لمن تأمل نقل المصنف عنه في مواطن من الكتاب، والعبارات التي نقلها المصنف عنه هي هي، والمتامل فيها جميعًا يقطع بما قلناه، واللَّه الموفق للخيرات، والهادي إلى الصالحات.
(1/138)

- "العلل" للترمذي، نقل منه، وصرح باسمه في (3/ 175، 416، 417).
- "التعاليق على كتاب العلل" ذكره وسماه هكذا في (1/ 85)، وهو لأبي إسحاق، والعبارة التي فيها ذكر لهذا الكتاب إنما هي لأبي يعلى الفراء في "العدة" (5/ 1597 - 1598)، فنقل المصنف منه بالواسطة.
ونقل أيضًا من "العلل ومعرفة الرجال" لعبد اللَّه بن الإمام أحمد ولم يسمه كما في (3/ 369)، ولعله نقل من كتاب "العلل" للدارقطني أيضًا، انظر -على سبيل المثال-: (3/ 142).

* كتب مسندة تعتني بالأحاديث وآثار السلف:
أكثر المصنف من النقل عن المصادر الأصلية المسندة، ولا سيما تلك التي تعتني بآثار السلف، وسبق قسم منها، مثل: "الخلافيات" و"السنن الكبرى" و"معرفة السنن والآثار" و"المدخل إلى السنن الكبرى" كلها للبيهقي، و"الأم" و"الرسالة" و"المسند" كلها للإمام الشافعي، و"الحيل" المنسوب لمحمد بن الحسن الشيباني، و"الحيل" للخصاف، و"الموطأ" للإمام مالك، و"التمهيد" و"الاستذكار" و"جامع بيان العلم" كلها لابن عبد البر، و"المدونة" و"مسائل الإمام أحمد" على اختلاف رواتها (1)، وبعض كتب القاضي أبي يعلى (2)، وبعض كتب ابن بطة، و"المترجم" للجوزجاني، و"المحلى" و"الإحكام" لابن حزم، و"الأموال" و"القضاء" -والنقل منه بالواسطة- و"الغريب" كلها لأبي عبيد، وكتب الفتوى (3): لابن الجوزي وابن الصلاح وابن حمدان، وبعض التفاسير (4) ولا سيما المسندة.
وهنالك كتب أخرى نقل منها المصنف، وهي مسندة، مثل:
- "أمثال الحديث" للرامهرمزي، نقل منه، ولم يسمه، واكتفى بنسبة بعض النصوص أحيانًا إلى المؤلف، والنقل -فيما ظفرتُ به- محصور في (1/ 409 - 423)، وتكاد تكون أغلب ما في هذه الصفحات منه، حتى الأحاديث المعزوة "للصحيحين"، فهي بلفظ الرامهرمزي!
- "الجامع" للثوري، نقل منه وصرح باسمه في (3/ 223) والنقل منه بالواسطة، كما بيّناه في التعليق على الموطن المذكور.
__________
(1) سبق تعدادها في (كتب الحنابلة).
(2) سبق تعدادها في (كتب الحنابلة).
(3) سبق تعدادها وتخصيصها بالذكر.
(4) سبق تعدادها وتخصيصها بالذكر.
(1/139)

- "مصنف عبد الرزاق"، نقل منه وسماه في (4/ 521، 522) ولم يسمه في مواطن كثيرة (1)، منها (2/ 158).
- "الخراج" ليحيى بن آدم، نقل منه وسماه في (2/ 374).
- "مصنف ابن أبي شيبة"، نقل منه ولم يسمه في مواطن منها (4/ 457، 459، 461) ونقل منه في مواطن أخرى، انظر (2/ 69، 385، و 3/ 290، 546)، ووقع بعضها بالواسطة كما صرح به المصنف.
- "مصنف وكيع"، نقل منه (2) وسماه فيه (3/ 448).
- "جزء رفع اليدين" للإمام البخاري، نقل منه، ولم يسمه في (3/ 271).
- "زهد ابن المبارك"، نقل منه (3) ولم يسمه في (1/ 62).
- "شرح معاني الآثار" للطحاوي، نقل منه، ولم يسمه في (2/ 366، 375، 3/ 236)، وهنالك نقولات أخرى في الكتاب عن الطحاوي، مثل: (1/ 138، 143، 467، 468) جلها بواسطة ابن حزم في "الإحكام".
- "تهذيب الآثار" لابن جرير الطبري، نقل منه وصرح باسمه في (1/ 148)، ونقل منه دون تصريح واكتفى بعزو الكلام لصاحبه في (1/ 36، 37، 38، 116).
- "الفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي، نقل منه وصرح باسمه في (1/ 87 و 4/ 450)، ونقل منه دون تصريح باسمه في مواطن، منها: (1/ 83 - 84، 88، 351، 355، 465، 466، 470، 471، 472، 473، 474، و 5/ 134).
- "صفة الجنة" لضياء الدين المقدسي، نقل منه، ولم يسمّه في (5/ 222، 223).
- "الغيلانيات"، عزى له حديثًا في (3/ 141) قال: "وفي "الغيلانيات": ثنا إبراهيم بن أبي يحيى. . . " وساقه بالسند.
ونقل المصنف هذا الحديث من "سنن الدارقطني" (3/ 44) وهو فيه من طريق يحيى بن غيلان حدثنا إبراهيم بسنده ولفظه، فظن أن الحديث في "الغيلانيات" لوجود يحيى بن غيلان! في سنده، فاراد أن يعلو بعزوه، والأمر ليس
__________
(1) انظرها في (فهرس الأعلام) في (المجلد الأخير)، ولعله وقع بعضها للمصف بالواسطة.
(2) بواسطة ابن حزم في "المحلى".
(3) بواسطة ابن عبد البر في "جامع بيان العلم".
(1/140)

كذلك، إذ الحديث ليس في "الغيلانيات" بطبعاته الثلاثة، ولم يعزه غيره له (1)، و"الغيلانيات" نسبة إلى ما رواه أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزاز عن صاحبها أبي بكر محمد بن عبد اللَّه الشافعي، ولا صلة لها ب (يحيى بن غيلان)، فتنبه لذاك، تولى اللَّه هداك.
وعليه؛ فإن هذا الكتاب ليس من مصادر المؤلف في كتابه هذا، وإن ذكر عنوانه فيه! واللَّه أعلم.
- "جامع ابن وهب"، نقل منه، وصرح به في (2/ 462)، والنقل بواسطة ابن عبد البر في "جامع بيان العلم"، كما وضحناه في التعليق على الموضع المذكور (2).
وهنالك كتب كثيرة فيها أخبار وآثار، والنقل منها بالواسطة، ككتاب "الشبهات" للآجري، فيما وضحناه في التعليق على (4/ 139).

* كتب التراجم والرواة والجرح والتعديل:
سبق بيان نقل المصنف من بعض كتب التراجم والجرح والتعديل، مثل: "مناقب أبي حنيفة"، و"مناقب الشافعي" للبيهقي، و"آداب الشافعي ومناقبه" لابن أبي حاتم، و"الانتقاء" لابن عبد البر، و"طبقات الفقهاء" لأبي إسحاق الشيرازي، و"أخبار سحنون بن سعيد" (3) لمحمد بن الحارث.
وهنالك كتب استخدمها المصنف في الحكم على الرواة جرحًا وتعديلًا، وصرح بأسماء بعضها تارة، ولم يصرح تارة أخرى، من مثل:
- "الكمال في أسماء الرجال" لمحمد بن عبد الواحد المقدسي، نقل عن صاحبه ولم يصرح باسمه في (3/ 418).
- "الكامل في الضعفاء" لابن عدي، نقل منه، وصرح باسمه في (4/ 479).
والذي رأيته من خلال عملي في الكتاب أن غير نقل للمصنف في الرواة جرحًا وتعديلًا إنما كان بواسطة:
__________
(1) إلا من قلّده! وكذلك وقع له مثال آخر في "فوائد حديثية" (ص 147 - بتحقيقي).
(2) وكذا على المواطن التي صرح المصنف بعزوها إلى ابن وهب دون تسمية "جامعه"، كما تراه في (فهرس الأعلام): (عبد اللَّه بن وهب)، (ابن وهب).
(3) نقل منه بواسطة ابن عبد البر، صرح المصنف بذلك، انظر: (2/ 464).
(1/141)

- "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" (1) للذهبي، وهذه ثلاثة أدلة تدل على ذلك:
الأول: نقل في (3/ 308 - 309) أقوالًا لأئمة الجرح والتعديل في (الحارث بن عبيد) جلها في "الميزان" (1/ 438)، وأعلّا حديثًا أورداه في ترجمته، ومفاد التعليل في عبارتيهما واحد.
الثاني: نقل في (3/ 304 - 305) أقوالًا عن ابن لهيعة، هي في "الميزان" (2/ 477)، نقلها المصنف منه.
الئالث: نقل في (3/ 237) أقوالًا في جملة من الرواة، منقولة من "الميزان"، كما في تعليقي على الموطن المذكور.
وهنالك كتب سبق ذكرها، ونقل المصنف منها أحكام أئمة الجرح والتعديل على الرواة، مثل: "الجامع" و"العلل" كلاهما للترمذي، و"السنن" و"الخلافيات" كلاهما للبيهقي، و"سنن الدارقطني"، وغيرها.
ونقل المصنف من الكتب المتخصصة في التراجم بعضر الأخبار والآثار، ووقع له ذلك بالواسطة، وهذا البيان:
"التاريخ الكبير" للبخاري، نقل منه وسماه في (4/ 88) وكان ذلك بواسطة "بيان الدليل" لشيخه ابن تيمية، وفي كتابنا نقولات أخرى منه بواسطة "الإحكام" لابن حزم.
وكذا "التاريخ الأوسط" للبخاري، و"تاريخ أبي زرعة الرازي"، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 242 - 471، و 2/ 458)، و"المعرفة والتاريخ" للفسوي، وسبق الحديث عن هذه الكتب فيما تقدم تحت عنوان (كتب اللغة والغريب والأدب والتاريخ).

* المصادر الشفهية وما في حكمها:
اعتمد المصنِّفُ على مصادر شفهيّة بالإضافة إلى ما قدمناه من كتب أصلية، تكاد تشمل جميع العلوم، وهذا البيان: قال في (مسألة عدم لزوم الطلاق للحالف فيه) في (4/ 542):
"وعندنا بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها عن جماعة من أهل العلم، الذين
__________
(1) ونقل منه أيضًا في كتابه "الفروسية" و"فوائد حديثية"، وهما مطبوعان بتحقيقي.
(1/142)

هم أهله في عصرنا وقبله، أنهم كانوا يفتون بها أحيانًا" قال: "فأخبرني صاحبنا الصادق محمد بن شهوان، قال: أخبرني شيخنا الذي قرأتُ عليه القرآن -وكان من أصدق الناس- الشيخ محمد بن المحلى، قال: أخبرني شيخنا الإمام خطيب جامع دمشق عز الدين الفاروقي، قال: كان والدي يرى هذه المسألة، ويفتي بها ببغداد".
وقال في (4/ 56): "وأخبرني رجل من علمائهم -أي: علماء الطبيعة- أنه أجلس قرابةً له يكحل الناس؛ فرمد، ثم برئ، فجلس يكحلهم، فرمد مرارًا، قال: فعلمتُ أن الطبيعة تنقل، وأنه في كثرة ما يفتح عينيه في أعين الرُّمْد، نقلت الطبيعة الرمد إلى عينيه" وقال في (5/ 76):
"أن مفتيين اختلفا في جواب فكتب تحت جوابهما: جوابي مثل جواب الشيخين، فقيل له: إنهما قد تناقضا فقال: وأنا أتناقض كما تناقضا. وكان في زماننا رجل مشار إليه بالفتوى، وهو مقدَّم في مذهبه، وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوى، فيكتب، يجوز كذا، أو يصح كذا، أو ينعقد بشرطه فأرسل إليه يقول له: تأتينا فتاوى منك فيها يجوز أو ينعقد أو يصح بشرطه، ونحن لا نعلم شرطه، فإما أن تبيّن شرطه، وإما أن لا تكتب ذلك.
وسمعت شيخنا يقول: كلُّ أحد يحسن أن يفتي بهذا الشرط، فإن أي مسألة وردت عليه يكتب فيها يجوز بشرطه أو يصح بشرطه أو يقبل بشرطه ونحو ذلك، وهذا ليس بعلم، ولا يفيد فائدة أصلًا سوى حيرة السائل وتنكده، وكذلك قول بعضهم في فتاويه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم، فيا سبحان اللَّه! واللَّه لو كان الحاكم شُريحًا وأشباهه لما كان مردُّ أحكام اللَّه ورسوله إلى رأيه، فضلًا عن حُكَام زماننا، فاللَّه المستعان".
وقال في (5/ 97 - 98):
"وأذكر لك من هذا مثالًا وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يلزم أهل الذمة بتغيير عمائمهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين، فقامت لذلك قيامتهم وعظم عليهم، وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإسلام وإذلال الكفرة ما قرَّت به عيون المسلمين؛ فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه أن صوَّروا فتيا يتوصلون بها إلى إزالة هذا الغيار، وهي: ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة أُلزموا بلباس غير لباسهم المعتاد، وزي غير زيهم المألوف، فحصل
(1/143)

لهم بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاع وآذوهم غاية الأذى، فطُمِع بذلك في إهانتهم والتعدي عليهم؟ فهل يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول، وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التميز بعلامة يُعرفون بها؟ وهل في ذلك مخالفة للشرع أم لا؟ فأجابهم مَنْ مُنِع التوفيق، وصُدَّ عن الطَّريق بجواز ذلك، وإن للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه، قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلتُ: لا تجوز إعادتهم إلى ما كانوا عليه ويجب إبقاؤهم على الزي الذي يتميزون به عن المسلمين، فذهبوا، ثم غيَّروا الفتوى، ثم جاءوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم، فذهبوا، ثم أتوا بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المعينة، وإنْ خرجت في عدة قوالب، ثم ذهب إلى السلطان وتكلَّم عنده بكلامٍ عجب منه الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم وللَّه الحمد.
ونظائر هذه الحادثة أكثر من أن تحصى، فقد ألقى الشيطان على ألسنة أوليائه أن صوَّروا فتوى فيما يحدث ليلة النصف في الجامع وأخرجوها في قالب حسن، حتى استخفوا عقل بعض المفتين فأفتاهم بجوازه، وسبحان اللَّه كم تُوُصِّل بهذه الطريق إلى إبطال حق وإثبات باطل! وأكثرُ الناس إنما هم أهل ظواهر في الكلام واللباس والأفعال، وأهل النقد منهم الذين يعبرون من الظاهر إلى حقيقته وباطنه لا يبلغون عشر معشار غيرهم، ولا قريبًا من ذلك، فاللَّه المستعان".
وفي الكتاب استطرادات حول (تعبير الرؤى) (1)، لم يعزها المصنف لأحد، والغالب أنها مأخوذة عن شيخه أبي العباس أحمد بن عبد الرحمن بن سرور المقدسي (628 - 697 ه)، وقد وجدته يصرح بذلك في كتابه "زاد المعاد" (فصل: قدوم وفد بني حنيفة) (2) فإنه نقل عنه جملة من (التعبير)، ثم قال:
"وهذه كانت حال شيخنا هذا، ورسوخه في علم التعبير، وسمعتُ عليه عدة أجزاء، ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه لصغر سنه، واخترام المنية له، رحمه اللَّه تعالى".
ولشيخه هذا "البدر المنير في علم التعبير" وشرحه أيضًا، والكلام الموجود
__________
(1) في "ذيول العبر" (4/ 155)، في ترجمة (ابن القيم): "وحدث عن شيخه -ابن تيمية- التعبير وغيره".
(2) (3/ 615 - 616 - ط مؤسسة الرسالة).
(1/144)

عند المصنف قريب مما فيه في مواطن قليلة، مثل: (تأويل البقر) قارن كلام المصنف بما في "البدر المنير" (279 - 280).
وذكر في (5/ 198) تحت (الفائدة الحادية والستين) من (آداب الفتوى) وهي في الإكثار من الدعاء عند الفتوى، قال: "وكان بعضهم يقرأ الفاتحة، وجرَّبنا ذلك نحن، فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة".
وتعدُّ موارد المصنف الشفهية في كتابنا هذا غيضًا من فيض موارده العلمية المتنوعة، وهي تدلل على تفنُّن المصنف، وتترجم حرصه واهتمامه بالكتب كما ذكره غير واحدٍ من مترجميه (1). ومن الواجب أن يُذَكر هنا أن المصنف لم يعن بذكر الكتب كعنايته بتحرير المسائل والمباحث، وأنه أكثر من النقل عن الكتب التي لها تعلق بمباحث الكتاب (2) من مثل: الفتوى ومباحثها وما يخدمها ويخدم المباحث المتفرعة عنها، وما يلزم القضاة والمفتين (وهم الموقِّعون عن رب العالمين).
ومن المشايخ الذين أكثر المصنف ذكرهم وتردادهم في كتبه عامة، وفي كتابه هذا خاصة: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم الحراني، الشهير ب (ابن تيمية)، ونقولاته عنه كانت من كتبه ومؤلفاته، ومباحثه وتحريراته، وما سمعه من فمه، وألقاه اللَّه عز وجل على لسانه من حكم ومباحث ومواقف، وهذا ما سنوضّحه في المبحث التالي.
وأخيرًا، لا بد من الإشارة إلى ذكر المصنف لبعض مؤلفاته هنا، وأحال عليها، فقال في (4/ 420 - 421) عند مسألة (المحلل في السباق)، وحكمه عند العلماء وتفاصيلهم في وجوده على أقوال، قال عنها: "وقد ذكرناها في كتابنا الكبير "الفروسية الشرعية"، وذكرنا فيه، وفي كتاب "بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال" بيان بطلانه من أكثر من خمسين وجهًا، وبيّنّا ضعف الحديث الذي احتج به من اشترطه، وكلام الأئمة في ضعفه، وعدم الدلالة منه على تقدير صحته".

* بين المصنّف وشيخه ابن تيمية:
كان ابن القيم معجبًا بشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أشد إعجاب، وكان له
__________
(1) قدمنا نقولاتهم في مطلع هذا المبحث.
(2) سبق الكلام على ذلك بالتفصيل، وللَّه الحمد والمنة.
(1/145)

الأثر البالغ في "تكوين اتجاهه، وتغذية مواهبه، وإشباع نهمته بعلوم الكتاب والسنة، والرد إلى اللَّه والرسول، حتى صار أبرع تلاميذه، وألمعهم نجمًا، وأجلاهم اسمًا، فلا يكاد يُذَكر الشيخ ابن تيمية إلا ويذكر معه تلميذه ابن قيم الجوزية، وسرى نور هذين العلمين في آفاق المعمورة، بسعة العلم، وأصالة الفكر، والتجديد في دعوة الناس إلى صراط اللَّه المستقيم" (1).
وكانت مدة ملازمة ابن القيم لشيخه ستة عشر عامًا (2)، منذ سنة (712 ه) -وهي السنة التي عاد فيها ابن تيمية من مصر إلى دمشق- إلى سنة (728 ه)، سنة وفاة ابن تيمية.
وفي هذه المدة أخذ التلميذ من الشيخ علمًا جمًّا، وتأثّر بسَمْتِه وهديه، واستمع إلى نصائحه وتوجيهاته (3)، وعُرف به، وامتحن وأوذي مرات بسبب ذلك (4).
وكان ابن القيم بارًا بشيخه، كثير الترداد لاسمه، والثناء عليه، وذكر اختياراته (5)، ولعل ذلك لم يقع في كتاب من كتبه كما وقع في كتابنا هذا.
وهذه طاقة مهمة من النقولات من خلال جولة سريعة في كتابنا هذا فحسب؛ تدلّل على مدى تأثر المصنف بشيخه، وأنه تَصْدُق فيه مقولة ابن حجر: "غلب عليه حب ابن تيمية، حتى لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه" (6) ومقولة الذهبي: "تفقه بشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، وكان من عيون أصحابه" (7)، ومقولة صلاح الدين
__________
(1) "ابن قيم الجوزية، حياته وآثاره" (ص 78) للشيخ بكر أبو زيد.
(2) خلافًا لما ذكره الشيخ صبحي الصالح رحمه اللَّه في تقديمه ل"أحكام أهل الذمة" (1/ 67) أن مدة ملازمته له زهاء أربعين سنة، نعم منذ اتصاله بابن تيمية سنة (712 ه) إلى وفاة ابن القيم سنة (751 ه)، زهاء الأربعين، أما مدة التلمذة والتلقي فهي كما قررنا.
(3) تجد طرفًا منها في "الهدية في مواعظ الإمام ابن تيمية" (ص 21 - 26) وفيما سيأتي برقم (خامسًا).
(4) انظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 448)، "أعيان العصر" (4/ 368)، "الدرر الكامنة" (4/ 21)، "النجوم الزاهرة" (10/ 195).
(5) تجد هذه الاختيارات في (الإحالات) تحت هذا العنوان، وكذا في (فهرس الأعلام) في المجلد الأخير، وتجد في نقولات العلماء الآتية عند بيان أثر الكتاب فيما بعده الارتباط الوثيق بين ذكر ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في نقلها عنهما الآراء والأقوال والترجيحات.
(6) "الدرر الكامنة" (4/ 21) ومثله في "البدر الطالع" (2/ 143) و"أبجد العلوم" (3/ 139).
(7) "ذيول العبر" (4/ 155).
(1/146)

الصفدي: "وكان يسلك طريق العلامة تقي الدين ابن تيمية في جميع أحواله ومقالاته التي تفرّد بها، والوقوف عند نص أقواله" (1) و"لم يُخلِّفِ الشيخ العلامة تقي الدين ابن تيمية مثله" (2)، ومقولة السخاوي عنه: "رئيس أصحاب ابن تيمية، بل هو حسنة من حسناته" (3).
ومن أكثر كتب ابن تيمية التي نقل منها المصنف في كتابنا هذا "بيان الدليل في إبطال التحليل" (4)، وتكاد تكون النقولات الموجودة في كتابنا هذا نسخة أخرى منه، ولا غرو في ذلك، إذ قام المصنف بنسخ "البيان" في (430) ورقة، وما زالت نسخته محفوظة (5).
قال ابن القيم بعد نقل طويل: "هذا كلام شيخ الإسلام في (مسألة مهر السر والعلانية) في كتاب "إبطال التحليل" نقلته بلفظه" (6).
والملاحظ أن النقل من هذا الكتاب كثير، ويكون بلفظ المصنف تارة، ويتصرف فيه ويقتصر على المعنى تارة أخرى، ويتخلّله نقولات وإيضاحات ورد استشكالات على تقرير ابن تيمية تارة أخرى، ويكون بعضها من خلال مشاهداته وسماعه، فها هو يقول بعد نقل منه:
"وكان شيخنا رحمه اللَّه يمنع من (مسألة التورّق)، روجع فيها وأنا حاضر مرارًا، فلم يرخص فيه" (7).
ولم أظفر بتصريح ابن القيم باسم الكتاب إلا في موطن واحد (3/ 493)، ويسهب ابن القيم في توجيه كلام شيخه فيه، والتدليل عليه، ورد مؤاخذات وانتقادات المعارضين، مما يجعلنا نقول: إن القول بان ابن القيم نسخة عن شيخه فحسب، فرية بلا مرية، وهي من أكاذيب وبواطيل الخصوم، ولا تصدر إلا ممن
__________
(1) "أعيان العصر" (4/ 368).
(2) "الوافي بالوفيات" (2/ 196).
(3) "وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام" (1/ 53).
(4) نشر ضمن "مجموع الفتاوى"، وطبع بتحقيق الشيخ حمدي السلفي، عن المكتب الإسلامي، وبتحقيق الشيخ فيحان المطيري عن مكتبة لينا، مصر، وأكثر من النقل عنه في (الحيل) و (سد الذرائع) مع زيادة، مع ملاحظة أن عباراته عبارات ابن تيمية تارة، وطابقتها أخرى، انظر: "مقاصد الشريعة عند ابن تيمية" (370).
(5) في مكتبة الأوقاف العامة، ببغداد، تحت رقم (8473) وعليها تملكات للسفاريني (1138 ه)، ونعمان الآلوسي (1298 ه)، انظر: "ثبت ابن تيمية" (50/ 4).
(6) "إعلام الموقعين" (3/ 489 - 493).
(7) "إعلام الموقعين" (4/ 86).
(1/147)

لم يَخْبُرْ كلام ابن القيم، وإنما باعثها الحقد والحسد.
وينظر لكثرة نقل المصنف من كتاب "بيان الدليل" هذه المواطن مع التنبّه لتعليقنا على بعضها (3/ 416 - 419، 473، 488 - 493، 494 - 495، 495، 523، 529 - 530، 538 و 4/ 6 هامش (7)، 17، 18، 21، 25، 27، 70، 71، 72 - 73، 78، 79، 83، 86، 87، 89، 90، 93، 94، 95، 96 - 99، 100، 101، 139، 140 - 141، 147، 148 - 163، 170، 174، 178 - 183، 234 - 236، 237 - 241، 242، 243، 248 - 250).
ولم يقتصر نقل المصنف من "بيان الدليل"، بل تعداه لكتب أخرى، ففي (مسألة المعدول به عن القياس) (1) أكثر المصنف من النقل عن شيخه ابن تيمية، ووجدت هذه النقولات في "مجموع الفتاوى" (20/ 504 - 585 و 21/ 1 - 23)، وفي "مجموعة الرسائل الكبرى" بالقاهرة، سنة 1323 ه، وسماها تلميذه محمد بن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص 45): "قاعدة في تقرير القياس في مسائل عدة، والرد على من يقول: هي على خلاف القياس"، وتذكر بعض فهارس دور الكتب الخطية ضمن مصنفات ابن تيمية "جواب عما يسمى بخلاف القياس الذي يقع في كلام الفقهاء" (2)، قال المصنف: "وسألتُ شيخنا -قدس اللَّه روحه- عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم: هذا خلاف القياس. . .
فقال: ليس في الشريعة ما يخالف القياس".
__________
(1) للشيخ عمر عبد العزيز رحمه اللَّه دراسة منشورة بعنوان "المعدول به عن القياس حقيقته وحكمه، وموقف شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية منه" واستفدتُ منها في تعليقي على الكتاب.
(2) منه نسخة في الخزانة العامة بالرباط، برقم (209)، انظر: "سلسلة التراث المخطوط" (14/ 12)، ونشرها محب الدين الخطيب في القاهرة، سنة 1346 ه -وعنه غير واحد في بيروت- في مجموع بعنوان "القياس في الشرع الإسلامي".
وقام الأستاذ صالح المهندي بتحقيق هذه الرسالة عن نسخة الرباط وطبعها عن وزارة الأوقاف القطرية بعنوان "شمول النصوص لأحكام أفعال العباد"، ثم رأيتها ضمن (المجموعة الثانية) من "جامع المسائل" (3/ 231 - 351) بعنوان "قاعدة في شمول النصوص للأحكام". واعتمد على نسخة الأسكوريال والرباط، وثلاث نسخ أخرى، وقال (ص 236) عن ابن القيم: "فلا نستغرب أن يقتبسها من شيخه على طريقته من الاستفادة من كتبه كما يظهر ذلك لكل من يقرأ كلام الشيخين في موضوع واحد". وقارن ب "مجموع الفتاوى" (31/ 338 - 356)، و"تفسير آيات أشكلت" (2/ 491 - 573).
(1/148)

قال المصنف بعد ذلك مباشرة: "وأنا أذكر ما حصّلته من جوابه بخطّه ولفظه، وما فتح اللَّه سبحانه لي بيُمن إرشاده، وبركة تعليمه، وحسن بيانه وتفهيمه" (1).
وكثرت النقولات والاستطرادات والمناقشات حول هذه المسألة، وتقع في نشرتنا في (2/ 165 - 237)، ونَقْلُ المصنف عن شيخه ابن تيمية في هذه المسألة -كنقله في التي قبلها- يظهر تارة، ويَختَفي أخرى، ويتخلله تقعيد وتأصيل وتدليل وتمثيل وتفريع.
وهذه المسألة في القياس هي فصل من فصول ثلاثة (2)، قرر فيها ابن القيم مذهب شيخه (3) بقوة، وأطال النفس جدًّا في تبنّي ما ذهب إليه، كيف لا؟ وها هو يقول عنها: "هذه الفصول الثلاثة من أهم فصول الكتاب، وبها يتبيّن للعالم المنصف مقدارُ الشريعة وجلالتها وهيمنتها وسعتها وفضلها وشرفها على جميع الشرائع" قال: "ونحن نعلم أنّا لا نوفِّي هذه الفصول حقَّها ولا نقارب، وأنّها أجلُّ من علومنا وفوق إدراكنا، ولكن ننبّه أدنى تنبيه، ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح أبوابها، وينهج طرقها، واللَّه المستعان، وعليه التكلان" (4).
قال ابن النجار: "وقد ذكر الشيخ تقي الدين -وتبعه ابن القيم- أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس، وما لا يُعقل معناه، وبيّنا ذلك بما لا مزيد عليه" (5)،
__________
(1) "إعلام الموقعين" (2/ 165).
(2) والفصلان المتبقيان هما:
* في بيان شمول النصوص للأحكام، والاكتفاء بها عن الرأي والقياس.
* في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس، وبطلانها مع وجود النص.
والناظر في رسالة "الاقتباس لمعرفة الحق من أنواع القياس" لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، يجدها لا تخرج عن تقرير ابن القيم في هذه الفصول ونقوله عن ابن تيمية منها، إنما كانت بواسطته.
(3) في مكتبة الأسكوريال برقم (1336): "رسالة في شمول النصوص للأحكام وموافقتها للقياس الصحيح" لابن تيمية، وهي في (11) ورقة، وهي في المكتبة الظاهرية برقم (2693): "مسألة فيمن يقول: إن النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة، وهي في (6) ورقات، لابن تيمية أيضًا، وهذه مسميات لكتاب واحد، وهو الذي صنفه ابن تيمية بسبب سؤال تلميذه ابن القيم، كما تقدم نقله عنه هنا، واللَّه الموفق.
(4) "إعلام الموقعين" (2/ 116).
(5) "شرح الكوكب المنير" (4/ 225).
(1/149)

فمتابعة ابن القيم لشيخه في هذه المسألة أمر مشهور، كما يؤخذ من هذا النقل، واللَّه الموفق لا رب سواه.
وكذلك في مسألة الحلف بالطلاق، فقد أكثر المصنف النقل عن شيخه ابن تيمية فيها، وأظهر عناية شيخه في هذه المسألة، قال (4/ 540): "وصنّف في المسألة ما بين مطوّل ومتوسط ومختصر ما يقارب ألفي ورقة (1)، وبلغت الوجوه التي استدل بها عليها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقياس، وقواعد إمامه خاصة، وغيره من الأئمة زهاء أربعين دليلًا" وقال عن شيخه بعد ذلك:
"وصار إلى ربه وهو مقيم عليها، داع إليها، مباهل لمنازعيه، باذل نفسه وعرضه، وأوقاته لمستفتيه، فكان يفتي في الساعة الواحدة فيها بقلمه ولسانه أكثر من أربعين فتيا" (2).
وبيَّن أثر فتياه هذه بقوله: "فعُطِّلتْ لفتاواه مصانع التحليل، وهدّمت صوامعه وبيعه، وكسدت سوقه، وتقشّعت سحائب اللعنة عن المحقلين، والمحلَّل لهم من المطلّقين، وقامت سوقُ الاستدلال بالكتاب والسنة والآثار السلفية. . . " (3).
وأطال المصنف الكلام في هذه المسألة، وأكثر النقل فيها عن شيخه أبي
__________
(1) من رسائل ابن تيمية المحفوظة في دور الكتب الخطية: "لمحة المختطف في الفرق بين الطلاق والحلف" منها نسخة في (7) ورقات في مكتبة حسن الأنكرلي، المهداة للأوقاف العامة ببغداد، برقم (13853/ 4) وأخرى في الظاهرية في (8) ورقات، برقم (3808)، وثالثة في مكتبة نصيف بجدة في (18) ورقة، ورابعة في جامعة برنستون - جاريت في (5) ورقات برقم (1521) وأخيرة في مكتبة الأوقاف ببغداد في (10) ورقات، برقم (5674/ 4).
ثم رأيتها مطبوعة بهذا العنوان عن دار الراية - الرياض، بتحقيق عبد العزيز بن أحمد الجزائري عن نسخة الظاهرية، وزعم (ص 16) أنها نسخة وحيدة!! وأفاد أن منها قسمًا في: "مجموع الفتاوى" (33/ 58 - 66) وفي "القواعد النورانية" (ص 242 - إلى آخر الكتاب، ط الفقي). ومنها أيضًا: "الاجتماع والافتراق في مسائل الأيمان والطلاق"، منها نسخة في دار الكتب المصرية، رقم (1344)، وأخرى في مكتبة الأوقاف العامة بالموصل (62/ 18) وثالثة في المكتبة العمومية بدمشق (35/ 99/ 18)، ويذكر مترجمو ابن تيمية له في هذا الباب: "تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان" (نحو أربعين كراسة)، "الفرق المبين بين الطلاق واليمين"، "قاعدة في تقرير أن الحلف بالطلاق من الأيمان حقيقة"، وقاعدة سماها "التفصيل بين التكفير والتحليل"، "الرد الكبير على من اعترض عليه في مسألة الحلف بالطلاق" (ثلاث مجلدات).
(2) "إعلام الموقعين" (4/ 540).
(3) "إعلام الموقعين" (4/ 540).
(1/150)

العباس، انظر -على سبيل المثال-: (2/ 362، 3/ 341، 364 - 473، 450 - 473 و 4/ 520 - 525).
ونقولات المصنف عن شيخه في مسائل الطلاق الأخرى كثيرة، من أهمّها المسائل الآتية:
* (المسألة السريجية)، انظرها في نشرتنا (4/ 201 - 234)، وقارن بما في "مجموع الفتاوى" (32/ 289، وما بعد، 311 وما بعد)، و"بيان الدليل" (182، 215 وما بعد).
* (مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد)، تعرض لها المصنف في مواطن عديدة من هذا الكتاب (1)، ولم يخرج عن رأي شيخه فيها، ولشيخه "سؤال وجواب في الطلاق الثلاث" (2).
* (مسألة الخلع هل هو طلاق؟)، تعرض لها المصنف في مواطن من كتابه هذا، ولم يخرج عن رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (3)، ولابن تيمية: "رسالة في الخلع هل هو طلاق أم لا" (4) ويذكر له "مسائل الفرق بين الطلاق البدعي والخلع ونحو ذلك".
* (فيما يحل ويحرم من مسائل الطلاق)، أكثر المصنف من التعرض لمسائل الطلاق وتفصيلاته (5)، وهو يقرر ما ذهب شيخه إليه بقوّة، وينتصر له بناءً على موافقته الدليل الشرعي، ولابن تيمية رسائل مفردة في هذا الباب (6).
__________
(1) انظرها في المجلد الأخير (فهرس الفوائد الفقهية - كتاب الطلاق).
(2) منه نسخة في مكتبة جامعة برنستون -أمريكا- جاريت، رقم (1531)، وقد ذكر مترجمو شيخ الإسلام له عدة رسائل في هذا الباب، ثم رأيت في (المجموعة الأولى) من "جامع المسائل"، لابن تيمية (2/ 273 - 291): "فصل في جمع الطلاق الثلاث" و (2/ 293 - 314) "فصل في الأحاديث الواردة في الطلاق الثلاث" و (2/ 315 - 349)، "فصل في الطلاق الثلاث" و (2/ 351 - 367)، "فتوى في الطلاق الثلاث بكلمة واحدة"، وهي كلها بتحقيق الأستاذ محمد عزير شمس عن نسخ محفوظة في جامعة برنستون، وينظر في تحقيق المسألة "الحكم المشروع في الطلاق المجموع" لذهبي العصر العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني، وهو مطبوع.
(3) انظر: -على سبيل المثال-: (1/ 224 و 3/ 402 و 4/ 537).
(4) منها نسخة في مكتبة شهيد علي بتركيا، ضمن السليمانية، رقم (2751).
(5) انظر: مواطن بحثها في (فهرس الفوائد الفقهية - كتاب الطلاق).
(6) في معهد المخطوطات بباكو "رسالة فيما يحل من الطلاق ويحرم" برقم (4156 - b) =
(1/151)

وهذه المسائل مبحوثه في مواطن من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية (1)، وحصل الوقوف على ما قررناه من تبنّي المصنف لآرائه، وإن لم نظفر بجميع النقولات بالحرف واللفظ من كتبه.
والأمر ليس مقتصرًا على (مسائل الطلاق)، وإنما ذكرتها للتمثيل لا للحصر، وإلا فمسألة (الطهارة للطواف) مثلًا ذكرها المصنف هنا (2)، ونقلها بتطويل عن ابن تيمية، وظفرتُ بها -على طولها- في "مجموع الفتاوى" (26/ 176 - 218).
ومسألة (ضمان البساتين)، لما ذكرها في كتابنا (2/ 213) وذكر الأقوال فيها، قال عن الجواز: "واختاره شيخنا، وأفرد فيه مصنفًا"، وانظر تعليقنا على الموطن المذكور، فهناك بيان اسم هذا المصنّف، ونسخه الخطية، واللَّه الموفق.
وهكذا في مسائل كثيرة في مختلف العلوم، والناظر في الهوامش يجد عزوًا كثيرًا ل"مجموع الفتاوى"، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 485 و 2/ 174، 190، 211، 212، 212 - 213، 214، 225، 228 - 229، 231، 237 - 238، 243، 244، 244 - 245، 247 - 248، 248 - 250، 250 - 253، 255 - 256، 272، 300، 319، 362، 363، 368، 393، 424، 428، 539 و 3/ 371، 382، 463 و 4/ 310، 330، 363، 397، 400، 417، 420، 423، 428، 456، 469، 470، 491، 505، 539 و 5/ 64، 230، 431، 453).
ونَقلُ المصنف لم يقتصر من كتب ابن تيمية على هذا، وإنما نقل نصوصًا
__________
= في (28) ورقة، كما في "المنتخب من مقتنيات معهد المخطوطات بباكو" (44)، وفي مركز المخطوطات بالكويت (124/ 1): "المسألة البغدادية فيما يحل ويحرم من الطلاق" في (31) ورقة.
(1) جهدتُ في توثيق المسائل مما وقع تحت يدي من كتب شيخ الإسلام، ولا سيما "مجموع الفتاوى" له، ووثقتُ الاختيار من غيره أحيانًا، مثل "شرح العمدة" له أيضًا، انظر: (4/ 506 و 5/ 303)، ووثقت اختياراته أيضًا من "الاختيارات الفقهية" للبعلي انظر -على سبيل المثال-: (2/ 226، 311 و 4/ 330، 331، 404، 491، 512).
(2) انظر: "إعلام الموقعين" (3/ 375)، ومن محفوظات مكتبة جامعة الإمام ابن سعود بالرياض، برقم (8959/ 1/ خ) مجموع في (230 ق)، والرسالة قبل الأخيرة فيه "فصل في طواف الحائض والجنب والمحدث" لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهي عين ما في "مجموع الفتاوى".
(1/152)

طويلة من "تفسير آيات أشكلت"، وعزاها لابن تيمية، ولم يسم الكتاب، انظر (2/ 73، 411، 397 - 414).
ومما ينبغي ذكره هنا أمور:
أولًا: كانت عبارات المصنف دقيقة، فتارة كان يصرح باختيار ابن تيمية، وتارة يقول: "وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى هذا القول" (1) و"كان شيخنا يجنح إليه" (2).
ثانيًا: كان يرجِّح اختيار شيخه ابن تيمية على مذهب أحمد، فها هو -مثلًا- يقول في (مسألة شراء المسلم طفلًا كافرًا)، و (مسألة السابي) (3) هل يحكم بإسلامهما؟ قال: "نحكم بإسلامه، قاله شيخنا قدس اللَّه روحه" (4) ثم قال: "ولكن جادة المذهب أنه -أي السابي- باقٍ على كفره كما لو سُبي مع أبويه وأولى" قال: "والصحيح قول شيخنا، لأن. . . " (5).
ثالثًا: كان يذكر أحيانًا اختياراته، ويقول: "وغيره من الأصحاب" هكذا بالإبهام، انظر -على سبيل المثال-: (4/ 491، 505)، ويقرنه أحيانًا بذكره لإمام من أئمة الفقه، انظر -مثلًا- (4/ 404).
رابعًا: كان رحمه اللَّه يقرر أشياء بإجمال، وتفصيلها في كتب شيخه ابن تيمية، وأذكر مثالين، أحدهما صرح بذلك، والآخر لم يصرح.
أما الأول، فقوله (2/ 428): "ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي من أكثر من ثلاثين وجهًا، ذكرها شيخنا رحمه اللَّه في بعض تصانيفه" (6).
وأما الآخر؛ فقوله بعد سرده مكفرات الذنوب: "فهذه عشرة أسباب تمحق أثر الذنب" (7)، وهي موجودة بتفصيل وتأصيل وتدليل في كلام شيخه ابن تيمية في
__________
(1) "إعلام الموقعين" (4/ 496).
(2) "إعلام الموقعين" (5/ 453).
(3) صورة المسألة: إذا زوج الذمي عبده الكافر من أمته، فجاءت بولد، أو تزوّج الحرُّ منهم بأَمَةِ فأولدها، ثم باع السيدُ هذا الولَدَ لمسلمٍ.
(4) "إعلام الموقعين" (2/ 272).
(5) "إعلام الموقعين" (2/ 272 - 273).
(6) "إعلام الموقعين" (2/ 428) وقارن -غير مأمور- ب "مجموع الفتاوى" (11/ 671، 28/ 129، 29/ 279)، وذكر في كتابه "الفوائد" (ص 153 - 164) ثلاثًا وعشرين وجهًا في التفصيل المذكور، وفي الظاهرية تحت رقم (20/ 114 - المجموع) لابن تيمية "قاعدة أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه".
(7) "إعلام الموقعين" (3/ 77).
(1/153)

"منهاج السنة النبوية" (6/ 205 - 239) و"مجموع الفتاوى" (7/ 487 - 501) وانظره أيضًا (4/ 432).
خامسًا: من الأمور المهمة جدًّا: ذكر المصنف في كتابنا هذا أحوال شيخه، ونصائحه وتوجيهاته له، وأجوبته على أسئلته إياه أو أسئلة غيره مباشرة دون نقل من كتاب، وهي غنية بالفوائد الفرائد، وفي بعضها بيان اختيارات ابن تيمية وتعليق المصنف عليها بتوجيه ماتع، ودقة فائقة، وهذه أمثلة على ذلك:
1 - قال في مسألة (إقامة الإمام الحد على من جاء تائبًا): "وسألت شيخنا عن ذلك، فأجاب بما مضمونه:. . . " (1) وذكر كلامًا، ثم وجهه وقوّاه بالأدلة النقلية، وقال عنه: "وهذا المسلك وسط" قال: "وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط" (2).
2 - قال: "ولقد أنكر بعضُ المقلّدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي، وهي وقف على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم، فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له" (3).
3 - وقال بعد تقرير لمسألة على وجه بديع: "وهذا مما حصلته عن شيخ الإسلام -قدس اللَّه روحه- وقت القراءة عليه، وهذه كانت طريقته، وإنما يقرر أنّ القياس الصحيح هو ما دلّ عليه النص، وأن من خالف النص للقياس فقد وقع في مخالفة القياس والنص معًا" (4).
4 - ونقل إشكالًا في مسألة عن شيخه، وأنَّ حلَّه كان في منامٍ له، رأى فيه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأرشده إليه، قال (4/ 372): "وقال شيخنا: كان يشكل عليَّ أحيانًا حالُ من أُصلِّي عليه من الجنائز، هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في المنام، فسألتُه عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد! الشرط الشرط، أو قال: علّق الدعاء بالشرط، وكذلك أرشد أمته -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى تعليق الدعاء بالحياة والموت بالشرط. . . " (5) وأخذ في الاستدلال على ذلك.
__________
(1) "إعلام الموقعين" (2/ 311).
(2) "إعلام الموقعين" (2/ 312).
(3) "إعلام الموقعين" (2/ 542 - 543).
(4) "إعلام الموقعين" (3/ 158).
(5) "إعلام الموقعين" (4/ 372)، وانظر المسألة بتفصيل في كتابي "مسائل أعيت العلماء" يسر اللَّه إتمامه بخير وعافية.
(1/154)

5 - قال في مسألة (البيع بما ينقطع به السعر) -وقرر الجواز-: "وهو الصواب المقطوع به، وهو عمل الناس في كل عصر ومصر" قال: "وهو منصوص الإمام أحمد، واختاره شيخُنا، وسمعته يقول: هو أطيب لقلب المشتري من المساومة، يقول: لي أسوةٌ بالناس، اخذ بما يأخذ به غيري. قال رحمه اللَّه ورضي عنه: والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه، بل هم واقعون فيه، وليس في كتاب اللَّه تعالى ولا سنة رسوله ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ما يحرمه. . . " (1) وأخذ بتأييده بسرده الأشباه والنظائر له.
6 - قال في مسألة (تبرع المديون بما يضر بأرباب الدين) -وقرر المنع-: "وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه يحكي عن بعض علماء عصره من أصحاب أحمد، أنه كان ينكر هذا المذهب، ويضعّفه، قال: إلى أنْ بُلِي بغريم تبرَّع قبل الحجر عليه، فقال: واللَّه، مذهب مالك هو الحق في هذه المسألة" (2).
7 - قال مبيِّنًا حال شيخ الإسلام لما تُعيِيه المسائل: "وشهدتُ شيخ الإسلام -قدّس اللَّه روحه- إذا أعيته المسائل، واستعصت عليه، فرَّ منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة باللَّه، واللجأ إليه، واستنزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلَّما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيَّتهنّ يبدأ، ولا ريب أن مَن وُفِّق لهذا الافتقار علمًا وحالًا، وسار قلبه في ميادينه حقيقة وقصدًا، فقد أُعطِي حظه من التوفيق، ومن حُرِمه، فقد منع الطريق والرفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق، فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم" (3).
8 - ذكر من (فقه المفتي): (إذا منع من محظور دلَّ على مباح) وقال عن شيخه بهذا الصدد: "ورأيت شيخنا -قدس اللَّه روحه- يتحرَّى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرًا فيها" (4).
9 - قال: "وسمعتُ شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسًا فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر، فقلتُ له: ما هذه الحكومة؟
__________
(1) "إعلام الموقعين" (4/ 401).
(2) "إعلام الموقعين" (4/ 404 - 405).
(3) "إعلام الموقعين" (5/ 67 - 68).
(4) "إعلام الموقعين" (5/ 47).
(1/155)

فقال: هذا حكم اللَّه! فقلت له: صار قول زفر هو حكم اللَّه الذي حكم به، وألزم به الأمة؟! قل: هذا حكم زفر، ولا تقل: هذا حكم اللَّه، أو نحو هذا من الكلام" (1).
10 - ونقل تعليقًا لابن تيمية على صنيع مفتٍ كان في زمانهم يكتب في فتاويه: "يجوز كذا أو يصح كذا، أو ينعقد، بشرطه" قال المصنف: "وسمعت شيخنا يقول: كل أحد يحسن أن يفتي بهذا الشرط، فإن أي مسألة وردت عليه، يكتب فيها: يجوز بشرطه، أو يصح بشرطه، أو يقبل بشرطه، ونحو ذلك، وهذا ليس بعلم، ولا يفيد فائدة أصلًا سوى حيرة السائل وتنكده" (2).
11 - ونقل المصنف عن شيخه ردًا على فهم مغلوط لبعض فقهاء عصره في فتاوى العلماء، فتعرض -مثلًا- لمسألة (الوقف على أهل الذمة) وأن بعض الفقهاء صححوه، قال: "فأنكر ذلك شيخنا عليه غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء. . . " إلى قوله: "فغلظ طبع هذا المفتي، وكثف فهمه، وغلظ حجابه عن ذلك، ولم يميز" (3).
12 - ونقل فتوى عزيزة في لباس أهل الذمة وأنه "حصل لهم بذلك -أي: بإلزامهم بلباس غير لباسهم المعتاد، وزي غير زيهم المألوف- ضرر عظيم في الطرقات والفلوات، وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاع، وآذوهم غاية الأذى" وهل يجوز للإمام ردهم إلى زيهم الأول؟ قال: "فأجابهم مَنْ مُنع التوفيق، وصُدَّ عن الطريق بجواز ذلك" قال: "قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلت: لا تجوز إعادتهم إلى ما كانوا عليه، ويجب إبقاؤهم على الزي الذي يتميّزون به عن المسلمين، فذهبوا، ثم غيَّروا الفتوى، ثم جاءوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم، فذهبوا ثم أتوا بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المعينة، وإنْ خرجت في عدة قوالب، ثم ذهب إلى السلطان، وتكلم عنده بكلام عجب منه الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم، وللَّه الحمد. ونظائر هذه الحادثة أكثر من أن تحصى. . . " (4).
13 - وذكر في مسألة (دلالة العالم للمستفتي على غيره) قال: "وكان شيخنا -قدس اللَّه روحه- شديدَ التّجنُّبِ لذلك، ودللتُ مرة بحضرته على مُفْتٍ أو
__________
(1) "إعلام الموقعين" (5/ 73).
(2) "إعلام الموقعين" (5/ 76).
(3) "إعلام الموقعين" (5/ 85 - 86).
(4) "إعلام الموقعين" (5/ 97 - 98).
(1/156)

مذهب، فانتهرني. وقال: ما لك وله؟ دعه عنك، ففهمتُ من كلامه: إنك لتبوء بما عساه يحصل له من الإثم، ولمن أفتاه، ثم رأيت هذه المسألة بعينها منصوصة عن الإمام أحمد. . . " (1).
14 - وذكر فائدة فقهية دقيقة عن شيخه في الفرق بين مسألتين، هما: إذا شهد الرجل جنازة، فرأى فيها منكرًا، لا يقدر على إزالته أنه لا يرجع، بينما في وليمة العرس يرجع، قال المصنف: "فسألتُ شيخنا عن الفرق؟ فقال: لأن الحقّ في الجنازة للميّت، فلا يُترك حفه لما فعله الحيُّ من المنكر، والحقُّ في الوليمة لصاحب البيت، فإذا أُتي فيها بالمنكر، فقد أسقط حقّه من الإجابة" (2).
15 - قال: "وسمعت شيخنا يقول: سمعت بعض الأمراء يقول عن بعض المفتين من أهل زمانه، يكون عندهم في المسألة ثلاثة أقوال، أحدها: الجواز، والثاني: المنع، والثالث: التفصيل، فالجواز لهم، والمنع لغيرهم، وعليه العمل! " (3).
16 - وقال عند حديثه عمن أفتى الناس، وهو ليس بأهل للفتوى: "وكان شيخنا -رضي اللَّه عنه- شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أَجُعِلتَ محتسبًا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب؟! " (4).
17 - وقال في مسألة (ما يصنع المفتي إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى؟): "وسمعتُ شيخنا رحمه اللَّه تعالى يقول: حضرتُ عَقْدَ مجلس عند نائب السلطان في وقف، أفتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين، فقرأ جوابه الموافق للحق، فأخرج بعضُ الحاضرين جوابه الأول، وقال: هذا جوابك بضدّ هذا، فكيف تكتب جوابين متناقضين في واقعة واحدة؟ فوجم الحاكم، فقلت: هذا من علمه ودينه، أفتى أولًا بشيء، ثم تبيّن له الصواب، فرجع إليه، كما يفتي إمامه بقول، ثم يتبيّن له خلافه، فيرجع إليه، ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه، وكذلك سائر الأئمة، فسُرَّ القاضي بذلك، وسُرِّي عنه" (5).
__________
(1) "إعلام الموقعين" (5/ 117).
(2) "إعلام الموقعين" (5/ 130).
(3) إعلام الموقعين" (5/ 124).
(4) "إعلام الموقعين" (5/ 131).
(5) "إعلام الموقعين" (5/ 160).
(1/157)

18 - وذكر قصة طريفة، فيها فائدة وإنصاف وتربية عن شيخه، قال: "وقد سمعت شيخنا رحمه اللَّه يقول: جاءني بعض الفقهاء من الحنفية، فقال: أستشيرك في أمر. قلت: وما هو؟ قال: أريد أن أنتقل عن مذهبي. قلت له: ولم؟ قال: لأني أرى الأحاديث الصحيحة كثيرًا تخالفه، واستشرتُ في هذا بعض أئمة أصحاب الشافعي، فقال لي: ولو رجعت عن مذهبك لم يرتفع ذلك من المذهب، وقد تقررت المذاهب، ورجوعك غير مفيد، وأشار عليَّ بعض مشايخ التصوف بالافتقار إلى اللَّه، والتضرع إليه، وسؤال الهداية لما يحبه ويرضاه، فماذا تشير به أنت عليَّ؟
فقلت له: اجعل المذهب ثلاثة أقسام:
- قسم الحق فيه ظاهر بيِّن، موافق للكتاب والسنة، فاقضِ به، وأنت به طيب النفس، منشرح الصدر.
- وقسم مرجوح، ومخالفُه معه الدليل، فلا تُفْتِ به، ولا تحكم به، وادفعه عنك.
- وقسم من مسائل الاجتهاد التي الأدلة فيها متجاذبة، فإن شئت أن تفتي به، وإن شئت أن تدفعه عنك.
فقال: جزاك اللَّه خيرًا، أو كما قال" (1).
19 - ونقل في مسألة (هل للمفتي المنتسب إلى مذهب إمام بعينه أن يفتي بمذهب غيره إذا ترجح عنده؟) كلامًا عن شيخه، فيه حق وعدل، قال: "فسألت شيخنا -قدس اللَّه روحه- عن ذلك، فقال: أكثر المستفتين لا يخطر بقلبه مذهبٌ معين عند الواقعة التي يسأل عنها، وإنما سؤاله عن حكمها، وما يعمل به فيها، فلا يسع المفتي أن يفتيه بما يعتقد الصواب في خلافه" (2).
20 - وذكر شيئًا عن حال شيخه ودعائه عند الفتوى، قال: "وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك (3)، وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: يا معلّم إبراهيم! علِّمني، ويكثر الاستغاثة بذلك، اقتداءً بمعاذ" (4).
21 - وأخيرًا. . . نقل عن شيخه فائدة في حكم إفتاء من جعل السؤال توصلًا إلى
__________
(1) "إعلام الموقعين" (5/ 165 - 166).
(2) "إعلام الموقعين" (5/ 167).
(3) أي بالدعاء المأثور: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل. . . " وهو في "صحيح مسلم" (770).
(4) "إعلام الموقعين" (5/ 197).
(1/158)

حصول أغراضهم بأي طريق وافق، وقرر أنه لا يجب على المفتي مساعدتهم، قال: "وقال شيخنا رحمه اللَّه مرة: أنا مخيّر بين إفتاء هؤلاء وتركهم، فإنهم لا يستفتون للدين، بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إليّ، بخلاف من يسأل عن دينه" (1).
سادسًا: ومن الأمور المهمة أيضًا: أن المصنّف أقام وزنًا علميًا لفتاوى شيخه واختياراته، ودعى أن تكون مثل اختيارات غيره من علماء الحنابلة المحررين المعروفين، اسمع إليه وهو يقول: "ولا يختلف عالمان متحلّيان بالإنصاف أنّ اختيارات شيخ الإسلام لا تتقاصر عن اختيارات ابن عقيل وأبي الخطاب، بل وشيخهما أبي يعلى، فإذا كانت اختيارات هؤلاء وأمثالهم وجوهًا يفتى بها في الإسلام، ويحكم بها الحكام، فلاختيارات شيخ الإسلام أسوة بها إن لم ترجح عليها، واللَّه المستعان، وعليه التكلان" (2).
سابعًا: لا بد من التركيز على أصالة ابن القيم في اتباعه لابن تيمية. نعم هو معجب بمنهجه في الاستدلال، مرددًا أقواله، لكنه لم يكن مقلدًا له تقليدًا أعمى (3). وإنما كان متبعًا للكتاب والسنة والآثار، ولم يرض أن يجعل أحدًا -كائنًا من كان- عيارًا على الدين، فاستمع إليه وهو يقول عن التابعين: "لا يجعلون مذهبَ رجلٍ عيارًا على القرآن والسنن، فهؤلاء أتباعهم -أي السابقين الأولين- حقًا، جعلنا اللَّه منهم بفضله ورحمته" (4) وتأمل قوله بعد ذكره مسألة: "وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه يدل النص والقياس" (5) وهكذا فعل في جُلّ اختيارات ابن تيمية (6)، فإنه ذكر أدلتها، وأيّدها بحجة قوية ودليل ظاهر، كيف لا، وهو قد أصّل في كتابه هذا حرمة التقليد، وعاب عليهم عدم الأخذ بالدليل، واتباع السلف، فاستمع إليه وهو يقرع المقلدين: "فلم تنكرون على من
__________
(1) "إعلام الموقعين" (5/ 200).
(2) "إعلام الموقعين" (4/ 543).
(3) انظر رد فرية: (ابن القيم نسخة عن شيخه)، في كتاب "ابن القيم حياته وآثاره" (ص 83 - 85).
(4) "إعلام الموقعين" (2/ 542).
(5) "إعلام الموقعين" (3/ 463) ومثله كثير، منه قوله في (5/ 64)، بعد كلام: "وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه، وبه تجتمع الأحاديث، وهو اختيار شيخ الإسلام ومذهب فقهاء البصرة، ولا نختار غيره".
(6) لا أعرف كتابًا لابن القيم اعتنى فيه باختيارات شيخه ابن تيمية مثل هذا الكتاب، وقوي عندي إفراد هذه الاختيارات في فهرس خاص، إلا أن ما ذكرته هنا تحت (بين المصنف وشيخه ابن تيمية)، وفي فهرس (الأعلام) في مواطن ذكر (ابن تيمية) أغنى عن ذلك، واللَّه الموفق.
(1/159)

اقتدى بهما (أي: الكتاب والسنة)، وحَكَّمَهُما، وتحاكم إليهما، وعرض أقوال العلماء عليهما، فما وافقهما قبله، وما خالفهما ردّه؟ فهب أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود، فلم تنكرون على من وصل إليه، وذاق حلاوته"؟ (1).
ثامنًا: ومما له صلة بكتابنا أن ابن القيم أخذ الفقه عن كثير من المشايخ (2) غير ابن تيمية، ومن بين من أخذ عنهم: أخو الشيخ أحمد: أبو محمد شرف الدين (3)، وذكر في كتابنا هذا اختيارًا له، انظر (4/ 539).
ومما ينبغي ذكره: أن مترجمي المصنف (4) ذكروا كتبًا قرأها على شيخه ابن تيمية، مثل: قطعة من "المحرر"، وقطعة من "المحصول" ومن كتاب "الأحكام" للآمدي، وقطعة من "الأربعين" و"المحصل" للصفي الهندي، وأنه قرأ عليه كثيرًا من تصانيفه، وقد سبق بيان بعضها، وأن ابن تيمية ألف بعضها إجابة على سؤال وجهه إليه تلميذه ابن القيم.
والخلاصة: أن ابن القيّم أسهب وأصّل وقعّد ما كان يفتي به شيخه ابن تيمية، وأنه في تصانيفه "يدندن حول مفردات ابن تيمية وينصرها، ويحتج لها" (5)، وأنه "من ألمع تلاميذ ابن تيمية، ويعتبر تفكيره امتدادًا للحركة الإصلاحيّة الواسعة التي أقام صرحَها شيخُه، فقد كان الوارث لذلك التراث العلمي الضخم، الذي خلفه ابن تيمية، فعمل على تنظيمه وتبويبه ونشره. ونصب نفسه مدافعًا عن آرائه في حماس لا مزيد عليه، وإن كان يخالفه أحيانًا في بعض الفتاوى" (6) وأنه "اتخذه مثلًا أعلى، ولازمه مدةً طويلة، وأخذ عنه علمًا جمًّا، واقتبس منه اتجاهه الحر في البحث، واتّبع مذهبه، ونهج نهجه في مقاومة الطوائف الزائغة عن عقيدة السلف، وقد جَرَّتْ له هذه الصحبة، وهذا الاتحاد في المنهج أتعابًا ومحنًا، أصابه منها ما أصاب شيخه من أذى واعتقال" (7) وأنه على كثرة مشايخه لم "يتأثر
__________
(1) "إعلام الموقعين" (3/ 34).
(2) سبق ذكر بعضهم، انظر (ص 75).
(3) نص على ذلك جمع، منهم: الصلاح الصفدي في "أعيان العصر" (4/ 366) قال: "وأما الفقه، فأخذه عن جماعة منهم:. . . ومنهم: الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وأخوه الشيخ شرف الدين".
(4) انظر -مثلًا-: "أعيان العصر" (4/ 366 - 367)، و"الوافي بالوفيات" (2/ 195 - 196).
(5) "الدرر الكامنة" (3/ 402) و"البدر الطالع" (2/ 144)، و"أبجد العلوم" (3/ 140).
(6) "الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي" (291).
(7) "الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي" (292).
(1/160)

بواحد منهم مثلما تأثّر بشيخه ابن تيمية، الذي كان يحل محل ابنه، يوجّهه ويرسم له المناهج القويّة، ويسدي إليه النصائح الرشيدة" (1) وأنه "تشبع بآراء أستاذه الجريئة، واقتنع بمبادئه الإصلاحئة، وتألّم مثله بما كان يشاهده في عصره من انحلالٍ اجتماعي وسياسي، وتناحر مذهبي وطائفي، جعل المسلمين في حال تشتت وفوضى، فانطلق يؤيده في كفاحه الإصلاحي في حياته، ويواصل تحقيق مراميه بعد مماته، وكانت هناك وحدة في الاتجاه، واتفاق في المقاصد والأغراض، فدعا مثل أستاذه إلى التحرر الفكري ونبذ التقليد، وبيَّنَ أن باب الاجتهاد (2) مفتوح على مصراعيه لكل من وجد فيه الأهلية وتوفرت لديه أدواته، كما دعا إلى الوحدة وجمع الكلمة بالرجوع إلى الكتاب والسنة وتحكيمهما في كل اختلاف واقع بين المذاهب، وبذلك يقع اختيار ما هو الأحسن والأوفق.
اكتسب ابن القيم من شيخه قوة في الجدل وإقامة الحجة، غير أنه كان هادئًا صبورًا في جداله ومعارضاته عل خلاف ما عرفت من حدة وثورة في شيخه، ولعل ذلك يرجع إلى أن ابن تيمية كان زعيم هذه الحركة الإصلاحية وحامل لوائها فاشتد النزاع بينه وبين خصومه مما ألجأ كُلًّا من الطرفين أن يستعمل ما يملك من جهد للإطاحة بالآخر، فلما خلفه ابن القيم كان النزاع قد فترت حدته وخفت وطأته، لأن فكرة الإصلاح وجدت سبيلها إلى الأنفس وحصلت على مناصرين عديدين فصارت تعتمد على الهدوء والاتزان" (3).
__________
(1) "الاجتهاد والتجديد في الشريع الإسلامي" (292).
(2) لا يوجد باب للاجتهاد، حتى يقال: هو هل مفتوح أم لا؟ بل هناك شروط نصّ عليها العلماء، فمتى توفّرت جاز الاجتهاد، وإلا فلا، مع التنويه على أن الاجتهاد يتجزّأ على أصح الأقوال عند الأصوليين.
(3) "الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي" (293).
(1/161)

منهج ابن القيم في كتابه
يتضح لنا من خلال العرض السابق، والنظر الفاحص المتمعن في الكتاب، أن لصاحبه منهجًا مطردًا علميًّا فيه، نجمله في المحاور الأربعة الآتية:

المحور الأول: الاستدلال والاستنباط:
ابن القيم إمام ربانيّ، لا يطوي قلبه، ولا يسطر يَراعُهُ حكمًا في مسألة من غير دليل، يشمل هذا كتابنا وغيره، وذكر ذلك العلماء في ترجمته، فيقول -مثلًا- الشوكاني عنه: "كان متقيّدًا بالأدلة الصحيحة، معجبًا بالعمل بها، غير معوّل على الرأي، صادعًا بالحق، لا يحابي فيه أحدًا" (1).

* وجوب ذكر الدليل والتحقق من صحته:
وقال: "وليس له على غير الدليل معول في الغالب، وقد يميل نادرًا إلى مذهب الذي نشأ عليه، ولكنه لا يتجاسر على الدفع في وجوه الأدلّة بالمحامل الباردة، كما يفعله غيره من المتمذهبين، بل لا بد له من مستند في ذلك، وغالب أبحاثه الإنصاف، والميل مع الدليل حيث مال، وعدم التعويل على القيل والقال" (2).
وقال عنه أيضًا: "وبالجملة؛ فهو أحد من قام بنشر السنة، وجعلها بينه وبين الآراء المحدثة أعظم جُنّة، فرحمه اللَّه، وجزاه عن المسلمين خيرًا" (3).
ويركز ابن القيم في كتابه هذا تركيزًا شديدًا على ضرورة ذكر الدليل، فقال:
"ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك، ولا يُلقيه إلى المستفتي ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عطنه، وقلّة بضاعته من العلم" (4)، وبيّن أن هذا هو طريق أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خلافًا لأهل الأهواء والبدع، فقال:
__________
(1) "البدر الطالع" (2/ 143 - 144).
(2) "البدر الطالع" (2/ 144 - 145).
(3) "البدر الطالع" (2/ 145).
(4) "إعلام الموقعين" (5/ 49).
(1/162)

"وقد كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سُئلوا عن مسألة يقولون: قال اللَّه كذا، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كذا، وفعل كذا، ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلًا قط فمن تأمَّل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور، فلما طال العهد وبُعدُ الناسِ من نور النبوة صار هذا عيبًا عند المتأخرين أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه قال اللَّه، وقال رسول اللَّه، أما أصول دينهم فصرحوا في كتبهم أن قول اللَّه وقول رسوله لا يفيد اليقين في مسائل أصول الدين، وإنما يحتج بكلام اللَّه ورسوله فيها الحشوية والمجسمة والمشبهة، وأما فروعهم فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعض المختصرات التي لا يُذكَرُ فيها نَصٌّ اللَّه تعالى، ولا عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن الإمام الذي زعموا أنهم قلَّدوه دينهم، بل عمدتهم فيما يفتون ويقضون به وينقلون به الحقوق ويبيحون به الفروج والدماء، والأموال على قول ذلك المصنِّف، وأجلّهم عند نفسه وزعيمهم عند بني جنسه من يستحضر لفظ ذلك الكتاب ويقول: هكذا قال، وهذا لفظه، فالحلال ما أحلَّه ذلك الكتاب، والحرام ما حرمه، والواجب ما أوجبه، والباطل ما أبطله، والصحيح ما صححه هذا. . . " (1).
وقال أيضًا: "عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أولى بالمُعيب، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل، فكيف يكون ذكر كلام اللَّه ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة رضوان اللَّه عليهم والقياس الصحيح عيبًا؟ وهل ذكر قول اللَّه ورسوله إلا طراز الفتاوى؟ وقول المفتي ليس بموجب للأخذ به، فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي أن يخالفه وبرئ هو من عهدة الفتوى بلا علم.
وقد كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال ويشبهها بنظائرها، هذا وقوله وحده حجة، فما الظن بمن ليس قوله بحجة؟ ولا يجب الأَخذ به وأحسن أحواله وأعلاها أن يسوغ له قبول قوله، وهيهات أن يسوغ بلا حجة، وقد كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ورضي عنهم إذا سئل أحدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها فيقول: قال اللَّه كذا، وقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كذا أو فعل كذا، فيشفى السائل، ويبلغ القائل، وهذا كثير جدًّا في فتاويهم لمن تأمَّلها، ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه وعلمه يأبى أن
__________
(1) "إعلام الموقعين" (5/ 65).
(1/163)

يتكلم بلا حجة، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل، ثم طال الأمد وبَعُدَ العهد بالعلم وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط، ولا يذكر للجواب دليلًا، ولا مأخذًا ويعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمه، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يُدرى ما حالهم في الفتاوى، واللَّه المستعان" (1).
وقد اختار ابن القيم هذا الموقف في العصر الذي كان فيه التقليد بالمعين أمرًا سائدًا؛ بحيث كان يظن كل فقيه ومفت أن العمل على مذهب إمامه واجب، وأنه لا تجوز مخالفته في حالة ما، ولذلك كانت الطريقة المتبعة عند الفقهاء أنهم كانوا لا يستدلون على المسائل الطارئة من النصوص الشرعية، بل كانوا يكتفون بذكر المقتبسات من الكتب الفقهية أو بنقل آراء الفقهاء، ولكن العلامة ابن القيم قد خالف هذا المنهج، والتزم عند استنباط المسائل واستخراجها طريقة منفردة منه، وروجها وعممها، وهي: أنه كان يرجع أولًا للعلم بوجهة الشريعة في المسائل الطارئة إلى الكتاب والسنة ويستأنس فيها بآثار الصحابة والتابعين، وكان يذكر في هذا الصدد آراء أئمة الفقه أيضًا، وإن كان يضطر إلى اختيار أثر من آثار الصحابة والتابعين وقول من أقوالهم، أو إلى رأي من آراء الفقهاء في مسألة عند عدم وجود نص صريح واضح من الكتاب والسنة فيها، فكان يقبل ويرجح قطعيًا في هذه الحالة رأيًا أقرب إلى الكتاب والسنة وإن لم يوافق ذلك مذهبه الفقهي، وكان يتبع هذا المنهج أيضًا عند الاجتهاد في المسائل المتجددة فكان يقوي ويبرهن فتواه وقوله بنصوص من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين لا بأقوال الفقهاء، ولا يعني هذا أنه لا يوجد ذكر الكتاب والسنة قطعًا لدى تشريح المسائل الفقهية وتوضيحها أو تفريعها عند غيره من الفقهاء المعاصرين له، بل الاستشهاد والاستئناس بالنصوص الشرعية عندهم أيضًا يوجد بدون شك، ولكنه تبعًا لأنهم كانوا يذكرون مواقف أئمتهم من الفقهاء المجتهدين وحججهم بدلًا من أن ينتفعوا بهذه النصوص مباشرة، فيكتفون بنقل النصوص الواردة في دلائل أئمتهم، أما ابن القيم فعندما كان يتعرض للمسائل الفقهية كان يستأنف التفكير في الكتاب والسنة وبعد التفكير وإمعان النظر في الأدلة كان يستنتج النتائج، ثم إن لم يكن بد من مزيد التصريح والتوضيح فيستأنس بآراء الفقهاء القدامى.
__________
(1) "إعلام الموقعين" (5/ 200 - 201).
(1/164)

ومحصل الكلام أنه رحمه اللَّه لم يوجب على نفسه تقليد الأشخاص والرجال واتباعهم في الفقه وغيره من الأمور، بل كان يعتبر الكتاب والسنة وآثار الصحابة أسوة وقدوة لنفسه، وإن هذه الوجهة تضاعف بها التوطيد والتدعيم في ارتباط الفقه مع القرآن والسنة وبها قوي واستحكم أمر إجالة الفكر والنظر والاجتهاد في المسائل الفقهية.
وهذه السمة في منهجه الفقهي منحته رفعة وعظمة وقبولًا عند جميع المنصفين.
- ترتيب الأدلة:

* معنى كتاب اللَّه عند ابن القيم (1):
- من خلال النقولات السابقة نجد أن ابن القيم اعتبر النصوص أصلًا أولًا للاستنباط، ويراد بالنصوص، نصوص الكتاب والسنة، ولم يهتم ابن القيم بإعطاء تعريف للكتاب والسنة، إلا ما جاء عرضًا، حيث نجده يبيّن من خلال رسالة عمر إلى أبي موسى المراد من لفظ (كتاب اللَّه) الوارد في "ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه. . . " (2)، فيقول:
"ومعلوم أنه ليس المراد به القرآن قطعًا، فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، بل علمت من السنة، فعلم أن المراد بكتاب اللَّه حكمه، كقوله {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24]، وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كتاب اللَّه القصاص في كسر السن" (3) فكتابه سبحانه يطلق على كلامه وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-" (4).

* منزلة القرآن والسنة من الاستنباط:
يظهر من خلال ما سبق أن القرآن والسنة عند ابن القيم في منزلة واحدة، ويؤكد ذلك أمور:
أولًا: قال في معنى (الذكر): "اللَّه أمر بسؤال أهل الذكر، والذكر هو
__________
(1) انظر: "ابن القيم أصوليًا" (48).
(2) انظر تخريجه في التعليق على (1/ 93، 3/ 112).
(3) انظر تخريجه في التعليق على (2/ 113).
(4) "إعلام الموقعين" (2/ 114).
(1/165)

القرآن، والحديث الذي أمر اللَّه نساء نبيّه أن يذكرنه بقوله: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34]، فهذا هو الذكر الذي أمرنا اللَّه باتباعه" (1).
فجعل رحمه اللَّه الكتاب والسنة في منزلة واحدة.
ثانيًا: لما عدّ أصول الإمام أحمد (2)، اعتبر الكتاب والسنة شيئًا واحدًا أو أصلًا واحدًا، فعبر عنه بالنصوص، فهو بذلك يضعهما في رتبة واحدة، للتلازم بين الكتاب والسنة، من حيث أن السنة مبيّنة ومفصّلة وموضّحة لمجمل القرآن.
ثالثًا: ذكر أن اللَّه عز وجل نصب رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "منصب المبلغ المبتن عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن اللَّه أن هذا شرعه ودينه" (3) قال:
"ولا فرق بين ما يبلِّغه عنه من كلامه المتلو، ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا" (4).
فهذا تصريح منه في وجوب امتثال أوامر الكتاب والسنة، واجتناب نواهيهما.
رابعًا: قال في معنى (الرد) الواجب عند التنازع في قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، "إن الناس أجمعوا أنّ الرد إلى اللَّه سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- هو الرد إليه نفسه في حياته، وإلى سنّته بعد وفاته" (5).
وجاء هذا الرد في سياق واحد، لخروجهما من مشكاة واحدة.
خامسًا: لما تحدث عن إتيان السنة بأحكام زائدة عن القرآن، قال: "فما كان منها زائدًا عن القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، تجب طاعته فيه، ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديمًا لها على كتاب اللَّه، بل امتثال لما أمر اللَّه به من طاعة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-" (6).
سادسًا: قوله عند شرح حديث: "إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب اللَّه وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض" (7): "فلا يجوز
__________
(1) "إعلام الموقعين" (2/ 529).
(2) انظرها في "الإعلام" (1/ 50).
(3) "الإعلام" (3/ 97).
(4) "الإعلام" (3/ 97 - 98).
(5) "إعلام الموقعين" (1/ 93).
(6) "إعلام الموقعين" (3/ 84 - 85).
(7) انظر تخريجه في التعليق على (3/ 84).
(1/166)

التفريق بين ما جمع اللَّه بينهما، ويرد أحدهما بالآخر" (1)، ويدل على هذا استدلاله بحديث: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" (2).
سابعًا: يظهر هذا جليًا عند حديث ابن القيم عن (بيان السنة للقرآن)، نعم، هو مسبوق (3) بما قرره في كتابنا هذا، ولكنه فَصّل في هذا المبحث تفصيلًا دقيقًا جدًّا، يدل على عمق تفكره، وجعله عشرة أقسام (4)، ومن هذه الأقسام:
1 - بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيًا.
2 - بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك.
3 - بيانه بالفعل.
4 - بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن، فنزل القرآن ببيانها.
5 - بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنًا.
6 - أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته، ويحيل اللَّه على رسوله في بيانها.
فهذه الأقسام الست في درجة القرآن من حيث الاحتجاج، تساويه وتدانيه، وهي وإياه في مرتبة واحدة، والأنواع الأخرى تلحق بها، و"أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يقول ولا يفعل ولا يقر ما يخالف القرآن، فهو المبلّغ عن ربه، الخبير بمقاصد الشريعة، والمعصوم من الخطأ" (5).

* ضرورة الاحتجاج بالسنّة:
قرر ابن القيم أن العمل بالسنة والرجوع إليها أمر واجب كالقرآن، فقال عنها: "وهي في وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب، وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلًا"، وقال في مسألة: "وقد دلت السنة الصحيحة الصريحة على ذلك، فلا عبرة بخلاف من خالفها" (6)، وقال: "وهذا صحيح بلا تردد" (7)، بل يرى أن الرد إليها من موجبات الإيمان
__________
(1) "إعلام الموقعين" (3/ 84).
(2) انظر تخريجه في التعليق على (3/ 83).
(3) ذكر الشافعي في "الرسالة" (21 - 22) خمسة وجوه، وانظر: "المستصفى" (1/ 365 - 366)، و"دراسات أصولية في السنة" (49 - 50).
(4) انظرها (3/ 98).
(5) "إعلام الموقعين" (3/ 84).
(6) "إعلام الموقعين" (2/ 87).
(7) "إعلام الموقعين" (2/ 382).
(1/167)

ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان (1)، واستدل على حجيتها بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة، ولا سيما المتبوعين منهم، وصار كلامه مرجعًا لمن ألّف في ذلك (2).

* الاحتجاج بالصحيح من السنة دون الضعيف:
ركز ابن القيم رحمه اللَّه على ضرورة الاحتجاج بالثابت دون المطروح، وبالصحيح دون السقيم، فقال مثلًا -بعد كلام-: "فإن هذه الأحاديث إن كانت حقًا، وجب الانقياد لها، والأخذ بما فيها، وإن لم تكن صحيحة لم يؤخذ بشيء مما فيها، فإما أنْ تصحح ويؤخذ بها فيما وافق قول المتبوع، وتضَعَّف، أو. . . "، وقال في موطن آخر: "إن هذه الأحاديث لم تثبت، ولو ثبتت لم تحل مخالفتها، ووجب العمل بها"، وقال أيضًا: "والذي ندين اللَّه به ولا يسعنا غيره. . أن الحديث إذا صح عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك كل ما خالفه" (3).
ونقل عن أحمد وغيره أن من الصفات اللازمة للمفتي معرفة الحديث الضعيف، وتمييز الإسناد القوي من الضعيف.
وهنالك عشرات الأمثلة التطبيقية في الكتاب، يرد فيها ابن القيم على المخالفين بتضعيف أدلتهم، وينقل كلام أئمة الجرح والتعديل، فها هو يقول مثلًا: "وأما تلك الآثار التي رويتموها، ففيها ضعف" (4) وأخذ في سرد ما يدلل على ذلك ومن دقته في هذا الباب: التمييز بين الثابت في الموقوف والمرفوع (5)، ويعتني بالألفاظ الثابتة في الأحاديث دون غير الثابت في الحديث نفسه عند اختلاف الرواة (6).
ومن إنصافه: تضعيفه آثارًا فيها ما يدل على ترجيحه، فقال: "ولو كنا ممن يفرح بالباطل ككثير من المصنِّفين الذين يفرح أحدهم بما وجده مؤيِّدًا لقوله، فرحنا بهذه الآثار، ولكن ليس فيها غنية، فإنها كلها آثار باطلة موضوعة على
__________
(1) "إعلام الموقعين" (1/ 92).
(2) انظر -على سبيل المثال-: "إيقاظ همم أولي الأبصار"، فإنه أكثر جدًّا من النقل عن كتابنا هذا.
(3) "إعلام الموقعين" (3/ 407).
(4) "إعلام الموقعين" (1/ 241).
(5) انظر مثلًا: (5/ 507).
(6) انظر مثلًا: (5/ 506 - 508).
(1/168)

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (1).
وساق الآثار، وقد تعلَّق بها المختلفون في المسألة، إذ فيها الجواز وعدمه، وقال عنها ملخّصًا حالها: "والمقصود أن الآثار من الطرفين لا مُستراح فيها" (2).

* مؤاخذات حديثيّة على المصنّف:
لم تسلم للمصنّف جميع نقداته للأسانيد، وكلامه عليها (3)، ويمكن حصر المؤاخذات عليه في هذا الباب بالأمور الجملية الآتية:
أولًا: عزوه أحاديث لمصادر هي ليست فيها، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 72، 310، 2/ 381 - 382 و 5/ 295، 426، 494).
ثانيًا: هنالك أحاديث عزاها المصنف لبعض دواوين السنة البعيدة، وهي في "الصحيحين" أو أحدهما، من المثال على ذلك:
ما في (4/ 580) حيث عزاه للطبراني وهو في البخاري، وما في (5/ 584) حيث عزاه للبزار، وهو في "الصحيحين"، وما في (5/ 580) حيث عزاه للطبراني وأبي نعيم وهو في البخاري، وما في (5/ 311) حيث عزاه للنسائي وهو في البخاري وما في (3/ 349 - 350) حيث عزاه للنسائي وهو في مسلم، وما في (5/ 487) حيث عزاه لأبي داود وهو في البخاري، وما في (5/ 445) حيث عزاه لأحمد وأبي داود وهو في مسلم.
ثالثًا: هنالك مؤاخذات في العزو ل"الصحيحين" أو أحدهما، فمثلًا، أورد المصنف في (1/ 411) حديثًا عزاه ل"الصحيحين" ولم يورد لفظهما أو لفظ أحدهما، وإنما أورد لفظ الرامهرمزي في "الأمثال"، وكذلك فعل في (1/ 306) حيث عزى حديثًا و"الصحيحين" وأورد لفظًا ليس فيهما، وأورد في (5/ 155، 210)، حديثًا عزاه لمسلم، ولفظه ليس في "صحيحه" وعزى في (3/ 296) حديثًا
__________
(1) "إعلام الموقعين" (4/ 482).
(2) "إعلام الموقعين" (4/ 482).
(3) من المفيد النافع إفراد منهج المصنف في الصنعة الحديثية في مصنَّف مفرد بتتبع ذلك من خلال كتبه جميعًا، وكذا إفراد مواضيع علم المصطلح، فله رحمه اللَّه تفريعات وإيضاحات وإفاضات وإضافات تنبئ عن حذق وفهم شديدين لهذا العلم، والمؤاخذات التالية من النوع الذي لا يسلم منها إنسان من جهة، وبعضها محتمل، يقبل الأخذ والرد من جهة أخرى، وأَثْبتُّ ما رأيتُه راجحًا بناء على قواعد أهل الصنعة الحديثية، دون الدوران ضمن أحكام عالم بذاته، واللَّه الموفق.
(1/169)

لمسلم عن أنس، وهو عنده عن عبد اللَّه بن عمرو، وفي (3/ 280) حديثًا آخر لمسلم عن ابن عمر، وهو عنده عن ابن أبي أوفى، ومثله خارج "الصحيح"، انظر (2/ 466) و (1/ 424)، وعزى في (5/ 313) حديثًا ل"الصحيحين"، وهو فقط عند البخاري معلقًا.
رابعًا: لم يميز المصنف في بعض الأحايين في عزوه الأحاديث ل"مسند أحمد"، و"زوائد ابنه عبد اللَّه" عليه، انظر (3/ 287 و 5/ 209، 212، 213، 314، 596)، وساق في (5/ 331) حديثًا نقله عن أحمد، ولفظه ناقص، وعزى في (1/ 410 - 411) حديثًا لأحمد عن المستورد وهو فيه عن أبي موسى.
خامسًا: أورد المصنف أحاديث، هي مركبة من حديثين، انظر (2/ 268، و 5/ 505، 548).
سادسًا: هنالك بعض النصوص في الكتاب أوردها المصنف مرفوعة، وهي لم تثبت إلا موقوفة، انظر -على سبيل المثال-: (2/ 416، و 5/ 422 و 4/ 63 - 64، 259)، والعكس، كما في (2/ 191 - 192)، وانظر (1/ 255 و 2/ 504 - 505، 5/ 110 - 111، 290).
سابعًا: هنالك ألفاظ وروايات أوردها المصنف ولم يعزها لأحد، انظر -على سبيل المثال-: (3/ 276، 281، 282، 283).
ثامنًا: هنالك أحكام للمصنف على بعض الأحاديث فيها كلام، والصنعة الحديثية تقضي بخلاف ما قرره (1)، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 459 و 5/ 211، 310 - 311)، وأورد المصنف بعض الأحاديث وسكت عليها في موطن، وضعّفها في موطن آخر، انظر -مثلًا- (5/ 34 - 35)، وسكت على أحاديث لم تثبت، انظر -مثلًا- (3/ 284، 499).
تاسعًا: هنالك آثار عزاها المصنف لغير أصحابها، انظر (1/ 395 و 3/ 305 و 5/ 29).
هذه ملاحظات في مواطن يسيرة (2)، لا تضرّ معرفة المصنف الدقيقة، وتبحره العميق في علوم الحديث: دراية ورواية، فإنه أورد نصوصًا كثيرة جدًّا، وتكلّم عليها بدقة متناهية، ووُفِّق في جُل ذلك، وللَّه الحمد.
__________
(1) انظر مناقشة له في "تمكين الباحث" (ص 92 - 93).
(2) كان سبب بعضها: سبق نظر للمصنف، انظر: (2/ 111).
(1/170)

ومما يدل على سعة معرفة المصنف ودقته (1)، عدم عثوري على ألفاظ أوردها المصنف، مع محاولة شد النفس، والنظر في الفهارس والمسانيد والمعاجم والأجزاء الحديثية، انظر -مثلًا- (3/ 386، 390، و 5/ 335).

* تقديم الأدلة النقلية على غيرها:
ومن المباحث التي تعرض لها ابن القيم، ولها صلة ب (ترتيب الأدلة): تقريره تقديم خبر الآحاد على عمل أهل المدينة (2)، خلافًا للمالكية، وأن "السنة هي العيار على العمل، وليس العمل عيارًا على السنة" (3) وأن العمل الذي يؤخذ به إنما هو "عمل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وخلفائه والصحابة، فذاك هو السنة" بخلاف العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال، "فالواجب المصير إلى الخبر، فإنه دليل منفرد عن مسقط أو معارض" (4)، فلا ينبغي أن "يخلط أحدهما بالآخر، فنحن لهذا العمل أشد تحكيمًا، وللعمل الآخر إذا خالف السنة أشد تركًا" (5).
وأن المعارضة بين الخبر والعمل على نوعين:
- نوع لم يعارضه نص، ولا عمل قبله، ولا عمل مصر آخر غيره.
- نوع عارضه واحد من الثلاثة.
والتسوية بين النوعين تسوية بين المختلفات، التي فرق العقل والنص بينها، والتفريق بينها يتوقف على دليل يعتمد في التمييز بين ما هو معتبر وما هو غير معتبر، وأكد ابن القيم أن أي دليل يذكر لتقديم العمل، إلا كان دليل تقديم النص أقوى (6).
وكذلك رد على الحنفية الذين ردوا خبر الواحد إذا كان الراوي له غير فقيه على زعمهم (7)! ورد قول من قال بعدم أخذ رواية الراوي المخالفة لرأيه (8)، إذ
__________
(1) انظر التدقيق في الألفاظ والعناية بهما في التخريج (2/ 144، 185 - 186، 227 و 3/ 284، 285، 286 و 5/ 284، 285، 344).
وانظر تعديلًا للفظ المصنف في (2/ 189)، وانظر: إدراج لفظة في (5/ 304).
(2) انظر: "إعلام الموقعين" (3/ 339، 340) وسيأتي الكلام بنوع من التفصيل على (عمل أهل المدينة).
(3) "إعلام الموقعين" (3/ 340).
(4) "إعلام الموقعين" (3/ 369).
(5) "إعلام الموقعين" (3/ 369).
(6) "إعلام الموقعين" (3/ 349).
(7) انظر: "مختصر الصواعق المرسلة" (2/ 346 - 347).
(8) انظر: "إعلام الموقعين" (3/ 388 - 389). =
(1/171)

"من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، أو لا يحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا، يقوم في ظنه ما يعارضه، ولا يكون معارضًا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه؛ لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه، ولو قدر انتفاء ذلك كله، ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه، لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفتُهُ لما رواه سقوطَ عدالَتِهِ حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك" (1).
وهذا يتمشى مع ما رسمه ابن القيم من منهج له في تقديم نصوص الوحي على غيرها، ومن هذا الباب: تقديم فتوى الصحابي على الحديث المرسل، لضعفه.
والمرسل عنده حجة إذا توفرت فيه شروط، قال: "والمرسل إذا اتصل به عمل، وعضده قياس، أو قول صحابي، أو كان مرسله معروفًا باختيار الشيوخ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوته، عمل به" (2).
وأما بالنسبة للإجماع، فقد رد كثيرًا من الإجماعات المكذوبة، التي يعطل بعض المنتسبين للفقه بسببها العمل بأحاديث صحيحة خالفتها، وقرر أن الإجماع المعترف بوجوده هو إجماع الصحابة، ولذلك جعله وراء النصوص مباشرة، ومقدمًا على الأحاديث الضعيفة غير الموضوعة (3)، قال:
"فإن علِمَ المجتهد بما دل عليه القرآن والسنة، أَسْهلُ عليه بكثير من علمه باتفاق الناس في شرق الأرض وغربها على الحكم، وهذا إن لم يكن متعذّرًا فهو أصعب شيء وأشقه، إلا فيما هو من لوازم الإسلام" (4).
__________
= وقد اعتنى الأستاذ عبد اللَّه بن عويض المطرفي في "حكم الاحتجاج بخبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه" بكلام ابن القيم في كتابنا هذا، قال (ص 10)، "وقد ذكر ابن القيم رحمه اللَّه ثلاثًا وعشرين مسألة في مخالفة الراوي لما رواه، وقد استفدتُ منها، وزدت عليها بما وقفت عليه" وانظره (ص 203).
(1) "إعلام الموقعين" (3/ 408).
(2) "زاد المعاد" (1/ 379).
(3) "إعلام الموقعين" (1/ 53 - 54).
(4) "إعلام الموقعين" (2/ 558) وانظر -لزامًا-: "المدخل إلى مذهب أحمد" لابن بدران (129).
(1/172)

ويرد على المتوسعين بدعاوى الإجماع، بأنه "ليس عدم العلم بالنزاع علمًا بعدمه، فكيف يقدم عدم العلم على أصل العلم كله (1)؟ ثم كيف يسوغ له ترك الحق المعلوم إلى أمر لا علم له به؟ وغايته أن يكون موهومًا، وأحسن أحواله أن يكون مشكوكًا فيه، متساويًا أو راجحًا" (2).
ورد بقوة على من زعم اشتراط انقراض عصر المجمعين، وأنه لما "نشأت هذه الطريقة، تولد عنها معارضة النصوص بالإجماع المجهول، وانفتح باب دعواه، وصار من لم يعرف الخلاف من المقلدين إذا احتُجَّ عليه بالقرآن والسنة، قال: هذا خلاف الإجماع! وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام، وعابوا من كل ناحية من ارتكبه، وكذبوا من ادعاه" (3).
والخلاصة: أن إجماع الصحابة فقط حجة قاطعة، بل هي أقوى الحجج وآكدها (4)، و"إنما يصار إليه فيما لم يعلم فيه كتابًا ولا سنة، هذا هو الحق" (5).
ومما ينبغي أن يذكر في هذا الباب: رد ابن القيم بالآثار السلفية الشهيرة على دعوى الإجماع وما عليه السواد الأعظم، حيث جعلوا ذلك عيارًا على السنة، وجعلوا السنة بدعة، لقلّة أهل الحق، وقال عنهم: "قلبوا الحقائق" وذكَّرهم أنه في زمن الإمام أحمد شذ الناس كلهم إلا نفرًا يسيرًا، فكانوا هم الجماعة، وكان القضاة والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذُّودن، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة (6).
والذي جعله يذكر هذا عدم الاغترار بما عليه الناس في مقابل النصوص.
وكذلك مبحثه في (أقوال الصحابة) وحجيّتها، فاجزاء الكتاب جميعًا لا تخلو من هذا الموضوع، وأن القول بالحجيّة راجع إلى إعمال النصوص وتقديمها على الرأي، إذ "أنهم شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-" (7) ولذا ف "أفهام الصحابة فوق أفهام جميع الأمة، وعلمهم بمقاصد نبيهم -صلى اللَّه عليه وسلم- وقواعد دينه وشرعه، أتم من علم كل من جاء بعدهم" (8) وقد أطال ابن القيم في ذكر الأدلة على حجية أقوالهم، ودعَّم ذلك بست وأربعين وجهًا (9)،
__________
(1) يريد النصوص الشرعية.
(2) "إعلام الموقعين" (2/ 558).
(3) "إعلام الموقعين" (2/ 558).
(4) "إعلام الموقعين" (4/ 91).
(5) "إعلام الموقعين" (2/ 560).
(6) "إعلام الموقعين" (4/ 389).
(7) "إعلام الموقعين" (1/ 149 - 150).
(8) "الطرق الحكمية" (122).
(9) انظر: "إعلام الموقعين" (4/ 556 و 5/ 30).
(1/173)

بعضها من القرآن، والآخر من السنة، وبعضها من أقوال السلف، وختم بالأدلة العقلية.
وفصّل في القول بالحجيّة، وفرع معتمدًا على مخالفة بعضهم بعضًا، أو مع عدم وجود المخالفة فيما بينهم، أو وجود أبي بكر وعمر مع أحد الفريقين، أو اختلاف أبي بكر وعمر، وهكذا، على وجه استوعب فيه الكلام على كل حالة (1). وألحق تفسير الصحابة بفتاويهم، وعد ذلك من الرأي المحمود (2).
وأما التابعون والاحتجاج بفتاويهم، فالأمر عند ابن القيم "كلما كان العهد بالرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أقرب كان الصواب أغلب" وبيّن أن هذا حكم بحسب الجنس، لا بحسب كل فرد من المسائل (3). وقول التابعي إذا لم يعلم له مخالف، فليس كقول الصحابي، لأن "التابعين انتشروا انتشارًا لا ينضبط؛ لكثرتهم، وانتشرت المسائل في عصرهم، فلا يكاد يغلب على الظن عدم المخالف، لما أفتى به الواحد منهم" (4).
وأشاد بهم، بتقريره أنهم أعلم الأمة بكلام اللَّه ورسوله ومعانيه، وأن الشافعي صرح في موضع بأنه قلد عطاءً (5)، وأن أحمد له قولان في الاحتجاج بتفسير التابعي، قال: "ومن تأمل كتب الأئمة ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي" ولذا قال: "إنما الحجة في الآثار" (6)، وفي هذا رد على من زعم (7) أن ابن القيم لم يأخذ بقول التابعين بإطلاق!

الاستدلال بالنظر والقياس الصحيح والمعقول:
وبعد هذه الاستدلالات التي مرجعها النقل، يأتي دور الاستدلال بالنظر والاعتبار والقياس الصحيح (8) والمعقول، وهذا هو النوع الرابع من الرأي المحمود عنده، شريطة أن ينظر صاحبه إلى "أقرب ذلك من كتاب اللَّه وسنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأقضية أصحابه، فهذا هو الرأي الذي سوَّغه الصحابة واستعملوه،
__________
(1) انظر: "إعلام الموقعين" (4/ 548 - 556، و 5/ 5 - 16).
(2) "إعلام الموقعين" (1/ 149 - 150 و 5/ 30 - 36) وقارنه ب "مختصر الصواعق" (2/ 340).
(3) "إعلام الموقعين" (4/ 544).
(4) "إعلام الموقعين" (5/ 38).
(5) "إعلام الموقعين" (5/ 38).
(6) "إعلام الموقعين" (1/ 149).
(7) هو شرف الدين عبد العظيم في كتابه "ابن قيم الجوزية" (276 - 278).
(8) انظر لزامًا ما قدمناه عن (القياس) تحت (موضوع الكتاب ومباحثه).
(1/174)

وأقرّ بعضُهم بعضًا عليه" (1).
ومن الأمور المهمة التي قعّدها ابن القيم وركز عليها: استدلاله بالعرف، وسيأتي هذا قريبًا عند كلامنا على الاستنباط ووجوه الاستدلال.

- عمل أهل المدينة:
ومما ينبغي أن يذكر في هذا الصدد: كلامه التقعيدي على (عمل أهل المدينة) (2).
تناول ابن تيمية في "فتاويه" (3) عمل أهل المدينة فذكر أن مذهب أهل المدينة على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم هو أصح مذاهب أهل الأمصار الإسلامية في الأصول والفروع، وأنه لم يقل أحد بحجية مذهب أهل مصر من الأمصار، كما قال جمهور الأئمة بحجية مذهب أهل المدينة وإن اختلفوا في بعضه.
وأن مذهب أهل المدينة على أربع مراتب: حجة باتفاق، وحجة قوية، وحجة مرجحة للدليل، والرابعة: حجة عند بعض أهل المغرب من أصحابه.
وتناول ابن القيم بدوره الحديث عن عمل أهل المدينة، وأبان من خلاله عن شخصيته المستقلة عن شيخه، ولم يكرر ما توصل إليه شيخه.
فهو يميز بين عمل أهل المدينة زمن الخلفاء الراشدين، وعملهم بعد موتهم، وبعد انقراض عصر من كان بها من الصحابة، فالأول اعتبره كالسنة، فقال بحجيته وتحكيمه، والثاني لا فرق بينه وبين عمل غيرهم، فإذا خالف السنة، يترك (4).
فابن القيم لا يوافق شيخه في أن مذهب أهل المدينة على عهد التابعين وتابعيهم، أصح مذاهب أهل الأمصار في الأصول والفروع، وإنما يقصر الأمر على عصر الخلفاء الراشدين فقط.

- أقسام العمل عند ابن القيم:
حتى يتبين العمل المقبول من المردود، قسم ابن القيم العمل إلى
__________
(1) إعلام الموقعين (1/ 157).
(2) الآتي من "ابن القيم أصوليًا" (ص 137 - 138).
(3) انظره (20/ 299 - 301).
(4) انظر: "تهذيب السنن" (1/ 64)، و"زاد المعاد" (1/ 261).
(1/175)

قسمين رئيسيين (1):
القسم الأول: ما كان من طريق النقل والحكاية، وهو على ثلاثة أضرب:
أولًا: نقل الشرع مبتدأ من جهة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو أربعة أنواع:
1 - نقل قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: وهو الأحاديث المدنية التي هي أم الأحاديث النبوية وأشرف أحاديث أهل الأمصار، ومن تأمل أبواب البخاري وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يتبعها بأحاديث الأمصار.
2 - نقل فعله -صلى اللَّه عليه وسلم-: كنقلهم أنه توضأ من بئر بضاعة، وخروجه كل عيد إلى المصلى ليصلي هو والناس، وكيف كان يخطبهم.
3 - نقل تقريره لهم على أمر شاهدهم عليه أو أخبرهم به: كنقلهم إقراره لهم على صنائعهم المختلفة من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة، وإنما حرم عليهم فيها الغش والتوسل بها إلى المحرمات، وكإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة، وذكر أيام الجاهلية والمسابقة على الأقدام، وكإقراره لهم على الأنكحة التي عقدوها في حال الشرك ولم يتعرض لكيفية وقوعها، وإنما أنكر منها ما لا مساغ له في الإسلام حين الدخول فيه، إلى غير ذلك مما أقرهم عليه.
4 - نقلهم لترك شيء قام سبب وجوده ولم يفعله:
- فإما أن يصرحوا بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقولهم في شهداء أحد: ولم يغسلهم ولم يصل عليهم.
- وإما ألا ينقلوا ما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو أحد منهم على نقله، فما دام لم ينقله واحد منهم قط ولا حدث به في مجمع أبدًا، علم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وغير ذلك، ومن هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة، فإن تركه سنة كما أن فعله سنة.
ثانيًا: نقل العمل المتصل زمنًا بعد زمن من عهده -صلى اللَّه عليه وسلم-: كتركهم أخذ الزكاة من الخضروات مع أنها كانت تزرع بالمدينة، وقد كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والخلفاء بعده لا
__________
(1) "إعلام الموقعين" (3/ 348 - 349)، واعتمد ابن القيم في هذا التقسيم على القاضي عبد الوهاب، انظر: "ترتيب المدارك" (1/ 47 - 51)، "إرشاد الفحول" (82)، مع التنويه إلى أن ابن القيم توسع في بيان هذه الأقسام بتفريعات وأمثلة كثيرة.
(1/176)

يأخذون منها. وكنقل الأذان للصبح قبل الفجر، وتثنية الأذان وإفراد الإقامة، وغير ذلك، فهذا النقل حجة يجب اتباعها.
ثالثًا: نقل لأماكن وأعيان ومقادير لم تتغير حالها: كنقلهم الصاع والمد، وتعيين موضع المنبر، ومسجد قباء، وتعيين الروضة والبقيع ونحو ذلك، ونقل هذا جار مجرى نقل مواضع المناسك، كالصفا والمروة ومنى ومواضع الجمرات ومزدلفة وعرفة ومواضع الإحرام.
وهذا القسم ينبغي ألا يختلف فيه، لأنه من باب النقل المتواتر ولا فرق بين القول والفعل والإقرار، كل ذلك نقل محصل للعلم القطعي، فإنهم عدد كثير وجم غفير يستحيل تواطؤهم على خلاف الصدق.
القسم الثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال، وهذا القسم وقع فيه خلاف بين المالكية، كما نقل ذلك ابن القيم عن القاضي عبد الوهاب، وهذا الخلاف على ثلاثة أوجه:
- أحدها: أنه ليس بحجة أصلًا، وأن الحجة هي إجماع أهل المدينة من طريق النقل، ولا يرجح به أيضًا أحد الاجتهادين على الآخر، وهذا قول معظم المالكية.
وقد أنكروا أن يكون هذا مذهبًا لمالك، أو لأحد من معتمدي أصحابه.
- الوجه الثاني: أنه وإن لم يكن حجة، فإنه يرجح به اجتهادهم على اجتهاد غيرهم، وهو قول بعض المالكية، وبه قال أصحاب الشافعي.
- والوجه الثالث: أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة، وإن لم يحرم خلافه، كإجماعهم من طريق النقل، وهذا مذهب قوم من المالكية وحكوه عن مالك، وفي رسالةَ مالك إلى الليث بن سعد (175 ه) ما يدل عليه (1).
ومن الجدير بالذكر أن الدكتور الجيدي (2) ذكر أن الذين انتقدوا عمل أهل المدينة ورفضوا الأخذ به يظهر من كلامهم أنهم نظروا إليه باعتبار أنه إجماع، خلافًا لما ذهب إليه محققو المالكية.
وهذا الكلام لا ينطبق على ابن القيم لأنه:
1 - على معرفة دقيقة بعمل أهل المدينة.
__________
(1) "إعلام الموقعين" (3/ 248 - 267).
(2) انظر: "العرف" له (301).
(1/177)

2 - ينطلق في حديثه عن العمل مما ذكره محققو المذهب كالقاضي عبد الوهاب، وينطلق من الأحكام التي أصلها العمل، مبينًا ترجيح المالكية للعمل على سنن ثابتة بحجة أنها من أخبار الآحاد.
3 - في رده ليس هناك ما يدل على أنه يقصد فهم الإمام مالك للعمل، وإنما يقصد المتعصبين للمذهب الذين يأخذون بالعمل بإطلاق، دون التمييز بين ما طريقه النقل وما طريقه الاستدلال.
وقد صرح ابن القيم -كما تقدم- أن ما طريقه النقل موضع اتفاق، ولا يتصور وجود نص صحيح يعارضه.
يقول الباجي: "إن مالكًا إنما عول على أقوال أهل المدينة وجعلها حجة فيما طريقه النقل. . . " (1)، "وأما مسائل الاجتهاد فالمالكية وغيرهم سواء" (2).
وعلق الدكتور الجيدي (3) على موقف ابن القيم من العمل بأنه متناقض، حيث ما نص عليه في "إعلام الموقعين" من أن عمل أهل المدينة منه ما هو حجة ومنه ما ليس كذلك، ناقضه في كتابه "الطرق الحكمية" (4) حيث أشاد به واعتبره حجة.
وحتى يتبين هذا الأمر نعرض ما جاء عن العمل في "الطرق الحكمية":
قال ابن القيم: ". . . ومن ذلك قول أهل المدينة -وهو الصواب- أنه لا يقبل قول المرأة: أن زوجها لم يكن ينفق عليها ويكسوها فيما مضى من الزمن، لتكذيب القرائن الظاهرة لها، وقولهم في ذلك هو الحق الذي ندين اللَّه به ولا نعتقد سواه" (5).
فوَصْفُه قولَ أهل المدينة بالصواب، لا يفهم منه أنه يعمم الصواب على كل أقوال أهل المدينة، ووصفه بأنه الحق الذي يدين اللَّه به ولا يعتقد سواه، يقصد به ابن القيم هذه المسألة بالذات ولا يعمم.
وعن مذهب أهل المدينة في الدعاوى يقول: "وهو من أَسَدِّ المذاهب وأصحها" (6)، ويقول: "هذا مذهب مالك وأصحابه وهو الصواب" (7)، في موضوع الدعاوى بالخصوص.
__________
(1) "أحكام الباجي" (480 - 481).
(2) "أحكام الباجي" (482).
(3) في كتابه "العرف" (ص 315 - 316).
(4) انظره: (ص 20).
(5) "الطرق الحكمية" (ص 20).
(6) "الطرق الحكمية" (ص 88).
(7) "الطرق الحكمية" (ص 114).
(1/178)

هذا الفهم هو الذي يبدو أن كلام ابن القيم المتقدم يحتمله، فليس إذَنْ في مَوقِفِهِ مِنَ العمل أَيَّ تناقض.
ثم إن قوله برأي للمالكية في مسألة لا يلزمه أن يقول بكل آرائهم، ورفضه لرأي لهم لا يعني بالضرورة وجوب رفضه لكل آرائهم، فهو يقول بالرأي الذي يؤيده الدليل، سواء كان رأيًا للمالكية أو لغيرهم.

- الاستصحاب:
وتكلم المصنف على حجية (الاستصحاب) في معرض رده على القائلين بنفي القياس. وقرر أن هؤلاء أخذوا بالاستصحاب على وجه مبالغ فيه، وبيّن أنه على أقسام (1):
الأول: استصحاب البراءة الأصلية.
الثاني: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه.
الثالث: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع.
وذكر الخلاف في القسم الثالث على قولين، ومثّل على جميع هذه الأقسام (2)، وقرر أن الاستصحاب حجة ودليل ضعيف يدفع بالأدلة الشرعية: بالعموم والمفهوم، والقياس (3)، ويؤخذ به حيث لا دليل، وتنبني عليه مبادئ وقواعد فقهية، مثل: (اليقين لا يزول بالشك) (4) و (الأصل بقاء ما كان على ما كان) (5).

- كلمة في حجية القياس:
ولا يجوز في هذا المقام بأي حال من الأحوال إهمال (القياس)، فإن المصنف أسهب في الكلام عليه جدًّا، وظهر ذلك جليًّا عند مبحثنا المُعَنْوَنِ ب (موضوع الكتاب ومباحثه)، ولكن أرى هنا ضرورة التركيز على النقاط الآتية:
أولًا: بناءً على تبنّي المصنف بقوّة كون الشريعة معلّلة (6)، توسّع في القياس
__________
(1) وهي التي ذكرها ابن قدامة في "روضة الناظر" (159 - 160 - مذكرة الشنقيطي).
(2) انظر: "إعلام الموقعين" (2/ 100 - 106).
(3) "إعلام الموقعين" (1/ 180).
(4) "إعلام الموقعين" (2/ 102، 5/ 243).
(5) "إعلام الموقعين" (2/ 102، 177، 3/ 259، 5/ 160)، وانظر: "بدائع الفوائد" (3/ 272، 273).
(6) انظر ما سيأتي تحت (الاستنباط وبيان وجوه الاستدلال)، ومن اللطيف بالذكر قول =
(1/179)

من جهة، وضيَّقه من جهة أخرى، وأحسن في الحالتين.
أما من حيث التضييق، فعلى ما قدّمنا من حيث تقديم النصوص عليه (1).
وأما من حيث التوسّع، فبناءً على إعمال المعاني، وعدم إهدارها، ولذا فإن "النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلْنا اللَّه ولا رسوله على رأي ولا قياس، بل قد بيَّن الأحكام كلها، والنصوص كافية وافية بها، والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، فهما دليلان للكتاب والميزان، ولا تخفى دلالة النص، أو لا تبلغ العالم، فيعدل إلى القياس، ثم قد يظهر موافقًا للنص، فيكون قياسًا صحيحًا، وقد يظهر مخالفًا له، فيكون فاسدًا" (2).
واستشكل العلماء هذا التقرير من ابن القيم، ومحل بسط ذلك في:

* الاستنباط وبيان وجوه الاستدلال:
نادى ابن القيم باستثمار الأحكام الشرعية من النصوص، باعتبار دلالتها في ذاتها، وباعتبار دلالة إضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه، وجودة فكره وقريحته، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ ومراتبها، وهذه الدلالة تختلف باختلاف الناس وتفاوتهم في مراتب الفهم عن اللَّه وعن رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- (3).
وبهذا يكون ابن القيم قد ضيق الخناق على القياس (4)، ومن مؤسسي بناء
__________
= صاحب "مقاصد الشريعة عند ابن تيمية" (ص 199) "إن اعتناء ابن القيم بأدلة إثبات العليل فاق اعتناء كل من ابن تيمية والشاطبي".
(1) من بديع كلام إلكيا الهراسي قوله: "إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهب الرياح"، انظر: "طبقات الشافعية الكبرى" (7/ 232)، وانظر في تقرير هذا المعنى كتابنا (3/ 134).
(2) "إعلام الموقعين" (2/ 97)، وهذا شيء زائد، على ما ذكره الأصوليون في كتبهم عند الاحتجاج للقياس، كفول الغزالي -مثلًا- في "المستصفى" (3/ 625)، و"شفاء العليل" (190 - 195)، "حكم الصحابة بالرأي والقياس لا من تلقاء أنفسهم، بل فهموا من مصادر الشرع وموارده، ومداخل أحكامه ومخارجه ومجارله ومباعثه، أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَتَّبعُ المعاني، ويُتبعُ الأحكامَ الأسبابَ المتقاضيةَ لها من وجوه المصالح، فلم يعولوا على المعاني إلا لذلك، ثم فهموا أن الشرع جوّز لهم بناء الأحكام على المعاني التي فهموها من شرعه، فعُلِمَ من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- اتباعُ العلل"، فتأمل.
(3) انظر: "ابن القيم أصوليًا" (166).
(4) "حفريات المعرفة العربية الإسلامية" (التعليل الفقهي)، لسالم يفوت (ص 173).
(1/180)

الشريعة وأحكامها على مقاصدها وحِكَمِها وأسرارها القائمة على النصوص الشرعية، وعدم الإسراف في القياس. وثمرة ذلك بناء الأحكام على اليقين المنبثق من (تعليل الأحكام)، و (استقراء) المقاصد، والاعتناء ب (الأشباه والنظائر) و (تتبع الحكم والأسرار) لنصوص الوحيين الشريفين وذلك خير من بنائها على الظن والتخرص المستند إلى القياس (1).
هذا هو عمدة الاجتهاد الذي نادى به ابن القيم، وهو مدار الفقه عنده، والخصوصية التي يتميز بها الفقيه -عنده- هي "الدليل، وقوة الفهم، وجودة الفكر، ووفور العلم، والاستنباط، فلا أثر للكثرة، فالشخص الواحد، قد يكون أكثر تحقيقًا وتدقيقًا وفهمًا من كثيرين" (2).
وضرب ابن القيم أمثلة عديدة مما اختلف فيه السلف ومن بعدهم، وقد بيّنت النصوص أحكامها، ومع هذا فقد سلك (القياسيون) طريقًا وعرًا، من مثل (المسألة المشتركة في الفرائض) (3) و (مسألة ميراث البنات) (4) وكذلك دخول (النباش) في عموم قوله {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38].
ثانيًا: كأني بالمصنف -بناء على ما سبق- يقرر الآفة عند الفقهاء، وهي التوسع في (إِعمال الرأي) مقابل (النصوص) و (فتاوى الصحابة)، ولجوئهم إلى (العقل) دون (النقل)، ذلك "أن الفقيه قد يجد قولًا للسلف في حكم معين، ولكنه لا يهتدي إلى كيفية استخراج ذلك القول من نصوص الكتاب والسنة، فالذي ينبغي لمثل هذا الفقيه هو أن يبحث ويجتهد حتى يتوصل إلى القول الراجح، وإلى كيفية استنباطه من الكتاب والسنة، ثم ضبط الاستنباط بضوابط تعم أفراد النوع الواحد، غير أن بعض الفقهاء إذا وجد مثل تلك الأقوال، ولم يعرف كيف استخرجها الصحابي أو التابعي أو الإمام من النص، فإنه يستسهل أن يزعم بأن القضية لا نص فيها من الكتاب والسنة، وإن الصحابي أو الإمام قال قوله كدليل أو حكم ثالث: هو الرأي أو القياس أو المصلحة!! وكتب المتأخرين والمعاصرين مملوءة بهذا النمط من التخريج، وهو مسلك فاسد جدًّا، يصرف طلبة العلم عن وسائل الاستنباط،
__________
(1) "مقاصد الشريعة عند ابن تيمية" (536 - 537).
(2) "فرائد الفوائد في اختلاف القولين لمجتهد واحد" (ص 40) للسلمي الشافعي.
(3) انظر: "إعلام الموقعين" (2/ 127 - 130).
(4) انظر في "إعلام الموقعين" (2/ 147 - 151).
(1/181)

ويقطع عليهم سبل الاجتهاد؛ وذلك لأن الطالب هنا جعل جهله حجة فقطع على نفسه السبيل، ووقف قبل أن يبلغ غايته التي هي الفقه في الكتاب والسنة، ثم يفني هذا الفقيه عمرًا يتبحر في دليل أو حكم لا تتناوله نصوص الكتاب والسنة بعموم ولا إطلاق ولا مقتضى أمر ولا نهي ولا منطوق ولا مفهوم ولا ظاهر عبارة ولا عبارة مصروفة عن ظاهرها ولا شبه ذلك مما يفيده الاستنباط المباشر من النص، فلا شك أنه حكم موهوم ودليل لا حقيقة له، ومن المحال ضبطه وإتقانه لأنه مما افتعله البشر، وليس مما أنزل اللَّه تعالى.
ولذلك تجد مسالك القياس عند المتأخرين في غاية الوعورة والتعقد إلى حد يعجز القائسون أنفسهم عن إدراكها، والانتفاع بها، لما يتجدد من الوقائع ويحدث من القضايا، ولننظر مثلًا إلى لفظ المؤثر والمناسب والمخيل وقياس الشبه والطرد، وهي من الاصطلاحات المهمة في القياس، واعتمد عليها الأصوليون في فهم القياس وضبطه، بحيث يتوقع أن عامة أهل القياس يفهمونها حق الفهم، ولكن قال أبو حامد الغزالي رحمه اللَّه تعالى: "وقد أطلق الفقهاء المؤثر والمناسب والمخيل والملائم والمؤذن بالحكم والمشعر به، واستبهم على جماهير العلماء والأفاضل، إلا من شاء اللَّه دركُ المَيزِ والفصلُ بين هذه الوجوه، واعتاص عليهم طريق الوقوف على حقائقها بحدودها وخواصها. واتصل بأذيال هذه الأجناس قياس الشبه والطرد، وهي المغاصة الكبرى والغمرة العظمى، فلقد عز على بسيط الأرض من يعرف معنى الشبه المعتبر ويحسن تمييزه عن المخيل، والطرد وإجراءه على نهج لا يمتزج بأحد الفنين" (1).
ومن أراد شهودًا على كلام الغزالي، فلْيقرأ مباحثَ القياس في كتب المتكلمين. وقد شعر بعضهم بأثر القياس في الصد عن الاستنباط المباشر من القرآن والسنة، ونقل بعض القائسين هذا الأثر كحجة لنفاة القياس، قال علاء الدين البخاري: "قال القاضي الإمام في "التقويم": قالوا: وفي الحجر عن القياس أمران بهما قوام الدين ونجاة المؤمنين، فإنا متى حجرنا عن القياس لزمنا المحافظة على النصوص والتبحر في معاني اللسان. وفي محافظة النصوص إظهار قالب الشريعة كما شرعت، وفي التبحر في معاني اللسان إثبات حياة القالب؛ فتموت البدع بظهور القالب، ويسقط الهوى بحياة القالب؛ لأن القالب لا يحيى
__________
(1) "شفاء العليل" (143 - 144).
(1/182)

إلا باستعمال الرأي في معاني النصوص، ومعانيها غائرة جمة لن تنزف بالرأي وإن فنيت الأعمار فيها، فلا يفضل الرأي للهوى؛ فيتم أمر الدين" (1).
الحاصل من ذلك: أنه ينبغي توجيه الرأي في الدين على أنه القدرة العقلية على تفسير الكتاب والسنة والاستنباط منهما، وخدمة أحكامهما، وليس هو دليلًا ثالثًا معهما، فإذا أخذ الرأي هذه الوجهة صلح أمر أهل العلم الذين هم رؤساء الناس.
وعلى أي حال؛ فإن كان القائسون يرون حصر الدين بالكتاب والسنة، ويريدون بالرأي الذهن المتوقد والقدرة العقلية على الاستنباط من الكتاب والسنة، وتنفيذ أحكامهما فلا خلاف معهم ولا إشكال في ادعاء إجماع الصحابة. وأما إن كانوا يريدون بالرأي أو القياس دليلًا ثالثًا في الدين سوى الكتاب والسنة فلا شبهة في بطلان ذلك، بل ليس ببعيد أن ندعي إجماع الصحابة على بطلانه" (2).
وما أقعد ما قاله ابن القيم: "وقد تقدم مرارًا: أن أصح الناس قياسًا أهل الحديث، وكلما كان الرجلُ إلى الحديث أقرب كان قياسه أصح، وكلما كان عن الحديث أبعد كان قياسه أفسد" (3)!
ثالثًا: من الأمور التي أخذها ابن القيم على نفاة القياس والمثبتين له والمتوسطين، موقفهم من التعليل:
النفاة سدوا على أنفسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحكم والمصالح.
والقائلون به، غلاتهم، علقوا الأحكام بأوصاف لا يعلم أن الشارع علقها بها، واستنبطوا عللًا لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها.
والمتوسطون، مع إقرارهم بحجية القياس، فإنهم نفوا الحكمة والتعليل والأسباب، ذلك أن علل الشرع ما هي إلا مجرد أمارات وعلامات فقط، وذهبوا إلى أن جميع ما وجد من الخلق والأمر مقترنًا بعضه ببعض، فأحدهما دليل على الآخر مقارن له اقترانًا عاديًا، وليس بينهما ارتباط سببية ولا علة ولا حكمة.
وابن القيم يرى أن الصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث، وهو إثبات الحكم والأسباب والغايات المحمودة في خلقه سبحانه وأمره (4).
__________
(1) "كشف الأسرار" (3/ 274).
(2) "تمكين الباحث" (129 - 131).
(3) "إعلام الموقعين" (3/ 168).
(4) "إعلام الموقعين" (2/ 96 - 97)، وانظر في مبحث (التعليل) عند ابن القيم إن أردت =
(1/183)

رابعًا: إذا كان الفقهاء قد افترقوا في القياس فمنهم: نفاة، وغلاة، ومتوسطون، فإن لابن القيم موقفًا حسنًا، فكان بين ذلك قوامًا، حيث لم ينف القياس نفيًا باتًا كما فعل الظاهرية، ولم يغال في القياس مغالاة العراقيين، وإنما أخذ بالقياس، كما أكد ذلك في كتابه هذا، وما كان مبتدعًا بل كان متبعًا، فإن الصحابة الذين تخرج على فقههم، وإن كان بينه وبينهم الزمن الطويل، قد أخذوا بالقياس ونقل عنهم، وكثير من الأحكام التي استنبطوها بنيت عليه، وقد قال في هذا الشأن: "كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره. . . " (1).
فالقياس ضروري لكل من يتصدى للفتوى، ولا يمكن أن يستغني عنه فقيه.
ولقد قال المزني، صاحب الشافعي: "الفقهاء من عصر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى يومنا وهلم جرا، استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، قال: وأجمعوا بان نظير الحق حق ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس" (2).
ولعل ابن القيم من الذين أعطوا القياس عناية كبيرة، وقد دفعهم إلى ذلك حاجة الزمن، فإن الناس قد جدت لهم أحداث اضطروا فيها إلى أن يفتوا وأن يقيسوا على فتوى الصحابة والأمور المنصوص على حكمها، واضطروا أن يخرجوا على أقوال إمامهم، ولا بد لذلك من القياس، فسلكوا طريقه واجتهدوا واستنبطوا.
خامسًا: نوع القياس الذي يأخذ به:
يدل لفظ القياس عند ابن القيم على أمور ثلاثة:
1 - الرأي: بعد أن ذكر أن يحيى بن أكثم يرى أن الرجل يجب عليه أن يفتي إذا كان بصيرًا بالرأي بصيرًا بالأثر، قال ابن القيم: "يريد بالرأي القياس الصحيح والمعاني والعلل الصحيحة التي علق الشارع بها الأحكام، وجعلها مؤثرة فيها طردًا وعكسًا" (3).
__________
= الاستزادة: "تعليل الأحكام" للشلبي (68، 74، 304، 327، 377 - 379) وما سيأتي تحت عنوان (عنايته بمحاسن الشريعة وحكمها).
(1) "إعلام الموقعين" (1/ 354).
(2) "إعلام الموقعين" (1/ 359).
(3) "إعلام الموقعين" (1/ 88).
(1/184)

2 - الأمثال والأشباه والنظائر: يقول ابن القيم: "إن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- كانوا يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر" (1).
3 - الميزان: وهو اللفظ الذي يرجح ابن القيم استعماله بدلًا من استعمال لفظ القياس. فبعد أن ذكر ابن القيم بعض الآيات التي ورد فيها لفظ الميزان، كقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)} [الرحمن: 7]، قال: "والميزان يراد به العدل والآلة التي يعرف بها العدل وما يضاده، والقياس الصحيح هو الميزان، فالأولى تسميته بالاسم الذي سماه اللَّه به، فإنه يدل على العدل، وهو اسم مدح، واجب على كل واحد في كل حال بحسب الإمكان، بخلاف اسم القياس، فإنه ينقسم إلى حق وباطل وممدوح ومذموم" (2).
فابن القيم يقسم القياس إلى صحيح وفاسد، فالصحيح هو الميزان، والفاسد غير معتبر كقياس الكفار البيع على الربا في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة: 274]، بجامع ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية، وكقياس الميتة على المذكى في جواز أكلها بجامع ما يشتركان فيه من إزهاق روح الميتة بفعل اللَّه، وإزهاق روح المذكى بفعل الذابح، قال ابن القيم: "ولهذا تجد في كلام السلف ذم القياس وأنه ليس من الدين، وتجد في كلامهم استعماله والاستدلال به، وهذا حق وهذا حق" (3).
وقد حدد ابن القيم ضابط معرفة القياس الصحيح والقياس الفاسد فقال: "إن أصح الناس قياسًا أهل الحديث، وكلما كان الرجل إلى الحديث أقرب كان قياسه أصح، وكلما كان عن الحديث أبعد كان قياسه أفسد" (4).
وبين أن السلف قرروا العمل بالقياس عند الضرورة، وأنهم لم يلزموا أحدًا العمل به ولم يحرموا مخالفته، ولا اعتبروا مخالفه مخالفًا للدين، بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده (5).
ومع أخذ ابن القيم بالقياس عند الضرورة، فهو يعتبر النصوص محيطة بأحكام جميع الحوادث وقد سبق الإشارة إلى ذلك (6).
__________
(1) "إعلام الموقعين" (1/ 377).
(2) "إعلام الموقعين" (1/ 350 - 351).
(3) "إعلام الموقعين" (1/ 351).
(4) "إعلام الموقعين" (3/ 168).
(5) "إعلام الموقعين" (1/ 135).
(6) "ابن القيم أصوليًا" (ص 184 - 185).
(1/185)

هكذا يتضح لنا أن ابن القيم قد انتفع بالقياس الفقهي. وكان قياسه أحكم لأنه كان يوائم من الأقيسة وما أوتي من علم واسع شامل بالسنة وفتاوى الصحابة وأقضيتهم وطرائق استنباطهم، فهو قياس يستقي من ينابيع الأثر، ويشاكل تمام المشاكلة اجتهاد السلف الذي هو المشكاة لهم.
ونجد في أقيسة ابن القيم أمرين:
- أنه نظر في الأحاديث التي زعم الحنفية وغيرهم أنها ليست متفقة مع القياس، وأنها استثناء يؤخذ بها إن لم يعارضها، وبين اتفاقها مع القياس وعدم بعدها عن مراميه وغاياته.
- أنه نظر في الأوصاف المشتركة بين الفرع والأصل في أقيستهم نظرة جامعة كلية. فاتجه إلى المقاصد الشرعية السامية التي تتجه إلى إيجاد جماعة فاضلة، تقوم على رعاية المصالح ودفع الأضرار في حياة دينية وخلقية تستمد النور من السماء.
ونرى من هذا أن ابن القيم قد خص القياس ببيان أوفى، سلك فيه مسلك السلف الصالح وخاض فيه على ضوئهم، وبين مرامي الأقيسة التي نقلت في فروع الإمام أحمد، ووضح المقاصد التي سيقت لها الأحكام، وعرج في ذلك على مقاصد الشريعة وغايات الأحكام فيها، وهو في ذلك يوضح مناهج الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، دون أن ننسى الإشارة إلى أن لشيخه أسبقيةً في ذلك.
فابن القيم إذًا قد أفاد عمَلَه في القياس الفقهي اتساعًا في أبوابه، وسموًّا في غاياته، ونموًا في طرائقه، كما استفادت الآثار منه مدافعًا، يبيِّن غايتها ومقاصدها واتفاقها مع ما تنتجه المقاييس العقلية السليمة، وأفاد الاستنباط الفقهي عمومًا، فاستبان الشرع الإسلامي متجانسًا غير متنافر، فالأحكام الشرعية تشتمل على التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين (1).

* عنايته بمحاسن الشريعة وحِكَمها (2):
اعتبر ابن القيم رحمه اللَّه معرفة حكمة الشريعة وأسرارها ومقاصدها ومحاسنها رأس أمر الفقه وذروة سنامه.
__________
(1) "ابن القيم أصوليًا" (193).
(2) انظر في ذلك أيضًا: "الحدود والتعزيرات عند ابن القيم" (ص 9)، و"أحكام الجناية على النفس وما دونها عند ابن قيم الجوزية" (ص 12 - 13) كلاهما للشيخ بكر أبو زيد.
(1/186)

وقد تفوق ابن القيم على غيره في هذا المضمار، وعلى الرغم من تبنِّيه كلام شيخه ابن تيمية فيه، إلا أنه جاء -ولا سيما في كتابنا هذا- بما هو متمم ومكمل له، وقد وسع الكلام عليه. وفصّله في المسائل الفقهية، موظفًا ذلك في خدمة الدليل الشرعي، وقد أفاد وأجاد في ذلك، وأتى بما لم يأتِ به أحد قبله.
يقول بعض الباحثين (1) تحت عنوان (العلماء الذين قالوا: إن الأصل في العادات والعبادات التعليل). وذكر منهم (ابن القيم)، وقال:
- "يؤكد ابن القيم -متبعًا شيخه- على أن اللَّه تعالى عرف عباده عموم جلائل خلقه وأمره دون دقائقها وتفاصيلها، وهذا مطرد في الأشياء أصولها وفروعها، وأما تفاصيل أسرار المأمورات والمنهيات فلا سبيل إلى علم البشر بها، ولكن اللَّه يطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها (2). فهذا "أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله، ويحصر اللسان عن التعبير عنه" (3) قال رحمه اللَّه: "الحق أن جميع أفعاله وشرعه سبحانه لها حكم وغايات لأجلها شرع وفعل، وإن لم يعلمها الخلق على التفصيل، فلا يلزم من عدم علمهم بها انتفاؤها في نفسها" (4).
ويرى رحمه اللَّه أنه ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة يعقله من عقله، ويخفى على من خفي عليه (5). ويرى -كما يرى شيخه (6) - أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس، فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر (7).
وفي معرض رده على الذين لا يعللون تقديرات العقوبات يقول: "إن من شرع هذه العقوبات ورتبها على أسبابها جنسًا وقدرًا فهو عالم الغيب والشهادة، وأحكم الحاكمين، وأحاط علمه بوجوه المصالح دقيقها وجليلها وخفيها وظاهرها، ما يمكن اطلاع البشر عليه وما لا يمكنهم، وليست هذه التخصيصات والتقديرات خارجة عن وجوه الحكم والغايات المحمودة، كما أن التخصيصات والتقديرات
__________
(1) هو الدكتور يوسف البدوي في كتابه "مقاصد الشريعة عند ابن تيمية" (ص 176 - 180) والمنقول بتصرف.
(2) "مفتاح دار السعادة" (328، 434).
(3) "شفاء العليل" (78 - 79).
(4) "شفاء العليل" (395، 451، 501).
(5) "إعلام الموقعين" (2/ 294).
(6) انظر "مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 505).
(7) "إعلام الموقعين" (2/ 165).
(1/187)

الواقعة في خلقه كذلك، فهذا في خلقه وذاك في أمره، ومصدرهما جميعًا عن كمال علمه وحكمته ووضعه كل شيء في موضعه الذي لا يليق به سواه ولا يتقاضى إلا إياه، وإذا كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان، وأحكمه غاية الإحكام، فلأن يكون أمره في غاية الإتقان والإِحكام أولى وأحرى. ومن لم يعرف ذلك مفصلًا لم يسعه أن ينكره مجملًا، ولا يكون جهله بحكمة اللَّه في خلقه وأمره وإتقانه كذلك وصدوره عن محض العلم والحكمة مسوغًا له إنكاره في نفس الأمر" (1).
ولقد خصص ابن القيم كثيرًا من كتبه لبيان حكم اللَّه ومقاصده في أفعاله وأحكامه سبحانه مثل: كتابنا هذا، و"مفتاح دار السعادة"، و"شفاء العليل". ولقد ذكر عللًا كثيرة لكثير من أحكام الشريعة، ففي الطهارة والصلاة ذكر حكمًا عديدة لقراءة سورة الفاتحة في الصلاة، وطهارة الأعضاء والثياب والمكان، وأخذ الزينة، واستقبال القبلة، ثم حكم هيئات الصلاة من الركوع والقيام منه ثم السجدتين والجلوس بينهما والجلوس للتشهد والترتيب بين هذه الأركان، كما أنه أفاض في ذكر حكم غسل أعضاء الوضوء والاغتسال (2). وبين الحكمة في التفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار (3). وفي الصوم والزكاة والحج وفيما يتعلق بها من أوقات وأماكن ومقادير بين حكم الشريعة ومحاسنها فيها، إلى غير ذلك من المعاملات وأحكام الأسرة والعقوبات (4).
كل ذلك قوى ظني وشد أزره بأن المراد من كلام الشاطبي الآتي هو ابن القيم -مما يثبت اطلاعه على كتب ابن القيم وابن تيمية واستفادته منهما، حيث يقول الشاطبي: "الحِكَم المستخرجة لما لا يعقل معناه على الخصوص في التعبدات، كاختصاص الوضوء بالأعضاء المخصوصة، والصلاة بتلك الهيئة من رفع اليدين والقيام والركوع والسجود، وكونها على بعض الهيئات دون بعض، واختصاص الصيام بالنهار دون الليل، وتعيين أوقات الصلوات في تلك الأحيان المعينة دون ما سواها من أحيان الليل والنهار، واختصاص الحج بالأعمال المعلومة، وفي الأماكن المعروفة، وإلى مسجد مخصوص، إلى أشباه ذلك مما لا تهتدي العقول إليه بوجه، ولا تطور (5) نحوه، فيأتي بعض الناس فَيُطرِّق إليه حِكَمًا
__________
(1) "إعلام الموقعين" (2/ 348، 2/ 120).
(2) "شفاء العليل" (478 - 485).
(3) "إعلام الموقعين" (2/ 369).
(4) "مفتاح دار السعادة" (328 - 332).
(5) أي: تحوم.
(1/188)

يزعم أنها مقصودُ الشارع من تلك الأوضاع، وجميعها مبنى على ظنٍّ وتخمينٍ غير مطرد في بابه، ولا مبنيّ عليه عمل، بل كالتعليل بعد السماع للأمور الشواذ" (1).
وهذا الموقف من الشاطبي هو الذي حمل الريسوني على أن ينسب إلى ابن القيم البعد في تعليل الأحكام، بما في ذلك الأحكام العادية والتعبدية، وقال: "ورغم أن ابن القيم بسبب إصراره على تعليل كل شيء قد وقع في تعليلات ضعيفة، كما في تعليله للفرق بين بول الصبي وبول الصبية، وكما في تعليله لكون صلاة النهار سرية وصلاة الليل جهرية" (2).
لكن لو أنعمنا النظر في موقف الشاطبي لتبين لنا أنه تردد وقدم قدمًا وأخَّرَ أخرى (3). فهو مع أنه أنكر على بعض الناس تعليل اختصاص الصلاة بتلك الهيئات دون بعض إلى غير ذلك مما تقدم ذكره عنه، إلا أنه يذهب إلى تفصيل وتعليل كثير من العبادات كما قال الريسوني: "والشاطبي نفسه يسعفنا بتعليلات أكثر تفصيلًا في الأحكام التي نعى هو على غيره تعليلها وذكر حكمها" (4)، فيقول الشاطبي: "وذلك أن الصلاة مثلًا إذا تقدمتها الطهارة أشعرت بتأهُّب لأمر عظيم، فإذا استقبل القبلة أشعر التوجه بحضور المتوجَّه إليه، فإذا أحضر نية التعبد، أثمر الخضوع والسكون. ثم يدخل فيها على نسقها بزيادة السورة خدمة لفرض أمِّ القرآن، لأن الجميع كلام الرب المتوجِّه إليه، وإذا كبَّر وسبَّح وتشهَّد، فذلك كله تنبيه للقلب، وإيقاظ له أن يغفُل عما هو فيه من مناجاة ربِّه والوقوف بين يديه، وهكذا إلى آخرها، فلو قدَّم قبلها نافلةً؛ كان ذلك تدريجًا للمصلي واستدعاءً للحضور، ولو أتبعها نافلة أيضًا، لكان خليقًا باستصحاب الحضور في الفريضة. ومن الاعتبار في ذلك أن جُعلت أجزاء الصلاة غير خالية من ذكر مقرون بعمل، ليكون اللسانُ والجوارحُ متطابقةً على شيء واحد، وهو الحضور مع اللَّه فيها بالاستكانة والخضوع، والتَّعظيم والانقياد، ولم يخلُ موضعٌ من الصَّلاة من قول أو عمل، لئلا يكون ذلك فتحًا لباب الغفلة ودخول وساوس الشيطان" (5).
__________
(1) "الموافقات" (1/ 111 - 112 - بتحقيقي).
(2) "نظرية المقاصد" (218).
(3) حتى أن ابن عاشور قال: "اعلم أنّ الشاطبي ذكر كلامًا مطولًا في العبد والتعليل معظمه غير محرر، ولا متجه، وقد أعرضت عن ذكره هنا لطوله واختلاطه"، انظر: "مقاصد الشريعة" له (ص 48).
(4) "نظرية المقاصد" (ص 215).
(5) "الموافقات" (2/ 42 - 43 - بتحقيقي).
(1/189)

وفي نظري فإن ابن القيم قد تكلم في كثير من علل الأحكام سواء في مجال العبادات أو المعاملات، مما لم يتطرق إليه ابن تيمية، حتى إنه ليعلل الأعداد والمقدرات التي جاءت بها الشريعة. فيذكر أن عدة المتوفى عنها زوجها كانت أربعة أشهر وعشرًا لأنها أولى المدد التي يعلم فيها بوجود الولد وعدمه، فكانت على وفق الحكمة والمصلحة (1). وأن المقادير التي جاءت بها الشريعة في الزكاة تحقق العدل والمصلحة لكل من الفقراء وأرباب الأموال (2). وإن إحداد المرأة على غير الزوج يناسبه ثلاثة أيام ترتاح فيها النفس وتقضي بها وطرًا من الحزن، بخلاف الإحداد على الزوج، فإنه تابع للعدة، وهو من مقتضياتها ومكملاتها (3). وكما قال الجويني، عند عرضه لمذاهب العلماء في عدد من تنعقد بهم بيعة الإمام وذكره بعض العلل لذلك قال: "ولو تتبع المتتبع الأعداد المعتبرة في مواقع الشرع، لم يعدم وجوهًا بعيدة عن التحصيل في التشبيه" (4).
فلا يشترط أن تكون كل تلك التعليلات قد أصابت كبد الحقيقة، وأظهرت سر الشريعة، ولكنها اجتهادات قد تخطئ وقد تصيب".
قال أبو عبيدة: هذه المباحث وغيرها؛ تدلل على أصالة ابن القيم في علمَي (الفقه) و (أصوله)، وأن له يدًا طولى فيه، وأن عنده فيه عقلية تحليلية إحصائية استقرائية تجمع المسائل تحت منضَبَطٍ واحد، والتمس من خلال ذلك "أسرار التشريع، وعلل الأحكام، ليظهر جمال شرع اللَّه تعالى، وكمال حكمته، ولطف علمه وخبرته، فعلل تلك الأحكام بما يناسبها من سر التشريع، وعمق المأخذ، وعلّة الحكم، ليجعل من تلك الأسرار التشريعية، والحِكَم الإلهية، قواعد وضوابط يبني عليها الكثير من جزئيات الأحكام.
وهذه العلل المرفقة، والأسرار المنقحة في كتابنا الجليل -الذي لم يصنف في بابه على منواله- تدلل على غوص صاحبه في أغوار التشريع" (5) وفيها "قلائد وفوائد وموائد وفرائد، وكتب لها السلاسة مزية، ووضوح من غير تعقيد ولا
__________
(1) "إعلام الموقعين" (2/ 395).
(2) "إعلام الموقعين" (2/ 333)، وانظر: "حجة اللَّه البالغة" (2/ 43 - 44).
(3) "إعلام الموقعين" (2/ 414).
(4) "الغياثي" (ص 69).
(5) من مقدمة الشيخ عبد اللَّه البسام لكتاب "أسرار الشريعة من إعلام الموقعين" لمساعد بن عبد اللَّه السلمان (ص 5) بتصرف يسير.
(1/190)

تكلف ولا وكس ولا شطط، ومن واظب عليها دراسة ودراية وقراءةً وبحثًا وتنقيبًا وحفظًا وفهمًا، وقرأها على من هو أعلم منه، حصل على خير كثير" (1) ولا سيما أن "الحاجة إلى معرفة أسرار الشريعة الإسلامية صار أمرًا ضروريًا، لا سيما في هذا الزمن الذي كثر فيه أعداء اللَّه، حيث تحركت الأقلام القذرة والأيادي الملطخة بالكفر والزندقة لتشكك المسلم في دينه وعقيدته ليبقى في شراك الشك والحيرة يصطلي بنار الضلال ولا يبصر أمامه إلا سرمديًا.
وهذا -أعني التشكيك- منهج قديم ومسار تليد لكنه نما وازداد في هذه الآونة الأخيرة، وصار تخصصًا يتفنن فيه أساتذته وطلابه، بتنويع الشبه وتزيين الاعتراض وعدم القبول وتقبيح الانقياد والخضوع بلا اقتناع" (2).
وعلى الرغم من عناية ابن القيم المتميزة في كتابنا هذا بأسرار الشريعة (3) إلا أنه ليس خاصًا بها، وهنالك كلمة للمصنف ظفرتُ بها في "بدائع الفوائد" (2/ 179)، تدلل على أهمية هذا العلم عند المصنف، وفيها عزمه على إفراده بالتصنيف، قال رحمه اللَّه:
"ومن فهم هذا انفتح له باب عظيم من أبواب العلم والإيمان، بل باب من أبواب الجنة العاجلة، يرقص القلب فيه طربًا ويتمنى أن له الدنيا وما فيها، وعسى اللَّه أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده، فيساعد على تعليق كتاب يتضمن ذكر بعض محاسن الشريعة وما فيها من الحكم البالغة والأسرار الباهرة، التي هي من أكبر الشواهد على كمال علم الرب تعالى وحكمته ورحمته وبره بعباده ولطفه بهم، وما اشتملت عليه من بيان مصالح الدارين والإرشاد إليها، وبيان مفاسد الدارين والنهي عنها، وأنه سبحانه لم يرحمهم في الدنيا برحمة، ولم يحسن إليهم إحسانًا أعظم من إحسانه إليهم بهذا الدين القيم وهذه الشريعة الكاملة".
ومن الجدير بالذكر أن العناية بهذا اللون من التصنيف بقيت قاصرة (4)، على
__________
(1) من مقدمة الشيخ إبراهيم الجطيلي لكتاب "أسرار الشريعة" (ص 7 - 8) بتصرف.
(2) "أسرار الشريعة" (ص 10).
(3) قال محمد رشيد رضا في "المنار" (مجلد 12، عدد شوال، 1327 ه ص 786): "لم يؤلف مثله أحد من المسلمين في حكمة التشريع. . . ".
(4) لا تنسى في هذا المقام جهود ثلة من العلماء، من أبرزهم:
* محمد بن عبد الرحمن البخاري (ت 546 ه) في كتابه: "محاسن الإسلام وشرائع الإسلام" وهو مطبوع.
* علي بن أحمد الجرجاوي الأثري الحنبلي (ت 1331 ه) في كتابه: (حكمة التشريع =
(1/191)

الرغم من الحاجة الماسة إليها، عسى اللَّه أن ييسر له علماء ربانيين، إنه ولي ذلك، والقادر عليه.

* ابن القيم ومقاصد الشريعة:
يجرُّنا ما سبق إلى بيان عناية ابن القيم ب (مقاصد الشريعة)، وتجلَّى ذلك بالجملة في الأمور التالية (1):
__________
= وفلسفته" وهو مطبوع أيضًا، ومما جاء في ديباجته (ص 9 - 10): "هذا، ولقد كنتُ متشوّقًا إلى رؤية سفر من الأسفار، يبيّن لنا تلك الحكم والأسرار، وكم مكتبة سألت أصحابها، وكتب خانة طرقت بابها، وكم قلبتُ صحائف الكتب الدينية الموضوعة في الأحكام الشرعية، فما وجدت كتابًا فيها وافيًا بموضوع حكمة التشريع، وكل ما وقفت عليه واهتديت إليه نبذًا منفرقة أيدي سبأ في آلاف من الكتب تذكر لعلاقتها بمسألة شرعية في العبادات والمعاملات، وحينئذٍ وجدت في صدري حرجًا، وسألت اللَّه أن يجعل لي من أمري مخرجًا، وبينما أنا كذلك، وإذا بصديق لي ظاهر الذيل والعرض والنفس زار داري، وازدان بطلعته وجه نهاري، ولما أخذ كلّ منّا مجلسه أخذنا بأطراف الحديث، -والحديث شجون- وطرقنا أبواب العلم -والعلم فنون- إلى أن انتهى الحديث بأن تمنينا وجود كتاب خاص في موضع حكمة التشريع، ثم إن صديقي هذا حبّب إليّ وعرض عليَّ أن أقوم بهذه الوظيفة فأحجمت لقصور الهمة عن إدراك هذه المهمة، فقال لي ناصحًا: اكتب على قدر ما يستطيع القلم والعقل، وإن لم يصبها وابل فطل. وأن لك من اللَّه أجر المحسنين وثواب العاملين، وعندئذٍ قلت رب هب لي من أمري رشدًا، وأرسل لي من عنايتك مددًا،، وشرعت أجمع من الشوارد ما صعب فهمه لصعوبة العبارة وغمض مغزاه لغموض الإشارة، وبعد جهد طويل في سلوك هذا السبيل وضعت كتابي هذا وسميته "حكمة التشريع وفلسفته" وبيّنت فيه تلك الحكم البالغة زيادة على رأس الفضيلة، وأنا الضعيف العاجز الذي لا حول لي ولا قوة إلا بتوفيق من العزيز الحكيم،. . . "،
* ولي اللَّه الدهلوي في كتابه "حجة اللَّه البالغة"، وهو مطبوع.
* محمد رشيد رضا في أبحاثه، ولا سيما في "المنار": "التفسير" و"المجلة".
وهنالك كتب بينت محاسن الإسلام بالمقارنة مع الأديان الأُخرى، وهي بعيدة عن موضوعنا هذا، فلا داعي لسردها، وقد وقفت على غير واحد منها.
(1) منقولة من كتاب "مقاصد الشريعة عند ابن تيمية" (ص 92 - 93)، وقال بعد أن ذكر الأمور الثمانية الآتية: "وسيتجلى ذلك في ثنايا الرسالة، لأنني حرصتُ على أن أوائم وأزاوج بينه (أي: ابن القيم) وبين ابن تيمية في هذه الرسالة، ما استطعت إلى ذلك سبيلًا". وقال (ص 508) بعد كلام: "ولن أقارن بينه (أي: ابن تيمية) وبين ابن القيم، فاستفادة ابن القيم منه أضحت أشد وضوحًا من الشمس في رابعة النهار". وقال (ص 515): "ومن المعلوم كم هي الصلة بين ابن القيم وابن تيمية" وانظر ما زبرناه تحت عنوان (بين المصنف وشيخه ابن تيمية) (ص 145). =
(1/192)

أولًا: اهتمامه بالتعليل وأساليبه في الكتاب والسنة، ومناقشة منكريه والتشنيع عليهم (1).
ثانيًا: الاعتناء بإبراز أسرار الشريعة وحكمها (2).
ثالثًا: معالجته لسد الذرائع والحيل (3).
رابعًا: دفاعه عن تعارض الشريعة وعدم القول بوجود ما خالف القياس (4).
خامسًا: الاهتمام بمقاصد المكلفين (5).
سادسًا: حقق القول في مدى تمحض المصلحة والمفسدة في الوجود.
سابعًا: ساهم في إرساء بعض قواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد (6).
ثامنًا: وظف القرائن والأحوال المقالية والحالية في معرفة مقاصد الشارع والمكلف (7).
من خلال هذه المباحث وغيرها (8)، يظهر معنا بوضوح أن ابن القيم رحمه اللَّه اعتنى بالمقاصد ونبه على أهميتها واشتراطها للمجتهد، مقتفيًا في ذلك خُطَا شيخه وأستاذه. فهو ينقل قول ابن تيمية السابق في اعتبار العلم بصحيح القياس وفاسده من أَجَلِّ العلوم وأنه إنما يَعرِفُ ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن والمصالح في المعاش والمعاد، والحكم البالغة (9).
وعقد فصلًا عظيمًا في موسوعته هذه لبيان أن بناء الشريعة على مصالح
__________
= وقال الدكتور عبد العزيز الخياط في كتابه "المدخل إلى الفقه الإسلامي" (ص 226) ضمن كلامه على (نشاط حركة التدوين الفقهي) قال: "الاهتمام بالكتابة في بيان مقاصد الشريعة والتوسع فيها، كما فعل ابن تيمية وابن قيم الجوزية في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين""، ونحوه عند المحمصاني في "فلسفة التشريع في الإسلام" (199).
(1) "شفاء العليل" (400 - 430)، وانظر ما قدمناه سابقًا.
(2) "مفتاح دار السعادة" (205 - 300)، وانظر ما قدمناه تحت عنوان: (عنايته بمحاسن الشريعة وحكمها) (ص 186).
(3) "إعلام الموقعين" (3/ 553).
(4) "إعلام الموقعين" (2/ 165 - 426).
(5) "إعلام الموقعين" (3/ 497 - 552).
(6) "إعلام الموقعين" (3/ 337 - 441)، و"مفتاح دار السعادة" (340 - 351).
(7) "إعلام الموقعين" (1/ 384 - 391).
(8) "إعلام الموقعين" (1/ 384 - 391).
(9) "إعلام الموقعين" (2/ 255 - 256).
(1/193)

العباد في المعاش والمعاد، وقال عنه: "هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، فأوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. . . " (1).
فابن القيم لا يختلف عن شيخه ابن تيمية في نظرته إلى اشتراط وجوب علم مقاصد الشريعة وحكمها وأهدافها، إذ ذاك ضروريٌّ للمجتهد عاصمٌ له من الجهل والغلط، ومن إيقاع المشقة والعنت بالمكلفين، وإذا كانت الشريعة مبنية على المقاصد والمصالح فكيف يصح أن يكون المجتهد الذي تربى في حجرها وارتضع من لبنها غير ملم بأسرارها ومقاصدها (2).
ويستطيع الناظر في كثير من مباحث كتابنا هذا، وكتب ابن القيم الأخرى أن يقرر أن لابن القيم رحمه اللَّه نصيبًا وافرًا في هذا الباب، وأنه قد أولى هذه القضية عناية شديدة، واهتمامًا بالغًا، فقد ذكر -مثلًا- في "شفاء العليل" (ص 3) أن أهم ما يجب معرفته على المكلف النبيل، فضلًا عن الفاضل الجليل، ما ورد في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، فهو من أسنى المقاصد، والإيمان به قطب رحى التوحيد ونظامه، ومبدأ الدين المبين وختامه، فهو أحد أركان الإيمان، وقاعدة أساس الإحسان، التي يرجع إليها، ويدور في جميع تصاريفه عليها، فبالقدر والحكمة ظهر خلق اللَّه وشرعه المبين.
كما أنه يصرح دائمًا بأن: أوامر الرب تبارك وتعالى وشرائعه جاءت بما يحقق مصالح العباد في الدارين، وأن أحكم الحاكمين الذي بهرت حكمته العقول أولى بمراعاة مصالح عباده ومفاسدهم في الأوقات والأحوال والأماكن والأشخاص من مراعاة الطبيب للمريض، قال: "وهل وضعت الشرائع إلا على هذا" (3).
ومع ذلك؛ فهو يذكر أن اللَّه بنى أمور عباده على أنْ عَرَّفَهم معاني جلائل خَلْقه وأمره، دون دقائقها وتفاصيلها، فعقول العالمين ومعارفهم وعلومهم وحكمهم تقصر عن الإحاطة بتفاصيل حكمة الرب سبحانه في أصغر مخلوقاته (4)،
__________
(1) "إعلام الموقعين" (3/ 337).
(2) "مقاصد الشريعة عند ابن تيمية" (111 - 112).
(3) "شفاء العليل" (ص 3).
(4) "مفتاح دار السعادة" (357).
(1/194)

فهذا أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله ويعجز اللسان عن التعبير عنه (1).
بل إن ابن القيم يقرر أن الشريعة قائمة على أساس الحِكَم وقاعدة المصالح والعدل ووضع الأمور في نصابها؛ لأنها منزلة من حكيم حميد، فها هو يقول: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أُدخِلَتْ فيها بالتأويل، فالشريعة عدل اللَّه بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- أتم دلالة وأصدقها (2). فَطَيُّ بساط الأسباب والعلل تعطيل للأمر والنهي والشرائع والحكم (3).
والخلاصة: أن ابن القيم "جال في كتابنا "إعلام الموقعين" في موضوعات مختلفة بين الأصول والفقه، وأودع فيه فوائد وشوارد مقاصديّة كثيرة، خاصة في مباحث: القياس، والفتوى، وتغير الأحكام بتغيّر الأزمان، والحيل، وغيرها. والذي ينبغي الإشارة إليه هنا: هو أنك تجد تلك الفوائد والشوارد داخل استطرادات واسعة، مما يجعل ضبطها وتحديدها وتخليصها من غيرها يحتاج إلى جهد كبير" (4).

المحور الثاني: التفصيل والتأصيل والتحليل والاستيعاب وطول النَّفس مع التكامل والانسجام:
من السمات البارزة لمنهج ابن القيم العلمي في كتابه هذا (التفصيل) و (التحليل) و (الاستيعاب) و (طول النفس) مع التكامل والانسجام، ويظهر معنا هذا بوضوح في النقاط الآتية:

أولًا: حشد الأدلة:
أكثر المصنف في تعداد الأدلة وحشدها على مسائل أصولية وفقهية كثيرة، من مثل:
- ذكر تسعة وتسعين دليلًا على اعتبار سدّ الذرائع (5).
__________
(1) "شفاء العليل" (79).
(2) "إعلام الموقعين" (3/ 337).
(3) "مدارج السالكين" (3/ 419).
(4) "المقاصد العامة للشريعة الإسلامية" (ص 22) لابن زغيبة عز الدين.
(5) انظر: "إعلام الموقعين" (4/ 5 - 65).
(1/195)

- ذكر ستة وأربعين دليلًا على حجية قول الصحابي (1).
- طوّل جدًّا في ذكر حجية القياس، واستغرق ذلك في طبعتنا مئة وتسعًا وثلاثين صفحة (2).
- ذكر واحدًا وثمانين دليلًا على تحريم التقليد (3).

ثانيًا: أما المسائل الفقهية، فهو مشهور بطول النفس فيها، واستيعاب الكلام عليها.
قال ابن حجر عن مصنفنا -رحمهما اللَّه-: "وهو طويل النفس في مؤلفاته، يعاني الإيضاح جهده، فيسهب جدًّا" (4).
وقال الشوكاني أيضًا: "وإذا استوعب الكلام في بحث، وطوّل ذيوله، أتى بما لم يأت به غيره، وساق ما تنشرح له صدور الراغبين" (5).

ثالثًا: وأما استيعابه وطول نفسه في المسائل، فيكمن في إكثاره من الشواهد والأمثال، وتكلمه في مآخذها، وذكر الحجج والكلام على صحتها وتوجيهها، وبسط ذلك مع أقوال الفقهاء، ومناقشة الآراء، وما لكل قول وما عليه، وما هو الصواب الذي دل عليه الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة، أو مقاصد الشريعة، أو قواعدها، وقد أفصح عن منهجه هذا بقوله: "ونحن نذكر مآخذ هذه الأقوال، وما لكل قول وما عليه، وما هو الصواب من ذلك الذي دل عليه الكتاب والسنة على طريقتنا التي من اللَّه بها، وهو مرجو الإعانة والتوفيق" (6).
رابعًا: هنالك دوافع وبواعث دعت المصنف إلى الاستطراد في هذه المسائل، كشفنا عن شيء منها فيما مضى (7).
خامسًا: من الأمثلة على (المباحث) التي طول المصنف فيها النفس:
- (القياس)، بلغ هذا المبحث في نشرتنا هذه (ست مئة وستين صفحة) استغرقت من (ص 247) من (المجلد الأول) إلى (آخره)، ومن (أول) المجلد الثاني إلى (ص 425) منه.
__________
(1) انظر: "إعلام الموقعين" (4/ 543 - 581، و 5/ 5 - 40).
(2) انظر: "إعلام الموقعين" (1/ 247 - 386).
(3) انظر: "إعلام الموقعين" (2/ 447 - آخر المجلد، و 3/ 5 - 36).
(4) "الدرر الكامنة" (4/ 22).
(5) "البدر الطالع" (2/ 145).
(6) الروح (93) ونحوه في "مفتاح دار السعادة" (1/ 32 و 2/ 110).
(7) انظر ما قدمناه (ص 15) وما سيأتي (ص 217 - 218).
(1/196)

وذكر العلماء طول نفس المصنف في هذا المبحث، وأشادوا به في عبارات سبق أن ذكرناها عنهم (1).
- (شرح كتاب عمر في القضاء)، أخذ هذا المبحث موضعًا هامًا وواسعًا من كتابنا هذا، فبلغ من نشرتنا هذه (سبع مئة واثنين وستين صفحة).
استغرقت من (ص 158) من (المجلد الأول) إلى آخره (ص 487) ومن بداية (المجلد الثاني) إلى (ص 438) منه، ويندرج تحت هذا الشرح (عناوين) فرعية و (فصول) و (مباحث) و (تفريعات) و (مسائل)، بلغ عددها فيما أحصيت (ثلاثًا وأربع مئة) عنوانًا، لما هو تحت شرح هذا الكتاب.
وأشاد العلماء -كما تقدم (2) - بطول نفس المصنف في شرحه، بل بعضهم عدَّ كتابنا هذا مفردًا لشرحه فحسب! وهذا وهم، وقد نبهنا عليه (3)، واللَّه الموفق.
- (التقليد)، طول المصنّف نفسه في هذا المبحث جدًّا، واستغرق ذلك في نشرتنا هذه مئة وثماني وخمسين صفحة، من (ص 447) من (المجلد الثاني) إلى (ص 36) من (المجلد الثالث)، حيث قال:
"وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد"، وأشاد العلماء ببسط المصنف وتأصيله وتفصيله في هذا المبحث، وسيأتيك كلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في ذلك (4).
- (الحيل)، عالجها بإسهاب طويل، واستغرق من نشرتنا أربع مئة واثنتين وسبعين صفحة، فبدأ من (ص 66) وانتهى ب (538) من (المجلد الرابع).
- اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ، أفاض وأسهب جدًّا في تقرير هذا المبحث، فاستغرق من نشرتنا مئة وتسعًا وعشرين صفحة، فبدأ من (ص 447) إلى (ص 455) من (المجلد الثالث) ومن (ص 5) إلى (ص 67) من المجلد (الرابع).
ومن الأمثلة على (المسائل) التي استطرد فيها المصنف:
- طواف الحائض بالبيت، استغرقت في نشرتنا عشرين صفحة، من (ص 356) إلى (ص 377) من (المجلد الثالث).
- حكم اليمين بالطلاق، ابتدأ من (ص 440) وانتهى ب (ص 447) من (المجلد
__________
(1) انظر ما قدمناه (ص 15، 18).
(2) (ص 18 - 20).
(3) انظر ما قدمناه (ص 20).
(4) انظره (ص 251 - 252).
(1/197)

الثالث) مع ملاحظة تكرار بحث المصنف والإشارة إليها.
- حكم الاستثناء في الطلاق، استغرقت في نشرتنا نحو أربع وثلاثين صفحة فبدأ من (ص 462) وانتهى ب (ص 496) من (المجلد الرابع).

سادسًا: من السِّماتِ المنهجية المهمة لفقه الإمام ابن القيم في كتابنا هذا التحليل والتأصيل وسعيه نحو التقعيد، فهو "يغوص في مدارك المسائل بنظره الثاقب، فيستخرج جميع الوجوه والاحتمالات، ثم يعطي كل احتمال حكمه الشرعي" (1).
فالمصنف يعمل على تكييف المسألة من ناحية فقهية، ويذكر ما فيها من اختلاف الفقهاء وأقوالهم وآرائهم واجتهاداتهم (2)، على وجه يكون الغرض منه الاستفادة الشمولية الكلية لتأصيل وتقعيد أصولي أو منهجيّ، مدلل عليه، معروف عند السلف الصالح، وذلك من خلال فحص واختبار ما استدل به كل فريق، وإلغاء ما ليس مناسبًا، وإثبات الصالح المناسب، وهذا ما عنيناه ب (التحليل)، الذي عُرِّف بأنه "عملية عقلية في جوهرها، وهو ينحصر في عزل صفات الشيء، أو عناصره بعضها عن بعض، حتى يمكن إدراكه بعد ذلك إدراكًا واضحًا" (3).
فالمصنف يبحث المسائل على وجه عميق جدًّا، مجاوزًا المنهج التقليدي عند الفقهاء، ممن يعملون على عرض المسائل باعتماد طريقة الأبواب والفصول التي درج عليه فقهاء ذلك العصر، وأصبحت -بناء عليه- مجموعة من المسائل وبحكم مجموعة من المقدمات، من المسلّمات، فرأى ابن القيم أنها تحتاج إلى عرض جديد، بثوب جديد، على خلاف الطريقة المعهودة المطروقة، التي تنطلق من الجزئيات، فوظف الأمور الكلية الفطعية لنصرتها ورجحانها، بجانب الأحاديث النبوية، والآثار الصحابية والتابعية فكانت هذه (المعلمة) (الأصولية) الأصيلة و (الفقهية) التحليلية العميقة.
ورحم اللَّه القرافي لما قال: "وأنت تعلم أن الفقه -وإنْ جلَّ- إذا كان مبددًا، تفرقت حكمته، وقلّت طلاوته، وضعفت في النفوس طُلْبَتُه، وإذا رتبت الأحكام مخرجة على قواعد الشرع، مبنية على مآخذها، نهضت الهمم حينئذٍ
__________
(1) "القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين" (ص 97).
(2) انظر ما سيأتي تحت (المحور الثالث).
(3) "المنطق الحديث ومناهج البحث" (ص 263) لقاسم محمود.
(1/198)

لاقتباسها، وأعجبت غاية الإعجاب بتقمص لباسها" (1).
ويجد منعم النظر في كتابنا هذا تأصيلًا وتحليلًا لكثير من المسائل والمباحث، بلغت مرتبة النضوج والاكتمال وصيغت على هيئة قواعد (2) تجريدية
__________
(1) "الذخيرة" (1/ 36).
(2) ذكر المرداوي في "التحبير شرح التحرير" (8/ 3837) أن ابن القيم ذكر قواعد في الأصول، وكذا في المذهب، ووصفها ب (كثيرة)، وقال: "أتى بأشياء كثيرة حسنة جدًّا نافعة لطالب العلم"، وقال: "يجب على كل من أراد إحكام علم أن يضبط قواعده، ليرد إليها ما ينتشر من الفروع، ثم يؤكد ذلك بالاستكثار من حفظ الفروع؛ ليرسخ في الذهن، فيتميّز على نظرائه بحفظ ذلك واستحضاره" انتهى.
وهذا نص مهم فات من خَصَّ دراسة القواعد عند ابن القيم بالتَّصنيف، ومما يذكر في هذا الباب: أن كتابنا "إعلام الموقعين" من أنبل كتب ابن القيم "وأجلها وأثراها بالقواعد الفقهية والتخريج عليها" وأن "هذا الكتاب (وثيقة شرعية للقواعد الفقهية) "، أفاده الشيخ العلامة بكر أبو زيد في تقديمه ل"القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب "إعلام الموقعين"" (ص 5).
وقد استقرأ الأستاذ عبد المجيد جمعة الجزائري هذا في كتابه "القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب "إعلام الموقعين"". واستخرج منه (تسعًا وتسعين) قاعدة، وقال في ديباجته (ص 13 - 15) عن كتابنا هذا بعد أن أنعم النظر فيه: "ألفيتُه كتابًا زاخرًا بدرر القواعد، وافرًا لِغرر الفوائد، حافلًا بأنواع المعارف والموائد، قد بلغ فيه مؤلفه الغاية، وأظهر فيه الكفاية. فغُصْتُ في بحره الرّائق، أستخرج من كنز الدّقائق، درَّه النّفيس، فجمعت ما يحكم العِقْد، ويوفي بالقصد.
وبعد الاستخارة والمشاورة، انشرح صدري، واطمأنت نفسي إلى البحث، فسجّلته تحت عنوان: "القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب "إعلام الموقعين" للعلامة ابن قيم الجوزية رحمه اللَّه".
ثم ذكر (سبب اختياره لهذا الموضوع)، ونجتزئ منه ما يكشف عن (القواعد الفقهية): وجودًا وأهمية، قال:
"إنّ العلّامة ابن القيم رحمه اللَّه كانت له اليد الطّولى، والقدم الرّاسخة في دقائق الاستنباط، لما كان يتمتّع به من جودة الفكر، ودقّة النظر، ونور البصيرة، وصفاء القَرِيحة، وتوقّد الذهن، وحسن الفهم، الأمر الذي مكّنه من تفهم روح الكتاب والسّنة، والاستشراف على أسرار الشّريعة الإسلاميّة الغرّاء، فلا غرو أن يأتي -هذا الجهبذ- بغرر القواعد.
إنَّ العلّامة ابن القيّم رحمه اللَّه كان يعرف بفيض علمه، وسعة اطّلاعه، وتبحّره في الفقه الإسلامي، ومعرفته بأصول المذاهب، ومآخذ الأقوال، حتى صار من العلماء الأعلام، وأئمّة الإسلام، الّذين لا يُشَقُّ غبارهم، ولا تُغمزُ قناتهم، بشهادة أهل العلم له، فحريٌّ -بمثل هذا النِّحرير- أن يخرّج المسائل، ويجمع الأمثال، ويؤلف الأشباه في قواعد كليّة عامّة، وضوابط فقهية هامّة.
مساهمته بقسط وافر، وعلم زاخر، في تأسيس القواعد، وبناء صرح هذا العلم الفاخر. =
(1/199)

متحررة من المذهبيّة، أو الطريقة التقليديّة في عرض مادة (الأصول) أو (الفقه) وهو قفزة علمية عملية من فوق (الركود) و (التراكم) -المعروفين في ذلك الزمن- إلى (النصوص) و (القواعد) المتبعة عند (السلف) في الاستدلال والاستنباط، مع تزييف ما خرج عنهما من (المسائل)، أو أدخل فيهما زورًا من (المبادئ) و (الكليات).
وإن النهضة العلمية اليوم تتطلب من تلاميذها العكوف على مثل هذا النوع من المؤلفات، ودراستها بتمحيص من ناحية نظرية ليكون لها أثر علمي في (النوازل المستجدة)، لتتواصل مسيرة (الخير) و (العلم) على (منهج) واحد جامع بين (الأفهام) قائم على (الحق) و (العدل)، ولا سيما مع كثرة المستجدات في الوقت الحاضر في سائر ضروب وميادين الحياة، في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والطبية.
ومن نافلة القول: إن صياغة القواعد الفقهية، أو الضوابط التي كانت معتبرة عند السلف تحتاج إلى قدرة بيانية، وكفاءة فقهية عالية، واستحضار تام لأغلب المسائل الفروعية، وأن هذه الأسباب والشروط تحققت في الإمام ابن القيم، فلا عجب أن يكون له فيها الباع الطويل.
__________
= إنّه رحمه اللَّه شخصية فقهية مستقفة، متحزرة من قيود المذهبيّة، حيث كانت نظرته إلى القواعد كنظرته إلى الفروع والمسائل، يرى أنّ فيها المقبول، وفيها المردود، فما كان فيها مقبولًا أيّده بالدّليل من الكتاب والسّنة، وإجماع الأمة والقياس الصّحيح؛ وما كان فيها مردودًا أتى عليه بالنّقد البنّاء؛ فإبراز هذا الفن في مثل هذه الشخصية خير معين لطلبة هذا الفنِّ على التمييز بين صحيح القواعد وسقيمها، وببن مقبولها ومردودها.
- إنّ القواعد الفقهية في كتاب "إعلام الموقعين" متناثرة، والفوائد فيه متطايرة، وقد يبذل الباحث جهده، وينفد وجده في جمعها والوقوف عليها، وربّما لا يتأتى له منها إلا النّزر اليسير، فأحدث اللَّه في نفسي أن تلك القواعد المهمّة، والفوائد الجمّة لو اجتمعت في كتاب، وحيث تبنى عليها فروعها، وترد إليها مسائلها، لكانت قريبة التّناول، سهلة المأخذ، ولتكيّفت نفس الواقف عليها بها مجتمعة أكثر مما إذا رآها مفرّقة.
- إنّ جمع القواعد الفقهية، واستخراجها من كتاب "إعلام الموقعين" يبرز هذا الفنّ في شخصية الإمام ابن القيّم رحمه اللَّه العلمية.
- المساهمة في خدمة الجانب الفكري لشخصيته العلمية، وذلك أن كثيرًا من الباحثين تناولوا بالدراسة شخصيته من زوايا مختلفة" ثم ختم كلامه، بقوله:
"إنّ كتاب "إعلام الموقّعين" من أنفس ما أفاض به علم ابن القيّم رحمه اللَّه، فقد اشتمل على أصول الشّريعة وحِكَمِها، وكشف عن أسرارها ومحايشها، وزخر بغرر القواعد ومسائلها، فكان حريًّا بالدّراسة واستخراج تلك القواعد منه".
وساق الباحث عبد اللَّه لخضر في أطروحته "ابن القيم أصوليًا" (ص 442 - 443) أُمَّاتِ القواعد الأصولية والفقهية الموجودة في كتابنا هذا.
(1/200)

سابعًا: ومن الخصائص والسمات والملامح لمنهج ابن القيم في كتابه هذا: تآخي الأصول مع الفقه، وتوافق التطبيق مع النظرية في انسجام وتكامل، يتجلى هذا تمامًا عند ذكره الأدلة. وتحليلها تحليلًا كافيًا، وإعطاء كل دليل حقه من الفهم والمعنى، فيستعين أخيرًا في استنباط الحكم الشرعي بالقواعد الأصولية ذات العلاقة، بحيث تتبيّن أهمية القاعدة الأصولية لاستنباط الحكم، فيمتزج الفقه بالأصول في منهج اجتهادي واضح الخطوات، بيِّن المعالم، يتضح فيه للباحث الفقيه كيفية بناء الحكم على ذلك الأصل، أو القاعدة الأصولية.
هذا هو المنهج العلمي المثالي، إذ يمنح القارئ الثقة في الأحكام المستنبطة، كما ينمي لديه ملكة الاستنباط، حيث يقف بصورة عملية على الطريقة التي سلكها الأئمة المجتهدون في استنباط الأحكام، نظريًا وتطبيقًا (1). وأقام الإمام ابن القيم في (معلمته) هذه جسورًا قوية متماسكة بين (الأصول) و (الفقه)، وأثبت بما لا جدال فيه أنهما علمان متلازمان حسًا وذهنًا في كل مرحلة من مراحل الاستنباط، وتطبيق الأحكام، في التأليف والتدوين، لا تستقل مدونات الأصول عن الفروع، ولا تستغني الفروع عن الأصول، وهو جانب مهم وواضح في منهج ابن القيم في كتابه هذا، الذي يعتبر بأنه عقد منتظم من النظريات، والقواعد الأصولية، تدعمها الفروع الفقهية: تخريجًا واستشهادًا وتطبيقًا، وجاءت هذه التطبيقات بلا استكثار ولا تقصير، وجاءت دراساته فيها من كافة جوانبها: التنظير والتطبيق، والشرح والتحليل متوازية متعادلة (2).

ثامنًا: وأما التفصيل في المسائل، فهذه سمة بارزة (3) في كتابنا هذا، إذ حوى كثيرًا من المسائل وفصَّلها، ودقَّق فيها، فلا يطلق ابن القيم الأحكام جزافًا،
__________
(1) بتصرف من "منهجية الإمام الشافعي في الفقه وأصوله" (ص 49 - 50)، و"منهج البحث في الفقه الإسلامي" (ص 40 - 41).
(2) بتصرف من المرجع السابق (ص 123).
(3) تنبه لها جمع من العلماء، ونصصوا على أن ابن القيم إذا تطرق لمسالة فإنه يبثنها بما لا مزيد عليه، انظر -على سبيل المثال-: "شرح الكوكب المنير" (4/ 225)، و"التحبير في شرح التحرير" (7/ 3539)، و"ظفر اللاظي" (ص 76 - 77)، و"إكليل الكرامة" (ص 80 - 81)، و"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل" (392)، و"المدخل الفقهي العام" (1/ 74 - 75)، و"التشريع والفقه الإسلامي تاريخًا ومنهجًا" (ص 126) لمناع القطان، و"نظم الحكم والإدارة" (ص 293) لعلي منصور.
(1/201)

ولا يقف عند رسومها وألفاظها، أو يكتفي بأصولها الكليّة، دون التعرض لتفصيلاتها وتفريعاتها، وحقائقها، ولا سيما تلك المسائل التي اشتهر انفراده بها تبعًا لشيخه ابن تيمية، فكما أنه أولاها بالتأصيل والتدليل، فإنه لم ينساها من التفصيل، إذ (التفصيل) هو ثمرة (التأصيل) الحاصل من (التدليل).
وهذا أمر ليس بمستغرب، إذ قد حذّر المصنفُ من إطلاق الجواب دون تفصيل، فقال:
"ليس للمفتي أن يطلق الجواب في مسألة فيها تفصيل إلا إذا علم أن السائل إنما سأل عن أحد تلك الأنواع، بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى تفصيل استفصله. . . " (1).
ثم ذكر ضرورة مراعاة هذا، بأن دلل على كلامه، ثم بيَّن أن المفتي إن لم ينتبه لهذا المسلك ويعمل به، فإنه يَضلّ ويُضلّ، قال:
"والمقصود التّنبيه على وجوب التفصيل إذا كان السّؤال محتملًا، وباللَّه التّوفيق، فكثيرًا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم، فالمفتي ترد إليه المسائل في قوالب متنوّعة جدًّا، فإن لم يتفطّن لحقيقة السّؤال وإلّا هلك وأهلك، فتارة تورد عليه المسألتان صورتهما واحدة وحكمهما مختلف؛ فصورة الصَّحيح والجائز صورة الباطل والمحرَّم ويختلفان بالحقيقة، فيذهل بالصّورة عن الحقيقة، فيجمع بين ما فرَّق اللَّه ورسوله بينه، وتارة تورد عليه المسألتان صورتهما مختلفة وحقيقتهما واحدة وحكمهما واحد، فيذهل باختلاف الصّورة عن تساويهما في الحقيقة، فيفرّق بين ما جمع اللَّه بينه، وتارة تورد عليه المسألة مجملة تحتها عدة أنواع، فيذهب وهمه إلى واحد منها، ويذهل عن المسؤول عنه منها، فيجيب بغير الصَّواب، وتارة تورد عليه المسألة الباطلة في دين اللَّه في قالب مزخرف ولفظ حسن، فيتبادر إلى تسويغها وهي من أبطل الباطل، وتارة بالعكس" (2).
وضرب على ذلك أمثلة، منها قوله رحمه اللَّه:
"فإذا سئل المفتي عن رجل دفع ثوبه إلى قصَّار يقصره، فأنكر القصّار الثّوب ثمّ أقرّ به، هل يستحق الأجرة على القِصَارة أم لا؟ فالجواب بالإطلاق خطأ نفيًا وإثباتًا، والصّواب التّفصيل، فإن كان قصَّره قبل الجحود فله أجرة القصارة؛ لأنه قصَّره لصاحبه، وإن كان قصَّره بعد جحوده فلا أجرة له لأنه قصَّره لنفسه.
__________
(1) "إعلام الموقعين" (5/ 91).
(2) "إعلام الموقعين" (5/ 97).
(1/202)

وكذلك إذا سئل عن رجل حلف لا يفعل كذا وكذا، ففعله، لم يجز له أن يفتي بحنثه، حتى يستفصله، هل كان ثابت العقل وقت فعله؟ وإذا كان ثابت العقل فهل كان مختارًا في يمينه أم لا؟ وإذا كان مختارًا فهل استثنى عقيب يمينه أم لا؟ وإذا لم يستثن فهل فعل المحلوف عليه عالمًا ذاكرًا مختارًا أم كان ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا؟ وإذا كان عالمًا مختارًا فهل كان المحلوف عليه داخلًا في قصده ونيته أو قصد عدم دخوله فخصَّصه بنيّته أو لم يقصد دخوله ولا نوى تخصيصه؟ فإنّ الحنث يختلف باختلاف ذلك كلّه" (1).
ويكتمل المنهج التفصيلي عند ابن القيم بذكر الفروق بين مسألة وأخرى، يظن بادئ بدء تطابقهما في الحكم، فينبه على الفرق بينهما رفعًا للإبهام، وإزالة اللبس، وزيادة في الإيضاح. والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، تجدها مجموعة في (فهرسة) خاصة، في (المجلد الأخير) الخاص بالفهارس على حسب ورودها في الكتاب، واللَّه الموفق للصواب.
ومما ينبغي ذكره بهذا الصدد أن المسائل التي فصل ابن القيم فيها القول هي التي كانت دائرة آنذاك على ألسنة الفقهاء وتشغل مجالسهم، وهي صور حقيقية لما يجري في مجتمعاتهم، وهي شهادة صدق على كون ابن القيم مصلحًا، وهي عبارة عن نماذج واقعية للحياة التي عاشوها، ولذا تجد في كتابنا هذا توجعًا وتألمًا، وشذرات لأحوال المفتين، وذكرًا لبعض الحوادث التي ذكرت عرضًا، وبها تعلّق لبعض الأحداث التي كانت تجري آنذاك (2).

تاسعًا: ترتب على ما سبق من سمات منهجية في عرض ابن القيم لمادته العلمية في كتابه هذا من (التأصيل) و (التحليل) و (التفصيل) و (الاستيعاب) وجود مباحث عزيزة لا تكاد توجد على النحو الذي توجد في كتابنا هذا، وقد صرح المصنف بذلك أكثر من مرة، فقال -مثلًا- عن تقرير (القياس) والاحتجاج به: "لعلك لا تجده في غير هذا الكتاب، ولا بقريب منه" (3)، وقال أيضًا:
"وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا من مآخذهما وحجج أصحابهما، وما لهم وما عليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتاب
__________
(1) "إعلام الموقعين" (5/ 92)، وانظر مثالًا آخر فيه (5/ 92).
(2) انظر -على سبيل المثال-: (1/ 307 و 3/ 428 و 4/ 56 و 5/ 65، 76، 81، 82).
(3) "إعلام الموقعين" (1/ 450).
(1/203)

من كتب القوم من أوَّلها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدًا، وذلك بحول اللَّه وقوّته ومعونته وفتحه، فله الحمد والمنة" (1) وقال بعد تحرير مسألة أخرى: "وهذا بعض ما يتعلق بمخرج الاستثناء، ولعلك لا نظفر به في غير هذا الكتاب" (2).
وحقَّ لصاحبه أن يقول هذا، إذ لم يكتف ابن القيم في هذه المسائل وغيرها بتقرير الراجح عنده فيها مع التدليل عليها، بل كان له في عرضها منهج متميز، مع ما صحبه من نقاش واستنباط، يمثل القمة فكرًا وأسلوبًا وإبداعًا، ينمي الملكة ويستثير الموهبة في الطلبة والمطلعين.

المحور الثالث: الإنصاف والأمانة والتقدير والموضوعية والترجيح:
يزيِّن (الحقّ) العدلُ، فكما أنّ ابن القيم حرص على الوصول إلى الحق في (مباحثه) و (مسائله)، فإنه سلك إلى ذلك طريقًا سهلًا عدلًا، وهو المهيع الذي عليه الربانيون، وشُداة الحق الصادقون، وتمثل ذلك في الأمور الآتية:

أولًا: نقل المذاهب عن أصحابها، وعزاها إلى الكتب المعتمدة (3) فيها،
__________
(1) "إعلام الموقعين" (3/ 36)، وهذا ما صرح به صديق حسن في "ظفر اللاظي" (ص 28)، وغيره.
(2) "إعلام الموقعين" (4/ 496)، واعتزاز ابن القيم بعلمه ظاهر في كثير من كتبه، فها هو يقول بعد كلام في "بدائع الفوائد" (2/ 89): "فتأمل هذه المعاني التي لا تجدها في كتاب، وإنما هي روضة أنف، منح العزيز الوهاب فهمها، وله الحمد والمنة!، وانظر -غير مأمور-: (2/ 8، 89، 146، 147، 160، 175) وقال في "مفتاح دار السعادة" (1/ 32) عن (الجنة التي أخرج منها آدم): "فقد ذكرنا في هذه المسألة من النقول والأدلة، والنكت البديعة، ما لعله لا يوجد في شيء من كتب المصنفين، ولا يعرف قدره إلا من كان من الفضلاء المنصفين"، وانظر منه: (2/ 110).
وانظر لتتمة الكلام على سمة (اعتزاز المصنف بعلمه) مع (تواضعه) في (المحور الرابع): (خامسًا).
(3) مضى بيان ذلك مفصلًا تحت عنوان (مصادر المصنف وموارده في كتابه هذا)، وذكر الجويني في "غياث الأمم" (ص 417) ضرورة نقل الفقيه من المصادر وعدم اعتماده على الحفظ، فقال:
"لا يستقل بنقل مسائل الفقه من يعتمد الحفظ، ولا يرجع إلى كَيْسٍ وفطنة وفقهِ طبع؛ فإن تصوير مسائلها أولًا، وإيرادَ صورها على وجوهها لا يقومُ بها إلا فقيه. ثم نقلُ المذاهبِ بعد استتمامِ التصويرِ لا يتأتى إلا من مرموق في الفقه خبيرٍ، فلا ينزلُ نقلُ مسائل الفقه منزلةَ نقلِ الأخبار والأقاصيص والآثار. وإن فُرض النقلُ في الجليات من واثقٍ بحفظه =
(1/204)

ونقل في كثير من الأحايين النصوص بطولها، واستقصى أدلتها واستوفاها، وعرضها عرضًا كاملًا، دون نقص أو تحريف أو تجاهل أو تزايد في صورة مفصلة موفية بالغرض المقصود من حيث الدقة والبيان، وبموضوعية متناهية وأكثر ما ظهر هذا في المسائل التي تفرد بها عن سائر فقهاء عصره.

ثانيًا: نجد من منهج ابن القيم أنه يفسح المجال واسعًا لمناقشة الأقوال، وردِّ كل طائفة على الأخرى، ويبيّن مستند كل منهما، وسبب اختلافهما، ويسوق الأدلة النّقلية والعقلية لكل واحدة منهما، ويعرضها على صورة التأييد والتقوية، ويحللها كما يفهمها أصحابها وينتصرون لها، على وجه واضح، وبترتيب منطقي.
ثالثًا: همُّ ابن القيم من ذلك إظهار الحق، ولذا ربما أبهم بعض أسماء المردود عليهم (1)، سواء من الفقهاء بأعيانهم، أو المذاهب، ولذا اضطر في بعض الأحايين إلى بيان ما ألصق في المذاهب وهو -على التحقيق- ليس منها (2).
رابعًا: حرص ابن القيم في ذلك كله على الإنصاف والعدل، فقال -مثلًا- في مبحث (الحيل) بعد كلام: "ونحن نذكر ما تمسَّكتم به في تقرير الحيل، والعمل بها، ونبيّن ما فيه، متحرّين العدل والإنصاف" (3).
وكان رحمه اللَّه يميل مع الدليل، ولا يقدم شيئًا عليه (4)، ولا يميل إلى قول مذهب أو شيخ دونه، فاسمع إليه -مثلًا- وهو يقول عن (القياس) بعد أن ذكر حجج المثبتين له والنافين:
__________
= موثوقٍ به في أمانته، لم يمكن فرضُ نقل الخفيات من غيرِ استقلال بالدراية".
قلت: وهذا المنهج الذي رسمه إمام الحرمين هو الذي سار عليه ابن القيم رحمه اللَّه.
(1) قال النووي في أواخر "الأذكار" (ص 341 - باب في ألفاظٍ حُكِيَ عنْ جماعة من العلماء كراهتها وليست مكروهة): "اعلم أني لا أسمي القائلين بكراهة هذه الألفاظ لئلا تسقط جلالتهم، ويساء الظن بهم، وليس الغرض القدح فيهم، وإنما المطلوب التحذير من أقوال باطلة نقلت عنهم" قلت: فمن فقه ابن القيم في هذه المواطن التعمية والإبهام دون التسمية والإعلام، ولو أن أهل الردود -اليوم ممن هم في دائرة (أهل السنة) - سلكوا هذا المسلك؛ لكانت ردودهم مريئة على النفس بالرغم من ثقلها ولامتازت بالعلم فيها. دون (هيشات) الأسواق، ولا قوة إلا باللَّه!
(2) تجد أمثلة على ذلك فيما سيأتي قريبًا تحت (خامسًا).
(3) "إعلام الموقعين" (4/ 141).
(4) انظر: ما قدمنا تحت (المحور الأول).
(1/205)

"الآن حَمِيَ الوطيس (1)، وحميت أنوف أنصار اللَّه ورسوله لنصر دينه وما بعث به رسوله، وآن لحزب اللَّه أن لا تأخذهم في اللَّه لومة لائم، وأن لا يتحيّزوا إلى فئة معينة، وأن ينصروا اللَّه ورسوله بكلِّ قولٍ حقٍّ قاله مَنْ قاله، ولا يكونوا مِنَ الّذين يقبلون ما قاله طائفتهم وفريقهم كائنًا مَنْ كان، ويردّون ما قاله منازعوهم وغير طائفتهم كائنًا مَنْ كان، فهذه طريقة أهل العصبية، وحمية أهل الجاهليّة، ولعمر اللَّه!! إنّ صاحب هذه الطّريقة لمضمون له الذمّ إن أخطأ، وغير ممدوح إن أصاب، وهذا حال لا يرضى بها من نصح نفسه وهُدي لرشده، واللَّه الموفق" (2).
وعندما بحث مسألة (من أقرّ أو حَلف أو وهب أو صالح لا عن رضا منه، ولكن منع حقه إلَّا بذلك)، وقرر أن حكمه حكم المكره لا يلزمه ما عقده من هذه العقود، ثم قال:
"ومن له قدم راسخ في الشريعة ومعرفة بمصادرها ومواردها، وكان الإنصاف أحبَّ إليه من التّعصب والهوى، والعِلمُ والحجّةُ آثرَ عنده من التَّقليد، لم يكد يخفى عليه وجه الصّواب، واللَّه الموفق" (3).
ويقول في (مسألة من أكره على شراء أو استئجار) وقرر أنه لا يصح منه لعدم قصده وإرادته:
". . . فإن أهل الظّاهر تمسّكوا بألفاظ النّصوص وأجروها على ظواهرها حيث لا يحصل القطع بأنّ المراد خلافها، وأنتم تمسّكتم بظواهر ألفاظ غير المعصومين حيث يقع القطع بأنّ المراد خلافها، فأهل الظّاهر أعذر منكم بكثير، وكلّ شبهة تمسّكتم بها في تسويغ ذلك فأدلة الظّاهرية في تمسِّكهم بظواهر النّصوص أقوى وأصح، واللَّه يحبّ الإنصاف، بل هو أفضل حلية تحلى بها الرّجل، خصوصًا من نصب نفسه حَكَمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال اللَّه -تعالى- لرسوله: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى: 15]، فورثة الرّسول منصبهم العدلُ بين الطَّوائف وألَّا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه، بل يكون الحقّ مطلوبه يَسيرُ بسيره وينزل بنزوله، يدين بدين العدل والإنصاف، ويحكم الحجة، وما كان عليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه فهو العلم الذي قد شمّر إليه، ومطلوبه الّذي يحوم بطلبه عليه، لا يثني عنانه عَذلُ عاذلٍ، ولا تأخذه فيه
__________
(1) انظر ما قدمناه عنها في التعليق على (ص 114).
(2) "إعلام الموقعين" (2/ 277).
(3) "إعلام الموقعين" (4/ 397 - 434).
(1/206)

لومة لائم، ولا يصدّه عنه قول قائل" (1).
كيف لا؛ وهو القائل:
وتحلَّ بالإنصَافِ أَفْخَرَ حُلَّةٍ ... زِينَتْ بها الأَعْطَافُ والكَتِفَانِ (2)

خامسًا: ابن القيم إمام في العلم والعمل، ومجتهد ومصلح ومُنْصِف، يضع الأمور مكانها، ومن بين ذلك: تقديره للعلماء، وقد دعى في كتابه هذا إلى أنه لا بد من "معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأنّ فضلهم وعلمهم ونصحهم للَّه ورسوله لا يوجب قبول كلّ ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرَّسول، فقالوا بمبلغ علمهم، والحقّ في خلافها لا يوجب اطّراح أقوالهم جملة وتنقّصهم والوقيعة فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصد السّبيل بينهما، فلا نؤثِّم ولا نَعْصم، ولا نسلك بهم مسلك الرّافضة في عليّ ولا مسلكهم في الشَّيخين، بل نسلك مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصَّحابة، فإنّهم لا يؤثمونهم ولا يعصمونهم، ولا يقبلون كلّ أقوالهم ولا يهدرونها. فكيف ينكرون علينا في الأئمّة الأربعة مسلكًا يسلكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصَّحابة؟ ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح اللَّه صدره للإسلام، وإنَّما يتنافيان عند أحد الرّجلين: جاهل بمقدار الأئمّة وفضلهم، أو جاهل بحقيقة الشّريعة التي بعث اللَّه بها رسوله، ومن له علم بالشَّرع والواقع يعلم قطعًا أنّ الرجل الجليل الَّذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزّلّة هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتّبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين" (3).
ولم يقتصر حرص ابن القيم على (معرفة فضل أئمة الإسلام) بالذكر العطر، والثناء الجميل لشخوصهم، وإنما تعداه إلى تبرئتهم مما ألصق بهم من أقوال تحط من قدرهم، فقال -مثلًا- في مسألة (تعليق الطلاق بالشرط):
"وللَّه شرف نفوس الأئمّة الذين رفع اللَّه قدرهم، وشاد في العالمين ذكرهم، حيث يأنفون لنفوسهم ويرغبون بها عن أمثال هذه الهذيانات الّتي تسودُّ بها الوجوه قبل الأوراق، وتُحِلّ بقمر الإيمان المحاق" (4).
__________
(1) "إعلام الموقعين" (3/ 123 - 124).
(2) القصيدة النونية (1/ 51 - شرح الهراس).
(3) "إعلام الموقعين" (4/ 235).
(4) "إعلام الموقعين" (4/ 477).
(1/207)

وقال عند تبرئته للأئمّة من الدّعوى إلى تقليدهم:
"وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمّة، ولم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة وأجلّ قدرًا وأعلم باللَّه ورسوله من أن يلزموا النّاس بذلك" (1).
ولم يكتف بهذا الإجمال، وإنما تعداه لمسائل مخصوصة، نسبت إلى أئمة معينين، كقوله -مثلًا- عن نسبة بعض الحيل إلى الشافعي وغيره:
"والمتأخِّرون أحدثوا حيلًا لم يصحَّ القول بها عن أحد من الأئمّة، ونسبوها إلى الأئمّة، وهم مخطئون في نسبتها إليهم، ولهم مع الأئمّة موقف بين يدي اللَّه عز وجل. ومن عرف سيرة الشَّافعي وفضله ومكانه من الإسلام علم أنّه لم يكن معروفًا بفعل الحيل، ولا بالدّلالة عليها، ولا كان يشير على مسلم بها، وأكثر الحيل التي ذكرها المتأخرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرّفاتهم، تلقّوها عن المشرقيين، وأدخلوها في مذهبه، وإن كان -رحمه اللَّه تعالى- يجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيّته. . . فحاشاه ثم حاشاه أن يأمر النّاس بالكذب والخداع والمكر والاحتيال وما لا حقيقة له، بل ما يتيقّن أنّ باطنه خلاف ظاهره، ولا يظنّ بمن دون الشافعيِّ من أهل العلم والدّين أنّه يأمر أو يبيح ذلك. . . ".
قال: "فواللَّه ما سوَّغ الشافعيُّ ولا إمام من الأئمّة هذا العقد قطّ، ومن نسب ذلك إليهم فهم خصماؤه عند اللَّه. . . " (2).
وقال عن حيلة أخرى: "لا تتمشى على قواعد الشريعة، ولا أصول الأئمة، وكثير منها -بل أكثرها- من توليدات المنتسبين إلى الأئمة وتفريعهم، والأئمة براء منها" (3).
وقال أيضًا في مقام آخر: "ولا نص عليه أحد من الأئمة الأربعة" (4).
وقال في مسألة عزاها القاضي أبو يعلى إلى الإمام أحمد: "ولا يخفى ما في هذا الحمل من مخالفة ظاهر كلام الإمام أحمد" ودلَّل على ذلك باستقراء أجوبته (5).
وقال في مسألة أخرى عزاها أبو حامد الإسفرائيني وغيره لأحمد: "وهذا
__________
(1) "إعلام الموقعين" (5/ 204).
(2) "إعلام الموقعين" (4/ 232 - 233).
(3) "إعلام الموقعين" (4/ 231).
(4) انظر: "إعلام الموقعين" (4/ 327).
(5) "إعلام الموقعين" (4/ 231).
(1/208)

من غلطه على أحمد" (1).
وقال في موضع آخر: "وما حكاه أبو حامد الإسفرائيني عن أحمد من القول فباطل عنه لا يصح ألبتة، وكل من حكاه عن أحمد، فمستنده حكاية أبي حامد الإسفرائيني أو من تلقَّاها عنه" (2)، ويدلّل هذا على فطنة ابن القيم، إذ يقف رحمه اللَّه على منشأ الغلط، وكذلك وقع له في (حجية قول الصحابي)، قال:
"وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد، أما القديم فأصحابه مُقِرُّونَ به، وأما الجديد؛ فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة، وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدًّا" (3) ثم يذكر السبب الباعث على هذا الخطأ.
وقال عنه: "وهذا تعلّق ضعيف جدًّا" (4)، ثم ذكر سببًا آخر، وقال عنه أيضًا: "وهذا أيضًا تعلق أضعف من الذي قبله" (5).
فلم يقف رحمه اللَّه على تصحيح النسبة، وإنما عالج الخطأ، ووقف على سببه، وقوّمه بمنهج علمي أصيل، ظهر من خلاله الأصيل من الدخيل، ومن ذلك:
تقريره أن (السلف) كانوا يستعملون (الكراهة) بمعنى (الحرام)، قال: "ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم" قال: "ثم حمل مَنْ حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلط في ذلك" قال:
"وأقبح غلطًا منه من حمل لفظ (الكراهة) أو لفظ (لا ينبغي) في كلام اللَّه ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث" (6).
واعتنى المصنف في كثير من المسائل بمذهب الإمام الشافعي، وأنه نسب إليه ما لم يقل به، مثل (اللعب بالشِّطْرَنْج) قال الشافعي عنه: "أكرهه أو لا يتبين لي تحريمه" (7) قال ابن القيم: "فقد نص على كراهته، وتوقف في تحريمه، فلا يجوز أن ينسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائز وأنه مباح، فإنه لم يقل هذا، ولا ما يدل عليه" (8).
__________
(1) انظر: "إعلام الموقعين" (4/ 469).
(2) "إعلام الموقعين" (4/ 482).
(3) "إعلام الموقعين" (4/ 550)، وانظر: (3/ 11).
(4) انظر: "إعلام الموقعين" (4/ 550).
(5) انظر: "إعلام الموقعين" (4/ 551).
(6) "إعلام الموقعين" (1/ 81).
(7) انظر: "الأم " (6/ 213)، "السنن الكبرى" (10/ 212)، "معرفة السنن والآثار" (7/ 431 - 432) كلاهما للبيهقي.
(8) "إعلام الموقعين" (1/ 79 - 80).
(1/209)

وقال عقب ذلك في مسألة (تزوج الرجل امرأته المخلوقة من ماء الزنا): "ولم يقل -أي الشافعي- إنه مباح ولا جائز، والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أحلّه اللَّه به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم" (1).

سادسًا: مع تقدير ابن القيم للعلماء، وحرصه على نبذ ما أُلصق بهم من بواطيل وترهات، والاعتذار لهم عند الخطأ ومخالفة الدليل، فإنه كان جريئًا على الأدعياء، اللابسي ثوبي زور، والمتشبِّعين بما ليس فيهم، فنعتهم ب (جامدي الفقهاء" (2) و"خفافيش البصائر، وضعفاء العقول" (3) و"محبوسون في سجن الألفاظ، ومقيدون بقيود العبادات" (4). وقال عنهم: "خلوف رغبوا عن النصوص" (5)، و"أهل الأهواء والبدع" (6)، و"الطغام وأشباه الأنعام" (7)، و"من الكاذبين المفترين على شريعة أحكم الحاكمين" (8)، و"علومهم في مسائلهم وأدلتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض" (9).
و"عيب عندهم أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه، قال اللَّه، وقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أما أصول دينهم فصرحوا في كتبهم أن قول اللَّه وقول رسوله لا يفيد اليقين في مسائل أصول الدين، وإنما يحتج بكلام اللَّه ورسوله فيها الحشوية والمجسمة والمشبهة، وأما فروعهم فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعض المختصرات التي لا يذكر فيها نص عن اللَّه تعالى، ولا عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن الإمام الذي زعموا أنهم قلَّدوه دينهم، بل عمدتهم فيما يفتون ويقضون به وينقلون به الحقوق ويبيحون به الفروج والدماء والأموال على قول ذلك المصنِّف، وأجلّهم عند نفسه وزعيمهم عند بني جنسه من يستحضر لفظ ذلك الكتاب ويقول: هكذا قال، وهذا لفظه، فالحلال ما أحلَّه ذلك الكتاب، والحرام ما حرمه، والواجب ما أوجبه، والباطل ما أبطله، والصحيح ما صححه هذا! " (10).
وقال عنهم: "أقوام رؤيتهم قذى العيون، وشجى الحلوق، وكرب النفوس،
__________
(1) "إعلام الموقعين" (1/ 80 - 81).
(2) "إعلام الموقعين" (3/ 316).
(3) "إعلام الموقعين" (5/ 97).
(4) "إعلام الموقعين" (5/ 97) وأنشد في هؤلاء (4/ 434):
وسامح نفوسًا بالقشور وقد ارتضت ... وليس لها للُّبِّ من متطلع
(5) "إعلام الموقعين" (5/ 64).
(6) "إعلام الموقعين" (5/ 65).
(7) "إعلام الموقعين" (4/ 540).
(8) "إعلام الموقعين" (4/ 540).
(9) "إعلام الموقعين" (5/ 65).
(10) "إعلام الموقعين" (5/ 65).
(1/210)

وحمَّى الأرواح، وغم الصدور، ومرض القلوب، إن أنصفتهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف، وإن طلبته منهم، فأين الثريا من يد الملتمس، قد انتكست قلوبهم، وعمي عليهم مطلوبهم، رضوا بالأماني، وابتلوا بالحظوظ، وحصلوا على الحرمان، وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوى الباطلة وشقائق الهذيان، ولا واللَّه ما ابتلت من وَشَله (1) أقدامهم، ولا زكت به عقولهم وأحلامهم، ولا ابيضت به لياليهم وأشرقت بنوره أيامهم، ولا ضحكت بالهدى والحق منه وجوه الدفاتر إذ بُلَّتْ بمدادِه أقلامُهم، أَنفقوا في غير شيء نفائسَ الأنفاس وأَتعبوا أنفسهم وحيَّروا مَنْ خلفهم من الناس، ضيَّعوا الأصول، فحُرِمُوا الوصول، وأعرضوا عن الرسالة فوقعوا في نهاية الحيرة وبيداء الضلالة" (2).
وقال عنهم: "ليس لهم تحقيق في العلم" (3).
ونعت ابن القيم هؤلاء فيما مضى بصيغة الجمع وكان كلامه معهم في بعض الأحايين بصيغة الإفراد، كقوله:
"وليس كلامنا في هذا الكتاب مع المقلّد المتعصّب، المقرّ على نفسه بما شهد عليه به جميعُ أهل العلم، أنه ليس من جملتهم، فذاك وما اختار لنفسه، وباللَّه التوفيق" (4) وقوله:
"فأجابهم مَنْ مُنِع التوفيق، وصُدَّ عن الطريق" (5)، و"الجاهل الظالم لا يرى الإحسان إلا إساءة، ولا الهدى إلا ضلالة" (6)، و"الجاهل الظالم يخالفك بلا حجة، ويكفّرك ويبدّعك بلا حُجة، وذنبك رغبتك عن طريقته الوخيمة، وسيرته الذميمة" (7).
وقال عن هذا الصنف: "ليلزم حدّه، ولا يتعدّى طوره، ولا يمد إلى العلم الموروث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- باعًا يقصر عن الوصول إليه، ولا يتّجر بنقدٍ زائف لا يروج عليه" (8).
ولا يعارض هذا ما قلناه من الإنصاف الذي يتحلى به ابن القيم، فإن كلامه هذا مع فرقة تلاعبت بأحكام الدين، وجعلت كلام أئمتها عيارًا على الكتاب
__________
(1) الوشل: الماء القليل.
(2) "إعلام الموقعين" (5/ 66 - 67).
(3) "إعلام الموقعين" (4/ 243).
(4) "إعلام الموقعين" (4/ 311).
(5) "إعلام الموقعين" (5/ 98).
(6) "إعلام الموقعين" (4/ 434).
(7) "إعلام الموقعين" (4/ 388).
(8) "إعلام الموقعين" (3/ 514).
(1/211)

والسنة، فأحلوا الحرام، وحرموا الحلال، وأسقطوا الواجب، وأوجبوا ما لم يجب، فكانت هذه المؤاخذات والعبارات الشديدة من باب غيرة الإمام ابن القيم على الشريعة وأحكامها، ووضعه الأمور الشرعية في نصابها، وهذا من إنصافه أيضًا إذ ليس عنده وكس ولا شطط، واللَّه الهادي، لا ربّ سواه.

سابعًا: ثمرة نقل الأقوال والخلاف والأدلة مع الإنصاف والأمانة وتقدير أهل العلم هو الكشف عن حكم اللَّه عز وجل، وبيان الراجح من الأقوال، وبهذا ينتهي عرض ودراسة ابن القيم لجل المسائل والمباحث التي في كتابنا، فهو يتوصل إلى القول الراجح بعد تحليل وتأصيل وتدليل، ونظر عميق، وتأمل طويل، وتفهم وتصور دقيق، ولذا فترجيحاته صحيحة، واختياراته مليحة، وهي تتطابق مع الأدلة، ومدعّمة بما يزيّنها من الحِكَم والأسرار والمقاصد، التي تستنبط من النصوص، بالاستقراء أو إعمال النظر.
وترجيحاته قائمة على إعمال الأدلة جميعها، وقرر أنه "لا يجوز العمل والإفتاء في دين اللَّه بالتشهي والتخيير وموافقة الغرض" (1) وقال عن هذا: "من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر" (2) وكذلك "لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه، من غير نظر في الترجيح" (3) وقال عن هذا: "حرام باتفاق الأمة" (4).
وتمتاز ترجيحاته بالأمور الآتية:
أولًا: الوضوح والجزم والقوة، فكان يقول: "وهو الصواب المقطوع به" (5) و"هذا هو الصواب الذي ندين به في المسألة" (6) و"هذا هو الصواب الذي لا ريب فيه" (7).
ثانيًا: مراعاة جميع ما ورد في الباب من أدلة، قال في مسألة مثلًا:
"والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه. . . " (8).
ثالثًا: وجوب الخروج عن المذهب إذا جاء الدليل بخلافه، وعَدَّ من يقدم
__________
(1) "إعلام الموقعين" (5/ 124 - 125).
(2) "إعلام الموقعين" (5/ 125).
(3) "إعلام الموقعين" (5/ 124).
(4) "إعلام الموقعين" (5/ 124).
(5) "إعلام الموقعين" (4/ 310، 314، 400 و 5/ 213).
(6) "إعلام الموقعين" (5/ 51 و 4/ 322).
(7) "إعلام الموقعين" (4/ 501 و 5/ 64).
(8) "إعلام الموقعين" (2/ 392).
(1/212)

على الفتوى بما يغلب على الظن أن الصواب في خلافه: "خائنًا للَّه ورسوله، وللسائل، وغاشًا له" (1).
ولذا رجح في بعض المسائل ما يخالف مذهب الحنابلة، الذي نشأ وتربى عليه، قال: "وكثيرًا ما ترد المسألة، نعتقد فيها خلاف المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده، فنحكي المذهب الراجح، ونرجّحه ونقول: هذا هو الصواب، وهو أولى أن يؤخذ به، وباللَّه التوفيق" (2) بل خالف في بعض المسائل شيخه ابن تيمية (3).
رابعًا: يؤخّر ترجيحه ورأيه، إذ يبدأ برأي الفقهاء، ويسرد حججهم، ثم يأتي في آخر الكلام برأيه. بعد المناقشة بروية وحجة، ويحاول إلزام المخالف بأمثلة قوية موضحة، فهو يذكر المؤيِّدات مع الترجيحات.
خامسًا: يمتاز أسلوبه في الترجيح بأدب رفيع، وسمت حسن، فلا يسيء إلى مخالفه في الرأي، بتعبير يجرح شعوره، أو يسيء إليه.
سادسًا: جميع ما سبق لا ينافي كون ابن القيم حنبليّ النزعة، وأنه يفضّل ويرجح مذهب الإمام أحمد بالجملة، لأنه يعتبره أقرب إلى النصوص، كما أوضح ذلك في نقل سبق أن ذكرناه عنه (4).
ولذا نجده في كتابنا هذا يشيد بأحمد وبعلمه، ويعتني بأصول مذهبه، بل لا نجد ابن القيم اعتنى بأصول إمام مذهب مثل عنايته بأصول الإمام أحمد، ولا بأقوال إمام كأقواله، ولم ينقل عن فقهاء مذهب كمذهبه، بل قال في غير موطن: "أصحابنا" وهو يريدهم أو يريد بعضهم، ولا شك أنه أخذ العلم على كثير من مشايخ الحنابلة، ومع هذا فإنه كان يوقر العلماء حق التوقير، وأن فقهه كان فقه المجتهد، ولا يقلد ولا يتبع أحدًا بغير برهان ودليل، وهو في اختياراته متحيز مستنبط كما قدمناه، واللَّه الموفق.

المحور الرابع: طريقته في العرض وأسلوبه في البحث:
"ليس يكفي أن يكون الإنسان جمَّ المعرفة، غزير الثقافة، ليكون مؤلفًا ممتازًا، بل لا بد مع ذلك من طبيعة مواتية، وفكر مرتِّب، وعقل مركز، وذوق مصفَّى، وذهن ناقد، وبيان
__________
(1) "إعلام الموقعين" (5/ 74).
(2) "إعلام الموقعين" (5/ 74 - 75).
(3) انظر: "بدائع الفوائد" (4/ 210)، و"ابن القيم أصوليًا" (437)، وما مضى (ص 175).
(4) في (مصادر المصنف) (كتب الإمام أحمد) (ص 105).
(1/213)

ساحر، وحافز نفسي غلَّاب" (1)، وهذه السمات بمجموعها موجودة في كتب ابن القيم بعامة، وقد لاحظ ذلك الشوكاني، فقال:
"وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وله من حسن التصرف في الكلام، مع العذوبة الزائدة، وحسن السياق ما لا يقدر عليه غالبُ المصنّفين، بحيث تعشق الأفهامُ كلامه، وتميل إليه الأذهانُ، وتحبّه القلوبُ" (2).
ولكتابنا هذا "إعلام الموقعين" النصيب الأكبر من هذه السمات، فعلى الرغم من أنه كتاب في الفقه وأصوله، وعادة المؤلفين في هذه الأبواب الابتعاد عن الإبداع في الأسلوب الأدبي في عرض مادتها إلا أنّ ابن القيم "لم يخرج عن مألوفه فيه، ولم يخلع ربقة البلاغة من عنقه، فقد اهتم بالشكل كما اهتمّ بالمضمون" (3)، يظهر ذلك في الأمور الآتية:

أولًا: أسلوبه الأدبيُّ:
سبق أن قررنا أن لابن القيم مقدرة علمية، فائقة في استثمار النصوص ودلالاتها على الأحكام الشرعية، وأنه سلك في ذلك طريقًا صحيحًا، وفق منهج علميِّ متَّبع عند السلف، وكان هدفه من ذلك الوصول إلى الحق، وقد جاء عرض ذلك بعباراتٍ أدبيَّةٍ، صادقة اللهجة، تفوح بشذى العلم، وتنبض بروح الإيمان (4)، تتميز بالسُّهولة والوضوح والعذوبة، وقد مال في كثير من المواطن إلى الصور البيانية، والمحسِّنات البديعية من غير تكلف (5)، فهو يكتب على سجيّته، ويملي بفطرته، لا يتكلّف ولا يتصنَّع.
وقدرة المصنف على الصناعة والصياغة الأدبية ساعدته على تقعيد كثير من المسائل بعبارات جامعة موجزة، وهذا ضرب من البلاغة، وسموّ البيان، الذي يتجانس مع دقة المعاني الشرعية وتشعّبها، ولا سيما أن صاحبنا رحمه اللَّه أخذ تقريراته
__________
(1) من كلام العلامة سيد أحمد صقر رحمه اللَّه في مقدمة "تأويل مشكل القرآن" (ص 7).
(2) "البدر الطالع" (1/ 144).
(3) "القواعد الفقهية المستخرجة من إعلام الموقعين" (ص 113).
(4) ولا سيما أن كثيرًا من المسائل المطروقة في كتابنا خارجة عن حيز التصور والتمثيل الفقهي إلى كونها ماثلة للعيان في بيئة المصنف، عرف بها، وعرفت به، وهذا من دواعي وجود (الحرارة) (!!) فيها، ولكن بعبارة مؤدّبة وطريقة مهذبة، كما قدمناه، والحمد للَّه.
(5) تجد نماذج من ذلك فيما قدمناه من نقولات، انظر -مثلًا-: (ص 44 - 45، 55، 63).
(1/214)

من نصوص الوحيين على وجه فيه تكامل وترابط، فترى النور والإيمان يشع من كلامه، حتى وهو يتكلم في الفقه وأصوله.
ولا ينسى في هذا المقام توظيفه الشعر بما يحمل من معنى رائق، ولفظ فائق لتأكيد اختياراته وتقويتها، ولذا يذكرها غالبًا عرضًا دون عزوٍ لقائلها، ويضعها في مكانها اللائق بها، ولا داعي للتمثيل لكثرتها، ولسهولة الوقوف عليها، إذ خُصّتْ (1) بفهرسة خاصة لها، واللَّه الموفق والهادي.
والملاحظ في أسلوبه: استخدامه أسلوب الحوار في غالب مناقشته لخصومه حتّى يعطي حيوية أكثر للموضوع؛ ويجعل القارئ يتابعه باهتمام وتركيز، ويشعر وكأنّه حضر مجلس مناظرة، وقد تقابل الخصمان، وتبارز الحزبان، فأدلى كلّ منهما بحجّته. وأشهر مثال في هذا المقام قوله في مبحث التقليد: "فصل في عقد مجلس مناظرة، بين مقلِّد وبين صاحب حجَّة منقاد للحقِّ حيث كان" (2). ثم ذكرها.
ومضى فيما نقلناه سابقًا عدة أمثلة على هذا.

ثانيًا: حسن الترتيب واتّساق الأفكار وتسلسلها:
فكما تميز أسلوب ابن القيم بحسن السياق، وإحكام العبارة، فإنه رحمه اللَّه يستفرغ جهده باتساق أفكاره وتسلسلها، وجودة تبويبها، وإتقان ترتيبها وتفصيلها وتقسيمها وتنويعها وتحديدها، وهذا مما ساعد على تيسير مباحث الكتاب، ويجعل قارئه يستفيد منه، ويشدّه إليه شدًّا، ويجنّبه السآمة والملل، إذ لا يحسّ بحواجز بين علم الأصول وما يرتبط به من علوم، كما يجعله يدرك إدراكًا عميقًا أهمية (أصول الفقه) وغايته وثمرته وصلته بنصوص الوحي.
وهذا ينمّ عن قدرة ابن القيم على توظيف (علم الأصول) توظيفًا عمليًا سهلًا بعيدًا عن (التنظير) و (غير الواقعية)، "ولو لم يكن له سوى هذه الميزة لكفاه شرفًا وفخرًا، ولكان ذلك وحده مؤهّلًا كافيًا لتصنيفه ضمن الأصوليين الكبار" (3).
ومن الأمثلة على إتقانه التفصيل والتقسيم والتنويع ما نادى به نظريًا، ولفت إليه نظر المفتي بقوله:
__________
(1) في المجلد (الأخير) الخاص ب (الفهارس).
(2) "إعلام الموقعين" (2/ 470 - 574 و 3/ 5 - 36).
(3) "ابن القيم أصوليًا" (444).
(1/215)

"إذا كان الحكم مستغربًا جدًّا ممّا لم تألفه النّفوس، وإنّما ألفت خلافه فينبغي للمفتي أن يوطّئ قبله ما يكون مؤذنًا به كالدّليل عليه والمقدّمة بين يديه، فتأمل ذكره -سبحانه- قصَّة زكريّا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشَّبيبة وبلوغه السنّ الّذي لا يولد فيه لمثله في العادة، فذكر قصَّته مقدَّمة بين يدي قصَّة المسيح وولادته من غير أب؛ فإنّ النّفوس لما آنست بولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة سَهُل عليه التّصديق بولادة ولد من غَير أب، وكذلك ذكر -سبحانه- قبل قصَّة المسيح مُوافاة مريم رزقها في غير وقته وغير إبّانه، وهذا الَّذي شجَّع نفس زكريَّا وحرّكها لطلب الولد وإن كان في غير إبّانه، وتأمّل قصَّة نسخ القبلة لمَّا كانت شديدة على النفوس جدًّا كيف وطّأ -سبحانه- قبلها عدة موطئات. . . " ثم ذكرها إلى أن قال: "والمقصود أن المفتي جديرٌ أن يذكر ين يدي الحكم الغريب الذي لم يؤلف مقدّمات، تؤنس به، وتدلّ عليه، وتكون توطئة بين يديه، وباللَّه التوفيق" (1).
ومن أمثلة ذلك: ما ذكره في مبحث العبرة بالمقاصد والنّيات، حيث وطّأ بين يدي القول الفصل في المسألة بأنَّ اللَّه عز وجل رتَب الأحكام على الإرادات والمقاصد بواسطة الألفاظ الدَّالة عليها، ولم يرتّب تلك الأحكام على مجرّد ما في النّفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ لم يقصد المتكلِّم معانيها بل تجاوز للأمّة عن ذلك كلّه وتجاوز لها عمّا تكلّمت به مخطئة أو ناسية أو مكرَهة أو غير عالمة، لأنّ هذه الأمور لا تدخل تحت الاختيار، فلو رتّب عليها الأحكام لكان في ذلك أعظم حرج ومشقّة.
قال بعدها: "فإذا تمهّدت هذه القاعدة فنقول. . . ". فذكر أقسام الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلّمين وإراداتهم (2).
ومن ذلك أنّه لمّا ذكر أدلّة نفاة القياس أنّ الشريعة قد فرَّقت بين مجتمعين وجمعت بين مفترقين، مهّد للجواب على هذه الشبهة فقال: "وهذه الجملة إنّما تنفصل بعد تمهيد قاعدئين عظيمتين"، ثمّ ذكر القاعدتين: أولاهما أن النّصوص الشّرعية محيطة بجميع أفعال المكلفين (3). والثانية: ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس (4)، في أمثلة كثيرة يصعب حصرها.
__________
(1) "إعلام الموقعين" (5/ 52 - 53).
(2) "إعلام الموقعين" (3/ 517).
(3) "إعلام الموقعين" (2/ 90).
(4) "إعلام الموقعين" (2/ 165)، وما مضى من "القواعد الفقهية المستخرجة" (117 - 118).
(1/216)

ثالثًا: التكرار:
إنّ هذه الميزة بارزة في "إعلام الموقّعين"، فقد كان ابن القيّم رحمه اللَّه يبحث بعض المسائل في أكثر من موضع، ولكنّ هذا التّكرار لا يخلو من فائدة، وفي الإعادة إفادة، فقد كان رحمه اللَّه حريصًا على تأكيد الفكرة، وتقرير المسألة، كما أن ذلك التكرار لا يَخْلُو من إضافات مهمّة لم تذكر من قبل.
ومن الأمثلة على ذلك: أنّه بحث مسألة تحريم الإفتاء في دين اللَّه بالرّأي المذموم المتضمّن لمخالفة النّصوص، والرّأي الّذي لم تشهد له النّصوص بالقبول، وساق الأدلة على ذلك من الكتاب والسنّة انظر: (1/ 88)، ثمّ كرّرها في (3/ 37) وأتى بأدلة لم يأت بها في الموضع السّابق.
ومن ذلك مسألة تحريم القول على اللَّه بلا علم، بحثها في (1/ 73 - 78) ثمّ أعاد ذكرها في (2/ 439) بزيادات وإضافات مع الإشارة إلى ما تقدم ذكره، فقال: "قد تقدم قوله تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، وأنّ ذلك يتناول القول على اللَّه بغير علم في أسمائه وصفاته، وشرعه ودينه، وتقدم حديث أبي هريرة المرفوع: "مَنْ أَفْتى بِفُتْيَا غَيْرِ ثَبَتٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ" (1)، وأضاف أدلة أخرى لم يذكرها من قبل.
ثم كرَّرها مرة أخرى في (2/ 439)، وذلك لبيان خطورة القول على اللَّه بلا علم. ومن ذلك تحريم التّقليد، بحثه في مواضع متفرقة انظر: (1/ 10، 11 و 2/ 447 و 3/ 37).
ومن ذلك مسألة شروط الواقف، كرّرها عدة مرّات انظر: (2/ 61 - 68 و 3/ 500 - 502 و 5/ 78 - 79، 86 - 89، 90) (2).
واعتذر الشيخ بكر أبو زيد -حفظه اللَّه- لتكرار ابن القيم مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحدٍ (3) بعذر يكاد ينطبق على مسائل أخرى، قال:
__________
(1) انظر تخريجه في التعليق على (2/ 439).
(2) وهنالك أمثلة كثيرة، تنظر في "فهرس الفوائد العلمية".
(3) كرر ابن القيم الكلام في هذه المسألة، وناقش المخالفين، وبسط ذلك بسطًا لا يوجد عند غيره، وبحثها في "إغاثة اللهفان" (1/ 300 - 354 - ط محمد سيد كيلاني) و"الزاد" (5/ 241 - 271 - ط مؤسسة الرسالة)، و"الصواعق المرسلة" (2/ 619 - 928 - ط علي الدخيل اللَّه) بالإضافة إلى ما في كتابنا هذا من استطراد وتكرار، وانظر -غير مأمور-: "تسمية المفتين بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة" (ص 67 - 70).
(1/217)

"ووجه البسط والتكرار المقتضي لها -أي لمسألة الطلاق الثَّلاث بلفظ واحد- من أوضح الأشياء وأبينها، ويكفي عذرًا له في ذلك أنه حبس لأجلها وامتحن وأوذي في ذلك: لأن الفتوى بجعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد إنما يقع طلقة واحدة، أمر مستنكر لدى الأجلة من العلماء فضلًا عن طلاب العلم، وعامة الخلق. إذ هم يكادون أن يطبقوا على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد: يقع ثلاثًا لا واحدة فلا تنقيص إذًا ولا ملامة إذا رأينا ابن القيم يكرر الحديث عن هذا المبحث ويزيده في البسط والبيان ليظهر ما يعتقده دينًا، وشرعًا، مؤيدًا له بشتى وجوه الأدلة من الكتاب والسنة، والمعنى، واللغة" (1).
على أنّه إذا رأى أن لا فائدة من إعادة القول استغنى عن ذلك واكتفى بقوله: "تقدم بيان حكمة ذلك ومصلحته بما فيه كفاية" (2) و"ما أغنى عن إعادته" (3).

رابعًا: الاستطراد (4):
هذه الخصيصة عرف بها الإمام ابن القيّم رحمه اللَّه، واشتهرت في أبحاثه، فكان إذا بحث مسألة استرسل في الكلام واستطرد فيها حتّى يخرج عن موضوعه الأصلي إلى موضوع آخر قد يكون أنفع للنّاس من المسألة المبحوثة فيها أصلًا، وهذا ممّا يدلّ على غزارة فكره وعلى جوده بعلمه، وقد أرشد المفتي إلى هذا فقال: "يجوز للمفتي أن يجيب السّائل بأكثر ممّا سأله عنه، وهو من كمال نصحه وعلمه وإرشاده، ومن عاب ذلك فلقلّة علمه وضيق عطنه، وضعف نصحه، وقد ترجم البُخَارِي لذلك في "صحيحه" فقال: (باب من أجاب السّائل بأكثر ممّا سأل عنه)، ثم ذكر حديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- ما يلبس المحرم؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يلبسُ القُمُصَ، ولا العَمَائِمَ، ولا السَّرَاوِيلَاتِ، ولا الخِفَافَ، إلَّا أن لا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبِسِ الخُفَّيْنِ، ولْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ" (5)، فسئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عمَّا يلبس المحرم فأجاب عمّا لا يلبس، وتضمّن ذلك الجواب عمّا يلبس، فإنّ ما لا
__________
(1) "ابن قيم الجوزية: حياته وآثاره" (ص 77 - 78).
(2) "إعلام الموقعين" (2/ 327).
(3) "إعلام الموقعين" (2/ 396)، وما مضى من "القواعد الفقهية المستخرجة" (ص 112 - 113).
(4) ما تحته من "القواعد الفقهية المستخرجة من إعلام الموقعين" (ص 109 - 111).
(5) انظر تخريجه في التعليق على (1/ 364).
(1/218)

يلبس محصورٌ، وما يلبسه غير محصور، فذكر لهم النّوعين، وبيّن لهم حكم لبس الخفّ عند عدم النّعل، وقد سألوه عن الوضوء بماء البحر، فقال لهم: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِل مَيْتَتُهُ (1) " (2).
ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره في مبحث الفوائد المتعلّقة بالإفتاء، حيث نقل عن الإمام أحمد رحمه اللَّه خصالًا يجب تحقيقها في المفتي، وهي خمس خصال، منها: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة، ثمّ استطرد في الكلام عن السّكينة، وقال:
"ولشدّة الحاجة إلى السَّكينة وحقيقتها وتفاصيلها وأقسامها نشير إلى ذلك بحسب علومنا القاصرة، وأذهاننا الجامدة، وعباراتنا الناقصة، ولكن نحن أبناء الزّمان، والنّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولكلّ زمان دولة ورجال" (3).
وفي شرحه لكتاب عمر -رضي اللَّه عنه- في القضاء (4) استطرد في ضرب الأمثال في القرآن وقال: "لا تستطل هذا الفصل المعترض في المفتي والشّاهد والحاكم، فكلّ مسلم أشدُّ ضرورة إليه من الطّعام والشّراب، والنّفس، وباللَّه التوفيق".
وفي فصول من فتاويه -صلى اللَّه عليه وسلم- في أبواب متفرِّقة، استطرد في الكلام إلى الكبائر وأنواعها في فصلين، ثم قال بعدها: "فصل: مستطرد من فتاويه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فارجع إليها" (5).
ومن ذلك في فصل من فتاوى النّبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، استطرد في الكلام إلى العمل بالسّياسة، ثم قال بعدها: "فلنرجع إلى فتاوى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (6).
__________
(1) انظر: تخريجه في "التعليق" على (5/ 45).
ومن اللطيف: تعليق ابن القيم على هذا الحديث في "مدارج السالكين" (2/ 294)، وهذا نص كلامه: "فمن جود الإنسان بالعلم: أنه لا يقتصر على مسألة السائل، بل يذكر لها نظائرها ومتعلّقها ومأخذها، بحيث يشفيه ويكفيه، وقد سأل الصحابة رضوان اللَّه عليهم النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المتوضئ بماء البحر، فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، فأجابهم عن سؤالهم، وجاد عليهم بما لعلهم في بعض الأحيان أحوج إليه مما سألوه عنه".
قال أبو عبيدة: و (جُوْدُ) ابن القيم في كتابه هذا تمثل ب (استطراداته) فيه، وقد بلغ القمة على نحو لا يُبارى ولا يُجارى، ولعلك -بحق- لا تجده بالكثرة والجودة -التي فيه- في أي كتاب آخر، واللَّه الهادي للخيرات، والموفّق للصالحات.
(2) "إعلام الموقعين" (5/ 45).
(3) "إعلام الموقعين" (5/ 106 - 114).
(4) انظر: تخريجه في "التعليق" على (1/ 163).
(5) "إعلام الموقعين" (5/ 569، 584).
(6) "إعلام الموقعين" (5/ 522).
(1/219)

خامسًا: العناية بالجانب الوجداني وإيقاظ الشعور الإيماني (1):
من السمات الظاهرة في كتابنا هذا:
عناية ابن القيم بالجانب الوجداني، فإنه لم ينس أن يخاطب الإحساس والشعور الإيماني، فإن من متطلبات الفقيه حتى يكون ربانيًا، موفَّقًا في اختياراته، مصيبًا للحق فيها أن يكثر اللجوء إلى اللَّه عز وجل، فاسمع إليه وهو يقول في (الفائدة العاشرة) من (فوائد تتعلق بالفتوى):
"ينبغي للمفتي الموفّق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحالي لا العلم المجرّد إلى مُلْهِم الصّواب، ومعلِّم الخير، وهادي القلوب، أن يلهمه الصّواب، ويفتح له طريق السّداد، ويدلّه على حكمه الّذي شرعه لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التّوفيق، وما أجدر من أمّل فضل ربّه أن لا يُحرِمَه إيّاه، فإذا وجد من قلبه هذه الهمّة فهي طلائع بشرى التّوفيق، فعليه أن يوجّه وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى ومعدن الصّواب ومطلع الرّشد، وهو النّصوص من القرآن والسنّة وآثار الصحابة، فيستفرغ وسعه في تعرّف حكم تلك النّازلة منها، فإن ظفر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التّوبة والاستغفار والإكثار من ذكر اللَّه، فإن العلم نور اللَّه يقذفه في قلب عبده، والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النّور أو تكاد، ولا بدّ أن تضعفه، وشهدتُ شيخ الإسلام -قدّس اللَّه روحه- إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فرّ منها إلى التّوبة، والاستغفار، والاستغاثة باللَّه، واللَّجأ إليه، واستنزال الصّواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلّما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن مَنْ وفّق لهذا الافتقار علمًا وحالًا وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد فقد أعطي حظّه من التوفيق، ومن حرمه فقد منع الطَّريق والرَّفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحقّ فقد سلك به الصّراط المستقيم، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم" (2).
__________
(1) للباحث محمد خلايفية "تواظف التربية الإيمانية والتربية العاطفية عند ابن قيم الجوزية" وهو أطروحة ماجستير في علوم التربية، قدم لجامعة الجزائر، معهد علم النفس وعلوم التربية، وفيه نقل من كتابنا هذا، ففي (ص 69) (الإخلاص في طلب العلم)، وفي موطن آخر (الغضب وآثاره).
(2) "إعلام الموقعين" (5/ 67 - 68).
(1/220)

وذكر في (الفائدة الحادية والستين) أن على المفتي أن يكون كثير الدعاء، وذكر أدعية كان يقولها جماعة من السلف، ومن ذلك قوله: "وكان بعضهم يقرأ الفاتحة، وجربنا نحن ذلك فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة" (1) ثم قال: "والمعوَّل في ذلك كله على حسن النية، وخلوص القصد، وصدق التوجه في الاستمداد من المعلم الأول، معلم الرسل والأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم، فإنه لا يردُّ من صدق في التوجُّه إليه، لتبليغ دينه، وإرشاد عبيده، ونصيحتهم، والتخلص من القول عليه بلا علم، فإذا صدقت نيته ورغبته في ذلك لم يعدم أجرًا، إن فاته أجران، واللَّه المستعان" (2).
وظهرت هذه السمة على وجه واضح عندما وجّه خطابه للمقصّرين والعصاة، فقال مخوّفًا (أهل الحيل) من اللَّه، فذكَّرهم بيوم الدين:
"فحقيق بمن اتّقى اللَّه وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم اللَّه بأنواع الحيل والاحتيال، وأن يعلم أنّه لا يخلصه من اللَّه ما أظهره مكرًا وخديعة من الأقوال والأفعال، وأنّ للَّه يومًا تكع فيه الرّجال، وتنسف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتبلى فيه السّرائر، وتظهر فيه الضّمائر، ويصير الباطن فيه ظاهرًا، والسّر علانية، والمستور مكشوفًا، والمجهول معروفًا، ويحصّل ويبدو ما في الصدور، كما يبعثر ويخرج ما في القبور، وتجرى أحكام الربّ -تعالى- هناك على القصود والنيّات، كما جرت أحكامه في هذه الدار على ظواهر الأقوال والحركات، يوم تبيضّ وجوه بما في قلوب أصحابها من النّصيحة للَّه ورسوله وكتابه، وما فيها من البّرّ والصدق والإخلاص للكبير المتعال، وتسودّ وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والكذب والمكر والاحتيال، هناك يعلم المخادعون أنّهم لأنفسهم كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يلعبون، وما يمكرون إلّا بأنفسهم وما يشعرون" (3).
ويقول مخوّفًا من يكفّر أو يجهّل العلماء من يفتي في مسألة (اليمين بالطلاق):
"فكيف يحلّ لمن يؤمن بأنه موقوف بين يدي اللَّه ومسؤول أنْ يكفِّر أو يجهّل من يفتي بهذه المسألة ويسعى في قتله وحبسه. . . " (4).
__________
(1) "إعلام الموقعين" (5/ 198).
(2) "إعلام الموقعين" (5/ 198).
(3) "إعلام الموقعين" (4/ 74).
(4) "إعلام الموقعين" (3/ 446).
(1/221)

ويقول في مسألة عدم تحنيث المتأوِّل:
"فلا يحلّ لأحد أن يفرّق بين رجل وامرأته لأمر يخالف مذهبه وقوله الّذي قلّد فيه بغير حجّة، فإذا كان الرّجل قد تأوّل وققد من أفتاه بعدم الحنث فلا يحلّ له أن يحكم عليه بأنّه حانث في حكم اللَّه ورسوله ولم يتعمّد الحنث، بل هذه فرية على اللَّه ورسوله وعلى الحالف؛ وإذا وصل الهوى إلى هذا الحدّ فصاحبه تحت الدّرك، وله مقام وأي مقام بين يدي اللَّه يوم لا ينفعه شيخه ولا مذهبه ومن قلّده، واللَّه المستعان" (1).
ويخوف من يفتي بخلاف ما تبرهن عنده من حق نصرةً لمذهبه، فقال: "ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي اللَّه -سبحانه- أن يفتي السّائل بمذهبه الّذي يقلّده، وهو يعلم أنّ مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح دليلًا. . . " (2).
وقال أيضًا محذرًا إياه:
"يجب عليه الإفتاء بما هو راجح عنده وأقرب إلى الكتاب والسّنة من مذهب إمامه أو مذهب من خالفه، لا يسعه غير ذلك، فإن لم يتمكّن منه وخاف أن يؤدّي إلى ترك الإفتاء في تلك المسألة لم يكن له أن يفتي بما لا يعلم أنّه صواب؛ فكيف بما يغلب عى ظنّه أن الصّواب في خلافه ولا يسع الحاكم والمفتي غير هذا ألبتّة، فإنّ اللَّه سائلهما عن رسوله وما جاء به، لا عن الإمام المعين وما قاله، وإنما يسأل النّاس في قبورهم ويوم معادهم عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، فيقال له في قبره: ما كنت تقول في هذا الرّجل الذي بُعث فيكم؟ {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65)} [القصص: 65] ولا يسأل أحد قطّ عن إمام ولا شيخ ولا متبوع غيره، بل يسأل عمن اتّبعه وائتمّ به غيره، فلينظر بماذا يجيب؟ وليعدّ للجواب صوابًا" (3).
وقال في موطن آخر:
"وعلى كلِّ حال فلا عذر عند اللَّه يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من هذا الباب وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نبذها وراء ظهره، وقلّد من نهاه عن تقليده، وقال له لا يحلّ لك أن تقول بقولي إذا خالفَ السّنة،
__________
(1) "إعلام الموقعين" (4/ 511).
(2) "إعلام الموقعين" (5/ 74).
(3) "إعلام الموقعين" (5/ 165).
(1/222)

وإذا صحّ الحديث فلا تعبأ بقولي، وحتّى لو لم يقل له ذلك، كان هو الواجب عليه وجوبًا لا فسحة له فيه، وحتى لو قال له خلاف ذلك لم يسعه إلّا اتّباع الحجّة. . . " (1).
ونبّه المصنف على أثر أعمال طالب العلم على قلبه، وحال قلبه على علمه، فقال بعد أن سرد حكم جمع الشريعة بين الميتة وذبيحة غير الكتابي في التحريم: "وهذه أمور إنما يصدّق بها من أشرق فيه نور الشريعة وضياؤها، وباشر قلبه بشاشة حكمها، وما اشتملت عليه من المصالح في القلوب والأبدان، وتلقّاها صافية من مشكاة النبوة، وأحكم العقد بينها وبين الأسماء والصفات التي لم يطمس نور حقائقها ظلمة التأويل والتحريف" (2).
وأخيرًا، فإن هذه السِّمة يلحظها المحظوظون والموفّقون، وهي لمن استقامت تصوراتُهم، وقويت إراداتُهم، فاستجابوا للحقّ، فجالت في نفوسهم، وعلقت في قلوبهم قوّةٌ عبروا عنها بالأدلة، ورافقها شعور وجداني، وحضور إيماني بأن هذا هو الحق لا سواه، وهو على حدّ ما قاله المصنف في كتابنا: "وسئل بعضهم عن كلام سمعه من متكلّم به، فقال: واللَّه! ما فهمتُ منه شيئًا، إلا أني رأيتُ لكلامه صولةً ليست بصولة مبطل" (3).

سادسًا: بين التواضع والاعتزاز:
كان الإمام ابن القيم مثلًا أعلى في التواضع (4)، يعتقد إنما أوتيه من الفضل والعلم إنما هو محض فضل اللَّه وإكرامه، فيقول -مثلًا- في مستهل حديثه عن الجواب المفصل على أدلة نفاة التعليل: "فنتصدّى للجواب المفصل بحسب الاستعداد، وما يناسب علومنا القاصرة، وأفهامنا الجامدة، وعقولنا الضعيفة، وعباراتنا القاصرة" (5).
وقال عند تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً. . .} [إبراهيم: 24]: "فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم، ولعلها قطرة من بحر، بحسب أذهاننا الواقفة، وقلوبنا المخطئة،
__________
(1) "إعلام الموقعين" (4/ 247).
(2) "إعلام الموقعين" (2/ 424 - 425).
(3) "إعلام الموقعين" (1/ 307).
(4) حده الشرعي: عدم رؤية الفضل على الغير.
(5) "إعلام الموقعين" (2/ 349).
(1/223)

وعلومنا القاصرة، وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار، وإلا فلو طهرت منا القلوب، وصفت الأذهان، وزكت النفوس، وخلصت الأعمال، وتجردت الهمم للتلقّي عن اللَّه ورسوله لشاهدنا من معاني كلام اللَّه وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم، وتتلاشى عنده معارف الخلق" (1).
وكرر هذه المعاني في مواطن من كتبه (2).
وهذا لا يتنافى مع ما قدمناه عنه من اعتزازه بعلمه (3)، فإن العالم إذا شدّ النَّفَس، وأتعب البدن، وبذل الجهد في تأصيل مسألة وتقعيدها، أو لمّ شعثها وجزئياتها، فإنه يفرح بذلك، ويعتز، وفخر ابن القيم واعتزازه بالعلم وللعلم، وليس لذاته، ولذا قال بعد بحث مسألة: "فتأمل هذه المعاني التي لا تجدها في كتاب، وإنما هي روضة أنف، منح العزيز الوهاب فهمها، وله الحمد والمنة" (4) فلم يفخر ويعتز رحمه اللَّه بعلمه، بل في كلامه الأخير تواضع، وأن اللَّه هو الذي فهمه هذا، ولذا قال بعدها: "لو وجدناه لغيرنا لأعطيناه حقه من الاستحسان والمدح، وللَّه الفضل والمنة" (5). فالأمر أكبر من النفوس وحظوظها.
فالفخر والاعتزاز عنده بالحق الذي قامت عليه الدلائل، ليكثُر الخير، ويُنتفع به، وهو يصنع هذا على حد قول علي: "إن هاهنا علمًا لو أصبت له حملة" (6) وعلى نسق طلب يوسف عليه السلام: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)} [يوسف: 55]، قال ابن القيم:
"فمن أخبر عن نفسه بمثل ذلك، ليتكثر بما يحبه اللَّه ورسوله من الخير، فهو محمود، وهذا غير من أخبر بذلك؛ ليتكثّر به عند الناس ويتعظّم، وهذا يجازيه اللَّه بمقت الناس له، وصغره في عيونهم" (7).
فابن القيم متواضع، ومع تواضعه يفتخر بالحق الذي علمه اللَّه إياه، ورحم اللَّه تلميذه ابن رجب لما قال عنه: "وليس هو بالمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله" (8).
__________
(1) "إعلام الموقعين" (1/ 303 - 304).
(2) انظر -على سبيل المثال-: "حادي الأرواح" (16)، "مفتاح دار السعادة" (1/ 47 و 2/ 273).
(3) انظر: (تاسعًا) من (المحور الثاني).
(4) "بدائع الفوائد" (2/ 89).
(5) "بدائع الفوائد" (2/ 89).
(6) انظر: تخريجه في التعليق (1/ 38).
(7) "مفتاح دار السعادة" (1/ 139).
(8) "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 448).
(1/224)

الجهود المبذولة في كتابنا هذا
بذلت جهود كثيرة في هذا الكتاب، نلخّصها في المحاور الآتية:
الأول: إفراد بعض مواضيعه وفصوله في كتب مستقلّة:
انبثق عن كتابنا هذا -قديمًا وحديثًا- كتب كثيرة، وهذا ما وقفتُ عليه منها:
أولًا: "بلوغ السؤال من أقضية الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-" أفردها وجعلها مستقلّة، وسماها بهذا الاسم صديق حسن خان القنوجي، وظهر طبع حجر في الهند، سنة 1292 ه - 1875 م ثم سنة 1321 ه (1)، وهو عبارة عما ختم به المؤلف كتابه هذا (2).
وقد استلّ هذا القسم وحده قديمًا، وهنالك نسخ خطية يعود تأريخها إلى القرن العاشر الهجري تقريبًا. فيها فتاوى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خاصة، كما في نسخة (ت)، من النسخ المعتمدة، وسيأتي وصفها إن شاء اللَّه تعالى.
ونشر هذا القسم مرات عديدة، فقد قام -مثلًا- قاسم الشّمَّاعي الرفاعي رحمه اللَّه بترتيب هذه الفتاوى على الأبواب الفقهية المطروقة، وطبعها على حدة، وكذا اعتنى بها -على ترتيب المصنف لها- محمد نزار تميم وهيثم نزار تميم، ونشراها بعنوان "فتاوى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-"، ونشرت عن غيرهما أيضًا، وحققت في رسالتين علميتين بجامعة الإمام محمد بن سعود (3)، ولم أرهما.
ثانيًا: "درر البيان في تفسير أمثال القرآن" لبعض أئمة الدعوة من علماء نجد، طبع بالمطبعة السلفية بمصر.
ثم ظهر بتحقيق ناصر الرشيد في مكة المكرمة، في (62 صفحة) بعنوان "أمثال القرآن".
__________
(1) انظر: "معجم المطبوعات العربية والمعربة" (1/ 223).
(2) وهو في (المجلد الخامس) من نشرتنا، من (ص 209 - إلى آخر الكتاب).
(3) كذا في "المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل" (2/ 919)، وعزى الآلوسي في "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" (32) لابن القيم "الفتاوى" ولعله هذا.
(1/225)

ثالثًا: "فصول في القياس" طبع ضمن كتاب "القياس في الشرع الإسلامي"، نشره محب الدين الخطيب سنة 1346 ه، مع رسالة ابن تيمية في القياس أيضًا، وضمن "رسالتان في معنى القياس"، عن دار الفكر، عمان.
رابعًا: "أسرار الشريعة من إعلام الموقعين" جمعه ورتبه (1) مساعد بن عبد اللَّه السلمان، وقدم له الشيخ عبد اللَّه البسام، والشيخ إبراهيم الجطيلي، مطبوع عن دار المسير، سنة 1418 ه.
خامسًا: "البيّنات السلفيّة على أنّ أقوال الصحابة حجة شرعية في إعلام الإمام ابن قيم الجوزية" لأحمد سلام، نقل فيه كلام ابن القيم على حجية أقوال الصحابة، مع تعليقات وإضافات مطبوع عن دار ابن حزم، سنة 1417 ه (2).
المحور الثاني: دراسات علمية قامت حوله أو دارت في موضوعه:
تنوَّعت دراسات المعاصرين التي لها تعلُّقٌ بكتابنا هذا، ومن أهمها:
أولًا: "القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين" لأبي عبد الرحمن عبد المجيد جمعة الجزائري، مطبوع بتقديم فضيلة الشيخ بكر أبو زيد، عن دار ابن القيم ودار ابن عفان، السعودية.
ثانيًا: "مناهج الإفتاء عند ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين"" لأسامة عمر الأشقر، رسالة علمية قيد الإعداد، في الجامعة الإسلامية، بكوالا لامبور/ ماليزيا.
ثالثًا: "منهج ابن القيم في القواعد الفقهية" لأنور صالح أبو زيد، رسالة دكتوراه، في الجامعة الإسلامية سجلت سنة 1418 ه، كذا في "دليل الرسائل العلمية" (419).
__________
(1) على الأبواب الفقهية المطروقة.
(2) ذكر ابن القيم في "تهذيب مختصر السنن" (6/ 341) وفي "مفتاح دار السعادة" (62) أن له كتابًا في "الاجتهاد والتقليد"، ولا أدري هل هو المباحث المذكورة في كتابنا هذا أم أنه كتاب مفرد. ثم ترجَّح لي أنه كتاب مفرد، لقوله في "أحكام أهل الذمة" (1/ 21 - 22): "وأصول الأئمة الأربعة وقواعدهم ونصوصهم على هذا، وأن الصواب من الأقوال كجهة القبلة في الجهات، وعلى هذا أكثر من أربعين دليلًا قد ذكرناها في كتاب مفرد، وباللَّه التوفيق".
وهذه المسألة بالعدد المذكور ليست في كتابنا، فلعلها في كتابه الآخر "الاجتهاد والتقليد"، واللَّه أعلم.
أذكر هذا الكلام هنا لأني وجدت أن بعض المعلقين على "أحكام أهل الذمة" ظن أن المراد بكلام ابن القيم بعض المباحث في كتابنا هذا.
(1/226)

والظاهر من عنوانها أنها ليست خاصة ب "الإعلام"، ولكن مادته هي الأساسية والأصلية في مثل هذا المبحث، وكذلك:
رابعًا: "ابن القيم أصوليًا"، لعبد اللَّه لخضر، رسالة دكتوراه، مقدمة لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس بالرباط، وكذلك:
خامسًا: "الإمام ابن القيم ومنهجه وآراؤه في أصول الفقه"، لمسعود عالم مولوي، رسالة ماجستير، مقدمة لقسم أصول الفقه في الجامعة الإسلامية، سنة 1397 ه، كذا في "دليل الرسائل العلمية" (425).
المحور الثالث: طبعات الكتاب:
سيأتي الحديث عنها، وتقويم المشهور منها لاحقًا.
المحور الرابع: مخطوطات الكتاب:
اعتنى العلماء والنساخ بكتابنا هذا، وجهدوا في تملُّكه، وله نسخ خطية عديدة في سائر المكتبات المبثوثة في أنحاء العالم، وسيأتي بيان ذلك قريبًا إن شاء اللَّه تعالى.

* أهمية الكتاب وفائدته:
لكتابنا هذا أهمية عظيمة، وقد سمعت الشيخ العلامة بكر أبو زيد -حفظه اللَّه- ينقل عن الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه اللَّه قوله: "كتاب الإسلام: "إعلام الموقعين"".
وقال الشيخ محمد رشيد رضا عنه: "لم يؤلف مثله أحد من المسلمين في حكمة التشريع ومسائل الاجتهاد والتقليد والفتوى" (1).
وقال الشيخ سليمان بن سحمان عنه: "كتاب جليل" وقال: "ليس له في المؤلَّفات نظير ولا مثيل" (2).
قال أبو عبيدة: لا يقدر على تسطير ما فيه إلا شبعان ريان من علوم الشريعة وأصولها ونصوصها وحِكَمِها، ولا غرو في ذلك، فإن صاحبه له باع طويل، في جميع العلوم الإسلامية ومذاهب أهل الأديان على اختلاف مللهم ونحلهم، وله في كل فن مؤلفات واسعة، فإذا ما قرأ له المرء كتابًا في أي فنٍّ شاء حسب أنه لا
__________
(1) مجلة "المنار" عدد شوال، 1327 ه (ص 786) (المجلد 12).
(2) نقلته من خطّه من نسخة (ك) المعتمدة في التحقيق. وسيأتي وصفها.
(1/227)

يتقن سواه، ثم أيقن أنه لم يكتب في موضوعه أجود منه.
ونجد ابن القيم، في كتابنا هذا إذا عرض لمسألة من المسائل استوعب الكلام فيها من جميع جوانبها، وذلك بأن يورد أقوال الطوائف فيها، ثم يتبع هذا بمناقشة أدلتهم، ثم ينتهي إلى رفض الآراء التي لا تثبت أمام النقد واختيار الرأي الذي يتفق مع العقل والنقل الصحيح في نظره (1).
وتكلمنا فيما سبق (2) أن من منهجية المصنف في كتبه: التحليل والتأصيل، وأن النهضة العلمية اليوم تتطلب من تلاميذها العكوف على مثل نوع كتابنا من المؤلفات، ودراسته بتمحيص من ناحية نظرية، ابتغاء تحصيل ثمرته العملية، ولا سيما في استنباط الأحكام العلمية للنوازل الفقهية التي لا سبيل لمعرفتها إلا من خلال القواعد والمقاصد التي يتوصل إليها من خلال استيعاب المنصوص: جمعًا وتمعنًا وتحليلًا واستقراءً، وحينئذ يحسن إلحاق غير المنصوص به، أما الهجوم على غير المنصوص دون ذلك، فمن مظنة الخطأ والزلل، أو التعدي والقصور، أو الوقوع في التعالم، وعدم معرفة قدر النفس، وهذه هي آفة الفقه في هذا الزمان.
وما أحوج أهل زماننا إلى مصنَّف يجمع أسرار التشريع وحِكَمَه على وفق العلوم التجريبية والإنسانية، يستعرض فيه جميع أبواب الفقه، على المنهج الذي سلكه ابن القيم، من تعظيم الدليل، والاهتمام بالنظرة المقاصدية، وضمّ الشبيه إلى الشبيه، بضابط فهم السلف، وعدم التأثر بضغط الواقع، وشُبَهِ المهزومين من الداخل.
ومع ذلك، فإن لابن القيم في كتابه هذا مؤشر التقدم والإبداع، ذلك أنه تمثل بمسائله وقضاياه، والمشاكل التي تحدث عنها في عصره، قمة العطاء والتقدم آنذاك على وجه لم يوجد له شبيه، ولا ما يدانيه، أو ما يقاربه ويجاريه، وهو يحكي نبوغه المتفرد المتمثل بضرب من التقدم بتدوين مباحث في الفقه وأصوله نال الإعجاب والتقدير، بسبب ضوابطه المنهجية والتزامه به، على وجه لا يستغني عنه البحث العلمي الموضوعي في أيّ وقت، وهو ينمّ عن مقدرة أصولية، وظَّفها صاحبها توظيفًا لو لم يكن له سواه لكفاه تقدّمًا وفخرًا وشرفًا.
وقد أصاب الشيخ بكر أبو زيد -حفظه اللَّه- كبد الحقيقة لما قال: "لو لم يكن من مؤلفاته إلا كتابه "زاد المعاد في هدي خير العباد" ذلك الكتاب النافع
__________
(1) "ابن القيم أصوليًا" (41) بتصرف.
(2) انظر: (ص 195).
(1/228)

المعطار، وكتابه الجامع لأمهات الأحكام، وحقائق الفقه، وأصول التشريع، وحكمه وأسراره، المسمى "إعلام الموقعين" وغيرهما مما يعجب ويطرب، لو لم يكن منها إلا هذان الكتابان لكفى" (1).

* أثر الكتاب في مؤلفات ودراسات من بعده:
كان لكتابنا "الأعلام" أثر ظاهر في مؤلفات من بعده من كبار العلماء، على اختلاف فنونهم ومشاربهم، وأخصُّ الحنابلة منهم، فإنهم أقاموا لاختياراته في كتبهم ومصنفاتهم وزنًا، وأحالوا عليها، ونقلوا منها، وهذه أمثلة تدلل على ذلك (2):
* أثر كتابنا في كتاب "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجَّل أحمد بن حنبل" (3) لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي (ت 885 ه) رحمه اللَّه تعالى.
__________
(1) "ابن قيم الجوزية: حياته، آثاره، موارده" (ص 71 - 72).
(2) فيما هو في "إعلام الموقعين"، وجلّ نقولاتهم الفقهية عن ابن القيم منه دون سائر مصنفاته.
(3) من أجمع كتب الحنابلة، جمع مصنفه فيه ما وقع له من كتب الرواية، ومن الكتب الجامعة لها، ومن كتب المتون في المذهب بما فيها: "الفروع" المسمى: "مكنسة المذهب"؛ لكثرة ما حوى من آلاف الفروع، وتقدر الفروع في الصفحة بنحو خمسين فرعًا في منطوقه. . .، وما لحقها من الروح، والحواشي، والتعاليق، والتخاريج، والتصحيح، والتنقيح. . . وذلك في هذا الكتاب الجامع الفذ: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" وربطه ب "المقنع" قاعدة انطلاق لمسائله، لانكباب الناس عليه، ثم أتبعها في كل باب ما فاته، وضم إليه من الفوائد، والتنبيهات، وثمرات الخلاف في المذهب، وغيره، ما تقر به عين الفقيه، ويبهر المتبحر، فضلًا عن الطالب المتعلم.
فصار بهذا للمذهب مجددًا، ولشمله جامعًا، ولرواياته، وتخاريجه، مصححًا ومنقِّحًا.
وقد بيَّن في مقدمته غاية البيان عن: مصادره، وسَمَّاها، وعن شرطه، وطريقته، ومسالك الترجيح، وطرق التصحيح، بحيث إذا عرفَ الفقيه هذه المقدمة مع مقدمة ابن مفلح ل"الفروع"، ومقدمة المرداوي ل"تصحيح الفروع"، وخاتمة ابن النجار الفتوحي ل"شرح المنتهى"؛ صارت لديه العدة لمعرفة المذهب، وسلك المدخل لتحقيقه، وتصحيحه ومعرفة راجحه من مرجوحه.
وبالجملة فمسلكه في هذا الكتاب، نظير مسلك ابن قاضي عجلون الشافعي في "تصحيح المنهاج" للنووي، وهو لروايات المذهب مثل: "جامع الأصول" و"كنز العمال" في السنة، يجمع الروايات ومن خَرَّجها. =
(1/229)

أكثر المرداوي في "الإنصاف" من النقل من كتابنا "إعلام الموقعين" وهذا البيان:
1 - قال في "الإنصاف" (5/ 420) في مسألة (مقاسمة الدَّيْن في الذمة):
"تنبيه: مراده بقوله "في الذمة" الجنس. فمحل الخلاف: إذا كان في ذمتين فأكثر، قاله الأصحاب. أما إذا كان في ذمة واحدة: فلا تصح المقاسمة فيها، قولًا واحدًا، قاله في "المغني" و"الشرح" و"الفروع"، وغيرهم.
وقال الشيخ تقي الدين رحمه اللَّه: يجوز أيضًا، ذكره عنه في "الاختيارات"، وذكره ابن القيم رحمه اللَّه رواية في "إعلام الموقعين"".
2 - وفي "الإنصاف" أيضًا (8/ 162 - 163) تحت (فائدة) في مبحث (نكاح المحلل) ما نصه:
"لو اشترى عبدًا وزوَّجه بمطلقته ثلاثًا، ثم وهبها العبد أو بعضه، ليفسخ نكاحها: لم يصح.
قال الإمام أحمد رحمه اللَّه: إذا طلقها ثلاثًا وأراد أن يراجعها، فاشترى عبدًا وزوجه بها: فهذا الذي نهى عنه عمر -رضي اللَّه عنه-، يؤدبان جميعًا. وهذا فاسد، ليس بكفء، وهو شبه المحلل.
قال في "الفروع": وتزويجه المطلقة ثلاثًا لعبده بنية هبته، أو بيعه منها، ليفسخ النكاح: كنية الزوج. ومن لا فرقة بيده، ولا أثر لنيته.
وقال ابن عقيل في "الفنون" فيمن طلق زوجته الأمة ثلاثًا، ثم اشتراها لتأسفه على طلاقها: حِلُّها بعيد في مذهبنا، لأنه يقف على زوج وإصابة، ومتى
__________
= ومن أهم مميزات هذا الكتاب: "الإنصاف" الآتي:
1 - استوعب ما أمكن من الروايات في المذهب ومصادرها.
2 - حوى بين دفتيه ما سبقه من أُمَّات كتب المذهب متنًا، وشرحًا، وحاشية، وحواها لا سيما المعتمدة منها؛ فصار كتابه مغنيًا عن سائر كتب المذهب قبله.
3 - حوى اختيارات وتراجيح الشيوخ المعتمدين في المذهب؛ فصار دليلًا لتصحيحات شيوخ المذهب المعتمدين قبله.
4 - حرر المذهب رواية، وتخريجًا، وتصحيحًا لما أطلق، وتقييدًا لما أخل بشرطه إلى آخر ما التزمه في مقدمته له، جاعلًا ما ذهب إليه الأكثر من الأصحاب هو المختار. انظر: "المدخل المفصل" (2/ 729 - 731)، "المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة" (334 - 336).
(1/230)

زوجها -مع ما ظهر من تأسفه عليها- لم يكن قصده بالنكاح إلا التحليل. والقصد عندنا يؤثر في النكاح، بدليل ما ذكره أصحابنا: إذا تزوج الغريب بنية طلاقها إذا خرج من البلد: لم يصح. ذكره في "الفروع".
قال المصنف، والشارح: ويحتمل أن يصح النكاح إذا لم يقصد العبد التحليل.
وقال العلامة ابن القيم في "إعلام الموقعين": لو أخرجت من مالها ثمن مملوك، فوهبته لبعض من تثق به، فاشترى به مملوكًا، ثم خطبها على مملوكه، فزوجها منه، فدخل بها المملوك، ثم وهبها إياه: انفسخ النكاح، ولم يكن هناك تحليل مشروط ولا منوي ممن تؤثر نيته وشرطه، وهو الزوج، فإنه لا أثر لنية الزوجة، ولا الولي، قال: وقد صرح أصحابنا بأن ذلك يحلها (1).
فقال في "المغني": فإن تزوجها مملوك ووطئها أحلها. انتهى.
وهذه الصورة غير التي منع منها الإمام أحمد رحمه اللَّه، فإنه منع من حلها إذا كان المطلق الزوج واشترى العبد وزوجه بإذن وليها ليحلها. انتهى" انتهى ما عند المرداوي.
قلت: وهذا الكلام في نشرتنا (4/ 448 - 449).
3 - وفي "الإنصاف" (8/ 175) أيضًا تحت (فائدة) ما نصه:
"لو أبيح للحر نكاح أمة، فنكحها، ولم يشترط حرية أولاده: فهم أرقاء لسيدها. على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب.
وعنه: أن ولد العربي يكون حرًا، وعلى أبيه فداؤه. ذكره الزركشي في آخر كتاب النفقات على الأقارب.
وإن شرط حرية الولد، فقال في "الروضة" -فى إرث غرَّة الجنين-: إن شرط زوج الأمة حرية الولد: كان حرًا، وإن لم يشرط: فهو عبد. انتهى.
ذكره في "الفروع" في أواخر "باب مقادير ديات النفس".
قال ابن القيم رحمه اللَّه في "إعلام الموقعين" -في (الجزء الثالث في الحيل) -
__________
(1) نقله ابن المفلح في "المبدع" (7/ 86) عن ابن القيم في "الأعلام"، وقال بعده: "وفي المحرر" و"الفروع": ومن لا فرقة بيده لا أثر لنيّته" وكذا في "كشاف القناع" (5/ 96) وصرح بالنقل عن كتابنا أيضًا.
(1/231)

المثال الثالث والسبعون: إذا شرط الزوج على السيد حرية أولاده: صح، وما ولدته فهم أحرار".
قلت: انظره في نشرتنا (4/ 406).
4 - وفي "الإنصاف" (8/ 424 - 425) أيضًا تحت (فوائد) وذكر (الفائدة الأولى)، وقال:
"يحرم الخلع حيلة لإسقاط عين طلاق، ولا يقع على الصحيح من المذهب.
جزم به ابن بطة في مصنف له في هذه المسألة. وذكره عن الآجري، وجزم به في "عيون المسائل"، والقاضي في "الخلاف"، وأبو الخطاب في "الانتصار"، وقال: هو محرم عند أصحابنا.
وكذا قال المصنف في "المغني": هذا يفعل حيلة على إبطال الطلاق المعلق، والحيل خدع لا تحل ما حرم اللَّه.
قال الشيخ تقي الدين رحمه اللَّه: خلع الحيلة لا يصح على الأصح، كما لا يصح نكاح المحلل، لأنه ليس المقصود منه الفرقة، وإنما يقصد به بقاء المرأة مع زوجها، كما في نكاح المحلل، والعقد لا يقصد به نقيض مقصوده. وقدمه في "الفروع".
وقيل: يحرم، ويقع.
وقال في "الرعايتين"، و"الحاوي الصغير": ويحرم الخلع حيلة، ويقع في أصح الوجهين.
قال في "الفروع": وشذ في "الرعاية"، فذكره.
قلت: غالب الناس واقع في هذه المسألة، وكثيرًا ما يستعملونها في هذه الأزمنة. ففي هذا القول فرج لهم.
واختاره ابن القيم في "إعلام الموقعين". ونصره من عشرة أوجه (1).
وقال في "الفروع": ويتوجه أن هذه المسألة، وقصد المحلل التحليل، وقصد أحد المتعاقدين قصدًا محرمًا، كبيع عصير ممن يتخذه خمرًا: على حد واحد، فيقال في كل منهما ما قيل في الأخرى".
قلت: انظر نشرتنا (4/ 231).
__________
(1) نقل ابن ضويان في "منار السبيل" (2/ 963 - ط الباز) كلام ابن تيمية، وقال: "واختار ابن القيم في "إعلام الموقعين" أنه يحرم ويصح، أي: يقع، ونصره من عشرة أوجه".
(1/232)

5 - وفيه (6/ 4 - 5) أيضًا (في الإجارة) عند قوله: (وفي لفظ البيع وجهان) قال: "بأن يقول: بعتك نفعها، وأطلقهما في "الهداية"، و"المذهب"، و"مسبوك الذهب" و"المستوعب"، و"الخلاصة"، و"الكافي"، و"الهادي"، و"المغني"، و"المذهب الأحمد"، و"التلخيص"، و"البلغة"، و"الشرح"، و"شرح ابن منجا"، و"الرعايتين"، و"الحاوي الصغير"، و"الفروع"، و"الفائق"، و"الزركشي"، و"القواعد الفقهية"، والطوفي في "شرح الخرقي".
قال في "التلخيص" و"الفائق": وأما لفظ البيع: فإن أضافه إلى الدار لم يصح، وإن أضافه إلى المنفعة فوجهان. انتهيا.
أحدهما: يصح. اختاره ابن عبدوس في "تذكرته"، والشيخ تقي الدين رحمه اللَّه فقال في "قاعدة له في تقرير القياس" -بعد إطلاق الوجهين- والتحقيق: أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت بأي لفظ كان من الألفاظ التي عَرَفَ به المتعاقدان مقصودهما. وهذا عام في جميع العقود، فإن الشارع لم يحدّ حدًّا لألفاظ العقود، بل ذكرها مطلقة. انتهى.
وكذا قال ابن القيم رحمه اللَّه في "إعلام الموقعين".
قال في "إدراك الغاية": لا تصح بلفظ البيع في وجه. وقدمه ابن رزين في "شرحه".
والوجه الثاني: لا يصح، صححه في "التصحيح"، و"النظم".
قال الشيخ تقي الدين رحمه اللَّه -بعد ذكر الوجهين- بناء على أن هذه المعاوضة نوع من البيع، أو شبيهة به" (1).
قلت: انظره في نشرتنا (2/ 198).
6 - وفيه (6/ 345) أيضًا تحت (فائدة جليلة) ما نصه:
"تثبت الوديعة بإقرار الميت، أو ورثته، أو بينته.
وإن وجد خط موروثه "لفلان عندي وديعة" وعلى كيس "هذا لفلان" عمل به وجوبًا، على الصحيح من المذهب.
قال في "الفروع": ويعمل به على الأصح.
__________
(1) مثله في "تصحيح الفروع" للمرداوي أيضًا (4/ 421) وفيه زيادة، وهو قوله عن الوجه الأول: "قلت: وهو الصواب"، ونقله البهوتي في "كشاف القناع" (3/ 405) عن ابن تيمية، وقال: "ومعناه أيضًا لابن القيم في "إعلام الموقعين".
(1/233)

قال الحارثي: هذا المذهب، نص عليه من رواية إسحاق بن إبراهيم في الوصية، ونصره، ورد غيره.
وقال: قاله القاضي أبو الحسين، وأبو الحسن ابن بكروس، وقدمه في "المستوعب"، و"التلخيص"، وهو الذي ذكره القاضي في "الخلاف".
وقيل: لا يعمل به، ويكون تركة.
اختاره القاضي في "المجرد"، وابن عقيل، والمصنف، وقدمه الشارح، ونصره وجزم به في "الحاوي الصغير"، و"النظم".
وإن وجد خطه بدين له على فلان: حلف الوارث، ودفع إليه، قطع به في "المغني"، و"الشرح"، و"الفروع"، و"شرح الحارثي"، و"إعلام الموقعين".
وإن وجد خطه بدين عليه فقيل: لا يعمل به، ويكون تركة مقسومة.
اختاره القاضي في "المجرد"، وجزم به في "الفصول"، والمذهب، وقدمه في "المغني"، و"الشرح".
وقيل: يعمل به، ويدفع إلى من هو مكتوب باسمه.
قال القاضي أبو الحسين: المذهب وجوب الدفع إلى من هو مكتوب باسمه، أومأ إليه، وجزم به في "المستوعب".
وهو الذي ذكره القاضي في "الخلاف": هو ظاهر ما قطع به في "إعلام الموقعين"، وقدمه في "التلخيص"، وصححه في "النظم"، وهو المذهب عند الحارثي، فإنه قال: والكتابة بالديون عليه كالكتابة بالوديعة، كما قدمنا. حكاه غير واحد منهم السامري، وصاحب "التلخيص". انتهى".
7 - وفيه أيضًا (9/ 5) بعد كلام:
"وذكر الشيخ تقي الدين رحمه اللَّه أن قوله: "الطلاق يلزمني" ونحوه يمين باتفاق العقلاء والأمم والفقهاء، وخرجه على نصوص الإمام أحمد رحمه اللَّه.
قال في "الفروع": وهو خلاف صريحها.
وقال الشيخ تقي الدين رحمه اللَّه أيضًا: إن حلف به نحو "الطلاق لي لازم" ونوى النذر: كَفَّر عند الإمام أحمد رحمه اللَّه. ذكره عنه في "الفروع" في كتاب الأيمان، ونصره في "إعلام الموقعين"، هو والذي قبله (1).
__________
(1) وكذا في "كشاف القناع" (5/ 312 - 313)، وفي مطبوعه "نص"! بدل "نصر".
(1/234)

وقد ذكر أن أخا الشيخ تقي الدين رحمه اللَّه اختار عدم الكفارة فيهما، وهو مذهب ابن حزم.
فعلى المذهب: إذا لم ينو شيئًا، فأطلق المصنف هنا في وقوع الثلاث أو وقوع واحدة الروايتين، وأطلقهما في "القواعد الأصولية"، وابن منجا في "شرحه"".
قلت: انظر نشرتنا (3/ 33، 4/ 301، 319، 334، 539).
8 - وفيه أيضًا (9/ 111) تحت (فائدتين)، وذكر الثانية منهما، فقال:
"لو قالت امرأته "أريد أن تطلقني" فقال: "إن كنت تريدين" أو "إذا أردت أن أطلقك فأنت طالق" فظاهر الكلام: يقتضي أنها تطلق بإرادة مستقبلة ودلالة الحال على أنه أراد إيقاعه، للإرادة التي أخبرته بها. قاله ابن عقيل في "الفنون".
ونصر الثاني العلامة ابن القيم رحمه اللَّه في "إعلام الموقعين"". انتهى.
قلت: انظره في نشرتنا (1/ 381 - 382، 3/ 484 - 485، 4/ 228، 517).
9 - وفيه أيضًا (9/ 127) تحت (فوائد):
"فإن حلف على زوجته في شعبان بالثلاث أن يجامعها في نهار شهرين متتابعين فدخل رمضان. فالحيلة: أن يسافر بها.
قدمه في "الهداية"، و"المستوعب"، و"الخلاصة"، و"الرعايتين"، و"الحاوي الصغير".
واختاره المصنف، والعلامة ابن القيم في "إعلام الموقعين"".
10 - وفيه أيضًا (10/ 391 - 392) تحت (تنبيه) في (التذكية بالسن)؛ ما نصه:
"ظاهر قوله: "إلا السن" أنه يباح الذبح بالعظم، وهو إحدى الروايتين. والمذهب منهما.
قال المصنف في "المغني": مقتضى إطلاق الإمام أحمد رحمه اللَّه إباحة الذبح به، قال: وهو أصح.
وصححه "الشارح"، و"الناظم".
وهو ظاهر كلامه في "الوجيز".
(1/235)

قال في "الهداية"، و"المذهب"، و"الخلاصة"، وغيرهم: وتجوز الذكاة بكل آلة لها حد يقطع وينهر الدم، إلا السن والظفر.
قدمه في "الكافي"، وقال: هو ظاهر كلامه.
والرواية الثانية: لا يباح الذبح به.
قال ابن القيم رحمه اللَّه في "إعلام الموقعين" في (الفائدة السادسة) بعد ذكر الحديث: وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام: إما لنجاسة بعضها، وإما لتنجيسه على مؤمني الجن.
واختاره ابن عبدوس في "تذكرته"، وقدمه ابن رزين في "شرحه".
قال في "الترغيب": يحرم بعظم، ولو بسهم نصله عظم.
وأطلقهما في "المحرر"، و"الرعايتين"، و"الحاويين"، و"الفروع" (1).
قلت: وكلام ابن القيم في "الأعلام" في نشرتنا (5/ 50).
11 - وفيه (11/ 166 - 167) أيضًا وذكر نقلين من كتابنا هذا، قال تحت (فائدتين) وذكر (الثانية) فقال:
"لو تعين عليه أن يفتي وله كفاية، فهل يجوز له الأخذ؟ فيه وجهان.
وأطلقهما في "آداب المفتي"، و"الرعاية الكبرى"، و"أصول ابن مفلح"، و"فروعه".
واختار ابن القيم رحمه اللَّه في "إعلام الموقعين" عدم الجواز (2).
ومن أخذ رزقًا من بيت المال لم يأخذ أجرة لفتياه. وفي أجرة خطه وجهان: وأطلقهما في "الفروع".
أحدهما: لا يجوز.
قدمه ابن مفلح في "أصوله".
واختاره الشيخ ابن القيم رحمه اللَّه في "إعلام الموقعين".
الثاني: لا يجوز.
ونقل المروذي فيمن يُسأل عن العلم، فربما أهدى له؟ قال: لا يقبل، إلا أن يكافئ.
__________
(1) ومثله في "تصحيح الفروع" للمرداوي أيضًا (6/ 312).
(2) مثله في "تصحيح الفروع" أيضًا (6/ 440).
(1/236)

ويأتي أيضًا حكم هدية المفتي عند ذكر هدية القاضي".
قلت: واختيار ابن القيم الأول في نشرتنا (5/ 159)، والثاني في (5/ 158).
12 - وفيه أيضًا (11/ 861 - 187) عند الكلام على (صفات المفتي)، وهل تصح الفتوى من فاسق؟ قال:
"ولا تصح من فاسق لغيره، وإن كان مجتهدًا، لكن يفتي نفسه ولا يسأل غيره.
وقال الطوفي في "مختصره"، وغيره: لا تشترط عدالته في اجتهاده، بل في قبول فتياه وخبره.
وقال ابن القيم رحمه اللَّه في "إعلام الموقعين": قلت: الصواب جواز استفتاء الفاسق، إلا أن يكون معلنًا بفسقه، داعيًا إلى بدعته، فحكم استفتائه حكم إمامته وشهادته" (1) ثم تكلم في الموطن نفسه عن (فتوى مستور الحال)، فقال:
"ولا تصح من مستور الحال أيضًا، على الصحيح من المذهب.
قدمه في "الفروع"، وغيره من الأصوليين.
وقيل: تصح.
قدمه في "آداب المفتي" وعمل الناس عليه.
وصححه في "الرعاية الكبرى".
واختاره الشيخ ابن القيم في "إعلام الموقعين".
وقيل: تصح إن اكتفينا بالعدالة الظاهرة، وإلا فلا".
قلت: انظر كلام ابن القيم عن (فتوى الفاسق) في نشرتنا (5/ 138)، وعن (فتوى مستور الحال) فيها أيضًا (138 - 139).
13 - وفيه (11/ 189) أيضًا:
"وإن حدث ما لا قول فيه تكلم فيه حاكم ومجتهد ومفت.
وقيل: لا يجوز في أصول الدين.
قال في "آداب المفتي": ليس له أن يفتي في شيء من مسائل الكلام مفصلًا، بل يمنع السائل وسائر العامة من الخوض في ذلك أصلًا، وقدمه في "مقنعه".
__________
(1) مثله في "كشاف القناع" (6/ 300)، وصرح بالنقل من "إعلام الموقعين".
(1/237)

وجزم به في "الرعاية الكبرى".
وقدم ابن مفلح في "أصوله": أن محل الخلاف في الأفضلية، لا في الجواز وعدمه، وأطلق الخلاف.
وقال في خطبة "الإرشاد": لا بد من الجواب.
وقال في "إعلام الموقعين" -بعد أن حكى الأقوال-: والحق التفصيل، وأن ذلك يجوز بل يستحب، أو يجب عند الحاجة، وأهلية المفتي والحاكم، فإن عدم الأمران: لم يجز، وإن وجد أحدهما: احتمل الجواز والمنع، والجواب عند الحاجة دون عدمها". انتهى.
قلت: انظر كلامه في نشرتنا (5/ 208).
14 - وفيه (11/ 194 - 195) أيضًا في مسألة التّمذهب:
"وقال ابن مفلح في "أصوله": وقال بعض الأصحاب: هل يلزم المقلد التمذهب بمذهب، والأخذ برخصه وعزائمه؟ فيه وجهان.
قلت: قال في "الفروع" -في أثناء "باب شروط من تقبل شهادته"-: وأما لزوم التمذهب بمذهب، وامتناع الانتقال إلى غيره في مسألة: ففيه وجهان، وفاقًا لمالك والشافعي رحمهما اللَّه، وعدمه أشهر. انتهى.
قال في "إعلام الموقعين": وهو الصواب المقطوع به.
وقال (1) في "أصوله": عدم اللزوم قول جمهور العلماء، فيتخير.
وقال في "الرعاية الكبرى": يلزم كل مقلد أن يلتزم بمذهب معين في الأشهر فلا يقلد غير أهله.
وقيل: بلى.
وقيل: ضرورة.
فإن التزم فيما يفتى به، أو عمل به، أو ظنه حقًا، أو لم يجد مفتيًا آخر: لزم قوله، وإلا فلا. انتهى.
واختار الآمدي منع الانتقال فيما عمل به.
وعند بعض الأصحاب: يجتهد في أصح المذاهب فيتبعه (2).
__________
(1) أي: ابن مفلح، وكلامه في كتابه "أصول الفقه" (4/ 1562).
(2) وكذا في "الفروع" (6/ 572)، وعقب هذا عنده: "وتقدم كلام الشيخ تقي الدين في كلام المصنف، وهو موافق لما قاله ابن القيم، وهو الصواب".
(1/238)

وقال الشيخ تقي الدين رحمه اللَّه: في الأخذ برخصه وعزائمه طاعة غير الرسول عليه الصلاة والسلام في كل أمره ونهيه، وهو خلاف الإجماع". انتهى.
قلت: والكلام المشار إليه في نشرتنا (5/ 203 - 204).
15 - وفيه: (11/ 221) أيضًا في مسألة (فتيا الحاكم هل هي حكم منه؟)، قال:
"قال القاضي في "التعليق"، والمجد في "المحرر": فعله حكم إن حكم به هو، أو غيره، وفاقًا، كفتياه.
فإذا قال: "حكمت بصحته" نفذ حكمه باتفاق الأئمة. قاله الشيخ تقي الدين رحمه اللَّه.
وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين": فتيا الحاكم ليست حكمًا منه. فلو حكم غيره بغير ما أفتى: لم يكن نقضًا لحكمه، ولا هي كالحكم. ولهذا يجوز أن يفتى للحاضر والغائب، ومن يجوز حكمه له ومن لا يجوز". انتهى.
قلت: انظر نشرتنا (5/ 141).
16 - وفيه (11/ 318) أيضًا ما نصه:
"وفي تضمين مفت ليس أهلًا: وجهان.
وأطلقهما في "الفروع".
واختار ابن حمدان في كتابه "أدب المفتي والمستفتي" أنه لا ضمان عليه (1).
قال ابن القيم رحمه اللَّه في "إعلام الموقعين" في الجزء الأخير: ولم أعرف هذا القول لأحد قبل ابن حمدان.
ثم قال: قلت خطأ المفتي كخطأ الحاكم أو الشاهد" (2).
قلت: وكلامه في نشرتنا (5/ 147).
هذا، ولم يقتصر نقل المرداوي في كتابه "الإنصاف" من كتابنا "الإعلام"
__________
(1) قال المرداوي في "تصحيح الفروع" (6/ 494) عقبه: "قلت: وهو بعيد جدًّا، لا وجه له".
(2) قال المرداوي في "تصحيح الفروع" (6/ 494) عقبه: "هذا الذي قاله ليس من المسألة في شيء؛ لأن مراده بخطإ المفتي الذي هو أهل للإفتاء، والمسألة مفروضة فيمن ليس أهلًا، وعلى كل حال القول بعدم الضمان ضعيف جدًّا، والأولى للمصنف -أي: ابن مفلح في "الفروع"- أنه كان يقدم الضمان، واللَّه أعلم".
(1/239)

وإنما نقل منه في كتبه الأخرى، مثل "تصحيح الفروع" (1)، وهنالك نقولات مشتركة بينه وبين "الإنصاف"، وقد أشرتُ إليها في محالّها، وللَّه الحمد.
إلا أني ظفرتُ بمسألة هي فيه ليست في "الإنصاف"، وهي:
قوله في "تصحيح الفروع" (1/ 386):
"ولو سأل مفتيين واختلفا فهل يأخذ بالأرجح، أو الأخف، أو الأشد، أو يخيره؟ فيه أوجه، انتهى. أطلق الخلاف في عدة أقوال: أحدها: أنه يخير، اختاره القاضي وأبو الخطاب والشيخ الموفق في "الروضة"، نقله عنه المصنف في "أصوله"، ولم أره فيها وقطع به المجد في موضع من "المسودة"، قال أبو الخطاب: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وقدمه المصنف في "أصوله"، والوجه الثاني: يأخذ بالأرجح، ذكره ابن البناء، وغيره، وهو الصحيح، واختاره بعض الأصحاب، قاله المصنف في "أصوله"، قال في "إعلام الموقعين" يجب عليه أن يتحرى، ويبحث عن الراجح بحسبه وهو أرجح المذاهب السبعة". انتهى.
قلت: انظر نشرتنا (5/ 205 - 206).
وهنالك نقولات عديدة جدًّا عند كثير من متأخري الحنابلة من كتابنا هذا، وأقتصر على بيان ذلك بالتفصيل من:
* كتاب "كشاف القناع" (2) للشيخ منصور بن يونس البهوتي (ت 1051 ه).
1 - قال فيه (3/ 273) في آخر (فصل: في المصارفة وهي بيع نقد بنقد)، وتكلم استطرادًا عن الحيل، قال: "وقد ذكر ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين" من ذلك صورًا كثيرة جدًّا، يطول ذكرها، فَلْتعاود؛ لعموم الحاجة إليها".
2 - وقال في (3/ 405) (فصل: في أحكام الجوار):
__________
(1) حقق فيه ترجيحات ابن مفلح في "الفروع"، ودقق، وكأنما استظهر "الفروع"، فأتى بالعجائب، واسمه "تصحيح الخلاف المطلق في الفروع".
(2) هو شرح "الإقناع لطالب الانتفاع" لموسى الحجاوي (ت 968 ه)، قال السفاريني: "هو أحسن شروحه"، وهو شرح فريد محقَّق للكتاب، يورد فيه صاحبه غالبًا علل الأحكام، وأدلتها على طريق الاختصار، ويعزو الأقوال لقائليها، ويبين المعتمد في المواضع التي تعارض كلام "الإقناع"، وما خالف فيه "المنتهى" -متعرضًا لذكر الخلاف فيها- ليعلم مستند كل منهما، انظر: "المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة" (342).
ومما ينبغي ذكره أن في "كشاف القناع" مسائل مشتركة مع "الإنصاف" ذكرناها سابقًا في الهوامش، فراجعها.
(1/240)

"وفي "المبهج": في (الأطعمة): ثمرةُ غصنٍ في هواءِ طريقٍ عامٍّ للمسلمين" قال بعده: "ومعناه أيضًا لابن القيم في "إعلام الموقعين"، لأنّ إبقاءه إِذْنٌ عرفًا في تناول ما سقط منه".
3 - وقال في (4/ 208) آخر (باب الجعالة):
"ولو وقع الحريق بدار ونحوها فهدمها غير صاحبها بغير إذنه على النار لئلا تسري النار، أو هدم قريبًا منها إذا لم يقدر على الوصول إليها وخيف تعديها وعتوها لم يضمن. ذكره ابن القيم في "الطرق الحكمية"، ثم قال: "ولو رأى السيل يقصد الدار المؤجرة فبادر وهدم الحائط ليخرج السيل، ولا يهدم الدار كان محسنًا ولا يضمن" انتهى، وكذا في "إعلام الموقعين"".
4 - وقال في (5/ 271) (باب الاستثناء في الطلاق):
"ويشترط في استثناء (نيةٍ قبل تمام المستثنى منه) فقوله: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، لا يعتد بالاستثناء إلا إن نواه قبل تمام قوله: أنت طالق ثلاثًا (وقطع به جمع. و) تصح نيته (بعده) أي بعد تمام المستثنى منه (قبل فراغه) من كلامه بأن يأتي به ناويًا له عند تمامه قبل أن يسكت (واختاره) أي اختار القول بصحة نيته بعد تمام المستثنى منه قبل فراغه (الشيخ و) تلميذه ابن القيم في "إعلام الموقعين"، وقال الشيخ: دل عليه كلام أحمد ومتقدمي أصحابه".
5 - وقال في (5/ 290) (فصل: وإن قال العامي: أَنْ دخلت الدار، فأنت طالق، بفتح الهمزة وسكون النون):
"ولا فرق عند الشيخ تقي الدين بين أن يطلقها لعلة مذكورة في اللفظ أو غير مذكورة فإذا يتبين انتفاؤها لم يقع الطلاق. وقال في "إعلام الموقعين": وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره ولا تقتضي قواعد الأئمة غيره، فإذا قيل له: امرأتك قد شربت مع فلان وباتت عنده، فقال: اشهدوا على أنها طالق ثلاثًا، ثم علم أنها كانت تلك الليلة في بيتها قائمة تصلي، فإن هذا الطلاق لا يقع قطعًا، وأطال فيه. (ولذلك أفتى ابن عقيل في "فنونه" فيمن قيل له: زنت زوجتك، فقال: هي طالق، ثم تبيَّن أنها لم تزن أنها لا تطلق وجعل السبب) الذي لأجله أوقع الطلاق (كالشرط اللفظي وأولى). قال في "الاختيارات": وهو قول عطاء بن أبي رباح، وأطال فيه. وقال القاضي: تطلق مطلقًا، سواء كانت دخلت أو لم تدخل، وهو ظاهر "المنتهى". ويؤيده نص أحمد في رواية المروذي في رجل قال لامرأته: إن
(1/241)

خرجت فأنت طالق، فاستعارت امرأة ثيابها فلبستها فرآها زوجها حين خرجت من الباب، فقال: قد فعلت أنت طالق، قال: يقع طلاقه على امرأته، فنص على وقوع طلاقه على امرأته مع أنه وإن قصد إنشاء الطلاق، فإنما أوقعه عليها لخروجها الذي منعها منه ولم يوجد. أشار إليه ابن نصر اللَّه في "حواشي القواعد الفقهية"".
6 - وقال في (6/ 308) في آخر (فصل: في أحكام تتعلق بالفتيا):
"ولو سأل العامي مفتيين فأكثر، فاختلفا عليه، تخيَّر، صححه في "الإنصاف"، وقال الموفق في "الروضة": لزمه الأخذ بقول الأفضل في علمه ودينه، وقال الطوفي في "مختصرها": والظاهر الأخذ بقول الأفضل في علمه ودينه، وفي "إعلام الموقعين": يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه، وهو أرجح المذاهب السبعة انتهى. والقول الأول اختاره القاضي وأبو الخطاب. قال: وهو ظاهر كلام أحمد، وقطع به المجد في موضع من "المسودة" وقدمه صاحب "الفروع" في "أصوله"".
وهنالك نقولات عديدة جدًّا؛ ظفرتُ بها في كثير من كتب فقهاء الحنابلة من كتابنا (1)، وفيما ذكرناه كفاية مع التنبه إلى ما أحلنا عليه في مبحث (نسبة الكتاب لمؤلفه) و (ضبط اسمه).
ومما يحسن التنبيه عليه في هذا المقام: لقد كان لكتابنا هذا تأثير كبير على المنتسبين لمذهب الحنابلة في تقاصر خدمتهم لكتب المذهب، ونقطة تحول في سيرهم إلى الدليل، والأخذ بالدليل من النِّعم السوابغ، ورحمة من اللَّه -سبحانه-
__________
(1) لا تنس ما قدمناه من تعليقات على بعض النقولات السابقة، وهنالك نقولات في كتاب "دقائق أولي النهى لشرح المنتهى" المعروف ب "شرح منتهى الإرادات"، فيها تصريح بالنقل من كتابنا هذا في مواطن، منها (كتاب الإجارة) في مبحث (ما تنعقد به الإجارة) و (كتاب القضاء والفتيا) (باب استفتاء الفاسق).
ونقل منه يوسف بن عبد الهادي في كتابه "سير الحاثّ" (ص 23 - 26، 37، 37 - 38، 39 - 40، 41، 46 - 48، 63 - 66، 79 ط الأخ العجمي) وكذا ابن مفلح في "المبدع" (7/ 68، 74، 86)، و"تصحيح الفروع" (6/ 281، 428)، والشويكي في "التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح" (2/ 794) وصاحب "منار السبيل" (2/ 206 - ط المعارف أو 3/ 1047 - ط الباز) وصاحب "مطالب أولي النهى" (1/ 5، 49، 665 و 3/ 179، 582 و 4/ 172 و 5/ 127، 375، 407، 444 و 6/ 394 - ط المكتب الإسلامي) في جمع آخرين يعسر حصرهم، ويصعب تعدادهم.
(1/242)

للمتبوع والتابع (1).
هذا، ولم يقتصر الحنابلة على النقل من كتابنا في مباحثهم الفقهية، وإنما تعداه النقل إلى المباحث الأصولية، وهذه بعض الأمثلة التي تدلل على ذلك:
نقل منه الشيخ الفقيه الفتوحي الحنبلي في مواطن من كتابه "شرح الكوكب المنير"، منها (1/ 312، 4/ 526 - 527، 545)، والمرداوي في "التحبير في شرح التحرير" في مواطن أيضًا، منها (8/ 3985، 4005، 4007، 4042، 4043، 4045، 4048، 4099) (2).
وأكثر ما يظهر أثر هذا الكتاب في هذه الكتب في مباحث (الفتوى) (3) و (الاجتهاد) و (التقليد)، بل لا تكاد تجد أحدًا كتب في هذا الموضوع إلا ونقل من كتابنا هذا (4)، وأظهر مثال عليه رسالة "مبحث الاجتهاد والخلاف" (5) للشيخ محمد بن عبد الوهاب، فإنها برمتها منقولة من مواطن منه، وكذا "إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار وتحذيرهم عن الابتداع الشائع في القرى والأمصار من تقليد المذاهب مع الحميّة والعصبيّة بين فقهاء الأعصار" (6) للشيخ صالح بن محمد الفُلَّاني، فإن كثيرًا من مباحثها ونصوصها مأخوذة من كتابنا هذا، وقد صرح المصنف بذلك في مواطن منها، انظرها (ص 57، 99، 103، 107، 115، 120، 156، 162).
ويظهر أثر كتابنا جليًّا في كتب الحديث أيضًا، فنقل منه غير واحد من شراح الحديث المتأخرين وسمَّوه "إعلام الموقعين"، مثل: صاحب "عون المعبود"، فأكثر من النقل عنه في موضع تقوية اختياره، كما تراه في (3/ 146، 209 و 4/
__________
(1) انظر: "المدخل المفصل" (2/ 613).
(2) جل هذه المواطن اقترن فيها اسم ابن القيم مع كتابنا "إعلام الموقعين"، وفيها التصريح بذكر اختياراته، والقبول لها، وجلها في مباحث الفتوى.
(3) نمي إليّ أن (الفتوى) عند ابن القيم في "الأعلام" موضع دراسة بعض الباحثين لنيل الشهادة العالمية من بعض جامعات ماليزيا، وتقدم بيان ذلك.
(4) انظر: ما قدمناه (ص 35 - 37).
(5) طبعت أكثر من مرة، أجودها بتصحيح ومقابلة عبد العزيز الرومي وصالح الحسن، وهي ضمن "مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، (القسم الثاني/ الفقه/ المجلد الثاني/ الرسالة الثانية)، بتصحيح ومقابلة عبد الرحمن السدحان وعبد اللَّه الجبرين، وقالا في مطلعها (ص 3): "وهي منقولة باختصار من "إعلام الموقعين" لابن القيم رحمه اللَّه".
(6) لصاحب هذه السطور تحقيق عليه، يسر اللَّه إتمامه وإظهاره والنفع به.
(1/243)

101 و 6/ 198، 200 و 8/ 5 و 9/ 365، 370 و 10/ 197 و 12/ 228 و 13/ 28 - ط دار الكتب العلمية) وكذلك فعل صاحب "تحفة الأحوذي"، انظر منه: (1/ 29، 34، 201، 409، 479 و 2/ 37، 60، 73، 241 و 3/ 212، 245 و 4/ 383، 386، 465 و 6/ 478 - ط دار الكتب العلمية).
بل تجد لكتابنا هذا ذكرًا في الكتب الحديثية التي اعتنت بجمع الأحاديث المتواترة، فنقل منه -مثلًا- الكتاني في مواطن من كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر"، فذكر حديث "الإشارة بالسبابة في التشهد" وقال (ص 107): "وذكر ابن القيم في "إعلام الموقعين" أمثلة ترك فيها المحكم للمتشابه، وعد منها هذا. . " ونقل كلامه بطوله، وذكر (ص 212) حديث "إن المدينة حرام" فقال: "ذكر ابن القيم في "إعلام الموقعين" أنه رواها بضعة وعشرون صحابيًا. . " وساق نص كلامه، بل نقل منه ابن حجر في "التهذيب" في زياداته على المزي في ترجمة (يحيى بن أبي إسحاق الهنائي) (1) لكلام صاحبه في هذا الراوي.
وأما عن المعاصرين، وأثر هذا الكتاب في دراساتهم وأبحاثهم وتحقيقاتهم؛ فأمر لا يخفى على أحدٍ، وهو منتشر جدًّا، وواسع، ونذكر مثالًا واحدًا من أعيان الدراسات المهمة التي لها صلةٌ به، وذِكْرٌ له:
* قال الباحث محمد بن إبراهيم في كتابه "الحيل الفقهية في المعاملات المالية" (ص 12) في معرض حديثه عن جهود العلماء في (الحيل)، قال:
"أما الكتب القديمة، فهي رغم اغترافها من بعضها لدرجة التشابه، وأحيانًا التماثل غير مستوفية ولا مستوعبة، إذ بعضها أو جلها ينقصه التأصيل والتدليل، فهو يتحدث عن الحيل وكأنه يعلم الناس الفاتحة، على حد تعبير ابن القيم، زيادة على كزازة العبارة وغموضها أحيانًا، وبعد المصطلح الفقهي القديم عن المصطلحات الحديثة، بالإضافة إلى الخلط وعدم التفريق بين أقسام الحيل، وزيادة عن سوء الطبع ورداءة الإخراج، وكثرة الأخطاء المطبعية وغير المطبعية.
ويتمثل هذا واضحًا في كتب أعتبرها من مصادري الأصلية مثل: "المخارج في الحيل"، لمحمد بن الحسن الشيباني (2)، و"الحيل والمخارج" للخصاف، و"الحيل في الفقه"، للقزويني الشافعي.
__________
(1) (11/ 157).
(2) في نسبته إليه شك، وقدمنا من أنكر ذلك (ص 92)، واللَّه الموفّق.
(1/244)

ولا يستثنى من هذا إلا كتاب "إعلام الموقعين" لابن القيم، و"الفتاوى" لشيخه ابن تيمية. فهما قد ربطا بين التأصيل والتدليل، وبين التطبيق، مع حسن الطبع، والإخراج نسبيًا".
واستعرض (ص 45 - 47) جهود المستشرقين في نشر كتب (الحيل) التراثية (1)، ثم قال (ص 47):
"لقد سبق لابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن نشرا كثيرًا من الحيل، ونشرا أدلة أصحابها بنصاعة ووضوح، خاصة ابن القيم الذي عرض أدلة أصحاب الحيل في قوة ونزاهة ونصاعة عبارة حتى لو وقف عندها القارئ غير المتفقه لآمن بأن الحيل من أصول التشريع الإسلامي قطعًا، ولكنهما، يشنان عليها حملة تفنيد ودحض لما لا يجوز منها، في نفس المستوى من القوة والتجرد ونصاعة العبارة وصلابة الحجة، هي في الحقيقة صلابة الحق والجد والبناء، لا الباطل واللعب والهزل والتخريب".
ووصف (ص 159) جهد ابن القيم في موضوع (الحيل) بأنه "جهد عقلي خصب" وقال (ص 163) بعد كلام: "رحم اللَّه ابن القيم، فكأنه يتحدث عن زماننا، وما انتشر فيه من مفاسد وجرائم بمجرد تبديل الأسماء" وقال (ص 164): "هكذا يصور ابن القيم مفاسد عصره المتولدة عن حيل النفوس المريضة المتذرعة بالذرائع الفاسدة والحيل المرفوضة، فإذا هو رحمه اللَّه يعفينا من تصوير مفاسد عصرنا، التي هي بعينها، هان اختلفت الصور أحيانًا، والمظاهر والطرق والوسائل أحيانًا أُخرى" وقال (ص 198): "أسلوب ابن القيم أسلوب طلق واضح ومشرق".
والأمثلة على استفادة المعاصرين من كتابنا كثيرة، ولكن الذي يذكر أيضًا أن بعضهم انتقد بعض مسائله، كالبوطي (2)، والجيدي (3)، وسبق (4) نقل كلامهما، والإيماء إلى ما فيه.
__________
(1) انظرها في "معجم الموضوعات المطروقة" (1/ 462 - 463).
(2) في كتابه "ضوابط المصلحة" (300، 303)، و"فقه السيرة" (337).
(3) في كتابه "العرف" (315 - 316).
(4) انظر: (ص 54 ت، 177، 178).
(1/245)

الأصول المعتمدة في نشرتنا هذه
اعتمدنا في نشرتنا هذه على أربعة أصول خطية، هي:

* النسخة الأولى: رمزتُ لها ب (ك)، وهي نسخة باكستانية (1)، محفوظة في مكتبة الشيخ محب اللَّه الراشدي، بمنطقة سعيد آباد، وهي تامة في ثلاثة مجلدات، وهي مقابلة ومتقنة، وخطها واضح مقروء، الأول والثاني بخط الشيخ سليمان بن سحمان، كتبها سنة 1305 ه، والمجلد الثالث بخط الشيخ عبد العزيز بن صعب بن عبد اللَّه التويجري، فرغ منها سنة 1306 ه.
أوله: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وبه أستعين، ربّ يسِّر وأعن يا كريم".
وجاء في آخره: "آخر (المجلد الأول) من كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، يتلوه إن شاء اللَّه (المجلد الثاني) وذلك (تحريم الإفتاء في دين اللَّه بغير علم، وذكر الإجماع على ذلك)، وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه وسلم.
وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب الجليل، الذي ليس له في المؤلّفات نظير ولا مثيل بعد العصر من يوم الاثنين لسبع خلت من رجب، من سنة 1305 ه على يد عبده وابن عبده: سليمان بن سحمان، غفر اللَّه له، ولوالديه وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه وسلم.
ويتلوه (المجلد الثاني)، وأوله: فصل في تحريم الفتوى في دين اللَّه بغير علم، وذكر الإجماع على ذلك".
وعلى هامشه: "بلغ مقابلة، بحمد اللَّه وحسن توفيقه، على الأصل الذي نسخ منه حسب الطاقة والإمكان".
__________
(1) أرسلها إليّ الأخ يوسف علي العلياني من دولة الإمارات العربية/ رأس الخيمة. فجزاه اللَّه خيرًا.
(1/246)

وتحته: "قد فرغت من مطالعة هذا الكتاب الشريف، أنا العبد الضعيف محمد فيض الكريم، 19 رجب المرجب/ سنة 1309 ه، اللهم اغفر لي ولمالك هذا الكتاب وكاتبه، ولمن نظر فيه".
ويقع هذا المجلد في (491 ورقة) في كل ورقة (23) سطرًا.
وأما المجلد الثاني، ففي أوله، ما نصه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ربِّ يسِّر وأعن يا كريم، وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه.
قال شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية -تغمده اللَّه برحمته، وأسكنه بحبوح جنته، آمين".
وجاء في آخره: "آخر (الجزء الثاني) من كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، يتلوه (الجزء الثالث) إن شاء اللَّه تعالى: (فصل: قال أرباب الحيل)، والحمد للَّه رب العالمين.
أنهاه كتابة الفقيرُ إلى ربِّه الرحيم المنان: عبدُهُ سليمانُ بنُ سحمان، وذلك ضحى يوم الثلاثاء، لخمس وعشرين، خلت من رمضان المشرف، من سنة 1305 ه، والحمد للَّه على التمام، وصلى اللَّه على سيّد الأنام، محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين".
ويقع هذا المجلد في (533) ورقة، في كل ورقة (23) سطرًا، وفيه هوامش علمية جيدة، انظر -على سبيل المثال-: (2/ 50).
ترجمة ناسخ المجلد الأول والثاني من هذه النسخة:
ناسخ هذين المجلدين، هو: الشيخ العالم الفقيه الحنبلي سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان النَّجْدي، الدَّوسري بالولاء، ولد سنة (1268 ه - 1852 م) من علماء نجد، ولد في قرية (السَّقَا) -بتخفيف القاف- من أعمال (أبها) في عسير، وانتقل مع أبيه إلى الرياض، أيام فيصل بن تركي، فتلقى عن علمائها التوحيد والفقه واللغة، وتولى الكتابة للإمام عبد اللَّه بن فيصل برهة من الزمن، ثم تفرغ للعلم، وصنف كتبًا ورسائل، منها:
"الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق" (في الرد على كتاب لجميل صدقي الزهاوي)، "منهاج أهل الحق والاتباع"، "الفتاوى"، "الصواعق المرسلة"، "إرشاد الطالب إلى أهم المطالب"، "الهدية السنية"، "تبرئة الشيخين"، "رسالة في الساعة" (أنها صناعة لا سحر) (وجميعها مطبوعة)، وكف بصره في آخر حياته،
(1/247)

وتوفي في الرياض سنة (1349 ه - 1935 م)، رحمه اللَّه تعالى (1).
وقد نسخ هذا الكتاب في ريعان شبابه، وكان عمره آنذاك سبعة وثلاثين عامًا.
وأما المجلد الثالث -والأخير- من هذه النسخة، فهو بخط آخر.
أولى: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وبه أستعين، وعليه أتوكل، قال شيخ الإسلام والمسلمين، الشيخ شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد ابن قيم الجوزية تغمده اللَّه برحمته وأسكنه فسيح جنته. . . ".
وآخره: "آخر كتاب "إعلام الموقعين"، تحررت هذه المجلدة واللتين قبلها على يد أفقر عباد اللَّه وأحوجهم إلى رحمته، المعترف بالزلل والتقصير، الراجي عفو ربه اللطيف الخبير: عبد العزيز بن صعب بن عبد اللَّه التويجري، عفا اللَّه عنه، وعن والديه، وعن جميع المسلمين، آمين، آمين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، ورضي اللَّه تعالى عن أصحاب رسول اللَّه أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وفق الفراغ من توقيعها وتكميلها في ست وعشرين من شوال، سنة 1306 ه، وحسبنا اللَّه، ونعم الوكيل".
وفي الهامش من جهة اليمين: "أسأل اللَّه الكريم أن يحسن لنا ولإخواننا العاقبة في الدنيا والآخرة".
وفيه من جهة اليسار: "بمنّه ولطفه وكرمه وجوده وإحسانه وبره، لأنه الواحد الماجد، الفرد الصمد".
ويقع هذا المجلد في (486) ورقة، في كل ورقة ما بين (19 - 23) سطرًا.

* النسخة الثانية: رمزتُ لها ب (ت)، وهي من محفوظات مكتبة تشستربتي في دبلن، بإيرلندا، وهي تحت رقم (2842) ضمن مجموع (2) وعلى طرتها:
__________
(1) ترجمته في "تذكرة أولي النهى" (3/ 247)، "علماء نجد خلال ستة قرون" (1/ 279 - 281) (وسقطت ترجمته من الطبعة الجديدة منه) "الأعلام" للزِّركلي (3/ 126).
وصدر عن مكتبة الرشد كتاب بعنوان "الشيخ سليمان بن سحمان وطريقته في تقرير العقيدة" تأليف محمد بن حمود الفوزان.
(2) فيه: "مختصر في شرح الأربعين" للنووي، و"الاعتقاد" لعبد الغني بن عبد الواحد الجماعيلي، والقطعة هذه من "إعلام الموقعين"، وهي تبدأ منه بورقة (42 ب) وتنتهي بورقة (90).
(1/248)

"من كتاب "إعلام الموقعين"، في (أدب المفتي)، لابن القيم -رحمه اللَّه تعالى-".
وتحته: "حرره من فضل اللَّه تعالى القوي: أحمد بن يوسف العدوي، لطف اللَّه به، وجعله من حزبه، بمنه ويمنه، سنة 1003 ه، أحسن اللَّه ختامها".
وهذه النسخة تشكل قسمًا من آخر الكتاب، وهي ناقصة، وعليها إلحاقات، وعلامات التصحيح، وهي بخط أكثر من ناسخ، منهم أحمد بن يوسف العدوي، ويقدر أن بعضها نسخ قبل ذلك في القرن التاسع الهجري، وبعضها سنة 820 ه (1).
وأول هذه النسخة: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال شيخ الإسلام، أحد الأئمة الأعلام: شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن أبي بكر الزرعي في آخر كتاب "إعلام الموقعين". (فصل): ولنختم الكتاب بفوائد تتعلق بالفتوى" (2).
وهي ناقصة من الآخر، وتنتهي ب (الفائدة السادسة والستين) عند قول المصنف: "هل يلزم المستفتي أن يجتهد في أعيان المفتين. . . " إلى قوله: "وتقدم أنه إذا اختلف عليه مفتيان: أورع وأعلم، فأيُّهما يجب تقليده، فيه ثلاثة. . . " (3) وبهذا ينتهي الموجود في هذه النسخة.
وتقع في (48) ورقة، في كل ورقة (20 - 22) سطرًا.

* النسخة الثالثة: رمزتُ لها ب (ن)، وهي من محفوظات مكتبة مسجد الحرم النبوي (4)، وهي من وقف الشيخ عبد العزيز الحصين -رحمه اللَّه تعالى- وهي مقابلة ومصححة، وهي ناقصة من الآخر، وهي في جزئين، وهذا وصفهما:
الجزء الأول: يقع في (108) ورقات، في كل ورقة لوحتان، في كل لوحة (21 - 30) سطرًا، أوله: "بِسْمِ اللَّهِ [الرَّحْمَنِ] (*) الرَّحِيمِ، رب يسّر وأعن يا كريم".
__________
(1) انظر -غير مأمور-: "تاريخ بروكلمان" (2/ 106، الملحق 2/ 126)، "فهرس المخطوطات العربية في مكتبة تشستربتي" لارثر آربري (2/ 997)، "الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي" (1/ 583).
(2) انظر: نشرتنا (5/ 40).
(3) انظر: نشرتنا (5/ 203).
(4) وعنها مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية، وفي مكتبة الحرم المكي.

(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوعة [الرحيم]!!، وهو خطأ طباعي، والمُثبت أعلاه من صورة المخطوط التي أوردها الشيخ المحقق ص 269
(1/249)

وآخره: "آخر المجلد الأول من كتاب "معالم الموقعين عن رب العالمين" ثم أثبت الناسخ تحته: "المخلودا ليس لك بربِّ، ولست له بعبدٍ، وليس رِزْقُك ونفعك في يده، فلا يستحقّ شيئًا من حقّ اللَّه أبدًا".
وتحته مقولة عمر بن عبد العزيز: "سن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وولاة الأمر من بعده. . . "، ثم بعدها في رأس الصفحة: "قال ابن القيم في "بدائع الفوائد" (1): "في قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2)}، وأكثر المستعاذ منه نوعان. . . " وذكر الكلام بطوله في تمام (ق 105 و 106 ولوحة أ/ من ق 107) وختمه بقوله: "ويعظمهم في صدوركم، فلا تخافوهم، وأفردوني بالمخافة أكْفيكم إياهم".
ثم في (لوحة ب/ من ق 107): "روي عن ابن عباس: إنّ للضلالة حلاوةً في قلوب أصحابها، قال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} وبعده: "قال ابن القيم في "المدارج": والتوكل معنى يلتئم من الأصلين. . . " إلى قوله: "هذا أحدها" (2) ثم قال: "فإن قلتْ ما معنى التوكل والاستعانة. . . " إلى قوله: "كانت له العاقبة الحميدة" (3) وبعده: "وقال أيضًا: "لا يكون العبد متحققًا بإياك نعبد إلا بأصلين عظيمين: أحدهما: متابعة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-. والثاني: الإخلاص للمعبود فهذا تحقيق {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} " (4) وفيه: "قال أيضًا في غيره (5): "التوكل من لوازم الإيمان" قال اللَّه تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فجعل التوكل شرطًا في الإيمان، فدل على أن الإيمان منتف إذا انتفى التوكل: قول موسى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فجعل صحة الإسلام التوكل".
ثم ذكر الناسخ ملخَّصًا لمباحث الكتاب، فأثبت ما نصه:
"بان لي من كلام ابن القيم في كتابه: "إعلام (6) الموقعين عن رب العالمين": وأنه -كذا- تجريد اتباع الكتاب والسنة، وذكر أجوبة من اعترض عليهن، فذكر كلام أهل الرأي، وكلام أهل الظاهر، ونفاة التعليل، وردّ عليهم مسائل ظنوا أنها خلاف القياس، وبيَّن لهم الصواب، وذكر تحريم القول على اللَّه
__________
(1) (2/ 204 وما بعد) وانظره في "بدائع التفسير" أيضًا (5/ 386 - 425).
(2) "مدارج السالكين" (1/ 75 - ط الفقي).
(3) "مدارج السالكين" (1/ 82 - ط الفقي).
(4) "مدارج السالكين" (1/ 83).
(5) المذكور في "طريق الهجرتين" (237 - 238).
(6) رجع فسماه "إعلام" مع أنه أثبت على طرته: "معالم الموقعين"، وانظر ما قدمناه بشأن تسمية الكتاب واللَّه الموفق.
(1/250)

بلا علم، وذكر التقليد المذموم، والممدوح. ثم ذكر تحريم الإفتاء بما يخالف النَّصَّ، وسقوط الاجتهاد والتقليد معه، ثم ذكر أكثر من سبعين مسألة خولف فيها المحكم، واتبع المتشابه".
وفي أول (لوحة أ/ من ورقة 108) كلام فيه بيان لمباحث الكتاب، وهذا المزبور ما فيه:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ذكر ابن القيم رحمه اللَّه في هذا الكتاب، أنواعاً من الأصول والمهمات:
النوع الأول: مرتبة الدعوة إلى اللَّه والتبليغ عن رسوله وأنواعها.
النوع الثاني: ذكر أهل هذه المرتبة، فبدأ برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وختم بأحمد بن حنبل رحمه اللَّه وذكر أن فتواه تدور على خمسة أصول، وذكر في هذا تحريم القول بلا علم، وتشديد السلف في الفتيا.
النوع الثالث: ذكر الكلام في الرأي المذموم والممدوح، والأدلة والآثار، وأطال في ذلك، وشرح في هذا النوع كتاب عمر -رضي اللَّه عنه- لأبي موسى، فذكر في شرحه:
النوع الرابع: وهو القياس الصحيح، وأدلته، والقياس الفاسد، وأدلة بطلانه، وأطال القول في ذلك، ثم ذكر في شرح الحديث:
النوع الخامس: وهو الاكتفاء بالنص، وذكر مسائل اختلف السلف فيها، وقد بيّنه القرآن، ثم ذكر:
النوع السادس: وهي المسائل التي زعم بعض الناس أنها خلاف القياس، ثم لما فرغ من شرح الحديث، ذكر بعده:
النوع السابع: وهو تحريم الإفتاء بغير علم، وذكر الإجماع على ذلك، ثم ذكر:
النوع الثامن: وهو الفرق بين ما يجوز من التقليد وما لا يجوز. ثم ذكر:
النوع التاسع: وهو مناظرة بين مقلد وصاحب حجة (1)، ثم ذكر:
النوع العاشر: وهو تحريم الإفتاء بما يخالف النّص، وسقوط الاجتهاد والتقليد معه، ثم ذكر في هذا أكثر من سبعين مسألة، خولف فيها المحكم، واتبع
__________
(1) أفرد بعض معاصرينا هذا النوع برسالة، استلَّها -برمتها- من كلام ابن القيم رحمه اللَّه.
(1/251)

فيها المتشابه، ورد في أثنائها على من رد بعض السنة، لزعمه أنها زائدة على القرآن بإحدى وخمسين وجهًا، ثم ذكر:
النوع الحادي عشر: وهي مسائل يختلف الجواب فيها باختلاف الأحوال والأزمان والأمكنة، وفيها: مسائل (الأيمان والنذور) والأقارير، ومن جملتها: مسألة (الثلاث (1) المجموعة) ومسألة (الحلف بالطلاق) و (العتاق) و (الحرام) وغير ذلك، ثم استطرد إلى ذكر:
النوع الثاني عشر: وهو سد الذرائع، وتحريم الحيل، وأطال جدًّا، ثم ذكر:
النوع الثالث عشر: وهو وجوب الاقتداء بأقوال الصحابة، وأطال جدًّا، ثم ذكر:
النوع الرابع عشر: وهو فوائد كثيرة، يحتاج إليها المفتي والمستفتي، وفضَّلها فائدة فائدة.
ثم ختم الكتاب بذكر فتاويه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وفي كل نوع من هذه الأنواع الخمسة عشر من نفائس المسائل، وأوضح الدلائل، ما يجل عند أهله، وإن جهله من ليس منهم، والحمد للَّه رب العالمين".
من كلام الشيخ محمد (2) غفر اللَّه له ورحمه".
وتحته ما نصه:
"ذكر أنّ من أسباب النصر والرزق: التوكل والإخلاص، ودعاء المؤمنين، وكون يعرف لطلب الرزق أسباب فهذا من أعظم الأسباب".
وفي (ورقة 108/ ب) بخط مغاير نقل من "الداء والدواء" لابن القيم، وهذا صورة المزبور: "من "الداء والدواء" (3) لابن القيم: وفي "سنن ابن ماجه" (4) من حديث عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنهما-، قال: كنتُ عاشر عشرةِ رهط من المهاجرين عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأقبل علينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-بوجهه، فقال: "يا معشر المهاجرين! خمسُ خصال. . . " وذكر الحديث بتمامه، وبعده: "وذكر (5):
__________
(1) أي: الطلاق.
(2) يريد الأمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه اللَّه تعالى.
(3) (ص 70 - 71/ ط دار ابن الجوزي).
(4) (برقم 4019) بسند فيه ضعف، والحديث صحيح، خرجته بتفصيل في تعليقي على "الموافقات" (1/ 369 - 370)، وانظر: "السلسلة الصحيحة" (106 - 107).
(5) أي ابن القيم في "الداء والداء" (71 - 72 - ط دار ابن الجوزي).
(1/252)

ابن أبي الدنيا (1) عن إبراهيم الصنعاني قال: أوحى اللَّه إلي يُوشَعَ بن نون: إني مُهْلِكٌ من قومك أربعين ألفًا من خيارهم، وستين ألفًا من شرارهم، قال: يا رب! هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يُواكلُونَهم ويُشارِبُونَهم".
يعني: لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر".
الجزء الثاني من هذه النسخة:
على طرة هذا الجزء ما نصه: "الجزء الثاني من "معالم الموقعين عن رب العالمين" تصنيف الشيخ الإمام أبي عبد اللَّه إمام الجوزية، قدس اللَّه روحه، ونوّر ضريحه، آمين يارب، يارب العالمين".
ثم على يساره:
"العلم قال اللَّه قال رسوله ... قال الصحابةُ ليس خُلْفٌ فيه"
وتحته:
"وعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: جلستُ مع. . . على الكرسي في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته، قلت: إنّ صاحبَيْكَ لم يفعلا، قال: هما المرآن أقتدي بهما. وفي لفظ: لقد هممتُ أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتُه بين المسلمين، فقلت: ما أنت بفاعل، قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك، قال: هما المرآن يُقتدى بهما، أخرجاه (2). . . ".
ثم هناك فوائد موجودة في الكتاب، كقول مالك بن دينار، وقول عمر بن عبد العزيز، وعليه أيضًا: "إن الفقيه هو الفقيه بفعله، وكذا الغني هو الغني بقلبه، وكذا الرئيس هو الرئيس بخلقه" و"ليس الفقيه بنطقه ومقاله، ليس الغني بملكه وبماله، ليس الرئيس بقومه ورجاله" وعليه: "قال الشافعي: رتبة العلم: الورع والعلم" ثم عليه شعر له غير واضح.
وقبل ما على طرته نقل طويل جدًّا عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا صورته:
__________
(1) في كتابه "الأمر بالمعروف" (رقم 71) ونقل نحوه البيهقي في "الشعب" (9428).
(2) كذا بياض هنا.
(1/253)

"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، منقول من جواب للشيخ تقي الدين: الأعمال الظاهرة لا تكون مقبولة إلا بتوسط عمل القلب، فالقلب ملك، والأعضاء جنوده، فإذا خبث الملك خبث جنوده، ولهذا قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-:. . . " إلخ ما فيه.
وأول المخطوط: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، رب يسّر وأعن برحمتك يا كريم، وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية تغمّده اللَّه تعالى برحمته: ذكر حرمة الإفتاء في دين اللَّه بغير علم، وذكر الإجماع على ذلك. . . ".
وآخره: أبيات شعر ليحيى بن معاذ، كان ينشدها في مجالسه.
وعلى الهامش ما نصه: "ومن فعل الكبائر، وأصرّ عليها، ولم يتب منها، فإن اللَّه يبغض منه ذلك، كما يحب منه ما يقوله من الخير، إذ حبه للعبد بحسب إيمانه وتقواه، من كلام ابن تيمية".
ويقع هذا الجزء في (229 ورقة) في كل ورقة لوحتان، في كل لوحة (24 - 29) سطرًا.
ومما ينبغى ذكره بخصوص هذه النسخة:
أولًا: إنها نسخة مقابلة، ففي هوامشها إلحاقات وتصويبات.
ثانيًا: لم يذكر اسم ناسخها، إذ هي ناقصة من الآخر، ولكنه يبدو من أهل العلم، إذ أثبت هوامش وعناوين وتنبيهات تنبئ عن ذلك.
ثالثًا: كان الناسخ يختصر ويحذف أحيانًا، وكان يشير إلى ذلك، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 88، 92، 94، 95، 114، 134،. . .).

* النسخة الرابعة: ورمزت لها ب (ق)، وهي من محفوظات المعهد العلمي بحائل (1)، وهي نسخة متأخرة، على هوامشها تصحيحات وإلحاقات، أولها أبيات من نونية ابن القيم، والمثبت في أول الكتاب ما نصه: "وقف للَّه تعالى، لا يباع ولا يورث.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، عونك يا رب! ".
وعلى طرته: "كتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين، تأليف الشيخ شمس الدين
__________
(1) أشكر الأخ الوفي مدير المعهد العلمي بحائل الشيخ سعيد بن هليل العمر -حفظه اللَّه- على إرساله هذه النسخة، فجزاه اللَّه خيرًا وبارك فيه.
(1/254)

العالم العلامة محمد بن أبي بكر، المعروف ب (ابن قيم الجوزية) رحمة اللَّه عليه".
وتحت هذا العنوان على جهة اليسار:
"قال عمر بن ذر: صعد عمر بن عبد العزيز يومًا المنبر، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: إنما يريد الطبيب للوجع الشديد، ألا فلا وجع أشد من الجهل، ولا داء أشد من الذنوب، ولا خوف أخوف من الموت، ثم نزل".
وهذه النسخة ناقصة من آخرها، فلا يوجد فيها ما يتعلَّق بفتاوى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي تنتهي بالفائدة السبعين (1) من الفوائد المتعلقة بالفتوى، ثم فيها: "ويتلوه فصل. . . ".
وعلى الهامش: "بلغ مطالعة".
وفي جهة اليمين تحته: "ذكر أنه عزل أمير في زمن ابن جرير، وولّى من هو أصلح منه، وكذلك القاضي، وذكر لابن جرير فقال: أظنّ هذا لا يتمّ، لأن الأمر ينقص، ولا تمّ، بل عزل القاضي، وقتل الأمير".
وتحته:
"ومما قيل في شمس الدين ابن القيم رحمه اللَّه:
ولا غرو إنْ نقد المذاهب ناقد ... خبير بَزَيْف القول منها وجيّدِه
وميزانه القرآن والسنة التي ... أبانت لنا الدين الحنيفي في يده
وكيف لا؟! وهو العليم بمعضل ... الحديث وبالموقوف منه ومسنده"
وتقع هذه النسخة في (765) ورقة في كل ورقة (30) سطرًا، ولم يذكر عليها اسم الناسخ ولا تأريخ النسخ، وهي مشوّشة الترتيب، وفيها سقط قليل، انظر -مثلًا-: (2/ 39 و 4/ 443).
وفي هوامشها فوائد علمية قوية، وتفسير غريب، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 202، 380، 401 و 2/ 89، 102، 103، 106، 226، 265، 352، 407، 408، 424، 465، 490، 503، 243 و 3/ 158، 192، 225، 345، 409، 422 و 4/ 103، 209، 335، 438 و 5/ 17، 84، 85، 96، 150، 178) بل فيها ما يدلل على أن لناسخها معرفة قوية بآراء ابن القيم، انظر -مثلًا-: (4/ 279 و 5/ 178).
__________
(1) تقابل ما في (5/ 208) من نشرتنا هذه.
(1/255)

هذه هي النسخ الخطية (1) التي اعتمدنا عليها في تحقيق هذا الكتاب.
__________
(1) وهنالك نسخ خطية كثيرة للكتاب، لم أظفر بها، وهذا ما وقفتُ عليه منها:
1 - نسخة من المجلد الثاني في الجمعية الأسيوية/ كلكتا، بخط محمد بن محمد الواسطي المقدسي الشافعي (774 ه - 1372 م) في (218) ورقة، برقم [45 ana LLL 165] وفيها نسخة أخرى في (129) ورقة، برقم (164) منسوخة في القرن الثالث عشر الهجري، وفيها المجلد الثالث في (247 ورقة) برقم (165) كذا في "فهرس المخطوطات العربية والفارسية في مكتبة مدرسة كلكتا" (1/ 290) لكمال الدين أحمد. م. عبد المقتدر، منشور سنة 1905 م، وفيه: "إعلام الموقعين في -كذا! - رب العالمين"!
2 - نسخة من المجلد الثاني أيضًا في المكتبة الأزهرية/ القاهرة، كتبت سنة 950 ه في (263) ورقة تحت رقم [(563) 8719] ومن المجلد نفسه نسخة في المكتبة نفسها، تحت رقم [(564) 23112]، في (243) ورقة، منسوخة سنة 1238 ه - 1822 م بخط علي التميمي، كذا في "فهرس الكتب الموجودة في المكتبة الأزهرية" (3/ 7). 3 - نسخة محفوظة في مكتبة طوبقبو سراي/ إستانبول في (357 ورقة) تحت رقم [1120 - A (4662)]، منسوخة في القرن العاشر الهجري، كما في "فهرس المخطوطات العربية في طوبقبو سراي" (34/ 2/ 743).
4 - نسخة محفوظة في مكتبة الدولة/ برلين، في (20 ورقة)، تحت رقم [217، lbg (4819)] منسوخة نحو سنة 1100 ه، وفيها أيضًا تحت رقم [752، lbg (4820)] أوراق ضمن مجموع (ق 88 - 98)، كذا في "فهرس المكتبة" (4/ 261).
5 - نسخة في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد في مجلدين، بخط عباس العذاري الحلبي، منسوخة سنة 1304 ه، في (240 ورقة) و (263 ورقة) رقمهما (6854، 6855)، وفيها نسخة مخرومة الآخر، عليها تملك سنة 955 ه، برقم (2805) (320) ورقة.
6 - نسخة محفوظة في المكتبة الأحمدية بتونس، تحت رقم (3313)، كذا في "دفتر الخزانة الأحمدية بجامع الزيتونة" (109).
7 - نسخة في المكتة السعودية بدار الإفتاء بالرياض، وهي عبارة عن الجزء الثاني منه.
8 - ومن المجلد الثاني نسخة بخط محمد بن علي بن الملّا أحمد في المكتبة القادرية ببغداد، في (172) ورقة، تحت رقم (521) وفيها أيضًا المجلد الأول في (268 ورقة) تحت رقم (520)، كذا في "الآثار الخطية في المكتة القادرية" (2/ 346 - 347).
9 - ومن المجلد الأول نسخة في دار الكتب المصرية بالقاهرة، تحت رقم (19)، كذا في "فهرس دار الكتب المصرية" (1/ 378)، وفي الخزانة الخديوية بدار الكتب قطعة من الكتاب، كما في "فهرسها" (2/ 237).
10 - ومن المجلد الأول نسخة في المكتبة الملكية بإستانبول، تحت رقم (1/ 821) وكذلك من المجلد الثاني تحت رقم (2/ 821)، كذا في "دفتر علي أميري أفندي" (37). =
(1/256)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= 11 - وفي المكتبة المحمودية بالمدينة النبوية نسختان، كل منهما في ثلاث مجلدات، الأولى بالأرقام (1452 - 1454)، والأخرى بالأرقام (1467، 1397، 1398) وعنهما صورة بمركز إحياء التراث بجامعة أم القرى بمكة، أرقامها (188 - 191) و (149 - 150).
12 - ووقفت بعد تنضيد الكتاب على نسخة بخط الآلوسي، صورتها من العراق، سأعمل -إن شاء اللَّه تعالى- على مقابلتها على الكتاب في الطبعة القادمة، واللَّه الهادي والموفق.
(1/257)

صورة عن الورقة الأولي من الجزء الأول من نسخة (ك).
(1/259)

صورة عن الورقة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة (ك).
(1/260)

صورة عن الورقة الأولي من الجزء الثاني من نسخة (ك).
(1/261)

صورة عن الورقة قبل الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة (ك).
(1/262)

صورة عن الورقة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة (ك).
(1/263)

صورة عن الورقة الأولي من الجزء الثاني من نسخة (ك).
(1/264)

صورة عن الورقة الأخيرة من الجزء الثالث من النسخة (ك).
(1/265)

صورة عن طرة الغلاف من نسخة (ت).
(1/266)

صورة عن الورقة الأولي من النسخة (ت).
(1/267)

صورة عن الورقة الأخيرة من النسخة (ت).
(1/268)

صورة عن الورقة الأولى من الجزء الأول من نسخة (ن).
(1/269)

صورة عن الورقة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة (ن).
(1/270)

صورة عن طرة غلاف الجزء الثاني من نسخة (ن).
(1/271)

صورة عن الورقة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة (ن).
(1/272)

صورة عن طرة الغلاف من نسخة (ق).
(1/273)

صورة عن الورقه الأولي من نسخة (ق).
(1/274)

صورة عن الورقة الأخيرة من نسخة (ق).
(1/275)

أشهر طبعات الكتاب وتقويمها:
أما المطبوعات، فقد حرصت على النظر في جميعها، واعتنيت عناية خاصة بالآتي منها:
الأولى: طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد ورمزتُ لها ب (د)، وهي في أربعة مجلدات، وعليها تعليقات من رأس القلم، جلها في بيان الغريب، ولذا أَثْبَتَ على طرتها: "حققه، وفصّله، وضبط غرائبه، وعلق حواشيه: محمد محيي الدين عبد الحميد، عفا اللَّه تعالى عنه".
وأول ما ظهرت هذه الطبعة سنة 1374 ه بمطبعة السعادة بمصر، ولم يذكر النسخ التي اعتمد عليها، والراجح أنه اعتمد على نشرة ظهرت سنة 1325 ه - 1907 م في ثلاثة أجزاء (1)، عن مطبعة فرج اللَّه الكردي (2)، إذ التطابق كبير بين
__________
(1) الكتاب في أصله ثلاثة مجلدات، كما ذكر ابن رجب والداودي، وقد تقدم ذلك.
(2) حصلتها بالتصوير من دار الكتب المصرية، وهي فيها برقم (28406/ ب) وعلى طرتها: "كتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين، من تأليف الإمام الكبير، والحافظ الشهير سيف اللَّه على أعناق المبتدعين، وسهمه الصائب لأفئدة المارقين، شمس الدين اْبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر، المعروف ب (ابن قيم الجوزية) المتوفى سنة (751) هجرية" وتحته:
"طبع بمعرفة صاحب الهّمة العلية، والسيرة المرضية حضرة الفاضل الشيخ (!!) فرج اللَّه زكي الكردي الأزهري، بمطبعته الجديدة، ذات الأدوات الباهرة العديدة، التي مركزها مصر القاهرة، بجوار المشهد الحسيني صاحب النفحات الطاهرة (!!)، وفقه اللَّه لكل عمل مبرور، وسعي مشكور، وجعل تجارته لن تبور، على ممر الأيام والدهور، آمين".
قلت: هذه الطبعة خالية من العناوين الفرعية، ومن الهوامش بالكلية، إلا النزر القليل جدًّا، المكتوب على جانبيها لا في أسفلها.
واسم مطبعة فرج هذا الذي نشرت كتابنا (مطبعة كردستان العلمية): أنشأها فرج اللَّه زكي الكردي، بدرب المسمط، بحي الجمالية، بالقرب من بيت القاضي، نحو سنة 1326 ه - 1908 م، بدأ نشاطه في النشر قبل ذلك، فقد أنفق بالاشتراك على طبع "شروح التلخيص" في البلاغة بمطبعة بولاق سنة 1317 ه وبقي مستمرًا في هذا النشاط، فنشر كتابنا هذا سنة 1325 ه - 1907 م، إلى أن أسس مطبعته، بعد طبع كتابنا هذا بسنة واحدة.
فرج اللَّه زكي الكردي هذا كان يصف نفسه في أوائل بعض مطبوعاته بهذه الصفات: "وكيل الشركة الخيرية لنشر الكتب العالمية الإسلامية، من طلبة العلم بالأزهر الشريف"، وهو أحد أركان البهائية بمصر. ولد في بلاد الأكراد، جهة جبال العراق الشمالية، ونشأ بها، ثم هاجر إلى مصر، وأقام بالقاهرة، والتحق بالأزهر الشريف، لكنه طرد منه بعد سنوات، بسبب اعتناقه مذهب البهائية. ومن الكتب التي ألفها وطبعها لترويج مذهبه: =
(1/276)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= كتاب سماه "بشرى العالم بترك المحاربات واتفاق الأمم"، يتضمن البشارات الإلهية والبراهين العقلية بقرب حصول السلام بين الأنام. طبع هذا الكتاب سنة 1329 ه - 1911 م.
ويقول يوسف إليان سركيس، تعليقًا على مضمون ذلك الكتاب: "لم يمض زمن طويل من ظهور هذا الكتاب حتى شبت الحرب الكونية (العالمية) فأخطأ المؤلف مرماه، ولا يعرف الغيب إلا المولى -سبحانه وتعالي-، وكان المؤلف زعم أن انتشار البابية (وهي أصل البهائية) في الكون سيؤول إلى اتفاق الأمم".
ومهما يكن من أمر، فقد اشتغل هذا الرجل -فرج اللَّه زكي الكردي- بتجارة الكتب، ونشر المخطوطات العربية، وكانت له مكتبة بالصنادقية بالأزهر، وأخرى بحوش عطا بالجمالية، لبيع الكتب والاتجار بها. وقد توفي سنة 1359 ه - 1940 م تقريبًا.
وقد نشر بمطبعته هذه طائفة من كتب التراث، على منهج علمي مقارب، منها كتاب "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة 1326 ه - 1908 م، بتصحيح علامة العراق محمود شكري الآلوسي، صاحب "بلوغ الأرب في أحوال العرب"، و"الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر".
ومن مطبوعات كردستان أيضًا "الدرر اللوامع على همع الهوامع" للسيوطي، تأليف أحمد بن الأمين الشنقيطي، على نفقة أحمد ناجي الجمالي، ومحمد أمين الخانجي، سنة 1328 ه - 1910 م، و"فتاوى ابن تيمية" 1329 ه - 1911 م، أفاده الأستاذ العلامة محمود الطناحي في مقالته "أوائل المطبوعات العربية بمصر" المنشورة ضمن كتاب "ندوة تاريخ الطباعة العربية" (ص 400 - 401).
ومن الجدير بالذكر هنا: إن كتابنا "الإعلام" قد طبع -قبل- سنة 1313 ه - 1895 م، في دلهي بالهند في جزئين، وطبع -بعد- في القاهرة، عن محمد أدهم سنة 1929 م في جزئين أيضًا، وكان قد ظهر أيضًا سنة 1913 في باريس بتحقيق وترجمة فرنسية بقلم محمود فتحي، أفاده محمد ماهر حمادة في كتابه "رحلة الكتاب العربي إلى ديار الغرب" (2/ 126).
وقام الشيخ فخر التُّجار مقبل بن عبد الرحمن الذكير (ت 1341 ه) (أصله من عنيزة - القصيم، وبيوته التجارية في البحرين، ومحل إقامته في جُدّة والبصرة) بطبع هذا الكتاب أيضًا، انظر "علماء نجد خلال ثمانية قرون" (6/ 428).
- ومن أواخر طبعاته: طبعة دار الكتاب العربي بتحقيق محمد المعتصم باللَّه البغدادي، في سنة 1416 ه - 1996 م، وهي في أربعة مجلدات، وعمل محققه -وأثبت قبل اسمه: ضبط وتعليق وتخريج- على التعليق على الغريب وعزو بعض الأحاديث إلى مصادرها دون مراعاة قواعد التخريج. ففاته العزو إلى "الصحيحين" أو أحدهما، ونزل إلى الأدون منهما، وترك تخريج أحاديث كثيرة، كما تراه في طبعته -مثلًا-: (1/ 236 - 237)، والمخرج منه -جله- عزو دون حكم عليه. =
(1/277)

هاتين النشرتين من حيث المضمون. وفي بعض المواطن يقارن بقوله: "فى نسخة" وظفرتُ بأشياء صرح فيها بتخطتئها وهو المخطئ، انظر (5/ 12).
الثانية: طبعة عبد الرحمن عبد الوهاب الوكيل ورمزت لها ب (و)، وهي في أربعة مجلدات، وعليها تعليقات يسيرة، تتشابه في كثير من الأحيان مع تعليقات الطبعة السابقة، إلا أن هذه الطبعة امتازت بميزات -كما هو مثبت في أولها (ص ج) - وهي:
- "تصويب الآيات القرآنية، وترقيمها، مع ذكر السورة.
- ضبط الأعلام والكلمات اللغوية.
- تخريج العشرات من الأحاديث المهمة (1).
- شرح ما غمض من الكلمات والمصطلحات، ومراجعته على المصادر الأصلية.
- وضع عناوين كثيرة في صلب الكتاب تسهيلًا للقارئ.
- إصلاح بعض أغلاط المحققين السابقين.
- وضع ما سقط من النسخة الأصلية للكتاب، وهو منقول عن أستاذه ابن تيمية.
- مراجعة نقول ابن القيم على مصادره التي نقل عنها، وأهمها: "فتاوى ابن تيمية".
- تصحيح الكتاب تصحيحًا فنيًا دقيقًا".
قال أبو عبيدة: لم يعتمد الوكيل رحمه اللَّه على أصول خطيّة، وإنما اعتمد على
__________
= - وله تعليقات أصولية صلتها بالذي عند المصنف ضعيفة، ويظهر منها تعقب في غير محله؛ انظر -على سبيل المثال-: زعمه أن ابن القيم يرفض قسم المكروه من أقسام الحكم الشرعي في (1/ 52)! وهذا ليس بصحيح، وكذا تعقبه عند تقرير أن مذهب أبي حنيفة تقديم الحديث الضعيف على القياس والرأي في (1/ 82)، وله تعقبات على ابن القيم ليست في محلها، انظر من طبعته: (3/ 35، 157، 196، 215، 283 و 4/ 41، 57، 142، 344).
- ومن الطبعات التي لم أظفر بها، طبعة مكتبة النهضة المصرية، سنة 1970 م، بتحقيق عبد الكريم إبراهيم الغرباوي، وإشراف محمد أبو الفضل إبراهيم.
وانظر: "ذخائر التراث العربي" (1/ 220)، و"معجم المطبوعات العربية والمعربة" (1/ 223).
(1) لي كلمة حول هذا في (تقويم الطبعات السابقة).
(1/278)

الطبعة السابقة، وظهر له فيها نقص فأتمَّه، وقد أفصح عن ذلك تحت قوله: (عملي في الكتاب) (1)، وهذا نص كلامه بتمامه:
"أرى أن أهم عمل لي هو تصويب ما وقعت فيه جميع الطبعات السابقة من أخطاء قاتلة في الآيات القرآنية، وليست هي أخطاء مطبعية، وإنما هي أخطاء من الناسخ، ولم يتوجه فكر واحد من الذين أشرفوا على الطبعات السابقة إلى تصويب هذه الأخطاء -مثال ذلك ما ورد في (ص 236 ج 4) (ويوم القيامة يناديهم) صوابها {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ}، وما في (ص 252 ج 4) (وأما الذين في قلوبهم زيغ) صوابها {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} ص 370 (أقم الصلاة) صوابها: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ}، ولا أستوعب، وإنما أضرب المثل.
ثانيًا: ترقيم الآيات القرآنية مع ذكر اسم السورة، فكل الطبعات السابقة خلت من هذا، وبهذا الترقيم نضمن ألا نخطئ في الآيات القرآنية، فينقلها عنا التلاميذ والقارئون بخطئها، فيلعننا اللَّه والملائكة والناس.
ثالثًا: ضبط الأعلام والكلمات اللغوية ضبطًا دقيقًا، ولم تأت الطبعات السابقة بشيء من هذا، سوى الطبعة الأخيرة فقد قامت بضبط بعض الأعلام وبعض الكلمات.
رابعًا: تخريج العشرات من الأحاديث المهمة، ولم تأت طبعة سابقة بشيء من هذا.
خامسًا: شرح ما غمض من الكلمات والمصطلحات -شرحًا دقيقًا- رفضت فيه الاعتماد على الذاكرة أو الحافظة، ورجعت إلى المصادر الأصلية الأصيلة لهذا، ونقلت عنها نقلًا دقيقًا.
سادسًا: جعلت الكتاب مفصلًا ذا عناوين كثيرة في صلب الكتاب، حتى لا تخرج عين القارئ عن سبيلها إلى جهة أخرى.
سابعًا: أصلحت بعض أغلاط المحققين السابقين كما حدث في مسألة بيع الجمع بالدراهم، فقد ظن محقق فاضل جليل أن الجمع هي الجميع، فغيّرها إلى هذا فصارت: بع الجميع في كل مواطنها من الكتاب، والصواب: الجمع، فالجمع: التمر الرديء.
__________
(1) صفحة (س، ع) من المقدمة.
(1/279)

كما خطأ المحقق قول ابن القيم أن البخاري صدّر بحديث "إنما الأعمال بالنيات" كتاب إبطال الحيل. فقال المحقق: إنما صدّر به "صحيحه" فقط. والحق أن البخاري صدّر بهذا الحديث "صحيحه"، وصدّر به أيضًا كتاب (إبطال الحيل).
كما كتب المحقق الفاضل عن مسألة التورق أنه لم يظهر له وجهه، وقد رجعت إلى ابن تيمية الذي وجدت المؤلف ينقل عنه، فنقلت عنه ما كتب عن التورق، وهي مسألة ربوية محرمة.
ثامنًا: وضعت ما سقط من النسخة الأصلية للكتاب، وما ظهر مكانه خاليًا من الطبعات السابقة، ولم أضع الساقط من عندي، وإنما -كما ذكرت مرارًا- وجدت ابن القيم ينقل عن أستاذه الإمام ابن تيمية بالنص، فنقلت عنه ما سقط من الناسخ، وما أشارت إليه الطبعات السابقة أنه ساقط، وأشرت إلى ذلك في الهامش.
تاسعًا: راجعت أكثر نقول ابن القيم في "الأعلام" على مصادره التي عنها نقل، ومصدره الكبير "فتاوى الإمام ابن تيمية"، فهو ينقل عنها نقلًا صريحًا باللفظ والمعنى، فاستقامت نصوص "الأعلام" بهذه المراجعة، وقد أشرت إلى ذلك في هوامش الكتاب" انتهى.
وقد قام بهذا التحقيق وهو في إجازة علمية من قسم الدراسات الإسلامية العليا، بمكة المكرمة، في الفترة ما بين ربيع الآخر وجمادى الآخرة سنة (1389 ه)، أو بين يوليو وأول سبتمبر سنة 1969 م (1).
وأثبت على طرتها ما نصه: "إعلام الموقعين عن رب العالمين، للإمام الجليل ابن قيم الجوزية المتوفى سنة (751 ه)، تحقيق وضبط عبد الرحمن الوكيل، أستاذ العقيدة بقسم الدراسات الإسلامية العليا، بكلية الشريعة، مكة المكرمة" ونشرتها دار الكتب الحديثة، في القاهرة، وقدم لها اثنان من علماء ذلك العصر:
الأول: الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف رحمه اللَّه تعالى، كتب له في 10 رمضان سنة 1389 ه - 20 نوفمبر سنة 1969 م، ما نصه:
"نحمد اللَّه تعالى على كثير نعمه، ونصلي على سيدنا محمد شمس الهداية ونبراس المعرفة.
__________
(1) صرح بذلك في صفحة (ف) من مقدمته للكتاب.
(1/280)

وبعد: فقد نظرتُ في الطبعة الجديدة لكتاب "إعلام الموقعين" لابن قيم الجوزية، التي نشرتها "دار الكتب الحديثة" فوجدتها طبعة تامة كاملة، بها استدراك ما نقص من النصوص في سائر الطبعات قديمها وحديثها، ولقيت بها عناية بتحرير النصوص من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وبها ضبط كثير من غريب الألقاب والمواضع والغريب من اللغة، ولذا كانت هذه الطبعة أنفع الطبعات وأسلم النسخ من التحريف، وأكملها نصًا وضبطًا. نفع اللَّه بها دارسها، ووفق طالبها للعمل بها، والحمد للَّه" (1).
الثاني: الشيخ العلامة الفقيه السيد سابق -رحمه اللَّه تعالى-، فله كلمة مثبتة في أول هذه الطبعة جلها عن ابن القيم، ولم يتعرض لهذه الطبعة ولمحققها بذكر أو تنويه، وقبل كلمته ما نصه: "مقدمة بقلم الأستاذ الشيخ السيد سابق" وهذا نص كلمته على طولها (2):
الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ابن القيم
هو محمد بن أبي بكر بن سعد بن حريز الزرعي ثم الدمشقي، الملقب بشمس الدين، والمكنى بأبي عبد اللَّه، والمعروف بابن قيم الجوزية، والجوزية مدرسة كان أبوه قيِّمًا عليها.
وقد ولد ابن القيم في 7 من صفر سنة 691 ه، ونشأ في بيت علم وفضل، وتلقى علومه الأولى عن أبيه، وأخذ العلم عن كثير من العلماء الأعلام في عصره، وله في كل فن إنتاج قيم.
وإلى جانب علمه كان يذكر اللَّه ذكرًا كثيرًا ويقوم الليل، وكان سمح الخُلق، طاهر القلب، وقد أعجب بابن تيمية إذ التقى به سنة 712 ه ولازمه طول حياته، وتتلمذ عليه، وتحمَّل معه أعباء الجهاد، ونصر مذهبه، وحمل لواء الجهاد بعد وفاة شيخه ابن تيمية سنة 728 ه، وظل يخدم العلم إلى أن توفي ليلة الخميس 13 من رجب سنة 751 ه.
__________
(1) صفحة (ه) من المقدمة.
(2) آثرتُ إثباتها، ليستغني الناظر في نشرتنا هذه عن الطبعات السابقة، وانظر ما سيأتي تحت عنوان: (عملنا في هذه النشرة).
(1/281)

وكان رحمه اللَّه بحرًا زاخرًا بألوان العلوم والمعارف، وكان مبرزًا في فقه الكتاب والسنة وأصول الدين واللغة العربية، وعلم الكلام، وعلم السلوك، وعبارات المتصوفين، وغير ذلك، وقد انتفع الناس به وتتلمذ عليه العلماء، ولا تزال مؤلفاته حتى اليوم مصادر إشعاع ومنارات توجيه.
وعالم هذا شأنه لا بد أن يكون موضع إعجاب المنصفين، ومثار حقد الأعداء والحاسدين، فلقد كان مستقل الشخصية، لا يصدر رأيه في المسائل إلا بعد الوقوف على ما قالته الطوائف المختلفة، والنظر بعين فاحصة، ورأي ثاقب ينفي به الباطل، ويؤيد به الحق الذي يراه، جديرًا بأن تسلط عليه الأضواء، ومن هنا قام مذهب ابن القيم على الانتخاب، بمعنى أنه لا يتبع مذهبًا معينًا، وإنما ينشد الحق أينما وجد، ويحارب الباطل أينما وجد، دون أن يتأثر بارتباطات نفسية أو اتجاهات من أي نوع كان، إلا الارتباط بالحق، وبالحق وحده.
وذلك الاتجاه يتمشى مع إصراره على محاربة التقليد الأعمى، والحرص على دعم اتجاهاته وآرائه بالكتاب والسنة، ومحاربة التأويل المستجيب للأهواء. ومن هنا التقى مع السلف في ترك التأويل، وإجراء ظواهر النصوص على مواردها، وتفويض معانيها إلى اللَّه تعالى، وقد كان يستهدف إخراج المسلمين من خلافاتهم، وتضارب آرائهم، وخصوصًا أن هذه الخلافات غريبة على المشتغلين بدين اللَّه، وأن روح الإسلام تأباها ولا تسمح بها، وأن الأوضاع العامة للمجتمع الإسلامي آنذاك كانت غاية في السوء من النواحي السياسية والاجتماعية والعلمية، ومن شأن هذه الخلافات أن تزيد الطين بلة، وأن تشغل المسلمين عن مقاومة عدوهم الذين تكالبوا عليهم في العصور الوسطى، وساعد العدو على تحقيق مآربه تمزق البلاد الإسلامية إلى ممالك صغيرة يحكمها العجم والمماليك، وضياع هيبة الخلافة التي وجدت اسمًا وتلاشت فعلًا، فاستغل التتار والصليبيون هذا الوضع السياسي أسوأ استغلال، وإن كانت الدائرة قد دارت على الأعداء في نهاية المطاف، والحمد للَّه.
ولم تكن الناحية الاجتماعية أقل سوءًا من الناحية السياسية، فقد كان الناس يعيشون في رعب وفزع وخوف من سوء المصير، وخيم الفقر، وابتلى الناس بالجوع والغلاء مع نقص في الأموال والثمرات، وانطلق اللصوص ينهبون ويسلبون، واستعان الأمراء بهؤلاء اللصوص على تحقيق مآربهم، وظهر الفساد في المتاجر وفي كل نواحي الحياة.
(1/282)

وجو كهذا لا يمكِّن من طلب العلم بل إنه يصرف الأذهان عن نور المعرفة، وذلك هو الذي وقع في دنيا الناس حينئذ، ولذلك عاشوا عالة على السابقين، يقلدونهم تقليدًا أعمى، ويجمدون على ترسم خطواتهم، ولذلك خمدت القرائح وعجزت عن الابتكار والاجتهاد والتجديد، ولا ينقض هذا وجود بعض أفراد كان لهم إلى حد ما جهد يذكر فيشكر.
في هذا الجو ظهر ابن القيم ظهور الغيور على أمته، المهتم بحاضرها، الباحث عن خير مصير لها في مستقبلها، الراغب في إنهاضها من كبوتها، وإقالتها من عثرتها، وإخراجها من ظلمات الخلافات، والعودة بها إلى طريق النور الذي سلكه سلفنا الصالح، فوصلوا في نهايته إلى أكرم الغايات في ضوء هذا الدين القويم، وبتوجيهات القرآن الكريم.

من الملامح العلمية لابن القيم
وجود الجنة والنار وخلودهما:
يرى ابن القيم أن الجنة والنار موجودتان الآن (1): الجنة أُعدت للمتقين، والنار أعدت للعصاة والكافرين، وأنهما خالدتان، وأن أهلهما مخلَّدون فيهما، لكنه يرى أن عصاة المؤمنين الذين يعذبون في النار يخرجون بعد أن يلقوا جزاءهم ويدخلون الجنة.
الحسن والقبح:
يرى ابن القيم أن العقل يمكن أن يستقل بإدراك حُسن الحسن وقبح القبيح دون توقف على أمر الشارع ونهيه، ولكن العقاب على القبيح والثواب على الحسن لا يكون إلا بالرسالة التي هي المصدر الوحيد للقول الفصل في أمر الثواب والعقاب (2).
المعاد:
يرى ابن القيم أن رسل اللَّه اتفقوا على أن الروح باقية، وأنها منعَّمة أو معذَّبة في
__________
(1) هذا معتقد أهل السنة بعامة.
(2) بيّنتُ هذه المسألة على وجه فيه تفصيل في تعليقي على "الاعتصام" (1/ 191 - 195)، و"الموافقات" (1/ 537 و 2/ 77 و 3/ 210) كلاهما للشاطبي، وانظر كلام ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" (2/ 2 - 118) و"مدارج السالكين" (1/ 230 - 257، 91، و 3/ 407، 488، 492)، و"شفاء الغليل" (435) وقارنه بما في "مجموع الفتاوى" (8/ 90، 91، 428 - 432 و 3/ 114 - 115 و 11/ 675 - 687 و 15/ 8 و 16/ 235 - 363) و"درء تعارض العقل والنقل" (8/ 492 - 493).
(1/283)

البرزخ، وأن المعاد ممكن وواقع، وأن اللَّه تعالى سيعيد الأجسام كما كانت عليه في الدنيا، ثم تتصل كل روح بجسمها، ويرى أن هذه الإعادة عن تفريق لا عن عدم.
رأي ابن القيم في الصفات الخبرية:
(وهي كل صفة للَّه تعالى يكون الدليل عليها مجرد خبر من الكتاب الكريم، أو من الرسول عليه الصلاة والسلام، من غير استناد إلى دليل عقليّ)، وذلك كإثبات الوجه واليد للَّه تعالى وغير ذلك.
يرى ابن القيم أنه يجب أن يوصف اللَّه تعالى بكل ما وصف به نفسه حقيقة، وما وصفه به رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، بدون تأويل للنصوص، ولا تعطيل لها عن اتصاف اللَّه بها. ويرى أن ذلك من تعظيم حرمات اللَّه إذا نفيت مشابهتها لصفات المخلوقين، ويرى أن هذا الفهم يبعد به عن وصمة التشبيه والتجسيم (1).
العقيدة والتصوف:
دعا ابن القيم إلى عقيدة السلف، وحارب الفرق المختلفة، وصال وجال في مجالات التصوف، جاريًا على مذهبه الانتخابي، فكان حربًا على المنحرفين، منصفًا للمعتدلين، حارب القول بوحدة الوجود، والتفرقة بين الحقيقة والشريعة، وتحكيم الصوفية الذوق، وإعراضهم عن العلم.
منابع علمه الصوفي (2):
الكتاب والسنة، وما أثر من أقوال الصحابة والحكم البالغة، وما سمعه أو شاهده أو نقل إليه عن الصوفيين العارفين.
هذا إلى جانب روحه الصافية المترفعة عن المادة وزخارفها.
أثره في التصوف:
تخليصه من الانحراف، ودعوته المتصوفة إلى الاقتداء برسول اللَّه، وتحديده مبادئ الصوفية، مناصرته للصحو، واهتمامه بالقلب، وغير ذلك.
الأصول التي اعتمد عليها ابن القيم في استنباط أحكامه:
الكتاب والسنة والإجماع، بشرط عدم العلم بالمخالف وفتوى الصحابي -إذا
__________
(1) هذه عقيدة أهل السنة بعامة.
(2) كلمة (الصوفية) لا وجود لها في نصوص الشرع، واستخدم الشرع (التزكية)، فلا يستبدل بها، إذ ضَبْطُ الألفاظ إحكام للبدايات، وحينئذ تسلم (النهايات)، و (الاصطلاحات) التي طرأ عليها فساد ينبغي أن لا يتوسع فيها، واللَّه الموفق.
(1/284)

لم يخالفه أحد من الصحابة، فإن اختلفوا وقف موقف المختار، ثم فتاوى التابعين ثم فتاوى تابعيهم وهكذا- والقياس، والاستصحاب، والمصلحة، وسد الذرائع، والعرف.
طريقته في البحث:
كان يعتمد أولًا على النصوص، يستنبط منها الأحكام، ويكثر من الأدلة على المسألة الواحدة، ويعرض آراء السابقين، ويختار منها ما يؤيده الدليل، وقد يبين وجهة كل فقيه فيما ذهب إليه، ويعرض أدلة المخالفين ويفندها، ويستعين بالأحاديث على بيان معنى الآية، وهو في كل هذا لا يتعصب لمذهب معين، بل يجتهد، ويدعو إلى الاجتهاد، ويعمل فكره، ولا يدخر في ذلك وسعًا؛ وينشد الحق أينما كان.
أغراضه:
كان ابن القيم يرجو من وراء ذلك كله أن يقضي على اختلاف المسلمين الذي قادهم إلى الضعف والتفكك، وأن يجمعهم على الاقتداء بالسلف في أمر العقائد، لأنه رأى أن مذهب السلف أسلم مذهب؛ وكان يرجو أن يقود المسلمين إلى التحرر الفكري، ونبذ التقليد؛ وإبطال حيل المتلاعبين بالدين، وأن يكون الفهم المشرق الكامل لروح الشريعة الإسلامية السمحة، هو النبراس وهو الموجه الحقيقي في كل المواقف.
وبعد: فتلك لمحة خاطفة عن هذا العالم الجليل؛ والمصلح الكبير، نقدمها في إجمال نجد تفاصيله مع تفاصيل الجوانب الأخرى لابن القيم في هذا الكتاب.
نسأل اللَّه أن ينفع به؛ وأن يجزي مؤلفه خير الجزاء، وأن يعز دينه، ويرشد عباده بأمثال ابن القيم من العلماء الأجلاء، والفقهاء الذين أراد اللَّه بهم خيرًا، وأرادوا لأمتهم النفع والإرشاد، وما توفيقنا إلا باللَّه، عليه توكلنا وإليه أنبنا، وإليه المصير" (1) انتهى.
وبعد ذلك مقدمة المحقق، وهذا نصُّها بتمامها (2):
"الحمد للَّه رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة
__________
(1) صفحة (ز- ل) من المقدمة.
(2) نثبتها هنا -كما سبق- ليستغني الناظر في نشرتنا عن النشرات السابقة، وانظر -لزامًا-: (عملنا في هذه النشرة).
(1/285)

والسلام على من أرسله اللَّه رحمة للعالمين، محمد صلوات اللَّه عليه وعلى آله، الذين اهتدوا بهديه.
وبعد؛ فالإمام الجليل ابن القيم علَم من أعلام علماء الكتاب والسنة ومنار من منارات الحق، في إشراقه هدى ونور ورحمة، فلقد حَيَّ -رضي اللَّه عنه- لربه وكتاب ربه، وسنة خاتم النبيين، حَيَّ حياة الصِّدِّيقين والشُّهداء، يفتح قلبه للنور، لأنه لا يحب أن يحيا إلا في النور.
عاش يحطم طواغيت الشرك، وأصنام الوثنية، ويدمر تلك الحصون التي شيدتها شهوات الطغاة البغاة من أحلاس الرمم، ورادة الإثم من ردغة المواخير.
عاش، والقرآن بين عينيه، وفي فكره، وفي قلبه، بل عاش والقرآن فلك لا تدور حياته إلا حوله، فأعاد هو وشيخه الجليل الإمام ابن تيمية إلى السنة بهاءها ورونقها، وخلّصاها مما شابها، وبيّنا لأكثر الحقائق الإسلامية مفهوماتها الصادقة الحقة، وجعلا لكل حقيقة ما هو لها دون نقص أو زيادة.
ورفضا بقوة ودراية علمية ممتازة، ونباهة فكرية رائعة ما افتراه المحرفون والمؤولون والمعطلة والمشككة من مفهومات ومصطلحات، ودمغوهم بتجريد الكلمات المقدسة من حقائقها ومعانيها، ثم جاءوا لهذه الكلمات بما يحب اللَّه أن يكون لها.
ولهذا عاشا يناضلان الفلسفة والتّصوّف والكلام، وأدعياء الفقه والأصول من عبدة الرأي والقياس ومحلّلي الإثم باسم الحيل، وأبيا في إصرار المؤمن وكبريائه أن يهطعا للبغي في سطوته الباغية، أو أن يرضيا السلامة يشتريانها بمداهنة الباطل، وممالأة الضلالة، واستحبا السجن على الحرية.
ولم يرو لنا التاريخ بعد عصر الإمامين الجليلين قصة أستاذ وتلميذه تشبه قصة الإمام ابن تيمية وابن القيم، فهما أشبه بالمصباح ونوره، أو بالشمس وضوئها. فرضي اللَّه عنهما وأرضاهما.
ولقد قدر لي أن يعهد إليَّ بتحقيق كتاب "إعلام الموقعين" للإمام الجليل ابن القيم؛ وهو كتاب جليل القدر، عظيم النفع، جم الفائدة، يجمع إلى جمال الحقيقة الشرعية قوة البرهان، ونصاعة الحجة، وإلزام الدليل.
كتاب حث فيه المؤلف على اتباع الآثار النبوية، ثم بيَّن فيه مَن أَهْلُ السنة،
(1/286)

ومَن هم الذين تصدروا للفتيا من الصحابة والتابعين، وبيّن في جلاء ووضوح أن القول على اللَّه بغير علم هو كالشرك باللَّه أو أشنع منه، ثم بيّن مفهوم الكراهة عند الأئمة، وأنه عَيْنُ مفهوم الحرام، ثم بيّن حرمة الإفتاء بالرأي، ثم أقام أكثر الكتاب على شرح الكتاب الذي بعث به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، الذي جعله الأئمة أصلًا في القضاء والأحكام.
وأهم ما بسط الإمام فيه القول: الربا، المحلل، سد الذرائع، الحيل، القول بالرأي والقياس، التأويل، الشروط التي يجب أن تكون في المفتي، ثم سمو هذه المنزلة وهي منزلة الفتيا، كل هذا في بسط وشرح وإفاضة بالحجة الناصعة والبرهان المشرق المبين؛ كما عرض لمسألة الطلاق الثلاث وغيره من أمهات (1) المسائل.
ثم ختم الكتاب بفصول مطوّلة عن فتاوى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم" (2).
قال أبو عبيدة: وذكر بعد ذلك ما قدمناه قريبًا في التعريف بهذه الطبعة، وعنون له (عملي في الكتاب)، ثم ختم مقدمته بقوله بعد ذلك مباشرة:
"واللَّه أسأل أن يكون عملي في الكتاب صالحًا يرضيه، وأن أكون ممن أعانوا على خير يقدمونه للناس، وصلى اللَّه وسلم وبارك على محمد وآل محمد أجمعين" (3).
وللوكيل تعديلات وردود على النشرات التي سبقته، انظر نشرتنا (4/ 75، 163، 169) ففيها تعقبات وتصويبات على ما وقع في طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد، أو طبعة طه عبد الرؤوف سعد.
الثالثة: طبعة طه عبد الرؤوف سعد، ورمزت لها ب (ط) أو المطبوع، وهي في أربعة مجلدات أيضًا، وعليها تعليقات يسيرة جلها في بيان الغريب، كسابقتَيْها، وعمل المحقق على تقسيم الكتاب إلى فقرات، ووضع تبويبات عليه، وقدم له بمقدمة فيها ترجمة لابن القيم، وختمها بذكر أربعين اسمًا من أسماء مؤلفاته، ختمها ب"إعلام الموقعين عن رب العالمين"، وقال عنه: "وهو الكتاب الذي أقدّمه لك، ولن أقول عنه شيئًا، فحسبي منك أن تطالعه، فسوف ترى في
__________
(1) لو قال: أمات، لكان أحسن، ف"الأمهات في الناس، وأمات في البهائم"، حكاه ابن فارس في "المجمل" (1/ 81)، قاله القرطبي في "تفسيره" (1/ 112).
(2) صفحة (م، ن، س) من المقدمة.
(3) صفحة (ف) من المقدمة.
(1/287)

مؤلفه فقيهًا إنْ أردت، أصوليًا إنْ رغبت، أديبًا نحويًا إذا شئت، منطقيًا إذا أحببت، قد بلغ الغاية في عرض الأفكار، وجمال الأسلوب، ودقة مسائله، والاستشهاد لها، حتى لتحسبن أن هذا الكتاب مؤلف في العصر الحديث، بعد أن استقرَّت طُرُق المناهج والبحث، وتوفرت المراجع والأصول" (1). ثم ذكر وفاة ابن القيم، وقال بعدها:
"وبعد؛ فإني أستسمح القارئ الكريم إذا ما وجد في عملي هذا تقصيرًا، فبحر العلم لا قرار له، والساحل بعيد، والجهد قليل. وما أحسن ما قال العماد الأصفهاني (2): إني رأيت أنه لا يكتب إنسانٌ كتابًا في يوم إلا قال في غده: لو غيِّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدّم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النّقص على جملة البشر" (3).
الرابعة: طبعة دار الحديث بالقاهرة، ورمزت لها ب (ح)، وعَنيَتْ بنشر هذه الطبعة وتصحيحها والتعليق عليها إدارة المطبعة المنيرية، بمصر، وهي في أربعة أجزاء في مجلدين، والتعليقات عليها قليلة، وتمتاز بضبط عباراتها، وقلّة أخطائها.
الخامسة: طبعة دار الجيل، وهي في أربعة مجلدات، على طرتها: حققه وعلق عليه وعمل فهارسه (4) عصام فارس الحرستاني، خرج أحاديثه حسان عبد المنان (5).
وتمتاز هذه الطبعة بأنها مقابلة على نسختين خطيتين (6)، وأن فيها تخريجًا
__________
(1) صفحة (ل - المقدمة)، وفيها مقارنات بين الطبعات التي سبقته، انظر -على سبيل المثال-: (5/ 188).
(2) كان الأستاذ أحمد فريد الرفاعي (المتوفى 1376 ه) هو الذي شهر هذه الكلمة، حيث وضعها أول كل جزء من أجزاء "معجم الأدباء" لياقوت الحموي، وتداولها عنه الناس منسوبة إلى العماد الأصبهاني، والصواب نسبتها للقاضي الفاضل رحمه اللَّه بعث بها إلى العماد، كما في "الإعلام بأعلام بيت اللَّه الحرام" للنهروالي (ت 988 ه) وأول "شرح إحياء علوم الدين" (3/ 1) للزَّبيدي.
(3) صفحة (م - المقدمة).
(4) عمل فهرسين: فهرس أطراف الحديث وفهرس الموضوعات.
(5) عدا المجلد الرابع، فالمثبت عليه بدلًا منه: أحمد الكويتي.
(6) إحداهما نسخة المحمودية، والأخرى نسخة خاصة من مكتبة الأستاذ زهير الشاويش، ولا يوجد في المقدمة وصف لهما.
(1/288)

من رأس القلم للأحاديث القولية، دون الفعلية والإشارّية، ودون الآثار الواردة عن السلف، ودون توثيق النصوص.
وأما التخريج الموجود فالنفس فيه ضعيف، وهو ناقص، وعليه مؤاخذات علمية قوية، يأتي الحديث عنها -إن شاء اللَّه تعالى- بالإجمال.

* تقويم الطبعات التي وقفت عليها وعملي في هذه النشرة والدافع لها:
بذل القائمون على الطبعات السابقة جُهدًا في ضبط النص والتعليق عليه، ولكن في تقديري أن الكتاب لم يُخْدم -على كثرة طبعاته- الخدمة اللائقة به، من حيثيات متعددة، هي:
أولًا: العناية بنسخه الخطية، ومقابلة النسخ على المطبوع.
ثانيًا: العناية بتوثيق النقول، وعرضها على مصادرها، ولا سيما المطبوع منها.
ثالثًا: العناية بمقارنة المباحث التي عند المصنف في كتابه مع كتبه الأخرى، وربطها بكتب شيخه أبي العباس ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى.
رابعًا: العناية الجيّدة بتخريج الأحاديث والآثار وبيان درجتها من حيث الصحة والضعف، مع محاولة معرفة مصادر المصنف التي ينقل منها.
خامسًا: الاستفادة من الجهود السابقة التي بذلت في خدمة الكتاب.
سادسًا: العناية بتوثيق المسائل الأصولية والفقهية من مصادرها، ومحاولة الوقوف على الراجح، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 392، 402 و 2/ 197، 211، 301 و 3/ 254، 377، 384، 388 و 4/ 24، 109 - 110 و 5/ 136 - 137).
سابعًا: فهرست الكتاب فهرسة علمية شاملة، تحوي نصوص الوحيين الشريفين: الكتاب والسنة، مع فهرس آثار السلف، مع أعلامه وفرقه وطوائفه وجماعاته، وأشعاره، وأسماء كتبه، وبلدانه وأماكنه، وغريبه، مع بيان فوائده العلمية وأبحاثه المحررة المحققة في سائر أنواع العلوم.
فكانت هذه الأسباب هي الدافع لي على نشرتي هذه، وجهدتُ على سد النقص في الطبعات السابقة، فعملت على تحصيل ما أمكنني من مخطوطات الكتاب، وظفرتُ بأربعة منها (سبق وصفُها)، وقابلتها على متن الكتاب، بطبعاته المختلفة، وأثبتُ الفروق بينها في الهوامش.
(1/289)

وحاولت الوقوف على مصادر المصنف في كتابه، وتبيَّن لي أنه ينقل من كتب كثيرة، بعضها ما زال مخطوطًا، والآخر في عداد المفقود، وينقل من كتب لم يُسَمِّها، وصرح بأسماء مؤلفيها، وينقل من بعضها بالواسطة، ويكثر من النقل عن كتب شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، وجهدتُ في ردّ هذه النقول إلى أصولها، وقابلت نص الكتاب على ما فيها، وأثبتُّ -في الغالب- الفروق المهمة في الهامش، وهذا مما ساعدني على ضبط النص، ولا سيما إن كان حديثًا أو أثرًا سلفيًا، وأثْبتُّ منها -أو صوبت- أشياء مهمة سقطت من جميع النسخ الخطية والمطبوعة التي وقفت عليها، انظر -على سبيل المثال-: (1/ 86، 101، 107، 109، 140، 148، 218، 409، 474 و 2/ 365، 446،449، 462، 465، 528 و 3/ 42، 50، 246، 300، 342، 350، 377، 379، 451 و 4/ 88، 97، 101، 375، 376، 481 و 5/ 58، 63، 77، 134، 157، 393، 394، 398، 402، 418).
واستفدت كثيرًا من "التقريب لفقه ابن القيم" للعلامة الشيخ بكر أبي زيد -عافاه اللَّه وشفاه- في ذكر كتب ابن القيم التي بحثَتْ كل مسألة من مسائل كتابنا هذا، واعتمدتُ على ما في كتابه، وزدتُ ما علق بالخاطر من فوائد فرائد، ومباحث لها صلة بمادة علمية في كتابنا هذا ولها وجود في سائر كتب ابن القيم، وكذا حرصتُ على النظر في كتب ابن تيمية، ووجدت المصنف يكثر من النقل منها، كما سبق بيانه تحت عنوان (مصادر المصنف).
وأما بالنسبة للطبعات السابقة، فقد استفدتُ منها على النحو التالي:
أولًا: حرصتُ على النظر بدقّة فيها (وسبق ذكرها)، وتبيّن لي أنها لا تخلو من أخطاء مطبعية (1)، حتى المقابلة على النسخ الخطية (2) منها، وذكرت أهم الفروق بينها، والأمور المحتملة في الهوامش.
__________
(1) أشنعها وأقبحها ما وقعت في الآيات القرآنية، ووقع هذا في طبعة محمد محيي الدين، وقد نبهنا على هذا في الهوامش.
(2) وهي طبعة دار الجيل السابق وصفها، وأخطاؤها كثيرة، وجلها قبيحة، وهذا طرف منها:
- (1/ 192) في تفسير الحسن للآية {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ} قال: بذنبهم وهذا خطأ! صوابه "بدينهم".
- (1/ 217) من حديث عبد اللَّه بن عمر! صوابه "ابن عمرو".
- (1/ 223) من طريق شبل بن أبي نجيح، صوابه: "شبل عن ابن أبي نجيح".
- (1/ 228) أثبت من المخطوط: "وقال أبن عطية" والصواب إسقاطها! إذ الكلام المذكور =
(1/290)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= بعده تابع لمن قبله، وهو لابن قتيبة، وفيه "الحكم والمعنى" والصواب: "والمعاني".
(1/ 236): "سعيد" صوابها "سعد"، وإن قال في الهامش: "تحرف في المطبوع إلى سعد"! انظر نشرتنا: (1/ 301).
(1/ 254): "متشاحون" صوابها "متشاحنون".
(1/ 279): "مرة الطبيب" صوابه "الطيب".
في (1/ 280): "بعضها مع بعض" صوابه "من بعض".
في (1/ 282): "وقياس الرقبة في الظهر" صوابه "في الظهار"، وسقط منها بعد آية 95 من المائدة سطرًا، وكذا سقط سطر بعد آية 49 من الأحزاب، انظر نشرتنا: (1/ 360).
وفي (1/ 298): "ينتقل إلى [معنى] الخصوص" وفيها: "كما كان [يقول] الذين" وفيها: "مجرد [فهم] وضع" وما بين المعقوفتين سقط منه، وفيه أيضًا: "عند سماعه" صوابه "سماعها".
وفي (1/ 299): "الفهم والتجبر" صوابه "والتدبر".
وفي (1/ 304): "أو فارقني بألف" صوابه "فادني"، وفي أول الفقرة: "ومن ذلك لفظ الفدية".
وفي (1/ 315): "ولا تعرجوا" صوابه "تعوجوا"، وفي (1/ 339): "سليمان التميمي" صوابه "التيمي".
وفي (1/ 344): "يحيى بن سليمان" صوابه "ابن سليم".
وفي (2/ 195): "الفضل بن موسى الشيباني" صوابه "السيناني".
وفي (2/ 261): "عبد اللَّه بن المعتمر" صوابه: "ابن المعتز" وفيه "ثم ساق من حديث جامع" والصواب حذف "حديث".
وفي (2/ 343): "وتأول عمر" وصوابه "وناول عمر".
وفي (2/ 370): "أخبرنا الربيع بن سليمان [سمعت الشافعي يقول]: لنعطينك. . . " وما بين المعقوفتين سقط منه، وفي (2/ 388): "إلا في ضلال كبير" وهذه الآية لا محل لهما هنا، ولا تناسب السياق، والصواب أن يكون بدلها "إنه علي حكيم". وفي (2/ 449) عن يحيى بن أبي كثير: "وهو يماني" وصوابه "يمامي".
وفي (2/ 452): "قال الترمذي: هذا حديث حسن ليس بإسناده حسن بأس" والصواب حذف "حسن".
وفي (2/ 481): "علي بن زيد عن ثابت بن حماد" صوابه "عنه ثابت".
وفي (2/ 489): "حديث عطاء بن أبي ميمونة" وصوابه "روح بن عطاء. . . ".
وفي (2/ 516): "ومالك بن بهز" صوابه "ابن نمير".
وفي (2/ 523): "عن السدي عن أبي هريرة" صوابه "عن أبي هبيرة".
وفي (2/ 530): "وكحديث أبي بكر" صوابه "أبي بكرة".
وفي (3/ 8): "بشر بن أرطاة" صوابه "بسر" بالمهملة، وفي (3/ 9): "فقال لابنة حفصة" صوابه "خصفة". =
(1/291)

ثانيًا: استفدتُ من العناوين الفرعية الموجودة فيها، ووضعتها بين معقوفتين.
ثالثًا: استفدتُ من التعليقات على هذه الطبعات، ونقلتُها في هوامش طبعتنا
__________
= وفي (3/ 36): "وقال إسماعيل بن منصور" صوابه "سعيد بن منصور".
وفي (3/ 42): "محمد بن عبد اللَّه العزرمي" صوابه "ابن عبيد اللَّه العرزمي" بتقديم الراء على الزاي. وفي (3/ 43): "نافع بن عجيرة" صوابه "ابن عجير".
وفي (3/ 46): "ذكره يونس بن بكير عن أبي إسحاق" صوابه "ابن إسحاق".
وفي (3/ 47): "حكاه عنهم أبو المفلس" صوابه "ابن المغلس" بالغين لا الفاء، وفي (3/ 52): "من وضع حزام بن عثمان" صوابه "حرام" بالراء المهملة. وفي (3/ 61): "الجوزجاني في ترجمته" وصوابه "في "مترجمه"" -وهو اسم كتاب- وفي (3/ 62): "عثمان بن صالح هذا المصري نفسه" صوابه: "المصري ثقة".
وفي (3/ 63): "عن عمرو بن نافع" صوابه "عمر" بضم العين. وفي (3/ 76): "محمد بن يحيى [ثنا محمد بن عبد اللَّه] بن عبد اللَّه" وما بين المعقوفتين سقط منه. وفي (3/ 78): "قاله عبد العزيز بن إبراهيم" وبعده بسطرين "الباب الثالث" والصواب "قال عبد العزيز بن إبراهيم" بعد (الباب الثالث) إذ الآتي تحته بطوله من كلامه. وفي (3/ 104): "وقال الحسن. . . وأبو عبيدة" صوابه "أبو عبيد" وهو القاسم بن سلام. وفي (3/ 141): "المتوسل إلى المحرم" صوابه "المتوصل".
وفي (3/ 142): "كالخمر مثلًا فإنه يجوز بيعها لمنفعة الظهر"! وصوابه "كالحمير".
وفي (3/ 145): "حيث ألقاها" صوابه "ألغاها".
وفي (3/ 179): "على أحد جانبيه" صوابه "حاجبيه".
وفي (3/ 208): "إسحاق بن عبد الرحمن الخراساني" صوابه "أبو عبد الرحمن".
وفي (3/ 213): "ولم يؤثر" كذا في الموطنين، وصوابه فيهما "ولم يؤمر".
وفي (3/ 219): "الديداني" صوابه "الدنداني".
وفي (3/ 222): "وقال حبيش بن مبشر" صوابه "ابن سندي" وفيه: "للفضيل بن عياش" صوابه "ابن عياض".
وفي (4/ 85): "أمية بن خلف" صوابه "أبيّ بن خلف".
وفي (4/ 202): "داعيًا [يجفا] " و" [قاله] ابن عمر وزيد" وما بين المعقوفتين سقط منه.
وفي (4/ 347): "عمرو بن عنبسة" صوابه "ابن عبسة".
وفي (4/ 348): "وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- ابن أبي عمارة" صوابه "أبيّ بن عمارة".
هذه أخطاء قليلة، وغيرها كثير كثير، وجل هذه الأخطاء وقعت على الصواب في الطبعات السابقة، فما فائدة النسخ الخطية والمقابلة مع هذه الحالة؟! وأما بالنسبة إلى التعليقات فبعضها منقول من طبعة الوكيل، والآخر منها من طبعة محمد محيي الدين، وبعضها من طبعة طه سعد، ولم تقع الإشارة إلى ذلك. انظر -على سبيل المثال-: (2/ 433 و 3/ 86، 214، 377، 400 و 4/ 212، 347، 349) وأما بالنسبة لتخريج الأحاديث، فلنا حوله -فيما بعد- كلمة، واللَّه الموفق والمسدد والموعد.
(1/292)

هذه، واستوعبت نقل تعليقات الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، ورمزت لها ب (د)، وتعليقات طه عبد الرؤوف ورمزتُ لها ب (ط) وتعليقات عبد الرحمن الوكيل، ورمزت لها ب (و)، ونظرتُ في سائر الطبعات، على النحو الذي بيّنته آنفًا تحت عنوان (الأصول المعتمدة في نشرتنا هذه).
ولم أنقل شيئًا منها إلا ووضعت الرمز بعده، ووجدتُ في بعض الأحايين تشابهًا في العبارات، فأثبت الأتم، وكتبت بعده "نحوه في (..) "، وإذا وجدت زيادات في عبارات بعضهم، وضعتها بين معقوفتين، ونبهّتُ على ذلك.
وهذه التعليقات بالجملة من رأس القلم، وهي في بيان الغريب، ولم ألتفت إلى ما يخص الحديث النبوي منها، من حيث التخريج وغيره، وكذا الآثار السلفية.
واعتنيتُ بتوثيق المسائل من مصادرها الأصلية، فأحلتُ على أشهر المصادر الأصولية والفقهية، وأبرزتُ الجهود الخاصة للمعاصرين حول المسائل المبحوثة في الكتاب.

* ملاحظاتي على تخريج الأحاديث في الطبعات السابق ذكرها:
لم يُعْتَنَ بتخريج الأحاديث النبوية والآثار السلفية في جلّ الطبعات السابقة، وانفردت القليل منها بتخريج الأحاديث القولية، مع الحيدة عن المشكل منها، وهذه ملاحظات فيها نقدات وتقويم وبيان بعض النقص الواقع فيها:

* طبعة عبد الرحمن الوكيل، أثبت على الغلاف قبل اسمه "تحقيق وضبط" وقال في المقدمة (ص ج) تحت (ميزات هذه الطبعة): "تخريج العشرات من الأحاديث المهمة"، ولم يخرج إلا أحاديث قليلة، وهذا ما وقع له في المجلد الأول:
(ص 33) حديث: "أجرؤكم على الفتيا. . . " قال: "الدارمي عن عبيد اللَّه بن أبي جعفر مرسلًا".
(ص 42) حديث: "إذا أرسلت كلبك" قال: "رواية أبي داود بإسنادٍ جيد".
(ص 50) حديث: "لا طاعة لمخلوق. . . " قال: "أحمد والحاكم عن عمران والحكم بن عَمرو الغفاري".
(ص 50) حديث: "إنما الطاعة في المعروف" قال: "أصل الحديث: "لا طاعة لأحد في معصية اللَّه، إنما الطاعة في المعروف" متفق عليه وأبو داود والنسائي عن علي".
(1/293)

(ص 50) حديث: "من أمركم منهم -أي: الأمراء- بمعصية اللَّه، فلا سمع له. . " قال: "أصله في "الصحيحين".
(ص 51) حديث: "إنهم لو دخلوا لما خرجوا منها" قال: "أخرجه الإمام أحمد بسنده عن علي" وساق لفظه، وقال: "وأخرجاه في "الصحيحين" من حديث الأعمش به".
(ص 76) حديث: "من أبي يا رسول اللَّه" قال: "في حديث أخرجه البخاري ومسلم".
(ص 86) حديث: في سبب نزول قوله تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ. .} قال: "وردت في حديث متفق عليه".
(ص 90) وكتب معلقًا على أثر نقله المصنف عن البخاري في غير "صحيحه": "قد أعجلني ما كنت فيه عن مراجعة الحديث في البخاري، فليراجع، ففيه هنا اضطراب ونقص"!!
(ص 115) حديث: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" قال: "رواه أحمد والبخاري".
(ص 474) حديث المصراة، ذكره في الهامش وشرحه، وعزاه إلى "الصحيحين".
وهذا ما وقع له في المجلد الثاني:
(ص 37) حديث شهادة خزيمة، سرده في الهامش، وقال: "رواه أبو داود والنسائي".
(ص 45) علق عند قول ابن القيم: "وترك قطع المختلس والمنتهب والغاصب" قال: "عن جابر عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ليس على خائن ولا منهب ولا مختلس قطع" رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وأخرجه الحاكم والبيهقي وابن حبان وصححه".
(ص 46) حديث جحد المرأة المتاع وقطع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يدها قال: "رواه أبو داود وأحمد والنسائي وأبو عوانة".
(ص 164) حديث: "من أفتى بفتيا غير ثبت. . " قال: "رواه أبو داود والحاكم".
(ص 164) حديث: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا. . " قال: "في مسلم: إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب".
(1/294)

(ص 185) حديث: "أصحابي كالنجوم. . . " قال: حديثه باطل، وإسناده واهٍ جدًّا".
(ص 261) حديث: "استأجر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-دليلًا" قال: "رواية البخاري: واستأجر رسول اللَّه وأبو بكر رجلًا من بني الديل".
(ص 268) حديث كتاب عمرو بن حزم، عزاه لجمع ونقل كلام ابن حجر عليه دون بيان المصدر.
(ص 272) حديث: "إذا حكم الحاكم. . " قال: "متفق عليه".
(ص 301) حديث: "لا عدوى ولا طيرة" قال: "أحمد ومسلم عن جابر".
(ص 323) تفسير الزيادة في سورة يونس بأنها النظر إلى وجه اللَّه، قال في تخريجها: "رواه أحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم".
(ص 328) خرج ثلاثة أحاديث، عزى الأول للجماعة إلا ابن ماجه والترمذي، والثاني للجماعة، والثالث لأحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان.
(ص 334) حديث: "لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم" خرج في الهامش الأحاديث التي تدل على خلافه، لقطعه في مجن ثمنه ثلاثة دراهم، وقوله: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا، ولم يتكلم على الحديث بشيء.
(ص 337) حديث: "لا يقتل مسلم بكافر" قال: "جزء من حديث رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود والترمذي".
(ص 362) حديث بيع جابر بعيره للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وشرط ركوبه إلى المدينة، ذكره في الهامش وقال: "متفق عليه. وفي لفظ لأحمد والبخاري: "وشرطت ظهره إلى المدينة"".
(ص 364) حديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" قال: "رواه أحمد ومسلم والبخاري".
(ص 364) حديث: "ليس فيما سقت السماء والعيون. . " قال: "رواه الجماعة إلا مسلمًا. . . ".
(ص 376) حديث: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك" (وهو في (وضع الجوائح))، قال: "ورواه أصحاب السنن".
(1/295)

(ص 377) علق عند قول المصنف: "والذين يتخذون القبور مساجد" أورد ثلاثة أحاديث تدل على ذلك، وعزى الأول للجماعة إلا البخاري وابن ماجه، والثاني للبخاري ومسلم، والثالث للبخاري ومسلم والنسائي.
(ص 390) حديث: "كان يبعث من يخرص على الناس كرومهم وثمارهم" قال: "الترمذي وابن ماجه".
(ص 390) حديث: في زكاة الكرم: "يُخْرص كما يُخْرص النخل. . " قال: "رواه أبو داود والترمذي".
(ص 390 - 391) حديث: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث" قال: "الخمسة إلا ابن ماجه".
(ص 391) حديث: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يبعث عبد اللَّه بن رواحة إلى يهود، فَيَخْرص النخلَ. . " قال: "أحمد وأبو داود".
(ص 394) حديث صلاة الكسوف، قال: "البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي".
(ص 434) علق على قول المصنف: "وإن صلاته كانت التغليس حتى توفّاه اللَّه" وأورد ثلاثة أحاديث تدل على ذلك، وأصولها في "الصحيحين".
(ص 435) حديث: "أسفروا بالفجر. . " قال: "رواه الخمسة. . ".
(ص 435) حديث: "وقت صلاة الظهر. . . " قال: "رواه أحمد والنسائي وأبو داود. وفي رواية لمسلم:. . . ".
(ص 436) حديث: "كانوا يصلونها مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم يذهب أحدهم إلى العوالي. . . " عزاه إلى الجماعة إلا الترمذي.
(ص 444) حديث: "عبد الرحمن بن عوف: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خرج نحو أحد، فخر ساجدًا. . . " قال: "رواه أحمد".
(ص 444) حديث: "سعد في سجوده -صلى اللَّه عليه وسلم- شاكرًا لربه لما أعطاه ثلث أمته. . . " قال: "رواه أبو داود".
(ص 444) حديث أبي بكر: "كان إذا جاءه أمر يسرُّ به خرّ ساجدًا" قال: "رواه الخمسة إلا النسائي، وقال الترمذي: هو حسن غريب".
(ص 444 - 445) حديث: "أتاه بشير بظفر جُنْدٍ له على عدوهم، وخر ساجدًا" قال: "هذا لفظ أحمد".
(1/296)

(ص 445) حديث: "سجود كعب بن مالك لما بشر بتوبة اللَّه عليه" قال: "متفق على صحته".
(ص 445) حديث: "سجود أبي بكر حين جاءه قتل مسيلمة" قال: "رواه سعيد بن منصور".
(ص 445) حديث: "سجود علي حين وجد ذا الثُّدَيّة" قال: "أحمد في "مسنده" وقصة ذي الثدية -واسمه: المخدج- في مسلم وأبي داود".
(ص 446) حديث: "الرهن يركب. . " قال: "رواه الجماعة إلا مسلمًا والنسائي".
وأما المجلد الثالث، فهذا ما وقع له فيه:
(ص 61) حديث: "من استطاع منكم الباءة. . " قال: "رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي".
(ص 61) حديث: "تزوجوا الودود الولود. . " قال: "أبو داود والنسائي والحاكم، وقال: صحيح الإسناد".
(ص 61) حديث: "أربع من سنن المرسلين. . " قال: "أحمد في "مسنده" والترمذي والبيهقي في "الشعب"".
(ص 61) حديث: "ثلاثة حق على اللَّه عونهم. . " قال: "رواه الترمذي -وقال: حديث حسن صحيح- وابن حبان في "صحيحه" والحاكم -وقال: صحيح على شرط مسلم- وأحمد في "مسنده" وابن ماجه".
(ص 165) حديث: "لولا ما مضى من كتاب اللَّه. . " قال: "جاء في حديث رواه الجماعة إلا مسلمًا والنسائي".
(ص 193) علق على قول المصنف: "نهى عن بيعتين في بيعة، وهو الشرطان في البيع في الحديث الآخر" بقوله: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك، الخمسة إلا ابن ماجه" وقال: "وعن أبي هريرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا" رواه أبو داود. وفي رواية: "نهى عن بيعتين في بيعة" رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه والشافعي ومالك في بلاغاته، وفي الحديث الأول محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد".
(ص 200) علق على عبارة المصنف: "حرم التفريق في الصرف" بقوله: "بيع
(1/297)

الذهب بالفضة وفي حديث: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الذهب بالوَرِق دينًا" أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
(ص 212) حديث: "إنما الأعمال بالنيات" قال: "صدر البخاري بالحديث "صحيحه" في باب بدء الوحي، وأخرجه في الإيمان والعتق والهجرة والأيمان والنذور وترك الحيل. . ".
(ص 213) حديث: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود. . " قال: "رواه ابن بطة".
(ص 220) حديث: "لا يحل سلف وبيع. . " قال: "سبق الكلام عن الحديثين؛ الأول: رواه الخمسة إلا ابن ماجه، والآخر: رواه أبو داود".
(ص 231) حديث: "لعن اللَّه اليهود حرمت عليهم الشحوم. . " قال: "متفق عليه".
(ص 251 - 252) حديث: "لا نكاح إلا نكاح رغبة" قال: "سبق نسبته إلى عثمان وابن عمر، وقلت: إنه يروى موقوفًا ومرفوعًا" قلت: نعم، سبق (ص 208) دون عزو ولا تخريج.
(ص 286) حديث: "من باع بيعتين في بيعة فله. . " قال: "رواه أبو داود".
(ص 287) حديث: "لا يحل سلف وبيع. . " قال: "الخمسة إلا ابن ماجه".
(ص 287) حديث: "بع الجمع بالدراهم. . " قال: "من حديث رواه البخاري ومسلم".
(ص 288) حديث: "لعن اللَّه المحلِّل والمحلِّل له" قال: "أحمد والنسائي والترمذي -وصححه- من حديث ابن مسعود، والخمسة إلا النسائي من حديث علي مثله، وصحح حديث عليٍّ ابنُ السكن، وأعلّه الترمذي، فقال: روي عن مجالد عن الشعبي عن جابر، وهو وهم".
(ص 468) حديث: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" قال: "رواه البخاري وأحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه".
(ص 469) حديث: "فرار ماعز من الحد" قال: "وردت قصة ماعز في جل كتب السنة"!
(ص 476) حديث: "لا يتمنى أحدكم الموت. . " قال: "البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي".
(1/298)

(ص 476) حديث: "المسلمون عند شروطهم. . " قال: "رواه الدارقطني والحاكم عن عمرو بن عوف المزني مرفوعًا، ورواه الحاكم عن أنس، والطبراني عن رافع بن خديج، والبزار عن ابن عمر، وفي رواية "المسلمون على شروطهم والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" أبو داود وأحمد والدارقطني عن أبي هريرة رفعه، وصححه الحاكم. وعلق البخاري: "المسلمون عند شروطهم" جازمًا به".
(ص 479) حديث: "أحق الشروط أن توفوا به. . . " قال: "الصحيحان".
(ص 479) حديث جابر: "بعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-بعيرًا، واشترطت. . " قال: "رواه البخاري في مواضع كثيرة بألفاظ مختلفة مطولًا ومختصرًا، ومسلم وأبو داود والترمذي -وصححه- وابن ماجه وأحمد".
(ص 488) قول ابن مسعود: "عليكم بالجماعة، فإن يد اللَّه. . " قال: "رواه الترمذي -وحسنه- عن ابن عباس مرفوعًا، والطبراني عن عرفجة بن شريح -ويقال: ابن جريج-: يد اللَّه مع الجماعة. . . ".
(ص 488) حديث: "اتبعوا السواد الأعظم. . " قال: "بقية الحديث -أي السابق- من كتاب "كشف الإلباس"".
وأما المجلد الرابع والأخير، فهذا ما وقع له:
(ص 64) أشار إلى شرب حمزة الخمر وقوله: "هل أنتم إلا عبيد لآبائي" وفسر في الهامش غريبه، وقال في آخره: "والحديث في البخاري وغيره".
(ص 159) حديث: "وما يدريك أن اللَّه قد اطلع على أهل بدر. . " قال: "متفق عليه".
(ص 175) حديث: "خير القرون القرن الذي بعثت فيه. . " تمم في الهامش لفظه، وقال: "متفق عليه".
(ص 181) حديث: "هذان -أبو بكر وعمر- السمع والبصر" قال: "رواه الترمذي مرسلًا".
(ص 182) حديث: "إن اللَّه جعل الحق على لسان عمر وقلبه" قال: "رواه الترمذي، وقال: حديث حسن".
(ص 182) حديث: "قد كان فيمن خلا من الأمم أناس مُحَدَّثون" قال: "متفق عليه أيضًا".
(1/299)

(ص 183) حديث: "لو كان بعدي نبي لكان عمر" قال: "رواه البيهقي في "دلائل النبوة"".
(ص 185) حديث: "قراءة ابن مسعود {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ. .}، وفاضت عينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" قال: "رواه البخاري ومسلم وأحمد".
(ص 187) حديث: "إنّ أمَنَّ الناس علينا في صحبته. . " قال: "متفق عليه".
(ص 206) حديث: "لا يقتل مؤمن بكافر" قال: "رواه أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم".
(ص 270) حديث: "إن اللَّه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة. . " قال: "رواه أبو داود والحاكم والبيهقي في "المعرفة"".
(ص 335) حديث: "إذا اجتهد الحاكم. . "قال: "متفق عليه".
(ص 337) حديث: "هل تضارون في رؤية القمر. . " قال: "في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد وأبي هريرة".
(ص 337) حديث: "كان في عماء، ما فوقه هواء. . " قال: رواه الترمذي في "التفسير" وابن ماجه في "السنن"، وقال الترمذي: هذا حديث حسن".
(ص 338) حديث: "كان اللَّه ولم يكن شيء غيره. . " قال: "مخرج في البخارى ومسلم بألفاظ كثيرة".
(ص 341) حديث: "المرء مع من أحب" قال: "متفق عليه وأحمد".
(ص 342) حديث عن الكوثر: "هو نهر أعطانيه ربي. . " قال: "رواه أحمد وابن جرير".
(ص 349) حديث: "هو الطهور ماؤه. . " قال: "رواه الخمسة، وقال الترمذي: حسن صحيح، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" والحاكم والدارقطني والبيهقي وابن أبي شيبة، وحكى الترمذي عن البخاري تصحيحه، وحكم ابن عبد البر بصحته".
(ص 349) حديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء" قال: "أحمد وأبو داود والترمذي -وقال: "حديث حسن"- وصححه أحمد".
(ص 350) حديث: "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء" قال: "رواه الخمسة، بقوله: لم يحمل الخبث، وفي لفظ ابن ماجه ورواية لأحمد: لم ينجسه شيء، وقد رواه أيضًا الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني
(1/300)

والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، وقال ابن عبد البر في "التمهيد": ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت من جهة الأثر، لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع، وقال في "الاستذكار": حديث معلول رده إسماعيل القاضي وتكلم فيه، وقال ابن دقيق: هذا الحديث قد صححه بعضهم، وهو صحيح على طريقة الفقهاء، ثم أجاب عن اضطراب السند"!
(ص 350) حديث أبي ثعلبة في آنية الكفار: "إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء. . " قال: "رواه الترمذي وقال: حسن صحيح".
(ص 353) حديث شاة ميمونة: "هلا أخذتم مسكها" قال: "رواه الجماعة إلا ابن ماجه، قال فيه: "عن ميمونة" جعله من مسندها، وليس فيه للبخاري والنسائي ذكر الدباغ، والرواية التي هنا عن شاة لسودة بنت زمعة قد ماتت. وقد رواه أحمد".
(ص 354) حديث أُبيّ بن عمارة في المسح على الخفين فوق ثلاث: "قال أبو داود: وقد اختلف في إسناده، وليس بالقوي. وقال البخاري نحوه. وقال الإمام أحمد: رجاله لا يعرفون، وأخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد لا يثبت. وفي إسناده ثلاثة مجاهيل: عبد الرحمن، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قطن، وبالغ الجوزجاني. فذكره في "الموضوعات".
(ص 354) حديث: "إنّ الصعيد الطيب. . " قال: "أحمد والترمذي -وصححه- والنسائي وأبو داود وابن ماجه".
(ص 355) قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصلاة الوسطى: "هي صلاة العصر" قال: "في حديث متفق عليه أن العصر هي الوسطى، وفي هذا خلاف كبير. . . ".
(ص 360) حديث كم بين بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى، قال: "أربعون عامًا" قال الوكيل: "يخالف الحديث الواقع! ولذا ضعِّف" (1)!!
__________
(1) هذا مسلك (العقلانيين) في التصحيح والتضعيف! وهم في الحقيقة ليس لهم من اسمهم نصيب! فالعلم التجريبي أثبت نقصان مدة السنة مع مرور الزمن، والحديث -على المدة المذكورة فيه- على ظاهره، وقع بحروفه وألفاظه ومبانيه ومعانيه، موافق للواقع الذي يخصه في زمنه.
(1/301)

(ص 374 - 375) حديث ليلة القدر، وفيه: "أقسمتُ عليك بحقي عليك. . " قال: "وضع هذه الكلمة في الحديث، وعدم ذكر الغضب من أجلها يفيد ضعف الحديث، فما كان لإمام التوحيد، وخاتم النبيين أن يسكت على قَسمَ ينال من قدسية التوحيد" (1)!!
(ص 384) حديث في فضل سورة الملك: "وأن رجلًا سمع إنسانًا يقرأ سورة الملك وهو في القبر" فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هي المانعة. . " قال: "أيقرأ الميت! ولمَ لمْ يخرجه أصحاب "الصحيح"، وهو يتكلم عن حديث هام؟! ولقد رواه الترمذي، ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه".
(ص 384) حديث في فضل سورة الإخلاص: "حبك إياها أدخلك الجنة" قال: "رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به. ورواه الترمذي في "جامعه" عن البخاري، وقد رواه أحمد في "مسنده" متصلًا".
(ص 389) حديث معاذ: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" قال: "أحمد والترمذي وابن ماجه".
(ص 423) حديث: "تزوجوا الودود الولود. . " قال: "أبو داود والنسائي عن معقل بن يسار".
(ص 473) حديث: "أمر الدم، واذكر اسم اللَّه" قال: "وفي "سنن أبي داود" والنسائي: أمرر. . ".
(ص 498) حديث: "من حلف بغير اللَّه فقد أشرك" قال: "أحمد في "مسنده" والترمذي والحاكم عن ابن عمر".
(ص 501) حديث: "لا يدخل الجنة سيّئ الملكة" قال: "رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي بكر".
(ص 501) حديث: "ملعون من مكر بمسلم. . " قال: "الترمذي عن أبي بكر".
(ص 503) جوابه على سؤال معاوية بن حيدة: "يا رسول اللَّه أين تأمرني؟ قال: "هاهنا ونحا بيده نحو الشام" قال: "مثل هذه الأحاديث يشك في صحّتها، فإنها تثير عصبية حمقاء، وكراهية رعناء، عصبية لبلاد، وكراهية لبلاد، وكلها
__________
(1) من تكلم في غير فنّه أتى بالعجائب.
(1/302)

أرض اللَّه {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} " (1).
(ص 503 - 504) قال في حديث آخر استشكله بعقله بعد كلام: "لننظر في سند الحديث، حتى لا نعرض خاتم النبيين -صلى اللَّه عليه وسلم- لبهتان أعدائه".
(ص 508) حديث شق الصدر، قال عنه: "في الحديث مقال، ومعارض بغيره".
هذه هي الأحاديث التي خرجها الأستاذ عبد الرحمن الوكيل، ويلاحظ على تخريجاته الأمور الآتية:
أولًا: إنه ليس من أهل الصنعة الحديثية في قليل أو كثير، بل علق أشياء تدلل على جهل فاضح في هذا العلم، وأنه يعمل عقله ورأيه في التصحيح دون قواعد أهل الصنعة الحديثية.
ثانيًا: إنه ليس بعارف في دواوين السنة، ولم يرجع إلى المصادر الحديثية الأصلية.
ثالثًا: جل تخريجاته منقولة من "كشف الخفاء" وبعضها من "التلخيص الحبير" وغيرهما.
رابعًا: الأحاديث المخرجة قليلة جدًّا جدًّا بالنسبة إلى الأحاديث الموجودة في الكتاب، ولا يوجد قيد وضابط للذي خرجه منها وللذي أهمله.
خامسًا: كثير من الأحاديث المخرجة هي: في "الصحيحين" أو أحدهما، والقليل من غيرهما، وعلى الرغم من ذلك كان الكثير من هذا القليل لم يحكم عليه بصحة أو ضعف، فضلًا عن عدم عزوه إلى محاله ومظانه في دواوين السنة.
سادسًا: بمقابلة تخريجاته على ما سطرناه يظهر للقارئ نقص كبير في العزو، وخلل في منهج التخريج!
والخلاصة. . إن خدمة الوكيل للكتاب من ناحية حديثية فيها نقص شديد، والمثبت فيها قائم على منهج غير علمي، وخرجت منه فلتات تدلل على جهل فيه، وأنه ليس من أهل هذه الصنعة.

* طبعة دار الجيل، أثبت على غلاف المجلدات الثلاثة الأولى منها: "حققه
__________
(1) نعم، عصبية حمقاء، للرأي والعقل الناقصين، وكراهية رعناء لقواعد أهل العلم في التصحيح والتضعيف، وهذه الجملة تهدم عشرات الأحاديث، بل المئات، ولا قوة إلا باللَّه!
(1/303)

وعلق عليه وعمل فهارسه عصام فارس الحرستاني، خرّج أحاديثه حسان عبد المنان" وعلى الأخير -الرابع- منها:
"حققه وعلق عليه وعمل فهارسه عصام فارس الحرستاني، خرّج أحاديثه أحمد الكويتي" (1).
والعمل الحديثي ظاهر في هذه الطبعة، ولي عليه ملاحظات كثيرة، أوجزها فيما يلي:
أولًا: فيه جرأة عجيبة على أحاديث "الصحيحين" أو أحدهما، فعلى الرغم من عدم الإسهاب في التخريج، والاقتصار على الاختصار قدر الجهد فيه، إلا أن تضعيف أحاديث "الصحيحين" أو أحدهما، ظاهر في التعليقات، انظر -على سبيل المثال-: (2/ 141، 142، 522 و 6/ 3، 70، 181، 198، 205، 201 و 3/ 206).
ثانيًا: فيه أحاديث معزوة ل"صحيح البخاري" مثلًا، وهي ليست فيه بالألفاظ التي ساقها المصنف، انظر -على سبيل المثال-: (5/ 183، 187، 190).
ثالثًا: هنالك أحاديث في "صحيح البخاري" أو في "صحيح مسلم" ولم تقع معزوة لهما، وإنما عزيت لغيرهما، وهذه بعض الأمثلة تدلل على ذلك:
- (2/ 272) قول ابن الزبير لما سئل عن الجد والإخوة، قال: أما الذي قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا. . . " إلخ، فقد عزاه المخرج إلى عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي! وهو في "صحيح البخاري" (3658).
- (2/ 244) حديث: يقول اللَّه عز وجل: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك. . " قال: "أخرجه بنحوه أحمد وآخرون بإسنادٍ يُحسَّن من حديث أبي هريرة"! والحديث بحروفه في "صحيح مسلم" (2985).
- (1/ 319) حديث "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم. . . " قال: "أخرجه أحمد (4/ 229)، والترمذي (2322) من حديث المستورد بإسناد صحيح".
قلت: ليس كذلك، وفيه أمران:
__________
(1) كذا أثبت في الغلاف الداخلي، أما الخارجي فعليه اسم الذي قبله.
(1/304)

الأول: الحديث في "صحيح مسلم" (2858) من حديث المستورد، مختصرًا.
الآخر: إسناد أحمد للحديث بطوله فيه مجالد بن سعيد، وأما الترمذي، فليس فيه بالرقم المذكور إلا لفظ مسلم!
رابعًا: هنالك ألفاظ في "الصحيحين" أو أحدهما، ونفى المخرج وجودها فيهما، مثل:
- (2/ 515) (حديث عزاه المصنف لمسلم "كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع اللَّه لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ربنا ولك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض. . . " قال: "أخرجه البخاري (735) ومسلم (390) وليس فيه "ملء السماوات. . . " قلت: هو في "صحيح مسلم" (476) بعد (202) باللفظ الذي أورده المصنف لكن عن ابن أبي أوفى لا ابن عمر" وانظر نشرتنا (3/ 280).
خامسًا: هنالك أحاديث في "الصحيحين" لم تقع معزوة إلا لمسلم، من مثل:
- ما في (2/ 547): "كان رسول اللَّه يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. . " قال ابن القيم: "متفق عليه" وفي التخريج: "أخرجه مسلم (737) " قلت: والبخاري (1140) بلفظ نحوه، انظر نشرتنا (3/ 335) هامش (2).
- وما في (1/ 316): "مثلي ومثل الأنبياء قبلي. . " عزاه لمسلم (2287) من حديث جابر، وهو في البخاري (3534) من حديثه أيضًا.
وهنالك أحاديث معزوة لأحد "الصحيحين" على وجه غير صحيح، من مثل:
- ما في (3/ 185) عند قول ابن القيم: "أنه أمر من صلى في رحله ثم جاء إلى المسجد أن يصلي مع الإمام، وتكون له نافلة" قال: "أخرجه مسلم (648) من حديث أبي ذر"!!
قلت: لا صلة لما في "صحيح مسلم" مع كلام المصنف! وقارن بنشرتنا (4/ 35).
- ومثله ما في (3/ 187) عند قول ابن القيم: "أنه نهى أن يبيت الرجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا رحم محرم" قال: "أخرج البخاري (3006) ومسلم (1341) من حديث ابن عباس مرفوعًا: "لا يخلونَّ رجل بامرأة ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم".
قلت: صلة هذا الحديث بالكلام السابق ضعيفة! والصحيح أن المصنف يريد ما عند مسلم (2171) من حديث جابر: "ألا لا يبيتنّ رجل عند امرأة ثيِّب،
(1/305)

إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم".
- وما في (4/ 340) حديث سراقة بن مالك بن جعشم، عزاه المحقق لمسلم (2648)، والمذكور ليس لفظ مسلم، وإنما لفظ ابن حبان (337)، وانظر نشرتنا (5/ 240).
ومثل ذلك كثير جدًّا، فمثلًا في (4/ 344) في الهامش الأول ما نصه: أخرجه مسلم (2760)، ولا صلة بين الحديث وما في "صحيح مسلم" نعم فيه نحوه، انظر نشرتنا (5/ 245 - 246).
ومن هذا النوع من الأوهام (معزو إلى "الصحيحين" أو أحدهما على وجه غير صحيح):
- ما في (1/ 270): "لا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يحزنه" ففي تخريجه: "أخرجه البخاري (6290) ومسلم (2184) من حديث ابن عمر"!
والحديث في "الصحيحين" في الموطنين المشار إليهما عن ابن مسعود لا ابن عمر!
هذه خمس ملاحظات تخص أحاديث "الصحيحين" أو أحدهما، وأما بالنسبة إلى أحاديث غير "الصحيحين" فالمؤاخذات كثيرة وعظيمة، من أهمها:
سادسًا: ترك تخريج أحاديث قولية مصادرها بعيدة أو تحتاج إلى أناة (1)، وكذلك بالنسبة إلى الأحاديث الفعلية إذ الغالب عليها الإهمال انظر -على سبيل المثال-: (1/ 284، 285، 286، 288، 300، 303، 304، 334، 335، 336 (جملة أحاديث) و 2/ 173، 383، 419 و 4/ 88، 97، 279، 337).
سابعًا: الأخطاء الكثيرة والتحريفات الشنيعة في أسماء الرواة، وتقدم طرف منها تحت عنوان (تقويم الطبعات التي وقفت عليها).
ثامنًا: هنالك تعنت في الحكم على الأحاديث، وميل إلى التضعيف، والإعلال على غير مسلك أهل الصنعة الحديثية، وعدم العناية بتخريج لفظ المصنف، والعجلة في إطلاق الأحكام (2)، وعدم تتبع الطرق والشواهد، والنظر في أحكام الحفاظ والمخرجين، والتصريح بقواعد غير مسلوكة عندهم.
__________
(1) ولذا وقع التصريح بعدم الوقوف على جملة من الأحاديث، انظر -مثلًا-: (1/ 237، 352 و 527/ 2 و 279/ 4)، وانظر: بشأن العجلة (3/ 80).
(2) في المجلد الرابع عدد كببر من الأحاديث، تخريجها مجرد عزو دون حكم!
(1/306)

هذه ملاحظاتي السريعة على الجهود الحديثية المبذولة فى الطبعات السابقة من هذا الكتاب، أما بالنسبة إلى:

* منهجنا في تخريج (1) الأحاديث والآثار في نشرتنا هذه فقد جهدنا في تخريج أحاديث وآثار الكتاب، واستطعنا -بحمد اللَّه ومنّه- الوقوف على كثير من المصادر التي ينقل منها المصنّف، وكانت خطتنا في التخريج على النحو التالي:
أولًا: لم نسهب في تخريج أحاديث "الصحيحين"، أو أحدهما، إلا لضرورة أو فائدة.
ثانيًا: اعتنينا بتخريج الأحاديث والآثار القولية والفعلية، وكذلك التي أومأ وأشار إليها المصنف.
ثالثًا: بيَّنا درجة الأحاديث والآثار من حيث الصحة والحسن والضعف.
رابعًا: حاولنا الوقوف على مصادر المصنّف من النقل، وتمييز حد الصحيح من الضعيف.
خامسًا: اعتنينا بتخريج اللفظ الذي أورده المصنف.
سادسًا: إذا كان المصنّف ينقل حديثًا ضعيفًا، كنتُ أُبيِّن ذلك، ثم أورد ما يغني عنه.
ومن عملي في التحقيق أيضًا:
أنني حرصتُ على صنع كشافات علميّة تحليلية (2) للكتاب، اشتملت على الأمور الآتية:
أولًا: فهرس الآيات، ورتبته على حسب ورودها في القرآن الكريم.
ثانيًا: فهرس الأحاديث والآثار حسب حروف المعجم.
ثالثًا: فهرس الأحاديث حسب المسانيد.
__________
(1) شاركني الأخ أحمد عبد اللَّه أحمد -حفظه اللَّه تعالى- في هذا التخريج، فاقتضى التنويه والتنبيه.
(2) لا يشك باحث أن هذه الفهارس من الأمور المهمة جدًّا، ولا سيما في عصرنا هذا الذي كثرت فيه طبعات الكتب، والباحث في حاجة ملحة إلى اختزال الوقت، وإنفاق كل دقيقة في الأمر النافع، فضلًا عن فائدة هذه الفهارس للمحقق نفسه، إذ من خلالها يوزن صحة النصوص، وقد تكشف عن خطا المؤلف أو سهوه، بل خطأ المحقق نفسه كذلك، ودونها يضيع كثير من الوقت، ويبعثر الجهد.
(1/307)

رابعًا: فهرس الآثار حسب القائلين.
خامسًا: فهرس أعلام الكتاب حسب حروف المعجم.
سادسًا: فهرس الفرق والجماعات والطوائف حسب حروف المعجم.
سابعًا: فهرس الأشعار حسب الروي.
ثامنًا: فهرس الجرح والتعديل حسب حروف المعجم.
تاسعًا: فهرس الكتب والمسائل والروايات حسب حروف المعجم.
عاشرًا: فهرس أسماء الحيوانات حسب حروف المعجم.
حادي عشر: فهرس الغريب والاصطلاحات المشمروحة (في المتن والهامش)، حسب حروف المعجم.
ثاني عشر: فهرس الفوائد العلمية، ورتبتُها حسب المواضيع الآتية:
(التوحيد، علوم القرآن، مصطلح الحديث وعلومه، القواعد الفقهية، الأصول والقواعد، الفوائد الفقهية (1)، ورتبتُها على أبوابها المعتادة: الطهارة، الصلاة، الجنائز، الزكاة. . .).
ثم أفردتُ بعض المباحث المهمة عند المصنف بالفهرسة، وهي:
الأوائل، الأحاديث التي حكم عليها المصنف بالصحة والضعف، التصحيفات والتحريفات في الكتب المطبوعة، تعقبات المحقق على المصنف، تعقبات المحقق على المصنِّفين والمحققين، ردود وتعقبات العلماء بعضهم على بعض، تنبيه ابن القيم على أخطاء في فهم أحاديث صحيحة، الغلط على الأئمة، الفروق، المفاضلات.
هذه كلمة في جهدي في خدمة هذا الكتاب، فإن أصبتُ -وذلك ما أرجو- فمن اللَّه وحده، لا شريك له، وإن أخطأتُ فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر اللَّه منه، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وكتب
أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان
تحريرًا في الأردن - عمان
السابع عشر من شعبان من سنة 1422 ه
__________
(1) استفدتُ من "التقريب لفقه الإمام ابن القيم" للعلامة الشيخ بكر أبو زيد -حفظه اللَّه- فنسجتُ هذا الفهرس على منواله، وزدت عليه ما فاته، واللَّه الموفق.
(1/308)