Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 002


اليوم الآخر

(137) سئل فضيلة الشيخ: هل أشراط الساعة الكبرى تأتي بالترتيب؟ وهل الحيوانات تشعر بعلامات القيامة دون الإنس والجن؟ .

فأجاب بقوله: أشراط الساعة الكبرى بعضها مرتب ومعلوم، وبعضها غير مرتب ولا يعلم ترتيبه، فمما جاء مرتبا: نزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال، فإن الدجال يبعث، ثم ينزل عيسى ابن مريم فيقتله، ثم يخرج يأجوج ومأجوج.

وقد رتب السفاريني - رحمه الله- في عقيدته هذه الأشراط، لكن بعض هذا الترتيب تطمئن إليه النفس، وبعضها ليس كذلك. والترتيب لا يهمنا، وإنما يهمنا أن للساعة علامات عظيمة إذا وقعت فإن الساعة تكون قد قربت، وقد جعل الله للساعة أشراطا؛ لأنها حدث هام، يحتاج الناس إلى تنبيههم لقرب حدوثه.

ولا ندري هل تشعر البهائم بذلك، ولكن البهائم تبعث يوم القيامة، وتحشر، ويقتص من بعضها لبعض، فيقتص للشاة الجلحاء من القرناء.

(138) سئل فضيلة الشيخ: عن أحاديث خروج المهدي، هل هي صحيحة أو لا؟

فأجاب بقوله: أحاديث المهدي تنقسم إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: أحاديث مكذوبة.

القسم الثاني: أحاديث ضعيفة.
(2/11)

القسم الثالث: أحاديث حسنة، لكنها بمجموعها تصل إلى درجة الصحة، على أنها صحيح لغيره.
وقال بعض العلماء: إن فيها ما هو صحيح لذاته، وهذا هو القسم الرابع.
ولكنه ليس المهدي المزعوم، الذي يقال: إنه في سرداب في العراق، فإن هذا لا أصل له، وهو خرافة، ولا حقيقة له، ولكن المهدي الذي جاءت الأحاديث بإثباته رجل كغيره من بني آدم، يخلق ويولد في وقته، ويخرج إلى الناس في وقته، فهذه هي قصة المهدي، وإنكاره مطلقا خطأ، وإثباته مطلقا خطأ، كيف ذلك؟
إثباته على وجه يشمل المهدي المنتظر، الذي يقال: إنه في السرداب هذا خطأ؛ لأن اعتقاد هذا المهدي المختفي خبل في العقل، وضلال في الشرع، وليس له أصل، وإثبات المهدي الذي أخبر به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتكاثرت فيه الأحاديث، والذي سيولد في وقته، ويخرج في وقته هذا حق.
(139) وسئل فضيلة الشيخ: من هم يأجوج ومأجوج؟
فأجاب- حفظه الله تعالى - بقوله: يأجوج ومأجوج أمتان من بني آدم موجودتان، قال الله - تعالى - في قصة ذي القرنين: ( {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}
(2/12)

{فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} .
ويقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يقول الله يوم القيامة: يا آدم، قم فابعث بعث النار من ذريتك» ، إلى أن قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أبشروا فإن منكم واحدا، ومن يأجوج ومأجوج ألفا» . وخروجهم الذي هو من أشراط الساعة وجدت بوادره في عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ففي حديث أم حبيبة - رضي الله عنها - قالت: «خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوما فزعا محمرا وجهه، يقول: " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها» .
(140) وسئل فضيلة الشيخ: عن الدجال؟ ولماذا حذر الأنبياء أقوامهم منه مع أنه لا يخرج إلا في آخر الزمان؟
فأجاب قائلا: أعظم فتنة على وجه الأرض منذ خلق آدم إلى قيام الساعة هي فتنة الدجال، كما قال ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولهذا ما من نبي من نوح إلى محمد - صلوات الله عليهم وسلامه - إلا أنذر قومه به تنويها بشأنه، وتعظيما له، وتحذيرا منه، وإلا فإن الله يعلم أنه لن يخرج إلا في آخر الزمان، ولكن أمر الرسل أن ينذروا قومهم إياه من أجل أن تتبين عظمته وفداحته، وقد صح ذلك عن النبي - عليه الصلاة والسلام - وقال: «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم - صلوات الله وسلامه عليه؛ يعني أكفيكم إياه- وإلا فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم» .
(2/13)

نِعْمَ الخليفة ربنا - جل وعلا-.
فهذا الدجال شأنه عظيم، بل هو أعظم فتنة، كما جاء في الحديث منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة، فكان حريّا بأن يخص من بين فتن المحيا بالتعوذ من فتنته في الصلاة: «أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» .
وأما الدجال فهو مأخوذ من الدجل وهو التمويه؛ لأن هذا مموه بل أعظم مموه، وأشد الناس دجلا.
(141) وسئل فضيلته: عن وقت خروج المسيح الدجال.
فأجاب بقوله: خروج المسيح الدجال من علامات الساعة، ولكنه غير محدد؛ لأنه لا يعلم متى تكون الساعة إلا الله، فكذلك أشراطها ما نعلم منها إلا ما ظهر، فوقت خروجه غير معلوم لنا، لكننا نعلم أنه من أشراط الساعة.
(142) وسئل عن مكان خروج الدجال.
فأجاب بقوله: يخرج من المشرق من جهة الفتن والشر كما، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الفتنة هاهنا» وأشار إلى المشرق، فالمشرق: منبع الشر والفتن، يخرج من المشرق من خراسان، مارّا بأصفهان، داخلا الجزيرة من بين الشام والعراق، ليس له هم إلا المدينة؛ لأن فيها البشير النذير - عليه الصلاة والسلام - فيحب أن يقضي على أهل المدينة، ولكنها محرمة عليه، كما ثبت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «على كل باب منها ملائكة يحفظونها» . هذا الرجل يخرج خلة بين الشام والعراق، ويتبعه من يهود أصفهان سبعون ألفا؛ لأنهم جنوده، فاليهود من أخبث عباد الله، وهو
(2/14)

أضل عباد الله، فيتبعونه ويؤوونه وينصرونه، ويكونون مسالح له - أي جنودا مجندين- هم، وغيرهم ممن يتبعهم، قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: «"يا عباد الله، فاثبتوا. يا عباد الله، فاثبتوا» . يثبتنا عليه الصلاة والسلام؛ لأن الأمر خطير، وقال - عليه الصلاة والسلام -: «من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات» . يأتيه الإنسان، ويقول: لن يضلني، ولن أتأثر به، ولكن لا يزال يلقي عليه من الشبهات حتى يتبعه والعياذ بالله.
(143) وسئل عن: دعوة الدجال وما يدعو إليه.
فأجاب بقوله: ذكر أنه أول ما يخرج يدعو إلى الإسلام، ويقول: إنه مسلم، وينافح عن الإسلام، ثم بعد ذلك يدعي النبوة، وأنه نبي، ثم بعد ذلك يدعي أنه إله، فهذه دعوته نهايتها بداية فرعون، وهي ادعاء الربوبية.
(144) وسئل عن: فتنة الدجال.
فأجاب بقوله: من حكمة الله - عز وجل أنه - سبحانه وتعالى - يعطي الدجال آيات فيها فتن عظيمة، فإنه يأتي إلى القوم يدعوهم فيتبعونه، فيصبحون وقد نبتت أراضيهم، وشبعت مواشيهم، فتعود إليهم أطول ما كانت ذرى، وأسبغ ضروعا، وأمد خواصر؛ يعني أنهم يعيشون برغد؛ لأنهم اتبعوه.
ويأتي القوم فيدعوهم فلا يتبعونه، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، وهذه فتنة عظيمة، لا سيما في الأعراب، ويمر بالخربة، فيقول: أخرجي كنوزك، فتخرج كنوزها تتبعه كيعاسيب النحل من ذهب وفضة، وغيرها بدون آلات، وبدون أي شيء، فتنة من الله - عز وجل- فهذه
(2/15)

حاله، ومعاملته مع أهل الدنيا لمن يريد التمتع بالدنيا، أو يبأس فيها.
ومن فتنته أن الله - تعالى - جعل معه جنة ونارا بحسب رؤيا العين، لكن جنته نار، وناره جنة، فمن أطاعه أدخل هذه الجنة فيما يرى الناس، ولكنها نار محرقة والعياذ بالله، ومن عصاه أدخله النار فيما يراه الناس، ولكنها جنة وماء عذب طيب.
إذن يحتاج الأمر إلى تثبيت من الله - عز وجل - إن لم يثبت الله المرء هلك وضل، فيحتاج إلى أن يثبت الله المرء على دينه ثباتا قويا.
ومن فتنته أنه يخرج إليه رجل من الناس ممتلئ شبابا، فيقول له: أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيدعوه، فيأبى أن يتبعه فيضربه، ويشجه في المرة الأولى، ثم يقتله، ويقطعه قطعتين، ويمشي بينهما تحقيقا للمباينة بينهما، ثم يدعوه فيقوم يتهلل وجهه، ويقول: أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم يأتي ليقتله فلا يسلط عليه، يعجز عن قتله، ولن يسلط على أحد بعده، فهذا من أعظم الناس شهادة عند الله؛ لأنه في هذا المقام العظيم الرهيب الذي لا نتصوره نحن في هذا المكان، لا يتصور رهبته إلا من باشره، ومع ذلك يصرح على الملأ إعذارا وإنذارا، بأنك أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، هذه حاله، وما يدعو إليه.
(145) وسئل فضيلته: عن مقدار لبث الدجال في الأرض.
فأجاب بقوله: مقدار لبثه في الأرض: أربعون يوما فقط، لكن يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، هكذا حدث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «قال الصحابة - رضي الله عنهم -: يا رسول الله، هذا اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: " لا، اقدروا»
(2/16)

«له قدره"» ، انظروا إلى هذا المثال لنأخذ منه عبرة، كيف كان تصديق أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لرسول الله، ما ذهبوا يحرفون، أو يؤولون، أو يقولون: إن اليوم لا يمكن أن يطول؛ لأن الشمس تجري في فلكها، ولا تتغير، ولكنه يطول لكثرة المشاق فيه وعظمها، فهو يطول؛ لأنه متعب - بكسر العين - ما قالوا هكذا، كما يقول بعض المتحذلقين، ولكن صدقوا بأن هذا اليوم سيكون اثني عشر شهرا حقيقة، بدون تحريف، وبدون تأويل.
وهكذا حقيقة المؤمن ينقاد لما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب، وإن حار فيها عقله، لكن يجب أن تعلم أن خبر الله ورسوله لا يكون في شيء محال عقلا، لكن يكون في شيء تحار فيه العقول؛ لأنها لا تدركه، فالرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر أن أول يوم من أيام الدجال كسنة، لو أن هذا الحديث مر على المتأخرين، الذين يدعون أنهم هم العقلاء لقالوا: إن طوله مجاز، عما فيه من التعب والمشقة؛ لأن أيام السرور قصيرة، وأيام الشرور طويلة، ولكن الصحابة - رضي الله عنهم- من صفائهم وقبولهم سلموا في الحال، وقالوا بلسان الحال: إن الذي خلق الشمس، وجعلها تجري في أربع وعشرين ساعة في اليوم والليلة قادر على أن يجعلها تجري في اثني عشر شهرا؛ لأن الخالق واحد - عز وجل - فهو قادر، ولذلك سلموا. وقالوا: كيف نصلي؟
ما سألوا عن الأمر الكوني؛ لأنهم يعلمون أن قدرة الله فوق مستواهم، سألوا عن الأمر الشرعي الذين هم مكلفون به وهو الصلاة، وهذا والله حقيقة الانقياد والقبول، قالوا: «يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: " لا، اقدروا له قدره» . وسبحان الله العظيم، إذا تأملت تبين لك أن هذا الدين تام كامل، لا يمكن أن تكون مسألة يحتاج الناس إليها إلى يوم القيامة إلا وجد لها أصل، كيف أنطق الله
(2/17)

الصحابة أن يسألوا هذا السؤال؟
أنطقهم الله حتى يكون الدين كاملا، لا يحتاج إلى تكميل، وقد احتاج الناس إلى هذا الآن في المناطق القطبية، يبقى الليل فيها ستة أشهر، والنهار ستة أشهر، فنحتاج إلى هذا الحديث، انظر كيف أفتى الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هذه الفتوى قبل أن تقع هذه المشكلة؛ لأن الله - تعالى - قال في كتابه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} . والله لو نتأمل الكلمة {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} لعلمنا أنه لا يوجد شيء ناقص في الدين أبدا، فهو كامل من كل وجه، لكن النقص فينا؛ إما قصور في عقولنا، أو في أفهامنا، أو في إرادات ليست منضبطة، يكون الإنسان يريد أن ينصر قوله، فيعمى عن الحق - نسأل الله العافية -.
فلو أننا نظرنا في علم، وفهم، وحسن نية لوجدنا أن الدين ولله الحمد لا يحتاج إلى مكمل، وأنه لا يمكن أن تقع مسألة صغيرة ولا كبيرة، إلا وجد حلها في الكتاب والسنة، لكن لما كثر الهوى، وغلب على الناس صار بعض الناس يعمى عليهم الحق، ويخفى عليهم، وتجدهم إذا نزلت فيهم الحادثة التي لم تكن معروفة من قبل بعينها، وإن كان جنسها معروفا تجدهم يختلفون فيها أكثر من أصابعهم، إذا كانت تحتمل قولين وجدت فيها عشرة، كل هذا؛ لأن الهوى غلب على الناس الآن، وإلا فلو كان القصد سليما والفهم صافيا، والعلم واسعا لتبين الحق.
على كل حال، أقول: إن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر أن الدجال يبقى أربعين يوما، وبعد الأربعين يوما ينزل المسيح عيسى ابن مريم، الذي رفعه الله إليه، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة: «أنه ينزل عند المنارة البيضاء، شرقي دمشق، واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه»
(2/18)

«قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريحه إلا مات» .
وهذه من آيات الله، فيلحق الدجال عند باب لد في فلسطين، فيقتله هناك، وحينئذ يقضي عليه نهائيا، ولا يقبل عيسى - عليه الصلاة والسلام - إلا الإسلام لا يقبل الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير فلا يعبد إلا الله، وعلى هذا فالجزية التي فرضها الإسلام جعل الإسلام لها أمدا تنتهي إليه عند نزول عيسى، ولا يقال: إن هذا تشريع من عيسى - عليه الصلاة والسلام -؛ لأن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر بذلك مقرا له، فوضع الجزية عند نزول عيسى - عليه الصلاة والسلام -، من سنة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأن سنة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قوله، وفعله، وإقراره، وكونه يتحدث عن عيسى ابن مريم مقرا له فهذا من سنته، وإلا فإن عيسى لا يأتي بشرع جديد، ولا أحد يأتي بشرع جديد، ليس إلا شرع محمد - عليه الصلاة والسلام - إلى يوم القيامة، هذا ما يتعلق بالدجال نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من فتنته.
(146) وسئل فضيلة الشيخ: هل الدجال من بني آدم؟
فأجاب قائلا: الدجال من بني آدم. وبعض العلماء يقول: إنه شيطان. وبعضهم يقول: إن أباه إنسي، وأمه جنية، وهذه الأقوال ليست صحيحة، فالذي يظهر: أن الدجال من بني آدم، وأنه يحتاج إلى الأكل والشرب، وغير ذلك، ولهذا يقتله عيسى قتلا عاديا كما يقتل البشر.
(147) وسئل فضيلته: هل الدجال موجود الآن؟
فأجاب بقوله: الدجال غير موجود؛ لأن الرسول، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطب الناس في آخر حياته، وقال: " «إنه على رأس مائة سنة لا يبقى»
(2/19)

«على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد» .
وهذا خبر، وخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لا يدخله الكذب، وهو متلقى من الوحي؛ لأن النبي، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يعلم مثل هذا الغيب فهو غير موجود، ولكن الله يبعثه متى شاء.
(148) سئل فضيلة الشيخ: ذكرتم في الفتوى السابقة رقم "147": أن الدجال غير موجود الآن، وهذا الكلام ظاهره يتعارض مع حديث فاطمة بنت قيس في الصحيح، عن قصة تميم الداري، فنرجو من فضيلتكم التكرم بتوضيح ذلك؟ .
فأجاب بقوله: ذكرنا هذا مستدلين بما ثبت في الصحيحين، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، قال: «إنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد» .
فإذا طبقنا هذا الحديث على حديث تميم الداري صار معارضا له؛ لأن ظاهر حديث تميم الداري أن هذا الدجال يبقى حتى يخرج، فيكون معارضا لهذا الحديث الثابت في الصحيحين، وأيضا فإن سياق حديث تميم الداري في ذكر الجساسة في نفسي منه شيء، هل هو من تعبير الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو لا؟ .
(149) وسئل فضيلته: عن قول بعض أهل العلم: إن الرسل الذين أنذروا أقوامهم الدجال لم ينذروهم بعينه، وإنما أنذروهم بجنس فتنته؟ .
فأجاب بقوله: هذا القول الضعيف، بل هو نوع من التحريف؛ لأن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر بأنه ما من نبي إلا أنذر به قومه بعينه
(2/20)

كما في صحيح مسلم، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب» ، وسبق لنا بيان الحكمة من إنذار الرسل به، ولكن يجب علينا أن نعلم أن جنس هذه الفتنة موجود حتى في غير هذا الرجل، يوجد من بني آدم الآن من يضل الناس بحاله، ومقاله، وبكل ما يستطيع، وتجد أن الله - سبحانه وتعالى - بحكمته أعطاه بيانا وفصاحة: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} . فعلى المرء إذا سمع مثل هذه الفتن التي تكون لأهل البدع من أناس يبتدعون في العقائد، وأناس يبتدعون في السلوك، وغير ذلك، يجب عليه أن يعرض هذه البدع على الكتاب والسنة، وأن يَحْذَرَ ويُحَذِّرَ منها، وأن لا يغتر بما تكسى به من زخارف القول، فإن هذه الزخارف، كما قيل فيها:
حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور
فالدجال المعين لا شك أن فتنته أعظم شيء يكون، لكن هناك دجاجلة يدجلون على الناس، ويموهون عليهم، فيجب الحذر منهم، ومعرفة إراداتهم ونياتهم، ولهذا قال الله تعالى في المنافقين: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} . مع أنه قال: {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} . يعني بيانه، وفصاحته، وعظمه، يجرك جرّا إلى أن تسمع، لكن كأنهم خشب مسندة، حتى الخشب ما هي قائمة بنفسها، مسندة تقوم على الجدار فهي لا خير فيها.
فهؤلاء الذين يزينون للناس بأساليب القول سواء في العقيدة، أو
(2/21)

في السلوك، أو في المنهج يجب الحذر منهم، وأن تعرض أقوالهم، وأفعالهم على كتاب الله وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فما خالفهما فهو باطل مهما كان، ولا تقولن: إن هؤلاء القوم أعطوا فصاحة وبيانا لينصروا الحق، فإن الله تعالى قد يبتلي فيعطي الإنسان فصاحة وبيانا، وإن كان على باطل، كما ابتلى الله الناس بالدجال وهو على باطل بلا شك.
(150) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم من أنكر حياة الآخرة، وزعم أن ذلك من خرافات القرون الوسطى؟ وكيف يمكن إقناع هؤلاء المنكرين؟
فأجاب بقوله: من أنكر حياة الآخرة، وزعم أن ذلك من خرافات القرون الوسطى فهو كافر، لقول الله - تعالى -: {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} . وقال - تعالى -: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} ، وقال-تعالى-: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} وقال - تعالى-: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
(2/22)

وأما إقناع هؤلاء المنكرين فبما يأتي:
أولا: أن أمر البعث تواتر به النقل عن الأنبياء والمرسلين في الكتب الإلهية، والشرائع السماوية، وتلقته أممهم بالقبول، فكيف تنكرونه، وأنتم تصدقون بما ينقل إليكم عن فيلسوف، أو صاحب مبدأ أو فكرة، وإن لم يبلغ ما بلغه الخبر عن البعث، لا في وسيلة النقل، ولا في شهادة الواقع؟ !!
ثانيا: أن أمر البعث قد شهد العقل بإمكانه، وذلك من وجوه:
1 - كل أحد لا ينكر أن يكون مخلوقا بعد العدم، وأنه حادث بعد أن لم يكن، فالذي خلقه وأحدثه بعد أن لم يكن، قادر على إعادته بالأولى، كما قال الله - تعالى -: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} ، وقال تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} .
2 - كل أحد لا ينكر عظمة خلق السماوات والأرض لكبرهما، وبديع صنعتهما، فالذي خلقهم قادر على خلق الناس وإعادتهم بالأولى؛ قال الله تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} . وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . وقال
(2/23)

تعالى-: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .
3 - كل ذي بصر يشاهد الأرض مجدبة ميتة النبات، فإذا نزل المطر عليها أخصبت، وحيي نباتها بعد الموت، والقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى وبعثهم، قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
ثالثا: أن أمر البعث قد شهد الحس والواقع بإمكانه، فيما أخبرنا الله تعالى به من وقائع إحياء الموتى، وقد ذكر الله - تعالى - من ذلك في سورة البقرة خمس حوادث، منها قوله: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
رابعا: أن الحكمة تقتضي البعث بعد الموت؛ لتجازى كل نفس بما كسبت، ولولا ذلك لكان خلق الناس عبثا لا قيمة له، ولا حكمة منه، ولم يكن بين الإنسان، وبين البهائم فرق في هذه الحياة. . قال الله - تعالى -:
(2/24)

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} ، وقال الله - تعالى -: ( {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} ، وقال- تعالى-: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ، وقال - تعالى -: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} .
فإذا بينت هذه البراهين لمنكري البعث، وأصروا على إنكارهم، فهم مكابرون معاندون، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} .
(151) وسئل فضيلة الشيخ: هل عذاب القبر على البدن، أو على الروح؟ .
فأجاب بقوله: الأصل أنه على الروح؛ لأن الحكم بعد الموت للروح، والبدن جثة هامدة، ولهذا لا يحتاج البدن إلى إمداد لبقائه، فلا يأكل ولا يشرب، بل تأكله الهوام، فالأصل أنه على الروح، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الروح قد تتصل بالبدن فيعذب أو ينعم معها، وأن لأهل السنة قولا آخر بأن العذاب، أو النعيم يكون للبدن دون الروح، واعتمدوا في
(2/25)

ذلك على أن هذا قد رئي حسّا في القبر، فقد فتحت بعض القبور ورئي أثر العذاب على الجسم، وفتحت بعض القبور ورئي أثر النعيم على الجسم.
وقد حدثني بعض الناس أنهم في هذا البلد هنا في عنيزة كانوا يحفرون لسور البلد الخارجي، فمروا على قبر فانفتح اللحد فوجد فيه ميت أكلت كفنه الأرض، وبقي جسمه يابسا لكن لم تأكل منه شيئا حتى إنهم قالوا: إنهم رأوا لحيته، وفيها الحنا وفاح عليهم رائحة كأطيب ما يكون من المسك، فتوقفوا، وذهبوا إلى الشيخ وسألوه، فقال: دعوه على ما هو عليه واجنبوا عنه، احفروا من يمين أو من يسار.
فبناء على ذلك قال العلماء: إن الروح قد تتصل في البدن، فيكون العذاب على هذا وهذا، وربما يستأنس لذلك بالحديث الذي قال فيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن القبر ليضيق على الكافر حتى تختلف أضلاعه» ، فهذا يدل على أن العذاب يكون على الجسم؛ لأن الأضلاع في الجسم، والله أعلم.
(152) وسئل فضيلة الشيخ: ما المراد بالقبر، هل هو مدفن الميت أو البرزخ؟ .
فأجاب: أصل القبر مدفن الميت، قال الله - تعالى -: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} ، قال ابن عباس: أي أكرمه بدفنه. وقد يراد به البرزخ الذي بين موت الإنسان وقيام الساعة، وإن لم يدفن، كما قال - تعالى -: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} . يعني من وراء الذين ماتوا؛ لأن أول الآية يدل
(2/26)

على هذا: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} .
ولكن هل الداعي إذا دعا «أعوذ بالله من عذاب القبر» ، يريد عذاب مدفن الموتى، أو من عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام الساعة؟ .
الجواب: يريد الثاني؛ لأن الإنسان في الحقيقة لا يدري هل يموت ويدفن، أو يموت وتأكله السباع، أو يحترق، ويكون رمادا ما يدري! {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} ، فاستحضر أنك إذا قلت: من عذاب القبر، أي من العذاب الذي يكون للإنسان بعد موته إلى قيام الساعة.
(153) وسئل فضيلته: هل عذاب القبر ثابت؟ .
فأجاب بقوله: عذاب القبر ثابت بصريح السنة، وظاهر القرآن، وإجماع المسلمين هذه ثلاثة أدلة:
أما صريح السنة، فقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام -: «تعوذوا بالله من عذاب القبر، تعوذوا بالله من عذاب القبر، تعوذوا بالله من عذاب القبر» .
وأما إجماع المسلمين، فلأن جميع المسلمين يقولون في صلاتهم: " أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر"، حتى العامة الذين ليسوا من أهل الإجماع، ولا من العلماء.
(2/27)

وأما ظاهر القرآن، فمثل قوله- تعالى- في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} ، ولا شك أن عرضهم على النار ليس من أجل أن يتفرجوا عليها، بل من أجل أن يصيبهم من عذابها، وقال - تعالى -: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} . الله أكبر إنهم لشحيحون بأنفسهم ما يريدون أن تخرج {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} . فقال: (اليوم) و" ال " هنا للعهد الحضوري، اليوم يعني: اليوم الحاضر، الذي هو يوم وفاتهم، {تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} .
إذن فعذاب القبر ثابت بصريح السنة، وظاهر القرآن، وإجماع المسلمين، وهذا الظاهر من القرآن يكاد يكون كالصريح؛ لأن الآيتين اللتين ذكرناهما كالصريح في ذلك.
(154) وسئل فضيلته: هل عذاب القبر يشمل المؤمن العاصي، أو هو خاص بالكفار؟ .
فأجاب فضيلته: عذاب القبر المستمر يكون للمنافق والكافر. وأما المؤمن العاصي فإنه قد يعذب في قبره؛ لأنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بقبرين، فقال: " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من»
(2/28)

«البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» . وهذا معروف أنهما كانا مسلمين.
(155) وسئل الشيخ: إذا لم يدفن الميت فأكلته السباع، أو ذرته الرياح فهل يعذب عذاب القبر؟ .
فأجاب قائلا: نعم، ويكون العذاب على الروح؛ لأن الجسد قد زال وتلف وفني، وإن كان هذا أمرا غيبيا لا أستطيع أن أجزم بأن البدن لا يناله من هذا العذاب، ولو كان قد فني واحترق؛ لأن الأمر الأخروي لا يستطيع الإنسان أن يقيسه على المشاهد في الدنيا.
(156) سئل فضيلة الشيخ: كيف نجيب من ينكر عذاب القبر، ويحتج بأنه لو كشف القبر لوجد لم يتغير، ولم يضق، ولم يتسع؟ .
فأجاب - حفظه الله - بقوله: يجاب من أنكر عذاب القبر بحجة أنه لو كشف القبر لوجد أنه لم يتغير بعدة أجوبة منها:
أولا: أن عذاب القبر ثابت بالشرع، قال الله - تعالى - في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} ، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع، ثم أقبل بوجهه، فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر» . وقول النبي - صلى الله
(2/29)

عليه وسلم - في المؤمن: «يفسح له في قبره مد بصره» إلى غير ذلك من النصوص، فلا يجوز معارضة هذه النصوص بوهم من القول، بل الواجب التصديق والإذعان.
ثانيا: أن عذاب القبر على الروح في الأصل، وليس أمرا محسوسا على البدن، فلو كان أمرا محسوسا على البدن لم يكن من الإيمان بالغيب، ولم يكن للإيمان به فائدة، لكنه من أمور الغيب، وأحوال البرزخ لا تقاس بأحوال الدنيا.
ثالثا: أن العذاب، والنعيم، وسعة القبر، وضيقه، إنما يدركه الميت دون غيره، والإنسان قد يرى في المنام وهو نائم على فراشه أنه قائم، وذاهب وراجع، وضارب ومضروب، ويرى أنه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج، والذي حوله لا يرى ذلك ولا يشعر به.
والواجب على الإنسان في مثل هذه الأمور أن يقول: سمعنا وأطعنا، وآمنا وصدقنا.
(157) وسئل فضيلته: هل عذاب القبر دائم أو منقطع؟ .
فأجاب بقوله: أما إن كان الإنسان كافرا - والعياذ بالله - فإنه لا طريق إلى وصول النعيم إليه أبدا، ويكون عذابه مستمرا.
وأما إن كان عاصيا وهو مؤمن، فإنه إذا عذب في قبره يعذب بقدر ذنوبه، وربما يكون عذاب ذنوبه أقل من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة، وحينئذٍ يكون منقطعا.
(158) وسئل فضيلة الشيخ: هل يخفف عذاب القبر عن المؤمن العاصي؟ .
(2/30)

فأجاب قائلا: نعم، قد يخفف؛ لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بقبرين، فقال: " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير؛ أما أحدهما: فكان لا يستبرئ "، أو قال: " لا يستتر من البول، وأما الآخر: فكان يمشي بالنميمة "، ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، وقال: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» ، وهذا دليل على أنه قد يخفف العذاب، ولكن ما مناسبة هاتين الجريدتين لتخفيف العذاب عن هذين المعذبين؟ .
1 - قيل: لأنهما أي الجريدتين تسبحان ما لم تيبسا، والتسبيح يخفف من العذاب على الميت، وقد فرعوا على هذه العلة المستنبطة - التي قد تكون مستبعدة - أنه يسن للإنسان أن يذهب إلى القبور، ويسبح عندها من أجل أن يخفف عنها.
2 - وقال بعض العلماء: هذا التعليل ضعيف؛ لأن الجريدتين تسبحان سواء كانتا رطبتين أم يابستين؛ لقوله تعالى- {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} . وقد سمع تسبيح الحصى بين يدي الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع أن الحصى يابس، إذن ما العلة؟ .
العلة: أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ترجى من الله - عز وجل - أن يخفف عنهما من العذاب ما دامت هاتان الجريدتان رطبتين؛ يعني أن المدة ليست طويلة، وذلك من أجل التحذير عن فعلهما؛ لأن فعلهما كبير، كما جاء في الرواية: " بلى إنه كبير "، أحدهما: لا يستبرئ من البول، وإذا لم يستبرئ من البول صلى بغير طهارة، والآخر: يمشي بالنميمة، يفسد بين عباد الله - والعياذ بالله - ويلقي بينهم العداوة، والبغضاء، فالأمر كبير، وهذا
(2/31)

هو الأقرب أنها شفاعة مؤقتة؛ تحذيرا للأمة لا بخلا من الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالشفاعة الدائمة.
ونقول استطرادا: إن بعض العلماء - عفا الله عنهم - قالوا: يسن أن يضع الإنسان جريدة رطبة، أو شجرة، أو نحوها على القبر ليخفف عنه، لكن هذا الاستنباط بعيد جدا، ولا يجوز أن نصنع ذلك لأمور:
أولا: أننا لم يكشف لنا أن هذا الرجل يعذب بخلاف النبي، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ثانيا: أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الميت؛ لأننا ظننا به ظن سوء أنه يعذب، وما يدرينا فلعله ينعم، لعل هذا الميت ممن مَنَّ الله عليه بالمغفرة قبل موته؛ لوجود سبب من أسباب المغفرة الكثيرة، فمات وقد عفا رب العباد عنه، وحينئذ لا يستحق عذابا.
ثالثا: أن هذا الاستنباط مخالف لما كان عليه السلف الصالح الذين هم أعلم الناس بشريعة الله، فما فعل هذا أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - فما بالنا نحن نفعله.
رابعا: أن الله - تعالى - قد فتح لنا ما هو خير منه، «فكان النبي - عليه الصلاة والسلام - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: " استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» .
(159) وسئل فضيلته: هل عذاب القبر من أمور الغيب، أو من أمور الشهادة؟ .
فأجاب قائلا: عذاب القبر من أمور الغيب، وكم من إنسان في هذه المقابر يعذب ونحن لا نشعر به، وكم جار له منعم مفتوح له باب إلى الجنة، ونحن لا نشعر به، فما تحت القبور لا يعلمه إلا علام الغيوب، فشأن
(2/32)

عذاب القبر من أمور الغيب، ولولا الوحي الذي جاء به النبي - عليه الصلاة والسلام - ما علمنا عنه شيئا، ولهذا لما دخلت امرأة يهودية إلى عائشة، وأخبرتها أن الميت يعذب في قبره فزعت، حتى جاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأخبرته، وأقر ذلك عليه الصلاة والسلام، ولكن قد يطلع الله - تعالى - عليه من شاء من عباده، مثل ما أطلع نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الرجلين اللذين يعذبان؛ أحدهما: يمشي بالنميمة، والآخر: لا يستنزه من البول.
والحكمة من جعله من أمور الغيب هي:
أولا: أن الله - سبحانه وتعالى - أرحم الراحمين، فلو كنا نطلع على عذاب القبور لتنكد عيشنا؛ لأن الإنسان إذا أطلع على أن أباه، أو أخاه، أو ابنه، أو زوجه، أو قريبه يعذب في القبر، ولا يستطيع فكاكه، فإنه يقلق ولا يستريح، وهذه من نعمة الله -سبحانه -.
ثانيا: أنه فضيحة للميت، فلو كان هذا الميت قد ستر الله عليه، ولم نعلم عن ذنوبه بينه وبين ربه - عز وجل- ثم مات، وأطلعنا الله على عذابه، صار في ذلك فضيحة عظيمة له ففي ستره رحمة من الله بالميت.
ثالثا: أنه قد يصعب على الإنسان دفن الميت، كما جاء عن النبي - عليه الصلاة والسلام - «لولا ألا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر» . ففيه أن الدفن ربما يصعب، ويشق، ولا ينقاد الناس لذلك، وإن كان من يستحق عذاب القبر عذب، ولو على سطح الأرض، لكن قد يتوهم الناس أن العذاب لا يكون إلا في حال الدفن فلا يدفن بعضهم بعضا.
رابعا: أنه لو كان ظاهرا لم يكن للإيمان به مزية؛ لأنه يكون مشاهدا
(2/33)

لا يمكن إنكاره، ثم إنه قد يحمل الناس على أن يؤمنوا كلهم؛ لقوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} ، فإذا رأى الناس هؤلاء المدفونين وسمعوهم يتصارخون آمنوا، وما كفر أحد؛ لأنه أيقن بالعذاب، ورآه رأي العين، فكأنه نزل به، وحكم الله - سبحانه وتعالى - عظيمة، والإنسان المؤمن حقيقة هو الذي يجزم بخبر الله أكثر مما يجزم بما شاهده بعينه؛ لأن خبر الله - عز وجل - لا يتطرق إليه احتمال الوهم ولا الكذب، وما تراه بعينيك يمكن أن تتوهم فيه، فكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال، وإذا هي نجمة، وكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال وإذا هي شعرة بيضاء على حاجبه وهذا وهم، وكم من إنسان يرى شبحا، ويقول: هذا إنسان مقبل، وإذا هو جذع نخلة، وكم من إنسان يرى الساكن متحركا والمتحرك ساكنا، لكن خبر الله لا يتطرق إليه الاحتمال أبدا.
نسأل الله لنا ولكم الثبات، فخبر الله بهذه الأمور أقوى من المشاهدة، مع ما في الستر من المصالح العظيمة للخلق.
(160) وسئل فضيلته: هل سؤال الميت في قبره حقيقي، وأنه يجلس في قبره ويناقش؟ .
فأجاب فضيلته بقوله: سؤال الميت في قبره حقيقي بلا شك، والإنسان في قبره يجلس، ويناقش ويسأل.
فإن قال قائل: إن القبر ضيق فكيف يجلس؟ !
فالجواب: أولا: أن الواجب على المؤمن في الأمور الغيبية أن يقبل ويصدق،
(2/34)

ولا يسأل كيف؟ ولم؟ ؛ لأنه لا يسأل عن كيف ولم إلا من شك، وأما من آمن وانشرح صدره لأخبار الله ورسوله فيسلم، ويقول: الله أعلم في كيفية ذلك.
ثانيا: أن تعلق الروح بالبدن في الموت ليس كتعلقها به في حال الحياة، فللروح مع البدن شئون عظيمة لا يدركها الإنسان، وتعلقها بالبدن بعد الموت لا يمكن أن يقاس بتعلقها به في حال الحياة، وها هو الإنسان في منامه يرى أنه ذهب، وجاء، وسافر، وكلم أناسا، والتقى بأناس؛ أحياء وأموات، ويرى أن له بستانا جميلا، أو دارا موحشة مظلمة، ويرى أنه راكب على سيارة مريحة، ويرى مرة أنه راكب على سيارة مقلقة كل هذا يمكن مع أن الإنسان على فراشه ما تغير، حتى الغطاء الذي عليه لم يتغير، ومع ذلك فإننا نحس بهذا إحساسا ظاهرا؛ فتعلق الروح بالبدن بعد الموت يخالف تعلقها به في اليقظة، أو في المنام، ولها شأن آخر لا ندركه نحن، فالإنسان يمكن أن يجلس في قبره، ويسأل، ولو كان القبر محدودا ضيقا.
هكذا صح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فمنه البلاغ، وعلينا التصديق والإذعان، قال الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .
(161) سئل فضيلة الشيخ: كيف تدنو الشمس يوم القيامة من الخلائق مقدار ميل، ولا تحرقهم، وهي لو دنت عما هي عليه الآن بمقدار شبر واحد لاحترقت الأرض؟ .
(2/35)

فأجاب بقوله: إن وظيفة المؤمن - وهذه قاعدة يجب أن تبنى عليها عقيدتنا - فيما ورد من أخبار الغيب القبول والتسليم، وأن لا يسأل عن كيف؟ ولم؟ ؛ لأن هذا أمر فوق ما تتصوره أنت، فالواجب عليك أن تقبل وتسلم وتقول: آمنا وصدقنا، آمنا بأن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل، وما زاد على ذلك من الإيرادات فهو من البدع، ولهذا لما سئل الإمام مالك - رحمه الله - عن استواء الله كيف استوى؟ قال: " السؤال عنه بدعة ". هكذا أيضا كل أمور الغيب السؤال عنها بدعة، وموقف الإنسان منها القبول والتسليم.
جواب الشق الثاني: بالنسبة لدنو الشمس من الخلائق يوم القيامة فإننا نقول:
إن الأجسام تبعث يوم القيامة لا على الصفة التي عليها في الدنيا من النقص، وعدم التحمل، بل هي تبعث بعثا كاملا تاما، ولهذا يقف الناس يوم القيامة يوما مقداره خمسون ألف سنة لا يأكلون ولا يشربون، وهذا أمر لا يحتمل في الدنيا، فتدنو الشمس منهم وأجسامهم قد أعطيت من القوة ما يتحمل دنوها، ومن ذلك ما ذكرناه من الوقوف خمسين ألف سنة، لا يحتاجون إلى طعام، ولا شراب، فالأجسام يوم القيامة لها شأن آخر غير شأنها في هذه الدنيا.
(162) سئل فضيلة الشيخ: قلتم في الفتوى السابقة رقم "161": إن الأجسام تبعث يوم القيامة لا على الصفة التي هي عليها في الدنيا، والله - عز وجل - يقول: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}
(2/36)

، فنأمل من فضيلتكم توضيح ذلك؟ .
فأجاب فضيلته: هذا لا يشكل على ما قلنا؛ لأن المراد بقوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} من حيث الخلق، فهو كقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} ، فالمعنى: أنه كما بدأ خلقكم، وقدر عليه فإنكم تعودون كذلك بقدرة الله - عز وجل -.
(163) سئل فضيلة الشيخ: كيف نجمع بين قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نوقش الحساب عذب» . رواه البخاري من حديث عائشة، ومناقشة المؤمن في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته» . الحديث رواه البخاري؟ .
فأجاب - رعاه الله وحفظه - بقوله: ليس في هذا إشكال؛ لأن المناقشة معناها: أن يحاسب، فيطالب بهذه النعم التي أعطاه الله إياها؛ لأن الحساب الذي فيه المناقشة معناه: أنك كما تأخذ تعطي، ولكن حساب الله لعبده المؤمن يوم القيامة ليس على هذا الوجه، بل إنه مجرد فضل من الله - تعالى - إذا قرره بذنوبه، وأقر واعترف قال: "سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك
(2/37)

اليوم "، وكلمة نوقش تدل على هذا؛ لأن المناقشة الأخذ والرد في الشيء، والبحث على دقيقه وجليله، وهذا لا يكون بالنسبة لله - عز وجل - مع عبده المؤمن، بل إن الله - تعالى - يجعل الحساب للمؤمنين مبنيا على الفضل والإحسان، لا على المناقشة والأخذ بالعدل.
(164) وسئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته -: كيف يحاسب الكافر يوم القيامة، وهو غير مطالب بالتكاليف الشرعية؟ .
فأجاب بقوله: هذا السؤال مبني على فهم ليس بصحيح، فإن الكافر مطالب بما يطالب به المؤمن، لكنه غير ملزم به في الدنيا، ويدل على أنه مطالب قوله - تعالى -: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} .
فلولا أنهم عوقبوا بترك الصلاة، وترك إطعام المساكين ما ذكروه؛ لأن ذكره في هذه الحال لا فائدة منه، وذلك دليل على أنهم يعاقبون على فروع الإسلام، وكما أن هذا هو مقتضى الأثر، فهو أيضا مقتضى النظر، فإذا كان الله تعالى يعاقب عبده المؤمن على ما أخل به من واجب في دينه فكيف لا يعاقب الكافر؟ ، بل إني أزيدك أن الكافر يعاقب على كل ما أنعم الله به عليه من طعام وشراب وغيره، قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
(2/38)

، فمنطوق الآية رفع الجناح عن المؤمنين فيما طعموه، ومفهومها وقوع الجناح على الكافرين فيما طعموه، وكذلك قوله- تعالى-: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ، فإن قوله: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . دليل على أن غير المؤمن ليس له حق في أن يستمتع بها في الدنيا.
أقول: ليس له حق شرعي، أما الحق بالنظر إلى الأمر الكوني وهو أن الله - سبحانه وتعالى- خلقها، وانتفع بها هذا الكافر، فهذا أمر لا يمكن إنكاره، فهذا دليل على أن الكافر يحاسب حتى على ما أكل من المباحات وما لبس، وكما أن هذا مقتضى الأثر فإنه مقتضى النظر، إذ كيف يحق لهذا الكافر العاصي لله الذي لا يؤمن به كيف يحق له عقلا أن يستمتع بما خلقه الله - عز وجل - وما أنعم الله به على عباده، وإذ تبين لك هذا، فإن الكافر يحاسب يوم القيامة على عمله، ولكن حساب الكافر يوم القيامة ليس كحساب المؤمن؛ لأن المؤمن يحاسب حسابا يسيرا، يخلو به الرب - عز وجل - ويقرره بذنوبه حتى يعترف، ثم يقول له -سبحانه وتعالى-: «قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» .
أما الكافر - والعياذ بالله - فإن حسابه أن يقرر بذنوبه، ويخزى بها على رءوس الأشهاد: {وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} .
(2/39)

(165) سئل فضيلة الشيخ: هل يوم الحساب يوم واحد؟ .
فأجاب قائلا: يوم الحساب يوم واحد، ولكنه يوم مقداره خمسون ألف سنة، كما قال الله - تعالى-: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} أي أن هذا العذاب يقع للكافرين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد» .
وهذا اليوم الطويل هو يوم عسير على الكافرين، كما قال- تعالى -: {وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} ، وقال - تعالى-: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} ، ومفهوم هاتين الآيتين: أنه على المؤمن يسير وهو كذلك، فهذا اليوم الطويل بما فيه من الأهوال، والأشياء العظيمة ييسره الله - تعالى - على المؤمن، ويكون عسيرا على الكافر. وأسأل الله - تعالى - أن يجعلني وإخواني المسلمين ممن يسره الله عليهم يوم القيامة.
والتفكير والتعمق في مثل هذه الأمور الغيبية هو من التنطع، الذي قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون» .
ووظيفة الإنسان في هذه الأمور الغيبية
(2/40)

التسليم، وأخذ الأمور على ظاهر معناها، دون أن يتعمق، أو يحاول القياس بينها وبين الأمور في الدنيا؛ فإن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا، وإن كانت تشبهها في أصل المعنى، وتشاركها في ذلك، لكن بينهما فرق عظيم، وأضرب لك مثلا، بما ذكره الله - سبحانه وتعالى - في الجنة من النخل، والرمان، والفاكهة، ولحم الطير، والعسل والماء، واللبن، والخمر، وما أشبه ذلك مع قوله - عز وجل -: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
وقوله في الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» ، فهذه الأسماء التي لها مسميات بها في هذه الدنيا لا تعني أن المسمى كالمسمى، وإن اشتركا في الاسم وفي أصل المعنى، فكل الأمور الغيبية التي تشارك ما يشاهد في الدنيا في أصل المعنى لا تكون مماثلة له في الحقيقة، فينبغي للإنسان أن ينتبه لهذه القاعدة، وأن يأخذ أمور الغيب بالتسليم على ما يقتضيه ظاهرها من المعنى، وألا يحاول شيئا وراء ذلك.
ولهذا لما سئل الإمام مالك - رحمه الله - عن قول الله تعالى -: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟
أطرق - رحمه الله- برأسه حتى علاه الرحضاء - أي العرق -وصار يتصبب عرقا، وذلك لعظم السؤال في نفسه، ثم رفع رأسه وقال قولته الشهيرة، التي كانت ميزانا لجميع ما وصف الله به نفسه - رحمه الله -: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة " اهـ.
فالسؤال المتعمق في مثل هذه الأمور بدعة؛ لأن الصحابة - رضي الله
(2/41)

عنهم - وهم أشد منا حرصا على العلم، وعلى الخير لم يسألوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثل هذه الأسئلة، وكفى بهم قدوة، وما قلته الآن بالنسبة لليوم الآخر يجرى بالنسبة لصفات الله - عز وجل - التي وصف بها نفسه من العلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام وغير ذلك، فإن مسميات هذه الألفاظ بالنسبة إلى الله - عز وجل - لا يماثلها شيء مما يشاركها في هذا الاسم بالنسبة للإنسان، فكل صفة فإنها تابعة لموصوفها، فكما أن الله - سبحانه وتعالى - لا مثيل له في ذاته فلا مثيل له في صفاته.
وخلاصة الجواب: أن اليوم الآخر يوم واحد، وأنه عسير على الكافرين، ويسير على المؤمنين، وأن ما ورد فيه من أنواع الثواب والعقاب أمر لا يدرك كنهه في هذه الحياة الدنيا، وإن كان أصل المعنى فيه معلوما لنا في هذه الحياة الدنيا.
(166) سئل الشيخ: كيف نجمع بين قول الله - تعالى-: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} ، وقوله: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} ؟ .
فأجاب قائلا: الجمع بينهما أن يقال: يأخذه بشماله، لكن تخلع الشمال إلى الخلف من وراء ظهره، والجزاء من جنس العمل، فكما أن هذا الرجل جعل كتاب الله وراء ظهره، أعطي كتابه يوم القيامة من وراء ظهره جزاء وفاقا.
(2/42)

(167) وسئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيرا -: كيف نجمع بين القول القاضي بأن الذي يوزن يوم القيامة هو العمل، وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عندما انكشفت ساق عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: «والله إنها لأثقل في الميزان من جبل أحد» ؟ .
فأجاب قائلا: الجواب على هذا أن يقال: إما أن يكون هذا خاصا بعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه-، أو يقال: إن بعض الناس يوزن عمله، وبعض الناس يوزن بدنه، أو يقال: إن الإنسان إذا وزن فإنما يثقل، ويرجح بحسب عمله، والله أعلم.
(168) سئل الشيخ: هل الميزان واحد أو متعدد؟ .
فأجاب بقوله: اختلف العلماء في الميزان، هل هو واحد، أو متعدد على قولين؛ وذلك لأن النصوص جاءت بالنسبة للميزان مرة بالإفراد، ومرة بالجمع، مثال الجمع قوله - تعالى -: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} ، وكذلك في قوله: {مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} ، ومثال الإفراد قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان» .
فقال بعض العلماء: إن الميزان واحد، وإنه جمع باعتبار الموزون، أو باعتبار الأمم، فهذا الميزان توزن به أعمال أمة محمد، وأعمال أمة موسى، وأعمال أمة عيسى، وهكذا، فجمع الميزان باعتبار تعدد الأمم.
(2/43)

والذين قالوا: إنه متعدد بذاته قالوا: لأن هذا هو الأصل في التعدد، ومن الجائز أن الله -تعالى- يجعل لكل أمة ميزانا، أو يجعل للفرائض ميزانا، وللنوافل ميزانا.
والذي يظهر - والله أعلم - أن الميزان واحد، لكنه متعدد باعتبار الموزون.
(169) سئل فضيلة الشيخ: كيف توزن الأعمال، وهي أوصاف للعاملين؟ .
فأجاب بقوله: القاعدة في ذلك، كما أسلفنا: أن علينا أن نسلم ونقبل، ولا حاجة لأن نقول: كيف؟ ولم؟ ومع ذلك فإن العلماء - رحمهم الله - قالوا في جواب هذا السؤال: إن الأعمال تقلب أعيانا، فيكون لها جسم يوضع في الكفة فيرجح أو يخف، وضربوا لذلك مثلا، بما صح به الحديث عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أن الموت يجعل يوم القيامة على صورة كبش، فينادى أهل الجنة، يا أهل الجنة، فيطلعون ويشرئبون. وينادى يا أهل النار فيطلعون ويشرئبون ما الذي حدث؟ فيؤتي بالموت على صورة كبش، فيقال: هل تعرفون هذا، فيقولون: نعم، هذا الموت فيذبح الموت بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» .
ونحن نعلم جميعا أن الموت صفة، ولكن الله - تعالى - يجعله عينا قائما بنفسه، وهكذا الأعمال تجعل أعيانا فتوزن، والله أعلم.
(170) سئل فضيلة الشيخ: عن الشفاعة؟ وأقسامها؟ .
فأجاب: الشفاعة: مأخوذة من الشفع، وهو ضد الوتر، وهو جعل
(2/44)

الوتر شفعا، مثل أن تجعل الواحد اثنين، والثلاثة أربعة، وهكذا هذا من حيث اللغة.
أما في الاصطلاح: فهي " التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة "؛ يعني أن يكون الشافع بين المشفوع إليه، والمشفوع له واسطة لجلب منفعة إلى المشفوع له، أو يدفع عنه مضرة.
والشفاعة نوعان:
النوع الأول: شفاعة ثابتة صحيحة، وهي التي أثبتها الله - تعالى - في كتابه، أو أثبتها رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص؛ لأن «أبا هريرة - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه» .
وهذه الشفاعة لها شروط ثلاثة:
الشرط الأول: رضا الله عن الشافع.
الشرط الثاني: رضا الله عن المشفوع له.
الشرط الثالث: إذن الله- تعالى - للشافع أن يشفع. وهذه الشروط مجملة في قوله تعالى-: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} ، ومفصلة في قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} ، وقوله: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} .
(2/45)

وقوله: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} ، فلا بد من هذه الشروط الثلاثة حتى تتحقق الشفاعة.
ثم إن الشفاعة الثابتة ذكر العلماء - رحمهم الله تعالى - أنها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الشفاعة العامة، ومعنى العموم: أن الله - سبحانه وتعالى - يأذن لمن شاء من عباده الصالحين أن يشفعوا لمن أذن الله لهم بالشفاعة فيهم، وهذه الشفاعة ثابتة للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولغيره من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وهي أن يشفع في أهل النار من عصاة المؤمنين أن يخرجوا من النار.
القسم الثاني: الشفاعة الخاصة: التي تختص بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأعظمها الشفاعة العظمى التي تكون يوم القيامة، حين يلحق الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله - عز وجل - أن يريحهم من هذا الموقف العظيم، فيذهبون إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى وكلهم لا يشفع حتى تنتهي إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقوم ويشفع عند الله - عز وجل- أن يخلص عباده من هذا الموقف العظيم، فيجيب الله - تعالى - دعاءه، ويقبل شفاعته، وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله - تعالى - به في قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} .
ومن الشفاعة الخاصة بالرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فإن أهل الجنة إذا عبروا الصراط أوقفوا على
(2/46)

قنطرة بين الجنة والنار، فتمحص قلوب بعضهم من بعض حتى يهذبوا وينقوا، ثم يؤذن لهم في دخول الجنة، فتفتح أبواب الجنة بشفاعة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
النوع الثاني: الشفاعة الباطلة التي لا تنفع أصحابها، وهي ما يدعيه المشركون من شفاعة آلهتهم لهم عند الله - عز وجل -، فإن هذه الشفاعة لا تنفعهم، كما قال الله - تعالى -: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} ، وذلك؛ لأن الله - تعالى - لا يرضى لهؤلاء المشركين شركهم، ولا يمكن أن يأذن بالشفاعة لهم؛ لأنه لا شفاعة إلا لمن ارتضاه الله - عز وجل -، والله لا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، فتعلق المشركين بآلهتهم يعبدونها، ويقولون: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} . تعلق باطل غير نافع، بل هذا لا يزيدهم من الله - تعالى- إلا بعدا، على أن المشركين يرجون شفاعة أصنامهم بوسيلة باطلة، وهي عبادة هذه الأصنام، وهذا من سفههم أن يحاولوا التقرب إلى الله - تعالى - بما لا يزيدهم منه إلا بعدا.
(171) وسئل - حفظه الله - عن: قول النبي، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يقول الله - تعالى-: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط» . رواه مسلم، ما معنى قوله: " لم يعملوا خيرا قط "؟ .
(2/47)

فأجاب فضيلته بقوله: معنى قوله: " لم يعملوا خيرا قط " أنهم ما عملوا أعمالا صالحة، لكن الإيمان قد وقر في قلوبهم، فإما أن يكون هؤلاء قد ماتوا قبل التمكن من العمل؛ آمنوا ثم ماتوا قبل أن يتمكنوا من العمل، وحينئذ يصدق عليهم أنهم لم يعملوا خيرا قط.
وإما أن يكون هذا الحديث مقيدا بمثل الأحاديث الدالة على أن بعض الأعمال الصالحة تركها كفر، كالصلاة مثلا؛ فإن من لم يصل فهو كافر، ولو زعم أنه مؤمن بالله ورسوله، والكافر لا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة، وهو خالد مخلد في النار أبد الآبدين - والعياذ بالله -.
فالمهم أن هذا الحديث إما أن يكون في قوم آمنوا ولم يتمكنوا من العمل، فماتوا فور إيمانهم، فما عملوا خيرا قط.
وإما أن يكون هذا عاما، ولكنه يستثنى منه ما دلت النصوص الشرعية، على أنه لا بد أن يعمل كالصلاة، فمن لم يصل فهو كافر لا تنفعه الشفاعة، ولا يخرج من النار.
(172) سئل فضيلة الشيخ: عن مصير أهل الفترة؟ .
فأجاب بقوله: الصحيح أن أهل الفترة قسمان:
القسم الأول: من قامت عليه الحجة، وعرف الحق، لكنه اتبع ما وجد عليه آباءه، وهذا لا عذر له فيكون من أهل النار.
القسم الثاني: من لم تقم عليه الحجة، فإن أمره لله - عز وجل -، ولا نعلم عن مصيره، وهذا ما لم ينص الشارع عليه. أما من ثبت أنه في النار بمقتضى دليل صحيح فهو في النار.
(2/48)

(173) وسئل: عن مصير أطفال المؤمنين، وأطفال المشركين الذين ماتوا صغارا؟
فأجاب فضيلته قائلا: مصير أطفال المؤمنين الجنة؛ لأنهم تبع لآبائهم قال - تعالى-: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} .
وأما أطفال غير المؤمنين؛ يعني الطفل الذي نشأ من أبوين غير مسلمين، فأصح الأقوال فيهم أن نقول: الله أعلم بما كانوا عاملين، فهم في أحكام الدنيا بمنزلة آبائهم، أما في أحكام الآخرة، فإن الله - تعالى - أعلم بما كانوا عاملين، كما قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والله أعلم بمصيرهم هذا ما نقوله، وهو في الحقيقة أمر لا يعنينا كثيرا، إنما الذي يعنينا هو حكمهم في الدنيا، وأحكامهم في الدنيا - أعني أولاد المشركين - أحكامهم في الدنيا أنهم كالمشركين لا يغسلون، ولا يكفنون، ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين. والله أعلم.
(174) وسئل فضيلته: إذا كانت الجنة عرضها كعرض السماوات والأرض، فأين تكون النار في هذا الكون الذي ليس فيه إلا السماوات والأرض؟ .
فقال حفظه الله - تعالى -: قبل الجواب على هذا يجب أن نقدم مقدمة، وهي أن ما جاء في كتاب الله، وما صح عن رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنه حق، ولا يمكن أن يخالف الأمر الواقع، فإن الأمر الواقع المحسوس لا يمكن إنكاره، وما دل عليه الكتاب والسنة فإنه حق لا يمكن إنكاره، ولا
(2/49)

يمكن تعارض حقين على وجه لا يمكن الجمع بينهما، وقد ثبت في القرآن أن الجنة عرضها كعرض السماء والأرض، قال الله - تعالى -: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} . وفي الآية الأخرى: {عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} ، وهذا حق بلا ريب.
وفي مسند الإمام أحمد: «أن هرقل كتب للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إذا كانت الجنة عرضها السماوات والأرض فأين تكون النار؟ . فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إذا جاء الليل فأين يكون النهار» ؟ فإن صح هذا الحديث، فوجهه أن السماوات والأرض في مكانهما والجنة في مكانها في أعلى عليين، كما أن النهار في مكان والليل في مكان، وإن لم يصح الحديث، فإن في كون الجنة عرضها السماوات والأرض لا يعني أنها قد ملأتهما، ولكن يعني: أن الجنة عظيمة السعة، عرضها كعرض السماوات والأرض.
ثم إن قول السائل: " إن هذا الكون ليس فيه إلا السماوات والأرض" ليس بصحيح، فهذا الكون فيه السماوات والأرض،، وفيه الكرسي والعرش، وقد كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يقول بعد رفعه من ركوعه: «ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد» ، فهناك عالم غير السماوات والأرض لا يعلمه إلا الله، كذلك نحن نعلم منه ما علمنا الله- تعالى - مثل العرش والكرسي، والعرش هو أعلى المخلوقات والله - سبحانه وتعالى - قد استوى عليه استواء يليق بجلاله وعظمته.
(2/50)

(175) وسئل: ما الجنة التي أسكنها الله - عز وجل - آدم وزوجه؟ .

فأجاب بقوله: الصواب أن الجنة التي أسكنها الله- تعالى - آدم وزوجه هي الجنة التي وعد المتقون؛ لأن الله - تعالى - يقول لآدم: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} ، والجنة عند الإطلاق هي جنة الخلد التي في السماء، ولهذا ثبت في الحديث عن النبي - «أن آدم، وموسى تحاجا، فقال له موسى:" لم أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ "» . والله أعلم.

(176) وسئل فضيلة الشيخ: ذكر للرجال الحور العين في الجنة فما للنساء؟ .

فأجاب بقوله: يقول الله - تبارك وتعالى - في نعيم أهل الجنة: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} ، ويقول - تعالى -: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

ومن المعلوم أن الزواج من أبلغ ما تشتهيه النفوس، فهو حاصل في الجنة لأهل الجنة ذكورا كانوا أم إناثا، فالمرأة يزوجها الله - تبارك وتعالى - في الجنة بزوجها الذي كان زوجا لها في الدنيا، كما قال الله - تبارك وتعالى -: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
(2/51)

(177) وسئل - رعاه الله بمنه وكرمه -: إذا كانت المرأة من أهل الجنة، ولم تتزوج في الدنيا، أو تزوجت ولم يدخل زوجها الجنة فمن يكون لها؟ .
فأجاب قائلا: الجواب يؤخذ من عموم قوله - تعالى -: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} ، ومن قوله - تعالى -: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، فالمرأة إذا كانت من أهل الجنة، ولم تتزوج، أو كان زوجها ليس من أهل الجنة فإنها إذا دخلت الجنة فهناك من أهل الجنة من لم يتزوجوا من الرجال وهم -أعني من لم يتزوجوا من الرجال- لهم زوجات من الحور، ولهم زوجات من أهل الدنيا إذا شاءوا، واشتهت ذلك أنفسهم.
وكذلك نقول بالنسبة للمرأة إذا لم تكن ذات زوج، أو كانت ذات زوج في الدنيا، ولكنه لم يدخل معها الجنة: إنها إذا اشتهت أن تتزوج فلا بد أن يكون لها ما تشتهيه لعموم هذه الآيات.
ولا يحضرني الآن نص خاص في هذه المسألة، والعلم عند الله -- تعالى -.
(2/52)

(178) وسئل فضيلته: إذا كانت المرأة لها زوجان في الدنيا فمع من تكون منهما؟ .
ولماذا ذكر الله الزوجات للرجال، ولم يذكر الأزواج للنساء؟ .
فأجاب بقوله: إذا كانت المرأة لها زوجان في الدنيا فإنها تخير بينهما يوم القيامة في الجنة، وإذا لم تتزوج في الدنيا فإن الله - تعالى - يزوجها ما تقر به عينها في الجنة، فالنعيم في الجنة ليس مقصورا على الذكور، وإنما هو للذكور والإناث، ومن جملة النعيم الزواج.
وقول السائل: " إن الله - تعالى - ذكر الحور العين، وهن زوجات، ولم يذكر للنساء أزواجا ".
فنقول: إنما ذكر الزوجات للأزواج؛ لأن الزوج هو الطالب، وهو الراغب في المرأة؛ فلذلك ذكرت الزوجات للرجال في الجنة، وسكت عن الأزواج للنساء، ولكن ليس مقتضى ذلك أنه ليس لهن أزواج، بل لهن أزواج من بني آدم.
(179) وسئل فضيلة الشيخ: كيف رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحوال أهل الجنة، وأحوال أهل النار ليلة الإسراء والمعراج، مع أن الساعة لم تقم بعد؟ .
فأجاب بقوله: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبرنا بذلك وأنه رأى الجنة والنار، ورأى أقواما يعذبون وأقواما ينعمون، والله أعلم بكيفية ذلك؛ لأن أمور الغيب لا يدركها الحس، فمثل هذه الأمور إذا جاءت يجب علينا أن نؤمن بها كما جاءت، وأن لا نتعرض لطلب الكيفية. ولم؟ ؛ لأن عقولنا أقصر وأدنى من أن تدرك هذا الأمر، فقد أخبر النبي، - صلى الله عليه
(2/53)

وسلم - عن أمور لا يمكن إدراكها بالعقل، أخبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بأن الله عز وجل - ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة، ومعلوم الآن أن ثلث الليل يدور على الكرة الأرضية، فإذا انتقل من جهة حل في جهة أخرى، فقد تقول: كيف ذلك؟
فنقول: عليك أن تؤمن بما أخبرك به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا تقل: كيف؟ ؛ لأن عقلك أدنى، وأقصر من أن يحيط بمثل هذه الأمور الغيبية، فعلينا أن نستسلم، ولا نقول: كيف؟ ولم؟ ، ولهذا قال بعض العلماء كلمة نافعة قال: " قل: بم أمر الله؟ ولا تقل: لم أمر الله؟ " والله ولي التوفيق.
(180) سئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته-: هل الجنة والنار موجودتان الآن؟ .
فأجاب بقوله: نعم، الجنة والنار موجودتان الآن، ودليل ذلك من الكتاب والسنة.
أما الكتاب: فقال الله - تعالى - في النار: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} ، والإعداد بمعنى التهيئة، وفي الجنة قال الله - تعالى -: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} ، والإعداد أيضا التهيئة.
وأما السنة: فقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما في قصة كسوف الشمس، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قام يصلي، فعرضت عليه الجنة والنار، وشاهد الجنة حتى هم أن يتناول منها عنقودا، ثم بدا له أن
(2/54)

لا يفعل عليه الصلاة والسلام، وشاهد النار، ورأى فيها عمرو بن لحي الخزاعي، يجر قصبه في النار - والعياذ بالله - يعني أمعاءه قد اندلقت من بطنه فهو يجرها في النار؛ لأن الرجل أول من أدخل الشرك على العرب، فكان له كفل من العذاب الذي يصيب من بعده، ورأى امرأة تعذب في النار في هرة حبستها حتى ماتت؛ فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، فدل ذلك على أن الجنة والنار موجودتان الآن.
(181) وسئل فضيلته: هل النار مؤبدة أو تفنى؟ .
فأجاب بقوله: المتعين قطعا أنها مؤبدة، ولا يكاد يعرف عند السلف سوى هذا القول، ولهذا جعله العلماء من عقائدهم، بأن نؤمن ونعتقد بأن النار مؤبدة أبد الآبدين، وهذا الأمر لا شك فيه؛ لأن الله - تعالى - ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع من القرآن:
الأول: في سورة النساء في قوله - تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} .
والثاني: في سورة الأحزاب {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} .
والثالث: في سورة الجن {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} .
(2/55)

ولو ذكر الله - عز وجل - التأبيد في موضع واحد لكفى، فكيف وهو قد ذكره في ثلاثة مواضع؟ ! ومن العجب أن فئة قليلة من العلماء ذهبوا إلى أنها تفنى بناء على علل عليلة؛ لمخالفتها لمقتضى الكتاب والسنة، وحرفوا من أجلها الكتاب والسنة، فقالوا: إن " خالدين فيها أبدا " ما دامت موجودة فكيف هذا؟ !!!
إذا كانوا خالدين فيها أبدا، لزم أن تكون هي مؤبدة " فيها " هم كائنون فيها، وإذا كان الإنسان خالدا مؤبدا تخليده، لزم أن يكون مكان الخلود مؤبدا؛ لأنه لو فني مكان الخلود ما صح تأبيد الخلود، والآية واضحة جدا، والتعليلات الباردة المخالفة للنص مردودة على صاحبها، وهذا الخلاف الذي ذكر عن فئة قليلة من أهل العلم خلاف مطرح؛ لأنه مخالف للنص الصريح الذي يجب على كل مؤمن أن يعتقده، ومن خالفه لشبهة قامت عنده، فيعذر عند الله، لكن من تأمل نصوص الكتاب والسنة عرف أن القول بتأبيدها هو الحق، الذي لا يحق العدول عنه.
والحكمة تقتضي ذلك؛ لأن هذا الكافر أفنى عمره، كل عمره في محاربة الله - عز وجل - ومعصية الله، والكفر به، وتكذيب رسله مع أنه جاءه النذير وأعذر وبين له الحق، ودعي إليه، وقوتل عليه، وأصر على الكفر والباطل فكيف نقول: إن هذا لا يؤبد عذابه؟ ! والآيات في هذا صريحة كما تقدم.
(182) وسئل فضيلة الشيخ: هل هناك ناران؛ نار لأهل الكفر، ونار لأهل المعاصي الذين يعذبون فيها، ثم يخرجون؟
فأجاب بقوله: زعم بعض العلماء ذلك، وقال: إن النار ناران: نار لأهل الكفر، ونار لأهل المعاصي من المؤمنين، وبينهما فرق، ولكن هذا لا
(2/56)

أعلم له دليلا، لكن عذابهما يختلف، لا شك أنها على عصاة المؤمنين ليست، كما هي على الكافرين، وكوننا نقول بالتقسيم بناء على استبعاد عقولنا أن تكون نار واحدة، تؤثر تأثيرين مختلفين لا ينبغي؛ لأن هذا الاستبعاد لا وجه له لأمرين:
الأمر الأول: أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قادر على أن يجعل النار الواحدة لشخص سلاما، ولآخر عذابا.
الأمر الثاني: أن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا أبدا لظهور الفرق العظيم بينهما، فلا يجوز أن تقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا لتنفي ما لا يتسع له عقلك، بل عليك بالنسبة لأحوال الآخرة أن تسلم، وتقبل، وتصدق، أليست هذه الشمس ستدنو من الخلائق قدر ميل يوم القيامة؟
ولو كانت أحوال الناس يوم القيامة كأحوالهم في الدنيا لأحرقتهم؛ لأن هذه الشمس في أوجها لو أنها نزلت ولو يسيرا أحرقت الأرض، ومحتها عن آخرها، ونحن نحس بحرارتها الآن، وبيننا وبينها مسافات عظيمة، لا سيما في أيام الصيف حين تكون عمودية، ومع ذلك تدنو من الخلائق يوم القيامة على قدر ميل، ولا يحترقون بها.
كذلك أيضا في يوم القيامة الناس في مقام واحد، المؤمنون لهم نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، والكفار في ظلمة، لكن في الدنيا لو كان بجانبك واحد على يمينه نور، وبن يديه نور فإنك تنتفع به، أما في الآخرة فلا.
وفي الآخرة أيضا يعرق الناس فيختلف العرق اختلافا عظيما بينهم، وهم في مكان واحد، فمن الناس من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق، وهم في مكان واحد.
فالمهم: أنه لا يجوز أن نقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا، ثم نذهب،
(2/57)

ونحدث أشياء لم تأت في الكتاب والسنة، كتقسيم النار إلى نارين: نار للعصاة، ونار للكافرين، فالذي بلغنا، ووصل إليه علمنا: أنها نار واحدة، لكنها تختلف.
(183) سئل فضيلة الشيخ: هل نار جهنم لها اسم واحد، أو أسماء متعددة؟ .
فأجاب قائلا: نار جهنم لها أسماء متعددة، وهذا التعدد في الأسماء لاختلاف صفاتها، فتسمى الجحيم، وتسمى جهنم، ولظى، والسعير، وسقر، والحطمة، والهاوية، بحسب اختلاف الصفات والمسمى واحد، فكل ما صح في كتاب الله أو سنة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أسمائها فإنه يجب على المؤمن أن يصدق به ويثبته.
(184) وسئل فضيلة الشيخ: إذا استعاذ الإنسان من عذاب جهنم، فهل المراد أنه يعوذ بالله من المعاصي المؤدية إلى جهنم، أو يتعوذ بالله من جهنم؟ .
فأجاب بقوله: يشمل الأمرين فهو يستعيذ بالله من عذاب جهنم، أي من فعل الأسباب المؤدية إلى عذاب جهنم، ومن عذاب جهنم، أي من عقوبة جهنم إذا فعل الأسباب التي توجب ذلك؛ لأن الإنسان بين أمرين: إما عصمة من الذنوب، فهذه إعاذة من فعل السبب، وإما عفو عن الذنوب، وهذه إعاذة من العذاب، وقولنا: العصمة من الذنوب ليس معناه العصمة المطلقة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» . وقال: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» .
(2/58)

(185) وسئل فضيلة الشيخ: هل عذاب النار حقيقي، أو أن أهلها يكونون فيها كأنهم حجارة لا يتألمون؟
فأجاب فضيلته: عذاب أهل النار حقيقي بلا ريب، ومن قال خلاف ذلك فقد أخطأ، وأبعد النجعة، فأهلها يعذبون فيها، ويألمون ألما عظيما شديدا، كما قال - تعالى - في عدة آيات: {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} حتى إنهم يتمنون الموت، والذي يتمنى الموت هل يقال: إنه يتألم، أو إنه تأقلم؟ !
لو تأقلم ما تألم، ولا دعا الله أن يقضي عليه {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} . إذن هم يتألمون بلا شك، والحرارة النارية تؤثر على أبدانهم ظاهرها وباطنها، قال الله - تعالى - في كتابه العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} .
وهذا واضح أن ظاهر أبدانهم يتألم وينضج، وقال - تعالى -: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ} . وشيُّ الوجوه، واللحم معروف فهم إذا استغاثوا ( {يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} بعد مدة طويلة، وهذا الماء إذا أقبل على وجوههم شواها، وتساقطت والعياذ بالله، فإذا شربوه قطع أمعاءهم {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} . وهذا عذاب الباطن، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أهون أهل النار عذابا: «إنه في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه» . أعوذ بالله الدماغ يغلي!
(2/59)

فما بالك بما دونه مما هو أقرب إلى النعلين! وهذا دليل واضح على أنهم يتألمون، وأن هذه النار تؤثر فيهم، وكذلك قال - تعالى -: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} أي المحرق، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة واضحة، تدل على بطلان قول: من قال " إنهم يكونون كالحجارة لا يتألمون".
(186) وسئل فضيلة الشيخ: هل النار في السماء أو في الأرض؟
فأجاب قائلا: هي في الأرض، ولكن قال بعض أهل العلم: إنها هي البحار، وقال آخرون: هي في باطن الأرض، والذي يظهر أنها في باطن الأرض، ولكن ما ندري أين هي من الأرض؟ نؤمن بأنها في الأرض، وليست في السماء، ولكن لا نعلم في أي مكان هي على وجه التعيين. والدليل على أن النار في الأرض ما يلي:
قال الله - تعالى -: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} . وسجين هي الأرض السفلى، كذلك جاء في الحديث فيمن احتضر، وقبض من الكافرين فإنها لا تفتح لهم أبواب السماء، ويقول الله - تعالى -: «اكتبوا كتاب عبدي في سجين، وأعيدوه إلى الأرض» ولو كانت النار في السماء لكانت تفتح لهم أبواب السماء ليدخلوها؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى أصحابها يعذبون فيها، وإذا كانت في السماء لزم من دخولهم في النار التي في السماء أن تفتح أبواب السماء.
لكن بعض الناس استشكل، وقال: كيف يراها الرسول - صلى الله
(2/60)

عليه وسلم - ليلة عرج به وهي في الأرض؟ !
وأنا أعجب لهذا الاستشكال، إذا كنا ونحن في الطائرة نرى الأرض تحتنا بعيدة، وندركها، فكيف لا يرى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النار وهو في السماء؟ !
فالحاصل: أنها في الأرض، وقد روي في هذا أحاديث لكنها ضعيفة، وروي آثار عن السلف كابن عباس، وابن مسعود، وهو ظاهر القرآن {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} . والذين كذبوا بالآيات، واستكبروا عنها لا شك أنهم في النار.
(187) سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله-: هل ما يذكر من أن أكثر أهل النار النساء صحيح؟ ولماذا؟ .
فأجاب بقوله: هذا صحيح، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لهن وهو يخطب فيهن: «يا معشر النساء، تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار» ، وقد أورد على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هذا الإشكال الذي أورده السائل، قلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» . فبين النبي، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أسباب كثرتهن في النار؛ لأنهن يكثرن السب، واللعن، والشتم، ويكفرن العشير، الذي هو الزوج، فصرن بذلك أكثر أهل النار.
(2/61)

(188) سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: عن أسماء القيامة، وسبب تعددها؟ .
فأجاب - حفظه الله - بقوله: الأسماء لا يمكنني الآن حصرها، لكن سبب تعددها أنها أسماء تدل على أوصاف، فهي: الساعة، وكلمة الساعة تقال في اللغة العربية؛ لما يقع فيه الأمر العظيم الشديد الشاق، وتسمى الحاقة؛ لكونها حقا، ووصفها الله - جل جلاله - أن زلزلتها شيء عظيم؛ لما فيها من الأهوال، ووصفت بالقارعة إلى غير ذلك من الأوصاف التي كل وصف منها يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، أو الوصف الآخر، فهذه هي الحكمة من تعدد أوصافها، وذكرها حتى يكون ذلك أبلغ في الإيمان بها، وأقوم للاستعداد لها.
(189) سئل فضيلته - حفظه الله -: هل صح حديث خروج السفياني في علامات الساعة؟ وكذا هل صحت أيضا أحاديث خروج الرايات السود؟ .
فأجاب - حفظه الله- بقوله: حديث السفياني أخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: حديث صحيح الإسناد، ولكن الحاكم - رحمه الله - معروف بالتساهل بالتصحيح، فالله أعلم، وأما الرايات السود فلا أدري.
(2/62)

رسالة
(2/64)

لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: فإن الله - تعالى - قال في كتابه المبين: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} ، وقال: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} . وقال جل ذكره: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} .
وأمر نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يعلن للملأ قوله: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} . وقوله: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} ، وقوله: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا}
(2/65)

{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} .
فبين الله - تعالى - في هذه الآيات الكريمة أن غيب السماوات والأرض لله - تعالى - وحده لا يشركه فيه غيره، ولا يظهر سبحانه أحدا على هذا الغيب إلا من ارتضاه من الرسل الكرام.
وكل علم يتعلق بالمستقبل فإنه من علم الغيب، كما قال - تعالى -: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} .
ومن ذلك علم قيام الساعة، فإنه من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ولم يطلع الله عليه أحدا من خلقه، حتى أشرف الرسل من الملائكة والبشر لا يعلمونه، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «أن جبريل أتى إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة، فسأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، فبينها له، ثم قال: أخبرني عن الساعة؟ فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل "، قال فأخبرني عن أماراتها؟ فأخبره بشيء منها.» .
فقوله - صلي الله عليه وسلم -: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» ؛ يعني أن علمي، وعلمك فيها سواء، فلست أعلم بها منك حتى أخبرك، فإذا كنت لا تعلمها فأنا لا أعلمها، فإذا انتفى علمها عن أفضل الرسل من الملائكة، وأفضل الرسل
(2/66)

من البشر فانتفاء علمها عمن سواهما أولى.
وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة بنفي علم الخلق بوقت الساعة بخصوصه.
فالآية الأولى قوله - تعالى - في سورة الأعراف: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون أن علمها عند الله - تعالى - فهم يسألون عنها.
وقد أكد الله - تعالى - أن علمها عنده وحده في جمل أربع، وهي قوله:
{إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) . (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} . وهذه الجمل أفادت اختصاص علمها بالله - عز وجل - بدلالة الحصر التي هي من أقوى دلالات الاختصاص.
أما الجملة الرابعة، فهي قوله: {لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} . فإن الناس لو أمكنهم العلم بها ما جاءتهم بغتة؛ لأن المباغتة لا تكون في الشيء المعلوم.
فإن قال قائل: ألا يحتمل أن يكون في قوله - تعالى -: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} دليل على أن بعض الناس يعلمون متى تقوم؟ .
قلنا: لا يحتمل ذلك؛ لأنه ينافي التأكيد الوارد في هذه الجمل، ويناقضه، فكيف يؤكد الله - تعالى - أن علمها عنده وحده، ثم يشير إلى أن بعض الناس يعلمون ذلك؟ وهل هذا إلا من العبث المعنوي الذي ينزه الله - تعالى - عنه ومن
(2/67)

الركاكة والعي الذي تأباه بلاغة القرآن العظيم.
ولو قدر - على الفرض الممتنع - أن أحدا من الناس قد يعلمه الله - تعالى - به، فإن ذلك من علم الغيب الذي لا يظهر الله - تعالى - عليه إلا من ارتضى من رسول، وقد سبق أن الرسول البشري محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والرسول الملكي جبريل لا يعلمان ذلك، فمن ذا يمكن أن يعلمه من سواهما من الخلق؟ .
والآية الثانية قوله في سورة لقمان: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} . وهذه الخمس هي مفاتح الغيب التي قال الله عنها: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} ، كما فسرها به أعلم الخلق بمراد الله - عز وجل- رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ففي صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «مفاتح الغيب خمس: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} » .
فثبت بذلك أن علم الساعة مما يختص الله - تعالى - به؛ لأنه من علم الغيب ولا يظهر الله - تعالى - أحدا من خلقه على غيبه إلا من ارتضاه من الرسل، فمن ادعى علم شيء منه غير الرسل فهو كاذب، مكذب لله - تعالى -.
فإن قال قائل: ما تقولون عما قيل: إنهم يطلعون على الجنين قبل وضعه
(2/68)

فيعلمون أذكر هو أم أنثى، وإنهم يتوقعون نزول المطر في المستقبل، فينزل كما توقعوا.
قلنا: الجواب عن الأول أنهم لا يعلمون أنه ذكر أم أنثى إلا بعد أن يخلق، فتبين ذكورته، أو أنوثته، وحينئذ لا يكون من الغيب المحض المطلق، بل هو غيب نسبي؛ ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث أنس، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قصة الملك الموكل بالرحم، أنه يقول عند تخليق الجنين: " يا رب، أذكر أم أنثى؟ يا رب، أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه.
وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الملك الموكل بالرحم قال: «يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك» . فقد علم الملك أن الجنين ذكر أو أنثى، وهو في بطن أمه، لكنه قبل أن يخلق لا يعلم الملك، ولا غيره أنه ذكر أو أنثى.
والجواب عن الثاني: أن هذه التوقعات إنما تكون بوسائل حسية، وهي الأرصاد الدقيقة التي يعلم بها تكيفات الجو، وتهيؤه لنزول المطر بوجه خفي، لا يدرك بمجرد الحس، وهذا التوقع بهذه الأرصاد ليس من علم الغيب الذي يختص به الله - عز وجل- فهو كتوقعنا أن ينزل المطر حين يتكاثف السحاب، ويتراكم، ويدنو من الأرض، ويحصل فيه رعد وبرق.
والآية الثالثة قوله في سورة الأحزاب: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} .
(2/69)

والآية الرابعة: قوله في سورة الزخرف: {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، فتقديم الخبر في قوله: {وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} يفيد الاختصاص، كما هو معلوم.
والآية الخامسة: قوله - تعالى - في سورة النازعات: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} . فقدم الخبر في قوله: {إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} ؛ ليفيد اختصاص ذلك به تبارك وتعالى.
هذه خمس آيات من كتاب الله - تعالى - كلها صريحة في أن علم الساعة خاص بالله - تعالى - لا يطلع عليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل.
وأما السنة: فمنها ما سبق في حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
فإن قيل: ما تقولون في قوله - تعالى - في سورة طه: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} حيث إن ظاهرها أنه - تعالى - لم يخفها، فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن كثيرا من المفسرين، أو أكثرهم قال: معنى الآية أكاد أخفيها على نفسي، وهو من المبالغة في الإخفاء، كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المتصدق يخفي صدقته: " حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ".
الثاني: أن يقال: هب أن ظاهر الآية أن الله - تعالى - لم يخفها على الناس، ولكن لغموض وسائل العلم بها صار كمن كاد يخفيها، فإن هذا الظاهر
(2/70)

مدفوع بالنصوص الصحيحة الصريحة، بأنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله - تعالى -.
وطريق الراسخين في العلم: أن يحملوا النصوص المتشابهة على النصوص المحكمة؛ لتكون النصوص كلها محكمة متفقة، غير متنافية ولا متناقضة {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} .
الثالث: أن يقال: إن أبى آب إلا أن يتمسك بالظاهر، ويقول: إن المراد أكاد أخفيها على الخلق، فالجواب أن يقال:
الإخفاء ثلاثة أنواع: إخفاء ذكر، وإخفاء قرب، وإخفاء وقوع.
فأما إخفاء الذكر فهو: أن لا يذكر الله الساعة للخلق، ولا يبين لهم شيئا من أحوالها، وهذا محال، تأباه حكمة الرب جل وعلا، ويكذبه الواقع، فإن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة، فالعلم به من ضروريات الإيمان؛ ولهذا لم يخف الله - تعالى - ذكر الساعة، بل أعلم عباده بها، وبين من أحوالها وأهوالها، وما يشفي ويكفي فيما أوحاه إلى رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الكتاب والسنة.
وأما إخفاء القرب فهو أن لا يذكر الله - تعالى - للخلق شيئا من علاماتها الدالة على قربها، وهي أشراطها، ولكن رحمة الرب الواسعة اقتضت أن يبين للخلق قرب قيامها بما يظهره من العلامات الدالة عليه ليزدادوا بذلك إيمانا، ويستعدوا لها بالعمل الصالح المبني على الإخلاص لله - تعالى - والمتابعة لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أشراط الساعة ما يتبين به قربها إجمالا تارة وتفصيلا تارة أخرى.
(2/71)

وأما إخفاء الوقوع فهو أن لا يذكر الله - تعالى - للخلق وقتا محدودا تقوم فيه الساعة، وهذا هو ما دل عليه الكتاب والسنة فليس في الكتاب والسنة تحديد لوقت قيام الساعة، بل فيهما النص الصريح الذي لا يحتمل التأويل بأن علم ذلك موكول إلى الله - تعالى - لا يعلم به ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وكل ما قيل في توقع وقت قيام الساعة فهو ظن، وتخمين باطل مردود على قائله لمخالفته كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - تعالى - " ص 189 ج35 مجموع الفتاوى أثناء جواب له عن المنجمين "، قال: ووافقهم على ذلك من زعم أنه استخرج بقاء هذه الملة من حساب الجمل الذي للحروف، التي في أوائل السور، وهي مع حذف التكرير أربعة عشر حرفا، وحسابها في الجملة الكثير (كذا في الكتاب) ستمائة وثلاثة وتسعون.
ومن هذا أيضا ما ذكر في التفسير: أن الله - تعالى - لما أنزل {الم} قال بعض اليهود: بقاء هذه الملة إحدى وثلاثون، فلما أنزل بعد ذلك {الر} و {المر} قالوا: خلط علينا، فهذه الأمور التي توجد في ضلال اليهود والنصارى، وضلال المشركين، والصابئين من المتفلسفة، والمنجمين مشتملة من هذا الباطل على ما لا يعلمه إلا الله - تعالى -، وهذه الأمور وأشباهها خارجة عن الإسلام محرمة فيه، فيجب إنكارها والنهي عنها على المسلمين، على كل قادر؛ بالعلم، والبيان، واليد، واللسان فإن ذلك من أعظم ما أوجبه الله - تعالى - من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهؤلاء وأشباههم أعداء الرسل، وسوس الملل، ولا ينفق الباطل إلا بثوب من الحق اهـ. كلام الشيخ رحمه الله تعالى.
وعلى هذا فينزل قوله - تعالى -: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} على النوع الثاني إخفاء
(2/72)

القرب فإنه سبحانه لم يخفها الإخفاء المطلق بترك ذكرها، ولم يبينها البيان المطلق بذكر متى قيامها، وإنما بين لهم علاماتها، وهي أشراطها، وأخفى عليهم علم قيامها، وهذا مقتضى حكمته ورحمته، فإنه - تعالى - لو أبانه للناس لحصل لهم من الشر والفساد، وتعطل المصالح ما لا يعلمه إلا الله؛ خصوصا من كانوا قريبين من النهاية، ولكن الرب جل وعلا أخفى ذلك، كما أخفى علم كل إنسان بنهاية حياته؛ لئلا يستحسر، ويدع العمل خصوصا عند قرب حلول أجله.
ومن تأمل ما أبانه الله - تعالى - لخلقه من أمور الغيب، وما أخفاه عليهم تبين له من حكمة الله، ورحمته ما يبهر عقله، ويعلم به أن لله الحكمة البالغة، والرحمة الواسعة فيما أبان، وما أخفى، {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
حرره الفقير إلى الله - تعالى - كاتبه محمد الصالح العثيمين في شهر رجب عام 1405 هـ.
(2/73)

القضاء والقدر
(2/75)

(190) وسئل فضيلة الشيخ: عمن لا يحب دراسة العقيدة خصوصا مسألة القدر خوفا من الزلل؟ .
فأجاب بقوله: هذه المسألة كغيرها من المسائل المهمة، التي لا بد للإنسان منها في دينه ودنياه، لا بد أن يخوض غمارها، وأن يستعين بالله - تبارك وتعالى - على تحقيقها ومعرفتها، حتى يتبين له الأمر؛ لأنه لا ينبغي أن يكون على شك في هذه الأمور المهمة، أما المسائل التي لا تخل بدينه لو أجلها، ويخشى أن تكون سببا لانحرافه، فإنه لا بأس أن يؤجلها ما دام غيرها أهم منها، ومسائل القدر من الأمور المهمة التي يجب على العبد أن يحققها تماما، حتى يصل فيها إلى اليقين، وهي في الحقيقة ليس فيها إشكال - ولله الحمد -.
والذي يثقل دروس العقيدة على بعض الناس: هو أنهم مع الأسف الشديد يرجحون جانب " كيف " على جانب " لم "، والإنسان مسئول عن عمله بأداتين من أدوات الاستفهام " لم " و" كيف " فلم عملت كذا؟ هذا الإخلاص. كيف عملت كذا؟ هذه المتابعة للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأكثر الناس الآن مشغولون بتحقيق جواب " كيف "، غافلون عن تحقيق جواب " لم "؛ ولذلك تجدهم في جانب الإخلاص لا يتحرون كثيرا، وفي جانب المتابعة يحرصون على أدق الأمور، فالناس الآن مهتمون كثيرا بهذا الجانب، غافلون عن الجانب الأهم، وهو جانب العقيدة، وجانب الإخلاص، وجانب التوحيد؛ لهذا تجد بعض الناس في مسائل الدنيا يسأل عن مسألة يسيرة جدا جدا، وقلبه منكب على الدنيا، غافل عن الله مطلقا في
(2/77)

بيعه وشرائه، ومركوبه، ومسكنه، وملبسه، فقد يكون بعض الناس الآن عابدا للدنيا وهو لا يشعر، وقد يكون مشركا بالله في الدنيا وهو لا يشعر؛ لأنه مع الأسف أن جانب التوحيد، وجانب العقيدة لا يهتم بهما، ليس من العامة فقط، ولكن حتى من بعض طلاب العلم، وهذا أمر له خطورته.
كما أن التركيز على العقيدة فقط بدون العمل الذي جعله الشارع كالحامي والسور لها خطأ أيضا؛ لأننا نسمع في الإذاعات، ونقرأ في الصحف التركيز على أن الدين هو العقيدة السمحاء، وما أشبه ذلك من هذه العبارات، وفي الحقيقة أن هذا يخشى أن يكون بابا يلج منه من يلج في استحلال بعض المحرمات، بحجة أن العقيدة سليمة، ولكن لا بد من ملاحظة الأمرين جميعا؛ ليستقيم الجواب على " لم "، وعلى " كيف ".
وخلاصة الجواب: أنه يجب على المرء دراسة علم التوحيد والعقيدة؛ ليكون على بصيرة في إلهه ومعبوده - جل وعلا - على بصيرة في أسماء الله وصفاته، وأفعاله، على بصيرة في أحكامه الكونية، والشرعية، على بصيرة في حكمته، وأسرار شرعه وخلقه، حتى لا يضل بنفسه، أو يضل غيره.
وعلم التوحيد هو أشرف العلوم؛ لشرف متعلقه، ولهذا سماه أهل العلم (الفقه الأكبر) ، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» ، وأول ما يدخل في ذلك وأولاه علم التوحيد والعقيدة، لكن يجب على المرء أيضا أن يتحرى كيف يأخذ هذا العلم، ومن أي مصدر يتلقاه.
فليأخذ من هذا العلم أولا: ما صفا منه، وسلم من الشبهات، ثم ينتقل ثانيا: إلى النظر فيما أورد عليه من البدع والشبهات؛ ليقوم بردها، وبيانها مما أخذه من قبل من العقيدة الصافية، وليكن المصدر الذي يتلقاه منه كتاب الله، وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم كلام الصحابة - رضي الله عنهم-
(2/78)

ثم ما قاله الأئمة بعدهم من التابعين وأتباعهم، ثم ما قاله العلماء الموثوق بعلمهم وأمانتهم؛ خصوصا شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم عليهما، وعلى سائر المسلمين وأئمتهم سابغ الرحمة والرضوان.
(191) وسئل فضيلة الشيخ: ما الفرق بين القضاء والقدر؟ .
فأجاب بقوله: اختلف العلماء في الفرق بينهما، فمنهم من قال: إن القدر: " تقدير الله في الأزل"، والقضاء: " حكم الله بالشيء عند وقوعه "، فإذا قدر الله - تعالى - أن يكون الشيء المعين في وقته فهذا قدر، فإذا جاء الوقت الذي يكون فيه هذا الشيء فإنه يكون قضاء، وهذا كثير في القرآن الكريم مثل قوله- تعالى -: {قُضِيَ الْأَمْرُ} ، وقوله: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} ، وما أشبه ذلك. فالقدر تقدير الله - تعالى - الشيء في الأزل، والقضاء قضاؤه به عند وقوعه.
ومنهم من قال: إنهما بمعنى واحد.
والراجح: أنهما إن قرنا جميعا فبينهما فرق كما سبق، وإن أفرد أحدهما عن الآخر فهما بمعنى واحد، والله أعلم.
(192) وسئل فضيلة الشيخ: هل بين القضاء والقدر عموم وخصوص؟ .
فأجاب بقوله: القضاء إذا أطلق شمل القدر، والقدر إذا أطلق
(2/79)

شمل القضاء، ولكن إذا قيل: القضاء والقدر صار بينهما فرق، وهذا كثير في اللغة العربية تكون الكلمة لها معنى شامل عند الانفراد، ومعنى خاص عند الاجتماع، ويقال في مثل ذلك: " إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا "، فالقضاء والقدر الصحيح أنهما من هذا النوع، يعني أن القضاء إذا أفرد شمل القدر. والقدر إذا أفرد شمل القضاء، لكن إذا اجتمعا فالقضاء: " ما يقضيه الله في خلقه من إيجاد، أو إعدام، أو تغيير"، والقدر: " ما قدره الله- تعالى - في الأزل ". هذا هو الفرق بينهما، فيكون القدر سابقا، والقضاء لاحقا.
(193) سئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين-: عن الإيمان بالقضاء والقدر؟ .
فأجاب قائلا: الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، التي بينها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لجبريل حين سأله عن الإيمان. والإيمان بالقدر أمر هام جدا، وقد تنازع الناس في القدر من زمن بعيد حتى في عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كان الناس يتنازعون فيه ويتمارون فيه، وإلى يومنا هذا والناس يتنازعون فيه، ولكن الحق فيه - ولله الحمد - واضح بين، لا يحتاج إلى نزاع ومراء، فالإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله -سبحانه وتعالى - قد قدر كل شيء كما قال- تعالى -: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} ، وهذا التقدير الذي قدره الله- عز وجل - تابع لحكمته، وما تقتضيه تلك الحكمة من غايات حميدة، وعواقب نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم.
ويدور الإيمان بالقدر على الإيمان بأربع مراتب:
المرتبة الأولى: العلم، وذلك أن تؤمن إيمانا كاملا بأن الله ـ سبحانه
(2/80)

وتعالى - قد أحاط بكل شيء علما، أحاط بكل شيء مما مضى، ومما هو حاضر، ومما هو مستقبل، سواء كان ذلك مما يتعلق بأفعاله - عز وجل -، أو بأفعال عباده، فهو محيط بها جملة وتفصيلا بعلمه الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، وأدلة هذه المرتبة كثيرة في القرآن والسنة، قال الله - تعالى -: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} . وقال - تعالى -: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} . وقال عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} ، وقال - سبحانه وتعالى -: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على علم الله - سبحانه وتعالى - بكل شيء جملة وتفصيلا.
وهذه المرتبة من الإيمان بالقدر من أنكرها فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإجماع المسلمين، وطاعن في كمال الله - عز وجل -؛ لأن ضد العلم إما الجهل، وإما النسيان، وكلاهما عيب، وقد قال الله - تعالى - عن موسى - عليه السلام - حينما سأله فرعون: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} ، فهو {لَا يَضِلُّ} ؛ أي لا يجهل شيئا مستقبلا، {وَلَا يَنْسَى} شيئا ماضيا - سبحانه وتعالى -.
(2/81)

المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله - سبحانه وتعالى - كتب مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة فإنه - عز وجل - حينما خلق القلم، قال له: " اكتب قال: ربي، وماذا اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة ".
فكتب الله - عز وجل- في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء، وقد دل على هذه المرتبة قوله - تعالى -: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} . قال: {إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ} ، أي مكتوب في كتاب، وهو اللوح المحفوظ {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} ، ثم هذه الكتابة تكون مفصلة أحيانا، فإن الجنين في بطن أمه إذا مضى عليه أربعة أشهر يبعث إليه ملك، فيأمره بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، كما ثبت ذلك في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويكتب أيضا في ليلة القدر ما يكون في تلك السنة، كما قال الله- تعالى -: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} .
المرتبة الثالثة: الإيمان بأن كل ما في الكون فإنه بمشيئة الله، فكل ما في الكون فهو حادث بمشيئة الله - عز وجل - سواء كان ذلك مما يفعله هو عز وجل أو فيما يفعله المخلوق قال الله - تعالى -: {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} ، وقال - تعالى -: {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} ، وقال:
(2/82)

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} ، وقال- عز وجل-: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الدالة على أن فعله واقع بمشيئته، وكذلك أفعال الخلق واقعة بمشيئته، كما قال- تعالى -: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} ، وهذا نص صريح في أن أفعال العبيد قد شاءها الله - عز وجل - ولو شاء الله أن لا يفعلوا لم يفعلوا.
المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله - تعالى- خالق كل شيء فالله - عز وجل - هو الخالق، وما سواه مخلوق، فكل شيء فالله خالقه، فالمخلوقات مخلوقة لله- عز وجل - وما يصدر منها من أفعال وأقوال مخلوقة لله - عز وجل - أيضا؛ لأن أفعال الإنسان، وأقواله من صفاته، فإذا كان الإنسان مخلوقا كانت صفاته أيضا مخلوقة لله - عز وجل -، ويدل لذلك قوله - تعالى -: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} .
فنص الله - تعالى - على خلق الإنسان وعلى خلق عمله قال {وَمَا تَعْمَلُونَ} ، وقد اختلف الناس في (ما) هنا هل هي مصدرية، أو موصولة؟ وعلى كل تقدير فإنها تدل على أن عمل الإنسان مخلوق لله - عز وجل- هذه أربع مراتب لا يتم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بها.
ثم اعلم أن الإيمان بالقدر لا ينافي فعل الأسباب، بل إن فعل الأسباب مما أمر به الشرع، وهو حاصل بالقدر؛ لأن الأسباب تنتج عنها
(2/83)

مسبباتها، ولهذا لما توجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى الشام علم في أثناء الطريق أنه قد وقع فيها الطاعون، فاستشار الصحابة -رضي الله عنهم- هل يستمر ويمضي في سيره، أو يرجع إلى المدينة؟ فاختلف الناس عليه، ثم استقر رأيهم على أن يرجع إلى المدينة، ولما عزم على ذلك جاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يجله ويقدره فقال: يا أمير المؤمنين، " كيف ترجع إلى المدينة؟ أفرارا من قدر الله "؟ فقال عمر - رضي الله عنه-: " نفر من قدر الله إلى قدر الله "، وبعد ذلك جاء عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- وكان غائبا في حاجة له، فحدثهم «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال عن الطاعون: " إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها» .
والحاصل: أن في قول عمر - رضي الله عنه-: " نفر من قدر الله إلى قدر الله " دليلا على أن اتخاذ الأسباب من قدر الله - عز وجل - ونحن نعلم أن الرجل لو قال: أنا مؤمن بقدر الله وسيرزقني الله ولدا بدون زوجة، لو قال هذا لعد من المجانين، كما أنه لو قال: أنا أؤمن بقدر الله، ولن أسعى في طلب الرزق، ولم يتخذ أي سبب للرزق لعد ذلك من السفه؛ فالإيمان بالقدر إذن لا ينافي الأسباب الشرعية، أو الحسية الصحيحة، أما الأسباب الوهمية التي يدعي أصحابها أنها أسباب، وليست كذلك فهذه لا عبرة بها ولا يلتفت إليها.
ثم اعلم أنه يرد على الإيمان بالقدر إشكال - وليس بإشكال في الواقع - وهو أن يقول قائل: إذا كان فعلي من قدر الله - عز وجل- فكيف أعاقب على المعصية، وهي من تقدير الله- عز وجل -؟
والجواب على ذلك أن يقال: لا حجة لك على المعصية بقدر الله؛ لأن الله- عز وجل - لم يجبرك على المعصية، وأنت حين أقدمت عليها لم يكن
(2/84)

لديك العلم بأنها مقدرة عليك؛ لأن الإنسان لا يعلم بالمقدر إلا بعد وقوع الشيء، فلماذا لم تقدر قبل أن تفعل المعصية أن الله قدر لك الطاعة، فتقوم بطاعته؟ ! وكما أنك في أمورك الدنيوية تسعى لما ترى أن فيه خيرا، وتهرب مما ترى فيه شرا، فلماذا لا تعامل نفسك هذه المعاملة في عمل الآخرة؟ !
ولا أعتقد أن أحدا يسلك الطريق الصعب، ويقول: إن هذا قد قدر لي، بل سوف يسلك الطريق المأمون الميسر، ولا فرق بين هذا وبين أن يقال لك: للجنة طريق، وللنار طريق، فإنك إذا سلكت طريق النار فأنت كالذي سلك الطريق المخوف الوعر، فلماذا ترضى لنفسك أن تسلك طريق الجحيم، وتدع طريق النعيم؟ !
ولو كان للإِنسان حجة بالقدر على فعل المعصية لم تنتف هذه الحجة بإرسال الرسل، وقد قال الله- تعالى -: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}
واعلم أن للإيمان بالقدر ثمرات جليلة على سير الإنسان، وعلى قلبه؛ لأنك إذا آمنت بأن كل شيء بقضاء الله وقدره فإنك عند السراء تشكر الله -عز وجل- ولا تعجب بنفسك، ولا ترى أن هذا الأمر حصل منك بحولك وقوتك، ولكنك تؤمن بأن هذا سبب إذا كنت قد فعلت السبب الذي نلت به ما يسرك، وأن الفضل بيد الله - عز وجل- فتزداد بذلك شكرا لنعم الله - سبحانه وتعالى - ويحملك هذا على أن تقوم بطاعة الله على حسب ما أمرك الله به، وأن لا ترى لنفسك فضلا على ربك، بل ترى المنة لله - سبحانه وتعالى - عليك قال الله- تعالى -: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
(2/85)

كما أنك إذا أصابتك الضراء فإنك تؤمن بالله - عز وجل - وتستسلم، ولا تندم على ذلك، ولا تلحقك الحسرة، ألم تر إلى قول النبي، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان» .
فالإيمان بالقدر فيه راحة النفس والقلب، وعدم الحزن على ما فات، وعدم الغم والهم لما يستقبل، قال الله- تعالى -: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} ، والذي لا يؤمن بالقدر لا شك أنه سوف يتضجر عند المصائب ويندم، ويفتح الشيطان له كل باب، وأنه سوف يفرح ويبطر، ويغتر إذا أصابته السراء، لكن الإيمان بالقدر يمنع هذا كله.
(194) سئل فضيلة الشيخ: عن مسألة القدر؟ وهل أصل الفعل مقدر، والكيفية يخير فيها الإنسان؟ مثال ذلك: إذا قدر الله - تعالى - للعبد أن يبني مسجدا فإنه سيبني لا محالة، لكنه ترك لعقله الخيار في كيفية البناء، وكذلك المعصية إذا قدرها الله فإن، الإنسان سيفعلها لا محالة، لكن ترك لعقله كيفية تنفيذها، وخلاصة هذا الرأي: أن الإنسان مخير في الكيفية التي ينفذ بها ما قدر عليه فهل هذا صحيح؟ .
(2/86)

فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة - أي مسألة القدر- محل جدل بين البشر من قديم الزمان، ولذلك انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام: طرفين، ووسط. أما الطرفان:
فأحدهما: نظر إلى عموم قدر الله فعمي عن اختيار العبد. وقال: إنه مجبر على أفعاله، وليس له فيها أي اختيار، فسقوط الإنسان من السقف بالريح ونحوها كنزوله منه مختارا من الدرج.
وأما الطرف الثاني: فنظر إلى أن العبد فاعل، تارك باختياره، فعمي عن قدر الله، وقال: إن العبد مستقل بأفعاله، ولا تعلق لقدر الله - تعالى - فيها.
وأما الوسط: فأبصروا السببين، فنظروا إلى عموم قدر الله- تعالى - وإلى اختيار العبد، فقالوا: إن فعل العبد كائن بقدر الله - تعالى - وباختيار العبد، وإنه يعلم بالضرورة الفرق بين سقوط الإنسان من السقف بالريح ونحوها، ونزوله منه مختارا من الدرج، فالأول: من فعله بغير اختياره، والثاني: باختياره، والكل منهما واقع بقضاء الله وقدره، لا يقع في ملكه ما لا يريد، لكن ما وقع باختيار العبد فهو مناط التكليف، ولا حجة له بالقدر في مخالفة ما كلف به من أوامر أو نواه، وذلك؛ لأنه يقدم على المخالفة حين يقدم عليها وهو لا يعلم ما قدر الله عليه، فيكون إقدامه الاختياري على المخالفة هو سبب العقوبة، سواء كانت في الدنيا أم في الآخرة، ولذلك لو أجبره مجبر على المخالفة، لم يثبت عليه حكم المخالفة، ولا يعاقب عليها؛ لثبوت عذره حينئذ.
وإذا كان الإنسان يدرك أن هروبه من النار إلى موضع يأمن فيه منها يكون باختياره، وأن تقدمه إلى بيت جميل واسع طيب المسكن ليسكنه يكون باختياره أيضا، مع إيمانه أن هروبه وتقدمه المذكورين واقعان
(2/87)

بقضاء الله وقدره، وأن بقاءه لتدركه النار، وتأخره عن سكنى البيت يعد تفريطا منه، وإضاعة للفرصة يستحق اللوم عليه؛ فلماذا لا يدرك هذا بالنسبة لتفريطه بترك الأسباب المنجية له من نار الآخرة، الموجبة لدخوله الجنة؟ !
وأما التمثيل بأن الله إذا قدر للعبد أن يبني مسجدا فإنه سيبني هذا المسجد لا محالة، لكنه ترك لعقله الخيار في كيفية البناء، فهذا تمثيل غير صحيح؛ لأنه يوحي بأن كيفية البناء يستقل بها العقل ولا تدخل في قدر الله - تعالى -، وأن أصل فكرة البناء يستقل بها القدر، ولا مدخل للاختيار فيها.
والحقيقة: أن أصل فكرة البناء تدخل في اختيار العبد؛ لأنه لم يجبر عليها، كما لا يجبر على فكرة إعادة بناء بيته الخاص، أو ترميمه مثلا، ولكن هذه الفكرة قد قدرها الله- تعالى - للعبد من حيث لا يشعر؛ لأنه لا يعلم بأن الله قدر شيئا ما، حتى يقع ذلك الشيء، إذ القدر سر مكتوم، لا يعلم إلا بإطلاع الله- تعالى - عليه بالوحي، أو بالوقوع الحسي.
وكذلك كيفية البناء هي بقدر الله - تعالى -، فإن الله - تعالى - قد قدر الأشياء كلها جملة وتفصيلا، ولا يمكن أن يختار العبد ما لم يُرِدْه أو يقدره، بل إذا اختار العبد شيئا وفعله، علم يقينا أن الله - تعالى - قد قضاه وقدره. فالعبد مختار بحسب الأسباب الحسية الظاهرة التي قدرها الله - تعالى -، أسبابا لوقوع فعله، ولا يشعر العبد حين يفعل الفعل بأن أحدا أجبره عليه، لكنه إذا فعل ذلك بحسب الأسباب التي جعلها الله - تعالى - أسبابا علمنا يقينا بأن الله - تعالى -، قد قدرها جملة وتفصيلا.
وهكذا نقول في التمثيل بفعل الإنسان المعصية، حيث قلتم: إن الله قدر عليه فعل المعصية فهو سيفعلها لا محالة، ولكن ترك لعقله كيفية
(2/88)

تنفيذها والسعي إليها.
فنقول فيه ما قلناه في بناء المسجد: إن تقدير الله - تعالى - عليه فعل المعصية لا ينافي اختياره لها؛ لأنه حين اختياره لها لا يعلم بما قدر الله - تعالى - عليه، فهو يقدم عليها مختارا لا يشعر بأن أحدا يجبره، لكنه إذا أقدم وفعل علمنا أن الله قد قدر فعله لها، وكذلك كيفية تنفيذ المعصية والسعي إليها الواقعة باختيار العبد، لا تنافي قدر الله - تعالى -، فالله - تعالى - قد قدر الأشياء كلها جملة وتفصيلا وقدر أسبابها الموصلة إليها، ولا يشذ عن ذلك شيء من أفعاله، ولا من أفعال العباد الاختيارية منها والاضطرارية، كما قال الله - تعالى -: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} . وقال - تعالى -: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} ، وقال: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} . وقال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا}
وبعد فإن الجدير بالمرء ألا يبحث في نفسه، ولا مع غيره في مثل هذه
(2/89)

الأمور التي توجب له التشوش، وتوهم معارضة الشرع بالقدر، فإن ذلك ليس من دأب الصحابة - رضي الله عنهم - وهم أحرص الناس على معرفة الحقائق، وأقربهم من معين إرواء الغلة، وكشف الغمة، وفي صحيح البخاري، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار ". فقلنا: يا رسول الله، أفلا نتكل؟» وفي رواية: «أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: " لا اعملوا فكل ميسر» .
وفي رواية: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة. وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة» . ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} .
فنهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الاتكال على الكتاب وترك العمل؛ لأنه لا سبيل إلى العلم به، وأمر بما يستطيعه العبد ويمكنه، وهو العمل، واستدل بالآية التي تدل على أن من عمل صالحا، وآمن فسييسر لليسرى، وهذا هو الدواء الناجع المثمر، الذي يجد فيه العبد بلوغ عافيته وسعادته، حيث يشمر للعمل الصالح المبني على الإيمان، ويستبشر بذلك حين يقارنه التوفيق لليسرى في الدنيا والآخرة. أسأل الله - تعالى - أن يوفقنا جميعا للعمل الصالح، وأن ييسرنا لليسرى، ويجنبنا العسرى، ويغفر لنا في الآخرة والأولى، إنه جواد كريم.
(195) وسئل فضيلة الشيخ: هل الإنسان مخير أو مسير؟ .
فأجاب بقوله: على السائل أن يسأل نفسه: هل أجبره أحد على أن يسأل هذا السؤال، وهل هو يختار نوع السيارة التي يقتنيها؟ إلى أمثال ذلك
(2/90)

من الأسئلة، وسيتبين له الجواب هل هو مسير أو مخير.
ثم يسأل نفسه هل يصيبه الحادث باختياره؟
هل يصيبه المرض باختياره؟
هل يموت باختياره؟
إلى أمثال ذلك من الأسئلة، وسيتبين له الجواب هل هو مسير أو مخير.
والجواب: أن الأمور التي يفعلها الإنسان العاقل يفعلها باختياره بلا ريب، واسمع إلى قول الله - تعالى -: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا} ، وإلى قوله: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} ، وإلى قوله: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} ، إلى قوله: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ، حيث خير الفادي فيما يفدي به.
ولكن العبد إذا أراد شيئا وفعله علمنا أن الله - تعالى - قد أراده لقوله - تعالى -: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} فلكمال ربوبيته لا يقع شيء في السماوات والأرض إلا بمشيئته - تعالى -.
وأما الأمور التي تقع على العبد، أو منه بغير اختياره، كالمرض، والموت، والحوادث فهي بمحض القدر، وليس للعبد اختيار فيها ولا إرادة. والله الموفق.
(2/91)

(196) وسئل فضيلته: عن حكم الرضا بالقدر؟ وهل الدعاء يرد القضاء؟ .
فأجاب قائلا: أما الرضا بالقدر فهو واجب؛ لأنه من تمام الرضا بربوبية الله، فيجب على كل مؤمن أن يرضى بقضاء الله، ولكن المقضي هو الذي فيه التفصيل فالمقضي غير القضاء؛ لأن القضاء فعل الله، والمقضي مفعول الله، فالقضاء الذي هو فعل الله يجب أن نرضى به، ولا يجوز أبدا أن نسخطه بأي حال من الأحوال.
وأما المقضي فعلى أقسام:
القسم الأول: ما يجب الرضا به.
القسم الثاني: ما يحرم الرضا به.
القسم الثالث: ما يستحب الرضا به.
فمثلا المعاصي من مقضيات الله، ويحرم الرضا بالمعاصي، وإن كانت واقعة بقضاء الله، فمن نظر إلى المعاصي من حيث القضاء الذي هو فعل الله يجب أن يرضى، وأن يقول: إن الله - تعالى - حكيم، ولولا أن حكمته اقتضت هذا ما وقع، وأما من حيث المقضي وهو معصية الله فيجب ألا ترضى به، والواجب أن تسعى لإزالة هذه المعصية منك أو من غيرك.
وقسم من المقضي يجب الرضا به مثل الواجب شرعا؛ لأن الله حكم به كونا، وحكم به شرعا، فيجب الرضا به من حيث القضاء ومن حيث المقضي.
وقسم ثالث: يستحب الرضا به، ويجب الصبر عليه، وهو ما يقع من المصائب، فما يقع من المصائب يستحب الرضا به عند أكثر أهل العلم ولا يجب، لكن يجب الصبر عليه، والفرق بين الصبر والرضا: أن الصبر يكون الإنسان فيه كارها للواقع، لكنه لا يأتي بما يخالف الشرع وينافي الصبر.
(2/92)

والرضا: لا يكون كارها للواقع فيكون ما وقع، وما لم يقع عنده سواء، فهذا هو الفرق بين الرضا والصبر؛ ولهذا قال الجمهور: إن الصبر واجب، والرضا مستحب.
أما قول السائل: هل الدعاء يرد القضاء؟
فجوابه: أن الدعاء من الأسباب التي يحصل بها المدعو، وهو في الواقع يرد القضاء ولا يرد القضاء؛ يعني له جهتان، فمثلا هذا المريض قد يدعو الله- تعالى - بالشفاء فيشفى، فهنا لولا هذا الدعاء لبقي مريضا، لكن بالدعاء شفي، إلا أننا نقول: إن الله -سبحانه وتعالى - قد قضى بأن هذا المرض يشفى منه المريض بواسطة الدعاء، فهذا هو المكتوب، فصار الدعاء يرد القدر ظاهريا، حيث إن الإنسان يظن أنه لولا الدعاء لبقي المرض، ولكنه في الحقيقة لا يرد القضاء؛ لأن الأصل أن الدعاء مكتوب، وأن الشفاء سيكون بهذا الدعاء، هذا هو القدر الأصلي الذي كتب في الأزل، وهكذا كل شيء مقرون بسبب فإن هذا السبب جعله الله - تعالى - سببا يحصل به الشيء، وقد كتب ذلك في الأزل من قبل أن يحدث.
(197) سئل فضيلة الشيخ: هل للدعاء تأثير في تغيير ما كتب للإنسان قبل خلقه؟
فأجاب بقوله: لا شك أن للدعاء تأثيرا في تغيير ما كتب، لكن هذا التغيير قد كتب أيضا بسبب الدعاء، فلا تظن أنك إذا دعوت الله فإنك تدعو بشيء غير مكتوب، بل الدعاء مكتوب، وما يحصل به مكتوب، ولهذا نجد القارئ يقرأ على المريض فيشفى، وقصة السرية التي بعثها النبي
(2/93)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنزلوا ضيوفا على قوم، ولكنهم لم يضيفوهم، وقدر أن لدغت حية سيدهم، فطلبوا من يقرأ عليه، فاشترط الصحابة أجرة على ذلك، فأعطوهم قطيعا من الغنم، فذهب أحدهم فقرأ عليه الفاتحة، فقام اللديغ، كأنما نشط من عقال، أي كأنه بعير فك عقاله، فقد أثرت القراءة في شفاء المريض.
فللدعاء تأثير، لكنه ليس تغييرا للقدر، بل هو مكتوب بسببه المكتوب، وكل شيء عند الله بقدر، وكذلك جميع الأسباب لها تأثير في مسبباتها بإذن الله، فالأسباب مكتوبة، والمسببات مكتوبة.
(198) وسئل فضيلة الشيخ: هناك مشكلة ترد على بعض الناس وهي: " كيف يعاقب الله على المعاصي، وقد قدرها على الإنسان "؟
فأجاب قائلا: هذه في الحقيقة ليست مشكلة، وهي إقدام الإنسان على العمل السيئ، ثم يعاقب عليه هذه ليست مشكلة؛ لأن إقدام الإنسان على العمل السيئ إقدام باختياره، فلم يكن أحد شهر سيفه أمام وجهه، وقال: اعمل هذا المنكر، بل هو عمله باختياره، والله - تعالى - يقول: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} ، فالشاكر والكفور كلهم قد هداه الله السبيل، وبينه له ووضحه له، ولكن من الناس من يختار هذا الطريق، ومن الناس من لا يختاره، وتوضيح ذلك أولا بالإلزام، وثانيا بالبيان:
(2/94)

(أما الإلزام فإننا نقول للشخص: أعمالك الدنيوية وأعمالك الأخروية كلاهما سواء، ويلزمك أن تجعلهما سواء، ومن المعلوم أنه لو عرض عليك من أعمال الدنيا مشروعان أحدهما ترى لنفسك الخير فيه، والثاني ترى لنفسك الشر فيه، من المعلوم أنك تختار المشروع الأول الذي هو مشروع الخير ولا يمكن أبدًا بأي حال من الأحوال أن تختار المشروع الثاني وهو مشروع الشر، ثم تقول:
إن القدر ألزمني به، إذًا يلزمك في طريق الآخرة ما التزمته في طريق الدنيا، ونقول: جعل الله أمامك من أعمال الآخرة مشروعين؛ مشروعًا للشر وهي الأعمال المخالفة للشرع، ومشروعًا للخير وهي الأعمال المطابقة للشرع.
فإذا كنت في أعمال الدنيا تختار المشروع الخيري فلماذا لا تختار المشروع الخيري في أعمال الآخرة؟
إنه يلزمك في عمل الآخرة أن تختار المشروع الخيري كما أنت التزمت في عمل الدنيا أن تسلك المشروع الخيري هذا طريق الإلزام.
أما طريق البيان فإننا نقول: كلنا يجهل ماذا قدر الله له، قال الله -تعالى -: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} فالإنسان حينما يقدم على العمل يقدم عليه باختيار منه ليس عن علم بأن الله قدره عليه وأرغمه عليه ولهذا قال بعض العلماء: "إن القدر سر مكتوم" ونحن جميعًا لا نعلم أن الله قدر كذا حتى يقع ذلك العمل، فنحن إذًا حينما نقدم على العمل لا نقدم عليه على أساس أنه كتب لنا أو علينا، وإنما نقدم عليه باختيار، وحينما يقع نعلم أن الله قدره علينا، ولذلك لا يقع احتجاج الإنسان بالقدر إلا بعد وقوع العمل، ولكنه لا حجة له بذلك ويذكر عن أمير المؤمنين عمر قصة - قد تصح عنه وقد لا تصح - رفع إليه سارق تمت شروط القطع في
(2/95)

سرقته فلما أمر أمير المؤمنين بقطع يده قال: مهلًا يا أمير المؤمنين والله ما سرقت ذلك إلا بقدر الله.
قال له: ونحن لا نقطع يدك إلا بقدر الله.
فاحتج عليه أمير المؤمنين بما احتج به هو على سرقته من أموال المسلمين، مع أن عمر يمكنه أن يحتج عليه بالقدر والشرع، لأنه مأمور بقطع يده، أما ذاك فلا يمكن أن يحتج إلا بالقدر إن صح أن يحتج به.
وعلى هذا فإنه لا يمكن لأي أحد أن يحتج بالقدر على معصية الله، وإنه في الواقع لا حجة فيه يقول الله عز وجل -: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}
مع أن ما يعمله الناس بعد الرسل هو بقدر الله، ولو كان القدر حجة ما زالت بإرسال الرسل أبدًا. بهذا يتبين لنا أثرًا ونظرًا أنه لا حجة للعاصي بقضاء الله وقدره، لأنه لم يجبر على ذلك. والله الموفق.
(199) وسئل فضيلته: هل الرزق والزواج مكتوب في اللوح المحفوظ؟
فأجاب بقوله: كل شيء منذ خلق الله القلم إلى يوم القيامة فإنه مكتوب في اللوح المحفوظ لأن الله - سبحانه وتعالى - أول ما خلق القلم قال له: «اكتب قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» .
وثبت عن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن الجنين في بطن أمه إذا مضى عليه أربعة أشهر، بعث الله إليه ملكًا ينفح فيه الروح ويكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد.
(2/96)

والرزق أيضًا مكتوب مقدر بأسبابه لا يزيد ولا ينقص، فمن الأسباب أن يعمل الإنسان لطلب الرزق كما قال الله -تعالى -: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} ومن الأسباب أيضًا صلة الرحم من بر الوالدين،وصلة القرابات، فإن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» ومن الأسباب تقوى الله - عز وجل - كما قال - تعالى -: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} .. ولا تقل: إن الرزق مكتوب ومحدد ولن أفعل الأسباب التي توصل إليه فإن هذا من العجز: والكياسة والحزم أن تسعى لرزقك، ولما ينفعك في دينك ودنياك قال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» . وكما أن الرزق مكتوب مقدر بأسبابه فكذلك الزواج مكتوب مقدر، وقد كتب لكل من الزوجين أن يكون زوج الآخر بعينه، والله - تعالى - لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
(200) وسئل فضيلته: هل الكفار مكتوب عملهم في الأزل؟ وإذا كان كذلك فكيف يعذبهم الله - تعالى -؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم الكفار مكتوب عملهم في الأزل، ويكتب عمل الإنسان أيضًا عند تكوينه في بطن أمه كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: حدثنا
(2/97)

رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه -أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد» . فأعمال الكفار مكتوبة عند الله -عز وجل - معلومة عنده والشقي شقي عند الله - عز وجل - في الأزل، والسعيد سعيد عند الله في الأزل.
ولكن قد يقول قائل كما قال السائل: كيف يعذبون وقد كتب الله عليهم ذلك في الأزل؟
فنقول: إنهم يعذبون لأنهم قد قامت عليهم الحجة وبين لهم الطريق، فأرسلت إليهم الرسل، وأنزلت الكتب، وبين الهدى من الضلال ورُغِّبوا في سلوك طريق الهدى، وحُذِّروا من سلوك طريق الضلال، ولهم عقول ولهم إرادات، ولهم اختيارات ولهذا نجد هؤلاء الكفار وغيرهم أيضًا يسعون إلى مصالح الدنيا بإرادة واختيار، ولا نجد أحدًا منهم يسعى إلى شيء يضره في دنياه أو يتهاون ويتكاسل في أمر نافع له، ثم يقول: إن هذا مكتوب علي.
أبدًا فكل يسعى إلى ما فيه المنفعة، فكان عليهم أن يسعوا إلى ما فيه منفعة أمور دينهم كما يسعون إلى ما فيه المنفعة في أمور دنياهم، ولا فرق بينهما بل إن بيان الخير والشر في أمور الدين في الكتب المنزلة على الرسل، عليهم الصلاة والسلام، أكثر وأعظم من بيان الأمور الدنيوية، فكان عليهم أن يسلكوا الطرق التي فيها نجاتهم والتي فيها سعادتهم دون أن يسلكوا الطرق التي فيها هلاكهم وشقاؤهم.
ثم نقول: هذا الكافر حين أقدم على الكفر لا يشعر أبدًا أن أحد أكرهه، بل هو يشعر أنه فعل ذلك بإرادته واختياره، فهل كان حين إقدامه على الكفر عالمًا بما كتب الله له؟
والجواب: لا. لأننا نحن لا نعلم أن
(2/98)

الشيء مقدر علينا إلا بعد أن يقع، أما قبل أن يقع فإننا لا نعلم ماذا كتب لأنه من علم الغيب.
ثم نقول له: الآن أنت قبل أن تقع في الكفر أمامك شيئان: هداية وضلال فلماذا لا تسلك طريق الهداية مقدرًا أن الله كتبه لك؟
لماذا تسلك طريق الضلال ثم بعد أن تسلكه تحتج بأن الله كتبه؟!
لأننا نقول: لك قبل أن تدخل هذا الطريق هل عندك علم أنه مكتوب عليك؟
فسيقول: لا. ولا يمكن أن يقول: نعم. فإذا قال: لا. قلنا: إذًا لماذا لم تسلك طريق الهداية وتقدر أن الله تعالى - كتب لك ذلك ولهذا يقول الله - عز وجل -: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} ويقول: -عز وجل - {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} ولما «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه: بأنه ما من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعدة من النار قالوا: يا رسول الله ألا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟
قال: "لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ثم قرأ قوله -تعالى -: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} » . فهذا جوابنا على هذا السؤال الذي أورده هذا السائل وما أكثر من يحتج به من أهل الضلال، وهو عجب منهم لأنهم لا يحتجون بمثل هذه الحجة على مسائل الدنيا أبدًا، بل تجدهم يسلكون في مسائل الدنيا ما هو أنفع لهم، ولا يمكن لأحد أن يقال له: هذا الطريق الذي أمامك طريق
(2/99)

وعر صعب، فيه لصوص، وفيه سباع، وهذا الطريق الثاني طريق سهل، ميسر آمن. لا يمكن لأحد أن يسلك الطريق الأول ويدع الطريق الثاني مع أن هذا نظير الطريقين: طريق النار، وطريق الجنة. فالرسل بينت طريق الجنة وقالت: هو هذا، وبينت طريق النار وقالت: هو هذا، وحذرت من الثاني ورغبت في الأول، ومع ذلك فإن هؤلاء العصاة يحتجون بقضاء الله وقدره -وهم لا يعلمونه -على معاصيهم ومعايبهم التي فعلوها باختيارهم وليس لهم في ذلك حجة عند الله - تعالى -.
(201) وسئل فضيلته: عن قول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» أو كما قال، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهل يعارض هذا الحديث قول الله تعالى -: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} ؟
فأجاب حفظه الله تعالى -بقوله:هذا الحديث حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه -يخبر فيه النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع؛ لقرب أجله وموته ثم يسبق عليه الكتاب الأول الذي كتب أنه من أهل النار، فيعمل
(2/100)

بعمل أهل النار - والعياذ بالله - فيدخلها، وهذا فيما يبدو للناس ويظهر كما جاء في الحديث الصحيح: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار» . - نسأل الله العافية - وكذلك الأمر بالنسبة للثاني يعمل الإنسان بعمل أهل النار، فيمُنُّ الله تعالى عليه بالتوبة والرجوع إلى الله عند قرب أجله، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.
والآية التي ذكرها السائل لا تعارض الحديث لأن الله -تعالى - قال: {أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} ومن أحسن العمل في قلبه وظاهره فإن الله - تعالى -لا يضيع أجره، لكن الأول الذي عمل بعمل أهل الجنة فسبق عليه الكتاب، كان يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس فيسبق عليه الكتاب، وعلى هذا يكون عمله ليس حسنًا وحينئذ لا يعارض الآية الكريمة. والله الموفق.
(202) وسئل فضيلته: عن الجمع بين قول الله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} وقوله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} .
فأجاب قائلًا: الجمع بينهما أن الله تعالى يخبر في بعض الآيات بأن الأمر بيده ويخبر في بعض الآيات أن الأمر راجع إلى المكلف، والجمع بين هذه النصوص أن يقال: إن للمكلف إرادة واختيارًا وقدرة، وإن خالق
(2/101)

هذه الإرادة والاختيار والقدرة هو الله - عز وجل - فلا يكون للمخلوق إرادة إلا بمشيئة الله - عز وجل - وقد قال الله - تعالى - مبينًا الجمع بين هذه النصوص: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ولكن متى يشاء الله - تعالى - أن يهدي الإنسان أو أن يضله؟
هذا هو ما جاء في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى} واقرأ قوله: - تعالى -: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} تجد أن سبب ضلال العبد من نفسه فهو السبب، والله -تعالى - يخلق عند ذلك فيه إرادة للسوء لأنه هو يريد السوء، وأما من أراد الخير وسعى في الخير وحرص عليه فإن الله - تعالى -ييسره لليسرى، ولما «حدث النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أصحابه: بأنه ما من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعدة من النار قالوا يا رسول الله أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل؟
قال: "لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ثم قرأ هذه الآية {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} إلخ» .
واعلم يا أخي أنه لا يمكن أن يوجد في كلام الله أو فيما صح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تناقض أبدًا، فإذا قرأت نصين ظاهرهما التناقض فأعد النظر مرة أخرى، فسيتبين لك الأمر، فإن لم تعلم فالواجب عليك التوقف وأن تكل الأمر إلى عالمه والله بكل شيء عليم.
(2/102)

(203) وسئل فضيلة الشيخ: عن قول الله - تعالى -: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} ؟
فأجاب بقوله:هذا مما قاله إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، لقومه {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} أي ما تعملون من هذه الأصنام ليقيم عليهم الحجة بأنها لا تصلح آلهة، لأنها إذا كانت مخلوقة لله - تعالى - فمن الذي يستحق العبادة المخلوق أم الخالق؟
الجواب الخالق. وهل يستحق المخلوق أن يكون شريكًا في هذه العبادة؟
لا. فإبراهيم، عليه الصلاة والسلام، أراد أن يقيم الحجة على قومه بأن ما عملوه من هذه الأصنام التي نحتوها مخلوق الله -عز وجل -فكيف يليق بهم أن يشركوا مع الله -تعالى - هذا المخلوق.
وعلى هذا فقوله: {وَمَا تَعْمَلُونَ} (ما) اسم موصول عائد على قوله {مَا تَنْحِتُونَ} هذا وجه هذه الآية.
وليس فيها أنه يبرر شركهم بالله ويقول: إن عملكم مخلوق لله فأنتم بريئون من اللوم عليه، كلا لأننا لو قلنا ذلك لكان يحتج لهم ولا يحتج عليهم، ولكن هو يحتج عليهم وليس يحتج لهم.
(204) وسئل فضيلته عن شخص عاص عندما دعي للحق قال: "إن الله لم يكتب لي الهداية" فكيف يتعامل معه؟
فأجاب قائلًا: نقول بكل بساطة: أطَّلعت الغيب أم اتخذت عند الله عهدًا؟
إن قال: نعم، كفر لأنه ادعى علم الغيب وإن قال: لا، خُصم وغلب، إذا كنت لم تطلع أن الله لم يكتب لك الهداية فاهتد، فالله ما منعك الهداية بل دعاك إلى الهداية، ورغبك فيها، وحذرك من
(2/103)

الضلالة، ونهاك عنها ولم يشأ الله - عز وجل - أن يدع عباده على ضلالة أبدًا قال - تعالى -: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} .
{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ}
. فتب إلى الله، والله - عز وجل - أشد فرحًا بتوبتك من رجل أضل راحلته وعليها طعامه وشرابه، وأيس منها، ونام تحت شجرة ينتظر الموت، فاستيقظ فإذا بخطام ناقته متعلق بالشجرة فأخذ بخطام الناقة فرحًا وقال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك". أخطأ من شدة الفرح فنقول: تب إلى الله، والله أمرك بالاهتداء وبين لك طريق الحق. والله ولي التوفيق.
(205) وسئل فضيلة الشيخ: عن الحكمة من وجود المعاصي والكفر؟
فأجاب بقوله: لوقوع المعاصي والكفر حكم كثيرة منها:
1 - إتمام كلمة الله - تعالى - حيث وعد النار أن يملأها قال الله - تعالى -: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} .
2 - ومنها ظهور حكمة الله -تعالى - وقدرته حيث قسم العباد إلى قسمين: طائع، وعاصٍ، فإن هذا التقسيم يتبين به حكمة الله - عز وجل -فإن الطاعة لها أهل هم أهلها، والمعصية لها أهل هم أهلها، قال
(2/104)

الله تعالى -: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} . وقال: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} فهؤلاء أهل الطاعة وقال -تعالى -: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} . وقال: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} . وهؤلاء أهل المعصية.
ويتبين بذلك قدرته بهذا التقسيم الذي لا يقدر عليه إلا الله كما قال -تعالى -: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} .
وقال: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} . 3 - ومنها أن يتبين للمطيع قدر نعمة الله عليه بالطاعة إذا رأى حال أهل المعصية قال الله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . 4 - ومنها لجوء العبد إلى ربه بالدعاء أن يباعد بينه وبين المعصية والدعاء عبادة لله - تعالى -.
5 - ومنها أن العبد إذا وقع في المعصية ومَنَّ الله عليه بالتوبة ازداد
(2/105)

إنابة إلى الله وانكسر قلبه، وربما يكون بعد التوبة أكمل حالًا منه قبل المعصية حيث يزول عنه الغرور والعجب، ويعرف شدة افتقاره إلى ربه.
6 - ومنها إقامة الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإنه لولا المعاصي والكفر لم يكن جهاد، ولا أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر. إلى غير ذلك من الحكم والمصالح الكثيرة ولله في خلقه شؤون.
(206) سئل فضيلة الشيخ: هل في محاجة آدم وموسى إقرار للاحتجاج بالقدر؟
وذلك «أن آدم احتج هو وموسى فقال له موسى: "أنت أبونا خيبتنا أخرجتنا ونفسك من الجنة". فقال له آدم: "أتلومني على شيء قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني؟ " فقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فحج آدم موسى، فحج آدم موسى» . أي غلبه بالحجة وآدم احتج بقضاء الله وقدره.
فأجاب بقوله: هذا ليس احتجاجًا بالقضاء والقدر على فعل العبد ومعصية العبد، لكنه احتجاج بالقدر على المصيبة الناتجة من فعله، فهو من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب، ولهذا قال: «خيبتنا وأخرجتنا، ونفسك من الجنة» ولم يقل: عصيت ربك فأخرجت من الجنة.
فاحتج آدم بالقدر على الخروج من الجنة الذي يعتبره مصيبة، والاحتجاج بالقدر على المصائب لا بأس به، أرأيت لو أنك سافرت سفرًا وحصل لك حادث، وقال لك إنسان: لماذا تسافر لو أنك بقيت في بيتك ما حصل لك شيء.
فستجيبه: بأن هذا قضاء الله وقدره، أنا ما خرجت لأجل أن أصاب بالحادث، وإنما خرجت لمصلحة، فأصبت بالحادث،
(2/106)

كذلك آدم عليه الصلاة والسلام، هل عصى الله لأجل أن يخرجه من الجنة؟
لا. فالمصيبة إذًا التي حصلت له مجرد قضاء وقدر، وحينئذ يكون احتجاجه بالقدر على المصيبة الحاصلة احتجاجًا صحيحًا، ولهذا قال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حج آدم موسى، حج آدم موسى» . وفي رواية للإمام أحمد: «فحجه آدم» يعني غلبه في الحجة.
مثال آخر: رجل أصاب ذنبًا وندم على هذا الذنب وتاب منه، وجاء رجل من إخوانه يقول: له يا فلان كيف يقع منك هذا الشيء فقال: هذا قضاء الله وقدره. فهل يصح احتجاجه هذا أو لا؟
نعم يصح لأنه تاب، فهو لم يحتج بالقدر ليمضي في معصيته، لكنه نادم ومتأسف، ونظير ذلك «أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دخل ليلة على علي بن أبي طالب وفاطمة -رضي الله عنهما -فقال: "ألا تصليان؟ " فقال علي - رضي الله عنه -: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله، فإن شاء الله أن يبعثنا بعثنا فانصرف النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يضرب على فخذه وهو يقول: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} » فالرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لم يقبل حجته، وبين أن هذا من الجدل؛ لأن الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يعلم أن الأنفس بيد الله، لكن يريد أن يكون الإنسان حازمًا فيحرص على أن يقوم ويصلي.
على كل حال تبين لنا أن الاحتجاج باللقدرعلى المعصية بعد التوبة منها جائز، وأما الاحتجاج بالقدر على المعصية تبريرًا لموقف الإنسان واستمرارًا فيها فغير جائز.
(2/107)

(207) سئل فضيلة الشيخ: هل في قدر الله تعالى شر؟
فأجاب قائلاً: ليس في القدر شر، وإنما الشر في المقدور، فمن المعروف أن الناس تصيبهم المصائب وتنالهم الخيرات، فالخيرات خير، والمصائب شر، لكن الشر ليس في فعل الله - تعالى -،يعني ليس فعل الله وتقديره شراً،الشر في مفعولات الله لا في فعله، والله - تعالى - لم يقدر هذا الشر إلا لخير كما قال-تعالى-: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} . هذا بيان سبب الفساد وأما الحكمة فقال: {ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} إذاً هذه مصائب مآلها الخير، فصار الشر لا يضاف إلى الرب، ولكن يضاف إلى المفعولات والمخلوقات، مع أن هذه المفعولات والمخلوقات شر من وجه، وخير من وجه آخر، فتكون شراً بالنظر إلى ما يحصل منها من الأذية، ولكنها خير بما يحصل فيها من العاقبة الحميدة {ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} .
(208) سئل فضيلة الشيخ: كيف يقضي الله كوناً مالا يحب؟
فأجاب بقوله: المحبوب قسمان:
الأول: محبوب لذاته.
الثاني: محبوب لغيره.
فالمحبوب لغيره قد يكون مكروهاً لذاته، ولكن يحب لما فيه من الحكمة والمصلحة، فيكون حينئذ محبوباً من وجه، مكروهاً من وجه آخر،
(2/108)

مثال ذلك قوله -تعالى -: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} . فالفساد في الأرض في حد ذاته مكروه إلى الله -تعالى -؛ لأن الله - تعالى - لا يحب الفساد ولا المفسدين، ولكن للحكم التي يتضمنها يكون محبوبًا إلى الله - عز وجل - من وجه آخر، وكذلك العلو في الأرض،ومن ذلك القحط، والجدب، والمرض،والفقر يقدره الله - تعالى - على عباده مع أنه ليس محبوبًا إليه في حد ذاته؛ لأن الله لا يحب أن يؤذي عباده بشيء من ذلك،بل يريد بعباده اليسر، لكن يقدره للحكم المترتبة عليه، فيكون محبوبًا إلى الله من وجه، مكروهًا من وجه آخر قال الله -تعالى -: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . فإن قيل: كيف يتصور أن يكون الشيء محبوبًا من وجه ومكروهًا من وجه آخر؟
أجيب: بأن هذا أمر واقع لا ينكره العقل، ولا يرفضه الحس فها هو الإنسان المريض يعطى جرعة من الدواء مرة كريهة الرائحة، واللون، فيشربها وهو يكرهها لما فيها من المرارة، وكراهة اللون، والرائحة، ويحبها لما يحصل فيها من الشفاء، وكذا الطبيب يكوي المريض بالحديدة المحماة على النار، ويتألم منها فهذا الألم مكروه له من وجه، محبوب له من وجه آخٍر.
(209) سئل فضيلة الشيخ: عمن يتسخط إذا نزلت به مصيبة؟
(2/109)

فأجاب بقوله: الناس حال المصيبة على مراتب أربع:
المرتبة الأولى: التسخط وهو على أنواع:
النوع الأول: أن يكون بالقلب كأن يسخط على ربه يغتاظ مما قدره الله عليه فهذا حرام، وقد يؤدي إلى الكفر قال - تعالى -: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} النوع الثاني: أن يكون باللسان كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك، وهذا حرام.
النوع الثالث: أن يكون بالجوارح كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور وما أشبه ذلك وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب.
المرتبة الثانية: الصبر وهو كما قال الشاعر:
والصبر مثل اسمه مر مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل
فيرى أن هذا الشيء ثقيل عليه لكنه يتحمله وهو يكره وقوعه ولكن يحميه إيمانه من السخط، فليس وقوعه وعدمه سواء عنده وهذا واجب لأن الله تعالى أمر بالصبر فقال:
{وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} . المرتبة الثالثة: الرضا بأن يرضى الإنسان بالمصيبة بحيث يكون وجودها وعدمها سواء فلا يشق عليه وجودها، ولا يتحمل لها حملًا ثقيلًا، وهذه مستحبة وليست بواجبة على القول الراجح، والفرق بينها وبين المرتبة التي قبلها ظاهر لأن المصيبة وعدمها سواء في الرضا عند هذا أما التي قبلها
(2/110)

فالمصيبة صعبة عليه لكن صبر عليها.
المرتبة الرابعة: الشكر وهو أعلى المراتب، وذلك بأن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته وربما لزيادة حسناته قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها» .
(210) سئل - حفظه الله تعالى -: ما معنى قوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» . متفق عليه من حديث أنس. وهل معنى ذلك أن الإنسان يكون له عمر إذا وصل رحمه، وعمر إذا لم يصل؟
فأجاب بقوله: ليس معنى ذلك أن الإنسان يكون له عمران: عمر إذا وصل رحمه وعمر إذا لم يصل، بل العمر واحد، والمقدر واحد والإنسان الذي قدر الله له أن يصل رحمه سوف يصل رحمه، والذي قدر الله أن يقطع رحمه سوف يقطع رحمه ولا بد، ولكن الرسول، عليه الصلاة والسلام، أراد أن يحث الأمة على فعل ما فيه الخير، كما نقول: من أحب أن يأتيه ولد فليتزوج، فالزواج مكتوب، والولد مكتوب، فإذا كان الله قد أراد أن يحصل لك ولد أراد أن تتزوج، ومع هذا فإن الزواج والولد كلاهما مكتوب، كذلك هذا الرزق مكتوب من الأصل، ومكتوب أنك ستصل رحمك، لكنك أنت لا تعلم عن هذا فحثك النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبين لك أنك إذا وصلت الرحم فإن الله، يبسط لك في الرزق، وينسأ لك في الأثر، وإلا فكل شيء مكتوب لكن لما كانت صلة الرحم أمرًا ينبغي للإنسان أن يقوم به حث النبي، عليه الصلاة والسلام على ذلك بأن
(2/111)

الإنسان إذا أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه، وإلا فإن الواصل قد كتبت صلته وكتب أن يكون عمره إلى حيث أراد الله -عز وجل - ثم اعلم أن امتداد الأجل، وبسط الرزق أمر نسبي، ولهذا نجد بعض الناس يصل رحمه، ويبسط له في رزقه بعض الشيء، ولكن عمره يكون قصيرًا وهذا مشاهد، فنقول: هذا الذي كان عمره قصيرًا مع كونه واصلًا للرحم لو لم يصل رحمه لكان عمره أقصر، ولكن الله قد كتب في الأزل أن هذا الرجل سيصل رحمه وسيكون منتهى عمره في الوقت الفلاني.
(211) وسئل فضيلة الشيخ: عن احتجاج العاصي إذا نهي عن معصية بقوله - تعالى -: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ؟
فأجاب قائلًا: إذا احتج بهذا احتججنا عليه بقوله - تعالى -: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} وبقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . فإذا أتى بآيات الرجاء يقابل بآيات الوعيد.
وليس هذا الجواب منه إلا جواب المتهاون، فنحن نقول له: اتق الله - عز وجل - وقم بما أوجب الله عليك، واسأله المغفرة، لأنه ليس كل أحد يقوم بما أوجب الله عليه يقوم به على وجهه الأكمل.
(2/112)

(212) سئل فضيلة الشيخ: كيف يكون القضاء والقدر معينًا على زيادة إيمان المسلم؟
فأجاب بقوله: يكون الإيمان بالقضاء والقدر عونًا للمسلم على أمور دينه ودنياه؛ لأنه يؤمن بأن قدرة الله -عز وجل - فوق كل قدرة، وأن الله - عز وجل - إذا أراد شيئًا فلن يحول دونه شيء، فإذا آمن بهذا فعل الأسباب التي يتوصل بها إلى مقصوده، ونحن نعلم فيما سبق من التاريخ أن هناك انتصارات عظيمة انتصر فيها المسلمون مع قلة عددهم وعددهم، كل ذلك لإيمانهم بوعد الله -عز وجل - وبقضائه وقدره وأن الأمور كلها بيده - سبحانه -.
(213) سئل فضيلة الشيخ: عن قول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا عدوى، ولا طيرة ولا هامة، ولا صفر» " متفق عليه.
وما نوع النفي في الحديث؟ وكيف نجمع بينه وبين حديث: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» ؟
فأجاب قائلًا: "العدوى" انتقال المرض من المريض إلى الصحيح، وكما يكون في الأمراض الحسية يكون في الأمراض المعنوية الخلقية، ولهذا أخبر النبي، عليه الصلاة والسلام، أن جليس السوء كنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة فقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عدوى" يشمل العدوى الحسية والمعنوية.
و"الطيرة" هي التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو معلوم.
و"الهامة" فسرت بتفسيرين:
الأول: داء يصيب المريض وينتقل إلى غيره، وعلى هذا التفسير
(2/113)

يكون عطفها على العدوى من باب عطف الخاص على العام.
الثاني: طير معروف تزعم العرب أنه إذا قتل القتيل، فإن هذه الهامة تأتي إلى أهله وتنعق على رؤوسهم حتى يأخذوا بثأره، وربما اعتقد بعضهم أنها روحه تكون بصورة الهامة، وهي نوع من الطيور تشبه البومة أو هي البومة، تؤذي أهل القتيل بالصراخ حتى يأخذوا بثأره، وهم يتشاءمون بها فإذا وقعت على بيت أحدهم ونعقت قالوا: إنها تنعق به ليموت، ويعتقدون قرب أجله وهذا باطل.
و"صفر" فسر بتفاسير: الأول: أنه شهر صفر المعروف، والعرب يتشاءمون به.
الثاني: أنه داء في البطن يصيب البعير، وينتقل من بعير إلى آخر، فيكون عطفه على العدوى من باب عطف الخاص على العام.
الثالث: صفر شهر صفر، والمراد به النسيء الذي يضل به الذين كفروا، فيؤخرون تحريم شهر المحرم إلى صفر يحلونه عامًا، ويحرمونه عامًا.
وأرجحها أن المراد شهر صفر حيث كانوا يتشاءمون به في الجاهلية والأزمنة لا دخل لها في التأثير وفي تقدير الله - عز وجل -فهو كغيره من الأزمنة يقدر فيه الخير والشر.
وبعض الناس إذا انتهى من عمل معين في اليوم الخامس والعشرين مثلًا من شهر صفر أرخ ذلك وقال: انتهى في الخامس والعشرين من شهر صفر الخير.
. فهذا من باب مداواة البدعة بالبدعة، والجهل بالجهل. فهو ليس شهر خير، ولا شر.
ولهذا أنكر بعض السلف على من إذا سمع البومة تنعق قال: "خيرًا إن شاء الله" فلا يقال خير ولا شر بل هي تنعق كبقية الطيور.
(2/114)

فهذه الأربعة التي نفاها الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تدل على وجوب التوكل على الله، وصدق العزيمة، وألا يضعف المسلم أمام هذه الأمور.
وإذا ألقى المسلم باله لهذه الأمور فلا يخلو من حالين:
الأولى: إما أن يستجيب لها بأن يقدم أو يحجم، فيكون حينئذ قد علق أفعاله بما لا حقيقة له.
الثانية: أن لا يستجيب لها بأن يقدم ولا يبالي، لكن يبقى في نفسه نوع من الهم أو الغم، وهذا وإن كان أهون من الأول لكن يجب أن لا يستجيب لداعي هذه الأمور مطلقًا، وأن يكون معتمدًا على الله عز وجل. وبعض الناس قد يفتح المصحف لطلب التفاؤل فإذا نظر ذكر النار قال: هذا فأل غير جميل، وإذا نظر ذكر الجنة قال: هذا فأل طيب، وهذا في الحقيقة مثل عمل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام.
والنفي في هذه الأمور الأربعة ليس نفيًا للوجود، لأنها موجودة ولكنه نفي للتأثير، فالمؤثر هو الله، فما كان منها سببًا معلومًا فهو سبب صحيح وما كان منها سببًا موهومًا فهو سبب باطل، ويكون نفيًا لتأثيره بنفسه ولسببيته، فالعدوى موجودة، ويدل لوجودها قوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«لا يورد ممرض على مصح» أي لا يورد صاحب الإبل المريضة على صاحب الإبل الصحيحة، لئلا تنتقل العدوى.
وقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» .
"الجذام": مرض خبيث معد بسرعة ويتلف صاحبه، حتى قيل: إنه الطاعون، فالأمر بالفرار لكي لا تقع العدوى، وفيه إثبات العدوى
(2/115)

لتأثيرها، لكن تأثيرها ليس أمرًا حتميًا بحيث تكون علة فاعلة، ولكن أمر النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بالفرار من المجذوم، وأن لا يورد ممرض على مصح، من باب تجنب الأسباب، لا من باب تأثير الأسباب بنفسها قال الله - تعالى -: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} .
ولا يقال: إن الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ينكر تأثير العدوى؛ لأن هذا أمر يبطله الواقع والأحاديث الأخرى.
فإن قيل: «إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لما قال: "لا عدوى" قال رجل: يا رسول الله أرأيت الإبل تكون في الرمال مثل الظباء فيدخلها الجمل الأجرب فتجرب؟! فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فمن " أعدي الأول» ؟
فالجواب: أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أشار بقوله: «فمن أعدى الأول» إلى أن المرض انتقل من المريضة إلى هذه الصحيحات بتدبير الله - عز وجل - فالمرض نزل على الأول بدون عدوى بل نزل من عند الله -عز وجل - والشيء قد يكون له سبب معلوم، وقد لا يكون له سبب معلوم، وجرب الأول ليس معلومًا إلا أنه بتقدير الله -تعالى -، وجرب الذي بعده له سبب معلوم ولو شاء الله - تعالى - ما جرب، ولهذا أحيانًا تصاب الإبل بالجرب ثم يرتفع ولا تموت، وكذلك الطاعون والكوليرا أمراض معدية قد تدخل البيت فتصيب البعض فيموتون، ويسلم آخرون ولا يصابون، فالإنسان يعتمد على الله ويتوكل عليه وقد «جاء أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قدم عليه رجل مجذوم فأخذه بيده وقال له: "كل» أي من الطعام الذي كان يأكل منه الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لقوة
(2/116)

توكله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهذا التوكل مقاوم لهذا السبب المعدي.
وهذا الجمع الذي ذكرنا أحسن ما قيل في الجمع بين الأحاديث وادعى بعضهم النسخ، وهذه الدعوى غير صحيحة؛ لأن من شرط النسخ تعذر الجمع، وإذا أمكن الجمع وجب لأن فيه إعمال الدليلين، وفي النسخ إبطال أحدهما؛ وإعمالهما أولى من إبطال أحدهما لأننا اعتبرناهما وجعلناهما حجة. والله الموفق.
(214) وسئل فضيلته: هل العين تصيب الإنسان؟ وكيف تعالج؟ وهل التحرز منها ينافي التوكل؟
فأجاب بقوله: رأينا في العين أنها حق ثابت شرعًا وحسًا قال الله -تعالى -: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} . قال ابن عباس وغيره في تفسيرها: أي يعينوك بأبصارهم، ويقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين وإذا استغسلتم فاغسلوا» رواه مسلم.
ومن ذلك ما رواه النسائي وابن ماجه «أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال: "لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة" فما لبث أن لبط به فأتى به رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقيل له: أدرك سهلًا صريعًا فقال: "من تتهمون؟ "
» قالوا: عامر بن ربيعة فقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «علام يقتل أحدكم أخاه، إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة» .
ثم دعا بماء فأمر عامرًا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه وداخلة إزاره وأمره أن
(2/117)

يصب عليه وفي لفظ: يكفأ الإناء من خلفه. والواقع شاهد بذلك ولا يمكن إنكاره.
وفي حالة وقوعها تستعمل العلاجات الشرعية وهي:
1 - القراءة: فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا رقيه إلا من عين أو حمة» . وقد «كان جبريل يرقي النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقول: "باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك» .
2 - الاستغسال: كما أمر به النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عامر بن ربيعة في الحديث السابق ثم يصب على المصاب.
أما الأخذ من فضلاته العائدة من بوله أو غائطه فليس له أصل، وكذلك الأخذ من أثره، وإنما الوارد ما سبق من غسل أعضائه وداخلة إزاره ولعل مثلها داخلة غترته وطاقيته وثوبه والله أعلم.
والتحرز من العين مقدمًا لا باس به ولا ينافي التوكل بل هو التوكل؛ لأن التوكل الاعتماد على الله -سبحانه - مع فعل الأسباب التي أباحها أو أمر بها وقد «كان النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يعوذ الحسن والحسين ويقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة" ويقول: هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل عليهما السلام» . رواه البخاري.
(215) وسئل فضيلة الشيخ: اختلف بعض الناس في العين فقال: بعضهم لا تؤثر لمخالفتها للقرآن الكريم فما القول الحق في هذه المسألة؟
(2/118)

فأجاب بقوله: القول الحق ما قاله النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو: «إن العين حق» وهذا أمر قد شهد له الواقع ولا أعلم آيات تعارض هذا الحديث حتى يقول هؤلاء: إنه يعارض القرآن الكريم، بل إن الله - سبحانه وتعالى - قد جعل لكل شيء سببًا، حتى إن بعض المفسرين قالوا في قوله - تعالى -: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ}
قالوا:
إن المراد هنا العين. ولكن على كل حال سواء كان هذا هو المراد بالآية أم غيره، فإن العين ثابتة وهي حق ولا ريب فيها، والواقع يشهد لذلك منذ عهد الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلى اليوم.
ولكن من أصيب بالعين فماذا يصنع؟
الجواب:
يعامل بالقراءة، وإذا علم عائنه فإنه يطلب منه أن يتوضأ ويؤخذ ما يتساقط من ماء وضوئه ثم يعطى للمعيون يصب على رأسه وعلى ظهره ويسقى منه وبهذا يشفى بإذن الله، وقد جرت العادة عندنا أنهم يأخذون من العائن ما يباشر جسمه من اللباس مثل الطاقية وما أشبه ذلك، ويربصونها بالماء ثم يسقونها المصاب، ورأينا ذلك يفيده حسبما تواتر عندنا من النقول،فإذا كان هذا هو الواقع فلا بأس باستعماله؛ لأن السبب إذا ثبت كونه سببًا شرعًا أو حسًا فإنه يعتبر صحيحًا.
أما ما ليس بسبب شرعي ولا حسي فإنه لا يجوز اعتماده، مثل أولئك الذين يعتمدون على التمائم ونحوها يعلقونها على أنفسهم ليدفعوا بها العين فإن هذا لا أصل له، سواء كانت هذه من القرآن الكريم، أو من غير القرآن الكريم، وقد رخص بعض السلف في تعليق التمائم إذا كانت من القرآن الكريم ودعت الحاجة إليها.
(2/119)

(216) سئل الشيخ: عما يفعله بعض الناس عندما يرى من ينظر إليه وهو يأكل يرمي قطعة على الأرض خوفًا من العين فما حكم هذا العمل؟
فأجاب - حفظه الله تعالى ورعاه - بقوله: هذا اعتقاد فاسد، ومخالف لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط ما بها من الأذى وليأكلها» .
(2/120)

الكفر والتكفير
(2/121)

(217) سئل فضيلة الشيخ: هل إنكار الخالق كفر؟
فأجاب بقوله: الظاهر أن هذا السؤال كمن يسأل هل الشمس شمس؟
وهل الليل ليل؟ وهل النهار نهار؟ فمن الذي يشكل عليه أن منكر الخالق لا يكون كافرًا، مع أن هذا، أعني إنكار الخالق ما وجد فيما سلف من الإلحاد، وإنما وجد أخيرًا، وكيف يمكن إنكار الخالق والأدلة على وجوده - جل وعلا - أجلى من الشمس.
وكيف يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل؟
وأدلة وجود الخالق والحمد لله موجودة في الفطر والعقول، والشاهد والمحسوس، ولا ينكره إلا مكابر بل حتى الذين أنكروه قلوبهم مطمئنة بوجوده،، كما قال الله - تعالى - عن فرعون الذي أنكر الخالق وادعى الربوبية لنفسه قال: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} وقال - جل ذكره - عن موسى وهو يناظر فرعون: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ}
ثم إن هؤلاء الذين ينكرون الخالق هم في الحقيقة منكرون لأنفسهم، لأنهم هم الآن يعتقدون أنهم ما أوجدوا أنفسهم ويعلمون ذلك، ويعتقدون أنه ما أوجدتهم أمهاتهم، ولا أوجدهم آباؤهم، ولا أوجدهم أحد إلا رب العالمين -سبحانه وتعالى - كما قال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} وتعجب جبير بن
(2/123)

مطعم على أنه لم يؤمن بعد أن سمع هذه الآية يقرؤها النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: "كدت أطير" من كونها دليلًا قاطعًا ظاهرًا على وجود الخالق - سبحانه وتعالى -، وهؤلاء المنكرون للخالق إذا قيل: لهم من خلق السماوات والأرض؟
ما استطاعوا سبيلًا إلا أن يقولوا: الذي خلقها الله، لأنها قطعًا لم تخلق نفسها، وكل موجود لا بد له من موجد واجب الوجود وهو الله.
لو أن أحدًا من الناس قال: إن هذا القصر المشيد المزين بأنواع الثريات الكهربائية وغيرها إنه بنى نفسه،لقال الناس: إن هذا أمر جنوني. ولا يمكن أن يكون فكيف بهذه السماوات والأرض، والأفلاك والنجوم السائرة على هذا النظام البديع الذي لا يختلف منذ أن خلقه الله عز وجل إلى أن يأذن الله بفناء هذا العالم، وأعتقد أن الأمر أوضح من أن يقام عليه الدليل.
وبناء على ذلك فإنه لا شك أن من أنكر الخالق فإنه مختل العقل كما أنه لا دين عنده وأنه كافر لا يرتاب أحد في كفره.
وهذا الحكم ينطبق على المقلدين لهذا المذهب الذين عاشوا في الإسلام؛ لأن الإسلام ينكر هذا إنكارًا عظيمًا، ولا يخفى على أحد من المسلمين بطلان هذا الفكر وهذا المذهب، وليسوا معذورين لأن لديهم من يعلمهم، بل هم لو رجعوا إلى فطرهم ما وجدوا لهذا أصلًا.
(218) سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: هل يجوز أن نطلق على شخص بعينه أنه كافر؟
فأجاب بقوله: نعم يجوز لنا أن نطلق على شخص بعينه أنه كافر، إذا تحققت فيه أسباب الكفر، فلو أننا رأينا رجلًا ينكر الرسالة، أو رجلًا
(2/124)

يبيح التحاكم إلى الطاغوت، أو رجلًا يبيح الحكم بغير ما أنزل الله، ويقول: إنه خير من حكم الله بعد أن تقوم الحجة عليه، فإننا نحكم عليه بأنه كافر فإذا وجدت أسباب الكفر وتحققت الشروط وانتفت الموانع فإننا نكفر الشخص بعينه ونلزمه بالرجوع إلى الإسلام أو القتل. والله أعلم.
(219) سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز إطلاق الكفر على الشخص المعين إذا ارتكب مكفرًا؟
فأجاب قائلًا: إذا تمت شروط التكفير في حقه جاز إطلاق الكفر عليه بعينه ولو لم نقل بذلك ما انطبق وصف الردة على أحد، فيعامل معاملة المرتد في الدنيا هذا باعتبار أحكام الدنيا أما أحكام الآخرة فتذكر على العموم لا على الخصوص ولهذا قال أهل السنة: لا نشهد لأحد بجنة ولا نار إلا لمن شهد له النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وكذا نقول: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولكن لا نحكم بهذا لشخص معين، إذ أن الحكم المعلق بالأوصاف لا ينطبق على الأشخاص إلا بتحقق شروط انطباقه وانتفاء موانعه.
(220) وسئل فضيلة الشيخ: عن شروط الحكم بتكفير المسلم؟ وحكم من عمل شيئًا مكفرًا مازحًا؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: للحكم بتكفير المسلم شرطان: أحدهما: أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء مما يكفر.
(2/125)

الثاني: انطباق الحكم على من فعل ذلك بحيث يكون عالمًا بذلك قاصدًا له، فإن كان جاهلًا لم يكفر.
لقوله -تعالى -: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} .
وقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} وقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} . لكن إن فرط بترك التعلم والتبين، لم يعذر، مثل أن يبلغه أن عمله هذا كفر فلا يتثبت، ولا يبحث فإنه لا يكون معذورًا حينئذ.
وإن كان غير قاصد لعمل ما يكفر لم يكفر بذلك، مثل أن يكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومثل أن ينغلق فكره فلا يدري ما يقول لشدة فرح ونحوه، كقول صاحب البعير الذي أضلها، ثم اضطجع تحت شجرة ينتظر الموت فإذا بخطامها متعلقًا بالشجرة فأخذه، وقال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح» .
لكن من عمل شيئًا مكفرًا مازحًا فإنه يكفر لأنه قصد ذلك، كما نص عليه أهل العلم.
(221) وسئل فضيلته: عن حكم من يجهل أن صرف شيء من الدعاء لغير الله شرك؟
فأجاب بقوله: الجهل بالحكم فيما يكفر كالجهل بالحكم فيما يفسق،
(2/126)

فكما أن الجاهل بما يفسق يعذر بجهله فكذلك الجاهل بما يكفر يعذر بجهله ولا فرق لأن الله - عز وجل - يقول: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} . ويقول الله - تعالى -: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} . وهذا يشمل كل ما يعذب عليه الإنسان ويقول الله -عز وجل -: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .
لكن إذا كان هذا الجاهل مفرطًا في التعلم ولم يسأل ولم يبحث فهذا محل نظر. فالجهال بما يكفر وبما يفسق إما أن لا يكون منهم تفريط وليس على بالهم إلا أن هذا العمل مباح فهؤلاء يعذرون، ولكن يدعون للحق فإن أصروا حكم عليهم بما يقتضيه هذا الإصرار، وأما إذا كان الإنسان يسمع أن هذا محرم أو أن هذا مؤد للشرك ولكنه تهاون أو استكبر فهذا لا يعذر بجهله.
(222) وسئل - رعاه الله بمنه وكرمه -: هل يعذر الإنسان بالجهل فيما يتعلق بالتوحيد؟
فأجاب بقوله: العذر بالجهل ثابت في كل ما يدين به العبد ربه؛ لأن الله -سبحانه وتعالى - قال: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} حتى قال - عز وجل -:
(2/127)

{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ولقوله -تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} . ولقوله -تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} . ولقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي واحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار» .
والنصوص في هذا كثيرة، فمن كان جاهلًا فإنه لا يؤاخذ بجهله في أي شيء كان من أمور الدين، ولكن يجب أن نعلم أن من الجهلة من يكون عنده نوع من العناد، أي إنه يذكر له الحق ولكنه لا يبحث عنه، ولا يتبعه، بل يكون على ما كان عليه أشياخه، ومن يعظمهم ويتبعهم، وهذا في الحقيقة ليس بمعذور، لأنه قد بلغه من الحجة ما أدنى أحواله أن يكون شبهة يحتاج أن يبحث ليتبين له الحق، وهذا الذي يعظم من يعظم من متبوعيه شأنه شأن من قال الله عنهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} . وفي الآية الثانية: {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} .
فالمهم أن الجهل الذي يعذر به الإنسان بحيث لا يعلم عن الحق، ولا يذكر له، هو رافع للإثم، والحكم على صاحبه بما يقتضيه عمله، ثم إن كان ينتسب إلى المسلمين، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإنه يعتبر منهم، وإن كان لا ينتسب إلى المسلمين فإن حكمه حكم أهل الدين،
(2/128)

الذي ينتسب إليه في الدنيا.
وأما في الآخرة فإن شأنه شأن أهل الفترة يكون أمره إلى الله عز وجل يوم القيامة، وأصح الأقوال فيهم أنهم يمتحنون بما شاء الله، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى منهم دخل النار، ولكن ليعلم أننا اليوم في عصر لا يكاد مكان في الأرض إلا وقد بلغته دعوة النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بواسطة وسائل الإعلام المتنوعة، واختلاط الناس بعضهم ببعض، وغالبًا ما يكون الكفر عن عناد.
(223) وسئل فضيلته -حفظه الله -: هل يعذر طلبة العلم الذين درسوا العقيدة على غير مذهب السلف الصالح -رضي الله عنهم -محتجين بأن العالم الفلاني أو الإمام الفلاني يعتقد هذه العقيدة؟
فأجاب بقوله: هذا لا يعذر به صاحبه حيث بلغه الحق؛ لأن الواجب عليه أن يتبع الحق أينما كان، وأن يبحث عنه حتى يتبين له.
والحق -ولله الحمد - ناصع، بين لمن صلحت نيته، وحسن منهاجه، فإن الله -عز وجل - يقول في كتابه: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} . ولكن بعض الناس - كما ذكر الأخ السائل -يكون لهم متبوعون معظمون لا يتزحزحون عن آرائهم، مع أنه قد ينقدح في أذهانهم أن آراءهم ضعيفة أو باطلة، لكن التعصب والهوى يحملهم على موافقتهم، وإن كانوا قد تبين لهم الهدى.
(2/129)

(224) سئل فضيلة الشيخ: عن العذر بالجهل فيما يتعلق بالعقيدة؟
فأجاب بقوله: الاختلاف في مسألة العذر بالجهل كغيره من الاختلافات الفقهية الاجتهادية، وربما يكون اختلافًا لفظيًا في بعض الأحيان من أجل تطبيق الحكم على الشخص المعين أي إن الجميع يتفقون على أن هذا القول كفر، أو هذا الفعل كفر، أو هذا الترك كفر، ولكن هل يصدق الحكم على هذا الشخص المعين لقيام المقتضى في حقه وانتفاء المانع أو لا ينطبق لفوات بعض المقتضيات، أو وجود بعض الموانع.
وذلك أن الجهل بالمكفر على نوعين:
الأول: أن يكون من شخص يدين بغير الإسلام أو لا يدين بشيء ولم يكن يخطر بباله أن دينًا يخالف ما هو عليه فهذا تجري عليه أحكام الظاهر في الدنيا، وأما في الآخرة فأمره إلى الله -تعالى -، والقول الراجح أنه يمتحن في الآخرة بما يشاء الله عز وجل - والله أعلم بما كانوا عاملين، لكننا نعلم أنه لن يدخل النار إلا بذنب لقوله -تعالى -: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} وإنما قلنا: تجرى عليه أحكام الظاهر في الدنيا وهي أحكام الكفر؛ لأنه لا يدين بالإسلام فلا يمكن أن يعطى حكمه، وإنما قلنا بأن الراجح أنه يمتحن في الآخرة لأنه جاء في ذلك آثار كثيرة ذكرها ابن القيم -رحمه الله تعالى -في كتابه -: "طريق الهجرتين" عند كلامه على المذهب الثامن في أطفال المشركين تحت الكلام على الطبقة الرابعة عشرة.
(2/130)

النوع الثاني: أن يكون من شخص يدين بالإسلام ولكنه عاش على هذا المكفر ولم يكن يخطر بباله أنه مخالف للإسلام، ولا نبهه أحد على ذلك فهذا تجري عليه أحكام الإسلام ظاهرًا، أما في الآخرة فأمره إلى الله - عز وجل - وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وأقوال أهل العلم.
فمن أدلة الكتاب: قوله - تعالى -: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} .
وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} .
وقوله: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} .
وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} . . وقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} . وقوله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان.
وأما السنة: ففي صحيح مسلم 1\134 عن أبي هريرة -رضي الله عنه - «أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال:
"والذي نفس محمد بيده لا»
(2/131)

«يسمع بي أحد من هذه الأمة -يعني أمة الدعوة - يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار".»
وأما كلام أهل العلم: فقال في المغني 8\131 " فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام، والناشئ بغير دار الإسلام، أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم لم يحكم بكفره".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 3\ 229 مجموع ابن قاسم: "إني دائمًا -ومن جالسني يعلم ذلك مني -من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى.
وإني أقرر أن الله -تعالى -قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية - إلى أن قال:
-وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضًا حق لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين - إلى أن قال:
- والتكفير هو من الوعيد فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئًا" ا. هـ.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب 1 \56 من الدرر السنية: "وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول، ثم بعدما عرفه سبه، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره". وفي
(2/132)

ص 66 " وأما الكذب والبهتان فقولهم: إنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله، وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم،فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل" ا. هـ.
وإذا كان هذا مقتضى نصوص الكتاب، والسنة، وكلام أهل العلم فهو مقتضى حكمة الله -تعالى -، ولطفه، ورأفته، فلن يعذب أحدًا حتى يعذر إليه، والعقول لا تستقل بمعرفة ما يجب لله -تعالى - من الحقوق، ولو كانت تستقل بذلك لم تتوقف الحجة على إرسال الرسل.
فالأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره لأن في ذلك محذورين عظيمين:
أحدهما: افتراء الكذب على الله - تعالى - في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به.
أما الأول فواضح حيث حكم بالكفر على من لم يكفره الله -تعالى - فهو كمن حرم ما أحل الله؛ لأن الحكم بالتكفير أو عدمه إلى الله وحده كالحكم بالتحريم أو عدمه.
وأما الثاني فلأنه وصف المسلم بوصف مضاد، فقال: إنه كافر، مع أنه بريء من ذلك، وحري به أن يعود وصف الكفر عليه لما ثبت في
(2/133)

صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - «أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: "إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما".»
وفي رواية: «إن كان كما قال وإلا رجعت عليه» . وله من حديث أبي ذر -رضي الله عنه - أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه» .
يعني رجع عليه. وقوله في حديث ابن عمر: «إن كان كما قال» يعني في حكم الله - تعالى -. وكذلك قوله في حديث أبي ذر: "وليس كذلك" يعني في حكم الله تعالى.
وهذا هو المحذور الثاني أعني عود وصف الكفر عليه إن كان أخوه بريئًا منه، وهو محذور عظيم يوشك أن يقع به؛ لأن الغالب أن من تسرع بوصف المسلم بالكفر كان معجبًا بعمله محتقرًا لغيره فيكون جامعًا بين الإعجاب بعمله الذي قد يؤدي إلى حبوطه، وبين الكبر الموجب لعذاب الله تعالى - في النار كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة -رضي الله عنه - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال:
"قال الله عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار» .
فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين:
الأمر الأول: دلالة الكتاب، والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب.
الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه، وتنتفي الموانع.
ومن أهم الشروط أن يكون عالمًا بمخالفته التي أوجبت كفره
(2/134)

لقوله - تعالى -: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} . فاشترط للعقوبة بالنار أن تكون المشاقة للرسول من بعد أن يتبين الهدى له.
ولكن هل يشترط أن يكون عالمًا بما يترتب على مخالفته من كفر أو غيره أو يكفي أن يكون عالمًا بالمخالفة وإن كان جاهلًا بما يترتب عليها؟
الجواب: الظاهر الثاني؛ أي إن مجرد علمه بالمخالفة كاف في الحكم بما تقتضيه لأن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أوجب الكفارة على المجامع في نهار رمضان لعلمه بالمخالفة مع جهله بالكفارة؛ ولأن الزاني المحصن العالم بتحريم الزنى يرجم وإن كان جاهلًا بما يترتب على زناه، وربما لو كان عالمًا ما زنى.
ومن الموانع أن يكره على المكفر لقوله - تعالى -: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . ومن الموانع أن يغلق عليه فكره وقصده بحيث لا يدري ما يقول لشدة فرح، أو حزن، أو غضب، أو خوف، ونحو ذلك.
لقوله تعالى -: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} . . وفي صحيح مسلم 2104 عن أنس بن مالك -رضي الله عنه - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة،فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد»
(2/135)

«أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» .
ومن الموانع أيضًا أن يكون له شبهة تأويل في المكفر بحيث يظن أنه على حق؛ لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلًا في قوله - تعالى -: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} .
ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلًا في قوله -تعالى -: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} قال في المغني 8\131: "وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك -يعني يكون كافرًا - وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين، وأموالهم، وفعلهم ذلك متقربين به إلى الله - تعالى - إلى أن قال -: وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم واستحلال دمائهم، وأموالهم، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم، وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا". وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 13 \30 مجموع ابن القاسم: "وبدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب" وفي ص 210 منه "فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم. . وصاروا يتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على غير
(2/136)

تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن".
وقال أيضًا 28\518 من المجموع المذكور: "فإن الأئمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين". لكنه ذكر في 7\217 "أنه لم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع". وفي 28\518 "أن هذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره". وفي 3\282 قال: " والخوارج المارقون الذين أمر النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام،وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار.
ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم، وإذا كان هؤلاء الذي ثبت ضلالهم بالنص، والإجماع، لم يكفروا مع أمر الله ورسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم، فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن يكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضًا، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعًا جهال بحقائق ما يختلفون فيه". إلى أن قال:"وإذا كان المسلم متأولًا في القتال، أو التكفير لم يكفر بذلك". إلى أن قال في ص 288: "وقد اختلف العلماء
(2/137)

في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. . والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله -تعالى -: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} .
وقوله: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} . وفي الصحيحين عن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين» .
والحاصل أن الجاهل معذور بما يقوله أو يفعله مما يكون كفرًا، كما يكون معذورًا بما يقوله أو يفعله مما يكون فسقًا، وذلك بالأدلة من الكتاب والسنة، والاعتبار، وأقوال أهل العلم.
(225) وسئل فضيلته: هل يعذر الجاهل بما يترتب على المخالفة؟ كمن يجهل أن ترك الصلاة كفر؟
فأجاب بقوله: الجاهل بما يترتب على المخالفة غير معذور إذا كان عالمًا بأن فعله مخالف للشرع كما تقدم دليله، وبناء على ذلك فإن تارك الصلاة لا يخفى عليه أنه واقع في المخالفة إذا كان ناشئًا بين المسلمين فيكون كافرًا وإن جهل أن الترك كفر.
نعم إذا كان ناشئًا في بلاد لا يرون كفر تارك الصلاة وكان هذا الرأي هو الرأي المشهور السائد بينهم، فإنه لا يكفر لتقليده لأهل العلم في بلده، كما لا يأثم بفعل محرم يرى علماء بلده أنه غير محرم لأن فرض العامي التقليد لقوله - تعالى -: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} . والله الموفق.
(2/138)

(226) سئل فضيلة الشيخ: ما العمل إذا أكره إنسان على الكفر؟
فأجاب بقوله: إذا أكره إنسان على الكفر ففي ذلك تفصيل:
أولًا: أن يوافق ظاهرًا وباطنًا فيكون بذلك كافرًا مرتدًا لقوله -تعالى -: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . ثانيًا:أن يوافق ظاهرًا لا باطنًا ولكن يقصد التخلص من الإكراه فهذا لا يكفر لقوله -تعالى -: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} ثالثًا: أن لا يوافق لا ظاهرًا ولا باطنًا ويصبر على القتل فهذا جائز وهو من الصبر.
لكن هل الأولى أن يصبر أولا؟
فيه تفصيل:
أولًا: إذا كان الإكراه لا يترتب عليه ضرر في الدين للعامة فإن الأولى أن يوافق ظاهرًا لا باطنًا، لا سيما إذا كان بقاؤه فيه مصلحة للمسلمين كصاحب المال، أو العلم المنتفع بهما، وما أشبه ذلك، حتى وإن لم يكن فيه مصلحة ففي بقائه على الإسلام زيادة عمل صالح وهو خير، وقد رخص له بالكفر ظاهرًا.
ثانيًا: إذا كان في موافقته وعدم صبره ضرر على الدين فإنه يصبر، وقد يجب الصبر ولو قتل، لأنه من باب الصبر على الجهاد في سبيل الله،
(2/139)

وليس من باب إبقاء النفس، ولهذا لما شكا الصحابة للنبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ما يجدونه من مضايقة المشركين ذكر لهم أنه كان فيمن قبلنا من يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه عن دينه.
ولو حصل من الصحابة -رضي الله عنهم - في ذلك الوقت موافقة للمشركين وهم قلة لحصل بذلك ضرر عظيم على المسلمين.
والإمام أحمد - رحمه الله - أوذي وصبر حين أبى أن يقول: القرآن مخلوق ولو وافقهم ظاهرًا لحصل في ذلك مضرة على الإسلام.
(227) وسئل - حفظه الله -: عن حكم من حكم بغير ما أنزل الله.
فأجاب قائلًا: أقول وبالله - تعالى - أقول وأسأله الهداية والصواب: إن الحكم بما أنزل الله - تعالى - من توحيد الربوبية؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته، وكمال ملكه وتصرفه؛ ولهذا سمى الله - تعالى - المتبوعين في غير ما أنزل الله - تعالى - أربابًا لمتبعيهم فقال - سبحانه -: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فسمى الله - تعالى - المتبوعين أربابًا حيث جعلوا مشرعين مع الله - تعالى -، وسمى المتبعين عُبادًا حيث إنهم ذلوا لهم وأطاعوهم في مخالفة حكم الله - سبحانه وتعالى -. وقد «قال عدي بن حاتم لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنهم لم»
(2/140)

«يعبدوهم فقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بل إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم» .
إذا فهمت ذلك فاعلم أن من لم يحكم بما أنزل الله، وأراد أن يكون التحاكم إلى غير الله ورسوله وردت فيه آيات بنفي الإيمان عنه، وآيات بكفره وظلمه، وفسقه.
فأما القسم الأول:
فمثل قوله تعالى -: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} فوصف الله - تعالى - هؤلاء المدعين للإيمان وهم منافقون بصفات:
الأولى: أنهم يريدون أن يكون التحاكم إلى الطاغوت، وهو كل ما خالف حكم الله - تعالى - ورسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن ما خالف حكم الله ورسوله فهو طغيان واعتداء على حكم من له الحكم وإليه يرجع
(2/141)

الأمر كله وهو الله قال الله - تعالى -: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .
الثانية: أنهم إذا دُعُوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدوا وأعرضوا.
الثالثة: أنهم إذا أصيبوا بمصيبة بما قدمت أيديهم، ومنها أن يعثر على صنيعهم جاءوا يحلفون أنهم ما أرادوا إلا الإحسان والتوفيق كحال من يرفض اليوم أحكام الإسلام ويحكم بالقوانين المخالفة لها زعمًا منه أن ذلك هو الإحسان الموافق لأحوال العصر.
ثم حذر - سبحانه - هؤلاء المدعين للإيمان المتصفين بتلك الصفات بأنه - سبحانه - يعلم ما في قلوبهم وما يكنونه من أمور تخالف ما يقولون، وأمر نبيه أن يعظهم ويقول لهم في أنفسهم قولًا بليغًا، ثم بين أن الحكمة من إرسال الرسول أن يكون هو المطاع المتبوع لا غيره من الناس مهما قويت أفكارهم واتسعت مداركهم، ثم أقسم - تعالى - بربوبيته لرسوله التي هي أخص أنواع الربوبية والتي تتضمن الإشارة إلى صحة رسالته، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أقسم بها قسمًا مؤكدًا أنه لا يصلح الإيمان إلا بثلاثة أمور:
الأول: أن يكون التحاكم في كل نزاع إلى رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الثاني: أن تنشرح الصدور بحكمه ولا يكون في النفوس حرج وضيق منه.
الثالث: أن يحصل التسليم التام بقبول ما حكم به وتنفيذه بدون توان أو انحراف.
(2/142)

وأما القسم الثاني: فمثل قوله - تعالى -: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} . وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . وهل هذه الأوصاف الثلاثة تتنزل على موصوف واحد؟
بمعنى أن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ظالم، فاسق؛ لأن الله - تعالى - وصف الكافرين بالظلم والفسق فقال - تعالى -: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} . وقال - تعالى -: {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} . فكل كافر ظالم فاسق، أو هذه الأوصاف تتنزل على موصوفين بحسب الحامل لهم على عدم الحكم بما أنزل الله؟
هذا هو الأقرب عندي والله أعلم.
فنقول: من لم يحكم بما أنزل الله استخفافًا به، أو احتقارًا له، أو اعتقادًا أن غيره أصلح منه، وأنفع للخلق فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجًا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه.
ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو لم يستخف به، ولم يحتقره، ولم يعتقد
(2/143)

أن غيره أصلح منه، وأنفع للخلق، وإنما حكم بغيره تسلطًا على المحكوم عليه، أو انتقامًا منه لنفسه أو نحو ذلك، فهذا ظالم وليس بكافر وتختلف مراتب ظلمه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم.
ومن لم يحكم بما أنزل الله لا استخفافًا بحكم الله، ولا احتقارًا، ولا اعتقادًا أن غيره أصلح، وأنفع للخلق، وإنما حكم بغيره محاباة للمحكوم له، أو مراعاة لرشوة أو غيرها من عرض الدنيا فهذا فاسق، وليس بكافر، وتختلف مراتب فسقه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - فيمن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله: إنهم على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل ويعتقدون تحليل ما حرم، وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحليل الحرام وتحريم الحلال - كذا المنقولة عنه - ثابتًا لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصٍ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.
(228) وسئل: هل هناك فرق في المسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي بغير ما أنزل الله وبين المسائل التي تعتبر تشريعًا عامًا؟
فأجاب بقوله: نعم هناك فرق فإن المسائل التي تعتبر تشريعًا عامًا لا يتأتى فيها التقسيم السابق وإنما هي من القسم الأول فقط؛ لأن هذا
(2/144)

المشرع تشريعًا يخالف الإسلام إنما شرعه لاعتقاده أنه أصلح من الإسلام وأنفع للعباد كما سبقت الإشارة إليه.
والحكم بغير ما أنزل الله ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يستبدل هذا الحكم بحكم الله -تعالى - بحيث يكون عالمًا بحكم الله، ولكنه يرى أن الحكم المخالف له أولى وأنفع للعباد من حكم الله، أو أنه مساو لحكم الله، أو أن العدول عن حكم الله إليه جائز فيجعله القانون الذي يجب التحاكم إليه فمثل هذا كافر كفرًا مخرجًا عن الملة لأن فاعله لم يرض بالله ربًا ولا بمحمد رسولًا ولا بالإسلام دينًا وعليه ينطبق قوله - تعالى -: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} وقوله - تعالى -: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} . وقوله -تعالى -: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} ولا ينفعه صلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج؛ لأن الكافر ببعض كافر به كله قال الله - تعالى -: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}
(2/145)

وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} .
الثاني: أن يستبدل بحكم الله - تعالى - حكمًا مخالفًا له في قضية معينة دون أن يجعل ذلك قانونًا يجب التحاكم إليه فله ثلاث حالات: الأولى: أن يفعل ذلك عالمًا بحكم الله - تعالى - معتقدًا أن ما خالفه أولى منه وأنفع للعباد، أو أنه مساو له، أو أن العدول عن حكم الله إليه جائز فهذا كافر كفرًا مخرجًا عن الملة لما سبق في القسم الأول.
الثانية: أن يفعل ذلك عالمًا بحكم الله معتقدًا أنه أولى وأنفع لكن خالفه بقصد الإضرار بالمحكوم عليه أو نفع المحكوم له، فهذا ظالم وليس بكافر وعليه يتنزل قول الله - تعالى -: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
الثالثة: أن يكون كذلك لكن خالفه لهوى في نفسه أو مصلحة تعود إليه فهذا فاسق وليس بكافر وعليه يتنزل قول الله تعالى -: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .
وهذه المسألة أعني مسألة الحكم بغير ما أنزل الله من المسائل الكبرى التي ابتلي بها حكام هذا الزمان فعلى المرء أن لا يتسرع في الحكم عليهم بما لا يستحقونه حتى يتبين له الحق؛ لأن المسألة خطيرة - نسأل الله - تعالى - أن
(2/146)

يصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانتهم كما أن على المرء الذي آتاه الله العلم أن يبينه لهؤلاء الحكام لتقوم الحجة عليهم وتبين المحجة، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة، ولا يحقرن نفسه عن بيانه، ولا يهابن أحدًا فيه فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. والله ولي التوفيق.
(229) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم طاعة الحاكم الذي لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فأجاب بقوله: الحاكم الذي لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله تجب طاعته في غير معصية الله ورسوله، ولا تجب محاربته من أجل ذلك، بل ولا تجوز إلا أن يصل إلى حد الكفر فحينئذ تجب منابذته، وليس له طاعة على المسلمين.
والحكم بغير ما في كتاب الله وسنة رسوله يصل إلى الكفر بشرطين:
الأول: أن يكون عالمًا بحكم الله ورسوله، فإن كان جاهلًا به لم يكفر بمخالفته.
الثاني: أن يكون الحامل له على الحكم بغير ما أنزل الله اعتقاد أنه حكم غير صالح للوقت وأن غيره أصلح منه، وأنفع للعباد، وبهذين الشرطين يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا مخرجًا عن الملة لقوله - تعالى -: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، وتبطل ولاية الحاكم، ولا يكون له طاعة على الناس، وتجب محاربته، وإبعاده، عن الحكم.
أما إذا كان يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن الحكم به أي بما
(2/147)

أنزل الله هو الواجب، وأنه أصلح للعباد، لكن خالفه لهوى في نفسه أو إرادة ظلم المحكوم عليه، فهذا ليس بكافر بل هو إما فاسق أو ظالم، وولايته باقية، وطاعته (في غير معصية الله ورسوله) واجبة، ولا تجوز محاربته أو إبعاده عن الحكم بالقوة، والخروج عليه؛ لأن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نهى عن الخروج على الأئمة إلا أن نرى كفرًا صريحًا عندنا فيه برهان من الله تعالى.
(230) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الذبح لغير الله، وهل يجوز الأكل من تلك الذبيحة؟
فأجاب قائلًا: الذبح لغير الله شرك أكبر لأن الذبح عبادة كما أمر الله به في قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . وقوله سبحانه: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} فمن ذبح لغير الله فهو مشرك شركًا مخرجًا عن الملة - والعياذ بالله - سواء ذبح ذلك لملك من الملائكة، أو لرسول من الرسل، أو لنبي من الأنبياء، أو لخليفة من الخلفاء، أو لولي من الأولياء، أو لعالم من العلماء، فكل ذلك شرك بالله - عز وجل - ومخرج عن الملة والواجب على المرء أن يتقي الله في نفسه، وأن لا يوقع نفسه في ذلك الشرك الذي قال الله فيه: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} .
(2/148)

وأما الأكل من لحوم هذه الذبائح فإنه محرم لأنها أهل لغير الله بها وكل شيء أهل لغير الله به أو ذبح على النصب فإنه محرم كما ذكر الله ذلك في سورة المائدة في قوله - تعالى -: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} فهذه الذبائح التي ذبحت لغير الله من قسم المحرمات لا يحل أكلها.
(231) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الذبح لغير الله.
فأجاب بقوله: تقدم لنا في غير هذا الموضع أن توحيد العبادة هو إفراد الله - سبحانه وتعالى - بالعبادة بأن لا يتعبد أحد لغير الله - تعالى - بشيء من أنواع العبادة، ومن المعلوم أن الذبح قربة يتقرب بها الإنسان إلى ربه لأن الله - تعالى - أمر به في قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وكل قربة فهي عبادة، فإذا ذبح الإنسان شيئًا لغير الله تعظيمًا له، وتذللًا، وتقربًا إليه كما يتقرب بذلك ويعظم ربه - عز وجل - كان مشركًا بالله - عز وجل - وإذا كان مشركًا فإن الله - تعالى قد بين أنه حرم على المشرك الجنة ومأواه النار.
وبناء على ذلك نقول: إن ما يفعله بعض الناس من الذبح للقبور - قبور الذين يزعمون بأنهم أولياء - شرك مخرج عن الملة، ونصيحتنا لهؤلاء أن يتوبوا إلى الله - عز وجل - مما صنعوا، وإذا تابوا إلى الله وجعلوا الذبح لله وحده كما يجعلون الصلاة والصيام لله وحده، فإنه يغفر لهم ما سبق كما قال الله - تعالى -: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}
(2/149)

بل إن الله تعالى - يعطيهم فوق ذلك فيبدل الله سيئاتهم حسنات كما قال الله - تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} .
فنصيحتي لهؤلاء الذي يتقربون إلى أصحاب القبور بالذبح لهم: أن يتوبوا إلى الله من ذلك، وأن يرجعوا إليه، وأن يخلصوا دينهم له سبحانه، وليبشروا إذا تابوا بالتوبة من الكريم المنان، فإن الله - سبحانه وتعالى - يفرح بتوبة التائبين وعودة المنيبين.
(232) سئل فضيلة الشيخ: هل تقبل توبة من سب الله - عز وجل - أو سب الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب حفظه الله بقوله: اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أنها لا تقبل توبة من سب الله، أو سب رسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو المشهور عند الحنابلة، بل يقتل كافرًا، ولا يصلى عليه، ولا يدعى له بالرحمة، ويدفن في محل بعيد عن قبور المسلمين.
القول الثاني: أنها تقبل توبة من سب الله أو سب رسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذا علمنا صدق توبته إلى الله، وأقر على نفسه بالخطأ، ووصف الله - تعالى - بما يستحق من صفات التعظيم، وذلك لعموم الأدلة الدالة على قبول التوبة كقوله - تعالى -
(2/150)

{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} ومن الكفار من يسب الله ومع ذلك تقبل توبتهم، وهذا هو الصحيح إلا أن ساب الرسول، عليه الصلاة والسلام، تقبل توبته ويجب قتله، بخلاف من سب الله فإنها تقبل توبته ولا يقتل؛ لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد، بأنه يغفر الذنوب جميعًا. أما ساب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه يتعلق به أمران:
أحدهما: أمر شرعي لكونه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا يقبل إذا تاب.
الثاني: أمر شخصي، وهذا لا تقبل التوبة فيه لكونه حق آدمي لم يعلم عفوه عنه، وعلى هذا فيقتل ولكن إذا قتل، غسلناه، وكفناه، وصلينا عليه، ودفناه مع المسلمين.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقد ألف كتابًا في ذلك اسمه "الصارم المسلول في تحتم قتل ساب الرسول" وذلك لأنه استهان بحق الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذا لو قذفه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه يقتل ولا يجلد.
فإن قيل: أليس قد ثبت أن من الناس من سب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في حياته وقبل النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، توبته؟
أجيب: بأن هذا صحيح، لكن هذا في حياته، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والحق الذي له قد أسقطه، وأما بعد موته فإنه لا يملك أحد إسقاط حقه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيجب علينا تنفيذ ما يقتضيه سبه،
(2/151)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من قتل سابه، وقبول توبة الساب فيما بينه وبين الله تعالى.
فإن قيل: إذا كان يحتمل أن يعفو عنه لو كان في حياته، أفلا يوجب ذلك أن نتوقف في حكمه؟
أجيب: بأن ذلك لا يوجب التوقف لأن المفسدة حصلت بالسب، وارتفاع أثر هذا السب غير معلوم والأصل بقاؤه.
فإن قيل: أليس الغالب أن الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يعفو عمن سبه؟
أجيب: بلى، وربما كان العفو في حياة الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، متضمنًا المصلحة وهي التأليف، كما كان، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يعلم أعيان المنافقين ولم يقتلهم "لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" لكن الآن لو علمنا أحدًا بعينه من المنافقين لقتلناه، قال ابن القيم رحمه الله:
" إن عدم قتل المنافق المعلوم إنما هو في حياة الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقط". اهـ.
(233) سئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين - عمن سب الدين في حالة غضب هل عليه كفارة؟ وما شرط التوبة من هذا العمل؟ وهل ينفسخ نكاح زوجته؟
فأجاب -حفظه الله -بقوله: الحكم فيمن سب الدين الإسلامي أنه يكفر فإن سب الدين والاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله -عز وجل - وبدينه وقد حكى الله عن قوم استهزؤوا بدين الإسلام حكى الله عنهم أنهم كانوا يقولون: إنما كنا نخوض ونلعب فبين الله -عز وجل - أن
(2/152)

خوضهم هذا ولعبهم استهزاء بالله وآياته ورسوله وأنهم كفروا به فقال - تعالى -: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} فالاستهزاء بدين الله، أو سب دين الله، أو سب الله ورسوله، أو الاستهزاء بهما كفر مخرج عن الملة.
ومع ذلك فإن هناك مجالًا للتوبة منه لقول الله - تعالى -: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} فإذا تاب الإنسان من أي ردة كانت، توبة نصوحًا استوفت شروط التوبة الخمسة، فإن الله يقبل توبته.
وشروط التوبة الخمسة هي:
الشرط الأول: الإخلاص لله بتوبته بأن لا يكون الحامل له على التوبة رياء أو سمعة، أو خوفًا من مخلوق، أو رجاء لأمر يناله من الدنيا فإذا أخلص توبته لله وصار الحامل له عليها تقوى الله - عز وجل - والخوف من عقابه ورجاء ثوابه فقد أخلص لله - تعالى - فيها.
الشرط الثاني: أن يندم على ما فعل من الذنب بحيث يجد في نفسه حسرة وحزنًا على ما مضى، ويراه أمرًا كبيرًا يجب عليه أن يتخلص منه.
الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب وعن الإصرار عليه؛ فإن كان ذنبه ترك واجب قام بفعله وتداركه إن أمكن، وإن كان ذنبه بإتيان محرم
(2/153)

أقلع عنه وابتعد عنه ومن ذلك إذا كان الذنب يتعلق بالمخلوقين، فإنه يؤدي إليهم حقوقهم أو يستحلهم منها.
الشرط الرابع: العزم على أن لا يعود في المستقبل بأن يكون في قلبه عزم مؤكد ألا يعود إلى هذه المعصية التي تاب منها.
الشرط الخامس أن تكون التوبة في وقت القبول فإن كانت بعد فوات وقت القبول لم تقبل، وفوات وقت القبول عام وخاص:
أما العام فإنه طلوع الشمس من مغربها فالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل لقول الله - تعالى -: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} .
وأما الخاص فهو حضور الأجل فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع لقول الله - تعالى -: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} .
أقول: إن الإنسان إذا تاب من أي ذنب ولو كان ذلك سب الدين فإن توبته تقبل إذا استوفت الشروط التي ذكرناها، ولكن ليعلم أن الكلمة قد تكون كفرًا وردة ولكن المتكلم بها قد لا يكفر بها لوجود مانع يمنع من الحكم بكفره، فهذا الرجل الذي ذكر عن نفسه أنه سب الدين في حال غضب، نقول له: إن كان غضبك شديدًا بحيث لا تدري ماذا تقول ولا تدري حينئذ أأنت في سماء أم في أرض وتكلمت بكلام لا تستحضره ولا تعرفه فإن هذا الكلام لا حكم له ولا يحكم عليك بالردة لأنه كلام حصل عن غير إرادة وقصد، وكل كلام حصل عن غير إرادة وقصد فإن الله
(2/154)

- سبحانه وتعالى -لا يؤاخذ به يقول: الله -تعالى - في الأيمان: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} .
فإذا كان هذا المتكلم بكلمة الكفر في غضب شديد لا يدري ما يقول: ولا يعلم ماذا خرج منه فإنه لا حكم لكلامه، ولا يحكم بردته حينئذ، وإذا لم يحكم بالردة فإن الزوجة لا ينفسخ نكاحها منه، بل هي باقية في عصمته، ولكن ينبغي للإنسان إذا أحس بالغضب أن يحرص على مداواة هذا الغضب بما أوصى به «النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين سأله رجل فقال له: يا رسول الله أوصني قال:
"لا تغضب فردد مرارًا قال؛ لا تغضب» فليحكم الضبط على نفسه وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان قائمًا فليجلس، وإذا كان جالسًا فليضطجع، وإذا اشتد به الغضب فليتوضأ، فإن هذه الأمور تذهب غضبه وما أكثر الذين ندموا ندمًا عظيمًا على تنفيذ ما اقتضاه غضبهم ولكن بعد فوات الأوان.
(234) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الاستهزاء بالله - تعالى - أو برسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو سنته، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب بقوله: الاستهزاء بالله - تعالى - أو برسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو سنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كفر وردة يخرج به الإنسان من الإسلام لقول الله -تعالى -: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} .
(2/155)

فكل من استهزأ بالله أو برسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو بدين رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه كافر مرتد يجب عليه أن يتوب إلى الله - تعالى -، وإذا تاب إلى الله فإن الله - تعالى - يقبل توبته لقوله -تعالى - في هؤلاء المستهزئين: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} فبين الله -تعالى - أنه قد يعفو عن طائفة منهم ولا يكون ذلك إلا بالتوبة إلى الله - عز وجل- من كفرهم الذي كان باستهزائهم بالله وآياته ورسوله.
(235) وسئل - حفظه الله -: عن حكم من يمزح بكلام فيه استهزاء بالله أو الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو الدين؟
فأجاب بقوله: هذا العمل وهو الاستهزاء بالله أو رسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو كتابه أو دينه ولو كان على سبيل المزح، ولو كان على سبيل إضحاك القوم كفر ونفاق، وهو نفس الذي وقع في عهد النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،في «الذين قالوا: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا،ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء".
يعني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأصحابه القراء فنزلت فيهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} لأنهم جاؤوا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولون: إنما كنا نتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق، فكان رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقول لهم ما أمره الله به: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} » .
(2/156)

فجانب الربوبية، والرسالة، والوحي، والدين جانب محترم، لا يجوز لأحد أن يعبث فيه لا باستهزاء بإضحاك، ولا بسخرية فإن فعل فإنه كافر؛ لأنه يدل على استهانته بالله - عز وجل - ورسله وكتبه وشرعه وعلى من فعل هذا أن يتوب إلى الله - عز وجل - مما صنع؛ لأن هذا من النفاق فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفر، ويصلح عمله، ويجعل في قلبه خشية الله - عز وجل - وتعظيمه وخوفه ومحبته. والله ولي التوفيق.
(236) وسئل فضيلته: عن حكم الاستهزاء بالملتزمين بأوامر الله - تعالى - ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب قائلا: الاستهزاء بالملتزمين بأوامر الله - تعالى - ورسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكونهم التزموا بذلك محرم وخطير جدًا على المرء، لأنه يخشى أن تكون كراهته لهم لكراهة ما هم عليه من الاستقامة على دين الله وحينئذ يكون استهزاؤه بهم استهزاء بطريقهم الذي هم عليه فيشبهون من قال الله عنهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} فإنها نزلت في قوم من المنافقين قالوا: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعنون رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأصحابه -أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء". فأنزل الله فيهم هذه الآية.
فليحذر الذين يسخرون من أهل الحق لكونهم من أهل الدين فإن
(2/157)

الله - سبحانه وتعالى - يقول: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} .
(237) وسئل أيضًا: عن حكم من يسخر بالملتزمين بدين الله ويستهزئ بهم؟
فأجاب بقوله: هؤلاء الذين يسخرون بالملتزمين بدين الله المنفذين لأوامر الله فيهم نوع نفاق لأن الله قال عن المنافقين: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . ثم إن كانوا يستهزئون بهم من أجل ما هم عليه من الشرع فإن استهزاءهم بهم استهزاء بالشريعة، والاستهزاء بالشريعة كفر، أما إذا كانوا يستهزئون بهم يعنون أشخاصهم وزيهم بقطع النظر عما هم عليه من اتباع السنة فإنهم لا يكفرون بذلك؛ لأن الإنسان قد يستهزئ بالشخص نفسه بقطع النظر عن عمله وفعله، لكنهم على خطر عظيم، والواجب تشجيع من التزم بشريعة الله ومعونته، وتوجيهه إذا كان على نوع من الخطأ حتى يستقيم على الأمر المطلوب.
(2/158)

(238) سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: هل يجوز البقاء بين قوم يسبون الله - عز وجل؟
فأجاب - حفظه الله - بقوله: لا يجوز البقاء بين قوم يسبون الله - عز وجل - لقوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} والله الموفق.
(239) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم من سخر بصاحب اللحية ورافع ثوبه عن كعبيه؟
فأجاب قائلًا: من سخر بصاحب اللحية ورافع ثوبه عن كعبيه فإن قصد السخرية بعمله وهو يعلم أنه من شريعة الله - تعالى -، فقد سخر من شريعة الله - تعالى -، وإن قصد السخرية بالشخص نفسه لدوافع شخصية فإنه لا يكفر بذلك.
(240) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم دعاء المخلوق؟
فأجاب - رعاه الله - بقوله: الدعاء ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: جائز وهو أن تدعو مخلوقًا بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة، قال، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في حقوق المسلم على أخيه: «وإذا دعاك فأجبه» . وقال، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وتعين الرجل في دابته» . الحديث.
(2/159)

الثاني: أن تدعو مخلوقًا مطلقًا -سواء كان حيًا أو ميتًا - فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا شرك أكبر، لأن هذا من فعل الله لا يستطيعه البشر مثل: يا فلان اجعل ما في بطن امرأتي ذكرًا.
الثالث: أن تدعو مخلوقًا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة كدعاء الأموات فهذا شرك أكبر أيضًا؛ لأن هذا لا يقدر عليه المدعو ولا بد أن يعتقد فيه الداعي شيئًا سريًا يدبر به الأمور.
(241) سئل فضيلة الشيخ: عن رجل محافظ على الصلاة والصيام وظاهر حاله الاستقامة، إلا أن له حلقات يدعو فيها الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعبد القادر، فما حكم عمله هذا؟
فأجاب بقوله: ما ذكره السائل يحزن القلب، فإن هذا الرجل الذي وصفه بأنه يحافظ على الصلاة والصيام، وأن ظاهر حاله الاستقامة قد لعب به الشيطان وجعله يخرج من الإسلام بالشرك وهو يعلم أو لا يعلم، فدعاؤه غير الله - عز وجل - شرك أكبر مخرج عن الملة، سواء دعا الرسول، عليه الصلاة والسلام، أو دعا غيره، وغيره أقل منه شأنًا وأقل منه وجاهة عند الله - عز وجل - فإذا كان دعاء رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شركًا فدعاء غيره أقبح وأقبح من عبد القادر أو غير عبد القادر، والرسول، عليه الصلاة والسلام، نفسه لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا قال الله - تعالى آمرًا له: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} وقال آمرًا له:
(2/160)

- {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} وقال تعالى آمرًا له: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} . بل قال الله تعالى - آمرًا له: {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} فإذا كان الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نفسه لا يجيره أحد من الله فكيف بغيره؟!
فدعاء غير الله شرك مخرج عن الملة، والشرك لا يغفره الله - عز وجل - إلا بتوبة من العبد لقوله - تعالى -: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وصاحبه في النار لقوله -تعالى -: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} .
ونصيحتي لهذا الرجل أن يتوب إلى الله من هذا الأمر المحبط للعمل فإن الشرك يحبط العمل قال الله - تعالى -: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} . فليتب إلى الله من هذا،وليتعبد لله بما شرع من الأذكار والعبادات، ولا يتجاوز ذلك إلى هذه الأمور الشركية وليتفكر دائمًا في قوله - تعالى -
(2/161)

{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} .
(242) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم دعاء أصحاب القبور؟
فأجاب بقوله: الدعاء ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: دعاء عبادة، ومثاله الصلاة، والصوم وغير ذلك من العبادات فإذا صلى الإنسان، أو صام فقد دعا ربه بلسان الحال أن يغفر له، وأن يجيره من عذابه، وأن يعطيه من نواله، ويدل لهذا قوله - تعالى -: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} .
فجعل الدعاء عبادة، فمن صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله فقد كفر كفرًا مخرجًا عن الملة، فلو ركع الإنسان أو سجد لشيء يعظمه كتعظيم الله في هذا الركوع أو السجود لكان مشركًا خارجًا عن الإسلام، ولهذا منع النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من الانحناء عند الملاقاة سدًا لذريعة الشرك «فسئل عن الرجل يلقى أخاه أينحني له؟
قال: "لا» . وما يفعله بعض الجهال إذا سلم عليك انحنى لك خطأ ويجب عليك أن تبين له ذلك وتنهاه عنه.
القسم الثاني: دعاء المسألة، وهذا ليس كله شركًا بل فيه تفصيل: أولًا:إن كان المدعو حيًا قادرًا على ذلك فليس بشرك، كقولك:اسقني ماء لمن يستطيع ذلك، قال، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(2/162)

«من دعاكم فأجيبوه» . قال الله -تعالى -: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} فإن مد الفقير يده وقال: ارزقني أي: أعطني فهو جائز كما قال - تعالى -: {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} .
ثانيًا: إن كان المدعو ميتًا فإن دعاءه شرك مخرج عن الملة.
ومع الأسف أن في بعض البلاد الإسلامية من يعتقد أن فلانًا المقبور الذي بقي جثة أو أكلته الأرض ينفع أو يضر، أو يأتي بالنسل لمن لا يولد له، وهذا والعياذ بالله شرك أكبر مخرج عن الملة، وإقرار هذا أشد من إقرار شرب الخمر، والزنى، واللواط؛ لأنه إقرار على كفر، وليس إقرارًا على فسوق فقط فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين.
(243) سئل فضيلة الشيخ: يقول: بعض الناس عند الشدة: "يا محمد أو يا علي، أو يا جيلاني " فما الحكم؟
فأجاب بقوله: إذا كان يريد دعاء هؤلاء والاستغاثة بهم فهو مشرك شركًا أكبر مخرجًا عن الملة، فعليه أن يتوب إلى الله - عز وجل - وأن يدعو الله وحده، كما قال -تعالى -: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} وهو مع كونه مشركًا، سفيه مضيع لنفسه، قال الله - تعالى -: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} . وقال: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} .
(2/163)

(244) سئل فضيلة الشيخ: هل عبادة الإنسان لصفة من صفات الله يعد من الشرك وكذلك دعاؤها؟
فأجاب بقوله: عبادة الإنسان لصفة من صفات الله، أو دعاؤه لصفة من صفات الله من الشرك، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - لأن الصفة غير الموصوف بلا شك وإن كانت هي وصفه، وقد تكون لازمة وغير لازمة، لكن هي بلا شك غير الموصوف فقوة الإنسان غير الإنسان وعزة الإنسان غير الإنسان، وكلام الإنسان غير الإنسان، كذلك قدرة الله - عز وجل - ليست هي الله بل هي صفة من صفاته فلو تعبد الإنسان لصفة من صفات الله لم يكن متعبدًا لله؛ وإنما تعبد لهذه الصفة لا لله - عز وجل - والإنسان إنما يتعبد لله - عز وجل - {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
والله عز وجل موصوف بجميع صفاته فإذا عبدت صفة من صفاته لم تكن عبدت الله عز وجل لأن الله موصوف بجميع الصفات.
وكذلك دعاء الصفة من الشرك مثل أن تقول: يا مغفرة الله اغفري لي يا عزة الله أعزيني،ونحو ذلك.
(245) وسئل أيضًا: هل قول الإنسان: "يا رحمة الله " يدخل في دعاء الصفة الممنوع؟
(2/164)

فأجاب بقوله: إذا كان مراد الداعي بقوله: "يا رحمة الله" الاستغاثة برحمة الله - تعالى - يعني أنه لا يدعو نفس الرحمة ولكنه يدعو الله - سبحانه وتعالى - أن يعمه برحمته كان هذا جائزًا، وهذا هو الظاهر من مراده، فلو سألت القائل هل أنت تريد أن تدعو الرحمة نفسها أو تريد أن تدعو الله - عز وجل - ليجلب لك الرحمة؟ لقال: هذا هو مرادي.
أما إن كان مراده دعاء الرحمة نفسها فقد سبق جوابه ضمن جواب السؤال السابق.
(246) سئل فضيلة الشيخ: قلتم في الفتوى رقم "244": إن عبادة صفة من صفات الله أو دعاءها من الشرك، وقد جاء في شرح العقيدة الطحاوية إذا قلت: "أعوذ بعزة الله" فقد عذت بصفة من صفات الله، ولم تعذ بغير الله. . فعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه. . وقد قال، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أعوذ بعزة الله وقدرته» .
. " وقال: «أعوذ بكلمات الله التامات» . . . ". وقال، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» . . . " وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا» .
وقال: «أعوذ بنور وجهك» . . . " ولا يعوذ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بغير الله. فنأمل من فضيلتكم التكرم بالتوضيح؟
.
(2/165)

فأجاب بقوله: ما نقله السائل من كلام شارح الطحاوية لا ينافي ما ذكرناه فإن من المعلوم أنه لا توجد ذات مجردة عن صفة أبدًا ولو لم يكن فيها إلا صفة الوجود، وكونه واجبًا أو ممكنًا وكونها على صفة معينة من صغر أو كبر أو نحو ذلك لكان كافيًا في الدلالة على أنه لا يمكن وجود ذات بلا صفة ما.
ولكن إذا عبد الإنسان صفة من صفات الله أو دعاها فإن هذا يشعر بكون الصفة بائنة عن الله - تعالى - مستقلة عنه وهذا هو وجه كونه شركًا.
وأما ما جاء في الأحاديث التي ذكرها شارح الطحاوية مثل: «أعوذ بعزتك» «أعوذ بعظمتك» ، «أعوذ برضاك» ، «أعوذ بكلمات الله التامة» فحقيقته أنه استعاذة بالله متوسلًا إليه بهذه الصفات المقتضية للعياذ،ولهذا قال شارح الطحاوية على ما نقله السائل: ولا يعوذ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغير الله. وإليك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في أن دعاء صفة من صفات الله كفر قال في الصفحة الثمانين من تلخيص كتاب الاستغاثة ما نصه:
"إن مسألة الله - تعالى - بأسمائه وصفاته وكلماته جائز مشروع كما جاءت به الأحاديث وأما دعاء صفاته وكلماته فكفر باتفاق المسلمين فهل يقول: مسلم: يا كلام الله اغفر لي وارحمني وأغثني أو أعني أو يا علم الله أو يا قوة الله أو يا عزة الله أو يا عظمة الله ونحو ذلك أو سمع من مسلم أو كافر أنه دعا ذلك من صفات الله وصفات غيره أو يطلب من الصفة جلب منفعة أو دفع مضرة أو إعانة أو نصر أو إغاثة أو غير ذلك". اهـ. هذا والله أسأل أن يوفق الجميع لما فيه الخير لنا وللأمة.
(2/166)

(247) سئل فضيلة الشيخ: عن رجل يستغيث بغير الله ويزعم أنه ولي الله فما علامات الولاية؟
فأجاب: علامات الولاية بينها الله - عز وجل - في قوله: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} فهذه علامات الولاية: الإيمان بالله، وتقوى الله - عز وجل - "فمن كان مؤمنًا تقيًا، كان لله وليًا". أما من أشرك به فليس بولي لله بل هو عدو لله كما قال - تعالى -: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} .
فأي إنسان يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله بما لا يقدر عليه إلا الله - عز وجل - فإنه مشرك كافر، وليس بولي لله ولو ادعى ذلك، بل دعواه أنه ولي مع عدم توحيده وإيمانه وتقواه دعوى كاذبة تنافي الولاية.
ونصيحتي لإخواني المسلمين في هذه الأمور أن لا يغتروا بهؤلاء، وأن يكون مرجعهم في ذلك إلى كتاب الله، وإلى ما صح من سنة النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،حتى يكون رجاؤهم، وتوكلهم، واعتمادهم على الله وحده، وحتى يؤمنوا بذلك لأنفسهم استقرارًا وطمأنينة، وحتى يحفظوا بذلك أموالهم أن يبتزها هؤلاء المخرفون، كما أن في لزوم ما دل عليه الكتاب والسنة في مثل هذه الأمور - في ذلك - إبعادًا لهؤلاء عن الاغترار بأنفسهم، هؤلاء الذين يدعون أنفسهم أحيانًا أسيادًا، وأحيانًا أولياء، ولو فكرت أو تأملت ما هم عليه لوجدت فيهم بعدًا عن الولاية والسيادة، ولكنك تجد الولي حقيقة أبعد الناس أن يدعو لنفسه وأن يحيطها بهالة من
(2/167)

التعظيم والتبجيل وما أشبه ذلك، تجده مؤمنًا، تقيًا، خفيًا لا يظهر نفسه، ولا يحب الإشهار، ولا يحب أن يتجه الناس إليه، أو أن يتعلقوا به خوفًا أو رجاء.
فمجرد كون الإنسان يريد من الناس أن يعظموه، ويحترموه، ويبجلوه، ويكون مرجعًا لهم، ومتعلقًا لهم، هذا في الحقيقة ينافي التقوى وينافي الولاية، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيمن طلب العلم ليماري به السفهاء، أو يجاري به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فعليه كذا وكذا من الوعيد، فالشاهد في قوله: "أو ليصرف وجوه الناس إليه" فهؤلاء الذين يدعون الولاية ويحاولون أن يصرفوا وجوه الناس إليهم هم أبعد الناس عن الولاية.
فنصيحتي لإخواني المسلمين أن لا يغتروا بهؤلاء وأمثالهم وأن يرجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن يعلقوا آمالهم ورجاءهم بالله وحده.
(248) سئل فضيلته: عن رأيه فيمن تغيرت لديهم المفاهيم وصار عندهم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؟ .
فأجاب - حفظه الله - بقوله: رأيي في هؤلاء الذين تغيرت عندهم المفاهيم حتى رأوا المعروف منكرًا والمنكر معروفًا وصاروا لا ينكرون من المنكر شيئًا ولا يقرون من المعروف شيئًا، رأيي أن هؤلاء انسلخوا من الدين - والعياذ بالله - وذلك لأن من جعل المعروف الذي من شريعة الله - عز وجل - منكرًا فقد كفر بالشريعة، وكذلك من جعل المنكر معروفًا فقد آمن بالطاغوت، والإيمان لا يتم إلا بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فعلى هؤلاء أن يراجعوا أنفسهم ويفكروا في أمرهم ويعرفوا أصلهم ومنتهى أمرهم
(2/168)

فإن أصلهم العدم ومنتهى أمرهم الفناء من الدنيا، قال - تعالى -: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} وقال - تعالى -: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} .
وقال تعالى -: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .
عليهم أن يفكروا أدنى تفكير فإن لم يفد فعليهم أن يفكروا التفكير العميق في الأمر وهم يشاهدون الناس يذهبون ويجيئون، هذا يولد وهذا يموت وهذا يمرض وهذا يصح، وهذا يصاب بماله وهذا يصاب بأهله، ويعلموا أنه لا بقاء لأحدٍ في هذه الدنيا فليرجعوا إلى الله - تعالى - وليعرفوا المعروف وينكروا المنكر ومن تاب تاب الله عليه.
(2/169)

السحر
(2/171)

(249) سئل فضيلة الشيخ: عن قوم يضربون أنفسهم بالحديد والسلاح ولا يتأثرون ويزعمون أنهم أولياء الله؟
فأجاب بقوله: كون هؤلاء يضربون أنفسهم بالحديد أو غير الحديد ولا يتأثرون بذلك فإن هذا لا يدل على صدقهم، ولا على أنهم من أولياء الله، ولا على أن هذا كرامة لهم، وإنما هذا من أنواع السحر الذي يسحرون به أعين الناس، والسحر يكون في مثل هذا وغيره، فإن موسى عليه الصلاة والسلام لما ألقى سحرة فرعون حبالهم وعصيهم صارت من سحرهم يخيل إليه أنها تسعى، وأنها حيات وأفاعٍ كما قال الله - عز وجل -: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} فهذا الذي يفعلونه لا شك أنه نوع من أنواع السحر وأنه ليس بكرامة.
واعلم - رحمك الله - أن الكرامة لا تكون إلا لأولياء الله، وأولياء الله هم الذين اتقوه واستقاموا على دينه وهم من وصفهم الله بقوله: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}
وليس كل من ادعى الولاية يكون وليًا، وإلا لكان كل واحد يدعيها، ولكن يوزن هذا المدعي للولاية بعمله، إن كان عمله مبنيًا على الإيمان والتقوى فإنه ولي، لكن مجرد ادعائه أنه من أولياء الله ليس من تقوى الله - عز وجل - لأن الله - تعالى - يقول:: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} .
فإذا
(2/173)

ادعى أنه من أولياء الله فقد زكى نفسه، وحينئذ يكون واقعًا في معصية الله وفيما نهاه الله عنه وهذا ينافي التقوى.
وعلى هذا فإن أولياء الله لا يزكون أنفسهم بمثل هذه الشهادة، وإنما هم يؤمنون بالله ويتقونه ويقومون بطاعته على الوجه الأكمل، ولا يقرون الناس ويخدعونهم بهذه الدعوى حتى يضلوهم عن سبيل الله.
(250) سئل فضيلة الشيخ: عن السحر وحكم تعلمه؟
فأجاب بقوله: السحر قال العلماء: هو في اللغة "عبارة عن كل ما لطف وخفي سببه" بحيث يكون له تأثير خفي لا يطلع عليه الناس، وهو بهذا المعنى يشمل التنجيم، والكهانة، بل إنه يشمل التأثير بالبيان والفصاحة كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن من البيان لسحرًا» . فكل شيء له أثر بطريق خفي فهو من السحر.
وأما في الاصطلاح فعرفه بعضهم بأنه: "عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والعقول والأبدان فتسلب العقل، وتوجد الحب والبغض وتفرق بين المرء وزوجه وتمرض البدن وتسلب تفكيره ".
وتعلم السحر محرم، بل هو كفر إذا كانت وسيلته الإشراك بالشياطين قال الله - تبارك وتعالى -: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}
(2/174)

فتعلم هذا النوع من السحر - وهو الذي يكون بواسطة الإشراك بالشياطين - كفر، واستعماله أيضًا كفر وظلم وعدوان على الخلق، ولهذا يقتل الساحر إما ردة وإما حدًا فإن كان سحره على وجه يكفر به فإنه يقتل ردة وكفرًا، وإن كان سحره لا يصل إلى درجة الكفر فإنه يقتل حدًا دفعًا لشره وأذاه عن المسلمين.
(251) سئل - حفظه الله ورعاه -: هل للسحر حقيقة؟
فأجاب قائلًا بقوله: للسحر حقيقة ولا شك وهو مؤثر حقيقة، لكن كونه يقلب الشيء أو يحرك الساكن، أو يسكن المتحرك هذا خيال وليس حقيقة، انظر إلى قول الله - تعالى - في قصة السحرة من آل فرعون يقول الله - تعالى -: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}
قال: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} كيف سحروا أعين الناس؟
سحروا أعين الناس حين صار الناس ينظرون إلى حبال السحرة وعصيهم كأنها ثعابين تمشي كما قال الله - تعالى -: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} فالسحر في قلب الأشياء، وتحريك الساكن، أو تسكين المتحرك ليس له أثر، لكن في كونه يسحر أو يؤثر على المسحور حتى يرى الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، أثره ظاهر جدًا، إذًا فله حقيقة ويؤثر على بدن المسحور وحواسه وربما يهلكه.
(2/175)

(252) وسئل فضيلته: هل للسحر حقيقة؟ وهل سحر النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب بقوله: السحر ثابت ولا مرية فيه وهو حقيقة، وذلك بدلالة القرآن الكريم، والسنة.
أما القرآن الكريم فإن الله - تعالى - ذكر عن سحرة فرعون الذين ألقوا حبالهم وعصيهم، وسحروا أعين الناس، واسترهبوهم حتى إن موسى، عليه الصلاة والسلام، كان يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى وحتى أوجس في نفسه خيفة فأمره الله - تعالى - أن يلقي عصاه فألقاها فإذا هي حية تسعى تلقف ما يأفكون، كما حكى الله -عز وجل ذلك عنه فقال: {قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} وهذا أمر لا إشكال فيه، وأما السنة ففيها أحاديث متعددة في ثبوت السحر وتأثيره.
وأما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سحر فنعم فقد ثبت من حديث عائشة وغيرها أن «النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سحر وأنه كان يخيل إليه أنه أتى الشيء وهو لم يأته» ولكن الله - تعالى - أنزل عليه سورتي: قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس فشفاه الله بهما.
(253) وسئل: عن حكم حل السحر عن المسحور "النشرة"؟
(2/176)

فأجاب قائلًا: حل السحر عن المسحور "النشرة" الأصح فيها أنها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تكون بالقرآن الكريم، والأدعية الشرعية، والأدوية المباحة فهذه لا بأس بها لما فيها من المصلحة وعدم المفسدة، بل ربما تكون مطلوبة؛ لأنها مصلحة بلا مضرة.
القسم الثاني: إذا كانت النشرة بشيء محرم كنقض السحر بسحر مثله فهذا موضع خلاف بين أهل العلم:
فمن العلماء من أجازه للضرورة.
ومنهم من منعه «لأن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سئل عن النشرة فقال: " هي من عمل الشيطان» .
وإسناده جيد رواه أبو داود، وعلى هذا يكون حل السحر بالسحر محرمًا، وعلى المرء أن يلجأ إلى الله - سبحانه وتعالى - بالدعاء والتضرع لإزالة ضرره، والله - سبحانه وتعالى - يقول:: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} .
ويقول: الله - تعالى -: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} . والله الموفق.
(254) وسئل: عن حكم التوفيق بين الزوجين بالسحر؟
فأجاب بقوله: هذا محرم ولا يجوز، وهذا يسمى بالعطف، وما يحصل به التفريق يسمى بالصرف وهو أيضًا محرم وقد يكون كفرًا وشركًا قال الله - تعالى -: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} .
(2/177)

(255) سئل فضيلة الشيخ: عن أقسام السحر؟ وهل الساحر كافر؟
فأجاب بقوله: السحر ينقسم إلى قسمين:
الأول: عقد ورقى، أي قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى الإشراك بالشياطين فيما يريد لضرر المسحور، قال الله - تعالى -: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} . الآية.
الثاني: أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور، وعقله، وإرادته، وميله وهو ما يسمى عندهم بالعطف، والصرف، فيجعلون الإنسان ينعطف على زوجته أو امرأة أخرى حتى يكون كالبهيمة تقوده كما تشاء والصرف بالعكس من ذلك، فيؤثر في بدن المسحور بإضعافه شيئًا فشيئًا حتى يهلك، وفي تصوره بأن يتخيل الأشياء على خلاف ما هي عليه."
وكفر الساحر" اختلف فيه أهل العلم: فمنهم من قال: يكفر. ومنهم من قال: لا يكفر.
ولكن التقسيم السابق الذي ذكرناه يتبين به حكم هذه المسألة: فمن كان سحره بواسطة الشياطين فإنه يكفر، ومن كان سحره بالأدوية والعقاقير فإنه لا يكفر ولكنه يعتبر عاصيًا.
(2/178)

(256) سئل فضيلة الشيخ: هل قتل الساحر ردة أو حد؟
فأجاب بقوله: قتل الساحر قد يكون حدًا، وقد يكون ردة بناء على التفصيل السابق في كفر الساحر فمتى حكمنا بكفره فقتله ردة، وإذا لم نحكم بكفره فقتله حد.
والسحرة يجب قتلهم سواء قلنا بكفرهم أم لا، لعظم ضررهم وفظاعة أمرهم، فهم يفرقون بين المرء وزوجه، وكذلك العكس فهم قد يعطفون فيؤلفون بين الأعداء ويتوصلون بذلك إلى أغراضهم، كما لو سحر امرأة ليزني بها، فيجب على ولي الأمر قتلهم بدون استتابة، ما دام أنه حد؛ لأن الحد إذا بلغ الإمام، لا يستتاب صاحبه، بل يقام بكل حال، أما الكفر فإنه يستتاب صاحبه، وبهذا نعرف خطأ من أدخل حكم المرتد في الحدود، وذكروا من الحدود حد الردة؛ لأن قتل المرتد ليس من الحدود لأنه إذا تاب انتفى عنه القتل، ثم إن الحدود كفارة لصاحبها وليس بكافر، والقتل بالردة ليس بكفارة وصاحبه كافر لا يصلى عليه، ولا يغسل ولا يدفن في مقابر المسلمين.
فالقول بقتل السحرة موافق للقواعد الشرعية؛ لأنهم يسعون في الأرض فسادًا، وفسادهم من أعظم الفساد، وإذا قتلوا سلم الناس من شرهم، وارتدع الناس عن تعاطي السحر.
(257) وسئل فضيلته: هل ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سحر؟
فأجاب بقوله: نعم ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سحر، لكن لم يؤثر عليه من الناحية التشريعية أو الوحي، إنما
(2/179)

غاية ما هنالك أنه وصل إلى درجة يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، وهذا السحر الذي وضع كان من يهودي يقال له: لبيد بن الأعصم وضعه له، ولكن الله - تعالى - أنجاه منه حتى جاءه الوحي بذلك وعوذ بالمعوذتين عليه الصلاة والسلام،ولا يؤثر هذا السحر على مقام النبوة؛ لأنه لم يؤثر في تصرف النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيما يتعلق بالوحي والعبادات.
وقد أنكر بعض الناس أن يكون النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سحر، بحجة أن هذا القول يستلزم تصديق الظالمين الذين قالوا: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} .
ولكن هذا لا شك أنه لا يستلزم موافقة هؤلاء الظالمين بما وصفوا به النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن أولئك يدعون أن الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مسحور فيما يتكلم به من الوحي، وأن ما جاء به هذيان كهذيان المسحور، وأما السحر الذي وقع للرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يؤثر عليه في شيء من الوحي ولا في شيء من العبادات، ولا يجوز لنا أن نكذب الأخبار الصحيحة بمجرد فهم سيّء فهمه مَن فهمه.
(2/180)

الكهانة والتنجيم
(258) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم سؤال العراف؟

فأجاب بقوله: سؤال العراف ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يسأله فيصدقه ويعتبر قوله فهذا حرام بل كفر؛ لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن. القسم الثاني: أن يسأله ليختبره هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله فهذا جائز، «وقد سأل النبي، ابن صياد قال:"ماذا خبأت لك"؟ قال: الدخ. فقال النبي،:"اخسأ فلن تعدو قدرك» . فالنبي،، سأله عن شيء أضمره له لأجل أن يختبره لا ليصدقه ويعتبر قوله. القسم الثالث: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، وهذا أمر مطلوب واجبًا.

(259) وسئل - جزاه الله خيرًا -: عن الكهانة؟ وحكم إتيان الكهان؟

فأجاب بقوله: الكهانة فعالة مأخوذة من التكهن، وهو التخرص والتماس الحقيقة بأمور لا أساس لها، وكانت في الجاهلية صنعة لأقوام تتصل بهم الشياطين وتسترق السمع من السماء وتحدثهم به، ثم يأخذون الكلمة التي نقلت إليهم من السماء بواسطة هؤلاء الشياطين ويضيفون إليها ما يضيفون من القول، ثم يحدثون بها الناس، فإذا وقع الشيء مطابقًا لما قالوا اغتر بهم الناس واتخذوهم مرجعًا في الحكم بينهم، وفي استنتاج ما
(2/183)

يكون في المستقبل، ولهذا نقول: الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. والذي يأتي إلى الكاهن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله من غير أن يصدقه، فهذا محرم، وعقوبة فاعله أن لا تقبل له صلاة أربعين يومًا، كما ثبت في صحيح مسلم أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «من أتى عرافًا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يومًا أو أربعين ليلة» .
القسم الثاني: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ويصدقه بما أخبر به، فهذا كفر بالله - عز وجل - لأنه صدقه في دعوى علمه الغيب، وتصديق البشري دعوى علم الغيب تكذيب لقول الله - تعالى -: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} سورة النمل، الآية "65"
. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول: فقد كفر بما نزل على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» .
القسم الثالث: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ليبين حاله للناس، وإنها كهانة وتمويه وتضليل، وهذا لا بأس به ودليل ذلك أن «النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أتاه ابن صياد، فأضمر له النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شيئًا في نفسه فسأله النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ماذا خبأ له؟
فقال: الدخ يريد الدخان. فقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اخسأ فلن تعدو قدرك» .
هذه أحوال من يأتي إلى الكاهن ثلاثة:
الأولى: أن يأتي فيسأله بدون أن يصدقه، وبدون أن يقصد بيان حاله فهذا محرم، وعقوبة فاعله أن لا تقبل له صلاة أربعين ليلة.
(2/184)

الثانية: أن يسأله فيصدقه وهذا كفر بالله - عز وجل -على الإنسان أن يتوب منه ويرجع إلى الله -عز وجل - وإلا مات على الكفر.
الثالثة: أن يأتيه فيسأله ليمتحنه ويبين حاله للناس فهذا لا بأس به.
(260) سئل فضيلة الشيخ: عن قول بعض الناس: تكهنت مصادر مطلعة بوقوع كذا وكذا؟ أو أتكهن أن فلانًا سيحضر؟
فأجاب بقوله: لا ينبغي إطلاق هذا اللفظ الدال على عمل محرم على أمر مباح، فلا ينبغي أن يقول: أتكهن بكذا ونحوه، ولكن يقول: أظن كذا؛ لأن العامي الذي لا يفرق بين الأمور يظن أن الكهانة كلها مباحة بدليل إطلاق هذا اللفظ على شيء مباح معلوم إباحته.
(261) سئل فضيلة الشيخ: عن أقسام علم النجوم؟
فأجاب بقوله: علم النجوم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: علم يستدل به على الحوادث الأرضية، فهذا محرم، فيستدل مثلًا باقتران النجم الفلاني بالنجم الفلاني على أنه سيحدث كذا وكذا، ويستدل بولادة إنسان في هذا النجم أنه سيكون سعيدًا، وفي هذا النجم الآخر بأنه سيكون شقيًا، فيستدلون باختلاف أحوال النجوم على اختلاف الحوادث الأرضية، والحوادث الأرضية ليس للنجوم بها علاقة ولهذا في حديث زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - قال: «صلى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات ليلة على أثر سماء من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم"؟
قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:»
(2/185)

«" قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا - والباء للسببية - فإنه كافر بي مؤمن بالكوكب، ومن قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب» . فالنجوم لا تأتي بالمطر ولا الرياح، ومنه نعرف خطأ الذين يقولون: إذا طلع النجم الفلاني ازداد هبوب الرياح لأن النجوم لا صلة لها بالرياح.
القسم الثاني: علم يستدل به على الجهات والأوقات، فهذا جائز وقد يكون واجبًا كما قال الفقهاء:
"إذا دخل وقت الصلاة يجب على الإنسان أن يتعلم علامات القبلة من النجوم، والشمس، والقمر ".
قال الله - تعالى -: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} سورة النحل، الآية "15".
فلما ذكر الله - عز وجل - العلامات الأرضية انتقل إلى العلامات الأفقية فقال - تعالى -: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} سورة النحل، الآية "16".
فالاستدلال بهذه النجوم على الأزمنة والأمكنة لا بأس به، مثل أن يقال: إذا طلع النجم الفلاني دخل وقت المطر، أو وقت الربيع، والعرب في الجاهلية يتشاءمون بالأنواء ويتفاءلون بها، فبعض النجوم يقولون: هذا نجم نحس لا خير فيه، وبعضها بالعكس يقولون: هذا نجم سعود وخير، ولهذا إذا أمطروا قالوا:
مطرنا بنوء كذا، ولا يقولون: مطرنا بفضل الله ورحمته، مع أن النجم ليس سببًا للمطر.
ألسنا نجد هذا النوء بعينه سنة يكون فيه مطر وفي سنة أخرى لا يكون فيه مطر؟! ونجد السنوات تمر بدون مطر مع وجود النجوم الموسمية التي كانت كثيرًا ما يكون في زمنها الأمطار، فالنوء لا تأثير له فقولنا: طلع هذا النجم كقولنا: طلعت
(2/186)

الشمس فليس له إلا طلوع وغروب، والنوء وقت تقدير وهو يدل على دخول الفصول فقط.
(262) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تعلم علم النجوم؟ وما الحكمة من خلقها؟
فأجاب - حفظه الله - بقوله: علم النجوم على نوعين:
النوع الأول: علم التأثير وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يعتقد أن هذه النجوم مؤثرة فاعلة، بمعنى أنها هي التي تخلق الحوادث فهذا شرك مخرج عن الملة؛ لأنه جعل المخلوق خالقًا فادعى أن مع الله خالقًا آخر.
القسم الثاني: أن يستدل بحركاتها وتنقلاتها على ما يحدث في المستقبل مثل أن يعتقد أن فلانًا ستكون حياته شقاء؛ لأنه ولد في النجم الفلاني، ونحو ذلك فهذا قد ادعى علم الغيب ودعوى علم الغيب كفر مخرج من الملة لأنه تكذيب لقوله - تعالى -: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} سورة النمل، الآية "65"
وهذا من أقوى أنواع الحصر لأنه بالنفي والاستثناء، فإذا ادعى علم الغيب فقد كذب القرآن.
القسم الثالث: أن يعتقد أنها سبب لحدوث الخير والشر أي إنه إذا وقع شيء نسبه إلى النجوم، ولا ينسب إلى النجوم شيئًا إلا بعد وقوعه فهذا شرك أصغر لأنه أضاف الحوادث إلى ما ليس سببًا لها شرعًا ولا حسًا.
فإن قيل: ينتقض هذا بما ثبت عن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(2/187)

«إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده» فمعنى ذلك أنهما علامة إنذار.
فالجواب: أن هذا لا يدل على أن للكسوف تأثيرًا في الحوادث من الجدب والقحط والحروب ولذلك قال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» . لا في ما مضى، ولا في المستقبل، وإنما يخوف الله بهما العباد لعلهم يرجعون.
النوع الثاني: علم التسيير بأن يستدل بسيرها على شيء ما فهذا على قسمين:
القسم الأول: أن يستدل بسيرها على المصالح الدينية فهذا مطلوب، وإذا كان على مصالح دينية واجبة كان ذلك واجبًا، كما لو أراد أن يستدل بالنجوم على جهة القبلة، فالنجم الفلاني يكون ثلث الليل قبلة، والنجم الفلاني يكون ربع الليل قبله فهذا فيه فائدة عظيمة.
القسم الثاني: أن يستدل بها على المصالح الدنيوية وهذا لا بأس به وهو نوعان:
النوع الأول:أن يستدل بها على الجهات، كمعرفة أن القطب يقع شمالًا، والجدي وهو قريب منه يدور حوله شمالًا وهكذا، فهذا جائز قال - تعالى -: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} سورة النحل، الآية "16"
. النوع الثاني: أن يستدل بها على الفصول؛ وهو ما يعرف بتعلم منازل القمر، فهذا كرهه بعض السلف، وأباحه آخرون، والذين كرهوه قالوا: يخشى إذا قيل طلع النجم الفلاني فهو وقت الشتاء، أن بعض
(2/188)

العامة يعتقد أنه هو الذي يأتي بالبرد، أو بالحر، أو بالرياح. والصحيح عدم الكراهة.
أما الحكمة من خلقها فالله - عز وجل - قد خلق هذه النجوم لحكم كثيرة منها:
الأولى: زينة للسماء قال -تعالى -: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} سورة الملك، الآية "5"
ولا يلزم من ذلك أن تكون النجوم مرصعة في السماء.
فإن قيل: فما الجواب عن قوله - تعالى -: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا} سورة الملك، الآية "5"
قلنا: إنه لا يلزم من تزيين الشيء بالشيء أن يكون ملاصقًا له، أرأيت لو أن رجلًا عمر قصرًا وجعل حوله ثريات من الكهرباء كبيرة وجميلة وهي حول القصر وليست على جدرانه فالناظر إلى القصر من بعد يرى أنها زينة له وإن لم تكن ملاصقة له.
الثانية: أنها رجوم للشياطين، أي لشياطين الجن الذين يسترقون السمع، فهم لهم قوة عظيمة نافذة قال- تعالى -عن عملهم لسليمان: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} سورة ص، الآيتان "37 - 38"
وقال - تعالى -: {قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} سورة النمل، الآية "39"
أي من سبأ إلى الشام، وهوعرش عظيم لملكة سبأ فهذا يدل على قوته،
(2/189)

وسرعته ونفوذه.
قال - تعالى - عن الجن: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} سورة الجن، الآية " 9 ".
الثالثة: علامات يهتدى بها قال - تعالى -: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} سورة الجن، الآية " 9 ".
فالعلامات: تشمل كل ما جعل الله في الأرض من علامة كالجبال، والأنهار والطرق وهن علامات أرضية، ثم ذكر العلامة الأفقية في قوله - تعالى -: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} سورة النجم، الآية "16".
والنجم اسم جنس يشمل كل ما يهتدى به ولا يختص بنجم معين؛ لأن لكل قوم طريقة في الاستدلال بهذه النجوم على الجهات سواء جهة القبلة، أو المكان برًا أو بحرًا، وهذه نعمة من الله أن جعل أشياء علوية لا يحجب دونها شيء لأنك في الليل لا تشاهد جبالًا، ولا أودية، ولا رملًا وهذا من تسخير الله -تعالى -. قال - تعالى -: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} سورة الجاثية، الآية "13".
(263) وسئل فضيلته: عن التنجيم وحكمه؟
فأجاب بقوله: التنجيم مأخوذ من النجم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، بمعنى أن يربط المنجم ما يقع في الأرض، أو ما سيقع في الأرض بالنجوم بحركاتها، وطلوعها، وغروبها،
(2/190)

واقترانها، وافتراقها وما أشبه ذلك، والتنجيم نوع من السحر والكهانة وهو محرم؛ لأنه مبني على أوهام لا حقيقة لها، فلا علاقة لما يحدث في الأرض بما يحدث في السماء، ولهذا كان من عقيدة أهل الجاهلية أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم، فكسفت الشمس في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم رضي الله عنه فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فخطب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الناس حين صلى الكسوف وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» فأبطل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ارتباط الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، وكما أن التنجيم بهذا المعنى نوع من السحر والكهانة فهو أيضًا سبب للأوهام والانفعالات النفسية التي ليس لها حقيقة ولا أصل، فيقع الإنسان في أوهام، وتشاؤمات، ومتاهات لا نهاية لها.
وهناك نوع آخر من التنجيم وهو أن الإنسان يستدل بطلوع النجوم على الأوقات، والأزمنة، والفصول، فهذا لا بأس به ولا حرج فيه، مثل أن نقول: إذا دخل نجم فلان فإنه يكون قد دخل موسم الأمطار، أو قد دخل وقت نضوج الثمار وما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به ولا حرج فيه.
(264) سئل فضيلة الشيخ: ما العلاقة بين التنجيم والكهانة؟ وأيهما أخطر؟
فأجاب قائلًا: العلاقة بين التنجيم والكهانة أن الكل مبني على الوهم والدجل، وأكل أموال الناس بالباطل، وإدخال الهموم والغموم عليهم وما أشبه ذلك.
(2/191)

وبالنسبة لخطرهما على المسلمين فهذا ينبني على شيوع هذا الأمر بين الناس فقد يكون في بعض البلاد لا أثر للتنجيم عندهم إطلاقًا ولا يهتمون به ولا يصدقون به، ولكن الكهانة منتشرة بينهم فتكون أخطر، وقد يكون الأمر بالعكس. لكن من حيث واقع الكهانة والتنجيم فإن الكهانة أخطر.
(265) سئل فضيلة الشيخ -رعاه الله-: عن حكم الاستسقاء بالأنواء؟ .
فأجاب بقوله: الاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شرك أكبر وله صورتان.
الصورة الأولى: أن يدعو الأنواء بالسقيا، كأن يقول: يا نوء كذا أسقنا أو أغثنا وما أشبه ذلك، فهذا شرك أكبر قال الله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} وقال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} وقال عز وجل: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} وهذا شرك في العبادة والربوبية.
الصورة الثانية: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذا النوء ولو لم يدعها على أنها هي الفاعلة لنفسها دون الله، بأن يعتقد أنها هي التي تنزل المطر دون الله فهذا شرك أكبر في الربوبية.
(2/192)

القسم الثاني: شرك أصغر وهو أن يجعل هذه الأنواء سببًا، والله هو الخالق الفاعل، وإنما كان شركًا أصغر؛ لأن كل من جعل سببًا لم يجعله الله سببًا لا بوحيه ولا بقدره، فهو مشرك شركًا أصغر.
(266) وسئل -حفظه الله-: عن حكم ربط المطر بالضغط الجوي والمنخفض الجوي؟
فأجاب قائلًا: تعليق المطر بالضغط الجوي، والمنخفض الجوي -وهو وإن كان قد يكون سببًا حقيقيًّا- ولكن لا ينبغي فتح هذا الباب للناس، بل يقال: هذا من رحمة الله، هذا من فضله ونعمته، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} وقال عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} فتعليق المطر بالمنخفضات الجوية من الأمور الجاهلية التي تصرف الإنسان عن تعلقه بربه.
وليعلم أن النسبة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: نسبة إيجاد وهذه شرك أكبر.
القسم الثاني: نسبة سبب وهذه شرك أصغر.
القسم الثالث: نسبة وقت وهذه جائزة. والله أعلم.
(2/193)

الطاغوت والشرك
(2/195)

(267) وسئل -أعلى الله درجته في المهديين-: عن حكم اتباع العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرم الله أو العكس؟
فأجاب بقوله: اتباع العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرم الله أو العكس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يتابعهم في ذلك راضيًا بقولهم مقدمًا له ساخطًا لحكم الله، فهو كافر لأنه كره ما أنزل الله، وكراهة ما أنزل الله كفر لقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر فكل من كره ما أنزل الله فهو كافر.
القسم الثاني: أن يتابعهم في ذلك راضيًا بحكم الله، وعالمًا بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد، ولكن لهوى في نفسه تابعهم في ذلك فهذا لا يكفر ولكنه فاسق.
فإن قيل: لماذا لا يكفر؟
أجيب: بأنه لم يرفض حكم الله، ولكنه رضي به وخالفه لهوى في نفسه فهو كسائر أهل المعاصي.
القسم الثالث: أن يتابعهم جاهلًا يظن أن ذلك حكم الله فينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يمكنه معرفة الحق بنفسه فهو مفرط أو مقصر فهو آثم؛ لأن الله أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم.
(2/197)

القسم الثاني: أن يكون جاهلًا ولا يمكنه معرفة الحق بنفسه فيتابعهم بفرض التقليد يظن أن هذا هو الحق فلا شيء عليه؛ لأنه فعل ما أمر به وكان معذورًا بذلك، ولذلك ورد عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أن من أفتى بغير علم فإنما إثمه على من أفتاه» (1) . ولو قلنا بإثمه بخطأ غيره، للزم من ذلك الحرج والمشقة ولم يثق الناس بأحد لاحتمال خطأه.
(268) سئل فضيلة الشيخ: عن تعريف الطاغوت؟
فأجاب بقوله: الطاغوت مشتق من الطغيان، والطغيان مجاوزة الحد ومنه قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} يعني لما زاد الماء عن الحد المعتاد حملناكم في الجارية يعني السفينة.
واصطلاحًا أحسن ما قيل في تعريفه ما ذكره ابن القيم رحمه الله أنه -أي الطاغوت-: "كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع أو مطاع". ومراده بالمعبود والمتبوع والمطاع غير الصالحين، أما الصالحون فليسوا طواغيت وإن عبدوا، أو اتبعوا، أو أطيعوا فالأصنام التي تعبد من دون الله طواغيت وعلماء السوء الذين يدعون إلى الضلال والكفر، أو يدعون إلى البدع، وإلى تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله طواغيت والذين يزينون لولاة الأمر الخروج عن شريعة الإسلام طواغيت؛ لأن هؤلاء تجاوزوا حدهم، فإن حد العالم أن يكون متبعًا لما جاء به النبي صلى الله عليه
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (2/321، 365) ، وأبو داود: كتاب العلم / باب التوقي في الفتيا، وابن ماجة: كتاب المقدمة/ باب اجتناب الرأي. قال الألباني: (إسناده حسن) (المشكاة 242)
(2/198)

وسلم؛ لأن العلماء حقيقة ورثة الأنبياء، يرثونهم في أمتهم علمًا، وعملًا, وأخلاقًا، ودعوة، وتعليمًا، فإذا تجاوزوا هذا الحد وصاروا يزينون للحكام الخروج عن شريعة الإسلام بمثل هذه النظم فهم طواغيت؛ لأنهم تجاوزوا ما كان يجب عليهم أن يكونوا عليه من متابعة الشريعة.
وأما المطاع في قوله رحمه الله فيريد به الأمراء الذي يطاعون شرعًا، أو قدرًا، فالأمراء يطاعون، شرعًا إذا أمروا بما لا يخالف أمر الله ورسوله فالواجب على الرعية إذا أمر ولي الأمر بأمر لا يخالف أمر الله الواجب عليهم السمع والطاعة، وطاعتهم لولاة الأمر في هذا الحال بهذا القيد طاعة الله عز وجل، ولهذا ينبغي أن نلاحظ حين ننفذ ما أمر به ولي الأمر مما تجب طاعته فيه أننا في ذلك نتعبد لله تعالى ونتقرب إليه بطاعته، حتى يكون تنفيذنا لهذا الأمر قربة إلى الله عز وجل, وإنما ينبغي لنا أن نلاحظ ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} . وأما طاعة الأمراء قدرًا فإن الأمراء إذا كانوا أقوياء في سلطتهم فإن الناس يطيعونهم بقوة السلطان, وإن لم يكن بوازع الإيمان؛ لأن طاعة ولي الأمر تكون بوازع الإيمان, وهذه هي الطاعة النافعة، النافعة لولاة الأمر، والنافعة للناس أيضًا، وقد تكون الطاعة بوازع السلطان بحيث يكون قويًّا يخشى الناس منه ويهابونه؛ لأنه ينكل بمن خالف أمره.
ولهذا نقول: إن الناس مع حكامهم في هذه المسألة ينقسمون إلى أحوال أربع.
(2/199)

الحالة الأولى: أن يقوى الوازع الإيماني والرادع السلطاني وهذه أكمل الأحوال وأعلاها.
الحالة الثانية: أن يضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني وهذه أدنى الأحوال وأخطرها على المجتمع، على حكامه ومحكوميه؛ لأنه إذا ضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني حصلت الفوضى الفكرية والخلقية، والعملية.
الحالة الثالثة: أن يضعف الوازع الإيماني ويقوى الرادع السلطاني وهذه مرتبة وسطى؛ لأنه إذا قوي الرادع السلطاني صار أصلح للأمة في المظهر فإذا اختفت قوة السلطان فلا تسأل عن حال الأمة وسوء عملها.
الحالة الرابعة: أن يقوى الوازع الإيماني ويضعف الرادع السلطاني فيكون المظهر أدنى منه في الحالة الثالثة, لكنه فيما بين الإنسان وربه أكمل وأعلى.
والمهم أننا نقول: إنه ينبغي لنا عند تنفيذ أوامر السلطان أن نعتقد أننا نتقرب إلى الله عز وجل بذلك.
وإنما قال ابن القيم: إن الطاغوت "ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع " لأن الأمير الذي يطاع قد يأمر بما يخالف أمر الله ورسوله فإنه حينئذ لا سمع له ولا طاعة، ولا يجوز لنا أن نطيعه في معصية الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله تعالى جعل طاعتهم تابعة لطاعته وطاعة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما يفهم من سياق الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} . ولم يقل: " وأطيعوا أولي الأمر منكم" فدل هذا على أن طاعتهم غير مستقلة بل هي تبع لطاعة
(2/200)

الله تعالى وطاعة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إنما الطاعة في المعروف» أي فيما أقره الشرع، وأما ما أنكره فلا يجوز أن يطاع فيه أي مخلوق حتى لو كان الوالد أو الوالدة؛ لأن طاعة الله مقدمة على كل طاعة، فإذا أطاع الإنسان أميره أو ولي أمره في معصية الله فقد تجاوز به حده.
(269) سئل فضيلة الشيخ: عمن يدعي أنه ينفع ويضر وحكم تصديقه؟
فأجاب قائلًا: هؤلاء الذين يدعون أنهم ينفعون، أو يضرون كذبة لا يجوز لأحد أن يصدقهم، ولا أن يسألهم، ويجب على من علم بهم أن يبلغ ولاة الأمور ليتخذوا اللازم، فلا أحد يملك النفع والضرر إلا الله وحده لا شريك له حتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال الله له: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} . وأمره أن يقول: {لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} ومن زعم أن أحدًا يملك الضرر، أو النفع بغير أسباب حسية معلومة، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه مكذب لله تعالى ولرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وإني أقول لهؤلاء الذين يتوهمون صدق ما قاله هؤلاء الدجاجلة أقول لهم: اثبتوا على دينكم وإيمانكم، واعلموا أنه لا يملك أحد الضرر والنفع إلا الله وحده لا شريك له، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(2/201)

أنه قال لابن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك» . وفي القرآن الكريم لما ذكر الله السحرة قال: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} فالمهم أن هؤلاء كذبة فيما ادعوه من كونهم يملكون النفع والضرر، فإن ذلك إلى الله وحده لا شريك له، وعليهم أن يتوبوا إلى الله من هذا العمل، وأن يعترفوا بقصورهم وتقصيرهم، وأنهم ضعفاء أمام قدرة الله، وأنهم لا يملكون دفع الضرر عن أنفسهم فضلًا عن غيرهم، كما لا يملكون لأنفسهم جلب نفع فضلًا عن جلبه لغيرهم إلا ما شاء الله سبحانه وتعالى وعلى من يتوهم صدقهم أن يتوب إلى الله من تصديقهم, وأن يعلم أنهم كذبة، ولا حق لهم ولا حظ لهم في مثل هذه الأمور.
(270) سئل فضيلة الشيخ: عن أنواع الشرك؟
فأجاب بقوله: سبق في غير هذا الموضع أن التوحيد يتضمن إثباتًا ونفيًّا، وأن الاقتصار فيه على النفي تعطيل، والاقتصار فيه على الإثبات لا يمنع المشاركة؛ فلهذا لا بد في التوحيد من النفي والإثبات، فمن لم يثبت حق الله عز وجل على هذا الوجه فقد أشرك.
والشرك نوعان: شرك أكبر مخرج عن الملة، وشرك دون ذلك.
النوع الأول: الشرك الأكبر وهو: "كل شرك أطلقه الشارع وهو يتضمن خروج الإنسان عن دينه" مثل أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة لله عز وجل لغير الله، كأن يصلي لغير الله، أو يصوم لغير الله، أو يذبح
(2/202)

لغير الله، وكذلك من الشرك الأكبر أن يدعو غير الله عز وجل مثل أن يدعو صاحب قبر، أو يدعو غائبًا ليغيثه من أمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل, وأنواع الشرك معلومة فيما كتبه أهل العلم.
النوع الثاني: الشرك الأصغر وهو: "كل عمل قولي أو فعلي أطلق عليه الشرع وصف الشرك ولكنه لا يخرج من الملة" مثل الحلف بغير الله فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . فالحالف بغير الله الذي لا يعتقد أن لغير الله تعالى من العظمة ما يماثل عظمة الله فهو مشرك شركًا أصغر، سواء كان هذا المحلوف به معظمًا من البشر أم غير معظم، فلا يجوز الحلف بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا برئيس ولا وزير, ولا يجوز الحلف بالكعبة، ولا بجبريل، وميكائيل؛ لأن هذا شرك، لكنه شرك أصغر لا يخرج من الملة.
ومن أنواع الشرك الأصغر: الرياء مثل أن يقوم الإنسان يصلي لله عز وجل ولكنه يزين صلاته؛ لأنه يعلم أن أحدًا من الناس ينظر إليه فيزين صلاته من أجل مراءاة الناس فهذا مشرك شركًاأصغر؛ لأنه فعل العبادة لله لكن أدخل عليها هذا التزيين مراءاة للخلق، وكذلك لو أنفق ماله في شيء يتقرب به إلى الله لكنه أراد أن يمدحه الناس بذلك, فإنه مشرك شركًا أصغر، وأنواع الشرك الأصغر كثيرة معلومة في كتب أهل العلم.
(271) وسئل فضيلة الشيخ: هل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} يشمل الشرك الأصغر؟
(2/203)

فأجاب قائلًا: اختلف في ذلك أهل العلم: فمنهم من قال: يشمل كل شرك ولو كان أصغر كالحلف بغير الله فإن الله لا يغفره، وأما بالنسبة لكبائر الذنوب كالخمر والزنا فإنها تحت المشيئة إن شاء الله غفرها وإن شاء أخذ بها.
وشيخ الإسلام اختلف كلامه، فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر.
وعلى كل حال يجب الحذر من الشرك مطلقًا؛ لأن العموم يحتمل أن يكون داخلًا فيه الأصغر لأن قوله: {أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} أن وما بعدها في تأويل مصدر تقديره "إشراكًا به" فهو نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.
(272) سئل فضيلة الشيخ: عن الجمع بين قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة» . وكذلك ما وقع إبان ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الشيطان يئس أن يعبد في جزيرة العرب» ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجمع بين النصوص المذكورة أن يأس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب لا يقتضي عدم الوقوع؛ لأنه لا يعلم الغيب، فالشيطان لما رأى تخليص الجزيرة من الشرك وتوطيد دعائم التوحيد ظن أن لا شرك في الجزيرة بعد هذا، ولكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذي ينطق بالوحي من الله تعالى، أخبر أنه سيكون ذلك.
وأما وقوع ذلك في الجزيرة إبان ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب
(2/204)

رحمه الله تعالى فلا يخلو إما أن يكون لقلة العلماء، أو لعجزهم عن الإصلاح لغلبة الجهل وكثرة الجهال. والله أعلم بحقيقة الحال.
(273) سئل فضيلة الشيخ: ما معنى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الشيطان يئس أن يعبد في هذه الجزيرة» "؟
فأجاب قائلًا: يأس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب لا يدل على عدم الوقوع؛ لأنه لما حصلت الفتوحات وقوي الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا أيس أن يعبد سوى الله في هذه الجزيرة. فالحديث خبر عما وقع في نفس الشيطان ذلك الوقت ولكنه لا يدل على انتفائه في الواقع.
(274) سئل فضيلته: عن حكم الرياء؟
فأجاب بقوله: الرياء من الشرك الأصغر؛ لأن الإنسان أشرك في عبادته أحدًا غير الله، وقد يصل إلى الشرك الأكبر، وقد مثل ابن القيم رحمه الله للشرك الأصغر بـ "يسير الرياء" وهذا يدل على أن كثير الرياء قد يصل إلى الشرك الأكبر.
قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} والعمل الصالح ما كان صوابًا خالصًا، والخالص ما قصد به وجه الله، والصواب: ما كان على شريعة الله. فما قصد به غير الله فليس بصالح، وما خرج عن شريعة الله فليس بصالح, ويكون مردودًا على فاعله
(2/205)

لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وقال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» . الحديث. قال بعض العلماء: هذان الحديثان ميزان الأعمال فحديث النية ميزان الأعمال الباطنة والحديث الآخر ميزان الأعمال الظاهرة.
(275) سئل فضيلة الشيخ أعلى الله درجته في المهديين: عن حكم العبادة إذا اتصل بها الرياء؟
فأجاب قائلًا: حكم العبادة إذا اتصل بها الرياء أن يقال: اتصال الرياء على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس من الأصل كمن قام يصلي لله مراءاة الناس من أجل أن يمدحه الناس على صلاته فهذا مبطل للعبادة.
الوجه الثاني: أن يكون مشاركًا للعبادة في أثنائها: بمعنى أن يكون الحامل له في أول أمره الإخلاص لله، ثم طرأ الرياء في أثناء العبادة، فهذه العبادة لا تخلو من حالين:
الحال الأولى: أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها فأولها صحيح بكل حال، وآخرها باطل. مثال ذلك رجل عنده مائة ريال يريد أن يتصدق بها فتصدق بخمسين منها صدقة خالصة، ثم طرأ عليه الرياء في الخمسين الباقية، فالأولى صدقة صحيحة مقبولة، والخمسون الباقية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص.
الحال الثانية: أن يرتبط أول العبادة بآخرها فلا يخلو الإنسان حينئذ من أمرين:
(2/206)

الأمر الأول: أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه بل يعرض عنه ويكرهه، فإنه لا يؤثر شيئًا لقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» .
الأمر الثاني: أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه، فحينئذ تبطل جميع العبادة؛ لأن أولها مرتبط بآخرها. مثال ذلك أن يبتدئ الصلاة مخلصًا بها لله تعالى ثم يطرأ عليها الرياء في الركعة الثانية فتبطل الصلاة كلها لارتباط أولها بآخرها.
الوجه الثالث: أن يطرأ الرياء بعد انتهاء العبادة فإنه لا يؤثر عليها ولا يبطلها؛ لأنها تمت صحيحة فلا تفسد بحدوث الرياء بعد ذلك.
وليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة، وليس من الرياء أن يسر الإنسان بفعل الطاعة؛ لأن ذلك دليل إيمانه قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن» . وقد سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن ذلك فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» .
(276) سئل فضيلة الشيخ: يتحرج بعض طلبة العلم الشرعي عند قصدهم العلم والشهادة فكيف يتخلص طالب العلم من هذا الحرج؟
فأجاب بقوله: يجاب عن ذلك بأمور:
أحدها: أن لا يقصدوا بذلك الشهادة لذاتها، بل يتخذون هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق؛ لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات، والناس لا يستطيعون الوصول إلى منفعة
(2/207)

الخلق إلا بهذه الوسيلة وبذلك تكون النية سليمة.
الثاني: أن من أراد العلم قد لا يجده إلا في هذه الكليات فيدخل فيها بنية طلب العلم ولا يؤثر عليه ما يحصل له من الشهادة فيما بعد.
الثالث: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين حسنى الدنيا، وحسنى الآخرة فلا شيء عليه في ذلك؛ لأن الله يقول: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} . وهذا ترغيب في التقوى بأمر دنيوي.
فإن قيل: من أراد بعمله الدنيا كيف يقال: بأنه مخلص؟
أجيب: أنه أخلص العبادة ولم يرد بها الخلق إطلاقًا فلم يقصد مراءاة الناس ومدحهم على عبادته بل قصد أمرًا ماديًّا من ثمرات العبادة فليس كالمرائي الذي يتقرب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله ويريد أن يمدحوه به، لكنه بإرادة هذا الأمر المادي نقص إخلاصه فصار معه نوع من الشرك وصارت منزلته دون منزلة من أراد الآخرة.
وبهذه المناسبة أود أن أنبه على أن بعض الناس عندما يتكلمون على فوائد العبادات يحولونها إلى فوائد دنيوية فمثلًا يقولون: في الصلاة رياضة وإفادة للأعصاب، وفي الصيام فائدة لإزالة الفضلات وترتيب الوجبات، والمفروض ألا تجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل؛ لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف الإخلاص والغفلة عن إرادة الآخرة، ولذلك بين الله تعالى في كتابه عن حكمة الصوم مثلًا أنه سبب للتقوى، فالفوائد الدينية هي الأصل، والدنيوية ثانوية، وعندما نتكلم عند عامة الناس فإننا نخاطبهم
(2/208)

بالنواحي الدينية، وعندما نتكلم عند من لا يقتنع إلا بشيء مادي فإننا نخاطبه بالنواحي الدينية والدنيوية ولكل مقام مقال.
(277) سئل فضيلة الشيخ حفظه الله: عندما يهم الإنسان بعمل الخير، يأتي الشيطان فيوسوس له ويقول: إنك تريد ذلك رياء وسمعة. فيبعد عن فعل الخير، فكيف يمكن تجنب مثل هذا الأمر؟
فأجاب فضيلته بقوله: يمكن تجنب مثل هذا الأمر بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والمضي قدمًا في فعل الخير، ولا يلتفت إلى هذه الوساوس التي تثبطه عن فعل الخير، وهو إذا أعرض عن هذا واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم زال عنه ذلك بإذن الله.
(278) سئل فضيلة الشيخ: جاء في الحديث «إنه لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده شر منه» ولكن ماذا يقال: عن أن هناك أزمنة انتشر فيها الشرك والبدع والجهل ثم أتى زمن بعدها كان خيرًا منها حيث محي الشرك أو تقلص وزالت البدع وانتشر العلم ومن أمثلة ذلك الفترة التي سبقت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ثم الفترة التي رافقت دعوته؟
فأجاب بقوله: هذا الحديث قاله أنس بن مالك رضي الله عنه حين شكا الناس إليه ما يجدون من الحجاج الثقفي فحدثهم بهذا الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «إنه لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده»
(2/209)

«شر منه حتى تلقوا ربكم» . والإنسان لا ينظر إلى جهة من الأرض أو إلى جيل من الناس وإنما النظر للعموم، فإذا قدر أن هذه الجهة من الأرض زال عنها الشرك والفتن بعد أن كان حالًّا فيها فلا يعني ذلك أنه رفع عن جميع الأرض أو خف في جميع الأرض، وهذا النص يقصد به العموم لا كل طائفة أو كل جهة من الأرض بعينها، وقد يقال: إن هذا الحديث بناء على الأغلب، فما وقع من خير بعد الشر ولو كان عامًّا فإنه يكون مخصصًا لهذا الحديث.
(2/210)

الحلف
(2/211)

(279) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم حلف بالمصحف؟
فأجاب قائلًا: هذا السؤال ينبغي أن نبسط الجواب فيه, وذلك أن القسم بالشيء يدل على تعظيم ذلك المقسم به تعظيمًا خاصًّا لدى المقسم، ولهذا لا يجوز لأحد أن يحلف إلا بالله تعالى بأحد أسمائه، أو بصفة من صفاته مثل أن يقول: والله لأفعلن، ورب الكعبة لأفعلن، وعزة الله لأفعلن، وما أشبه ذلك من صفات الله تعالى.
والمصحف يتضمن كلام الله، وكلام الله تعالى من صفاته وهو -أعني كلام الله- صفة ذاتية فعلية؛ لأنه بالنظر إلى أصله وأن الله لم يزل ولا يزال موصوفًا به؛ لأن الكلام كمال فهو من هذه الناحية من صفات الله الذاتية؛ إذ لم يزل ولا يزال متكلمًا فعالًا لما يريده، وبالنظر إلى آحاده يكون من الصفات الفعلية؛ لأنه يتكلم متى شاء قال الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فقرن القول بالإرادة وهو دليل على أن كلام الله يتعلق بإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى, والنصوص في هذا متضافرة كثيرة, وأن كلام الله تحدث آحاده حسب ما تقتضيه حكمته، وبهذا نعرف بطلان قول من يقول: إن كلام الله أزلي، ولا يمكن أن يكون تابعًا لمشيئته، وأنه هو المعنى القائم بنفسه، وليس هو الشيء المسموع الذي يسمعه من يكلمه الله عز وجل, فإن هذا قول باطل حقيقته أن قائله جعل كلام الله المسموع مخلوقًا.
(2/213)

وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كتابًا يعرف باسم "التسعينية" بين فيه بطلان هذا القول من تسعين وجهًا.
فإذا كان المصحف يتضمن كلام الله، وكلام الله تعالى من صفاته فإنه يجوز الحلف بالمصحف بأن يقول الإنسان: والمصحف, ويقصد ما فيه من كلام الله عز وجل وقد نص على ذلك فقهاء الحنابلة -رحمهم الله- ومع هذا فإن الأولى للإنسان أن يحلف بما لا يشوش على السامعين بأن يحلف باسم الله عز وجل فيقول: والله، ورب الكعبة، أو والذي نفسي بيده وما أشبه ذلك من الأشياء التي لا تستنكرها العامة ولا يحصل لديهم فيها تشويش، فإن تحديث الناس بما يعرفون وتطمئن إليه قلوبهم خير وأولى، وإذا كان الحلف إنما يكون بالله وأسمائه وصفاته؛ فإنه لا يجوز أن يحلف أحد بغير الله لا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا بجبريل، ولا بالكعبة، ولا بغير ذلك من المخلوقات، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» .
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . فإذا سمع الإنسان شخصًا يحلف بالنبي، أو بحياة النبي، أو بحياة شخص آخر فلينهه عن ذلك، وليبين له أن هذا حرام ولا يجوز، ولكن ليكن نهيه وبيانه على وفق الحكمة حيث يكون باللطف واللين والإقبال على الشخص, وهو يريد نصحه وانتشاله من هذا المحرم؛ لأن بعض الناس تأخذه الغيرة عند الأمر والنهي فيغضب ويحمر وجهه وتنتفخ أوداجه وربما يشعر في هذه الحال أنه ينهاه انتقامًا لنفسه فيلقي الشيطان في نفسه هذه العلة، ولو أن الإنسان أنزل الناس منازلهم ودعا إلى الله بالحكمة واللين والرفق لكان ذلك أقرب إلى القبول وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله يعطي على»
(2/214)

«الرفق ما لا يعطي على العنف» . ولا يخفى على الكثير ما حصل من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في قصة «الأعرابي الذي جاء إلى المسجد فبال في طائفة منه فزجره الناس، وصاحوا به، فنهاهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك، فلما قضى بوله دعاه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر وإنما هي للتكبير والتسبيح وقراءة القرآن» . أو كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم أمر أصحابه أن يصبوا على البول ذنوبًا من ماء، فبهذا زالت المفسدة وطهر المكان، وحصل المقصود بالنسبة لنصيحة الأعرابي الجاهل، وهكذا ينبغي لنا نحن في دعوة عباد الله إلى دين الله أن نكون داعين إلى الله سبحانه وتعالى فنسلك الطريق التي تكون أقرب إلى إيصال الحق إلى قلوب الخلق وإصلاحهم والله الموفق.
(280) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الحلف بغير الله تعالى؟ وهل منه ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من قوله: «أفلح وأبيه إن صدق» أفتونا مأجورين؟
فأجاب بقوله: الحلف بغير الله عز وجل مثل أن يقول: وحياتك، أو حياتي، أو والنبي أو والسيد الرئيس، أو والشعب، أو ما أشبه ذلك، كل هذا محرم بل هو من الشرك؛ لأن هذا النوع من التعظيم لا يصلح إلا لله عز وجل ومن عظم غير الله بما لا يكون إلا لله فهو شرك، لكن لما كان هذا الحالف لا يعتقد أن عظمة المحلوف به كعظمة الله لم يكن الشرك شركًا أكبر بل كان شركًا أصغر، فمن حلف بغير الله فقد أشرك شركًا أصغر، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تحلفوا بآبائكم، من كان»
(2/215)

«حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . فلا تحلف بغير الله أيًّا كان المحلوف به حتى لو كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو جبريل أو من دونهما من الرسل من الملائكة، أو البشر، أو من دون الرسل فلا تحلف بشيء سوى الله عز وجل.
وأما قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أفلح وأبيه إن صدق» فهذه الكلمة "وأبيه" اختلف الحفاظ فيها:
فمنهم من أنكرها وقال: لم تصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وبناء على ذلك فلا إشكال في الموضوع؛ لأن المعارض لا بد أن يكون قائمًا وإذا لم يكن المعارض قائمًا فهو غير مقاوم ولا يلتفت إليه.
وعلى القول بأنها ثابتة فإن الجواب على ذلك: أن هذا من المشكل، والنهي عن الحلف بغير الله من المحكم، فيكون لدينا محكم ومتشابه وطريق الراسخين في العلم في المحكم والمتشابه أن يدعوا المتشابه ويأخذوا بالمحكم قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} .
ووجه كونه متشابهًا أن فيه احتمالات متعددة:
1 - قد يكون هذا قبل النهي.
2 - قد يكون هذا خاصًا بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لبعد الشرك في حقه.
(2/216)

3 - قد يكون هذا مما يجري على اللسان بغير قصد.
ولما كانت هذه الاحتمالات وغيرها واردة على هذه الكلمة -إن صحت- عن الرسول، عليه الصلاة والسلام، صار الواجب علينا أن نأخذ بالمحكم وهو النهي عن الحلف بغير الله.
ولكن يقول: بعض الناس إن الحلف بغير الله قد جرى على لساني ويصعب علي أن أدعه فما الجواب؟
نقول: إن هذا ليس بحجة بل جاهد نفسك على تركه والخروج منه, وحاول بقدر ما تستطيع أن تمحو من لسانك هذه الكلمة؛ لأنها شرك, والشرك خطره عظيم ولو كان أصغر حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: "الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر". وقال ابن مسعود رضي الله عنه: " لئن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا ". قال شيخ الإسلام: وذلك لأن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكبيرة.
(281) وسئل أيضًا: عن حكم الحلف بغير الله؟ والحلف بالقرآن الكريم؟
فأجاب بقوله: الحلف بغير الله أو بغير صفة من صفاته محرم وهو نوع من الشرك؛ ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» . وجاء عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم. وثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: " «من»
(2/217)

«قال واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله» . وهذا إشارة إلى أن الحلف بغير الله شرك يطهر بكلمة الإخلاص لا إله إلا الله.
وعلى هذا فيحرم على المسلم أن يحلف بغير الله سبحانه وتعالى لا بالكعبة، ولا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا بجبريل ولا بولي من أولياء الله، ولا بخليفة من خلفاء المسلمين، ولا بالشرف، ولا بالقومية، ولا بالوطنية كل حلف بغير الله فهو محرم وهو نوع من الشرك والكفر.
وأما الحلف بالقرآن الكريم فإنه لا بأس به؛ لأن القرآن الكريم كلام الله سبحانه وتعالى تكلم الله به حقيقة بلفظه مريدًا لمعناه وهو سبحانه وتعالى موصوف بالكلام فعليه يكون الحلف بالقرآن الكريم حلفًا بصفة من صفات الله سبحانه وتعالى وذلك جائز.
(282) وسئل: عن حكم الحلف بغير الله؟ والحلف بآيات الله؟
فأجاب قائلًا: الحلف لا يجوز إلا بالله سبحانه وتعالى أو صفة من صفاته، أما الحلف بغير الله فهو شرك سواء كان المحلوف به وجيهًا عند الله عز وجل أم كان من سائر العباد؛ ولهذا لا يجوز لنا أن نحلف بالنبي، أو أن نحلف بجبريل، أو بالكعبة، أو بأي شيء من المخلوقات قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . والنبي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هو نفسه لا يرضى أن يحلف به «ولما قال له رجل: ما شاء الله وشئت قال: "أجعلتني لله ندًّا»
(2/218)

«بل ما شاء الله وحده» .
فيحلف المرء بالله عز وجل فيقول: والله، والرحمن، ورب العالمين، ومجري السحاب، ومنزل الكتاب وما أشبه ذلك، وكذلك يحلف بصفاته سبحانه وتعالى مثل وعزة الله، وقدرة الله، وما أشبه ذلك، ويحلف بالمصحف؛ لأنه كلام الله، لأنه لا يريد الحلف بالورق والجلود وإنما يريد الحلف بما تضمنته هذه الأوراق.
وأما قول السائل: هل يجوز الحلف بآيات الله بأن يقول الإنسان: وآيات الله أو بآيات الله لأفعلن كذا؟
فنقول في الجواب: إن قصد بالآيات الآيات الشرعية وهي القرآن الكريم فلا بأس، وإن قصد بالآيات الآيات الكونية كالشمس، والقمر والليل والنهار فهذا لا يجوز. والله أعلم.
(283) وسئل فضيلته عن حكم القسم بقول: "وحياة الله"، وقول المرأة لزوجها: "حرام علي ربنا أن تفعل كذا"، وقولهم: "حد الله بيني وبينك "؟
فأجاب بقوله: أما صيغة القسم بقول الإنسان: "وحياة الله" فهذه لا بأس بها؛ لأن القسم يكون بالله سبحانه وتعالى وبأي اسم من أسمائه، ويكون كذلك بصفاته كالحياة، والعلم، والعزة والقدرة وما أشبه ذلك, فيجوز أن يقول الحالف: وحياة الله، وعلم الله، وعزة الله، وقدرة الله، وما أشبه هذا مما يكون من صفات الله سبحانه وتعالى, كما يجوز القسم
(2/219)

بالقرآن الكريم لأنه كلام الله، وبالمصحف لأنه مشتمل على كلام الله سبحانه وتعالى.
أما قول تلك المرأة: "حرام علي ربنا" فإذا كانت تقصد أن الله حرام عليها فهذا لا معنى له، ولا يجوز مثل هذا الكلام، فما معنى هذا التحريم؟ هل معناه عبادة الله حرام عليها لا أدري ما معنى هذا الكلام.
أما إذا كانت تريد حرام علي هذا الشيء، وحرام علي أن لا تفعل أنت هذا الشيء وتقصد بربنا أي يا ربنا فهذه صيغة لتحريم الشيء، والشيء إذا حرم وقصد به الإنسان الامتناع عنه صار بمنزلة اليمين كما قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} . فجعل الله هذا التحريم يمينًا وقال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} فالإنسان إذا قال: هذا حرام علي، أو حرام علي إن لم أفعل كذا وقصده بذلك الامتناع عن هذا الشيء فحكمه حكم اليمين بمعنى أن نقول كأنك قلت: "والله لا أفعل هذا الشيء، أو والله لا ألبس هذا الثوب، أو والله لا آكل هذا الطعام" فإذا حنث كفر كفارة يمين.
وأما بالنسبة للصيغة الثالثة: "حد الله بيني وبينك" فهذا كأنه من باب الاستعاذة بالله عز وجل والاستعاذة بالله أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن يجاب الإنسان عليها بمعنى أنه إذا استعاذ الرجل بالله عز وجل وجب علينا أن نعيذه، إلا إذا كان ظالمًا في هذه الاستعاذة فإن الله سبحانه وتعالى لا يجيره إذا كان ظالمًا مثل لو أردنا أن نأخذ الزكاة من
(2/220)

شخص لا يؤديها فقال: أعوذ بالله منكم، فإننا لا نعيذه لأن إعاذته مقتضاها إقراره على معصية الله عز وجل, والله سبحانه وتعالى لا يرضى ذلك فإذا كان الله لا يرضاه فنحن لا نوافقه عليه، فالمهم أن من استعاذ بالله سبحانه وتعالى فإننا مأمورون بإعاذته وتجنبه ما لم يستعذ بالله من أمر واجب عليه يخاف أن نلزمه به فإننا لا نعيذه في هذه الحال. والله المستعان.
(284) وسئل -حفظه الله تعالى-: عن حكم الحلف بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والكعبة؟ والشرف والذمة؟ وقول الإنسان "بذمتي "؟
فأجاب بقوله: الحلف بالنبي، عليه الصلاة والسلام، لا يجوز بل هو نوع من الشرك، وكذلك الحلف بالكعبة لا يجوز بل هو نوع من الشرك؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والكعبة كلاهما مخلوقان والحلف بأي مخلوق نوع من الشرك.
وكذلك الحلف بالشرف لا يجوز، وكذلك الحلف بالذمة لا يجوز؛ لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» .
لكن يجب أن نعلم أن قول الإنسان: "بذمتي" لا يراد به الحلف ولا القسم بالذمة، وإنما يراد بالذمة العهد، يعني هذا على عهدي ومسئوليتي هذا هو المراد بها، أما إذا أراد بها القسم فهي قسم بغير الله فلا يجوز، لكن
(2/221)

الذي يظهر لي أن الناس لا يريدون بها القسم إنما يريدون بالذمة العهد والذمة بمعنى العهد.
(285) وسئل: عن قول الإنسان: "والله وحياتك "؟
فأجاب قائلًا: قوله: "والله وحياتك" فيها نوعان من الشرك:
الأول: الحلف بغير الله.
الثاني: الإشراك مع الله بقوله: "والله وحياتك" وضمها إلى الله بالواو المقتضية للتسوية.
والقسم بغير الله إن اعتقد أن المقسم به بمنزلة الله في العظمة فهو شرك أكبر وإلا فهو شرك أصغر.
(286) وسئل فضيلته: عن حكم القسم بصفة من صفات الله تعالى؟
فأجاب قائلًا: القسم بصفة من صفات الله تعالى جائز مثل أن تقول: وعزة الله لأفعلن، وقدرة الله لأفعلن وما أشبه ذلك، وقد نص على هذا أهل العلم حتى قالوا: إنه لو أقسم بالمصحف لكان جائزًا؛ لأن المصحف مشتمل على كلام الله وكلام الله من صفاته.
(287) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم من لم يقتنع بالحلف بالله؟
فأجاب قائلًا: من لم يقتنع بالحلف بالله فلا يخلو ذلك من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون ذلك من الناحية الشرعية فإنه يجب الرضا بالحلف بالله فيما إذا توجهت اليمين على المدعى عليه فحلف فيجب الرضا بهذا الحكم الشرعي.
(2/222)

الأمر الثاني: أن يكون ذلك من الناحية الحسية، ففي هذا تفصيل:
أولًا: إذا كان الحالف موضع صدق وثقة فإنك ترضى بيمينه.
ثانيًا: إذا كان غير ذلك أن ترفض الرضا بيمينه، ولهذا «لما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحويصة ومحيصة: "تبرئكم يهود بخمسين يمينًا" قالوا: كيف نرضى يا رسول الله بأيمان اليهود؟ فأقرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك.»
(
288) وسئل فضيلة الشيخ: عما يقوله بعض الناس: "أنا نصراني لو فعلت كذا.. "؟
فأجاب بقوله: هذا من باب اليمين فحكمه حكم اليمين، إذا حنث فيه يكفر كفارة يمين إذا تمت شروط الكفارة، لكن ينبغي للإنسان أن يحلف بالله عز وجل؛ لأن بعض الناس يظن أن هذه العبارة أوكد من الحلف بالله، فيريد أن يؤكد ما يقول بمثل هذه العبارة، ولكننا نقول: يفعل ما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام، في قوله: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» .
(2/223)

القبور
(2/225)

(289) سئل فضيلة الشيخ: عمن يعبد القبور بالطواف حولها ودعاء أصحابها والنذر لهم إلى غير ذلك من أنواع العبادة؟
فأجاب بقوله: هذا السؤال سؤال عظيم، وجوابه يحتاج إلى بسط بعون الله -عز وجل- فنقول: إن أصحاب القبور ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: قسم تُوفي على الإسلام ويُثني الناس عليه خيرًا فهذا يُرجى له الخير، ولكنه مفتقر إلى إخوانه المسلمين يدعون الله له بالمغفرة والرحمة وهو داخل في عموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} وهو بنفسه لا ينفع أحدًا إذ إنه ميت جثة لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الضر ولا عن غيره، ولا أن يجلب لنفسه النفع ولا لغيره فهو محتاج إلى نفع إخوانه غير نافع لهم.
القسم الثاني من أصحاب القبور: من أفعاله تؤدي إلى فسقه الفسق المخرج من الملة كأولئك الذين يدعون أنهم أولياء، ويعلمون الغيب ويشفون من المرض، ويجلبون الخير والنفع بأسباب غير معلومة حسًّا ولا شرعًا، فهؤلاء الذين ماتوا على الكفر، لا يجوز الدعاء لهم ولا الترحم عليهم؛ لقول الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}
(2/227)

وهم لا ينفعون أحدًا ولا يضرونه ولا يجوز لأحد أن يتعلق بهم، وإن قُدر أن أحدًا رأى كرامات لهم مثل أن يتراءى له أن في قبورهم نورًا، أو أنه يخرج منها رائحة طيبة أو ما أشبه ذلك وهم معروفون بأنهم ماتوا على الكفر فإن هذا من خداع إبليس وغروره ليفتن هؤلاء بأصحاب هذه القبور.
وإنني أحذر إخواني المسلمين من أن يتعلقوا بأحد سوى الله عز وجل, فإنه سبحانه وتعالى هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله، ولا يجيب دعوة المضطر إلا الله، ولا يكشف السوء إلا الله، قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} . ونصيحتي لهم أيضًا أن لا يقلدوا في دينهم ولا يتبعوا أحدًا إلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} ولقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} .
ويجب على جميع المسلمين أن يَزِنُوا أعمال من يدعي الولاية بما جاء في الكتاب والسنة فإن وافق الكتاب والسنة فإنه يرجى أن يكون من أولياء الله, وإن خالف الكتاب والسنة فليس من أولياء الله, وقد ذكر الله في كتابه ميزانًا قسطًا عدلًا في معرفة أولياء الله حيث قال: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} .
(2/228)

فمن كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا، ومن لم يكن كذلك فليس بولي لله، وإن كان معه بعض الإيمان والتقوى كان فيه شيء من الولاية، ومع ذلك فإننا لا نجزم لشخص بعينه بشيء ولكننا نقول على سبيل العموم: كل من كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا.
وليعلم أن الله عز وجل قد يفتن الإنسان بشيء من مثل هذه الأمور, فقد يتعلق الإنسان بالقبر فيدعو صاحبه أو يأخذ من ترابه يتبرك به فيحصل مطلوبه, ويكون ذلك فتنة من الله عز وجل؛ لهذا الرجل لأننا نعلم أن هذا القبر لا يجيب الدعاء, وأن هذا التراب لا يكون سببًا لزوال ضرر أو جلب نفع نعلم ذلك لقول الله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} والآيات في هذا المعنى كثيرة تدل على أن كل من دعي من دون الله فلن يستجيب الدعاء ولن ينفع الداعي، ولكن قد يحصل المطلوب المدعو به عند دعاء غير الله فتنة وامتحانًا ونقول: إنه حصل هذا الشيء عند الدعاء -أي عند دعاء هذا الذي دعي من دون الله- لا بدعائه وفرق بين حصول الشيء بالشيء، وبين حصول الشيء عند الشيء, فإننا نعلم علم اليقين أن دعاء غير الله
(2/229)

ليس سببًا لجلب النفع أو دفع الضرر بالآيات الكثيرة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه, ولكن قد يحصل الشيء عند هذا الدعاء فتنة وامتحانًا، والله تعالى قد يبتلي الإنسان بأسباب المعصية؛ ليعلم سبحانه وتعالى من كان عبدًا لله ومن كان عبدًا لهواه، ألا ترى إلى أصحاب السبت من اليهود حيث حرم الله عليهم أن يصطادوا الحيتان في يوم السبت فابتلاهم الله عز وجل فكانت الحيتان تأتي يوم السبت بكثرة عظيمة وفي غير يوم السبت تختفي فطال عليهم الأمد، وقالوا: كيف نحرم أنفسنا هذه الحيتان ثم فكروا وقدروا ونظروا فقالوا: نجعل شبكة ونضعها يوم الجمعة ونأخذ الحيتان منها يوم الأحد، فأقدموا على هذا الفعل الذي هو حيلة على محارم الله فقلبهم الله قردة خاسئين قال الله تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} وقال عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} فانظر كيف يسر الله لهم هذه الحيتان في اليوم الذي منعوا من صيدها فيه ولكنهم -والعياذ بالله- لم يصبروا فقاموا بهذه الحيلة على محارم الله.
ثم انظر إلى ما حصل لأصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حيث ابتلاهم الله تعالى وهم محرمون بالصُّيود المحرمة على المحرم فكانت في متناول أيديهم ولكنهم رضي الله عنهم لم يجرءوا على شيء منها
(2/230)

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} كانت الصيود في متناول أيديهم يمسكون الصيد العادي باليد وينالون الصيد الطائر بالرماح فيسهل عليهم جدا، ولكنهم رضي الله عنهم خافوا الله عز وجل فلم يقدموا على أخذ شيء من الصيود.
وهكذا يجب على المرء إذا هيئت له أسباب الفعل المحرم أن يتقي الله عز وجل, وأن لا يقدم على فعل هذا المحرم, وأن يعلم أن تيسير أسبابه من باب الابتلاء والامتحان فليحجم وليصبر فإن العاقبة للمتقين.
(290) وسئل -جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء- عن حكم النذر والتبرك بالقبور، والأضرحة؟
فأجاب -حفظه الله تعالى- بقوله: النذر عبادة لا يجوز إلا لله عز وجل وكل من صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله فإنه مشرك كافر، قد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} .
وأما التبرك بها: فإن كان يعتقد أنها تنفع من دون الله عز وجل فهذا شرك في الربوبية مخرج عن الملة، وإن كان يعتقد أنها سبب وليست تنفع من دون الله فهو ضال غير مصيب، وما اعتقده فإنه من الشرك الأصغر، فعلى من ابتلي بمثل هذه المسائل أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى, وأن يقلع عن ذلك قبل أن يفاجئه الموت، فينتقل من الدنيا على
(2/231)

أسوأ حال، وليعلم أن الذي يملك الضر والنفع هو الله سبحانه وتعالى, وأنه هو ملجأ كل أحد، كما قال الله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} ، وبدلًا من أن يتعب نفسه في الالتجاء إلى قبر فلان وفلان، ممن يعتقدونهم أولياء، ليلتفت إلى ربه عز وجل وليسأله جلب النفع ودفع الضر، فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي يملك هذا.
(291) سئل فضيلة الشيخ: كيف نجيب عباد القبور الذين يحتجون بدفن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسجد النبوي؟
فأجاب بقوله: الجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن المسجد لم يبن على القبر بل بني في حياة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الوجه الثاني: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يدفن في المسجد حتى يقال: إن هذا من دفن الصالحين في المسجد؛ بل دفن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيته.
الوجه الثالث: أن إدخال بيوت الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق الصحابة, بل بعد أن انقرض أكثرهم، وذلك في عام أربعة وتسعين هجرية تقريبًا، فليس مما أجازه الصحابة؛ بل إن بعضهم خالف في ذلك, وممن خالف أيضًا سعيد بن المسيب.
(2/232)

الوجه الرابع: أن القبر ليس في المسجد حتى بعد إدخاله؛ لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد فليس المسجد مبنيًّا عليه، ولهذا جعل هذا المكان محفوظًا ومحوطًا بثلاثة جدران، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة أي أنه مثلث، والركن في الزاوية الشمالية حيث لا يستقبله الإنسان إذا صلى؛ لأنه منحرف، وبهذا يبطل احتجاج أهل القبور بهذه الشبهة.
(292) سُئل فضيلة الشيخ: عن رجل بنى مسجدًا وأوصى أن يدفن فيه فدفن فما العمل الآن؟
فأجاب بقوله: هذه الوصية أعني الوصية أن يدفن في المسجد غير صحيحة؛ لأن المساجد ليست مقابر، ولا يجوز الدفن في المسجد، وتنفيذ هذه الوصية محرم، والواجب الآن نبش هذا القبر وإخراجه إلى مقابر المسلمين.
(293) وسُئل فضيلته: عن حكم البناء على القبور؟
فأجاب بقوله: البناء على القبور محرم وقد نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما فيه من تعظيم أهل القبور, وكونه وسيلة وذريعة إلى أن تعبد هذه القبور وتتخذ آلهة مع الله كما هو الشأن في كثير من الأبنية التي بنيت على القبور فأصبح الناس يشركون بأصحاب هذه القبور، ويدعونها مع الله تعالى ودعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم لكشف الكربات شرك أكبر وردة عن الإسلام. والله المستعان.
(2/233)

(294) وسئل الشيخ -حفظه الله- تعالى: عن حكم دفن الموتى في المساجد؟
فأجاب قائلًا: الدفن في المساجد نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونهى عن اتخاذ المساجد على القبور, ولعن من اتخذ ذلك وهو في سياق الموت يحذر أمته, ويذكر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن هذا من فعل اليهود والنصارى؛ ولأن هذا وسيلة إلى الشرك بالله عز وجل؛ لأن إقامة المساجد على القبور, ودفن الموتى فيها وسيلة إلى الشرك بالله عز وجل في أصحاب هذه القبور, فيعتقد الناس أن أصحاب هذه القبور المدفونين في المساجد ينفعون أو يضرون أو أن لهم خاصية تستوجب أن يُتَقَرب إليهم بالطاعات من دون الله سبحانه وتعالى, فيجب على المسلمين أن يحذروا من هذه الظاهرة الخطيرة, وأن تكون المساجد خالية من القبور مؤسسة على التوحيد والعقيدة الصحيحة قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} فيجب أن تكون المساجد لله سبحانه وتعالى خالية من مظاهر الشرك تؤدى فيها عبادة الله وحده لا شريك له هذا هو واجب المسلمين. والله الموفق.
(295) وسئل: عن حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر؟
فأجاب بقوله: إذا كان هذا المسجد مبنيًّا على القبر فإن الصلاة فيه محرمة, ويجب هدمه لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد تحذيرًا مما صنعوا.
وأما إذا كان المسجد سابقًا على القبر فإنه يجب إخراج القبر من
(2/234)

المسجد ويدفن فيما يدفن فيه المسلمون، ولا حرج علينا في هذه الحال إذا نبشنا هذا القبر؛ لأنه دُفِن في مكان لا يحل أن يدفن فيه فإن المساجد لا يحل دفن الموتى فيها.
والصلاة في المسجد إذا كان سابقًا على القبر صحيحة بشرط ألا يكون القبر في ناحية القبلة فيصلي الناس إليه؛ لأن النبي صلى عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى القبور وبالإمكان إذا لم يتمكنوا من نبش القبر أن يهدموا سور المسجد.
(296) وسئل فضيلة الشيخ: عن المراد بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا "؟
فأجاب بقوله: اختلف في المعنى المراد بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا" على قولين:
القول الأول: أن المعنى لا تدفنوا فيها موتاكم وهذا ظاهر اللفظ، ولكنه أورد على ذلك دفن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيته. وأجيب بأنه من خصائصه.
القول الثاني: أن المعنى لا تجعلوا البيوت مثل المقابر لا تصلون فيها؛ لأنه من المتقرر عندهم أن المقابر لا يصلى فيها، ويؤيده ما جاء في بعض الطرق "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبورًا".
وكلا المعنيين صحيح فإن الدفن في البيوت وسيلة إلى الشرك، ولأن العادة المتبعة من عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى يومنا أن الدفن مع المسلمين، ولأنه يضيق على الورثة وربما يستوحشون منه، وقد يحدث عنده من الأفعال المحرمة ما يتنافى مع مقصود الشارع وهو تذكير الآخرة.
(2/235)

وفي هذا الحديث دليل على أن المقابر ليست محلا للصلاة؛ لأن اتخاذ المقابر مكانًا للصلاة سبب للشرك.
والحديث يدل أيضًا على أن الأفضل أن المرء يجعل من صلاته في بيته، وذلك جميع النوافل لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» إلا ما ورد في الشرع أن يفعل في المسجد مثل صلاة الكسوف، وقيام الليل في رمضان، حتى ولو كانت في مكة أو المدينة فإن صلاة النافلة في بيتك أفضل لعموم الحديث، ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ذلك وهو في المدينة.
(297) وسئل أيضًا: عن حكم إضاءة مقامات الأولياء ونذر ذلك؟
فأجاب فضيلته: إضاءة مقامات الأولياء والأنبياء التي يريد بها السائل قبورهم هذه الإضاءة محرمة, وقد ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن فاعليها فلا يجوز أن تضاء هذه القبور وفاعل ذلك ملعون على لسان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعلى هذا إذا نذر الإنسان إضاءة هذا القبر فإن نذره محرم وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» . فلا يجوز له أن يفي بهذا النذر.
ولكن هل يجب عليه أن يكفر كفارة يمين لعدم وفائه بنذره أو لا يجب؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، والاحتياط أن يكفر كفارة يمين عن عدم وفائه بهذا النذر. والله أعلم.
(298) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم إسراج المقابر؟
فأجاب قائلًا: المقبرة التي لا يحتاج الناس إليها كما لو كانت المقبرة
(2/236)

واسعة، وفيها موضع قد انتهى الناس من الدفن فيه فلا حاجة إلى إسراجه، أما الموضع الذي يقبر فيه فيسرج ما حوله فقد يقال: بجوازه لأنها لا تسرج إلا بالليل فليس في ذلك ما يدل على تعظيم القبر بل اتخذت للحاجة. ولكن الذي نرى المنع مطلقًا للأسباب الآتية:
السبب الأول: أنه ليس هناك ضرورة.
السبب الثاني: أن الناس إذا وجدوا ضرورة لذلك فيمكنهم أن يحملوا سراجًا معهم.
السبب الثالث: أنه إذا فتح هذا الباب فإن الشر سيتسع في قلوب الناس ولا يمكن ضبطه فيما بعد.
أما إذا كان في المقبرة حجرة يوضع فيها اللبن ونحوه، فلا بأس بإضاءتها؛ لأنها بعيدة عن القبور، والإضاءة داخلة لا تشاهد.
(299) وسئل فضيلته: عن حكم السفر لزيارة قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب بقوله: شد الرحال إلى زيارة القبور أيًّا كانت هذه القبور لا يجوز؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» والمقصود بهذا أنه لا تشد الرحال إلى أي مكان في الأرض لقصد العبادة بهذا الشد؛ لأن الأمكنة التي تخصص بشد الرحال هي المساجد الثلاثة فقط وما عداها من الأمكنة لا تشد إليها الرحال فقبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا تشد الرحال إليه, وإنما تشد الرحال إلى مسجده فإذا وصل المسجد فإن الرجال يسن لهم زيارة قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما النساء فلا يسن لهن زيارة قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والله الموفق.
(2/237)

(300) سئل فضيلة الشيخ: هناك مسجد في اليمن يقال: إنه مسجد معاذ بن جبل المشهور بمسجد الجند، ويأتي الناس لزيارته في الجمعة من شهر رجب من كل سنة رجالًا ونساء, فما حكم هذا العمل وما نصيحتكم لهؤلاء؟
فأجاب بقوله: هذا غير مسنون لأمور:
أولًا: لأنه لم يثبت أن معاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى اليمن اختط مسجدًا له هناك، وإذا لم يثبت ذلك, فإن دعوى أن هذا المسجد له دعوى بغير بينة، وكل دعوى بغير بينة فإنها غير مقبولة.
ثانيًا: لو ثبت أن معاذ بن جبل اختط مسجدًا هناك فإنه لا يشرع إتيانه وشد الرحل إليه، بل شد الرحل إلى مساجد غير المساجد الثلاثة منهي عنه، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» .
ثالثًا: أن تخصيص هذا العمل بشهر رجب بدعة أيضًا فإن شهر رجب لم يخص بشيء من العبادات لا بصوم ولا بصلاة وإنما حكمه حكم الأشهر الحرم الأخرى، والأشهر الحرم هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم. هذه الأشهر التي قال الله تعالى عنها في كتابه: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} ولم يثبت أن شهر رجب خص من بينها في شيء لا بصيام ولا بقيام، فإذا خص الإنسان هذا الشهر بشيء من العبادات من غير أن يثبت ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان
(2/238)

مبتدعًا لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» . فنصيحتي لإخوتي هؤلاء الذين يقومون بهذا العمل في الحضور إلى المسجد الذي يزعم أنه مسجد معاذ في اليمن أن لا يتعبوا أنفسهم ويتلفوا أموالهم ويضيعوها في هذا الأمر الذي لا يزيدهم من الله إلا بعدًا, ونصيحتي لهم أن يصرفوا همهم إلى ما ثبتت مشروعيته في كتاب الله وسنة نبيه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا كافٍ للمؤمن، والله الموفق.
(301) سئل فضيلة الشيخ: هل استجاب الله دعوة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن لا يجعل قبره وثنًا يعبد أو اقتضت حكمته غير ذلك؟
فأجاب بقوله: يقول ابن القيم: إن الله استجاب له فلم يذكر أن قبره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل وثنًا، بل إنه حمي قبره بثلاثة جدران فلا أحد يصل إليه حتى يجعله وثنًا يعبد من دون الله، ولم نسمع في التاريخ أنه جعل وثنًا.
صحيح أنه يوجد أناس يغلون فيه، ولكن لم يصلوا إلى جعل قبره وثنًا. ولكن قد يعبدون الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولو في مكان بعيد.
(302) وسئل فضيلته: عن رجل توفي وبعد مدة رآه رجل في المنام وطلب منه أن يخرجه من القبر ويبني له مقامًا ففعل فما حكم هذا العمل؟
(2/239)

فأجاب قائلًا: الحكم في هذا أنه فعل محرم، وأن المرائي التي ترى في المنام إذا كانت مخالفة للشرع فإنها باطلة، وهي من ضرب الأمثلة التي يضربها الشيطان ومن وحي الشيطان, فلا يجوز تنفيذها أبدًا؛ لأن الأحكام الشرعية لا تتغير بالمنامات، والواجب عليهم الآن أن يهدموا هذا المقام الذي بنوه له، وأن يردوه إلى مقابر المسلمين.
ونصيحتي لهؤلاء وأمثالهم أن يعرضوا كل ما رأوه في المنام على الكتاب والسنة، فما خالف الكتاب والسنة، فمطروح مردود ولا عبرة به، ولا يجوز للإنسان أن يعتمد في أمور دينه على هذه المرائي الكاذبة؛ لأن الشيطان أقسم بعزة الله عز وجل أن يغوي بني آدم إلا عباد الله المخلصين، فمن كان مخلِّصًا لله ومخلَّصًا له، متبعًا لدينه، مبتغيًا لدينه, فإنه يسلم من إغواء الشيطان وشره، وأما من كان على خلاف ذلك فإن الشيطان يتلاعب به في عبادته، وفي اعتقاداته، وفي أفكاره، وفي أعماله، فليحذره، يقول الله عز وجل: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} .
(303) سئل فضيلة الشيخ: عن مقبرة قديمة أصبحت طريقًا للناس والبهائم كيف يعمل بها؟
فأجاب بقوله: أود أن أبين بهذه المناسبة أن لأصحاب القبور حقوقًا؛ لأنهم مسلمون، ولهذا نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يوطأ على القبر وأن يجلس عليه، وقال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتمضي إلى جلده خير له من أن يجلس على القبر» وكما نهى النبي صلى الله عليه
(2/240)

وسلم، عن امتهان القبور فإنه نهى أيضًا عن تعظيمها بما يفضي إلى الغلو والشرك، فنهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه.
وهذه القضية التي ذكرت في السؤال المقبرة القديمة التي أصبحت ممرًّا وطريقًا للمشاة والسيارات ومرعى للبهائم يجب أن يرفع أمرها إلى ولاة الأمور لاتخاذ اللازم في حمايتها وصيانتها, وفتح طرق حولها يعبر الناس منها إلى الجهات الأخرى.
(304) سئل فضيلة الشيخ: هل يشرع للإنسان أن يقول: "اللهم اجعلني لقبر نبيك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الزائرين" أو يقول: "لمسجد نبيك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الزائرين؟ "
فأجاب قائلًا: المشروع أن يقول لمسجده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الزائرين؛ لأن مسجده هو الذي تشد إليه الرحال وليس قبره، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» .
وهاهنا نقطة أحب أن أنبه عليها وهي: أن كثيرًا من الناس يتشوقون إلى زيارة قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر مما يتشوقون إلى زيارة مسجده، بل أكثر مما يتشوقون إلى زيارة الكعبة -بيت الله عز وجل- وهذا من الضلال البين، فإن حق النبي عليه الصلاة والسلام, لا يشك أحد أنه دون حق الله تعالى، فالرسول عليه الصلاة والسلام، بشر مرسل من عند الله، ولولا أن الله اجتباه برسالته لم يكن له من الحق هذا الحق الذي يفوق حق كل بشر، أما أن يكون مساويًا لحق الله عز
(2/241)

وجل أو يكون في قلب الإنسان محبة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزيد على محبة الله، فإن هذا خطأ عظيم، فمحبة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تابعة لمحبة الله، وتعظيمنا له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تابع لتعظيم الله عز وجل، وهو دون تعظيم الله تعالى, ولهذا نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن نغلو فيه وأن نجعل له حقًّا مساويًا لحق الله عز وجل, فقد «قال له رجل مرة: ما شاء الله وشئت. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أجعلتني لله ندًّا بل ما شاء الله وحده".»
والخلاصة: أنه يجب على الإنسان أن يكون تعظيم الله تعالى ومحبته في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل أحد، وأن تكون محبة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتعظيمه في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل مخلوق، وأما أن يساوي بين حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحق الله تعالى فيما يختص الله به فهذا خطأ عظيم.
(305) وسئل -حفظه الله تعالى- عن رجل حفر لتأسيس بيته فوجد عظامًا فأخرجها فما حكم عمله هذا؟
فأجاب قائلًا: إذا تيقن أو غلب على ظنه أنها عظام موتى مسلمين فإنه لا يجوز له نقل العظام، وأصحاب القبور أحق بالأرض منه؛ لأنهم لما دفنوا فيها ملكوها، ولا يحل له أن يبني بيته على قبور المسلمين، ويجب عليه إذا تيقن أن هذا المكان فيه قبور أن يزيل البناء، وأن يدع القبور لا بناء عليها. وفي مثل هذه الحال الواجب مراجعة ولاة الأمور.
(2/242)

(306) وسئل رعاه الله بمنّه وكرمه: هل ترد أرواح الموتى إليهم يومي الاثنين والخميس ليردوا السلام على الزوار؟
فأجاب بقوله: هذا لا أصل له وزيارة المقابر مشروعة كل وقت؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» . وينبغي للزائر أن يفعل ما كان يفعله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من السلام عليهم دون القراءة، فقد كان مما يقوله عليه الصلاة والسلام: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم» . ولا تنبغي القراءة على القبر؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما لم يرد عنه فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يعمله.
واعلم أن المقصود بالزيارة أمران:
أحدهما: انتفاع الزائر بتذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ، فإن هؤلاء القوم الذين هم الآن في بطن الأرض كانوا بالأمس على ظهرها، وسيجري لهذا الزائر ما جرى لهم، فيعتبر ويغتنم الأوقات والفرص، ويعمل لهذا اليوم الذي سيكون في هذا المثوى الذي كان عليه هؤلاء.
وثانيهما: الدعاء لأهل القبور بما كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو به من السلام وسؤال الرحمة، وأما أن يسأل الأموات ويتوسل بهم فإن هذا محرم ومن الشرك؛ ولا فرق في هذا بين قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقبر غيره، فإنه لا يجوز أن يتوسل أحد بقبر النبي عليه الصلاة والسلام، أو بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد موته, فإن هذا من الشرك؛ لأنه لو كان هذا حقًّا لكان أسبق الناس إليه الصحابة رضي الله عنهم،
(2/243)

ومع ذلك فإنهم لا يتوسلون به بعد موته، فقد استسقى عمر رضي الله عنه ذات يوم فقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" ثم قام العباس رضي الله عنه فدعا , وهذا دليل على أنه لا يتوسل بالميت مهما كانت درجته ومنزلته عند الله تعالى, وإنما يتوسل بدعاء الحي الذي ترجى إجابة دعوته؛ لصلاحه واستقامته في دين الله عز وجل, فإذا كان الرجل ممن عرف بالدين والاستقامة وتوسل بدعائه، فإن هذا لا بأس به كما فعل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وأما الأموات فلا يتوسل بهم أبدًا، ودعاؤهم شرك أكبر مخرج عن الملة، قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} .
(307) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: هل المسلم إذا ألقى السلام على الميت في قبره يرد الله عليه روحه ويرد السلام؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: هذا الذي ذكره السائل جاء فيه حديث مرفوع صححه ابن عبد البر وهو أنه «ما من مسلم يمر بقبر رجل مسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد عليه روحه فرد عليه السلام» .
(308) وسئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: عن حكم زيارة المقابر؟ وحكم قراءة الفاتحة عند زيارتها؟ وحكم زيارة النساء للقبور؟ .
(2/244)

فأجاب بقوله: زيارة القبور سنة أمر بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن نهى عنها كما ثبت ذلك عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في قوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة» رواه مسلم. فزيارة القبور للتذكر والاتعاظ سنة، فإن الإنسان إذا زار هؤلاء الموتى في قبورهم، وكان هؤلاء بالأمس معه على ظهر الأرض يأكلون كما يأكل، ويشربون كما يشرب، ويتمتعون بدنياهم، وأصبحوا الآن رهنًا لأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر فإنه لا بد أن يتعظ ويلين قلبه ويتوجه إلى الله عز وجل بالإقلاع عن معصيته إلى طاعته.
وينبغي لمن زار المقبرة أن يدعو بما كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو به وعلمه أمته: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم» يقول هذا الدعاء.
ولم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقرأ الفاتحة عند زيارة القبور, وعلى هذا فقراءة الفاتحة عند زيارة القبور خلاف المشروع عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأما زيارة القبور للنساء فإن ذلك محرم؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، فلا يحل للمرأة أن تزور المقبرة، هذا إذا خرجت من بيتها لقصد الزيارة، أما إذا مرت بالمقبرة بدون قصد الزيارة فلا حرج عليها أن تقف وأن تسلم على أهل المقبرة بما علمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته، فيفرق بالنسبة للنساء بين من خرجت من بيتها لقصد الزيارة، ومن مرت بالمقبرة بدون قصد،
(2/245)

فوقفت وسلمت، فالأولى التي خرجت من بيتها للزيارة قد فعلت محرمًا، وعرضت نفسها للعنة الله عز وجل, وأما الثانية فلا حرج عليها.
(309) وسئل فضيلة الشيخ: هناك من يزور القبور ويدعو الأموات وينذر لهم ويستغيث بهم ويستعين بهم؛ لأنهم كما يزعم أولياء لله، فما نصيحتكم لهم؟
فأجاب بقوله: نصيحتنا لهؤلاء وأمثالهم أن يرجع الإنسان إلى عقله وتفكيره، فهذه القبور التي يزعم أن فيها أولياء تحتاج:
أولًا: إلى إثبات أنها قبور؛ إذ قد يوضع شيء يشبه القبر, ويقال: هذا قبر فلان، كما حدث ذلك، مع أنه ليس بقبر.
ثانيًا: إذا ثبت أنها قبور فإنه يحتاج إلى إثبات أن هؤلاء المقبورين كانوا أولياء لله؛ لأننا لا نعلم هل هم أولياء لله أم أولياء للشيطان.
ثالثًا: إذا ثبت أنهم من أولياء الله فإنهم لا يزارون من أجل التبرك بزيارتهم، أو دعائهم، أو الاستغاثة بهم، والاستعانة بهم، وإنما يزارون كما يزار غيرهم للعبرة والدعاء لهم فقط، على أنه إن كان في زيارتهم فتنة أو خوف فتنة بالغلو فيهم، فإنه لا تجوز زيارتهم دفعا للمحظور ودرءًا للمفسدة.
فأنت أيها الإنسان حكم عقلك، فهذه الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها لا بد أن تتحقق، وهي:
أ- ثبوت القبر.
ب- ثبوت أنه ولي.
ج- الزيارة لأجل الدعاء لهم. فهم في حاجة إلى الدعاء مهما كانوا،
(2/246)

فهم لا ينفعون ولا يضرون، ثم إننا قلنا: إن زيارتهم من أجل الدعاء لهم جائزة ما لم تستلزم محظورًا.
أما من زارهم ونذر لهم وذبح لهم أو استغاث بهم، فإن هذا شرك أكبر مخرج عن الملة، يكون صاحبه به كافرًا مخلدًا في النار.
(310) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: عن حكم الدين في بناء المقابر بالطوب والأسمنت فوق ظهر الأرض؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: أولًا أنا أكره أن يوجه للشخص مثل هذا السؤال بأن يقال: ما حكم الدين؟ ما حكم الإسلام؟ وما أشبه ذلك؛ لأن الواحد من الناس لا يعبر عن الإسلام؛ إذ قد يخطئ ويصيب، ونحن إذا قلنا: إنه يعبر عن الإسلام معناه أنه لا يخطئ؛ لأن الإسلام لا خطأ فيه، فالأولى في مثل هذا التعبير أن يقال: ما ترى في حكم من فعل كذا وكذا؟ أو ما ترى فيمن فعل كذا وكذا؟ أو ما ترى في الإسلام هل يكون كذا وكذا حكمه؟ المهم أن يُضاف السؤال إلى المسئول فقط.
أما بالنسبة لما أراه في هذه المسألة أنه لا يجوز أن يبنى على القبور, فقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أنه نهى عن البناء على القبور، ونهى أن يُجصص القبر، وأن يُبنى عليه» . فالبناء على القبور محرم؛ لأنه وسيلة إلى أن تُعْبَد ويُشْرَك بها مع الله عز وجل.
(311) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: عندنا عدد من المساجد بأسماء الأنبياء مثل جامع النبي يونس وغيرها من الجوامع، ويوجد داخل المسجد مرقد ذلك النبي, ويذهب الناس
(2/247)

ويصلون في داخل هذه المساجد , وفي الحديث الذي ما معناه «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ما حكم عملهم هذا؟
فأجاب -حفظه الله - بقوله: تسمية المساجد بأسماء الأنبياء لا ينبغي؛ لأن هذا إنما يتخذ على سبيل التقرب إلى الله -عز وجل- أو التبرك بأسماء الأنبياء، والتقرب إلى الله بما لم يشرعه، والتبرك بما لم يجعله الله سببًا للبركة لا ينبغي، بل هو نوع من البدع.
وأما كون قبور الأنبياء في هذه المساجد فإنه كذب لا أصل له, فلا يعلم قبر أحد من الأنبياء سوى قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقبور الأنبياء كلها مجهولة, فمن زعم أن مسجد النبي يونس كان مرقد يونس أو كان قبر يونس فإنه قد قال قولًا بلا علم، وكذلك بقية المساجد أو الأماكن التي يقال عنها: إن فيها شيئًا من قبور الأنبياء؛ فإن هذا قول بلا علم, وأما صحة الصلاة في المساجد التي بنيت على القبور فإن كان القبر سابقًا على المسجد بأن بني المسجد على القبر فإن الصلاة فيه لا تصح, ويجوز هدم المسجد؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا» وأما إذا كان المسجد سابقًا على القبر بأن كان المسجد قائمًا مبنيًّا ثم دفن فيه أحد فإنه يجب أن ينبش القبر، وأن يدفن فيما يدفن فيه الناس.
والصلاة في هذا المسجد السابق على القبر صحيحة إلا إذا كان القبر تجاه المصلين، فإن الصلاة إلى القبور لا تصح -كما في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» .
(2/248)

(312) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: عن حكم التبرك بالقبور والطواف حولها بقصد قضاء حاجة أو تقرب وعن حكم الحلف بغير الله؟
فأجاب بقوله: التبرك بالقبور حرام ونوع من الشرك وذلك لأنه إثبات تأثير شيء لم ينزل الله به سلطانًا ولم يكن من عادة السلف الصالح أن يفعلوا مثل هذا التبرك فيكون من هذه الناحية بدعة أيضًا, وإذا اعتقد المتبرك أن لصاحب القبر تأثيرًا أو قدرة على دفع الضرر أو جلب النفع كان ذلك شركًا أكبر إذا دعاه لجلب المنفعة أو دفع المضرة. وكذلك يكون من الشرك الأكبر إذا تعبد لصاحب القبر بركوع أو سجود أو ذبح تقربًا له وتعظيمًا له قال الله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} , والمشرك شركًا أكبر كافر مخلد في النار والجنة عليه حرام لقوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} .
وأما الحلف بغير الله فإن كان الحالف يعتقد أن للمحلوف به منزلة مثل الله تعالى فهو مشرك شركًا أكبر وإن كان يعتقد ذلك ولكن كان في قلبه
(2/249)

من تعظيم المحلوف به ما حمله على أن يحلف به دون أن يعتقد أن له منزلة مثل منزلة الله فهو مشرك شركًا أصغر؛ لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» .
ويجب الإنكار على من تبرك بالقبور أو دعا المقبور أو حلف بغير الله, وأن يبين له أنه لن ينجيه من عذاب الله قوله: هذا شيء أخذنا عليه, فإن هذه الحجة هي حجة المشركين الذين كذبوا الرسل وقالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} فقال لهم الرسول: {أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} قال الله تعالى: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} .
ولا يحل لأحد أن يحتج لباطله بكونه وجد عليه آباءه أو بكونه عادة له ونحو ذلك ولو احتج بهذا فحجته داحضة عند الله تعالى لا تنفعه ولا تغني عنه شيئًا. وعلى الذين ابتلوا بمثل هذا أن يتوبوا إلى الله, وأن يتبعوا الحق أينما كان وممن كان ومتى كان, وأن لا يمنعهم من قبوله عادات قومهم أو لوم عوامهم, فإن المؤمن حقًا هو الذي لا تأخذه في الله لومة لائم, ولا يصده عن دين الله عائق.
وفق الله الجميع لما فيه رضاه وحمانا عما فيه سخطه وعقوبته.
(2/250)

التصوير
(2/251)

(313) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير؟ وحكم اقتناء الصور؟ وحكم الصور التي تمثل الوجه وأعلى الجسم؟
فأجاب-حفظه الله- بقوله: التصوير نوعان:
أحدهما: تصوير باليد.
والثاني: تصوير بالآلة.
فأما التصوير باليد فحرام بل هو كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لعن فاعله، ولا فرق بين أن يكون للصورة ظل أو تكون مجرد رسم على القول الراجح لعموم الحديث، وإذا كان التصوير هذا من الكبائر، فتمكين الإنسان غيره أن يصور نفسه إعانة على الإثم والعدوان فلا يحل.
وأما التصوير بالآلة وهي (الكاميرا) التي تنطبع الصورة بواسطتها من غير أن يكون للمصور فيها أثر بتخطيط الصورة وملامحها فهذه موضع خلاف بين المتأخرين فمنهم من منعها، ومنهم من أجازها, فمن نظر إلى لفظ الحديث منع؛ لأن التقاط الصورة بالآلة داخل في التصوير, ولولا عمل الإنسان بالآلة بالتحريك والترتيب وتحميض الصورة لم تلتقط الصورة، ومن نظر إلى المعنى والعلة أجازها؛ لأن العلة هي مضاهاة خلق الله، والتقاط الصورة بالآلة ليس مضاهاة لخلق الله, بل هو نقل للصورة التي خلقها الله تعالى نفسها فهو ناقل لخلق الله لا مضاه له، قالوا: ويوضح ذلك أنه لو قلد شخص كتابة شخص لكانت كتابة الثاني غير كتابة الأول
(2/253)

بل هي مشابهة لها ولو نقل كتابته بالصورة الفوتوغرافية لكانت الصورة هي كتابة الأول وإن كان عمل نقلها من الثاني, فهكذا نقل الصورة بالآلة الفوتغرافية (الكاميرا) الصورة فيه هي تصوير الله نقل بواسطة آلة التصوير.
والاحتياط الامتناع من ذلك؛ لأنه من المتشابهات ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، لكن لو احتاج إلى ذلك لأغراض معينة كإثبات الشخصية فلا بأس به؛ لأن الحاجة ترفع الشبهة لأن المفسدة لم تتحقق في المشتبه فكانت الحاجة رافعة لها.
وأما اقتناء الصور فعلى نوعين:
النوع الأول: أن تكون الصورة مجسمة أي ذات جسم فاقتناؤها حرام, وقد نقل ابن العربي الإجماع عليه, نقله عنه في فتح الباري ص 388 ج10ط. السلفية قال: "وهذا الإجماع محله في غير لعب البنات كما سأذكره في باب من صور صورة" وقد أحال في الباب المذكور على كتاب الأدب, وذكره في كتاب الأدب في باب الانبساط إلى الناس ص 527 من المجلد المذكور على حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذا دخل يتقمعن منه فيسر بهن إلي فيلعبن معي» .
قال في شرحه: "واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور، قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ وخصه بعضهم بالصغار".
وإن المؤسف أن بعض قومنا الآن، صاروا يقتنون هذه الصور
(2/254)

ويضعونها في مجالسهم أو مداخل بيوتهم، نزلوا بأنفسهم إلى رتبة الصبيان مع اكتساب الإثم والعصيان نسأل الله لنا ولهم الهداية.
النوع الثاني: أن تكون الصورة غير مجسمة بأن تكون رقمًا على شيء فهذه أقسام:
القسم الأول: أن تكون معلقة على سبيل التعظيم والإجلال مثل ما يعلق من صور الملوك، والرؤساء، والوزراء، والعلماء، والوجهاء، والآباء، وكبار الإخوة ونحوها، فهذا القسم حرام لما فيه من الغلو بالمخلوق والتشبه بعباد الأصنام والأوثان، مع أنه قد يجر إلى الشرك فيما إذا كان المعلق صورة عالم أو عابد ونحوه.
القسم الثاني: أن تكون معلقة على سبيل الذكرى مثل من يعلقون صور أصحابهم وأصدقائهم في غرفهم الخاصة فهذه محرمة فيما يظهر لوجهين:
الوجه الأول: أن ذلك يوجب تعلق القلب بهؤلاء الأصدقاء تعلقًا لا ينفك عنه, وهذا يؤثر تأثيرًا بالغًا على محبة الله ورسوله وشرعه ويوجب تشطير المحبة بين هؤلاء الأصدقاء وما تجب محبته شرعًا وكأن قارعًا يقرع قلبه كلما دخل غرفته. انتبه. انتبه. صديقك صديقك وقد قيل:
أحبب حبيبك هونًا ما ... فعسى أن يكون بغيضك يومًا ما
الوجه الثاني: أنه ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي طلحة رضي الله عنه قال سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة» وهذه عقوبة ولا عقوبة إلا على فعل محرم.
القسم الثالث: أن تكون معلقة على سبيل التجميل والزينة، فهذه
(2/255)

محرمة أيضًا لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «قدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل، فلما رآه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هتكه, وقال: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله". قالت: فجعلته وسادة أو وسادتين» رواه البخاري. والقرام: خرقة تفرش في الهودج أو يغطى بها يكون فيها رقوم ونقوش. والسهوة بيت صغير في جانب الحجرة يجعل فيه المتاع.
وعن عائشة -رضي الله عنها- «أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رآها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قام على الباب فلم يدخل فعرفت في وجهه الكراهية, قالت: فقلت: أتوب إلى الله ماذا أذنبت؟ قال: "ما هذه النمرقة؟ " قلت: لتجلس عليها وتوسدها فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم: أحيوا ما خلقتم وإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه الصورة» . رواه البخاري.
النمرقة: الوسادة العريضة تصلح للاتكاء والجلوس.
القسم الرابع: أن تكون ممتهنة كالصورة التي تكون في البساط والوسادة، وعلى الأواني وسماط الطعام ونحوها، فنقل النووي عن جمهور العلماء من الصحابة والتابعين جوازها، وقال: هو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة والشافعي، وهو كذلك مذهب الحنابلة. ونقل في فتح الباري - ص 391ج 10ط. السلفية- حاصل ما قيل في ذلك عن ابن العربي فقال: حاصل ما في اتخاذ الصور؛ أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع، وإن كانت رقمًا فأربعة أقوال:
الأول: يجوز مطلقًا على ظاهر قوله في حديث الباب: "إلا رقمًا في
(2/256)

ثوب".
الثاني: المنع مطلقًا حتى الرقم.
الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز قال: وهذا هو الأصح.
الرابع: إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقًا لم يجز ا. هـ.
والذي صححه هو ظاهر حديث النمرقة، والقول الرابع هو ظاهر حديث القرام ويمكن الجمع بينهما بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما هتك الستر تفرقت أجزاء الصورة فلم تبق كاملة بخلاف النمرقة فإن الصورة كانت فيها كاملة فحرم اتخاذها, وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب فمر برأس التمثال الذي على باب البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن، ومر بالكلب فليخرج» ففعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, رواه أهل السنن. وفي رواية النسائي «إما أن تقطع رءوسها أو تجعل بسطًا توطأ» . ذكر هذا الحديث في فتح الباري ص 392 من المجلد العاشر السابق, وزعم في ص390 أنه مؤيد للجمع الذي ذكرناه, وعندي أن في ذلك نظرًا فإن هذا الحديث ولا سيما رواية النسائي تدل على أن الصورة إذا كانت في شيء يمتهن فلا بأس بها, وإن بقيت كاملة وهو رأي الجمهور كما سبق.
القسم الخامس: أن تكون مما تعم به البلوى ويشق التحرز منه كالذي يوجد في المجلات والصحف وبعض الكتب, ولم تكن مقصودة لمقتنيها بوجه من الوجوه بل هي مما يكرهه ويبغضه ولكن لا بد له منها
(2/257)

والتخلص منها فيه عسر ومشقة وكذلك ما في النقود من صور الملوك والرؤساء والأمراء مما ابتليت به الأمة الإسلامية, فالذي يظهر لي أن هذا لا حرج فيه على من وقع في يده بغير قصد منه إلى اتخاذه من أجل صوره بل هو يكرهه أشد الكراهة, ويبغضه ويشق عليه التحرز منه فإن الله تعالى لم يجعل على عباده في دينهم من حرج ولا يكلفهم شيئًا لا يستطيعونه إلا بمشقة عظيمة أو فساد مال، ولا يصدق على مثل هذا أنه متخذ للصورة ومقتن لها.
وأما سؤالكم عن الصورة التي تمثل الوجه وأعلى الجسم، فإن حديث أبي هريرة الذي أشرنا إليه يدل على أنه لا بد من قطع الرأس وفصله فصلًا تامًّا عن بقية الجسم، فأما إذا جمع إلى الصدر فما هو إلا رجل جالس, بخلاف ما إذا أبين الرأس إبانة كاملة عن الجسم، ولهذا قال الإمام أحمد -رحمه الله-: الصورة الرأس. وكان إذا أراد طمس الصورة حك رأسها, وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الصورة الرأس فإذا قطع الرأس فليس هو صورة. فتهاون بعض الناس في ذلك مما يجب الحذر منه.
نسأل الله لنا ولكم ولإخواننا المسلمين السلامة والعافية مما لا تحمد عقباه إنه جواد كريم.
(314) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير؟
فأجاب بقوله: التصوير على أنواع:
النوع الأول: أن يصور ما له ظل وجسم على هيئة إنسان أو حيوان، وهذا حرام ولو فعله عبثًاولو لم يقصد المضاهاة؛ لأن المضاها لا يشترط فيها القصد حتى لو وضع هذا التمثال لابنه لكي يهدئه به.
(2/258)

فإن قيل: أليس المحرم ما صور لتذكار قوم صالحين كما هو أصل الشرك في قوم نوح؟
أجيب: إن الحديث في لعن المصورين عام، لكن إذا انضاف إلى التصوير هذا القصد صار أشد تحريمًا.
النوع الثاني: أن يصور صورة ليس لها جسم بل بالتلوين والتخطيط، فهذا محرم أيضًا لعموم الحديث، ويدل له حديث النمرقة حيث «أقبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بيته, فلما أراد أن يدخل رأى نمرقة فيها تصاوير فوقف وتأثر، وعرفت الكراهة في وجهه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت عائشة رضي الله عنها: ما أذنبت يا رسول الله؟ فقال: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» فالصور بالتلوين كالصور بالتجسيم على الصحيح، وقوله في صحيح البخاري: «إلا رقمًا في ثوب» إن صحت الرواية هذه فالمراد بالاستثناء ما يحل تصويره من الأشجار ونحوها ليتفق مع الأحاديث الأخرى.
النوع الثالث: أن تلتقط الصورة التقاطًا بأشعة معينة بدون أي تعديل أو تحسين من الملتقط, فهذا محل خلاف بين العلماء المعاصرين على قولين:
القول الأول: أنها صورة, وإذا كان كذلك فإن حركة هذا الفاعل تعتبر تصويرًا إذ لولا تحريكه إياها ما انطبعت هذه الصورة على هذه الورقة, ونحن متفقون على أن هذه صورة فحركته تعتبر تصويرًا فيكون داخلًا في العموم.
القول الثاني: أنها ليست بتصوير؛ لأن التصوير فعل المصور، وهذا الرجل ما صورها في الحقيقة وإنما التقطها بالآلة، والتصوير من صنع الله،
(2/259)

ومثال ذلك: لو أدخلت كتابًا في آلة التصوير ثم خرج من هذه الآلة, فإن رسم الحروف من الكاتب الأول لا من المحرك بدليل أنه قد يحركها شخص أمي لا يعرف الكتابة إطلاقًا أو أعمى.
وهذا القول أقرب؛ لأن المصور يعتبر مبدعًا، ومخططًا، ومضاهيًا لخلق الله تعالى وليس هذا كذلك.
(315) سئل فضيلة الشيخ: هل يجب إتلاف الرأس في الصور لزوال التحريم؟ أو يكفي فصله عن الجسم؟ وما حكم الصور التي في العلب والمجلات والصحف ورخص القيادة والدراهم؟ وهل تمنع من دخول الملائكة؟
فأجاب بقوله: إذا فصل الرأس عن الجسم فظاهر الحديث «مر برأس التمثال فليقطع» أنه لا يجب إتلاف الرأس؛ لأنه لم يذكر في الحديث إتلافه وإن كان في ذلك شيء من التردد.
وأما الجسم بلا رأس فهو كالشجرة لا شك في جوازه.
أما بالنسبة لما يوجد في العلب والمجلات والصحف من الصور: فما يمكن التحرز منه فالورع تركه، وأما ما لا يمكن التحرز منه، والصورة فيه غير مقصودة, فالظاهر أن التحريم يرتفع فيه بناء على القاعدة الشرعية {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} والمشقة تجلب التيسير والبعد عنه أولى.
(2/260)

وكذلك بالنسبة لما يوجد في رخص القيادة، وحفائظ النفوس، والشهادات والدراهم، فهو ضرورة لا إثم فيه، ولا يمنع ذلك من دخول الملائكة.
وأما قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وأن لا تدع صورة إلا طمستها» ففيه احتمال قوي؛ أن المراد كل صورة مقصودة اتخذت لذاتها لا سيما في أوقاتهم، فلا تجد صورة في الغالب إلا مقصودة لذاتها. ولا ريب أن الصور المقصودة لا يجوز اقتناؤها كالصور التي تتخذ للذكرى أو للتمتع بالنظر إليها أو للتلذذ بها ونحو ذلك.
(316) وسئل جزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء: عن حكم صنع التماثيل؟
فأجاب قائلًا: صنع التماثيل المجسمة إن كانت من ذوات الأرواح، فهي محرمة لا تجوز؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثبت عنه أنه لعن المصورين, وثبت أيضًا عنه أنه قال: «قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» وهذا محرم.
أما إذا كانت التماثيل ليست من ذوات الأرواح, فإنه لا بأس به وكسبها حلال؛ لأنها من العمل المباح. والله الموفق.
(317) وسئل: عن حكم رسم ذوات الأرواح وهل هو داخل في عموم الحديث القدسي «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة» ؟
(2/261)

فأجاب قائلًا: نعم هو داخل في هذا الحديث، لكن الخلق خلقان خلق جسمي وصفي وهذا في الصور المجسمة، وخلق وصفي لا جسمي وهذا في الصور المرسومة.
وكلاهما يدخل في الحديث المتقدم فإن خلق الصفة كخلق الجسم، وإن كان الجسم أعظم؛ لأنه جمع بين الأمرين الخلق الجسمي والخلق الوصفي، ويدل على ذلك -أي العموم- وأن التصوير محرم باليد سواء كان تجسيمًا أم كان تلوينًا عموم لعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمصورين, فعموم لعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمصورين يدل على أنه لا فرق بين الصور المجسمة والملونة التي لا يحصل التصوير فيها إلا بالتلوين فقط، ثم إن هذا هو الأحوط, والأولى بالمؤمن أن يكون بعيدًا عن الشبه.
ولكن قد يقول قائل: أليس الأحوط في اتباع ما دل عليه النص لا في اتباع الأشد؟
فنقول: صحيح أن الأحوط اتباع ما دل عليه النص لا اتباع الأشد، لكن إذا وجد لفظ عام يمكن أن يتناول هذا وهذا فالأحوط الأخذ بعمومه، وهذا ينطبق تمامًا على حديث التصوير، فلا يجوز للإنسان أن يرسم صورة ما فيه روح من إنسان وغيره؛ لأنه داخل في لعن المصورين. والله الموفق.
(318) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير الفوتوغرافي؟
فأجاب -حفظه الله تعالى- بقوله: الصور الفوتوغرافية الذي نرى فيها؛ أن هذه الآلة التي تخرج الصورة فورًا، وليس للإنسان في الصورة أي عمل، نرى أن هذا ليس من باب التصوير، وإنما هو من باب نقل صورة
(2/262)

صورها الله عز وجل بواسطة هذه الآلة، فهي انطباع لا فعل للعبد فيه من حيث التصوير، والأحاديث الواردة إنما هي في التصوير الذي يكون بفعل العبد ويضاهي به خلق الله، ويتبين لك ذلك جيدًا بما لو كتب لك شخص رسالة فصورتها في الآلة الفوتوغرافية، فإن هذه الصورة التي تخرج ليست هي من فعل الذي أدار الآلة وحركها، فإن هذا الذي حرك الآلة ربما يكون لا يعرف الكتابة أصلًا، والناس يعرفون أن هذا كتابة الأول، والثاني ليس له أي فعل فيها، ولكن إذا صور هذا التصوير الفوتوغرافي لغرض محرم، فإنه يكون حرامًا تحريم الوسائل.
(319) وسئل: أيضًا عن حكم التصوير؟ وكيف يفعل من طلب منه التصوير في الامتحان؟ وما حكم مشاهدة الصور التي في المجلات والتلفزيون؟
فأجاب بقوله: سؤالكم عن التصوير فالتصوير نوعان:
أحدهما: أن يكون تصوير غير ذوات الأرواح كالجبال والأنهار والشمس والقمر والأشجار فلا بأس به عند أكثر أهل العلم، وخالف بعضهم فمنع تصوير ما يثمر كالشجر والزروع ونحوها، والصواب قول الأكثر.
الثاني: أن يكون تصوير ذوات الأرواح وهذا على قسمين:
القسم الأول: أن يكون باليد فلا شك في تحريمه, وأنه من كبائر الذنوب؛ لما ورد فيه من الوعيد الشديد مثل حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «كل مصور في النار يجعل له»
(2/263)

«بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم» . رواه مسلم. وحديث أبي جحيفة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لعن آكل الربا وموكله، والواشمة، والمستوشمة، والمصور» رواه البخاري. وحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» . رواه البخاري ومسلم، وفي رواية مسلم: «الذين يشبهون بخلق الله» .
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقول:: «قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» . رواه البخاري ومسلم.
والتصوير المذكور ينطبق على التصوير باليد بأن يخطط الإنسان الصورة بيده حتى يكملها فتكون مثل الصورة التي خلق الله تعالى؛ لأنه حاول أن يبدع كإبداع الله تعالى, ويخلق كخلقه وإن لم يقصد المشابهة لكن الحكم إذا علق على وصف تعلق به، فمتى وجد الوصف وجد الحكم، والمصور إذا صنع الصورة تحققت المشابهة بصنعه, وإن لم ينوها, والمصور في الغالب لا يخلو من نية المضاهاة، ولذلك تجده يفخر بصنعه كلما كانت الصورة أجود وأتقن. وبهذا تعرف سقوط ما يموه به بعض من يستسيغ التصوير من أن المصور لا يريد مشابهة خلق الله؛ لأننا نقول له: المشابهة حصلت بمجرد صنعك شئت أم أبيت. ولهذا لو عمل شخص عملًا يشبه عمل شخص آخر لقلنا نحن وجميع الناس: إن عمل هذا يشبه عمل ذاك وإن كان هذا العامل لم يقصد المشابهة.
القسم الثاني: أن يكون تصوير ذوات الأرواح بغير اليد، مثل التصوير بالكاميرا التي تنقل الصورة التي خلقها الله تعالى على ما هي عليه،
(2/264)

من غير أن يكون للمصور عمل في تخطيطها سوى تحريك الآلة التي تنطبع بها الصورة على الورقة، فهذا محل نظر واجتهاد؛ لأنه لم يكن معروفًا على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعهد الخلفاء الراشدين والسلف الصالح, ومن ثم اختلف فيه العلماء المتأخرون: فمنهم من منعه وجعله داخلًا فيما نهى عنه نظرًا لعموم اللفظ له عرفًا، ومنهم من أحله نظرًا للمعنى، فإن التصوير بالكاميرا لم يحصل فيه من المصور أي عمل يشابه به خلق الله تعالى, وإنما انطبع بالصورة خلق الله تعالى على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها ونظير ذلك تصوير الصكوك والوثائق وغيرها بالفوتوغراف؛ فإنك إذا صورت الصك فخرجت الصورة لم تكن الصورة كتابتك, بل كتابة من كتب الصك انطبعت على الورقة بواسطة الآلة. فهذا الوجه أو الجسم المصور ليست هيئته وصورته وما خلق الله فيه من العينين والأنف والشفتين والصدر والقدمين وغيرها، ليست هذه الهيئة والصورة بتصويرك أو تخطيطك بل الآلة نقلتها على ما خلقها الله تعالى عليه وصورها. بل زعم أصحاب هذا القول أن التصوير بالكاميرا لا يتناوله لفظ الحديث كما لا يتناوله معناه, فقد قال في القاموس: الصورة الشكل قال: وصور الشيء قطعه وفصله. قالوا وليس في التصوير بالكاميرا تشكيل ولا تفصيل, وإنما هو نقل شكل وتفصيل شكله وفصله الله تعالى قالوا: والأصل في الأعمال غير التعبدية الحل إلا ما أتى الشرع بتحريمه كما قيل:
والأصل في الأشياء حل وامنع ... عبادة إلا بإذن الشارع
فإن يقع في الحكم شك فارجع ... للأصل في النوعين ثم اتبع
والقول بتحريم التصوير بالكاميرا أحوط، والقول بحله أقعد لكن القول بالحل مشروط بأن لا يتضمن أمرًا محرمًا فإن تضمن أمرًا محرمًا
(2/265)

كتصوير امرأة أجنبية، أو شخص ليعلقه في حجرته تذكارًا له، أو يحفظه فيما يسمونه (البوم) ؛ ليتمتع بالنظر إليه وذكراه، كان ذلك محرمًا؛ لأن اتخاذ الصور واقتناءها في غير ما يمتهن حرام عند أهل العلم أو أكثرهم، كما دلت على ذلك السنة الصحيحة.
ولا فرق في حكم التصوير بين ما له ظل وهو المجسم، وما لا ظل له لعموم الأدلة في ذلك وعدم المخصص.
ولا فرق أيضًا في ذلك بين ما يصور لعبًا ولهوًا وما يصور على السبورة لترسيخ المعنى في أفهام الطلبة كما زعموا, وعلى هذا فلا يجوز للمدرس أن يرسم على السبورة صورة إنسان أو حيوان.
وإن دعت الضرورة إلى رسم شيء من البدن فليصوره منفردًا، بأن يصور الرجل وحدها، ثم يشرح ما يحتاج إلى شرح منها ثم يمسحها ويصور اليد كذلك ثم يمسحها, ويصور الرأس وهكذا كل جزء وحده فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى.
وأما من طلب منه التصوير في الامتحان فليصور شجرة أو جبلًا أو نهرًا؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع أني لا أظن ذلك يطلب منه إن شاء الله تعالى.
وأما مشاهدة الصور في المجلات والصحف والتلفزيون فإن كانت صور غير آدمي فلا بأس بمشاهدتها، لكن لا يقتنيها من أجل هذه الصور وإن كانت صور آدمي؛ فإن كان يشاهدها تلذذًا أو استمتاعًا بالنظر فهو حرام، وإن كان غير تلذذ ولا استمتاع, ولا يتحرك قلبه ولا شهوته بذلك، فإن كان ممن يحل النظر إليه كنظر الرجل إلى الرجل ونظر المرأة إلى المرأة أو
(2/266)

إلى الرجل أيضًا على القول الراجح فلا بأس به لكن لا يقتنيه من أجل هذه الصور، وإن كان ممن لا يحل له النظر إليه كنظر الرجل إلى المرأة الأجنبية فهذا موضع شك وتردد، والاحتياط أن لا ينظر خوفًا من الفتنة, وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» والنعت بالصورة أبلغ من النعت بالوصف إلا أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد من وجه آخر بلفظ: «لتنعتها لزوجها» وذكر في فتح الباري ص 338 ج 9 الطبعة السلفية أن النسائي زاد في روايته: «في الثوب الواحد» وهو مفهوم من قوله: "لا تباشر" ومجموع الروايات يقتضي أن الزوجة عمدت إلى مباشرة المرأة لتصف لزوجها ما تحت الثياب منها، ومن أجل هذا حصل عندنا الشك والتردد في جواز نظر الرجل إلى صورة المرأة في الصحف والمجلات والتلفزيون والبعد عن وسائل الفتن مطلوب والله المستعان.
(320) سئل فضيلة الشيخ: جاء في الفتوى السابقة رقم "319" فيما يتعلق بمشاهدة الصور ما نصه: "وإن كان ممن لا يحل له النظر إليه كنظر الرجل إلى المرأة الأجنبية, فهذا موضع شك وتردد, والاحتياط أن لا ينظر خوفًا من الفتنة" فهذا يفهم منه أن فضيلتكم لا يرى بأسًا في نظر الرجل إلى الصورة ولو كانت صورة امرأة أجنبية فنرجو التوضيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: النقطة التي أشار إليها السائل وهي أنه يفهم من كلامنا أننا لا نرى بأسًا في نظر الرجل إلى الصورة ولو كانت صورة امرأة
(2/267)

أجنبية فنقول هذه النقطة فيها تفصيل:
فإن كانت امرأة معينة ونظر إليها نظر تلذذ وشهوة فهذا حرام؛ لأن نفسه حينئذ تتعلق بها وتتبعها وربما يحصل بذلك شر وفتنة، فإن لم ينظر إليها نظر تلذذ وشهوة وإنما هي نظرة عابرة لم تحرك له ساكنًا، ولم توجب له تأملًا فتحريم هذا النظر، فيه نظر فإن إلحاق نظر الصورة بنظر الحقيقة غير صحيح، لما بينهما من الفرق العظيم في التأثير، لكن الأولى البعد عنه؛ لأنه قد يفضي إلى نظر التأمل ثم التلذذ والشهوة، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» رواه البخاري، ورواه أحمد وأبو داود بلفظ: «لتنعتها لزوجها» . واللام للتعليل.
وأما إن كانت الصورة لامرأة غير معينة فلا بأس بالنظر إليها إذا لم يُخْشَ من ذلك محذور شرعي.
(321) وسئل فضيلة الشيخ: عن تهاون كثير من الناس في النظر إلى صور النساء الأجنبيات بحجة أنها صورة لا حقيقة لها؟
فأجاب -حفظه الله تعالى- بقوله: هذا تهاون خطير جدًّا وذلك أن الإنسان إذا نظر للمرأة سواء كان ذلك بواسطة وسائل الإعلام المرئية، أو بواسطة الصحف أو غير ذلك، فإنه لا بد أن يكون من ذلك فتنة على قلب الرجل تجره إلى أن يتعمد النظر إلى المرأة مباشرة، وهذا شيء مشاهد. ولقد بلغنا أن من الشباب من يقتني صور النساء الجميلات ليتلذذ بالنظر إليهن، أو يتمتع بالنظر إليهن، وهذا يدل على عظم الفتنة في مشاهدة هذه
(2/268)

الصور، فلا يجوز للإنسان أن يشاهد هذه الصور، سواء كانت في مجلات أو في صحف أو غير ذلك، إن كان يرى من نفسه التلذذ والتمتع بالنظر إليهن؛ لأن ذلك فتنة تضره في دينه، وفي اتجاهاته، ويتعلق قلبه بالنظر إلى النساء فيبقى ينظر إليهن مباشرة.
(322) سئل فضيلة الشيخ: لقد كثر عرض الصور الكبيرة والصغيرة في المحلات التجارية وهي صور إما لممثلين عالميين أو أناس مشهورين. وذلك للتعريف بنوع أو أصناف من البضائع. وعند إنكار هذا المنكر يجيب أصحاب المحلات بأن هذه الصور غير مجسمة وهذا يعني أنها ليست محرمة, وهي ليست تقليدًا لخلق الله باعتبارها بدون ظل, ويقولون: إنهم قد اطلعوا على فتوى لفضيلتكم بجريدة "المسلمون" مفادها أن التصوير المجسم هو المحرم وغير ذلك فلا. فنرجو من فضيلتكم توضيح ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: من نسب إلينا أن المحرم من الصور هو المجسم, وأن غير ذلك غير حرام فقد كذب علينا، ونحن نرى أنه لا يجوز لبس ما فيه صورة سواء كان من لباس الصغار أو من لباس الكبار، وأنه لا يجوز اقتناء الصور للذكرى أو غيرها إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة إليه مثل التابعية والرخصة. والله الموفق.
(2/269)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد كثر السؤال حول ما نشر في المقابلة التي جرت بيني وبين مندوب جريدة "المسلمون" يوم الجمعة 29\11\1410هـ بالعدد 281 حول حكم التصوير "الفوتوغرافي" وذكرت في هذه المقابلة أني لا أرى أن التصوير "الفوتوغرافي" الفوري -الذي تخرج فيه الصورة فورًا دون تحميض- داخل في التصوير الذي نهى عنه الرسول صلى?الله?عليه?وسلم?، ولعن فاعله.
وذكرت علة ذلك ثم قلت: ولكن ينبغي أن يقال: ما الغرض من هذا العمل؟
"إذا كان الغرض شيئًا مباحًا صار هذا العمل مباحًا بإباحة الغرض المقصود منه، وإذا كان الغرض غير مباح صار هذا العمل حرامًا لا لأنه من التصوير، ولكن لأنه قصد به شيء حرام".
وحيث إن الذي يخاطبني رجل صحفي، ذكرت مثالًا من المحرم يتعلق بالصحافة، وهو تصوير النساء على صفحات الجرائد والمجلات، ولم أستطرد بذكر الأمثلة اكتفاء بالقاعدة الآنفة الذكر، وهي أنه متى كان الغرض مباحًا كان هذا العمل مباحًا، ومتى كان الغرض غير مباح كان هذا العمل حرامًا.
(2/271)

ولكن بعض السائلين عن هذه المقابلة رغبوا في ذكر المزيد من الأمثلة للمباح والمحرم. وإجابة لرغبتهم أذكر الآن من الأمثلة المباحة:
أن يقصد بهذا التصوير ما تدعو الحاجة إلى إثباته كإثبات الشخصية، والحادثة المرورية والجنائية، والتنفيذية, مثل أن يطلب منه تنفيذ شيء فيقوم بهذا التصوير لإثباته.
ومن الأمثلة المحرمة:
1 - التصوير للذكرى، كتصوير الأصدقاء، وحفلات الزواج ونحوها؛ لأن ذلك يستلزم اقتناء الصور بلا حاجة وهو حرام؛ لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة. ومن ذلك أن يحتفظ بصورة ميت حبيب إليه كأبيه وأمه وأخيه يطالعها بين الحين والآخر؛ لأن ذلك يجدد الأحزان عليه، ويوجب تعلق قلبه بالميت.
2 - التصوير للتمتع النفسي أو التلذذ الجنسي برؤية الصورة؛ لأن ذلك يجر إلى الفاحشة.
والواجب على من عنده شيء من هذه الصور لهذه الأغراض، أن يقوم بإتلافها لئلا يلحقه الإثم باقتنائها.
هذه أمثلة للقاعدة الآنفة الذكر، ليست على سبيل الحصر، ولكن من أعطاه الله فهمًا فسوف يتمكن من تطبيق بقية الصور على هذه القاعدة.
هذا وأسأل الله للجميع الهداية والتوفيق لما يحب ويرضى.
(323) سئل فضيلة الشيخ: يحتاج بعض الطلبة إلى رسم بعض الحيوانات لغرض التعليم والدراسة فما حكم ذلك؟
(2/272)

فأجاب بقوله: لا يجوز أن تصور هذه الحيوانات؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن المصورين وقال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» وهذا يدل على أن التصوير من كبائر الذنوب؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة والوعيد بشدة العذاب لا يكون إلا على كبيرة، ولكن من الممكن أن تصور أجزاء من الجسم كاليد والرجل وما أشبه ذلك؛ لأن هذه الأجزاء لا تحلها الحياة، وظاهر النصوص أن الذي يحرم ما يمكن أن تحله الحياة لقوله في بعض الأحاديث: «كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ» .
(324) سئل فضيلة الشيخ: يطلب من الطالب في بعض المدارس أن يرسم صورة لذات روح، أو يعطى مثلًا بعض دجاجة ويقال: أكمل الباقي، وأحيانًا يطلب منه أن يقص هذه الصورة, ويلزقها على الورق، أو يعطى صورة فيطلب منه تلوينها فما رأيكم في هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى في هذا أنه حرام يجب منعه، وأن المسئولين عن التعليم يلزمهم أداء الأمانة في هذا الباب، ومنع هذه الأشياء، وإذا كانوا يريدون أن يثبتوا ذكاء الطالب بإمكانهم أن يقولوا: اصنع صورة سيارة أو شجرة، أو ما أشبه ذلك مما يحيط به علمه، ويحصل بذلك معرفة مدى ذكائه وفطنته وتطبيقه للأمور، وهذا مما ابتلي به الناس بواسطة الشيطان، وإلا فلا فرق بلا شك في إجادة الرسم والتخطيط بين أن يخطط الإنسان صورة شجرة، أو سيارة، أو قصر، أو إنسان.
(2/273)

فالذي أرى أنه يجب على المسئولين منع هذه الأشياء، وإذا ابتلي الطالب ولا بد فليصور حيوانًا ليس له رأس.
(325) وسئل الشيخ: قلتم -حفظكم الله- في الفتوى السابقة: " إذا ابتلي الطالب ولا بد فليصور حيوانًا ليس له رأس" ولكن قد يرسب الطالب إذا لم يرسم الرأس فما العمل؟
فأجاب قائلًا: إذا كان هذا فقد يكون الطالب مضطرًّا لهذا الشيء، ويكون الإثم على من أمره وكلفه بذلك، ولكني آمل من المسئولين ألا يصل بهم الأمر إلى هذا الحد، فيضطروا عباد الله إلى معصية الله.
(326) وسئل -حفظه الله تعالى-:عن حكم لبس الثياب التي فيها صورة حيوان أو إنسان؟
فأجاب بقوله: لا يجوز للإنسان أن يلبس ثيابًا فيها صورة حيوان أو إنسان، ولا يجوز أيضًا أن يلبس غترة أو شماغًا أو ما أشبه ذلك, وفيه صورة إنسان أو حيوان, وذلك لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثبت عنه أنه قال: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة» .
ولهذا لا نرى لأحد أن يقتني الصور للذكرى كما يقولون، وأن من عنده صور للذكرى فإن الواجب عليه أن يتلفها؛ سواء كان قد وضعها على الجدار، أو وضعها في ألبوم، أو في غير ذلك؛ لأن بقاءها يقتضي حرمان أهل البيت من دخول الملائكة بيتهم. وهذا الحديث الذي أشرت إليه قد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والله أعلم.
(2/274)

(327) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إلباس الصبي الثياب التي فيها صور لذوات الأرواح؟
فأجاب قائلًا: يقول أهل العلم: إنه يحرم إلباس الصبي ما يحرم إلباسه الكبير، وما كان فيه صور فإلباسه الكبير حرام، فيكون إلباسه الصغير حرامًا أيضًا، وهو كذلك, والذي ينبغي للمسلمين أن يقاطعوا مثل هذه الثياب وهذه الأحذية حتى لا يدخل علينا أهل الشر والفساد من هذه النواحي، وهي إذا قوطعت فلن يجدوا سبيلًا إلى إيصالها إلى هذه البلاد وتهوين أمرها بينهم.
(328) سئل فضيلة الشيخ: هل استثناء بعض العلماء لعب الأطفال من التصويرصحيح؟ وهل قول الشيخ ... بجواز الصور التي ليس لها ظل , وإنما هي نقوش بالألوان قول صحيح؟
فأجاب بقوله: استثناء لعب الأطفال صحيح، لكن ما هي اللعب المستثناة أهي اللعب التي كانت معهودة من قبل وليست على هذه الدقة في التصوير؛ فإن اللعب المعهودة من قبل ليس فيها تلك العيون والشفاه والأنوف كما هو المشاهد الآن في لعب الأطفال, أم أن الرخصة عامة فيما هو لعب أطفال ولو كان على الصور المشاهدة الآن؟
هذا محل تأمل والاحتياط تجنب هذه الصور الشائعة الآن والاقتصار على النوع المعهود من قبل.
وأما الصور التي ليس لها ظل وإنما هي نقوش بالألوان فإن دعوى
(2/275)

الجواز فيها نظر حيث استند في ذلك إلى أنه كان ممنوعًا ثم أجيز؛ لأن من شروط النسخ تعذر إمكان الجمع بين النصين، والعلم بتأخر الناسخ، وأما مع إمكان الجمع فلا تقبل دعوى النسخ؛ لأن الجمع يكون فيه العمل بالدليلين, والنسخ يكون فيه إبطال أحد الدليلين, ثم إن طريق العلم بالمتأخر ليس الاستنتاج والتخمين، بل النقل المجرد هو الطريق إلى العلم بالمتأخر ثم إن قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة» خبر والخبر لا يدخله النسخ إلا إذا أريد به الإنشاء, وليس هذا مما أريد به الإنشاء. نعم الخبر يدخله التخصيص فينظر هل هذا الحديث مخصص بالصور التي ذكرها؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يرى أن هذا الحديث مخصص بقوله: «إلا رقمًا في ثوب» وبحديث عائشة رضي الله عنها في الستر الذي فيه تمثال طائر وقد ذكر الشيخ..... أن حديث " «إلا رقمًا في ثوب» رواه الخمسة, وقد رواه البخاري ومسلم أيضًا ومن العلماء من يرى أن هذا الترخيص في الرقم في الثوب وتمثال الطائر كان في أول الأمر ثم نهي عنه على العكس من قول الشيخ ...
والذي يظهر لي أن الجمع ممكن وهو أن يحمل قوله: «إلا رقمًا في ثوب» على ما ورد حله مما يتكأ عليه ويمتهن, فيكون الرقم في الثوب المراد به ما كان في مخدة ونحوها؛ لأنه الذي ورد حله, وأن زيد بن خالد ألحق به الستر ونحوه وهو إلحاق غير صحيح؛ لأن حديث عائشة رضي الله عنها في السهوة صريح في المنع منه؛ حيث هتكه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتلون من أجله وجهه.
وأما حديث مسلم في تمثال الطائر فيحمل على أنه تمثال لا رأس فيه وعلى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كرهه لا من أجل أنه صورة ولكن
(2/276)

من أجل أنه من باب الترف الزائد ولهذا قال: «حوليه فإني كلما دخلت ورأيته ذكرت الدنيا» . ويؤيد هذا الحمل ما رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج في غزاته فأخذت نمطًا فسترته على الباب, فلما قدم فرأى النمط عرفت الكراهية في وجهه فجذبه حتى هتكه أو قطعه وقال: "إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين» . وعلى هذا فتكون النتيجة في هذا تحريم اقتناء الصور المجسمة والملونة والمنقورة والمزبورة إلا الملونة إذا كانت في شيء يمتهن كالفراش ونحوه, فلا تحرم لكن الأولى التنزه عنها أيضًا لما في الصحيحين من حديث عائشة أنها اشترت نمرقة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها تصاوير ليقعد عليها ويتوسدها، فلما رآها قام على الباب ولم يدخل وعرفت الكراهية في وجهه ثم أخبر أن أصحاب هذه الصور يعذبون يقال: أحيوا ما خلقتم ثم قال: «إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» والله الموفق.
(329) سئل فضيلة الشيخ: هناك أنواع كثيرة من العرائس منها ما هو مصنوع من القطن، وهو عبارة عن كيس مفصل برأس ويدين ورجلين، ومنها ما يشبه الإنسان تمامًا، ومنها ما يتكلم أو يبكي أو يمشي، فما حكم صنع أو شراء مثل هذه الأنواع للبنات الصغار للتعليم والتسلية؟
فأجاب بقوله: أما الذي لا يوجد فيه تخطيط كامل وإنما يوجد فيه شيء من الأعضاء والرأس, ولكن لم تتبين فيه الخلقة فهذا لا شك في جوازه وأنه من جنس البنات اللاتي كانت عائشة رضي الله عنها تلعب بهن.
(2/277)

وأما إذا كان كامل الخلقة وكأنما تشاهد إنسانًا ولا سيما إن كان له حركة أو صوت فإن في نفسي من جواز هذه شيئًا؛ لأنه يضاهي خلق الله تمامًا، والظاهر أن اللعب التي كانت عائشة تلعب بها ليست على هذا الوصف، فاجتنابها أولى؛ ولكني لا أقطع بالتحريم نظرًا لأن الصغار يرخص لهم ما لا يرخص للكبار في مثل هذه الأمور، فإن الصغير مجبول على اللعب والتسلي، وليس مكلفًا بشيء من العبادات حتى نقول: إن وقته يضيع عليه لهوًا وعبثًا، وإذا أراد الإنسان الاحتياط في مثل هذا فليقلع الرأس أو يحميه على النار حتى يلين ثم يضغطه حتى تزول معالمه.
(330) وسئل فضيلة الشيخ: هل هناك فرق بين أن يصنع الأطفال تلك اللعب وبين أن نصنعها نحن لهم أو نشتريها لهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أنا أرى أن صنعها على وجه يضاهي خلق الله حرام؛ لأن هذا من التصوير الذي لا شك في تحريمه، لكن إذا جاءتنا من النصارى أو غيرهم من غير المسلمين فإن اقتناءها كما قلت أولًا.
لكن بالنسبة للشراء بدلًا من أن نشتريها ينبغي أن نشتري أشياء ليست فيها صور كالدراجات أو السيارات أو الرافعات وما أشبهها.
أما مسألة القطن والذي ما تتبين له صورة على الرغم مما هناك من أنه أعضاء ورأس ورقبة, ولكن ليس فيه عيون ولا أنف فما فيه بأس؛ لأن هذا لا يضاهي خلق الله.
(2/278)

(331) وسئل فضيلته: عن حكم صنع ما يشبه هذه العرائس بمادة الصلصال ثم عجنها في الحال؟
فأجاب بقوله: كل من صنع شيئًا يضاهي خلق الله فهو داخل في الحديث، وهو لعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المصورين. وقوله: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» لكن كما قلت: إنه إذا لم تكن الصورة واضحة أي ليس فيها عين أو أنف ولا فم ولا أصابع فهذه ليست صورة كاملة ولا مضاهية لخلق الله عز وجل.
(332) سئل فضيلة الشيخ: كثير من الألعاب تحوي صورًا مرسومة باليد لذوات الأرواح والهدف منها غالبًا التعليم مثل هذه الموجودة في الكتاب الناطق فهل هي جائزة؟
فأجاب بقوله: إذا كانت لتسلية الصغار فإن من أجاز اللعب للصغار يجيز مثل هذه الصور، وأما من منع هذه الصور على أن هذه الصور ليست أيضًا مطابقة للصورة التي خلق الله عليها هذه المخلوقات المصورة كما يتضح مما هو أمامي. والخطب في هذا سهل.
(333) سئل فضيلة الشيخ: ما حكم صور الكرتون التي تخرج في التلفزيون؟ وما قولكم في ظهور بعض المشايخ فيه؟ وما حكم استصحاب الدراهم التي فيها صور؟
فأجاب قائلًا: أما صور الكرتون التي ذكرتم أنها تخرج في التلفزيون فإن كانت على شكل آدمي فحكم النظر فيها محل تردد، هل يلحق بالصور الحقيقية أو لا؟.
(2/279)

والأقرب أنه لا يلحق بها. وإن كانت على شكل غير آدمي فلا بأس بمشاهدتها إذا لم يصحبها أمر منكر من موسيقى أو نحوها ولم تله عن واجب.
وأما ظهور بعض المشايخ في التفزيون فهو محل اجتهاد إن أصاب الإنسان فيه فله أجران, وإن أخطأ فله أجر واحد، ولا شك أن المحب للخير منهم قصد نشر العلم وأحكام الشريعة؛ لأن التلفزيون أبلغ وسائل الإعلام وضوحًا، وأعمها شمولًا، وأشدها من الناس تعلقًا فهم يقولون: إن تكلمنا في التفزيون وإلا تكلم غيرنا, وربما كان كلام غيرنا بعيدًا من الصواب، فننصح الناس ونوصد الباب ونسد الطريق أمام من يتكلم بغير علم فيضل ويضل.
وأما استصحاب الرجل ما ابتلي به المسلمون اليوم من الدراهم التي عليها صور الملوك والرؤساء فهذا أمر قديم، وقد تكلم عليه أهل العلم، ولقد كان الناس هنا يحملون الجنيه الفرنجي وفيه صورة فرس وفارس، ويحملون الريال الفرنسي وفيه صورة رأس ورقبة وطير. والذي نرى في هذا أنه لا إثم على من استصحبه لدعاء الحاجة إلى حمله؛ إذ الإنسان لا بد له من حمل شيء من الدراهم في جيبه ومنع الناس من ذلك فيه حرج وتعسير, وقد قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا» . رواه البخاري. «وقال لمعاذ بن جبل وأبي موسى»
(2/280)

«عند بعثهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا» وقال للناس حين زجروا الأعرابي الذي بال في المسجد: «دعوه فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» رواهما البخاري أيضًا.
فإذا حمل الرجل الدراهم التي فيها صورة، أو التابعية، أو الرخصة وهو محتاج إليهما أو يخشى الحاجة فلا حرج في ذلك ولا إثم إن شاء الله تعالى إذا كان الله تعالى يعلم أنه كاره لهذا التصوير, وإقراره وأنه لولا الحاجة إليه ما حمله.
والله أسأل أن يعصمنا جميعًا والمسلمين من أن تحيط بنا خطايانا وأن يرزقنا الثبات والاستقامة على دينه إنه جواد كريم.
(334) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إقامة مجسم لقلب إنسان لأجل التذكير بقدرة الله وعظمته عز وجل؟ .
فأجاب فضيلته: صورة القلب أو غيره من الأجزاء ليس من الصور المحرمة؛ لأنه بعض صورة, وعلى هذا فيجوز رسم القلب، أو اليد، أو الرجل أو الرأس كل واحد على حدة، ولكن المشكل في السؤال صرف الأموال في مثل هذا؛ لأن النفع الحاصل به لا يساوي الأموال المصروفة فيه ولا يقرب منها, فجواز صرف الأموال في هذا محل نظر والسلامة أسلم. والله تعالى الموفق.
(335) سئل فضيلة الشيخ: كيف نجمع بين قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين»
(2/281)

«يضاهون بخلق الله» وبين كون المشرك أشد الناس عذابًا يوم القيامة؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: ذكر في الجمع بينهما وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث على تقدير "مِنْ" أي إن من أشد الناس عذابًا بدليل أنه قد جاء بلفظ "إن من أشد الناس عذابًا" فيحمل ما حذفت منه على ما ثبتت فيه.
الوجه الثاني: أن الأشدية لا تعني أن غيرهم لا يشاركهم بل يشاركهم غيرهم قال تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} فيكون الجميع مشتركين في الأشد.
ولكن يرد على هذا أن المصور فاعل كبيرة فقط فكيف يسوى بمن هو كافر مستكبر؟
الوجه الثالث: أن الأشدية نسبية يعني أن المصورين أشد الناس عذابًا بالنسبة للعصاة الذين لم تبلغ معصيتهم الكفر لا بالنسبة لجميع الناس. وهذا أقرب الوجوه والله أعلم.
(336) وسئل: عن حكم تعليق الصور على الجدران؟
فأجاب بقوله: تعليق الصور على الجدران ولا سيما الكبيرة منها حرام حتى وإن لم يخرج إلا بعض الجسم والرأس، وقصد التعظيم فيها ظاهر, وأصل الشرك هو هذا الغلو كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في أصنام قوم نوح التي يعبدونها: إنها كانت أسماء رجال صالحين صوروا صورهم ليتذكروا العبادة، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
(2/282)

(337) وسئل أيضًا: عن حكم إقتناء الصور للذكرى؟ .
فأجاب الشيخ بقوله: اقتناء الصور للذكرى محرم؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، وهذا يدل على تحريم اقتناء الصور في البيوت. والله المستعان.
(338) سئل فضيلة الشيخ: هل يلزم الإنسان طمس الصورة التي في الكتب؟ وهل وضع خط بين الرقبة والجسم يزيل الحرمة؟
فأجاب -حفظه الله تعالى- بقوله: لا أرى أنه يلزم طمسها؛ لأن في ذلك مشقة كبيرة، ولأنها أي هذه الكتب ما قصد بها هذه الصورة إنما قصد ما فيها من العلم.
ووضع خط بين الرقبة والجسم هذا لا يغير الصورة عما هي عليه.
339 - سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تصوير المحاضرات والندوات بأجهزة الفيديو؟
فأجاب بقوله: الذي أرى أنه لا بأس بتصوير المحاضرات والندوات بأجهزة الفيديو التلفزيونية إذا دعت الحاجة إلى ذلك أو اقتضته المصلحة لأمور:
أولًا: أن التصوير الفوتوغرافي الفوري لا يدخل في مضاهاة خلق الله كما يظهر للمتأمل.
(2/283)

ثانيًا: أن الصورة لا تظهر على الشريط فلا يكون فيه اقتناء للصورة.
ثالثًا: أن الخلاف في دخول التصوير الفوتوغرافي الفوري في مضاهاة خلق الله -وإن كان يورث شبهة- فإن الحاجة أو المصلحة المحققة لا تترك لخلاف لم يتبين فيه وجه المنع. هذا ما أراه في هذه المسألة. والله الموفق.
(340) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله- عن معنى جملة: "إلا رقمًا في ثوب " التي وردت في الحديث هل تدل على حل الصور التي في الثوب؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: إن رأينا في الحديث: «إلا رقمًا في ثوب» من النصوص المتشابهة والقاعدة السليمة: يُردُّ إلى المحكم. ولقوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} .
ويُردُّ المتشابه إلى المحكم ولا يبقى فيه اشتباه.
فهذا الحديث: «إلا رقمًا في ثوب» يحتمل أنه عام، رقمًا: يشمل صورة الحيوان وصورة الأشجار وغير ذلك، فإنه كان محتملًا لهذا فإنه يُحمل على النصوص المحكمة التي تُبين أن المراد برقم الثوب ما ليس بصورة حيوان أو إنسان حتى تبقى النصوص متطابقة مُتَّفقة.
ونحن لا نرى ذلك والتفصيل فيما له ظل وما ليس له ظل؛ لأن حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في صحيح مسلم أنه قال: «يا أبا»
(2/284)

«الهياج ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته ولا صورة إلا طمستها» .
(341) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: عن التصوير باليد؟ .
فأجاب -حفظه الله- بقوله: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، التصوير باليد حرام بل هو من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن المصورين, واللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب, وسواء رسم الصورة يختبر إبداعه أو رسمها للتوضيح للطلاب أو لغير ذلك فإنه حرام، لكن لو رسم أجزاء من البدن كاليد وحدها أو الرأس وحده فهذا لا بأس به.
(342) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله- عن التصوير بالآلة الفوتوغرافية الفورية؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: التقاط الصورة بالآلة الفوتوغرافية الفورية التي لا تحتاج إلى عمل بيد, فإن هذا لا بأس به؛ لأنه لا يدخل في التصوير، ولكن يبقى النظر، ما هو الغرض من هذا الالتقاط: إذا كان الغرض من هذا الالتقاط هو أن يقتنيها الإنسان ولو للذكرى صار ذلك الالتقاط حرامًا؛ وذلك لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، واقتناء الصور للذكرى محرم لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر أن «الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة» وهذا يدل على تحريم اقتناء الصور في البيوت، وأما تعليق الصور على الجدران فإنه محرم, ولا يجوز والملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة.
(2/285)

(343) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله- عما ابتلي به الناس اليوم من وجود الصور بأشياء من حاجاتهم الضرورية؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: ما ابتلي به الناس اليوم من وجود الصور بأشياء من حاجاتهم الضرورية، فأرى أنه إذا أمكن مدافعتها فذاك، وإن لم يكن فإن فيها من الحرج والمشقة والعسر مما ارتفع عن هذه الأمة، بمعنى أنه يوجد في بعض المجلات وفي بعض الصحف التي يقتنيها الإنسان لما فيها من المنافع والإرشاد والتوجيه, فأرى أن مثل هذا ما دام لم يقصد الصورة نفسها فلا بأس أن يقتنيها لا سيما إذا كانت الصورة مغلقة لا تبرز ولا تبين.
(344) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله- عن نشر صور المشوهين الأفغان؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: نشر صور المشوهين الأفغان مصلحة في الحقيقة وهي أنها توجب اندفاع الناس بالتبرع لهم، لكن أقول: إن هذا قد يحصل بدون نشر هذه الأشياء أو ربما يمكن أن نضع شيئًا على الوجه بحيث لا يتبين الرأس؛ لأن الرأس إذا قطع لا تبقى صورة كما جاء في الحديث «ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرًا إلا سويته» وهذا ظاهره أن المراد بالصورة حتى صورة التلوين وإن لم يكن لها ظل؛ لأنه لم يقل: إلا كسرتها، والطمس إنما يكون لما كان ملونًا.
وكذلك أيضًا حديث عائشة في البخاري حينما «دخل عليه الصلاة والسلام فوجد نمرقة فيها صورة فوق على الباب, وعرفت في وجهه الكراهية، وقال عليه الصلاة والسلام: "إن أصحاب هؤلاء الصور يعذبون» ، فهذا دليل على أنه يشمل الصورة التي لها ظل والتي ليس لها ظل وهذا هو الصحيح.
(2/286)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ..... حفظه الله -تعالى-، وجعله من عباده الصالحين، وأوليائه المؤمنين المتقين، وحزبه المفلحين، آمين.
وبعد فقد وصلني كتابكم الذي تضمن السلام والنصيحة، فعليكم السلام، ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله عني على نصيحتكم البالغة التي أسأل الله -تعالى- أن ينفعني بها.
ولا ريب أن الطريقة التي سلكتموها في النصيحة هي الطريقة المثلى للتناصح بين الإخوان، فإن الإنسان محل الخطأ والنسيان، والمؤمن مرآة أخيه، ولا يؤمن أحد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
ولقد بلغت نصيحتكم مني مبلغًا كبيرًا بما تضمنته من العبارات الواعظة والدعوات الصادقة، أسأل الله أن يتقبلها، وأن يكتب لكم مثلها.
وما أشرتم إليه -حفظكم الله- من تكرر جوابي على إباحة الصورة المأخوذة بالآلة: فإني أفيد أخي أنني لم أبح اتخاذ الصورة -والمراد صورة ما فيه روح من إنسان أو غيره- إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة إليه، كالتابعية، والرخصة، وإثبات الحقائق ونحوها.
وأما اتخاذ الصورة للتعظيم، أو للذكرى، أو للتمتع بالنظر إليها، أو التلذذ بها فإني لا أبيح ذلك، سواء كان تمثالًا أو رقمًا وسواء كان مرقومًا
(2/287)

باليد أو بالآلة، لعموم قول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة» . وما زلت أفتي بذلك وآمر من عنده صور للذكرى بإتلافها، وأشدد كثيرًا إذا كانت الصورة صورة ميت.
وأما تصوير ذوات الأرواح من إنسان أو غيره فلا ريب في تحريمه، وأنه من كبائر الذنوب، لثبوت لعن فاعله على لسان رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهذا ظاهر فيما إذا كان تمثالًا -أي مجسمًا- أو كان باليد. أما إذا كان بالآلة الفورية التي تلتقط الصورة ولا يكون فيها أي عمل من الملتقط من تخطيط الوجه وتفصيل الجسم ونحوه، فإن التقطت الصورة لأجل الذكرى ونحوها من الأغراض التي لا تبيح اتخاذ الصورة فإن التقاطها بالآلة محرم تحريم الوسائل، وإن التقطت الصورة للضرورة أو الحاجة فلا بأس بذلك.
هذا خلاصة رأيي في هذه المسألة، فإن كان صوابًا فمن الله وهو المانّ به، وإن كان خطأ فمن قصوري أو تقصيري، وأسأل الله أن يعفو عني منه، وأن يهديني إلى الصواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(2/288)

البدعة
(2/289)

(345) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله تعالى-: عن البدعة؟
فأجاب قائلًا: البدعة قال فيها رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» . وإذا كان كذلك فإن البدع سواء كانت ابتدائية أم استمرارية يأثم من تلبس بها لأنها كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «في النار» ؛ أعني أن الضلالة هذه تكون سببًا للتعذيب في النار، وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام حذر أمته من البدع؛ فمقتضى ذلك أنها مفسدة محضة لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمم ولم يخص قال: «كل بدعة ضلالة» .
ثم إن البدع في الحقيقة هي انتقاد غير مباشر للشريعة الإسلامية؛ لأن معناها أو مقتضاها أن الشريعة لم تتم، وأن هذا المبتدع أتمها بما أحدث من العبادة التي يتقرب بها إلى الله كما زعم.
فعليه نقول: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، والواجب الحذر من البدع كلها وألا يتعبد الإنسان إلا بما شرعه الله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ليكون إمامه حقيقة؛ لأن من سلك سبيل بدعة فقد جعل المبتدع إمامًا له في هذه البدعة دون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(346) وسئل: عن معنى البدعة وعن ضابطها؟ وهل هناك بدعة حسنة؟ وما معنى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من سن في الإسلام سنة حسنة» ؟
(2/291)

فأجاب بقوله: البدعة شرعًا ضابطها" التعبد لله بما لم يشرعه الله"، وإن شئت فقل: "التعبد لله - تعالى- بما ليس عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا خلفاؤه الراشدون" فالتعريف الأول مأخوذ من قوله- تعالى-: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} . والتعريف الثاني مأخوذ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور» فكل من تعبد لله بشيء لم يشرعه الله، أو بشيء لم يكن عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخلفاؤه الراشدون فهو مبتدع سواء كان ذلك التعبد فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته أو فيما يتعلق بأحكامه وشرعه. أما الأمور العادية التي تتبع العادة والعرف فهذه لا تسمى بدعة في الدين وإن كانت تسمى بدعة في اللغة، ولكن ليست بدعة في الدين وليست هي التي حذر منها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وليس في الدين بدعة حسنة أبدًا، والسنة الحسنة هي التي توافق الشرع، وهذه تشمل أن يبدأ الإنسان بالسنة أي يبدأ العمل بها، أو يبعثها بعد تركها، أو يفعل شيئًا يسنه يكون وسيلة لأمر متعبد به فهذه ثلاثة أشياء:
الأول: إطلاق السنة على من ابتدأ العمل ويدل له سبب الحديث فإن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حث على التصدق على القوم الذين قدموا عليه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهم في حاجة وفاقة، فحث على التصدق فجاء رجل من الأنصار بصرة من فضة قد أثقلت يده فوضعها في حجر النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
(2/292)

«من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» فهذا الرجل سن سنة ابتداء عمل لا ابتداء شرع.
الثاني: السنة التي تركت ثم فعلها الإنسان فأحياها فهذا يقال عنه: سنها بمعنى أحياها وإن كان لم يشرعها من عنده.
الثالث: أن يفعل شيئًا وسيلة لأمر مشروع مثل بناء المدارس وطبع الكتب فهذا لا يتعبد بذاته ولكن لأنه وسيلة لغيره فكل هذا داخل في قول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» . والله أعلم.
(347) وسئل فضيلة الشيخ: كيف يتعامل الإنسان الملتزم بالسنة مع صاحب البدعة؟ وهل يجوز هجره؟
فأجاب بقوله: البدع تنقسم إلى قسمين:
بدع مكفرة، وبدع دون ذلك. وفي كلا القسمين يجب علينا نحن أن ندعو هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام ومعهم البدع المكفرة وما دونها إلى الحق؛ ببيان الحق دون أن نهاجم ما هم عليه إلا بعد أن نعرف منهم الاستكبار عن قبول الحق؛ لأن الله -تعالى- قال للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} فندعو أولًا هؤلاء إلى الحق ببيان الحق وإيضاحه بأدلته، والحق مقبول لدى كل ذي فطرة سليمة، فإذا وجد العناد والاستكبار فإننا نبين باطلهم، على أن بيان باطلهم في غير مجادلتهم أمر واجب.
(2/293)

أما هجرهم فهذا يترتب على البدعة، فإذا كانت البدعة مكفرة وجب هجره، وإذا كانت دون ذلك فإننا نتوقف في هجره؛ إن كان في هجره مصلحة فعلناه، وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه، وذلك أن الأصل في المؤمن تحريم هجره لقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لا يحل لرجل مؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث» فكل مؤمن وإن كان فاسقًا فإنه يحرم هجره ما لم يكن في الهجر مصلحة، فإذا كان في الهجر مصلحة هجرناه؛ لأن الهجر حينئذ دواء، أما إذا لم يكن فيه مصلحة أو كان فيه زيادة في المعصية والعتو، فإن ما لا مصلحة فيه تركه هو المصلحة.
فإن قال قائل: يرد على ذلك أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هجر كعب بن مالك وصاحبيه الذين تخلفوا عن غزوة تبوك؟
فالجواب: أن هذا حصل من النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأمر الصحابة بهجرهم لأن في هجرهم فائدة عظيمة، فقد ازدادوا تمسكًا بما هم عليه حتى إن كعب بن مالك - رضي الله عنه- جاءه كتاب من ملك غسان يقول: فيه بأنه سمع أن صاحبك -يعني الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد جفاك وأنك لست بدار هوان ولا مذلة فالحق بنا نواسك. فقام كعب مع ما هو عليه من الضيق والشدة وأخذ الكتاب وذهب به وأحرقه في التنور. فهؤلاء حصل في هجرهم مصلحة عظيمة، ثم النتيجة التي لا يعادلها نتيجة أن الله أنزل فيهم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة قال -تعالى-: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} الآيتان.
(2/294)

(348) وسئل فضيلة الشيخ: كيف نرد على أهل البدع الذين يستدلون على بدعهم بحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة» .... " إلخ؟
فأجاب بقوله: نرد على هؤلاء فنقول: إن الذي قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» . هو الذي قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» . وعلى هذا يكون قوله: «من سن في الإسلام سنة حسنة» . منزلًا على سبب هذا الحديث، وهو أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حث على الصدقة للقوم الذين جاءوا من مضر في حاجة وفاقة فجاء رجل بصرة من فضة فوضعها بين يدي النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» . وإذا عرفنا سبب الحديث وتنزل المعنى عليه؛ تبين أن المراد بسن السنة سن العمل بها، وليس سن التشريع لأن التشريع لا يكون إلا لله ورسوله، وأن معنى الحديث من سن سنة أي ابتدأ العمل بها واقتدى الناس به فيها، كان له أجرها وأجر من عمل بها، هذا هو معنى الحديث المتعين، أو يحمل على أن المراد «من سن سنة حسنة» من فعل وسيلة يتوصل بها إلى العبادة واقتدى الناس به فيها، كتأليف الكتاب،
(2/295)

وتبويب العلم، وبناء المدارس، وما أشبه هذا مما يكون وسيلة لأمر مطلوب شرعًا. فإذا ابتدأ الإنسان هذه الوسيلة المؤدية للمطلوب الشرعي وهي لم ينه عنها بعينها، كان داخلًا في هذا الحديث.
ولو كان معنى الحديث أن الإنسان له أن يشرع ما شاء، لكان الدين الإسلامي لم يكمل في حياة رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولكان لكل أمة شرعة ومنهاج، وإذا ظن هذا الذي فعل هذه البدعة أنها حسنة فظنه خاطئ؛ لأن هذا الظن يكذبه قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كل بدعة ضلالة» .
(349) وسئل - حفظه الله-: عن حكم إظهار الفرح والسرور بعيد الفطر وعيد الأضحى؟ وبليلة السابعة والعشرين من رجب؟ وليلة النصف من شعبان؟ ويوم عاشوراء؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما إظهار الفرح والسرور في أيام العيد عيد الفطر أو عيد الأضحى فإنه لا بأس به إذا كان في الحدود الشرعية، ومن ذلك أن يأتي الناس بالأكل والشرب وما أشبه هذا، وقد ثبت عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله -عز وجل-» يعني بذلك الثلاثة الأيام التي بعد عيد الأضحى المبارك وكذلك في العيد فالناس يضحون ويأكلون من ضحاياهم ويتمتعون بنعم الله عليهم، وكذلك في عيد الفطر لا بأس بإظهار الفرح والسرور ما لم يتجاوز الحد الشرعي.
أما إظهار الفرح في ليلة السابع والعشرين من رجب، أو ليلة النصف من شعبان أو في يوم عاشوراء، فإنه لا أصل له وينهى عنه ولا
(2/296)

يحضر الإنسان إذا دعي إليه لقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» . فأما ليلة السابع والعشرين من رجب فإن الناس يدعون أنها ليلة المعراج التي عرج بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيها إلى الله -عز وجل- وهذا لم يثبت من الناحية التاريخية وكل شيء لم يثبت فهو باطل، والمبني على الباطل باطل، ثم على تقدير ثبوت أن ليلة المعراج ليلة السابع والعشرين من رجب، فإنه لا يجوز لنا أن نحدث فيها شيئًا من شعائر الأعياد أو شيئًا من العبادات؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابه فإذا كان لم يثبت عمن عرج به ولم يثبت عن أصحابه الذين هم أولى الناس به وهم أشد الناس حرصًا على سنته وشريعته؛ فكيف يجوز لنا أن نحدث ما لم يكن على عهد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في تعظيمها، ولا في إحيائها، وإنما أحياها بعض التابعين بالصلاة والذكر لا بالأكل والفرح وإظهار شعائر الأعياد.
وأما يوم عاشوراء فإن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سئل عن صومه فقال: " «يكفر السنة الماضية» يعني التي قبله وليس في هذا اليوم شيء من شعائر الأعياد، وكما أنه ليس فيه شيء من شعائر الأعياد فليس فيه شيء من شعائر الأحزان أيضًا؛ فإظهار الحزن أو الفرح في هذا اليوم كلاهما خلاف السنة ولم يرد عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في هذا اليوم إلا صيامه. مع أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمر أن نصوم يومًا قبله أو يومًا بعده حتى نخالف اليهود الذين كانوا يصومونه وحده.
(350) وسئل فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء: عن حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟
(2/297)

فأجاب قائلًا:
أولًا: ليلة مولد الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليست معلومة على الوجه القطعي، بل إن بعض العصريين حقق أنها ليلة التاسع من ربيع الأول وليست ليلة الثاني عشر منه، وحينئذ فجعل الاحتفال ليلة الثاني عشر منه لا أصل له من الناحية التاريخية.
ثانيًا: من الناحية الشرعية فالاحتفال لا أصل له أيضًا لأنه لو كان من شرع الله لفعله النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو بلغه لأمته، ولو فعله أو بلغه لوجب أن يكون محفوظًا لأن الله -تعالى- يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} . فلما لم يكن شيء من ذلك علم أنه ليس من دين الله، وإذا لم يكن من دين الله فإنه لا يجوز لنا أن نتعبد به لله -عز وجل- ونتقرب به إليه، فإذا كان الله تعالى - قد وضع للوصول إليه طريقًا معينًا وهو ما جاء به الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فكيف يسوغ لنا ونحن عباد أن نأتي بطريق من عند أنفسنا يوصلنا إلى الله؟ هذا من الجناية في حق الله -عز وجل- أن نشرع في دينه ما ليس منه، كما أنه يتضمن تكذيب قول الله -عز وجل-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} .
فنقول:هذا الاحتفال إن كان من كمال الدين فلا بد أن يكون موجودًا قبل موت الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن لم يكن من كمال الدين فإنه لا يمكن أن يكون من الدين لأن الله - تعالى - يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ومن زعم أنه من كمال الدين وقد حدث بعد الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإن قوله يتضمن تكذيب هذه الآية
(2/298)

الكريمة، ولا ريب أن الذين يحتفلون بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام، إنما يريدون بذلك تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام، وإظهار محبته وتنشيط الهمم على أن يوجد منهم عاطفة في ذلك الاحتفال للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وكل هذا من العبادات؛ محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، عبادة بل لا يتم الإيمان حتى يكون الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أحب إلى الإنسان من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين. وتعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام من العبادة، كذلك إلهاب العواطف نحو النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الدين أيضًا لما فيه من الميل إلى شريعته، إذًا فالاحتفال بمولد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من أجل التقرب إلى الله وتعظيم رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عبادة وإذا كان عبادة فإنه لا يجوز أبدًا أن يحدث في دين الله ما ليس منه، فالاحتفال بالمولد بدعة ومحرم، ثم إننا نسمع أنه يوجد في هذا الاحتفال من المنكرات العظيمة ما لا يقره شرع ولا حس ولا عقل فهم يتغنون بالقصائد التي فيها الغلو في الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى جعلوه أكبر من الله -والعياذ بالله- ومن ذلك أيضًا أننا نسمع من سفاهة بعض المحتفلين أنه إذا تلا التالي قصة المولد ثم وصل إلى قوله " ولد المصطفى" قاموا جميعًا قيام رجل واحد يقولون: إن روح الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حضرت فنقوم إجلالًا لها وهذا سفه، ثم إنه ليس من الأدب أن يقوموا لأن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يكره القيام له؛ فأصحابه وهم أشد الناس حبًّا له وأشد منا تعظيمًا للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يقومون له لما يرون من كراهيته لذلك وهو حي فكيف بهذه الخيالات؟!
وهذه البدعة -أعني بدعة المولد- حصلت بعد مضي القرون الثلاثة
(2/299)

المفضلة وحصل فيها ما يصحبها من هذه الأمور المنكرة التي تخل بأصل الدين فضلًا عما يحصل فيها من الاختلاط بين الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات.
(351) وسئل فضيلة الشيخ: عن الفرق بين ما يسمى بأسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- والاحتفال بالمولد النبوي حيث ينكر على من فعل الثاني دون الأول؟
فأجاب بقوله: الفرق بينهما حسب علمنا من وجهين:
الأول: أن أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- لم يتخذ تقربًا إلى الله -عز وجل- وإنما يقصد به إزالة شبهة في نفوس بعض الناس في هذا الرجل، ويبين ما من الله به على المسلمين على يد هذا الرجل.
الثاني: أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لا يتكرر ويعود كما تعود الأعياد، بل هو أمر بين للناس وكتب فيه ما كتب، وتبين في حق هذا الرجل ما لم يكن معروفًا من قبل لكثير من الناس ثم انتهى أمره.
(352) وسئل: عن حكم إقامة الأسابيع كأسبوع المساجد وأسبوع الشجرة؟
فأجاب بقوله: هذه الأسابيع لا أعلم لها أصلًا من الشرع، وإذا اتخذت على سبيل التعبد وخصصت بأيام معلومة تصير كالأعياد فإنها تلتحق بالبدعة؛ لأن كل شيء يتعبد به الإنسان لله -عز وجل- وهو غير
(2/300)

وارد في كتاب الله ولا في سنة رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإنه من البدع. لكن الذين نظموها يقولون: إن المقصود بذلك هو تنشيط الناس على هذه الأعمال التي جعلوا لها هذه الأسابيع وتذكيرهم بأهميتها. ويجب أن ينظر في هذا الأمر وهل هذا مسوغ لهذه الأسابيع أو ليس بمسوغ؟
(353) وسئل أيضًا: عن حكم الاحتفال بما يسمى عيد الأم؟
فأجاب قائلًا: إن كل الأعياد التي تخالف الأعياد الشرعية كلها أعياد بدع حادثة لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح، وربما يكون منشئها من غير المسلمين أيضًا، فيكون فيها مع البدعة مشابهة أعداء الله -سبحانه وتعالى-، والأعياد الشرعية معروفة عند أهل الإسلام؛ وهي عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع "يوم الجمعة" وليس في الإسلام أعياد سوى هذه الأعياد الثلاثة، وكل أعياد أحدثت سوى ذلك فإنها مردودة على محدثيها وباطلة في شريعة الله -سبحانه وتعالى- لقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . أي مردود عليه غير مقبول عند الله وفي لفظ " «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» . وإذا تبين ذلك فإنه لا يجوز في العيد الذي ذكر في السؤال والمسمى عيد الأم، لا يجوز فيه إحداث شيء من شعائر العيد؛ كإظهار الفرح والسرور وتقديم الهدايا وما أشبه ذلك، والواجب على المسلم أن يعتز بدينه ويفتخر به وأن يقتصر على ما حده الله - تعالى- ورسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في هذا الدين القيم الذي ارتضاه الله -تعالى- لعباده فلا يزيد فيه ولا ينقص منه، والذي ينبغي للمسلم أيضًا ألا يكون إمعة يتبع كل ناعق بل ينبغي أن يكون شخصيته بمقتضى شريعة الله - تعالى- حتى
(2/301)

يكون متبوعًا لا تابعًا، وحتى يكون أسوة لا متأسيًا، لأن شريعة الله -والحمد لله- كاملة من جميع الوجوه كما قال الله - تعالى-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} . والأم أحق من أن يحتفى بها يومًا واحدًا في السنة، بل الأم لها الحق على أولادها أن يرعوها، وأن يعتنوا بها، وأن يقوموا بطاعتها في غير معصية الله -عز وجل- في كل زمان ومكان.
(354) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إقامة أعياد الميلاد للأولاد أو بمناسبة الزواج؟
فأجاب بقوله: ليس في الإسلام أعياد سوى يوم الجمعة عيد الأسبوع، وأول يوم من شوال عيد الفطر من رمضان، والعاشر من شهر ذي الحجة عيد الأضحى، وقد يسمى يوم عرفة عيدًا لأهل عرفة وأيام التشريق أيام عيد تبعًا لعيد الأضحى.
وأما أعياد الميلاد للشخص أو أولاده، أو مناسبة زواج ونحوها فكلها غير مشروعة، وهي للبدعة أقرب من الإباحة.
(355) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم أعياد الميلاد؟
فأجاب بقوله: يظهر من السؤال أن المراد بعيد الميلاد عيد ميلاد الإنسان، كلما دارت السنة من ميلاده أحدثوا له عيدًا تجتمع فيه أفراد العائلة على مأدبة كبيرة أو صغيرة.
(2/302)

وقولي في ذلك أنه ممنوع لأنه ليس في الإسلام عيد لأي مناسبة سوى عيد الأضحى، وعيد الفطر من رمضان، وعيد الأسبوع وهو يوم الجمعة وفي سنن النسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان لأهل الجاهلية، يومان في كل سنة يلعبون فيهما فلما قدم النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، المدينة قال: "كان لكم يومان تلعبون فيهما وقد بدلكم الله بهما خيرًا منهما يوم الفطر ويوم الأضحى» . ولأن هذا يفتح بابًا إلى البدع مثل أن يقول: قائل: إذا جاز العيد لمولد المولود فجوازه لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أولى، وكل ما فتح بابًا للممنوع كان ممنوعًا. والله الموفق.
(356) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إقامة حفل توديع للكافر عند انتهاء عمله؟ وحكم تعزية الكافر؟ وحكم حضور أعياد الكفار؟
فأجاب بقوله: هذا السؤال تضمن مسائل:
الأولى: إقامة حفل توديع لهؤلاء الكفار -لا شك- أنه من باب الإكرام أو إظهار الأسف على فراقهم، وكل هذا حرام في حق المسلم؛ قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه» والإنسان المؤمن حقًا لا يمكن أن يكرم أحدًا من أعداء الله -تعالى- والكفار أعداء الله بنص القرآن قال الله -تعالى-: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} .
(2/303)

المسألة الثانية: تعزية الكافر إذا مات له من يعزى به من قريب أو صديق. وفي هذا خلاف بين العلماء، فمن العلماء من قال: إن تعزيتهم حرام، ومنهم من قال: إنها جائزة. ومنهم من فصل في ذلك فقال: إن كان في ذلك مصلحة كرجاء إسلامهم، وكف شرهم الذي لا يمكن إلا بتعزيتهم، فهو جائز وإلا كان حرامًا.
والراجح أنه إن كان يفهم من تعزيتهم إعزازهم وإكرامهم كانت حرامًا وإلا فينظر في المصلحة.
المسألة الثالثة (1) : حضور أعيادهم ومشاركتهم أفراحهم، فإن كانت أعيادًا دينية كعيد الميلاد فحضورها حرام بلا ريب قال ابن القيم -رحمه الله-: لا يجوز الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم. والله الموفق.
(357) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم استئجار قارئ ليقرأ القرآن الكريم على روح الميت؟
فأجاب بقوله: هذا من البدع وليس فيه أجر لا للقارئ ولا للميت، ذلك لأن القارئ إنما قرأ للدنيا والمال فقط وكل عمل صالح يقصد به الدنيا فإنه لا يقرب إلى الله ولا يكون فيه ثواب عند الله، وعلى هذا فيكون هذا العمل - يعني استئجار شخص ليقرأ القرآن الكريم على روح الميت - يكون هذا العمل ضائعًا ليس فيه سوى إتلاف المال على الورثة فليحذر منه فإنه بدعة ومنكر.
__________
(1) انظر تفصيل ذلك في الفتوى رقم "404" ص44ج/ 3.
(2/304)

(358) وسئل -حفظه الله تعالى-: عن حكم المآتم؟
فأجاب قائلًا: المآتم كلها بدعة سواء كانت ثلاثة أيام، أو على أسبوع، أو على أربعين يومًا، لأنها لم ترد من فعل السلف الصالح -رضي الله عنهم- ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، ولأنها إضاعة مال، وإتلاف وقت وربما يحصل فيها شيء من المنكرات من الندب والنياحة ما يدخل في اللعن؛ فإن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لعن النائحة والمستمعة.
ثم إنه إن كان من مال الميت -من ثلثه أعني- فإنه جناية عليه لأنه صرف له في غير الطاعة، وإن كان من أموال الورثة فإن كان فيهم صغار أو سفهاء لا يحسنون التصرف فهو جناية عليهم أيضًا، لأن الإنسان مؤتمن في أموالهم فلا يصرفها إلا فيما ينفعهم، وإن كان لعقلاء بالغين راشدين فهو أيضًا سفه، لأن بذل الأموال فيما لا يقرب إلى الله أو لا ينتفع به المرء في دنياه من الأمور التي تعتبر سفهًا، ويعتبر بذل المال فيها إضاعة له، وقد نهى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن إضاعة المال، والله ولي التوفيق.
(359) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التلاوة لروح الميت؟
فأجاب قائلًا: التلاوة لروح الميت يعني أن يقرأ القرآن وهو يريد أن يكون ثوابه لميت من المسلمين هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم على قولين:
القول الأول: أن ذلك غير مشروع وأن الميت لا ينتفع به أي لا ينتفع بالقرآن في هذه الحال.
القول الثاني: أنه ينتفع بذلك وأنه يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن بنية أنه لفلان أو فلانة من المسلمين، سواء كان قريبًا أو غير قريب.
(2/305)

والراجح: القول الثاني لأنه ورد في جنس العبادات جواز صرفها للميت، كما في حديث سعد ابن عبادة -رضي الله عنه- حين تصدق ببستانه لأمه، وكما في قصة الرجل الذي قال للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إن أمي افْتُلِتَت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها؟ قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "نعم» وهذه قضايا أعيان تدل على أن صرف جنس العبادات لأحد من المسلمين جائز وهو كذلك، ولكن أفضل من هذا أن تدعو للميت، وتجعل الأعمال الصالحة لنفسك لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» . ولم يقل: أو ولد صالح يتلو له أو يصلي له أو يصوم له أو يتصدق عنه بل قال: - «أو ولد صالح يدعو له» والسياق في سياق العمل، فدل ذلك على أن الأفضل أن يدعو الإنسان للميت لا أن يجعل له شيئًا من الأعمال الصالحة، والإنسان محتاج إلى العمل الصالح، أن يجد ثوابه له مدخرًا عند الله -عز وجل-.
أما ما يفعله بعض الناس من التلاوة للميت بعد موته بأجرة، مثل أن يحضروا قارئًا يقرأ القرآن بأجرة، ليكون ثوابه للميت فإنه بدعة ولا يصل إلى الميت ثواب؛ لأن هذا القارئ إنما قرأ لأجل الدنيا ومن أتى بعبادة من أجل الدنيا فإنه لا حظ له منها في الآخرة كما قال الله - تعالى-: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . وإني بهذه المناسبة أوجه نصيحة لإخواني الذين يعتادون مثل هذا
(2/306)

العمل أن يحفظوا أموالهم لأنفسهم أو لورثة الميت، وأن يعلموا أن هذا العمل بدعة في ذاته، وأن الميت لا يصل إليه ثوابه وحينئذ يكون أكلًا للأموال بالباطل ولم ينتفع الميت بذلك.
(360) وسئل أيضًا: عن حكم الاجتماع عند القبر والقراءة؟ وهل ينتفع الميت بالقراءة أم لا؟
فأجاب بقوله: هذا العمل من الأمور المنكرة التي لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح وهو الاجتماع عند القبر والقراءة.
وأما كون الميت ينتفع بها فنقول: إن كان المقصود انتفاعه بالاستماع فهذا منتفٍ، لأنه قد مات وقد ثبت عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث:"صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» . فهو وإن كان يسمع إذا قلنا بأنه يسمع في هذه الحال فإنه لا ينتفع، لأنه لو انتفع لزم منه ألا ينقطع عمله، والحديث صريح في حصر انتفاع الميت بعمله بالثلاث التي ذكرت في الحديث.
وأما إن كان المقصود انتفاع الميت بالثواب الحاصل للقارئ، بمعنى أن القارئ ينوي بثوابه أن يكون لهذا الميت، فإذا تقرر أن هذا من البدع فالبدع لا أجر فيها «كل بدعة ضلالة» كما قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا يمكن أن تنقلب الضلالة هداية، ثم إن هذه القراءة في الغالب تكون بأجرة، والأجرة على الأعمال المقربة إلى الله باطلة، والمستأجر للعمل الصالح إذا نوى بعمله الصالح -هذا الصالح من حيث الجنس وإن كان من حيث النوع ليس بصالح كما سيتبين إن شاء الله- إذا نوى بالعمل
(2/307)

الصالح أجرًا في الدنيا، فإن عمله هذا لا ينفعه ولا يقربه إلى الله ولا يثاب عليه لقوله -تعالى-: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فهذا القارئ الذي نوى بقراءته أن يحصل على أجر دنيوي نقول له: هذه القراءة غير مقبولة، بل هي حابطة ليس فيها أجر ولا ثواب وحينئذ لا ينتفع الميت بما أهدي إليه من ثوابها لأنه لا ثواب فيها، إذًا فالعملية إضاعة مال، وإتلاف وقت، وخروج عن سبيل السلف الصالح -رضي الله عنهم- لا سيما إذا كان هذا المال المبذول من تركة الميت وفيها حق قصر وصغار وسفهاء فيأخذ من أموالهم ما ليس بحق فيزاد الإثم إثمًا. والله المستعان.
(361) وسئل فضيلة الشيخ -حفظه الله تعالى-: عن حكم إهداء القراءة للميت؟
فأجاب بقوله: هذا الأمر يقع على وجهين:
أحدهما: أن يأتي إلى قبر الميت فيقرأ عنده، فهذا لا يستفيد منه الميت؛ لأن الاستماع الذي يفيد من سمعه إنما هو في حال الحياة حيث يكتب للمستمع ما يكتب للقارئ، هنا الميت قد انقطع عمله كما قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» .
الوجه الثاني: أن يقرأ الإنسان القرآن الكريم تقربًا إلى الله - سبحانه وتعالى- ويجعل ثوابه لأخيه المسلم أو قريبه فهذه المسألة مما اختلف فيها أهل العلم:
(2/308)

فمنهم من يرى أن الأعمال البدنية المحضة لا ينتفع بها الميت ولو أهديت له؛ لأن الأصل أن العبادات مما يتعلق بشخص العابد، لأنها عبارة عن تذلل وقيام بما كلف به وهذا لا يكون إلا للفاعل فقط، إلا ما ورد النص في انتفاع الميت به فإنه حسب ما جاء في النص يكون مخصصًا لهذا الأصل.
ومن العلماء من يرى أن ما جاءت به النصوص من وصول الثواب إلى الأموات في بعض المسائل، يدل على أنه يصل إلى الميت من ثواب الأعمال الأخرى ما يهديه إلى الميت.
ولكن يبقى النظر هل هذا من الأمور المشروعة أو من الأمور الجائزة؛ بمعنى هل نقول: إن الإنسان يطلب منه أن يتقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- بقراءة القرآن الكريم، ثم يجعلها لقريبه أو أخيه المسلم، أو أن هذا من الأمور الجائزة التي لا يندب إلى فعلها.
الذي نرى أن هذا من الأمور الجائزة التي لا يندب إلى فعلها، وإنما يندب إلى الدعاء للميت والاستغفار له وما أشبه ذلك مما نسأل الله -تعالى- أن ينفعه به، وأما فعل العبادات وإهداؤها فهذا أقل ما فيه أن يكون جائزًا فقط وليس من الأمور المندوبة، ولهذا لم يندب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمته إليه بل أرشدهم إلى الدعاء للميت فيكون الدعاء أفضل من الإهداء.
(362) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم قراءة القرآن الكريم على القبور؟ والدعاء للميت عند قبره؟ ودعاء الإنسان لنفسه عند القبر؟
(2/309)

فأجاب بقوله: قراءة القرآن الكريم على القبور بدعة، ولم ترد عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا عن أصحابه؛ وإذا كانت لم ترد عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا عن أصحابه فإنه لا ينبغي لنا نحن أن نبتدعها من عند أنفسنا؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال فيما صح عنه: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» والواجب على المسلمين أن يقتدوا بمن سلف من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان حتى يكونوا على الخير والهدى؛ لما ثبت عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: «خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-» . وأما الدعاء للميت عند قبره فلا بأس به، فيقف الإنسان عند القبر ويدعو له بما يتيسر، مثل أن يقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم أدخله الجنة، اللهم افسح له في قبره، وما أشبه ذلك.
وأما دعاء الإنسان لنفسه عند القبر فهذا إذا قصده الإنسان فهو من البدع أيضًا؛ لأنه لا يخصص مكان للدعاء إلا إذا ورد به النص؛ وإذا لم يرد به النص، ولم تأت به السنة فإنه -أعني تخصيص مكان للدعاء- أيًا كان ذلك المكان يكون تخصيصه بدعة.
(363) وسئل فضيلة الشيخ: هل قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} يدل على أن الثواب لا يصل إلى الميت إذا أهدي له؟
فأجاب بقوله: قوله - تعالى-: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} المراد -والله أعلم- أن الإنسان لا يستحق من سعي غيره شيئًا، كما لا يحمل
(2/310)

من وزر غيره شيئًا، وليس المراد أنه لا يصل إليه ثواب سعي غيره؛ لكثرة النصوص الواردة في وصول ثواب سعي الغير إلى غيره وانتفاعه به إذا قصده به، فمن ذلك:
1 - الدعاء:فإن المدعو له ينتفع به بنص القرآن الكريم والسنة، وإجماع المسلمين، قال الله -تعالى- لنبيه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} فالذين سبقوهم بالإيمان هم المهاجرون والأنصار، والذين جاءوا من بعدهم هم التابعون فمن بعدهم إلى يوم الدين؛ وثبت عن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه أغمض أبا سلمة، وقال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه، وافسح له في قبره، ونور له فيه» . وكان -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يصلي على أموات المسلمين، ويدعو لهم، ويزور المقابر، ويدعو لأهلها، واتبعته أمته في ذلك حتى صار هذا من الأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام؛ وصح عنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» ... "
وهذا لا يعارض قول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم لأن المراد به عمل الإنسان نفسه، لا عمل غيره له؛ وإنما جعل دعاء الولد الصالح من عمله؛ لأن الولد من كسبه
(2/311)

حيث إنه هو السبب في إيجاده، فكأن دعاؤه لوالده دعاء من الوالد نفسه -بخلاف دعاء غير الولد لأخيه، فإنه ليس من عمله -وإن كان ينتفع به-؛ فالاستثناء الذي في الحديث من انقطاع عمل الميت نفسه لا عمل غيره له، ولهذا لم يقل: انقطع العمل له، بل قال: "انقطع عمله". وبينهما فرق بين.
2 - الصدقة عن الميت: ففي صحيح البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- «أن رجلًا قال للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن أمي افتلتت نفسها (ماتت فجأة) ، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم".» وروى مسلم نحوه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-؛ والصدقة عبادة مالية محضة.
3 - الصيام عن الميت: ففي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» والولي هو الوارث؛ لقوله -تعالى-: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ولقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» متفق عليه؛ والصيام عبادة بدنية محضة.
4 - الحج عن غيره: ففي الصحيحين من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- «أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة؛ أفأحج عنه؟ قال: "نعم".» وذلك في حجة الوداع. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- «أن امرأة من جهينة قالت للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال:" نعم،»
(2/312)

«حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» .
فإن قيل: هذا من عمل الولد لوالده؛ وعمل الولد من عمل الوالد كما في الحديث السابق: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث» ... " حيث جعل دعاء الولد لوالده من عمل الوالد؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما:أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يعلل جواز حج الولد عن والده بكونه ولده، ولا أومأ إلى ذلك؛ بل في الحديث ما يبطل التعليل به؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شبهه بقضاء الدين الجائز من الولد، وغيره؛ فجعل ذلك هو العلة أعني كونه قضاء شيء واجب عن الميت.
الثاني: أنه قد جاء عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما يدل على جواز الحج عن الغير، حتى من غير الولد: فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- «أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة." قال: "من شبرمة"؟ قال: أخ لي أو قريب لي. قال:" حججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة» . قال في البلوغ: رواه أبو داود وابن ماجه. وقال في الفروع: إسناده جيد احتج به أحمد في رواية صالح، لكنه رجح في كلام آخر أنه موقوف؛ فإن صح المرفوع فذاك؛ وإلا فهو قول صحابي لم يظهر له مخالف؛ فهو حجة، ودليل على أن هذا العمل كان من المعلوم جوازه عندهم؛ ثم إنه قد ثبت حديث عائشة في الصيام: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» . والولي هو الوارث سواء كان ولدًا أم غير ولد؛ وإذا جاز ذلك في الصيام مع كونه عبادة محضة فجوازه بالحج المشوب بالمال أولى، وأحرى.
5 - الأضحية عن الغير: فقد ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «ضحى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(2/313)

«بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى، وكبر ووضع رجله على صفاحهما» . ولأحمد من حديث أبي رافع -رضي الله عنه- «أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين فيذبح أحدهما ويقول:"اللهم هذا عن أمتي جميعًا من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ". ثم يذبح الآخر ويقول: "هذا عن محمد وآل محمد» . قال في مجمع الزوائد: وإسناده حسن، وسكت عنه في التلخيص.
والأضحية عبادة بدنية قوامها المال، وقد ضحى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن أهل بيته، وعن أمته جميعًا؛ وما من شك في أن ذلك ينفع المضحى عنهم، وينالهم من ثوابه؛ ولو لم يكن كذلك لم يكن للتضحية عنهم فائدة.
6 - اقتصاص المظلوم من الظالم بالأخذ من صالح أعماله: ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها؛ فإنه ليس ثم دينار، ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته؛ فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه» . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - «أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "أتدرون من المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع. فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته؛ فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار» .
فإذا كانت الحسنات قابلة للمقاصة بأخذ ثوابها من عامل إلى غيره كان ذلك دليلًا على أنها قابلة لنقلها منه إلى غيره بالإهداء.
7 - انتفاعات أخرى بأعمال الغير: كرفع درجات الذرية في الجنة
(2/314)

إلى درجات آبائهم، وزيادة أجر الجماعة بكثرة العدد، وصحة صلاة المنفرد بمصافة غيره له، والأمن والنصر بوجود أهل الفضل، كما في صحيح مسلم عن أبي بردة عن أبيه «أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رفع رأسه إلى السماء -وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء-، فقال: " النجوم أمنة للسماء؛ فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي؛ فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» . وفيه أيضًا عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " «يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحدًا من أصحاب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيفتح لهم به؛ ثم يبعث البعث الثاني، فيقولون: هل فيكم من رأى أصحاب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيفتح لهم به، ثم يبعث البعث الثالث، فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدًا رأى من رأى أصحاب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثم يكون البعث الرابع، فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدًا رأى من رأى أحدًا رأى أصحاب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيوجد الرجل، فيفتح لهم به» .
فإذا تبين أن الرجل ينتفع بغيره وبعمل غيره، فإن من شرط انتفاعه أن يكون من أهله، وهو المسلم؛ فأما الكافر فلا ينتفع بما أهدي إليه من عمل صالح، ولا يجوز أن يهدى إليه، كما لا يجوز أن يدعى له ويستغفر له، قال الله -تعالى-: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن
(2/315)

جده العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو بن العاص أن يعتق عنه الخمسين الباقية، فسأل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: «إنه لو كان مسلمًا فأعتقتم، أو تصدقتم عنه، أو حججتم بلغه ذلك» . وفي رواية: «فلو كان أقر بالتوحيد، فصُمتَ، وتصدقت عنه نفعه ذلك» . رواه أحمد وأبو داود.
فإن قيل: هلا تقتصرون على ما جاءت به السنة من إهداء القرب، وهي: الحج، والصوم، والصدقة، والعتق؟
فالجواب: أن ما جاءت به السنة ليس على سبيل الحصر، وإنما غالبه قضايا أعيان سئل عنها النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأجاب به، وأومأ إلى العموم بذكر العلة الصادقة بما سئل عنه وغيره، وهي قوله: «أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته» . ويدل على العموم أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» . ثم لم يمنع الحج، والصدقة، والعتق، فعلم من ذلك أن شأن العبادات واحد، والأمر فيها واسع.
فإن قيل: فهل يجوز إهداء القرب الواجبة؟
فالجواب: أما على القول بأنه لا يصح إهداء القرب إلا إذا نواه المهدي قبل الفعل، بحيث يفعل القربة بنية أنها عن فلان، فإن إهداء القرب الواجبة لا يجوز لتعذر ذلك، إذ من شرط القرب الواجبة أن ينوي بها الفاعل أنها عن نفسه قيامًا بما أوجب الله -تعالى- عليه؛ اللهم إلا أن تكون من فروض الكفايات، فربما يقال: بصحة ذلك، حيث ينوي الفاعل القيام بها عن غيره، لتعلق الطلب بأحدهما لا بعينه.
وأما على القول بأنه يصح إهداء القرب بعد الفعل ويكون ذلك إهداء لثوابها بحيث يفعل القربة ويقول: اللهم اجعل ثوابها لفلان، فإنه
(2/316)

لا يصح إهداء ثوابها أيضًا على الأرجح؛ وذلك لأن إيجاب الشارع لها إيجابًا عينيًا دليل على شدة احتياج العبد لثوابها، وضرورته إليه، ومثل هذا لا ينبغي أن يؤثر العبد بثوابه غيره.
فإن قيل: إذا جاز إهداء القرب إلى الغير فهل من المستحسن فعله؟
فالجواب: أن فعله غير مستحسن إلا فيما وردت به السنة، كالأضحية، والواجبات التي تدخلها النيابة؛ كالصوم والحج، وأما غير ذلك فقد قال شيخ الإسلام في الفتاوى (ص 322-323ج24) مجموع ابن قاسم: "إن الأمر الذي كان معروفًا بين المسلمين في القرون المفضلة أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة فرضها ونفلها، ويدعون للمؤمنين والمؤمنات كما أمر الله بذلك، لأحيائهم وأمواتهم"، قال: "ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعًا، وصاموا، وحجوا، أو قرءوا القرآن الكريم يهدون ذلك لموتاهم المسلمين، ولا لخصوصهم (1) . بل كان عادتهم كما تقدم، فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريقة السلف، فإنها أفضل وأكمل". ا. هـ.
وأما ما روي أن رجلًا قال: «يا رسول الله إن لي أبوين، وكنت أبرهما في حياتهما فكيف البر بعد موتهما؟ فقال: "إن من البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك، وتصدق لهما مع صدقتك» . فهو حديث مرسل لا يصح. وقد ذكر الله -تعالى- مكافأة الوالدين بالدعاء، فقال تعالى: {وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} . وعن أبي أسيد -رضي الله عنه- «أن رجلًا سأل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاة عليهما،»
__________
(1) كذا بالأصل، والمراد بخصوصهم أقاربهم.
(2/317)

«والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» . رواه أبو داود وابن ماجه. ولم يذكر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من برهما أن يصلي لهما مع صلاته، ويصوم لهما مع صيامه.
فأما ما يفعله كثير من العامة اليوم حيث يقرءون القرآن الكريم في شهر رمضان أو غيره، ثم يؤثرون موتاهم به ويتركون أنفسهم فهو لا ينبغي لما فيه من الخروج عن جادة السلف، وحرمان المرء نفسه من ثواب هذه العبادة، فإن مهدي العبادة ليس له من الأجر سوى ما يحصل من الإحسان إلى الغير. أما ثواب العبادة الخاص فقد أهداه، ومن ثم كان لا ينبغي إهداء القرب للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- له ثواب القربة التي تفعلها الأمة؛ لأنه الدال عليها والآمر بها، فله مثل أجر الفاعل، ولا ينتج عن إهداء القرب إليه سوى حرمان الفاعل نفسه من ثواب العبادة.
وبهذا تعرف فقه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حيث لم ينقل عن واحد منهم أنه أهدى شيئًا من القرب إلى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مع أنهم أشد الناس حبًا للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأحرصهم على فعل الخير، وهم أهدى الناس طريقًا وأصوبهم عملًا؛ فلا ينبغي العدول عن طريقتهم في هذا وغيره؛ فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
(364) وسئل فضيلته: عن الحكمة من الطواف؟ وهل الحكمة من تقبيل الحجر التبرك به؟
فأجاب بقوله: الحكمة من الطواف بينها النبي -صلى الله عليه
(2/318)

وسلم- حين قال: «إنما جعل الطواف بالبيت والصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» فالطائف الذي يدور على بيت الله -تعالى- يقوم بقلبه من تعظيم الله -تعالى- ما يجعله ذاكرًا الله - تعالى- وتكون حركاته بالمشي والتقبيل، واستلام الحجر، والركن اليماني، والإشارة إلى الحجر ذكرًا لله تعالى؛ لأنها من عبادته، وكل العبادات ذكر لله -تعالى- بالمعنى العام؛ وأما ما ينطق به بلسانه من التكبير، والذكر، والدعاء فظاهر أنه من ذكر الله تعالى.
وأما تقبيل الحجر فإنه عبادة حيث يقبل الإنسان حجرًا لا علاقة له به سوى التعبد لله - تعالى- بتعظيمه واتباع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك كما ثبت أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال حين قبل الحجر: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك» وأما ما يظنه بعض الجهال من أن المقصود بذلك التبرك به فإنه لا أصل له؛ فيكون باطلًا.
وأما ما أورده بعض الزنادقة من أن الطواف بالبيت كالطواف على قبور أوليائهم، وأنه وثنية فذاك من زندقتهم وإلحادهم؛ فإن المؤمنين ما طافوا به إلا بأمر الله، وما كان بأمر الله فالقيام به عبادة لله -تعالى-، ألا ترى أن السجود لغير الله شرك أكبر، ولما أمر الله -تعالى- الملائكة أن يسجدوا لآدم كان السجود لآدم عبادة لله - تعالى -، وكان ترك السجود له كفرًا.
وحينئذ يكون الطواف بالبيت عبادة من أجلِّ العبادات؛ وهو ركن في الحج؛ والحج أحد أركان الإسلام؛ ولهذا يجد الطائف بالبيت إذا كان المطاف هادئًا من لذة الطواف وشعور قلبه بالقرب من ربه ما يتبين به علو شأنه وفضله، والله المستعان.
(2/319)

(365) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التمسح بالكعبة والركن اليماني طلبًا للبركة؟
فأجاب قائلًا: ما يفعله بعض الجهلة من التمسح بالكعبة، أو الركن اليماني، أو الحجر الأسود طلبًا للبركة فهذا من البدع؛ فإن ما يمسح منها يمسح تعبدًا لا تبركًا، قال عمر -رضي الله عنه-: عندما قبل الحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك» فالأمر مبني على الاتباع لا على الابتداع؛ ولهذا لا يمسح من الكعبة إلا الركن اليماني والحجر الأسود؛ فمن مسح شيئًا سواهما من الكعبة فقد ابتدع؛ ولهذا أنكر ابن عباس -رضي الله عنهما- على معاوية -رضي الله عنه- استلام الركنين الآخرين.
(366) سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز التبرك بثوب الكعبة والتمسح به، فبعض الناس يقول: إن شيخ الإسلام ابن تيمية أجاز ذلك؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: التبرك بثوب الكعبة والتمسح به من البدع؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولما طاف معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- بالكعبة، وجعل يمسح جميع أركان البيت، يمسح الحجر الأسود، ويمسح الركن العراقي، والركن الشامي، والركن اليماني، أنكر عليه عبد الله بن عباس، فأجاب معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، فأجابه ابن عباس: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} وقد رأيت النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يمسح الركنين يعني
(2/320)

الحجر الأسود واليماني. وهذا دليل على أنه يجب علينا أن نتوقف في مسح الكعبة وأركانها، على ما جاءت به السنة؛ لأن هذه هي الأسوة الحسنة في رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأما الملتزم الذي بين الحجر الأسود والباب، فإن هذا قد ورد عن الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم قاموا به فالتزموا ذلك، والله أعلم.
أما ما قاله السائل أن هذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فنحن نعلم أنه -رحمه الله- من أشد الناس محاربة للبدع؛ وإذا قدر أنه ثبت عنه فليس قوله حجة على غيره؛ لأن ابن تيمية -رحمه الله- كغيره من أهل العلم يخطئ ويصيب، وإذا كان معاوية -رضي الله عنه- وهو من الصحابة أخطأ فيما أخطأ فيه من مسح الأركان الأربعة حتى نبهه عبد الله بن عباس في هذا فإن من دون معاوية يجوز عليه الخطأ؛ فنحن أولًا: نطالب هذا الرجل بإثبات ذلك عن شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وإذا ثبت عن شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه ليس بحجة؛ لأن أقوال أهل العلم يحتج لها ولا يحتج بها، وهذه قاعدة ينبغي أن نعرفها: "كل أهل العلم أقوالهم يحتج لها ولا يحتج بها إلا إذا حصل إجماع المسلمين" فإن الإجماع لا يمكن الخروج عنه، بل لا يمكن الخروج عليه.
(367) سئل فضيلة الشيخ: عن بطاقة أرسلت إليه فيها أذكار مرتبة من بعض الصوفية؟
فأجاب -حفظه الله- بقوله: اطلعت على صورة البطاقة ومن أجل العدل وبيان الحق أجبت عما فيها على سبيل الاختصار بما يلي:
1 - تضمنت هذه البطاقة الحث على ذكر الله تعالى؛ وهذا حق، ولكن ذكر
(2/321)

الله -تعالى- عبادة يتقرب بها إليه فيجب التمشي فيها على ما شرعه الله -عز وجل-؛ ولا يتم ذلك إلا بالإخلاص لله -تعالى- والاتباع لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبذلك تتحقق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ ولا يكون الاتباع إلا إذا كانت العبادة مبنية على الشرع في سببها، وجنسها، وقدرها، وكيفيتها، وزمانها، ومكانها.
وإذا كان كذلك فإن الذكر الموجود في البطاقة لا يتضمن ما ذكر فلا يصح أن يكون قربة إلى الله -تعالى-، أو ذكرًا مرضيًا عنده، كما هو ظاهر لمن رآه، فأين في شريعة الله هذا النوع من الذكر الذي رتبوه؟! وأين في شريعة الله هذا العدد الذي عينوه؟! وأين في شريعة الله عز وجل هذا الزمن الذي خصصوه بحيث يكون هذا في الليل، وهذا في النهار؟! وأين في شريعة الله تقديم الفاتحة عند البدء بهذا الذكر البدعي؟!
2 - تضمنت هذه البطاقة قراءة الفاتحة لحضرة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فإن أرادوا بحضرته ذاته وأن يقرأ الإنسان الفاتحة، ويهدي ثوابها للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهذه بدعة لم يفعلها الصحابة -رضي الله عنهم- وهو من جهل فاعله، فإن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يناله من الأجر على العمل مثل ما ينال فاعله من أمته؛ لأنه هو الدال عليه؛ ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله -بدون أن يهدي إليه الفاعل- وإن أرادوا أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يحضر بذاته فهو أدهى وأمر؛ وهو أمر منكر وزور؛ فالنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يحضر، ولن يخرج من قبره إلا عند البعث، قال الله - تعالى -: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}
(2/322)

وقال - تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} وهذا عام لجميع المخاطبين؛ وأشرف المخاطبين بذلك رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ ولهذا قال الله له: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}
1 - تضمنت هذه البطاقة من أسماء الله -تعالى- (هو) ، وفسره بأنه حاضر لا يغيب. والقول بأن (هو) من أسماء الله قول باطل مبني على الجهل، والعدوان؛ أما الجهل فلأن (هو) ضمير لا يدل على معنى سوى ما يتضمنه مرجع ذلك الضمير، وأسماء الله تعالى كلها حسنى؛ لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} وهل أحد إذا دعا يقول: يا هو اغفر لي؟ وهل أحد يقول في البسملة: بسم هو بدلًا عن اسم الله - تعالى-؟ وأما العدوان فلأن إثبات اسم لله - تعالى- لم يسم به نفسه عدوان على الله -تعالى-، وقول عليه بلا علم؛ وهو حرام؛ لقوله تعالى -: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}
ثم إن تفسير (هو) بـ (حاضر لا يغيب) كذب على اللغة العربية، فإن كلمة (هو) ضمير غيبة، وليس ضمير حضور؛ ومن فسره بما يدل على الحضور فهو من أجهل الناس باللغة العربية، ودلالات ألفاظها، إن كان
(2/323)

الذي حمله على ذلك الجهل، أو من أعظم الناس افتراء إن كان قد قصد التقول على الله، وعلى اللغة العربية
. 2- فسر اسم الله (الواحد) : بأنه الذي لا ثاني له.
والصواب: لا شريك له؛ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وقولنا: "لا شريك" كما أنه هو الوارد، فهو أبلغ مما جاء في هذه البطاقة.
3 - فسر اسم (العزيز) : بأنه الذي لا نظير له، وهو قصور؛ والصواب: الغالب الذي لا يغلبه أحد.
4 - فسر اسم (القيوم) : بأنه القائم بأسباب مخلوقاته.
والصواب: القائم بنفسه وعلى غيره: قال الله -تعالى-: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} فهو قائم بنفسه لا يحتاج إلى غيره، وهو قائم على غيره: فكل أحد محتاج إلى الله - عز وجل - وتفسيره بالقائم بأسباب مخلوقاته قاصر جدًا.
7 - ذكر في هذه البطاقة البدعية صيغة صلاة على رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما أنزل الله بها من سلطان وهي: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد، عدد ما في علم الله، صلاة دائمة بدوام ملك الله".
8 - ذكر في هذه البطاقة البدعية أنه يتأكد الصلاة عليه عقب كل صلاة مكتوبة ثلاث مرات بصيغة ذكرها وهي: "اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله، وصحبه عدد حروف القرآن حرفًا حرفًا، وعدد كل حرف ألفًا ألفًا، وعدد صفوف الملائكة صفًا صفًا، وعدد كل صف ألفًا ألفًا، وعدد الرمال ذرةً ذرةً، وعدد كل ذرة ألفَ ألفِ مرةٍ، عدد ما أحاط به علمك، وجرى به قلمك، ونفذ به حكمك، في برك،
(2/324)

وبحرك، وسائر خلقك، عدد ما أحاط به علمك القديم من الواجب، والجائز، والمستحيل، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه مثل ذلك".
وهاتان الصيغتان بدعيتان باطلتان مخالفتان لما علمه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمته، حيث «قالوا: يا رسول قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» . وبهذا علم أن الأذكار، والصلوات البدعية مع بطلانها، وفسادها تستلزم الصد باعتبار حال فاعلها عما جاءت به الشريعة من الأذكار، والصلوات الشرعية؛ فحذار حذار أيها المؤمن من البدع؛ فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، كما قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
(368) وسئل: عن حكم وضع العروس قدمها في دم خروف مذبوح؟
فأجاب بقوله: ليس لهذه العادة من أصل شرعي وهي عادة سيئة؛ لأنها:
أولًا: عقيدة فاسدة لا أساس لها من الشرع.
ثانيًا: أن تلوثها بالدم النجس سفه؛ لأن النجاسة مأمور بإزالتها، والبعد عنها.
وبهذه المناسبة أود أن أقول لإخواني المسلمين: إن من المشروع أن الإنسان إذا أصابته النجاسة فليبادر بإزالتها، وتطهيرها؛ فإن هذا هو هدي
(2/325)

النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فإن الأعرابي لما بال في المسجد أمر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يراق على بوله ذنوبٌ من ماء؛ وكذلك الصبي الذي بال في حجر النبي: دعا النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بماء فأتبعه إياه أي أتبعه بول الصبي؛ وتأخير إزالة النجاسة سبب يؤدي إلى نسيان ذلك، ثم يصلي الإنسان وهو على نجاسة؛ وهذا وإن كان يعذر به على القول الراجح، وأنه لو صلى بنجاسة نسي أن يغسلها فصلاته صحيحة؛ لكن ربما يتذكر في أثناء الصلاة؛ وحينئذ إذا لم يمكنه أن يتخلص من النجاسة مع الاستمرار في صلاته فلازم ذلك أنه سوف يقطع صلاته، وينصرف، ويبتدئها من جديد.
على كل حال هذه العادة السيئة التي وقع السؤال عنها فيها تلوث المرأة بالنجاسة الذي هو من السفه، فإن الشرع أمر بالتخلص من النجاسة وتطهيرها، ثم إنني أخشى أن يكون هناك عقيدة أخرى وهي أن يذبحوه إما لجن، أو شياطين، أو ما أشبه ذلك؛ فيكون هذا نوعًا من الشرك؛ ومعلوم أن الشرك لا يغفره الله -عز وجل- والله المستعان.
(369) وسئل فضيلة الشيخ عن حكم وضع التمر على الطعام لئلا تأتيه الحشرات؟
فأجاب قائلًا: هذا الفعل وهو وضع التمر على الطعام لئلا تصيبه الحشرات لا أعلم له أصلًا من الشرع، ولا أصلًا من الواقع؛ فإن الحشرات تأتي إلى ما يلائمها؛ فمنها ما يلائمه التمر، وتأتي حوله، وتأكل منه، ومنها ما يلائمها الدسم، فتأتي إليه، وتطعم منه؛ ولا أصل لهذا الذي يفعل؛ وإذا لم يكن له أصل من الشرع، ولا أصل من الواقع، فإنه لا ينبغي للإنسان أن
(2/326)

يفعله، لأنه مبني على مجرد أوهام، وخيالات لا حقيقة لها، والله أعلم.
(370) وسئل: عن شخص سكن في دار، فأصابته الأمراض، وكثير من المصائب مما جعله يتشاءم هو وأهله من هذه الدار؛ فهل يجوز له تركها لهذا السبب؟
فأجاب بقوله: ربما يكون بعض المنازل، أو بعض المركوبات، أو بعض الزوجات مشئومًا يجعل الله بحكمته مع مصاحبته إما ضررًا، أو فوات منفعة، أو نحو ذلك؛ وعلى هذا فلا بأس ببيع هذا البيت، والانتقال إلى بيت غيره؛ ولعل الله أن يجعل الخير فيما ينتقل إليه؛ وقد ورد عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: «الشؤم في ثلاث: الدار، والمرأة، والفرس» فبعض المركوبات يكون فيها شؤم، وبعض الزوجات يكون فيهن شؤم، وبعض البيوت يكون فيها شؤم، فإذا رأى الإنسان ذلك فليعلم أنه بتقدير الله -عز وجل-، وأن الله -سبحانه وتعالى- بحكمته قدر ذلك لينتقل الإنسان إلى محل آخر، والله أعلم.
(371) وسئل فضيلة الشيخ: عما يفعله بعض أهل المزارع من ذهابهم إلى رجل ليكتب لهم ورقة تطرد الطيور، وتحمي مزارعهم؟
فأجاب بقوله: هذا العمل ليس بجائز شرعًا؛ وذلك لأنه لا يمكن أن تكون هذه الورقة تطرد الطيور عن المزارع؛ فإن هذا ليس معلومًا بالحس، ولا معلومًا بالشرع؛ وكل سبب ليس معلومًا بالحس، ولا بالشرع فإن اتخاذه محرم؛ فلا يجوز أن يعملوا هذا العمل؛ وإنما عليهم أن يكافحوا هذه
(2/327)

الطيور التي تنقص محاصيلهم بالوسائل المعتادة التي يعرفها الناس، دون هذه الأمور التي لا يعلم لها سبب حسي، ولا شرعي.
(372) سئل فضيلة الشيخ: ما رأيكم في هذه الورقة التي تسمى "رحلة سعيدة ":
البطاقة الشخصية:
الاسم: الإنسان "ابن آدم "
الجنسية: من تراب.
العنوان: كوكب الأرض.
محطة المغادرة: الحياة الدنيا.
محطة الوصول: الدار الآخرة.
موعد الإقلاع: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} .
موعد الحضور: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} .
العفش المسموح به:
1 - متران قماش أبيض.
2 - العمل الصالح.
3 - دعاء الولد الصالح.
4 - علم ينتفع به.
5 - ما سوى ذلك لا يسمح باصطحابه في الرحلة.
(2/328)

شروط الرحلة السعيدة:
على حضرات المسافرين الكرام اتباع التعليمات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
"مزيد من المعلومات" يرجى الاتصال بكتاب الله وسنة رسوله الكريم.
ملاحظة: الاتصال مباشر ومجانًا. لا داعي لتأكيد الحجز هاتف "43442"؟
فأجاب -حفظه الله ورعاه- بقوله: رأيي في هذه التذكرة التي شاعت منذ زمن، وانتشرت بين الناس، ووضعت على وجوه شتى؛ منها هذا الوجه الذي بين يدي؛ وهذه الورقة تشبه أن تكون استهزاء بهذه الرحلة؛ وانظر إلى قوله في أرقام الهاتف: "43442" يشير إلى الصلوات الخمس: اثنين لصلاة الفجر؛ وأربعة أربعة للظهر، والعصر؛ وثلاثة للمغرب؛ وأربعة للعشاء؛ فجعل الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين جعلها أرقامًا للهاتف، ثم قال: إن موعد الرحلة: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} فنقول: أين الوعد في هذه الرحلة؟! وقال: إن موعد الحضور: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} فأين تحديد موعد الحضور؟! والمهم أن كل فقراتها فيها شيء من الكذب؛ ومنها العفش الذي قال: إن منه العلم الذي ينتفع به، والولد الصالح، وهذا لا يكون مصطحبًا مع الإنسان؛ ولكنه يكون بعد الإنسان فالذي أرى أن تتلف هذه التذكرة، وأن لا تنشر بين الناس، وأن يكتب بدلها شيء من
(2/329)

كتاب الله أو سنة رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حتى لا تقع مثل هذه المواعظ على سبيل الهزء؛ وفي كتاب الله وسنة رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يغني عن هذا كله.
وإنني بهذه المناسبة أود أن أنبه إلى أنه في هذه الآونة الأخيرة النشرات التي تنشر بين الناس ما بين أحاديث ضعيفة، بل موضوعة على رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبين مرائي منامية تنسب لبعض الناس وهي كذب وليست بصحيحة، وبين حِكَم تنشر وليس لها أصل، وإنني أنبه إخواني المسلمين على خطورة هذا الأمر، وأن الإنسان إذا أراد خيرًا فليتصل برئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، وليعرض عليها ما عنده من المال الذي يحب أن ينشر ما ينتفع الناس به؛ وهي محل ثقة وأمانة -والحمد لله- تجمع هذه الأموال وتطبع بها الكتب النافعة التي ينتفع بها المسلمون في هذه البلاد، وغيرها.
أما هذه النشرات التي ليست مبنية على شيء، وإنما هي أكذوبات أو أشياء ضعيفة، أو حكم ليست حقيقية؛ بل هي كلمات عليها مؤاخذات، وملاحظات؛ فإنني لا أحب أن ينتشر هذا بين المسلمين، وفيما صح من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام كفاية، والله المستعان.
(373) وسئل فضيلة الشيخ: يقوم كثير من الناس بتوزيع ورقة يدعى أنها وصية أحمد خادم الحرم فما حكم هذا العمل؟
فأجاب بقوله: هذه الوصية من شخص مجهول سمى نفسه الشيخ أحمد؛ ولكن فعله ليس بأحمد؛ هذا الرجل ادعى أنه رأى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأوصاه بوصية، وحثه على نشر هذه الوصية، وتوعد من لم ينشرها
(2/330)

بمصائب تأتيه، أو تأتي أولاده، ولكن هذه الوصية مكذوبة؛ والعجيب أن الشيخ محمد رشيد رضا المشهور يقول: إن هذه قد راجت منذ أكثر من مائة سنة يقول: هذه راجت وأنا في سن الطلب. وهي كلما انتهز الوضاعون الكذابون الفرصة نشروها بين الناس وعلى من رأى هذا المنشور أن يمزقه؛ ولا يحل له أن ينشره إلا إذا كتب فيه بأن هذا موضوع مكذوب على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(2/331)

التوسل
(2/333)

(374) سئل فضيلة الشيخ - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء: عن حكم التوسل.
فأجاب بقوله: هذا سؤال مهم، فنحب أن نبسط الجواب فيه؛ فأقول:
التوسل: مصدر توسل يتوسل؛ أي اتخذ وسيلة توصله إلى مقصوده، فأصله طلب الوصول إلى الغاية المقصودة.
وينقسم التوسل إلى قسمين:
القسم الأول: قسم صحيح، وهو التوسل بالوسيلة الصحيحة الموصلة إلى المطلوب؛ وهو على أنواع نذكر منها:
النوع الأول: التوسل بأسماء الله - تعالى - وذلك على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون ذلك على سبيل العموم، ومثاله ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في دعاء الهم والغم قال: «اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي» ... "إلخ؛ فهنا توسل بأسماء الله -تعالى - على سبيل العموم " «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك» .
الوجه الثاني: أن يكون ذلك على سبيل الخصوص بأن يتوسل
(2/335)

الإنسان باسم خاص لحاجة خاصة تناسب هذا الاسم، مثل ما جاء في حديث أبي بكر - رضي الله عنه - حيث طلب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعاءً يدعو به في صلاته، فقال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» فطلب المغفرة والرحمة وتوسل إلى الله - تعالى - باسمين من أسمائه مناسبين للمطلوب وهما "الغفور" و"الرحيم".
وهذا النوع من التوسل داخل في قوله - تعالى -: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} فإن الدعاء هنا يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
النوع الثاني: التوسل إلى الله - تعالى - بصفاته، وهو أيضًا كالتوسل بأسمائه على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون عامًّا كأن تقول: "اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا" ثم تذكر مطلوبك.
الوجه الثاني: أن يكون خاصًّا، كأن تتوسل إلى الله -تعالى- بصفة معينة خاصة لمطلوب خاص، مثل ما جاء في الحديث «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي» فهنا توسل لله - تعالى - بصفة "العلم" و"القدرة" وهما مناسبتان للمطلوب.
ومن ذلك أن يتوسل بصفة فعلية مثل: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» .
النوع الثالث: أن يتوسل الإنسان إلى الله -عز وجل- بالإيمان به،
(2/336)

وبرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقول:"اللهم إني آمنت بك، وبرسولك فاغفر لي أو وفقني"، أو يقول: "اللهم بإيماني بك وبرسولك أسألك كذا وكذا"، ومنه قوله - تعالى-: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} إلى قوله: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} فتوسلوا إلى الله - تعالى - بالإيمان به أن يغفر لهم الذنوب، ويكفر عنهم السيئات، ويتوفاهم مع الأبرار.
النوع الرابع: أن يتوسل إلى الله - سبحانه وتعالى - بالعمل الصالح؛ ومنه قصة النفر الثلاثة الذين أووا إلى غار ليبيتوا فيه، فانطبق عليهم الغار بصخرة لا يستطيعون زحزحتها، فتوسل كل منهم إلى الله بعمل صالح فعله؛ فأحدهم توسل إلى الله - تعالى - ببره بوالديه؛ والثاني بعفته التامة؛ والثالث بوفائه لأجيره، قال كل منهم «اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فافرج عنا ما نحن فيه» فانفرجت الصخرة، فهذا توسل إلى الله بالعمل الصالح.
النوع الخامس: أن يتوسل إلى الله -تعالى- بذكر حاله؛ يعني أن الداعي يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله وما هو عليه من الحاجة، ومنه قول موسى عليه الصلاة والسلام: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} يتوسل إلى الله -تعالى- بذكر حاله أن ينزل إليه الخير. ويقرب
(2/337)

من ذلك قول زكريا -عليه الصلاة والسلام-: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} فهذه أنواع من التوسل كلها جائزة؛ لأنها أسباب صالحة لحصول المقصود بالتوسل بها.
النوع السادس: التوسل إلى الله -عز وجل- بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابته، فإن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يسألون النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يدعو الله عز وجل لهم بدعاءٍ عام، ودعاءٍ خاص؛ ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- «أن رجلًا دخل يوم الجمعة والنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يخطب فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يديه وقال: "اللهم أغثنا" ثلاث مرات، فما نزل من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته، وبقي المطر أسبوعًا كاملًا، وفي الجمعة الأخرى جاء ذلك الرجل أو غيره والنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يخطب فقال: يا رسول الله، غرق المال، وتهدم البناء فادع الله أن يمسكها عنا، فرفع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا" فما يشير إلى ناحية من السماء إلا انفرجت، حتى خرج الناس يمشون في الشمس» . وهناك عدة وقائع سأل الصحابة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يدعو لهم على وجه الخصوص ومن ذلك «أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذكر أن في أمته سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن وقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: "أنت منهم» فهذا أيضًا من التوسل الجائز وهو أن يطلب الإنسان من شخص ترجى إجابته أن
(2/338)

يدعو الله -تعالى- له؛ إلا أن الذي ينبغي أن يكون السائل يريد بذلك نفع نفسه، ونفع أخيه الذي طلب منه الدعاء، حتى لا يتمحض السؤال لنفسه خاصة؛ لأنك إذا أردت نفع أخيك ونفع نفسك صار في هذا إحسان إليه؛ فإن الإنسان إذا دعا لأخيه في ظهر الغيب قال الملك: " آمين ولك بمثل " وهو كذلك يكون من المحسنين بهذا الدعاء والله يحب المحسنين.
القسم الثاني: التوسل غير الصحيح وهو:
أن يتوسل الإنسان إلى الله -تعالى- بما ليس بوسيلة؛ أي بما لم يثبت في الشرع أنه وسيلة؛ لأن التوسل بمثل ذلك من اللغو، والباطل المخالف للمعقول والمنقول؛ ومن ذلك أن يتوسل الإنسان إلى الله -تعالى- بدعاء ميت يطلب من هذا الميت أن يدعو الله له؛ لأن هذا ليس وسيلة شرعية صحيحة؛ بل من سفه الإنسان أن يطلب من الميت أن يدعو الله له؛ لأن الميت إذا مات انقطع عمله، ولا يمكن لأحد أن يدعو لأحد بعد موته، حتى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا يمكن أن يدعو لأحد بعد موته؛ ولهذا لم يتوسل الصحابة -رضي الله عنهم- إلى الله بطلب الدعاء من رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد موته؛ فإن الناس لما أصابهم الجدب في عهد عمر -رضي الله عنه- قال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " فقام العباس -رضي الله عنه- فدعا الله -تعالى-. ولو كان طلب الدعاء من الميت سائغًا، ووسيلة صحيحة لكان عمر ومن معه من الصحابة يطلبون ذلك من رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لأن إجابة دعائه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أقرب من إجابة
(2/339)

دعاء العباس -رضي الله عنه- فالمهم أن التوسل إلى الله -تعالى- بطلب الدعاء من ميت توسل باطل لا يحل، ولا يجوز.
ومن التوسل الذي ليس بصحيح: أن يتوسل الإنسان بجاه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وذلك أن جاه الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليس مفيدًا بالنسبة إلى الداعي؛ لأنه لا يفيد إلا الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أما بالنسبة للداعي فليس بمفيد حتى يتوسل إلى الله به، وقد تقدم أن التوسل اتخاذ الوسيلة الصالحة التي تثمر. فما فائدتك أنت من كون الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- له جاه عند الله؟! وإذا أردت أن تتوسل إلى الله على وجه صحيح فقل: اللهم بإيماني بك وبرسولك، أو بمحبتي لرسولك، وما أشبه ذلك؛ فإن هذا الوسيلة الصحيحة النافعة.
(375) وسئل فضيلة الشيخ أعلى الله درجته في المهديين: عن حكم التوسل وأقسامه.
فأجاب بقوله: التوسل اتخاذ الوسيلة؛ والوسيلة "كل ما يوصل إلى المقصود" فهي من الوصل؛ لأن الصاد والسين يتناوبان كما يقال: صراط، وسراط، وبصطة، وبسطة.
والتوسل في دعاء الله -تعالى- أن يقرن الداعي بدعائه ما يكون سببًا في قبول دعائه، ولا بد من دليل على كون هذا الشيء سببًا للقبول؛ ولا يعلم ذلك إلا من طريق الشرع؛ فمن جعل شيئًا من الأمور وسيلة له في قبول دعائه بدون دليل من الشرع فقد قال على الله ما لا يعلم؛ إذ كيف يدري أن ما جعله وسيلة مما يرضاه الله -تعالى-، ويكون سببًا في قبول دعائه؟! والدعاء من العبادة؛ والعبادة موقوفة على مجيء الشرع بها. وقد أنكر
(2/340)

الله -تعالى- على من اتبع شرعًا بدون إذنه، وجعله من الشرك فقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} وقال - تعالى -: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}
والتوسل في دعاء الله -تعالى- قسمان:
القسم الأول: أن يكون بوسيلة جاءت بها الشريعة وهو أنواع.
النوع الأول: التوسل بأسماء الله تعالى وصفاته، وأفعاله، فيتوسل إلى الله -تعالى- بالاسم المقتضي لمطلوبه، أو بالصفة المقتضية له، أو بالفعل المقتضي له: قال الله - تعالى-: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} فيقول: اللهم يا رحيم ارحمني، ويا غفور اغفر لي، ونحو ذلك؛ وفي الحديث عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي» . وعلم أمته أن يقولوا في الصلاة عليه: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم» .
النوع الثاني: التوسل إلى الله -تعالى-بالإيمان به وطاعته كقوله -تعالى- عن أولي الألباب: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا}
(2/341)

وقوله: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} .
وقوله عن الحواريين: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}
النوع الثالث: أن يتوسل إلى الله بذكر حال الداعي المبينة لاضطراره، وحاجته، كقول موسى -عليه الصلاة والسلام -: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} .
النوع الرابع: أن يتوسل إلى الله بدعاء من ترجى إجابته كطلب الصحابة -رضي الله عنهم- من النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يدعو الله لهم مثل قول الرجل الذي دخل يوم الجمعة والنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يخطب، فقال: ادع الله أن يغيثنا؛ وقول عكاشة بن محصن للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ادع الله أن يجعلني منهم.
وهذا إنما يكون في حياة الداعي، أما بعد موته فلا يجوز؛ لأنه لا عمل له؛ فقد انتقل إلى دار الجزاء؛ ولذلك لما أجدب الناس في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لم يطلبوا من النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يستسقي لهم؛ بل استسقى عمر بالعباس عم النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال له: قم فاستسق؛ فقام العباس فدعا، وأما ما يروى عن العتبي أن أعرابيًا جاء إلى قبر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: "السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول:
(2/342)

{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} وقد جئتك مستغفرًا من ذنوبي مستشفعًا بك إلى ربي" وذكر تمام القصة؛ فهذه كذب لا تصح؛ والآية ليس فيها دليل لذلك؛ لأن الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} ولم يقل: " إذا ظلموا أنفسهم " وإذ لما مضى لا للمستقبل؛ والآية في قوم تحاكموا، أو أرادوا التحاكم إلى غير الله، ورسوله، كما يدل على ذلك سياقها السابق، واللاحق.
القسم الثاني: أن يكون التوسل بوسيلة لم يأت بها الشرع وهي نوعان:
أحدهما: أن يكون بوسيلة أبطلها الشرع، كتوسل المشركين بآلهتهم؛ وبطلان هذا ظاهر.
الثاني: أن يكون بوسيلة سكت عنها الشرع: وهذا محرم؛ وهو نوع من الشرك، مثل أن يتوسل بجاه شخص ذي جاه عند الله، فيقول:: "أسألك بجاه نبيك": فلا يجوز ذلك؛ لأنه إثبات لسبب لم يعتبره الشرع، ولأن جاه ذي الجاه ليس له أثر في قبول الدعاء؛ لأنه لا يتعلق بالداعي، ولا بالمدعو؛ وإنما هو من شأن ذي الجاه وحده، فليس بنافع لك في حصول مطلوبك؛ أو دفع مكروبك، ووسيلة الشيء ما كان موصلًا إليه؛ والتوسل بالشيء إلى ما لا يوصل إليه نوع من العبث، فلا يليق أن تتخذه فيما بينك وبين ربك، والله الموفق.
(376) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم التوسل بالنبي عليه الصلاة والسلام؟
فأجاب قائلًا: التوسل بالنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أقسام:
الأول: أن يتوسل بالإيمان به فهذا التوسل صحيح، مثل أن يقول:
(2/343)

"اللهم إني آمنت بك وبرسولك فاغفر لي"؛ وهذا لا بأس به؛ وقد ذكره الله -تعالى- في القرآن الكريم في قوله: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} ، ولأن الإيمان بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسيلة شرعية لمغفرة الذنوب، وتكفير السيئات؛ فهو قد توسل بوسيلة ثابتة شرعًا.
الثاني: أن يتوسل بدعائه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أي بأن يدعو للمشفوع له؛ وهذا أيضًا جائز وثابت لكنه لا يمكن أن يكون إلا في حياة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ وقد ثبت عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " وأمر العباس أن يقوم فيدعو الله -سبحانه وتعالى- بالسقيا؛ فالتوسل في حياة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بدعائه جائز، ولا بأس به.
الثالث: أن يتوسل بجاه الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سواء في حياته، أو بعد مماته: فهذا توسل بدعي لا يجوز؛ وذلك لأن جاه الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا ينتفع به إلا الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك أن تغفر لي أو ترزقني الشيء الفلاني؛ لأن الوسيلة لا بد أن تكون وسيلة؛ والوسيلة مأخوذة من الوسل بمعنى الوصول إلى الشيء؛ فلا بد أن تكون هذه الوسيلة موصلة إلى الشيء وإذا لم تكن موصلة إليه فإن التوسل بها غير مجد، ولا نافع؛ وعلى هذا فنقول: التوسل بالرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام:
(2/344)

القسم الأول: أن يتوسل بالإيمان به، واتباعه؛ وهذا جائز في حياته، وبعد مماته.
القسم الثاني: أن يتوسل بدعائه أي بأن يطلب من الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يدعو له فهذا جائز في حياته لا بعد مماته؛ لأنه بعد مماته متعذر.
القسم الثالث: أن يتوسل بجاهه، ومنزلته عند الله؛ فهذا لا يجوز لا في حياته، ولا بعد مماته؛ لأنه ليس وسيلة؛ إذ إنه لا يوصل الإنسان إلى مقصوده؛ لأنه ليس من عمله.
فإذا قال قائل: جئت إلى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عند قبره، وسألته أن يستغفر لي، أو أن يشفع لي عند الله فهل يجوز ذلك أو لا؟
قلنا: لا يجوز.
فإذا قال: أليس الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا}
قلنا له: بلى إن الله يقول ذلك، ولكن يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا} وإذ هذه ظرف لما مضى، وليست ظرفًا للمستقبل لم يقل الله: "ولو أنهم إذا ظلموا" بل قال: {إِذْ ظَلَمُوا} . فالآية تتحدث عن أمر وقع في حياة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- واستغفار الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد مماته أمر متعذر لأنه «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث - كما قال الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:"صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» . فلا يمكن لإنسان بعد موته أن يستغفر لأحد؛ بل ولا يستغفر لنفسه أيضًا؛ لأن العمل انقطع.
(2/345)

(377) وسئل -جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء: عن التوسل هل هو من مسائل العقيدة؟ وعن حكم التوسل بالصالحين؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: التوسل داخل في العقيدة، لأن المتوسل يعتقد أن لهذه الوسيلة تأثيرًا في حصول مطلوبه، ودفع مكروهه؛ فهو في الحقيقة من مسائل العقيدة؛ لأن الإنسان لا يتوسل بشيء إلا وهو يعتقد أن له تأثيرًا فيما يريد.
والتوسل بالصالحين ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التوسل بدعائهم فهذا لا بأس به؛ فقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يتوسلون برسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بدعائه: يدعو الله لهم فينتفعون بذلك؛ واستسقى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعم النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- " العباس بن عبد المطلب " بدعائه.
وأما القسم الثاني: فهو التوسل بذواتهم: فهذا ليس بشرعي؛ بل هو من البدع من وجه، ونوع من الشرك من وجه آخر.
فهو من البدع؛ لأنه لم يكن معروفًا في عهد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأصحابه.
وهو من الشرك لأن كل من اعتقد في أمر من الأمور أنه سبب ولم يكن سببًا شرعيًا فإنه قد أتى نوعًا من أنواع الشرك؛ وعلى هذا لا يجوز التوسل بذات النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مثل أن يقول: أسألك بنبيك محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلا على تقدير أنه يتوسل إلى الله -تعالى- بالإيمان بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومحبته فإن ذلك من دين الله
(2/346)

الذي ينتفع به العبد، وأما ذات النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فليست وسيلة ينتفع بها العبد؛ وكذلك على القول الراجح لا يجوز التوسل بجاه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لأن جاه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إنما ينتفع به النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نفسه؛ ولا ينتفع به غيره؛ وإذا كان الإنسان يتوسل بجاه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - باعتقاد أن للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جاهًا عند الله فليقل: اللهم إني أسألك أن تشفع بي نبيك محمدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وما أشبه ذلك من الكلمات التي يدعو بها الله عز وجل.
(2/347)

(378) وسئل أيضاً:هل يجوز التوسل بجاه النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،؟
فأجاب قائلا: التوسل بجاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليس بجائز على الراجح من قول أهل العلم؛ فيحرم التوسل بجاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فلا يقول: الإنسان: اللهم إني أسألك بجاه نبيك كذا، وكذا؛ وذلك لأن الوسيلة لا تكون وسيلة إلا إذا كان لها أثر في حصول المقصود؛ وجاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالنسبة للداعي ليس له أثر في حصول المقصود؛ وإذا لم يكن له أثر لم يكن سبباً صحيحاً؛ والله - عز وجل - لا يدعى إلا بما يكون سبباً صحيحاً له أثر في حصول المطلوب؛ فجاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو مما يختص به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحده؛ وهو مما يكون منقبة له وحده؛ أما نحن فلسنا ننتفع بذلك؛ وإنما ننتفع بالإيمان بالرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومحبته؛ وما أيسر الأمر على الداعي إذا قال: "اللهم إني أسألك بإيماني بك، وبرسولك كذا، وكذا" بدلاًمن أن يقول: أسألك بجاه نبيك. ومن نعمة الله - عز وجل - ورحمته بنا أنه لا ينسد باب من الأبواب المحظورة إلا وأمام الإنسان أبواب كثيرة من الأبواب المباحة. والحمد لله رب العالمين.
(379) سئل فضيلة الشيخ: عن هذا الحديث: أن أعمى أتى إلى رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف عن بصري قال: "أو أدعك"، قال: يا رسول الله إنه قد شق عليّ ذهاب بصري، فقال: فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي" ما صحة هذا وما معناه؟
فأجاب قائلاً: هذا الحديث اختلف أهل العلم في صحته فمنهم من قال: إنه ضعيف، ومنهم من قال: إنه حسن، ولكن له وجهة ليست كما يتبادر من اللفظ، فإن هذا الحديث معناه أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر هذا الرجل الأعمى أن يتوضأ، ويصلي ركعتين ليكون صادقاً في طلب شفاعة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له، وليكون وضوؤه، وصلاته عنواناً على رغبته في التوسل بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والتوجه به إلى الله -سبحانه وتعالى-؛ فإذا صدقت النية، وصحت، وقويت العزيمة فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يشفع له إلى الله - عز وجل -؛ وذلك بأن يدعو النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له. فإن الدعاء نوع من الشفاعة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «ما من
(2/348)

«رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» . فيكون معنى هذا الحديث أن هذا الأعمى يطلب من النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يدعو الله له؛ لأن هذا الدعاء نوع شفاعة.
أما الآن وبعد موت النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإن مثل هذه الحال لا يمكن أن تكون لتعذر دعاء النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأحد بعد الموت، كما قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» والدعاء بلا شك من الأعمال التي تنقطع بالموت؛ بل الدعاء عبادة كما قال الله - تعالى-: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} ولهذا لم يلجأ الصحابة -رضي الله عنهم- عند الشدائد وعند الحاجة إلى سؤال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يدعو الله لهم؛ بل قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين قحط المطر: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون " وطلب من العباس - رضي الله عنه - أن يدعو الله - عز وجل - بالسقيا فدعا فسقوا. وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يطلب من رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد موته أن يدعو لأحد؛ لأن ذلك متعذر لانقطاع عمله بموته صلوات الله وسلامه عليه؛ وإذا كان لا يمكن لأحد أن يطلب من النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يدعو له بعد موت النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإنه لا يمكن -ومن باب أولى- أن يدعو أحد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نفسه بشيء من حاجاته أو مصالحه؛ فإن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ والذي حرم الله على من اتصف به
(2/349)

الجنة: قال الله - تعالى-: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} وقال - تعالى-: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} ؛ وقال الله - عز وجل -: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} ؛ وقال - تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} . فالمهم أن من دعا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد وفاته أو غيره من الأموات لدفع ضرر أو جلب منفعة فهو مشرك شركًا أكبر مخرجًا عن الملة، وعليه أن يتوب إلى الله -سبحانه وتعالى-، وأن يوجه الدعاء إلى العلي الكبير الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء؛ وإني لأعجب من قوم يذهبون إلى قبر فلان وفلان يدعونه أن يفرج عنهم الكربات ويجلب لهم الخيرات، وهم يعلمون أن هذا الرجل كان في حال حياته لا يملك ذلك فكيف بعد موته بعد أن كان جثة، وربما يكون رميمًا قد أكلته الأرض، فيذهبون يدعونه، ويتركون دعاء الله -عز وجل- الذي هو كاشف الضر، وجالب النفع، والخير، مع أن الله -تعالى- أمرهم بذلك وحثهم عليه فقال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} . وقال -الله تعالى-: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} . وقال -تعالى- منكرًا على من دعا غيره:
(2/350)

{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} . أسأل الله - تعالى- أن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم.
(380) وسئل أيضًا: عن حديث: أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن عمر - رضي الله عنه - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: "اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون " هل هو صحيح؟ وهل يدل على جواز التوسل بجاه الأولياء؟
فأجاب قائلًا: هذا الحديث الذي أشار إليه السائل حديث صحيح رواه البخاري، لكن من تأمله وجد أنه دليل على عدم التوسل بجاه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أو غيره؛ وذلك أن التوسل هو اتخاذ وسيلة؛ والوسيلة هي الشيء الموصل إلى المقصود؛ والوسيلة المذكورة في هذا الحديث " نتوسل إليك بنبينا فتسقينا؛ وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " المراد بها التوسل إلى الله تعالى بدعاء النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما قال الرجل: «يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا» ؛ ولأن عمر قال للعباس: قم يا عباس فادع الله فدعا، ولو كان هذا من باب التوسل بالجاه لكان عمر -رضي الله عنه- يتوسل بجاه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قبل أن يتوسل بالعباس؛ لأن جاه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أعظم عند الله من جاه العباس، وغيره؛ فلو كان هذا الحديث من باب التوسل بالجاه لكان الأجدر بأمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- أن يتوسل بجاه النبي -صلى
(2/351)

الله عليه وسلم- دون جاه العباس بن عبد المطلب.
والحاصل أن التوسل إلى الله -تعالى- بدعاء من ترجى فيه إجابة الدعاء لصلاحه لا بأس به؛ فقد كان الصحابة - رضي الله عنهم- يتوسلون إلى الله -تعالى- بدعاء النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لهم؛ وكذلك عمر -رضي الله عنه- توسل بدعاء العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه-، فلا بأس إذا رأيت رجلًا صالحًا حريًا بالإجابة لكون طعامه وشرابه وملبسه ومسكنه حلالًا وكونه معروفًا بالعبادة والتقوى، لا بأس أن تسأله أن يدعو الله لك بما تحب، بشرط أن لا يحصل في ذلك غرور لهذا الشخص الذي طلب منه الدعاء، فإن حصل منه غرور بذلك فإنه لا يحل لك أن تقتله وتهلكه بهذا الطلب منه؛ لأن ذلك يضره.
كما أنني أيضًا أقول: إن هذا جائز؛ ولكنني لا أحبذه، وأرى أن الإنسان يسأل الله -تعالى- بنفسه دون أن يجعل له واسطة بينه وبين الله، وأن ذلك أقوى في الرجاء، وأقرب إلى الخشية، كما أنني أيضًا أرغب من الإنسان إذا طلب من أخيه الذي ترجى إجابة دعائه أن يدعو له، أن ينوي بذلك الإحسان إليه -أي إلى هذا الداعي- دون دفع حاجة هذا المدعو له؛ لأنه إذا طلبه من أجل دفع حاجته صار كسؤال المال وشبه المذموم، أما إذا قصد بذلك نفع أخيه الداعي بالإحسان إليه، والإحسان إلى المسلم يثاب عليه المرء كما هو معروف كان هذا أولى وأحسن. والله ولي التوفيق.
(381) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم هذا الدعاء: "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك" هل للسائلين حق على الله؟
(2/352)

فأجاب قائلًا: يجب علينا أولًا أن نعلم أن التوسل إلى الله -تعالى- قسمان: قسم جائز: وهو ما جاء به الشرع.
قسم ممنوع: وهو ما منعه الشرع.
والجائز أنواع: ونعني بالجائز هنا ما ليس بممنوع فلا يمنع أن يكون مستحبًا.
أولًا: التوسل إلى الله بأسمائه؛ وهذا جائز؛ ودليله قوله - تعالى-: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} ، وكذلك قوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك» إلى آخر الحديث.
ثانيًا: التوسل إلى الله بصفاته ومنه ما جاء في الحديث: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيرًا لي» فإن علم الله الغيب صفة، وقدرته على الخلق صفة، وهذا التوسل إلى الله -تعالى- بعلمه، وقدرته.
ثالثًا: التوسل إلى الله -تعالى- بأفعاله: أن تدعو الله بشيء ثم تتوسل إليه في تحقيق هذا الشيء بفعل نظيره؛ ومنه حديث الصلاة على النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» . فإن صلاة الله على إبراهيم وعلى آل إبراهيم من أفعاله.
وكذلك أيضًا تقول: "اللهم كما أنزلت علينا المطر فاجعله غيثًا نافعًا " فهنا توسل إلى الله بإنزال المطر؛ وهو فعل من أفعال الله.
رابعًا: التوسل إلى الله بالإيمان؛ ومنه قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}
(2/353)

ثم قال: {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}
خامسًا: التوسل إلى الله بالعمل الصالح: ومنه حديث الثلاثة الذين خرجوا في سفر فآواهم الليل إلى غار، فدخلوه ثم انحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدت الباب، فتوسل كل واحد منهم بصالح عمله، فانفرجت الصخرة.
سادسًا: التوسل إلى الله بدعاء من ترجى إجابته: يعني أن تطلب من شخص ترجى إجابته أن يدعو الله لك؛ وهذا كثير؛ ومنه ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- «أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يخطب الناس يوم الجمعة، فدخل رجل فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل -يعني من قلة المطر والنبات- فادع الله أن يغيثنا فرفع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يديه، وقال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا" فما نزل من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته» .
وقولنا: التوسل إلى الله بدعاء من ترجى إجابته هذا من النوع الجائز ولكنه هل هو من الأمر المشروع يعني هل يشرع لك أن تقول لشخص ما: ادع الله لي؟
نقول: في هذا تفصيل:
إن كان لأمر عام يعني طلبت من هذا الرجل أن يشفع لك في أمر عام لك ولغيرك فلا بأس به، ومنه الحديث الذي أشرت إليه في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: «هلكت الأموال وانقطعت السبل» فإن هذا الرجل لم يسأل شيئًا لنفسه؛ وإنما سأل شيئًا
(2/354)

لعموم المسلمين.
أما إذا كان لغير عامة المسلمين فالأولى ألا تسأل أحدًا يدعو لك إلا إذا كنت تقصد من وراء ذلك أن ينتفع الداعي.
فتأتي لشخص وتقول: ادع الله لي؛ هذا لا بأس به بشرط ألا تقصد به إذلال نفسك بالسؤال؛ ولكن قصدك نفع الداعي؛ لأنه إذا دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك: «آمين ولك بمثله» ؛ فهذه أنواع ستة كلها جائزة.
أما التوسل الممنوع فهو: أن يتوسل الإنسان بالمخلوق؛ فإن هذا لا يجوز؛ فالتوسل بالمخلوق حرام؛ يعني لا بدعائه ولكن بذاته، مثل أن تقول: "اللهم إني أسألك بمحمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كذا وكذا" فإن هذا لا يجوز.
وكذلك لو سألت بجاه الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإنه لا يجوز؛ لأن هذا السبب لم يجعله الله، ولا رسوله سببًا.
وأما ما جاء في السؤال "أسألك بحق السائلين عليك" فالسائل يسأل هل للسائلين حق؟
الجواب: نعم للسائلين حق أوجبه الله على نفسه في قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} . وكذلك فإن الله يقول إذا نزل إلى السماء الدنيا: «من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه» فهذا حق السائلين، وهو من فعل الله -عز وجل- والتوسل إلى الله بفعله لا بأس به.
تم بحمد الله -تعالى- المجلد الثاني
ويليه بمشيئة الله -عز وجل- المجلد الثالث
(2/355)