Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 005


شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد
(5/9)

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فهذا تعليق مختصر على كتاب (لمعة الاعتقاد) الذي ألفه أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي المولود في شعبان سنة 541 هـ بقرية من أعمال نابلس، المتوفى يوم عيد الفطر سنة 620هـ بدمشق رحمه الله تعالى.
وهذا الكتاب جمع فيه مؤلفه زبدة العقيدة، ونظرا لأهمية الكتاب موضوعا، ومنهجا، وعدم وجود شرح له فقد عقدت العزم - مستعينا بالله مستلهما منه الصواب في القصد والعمل - على أن أضع عليه كلمات يسيرة تكشف غوامضه، وتبين موارده، وتبرز فوائده.
والله أرجو أن لا يكلني إلى نفسي طرفة عين، وأن يمدني بروح من عنده، وتوفيق، وأن يجعل عملي مباركا ونافعا إنه جواد كريم.
وقبل الدخول في صميم الكتاب أحب أن أقدم قواعد مهمة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته.
القاعدة الأولى:
" في الواجب نحو نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته ": الواجب في نصوص الكتاب والسنة إبقاء دلالتها على ظاهرها من
(5/11)

غير تغيير؛ لأن الله أنزل القرآن بلسان عربي مبين، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يتكلم باللسان العربي، فوجب إبقاء دلالة كلام الله، وكلام رسوله على ما هي عليه في ذلك اللسان؛ ولأن تغييرها عن ظاهرها قول على الله بلا علم، وهو حرام لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .
مثال ذلك قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} فإن ظاهر الآية أن لله يدين حقيقيتين، فيجب إثبات ذلك له.
فإذا قال قائل: المراد بهما القوة.
قلنا له: هذا صرف للكلام عن ظاهره، فلا يجوز القول به؛ لأنه قول على الله بلا علم.
القاعدة الثانية:
في أسماء الله، وتحت هذه القاعدة فروع:
الفرع الأول: أسماء الله كلها حسنى، أي بالغة في الحسن غايته؛ لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} .
مثال ذلك: " الرحمن " فهو اسم من أسماء الله تعالى، دال على صفة عظيمة هي الرحمة الواسعة. ومن ثم نعرف أنه ليس من أسماء الله: " الدهر" لأنه لا يتضمن معنى يبلغ غاية الحسن، فأما قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» فمعناه: مالك الدهر المتصرف فيه،
(5/12)

بدليل قوله في الرواية الثانية عن الله تعالى: «بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» .
الفرع الثاني: أسماء الله غير محصورة بعدد معين لقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في الحديث المشهور: «أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» ، وما استأثر الله به في علم الغيب عنده لا يمكن حصره ولا الإحاطة به.
والجمع بين هذا، وبين قوله في الحديث الصحيح: «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة» : أن معنى هذا الحديث: أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة. وليس المراد حصر أسمائه تعالى بهذا العدد، ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أعددتها للصدقة. فلا ينافي أن يكون عندك دراهم أخرى أعددتها لغير الصدقة.
الفرع الثالث: أسماء الله لا تثبت بالعقل، وإنما تثبت بالشرع فهي توقيفية، يتوقف إثباتها على ما جاء عن الشرع فلا يزاد فيها ولا ينقص؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء فوجب الوقوف في ذلك على الشرع، ولأن تسميته بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى فوجب سلوك الأدب في ذلك.
الفرع الرابع: كل اسم من أسماء الله فإنه يدل على ذات الله، وعلى الصفة التي تضمنها، وعلى الأثر المترتب عليه إن كان متعديا، ولا يتم الإيمان بالاسم إلا بإثبات ذلك كله.
مثال ذلك في غير المتعدي: " العظيم " فلا يتم الإيمان به حتى نؤمن بإثباته اسما من أسماء الله دالا على ذاته تعالى، وعلى ما تضمنه من الصفة وهي العظمة.
(5/13)

ومثال ذلك في المتعدي: " الرحمن " فلا يتم الإيمان به حتى نؤمن بإثباته اسما من أسماء الله دالا على ذاته تعالى، وعلى ما تضمنه من الصفة وهي الرحمة وعلى ما ترتب عليه من أثر وهو أنه يرحم من يشاء.
القاعدة الثالثة:
" في صفات الله " وتحتها فروع أيضا:
الفرع الأول: صفات الله كلها عليا، صفات كمال ومدح، ليس فيها نقص بوجه من الوجوه كالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والحكمة، والرحمة، والعلو، وغير ذلك لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} . ولأن الرب كامل فوجب كمال صفاته.
وإذا كانت الصفة نقصا لا كمال فيها فهي ممتنعة في حقه كالموت والجهل، والعجز، والصمم، والعمى، ونحو ذلك لأنه سبحانه عاقب الواصفين له بالنقص، ونزه نفسه عما يصفونه به من النقائص، ولأن الرب لا يمكن أن يكون ناقصا لمنافاة النقص للربوبية.
وإذا كانت الصفة كمالا من وجه، ونقصا من وجه لم تكن ثابتة لله، ولا ممتنعة عليه على سبيل الإطلاق بل لا بد من التفصيل فتثبت لله في الحال التي تكون كمالا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصا كالمكر، والكيد، والخداع ونحوها فهذه الصفات تكون كمالا إذا كانت في مقابلة مثلها؛ لأنها تدل على أن فاعلها ليس بعاجز عن مقابلة عدوه بمثل فعله، وتكون نقصا في غير هذه الحال فتثبت لله في الحال الأولى دون الثانية قال الله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ، {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا}
(5/14)

{وَأَكِيدُ كَيْدًا} . {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} . إلى غير ذلك.
فإذا قيل: هل يوصف الله بالمكر مثلا؟
فلا تقل: نعم، ولا تقل: لا، ولكن قل: هو ماكر بمن يستحق ذلك والله أعلم.
الفرع الثاني: صفات الله تنقسم إلى قسمين:
ثبوتية، وسلبية:
فالثبوتية: ما أثبتها الله لنفسه كالحياة، والعلم، والقدرة، ويجب إثباتها لله على الوجه اللائق به؛ لأن الله أثبتها لنفسه وهو أعلم بصفاته.
والسلبية: هي التي نفاها الله عن نفسه كالظلم، فيجب نفيها عن الله لأن الله نفاها عن نفسه لكن يجب اعتقاد ثبوت ضدها لله على الوجه الأكمل؛ لأن النفي لا يكون كمالا حتى يتضمن ثبوتا.
مثال ذلك قوله تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} ، فيجب نفي الظلم عن الله مع اعتقاد ثبوت العدل لله على الوجه الأكمل.
الفرع الثالث: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية، وفعلية.
فالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفا بها كالسمع والبصر.
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها كالاستواء على العرش، والمجيء.
وربما تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام فإنه باعتبار أصل
(5/15)

الصفة صفة ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال متكلما وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام متعلق بمشيئته يتكلم بما شاء متى شاء.
الفرع الرابع: كل صفة من صفات الله فإنه يتوجه عليها ثلاثة أسئلة:
السؤال الأول: هل هي حقيقية؟ ولماذا؟
السؤال الثاني: هل يجوز تكييفها؟ ولماذا؟
السؤال الثالث: هل تماثل صفات المخلوقين؟ ولماذا؟
فجواب السؤال الأول: نعم حقيقية؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة فلا يعدل عنها إلا بدليل صحيح يمنع منها.
وجواب الثاني: لا يجوز تكييفها لقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} ، ولأن العقل لا يمكنه إدراك كيفية صفات الله.
وجواب الثالث: لا تماثل صفات المخلوقين لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، ولأن الله مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه فلا يمكن أن يماثل المخلوق لأنه ناقص.
والفرق بين التمثيل والتكييف أن التمثيل ذكر كيفية الصفة مقيدة بمماثل، والتكييف ذكر كيفية الصفة غير مقيدة بمماثل.
مثال التمثيل: أن يقول القائل: يد الله كيد الإنسان.
ومثال التكييف: أن يتخيل ليد الله كيفية معينة لا مثيل لها في أيدي المخلوقين فلا يجوز هذا التخيل.
(5/16)

القاعدة الرابعة:
" فيما نرد به على المعطلة ".
المعطلة هم الذين ينكرون شيئا من أسماء الله، أو صفاته، ويحرفون النصوص عن ظاهرها، ويقال لهم: " المؤولة " والقاعدة العامة فيما نرد به عليهم أن نقول: إن قولهم خلاف ظاهر النصوص، وخلاف طريقة السلف، وليس عليه دليل صحيح، وربما يكون في بعض الصفات وجه رابع أو أكثر.
(5/17)

"لمعة الاعتقاد"
" اللمعة " تطلق في اللغة على معان منها: البلغة من العيش وهذا المعنى أنسب معنى لموضوع هذا الكتاب، فمعنى لمعة الاعتقاد هنا: البلغة من الاعتقاد الصحيح المطابق لمذهب السلف رضوان الله عليهم.
والاعتقاد: الحكم الذهني الجازم فإن طابق الواقع فصحيح وإلا ففاسد.
" ما تضمنته خطبة الكتاب "
تضمنت خطبة المؤلف في هذا الكتاب ما يأتي:
1 - البداءة بالبسملة، اقتداء بكتاب الله العظيم، واتباعا لسنة رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومعنى "بسم الله الرحمن الرحيم": أي أفعل الشيء مستعينا ومتبركا بكل اسم من أسماء الله تعالى الموصوف بالرحمة الواسعة. ومعنى (الله) المألوه أي: المعبود حبا وتعظيما تألها وشوقا، و (الرحمن) ذو الرحمة الواسعة، و (الرحيم) الموصل رحمته من شاء من خلقه فالفرق بين الرحمن والرحيم أن الأول باعتبار كون الرحمة وصفا له، والثاني باعتبارها فعلا له يوصلها من شاء من خلقه.
2 - الثناء على الله بالحمد، والحمد: ذكر أوصاف المحمود الكاملة وأفعاله الحميدة مع المحبة له والتعظيم.
3 - أن الله محمود بكل لسان ومعبود بكل مكان أي مستحق وجائز أن يحمد بكل لغة ويعبد بكل بقعة.
4 - سعة علم الله بكونه لا يخلو من علمه مكان وكمال قدرته وإحاطته حيث لا يلهيه أمر عن أمر.
(5/18)

5 - عظمته وكبرياؤه وترفعه عن كل شبيه وند ومماثل لكمال صفاته من جميع الوجوه.
6 - تنزهه وتقدسه عن كل زوجة وولد وذلك لكمال غناه.
7 - تمام إرادته وسلطانه بنفوذ قضائه في جميع العباد فلا يمنعه قوة ملك ولا كثرة عدد ومال.
8 - عظمة الله فوق ما يتصور بحيث لا تستطيع العقول له تمثيلا ولا تتوهم القلوب له صورة؛ لأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
9 - اختصاص الله بالأسماء الحسنى والصفات العلا.
10 - استواء الله على عرشه وهو علوه واستقراره عليه على الوجه اللائق به.
11 - عموم ملكه للسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى.
12 - سعة علمه، وقوة قهره، وحكمه وأن الخلق لا يحيطون به علما لقصور إدراكهم عما يستحقه الرب العظيم من صفات الكمال والعظمة.
" تقسيم نصوص الصفات وطريقة الناس فيها "
تنقسم نصوص الكتاب والسنة الواردة في الصفات إلى قسمين واضح جلي، ومشكل خفي.
فالواضح: ما اتضح لفظه ومعناه، فيجب الإيمان به لفظا، وإثبات معناه حقا بلا رد ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل؛ لأن الشرع ورد به فوجب الإيمان به، وتلقيه بالقبول والتسليم.
وأما المشكل: فهو ما لم يتضح معناه لإجمال في دلالته، أو قصر في فهم قارئه فيجب إثبات لفظه لورود الشرع به، والتوقف في معناه وترك التعرض له لأنه مشكل لا يمكن الحكم عليه، فنرد علمه إلى الله ورسوله.
وقد انقسمت طرق الناس في هذا المشكل إلى طريقين:
(5/19)

الطريقة الأول: طريقة الراسخين في العلم الذين آمنوا بالمحكم والمتشابه وقالوا: كل من عند ربنا وتركوا التعرض لما لا يمكنهم الوصول إلى معرفته والإحاطة به، تعظيما لله ورسوله وتأدبا مع النصوص الشرعية، وهم الذين أثنى الله عليهم بقوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} .
الطريقة الثانية: طريقة الزائغين الذين اتبعوا المتشابه طلبا للفتنة وصدًّا للناس عن دينهم وعن طريقة السلف الصالح، فحاولوا تأويل هذا المتشابه إلى ما يريدون لا إلى ما يريده الله ورسوله، وضربوا نصوص الكتاب والسنة بعضها ببعض، وحاولوا الطعن في دلالتها بالمعارضة والنقص ليشككوا المسلمين في دلالتها ويعموهم عن هدايتها، وهؤلاء هم الذين ذمهم الله بقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} .
" تحرير القول في النصوص من حيث الوضوح والإشكال "
إن الوضوح والإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي، يختلف فيه الناس بحسب العلم والفهم، فقد يكون مشكلا عند شخص ما هو واضح عند شخص آخر، والواجب عند الإشكال اتباع ما سبق من ترك التعرض له والتخبط في معناه، أما من حيث واقع النصوص الشرعية فليس فيها بحمد الله ما هو مشكل لا يعرف أحد من الناس معناه فيما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم؛ لأن الله وصف القرآن بأنه نور مبين، وبيان للناس، وفرقان، وأنه أنزله تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة، وهذا يقتضي أن لا
(5/20)

يكون في النصوص ما هو مشكل بحسب الواقع بحيث لا يمكن أحدا من الأمة معرفة معناه.
" معنى الرد، والتأويل، والتشبيه، والتمثيل، وحكم كل منها "
الرد: التكذيب والإنكار، مثل أن يقول قائل: ليس لله يد لا حقيقة ولا مجازا. وهو كفر لأنه تكذيب لله ورسوله.
والتأويل: التفسير والمراد به هنا تفسير نصوص الصفات بغير ما أراد الله بها ورسوله وبخلاف ما فسرها به الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
وحكم التأويل على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون صادرا عن اجتهاد وحسن نية بحيث إذا تبين له الحق رجع عن تأويله، فهذا معفو عنه لأن هذا منتهى وسعه وقد قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} .
الثاني: أن يكون صادرا عن هوى وتعصب، وله وجه في اللغة العربية فهو فسق وليس بكفر إلا أن يتضمن نقصا أو عيبا في حق الله فيكون كفرا.
القسم الثالث: أن يكون صادرا عن هوى وتعصب وليس له وجه في اللغة العربية، فهذا كفر لأن حقيقته التكذيب حيث لا وجه له.
والتشبيه: إثبات مشابه لله فيما يختص به من حقوق أو صفات، وهو كفر؛ لأنه من الشرك بالله، ويتضمن النقص في حق الله حيث شبهه بالمخلوق الناقص.
والتمثيل: إثبات مماثل لله فيما يختص به من حقوق أو صفات، وهو كفر لأنه من الشرك بالله وتكذيب لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .
(5/21)

ويتضمن النقص في حق الله حيث مثله بالمخلوق الناقص.
والفرق بين التمثيل والتشبيه: أن التمثيل يقتضي المساواة من كل وجه بخلاف التشبيه.
" ما تضمنه كلام الإمام أحمد في أحاديث النزول وشبهها "
تضمن كلام الإمام أحمد - رحمه لله - الذي نقله عنه المؤلف ما يأتي:
1 - وجوب الإيمان والتصديق بما جاء عن رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من أحاديث الصفات من غير زيادة ولا نقص ولا حد ولا غاية.
2 - أنه لا كيف ولا معنى أي لا نكيف هذه الصفات لأن تكييفها ممتنع لما سبق، وليس مراده أنه لا كيفية لصفاته لأن صفاته ثابتة حقا وكل شيء ثابت فلا بد له من كيفية لكن كيفية صفات الله غير معلومة لنا.
وقوله: ولا معنى أي: لا نثبت لها معنى يخالف ظاهرها كما فعله أهل التأويل وليس مراده نفي المعنى الصحيح الموافق لظاهرها الذي فسرها به السلف فإن هذا ثابت، ويدل على هذا قوله: " ولا نرد شيئا منها ونصفه بما وصف به نفسه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت ولا نعلم كيفية كنه ذلك " فإن نفيه لرد شيء منها، ونفيه لعلم كيفيتها دليل على إثبات المعنى المراد منها.
3 - وجوب الإيمان بالقرآن كله محكمه وهو ما اتضح معناه، ومتشابهه وهو ما أشكل معناه، فنرد المتشابه إلى المحكم ليتضح معناه فإن لم يتضح وجب الإيمان به لفظا، وتفويض معناه إلى الله تعالى.
" ما تضمنه كلام الإمام الشافعي "
تضمن كلام الإمام الشافعي ما يأتي:
1 - الإيمان بما جاء عن الله تعالى في كتابه المبين على ما أراده الله من غير زيادة، ولا نقص، ولا تحريف.
(5/22)

2 - الإيمان بما جاء عن رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في سنة رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على ما أراده رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من غير زيادة ولا نقص ولا تحريف.
وفي هذا الكلام رد على أهل التأويل، وأهل التمثيل؛ لأن كل واحد منهم لم يؤمن بما جاء عن الله ورسوله على مراد الله ورسوله فإن أهل التأويل نقصوا، وأهل التمثيل زادوا.
" طريق السلف الذي درجوا عليه في الصفات "
الذي درج عليه السلف في الصفات هو الإقرار والإثبات لما ورد من صفات الله تعالى في كتاب الله وسنة رسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من غير تعرض لتأويله بما لا يتفق مع مراد الله ورسوله.
والاقتداء بهم في ذلك واجب لقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح وصححه الألباني وجماعة.
" السنة والبدعة وحكم كل منهما "
السنة لغة: " الطريقة ".
واصطلاحا: " ما كان عليه النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأصحابه من عقيدة أو عمل ".
واتباع السنة واجب لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} . وقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» .
والبدعة لغة: " الشيء المستحدث ".
(5/23)

واصطلاحا: " ما أحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأصحابه من عقيدة أو عمل ".
وهي حرام لقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} . وقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» .
الآثار الواردة في الترغيب في السنة والتحذير من البدعة:
1 - من أقوال الصحابة: قال ابن مسعود رضي الله عنه الصحابي الجليل المتوفى سنة 32هـ عن بضع وستين سنة:
(اتبعوا) أي التزموا آثار النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من غير زيادة ولا نقص (ولا تبتدعوا) ولا تحدثوا بدعة في الدين (فقد كفيتم) أي كفاكم السابقون مهمة الدين حيث أكمل الله تعالى الدين لنبيه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنزل قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} . فلا يحتاج الدين إلى تكميل.
2 - من أقوال التابعين: قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز المولود سنة 63هـ المتوفى سنة 101هـ قولا يتضمن ما يأتي:
وجوب الوقوف حيث وقف القوم - يعني بهم النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأصحابه - فيما كانوا عليه من الدين عقيدة وعملا، لأنهم وقفوا عن علم وبصيرة ولو كان فيما حدث بعدهم خير لكانوا به أحرى.
ب - أن ما أحدث بعدهم فليس فيه إلا مخالفة هديهم، والزهد في سنتهم وإلا فقد وصفوا من الدين ما يشفي وتكلموا فيه بما يكفي.
جـ - أن من الناس من قصر في اتباعهم فكان جافيا،
(5/24)

ومن الناس من تجاوزهم فكان غاليا، والصراط المستقيم ما بين الغلو والتقصير.
3 - من أقوال تابعي التابعين: قال الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو المتوفى سنة 157هـ: (عليك بآثار من سلف) الزم طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان لأنها مبنية على الكتاب والسنة (وإن رفضك الناس) أبعدوك واجتنبوك (وإياك وآراء الرجال) احذر آراء الرجال وهي ما قيل بمجرد الرأي من غير استناد إلى كتاب الله وسنة رسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (وإن زخرفوه) جملوا اللفظ وحسنوه فإن الباطل لا يعود حقا بزخرفته وتحسينه.
" مناظرة جرت عند خليفة بين الأدرمي وصاحب بدعة "
لم أطلع على ترجمة للأدرمي ومن معه ولا أعلم نوع البدعة المذكورة والمهم أن نعرف مراحل هذه المناظرة لنكتسب منها طريقا لكيفية المناظرة بين الخصوم وقد بنى الأدرمي - رحمه الله - مناظرته هذه على مراحل ليعبر من كل مرحلة إلى التي تليها حتى يفحم خصمه.
المرحلة الأولى: " العلم " فقد سأله الأدرمي هل علم هذه البدعة النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخلفاؤه؟
قال البدعي: لم يعلموها.
وهذا النفي يتضمن انتقاص النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخلفائه حيث كانوا جاهلين بما هو من أهم أمور الدين، ومع ذلك فهو حجة على البدعي إذا كانوا لا يعلمونه ولذلك انتقل به الأدرمي إلى:
المرحلة الثانية: إذا كانوا لا يعلمونها فكيف تعلمها أنت؟ هل يمكن أن يحجب الله عن رسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخلفائه الراشدين علم شيء من الشريعة ويفتحه لك؟
فتراجع البدعي وقال: أقول: قد علموها فانتقل به إلى:
المرحلة الثالثة: إذا كانوا قد علموها فهل وسعهم أي أمكنهم أن لا يتكلموا
(5/25)

بذلك ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم؟
فأجاب البدعي: بأنهم وسعهم السكوت وعدم الكلام.
فقال له الأدرمي: فشيء وسع رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخلفاءه لا يسعك أنت، فانقطع الرجل وامتنع عن الجواب لأن الباب انسد أمامه.
فصوب الخليفة رأي الأدرمي، ودعا بالضيق على من لم يسعه ما وسع النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخلفاءه.
وهكذا كل صاحب باطل من بدعة أو غيرها فلا بد أن يكون مآله الانقطاع عن الجواب.
" الصفات التي ذكرها المؤلف من صفات الله تعالى "
ذكر المؤلف رحمه الله من صفات الله الصفات الآتية وسنتكلم عليها حسب ترتيب المؤلف.
الصفة الأولى: " الوجه ".
الوجه ثابت لله تعالى بدلالة الكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} .
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لسعد بن أبي وقاص: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها» . متفق عليه.
وأجمع السلف على إثبات الوجه لله تعالى، فيجب إثباته له بدون تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهو وجه حقيقي يليق بالله.
وقد فسره أهل التعطيل بالثواب. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
الصفة الثانية: "اليدان".
اليدان من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
(5/26)

قال الله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} .
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار» . إلى قوله: «بيده الأخرى القبض يرفع ويخفض» . رواه مسلم والبخاري معناه.
وأجمع السلف على إثبات اليدين لله، فيجب إثباتهما له بدون تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهما يدان حقيقيتان لله تعالى تليقان به.
وقد فسرهما أهل التعطيل بالنعمة أو القدرة ونحوها. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة، وبوجه رابع أن في السياق ما يمنع تفسيرهما بذلك قطعا كقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} . وقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وبيده الأخرى القبض» .
الأوجه التي وردت عليها صفة اليدين وكيف نوفق بينها:
الأول: الإفراد كقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} .
الثاني: التثنية كقوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} .
الثالث: الجمع كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} .
والتوفيق بين هذه الوجوه أن نقول: الوجه الأول مفرد مضاف فيشمل كل ما ثبت لله من يد ولا ينافي الثنتين، وأما الجمع فهو للتعظيم لا لحقيقة العدد الذي هو ثلاثة فأكثر وحينئذ لا ينافي التثنية، على أنه قد قيل:
(5/27)

إن أقل الجمع اثنان فإذا حمل الجمع على أقله فلا معارضة بينه وبين التثنية أصلا.
الصفة الثالثة: " النفس ".
النفس ثابتة لله تعالى بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف. قال الله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} . وقال عن عيسى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} .
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» . رواه مسلم.
وأجمع السلف على ثبوتها على الوجه اللائق به، فيجب إثباتها لله من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
الصفة الرابعة: " المجيء ".
مجيء الله للفصل بين عباده يوم القيامة ثابت بالكتاب، والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} . و {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} .
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله أتاهم رب العالمين» . متفق عليه، في حديث طويل.
وأجمع السلف على ثبوت المجيء لله تعالى، فيجب إثباته له من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهو مجيء حقيقي يليق بالله تعالى.
(5/28)

وقد فسره أهل التعطيل بمجيء أمره. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
الصفة الخامسة " الرضا ".
الرضا من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} .
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» . رواه مسلم.
وأجمع السلف على إثبات الرضا لله تعالى فيجب إثباته له من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وهو رضا حقيقي يليق بالله تعالى.
وقد فسره أهل التعطيل بالثواب. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
الصفة السادسة: " المحبة ".
المحبة من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} .
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» . متفق عليه.
وأجمع السلف على ثبوت المحبة لله يحب، ويحب، فيجب إثبات ذلك حقيقة من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
(5/29)

وهي محبة حقيقية تليق بالله تعالى.
وقد فسرها أهل التعطيل بالثواب والرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
الصفة السابعة: " الغضب ".
الغضب من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى فيمن قتل مؤمنا متعمدا: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} .
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله كتب كتابا عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي» . متفق عليه.
وأجمع السلف على ثبوت الغضب لله، فيجب إثباته من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وهو غضب حقيقي يليق بالله.
وفسره أهل التعطيل بالانتقام، ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة وبوجه رابع: أن الله تعالى غاير بين الغضب والانتقام فقال تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا} .أي أغضبونا {انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} . فجعل الانتقام نتيجة للغضب فدل على أنه غيره.
الصفة الثامنة: " السخط ".
السخط من صفات الله الثابتة بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ} .
وكان من دعاء النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك» . الحديث رواه مسلم.
(5/30)

وأجمع السلف على ثبوت السخط لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وهو سخط حقيقي يليق بالله.
وفسره أهل التعطيل بالانتقام. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
الصفة التاسعة: " الكراهة ".
الكراهة من الله لمن يستحقها ثابتة بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ} .
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» . رواه البخاري.
وأجمع السلف على ثبوت ذلك لله فيجب إثباته من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وهي كراهة حقيقية من الله تليق به.
وفسر أهل التعطيل الكراهة بالإبعاد. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
الصفة العاشرة: " النزول ".
نزول الله إلى السماء الدنيا من صفاته الثابتة له بالسنة، وإجماع السلف.
قال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له.» .". الحديث متفق عليه.
وأجمع السلف على ثبوت النزول لله فيجب إثباته له من غير تحريف
(5/31)

ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وهو نزول حقيقي يليق بالله.
وفسره أهل التعطيل بنزول أمره، أو رحمته، أو ملك من ملائكته ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة وبوجه رابع: أن الأمر ونحوه لا يمكن أن يقول: من يدعوني فأستجيب له. . إلخ.
الصفة الحادية عشرة: " العجب ".
العجب من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} . على قراءة ضم التاء.
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة» . رواه أحمد وهو في المسند ص 151ج4 عن عقبة بن عامر مرفوعا وفيه ابن لهيعة.
وأجمع السلف على ثبوت العجب لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وهو عجب حقيقي يليق بالله.
وفسره أهل التعطيل بالمجازاة ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
والعجب نوعان:
أحدهما: أن يكون صادرا عن خفاء الأسباب على المتعجب فيندهش له ويستعظمه ويتعجب منه، وهذا النوع مستحيل على الله؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء.
(5/32)

الثاني: أن يكون سببه خروج الشيء عن نظائره، أو عما ينبغي أن يكون عليه مع علم المتعجب، وهذا هو الثابت لله تعالى.
الصفة الثانية عشرة: " الضحك ".
الضحك من صفات الله الثابتة له بالسنة، وإجماع السلف.
قال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة» . وتمام الحديث: «يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد» . متفق عليه.
وأجمع السلف على إثبات الضحك لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وهو ضحك حقيقي يليق بالله تعالى.
وفسره أهل التعطيل بالثواب. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
الصفة الثالثة عشرة: " الاستواء على العرش ":
استواء الله على العرش من صفاته الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . وذكر استواءه على عرشه في سبعة مواضع من القرآن.
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي» . رواه البخاري.
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيما رواه أبو داود في سننه: «إن بعد ما بين سماء إلى سماء إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة إلى أن قال في العرش:»
(5/33)

«بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله تعالى فوق ذلك» . وأخرجه أيضا الترمذي، وابن ماجه، وفيه علة أجاب عنها ابن القيم - رحمه الله - في تهذيب سنن أبي داود ص92-93ج7.
وأجمع السلف على إثبات استواء الله على عرشه فيجب إثباته من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وهو استواء حقيقي معناه: العلو والاستقرار على وجه يليق بالله تعالى.
وقد فسره أهل التعطيل بالاستيلاء. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة ونزيد وجها رابعا: أنه لا يعرف في اللغة العربية بهذا المعنى. ووجها خامسا: أنه يلزم عليه لوازم باطلة مثل أن العرش لم يكن ملكا لله ثم استولى عليه بعد.
والعرش لغة: السرير الخاص بالملك.
وفي الشرع: العرش العظيم الذي استوى عليه الرحمن جل جلاله، وهو أعلى المخلوقات وأكبرها، وصفه الله بأنه عظيم، وبأنه كريم، وبأنه مجيد.
والكرسي غير العرش؛ لأن العرش هو ما استوى عليه الله تعالى، والكرسي موضع قدميه لقول ابن عباس رضي الله عنهما: " الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره ". رواه الحاكم في مستدركه. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
الصفة الرابعة عشرة: " العلو ".
العلو من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} .
(5/34)

«وكان النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقول في صلاته في السجود: " سبحان ربي الأعلى» . رواه مسلم من حديث حذيفة.
وأجمع السلف على إثبات العلو لله، فيجب إثباته له من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهو علو حقيقي يليق بالله.
وينقسم إلى قسمين:
علو صفة بمعنى أن صفاته تعالى عليا ليس فيها نقص بوجه من الوجوه ودليله ما سبق.
وعلو ذات بمعنى أن ذاته تعالى فوق جميع مخلوقاته ودليله مع ما سبق:
قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} .
وقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك. .. .» الحديث رواه أبو داود وفيه زيادة ابن محمد قال البخاري: منكر الحديث. «وقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: " أعتقها فإنها مؤمنة» . رواه مسلم في قصة معاوية بن الحكم.
وقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لحصين بن عبيد الخزاعي والد عمران بن حصين: «اترك الستة، واعبد الذي في السماء» هذا هو اللفظ الذي ذكره المؤلف، وذكره في الإصابة من رواية ابن خزيمة في قصة إسلامه بلفظ غير هذا وفيه إقرار النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لحصين حين قال: " ستة في الأرض وواحدا في السماء ".
وأجمع السلف على ثبوت علو الذات لله وكونه في السماء فيجب إثباته له من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وقد أنكر أهل التعطيل كون الله بذاته في السماء وفسروا معناها أن في السماء ملكه، وسلطانه، ونحوه ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة
(5/35)

وبوجه رابع: أن ملك الله وسلطانه في السماء وفي الأرض أيضا. وبوجه خامس: وهو دلالة العقل عليه لأنه صفة كمال. وبوجه سادس: وهو دلالة الفطرة عليه لأن الخلق مفطورون على أن الله في السماء.
معنى كون الله في السماء
المعنى الصحيح لكون الله في السماء أن الله تعالى على السماء، ففي بمعنى على وليست للظرفية لأن السماء لا تحيط بالله، أو أنه في العلو، فالسماء بمعنى العلو وليس المراد بها السماء المبنية.
تنبيه: ذكر المؤلف - رحمه الله - أنه نقل عن بعض الكتب المتقدمة أن من علامات النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأصحابه أنهم يسجدون بالأرض ويزعمون أن إلههم في السماء، وهذا النقل غير صحيح لأنه لا سند له، ولأن الإيمان بعلو الله والسجود له لا يختصان بهذه الأمة وما لا يختص لا يصح أن يكون علامة، ولأن التعبير بالزعم في هذا الأمر ليس بمدح لأن أكثر ما يأتي الزعم فيما يشك فيه.
جواب الإمام مالك بن أنس بن مالك وليس أبوه أنس بن مالك الصحابي بل غيره وكان جد مالك من كبار التابعين وأبو جده من الصحابة. ولد مالك سنة 93هـ بالمدينة ومات فيها سنة 179هـ وهو في عصر تابعي التابعين.
سئل مالك فقيل: يا أبا عبد الرحمن {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . كيف استوى؟ فقال رحمه الله: (الاستواء غير مجهول) أي معلوم المعنى وهو العلو والاستقرار (والكيف غير معقول) أي كيفية الاستواء غير مدركة بالعقل لأن الله تعالى أعظم وأجل من أن تدرك العقول كيفية صفاته (والإيمان به) أي الاستواء (واجب) لوروده في الكتاب والسنة (والسؤال عنه) أي عن الكيف (بدعة) لأن السؤال عنه لم يكن في عهد النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
(5/36)

وأصحابه. ثم أمر بالسائل فأخرج من المسجد خوفا من أن يفتن الناس في عقيدتهم وتعزيرا له بمنعه من مجالس العلم.
الصفة الخامسة عشرة: "الكلام".
الكلام صفة من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} . {مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} .
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا أراد الله أن يوحي بأمره تكلم بالوحي» . أخرجه ابن خزيمة وابن جرير وابن أبي حاتم.
وأجمع السلف على ثبوت الكلام لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وهو كلام حقيقي يليق بالله، يتعلق بمشيئته بحروف وأصوات مسموعة.
والدليل على أنه بمشيئته قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} . فالتكليم حصل بعد مجيء موسى فدل على أنه متعلق بمشيئته تعالى.
والدليل على أنه حروف قوله تعالى: {يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} . فإن هذه الكلمات حروف وهي كلام الله.
والدليل على أنه بصوت قوله تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا}
(5/37)

والنداء والمناجاة لا تكون بصوت. وروي عن عبد الله بن أنيس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: «يحشر الله الخلائق فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان» . علقه البخاري بصيغة التمريض، قال في الفتح: وأخرجه المصنف في الأدب المفرد وأحمد، وأبو يعلى في مسنديهما وذكر له طريقين آخرين.
وكلام الله تعالى قديم النوع، حادث الآحاد، ومعنى قديم النوع أن الله لم يزل، ولا يزال متكلما ليس الكلام حادثا منه بعد أن لم يكن. ومعنى حادث الآحاد: أن آحاد كلامه أي الكلام المعين المخصوص حادث لأنه متعلق بمشيئته متى شاء تكلم بما شاء كيف شاء.
المخالفون لأهل السنة في كلام الله تعالى:
خالف أهل السنة في كلام الله طوائف نذكر منهم طائفتين:
الطائفة الأولى: الجهمية، قالوا: ليس الكلام من صفات الله وإنما هو خلق من مخلوقات الله يخلقه الله في الهواء، أو في المحل الذي يسمع منه وإضافته إلى الله إضافة خلق، أو تشريف مثل ناقة الله، وبيت الله.
ونرد عليهم بما يلي:
أنه خلاف إجماع السلف.
2 - أنه خلاف المعقول؛ لأن الكلام صفة للمتكلم وليس شيئا قائما بنفسه منفصلا عن المتكلم.
3 - أن موسى سمع الله يقول: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} . ومحال أن يقول ذلك أحد إلا الله سبحانه وتعالى.
(5/38)

الطائفة الثانية: الأشعرية، قالوا: كلام الله معنى قائم بنفسه لا يتعلق بمشيئته، وهذه الحروف والأصوات المسموعة مخلوقة للتعبير عن المعنى القائم بنفس الله.
ونرد عليهم بما يلي:
1 - أنه خلاف إجماع السلف.
2 - أنه خلاف الأدلة لأنها تدل على أن كلام الله يسمع، ولا يسمع إلا الصوت ولا يسمع المعنى القائم بالنفس.
3 - أنه خلاف المعهود لأن الكلام المعهود هو ما ينطق به المتكلم لا ما يضمره في نفسه.
تعليق على كلام المؤلف في فصل الكلام:
قوله: (متكلم بكلام قديم) يعني قديم النوع حادث الآحاد لا يصلح إلا هذا المعنى على مذهب أهل السنة والجماعة، وإن كان ظاهر كلامه أنه قديم النوع والآحاد.
قوله: (سمعه موسى من غير واسطة) لقوله تعالى: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} .
قوله: (وسمعه جبريل) لقوله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ} .
قوله: (ومن إذن له من ملائكته ورسله) أما الملائكة فلقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ولكن ربنا إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم يسبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} فيخبرونهم» .الحديث رواه
(5/39)

مسلم. وأما الرسل فقد ثبت أن الله كلم محمدا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة المعراج.
قوله: (وإنه سبحانه يكلم المؤمنين ويكلمونه) لحديث أبي سعيد الخدري أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «يقول الله لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك» . الحديث متفق عليه.
قوله: (ويأذن لهم فيزورونه) لحديث أبي هريرة أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إن أهل الجنة إذا دخلوا فيها نزلوا بفضل أعمالهم ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربهم» . . ." الحديث رواه ابن ماجه والترمذي وقال: غريب وضعفه الألباني.
وقوله: (وقال ابن مسعود: «إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء» وروي ذلك عن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أثر ابن مسعود لم أجده بهذا الفظ وذكر ابن خزيمة طرقه في كتاب التوحيد بألفاظ منها: «سمع أهل السماوات للسماوات صلصلة» ، وأما المروي عن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو من حديث النواس بن سمعان مرفوعا «إذا أراد الله أن يوحي بأمره تكلم بالوحي فإذا تكلم أخذت السماوات منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة من خوف الله، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا. . .» الحديث. رواه ابن خزيمة وابن أبي حاتم. (1)
" القول في القرآن ":
القرآن الكريم من كلام الله تعالى، منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، فهو كلام الله حروفه ومعانيه. دليل أنه من كلام الله قوله
__________
(1) (تنبيه) القصة التي ذكرها المؤلف عن موسى عليه السلام ليلة رأى النار ليس لها سند ثابت ويظهر بطلانها لأنه لم يرد في النصوص الصحيحة وصف الله بأنه عن اليمين والشمال. والله أعلم.
(5/40)

تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} . يعني القرآن.
ودليل أنه منزل قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} .
ودليل أنه غير مخلوق قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} . فجعل الأمر غير الخلق والقرآن من الأمر لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} ، {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ} . ولأن كلام الله صفة من صفاته وصفاته غير مخلوقة.
ودليل أنه منه بدأ، أن الله أضافه إليه، ولا يضاف الكلام إلا إلى من قاله مبتدئا.
ودليل أنه إليه يعود أنه ورد في بعض الآثار أنه يرفع من المصاحف والصدور في آخر الزمان.
القرآن حروف وكلمات:
القرآن حروف وكلمات، وقد ذكر المؤلف - رحمه الله - لذلك أدلة ثمانية:
1 - أن الكفار قالوا: إنه شعر، ولا يمكن أن يوصف بذلك إلا ما هو حروف وكلمات.
2 - أن الله تحدى المكذبين به أن يأتوا بمثله، ولو لم يكن حروفا
(5/41)

وكلمات لكان التحدي غير مقبول، إذ لا يمكن التحدي إلا بشيء معلوم يدرى ما هو.
3 - أن الله أخبر بأن القرآن يتلى عليهم {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} . ولا يتلى إلا ما هو حروف وكلمات.
4 - أن الله أخبر بأنه محفوظ في صدور أهل العلم ومكتوب في اللوح المحفوظ {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} . {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . ولا يحفظ ويكتب إلا ما هو حروف وكلمات.
5 - قول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة» . صححه المؤلف ولم يعزه ولم أجد من خرجه.
6 - قول أبي بكر وعمر: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه.
7 - قول علي رضي الله عنه: من كفر بحرف منه فقد كفر به كله.
8 - إجماع المسلمين - كما نقله المؤلف - على أن من جحد منه سورة أو آية، أو كلمة، أو حرفا متفقا عليه فهو كافر.
وعدد سور القرآن 114منها 29 افتتحت بالحروف المقطعة.
أوصاف القرآن:
وصف الله القرآن الكريم بأوصاف عظيمة كثيرة ذكر المؤلف منها ما يلي:
(5/42)

1 - أنه كتاب الله المبين، أي: المفصح عما تضمنه من أحكام وأخبار.
2 - أنه حبل الله المتين، أي: العهد القوي الذي جعله الله سببا للوصول إليه والفوز بكرامته.
3 - أنه سور محكمات أي: مفصل السور، كل سورة منفردة عن الأخرى، والمحكمات المتقنات المحفوظات من الخلل والتناقض.
4 - أنه آيات بينات، أي علامات ظاهرات على توحيد الله، وكمال صفاته، وحسن تشريعاته.
5 - أن فيه محكما ومتشابها، فالمحكم: ما كان معناه واضحا، والمتشابه: ما كان معناه خفيا ولا يعارض هذا ما سبق برقم "3" لأن الإحكام هناك بمعنى الإتقان والحفظ من الخلل والتناقض، وهنا بمعنى وضوح المعنى، وإذا رددنا المتشابه هنا إلى المحكم صار الجميع محكما.
6 - أنه حق لا يمكن أن يأتيه الباطل من أي جهة {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} .
7 - أنه بريء مما وصفه به المكذبون من قولهم: إنه شعر: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} . وقول بعضهم: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} . فقال الله متوعدا هذا القائل: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} .
8 - أنه معجزة لا يمكن لأحد أن يأتي بمثله وإن عاونه غيره
(5/43)

{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} .
"رؤية الله في الآخرة "
رؤية الله في الدنيا مستحيلة لقوله تعالى لموسى وقد طلب رؤية الله: {لَنْ تَرَانِي} .
ورؤية الله في الآخرة ثابتة بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . وقال: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} . فلما حجب الفجار عن رؤيته دل على أن الأبرار يرونه وإلا لم يكن بينهما فرق.
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته» . متفق عليه، وهذا التشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي؛ لأن الله ليس كمثله شيء، ولا شبيه له ولا نظير.
وأجمع السلف على رؤية المؤمنين لله تعالى دون الكفار بدليل الآية الثانية.
يرون الله تعالى في عرصات القيامة وبعد دخول الجنة كما يشاء الله تعالى.
وهي رؤية حقيقية تليق بالله.
وفسرها أهل التعطيل بأن المراد بها رؤية ثواب الله، أو أن المراد بها رؤية العلم واليقين. ونرد عليهم باعتبار التأويل الأول بما سبق في القاعدة الرابعة، وباعتبار التأويل الثاني بذلك وبوجه رابع: أن العلم واليقين حاصل للأبرار في الدنيا وسيحصل للفجار في الآخرة.
(5/44)

" القدر ":
من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد كما قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} . فلا يخرج شيء عن إرادته وسلطانه، ولا يصدر شيء إلا بتقديره وتدبيره، بيده ملكوت السماوات والأرض، يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه، وهم يسألون لأنهم مربوبون محكومون.
والإيمان بالقدر واجب وهو أحد أركان الإيمان الستة لقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره» . رواه مسلم وغيره. وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه، ومره» . فالخير والشر باعتبار العاقبة والحلاوة والمرارة باعتبار وقت إصابته. وخير القدر ما كان نافعا وشره ما كان ضارا أو مؤذيا.
والخير والشر هو بالنسبة للمقدور وعاقبته، فإن منه ما يكون خيرا كالطاعات، والصحة، والغنى، ومنه ما يكون شرا كالمعاصي، والمرض، والفقر، أما بالنسبة لفعل الله فلا يقال: إنه شر لقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في دعاء القنوت الذي علمه الحسن بن علي: «وقني شر ما قضيت» (1) . فأضاف الشر إلى ما قضاه لا إلى قضائه.
والإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور (2) :
الأول: الإيمان بأن الله عالم كل ما يكون جملة وتفصيلا بعلم سابق
__________
(1) أخرجه الخمسة وأطال ابن حجر الكلام عليه في التلخيص.
(2) جمع بعضهم هذه الأربعة في بيت فقال:

علم كتابة مولانا مشيئته ... كذاك خلق وإيجاد تكوين
(5/45)

لقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} .
الثاني: أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء لقوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} أي نخلق الخليقة، ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» . رواه مسلم.
الثالث: أنه لا يكون شيء في السماوات والأرض إلا بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه، وهم يسألون، وما وقع من ذلك فإنه مطابق لعلمه السابق ولما كتبه في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} . {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} . فأثبت وقوع الهداية والضلال بإرادته.
الرابع: أن كل شيء في السماوات والأرض مخلوق لله تعالى، لا خالق غيره ولا رب سواه لقوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} . وقال على لسان إبراهيم: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} .
القدر ليس حجة للعاصي على فعل المعصية:
أفعال العباد كلها من طاعات ومعاص كلها مخلوقة لله كما سبق
(5/46)

ولكن ليس ذلك حجة للعاصي على فعل المعصية وذلك لأدلة كثيرة منها:
1 - أن الله أضاف عمل العبد إليه وجعله كسبا له فقال: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} . ولو لم يكن له اختيار في الفعل وقدرة عليه ما نسب إليه.
2 - أن الله أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} . {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . ولو كان مجبورا على العمل ما كان مستطيعا على الفعل، أو الكف؛ لأن المجبور لا يستطيع التخلص.
3 - أن كل واحد يعلم الفرق بين العمل الاختياري والإجباري، وأن الأول يستطيع التخلص منه.
4 - أن العاصي قبل أن يقدم على المعصية لا يدري ما قدر له، وهو باستطاعته أن يفعل أو يترك، فكيف يسلك الطريق الخطأ ويحتج بالقدر المجهول؟ ! أليس من الأحرى أن يسلك الطريق الصحيح ويقول: هذا ما قدر لي؟ !
5 - أن الله أخبر أنه أرسل الرسل لقطع الحجة: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} . ولو كان القدر حجة للعاصي لم تنقطع بإرسال الرسل.
التوفيق بين كون فعل العبد مخلوقا لله وكونه كسبا للفاعل:
عرفت مما سبق أن فعل العبد مخلوق لله، وأنه كسب للعبد يجازى عليه الحسن بأحسن، والسيئ بمثله فكيف نوفق بينهما؟
(5/47)

التوفيق بينهما أن وجه كون فعل العبد مخلوقا لله تعالى أمران:
الأول: أن فعل العبد من صفاته، والعبد وصفاته مخلوقان لله تعالى.
الثاني: أن فعل العبد صادر عن إرادة قلبية وقدرة بدنية، ولولاهما لم يكن فعل، والذي خلق هذه الإرادة والقدرة هو الله تعالى، وخالق السبب خالق للمسبب، فنسبة فعل العبد إلى خلق الله له نسبة مسبب إلى سبب، لا نسبة مباشرة؛ لأن المباشر حقيقة هو العبد فلذلك نسب الفعل إليه كسبا وتحصيلا، ونسب إلى الله خلقا وتقديرا، فلكل من النسبتين اعتبار، والله أعلم.
المخالفون للحق في القضاء والقدر والرد عليهم:
المخالفون للحق في القضاء والقدر طائفتان:
الطائفة الأولى: الجبرية يقولون: العبد مجبور على فعله وليس له اختيار في ذلك.
ونرد عليهم بأمرين:
1 - أن الله أضاف عمل الإنسان إليه وجعله كسبا له يعاقب ويثاب بحسبه، ولو كان مجبورا عليه ما صح نسبته إليه ولكان عقابه عليه ظلما.
2 - أن كل واحد يعرف الفرق بين الفعل الاختياري والاضطراري في الحقيقة والحكم، فلو اعتدى شخص على آخر وادعى أنه مجبور على ذلك بقضاء الله وقدره لعد ذلك سفها مخالفا للمعلوم بالضرورة.
الطائفة الثانية: القدرية يقولون: العبد مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة، ولا قدرة، ولا خلق.
ونرد عليهم بأمرين:
1 -أنه مخالف لقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} . {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} .
(5/48)

2 - أن الله مالك السماوات والأرض فكيف يكون في ملكه ما لا تتعلق به إرادته وخلقه؟ !
أقسام الإرادة والفرق بينها:
إرادة الله تنقسم إلى قسمين كونية وشرعية:
فالكونية: هي التي بمعنى المشيئة كقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} .
والشرعية: هي التي بمعنى المحبة كقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} .
والفرق بينهما أن الكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبا لله، وأما الشرعية فيلزم أن يكون المراد فيها محبوبا لله ولا يلزم وقوعه.
الإيمان:
الإيمان لغة: التصديق.
واصطلاحا: قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان.
مثال القول: لا إله إلا الله.
ومثال العمل: الركوع.
ومثال العقد: الإيمان بالله وملائكته وغير ذلك مما يجب اعتقاده.
والدليل على أن هذا هو الإيمان قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}
(5/49)

فجعل الإخلاص، والصلاة، والزكاة من الدين.
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» . رواه مسلم. بلفظ «فأفضلها قول: " لا إله إلا الله» وأصله في الصحيحين.
والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية لقوله تعالى: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} . {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} .
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة، أو خردلة، أو ذرة من إيمان» . رواه البخاري بنحوه فجعله النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، متفاضلا، وإذا ثبتت زيادته ثبت نقصه؛ لأن من لازم الزيادة أن يكون المزيد عليه ناقصا عن الزائد.
(5/50)

" فصل في السمعيات "
السمعيات كل ما ثبت بالسمع أي بطريق الشرع ولم يكن للعقل فيه مدخل، وكل ما ثبت عن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من أخبار فهو حق يجب تصديقه سواء شاهدناه بحواسنا، أو غاب عنا، وسواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه لقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} . وقد ذكر المؤلف من ذلك أمورا:
الأمر الأول: الإسراء والمعراج:
الإسراء لغة: السير بالشخص ليلا وقيل: بمعنى سرى.
وشرعا: سير جبريل بالنبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من مكة إلى بيت المقدس لقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} .
والمعراج لغة: الآلة التي يعرج بها وهي المصعد.
وشرعا: السلم الذي عرج به رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من الأرض إلى السماء لقوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} . إلى قوله: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} . وكانا في ليلة واحدة عند الجمهور، وللعلماء خلاف متى كانت؟ فيروى بسند منقطع عن ابن عباس وجابر رضي الله عنهم أنها ليلة الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول
(5/51)

ولم يعينا السنة رواه ابن أبي شبية.
ويروى عن الزهري وعروة أنها قبل الهجرة بسنة رواه البيهقي فتكون في ربيع الأول، ولم يعينا الليلة، وقاله ابن سعد وغيره وجزم به النووي. ويروى عن السدي أنها قبل الهجرة بستة عشر شهرا. رواه الحاكم. فتكون في ذي القعدة.
وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين. وقيل: بخمس. وقيل: بست.
وكان يقظة لا مناما؛ لأن قريشا أكبرته وأنكرته، ولو كان مناما لم تنكره لأنها لا تنكر المنامات.
وقصته: أن جبريل أمره الله أن يسري بالنبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلى بيت المقدس على البراق، ثم يعرج به إلى السماوات العلا سماء، سماء، حتى بلغ مكانا سمع فيه صريف الأقلام، وفرض الله عليه الصلوات الخمس، وأطلع على الجنة والنار، واتصل بالأنبياء الكرام، وصلى بهم إماما، ثم رجع إلى مكة فحدث الناس بما رأى فكذبه الكافرون، وصدق به المؤمنون وتردد فيه آخرون.
الأمر الثاني: مجيء ملك الموت إلى موسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«جاء ملك الموت بصورة إنسان إلى نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام ليقبض روحه، فلطمه موسى ففقأ عينه، فرجع الملك إلى الله وقال: " أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " فرد الله عليه عينه وقال: " ارجع إليه، وقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطى يده بكل شعرة سنة " فقال موسى: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر، قال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر» . وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وإنما أثبته المؤلف في العقيدة لأن بعض المبتدعة أنكره معللا
(5/52)

ذلك بأنه يمتنع أن موسى يلطم الملك. ونرد عليهم: بأن الملك أتى موسى بصورة إنسان لا يعرف موسى من هو؟ يطلب منه نفسه، فمقتضى الطبيعة البشرية أن يدافع المطلوب عن نفسه، ولو علم موسى أنه ملك لم يلطمه، ولذلك استسلم له في المرة الثانية حين جاء بما يدل أنه من عند الله، وهو إعطاؤه مهلة من السنين بقدر ما تحت يده من شعر ثور.
الأمر الثالث: أشراط الساعة:
الأشراط جمع شرط وهو لغة العلامة. والساعة لغة الوقت أو الحاضر منه. والمراد بها هنا: القيامة، فأشراط الساعة شرعا العلامات الدالة على قرب يوم القيامة قال الله تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} . وذكر المؤلف من أشراط الساعة ما يأتي:
1 - (خروج الدجال) وهو لغة صيغة مبالغة من الدجل، وهو الكذب والتمويه.
وشرعا: رجل مموه يخرج في آخر الزمان يدعي الربوبية. وخروجه ثابت بالسنة، والإجماع قال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قولوا: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» . رواه مسلم. وكان النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يتعوذ منه في الصلاة متفق عليه.
وأجمع المسلمون على خروجه.
وقصته أنه يخرج من طريق بين الشام والعراق، فيدعو الناس إلى عبادته فأكثر من يتبعه اليهود والنساء والأعراب. ويتبعه سبعون ألفا من يهود أصفهان، فيسير في الأرض كلها كالغيث استدبرته الريح، إلا مكة والمدينة فيمنع منهما، ومدته أربعون يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم
(5/53)

كجمعة، وباقي أيامه كالعادة، وهو أعور العين مكتوب بين عينه ك ف ر يقرؤه المؤمن فقط، وله فتنة عظيمة منها أنه يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، معه جنة ونار، فجنته نار، وناره جنة. حذر منه النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال: " من سمع به فلينأ عنه، ومن أدركه فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، أو بفواتح سورة الكهف ".
2 - (نزول عيسى ابن مريم) : نزول عيسى ابن مريم ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} أي: موت عيسى وهذا حين نزوله كما فسره أبو هريرة بذلك.
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والله لينزلن عيسى بن مريم حكما وعدلا» . الحديث متفق عليه.
وقد أجمع المسلمون على نزوله، فينزل عند المنارة البيضاء في شرقي دمشق واضعا كفيه على أجنحة ملكين، فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلب الدجال حتى يدركه بباب لد فيقتله، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ويحج ويعتمر، كل هذا ثابت في صحيح مسلم وبعضه في الصحيحين كليهما. وروى الإمام أحمد وأبو داود أن عيسى يبقى بعد قتل الدجال أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون. وذكر البخاري في تاريخه أنه يدفن مع النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالله أعلم.
3 - (يأجوج ومأجوج) اسمان أعجميان أو عربيان مشتقان من المأج وهو الاضطراب، أو من أجيج النار وتلهبها.
وهما أمتان من بني آدم موجودتان بدليل الكتاب، والسنة.
(5/54)

قال الله تعالى في قصة ذي القرنين: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} الآيات.
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يقول الله يوم القيامة: يا آدم قم فابعث بعث النار من ذريتك» ، إلى أن قال رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أبشروا فإن منكم واحدا ومن يأجوج ومأجوج ألفا» . أخرجاه في الصحيحين.
وخروجهم الذي يكون من أشراط الساعة لم يأت بعد، ولكن بوادره وجدت في عهد النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها» .
وقد ثبت خروجهم في الكتاب، والسنة.
قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} . وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات ". فذكر: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» . رواه مسلم وقصتهم في حديث النواس بن سمعان أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال في عيسى بن مريم بعد قتله الدجال: «فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر»
(5/55)

«أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم ويقول: لقد كان بهذه مرة ماء، ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله» . رواه مسلم.
4 - (خروج دابة) . الدابة لغة: كل ما دب على الأرض. والمراد بها هنا: الدابة التي يخرجها الله قرب قيام الساعة. . وخروجها ثابت بالقرآن والسنة.
قال الله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} .
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات " وذكر منها الدابة» . رواه مسلم.
وليس في القرآن والسنة الصحيحة ما يدل على مكان خروج هذه الدابة وصفتها، وإنما وردت في ذلك أحاديث في صحتها نظر. وظاهر القرآن أنها دابة تنذر الناس بقرب العذاب والهلاك والله أعلم.
5 - (طلوع الشمس من مغربها) طلوع الشمس من مغربها ثابت بالكتاب والسنة.
(5/56)

قال الله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} . والمراد بذلك طلوع الشمس من مغربها.
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» . متفق عليه.
فتنة القبر:
الفتنة لغة: الاختبار، وفتنة القبر: سؤال الميت عن ربه، ودينه، ونبيه، وهي ثابتة بالكتاب والسنة.
قال الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} . وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} » متفق عليه.
والسائل ملكان لقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم قال: يأتيه ملكان فيقعدانه» . رواه مسلم. واسمهما منكر ونكير كما رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا وقال: حسن غريب. قال الألباني: وسنده حسن وهو على شرط مسلم، والسؤال عام للمكلفين من المؤمنين والكافرين، ومن هذه الأمة وغيرهم على القول الصحيح وفي غير المكلفين خلاف، وظاهر كلام ابن القيم في كتاب (الروح) ترجيح السؤال. ويستثنى من ذلك الشهيد لحديث رواه النسائي، ومن مات مرابطا في سبيل الله لحديث رواه مسلم.
(5/57)

عذاب القبر أو نعيمه:
عذاب القبر أو نعيمه حق ثابت بظاهر القرآن، وصريح السنة، وإجماع أهل السنة. قال الله تعالى في سورة الواقعة: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ} ، إلى قوله: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ} . إلخ السورة. . وكان النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يتعوذ بالله من عذاب القبر، وأمر أمته بذلك. وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في حديث البراء بن عازب المشهور في قصة فتنة القبر قال في المؤمن: «فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، والبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من ريحها، وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره. وقال في الكافر: فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار، وافتحوا له بابا من النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه» . الحديث رواه أحمد وأبو داود.
وقد اتفق السلف وأهل السنة على إثبات عذاب القبر ونعيمه ذكره ابن القيم في كتاب (الروح) .
وأنكر الملاحدة عذاب القبر متعللين بأننا لو نبشنا القبر لوجدناه كما هو.
نرد عليهم بأمرين:
1 - دلالة الكتاب، والسنة، وإجماع السلف على ذلك.
2 - أن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا فليس العذاب أو النعيم في القبر المحسوس في الدنيا.
(5/58)

هل عذاب القبر أو نعيمه على الروح أو على البدن؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة، أو معذبة وأنها تتصل بالبدن أحيانا فيحصل له معها النعيم أو العذاب.
النفخ في الصور:
النفخ معروف. والصور لغة: القرن.
وشرعا: قرن عظيم التقمه إسرافيل ينتظر متى يؤمر بنفخه، وإسرافيل أحد الملائكة الكرام الذين يحملون العرش، وهما نفختان:
إحداهما: نفخة الفزع ينفخ فيه فيفزع الناس ويصعقون إلا من شاء الله.
والثانية: نفخة البعث ينفخ فيه فيبعثون ويقومون من قبورهم.
وقد دل على النفخ في الصور الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
قال الله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} . {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} .
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا ثم لا يبقى أحد إلا صعق ثم ينزل الله مطرا كأنه الطل أو الظل (شك الراوي) فتنبت»
(5/59)

«منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» . رواه مسلم في حديث طويل.
وقد اتفقت الأمة على ثبوته.
(البعث والحشر)
البعث لغة: الإرسال، والنشر.
وشرعا: إحياء الأموات يوم القيامة.
والحشر لغة: الجمع.
وشرعا: جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم.
والبعث والحشر حق ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين قال الله تعالى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} . وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} .
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد» . متفق عليه.
وأجمع المسلمون على ثبوت الحشر يوم القيامة.
ويحشر الناس حفاة لا نعال عليهم، عراة لا كسوة عليهم، غرلا لا ختان فيهم لقوله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} . وقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنكم تحشرون حفاة، عراة، غرلا، ثم قرأ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} وأول من يكسى إبراهيم» . متفق عليه.
وفي حديث عبد الله بن أنيس المرفوع الذي رواه أحمد: «يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا، بهما ". قلنا: وما بهما؟ قال: " ليس معهم شيء» . الحديث.
(5/60)

(الشفاعة)
الشفاعة لغة: جعل الوتر شفعا.
واصطلاحا: التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة.
والشفاعة يوم القيامة نوعان: خاصة بالنبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعامة له ولغيره.
فالخاصة به، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شفاعته العظمى في أهل الموقف عند الله ليقضي بينهم حين يلحقهم من الكرب والغم ما لا يطيقون، فيذهبون إلى آدم، فنوح فإبراهيم، فموسى، فعيسى، وكلهم يعتذرون فيأتون إلى النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيشفع فيهم إلى الله فيأتي سبحانه وتعالى للقضاء بين عباده.
وقد ذكرت هذه الصفة في حديث الصور المشهور لكن سنده ضعيف متكلم فيه وحذفت من الأحاديث الصحيحة فاقتصر منها على ذكر الشفاعة في أهل الكبائر.
قال ابن كثير وشارح الطحاوية: وكان مقصود السلف من الاقتصار على الشفاعة في أهل الكبائر هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة.
وهذه الشفاعة لا ينكرها المعتزلة والخوارج ويشترط فيها إذن الله لقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} .
النوع الثاني العامة: وهي الشفاعة فيمن دخل النار من المؤمنين أهل الكبائر أن يخرجوا منها بعدما احترقوا وصاروا فحما وحميما. لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس، أو كما قال تصيبهم النار بذنوبهم، أو قال: بخطاياهم فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أَذِنَ في الشفاعة» . الحديث رواه أحمد.
(5/61)

قال ابن كثير في النهاية ص204 ج2: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه.
وهذه الشفاعة تكون للنبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وغيره من الأنبياء، والملائكة والمؤمنين لحديث أبي سعيد عن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفيه: «فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما» . متفق عليه.
وهذه الشفاعة ينكرها المعتزلة والخوارج بناء على مذهبهم أن فاعل الكبيرة مخلد في النار فلا تنفعه الشفاعة.
ونرد عليهم بما يأتي:
1 - أن ذلك مخالف للمتواتر من الأحاديث عن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
2 - أنه مخالف لإجماع السلف.
ويشترط لهذه الشفاعة شرطان:
الأول: إذن الله في الشفاعة لقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} .
الثاني: رضا الله عن الشافع والمشفوع له لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} . فأما الكافر فلا شفاعة له لقوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} أي لو فرض أن أحدا شفع لهم لم تنفعهم الشفاعة.
وأما شفاعة النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لعمه أبي طالب حتى كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، وإنه لأهون أهل النار عذابا، قال
(5/62)

النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» . رواه مسلم. فهذا خاص بالنبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبعمه أبي طالب، فقط، وذلك والله أعلم لما قام به من نصرة النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والدفاع عنه، وعما جاء به.
(الحساب)
الحساب لغة: العدد.
وشرعا: إطلاع الله عباده على أعمالهم.
وهو ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} . وكان النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقول في بعض صلاته: «اللهم حاسبني حسابا يسيرا ". فقالت عائشة رضي الله عنها: ما الحساب اليسير؟ قال: " أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه» . رواه أحمد. وقال الألباني: إسناده جيد.
وأجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة.
وصفة الحساب للمؤمن: أن الله يخلو به فيقرره بذنوبه، حتى إذا رأى أنه قد هلك. قال الله له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته.
وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين. متفق عليه من حديث ابن عمر.
والحساب عام لجميع الناس إلا من استثناهم النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهم سبعون ألفا من هذه الأمة منهم عكاشة بن محصن يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب. متفق عليه. وروى أحمد من حديث ثوبان مرفوعا أن مع كل واحد سبعين ألفا، قال ابن كثير: حديث صحيح وذكر له شواهد.
(5/63)

وأول من يُحاسب هذه الأمة لقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضي بينهم قبل الخلائق» . متفق عليه، وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعا: «نحن آخر الأمم وأول من يحاسب» الحديث.
وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة لقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» . رواه الطبراني في الأوسط، وسنده لا بأس به إن شاء الله، قال المنذري في الترغيب والترهيب ص246 ج1: وأول ما يقضى بين الناس في الدماء لقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» . متفق عليه.
(الموازين)
الموازين جمع ميزان، وهو لغة: ما تقدر به الأشياء خفة وثقلا.
وشرعا: ما يضعه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد.
وقد دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} . {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} .
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» . متفق عليه.
(5/64)

وأجمع السلف على ثبوت ذلك.
وهو ميزان حقيقي، له كفتان، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في صاحب البطاقة قال: «فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة» . الحديث رواه الترمذي وابن ماجه. قال الألباني: إسناده صحيح.
واختلف العلماء هل هو ميزان واحد أو متعدد؟
فقال بعضهم: متعدد بحسب الأمم، أو الأفراد، أو الأعمال؛ لأنه لم يرد في القرآن إلا مجموعا، وأما إفراده في الحديث فباعتبار الجنس.
وقال بعضهم: هو ميزان واحد؛ لأنه ورد في الحديث مفردا، وأما جمعه في القرآن فباعتبار الموزون، وكلا الأمرين محتمل. والله أعلم.
والذي يوزن العمل لظاهر الآية السابقة والحديث بعدها.
وقيل: صحائف العمل لحديث صاحب البطاقة.
وقيل: العامل نفسه لحديث أبي هريرة أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ". وقال اقرءوا: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} » . متفق عليه.
وجمع بعض العلماء بين هذه النصوص بأن الجميع يوزن، أو أن الوزن حقيقة للصحائف، وحيث إنها تثقل وتخف بحسب الأعمال المكتوبة صار الوزن كأنه للأعمال، وأما وزن صاحب العمل فالمراد به قدره وحرمته. وهذا جمع حسن والله أعلم.
(5/65)

(نشر الدواوين)
النشر لغة: فتح الكتاب أو بث الشيء.
وشرعا: إظهار صحائف الأعمال يوم القيامة وتوزيعها.
والدواوين: جمع ديوان وهو لغة: الكتاب يحصى فيه الجند ونحوهم.
وشرعا: الصحائف التي أحصيت فيها الأعمال التي كتبها الملائكة على العامل.
فنشر الدواوين إظهار صحائف الأعمال يوم القيامة، فتتطاير إلى الأيمان والشمائل، وهو ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا} . {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} .
«وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هل تذكرون أهليكم؟ قال: أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه، أم في شماله، أم وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجوز» . رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
وأجمع المسلمون على ثبوت ذلك.
(5/66)

(صفة أخذ الكتاب)
المؤمن يأخذ كتابه بيمينه فيفرح ويستبشر ويقول: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} .
والكافر يأخذه بشماله، أو من وراء ظهره، فيدعو بالويل والثبور، ويقول: {يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} .
(الحوض)
الحوض لغة: الجمع. يقال: حاض الماء يحوضه إذا جمعه، ويطلق على مجتمع الماء.
وشرعا: حوض الماء النازل من الكوثر في عرصات القيامة للنبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ودل عليه السنة المتواترة، وأجمع عليه أهل السنة.
قال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إني فرطكم على الحوض» . متفق عليه.
وأجمع السلف أهل السنة على ثبوته، وقد أنكر المعتزلة ثبوت الحوض، ونرد عليهم بأمرين:
1 - الأحاديث المتواترة عن الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
2 - إجماع أهل السنة على ذلك.
(صفة الحوض)
طوله شهر، وعرضه شهر، وزواياه سواء، وآنيته كنجوم السماء، وماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من ريح المسك، فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والثاني من فضة، يرده المؤمنون من أمة محمد، ومن يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا، وكل
(5/67)

هذا ثابت في الصحيحين أو أحدهما.
وهو موجود الآن لقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن» ، رواه البخاري.
واستمداده من الكوثر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وأعطاني الكوثر وهو نهر في الجنة يسيل في حوض» . رواه أحمد. قال ابن كثير: وهو حسن الإسناد والمتن.
ولكل نبي حوض، ولكن حوض النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أكبرها وأعظمها وأكثرها واردة لقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن لكل نبي حوضا، وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة» . رواه الترمذي وقال: غريب، وروى ذلك ابن أبي الدنيا وابن ماجه من حديث أبي سعيد، وفيه ضعف، لكن صححه بعضهم من أجل تعدد الطرق.
(الصراط)
الصراط لغة: الطريق.
وشرعا: الجسر الممدود على جهنم ليعبر الناس عليه إلى الجنة.
وهو ثابت بالكتاب، والسنة، وقول السلف.
قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} . فسرها عبد الله بن مسعود، وقتادة، وزيد بن أسلم بالمرور على الصراط.
وفسرها جماعة منهم ابن عباس بالدخول في النار لكن ينجون منها.
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم» . متفق عليه.
واتفق أهل السنة على إثباته.
(5/68)

(صفة الصراط)
«سئل النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن الصراط فقال: " مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء، تكون بنجد، يقال لها: السعدان» . رواه البخاري وله من حديث أبي هريرة: «وبه كلاليب مثل شوك السعدان» ، غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، يخطف الناس بأعمالهم. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، قال: «بلغني أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف» . وروى الإمام أحمد نحوه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا.
(العبور على الصراط وكيفيته)
لا يعبر الصراط إلا المؤمنون على قدر أعمالهم لحديث أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفيه: «فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في جهنم» . متفق عليه. وفي صحيح مسلم: «تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: يارب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا» . وفي صحيح البخاري: «حتى يمر آخرهم يسحب سحبا» .
وأول من يعبر الصراط من الأنبياء محمد، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن الأمم أمته لقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعاء الرسول يومئذ: اللهم سلم سلم» . رواه البخاري.
(5/69)

(الجنة والنار)
الجنة لغة: البستان الكثير الأشجار.
وشرعا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للمتقين.
والنار لغة: معروفة.
وشرعا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للكافرين.
وهما مخلوقتان الآن لقوله تعالى في الجنة: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} وفي النار: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} . والإعداد التهيئة، ولقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حين صلى صلاة الكسوف: «إني رأيت الجنة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظرا قط أفظع» . متفق عليه.
والجنة والنار لا تفنيان لقوله: {جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} . والآيات في تأبيد الخلود في الجنة كثيرة، وأما في النار فذكر في ثلاثة مواضع: في النساء {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} . وفي الأحزاب: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} . وفي الجن {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} .
(5/70)

وقال الله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} .
(مكان الجنة والنار)
الجنة في أعلى عليين لقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} . وقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في حديث البراء بن عازب المشهور في قصة فتنة القبر: «فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض» .
والنار في أسفل سافلين لقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} . وقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في حديث البراء بن عازب السابق: «فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى» .
(أهل الجنة وأهل النار)
أهل الجنة كل مؤمن تقي لأنهم أولياء الله، قال الله تعالى في الجنة: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} . {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} . وأهل النار كل كافر شقي، قال الله تعالى في النار: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} . {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ} .
(5/71)

(ذبح الموت)
الموت زوال الحياة، وكل نفس ذائقة الموت، وهو أمر معنوي غير محسوس بالرؤية، ولكن الله تعالى يجعله شيئا مرئيا مجسما، ويذبح بين الجنة والنار لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه. فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت ". ثم قرأ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} » . أخرجه البخاري في تفسير هذه الآية، وروى نحوه في صفة الجنة والنار من حديث ابن عمر مرفوعا.
(5/72)

فصل
في حقوق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه
أفضل الخلق عند الله الرسل، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، وقد ذكر الله هذه الطبقات في كتابه في قوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} .
وأفضل الرسل أولو العزم منهم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلوات من الله والتسليم، وقد ذكرهم الله في موضعين من كتابه: في الأحزاب: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} . وفي الشورى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} .
وأفضلهم محمد، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنا سيد الناس يوم القيامة» . متفق عليه، وصلاتهم خلفه ليلة المعراج وغير ذلك من الأدلة.
ثم إبراهيم؛ لأنه أبو الأنبياء وملته أصل الملل، ثم موسى؛ لأنه أفضل أنبياء بني إسرائيل وشريعته أصل شرائعهم، ثم نوح وعيسى لا يجزم بالمفاضلة بينهما؛ لأن لكل منهما مزية.
(5/73)

خصائص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
اختص النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بخصائص نتكلم على ما ذكر المؤلف منها:
1 - خاتم النبيين لقوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} .
2 - سيد المرسلين، وسبق دليله.
3 - لا يتم إيمان عبد حتى يؤمن برسالته؛ لقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} . وغيره من الأنبياء يبعثون إلى أقوام معينين كل إلى قومه.
4 - لا يقضى بين الناس إلا بشفاعته وسبق دليل ذلك في الشفاعة.
5 - سبق أمته الأمم في دخول الجنة لعموم قوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» . وسبق.
6 - صاحب لواء الحمد يحمله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يوم القيامة، ويكون الحامدون تحته، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر» . رواه الترمذي، وقد روى الأولى والأخيرة مسلم.
7 - صاحب المقام المحمود أي العمل الذي يحمده عليه الخالق والمخلوق لقوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} . وهذا
(5/75)

المقام هو ما يحصل من مناقبه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يوم القيامة من الشفاعة وغيرها.
8 - صاحب الحوض المورود، والمراد الحوض الكبير الكثير واردوه، أما مجرد الحياض فقد مر أن لكل نبي حوضا.
9 -11 - إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم لحديث أبي بن كعب أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فخر» . رواه الترمذي وحسنه.
12 - أمته خير الأمم لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . فأما قوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} . فالمراد عالمي زمانهم.
فضائل الصحابة
الصحابي من اجتمع بالنبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مؤمنا به ومات على ذلك.
وأصحاب النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أفضل أصحاب الأنبياء لقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خير الناس قرني» . الحديث رواه البخاري وغيره.
وأفضل الصحابة المهاجرون لجمعهم بين الهجرة والنصرة، ثم الأنصار.
وأفضل المهاجرين الخلفاء الأربعة الراشدون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
فأبو بكر هو الصديق عبد الله بن عثمان بن عامر من بني تيم بن مرة بن كعب، أول من آمن برسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من الرجال وصاحبه في الهجرة، ونائبه في الصلاة والحج، وخليفته في أمته، أسلم على يديه خمسة من المبشرين بالجنة: عثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف،
(5/76)

وسعد بن أبي وقاص، توفي في جمادى الآخرة سنة 13هـ عن63 سنة وهؤلاء الخمسة مع أبي بكر، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، هم الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام قاله ابن إسحاق يعني من الذكور بعد الرسالة.
وعمر هو أبو حفص الفاروق عمر بن الخطاب من بني عدي بن كعب بن لؤي، أسلم في السنة السادسة من البعثة بعد نحو أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة، ففرح المسلمون به وظهر الإسلام بمكة بعده. استخلفه أبو بكر على الأمة فقام بأعباء الخلافة خير قيام إلى أن قتل شهيدا في ذي الحجة سنة 23هـ عن63 سنة.
وعثمان هو أبو عبد الله ذو النورين عثمان بن عفان من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. أسلم قبل دخول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دار الأرقم كان غنيا سخيا، تولى الخلافة بعد عمر بن الخطاب باتفاق أهل الشورى إلى أن قتل شهيدا في ذي الحجة سنة 35هـ عن 90 سنة على أحد الأقوال.
وعلي وهو أبو الحسن علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، أول من أسلم من الغلمان، أعطاه رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الراية يوم خيبر ففتح الله على يديه، وبويع بالخلافة بعد قتل عثمان رضي الله عنهما فكان هو الخليفة شرعا إلى أن قتل شهيدا في رمضان سنة 40هـ عن 63سنة.
وأفضل هؤلاء الأربعة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «كنا نخير بين الناس في زمن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان» . رواه البخاري ولأبي داود: «كنا نقول ورسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حي: أفضل أمة النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان» زاد الطبراني في رواية:
(5/77)

«فيسمع ذلك النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا ينكره» . هذا ولم أجد اللفظ ذكره المؤلف بزيادة علي بن أبي طالب.
وأحقهم بالخلافة بعد النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أبو بكر رضي الله عنه لأنه أفضلهم وأسبقهم إلى الإسلام، ولأن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قدمه في الصلاة، ولأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على تقديمه ومبايعته ولا يجمعهم الله على ضلالة، ثم عمر رضي الله عنه لأنه أفضل الصحابة بعد أبي بكر، ولأن أبا بكر عهد بالخلافة إليه، ثم عثمان رضي الله عنه لفضله، وتقديم أهل الشورى له وهم المذكرون في هذا البيت:
علي وعثمان وسعد وطلحة ... زبير وذو عوف رجال المشورة
ثم علي رضي الله عنه لفضله، وإجماع أهل عصره عليه.
وهؤلاء الأربعة هم الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال فيهم النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» .
وقال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» . رواه أحمد وأبو داود والترمذي قال الألباني: وإسناده حسن. فكان آخرها خلافة علي هكذا قال المؤلف وكأنه جعل خلافة الحسن تابعة لأبيه، أو لم يعتبرها حيث إنه رضي الله عنه تنازل عنها.
فخلافة أبي بكر رضي الله عنه سنتان وثلاثة أشهر وتسع ليال من 13 ربيع الأول سنة 11هـ إلى 22 جمادى الآخرة سنة 13هـ.
وخلافة عمر رضي الله عنه عشر سنوات وستة أشهر وثلاثة أيام من 23 جمادى الآخرة سنة 13هـ إلى 26 ذي الحجة سنة 23هـ.
وخلافة عثمان رضي الله عنه اثنتا عشرة سنة إلا اثني عشر يوما من 1 محرم سنة 24هـ إلى 18 ذي الحجة سنة 35 هـ.
(5/78)

وخلافة علي رضي الله عنه أربع سنوات وتسعة أشهر من 19 ذي الحجة سنة 35هـ إلى 19 رمضان سنة 40هـ.
فمجموع خلافة هؤلاء الأربعة تسع وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة أيام.
ثم بويع الحسن بن علي رضي الله عنهما يوم مات أبوه علي رضي الله عنه، وفي ربيع الأول سنة 41هـ سلم الأمر إلى معاوية وبذلك ظهرت آية النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في قوله: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» وقوله في الحسن: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» . رواه البخاري.
الشهادة بالجنة أو النار
الشهادة بالجنة أو بالنار ليس للعقل فيها مدخل فهي موقوفة على الشرع، فمن شهد له الشارع بذلك شهدنا له، ومن لا فلا، لكننا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء.
وتنقسم الشهادة بالجنة أو بالنار إلى قسمين عامة وخاصة.
فالعامة هي المعلقة بالوصف مثل أن نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة أو لكل كافر بأنه في النار أو نحو ذلك من الأوصاف التي جعلها الشارع سببا لدخول الجنة أو النار.
والخاصة هي المعلقة بشخص مثل أن نشهد لشخص معين بأنه في الجنة، أو لشخص معين بأنه في النار فلا نعين إلا ما عينه الله أو رسوله.
المعينون من أهل الجنة
المعينون من أهل الجنة كثيرون ومنهم: العشرة المبشرون بالجنة وخصوا بهذا الوصف لأن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جمعهم في حديث واحد فقال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة»
(5/79)

«في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة» . رواه الترمذي وصححه الألباني.
وقد سبق الكلام على الخلفاء الأربعة وأما الباقون فجمعوا في هذا البيت:
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... وعامر فهر والزبير الممدح
فطلحة هو ابن عبيد الله من بني يتم بن مرة أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام قتل يوم الجمل في جمادى الآخرة سنة 36هـ عن 64سنة.
والزبير هو ابن العوام من بني قصي بن كلاب ابن عمة رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، انصرف يوم الجمل عن قتال علي فلقيه ابن جرموز فقتله في جمادى الأولى سنة 36هـ عن 67سنة.
وعبد الرحمن بن عوف من بني زهرة بن كلاب توفي سنة 32هـ عن 72 سنة ودفن بالبقيع.
وسعد بن أبي وقاص هو ابن مالك من بني عبد مناف بن زهرة أول من رمى بسهم في سبيل الله، مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة ودفن بالبقيع سنة 55هـ عن 82 سنة.
وسعيد بن زيد هو ابن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي كان من السابقين إلى الإسلام، توفي بالعقيق ودفن بالمدينة سنة 51هـ عن بضع وسبعين سنة.
وأبو عبيدة هو عامر بن عبد الله بن الجراح من بني فهر، من السابقين إلى الإسلام توفي في الأردن في طاعون عمواس سنة 18هـ عن 58 سنة.
وممن شهد له النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بالجنة الحسن، والحسين، وثابت بن قيس.
(5/80)

قال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» . رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في ثابت بن قيس: «إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة» . رواه البخاري.
فالحسن سبط رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وريحانته وهو أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ولد في 15 رمضان سنة 3هـ ومات في المدينة ودفن في البقيع في ربيع الأول سنة 50هـ.
والحسين سبط رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وريحانته وهو ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولد في شعبان سنة 4هـ وقتل في كربلاء في 10 محرم سنة 61هـ.
وثابت وهو ابن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي خطيب الأنصار قتل شهيدا يوم اليمامة سنة 11هـ في آخرها، أو أول سنة 12هـ.
المعينون من أهل النار في الكتاب والسنة
من المعينين بالقرآن: أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب عم النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان لقوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} إلى آخر السورة.
ومن المعينين بالسنة: أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب لقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل نعلين يغلي منهما دماغه» . رواه البخاري.
ومنهم عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي قال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رأيته يجر أمعاءه في النار» . رواه البخاري وغيره.
(5/81)

تكفير أهل القبلة بالمعاصي
أهل القبلة هم المسلمون المصلون إليها، لا يكفرون بفعل الكبائر، ولا يخرجون من الإسلام بذلك، ولا يخلدون في النار لقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} إلى قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} . فأثبت الأخوة الإيمانية مع القتال وهو من الكبائر، ولو كان كفرا لانتفت الأخوة الإيمانية.
وقال النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقول الله تعالى: «من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه» . يعني من النار. متفق عليه.
وخالف في هذا طائفتان:
الأولى: الخوارج قالوا: فاعل الكبيرة كافر خالد في النار.
الثانية: المعتزلة قالوا: فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان ليس بمؤمن ولا كافر في منزلة بين منزلتين وهو خالد في النار.
ونرد على الطائفتين بما يأتي:
1 - مخالفتهم لنصوص الكتاب، والسنة.
2- مخالفتهم لإجماع السلف.
حقوق الصحابة رضي الله عنهم
للصحابة رضي الله عنهم فضل عظيم على هذه الأمة حيث قاموا بنصرة الله، ورسوله، والجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وحفظ دين الله بحفظ كتابه، وسنة رسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، علما، وعملا، وتعليما حتى بلغوه الأمة نقيا طريا.
(5/82)

وقد أثنى الله عليهم في كتابه أعظم ثناء حيث يقول في سورة الفتح: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} . إلى آخر السورة.
وحمى رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمى كرامتهم - حيث يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» . متفق عليه. فحقوقهم على الأمة من أعظم الحقوق، فلهم على الأمة:
1 - محبتهم بالقلب، والثناء عليهم باللسان بما أسدوه من المعروف والإحسان.
2 - الترحم عليهم، والاستغفار لهم تحقيقا لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} .
3 - الكف عن مساوئهم التي إن صدرت عن أحد منهم فهي قليلة بالنسبة لما لهم من المحاسن والفضائل وربما تكون صادرة عن اجتهاد مغفور وعمل معذور لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تسبوا أصحابي» . الحديث.
حكم سب الصحابة
سب الصحابة على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يسبهم بما يقتضي كفر أكثرهم، أو أن عامتهم فسقوا، فهذا كفر؛ لأنه تكذيب لله ورسوله بالثناء عليهم والترضي عنهم، بل من شك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين؛ لأن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب أو السنة كفار، أو فساق.
(5/83)

الثاني: أن يسبهم باللعن والتقبيح، ففي كفره قولان لأهل العلم وعلى القول بأنه لا يكفر يجب أن يجلد ويحبس حتى يموت أو يرجع عما قال.
الثالث: أن يسبهم بما لا يقدح في دينهم كالجبن والبخل فلا يكفر ولكن يعزر بما يردعه عن ذلك، ذكر معنى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "الصارم المسلول " ونقل عن أحمد في ص 573 قوله: (لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب أو نقص، فمن فعل ذلك أدب، فإن تاب وإلا جلد في الحبس حتى يموت أو يرجع) .
حقوق زوجات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
زوجات النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، زوجاته في الدنيا والآخرة، وأمهات المؤمنين ولهن من الحرمة والتعظيم ما يليق بهن كزوجات لخاتم النبيين فهن من آل بيته طاهرات، مطهرات، طيبات، مطيبات، بريئات، مبرآت من كل سوء يقدح في أعراضهن وفرشهن، فالطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، فرضي الله عنهن وأرضاهن أجمعين وصلى الله وسلم على نبيه الصادق الأمين.
زوجاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللاتي كان فراقهن بالوفاة وهن:
1 - خديجة بنت خويلد أم أولاده - ما عدا إبراهيم - تزوجها رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بعد زوجين: الأول عتيق بن عابد، والثاني أبو هالة التميمي ولم يتزوج، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عليها حتى ماتت سنة 10 من البعثة قبل المعراج.
2 - عائشة بنت أبي بكر الصديق أريها، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في المنام مرتين أو ثلاثا وقيل: هذه امرأتك فعقد عليها ولها ست سنين بمكة ودخل عليها في المدينة ولها تسع سنين توفيت سنة 58هـ.
(5/84)

3 - سودة بنت زمعة العامرية، تزوجها بعد زوج مسلم هو السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو توفيت آخر خلافة عمر وقيل: سنة 54هـ.
4 - حفصة بنت عمر بن الخطاب تزوجها، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بعد زوج مسلم هو خنيس بن حذافة الذي قتل في أحد وماتت سنة 41هـ.
5 - زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين تزوجها بعد استشهاد زوجها عبد الله بن جحش في أحد وماتت سنة 4هـ بعد زواجها بيسير.
6 - أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية تزوجها بعد موت زوجها أبي سلمة عبد الله ابن عبد الأسد من جراحة أصابته في أحد وماتت سنة 61هـ.
7 - زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تزوجها بعد مولاه زيد بن حارثة سنة 5هـ وماتت سنة 20هـ.
8 - جويرية بنت الحارث الخزاعية تزوجها بعد زوجها مسافع بن صفوان وقيل: مالك بن صفوان سنة 6هـ وماتت سنة 56هـ.
9 - أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان تزوجها بعد زوج أسلم ثم تنصر هو عبيد الله بن جحش وماتت في المدينة في خلافة أخيها سنة 44هـ.
10 - صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير من ذرية هارون بن عمران، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أعتقها وجعل عتقها صداقها بعد زوجين أولهما سلام بن مشكم. والثاني كنانة بن أبي الحقيق بعد فتح خيبر سنة 6هـ وماتت سنة 50هـ.
11 - ميمونة بنت الحارث الهلالية تزوجها سنة 7هـ في عمرة القضاء بين زوجين: الأول ابن عبد ياليل والثاني أبو رهم بن عبد العزى، بنى بها في سرف وماتت فيه سنة 51هـ.
(5/85)

فهؤلاء زوجات النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللاتي كان فراقهن بالوفاة اثنتان توفيتا قبله وهما: خديجة، وزينب بنت خزيمة، وتسع توفي عنهن وهن البواقي.
وبقي اثنتان لم يدخل بهما، ولا يثبت لهما من الأحكام والفضيلة ما يثبت للسابقات وهما:
1 - أسماء بنت النعمان الكندية تزوجها النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم فارقها واختلف في سبب الفراق فقال ابن إسحاق إنه وجد في كشحها بياضا ففارقها فتزوجها بعده المهاجر بن أبي أمية.
2 - أميمة بنت النعمان بن شراحيل الجونية وهي التي قالت: " أعوذ بالله منك " ففارقها والله أعلم.
وأفضل زوجات النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خديجة، وعائشة رضي الله عنهما، ولكل منهما مزية على الأخرى، فلخديجة في أول الإسلام ما ليس لعائشة من السبق والمؤازرة، والنصرة، ولعائشة في آخر الأمر ما ليس لخديجة من نشر العلم، ونفع الأمة، وقد برأها الله مما رماها به أهل النفاق من الإفك في سورة النور.
قذف أمهات المؤمنين
قذف عائشة بما برأها الله منه كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن وفي قذف غيرها من أمهات المؤمنين قولان لأهل العلم: أصحهما أنه كفر؛ لأنه قدح في النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن الخبيثات للخبيثين.
معاوية بن أبي سفيان
هو أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب، ولد قبل البعثة بخمس سنين، وأسلم عام الفتح وقيل: أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه ولاه عمر الشام واستمر عليه، وتسمى بالخلافة بعد الحكمين عام 37هـ
(5/86)

واجتمع الناس عليه بعد تنازل الحسن بن علي سنة 41هـ كان يكتب للنبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن جملة كتاب الوحي، توفي في رجب سنة 60هـ عن 78سنة، وإنما ذكره المؤلف وأثنى عليه للرد على الروافض الذين يسبونه ويقدحون فيه، وسماه خال المؤمنين لأنه أخو أم حبيبة إحدى أمهات المؤمنين وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ص 199 ج2 نزاعا بين العلماء هل يقال لإخوة أمهات المؤمنين: أخوال المؤمنين أم لا؟
الخلافة
الخلافة منصب كبير، ومسئولية عظيمة، وهي تولي تدبير أمور المسلمين بحيث يكون هو المسئول الأول في ذلك، وهي فرض كفاية؛ لأن أمور الناس لا تقوم إلا بها.
وتحصل الخلافة بواحد من أمور ثلاثة:
الأول: النص عليه من الخليفة السابق، كما في خلافة عمر بن الخطاب فإنها بنص من أبي بكر رضي الله عنه.
الثاني: اجتماع أهل الحل والعقد سواء كانوا معينين من الخليفة السابق كما في خلافة عثمان رضي الله عنه، فإنها باجتماع من أهل الحل والعقد المعينين من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أم غير معينين كما في خلافة أبي بكر رضي الله عنه على أحد الأقوال، وكما في خلافة علي رضي الله عنه.
الثالث: القهر والغلبة كما في خلافة عبد الملك بن مروان حين قتل ابن الزبير وتمت الخلافة له.
(5/87)

حكم طاعة الخليفة
طاعة الخليفة وغيره من ولاة الأمور واجبة في غير معصية الله لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} .
ولقوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السمع والطاعة على المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» . متفق عليه.
وسواء كان الإمام برا وهو القائم بأمر الله فعلا وتركا، أو فاجرا وهو الفاسق لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إلا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة» . رواه مسلم.
والحج والجهاد مع الأئمة ماضيان نافذان، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة سواء كانوا أبرارا أو فجارا؛ لأن مخالفتهم في ذلك توجب شق عصا المسلمين والتمرد عليهم.
والحديث الذي ذكره المؤلف «ثلاث من أصل الإيمان» . . ." إلخ ضعيف كما رمز له السيوطي في الجامع الصغير، وفيه راو قال المزي: إنه مجهول. وقال المنذري في مختصر أبي داود: شبه مجهول.
والثلاث الخصال المذكورة فيه هي: «الكف عمن قال: لا إله إلا الله» والثانية: " «الجهاد ماض» إلخ. والثالثة: «الإيمان بالأقدار» .
والخروج على الإمام محرم لقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «بايعنا رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على السمع والطاعة في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان» . متفق عليه.
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد»
(5/88)

«برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع " قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: " لا ما صلوا لا ما صلوا. أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه» . رواه مسلم.
ومن فوائد الحديثين أن ترك الصلاة كفر بواح؛ لأن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لم يجز الخروج على الأئمة إلا بكفر بواح، وجعل المانع من قتالهم فعل الصلاة فدل على أن تركها مبيح لقتالهم، وقتالهم لا يباح إلا بكفر بواح كما في حديث عبادة.
هجران أهل البدع
الهجران مصدر هجر وهو لغة: الترك.
والمراد بهجران أهل البدع: الابتعاد عنهم، وترك محبتهم، وموالاتهم، والسلام عليهم، وزيارتهم، وعيادتهم، ونحو ذلك.
وهجران أهل البدع واجب لقوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} . ولأن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هجر كعب بن مالك وصاحبيه حين تخلفوا عن غزوة تبوك.
لكن إن كان في مجالستهم مصلحة لتبيين الحق لهم وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك، وربما يكون ذلك مطلوبا لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} . وهذا قد يكون بالمجالسة، والمشافهة، وقد يكون بالمراسلة، والمكاتبة، ومن هجر أهل البدع: ترك النظر في كتبهم خوفا من الفتنة بها، أو ترويجها بين الناس فالابتعاد عن مواطن الضلال واجب لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في الدجال: «من سمع به فلينأ عنه فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما»
(5/89)

«يبعث به من الشبهات» . رواه أبو داود قال الألباني: وإسناده صحيح.
لكن إن كان الغرض من النظر في كتبهم معرفة بدعتهم للرد عليها فلا بأس بذلك لمن كان عنده من العقيدة الصحيحة ما يتحصن به وكان قادرا على الرد عليهم، بل ربما كان واجبا؛ لأن رد البدعة واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الجدال والخصام في الدين
الجدال: مصدر جادل، والجدل منازعة الخصم للتغلب عليه، وفي القاموس الجدل: اللدد في الخصومة، والخصام: المجادلة فهما بمعنى واحد.
وينقسم الخصام والجدال في الدين إلى قسمين:
الأول: أن يكون الغرض من ذلك إثبات الحق وإبطال الباطل وهذا مأمور به إما وجوبا، أو استحبابا بحسب الحال لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} .
الثاني: أن يكون الغرض منه التعنيت، أو الانتصار للنفس، أو للباطل فهذا قبيح منهي عنه لقوله تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} . وقوله: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} .
علامة أهل البدع وذكر بعض طوائفهم:
لأهل البدع علامات منها:
1 - أنهم يتصفون بغير الإسلام، والسنة بما يحدثونه من البدع القولية، والفعلية، والعقيدية.
(5/90)

2 - أنهم يتعصبون لآرائهم، فلا يرجعون إلى الحق وإن تبين لهم.
3 - أنهم يكرهون أئمة الإسلام والدين.
ومن طوائفهم:
1 - الرافضية: وهم الذين يغلون في آل البيت ويكفرون من عداهم من الصحابة، أو يفسقونهم، وهم فرق شتى فمنهم الغلاة الذين ادعوا أن عليا إله ومنهم دون ذلك.
وأول ما ظهرت بدعتهم في خلافة علي بن أبي طالب حين قال له عبد الله بن سبأ: أنت الإله فأمر علي - رضي الله عنه - بإحراقهم وهرب زعيمهم عبد الله بن سبأ إلى المدائن.
ومذهبهم في الصفات مختلف: فمنهم المشبه، ومنهم المعطل، ومنهم المعتدل.
وسموا رافضة لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حين سألوه عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فترحم عليهما فرفضوه وأبعدوا عنه.
وسموا أنفسهم شيعة لأنهم يزعمون أنهم يتشيعون لآل البيت وينتصرون لهم ويطالبون بحقهم في الإمامة.
2 - الجهمية: نسبة إلى الجهم بن صفوان الذي قتله سالم أو سلم بن أحوز سنة 121هـ.
مذهبهم في الصفات التعطيل، والنفي، وفي القدر القول بالجبر، وفي الإيمان القول بالإرجاء وهو أن الإيمان مجرد الإقرار بالقلب وليس القول والعمل من الإيمان ففاعل الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان فهم معطلة، جبرية، مرجئة وهم فرق كثيرة.
(5/91)

3 - الخوارج: وهم الذين خرجوا لقتال علي بن أبي طالب بسبب التحكيم.
مذهبهم التبرؤ من عثمان، وعلي، والخروج على الإمام إذا خالف السنة وتكفير فاعل الكبيرة، وتخليده في النار، وهم فرق عديدة.
4 - القدرية: وهم الذين يقولون بنفي القدر عن أفعال العبد، وأن للعبد إرادة وقدرة مستقلتين عن إرادة الله وقدرته، وأول من أظهر القول به معبد الجهني في أواخر عصر الصحابة تلقاه عن رجل مجوسي في البصرة.
وهم فرقتان غلاة، وغير غلاة، فالغلاة ينكرون علم الله، وإرادته، وقدرته، وخلقه لأفعال العبد وهؤلاء انقرضوا أو كادوا. وغير الغلاة يؤمنون بأن الله عالم بأفعال العباد، لكن ينكرون وقوعها بإرادة الله، وقدرته، وخلقه، وهو الذي استقر عليه مذهبهم.
5 - المرجئة: وهم الذين يقولون بإرجاء العمل عن الإيمان أي تأخيره عنه فليس العمل عندهم من الإيمان، والإيمان مجرد الإقرار بالقلب، فالفاسق عندهم مؤمن كامل الإيمان، وإن فعل ما فعل من المعاصي أو ترك ما ترك من الطاعات، وإذا حكمنا بكفر من ترك بعض شرائع الدين فذلك لعدم الإقرار بقلبه لا لترك هذا العمل، وهذا مذهب الجهمية وهو مع مذهب الخوارج على طرفي نقيض.
6 - المعتزلة: أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري، وقرر أن الفاسق في منزلة بين منزلتين لا مؤمن ولا كافر، وهو مخلد في النار، وتابعه في ذلك عمرو بن عبيد.
ومذهبهم في الصفات التعطيل كالجهمية، وفي القدر قدرية ينكرون تعلق قضاء الله وقدره بأفعال العبد، وفي فاعل الكبيرة أنه مخلد في النار وخارج من الإيمان في منزلة بين منزلتين الإيمان والكفر، وهم عكس الجهمية في هذين الأصلين.
(5/92)

7 - الكرامية: أتباع محمد بن كرام المتوفى سنة 255هـ يميلون إلى التشبيه، والقول بالإرجاء وهم طوائف متعددة.
8 - السالمة: أتباع رجل يقال له: ابن سالم يقولون بالتشبيه.
وهذه هي الطوائف التي ذكرها المؤلف ثم قال: ونظائرهم مثل الأشعرية أتباع أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري كان في أول أمره يميل إلى الاعتزال حتى بلغ الأربعين من عمره، ثم أعلن توبته من ذلك، وبين بطلان مذهب المعتزلة وتمسك بمذهب أهل السنة رحمه الله، أما من ينتسبون إليه فبقوا على مذهب خاص يعرف بمذهب الأشعرية لا يثبتون من الصفات إلا سبعا زعموا أن العقل دل عليها ويؤولون ما عداها وهي المذكورة في هذا البيت:
حي عليم قدير والكلام له ... إرادة وكذاك السمع والبصر
ولهم بدع أخرى في معنى الكلام، والقدر وغير ذلك.
الخلاف في الفروع
الفروع جمع فرع وهو لغة ما بني على غيره.
واصطلاحا: ما لا يتعلق بالعقائد كمسائل الطهارة، والصلاة ونحوها.
والاختلاف فيها ليس بمذموم حيث كان صادرا عن نية خالصة واجتهاد، لا عن هوى وتعصب؛ لأنه وقع في عهد النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم ينكره حيث قال في غزوة بني قريظة: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ". فحضرت الصلاة قبل وصولهم فأخر بعضهم الصلاة حتى وصلوا بني قريظة وصلى بعضهم حين خافوا خروج الوقت ولم ينكر النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على واحد منهم» . رواه البخاري، ولأن الاختلاف فيها موجود في الصحابة وهم
(5/93)

خير القرون، ولأنه لا يورث عداوة، ولا بغضاء، ولا تفرق كلمة بخلاف الاختلاف في الأصول.
وقول المؤلف: " المختلفون فيه محمودون في اختلافهم " ليس ثناء على الاختلاف فإن الاتفاق خير منه، وإنما المراد به نفي الذم عنه، وأن كل واحد محمود على ما قال؛ لأنه مجتهد فيه مريد للحق فهو محمود على اجتهاده واتباع ما ظهر له من الحق وإن كان قد لا يصيب الحق، وقوله: " إن الاختلاف في الفروع رحمة وإن اختلافهم رحمة واسعة "، أي داخل في رحمة الله وعفوه حيث لم يكلفهم أكثر مما يستطيعون ولم يلزمهم بأكثر مما ظهر لهم، فليس عليهم حرج في هذا الاختلاف، بل هم فيه داخلون تحت رحمة الله وعفوه، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد.
الإجماع وحكمه
الإجماع لغة: العزم والاتفاق.
واصطلاحا: اتفاق العلماء المجتهدين من أمة محمد، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على حكم شرعي بعد النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وهو حجة لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} . وقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» . رواه الترمذي.
(5/94)

التقليد
التقليد لغة: وضع القلادة في العنق.
واصطلاحا: اتباع قول الغير بلا حجة.
وهو جائز لمن لا يصل إلى العلم بنفسه لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .
والمذاهب المشهورة أربعة:
المذهب الحنفي: وإمامه أبو حنيفة النعمان بن ثابت إمام أهل العراق، ولد سنة 80هـ وتوفي سنة 150هـ.
المالكي: وإمامه أبو عبد الله مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، ولد سنة 93هـ وتوفي سنة 179هـ.
الشافعي: وإمامه أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ولد سنة 150هـ وتوفي سنة 204هـ.
الحنبلي: وإمامه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، ولد سنة 164هـ وتوفي سنة 241هـ.
وهناك مذاهب أخرى كمذهب الظاهرية، والزيدية، والسفيانية، وغيرهم، وكل يؤخذ من قوله ما كان صوابا، ويترك من قوله ما كان خطأ، ولا عصمة إلا في كتاب الله، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
نسأل الله أن يجعلنا من المتمسكين بكتابه وسنة رسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ظاهرا وباطنا، وأن يتوفانا على ذلك، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
(5/95)

والحمد لله كثيرا، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه، عز جلاله، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
تم في عصر الجمعة الموافق 10\1\1392هـ.
بقلم مؤلفه
الفقير إلى الله
محمد الصالح العثيمين
(5/96)

نبذة في العقيدة
(5/97)

[أهمية علم التوحيد]
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما.
أما بعد: فإن (علم التوحيد) أشرف العلوم، وأجلها قدرا، وأوجبها مطلبا؛ لأنه العلم بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وحقوقه على عباده.
ولأنه مفتاح الطريق إلى الله تعالى، وأساس شرائعه.
ولذا أجمعت الرسل على الدعوة إليه، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} .
وشهد لنفسه تعالى بالوحدانية، وشهد بها له ملائكته، وأهل العلم، قال الله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
ولما كان هذا شأن التوحيد، كان لزاما على كل مسلم أن يعتني به تعلما، وتعليما، وتدبرا، واعتقادا، ليبني دينه على أساس سليم، واطمئنان، وتسليم يسعد بثمراته، ونتائجه.
الدين الإسلامي:
الدين الإسلامي: (هو الدين الذي بعث الله به محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ختم الله به الأديان وأكمله لعباده، وأتم به عليهم النعمة، ورضيه لهم دينا، فلا يقبل
(5/99)

من أحد دينا سواه، قال الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} .
وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} .
وقال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} .
وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .
وقد فرض الله تعالى على جميع الناس أن يدينوا لله تعالى به فقال مخاطبا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» .
والإيمان به: (تصديق ما جاء به مع القبول، والإذعان، لا مجرد التصديق) . ولهذا لم يكن أبو طالب مؤمنا بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع تصديقه لما جاء به، وشهادته بأنه من خير الأديان.
والدين الإسلامي: متضمن لجميع المصالح التي تضمنتها الأديان
(5/100)

السابقة، متميز عليها بكونه صالحا لكل زمان، ومكان وأمة، قال الله تعالى مخاطبا رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} .
ومعنى كونه صالحا لكل زمان، ومكان، وأمة: أن التمسك به لا ينافي مصالح الأمة في أي زمان، أو مكان، بل هو صلاحها، وليس معنى ذلك أنه خاضع لكل زمان ومكان وأمة كما يريده بعض الناس.
والدين الإسلامي: هو دين الحق الذي ضمن الله تعالى لمن تمسك به حق التمسك أن ينصره، ويظهره على من سواه، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} .
وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .
والدين الإسلامي: عقيدة، وشريعة، فهو كامل في عقيدته، وشرائعه:
1 - يأمر بتوحيد الله تعالى، وينهى عن الشرك.
2 - يأمر بالصدق، وينهى عن الكذب.
3 - يأمر بالعدل (1) ، وينهى عن الجور.
__________
(1) العدل: هو المساواة بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، وليس العدل المساواة المطلقة كما ينطق به بعض الناس حين يقول: دين الإسلام دين المساواة ويطلق فإن المساواة بين المختلفات جور لا يأتي به الإسلام ولا يحمد فاعله.
(5/101)

4 - يأمر بالأمانة، وينهى عن الخيانة.
5 - يأمر بالوفاء، وينهى عن الغدر.
6 - يأمر ببر الوالدين، وينهى عن العقوق.
7 - يأمر بصلة الأرحام وهم الأقارب، وينهى عن القطيعة.
8 - يأمر بحسن الجوار، وينهى عن سيئه.
وعموم القول أن (الإسلام) يأمر بكل خلق فاضل، وينهى عن كل خلق سافل.
ويأمر بكل عمل صالح، وينهى عن كل عمل سيئ.
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .
(5/102)

أركان الإسلام
أركان الإسلام: أسسه التي ينبني عليها، وهي - خمسة - مذكورة فيما رواه - ابن عمر رضي الله عنهما - عن النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: «بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله (وفي رواية على خمس) : شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج ". فقال رجل: الحج، وصيام رمضان، قال: لا، صيام رمضان، والحج. هكذا سمعته من رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . متفق عليه. واللفظ لمسلم.
1 - أما شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله فهي: الاعتقاد الجازم المعبر عنه باللسان بهذه الشهادة، كأنه بجزمه في ذلك مشاهد له، وإنما جعلت هذه الشهادة ركنا واحدا مع تعدد المشهود به:
إما لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبلغ عن الله تعالى،فالشهادة له بالعبودية والرسالة من تمام شهادة أن لا إله إلا الله.
وإما لأن هاتين الشهادتين أساس صحة الأعمال وقبولها، إذ لا صحة لعمل، ولا قبول، إلا بالإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، فبالإخلاص تتحقق شهادة أن لا إله إلا الله، وبالمتابعة لرسول الله تتحقق شهادة أن محمدا عبده ورسوله.
ومن ثمرات الشهادة العظيمة: تحرير القلب والنفس من الرق للمخلوقين، والاتباع لغير المرسلين.
2 - وأما إقام الصلاة: فهو التعبد لله تعالى بفعلها على وجه الاستقامة والتمام في أوقاتها وهيئاتها.
(5/103)

ومن ثمراته: انشراح الصدر، وقرة العين، والانزجار عن الفحشاء والمنكر.
3 - وأما إيتاء الزكاة: فهو التعبد لله تعالى ببذل القدر الواجب في الأموال الزكوية المستحقة.
ومن ثمراته: تطهير النفس من الخلق الرذيل (البخل) ، وسد حاجة الإسلام والمسلمين.
4 - وأما صوم رمضان: فهو التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات نهار رمضان.
ومن ثمراته: ترويض النفس عن ترك المحبوبات طلبا لمرضاة الله عز وجل.
5 - وأما حج البيت: فهو التعبد لله تعالى بقصد البيت الحرام للقيام بشعائر الحج.
ومن ثمراته: ترويض النفس على بذل المجهود المالي والبدني في طاعة الله تعالى، ولهذا كان الحج نوعا من الجهاد في سبيل الله تعالى.
وهذه الثمرات التي ذكرناها لهذه الأسس وما لم نذكره تجعل من الأمة أمة إسلامية نقية، تدين لله دين الحق، وتعامل الخلق بالعدل والصدق؛ لأن ما سواها من شرائع الإسلام يصلح بصلاح هذه الأسس، وتصلح أحوال الأمة بصلاح أمر دينها، ويفوتها من صلاح أحوالها بقدر ما فاتها من صلاح أمور دينها.
ومن أراد استبانة ذلك فليقرأ قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ}
(5/104)

{أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} . ولينظر في تاريخ من سبق، فإن في التاريخ عبرة لأولي الألباب، وبصيرة لمن لم يحل دون قلبه حجاب. والله المستعان.
(5/105)

أسس العقيدة الإسلامية
الدين الإسلامي - كما سبق - عقيدة وشريعة، وقد أشرنا إلى شيء من شرائعه وذكرنا أركانه التي تعتبر أساسا لشرائعه.
- أما " العقيدة الإسلامية " فأسسها الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
وقد دل على هذه الأسس كتاب الله وسنة رسوله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) .
ففي كتاب الله تعالى يقول الله: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} .
ويقول في القدر: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} .
وفي سنة رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مجيبا لجبريل حين سأله عن الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» . رواه مسلم.
(5/106)

الإيمان بالله تعالى
الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجود الله تعالى:
وقد دل على وجوده تعالى: الفطرة، والعقل، والشرع، والحس.
1 - أما دلالة الفطرة على وجوده: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها لقول النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» . رواه البخاري.
2 - وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى: فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها لا بد لها من خالق أوجدها إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجد صدفة.
لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها لأن الشيء لا يخلق نفسه، لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقا؟
ولا يمكن أن توجد صدفة؛ لأن كل حادث لا بد له من محدث، ولأن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنع منعا باتا أن يكون وجودها صدفة، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظما حال بقائه وتطوره؟
وإذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها، ولا أن توجد صدفة تعين أن يكون لها موجد وهو الله رب العالمين.
(5/107)

وقد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي في سورة الطور، حيث قال: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} يعني أنهم لم يخلقوا من غير خالق، ولا هم الذين خلقوا أنفسهم، فتعين أن يكون خالقهم هو الله تبارك وتعالى، ولهذا «لما سمع - جبير بن مطعم - رضي الله عنه رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقرأ سورة الطور فبلغ هذه الآيات: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ} وكان - جبير - يومئذ مشركا قال: (كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي» رواه - البخاري - مفرقا.
ولنضرب مثلا يوضح ذلك، فإنه لو حدثك شخص عن قصر مشيد، أحاطت به الحدائق، وجرت بينها الأنهار، ومليء بالفرش والأسرة، وزين بأنواع الزينة من مقوماته ومكملاته، وقال لك: إن هذا القصر وما فيه من كمال قد أوجد نفسه، أو وجد هكذا صدفة بدون موجد، لبادرت إلى إنكار ذلك وتكذيبه، وعددت حديثه سفها من القول، أفيجوز بعد ذلك أن يكون هذا الكون الواسع بأرضه، وسمائه، وأفلاكه، وأحواله، ونظامه البديع الباهر، قد أوجد نفسه، أو وجد صدفة بدون موجد؟ !
3 - وأما دلالة الشرع على وجود الله تعالى: فلأن الكتب السماوية كلها تنطق بذلك، وما جاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به.
4 - وأما أدلة الحس على وجود الله فمن وجهين:
أحدهما: أننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين، وغوث المكروبين، ما يدل دلالة قاطعة على وجوده تعالى، قال الله تعالى: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ}
(5/108)

وقال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} وفي صحيح البخاري عن - أنس بن مالك - رضي الله عنه: «أن أعرابيا دخل يوم الجمعة والنبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يخطب، فقال: " يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا " فرفع يديه ودعا فثار السحاب أمثال الجبال فلم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. وفي الجمعة الثانية قام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: " يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا " فرفع يديه وقال: " اللهم حوالينا ولا علينا " فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت» .
وما زالت إجابة الداعين أمرا مشهودا إلى يومنا هذا لمن صدق اللجوء إلى الله تعالى وأتى بشرائط الإجابة.
الوجه الثاني: أن (آيات الأنبياء) التي تسمى (المعجزات) ويشاهدها الناس، أو يسمعون بها، برهان قاطع على وجود مرسلهم، وهو الله تعالى؛ لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر، يجريها الله تعالى، تأييدا لرسله ونصرا لهم.
مثال ذلك آية موسى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حين أمره الله تعالى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فانفلق اثني عشر طريقا يابسا، والماء بينهما كالجبال، قال الله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} .
ومثال ثان: (آية عيسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حيث كان يحيي الموتى، ويخرجهم من قبورهم بإذن الله، قال الله تعالى عنه: {وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} ، وقال:
(5/109)

{وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي} .
ومثال ثالث (لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حين طلبت منه قريش آية، فأشار إلى القمر فانفلق فرقتين فرآه الناس، وفي ذلك قوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} .
فهذه الآيات المحسوسة التي يجريها الله تعالى تأييدا لرسله، ونصرا لهم، تدل دلالة قطعية على وجوده تعالى.
الثاني: الإيمان بربوبيته:
[أي بأنه وحده الرب لا شريك له ولا معين] .
والرب: من له الخلق، والملك، والأمر، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا هو، ولا أمر إلا له، قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} وقال: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} .
ولم يعلم أن أحدا من الخلق أنكر ربوبية الله سبحانه، إلا أن يكون مكابرا غير معتقد بما يقول، كما حصل من - فرعون - حين قال لقومه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} ، وقال: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} لكن ذلك ليس عن عقيدة. قال الله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} وقال موسى لفرعون فيما حكى الله عنه:
(5/110)

{لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} .
ولهذا كان المشركون يقرون بربوبية الله تعالى، مع إشراكهم به في الألوهية، قال الله تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} .
وقال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} وقال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} .
وأمر الرب سبحانه شامل للأمر الكوني والشرعي فكما أنه مدبر الكون القاضي فيه بما يريد حسب ما تقتضيه حكمته، فهو كذلك الحاكم فيه بشرع العبادات وأحكام المعاملات حسبما تقتضيه حكمته، فمن اتخذ مع الله تعالى مشرعا في العبادات، أو حاكما في المعاملات فقد أشرك به ولم يحقق الإيمان.
الثالث: الإيمان بألوهيته:
أي (بأنه وحده الإله الحق لا شريك له) ، و"الإله" بمعنى "المألوه" أي "المعبود" حبا وتعظيما، وقال الله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} وقال تعالى:
(5/111)

{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . وكل ما اتخذ إلها مع الله يعبد من دونه فألوهيته باطلة، قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} وتسميتها آلهة لا يعطيها حق الألوهية قال الله تعالى في (اللات والعزى ومناة) : {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} وقال عن هود: إنه قال لقومه: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} . وقال عن يوسف إنه قال لصاحبي السجن: {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} . ولهذا كانت الرسل عليهم الصلاة والسلام يقولون لأقوامهم: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ، ولكن أبى ذلك المشركون، واتخذوا من دون الله آلهة، يعبدونهم مع الله سبحانه وتعالى، ويستنصرون بهم ويستغيثون.
وقد أبطل الله تعالى اتخاذ المشركين هذه الآلهة ببرهانين عقليين:
الأول: أنه ليس في هذه الآلهة التي اتخذوها شيء من خصائص الألوهية، فهي مخلوقة لا تخلق، ولا تجلب نفعا لعابديها، ولا تدفع عنهم ضررا، ولا تملك لهم حياة، ولا موتا، ولا يملكون شيئا من السماوات ولا يشاركون فيه.
قال الله تعالى:
(5/112)

{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} .
وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} . وقال: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} .
وإذا كانت هذه حال تلك الآلهة فإن اتخاذها آلهة من أسفه السفه وأبطل الباطل.
والثاني: أن هؤلاء المشركين كانوا يقرون بأن الله تعالى وحده الرب الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وهذا يستلزم أن يوحدوه بالألوهية كما وحدوه بالربوبية كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
وقال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} .
وقال: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} .
الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته أي (إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو
(5/113)

سنة رسوله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . وقال: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
وقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
وقد ضل في هذا الأمر طائفتان:
إحداهما: (المعطلة) الذين أنكروا الأسماء، والصفات، أو بعضها، زاعمين أن إثباتها لله يستلزم التشبيه، أي تشبيه الله تعالى بخلقه، وهذا الزعم باطل لوجوه منها:
الأول: أنه يستلزم لوازم باطلة كالتناقض في كلام الله سبحانه، وذلك أن الله تعالى أثبت لنفسه الأسماء، والصفات، ونفى أن يكون كمثله شيء، ولو كان إثباتها يستلزم التشبيه لزم التناقض في كلام الله وتكذيب بعضه بعضا.
الثاني: أنه لا يلزم من اتفاق الشيئين في اسم أو صفة أن يكونا متماثلين، فأنت ترى الشخصين يتفقان في أن كلا منهما إنسان سميع، بصير، متكلم، ولا يلزم من ذلك أن يتماثلا في المعاني الإنسانية، والسمع، والبصر، والكلام، وترى الحيوانات لها أيد وأرجل، وأعين، ولا يلزم من اتفاقها هذا أن تكون أيديها وأرجلها، وأعينها متماثلة.
فإذا ظهر التباين بين المخلوقات فيما تتفق فيه من أسماء، أو صفات، فالتباين بين الخالق والمخلوق أبين وأعظم.
الطائفة الثانية: (المشبهة) الذين أثبتوا الأسماء والصفات مع تشبيه الله
(5/114)

تعالى بخلقه زاعمين أن هذا مقتضى دلالة النصوص؛ لأن الله تعالى يخاطب العباد بما يفهمون، وهذا الزعم باطل لوجوه منها:
الأول: أن مشابهة الله تعالى لخلقه أمر باطل يبطله العقل، والشرع، ولا يمكن أن يكون مقتضى نصوص الكتاب والسنة أمرا باطلا.
الثاني: أن الله تعالى خاطب العباد بما يفهمون من حيث أصل المعنى، أما الحقيقة والكنه الذي عليه ذلك المعنى فهو مما استأثر الله تعالى بعلمه فيما يتعلق بذاته، وصفاته.
فإذا أثبت الله لنفسه أنه سميع، فإن السمع معلوم من حيث أصل المعنى (وهو إدراك الأصوات) لكن حقيقة ذلك بالنسبة إلى سمع الله تعالى غير معلومة؛ لأن حقيقة السمع تتباين حتى في المخلوقات، فالتباين فيها بين الخالق والمخلوق، أبين وأعظم.
وإذا أخبر الله تعالى عن نفسه أنه استوى على عرشه فإن الاستواء من حيث أصل المعنى معلوم، لكن حقيقة الاستواء التي هو عليها غير معلومة بالنسبة إلى استواء الله على عرشه؛ لأن حقيقة الاستواء تتباين في حق المخلوق، فليس الاستواء على كرسي مستقر كالاستواء على رحل بعير صعب نفور، فإذا تباينت في حق المخلوق، فالتباين فيها بين الخالق والمخلوق أبين وأعظم.
والإيمان بالله تعالى على ما وصفنا يثمر للمؤمنين ثمرات جليلة منها:
الأولى: تحقيق توحيد الله تعالى بحيث لا يتعلق بغيره رجاء، ولا خوف، ولا يعبد غيره.
الثانية: كمال محبة الله تعالى، وتعظيمه بمقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العليا.
الثالثة: تحقيق عبادته بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه.
(5/115)

الإيمان بالملائكة
الملائكة: (عالم غيبي مخلوقون، عابدون لله تعالى، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، خلقهم الله تعالى من نور، ومنحهم الانقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه) .
قال الله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} .
وهم عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه في قصة المعراج «أن النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رُفع له البيت المعمور في السماء يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم» .
والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجودهم.
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه (كجبريل) ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالا.
الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة (جبريل) فقد «أخبر النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنه رآه على صفته التي خُلِقَ عليها وله ستمائة جناح قد سد الأفق» .
وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل، كما حصل (لجبريل) حين أرسله تعالى إلى - مريم - فتمثل لها بشرا سويا، وحين «جاء إلى النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهو جالس في أصحابه جاءه بصفة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة،»
(5/116)

«فجلس إلى النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وسأل النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها، فأجابه النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فانطلق. ثم قال (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : " هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» . رواه مسلم.
وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم ولوط كانوا في صورة رجال.
الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى، كتسبيحه، والتعبد له ليلا ونهارا بدون ملل ولا فتور.
وقد يكون لبعضهم أعمال خاصة.
مثل: جبريل الأمين على وحي الله تعالى يرسله الله به إلى الأنبياء والرسل.
ومثل: ميكائيل الموكل بالقطر أي بالمطر والنبات.
ومثل إسرافيل: الموكل بالنفخ في الصور عند قيام الساعة وبعث الخلق.
ومثل: ملك الموت الموكل بقبض الأرواح عند الموت.
ومثل: مالك الموكل بالنار وهو خازن النار.
ومثل: الملائكة الموكلين بالأجنة في الأرحام إذا تم للإنسان أربعة أشهر في بطن أمه، بعث الله إليه ملكا وأمره بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد.
ومثل: الملائكة الموكلين بحفظ أعمال بني آدم وكتابتها لكل شخص، ملكان: أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال.
ومثل: الملائكة الموكلين بسؤال الميت إذا وضع في قبره يأتيه ملكان يسألانه عن ربه، ودينه، ونبيه.
(5/117)

والإيمان بالملائكة يثمر ثمرات جليلة منها:
الأولى: العلم بعظمة الله تعالى، وقوته، وسلطانه، فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق.
الثانية: شكر الله تعالى على عنايته ببني آدم، حيث وكل من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم، وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم.
الثالثة: محبة الملائكة على ما قاموا به من عبادة الله تعالى.
وقد أنكر قوم من الزائغين كون الملائكة أجساما، وقالوا: إنهم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات، وهذا تكذيب لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} .
وقال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} .
وقال: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} .
وقال: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} .
وقال في أهل الجنة: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} .
(5/118)

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» .
وفيه أيضا عنه قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر» .
وهذه النصوص صريحة في أن الملائكة أجسام لا قوى معنوية، كما قال الزائغون، وعلى مقتضى هذه النصوص أجمع المسلمون.
(5/119)

الإيمان بالكتب
الكتب: جمع (كتاب) بمعنى (مكتوب) .
والمراد بها هنا: [الكتب التي أنزلها تعالى على رسله رحمة للخلق، وهداية لهم؛ ليصلوا بها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة] .
والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن نزولها من عند الله حقا.
الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه كالقرآن الذي نزل على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (والتوراة) التي أنزلت على موسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (والإنجيل) الذي أنزل على عيسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (والزبور) الذي أوتيه داود صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما ما لم نعلم اسمه فنؤمن به إجمالا.
الثالث: تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.
الرابع: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا والتسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها، وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم، قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} أي (حاكما عليه) ، وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلا ما صح منها وأقره القرآن.
(5/120)

والإيمان بالكتب يثمر ثمرات جليلة منها:
الأولى: العلم بعناية الله تعالى بعباده حيث أنزل لكل قوم كتابا يهديهم به.
الثانية: العلم بحكمة الله تعالى في شرعه حيث شرع لكل قوم ما يناسب أحوالهم. كما قال الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} .
الثالثة: شكر نعمة الله في ذلك.
(5/121)

الإيمان بالرسل
الرسل: جمع (رسول) بمعنى (مرسل) أي (مبعوث) بإبلاغ شيء.
والمراد هنا: من أوحي إليه من البشر بشرع وأُمر بتبليغه.
وأول الرسل نوح وآخرهم محمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) .
قال الله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} .
وفي صحيح البخاري عن - أنس بن مالك - رضي الله عنه في «حديث الشفاعة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ذكر أن الناس يأتون إلى آدم ليشفع لهم فيعتذر إليهم، ويقول: ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله. .. وذكر تمام الحديث» .
وقال الله في محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} .
ولم تخل أمة من رسول يبعثه الله تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه.
أو نبي يوحى إليه بشريعة من قبله ليجددها، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} .
وقال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} . وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} .
(5/122)

- والرسل بشر مخلوقون ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، قال الله تعالى عن نبيه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو سيد الرسل وأعظمهم جاها عند الله: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .
وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} .
وتلحقهم خصائص البشرية من المرض، والموت، والحاجة إلى الطعام والشراب، وغير ذلك، قال الله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في وصفه لربه تعالى: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} .
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «"إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» .
وقد وصفهم الله تعالى بالعبودية له في أعلى مقاماتهم، وفي سياق الثناء عليهم فقال تعالى في نوح صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} . وقال في محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} .
وقال في إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب (صلى الله عليهم وسلم) :
{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}
(5/123)

{إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} .
وقال في عيسى ابن مريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} .
والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع، كما قال الله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} فجعلهم الله مكذبين لجميع الرسل، مع أنه لم يكن رسول غيره حين كذبوه، وعلى هذا فالنصارى الذين كذبوا محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يتبعوه هم مكذبون للمسيح ابن مريم غير متبعين له أيضا، لا سيما وأنه قد بشرهم بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا معنى لبشارتهم به إلا أنه رسول إليهم ينقذهم الله به من الضلالة، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه مثل: محمد وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح (عليهم الصلاة والسلام) وهؤلاء الخمسة هم أولو العزم من الرسل، وقد ذكرهم الله تعالى في موضعين من القرآن: في (سورة الأحزاب) في قوله:
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} وفي (سورة الشورى) في قوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} .
(5/124)

وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالا قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} .
الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.
الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المرسل إلى جميع الناس قال الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .
وللإيمان بالرسل ثمرات جليلة منها:
الأولى: العلم برحمة الله تعالى وعنايته بعباده حيث أرسل إليهم الرسل ليهدوهم إلى صراط الله تعالى، ويبينوا لهم كيف يعبدون الله؛ لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك.
الثانية: شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى.
الثالثة: محبة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتعظيمهم، والثناء عليهم بما يليق بهم؛ لأنهم رسل الله تعالى، ولأنهم قاموا بعبادته، وتبليغ رسالته، والنصح لعباده.
وقد كذب المعاندون رسلهم زاعمين أن رسل الله تعالى لا يكونون من البشر، وقد ذكر الله تعالى هذا الزعم وأبطله بقوله:
(5/125)

{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} فأبطل الله تعالى هذا الزعم بأنه لا بد أن يكون الرسول بشرا؛ لأنه مرسل إلى أهل الأرض، وهم بشر، ولو كان أهل الأرض ملائكة لنزل الله عليهم من السماء ملكا رسولا، ليكون مثلهم، وهكذا حكى الله تعالى عن المكذبين للرسل أنهم قالوا: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} .
(5/126)

الإيمان باليوم الآخر
اليوم الآخر: [يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء] .
وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم.
والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:
الأول: الإيمان بالبعث: وهو إحياء الموتى حين ينفخ في الصور النفخة الثانية، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة غير منتعلين، عراة غير مستترين، غرلا غير مختتنين، قال الله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} .
والبعث: حق ثابت دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} .
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يحشر الناس يوم القيامة حفاة غرلا» . متفق عليه.
وأجمع المسلمون على ثبوته، وهو مقتضى الحكمة، حيث تقتضي أن يجعل الله تعالى لهذه الخليقة معادا يجازيهم فيه على ما كلفهم به على ألسنة رسله، قال الله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} ، وقال لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} .
(5/127)

الثاني: الإيمان بالحساب والجزاء: يحاسب العبد على عمله، ويجازى عليه، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} ، وقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} ، وقال: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه (1) ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى أنه قد هلك قال: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} » . متفق عليه.
وصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أن من هم بحسنة فعملها، كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن من هم بسيئة فعملها، كتبها الله سيئة واحدة» .
وقد أجمع المسلمون على إثبات الحساب والجزاء على الأعمال، وهو مقتضى الحكمة؛ فإن الله تعالى أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وفرض على العباد قبول ما جاءوا به، والعمل بما يجب العمل به منه، وأوجب قتال المعارضين له، وأحل دماءهم وذرياتهم، ونساءهم، وأموالهم، فلو لم يكن حساب ولا جزاء؛ لكان هذا من العبث الذي ينزه الرب الحكيم عنه، وقد
__________
(1) كنفه: ستره.
(5/128)

أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} .
الثالث: الإيمان بالجنة والنار: وأنهما المآل الأبدي للخلق، فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين، الذين آمنوا بما أوجب الله عليهم الإيمان به، وقاموا بطاعة الله ورسوله، مخلصين لله متبعين لرسوله، فيها من أنواع النعيم: «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» .
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} ، وقال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
وأما النار فهي دار العذاب التي أعدها الله تعالى للكافرين الظالمين، الذين كفروا به، وعصوا رسله، فيها من أنواع العذاب والنكال ما لا يخطر على البال، قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} ، وقال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} ، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ} .
ويلتحق بالإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما يكون بعد الموت
(5/129)

مثل:
فتنة القبر: وهي سؤال الميت بعد دفنه عن ربه ودينه ونبيه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويضل الله الظالمين فيقول الكافر: هاه، هاه، لا أدري، ويقول المنافق أو المرتاب (1) : لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.
عذاب القبر ونعيمه: فيكون للظالمين من المنافقين والكافرين، قال الله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} .
وقال تعالى في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} .
وفي صحيح مسلم من حديث زيد بن ثابت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه، ثم أقبل بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعود بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال. قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال» .
وأما نعيم القبر فللمؤمنين الصادقين، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}
__________
(1) أو للشك من الراوي كما في الصحيحين.
(5/130)

وقال تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ} إلى آخر السورة.
وعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في المؤمن إذا أجاب الملكين في قبره: «ينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره» رواه أحمد وأبو داود في حديث طويل.

وللإيمان باليوم الآخر ثمرات جليلة منها:
الأولى: الرغبة في فعل الطاعة والحرص عليها رجاء لثواب ذلك اليوم.
الثانية: الرهبة من فعل المعصية والرضا بها خوفا من عقاب ذلك اليوم.
الثالثة: تسلية المؤمن عما يفوته من الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها.
وقد أنكر الكافرون البعث بعد الموت زاعمين أن ذلك غير ممكن، وهذا الزعم باطل دل على بطلانه الشرع والحس والعقل.
أما من الشرع: فقد قال الله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} ، وقد اتفقت جميع الكتب السماوية عليه.
(5/131)

وأما الحس: فقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، وفي سورة البقرة خمسة أمثلة على ذلك؛ وهي:

المثال الأول: قوم موسى حين قالوا له: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} ، فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم، وفي ذلك يقول الله تعالى مخاطبا بني إسرائيل: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

المثال الثاني: في قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها ليخبرهم بمن قتله، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .

المثال الثالث: في قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت وهم ألوف، فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم، وفي ذلك يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} .

المثال الرابع: في قصة الذي مر على قرية ميتة فاستبعد أن يحييها الله تعالى، فأماته الله تعالى مائة سنة ثم أحياه، وفي ذلك يقول الله تعالى:
(5/132)

{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ (1) وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
المثال الخامس: في قصة إبراهيم الخليل حين سأل الله تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى، فأمره الله تعالى أن يذبح أربعة من الطير، ويفرقهن أجزاء على الجبال التي حوله، ثم يناديهن، فتلتئم الأجزاء بعضها إلى بعض، ويأتين إلى إبراهيم سعيا، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .
فهذه أمثلة حسية واقعة تدل على إمكان إحياء الموتى، وقد سبق الإشارة إلى ما جعله الله تعالى من آيات عيسى ابن مريم في إحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله تعالى.
وأما دلالة العقل فمن وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى فاطر السماوات والأرض وما فيهما، خالقهما ابتداء، والقادر على ابتداء الخلق لا يعجز عن إعادته، قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} ، وقال تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} ، وقال آمرا بالرد على من أنكر
__________
(1) لم يتغير.
(5/133)

إحياء العظام، وهي رميم: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} .
الثاني: أن الأرض تكون ميتة هامدة ليس فيها شجرة خضراء، فينزل عليها المطر فتهتز خضراء حية فيها من كل زوج بهيج، والقادر على إحيائها بعد موتها، قادر على إحياء الأموات، قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} .
وقد ضل قوم من أهل الزيغ فأنكروا عذاب القبر ونعيمه، زاعمين أن ذلك غير ممكن لمخالفة الواقع، قالوا: فإنه لو كشف عن الميت في قبره لوجد كما كان عليه، والقبر لم يتغير بسعة ولا ضيق.
وهذا الزعم باطل بالشرع والحس والعقل.
أما الشرع: فقد سبقت النصوص الدالة على ثبوت عذاب القبر ونعيمه في فقرة (ب) مما يلتحق بالإيمان باليوم الآخر.
وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بعض حيطان المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما» ، وذكر الحديث، وفيه «أن أحدهما كان لا يستتر من البول - وفي رواية: " من بوله " - وأن الآخر كان يمشي بالنميمة» .
وأما الحس: فإن النائم يرى في منامه أنه كان في مكان فسيح بهيج يتنعم فيه، أو أنه كان في مكان موحش يتألم منه، وربما يستيقظ أحيانا مما
(5/134)

رأى، ومع ذلك فهو على فراشه في حجرته على ما هو عليه، والنوم أخو الموت، ولهذا سماه الله تعالى (وفاة) ؛ قال الله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} .
وأما العقل: فإن النائم في منامه يرى الرؤيا الحق المطابقة للواقع، وربما رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على صفته، ومن رآه على صفته فقد رآه حقا، ومع ذلك، فالنائم في حجرته على فراشه بعيدا عما رأى، فإذا كان هذا ممكنا في أحوال الدنيا أفلا يكون ممكنا في أحوال الآخرة؟
وأما اعتمادهم فيما زعموه على أنه لو كشف عن الميت في قبره لوجد كما كان عليه، والقبر لم يتغير بسعة ولا ضيق، فجوابه من وجوه منها:
الأول: أنه لا تجوز معارضة ما جاء به الشرع بمثل هذه الشبهات الداحضة التي لو تأمل المعارض بها ما جاء به الشرع حق التأمل لعلم بطلان هذه الشبهات، وقد قيل:
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم
الثاني: أن أحوال البرزخ من أمور الغيب التي لا يدركها الحس، ولو كانت تدرك بالحس لفاتت فائدة الإيمان بالغيب، ولتساوى المؤمنون بالغيب والجاحدون في التصديق بها.
الثالث: أن العذاب والنعيم وسعة القبر وضيقه إنما يدركها الميت دون غيره، وهذا كما يرى النائم في منامه أنه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج، وهو بالنسبة لغيره لم يتغير منامه هو في حجرته وبين فراشه وغطائه، ولقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوحى إليه وهو بين أصحابه، فيسمع الوحي، ولا يسمعه الصحابة، وربما يتمثل له الملك رجلا فيكلمه،
(5/135)

والصحابة لا يرون الملك ولا يسمعونه.
الرابع: أن إدراك الخلق محدود بما مكنهم الله تعالى من إدراكه، ولا يمكن أن يدركوا كل موجود، فالسماوات السبع والأرض ومن فيهن، وكل شيء يسبح بحمد الله تسبيحا حقيقيا، يسمعه الله تعالى من شاء من خلقه أحيانا، ومع ذلك هو محجوب عنا، وفي ذلك يقول الله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} ، وهكذا الشياطين والجن يسعون في الأرض ذهابا وإيابا، وقد حضرت الجن إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستمعوا لقراءته وأنصتوا وولوا إلى قومهم منذرين، ومع هذا فهم محجوبون عنا، وفي ذلك يقول الله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} ، وإذا كان الخلق لا يدركون كل موجود، فإنه لا يجوز أن ينكروا ما ثبت من أمور الغيب ولم يدركوه.
(5/136)

الإيمان بالقدر
(القدر) بفتح الدال: (تقدير الله تعالى للكائنات حسبما سبق به علمه، واقتضته حكمته) .
والإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن الله تعالى علم بكل شيء جملة وتفصيلا، أزلا وأبدا، سواء كان ذلك مما يتعلق بأفعاله أو بأفعال عباده.
الثاني: الإيمان بأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وفي هذين الأمرين يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» .
الثالث: الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى، سواء كانت مما يتعلق بفعله أم مما يتعلق بفعل المخلوقين، قال الله تعالى فيما يتعلق بفعله: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} ، وقال: {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} ، وقال: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} ، وقال تعالى فيما يتعلق بفعل المخلوقين: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} ،
(5/137)

وقال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} .
الرابع: الإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى بذواتها وصفاتها وحركاتها، قال الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} ، وقال: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} ، وقال عن نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنه قال لقومه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} .
والإيمان بالقدر على ما وصفنا لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية وقدرة عليها؛ لأن الشرع والواقع دالان على إثبات ذلك له.
أما الشرع: فقد قال الله تعالى في المشيئة: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا} ، وقال: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ، وقال في القدرة: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} ، وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} .
وأما الواقع: فإن كل إنسان يعلم أن له مشيئة وقدرة بهما يفعل وبهما يترك، ويفرق بين ما يقع بإرادته كالمشي، وما يقع بغير إرادته كالارتعاش، لكن مشيئة العبد وقدرته واقعتان بمشيئة الله تعالى وقدرته لقول الله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}
(5/138)

، ولأن الكون كله ملك لله تعالى فلا يكون في ملكه شيء بدون علمه ومشيئته.
والإيمان بالقدر على ما وصفنا لا يمنح العبد حجة على ما ترك من الواجبات أو فعل من المعاصي، وعلى هذا فاحتجاجه به باطل من وجوه:
الأول: قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} ، ولو كان لهم حجة بالقدر ما أذاقهم الله بأسه.
الثاني: قوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} ، ولو كان القدر حجة للمخالفين لم تنتفِ بإرسال الرسل؛ لأن المخالفة بعد إرسالهم واقعة بقدر الله تعالى.
الثالث: ما رواه البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة، فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر، ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} » الآية، وفي لفظ لمسلم: «فكل ميسر لما خلق له» ، فأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعمل، ونهى عن الاتكال على القدر.
الرابع: أن الله تعالى أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع، قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ، وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}
(5/139)

، ولو كان العبد مجبرا على الفعل لكان مكلفا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل، ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل أو نسيان أو إكراه، فلا إثم عليه لأنه معذور.
الخامس: أن قدر الله تعالى سر مكتوم لا يعلم به إلا بعد وقوع المقدور، وإرادة العبد لما يفعله سابقة على فعله، فتكون إرادته الفعل غير مبنية على علم منه بقدر الله، وحينئذ تنتفي حجته بالقدر إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه.
السادس: أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه من أمور دنياه حتى يدركه، ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتج على عدوله بالقدر، فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر؟ أفليس شأن الأمرين واحدا؟ !
وإليك مثالا يوضح ذلك: لو كان بين يدي الإنسان طريقان أحدهما ينتهي به إلى بلد كلها فوضى وقتل ونهب وانتهاك للأعراض وخوف وجوع، والثاني ينتهي به إلى بلد كلها نظام، وأمن مستتب، وعيش رغيد، واحترام للنفوس والأعراض والأموال، فأي الطريقين يسلك؟
إنه سيسلك الطريق الثاني الذي ينتهي به إلى بلد النظام والأمن، ولا يمكن لأي عاقل أبدا أن يسلك طريق بلد الفوضى والخوف، ويحتج بالقدر، فلماذا يسلك في أمر الآخرة طريق النار دون الجنة ويحتج بالقدر؟
مثال آخر: نرى المريض يؤمر بالدواء فيشربه ونفسه لا تشتهيه، وينهى عن الطعام الذي يضره فيتركه ونفسه تشتهيه، كل ذلك طلبا للشفاء والسلامة، ولا يمكن أن يمتنع عن شرب الدواء، أو يأكل الطعام الذي يضره ويحتج بالقدر، فلماذا يترك الإنسان ما أمر الله ورسوله، أو يفعل ما نهى
(5/140)

الله ورسوله عنه ثم يحتج بالقدر؟
السابع: أن المحتج بالقدر على ما تركه من الواجبات أو فعله من المعاصي، لو اعتدى عليه شخص فأخذ ماله أو انتهك حرمته ثم احتج بالقدر، وقال: لا تلمني فإن اعتدائي كان بقدر الله، لم يقبل حجته، فكيف لا يقبل الاحتجاج بالقدر في اعتداء غيره عليه، ويحتج به لنفسه في اعتدائه على حق الله تعالى؟ !
ويذكر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه رفع إليه سارق استحق القطع، فأمر بقطع يده فقال: مهلا يا أمير المؤمنين، فإنما سرقت بقدر الله، فقال عمر: ونحن إنما نقطع بقدر الله.

وللإيمان بالقدر ثمرات جليلة منها:
الأولى: الاعتماد على الله تعالى عند فعل الأسباب بحيث لا يعتمد على السبب نفسه؛ لأن كل شيء بقدر الله تعالى.
الثانية: أن لا يعجب المرء بنفسه عند حصول مراده؛ لأن حصوله نعمة من الله تعالى، بما قدره من أسباب الخير، والنجاح، وإعجابه بنفسه ينسيه شكر هذه النعمة.
الثالثة: الطمأنينة، والراحة النفسية بما يجري عليه من أقدار الله تعالى، فلا يقلق بفوات محبوب، أو حصول مكروه؛ لأن ذلك بقدر الله الذي له ملك السماوات والأرض وهو كائن لا محالة، وفي ذلك يقول الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} ، ويقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عجبا لأمر»
(5/141)

«المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» . رواه مسلم.
وقد ضل في القدر طائفتان:
إحداهما: (الجبرية) الذين قالوا: إن العبد مجبر على عمله، وليس له فيه إرادة ولا قدرة.
الثانية: (القدرية) الذين قالوا: إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته فيه أثر.
والرد على الطائفة الأولى (الجبرية) بالشرع والواقع:
أما الشرع: فإن الله تعالى أثبت للعبد إرادة ومشيئة، وأضاف العمل إليه، قال الله تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} ، وقال: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} ... الآية، وقال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} .
وأما الواقع: فإن كل إنسان يعلم الفرق بين أفعاله الاختيارية التي يفعلها بإرادته كالأكل والشرب والبيع والشراء، وبين ما يقع عليه بغير إرادته كالارتعاش من الحمى، والسقوط من السطح، فهو في الأول فاعل مختار بإرادته من غير جبر، وفي الثاني غير مختار ولا مريد لما وقع عليه.
والرد على الطائفة الثانية (القدرية) بالشرع والعقل.
أما الشرع: فإن الله تعالى خالق كل شيء، وكل شيء كائن بمشيئته، وقد بين الله تعالى في كتابه أن أفعال العباد تقع بمشيئته، فقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}
(5/142)

، وقال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} .
وأما العقل: فإن الكون كله مملوك لله تعالى، والإنسان من هذا الكون فهو مملوك لله تعالى، ولا يمكن للمملوك أن يتصرف في ملك المالك إلا بإذنه ومشيئته.
(5/143)

أهداف العقيدة الإسلامية
الهدف (لغة) يطلق على معان منها: (الغرض ينصب ليرمى إليه وكل شيء مقصود) .
وأهداف العقيدة الإسلامية: مقاصدها، وغاياتها النبيلة المترتبة على التمسك بها وهي كثيرة متنوعة، فمنها:
أولا: إخلاص النية والعبادة لله تعالى وحده؛ لأنه الخالق لا شريك له، فوجب أن يكون القصد والعبادة له وحده.
ثانيا: تحرير العقل والفكر من التخبط الفوضوي الناشئ عن خلو القلب من هذه العقيدة؛ لأن من خلا قلبه منها فهو إما فارغ القلب من كل عقيدة وعابد للمادة الحسية فقط، وإما متخبط في ضلالات العقائد والخرافات.
ثالثا: الراحة النفسية والفكرية فلا قلق في النفس ولا اضطراب في الفكر؛ لأن هذه العقيدة تصل المؤمن بخالقه، فيرضى به ربا مدبرا، وحاكما مشرعا، فيطمئن قلبه بقدره، وينشرح صدره للإسلام، فلا يبغي عنه بديلا.
رابعا: سلامة القصد والعمل من الانحراف في عبادة الله تعالى أو معاملة المخلوقين؛ لأن من أسسها الإيمان بالرسل المتضمن لاتباع طريقتهم ذات السلامة في القصد والعمل.
خامسا: الحزم والجد في الأمور، بحيث لا يفوت فرصة للعمل الصالح إلا استغلها فيه رجاء للثواب، ولا يرى موقع إثم إلا ابتعد عنه خوفا من العقاب؛ لأن من أسسها الإيمان بالبعث والجزاء على الأعمال: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} ، وقد حث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(5/144)

على هذه الغاية في قوله: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان» رواه مسلم.
سادسا: تكوين أمة قوية تبذل كل غال ورخيص في تثبيت دينها، وتوطيد دعائمه، غير مبالية بما يصيبها في سبيل ذلك، وفي هذا يقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} .
سابعا: الوصول إلى سعادة الدنيا والآخرة بإصلاح الأفراد والجماعات، ونيل الثواب والمكرمات، وفي ذلك يقول الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
هذه بعض أهداف العقيدة الإسلامية، نرجو الله تعالى أن يحققها لنا ولجميع المسلمين، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(5/145)

أسماء الله

وصفاته

وموقف أهل السنة منها
(5/147)

أسماء الله وصفاته وموقف أهل السنة منها
[مقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده بلسانه ويده وماله، حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الإخوة الحاضرون، فإني أذكركم ونفسي بما أنعم الله به على هذه البلاد من نعمة الإسلام قديما وحديثا، هذه البلاد التي كانت محل الرسالة رسالة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتم النبيين الذي بعث إلى الناس كافة، بل إلى الجن والإنس.
هذه البلاد التي كما بدأ منها الإسلام فإليها يعود كما ثبت به الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حيث قال: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» .
هذه البلاد التي لا أعلم والله شاهد على ما في قلبي، لا أعلم بلادا إسلامية في عصرنا أقوى منها تمسكا بدين الله، لا بالنسبة لشعبها، ولكن بالنسبة لشعبها ومن ولاه الله أمرها، وهذه النعمة الكبيرة أيها الإخوة إذا لم
(5/149)

نشكرها فإنها كغيرها من النعم توشك أن تزول، يوشك أن يحل بدل الإيمان الكفر، وبدل الإسلام الاستكبار، إذا لم نقيد هذه النعمة بالمحافظة عليها وحمايتها والمدافعة دونها.
أيها الإخوة، إن هذه البلاد بما أنعم الله به عليها من هذه النعمة العظيمة، وهي نعمة الإسلام أولا وأخيرا كانت مركزا لتوجيه الضربات عليها من أجل صد أهلها عن دينهم، ليس في الأخلاق فحسب ولكن في الأخلاق والعقائد، ولذلك كان لزاما على شبابها، وأخص الشباب لأسباب ثلاثة: لأنهم رجال المستقبل، ولأنهم أقوى عزيمة، وأشد حزما ممن بردت أنفسهم بالشيخوخة، ولأنهم الذين تركز عليهم هذه الضربات.
إنني أوجه إلى الشباب أن يحموا بلادهم من كيد أعدائهم، فإن أعداءهم يوجهون الضربات تلو الضربات ليقضوا على هذه المنة العظيمة التي من الله بها علينا، ألا وهي دين الإسلام.
أيها الشباب: استعينوا بالله سبحانه وتعالى بما علمكم من شريعته، ثم بحكمة الشيوخ ذوي الثقة والأمانة والعلم والبرهان، فاستعينوا بذلك على حماية بلادكم من كيد أعدائها، واعلموا أن الدنيا تبع للدين، وأنها لن تتم النعمة، ولن تتم الحياة الدنيا، ولن تكون حياة طيبة، إلا بالإيمان والعمل الصالح كما قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
أيها الإخوة: إن المشكلات في عصرنا هذا كثيرة، وإني اخترت الكلام في:
(5/150)

أسماء الله وصفاته، وموقف أهل السنة منها
ولعل الكثير منكم يقول: لماذا اخترت هذا الموضوع بالذات؟ ألسنا كلنا، وبالأخص أهل هذه الجزيرة، ألسنا كلنا نؤمن بأسماء الله وصفاته على ما يليق به، ولا نتعرض لها بتحريف ولا تعطيل؟ أليست العجوز منا والشيخ والصغير والذكر والأنثى، كل على حدٍ سواء لا يجول في أفكارهم شيء من التحريف أو الانحراف في أسماء الله وصفاته؟ فلماذا اخترت هذا الموضوع بالذات؟
وإن جوابي على هذا أن أقول: إنني اخترت هذا الموضوع لأمرين هامين:
أحدهما: أهمية هذا الموضوع، فإن هذا الموضوع ليس كما يظن بعض الناس، ولا أعني ببعض الناس عامتهم، بل حتى بعض طلبة العلم يظنون أن البحث في هذا الباب -في باب أسماء الله وصفاته- ليس بذي قيمة تذكر، والحقيقة أن هذا الفكر فكر خاطئ؛ لأن معرفة الله تعالى بأسمائه وتوحيده بذلك وصفاته هو أحد أقسام التوحيد الثلاثة:
فقد قسم أهل العلم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: توحيد الربوبية.
والثاني: توحيد الألوهية.
والثالث: توحيد الأسماء والصفات.
إذن فهو عنصر هام في باب التوحيد يجب علينا أن نعرفه، كما أنه أيضا - أعني معرفة الأسماء والصفات - هو أحد أركان الإيمان بالله، فإن الإيمان بالله لا يتم إلا بأربعة أمور:
أحدها: الإيمان بوجوده تعالى.
(5/151)

والثاني: الإيمان بربوبيته، وعموم ملكه، وقوة سلطانه.
والثالث: الإيمان بألوهيته، وأنه وحده المستحق للعبادة، وأن ما سواه فعبادته باطلة.
أما الأمر الرابع من أركان الإيمان بالله التي لا يمكن أن يتم الإيمان بالله إلا بها - وهو موضوع محاضرتنا هذه - فهو الإيمان بأسماء الله وصفاته.
إنني لا أتصور أن أحدا يمكن أن يعبد ربا لا يعرف أسماءه وصفاته، وكيف يكون ذلك وهو يمد يديه له: يا رب، يا رب؟ إذا كان لا يعلم أن له صفات وأسماء يدعى بها فكيف يتخذه إلها قادرا، ملجأ ومعاذا ونصيرا؟ ولهذا قال إبراهيم الخليل لأبيه: {يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} .
فمعرفة أسماء الله وصفاته أمر مهم في دين الله، ولا بد أن يعرفه الإنسان ويحققه.
أما السبب الثاني لاختياري هذا الموضوع: فهو كثرة الكلام فيه بالباطل في الآونة الأخيرة، كنا في وقت الطلب نقرؤه على أنه أمر بعيد عنا زمنا ومكانا، ولكننا وجدناه الآن فيما بيننا في الصحف المقروءة، وكذلك في الكتب المقررة في بعض جهات التعليم.
إذن لا بد أن نعرف موقف أهل السنة والجماعة بالنسبة لأسماء الله وصفاته؛ حتى نكون يقظين حذرين، وعالمين بما نحكم به فيما ينشر أو فيما يقرر.
فالكلام في أسماء الله وصفاته في الآونة الأخيرة كثر اللغط فيه، وكثر القول فيه بالحق تارة، وبالباطل تارات، ولهذا لا بد أن نحقق هذا الأمر تحقيقا بالغا حتى لا تجرف بنا الأهواء أو الأفكار التي على خطأ، وليست على صواب في هذا الأمر، وإنني ألخص الكلام في العناصر التالية:
(5/152)

العنصر الأول: في موقف أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات.
العنصر الثاني: في نصوص الأسماء والصفات.
العنصر الثالث: في العدول عن هذا الموقف.
العنصر الرابع: في أن التطرف في التنزيه يستلزم إبطال الدين كله.
العنصر الخامس: في أن بعض أهل التحريف والتعطيل اعتدوا على أهل السنة فرموهم بالتشبيه والتمثيل والتجسيم.
العنصر السادس: في أن أهل التحريف والتعطيل ادعوا على أهل السنة أنهم أولوا بعض النصوص ليلزموا أهل السنة بالتأويل في بقية النصوص أو بالمداهنة، وفي إبطال هذه الدعوى.
(5/153)

العنصر الأول: موقف أهل السنة في أسماء الله تبارك وتعالى
أسماء الله تعالى كل ما سمى به نفسه في كتابه، أو سماه به أعلم الخلق به رسوله محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وموقف أهل السنة من هذه الأسماء أنهم يؤمنون بها على أنها أسماء لله تسمى بها الله عز وجل، وأنها أسماء حسنى ليس فيها نقص بوجه من الوجوه كما قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
فهم يثبتون الأسماء على أنها أسماء لله، ويثبتون أيضا ما تضمنته هذه الأسماء من الصفات، فمثلا من أسماء الله " العليم " فيثبتون العليم اسما لله سبحانه وتعالى، ويقولون: يا عليم، فيثبتون أنه يسمى بالعليم، ويثبتون بأن العلم صفة له دل عليها اسم العليم، فالعليم اسم مشتق من العلم، وكل اسم مشتق من معنى فلا بد أن يتضمن ذلك المعنى الذي اشتق منه، وهذا أمر معلوم في العربية واللغات جميعا.
ويثبتون كذلك ما دل عليه الاسم من الأثر إن كان الاسم مشتقا من مصدر متعدٍّ، فمثلا " الرحيم " من أسماء الله، يؤمنون بالرحيم على أنه اسم من أسمائه، ويؤمنون بما تضمنه من صفة الرحمة، وأن الرحمة صفة حقيقية ثابتة لله دل عليها اسم الرحيم، وليست إرادة الإحسان ولا الإحسان نفسه، وإنما إرادة الإحسان والإحسان نفسه من آثار هذه الرحمة، كذلك يؤمنون بأثر هذه الرحمة، والأثر أنه يرحم بهذه الرحمة من يستحقها كما قال الله تعالى: {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} .
هذه قاعدة أهل السنة والجماعة بالنسبة للأسماء: يؤمنون بأنها أسماء
(5/154)

تسمى الله بها فيدعون الله بها.
ثانيا: يؤمنون بما تضمنه الاسم من الصفة؛ لأن جميع أسماء الله مشتقة، والمشتق كما هو معروف يكون دالا على المعنى الذي اشتق منه.
ثالثا: يؤمنون بما تضمنه الاسم من الأثر إذا كان الاسم متعديا كالعليم والرحيم والسميع والبصير.
أما إذا كان الاسم مشتقا من مصدر لازم فإنه لا يتعدى مسماه مثل الحياة، فالله تعالى من أسمائه " الحي "، و" الحي " دل على صفة الحياة، والحياة وصف للحي نفسه لا يتعدى إلى غيره، ومثل " العظيم " فهذا الاسم والعظمة هي الوصف، والعظمة وصف للعظيم نفسه لا تتعدى إلى غيره، فعلى هذا تكون الأسماء على قسمين: متعدٍّ ولازم، والمتعدي لا يتم الإيمان به إلا بالأمور الثلاثة: الإيمان بالاسم، ثم بالصفة، ثم بالأثر.
وأما اللازم فإنه لا يتم الإيمان به إلا بإثبات أمرين:
أحدهما: الاسم.
والثاني: الصفة.
أما موقف أهل السنة والجماعة في الصفات فهو إثبات كل صفة وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن إثباتا بلا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، سواء كانت هذه الصفة من الصفات الذاتية أم من الصفات الفعلية.
فإذا قال قائل: فرقوا لنا بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية.
قلنا: الصفات الذاتية هي التي تكون ملازمة لذات الخالق، أي أنه متصف بها أزلا وأبدا.
والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فيفعلها الله تبعا لحكمته سبحانه وتعالى.
(5/155)

مثال الأول: صفة الحياة صفة ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال حيا، كما قال الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} ، وفسرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء"، وقال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} .
كذلك السمع والبصر والقدرة، كل هذه من الصفات الذاتية، ولا حاجة إلى التعداد لأننا عرفناها بالضابط: "كل صفة لم يزل الله ولا يزال متصفا بها فإنها من الصفات الذاتية" لملازمتها للذات، وكل صفة تتعلق بمشيئته يفعلها الله حيث اقتضتها حكمته فإنها من الصفات الفعلية مثل: استوائه على العرش، ونزوله إلى السماء الدنيا، فاستواء الله على العرش من الصفات الفعلية لأنه متعلق بمشيئته، كما قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} .
فجعل الفعل معطوفا على ما قبله بـ "ثم" الدالة على الترتيب، ثم النزول إلى السماء الدنيا وصفه به أعلم الخلق به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حيث قال فيما ثبت عنه ثبوتا متواترا قال: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» ، وهذا النزول من الصفات الفعلية لأنه متعلق بمشيئة الله تعالى، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، ولكنهم في هذا الإيمان يتحاشون التمثيل أو التكييف، أي أنهم لا يمكن أن يقع في نفوسهم أن نزوله كنزول المخلوقين، أو استواءه على العرش كاستوائهم، أو إتيانه للفصل بين عباده كإتيانهم؛ لأنهم يؤمنون بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ويعلمون بمقتضى العقل ما بين الخالق والمخلوق من
(5/156)

التباين العظيم في الذات والصفات والأفعال، ولا يمكن أن يقع في نفوسهم كيف ينزل؟ أو كيف استوى على العرش؟ أو كيف يأتي للفصل بين عباده يوم القيامة؟ أي أنهم لا يكيفون صفاته مع إيمانهم بأن لها كيفية لكنها غير معلومة لنا، وحينئذ لا يمكن أبدا أن يتصوروا الكيفية، ولا يمكن أن ينطقوا بها بألسنتهم أو يعتقدوها في قلوبهم.
يقول تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} .، ويقول: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .
ولأن الله أجل وأعظم من أن تحيط به الأفكار قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} .
وأنت متى تخيلت أي كيفية فعلى أي صورة تتخيلها؟ ! إن حاولت ذلك فإنك في الحقيقة ضال، ولا يمكن أن تصل إلى حقيقة؛ لأن هذا أمر لا يمكن الإحاطة به، وليس من شأن العبد أن يتكلم فيه أو أن يسأل عنه، ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله فيما اشتهر عنه بين أهل العلم حين سأله رجل فقال: يا أبا عبد الله "الرحمن على العرش استوى" كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء -يعني العرق وصار ينزف عرقا- لأنه سؤال عظيم، ثم قال تلك الكلمة المشهورة: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وروي عنه أنه قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
(5/157)

فإذن نحن نعلم معاني صفات الله، ولكننا لا نعلم الكيفية، ولا يحل لنا أن نسأل عن الكيفية، ولا يحل لنا أن نكيف، كما أنه لا يحل لنا أن نمثل أو نشبه؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
فمن أثبت لله مثيلا في صفاته فقد كذب القرآن، وظن بربه ظن السوء، وقد تنقص ربه حيث شبهه وهو الكامل من كل وجه بالناقص، وقد قيل:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
وأنا أقول هذا على سبيل التوضيح للمعنى، وإلا ففرق عظيم بين الخالق والمخلوق، فرق لا يوجد مثله بين المخلوقات بعضها مع بعض.
المهم أيها الإخوة أنه يجب علينا أن نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سواء كانت تلك الصفة ذاتية أم فعلية، ولكن بدون تكييف، وبدون تمثيل.
التكييف ممتنع؛ لأنه قول على الله بغير علم، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} .
والتمثيل ممتنع؛ لأنه تكذيب لله في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، وقول بما لا يليق بالله تعالى من تشبيهه بالمخلوقين.
(5/158)

العنصر الثاني: في نصوص الأسماء والصفات:
المعترك بين أهل السنة وأهل البدعة في هذه النصوص معترك يتبين به الفرق الشاسع بين أهل السنة وأهل البدعة، فأهل السنة يثبتون النصوص على حقيقتها وظاهرها اللائق بالله من غير تحريف ولا تعطيل، هذه الطريق التي مشى عليها أهل السنة والجماعة.
واخترنا كلمة "تحريف" على كلمة "تأويل" لأن التحريف معناه باطل بكل حال، ذم الله تعالى من سلكه في قوله: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} .
أما التأويل ففيه ما هو صحيح مقبول، وفيه ما هو فاسد مردود، والفاسد المردود هو بمعنى التحريف، ولهذا اختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية وهي خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة اختار التحريف بدل التأويل، وإن كان يوجد في كثير من كتب العقائد التعبير بـ (التأويل) .
لكنهم يريدون بالتأويل ما هو بمعنى التحريف أي التأويل الذي لا دليل عليه، بل الدليل نقيضه، وهذا في الحقيقة تحريف.
فأهل السنة والجماعة يقولون: نحن نؤمن بهذه الآيات والأحاديث ولا نحرفها؛ لأن تحريفها قول على الله بغير علم من وجهين، يتبين ذلك في قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} .
قال أهل السنة والجماعة: جاء ربك أي هو نفسه يجيء سبحانه وتعالى، لكنه مجيء يليق بجلاله وعظمته لا يشبه مجيء المخلوقين، ولا يمكن أن نكيفه، وعلينا أن نضيف الفعل إلى الله كما أضافه الله إلى نفسه.
(5/159)

فنقول: إن الله تعالى يجيء يوم القيامة مجيئا حقيقيا يجيء هو نفسه، وقال أهل التحريف: معناه وجاء أمر ربك.
وهذا جناية على النص من وجهين:
الوجه الأول: نفي ظاهره، فأين لهم العلم من أن الله تعالى لم يرد ظاهره؟ هل عندهم علم من أن الله لم يرد ظاهر ما أضافه لنفسه؟ ! والله تعالى يقول عن القرآن: إنه نزل بلسان عربي مبين، فعلينا أن نأخذ بدلالة هذا اللفظ حسب مقتضى هذا اللسان العربي المبين، فمن أين لنا أن يكون الله تعالى لم يرد ظاهر اللفظ؟ !
فالقول بنفي ظاهر النص قول على الله بغير علم.
الوجه الثاني: إثبات معنى لم يدل عليه ظاهر اللفظ، فهل عنده علم أن الله تعالى أراد المعنى الذي صرف ظاهر اللفظ إليه؟ ! هل عنده علم أن الله أراد مجيء أمره؟ ! قد يكون المراد جاء شيء آخر ينسب إلى الله غير الأمر.
فإذن كل محرف أي كل من صرف الكلام عن ظاهره بدون دليل من الشرع فإنه قائل على الله بغير علم من وجهين:
الأول: نفيه ظاهر الكلام.
الثاني: إثباته خلاف ذلك الظاهر.
لهذا كان أهل السنة والجماعة يتبرءون من التحريف، ويرون أنه جناية على النصوص، وأنه لا يمكن أن يخاطبنا الله تعالى بشيء ويريد خلاف ظاهره بدون أن يبين لنا، وقد أنزل الله الكتاب تبيانا لكل شيء، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين للناس ما أنزل إليهم من ربهم بإذن ربهم.
أما التمثيل فمن الواضح أن القول به تكذيب للقرآن؛ لأن الله
(5/160)

تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، ولهذا كان عقيدة أهل السنة والجماعة، بل طريقة أهل السنة والجماعة في نصوص الصفات من الآيات والأحاديث، هو إثباتها على حقيقتها وظاهرها اللائق بالله بدون تحريف وبدون تعطيل، وقد حكى إجماع أهل السنة على ذلك ابن عبد البر في كتابه (التمهيد) ، ونقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك نقل عن القاضي ابن يعلى أنه قال: "أجمع أهل السنة على تحريم التشاغل بتأويل آيات النصوص وأحاديثها، وأن الواجب إبقاؤها على ظاهرها".
(5/161)

العنصر الثالث: " العدول عن هذا الموقف تطرف دائر بين الإفراط والتفريط "
العدول عن هذا الموقف -أعني موقف أهل السنة والجماعة- تطرف إما إفراط، وإما تفريط؛ لأن الناس انقسموا في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط، طرف غلا في التنزيه حتى نفى ما أثبته الله لنفسه، وطرف آخر غلا في الإثبات حتى أثبت ما نفاه الله عن نفسه.
فإن من أهل البدع من أثبت النصوص على ظاهرها، ولكنه جعل هذا الظاهر من جنس صفات المخلوقين والعياذ بالله، فأثبت النقص لربه بإلحاقه بالمخلوق الناقص، وأخطأ في ظنه أن ظاهرها التمثيل.
أثبت أن لله تعالى سمعا، وأن لله تعالى وجها، وأن لله تعالى عينا، وأن له يدا، لكنه جعل ذلك كله من جنس صفات المخلوقين، غلا في الإثبات حتى بلغ به إلى التمثيل، وقد قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ولا شك أنه كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لم يرد بهذه النصوص هذا الظاهر الذي ادعاه هذا الممثل.
وقد يقول القائل: أين دليلك على أن الله ما أراده؟
فأقول: الدليل عندي نقلي، وعقلي:
أما النقلي فآيات متعددة تنفي المماثلة عن الله، وأصرحها وأبينها قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .
وأما الدليل العقلي: فإنه لا يمكن أبدا أن يكون الخالق مماثلا للمخلوق في أي صفة من صفاته لظهور الفرق العظيم بينهما في الذات والصفات والأفعال.
(5/162)

ومن أهل البدع من حرف النصوص عن ظاهرها، ونفى مدلولها اللائق بالله، وهؤلاء المحرفون انقسموا إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قسم غلا في ذلك غلوا عظيما حتى نفى النقيضين في حق الله، فقال: لا تقل: إن الله موجود، ولا تقل: غير موجود، إن قلت: موجود شبهته بالموجودات، وإن قلت: غير موجود شبهته بالمعدومات، ولا ريب أن هذا تنكره العقول كلها؛ لأن رفع أحد النقيضين أمر مستحيل، والتقابل بين الوجود والعدم من تقابل النقيضين اللذين لا يمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما.
القسم الثاني: من قال: نثبت السلب ولا نثبت الإيجاب، فلا نصف الله بصفات ثبوتية، ولكن نصفه بالأسلوب والإضافات، ونثبت الأسماء مجردة عن المعاني، وهذا ما عليه عامة الجهمية والمعتزلة.
القسم الثالث: من يقول: نثبت بعض الصفات لدلالة العقل عليها، وننكر بعض الصفات لأن العقل لا يثبتها، وبعضهم يقول: لأن العقل ينكرها.
وكل هذه الأقسام الثلاثة -وإن كانت تختلف من حيث البعد عن الحق- كلها على غير صواب فهي متطرفة، فالقول الوسط ما عليه أهل السنة والجماعة: أن نثبت لله ما أثبته لنفسه من الصفات، ولكنه إثبات مجرد عن التكييف، وعن التمثيل، وبذلك نكون عملنا بالنصوص الشرعية من الجانبين، ولم ننظر بعين أعور، وبذلك نكون قد تأدبنا مع الله ورسوله، فلم نقدم بين يدي الله ورسوله، وإنما التزمنا غاية الأدب، سمعنا وآمنا وأطعنا، ما أثبته الله لنفسه أثبتناه، وما أثبته له رسوله أثبتناه، وما نفاه الله عن نفسه نفيناه، وما نفاه عنه رسوله نفيناه، وما سكت عنه سكتنا عنه.
(5/163)

العنصر الرابع: التطرف في التنزيه يستلزم إبطال الدين كله
ذكرنا أن من الناس من تطرف في التنزيه حتى أنكر الصفات، أو أنكر بعضها، أو أنكر الإيجابية منها، أو أنكر الإيجابي والسلبي، فأقول: إن التطرف في التنزيه في كل أقسامه يؤدي إلى إبطال الدين كله.
مثال ذلك: إذا كان المنزه يثبت بعض الصفات وينكر بعضها قلنا له: لماذا تثبت؟ ولماذا تنكر؟
قال: أثبت هذه الصفات لأن العقل دل عليها، وأنكر هذه الصفات لأن العقل لم يدل عليها، أو دل على نفيها.
فيقول له القوم الآخرون: نحن ننكر جميع الصفات لأن العقل لا يدل عليها، أو لأن العقل دل على نفيها، فلا يستطيع الأول أن يرد على هؤلاء؛ لأنه إذا رد عليهم بأن العقل يثبت ذا وينكر ذا أو لا يثبته قال: أنا عقلي لا يثبت ما تثبت، وما دام المرجع هو العقل فإن ما أنكرته أنت بحجة العقل فأنا أنكر ما أنكر بحجة العقل، ولكن الأمر لا ينتهي عند موضوع الصفات.
بل يأتينا أهل التخييل الذين أنكروا اليوم الآخر، وأنكروا رسالة الرسل، بل أنكروا وجود الله رأسا -والعياذ بالله- فيقولون: عقولنا لا تقبل أن تحيا العظام وهي رميم، لا تقبل وجود جنة ولا نار، فيحتجون بالعقل كما احتج هؤلاء بالعقل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وإثبات الصفات في القرآن والسنة أكثر من إثبات المعاد، فأي إنسان ينكر الصفات فإنه لا يمكن أن يدفع إنكار من أنكر المعاد، ولا ريب أن إنكار المعاد وإنكار الشرائع إبطال للدين كله، والخلاص من هذا هو اتباع طريق السلامة، أن نثبت ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، وننفي ما نفاه الله عن نفسه
(5/164)

من الصفات، ونسكت عما سكت عنه، وبهذا لا يمكن لأي إنسان أن يفحمنا؛ لأننا قلنا: إن هذه المسائل الغيبية إنما تدرك بالشرع والمنقول عن المعصوم والعقول مضطربة ومختلفة، وكل إنسان من مدعي العقل يدعي وجوب ما يدعي الآخر أنه ممتنع، أو ما يدعي الآخر أنه من الممكنات لا من الواجبات.
(5/165)

العنصر الخامس: أن بعض أهل التحريف والتعطيل قالوا: إن أهل السنة مشبهة ومجسمة وممثلة
من الغرائب أن يدعى على الإنسان ما ينكره، فأهل السنة والجماعة ينكرون التشبيه، وينكرون التمثيل، ويقولون: من شبه الله بخلقه فقد كفر، فكيف يمكن أن يلزموا بما هم معترفون بإنكاره؟ هذا عدوان محض.
أهل السنة والجماعة يقولون: نحن لا نشبه، ولا نمثل، وإنما نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله بدون تمثيل وبدون تكييف، فما بالكم تشوهون طريقنا وتقولون: أنتم ممثلة ومشبهة؟ ! ولكن لا غرو أن يرمى أهل السنة والجماعة بمثل هذه الألقاب السيئة؛ لأن رمي أهل الحق بالألقاب السيئة أمر موروث عن أعداء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالأنبياء قيل: إنهم سحرة، وقيل: إنهم مجانين: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} ، ولكن هل الحق يغيض بمثل هذه الألقاب؟ لا بل يفيض ويزداد قوة، ويزداد وضوحا وبيانا، ولله الحمد أهل السنة والجماعة متبرئون من هذه العيوب التي يصمهم بها من يحرفون الكلم عن مواضعه.
كذلك يقولون: أنتم مجسمة، كيف مجسمة؟ وما معنى مجسمة؟ ! هذه الكلمة كلمة "التجسيم" لو قرأت القرآن من أوله إلى آخره، ومررت على ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السنة من أولها إلى آخرها، لم تجد لفظ "الجسم" مثبتا لله ولا منفيا عنه في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فما بالنا نتعب أذهاننا وأفكارنا، ونظهر ذلك بمظهر سوء بالنسبة لمن أثبت لله
(5/166)

صفات الكمال على الوجه الذي أراد الله.
إذا كانت كلمة " الجسم " غير واردة في الكتاب، ولا في السنة، فإن أهل السنة والجماعة يمشون فيها على طريقتهم، يقفون فيها موقف الساكت فيقولون: لا نثبت الجسم ولا ننكره من حيث اللفظ، ولكننا قد نستفصل في المعنى فنقول للقائل: ماذا تريد بالجسم؟ إن أردت الذات الحقيقية المتصفة بالصفات الكاملة اللائقة بها، فإن الله سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال حيا عليما قادرا متصفا بصفات الكمال اللائقة به، وإن أردت شيئا آخر كجسمية الإنسان التي يفتقر كل جزء من البدن إلى الجزء الآخر منه، ويحتاج إلى ما يمده حتى يبقى فهذا معنى لا يليق بالله عز وجل، وبهذا نكون أعطينا المعنى حقه.
أما اللفظ: فلا يجوز لنا أبدا أن نثبته أو ننفيه، ولكننا نتوقف فيه؛ لأننا إن أثبتنا قيل لنا: ما الدليل؟ وإن نفينا قيل لنا: ما الدليل؟ وعلى هذا فيجب السكوت من حيث اللفظ، أما من حيث المعنى فعلى التفصيل الذي بيناه.
(5/167)

العنصر السادس: ادعى أهل التحريف والتعطيل على أهل السنة أنهم أولوا بعض النصوص ليلزموهم بتأويل البقية أو المداهنة فيها
هذه دعوى تلبيس وتشكيك، وقد نشرت في الصحف، نشرها من نشرها وقال: أنتم يا أهل السنة تشنعون علينا، تقولون: أنتم تأولون، وأنتم يا أهل السنة قد أولتم، فما بالكم تشنعون علينا بالتأويل وأنتم تسلكونه؟
حقيقة إن هذه الحجة حجة قوية إذا ثبتت؛ لأنه لا يحق لأي إنسان أن يتحكم فيما يمكن تأويله أو يجب، وفيما لا يمكن، ولكن أهل السنة والجماعة يقولون: هذه دعوى تلبيس وتشكيك، فإننا لسنا على هذه الطريقة، وأنتم رميتمونا بذلك إما لإلزامنا أن نقول بالتأويل كما قلتم به، وإما لإلزامنا أن نسكت عن تحريفكم ونداهن، ولكنا بعون الله لن نسكت على ما نرمى به ونحن منه بريئون.
وهذا التأويل الذي ادعاه بعض أهل التأويل ورمى به أهل السنة والجماعة لنا عنه جوابان:
الجواب الأول: أن نمنع أن يكون طريق أهل السنة في ذلك تأويلا؛ لأن التأويل في اصطلاح المتأخرين -وهو الذي يعنيه هؤلاء- هو صرف اللفظ عن ظاهره.
وأهل السنة يقولون: ظاهر الكلام ما دل عليه الكلام باعتبار السياق، أو باعتبار حال المتكلم به، هذا هو ظاهر الكلام، وليس للكلمات معنى خلقت له لا تستعمل في غيره، ولكن معنى الكلمات إنما يظهر بسياقها وبحال المتكلم بها، نحن كنا قرأنا في البلاغة أو بعض منا قرأ في البلاغة ورأى أن الاستفهام يأتي لعدة معان، وقرأنا في حروف الجر ومعانيها، وعلمنا أن بعض الحروف يأتي لعدة معان، فما الذي يعين هذه
(5/168)

المعاني؟ أليس السياق؟ إذن فحقيقة الكلام ما دل عليه سياقه، وظاهره ما دل عليه سياقه، وذلك باعتبار نظم الكلام، وباعتبار حال المتكلم به، فهذا الجواب جواب مجمل أن نقول: لا نسلم بأن ظاهر الكلام خلاف ما دل عليه سياقه أو حال المتكلم به، بل ما دل عليه السياق فهو حقيقة الكلام وظاهره مطلقا، حتى لو استعملت هذه الكلمة في غير هذا الموضع لمعنى آخر، فإن استعمالها في هذا الموضع للمعنى الذي دل عليه السياق هو في الواقع حقيقتها، هذا جواب.
الجواب الثاني: لو سلمنا أن في اللفظ إخراجا له عن ظاهره، فإن أهل السنة والجماعة لا يمكن أبدا أن يخرجوا لفظا عن ظاهره إلا بدليل من الكتاب أو السنة، متصل أو منفصل، وأنا أتحدى أي واحد يأتي إلي بدليل من الكتاب أو السنة في أسماء الله وصفاته أخرجه أهل السنة عن ظاهره، إلا أن يكون لهم دليل بذلك من كتاب الله أو من سنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحينئذ إذا كان ما أخرجه إليه أهل السنة من المعنى ثابتا بدليل من الكتاب والسنة، فإنهم في الحقيقة لم يخرجوا عما أراد الله به؛ لأنهم علموا مراد الله به من الدليل الثاني من الكتاب والسنة، وليسوا بحمد الله يخرجون شيئا من النصوص عما يقال: إنه ظاهره من أجل عقولهم؛ حتى يتوصلوا إلى نفي ما أثبته الله لنفسه، وإثبات ما لم يدل عليه ظاهر الكلام، هذا لا يوجد ولله الحمد في أي واحد من أهل السنة، والأمر إذا شئتم فارجعوا إليه في كتبهم المختصرة والمطولة، ونحن نضرب لذلك بعض الأمثلة لا كل الأمثلة؛ لأننا لو تتبعنا الأمثلة كلها التي قيل: إن أهل السنة والجماعة صرفوها عن ظاهرها لطال بنا الكلام، لكننا نذكر عدة أمثلة فقط:
المثال الأول: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة أولتم قول الله
(5/169)

عز وجل: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} ، فقلتم: إن معنى الاستواء هنا " القصد والإرادة "، وقلتم: إن معنى الاستواء في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} " العلو والارتفاع "، وما هذا إلا تأويل منكم لأحد النصين لا يمكن أن تخرجوا عنه، ومعلوم أن استوى على كذا ظاهرة جدا في العلو عليه، يبقى استوى إلى كذا معناها القصد، إذن أخرجتم كلمة استوى عن ظاهرها.
وجوابنا على ذلك أن نقول: " استوى " كلمة يتحدد معناها بحسب متعلقها فمثلا: " استوى على العرش " معناها العلو على وجه يليق بجلاله، ولا يشبه استواء المخلوق على المخلوق.
"استوى إلى السماء" اختلف الحرف فكان " إلى "، و" إلى " للغاية، وليست للعلو، ومعلوم أنها إذا كانت للغاية فإن الفعل مضمن معنى يدل على الغاية وهو: القصد والإرادة، وإلى هذا النحو ذهب بعض أهل السنة فقالوا: " استوى إلى السماء " أي قصد إلى السماء، والقصد إذا كان تاما يعبر عنه بالاستواء؛ لأن الأصل في اللغة العربية أن مادة الاستواء تدل على الكمال كما في قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} .
وجواب آخر أن نقول: " استوى إلى السماء" بمعنى ارتفع، قال البغوي: وهو مروي عن ابن عباس وأكثر المفسرين، ولكن هذا يجب أن لا نظن أن الله سبحانه وتعالى قد انتفى عنه العلو حين خلق الأرض، بل إنه سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال عاليا؛ لأن العلو صفة ذاتية، ولكن الاستواء هنا وإن كان بمعنى الارتفاع إلا أننا لا نعلم كيفيته، وهذا جواب آخر عن الآية.
(5/170)

والخلاصة الآن أننا إذا فسرنا "استوى إلى السماء" بمعنى قصد إليها على الكمال فإننا لم نخرج عن ظاهر اللفظ، وذلك لاختلاف حرف الجر الذي تعلق باستوى في قوله: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ، وفي قوله: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} ، وإذا قلنا بالقول الثاني الذي هو مروي عن ابن عباس وأكثر المفسرين بأنه ارتفع فإنه لا يجوز لنا أن نتوهم بأن الله تعالى لم يكن عاليا من قبل.
أما المثال الثاني: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة فسرتم قوله تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} أي بمرأى منا، وهذا خلاف ظاهر اللفظ.
نقول لهم: ماذا تفهمون من هذا اللفظ؟ هل أحد يمكن أن يفهم أن الباء للظرفية، وأن سفينة نوح تجري في عين الله؟ أبدا لا أحد يفهم هذا إطلاقا، وإتيان الباء للظرفية في بعض المواضع وارد، لكن في هذه الآية لا يمكن أبدا أن يكون كذلك.
إذن فهذا الظاهر الذي زعمتم أنه ظاهر الآية لا نسلم أبدا أنه ظاهرها، لكن الذين فسروا {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} بمرأى منا هؤلاء فسروا اللفظ بلازمه، وذلك صحيح، وليس خروجا باللفظ عن ظاهره؛ لأن دلالة اللفظ على معناه: إما دلالة مطابقة، أو دلالة تضمن، أو دلالة التزام، وكل من الدلالات لا يخرج اللفظ عن ظاهره، هذه الدلالات الثلاث أوضحها بالمثال:
"البيت" يعني الدار، تدل على جملة الدار وكتلتها جميعا بالمطابقة، أي تدل على بناء مكون من حجر وغرف وساحات وغيرها بالمطابقة.
(5/171)

وتدل على كل حجرة أو كل غرفة أو كل ساحة بالتضمن.
وتدل على أن هذا البيت لا بد له من بان بناه بالالتزام.
فنحن نقول: تجري بأعيننا إذا كان الله تعالى يراها بعينه ويرعاها، فإنها تجري بمرأى منه، وهذا معنى صحيح، ويمكن أن نجيب بجواب آخر بأن معناها: تجري مرئية بأعيننا، والمهم أن نثبت من هذه الآية أن لله سبحانه وتعالى عينا لا تشبه أعين المخلوقين، ولا يمكن أن نتصور لها كيفية، وبذلك لم نخرج عن ظاهر اللفظ.
وقد فسر ابن عباس -رضي الله عنهما- قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} أنها العين الحقيقية، والمعنى أن موسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يربى على عين الله، أي: على رؤية بعين الله سبحانه وتعالى.
المثال الثالث: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة أولتم قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ} إلى أن المراد أقرب بملائكتنا وهذا تأويل؛ لأنا لو أخذنا بظاهر اللفظ لكان الضمير نحن يعود إلى الله، وأقرب خبر المبتدأ، وفيه ضمير مستتر يعود على الله، فيكون القرب لله عز وجل، ومعلوم أنكم أهل السنة لا تقولون بذلك، لا تقولون: إن الله تعالى يقرب من المحتضر بذاته حتى يكون في مكانه؛ لأن هذا أمر لا يمكن أن يكون، إذ إنه قول أهل الحلول الذين ينكرون علو الله عز وجل، ويقولون: إنه بذاته في كل مكان، وأنتم أهل السنة تنكرون ذلك أشد الإنكار، إذن ماذا تقولون أنتم يا أهل السنة؟ ألستم تقولون: نحن أقرب إليه أي إلى المحتضر بملائكتنا، أي الملائكة تحضر إلى الميت وتقبض روحه؟ ! هذا تأويل.
(5/172)

قلنا: الجواب على ذلك سهل ولله الحمد، فإن الذي يحضر الميت هم الملائكة {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} ، {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} ، فالذي يحضر إلى المحتضر عند الموت هم الملائكة، وأيضا في نفس الآية ما يدل على أنه ليس المراد قرب الله سبحانه وتعالى نفسه، فإنه قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} .
فهذا يدل على أن هذا القريب حاضر، لكن لا نبصره، وذلك لأن الملائكة عالم غيبي الأصل فيهم الخفاء وعدم الرؤية، وعلى هذا فنحن لم نخرج بالآية عن ظاهرها لوجود لفظ فيها يعين المراد، ونحن على العين والرأس والقلب نقبل كل شيء كان بدليل من كتاب الله، ومن سنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
المثال الرابع: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة أولتم قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} ، فقلتم: وهو معكم بعلمه، وهذا تأويل، فإن الله تعالى يقول: {وَهُوَ مَعَكُمْ} ، والضمير في قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ} يعود إلى الله، فأنتم يا أهل السنة أولتم هذا النص وقلتم: إنه معكم بالعلم، فإذن كيف تنكرون علينا التأويل؟
قلنا: نحن لم نؤول الآية، بل إنما فسرناها بلازمها وهو: العلم؛ وذلك لأن قوله: وهو معكم لا يمكن لأي إنسان يعرف قدر الله عز وجل
(5/173)

ويعرف عظمته أن يتبادر إلى ذهنه أنه هو ذاته مع الخلق في أمكنتهم، فإن هذا أمر مستحيل، كيف يكون الله معك في البيت، ومع الآخر في المسجد، ومع الثالث في الطريق، ومع الرابع في البر، ومع الخامس في الجو، ومع السادس في البحر. . إلخ؟ لو قلنا بهذا فكم إلها يكون؟ لو قلنا بهذا لزم أن يكون الله إما متعددا أو متجزئا -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- وهذا أمر لا يمكن، ولهذا نقول: من فهم هذا الفهم فهو ضال في فهمه، ومن اعتقده فإنه ضال إن قلد غيره بذلك، وكافر إذا بلغه العلم وأصر على قوله، ومن نسب إلى أحد من السلف أن ظاهر الآية أن الله معهم بذاته في أمكنتهم، فإنه بلا شك كاذب عليهم.
إذن أهل السنة والجماعة يقولون: نحن نؤمن بأن الله تعالى فوق عرشه، وأنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، وأنه مع خلقه كما قال في كتابه، ولكن مع إيماننا بعلوه، ولا يمكن أن يكون مقتضى معيته إلا الإحاطة بالخلق علما وقدرة وسلطانا وسمعا وبصرا وتدبيرا، وغير ذلك من معاني الربوبية، أما أن يكون حالا في أمكنتهم، أو مختلطا بهم كما يقول أهل الحلول والاتحاد، فإن هذا أمر باطل لا يمكن أن يكون هو ظاهر الكتاب والسنة، وعلى هذا فنحن لم نؤول الآية ولم نصرفها عن ظاهرها؛ لأن الذي قال عن نفسه: {وَهُوَ مَعَكُمْ} هو الذي قال عن نفسه: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} ، وهو الذي قال عن نفسه: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} إذن فهو فوق عباده، ولا يمكن أن يكون في أمكنتهم، ومع ذلك فهو معهم محيط بهم علما وقدرة وسلطانا وتدبيرا وغير ذلك.
وإذا أضيفت المعية إلى من يستحق النصر من الرسل وأتباعهم
(5/174)

اقتضت مع الإحاطة علما وقدرة، اقتضت نصرا وتأييدا، فنحن ولله الحمد ما خرجنا بهذا اللفظ عن ظاهره حتى يلزمونا بذلك.
وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله في كتبه المختصرة والمطولة أنه لا تعارض بين معنى المعية حقيقة وبين علو الله سبحانه وتعالى، قال: " لأن الله سبحانه ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فهو علي في دنوه، قريب في علوه ".
وقال: " إن الناس يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، مع أن القمر في السماء، وهم يقولون: معنا، فإذا كان هذا ممكنا في حق المخلوق كان في حق الخالق من باب أولى".
والمهم أننا نحن معشر أهل السنة ما قلنا أبدا ولا نقول إن ظاهر الآية هو ما فهمتموه، وأننا صرفناها عن ظاهرها، بل نقول: إن الآية معناها أنه سبحانه مع خلقه حقيقة معية تليق به، محيط بهم علما وقدرة وسلطانا وتدبيرا وغير ذلك؛ لأنه لا يمكن الجمع بين نصوص المعية وبين نصوص العلو إلا على هذا الوجه الذي قلناه، والله سبحانه وتعالى يفسر كلامه بعضه بعضا.
المثال الخامس: قال أهل التأويل: إنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: قال الله تعالى: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» .
وأنتم يا أهل السنة هل تقولون: إن الله يكون سمع وبصر ويد ورجل من يحبه حقيقة؟ إن لم تقولوا بذلك فقد صرفتم الحديث عن ظاهره؛
(5/175)

لأن الله يقول: «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» .
وجوابنا: أنه لا أحد يفهم أن ظاهر الحديث هو هذا، أي أن الله يكون سمع الإنسان وبصره ورجله ويده حقيقة، لا أحد يفهم هذا، إلا من كان بليد الفهم، أو مظلم القلب بالتقليد، أو بالدعوى الباطلة.
فالحديث لا يدل على أن حقيقة سمع الإنسان وبصره ورجله ويده هو الله عز وجل، وحاشاه عز وجل عن ذلك، لا يدل على هذا بأي وجه من الوجوه، اقرأ الحديث: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» ، «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه» ، فأثبت عابدا ومعبودا، ومتقربا ومتقربا إليه، «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» فأثبت محبا ومحبوبا، «ولئن سألني لأعطينه» فأثبت سائلا ومسئولا، ومعطيا ومعطى "، «ولئن استعاذني لأعيذنه» فأثبت مستعيذا ومستعاذا به، ومن المعلوم أن كل واحد من هذين هو غير الآخر بلا ريب.
إذا تقرر هذا فكيف يمكن أن يفهم أحد من قوله تعالى في هذا الحديث القدسي: " كنت سمعه " أن الله سيكون جزءا في هذا المخلوق الذي يتقرب إليه، والذي يستعيذ به، والذي يسأله؟ هذا لا يمكن لأحد أن يفهمه أبدا من سياق الحديث، وبهذا يكون معنى الحديث وظاهر الحديث وحقيقة الحديث: أن الله سبحانه وتعالى يسدد هذا الإنسان في سمعه وبصره وسعيه، فلا يسمع إلا بالله ولله وفي الله، ولا ينظر إلا لله وبالله وفي الله، ولا يبطش إلا لله وبالله، ولا يمشي إلا لله وبالله وفي الله، هذا هو معنى الحديث، وحقيقته وظاهره، وليس فيه ولله الحمد أي شيء من التأويل.
المثال السادس: قال أهل التأويل: إنكم يا أهل السنة أولتم قول
(5/176)

الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن» ، حيث قلتم: إن المراد أن الله سبحانه وتعالى متصرف في القلوب، ولا يمكن أن تكون القلوب بين إصبعين من أصابع اليد، فإن هذا يقتضي الحلول، وأن أصابع الله حالة في صدر كل إنسان.
قلنا: هذا كذب على السلف، والسلف ما أولوا هذا التأويل، ولا قالوا: إن الحديث كناية عن سلطان الله تعالى، وتصرفه في القلوب، بل قالوا: نثبت أن لله تعالى أصابع، وأن كل قلب من بني آدم فهو بين إصبعين من أصابعه على وجه الحقيقة، ولا يلزم من ذلك الحلول أبدا، فإن البينية بين شيئين لا يلزم منها المماسة والمباشرة، أرأيتم قول الله تعالى: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} ؟ هل يلزم من ذلك التعبير أن يكون السحاب لاصقا بالسماء والأرض؟ لا يمكن، فقلوب بني آدم كلها كما قال نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو أعلم الخلق بالله: «بين إصبعين من أصابع الرحمن» ، ولا يلزم من ذلك أن يكون مماسا لهذه القلوب، بل نقول كما قال نبينا، ونقول هذا على وجه الحقيقة، وليس فيه تأويل.
ونثبت مع ذلك أيضا أن الله تعالى يتصرف في هذه القلوب كما يشاء، كما جاء في الحديث، ونقول: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
المثال السابع والأخير: فهو الحجر الأسود يمين الله في الأرض، قال أهل التأويل: إنكم تؤولون هذا الحديث، لأنكم لا يمكن أن تقولوا: إن الحجر هو يد الله.
ونقول: هذا حق، لا يمكن لأحد أن يقول: إن الحجر الأسود هو يد الله عز وجل، ولكن قبل أن نجيب على هذا نقول: إن هذا الحديث باطل، ولا يثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(5/177)

قال ابن العربي: إنه حديث باطل.
وقال ابن الجوزي في " العلل المتناهية ": إنه حديث لا يصح.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: " روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإسناد لا يثبت ".
وعلى هذا فإنه ليس واردا على أهل السنة والجماعة لأنه لا يصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن قال شيخ الإسلام: إنه مشهور عن ابن عباس، ولكنه مع ذلك لا يعطي المعنى الذي قاله هؤلاء، وأن الحجر الأسود يمين الله؛ لأنه قال: «يمين الله في الأرض» فقيده، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والكلام إذا قيد ليس كالكلام المطلق ما قال: يمين الله وسكت، قال: في الأرض، ومعلوم أن يمين الله ليست في الأرض، كذلك أيضا قال في نفس الحديث كما رواه شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمن صافحه فكأنما صافح الله» ، والتشبيه يدل على أن المشبه به ليس هو المشبه، وإنما هو غيره.
وخلاصة القول:
أن أهل السنة والجماعة -ولله الحمد- لا يمكن أن يخرجوا الكلام عن ظاهره؛ لأن ظاهر الكلام وحقيقته ما دل عليه سياقه، وهو مختلف بحسب السياق وبحسب الأحوال، فإن لم يمكن ذلك وأبى إنسان إلا أن يجعل معنى الكلمة معنى ذاتيا لها، فإننا نقول: لا يمكن لأهل السنة والجماعة أن يتركوا هذا المعنى الذي ادعى أنه ذاتي لها إلا بدليل من الكتاب والسنة، ومتى دل الكتاب والسنة على شيء وجب القول به، سواء وافق ما يقال: إنه ظاهر اللفظ أو خالفه، ونحن كلنا نلتمس ما قاله الله عن نفسه، وما قاله عنه رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويدلكم لهذا ما ثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى يقول: «عبدي جعت فلم تطعمني، عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ كيف أعودك وأنت رب»
(5/178)

«العالمين؟ فيقول الله عز وجل: أما علمت أن عبدي فلانا جاع فلم تطعمه، مرض فلم تعده» .
هذا الحديث يدلنا دلالة ظاهرة على أن ما جاء في الكتاب والسنة مما أضافه إلى نفسه فهو حق على ظاهره، ما لم يرد عن الله ورسوله صرفه عن ذلك، فإن ورد صرفه عن ظاهره فإننا آخذون به، وهذا الحديث الأخير دليل واضح على منع التأويل الذي ليس له دليل من الكتاب والسنة، ولعلنا نقتصر على هذا خوفا من التطويل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(5/179)

منهاج
أهل السنة
والجماعة
في العقيدة والعمل
(5/181)

منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل
[المقدمة]
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} .
(5/183)

المراد بأهل السنة والجماعة وبيان طريقهم
أهل السنة والجماعة هم الذين هداهم الله تعالى لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وكلنا نعلم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث بالهدى ودين الحق، الهدى: الذي ليس فيه ضلالة، ودين الحق: الذي ليس فيه غواية، وبقي الناس في عهده على هذا المنهاج السليم القويم، وكذلك عامة زمن خلفائه الراشدين، ولكن الأمة بعد ذلك تفرقت تفرقا عظيما متباينا، حتى كانوا على ثلاث وسبعين وفرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي ما كان عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه، بهذا نقول: إن هذه الفرقة هي فرقة أهل السنة والجماعة، وهذا الوصف لا يحتاج إلى شرح في بيان أنهم هم الذين على الحق؛ لأنهم أهل السنة المتمسكون بها، وأهل الجماعة المجتمعون عليها، ولا تكاد ترى طائفة سواهم إلا وهم بعيدون عن السنة بقدر ما ابتدعوا في دين الله سبحانه وتعالى، ولا تجد فرقة غيرهم إلا وجدتهم فرقة متفرقين فيما هم عليه من النحلة.
وقد قال سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} .
إذن لا حاجة لنا إلى التطويل بتعريف أهل السنة والجماعة؛ لأن هذا اللقب يبرهن على معناه برهانا كاملا، وأنهم المتمسكون بالسنة المجتمعون عليها، ونحن نلخص الكلام في نقاط رئيسية هي:
(5/184)

أولا: بيان طريق أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته مع أمثلة توضح تلك الطريقة:
أهل السنة والجماعة طريقتهم في أسماء الله وصفاته أنهم يعتبرون أن ما ثبت من أسماء الله وصفاته في كتاب الله، أو فيما صح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هو حق على حقيقته، يراد به ظاهره، ولا يحتاج إلى تحريف المحرفين؛ وذلك لأن تحريف المحرفين مبني على سوء فهم أو سوء قصد، حيث ظنوا أنهم إذا أثبتوا تلك النصوص أو تلك الأسماء والصفات على ظاهرها، ظنوا أن ذلك إثبات للتمثيل ولهذا صاروا يحرفون الكلم عن مواضعه وقد يكونون ممن لم يفهموا هذا الفهم، ولكن لهم سوء قصد في تفريق هذه الأمة الإسلامية شيعا كل حزب بما لديهم فرحون.
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن ما سمى الله به نفسه، وما وصف الله به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو حق على حقيقته وعلى ظاهره، ولا يحتاج إلى تحريف المحرفين بل هو أبعد ما يكون عن ذلك، وهو أيضا لا يمكن أن يفهم منه ما لا يليق بالله عز وجل من صفات النقص أو المماثلة بالمخلوقين، بهذه الطريقة المثلى يسلمون من الزيغ والإلحاد في أسماء الله وصفاته، فلا يثبتون لله إلا ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، غير زائدين في ذلك ولا ناقصين عنه، ولهذا كانت طريقتهم أن أسماء الله وصفاته توقيفية لا يمكن لأحد أن يسمي الله بما لم يسم به نفسه، أو أن يصف الله بما لم يصف به نفسه.
فإن أي إنسان يقول إن من أسماء الله كذا، أو ليس من أسماء الله، أو أن من صفات الله كذا، أو ليس من صفات الله، بلا دليل؛ لأنه لا شك أنه قول على الله بلا علم، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}
(5/185)

وقال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} .
ثم إن طريقتهم في أسماء الله تعالى أن ما سمى الله به نفسه، فإن كان من الأسماء المتعدية، فإنهم يرون من شرط تحقيق الإيمان به ما يلي:
1 - أن يؤمن المرء بذلك الاسم اسما له عز وجل.
2 - أن يؤمن بما دل عليه من الصفة سواء كانت الدلالة تضمنا أو التزاما.
3 - أن يؤمن بأثر ذلك الاسم الذي كان مما دل عليه الاسم من الصفة، ونحن هنا نضرب مثلا:
من أسماء الله تعالى: " السميع " يجب على طريق أهل السنة والجماعة أن يثبت هذا الاسم من أسماء الله، فيدعى الله به ويعبد به، فيقال مثلا: عبد السميع، ويقال: يا سميع يا عليم وما أشبه ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} .
وكذلك أيضا يثبت ما دل عليه هذا الاسم من الصفة وهي السمع، فنثبت لله سمعا عاما شاملا لا يخفى عليه أي صوت وإن ضعف.
كما نثبت أيضا أثر هذه الصفة وهي أن الله تبارك وتعالى يسمع كل شيء، وبهذا ننتفع انتفاعا كبيرا من أسماء الله؛ لأنه يلزم من هذه الأمور الثلاثة التي أثبتناها في الاسم إذا كان متعديا أن نتعبد الله بها، فنحقق قول الله عز وجل: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} .
فأنت إذا آمنت بأن الله يسمع فإنك لن تسمع ربك ما يغضبه عليك،
(5/186)

لن تسمعه إلا ما يكون به راضيا عنك؛ لأنك تؤمن أنك مهما قلت من قول سواء كان سرا أم علنا فإن الله تبارك وتعالى يسمعه، وسوف ينبئك بما كنت تقول في يوم القيامة، وسوف يحاسبك على ذلك على حسب ما تقتضيه حكمته في كيفية من يحاسبهم تبارك وتعالى، إذن القاعدة عند أهل السنة والجماعة أن الاسم من أسماء الله إذا كان متعديا فإنه لا يمكن تحقيق الإيمان به إلا بالإيمان بهذه الأمور الثلاثة:
1 - أن نؤمن به اسما من أسماء الله فنثبته من أسمائه.
2 - أن نؤمن بما دل عليه من صفة.
3 - أن نؤمن بما يترتب على تلك الصفة من الأثر.
وبهذا يتحقق الإيمان بأسماء الله تبارك وتعالى المتعدية.
أما إذا كان الاسم لازما فإنهم يثبتون هذا الاسم من أسماء الله، ويسمون الله به، ويدعون الله به، ويثبتون ما دل عليه الاسم من صفة على الوجه الأكمل اللائق بالله تعالى، ولكن هنا لا يكون أثر؛ لأن هذا الاسم مشتق من شيء لا يتعدى موصوفه، فلذلك لا يكون له أثر، ونضرب مثلا بـ " الحي " فإن الحي من أسماء الله عز وجل، نثبته اسما لله فنقول: من أسماء الله تعالى: " الحي "، وندعو الله به فنقول: " يا حي، يا قيوم ".
ونؤمن بما دل عليه من صفة، سواء كان ذلك تضمنا أو التزاما، وهي الحياة الكاملة التي تتضمن كل ما يكون من صفات الكمال في الحي من علم وقدرة وسمع وبصر وكلام وغير ذلك، فعلى هذا نقول: إذا كان الاسم من أسماء الله غير متعد فإن تحقيق الإيمان به يكون بأمرين:
أحدهما: إثباته اسما من أسماء الله.
والثاني: إثبات ما دل عليه من الصفة على وجه الكمال اللائق بالله تبارك وتعالى.
(5/187)

أما الصفات فإننا لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه سواء ذكر الصفة وحدها بدون أن يتسمى بما دلت عليه، أو كانت هذه الصفة مما دلت عليها أسماؤه، فإنه يجب علينا أن نؤمن بهذه الصفة على حقيقتها، مثال ذلك: أثبت الله تبارك وتعالى لنفسه أنه استوى على عرشه، وهو يخاطبنا بالقرآن النازل باللسان العربي المبين، وكل الناس الذين لهم ذوق في اللغة العربية يعلمون معنى استوى في اللغة العربية، ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله تعالى وقد سئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فقال: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة "، هذا هو اللفظ المشهور عنه، واللفظ الذي نقل عنه بالسند قال: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة "، وهذا اللفظ أدق من اللفظ الذي سقناه قبل؛ لأن كلمة " الكيف غير معقول " تدل على أنه إذا انتفى عنه الدليلان النقلي والعقلي فإنه لا يمكن التكلم به.
هذه الصفة من صفات الله لم يرد اسم من أسماء الله مشتق منها فلم يرد من أسمائه المستوي، ولكننا نقول: إنه استوى على العرش، ونؤمن بهذه الصفة على الوجه اللائق به، ونعلم أن معنى الاستواء هو العلو، فهو علو خاص بالعرش، ليس العلو المطلق على جميع المخلوقات، بل هو علو خاص، ولهذا نقول في قوله تعالى: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} : أي علا واستقر على وجه يليق بجلاله وعظمته، وليس كاستواء الإنسان على البعير والكرسي مثلا؛ لأن استواء الإنسان على البعير والكرسي استواء مفتقر إلى مكانه الذي يستوي عليه، أما استواء الله جل ذكره فإنه ليس استواء
(5/188)

مفتقر، بل إن الله تبارك وتعالى غني عن كل شيء، كل شيء مفتقر إلى الله، والله تبارك وتعالى غني عنه.
ومن زعم أنه بحاجة إلى عرش يقله فقد أساء الظن بربه عز وجل، فهو سبحانه وتعالى غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته، بل جميع مخلوقاته مفتقرة إليه، كذلك النزول إلى سماء الدنيا حينما يبقى ثلث الليل الآخر نؤمن به على أنه نزول حقيقي، لكنه يليق بالله عز وجل لا يشبه نزول المخلوقين، ومن هنا نقول إنه يجب على المؤمن أن يتحاشى أمرا يلقيه الشيطان في باله أمرا خطيرا للغاية -وهو أمر حمل أهل البدع على تحريف النصوص من أجل هذا الأمر الذي يجعله الشيطان في قلوب الناس- ألا وهو تخيل كيفية صفة من صفات الله، أو تخيل كيفية ذات الله عز وجل.
فاعلم أنه لا يجوز أبدا أن يتخيل كيفية ذات الله، أو كيفية صفة من صفاته، واعلم أنك إن تخيلت أو حاولت التخيل فإنك لا بد أن تقع في أحد محذورين:
إما التحريف والتعطيل، وإما التمثيل والتشبيه، ولهذا يجب عليكم أيها الإخوة أن لا تتخيلوا أي شيء من كيفية صفات الله عز وجل، لا أقول: لا تثبتوا المعنى؛ لأن المعنى يجب أن يثبت، لكن تخيل كيفية تلك الصفة لا يمكن أن تتخيلها، وعلى أي مقياس تقيس هذا التخيل؟
لا يمكن أبدا أن تتخيل كيفية صفات الله عز وجل لا بالتقدير ولا بالقول، يجب عليك أن تتجنب هذا؛ لأنك تحاول ما لا يمكن الوصول إليه، بل تحاول ما يخشى أن يوقعك في أمر عظيم لا تستطيع الخلاص منه إلا بسلوك التمثيل والتعطيل؛ وذلك لأن الرب جلت عظمته لا يمكن لأحد أن يتخيله على كيفية معينة؛ لأنه إن فعل ذلك فقد قفا ما ليس له به علم، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} .
(5/189)

وإن تخيله على وصف مقارب بمثيل فقد مثل الله، والله سبحانه وتعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
وبهذا نعلم أن من أنكر صفات الله أنكرها لأنه تخيل أولا، ثم قالوا: هذا التخيل يلزم منه التمثيل، ثم حرفوا، ولهذا نقول: إن كل معطل ومنكر للصفات فإنه ممثل سبق تمثيله تعطيله، مثل أولا وعطل ثانيا، ولو أنه قدر الله حق قدره ولم يتعرض لتخيل صفاته سبحانه ما احتاج إلى هذا الإنكار، وإلى هذا التعطيل.
(5/190)

ثانيا: طريقة أهل السنة والجماعة في عبادة الله
طريقتهم أنهم يعبدون الله لله وبالله وفي الله.
أما كونهم يعبدون الله لله فمعنى ذلك الإخلاص، يخلصون لله عز وجل، لا يريدون بعبادتهم إلا ربهم، لا يتقربون إلى أحد سواه، إنما يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، ما يعبدون الله لأن فلانا يراهم، وما يعبدون الله لأنهم يعظمون بين الناس، ولا يعبدون الله لأنهم يلقبون بلقب العابد، لكن يعبدون الله لله.
وأما كونهم يعبدون الله بالله أي مستعينين به، لا يمكن أن يفخروا بأنفسهم، أو أن يروا أنهم مستقلون بعبادتهم عن الله، بل هم محققون لقول الله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، فـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يعبدون الله لله، {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يعبدون الله بالله، فيستعينونه على عبادته تبارك وتعالى.
وأما كونهم يعبدون الله في الله أي في دين الله، في الدين الذي شرعه على ألسنة رسله، وهم وأهل السنة والجماعة في هذه الأمة يعبدون الله بما شرعه على لسان رسوله محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا يزيدون فيه، ولا ينقصون منه، فهم يعبدون الله في الله في شريعته، في دينه، لا يخرجون عنه لا زيادة ولا نقصا، لذلك كانت عبادتهم هي العبادة الحقة السالمة من شوائب الشرك والبدع؛ لأن من قصد غير الله بعبادته فقد أشرك به، ومن تعبد الله بغير شريعته فقد ابتدع في دينه، والله سبحانه وتعالى يقول:
(5/191)

{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} .
فعبادتهم لله في دين الله، لا يبتدعون ما تستحسنه أهواؤهم، لا أقول: ما تستحسنه عقولهم لأن العقول الصحيحة لا تستحسن الخروج عن شريعة الله؛ لأن لزوم شريعة الله مقتضى العقل الصريح، ولهذا كان الله سبحانه وتعالى ينعى على المكذبين لرسوله عقولهم ويقول: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} .
لو كنا نتعبد لله بما تهواه نفوسنا وعلى حسب أهوائنا لكنا فرقا وشيعا، كل يستحسن ما يريد فيتعبد لله به، وحينئذ لا يتحقق فينا وصف الله سبحانه وتعالى في قوله: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} .
ولننظر إلى هؤلاء الذين يتعبدون لله بالبدع التي ما أذن الله بها، ولا أنزل بها من سلطان، كيف كانوا فرقا يكفر بعضهم بعضا ويفسق بعضهم بعضا، وهم يقولون: إنهم مسلمون؟ لقد كفر بعض الناس بعضا في أمور لا تخرج الإنسان إلى الكفر، ولكن الهوى أصمهم وأعمى أبصارهم.
نحن نقول إننا إذا سرنا على هذا الخط لا نعبد الله إلا في دين الله، فإننا سوف نكون أمة واحدة، لو عبدنا الله تعالى بشرعه وهداه لا بهوانا لكنا أمة واحدة، فشريعة الله هي الهدى وليست الهوى.
إذن لو أن أحدا من أهل البدع ابتدع طريقة عقدية (أي تعود للعقيدة) أو عملية (تعود إلى العمل) من قول أو فعل، ثم قال: إن هذه حسنة، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» ، قلنا له بكل بساطة: هذا الحسن الذي
(5/192)

ادعيت أنه ثابت في هذه البدعة هل كان خافيا لدى الرسول عليه الصلاة والسلام، أو كان معلوما عنده لكنه كتمه ولم يطلع عليه أحد من سلف الأمة حتى ادخر لك علمه؟ !
والجواب: إن قال بالأول فشر، وإن قال بالثاني فأطم وأشر.
فإن قال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم حسن هذه البدعة، ولذلك لم يشرعها.
قلنا: رميت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأمر عظيم حيث جهلته في دين الله وشريعته.
وإن قال: إنه يعلم ولكن كتمه عن الخلق.
قلنا له: وهذه أدهى وأمر لأنك وصفت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي هو الأمين الكريم، وصفته بالخيانة وعدم الجود بعلمه، وهذا أشر من وصفه بعدم الجود بماله، مع أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أجود الناس، وهنا شر قد يكون احتمالا ثالثا بأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علمها وبلغها ولكن لم تصل إلينا، فنقول له: وحينئذ طعنت في كلام الله عز وجل؛ لأن الله تعالى يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، وإذا ضاعت شريعة من شريعة الذكر فمعنى ذلك أن الله لم يقم بحفظه، بل نقص من حفظه إياه بقدر ما فات من هذه الشريعة التي نزل من أجلها هذا الذكر.
وعلى كل حال فإن كل إنسان يبتدع ما يتقرب به إلى ربه من عقيدة أو عمل قولي أو فعلي فإنه ضال؛ لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كل بدعة ضلالة» ، وهذه كلية عامة لا يستثنى منها شيء إطلاقا، فكل بدعة في دين الله فإنها ضلالة وليس فيها من الحق شيء، فإن الله تعالى يقول: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} .
(5/193)

ثم نقول: إن الحديث لا يدل على كل بدعة، بل قال: «من سن في الإسلام» ، وما خرج عن شريعة الرسول ليس من الإسلام بل قد قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة» ، وبهذا نعرف أنه لا بد أن تكون هذه السنة مما أثبته الإسلام وإلا ليست سنة في الإسلام، ومن علم سبب الحديث الذي ذكرناه علم أن المراد بالسنة المبادرة بالعمل أو السبق إلى تنفيذ سنة كان أسبق الناس بها؛ لأن سبب الحديث معلوم، وهو أن جماعة جاءوا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكانوا فقراء، فحث المسلمين على التصدق عليهم، فأتى رجل من الأنصار بصرة قد أثقلت يده فوضعها بين يديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» ، وبهذا عرفنا المراد أن من سنها ليس من شرعها، لكن من عمل بها أولا لأنه بذلك أي بعمله أولا يكون هو إماما للناس فيها، فيكون قدوة خير وحسنة، فيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
ولا يرد على ذلك ما ابتدع من الوسائل الموصلة إلى الأمور المشروعة، فإن هذه وإن تلجلج بها أهل البدع وقعدوا بها بدعهم فإنه لا نصيب لهم منها، إلا أن يكون الراقم على الماء له نصيب من الحروف بارزة في الماء.
أقول: إن بعض الناس يستدلون على تحسين بدعهم التي ابتدعوها في دين الله، والتي يلزم منها ما سبق ذكره، بما أحدث من الوسائل لغايات محمودة.
احتجوا على ذلك بجمع القرآن، وبتوحيده في مصحف واحد وبالتأليف، وببناء دور العلم، وغير ذلك مما هو وسائل لا غايات، فهناك فرق بين الشيء الذي يكون وسيلة إلى غاية محمودة مثبتة شرعا، لكنها لا تتحقق إلا بفعل هذه الوسيلة، فهذه الوسيلة طبعا تتجدد بتجدد الزمن، وتختلف باختلاف العصور، ها هو قوله عز وجل: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}
(5/194)

، وإعداد القوة على عهده عليه الصلاة والسلام غير إعداد القوة في زمننا هذا، فإذا ما أحدثنا عملا معينا نتوصل به إلى إعداد القوة فإن هذه بدعة وسيلة وليست بدعة غاية يتقرب بها إلى الله، ولكنها بدعة وسيلة، ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أن للوسائل أحكام المقاصد، وبهذا نعرف أن ما تلجلج به مبتدع الحوادث في دين الله باستدلالهم بمثل هذه القضايا أنه ليس لهم فيها دليل أبدا؛ لأن كل ما حصل فهو وسائل لغايات محمودة.
فجمع القرآن والتصنيف وما أشبه ذلك كله وسائل لغايات هي مشروعة في نفسها، فيجب على الإنسان أن يفرق بين الغاية والوسيلة، فما قصد لذاته فقد تم تشريعه من عند الرسول عليه الصلاة والسلام بما أوحاه الله إليه من الكتاب العظيم، ومن السنة المطهرة، ولدينا ولله الحمد آية نتلوها في كتاب الله، وهي قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} ، فلو كان في المحدثات ما يكمل به الدين لكانت قد شرعت وبينت وبلغت وحفظت، ولكن ليس فيها شيء يكون فيه كمال الدين، بل نقص في دين الله.
قد يقول بعض الناس: إننا نجد في هذه الحوادث نجد عاطفة دينية ورقة قلبية واجتماعا عليها، فنقول: إن الله تعالى أخبر عن الشيطان أنه قال: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} ، يزينها الشيطان في قلب الإنسان ليصده عما خلق له، عن عبادة الله التي شرع فترضخ النفس بواسطة تسلط الشيطان على المرء حتى يصده عن دين الحق، «وقد أخبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى»
(5/195)

«الدم،» بل في القرآن قبل ذلك، قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} ، فجعل الله للشيطان سلطانا على من تولاه وأشرك به، أي جعل لله شريكا به بواسطة الشيطان، وكل من جعل له متبوعا في بدعة من دين الله فقد أشرك بالله عز وجل، وجعل هذا المتبوع شريكا لله تعالى في الحكم.
وحكم الله الشرعي والقدري لا شريك له فيه أبدا {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} ، وركزت على هذا الأمر لكي يعلم أهل الإحداث المحدثون أنه لا حجة لهم فيما أحدثوه، واعلم رحمك الله أنه لا طريق إلى الوصول إلى الله عز وجل وإلى دار كرامته إلا من الطريق الذي وضعه هو سبحانه وتعالى على لسان رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لله المثل الأعلى لو أن ملكا من الملوك فتح بابا للدخول عليه، وقال: من أراد أن يصل إلي فليدخل من هذا الباب، فما ظنكم بمن ذهب إلى أبواب أخرى؟ هل يصل إليه؟ كلا بالطبع.
والملك العظيم، ملك الملوك، وخالق الخلق، جعل طريقا إليه خاصا بما جاءه به رسله وعلى رأسهم خاتمهم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذي بعد بعثه لا يمكن لأي بشر أن ينال السعادة إلا من طريقه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والحقيقة أن تعظيم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن الأدب مع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن نسلك ما سلك، ونذر ما ترك، وأن لا نتقدم بين يديه، فنقول في دينه ما لم يقل، أو نحدث في دينه ما لم يشرع.
(5/196)

هل من محبة الرسول عليه الصلاة والسلام وتعظيمه أن نحدث في دينه شيئا يقول هو عنه: «كل بدعة ضلالة» ، ويقول: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ؟ هل هذا من محبة الرسول؟ ! هل هذا من محبة الله عز وجل؟ ! أن تشرع في دين الله ما لم يشرع {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} .
(5/197)

ثالثا: طريقة أهل السنة والجماعة في حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
من المعلوم أنه لا يتم الإسلام إلا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والشهادة لا تتحقق إلا بثلاثة أمور:
1 - عقيدة في القلب.
2 - نطق في اللسان.
3 - عمل في الأركان.
ولهذا يقول المنافقون للرسول عليه الصلاة والسلام إذا جاءوه: نشهد إنك لرسول الله، ويقول الباري جل ذكره فيهم: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} لماذا؟ لأن هذه الشهادة فقد منها أعظم ركن فيها وهو العقيدة، فهم يقولون بألسنتهم ما لا يعتقدونه في قلوبهم، فمن قال: أشهد أن محمدا رسول الله ولكن قلبه خال من هذه الشهادة، فإنه لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله.
ومن اعتقد ذلك ولم يقله بلسانه فإنه لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله.
ومن قال ذلك لكن لم يتبعه في شريعته فإنه لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله، وكيف تخالفه وأنت تعتقد بأنه رسول رب العالمين، وأن شريعة الله هو ما جاء به؟
كيف تقول إنك شهدت أن محمدا رسول الله على وجه التحقيق؟ لهذا نعتقد أن كل من عصى الله ورسوله فإنه لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله.
لست أقول إنه ما يشهد، ولكنه لم يحقق، وقد نقص من تحقيقه إياه بقدر ما حصل منه من مخالفة.
(5/198)

إذن طريقة أهل السنة والجماعة في حق رسول الله عليه الصلاة والسلام الشهادة له بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم أنه رسول الله، كذلك أيضا يحبونه حب تقدير وتعظيم حبا تابعا لمحبة الله عز وجل.
وليسوا يحبونه من باب التعبد له بمحبته؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يتعبد لله به -أي بشرعه- ولكنه لا يعبد هو.
فهم يحبون الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه رسول رب العالمين، ومحبتهم له من محبة الله تبارك وتعالى، ولولا أن الله أرسل محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي لكان رجلا من بني هاشم لا يستحق هذه المرتبة التي استحقها بالرسالة.
إذن نحن نحبه ونعظمه لأننا نحب الله ونعظمه، فمن أجل أنه رسول الله، وأن الله تبارك وتعالى هدى به الأمة حينئذ نحبه، فالرسول عليه الصلاة والسلام عند أهل السنة والجماعة محبوب؛ لأنه رسول رب العالمين، ولا شك أنه أحق الناس، بل أحق الخلق وأجدرهم بتحمل هذه الرسالة العظيمة عليه الصلاة والسلام.
كذلك أيضا يعظمون الرسول عليه الصلاة والسلام حق التعظيم، ويرون أنه أعظم الناس قدرا عند الله عز وجل.
لكن مع ذلك لا ينزلونه فوق منزلته التي أنزله الله، يقولون إنه عبد الله، بل «هو أعبد الناس لله عز وجل حتى إنه يقوم حتى تتورم قدماه، فيقال: كيف ذلك وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: " أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا؟» .
من يحقق العبادة كتحقيق الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ولهذا قال: «إني والله أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقى» ، فهو بلا شك أعظم العابدين عبادة وأشدهم تحقيقا لها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا حين تحدث عن البصل والكراث قال المسلمون: حرمت، فقال: «أيها الناس إنه ليس لي»
(5/199)

«تحريم ما أحل الله» .
انظروا إلى هذا الأدب مع الله عز وجل، هكذا العبودية، ولهذا هم يقولون: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد من عباد الله، وهو أكمل الناس في عبوديته لله.
ويؤمنون أيضا بأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا لغيره، والله تعالى قد أمره أن يبلغ ذلك إلى الأمة فقال: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} .
وما هي وظيفته؟ {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} ، ومن زعم أن الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم شيئا من الغيب غير ما أطلعه الله عليه فهو كافر بالله ورسوله؛ لأنه مكذب لله ورسوله.
فإن الرسول أمر أن يقول وقال، قال قولا يتلى إلى يوم القيامة، قوله: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} .
وبمناسبة هذه الآية الكريمة أود أن أقول: إن القرآن الكريم أحيانا تصدر الأخبار فيه بكلمة: (قل) وكل شيء صدر بهذه الكلمة معناه أن الله سبحانه وتعالى اعتنى به عناية خاصة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد أمر أن يقول كل القرآن {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} ، لكن هذا الذي خص بكلمة (قل) فيه عناية خاصة استحق أن يصدر بالأمر بالتبليغ على وجه الخصوص، مثل هذه الآية ومثلها في الأحكام: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}
(5/200)

، والأمثلة كثيرة في القرآن، إذن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله، ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، بل ولا لغيره أيضا {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ} ، لو أراد الله بي شيئا ما أجارني أحد منه، ولن أجد من دونه ملتحدا.
ويعتقدون أن الرسول عليه الصلاة والسلام بشر ليس له من شئون الربوبية شيء، ولا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، حتى إنه عليه الصلاة والسلام يسأل أحيانا عن شيء من الأحكام الشرعية فيتوقف حتى يأتيه الوحي، حتى إنه أحيانا يصدر القول فيأتيه الاستثناء أو الاستدراك من عند الله عز وجل، فقد «سئل عليه الصلاة والسلام عن الشهادة هل تكفر كل شيء؟ فقال: " نعم "، ثم قال: " أين السائل؟ " فقال: " إلا الدين، أخبرني بذلك جبريل آنفا» ، أحيانا يجتهد عليه الصلاة والسلام، ولكن يأتيه الوحي من الله عز وجل بأن الخير في كذا وكذا خلاف ما اجتهد فيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
إذن الرسول عليه الصلاة والسلام عبد عابد لله عز وجل، وليس له من شئون الربوبية شيء، هذا هو قول أهل السنة والجماعة في رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
يعتقد أهل السنة والجماعة أيضا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشر تجوز عليه كل الخصائص البشرية والجسدية، فينام ويأكل ويشرب ويمرض ويتألم ويحزن ويرضى ويغضب عليه الصلاة والسلام، ويموت كما يموت الناس، {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} ، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا}
(5/201)

، ولا ريب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات ميتة جسدية فارقت روحه جسده فيها، وقام أهله وأصحابه بما يقومون به في غيره من شئون الموتى، سوى أنه عليه الصلاة والسلام لم يجرد عند تغسيله، والمعروف أنه لم يصل عليه جماعة، إنما كان الناس يصلون عليه أفرادا؛ لأنه الإمام عليه الصلاة والسلام.
ومن زعم أنه حي في قبره حياة جسدية لا حياة برزخية، وأنه يصلي ويصوم ويحج، وأنه يعلم ما تقوله الأمة وتفعله، فإنه قد قال قولا بلا علم.
فالرسول عليه الصلاة والسلام انقطع عمله بموته كما قال هو نفسه: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» .
فعمله الذي يعمله بنفسه انقطع بموته، ولكن لا شك أن كل علم علمناه من شريعة الله فإنه بواسطته عليه الصلاة والسلام، وحينئذ فيكون منتفعا من كل هذه العلوم التي علمناها بعد موته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذلك الأعمال الصالحة التي نعملها كانت بدلالته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيكون له مثل أجر العاملين.
(5/202)

رابعا: طريقة أهل السنة والجماعة في حق الصحابة رضي الله عنهم
أهل السنة والجماعة يعرفون للصحابة قدرهم، وأنهم خير القرون بشهادة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال فيما ثبت عنه من حديث عمران بن حصين: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ، فالصحابة خير هذه الأمة بلا شك، ولكنهم على مراتب، بعضهم أفضل من بعض.
قال الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} ، وقال الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} .
ولكن هذه المراتب وهذه الفضائل يجب أن نعرف أن الواحد فيهم له مرتبة على الإطلاق، وله مرتبة خاصة، أي أنه قد يكون أفضل من غيره على سبيل العموم والإطلاق، ويكون في غيره خصلة هو أفضل منه، فيها وأهل السنة والجماعة يقولون: إن أفضل الصحابة الخلفاء الأربعة، وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، يرتبونهم في الفضل حسب ترتيبهم في الخلافة، ولكن لا يلزم من كون أبي بكر أفضل الصحابة ألا يتميز أحد من الصحابة عن أبي بكر بمنقبة خاصة.
وقد يكون لعلي بن أبي طالب منقبة ليست لأبي بكر، وقد يكون لعمر منقبة ليست لأبي بكر، كذلك قد يكون لعثمان، ولكن الكلام على الفضل المطلق والمرتبة الكلية العامة، فإن مراتب الصحابة تختلف اختلافا
(5/203)

اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وهو دلالة القرآن، ودلالة السنة أيضا.
فإن خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف تنازعا في أمر، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخالد: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» .
كذلك أيضا أهل السنة والجماعة يقولون: إن بعض الصحابة له مزية ليست لغيرهم، فيجب أن ننزلهم في منازلهم، فإذا كان الصحابي من آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام كعلي بن أبي طالب وحمزة والعباس وابن عباس وغيرهم فإننا نحبه أكثر من غيره من حيث قربه من الرسول عليه الصلاة والسلام، لا على سبيل الإطلاق، فنعرف له حقه بقرابته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكنه لا يلزم من ذلك أن نفضله على غيره تفضيلا مطلقا ممن له قدم راسخ في الإسلام أكثر من هذا القريب من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن المراتب والفضائل هي صفات يتميز الإنسان بصفة منها لا يتميز بها الآخر.
وأهل السنة والجماعة في آل البيت لا يغلون غلو الروافض، ولا ينصبون العداوة لهم نصب النواصب، ولكنهم وسط بين طرفين، يعرفون لهم حقهم بقرابتهم من الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكنهم لا يتجاوزون بهم منزلتهم.
(5/204)

خامسا: طريقة أهل السنة والجماعة في حق الأولياء والأئمة
أئمة هذه الشريعة الإسلامية ولله الحمد أئمة مشهورون أثنت عليهم الأمة وعرفت لهم قدرهم، ولكنها لا تعتقد فيهم العصمة، فليس عند أهل السنة والجماعة أحد معصوم من الخطأ ولا من الإقرار على الخطأ، إلا الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه معصوم من الإقرار على الخطأ، أما غيره مهما بلغت إمامته فإنه ليس معصوما أبدا، كل يخطئ وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذي أمرنا الله تعالى بطاعته على الإطلاق.
فهم يقولون لا شك أن في هذه الأمة أئمة، ولا شك أن فيها أولياء، ولكننا لا نريد بذلك أن نثبت العصمة لأحد من هؤلاء الأئمة، ولا أن نثبت لأحد من الأولياء أنه يعلم الغيب أو يتصرف في الكون، وهم أيضا لا يجعلون الولي من قال عن نفسه: إنه ولي، أو أتى بالدعايات الباطلة لأجل أن يجلب الناس إليه يقولون: إن الولي بينه الله تعالى بقوله:
{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} ، هؤلاء الأولياء: الذين آمنوا، وكانوا يتقون، فالإيمان: العقيدة، والتقوى: العمل قولا كان أو فعلا، وأخذ شيخ الإسلام من هذه الآية عبارة طيبة وهي قوله: " من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا "، هذا الولي حقيقة، لا الولي الذي يجلب الناس إليه، ويجمع الحاشية ويقول: أنا أفعل، ويستعين بالشياطين على معرفة الخفي، ثم يبهر الناس بما يقول فيقولون: هذا ولي، لا لأن الولاية تكون باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، وبإيمانه وتقواه، فإن كان مؤمنا تقيا فهو ولي.
(5/205)

ولكن هؤلاء الأولياء أيضا لا يلزم في كل ولي أن يجعل الله له كرامة، فما أكثر الأولياء الذين لا كرامة لهم؛ لأن الكرامة في الغالب لا تأتي إلا لنصر حق أو دفع باطل، لا لتثبيت شخص بعينه، فلا يلزم إذن أن يكون لكل ولي كرامة، قد يحيا الولي ويموت وليس له كرامة، وقد يكون له كرامات متعددة، وهذه الكرامات كما قال أهل العلم: كل كرامة لولي فإنها آية للنبي الذي اتبعه، ولا أقول: " معجزة " لأن الأولى أن تسمى آية؛ لأن هذا التعبير القرآني والآية أبلغ من المعجزة؛ لأن الآية معناها العلامة على صدق ما جاء به هذا الرسول، والمعجزة قد تكون على يد مشعوذ أو على يد إنسان قوي يفعل ما يعجز عنه غيره، لكن التعبير بـ "الآية" أبلغ وأدق، وهي التعبير القرآني، فنسمي المعجزات بالآيات، هذا هو الصواب.
يوجد أناس حسب ما نسمع في هذه الأمة يدعون أنهم أولياء، ولكن من تأمل حالهم وجد أنهم بعيدون عن الولاية، وأنه لا حظ لهم فيها، لكن لهم شياطين يعينونهم على ما يريدون، فيخدعون بذلك البسطاء من الناس.
(5/206)

سادسا: طريقة أهل السنة والجماعة في إصلاح المجتمع
يرى أهل السنة والجماعة أن المجتمع الإسلامي لا يكمل صلاحه إلا إذا تمشى مع ما شرعه الله سبحانه وتعالى له، ولهذا يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمعروف: كل ما عرفه الشرع وأقره، والمنكر: كل ما أنكره الشرع وحرمه، فهم يرون أن المجتمع الإسلامي لا يصلح إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأننا لو فقدنا هذا المقوم لحصل التفرق، كما يشير إليه قول الله عز وجل: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
وهذا المقوم وللأسف في هذا الوقت ضاع أو كاد؛ لأنك لا تجد شخصا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى في المحيط القليل المحصور إلا ما ندر.
وإذا ترك الناس هكذا كل إنسان يعمل ما يريد تفرق الناس، ولكن إذا تآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر صاروا أمة واحدة، ولكن لا يلزم إذا رأيت أمرا معروفا أن يكون معروفا عند غيرك، إلا في شيء لا مجال للاجتهاد فيه، إنما ما للاجتهاد فيه مجال فقد أرى أن هذا من المعروف، ويرى الآخر أنه ليس منه، وحينئذ يكون المرجع في ذلك كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، ولكن طريقة أهل السنة والجماعة في هذا الباب العظيم
(5/207)

الذي فضلت فيه هذه الأمة على غيرها أنهم يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مقومات المجتمع الإسلامي، ولكنه يحتاج إلى أمور:
أولا: أن يكون الإنسان عالما بالحكم بحيث يعرف أن هذا معروف، وأن هذا منكر، أما أن يأتي عن جهل، ثم يأمر بشيء يراه معروفا في ظنه، وهو ليس بمعروف، فهذا قد يكون ضره أكبر من نفعه، لذلك لو فرضنا شخصا تربى في مجتمع يرون أن هذه البدعة معروف، ثم يأتي إلى مجتمع جديد غيره يجدهم لا يفعلونها، فيقوم وينكر عليهم عدم الفعل، ويأمرهم بها، فهذا خطأ، فلا تأمر بشيء إلا حيث تعرف أنه معروف في شريعة الله، ليس بعقيدتك أنت وما نشأت عليه، فلا بد من معرفة الحكم، وأن هذا معروف حتى تأمر به، وكذلك المنكر.
ثانيا: لا بد أن تعلم أن هذا المعروف لم يفعل، وأن هذا المنكر قد فعل، وكم من إنسان أمر شخصا بمعروف فإذا هو فاعله، فيكون في هذا الأمر عبئا على غيره، وربما يضع ذلك من قدره بين الناس.
وإذا رأينا هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجدنا أن هذه طريقته، «دخل رجل يوم الجمعة والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب وجلس، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أصليت؟ " قال: لا، قال: " فقم فصل ركعتين» ، صلاة الركعتين لداخل المسجد من المعروف ولا شك، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام ما أمره به مباشرة حتى علم أنه لم يفعله، فأنت قد تأمر هذا الرجل أن يفعل شيئا، وإذا هو قد فعله فتتسبب إلى التعجل وعدم التريث وتحط من قدرك، ولكن اسأل وتحقق إذا لم يفعل حينئذ تأمر به.
وكذلك أيضا بالنسبة للمعاصي، فبعض الناس قد ينهى شخصا عما يراه منكرا وليس بمنكر.
مثال ذلك:
رأيت رجلا يصلي الفريضة وهو جالس، فنهيته بأنه ليس له حق أن
(5/208)

يصلي وهو جالس، فهذا غير صحيح، لكن اسأل أولا لماذا جلس؟ قد يكون له عذر في جلوسه وأنت لا تعلم، حينئذ تكون متسرعا، ويكون ذلك ناقصا من قدرك، هذا أمر أيضا لا بد منه: أن تعرف الحكم الشرعي، وأن تعرف الحال التي عليها المأمور والمنهي حتى تكون على بصيرة من أمرك.
ثالثا: أن لا يترتب على فعل المعروف ما هو منكر أعظم مفسدة من منفعة المعروف، فإن ترتب على فعل المعروف منكر هو أشد ضررا من المنفعة الحاصلة بهذا المعروف فإن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وهذه الكلمة المعروفة هي القاعدة التي دل عليها القرآن ليست أيضا على إطلاقها، أي أنه ليست كل مفسدة درؤها أولى من جلب مصلحة، بل إذا تكافأت مع المصلحة فدرء المفسدة أولى، وإذا كانت أعظم من المصلحة فدرء المفسدة أولى، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} ، فسب آلهة المشركين كل يعلم أنه مصلحة وأن فيه خيرا، لكن إذا تضمنت هذه المصلحة ما هو أنكر -وأنكر من باب التفاضل الذي ليس في الطرف الآخر منه شيء- إذا تضمن مفسدة عظيمة فإنها تترك؛ لأننا إذا سببنا آلهتهم ونحن نسبها بحق سبوا الله عدوا بغير علم.
فهذه نقطة ينبغي أن نتفطن لها عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما إذا كانت المفسدة تنغمر في جانب المصلحة فإننا نفضل المصلحة ولا يهمنا، وهذا عليه شيء كثير من أحكام الله الشرعية والكونية.
فمثلا هذا المطر الذي ينزل وفيه مصلحة عامة لكن فيه ضررا على إنسان بنى سقفه الآن وجاء المطر فأفسده، لكن هذه المفسدة القليلة منغمرة في جانب المصلحة العامة، وهكذا أيضا الأحكام الشرعية كالأحكام
(5/209)

الكونية، وهذا أمر ينبغي التنبه له، وهو أننا قد لا يكون من المصلحة أن ننهى عن هذا المنكر لأنه يتضمن مفسدة أكبر، ولكننا نتريث حتى تتم الأمور.
ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية بالتدرج في التشريع حتى يقبلها الناس شيئا فشيئا، وهكذا المنكر لا بد أن نأخذ الناس فيه بالمعالجة حتى يتم الأمر، هذه هي الثلاثة الأمور:
1 - العلم بالحكم.
2 - العلم بالحال.
3 - أن لا يترتب على فعل المعروف منكر أعظم مفسدة.
(5/210)

سابعا: قول أهل السنة والجماعة في الإيمان
الإيمان حقيقته عند أهل السنة والجماعة هي: " اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح "، ويستدلون لقولهم هذا بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» ، فالقول قول اللسان: «لا إله إلا الله» ، وعمل الجوارح وعمل القلب " «الحياء» «وإماطة الأذى عن الطريق» .
أما عقيدة القلب فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره» .
وهم أيضا يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، فالقرآن قد دل على زيادته، والضرورة العقلية تقتضي أن كل ما ثبت أنه يزيد فهو ينقص إذ لا تعقل الزيادة بدون نقص {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} ، {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} ، ولا شك في ذلك، ومتى قلنا: إن الإيمان قول وعمل فإنه لا شك أن الأقوال تختلف، فليس من قال: " سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر " مرة كمن قالها أكثر، وكذلك أيضا نقول: إن الإيمان الذي هو عقيدة القلب يختلف قوة وضعفا، وقد قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ، فإنه ليس الخبر كالمعاينة والمشاهدة.
رجل أخبر بخبر أخبره رجل واحد حصل عنده شيء من هذا الخبر، فإذا جاء ثان ازداد قوة فيه، وإذا جاءه الثالث ازداد قوة وهلم، وعليه
(5/211)

نقول: الإيمان يزيد وينقص حتى في عقيدة القلب، وهذا أمر يعلمه كل إنسان من نفسه، وأما من أنكر زيادته ونقصانه فإنه مخالف للشرع والواقع، فهو يزيد وينقص.
وبهذا تم ما أردنا الكلام عليه، والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
(5/212)

القضاء والقدر
(5/213)

القضاء والقدر
[المقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد. ..
فأيها الإخوة الكرام إننا في هذا اللقاء الذي نرجو أن يفتح الله علينا فيه من خزائن فضله ورحمته، وأن يجعلنا من الهداة المهتدين، ومن القادة المصلحين، ومن المستمعين المنتفعين، نبحث في أمر مهم يهم جميع المسلمين، ألا وهو " قضاء الله وقدره "، والأمر ولله الحمد واضح، ولولا أن التساؤلات قد كثرت، ولولا أن الأمر اشتبه على كثير من الناس، ولولا كثرة من خاض في الموضوع بالحق تارة وبالباطل تارات، ونظرا إلى أن الأهواء انتشرت وكثرت، وصار الفاسق يريد أن يبرر لفسقه بالقضاء والقدر، لولا هذا وغيره ما كنا نتكلم في هذا الأمر.
والقضاء والقدر ما زال النزاع فيه بين الأمة قديما وحديثا، فقد روي «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، فنهاهم عن ذلك، وأخبر أنه ما أهلك الذين من قبلكم إلا هذا الجدال» .
ولكن فتح الله على عباده المؤمنين السلف الصالح الذين سلكوا طريق
(5/215)

العدل فيما عملوا وفيما قالوا؛ وذلك أن قضاء الله تعالى وقدره من ربوبيته سبحانه وتعالى لخلقه، فهو داخل في أحد أقسام التوحيد الثلاثة التي قسم أهل العلم إليها توحيد الله عز وجل:
القسم الأول: توحيد الألوهية، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة.
القسم الثاني: توحيد الربوبية، وهو إفراد الله تعالى بالخلق والملك والتدبير.
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات، وهو توحيد الله تعالى بأسمائه وصفاته.
فالإيمان بالقدر هو من ربوبية الله عز وجل، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: " القدر قدرة الله ". اهـ؛ لأنه من قدرته ومن عمومها بلا شك، وهو أيضا سر الله تعالى المكتوم الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، مكتوب في اللوح المحفوظ، في الكتاب المكنون الذي لا يطلع عليه أحد، ونحن لا نعلم بما قدره الله لنا أو علينا، أو بما قدره الله تعالى في مخلوقاته إلا بعد وقوعه أو الخبر الصادق عنه.
أيها الإخوة إن الأمة الإسلامية انقسمت في القدر إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: غلوا في إثبات القدر وسلبوا العبد قدرته واختياره، وقالوا: إن العبد ليس له قدرة ولا اختيار، وإنما هو مسير لا مخير كالريشة في مهب الريح، ولم يفرقوا بين فعل العبد الواقع باختياره وبين فعله الواقع بغير اختياره، ولا شك أن هؤلاء ضالون لأنه مما يعلم بالضرورة من الدين، والعقل والعادة أن الإنسان يفرق بين الفعل الاختياري والفعل الإجباري.
القسم الثاني: غلوا في إثبات قدرة العبد واختياره حتى نفوا أن يكون لله تعالى مشيئة أو اختيار أو خلق فيما يفعله العبد، وزعموا أن العبد
(5/216)

مستقل بعمله، حتى غلا طائفة منهم فقالوا: إن الله تعالى لا يعلم بما يفعله العباد إلا بعد أن يقع منهم، وهؤلاء أيضا غلوا وتطرفوا تطرفا عظيما في إثبات قدرة العبد واختياره.
القسم الثالث: وهم الذين آمنوا فهداهم الله لما اختلف فيه من الحق، وهم أهل السنة والجماعة، سلكوا في ذلك مسلكا وسطا قائما على الدليل الشرعي وعلى الدليل العقلي، وقالوا: إن الأفعال التي يحدثها الله تعالى في الكون تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما يجريه الله تبارك وتعالى من فعله في مخلوقاته فهذا لا اختيار لأحد فيه، كإنزال المطر وإنبات الزرع والإحياء والإماتة والمرض والصحة وغير ذلك من الأمور الكثيرة التي تشاهد في مخلوقات الله تعالى، وهذه بلا شك ليس لأحد فيها اختيار وليس لأحد فيها مشيئة، وإنما المشيئة فيها لله الواحد القهار.
القسم الثاني: ما تفعله الخلائق كلها من ذوات الإرادة فهذه الأفعال تكون باختيار فاعليها وإرادتهم؛ لأن الله تعالى جعل ذلك إليهم، قال الله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} ، وقال تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} ، وقال تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} ، والإنسان يعرف الفرق بين ما يقع منه باختياره وبين ما يقع منه باضطرار وإجبار، فالإنسان ينزل من السطح بالسلم نزولا اختياريا يعرف أنه مختار، ولكنه يسقط هاويا من السطح ويعرف أنه ليس مختارا لذلك، ويعرف الفرق بين الفعلين، وأن الثاني إجبار والأول اختيار، وكل إنسان يعرف ذلك.
(5/217)

وكذلك الإنسان يعرف أنه إذا أصيب بمرض سلس البول فإن البول يخرج منه بغير اختياره، وإذا كان سليما من هذا المرض فإن البول يخرج منه باختياره، ويعرف الفرق بين هذا وهذا، ولا أحد ينكر الفرق بينهما، وهكذا جميع ما يقع من العبد يعرف فيه الفرق بين ما يقع اختيارا وبين ما يقع اضطرارا وإجبارا، بل إن من رحمة الله عز وجل أن من الأفعال ما هو باختيار العبد ولكن لا يلحقه منه شيء كما في فعل الناسي والنائم، يقول الله تعالى في قصة أصحاب الكهف: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} ، وهم الذين يتقلبون، ولكن الله تعالى نسب الفعل إليه؛ لأن النائم لا اختيار له ولا يؤاخذ بفعله، فنسب فعله إلى الله عز وجل، ويقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» ، فنسب هذا الإطعام وهذا الإسقاء إلى الله عز وجل؛ لأن الفعل وقع منه بغير ذكر فكأنه صار بغير اختياره، وكلنا يعرف الفرق بين ما يجده الإنسان من ألم بغير اختياره وما يجده من خفة في نفسه أحيانا بغير اختياره، ولا يدري ما سببه، وبين أن يكون الألم هذا ناشئا من فعل هو الذي اكتسبه، أو هذا الفرح ناشئا من شيء هو الذي اكتسبه، وهذا الأمر ولله الحمد واضح لا غبار عليه.
أيها الإخوة: إننا لو قلنا بقول الفريق الأول الذين غلوا في إثبات القدر لبطلت الشريعة من أصلها؛ لأن القول بأن فعل العبد ليس له فيه اختيار يلزم منه أن لا يحمد على فعل محمود، ولا يلام على فعل مذموم؛ لأنه في الحقيقة بغير اختيار وإرادة منه، وعلى هذا فالنتيجة إذن أن الله تبارك وتعالى يكون -تعالى عن ذلك علوا كبيرا- ظالما لمن عصى إذا عذبه وعاقبه على معصيته؛ لأنه عاقبه على أمر لا اختيار له فيه ولا إرادة، وهذا بلا شك مخالف للقرآن صراحة يقول الله تبارك وتعالى: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ}
(5/218)

{أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} ، فبين سبحانه أن هذا العقاب منه ليس ظلما، بل هو كمال العدل لأنه قد قدم إليهم بالوعيد، وبين لهم الطرق، وبين لهم الحق، وبين لهم الباطل، فلم يبق لهم حجة عند الله عز وجل، ولو قلنا بهذا القول الباطل لبطل قول الله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ، فإن الله تبارك وتعالى نفى أن يكون للناس حجة بعد إرسال الرسل؛ لأنهم قامت عليهم الحجة بذلك، فلو كان القدر حجة لهم لكانت هذه الحجة باقية حتى بعد بعث الرسل؛ لأن قدر الله تعالى لم يزل ولا يزال موجودا قبل إرسال الرسل وبعد إرسال الرسل، إذن فهذا القول تبطله النصوص، ويبطله الواقع كما فصلنا بالأمثلة السابقة.
أما أصحاب القول الثاني فإنهم أيضا ترد عليهم النصوص والواقع؛ ذلك لأن النصوص صريحة في أن مشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله عز وجل، قال الله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ، والذين يقولون بهذا القول هم في الحقيقة مبطلون لجانب من جوانب الربوبية، وهم أيضا مدعون بأن في
(5/219)

ملك الله تعالى ما لا يشاؤه ولا يخلقه، والله تبارك وتعالى شاءٍ لكل شيء، خالق لكل شيء، مقدر لكل شيء، وهم أيضا مخالفون لما يعلم بالاضطرار من أن الخلق كله ملك لله عز وجل ذواته وصفاته، لا فرق بين الصفة والذات، ولا بين المعنى وبين الجسد، إذن فالكل لله عز وجل، ولا يمكن أن يكون في ملكه ما لا يريد تبارك وتعالى، ولكن يبقى علينا إذا كان الأمر راجعا إلى مشيئة الله تبارك وتعالى، وأن الأمر كله بيده، فما طريق الإنسان إذن؟ وما حيلة الإنسان إذا كان الله تعالى قد قدر عليه أن يضل ولا يهتدي؟
فنقول: الجواب عن ذلك: أن الله تبارك وتعالى إنما يهدي من كان أهلا للهداية، ويضل من كان أهلا للضلالة، يقول الله تبارك وتعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} ، ويقول تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} ، فبين الله تبارك وتعالى أن أسباب إضلاله لمن ضل إنما هو بسبب من العبد نفسه، والعبد كما أسلفنا آنفا لا يدري ما قدر الله تعالى له؛ لأنه لا يعلم بالقدر إلا بعد وقوع المقدور، فهو لا يدري هل قدر الله له أن يكون ضالا أم أن يكون مهتديا؟ فما باله يسلك طريق الضلال ثم يحتج بأن الله تعالى قد أراد له ذلك؟ أفلا يجدر به أن يسلك طريق الهداية ثم يقول إن الله تعالى قد هداني للصراط المستقيم؟ ! أيجدر به أن يكون جبريا عند الضلالة قدريا عند الطاعة.
كلا لا يليق بالإنسان أن يكون جبريا عند الضلالة والمعصية، فإذا ضل أو عصى الله قال: هذا أمر قد كتب علي وقدر علي، ولا يمكنني أن أخرج عما قضى الله وقدر، وإذا كان في جانب الطاعة ووفقه الله تعالى للطاعة
(5/220)

والهداية زعم أن ذلك منه ثم من به على الله، وقال: أنا أتيت به من عند نفسي، فيكون قدريا في جانب الطاعة، جبريا في جانب المعصية، هذا لا يمكن أبدا، فالإنسان في الحقيقة له قدرة وله اختيار، وليس باب الهداية بأخفى من باب الرزق وبأخفى من أبواب طلب العلم، والإنسان كما هو معلوم لدى الجميع قد قدر له ما قدر من الرزق، ومع ذلك هو يسعى في أسباب الرزق في بلده وخارج بلده يمينا وشمالا، لا يجلس في بيته ويقول: إن قدر لي رزق فإنه يأتيني، بل هو يسعى في أسباب الرزق مع أن الرزق نفسه مقرون بالعمل كما ثبت ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد» .
فهذا الرزق أيضا مكتوب كما أن العمل من صالح أو سيئ مكتوب، فما بالك تذهب يمينا وشمالا وتجوب الأرض والفيافي طلبا لرزق الدنيا، ولا تعمل عملا صالحا لطلب رزق الآخرة والفوز بدار النعيم؟ ! إن البابين واحد ليس بينهما فرق، فكما أنك تسعى لرزقك وتسعى لحياتك وامتداد أجلك فإذا مرضت بمرض ذهبت إلى أقطار الدنيا تريد الطبيب الماهر الذي يداوي مرضك، ومع ذلك فإن لك ما قدر من الأجل لا يزيد ولا ينقص، ولست تعتمد على هذا وتقول: أبقى في بيتي مريضا طريحا وإن قدر الله لي أن يمتد الأجل امتد، بل نجدك تسعى بكل ما تستطيع من قوة وبحث لتبحث عن الطبيب الذي ترى أنه أقرب الناس أن يقدر الله الشفاء على يديه، فلماذا لا يكون عملك في طريق الآخرة وفي العمل الصالح كطريقك فيما تعمل للدنيا؟ ! وقد سبق أن قلنا: إن القضاء سر مكتوم لا يمكن أن تعلم عنه، فأنت الآن بين طريقين: طريق يؤدي بك إلى السلامة وإلى الفوز
(5/221)

والسعادة والكرامة، وطريق يؤدي بك إلى الهلاك والندامة والمهانة، وأنت الآن واقف بينهما ومخير ليس أمامك من يمنعك من سلوك طريق اليمين ولا من سلوك طريق الشمال، إذا شئت ذهبت إلى هذا، وإذا شئت ذهبت إلى هذا، فما بالك تسلك طريق اليمين وتقول: إنه قد قدر لي؟ ! فلو أنك أردت السفر إلى بلد ما وكان أمامك طريقان أحدهما معبد قصير آمن، والآخر غير معبد وطويل ومخوف، لوجدنا أنك تختار المعبد القصير الآمن ولا تذهب إلى الطريق الذي ليس بمعبد وليس بقصير وليس بآمن، هذا في الطريق الحسي إذن فالطريق المعنوي موازٍ له ولا يختلف عنه أبدا، ولكن النفوس والأهواء هي التي تتحكم أحيانا في العقل وتغلب على العقل، والمؤمن ينبغي أن يكون عقله غالبا على هواه، وإذا حكم عقله فالعقل بالمعنى الصحيح يعقل صاحبه عما يضره ويدخله فيما ينفعه ويسره.
بهذا تبين لنا أن الإنسان يسير في عمله الاختياري سيرا اختياريا ليس إجباريا، وأنه كما يسير لعمل دنياه سيرا اختياريا، وهو إن شاء جعل هذه السلعة أو تلك تجارته، فكذلك أيضا هو في سيره إلى الآخرة يسير سيرا اختياريا، بل إن طرق الآخرة أبين بكثير من طرق الدنيا؛ لأن الذي بين طرق الآخرة هو الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا بد أن تكون طرق الآخرة أكثر بيانا وأجلى وضوحا من طرق الدنيا، ومع ذلك فإن الإنسان يسير في طرق الدنيا التي ليس ضامنا لنتائجها، ولكنه يدع طرق الآخرة التي نتائجها مضمونة معلومة لأنها ثابتة بوعد الله، والله تبارك وتعالى لا يخلف الميعاد.
بعد هذا نقول: إن أهل السنة والجماعة قرروا هذا وجعلوه عقيدتهم ومذهبهم: أن الإنسان يفعل باختياره، وأنه يقول كما يريد، ولكن إرادته واختياره تابعان لإرادة الله تبارك وتعالى ومشيئته، ثم يؤمن أهل السنة
(5/222)

والجماعة بأن مشيئة الله تعالى تابعة لحكمته وأنه سبحانه وتعالى ليست مشيئته مطلقة مجردة ولكنها مشيئة تابعة لحكمته؛ لأن من أسماء الله تعالى "الحكيم"، والحكيم هو الحاكم المحكم الذي يحكم الأشياء كونا وشرعا، ويحكمها عملا وصنعا، والله تعالى بحكمته يقدر الهداية لمن أرادها لمن يعلم سبحانه وتعالى أنه يريد الحق وأن قلبه على الاستقامة، ويقدر الضلالة لمن لم يكن كذلك لمن إذا عرض عليه الإسلام يضيق صدره كأنما يصعد في السماء فإن حكمة الله تبارك وتعالى تأبى أن يكون هذا من المهتدين إلا أن يجدد الله له عزما ويقلب إرادته إلى إرادة أخرى والله تعالى على كل شيء قدير، ولكن حكمة الله تأبى إلا أن تكون الأسباب مربوطة بها مسبباتها.
ومراتب القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة أربع مراتب:
المرتبة الأولى: العلم وهي أن يؤمن الإنسان إيمانا جازما بأن الله تعالى بكل شيء عليم وأنه يعلم ما في السماوات والأرض جملة وتفصيلا سواء كان ذلك من فعله أو من فعل مخلوقاته، وأنه لا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء.
المرتبة الثانية: الكتابة وهي أن الله تبارك وتعالى كتب عنده في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء.
وقد جمع الله تعالى بين هاتين المرتبتين في قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} فبدأ سبحانه بالعلم وقال: (إن ذلك في كتاب (أي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ كما جاء به الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب قال: رب ماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن فجرى في تلك»
(5/223)

«الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» . ولهذا «سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عما نعمله: أشيء مستقبل أم شيء قد قضي وفرغ منه؟ قال: إنه قد قضي وفرغ منه» . وقال أيضا حين «سئل: أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب الأول؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له» فأمرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعمل، فأنت يا أخي اعمل وأنت ميسر لما خلقت له.
ثم تلا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} .
المرتبة الثالثة: المشيئة، وهي أن الله تبارك وتعالى شاء لكل موجود أو معدوم في السماوات أو في الأرض، فما وجد موجود إلا بمشيئة الله تعالى، وما عدم معدوم إلا بمشيئة الله تعالى، وهذا ظاهر في القرآن الكريم، وقد أثبت الله تعالى مشيئته في فعله ومشيئته في فعل العباد فقال الله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} فبين الله تعالى أن فعل الناس كائن بمشيئته، وأما فعله تعالى فكثير قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} وقوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} إلى آيات كثيرة تثبت المشيئة في فعله تبارك وتعالى، فلا يتم الإيمان بالقدر إلا أن نؤمن بأن مشيئة الله عامة لكل موجود أو معدوم، فما من معدوم إلا وقد شاء الله تعالى عدمه، وما من موجود إلا
(5/224)

وقد شاء الله تعالى وجوده، ولا يمكن أن يقع شيء في السماوات ولا في الأرض إلا بمشيئة الله تعالى.
المرتبة الرابعة: الخلق أي أن نؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء فما من موجود في السماوات والأرض إلا الله خالقه، حتى الموت يخلقه الله تبارك وتعالى، وإن كان هو عدم الحياة. يقول الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} فكل شيء في السماوات أو في الأرض فإن الله تعالى خالقه لا خالق إلا الله تبارك وتعالى، وكلنا يعلم أن ما يقع من فعله سبحانه وتعالى بأنه مخلوق له، فالسماوات والأرض، والجبال والأنهار، والشمس والقمر، والنجوم والرياح، والإنسان والبهائم كلها مخلوقات الله، وكذلك ما يحدث لهذه المخلوقات من صفات وتقلبات وأحوال كلها أيضا مخلوقة لله عز وجل. ولكن قد يشكل على الإنسان كيف يصح أن نقول في فعلنا وقولنا الاختياري إنه مخلوق لله عز وجل؟
فنقول: نعم يصح أن نقول ذلك؛ لأن فعلنا وقولنا ناتج عن أمرين:
أحدهما: القدرة.
والثاني: الإرادة.
فإذا كان فعل العبد ناتجا عن إرادته وقدرته فإن الذي خلق هذه الإرادة وجعل قلب الإنسان قابلا للإرادة هو الله عز وجل، وكذلك الذي خلق فيه القدرة هو الله عز وجل ويخلق السبب التام الذي يتولد عنه المسبب. نقول: إن خلق السبب التام خالق للمسبب أي إن خالق المؤثر خالق للأثر، فوجه كونه تعالى خالقا لفعل العبد أن نقول إن فعل العبد وقوله ناتج عن أمرين هما:
(5/225)

الإرادة.
القدرة.
فلولا الإرادة لم يفعل، ولولا القدرة لم يفعل؛ لأنه إذا أراد وهو عاجز لم يفعل، لعجزه عن الفعل وإذا كان قادرا ولم يرد لم يكن الفعل، فإذا كان الفعل ناتجا عن إرادة جازمة وقدرة كاملة فالذي خلق الإرادة الجازمة والقدرة الكاملة هو الله، وبهذا الطريق عرفنا كيف يمكن أن نقول: إن الله تعالى خالق لفعل عبده، وإلا فالعبد هو الفاعل في الحقيقة فهو المتطهر وهو المصلي، وهو المزكي، وهو الصائم، وهو الحاج، وهو المعتمر، وهو العاصي، وهو المطيع لكن هذه الأفعال كلها كانت ووجدت بإرادة وقدرة مخلوقتين لله عز وجل، والأمر ولله الحمد واضح.
وهذه المراتب الأربع المتقدمة يجب أن تثبت لله عز وجل، وهذا لا ينافي أن يضاف الفعل إلى فاعله من ذوي الإرادة.
كما إننا نقول: النار تحرق والذي خلق الإحراق فيها هو الله تعالى بلا شك، فليست محرقة بطبيعتها بل هي محرقة بكون الله تعالى جعلها محرقة، ولهذا لم تكن النار التي ألقي فيها إبراهيم محرقة؛ لأن الله قال لها: {كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} فكانت بردا وسلاما على إبراهيم، فالنار بذاتها لا تحرق ولكن الله تعالى خلق فيها قوة الإحراق، وقوة الإحراق هي في مقابل فعل العباد كإرادة العبد وقدرته، فبالإرادة والقدرة يكون الفعل، وبالمادة المحرقة في النار يكون الإحراق، فلا فرق بين هذا وهذا، ولكن العبد لما كان له إرادة وشعور واختيار وعمل صار الفعل ينسب إليه حقيقة وحكما وصار مؤاخذا بالمخالفة معاقبا عليها لأنه يفعل باختيار ويدع باختيار.
(5/226)

وأخيرا نقول: على المؤمن أن يرضى بالله تعالى ربا، ومن تمام رضاه بالربوبية أن يؤمن بقضاء الله وقدره، ويعلم أنه لا فرق في هذا بين الأعمال التي يعملها وبين الأرزاق التي يسعى لها، وبين الآجال التي يدافعها، الكل بابه سواء، والكل مكتوب، والكل مقدر، وكل إنسان ميسر لما خلق له.
أسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن ييسرون لعمل أهل السعادة وأن يكتب لنا الصلاح في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تمت بحمد الله تعالى.
(5/227)

شرح حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(5/229)

شرح حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» . متفق عليه.
قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فيؤمر بكتب أربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد» . يرد فيه إشكال حيث جاء في حديث النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» . فيفهم منه أن الأجل يتمدد.
والجواب: أنه محدد، وأن من كتب له أن يموت في مدة معينة فإنه لا يتعداها ولا ينقص عنها، وأن من وصل رحمه فقد كتب له في الأصل أنه واصل وأن أجله محدود، والفائدة من قوله عليه الصلاة والسلام: «من أحب» هي حث الناس على صلة الرحم، ليكتب له هذا كغيره من الأسباب التي تترتب عليها مسبباتها.
وفي هذا الحديث أيضا أن عمل الجنين يكتب وهذا يشمل العمل الصالح والسيئ؛ لأن كلمة (عمل) مفرد مضاف، وهو يكون للعموم،
(5/231)

والدليل قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} فكلمة نعمة مفرد، وكلمة لا تحصوها تدل أنه مفرد يعم الجمع. فكل مفرد مضاف يفيد العموم.
وعمل الإنسان كتب قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولهذا سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عما نعمله في هذه الدنيا من أعمال الدنيا والآخرة هل هو شيء مستأنف أو شيء قد فرغ منه؟ فأخبر أنه قد فرغ منه، وقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار". قالوا: يا رسول الله، أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب الأول؟ قال: "لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له» .
فعملك مكتوب، ولكن لو سئلت هل تعلم ما كتب لك من العمل؟ لا تدري ماذا يكون لك في الغد قال الله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} فإذا كنت لا تدري فإنه يبطل احتجاجك بالقدر، ولهذا أبطل الله حجة الذين يحتجون على شركهم بالقدر، فقال سبحانه: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} ووجه إبطال هذه الحجة قوله تعالى: {حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} ولو كان لهم حجة في ذلك ما أذاقهم الله بأسه، فإذا كنت لا تدري ماذا كتب لك فلا احتجاج لك بالقدر، ولهذا فأنت لا تدري ماذا كتب لك من الرزق، ولهذا تسعى في طلب الرزق، والعمل كالرزق مقدور لك ولكن يجب عليك أن تسعى للعمل كما تسعى للرزق وتقوم بطاعة الله. وكذلك فلا احتجاج لأحد بالقدر على معصية الله، فمن الناس من
(5/232)

إذا أمرته بالطاعة أجابك بكلمة حق أريد بها باطل، فيقول: نسأل الله أن يهدينا. ولا شك أن الإنسان ينبغي أن يسأل الله الهداية، لكن هذا أراد بقوله دفع اللوم عن نفسه ولو كان صادقا في طلب الهداية لجد في الهداية وعمل لها. فكما أنك لن ترزق الولد بمجرد التمني بل لا بد أن تأخذ بأسبابه فتتزوج فإنك لكي تنال الهداية لا بد أن تتجه إلى ربك، وإذا اتجهت إليه سبحانه فثق أن ما يؤتيك الله سبحانه أكثر من عملك. وفي الحديث القدسي: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» . فانظر ما يؤتيك الله سبحانه وتعالى إذا تقربت إليه يكون سمعك، وبصرك، ويدك ورجلك، أي يسددك في جميع أعمالك، في كل ما تدركه بجوارحك، وإذا سألته أعطاك، وإذا استعذت به أعاذك.
وثبت كذلك عن رسول الله، عليه الصلاة والسلام أنه أخبر عن ربه أن من تقرب إلى الله شبرا تقرب الله إليه ذراعا، ومن تقرب إليه ذراعا تقرب إليه باعا، ومن أتاه يمشي أتاه الله هرولة. فأقبل على ربك تجد أكثر بكثير من عملك، أما أن تعرض وتقول: أسأل الله أن يهديني، فهذا أشبه ما يكون بالاستهزاء بالله سبحانه.
ولهذا فنقول لمن يزعم أنه يترك العمل ويتكل على ما كتب، نقول له: اعمل فقد جاءتك الرسل ونزلت الكتب وبين الخير ورغب فيه، وبين الشر وحذر منه، وأوتيت عقلا فما عليك إلا أن تقوم بما يقتضيه هذا العقل من اتباع ما جاءت به الرسل. ولهذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ثم تلا قول الله عز وجل: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}
(5/233)

وهؤلاء الذين يحتجون بالقدر لو ضربهم أحد أو أخذ مالهم ثم احتج عليهم بأن هذا قضاء وقدر فلن يقبلوا، ولهذا فالاحتجاج بالقدر إبطال للشرع؛ لأن كل من يقترف إثما من زنى، أو قتل، أو شرب خمر، وغيره سيقول: هذا قضاء وقدر فتفسد الأرض ويفسد الشرع.
وقد ذكر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي بسارق فأمر بقطع يده، فقال السارق: مهلا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقضاء الله وقدره، فقال عمر: ونحن نقطع يدك بقضاء الله وقدره. فاحتج عليه عمر بما احتج به هو على عمله السيئ.
وقد يورد البعض هنا ما جاء في السنة من احتجاج آدم على موسى بقوله: «أتلومني على شيء كتبه الله علي قبل أن أخلق". وذلك حين قال موسى لآدم: "خيبتنا، أخرجتنا ونفسك من الجنة". فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فحج آدم موسى» أي غلبه في الحجة.
فقال أهل العلم: إن موسى لم يلم آدم على ما وقع منه من المعصية والأكل من الشجرة وإنما ذكر المصيبة وهي الإخراج من الجنة. وموسى أعلم وأفقه وآدب من أن يلوم أباه على ذنب قد تاب منه، وقال الله فيه: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} وإنما كان العتب من جهة الإخراج من الجنة وهي مصيبة، ويجوز للإنسان أن يحتج بالقدر على المصيبة؛ لأنها ليست من فعله بل من تقدير الله.
ونظير ذلك رجل سافر فأصيب في سفره بحادث فجئت تلومه على سفره فلا يتوجه هذا اللوم؛ لأنه لم يسافر من أجل الحادث وسيقول لك: هذا بقضاء الله وقدره. ويقبل منه هذا.
(5/234)

وهكذا آدم فهو لم يأكل من الشجرة من أجل أن يخرج من الجنة، ولكن الشيطان وسوس له وقاسمه وغره فنسي ما عهد الله إليه ألا يقرب هذه الشجرة فحصلت المصيبة وأخرج من الجنة.
فاحتجاج آدم بالقدر على المصيبة، وهذا جائز لا بأس به.
(5/235)

وكذلك يورد البعض هنا ما جاء «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء إلى علي وفاطمة رضي الله عنهما وهما نائمان لم يقوما لصلاة الليل، فكأنه لامهما، فقال علي: يا رسول الله، إن أنفسنا بيد الله. يعني كنا نائمين، فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو يضرب على فخذه ويقول: "وكان الإنسان أكثر شيء جدلا» . فقال المحتجون بالقدر: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم ينكر على علي احتجاجه بالقدر.
وأجاب أهل العلم على ذلك، فأجاب عنها ابن القيم بأنهما لما يحتجا على الاستمرار في المعصية وإنما على أمر قد فرغ وانتهى، وفرق بين شخص يحتج بالقدر على أمر قد مضى وهو نادم عليه ويعزم ألا يعود إليه، وبين شخص يحتج بالقدر ليبرر استمراره على المعصية فالأول يقبل، والثاني لا يقبل.
وهذا وجه جيد أن الإنسان إذا أصاب معصية وندم واحتج بالقدر بعد ندمه وتوبته فلا بأس بذلك ولا حرج، وليس كذلك من يحتج بالقدر ليبرر خطأه ويستمر عليه، فهذا لا يقبل أبدا.
وإن قال قائل: ما الجمع بين إبطال الله احتجاج المشركين على شركهم بمشيئته، وما أثبته الله من أن شركهم وقع بمشيئته، فقد قال سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} مع ما سبق قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} .
فالجمع أنهم يحتجون بالمشيئة لدفع اللوم والعتاب ويقولون: إن تعذيب الله لهم ظلم بزعمهم أنه قدره عليهم ثم يعاقبهم عليه. أما الآية الأخرى فهي تسلية لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإعلام أن لله تعالى حكمة في وقوع الشرك من بني آدم، ولو شاء سبحانه لجعل الناس أمة واحدة على الحق لكن ليبلو بعض الناس ببعض.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وشقي أم سعيد» . الشقاء هو الخيبة وعدم إدراك الآمال. والسعادة هي النجاة والفلاح وحصول الأمل، وهما في الدنيا والآخرة، فالشقي في الدنيا شقي في الآخرة، والسعيد في الدنيا سعيد في الآخرة، ولكن سعادة الدنيا ليست بكثرة المال، والولد، والمتاع، وإنما بالعمل الصالح، ودليل ذلك قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} فلا حياة طيبة إلا لمن عمل صالحا وهو مؤمن، سواء كان ذكرا أو أنثى.
وحياة المترفين ليست طيبة؛ لأن لديهم من التنغيص والنكد ما يتكدر به العيش، فتجده إذا فاتته ذرة من الترف انقبض وانزعج وأصيب بالضغط والبلاء، أما المؤمن فلو فاته هذا الشيء فهو مطمئن راض بقضاء الله وقدره، لا يهمه هذا الشيء ما دام من عند الله. ولهذا فالمؤمن بين أمرين إما شكر على نعمة، وإما صبر على ضراء، كما قال عليه الصلاة والسلام: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» .
وقال بعض السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا فيه بالسيوف ". وقد صدق والله، فالملوك وأبناء الملوك في ترف، لكن المؤمن وإن لم يكن في ترف فهو في نعيم قلب، فالإنسان تكتب سعادته
(5/236)

وشقاوته وهو في بطن أمه، لكنه لا يعذر بترك السعي للسعادة بل هو مأمور بأن يسعى لما فيه سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة.
ثم قال في الحديث: «فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» .
هاتان الجملتان فيهما خوف شديد، وفيهما رجاء عظيم، فالخوف من أن يعمل الإنسان بعمل أهل الجنة ثم يختم له بالنار -والعياذ بالله- والعكس بالعكس، وهذا شيء مشاهد في هذا وفي هذا، وكله قد وقع في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد «كان مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إحدى المعارك رجل شجاع مقدام لا يدع شيئا للكفار إلا قضى عليه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هذا من أهل النار" فعظم ذلك على الصحابة، إذ كيف يكون من أهل النار وعمله عمل أهل الجنة؟! فقال رجل: والله لألزمنه. فتابعه، فبينما هو يقاتل أصابه سهم، فحزن وغضب ورأى أنه لا خير له في البقاء بعد هذا، فأخذ بسيفه ووضعه على صدره واتكأ عليه حتى خرج السيف من ظهره، فقتل نفسه، ومعلوم أن قاتل نفسه في النار، ولهذا لم يصل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قاتل نفسه، فقاتل نفسه يعذب في النار بما انتحر به خالدا فيها مخلدا.
فلما أصبح الرجل الذي كان يراقبه ذهب إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: أشهد أنك رسول الله. فقال: "وما ذاك؟ " قال: إن الرجل الذي قلت: إنه من أهل النار حدث له كذا وكذا. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار» .
فهذا يبين ما جاء في الرواية الأولى وهو أن المقصود بقوله عليه الصلاة والسلام: «ليعمل بعمل أهل الجنة» أن ذلك فيما يبدو للناس وهذا والحمد لله يخفف الأمر.
(5/237)

وقوله عليه الصلاة والسلام: «حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع» أي: حتى يقترب أجله، فهو فيما يبدو للناس يعمل بعمل أهل الجنة، أما فيما يخفى على الناس ففي قلبه سريرة خبيثة أودت به وأهلكته، ولهذا فأنا أحث دائما أن يحرر الإنسان قلبه ويراقب قلبه، فأعمال الجوارح بمنزلة الماء تسقى به الشجرة لكن الأصل هو القلب، وكثير من الناس يحرص ألا يخطئ في العمل الظاهر، وقلبه مليء بالحقد على المسلمين وعلمائهم، وعلى أهل الخير، وهذا يختم له بسوء الخاتمة والعياذ بالله، لأن القلب إذا كان فيه سريرة خبيثة فإنها تهوي بصاحبه في مكان سحيق.
فالحسد، وهو كراهية نعمة الله على الآخرين وإن لم يتمن زوالها، وقد اشتهر بين العلماء تعريف الحسد بأنه تمني زوال نعمة الله على الغير ولكن المعنى الدقيق للحسد هو كراهية نعمة الله على غيره سواء تمنى زوالها أو لم يتمن.
وهذا الحسد موجود في كثير من الناس وهو من خصال اليهود كما هو من خصال إبليس لعنه الله، فقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} فإذا وجدت في قلبك حسدا على المسلمين جماعات أو أفرادا فاعلم أن في قلبك خصلة من خصال اليهود والعياذ بالله، فطهر قلبك من هذا الحسد، واعلم أن هذا الخير الذي فيه غيرك إنما هو فضل من الله فلا تعترض على فضل الله ولا تكره تقدير الله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} .
وكذلك البغضاء، بغض المؤمنين أو دين الإسلام حتى وإن كان الشخص لا ينفذه لقول الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} .
(5/238)

ولا إحباط للعمل إلا إذا كان هناك كفر.
فليلاحظ الإنسان قلبه فيزيل عنه الحسد والبغضاء والحقد والكراهية والغل ويجعله صافيا مخلصا لله تعالى وصافيا للمؤمنين.
وأيضا فمن أسباب سوء الخاتمة محبة الكفار؛ لأنها سريرة خبيثة، بل الواجب على المسلم محبة المسلمين وموالاتهم وكراهية الكفار ومعاداتهم، فإذا كان الأمر بالعكس عند أحد الناس فذلك أمر خطير يخشى على صاحبه أن يختم له بسوء الخاتمة.
والمعاملة بالربا أيضا من أسباب سوء الخاتمة، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" أن رجلا من الناس كان يعامل بالربا، فلما حضرته الوفاة جعلوا يلقنونه الشهادة فيقول: عشرة، أحد عشر. لأنه ليس في قلبه إلا إرادة الدنيا فختم له بسوء الخاتمة. لأن الربا من أعظم الذنوب، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إنه ورد فيه من الوعيد ما لم يرد على أي ذنب آخر دون الكفر، ولو لم يكن فيه إلا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} والمحارب لله ورسوله يجب أن يكون حربا على المؤمنين أيضا؛ لأن المؤمن يوالي من والاه الله ورسوله ويعادي من عاداه الله ورسوله." أسأل الله لي ولكم حسن الخاتمة وأن يتوفنا على الإيمان وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
ومما ورد من الأمثلة على أن من أكرمه الله سبحانه بحسن الخاتمة مع ما كان عليه من عمل أهل النار، ما وقع للأصيرم من بني عبد الأشهل، فقد كان رجلا كافرا، ولما سمع الصيحة لغزوة أحد خرج إلى
(5/239)

القتال، فقاتل حتى قتل، فنظر إلى أصحابه وهو في آخر الرمق، فقالوا: ما الذي جاء بك؟ فقد علمنا أنك تكره هذا الأمر. فأخبرهم أنه خرج عندما سمع الهيعة، وطلب منهم أن يبلغوا رسول الله منه السلام، فصار خاتمة هذا الرجل الشهادة ومآله السعادة.
أسال الله عز وجل أن يختم لي ولكم بخاتمة السعادة إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(5/240)

الإبداع في بيان كمال الشرع وخطر الابتداع.
(5/241)

الإبداع في بيان كمال الشرع وخطر الابتداع.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، بين فيها ما تحتاجه الأمة في جميع شؤونها حتى قال أبو ذر رضي الله عنه: «ما ترك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طائرا يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما» . «وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي رضي الله عنه: علمكم نبيكم حتى الخراءة -آداب قضاء الحاجة- قال: "نعم، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي برجيع أو عظم» .
وإنك لترى هذا القرآن العظيم قد بين الله تعالى فيه أصول الدين وفروع الدين، فبين التوحيد بجميع أنواعه، وبين حتى آداب المجالس والاستئذان قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} وقال تعالى:
(5/243)

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} .
حتى آداب اللباس، قال الله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} وقال تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} وقال تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يتبين بها أن هذا الدين شامل كامل لا يحتاج إلى زيادة كما أنه لا يجوز فيه النقص، ولهذا قال الله تعالى في وصف القرآن: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} فما من شيء يحتاج الناس إليه في معادهم ومعاشهم إلا بينه الله تعالى في كتابه إما نصا، أو إيماء وإما منطوقا، وإما مفهوما.
أيها الأخوة: إن بعض الناس يفسر قول الله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}
(5/244)

(يفسر قوله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ} على أن الكتاب القرآن.
والصواب: أن المراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، وأما القرآن فإن الله تعالى وصفه بأبلغ من النفي وهو قوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} . ولعل قائلا يقول: أين نجد أعداد الصلوات الخمس في القرآن؟ وعدد كل صلاة في القرآن؟ وكيف يستقيم أننا لا نجد في القرآن بيان أعداد ركعات كل صلاة والله يقول: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} ؟ . والجواب على ذلك أن الله تعالى بين لنا في كتابه أنه من الواجب علينا أن نأخذ بما قاله الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبما دلنا عليه {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} فما بينته السنة فإن القرآن قد دل عليه؛ لأن السنة أحد قسمي الوحي الذي أنزله الله على رسوله وعلمه إياه كما قال الله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} وعلى هذا فما جاء في السنة فقد جاء في كتاب الله عز وجل.
أيها الأخوة: إذا تقرر ذلك عندكم فهل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توفي وقد بقي شيء من الدين المقرب إلى الله تعالى لم يبينه؟
أبدا، فالنبي عليه الصلاة والسلام بين كل الدين إما بقوله وإما بفعله وإما بإقراره ابتداء أو جوابا عن سؤال، وأحيانا يبعث الله أعرابيا من أقصى البادية ليأتي إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسأله عن شيء من أمور الدين لا يسأله عنه
(5/245)

الصحابة الملازمون لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا كانوا يفرحون أن يأتي أعرابي يسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بعض المسائل. ويدلك على أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما ترك شيئا مما يحتاجه الناس في عبادتهم ومعاملتهم وعيشتهم إلا بينه، يدلك على ذلك قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} .
إذا تقرر ذلك عندك أيها المسلم فاعلم أن كل من ابتدع شريعة في دين الله ولو بقصد حسن فإن بدعته هذه مع كونها ضلالة تعتبر طعنا في دين الله عز وجل، تعتبر تكذيبا لله تعالى في قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} . لأن هذا المبتدع الذي ابتدع شريعة في دين الله تعالى وليست في دين الله تعالى كأنه يقول بلسان الحال: إن الدين لم يكمل لأنه قد بقي عليه هذه الشريعة التي ابتدعها يتقرب بها إلى الله عز وجل.
ومن عجب أن يبتدع الإنسان بدعة تتعلق بذات الله عز وجل وأسمائه وصفاته، ثم يقول إنه في ذلك معظم لربه، إنه في ذلك منزه لربه، إنه في ذلك متمثل لقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} إنك لتعجب من هذا أن يبتدع هذه البدعة في دين الله المتعلقة بذات الله التي ليس عليها سلف الأمة ولا أئمتها ثم يقول: إنه هو المنزه لله، وإنه هو المعظم لله، وإنه هو الممتثل لقول الله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} (. وأن من خالف ذلك فهو ممثل مشبه، أو نحو ذلك من ألقاب السوء.
كما إنك لتعجب من قوم يبتدعون في دين الله ما ليس منه فيما يتعلق برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويدعون بذلك أنهم هم المحبون لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنهم المعظمون لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن من لم يوافقهم في بدعتهم هذه فإنه مبغض
(5/246)

لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى غير ذلك من ألقاب السوء التي يلقبون بها من لم يوافقهم على بدعتهم فيما يتعلق برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومن العجب أن مثل هؤلاء يقولون: نحن المعظمون لله ولرسوله، وهم إذا ابتدعوا في دين الله، وفي شريعته التي جاء بها رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما ليس منها فإنهم بلا شك متقدمون بين يدي الله ورسوله، وقد قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
أيها الأخوة: إني سائلكم ومناشدكم بالله عز وجل وأريد منكم أن يكون الجواب من ضمائركم لا من عواطفكم، من مقتضى دينكم لا من مقتضى تقليدكم، كأن سواء فيما يتعلق بذات الله، وصفات الله، وأسماء الله، أو فيما يتعلق برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم يقولون: نحن المعظمون لله ولرسول الله، أهؤلاء أحق بأن يكونوا معظمين لله ولرسول الله؟ أم أولئك القوم الذين لا يحيدون قيد أنملة عن شريعة الله، يقولون فيما جاء من الشريعة: آمنا وصدقنا فيما أخبرنا به، وسمعنا وأطعنا فيما أمرنا به أو نهينا عنه، ويقولون فيما لم تأت به الشريعة: أحجمنا وانتهينا، وليس لنا أن نتقدم بين يدي الله ورسوله، وليس لنا أن نقول في دين الله ما ليس منه. أيها أحق أن يكون محبا لله ورسوله ومعظما لله ورسوله؟.
لا شك أن الذين قالوا: آمنا وصدقنا فيما أخبرنا به وسمعنا وأطعنا فيما أمرنا به، وقالوا: نحن أقل قدرا في نفوسنا من أن نجعل في شريعة الله ما ليس منها، أو أن نبتدع في دين الله ما ليس منه، لا شك أن هؤلاء هم الذين عرفوا قدر أنفسهم، وعرفوا قدر خالقهم، هؤلاء هم الذين عظموا
(5/247)

الله ورسوله، وهم الذين أظهروا صدق محبتهم لله ورسوله.
لا أولئك الذين يبتدعون في دين الله ما ليس منه في العقيدة، أو القول، أو العمل، وإنك لتعجب من قوم يعرفون قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» ويعلمون أن قوله: "كل بدعة" كلية عامة شاملة، مسورة بأقوى أدوات الشمول والعموم "كل" والذي نطق بهذه الكلية صلوات الله وسلامه عليه يعلم مدلول هذا اللفظ وهو أفصح الخلق، وأنصح الخلق للخلق لا يتلفظ إلا بشيء يقصد معناه. إذن فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حينما قال: «كل بدعة ضلالة» كان يدري ما يقول، وكان يدري معنى ما يقول، وقد صدر هذا القول منه عن كمال نصح للأمة.
وإذا تم في الكلام هذه الأمور الثلاثة -كمال النصح والإرادة، وكمال البيان والفصاحة، وكمال العلم والمعرفة- دل ذلك على أن الكلام يراد به ما يدل عليه من المعنى، أفبعد هذه الكلية يصح أن نقسم البدعة إلى أقسام ثلاثة، أو إلى أقسام خمسة؟ أبدا، هذا لا يصح.
وما ادعاه العلماء من أن هناك بدعة حسنة. فلا تخلو من حالين:
1 - أن لا تكون بدعة لكن يظنها بدعة.
2 - أن تكون بدعة فهي سيئة لكن لا يعلم عن سوئها.
فكل ما ادعي أنه بدعة حسنة فالجواب عنه بهذا. وعلى هذا فلا مدخل لأهل البدع في أن يجعلوا من بدعهم بدعة حسنة وفي يدنا هذا السيف الصارم من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كل بدعة ضلالة» . إن هذا السيف الصارم إنما صنع في مصانع النبوة والرسالة، إنه لم يصنع في مصانع مضطربة، لكنه صنع في مصانع النبوة، وصاغه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الصياغة البليغة فلا يمكن
(5/248)

لمن بيده مثل هذا السيف الصارم أن يقابله أحد ببدعة يقول: إنها حسنة ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «كل بدعة ضلالة» .
وكأني أحس أن في نفوسكم دبيبا يقول: ما تقول في قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الموفق للصواب حينما أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما بالناس في رمضان، فخرج والناس على إمامهم مجتمعون فقال: " نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ".
فالجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يعارض كلام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأي كلام، لا بكلام أبي بكر الذي هو أفضل الأمة بعد نبيها، ولا بكلام عمر الذي هو ثاني هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام عثمان الذي هو ثالث هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام علي الذي هو رابع هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام أحد غيرهم لأن الله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال الإمام أحمد رحمه الله: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك". ا. هـ. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتقولون: قال أبو بكر وعمر! ".
الوجه الثاني: أننا نعلم علم اليقين أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أشد الناس تعظيما لكلام الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان مشهورا بالوقوف على حدود الله تعالى حتى كان يوصف بأنه كان وقافا عند
(5/249)

كلام الله تعالى. وما قصة المرأة التي عارضته -إن صحت القصة- في تحديد المهور بمجهولة عند الكثير حيث عارضته بقوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} . فانتهى عمر عما أراد من تحديد المهور. لكن هذه القصة في صحتها نظر. لكن المراد بيان أن عمر كان وقافا عند حدود الله تعالى لا يتعداها، فلا يليق بعمر رضي الله عنه وهو من هو أن يخالف كلام سيد البشر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأن يقول عن بدعة:"نعمت البدعة" وتكون هذه البدعة هي التي أرادها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: «كل بدعة ضلالة» بل لا بد أن تنزل البدعة التي قال عنها عمر: إنها "نعمت البدعة" على بدعة لا تكون داخلة تحت مراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: «كل بدعة ضلالة» فعمر رضي الله عنه يشير بقوله: "نعمت البدعة هذه" إلى جمع الناس على إمام واحد بعد أن كانوا متفرقين، وكان أصل قيام رمضان من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام في الناس ثلاث ليال وتأخر عنهم في الليلة الرابعة وقال: (إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» . فقيام الليل في رمضان جماعة من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وسماها عمر رضي الله عنه بدعة باعتبار أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما ترك القيام صار الناس متفرقين يقوم الرجل لنفسه، ويقوم الرجل ومعه الرجل، والرجل ومعه الرجلان، والرهط والنفر في المسجد، فرأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه برأيه السديد الصائب أن يجمع الناس على إمام واحد، فكان هذا الفعل بالنسبة لتفرق الناس من قبل بدعة، فهي بدعة اعتبارية إضافية، وليست بدعة مطلقة إنشائية أنشأها عمر رضي الله عنه؛ لأن هذه السنة كانت موجودة في عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهي سنة، لكنها تركت منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حتى أعادها عمر رضي الله عنه،
(5/250)

وبهذا التقعيد لا يمكن أبدا أن يجد أهل البدع من قول عمر هذا منفذا لما استحسنوه من بدعهم.
وقد يقول قائل: هناك أشياء مبتدعة قبلها المسلمون وعملوا بها وهي لم تكن معروفة في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كالمدارس، وتصنيف الكتب، وما أشبه ذلك وهذه البدعة استحسنها المسلمون وعملوا بها ورأوا أنها من خيار العمل، فكيف تجمع بين هذا الذي يكاد أن يكون مجمعا عليه بين المسلمين وبين قول قائد المسلمين ونبي المسلمين ورسول رب العالمين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كل بدعة ضلالة» ؟
فالجواب أن نقول: هذا في الواقع ليس ببدعة، بل هذا وسيلة إلى مشروع، والوسائل تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، ومن القواعد المقررة أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فوسائل المشروع مشروعة، ووسائل غير المشروع غير مشروعة، بل وسائل المحرم حرام. والخير إذا كان وسيلة للشر كان شرا واستمع إلى الله عز وجل يقول: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (. وسب آلهة المشركين ليس عدوا بل حق وفي محله، لكن سب رب العالمين عدو وفي غير محله وعدوان وظلم، ولهذا لما كان سب آلهة المشركين المحمود سببا مفضيا إلى سب الله كان محرما ممنوعا، سقت هذا دليلا على أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فالمدارس وتصنيف العلم وتأليف الكتب وإن كان بدعة لم يوجد في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هذا الوجه إلا أنه ليس مقصدا بل هو وسيلة، والوسائل لها أحكام المقاصد. ولهذا لو بنى شخص مدرسة لتعليم علم محرم كان البناء حراما، ولو بنى مدرسة لتعليم علم شرعي كان البناء مشروعا.
(5/251)

فإن قال قائل: كيف تجيب عن قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» وسن بمعنى "شرع"؟.
فالجواب: أن من قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة» هو القائل: «كل بدعة ضلالة» ولا يمكن أن يصدر عن الصادق المصدوق قول يكذب له قولا آخر، ولا يمكن أن يتناقض كلام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبدا، ولا يمكن أن يرد على معنى واحد مع التناقض أبدا، ومن ظن أن كلام الله تعالى أو كلام رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متناقض فليعد النظر، فإن هذا الظن صادر إما عن قصور منه، وإما عن تقصير. ولا يمكن أن يوجد في كلام الله تعالى أو كلام رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تناقض أبدا.
وإذا كان كذلك فبيان عدم مناقضة حديث «كل بدعة ضلالة» لحديث «من سن في الإسلام سنة حسنة» أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «من سن في الإسلام» والبدع ليست من الإسلام، ويقول "حسنة" والبدعة ليست بحسنة، وفرق بين السن والتبديع.
وهناك جواب لا بأس به: أن معنى "من سن" من أحيا سنة كانت موجودة فعدمت فأحياها وعلى هذا فيكون "السن" إضافيا نسبيا كما تكون البدعة إضافية نسبية لمن أحيا سنة بعد أن تركت.
وهناك جواب ثالث يدل له سبب الحديث وهو قصة النفر الذين وفدوا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكانوا في حالة شديدة من الضيق، فدعا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى التبرع لهم، فجاء رجل من الأنصار بيده صرة من فضة كادت تثقل يده فوضعها بين يدي الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجعل وجه النبي عليه الصلاة والسلام يتهلل من الفرح والسرور وقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر»
(5/252)

«من عمل بها إلى يوم القيامة» فهنا يكون معنى "السن" سن العمل تنفيذا وليس العمل تشريعا، فصار معنى «من سن في الإسلام سنة حسنة» من عمل بها تنفيذا لا تشريعا؛ لأن التشريع ممنوع «كل بدعة ضلالة» .
وليعلم أيها الإخوة أن المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقا للشريعة في أمور ستة:
الأول: السبب فإذا تعبد الإنسان لله عبادة مقرونة بسبب ليس شرعيا فهي بدعة مردودة على صاحبها.
مثال ذلك: أن بعض الناس يحيي ليلة السابع والعشرين من رجب بحجة أنها الليلة التي عرج فيها برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالتهجد عبادة، ولكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة؛ لأنه بنى هذه العبادة على سبب لم يثبت شرعا. وهذا الوصف -موافقة العبادة للشريعة في السبب- أمر مهم يتبين به ابتداع كثير مما يظن أنه من السنة وليس من السنة.
الثاني: الجنس، فلا بد أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها، فلو تعبد إنسان لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة.
مثال ذلك: أن يضحي رجل بفرس، فلا يصح أضحية؛ لأنه خالف الشريعة في الجنس، فالأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام؛ الإبل، البقر، الغنم.
الثالث: القدر، فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة فنقول: هذه بدعة غير مقبولة لأنها مخالفة للشرع في القدر، ومن باب أولى لو أن الإنسان صلى الظهر مثلا خمسا فإن صلاته لا تصح بالاتفاق.
الرابع: الكيفية فلو أن رجلا توضأ فبدأ بغسل رجليه، ثم مسح رأسه ثم غسل يديه، ثم وجهه فنقول: وضؤوه باطل؛ لأنه مخالف للشرع في الكيفية.
(5/253)

الخامس: الزمان فلو أن رجلا ضحى في أول أيام ذي الحجة فلا تقبل الأضحية لمخالفة الشرع في الزمان.
وسمعت أن بعض الناس في شهر رمضان يذبحون الغنم تقربا لله تعالى بالذبح، وهذا العمل بدعة على هذا الوجه؛ لأنه ليس هناك شيء يتقرب به إلى الله بالذبح إلا الأضحية، والهدي والعقيقة، أما الذبح في رمضان مع اعتقاد الأجر على الذبح كالذبح في عيد الأضحى فبدعة. وأما الذبح لأجل اللحم فهذا جائز.
السادس: المكان، فلو أن رجلا اعتكف في غير مسجد فإن اعتكافه لا يصح، وذلك لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد، ولو قالت امرأة: أريد أن أعتكف في مصلى البيت. فلا يصح اعتكافها لمخالفة الشرع في المكان. ومن الأمثلة: لو أن رجلا أراد أن يطوف فوجد المطاف قد ضاق ووجد ما حوله قد ضاق فصار يطوف من وراء المسجد فلا يصح طوافه؛ لأن مكان الطواف البيت، قال الله تعالى لإبراهيم الخليل: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ}
فالعبادة لا تكون عملا صالحا إلا إذا تحقق فيها شرطان: الأول: الإخلاص.
الثاني: المتابعة.
والمتابعة لا تتحقق إلا بالأمور الستة الآنفة الذكر.
وإنني أقول لهؤلاء الذين ابتلوا بالبدع - الذين قد تكون مقاصدهم حسنة ويريدون الخير -: إذا أردتم الخير فلا والله نعلم طريقا خيرا من طريق السلف رضي الله عنهم.
أيها الإخوة، عضوا على سنة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنواجذ، واسلكوا طريق السلف الصالح، وكونوا على ما كانوا عليه وانظروا هل يضيركم ذلك شيئا؟.
(5/254)

وإني أقول -وأعوذ بالله أن أقول ما ليس لي به علم- أقول: إنك لتجد الكثير من هؤلاء الحريصين على البدع يكون فاترا في تنفيذ أمور ثبتت شرعيتها وثبتت سنيتها، فإذا فرغوا من هذه البدع قابلوا السنن الثابتة بالفتور، وهذا كله من نتيجة أضرار البدع على القلوب، فالبدع أضرارها على القلوب عظيمة، وأخطارها على الدين جسيمة، فما ابتدع قوم في دين الله بدعة إلا أضاعوا من السنة مثلها أو أشد، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم من السلف.
لكن الإنسان إذا شعر أنه تابع لا مشرع حصل له بذلك كمال الخشية والخضوع والذل، والعبادة لرب العالمين، وكمال الاتباع لإمام المتقين وسيد المرسلين ورسول رب العالمين محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
إنني أوجه نصيحة إلى كل إخواني المسلمين الذين استحسنوا شيئا من البدع سواء فيما يتعلق بذات الله، أو أسماء الله، أو صفات الله، أو فيما يتعلق برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعظيمه، أن يتقوا الله ويعدلوا عن ذلك، وأن يجعلوا أمرهم مبنيا على الاتباع لا على الابتداع، على الإخلاص لا على الإشراك، على السنة لا على البدعة، على ما يحبه الرحمن لا على ما يحبه الشيطان، ولينظروا ماذا يحصل لقلوبهم من السلامة والحياة والطمأنينة، وراحة البال والنور العظيم.
وأسأل الله تعالى أن يجعلنا هداة مهتدين، وقادة مصلحين، وأن ينير قلوبنا بالإيمان والعلم، وأن لا يجعل ما علمنا وبالا علينا، وأن يسلك بنا طريق عباده المؤمنين، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(5/255)

شرح حديث عائشة رضي الله عنها.
(5/257)

شرح حديث عائشة رضي الله عنها.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» .
عائشة هي بنت أبي بكر الصديق، تزوجها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي صغيرة لها ست سنوات، ودخل عليها وهي صغيرة أيضا لها تسع سنوات، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة، وكان عندها من العلم الكثير الذي نفع الله به الأمة، وكنيتها أم عبد الله، والصحيح أنها لم تلد، وقيل إنها تكنت بابن أختها عبد الله بن الزبير.
قوله: " أحدث " أي أتى بشيء جديد.
" في أمرنا " أي في ديننا.
" ما ليس منه " أي باعتبار الشرع.
" رد " بمعنى مردود، وهذه الكلمة مصدر، والفعل (رد) ، والمصدر هنا بمعنى اسم المفعول (مردود) ، ويأتي المصدر بمعنى اسم المفعول، ولذلك شواهد من اللغة، منها كلمة (الحمل) فهي بمعنى (المحمول) كما في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ} أي محمول.
وفي هذا الحديث يخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بجملة شرطية أن من أحدث في دين الله ما ليس منه فهو رد مردود على صاحبه، حتى إن كان أحدثه عن حسن نية فإنه لا يقبل منه؛ لأن الله لا يقبل من الدين إلا ما شرع.
ولهذا كان من القواعد المقررة عند أهل العلم " أن الأصل في العبادات الحظر والمنع حتى يقوم دليل على المشروعية" قال سبحانه:
(5/259)

{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} وهذا إنكار عليهم.
وعلى العكس من ذلك فالأصل في المعاملات والأفعال والأعيان الإباحة والحل حتى يقوم دليل على المنع.
وهذا الحديث ورد في العبادات وهي التي يقصد الإنسان بها التعبد والتقرب إلى الله، فنقول لمن يزعم شيئا عبادة: هات الدليل على أن هذا عبادة، وإلا فقولك مردود.
ويحتاج هذا الحديث إلى تحرير بالغ.
فأولا: ينبغي معرفة هل هذا عبادة أم عادة.
فمثلا لو أن رجلا قال لصاحبه الذي نجا من هلكة: ما شاء الله، هنيئا لك. فقال له رجل: هذه بدعة. فهذا القول غير صحيح؛ لأن هذا من أمور العادة وليس من أمور العبادة. وفي الشرع ما يشهد لهذا، حيث جعل الناس يهنئون كعب بن مالك بتوبة الله عليه في حديثه الطويل. وكثير من التهاني التي تحدث بين الناس لا يزعم أحد أنها بدعة إلا بدليل؛ لأنها أمور عادات لا عبادات، وكمن قابل رجلا نجح في امتحان فقال له: مبروك. فمن يقول هذه بدعة غير محق في ذلك.
وإذا تردد الأمر بين كونه عبادة أو عادة، فالأصل أنه عادة ولا ينهى عنه حتى يقوم دليل على أنه عبادة.
وتوجد أشياء ابتدعها الناس في دين الله، كإحداث أذكار معينة بصيغ وعدد ووقت وهي لم تشرع على هذا الوجه لا في الزمن ولا العدد، ولا الهيئة، كمن يسبح ألف مرة ويلتزم بذلك ويجعله في الصباح مثلا، فهذا العمل بدعة، مردود على صاحبه لا ثواب له.
فإن قال: كيف تنكرون أن أقول: سبحان الله؟ فنقول: نحن لا ننكر عليك سبحان الله، بل ننكر عليك أن تأتي بها على هذه الصفة التي
(5/260)

لم ترد، أما أن تسبح آناء الليل وأطراف النهار تسبيحا غير مقيد بزمن، ولا عدد، ولا هيئة فلا ننكر عليك.
وكذلك ما يحدث في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول من اجتماع الناس وإتيانهم بصيغ من الصلاة والسلام على رسول الله لم ترد عن الرسول ولا أصحابه، بل هي محشوة من الغلو في رسول الله الذي حذر أمته منه، ويأخذون في ترانيم على صفات معينة، فكل هذا بدع مردودة.
وإذا قالوا: نحن نصلي على رسول الله لننال ثواب الصلاة عليه. فنقول لهم: تحديدها بزمان، وعدد معين، وصيغة معينة قد تكون غير واردة أو منهيا عنها، كل هذا جعلها بدعة مردودة.
واعلم أنك لن تحدث بدعة في دين الله إلا انتزع الله من قلبك من السنة ما يقابل هذه البدعة؛ لأن القلب وعاء إن ملأته بالخير لم يبق فيه مكان للشر، وإن ملأته بالشر لم يبق فيه مكان للخير، وإذا ملأته بالسنة لم يبق فيه مكان للبدعة، وإذا ملأته بالبدعة لم يبق فيه مكان للسنة.
وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: تجد هؤلاء الحريصين على البدع عندهم قصور وفتور في اتباع السنن، ولا يكادون يأتون بها على الوجه المطلوب.
ولذلك فإذا تعبد إنسان في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب بعبادات من أذكار وصلوات على رسول الله وغير ذلك، فهذه بدعة، ونجيب على من يفعل ذلك من وجهين:
الأول: أنه لم يثبت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عرج به في هذه الليلة، وهذا يبطل كل ما ينبني على هذا.
الوجه الثاني: لو سلمنا بذلك فهذا لا يقتضي أن نثبت لها شيئا من العبادات؛ لأن الصحابة لم يجعلوا فيها شيئا من هذه العبادات، والواجب على المؤمن أن يتبع ما جاء به الشرع، ولو اتبعنا ما كان عليه سلفنا الصالح
(5/261)

فعلا وتركا صرنا أسعد مما نحن عليه اليوم.
وهذا الحديث كذلك ميزان للأعمال الظاهرة، كما أن حديث عمر في النية ميزان للأعمال الباطنة، فحديث عائشة عن المتابعة، وحديث عمر عن النية، والعبادة لا تقبل إلا بالإخلاص والمتابعة.
وهنا نذكر مثلا ما يفعله الناس من التسابق على الجليد، فهذا لا ينكر عليه؛ لأن هذا من العادات لا من العبادات، وكذلك المصارعة فيما لا ضرر فيه، فإن اشتمل على ضرر كان حراما، ليس لأنه بدعة، بل لما فيه من الضرر.
فالبدعة تكون في الأمور التعبدية، أما أمور العادات فإن كان فيها ضرر منعت وإلا فالأصل فيها الحل.
وكذلك من لبس لباسا غير معهود ولم ينه الشرع عنه فلا ننكر عليه.
ولو أن رجلا داوم على حلق رأسه كلما نبت شعره حلقه، فهذا من الأمور العادية، ولهذا «لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غلاما قد حلق بعض رأسه، قال: "احلقه كله أو اتركه كله» . وهذا دليل على أنه ليس من باب العبادة وإلا لأرشد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى إبقاء الشعر، ولهذا فالراجح من أقوال أهل العلم أن إطلاق الشعر من الأمور العادية إن اعتادها الناس فعلت وإلا فلا.
ولو لبس الإنسان لباسا يخالف العادة ولكنه غير محرم شرعا فلا ينبغي لئلا يكون لباس شهرة، ولباس الشهرة هو الذي يشتهر به الإنسان حتى يقال: هذا الثوب مثل ثوب فلان، وقد يكون بالدون وقد يكون بالأعلى، حتى قال بعض العلماء: لو أن رجلا فقيرا لبس ثياب الأغنياء صار في حقه ثوب شهرة، ولو أن رجلا غنيا لبس ثياب الفقراء صار في حقه ثوب شهرة، وإنما يلبس كل إنسان ما يناسب حاله. واليوم والحمد لله لم يعد هناك فرق كبير بين ثوب الغني والفقير.
(5/262)

وبناء على ما تقدم فإنه لا يستحب أن يقصد العمرة في ليلة السابع والعشرين من رمضان، ومن قصد ذلك فقد أتى بشيء لا دليل عليه، فليلة القدر وإن كان لها خاصية لكنها لا تطلب بأداء العمرة فيها بل بقيامها لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» . ولم يقل: من اعتمر. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عمرة في رمضان تعدل حجة» ولم يقل: عمرة في ليلة سبع وعشرين تعدل حجة.
فننصح لإخواننا الذين يريدون وجه الله أن تكون أعمالهم موافقة لشرع الله سبحانه لأن مجرد إخلاص النية وإرادة وجه الله لا يكفي في قبول العلم كما سبق بيانه. ولم أجد في سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يدل على استحباب العمرة ليلة السابع والعشرين، بل هي كغيرها من أيام رمضان في فضل الاعتكاف لما سبق من قوله عليه الصلاة والسلام: «عمرة في رمضان» .
ولا يفيد الإنسان أن يعبد الله بالعاطفة بدون أصل شرعي يرجع إليه لأن ذلك اتباع للهوى، فللشرع حدود معينة مضبوطة من كل وجه حتى لا يتفرق الناس فيها شيعا كل حزب بما لديهم فرحون.
ثم إن ليلة القدر ليست مخصوصة بليلة سبع وعشرين، فالنصوص الواردة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تدل أنها تتنقل في الأعوام، ففي عام تكون ليلة ثلاث وعشرين، وفي آخر ليلة خمس وعشرين، وغيره ليلة تسع وعشرين وثمان وعشرين، وست وعشرين.. وهكذا.
وقد ثبت في الصحيحين «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعتكف العشر الأوسط ابتغاء ليلة القدر فخرج على أصحابه ليلة إحدى وعشرين وأخبرهم أنه كان يعتكف طلبا لليلة القدر وأنه رأى ليلة القدر في العشر الأواخر ولكنه أنسيها حكمة من الله تعالى، وقال عليه الصلاة والسلام: "وقد رأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين". قال أنس: فمطرت السماء تلك الليلة فقام رسول»
(5/263)

«الله عليه الصلاة والسلام يصلي الفجر فرأيت على جبهته أثر الماء والطين. وكانت تلك ليلة إحدى وعشرين. وقال عليه الصلاة والسلام: "التمسوها في خامسة تبقى، في رابعة تبقى، ... » إلى آخر الحديث.
وهذا يدل أنها تنتقل ولا تتعين في ليلة سبع وعشرين. ونرى كثيرا من المسلمين يجتهدون في ليلة سبع وعشرين ويتساهلون فيما عداها، وقد تكون في غيرها فيحرمون خيرها.
وينبغي للإنسان أن يجتهد في تلك الليالي كلها في الدعاء بقلب خالص وأمل في الله سبحانه، وأن يحرص على اجتناب أكل الحرام، لأنه من أسباب رد الدعاء، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» وفي الحديث: «ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، وملبسه حرام، ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له» . فذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أسباب إجابة الدعاء السفر وهو مظنة للإجابة، وكذلك ذكر الشعث والغبر ولا شك أن كون الإنسان غير مترف ولا مهتم بأمور ملبسه ومظهره بل مهتم بإصلاح قلبه، وكذلك ذكر مد اليدين إلى السماء وهو من إظهار الافتقار إلى الله وإظهار الضعف والحاجة لله سبحانه، وذكر كذلك قوله: يا رب يا رب، ودعوة الله بهذا الاسم هو توسل إلى الله بأسمائه وخلقه للناس وربوبيته لهم.
ثم ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن مأكله ومشربه وملبسه وغذاءه كله من حرام، فيمنع إجابة الدعاء.
و (أنى) للاستفهام بمعنى الاستبعاد، أي بعيد أن يستجيب الله له.
ولهذا فأحذر إخواني من أكل الحرام، وهو ليس فقط كما يظن البعض أكل الخنزير والميتة وشرب الخمر، بل يشمل أكل الحرام لذاته
(5/264)

كهذه الأشياء، وأكله لكسبه بأن يكون الشيء حلالا ثم يصير حراما كالمغصوب والمسروق.
وكذلك المرابي ومن يأكل الربا سواء بصراحة أو بتحايل، والحيلة في ذلك أقبح من الصراحة لأنها تتضمن مفسدتين: المحرم والمخادعة والخيانة لله سبحانه، وهذا لا يخادع إلا نفسه فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وكذلك الذي يكسب المال بالغش والخداع، فيظهر السلعة بمظهر طيب وهي رديئة فيظنها المشتري جيدة ويدفع فيها الثمن الكثير وهي في الحقيقة لا تساوي هذا الثمن. وقد يظن هذا البائع الغشاش أنه ربح ولكنه في الحقيقة خاسر، لأن المغبون سيأخذ من حسناته يوم يكون أحوج إلى الحسنة من الدنيا وما عليها ولا يستطيع أن يفدي نفسه.
وقد «مر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصاحب تمر فأدخل يده في التمر فإذا أسفله مبلول، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام"؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من غش فليس منا» . وكان الواجب على هذا أن يظهر الرديء حتى يعرفه الناس.
ومن ذلك أيضا الكسب عن طريق الكذب، كمن يحلف أن هذه السلعة تساوي مائة وهي لا تساوي أكثر من خمسين، وقد يغتر من لا يعرف سعر هذه السلعة، فهذه الزيادة قد جاءت بالكذب وقد يزين له الشيطان أن المشتري قد اشترى برضاه، ولكن نقول له: لو علم المشتري أن القيمة الحقيقية أقل مما دفع فإنه لن يرضى، فهو إذا لم يشتر عن تراضٍ، بل بكذب وتغرير ودجل.
وقد تجد من يبيع السلعة بمائة ويبيعها من بجواره بخمسين، ولا شك أن هذا فرق كبير ليس مما يجري به العرف ويوجد بين الناس عادة ويتراضون به.
فالخلاصة أن الأصل في العبادات الحظر والمنع حتى يقوم دليل على
(5/265)

المشروعية وأن كل من أحدث في دين الله ما ليس منه فهو رد مردود على صاحبه، وأن الله لا يقبل من الدين إلا ما شرع، وأنه لا بد من الإخلاص لله عز وجل والمتابعة لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(5/266)

مفاتح الغيب
(5/267)

مفاتح الغيب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين أما بعد ... نتكلم في هذا الدرس إن شاء الله تعالى عن مفاتح الغيب: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} وقد بينها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث تلا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}
هذه مفاتح الغيب، وسميت مفاتح لأن كل واحد منها فاتحة لشيء بعده:
{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} فالساعة فاتحة للآخرة التي هي النهاية.
{وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} والغيث فاتحة لحياة النبات.
{وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} فاتحة لحياة كل شيء.
{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} فاتحة للمستقبل.
{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} فاتحة لقيامة كل إنسان بحسبه، علم الساعة: القيامة العامة، وأما قوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}
(5/269)

فهو فاتحة لقيامة كل إنسان، لأن من مات فقد قامت قيامته.
أولا: إن الله عنده علم الساعة:
علم الساعة لا يمكن لأحد أن يدركه إلا الرب عز وجل، فها هو «أفضل الرسل من الملائكة جبريل يسأل أفضل الرسل من البشر محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقول: أخبرني عن الساعة؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» . أي علمي وعلمك فيها سواء، فكما أنك لا تعلمها فأنا كذلك لا أعلمها، ولهذا من ادعى علم الساعة فهو مكذب للقرآن، ومكذب للسنة، ومكذب لإجماع المسلمين وخارج عن المسلمين.
يقول الله -تبارك وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} وقال تعالى: {وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وتقديم الخبر في قوله: {وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} يفيد الحصر، لأن من طرق الحصر تقديم ما حقه التأخير.
ومن صدق من ادعى علم الساعة فهو كافر أيضا، لأن من صدق من يكذب بالقرآن أو بالسنة فقد كذب القرآن والسنة، وعلى هذا فلا يمكن أن نصدق شخصا يدعي أنه يعلم متى تكون الساعة، ومن صدقه فهو
(5/270)

كافر لتكذيبه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
لكن هل للساعة علامات؟
فالجواب: نعم قال تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ}

ثانيا: نزول الغيث: {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} وهنا لم يقل: يعلم نزول الغيث، بل قال: {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} وإذا كان تنزيل الغيث ليس لأحد سوى الله، فعلم نزوله ليس لأحد سوى الله عز وجل.
ولكن قد يقول قائل: ما الحكمة في أن الله عز وجل قال في الساعة: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} وفي الغيث قال: {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} دون أن يقول: ويعلم نزول الغيث؟ مع أن عدم العلم بنزول الغيث مستفاد من كون الذي ينزل الغيث هو الله وحده، فإذا كان الذي ينزل الغيث هو الله وحده لزم من ذلك أنه لا يعلم أحد نزول الغيث إلا من ينزله؟.
لكن الحكمة -والله أعلم- أن الذي ينفع الناس ويستفيد الناس منه ويلمسونه بأيديهم هو الغيث وهو الذي يكون مفتاحا لحياة الأرض.
إذن لا يعلم متى ينزل المطر إلا الله، لأن الذي ينزل المطر والغيث هو الله.
لكن يرد علينا أننا نسمع في الإذاعات، يقولون: سينزل غدا مطر في جهات معينة، فهل هذا ينافي أن علم نزول الغيث خاص بالله؟.
(5/271)

فالجواب: أن هذا يشكل على كثير من الناس، فيظن أن هذه التوقعات -التي تذاع في الإذاعات- يظن أنها تعارض قول الله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} والحقيقة أنها لا تعارض ذلك، لأن علمهم بهذا علم مستند إلى محسوس لا إلى غيب، وهذا المحسوس هو أن الله عز وجل حكيم، كل شيء يقع له سبب، فالأشياء مربوطة بأسبابها، فقد تكون الأسباب معلومة لكل أحد، وقد تكون معلومة لبعض الناس، وقد تكون غير معلومة لأحد، فإننا لا نعلم سبب كل شيء وحكمة كل شيء، المطر إذا أراد الله عز وجل إنزاله، فإن الجو يتغير تغيرا خاصا، يتكون معه السحاب، ثم نزول المطر، كما أن الحامل عندما يريد الله عز وجل أن يخرج منها الولد فإن الجنين ينشأ في بطنها شيئا فشيئا حتى يصل إلى الغاية، فهؤلاء عندهم مراصد دقيقة، تلامس الجو، ويعرف بها تكيف الجو، فيقولون إنه سيكون مطر، ولهذا نجدهم لا يتجاوز علمهم أكثر من ثمان وأربعين ساعة هذا أكثر ما سمعت، وإن كان قد قيل: إنهم وصلوا إلى أن يعلموا مدى ثلاثة أيام، على كل حال فعلمهم محدود، لأنه مبني على أسباب حسية لا تدرك إلا بواسطة هذه الآلات، ونحن مثلا بحسنا القاصر إذا رأينا السماء ملبدة بالغيوم، ورأينا هذا السحاب يرعد ويبرق، فإننا نتوقع أن يكون ذلك مطرا، هم كذلك يتوقعون إذا رأوا في الجو تكيفا معينا يصلح معه أن يكون المطر وحينئذ لا معارضة بين الآية وبين الواقع، على أنهم أيضا يتوقعون توقعا فربما يخطئون وربما يصيبون.
(5/272)

ثالثا: ويعلم ما في الأرحام: أولا: قوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} ما اسم موصول يفيد العموم، وتعلق العلم بهذا العام هو تعلق عام أيضا، فعلم ما في الأرحام لا يقتصر على علم كونه ذكرا أو أنثى، واحدا أم متعددا، بل علم ما في الأرحام أشمل من ذلك، فهو يشمل كونه ذكرا أو أنثى، يشمل كونه واحدا أو متعددا، يشمل يخرج حيًّا أو يخرج ميتا، يشمل أن هذا الجنين سيبقى مدة طويلة في الدنيا أو مدة قصيرة، يشمل أن هذا الجنين سيكون ذا مال كثير أو فقر مدقع، يشمل أن هذا الجنين سيكون عالما أو جاهلا، فكل ما يتعلق بهذا الجنين يدخل في قوله: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} فهو شامل عام خاص بالله تعالى.
ولكن يشكل على هذا أنه في عصرنا الحاضر توصل الطب إلى أن يعلم أن ما في بطن هذه الأنثى ذكر أو أنثى، فهل يبقى معارضة في الآية؟ فالجواب: أنه ليس هناك معارضة للآية؛ لأنهم لا يعلمون أنه ذكر أو أنثى إلا بعد أن يكون ذكرا أو أنثى، أما قبل ذلك فلا يستطيعون العلم بأنه ذكر أو أنثى، وإذا كان ذكرا أو أنثى وخُلق ذكرا أو خلق أنثى فإنه يكون من عالم الغيب عند أكثر الناس، ويكون من عالم الشهادة عند من يحصل له العلم بذلك، فالملك مثلا يرسله الله تعالى إلى الرحم، ويعلمه الله عز وجل أنه ذكر أو أنثى، يقول: يا رب ذكر أو أنثى؟ فيأمره الله - تعالى- بما أراد، فصار هذا علم شهادة بالنسبة للملك، وقبل أن يكون
(5/273)

ذكرا أو أنثى فهو علم غيب حتى بالنسبة للملائكة.
إذن كونه يكون علم شهادة بواسطة تقدم الطب لا يعارض الآية الكريمة.
وبهذه المناسبة أود أن أقول لكم: كل ما جاء به القرآن، وصحت به السنة، فإنه لا يمكن أن يعارض الواقع.
رابعا: وما تدري نفس ماذا تكسب غدا؟
وانظر إلى التعبير بقوله: {مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} فإن الإنسان قد يدري ماذا سيعمل غدا، ولكنه لا يدري هل سيكسب ذلك العمل أم لا. فلو أن شخصا عنده عمل في المكتب، ومرتب شؤونه، وقال: غدا أول شيء أعمله كذا وكذا، فإنه يكون قد علم ماذا يعمل غدا، ولكنه لا يعلم هل سيكسب ذلك العمل ويحصل له أم لا، ولهذا قال سبحانه: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا}
فأنت قد تخطط لعمل مستقبل كغد مثلا، لكن لا تكسبه، فقد يحول بينك وبينه مانع من موت، أو مرض، أو شغل آخر ترى أنه أقدم منه أو ما أشبه ذلك.
خامسا: وما تدري نفس بأي أرض تموت:
وصدق الله فلا أحد يستطيع أن يحكم بأنه سيموت في الأرض الفلانية، فقد يقول الإنسان: أنا لن أخرج من بلدي، فسأموت في بلدي، لكن هذا قد لا يتم، فأحيانا يكون الإنسان في بلده لا يخرج أبدا منها فيمرض، وتحدثه نفسه وتحدوه همته وعزيمته إلى أن يسافر للعلاج، فإذا وصل إلى البلد الذي
(5/274)

قرر أن يتعالج فيه مات فور وصوله، وهذا موجود ويحدث، إذن فهو لا يعلم بأي أرض يموت، ومن باب أولى أيضا فإنه لا يعلم في أي وقت يموت؛ لأن الإنسان يتصرف في مكانه، فربما يقول قائل: إذا أحسَّ بالموت ورأى أنه لا شفاء له مثلا قال: أذهب إلى الأرض الفلانية وأموت فيها، فإذا كان لا يعلم هذا فما بالك بالزمن الذي لا يمكن تحديده أبدا؟! فالذي لا يعلم المكان لا يعلم الزمان من باب أولى.
ولقد جرت مسألتان إحداهما أدركتها أنا، والثانية حُدثت بها من ثقة.
أما الأولى: فإنه كان راكبان على دباب -دراجة نارية- يمران بشارع فرعي، وهناك سيارة تمر بالشارع العام، فلما رأى صاحب السيارة هذا الدباب وقف من أجل أن يعبر الدباب، والراكبان على الدباب لما رأيا السيارة وقفا لتعبر السيارة، فهذا تصرف سليم، لكن في خلال دقيقة أو دقيقتين تحركت السيارة وتحرك الدباب واصطدما، فمات أحد الراكبين، فبماذا نفسر هذه الواقعة؟
نفسرها بأن هذا الرجل الذي مات بقي له من عمره دقيقتان أو دقيقة، لو شاء الله عز وجل لعبر كل من السيارة والدباب بسلام، أو لعبرا من أول ما التقيا بسرعة وحصل الحادث، لكن حصل التوقف لمدة دقيقة أو دقيقتين من أجل أن يستكمل الأجل لهذا الذي مات، وهذه من آيات الله عز وجل قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها» .
أما المسألة الثانية: فقد حدثني بها من أثق به، فقد كان الناس في السابق يأتون مكة عن طريق البر على الجمال، وكان الناس في ذلك الوقت ينزلون جميعا ويسيرون جميعا؛ لأن البلاد غير آمنة تماما، يقول: فخرج
(5/275)

الحجاج إلى مكة، وكانوا يمشون في الريعان -أي الجبال والأودية- على حدود الحجاز من نجد، وكان أحد القوم معه أمه مريضة وهو يمرضها، فسار الناس من مكان نزولهم ليلا، وهو جالس يمرض أمه، ويمهد لها الفراش من أجل أن تنام على الراحلة مستقرة، ولما أكمل رحل المركب لأمه مشى، ولكنه أخطأ القوم؛ لأنهم تجاوزوا كثيرا، يقول: فدخل في طريق جادة صغيرة مع أحد الريعان، وصار يمشي وهو يظن أنه على إثرهم حتى ارتفعت الشمس، وخاف على نفسه من العطش، فتبدى -ظهر- له خباء بدو -أي خيمة صغيرة- فاتجه إليها ووصل إليهم، وقال: أين طريق الحجاج؟ قالوا له: طريق الحجاج وراءك، لكن انزل أنت والمرأة معك حتى تستريح وندلك، فنزل بأمه يقول: فما أن وضع أمه على الأرض حتى فاضت روحها، سبحان الله العظيم، فمن يقول: إن امرأة من القصيم تأتي إلى الحجاز إلى هذه الأماكن التي قد لا يحلم أن يصل إليها، حتى تموت في هذا المكان؟! {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .
هذه مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله عز وجل. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(5/276)

التوسل
(5/277)

التوسل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
التوسل في اللغة: مأخوذ من الوسيلة، والوسيلة والوصيلة والتوسل والتوصل معناهما متقارب؛ لأن السين والصاد دائما يتناوبان، يعني أحدهما يستعير المكان من الآخر، ولهذا يقرأ قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ويقرأ: (اهدنا السراط..) بالسين، وكلتاهما قراءة سبعية، فيجوز أن تقرأ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أو تقول: (اهدنا السراط المستقيم سراط الذين أنعمت عليهم) .
فالتوسل والتوصل معناهما متقارب جدًّا.
والوسيلة هي السبب الموصل إلى المقصود.
وهو على نوعين:
النوع الأول:
عبادة يراد بها التوصل إلى رضوان الله والجنة، ولهذا نقول: جميع العبادات وسيلة إلى النجاة من النار ودخول الجنة. قال الله تعالى:
(5/279)

{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} فإذا صمت رمضان فإنه يقال: هذا وسيلة إلى مغفرة الذنوب، وقمت رمضان وسيلة أيضا لمغفرة الذنوب، وقمت ليلة القدر وسيلة لمغفرة الذنوب، وكل هذا لا بد أن يكون إيمانا واحتسابا، إذن الأعمال الصالحة كلها وسيلة، والغرض من الأعمال الصالحة قوله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} ولهذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستعيذ من النار فيقول: «أعوذ بالله من النار» . ويل لأهل النار.
أما النوع الثاني من الوسيلة: فهو ما يتخذ وسيلة لإجابة الدعاء وهو أقسام:
القسم الأول: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه سواء كان بالأسماء على سبيل العموم أو باسم معين منها.
فمثال الأول التوسل بالأسماء على سبيل العموم ما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الهم والغم: «اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي» .
والشاهد من الحديث قوله: «بكل اسم هو لك» . ونقول نحن: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، ودليل هذا القسم قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}
(5/280)

أما الثاني وهو التوسل باسم خاص فمثل أن تقول: "يا غفور اغفر لي، يا رحيم ارحمني، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني". وهذا توسل باسم لكنه خاص.
وفي هذا النوع يجب أن يكون الاسم مناسبا للدعاء، فإذا أردت أن تسأل الله الرزق تقول: يا رزاق، والمغفرة: يا غفور، والعفو: يا عفو، وهكذا.
لكن لو قلت: اللهم يا شديد العقاب اعف عني فهذا غير مناسب، فكيف تتوسل باسم يدل على العقوبة إلى عفو الله عز وجل؟ إنما تدعو الله تعالى بالأسماء المناسبة لما تدعو به.
القسم الثاني: التوسل إلى الله تعالى بصفاته سواء كان ذلك على سبيل العموم أو بصفة خاصة، ومن الصفات الأفعال، فإن الأفعال صفات، مثال ذلك أن تقول: "اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا" وهذا التوسل صحيح، والتوسل بالصفات يكون كذلك عامًّا، ويكون خاصًّا، فمثال العام ما ذكرته آنفًا، ومثال الخاص: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"، فهنا توسل بصفة من صفات الله عز وجل.
ومن التوسل بالأفعال: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ".
فأنت تسأل الله الذي منَّ بصلاته على إبراهيم وعلى آل إبراهيم أن يمن بصلاته على محمد وعلى آل محمد، فالكاف في قولك: "كما صليت" ليست للتشبيه ولكنها للتعليل، والكاف تأتي للتعليل كما قال ابن مالك في الألفية:
شبه بكاف وبها التعليل قد ... يعنى وزائدا لتوكيد ورد
والشاهد من البيت قوله: "وبها التعليل قد يعنى" يعني قد يراد بها التعليل. "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم "،
(5/281)

يعني لأنك صليت على إبراهيم، فمنتك على عبدك وخليلك إبراهيم وآله، نتوسل بها إليك، أن تصلي على خليلك محمد وآله.
ومثال ذلك في القرآن على أن الكاف للتعليل قوله تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} واذكروه لأنه هداكم، وعلى كل حال المسألة معروفة، والكاف للتعليل.
وإذا قلنا: إن الكاف للتعليل في قوله: "كما صليت" سلمنا من شبهة مشهورة عند العلماء، وهذه الشبهة يقولون: إذا قلنا الكاف للتشبيه حصل إشكال؛ لأن معنى ذلك: أننا نطلب أن الله يصلي على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآله صلاة دون صلاة إبراهيم وآله، بناء على أن المشبه أقل من المشبه به، فإذا قلت: فلان كالبحر في كرمه، فمقتضى ذلك أنه دون البحر، فإذا جعلنا الكاف في قوله: "كما صليت" للتشبيه معناه أننا نطلب من الله صلاة تكون في الواقع دون الصلاة على إبراهيم وآله.
فإذا قلنا: إن الكاف للتعليل فالمعنى أنك تسأل الله الذي مَنَّ بصلاته على إبراهيم وعلى آل إبراهيم أن يمن بصلاته على محمد وعلى آل محمد، وبذلك يزول الإشكال نهائيا.
ولا حاجة إلى ما ذكره بعض الناس وتكلف فيه من أهل العلم.
ومعنى "اللهم صل على محمد "، صلاة الله على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معناها: اللهم أثن عليه في الملأ الأعلى، واذكره بالجميل.
وليست صلاة الله على عبده بمعنى رحمته، وإن كان بعض العلماء قال: " إن الصلاة من الله الرحمة " لكنه قول مرجوح بالآية التي قال الله فيها: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} والعطف يقتضي التغاير.
(5/282)

القسم الثالث: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به، أي أن يتوسل الإنسان إلى الله تعالى بالإيمان به وبرسوله فيقول: اللهم بإيماني بك وبرسولك أسألك كذا وكذا. فيصح هذا، ودليله قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} إلى أن قال: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} أي فبسبب إيماننا برسولك فاغفر لنا، فجعلوا الإيمان به وسيلة للمغفرة.
فالتوسل بالإيمان بالله، والإيمان برسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والتوسل بمحبة الله، ومحبة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جائز؛ لأن الإيمان بالله سبب موصل للمغفرة، ومحبة الله ورسوله سبب موصل للمغفرة، فصح أن يتوسل إلى الله تعالى به.

القسم الرابع: التوسل إلى الله تعالى بحال الداعي، أي أن يتوسل الداعي إلى الله بحاله ولا يذكر شيئا مثل أن يقول: "اللهم إني أنا الفقير إليك، اللهم إني أنا الأسير بين يديك" وما أشبه ذلك، والدليل على ذلك قول موسى عليه الصلاة والسلام حين سقى للمرأتين ثم تولى إلى الظل فقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ولم يذكر شيئا.
ووجه هذه الآية أن حال الداعي إذا وصفها الإنسان فإنها تقتضي الرحمة واللطف والإحسان، لا سيما إذا كانت بين يدي أرحم الراحمين جل وعلا.
أرأيت لو أن رجلا مشى معك وقال: أنا فقير أبو عائلة لا أستطيع التكسب غريب الدار، فيسأل ويتوسل إليك بحاله، فأنت إذن تعرف الأمر وتعطيه إذا كنت كريما.
(5/283)

والقسم الخامس: التوسل بدعاء من ترجى إجابة دعائه، ودليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان يخطب الناس يوم الجمعة، فدخل رجل فاستقبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا" ثلاث مرات. قال أنس بن مالك: "والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة" والقزعة هي القطعة الصغيرة من الغيم، وما بيننا وما بين سلع من بيت ولا دار وسلع جبل بالمدينة تأتي من نحوه السحب قال: فخرجت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فما نزل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته» .
وفي هذا آيتان: آية من آيات الله، وآية من آيات رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما من آيات الله فالقدرة العظيمة بهذه السرعة نشأ السحاب ورعد وبرق وأمطر، فما إن نزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته، والمعروف أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان لا يطيل الخطبة، وهذا أتى في أثناء الخطبة.
وأما كونه آية من آيات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن الله أجاب دعاءه بهذه السرعة، وآيات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جلب الماء من السماء أو من الأرض معلومة، فبقي المطر ينزل أسبوعا كاملا حتى سال الوادي المعروف بالمدينة باسم قناة، سال شهرا كاملا، «فجاء الرجل أو رجل آخر من الجمعة الثانية والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب فقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال، فادع الله يمسكها، فرفع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، وجعل يشير بيده، فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت، ليس بقدرة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن بقدرة الله عز وجل، "اللهم حوالينا ولا علينا" فجعل السحاب يتفرق، يمطر حول المدينة، ولا يمطر في المدينة، فخرجوا من الصلاة وهم يمشون في الشمس» .
(5/284)

فالرجل قال: "ادع الله يمسكها" والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لم يسأل الله أن يمسكها؛ لأن إمساكها ليس من المصلحة، لكنه دعا بدعاء تحصل به المصلحة وتزول المفسدة، قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر» . وفي هاتين القصتين كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يرفع يديه وهو يخطب.
وفي الأول عندما سأل الله الغيث رفع الصحابة أيديهم معه وهم يستمعون الخطبة، فيستفاد من هذا أن الخطيب إذا دعا بالغيث أو دعا بالصحو أنه يرفع يديه وأن الناس يرفعون أيديهم معه إذا دعا بالغيث، وفيما عدا ذلك إذا دعا الخطيب في خطبة الجمعة لا يرفع يديه ولا يرفع الناس؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أنكروا على بشر بن مروان حين خطب ودعا في الخطبة ورفع يديه، فرفع اليدين في الدعاء في حال الخطبة ليس من هدي الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلا إذا دعا باستسقاء أو استصحاء.
«كذلك كانوا في غزوة الحديبية، ونفد الماء الذي معهم فجاء الناس إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالوا: يا رسول الله نفد الماء، وكان بين يديه ركوة -إناء من جلد- فوضع يديه في الماء فجعل الماء يفور أمثال العيون حتى استفى الناس ورووا» . والله على كل شيء قدير.
وهذه الآية تأييد للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد تكون الآية التي يرسلها الله عز وجل تكذيبا لمن أرسلت إليه:
يقال: إن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة، فجاء إليه قوم فدعوه بالوصف الكاذب، وهو "يا رسول الله" وهو من أكذب عباد الله، قالوا: إن بئرا لنا نزحت وليس فيها إلا ماء قليل تأتي إليها لعل الله يأتي فيها البركة، فجاء إلى البئر وأخذ ماء بفمه ومجه فيها ينتظر أن يخرج الماء إلى أعلى، ولكن الماء الذي فيها غار بالكلية، فالماء الذي كان موجودا ذهب، فهذه آية من آيات الله، ولكنها آية لتكذيب هذا الرجل وليست لتأييده وتصديقه.
(5/285)

ولكن ينبغي أن تلاحظ أنك إذا طلبت من شخص أن يدعو لك وهو ممن ترجى إجابته أن يكون غرضك بذلك مصلحته هو لا مصلحتك أنت.
فإذا سألت إنسانا مرجو الإجابة بالدعاء أن تقصد بطلبك منه أن يدعو لك لمصلحته هو لا مصلحتك أنت فكيف يكون مصلحته؟ لأن الإنسان إذا دعا لأخيه بظهر الغيب قال له الملك: آمين ولك مثله، فإذا دعا لك أخوك الذي طلبت منه أن يدعو لك بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله.
أما إذا طلبت منه أن يدعو لك وأنت لا تريد إلا مصلحتك فقط، فإن هذا يخشى أن يكون من المسألة المذمومة، لأن من جملة ما بايع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه عليه أن لا يسألوا الناس شيئا.
وهذه مسألة ينبغي أن يتنبه لها حتى لا نقع في ذل المسألة.
القسم السادس: التوسل إلى الله بالعمل الصالح. وهو أن يذكر الإنسان بين يدي دعائه عملا صالحا يكون سببا في حصول المطلوب، ومثاله قصة الثلاثة الذين حدث عنهم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «ثلاثة من بني إسرائيل آواهم المبيت إلى غار، فدخلوا الغار فأراد الله عز وجل بحكمته أن تنطبق عليهم صخرة ابتلاء وامتحانا وعبرة لعباده انطبقت عليهم الصخرة فأرادوا أن يدفعوها فعجزوا فقال بعضهم لبعض: إنه لا يخرجكم من ذلك إلا أن تتوسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالكم، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فأتي بي طلب الشجر يوما فرحت عليهما فوجدتهما نائمين وكرهت أن أغبق أحدا قبلهما، فبقي الإناء على يدي حتى برق الفجر، ثم استيقظا فسقيتهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فاصرف عنا ما نحن فيه، أو فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت»
(5/286)

«الصخرة قليلا لكنهم لا يستطيعون الخروج.
أما الثاني: "فذكر أن له ابنة عم وكان يحبها حبا شديدا فأرادها على نفسها فأبت، ثم إنه في سنة من السنوات ألمت بها الحاجة فجاءت إليه تطلب دفع حاجتها فأعادها إلا أن تمكنه من نفسها -هي للضرورة مكنته من نفسها- فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته قالت له: يا هذا اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه -فهذه كلمة عظيمة مؤثرة- قال: فقمت عنها وهي أحب الناس إلي -يعني ما تركتها رغبة لأني لا أريدها لكنه تركها خوفا من الله عز وجل حين ذكر به- وأعطاها حاجتها" فجمع هذا الرجل بين كمال العفة والصلة، قال: "اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة إلا أنهم لا يستطيعون الخروج".
أما الثالث: فذكر أن له أجراء -يعني أناسا استأجرهم- وأعطى كل واحد منهم أجره، إلا واحدا لم يعطه أجره، فنماه له، وصار فيه إبل وغنم وبقر ورقيق حتى جاء العامل يطلب أجره فقال له: كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق كله لك، فقال له الأجير: اتق الله، لا تستهزئ بي، فقال: لا أستهزئ بك هذه أجرتك، فأخذها الأجير وذهب بها كلها فهذه المعاملة والوفاء التام من هذا الرجل؛ لأنه من الممكن أنه إذا جاء يطلب أجره أن يعطيه أجره وينتهي، لكن لأمانته ووفائه أعطاه كل ما نماه أجره، قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون» .
فلو قال قائل: اللهم إني أسألك ببر والدي أن توفقني لبر أولادي بي، فهذا توسل صحيح، وهو توسل بالعمل الصالح.
أما القسم الذي لا يجوز أن تتوسل إلى الله تعالى به فهو ما ليس بوسيلة في الواقع مثل أن تتوسل بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذاته، أو أن تتوسل بجاه
(5/287)

النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن ذلك لا ينفعك أنت، فجاه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنزلته عند الله ينتفع بها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه، أما أنت فليس لك فيها منفعة وكذلك ذاته من باب أولى.
ويدل على أن التوسل بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الآن ليس بصحيح «أن الصحابة قحطوا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فخرج يستسقي بهم فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا -والصحابة يتوسلون بنبيهم بدعائه- وإنا نستشفع إليك بعم نبينا فاسقنا. فيقوم العباس بن عبد المطلب ويدعو الله تعالى بالسقيا فيسقون» . وهذا دليل على معنى التوسل بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الوارد عن الصحابة أن معناه أنهم يتوسلون بدعائه لا بذاته.
أما توسل المشركين بأصنامهم وأوثانهم وتوسل الجاهلين بأوليائهم فهو توسل شركي، لا نقول: توسل بدعي بل هو توسل شركي، ولا يصح أن نسميه توسلا بل هو شرك محض.
لأن هؤلاء المتوسلين يدعون من يزعمون أنهم وسيلة، يأتي الرجل إلى من يزعمه وليا ويقول: يا ولي الله أنقذني -بهذا اللفظ- يا آل البيت أنقذوني، يا نبي الله أنقذني، فهذا لا يصح أن نسميه وسيلة ولكن نسميه شركا؛ لأن دعاء غير الله شرك في الدين وسفه في العقل، شرك في الدين لأنهم اتخذوا شريكا مع الله، وسفه في العقل لأن الله يقول: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ}
ويوم القيامة لا ينفعونهم {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} فوصف الله هذه المدعوات بأنها عاجزة لا يستجيبون
(5/288)

أبدا لو دعوهم إلى يوم القيامة، وبأنها غافلة لا تدري من يدعوها ولا تحس بشيء من ذلك، وبأنه إذا كان يوم القيامة وهو وقت الحاجة الحقيقية إذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين، كدعاء الأولياء والأصنام وما أشبهها.
فلا يصح أن نقول: إنها وسيلة بل هو شرك أكبر مخرج عن الدين: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} فسمى الله هذا الداعي كافرا.
فإن قال قائل: إن هؤلاء ربما يدعون هذه الأصنام أو هؤلاء الأولياء ويحصل مطلوبهم، ثم يأتون ويقولون: دعونا الولي الفلاني فأجاب، دعونا هذا الصنم فأجاب، فما موقفنا من ذلك؟
فالجواب: موقفنا من ذلك أن الله تعالى قد يحدث هذا الشيء عند الدعاء لا بالدعاء امتحانا للداعي، فقد يأتي الإنسان ويدعو هذا الولي صاحب القبر بدعاء ثم يحدث له ما دعا به امتحانا من الله عز وجل، لا لأن هذا الولي هو الذي أعطاه إياه، لأننا نعلم علم اليقين أن هذا الولي لن ينفعه ولن يستجيب له، لكن قد يبتلى والابتلاء بتسهيل المعصية وارد في الأمم السابقة، وفي هذه الأمة، ففي الأمم السابقة قال الله تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} فحرم الله عليهم أن يصطادوا السمك يوم السبت، فبقوا على ذلك مدة من الزمن، فابتلاهم الله فصارت الحيتان يوم السبت تأتي شرعا على وجه الماء من كثرتها وغير يوم السبت لا يشاهدونها، واليهود أهل مكر وكيد وخيانة، وأهل طمع وشح، قالوا: كيف لا تأتينا كل يوم عدا
(5/289)

يوم السبت ونحن ممنوعون من اصطيادها فماذا نصنع، أنحرم منها؟ بل ندبر حيلة نعمل شبكة وننصبها يوم الجمعة، فإذا جاء السمك يوم السبت دخلت في الشبكة وإذا دخل لا يستطيع الخروج، فإذا كان يوم الأحد نأتي إلى الشبكة ونأخذ السمك الذي فيها.
فهذه حيلة فيقولون: نحن ما نصطاد يوم السبت، فالشبك نصبناه يوم الجمعة والحيتان جاءت يوم السبت، ونحن أخذنا الحيتان يوم الأحد، ولقد عاقبهم الله على ذلك فقال: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} فأمرهم الله أن يكونوا قردة، وهذا أمر كوني، فكانوا قردة وإنما أراد الله عز وجل أن يكونوا قردة؛ لأن القردة أشبه ما يكون بالإنسان فلما كان القرد أشبه ما يكون بالإنسان، وكان فعل هؤلاء شبيها بالمباح، لأن ظاهره الإباحة وباطنه التحريم، قال الله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} ولكن القردة الموجودة الآن غير القردة التي قلبت إليها هؤلاء الطائفة من اليهود؛ لأن القردة الذين مسخ بنو إسرائيل إليهم، ذهبوا وفنوا بالكلية، فهذه القردة جنس من الحيوان. وهذا ابتلاء من الله عز وجل أن الحيتان تأتي يوم السبت كثيرة وتنقطع في غير يوم السبت، ولكن لم يصبر بنو إسرائيل على ذلك فاحتالوا على محارم الله.
وفي هذه الأمة ابتلى الله عز وجل أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببلوى، إذا أحرم الإنسان بحج أو عمرة حرم عليه الصيد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} فأراد الله عز وجل أن يبتلي أصحاب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأرسل الله إليهم صيدا تناله أيديهم ورماحهم، فالصيد الذي يجري على رجله صاروا يمسكونه بأيديهم، مثل الأرانب والظباء، وصيد الطائر
(5/290)

الذي لا ينال إلا بالسهام ينالونه برماحهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} والحكمة: {لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} فهل الصحابة وهم محرمون صاروا يمسكون هذا الصيد بأيديهم أو ينالونه برماحهم؟ أبدا ولا أحد من الصحابة صاد صيدا ولا حتى تحيل عليه.
وبهذا نعرف الفرق بين صلاحية هذه الأمة وبين بني إسرائيل على أنه وجد من خلف هذه الأمة من شابه اليهود في التحيل على محارم الله، فهناك من يتحيلون على الربا، وهناك من يتحيلون على النكاح، وهناك من يتحيلون على ظلم إخوانهم بأنواع الحيل، وكل من تحيل من هذه الأمة إلى الشيء المحرم بحيله فهو مشابه لأسخف عباد الله، وهم اليهود.
وهناك أناس الآن يقولون: إذا أعطيت الإنسان عشرة آلاف ريال نقدا بأحد عشر ألف ريال إلى أجل فهذا حرام، قال: إذا نحلل هذا الحرام، فأبيع عليه أكياسا من الهيل بأحد عشر ألفا وهي لا تساوي الآن إلا عشرة إلى سنة، ثم يشتريها هذا المدين ويبيعها على صاحب الدكان، برغم أن صاحب الدكان لا يشتريها منك بمثل ما اشتريتها أنت، فيبيعها لصاحب الدكان بتسعة آلاف وخمسمائة فقط، فيكوى هذا المدين من الجانبين، فيكوى من جهة الذي باع عليه، ومن جهة صاحب الدكان، ثم يأخذ المدين الدراهم ويخرج بها وهذا لا يعد بيعا؛ لأن الذي اشتراه هو الدائن، ما يقلبه ولا ينظر ما فيه.
وأظن أن صاحب الدكان لو أتى بأكياس من القش ولفها وقال: هذا الذي فيها هيل، أو أتى بأكياس من الرمل، وقال: إن الذي فيها سكر وباعها على الدائن، وباعها الدائن على المدين، لأنه ما نظر فيها الدائن ولا يقلبها، والمدين كذلك لا يقلبها ولا ينظر فيها فترجع إلى صاحب
(5/291)

الدكان، فهذا لا يعد بيعا صحيحا.
ولكن هذا العمل جامع بين مفسدتين: مفسدة الربا ومفسدة الخداع لله عز وجل وللمؤمنين {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}
فهذه الحيلة والعياذ بالله يسميها بعض العلماء الحيلة الربوية الثلاثية، وفيها مفاسد عظيمة.
وأما بيع السيارات ممن كانت عنده لشخص يريد السيارة نفسها بثمن مؤجل، لكنه أكثر من الثمن الحاضر فهذا لا بأس به وهو جائز بالإجماع كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، مثال ذلك: أنا أحتاج إلى سيارة وأتيت إلى شخص صاحب معرض يبيع السيارات على عشرين ألفا، فقلت له: أنا ليس عندي دراهم الآن، بع علي سيارة بخمسة وعشرين ألفا كل شهر خمسمائة ريال، وقال صاحب الدكان: لا بأس. فهذا جائز، حتى لو خيره صاحب المعرض وقال: هذه السيارة إما بعشرين نقدا، وإما بخمسة وعشرين مؤجلة، فقال: آخذها بخمسة وعشرين مؤجلة، فإن هذا ليس به بأس، وليس هذا بيع دراهم بدراهم؛ لأن الذي اشترى السيارة لم تثبت عليه الدراهم مرتين، فالأصل وقع على سلعة بدراهم، وليس دراهم بدراهم.
بهذا انتهى ما أردنا الكلام عليه حول التوسل والحمد لله رب العالمين.
(5/292)

آيات الأنبياء وأثرها في المجتمع
(5/293)

آيات الأنبياء وأثرها في المجتمع
[تمهيد]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فيسرني أن أتقدم إليكم أيها الحاضرون الكرام بمحاضرة عنوانها (آيات الأنبياء وأثرها في المجتمع) .
(5/295)

تمهيد
خلق الله تعالى آدم عليه الصلاة والسلام بيده من تراب، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وعلمه الأسماء كلها، وأسجد له ملائكته، وركب فيه العقل، وخلق له زوجته حواء، فبث منهما رجالا كثيرا ونساء، ومن هنا ابتدأ خلق البشر، وانتشروا في الأرض، وكانوا يتعبدون بما أوحاه الله إلى أبيهم من الوحي والتشريع المناسب في ذلك الوقت، ولم يكن هناك شيء يفتنهم عما كان يعبد به أبوهم ويقتدون به فيه، ولما طال الزمن، وتباعد النسل، وانتشر العمران في الأرض، وتنافس الناس في الدنيا حصل الاختلاف بينهم والانحراف عن طريقة أبيهم فبعث الله الرسل، وكان أول رسول إلى أهل الأرض نوحا عليه الصلاة والسلام. قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} -أي على دين واحد فاختلفوا- {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق واختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.
(5/297)

حكمة إرسال الرسل
لما كان العقل البشري لا يتمكن من عبادة الله تعالى على الوجه الذي يرضاه ويحبه، وكذلك لا يستطيع التنظيم والتشريع المناسب للأمة على اختلاف طبقاتها إذ لا يحيط بذلك إلا الله وحده، كان من حكمة الله ورحمته أن أرسل الرسل، وأنزل الكتب لإصلاح الخلق، وإقامة الحجة عليهم قال الله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} فحكمة إرسال الرسل تتلخص في:
الأول: إقامة الحجة على الخلق حتى لا يحتج أحد على الله فيقول: {لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} لقد قطع الله هذه الحجة من أساسها بإرسال الرسل وتأييدهم بالآيات البينات الدالة على صدقهم، وصحة نبوتهم، وسلامة طريقتهم.
الثاني: توجيه الناس وإرشادهم لما فيه الخير والصلاح لهم في دينهم ودنياهم، فإن الناس مهما أوتوا من الفهم، والعقل، والذكاء لا يمكنهم أن تستقل عقولهم بالتنظيم العام المصلح للأمة بأكملها كأمة متماسكة متكافئة متساوية في إعطاء ذي الحق حقه. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش -وهي الدواب التي تقع في النار- يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنت تقتحمون فيها» . رواه البخاري، فالرسل يذودون الناس عما يضرهم ويدعونهم إلى ما ينفعهم.
الثالث: جمع الأمة على دين واحد ورجل واحد، فإن انقياد الناس لما
(5/299)

يشاهدونه من الآيات المؤيدة للأنبياء أسرع وأقوى وأشد تماسكا فإنهم يجتمعون عليه عن عقيدة راسخة وإيمان ثابت فيحصل الصلاح والإصلاح.
تأييد الرسل بالآيات وكونها من جنس ما شاع في عصرهم.
لو جاءنا رجل من بيننا وقال: إنه نبي يوحى إليه، وإن طاعته فرض، وإن من عصاه فله النار، ومن أطاعه فله الجنة، ثم نظم قوانين، وسن سننا وقال: امشوا على هذه النظم وإلا فلكم النار ما كان أحد ليقبل منه مهما بلغ في الصدق والأمانة حتى يأتي ببرهان يدل على صدقه، فلو رد أحد دعوة هذا المدعي الذي لم يأت ببرهان على صدقه ما كان ملوما، فالقضية التي تسلم بها العقول: أن المدعي عليه البينة، وإلا فلا يجب قبول ما ادعاه.
وإتماما لإقامة الحجة بالرسل على الخلق أيد الله رسله بالآيات المبينات الدالة على صدقهم، وأنهم رسل الله حقا، فاصطفى للرسالة من الناس من يعلم أنه أهل للرسالة، وكفؤ لها، ويستطيع القيام بأعبائها والصبر على مكايد أعدائها {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} فاصطفى الرجال الكمل الأقوياء أهل الحضارة واللين والفهم {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} أي: أهل المدن، فإن القرية هي المدينة كما سمى الله مكة قرية {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ}
(5/300)

وسماها أم القرى {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} .
وما بعث الله رسولا إلا أيده بالآيات الدالة على صدق رسالته وصحة دعواه. قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ} أي: بالآيات البينات الواضحات، التي لا تدع مجالا للشك في صدق ما جاء به الرسول المرسل. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر» . رواه البخاري ومسلم.
وهذا من حكمة الله العليا، ورحمته بعباده أن أيد الرسل بالآيات لئلا يبقى أمرهم مشكلا، فيقع الناس في الحيرة والشك، ولا يطمئنون إلى ما جاؤوا به.
وهذه الآيات التي جاءت بها الرسل لا بد أن تكون خارجة عن طوق البشر، إذ لو كانت في استطاعتهم ما صح أن تكون آية لإمكان البشر أن يدعي الرسالة ويأتي بها إذا كانت تحت قدرته، ولكن آيات الرسل لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها، وقد جاءت كبريات الآيات من جنس ما برز به أهل العصر الذي بعث فيه ذلك الرسول كما قرر ذلك أهل العلم واستشهدوا على ذلك بآيات موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، فإن عهد موسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترقى فيه السحر، حتى بلغ السحرة الغاية في المهارة، والحذق فكان من أكبر الآيات التي جاء بها موسى ما يربو على فعل السحرة وهو يشبه في ظاهره السحر، وإن كان يختلف اختلافا كبيرا؛ لأن ما جاء به موسى حقيقة ما يراه الناظر بخلاف السحر فإنه يخيل للناظر وليست حقيقته كما يراه، فكان من الآيات التي جاء بها موسى عصاه التي يلقيها فتكون حية -ثعبانا- ويأخذها فتعود في يده عصاه الأولى، وقد ألقاها عند
(5/301)

فرعون حين دعاه إلى الإيمان بالله، وكذلك كان موسى يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، أي: من غير عيب وبرص، وقد أخرجها كذلك عند فرعون حين دعاه إلى الإيمان بالله، فلما رأى فرعون هاتين الآيتين كابر وقال للملأ حوله: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} وقد ألقى موسى عصاه كذلك عندما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم في المجتمع العظيم الذي قرره موسى حين طلب فرعون أن يجعل بينه وبينه موعدا ليغالبه في سحره كما زعم، فلما اجتمع العالم والسحرة وألقوا حبالهم وعصيهم، وقالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فجاؤوا بسحر عظيم، حتى كانت تلك الحبال والعصي يخيل إلى رائيها أنها تسعى، فألقى موسى عصاه بأمر الله تعالى فإذا هي تلقف ما يأفكون فتلتهم هذه الحبال والعصي عن آخرها، فعلم السحرة وهم أهل السحر وأعلم الناس به أن ما جاء به موسى ليس بسحر، وإنما هو من الأمور التي لا يمكن للبشر معارضتها، فألقي السحرة ساجدين قالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون.
وكذلك كان لهذه العصا مجال آخر حينما كان موسى يستسقي لقومه فيضرب بها الحجر فيتفجر منه اثنتا عشرة عينا بقدر قبائل بني إسرائيل.
وكان لها مجال آخر أيضا حينما وصل موسى وقومه إلى البحر وخلفهم فرعون بجنوده، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فانفلق اثني عشر طريقا فسلكه موسى وقومه فنجوا.
وفي زمن عيسى عليه الصلاة والسلام كان علم الطب مترقيا إلى حد كبير، فجاءت آياته بشكل ما كان مترقيا في عهده من الطب، إلا أنه أتى بأمر لا يستطيع الطب مثله، فكان يخلق من الطين صورة كهيئة الطير
(5/302)

فينفخ فيها فتكون طيرا يطير بإذن الله والناس يشاهدون ذلك، وكان أيضا يبرئ الأكمه وهو الذي خلق أعمى، ويبرئ الأبرص بإذن الله تعالى، وهذان المرضان من الأمراض التي لا يستطيع الأطباء في ذلك الوقت وإلى هذا الوقت فيما أعلم أن يبرئوهما، بل قال بعض العلماء: إنه إنما سمي المسيح لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، وذكر في القرآن أن عيسى يحيي الموتى بإذن الله، وفي آية أخرى يخرج الموتى، وهذان عملان مختلفان: العمل الأول إحياء الموتى قبل دفنهم، والثاني إحياؤهم وإخراجهم من قبورهم بعد الدفن، ولا ريب أن هذه الآيات التي أعطيها عيسى عليه الصلاة والسلام يعجز عن مثلها البشر، فتأييده بها دليل وبرهان على أنه رسول من الله الخالق القادر عليها.
وقد يؤيد الله الرسل بآيات أخرى، ولكن أبرز الآيات وأعظمها يكون من جنس ما شاع في عصر الرسول، ولذا أيد الله رسوله محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بآيات كثيرة أبرزها وأعظمها هذا القرآن الكريم هو كلام رب العالمين، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد؛ لأنه شاع في عصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فن البلاغة والفصاحة، وصار البيان والفصاحة معترك الفخر والسيادة كما يعلم ذلك من تتبع التاريخ.
معجزات الأنبياء أو آيات الأنبياء
معجزات الأنبياء هي الآيات التي أعجزوا بها البشر أن يأتوا بمثلها والله تعالى يسميها آيات، وهي علامات دالة على صدق الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فيما جاؤوا به من الرسالة.
والمعجزة في اصطلاح العلماء: أمر خارق للعادة؛ أي جار على خلاف العادة الكونية التي أجراها الله تعالى في الكون سالم عن المعارضة يظهره الله تعالى على يد الرسول تأييدا له.
(5/303)

مثال ذلك: انشقاق القمر، ونبع الماء من أصابع يد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغير ذلك مما سيمر بك.
فالأمر الجاري على وفق العادة لا يسمى معجزة، كما لو قال قائل: أريكم معجزة أن لا يمضي ساعة حتى تطلع الشمس، وكان ذلك قبل طلوع الشمس بأقل من ساعة، فإن الشمس إذا طلعت في زمن طلوعها لا يعد طلوعها معجزة لهذا القائل؛ لأن طلوعها في وقته على وفق العادة وليس خارقا للعادة.
وإذا كان الشيء الخارق للعادة غير سالم من المعارضة فلا يسمى معجزة، مثل الأمور التي تقع من السحرة والمشعوذين ونحوهم؛ لأن الأمور التي يأتون بها يمكن معارضتها بفعل ساحر أو مشعوذ آخر.
وإذا كان الشيء الخارق للعادة جاريا على يد ولي من الأولياء فلا يسمى معجزة، اصطلاحا، وإنما يسمى كرامة، ولكن هذه الكرامة الحاصلة للولي هي في الواقع معجزة للرسول الذي كان الولي متبعا له، إذ الكرامة دليل على صحة طريقة ذلك الولي.
فوائد آيات الأنبياء ومعجزاتهم
1 - بيان قدرة الله تعالى، فإن هذه الآيات لا بد أن تكون أمورا خارقة للعادة كشاهدة، دليل على صحة ما جاء به الرسل، وإذا كانت خارقة للعادة كانت دليلا على قدرة الخالق، وأنه قادر على تغيير مجرى العادة التي كان الناس يألفونها، ولذا تجد المرء يندهش عند هذه الآيات، ولا يمكنه إلا أن يصدق برسالة الرسول الذي جاء بها حيث جاء بما لا يقدر عليه أحد سوى الله عز وجل.
2 - بيان رحمة الله بعباده، فإن هذه الآيات التي يرونها مؤيدة للرسل تزيد إيمانهم وطمأنينتهم لصحة الرسالة، ومن ثم يزداد يقينهم وثوابهم ولا
(5/304)

يحصل لهم حيرة ولا شك ولا ارتباك.
3 - بيان حكمة الله البالغة حيث لم يرسل رسولا فيدعه هملا من غير أن يؤيده بما يدل على صدقه، وإن المرء لو أرسل شخصا بأمر مهم من غير أن يصحبه بدليل، أو أمارة على صحة إرساله إياه لعد ذلك سفها منه وموقفا سلبيا من هذا الرسول، فكيف برسالة عظيمة من أحكم الحاكمين؟ ‍ إنها لا بد أن تكون مؤيدة بالبراهين والآيات البينات.
4 - رحمة الله بالرسول الذي أرسله الخالق حيث ييسر قبول رسالته بما يجريه على يديه من الآيات ليتسنى إقناع الخلق بأمور لا يستطيعون معارضتها ولا يمكنهم ردها إلا جحودا وعنادا قال الله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} أي: لما يرون من الآيات الدالة على صدقك.
وقال تعالى عن فرعون وقومه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} 5 - إقامة الحجة على الخلق، فإن الرسول لو أتى بدون آية دالة على صدقه لكان للناس حجة في رد قوله وعدم الإيمان به، فإذا جاء بالآيات المقنعة الدالة على رسالته لم يكن للناس أي حجة في رد قوله.
6 - بيان أن هذا الكون خاضع لقدرة الله وتدبيره، ولو كان مدبرا لنفسه أو طبيعة تتفاعل مقوماتها وتتكون من ذلك نتائجها وآثارها لما تغيرت فجأة، واختلفت عادتها بمجرد دعوى شخص لتؤيده بما ادعاه، فانظر إلى الأكوان الفلكية التي لا تتغير بعوامل الزمن إلا بإرادة الله، ولقد أجراها الله تعالى كما قدر لها، تجري منذ خلقها الله حتى يأذن بانتهائها. وفي ليلة من الليالي «طلبت قريش من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية»
(5/305)

«فأشار إلى القمر فانشق نصفين متباعدين يراهما الناس بأعينهم، حتى ادعت قريش جحودا وعنادا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سحرهم، وسألوا القادمين إلى مكة عن ذلك فأخبروهم أنهم رأوا انشقاق القمر في تلك الليلة» . أفلا يدل هذا على أن هذا الكون العلوي منه والسفلي خاضع للرب الخالق العليم؟ وقد سبق آنفا ما ذكرناه من آيات موسى، وعيسى عليهما الصلاة والسلام من كون العصا حية وضرب البحر بها حتى انفلق والحجر حتى انفجر، وإحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم آية لعيسى، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
آيات النبي محمد، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) قال: والآيات والبراهين الدالة على نبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثيرة، وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويسميها من يسميها من النظار (معجزات) ، وتسمى دلائل النبوة وأعلام النبوة ونحو ذلك، وهذه الألفاظ التي سميت بها آيات الأنبياء كانت أدل على المقصد من لفظ المعجزات، ولهذا لم يكن لفظ المعجزات موجودا في الكتاب والسنة، وإنما فيه لفظ الآية والبينة والبرهان. قال رحمه الله: والآيات نوعان: منها ما مضى وصار معلوما بالخبر، ومنها ما هو باق إلى اليوم كالقرآن، والإيمان والعلم اللذين في اتباعه، وكشريعته التي جاء بها وذكر أمثلة أخرى لذلك سنعرض إن شاء الله لشيء منها تفصيلا. فمن هذه الآيات:
1 - القرآن الكريم، وهو أعظم آيات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه الآية السابقة الباقية، فمنذ أوحى الله إليه به حتى اليوم وهو آية شاهدة على نبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(5/306)

فالقرآن كلام الله تعالى لفظا ومعنى، تكلم الله نفسه كلاما حقيقيا فأوحاه إلى جبريل، ثم نزل به جبريل على قلب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوعاه، وحفظه وتكفل الله له بحفظه حيث قال: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} وإذا كان الله قد تكفل ببيانه فمعناه أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيحفظه ويعيه حتى يبلغه الناس ويبينه لهم وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} والقرآن آية من آيات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدالة على صدقه من عدة أوجه:
الأول: عجز الخلق كلهم أن يأتوا مجتمعين أو منفردين بمثل هذا القرآن قال الله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} يعني لا يمكن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم معينا لبعض، وذلك لأن القرآن كلام الله ولا يمكن أن يشبهه شيء من كلام المخلوقين، لا من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى، ولا من حيث التأثير، ولا من حيث الثمرة والآثار الحميدة.
الثاني: من حيث اللفظ في قوته، ورصانته، وتركيبه، وأسلوبه، ونظمه، وبيانه، ووضوحه، وشموله للمعاني العديدة الواسعة التي لا تزال تظهر عند التأمل والتفكير، حتى كأنك لتسمع الآية التي ما تزال تقرؤها فينقدح لك منها معنى جديد، كأنك لم تسمع الآية من قبل وكأن الآية نزلت لتوها من أجله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: نفس نظم القرآن وأسلوبه عجيب بديع، ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة، ولم يأت أحد بنظير هذا الأسلوب، فإنه ليس من جنس الشعر، ولا الرجز، ولا
(5/307)

الرسائل، ولا الخطابة، ولا نظمه نظم شيء من كلام الناس عربهم وعجمهم، ونفس فصاحة القرآن وبلاغته، هذا عجيب خارق للعادة ليس له نظير في كلام جميع الخلق. وقال الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه (الوحي المحمدي) تحت عنوان: الفصل الرابع: إن القرآن لو أنزل بأساليب الكتب المألوفة المعهودة وترتيبها لفقد أعظم مزايا هدايته المقصودة بالقصد الأول. وأقول أيضا: إنه لو أنزل هكذا لفقد بهذا الترتيب أخص مراتب إعجازه المقصود بالدرجة الثانية. وقال: لو كان القرآن مرتبا مبوبا كما ذكر لكان خاليا من أعظم مزاياه شكلا وموضوعا، يعلم هذا وذاك مما نبينه من فوائد نظمه وأسلوبه الذي أنزله به رب العالمين، العليم، الحكيم، الرحيم، وهو مزج تلك المقاصد كلها بعضها ببعض، وتفريقها في سوره الكثيرة الطويلة منها، والقصيرة بالمناسبات المختلفة وتكرارها بالعبارات البليغة المؤثرة في القلوب المحركة للشعور المنافية للسآمة والملل إلى أن قال: والقابلة لأنواع أخرى من الإلقاء الخطابي في الترغيب والترهيب، والتعجيب، والتعيب، والتكريه، والتحبيب، والزجر، والتأنيب، واستفهام الإنكار، والتقرير، والتهكم، والتوبيخ، بما لا نظير له في كلام البشر من خطابة ولا شعر ولا رجز ولا سجع، فبهذا الأسلوب الرفيع في النظم البديع وبلاغة التعبير الرفيع كان القرآن كما ورد في معنى وصفه لا تبلى جدته ولا تخلقه كثرة الترديد. اهـ كلامه.
الوجه الثالث: من إعجاز القرآن من حيث أهدافه العالية وآدابه الكاملة وتشريعاته المصلحة، فقد جاء بإصلاح العقيدة من الإيمان بالله، وبما له من الأسماء والصفات والأفعال، والإيمان بجميع ملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وما يتعلق بذلك، وجاء بإخلاص العبادة لله، وتحرير الفكر، والعقل، والشعور من عبادة غير الله
(5/308)

والتعلق به خوفا، ورجاءً، ومحبة، وتعظيما، وجاء بالآداب الكاملة التي يشهد بكمالها وصلاحها وإصلاحها كل عقل سليم أمر بالبر والصلة، والصدق، والعدل، والرحمة، والإحسان، ونهى عن كل ما يخالف ويناقض من الظلم، والبغي، والعدوان.
أما تشريعاته فناهيك بها من نظم مصلحة للعباد والبلاد في المعاش، والمعاد، وإصلاحا في العبادة، وإصلاحا في المعاملة في الأحوال الشخصية، والاجتماعية، والاقتصادية، والفردية، والكمالية فيما لو اجتمع الخلق كلهم على سن نظم تماثلها أو تقاربها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
الوجه الرابع: من إعجاز القرآن قوة تأثيره على النفوس والقلوب، فإنه ينفذ إلى القلب نفوذ السهم في الرمية، ويسيطر على العقول سيطرة الشمس على أفق الظلام كما شهد بذلك الموالي والمعادي، حتى إن الرجل العادي -فضلا عن المتعلم- ليسمع القرآن فيجد من نفسه جاذبية عظيمة تجذبه إليه قسرا، يعرف أن هذا ليس من كلام البشر، فقد سمع الوليد بن المغيرة -عم أبي جهل - القرآن مرة من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال لقومه من بني مخزوم: لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى. «واجتمع مرة كبراء قريش فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ما يرد عليه. فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة، فكلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعرض عليه كل ما يمكن إغراؤه من المال والجاه والنساء، فلما أتم كلامه تلا عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول سورة فصلت، فلما بلغ قوله تعالى:»
(5/309)

« {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} قام عتبة فأمسك بفم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وناشده الرحم أن يكف عنه، فلما رجع عتبة بن ربيعة إلى قومه وجدوه متغيرا، وقص عليهم خبره وما وقع من الرعب في قلب بقراءة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال لهم: لقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب، ولقد كلمني بكلام ما سمعت أذناي بمثله قط، فما دريت ما أقول» . اهـ. ولقد كان بعض الكبراء من قريش يأتون ليلا خفية يستمعون تلاوة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للقرآن كما جرى ذلك لأبي جهل وأبي سفيان وغيرهما.
وهذه القصص وأمثالها تدل دلالة ظاهرة على تأثير القرآن في النفوس وأخذه بمجامع القلوب، ولكن هذا التأثير قد لا يظهر لكل أحد إنما يظهر لمن كان له ذوق ومعرفة بأساليب الكلام، وبلاغة اللسان.
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرّا به الماء الزلالا
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد أن ذكر أنواعا من إعجاز القرآن: وهذه الأمور من ظهرت له من أهل العلم والمعرفة ظهر له إعجازه من هذا الوجه، ومن لم يظهر له ذلك اكتفى بالأمر الظاهر الذي يظهر له ولأمثاله، كعجز جميع الخلق عن الإتيان بمثله مع تحدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإخباره بعجزهم، فإن هذا أمر ظاهر لكل أحد.
الوجه الخامس: من إعجاز القرآن تلك الآثار الجليلة التي حصلت لأمة القرآن باتباعه والعمل بأهدافه السامية، وتعاليمه الرشيدة، فقد ارتقى بأمة القرآن التي اعتنت به لفظا وفهما وتطبيقا ارتقى بها إلى أوج العلا في العبادة والآداب والكرامة والعزة، لقد عرف سلف هذه الأمة قيمة هذا القرآن الكريم فكانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها،
(5/310)

وما فيها من العلم والعمل، فتعلموا القرآن والعلم والعمل جميعا، فسادوا جميع العالم وصارت لهم العزة والغلبة والظهور والتمكين في الأرض، والعلوم النافعة مع أنهم كانوا قبل ذلك متفرقين ضالين أميين مغلوبين بين الأمم، ولن يعود لأمة القرآن ذلك العز والظهور والغلبة حتى يرجعوا إلى المعين الذي روي به أسلافهم، فيأخذوا منه صافيا من غير كدر، لن يعود لهم ذلك حتى يرجعوا إلى كتاب الله وسنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويتفهموهما ويطبقوهما اعتقادا وقولا وعلما وعملا وكيفا، مؤمنين بذلك معتقدين أن هذا هو طريق الصلاح والإصلاح والسلامة، وإن من المؤسف حقا أن ترى الكثير من المسلمين اليوم لا يلتفتون إلى الكتاب والسنة، ولا يتفهمونهما، ولا يطبقونهما بل أكثرهم لا يقرأ من القرآن في عامه كله إلا ما يقرؤه في صلاته، هذا مع قلة تفهم في اللغة العربية، وآدابها، وأساليبها، فلم يكن عندهم ذوق لغوي، ولا شرعي لكتاب الله، وسنة رسوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولذلك ابتعدوا عن مقومات الدين، وآثاره ونتائجه بقدر ما ابتعدوا عن كتاب الله وسنة رسول الله، وإنا لنرجو من الله تعالى أن يهيئ لأمة القرآن من أمرها رشدا، وأن يبعث لها قادة فكر وسياسة لما فيه الخير والصلاح، والرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. 2- ومن آيات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أظهره الله شاهدا على صدقه من الآيات الأفقية كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ولذلك أمثلة:
المثال الأول: انشقاق القمر، فقد انشق القمر وصار فرقتين وشاهد
(5/311)

الناس ذلك وقد أشار الله إلى ذلك في القرآن قال الله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} وقد أجمع العلماء على وقوع ذلك في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل الهجرة، وقد رآه الناس بمكة. وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين رآه: «اشهدوا اشهدوا» وقدم المسافرون من كل وجه فأخبروا أنهم رأوه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وجعل الآية في انشقاق القمر دون الشمس وسائر الكواكب لأنه أقرب إلى الأرض من الشمس والنجوم، وكان الانشقاق فيه دون سائر أجزاء الفلك إذ هو الجسم المستنير الذي يظهر الانشقاق فيه لكل من يراه ظهورا لا يتمارى فيه، وأنه إذا قبل الانشقاق فقبول محله أولى بذلك وقد عاينه الناس وشاهدوه، وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ هذه السورة في المجامع الكبار مثل صلاة العيدين، وكل الناس يقر بذلك، ولا ينكره ولو لم يكن قد انشق لأسرع الناس إلى تكذيب ذلك. ا. هـ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقد استبعد أناس وقوع انشقاق القمر وحاولوا تحريف معنى القرآن في ذلك، وقد أخطؤوا خطأ كبيرا في هذا الإنكار فالقرآن لا يتحمل المعنى الذي حرفوه إليه، والنصوص الثابتة الكثيرة من الأحاديث صريحة في انشقاقه انشقاقا حسيا مشهودا، ولا يقدح في ذلك ما زعمه بعضهم من كونه لم ينقل في تاريخ غير التاريخ الإسلامي فإن نقله في التاريخ الإسلامي كاف في ذلك، وقد جاء به القرآن الكريم ولعل الناس الذين لم ينقلوه لم يشاهدوه، لعله وقع وهم نيام أو كانوا في النهار ولم يشعروا به، أو كان في تلك الساعة مانع من سحاب أو غيره، وقد أخبر المسافرون الذين قدموا مكة بمشاهدته، وهو لم يستمر فيما يظهر وإنما كان آية شاهدها الناس ثم عاد إلى حاله الأولى.
(5/312)

المثال الثاني: المعراج فإنه من أكبر الآيات فلقد أسري بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ليلة واحدة إلى بيت المقدس، واجتمع هناك بالأنبياء، وصلى بهم، ثم عرج به جبريل حتى بلغ سدرة المنتهى فوق سبع السماوات، وأوحى الله تعالى إليه ما أوحى، وشاهد، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من آيات الله الكبرى ما شاهد، ومر بالأنبياء في كل سماء، ورجع إلى مكة، كل ذلك في ليلة واحدة مع بعد المسافة الأرضية بين مكة وبين بيت المقدس، ثم البعد العظيم بين السماء والأرض وبين السماء الدنيا وما فوقها إلى سدرة المنتهى، وقد أخبر الله تعالى في القرآن عن الإسراء في سورة الإسراء وعن المعراج في سورة النجم إذا هوى.
المثال الثالث: نزول المطر باستسقائه مباشرة، وإقلاع المطر باستصحائه مباشرة ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أصابت سنة أي جدب على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبينا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا. فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة (أي قطعة سحاب) فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد حتى الجمعة الأخرى وقام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا. فرفع يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا" فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت فأقلع المطر وخرجنا نمشي في الشمس» .
ومن آيات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما وقع مطابقا لما أخبر به، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من أمور الغيب التي وقعت في عهده، وبعده ولذلك أمثلة أيضا:
المثال الأول: ما رواه مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن
(5/313)

عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يرينا مصارع أهل بدر قبل ابتداء القتال يقول: "هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، هذا مصرع فلان" فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدود التي حددها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» .
المثال الثاني: إخباره، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن ظهور نار في أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» . فقد خرجت هذه النار في جمادى الآخرة سنة 654هـ شرقي المدينة فأقامت نحوا من شهر وملأت تلك الأودية وشاهد الناس أعناق الإبل ببصرى وهي بلدة بالشام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه النار كانت تحرق الحجر.
ومن أمثلة ذلك ما أخبر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما سيكون من الفتن، وتغير أحوال الناس وغير ذلك.
ومن آيات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما رواه البخاري وغيره عن جابر رضي الله عنه قال: «عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بين يديه ركوة (إناء للماء) فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه فقالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به ونشرب إلا ما في الركوة التي عندك، فوضع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون قال: فشربنا وتوضأنا،. قيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مئة ألف لكفانا، كنا ألفا وخمسمائة» .
ومن آيات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكثير الطعام كما جرى ذلك يوم الخندق وجرى ذلك لأبي هريرة مع أهل الصفة وآياته، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كثيرة جدا، وقد ذكر أهل العلم من ذلك الشيء الكثير، ومن أوسع ما رأيت في ذلك تاريخ ابن كثير رحمه الله حيث كتب في آيات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مجلدا كبيرا وذلك أن جميع
(5/314)

آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد جرى مثلها للنبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمته أو ما هو أعظم منها. وهذه الآيات التي يجريها الله على أيدي أنبيائه وأوليائه كلها شاهدة بما له تعالى من كمال العلم، والقدرة، والرحمة، وأن الأمور كلها بيده يجريها كما يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون فلله الحمد والمنة سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
(5/315)

رسالة
حول الصعود إلى القمر
(5/317)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فقد تواترت الأخبار بإنزال مركبة فضائية على سطح القمر بعد المحاولات العديدة التي استنفدت فيها الطاقات الفكرية والمادية والصناعية عدة سنوات وقد أثار هذا النبأ تساؤلات وأخذا وردا بين الناس.
فمن قائل: إن هذا باطل مخالف للقرآن، ومن قائل: إن هذا ثابت والقرآن يؤيده، فالذين ظنوا أنه مخالف للقرآن قالوا: إن الله أخبر أن القمر في السماء فقال: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} . وقال: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} . وإذا كان القمر في السماء فإنه لا يمكن الوصول إليه، لأن الله جعل السماء سقفا محفوظا، والنبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أشرف الخلق ومعه جبريل أشرف الملائكة وكان يستإذا ويستفتح عند كل سماء ليلة المعراج ولا يحصل لهما دخول السماء إلا بعد أن يفتح لهما فكيف يمكن لمصنوعات البشر أن تنزل على سطح القمر وهو في السماء المحفوظة.
والذين ظنوا أن القرآن يؤيده قالوا: إن الله قال في سورة الرحمن: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} . والسلطان العلم وهؤلاء
(5/319)

استطاعوا أن ينفذوا من أقطار الأرض بالعلم فكان عملهم هذا مطابقا للقرآن وتفسيرا له.
وإذا صح ما تواترت به الأخبار من إنزال مركبة فضائية على سطح القمر فإن الذي يظهر لي أن القرآن لا يكذبه ولا يصدقه فليس في صريح القرآن ما يخالفه، كما أنه ليس في القرآن ما يدل عليه ويؤيده.
1- أما كون القرآن لا يخالفه فلأن القرآن كلام الله تعالى المحيط بكل شيء علما فهو سبحانه يعلم ما كان وما يكون من الأمور الماضية والحاضرة، والمستقبلة، سواء منها ما كان من فعله، أو من خلقه فكل ما حدث أو يحدث في السماوات أو في الأرض من أمور صغيرة، أو كبيرة ظاهرة، أو خفية فإن الله تعالى عالم به ولم يحدث إلا بمشيئته وتدبيره لا جدال في ذلك.
فإذا كان كذلك فالقرآن كلامه وهو سبحانه أصدق القائلين ومن أصدق من الله قيلا، وكلامه أحسن الكلام وأبلغه في البيان، ومن أحسن من الله حديثا فلا يمكن أن يقع في كلامه الصادر عن علمه، والبالغ في الصدق والبيان غايته لا يمكن أن يقع في كلام هذا شأنه ما يخالف الواقع المحسوس أبدا، ولا أن يقع في المحسوس ما يخالف صريحه أبدا.
ومن فهم أن في القرآن ما يخالف الواقع، أو أن من المحسوس ما يقع مخالفا للقرآن ففهمه خطأ بلا ريب.
والآيات التي يظنها بعض الناس دالة على أن القمر في السماء نفسها ليس فيها التصريح بأنه مرصع في السماء نفسها التي هي السقف المحفوظ نعم ظاهر اللفظ أن القمر في السماء نفسها، ولكن إن ثبت وصول السفن الفضائية إليه ونزولها على سطحه فإن ذلك دليل على أن القمر ليس في
(5/320)

السماء الدنيا التي هي السقف المحفوظ وإنما هو في فلك بين السماء والأرض كما قال -تعالى-: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} . وقال -تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} . قال ابن عباس -رضي الله عنهما: "يدورون كما يدور المغزل في الفلكة، وذكر الثعلبي والماوردي عن الحسن البصري أنه قال: "الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصقة به ولو كانت ملصقة به ما جرت" ذكره عنهما القرطبي في تفسير سورة يس.
والقول بأن الشمس والقمر في فلك بين السماء والأرض لا ينافي ما ذكر الله من كونهما في السماء، فإن السماء يطلق تارة على كل ما علا قال ابن قتيبة: "كل ما علاك فهو سماء" فيكون معنى كونهما في السماء أي في العلو أو على تقدير مضاف أي في جهة السماء.
وقد جاءت كلمة السماء في القرآن مرادا بها العلو كما في قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} . يعني المطر، والمطر ينزل من السحاب المسخر بين السماء والأرض.
وإذا ثبت ما ذكروا عن سطحية القمر فإن ذلك يزيدنا معرفة في آيات الله العظيمة حيث كان هذا الجرم العظيم وما هو أكبر منه وأعظم يجري بين السماء والأرض إلى الأجل الذي عينه الله تعالى لا يتغير ولا يتقدم ولا يتأخر عن السير الذي قدره له العزيز العليم، ومع ذلك فتارة يضيء كله فيكون
(5/321)

بدرا، وتارة يضيء بعضه فيكون قمرا أو هلالا ذلك تقدير العزيز العليم.
وأما ما اشتهر من كون القمر في السماء الدنيا، وعطارد في الثانية والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة فإن هذا مما تلقي عن علماء الفلك والهيئة وليس فيه حديث صحيح عن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويدل على ذلك أن ابن كثير رحمه الله مع سعة اطلاعه لما تكلم على أن الشمس في الفلك الرابع قال: "وليس في الشرع ما ينفيه بل في الحس وهو الكسوفات ما يدل عليه ويقتضيه". ا. هـ فقوله: "وليس في الشرع ما ينفيه". واستدلاله على ثبوته بالحس دليل على أنه ليس في الشرع ما يثبته أي ما يثبت أن الشمس في الفلك الرابع والله أعلم.
2- وأما كون القرآن لا يدل على وصول السفن الفضائية إلى القمر فلأن الذين ظنوا ذلك استدلوا بقوله تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} . وفسروا السلطان بالعلم.
وهذا الاستدلال مردود من وجوه:
الأول: أن سياق الآية يدل على أن هذا التحدي يكون يوم القيامة ويظهر ذلك جليا لمن قرأ هذه السورة من أولها فإن الله ذكر فيها ابتداء خلق الإنسان والجان، وما سخر للعباد في آفاق السماوات والأرض، ثم ذكر فناء من عليها ثم قال: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} . وهذا الحساب ثم تحدى الجن بأنه لا مفر لهم ولا مهرب من أقطار السماوات والأرض
(5/322)

فيستطيعون الهروب ولا قدرة لهم على التناصر فينصروا وينجوا من المرهوب، ثم أعقب ذلك بذكر الجزاء لأهل الشر بما يستحقون، ولأهل الخير بما يؤملون ويرجون.
ولا شك أن السياق يبين المعنى ويعينه فرب كلمة أو جملة صالحة لمعنى في موضع ولا تصلح له في موضع آخر، وأنت ترى أحيانا كلمة واحدة لها معنيان متضادان يتعين المراد منهما بواسطة السياق كما هو معروف في كلمات الأضداد في اللغة.
فلو قدر أن الآية الكريمة تصلح أن تكون في سياق ما خبرا لما سيكون في الدنيا فإنها في هذا الموضع لا تصلح له بل تتعين أن تكون للتهديد والتعجيز يوم القيامة وذلك لما سبقها ولحقها من السياق.
الثاني: أن جميع المفسرين ذكروا أنها للتهديد والتعجيز وجمهورهم على أن ذلك يوم القيامة وقد تكلم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي على هذه الآية في سورة الحجر عند قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} . ووصف من زعم أنها تشير إلى الوصول إلى السماء وصفه بأنه لا علم عنده بكتاب الله.
الثالث: أنه لو كان معناها الخبر عما سيحدث لكان معناها يا معشر الجن والإنس إنكم لن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض إلا بعلم وهذا تحصيل حاصل فإن كل شيء لا يمكن إدراكه إلا بعلم أسباب إدراكه والقدرة على ذلك، ثم إن هذا المعنى يسلب الآية روعتها في معناها وفي مكانها فإن الآية سبقها الإنذار البليغ بقوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} .
(5/323)

وتلاها الوعيد الشديد في قوله: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ} .
الرابع: أن دلالة الآية على التحدي ظاهرة جدا.
أولا: لما سبقها ويتلوها من الآيات.
ثانيا: أن ذكر معشر الجن والإنس مجتمعين معشرا واحدا فهو قريب من مثل قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} .
ثالثا: أن قوله: {إِنِ اسْتَطَعْتُمْ} ظاهر في التحدي خصوصا وقد أتى بـ "إن" دون "إذا" تدل على وقوع الشرط بخلاف "إن".
الخامس: إنه لو كان معناها الخبر لكانت تتضمن التنويه بهؤلاء والمدح لهم حيث عملوا وبحثوا فيما سخر الله لهم حتى وصلوا إلى النفوذ وفاتت النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأصحابه الذين هم أسرع الناس امتثالا لما دعا إليه القرآن.
السادس: أن الآية الكريمة علقت الحكم بالجن والإنس ومن المعلوم أن الجن حين نزول القرآن كانوا يستطيعون النفوذ من أقطار الأرض إلى أقطار السماء كما حكى الله عنهم {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} . فكيف يعجزهم الله بشيء كانوا يستطيعونه، فإن
(5/324)

قيل: إنهم كانوا لا يستطيعونه بعد بعثة النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قلنا: هذا أدل على أن المراد بالآية التعجيز لا الخبر.
السابع: أن الآية علقت الحكم بالنفوذ من أقطار السماوات والأرض ومن المعلوم أنهم ما استطاعوا ولن يستطيعوا أن ينفذوا من أقطار السماوات مهما كانت قوتهم.
الثامن: أن الآية الكريمة أعقبت بقوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ} . ومعناها والله أعلم انكم يا معشر الجن والإنس لو حاولتما النفوذ من ذلك لكان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس والمعروفأإن هذه الصواريخ لم يرسل عليها شواظ من نار ولا نحاس فكيف تكون هي المقصود بالآية.
التاسع: أن تفسيرهم السلطان هنا بالعلم فيه نظر فإن السلطان ما فيه سلطة للواحد على ما يريد السيطرة عليه والغلبة ويختلف باختلاف المقام فإذا كان في مقام العمل ونحوه فالمراد به القوة والقدرة ومنه قوله تعالى عن إبليس: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} . فالسلطان في هذه الآية بمعنى القدرة ولا يصح أن يكون بمعنى العلم، ومنه السلطان المذكور في الآية التي نحن بصددها فإن النفوذ عمل يحتاج إلى قوة وقدرة والعلم وحده لا يكفي وهؤلاء لم يتوصلوا إلى ما ذكر عنهم بمجرد العلم ولكن بالعلم والقدرة والأسباب التي سخرها الله لهم، وإذا كان السلطان في مقام المحاجة والمجادلة كان المراد به البرهان والحجة التي يخصم بها
(5/325)

خصمه ومنه قوله تعالى: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} أي من حجة وبرهان ولم يأت السلطان في القرآن مرادا به مجرد العلم والاشتقاق يدل على أن المراد بالسلطان ما به سلطة للعبد وقدرة وغلبة.
فتبين بهذا أن الآية الكريمة لا يراد بها الإشارة إلى ما ذكر من السفن الفضائية وإنزالها إلى القمر وهذه الوجوه التي ذكرناها منها ما هو ظاهر ومنها ما يحتاج إلى تأمل وإنما نبهنا على ذلك خوفا من تفسير كلام الله بما لا يراد به لأن ذلك يتضمن محذورين:
أحدهما: تحريف الكلم عن مواضعه حيث أخرج عن معناه المراد به.
الثاني: التقول على الله بلا علم حيث زعم أن الله أراد هذا المعنى مع مخالفته للسياق وقد حرم الله على عباده أن يقولوا عليه ما لا يعلمون. بقي أن يقال: إذا صح ما ذكر من إنزال المركبة الفضائية على سطح القمر فهل بالإمكان إنزال إنسان على سطحه؟ .
فالجواب: أن ظاهر القرآن عدم إمكان ذلك وأن بني آدم لا يحيون إلاّ في الأرض يقول الله تعالى: {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} . فحصر الحياة في الأرض والموت فيها والإخراج منها، وطريق الحصر فيها تقديم ما حقه التأخير، ونحو هذه الآية قوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} . حيث حصر ابتداء الخلق من الأرض، وأنها هي التي نعاد فيها بعد الموت ونخرج
(5/326)

منها يوم القيامة، كما أن هناك آيات تدل على أن الأرض محل عيشة الإنسان {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} . فظاهر القرآن بلا شك يدل على أن لا حياة للإنسان إلا في هذه الأرض التي منها خلق، وإليها يعاد، ومنها يخرج، فالواجب أن نأخذ بهذا الظاهر وأن لا تبعد أوهامنا في تعظيم صناعة المخلوق إلى حد نخالف به ظاهر القرآن رجما بالغيب، ولو فرض أن أحدا من بني آدم تمكن من النزول على سطح القمر وثبت ذلك ثبوتا قطعيا أمكن حمل الآية على أن المراد بالحياة المذكورة الحياة المستقرة الجماعية كحياة الناس على الأرض، وهذا مستحيل والله أعلم.
وبعد فإن البحث في هذا الموضوع قد يكون من فضول العلم لولا ما دار حوله من البحث والمناقشات حتى بالغ الناس في رده وإنكاره، وغلا بعضهم في قبوله وإثباته، فالأولون جعلوه مخالفا للقرآن، والآخرون جعلوه مؤيدا بالقرآن فأحببت أن أكتب ما حررته هنا على حسب ما فهمته بفهمي القاصر وعلمي المحدود. وأسأل الله أن يجعل ذلك خالصا لوجهه نافعا لعباده والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين.
تم بحمد الله تعالى المجلد الخامس ويليه بمشيئة الله عز وجل المجلد السادس
(5/327)