Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 007


بسم الله الرحمن الرحيم
ترجمة مؤلف المتن شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -:
هو الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف بن عمر من أوهبة بني تميم.
ولد هذا العالم في بلدة العيينة سنة 1115 هجرية في بيت علم وشرف ودين، فأبوه عالم كبير وجده سليمان عالم نجد في زمانه. حفظ القرآن قبل بلوغ عشر سنين ودرس في الفقه حتى نال حظّا وافرا، وكان موضع الإعجاب من والده لقوة حفظه، وكان كثير المطالعة في كتب التفاسير والحديث وجد في طلب العلم ليلا ونهارا، فكان يحفظ المتون العلمية في شتى الفنون، ورحل في طلب العلم في ضواحي نجد، وفي مكة وقرأ على علمائها ثم رحل إلى المدينة النبوية فقرأ على علمائها، ومنهم العلامة الشيخ عبد الله بن إبراهيم الشمري.
كما قرأ على ابنه الفرضي الشهير إبراهيم الشمري مؤلف العذب الفائض في شرح ألفية الفرائض وعرفاه بالمحدث الشهير محمد حياة السندي فقرأ عليه في علم الحديث ورجاله وأجازه بالأمهات. وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - قد وهبه الله فهما ثاقبا، وذكاء مفرطا، وأكب على المطالعة والبحث والتأليف، وكان يثبت ما يمر عليه من الفوائد أثناء القراءة والبحث وكان لا يسأم من الكتابة وقد خط كتبا كثيرة من مؤلفات ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله - ولا تزال بعض المخطوطات الثمينة بقلمه السيال موجودة بالمتاحف.
(7/9)

ولما توفي والده، أخذ يعلن جهرا بالدعوة السلفية إلى توحيد الله وإنكار المنكر، ويهاجم المبتدعة أهل القبور، وقد شد أزره الولاة من آل سعود وقويت شوكته وذاع خبره.
وله - رحمه الله تعالى - مؤلفات نافعة نذكر منها: الكتاب الجليل المفيد المسمى " كتاب التوحيد " وقد طبع في طبعات كثيرة كلما نفدت طباعته أعيد طبعه، و" كشف الشبهات " و" الكبائر " و" مختصر الإنصاف " و" الشرح الكبير " و" مختصر زاد المعاد " وله فتاوى ورسائل جمعت باسم مجموعة مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب تحت إشراف جامعة الإمام محمد بن سعود.
وقد توفي - رحمه الله تعالى - عام 1206 هـ فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بقلم
فهد بن ناصر السليمان
عفا الله عنه
(7/10)

المقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد فهذا شرح يسير على كتاب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب المسمى " كشف الشبهات " والذي أورد فيه المؤلف بضع عشرة شبهة لأهل الشرك وأجاب عنها بأحسن إجابة مدعمة بالدليل مع سهولة المعنى ووضوح العبارة أسأل الله تعالى أن يثيبه على ذلك وأن ينفع بذلك العباد إنه على كل شيء قدير.
محمد بن صالح العثيمين
(7/11)

بسم (1) الله (2) الرحمن (3) الرحيم (4)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ابتدأ المؤلف - رحمه الله تعالى - كتابه بالبسملة اقتداء بكتاب الله - عز وجل - فإنه مبدوء بالبسملة، واقتداء برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنه يبدأ كتبه ورسائله بالبسملة.
والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف مؤخر مناسب للمقام تقديره: بسم الله أكتب.
وقدرناه فعلا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال.
وقدرناه مؤخرا لفائدتين: الأولى: التبرك بالبداءة باسم الله تعالى.
الثانية: إفادة الحصر؛ لأن تقديم المتعلق يفيد الحصر.
وقدرناه مناسبا؛ لأنه أدل على المراد فلو قلنا مثلا عندما نريد أن نقرأ كتابا: باسم الله نبتدئ ما يدري بماذا نبتدئ، لكن بسم الله نقرأ أدل على المراد الذي أبتدئ به.
(2) لفظ الجلالة علم على الباري جل وعلا وهو الاسم الذي تتبعه جميع الأسماء حتى إنه في قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} لا نقول: إن لفظ الجلالة (الله) صفة بل نقول: هي عطف بيان لئلا يكون لفظ الجلالة تابعا تبعية النعت للمنعوت، ولهذا قال العلماء: أعرف المعارف لفظ (الله) ؛ لأنه لا يدل على أحد سوى الله - عز وجل -.
(3) الرحمن اسم من الأسماء المختصة بالله لا يطلق على غيره. ومعناه: المتصف بالرحمة الواسعة.
(4) الرحيم اسم يطلق على الله - عز وجل - وعلى غيره.
(7/13)

اعلم (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومعناه: ذو الرحمة الواصلة، فالرحمن ذو الرحمة الواسعة، والرحيم ذو الرحمة الواصلة فإذا جمعا صار المراد بالرحيم الموصل رحمته إلى من يشاء من عباده كما قال الله تعالى: {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} والمراد بالرحمن الواسع الرحمة.
(1) العلم هو " إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما ".
ومراتب الإدراك ست: الأولى: العلم وتقدم تعريفه. الثانية: الجهل البسيط وهو عدم الإدراك بالكلية. الثالثة: الجهل المركب وهو " إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه".
وسمي مركبا؛ لأنه جهلان: جهل الإنسان بالواقع، وجهله بحاله حيث ظن أنه عالم وليس بعالم.
الرابعة: الوهم وهو " إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح ".
الخامسة: الشك وهو " إدراك الشيء مع احتمال ضد مساو ".
السادسة: الظن وهو" إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح".
والعلم ينقسم إلى قسمين: ضروري ونظري: فالضروري: ما يكون إدراك المعلوم فيه ضروريا بحيث يضطر إليه من غير نظر ولا استدلال كالعلم بأن النار حارة مثلا.
والنظري ما يحتاج إلى نظر واستدلال كالعلم بوجوب النية في الوضوء.
(7/14)

رحمك الله (1)
أن التوحيد هو إفراد الله - سبحانه - بالعبادة (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي أفاض الله عليك من رحمته التي تحصل بها على مطلوبك وتنجو من محذورك، فالمعنى غفر الله لك ما مضى من ذنوبك، ووفقك وعصمك فيما يستقبل منها.
هذا إذا أفردت الرحمة أما إذا قرنت بالمغفرة، فالمغفرة لما مضى من الذنوب، والرحمة التوفيق للخير والسلامة من الذنوب في المستقبل. وصنيع المؤلف - رحمه الله - يدل على شفقته وعنايته بالمخاطب.
(2) التوحيد لغة: مصدر وحد يوحد، أي جعل الشيء واحدا، وهذا لا يتحقق إلا بنفي وإثبات، نفي الحكم عما سوى الموحد، وإثباته له؛ لأن النفي وحده تعطيل، والإثبات وحده لا يمنع المشاركة. فمثلا لا يتم للإنسان التوحيد حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فينفي الألوهية عما سوى الله تعالى، ويثبتها لله وحده.
وفي الاصطلاح عرف المؤلف - رحمه الله تعالى - التوحيد بقوله: " التوحيد هو إفراد الله- عز وجل -بالعبادة " أي أن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئا بل تفرده وحده بالعبادة محبة، وتعظيما، ورغبة، ورهبة.
ومراد الشيخ - رحمه الله تعالى - التوحيد الذي بعثت الرسل لتحقيقه؛ لأنه هو الذي حصل الإخلال به والخلاف بين الرسل وأممهم.
وهناك تعريف أعم للتوحيد وهو: " إفراد الله سبحانه وتعالى بما يختص به" وأنواعه ثلاثة:
الأول: توحيد الربوبية وهو" إفراد الله تعالى بالخلق، والملك، والتدبير " قال الله- عز وجل -: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وقال تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} .
(7/15)

وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده (1) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، وقال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .
الثاني: توحيد الألوهية وهو " إفراد الله تعالى بالعبادة بأن لا يتخذ الإنسان مع الله أحدا يعبده كما يعبد الله أو يتقرب إليه كما يتقرب إلى الله تعالى".
الثالث: توحيد الأسماء والصفات وهو " إفراد الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته الواردة في كتابه وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذلك بإثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل ".
(1) مراد الشيخ - رحمه الله تعالى - هنا توحيد الألوهية، فهو دين الرسل فكلهم أرسلوا بهذا الأصل الذي هو التوحيد كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} وهذا النوع هو الذي ضل فيه المشركون الذين قاتلهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واستباح دماءهم، وأموالهم، وأرضهم وديارهم وسبى نساءهم وذريتهم.
ومن أخل بهذا التوحيد فهو مشرك كافر وإن أقر بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات.
فإفراد الله وحده بالعبادة هو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده كما قال الشيخ - رحمه الله - فها هو أول الرسل نوح - عليه السلام - يقول كما حكى الله عنه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}
(7/16)

فأولهم نوح عليه السلام أرسله الله إلى قومه لما غلوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وقال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وقال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} .
هذا حق فإنه لم يبعث قبل نوح - عليه الصلاة والسلام - رسول وبهذا نعلم خطأ المؤرخين الذين قالوا: إن إدريس - عليه الصلاة والسلام - كان قبل نوح؛ لأن الله تعالى يقول: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} وفي الحديث الصحيح في قصة الشفاعة «أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له: أنت أول رسول أرسله الله إلى الأرض» فلا رسول قبل نوح بإجماع العلماء.
فنوح أول الرسل بالكتاب، والسنة، والإجماع.
ونوح - عليه الصلاة والسلام - أحد الرسل الخمسة الذين هم أولو العزم وهم: محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإبراهيم، وموسى، ونوح وعيسى عليهم الصلاة والسلام وقد ذكرهم الله في موضعين من كتابه: في سورة الأحزاب وسورة الشورى.
يعني أن الله أرسل نوحا - عليه الصلاة والسلام - إلى قومه لما وقع فيهم الغلو في الصالحين، وقد بوب المؤلف - رحمه الله - في كتاب التوحيد على هذه المسألة فقال: " باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين".
والغلو هو: " مجاوزة الحد في التعبد والعمل والثناء قدحا أو مدحا " والغلو ينقسم إلى أربعة أقسام:
(7/17)

في الصالحين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
القسم الأول: الغلو في العقيدة كغلو أهل الكلام في الصفات حتى أدى بهم إما إلى التمثيل، أو التعطيل.
والوسط مذهب أهل السنة والجماعة بإثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
القسم الثاني: الغلو في العبادات كغلو الخوارج الذين يرون كفر فاعل الكبيرة، وغلو المعتزلة حيث قالوا: إن فاعل الكبيرة بمنزلة بين المنزلتين وهذا التشدّد قابله تساهل المرجئة حيث قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب.
والوسط مذهب أهل السنة والجماعة أن فاعل المعصية ناقص الإيمان بقدر المعصية.
القسم الثالث: الغلو في المعاملات وهو التشدّد بتحريم كل شيء وقابل هذا التشدد تساهل من قال بحل كل شيء ينمي المال والاقتصاد حتى الربا والغش وغير ذلك.
والوسط أن يقال: تحل المعاملات المبنية على العدل وهي ما وافق ما جاءت به النصوص من الكتاب والسنة.
القسم الرابع: الغلو في العادات: وهو التشدد في التمسك بالعادات القديمة وعدم التحول إلى ما هو خير منها.
أما إن كانت العادات متساوية في المصالح فإن كون الإنسان يبقى على ما هو عليه خير من تلقي العادات الوافدة.
الصالح هو الذي قام بحق الله وبحق عباد الله.
(7/18)

ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا
وآخر الرسل محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذه أصنام في قوم نوح - عليه السلام - كانوا رجالا صالحين، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت".
وهذا التفسير فيه إشكال حيث يقول - رضي الله عنه -: " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، وظاهر القرآن أنها قبل نوح قال الله تعالى: {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} . فظاهر الآية أن قوم نوح كانوا يعبدونهم وأنه نهاهم عن ذلك.
فسياق الآية يدل على ما ذكره ابن عباس إلا أن ظاهر السياق أن هؤلاء القوم الصالحين كانوا قبل نوح - عليه السلام - والله أعلم.
دليل ذلك قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} فلا نبي بعد النبي محمد - صلي الله عليه وسلم -.
فإن قيل: إن عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - ينزل آخر الزمان وهو رسول.
فنقول: هذا حق ولكنه لا ينزل على أنه رسول مجدد، بل ينزل على أنه حاكم بشريعة النبي محمد - عليه الصلاة والسلام -؛لأن الواجب على
(7/19)

وهو كسر صور هؤلاء الصالحين أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله. يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله ونريد شفاعتهم عنده مثل الملائكة، وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عيسى وعلى غيره من الأنبياء الإيمان بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واتباعه ونصره كما قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} وهذا الرسول المصدق لما معهم هو محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما صح ذلك عن الصحابي الجليل ابن عباس - رضي الله عنه - وغيره.
أي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كسر صور الأصنام وذلك يوم الفتح حين «دخل الكعبة فوجد حولها وفيها ثلاثمائة وستين صنما وجعل يطعنها - عليه الصلاة والسلام - بالحربة وهو يتلو قوله تعالى: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} » ..
أي إن الله بعث رسوله محمدا - عليه الصلاة والسلام - إلى قوم يتعبدون لكنها عبادة باطلة ما أنزل بها من سلطان، ويتصدقون ويفعلون كثيرا من أمور الخير لكنها لا تنفعهم؛ لأنهم كفار، ومن شرط التقرب إلى الله تعالى أن يكون المتقرب إلى الله مسلما وهؤلاء غير مسلمين. أى إنهم إنما يعبدون هذه الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى فهم مقرون بأنها دون الله، وأنها لا تملك لهم نفعا ولا ضرا، وأنهم شفعاء لهم عند
(7/20)

فبعث الله محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم - عليه السلام - ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله تعالى لا يصلح منه شيء لغير الله، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل فضلا عن غيرهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الله - عز وجل - ولكن هذه الشفاعة شفاعة باطلة لا تنفع أصحابها؛ لأن الله- عز وجل -يقول: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} وذلك؛ لأن الله تعالى لا يرضى لهؤلاء المشركين شركهم، ولا يمكن أن يأذن بالشفاعة لهم؛ لأنه لا شفاعة إلا لمن ارتضاه الله- عز وجل -والله لا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد، فتعلق المشركين بآلهتهم يعبدونها ويقولون: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} تعلق باطل غير نافع بل هذا لا يزيدهم من الله تعالى إلا بعدا، على أن المشركين يرجون شفاعة أصنامهم بوسيلة باطلة وهي عبادة هذه الأصنام، وهذا من جهلهم وسفههم أن يحاولوا التقرب إلى الله تعالى بما لا يزيدهم منه إلا بعدا.
يقول المؤلف - رحمه الله تعالى -: إنهم مازالوا على هذا الكفر وهو عبادة هذه الأصنام لتقربهم بزعمهم إلى الله تعالى حتى بعث الله رسوله وخاتم أنبيائه محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعثه الله تعالى بالتوحيد الخالص يدعو الناس إلى عبادة الله وحده ويحذرهم من الشرك قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} ويبين لهم أن العبادة حق لله وحده، وأنه لا يجوز صرف شيء منها لغيره سبحانه وتعالى لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل فضلا عن غيرها. فقال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} .
(7/21)

وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن، كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: " يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم " كأنه يشير إلى قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . وقوله: " محض حق الله ". أي خالص حقه.
يقول - رحمه الله تعالى -: إن هؤلاء المشركين الذين بعث فيهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرون بأن الله وحده هو الخالق، وأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنه هو الذي خلقهم، وأنه هو المدبر للأمور كما ذكر الله عنهم في آيات عديدة من القرآن الكريم قال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} والآيات في هذا المعنى كثيرة، لكن هذا لا ينفعهم؛ لأن هذا إقرار بالربوبية فقط، ولا ينفع الإقرار بالربوبية حتى يكون معه الإقرار بالألوهية وعبادة الله وحده.
واعلم أن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية، وأن الإقرار بالألوهية متضمن الإقرار بالربوبية.
أما الأول: فهو دليل ملزم أي إن الإقرار دليل ملزم لمن أقر به أن يقر بالألوهية؛ لأنه إذا كان الله وحده هو الخالق وهو المدبر للأمور وهو الذي بيده ملكوت كل شيء فالواجب أن تكون العبادة له وحده لا لغيره.
(7/22)

فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء الذين قاتلهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يشهدون بهذا فاقرأ قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} . وقوله: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والثاني: متضمن للأول يعني أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية؛ لأنه لا يتأله إلا للرب- عز وجل -الذي يعتقد أنه هو الخالق وحده وهو المدبر لجميع الأمور سبحانه وتعالى.
ذكر المؤلف - رحمه الله - هنا دليل ما قرر أن هؤلاء يقرون بتوحيد الربوبية، ولكنه أتى به على سبيل السؤال والجواب ليكون هذا أمكن وأثبت وأتم في الاستدلال فقال: " فإذا أردت الدليل.. فاقرأ قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} الآية.
{فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} يعني إذا كنتم تقرون بهذا أفلا تتقون الله الذي أقررتم له بتمام الملك وتمام التدبير وأنه وحده الخالق الرازق المالك للسمع والأبصار، المخرج للحي من الميت، وللميت من الحي المدبر لجميع الأمور، وهذا الاستفهام للتوبيخ والإلزام، أي إنكم إذا أقررتم بذلك لزمكم أن تتقوا الله وتعبدوه وحده لا شريك له. وقوله يعني واقرأ قوله تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا} إلى آخر الآيات وهذه الآيات مما يدل على أن المشركين الذين بعث فيهم
(7/23)

وغير ذلك من الآيات.
فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا ولم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا: " الاعتقاد "
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرون بتوحيد الربوبية فإنهم يقرون بأن الأرض ومن فيها لله لا شريك له، ويقرون بأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض وأنه رب العرش العظيم، ويقرون بأن بيده ملكوت كل شيء، وأنه هو الذي يجير ولا يجار عليه، وكل هذا ملزم لهم بأن يعبدوا الله وحده ويفردوه بالعبادة، ولهذا جاء توبيخهم بصيغة الاستفهام في ختام كل آية من الآيات الثلاث. والآيات الدالة على أن المشركين الذين بعث فيهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يقرون بتوحيد الربوبية كثيرة.
أي الذين بعث فيهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من المشركين. يعني توحيد الربوبية وهو اعتقاد أن الله وحده هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور.
أي إن إيمانهم بأن الله هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور لم يدخلهم في توحيد العبادة الذي دعاهم إليه رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم -ولم يعصم دماءهم وأموالهم.
أي إذا عرفت أن الذي أنكروه هو توحيد العبادة الذي يسميه كما قال الشيخ - رحمه الله - مشركو زماننا " الاعتقاد " تبين لك أن هذا الذي
(7/24)

كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلا ونهارا، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا لهم، أو يدعو رجلا صالحا مثل: اللات، أو نبيا مثل عيسى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أقروا به لا يكفي في التوحيد بل ولا يكفي في الإسلام كله فإن من لم يقر بتوحيد العبادة فإنه ليس بمسلم حتى ولو أقر بتوحيد الربوبية ولهذا قاتل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المشركين مع أنهم يقرون بتوحيد الربوبية كما تقدم.
يعني أن هؤلاء المشركين في عبادة الله كانوا يدعون الله تعالى إذا اضطروا إلى ذلك، ومنهم من يدعو الملائكة لقربهم من الله- عز وجل -ويزعمون أن من قرب من الله سبحانه وتعالى فهو مستحق للعبادة، وهذا من جهلهم فإن العبادة حق الله وحده لا يشركه فيها أحد.
وأن منهم من يدعو اللات، واللات بالتشديد: اسم فاعل من اللت وأصله رجل كان يلت السويق للحجاج، أي يجعل فيه السمن ويطعمه الحجاج فلما مات عكفوا على قبره ثم عبدوه، وأن منهم من يعبد المسيح - عليه السلام - لكونه آية من آيات الله، وأن منهم من يعبد الأولياء؛ لقربهم من الله سبحانه وتعالى، وكل هذا من تزيين الشيطان لهم أعمالهم التي ضلوا بها عن الصراط المستقيم قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} .
(7/25)

وعرفت أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاتلهم على هذا الشرك.
ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده كما قال الله تعالى: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} وكما قال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} .
وتحققت أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاتلهم ليكون
ـــــــــــــــــــــــــــــ

هذه معطوفة على قوله: " فإذا تحققت".
أي الشرك في العبادة حيث كانوا يعبدون غير الله معه، وليس المراد الشرك في الربوبية؛ لأن المشركين الذين بعث فيهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا يؤمنون بأن الله وحده هو الرب وأنه مجيب دعوة المضطرين وأنه هو الذي يكشف السوء إلى غير ذلك مما ذكر الله عنهم من إقرارهم بربوبية الله- عز وجل -وحده.
فالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاتل هؤلاء المشركين الذين لم يقروا بتوحيد العبادة بل استحل دماءهم وأموالهم، وإن كانوا يقرون بأن الله وحده هو الخالق؛ لأنهم لم يعبدوه ولم يخلصوا له العبادة.
الإخلاص لله معناه: " أن يقصد المرء بعبادته التقرب إلى الله سبحانه وتعالى والوصول إلى دار كرامته".
يعني أن هذه الأصنام التي يدعونها من دون الله لا تستجيب لهم بشيء كما قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}
قوله: وتحققت معطوف على قوله: فإذا تحققت.
(7/26)

الدعاء كله لله.
والذبح كله لله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الدعاء على نوعين: الأول: دعاء عبادة بأن يتعبد للمدعو طلبا لثوابه وخوفا من عقابه، وهذا لا يصح لغير الله وصرفه لغير الله شرك أكبر مخرج عن الملة، وعليه يقع الوعيد في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} . النوع الثاني: دعاء المسألة وهو دعاء الطلب أي طلب الحاجات وينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: دعاء الله سبحانه وتعالى بما لا يقدر عليه إلا هو، وهو عبادة لله تعالى؛ لأنه يتضمن الافتقار إلى الله تعالى، واللجوء إليه، واعتقاد أنه قادر كريم واسع الفضل والرحمة، فمن دعا غير الله- عز وجل -بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيا أو ميتا.
القسم الثاني: دعاء الحي بما يقدر عليه مثل يا فلان اسقني فلا شيء فيه.
القسم الثالث: دعاء الميت أو الغائب بمثل هذا فإنه شرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفا في الكون فيكون بذلك مشركا.
الذبح: " إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه مخصوص ".
ويقع على وجوه: الأول: أن يقصد به تعظيم المذبوح له والتذلل له والتقرب إليه فهذا عبادة لا يكون إلا لله تعالى على الوجه الذي شرعه الله تعالى،
(7/27)

والنذر كله الله.
والاستغاثة كلها بالله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وصرفه لغير الله شرك أكبر؛ لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ} .
الثاني: أن يقصد به إكرام الضيف، أو وليمة لعرس ونحو ذلك، فهذا مأمور به إما وجوبا أو استحبابا؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» وقوله لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: «أولم ولو بشاة» .
الثالث: أن يقصد به التمتع بالأكل أو الاتجار به ونحو ذلك فهذا من قسم المباح، فالأصل فيه الإباحة؛ لقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} وقد يكون مطلوبا أو منهيا عنه حسبما يكون وسيلة له.
النذر يطلق على العبادات المفروضة عموما، ويطلق على النذر الخاص وهو إلزام الإنسان نفسه بشيء لله - عز وجل -. والمراد به هنا الأول فالعبادات كلها لله تعالى؛ لقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} .
الاستغاثة: طلب الغوث والإنقاذ من الشدة والهلاك.
وهو أقسام: الأول: الاستغاثة بالله- عز وجل -وهذا من أفضل الأعمال وأكملها وهو دأب الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم ودليله قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}
(7/28)

وجميع أنواع العبادات كلها لله.
وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، أو الأنبياء، أو الأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثاني: الاستغاثة بالأموات أو بالأحياء غير الحاضرين القادرين على الإغاثة فهذا شرك؛ لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون فيجعل لهم حظا من الربوبية، قال الله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} .
الثالث: الاستغاثة بالأحياء العالمين القادرين على الإغاثة فهذا جائز كالاستعانة بهم، قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} .
الرابع: الاستغاثة بحي غير قادر من غير أن يعتقد أن له قوة خفية مثل أن يستغيث بمشلول على دفع عدو صائل. فهذا لغو وسخرية بالمستغاث به فيمنع لهذه العلة ولعلة أخرى، وهي أنه ربما اغتر بذلك غيره فتوهَّم أن لهذا المستغاث به وهو عاجز أن له قوة خفية ينقذ بها من الشدة.
قوله: (وعرفت) معطوف على (تحققت) الأولى. وقوله: (عرفت) جواب (فإذا تحققت) وما عطف عليها.
قرر المؤلف - رحمه الله - أن التوحيد الذي جاءت به الرسل من الله هو توحيد الألوهية؛ لأن هؤلاء المشركين الذين بعث فيهم رسول الله - صلى
(7/29)

وهذا التوحيد هو معنى قولك: " لا إله إلا الله " فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكا، أو نبيا، أو وليا، أو شجرة، أو قبرا، أو جنيا لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الله عليه وسلم - كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ومع هذا استباح النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دماءهم وأموالهم على أنهم يعبدون الملائكة وغيرهم مما يعبدونهم من الأولياء والصالحين يريدون بذلك أن يقربوهم إلى الله وهي كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} فهم مقرون بأن الله هو المقصود، ولكنهم يقصدون الملائكة، وغيرهم ليقربوهم إلى الله، ومع ذلك لم يدخلهم في التوحيد.
قوله: " وهذا التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله " أي إن التوحيد الذي دعا إليه النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - هو معنى لا إله إلا الله أي: لا معبود حق إلا الله- عز وجل -فهم يعلمون أن معناها لا معبود حق إلا الله - عز وجل - وليس معناه لا خالق، أو لا رازق، أو لا مدبّر إلا الله، أو لا قادر على الاختراع إلا الله كما يقوله كثير من المتكلمين، فإن هذا المعنى لا ينكره المشركون ولا يردونه، وإنما يردون معنى " لا إله إلا الله " أي لا معبود حق إلا الله، كما قال تعالى عنهم: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} .
(7/30)

بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ (السيد) فأتاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي " لا إله إلا الله ".
والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها. والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق به، والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: قولوا: " لا إله إلا الله " قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يريد - رحمه الله - بيان أن المشركين لا يريدون بقول: لا إله إلا الله أي لا مدبر ولا خالق إلا الله؛ لأنهم يعرفون أن ذلك حق، وإنما ينكرون معناها لا معبود حق إلا الله، وهذا الذي بدأ به المؤلف وأعاد إنما قاله للتأكيد والرد على من يقول: إننا لا نعبد الملائكة أو غيرهم إلا من أجل أن يقربونا إلى الله زلفى، ولسنا نعتقد أنهم يخلقون أو يرزقون.
قوله: " من هذه الكلمة " أي قول: لا إله إلا الله. هذه الجملة كالتي قبلها يبين فيها - رحمه الله - أن معنى لا إله إلا الله، لا معبود حق إلا الله، وأن المشركين قد فهموا هذا منها، وعلموا أنه ليس المراد بها مجرد لفظها، وأن المراد بها لا معبود حق إلا الله، ولهذا أنكروه مع أنهم لا ينكرون أن الله وحده هو الخالق الرازق.
. أي يعرفون أن معنى لا إله إلا الله، لا معبود حق إلا الله.
يريد المؤلف - رحمه الله - أن يبين أن من الناس من يدعي الإسلام ولا
(7/31)

بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها " لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر الأمر إلا الله " فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى " لا إله إلا الله ".
إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يعرفون معنى كلمة " لا إله إلا الله " حيث يظنون أن المقصود: هو التلفظ بحروفها دون معرفة معناها واعتقاده.
ومن الناس من يظن أن المراد بها توحيد الربوبية أي لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله.
ومن الناس من يفسرها بأن المراد بها " إخراج اليقين الصادق عن ذات الأشياء، وإدخال اليقين الصادق على ذات الله " وهذا التفسير باطل لم يعرفه السلف الصالح، وليس المراد به أن تتيقن بالله- عز وجل -وتخرج اليقين من غيره؛ لأن هذا لا يمكن فإن اليقين ثابت في غير الله {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} وتيقن الأشياء الواقعة الحسية المعلومة لا ينافي التوحيد.
ومن الناس من يفسرها بأنه " لا معبود إلا الله " وهذا التعريف لا يصح على ظاهره؛ لأن هناك أشياء عبدت من دون الله - عز وجل -.
فيكون هؤلاء أجهل من الجهال الذين بعث فيهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنهم كانوا يعرفون من معناها ما لا يعرفه هؤلاء.
أي عرفت معنى لا إله إلا الله الحقيقي وأن معناها " لا معبود حق إلا الله ".
(7/32)

وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ

اختلف أهل العلم - رحمهم الله تعالى - في هذه الآية هل تشمل كل الشرك أم أنها خاصة بالشرك الأكبر: فمنهم من قال: تشمل كل شرك ولو كان أصغر كالحلف بغير الله فإن الله لا يغفره.
ومنهم من قال: إنها خاصة بالشرك الأكبر فهو الذي لا يغفره الله.
وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - اختلف كلامه فمرة قال بالقول الأول، ومرة قال بالقول الثاني. وعلى كل حال يجب الحذر من الشرك مطلقا؛ لأن العموم يحتمل أن يكون داخلا فيه الأصغر؛ لأن قوله: {أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} أن وما بعدها في تأويل مصدر تقديره " إشراكا به " فهو نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.
وهو عبادة الله وحده كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} . وهذا هو الإسلام الذي قال الله فيه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} .
أي بمعنى هذه الكلمة مما تقدم ذكره عند قول المؤلف - رحمه الله -: " فالعجب ممن يدعي الإسلام، وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة.. " إلخ.
(7/33)

أفادك فائدتين.
الأولى الفرح بفضل الله ورحمته كما قال الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} وأفادك أيضا الخوف العظيم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: أفادك جواب قوله: "إذا عرفت ما ذكرت لك.. " إلخ.
يحصل ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن الله تعالى فتح عليك حتى عرفت المعنى الصحيح لهذه الكلمة العظيمة " لا إله إلا الله ". وهذا فضل عظيم من الله ورحمة، والفرح بمثل هذا مما أمر الله به ودليله ما ذكره المؤلف - رحمه الله -: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} وفرح العبد بما أنعم الله عليه من العلم والعبادة من الأمور المحمودة كما جاء في الحديث: «للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» .
أي من أن نقع في مثل ما وقع فيه هؤلاء من الجهل بمعناها والخطر العظيم في ذلك.
(7/34)

فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تعليقنا على هذه الجملة من كلام المؤلف - رحمه الله -: أولا: لا أظن الشيخ - رحمه الله - لا يرى العذر بالجهل اللهم إلا أن يكون منه تفريط بترك التعلم مثل أن يسمع بالحق، فلا يلتفت إليه ولا يتعلم، فهذا لا يعذر بالجهل وإنما لا أظن ذلك من الشيخ؛ لأن له كلاما آخر يدل على العذر بالجهل فقد سئل - رحمه الله تعالى - عما يقاتل عليه؟ وعما يكفر الرجل به؟ فأجاب: أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقر بها، وتركها تهاونا، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلا من غير جحود، ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو: الشهادتان. وأيضا: نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر، فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع.
النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله، الذي أظهرناه للناس، وأقر أيضا أن هذه الاعتقادات في الحجر، والشجر، والبشر، الذي هو دين غالب الناس: أنه الشرك بالله، الذي بعث الله رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينهى عنه، ويقاتل أهله، ليكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك، فهو كافر، نقاتله بكفره؛ لأنه عرف دين الرسول، فلم يتبعه، وعرف الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك، ولا يزينه للناس.
(7/35)

النوع الثاني: من عرف ذلك، ولكنه تبين في سب دين الرسول، مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف، والأشقر، ومن عبد أبا علي، والخضر من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله، وترك الشرك، فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [سورة البقرة، الآية: 89] وهو ممن قال الله فيه: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} [سورة التوبة: الآية: 12] . النوع الثالث: من عرف التوحيد، وأحبه، واتبعه، وعرف الشرك، وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضا كافر، فيه قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [سورة محمد، الآية: 9] . النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد، واتباع أهل الشرك، ويسعون في قتالهم، ويتعذر بأن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله، ونفسه، فهذا أيضا كافر، فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان، ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل، ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم فعل، وموافقتهم على الجهاد معهم بنفسه وماله، مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ذلك بكثير، كثير، فهذا أيضا كافر، وهو ممن قال الله فيهم: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ}
(7/36)

إلى قوله: {سُلْطَانًا مُبِينًا} [سورة النساء، الآية: 91] فهذا الذي نقول. وأما الكذب والبهتان فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.
وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم، الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل؟! {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [سورة النور، الآية: 16] . بل نكفر تلك الأنواع الأربعة؛ لأجل محادتهم لله ورسوله، فرحم الله امرأ نظر نفسه، وعرف أنه ملاق الله، الذي عنده الجنة والنار، وصلى الله على محمد وآله، وصحبه، وسلم. (*) تتمة: الاختلاف في مسألة العذر بالجهل كغيره من الاختلافات الفقهية الاجتهادية، وربما يكون اختلافا لفظيا في بعض الأحيان من أجل تطبيق الحكم على الشخص المعين، أي أن الجميع يتفقون على أن هذا القول كفر، أو هذا الفعل كفر، أو هذا الترك كفر، ولكن هل يصدق الحكم على هذا الشخص المعين لقيام المقتضي في حقه وانتفاء المانع أو لا ينطبق لفوات بعض المتقضيات، أو وجود بعض الموانع. وذلك أن الجهل بالمكفر على نوعين:
(7/37)

الأول: أن يكون من شخص يدين بغير الإسلام أو لا يدين بشيء ولم يكن يخطر بباله أن دينا يخالف ما هو عليه فهذا تجري عليه أحكام الظاهر في الدنيا، وأما في الآخرة فأمره إلى الله تعالى، والقول الراجح أنه يمتحن في الآخرة بما يشاء الله- عز وجل -والله أعلم بما كانوا عاملين، لكننا نعلم أنه لن يدخل النار إلا بذنب؛ لقوله تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} . وإنما قلنا: تجري عليه أحكام الظاهر في الدنيا وهي أحكام الكفر؛ لأنه لا يدين بالإسلام فلا يمكن أن يعطى حكمه، وإنما قلنا بأن الراجح أنه يمتحن في الآخرة؛ لأنه جاء في ذلك آثار كثيرة ذكرها ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه: " طريق الهجرتين " عند كلامه على المذهب الثامن في أطفال المشركين تحت الكلام على الطبقة الرابعة عشرة.
النوع الثاني: أن يكون من شخص يدين بالإسلام ولكنه عاش على هذا المكفر ولم يكن يخطر بباله أنه مخالف للإسلام، ولا نبهه أحد على ذلك فهذا تجري عليه أحكام الإسلام ظاهرا، أما في الآخرة فأمره إلى الله - عز وجل -.
وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وأقوال أهل العلم: فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} . وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} . وقوله:
(7/38)

{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} . وقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} . وقوله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان.
وأما السنة: ففي صحيح مسلم 1 \134 عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة - يعني أمة الدعوة - يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» .
وأما كلام أهل العلم: فقال في المغني 8 /131: " فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام، والناشئ بغير دار الإسلام، أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم لم يحكم بكفره". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 3 229 مجموع ابن قاسم: " إني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة، وفاسقا أخرى، وعاصيا أخرى، وإني أقرر أن الله تعالى قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، وما زال
(7/39)

السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية - إلى أن قال -: وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين - إلى أن قال -: والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئا " ا. هـ. وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب 1 / 56 من الدرر السنية: " وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول، ثم بعدما عرفه سبه، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره ". وفي ص 66: " وأما الكذب والبهتان فقولهم: إنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله، وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على أحمد البدوي، وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل " ا. هـ. وإذا كان هذا مقتضى نصوص الكتاب، والسنة، وكلام أهل العلم فهو مقتضى حكمة الله تعالى ولطفه، ورأفته، فلن يعذب
(7/40)

أحدا حتى يعذر إليه، والعقول لا تستقل بمعرفة ما يجب لله تعالى من الحقوق، ولو كانت تستقل بذلك لم تتوقف الحجة على إرسال الرسل.
فالأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره؛ لأن في ذلك محذورين عظيمين: أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به.
أما الأول فواضح حيث حكم بالكفر على من لم يكفره الله تعالى فهو كمن حرم ما أحل الله؛ لأن الحكم بالتكفير أو عدمه إلى الله وحده كالحكم بالتحريم أو عدمه.
وأما الثاني: فلأنه وصف المسلم بوصف مضاد، فقال: إنه كافر، مع أنه بريء من ذلك، وحري به أن يعود وصف الكفر عليه لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما» . وفي رواية: «إن كان كما قال وإلا رجعت عليه» . وله من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه» . يعني رجع عليه. وقوله في حديث ابن عمر: «إن كان كما قال» يعني في حكم الله تعالى وكذلك قوله في حديث أبي ذر: «وليس كذلك» يعني في حكم الله تعالى.
(7/41)

وهذا هو المحذور الثاني أعني عود وصف الكفر عليه إن كان أخوه بريئا منه، وهو محذور عظيم يوشك أن يقع به؛ لأن الغالب أن من تسرع بوصف المسلم بالكفر كان معجبا بعمله محتقرا لغيره فيكون جامعا بين الإعجاب بعمله الذي قد يؤدي إلى حبوطه، وبين الكبر الموجب لعذاب الله تعالى في النار كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد، وأبو داود عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قال الله- عز وجل -: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار» .
فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين: الأمر الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب.
الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه، وتنتفي الموانع.
ومن أهم الشروط أن يكون عالما بمخالفته التي أوجبت كفره؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [سورة النساء، الآية: 115] . فاشترط للعقوبة بالنار أن تكون المشاقة للرسول من بعد أن يتبين الهدى له.
ولكن هل يشترط أن يكون عالما بما يترتب على مخالفته من كفر أو غيره أو يكفي أن يكون عالما بالمخالفة وإن كان جاهلا بما يترتب عليها؟ الجواب: الثاني، أي أن مجرد علمه بالمخالفة كاف في الحكم بما
(7/42)

تقتضيه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوجب الكفارة على المجامع في نهار رمضان لعلمه بالمخالفة مع جهله بالكفارة؛ ولأن الزاني المحصن العالم بتحريم الزنى يرجم وإن كان جاهلا بما يترتب على زناه، وربما لو كان عالما ما زنى.
ومن الموانع من التكفير أن يكره على المكفر؛ لقوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة النحل، الآية: 106] .
ومن الموانع أن يغلق عليه فكره وقصده بحيث لا يدري ما يقول لشدة فرح، أو حزن، أو غضب، أو خوف، ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة الأحزاب، الآية: 5] . وفي صحيح مسلم 2104 عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " «لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» .
ومن الموانع أيضا أن يكون له شبهة تأويل في الكفر بحيث يظن أنه على حق؛ لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلا في
(7/43)

قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [سورة الأحزاب، الآية: 5] . ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلا في قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [سورة البقرة، الآية: 286] قال في المغني 8 /131: " وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك - يعني يكون كافرا - وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، وفعلهم ذلك متقربين به إلى الله تعالى إلى أن قال: وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم واستحلال دمائهم، وأموالهم، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم، وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا ". وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 13 \30 مجموع ابن القاسم: " وبدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب" وفي ص 210 منه: " فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها، وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم.. وصاروا يتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على غير تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن ". وقال أيضا 28 \ 518 من المجموع المذكور: " فإن الأئمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين " لكنه ذكر في 7\217 " أنه لم يكن في الصحابة
(7/44)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع". وفي 28 \ 518 " أن هذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره". وفي 3\282 قال: " والخوارج المارقون الذين أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار. ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم، وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص، والإجماع، لم يكفروا مع أمر الله ورسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم، فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن يكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضا، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعا جهال بحقائق ما يختلفون فيه". إلى أن قال: " وإذا كان المسلم متأولا في القتال، أو التكفير لم يكفر بذلك" إلى أن قال في ص288: " وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره.. والصحيح ما دل عليه القرآن في
(7/45)

وقد يقولها، وهو يظن أنها تقربه إلى الله كما كان يظن المشركون خصوصا إن ألهمك الله تعالى ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} . وقوله: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} . وفي الصحيحين عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين» . والحاصل أن الجاهل معذور بما يقوله أو يفعله مما يكون كفرا، كما يكون معذورا بما يقوله أو يفعله مما يكون فسقا، وذلك بالأدلة من الكتاب والسنة، والاعتبار، وأقوال أهل العلم.
حينما حذر الشيخ - رحمه الله - من أمرين أحدهما: خوف الإنسان على نفسه من أن يظن ما ظن هؤلاء في معنى التوحيد أنه هو إفراد الله تعالى بالخلق والرزق والتدبير بين - رحمه الله - أن الواجب على الإنسان أن يكون على خوف دائما، ثم يذكر حال القوم الذين قالوا لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فبين لهم أن سؤالهم أن يجعل لهم آلهة كما كان هؤلاء لهم آلهة من الجهل فهذا يؤدي إلى خوف الإنسان على نفسه من أن يتيه في الضلالات والجهالات حيث يظن أن معنى " لا إله إلا الله " أي لا خالق ولا رازق ولا مدبر إلا الله- عز وجل -وهذا الذي قال الشيخ - رحمه الله - وحذر منه وقع فيه عامة المتكلمين الذي تكلموا
(7/46)

واعلم أنه سبحانه من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في التوحيد حيث قالوا: إن معنى " لا إله إلا الله " أي لا مخترع ولا قادر على الاختراع إلا الله ففسروا هذه الكلمة العظيمة بتفسير باطل لم يفهمه أحد من المسلمين، بل ولا غير المسلمين حتى المشركون الذين بعث فيهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا يعرفون معنى هذه الكلمة أكثر مما يعرفها هؤلاء المتكلمون.
نبه المؤلف - رحمه الله تعالى - في هذه الجملة على فائدة عظيمة حيث بين أن من حكمة الله- عز وجل -أنه لم يبعث نبيا إلا جعل له أعداء من الإنس والجن، وذلك أن وجود العدو يمحص الحق ويبينه فإنه كلما وجد المعارض قويت حجة الآخر، وهذا الذي جعله الله تعالى للأنبياء جعله أيضا لأتباعهم فكل أتباع الأنبياء يحصل لهم مثل ما يحصل للأنبياء قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} فإن هؤلاء المجرمين يعتدون على الرسل وأتباعهم وعلى ما جاؤوا به بأمرين: الأول: التشكيك. الثاني: العدوان. أما التشكيك فقال الله تعالى في مقابلته: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا} لمن أراد أن يضله أعداء الأنبياء.
(7/47)

وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ}
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأما العدوان فقال الله تعالى في مقابلته: {وَنَصِيرًا} لمن أراد أن يردعه أعداء الأنبياء.
فالله تعالى يهدي الرسل وأتباعهم وينصرهم على أعدائهم ولو كانوا من أقوى الأعداء، فعلينا أن لا نيأس لكثرة الأعداء وقوة من يقاوم الحق فإن الحق كما قال ابن القيم - رحمه الله -:
الحق منصور وممتحن فلا ... تعجب فهذي سنة الرحمن
فلا يجوز لنا أن نيأس بل علينا أن نطيل النفس وأن ننتظر وستكون العاقبة للمتقين، فالأمل دافع قوي للمضي في الدعوة والسعي في إنجاحها، كما أن اليأس سبب للفشل والتأخر في الدعوة.
يعني أن أعداء الرسل الذين يجادلونهم ويكذبونهم قد يكون عندهم علوم كثيرة، وكتب وشبهات يسمونها " حججا " يلبسون بها على الناس فيلبسون الحق بالباطل كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} . وهذا الفرح مذموم؛ لأنه فرح بغير ما يرضي الله فيكون من الفرح المذموم.
وأشار المؤلف - رحمه الله تعالى - بهذه الجملة إلى أنه ينبغي أن نعرف ما عند هؤلاء من العلوم والشبهات من أجل أن نرد عليهم بسلاحهم وهذا من هدي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولهذا لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوما أهل كتاب» وذلك من أجل أن يستعد لهم ويعرف ما عندهم من الكتاب حتى يرد عليهم بما جاءوا به.
(7/48)

إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك- عز وجل -: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذا عرفت هذا أي أن لهؤلاء الأعداء كتبا وعلوما وحججا يلبسون بها، الحق بالبطل فعليك أن تستعد لهم، والاستعداد لهم يكون بأمرين: أحدهما: ما أشار إليه المؤلف - رحمه الله - بأن يكون لديك من الحجج الشرعية والعقلية ما تدفع به حجج هؤلاء وباطلهم.
الثاني: أن تعرف ما عندهم من الباطل حتى ترد عليهم به، ولهذا قال شيخ الإسلام - رحمه الله - في كتابه درء تعارض النقل والعقل، قال: " إنه ما من إنسان يأتي بحجة يحتج بها على الباطل إلا كانت حجة عليه وليست حجة له".
وهذا الأمر كما قال - رحمه الله - فإن الحجة الصحيحة إذا احتج بها المبطل على باطله فإنها تكون حجة عليه وليست حجة له، فعلى من أراد أن يجادل هؤلاء يتأكد أن يلاحظ هذين الأمرين: الأمر الأول: أن يفهم ما عندهم من العلم حتى يرد عليهم به.
والأمر الثاني: أن يفهم الحجج الشرعية والعقلية التي يرد بها على هؤلاء.
(7/49)

ولكن إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حججه وبيناته فلا تخف ولا تحزن {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} .
والعامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء هؤلاء المشركين كما قال تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [سورة الصافات، الآية: 173]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يريد المؤلف - رحمه الله - أن يشجع من أقبل على الله تعالى وعرف الحق بأن لا يخاف من حجج أهل الباطل؛ لأنها حجج واهية وهي من كيد الشيطان، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} .
وفي ذلك يقول القائل:
حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور
قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: والعامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء هؤلاء المشركين واستدل بقوله تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} العامي من الموحدين يعني من الذين يقرون بالتوحيد بأنواعه الثلاثة الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات يغلب ألفا من علماء المشركين؛ لأن علماء هؤلاء المشركين يوحدون الله- عز وجل -توحيدا ناقصا حيث إنهم لا يوحدونه إلا بتوحيد الربوبية فقط، وهذا توحيد ناقص ليس هو توحيدا في الحقيقة بدليل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاتل المشركين الذين يوحدون الله هذا التوحيد، ولم ينفعهم هذا التوحيد ولم تعصم به دماؤهم وأموالهم، والعامي من الموحدين يقر بأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، فيكون خيرا من هؤلاء.
(7/50)

وجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم هم الغالبون بالسيف والسنان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أشار المؤلف - رحمه الله - إلى أن جند الله وهم عباده المؤمنون الذين ينصرون الله ورسوله يجاهدون الناس بأمرين: الأول: الحجة والبيان وهذا بالنسبة للمنافقين الذين لا يظهرون عداوة المسلمين فهؤلاء يجاهدون بالحجة والبيان.
الثاني: من يجاهد بالسيف والسنان وهم المظهرون للعداوة وهم الكفار الخلص المعلنون بكفرهم وفي هذا والذي قبله يقول الله - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . والجهاد بالحجة والبيان يكون للكفار الخلص المعلنين لكفرهم أولا، ثم يجاهدون بالسيف والسنان ثانيا، ولا يجاهدون بالسيف والسنان إلا بعد قيام الحجة عليهم.
والواجب على الأمة الإسلامية أن تقابل كل سلاح يصوب نحو الإسلام بما يناسبه، فالذين يحاربون الإسلام بالأفكار والأقوال يجب أن يبين بطلان ما هم عليه بالأدلة النظرية العقلية إضافة إلى الأدلة الشرعية، والذين يحاربون الإسلام من الناحية الاقتصادية يجب أن يدافعوا، بل أن يهاجموا إذا أمكن، بمثل ما يحاربون به الإسلام، والذين يحاربون الإسلام بالأسلحة يجب أن يقاوموا بما يناسب تلك الأسلحة.
(7/51)

وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح.
وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [سورة النحل، الآية: 89] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أي أن الخوف من أعداء الأنبياء إنما هو على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح؛ لأنه ليس له علم يتسلح به فيخشى أن يجادله أحد من هؤلاء المشركين فتضيع حجته فيهلك، فلا بد أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات ويفحم به الخصم؛ لأن المجادل يحتاج إلى أمرين: الأول: إثبات دليل قوله. الثاني: إبطال دليل خصمه. ولا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة ما هو عليه من الحق، وما عليه خصمه من الباطل ليتمكن من دحض حجته.
من الله علينا بكتابه العزيز الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [سورة فصلت، الآية: 42] وجعله سبحانه وتعالى تبيانا أي مبينا لكل شيء يحتاجه الناس في معاشهم ومعادهم ثم إن تبيان القرآن للأشياء ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يبين الشيء بعينه مثل قوله تبارك وتعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [سورة المائدة، الآية: 3] وقوله تعالى:
(7/52)

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [سورة النساء، الآيتان: 23-24] . الثاني: أن يكون التبيان بالإشارة إلى موضع البيان مثل قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} فأشار الله تعالى إلى الحكمة التي هي السنة، فإنها تبين القرآن وكذلك قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل، الآية: 43] وأيضا [سورة الأنبياء، الآية: 7] .
فهذا يبين أننا نرجع في كل شيء إلى أهله الذين هم أهل الذكر به ولهذا يذكر أن بعض أهل العلم أتاه رجل من النصارى يريد الطعن في القرآن الكريم وكان في مطعم، فقال له هذا النصراني: أين بيان كيف يصنع هذا الطعام؟ فدعا الرجل صاحب المطعم، وقال له: صف لنا كيف تصنع هذا الطعام؟ فوصفه، فقال: هكذا جاء في القرآن. فتعجب النصراني. وقال: كيف ذلك؟ فقال: إن الله- عز وجل -يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} فبين لنا مفتاح العلم بالأشياء بأن نسأل أهل الذكر بها أي أهل العلم بها، وهذا من بيان القرآن بلا شك، فالإحالة على من يحصل بهم العلم هي فتح للعلم.
(7/53)

فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [سورة الفرقان، الآية: 33] . قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة، وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جوابا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لا يأتي مبطل بحجة على باطله إلا وفي القرآن ما يبين هذه الحجة الباطلة، بل إن كل صاحب باطل استدل لباطله بدليل صحيح من الكتاب والسنة فهذا الدليل يكون دليلا عليه كما ذكر شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - في مقدمة كتابه درء تعارض النقل والعقل أنه ما من صاحب بدعة وباطل يحتج لباطله بشيء من الكتاب أو من السنة الصحيحة إلا كان ذلك الدليل دليلا عليه وليس دليلا له.
قال المؤلف - رحمه الله - مستدلا على أن الرجل الموحد ستكون له حجة أبلغ وأبين من حجة غير الموحد مهما بلغ من الفصاحة والبيان كما قال تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} أي لا يأتونك بمثل يجادلونك به، ويلبسون الحق بالباطل، إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا، ولهذا تجد في القرآن كثيرا ما يجيب الله تعالى عن أسئلة هؤلاء المشركين وغيرهم ليبين- عز وجل -للناس الحق، وسيكون الحق بينا لكل أحد.
ولكن هاهنا أمر يجب التفطن له وهو: أنه لا ينبغي للإنسان أن
(7/54)

فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل، أما المجمل: فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها وذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [سورة آل عمران، الآية: 7] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يدخل في مجادلة أحد إلا بعد أن يعرف حجته، ويكون مستعدا لدحرها، والجواب عنها؛ لأنه إذا دخل في غير معرفة صارت العاقبة عليه، إلا أن يشاء الله كما أن الإنسان لا يدخل في ميدان المعركة مع العدو إلا بسلاح وشجاعة، ثم ذكر المؤلف - رحمه الله - أنه سيذكر في كتابه هذا كل حجة أتى بها المشركون ليحتجوا بها على شيخ الإسلام - رحمه الله - ويكشف هذه الشبهات؛ لأنها في الحقيقة ليست حججا، ولكنها تشبيه وتلبيس.
بين - رحمه الله تعالى - أنه سيجيب على هذه الشبهات بجوابين:
أحدهما: مجمل عام صالح لكل شبهة.
الثاني: مفصل، وهكذا ينبغي لأهل العلم في باب المناظرة والمجادلة أن يأتوا بجواب مجمل حتى يشمل ما يحتمل أن يورده الملبسون المشبهون، ويأتي بجواب مفصل لكل مسألة بعينها قال الله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [سورة هود، آية: 1] فذكر في الجواب المجمل - رحمه الله -: أن هؤلاء الذين يتبعون المتشابه هم الذين في قلوبهم زيغ كما صح ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ}
(7/55)

وقد صح عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» .
مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} وأن الشفاعة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلاما للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يستدل به على شيء من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[سورة آل عمران، آية:7] .
ولهذا تجد أهل الزيغ والعياذ بالله يأتون بالآيات المتشابهات ليلبسوا بها على باطلهم، فيقولون مثلا: قال الله تعالى كذا، وقال في موضع آخر كذا؟ فكيف يكون، وهذا مثل ما حصل لنافع بن الأزرق مع ابن عباس - رضي الله عنهما - في مناظرته التي ذكرها السيوطي في الإتقان، وربما يكون غيره ذكرها وهي مفيدة ننقلها لتعرف كيف لبس أهل الباطل الحق. قال الشيخ - رحمه الله -: وقد صح عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه. فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» استدل المؤلف - رحمه الله - بهذا الحديث على أن الرجل الذي يتبع المتشابه من القرآن أو من السنة وصار يلبس به على باطله فهؤلاء هم الذين سماهم الله ووصفهم بقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} الآية ثم أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالحذر منهم
(7/56)

وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [سورة يونس، الآية: 18] هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فقال: احذروهم من أن يضلوكم عن سبيل الله باتباع هذا المتشابه واحذروا طريقهم أيضا فالتحذير هنا يشمل التحذير عن طريقهم والتحذير منهم أيضا، ثم ضرب المؤلف لهم مثلا، بأن يقول لك المشرك: أليس الله يقول: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} أوليس للأولياء جاه عند الله سبحانه وتعالى؟ أوليس الشفاعة ثابتة بالقرآن والسنة؟ وما أشبه ذلك من هذه الأشياء فقل: نعم كل هذا حق، ولكنه ليس فيه دليل على أن تشرك بهؤلاء الأولياء، أو بهؤلاء الرسل، أو لهؤلاء الذين عندهم شفاعة عند الله- عز وجل -ودعواك أن هذا يدل على ذلك دعوى باطلة لا يحتج بها إلا مبطل وما أنت إلا من الذين قال الله فيهم: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} ولو أنك رددت هذا المتشابه إلى المحكم لعلمت أن هذا لا دليل لك فيه.
ذكر المؤلف - رحمه الله - كيف نرد المتشابه إلى المحكم أن المشركين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية ويؤمنون بذلك إيمانا لا شك فيه عندهم، ولكنهم يعبدون الملائكة وغيرهم ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ومع هذا كانوا مشركين استباح النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دماءهم وأموالهم، وهذا نص محكم لا اشتباه فيه دال على أن الله لا شريك له في ألوهيته وفي عبادته كما أنه لا شريك له في ربوبيته وملكه، وأن من
(7/57)

وما ذكرت لي أيها المشرك من القرآن وكلام النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يخالف كلام الله (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أشرك بالله في ألوهيته، فهو مشرك وإن وحده في الربوبية.
قوله - رحمه الله -: ما ذكرت أيها المشرك من كلام الله تعالى وكلام رسوله لا أعرف معناه، ولكني أعلم أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يخالف كلام الله، يريد بقوله: " لا أعرف معناه" أي لا أعرف معناه الذي أنت تدعيه، وإنني أنكره ولا أقر به؛ لأنني أعلم أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يخالف كلام الله، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [سورة النساء، الآية: 82] ، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [سورة النحل، الآية: 89] وقال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة النحل، الآية: 44] ، وكلام الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يخالف كلام الله، وكذلك كلام الله لا يناقض بعضه بعضا، وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه لا شريك له، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» إلى آخر الحديث، وهذا كله يؤيد بعضه بعضا، ويدل على أن الله تعالى ليس له شريك في الألوهية كما أنه ليس له شريك في الربوبية.
(7/58)

وهذا جواب جيد سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله فلا تستهن به، فإنه كما قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [سورة فصلت، آية:35] .
وأما الجواب المفصل فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه، منها: قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن عبد القادر أو غيره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله - رحمه الله -: (وهذا جواب جيد سديد) يعني قول الإنسان لخصمه: أن كلام الله تعالى لا يتناقض، وأن كلام النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لا يخالف كلام الله، وأن الواجب رد المتشابه إلى المحكم، فهذا أجاب بجواب سديد أي ساد لمحله لا يمكن لأحد أن يناقضه، أو يرد عليه ما ينقضه؛ لأنه كلام محكم مبني على الدليلين: السمعي، والعقلي، وما كان كذلك فإنه جواب لا يمكن لأي مبطل أن ينقضه. قوله: (ولكن لا يفهمه) إلى آخره يعني أن هذا الجواب لا يفهمه إلا من وفقه الله فكشف عنه فتنة الشبهات وفتنة الشهوات ثم استدل لذلك بقوله تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} أي ما يوفق للدفع بالتي هي أحسن. قوله - رحمه الله تعالى -: أما الجواب المفصل ... إلخ الجواب الأول كان مجملا يرد به الإنسان على كل شبهة، ثم هناك جواب مفصل أي مميز بعضه عن بعض بحيث تدفع به شبهة كل واحد بعينها.
(7/59)

ولكن أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم، فجاوبه بما تقدم وهو: أن الذين قاتلهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مقرون بما ذكرت، ومقرون بأن أوثانهم لا تدبر شيئا، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة.
واقرأ عليهم ما ذكر الله في كتابه ووضحه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإذا قال لك المشرك: أنا لا أشرك بالله، بل أشهد أنه لا يخلق ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا - صلى الله عليه وآله وسلم - لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عمن دونه- صلى الله عليه وآله وسلم -، كعبد القادر يعني ابن موسى الجيلاني على خلاف في اسم أبيه كان من كبار الزهاد والمتصوفين ولد سنة 471 بجيلان وتوفي سنة 561 في بغداد، وكان حنبلي المذهب، وهذا هو التوحيد، فهذه شبهة يلبس بها ولكنها شبهة داحضة لا تفيده شيئا. قوله: (ولكن أنا مذنب) إلخ هذا بقية كلام المشبه، فأجبه بأن ما ذكرت هو ما كان عليه المشركون الذين قاتلهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واستباح دماءهم ونساءهم وأموالهم، ولم يغنهم هذا التوحيد شيئا.
قوله:" واقرأ عليهم ما ذكر الله تعالى في كتابه ووضحه" يريد بذلك أن تقرأ عليهم ما ذكر الله في كتابه من توحيد الألوهية، فإنه جل وعلا أبدأ فيه وأعاد وكرر من أجل تثبيته في قلوب الناس وإقامة الحجة عليهم، فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [سورة الأنبياء، الآية: 25] ، وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات، الآية: 56] ، وقال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة آل عمران: الآية: 18]
(7/60)

فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصناما؟ فجاوبه بما تقدم. فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكره. فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، وقد قال الله تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة المائدة، الآيتان 75-76] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [سورة البقرة، الآية: 163] وقال تعالى: {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [سورة العنكبوت، الآية: 56] إلى غيرها من الآيات الكثيرة الدالة على وجوب توحيد الله- عز وجل - في عبادته، وأن لا يعبد أحد سواه، فإذا اقتنع بذلك فهذا هو المطلوب، وإن لم يقتنع فهو مكابر معاند يصدق عليه قول الله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [سورة النمل، الآية: 14] .
قوله: فإن قال: " هؤلاء " يعني أهل الشرك هذه الآيات نزلت في المشركين الذين يعبدون الأصنام، وهؤلاء الأولياء ليسوا بأصنام.
فجوابه بما تقدم أي بأن كل من عبد غير الله فقد جعل معبوده وثنا فأي فرق بين من عبد الأصنام وعبد الأنبياء والأولياء؟! إذ أن الجميع لا يغني شيئا عن عابديه.
يقول: " فإنه " أي هذا القائل يعلم أن المشركين قد أقروا بالربوبية، وأن الله سبحانه وتعالى هو رب كل شيء، وخالقه ومالكه، ولكنهم عبدوا هذه الأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم فقد أقر
(7/61)

بأن مقصودهم كمقصوده، ومع ذلك لم ينفعهم هذا الاعتقاد كما سبق.
قوله: " فاذكر له " جواب قوله: " فإنه إذا أقر أن الكفار" إلخ يعني فاذكر له أن هؤلاء المشركين منهم من يدعو الأصنام لطلب الشفاعة كما أنت كذلك موافق لهم في المقصود، ومنهم من يعبد الأولياء كما أنت كذلك موافق لهم في المقصود والمعبود. ودليل أنهم يدعون الأولياء قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} وكذلك يعبدون الأنبياء كعبادة النصارى المسيح ابن مريم، وكذلك يعبدون الملائكة كقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} الآية، فتبين بذلك الجواب عن تلبيسه بكون المشركين يعبدون الأصنام، وهو يعبد الأولياء والصالحين من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا صحة لتلبيسه؛ لأن من أولئك المشركين من يعبد الأولياء والصالحين.
الوجه الثاني: لو قدرنا أن أولئك المشركين لا يعبدون إلا الأصنام فلا فرق بينه وبينهم؛ لأن الكل عبد من لا يغني عنه شيئا.
(7/62)

واذكر له قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سورة سبأ،الآيتان: 40، 41] . وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [سورة المائدة، آية: 116] .
فقل له: أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام، وكفر أيضا من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " واذكر له قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ} الآيتين " هذه معطوفة على قوله سابقا: " فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام " إلخ. والمقصود من هذا أن يتبين له أن من الكفار من يعبد الأصنام" إلخ.
والمقصود من هذا أن يتبين له أن من الكفار من يعبد الملائكة وهم من خيار خلق الله وأوليائه فيبطل تلبيسه بأن الفرق بينه وبين الكفار أنه هو يدعو الصالحين والأولياء، والكفار يعبدون الأصنام من الأحجار ونحوها. قوله: " وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} " الآية. أي واذكر له قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى} إلخ لتلقمه حجرا في أن الكفار كانوا يعبدون الأولياء والصالحين فلا فرق بينه وبين أولئك الكفار.
قوله: " فقل له " إلخ أي قل ذلك مبينا له أن الله سبحانه وتعالى كفر
(7/63)

فإن قال: الكفار يريدون منهم وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم.
فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [سورة الزمر، الآية: 3] وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من عبد الصالحين، ومن عبد الأصنام، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاتلهم على هذا الشرك ولم ينفعهم أن كان المعبودون من أولياء الله وأنبيائه.
قوله: " فإن قال " - يعني هذا المشرك - الكفار يريدون منهم أي يريدون أن ينفعوهم أو يضروهم، وأنا لا أريد إلا من الله، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، وأنا لا أعتقد فيهم ولكن أتقرب بهم إلى الله- عز وجل -ليكونوا شفعاء.
فقل له: وكذلك المشركون الذين بعث فيهم رسول الله،- صلى الله عليه وآله وسلم -، هم لا يعبدون هؤلاء الأصنام لاعتقادهم أنها تنفع وتضر، ولكنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى كما قال تعالى عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} وقال: {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} فتكون حاله كحال هؤلاء المشركين سواء بسواء.
(7/64)

واعلم: أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها لنا في كتابه وفهمتها فهما جيدا فما بعدها أيسر منها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله - رحمه الله تعالى -: " هذه الشبه الثلاث ": الشبهة الأولى: قولهم: " إننا لا نعبد الأصنام إنما نعبد الأولياء".
الشبهة الثانية: قولهم: " أننا ما قصدناهم وإنما قصدنا الله- عز وجل -في العبادة".
الشبهة الثالثة: قولهم: " أننا ما عبدناهم لينفعونا أو يضرونا، فإن النفع والضرر بيد الله - عز وجل - ولكن ليقربونا إلى الله زلفى، فنحن قصدنا شفاعتهم بذلك، يعني فنحن لا نشرك بالله سبحانه وتعالى".
فإذا تبين لك انكشاف هذه الشبه فانكشاف ما بعدها من الشبه أهون وأيسر؛ لأن هذه من أقوى الشبه التي يلبسون بها.
(7/65)

فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة.
فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة لله وهو حقه عليك، فإذا قال: نعم. فقل له: بين لي هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده، وهو حقه عليك فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها. فبينها له بقولك: قال الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [سورة الأعراف، الآية: 55] فإذا أعلمته بهذا، فقل له: هل علمت هذا عبادة لله فلا بد أن يقول: نعم، والدعاء مخ العبادة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذا قال هذا الرجل المشبه: أنا لست أعبدهم كما أعبد الله- عز وجل -والالتجاء إليهم ودعاؤهم ليس بعبادة فهذه شبهة.
وجوابها أن تقول: إن الله فرض عليك إخلاص العبادة له وحده. فإذا قال: نعم، فاسأله ما معنى إخلاص العبادة له؟ فإما أن يعرف ذلك، وإما أن لا يعرف، فإن كان لا يعرف فبين له ذلك ليعلم أن دعاءه للصالحين وتعلقه بهم عبادة.
قوله: "فبينها له" أي بين له أنواع العبادة فقل له: إن الله يقول: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} والدعاء عبادة، وإذا كان عبادة فإن دعاء غير الله يكون إشراكا بالله- عز وجل -وعلى هذا، فالذي يستحق أن يدعى ويعبد ويرجى هو الله وحده لا شريك له.
(7/66)

فقل له: إذا أقررت أنها عبادة، ودعوت الله ليلا ونهارا، خوفا وطمعا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيا، أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول: نعم. فقل له: إذا علمت بقول الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [سورة الكوثر، الآية: 2] وأطعت الله ونحرت له، هذا عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم.
فقل له: إذا نحرت لمخلوق نبي، أو جني أو غيرهما هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقر ويقول: نعم.
وقل له أيضا: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " فقل له " الخ، يعني إذا بينت أن الدعاء عبادة وأقر به فقل له: ألست تدعو الله تعالى في حاجة، ثم تدعو في تلك الحاجة نفسها نبيا، أو غيره فهل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول: نعم؛ لأن هذا لازم لا محالة. هذا بالنسبة للدعاء.
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى نوع آخر من العبادة، وهو النحر قال: فقل له: إذا علمت بقول الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وأطعت الله ونحرت له أهذا عبادة؟ فلابد أن يقول: نعم فقد اعترف أن النحر لله تعالى عبادة، وعلى هذا يكون صرفه لغير الله شركا، قال المؤلف - رحمه الله - مقررا ذلك: " فقل له: إذا نحرت لمخلوق" إلخ وهذا إلزام واضح لا محيد عنه.
قوله: " وقل له أيضا: المشركون " إلخ انتقل المؤلف - رحمه الله تعالى - إلى إلزام آخر سبقت الإشارة إليه، وهو أن يسأل هذا المشبه هل كان المشركون يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك فلا بد أن
(7/67)

يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك، وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر، ولكن دعوهم والتجؤوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جدا. فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشافع المشفع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله، كما قال الله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [سورة الزمر، الآية: 44] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يقول: نعم. فيسأل مرة أخرى: هل كانت عبادتهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء، ونحو ذلك مع إقرارهم بأنهم عبيد الله وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر لكن دعوهم والتجؤوا إليهم للجاه، والشفاعة كما سبق وهذا ما وقع فيه المشبه تماما.
قوله: " فإن قال " يعني إذا قال لك المشرك المشبه: هل تنكر شفاعة النبي- صلى الله عليه وآله وسلم -، وهو يقول هذا من أجل أن يلزمك بجواز دعاء النبي- صلى الله عليه وآله وسلم - عسى أن يشفع لك عند الله إذا دعوته. فقل له: لا أنكر هذه الشفاعة ولا أتبرأ منها، ولكني أقول: إن الشفاعة لله ومرجعها كلها إليه، وهو الذي يأذن فيها إذا شاء، ولمن شاء؛ لقول الله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [سورة الزمر، الآية: 44] .
(7/68)

ولا تكون إلا بعد إذن الله كما قال - عز وجل -: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [سورة البقرة، الآية: 255] ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال- عز وجل -: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} وهو لا يرضى إلا التوحيد كما قال - عز وجل -: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} .
فإذا كانت الشفاعة كلها لله ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة كلها لله فاطلبها منه، فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في، وأمثال هذا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " ولا تكون إلا بعد إذن الله " إلخ. بين - رحمه الله - أن الشفاعة لا تكون إلا بشرطين: الشرط الأول: أن يأذن الله بها؛ لقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} .
الشرط الثاني: أن يرضى الله- عز وجل -عن الشافع والمشفوع له؛ لقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [سورة طه، الآية: 109] ؛ ولقول الله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [سورة الأنبياء، الآية: 28] ومن المعلوم أن الله لا يرضى إلا بالتوحيد، ولا يمكن أن يرضى الكفر؛ لقوله تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [سورة الزمر، الآية:7] فإذا كان لا يرضى الكفر، فإنه لا يأذن بالشفاعة للكافر.
قوله: " فإذا كانت الشفاعة كلها لله " إلخ أراد المؤلف - رحمه الله تعالى -
(7/69)

فإن قال: النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله؟ فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا فقال: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [سورة الجن، الآية:18] فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك، فأطعه في قوله: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} وأيضا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والأفراط يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا بطل قولك: "أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله"
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أنه إذا كانت الشفاعة لله، ولا تكون إلا بإذنه، ولا تكون إلا لمن ارتضى، ولا يرضى إلا التوحيد لزم من ذلك أن لا تطلب الشفاعة إلا من الله تعالى لا من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقول: اللهم شفع في نبيك، اللهم لا تحرمني شفاعته وأمثال ذلك. . قوله: " فإن قال " أي المشرك الذي يدعو رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن الله أعطى محمدا - صلى الله عليه وآله وسلم - الشفاعة فأنا أطلبها منه.
فالجواب: من ثلاثة أوجه: الأول: أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك أن تشرك به في دعائه فقال: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} .
الثاني: أن الله سبحانه وتعالى أعطاه الشفاعة، ولكنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يشفع إلا بإذن الله، ولا يشفع إلا لمن ارتضاه الله، ومن كان
(7/70)

مشركا فإن الله لا يرتضيه، فلا يأذن أن يشفع له كما قال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} .
الثالث: أن الله تعالى أعطى الشفاعة غير محمد - صلى الله عليه وآله وسلم -، فالملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والأولياء يشفعون، فقل له: هل تطلب الشفاعة من كل هؤلاء؟ فإن قال: لا فقد خصم وبطل قوله وإن قال: نعم. رجع إلى القول بعبادة الصالحين، ثم إن هذا المشرك المشبه ليس يريد من رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم - أن يشفع له، ولو كان يريد ذلك لقال: " اللهم شفع في نبيك محمدا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم -" ولكنه يدعو الرسول مباشرة ودعاء غير الله شرك أكبر مخرج من الملة، فكيف يريد هذا الرجل الذي يدعو مع الله غيره أن يشفع له أحد عند الله سبحانه وتعالى؟!.
وقال المؤلف: " إن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون " سنده حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم - الذي رواه مسلم مطولا وفيه فيقول الله- عز وجل -: «شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون» الحديث.
وقوله: " والأفراط يشفعون " الأفراط هم الذين ماتوا قبل البلوغ وسنده حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي،- صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم» أخرجه البخاري، وله عنه وعن أبي سعيد من حديث آخر «لم يبلغوا الحنث» .
(7/71)

فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئا حاشا وكلا، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك.
فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنى، وتقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذين حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري. فقل له: كيف تبرىء نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا، ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه، أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذا قال هذا المشرك: أنا لا أشرك بالله شيئا، والالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك.
فجوابه: أن يقال له: ألست تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنى، وأن الله لا يغفره فما هذا الشرك؟ فإنه سوف لا يدري، ولا يجيب بالصواب ما دام يعتقد أن طلب الشفاعة من رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم - ليس بشرك فهو دليل على أنه لا يعرف الشرك الذي عظمه الله تعالى وقال فيه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [سورة لقمان، الآية: 13] .
قوله: " فقل له: كيف تبرئ نفسك" إلخ يعني إذا برأ نفسه من الشرك بلجوئه إلى الصالحين، فجوابه من وجهين: الأول: أن يقال: كيف تبرئ نفسك من الشرك، وأنت لا تعرفه؟ وهل الحكم على الشيء إلا بعد تصوره فحكمك براءة نفسك من الشرك، وأنت لا تعلمه حكم بلا علم فيكون مردودا؟ الوجه الثاني: أن يقال: لماذا؟ أتسأل عن الشرك الذي حرمه الله تعالى
(7/72)

فإن قال: الشرك عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام. فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق، وترزق، وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن. وإن قال: هو من قصد خشبة، أو حجرا، أو بنية على قبر أو غيره، يدعون ذلك، ويذبحون له ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع الله عنا ببركته أو يعطينا ببركته.
فقل: صدقت، وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها. فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام فهو المطلوب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أعظم من تحريم قتل النفس والزنى، وأوجب لفاعله النار وحرم عليه الجنة؟ أتظن أن الله حرمه على عباده، ولم يبينه لهم؟ حاشاه من ذلك.
يعني إذا قال لك المشرك المشبه: الشرك عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام فأجبه بجوابين. الأول: قل له: ما هي عبادة الأصنام؟ أتظن أن من عبدها يعتقد أنها تخلق وترزق، وتدبر أمر من دعاها؟ فإن زعم ذلك فقد كذبه القرآن.
قوله: (وإن قال) إلخ هذا مقابل قولنا: " إن زعم ذلك فقد كذب القرآن " يعني إن قال: عبادة الأصنام أن يقصد خشبته أو حجرا أو بنية على قبر، أو غيره يدعون ذلك، ويذبحون له، ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى قلنا: صدقت، وهذا هو فعلك سواء بسواء، وعليه فتكون مشركا بإقرارك على نفسك، وهذا هو المطلوب.
(7/73)

ويقال له أيضا: قولك: الشرك عبادة الأصنام، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في ذلك؟ فهذا يرده ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدا من الصالحين، فهو الشرك المذكور في القرآن، وهذا هو المطلوب. وسر المسألة: أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي؟.
فإن قال: هو عبادة الأصنام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " ويقال له أيضا: قولك: الشرك عبادة الأصنام " إلى قوله: " وهذا هو المطلوب" هذا هو الجواب الثاني أن يقال: هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين، ودعاء الصالحين لا يدخل في ذلك فهذا يرده القرآن، فلا بد أن يقر لك بأن من أشرك في عبادة أحد من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب.
قوله: " وسر المسألة " يعني لبها أنه إذا قال:أنا لا أشرك بالله، فاسأله ما معنى الشرك؟ فإن قال: هو عبادة الأصنام. فاسأله مما معنى عبادة الأصنام؟ ثم جادله على ما سبق بيانه.
قوله: (فإن قال) إلخ يعني إذا ادعى هذا المشرك أنه لا يعبد إلا الله وحده فاسأله: ما معنى عبادة الله وحده؟ وحينئذ لا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن يفسرها بما دل عليه القرآن، فهذا هو المطلوب والمقبول، وبه يتبين أنه لم يحقق عبادة الله وحده حيث أشرك به.
(7/74)

فقل: وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي. فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله. فقل: ما معنى عبادة الله فسرها لي؟ فإن فسرها بما بينه القرآن، فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدعي شيئا وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله، وعبادة الأوثان، وأنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه.
وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم حيث قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [سورة ص، الآية: 5] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثانية: أن لا يعرف معناها، فيقال: كيف تدعي شيئا، وأنت لا تعرفه؟ أم كيف تحكم به لنفسك، والحكم على الشيء فرع عن تصوره؟.
الثالثة: أن يفسر عبادة الله بغير معناها، وحينئذ يبين له خطؤه ببيان المعنى الشرعي للشرك، وعبادة الأوثان، وأنه الذي يفعلونه بعينه، ويدعون أنهم موحدون غير مشركين.
يعني ويبين له أيضا أن عبادة الله وحده هي التي ينكرونها علينا ويصرخون بها علينا كما فعل ذلك أسلافهم حين قالوا للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ. وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [سورة ص، الآيات: 5-7] .
(7/75)

فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا " كبير الاعتقاد " هو الشرك الذي نزل في القرآن، وقاتل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الناس عليه، فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين أحدهما: أن الأولين لا يشركون، ولا يدعون الملائكة، والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [سورة الإسراء، الآية: 67] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " إذا عرفت " يعني علمت معنى العبادة، وأن ما عليه أولئك المشركون في زمنه هو ما كان المشركون عليه في عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عرفت أن شرك هؤلاء أعظم من شرك الذين قاتلهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وجهين: الوجه الأول: أن هؤلاء يشركون بالله في الشدة والرخاء.
وأما أولئك المشركون الذين بعث فيهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنما يشركون في الرخاء، ويخلصون في حال الشدة، كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} الآية فكانوا إذا ركبوا في الفلك دعوا لله مخلصين له الدين لا يدعون غيره، ولا يسألون سواه، ثم إذا أنجاهم إلى البر إذا هم يشركون، أو فريق منهم بربهم يشركون، فهذا هو وجه.
(7/76)

وقوله: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [سورة الأنعام، الآيتان:40-41] وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ} إلى قوله: {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [سورة الزمر، الآية: 8] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهذه أيضا تدل على أنهم كانوا يشركون في حال الرخاء، وأنهم إذا أتاهم عذاب أو أتتهم الساعة فإنهم لا يدعون غير الله، كما قال تعالى: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} فهم في هذه الحال ينسون ما يشركون، ولا يدعون سوى الله - عز وجل -.
وهذه أيضا كالآيتين اللتين قبلها، تدل على أن الإنسان إذا مسه الضر دعا ربه منيبا إليه، ولكنه إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل، وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله.. فيشرك في حال الرخاء، ويخلص في حال الشدة.
هذه أيضا كالآيات السابقة تدل على أن هؤلاء المشركين إنما يشركون بالله في حال الرخاء، أما في حال الشدة فيلجؤون لله وحده.
(7/77)

فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه، وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدعون الله، ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة، فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون سادتهم. تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا، وشرك الأولين ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهما راسخا، والله المستعان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يبين - رحمه الله - أن المشركين في زمانه أشد شركا من مشركي زمان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأن مشركي زمانه يدعون غير الله في الرخاء وفي الشدة، وأما المشركون في عهد الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنهم يدعون الله، ويدعون غيره في حالة الرخاء، وأما في حال الشدة، فلا يدعون إلا الله - عز وجل - وهذا يدل على أن شرك المشركين في زمانه - رحمه الله - أعظم من شرك المشركين في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قوله: " تبين له الفرق" إلخ هذا جواب قوله: " فمن فهم هذه المسألة إلخ " أي تبين له الفرق، بين مشركي زمانه - رحمه الله - والمشركين في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأن شرك الأولين أخف من شرك أهل زمانه، ولكن أين من يفهم قلبه ذلك، أكثر الناس في غفلة عن هذا، وأكثر الناس يلبس عليهم الحق الباطل فيظنون الباطل حقا كما يظنون الحق باطلا.
(7/78)

الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسا مقربين عند الله إما أنبياء، وإما أولياء، وإما ملائكة، أو يدعون أشجارا، أو أحجارا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنى، والسرقة، وترك الصلاة، وغير ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " الأمر الثاني " أي في بيان أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زمانه - رحمه الله - أن المشركين في عهد الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدعون أناسا مقربين من أولياء الله- عز وجل -أو يدعون أحجارا أو أشجارا مطيعة لله ذليلة له، أما هؤلاء أعني المشركين في زمانه، فإنهم يدعون من يحكون عنهم الفجور، والزنى، والسرقة، وغير ذلك من معاصي الله- عز وجل -، ومعلوم أن من يعتقد في الصالح أو الجماد الذي لا يعصي الله تعالى أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه، ويشهد به. وهذا ظاهر.
(7/79)

والذي يعتقد في الصالح، أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به.
وإذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصح عقولا، وأخف شركا من هؤلاء، فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم، فأصغ سمعك لجوابها وهي: أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وينكرون البعث، ويكذبون القرآن، ويجعلونه سحرا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في هذه الجملة يبين - رحمه الله - شبهة من أعظم شبههم ويجيب عنها فيقول: إذا تحققت أن المشركين في عهده - عليه الصلاة والسلام - أصح عقولا، وأخف شركا من هؤلاء، فاعلم أنهم يوردون شبهة حيث يقولون: إن المشركين في عهد الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ولا يؤمنون بالبعث، ولا الحساب، ويكذبون القرآن، ونحن يعني (مشركي زمانه) نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، فكيف تجعلوننا مثلهم، وهذه شبهة عظيمة.
(7/80)

فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شيء وكذبه في شيء، أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه؟ كمن أقر بالتوحيد، وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد، والصلاة، وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله، وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج، ولما لم ينقد أناس في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للحج أنزل الله في حقهم {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران، الآية: 97] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يقول رحمه الله: إنهم إذا قالوا هذا، يعني أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله إلى آخره، يعني فكيف يكونون كفارا وجوابه أن يقال: إن العلماء أجمعوا على أن من كفر ببعض ما جاء به الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكذب به، فهو كمن كذب بالجميع وكفر به ومن كفر بنبي من الأنبياء، فهو كمن كفر بجميع الأنبياء؛ لقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [سورة النساء، الآيتان: 150-151] ، وقوله تعالى في بني إسرائيل: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سورة البقرة، الآية: 85] .
(7/81)

ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع، وحل دمه وماله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثم ضرب المؤلف لذلك أمثلة: المثال الأول: الصلاة فمن أقر بالتوحيد، وأنكر وجوب الصلاة فهو كافر.
قوله: (أو أقر بالتوحيد) إلخ هذا هو المثال الثاني، وهو من أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة، فإنه يكون كافرا.
المثال الثالث: من أقر بوجوب ما سبق وجحد وجوب الصوم، فإنه يكون كافرا.
المثال الرابع: من أقر بذلك كله وجحد وجوب الحج، فإنه كافر، واستدل المؤلف على ذلك بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ} -يعني من كفر بكون الحج واجبا أوجبه الله على عباده- {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} . قول المؤلف - رحمه الله -: " ولما لم ينقد" إلى آخره ظاهره أن للآية سبب نزول هو هذا ولم أعلم لِمَ ذكره الشيخ دليلا. قوله ومن أقر بهذا كله أي بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ووجوب الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، لكنه كذب بالبعث، فإنه كافر بالله؛ لقول الله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [سورة التغابن، الآية: 7] . وقد حكى المؤلف - رحمه الله - الإجماع على ذلك.
(7/82)

كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [سورة النساء، الآيتان: 150-151] . فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقا زالت هذه الشبه، وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا.
ويقال أيضا: إذا كنت تقر أن من صدق الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في كل شيء وجحد وجوب الصلاة أنه كافر حلال الدم والمال بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله ولا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله:كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} الآية، سبق الكلام على هذه الآية. وقد ساقها المؤلف مستدلا بها على أن الإيمان ببعض الحق دون بعض كفر بالجميع كما قرره بقوله.
لا أعلم عن هذا الكتاب شيئا فليبحث عنه.
قوله: " ويقال أيضا: إذا كنت تقر أن من صدق الرسول" إلخ هذا جواب ثان، فإن مضمونه أنك إذا عرفت وأقررت بأن من جحد الصلاة
(7/83)

فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو أعظم من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ سبحان الله، ما أعجب هذا الجهل! .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والزكاة والصيام والحج والبعث كافر بالله العظيم، ولو أقر بكل ما جاء به الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم - سوى ذلك فكيف تنكر أن يكون من جحد التوحيد، وأشرك بالله تعالى كافرا؟ إن هذا لشيء عجيب، أن تجعل من جحد التوحيد مسلما، ومن جحد وجوب هذه الأشياء كافرا، مع أن التوحيد هو أعظم ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو أعم ما جاءت به الرسل، فجميع الرسل قد أرسلت به، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [سورة الأنبياء، الآية: 25] وهو أصل هذه الواجبات التي يكفر من أنكر وجوبها إذ لا تصح إلا به كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} فإذا كان من أنكر وجوب الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج، أو أنكر البعث كافرا، فمنكر التوحيد أشد كفرا وأبين وأظهر.
(7/84)

ويقال أيضا: هؤلاء أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم - ويؤذنون ويصلون.
فإن قال إنهم يقولون: إن مسيلمة نبي. فقل: هذا هو المطلوب إذا كان من رفع رجلا إلى رتبة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كفر وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان، أو يوسف وصحابيا، أو نبيا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض؟ سبحان الله، ما أعظم شأنه {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الروم، الآية: 59] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " ويقال أيضا:هؤلاء أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -" إلخ هذا جواب ثالث ومضمونه أن الصحابة رضي الله عنهم قاتلوا مسيلمة وأصحابه، واستحلوا دماءهم، وأموالهم مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ويؤذنون، ويصلون، وهم إنما رفعوا رجلا إلى مرتبة النبي، فكيف بمن رفع مخلوقا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض، أفلا يكون أحق بالكفر ممن رفع مخلوقا إلى منزلة مخلوق آخر؟! وهذا أمر واضح، ولكن كما قال الله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الروم، الآية: 59] .
(7/85)

ويقال أيضا: الذين حرقهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بالنار كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي - رضي الله عنه - وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما. فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يكفر؟ .
ويقال أيضا: بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس كلهم يشهدون أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " ويقال أيضا: إن الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار " إلخ، هذا جواب رابع فقد كان هؤلاء يدعون الإسلام، وتعلموا من الصحابة، ومع ذلك لم يمنعهم هذا من الحكم بكفرهم، وتحريقهم بالنار؛ لأنهم قالوا في علي بن أبي طالب: إنه إله، مثل ما يدعي هؤلاء بمن يؤلهونهم، كشمسان وغيره.
فكيف أجمع الصحابة رضي الله عنهم على قتل هؤلاء، أتظنون أن الصحابة رضي الله عنهم يجمعون على قتل من لا يحل قتله، وتكفير من ليس بكافر؟! ذلك لا يمكن أم تظنون أن الاعتقاد في تاج، وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب يضر.
قوله: " ويقال أيضا: بنو عبيد القداح " إلخ هذا جواب خامس، وهو إجماع العلماء على كفر بني عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر وكانوا
(7/86)

ويقال أيضا: إذا كان الأولون لم يكفروا، إلا أنهم جمعوا بين الشرك، وتكذيب الرسول والقرآن وإنكار البعث، وغير ذلك فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب: (باب حكم المرتد) ، وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعا كثيرة كل نوع منها يكفر، ويحل دم الرجل وماله، حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلون الجمعة والجماعات ويدعون أنهم مسلمون، ولكن ذلك لم يمنعهم من حكم المسلمين عليهم بالردة حين أظهروا مخالفة المسلمين في أشياء دون التوحيد حتى قاتلوهم واستنقذوا ما بأيديهم.
قوله: " ويقال أيضا: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا أنهم " إلخ هذا جواب سادس مضمونه أنه إذا كان الأولون لم يكفروا إلا حين جمعوا جميع أنواع الكفر من الشرك والتكذيب والاستكبار، فما معنى ذكر أنواع من الكفر في (باب حكم المرتد) كل نوع منها يكفر حتى ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب، فلولا أن الكفر يحصل بفعل نوع منه، وإن كان الفاعل مستقيما في جانب آخر لم يكن لذكر الأنواع فائدة.
يقول - رحمه الله - تعالى: ومما يدفع شبه هؤلاء، هم الفقهاء في كل مذهب، ذكروا في كتبهم (باب حكم المرتد) ، وذكروا أنواعا كثيرة، حتى ذكروا الكلمة يذكرها الإنسان بلسانه، ولا يعتقدها بقلبه، أو يذكرها على سبيل المزح، ومع ذلك كفروهم، وأخرجوهم من الإسلام بها، وسيأتي لذلك مزيد بيان وإيضاح.
(7/87)

ويقال أيضا: الذين قال الله فيهم: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويجاهدون معه ويصلون، ويزكون، ويحجون، ويوحدون، وكذلك الذين قال الله فيهم: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} فهؤلاء الذين صرح الله فيهم أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح، فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تكفرون من المسلمين أناسا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون، ويصومون، ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " ويقال أيضا: الذين قال الله فيهم: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا} "إلخ هذا جواب سابع مضمونه واقعتان: الأولى: أن الله تعالى حكم بكفر المنافقين الذين قالوا كلمة الكفر مع أنهم كانوا مع النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم -يصلون ويزكون ويحجون ويجاهدون ويوحدون.
الثانية: أنه حكم بكفر المنافقين الذين استهزؤوا بالله وآياته ورسوله وقالوا: " ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء " يعني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه القراء فأنزل الله فيهم {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} . فحكم بكفرهم بعد إيمانهم مع أنهم ذكروا أنهم كانوا
(7/88)

ومن الدليل على ذلك أيضا ما حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} وقول أناس من الصحابة: «اجعل لنا ذات أنواط» فحلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن هذا نظير قول بني إسرائيل: اجعل لنا إلها.
ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة، وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجعل لنا ذات أنواط» لم يكفروا.
فالجواب: أن نقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، وكذلك الذين سألوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يفعلوا ذلك؟ ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك، لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يستهزئون ولم يقولوا ذلك على سبيل الجد، وكانوا يصلون ويتصدقون، ثم ذكر المؤلف - رحمه الله - أن الجواب على هذه الشبهة من أنفع ما في هذه الأوراق.
قوله: " ومن الدليل على ذلك " أي على أن الإنسان قد يقول، أو يفعل ما هو كفر من حيث لا يشعر قول بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم لموسى عليه الصلاة والسلام: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} «وقول أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط " فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:»
(7/89)

ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها فتفيد التعلم، والتحرز ومعرفة أن قول الجاهل: (التوحيد فهمناه) أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«" الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} لتركبن سنن من كان قبلكم» وهذا يدل على أن موسى ومحمدا عليهما الصلاة والسلام قد أنكرا ذلك غاية الإنكار، وهذا هو المطلوب، فإن هذين النبيين الكريمين لم يقرا أقوامهما على هذا الطلب الذي طلبوه بل أنكراه.
وقد شبه بعض المشركين في هذا الدليل فقال: إن الصحابة، وبني إسرائيل لم يكفروا بذلك.
وجواب هذه الشبهة: أن الصحابة، وبني إسرائيل لم يفعلوا ذلك حين لقوا من الرسولين الكريمين إنكار ذلك.
هذا شروع في بيان ما تفيده هذه القصة، أعني قصة الأنواط وبني إسرائيل من الفوائد: الفائدة الأولى: أن الإنسان، وإن كان عالما قد يخفى عليه بعض أنواع الشرك، وهذا يوجب على الإنسان أن يتعلم ويعرف حتى لا يقع في الشرك، وهو لا يدري، وأنه إذا قال: أنا أعرف الشرك، وهو لا يعرفه كان ذلك من أخطر ما يكون على العبد؛ لأن هذا جهل مركب، والجهل المركب شر من الجهل البسيط؛ لأن الجاهل جهلا بسيطا يتعلم وينتفع بعلمه، وأما الجاهل جهلا مركبا، فإنه يظن نفسه عالما، وهو جاهل فيستمر فيما هو عليه من العمل المخالف للشريعة.
(7/90)

وتفيد أيضا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر، وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وتفيد أنه لو لم يكفر، فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظا شديدا كما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وللمشركين شبهة أخرى يقولون: «إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنكر على أسامة قتل من قال: " لا إله إلا الله» "، وكذلك قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر، ولا يقتل، ولو فعل ما فعل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " وتفيد أيضا أن المسلم المجتهد " إلخ هذه هي الفائدة الثانية أن المسلم إذا قال ما يقتضي الكفر جاهلا بذلك، ثم نبه فانتبه، وتاب في الحال فإن ذلك لا يضره؛ لأنه معذور بجهله، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، أما لو استمر على ما علمه من الكفر، فإنه يحكم بما تقتضيه حاله.
قوله: " وتفيد أيضا أنه لو لم يكفر" إلخ هذه هي الفائدة الثالثة، أن الإنسان، وإن كان لا يدري عن الشيء إذا طلب ما يكون به الكفر، فإنه يغلظ عليه تغليظا شديدا؛ لأن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم - قال لأصحابه: «الله أكبر إنها السنن لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» وهذا إنكار ظاهر.
قوله: " وللمشركين شبهة أخرى" إلخ يعني للمشركين المشبهين شبهة أخرى مع ما سبق من الشبهات وهي: «أن النبي صلى الله عليه وآله»
(7/91)

فيقال لهؤلاء المشركين الجهال: معلوم أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاتل اليهود، وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاتلوا بني حنيفة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلون، ويدعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طلب بالنار.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«وسلم أنكر على أسامة بن زيد - رضي الله عنه - قتل الرجل بعد أن قال: لا إله إلا الله فقال: "أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله " وما زال يكررها - عليه الصلاة والسلام - على أسامة حتى قال أسامة: "تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد» وكذلك قوله- صلى الله عليه وآله وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» وأمثال ذلك من الأحاديث التي يستدلون بها على أن من قال: " لا إله إلا الله " لا يكفر ولا يقتل، وإن كان على الشرك من جهة أخرى، وهذا من الجهل العظيم، فليس قول: " لا إله إلا الله" منجيا من عذاب النار ومخلصا للإنسان من الشرك إذا كان يشرك من جهة أخرى.
قوله:" فيقال لهؤلاء المشركين الجهال " إلخ هذا جواب الشبهة التي أوردها هؤلاء الجهال فيما سبق وجوابها بما يلي: أولا: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله.
ثانيا: أن الصحابة قاتلوا بني حنيفة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلون، ويدعون أنهم مسلمون.
ثالثا: أن الذين حرقهم علي بن أبي طالب كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله.
(7/92)

وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال: لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئًا من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعًا من الفروع، وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه؟ ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث: فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلًا ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله تعالى في ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [سورة النساء، الآية: 94] أي فتثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإن تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبيت معنى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث" إلخ هذا إلزام لهؤلاء الجهال واحتجاج عليهم بمثل ما قالوا به، فقد قالوا: إن من أنكر البعث فإنه يقتل كافرًا، ويقولون: من جحد وجوب شيء من أركان الإسلام، فإنه يحكم بكفره ويقتل وإن قال:لا إله إلا الله، فكيف لا يكفر ولا يقتل من يجحد التوحيد الذي هو أساس الدين وإن قال:لا إله إلا الله؟! أفلا يكون هذا أحق بالتكفير ممن جحد وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة؟ ! وهذا إلزام صحيح لا محيد عنه.
قوله: " ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث " إلخ. يعني الأحاديث التي شبهوا بها ثم أخذ رحمه الله يبين معناها فقال:
(7/93)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
فأما حديث أسامة، يعني الحديث الذي قتل فيه أسامة - رضي الله عنه - من قال: لا إله إلا الله حين لحقه أسامة ليقتله وكان مشركًا، فقال: " لا إله إلا الله " فقتله أسامة لظنه أنه لم يكن مخلصًا في قوله وإنما قاله تخلصًا فليس فيه دليل على أن كل من قال: " لا إله إلا الله" فهو مسلم ومعصوم الدم، ولكن فيه دليل على أنه يجب الكف عمن قال: " لا إله إلا الله" ثم بعد ذلك ينظر في حاله حتى يتبين واستدل المؤلف لذلك بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} الآية، فأمر الله تبارك وتعالى بالتبين أي التثبت وهذا يدل على أنه إذا تبين أن الأمر كان خلاف ما كان عليه فإنه يجب أن يعامل بما يتبين من حاله، فإذا بان منه ما يخالف الإسلام قتل ولو كان لا يقتل مطلقًا إذا قالها لم يكن فائدة للأمر بالتثبت.
وعلى كل حال فإن حديث أسامة - رضي الله عنه - ليس فيه دليل على أن من قال: " لا إله إلا الله" وهو مشرك يعبد الأصنام والأموات والملائكة والجن وغير ذلك يكون مسلمًا.
(7/94)

وكذلك الحديث الآخر وأمثاله معناه ما ذكرناه أن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك والدليل على هذا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله» وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» هو الذي قال في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلًا وتسبيحًا، حتى أن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم لا إله إلا الله، ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " وكذلك الحديث الآخر وأمثاله" يريد بالحديث الآخر قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أمرت أن أقاتل الناس» إلخ، فبين رحمه الله تعالى أن معنى الحديث أن من أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين أمره، لقوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا لأن الأمر بالتبين يحتاج إليه إذا كنا في شك من ذلك، أما لو كان قوله: " لا إله إلا الله " بمجرده عاصمًا من القتل فإنه لا حاجة إلى التبين، ثم استدل المؤلف رحمه الله لما ذهب إليه بأن الذي قال لأسامة: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله» وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» ... " هو الذي أمر بقتال الخوارج وقال: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم» مع أن الخوارج يصلون ويذكرون الله ويقرؤون القرآن، وهم قد تعلموا من الصحابة رضي الله عنهم ومع ذلك لم ينفعهم ذلك شيئًا؛ لأن الإيمان لم يصل إلى قلوبهم كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنه لا يجاوز حناجرهم» .
(7/95)

وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة، وكذلك «أراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة حتى أنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} وكان الرجل كاذبًا عليهم» (1) ، وكل هذا يدل على أن مراد النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه.
ولهم شبهة أخرى: وهو ما ذكر النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.
والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهو أن مجرد قول: " لا إله إلا الله " ليس مانعًا من القتل بل يجوز قتال من قالها إذا وجد سبب يقتضي قتاله.
قوله: " ولهم شبهة أخرى " يعني في أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا وقد أجاب عنها بجوابين:
__________
(1) أخرجه ابن جرير الطبري جـ 26 ص 123، وابن كثير جـ 4 ص 187 وقال: "قد روي طرق لهذا الحديث من أحسنها ما رواه الإمام أحمد"، والهيثمي في " المجمع " جـ 7 ص 111 وقال: "رواه أحمد ورجاله ثقات".
(7/96)

إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف وهذا جائز في الدنيا والآخرة، وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك وتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره فكيف بدعائه نفسه؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأول: أن هذه استغاثة بمخلوق فيما يقدر عليه وهذا لا ينكر لقوله تعالى في قصة موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} .
الجواب الثاني: أن الناس لم يستغيثوا بهؤلاء الأنبياء الكرام ليزيلوا عنهم الشدة، ولكنهم يستشفعون بهم عند الله عز وجل ليزيل هذه الشدة، وهناك فرق بين من يستغيث بالمخلوق ليكشف عنه الضرر والسوء، ومن يستشفع بالمخلوق إلى الله ليزيل الله عنه ذلك.
قوله: " إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء " إلخ هذا هو الجواب الثاني وهو أن استغاثتهم بالأنبياء من باب طلب دعائهم إلى الله عز وجل أن يريح الخلق من هذا الموقف العظيم، وليس دعاء لهم، بل طلب دعائهم لربهم عز وجل، وهذا أمر جائز كما أن الصحابة رضي الله عنهم يسألون النبي صلى الله عليهم وسلم أن يدعو الله لهم، ففي الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه - «أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب. فقال: " يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا" ولم يقل: فأغثنا يا»
(7/97)

«رسول الله، بل قال: " فادع الله يغيثنا " فرفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يديه وقال: "اللهم أغثنا " ثلاث مرات، فأنشأ الله سبحانه وتعالى سحابة فأمطرت، ولم يروا الشمس أسبوعًا كاملًا، والمطر ينهمر، وفي الجمعة التالية دخل رجل أو الرجل الأول فقال: " يا رسول الله غرق المال، وتهدم البناء فادع الله تعالى يمسكها عنا"، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربه وقال: " اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر» فانفرجت السماء وخرج الصحابة يمشون في الشمس.
فهذا طلب دعاء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل وليس دعاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا استغاثة به، وبهذا يعرف أن هذه الشبهة التي لبس بها هؤلاء شبهة لا تنفعهم بل هي حجة داحضة عند الله عز وجل.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله أنه لا بأس أن تأتي لرجل صالح تعرفه وتعرف صلاحه فتسأله أن يدعو الله لك، وهذا حق إلا أنه لا ينبغي للإنسان أن يتخذ ذلك ديدنًا له كلما رأى رجلًا صالحًا قال: ادع الله لي، فإن هذا ليس من عادة السلف رضي الله عنهم، وفيه اتكال على دعاء الغير، ومن المعلوم أن الإنسان إذا دعا ربه بنفسه كان خيرًا له لأنه يفعل عبادة يتقرب بها إلى الله عز وجل فإن الدعاء من العبادة كما قال الله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} الآية، والإنسان إذا دعا ربه بنفسه فإنه ينال أجر العبادة ثم يعتمد على الله عز وجل في حصول المنفعة ودفع المضرة، بخلاف ما إذا طلب من غيره أن يدعو الله له فإنه يعتمد على ذلك الغير وربما يكون تعلقه بهذا الغير أكثر من تعلقه
(7/98)

ولهم شبهة أخرى وهي: «قصة إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا،» قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم؟ فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى: فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى فيه: {شَدِيدُ الْقُوَى} [سورة النجم، الآية:5] فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيم في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل، وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلًا محتاجًا فيعرض عليه أن يقرضه، أو أن يهبه شيئًا يقضي به حاجته فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد. فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟ ! .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بالله عز وجل، وهذا الأمر فيه خطورة وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: " إذا طلب الإنسان من شخص أن يدعو له فإن هذا من المسألة المذمومة " فينبغي للإنسان إذا طلب من شخص أن يدعو له أن ينوي بذلك نفع ذلك الغير بدعائه له، فإنه يؤجر على هذا وربما ينال ما جاء به الحديث أن الرجل إذا دعا لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة: آمين ولك بمثلها.
قوله: " ولهم شبهة أخرى وهي قصة إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار " إلخ. والجواب عن هذه الشبهة:
أن جبريل إنما عرض عليه أمرًا ممكنًا يمكن أن يقوم به فلو أذن الله لجبريل لأنقذ إبراهيم بما أعطاه الله تعالى من القوة فإن جبريل كما وصفه الله تعالى {شَدِيدُ الْقُوَى} فلو أمره الله أن يأخذ نار إبراهيم وما
(7/99)

ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة جدًا تفهم مما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها، ولكثرة الغلط فيها فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حولها ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل ولو أمره أن يحمل إبراهيم إلى مكان بعيد عنهم لفعل ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل.
ثم ضرب المؤلف بهذا مثلًا: رجل غني أتى إلى فقير فقال: هل لك حاجة في المال؟ من قرض أو هبة أو غير ذلك؟ فإنما هذا مما يقدر عليه، ولا يعد هذا شركًا لو قال: نعم لي حاجة أقرضني، أو هبني لم يكن مشركًا.
ختم المؤلف هذه الشبهات بمسألة عظيمة هي:
أنها لا بد أن يكون الإنسان موحدًا بقلبه وقوله وعمله فإن كان موحدًا بقلبه ولكنه لم يوحد بقوله أو بعمله فإنه غير صادق في دعواه، لأن توحيد القلب يتبعه توحيد القول والعمل لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» . فإذا وحد الله كما زعم بقلبه ولكنه لم يوحده بقوله أو فعله فإنه من جنس فرعون الذي كان مستيقنًا بالحق عالمًا لكنه أصر وعاند وبقي على ما كان عليه من دعوى الربوبية، قال الله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} وحكى تعالى عن موسى أنه قال لفرعون: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} .
(7/100)

وهذا يغلط فيه كثير من الناس يقولون: هذا حق ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكنا لا نقدر أن نفعله ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، وغير ذلك من الأعذار. ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار كما قال تعالى: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [سورة التوبة، الآية:9] وغير ذلك من الآيات كقوله: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [سورة البقرة، الآية:146] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " وهذا يغلط فيه كثير من الناس" إلخ يعني أن كثيرًا من الناس يعرف الحق في هذا ويقولون: نحن نعرف أن هذا هو الحق ولكننا لا نقدر عليه لمخالفته أهل بلدنا ونحو ذلك من الأعذار، وهذا العذر لا ينفعهم عند الله عز وجل لأن الواجب على المرء أن يلتمس رضا الله عز وجل ولو سخط الناس، وأن لا يتبع رضا الناس بسخط الله عز وجل، وهذا يشبه من يحتجون بما كان عليه آباؤهم وهم الذين حكى الله عنهم {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} والآية الأخرى {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} .
قوله: " ولم يدر المسكين " أي المعدوم من الفقه والبصيرة أن غالب أئمة الكفر كانوا يعرفون الحق لكنهم عاندوا فخالفوا الحق كما قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} وقال: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} فكانوا يعتذرون بأعذار لا تنفعهم كخوف بعضهم من فوات الرئاسة وتصدر المجالس ونحو ذلك.
فكثير من أئمة الكفار يعرفون الحكم ولكنهم يكرهونه ولا يتبعونه، ومعرفة الحق دون العمل به أشد من الجهل بالحق، لأن الجاهل بالحق
(7/101)

فإن عمل بالتوحيد عملًا ظاهرًا وهو لا يفهمه، أو لا يعتقده بقلبه فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص لقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [سورة النساء: الآية:145] . وهذه المسألة كبيرة طويلة تتبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دنيا، أو جاه، أو مداراة لأحد، وترى من يعمل به ظاهرًا لا باطنًا فإذا سألته عما يعتقد بقلبه فإذا هو لا يعرفه ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يعذر، وقد يعلم فيتنبه ويتعلم بخلاف المعاند المستكبر، ولهذا كان اليهود مغضوبًا عليهم لعلمهم بالحق وتركهم إياه، وكان النصارى ضالين لأنهم لم يعرفوا الحق، لكن بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان النصارى عالمين فكانوا مثل اليهود في كونهم مغضوبًا عليهم.
يقول رحمه الله: فإن عمل بالتوحيد ظاهرًا أي باللسان والجوارح، ولكنه لم يعتقده بقلبه ولم يفهمه فإنه منافق، وهو شر من الكافر المصرح بكفره لقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} وهذا ظاهر فيمن كان معاندًا يعلم الحق ولكنه كرهه بقلبه ولم يطمئن إليه، ولم يستقر به، ولكنه أظهر الالتزام بالشريعة خداعًا لله ولرسوله وللمؤمنين، وأما من كان لا يفهمه بالكلية ولا يدري ولكنه يعمل كما يعمل الناس ولم يتبين له ذلك الشيء الذي يعملونه والمقصود منه، فإن الواجب أن يبلغ ويعلم، فإن أصر على ما هو عليه من إنكاره بقلبه فهو منافق.
بين رحمه الله أن هذه المسألة مسألة كبيرة طويلة يعني أن تتبعها يطول بواسطة أن كثيرًا من الناس قد يأبى الحق خوفًا من أن يلام عليه، أو رجاء لجاه أو دنيا، فيحتاج أن يتتبع أحوال الناس ويعرفها تمامًا حتى
(7/102)

أولاهما: قوله تعالى: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ، فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر، أو يعمل به خوفًا من نقص مال، أو جاه، أو مداراة لأحد أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها. والآية الثانية: قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} فلم يعذر الله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يعلم من هو منافق ومن هو مؤمن إيمانًا خالصًا.
يحث المؤلف رحمه الله تعالى على تدبر آيتين من كتاب الله عز وجل: أولاهما قوله تعالى: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وهذه الآية نزلت في المنافقين الذين سبوا رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه القراء.
فالمؤلف رحمه الله يقول: إذا كان هؤلاء المنافقون الذين غزوا مع رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في غزوة تبوك كفروا بكلمة قالوها على سبيل المزاح لا على سبيل الجد فما بالك بمن يكفر كفرًا جديًا يريده بقلبه من أجل خوف فوات مركز، أو جاه، أو ما أشبه ذلك، فإنه يكون أعظم وأعظم. فالواقع خوفًا أو رجاء أن كلهم كفروا بعد إيمانهم سواء فعلوا ذلك استهزاء أو فعلوه على سبيل الجد والكفر، فإن كل إنسان يظهر الإسلام ويبطن الكفر فهو منافق على أي وجه كان.
هذه هي الآية الثانية التي حث المؤلف رحمه الله تعالى على تدبرها وهذه الآية تدل على أنه لا يعذر أحد كفر بعد إيمانه إلا من كان
(7/103)

من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفًا، أو مداراة، أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعله على وجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره. فالآية تدل على هذا (1) من جهتين:
الأولى: قوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل وأما عقيدة القلب فلا يكره عليها أحد. والثانية: قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد، أو الجهل، أو البغض للدين، أو محبة الكفر وإنما سببه أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مكرهًا، وأما من كفر على سبيل الاختيار لأي غرض من الأغراض سواء كان مزاحًا، أو مشحة في وظيفة، أو دفاعًا عن وطن، أو ما أشبه ذلك فإنه يكون كافرًا، فالله عز وجل لم يعذر من كفر إلا من كان مكرهًا بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان.
أي إن الله تعالى لم يستثن في الآية من الكافرين إلا من أكره، والإكراه لا يكون إلا على القول أو الفعل، أما عقيدة القلب فلا يطلع عليها إلا الله، ولا يتصور فيها الإكراه، لأنه لا يمكن لأحد أن يكره شخصًا فيقول: لا بد أن تعتقد كذا وكذا، لأنه أمر باطن لا يعلم به، وإنما الإكراه على ما ظهر فقط بالقول أو الفعل. الوجه الثاني: أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة فكان كفرهم سببه أنهم استحبوا الدنيا على الآخرة، ويعني بالدنيا كل ما يتعلق بها من جاه،
(7/104)

والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أو مال، أو رياسة أو غير ذلك ممن آثر الدنيا بما فيها على الآخرة وكفره من أجل إيثار الدنيا فإنه يكون كافرًا وإن لم يكن مستحبًا للكفر ولكنه مستحب لحياة الدنيا فإنه يكفر، وذلك أن بعض الناس يكفر لأنه يحب الكفر ويعجبه، وبعض الناس يكفر لمال، أو جاه، أو رياسة، وبعض الناس يكفر لينال بذلك شيئًا من السلطان وما أشبه ذلك فالأغراض كثيرة.
نسأل الله تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا. ختم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى كتابه هذا برد العلم إلى الله عز وجل والصلاة والسلام على نبيه محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبهذا انتهى كتاب كشف الشبهات فنسأل الله تعالى أن يثيب مؤلفه أحسن ثواب وأن يجعل لنا نصيبًا من أجره وثوابه وأن يجمعنا وإياه في دار كرامته إنه جواد كريم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
(7/105)

شرح الأصول الستة.
(7/107)

بسم الله الرحمن الرحيم
الشرح.
ابتدأ المؤلف -رحمه الله تعالى كتابه بالبسملة اقتداء بكتاب الله عز وجل فإنه مبدوء بالبسملة، واقتداء برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فإنه يبدأ كتبه ورسائله بالبسملة.
والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف مؤخر مناسب للمقام تقديره هنا بسم الله أكتب.
وقدرناه فعلًا لأن الأصل في العمل الأفعال.
وقدرناه مؤخرًا لفائدتين:
الأولى: التبرك بالبداءة باسم الله تعالى.
الثانية: إفادة الحصر لأن تقديم المتعلق به يفيد الحصر.
وقدرناه مناسبًا لأنه أدل على المراد فلو قلنا مثلًا عندما نريد أن نقرأ كتابًا: باسم الله نبتدئ، ما يدري بماذا نبتدئ، لكن بسم الله نقرأ أدل على المراد.
لفظ الجلالة علم على الباري جل وعلا وهو الاسم الذي تتبعه جميع الأسماء حتى أنه في قوله تعالى:
(7/109)

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} لا نقول: إن لفظ الجلالة (الله) صفة بل نقول: هي عطف بيان لئلا يكون لفظ الجلالة تابعًا تبعية النعت للمنعوت ولهذا قال العلماء: أعرف المعارف لفظ (الله) لأنه لا يدل على أحد سوى الله عز وجل.
الرحمن: اسم من الأسماء المختصة بالله لا يطلق على غيره.
ومعناه: المتصف بالرحمة الواسعة.
الرحيم: اسم يطلق على الله عز وجل وعلى غيره.
ومعناه: ذو الرحمة الواصلة، فالرحمن ذو الرحمة الواسعة، والرحيم ذو الرحمة الواصلة فإذا جُمعا صار المراد بالرحيم الموصل رحمته إلى من يشاء من عباده كما قال الله تعالى: {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} . والمراد بالرحمن الواسع الرحمة.
(7/110)

من أعجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب ستة أصول بينها الله تعالى بيانًا واضحًا للعوام فوق ما يظن الظانون، ثم بعد هذا غلط فيها كثير من أذكياء العالم وعقلاء بني آدم إلا أقل القليل.

الشرح.
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى له عناية بالرسائل المختصرة التي يفهمها العامي وطالب العلم، ومن هذه الرسائل هذه الرسالة (ستة أصول عظيمة) وهي:
الأصل الأول: الإخلاص وبيان ضده وهو الشرك.
الأصل الثاني: الاجتماع في الدين والنهي عن التفرق فيه.
الأصل الثالث: السمع والطاعة لولاة الأمر.
الأصل الرابع: بيان العلم والعلماء، والفقه والفقهاء، ومن تشبه بهم وليس منهم.
الأصل الخامس: بيان من هم أولياء الله.
الأصل السادس: رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة.
وهذه الأصول أصول مهمة جديرة بالعناية، ونحن نستعين بالله تعالى في شرحها والتعليق عليها بما يسر الله.
(7/111)

الأصل الأول.
إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى بكلام يفهمه أبلد العامة، ثم لما صار على أكثر الأمة ما صار أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين وأتباعهم.

الشرح.
الإخلاص لله معناه:"أن يقصد المرء بعبادته التقرب إلى الله تعالى والتوصل إلى دار كرامته". بأن يكون العبد مخلصًا لله تعالى في قصده مخلصًا لله تعالى في محبته، مخلصًا لله تعالى في تعظيمه، مخلصًا لله تعالى في ظاهره وباطنه لا يبتغي بعبادته إلا وجه الله تعالى والوصول إلى دار كرامته كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} . وقوله تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} ،، وقوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} ، وقوله: {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا}
(7/112)

، وقد أرسل الله تعالى جميع الرسل بذلك كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} . وكما وضح الله ذلك في كتابه كما قال المؤلف: "من وجوه شتى بكلام يفهمه أبلد العامة "، فقد وضحه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقد جاء - عليه الصلاة والسلام - بتحقيق التوحيد وإخلاصه وتخليصه من كل شائبة، وسد كل طريق يمكن أن يوصل إلى ثلم هذا التوحيد أو إضعافه، حتى «أن رجلًا قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وما شاء الله وشئت" فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أجعلتني لله ندًا بل ما شاء الله وحده» ، فأنكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على هذا الرجل أن يقرن مشيئته بمشيئة الله تعالى بحرف يقتضي التسوية بينهما، وجعل ذلك من اتخاذ الند لله عز وجل، ومن ذلك أيضًا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حرم الحلف بغير الله وجعل ذلك من الشرك بالله فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من حلف بغير الله فقد كفر أو»
(7/113)

«أشرك» ، وذلك لأن الحلف بغير الله تعظيم للمحلوف به بما لا يستحقه إلا الله عز وجل، وحينما «قدم عليه وفد فقالوا: "يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا" قال: "يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل» . وقد عقد المصنف رحمه الله لذلك بابًا في كتاب التوحيد. فقال: "باب ما جاء في حماية المصطفى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمى التوحيد وسده طرق الشرك ".
وكما بين الله تعالى الإخلاص وأظهره بين ضده وهو الشرك فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ، وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} .
(7/114)

وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} ،، والآيات في ذلك كثيرة. ويقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» رواه مسلم من حديث جابر. والشرك على نوعين:
النوع الأول: شرك أكبر مخرج عن الملة وهو: "كل شرك أطلقه الشارع وهو مناف للتوحيد منافاة مطلقة"، مثل: أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله بأن يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو أن يدعو غير الله تعالى مثل أن يدعو صاحب قبر، أو يدعو غائبًا لإنقاذه من أمر لا يقدر عليه إلا الحاضر، وأنواع الشرك معلومة فيما كتبه أهل العلم.
النوع الثاني: الشرك الأصغر وهو: " كل عمل قولي أو فعلي أطلق عليه الشارع وصف الشرك لكنه لا ينافي التوحيد منافاة مطلقة"، مثل: الحلف بغير الله فالحالف بغير الله الذي لا يعتقد أن لغير الله تعالى من العظمة ما يماثل عظمة الله مشرك شركًا أصغر، ومثل: الرياء وهو خطير قال فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أخوف ما أخاف»
(7/115)

«عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه؟ فقال: الرياء» (1) . وقد يصل الرياء إلى الشرك الأكبر، وقد مثل ابن القيم رحمه الله للشرك الأصغر بيسير الرياء وهذا يدل على أن كثير الرياء قد يصل إلى الشرك الأكبر، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} . يشمل كل شرك ولو كان أصغر، فالواجب الحذر من الشرك مطلقًا فإن عاقبته وخيمة قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} ،، فإذا حرمت الجنة على المشرك لزم أن يكون خالدًا في النار أبدًا، فالمشرك بالله تعالى قد خسر الآخرة لا ريب لأنه في النار خالدًا، وخسر الدنيا لأنه قامت عليه الحجة وجاءه النذير ولكنه خسر لم يستفد من الدنيا شيئًا قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} . فخسر نفسه لأنه لم يستفد منها شيئًا وأوردها النار وبئس الورد المورود، وخسر أهله لأنهم إن كانوا مؤمنين فهم في الجنة فلا يتمتع بهم، وإن كانوا في النار فكذلك لأنه كلما دخلت أمة لعنت أختها.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد جـ5 ص428، وابن أبي شيبة في "الإيمان" ص86 باب الخروج من الإيمان بالمعاصي، والهيثمي في " المجمع" جـ10 ص222 وقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن شبيب بن خالد وهو ثقة".
(7/116)

واعلم أن الشرك خفي جدًا وقد خافه خليل الرحمن وإمام الحنفاء كما حكى الله عنه: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} . وتأمل قوله: وَاجْنُبْنِي ولم يقل: "وامنعني" لأن معنى اجنبني أي اجعلني في جانب وعبادة الأصنام في جانب، وهذا أبلغ من امنعني لأنه إذا كان في جانب وهي في جانب، كان أبعد، وقال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلهم يخاف النفاق على نفسه"، وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لحذيفة بن اليمان: "أنشدك الله هل سماني لك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع من سمى من المنافقين" مع أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشره بالجنة ولكنه خاف أن يكون ذلك لما ظهر لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أفعاله في حياته، فلا يأمن النفاق إلا منافق، ولا يخاف النفاق إلا مؤمن، فعلى العبد أن يحرص على الإخلاص وأن يجاهد نفسه عليه قال بعض السلف: "ما جاهدت نفسي على شيء ما جاهدتها على الإخلاص" فالشرك أمره صعب جدًا ليس بالهين ولكن الله ييسر الإخلاص على العبد وذلك بأن يجعل الله نصب عينيه فيقصد بعمله وجه الله.
(7/117)

الأصل الثاني.
أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق فيه، فبين الله هذا بيانًا شافيًا تفهمه العوام، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا قبلنا فهلكوا، وذكر أنه أمر المسلمين بالاجتماع في الدين ونهاهم عن التفرق فيه، ويزيده وضوحًا ما وردت به السنة من العجب العجاب في ذلك، ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين، وصار الاجتماع في الدين لا يقوله إلا زنديق أو مجنون.
الشرح.
الأصل الثاني من الأصول التي ساقها الشيخ - رحمه الله تعالى - الاجتماع في الدين والنهي عن التفرق فيه، وهذا الأصل العظيم قد دل عليه كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وعمل الصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح رحمهم الله تعالى:
أما كتاب الله تعالى: فقد قال الله-عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
(7/118)

وقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . . وقال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} .
ففي هذه الآيات نهى الله تعالى عن التفرق وبين عواقبه الوخيمة على الفرد والمجتمع والأمة بأسرها.
وأما دلالة السنة على هذا الأصل العظيم: فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله» ، وفي رواية: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تجسسوا ولا»
(7/119)

«تحسسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانًا» وفي رواية: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانًا» .
ويقول - عليه الصلاة والسلام -: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» . «وقال - عليه الصلاة والسلام - لأبي أيوب رضي الله عنه: "ألا أدلك على تجارة؟ " قال: بلى يا رسول الله. قال: "تسعى في الإصلاح بين الناس إذا تفاسدوا،وتقارب بينهم إذا تباعدوا» (1) . وفي مقابلة أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المؤمنين بالتحاب والتآلف ومحبة الخير والتعاون على البر والتقوى وفعل الأسباب التي تقوي ذلك وتنميه في مقابلة ذلك نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن كل ما يوجب تفرق المسلمين وتباعدهم وذلك لما في التفرق والبغضاء من المفاسد العظيمة فالتفرق هو قرة عين شياطين الجن والإنس، لأن شياطين الإنس والجن لا يودون من أهل الإسلام أن يجتمعوا على شيء فهم يريدون أن يتفرقوا لأنهم يعلمون أن التفرق تفتت للقوة التي تحصل بالالتزام والاتجاه إلى الله عز وجل.
فالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حث على التآلف والتحاب بقوله وفعله، ونهى عن التفرق والاختلاف الذي يؤدي إلى تفريق الكلمة وذهاب الريح.
__________
(1) الهيثمي: في المجمع جـ 8 ص 80.
(7/120)

وأما عمل الصحابة: فقد وقع بينهم رضي الله عنهم الاختلاف،لكن لم يحصل به التفرق ولا العداوة ولا البغضاء، فقد حصل الخلاف بينهم في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورسول الله بين أظهرهم فمن ذلك «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما فرغ من غزوة الأحزاب، وجاءه جبريل يأمره أن يخرج إلى بني قريظة لنقضهم العهد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأصحابه: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"، فخرجوا من المدينة إلى بني قريظة، وحان وقت صلاة العصر، فقال بعضهم: لا نصلي إلا في بني قريظة، ولو غابت الشمس، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة".فنقول سمعنا وأطعنا.
ومنهم من قال: نصلي في الوقت لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أراد بذلك المبادرة والإسراع إلى الخروج ولم يرد منا تأخير الصلاة. فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم يعنف أحدًا منهم ولم يوبخه على ما فهم» ، وهم بأنفسهم رضي الله عنهم لم يتفرقوا من أجل اختلاف الرأي في فهم حديث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(7/121)

أما عمل السلف الصالح: فإن من أصول أهل السنة والجماعة في المسائل الخلافية أن ما كان الخلاف فيه صادرًا عن اجتهاد وكان مما يسوغ فيه الاجتهاد فإن بعضهم يعذر بعضًا بالخلاف ولا يحمل بعضهم على بعض حقدًا، ولا عداوة، ولا بغضاء بل يعتقدون أنهم إخوة حتى وإن حصل بينهم هذا الخلاف، حتى أن الواحد منهم ليصلي خلف من يرى أنه ليس على وضوء ويرى الإمام أنه على وضوء، مثل أن يصلي خلف شخص أكل لحم إبل وهذا الإمام يرى أنه لا ينقض الوضوء، والمأموم يرى أنه ينقض الوضوء فيرى أن الصلاة خلف ذلك الإمام صحيحة وإن كان هو لو صلاها بنفسه لرأى أن صلاته غير صحيحة، كل هذا لأنهم يرون أن الخلاف الناشئ عن اجتهاد فيما يسوغ فيه الاجتهاد ليس في الحقيقة بخلاف، لأن كل واحد من المختلفين قد تبع ما يجب عليه اتباعه من الدليل الذي لا يجوز له العدول عنه، فهم يرون أن أخاهم إذا خالفهم في عمل ما اتباعًا للدليل هو في الحقيقة قد وافقهم، لأنهم يدعون إلى اتباع الدليل أينما كان، فإذا خالفهم موافقة لدليل عنده فهو في الحقيقة قد وافقهم، لأنه تمشى على ما يدعون إليه ويهدون إليه من تحكيم كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
أما ما لا يسوغ فيه الخلاف فهو ما كان مخالفًا لما كان عليه الصحابة والتابعون، كمسائل العقائد التي ضل فيها من ضل من الناس، ولم يحصل فيها الخلاف إلا بعد القرون المفضلة-أي لم ينتشر
(7/122)

الخلاف إلا بعد القرون المفضلة وإن كان بعض الخلاف فيها موجودًا في عهد الصحابة ولكن ليعلم أننا إذا قلنا: قرن الصحابة ليس المعنى أنه لا بد أن يموت كل الصحابة، بل القرن ما وجد فيه معظم أهله قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن القرن يحكم بانقضائه إذا انقرض أكثر أهله".
فالقرون المفضلة انقرضت ولم يوجد فيها هذا الخلاف الذي انتشر بعدهم في العقائد، فمن خالف ما كان عليه الصحابة والتابعون فإنه عليه ولا يقبل خلافه.
أما المسائل التي وجد فيها الخلاف في عهد الصحابة وكان فيها مساغ للاجتهاد فلا بد أن يكون الخلاف فيها باقيًا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر» فهذا هو الضابط.
فالواجب على المسلمين جميعًا أن يكونوا أمة واحدة وأن لا يحصل بينهم تفرق وتحزب بحيث يتناحرون فيما بينهم بأسنة الألسن ويتعادون ويتباغضون من أجل اختلاف يسوغ فيه الاجتهاد فإنهم
(7/123)

وإن اختلفوا فيما يختلفون فيه فيما تقتضيه النصوص حسب أفهامهم فإن هذا أمر فيه سعة ولله الحمد، والمهم ائتلاف القلوب واتحاد الكلمة ولا ريب أن أعداء المسلمين يحبون من المسلمين أن يتفرقوا سواء كانوا أعداء يصرحون بالعداوة، أو أعداء يتظاهرون بالولاية للمسلمين أو للإسلام وهم ليسوا كذلك.
(7/124)

الأصل الثالث.
إن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدًا حبشيًا، فبين الله هذا بيانًا شائعًا كافيًا بوجوه من أنواع البيان شرعًا وقدرًا، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم فكيف العمل به.
الشرح.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: إن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لولاة الأمر بامتثال ما أمروا به وترك ما نهوا عنه ولو كان من تأمر علينا عبدًا حبشيًا.
قوله: "فبين الله هذا بيانًا شائعًا كافيًا. . . إلخ".
أما بيانه شرعًا: ففي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فمن بيانه في كتاب الله تعالى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} . الآية، وقوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} وقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} .
(7/125)

ومن بيانه في سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ما ثبت في الصحيحين من حديث عبادة ابن الصامت - رضي الله عنه - قال: «بايعنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» . وقال - عليه الصلاة والسلام -: «من رأى من أميره شيئًا فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات فميتته جاهلية» ، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من خلع يدًا من الطاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له» ، وقال: «اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي» ، وقال - عليه الصلاة والسلام -: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» متفق عليه. وقال عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: «كنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفر فنزلنا منزلًا فنادى منادي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الصلاة جامعة " فاجتمعنا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "إنه ما من نبي»
(7/126)

«بعثه الله إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقق بعضها بعضًا، تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، وتجيء الفتنة فيقول: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاءه آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» رواه مسلم.
وأما بيانه قدرًا: فإنه لا يخفى حال الأمة الإسلامية حين كانت متمسكة بدينها، مجتمعة عليه، معظمة لولاة أمورها، منقادة لهم بالمعروف، كانت لها السيادة والظهور في الأرض كما قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} ، وقال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} . .
(7/127)

ولما أحدثت الأمة الإسلامية ما أحدثت وفرقوا دينهم، وتمردوا على أئمتهم، وخرجوا عليهم وكانوا شيعًا نزعت المهابة من قلوب أعدائهم، وتنازعوا ففشلوا وذهبت ريحهم، وتداعت عليهم الأمم وصاروا غثاء كغثاء السيل.
وصار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم والغيرة على دين الله وترك العمل به ورأى كل فرد من أفراد الرعية نفسه أميرًا أو بمنزلة الأمير المنابذ للأمير. فالواجب علينا جميعًا - رعاة ورعية - أن نقوم بما أوجب الله علينا من التحاب والتعاون على البر والتقوى، والاجتماع على المصالح لنكون من الفائزين، وعلينا أن نجتمع على الحق ونتعاون عليه، وأن نخلص في جميع أعمالنا، وأن نسعى لهدف واحد هو إصلاح هذه الأمة إصلاحًا دينيًا ودنيويًا بقدر ما يمكن، ولن يمكن ذلك حتى تتفق كلمتنا ونترك المنازعات بيننا والمعارضات التي لا تحقق هدفًا، بل ربما تفوت مقصودًا وتعدم موجودًا.
إن الكلمة إذا تفرقت،والرعية إذا تمردت، دخلت الأهواء والضغائن وصار كل واحد يسعى لتنفيذ كلمته وإن تبين أن الحق والعدل في خلافها وخرجنا عن توجيهات الله تعالى حيث يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .
(7/128)

فإذا عرف كل واحد منا ما له وما عليه وقام به على وفق الحكمة فإن الأمور العامة والخاصة تسير على أحسن نظام وأكمله.
(7/129)

الأصل الرابع.
بيان العلم والعلماء، والفقه والفقهاء، وبيان من تشبه بهم وليس منهم، وقد بين الله هذا الأصل في أول سورة البقرة من قوله: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} إلى قوله: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} ،. ويزيده وضوحًا ما صرحت به السنة في هذا الكلام الكثير البين الواضح للعامي البليد، ثم صار هذا أغرب الأشياء، وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات، وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل، وصار العلم الذي فرضه الله تعالى على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون، وصار من أنكره وعاداه وصنف في التحذير منه والنهي عنه هو الفقيه العالم.
الشرح.
المراد بالعلم (1) هنا العلم الشرعي وهو: "علم ما أنزل الله على رسوله من البينات والهدى"، والعلم الذي فيه المدح والثناء هو علم الشرع علم ما أنزله الله على رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الكتاب والحكمة قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} ، وقال
__________
(1) انظر في هذا الكتاب الفذ لشيخنا "كتاب العلم". وقد صدر حديثاً.
(7/130)

النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» ، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (1) . ومن المعلوم أن الذي ورثه الأنبياء إنما هو علم الشريعة، ومع هذا فنحن لا ننكر أن يكون للعلوم الأخرى فائدة، ولكنها فائدة ذات حدين: إن أعانت على طاعة الله وعلى نصر دين الله وانتفع بها عباد الله كانت خيرًا ومصلحة، وقد ذكر بعض أهل العلم أن تعلم الصناعات فرض كفاية وهذا محل نظر ونزاع.
وعلى كل حال فالعلم الذي ورد الثناء فيه وعلى طالبيه هو فقه كتاب الله وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وما عدا ذلك فإن كان وسيلة إلى خير فهو خير، وإن كان وسيلة إلى شر فهو شر، وإن لم يكن وسيلة لهذا وهذا فهو ضياع وقت ولغو.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد جـ5 ص196، وأبو داود (3641) والترمذي (2681) وابن ماجه (223) والدارمي (338) والبغوي في " شرح السنة" جـ 1 ص 275 برقم {129} ،وابن حبان في "صحيحه" برقم 88، والهيثمي في "موارد الظمآن" جـ 1ص 177 برقم {80} ، والبخاري في " صحيحه" جـ8 ص 337، قال الحافظ في "الفتح" جـ1 ص 160 "وله شواهد يتقوى بها".
(7/131)

والعلم له فضائل كثيرة:
منها: أن الله يرفع أهل العلم في الآخرة وفي الدنيا، أما في الآخرة فإن الله يرفعهم درجات بحسب ما قاموا به من الدعوة إلى الله والعمل بما عملوا، وفي الدنيا يرفعهم الله بين عباده بحسب ما قاموا به قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} .
ومنها: أنه إرث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» .
ومنها: أنه مما يبقى للإنسان بعد مماته فقد ثبت في الحديث أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» .
ومنها: أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يرغب أحدًا أن يغبط أحدًا على شيء من النعم إلا على نعمتين هما:
1 - طلب العلم والعمل به.
2 - الغني الذي جعل ماله خدمة للإسلام، فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا»
(7/132)

«فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها» .
ومنها: أن العلم نور يستضيء به العبد فيعرف كيف يعبد ربه وكيف يعامل غيره، فتكون مسيرته في ذلك على علم وبصيرة.
ومنها: أن العالم نور يهتدي به الناس في أمور دينهم ودنياهم، ولا يخفى على كثير من الناس «قصة الرجل من بني إسرائيل الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا فسأل رجلًا عابدًا هل له من توبة. فكأن العابد استعظم الأمر فقال: "لا" فقتله السائل فأتم به المائة، ثم ذهب إلى عالم فسأله فأخبره أن له توبة وأنه لا شيء يحول بينه وبين التوبة، ثم دله على بلد أهله صالحون ليخرج إليه فخرج فأتاه الموت في أثناء الطريق» ، والقصة مشهورة (1) فانظر الفرق بين العالم والجاهل.
__________
(1) نص القصة: عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض؛ فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا فقتله فكمل به مئة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مئة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم؛ ومن يحول بينه وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى! وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم-أي حكماً –فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة" وفي روآية: الصحيح: "فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها" وفي روآية: في الصحيح: "فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي". وقال: "قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له". وفي روآية: "فنأى بصدره نحوها" أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ومسلم: كتاب التوبة: باب قبول توبة القاتل رقم {46-47-48} جـ4 ص 2118 ولمزيد من الفائدة راجع شرح فضيلة شيخنا على هذا الحديث في "شرح رياض الصالحين"جـ1: كتاب التوبة حديث رقم (21) ولا يزال العمل فيه جارياً.
(7/133)

إذا تبين ذلك فلا بد من معرفة من هم العلماء حقًا، هم الربانيون الذين يربون الناس على شريعة ربهم حتى يتميز هؤلاء الربانيون عمن تشبه بهم وليس منهم، يتشبه بهم في المظهر والمنظر والمقال والفعال، لكنه ليس منهم في النصيحة للخلق وإرادة الحق، فخيار ما عنده أن يلبس الحق بالباطل ويصوغه بعبارات مزخرفة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، بل هو البدع والضلالات الذي يظنه بعض الناس هو العلم والفقه وأن ما سواه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون.
هذا معنى كلام المؤلف -رحمه الله- وكأنه يشير إلى أئمة أهل البدع المضلين الذين يلمزون أهل السنة بما هم بريئون منه ليصدوا الناس عن الأخذ منهم، وهذا إرث الذين طغوا من قبلهم وكذبوا الرسل كما قال الله تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} . قال الله تعالى: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} . .
(7/134)

الأصل الخامس.
بيان الله سبحانه لأولياء الله وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار، ويكفي في هذا آية من سورة آل عمران وهي قوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} . الآية،وآية في سورة المائدة وهي قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} . الآية، وآية في يونس وهي قوله: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} ، ثم صار الأمر عند أكثر من يدعي العلم وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسل ومن تبعهم فليس منهم ولا بد من ترك الجهاد فمن جاهد فليس منهم، ولا بد من ترك الإيمان والتقوى فمن تعهد بالإيمان والتقوى فليس منهم يا ربنا نسألك العفو والعافية إنك سميع الدعاء.
الشرح.
1 - أولياء الله تعالى هم الذين آمنوا به واتقوه واستقاموا على دينه وهم من وصفهم الله تعالى بقوله: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} . فليس كل من يدعي الولاية
(7/135)

يكون وليًا، وإلا لكان كل واحد يدعيها، ولكن يوزن هذا المدعي للولاية بعمله، إن كان عمله مبنيًا على الإيمان والتقوى فإنه ولي، وإلا فليس بولي وفي دعواه الولاية تزكية لنفسه وذلك ينافي تقوى الله عز وجل لأن الله تعالى يقول: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} . فإذا ادعى أنه من أولياء الله فقد زكى نفسه وحينئذ يكون واقعًا في معصية الله وفيما نهاه الله عنه وهذا ينافي التقوى، فأولياء الله لا يزكون أنفسهم بمثل هذه الشهادة، وإنما هم يؤمنون بالله ويتقونه، ويقومون بطاعته سبحانه وتعالى على الوجه الأكمل، ولا يغرون الناس ويخدعونهم بهذه الدعوى حتى يضلوهم عن سبيل الله تعالى. فهؤلاء الذين يدعون أنفسهم أحيانًا أسيادًا، وأحيانًا أولياء لو تأمل الإنسان ما هم عليه لوجدهم أبعد ما يكونون عن الولاية والسيادة فنصيحتي لإخواني المسلمين أن لا يغتروا بمدعي الولاية حتى يقيسوا حالهم بما جاء في النصوص في أوصاف أولياء الله.
وقد أشار الشيخ - رحمه الله تعالى - إلى علامة محبة الله وولايته بما ساقه من الآيات:
الآية الأولى: قوله تعالى في آل عمران: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} وهذه الآية تسمى آية المحنة أي الامتحان حيث ادعى قوم محبة الله تعالى فأنزل الله هذه الآية فمن
(7/136)

ادعى محبة الله تعالى نظرنا في عمله فإن كان متبعًا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو صادق وإلا فهو كاذب.
الآية الثانية: قوله تعالى في المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} ،. الآيتين فوصفهم بأوصاف هي علامة المحبة وثمراتها:
الوصف الأول: أنهم أذلة على المؤمنين فلا يحاربونهم ولا يقفون ضدهم ولا ينابذونهم.
الوصف الثاني: أنهم أعزة على الكافرين أي أقوياء عليهم غالبون لهم.
الوصف الثالث: أنهم يجاهدون في سبيل الله أي يبذلون الجهد في قتال أعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا.
الوصف الرابع: أنهم لا يخافون في الله لومة لائم. أي إذا لامهم أحد على ما قاموا به من دين الله لم يخافوا لومته، ولم يمنعهم ذلك من القيام بدين الله عز وجل.
الآية الثالثة: قوله تعالى في يونس: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} . فبين الله تعالى أن أولياء الله تعالى هم الذين اتصفوا بهذين الوصفين: الإيمان والتقوى فالإيمان بالقلب، والتقوى بالجوارح، فمن ادعى الولاية ولم يتصف بهذين الوصفين فهو كاذب.
(7/137)

ثم إن الشيخ-رحمه الله-بين أن الأمر صار على العكس عند أكثر من يدعي العلم وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع فالولي عنده من لا يتبع الرسل ولا يجاهد في سبيل الله ولا يؤمن به ولا يتقيه.
ويحسن بنا أن ننقل هنا ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته: "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" (1) ، ونسوق ما تيسر منها:
قال - رحمه الله-: "وقد بين سبحانه وتعالى في كتابه وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن لله أولياء من الناس، وللشيطان أولياء، ففرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فقال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ".
وذكر أولياء الشيطان فقال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} . فيجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء كما فرق الله ورسوله بينهما، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون.... وهم الذين آمنوا به ووالوه، فأحبوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى،
__________
(1) مجموع الفتاوى جـ 1، ص 156.
(7/138)

وسخطوا بما يسخط، وأمروا ما يأمر، ونهوا عما نهى، وأعطوا من يحب أن يعطى، ومنعوا من يحب أن يمنع فلا يكون وليًا لله إلا من آمن به وبما جاء به، واتبعه باطنًا وظاهرًا، ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه أي الرسول فليس من أولياء الله، بل من خالفه كان من أعداء الله وأولياء الشيطان قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فالناس متفاضلون في ولاية الله عز وجل بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك يتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق.
وأولياء الله على طبقتين: سابقون مقربون. وأصحاب يمين مقتصدون ذكرهم الله في عدة مواضع من كتابه العزيز في أول سورة الواقعة وآخرها، وفي الإنسان، والمطففين، وفي سورة فاطر. . . والجنة درجات متفاضلة تفاضلًا عظيمًا، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم.
فمن لم يتقرب إلى الله لا يفعل الحسنات ولا يترك السيئات لم يكن من أولياء الله فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه ولي لله لا سيما أن تكون محجته على ذلك إما مكاشفة سمعها منه، أو نوع من تصرف. . . فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليًا لله وإن لم يعلم منه ما ينقض ولاية الله، فكيف إذا علم
(7/139)

منه ما يناقض ولاية الله؟ ‍ مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب إتباع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - باطنًا وظاهرًا، بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر دون الحقيقة الباطنة، أو يعتقد أن لأولياء الله طريقًا إلى الله غير طريق الأنبياء عليهم السلام. . . فعلى هذا فمن أظهر الولاية وهو لا يؤدي الفرائض ولا يجتنب المحارم بل قد يأتي بما يناقض ذلك لم يكن لأحد أن يقول: هذا ولي الله. . . وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات. . وليس من شرط ولي الله أن يكون معصومًا لا يغلط ولا يخطئ، بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين. . .ولهذا لما كان ولي الله يجوز أن يغلط لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولي لله لئلا يكون نبيًا.
بل يجب أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإن وافقه قبله، وإن خالفه لم يقبله، وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف؟ توقف فيه، والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف طرفان ووسط، فمنهم من إذا اعتقد في شخص أنه ولي لله وافقه في كل ما يظن أنه حدث به قلبه عن ربه وسلم إليه جميع ما يفعله، ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية وإن كان مجتهدًا مخطئًا. وخيار الأمور أوساطها: هو أن لا يجعل معصومًا ولا مأثومًا إذا كان مجتهدًا مخطئًا، فلا يتبع في كل ما يقوله، ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده، والواجب على الناس اتباع ما بعث الله به رسوله. . . وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها
(7/140)

على أن كل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم، فالأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه يجب لهم الإيمان بجميع ما يخبرون به عن الله عز وجل وتجب طاعتهم فيما يأمرون به، بخلاف الأولياء فإنهم لا تجب طاعتهم في كل ما يأمرون به، ولا الإيمان بجميع ما يخبرون به بل يعرض أمرهم وخبرهم على الكتاب والسنة فما وافق الكتاب والسنة وجب قبوله، وما خالف الكتاب والسنة كان مردودًا، وإن كان صاحبه من أولياء الله وكان مجتهدًا معذورًا فيما قاله، له أجر على اجتهاده، لكنه إذا خالف الكتاب والسنة كان مخطئًا وكان من الخطأ المغفور إذا كان صاحبه قد اتقى الله ما استطاع.
وهذا الذي ذكرته من أن أولياء الله يجب عليهم الاعتصام بالكتاب والسنة وأنه ليس فيهم معصوم يسوغ له أو لغيره اتباع ما يقع في قلبه من غير اعتبار بالكتاب والسنة هو مما اتفق عليه أولياء الله عز وجل ومن خالف في هذا فليس من أولياء الله سبحانه الذين أمر الله باتباعهم، بل إما أن يكون كافرًا، وإما أن يكون مفرطًا في الجهل. . . . وكثير من الناس يغلط في هذا الموضع فيظن في شخص أنه ولي لله، ويظن أن ولي الله يقبل منه كل ما يقوله، ويسلم إليه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يفعله وإن خالف الكتاب والسنة فيوافق ذلك له، ويخالف ما بعث الله به رسوله الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وجعله الفارق بين أوليائه وأعدائه، وبين أهل الجنة وأهل النار، وبين السعداء والأشقياء، فمن
(7/141)

اتبعه كان من أولياء الله المتقين وجنده المفلحين وعباده الصالحين، ومن لم يتبعه كان من أعداء الله الخاسرين المجرمين فتجره مخالفة الرسول وموافقة ذلك الشخص أولًا إلى البدعة والضلال، وآخرًا إلى الكفر والنفاق.
وتجد كثيرًا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليًا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور، أو بعض التصرفات الخارقة للعادة ... وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وموافقته لأمره ونهيه.
وكرامات أولياء الله تعالى أعظم من هذه الأمور، وهذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان صاحبها وليًا لله فقد يكون عدوًا لله فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين، وتكون لأهل البدع، وتكون من الشياطين فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ولي لله، بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة.
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء وقد رتب الله عباده السعداء المنعم عليهم "أربع مراتب " فقال الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} .
(7/142)

ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين وخيار أولياء الله كراماتهم لحجة في الدين أو لحاجة بالمسلمين كما كانت معجزات نبيهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كذلك، وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل فإذا احتاج إليها لضعف الإيمان أو المحتاج أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسد حاجته، ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنيًا عن ذلك فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها لا لنقص ولايته، ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة. بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهدى الخلق ولحاجتهم فهؤلاء أعظم درجة. . . والناس في خوارق العادات على ثلاثة أقسام:
قسم يكذب بوجود ذلك لغير الأنبياء، وربما صدق به مجملًا، وكذب ما يذكر له عن كثير من الناس لكونه عنده ليس من الأولياء.
ومنهم من يظن أن كل من كان له نوع من خرق العادة كان وليًا لله. وكلا الأمرين خطأ. . ولهذا تجد أن هؤلاء يذكرون أن للمشركين وأهل الكتاب نصراء يعينونهم على قتال المسلمين وأنهم من أولياء الله، وأولئك يكذبون أن يكون معهم من له خرق عادة
(7/143)

والصواب القول الثالث وهو أن معهم من ينصرهم من جنسهم لا من أولياء الله عز وجل. وفيما نقل كفاية إن شاء الله تعالى ومن أراد المزيد فليرجع إلى الأصل والله الموفق.
(7/144)

الأصل السادس.
رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة، وهي أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا أوصافًا لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر، فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضًا حتمًا لا شك ولا إشكال فيه، ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق، وإما مجنون لأجل صعوبة فهمهما, فسبحان الله وبحمده كم بين الله سبحانه شرعًا وقدرًا، خلقًا وأمرًا في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى بلغت إلى حد الضروريات العامة ولكن أكثر الناس لا يعلمون {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} . .
آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
(7/145)

الشرح.
الاجتهاد لغة: بذل الجهد لإدراك أمر شاق.
واصطلاحًا: بذل الجهد لإدراك حكم شرعي.
والاجتهاد له شروط منها: -
1 - أن يعلم من الأدلة الشرعية ما يحتاج إليه في اجتهاده كآيات الأحكام وأحاديثها.
2 - أن يعرف ما يتعلق بصحة الحديث وضعفه كمعرفة الإسناد ورجاله وغير ذلك.
3 - أن يعرف الناسخ والمنسوخ ومواقع الإجماع حتى لا يحكم بمنسوخ أو مخالف للإجماع.
4 - أن يعرف من الأدلة ما يختلف به الحكم من تخصيص أو تقييد أو نحوه حتى لا يحكم بما يخالف ذلك.
5 - أن يعرف من اللغة وأصول الفقه ما يتعلق بدلالات الألفاظ كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين ونحو ذلك ليحكم بما تقتضيه تلك الدلالات.
6 - أن يكون عنده قدرة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها.
والاجتهاد يتجزأ فيكون في باب واحد من أبواب العلم، أو في مسألة من مسائلة، والمهم أن المجتهد يلزمه أن يبذل جهده في معرفة الحق ثم يحكم بما يظهر له فإن أصاب فله أجران: أجر على اجتهاده وأجر على
(7/146)

إصابة الحق؛ لأن في إصابة الحق إظهارًا له وعملًا به، وإن أخطأ فله أجر واحد والخطأ مغفور له؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» وإن لم يظهر له الحكم وجب عليه التوقف وجاز التقليد حينئذ للضرورة لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} . ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"إن التقليد بمنزلة أكل الميتة فإذا استطاع أن يستخرج الدليل بنفسه فلا يحل له التقليد" وقال ابن القيم رحمه الله في النونية:
العلم معرفة الهدى بدليله ... ما ذاك والتقليد يستويان
والتقليد يكون في موضعين:
الأول: أن يكون المقلد عاميًا لا يستطيع معرفة الحكم بنفسه ففرضه التقليد لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ويقلد أفضل من يجده علمًا وورعًا، فإن تساوى عنده اثنان خير بينهما.
الثاني: أن يقع للمجتهد حادثة تقتضي الفورية ولا يتمكن من النظر فيها فيجوز له التقليد حينئذ.
(7/147)

والتقليد نوعان: عام وخاص.
فالعام: أن يلتزم مذهبًا معينًا يأخذ برخصه وعزائمه في جميع أمور دينه، وقد اختلف العلماء فيه:
فمنهم من حكى وجوبه لتعذر الاجتهاد في المتأخرين.
ومنهم من حكى تحريمه لما فيه من الالتزام المطلق لاتباع غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن في القول بوجوب طاعة غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في كل أمره ونهيه هو خلاف الإجماع وجوازه فيه ما فيه".
والخاص: أن يأخذ بقول معين في قضية معينة فهذا جائز إذا عجز عن معرفة الحق بالاجتهاد سواء عجز عجزًا حقيقيًا، أو استطاع ذلك مع المشقة العظيمة.
وبهذا انتهت رسالة الأصول الستة فنسأل الله تعالى
أن يثيب مؤلفها أحسن الثواب وأن يجمعنا وإياه
في دار كرمته إنه جواد كريم
والحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم على
نبينا محمد
(7/148)

مختارات من اقتضاء الصراط المستقيم
(7/149)

المقدمة.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد: فهذه مختارات من كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم " الذي ألفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقد ابتدأنا قراءته من ذي القعدة من عام ستة وتسعين وثلاثمائة وألف نسأل الله أن ينفعنا به وقد أشرنا فيها إلى رقم الصفحات من الطبعة الثانية مطبعة السنة المحمدية على نفقة منصور بن عبد العزيز آل سعود، وإذا كتبنا النقط. فمعناه أن في الكلام حذفًا تعمدناه لعدم الحاجة إليه، وربما نغير لفظ المؤلف اختصارًا، وإذا قلنا: قلت، فالكلام بعده من عندنا، وإذا جعلنا كلمة بين قوسين ولم تكن نص كتاب أو سنة فهي زيادة من عندنا نسأل الله تعالى أن ينفعنا والمسلمين به إنه جواد كريم.
بقلم.
محمد بن صالح العثيمين.
(7/151)

قال المؤلف رحمه الله تعالى
1. وبعد فإني قد نهيت إما مبتدئًا وإما مجيبًا عن التشبه بالكفار في أعيادهم، وأخبرت ببعض ما في ذلك من الأثر القديم والدلالة الشرعية، وبينت بعض حكمة الشرع في مجانبة هدي الكفار.. ثم بلغني أن من الناس من استغرب ذلك واستبعده لمخالفة عادة قد نشئوا عليها، وتمسكوا في ذلك بعمومات وإطلاقات اعتمدوا عليها، فاقتضاني بعض الأصحاب أن أعلق في ذلك ما يكون فيه إشارة إلى أصل هذه المسألة، لكثرة فائدتها وعموم المنفعة بها، ولما قد عم كثيرًا من الناس من الابتلاء في ذلك حتى صاروا في نوع جاهلية.
2. ولم أكن أظن أن من خاض في الفقه ورأى إيماءات الشرع ومقاصده وعلل الفقهاء ومسائلهم يشك في ذلك، بل لم أكن أظن أن من وقر الإيمان في قلبه، وخلص إليه حقيقة الإسلام، وأنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه إذا نبه على هذه النكتة (يعني نكتة مخالفة هدي الكفار) إلا كانت حياة قلبه وصحة إيمانه توجب استيقاظه بأسرع تنبيه، ولكن نعوذ بالله من رين القلوب وهوى النفوس اللذين يصدان عن معرفة الحق واتباعه.
5. وجماع ذلك أن كفر اليهود أصله من جهة عدم العمل بعلمهم، فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه، وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم،
(7/152)

فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ولهذا كان السلف كسفيان بن عيينة وغيره يقولون: " من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى "، وفي (ص 6) فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وفارس والروم، وليس هذا إخبارًا عن جميع الأمة، بل قد تواتر عنه أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق» .
6. وأنا أشير إلى بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم التي ابتليت بها هذه الأمة، ليتجنب المسلم الحنيف الانحراف عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم أو الضالين.
1 - الحسد: قال الله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} وقد يبتلى بعض المنتسبين إلى العلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه الله لعلم نافع أو عمل صالح وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم.
7. 2 - البخل: قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} فوصفهم بالبخل الذي هو البخل بالعلم والمال، ثم ذكر آيات ثم قال: فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم تارة بخلًا به، وتارة اعتياضًا عن إظهاره بالدنيا،
(7/153)

وتارة خوفًا من أن يحتج عليهم بما أظهروه منه، وهذا قد ابتلي به طوائف من المنتسبين للعلم فيكتم العلم تارة بخلًا به أن ينال غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارة اعتياضًا عنه برئاسة، أو مال فيخاف من إظهاره انتقاص رئاسته أو ماله، وتارة يخالف غيره في مسألة فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفه وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل.
8. 3 - عدم الانقياد للحق إذا خالف متبوعه: قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} بعد أن قال: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} . فوصف اليهود بأنهم لما جاءهم النبي الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا له، فإنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في اعتقادهم، وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم أو الدين من المتفقهة والمتصوفة، فإنهم لا يقبلون من الدين إلا ما جاءت به طائفتهم، مع أن دين الإسلام يوجب اتباع الحق مطلقًا رواية وفقهًا من غير تعيين شخص أو طائفة غير الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
8. 4 - تحريف الكلم عن مواضعه: قال الله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} ، وقال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}
(7/154)

والتحريف قد فسر بتحريف التأويل، وقد ابتليت به طوائف من هذه الأمة، وبتحريف التنزيل، وقد وقع فيه كثير من الناس يحرفون ألفاظ الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويروون أحاديث بروايات منكرة وإن كان الجهابذة يدفعون ذلك وربما تطاول بعضهم إلى تحريف التنزيل وإن لم يمكنه ذلك كما قرأ بعضهم {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} .
9. 5 - الغلو في المخلوقين: قال الله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ} ، ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين وقع فيه طوائف من ضلال المتعبدة والمتصوفة حتى خالط كثيرًا منهم ما هو أقبح من قول النصارى.
6 - طاعة المخلوقين في مخالفة أحكام الله: قال الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} . فسره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم في ذلك، وكثير من أتباع المتعبدة يطيع بعض المعظمين عنده في كل ما يأمره به وإن تضمن تحليل حرام أو تحريم حلال.
(7/155)

7 - الرهبانية: قال الله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} ، وقد ابتلي طوائف من المسلمين من الرهبانية المبتدعة بما الله به عليم.
10 - 8 - بناء المساجد على القبور: قال الله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} ، ثم إن هذا قد ابتلي به كثير من هذه الأمة مع نهي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى في وقت مفارقته الدنيا (1) .
9 - التدين بالأصوات المطربة والصور الجميلة: فإن الضالين عامة دينهم يقوم بذلك فلا يهتمون في دينهم بأكثر من تلحين الأصوات ثم تجد هذه الأمة ابتليت من اتخاذ السماع المطرب بسماع القصائد والصور والأصوات الجميلة لإصلاح القلوب والأحوال ما فيه مضاهاة لبعض حال الضالين.
10 - تضليل كل طائفة للأخرى: قال الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} ، وتجد كثيرًا من المتفقهة إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يعدهم إلا جهالًا ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئًا، وترى كثيرًا من المتصوفة والمتفقرة لا يرى الشريعة والعلم شيئًا، وأن المتمسك بهما منقطع عن الله عز وجل، والصواب أن ما جاء به
__________
(1) ذكر ذلك في عدد من الأحاديث الصحيحة، انظر صحيح مسلم: كتاب المساجد (532) والبخاري: كتاب الصلاة: (425) .
(7/156)

الكتاب والسنة من هذا وهذا حق وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا باطل.
وأما مشابهة فارس والروم فقد دخل منه في هذه الأمة ما لا يخفى على عليم بالإسلام وما حدث فيه.
11 - الصراط المستقيم أمور باطنة في القلب من اعتقادات وإرادات وغير ذلك وأمور ظاهرة من أقوال وأفعال قد تكون عبادات، وقد تكون عادات في الطعام واللباس والنكاح والمسكن والاجتماع والافتراق والسفر والإقامة والركوب وغير ذلك، وبين هذه الأمور الباطنة والظاهرة ارتباط ولا بد، فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والأحوال يوجب أمورًا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من الأعمال يوجب للقلب شعورًا وأحوالًا.
وقد بعث الله عبده ورسوله محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.. فكان من الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، وأمر بمخالفتهم في الهدى الظاهر، وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة، لأمور منها:
أ - أن المشاركة في الهدى الظاهر تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال.
ب - أن المخالفة في الهدى الظاهر توجب مباينة تقتضي الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال.. ومتى كان القلب أتم حياة وأعرف بالإسلام الذي هو الإسلام.. كان إحساسه بمفارقة اليهود
(7/157)

والنصارى باطنًا وظاهرًا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.
ج - أن مشاركتهم في الهدى الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التمييز ظاهرًا بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين. هذا إذا لم يكن الهدى الظاهر إلا مباحًا محضًا لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم فإنه يكون شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم.
12 - الأمر بموافقة قوم في شيء: إما أن يكون من أجل أن ذلك الشيء مصلحة في نفسه، وإما أن يكون من أجل أن قصد موافقتهم فيه مصلحة، وإن لم يكن في الشيء نفسه مصلحة.
13 - فالأول مقصود في نفسه والتعبير عنه بالموافقة من باب الدلالة والتعريف بمعنى أن موافقتهم فيه دليل على المصلحة.
والثاني مقصود لغيره فإننا نعلم انتفاعنا بنفس متابعتنا للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في أعمال لولا أنهم فعلوها لربما لا يكون لنا فيها منفعة، لكن متابعتنا لهم فيها تورث محبتهم وائتلاف قلوبنا بقلوبهم، وتدعونا إلى موافقتهم في أمور أخرى.
وقد يكون الأمر بالموافقة من أجل الأمرين جميعًا مصلحة الشيء في نفسه، ومصلحة قصد اتباعهم فيه وهذا هو الغالب على ما أمر بالموافقة فيه.
(7/158)

والأمر بمخالفة قوم في شيء له نفس التقسيم السابق فإننا قد نتضرر بموافقة الكافرين في أعمال لولا أنهم فعلوها لم يكن علينا ضرر بها.
14 -قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} ، وقد دخل في (الذين لا يعلمون) كل من خالف شريعته، وأهواؤهم كل ما يهوون وما هم عليه من الهدى الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك، ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين لهم في بعض أمورهم، ويودون لو بذلوا مالًا عظيمًا ليحصل ذلك، ولو فرض أن الفعل ليس من اتباع أهوائهم فمخالفتهم فيه أحسم لمتابعتهم في أهوائهم وأعون على حصول مرضاة الله في تركها.
19 - المعروف: اسم جامع لكل ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح.
والمنكر: اسم جامع لكل ما كرهه الله ونهى عنه.
20 - الزكاة: وإن كانت قد صارت حقيقة عرفية في الزكاة المفروضة فإنها اسم لكل نفع للخلق من نفع بدني أو مالي.
الصلاة: تعم المفروضة والتطوع، وقد يدخل فيها كل ذكر لله تعالى قلت: بناء على أنها من الصلة، وكل ذكر لله تعالى فهو صلة به قال ابن مسعود: "ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة".
(7/159)

21 - وقد قيل: إن قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} إشارة إلى ما هو لازم لهم في الدنيا والآخرة من الآلام النفسية: غمًا وحزنًا وقسوة وظلمة قلب وجهلًا، فإن للكفر والمعاصي من الآلام العاجلة الدائمة ما الله به عليم، ولهذا تجد غالب هؤلاء لا يطيبون عيشهم إلا بما يزيل عقولهم ويلهي قلوبهم من تناول مسكر أو رؤية مله أو سماع مطرب ونحو ذلك.
25 - فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلم به كالبدع ونحوها، وإما أن يقع بالعمل بخلاف الاعتقاد الحق كفسق الأعمال ونحوها.
36 - والاختلاف على ما ذكره الله في القرآن قسمان:
أحدهما: يذم الطائفتين جميعًا كما في قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} .
37- وهذا الاختلاف يكون سببه تارة فساد النية لما في النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو ونحو ذلك، وتارة جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه، أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر، أو جهل أحدهما بما مع الآخر من الحق.
الاختلاف (1) في الأصل قسمان: اختلاف تنوع واختلاف تضاد، واختلاف التنوع على وجوه:
أ- أن يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقًا مشروعًا كاختلاف القراءات وصفة الأذان والإقامة وغيرها مما شرع جميعه،
__________
(1) يعني هذا القسم الذي يذم فيه الطرفان.
(7/160)

وإن كان قد يقال: إن بعض أنواعه أفضل، ثم نجد لكثير من الأمة من الاختلاف مما أوجب اقتتال طوائف منهم وهذا عين المحرم، ومن لم يبلغ مبلغ الاقتتال فإن في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع والإعراض عن الآخر أو النهي عنه ما دخل به فيما نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
38 -ب - أن يكون كل واحد من القولين هو معنى القول الآخر لكن اختلفا في العبارة: كالاختلاف في ألفاظ المدود والتعريفات ونحوها ولكن الجهل والظلم يحمل إحدى الطائفتين على ذم الأخرى.
جـ - أن يكون كل واحد من القولين غير الآخر في المعنى لكن لا ينافيه ثم يحصل الاختلاف والنزاع الكثير.
38 -د - أن تكون طريقتان كلاهما مشروع حسن في الدين لكن سلك رجل أو قوم طريقة وسلك رجل أو قوم الطريقة الأخرى ثم يحصل الاختلاف والنزاع.
والجهل أو الظلم يحمل على ذم أحدهما أو تفضيله بلا قصد صالح أو بلا علم أو بلا نية.
39 - وهذا القسم الذي سميناه اختلاف التنوع كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد، لكن الذم واقع على من بغى فيه على الآخر وفي (ص40) أن أكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الاختلاف بين الأمة وإلى العداوة والبغضاء وسفك الدماء واستباحة الأموال من هذا القسم.
38 - أما اختلاف التضاد فهو أن يكون كل واحد من القولين منافيًا للآخر.. فهذا الخطب فيه أشد، فإنك تجد كثيرًا من هؤلاء المتنازعين يكون في قول منازعه حق وباطل فيرد القول كله، فيصير مبطلًا في
(7/161)

بعض رده كما كان منازعه مبطلًا في بعض قوله كما رأيته لكثير من أهل السنة في مسائل القدر والصفات والصحابة، ولكثير من الفقهاء في مسائل الفقه، أما أهل البدعة فالأمر فيهم ظاهر.
39 - القسم الثاني من الاختلاف الذي ذكره في القرآن فهو ما حمدت فيه إحدى الطائفتين وهم المؤمنون وذمت الأخرى كما في قوله تعالى: {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} .
41 - ثم الاختلاف قد يكون في التنزيل والحروف كما في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - (يعني السابق في الأصل (ص 35) حين «سمع رجلًا يقرأ آية سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ بخلافها فأخذ بيده إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذكر له ذلك فعرف في وجهه الكراهية، وقال: كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» .
وقد يكون الاختلاف في التأويل وفي (ص43) وأكثر ما يكون ذلك لوقوع المنازعة في الشيء قبل إحكامه وجمع حواشيه وأطرافه.
44 - فعلم أن مشابهة هذه الأمة لليهود والنصارى وفارس والروم مما ذمّه الله ورسوله، ولا يقال: فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع ذلك فما فائدة النهي عنه؟
(والجواب) : أن الكتاب والسنة أيضًا قد دلا على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة متمسكة بالحق، ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه الطائفة وتثبيتها وزيادة إيمانها، وأيضًا لو فرض أن الناس وقعوا في هذه المشابهة لكان فائدة النهي عنها العلم بكراهة الله لها والإيمان بذلك،
(7/162)

وهذا خير وإن لم يعمل به وفي (ص45) فإن الرجل قد يستغفر من الذنب مع إصراره عليه أو يأتي بحسنات تمحوه أو تمحو بعضه أو تقلل منه أو تضعف همته في طلبه إذا علم أنه منكر.
45 - ثم لو فرض أن الناس لا يتركون المنكر، ولا يعترفون بأنه منكر فليس هذا مانعًا من إبلاغ الرسالة وبيان العلم، بل لا يسقط وجوب الإبلاغ ولا وجوب الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول كثير من أهل العلم، ولله الحمد على ما أخبر به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله. وليس هذا من خصائص هذه المسألة بل هو وارد في كل منكر أخبر الصادق بوقوعه.
50-والموالاة والموادة وإن كانت متعلقة بالقلب لكن المخالفة في الظاهر أعون على مقاطعة الكافرين ومباينتهم.
ومشاركتهم في الظاهر إن لم تكن ذريعة أو سببًا قريبًا أو بعيدًا إلى نوع ما من الموالاة والموادة فليس فيها مصلحة المقاطعة والمباينة، مع أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة كما توجبه الطبيعة وتدل عليه العادة، ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم في الولايات، فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قلت لعمر رضي الله عنه: إن لي كاتبًا نصرانيًا قال: مالك قاتلك الله أما سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ، ألا اتخذت؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه.
(7/163)

قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله. (1)
51 - الفعل المأمور به إذا عبر عنه بلفظ مشتق من معنى أعم، فلا بد أن يكون ما منه الاشتقاق أمرًا مطلوبًا وذلك لوجوه:
51 -أ - أن الأمر إذا تعلق باسم مشتق من معنى كان ذلك المعنى علة الحكم كما في قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ، فعلة القتل الشرك، لأن المشركين اسم مشتق منه.
51 -ب - أن جميع الأفعال مشتقة فإذا أمر بفعل كان نفس مصدر الفعل أمرًا مطلوبًا للآمر كما في قوله تعالى: {وَأَحْسَنُوا} ، فالإحسان أمر مطلوب للآمر.
55 -ج - أن العدول عن لفظ الفعل الخاص به إلى لفظ أعم منه في المعنى لا بد أن يكون له فائدة: كالعدول عن لفظ: فاصبغوا إلى فخالفوهم وإلا لكان مطابقة اللفظ الخاص أولى من إطلاق لفظ عام يراد به الخاص.
55 -د- أن العلم بالعام يقتضي العلم بالخاص والقصد للمعنى العام يوجب قصد المعنى الخاص فإذا علمت الأمر بمخالفة الكفار وعلمت أنهم لا يصبغون علمت الأمر بالصبغ لدخوله في المعنى العام وهو المخالفة.
__________
(1) وقد جاء الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين بمخالفتهم وترك التشبه بهم ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم.
(7/164)

56 - هـ - أنه رتب الحكم على الوصف بالفاء (فخالفوهم) فدل على أنه علة الحكم، يوضحه أنه لو لم يكن لقصد مخالفتهم تأثير في الصبغ لم يكن لذكرهم فائدة، ولا اكتفى بقوله اصبغوا.
وهذا وإن دل على أن مخالفتهم أمر مقصود للشرع، فإنه لا ينفي أن يكون في نفس المخالفة مصلحة مقصودة مع مصلحة مخالفتهم وذلك أن هنا شيئين:
أحدهما: أن نفس مخالفتهم مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين، لما فيها من المجانبة والمباعدة التي توجب النفور من أعمال أهل الجحيم، ولا يظهر شيء من هذه المصلحة إلا لمن تنور قلبه حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم والضالون من مرض القلب الذي ضرره أشد من ضرر أمراض الابدان.
الثاني: أن نفس ما هم عليه من المنهج والخلق قد يكون ضارًا أو منقصًا فيُنهى عنه ويؤمر بضده لما فيه من النفع والكمال فليس شيء من أمورهم إلا وهو ضار أو ناقص.. ولا يتصور أن يكون شيء من أمورهم كاملًا قط.
57 - حتى ما هم عليه من إتقان أمور دنياهم قد يكون ضارًا بآخرتنا أو بما هو أهم منه من أمر دنيانا فالمخالفة فيها صلاح لنا.
57 - والكفر مرض القلب ومتى كان القلب مريضًا لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة، وإنما الصلاح أن لا تشابه مريض القلب في شيء من أموره، وإن خفي عليك مرض في ذلك العضو فإنه يكفيك أن تعلم أن فساد الأصل لا بد أن يؤثر في الفرع، ومن انتبه لهذا قد يعلم بعض الحكمة التي أنزلها الله، ومن في قلبه مرض قد يرتاب في الأمر بنفس المخالفة لعدم استبانته لفائدته.
(7/165)

52 (1) - فإن قيل: الأمر بالمخالفة أمر بالحقيقة المطلقة وذلك لا عموم فيه، بل تكفي فيه المخالفة بأمر ما قلت: هذا سؤال يورده بعض المتكلمين في عامة الأفعال المأمور بها، ويلبسون به على الفقهاء وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن المخالفة ونحوها قد يكون العموم فيها من جهة عموم الكل لأجزائه لا من جهة عموم الجنس لأنواعه، فإن العموم ثلاثة أقسام:
1 - عموم الكل لأجزائه وهو ما لا يصدق فيه الاسم العام ولا أفراده على جزئه في الأعيان والأفعال والصفات مثل: الوجه فإنه عام لأجزائه من العينين والخدين والفم والأنف ولا يصدق اسم الوجه على واحد منها، ومثل إذا قيل: أكرم زيدًا. فأطعمه، وضربه لم يكن ممتثلًا لأن الإكرام المطلق يقتضي أن لا يسوءه بشيء وإذا قيل: خالفوهم فإن المخالفة المطلقة تقتضي أن لا يوافقهم في شيء.
54 -2- عموم الجمع لأفراده وهو ما يصدق فيه أفراد الاسم العام على آحاده مثل (المسلمين) فإن فرده وهو مسلم يصدق على كل واحد من المسلمين.
3 - عموم الجنس لأنواعه وأعيانه وهو ما يصدق فيه الاسم العام على أفراده مثل قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} ، فإن الدابة والماء يصدقان على كل فرد من أفراد الدواب والماء وقد مثل له المؤلف
__________
(1) الشيخ – رحمه الله تعالى- ذكر هذه الفائدة من الصفحة نفسها والترقيم صحيح، وإنما رجع الشيخ لينقل هذه الفائدة.
(7/166)

بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقتل مسلم بكافر» فإنه يعم جميع أنواع القتل والمسلم والكافر.
الوجه الثاني: العموم المعنوي وهو أن المخالفة مشتقة وإنما أمر بها لمعنى كونها مخالفة وذلك ثابت في كل فرد من أفراد المخالفة.
55- فإن قيل: هذا يدل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع وقصد الجنس قد يحصل الاكتفاء فيه بالمخالفة في بعض الأمور فما زاد على ذلك لا حاجة إليه.
قلنا: إذا ثبت أن الجنس مقصود في الجملة كان ذلك حاصلًا في كل فرد من أفراده، ولو فرض أن الوجوب سقط بالبعض لم يرفع حكم الاستحباب عن الباقي.
58- وإذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بياض الشيب الذي ليس من فعلنا، فلأن يُنهى عن إحداث التشبه بهم أولى، ولهذا كان هذا التشبه بهم يكون محرمًا بخلاف الأول.
62- ثم المخالفة تارة تكون في أصل الحكم وتارة تكون في وصفه , فمجانبة الحائض مثلًا مخالفة في الوصف لا في الحكم.
64 - ولهذا نهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة، وإن لم يكن العابد يقصد ذلك فنهي عن السجود لله بين يدي الرجل؛ لما فيه من مشابهة السجود لغير الله.
66 - ونهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله كالنار ونحوها.
67 - الحكم إذا علل بعلة ثم نسخ مع بقاء العلة، فلا بد أن يكون غيرها
(7/167)

ترجح عليها وقت النسخ أو ضعف تأثيرها، أما أن تكون في نفسها باطلة فهذا محال.
70 - لكن ليس كل من قامت به شعبة من شعب الكفر يصير كافرًا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر، وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة» وبين كفر منكر في الإثبات مثل: «اثنتان في الناس هما بهم بكفر» .
72 - وعن سراقة بن مالك قال: خطبنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم» رواه أبو داود، وروى أيضًا عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي تردى فهو ينزع بذنبه» .
72 - الانتساب إلى الاسم الشرعي أحسن من الانتساب إلى غيره ألا ترى إلى ما رواه أبو داود عن أبي عقبة وكان مولى من أهل فارس قال: «شهدت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحدًا فضربت رجلًا من المشركين فقلت: خذها مني وأنا الغلام الفارسي فالتفت إلي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: هلا قلت: خذها وأنا الغلام الأنصاري» .
76 - ولهذا كان الصحيح أن حرمة القتال في البلد الحرام باقية بخلاف الشهر الحرام.
(7/168)

77 - إذا قال خلاف الحق عالمًا بالحق أو غير عالم فهو جاهل، وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل، وإن علم أنه مخالف للحق, وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول أو فعل، فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه أو ضعفه عن مقاومة ما يعارضه.
79 - وقوله في الحديث: ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية، يندرج فيه كل جاهلية مطلقة أو مقيدة يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو غيرها فإن جميعها مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
82 - ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم.
ذكر ما رواه أبو داود عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من تشبه بقوم فهو منهم» (1) وذكر إسناده ثم قال: وهذا إسناد جيد، وأقل أحواله يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} . فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه صار منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرًا أو معصية أو شعارًا للكفر.
83 - والتشبه يعم من فعل الشيء لأنهم فعلوه، وهو نادر ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذًا عن ذلك الغير،
__________
(1) الإمام أحمد جـ2 ص 50 وأبو داود: كتاب اللباس: باب في لبس الشهرة، وقد حسنه شيخ الإسلام في (اقتضاء الصراط المستقيم) والفتاوى جـ 25 ص 321.
(7/169)

فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضًا ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه ففي كون هذا تشبهًا نظر، لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه ولما فيه من المخالفة.
84 - قال حرب الكرماني: قلت لأحمد: هذه النعال الغلاظ قال: " هذه السندية إذا كانت للوضوء أو للكنيف أو لموضع ضرورة فلا بأس " (1) وكأنه كره أن يمشى بها في الأزقة، وفي رواية المروذي: قال: وأما من أراد الزينة فلا، ورأى على باب المخرج نعلًا سنديًا فقال: تتشبه بأولاد الملوك؟
87 - وهذا دليل على ما أجمع عليه المسلمون إلا من شذ من بعض المتأخرين المخالفين المسبوقين بالإجماع من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك إنما تكون بالرؤية عند إمكانها لا بالكتاب والحساب الذي تسلكه الأعاجم من الروم والفرس والقبط والهند وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وقد روى غير واحد من أهل العلم أن أهل الكتابين قبلنا إنما أمروا بالرؤية أيضًا في صومهم وعبادتهم، ولكنهم بدلوا, قلت: ويؤيده قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} ، والناس كلمة عامة وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} ، وقوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} . وقد أجمعوا على أن المراد بها الأشهر الهلالية.
__________
(1) مسائل الإمام أحمد للنيسابوري جـ 2 (ص 145-147) .
(7/170)

89- فما كان من زي اليهود الذي لم يكن عليه المسلمون، إما أن يكون مما يعذبون عليه أو مظنة ذلك، أو يكون تركه حسمًا لمادة ما عذبوا عليه، لا سيما إذا لم يتميز ما هو الذي عذبوا عليه من غيره فإنه يكون قد اشتبه المحظور بغيره فيترك الجميع، كما أن ما يخبرون به لما اشتبه صدقه بكذبه ترك الجميع.
93 - وما ذكره أنس من التخفيف فهو بالنسبة إلى ما كان يفعله بعض الأمراء وغيرهم في قيام الصلاة، فإن منهم من كان يطيل زيادة على ما كان عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله في غالب الأوقات ويخفف الركوع والسجود والاعتدال عما كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله في غالب الأوقات، ولعل أكثر الأئمة أو كثيرًا منهم كانوا يفعلون كذلك.
94 -95 وروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: «ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في تمام. كانت صلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر - رضي الله عنه - متقاربة، فلما كان عمر - رضي الله عنه - مد في صلاة الفجر، وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا قال: سمع الله لمن حمده قام حتى نقول: قد أوهم, ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم» .. فجمع أنس في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار بإيجاز صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإتمامها.. فيشبه -والله- أعلم أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمام إلى الركوع والسجود.. فإنه بإيجاز القيام وإطالة الركوع والسجود تكون الصلاة تامة لاعتدالها وتقاربها.
(7/171)

97 - ثم إن عرض حال عرف منها إيثار المأمومين للزيادة على ذلك فحسن، فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قرأ في المغرب بطولى الطوليين» ، وإن عرض ما يقتضي التخفيف عن ذلك فعل كما في بكاء الصبي ونحوه.
99 - ذكر أن التخفيف قد فسره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بفعله وأمره ثم قال: وليس الفعل في الصلاة من العادات كالإحراز والقبض والاصطياد وإحياء الموات حتى يرجع في حده إلى عرف اللفظ بل هو من العبادات، والعبادات يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع كما يرجع في أصلها إلى الشارع ولو جاز الرجوع فيه إلى عرف الناس في الفعل أو في مسمى التخفيف لاختلفت الصلاة الشرعية الراتبة التي أمرنا بها في غالب الأوقات عند عدم المعارضات المقتضية للطول أو القصر اختلافًا متباينًا لا ضبط له, ولكان لكل أهل عصر ومصر بل لكل أهل حي وسكة بل لأهل كل مسجد عرف في معنى اللفظ وفي عادة الفعل مخالف لعرف الآخرين وهذا مخالف لأمر الله ورسوله، حيث قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» .
ولم يقل: كما يسميه أهل أرضكم خفيفًا أو كما يعتادونه وما أعلم أحدًا من العلماء يقول ذلك فإنه يفضي إلى تغيير الشريعة وموت السنن إما بزيادة وإما بنقص.
102 - وعن سليمان بن يسار عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «ما صليت وراء أحد أشبه بصلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من فلان قال سليمان: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ويخفف الأخيرتين ويخفف العصر, ويقرأ في المغرب بقصار المفصل, ويقرأ في العشاء بأواسط المفصل»
(7/172)

«ويقرأ في الصبح بطوال المفصل» . رواه النسائي وابن ماجه وهو إسناد على شرط مسلم.
103 - وأما ما في حديث أنس - رضي الله عنه - من قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» . ففيه نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن التشدد في الدين بالزيادة عن المشروع، والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات، وفيه تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء يكون سببًا لتشديد آخر يفعله الله، إما بالشرع وإما بالقدر فأما الشرع فمثل ما كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخافه في زمانه من زيادة إيجاب أو تحريم (يعني بسبب أسئلة من الناس أو فعل منهم) وأما القدر فكثيرًا ما رأينا وسمعنا من يتنطع في أشياء فيُبتلى بأسباب تشدد الأمور عليه مثل كثير من الموسوسين في الطهارات إذا زادوا على المشروع ابتلوا بأسباب توجب حقيقة أشياء فيها عظيم مشقة ومضرة.
105- وأما السياحة التي هي الخروج في البرية لغير قصد معين فليست من عمل هذه الأمة، ولهذا قال الإمام أحمد: " ليست السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين ".
(7/173)

والغرض بيان ما جاءت به الحنيفية من مخالفة اليهود فيما أصابهم من القسوة عن ذكر الله وعما أنزل من الهدى الذي به حياة القلوب, ومخالفة النصارى فيما هم عليه من الرهبانية المبتدعة، وإن كان قد ابتلي بعض المنتسبين منا إلى علم أو دين بنصيب من هذا ومن هذا ففيهم شبه بهؤلاء وهؤلاء.
106 - ومن ذلك أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حذرنا عن مشابهة من كان قبلنا أنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وإن كثيرًا من ذوي الرأي والسياسة، قد يظن أن إعفاء الرؤساء أجود في السياسة.
109 - ثم من المعلوم ما ابتلي به كثير من هذه الأمة من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة.
111 - تحت سياق فوائد خطبة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم عرفة قال: فقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» يدخل فيه كل ما كانوا عليه من العبادات والعادات، ولا يدخل فيه ما كانوا عليه من الجاهلية وأقره الله تعالى في الإسلام كالمناسك والدية والقسامة؛ لأن أمر الجاهلية معناه المفهوم منه ما كانوا عليه مما لا يقره الإسلام فيدخل في ذلك ما كانوا عليه وإن لم ينه في الإسلام عنه بعينه.
113 - «نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الذبح بالظفر» معللًا بأنها مُدى الحبشة، كما علل السن بأنه عظم، فذهب أهل الرأي إلى أن علة النهي كون الذبح بهما يشبه الخنق أو هو مظنته والمنخنقة محرمة وسوغوا على هذا الذبح
(7/174)

بهما إذا كانا منزوعين, والجمهور منعوا من ذلك مطلقًا؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استثناهما مما أنهر الدم؛ ولأن العلة التي ذكروها مخالفة لتعليل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المنصوص عليه في الحديث.
116 - فقد تبين لك أن من أصل دروس دين الله وشرائعه وظهور الكفر والمعاصي التشبه بالكافرين، كما أن أصل كل خير المحافظة على سنن الأنبياء وشرائعهم، ولهذا عظم وقع البدع في الدين وإن لم يكن فيها تشبه بالكفار فكيف إذا جمعت الوصفين.
118 - وهذا يقتضي نهيه عن كل ما هو من أمر اليهود والنصارى هذا مع أن قرن اليهود يقال: إن أصله مأخوذ عن موسى - عليه الصلاة والسلام -، وأنه كان يضرب بالبوق في عهده، وأما ناقوس النصارى فمبتدع إذ عامة شرائع النصارى أحدثها أحبارهم ورهبانهم.
120 - وفي الصحيحين عن أبي عثمان النهدي قال: «كتب إلينا عمر بن الخطاب ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد. يا عتبة: إنه ليس من كد أبيك ولا من كد أمك فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع من في رحلك، وإياك والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن لبوس الحرير، وقال: إلا هكذا ورفع لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأصبعيه الوسطى والسبابة وضمهما» .
121 - شروط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وغيره من الأئمة على أهل الذمة فيما شرطه أهل الذمة على أنفسهم: (أن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم قلنسوة أو عمامة أو نعلين أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم ولا
(7/175)

نكتني بكناهم ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف ولا نتخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله ولا ننقش خواتيمنا بالعربية ولا نبيع الخمور وأن نجز مقادم رؤوسنا وأن نلزم زينا حيثما كان وأن نشد الزنانير على أوساطنا وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا ولا نظهر صليبًا ولا كتبًا من كتب ديننا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيفًا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين) (1) . رواه حرب بإسناد جيد، وفي رواية أخرى رواها الخلال زيادة: ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون ولا نخرج باعثًا، والبعوث أن يخرجوا مجتمعين كما نخرج يوم الأضحى والفطر، ولا شعانينا وأن لا نجاوزهم، أي: المسلمين. بالجنائز، ولا نبيع الخمور ولا نتشبه بالمسلمين في مراكبهم.
122- وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة بين العلماء من الأئمة المتبوعين وأصحابهم وسائر الأئمة وهي أصناف، فمنها ما مقصوده التميز عن المسلمين في الشعور واللباس والأسماء والمراكب ونحوها؛ ليتميز المسلم من الكافر ولا يشبه أحدهما الآخر في الظاهر، ولم يرض عمر - رضي الله عنه - والمسلمون بأصل التمييز بل بالتمييز في عامة الهدى على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع. وذلك يقتضي إجماع المسلمين على التميز عن الكفار ظاهرًا.
__________
(1) انظر أحكام أهل الذمة / للعلامة ابن القيم جـ 2 ص. 66.
(7/176)

123 - وروى أبو الشيخ الأصفهاني في شروط أهل الذمة بإسناده أن عمر - رضي الله عنه - كتب: (أن لا تكاتبوا أهل الذمة فيجري بينكم وبينهم المودة ولا تكنوهم وأذلوهم ولا تظلموهم..) . وروى أيضًا بإسناده: دخل ناس من بني تغلب قال: " أو لستم من أواسط العرب؟ قالوا: نحن نصارى قال: علي بجلم - والجلم المقص - فأخذ من نواصيهم وألقى العمائم وشق رداء كل واحد شبرًا يحتزم به، وقال: لا تركبوا السروج واركبوا على الأكف ودلوا أرجلكم من شق واحد.
124 - ومن الشروط ما يعود بإخفاء منكرات دينهم كمنعهم من إظهار الخمر والناقوس والنيران والأعياد ونحو ذلك.
ومنها ما يعود بإخفاء شعائر دينهم كأصواتهم بكتابهم. فاتفق عمر - رضي الله عنه - والمسلمون معه وسائر العلماء بعده ومن وفقه الله من ولاة الأمور على منعهم من أن يظهروا بدار الإسلام شيئًا مما يختصون به مبالغة في أن لا يظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين، فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها هم.
ومنها ما يعود بترك إكرامهم وإلزامهم الصغار الذي شرعه الله تعالى.
ومن المعلوم أن تعظيم أعيادهم ونحوها بالموافقة فيها هو نوع من إكرامهم فإنهم يفرحون بذلك ويسرون به.
124 - في قصة المرأة التي سألت أبا بكر - رضي الله عنه - قال: " ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت عليه أئمتكم. قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومكم
(7/177)

رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى قال: فهم أولئك على الناس " رواه البخاري في صحيحه.
125 - كل ما اتخذ من عبادة مما كان عليه أهل الجاهلية ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام، وإن لم ينوه عنه بعينه كالمكاء والتصدية فاتخاذ هذا قربة وطاعة من عمل الجاهلية الذي لم يشرع في الإسلام بخلاف السعي بين الصفا والمروة وغيره من شعائر الحج فإن ذلك من شعائر الله، وإن كان أهل الجاهلية قد يفعلون ذلك في الجملة قلت:
وبهذا علم أن ما اتخذه الكفار عبادة ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما نوه الله بذمه أو رسوله كالمكاء والتصدية فأمره واضح. الثاني: ما ثبت كونه من شعائر الله كالسعي بين الصفا والمروة فهو من شرع الله ولا يبطله تعبد الكفار به. الثالث: ما لم يكن من القسمين فيلحق بالقسم الأول المنهي عنه لما فيه من مشابهة الكفار.
126- وروى الإمام أحمد في المسند (وذكر السند) عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لكعب: " أين ترى أن أصلي؟ (يعني في المسجد الأقصى) قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة فكانت القدس كلها بين يديك فقال عمر: ضاهيت اليهودية لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "، فتقدم إلى القبلة فصلى.. فعمر - رضي الله عنه - عاب على كعب الأحبار مضاهاة اليهودية أي مشابهتها في مجرد استقبال الصخرة لمشابهة من يعتقدها قبلة باقية وإن كان المسلم لا يقصد أن يصلي إليها، وقد كان لعمر - رضي الله عنه - في هذا الباب من السياسات المحكمة ما هي مناسبة لسائر سيرته المرضية، فإنه - رضي
(7/178)

الله عنه - هو الذي استحالت ذنوب الإسلام بيده غربًا فلم يفر عبقري فريه حتى صدر الناس بعطن، فأعز الله به الإسلام وأذل الشرك وأهله وأقام شعائر الدين الحنيف، ومنع من كل أمر فيه نزوع إلى نقض عرى الإسلام مطيعًا في ذلك لله ورسوله.. مشاورًا في أموره السابقين الأولين.. حتى أن العمدة في الشروط على أهل الكتاب على شروطه، وحتى منع من استعمال كافر أو ائتمانه على أمر الأمة وإعزازه بعد أن أذله الله.. في خصوص أعياد الكفار من النهي عن الدخول عليهم فيها وعن تعلم رطانة الأعاجم ما يتبين به ثبوت قوة شكيمته في النهي عن مشابهة الكفار والأعاجم.
129 - هل عمل الراوي بخلاف روايته يقدح في روايته؟ المشهور عن أحمد وأكثر العلماء: لا يقدح لما تحتمله المخالفة من وجوه غير ضعف الحديث.
131 - وأما ما في الحديث من النهي عن تغطية الفم فقد علله بعضهم بأنه فعل المجوس عند نيرانهم التي يعبدونها، فعلى هذا تظهر مناسبة الجمع بين النهي عن السدل وعن تغطية الفم بما في كل منهما من مشابهة الكفار، مع أن في كل منهما معنى آخر يوجب الكراهة ولا محذور في تعليل الحكم بعلتين. (1)
__________
(1) وأكثر العلماء يكرهون السدل مطلقاً، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والمشهور عن أحمد وعنه إنما يكره فوق الإزار دون القميص توفيقاً بين الآثار في ذلك. وحملاً للنهي على لباسهم المعتاد قال صالح: سألت أبي عن السدل في الصلاة فقال: يلبس الثوب فإذا لم يطرح أحد طرفيه على الآخر فهو السدل، وهذا الذي عليه عامة العلماء.
(7/179)

132 - عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب قال: دخلت مع ابن عمر مسجدًا بالجحفة فنظر إلى شرفات فخرج في موضع فصلى فيه ثم قال لصاحب المسجد: إني رأيت في مسجدك هذا يعني الشرفات شبهتها بأنصاب الجاهلية فمر بها أن تكسر. (1)
133 - وعن عبيد بن أبي الجعد قال: كان أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد يعني الطاقات. (2)
وما علمنا أحدًا خالف ما ذكرناه عن الصحابة من كراهة التشبه بالكفار والأعاجم في الجملة، وإن كان بعض هذه المسائل المعينة فيها خلاف وتأويل، وهذا كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة وإن كان قد يختلف في بعض أعيان المسائل لتأويل.
135 - مما ذكره عن مذهب مالك أنه يكره ترك العمل يوم الجمعة كفعل أهل الكتاب ويوم السبت والأحد. وذكر كراهته للقيام للرجل وأنه ليس من فعل الإسلام.
136 - وبالغ طائفة منهم - أي الشافعية - فنهوا عن التشبه بأهل البدع مما كان شعارًا لهم، وإن كان في الأصل مسنونًا كما في تسنيم القبور، فإن الأفضل تسطيحها عندهم فقالوا: ينبغي تسنيمها في هذه الأوقات
__________
(1) مصنف ابن أبي شيبة جـ 1 ص 309.
(2) مصنف عبد الرزاق جـ 2 ص 412.
(7/180)

لأن شعار الرافضة اليوم تسطيحها، ففي تسطيحها تشبه بهم فيما هو شعار لهم وقالت طائفة: بل نسطحها حتى لا يكون التسطيح شعارًا للرافضة قلت: وهذه المبالغة من بعض أصحاب الشافعي فيها نظر. فالصواب: أن لا تترك السنة من أجل أن بعض أهل البدع أو أهل الكفر عملوا بها؛ لأن مصلحة العمل بها باقية وإن عمل بها هؤلاء.
137 - وكره أي الإمام أحمد تسمية الشهور بالعجمية والأشخاص بالأسماء الفارسية وعد الفقهاء من أصحابه وغيرهم من اللباس المكروه ما خالف زي العرب وأشبه زي الأعاجم وعادتهم.
138 - وإنما الغرض بيان ما اتفق عليه العلماء من كراهة التشبه بغير أهل الإسلام، وقد يتردد العلماء في بعض فروع هذه القاعدة لتعارض الأدلة فيها أو لعدم اعتقاد بعضهم اندراجه في هذه القاعدة.
139 - ومثل هذا هل يجعل قولًا له أي للإمام أحمد إذا سئل عن مسألة فحكى فيها جواب غيره ولم يردفه بموافقة ولا مخالفة؟ في ذلك لأصحابه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه لولا موافقته له لكان قد أجابه بغيره، لأنه إنما سأله عن قوله ولم يسأله أن يحكي له مذاهب الناس.
الثاني: لا؛ لأنه إنما حكاه فقط، ومجرد الحكاية لا يدل على الموافقة.
142 - وقريب من هذا مخالفة من لم يكمل دينه من الأعراب ونحوهم كما في صحيح البخاري عن عبد الله بن مغفل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، قال: والأعراب تقول: هي العشاء» ، ولمسلم عن ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا»
(7/181)

«يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء فإنها تعتم بحلاب الإبل» .
واعلم أن بين التشبه بالكفار والشياطين وبين التشبه بالأعراب والأعاجم فرقًا يجب اعتباره، وذلك أن نفس الكفر والشيطنة مذموم في حكم الله ورسوله وعباده المؤمنين ونفس الأعرابية والأعجمية ليست مذمومة في نفسها عند الله ورسوله وعباده المؤمنين بل الأعراب منقسمون إلى أهل جفاء وأهل إيمان وبر وكذلك العجم وهم من سوى العرب ينقسمون إلى مؤمن وكافر وبر وفاجر.
145- ذكر الأحاديث الواردة في فضل بعض الفرس وما يشهد له من الواقع، وأن في بقية العجم من الحبشة والترك وغيرهم من هو سابق في العلم والدين ثم قال: وإنما وجه النهي عن مشابهة الأعراب والأعاجم ما ذكرناه من الفضل فيهم وعدم العبرة بالنسب والمكان مبني على أصل، وذلك أن الله سبحانه جعل سُكنى القرى يقتضي من كمال الإنسان في العلم والدين ورقة القلوب، ما لا يقتضيه سُكنى البادية، كما أن البادية توجب من صلابة البدن والخلق ومتانة الكلام ما لا يكون في القرى ولذلك جعل الله الرسل من أهل القرى.
147 - والتحقيق أن سكان البوادي لهم حكم الأعراب سواء دخلوا في لفظ الأعراب أم لم يدخلوا، فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية، وإن كان بعض أعيان البادية
(7/182)

أفضل من أكثر الحاضرة مثلًا، ويقتضي أن ما انفرد به أهل البادية عن جميع جنس الحاضرة أعني في زمن السلف من الصحابة والتابعين فهو ناقص عن فضل الحاضرة أو مكروه.
148 - والذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم وأن قريشًا أفضل العرب وأن بني هاشم أفضل قريش وأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفضل بني هاشم.. وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم بمجرد كون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منهم وإن كان هذا من الفضل بل هم في أنفسهم أفضل، وبهذا ثبت لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه أفضل نفسًا ونسبًا وإلا لزم الدور.
149 - وذهبت فرقة من الناس إلى أنه لا فضل لجنس العرب على جنس العجم وهؤلاء يسمون الشعوبية لانتصارهم للشعوب التي هي مغايرة للقبائل، كما قيل: القبائل للعرب والشعوب للعجم، ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب، والغالب أن هذا الكلام لا يصدر إلا عن نوع نفاق، إما في الاعتقاد وإما في العمل المنبعث عن هوى النفس مع شبهات اقتضت ذلك.
152 - لما ذكر الأحاديث الواردة في فضل العرب قال: وقد بين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن هذا التفضيل يوجب المحبة لبني هاشم ثم لقريش ثم للعرب.
154 - وهذا يقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم، فيقتضي أنهم أفضل من ولد إسحاق، ومعلوم أن ولد إسحاق الذين هم بنو إسرائيل أفضل العجم لما فيهم من النبوة والكتاب.
(7/183)

155 - ذكر حديثين: أحدهما: «فمن أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» (1) ، الثاني: «يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك قلت: يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله. قال: تبغض العرب فتبغضني»
... (2) ويشبه أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاطب بهذا سلمان وهو سابق الفرس ذو الفضائل المأثورة تنبيهًا لغيره من سائر الفرس لما أعلمه الله تعالى من أن الشيطان قد يدعو النفوس إلى شيء من هذا.
156 - وهذا دليل على أن بغض جنس العرب ومعاداتهم كفر أو سبب للكفر.
157 - وكان أحمد - رحمه الله - على ما تدل عليه طريقته في المسند إذا رأى أن الحديث موضوع أو قريب من الموضوع لم يحدث به ولذلك ضرب على أحاديث رجال فلم يحدث بها في المسند لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» . (3)
158 - «أحبوا العرب لثلاث؛ لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي» (4) . قال السلفي: حديث حسن فما أدري أراد حسن إسناده على
__________
(1) مصنف عبد الرزاق جـ 2 ص 412.
(2) الترمذي: المناقب: رقم ((3927)) والإمام أحمد جـ 5 ص 440 والحاكم جـ 4 ص 95 وقال:" حديث صحيح الإسناد".
(3) مسلم: المقدمة: (جـ 1 ص 9) .
(4) أخرجه الحاكم في (المستدرك) جـ 4 ص 97: والهيثمي في (المجمع) جـ 10 ص 52: والشوكاني في الفوائد ص 413 والسيوطي في (اللآلىء) جـ 2 ص 442 قال الحاكم: " حديث يحيى بن زيد حديث صحيح " وتعقبه الذهبي بقوله: " بل يحيى بن زيد ضعفه أحمد وغيره " وقال الهيثمي: " فيه العلاء بن عمرو الحنفي مجمع على ضعفه ".
(7/184)

طريقة المحدثين أو حسن متنه على الاصطلاح العام وأبو الفرج ابن الجوزي ذكر هذا الحديث في الموضوعات.
160 - وسبب هذا الفضل والله أعلم ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع أو العمل الصالح، والعلم له مبدأ وهو قوة العقل الذي هو الحفظ والفهم وله تمام وهو قوة المنطق الذي هو البيان والعبارة (ثم ذكر كلامًا حاصله أن العرب في ذلك أقوى من غيرهم) ثم قال: وأما العمل فإن مبناه على الأخلاق وهي الغرائز المخلوقة في النفس وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم.. لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير معطلة عن فعله ليس عندهم علم منزل من السماء ولا شريعة موروثة عن نبي ولا هم مشتغلون أيضًا ببعض العلوم العقلية المحضة كالطب والحساب ونحوهما، إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب وما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، وما احتاجوه في دنياهم من الأنواء والنجوم أو الحروب، فلما بعث الله محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالهدى الذي ما جعل الله في الأرض ولا يجعل أعظم قدرًا منه.. فأخذوا هذا الهدى العظيم بتلك الفطرة الجيدة فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم والكمال الذي أنزله الله إليهم.
162 - فصار السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل خلق الله بعد الأنبياء، وصار أفضل الناس بعدهم من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة من العرب والعجم. قلت: ظاهره أن التابعين لهم بإحسان أفضل حتى ممن صحبوا أنبياءهم من الأمم، وفي النفس من ذلك شيء فإن الظاهر أن أصحاب الأنبياء الذين أدركوهم أفضل ممن بعد
(7/185)

الصحابة في هذه الأمة، وإن كان التابعون من هذه الأمة من حيث كمال الدين أفضل ممن صحبوا الأنبياء السابقين، فإن أصحاب الأنبياء قاموا بما كلفوا به من الكمال في أديانهم مع صحبة أنبيائهم. والله أعلم.
فإذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم دخل في ذلك ما كان عليه الأعاجم الكفار قديمًا وحديثًا، وما كان عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن عليه السابقون الأولون، كما يدخل في مسمى الجاهلية العربية ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام وما عاد إليه كثير من العرب من الجاهلية التي كانوا عليها.
وأيضًا فإن الله لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغًا عنه الكتاب والحكمة باللسان العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان وصارت معرفته من الدين واعتياد التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله وأقرب إلى إقامة شعائر الدين وأقرب إلى مشابهتهم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أمورهم.
163- العادات لها تأثير عظيم فيما يحبه الله ويكرهه، ولذا جاءت الشريعة بلزوم عادات السابقين في أقوالهم وأعمالهم وكراهة الخروج عنها إلى غيرها من غير حاجة، فحاصله أن النهي عن التشبه بهم إنما كان لما يفضي إليه من فوت الفضائل التي جعلها الله للسابقين الأولين أو حصول النقائص التي كانت في غيرهم.
(7/186)

164 - وإنما يتم الكلام بأمرين: أحدهما: أن الذي يجب على المسلم إذا نظر في الفضائل أو تكلم فيها أن يسلك سبيل العاقل الذي غرضه الخير ويتحراه جهده وليس غرضه أن يفتخر على أحد ولا الغمط من أحد.
165 - الثاني: أن اسم العرب والعجم قد صار فيه اشتباه واسم العرب في الأصل كان اسمًا لقوم جمعوا ثلاثة أوصاف:
1. أن لسانهم كان باللغة العربية.
2. أنهم كانوا من أولاد العرب.
3. أن مساكنهم كانت أرض العرب وهي جزيرة العرب التي هي من بحر القلزم إلى بحر البصرة ومن أقصى حجر باليمن إلى أوائل الشام بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم ولا تدخل فيها الشام.
169 - فإن قيل: ما ذكرتموه من الأدلة (يعني القاضية بالنهي عن مشابهتهم) معارض بما يدل على خلافه، وذلك أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه لقوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} ، وبحديث عاشوراء الذي كان يصومه اليهود فصامه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (1) ، وبحديث ابن عباس - رضي الله عنه - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء» متفق عليه.
172 - قيل: أما المعارضة بالأول فهو مبني على مقدمتين كلتاهما منفية في مسألة التشبه بهم: إحداهما: أن يثبت بنقل موثوق به أن ذلك شرع لهم فأما مجرد الرجوع إلى قولهم أو ما في كتبهم فلا يجوز بالاتفاق.
__________
(1) البخاري: كتاب الصوم: باب صيام يوم عاشوراء: ومسلم: كتاب الصيام: (1130) .
(7/187)

الثانية: أن لا يكون في شرعنا بيان خاص لذلك فإن كان فيه بيان خاص بالموافقة أو المخالفة استغني به.
173 - وأما صيام عاشوراء فقد ثبت أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصومه قبل استخبار اليهود وكانت قريش تصومه.
174 - وأما الجواب عن كونه يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء فمن وجوه:
1 - أحدها أنه منسوخ ومما يوضح ذلك أن كل ما جاء من التشبه بهم إنما كان في صدر الهجرة ثم نسخ، وسببه أن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم يشرع لهم المخالفة، فلما كمل الدين وظهر وعلا شرع ذلك، ومثل ذلك اليوم لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدى الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب أو يجب للرجل أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة.
177 -2- الوجه الثاني: لو فرضنا أن ذلك لم ينسخ فالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو الذي كان له أن يوافقهم لأنه يعلم حقهم من باطلهم بما يعلمه الله تعالى أما نحن فلا يجوز لنا أن نأخذ شيئًا من الدين عنهم.
3 - الوجه الثالث: أن نقول بموجبه: كان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم إنه أمر بمخالفتهم وأمرنا نحن أن نتبع هديه.
(7/188)

177 - والكلام إنما هو في أننا منهيون عن التشبه بهم فيما لم يكن سلف الأمة عليه أما ما كان سلف الأمة عليه فلا ريب فيه سواء فعلوه أو تركوه فإنا لا نترك ما أمر الله به من أجل أن الكفار تفعله، قلت: ومن ذلك ما يبرر به كثير من حالقي لحاهم فعلهم بأن الكفار أو كثيرا منهم الآن يعفون لحاهم فإذا أعفيناها كنا متشبهين بهم هكذا يقولون وجوابهم أن إعفاء اللحية مما أمر الله ورسوله به فلا نتركه من أجل أن الكفار يفعلونه.
177 - وقد تقدم بيان أن ما أمرنا الله به ورسوله من مخالفتهم مشروع سواء كان الفعل مما قصد فاعله التشبه بهم أم لم يقصد، وكذلك ما نهي عنه من مشابهتهم يعم ما إذا قصدت مشابهتهم أم لم تقصد فإن عامة هذه الأعمال لم يكن المسلمون يقصدون المشابهة فيها، وفيها ما لا يتصور قصد المشابهة فيه كبياض الشعر وطول الشارب.
178 - أعمالهم - يعني الكفار - ثلاثة أقسام: قسم مشروع في ديننا مع كونه مشروعا لهم أو لا نعلم أنه مشروع لكنهم يفعلونه الآن.. وقسم كان مشروعا ثم نسخه شرع القرآن. وقسم لم يكن مشروعا بحال لكنهم أحدثوه. وهذه الأقسام إما تكون في العبادات المحضة أو في العادات المحضة وهي الآداب أو تجمع العبادات والعادات، فأما القسم الأول وهو ما كان مشروعا في الشريعتين أو ما كان مشروعا لنا وهم يفعلونه: فمثل صيام عاشوراء ودفن الموتى والصلاة في النعلين فالمخالفة في هذا القسم تكون في صفة ذلك العمل.
(7/189)

179- القسم الثاني: ما كان مشروعا ثم نسخ بالكلية كالسبت، ولا يخفى النهي عن موافقتهم في هذا سواء كان واجبا عليهم فيكون عبادة، أو محرما عليهم فيتعلق بالعادات، فليس للرجل أن يمتنع من أكل الشحوم وكل ذي ظفر على وجه التدين بذلك أو مركبا من العبادات والعادات كالأعياد فإن العيد المشروع يجمع عبادة وعادة، فإنه يشرع فيها وجوبا أو استحبابا من العبادات ما لا يشرع في غيرها، ويباح فيها أو يستحب أو يجب من العادات التي للنفوس فيها حظ ما لا يكون في غيرها، ولهذا وجب فطر يوم العيدين. فموافقتهم في هذا القسم المنسوخ من العبادات أو العادات أو كليهما أقبح من موافقتهم فيما هو مشروع في الأصل، ولهذا كانت موافقتهم في هذا محرمة وفي الأول قد لا تكون إلا مكروهة.
179- القسم الثالث: ما لم يكن مشروعا ولكن أحدثوه من العبادات أو العادات أو كليهما فهو أقبح وأقبح.
182 - وبإسناده يعني أبا الشيخ الأصفهاني عن عطاء بن يسار قال: قال عمر: [إياكم ورطانة الأعاجم وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم] .
189 - فإذا كان الذبح بمكان عيدهم منهيا عنه فكيف الموافقة في نفس العيد بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم.
العيد: اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك.
192 - وهذا يوجب العلم اليقيني بأن إمام المتقين- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منع أمته منعا قويا من أعياد الكفار وسعى في دروسها وطموسها بكل سبيل.
(7/190)

202 - قال حرب: قلت لأحمد: فإن للفرس أياما وشهورا يسمونها بأسماء لا تعرف فكره ذلك أشد الكراهة، وروي عن مجاهد أنه كره أن يقال: آذر ماه وذى ماه. قال: وسألت إسحاق قلت: تاريخ الكتاب يكتب بالشهور الفارسية مثل آذار ماه وذي ماه قال: إن لم يكن في تلك الأسامي اسم يكره فأرجو.
وكراهة أحمد لهذه الأسماء لها وجهان: أحدهما: أنه إذا لم يعرف معنى الاسم جاز أن يكون معنى محرما فلا ينطق المسلم بما لا يعرف معناه. والوجه الثاني: كراهة أن يتعود الرجل النطق بغير العربية فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون.
204 - بعد أن ذكر التفصيل في حكم ترجمة الأذكار في الصلاة وغيرها قال: وأما الخطاب بها أي بغير العربية من غير حاجة في أسماء الناس والشهور كالتواريخ ونحو ذلك فهو منهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب، وأما مع العلم به فكلام أحمد بين في كراهته أيضا فإنه كره آذار ماه ومعناه ليس محرما.
206 - وفي الجملة فالكلمة بعد الكلمة من العجمية أمرها قريب وأكثر ما يفعلون ذلك إما لكون المخاطب أعجميا أو قد اعتاد العجمية يريدون تقريب الإفهام عليه.. وأما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله ولأهل الدار وللرجل مع صاحبه ولأهل السوق أو للأمراء أو لأهل الديوان أو لأهل الفقه فلا ريب أن هذا مكروه.
(7/191)

210- الأنبياء ما وقتوا العبادات إلا بالهلال وإن اليهود والنصارى حرفوا الشرائع.
211- وإنما عددت أشياء من منكرات دينهم لما رأيت طوائف من المسلمين قد ابتلوا ببعضها وجهل كثير منهم أنها من دين النصارى الملعون هو وأهله.
212- كل ما عظم بالباطل من زمان أو مكان أو حجر أو شجر أو بنية يجب قصد إهانته كما تهان الأوثان المعبودة وإن كانت لولا عبادتها لكانت كسائر الأحجار.
215- وإذا كانت المشابهة في القليل ذريعة إلى هذه القبائح كانت محرمة، فكيف إذا أفضت إلى ما هو كفر بالله- تعالى- من التبرك بالصليب والتعميد في المعمودية أو قول القائل: المعبود واحد وإن كانت الطرق مختلفة ونحو ذلك من الأقوال والأفعال التي تتضمن إما كون الشريعة اليهودية والنصرانية المبدلتين المنسوختين موصلة إلى الله، وإما استحسان بعض ما فيها مما يخالف دين الله- تعالى- والتدين بذلك أو غير ذلك مما هو كفر بالله ورسوله وبالقرآن وبالإسلام بلا خلاف بين الأمة الوسط في ذلك.
216- المشابهة يعني مشابهة الكفار تفضي إلى كفر أو معصية غالبا أو تفضي إليهما في الجملة، وليس في هذا المفضي مصلحة وما أفضى إلى ذلك كان محرما.
217 - فالعبد إذا أخذ منه غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ويتم به دينه
(7/192)

ويكمل إسلامه، وذكر لذلك أمثلة ثم قال: ولهذا جاء في الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها» . رواه أحمد. ذكر وجوه تحريم مشابهة الكفار من حيث النظر والاعتبار (ص 207- 222) ونحن نذكرها مجملة:
207 - الوجه الأول: أن الأعياد من جملة الشرائع والمناهج التي قال الله- تعالى- فيها: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} فلا فرق بين مشاركتهم في العيد ومشاركتهم في سائر المناهج.
208 - الثاني: أن ما يفعلونه في أعيادهم معصية لله، لأنه إما محدث مبتدع وإما منسوخ فأحسن أحواله ولا حسن فيه أن يكون بمنزلة صلاة المسلم إلى بيت المقدس.
209 - الوجه الثالث: أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس وتناسوا أصله حتى يصير عادة بل عيدا فيضاهى بعيد الله بل يزيد عليه.
216 - الوجه الرابع: أن الأعياد والمواسم في الجملة لها منفعة عظيمة في دين الخلق ودنياهم وقد شرع الله على لسان خاتم النبيين ما فيه صلاح الخلق على أتم الوجوه.. فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره. ولهذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن حتى ربما يكرهه.
(7/193)

219 - الوجه الخامس: أن مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل.. وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء.
219 - الوجه السادس: أن ما يفعلونه في أعيادهم منه ما هو كفر ومنه ما هو حرام ومنه ما هو مباح لو تجرد عن مفسدة المشابهة، والتمييز بين هذا وهذا قد يخفى على كثير من العامة.
219 - الوجه السابع: أن الله جبل بني آدم بل سائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط.. فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المساوقة والتدريج الخفي.
221 - الوجه الثامن: أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان. (1)
__________
(1) مشابهتهم فيما ليس من شرعنا قسمان: أحدهما: مع العلم بأن هذا العمل من خصائص دينهم فيفعله موافقة لهم أو لشهوة تتعلق بذلك العمل أو لتخيل منفعة فيه ولا شك في تحريم ذلك كله وقد يبلغ أن يكون كبيرة أو كفراً حسب الأدلة الشرعية. الثاني: أن يفعله من غير علم أنه من عملهم وهو نوعان: أحدهما: ما كان في الأصل مأخوذاً عنهم إما على الوجه الذي يفعلونه وإما مع نوع تغيير في الفعل أو زمانه أو مكانه فيعرف الفاعل بأصله فإن انتهى وإلا كان من القسم الأول.. النوع الثاني: ما كان غير مأخوذ عنهم لكنهم يفعلونه فهذا ليس فيه محذور المشابهة لكن قد تفوت فيه منفعة المخالفة، قلت: ولا يرد على ذلك إعفاء اللحية لأنه من شرعنا.
(7/194)

223 - ليس النهي عن خصوص أعيادهم بل كل ما يعظمون من الزمان والمكان الذي لا أصل له في الإسلام داخل في ذلك.
227 - وكما لا يتشبه بهم في الأعياد فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك بل يُنهى عن ذلك التشبه.. ومن أهدى للمسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تقبل هديته خصوصا إن كانت الهدية مما يستعان به على التشبه بهم في مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد.. وكذلك لا يُهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد لا سيما إذا كان مما يستعان بها على التشبه بهم.
ولا يبيع المسلم ما يستعين به المسلم على مشابهتهم في العيد من الطعام وغيره لأن في ذلك إعانة على المنكرات.
فأما مبايعتهم ما يستعينون على عيدهم أو شهود أعيادهم للشراء فيها فكلام أحمد في الشراء منهم من غير دخول كنائسهم يدل على الجواز، أما في البيع فمحتمل هذا خلاصة ما نقله الشيخ عنه ثم قال: وقد كان المسلمون يشهدون أسواقا في الجاهلية وشهد بعضها النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.. ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها جاز كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر رضي الله عنه في حياة النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى الشام.. وأما حمل التجارة إلى أرض الحرب ففيه روايتان منصوصتان وأكثر نصوصه تقتضي المنع لكن هل هو منع تنزيه أو تحريم.
(7/195)

232 - وعن أبي الحارث أن أبا عبد الله سئل عن الرجل يبيع داره وقد جاء نصراني فأرغبه وزاد في ثمن الدار ترى له أن يبيع داره منه وهو نصراني أو يهودي أو مجوسي قال: لا أرى له ذلك يبيع داره من كافر يكفر فيها بالله يبيعها من مسلم أحب إلي فهذا نص على المنع.
236- لما ذكر اختلاف الأصحاب في الإجارة للذمي ووجه الفرق بينها وبين البيع عند من فرق بينهما وهل منع البيع والإجارة من باب التحريم أو الكراهة قال: وهذا الخلاف عندنا والتردد في الكراهة هو فيما إذا لم يعقد الإجارة على المنفعة المحرمة فأما إن أجره إياها لبيع الخمر واتخاذها كنيسة أو بيعة لم يجز قولا واحدا.
237- معاصي الذمي قسمان: أحدهما: ما اقتضى عقد الذمة إقراره عليها الثاني: ما اقتضى منعه منها أو من إظهارها وهذا لا ريب أنه لا يجوز على أصلنا أن يؤاجر أو يبايع الذمي عليه إذا غلب على الظن أنه يفعل ذلك. وأما الأول فعلى ما قاله أبو موسى يكره ثم علله وقال: وعلى ما قاله القاضي لا يجوز ثم ذكر علته.
244 - ذكر في هذه الصفحة وما بعدها كلاما يفيد أن من استؤجر لحمل خمر ونحوها أنه يحرم عليه ذلك ويقضى له بالأجرة ثم تحرم عليه الأجرة لحق الله- تعالى- لا لحق المستأجر، فالأجرة صحيحة بالنسبة للمستأجر بمعنى أنه يجب عليه الأجرة، فاسدة بالنسبة إلى الأجير بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بالأجرة قال: ولهذا في الشريعة نظائر.
247 - البغي والمغني والنائحة ونحوهم إذا تابوا هل يتصدقون بما أعطوا من أجرة أو يردونها على من أعطاهم على قولين: أصحهما يتصدقون بها وتصرف في مصالح المسلمين.
(7/196)

249 - بيع الكفار ما يقيمون به أعيادهم كبيع العقار للسكنى حرام وبيع ما يفعلون به نفس المحرم كالصليب لا ريب في تحريمه كبيعهم العصير ليتخذوه خمرا وبناء الكنيسة لهم وبيع ما ينتفعون به في أعيادهم للأكل والشرب واللباس فأصول أحمد تقتضي كراهته والأشبه أنها كراهة تحريم ثم علل ذلك.
259 - عبادة الله- تعالى- بالصلاة والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور لو ذبح لغير الله متقربا به إليه لحرم، وإن قال فيه: باسم الله كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة ممن يتقربون إلى الأولياء، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال لكن يجتمع في الذبيحة مانعان ومن هذا ما يفعله بعض الجهال من الذبح للجن.
262 - فأما صوم أعياد الكفار مفردة بالصوم فقد اختلف في ذلك من أجل أن المخالفة تحصل بالصوم أو بترك تخصيصه بعمل.
ثم ذكر حديث «النهي عن صوم يوم السبت» (1) إلا فيما افترض وقال: لا يقال: يحمل النهي على إفراده يعني من أجل الاستثناء قال:وعلى هذا فالحديث إما شاذ غير محفوظ وإما منسوخ وفي (ص 264) قال أبو داود: قال مالك: "هذا كذب وأكثر أهل العلم على عدم الكراهة".
265 - اختلف القائلون بكراهة إفراد صوم السبت فقيل: إنه يوم عيد لأهل الكتاب فقصده بالصوم دون غيره تعظيم له، وهذا التعليل قد
__________
(1) الترمذي: كتاب الصوم: باب ما جاء في صوم يوم السبت: وابن ماجه كتاب الصيام / باب ما جاء في صيام السبت: وأبو داود: كتاب الصوم: والحاكم جـ 21 ص 601 وقال: " حديث صحيح على شرط البخاري " قال الذهبي " عارضه خبر قتادة ".
(7/197)

يعارض بيوم الأحد وقد يقال: إذا كان يوم عيد فمخالفتهم فيه بالصوم، ثم استدل له.
267 - ومن المنكرات في هذا الباب سائر الأعياد والمواسم المبتدعة فإنها من المنكرات المكروهات سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه فأعياد أهل الكتاب والأعاجم نهي عنها لسببين: المشابهة وكونها من البدع. فما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب لوجهين:
أحدهما: أنه داخل في مسمى البدع والمحدثات (1) ثم ذكر الأحاديث المحذرة من ذلك ودلالة الكتاب والسنة والإجماع على هذه القاعدة وقال:
268 - من ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله ومن تبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله.
نعم قد يكون متأولا في هذا الشرع فيغفر له إذا كان مجتهدا الاجتهاد الذي يعفى فيه عن المخطئ ويثاب أيضا على اجتهاده لكن لا يجوز اتباعه في ذلك.
268 - ويلحق الذم من يُبَين له الحق فيتركه أو من قصر في طلبه فلم يتبين له أو أعرض عن طلب معرفته لهوى أو كسل أو نحو ذلك.
269 - فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله. وفي العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله.
وهذه القاعدة وهي الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته قاعدة عظيمة.
__________
(1) ذكر الوجه الثاني (ص 282) .
(7/198)

270 - ومن الناس من يقول: البدع تنقسم إلى قسمين حسنة وقبيحة بدليل قول عمر في التراويح: " نعمت البدعة" (1) وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت بعد رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وليست مكروهة أو هي حسنة للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس وهؤلاء يقولون: ليس كل بدعة ضلالة ثم لهم هاهنا مقامان: أحدهما: أن يقولوا: إذا ثبت أن بعض البدع حسن وبعضها قبيح فالقبيح ما نهى عنه الشارع وما سكت عنه فليس بقبيح بل قد يكون حسنا. المقام الثاني: أن يقولوا عن بدعة سيئة هذه بدعة حسنة: لأن فيها من المصلحة كيت وكيت.
والجواب عن المقام الأول: أن القول بأن كل بدعة ضلالة هو نص رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع ومن نازع في دلالته فهو مراغم.
ويقال: ما ثبت حسنه فليس من البدع أو مخصوص من هذا العموم.
والمخصص هو الكتاب والسنة والإجماع نصا أو استنباطا وأما عادة بعض البلاد أو قول كثير من العلماء فلا يصلح أن يكون معارضا لقول الرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حتى يخصص به.. لكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق كثير من الناس حتى من المنتسبين إلى العلم والدين.
272- وأيضا لا يجوز حمل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كل بدعة ضلالة» ، على البدعة التي نهي عنها بخصوصها لأن هذا تعطيل لفائدة الحديث فإن ما نهي عنه قد علم بذلك النهي أنه قبيح محرم سواء كان بدعة أم لا وحمل
__________
(1) البخاري: كتاب صلاة التراويح: باب فضل من قام رمضان.
(7/199)

الحديث على هذا من نوع التحريف والإلحاد وفيه من المفاسد أشياء:
· أحدها: سقوط الاعتماد على هذا الحديث.
· الثاني: أن لفظ البدعة ومعناها يكون اسما عديم التأثير.
· الثالث: أنه إذا لم يقصد بهذا الخطاب إلا المنهي عنه كان كتمانا لما يجب بيانه وبيانا لما لم يُقصد ظاهره وتلبيسا محضا لا يسوغ للمتكلم إلا أن يكون مدلسا.
· الرابع: أنه لو أريد به ما فيه نهي خاص لكان النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أحالهم في معرفة المراد به على ما لا يكاد يحيط به أحد ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة وهذا لا يجوز بحال.
· الخامس: أنه لو أريد به ما فيه نهي خاص من البدع لكان أقل مما فيه نهي خاص واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور القليلة أو النادرة.
274 - وأما المقام الثاني فيقال: هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح فهذا لا يمنع أن يكون الحديث دالا على قبح الجميع وأكثر ما يقال: إذا ثبت أن هذا حسن فهو مستثنى من العموم لدليل كذا وكذا أو يقال: إن ثبت أنه حسن فليس ببدعة فأما ما يظن أنه حسن ولم يثبت حسنه أو ما يجوز أن يكون حسنا وأن يكون غير حسن فلا يعارض به الحديث.
275 - فأما صلاة التراويح فليست بدعة لأن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صلاها في الجماعة في أول رمضان ليلتين أو ثلاثا وصلاها في العشر الأواخر في جماعة مرات.
(7/200)

276 - وتسمية عمر لها بدعة تسمية لغوية لأن البدعة لغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق. والبدعة الشرعية: (كل ما لم يدل عليه دليل شرعي) . فإذا كان نص رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته أو دل عليه مطلقا ولم يعمل به إلا بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة.
277 - 278- ذكر أمثلة من البدع كجمع القرآن ونفي عمر ليهود خيبر ونصارى نجران ورد العطاء من أولي الأمر وقتال أبي بكر لمانعي الزكاة.
278 - والضابط في هذا والله أعلم أن يقال: إن الناس لا يحدثون شيئا إلا يرونه مصلحة فما رأوه مصلحة فلينظر إلى السبب المحوج إليه فإن كان أمرا حدث بعد النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وليس لتفريط منا فقد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه. ولذلك إن كان المقتضي لفعله في عهد النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قائما لكن تركه لمعارض زال بموته أي فإنه يجوز فعله مثل كتابة القرآن وقيام رمضان جماعة فأما ما كان المقتضي لفعله موجودا ولا معارض له في عهد النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإنه لا يجوز إحداثه مثل الأذان لصلاة العيدين. وكذلك ما أحدث بتفريط من الناس كتقديم الخطبة على الصلاة في العيدين فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون فاعتذر من أحدثه بأن الناس ينفضون قبل سماع الخطبة بخلافهم في عهد النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يخطبهم لتبليغهم وهدايتهم ونفعهم وأنت تقصد إقامة رئاستك فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى بل الطريق إلى ذلك أن تتوب إلى الله- تعالى- وتتبع سنة نبيه،
(7/201)

فيستقيم الأمر وإن لم يستقم فلا يسألك الله- تعالى- إلا عن عملك لا عن عملهم.
281 - بين ما يحصل للأمراء والعلماء والعباد بإقامة الشرع واتباع السنة.
282 - الوجه الثاني في ذم المواسم والأعياد المحدثة ما تشتمل عليه من الفساد في الدين فمن ذلك:
1 - أن من أحدث عملا خص به زمانا أو مكانا فلا بد أن يصحب ذلك اعتقاد وهذا الاعتقاد إذا لم يكن له أصل يثبت به كان مفسدة، ثم استدل لذلك بنهي النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام ويومها بالصيام» (1) ثم قال: ومعلوم أن مفسدة هذا العمل بالتخصيص وإلا لنهى عنه مطلقا أو لم ينه عنه كيوم عرفة فظهر أن المفسدة تحصل من تخصيص ما لا خصيصة له.
288 - العمل المبتدع مستلزم إما لاعتقاد هو ضلال في الدين وإما لعمل دين لغير الله- تعالى- والتدين بالاعتقادات الفاسدة أو لغير الله لا يجوز.
289 - ثم هذا الاعتقاد يتبعه أحوال في القلب من التعظيم والإجلال وتلك الأحوال أيضا باطلة ليست من دين الله تعالى.
فعلمت أن فعل هذه البدع تناقض الاعتقادات الواجبة وتنازع الرسل فيما جاؤوا به عن الله- تعالى- وتورث القلب نفاقا، وإن كان خفيفا. فمن تدبر هذا علم يقينا ما في حشو البدع من السموم المضعفة للإيمان.
__________
(1) مسلم: كتاب الصيام: باب كراهة صيام الجمعة منفرداً.
(7/202)

290 - فإن قيل: هذا يعارضه أن هذه المواسم فعلها قوم من أولي العلم والفضل وفيها فوائد يجدها المؤمن في قلبه وغير قلبه من رقة القلب وإجابة الدعاء ونحوه، قلنا: لا ريب أن من فعلها متأولا مجتهدا ومقلدا كان له أجر على حسن قصده وعلى عمله من حيث ما فيه من المشروع، وكان ما فيه من البدعة مغفورا له، إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين لكن هذا لا يمنع كراهتها والنهي عنها والاعتياض عنها بالمشروع الذي لا بدعة فيه.
291 - ثم يقال: إذا فعلها قوم فقد تركها قوم معتقدين كراهتها وأنكرها آخرون وهم ليسوا دون الفاعلين في الفضل ومعهم عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين. وما فيها من المنفعة يعارضه مفاسد البدعة الراجحة على منفعتها فمنها:
1 - المفسدة الحالية أو الاعتقادية.
2 - أن القلوب تستعذبها وتستغني بها عن كثير من السنن.
3 - أن الخاصة والعامة تنقص بسببها عنايتهم بالسنن والفرائض وتفتر رغبتهم فيها.
4 - أن المعروف يصير منكرا والمنكر معروفا.
5 - اشتمالها على كثير من المكروهات في الشريعة.
6 - مسارقة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع.
292 - العيد يكون اسما للمكان والزمان والاجتماع: أما الزمان فثلاثة أنواع:
أحدها: يوم لم تعظمه الشريعة أصلا ولم يكن له ذكر في وقت السلف ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه مثل أول خميس من رجب
(7/203)

وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب، فإن تعظيم هذا اليوم والليلة إنما حدث بعد المائة الرابعة وفيه حديث موضوع باتفاق العلماء.
293- النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة ولم توجب أن يكون موسما ولم يعظمه السلف كثامن عشر ذي الحجة الذي " خطب فيه النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في غدير خم مرجعه من حجة الوداع أوصى فيها باتباع كتاب الله وبأهل بيته " (1) .. فزاد فيه بعض أهل الأهواء وزعموا أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عهد إلى علي بالخلافة بالنص الجلي.. وأن الصحابة تمالؤوا على كتمان هذا النص وغصبوا الوصي حقه وفسقوا وكفروا إلا نفرا قليلا فاتخاذ ذلك اليوم عيدا محدث لا أصل له.
294 - وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى، وإما محبة للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتعظيما له من اتخاذ مولد النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عيدا مع اختلاف الناس في مولده فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع ولو كان خيرا محضا أو راجحا لكان السلف أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتعظيما له منا، وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان.
296 - عليك بأدبين: أحدهما: حرصك على اتباع السنة باطنا وظاهرا في خاصتك وخاصة من يطيعك. الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان.
__________
(1) مسلم: كتاب فضائل الصحابة (2408) .
(7/204)

298 - فتفطن لحقيقة الدين وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد.. بحيث تقدم عند التزاحم أعرف المعروفين فتعزو إليه وتنكر أنكر المنكرين وترجح أقوى الدليلين فإن هذا خاصة العلماء بهذا الدين.
299 - فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له ظاهرا في الأمر بذلك المعروف والنهي عن ذلك المنكر ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين.
· النوع الثالث: ما هو معظم في الشريعة كيوم عاشوراء فهذا قد يحدث فيه ما يعتقد أن له فضيلة كما أحدث بعض أهل الأهواء فيه التعطش والتحزن والتجمع.. وأحدث بعض الناس فيه أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها مثل فضل الاغتسال فيه.. وقد روي في التوسع به على العيال آثار معروفة.. والأشبه أن هذا وضع لما ظهرت العصبية بين الناصبة والرافضة فإن هؤلاء أعدو يوم عاشوراء مأتما فوضع أولئك آثارا تقتضي التوسع فيه وكلاهما باطل.
301 - وهؤلاء فيهم بدع وضلال وأولئك فيهم بدع وضلال وإن كانت الشيعة أكثر كذبا وأسوأ حالا.
302 - ومن هذا الباب ليلة النصف من شعبان روي في فضلها أحاديث ومن السلف من يخصها بالقيام ومن العلماء من السلف وغيرهم من أنكر فضلها وطعن في الأحاديث الواردة فيها، لكن الذي عليه كثير من أهل العلم أو أكثرهم على تفضيلها. فأما صوم يوم النصف مفردا فلا أصل له، بل إفراده مكروه وكذلك اتخاذه موسما تصنع فيه
(7/205)

الأطعمة. وما أحدث ليلة النصف من الاجتماع للصلاة الألفية فإن هذا الاجتماع مكروه لم يشرع.
308 - فأما الحديث المرفوع في هذه الصلاة الألفية فكذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وقد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العملي المحدث العيد المكاني مثل قصد قبر من يحسن الظن به يوم عرفة للاجتماع عند قبره والسفر إلى بيت المقدس للتعريف فيه.. فأما قصد الرجل مسجد بلده للدعاء والذكر فهذا هو التعريف في الأمصار الذي اختلف فيه العلماء وذكر خلافهم وتعليلهم.
312 - وأما ما أحدث في الأعياد من ضرب البوقات والطبول فإن هذا مكروه في العيد وغيره ... فينبغي إقامة المواسم على ما كان السابقون الأولون يقيمونها من الصلاة والخطبة المشروعة والتكبير والصدقة في الفطر والذبح في الأضحى فإن من الناس من يقصر في التكبير المشروع ومن الأئمة من يترك أن يخطب للرجال ثم النساء.. ومنهم من لا ينحر بعد الصلاة بالمصلى وهو ترك للسنة إلى أمور أخر من غير السنة فإن الدين فعل المعروف والأمر به وترك المنكر والنهي عنه.
312- والأعياد المكانية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا خصوص له في الشريعة فلا فضل له ولا فيه ما يوجب تفضيله فقصده أو قصد الاجتماع به لصلاة أو غيرها ضلال بين ثم إن كان فيه بعض آثار الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم كان أقبح وأقبح.
(7/206)

314 - فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض سواء أكانت البقعة شجرة أو غيرها أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة وقد ذكر من (ص 316- 319) أمثلة كثيرة ثم قال:
320 - وأما إجابة الدعاء (يعني لمن دعا عند هذه المشاهد) فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدق التجائه أو مجرد رحمة الله- تعالى- له أو يكون أمرا قضاه الله- تعالى- لا لأجل دعائه أو يكون لأسباب أخرى وإن كانت فتنة في حق الداعي.
321 - النوع الثاني: ماله خصيصة لكن لا تقتضي اتخاذه عيدا ولا صلاة ونحوها من العبادات عنده مثل قبور الأنبياء والصالحين فقد نهي عن اتخاذها عيدا.
325 - قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة إذ هو بيت المسلم الميت فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يوطأ ولا يداس ولا يتكأ عليه ولا يجاور بما يؤذي الأموات من الأقوال والأفعال الخبيثة، ويستحب عند إتيانه السلام على صاحبه والدعاء له، وكلما كان الميت أفضل كان حقه آكد.
328 - وهذا النهي (يعني النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة) يعم السفر إلى المساجد والمشاهد وكل مكان يقصد السفر إلى عينه للتقرب والعبادة.
336 - ليس على المؤمن ولا له أن يطالب الرسل بتبيين وجوه المفاسد وإنما عليه طاعتهم.
(7/207)

347 - كانت طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يأمروا الخلق بما فيه صلاحهم وينهوهم عما فيه فسادهم ولا يشغلوهم بالكلام في أسباب الكائنات كما تفعل المتفلسفة فإن ذلك كثير التعب قليل الفائدة أو موجب للضرر.
348 - على أن الكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف عقله ودينه بحيث يختلط عقله فيتوله إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين.
352 - وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله- تعالى- وسنة رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وما كان عليه السابقون الأولون.
353 - الكرامة في الحقيقة ما نفعت في الآخرة أو نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة.
365 - قال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولكن يسلم ويمضي، لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه.. ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها معظمه الصالح سواء أكانت في الشرق أو غيره وهذا ضلال بين وشرك واضح.
366 - كره مالك وغيره من أهل العلم لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيء ويسلم على قبر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وصاحبيه قال: وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر أو أراد سفرا ونحو ذلك. ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها فأما قصده دائما للصلاة والسلام فما علمت أحدا رخص فيه لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدا.. وأيضا فإن ذلك بدعة فقد كان
(7/208)

المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم يجيئون إلى المسجد كل يوم خمس مرات يصلون ولا يأتون إلى القبر يسلمون عليه لعلمهم بما كان النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يكرهه من ذلك وبما نهاهم عنه وأنه يسلمون عليه عند دخول المسجد والخروج منه وفي التشهد.
367 - كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره.
370 - المنقول عن السلف كراهة الوقوف عند القبر للدعاء وهو أصح.
376 - اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد.
378 - الناس على قولين معروفين: أحدهما: أن ثواب العبادات البدنية من الصلاة والقراءة ونحوهما يصل إلى الميت كما يصل إليه ثواب العبادات المالية بالإجماع وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما وقول طائفة من أصحاب مالك والشافعي وهو الصواب لأدلة كثيرة ذكرناها في غير هذا الوضع.
والثاني: أن ثواب العبادة البدنية لا يصل إليه بحال وهو المشهور عند أصحاب الشافعي ومالك.
379 - فأما استماع الميت للأصوات من القراءة وغيرها فحق.. ونقلوه عن أحمد وذكروا فيه آثارا أن الميت يتألم بما يفعل عنده من المعاصي.
383 - واعلم أن المقبورين من الأنبياء والصالحين المدفونين يكرهون ما يفعل عندهم كل الكراهة كما أن المسيح يكره ما يفعله النصارى به.
(7/209)

384 - ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسول بعقله وتدبره بقلبه وجد فيه من الفهم والحلاوة والهدى وشفاء القلوب والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره.. فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء من ذلك ويعتاض عن كل ما يظن من البدع أنه خير بنوعه من السنن فإنه من يتحر الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه.
لما ذكر ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يتتبع المواضع التي سلكها النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والتي صلى فيها اتفاقا لا قصدا فيسلكها ويصلي فيها قال:
387 - لم يوافقه عليه أحد من الصحابة فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا غيرهم من المهاجرين والأنصار يعني أنه يفعل ذلك قال: والصواب مع جمهور الصحابة لأن متابعة النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تكون بطاعة أمره وفي فعله بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصد النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له كقصد المشاعر والمساجد، وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان فإنا إذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له فإنما الأعمال بالنيات.
391 - والشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء ولهذا فإن كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء وأعظمهم شركا فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم ولا أبعد عن التوحيد، حتى إنهم يخربون مساجد الله التي يذكر فيها اسمه فيعطلونها عن
(7/210)

الجمع والجماعات ويعمرون المشاهد التي أقيمت على القبور التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها. (1)
400 - كره مالك وغيره من العلماء أن يقول القائل: زرنا قبر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يثبت عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حديث واحد في زيارة قبر مخصوص يريد أنه أمر بزيارة قبر مخصوص أما هو بنفسه فقد زار قبر أمه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
410 - إذا سئل الله- تعالى- بما جعله سببا للمطلوب من التقوى والأعمال الصالحة فهذا سؤال وتسبب بما جعله هو سببا، وأما إذا سئل بشيء ليس سببا للمطلوب فإما أن يكون إقساما به عليه فلا يقسم على الله بمخلوق وإما أن يكون سؤالا بما لا يقتضي المطلوب فيكون عديم الفائدة.
416 - قد يراد بالخطاب والنداء استحضار المنادى بالقلب فيخاطب لشهوده بالقلب، كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصوره في نفسه إن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب.
421 - يفرق بين قول القائل: (الصفات غير الذات) وقوله: (صفات الله غير الله) فإن الثاني باطل لأن مسمى اسم الله يدخل فيه صفاته بخلاف مسمى الذات فإنه لا يدخل فيه الصفات، ولهذا لا يقال: صفات الله الزائدة عليه وإن قيل: الصفات زائدة على الذات.
__________
(1) وفي (ص 439) والرافضة أمة مخذولة ليس لها عقل صحيح ولا نقل صريح ولا دين مقبول ولا دنيا منصورة.
(7/211)

422 - التوسل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين: إما بطاعتهم واتباعهم وإما بدعائهم وشفاعتهم أما مجرد دعاء الداعي وتوسله بهم من غير طاعة منه لهم ولا شفاعة منهم له فلا ينفعه وإن عظم جاه أحدهم عند الله تعالى.
423 - الكلام هنا في ثلاث مسائل:
· الأولى: أن يتأسى به (أي بالنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) في صورة الفعل الذي فعله من غير أن يعلم قصده فيه أو مع عدم السبب الذي فعله من أجله ففيه نزاع مشهور، وابن عمر رضي الله عنهما مع الآخذين بالتأسي به فيه.
· الثانية: أن يتحرى تلك البقعة ليصلي عندها من غير أن يكون وقتا لصلاة بل ينشئ الصلاة لأجل البقعة، فهذا لم ينقل عن ابن عمر ولا غيره.
· الثالثة: أن لا تكون تلك البقعة في طريقه بل يعدل عن طريقه إليها أو يسافر إليها سفرا طويلا أو قصيرا كمن يذهب إلى جبل حراء أو ثور أو الطور ليصلي فيه أو يدعو، فهذا لم يكن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا أحد من أصحابه يفعلونه، وتعبد النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حراء كان قبل المبعث أما بعده فلم يذهب هو ولا أحد من أصحابه إليه.. فمن جعل قصد ذلك عبادة فقد اتبع غير سبيلهم وشرع من الدين ما لم يأذن به الله.
429 - المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف وغير ذلك من العبادات ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه.
(7/212)

430 - لما ذكر السفر للمساجد الثلاثة قال: وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم.
433 - وليس في المدينة مسجد يشرع إتيانه إلا مسجد قباء.
433 - 435 - كلام جيد عن بيت المقدس وصخرته.
436 - كلام عن كعب الأحبار وفضائل الشام.
437 - عن الحديث المرسل والمعلق وما يروى عن أهل الكتاب.
438 - أصحاب النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من السابقين الأولين والذين اتبعوهم بإحسان.. أعلم بالدين وأتبع له ممن بعدهم وليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه.
454 - لفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد ويتضمن الإخلاص.
459 - غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام ومن أهل العبادة والإرادة، فطائفة ظنت أن التوحيد نفي الصفات بل نفي الأسماء الحسنى أيضا وسموا أنفسهم أهل التوحيد وأثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات وموجودا مطلقا بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح المعقول الموافق لصحيح المنقول أن ذلك لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان.
460 - وطائفة ظنوا أن التوحيد هو الإقرار بتوحيد الربوبية وأن الله خلق كل شيء.. وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع.. ولم يعلموا أن مشركي العرب كانوا يقرون بهذا التوحيد.. ولا يخلص بمجرده من الإشراك الذي هو أكبر الكبائر.
461 - والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب وكونه يستحق الإلهية مستلزم لصفات الكمال.
(7/213)

وطائفة ممن تكلم في التوحيد على طريقة أهل التصوف ظنوا أن توحيد الربوبية هو الغاية والفناء فيه هو النهاية، وأنه إذا شهد ذلك سقط عنه استحسان الحسن واستقباح القبيح فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي والوعد والوعيد.
463 - أولئك المبتدعون الذين أدخلوا في التوحيد نفي الصفات وهؤلاء الذين أخرجوا عنه متابعة الأمر، إذا حققوا القولين أفضى بهم الأمر إلى أن لا يفرقوا بين الخالق والمخلوق بل يقولون بوحدة الوجود كما قاله أهل الإلحاد ... الذين يقول عرافهم: السالك في أول أمره يفرق بين الطاعة والمعصية أي نظرا إلى الأمر ثم يرى طاعة بلا معصية أي نظرا إلى القدر ثم لا طاعة ولا معصية أي نظرا إلى أن الوجود واحد ولا يفرق بين الواحد بالعين والواحد بالنوع فإن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود.. مع العلم الضروري أنه ليس عين وجود هذا الإنسان هو عين وجود هذا الفرس.. لكن بينهما قدر مشترك تشابها فيه قد يسمى كليا مطلقا وقدرا مشتركا ونحو ذلك.
465 - والله سبحانه بعث أنبياءه بإثبات مفصل ونفي مجمل فأثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مماثلة المخلوقات ومن خالفهم من المعطلة المتفلسفة وغيرهم عكسوا القضية فجاؤوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، يقولون: ليس كذا ليس كذا ليس كذا، فإذا أرادوا إثباته قالوا: وجود مطلق بشرط النفي أو بشرط الإطلاق، وهم يقرون في منطقهم اليوناني أن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون في الخارج.
(7/214)

466 - وأما الرسل فطريقتهم طريقة القرآن قال الله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
467 - فليجتهد المؤمن في تحقيق العلم والإيمان وليتخذ الله هاديا ونصيرا وحاكما ووليا فإنه نعم المولى ونعم النصير وكفى بربك هاديا ونصيرا.
وإلى هنا انتهى ما أردنا نقله من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) متحرين نقل كلامه بلفظه غالبا وربما سقناه بالمعنى أسأل الله- تعالى- أن يجعل فيما نقلناه بركة وأن ينفع به كما نفع بأصله، وأن يوفقنا والمسلمين لما فيه الخير والصلاح، إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
تم نقله يوم الاثنين الموافق للثامن والعشرين
من شهر الله المحرم سنة 1400 أربعمائة وألف
(7/215)

الإخلاص
(7/217)

المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} .
أما بعد: أيها الإخوة فإننا في هذا المكان مسجد قباء الذي هو كما وصفه الله بقوله: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} .
هذا المسجد، الذي قال الله لنبيه- عليه الصلاة والسلام-: {أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} ذا المسجد الذي ينبغي لكل من أتى إلى المدينة أن يخرج إليه متطهرا من بيته ويصلي فيه ركعتين وما تيسر.
(7/219)

هذا المسجد الذي قام من قام من المنافقين، وأشباه المنافقين من أجل أن يقيموا مسجدا آخر يكون مضارا له {اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} إنه يجب علينا أن نتأمل كيف وبخ الله غاية التوبيخ الذين اتخذوا مكانا من أجل أن يفرقوا بين المؤمنين وأن يضاروا المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم؟ ولأجل أن يكون ذلك إرصادا لمن حارب الله ورسوله إذا كان هذا توبيخ الله- عز وجل- لمن اتخذوا مكانا يكون مشتملا على هذه الأوصاف فما بالكم بمن اتخذوا أفكارا وآراء يضادون بها العقيدة السليمة الصحيحة التي تلقاها السلف الصالح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ رحيقا زلالا صافيا حتى ابتدعوا في دين الله- تعالى- ما ليس منه وصاروا يجلبون الناس حولهم من أجل أن يصدوهم عن الصراط المستقيم فإذا كان هذا توبيخ الله- عز وجل- لمن اتخذوا مكانا في الأرض فما بالكم بمن حاولوا أن يتخذوا مكانا في القلوب؟ لذلك أدعو جميع المسلمين في هذه البلاد وفي غيرها من بلاد المسلمين أن يتحدوا على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذه الكلمة لا يمكن تحقيقها، ولا يصدق من ادعى تحقيقها حتى يأتي بالبرهان، وهو الإخلاص التام لله - عز وجل- لا يشرك بعبادته لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا من دونهم بل يخلص العبادة لله- عز وجل- ومن أعظم العبادة الدعاء فإن الدعاء من العبادة يقول الله- عز وجل-: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} .
(7/220)

إله إلا الله ولم تحقق ما كنت تنطق به في كل ركعة من صلاتك {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك عبدت الرسول- عليه الصلاة والسلام- مع الله حين دعوته فبهذا اللطف والإرشاد يمكن أن يقبل عليك بعض الشيء، وإذا فرضنا أن عنده بعض العناد فإنه سوف يناقش نفسه بِنَفْسِه ثم يرجع وأنت يا أخي لا تحتقر كلمة الحق كلمة الحق مؤثرة مهما قال لك الشيطان: إنها لا تؤثر وإن هذا سوف يركب رأسه فلا تطع الشيطان موسى - عليه الصلاة والسلام- جمع له السحرة المهرة الذين وضعوا العصا والحبال فكانت هذه العصا والحبال يخيل إلى الناس أنها حيات تسعى حتى موسى - عليه الصلاة والسلام- مع إيمانه وقوته أوجس في نفسه خيفة لكنه قال كلمة بسيطة قال لهم: {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} هذه الكلمة أثرت تأثيرا عظيما {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} وإذا حصل النزاع حصل الفشل قال الله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} تنازعوا أمرهم بينهم وأخيرا آمن السحرة فكلمة الحق تؤثر إذا صدرت من إنسان مخلص وأن الإنسان لا يريد أن يفرض قوله على غيره، إنما يريد أن يهدي غيره للحق الذي هو مراد الجميع فإنه سيؤثر بإذن الله- عز وجل- ولهذا لا تحقرن كلمة الحق ولا تقل إنها لا تنفع " «فما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء» . (1)
أما إذا قال: إنه يدعو الله ويتجه إلى قبر الرسول - عليه الصلاة والسلام-
__________
(1) مسلم: كتاب القدر: باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء.
(7/221)

{قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} . حتى لو أراده الله بما يريده منه ما أحد يملك أن يدفع ما أراد الله {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} هذا الأمر الذي أمر به النبي- عليه الصلاة والسلام- وهو خاتم النبيين ورسالته خاتمة الرسالات، ولا نبي بعده هو الذي أمر به أول الرسل أيضا إذ قال الله- تعالى- عنه- عليه الصلاة والسلام-: {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} .
إذا كان كذلك فمن الخطأ الفادح أن يتجه إنسان إلى قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ليسأل الله، أو لقبر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليسأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يقضي حاجته، أو يدفع ضرورته، إنه إذا كان على الأمر الثاني يتجه إلى النبي- عليه الصلاة والسلام- ليقضي حاجته أو يفرج كربته إن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله- عز وجل- والذي قال الله فيه: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} .
والذي قال الله فيه: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} .
أما إذا كان يدعو الله- عز وجل- ولكنه يتجه إلى قبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإن هذا لا يصل إلى حد الشرك الأكبر ولكنه خطأ إن التقرب إلى الله لا يكون إلا بما شرعه الله ورسوله والعبادات مبناها على الاتباع لا على الابتداع. إذا كنت تدعو رب السماوات
(7/222)

جلَّ وعلا فاتجه إلى أمر بالاتجاه إليه اتجه إلى بيته الحرام ولا تتجه إلى بيت الرسول اتجه إلى بيت من تدعو وهو الله- عز وجل- لا إلى بيت من لا يملك لك نفعا ولا ضرا وهو الرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
والحقيقة أنه لا ينبغي لنا أن نسكت على هذا الأمر ولا ينبغي لنا أن نعالجه إلا بالحكمة، العنف لا يجدي شيئا. لكن الحكمة واللين يجدي الإرشاد والدعوة بالمنقول والمعقول هذا الذي يثمر كثيرا فلو أننا شاهدنا أحدا يقول هكذا أو يفعل هكذا، في مسجد الرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دعوناه بلطف، ولين وبينا له وقلنا له: من تدعو فإما أن يدعو الرسول- عليه الصلاة والسلام-، أو يدعو الله فإذا كان يدعو الرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهو مشرك لأن الله- تعالى- يقول {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ما قال: ادعوا النبي محمدا - عليه الصلاة والسلام- ولا أي أحد من الناس {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} هذا أمر الله سيقول: نعم وإذا كان لم يقرأ القرآن نخبره بما في القرآن فإذا اقتنع بذلك واعترف به فيقال له: أكمل الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} فسمى الله الدعاء عبادة، فإذا دعا الرسول- عليه الصلاة والسلام- فقد عبده ولم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله ولم يحقق ما ينطق به في كل ركعة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فإن هذه الجملة كما يفهم منها قولك: " لا نعبد إلا إياك " فهي تقابل لا إله إلا الله، لأن لا إله إلا الله معناها لا معبود بحق إلا الله سبحانه ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله أن يعترف الإنسان بلسانه وقلبه بأنه لا معبود حق إلا الله- عز وجل- فكل ما عبد من دون الله فهو باطل قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} فيقال لهذا الرجل: أنت لم تحقق شهادة لا
(7/223)

إله إلا الله ولم تحقق ما كنت تنطق به في كل ركعة من صلاتك {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك عبدت الرسول- عليه الصلاة والسلام- مع الله حين دعوته فبهذا اللطف والإرشاد يمكن أن يقبل عليك بعض الشيء، وإذا فرضنا أن عنده بعض العناد فإنه سوف يناقش نفسه بِنَفْسِه ثم يرجع وأنت يا أخي لا تحتقر كلمة الحق كلمة الحق مؤثرة مهما قال لك الشيطان: إنها لا تؤثر وإن هذا سوف يركب رأسه فلا تطع الشيطان موسى - عليه الصلاة والسلام- جمع له السحرة المهرة الذين وضعوا العصا والحبال فكانت هذه العصا والحبال يخيل إلى الناس أنها حيات تسعى حتى موسى - عليه الصلاة والسلام- مع إيمانه وقوته أوجس في نفسه خيفة لكنه قال كلمة بسيطة قال لهم: {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} هذه الكلمة أثرت تأثيرا عظيما {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} وإذا حصل النزاع حصل الفشل قال الله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} تنازعوا أمرهم بينهم وأخيرا آمن السحرة فكلمة الحق تؤثر إذا صدرت من إنسان مخلص وأن الإنسان لا يريد أن يفرض قوله على غيره، إنما يريد أن يهدي غيره للحق الذي هو مراد الجميع فإنه سيؤثر بإذن الله- عز وجل- ولهذا لا تحقرن كلمة الحق ولا تقل إنها لا تنفع " «فما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء» .
أما إذا قال: إنه يدعو الله ويتجه إلى قبر الرسول - عليه الصلاة والسلام-
(7/224)

فنقول له: لماذا؟ هل بيت الرسول أحب إليك من بيت الله إن قال: نعم فهو على خطر، وإن قال: بيت الله أحب إلي، قلنا له: اتجه إلى بيت الله- عز وجل- إلى قبلته التي فرض الله على المسلمين أن يتجهوا إليها في اليوم خمس مرات هذا هو أحق أن يتجه إليه من قبر الرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا اتجاهك إلى القبر من أجل أنه قبر الرسول- عليه الصلاة والسلام- هذا أمر مرجوح وطرف راجح فهو قد أقر بأن بيت الله أحب إليه من بيت الرسول- عليه الصلاة والسلام- فإذا كان كذلك فاتجه إلى بيت الله لأنك تسأل الله فاتجه إلى بيت الله لا إلى بيت الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فإن قال: أنا أتجه إلى بيت الرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليكون وسيلة لي عند الله سبحانه وتعالى.
قلنا له: الرسول- عليه الصلاة والسلام- قد انقطع عن أعمال التكليف ولا يستطيع أن يدعو لأحد أبدا لأن الدعاء عمل وقد أخبر النبي- عليه الصلاة والسلام- نفسه.
«أن ابن آدم إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» (1) فالرسول- عليه الصلاة والسلام- لا يمكن أن يشفع لك عند الله- عز وجل- لأن عمله قد انقطع أما في حياته فيستشفع به عند الله كما كان يفعل الصحابة رضي الله عنهم، فقد «جاء رجل إلى النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو يخطب الجمعة فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا، فرفع النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يديه وقال: " اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا" قال أنس راوي الحديث: والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزع وما بيننا وبين»
__________
(1) مسلم: كتاب الوصية: باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.
(7/225)

«سلع من بيت ولا دار إذ خرجت سحابة من وراء سلع وانتشرت ورعدت وبرقت فما نزل الرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلا والمطر يتحادر من لحيته. (1)
وبقي المطر أسبوعا كاملا ثم دخل ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله أن يمسكها عنا فرفع يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا وجعل يشير بيده الكريمة- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت وخرجوا يمشون في الشمس» الله أكبر.
هذا من آيات الله الدالة على سمعه للدعاء، وعلى قربه من الداعي وعلى قدرته على كل شيء سبحانه وتعالى وهو في نفس الوقت آية للرسول- عليه الصلاة والسلام- حيث استجاب الله دعاءه لأنه رسول فأيد بإجابة الدعاء فيكون هذا من آياته الدالة على صدقه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعلى صحة رسالته، فأما بعد موته فلا يمكن ولهذا أعلم الناس بهذا الأمر من هذه الأمة هم الصحابة، ومع ذلك لما قحط في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (2) هل قال: يا رسول الله ادع الله لنا أن يغيثنا؟ كلا والله ولا يمكن أن يقول ذلك لأن هذا ليس بالشرع ولا بالعقل أن تقول لميت ادع الله ولكنه قال للعباس بن عبد المطلب: قم يا عباس ادع الله فدعا فأغيثوا والعباس حي وكل إنسان يرجى قبول دعوته فلا حرج عليك أن تقول: يا فلان ادع الله لي وإذا كان النبي- عليه الصلاة والسلام- في أعظم موقف من مواقف الخلق في المقام المحمود الذي يبعثه فيه الله- عز وجل- لا يمكن أن يتكلم
__________
(1) البخاري: كتاب الجمعة: باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، ومسلم: كتاب صلاة الاستسقاء: باب الدعاء في الاستسقاء.
(2) البخاري: كتاب الاستسقاء: باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا
(7/226)

بكلمة إلا بإذن الله، «إذا لحق الناس من الكرب والهم والغم ما الله به عليم ذهبوا إلى آدم يسألونه أن يشفع إلى الله ليريحهم من الموقف فيعتذر، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى موسى، ثم إلى عيسى حتى تصل إلى النبي- عليه الصلاة والسلام -» (1) ولكنها إذا وصلت إليه لا يمكن أن يشفع إلا بعد إذن الرب- عز وجل- بعد إذن الرب الذي هو ملك الملوك والذي سلطانه لا نظير له ولا مداني له {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} .
(من) اسم استفهام بمعنى النفي، والاستفهام إذا جاء بمعنى النفي كان أعظم وأبلغ لأنه يكون مشربا بالتحدي فإن قولك: ولا يشفع أحد نفي بـ لا لكن قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ} أبلغ في التحدي وامتناع هذا الأمر، فإذا لا يمكن أن يشفع لا رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا غيره من الخلق إلا بعد إذن ملك الملوك ذي السلطان الأعظم وهو الله تبارك وتعالى. فإذا كان كذلك فلا وجه لكونك تتجه إلى قبر الرسول- عليه الصلاة والسلام- ليكون وسيلة لك أن يقبل دعاءك اتجه إلى بيت الله- عز وجل- فهو أقرب وسيلة.
في هذا البلد الطيب الذي كان هذا المسجد مسجد قباء لما بني مسجد الضرار حوله نهى الله نبيه أن يقوم فيه لأنه يراد به التفريق بين المؤمنين والمضارة لهذا المسجد الذي أسس على التقوى، والتفريق والإرصاد لمن حارب الله ورسوله فإذًا نقول: كل شيء يضاد ما جاء به الرسول- عليه الصلاة والسلام- فإنه يشبه مسجد الضرار بل إن مضارة المزاحمة في القلوب أشد من
__________
(1) البخاري: كتاب التوحيد: باب كلام الله تعالى مع الأنبياء يوم القيامة، ومسلم: كتاب الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلاً.
(7/227)

المضارة في المزاحمة في الأماكن علينا أن نكون أمة واحدة يدعو بعضنا بعضا إلى كتاب الله وسنة رسوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حتى تحقق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وشهادة أن محمدا رسول الله من أكبر مقتضياتها اتباع الرسول- عليه الصلاة والسلام- ظاهرا وباطنا ومن لا يتبع الرسول- عليه الصلاة والسلام- ولو أخلص لله فإنه لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله لم يحققها ولا يقبل منه حتى مع الإخلاص يقول النبي- عليه الصلاة والسلام-: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) ، وفي لفظ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . (2)
إذا كان كذلك فالإخلاص ليس كل شيء لا بد مع الإخلاص أن ينضم إليه المتابعة، المتابعة للرسول- عليه الصلاة والسلام- بحيث لا يجعل الإنسان أحدا شريكا مع الرسول- عليه الصلاة والسلام- في التشريع للخلق ولو كان من أكبر أئمة المسلمين لو كان أبا بكر وعمر فلا يجوز أن نجعله شريكا مع الرسول- عليه الصلاة والسلام- في التشريع قال ابن عباس رضي الله عنهما: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر وقال الله- عز وجل-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
__________
(1) مسلم: كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة.
(2) البخاري: كتاب الصلح: باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود: ومسلم: كتاب الأقضية.
(7/228)

قال الإمام أحمد: (أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك) وهو كذلك لأنه إذا رد بعض قول الرسول- عليه الصلاة والسلام- فلا بد أن يكون عن هوى وإذا كان عن هوى فالهوى شرك {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} .
إذا من لم يتبع الرسول- عليه الصلاة والسلام- فإنه لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله، وعدم اتباع الرسول- عليه الصلاة والسلام- على نوعين:
أحدهما: أن يقدم قول غيره عليه يعلم هدي الرسول- عليه الصلاة والسلام-، ولكنه يقدم قول غيره عليه، وهذا يوجد كثيرا في المتعصبين للمذاهب سواء كانت المذاهب مذاهب فقهية علمية أو مذاهب فكرية اعتقادية فإن بعض المتعصبين تعرض عليه هدي الرسول- عليه الصلاة والسلام- واضحا وضوح الشمس في رابعة النهار ولكن يقول: قال فلان كذا وقال فلان كذا، يقول الإمام أحمد رحمه الله يقول مستنكرا: (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فما بالك بمن يذهبون إلى رأي من دون سفيان ويدعون هدي الرسول- عليه الصلاة والسلام-؟
إذا قيل لهم هذا هدي الرسول- عليه الصلاة والسلام -. قالوا: لكن قال
(7/229)

فلان كذا وكذا من الذي أرسل إليكم أفلان، أم رسول الله محمد؟ إن قال فلان كفر وأعلن بكفره، وإن قال محمد نقول: ما قيمة الرسالة عندك وأنت تقدم هدي غيره على هديه؟ إذا كان رسولك محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلتكن متبعا له متأدبا بين يديه.
أما النوع الثاني: من المخالفة لهدي الرسول - عليه الصلاة والسلام- فأن يشرع في دين الله ما ليس فيه، يفعل شيئا يتقرب به إلى الله، ولكن الرسول ما شرعه فهذا لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله لو حقق شهادة أن محمدا رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما ذهب يبتدع في دين الله ما ليس منه لأن ابتداع الإنسان في دين الله ما ليس منه يتضمن الاستدراك على الله ورسوله، فإن هذا استدراك على الله متضمن لتكذيب هذه الجملة العظيمة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} .
أين كان رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن هذا الأمر الذي تدين لله به وتتعبد لله به أين كان؟ أكان جاهلا به؟ إن قلت: نعم فقد رميته بالجهل، أكان مخالفا له؟ إن قلت: نعم فقد رميته بالمخالفة أكان كاتما له عن أمته؟ إن قلت: نعم فقد رميته بالكتمان، فإذا كان الأمر كذلك وكل اللوازم باطلة، فإنه يلزم من ذلك أن يقول: كل بدعة يتدين بها الإنسان إلى الله من عقيدة في القلب أو نطق باللسان أو عمل بالأركان فإنها عقيدة باطلة وصدق الرسول- عليه الصلاة والسلام- «كل بدعة ضلالة» . وهذه جملة مسورة بكلمة "كل" التي هي أدل ألفاظ العموم على العموم ليس فيها تخصيص، والله لو وقعت هذه في كتاب واحد من الذين يقلدون لكان كل
(7/230)

من أخرج بدعة من هذه الكلية يقال له: أين الدليل؟ ولكن كلام الرسول- عليه الصلاة والسلام- المحكم البين الواضح يحرف ويقال: هذا عام يراد به الخاص، نحن نستحسن أن نعبد الله بهذا لأن قلوبنا ترق عنده ولأن هذا ينشطنا ولكن نقول: والله لو كان خيرا لشرعه الله لعباده، ترقيق القلب لهذه البدعة يوجب أن يقسو عن السنة لأن القلب وعاء إن ملأته بخير امتلأ به وإن دخل على هذا الخير شر فلا بد أن يضايق الخير فيخرج، لو كان عندك إناء مملوء بماء ثم صببت عليه ماء آخر هل يجمع الجميع لا بد أن يخرج فإما سنة وإما بدعة، ولهذا نقول لكل من في قلبه إخلاص وحب للدين وحب للرسول- عليه الصلاة والسلام- نقول له: جزاك الله خيرا على هذه المحبة وعلى هذا الإخلاص، ولكن من تمام الإخلاص أن تعتقد بأنه لا خير للإنسان فيما يتعبد به الله إلا ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلماذا تطلب الخير في غيرهما؟ فيما جاء في كتاب الله، وفيما صح عن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من العبادات، كفاية لصلاح القلوب والأبدان والأفراد والجماعات ولكن أين القلوب التي تتلقى هذا؟ من القلوب ما هو كالزجاجة أي شيء يرد عليه ينكسر، ومن القلوب ما هو كالإسفنجة يقبل ولكنه صامد لا يتجزأ ولا يتكسر إلا أنه يميز الحق من الباطل فنقول لمن ابتدع بدعة في دين الله سواء كانت قولا باللسان أو عقيدة بالجنان، أو عملا بالأركان نقول: كتاب الله موجود وسنة الرسول عليه والصلاة والسلام موجودة
(7/231)

مهذبة قد بين صحيحها من سقيمها وطريق السلف الصالح موجود والحمد لله فلماذا نبتدع في عقيدتنا؟
لماذا نبتدع أذكارا ما أنزل الله بها من سلطان؟!
لو كان كل من راق له شيء أو زين في قلبه شيء مما يتعبد لله به، تعبد الله به أتكون الأمة واحدة؟ أبدا تتفرق لكن هناك ميزان {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} . هناك ميزان {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} إن اتفقتم على شيء فهو الحق.. وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله.
فالحاصل أيها الإخوة أننا في هذه البلدة الطيبة طيبة مدينة الرسول- عليه الصلاة والسلام- مهاجر الرسول- عليه الصلاة والسلام- أول عاصمة إسلامية في هذه الشريعة العامة الكاملة الشاملة هذه البلدة الطيبة التي فيها هذا المسجد " مسجد قباء " وفيها المسجد الذي هو خير منه مسجد الرسول- عليه الصلاة والسلام- الذي قال فيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (1) ، في هذا البلد الطيب يجب أن تكون طريقة المسلمين عامة هي ما كان عليه السلف الصالح ما كان عليه النبي- عليه الصلاة والسلام- وخلفاؤه الراشدون ولا سيما أبو بكر وعمر اللذين قال فيهما- عليه الصلاة والسلام-: «اقتدوا باللذين من»
__________
(1) البخاري: كتاب التطوع: باب فضل الصلاة في مسجدي مكة والمدينة، ومسلم: كتاب الحج: باب فضل الصلاة في مسجدي مكة والمدينة.
(7/232)

«بعدي أبي بكر وعمر» (1) ، وثبت عنه في صحيح مسلم أنه قال: «إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا» (2) .
" إن " شرطية، فعلها " يطيعوا " وجوابها " يرشدوا " إذا ففي طاعة هذين الرجلين رشد لأنهما خليفتا رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ووزيراه رضي الله عنهما وأرضاهما أقول: في هذا البلد ينبغي أن نكون أمة واحدة ندعو إلى الحق بإذن الله على صراط مستقيم، وإذا رأينا شيئا لا نحقر أنفسنا ونقول: لا نستطيع هؤلاء معاندون هذا خطأ هؤلاء الذي يظهر لنا من حالهم أنهم يريدون الخير لكن ما كل من أراد شيئا وفق له ما كل ما يتمنى المرء يدركه علينا أن نصبر وأن نصابر وأن ندعو بالتي هي أحسن بقدر ما نستطيع، لا نصمت على منكر أو على بدعة، لكننا لا نعنف، لأن الأهواء في هذا الزمان كثرت وكل إنسان يقول: الحق عندي أو عند متبوعي، ولكن إذا أتينا بالحكمة وباللين وبالسهولة وبالبيان المبني على المنقول والمعقول. وإنني بهذه المناسبة أقول: إن تعظيم الناس الآن للمعقول ليس كل الناس ولكن كثيرا منهم يعظمون الدليل العقلي أكثر مما يعظمون الدليل النقلي أو يرجعون بالأصح إلى الدليل العقلي أكثر، ونحن نعلم علم اليقين أن كل ما جاءت به الشريعة فإنه مبني على العقل لكن أي عقل هو؟ العقل الصريح أي السالم من الشبهات والشهوات وليس العقل المشوب بشبهة أو شهوة، بشبهة التبس عليه الحق أو بشهوة ظهرت له ولكن لا يريده فكل ما جاءت به الشريعة فإنه موافق لصريح المعقول ولا شك ولا يمكن أبدا أن يخالفه حتى إني رأيت في
__________
(1) أخرجه الترمذي: كتاب المناقب: باب مناقب أبي بكر وعمر، وابن ماجه في المقدمة: باب فضل أبي بكر الصديق.
(2) أخرجه مسلم: كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة.
(7/233)

كتاب [درء تعارض النقل والعقل] لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو كتاب عظيم قال فيه ابن القيم في النونية:
وله كتاب العقل والنقل الذي ... ما في الوجود له نظير ثاني
ويريد بما في الوجود من الكتب المؤلفة في بابه رأيته يقول: " أنا مستعد لكل من أتى بدليل من كتاب الله أو من صحيح سنة رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كل من أتى بدليل يستدل به على باطل فأنا مستعد أن أجعله دليلا عليه لا له" انظر القدرة والله سبحانه وتعالى يؤتي فضله من يشاء فكل ما يستدل به أهل الباطل من كتاب الله أو صحيح السنة فإنه دليل عليهم وليس دليلا لهم وهذه قدرة في معرفة المعاني وكيف يرد الشيء أو كيف يرد الخنجر في صدر من عدا به إذا كان عدوانه على باطل وهذا من توفيق الله للعبد أن يجعل الله- تعالى- في قلبه حفظا ووعيا وعقلا نسأل الله- تعالى- أن يتولانا برعايته، وأن يهدينا صراطه المستقيم وأن يجعلنا ممن جاهدوا في الله حق جهاده ودعوا إلى الله على بصيرة إنه جواد كريم والحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(7/234)

فوائد في العقيدة
(7/235)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى وخليله المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فقد كنت أقيد بعض المسائل المهمة التي تمر بي حرصا على حفظها، وعدم نسيانها، في دفتر وسميتها " فرائد الفوائد".
وقد انتقيت منها ما رأيته أكثر فائدة وأعظم أهمية، وسميت ذلك:- " المنتقى من فرائد الفوائد".
أسأل الله- تعالى- أن ينفع به، وأن يجعل لطلبة العلم فيه أسوة. ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
القسم الأول: فوائد في العقيدة:
[فوائد من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية من " كتاب الإيمان "] .
فائدة:
الإسلام: هو الاستسلام لله وحده، بشهادة أن لا إله الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، فهو الخضوع لله تعالى، والعبودية له وحده فمن استكبر عن عبادته وأشرك معه غيره فغير مسلم.
فإن قيل: ما أوجبه الله- تعالى- من الأعمال أكثر من الخمسة المذكورة التي جعلها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هي أركان الإسلام، أو هي الإسلام؟
(7/237)

فالجواب هو: أن ما ذكره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هو الذي يجب على كل مكلف بلا قيد، وأما ما سواه فإما أنه يجب على الكفاية، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه، أو لأسباب كصلة الرحم، إذ ليس كل أحد له قرابة تجب صلتهم.
كذا ذكر الشيخ الجواب لكن يرد على هذا الزكاة والحج إذ ليس كل أحد عنده مال حتى يجب عليه الزكاة والحج، ولعل الجواب أن هذه الخمس المذكورة هي أكبر أجناس الأعمال، فإن الأعمال على ثلاثة أقسام:
قسم أعمال بدنية ظاهرة كالصلاة، وباطنة كالشهادتين، وهما أيضا من الأقوال.
وقسم أعمال مالية كالزكاة.
وقسم مركب من النوعين كالحج.
فذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الأصول وأن المرء إذا قام بأصل من هذه الأجناس فهو مسلم، وأيضا فإن صلة الرحم قد يكون الداعي فيها قويا ليس من جهة الشرع بل من جهة الإنسانية، بخلاف الزكاة والحج!!
فائدة:
الناس في تفاضل الإيمان وتبعضه على قولين:
أحدهما: إثبات ذلك وهو الصواب الذي تدل عليه الأدلة العقلية والنقلية، وهو قول المحققين من أهل السنة. وتفاضله بأمرين:
الأول من جهة العامل. وذلك نوعان: الأول في الاعتقاد، ومعرفة الله تعالى، فإن كل أحد يعرف تفاضل يقينه في معلوماته، بل في المعلوم الواحد وقتا يرى يقينه فيه أكمل من الوقت الآخر.
(7/238)

النوع الثاني: في القيام بالأعمال الظاهرة كالصلاة، والحج والتعليم، وإنفاق المال، والناس في هذا على قسمين:
أحدهما: الكامل وهم الذين أتوا به على الوجه المطلوب شرعا.
الثاني: ناقصون، وهم نوعان:
النوع الأول، ملومون، وهم من ترك شيئا منه مع القدرة وقيام أمر الشارع، لكنهم إن تركوا واجبا أو فعلوا محرما فهم آثمون، وإن فعلوا مكروها أو تركوا مستحبا فلا إثم.
النوع الثاني: ناقصون غير ملومين، وهم نوعان:
الأول: من عجز عنه حسا، كالعاجز عن الصلاة قائما.
الثاني: العاجزون شرعا مع القدرة عليه حسا. كالحائض تمتنع من الصلاة، فإن هذه قادرة عليه، لكن لم يقم عليها أمر الشارع. ولذلك جعلها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ناقصة الإيمان بذلك فإن من لم يفعل المأمور ليس كفاعله. ومثل ذلك من أسلم ثم مات قبل أن يصلي لكون الوقت لم يدخل، فإن ذلك كامل الإيمان لكنه من جهة أخرى ناقص، ولا يكون كمن فعل الصلاة وشرائع الإسلام، ومن ذلك قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خيركم من طال عمره وحسن عمله» . (1)
الأمر الثاني: من جهة العمل، فكلما كان العمل أفضل كانت زيادة الإيمان به أكثر.
القول الثاني: نفي التفاضل والتبعض، وانقسم أصحاب هذا القول إلى طائفتين.
__________
(1) أخرجه الترمذي: كتاب الزهد: باب ما جاء في طول العمر وقال: " حديث حسن صحيح".
(7/239)

إحداهما: قالت: إن من فعل محرما أو ترك واجبا فهو مخلد في النار، وهؤلاء هم المعتزلة. وقالوا: هو لا مسلم ولا كافر منزلة بين منزلتين. وأما الخوارج فكفروه.
الطائفة الثانية: مقابلة لهذه قالت: كل موحد لا يخلد في النار والناس في الإيمان سواء، وهم المرجئة. وهم ثلاثة أصناف. صنف قالوا: الإيمان مجرد ما في القلب وهما نوعان.
الأول: من يدخل أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة.
والثاني: من لا يدخلها وهم الجهمية وأتباعهم كالأشعري، لكن الأشعري يثبت الشفاعة في أهل الكبائر.
والصنف الثاني: قالوا: الإيمان مجرد قول اللسان. وهم الكرامية، ولا يعرف لأحد قبلهم، وهؤلاء يقولون: إن المنافق مؤمن، ولكنه مخلد في النار.
الثالث: قالوا: إنه تصديق القلب وقول اللسان. وهم أهل الفقه والعبادة من المرجئة، ومنهم أبو حنيفة وأصحابه.
فائدة:
مراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بقوله: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (1) ، أنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن، لا أن من لم ينكر ذلك بقلبه لم يكن معه من الإيمان حبة خردل.
قلت: ومن رضي بالذنب واطمأن إليه فهو كفاعله لا سيما مع فعل ما يوصل إليه وعجز وقد قال الشيخ رحمه الله: [إن من ترك إنكار كل منكر بقلبه فهو كافر] .
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق: باب رفع الأمانة، ومسلم: كتاب الإيمان: باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب.
(7/240)

فائدة:
الإسلام عبادة الله وحده، فيتناول من أظهره ولم يكن معه إيمان، وهو المنافق، ومن أظهره وصدق تصديقا مجملا، وهو الفاسق، فالأحكام الدنيوية معلقة بظاهر الإيمان لا يمكن تعليقها بباطنه لعسره أو تعذره، ولذلك ترك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عقاب أناس، منافقين مع علمه بهم، لأن الذنب لم يكن ظاهرا.
ا. هـ. ما أردنا نقله من " كتاب الإيمان" على نوع من التصرف لا يخل بالمعنى.
ومن كلام الشيخ الإسلام في شرح عقيدة الأصفهاني.
فائدة:
الله جل جلاله لا يدعى إلا بأسمائه الحسنى خاصة، فلا يدعى ولا يسمى بالمريد والمتكلم، وإن كان معناهما حقا، فإنه يوصف بأنه مريد متكلم، ولا يسمى بهما، لأنهما ليسا من الأسماء الحسنى، فإن من الكلام ما هو محمود ومذموم، كالصدق والكذب، ومن الإرادة كذلك كإرادة العدل والظلم.
فائدة:
كل صفة لا بد لها من محل تقوم به، وإذا قامت الصفة بمحل فإنه يلزم منها أمران:
الأول: عود حكمها على ذلك المحل دون غيره.
الثاني: أن يشتق منها لذلك المحل اسم دون غيره.
مثال ذلك: الكلام فإنه يلزم من أثبت كونه من صفات الله- تعالى - أن
(7/241)

يشتق منه اسم دون غيره، لكن لا يلزم من ذلك أن نثبت له اسما بأنه متكلم كما سبق، ويلزم أن لا يجعله مخلوقا في غيره خلافا للجهمية، حيث زعموا أنهم أثبتوا الكلام وجعلوه مخلوقا فإنه يلزم من كلامهم نفي الكلام عن الله، كما نفاه متقدموهم.
فائدة:
قال في ص 138: فالتزموا (أي المعتزلة) لذلك أن لا يكون لله علم، ولا قدرة، وأن لا يكون متكلما قام به الكلام، بل يكون القرآن وغيره من كلامه- تعالى- مخلوقا خلقه في غيره، ولا يجوز أن يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولا هو مباين للعالم، ولا مجانبة، ولا داخل فيه، ولا خارج عنه، ثم قالوا أيضا: لا يجوز أن يشاء خلاف ما أمر به ولا أن يخلق أفعال عباده ولا يقدر أن يهدي ضالا أو يضل مهتديا، لأنه لو كان قادرا على ذلك وقد أمر به، ولم يعن عليه لكان قبيحا منه، فركبوا عن هذا الأصل التكذيب بالصفات والقدرة، إلى أن قال: وأصل ضلالهم في القدر أنهم شبهوا المخلوق بالخالق سبحانه، فهم مشبهة الأفعال.
وأما أصل ضلالهم في الصفات، فظنهم أن الموصوف الذي تقوم به الصفات لا يكون إلا محدثا. وقولهم من أبطل الباطل فإنهم يسلمون أن الله حي عليم قدير، ومن المعلوم أن حيا بلا حياة وعليما بلا علم وقديرا بلا قدرة، مثل متحرك بلا حركة، وأبيض بلا بياض، وأسود بلا سواد، وطويل بلا طول، وقصير بلا قصر، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة التي يدعى فيها نفي المشتق منه وهذه مكابرة للعقل، والشرع، واللغة.
(7/242)

فائدة:
ليس ما علم إمكانه جُوِّز وقوعه! فإنا نعلم قدرة الله على قلب الجبال ذهبا ونحو ذلك، لكن نعلم أنه لا يفعله إلى غير ذلك من الأمثلة.
فائدة:
دليل النبوة يحصل بالمعجزات، وقيل: باستواء ما يدعو إليه وصحته وسلامته من التناقض، وقيل لا يحصل فيهما، والأصح أن المعجزة دليل، وثم دليل غيرها. فإن للصدق علامات، وللكذب علامات.
فمن العلامات سوى المعجزة النظر إلى نوع ما يدعو إليه، بأن يكون من نوع شرع الرسول قبله، فإن الرسالة من لدن آدم إلى وقتنا هذا لم تزل آثارها باقية، وذكر منها علامات كثيرة يرحمه الله رحمة واسعة والمسلمين.
فائدة:
إذا وجب عليه الإيمان فآمن، ولم يدرك أن يأتي بشرائع الإيمان كان كامل الإيمان، بالنسبة إلى الواجب عليه. وإن كان ناقصا بالنسبة لمن هو أعلى منه.
مثاله من آمن فمات قبل الزوال مثلا مات مؤمنا كامل الإيمان الواجب عليه. لكنه من دخلت عليه الأوقات وصلى أكمل إيمانا منه.
فمن ذلك علم أن نقصان الإيمان على نوعين:
أحدهما: ما يلام عليه.
الثاني: ما لا لوم فيه. كهذا المثال.
قلت: وأما من عجز عن إكمال عمل بعد أن أتى بما قدر عليه منه، فالظاهر أنه كمن فعله، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من مرض أو سافر»
(7/243)

«كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما» (1) وأما إن عجز عنه أصلا فيحتمل أن يكون له أجر فاعله، لقصة الفقير الذي قال: لو أن عندي مال فلان لعملت فيه مثل عمله، وكان يصرفه في مرضاة الله. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فهما في الأجر سواء» ويحتمل عكسه، لأن «فقراء الصحابة رضي الله عنهم لما قالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ذهب أهل الدثور بالأجور» لم يقل لهم: إن نيتكم تبلغكم ذلك فتمنوا، وإنما أخبرهم بعمل بدله، ولكن يقال: إن الذي لا يقدر على عمل معين، إما أن يكون لذلك العمل بدل يقدر عليه، فهذا لا يثاب على العمل إذا لم يأت ببدله؛ لأنه لو كان صحيح النية لعمل ذلك البدل. فعلى هذا يكون حصول الأجر مشروطا بعدم وجود بدله المقدور عليه، على أنا نقول: إن من نفع الناس بماله فله أجران.
الأول: بحسب ما قام بقلبه من محبة الله ومحبة ما يقرب إليه، فهذا الأجر يشركه فيه الفقير إذا نوى نية صحيحة.
والأجر الثاني: دفع حاجة المدفوع له، فهذا لا يحصل للفقير، والله أعلم.
وبذلك انتهى ما أردنا نقله من شرح الشيخ رحمه الله على عقيدة الأصفهاني.
فائدة:
من الجزء الأول من " بدائع الفوائد " لابن القيم ص 159 ما ملخصه:
ما يجري صفة أو خبرا عن الرب تعالى. أقسام:
الأول: ما يرجع إلى الذات نفسها كالشيء، والموجود.
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد: باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة.
(7/244)

الثاني: ما يرجع لصفات معنوية، كالسميع العليم.
الثالث: يرجع إلى أفعاله كالخالق.
الرابع: يرجع للتنزيه المحض المتضمن كالقدوس السلام.
الخامس: الاسم الدال على أوصاف عديدة كالمجيد العظيم الصمد.
السادس: ما يحصل باقتران الاسمين أو الوصفين كالغني الحميد، فإن الغنى صفة مدح، وكذلك الحمد فله ثناء من غناه، وثناء من حمده وثناء منهما.
ويجب أن يعلم هنا أمور:
الأول: ما يدخل في باب الإخبار أوسع مما في أسمائه، وصفاته، فيخبر عنه بالموجود والشيء، ولا يسمى به (قلت: وقد تقدم في كلام الشيخ تقي الدين معنى ذلك) .
الثاني: الصفة إذا انقسمت إلى كمال ونقص فلا تدخل بمطلقها في أسمائه، كالصانع والمريد ونحوهما، فلذا لم يطلق على نفسه من هذا إلا أكمله فعلا وخبرا، كقوله {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} .
الثالث: لا يلزم من الإخبار عنه بفعل مقيد أن يشتق له منه اسم، ولذا غلط من سماه بالماكر والفاتن والمستهزئ ونحو ذلك.
الرابع: أن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، دون ما يطلق من الأخبار.
الخامس: الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل إن كان متعديا كالسميع والعليم. وإلا فلا كالحي.
(7/245)

السادس: أسماؤه كلها حسنى، وأفعاله صادرة عنها، فالشر ليس إليه فعلا ولا وصفا، وإنما يدخل في مفعولاته البائنة عنه دون فعله الذي هو وصفه.
إحصاء أسماء الله - تعالى- مراتب:
الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها.
الثانية: فهم معانيها ومدلولها.
الثالثة: دعاؤه بها وهو مرتبتان:
الأولى: دعاء ثناء وعبادة فلا يكون إلا بها.
الثانية: دعاء مسألة فلا يسأل إلا بها، ولا يجوز يا شيء يا موجود ونحوهما.
السابع: أسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا عد، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك» .. " إلخ. فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: ما سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته وغيرهم، وما أنزل به كتابه، وما استأثر به تبارك وتعالى.
الثامن: من أسمائه ما يطلق عليه مفردا ومقترنا بغيره وهو غالبها كالسميع والبصير ونحوهما، فيسوغ أن يدعى ويثنى عليه ويخبر عنه مفردا ومقرونا، ومنها ما لا يطلق إلا مقرونا بغيره، لكون الكمال لا يحصل إلا به، كالضار، والمنتقم، والمانع، فلا تطلق إلا مقرونة بمقابلها. كالضار النافع والمنتقم العفو والمانع المعطي، إذ كمال التصرف لا يحصل إلا به.
قلت: لكن لو أطلق عليه من ذلك اسم مدح لم يمتنع فيسوغ أن يقال: العفو من دون المنتقم، كما ورد في القرآن الكريم، ومثله النافع والمعطي فإن هذه الأسماء تستلزم المدح والثناء المطلق، بخلاف المانع والمنتقم والضار
(7/246)

على أن شيخ الإسلام رحمه الله ينكر تسمية الله بالمنتقم. ويقول: إن هذا لم يرد إلا مقيدا، كقوله تعالى: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} ، {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} ، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} .
التاسع: الصفات أنواع: صفات كمال، وصفات نقص، وصفات لا تقتضي واحدا منهما وصفات تقتضيهما باعتبارين، والرب- تعالى- منزه عن هذه الثلاثة، موصوف بالأول، وهكذا أسماؤه أسماء كمال، فلا يقوم غيرها مقامها من صفات الإدراكات العليم الخبير دون العاقل الفقيه، السميع البصير، دون السامع الباصر والناظر. ومن صفات الإحسان البر الرحيم، الودود دون (الرفيق) والشفيق ونحوهما. وهكذا سائر الأسماء الحسنى.
العاشر: الإلحاد في أسمائه أنواع.
الأول: أن يسمى به غيره من الأصنام.
الثاني: أن يسمى بما لا يليق بجلاله كتسميته أبا أو علة فاعلة. قلت: ومنه أن يسمى بغير ما سمى به نفسه.
الثالث: وصفه بما ينزه عنه، كقول أخبث اليهود: إنه فقير.
الرابع: تعطيلها عن معانيها وجحد حقائقها، كقول الجهمية: إنها ألفاظ مجردة لا تدل على أوصاف سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وهكذا.
الخامس: تشبيه صفاته بصفات خلقه. تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا.
(7/247)

فائدة
قيل لبعض السلف: إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس قال: صدقوا وما يصنع الشيطان بقلب خراب؟!
قال الشيخ تقي الدين رحمه الله في الفتاوى ج 2 ص 21:
والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله بذكر أو غيره لا بد له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر ويلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة ولا يضجر، فإنه بملازمة ذلك ينصرف كيد الشيطان عنه، إن كيد الشيطان كان ضعيفا. وكلما أراد العبد توجها إلى الله- تعالى- بقلبه جاءه من الوسواس أمور أخرى فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد أن يسير إلى الله قطع الطريق عليه.
وقال في كتاب الإيمان ص 147 في الطبعة الهندية: وكثيرا ما يعرض للمؤمن شعبة من شعب النفاق، ثم يتوب الله عليه وقد يرد على قلبه بعض ما يوجب النفاق ويدفعه الله عنه. والمؤمن يبتلى بوسواس الشيطان وبوسواس الكفر التي يضيق بها صدره إلى أن قال: ولا بد لعامة الخلق من هذه الوساوس فمن الناس من يجيبها فيصير كافرا، أو منافقا، ومن الناس من قد غمر قلبه الشهوات والذنوب فلا يجربها إلا إذا طلب الدين، ولهذا يعرض للمصلين من الوساوس ما لا يعرض لغيرهم، لأن الشيطان يكثر تعرضه للعبد إذا أراد أن ينيب إلى ربه ويتصل به ويتقرب إليه ويعرض للخاصة أهل العلم والدين أكثر مما يعرض للعامة. ويوجد عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس عند غيرهم، لأنه لم يسلك شرع الله ومنهاجه، بل هو مقبل على هواه في غفلة عن ذكر ربه وهذا هو مطلوب الشيطان بخلاف المتوجهين إلى ربهم بالعلم والعبادة فإنه عدوهم يطلب صدهم عن الله. ا. هـ. كلامه ملخصا رحمه الله ونسأل الله- تعالى- أن يعيذنا من عدونا عدو الإنس والجن إنه سميع عليم.
(7/248)

فائدة:
عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال (1) : «خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كأن هذا الراكب إياكم يريد فانتهى إلينا الرجل فسلم فرددنا عليه. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أين أقبلت؟ قال: من أهلي وولدي وعشيرتي قال: فأين تريد؟ قال أريد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فقد أصبته قال: يا رسول الله علمني ما الإيمان؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت. قال: قد أقررت قال: ثم إن بعيره دخلت يده في شكة جرذان فهوى بعيره وهوى الرجل فوقع على هامته فمات.
فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: علي بالرجل. فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فأقعداه، فقالا: يا رسول الله قبض الرجل، قال: فأعرض عنهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال لهما رسول الله عليه وسلم: أما رأيتما إعراضي عن الرجل فإني رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة فعلمت أنه مات جائعا، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هذا من الذين قال الله فيهم: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} الآية ثم قال: دونكم أخاكم فاحتملناه إلى الماء فغسلناه وحنطناه وكفناه»
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد جـ 4 ص 3، وأبو داود: كتاب الجنائز: باب في اللحد، والنسائي: كتاب الجنائز: باب اللحد والشق، وابن ماجه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في استحباب اللحد، والترمذي: كتاب الجنائز: باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " اللحد لنا والشق لغيرنا" والبيهقي في " السنن الكبرى " جـ 4 ص 403، والطبراني في " المعجم الكبير" جـ 2 ص 360 وابن أبي شيبة في " المصنف " جـ 3 ص 322.
(7/249)

«وحملناه إلى القبر، فجاء رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حتى جلس على شفير القبر فقال: الحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا» . رواه أحمد بن حنبل عن إسحاق بن يوسف حدثنا أبو جناب عن زادان عن جرير.
وفي الحديث دليل على أن الإيمان يطلق على الأعمال الظاهرة التي هي الإسلام. اللهم توفنا على الإيمان، وأحينا على سنة المصطفى من بني الإنسان، يا كريم يا رحمن يا حي يا قيوم.
فائدة:
قال شيخ الإسلام في كتاب النبوات ص 172- 173 مفرقا بين النبي والرسول: إن النبي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول.
وأما إذا كان إنما كان يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول.
فائدة:
قال في [مختصر الصواعق] أثناء كلامه على حديث النزول ص 381 مطبعة الإمام:
الحادي عشر: أن الخبر وقع عن نفس ذات الله- تعالى- لا عن غيره فإنه قال: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا،» فهذا خبر عن معنى لا عن لفظ، والمخبر عنه هو مسمى هذا الاسم العظيم، فإن الخبر يكون عن اللفظ تارة وهو قليل ويكون عن مسماه ومعناه وهو الأكثر.
فإذا قلت: زيد عندك وعمرو قائم فإنما أخبرت عن الذات لا عن
(7/250)

الاسم فقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} هو خبر عن ذات الرب- تعالى- فلا يحتاج المخبر أن يقول: خالق كل شيء بذاته، وقوله: {اللَّهُ رَبُّكُمْ} قد علم أن الخبر عن ذاته نفسها. وقوله: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} وكذلك جميع ما أخبر الله به عن نفسه إنما هو خبر عن ذاته لا يجوز أن يخص من ذلك إخبار واحد البتة، فالسامع قد أحاط علما بأن الخبر إنما هو عن ذات المخبر عنه ويعلم المتكلم بذلك لم يحتج أن يقول: إنه بذاته فعل وخلق واستوى، فإن الخبر عن مسمى اسمه وذاته وهذا حقيقة الكلام ولا ينصرف إلى غير ذلك إلا بقرينة ظاهرة تزيل اللبس وتعين المراد، فلا حاجة بنا أن نقول: استوى على العرش بذاته وينزل إلى السماء بذاته، كما لا يحتاج أن نقول: خلق بذاته وقدر بذاته وسمع وتكلم بذاته، وإنما قال الأئمة ذلك إبطالا لقول المعطلة ا. هـ.
وقوله: فإن الخبر يكون عن اللفظ تارة، مثاله قول المعربين في: زيد قائم، زيد مبتدأ، وقائم خبره.
فائدة:
قال الشيخ تقي الدين ص 180 ج 12 من مجموع الفتاوى:
وأما التكفير فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقصد الحق فأخطأ لم يكفر بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر، ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقا، وقد تكون له حسنات ترجع على سيئاته،
(7/251)

فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص فليس كل مبتدع ولا مخطئ ولا جاهل ولا ضال يكون كافرا بل ولا فاسقا بل ولا عاصيا ا. هـ.
فائدة:
قال الشيخ تقي الدين 307 ج 11 من مجموع الفتاوى: والمقصود هنا أن الجن مع الإنس على أحوال:
(أ) من كان يأمر الجن بما أمر الله به ورسوله ويأمر الإنس بذلك فهو من أفضل أولياء الله.
(ب) من كان يستعمل الجن في أمور مباحة له فهو كمن استعمل الإنس في ذلك.
(ج) من كان يستعملهم فيما نهى الله عنه ورسوله كالشرك وقتل المعصوم والعدوان عليه بما دون القتل فإن استعان بهم على الكفر فهو كافر وعلى المعاصي فهو عاص إما فاسق وإما مذنب غير فاسق. ا. هـ. ملخصا.
وقال ص 62 ج 19 من المجموع: وأما سؤال الجن وسؤال من يسألهم، فإن كان على وجه التصديق لهم في كل ما يخبرون به والتعظيم للمسؤول فحرام، وإن كان ليمتحن حاله ويختبر باطن أمره وعنده ما يميز صدقه من كذبه فهذا جائز، وذكر أدلة ذلك ثم قال: وكذلك إذا كان يسمع ما يقولونه ويخبرون به عن الجن كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار والفجار ليعرفوا ما عندهم فيعتبروا به وكما يسمع خبر الفاسق ويتبين ويتثبت فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة، ثم ذكر أنه روي عن أبي موسى الأشعري أنه أبطأ عليه خبر عمر وكان هناك امرأة لها قرين من الجن فسأله عنه فأخبره أنه ترك عمر يسم إبل الصدقة.
وفي خبر آخر أن عمر أرسل جيشا فقدم شخص إلى المدينة فأخبر أنهم
(7/252)

انتصروا على عدوهم، وشاع الخبر فسأل عمر عن ذلك فذكر له فقال: هذا أبو الهيثم بريد المسلمين من الجن وسيأتي بريد الإنس بعد ذلك فجاء بعد ذلك بعدة أيام. ا. هـ.
وقال في كتاب النبوات ص 260: والجن الذين يطيعون الإنس وتستخدمهم الإنس ثلاثة أصناف:
أعلاها أن يأمرهم بما أمر الله به ورسله. وذكر كلاما ثم قال:
ومن الناس من يستخدم من يستخدمه من الإنس في أمور مباحة كذلك فيهم من يستخدم الجن في أمور مباحة لكن هؤلاء لا يخدمهم الإنس والجن إلا بعوض مثل أن يخدموهم كما يخدمونهم أو يعينوهم على بعض مقاصدهم، وإلا فليس أحد من الإنس والجن يفعل شيئا إلا لغرض، والإنس والجن إذا خدموا الرجل الصالح في بعض أغراضه المباحة فإما أن يكونوا مخلصين يطلبون الأجر من الله وإلا طلبوه منه إما دعاؤه لهم وإما نفعه لهم بجاهه أو غير ذلك.
والقسم الثالث: أن يستخدم الجن في أمور محظورة أو بأسباب محظورة وذكر أن هذا من السحر، وذكر كلاما كثيرا.
ثم قال ص 267: والجن المؤمنون قد يعينون المؤمنين بشيء من الخوارق كما يعين الإنس المؤمنون للمؤمنين بما يمكنهم من الإعانة ا. هـ.
فائدة:
قول السفاريني في عقيدته عند ذكر الاستواء: (قد تعالى أن يحد) .
الحد لفظ مجمل يراد به تارة معنى صحيح، وأخرى معنى باطل.
ومن ثم قال الإمام أحمد: " وهو على العرش بلا حد"، ومرة أخرى قيل له ما يذكر عن ابن المبارك أنه قيل له: كيف نعرف ربنا عز وجل؟ فقال:
(7/253)

بأنه على عرشه بائن من خلقه بحد قال: قد بلغني ذلك عنه وأعجبه وقال: هكذا هو عندنا.
وذلك أن الحد تارة يراد به أن الله محدود يدرك العقل حده وتحيط به المخلوقات فهذا باطل.
وتارة يراد به أنه بائن من خلقه غير حال فيهم فهذا صحيح. ولذلك رد الإمام عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي في نفيه الحد وقال: إنه لا معنى لنفيك، إلا أن الله لا شيء، لأنه ما من شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة، لكن الباري جل وعلا لا يعلم كيفية صفته إلا هو قال: فنحن نؤمن بالحد ونكل علمه إلى الله- تعالى- ا. هـ.
وبذلك تعرف أن نفي الحد وإثباته على وجه الإطلاق لا ينبغي على أن السلامة هي أن يقال: إن الحد لا يضاف إلى الله إطلاقا لا على سبيل وجه النفي ولا على وجه الإثبات، لكن معناه يستفصل فيه، ويثبت الحق منه ويبطل الباطل. والله أعلم.
فائدة:
في كتاب العقل والنقل ص 60 ج2 مفرد نقلا عن أبي حامد: وكان عبد الله بن سعيد بن كلاب يقول: هي حكاية عن الأمر فخالفه أبو الحسن الأشعري، بأن الحكاية تحتاج أن تكون مثل المحكي، ولكن هو عبارة عن الأمر القائم بالنفس.
فائدة:
سؤال الملكين يعم كل ميت، وقال بعض الحفاظ والمحققين: الذي يظهر اختصاص السؤال بمن يكون له تكليف وبه جزم غير واحد من أئمة
(7/254)

الشافعية ولم يستحبوا تلقينه إذا وجزم الترمذي بأن المعلن في كفره لا يسأل، ووافقه ابن عبد البر وخالفه القرطبي وابن القيم لقوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} ولحديث البخاري «وأما الكافر والمنافق» ورجحه ابن حجر وجزم ابن عبد البر والترمذي باختصاص السؤال بهذه الأمة، وخالفهما ابن القيم وجماعة وتوقف آخرون وظاهر الأحاديث أن السؤال بالعربية كما أنه لسان أهل الجنة والله أعلم.
فائدة:
في تاريخ الجهمية والمعتزلة نقلا عن مجلة المنار في مواضع متعددة بطريقة مختصرة.
انقسام التجهم ص 745 مج 16.
قال الشيخ تقي الدين: ليس الناس في التجهم على درجة واحدة بل انقسامهم في التجهم يشبه انقسامهم في التشيع، ولذلك يتستر الزنادقة بهاتين البدعتين اللتين هم أعظم أو من أعظم البدع التي حدثت في الإسلام.
فالرافضة القدماء ليسوا جهمية بل مثبتو صفات، وغالبهم يصرح بلفظ الجسم، كما أن الجهمية ليسوا رافضة بل كان الاعتزال فاشيا فيهم، والمعتزلة ضد الرافضة وهما إلى النصب أقرب، ولكن في عهد بني بويه فشا التجهم في الرافضة والشيعة ثلاث درجات.
شرها الغالية الذين يجعلون لعلي شيئا من الألوهية أو النبوة.
والدرجة الثانية الرافضة المعروفة كالإمامية وغيرهم يعتقدون أن عليا
(7/255)

الإمام الحق بعد النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بنص جلي أو خفي، ولكنه ظلم ويبغضون أبا بكر وعمر ويشتمونهما وهذا أعني بغضهما وشتمهما سيما الرافضة.
الثالثة: المفضلة يفضلون عليا على أبي بكر وعمر، لكن يتولونهما ويعتقدون عدالتهما وإمامتهما كالزيدية وهؤلاء أقرب إلى أهل السنة منهم إلى الرافضة.
وكذلك الجهمية ثلاث درجات:
غالية: ينفون أسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه قالوا: هو مجاز فهو عندهم ليس بحي ولا عالم.. إلخ، فهم لا يثبتون شيئا ولكن يدفعون التشنيع بما يقرون به في العلانية. وقد قال أبو الحسن الأشعري: إن هؤلاء أخذوا عن إخوانهم المتفلسفة الذين زعموا أن للعالم صانعا لم يزل ليس بعالم ولا قادر.. إلخ. غير أن هؤلاء لم يظهروا المعنى فقالوا: إن الله عالم من طريق التسمية من غير أن نثبت له علما أو قدرة.. إلخ. وهذا القول، قول القرامطة الباطنية ومن سبقهم من إخوانهم الصابئة والفلاسفة.
الدرجة الثانية: تجهم المعتزلة يقرون بالأسماء الحسنى في الجملة ويجعلون كثيرا منها على المجاز، لكنهم ينفون صفاته وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.
والثالثة: الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوع من التجهم يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية وغير الخبرية ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها. ومنهم من يقر بما جاء في القرآن الكريم دون الحديث ومنهم من يقر بالجميع، لكن مع نفي وتعطيل للبعض وهؤلاء إلى السنة المحضة أقرب إلى الجهمية المحضة. بيد أن متأخريهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر فخالفوا أوليهم ا. هـ.
(7/256)

وقد أشار إلى أن كلام الشيخ هذا في التسعينية. انتهى الكلام على الجهمية.
أما الكلام على المعتزلة فيلخص فيما يلي:
1. من هم المعتزلة؟
ص 749 ج 16 هي فرقة إسلامية كبيرة جدا إذ إنه انتحلها رجال كثيرون فشيعة العراق قاطبة، والأقطار الهندية والشامية والبلاد الفارسية والزيدية في اليمن، كل هؤلاء الذين يعدون بالملايين على مذهب المعتزلة.
أما في نجد فقد انتشر مذهب السلف الأثرية، كما يوجد ذلك في طوائف من الهند وفي جماعات قليلة في العراق والحجاز والشام.
أما السواد الأعظم من البلاد الإسلامية فعلى المذهب المنسوب إلى الأشعري أي الذي تداوله المتأخرون إذ إن مذهب الأشعري بنفسه هو مذهب أحمد بن حنبل كما صرح بذلك في كتابه الإبانة.
2. تلقيب المعتزلة بالجهمية ص 751 مج 16.
كان مذهب الجهمية سابقا بزمن قريب مذهب المعتزلة غير أنهما اتفقا على أصول كبيرة في مذهبهما وهي نفي الصفات والرؤية وخلق الكلام، فصاروا كأهل المذهب الواحد وإن اختلفوا في بعض الفروع، ومن ثم أطلق أئمة الأثر (الجهمية) على المعتزلة فالإمام أحمد والبخاري في كتابيهما "الرد على الجهمية" ومن بعدهما يعنون بالجهمية المعتزلة لأنهم بهذه المسائل أشهر من الجهمية خصوصا في المتأخرين.
وأما المتقدمون فيعنون بالجهمية الجهمية لأنها الأم السابقة لغيرها من مذاهب التأويل (أي التعطيل) . كما سبق عن الشيخ تقي الدين.
قال رشيد: وبما ذكر يزول الاشتباه الذي يراه البعض من ذكر الجهمية في هذه المسائل، مع أنها في عرفهم مضافة إلى المعتزلة وذلك أن
(7/257)

تلقيبهم بالجهمية لما وجد من موافقتهم إياهم في هذه المسائل، ومن ثم قال الشيخ تقي الدين: كل معتزلي جهمي ولا عكس، لكن جهم أشد تعطيلا لأنه ينفي الأسماء والصفات.
فائدة:
قال ابن مفلح في الفروع: لم يبعث إليهم (أي الجن) نبي قبل نبينا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قلت: ويشهد له قوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» . (1)
فأما قوله تعالى، عن الجن: {يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} . فظاهره أنهم كانوا يتعبدون بشريعة موسى، وكذا هو ظاهر حال الجن المسخرين لسليمان أي إن الظاهر أنهم كانوا يتعبدون بشريعة سليمان، وكان يتعبد بشريعة موسى، هكذا قيل: إنه ظاهر حالهم وفيه نظر ولكن يكفينا ظاهر الآية.
والجواب أن الظاهر أنه لم يكلف بالرسالة إليهم، وإن كانوا قد يتعبدون بها والله أعلم.
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب التيمم، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
(7/258)

فائدة:
حديث عمران بن حصين: «كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض» .
وقد روى الترمذي بإسناد صححه في موضع وحسنه في آخر، والبيهقي، وأحمد وابن ماجه، ومحمد بن الصباح، «من حديث أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله أين ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟
قال: "كان الله في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء. ثم خلق العرش ثم استوى عليه» . (1) هذا لفظ البيهقي.
العماء: هو السحاب الكثيف المطبق.
قال ابن كثير في البداية والنهاية ص 8 ج 1 ما ملخصه: واختلف في أيها خلق أولا، فقال قائلون: خلق الله القلم قبل هذه الأشياء كلها، وهو اختيار ابن جرير، وابن الجوزي وغيرهما، قال ابن جرير: وبعد القلم السحاب الرقيق.
واحتجوا بحديث عبادة بن الصامت مرفوعا «إن أول ما خلق الله القلم» . (2) رواه أحمد، وأبو داود والترمذي.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند جـ4 ص 11، والترمذي: كتاب التفسير " سورة هود" جـ 5 ص 288، وابن ماجه: المقدمة: باب فيما أنكرت الجهمية، والطبراني في" المعجم الكبير" جـ 19 ص 207، وابن أبي عاصم في " السنة " جـ1 ص 272، والبيهقي في " الأسماء والصفات" جـ 2 ص 150، وعبد الله بن الإمام أحمد في " السنن " ج 2 ص 243.
(2) أخرجه الإمام أحمد ج5 ص 317، وأبو داود: كتاب السنة: باب في القدر، والترمذي: كتاب التفسير: باب " 66" والطيالسي (577) ، والآجري في " الشريعة " ص 177 وابن أبي عاصم في " السنة " جـ1 ص 48، والبيهقي في " الأسماء والصفات" جـ 2 ص 117، وأبو نعيم ج 5، ص 248.
(7/259)

والذي عليه الجمهور: أن العرش قبل لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه في الماء» ، (1) وحملوا إن أول ما خلق الله القلم (أي من هذا العالم) قال ابن جرير: وقال آخرون: بل خلق الله الماء قبل العرش. ثم حكى عن محمد بن إسحاق أن أول ما خلق الله النور والظلمة، ثم ميز بينهما، ثم قال: وقد قيل: إن الذي خلق ربنا بعد القلم الكرسي، ثم العرش، ثم الهواء والظلمة، ثم الماء، فوضع عرشه على الماء. والله أعلم.
فائدة:
أفعال العباد:
اعلم أن الناس في أفعال العباد على ثلاثة أقسام:
طرفين، ووسط.
فأما الطرفان فهما الجبرية والقدرية النفاة.
فالجبرية زعموا أن العبد مجبور على فعله مقهور لا تأثير له فيه البتة، حتى بالغ غلاتهم بأن فعل العبد هو عين فعل الله، ولا ينسب إلى العبد إلا على سبيل المجاز وأن الله يلوم العبد ويعاقبه على ما لا صنع له فيه، ولا إرادة، ولا اختيار، بل هو مضطر إليه لا فرق بينه وبين حركة المرتعش.
واستدل هؤلاء بأنه قد تقرر عقلا وشرعا، بأن الله خالق كل شيء ومليكه ومدبره، لا يشذ عن هذا الأصل العظيم شيء، لا كلي ولا جزئي لا من أفعال العباد ولا غيرها. كما قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} .
__________
(1) أخرجه الإمام مسلم في " صحيحه" " 2653".
(7/260)

{الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} . {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} . وغير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الدالة على عموم خلق الله.
وبأن العباد في ملكه وكيف يكون في ملكه ما لا يريد؟!
وهذه الطائفة نبغت مقابلة للطائفة الثانية القدرية التي هي:
الطرف الثاني قالوا: إن العبد قادر على أفعاله مخترع لها على وجه الاستقلال، ولا تعلق لقدرة الله بها أصلا.
قال ابن القيم في [شفاء العليل] ص 51: [وكلهم متفقون على أن الله غير فاعل لأفعال العباد، واختلفوا هل يوصف بأنه مخترعها، ومبدعها، وأنه قادر عليها وخالق لها فجمهورهم نفوا ذلك، ومن يقرب منهم إلى السنة أثبت كونها مقدورة لله، وأن الله قادر على أعيانها، وأن العباد أحدثوها بإقدار الله لهم على إحداثها، وليس معنى قدرة الله عليها عندهم أنه قادر على فعلها، هذا عندهم عين المحال بل قدرته عليها إقدارهم على إحداثها] ا. هـ. كلامه.
وهؤلاء استدلوا بالأدلة الدالة على أن العمل مضاف إليه، والأصل في الإضافة أنها للحقيقة، ومن المعلوم امتناع معمول واحد من عاملين على وجه الاستقلال من كل منهما.
ولأنه لو كان الله خالقا أفعالهم لكان عقابه إياهم على المعصية ظلما لهم.
ولأننا نجد الفرق ضرورة بين الحركة الاختيارية، والحركة الاضطرارية، كالارتعاش وبأنه لو اعتدى شخص على بدن أو مال أو عرض ثم احتج بالقدر، وأن ذلك بغير اختيار منه، لرده جميع العقلاء.
(7/261)

لكن هؤلاء ألغوا جميع النصوص الدالة على أن خلق الله عام والتزموا أن يكون في ملكه ما لا يريد، وغلوا في النصوص والأدلة الدالة على أن فعل العبد يضاف إليه، حيث زعموا أنه لا تعلق لإرادة الله وخلقه فيما يفعله العبد من الطاعات وغيرها، وجفوا عن النصوص الدالة على عموم خلق الله.
وأولئك غلوا في النصوص الدالة على عموم خلق الله لكل شيء وجفوا عن النصوص الدالة على أن للعبد فعلا يضاف إليه ويقع باختياره.
ودين الله- تعالى- بين الغالي فيه والجافي عنه، ولذلك كان أسعد الناس به هم أهل السنة والجماعة القائلون بأن الله- تعالى- رب كل شيء ومليكه وخالقه، لا يشذ عن هذا الأصل العظيم شيء وقد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة قبل ظهور مجوسها القدرية النفاة، وهم مع ذلك يقولون: [إن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة تضاف إليهم ويجازون عليها بالعدل والإحسان، وهذا لا ينافي أن يكون الله خالقا لأفعالهم، فإن أفعال العباد تضاف إلى الله خلقا وتكوينا، وتضاف إليهم فعلا ومباشرة، وفرق بين مخلوق الله، وبين فعله، فأفعالهم مخلوقة بائنة عنه لا تنسب إليه على أنها فعله وهي فعل العباد الموصوفين فيها حقيقة، فهي من صفاتهم العائد حكمها إليهم، والعقلاء كلهم يعلمون أن فعل الفاعل ناشئ عن قدرته وإرادته الجازمة، لا يتخلف عنها البتة، ولا يمكن وجوده مع عدمه أو عدم إحداهما، والله- تعالى- هو الذي خلق الآدمي بما فيه من قدرة وإرادة، وخالق السبب التام خالق للمسبب، فالرب جعل إرادة العبد وقدرته سببا لإيجاد فعله بمنزلة إحراق النار لما وقع فيها مما يقبل الاحتراق. فإن إحراق النار يضاف إليها على وجه المباشرة، ويضاف إلى من أوقدها على أنه هو فاعل السبب.
(7/262)

قال ابن القيم رحمه الله في شفاء العليل ص 130 بعد أن أطال رحمه الله في الكلام على الكسب والجبر: فالطوائف كلها متفقة على الكسب، ومختلفون في حقيقته، فالقدرية قالوا: هو إحداث العبد لفعله بقدرته ومشيئته استقلالا، وليس للرب فيه صنع ولا هو خالق فعله ولا مكونه ولا مريد له.
وقالت الجبرية: اقتران الفعل بالقدرة الحادثة من غير أن يكون لها فيه أثر.
ثم ذكر أن الأشعري في عامة كتبه، فسر الكسب بأن يكون الفعل بقدرة محدثة، فمن وقع الفعل منه بقدرة محدثة فهو مكتسب، ومن وقع منه بقدرة قديمة فهو فاعل خالق.
وقال بعض المعتزلة: من يفعل بغير آلة ولا جارحة فهو خالق، ومن يحتاج في فعله إلى الآلات والجوارح فهو مكتسب، ثم قال: ونحن نقول: هي أفعال للعباد حقيقة ومفعولة للرب، فالفعل عندنا غير المفعول وهو إجماع من أهل السنة، فالعبد فعلها حقيقة والله خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة وخالق فاعليته.
وسر المسألة أن العبد فاعل متفعل باعتبارين.
ثم قال ص 131: قلت: هاهنا ألفاظ، وهي فاعل، وعامل، ومكتسب، وكاسب، وصانع، ومحدث، وجاعل، ومؤثر، ومنشئ، وموجد، وخالق، وبارئ، ومصور، وقادر، ومريد.
وهذه الألفاظ ثلاثة أقسام:
قسم لم يطلق إلا على الرب، كالبارئ، والبديع، والمبدع.
وقسم لا يطلق إلا على العبد، كالكاسب، والمكتسب.
(7/263)

وقسم وقع إطلاقه على العبد والرب، كاسم صانع، وفاعل وعامل ومنشئ، ومريد، وقادر.
وأما الخالق المصور فإن استعملا مقيدين أطلقا على العبد، كما يقال لمن قدر في نفسه شيئا: إنه خلقه.
وبهذا الاعتبار صح إطلاق خالق على العبد، في قوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} قلت: ووجه ذلك أن الخالقين جمع مفضل عليهم بإضافة اسم التفضيل، ومن المعلوم أنه لا ثم سوى خالق أو مخلوق فإذا كان الخالق أحسن الخالقين كان المفضل عليهم مخلوقين وسماهم الله هنا خالقين. فدل على صحة إطلاق الخالق على المخلوق.
قلت: ومن ذلك قوله تعالى: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في الحديث القدسي: إن الله قال: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» (1) وقوله في الحديث الآخر: «يقال للمصورين: " أحيوا ما خلقتم» . (2)
هذا وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في الكتاب المذكور ص 121- 122 عن الإسفرائيني كلاما، قال ابن القيم بعده: قلت: مراده أي الإسفرائيني أن إطلاق لفظ الخلق لا يجوز إلا على الله وحده. ا. هـ. فتأمل ما في قوله: إطلاق لفظ الخلق فإنه يوافق كلامه هنا والله أعلم.
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب اللباس: باب نقض الصور، ومسلم: كتاب اللباس والزينة: باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(2) أخرجه البخاري: كتاب اللباس: باب من كره القعود على الصور، ومسلم: كتاب اللباس: باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(7/264)

فائدة:
مراتب القضاء والقدر أربع: من شفاء العليل ص 29 ما ملخصه.
الأولى: علم الله- تعالى- بالأشياء قبل كونها.
الثانية: كتابته لها قبل كونها.
الثالثة: مشيئته لها.
الرابعة: خلقه لها. ا. هـ.
فأما المرتبة الأولى: فقد اتفقت عليها جميع الرسل من أولهم إلى خاتمهم، وهذه المرتبة كان ينكرها طائفتان:
الأولى: من ينفي علمه بالجزئيات، وهم الفلاسفة.
الثانية: غلاة القدرية الذين قالوا: إن الله لا يعلم أعمال العباد حتى يعملوها، ولم يكتبها أو يقدرها فضلا عن أن يخلقها.
المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، وهي أن الله كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة.
وهذه المرتبة هي مرتبة التقدير والتقادير خمسة أنواع:
النوع الأول: التقدير العام، وهو المكتوب في اللوح المحفوظ الذي كان قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء قال شيخ الإسلام رحمه الله: علم الله- تعالى- السابق ثابت لا يتغير وأما الصحف التي بأيدي الملائكة فيلحقها المحو والإثبات وأما اللوح المحفوظ فهل يلحقه ذلك؟ على قولين:
النوع الثاني: تقدير أرزاق العباد وآجالهم وأعمالهم قبل أن يخلقهم.
النوع الثالث: تقدير ما ذكر على الجنين في بطن أمه.
(7/265)

قال ابن القيم رحمه الله في شفاء العليل ص 22: فاجتمعت هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد وأجله وشقاوته وسعادته، وهو في بطن أمه، واختلفت في وقت هذا ففي حديث ابن مسعود أنه بعد مائة وعشرين يوما من حصول النطفة في الرحم (1) وحديث أنس غير مؤقت (2) وحديث حذيفة بن أسيد وقِّت فيه التقدير بأربعين يوما، وفي لفظ بأربعين ليلة، وفي لفظ باثنتين وأربعين ليلة، وفي لفظ بثلاث وأربعين ليلة. وهو حديث تفرد به مسلم. (3)
ثم قال في وجه الجمع بينهما: إن هناك تقديرين:
أحدهما: سابق لنفخ الروح وهو المتعلق بشأن النطفة إذا بدأت بالتخليق وهو العلق.
والثاني: حين نفخ الروح: وهو المتعلق بشأنها حين تتعلق بالجسد.
أي فصار التقدير معلقا بمبدأ الجسد ومبدأ الروح.
النوع الرابع: التقدير السنوي، وهو ما يكون ليلة القدر.
النوع الخامس: التقدير اليومي.
فالتقديرات خمسة: يومي، وحولي، وعمري، عند تعلق النفس بالبدن وعند تخليقه، وتقدير قبل وجود ابن آدم بعد خلق السماوات والأرض، وتقدير قبل خلق السماوات والأرض، وكل هذه تفاصيل للتقدير السابق.
المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة، وهي عموم مشيئة الله تعالى.
وقد نفى المشيئة إطلاقا طوائف من الفلاسفة وأتباعهم، ونفاها القدرية المعتزلة بالنسبة إلى أفعال العباد فقط.
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب القدر، ومسلم: كتاب القدر: باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه.
(2) البخاري: كتاب القدر، ومسلم: كتاب القدر: باب كيفية الخلق الآدمي.
(3) أخرجه مسلم / كتاب القدر/ باب كيفية الخلق الآدمي.
(7/266)

المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق وهي عموم خلق الله لكل ما سواه، وقد سبق الكلام عليها.
فائدة:
الرضا بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله واجب مطلقا، لأنه من تمام الرضا بالله ربا.
وأما القضاء الذي هو المقضي فالرضا به مختلف.
فإن كان المقضي دينيا وجب الرضا به مطلقا.
وإن كان كونيا فإما أن يكون نعما أو نقما أو طاعات أو معاصي.
فالنعم يجب الرضا بها لأنه من تمام شكرها، وشكرها واجب.
وأما النقم كالفقر والمرض ونحوهما، فالرضا بها مستحب عند الجمهور وقيل بوجوبه.
وأما الطاعات فالرضا بها طاعة واجبة إن كانت الطاعة واجبة ومستحبة إن كانت مستحبة. وأما المعاصي فالرضا بها معصية، والمكروهات الرضا بها مكروه، والمباحات مباح والله أعلم.
فائدة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه أقوم ما قيل ص 141 من القسم الثالث من مجموعة رسائله قال:
ومن توهم منهم أي من القدرية أو من نقل عنهم أن الطاعة من الله والمعصية من العبد فهو جاهل بمذهبهم، فإن هذا لم يقله أحد من علماء القدرية ولا يمكن أن يقوله فإن أصل قولهم أن فعل العبد للطاعة كفعله
(7/267)

للمعصية كلتاهما فعله بقدرة تحصل له من غير أن يخصه بإرادة خلقها فيه، فإذا احتجوا بهذه الآية على مذهبهم كانوا جاهلين بمذهبهم ويعني بالآية قوله تعالى: {أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} إلى قوله: فإن عندهم الحسنة المفعولة والسيئة المفعولة من العبد لا من الله ا. هـ.
ورأيت في تفسير ابن كثير رحمه الله ص 267 ج 4 عند قوله تعالى:
{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} «عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قيل له: إن رجلا قدم علينا يكذب بالقدر فقال: دلوني عليه وهو أعمى، قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس قال: والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي لأدقنها فإني سمعت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: " كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج تصطفق ألياتهن مشركات هذا أول شرك هذه الأمة والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيرا كما أخرجوه من أن يكون قدر شرا» (1) رواه أحمد.
فائدة:
قال الشيخ تقي الدين في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ص 96 ج 4: والناس في المعاد على أربعة أقوال:
أحدها إثبات معاد الروح والبدن وهو مذهب المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد جـ 1 ص، 330، والهيثمي في " المجمع" ج 7 ص 204.
(7/268)

الثاني أن المعاد للأبدان فقط قاله كثير من المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وغيرهم.
الثالث أن المعاد للروح وحدها وهو قول الفلاسفة المشركين لم يقله أحد من أهل الملل لا المسلمون ولا اليهود ولا النصارى، فإنهم كلهم متفقون على إعادة الأبدان وعلى القيامة الكبرى، وأهل هذا القول منهم من يقول بأن الأرواح تتناسخ إما في أبدان الآدميين أو أبدان الحيوان مطلقا أو في جميع الأجسام النامية أو أن التناسخ في الأنفس الشقية فقط، وكثير من محققيهم ينكر التناسخ.
القول الرابع إنكار المعادين جميعا كما قاله أهل الكفر من العرب واليونان والهند والترك وغيرهم.
فائدة:
قال الشيخ تقي الدين في الجزء الأول من الرسائل ص 59:
وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة أو الإجماع يقال: هي كفر قولا يطلق كما دل على ذلك الدليل الشرعي، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر، حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه. مثل من قال: إن الخمر أو الربا حلال لقرب عهده بالإسلام أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاما أنكره ولم يعتقد أنه من أحاديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال ذلك وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك، حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومثل الذي قال: «إذا أنا»
(7/269)

«مت فاسحقوني وذروني في اليم لعلي أضل عن الله- تعالى-» (1) ونحو ذلك.
فإنهم لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة، كما قال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} . وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان رحمةٌ الله رحمة كبيرة.
فائدة:
وجدت في مجلة التمدن الإسلامي الصادرة في رمضان سنة 1378هـ 756 تحت عنوان: " سد يأجوج ومأجوج " ما نصه:
توجد في العتبة الواقعة بين بحر الخزر والبحر الأسود سلسلة جبال توقان، كأنها جدار طبيعي وقد سد هذا الجدار الجبلي الطريق الموصلة بين الشمال والجنوب إلا طريقا واحدا بقي مفتوحا، هو مضيق دار بال، بين ولايتي كيوكز وتفليس حيث يوجد الآن جدار حديدي من قديم الأزمان.
ا. هـ. وذكر أنه منقول من كتاب شخصية ذي القرنين من منشورات دار البصري في بغداد.
فائدة:
الأنبياء المذكورون في القرآن الكريم هم المذكورون في الأبيات، وهم خمسة وعشرون نبيا.
حتم على كل ذي التكليف معرفة ... بأنبياء على التفصيل قد علموا
في تلك حجتنا منهم ثمانية ... من بعد عشر ويبقى سبعة وهُمْو
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء: باب حديث الغار، ومسلم: كتاب التوبة: باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.
(7/270)

إدريس هود شعيب صالح وكذا ... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا
وعد ذي الكفل منهم، فيه خلاف مشهور بين العلماء، فقيل: رجل صالح وقيل: نبي، وتوقف ابن جرير في ذلك والله أعلم.
فائدة:
إن قيل: ما الفائدة في قص إهلاك الأمم علينا مع أن هذه الأمة لن تهلك كما هلكوا على سبيل العموم؟
فالجواب أن لذلك فائدتين:
إحداهما: بيان نعمة الله علينا برفع العذاب العام عنا وأننا مستحقون لذلك لولا منة الله.
الثاني: أن مثل عذابهم قد يكون لمن عمل عملهم في يوم القيامة إذا لم تحصل العقوبة في الدنيا، ولعله يفهم من قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ} . فلعل ظاهره أن مثل هذا العذاب يكون في الآخرة والله أعلم.
فائدة:
لسوء التصرف سببان:
أحدهما: نقص العلم وهو الجهل.
والثاني: نقص الحكمة وهو السفه المنافي للرشد.
ولذلك وصف الله نفسه بالحكمة والخبرة في قوله تعالى:
(7/271)

{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} وفي هذا دليل على أن القرآن الكريم جامع بين العلم والحكمة.
فائدة:
من المنتقى في باب ما جاء في الأجرة على القرب «عن خارجة بن الصلت عن عمه أنه أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم أقبل راجعا من عنده فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد فقال أهله: إنا قد حدثنا أن صاحبكم هذا قد جاء بخير فهل عندك شيء نداويه؟ قال: فرقيته بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام كل يوم مرتين فبرأ فأعطوني مائتي شاة، فأتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخبرته فقال: " خذها فلعمري من أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق» (1) رواه أحمد وأبو داود، قال في " نيل الأوطار": رجاله رجال الصحيح إلا خارجة المذكور وقد وثقه ابن حبان ا. هـ.
قلت وفيه دليل على جواز قول الرجل: لعمري.
فائدة:
روى مسلم عن عطاء عن جابر في صلاة النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- العيد وأنه أتى النساء فوعظهن، فقيل لعطاء: أحقا على الإمام الآن أن يأتي النساء حين يفرغ فيذكرهن؟ قال: أي لعمري إن ذلك لحق عليهم، وما لهم لا يفعلون ذلك؟ ذكره مسلم في صلاة العيدين.
ففيه إفراد النساء بالموعظة وجواز قول: لعمري على رأي عطاء رحمه الله.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد جـ 5 ص 211، وأبو داود: كتاب الطب: باب كيف الرقي، وانظر نيل الأوطار جـ 5، ص 335.
(7/272)

فائدة:
في صحيح مسلم ص 197 ج 5: أن نجدة كتب لابن عباس يسأله عن خمس خلال هل كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتي ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فقال ابن عباس لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه، فكتب إليه، كتبت تسألني هل كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة. وأما بسهم فلم يضرب لهن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وإن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يكن يقتل الصبيان فلا تقتل الصبيان. وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم؟ فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم. وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟ وإنا كنا نقول: هو لنا فأبى علينا قومنا ذاك ا. هـ. فيه دليل على جواز قول لعمري.
فائدة:
إذا أضاف الإنسان الشيء إلى سببه الصحيح المعلوم من غير واو العطف الدالة على التشريك فلا بأس به.
ويدل عليه ما رواه البخاري: «أن العباس بن عبد المطلب، قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما أغنيت عن عمل أبي طالب فإنه كان يحوطك ويغضب لك. قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (1) ورواه مسلم بهذا اللفظ.
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة: باب قصة أبي طالب، ومسلم: كتاب الإيمان: باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب.
(7/273)

وقريب من هذا قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار» . (1)
فائدة:
اتفق العلماء على أن كراهة عبدي وأمتي للتنزيه حتى أهل الظاهر، ويستدل بقوله تعالى: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} . على أن المنهي هو السيد خشية التطاول. أما غيره فلا لأنه إنما يقصد التعريف غالبا.
وقد زاد مسلم في حديث النهي، ولا يقل: مولاي فإن مولاكم الله.
وهذه الزيادة قد بين مسلم الاختلاف فيها على الأعمش، فمنهم من ذكرها ومنهم من حذفها. وقال عياض: حذفها أصح. وقال القرطبي: المشهور حذفها.
أما كلمة الرب فقد قال الخطابي: إن غير العاقل لا يكره إضافتها إليه كرب الدار ونحوه وقال ابن بطال: لا يجوز أن يقال لأحد غير الله: رب كما لا يجوز إله. ا. هـ.
هذا وقد ورد في الحديث إذا ولدت الأمة ربتها فدل على أن النهي عن الإطلاق. ويحتمل أنه للتنزيه. وما ورد فلبيان الجواز.
وقيل: إن الجواز خاص بالنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وقيل: إن النهي عن الإكثار من ذلك، ولعل هذا أقرب الاحتمالات،
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة: باب لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ومسلم: كتاب الزكاة: باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام.
(7/274)

لقوله: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك» (1) لأن الطعام والوضوء يكثر تكررهما.
ولا ريب أنه إذا خشي المحذور من استعمال الكلمتين قوي النهي والكراهة، وربما وصلت إلى التحريم وكلما بعد المحذور بعدت الكراهة وربما زالت إذا زال والله أعلم.
تم بحمد الله
__________
(1) أخرجه البخاري / كتاب العتق / باب كراهية التطاول على الرقيق وقوله: عبدي أو أمتي، ومسلم كتاب الأدب / باب حكم إطلاق لفظ العبد والأمة.
(7/275)

الوصايا العشر
(7/277)

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله- تعالى- بالهدى ودين الحق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [سورة آل عمران: الآية: 102] ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [سورة النساء: الآية 1] .
أما بعد:
إخواني الكرام:
موضوع المحاضرة هو الكلام على الوصايا العشر التي في آخر سورة الأنعام وقبل الكلام عليها أحب أن أنبه على ثلاث مسائل تفعل في النصف من هذا الشهر أو يذكرها العامة في النصف من هذا الشهر- شهر شعبان.
(7/279)

المسألة الأولى:
أن كثيرا من العامة يظنون أن ليلة النصف من شعبان هي ليلة القدر وأنه يكتب فيها ما يكون في السنة، ومن المعلوم أن ليلة القدر في رمضان ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [سورة القدر، الآية: 1] .
وفي قوله تعالى: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [سورة الدخان، الآيات:1- 4] فهذا نص في أن القرآن نزل في ليلة القدر التي يفرق فيها ويفصل كل أمر حكيم ثم قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [سورة البقرة، الآية: 185] . وهذا يدل دلالة أكيدة على أن ليلة القدر في رمضان بل هي في العشر الأواخر من رمضان.
المسألة الثانية:
وهي أن بعض الناس يخص ليلته بقيام ويومه بصيام بناء على أحاديث ضعيفة وردت في ذلك، ولكن حيث لا تصح هذه الأحاديث الضعيفة فإن ليلة النصف من شعبان لا تخص بقيام. ولكن إن كان الإنسان قد اعتاد أن يقوم الليل، فليقم ليلة النصف كغيرها من الليالي، وإن كان لم يعتد ذلك فلا يخصها بقيام كذلك في الصوم لا يخص النصف من شعبان بصوم، لأن ذلك لم يرد عن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لكن لو صام الأيام الثلاثة البيض وهي اليوم الثالث عشر واليوم الرابع عشر واليوم الخامس عشر لو صامها فإن صيامها من السنة لكن ليس باعتقاد أن لهذا مزية على سائر الشهور وإن «كان رسول»
(7/280)

«الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يكثر الصوم في شعبان أكثر من غيره من الشهور حتى كان يصومه كله أو إلا قليلا منه» (1) .
المسألة الثالثة:-
أن بعض الناس يصنع الطعام في اليوم الخامس عشر من شعبان ويدعو إليه الناس، أو يوزعه على الجيران والأقارب معتقدا أن لذلك مزية وفضلا ولكني أقول: ليس الأمر كذلك، فلا يشرع فيه صنع الطعام ولا الدعوة ولا الصدقة، بل هو كغيره من الأيام، يصنع فيه من الطعام ما يصنع في غيره وليس له مزية.
هذه ثلاث بدع يعتادها بعض الناس فأحببت التنبيه عليها.
والآن نشرع في موضوع المحاضرة.
يمكن القول إن جميع الدين وصية من الله - عز وجل- كل الدين وصية من الله كما قال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [سورة الشورى، الآية: 13] هذه وصية عامة {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} كلمتان اشتملتا على الدين الإسلامي كله وعلى توجيه المجتمع الإسلامي أن يقيم الدين وأن لا يتفرق فيه ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [سورة النساء، الآية: 131] .
__________
(1) البخاري: كتاب الصوم: باب: صوم شعبان: ومسلم: كتاب الصيام: باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان.
(7/281)

لكن سميت هذه الوصايا بالوصايا العشر لأن الله- تعالى- جمعها في مكان واحد وكان يختم كل وصية منها أو كل آية منها بقوله تعالى: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} [سورة الأنعام، الآية: 151] .
إن الوصية هي العهد بالشيء عهدا مؤكدا، فكأن الله- تعالى- عهد إلينا بهذه الأشياء عهدا مؤكدا محتما علينا فبدأ:-
بقوله- عز وجل-: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [سورة الأنعام، الآية: 151] . والخطاب هنا للرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأمره الله- تعالى- أن يقول هذا القول للناس عموما. وأمر الله- عز وجل- لرسوله أن يقول للناس هذا هو أمر خاص وإلا فإن الله- تعالى- قد أمر نبيه على وجه عام أن يبلغ القرآن لكل الأمة.
{مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} أي ما حرم ربكم عليكم مخالفته، فهذه الأشياء التي سيوصي بها الله قد حرم الله علينا مخالفتها، فلا بد أن نقوم بها على الوجه الأكمل وفي قوله تعالى: {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} ولم يقل: ما حرم الله لأن الرب هو الذي له التصرف المطلق في المربوب فالرب هو الرب ويقابله العبد كما قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الفاتحة، الآية:1] فوصف الله نفسه بأنه رب للعالمين كلهم، والرب هو الذي يملك أن يتصرف فيهم بما شاء من الأمر الكوني والأمر الشرعي.
(7/282)

الوصية الأولى {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}
أي أن لا تجعلوا معه شريكا والنهي عن الشرك بالله يشمل ثلاثة أقسام:-
القسم الأول النهي عن الشرك به في ربوبيته.
القسم الثاني النهي عن الشرك به في ألوهيته.
القسم الثالث النهي عن الشرك به في أسمائه وصفاته.
القسم الأول: الشرك في الربوبية:
من المعلوم أن الله- عز وجل- هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} . [سورة فاطر، الآية: 3] أبدا الخالق هو الله وحده ولهذا حرم الله- عز وجل- أن يخلق أحد مثله ولو بالصورة كما قال النبي- عليه الصلاة والسلام- في المصورين: انه يقال لهم: أحيوا ما خلقتم فلا يمكن أن يشرك بالله في خلقه أو ملكه أو تدبيره فمن اعتقد أن لله- تعالى- مشاركا في الخلق فقد أشرك به. لو قال: إن هذا بمقتضى الطبيعة وهذا بمقتضى الزمن وهذا بكذا وكذا مما يضاف إلى غير الله فإنه مشرك بالله ومن العجب أن هذا الشرك أعني الشرك في الربوبية لا يذهب إليه، ولا الكفار الذين قاتلهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الكفار الذين قاتلهم النبي- عليه الصلاة والسلام- هل كانوا يشركون في الربوبية؟ الجواب: لا. {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [سورة الزخرف، الآية: 9] . ويقرون بأن الله هو الخالق ولكن يوجد في عهدنا هذا من يكابر وينكر الخالق ويدعي
(7/283)

والعياذ بالله أن هذا الكون ليس له مدبر وليس له خالق وإنما هي أشياء تتفاعل ويتولد بعضها من بعض وأرحام تدفع وأرض تبلع وليس هناك خالق. ولكن عجبا لهؤلاء كيف ينكرون أن يكون للعالم خالق وهم يعلمون أنه لا يمكن أن يوجد الشيء بلا موجد هل يمكن أن يوجد الشيء بلا موجد؟ أبدا لأنه إما أن يقال: أوجد نفسه أو وُجد بلا موجد والأول ممتنع لا يمكن أن يوجِد الشي نفسه لأنه قبل الوجود كان عدما والعدم ليس بشيء فضلا عن أن يوجِد شيئا ولا يمكن أن يوجَد بلا موجِد ولهذا قال الله- عز وجل-: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [سورة الطور، الآية: 35] . إذا فلا بد من موجد وهو الله- عز وجل- هو الذي أوجد هذا الكون وخلقه بقدرته ودبره بحكمته.
من الشرك في الربوبية أن يحلف الإنسان بغير الله لكنه شرك لا يخرج من الملة إلا أن يعتقد الحالف بأن المحلوف به له من العظمة ما لله- عز وجل- فيكون شركا أكبر وإلا فهو من الشرك الأصغر ودليل ذلك قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (1) وقال- عليه الصلاة والسلام-: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (2) لكن لو قال القائل: ورسول الله. وحلف بالرسول- عليه الصلاة والسلام- وقال: إن رسول الله هو أعظم الخلق فلماذا لا يجوز القسم به؟
__________
(1) الترمذي: كتاب النذور والأيمان: باب في كراهية الحلف بغير الله: وقال: حديث حسن وأبو داود: كتاب الأيمان والنذور.
(2) رواه البخاري: كتاب الشهادات: باب كيف يستحلف: ومسلم: كتاب الأيمان: باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى.
(7/284)

فالجواب: إن أعظم الخلق هو الذي قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» فيكون الحلف بالنبي من الشرك.
فإذا قال إنسان: إن بعض الناس يجري على لسانهم هذا القسم يقول: "والنبي" بدون قصد، فالجواب: أن نقول: إذا كان بغير قصد، فإنه يلزمه أن يطهر لسانه منه، وأن لا يعود نفسه على هذا القسم المحرم حتى يتخلص منه.
من الشرك بالربوبية أن يتخذ الإنسان أندادا يشرعون تشريعات تخالف شرع الله، فيوافقهم فيها مع علمه بمخالفتها للشريعة، ولهذا ترجم الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله - ترجم على ذلك في كتاب التوحيد بقوله: " باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا" فإذا وجد قوم يتبعون القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية مع علمهم بمخالفتها للشريعة فإننا نقول: هؤلاء قوم مشركون لأنهم اتخذوا حاكما يحكم بين الخلق غير الله -عز وجل- ومن المعلوم أن الحكم بين الخلق من مقتضيات الربوبية فقد اتخذوهم أربابا من دون الله ولهذا يروى «من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه قال للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} قال: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم قال: " أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه" قال: نعم يا رسول الله قال: " فتلك عبادتهم» (1) فجعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا من الشرك ولهذا منع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من طاعة ولي الأمر في معصية الله منع من أن يطاع أحد من الخلق في معصية الله. فقال عليه الصلاة والسلام «إنما الطاعة في المعروف» . فقد «أرسل سرية وأمر عليهم رجلا وقال لهم: أطيعوا أميركم»
__________
(1) الترمذي: كتاب التفسير: تفسير ابن كثير سورة التوبة آية:" 31 ".
(7/285)

«فغضب عليهم الأمير ذات يوم وقال: اجمعوا لي حطبا فجمعوا حطبا ثم قال: أوقدوها النار فأوقدوها النار ثم قال: ادخلوا فيها ". طاعتهم في جمع الحطب صحيحة، وطاعتهم في إضرام النار صحيحة. لكن لما قال: ادخلوها توقفوا وقالوا: كيف ندخل في النار ونحن لم نؤمن إلا فرارا من النار فامتنعوا ولم يدخلوها فلما رجعوا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخبروه الخبر قال: " إنهم لو دخلوا فيها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف» (1) إذًا متابعة الكبراء في مخالفة شريعة الله من الشرك بالربوبية لأن الحكم بين الناس من مقتضيات الربوبية والسلطان.
القسم الثاني: الشرك في الألوهية:
وهذا هو الذي يكثر بين الناس، وهو الذي كان عليه المشركون في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام. فكيف يكون الشرك في الألوهية؟
يتخذ الإنسان مخلوقا من المخلوقات يعبده ويتآله إليه كما يعبد الله - عز وجل - يسجد للصنم يسجد للشمس يسجد للقمر يسجد للقبر يسجد للكبير يسجد لأبيه يسجد لأمه.. وهكذا.
المهم أن يتعبد لمخلوق، نقول: هذا شرك في الألوهية لأنه اتخذ هذا المعبود إلها يعبده من دون الله.
ومن ذلك: هؤلاء الذين يذبحون القربان للقبور يذبح عند القبر قربانا ليتقرب به إلى صاحب القبر يعظمه بالذبح كما يعظم الله تعالى بالذبح هذا أيضا من الشرك الأكبر المخرج عن الملَّة لأن الله يقول: {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}
__________
(1) البخاري: كتاب الأحكام: باب السمع والطاعة. ومسلم: كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء..
(7/286)

[سورة الأنعام، الآية: 151] . وهذا الشرك هو الذي دعا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المشركين إلى نبذه. ولما أبوا قاتلهم فاستحل دماءهم وسبى ذريتهم وغنم أموالهم لأنهم مشركون.
هل تعلمون أحدا دعا إلى عبادة نفسه من البشر؟ نعم، فرعون دعا إلى عبادة نفسه وقال لقومه: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [سورة القصص، الآية:38] يقول ذلك وهو يكذب فهو يعلم أن هناك إلها غيره، ولهذا قال له موسى {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} [سورة الإسراء، الآية: 102] ولم ينكر فرعون.
موسى كان يخاطبه بهذا ولم ينكر بل أقر وكان هو وقومه يقرون بذلك كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [سورة النمل، الآية: 14] .
القسم الثالث: الشرك في أسماء الله وصفاته:
الشرك في أسماء الله وصفاته: أن يجعل الإنسان لله مثيلا فيما وصف به نفسه كلنا نقرأ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طه، الآية: 5] . والعرش مخلوق عظيم لا يعلم قدره إلا الله جاء في الحديث: " «أن السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض. وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة» . إذًا مخلوق عظيم اختصه الله عز وجل بالاستواء عليه.
هل أنت أيها الإنسان تستوي على الفلك؟ تستوي على البعير؟
تستوي عليه استمع {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ} [سورة الزخرف، الآيتان:12- 13] .
(7/287)

وقال الله تعالى لنوح: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [سورة المؤمنون: الآية: 28] .
لو قال قائل: إن استواء الله على عرشه كاستوائنا على الفلك أو على البعير، نقول: هذا مشرك لأنه جعل صفة الخالق كصفة المخلوق فجعل لله تعالى شريكا في الصفة ولكننا نقول: نحن نؤمن بأن الله استوى على العرش لكن بدون تمثيل لا مثيل لاستوائه كما لا مثيل لذاته - عز وجل - وهكذا بقية الصفات. إذًا من أثبت الصفات مع التمثيل فهو مشرك لأنه شرك بين الخالق والمخلوق في الصفة.
لكن ما تقولون فيمن نفى حقيقة الصفات هل يكون ممثلا؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كل معطل ممثل، كل من عطل فقد مثل.
الذي ينكر الصفات هو منكر وممثل قد يقول قائل: كيف يكون منكرا وممثلا لأن التمثيل إثبات والإنكار نفي وهل هذا إلا جمع بين النقيضين؟ نقول: استمع، لماذا عطل المعطل صفات الله؟ لأنه اعتقد أن إثباتها يستلزم التمثيل قال: أنا لو أثبت الصفة إذًا أثبت التمثيل إذًا يجب أن أنكر حقيقة الصفة لأسلم من التمثيل فمثل أولا وعطل ثانيا.

الوصية الثانية:
ثم قال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [سورة الأنعام، الآية: 151] .
فجعل الله تعالى حق الوالدين بعد حقه ومن هما الوالدان؟ هما الأم والأب، وحق الأم آكد من حق الأب، ولهذا «سئل الرسول عليه الصلاة والسلام: " من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمك. قال: ثم قال»
(7/288)

«ماذا؟ قال أمك. ثم قال ماذا؟ قال: أمك. ثم ماذا، قال: أبوك» (1) وذلك لأن الأم تعاني من الولد أشد مما يعاني الأب. قال الله تعالى {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [سورة لقمان، الآية: 14] .
والإحسان إلى الوالدين يكون بالقول ويكون بالفعل ويكون بالمال. الإحسان بالقول أن يقول لهما قولا لينا لطيفا كريما بحيث يناديهما مناداة إجلال وتعظيم حتى إن بعض العلماء قال: يكره أن ينادي الإنسان أباه باسمه مثلا إن كان أبوك اسمه محمد لا تقول: يا محمد قل: يا أبتي، إبراهيم عليه السلام يقول لأبيه - وأبوه كافر - يقول له: {يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ} لأن هذا من باب الإكرام، حتى إذا بلغ الوالدان سنا كبيرا يحصل منه شيء من التعب فإن الله تعالى يقول: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [سورة الإسراء، الآية: 23] .
بعض الناس إذا كبر الوالد عنده أو الأم مل منهما وصار ينهرهما وصار يقول لهما قولا خشنا، الله ينهى عن ذلك {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} معنى (أف) يعني أتضجر منكما {وَلَا تَنْهَرْهُمَا} بالقول في الصراخ أو العتاب أو ما أشبه ذلك {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} لينا لطيفا تقر به أعينهما. هذا الإحسان بالقول إننا نرى بعض الناس يلين بقوله مع زوجته ولا يلين بقوله مع أمه، وهذا مشاهد تجده مع الزوجة يلين لها ويخضع لها ولا ينهرها لكنه مع أمه بالعكس بل مع أبيه إن تمكن وهذا خلاف ما أمر الله به.
الإحسان بالفعل يكون بالخدمة والقيام بمصالحهما. الخدمة البدنية
__________
(1) البخاري: كتاب الأدب. باب من أحق الناس بحسن الصحبة،ومسلم: كتاب البر والصلة: باب بر الوالدين.
(7/289)

إذا عجزا ساعدهما حتى عند المنام وعند القيام وعند الجلوس يجب على الإنسان أن يقوم ببر الوالدين عند العجز فيعينهما بكل ما يحتاجان إليه من عون.
الإحسان بالمال يجب أن يحسن إليهما بالمال بأن يبذل لهما كل ما يحتاجان إليه من نفقة، كسوة طعام، شراب، سكن إذا كان يقدر على هذا.
فصار الإحسان إلى الوالدين يتضمن ثلاثة أمور: الإحسان بالقول، الإحسان بالفعل، والإحسان بالمال.
وبر الوالدين أفضل من الجهاد في سبيل الله قال ابن مسعود رضي الله عنه: «سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها قلت: ثم أي؟ قال: بِرُّ الوالدين. قلت: ثم أي قال: الجهاد في سبيل الله» . (1)
واعلم أن البر بالوالدين، كما هو واجب فإن الله تعالى يثيب البار في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا نجد حسب ما علمنا بالسماع والمشاهدة، نجد أن الذي يبر والديه ييسر الله له أولادا يبرونه وأن الذي لا يبر والديه يسلط عليه أولاده فيعقونه والعياذ بالله، إذًا عرفنا الوصية الثانية الإحسان بالوالدين.
فما ضد الإحسان؟ ضده أمران، إساءة، وموقف سلبي بين الإحسان والإساءة.
أما المسيء: فلا شك في أنه ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب لأنه عاق وأما السلبي الذي لا يبر ولا يسيء فقد ترك واجبا مما أوجب الله عليه وهو الإحسان إلى الوالدين قد يقول قائل: لماذا لم يذكر الله حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن
__________
(1) البخاري: كتاب المواقيت: باب فضل الصلاة لوقتها. ومسلم: كتاب الإيمان: باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.
(7/290)

المعلوم أن حق الرسول مقدم على حق الوالدين بل مقدم على النفس ولهذا يجب أن يكون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب إليك حتى من نفسك وأبيك وأمك وابنك والناس أجمعين فإذا قال قائل: لماذا لم يذكر الله حق رسوله؟ فالجواب أن حق الله متضمن لحق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولهذا جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله جعلهما ركنا واحدا من أركان الإسلام فقال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت» (1) فيكون حق الرسول مقدما على حق الوالدين، لأنه متضمن في حق الله.

الوصية الثالثة:
ثم قال عز وجل: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [سورة الأنعام، الآية: 151] .
الإملاق: يعني الفقر و (من) هنا سببية أي بسبب الإملاق يعني لا تقتلوا أولادكم بسبب الفقر، {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} ، {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [سورة هود، الآية: 6] هل أحد يقتل أولاده؟ لا، لكن الجاهلية العمياء كانت تجعل الجاهلين يقتلون أولادهم وقتل الجاهلين لأولادهم له سببان: -
السبب الأول: ما ذكره الله هنا وهو الإملاق أي الفقر.
السبب الثاني: العار.
__________
(1) البخاري: كتاب الإيمان: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " بني الإسلام على خمس: ومسلم / كتاب الإيمان: باب أركان الإسلام ودعائمه العظام.
(7/291)

أما الأول الذي سببه الفقر فكانوا يقتلون الذكور والإناث: إذا جاءه ولد وهو فقير قال: هذا سيثقل كاهلي في الإنفاق فيقتله والعياذ بالله، أما الآخر الذي سببه العار فهؤلاء يقتلون الإناث دون الذكور. {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سورة النحل، الآيتان:58- 59] .
يقول الله عز وجل: لا تقتلوا أولادكم من الفقر. إذًا يبقون ولو كان الأب فقيرا لأن رزقهم على الله عز وجل: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} . فإن قتل ولده فهل يقتل؟ لو أن رجلا فقيرا جاءه ولد ذكر أو أنثى فقتله لأنه لا يجد ما ينفق عليه فهل يقتل الأب أو لا يقتل؟
قال بعض أهل العلم: إنه يقتل إذا علمنا أنه تعمد القتل يقتل لعموم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [سورة البقرة، الآية: 178] . وقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} أي على بني إسرائيل في التوراة، {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» . (1)
قالوا: ولأن الرجل إذا قتل ولده جمع بين عدوانين: عدوان القطيعة وعدوان القتل فيقتل وهذا مذهب الإمام مالك رحمه الله.
لكن أكثر أهل العلم يقولون: إن الوالد إذا قتل ولده لا يقتل، واستدلوا بحديث مشهور عند أهل العلم «لا يقتل والد بولده» (2) ولكن هذا
__________
(1) البخاري: كتاب الديات: باب قوله تعالى: (أن النفس بالنفس..) ومسلم: كتاب القسامة: باب ما يباح به دم المسلم.
(2) أخرجه الإمام أحمد ج 1 ص 49 / والترمذي: كتاب الديات: وابن ماجه: كتاب الديات
(7/292)

الحديث ضعفه كثير من العلماء وقالوا أيضا: إن الوالد سبب وجود الولد فلا ينبغي أن يكون الولد سببا في إعدامه ولكن لا شك أن هذه العلة عليلة وذلك أن الأب سبب في وجود الولد لا شك لكن سبب قتله هو عدوان الأب وليس وجود الابن حتى نقول: كيف يكون وجوده سببا في إعدام من أوجده أو من كان سببا في وجوده، على كل حال هذه المسألة موضع ذكرها ومناقشتها كتب الفقه لكن ذكرت عرضا عند حديثنا عن قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [سورة الأنعام، الآية: 151] .
وهنا نقف لننظر الفرق بين هذه الآية وبين آية الإسراء {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [سورة الإسراء الآية: 31] . لماذا قدم الوالدين في سورة الأنعام وقدم الأولاد في سورة الإسراء ما هي الحكمة؟
يجب أن نعلم أن التعبير القرآني لا بد أن يكون فيه حكمة لا يمكن أن يختلف التعبير إلا لسبب، في سورة الأنعام قال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} إذًا فالفقر موجود فبدأ برزق الفقراء فقال: نحن نرزقكم. وفي سورة الإسراء الفقر غير موجود لكنه متخوف {خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} فبدأ بذكر المحتاجين وهم الأولاد وهذا من بلاغة القرآن.

الوصية الرابعة:
{وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [سورة الأنعام، الآية: 151] .
الفواحش: جمع فاحشة، والفاحشة كل ما أنكرته العقول واستفحشته واستكبرته واستعظمته من المعاصي فهو فاحشة ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم من المعاصي الفواحش عددا:-
أولا: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} [سورة الإسراء، الآية: 32] .
(7/293)

ثانيا: نكاح زوجات الآباء فقال: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} [سورة النساء، الآية: 22] .
ثالثا: قال لوط لقومه: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [سورة الأعراف: الآية: 80] ونقتصر على هذه الفواحش الثلاث. هذه الفواحش الثلاث لا شك أن كل ذي عقل سليم يستفحشها ويستعظمها مع أنها من كبائر الذنوب. فالزنا فاحشة لأنه يفسد الأخلاق ويفسد الأنساب ويوجد الأمراض ومصداق هذا ما ظهر في الآونة الأخيرة من المرض الخبيث الذي هو " فقد المناعة" ويسمى " بالإيدز ". هذا سببه الزنا أو أكبر أسبابه الزنا. ولهذا سماه الله فاحشة وساء سبيلا. لا يمكن أن يكون سبيلا للمسلمين أبدا لأنه طريق فاسد مرد مهلك.
وتأمل هذه الآيات الثلاث التي ذكرناها ففي الزنا قال الله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} وفي نكاح زوجات الآباء قال: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} وفي اللواط قال لوط عليه الصلاة والسلام: (أتأتون الفاحشة) وكما قلنا آنفا: لا يمكن أن يختلف التعبير القرآني إلا لسبب. في الزنا قال: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} هذه نكرة. في فعلة قوم لوط عليه الصلاة والسلام قال: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} هذه معرفة، {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا} فاحشة نكرة لكن أضاف إليها {وَمَقْتًا} أي مكروها مبغوضا عند الله وعند الخلق.
يتولد من هذا السؤال التالي: أي هذه الفواحش أعظم؟
اللواط أعظمها لأنه عرفها بأل قال: {الْفَاحِشَةَ} فكأنها فاحشة معهودة عند كل ذي فطرة سليمة وعقل قويم فعرفت بأل كأنها هي الفاحشة
(7/294)

المشهورة المعلومة التي ينكرها كل أحد ولهذا كان الفرج الذي استبيح بهذه الفعلة القبيحة لا يباح بأي حال من الأحوال وكانت على القول الراجح عقوبة اللوطي الذي يفعل اللواط القتل بكل حال يعني إذا ثبت أن شخصا تلوط بشخص، وكان المفعول به غير مكره فإنه يجب قتل الاثنين جميعا لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (1) حتى وإن كانا لم يتزوجا - أي وإن كانا بكرين - فإنه يجب قتلهما.
إذا قال قائل: أين الدليل؟ قلنا: الدليل هو هذا «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به لكنهم اختلفوا كيف يقتلان فقال بعضهم: يرجمان بالحجارة. وقال بعضهم: بل يرميان من أعلى شيء في البلد ويتبعان بالحجارة. وقال آخرون: بل يحرقان بالنار. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن أبا بكر رضي الله عنه أمر بتحريقهما أي بتحريق الفاعل والمفعول به.
إذًا اللواط أشد من الزنا، لأن عقوبته القتل بكل حال، ولكن كيفية القتل اختلف فيها الصحابة فإذا رأى ولي الأمر أن يقتلهما على إحدى الصفات الواردة فلا بأس، المهم أنه لا مكان لهما في المجتمع لأن بلية اللواط والعياذ بالله بلية لا يمكن التحرز منها إذ إن الذكور كلهم يخرجون في الأسواق ويمشون جميعا ويأتون جميعا ويذهبون جميعا فالتحرز منها غير ممكن؛ فلهذا إذا عوقب الفاعل والمفعول به بالقتل كان هذا أقوى رادع عن هذه الفعلة
__________
(1) أبو داود: كتاب الحدود: (1456) وابن ماجه: كتاب الحدود: (2561) وأحمد ج 1 ص 300 والحاكم ج 4 ص 395 وقال: حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وشرح السنة للبغوي ج 10 ص 308 والبيهقي ج 8 ص 232 ونصب الرآية: ج 3 ص 339 –340.
(7/295)

التي تعتبر من أقبح الفعال، ونكاح زوجة الأب يقع في المرتبة الثانية لأن الله تعالى وصفه بوصفين فقال: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا} ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الرجل إذا زنا بمحارمه وجب قتله بكل حال، يعني لو زنا الإنسان والعياذ بالله بأخته وجب أن يقتل بكل حال، وإن زنا بابنته فكذلك، وإن زنا بزوجة أبيه وجب قتله ولو لم يتزوج يعني ولو كان بكرا لأن هذا أعظم من الزنا بغير ذوات المحارم. وتلك ثلاثة أمثلة ل- الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
قوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} لها معنيان:-
المعنى الأول: ما ظهر منها بإظهاركم، وما بطن منها بإخفائكم أي الفواحش سواء أظهرتموها أم أخفيتموها.
وقيل: المعنى بل ما ظهر منها، أي ما كان فحشه ظاهرا لكل أحد وما كان فحشه خفيا لا يظهر لكل أحد. على كل حال الفواحش محرمة ما ظهر منها وما بطن.
الوصية الخامسة:
{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [سورة الأنعام، الآية: 151] .
في قوله: (التي حرم الله) دليل على أن النفوس تنقسم إلى قسمين:-
قسم لم يحرم الله قتلها.
قسم حرم الله قتلها.
فما الذي حرم الله قتله من النفوس؟
هم أربعة أصناف: المسلم - الذمي - المعاهد - والمستأمن.
(7/296)

هؤلاء أربعة، المسلم معصوم بإسلامه، والذمي بذمته، والمعاهد بعهده، والمستأمن بأمانه.
الذمي هو الذي جرى بينه وبين المسلمين عقد وعهد على أن يبقى في البلاد الإسلامية محترما ولكن يبذل الجزية دليل ذلك قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [سورة التوبة، الآية: 29] . وإذا فعلوا ذلك وجب علينا حمايتهم وحرم علينا الاعتداء عليهم لا في المال ولا في النفس ولا في العرض.
المعاهد هو الذي عُقِد بينه وبين المسلمين عهدٌ، " ومثال ذلك ما جرى بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين قريش عام الحديبية في السنة السادسة من الهجرة في ذي القعدة " عاهدهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشر سنوات، لكنهم نقضوا العهد.. المهم أنه جرى بينه وبينهم عهد، فإذا جرى بين المسلمين وبين غير المسلمين عهد على عدم الاعتداء صار هذا العهد ملزما ومانعا من العدوان عليهم. والمستأمن يعني الذي أخذ أمانا منا ودليل ذلك قول الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} سورة التوبة، الآية: 6] . هذه هي النفس التي حرم الله. فالله عز وجل قال: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} إذا قلنا: إن النفوس التي حرمها الله أربع فمن بقي؟
بقي الكافر الذي ليس بيننا وبينه عهد ولا ذمة هذا مهدر الدم ويجوز للإنسان أن يقتله حيثما وجده.
ثم قال الله تعالى: {إِلَّا بِالْحَقِّ} ، فإذا كان قتل النفس بحق فلا مانع من قتلها، من الحقوق التي تبيح قتل النفس المحرمة: منها القصاص ومنها
(7/297)

الزنا إذا كان الزاني محصنا ومنها على القول الراجح اللواط فإنه مبيح للقتل، ومنها الردة إذا ارتد الإنسان عن دينه فإنه يدعى إلى دينه فإن أبى قتل، وكذلك الحرابة {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} [سورة المائدة، الآية: 33] وهم الذين يعرضون للناس بالطرق ويقتلونهم ويأخذون أموالهم. المهم أن كلمة (بالحق) عامة تشمل كل ما أباح الشارع قتله من النفوس المحرمة.
{ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} . (ذلكم) المشار إليه مما سبق وهن خمس وصايا وصانا الله بها لعلنا نعقل.
ما المراد بالعقل هنا؟
نحن نعلم أن العقل نوعان: عقل إدراك، وعقل رشد، فعقل الإدراك ما يدرك به الإنسان الأشياء، وهذا الذي يمر كثيرا في شروط العبادات، يقول: من شرطها الإسلام والعقل والتمييز، هذا هو عقل الإدراك وضده الجنون.
والثاني عقل رشد. بحيث يحسن الإنسان التصرف ويكون حكيما في تصرفه وضد هذا السفه لا الجنون.
فالمراد بالعقل بهذه الآية، المراد عقل الرشد لأنه لم يوجه إلينا الخطاب إلا ونحن نعقل عقل إدراك، لكن هل كان من وجه إليه الخطاب، يعقل عقل رشد؟ لا قد لا يعقل عقل الرشد، الكفار كلهم غير عقلاء عقل رشد كما قال الله تعالى في وصفهم: {بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [سورة البقرة، الآية: 171] لكن ليس معناه ليس عندهم عقل إدراك بل قد يكون عندهم عقل إدراك قوي وذكاء مفرط لكن ليس عندهم عقل رشد.
وما هو العقل النافع للإنسان؟
(7/298)

عقل الرشد لأن عقل الإدراك قد يكون ضررا عليه إذا كان ذكيا فاهما ولكنه والعياذ بالله ليس عنده حسن تصرف ولا رشد في تصرفه وقد يكون أعظم من إنسان ذكاؤه دون ذلك وهنا نسأل عن مسألة كثر السؤال عنها هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟
قال بعض الناس في القلب وقال بعض الناس: في الدماغ، وكل منهم له دليل، الذين قالوا: إنه في القلب قالوا: لأن الله تعالى يقول: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [سورة الحج، الآية: 46] .
قال: قلوب يعقلون بها ثم قال: تعمى القلوب التي في الصدور. إذًا العقل في القلب، والقلب في الصدر فكان العقل في القلب.
وقال بعضهم: بل العقل في الدماغ لأن الإنسان إذا اختل دماغه اختل تصرفه ولأننا نشاهد في الزمن الأخير نشاهد الرجل يزال قلبه ويزرع له قلب جديد ونجد عقله لا يختلف، عقله وتفكيره هو الأول. نجد إنسانا يزرع له قلب شخص مجنون لا يحسن يتصرف، ويبقى هذا الذي زرع فيه القلب عاقلا فكيف يكون العقل في القلب؟ إذًا العقل في الدماغ لأنه إذا اختل الدماغ اختل التصرف، اختل العقل.
ولكن بعض أهل العلم قال: إن العقل في القلب ولا يمكن أن نحيد عما قال الله - عز وجل - لأن الله تعالى وهو الخالق وهو أعلم بمخلوقه من غيره كما قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا»
(7/299)

«فسدت فسد الجسد كله» . (1) فالعقل في القلب والقلب في الصدر لكن الدماغ يستقبل ويتصور ثم يرسل هذا التصور إلى القلب، لينظر أوامره ثم ترجع الأوامر من القلب إلى الدماغ ثم ينفذ الدماغ. إذًا الدماغ بمنزلة السكرتير ينظم المعاملات ويرتبها ثم يرسلها إلى القلب، إلى المسؤول الذي فوقه. هذا القلب يوقع، يمضي، أو يرد ثم يدفع المعاملة إلى الدماغ، والدماغ يأمر الأعصاب وتتمشى، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس وهو الموافق للواقع وقد أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمة الله - في كتبه، والإمام أحمد أشار إليه إشارة عامة فقال: محل العقل القلب وله اتصال بالدماغ. لكن التفصيل الأول واضح جدا، الذي يقبل الأشياء ويتصورها ويمحصها هو الدماغ ثم يرسل النتيجة إلى القلب ثم القلب يأمر إما بالتنفيذ وإما بالمنع لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله» .
الوصية السادسة:
ثم قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} . [سورة الأنعام، الآية: 152] .
اليتيم هو الذي مات أبوه قبل بلوغه سواء أكان ذكرا أو أنثى. ومن ماتت أمه قبل أن يبلغ فليس بيتيم.
هذا اليتيم له مال ورثه من أبيه ولا بد أن يكون لليتيم ولي يقوم عليه، إما بوصية من أبيه وإما بتوليه من الحاكم وإما بتوليه من الشارع على قول
__________
(1) البخاري: كتاب الإيمان: باب فضل من استبرأ لدينه، ومسلم: كتاب المساقاة: باب أخذ الحلال وترك الشبهات.
(7/300)

كثيرمن أهل العلم. المهم وليه يقول الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} .
قربان مال اليتيم له ثلاث درجات:
1 - أسوأ.
2 -أحسن.
3 - لا أحسن ولا أسوأ.
فالتصرف بما هو أسوأ في مال اليتيم حرام يعني: لو أنك أردت أن تشتري شيئا بمال اليتيم وتعرف أن هذا الشيء سيخسر قطعا، فذلك حرام لأن هذا لا شك ضرر على اليتيم. وأما إذا تصرفت تصرفا لا تدري هل هو أحسن أو ليس بأحسن. هذا أيضا حرام لأن الله يقول: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} .
أردت أن تتصرف فيه تصرفا حسنا لكن أمامك شيئان، تصرف فيه خير وتصرف فيه خير أكثر، أيهما الواجب؟ الواجب الذي فيه الخير الأكثر لأن الله قال: {إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ولنضرب لهذا مثلا: جاءك رجل يقول: أقرضني مال اليتيم. وهذا الرجل معروف بالمماطلة وأنه لا يكاد يخرج الحق منه، هل يجوز أن تقرضه؟ لا يجوز؛ لأن في ذلك مغامرة ومخاطرة في مال اليتيم.
جاءك رجل آخر يقول: أقرضني مال اليتيم وهو رجل وفي، لكن إقراضه ليس فيه مصلحة لليتيم هل تقرضه؟
لا، لأنه ليس فيه مصلحة.
جاءك رجل ثالث يقول: أقرضني مال اليتيم وأنت تخشى على هذا المال لو بقي عندك أن يسرق، فهل في إقراضه مصلحة؟
(7/301)

هذا الرجل الثالث وفي، ولو طلب منه المال في أي ساعة من ليل أو نهار أعطاه، وأنا أخشى إن بقي المال عندي أخشى عليه من عدوان أو سرقة أو غير ذلك فهنا إذا أقرضته، جائز لأن هذا هو الأحسن، إذًا يجب على ولي اليتيم المتولي لماله أن لا يتصرف إلا بالتي هي أحسن، ومن هنا نأخذ قاعدة، وهي أن كل ولي على كل شيء يجب عليه أن لا يتصرف إلا بما هو أحسن.
الإنسان لو تصرف بشيء لنفسه فهو حر، لكن إذا تصرف بشيء لغيره وجب أن يتبع الأحسن، ومن ذلك ما لو تقدم إلى ابنتك رجلان يخطبانها، أحدهما صاحب دين وخلق، والثاني دونه في الدين والخلق، فما الواجب عليك، أتزوج الأول أو الثاني؟ الواجب أن تزوج الأول لأن ذلك أحسن فإن صاحب الخلق والدين إن رضي البنت أمسكها بإحسان وإن فارقها فارقها بمعروف ومن هنا نأخذ أيضا أنه لا يجوز للأب أن يمنع تزويج ابنته برجل تريده، والأب لا يريده إذا كان صاحب خلق ودين لأن هذا خلاف الإحسان بالنسبة للتصرف في حق البنت، وكذلك أيضا إذا أعطاك شخص زكاته لتفرقها على مستحقيها، ووجدت فقيرا ووجدت شخصا آخر أشد منه فقرا فما الواجب عليك؟ الواجب أن تعطي الذي هو أشد فقرا لأن هذا أنفع لصاحب الزكاة وللمعطي أيضا. فكل من تصرف لغيره فالواجب عليه أن يتبع ما هو أحسن.
قوله: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} . المراد بالأشد الرشد؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضا قال الله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [سورة النساء، الآية: 6] . فإذا بلغ اليتيم وكان يحسن التصرف في المال وجب علينا أن ندفع إليه المال، ولهذا قال: {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} لأنه الآن ليس لأحد حق في الولاية عليه.
(7/302)

الوصية السابعة:
{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} [سورة الأنعام، الآية: 152]
{أَوْفُوا الْكَيْلَ} إذا كلتم لأحد فأوفوا الكيل، إذا وزنتم لأحد فأوفوا الوزن يمكن أن نقول: إن هذا من باب ضرب المثل وإن المراد بإيفاء الكيل والميزان إيفاء الحقوق كلها يعني إذا كان عليكم حقوق فأوفوا الحقوق. إن كانت كيلا فأوفوا الكيل وإن كانت وزنا فأوفوا الوزن.
ولكننا نجد كثيرا من الناس على خلاف هذه الحال إذا كان الشيء عليهم فرطوا فيه وإذا كان الشيء لهم أفرطوا فيه وأضرب لهذا مثلين:-
المثل الأول: بعض الناس يكون عليه الطلب، الدين، فيماطل مع قدرته على الوفاء. يأتيه صاحب الحق يا فلان أعطني حقي، يقول: غدا، أعطني، بعد غد ولا سيما إذا كان الحق للدولة فإن كثيرا من الناس يتهاون به وذلك في مثل وفاء صندوق التنمية العقارية، لأننا نسمع أن كثيرا من الناس عندهم ما يوفون به الصندوق ولكن يماطلون وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مطل الغني ظلم" (1) أي القادر على الوفاء. والظلم ظلمات يوم القيامة، إذًا هذا المطلوب الذي يماطل نقول: لم يوف الكيل لأنه لم يوف صاحب الحق حقه.
المثال الثاني: عكس ذلك إذا كان للإنسان حق أراد أن يستوفيه كاملا حتى إنه إذا كان له غريم فقير قال إما أن توفيني وإما أن أرفعك إلى الجهات المسؤولة فتحبس. فيضطر هذا الفقير المدين إلى أن يذهب ويتدين فيتضاعف عليه الدين أضعافا مضاعفة.
__________
(1) البخاري: كتاب الحوالات: باب إذا أحال على ملي فليس له رد. ومسلم: كتاب المساقاة: باب تحريم مطل الغني.
(7/303)

مثال آخر:-
هؤلاء الكفلاء الذين استقدموا العمال، يريدون من العامل أن يقوم بالعمل كاملا ولكنهم لا يوفون العامل أجرة عمله، حتى إن بعض العمال يتقدم يشكو يقول: أنا لي ثلاثة، أربعة أشهر عند كفيلي ما أعطاني شيئا، وهذا ظلم وجور، بل قد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه حقه» (1) هؤلاء الذين يتعاملون مع الناس هذه المعاملة إذا كان الحق لهم أخذوا به كاملا، وإذا كان الحق عليهم فرطوا فيه. استمعوا إلى جزائهم يوم القيامة، قال الله تعالى {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة المطففين، الآيات: 1-6] .
ومن ذلك أيضا أن بعض الأزواج يريد من الزوجة أن تقوم بحقه كاملا ولكنه يماطلها بحقها تجده يريد أن تقوم بكل خدمة البيت على الوجه الأكمل ولكنه لا يعطيها حقها من النفقة حتى الإنفاق الواجب عليه لا يقوم به، وهذا يدخل في المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون وفي هذه الحال يجوز للمرأة إذا امتنع زوجها من إعطائها النفقة الكافية يجوز أن تأخذ من ماله بلا علمه، هكذا أفتى به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فإن هند بنت عتبة جاءت تشكو زوجها إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالت إنه رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي بالمعروف، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خذي من ماله ما يكفيك ويكفي بنيك» (2) ، لأنه حق لها فإذا
__________
(1) البخاري: كتاب البيوع: باب إثم من باع حراً.
(2) البخاري: كتاب البيوع: باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم.
(7/304)

بخل به فلها أن تأخذ من ماله بلا علمه كما أن من النساء من تكون بالعكس تريد من زوجها أن يقوم بحقها كاملا ولكنها هي تنقصه حقه. هؤلاء داخلون في هذه الآية بالقياس الجلي الواضح.
{لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [سورة الأنعام، الآية: 152] .
ما أحسن هذه الجملة بعد الأمر بإيفاء الكيل والميزان بالقسط. الإنسان يجب عليه أن يوفي الكيل والميزان بالقسط، لكن ربما يكون هناك تقصير لم يحط به فهل يأثم على ذلك؟
لا، ولهذا قال: {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وهذه القاعدة ذكرها الله في عدة آيات فقال تعالى في سورة البقرة: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [سورة البقرة، الآية: 286] . وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [سورة الأعراف، الآية: 42] . وهذا من كرم الله عز وجل أن الإنسان لا يكلف من دين الله إلا ما يطيق، وهو داخل في عموم قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الدين يسر» (1) وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وهو يبعث البعوث فقد بعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن وقال: يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا» (2) ، فالله عز وجل لا يكلف نفسا إلا وسعها في جميع الأوامر فما لم تستطع فانتقل إلى بدله إن كان له بدل وإذا عجزت عن البدل سقط عنك واستمعوا إلى القصة التي وقعت من «رجل جاء إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فقال: يا رسول الله هلكت، قال ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم، فسأله النبي عليه الصلاة والسلام»
__________
(1) البخاري: الإيمان: باب الدين يسر (39) .
(2) البخاري: كتاب الجهاد: باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب.
(7/305)

«هل تجد رقبة؟ قال: لا، قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: هل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا، ثم جلس الرجل فجيء بتمر إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خذ هذا فتصدق به، قال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله، والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قال: أطعمه أهلك» . (1) فأسقط عنه الكفارة بعجزه عنها مع أنها كفارة، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.

الوصية الثامنة والتاسعة:- {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} [سورة الأنعام، الآية: 152] .
فالواجب على العبد إذا قال قولا أن يعدل في قوله ومن باب أولى وأحرى إذا فعل فعلا أن يعدل في فعله حتى لو كان مع ذي قربى.
لو أن أباك وهو من أقرب الناس إليك أخطأ على شخص هل تقول لأبيك: إنك أخطأت؟ الجواب نعم، هذا هو العدل: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} .
لو أن صديقك أخطأ هل تقول: أخطأت؟ نعم؛ لأن الله يقول: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} .
قوله: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} .
العهد: هو الميثاق، وعهد الله سبحانه وتعالى على الإنسان هو أنه عز وجل أمره ونهاه. وتكفل له سبحانه وتعالى أنه إذا قام بهذه الأوامر
__________
(1) البخاري: كتاب الصوم: باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر ومسلم: كتاب الصيام: باب تغليظ الجماع في نهار رمضان.
(7/306)

والنواهي أنه يثيبه على ذلك كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [سورة المائدة، الآية: 12] وقال تعالى في هذه الأمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة الصف، الآيات: 10-12] .
فهذا عهد من الله لمن آمن وجاهد في سبيل الله أن يغفر له ذنوبه ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار.
وقال تعالى في بني إسرائيل: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [سورة البقرة، الآية: 40] .
فأنت الآن قد عاهدت الله عز وجل على القيام بطاعته فأوف بهذا العهد.
(7/307)

الوصية العاشرة:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} . [سورة الأنعام، الآية: 153] .
وهذه هي الوصية العاشرة، وهي جامعة لكل الشرع فيقول: هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، وصراط الله تعالى هو دينه الذي أرسل به رسله، ودين محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو آخر الأديان، فيجب على كل أحد من الناس أن يتبع هذا الدين وأن لا يتبع السبل فتفرق به عن سبيل الله ويضل ويهلك وقد حذر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من التفرق واتباع السبل ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «خط رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطا بيده، ثم قال: " هذا سبيل الله مستقيما" وخط عن يمينه وشماله ثم قال: " هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} » (1) وفي الآية وحَّد الله تعالى سبيله لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرقها وتشعبها وكثرتها.
أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن أوفى بعهد الله وممن قام بطاعته، وأسأل الله لي ولكم القبول والتوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (4142) وابن ماجه (المقدمة) باب: اتباع السنة، والدارمي (206) والبغوي في "شرح السنة " جـ1ص 196، والحاكم جـ2 ص 318 وصححه ووافقه الذهبي. وصححه أحمد شاكر.
(7/308)

العقيدة وأثرها في انتصار المسلمين
(7/309)

المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}
أيها الإخوة الكرام، يسرني أن ألتقي بكم، في هذه الليلة لأتحدث عن أمر مهم يتعلق بجنود الرحمن وذلك أن موضوع الجيش والقيادة العسكرية موضوع مهم وليس بالأمر الهين، فإن الإنسان في الواقع يرصد
(7/311)

نفسه للقتل والمقاتلة إنه يرصد نفسه التي هي أغلى ما يملك من الحياة الدنيا لأجل أن يقوم بالقتال وربما يقتل، هذا الجندي الذي رصد نفسه لهذا الأمر العظيم إما أن يقتل قتلة جاهلية، وإما أن يقتل شهيدا في سبيل الله ينال منزلة الشهداء الذين أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أن أرواحهم تكون في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش» (1) لأن هؤلاء الذين خرجت أرواحهم من أجسامهم في سبيل الله أبدلهم الله بأجسام خير منها في جنات النعيم فأهل الجنة من المؤمنين غير الشهداء في سبيل الله لا يحصل لهم هذا الفضل أي لا تكون أرواحهم في أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش وإذا كان هذا الأمر هو مآل الشهيد في سبيل الله فإنه لا بد لنا أن نعرف من هو الشهيد في سبيل الله هل كل من قتل في حرب فهو شهيد في سبيل الله؟ هل من دافع عن هدف هو في سبيل الله؟.
لا، لقد «سئل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ فقال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (2) هذا هو الميزان الحقيقي الذي يجب علينا أن نزن به كل مقاتلة يتلبس بها المرء ويواجه بها أعداءه، إذا كان هذا المقاتل يقاتل لتكون كلمة
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الإمارة.
(2) البخاري: كتاب العلم: باب من سأل وهو قائم عالماً جالساً، ومسلم: كتاب الإمارة: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
(7/312)

الله هي العليا لا لأن يكون هو الظاهر أو هو العالي، ولكن ليكون الظاهر دين الله ولتكون كلمة الله هي العليا فهذا هو الذي يقاتل في سبيل الله وهذا هو الذي إذا قتل فهو شهيد، هذا هو الشهيد حقا الذي ينال درجة الشهداء، ومع ذلك فإنه لا يجوز لنا أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد حتى لو قتل مظلوما، أو قتل وهو يدافع عن حق فإنه لا يجوز أن نقول: فلان شهيد وهذا خلافا لما عليه كثير من الناس اليوم حيث أرخصوا هذه الشهادة وجعلوا كل من قتل حتى ولو كان مقتولا في عصبية جاهلية يسمونه شهيدا وهذا حرام، لأن قولك عن شخص قتل إنه شهيد يعتبر شهادة سوف تسأل عنها يوم القيامة سوف يقال لك: هل عندك علم أنه قتل شهيدا ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من مكلوم يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب أو قال: وكلمه يثعب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك» (1) فتأمل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «والله أعلم بمن يكلم في سبيله» أي بمن يجرح فإن بعض الناس قد يكون ظاهر أمره أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ولكن الله يعلم ما في قلبه وأنه خلاف ما يظهر من فعله، ولهذا بوب البخاري رحمه الله علي هذه المسألة في صحيحه فقال: " باب لا يقال: فلان شهيد" لأن مدار الشهادة على ما في القلب ولا يعلم ما في القلب إلا علام الغيوب جل وعلا.
أيها الإخوة: إن أمر النية أمر عظيم وكم من رجلين يقومان بأمر واحد يكون بينهما كما بين السماء والأرض وذلك من أجل النية ألم يبلغكم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما»
__________
(1) البخاري: كتاب الذبائح: باب المسك، ومسلم: كتاب الإمارة: باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله تعالى.
(7/313)

«نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (1) العمل واحد والمظهر واحد وهي الهجرة، لكن بين هذين المهاجرين كما بين السماء والأرض لاختلاف النية، لأن النية عليها مدار عظيم فعلينا أن نخلص النية لله من الأساس نتعلم أساليب الحرب لأجل أن نقاتل حماية لدين الله عز وجل وإعلاءً لكلمته وثقوا بأنه مادامت هذه النية هي النية التي ينويها المقاتل مع صلاح عمله واستقامة حاله فإن الله تعالى سوف يكتب له النصر فإذا نصر الإنسان ربه فإن الله قد ضمن له النصر كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}
وهنا مثلان يجب أن نأخذ منهما عبرة:
المثل الأول: في اعتماد الإنسان على نفسه وقوته فإنه متى اعتمد الإنسان على نفسه وقوته خذل مهما كان انظروا إلى ما وقع من المسلمين في غزوة الطائف " غزوة حنين " خرج الرسول عليه الصلاة والسلام باثني عشر ألفا الذين فتحوا مكة وألفان من أهل مكة خرجوا إلى ثقيف وهوازن فقالوا: «لن نغلب اليوم من قلة» (2) ، أعجبوا بكثرتهم وأنهم لن يغلبوا بسبب الكثرة فماذا حصل؟ هزموا بثلاثة آلاف وخمسمائة نفر ولهذا ذكرهم الله عز وجل
__________
(1) البخاري: كتاب بدء الوحي: باب كيف بدأ الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الإيمان باب 42: وفي العتق باب 6 وذكر في غير هذه الأبواب: ومسلم: كتاب الإمارة: باب قوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنية.
(2) تفسير الطبري جـ 9 ص 99 سورة التوبة: وابن كثير جـ 2 ص 152: والبدآية: والنهآية: جـ 4 ص 344
(7/314)

بهذه الحال حيث قال: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} لما علم المسلمون أن الكثرة لن تغني شيئا واستقر ذلك في نفوسهم تراجعوا ثم جعل الله لهم النصر في آخر الأمر، إذًا يجب علينا أن نعتقد أننا ما أوتينا من قوة في العدد أو العدد يجب أن نعتقد أنه سبب من الأسباب وأن الأمر بيد الله عز وجل وأن من لا ينصره الله فلا ناصر له حتى لا نعتمد على القوة وحتى لا نركن إلى الدعة والسكون، لأن الإنسان إذا اعتمد على قوته والكثرة في العَدَد والعُدَد فإنه لن ينشط على القتال، ولن ينشط على الأهبة والاستعداد، لأنه يرى نفسه غالبا بسبب ما عنده من الكثرة ولهذا يجب علينا أن نكون دائما معتصمين بالله مستعينين به.
المثل الثاني: في غزوة أحد (1) كان النصر في أول الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ولكن حصل منهم معصية واحدة وهي مخالفة الرماة جعلهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في ثغر من الجبل وقال لهم: «لا تبرحوا مكانكم» لكن القوم لما رأوا أن المسلمين هزموا الكفار ظنوا أن لا رجعة للكافرين فتقدموا يقولون: الغنيمة، الغنيمة فماذا حصل؟ حصل أن استشهد من المؤمنين سبعون رجلا، وجرح الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وجنته وكسرت رباعيته وأغمي عليه، وحصل ما حصل من التعب
__________
(1) البداية: والنهاية: جـ 4 ص 10.
(7/315)

والمشقة والجراح ولكن لله تعالى الحكمة في ذلك، ذكرهم الله بهذا في قوله: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} لعل قائلا يقول: أين جواب الشرط: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} ألا تترقبون شيئا يأتي بعد هذه الجملة؟ بلى نترقب شيئا أين هذا الشيء؟ هذا الشيء حذف ليذهب الذهن كل مذهب في تقديره، يعني حصل ما تكرهون وحصل كذا وكذا، مما يمكن الذهن أن يقدره من خلال ما وقع في هذه الغزوة.
أيها الإخوة: إذا كان الأمر كذلك في جند من خير القرون، فإن خير قرون بني آدم: هم الصحابة رضي الله عنهم وحصل أيضا مع خير رسول أرسله الله عز وجل إلى أهل الأرض بمعصية واحدة فما بالكم إذا كانت المعاصي كثيرة؟ إننا إذا أملنا النصر مع كثرة المعاصي فما هي إلا أمنية مبنية على غير حقيقة، لا بد أن نطهر أنفسنا أولا، وأن نرجع إلى الله عز وجل وأن نعمل عملا صالحا حتى نستحق النصر يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} .
فمن الذين ينصرون الله {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} استقاموا في أنفسهم وحاولوا إقامة غيرهم، أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة استقامة لأنفسهم، والأمر
(7/316)

بالمعروف والنهي عن المنكر فيها محاولة إصلاح غيرهم، فهل هذا موجود الآن في أكثر الجيوش الإسلامية؟.
الجواب نقولها: وهي مُرُّة لكن ما وافق الحقيقة فهو حلو نقول: هذا غير موجود إلا أن يشاء الله.
كيف كانت حال الرسول عليه الصلاة والسلام حينما دخل مكة فاتحا مظفرا منصورا كان عليه الصلاة والسلام خاضعا الرأس يردد قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} يردد كلام الله لا يردد أنشودة ولا أغنية ولم يصحب أحدا يغني معه، فيجب علينا مع الإخلاص أن نستقيم في أمرنا {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} لا بد من الاستقامة ولا يكفي أن نقول: ربي الله ولا أن تؤمن. ولهذا يقدم الله العمل أحيانا على الإيمان {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} . فقدم العمل، وبين أن أساس العمل الإيمان، وقال عز وجل مقدم الإيمان أحيانا {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} .
أيها الإخوة: إن إخلاص النية أمر مهم لا تقاتل لأجل وطنك ولا تقاتل لأجل قومك، ولا تقاتل لأي أحد سوى وجه الله عز وجل حتى تنتصر وحتى تنال الشهادة إن قتلت، حتى ترجع بإحدى الحسنيين إما الشهادة وإما الظفر والسعادة إن الإنسان الذي يقاتل لغير الله فقد باء
(7/317)

بالفشل وخسر الدنيا والآخرة، إن القتال لغير الله سبحانه وتعالى غير مجدٍ شيئا من أزمنة طويلة وظهرت دعوى الجاهلية - دعوى القومية - فماذا أنتجت هذه القومية؟ أنتجت تفريق المسلمين، وانضمام غير المسلمين إلى المسلمين بدعوى هذه القومية، بل إن القومية في حد ذاتها لم تجتمع ولا على قوميتها إننا نرى هؤلاء القوم ربما يقاتل بعضهم بعضا، وربما يعين بعضهم على الآخر عدوه؟ لو كانت الراية راية الإسلام والقتال للإسلام لانضم إلينا أعداد هائلة من المسلمين الذين نعلم أن عندهم من تحقيق الإيمان والعمل الصالح ما يفوق كثيرا من الناس، ولهذا من الممكن أن ينظر الإنسان في أمره ويفكر هل هو على نية سليمة أو على نية غير سليمة، إذا كان على نية سليمة فليحمد الله ويستمر، وإذا كان على نية غير سليمة فليَعُد فإن الرجوع إلى الحق فضيلة، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، فالقتال لأجل إعلاء كلمة الله هو الذي ينال به الإنسان إحدى الحسنيين إما الظفر وإما الشهادة.
أيها الإخوة: قلت: إن الإنسان لا يقاتل من أجل وطنه ولكن أقول ذلك إذا كان يريد أن يقاتل لأجل الوطن فقط من حيث هو وطنه، أما إذا أراد أن يقاتل دفاعا عن الوطن لأنه وطن إسلامي فحينئذ تكون نيته سليمة ويكون قتاله لتكون كلمة الله هي العليا لأنه يقول: أنا لا أقاتل لأجل وطني من حيث إنه التراب الذي عشت فوقه، ولكن لأنه وطن إسلامي يشتمل على أمة إسلامية يجب علي أن أدافع عنه، وبهذا تكون نية سليمة لكن يجب أن يركز الإنسان على أن أصل ذلك هو القتال لأجل دين الله، وإذا تأملنا قول الله عز وجل:
(7/318)

{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} تبين لنا أن الذي يظهر إنما هو الدين، فمن قام بهذا الدين فإنه سوف يظهر على عدوه، لأن كل من تمسك بالدين فإنه لا بد أن يظهر على غيره من الذين تمسكوا بدين سواه ولقد قدم أبو سفيان إلى الشام قبل أن يسلم فيما بين صلح الحديبية وفتح مكة في جماعة له للتجارة فسمع بهم هرقل ملك الروم وكان قد سمع بخروج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأرسل إليهم ودعاهم إلى مقره ليسألهم عن حال هذا النبي فسألهم أسئلة ذكرها البخاري في صحيحه فلما أجابه أبو سفيان بما أجابه قال له أي هرقل: [إن كان ما تقول حقا فسيملك ما تحت قدمي (1) ، هاتين] . تصور هذا الملك في ذلك الوقت ملك ذو سلطان على دولة تعتبر من أقوى الدول في ذلك الزمان الفرس والروم أقوي دولتين في ذلك الزمان في آسيا، هذا الملك يقول: إن كان ما تقول حقّا فسيملك ما تحت قدمي هاتين من يتصور أن هذا الرجل بهذه المكانة يقول عن محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي لم يستطع أن يرجع إلى مسقط رأسه؟ لكن الرجل عرف أن من هذا دينه فسيملك أقطار الدنيا، فلما خرج أبو سفيان مع قومه قال لهم: " لقد أمر أمُر ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر" ومعنى" أمر أمر" أي عظم كما في قوله تعالى: {جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} يعني جئت شيئا عظيما أمر أمره أي عظم أمره الذي يخافه هذا الملك فهل كان ما توقعه ملك الروم والجواب نعم إن النبي صلى الله
__________
(1) البخاري: كتاب بدء الوحي، ومسلم: كتاب الجهاد والسير: باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل.
(7/319)

عليه وسلم ملك ما تحت قدميه لكنه لم يملكه بشخصه في حياته بل ملكته دعوته ملكته أمته الذين دعوا بدعوته وأصلحوا الناس برسالته حتى ملكوا مشارق الأرض ومغاربها وإني والله واثق كل الثقة أن لو رجعنا إلى ما كان عليه أسلافنا من صدق المعاملة مع الله ومع عباد الله ليمكنن الله لنا في الأرض وأننا ما خُذلنا إلا بأسباب ما نحن عليه من المخالفات في الواجبات والوقوع في المحرمات ليشمل ذلك الذكور والإناث، الصغير والكبير إلا من عصم الله ولكن العبرة بالأمة لا بالفرد الواحد فإن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب.
أيها الإخوة: إني أدعو نفسي، وإياكم إلى الإخلاص في القول، والعمل، والقصد، كما أدعو نفسي، وإياكم إلى إصلاح الأمر إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلزام من لنا عليه ولاية بشريعة الله. لا يكفي أن تصلح نفسك ولكن لا بد من إصلاح غيرك يقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» (1) فالله الله في إخلاص النية، وإصلاح العمل، والاستقامة على دين الله عز وجل، وأن نكون دائما مع الله سبحانه وتعالى في ذكر الله لنكون من أولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ولتخل بنفسك قليلا وذكرها ما هي الحياة الدنيا؟ ما فائدتها؟ ما نتيجتها؟ ما مآلها؟ انظر إلى من حولك هل أحد خلد؟ هل أحد خلدت له رفاهيته ونضارة عيشه؟ وربما يسلب وربما يسلب المال، وربما يسلب الأهل، ربما يسلب الصحة ما أكثر الذين عندهم أموال طائلة وبنون وأهل ولكن
__________
(1) مسلم: كتاب الإيمان: باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان.
(7/320)

صحتهم مسلوبة والدنيا عليهم أضيق فكر في نفسك لماذا خلقت؟ لماذا أوجدت؟ إلى أي شيء مصيرك حتى يحدوك هذا الأمر إلى الإقبال إلى الله عز وجل والإنابة إليه والإخلاص، والعمل الصالح، حتى تكون مع الركب السابقين {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} .
أسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(7/321)

المتابعة وقبول العمل
(7/323)

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، أيها المؤمنون إنه يسرني في هذه الليلة أن يكون اللقاء بكم في بيت من بيوت الله عز وجل ولا ريب أن أهل العلم يؤدون ما وجب عليهم في مثل هذه اللقاءات ولكني أحببت أن أدلي بدلوي وأشاركهم فيما يحصل في هذه اللقاءات التي أرجو الله تعالى أن تكون مباركة.
أيها الإخوة استمعنا إلى هذه الآيات الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وتوجيه الله الخطاب لنا
(7/325)

بهذا الوصف يا أيها الذين آمنوا يدل على أن بعده من مقتضيات الإيمان وأن كل مؤمن فلا بد أن يكون قائما بما يلقى إليه بعد هذا النداء بهذا الوصف العظيم ويدل دلالة أخرى على أن مخالفة ما يأتي بعده تكون نقصا في الإيمان وإلا لما علق الحكم بهذا الوصف ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه:
إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه وإن توجيه الخطاب إلينا بلفظ النداء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} دليل على أن هذا أمر ينبغي أن ننتبه له، لأن النداء من أدوات التنبيه {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} التقوى من أجمع ما قيل فيها وأحسنه ما روي عن طلق بن حبيب رحمه الله قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله.
وهذا أجمع ما قيل في التقوى وهذا التعريف يتضمن أن التقوى أن تعمل بطاعة الله على علم لا عن جهل، لأن الذي يعمل بطاعة الله عن جهل، قد يفسد أكثر مما يصلح، ولكن إذا كان على نور من الله على علم كان على بصيرة من أمره، ويتضمن هذا التعريف أن القائم بطاعة الله يقوم بها وهو مؤمن بالثواب الذي جعله الله تعالى على هذه الطاعة، ولهذا قال: ترجو ثواب الله. وهذا يتضمن الإيمان باليوم الآخر والجزاء على الأعمال، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله.
يعني تترك ما نهى الله عن علم بأن الله نهاك عن هذا الشيء لا عن عدم رغبة فيه أو عن جهل في هذا الأمر، لأنك إنما تتركه تخشى عقاب الله كثير منا يترك الربا يترك الزنا، يترك الفواحش، لكن ليس على باله أنه تركها لله فيفوته بذلك خير كثير. لكن إذا كان على باله أنه إنما تركها لله - عز وجل -
(7/326)

نال بذلك أجرا، ولهذا جاء في الحديث الصحيح «أن من هم بالسيئة فلم يعملها كتبت حسنة كاملة» . (1)
قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «لأنه إنما تركها من جراي» (1) أي من أجلي.
وسمي هذا تقوى لأنه وقاية من عذاب الله عز وجل يقيك من عذاب الله الذي توعد به الكافرين، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، وفي قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} يعني الحق الذي يجب لله عز وجل عليكم ولكن بقدر الاستطاعة كما قال الله تعالى في آية البقرة: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ، فما لا يدخل تحت الوسع فإن الإنسان لا يكلف به رحمة من الله عز وجل وإحسانا إلى عباده ثم قال تعالى: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} يعني لا تموتن إلا على هذه الحال وهي الإسلام لله عز وجل ظاهرا وباطنا. بقلوبكم وجوارحكم والنهي عن الموت إلا على الإسلام يستلزم أن نكون دائما على الإسلام، لأن الإنسان لا يدري متى يفجأ الموت، وكم من إنسان قد مد حبال الأمل طويلا وكان الموت إليه قريبا، كان أبو بكر رضي الله عنه يتمثل دائما بقول:
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
فإذا كان الله يقول: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} فمعناه أنه يجب علينا أن نكون دائما على هذا الوصف. لأننا لا ندري متي نموت.
أما الآية الثانية، أمر الله تعالى فيها بالتقوى موجها الخطاب إلى عموم الناس: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} .
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان: باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب.
(7/327)

وقد قال علماء التفسير: إن الغالب في السور المكية بل في الآيات المكية أن يوجه النداء فيها إلى الناس عموما بخلاف النداء في الآيات المدنية فإن النداء يكون فيها موجها للمؤمنين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، وهذه من العلامات الفارقة بين السور المكية والسور المدنية لكنها ليست دائما إذ قد وجد في سورة البقرة وهي مدنية {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} المهم أن الله يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} ما هذه النفس هل المراد بالنفس الجنس أو المراد بالنفس العين إن قلنا: المراد بالنفس العين فهو آدم ولهذا قال: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} .
وإذا قلنا:المراد بالنفس الجنس كما في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} صار المعنى أننا بني آدم كلنا جنس واحد لا يختلف أحدنا عن الآخر وأيا كان فإن الله تعالى يأمرنا بتقواه منبها على أنه يجب ألا يتقى إلا الله لأنه هو الذي خلقنا.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} ما معنى تساءلون به والأرحام أي تسأل الإنسان بالله، تقول: أسألك بالله كذا وكذا، والأرحام كانوا في الجاهلية يتساءلون بالأرحام فيقول: أسألك بالرحم التي بيني وبينك والقرابة والصلة أن لا تتسلط علي أو ما أشبه ذلك. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} وعلى قراءة النصب " والأرحام " يكون المعنى أن تتقي الأرحام فتقوم بما يلزم لها، من الصلة إن الله كان عليكم رقيبا، أما في الآية الثالثة فإن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} ، اتقوا الله تعالى بجوارحكم وقولوا قولا سديدا أي صوابا.
{يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} فكل من قال قولا
(7/328)

سديدا مع التقوى حصل له هذان الأمران، إصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما.
أيها الإخوة الكرام: إنه من المعلوم لنا جميعا أن الله عز وجل خلقنا من عدم كما قال تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} وأن مآلنا إلى الفناء كما قال الله - ز وجل - {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} . وأن بقاءنا في هذه الدنيا يمر سريعا ويذهب جميعا {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} ، {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} ، وقس هذا الأمر بما مضى من حياتك الذي مضى من حياة الإنسان سواء طال به الزمن أم قصر، كأنه لم يمض كأنه في الحال التي هو عليها الآن. نحن الآن منا من له عشرون سنة، ومنا من له أربعون، ومنا من له ستون ومنا من له فوق ذلك، هذه المدة التي ذهبت كأنها ساعة وقس ما يستقبل من دنياك على ما مضى منها، وحينئذ وبهذه النظرة الثاقبة، يجب علينا أن ننتهز فرص العمر يجب علينا ألا تمضي ساعة من ساعات أوقاتنا إلا ونحن نعرف ماذا عملنا فيها، وماذا حصل من تفريط حتى نتداركه بالتوبة إلى الله عز وجل وإنني أذكر نفسي وإياكم بهذه الحكمة العظيمة التي قال الله فيها: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ما خلق الله الجن والإنس للتمتع في الدنيا والترف وجمع المال والأولاد والزوجات ولكن لشيء واحد وهو عبادة الله، غير الجن والإنس لأي شيء خلقوا؟ ‍ للإنسان. {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} ، {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} .
(7/329)

إذًا المعادلة خلق ما في الأرض لنا، وخلقنا لعبادة الله وحينئذ فإن من العقل أن نستخدم ما خلق لنا ليكون عونا لنا على ما خلقنا له وهو طاعة الله عز وجل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال:
ينبغي للإنسان أن يجعل المال بمنزلة الحمار الذي يركبه أو بمنزلة الحش الذي يقضي فيه حاجته، الحش الحمام الذي يقضي فيه الإنسان حاجته. يعني لا تجعله هو الغاية المال لكن اجعله موضع قضاء حاجتك.
لأن المال سوف يزول عنك أو تزول عنه، لا يمكن أن يخلد لك ولا يمكن أن تخلد له بل لا بد من المفارقة، إما منك أو من المال، وحينئذ فما مقتضى العقل السليم، أن يجعله الإنسان وسيلة، وسيلة ويهتم بالغاية.
وعلى هذا فإنه ينبغي أن نعرف ما معنى العبادة حتى نكون على بصيرة من أمرنا في معرفة كلام الله عز وجل، العبادة أيها الإخوة تطلق على معنيين: على التعبد، وعلى المتعبد به، فعلى المعنى الأول يكون معنى العبادة: أن يتذلل الإنسان لربه بامتثال أمره واجتناب نهيه محبة له وتعظيما. فيكون هذا الوصف عائدا للإنسان العابد، أما على المعنى الثاني أن العبادة تطلق على معنى المتعبد به فقد حدها شيخ الإسلام رحمه الله في تعريف من أحسن ما يكون من التعاريف فقال: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ".
فالصلاة إذًا عبادة، والزكاة عبادة والصوم عبادة، والحج عبادة لا يريد الله عز وجل منا بهذه العبادات أن يتعبنا فقط {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} ما يريد الله عز وجل أن يحرجنا في هذه العبادات {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وإنما أراد بهذه العبادات أراد بها أن نصل إلى سعادة الدنيا والآخرة.
وحينئذ نعرف أن هذه
(7/330)

العبادات ليست تكليفا وإشقاقا علينا. وإنما هي لمصلحتنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة. ولا يمكن أن تستقيم الدنيا إلا بالعبادة ولست أريد بالعبادة مجرد الحقوق الخاصة بالله عز وجل حتى معاملتك مع الناس يمكن أن تتحول إلى عبادة. كيف ذلك إذا عاملتهم بمقتضى أمر الله من النصح والبيان امتثالا لأمر الله عز وجل صارت المعاملة عبادة حتى لو تبيع سلعة على إنسان وتبين ما فيها من عيوب وتصدق فيما تصفها من الصفات المطلوبة صرت الآن متعبدا لله لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» . (1)
الموظف يؤدي وظيفته أحيانا يؤديها من أجل الراتب. وأحيانا يؤديها من أجل القيام بالعمل الذي به صلاح الناس فعلى الأول يكون عادة لا عبادة، لكن على الثاني يكون عبادة ولا يفوته الراتب.
انظر كيف أن النية تجعل العادة عبادة، وربما يحول الإنسان عبادته إلى عادة مع الغفلة كما لو كان يذهب يصلي لأنه اعتاد أن يتوضأ ويذهب ويصلي لكن ما يشعر حينئذ أنه يذهب امتثالا لأمر الله عز وجل واتباعا لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحينئذ يفوته خير كثير ولهذا قيل: " أهل اليقظة عاداتهم عبادات، وأهل الغفلة عباداتهم عادات " كل ذلك من أجل النية.
«قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وقد عاده في حجة الوداع وهو مريض وخاف رضي الله عنه أن يموت في مكة وقد هاجر منها، فقال: يا رسول الله: إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: فالشطر قال: لا. قال: فالثلث قال: الثلث والثلث كثير»
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان: باب بيان أن الدين النصيحة حديث (95) .
(7/331)

«ثم قال، وهومحل الشاهد: إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (1) فأثبت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخير لرجل ترك الوصية من أجل أن يبقي المال لورثته المحتاجين، «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» وقال له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فِيِّ امرأتك» . لماذا مثل الرسول عليه الصلاة والسلام ما يجعله الإنسان وقال: «في فيّ امرأتك» ما قال حتى ما تجعله في في أبيك، في في أمك، بل قال «في في امرأتك» لأن المرأة إذا لم ينفق عليها زوجها طالبت بالفراق وإذا طالبت بالفراق وفارقته بقي بلا زوج إذًا فإنفاقه على زوجته كأنما يجر به إلى نفسه نفعا. ومع ذلك قال له الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنك إذا أنفقت نفقة تبتغي بها وجه الله، حصل لك بها الأجر» حتى في هذه النفقة التي تكون معاوضة لأن الإنفاق على الزوجة عوض عن الاستمتاع بها ونيل الشهوة منها. ولهذا إذا نشزت الزوجة، فإن نفقتها تسقط.
الحاصل أيها الإخوة أن النية لها تأثير عظيم في العبادة ولهذا نقول: إن العبادة لا تكون عبادة إلا بشرطين أساسين، أحدهما: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فأما الإخلاص لله. فمعناه ألا يريد الإنسان بهذا التعبد إلا وجه الله والدار الآخرة لا يريد أن ينال مالا ولا جاها ولا أن يسلم من سلطان ولا غير ذلك من أمور الدنيا، ما يريد إلا وجه الله والدار الآخرة، وهذا الشرط له أدلة من كلام الله ومن كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمن الأدلة قوله تعالى:
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز: رقم (1233) ومسلم: كتاب الوصية: باب الوصية بالثلث رقم (1628) .
(7/332)

{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي العبادة لله وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} الشاهد قوله: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} فبين الله عز وجل أن الزكاة لا تقبل إلا إذا أريد بها وجه الله لأنها إذا قبلت ضوعفت وإذا لم تضاعف فمعناها لم تقبل وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (1) ، فبين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الأعمال بالنيات وأن لكل امرئ ما نوى ثم ضرب مثلا بالهجرة يهاجر رجلان من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام أحدهما هجرته مقبولة والثاني غير مقبولة من كانت هجرته إلى الله ورسوله هجرته مقبولة.
ومن كانت هجرته للدنيا غير مقبولة. هجرته إلى ما هاجر إليه. طيب. يصلي رجلان أحدهما يصلي لله عز وجل. لا يريد بذلك مالا ولا جاها والثاني يصلي للراتب لأنه جعل راتب للإمام فكان يصلي لأجل الراتب فقط فلا يؤجر على إمامته لأنه صار إماما للراتب ولهذا سئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن رجل قال: لا أصلي بكم رمضان يعني التراويح إلا بكذا وكذا، قال الإمام أحمد: نعوذ بالله من يصلي خلف هذا رجل يقول: ما أصلي بكم إلا بفلوس. يقول: من يصلي خلف هذا. ولكن قد يقول قائل: هل معنى ذلك أن الإمام إذا أعطي من بيت المال راتبا هل يبطل أجره؟
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب بدء الوحي: ومسلم: كتاب الإمارة: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات ".
(7/333)

الجواب: لا. ما دام صار إماما للناس لله فما أعطيه من الراتب لا ينقص به الأجر " ولهذا «لما بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمر بن الخطاب عاملا على الزكاة ثم رجع فأعطاه أجرا على عمله قال: يا رسول الله أعطه من هو أحوج إليه مني فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك» . (1)
الشرط الثاني: المتابعة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن يتأسى الإنسان في عبادته بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والدليل على ذلك من كتاب الله ومن سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال الله عز وجل: -
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} ، {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} وقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} ، فإن حنفاء بمعنى غير مائلين يمينا ولا شمالا. هذا هو المتابع ولهذا نجد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول للناس: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (2) وقال في المناسك: «لتأخذوا عني مناسككم» . (3)
وتوضأ وقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين ثم لم يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه» . (4)
ولكن بماذا تتحقق متابعة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أقول: لا تتحقق المتابعة حتى تكون العبادة موافقة لما جاء به الرسول
__________
(1) البخاري: كتاب الزكاة: باب من أعطاه الله شيئاً من غير مسألة ولا إشراف نفس. ومسلم: كتاب الزكاة: باب إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ولا إشراف.
(2) البخاري: كتاب الأذان: باب الأذان للمسافر (605) .
(3) مسلم: كتاب الحج: باب استحباب رمي جمرة العقبة (310) .
(4) البخاري / كتاب الوضوء: باب الوضوء ثلاثاً ومسلم: كتاب الطهارة باب صفة الوضوء.
(7/334)

عليه الصلاة والسلام في أمور ستة: في سببها، وجنسها، وقدرها وصفتها، وزمانها، ومكانها.
أولا: سببها:
لا بد أن تكون موافقة للشرع في سببها. فمن تعبد لله بعبادة وقرنها بسبب لم يجعله الله سببا فإنها لا تقبل منه مثال ذلك: لو أن الإنسان أحدث عبادة مقرونة بسبب لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يجعله سببا بل لكنها ليست بسبب لا في الكتاب ولا في السنة. فإنها لا تقبل منه لو كانت هي خيرا ما دام جعلها مربوطة بسبب لم يجعله الله سببا لها فإنها لا تقبل منه مثال ذلك:
لو أن رجلا صار كلما تمت له سنة ذبح ذبيحة وتصدق بها، ذبح الذبائح والتصدق بها جائز، لكن هذا جعل كلما تمت السنة ذبح هذه الذبيحة. صارت بدعة لا يؤجر عليها بل يأثم عليها. وكذلك لو أحدث احتفالا بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: أنا أحب الرسول وأحدث احتفالا للصلاة عليه والثناء عليه - عليه الصلاة والسلام بما هو أهله - ماذا تقول له، نقول له: الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير. من صلى على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة صلى الله بها عليه عشرة. كيف تقول: هذه بدعة. لأنها غير مربوطة بهذا السبب أنت صل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل وقت ما نمنعك، لكن كونك تجعل هذا السبب سببا للصلاة عليه والثناء عليه واحتفالا بالمولد فهذا لا يصح ولا تقبل منك.
الثانى: جنسها: أن تكون موافقة للشرع في جنسها، هذا رجل في عيد الأضحى ضحى بشاة من بهيمة الأنعام على الوجه الشرعي بالطبع تقبل أضحيته لأنها شرعية. الشاة قيمتها ثلاثمائة ريال فجاء رجل آخر وقال: سأضحي بفرس لأن الفرس قيمته ألف ريال والشاة ثلاثمائة ريال فأنا سأضحي بفرس يوم العيد.
(7/335)

هذه غير صحيحة لماذا لأنها ليست من بهيمة الأنعام فخالفت الشرع في الجنس فلا تقبل. يعني لا بد أن تكون موافقة للشرع في الجنس.
الثالث: قدرها: أن تكون موافقة للشرع في قدرها (مثال) رجل قال: إن الإنسان إذا صلى الظهر أربعا كل ركعة فيها ركوع وفيها سجودان وأتى بشروطها وأركانها. تقبل إن شاء الله لأنه ماشٍ على ما رسم شرعا.
لكن آخر قال: سأصليها ستا أزيد. الله يقول: " {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} " لا تقبل بل ترد عليه لأنها خالفت الشرع في قدرها. رجل آخر قال: الوضوء ثلاثا سنة لكنه توضأ أربعا. الغسلة الرابعة لا تقبل لأنها صارت على خلاف الشرع.
الرابع: صفتها: أن تكون موافقة للشرع في صفتها: كيف يتوضأ الإنسان؟ .
يبدأ بغسل الكفين ثم الوجه ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين هكذا الترتيب لكن هذا الرجل عكس فبدأ يغسل الرجلين ثم يمسح الرأس ثم يغسل اليدين ثم يغسل الوجه إن عبادته هذه غير مقبولة لأنها خالفت الشرع في صفتها وكيفيتها.
الخامس: زمانها: أن تكون موافقة للشرع في زمانها.
لو أن رجلا في عيد الأضحى أصبح فذبح أضحيته قبل الصلاة وأكل منها وذهب وصلى. لا تقبل هذه الأضحية. لأنها ليست في وقت العبادة.
الأضحية ما تكون إلا بعد صلاة الإمام.
مثال آخر: رجل تعمد ألا يصلي الظهر إلا بعد دخول وقت العصر بدون عذر. لا تقبل لأنها مخالفة للشرع في وقتها. أو في زمانها.
السادس: مكانها: أن تكون موافقة للشرع في مكانها.
لو أن رجلا لما دخل العشر الأخير من رمضان بقي في غرفة من بيته لا يخرج منها وقال: أنا معتكف لله. الاعتكاف غير صحيح لمخالفته للشرع في مكان العبادة لأن الاعتكاف في المساجد.
(7/336)

إذًا أيها الإخوة: كل عبادة لا تقبل إلا بشرطين أساسين: أحدهما الإخلاص لله، والثاني المتابعة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذكرنا الأدلة لذلك، وقلنا: إن المتابعة لا تتحقق إلا إذا كانت موافقة للشرع في أمور ستة وهي: السبب، الجنس،القدر،الصفة،الزمان، المكان.
وذكرنا أمثلة فيما لا تصح فيه العبادة لمخالفة هذه الأمور أو أحدها.
ثم اعلم أن أهم ما يتعبد به الإنسان من الأعمال أعمال الجوارح هي الصلاة، فالصلاة أوكد من الزكاة وأوكد من الصيام وأوكد من الحج لأن أركان الإسلام كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام خمسة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا» .." الشهادتان ركن واحد. لأنه لا تتم العبادة إلا بالإخلاص وهي شهادة ألا إله إلا الله والمتابعة وهي شهادة أن محمدا رسول الله فلهذا جعلهما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئا واحدا.
الصلاة نحن نعلم جميعا أن لها أوقاتا معينة فوقت الفجر من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس هذا وقت الفجر لأن الفجر فجران كاذب وصادق.
في الأحكام الكاذب ليس له حكم إطلاقا لا يحرم الطعام على الصائم ولا يبيح الصلاة لمن صلى الفجر، لكن ما الفرق بينهما.
الفروق بينهما ثلاثة:
الفجر الكاذب يظلم الجو بعده، والصادق لا يزداد إلا إسفارا الفجر الكاذب يكون مستطيلا. والصادق يكون مستطيرا. الفجر الكاذب بينه
(7/337)

وبين الأفق ظلمة فهو كالعمود أبيض لكن أسفله مظلم والصادق ليس بينه وبين الأفق ظلمة.
هذه الفروق ثلاثة فروق طبيعية تشاهد لكننا بواسطة الأنوار ما نشاهد ذلك، إنما لو كنت في بر وليس حولك أنوار عرفت الفرق، ووقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله.
وقت العصر من مصير ظل كل شيء مثله إلى اصفرار الشمس والضرورة إلى الغروب.
وقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر.
فتارة يكون ساعة ونصف بين المغرب والعشاء وتارة ساعة وثلث وتارة ساعة وسبع عشرة دقيقة يختلف.
وقت العشاء من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل فقط من نصف الليل إلى الفجر ما ليس وقتا للصلاة. الدليل على هذه الأوقات قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} ثم فصل فقال {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} . وهذا يدل على أن ما بعد منتصف الليل ليس وقتا للفرائض وإلا لقال الله: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى طلوع الشمس فلما قال: إلى غسق الليل منتهى ظلمته وأشد ما تكون ظلمة الليل عند منتصفه ويؤيد هذا الحديث الثابت حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس. وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحن وقت العصر. ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب إلى مغيب الشفق ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس» (1) واضح. الرسول قال: وقت العشاء إلى نصف الليل وقد يقول قائل منكم: أنت ذكرت أن العصر إلى الغروب والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ما لم تصفر
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب المساجد: باب أوقات الصلوات الخمس (612) .
(7/338)

الشمس من أين أتيت بالوقت الإضافي هذا؟ ، أقول: أتيت به من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (1) وينبني على هذا مسألة مهمة لو أن امرأة من النساء طهرت من حيضها بعد منتصف الليل وقبل طلوع الفجر لا يجب عليها قضاء العشاء؛ لأنها طهرت بعد انتهاء الوقت كما أنها لو طهرت الضحى لم تلزمها صلاة الفجر.
الزوال علامته زيادة الظل بعد تناهي قصره. إذا طلعت الشمس اركز عصا. له ظل كلما ارتفعت الشمس قصر الظل فإذا انتهى قصره وبدأ يزيد هذا هو علامة زوال الشمس لأنها زالت يعني انصرفت عن كبد السماء. أما بالنسبة للضبط بالساعات فاقسم ما بين طلوع الشمس إلى غروبها نصفين والنصف هذا هو وقت الزوال.
لو أن رجلا صلى إحدى الصلوات بعد خروج وقتها وهو متعمد بدون عذر لا تقبل ولهذا كان القول الراجح أن الإنسان إذا كان في أول عمره لا يصلي ثم من الله عليه بالهداية وتاب إلى الله فإنه لا يلزمه قضاء ما مضى من صلاته. وإنما عليه أن يتوب إلى الله. وكذلك لو أن رجلا من الناس ترك صيام يوم من رمضان متعمدا يعني قال: إنه لن يصوم غدا فهو بلا شك آثم ولا يلزمه قضاؤه، قد يقول قائل: كيف تقول: لا يلزمه القضاء هذا تخفيف عليه. فجوابي على هذا أنه ليس تخفيفا عليه بل هو تشديد عليه لأن معنى قولي هذا أنه لا يلزمه قضاء الصلاة التي تعمد فعلها بعد الوقت معناه رفضها وعدم قبولها. وأنها لا تقبل منه لو صلى ألف مرة كذلك لو ترك يوما من رمضان لم يصمه متعمدا بلا عذر شرعي فإنه لا يقبل منه قضاؤه مدى الدهر. وهذا يوجب للإنسان أن يخاف وأن يتوب ويرجع للوراء أكثر.
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة: باب: من أدرك من الفجر ركعة.
(7/339)

ومن المهم في الصلاة أن يعرف الإنسان ما يلزم لها قبلها، وأوكد ما يلزم لها قبلها الطهارة ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة بغير طهور» . (1)
الطهور بالفتح هو ما يتطهر به. والطهور بالضم هو فعل الطهارة.
وَضوء ? ووُضوء ما الفرق؟
الوضوء بالفتح: الماء الذي يتوضأ به.
الوضوء بالضم: فعل الوضوء.
سَحور ? سُحور.
سحور: بالفتح، أكل السحور. السحور بالضم: فعل السحور. «لا يزال الناس بخير ما أخروا السحور» . (2) انتبه أيها الطالب للفرق بين فَعول وفُعول. فعول للآلة التي يفعل بها، وفعول للفعل. نحن سكتنا أثناء الأذان من أجل أن نقول مثل ما يقول لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن» (3) نقول مثل قوله إلا في جملتين فقط وهما حي على الصلاة. حي على الفلاح نقول: لا حول ولا قول إلا بالله. وفي صلاة الصبح إذا قال: الصلاة خير من النوم نقول: الصلاة خير من النوم كما قال ولكن أسأل لماذا لم تقل مثل ما يقول في حي على الصلاة حي على الفلاح. لأنه هو يدعونا إذ حي يعني أقبل. فلو قلنا نحن: حي على الصلاة معناه دعوناه أيضا ونحن في البيت نتابعه تدعوه
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة بلفظ " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " رقم (224) .
(2) البخاري: كتاب الصوم: ومسلم / كتاب الصوم
(3) البخاري: كتاب الأذان: باب ما يقول إذا سمع المنادي: ومسلم: كتاب الصلاة: باب استحباب القول مثل قول المؤذن.
(7/340)

للبيت هذا ما يستقيم ولهذا كان المشروع في حقنا أن نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وما معنى لا حول ولا قوة إلا بالله. معناها للاستعانة كأنك تقول في جواب المؤذن: سمعنا وأطعنا ولكننا نسأل الله العون وتقول إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله، مثل ما يقول ثم تقول بعد ذلك: رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا. هذا هو محل ذلك يعني قول الإنسان رضيت بالله ربا بعد الشهادتين وبعد انتهاء الأذان تقول: اللهم صل على محمد اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد وإذا قلت ذلك فإنها تحل لك الشفاعة شفاعة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يدخلون في شفاعته.
أحببت أن أنبه على هذا لأن بعض الناس يتهاونون في متابعة المؤذن مع أن بعض أهل العلم قال: إن متابعة المؤذن واجبة وأن من لم يتابعه فهو آثم. فمتابعة المؤذن سُنة مؤكدة لا ينبغي للإنسان أن يدعها.
وهنا مسائل:
1. إذا كان يقرأ قرآن هل يدع القراءة ويتابع المؤذن؟ نعم، يقطع القراءة ويتابع المؤذن.
إذا دخلت المسجد وهو يؤذن هل تصلي تحية المسجد أو تقف وتتابع المؤذن ثم تصلي؟ الثاني إلا أن بعض أهل العلم قال: يستثنى من ذلك أذان الجمعة الثاني فإن الأفضل أن تصلي الركعتين لأجل أن تتفرغ لاستماع الخطبة. قلت: من أهم ما يكون للصلاة الطهارة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.: «لا صلاة بغير طهور» والطهارة ثلاثة أنواع:طهارة من الحدث الأصغر، طهارة من الحدث الأكبر وطهارة بالتيمم عنهما جميعا. أما الحدث الأصغر فيطهّر أربعة أعضاء الوجه، اليدان، الرأس، الرجلان. الوجه يجب أن يغسل من الأذن
(7/341)

إلى الأذن عرضا ومن منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية طولا، ومنه المضمضمة والاستنشاق واليدان يجب أن تغسلان من أطراف الأصابع إلى المرفقين، والمرفقان داخلان في الغسل. وأما الرأس فيمسح جميع الرأس ومنه الأذنان وأما الرجلان فتغسل الرجل من أطراف الأصابع إلى الكعبين وهما العضمان النائتان في أسفل الساق. ولكن من رحمة الله - عز وجل - أن خفف علينا بالنسبة للرجلين لأنها موضع المشي وتتعرض لبرودة الأرض وللصعوبة في أيام الشتاء فمن رحمة الله أن شرع لهذه الأمة المسح على الخفين في القرآن والسنة وقد تواترت الأحاديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسح على الخفين. كما قال الناظم:
مما تواترا حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتا واحتسب
ورؤية شفاعة والحوض ... ومسح خفين وهذي بعض
المهم أن قوله ومسح خفين يعني أنه مما تواترت به السنة ولهذا لم يخالف فيه أحد من أهل السنة، فكل أهل السنة والحمد لله مجمعون على المسح على الخفين وإن كانوا يختلفون من بعض الشروط.
والمهم أنه يجب على كل مسلم ومسلمة قبل أداء العبادة من شرطين تقدما ونذكرهما لأهميتهما وهما:
الإخلاص لله
المتابعة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقد تقدم شرح الشرطين على وجه التفصيل فنسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعا الفقه في دينه وأن يجند أرواحنا في سبيله، وأن يجعلنا دعاة إلى جمع شمل الأمة الإسلامية على ما يحب ربنا ويرضى والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى من سار على هديه إلى يوم الدين
(7/342)

بعثة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومولده
(7/343)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} .
أما بعد:
أيها الإخوة: إن موضوع محاضرتنا في هذه الليلة هو موضوع مهم يهم جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وهو التذكير بما أنعم الله به على عباده المؤمنين بما من به عليهم من بعثة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذي بعثه الله لا إلى العرب فحسب، ولكن إلى جميع الناس كما قال الله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
(7/345)

أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن آمن به وعزره ونصره واتبع النور الذي أنزل معه حتى ننال الفلاح وهو السعادة في الدنيا والآخرة، ثم قال جل وعلا: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .
إننا في هذا الشهر شهر ربيع الأول الذي هو الشهر الذي بدئ به الوحي لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولكن هذا كان بالرؤيا الصالحة. كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «كان أول ما بدئ به الوحي الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتعبد فيه الليالي ذوات العدد» (1) حتى جاءه الحق ونزل جبريل عليه الصلاة والسلام من الله بالقرآن الكريم في شهر رمضان كما قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} وكانت المدة بين ربيع الأول وشهر رمضان ستة شهور، وهي بالنسبة لمدة الوحي التي نزل فيها على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جزء من ستة وأربعين جزءا لأن زمن الوحي كان ثلاثا وعشرين سنة. وستة الأشهر
__________
(1) البخاري: كتاب بدء الوحي "3" مسلم: كتاب الإيمان " 160 ".
(7/346)

بالنسبة لها جزء من ستة وأربعين جزءا لهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» . (1)
أيها الإخوة: إننا في هذا الشهر شهر ربيع الأول نذكر إخواننا بما من الله به على عباده المؤمنين من بعثة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فإن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثه الله عز وجل بالهدى ودين الحق وأنزل عليه هذا الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور لا بنفسه ولكن بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد. وفي هذه النعمة يقول الله عز وجل: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سورة آل عمران، الآية: 164] .
لقد بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حين فترة من الرسل وانطماس من السبل بعد أن مقت الله سبحانه وتعالى أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، فكان الناس في ضرورة إلى بعثته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشد من ضرورتهم إلى الطعام والشراب والهواء والأمن، كان الناس في جاهلية عمياء يعبدون الأشجار والأصنام، والأحجار ويتعلقون بالمخلوقين حتى ذكر عن بعضهم أنه إذا نزل أرضا أخذ أربعة أحجار فاختار منها واحدا يعبده وثلاثة يجعلها رواسيَ للقدر - قدر الطبخ - فتأمل هذه العقول كيف انحدرت إلى هذه السخافة، يجعل الآلهة حجرا واحدا موازيا تماما بالأحجار التي تُرس عليها القدور، وذكر عن بعضهم أنه كان يتخذ من التمر يعجنه ويصنعه تمثالا حسب مزاجه، ثم إذا جاع أكله، ومن سخافتهم أيضا أنهم يقتلون الأولاد ذكورهم وإناثهم خوفا من الفقر كما قال الله عز وجل:
__________
(1) أخرجه البخاري بلفظ " الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح..إلخ " وبلفظ" رؤيا المؤمن..إلخ " ولفظ " الرؤيا الصالحة.. " كتاب التعبير / باب رؤيا الصالحين: وباب الرؤيا الصالحة جزء من ستة.
(7/347)

{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [سورة الإسراء، الآية: 31] .
وكان بعضهم يقتل أولاده إذا افتقر بالفعل وفي هذا يقول الله عز وجل: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [سورة الأنعام، الآية: 151] . وكان بعضهم غنيّا لا يخشى الفقر ولا يتوقعه إذا ولد له ابنة فإنه يئدها - يدفنها وهي حية - حتى قيل عن بعضهم:إن ابنته - وهو يحفر الحفرة لها - فإذا أصاب التراب لحيته نفضت التراب من لحيته وهو يحفر لها ليرميها - والعياذ بالله - هذه العقول وهذه النفوس التي هي أقسى من أقسى السباع في الأرض كان الناس عليها حتى بعث الله محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الظروف التي تدعو الضرورة إلى بعثة مثل بعثة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبعثه الله عز وجل من أجل أن ينتشل الناس من رق النفوس والهوى إلى عبودية الخلاق جل وعلا.
أخرجهم من عبودية النفس وعبودية الشيطان إلى عبودية الرحمن سبحانه وتعالى، ونحن نعلم كما ذكر الله تعالى في كتابه أن المشركين الذين بعث فيهم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا يقرون بأن الله هو الرب وأن الله خالق السموات والأرض وأن الله مدبر الكون وأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، كل ما يتعلق بتوحيد الربوبية فإنهم كانوا يقرون به ولا ينكرونه ولكنهم كانوا ينكرون توحيد العبادة فلا يوحدون الله تعالى بالعبادة بل يعبدون الأصنام والأشجار والأحجار وغير ذلك مما يسمح في نفوسهم وتمليه عليهم أفكارهم السيئة حتى إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما دعاهم إلى توحيد الله في العبادة وقال لهم:
{إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} . .
(7/348)

ومن العجب أنهم يقرون بتوحيد الربوبية دون الألوهية ولا ريب أن كل إنسان عاقل يقر بتوحيد الربوبية فإن إقراره ذلك حجة عليه أن يقر بتوحيد الألوهية. لأنه إذا كان يقر بأن الخالق هو الله، المدبر هو الله، والمالك هو الله فكيف يكون هناك معبود مع الله ومن ثم تجدون الله - عز وجل- يقرر توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، [سورة البقرة، الآية: 21] فجعل توحيد الربوبية دليلا ملزما بتوحيد الألوهية.
{اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} هذا هو توحيد الألوهية ألوهية بالنسبة لله وعبودية بالنسبة للخلق، {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ، هذا هو توحيد الربوبية، فإذا كنتم تؤمنون بذلك فلماذا لا توحدونه بالعبادة، لماذا تعبدون الأصنام والأشجار معه، هذا دليل عقلي لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يحيد عنه ولهذا يذكر الله ذلك ملزما لهؤلاء المشركين أن يقولوا بأن الله إله واحد وصدق الله عز وجل.
أيها الإخوة: توحيد الألوهية ليس بالأمر الهين الذي يظنه كثير من المعاصرين اليوم أنه على الهامش وأن مجرد إقرار الإنسان برب خالق مدبر للكون حكيم في صنعه كاف في الإيمان والتوحيد، إن هذه النظرة نظرة بلا شك خاطئة، ولو كان التوحيد كما يراه هؤلاء بأنه إفراد الله أو بأنه الإيمان بأن الله وحده هو الخالق الرازق لو كان هذا هو التوحيد لم تكن هناك حاجة إلى إرسال الرسل لأن التكذيب بهذا التوحيد أو إنكار هذا التوحيد لم يقع إلا نادرا ولا سيما فيما سلف من الأزمان، لكن التوحيد الذي بعثت الرسل لتحقيقه والقتال عليه هو توحيد الألوهية والذي يسمى أحيانا بتوحيد العبادة لأنه إن نظرت إليه من جهة الله فسمه توحيد ألوهية وإن نظرت إليه من جهة الإنسان فسمه توحيد العبادة أو العبودية، المهم أن كثيرا من الناس اليوم من
(7/349)

المعاصرين الذين نالوا ما نالوا من الثقافة يركزون كثيرا على توحيد الربوبية، وعندي أن توحيد الربوبية ليس بالأمر الأهم بالنسبة لتوحيد الألوهية، لأن منكريه قليلون وكل إنسان عاقل فإنه لا بد أن يدرك أن لهذا الكون العظيم المنظم إلها خالقا حكيما واستمع إلى قول الله تعالى في سورة الطور: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} . [سورة الطور، الآية: 35] .
هذا استفهام {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} ، وجوابه: ما خلقوا من غير شيء ولا هم الخالقون.
لأنهم قبل أن يوجدوا عدم والعدم ليس بشيء، فضلا عن أن يوجد شيئا. وهم أيضا لم يخلقوا من غير شيء لأن خلق شيء من غير شيء مستحيل في العقل كل حادث فلا بد له من محدث ويذكر أن طائفة من السمنية وهم أناس من الوثنية الذين ينكرون الخالق أتوا إلى أبي حنيفة - رحمه الله - في العراق وقالوا: من الذي خلق هذا الكون فقال: أمهلوني ثم أمهلوه وجاؤوا إليه وقال لهم: إني أفكر في سفينة جاءت محملة إلى نهر دجلة محملة بالبضائع وأن هذه السفينة نزلت البضائع وانصرفت بعد ذلك، أفكر هل يمكن هذا أم لا بد من أناس يشحنونها أولا ثم ينزلونها ثانيا، فقالوا: كيف تفكر بهذا، هل هذا يحتاج لتفكير؟
هذا غير معقول قال: إذا كان هذا غير معقول، فكيف يعقل أن هذه الشمس والنجوم والقمر والبحار والأنهار والأشجار النامية والإنس وكل ما نشاهده كيف يعقل أن يكون بدون موجد، هل هذا معقول فانقطعوا.
ولهذا جاءت الآية تستدل على أن الخالق هو الله عن طريق السبر والتقسيم فهم إما أن يخلقوا بدون خالق، أو يخلقوا أنفسهم، أو يكون لهم خالق وهو الله - عز وجل - وهذه الأخيرة هي النتيجة فتوحيد الربوبية أيها الإخوة لا ينكره إلا النادر، النادر من الناس حتى من أنكره ممن قص الله علينا
(7/350)

من نبأ إنكاره، فإنما ينكرونه مكابرة، وهم في قرارة أنفسهم يؤمنون به؛ ففرعون قال لقومه حين حشرهم وناداهم قال لهم: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} ولم يكن صادقا في ذلك.
لأن موسى قال له مجابهة: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [سورة الإسراء الآية: 102] لما قال هذا لفرعون هل قال فرعون له: ما علمت ذلك؟ أبدا ما قال، ولا استطاع أن يقول، وكان يقول لقومه: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [سورة القصص، الآية: 38] . والخلاصة أن المهم بنا أيها الإخوة أن نحرص على بث روح التوحيد، توحيد الألوهية في نفوس الناس؛ حتى يكون هدف الإنسان وجه الله والدار الآخرة في جميع شئونه في عبادته وأخلاقه ومعاملاته وجميع شئونه؛ لأن هذا هو المهم أن يكون الإنسان قصده ورجاؤه وإنابته ورجوعه إلى الله عز وجل، وبهذا التوحيد - أعني توحيد الألوهية والعبادة - ينال العبد سعادة الدنيا والآخرة؛ لأن قلبه ينسلخ عما سوى الله، ويتعلق بالله وحده، لا يدعو إلا الله ولا يرجو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يؤمل كشف الضر إلا من الله -عز وجل- ولا جلب الخير إلا من الله -عز وجل- إن عبد فلله وبالله، حتى إن الموفق تكون عاداته عبادات، والمخذول تكون عباداته عادات؛ لأن الموفق يستطيع أن يجعل أكله عبادة، وشربه عبادة، ولباسه عبادة، ودخوله عبادة، وخروجه عبادة حتى مخاطبة الناس يمكن يجعلها عبادة.
ويمكن أن نضرب مثلا بالأكل كيف يكون عبادة؟
أولا: ينوي به الإنسان امتثال أمر الله في قوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} هذا أمر.
(7/351)

ثانيا: ينوي الحفاظ على بقائه وعلى روحه؛ لأن الحفاظ على النفس مأمور به حتى العبادة إذا كان الإنسان مريضا، ويخشى على نفسه إن استعمل هذا الماء أن يتضرر، فإنه يتطهر بالتيمم بالتراب كل ذلك حماية للإنسان من أن يتضرر ويضر نفسه، ولهذا قال العلماء -وصدقوا فيما قالوا-: إن المضطر إلى الطعام والشراب يجب عليه وجوبا أن يأكل حتى من الميتة ولحم الخنزير، يجب أن يأكل إذا خاف على نفسه التلف؛ لأنه واجب عليه أن ينقذ نفسه، إذًا أنوي بالأكل والشرب الحفاظ على نفس فيكون ذلك عبادة.
ثالثا: ينوي بالأكل والشرب التقوي على طاعة الله، فيكون عبادة لأن من القواعد المقررة شرعا أن للوسائل أحكام المقاصد، فإذا كان هذا الأكل والشرب يعينني على طاعة الله فنويت بهذا الاستعانة على طاعة الله صار عبادة.
رابعا: أنوي بالأكل التبسط بنعمة الكريم جلا وعلا؛ لأن الكريم يحب أن يتبسط الناس بكرمه وأضرب مثلا ولله المثل الأعلى؛ لو أن رجلا من الناس كريما قدم طعاما للآكلين هل رغبته أن يرجع الطعام غير مأكول أو أن يأكله الناس؟
يأكله الناس طبعا؛ لأن هذا مقتضى الكرم، فأنا إذا أكلت أنوي التبسط بنعمة الله كان عبادة، فانظر يا أخي كيف كان الطعام الذي تدعو إليه الطبيعة، وتقتضيه العادة، كيف أمكن أن يكون عبادة بحسب الانتباه واليقظة والنية، بينما يأتي الغافل إلى الصلاة، وإلى المسجد على العادة، وإذا أتى على العادة صارت عبادته الآن عادة.
وبهذا يتبين لنا أن توحيد العبادة وتحقيق توحيد العبادة أمر مهم جدا، وهذا ما ندعو إليه أن يحقق الناس العبادة لله وحده.
ولو قال قائل: هل يجوز أن أدعو رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
(7/352)

الجواب: لا يجوز أن أقول: يا رسول الله أنقذني من الشدة، يا رسول الله ارزقني ولدا. لا يجوز بأي حال من الأحوال، بل هو شرك أكبر، مخرج من الملة، سواء دعا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو دعا غيره، وغيره أقل منه شأنا، وأقل منه وجاهة عند الله عز وجل، فإذا كان دعاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شركا فدعاء غيره أقبح وأقبح، والرسول عليه الصلاة والسلام أعظم الناس جاها عند الله، وقيل له عليه الصلاة والسلام -والقائل هو الله-: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} ، أنا لا أملك لكم ضرا ولا رشدا، ولو أرادني الله بشيء ما وجدت من دونه ملتحدا يمنعني منه، إذًا لمن أتجه بالدعاء؟ إلى الله عز وجل {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} وليتضح القول في مسألة دعاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو غيره من المخلوقين نقول: الدعاء ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: جائز، وهو أن يدعو مخلوقا بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حقوق المسلم على أخيه: «وإذا دعاك فأجبه» (1) وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وتعين الرجل في دابته» (2) الحديث.
الثاني: أن تدعو مخلوقا سواء كان حيا أو ميتا فيما لا يقدر عليه إلا الله
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز: باب الأمر باتباع الجنائز، ومسلم: كتاب السلام: باب من حق المسلم على المسلم.
(2) أخرجه البخاري كتاب الجهاد: باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر
(7/353)

فهذا شرك أكبر؛ لأن هذا من فعل الله لا يستطيعه البشر مثل: يا فلان اجعل ما في بطن امرأتي ذكرا.
الثالث: أن تدعو مخلوقا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة؛ كدعاء الأموات، فهذا شرك أكبر أيضا؛ لأن هذا لا يقدر عليه المدعو، ولا بد أن يعتقد فيه الداعي سرا يدبر به الأمور.
واعلم: أنك لن تدعو الله بدعاء إلا ربحت في كل حال، إما أن يستجيب الله دعاءك، وإما أن يصرف عنك من السوء ما هو أعظم، وإما أن يدخرها لك عنده يوم القيامة ثوابا وأجرا، فألح في الدعاء وكرر لا تقل: دعوت فلم يستجب لي، انتظر كل دعوة تدعو الله بها، فهي عبادة تنال بها أجرا، سواء حصل المطلوب أم لم يحصل.
أما توحيد الأسماء والصفات فخلاصته أنه يجب علينا أن نثبت لله كل ما أثبته لنفسه من أسماء أو صفات، كل ما أثبته لنفسه من أسماء أو صفات يجب علينا أن نثبتها، ولا يحل لنا أن ننكر ذلك بمقتضى أقيسة باطلة وعقول فاسدة، نحن نعلم أن الله -عز وجل- سمى نفسه بأسماء كثيرة؛ منها ما يمكننا علمه، ومنها ما لا يمكننا علمه. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث عبد الله بن مسعود المشهور في دعاء الكرب والغم:
«اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك» . (1) ومعني الدعاء أي:
كلما قضيت علي مما أحب أو أكره فهو عدل ليس فيه جور حتى
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد جـ1 ص 452 والحاكم ج 1 ص 690 وقال: " حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه فانه مختلف في سماعه من أبيه".وتعقبه الذهبي بقوله:" قلت: وأبو سلمة لا يدرى من هو ولا رواية: له في الكتب الست " والهيثمي في " المجمع " جـ 10 ص 136 وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني" وصححه أحمد شاكر " المسند " [3712] .
(7/354)

المصائب عدل من الله {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [سورة الشورى، الآية: 30] ، ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام في بقية الحديث:
«أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب غمي» ، هنا يقول: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك» . والذي استأثر به في علم الغيب لا يمكن لأحد معرفته؛ لأن الله استأثر به، ولم يُطلع عليه أحدا، ومع هذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة» . (1)
لكن ليس معنى إحصائها ما نجد بعض الناس يقوله: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا قدوس، يا سميع.. حتى يكمل تسعة وتسعين يقول: أحصيتها وأنا داخل الجنة، ولا محالة هذا غير صحيح حتى لو وضعها في مسبحة.
لكن إحصاءها يكون بثلاثة أمور:
أولا: إحصاؤها لفظا يعني يلتمسها من الكتاب والسنة حتى يحصيها لفظا.
ثانيا: فهمها معنى وإلا فلا فائدة، ما الفائدة من أن تقول: يا رحمن، يا رحيم، وأنت لا تدري معنى رحمن ولا رحيم.
الثالث: التعبد لله بمقتضاها؛ بمعنى أنك إذا علمت أنه سميع تدعوه لأنه يسمع، إذا علمت أنه قريب تدعوه لأنه قريب، إذا علمت أنه مجيب تدعوه لأنه مجيب، ولما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر قال لهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
__________
(1) البخاري: كتاب الدعوات: باب لله مائة اسم غير واحد، ومسلم: كتاب الذكر والدعاء: باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها.
(7/355)

«يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم -يعني هونوا عليها- إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وهو معكم» . (1)
فتأمل كيف بين لهم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معنى هذه الأسماء. قريب سميع بصير. إذا علمت أن الله سميع، هل تقول قولا يغضبه، لا. إذا علمت أنه رحيم تتعرض لرحمته، وإذا علمت أنه غفور تتعرض لمغفرته، وهلم جرا، هذا هو معنى إحصاء أسماء الله عز وجل ولا بد أن تثبت لله كل ما أثبته لنفسه من وصف، وإن شئت فقل: من صفة.
وإن من حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علينا الذي هو فوق حق الوالدين أن نجرد الاتباع له، بمعنى ألا نتقدم بين يديه، فلا نشرع في دينه ما لم يشرع، ولا نتجاوز ما شرعه، أو نقصر فيه؛ قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [سورة آل عمران، الآية: 31] .
وهذه الآية يسميها السلف آية المحنة: معناها الامتحان؛ لأن قوما زعموا أنهم يحبون الله؛ فوضع الله هذا الميزان، فكلما كان الإنسان أحب لله كان لرسوله أتبع، وكلما ضعف اتباع الرسول فإن محبة الله في القلب ضعيفة.
حتى وإن ادعاها مدعيها، نعم هل من محبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نتقدم بين يديه ونُحْدِث في دينه ما ليس منه، لا أبدا. ليس هذا من محبة الله، وليس هذا من محبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن محبة الله عنوانها ودليلها وميزانها أن نتبع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومحبة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من محبة الله، فإذا كانت دعوى محبة الله لا تتحقق إلا باتباع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن دعوى محبة الرسول لا تتحقق إلا باتباع الرسول
__________
(1) البخاري: كتاب الجهاد: باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير " 2830" ومسلم: كتاب الذكر والدعاء: باب استحباب خفض الصوت بالذكر " 2704".
(7/356)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحينئذ إذا كان هذا الشهر هو الشهر الذي بعث فيه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذلك هو الشهر الذي ولد فيه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ما قاله أهل التاريخ، إلا أنه لا تعلم الليلة التي ولد فيها، وأحسن ما قيل أنه ولد في الليلة التاسعة من هذا الشهر لا الليلة الثانية عشرة، خلافا لما هو مشهور عند كثير من المسلمين اليوم؛ لأن هذا لا أساس له من الصحة من حيث التاريخ، وحسب ما حسبه أهل الفلك المتأخرون؛ فإن ولادته كانت في اليوم التاسع من هذا الشهر، لكن هل يعلم اليوم الذي ولد فيه؟
الجواب: نعم ولد يوم الاثنين؛ «لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن يوم الاثنين. فقال: "ذاك يوم ولدت فيه» (1) لكن اليوم من الشهر لا يعلم يقينا، ولكن أرجح ما قيل فيه هو اليوم التاسع، وأيا كان لا يهمنا في التاسع أو الثاني عشر أو غيره، لكن الذي يهمنا أن نكون لله مخلصين، ولنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متبعين، وأن نحقق ذلك الإخلاص وذلك الاتباع؛ لأن دين الإسلام لا يدخل الإنسان فيه إلا إذا قال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.
وشهادة أن محمدا رسول الله تستلزم اتباعه وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، فالذي يهمنا أيها الإخوة: ألا نجعل في هذا الشهر أمرا زائدا على الشهور الأخرى أبدا، إذا كنا صادقين في أننا نحب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فلنتبع شرعه ولا نتعداه؛ لأن أي بدعة تحدث يتقرب بها الإنسان إلى رب العالمين وليست في دين الله فإنها تتضمن أيها الإخوة الاعتراض على الله وعلى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن كل إنسان يحدث في دين الله بدعة يتعبد بها ويتقرب إلى الله بها، فإن بدعته هذه تستلزم الطعن أو القدح في الله -عز وجل- وفي الرسول وفي الصحابة، أما
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الصوم: باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
(7/357)

في الله فلأنه إذا ابتدع في دين الله ما ليس منه فقد كذب الله؛ لأنه سبحانه وتعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فإذا أحدثنا في دين الله شيئا بعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام، فمقتضى ذلك التكذيب للآية، والقدح في الله عز وجل؛ فإن قيل: كيف يتضمن القدح في الله -عز وجل- من حيث لا يشعر الإنسان؟ أي إنسان يبتدع في دين الله ما ليس منه من أذكار أو صلوات أو غيرها مما يتقرب به إلى الله.
نقول: إذا كنت تتقرب بذلك إلى الله، فإن ذلك دين تدين الله به، وترجو به ثوابه والنجاة من عقابه، فأين أنت من قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} كيف يكون كمالا وأنت تأتي بعده بجديد، هل يكون كمالا يحتاج إلى تكميل فيما بعد؟
الجواب: لا يكون ذلك، كما أن فيه انتقاصا للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حيث أخبر بكمال الدين، وذلك في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ، وكذلك انتقاص لله عز وجل؛ لأن الله عز وجل بيّن كمال الدين كما في الآية الكريمة، وكذلك فيه انتقاص للصحابة رضوان عليهم من حيث إنهم كتموا شيئا من الشريعة الإسلامية؟
وكذلك اتهام لهم -رضوان الله عليهم- بالجهل في دين الله عز وجل.
ومن هذا الكلام يتبين أن من ابتدع في دين الله عز وجل، فإن بدعته هذه تتضمن القدح في:
1 - الله عز وجل.
2 - ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
3 - وفي الصحابة رضوان الله عليهم.
أيها الإخوة: نحن لا نتهم صانعي هذه البدع أو محدثي هذه البدع كلهم بسوء القصد، قد يكون قصدهم حسنا، ولكن هل يكفي في العبادة أن يكون قصد الإنسان حسنا أو لا بد من المتابعة؟ لا بد من المتابعة، ليس كافيا
(7/358)

أن يكون قصد الإنسان حسنا، وإلا ابتدع كل واحد في دين الله ما يريد، يقول: أنا قصدي حسن، أقول: ليس كل إنسان يحدث بدعة نسيء الظن به، نحن نحسن الظن بكثير منهم، لكن ليس كل من كان قصده حسنا يكون فعله صوابا وحسنا، ولهذا قال الله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [سورة فاطر، الآية: 8] ، نقول للذي يبتدع أي بدعة في دين الله: ماذا تريد؟ قال: أريد التقرب إلى الله عز وجل. فنقول: تقرب إلى الله بما شرع، فيه الكفاية، تقرب إلى الله بما درج عليه السلف الصالح والصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان إلى يوم الدين ففيه الكفاية، لا تتعب نفسك بأمر لم يشأه الله فيعود عليك بالضرر؛ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» ، ثم إن البدع في الحقيقة هي انتقاد غير مباشر للشريعة الإسلامية؛ لأن معنى البدع أن الشريعة الإسلامية لم تتم، وأن هذا المبتدع أتمها بما أحدث من العبادة التي يتقرب بها إلى الله كما زعم.
وأنا أعجب ممن يقسمون البدع إلى أقسام، ويجعلون من البدع بدعا حسنة، مع أن أعلم الخلق وأنصح الخلق وأفصح الخلق يقول باللسان العربي المبين، يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كل بدعة ضلالة» ولا أعظم من هذا العموم عموم مستوف «كل بدعة ضلالة» ، لا نستطيع بعقولنا القاصرة أن نقول: إن البدعة تنقسم إلى أقسام، منها واجب، ومنها مستحب ومكروه وحرام.
ليس في الدين بدعة حسنة أبدا، أما السنة الحسنة فهي التي توافق الشرع، وهذه تشمل أن يبدأ الإنسان بالسَّن أي يبدأ العمل بها، أو يبعثها بعد تركها، أو يفعل شيئا يسنه يكون وسيلة لأمر متعبد به؛ فهذه ثلاثة أشياء:
الأول: إطلاق السنة على من ابتدأ العمل، ويدل له سبب الحديث؛ «فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حث على التصدق على القوم الذين قدموا عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،»
(7/359)

«وهم في حاجة وفاقة، فحث على التصدق فجاء رجل من الأنصار بصرة من فضة قد أثقلت يده فوضعها في حجر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» (1) فهذا الرجل سن سنة، ابتداء عمل لا ابتداء شرع.
الثاني: السنة التي تركت ثم فعلها الإنسان فأحياها فهذا يقال عنه: سنها بمعنى أحياها وإن كان لم يشرعها من عنده.
الثالث: أن يفعل شيئا وسيلة لأمر مشروع مثل بناء المدارس وطبع الكتب فهذا لا يتعبد بذاته ولكن لأنه وسيلة لغيره فكل هذا داخل في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» .
لكن قد يعترض معترض فيقول: هل أنتم أعلم ممن نطق الكتاب بموافقته كما حصل من عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس برمضان، بإمام واحد وكان الناس يصلون أوزاعا ثم جمعهم عمر رضي الله عنه. فخرج ذات ليلة وهم يصلون فقال: نعمت البدعة هذه. والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون". (2)
فالجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يعارض كلام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأي كلام، لا بكلام أبي بكر الذي هو أفضل الأمة بعد نبيها، ولا بكلام عمر الذي هو ثاني هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام عثمان الذي هو ثالث هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام علي الذي هو رابع هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام أحد غيرهم لأن الله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النور، الآية: 63] قال
__________
(1) مسلم: كتاب الزكاة: باب الحث على الصدقة.
(2) البخاري: كتاب صلاة التراويح " 1906".
(7/360)

الإمام أحمد - رحمه الله -: " أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ".أ. هـ-.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: " يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتقولون: قال أبو بكر وعمر ".
الوجه الثاني: أننا نعلم علم اليقين أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أشد الناس تعظيما لكلام الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان مشهورا بالوقوف على حدود الله تعالى حتى كان يوصف بأنه كان وقافا عند كلام الله تعالى. وما قصة المرأة التي عارضته - إن صحت القصة - في تحديد المهور بمجهولة عند الكثير حيث عارضته بقوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [سورة النساء، الآية: 20] . فانتهى عمر عما أراد من تحديد المهور (1) لكن هذه القصة في صحتها نظر. لكن المراد بيان أن عمر كان وقافا عند حدود الله تعالى لا يتعداها، فلا يليق بعمر رضي الله عنه وهو من هو أن يخالف كلام سيد البشر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأن يقول عن بدعة: " نعمت البدعة " وتكون هذه البدعة هي التي أرادها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: «كل بدعة ضلالة» بل
__________
(1) نص القصة: عن أبي العجفاء السلمي قال: قال عمر بن الخطاب: " ألا لا تغالوا في صدقات النساء. فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئاً من نسائه، ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية" أخرجه الإمام أحمد جـ 1 ص 282 (تحقيق أحمد شاكر) ، وأبو داود: كتاب النكاح: باب الصداق، والنسائي: كتاب النكاح: باب القسط في الأصدقة، والترمذي: كتاب النكاح: باب ما جاء في مهور النساء، وابن ماجه: كتاب النكاح: باب في صداق النساء، والحاكم جـ 2: ص 192 وصححه ووافقه الذهبي، وصححه أحمد شاكر جـ 1 ص 282.وأما قول المرأة التي عارضت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " جـ6 ص 180، وابن كثير جـ 1 ص 703 سورة النساء، الآية:: 20 وقال: " إسناد القصة جيد قوي ".
(7/361)

لا بد أن تنزل البدعة التي قال عنها عمر: إنها " نعمت البدعة " على بدعة لا تكون داخلة تحت مراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: «كل بدعة ضلالة» فعمر رضي الله عنه يشير بقوله: " نعمت البدعة هذه " إلى جمع الناس على إمام واحد بعد أن كانوا متفرقين، وكان أصل قيام رمضان من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام في الناس ثلاث ليال وتأخر عنهم في الليلة الرابعة وقال: " إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» . فقيام الليل في رمضان جماعة من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وسماها عمر رضي الله عنه بدعة باعتبار أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما ترك القيام صار الناس متفرقين يقوم الرجل لنفسه، ويقوم الرجل ومعه الرجل، والرجل ومعه الرجلان، والرهط، والنفر في المسجد، فرأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه برأيه السديد الصائب أن يجمع الناس على إمام واحد فكان هذا الفعل بالنسبة لتفرق الناس من قَبْل بدعة، فهي بدعة اعتبارية إضافية، وليست بدعة مطلقة إنشائية أنشأها عمر رضي الله عنه؛ لأن هذه السنة كانت موجودة في عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهي سنة لكنها تركت منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حتى أعادها عمر رضي الله عنه وبهذا التقعيد لا يمكن أبدا أن يجد أهل البدع من قول عمر هذا منفذا لما استحسنوه من بدعهم.
من العلماء من قسم البدعة إلى أقسام ومنها بدع حسنة فما الجواب عن ذلك؟
والجواب عن ذلك أن نقول: ما ادعاه العلماء من أن هناك بدعة حسنة. فلا تخلو من حالين:
1. أن لا تكون بدعة لكن يظنها بدعة.
2. أن تكون بدعة فهي سيئة لكن لا يعلم عن سوئها.
(7/362)

فكل ما ادعي أنه بدعة حسنة فالجواب عنه بهذا. وعلى هذا فلا مدخل لأهل البدع في أن يجعلوا من بدعهم بدعة حسنة وفي يدنا هذا السيف الصارم من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كل بدعة ضلالة» . إن هذا السيف الصارم إنما صنع في مصانع النبوة والرسالة، إنه لم يصنع في مصانع مضطربة، لكنه صنع في مصانع النبوة، وصاغه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الصياغة البليغة فلا يمكن لمن بيده مثل هذا السيف الصارم أن يقابله أحد ببدعة يقول: إنها حسنة ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «كل بدعة ضلالة» أيها الإخوة: في هذا الشهر يحدث بعض المسلمين احتفالا يسمونه، عيد المولد، هو والحمد لله في بلادنا ليس بذاك المشهور لكن أقول: إنه يوجد في بعض البلاد الإسلامية من يحتفل بما يدعونه ليلة المولد لا على المستوى الشعبي فحسب بل حتى على المستوى الرسمي، والحقيقة أن هذا مؤلم، كيف نتلهى بالقشور بل كيف نتلهى بالعظام التي تجرح حلوقنا لنبتلعها، ثم نترك ما هو من أهم المهمات بل هو أهم المهمات وهو أصول الدين، ندعها تجرح الدين أمام هؤلاء ولا أحد منهم ينبض بكلمة إلا من شاء الله، كيف نحتفل ونقيم الأعياد والحلوى والاجتماع والأذكار وليتها أذكار سالمة، إننا نسمع أن بعضهم ينشد القصائد التي والله لا يرضاها الله ولا رسوله، لقد «قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام " ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني لله ندا بل قل: ما شاء الله وحده» .
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
فنقول له بكل بساطة: لك من تلوذ به سوى رسول الله وهو الله - عز وجل - الذي قال له: {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [سورة الجن، الآية: 22] .
(7/363)

كيف تقول: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم. ليته الحادث الخاص، الحادث الخاص قد تشكو إلى زيد أو عبيد ويقضي حاجتك، الحادث العمم كالفيضانات الصواعق الزلازل إذا أصابت الرجل عنده من يقول: مالي من ألوذ به سوى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هكذا يقول أما من كان على الفطرة، فإنه يلوذ بالله وحده وهذا هو الحق.
ومما تقدم يتبين لنا أن الاحتفال بالمولد النبوي لا يجوز بل هو أمر مبتدع وذلك لأمرين:
أولاً: ليلة مولد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليست معلومة على الوجه القطعي، بل إن بعض العصريين حقق أنها ليلة التاسع من ربيع الأول وليست ليلة الثاني عشر منه، وحينئذ فجعل الاحتفال ليلة الثاني عشر منه لا أصل له من الناحية التاريخية.
ثانياً: من الناحية الشرعية فالاحتفال لا أصل له أيضاً لأنه لو كان من شرع الله لفعله النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو بلغه لأمته ولو فعله أو بلغه لوجب أن يكون محفوظاً لأن الله تعالى يقول: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (2) فلما لم يكن شيء من ذلك علم أنه ليس من دين الله، وإذا لم يكن من دين الله فإنه لا يجوز لنا أن نتعبد به لله عز وجل ونتقرب به إليه، فإذا كان الله تعالى قد
وضع للوصول إليه طريقاً معيناً وهو ما جاء به الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكيف يسوغ لنا ونحن عباد أن نأتي بطريق من عند أنفسنا يوصلنا إلى الله؟ هذا من الجناية في حق الله عز وجل أن نشرع في
(7/364)

دينه ما ليس منه، كما أنه يتضمن تكذيب قول الله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} . فنقول: هذا الاحتفال إن كان من كمال الدين فلا بد أن يكون موجودا قبل موت الرسول، عليه الصلاة والسلام، وإن لم يكن من كمال الدين فإنه لا يمكن أن يكون من الدين لأن الله تعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ومن زعم أنه من كمال الدين وقد حدث بعد الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن قوله يتضمن تكذيب هذه الآية الكريمة، ولا ريب أن الذين يحتفلون بمولد الرسول، عليه الصلاة والسلام إنما يريدون بذلك تعظيم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإظهار محبته وتنشيط الهمم على أن يوجد منهم عاطفة في ذلك الاحتفال للنبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكل هذا من العبادات، محبة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبادة بل لا يتم الإيمان حتى يكون الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب إلى الإنسان من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين، وتعظيم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العبادة، كذلك إلهاب العواطف نحو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الدين أيضا لما فيه من الميل إلى شريعته، إذًا فالاحتفال بمولد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أجل التقرب إلى الله وتعظيم رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبادة وإذا كان عبادة فإنه لا يجوز أبدا أن يحدث في دين الله ما ليس منه، فالاحتفال بالمولد بدعة ومحرم، ثم إننا نسمع أنه يوجد في هذا الاحتفال من المنكرات العظيمة ما لا يقره شرع ولا حس ولا عقل فهم يتغنون بالقصائد التي فيها الغلو في الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى جعلوه أكبر من الله والعياذ بالله ومن ذلك أيضا أننا نسمع من سفاهة بعض المحتفلين أنه إذا تلا التالي قصة المولد ثم وصل إلى قوله: " ولد المصطفى " قاموا جميعا قيام رجل واحد يقولون: إن روح الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حضرت فنقوم إجلالا لها وهذا سفه، ثم إنه ليس من الأدب أن يقوموا لأن الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان يكره القيام له
(7/365)

فأصحابه وهم أشد الناس حبا له وأشد منا تعظيما للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يقومون له لما يرون من كراهيته لذلك وهو حي فكيف بهذه الخيالات؟ !
وهذه البدعة - أعني بدعة المولد - حصلت بعد مضي القرون الثلاثة المفضلة وحصل فيها ما يصحبها من هذه الأمور المنكرة التي تخل بأصل الدين فضلا عما يحصل فيها من الاختلاط بين الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات.
وهؤلاء الذين فعلوا هذه البدعة عند بعضهم حسن نية لكن أرجو منهم أن يتأنوا في الأمر، وأن يتأملوا فيه، هل فعلوا ذلك عبادة لله فليأتوا ببرهانهم أن ذلك من باب التعبد لله، ولماذا لم يتعبد به الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام بعدهم هل أتوا بذلك محبة للرسول عليه الصلاة والسلام، إذا كان كذلك فإن الحبيب يقتدي بحبيبه ولا يتجاوز خطاه. هل أتوا بذلك تعظيما للرسول عليه الصلاة والسلام وهو الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يريد ذلك لنفسه ونهى أمته عن الغلو فيه كما غلت النصارى بعيسى بن مريم (1) . هل قالوا ذلك تقليدا للنصارى حيث كانوا يحتفلون بمولد عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، إذا كان كذلك فالأمر فادح لحديث «من تشبه بقوم فهو منهم» ، والذي يظهر لي والله أعلم أن ذلك من باب مراغمة النصارى لأن النصارى يحدثون احتفالا بمولد عيسى بن مريم، وقالوا: إذًا نحن نضادهم ونوجد احتفالا لنبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويدل على هذا أنهم جعلوا الاحتفال بالمولد وحقيقة الأمر أن النعمة لم تتم إلا برسالته {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا} ، [سورة آل عمران، الآية: 164] وموضع المنة (بعث) وهذا يقرب أن الذي ابتدع هذه البدعة أراد مضادة النصارى، ومشاركتهم في إحداث المولد بعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وعلى كل حال فإنني أبين ذلك
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء: باب: " واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها " سورة مريم "16".
(7/366)

حتى لا تغتر بتلك البدعة لأن الحق ما قام الدليل عليه، وليس الحق فيما عمله الناس، الذين كانوا بعد القرون الثلاثة؛ لأننا نقول: إن الإجماع قد دل على أن هذا ليس من العبادة في شيء إجماع من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين لأن هذه البدعة حدثت في القرن الرابع من الهجرة وانتشرت ومع الأسف أنها لم تُبين للناس على حقيقتها، وإلا فإني أعتقد والعلم عند الله أنها لو بينت على حقيقتها ما كان الناس يتعبون في أمر لا يعود عليهم إلا بالضرر، أبدا الإنسان المؤمن عاقل وحازم وفطن، كل شيء يعود عليه بالضرر لا يمكن أن يفعله أبدا مهما كان، ولذلك أسأل الله تعالى لإخواني هؤلاء أن يوفقني وإياهم للصواب، حتى يتبعوا الرسول عليه الصلاة والسلام بالعقيدة والقول والعمل.
ثم إننا نحث إخواننا ولا سيما الشباب على أن يحرصوا غاية الحرص على دعوة إخوانهم إلى الحق ولكن ليكن ذلك باللطف واللين وبيان الحق (1) لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» (2) وهذا كلام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو لا ينطق عن الهوى.
«جاء مرة يهودي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وعنده عائشة فقال: السام عليكم - والسام هو الموت - قالت عائشة رضي الله عنها: عليك السام واللعنة. فنهاها الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: " إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (3) إن كانوا قائلين:السام عليكم قلنا: وعليكم يعني عليكم السام عاملناهم بالعدل، إن كانوا قالوا: السلام عليكم قلنا: وعليكم يعني السلام. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في كتابه أحكام أهل الذمة قال: إذا قال اليهودي أو النصراني:
__________
(1) انظر كتاب " زاد الداعية إلى الله عز وجل " وكتاب " الاعتدال في الدعوة " لشيخنا العلامة محمد بن عثيمين حفظه الله تعالى.
(2) مسلم: كتاب البر والصلة: باب فضل الرفق
(3) البخاري: كتاب الأدب: باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً.
(7/367)

السلام عليكم وأظهر اللام قل: عليكم السلام، ولا حرج لأنه قال: السلام عليكم. لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: قولوا: وعليكم، والواو حرف عطف فيكون المعطوف مماثلا للمعطوف عليه. إذًا إن كانوا قالوا: السلام يقول: وعليكم السلام وهذا من العدل قال الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} .
المهم أقول لإخواني الشباب أن يدعوا إلى الله على بصيرة وعلم بالرفق واللين ولا ييأسوا قد تحصل من المدعو نفرة في أول الأمر وكراهية لكن إذا عومل بالتي هي أحسن وبدون عنف وباللين فإن الله - عز وجل - يقول لموسى وهارون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} لماذا؟ {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [سورة طه، الآيتان: 43-44] ، فهكذا ينبغي على كل داعية إلى الخير أن يقابل الناس باللين وبيان الحق وأن يصبر على ما يجد من جفوة، قد يجد جفوة أو نفرة فليصبر، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أكرم الخلق عند الله يأتي المشركون إليه وهو ساجد تحت الكعبة ويضعون عليه سلا الناقة - دم وفرث وسلا - وهو ساجد لله رب العالمين؟!.
ومع ذلك صبر عليه الصلاة والسلام فكانت العاقبة له {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} ، [سورة هود، الآية:49] واعلم أنك لا تصاب بمثل هذه النفرة أو الكلام عليك إلا أجرت عليه إذا صبرت.
قال الله تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [سورة الأنفال، الآية: 46] {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [سورة النحل، الآية: 128] كما أدعوكم أيضا إلى الاتفاق فيما بينكم لا تكونوا أحزابا متفرقين أنا أعتقد أن كل واحد من هذا الشباب الصالح لا يريد إلا الحق والخير،
(7/368)

إذا كان كذلك لماذا نتفرق في جماعة تبليغ. يأتي ناس يكفرونهم ويضلونهم وفي جماعة إخوان مسلمين وجماعة سلفيين وجماعة، أشياء متعددة، لماذا لا نتفق ونكون جماعة واحدة المخطئ منا يصوبه المصيب والمصيب يحمد الله على الصواب، أما أن نتفرق هذا خطأ والواجب أن نكون يدا واحدة وألا تتفرق كلمتنا وأن نكون كما قال الله عز وجل: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [سورة الأنبياء، الآية: 92] . وقال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، [سورة آل عمران، الآية: 105] وقال لرسوله عليه الصلاة والسلام: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} ، [سورة الأنعام، الآية: 159] . وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} . [سورة الشورى، الآية:13] . أسأل الله تعالى أن يجمع كلمتنا على الحق وأن يهدينا صراطه المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ونسأله تعالى أن يرزقنا الفقه في دينه والاستقامة عليه وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
تم بحمد الله تعالى المجلد السابع
ويليه بمشيئة الله - عز وجل - المجلد الثامن
(7/369)