Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 009


بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وعليه نتوكل
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: كتاب التوحيد.
لم يذكر في النسخ التي بأيدينا خطبة للكتاب من المؤلف، فإما أن تكون سقطت من النساخ وإما أن يكون المؤلف اكتفى بالترجمة لأنها عنوان على موضوع الكتاب وهو التوحيد، وقد ذكر المؤلف في هذه الترجمة عدة آيات.
والكتاب بمعنى: مكتوب أي مكتوب بالقلم، أو بمعنى مجموع من قولهم: كتيبة وهي المجموعة من الخيل.
والتوحيد في اللغة: مشتق من وحد الشيء إذا جعله واحدا؛ فهو مصدر وحد يوحد؛ أي: جعل الشيء واحدا.
وفي الشرع: إفراد الله سبحانه بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
أقسامه: ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
1 - توحيد الربوبية.
2 - توحيد الألوهية.
3 - توحيد الأسماء والصفات.
وقد اجتمعت في قوله تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]
القسم الأول: توحيد الربوبية:
هو إفراد الله - عز وجل - بالخلق، والملك، والتدبير.
فإفراده بالخلق: أن يعتقد الإنسان أنه لا خالق إلا الله، قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] ؛ فهذه الجملة تفيد الحصر لتقديم الخبر؛ إذ إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وقال تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}
(9/1)

[فاطر: 3] ؛ فهذه الآية تفيد اختصاص الخلق بالله، لأن الاستفهام فيها مشرب معنى التحدي.
أما ما ورد من إثبات خلق غير الله؛ كقوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] وكقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المصورين: يقال لهم «أحيوا ما خلقتم» .
فهذا ليس خلقا حقيقة، وليس إيجادا بعد عدم، بل هو تحويل للشيء من حال إلى حال، وأيضا ليس شاملا، بل محصور بما يتمكن الإنسان منه، ومحصور بدائرة ضيقة؛ فلا ينافي قولنا: إفراد الله بالخلق.
وأما إفراد الله بالملك:
فأن نعتقد أنه لا يملك الخلق إلا خالقهم؛ كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 189] وقال تعالى: {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [المؤمنون: 88] .
وأما ما ورد من إثبات الملكية لغير الله؛ كقوله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 6] وقال تعالى: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} [النور: 61] ؛ فهو ملك محدود لا يشمل إلا شيئا يسيرا من هذه المخلوقات؛ فالإنسان يملك ما تحت يده، ولا يملك ما تحت يد غيره، وكذا هو ملك قاصر من حيث الوصف؛ فالإنسان لا يملك ما عنده تمام الملك، ولهذا لا يتصرف فيه إلا على حسب ما أذن له فيه شرعا، فمثلا: لو أراد أن يحرق ماله أو يعذب حيوانه؛ قلنا: لا يجوز، أما الله سبحانه؛ فهو يملك ذلك كله ملكا عاما شاملا.
(9/2)

وأما إفراد الله بالتدبير:
فهو أن يعتقد الإنسان أنه لا مدبر إلا الله وحده؛ كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 31-32] .
وأما تدبير الإنسان؛ فمحصور بما تحت يده ومحصور بما أذن له فيه شرعا.
وهذا القسم من التوحيد لم يعارض فيه المشركون الذين بعث فيهم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل كانوا مقرين به، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 9] فهم يقرون بأن الله هو الذي يدبر الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، ولم ينكره أحد معلوم من بني آدم؛ فلم يقل أحد من المخلوقين: إن للعالم خالقين متساويين.
فلم يجحد أحد توحيد الربوبية، لا على سبيل التعطيل ولا على سبيل التشريك، إلا ما حصل من فرعون؛ فإنه أنكره على سبيل التعطيل مكابرة؛ فإنه عطل الله من ربوبيته وأنكر وجوده، قال تعالى حكاية عنه: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] ، {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] . وهذا مكابرة منه لأنه يعلم أن الرب غيره؛ كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] ، وقال تعالى حكاية عن موسى وهو يناظره: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الإسراء: 102] ؛ فهو في نفسه مقر بأن الرب هو الله عز وجل.
وأنكر توحيد الربوبية على سبيل التشريك المجوس، حيث قالوا: إن
(9/3)

للعالم خالقين هما الظلمة والنور، ومع ذلك لم يجعلوا هذين الخالقين متساويين، فهم يقولون: إن النور خير من الظلمة؛ لأنه يخلق الخير، والظلمة تخلق الشر، والذي يخلق الخير خير من الذي يخلق الشر.
وأيضا فإن الظلمة عدم لا يضيء، والنور وجود يضيء؛ فهو أكمل في ذاته.
ويقولون أيضا بفرق ثالث، وهو: أن النور قديم على اصطلاح الفلاسفة، واختلفوا في الظلمة: هل هي قديمة، أو محدثة؟ على قولين.
دلالة العقل على أن الخالق للعالم واحد:
قال الله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91] ، إذ لو أثبتنا للعالم خالقين؛ لكان كل خالق يريد أن ينفرد بما خلق ويستقل به كعادة الملوك؛ إذ لا يرضى أن يشاركه أحد، وإذا استقل به؛ فإنه يريد أيضا أمرا آخر، وهو أن يكون السلطان له لا يشاركه فيه أحد.
وحينئذ إذا أرادا السلطان؛ فإما أن يعجز كل واحد منهما عن الآخر، أو يسيطر أحدهما على الآخر؛ فإن سيطر أحدهما على الآخر ثبتت الربوبية له، وإن عجز كل منهما عن الآخر زالت الربوبية منهما جميعا؛ لأن العاجز لا يصلح أن يكون ربا.
القسم الثاني: توحيد الألوهية:
ويقال له: توحيد العبادة باعتبارين؛ فباعتبار إضافته إلى الله يسمى: توحيد الألوهية، وباعتبار إضافته إلى الخلق يسمى توحيد العبادة.
وهو إفراد الله عز وجل بالعبادة.
فالمستحق للعبادة هو الله تعالى، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ}
(9/4)

[لقمان: 30] .
والعبادة تطلق على شيئين:
الأول: التعبد: بمعنى التذلل لله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ محبة وتعظيما.
الثاني: المتعبد به؛ فمعناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ".
مثال ذلك: الصلاة؛ ففعلها عبادة، وهو التعبد، ونفس الصلاة عبادة، وهو المتعبد به.
فإفراد الله بهذا التوحيد: أن تكون عبدا لله وحده تفرده بالتذلل؛ محبة وتعظيما، وتعبده بما شرع، قال تعالى: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا} [الإسراء: 22] وقال تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ؛ فوصفه سبحانه بأنه رب العالمين كالتعليل لثبوت الألوهية له؛ فهو الإله لأنه رب العالمين، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21] ؛ فالمنفرد بالخلق هو المستحق للعبادة.
إذ من السفه أن تجعل المخلوق الحادث الآيل للفناء إلها تعبده؛ فهو في الحقيقة لن ينفعك لا بإيجاد ولا بإعداد ولا بإمداد، فمن السفه أن تأتي إلى قبر إنسان صار رميما تدعوه وتعبده، وهو بحاجة إلى دعائك، وأنت لست بحاجة إلى أن تدعوه؛ فهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا؛ فكيف يملكه لغيره؟ ‍‍‍‍‍‍!
وهذا القسم كفر به وجحده أكثر الخلق، ومن أجل ذلك أرسل
(9/5)

الله الرسل، وأنزل عليهم الكتب، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .
ومع هذا؛ فأتباع الرسل قلة، قال عليه الصلاة والسلام: «فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد» .
تنبيه:
من العجب أن أكثر المصنفين في علم التوحيد من المتأخرين يركزون على توحيد الربوبية، وكأنما يخاطبون أقواما ينكرون وجود الرب وإن كان يوجد من ينكر الرب، لكن ما أكثر المسلمين الواقعين في شرك العبادة!!
ولهذا ينبغي أن يركز على هذا النوع من التوحيد حتى نخرج إليه هؤلاء المسلمين الذين يقولون بأنهم مسلمون، وهم مشركون، ولا يعلمون.
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات:
وهو إفراد الله عز وجل بما له من الأسماء والصفات.
وهذا يتضمن شيئين:
الأول: الإثبات، وذلك بأن نثبت لله عز وجل جميع أسمائه وصفاته التي أثبتها لنفسه في كتابه أو سنة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الثاني: نفي المماثلة، وذلك بأن لا نجعل لله مثيلا في أسمائه وصفاته؛ كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] . فدلت هذه الآية على أن جميع صفاته لا يماثله فيها أحد من
(9/6)

المخلوقين؛ فهي وإن اشتركت في أصل المعنى، لكن تختلف في حقيقة الحال، فمن لم يثبت ما أثبته الله لنفسه؛ فهو معطل، وتعطيله هذا يشبه تعطيل فرعون، ومن أثبتها مع التشبيه صار مشابها للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ومن أثبتها بدون مماثلة صار من الموحدين.
وهذا القسم من التوحيد هو الذي ضلت فيه بعض الأمة الإسلامية وانقسموا فيه إلى فرق كثيرة؛ فمنهم من سلك مسلك التعطيل، فعطل، ونفى الصفات زاعما أنه منزه لله، وقد ضل؛ لأن المنزه حقيقة هو الذي ينفي عنه صفات النقص والعيب، وينزه كلامه من أن يكون تعمية وتضليلاَ، فإذا قال: بأن الله ليس له سمع، ولا بصر، ولا علم، ولا قدرة؛ لم ينزه الله، بل وصمه بأعيب العيوب، ووصم كلامه بالتعمية والتضليل؛ لأن الله يكرر ذلك في كلامه ويثبته، سميع بصير، عزيز حكيم، غفور رحيم، فإذا أثبته في كلامه وهو خال منه؛ كان في غاية التعمية والتضليل والقدح في كلام الله عز وجل، ومنهم من سلك مسلك التمثيل زاعما بأنه محقق لما وصف الله به نفسه، وقد ضلوا لأنهم لم يقدروا الله حق قدره؛ إذ وصموه بالعيب والنقص؛ لأنهم جعلوا الكامل من كل وجه كالناقص من كل وجه.
وإذا كان اقتران تفضيل الكامل على الناقص يحط من قدره؛ كما قيل:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
فكيف بتمثيل الكامل بالناقص؟! هذا أعظم ما يكون جناية في حق الله عز وجل، وإن كان المعطوف أعظم جرما، لكن الكل لم يقدر الله حق قدره.
(9/7)

فالواجب: أن نؤمن بما وصف الله وسمى به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم.
فالتحريف في النصوص، والتعطيل في المعتقد، والتكييف في الصفة، والتمثيل في الصفة، إلا أنه أخص من التكييف؛ فكل ممثل مكيف، ولا عكس، فيجب أن تبرأ عقيدتنا من هذه الأمور الأربعة.
ونعني بالتحريف هنا: التأويل الذي سلكه المحرفون لنصوص الصفات؛ لأنهم سموا أنفسهم أهل التأويل، لأجل تلطيف المسلك الذي سلكوه؛ لأن النفوس تنفرد من كلمة تحريف، لكن هذا من باب زخرفة القول وتزيينه للناس، حتى لا ينفروا منه.
وحقيقة تأويلهم: التحريف، وهو صرف اللفظ عن ظاهره؛ فنقول: هذا الصرف إن دل عليه دليل صحيح؛ فليس تأويلا بالمعنى الذي تريدون، لكنه تفسير.
وإن لم يدل عليه دليل؛ فهو تحريف، وتغيير للكلم عن مواضعه؛ فهؤلاء الذين ضلوا بهذه الطريقة، فصاروا يثبتون الصفات لكن بتحريف؛ قد ضلوا، وصاروا في طريق معاكس لطريق أهل السنة والجماعة.
وعليه لا يمكن أن يوصفوا بأهل السنة والجماعة؛ لأن الإضافة تقتضي النسبة، فأهل السنة منتسبون للسنة؛ لأنهم متمسكون بها، وهؤلاء ليسوا متمسكين بالسنة فيما ذهبوا إليه من التحريف.
وأيضا الجماعة في الأصل: الاجتماع، وهم غير مجتمعين في آرائهم؛ ففي كتبهم التداخل، والتناقض، والاضطراب، حتى إن بعضهم يضلل بعضا، ويتناقض هو بنفسه.
(9/8)

وقد نقل شارح "الطحاوية" عن الغزالي -وهو ممن بلغ ذروة علم الكلام- كلاما إذا قرأه الإنسان تبين له ما عليه أهل الكلام من الخطأ والزلل والخطل، وأنهم ليسوا على بينة من أمرهم.
وقال الرازي وهو من رؤسائهم:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ثم قال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] ؛ يعني: فأثبت، وأقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ؛ يعني: فأنفي المماثلة، وأنفي الإحاطة به علما، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
فتجدهم حيارى مضطربين، ليسوا على يقين من أمرهم، وتجد من هداه الله الصراط المستقيم مطمئنا منشرح الصدر، هادئ البال، يقرأ في كتاب الله وفي سنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات؛ فيثبت؛ إذ لا أحد أعلم من الله بالله، ولا أصدق خبرا من خبر الله، ولا أصح بيانا من بيان الله؛ كما قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} [النساء: 26] {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176] ، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] ، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] .
(9/9)

فهذه الآيات وغيرها تدل على أن الله يبين للخلق غاية البيان الطريق التي توصلهم إليه، وأعظم ما يحتاج الخلق إلى بيانه ما يتعلق بالله تعالى وبأسماء الله وصفاته حتى يعبدوا الله على بصيرة؛ لأن عبادة من لم نعلم صفاته، أو من ليس له صفة أمر لا يتحقق أبدا؛ فلا بد أن تعلم من صفات المعبود ما تجعلك تلتجئ إليه وتعبده حقا.
ولا يتجاوز الإنسان حده إلى التكييف أو التمثيل؛ لأنه إذا كان عاجزا عن تصور نفسه التي بين جنبيه؛ فمن باب أولى أن يكون عاجزا عن تصور حقائق ما وصف الله به نفسه، ولهذا يجب على الإنسان أن يمنع نفسه عن السؤال بـ "لم" و"كيف" فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وكذا يمنع نفسه من التفكير بالكيفية.
وهذا الطريق إذا سلكه الإنسان استراح كثيرا، وهذه حال السلف رحمهم الله، ولهذا لما جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس رحمه الله قال: يا أبا عبد الله! {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، كيف استوى؟ فأطرق برأسه وقال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا".
أما في عصرنا الحاضر؛ فنجد من يقول: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة،» فيلزم من هذا أن يكون كل الليل في السماء الدنيا؛ لأن الليل يمشي على جميع الأرض؛ فالثلث ينتقل من هذا المكان إلى المكان الآخر، وهذا لم يقله الصحابة رضوان الله عليهم، ولو كان هذا يرد على قلب المؤمن؛ لبينه الله إما ابتداء أو على لسان رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو يقيض من يسأله عنه فيجاب، كما «سأل الصحابة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أين كان الله قبل أن يخلق السماوات»
(9/10)

«والأرض؛ فأجابهم» .
فهذا السؤال العظيم يدل على أن كل ما يحتاج إليه الناس فإن الله يبينه بأحد الطرق الثلاثة.
والجواب عن الإشكال في حديث النزول: أن يقال: ما دام ثلث الليل الأخير في هذه الجهة باقيا؛ فالنزول فيها محقق، وفي غيرها لا يكون نزول قبل ثلث الليل الأخير أو النصف، والله عز وجل ليس كمثله شيء، والحديث يدل على أن وقت النزول ينتهي بطلوع الفجر.
وعلينا أن نستسلم، وأن نقول: سمعنا، وأطعنا، واتبعنا، وآمنا؛ فهذه وظيفتنا لا نتجاوز القرآن والحديث.
(9/11)

وقول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الأولى قوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} .
قوله {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} استثناء مفرغ من أعم الأحوال؛ أي: ما خلقت الجن والإنس لأي شيء إلا للعبادة.
واللام في قوله: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} للتعليل، وهذا التعليل لبيان الحكمة من الخلق، وليس التعليل الملازم للمعلول؛ إذ لو كان كذلك للزم أن يكون الخلق كلهم عبادا يتعبدون له، وليس الأمر كذلك، فهذه العلة غائية، وليست موجبة.
فالعلة الغائية لبيان الغاية والمقصود من هذا الفعل، لكنها قد تقع، وقد لا تقع، مثل: بريت القلم لأكتب به؛ فقد تكتب، وقد لا تكتب.
والعلة الموجبة معناها: أن المعلول مبني عليها؛ فلا بد أن تقع، وتكون سابقة للمعلول، ولازمة له، مثل: انكسر الزجاج لشدة الحر.
قوله: {خَلَقْتُ} ؛ أي: أوجدت، وهذا الإيجاد مسبوق بتقدير، وأصل الخلق التقدير.
قال الشاعر:
ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض الناس يخلق ثم لا يفري
قوله: {الْجِنَّ} : هم عالم غيبي مخفي عنا، ولهذا جاءت المادة من الجيم
(9/13)

والنون، وهما يدلان على الخفاء والاستتار، ومنه: الجَنة، والجِنة، والجُنة.
قوله: {وَالْإِنْسَ} سموا بذلك؛ لأنهم لا يعيشون بدون إيناس؛ فهم يأنس بعضهم ببعض، ويتحرك بعضهم إلى بعض.
قوله: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} فسر: إلا ليوحدون، وهذا حق، وفسر: بمعنى يتذللون لي بالطاعة فعلا للمأمور، وتركا للمحظور، ومن طاعته أن يوحد سبحانه وتعالى؛ فهذه هي الحكمة من خلق الجن والإنس.
ولهذا أعطي الله البشر عقولا، وأرسل إليهم رسلا، وأنزل عليهم كتبا، ولو كان الغرض من خلقهم كالغرض من خلق البهائم؛ لضاعت الحكمة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ لأنه في النهاية يكون كشجرة نبتت، ونمت، وتحطمت، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: 85] ؛ فلا بد أن يردك إلى معاد تجازى على عملك إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
وليست الحكمة من خلقهم نفع الله، ولهذا قال تعالى: {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذريات: 57] .
وأما قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [البقرة: 245] .
فهذا ليس إقراضا لله سبحانه، بل هو غني عنه، لكنه سبحانه شبه معاملة عبده له بالقرض؛ لأنه لا بد من وفائه، فكأنه التزام من الله سبحانه أن يوفي العامل أجر عمله كما يوفي المقترض من أقرضه
(9/14)

وقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الثانية قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت} [النحل: الآية36] .
قوله {وَلَقَدْ} : اللام موطأة لقسم مقدر، وقد: للتحقيق.
وعليه؛ فالجملة مؤكدة بالقسم المقدر، واللام، وقد.
قوله: {بَعَثْنَا} ؛ أي: أخرجنا، وأرسلنا في كل أمة.
والأمة هنا: الطائفة من الناس.
وتطلق الأمة في القرآن على أربعة معان:
أ - الطائفة: كما في هذه الآية.
ب - الإمام، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} [النحل: 120] .
ج - الملة: ومنه قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 23] .
د - الزمن: ومنه قوله تعالى: {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45] .
فكل أمة بعث فيها رسول من عهد نوح إلى عهد نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والحكمة من إرسال الرسل:
أ - إقامة الحجة: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}
(9/15)

[النساء: 165] .
ب - الرحمة: لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .
ج - بيان الطريق الموصل إلى الله تعالى؛ لأن الإنسان لا يعرف ما يجب لله على وجه التفصيل إلا عن طريق الرسل.
قوله: {أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ} "أن": قيل: تفسيرية، وهي التي سبقت بما يدل على القول دون حروفه؛ كقوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ} [المؤمنون: 27] ، والوحي فيه معنى القول دون حروفه، والبعث متضمن معنى الوحي؛ لأن كل رسول موحى إليه.
وقيل: إنها مصدرية على تقدير الباء؛ أي: بأن اعبدوا، والراجح: الأول؛ لعدم التقدير.
قوله: {أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ} أي: تذللوا له بالعبادة، وسبق تعريف العبادة. (1)
قوله: {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} أي: ابتعدوا عنه بأن تكونوا في جانب، وهو في جانب، والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو صفة مشبهة، والطغيان: مجاوزة الحد؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحاقة: 11] ؛ أي: تجاوز حده.
وأجمع ما قيل في تعريفه هو ما ذكره ابن القيم رحمه الله بأنه: "ما تجاوز به العبد حده من متبوع، أو معبود، أو مطاع".
ومراده من كان راضيا بذلك، أو يقال: هو طاغوت باعتبار عابده، وتابعه،
__________
(1) ص 5.
(9/16)

ومطيعه، لأنه تجاوز به حده حيث نزله فوق منزلته التي جعلها الله له، فتكون عبادته لهذا المعبود، واتباعه لمتبوعه، وطاعته لمطاعه طغيانا لمجاوزته الحد بذلك.
فالمتبوع مثل: الكهان، والسحرة، وعلماء السوء.
والمعبود مثل: الأصنام.
والمطاع مثل: الأمراء الخارجين عن طاعة الله، فإذا اتخذهم الإنسان أربابا يحل ما حرم الله من أجل تحليلهم له، ويحرم ما أحل الله من أجل تحريمهم له؛ فهؤلاء طواغيت، والفاعل تابع للطاغوت، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] ، ولم يقل: إنهم طواغيت.
ودلالة الآية على التوحيد: أن الأصنام من الطواغيت التي تعبد من دون الله.
والتوحيد لا يتم إلا بركنين، هما:
1 - الإثبات.
2 - النفي.
إذ النفي المحض تعطيل محض، والإثبات المحض لا يمنع المشاركة.
مثال ذلك: زيد قائم، يدل على ثبوت القيام لزيد، لكن لا يدل على انفراده به.
ولم يقم أحد، هذا نفي محض.
ولم يقم إلا زيد، هذا توحيد له بالقيام؛ لأنه اشتمل على إثبات ونفي.
قوله: " الآية " أي: إلى آخر الآية، وتقرأ بالنصب؛ إما على أنها مفعول به لفعل محذوف تقديره أكمل الآية، أو أنها منصوب بنزع الخافض؛ أي: إلى آخر الآية.
ووجه الاستشهاد بهذه الآية لكتاب التوحيد: أنها دالة على إجماع الرسل
(9/17)

وقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عليهم الصلاة والسلام على الدعوة إلى التوحيد، وأنهم أرسلوا به؛ لقوله تعالى: {أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}
الآية الثالثة قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} الآية.
قوله: قضى قضاء الله -عز وجل- ينقسم إلى قسمين:
1 - قضاء شرعي. 2 - قضاء كوني.
فالقضاء الشرعي: يجوز وقوعه من المقضي عليه وعدمه، ولا يكون إلا فيما يحبه الله.
مثال ذلك: هذه الآية: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] ؛ فتكون قضى بمعنى: شرع، أو بمعنى: وصى، وما أشبههما.
والقضاء الكوني: لا بد من وقوعه، ويكون فيما أحبه الله، وفيما لا يحبه.
مثال ذلك: قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 4] فالقضاء هنا كوني؛ لأن الله لا يشرع الفساد في الأرض، ولا يحبه.
قوله: أن لا تعبدوا. أن هنا مصدرية بدليل حذف النون من تعبدوا، والاستثناء هنا مفرغ؛ لأن الفعل لم يأخذ مفعوله؛ فمفعوله ما بعد إلا.
قوله: {إِلَّا إِيَّاهُ} ضمير نصب منفصل واجب الانفصال؛ لأن المتصل لا يقع بعد إلا، قال ابن مالك:
(9/18)

وذو اتصال منه ما لا يبتدا ... ولا يلي إلا اختيارا أبدا
إشكال وجوابه:
إذا قيل: ثبت أن الله قضى كونا ما لا يحبه؛ فكيف يقضي الله ما لا يحبه؟
فالجواب: أن المحبوب قسمان:
1 - محبوب لذاته.
2 - محبوب لغيره.
فالمحبوب لغيره قد يكون مكروها لذاته، ولكن يحب لما فيه من الحكمة والمصلحة؛ فيكون حينئذ محبوبا من وجه، مكروها من وجه آخر.
مثال ذلك: الفساد في الأرض من بني إسرائيل في حد ذاته مكروه إلى الله؛ لأن الله لا يحب الفساد، ولا المفسدين، ولكن للحكمة التي يتضمنها يكون بها محبوبا إلى الله -عز وجل- من وجه آخر.
ومن ذلك: القحط، والجدب، والمرض، والفقر، لأن الله رحيم لا يحب أن يؤذي عباده بشيء من ذلك، بل يريد بعباده اليسر، لكن يقدره للحكم المترتبة عليه؛ فيكون محبوبا إلى الله من وجه، مكروها من وجه آخر.
قال الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] .
فإن قيل: كيف يتصور أن يكون الشيء محبوبا من وجه مكروها من وجه آخر؟
فيقال: هذا الإنسان المريض يعطى جرعة من الدواء مرة كريهة الرائحة واللون، فيشربها، وهو يكرهها لما فيها من المرارة واللون والرائحة، ويحبها لما فيها من الشفاء، وكذا الطبيب يكوي المريض بالحديدة المحماة على النار، ويتألم منها؛ فهذا الألم مكروه له من وجه، محبوب له من وجه آخر.
(9/19)

فإن قيل: لماذا لم يكن قوله {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} من باب القضاء القدري؟
أجيب: بأنه لا يمكن؛ إذ لو كان قضاء قدريا لعبد الناس كلهم ربهم، لكنه قضاء شرعي قد يقع وقد لا يقع.
والخطاب في الآية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن قال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} ، ولم يقل: "أن لا تعبد"، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] ؛ فالخطاب الأول للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والثاني عام؛ فما الفائدة من تغيير الأسلوب؟
أجيب: إن الفائدة من ذلك:
1 - التنبيه؛ إذ تنبيه المخاطب أمر مطلوب للمتكلم، وهذا حاصل هنا بتغيير الأسلوب.
2 - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زعيم أمته، والخطاب الموجه إليه موجه لجميع الأمة.
3 - الإشارة إلى أن ما خوطب به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو له ولأمته؛ إلا ما دل الدليل على أنه مختص به.
4 - وفي هذه الآية خاصة الإشارة إلى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مربوب لا رب، عابد لا معبود؛ فهو داخل في قوله: تعبدوا، وكفى به شرفا أن يكون عبدا لله عز وجل، ولهذا يصفه الله تعالى بالعبودية في أعلى مقاماته؛ فقال في مقام التحدي والدفاع عنه: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة: 23] ، وقال في مقام إثبات نبوته ورسالته إلى الخلق: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] ، وقال في مقام الإسراء والمعراج {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] ، {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10] .
(9/20)

أقسام العبودية:
تنقسم العبودية إلى ثلاثة أقسام:
1 - عامة، وهي عبودية الربوبية، وهي لكل الخلق، قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] ، ويدخل في ذلك الكفار.
2 - عبودية خاصة، وهي عبودية الطاعة العامة، قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] ، وهذه تعم كل من تعبد لله بشرعه.
3 - خاصة الخاصة، وهي عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى عن نوح: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3] ، وقال عن محمد: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة: 23] ، وقال في آخرين من الرسل: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [صّ: 45] .
فهذه العبودية المضافة إلى الرسل خاصة الخاصة؛ لأنه لا يباري أحد هؤلاء الرسل في العبودية.
قوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} أي: قضى ربك أن نحسن بالوالدين إحسانا.
والوالدان: يشمل الأم، والأب، ومن فوقهما، لكنه في الأم والأب أبلغ، وكلما قربا منك كانا أولى بالإحسان، والإحسان بذل المعروف، وفي قوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} بعد قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} دليل على أن حق الوالدين بعد حق الله عز وجل.
فإن قيل: فأين حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
أجيب: بأن حق الله متضمن لحق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن الله لا يعبد إلا بما
(9/21)

وقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
شرع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقوله: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} أي: كف الأذى عنهما؛ ففي قوله: إحسانا: بذل المعروف، وفي قوله {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} : كف الأذى، ومعنى "أف": أتضجر؛ لأنك إذا قلته؛ فقد يتأذيان بذلك، وفي الآية إشارة إلى أنهما إذا بلغا الكبر صارا عبئا على ولدهما؛ فلا يتضجر من الحال، ولا ينهرهما في المقال إذا أساءا في الفعل أو القول.
قوله: {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} ، أي: لينا حسنا بهدوء وطمأنينة؛ كقولك: أعظم الله أجرك، أبشري يا أمي: أبشر يا أبي، وما أشبه ذلك؛ فالقول الكريم يكون في صيغته، وأدائه، والخطاب به، فلا يكون مزعجا كرفع الصوت مثلا، بل يتضمن الدعاء والإيناس لهما.
والشاهد من هذه الآية: قوله تعالى: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} : فهذا هو التوحيد لتضمنه للنفي والإثبات.
الآية الرابعة قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} ... الآية. {وَلَا تُشْرِكُوا} في مقابل "لا إله"؛ لأنها نفي.
وقوله: {وَاعْبُدُوا} في مقابل "إلا الله"؛ لأنها إثبات
وقوله: {شَيْئًا} نكرة في سياق النهي؛ فتعم كل شيء: لا نبيا، ولا ملكا، ولا وليا، بل ولا أمرا من أمور الدنيا؛ فلا تجعل الدنيا شريكا مع الله، والإنسان إذا كان همه الدنيا كان عابدا لها؛ كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تعس عبد الدينار،»
(9/22)

«تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة» .
قوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} يقال فيها ما قيل في الآية السابقة. (1)
قوله: {وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} ؛ أي: إحسانا.
وذو القربى هم من يجتمعون بالشخص في الجد الرابع؟
واليتامى: جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه، ولم يبلغ.
والمساكين: هم الذين عدموا المال فأسكنهم الفقر.
وابن السبيل: هو المسافر الذي انقطعت به النفقة.
قوله: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} الجار: الملاصق للبيت، أو من حوله، وذي القربى؛ أي: القريب، والجار الجنب؛ أي: الجار البعيد.
قوله: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} ، قيل: إنه الزوجة، وقيل: صاحبك في السفر؛ لأنه يكون إلى حنبك، ولكل منهما حق؛ فالآية صالحة لهما.
قوله: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} هذا يشمل الإحسان إلى الأرقاء والبهائم؛ لأن الجميع ملك اليمين.
قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} .
المختال: في هيئته.
والفخور: في قوله، والله لا يحب هذا ولا هذا.
__________
(1) انظر: (ص21) .
(9/23)

وقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151] الآيات.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الخامسة إلى السابعة قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} ...
الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أمره الله أن يقول للناس: تعالوا؛ أي أقبلوا، وهلموا، وأصله من العلو كأن المنادي يناديك أن تعلو إلى مكانه، فيقول: تعالى؛ أي ارتفع إلي.
وقوله: {أَتْلُ} بالجزم جوابا للأمر في قوله: تعالوا.
وقوله: {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} "ما" اسم موصول مفعول لأتل، والعائد محذوف، والتقدير: ما حرمه ربكم عليكم.
وقال: ربكم ولم يقل: ما حرم الله؛ لأن الرب هنا أنسب، حيث إن الرب له مطلق التصرف في المربوب، والحكم عليه بما تقتضيه حكمته.
قوله: {أَلَّا تُشْرِكُوا} أن تفسيرية، تفسر {أَتْلُ مَا حَرَّمَ} ؛ أي: أتلو عليكم ألا تشركوا به شيئا، وليست مصدرية، وقد قيل به، وعلى هذا القول تكون " لا" زائدة، ولكن القول الأول أصح؛ أي: أتل عليكم عدم الإشراك؛ لأن الله لم يحرم علينا أن لا نشرك به، بل حرم علينا أن نشرك به، ومما يؤيد أن "أن" تفسيرية أن "لا" هنا ناهية لتتناسب الجمل؛ فتكون كلها طلبية.
قوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ، أي: وأتل عليكم الأمر بالإحسان إلى الوالدين.
قوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ} ، بعد أن ذكر حق الأصول ذكر حق الفروع.
والأولاد في اللغة العربية: يشمل الذكر والأنثى، قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}
(9/24)

[النساء: 11] .
قوله: {مِنْ إِمْلَاقٍ} ، الإملاق: الفقر، ومن للسببية والتعليل؛ أي: بسبب الإملاق.
قوله: {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} ، أي: إذا أبقيتموهم؛ فإن الرزق لن يضيق عليكم بإبقائهم؛ لأن الذي يقوم بالرزق هو الله.
وبدأ هنا برزق الوالدين، وفي سورة الإسراء بدأ برزق الأولاد، والحكمة في ذلك أنه قال هنا: {مِنْ إِمْلَاقٍ} ؛ فالإملاق حاصل، فبدأ بذكر الوالدين الذين أملقا، وهناك قال: {خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31] ؛ فهما غنيان، لكن يخشيان الفقر، فبدأ برزق الأولاد قبل رزق الوالدين.
وتقييد النهي عن قتل الأولاد بخشية الإملاق بناء على واقع المشركين غالبا؛ فلا مفهوم له.
قوله: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ} ، لم يقل: لا تأتوا؛ لأن النهي عن القرب أبلغ من النهي عن الإتيان؛ لأن النهي عن القرب نهي عنها، وعما يكون ذريعة إليها، ولذلك حرم على الرجل أن ينظر إلى المرأة الأجنبية، وأن يخلو بها، وأن تسافر المرأة بلا محرم؛ لأن ذلك يقرب من الفواحش.
قوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ، قيل: ما ظهر فحشه، وما خفي؛ لأن الفواحش منها شيء مستفحش في نفوس جميع الناس، ومنها شيء فيه خفاء.
وقيل: ما أظهرتموه، وما أسررتموه؛ فالإظهار: فعل الزنا -والعياذ بالله- مجاهرة، والإبطان فعله سرا.
وقيل: ما عظم فحشه، وما كان دون ذلك؛ لأن الفواحش ليست على
(9/25)

حد سواء، ولهذا جاء في الحديث: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ، وهذا يدل على أن الكبائر فيها أكبر وفيها ما دون ذلك.
قوله: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} ، النفس التي حرم الله: هي النفس المعصومة، وهي نفس المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمِن؛ بكسر الميم.
والحق: ما أثبته الشرع.
والباطل: ما نفاه الشرع.
فمن الحق الذي أثبته الشرع في قتل النفس المعصومة أن يزني المحصن فيرجم حتى يموت، أو يقتل مكافئه، أو يخرج على الجماعة، أو يقطع الطريق؛ فإنه يقتل، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يحل دم أمرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة» .
وقال هناك: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} ، وقال قبلها: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ} ؛ فيكون النهي عن قتل الأولاد مكررا مرتين: مرة بذكر الخصوص، ومرة بذكر العموم.
وقوله: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} ، المشار إليه ما سبق، والوصية بالشيء هي العهد به على وجه الاهتمام، ولهذا يقال: وصيته على فلان؛ أي: عهدت به
(9/26)

إليه ليهتم به.
قوله: تعقلون، العقل هنا: حسن التصرف، وأما في قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3] ؛ فمعناه: تفهمون.
وفي هذا دليل على أن هذه الأمور إذا التزم بها الإنسان؛ فهو عاقل رشيد، وإذا خالفها؛ فهو سفيه ليس بعاقل.
وقد تضمنت هذه الآية خمس وصايا:
الأولى: توحيد الله.
الثانية: الإحسان بالوالدين.
الثالثة: أن لا نقتل أولادنا.
الرابعة: أن لا نقرب الفواحش.
الخامسة: أن لا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
قوله: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، قوله: {وَلَا تَقْرَبُوا} هذا حماية لأموال اليتامى أن لا نقربها إلا بالخصلة التي هي أحسن؛ فلا نقربها بأي تصرف إلا بما نرى أنه أحسن، فإذا لاح للولي تصرفان أحدهما أكثر ربحا؛ فالواجب عليه أن يأخذ بما هو أكثر ربحا لأنه أحسن.
والحسن هنا يشمل: الحسن الدنيوي، والحسن الديني، فإذا لاح تصرفان أحدهما أكثر ربحا وفيه ربا، والآخر أقل ربحا وهو أسلم من الربا؛ فنقدم الأخير؛ لأن الحسن الشرعي مقدم على الحسن الدنيوي المادي.
قوله: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} ، حتى هنا: حرف غاية؛ فما بعدها مخالف لما قبلها.
أي: إذا بلغ أشده؛ فإننا ندفعه إليه بعد أن نختبره، وننظر في حسن
(9/27)

تصرفه، ولا يجوز لنا أن نبقيه عندنا.
ومعنى أشده: قوته العقلية والبدنية، والخطاب هنا لأولياء اليتامى أو للحاكم على قول بعض أهل العلم، وبلوغ الأشد يختلف، والمراد به هنا الأشد الذي يكون به التكليف، وهو تمام خمس عشرة سنة، أو إنبات العانة أو الإنزال.
قوله: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} ، أي: أوفوا الكيل إذا كلتم فيما يكال من الأطعمة والحبوب.
وأوفوا الميزان: إذا وزنتم فيما يوزن؛ كاللحوم مثلا.
والأمر بالإيفاء شامل لجميع ما تتعامل به مع غيرك؛ فيجب عليك أن توفي بالكيل والوزن وغيرهما في التعامل.
قوله: بالقسط، أي: بالعدل، ولما كان قوله: بالقسط قد يشق بعض الأحيان؛ لأن الإنسان قد يفوته أن يوفي الكيل أو الوزن أحيانا، أعقب ذلك بقوله: {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ؛ أي: طاقتها، فإذا بذل جهده وطاقته، وحصل النقص؛ فلا يعد مخالفا؛ لأن ما خرج عن الطاقة معفو عنه فيه، كما أن هذه الجملة تفيد العفو من وجه، وهو ما خرج عن الوسع؛ فإنها تفيد التغليظ من وجه، وهو أن على المرء أن يبذل وسعه في الإيفاء بالقسط، ولكن متى تبين الخطأ وجب تلافيه لأنه داخل في الوسع.
قوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} ، معناه: أي قول تقوله؛ فإنه يجب عليك أن تعدل فيه، سواء كان ذلك لنفسك على غيرك، أو لغيرك على نفسك، أو لغيرك على غيرك، أو لتحكم بين اثنين؛ فالواجب العدل؛ إذ العدل في اللغة الاستقامة، وضده الجور والميل؛ فلا تمل يمينا ولا شمالا، ولم يقل هنا: {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ؛ لأن القول لا يشق فيه العدل غالبا.
(9/28)

قوله: {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} ، أي المقول له ذا قرابة؛ أي: صاحب قرابة؛ فلا تحابيه لقرابته، فتميل معه على غيره من أجله؛ فاجعل أمرك إلى الله عز وجل الذي خلقك، وأمرك بهذا وإليه سترجع، ويسألك عز وجل ماذا فعلت في هذه الأمانة.
وقد أقسم أشرف الخلق، وسيد ولد آدم، وأعدل البشر؛ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: «وأيم الله؛ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها» .
قوله: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} ، قدم المتعلق؛ للاهتمام به، وعهد الله: ما عهد به إلى عباده، وهي عبادته سبحانه وتعالى والقيام بأمره؛ كما قال عز وجل: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المائدة: 12] ، هذا ميثاق من جانب المخلوق، وقوله تعالى: {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [المائدة: 12] ، هذا من جانب الله عز وجل.
قوله: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ، هذه الآية الكريمة فيها أربع وصايا من الخالق عز وجل:
الأولى: أن لا نقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.
الثانية: أن نوفي الكيل والميزان بالقسط.
الثالثة: أن نعدل إذا قلنا.
(9/29)

الرابعة: أن نوفي بعهد الله.
والآية الأولى فيها خمس وصايا. صار الجميع تسع وصايا.
ثم قال عز وجل: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} ، هذه هي الوصية العاشرة؛ فقوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي} يحتمل أن المشار إليه ما سبق؛ لأنك لو تأملته وجدته محيطا بالشرع كله؛ إما نصا، وإما إيماء، ويحتمل أن المراد به ما علم من دين الله؛ أي: هذا الذي جاءكم به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو صراطي؛ أي: الطريق الموصل إليه سبحانه وتعالى.
والصراط يضاف إلى الله عز وجل ويضاف إلى سالكه؛ ففي قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] هنا أضيف إلى سالكه، وفي قوله تعالى: {صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 53] هنا أضيف إلى الله عز وجل؛ فإضافته إلى الله عز وجل لأنه موصل إليه، ولأنه هو الذي وضعه لعباده جل وعلا، وإضافته إلى سالكه لأنهم هم الذين سلكوه.
قوله: {مُسْتَقِيمًا} ، هذه حال من "صراط"؛ أي: حال كونه مستقيما لا اعوجاج فيه فاتبعوه.
قوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} السبل؛ أي: الطرق الملتوية الخارجة عنه.
وتفرق: فعل مضارع منصوب بأن بعد فاء السببية، لكن حذفت منه تاء المضارعة، وأصلها: "تتفرق"، أي أنكم إذا اتبعتم السبل تفرقت بكم عن سبيله، وتشتت بكم الأهواء وبعدت.
(9/30)

قال ابن مسعود: "من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي عليها خاتمه؛ فليقرأ قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} إلى قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} [الأنعام: 153] الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهنا قال: (السبل) : جمع سبيل، وفي الطريق التي أضافها الله إلى نفسه قال: (سبيله) سبيل واحد؛ لأن سبيل الله عز وجل واحد، وأما ما عداه، فسبل متعددة، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار؛ إلا واحدة» ؛ فالسبيل المنجي واحد، والباقية متشعبة متفرقة، ولا يرد على هذا قوله تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 16] ؛ لأن "سبل" في الآية الكريمة؛ وإن كانت مجموعة؛ لكن أضيفت إلى السلام فكانت منجية، ويكون المراد بها شرائع الإسلام.
وقوله: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، أي: ذلك المذكور وصاكم لتنالوا به درجة التقوى، والالتزام بما أمر الله به ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: قال ابن مسعود: "من أراد ... " إلخ. الاستفهام هنا للحث
(9/31)

والتشويق، واللام في قوله: " فليقرأ " للإرشاد.
قوله: "وصية محمد "، الوصية بمعنى العهد، ولا يكون العهد وصية إلا إذا كان في أمر هام.
وقوله: " محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "، أي: رسول الله محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا التعبير من ابن مسعود يدل على جواز مثله، مثل: قال محمد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ووصية محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ولا ينافي قوله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] ؛ لأن دعاء الرسول هنا أي: مناداته؛ فلا تقولوا عند المناداة: يا محمد! ولكن قولوا: يا رسول الله! أما الخبر؛ فهو أوسع من باب الطلب، ولهذا يجوز أن تقول: أنا تابع لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو اللهم! صل على محمد، وما أشبه ذلك.
قوله: "التي عليها خاتمه"، الخاتم بمعنى التوقيع.
وقوله: "وصية محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" ليست وصية مكتوبة مختوما عليها؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يوص بشيء، ويدل لذلك: «أن أبا جحيفة سأل علي بن أبي طالب: هل عهد إليكم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشيء؟ فقال: لا. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله تعالى في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قيل: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر» .
فلا يظن أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوصى بهذه الآيات وصية خاصة مكتوبة، لكن ابن مسعود رضي الله عنه يرى أن هذه الآيات قد شملت الدين كله؛ فكأنها الوصية التي ختم عليها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبقاها لأمته.
(9/32)

وعن معاذ بن جبل (رضي الله عنه) ؛ قال: «كنت رديف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حمار، فقال لي: "يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟) . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهي آيات عظيمة، إذا تدبرها الإنسان وعمل بها؛ حصلت له الأوصاف الثلاثة الكاملة: العقل، والتذكر، والتقوى.
وقوله: "فليقرأ قوله تعالى ... " إلخ الآيات، سبق الكلام عليها.
قوله: (رديف) ، بمعنى رادف؛ أي: راكب معه خلفه؛ فهو فعيل بمعنى فاعل، مثل: رحيم بمعنى راحم، وسميع بمعنى سامع.
قوله: (على حمار) ، أي: أهلي؛ لأن الوحشي لا يركب.
قوله: (أتدري) ، أي: أتعلم.
قوله: «ما حق الله على العباد؟» ، أي: ما أوجبه عليهم، وما يجب أن يعاملوه به، وألقاه على معاذ بصيغة السؤال؛ ليكون أشد حضورا لقلبه حتى يفهم ما يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: «وما حق العباد على الله؟» ، أي: ما يجب أن يعاملهم به، والعباد لم يوجبوا شيئا، بل الله أوجبه على نفسه فضلا منه على عباده، قال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54] .
(9/33)

«وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا". قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا» . أخرجاه في "الصحيحين"
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فأوجب سبحانه على نفسه أن يرحم من عمل سوءا بجهالة؛ أي: بسفه وعدم حسن تصرف، ثم تاب من بعد ذلك وأصلح.
ومعنى كتب؛ أي: أوجب.
قوله: (قلت: الله ورسوله أعلم) ، لفظ الجلالة الله: مبتدأ، و"رسوله": معطوف عليه، وأعلم: خبر المبتدأ، وأفرد الخبر هنا مع أنه لاثنين؛ لأنه على تقدير: "من"، واسم التفضيل إذا كان على تقدير: "من"؛ فإن الأشهر فيه الإفراد والتذكير.
والمعنى: أعلم من غيرهما، وأعلم مني أيضا.
قوله: (يعبدوه) أي: يتذللوا له بالطاعة.
قوله: «ولا يشركوا به شيئا» ، أي: في عبادته وما يختص به، وشيئا نكرة في سياق النفي؛ فتعم كل شيء لا رسولا ولا ملكا ولا وليا ولا غيرهم.
وقوله: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» ، وهذا الحق تفضل الله به على عباده، ولم يوجبه عليه أحد، ولا تظن أن قوله: «من لا»
(9/34)

«يشرك به شيئا» أنه مجرد عن العبادة؛ لأن التقدير: من يعبده ولا يشرك به شيئا، ولم يذكر قوله: "من يعبده"؛ لأنه مفهوم من قوله: «وحق العباد» ، ومن كان وصفه العبودية؛ فلا بد أن يكون عابدا.
ومن لم يعبد الله ولم يشرك به شيئا؛ هل يعذب؟
الجواب: نعم، يعذب؛ لأن الكلام فيه حذف، وتقديره: من يعبده ولا يشرك به شيئا، ويدل لهذا أمران:
الأول: قوله: «حق العباد» ، ومن كان وصفه العبودية؛ فلا بد أن يكون عابدا.
الثاني: أن هذا في مقابل قوله فيما تقدم: «أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا» ؛ فعلم أن المراد بقوله: «لا يشركوا به شيئا» ؛ أي: في العبادة.
قوله: «أفلا أبشر الناس» ، أي: أأسكت فلا أبشر الناس؟ ومثل هذا التركيب: الهمزة ثم حرف العطف ثم الجملة لعلماء النحو فيه قولان:
الأول: أن بين الهمزة وحرف العطف محذوفا يقدر بما يناسب المقام، وتقديره هنا: أأسكت فلا أبشر الناس؟
الثاني: أنه لا شيء محذوف، لكن هنا تقديم وتأخير، وتقديره: فألا أبشر؟ فالجملة معطوفة على ما سبق، وموضع الفاء سابق على الهمزة؛ فالأصل: فألا أبشر الناس؟ لكن لما كان مثل هذا التركيب ركيكا، وهمزة الاستفهام لها الصدارة؛ قدمت على حرف العطف، ومثل ذلك قوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17] ، وقوله تعالى: {أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27] ، وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [الحج: 46] .
والبشارة: هي الإخبار بما يسر.
وقد تستعمل في الإخبار بما يضر، ومنه قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}
(9/35)

فيه مسائل:
الأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس.
الثانية: أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الانشقاق: 24] ، لكن الأكثر الأول.
قوله: «لا تبشرهم» ، أي: لا تخبرهم، ولا ناهية.
ومعنى الحديث أن الله لا يعذب من لا يشرك به شيئا، وأن المعاصي تكون مغفورة بتحقيق التوحيد، ونهى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن إخبارهم؛ لئلا يعتمدوا على هذه البشرى دون تحقيق مقتضاها؛ لأن تحقيق التوحيد يستلزم اجتناب المعاصي؛ لأن المعاصي صادرة عن الهوى، وهذا نوع من الشرك، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] .
ومناسبة الحديث للترجمة: فضيلة التوحيد، وأنه مانع من عذاب الله.
المسائل:
الأولى: الحكمة من خلق الجن والإنس، أخذها رحمه الله من قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ؛ فالحكمة هي عبادة الله لا أن يتمتعوا بالمآكل والمشارب والمناكح.
الثانية: أن العبادة هي التوحيد، أي: أن العبادة مبنية على التوحيد؛ فكل عبادة لا توحيد فيها ليست بعباده، لا سيما أن بعض السلف فسروا قوله تعالى: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} : إلا ليوحدون
(9/36)

الثالثة: أن من لم يأت به؛ لم يعبد الله؛ ففيه معنى قوله: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون: 3] .
الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل.
الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا مطابق تماما لما استنبطه المؤلف رحمه الله من أن العبادة هي التوحيد؛ فكل عبادة لا تبنى على التوحيد فهي باطلة، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشركه» .
وقوله: "لأن الخصومة فيه "، أي: في التوحيد بين الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقريش؛ فقريش يعبدون الله يطوفون له ويصلون، ولكن على غير الإخلاص والوجه الشرعي؛ فهي كالعدم لعدم الإيتان بالتوحيد، قال تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} [التوبة: 54]
وقوله في الثالثة: ففيه معنى قوله: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} ، لستم عابدين عبادتي؛ لأن عبادتكم مبنية على الشرك، فليست بعبادة لله تعالى.
الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل، أخذها رحمه الله تعالى من قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .
فالحكمة هي: الدعوة إلى عبادة الله وحده، واجتناب عبادة الطاغوت.
الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة، أخذها من قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا} [النحل: 36] .
(9/37)

السادسة: أن دين الأنبياء واحد.
السابعة: المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت؛ ففيه معنى قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} [البقرة: 256] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السادسة: أن دين الأنبياء واحد، أخذها من قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} ، ومثله قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] ، وهذا لا ينافي قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] ؛ لأن الشرعة العملية تختلف باختلاف الأمم والأماكن والأزمنة، وأما أصل الدين؛ فواحد، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] .
السابعة: المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت. ودليله قوله تعالى: {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} ، فمن عبد الله ولم يكفر بالطاغوت؛ فليس بموحد، ولهذا جعل المؤلف رحمه الله هذه المسألة كبيرة؛ لأن كثيرا من المسلمين جهلها في زمانه وفي زماننا الآن.
تنبيه
لا يجوز إطلاق الشرك أو الكفر أو اللعن على من فعل شيئا من ذلك؛ لأن الحكم بذلك في هذه وغيرها له أسباب وله موانع؛ فلا نقول لمن أكل الربا: ملعون؛ لأنه قد يوجد مانع يمنع من حلول اللعنة عليه؛ كالجهل مثلا، أو الشبهة، وما أشبه ذلك، وكذا الشرك لا نطلقه على من فعل شركا؛ فقد تكون الحجة ما قامت عليه بسبب تفريط علمائهم، وكذا نقول: «من صام رمضان إيمانا»
(9/38)

الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله.
التاسعة: عظم شأن الثلاث آيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف، وفيها عشر مسائل، أولها النهي عن الشرك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه،» ولكن لا نحكم بهذا لشخص معين، إذ إن الحكم المعلق على الأوصاف لا ينطبق على الأشخاص إلا بتحقق شروط انطباقه وانتفاء موانعه.
فإذا رأينا شخصا يتبرز في الطريق؛ فهل نقول له: لعنك الله؟
الجواب: لا، إلا إذا أريد باللعن في قوله: «اتقوا الملاعن» (1) أن الناس أنفسهم يلعنون هذا الشخص ويكرهونه، ويرونه مخلا بالأدب مؤذيا للمسلمين؛ فهذا شيء آخر.
فدعاء القبر شرك، لكن لا يمكن أن نقول لشخص معين فعله: هذا مشرك؛ حتى نعرف قيام الحجة عليه، أو نقول: هذا مشرك باعتبار ظاهر حاله.
الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله. فكل ما عبد من دون الله؛ فهو طاغوت، وقد عرفه ابن القيم: بأنه كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فالمعبود كالصنم، والمتبوع كالعالم، والمطاع كالأمير.
التاسعة: عظم شأن الثلاث آيات المحكمات في سورة الأنعام، المحكمات؛
__________
(1) مسند الإمام أحمد 1/299، سنن أبي داود: كتاب الطهارة / باب المواضع التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التبول فيها، وابن ماجة: كتاب الطهارة/باب النهي عن الخلاء على قارعة الطريق، والحاكم ـ وقال: (صحيح) ، ووافقه الذهبي
(9/39)

العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها ثماني عشر مسألة، بدأها الله بقوله: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا} [الإسراء: 22] . وختمها بقوله: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 39] . ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} [الإسراء: 39] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أي: التي ليس فيها نسخ، أخذ ذلك من قول ابن مسعود رضي الله عنه.
العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء. وهي قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] ، وفيها ثماني عشرة مسألة بدأها بقوله تعالى: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا} ، وختمها بقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} .
وقد نبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله تعالى: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} .
فبدأها الله بالنهي عن الشرك بقوله تعالى: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا} ، والقاعد ليس قائما؛ لأنه لا خير لمن أشرك بالله، مذموما عند الله وعند أوليائه، مخذولا لا ينتصر في الدنيا ولا في الآخرة.
وختمها بقوله: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 39] ؛ فهذه عقوبته عندما يلقى في النار كل يلومه ويدحره فيندحر والعياذ بالله.
(9/40)

الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] .
الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند موته.
الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة. بدأها بقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} ، فأحق الحقوق حق الله، ولا تنفع الحقوق إلا به؛ فبدئت هذه الحقوق به، ولهذا «لما سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكيم بن حزام عمن كان يتصدق ويعتق ويصل رحمه في الجاهلية هل له من أجر؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أسلمت على ما أسلفت من الخير» ؛ فدل على أنه إذا لم يسلم لم يكن له أجر، فصارت الحقوق كلها لا تنفع إلا بتحقيق حق الله.
الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند موته. وذلك من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، ولكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يوص بها حقيقة، بل أشار إلى أننا إذا تمسكنا بكتاب الله؛ فلن نضل بعده، ومن أعظم ما جاء به كتاب الله قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] .
الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا. وذلك بأن نعبده ولا نشرك به شيئا.
(9/41)

الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه.
الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة.
السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه. وذلك بأن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، أما من أشرك؛ فإنه حقيق أن يعذب.
الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة. وذلك أن معاذا أخبر بها تأثما، أي خروجا من إثم الكتمان عند موته بعد أن مات كثير من الصحابة؛ وكأنه رضي الله عنه علم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخشى أن يفتتن الناس بها ويتكلوا، ولم يرد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتمها مطلقا؛ لأنه لو أراد ذلك لم يخبر بها معاذا ولا غيره.
السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة. هذه ليست على إطلاقها؛ إذ إن كتمان العلم على سبيل الإطلاق لا يجوز لأنه ليس بمصلحة، ولهذا أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذا ولم يكتم ذلك مطلقا، وأما كتمان العلم في بعض الأحوال، أو عن بعض الأشخاص لا على سبيل الإطلاق؛ فجائز للمصلحة؛ كما كتم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك عن بقية الصحابة خشية أن يتكلوا عليه، وقال لمعاذ: «لا تبشرهم فيتكلوا» .
ونظير هذا الحديث قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي هريرة: «بشر الناس أن من قال: لا إله»
(9/42)

السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره.
الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة» .
بل قد تقتضي المصلحة ترك العمل؛ وإن كان فيه مصلحة لرجحان مصلحة الترك، كما «هم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يهدم الكعبة ويبنيها على قواعد إبراهيم، ولكن ترك ذلك خشية افتتان الناس؛ لأنهم حديثو عهد بكفر»
السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره. لقوله: «أفلا أبشر الناس؟» ، وهذه من أحسن الفوائد.
الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله. وذلك لقوله: «لا تبشرهم فيتكلوا» ؛ لأن الاتكال على رحمة الله يسبب مفسدة عظيمة هي الأمن من مكر الله.
وكذلك القنوط من رحمة الله يبعد الإنسان من التوبة ويسبب اليأس من رحمة الله، ولهذا قال الإمام أحمد: " ينبغي أن يكون سائرا إلى الله بين الخوف والرجاء؛ فأيهما غلب هلك صاحبه"، فإذا غلب الرجاء أدى ذلك إلى الأمن من مكر الله، وإذا غلب الخوف أدى ذلك إلى القنوط من رحمة الله.
(9/43)

وقال بعض العلماء: إن كان مريضا غلب جانب الرجاء، وإن كان صحيحا غلب جانب الخوف.
وقال بعض العلماء: إذا نظر إلى رحمة الله وفضله غلب جانب الرجاء, وإذا نظر إلى فعله وعمله غلب جانب الخوف لتحصل التوبة.
ويستدلون بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] ؛ أي: خائفة أن لا يكون تقبل منهم لتقصير أو قصور، وهذا القول جيد، وقيل: يغلب الرجاء عند فعل الطاعة ليحسن الظن بالله، ويغلب جانب الخوف إذا هم بالمعصية لئلا ينتهك حرمات الله.
وفي قوله: «أفلا أبشر الناس؟» دليل على أن التبشير مطلوب فيما يسر من أمر الدين والدنيا، ولذلك بشرت الملائكة إبراهيم، قال تعالى: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات: 28] ، وهو إسحاق، والحليم إسماعيل، وبشر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهله بابنه إبراهيم، فقال: «ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم» ؛ فيؤخذ منه أنه ينبغي للإنسان إدخال السرور على إخوانه المسلمين ما أمكن بالقول أو بالفعل؛ ليحصل له بذلك خير كثير وراحة وطمأنينة قلب وانشراح صدر.
وعليه؛ فلا ينبغي أن يدخل السوء على المسلم، ولهذا يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لايحدثني أحد عن أحد بشيء؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» . (1)
__________
(1) مسند الإمام أحمد 1/396، وقال أحمد شاكر: إسناده حسن على الأقل. وسنن أبي داود: كتاب الأدب/باب في رفع الحديث من المجلس، ـ وسكت عنه ـ.
(9/44)

التاسعة عشرة: قول المسئول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا الحديث فيه ضعف، لكن معناه صحيح؛ لأنه إذا ذكر عندك رجل بسوء؛ فسيكون في قلبك عليه شيء ولو أحسن معاملتك، لكن إذا كنت تعامله وأنت لا تعلم عن سيئاته، ولا محذور في أن تتعامل معه؛ كان هذا طيبا، وربما يقبل منك النصيحة أكثر، والنفوس ينفر بعضها من بعض قبل الأجسام، وهذه مسائل دقيقة تظهر للعاقل بالتأمل.
التاسعة عشرة: قول المسئول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم، وذلك لإقرار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذا لما قالها، ولم ينكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على معاذ، حيث عطف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الله بالواو، «وأنكر على من قال: "ما شاء الله وشئت"، وقال: "أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده» . (1)
فيقال: إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنده من العلوم الشرعية ما ليس عند القائل، ولهذا لم ينكر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على معاذ.
بخلاف العلوم الكونية القدرية؛ فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس عنده علم منها.
فلو قيل: هل يحرم صوم العيدين؟
جاز أن نقول: الله ورسوله أعلم، ولهذا كان الصحابة إذا أشكلت عليهم المسائل ذهبوا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيبينها لهم، ولو قيل: هل يتوقع نزول مطر في هذا الشهر؟ لم يجز أن نقول: الله ورسوله أعلم؛ لأنه من العلوم الكونية.
__________
(1) مسند الإمام أحمد (1/214) ، وابن ماجة: كتاب الكفارات/باب النهي أن يُقال: ما شاء الله وشئت، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح (1839) .
(9/45)

العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض.
الحادية والعشرون: تواضعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لركوب الحمار مع الإرداف عليه.
الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض. وذلك لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خص هذا العلم بمعاذ دون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
فيجوز أن نخصص بعض الناس بالعلم دون بعض، حيث أن بعض الناس لو أخبرته بشيء من العلم افتتن، قال ابن مسعود: «إنك لن تحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» ، وقال علي: "حدثوا الناس بما يعرفون"، فيحدث كل أحد حسب مقدرته وفهمه وعقله.
الحادية والعشرون: تواضعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لركوب الحمار مع الإرداف عليه. النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشرف الخلق جاها، ومع ذلك هو أشد الناس تواضعا، حيث ركب الحمار وأردف عليه، وهذا في غاية التواضع؛ إذ إن عادة الكبراء عدم الإرداف، وركب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحمار، ولو شاء لركب ما أراد، ولا منقصة في ذلك؛ إذ إن من تواضع لله عز وجل رفعه.
الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة. وذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أردف معاذا لكن يشترط للإرداف أن لا يشق على الدابة، فإن شق؛ لم يجز ذلك.
(9/46)

الثالثة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة.
الرابعة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثالثة والعشرون: عظم شأن هذه المسالة. حيث أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذا، وجعلها من الأمور التي يبشر بها.
الرابعة والعشرون: فضيلة معاذ رضي الله عنه. وذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خصه بهذا العلم, وأردفه معه على الحمار.
(9/47)

باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سبق أن ذكر المؤلف كتاب التوحيد؛ أي: وجوب التوحيد، وأنه لا بد منه، وأن معنى قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذريات: 56] : أن العبادة لا تصح إلا بالتوحيد.
وهنا ذكر المؤلف فضل التوحيد، ولا يلزم من ثبوت الفضل للشيء أن يكون غير واجب، بل الفضل من نتائجه وآثاره.
ومن ذلك صلاة الجماعة ثبت فضلها بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» . متفق عليه.
ولا يلزم من ثبوت الفضل فيها أن تكون غير واجبة؛ إذ إن التوحيد أوجب الواجبات، ولا تقبل الأعمال إلا به، ولا يتقرب العبد إلى ربه إلا به، ومع ذلك ففيه فضل.
قوله: "وما يكفر من الذنوب". معطوف على "فضل"؛ فيكون المعنى: باب فضل التوحيد، وباب ما يكفر من الذنوب، وعلى هذا؛ فالعائد محذوف والتقدير ما يكفره من الذنوب، وعقد هذا الباب لأمرين:
الأول: بيان فضل التوحيد.
الثاني: بيان ما يكفره من الذنوب؛ لأن من آثار فضل التوحيد تكفير الذنوب.
(9/48)

وقول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} الآية [الأنعام: 82] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فمن فوائد التوحيد:
1 - أنه أكبر دعامة للرغبة في الطاعة؛ لأن الموحد يعمل لله سبحانه وتعالى؛ وعليه فهو يعمل سرا وعلانية، أما غير الموحد؛ كالمرائي مثلا؛ فإنه يتصدق ويصلي، ويذكر الله إذا كان عنده من يراه فقط، ولهذا قال بعض السلف: "إني لأود أن أتقرب إلى الله بطاعة لا يعلمها إلا هو".
2 - أن الموحدين لهم الأمن وهم مهتدون؛ كما قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] .
قوله: {وَلَمْ يَلْبِسُوا} ، أي: يخلطوا.
قوله: {بِظُلْمٍ} ، الظلم هنا ما يقابل الإيمان، وهو الشرك، «ولما نزلت هذه الآية شق ذلك على الصحابة، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ليس الأمر كما تظنون، إنما المراد به الشرك، ألم تسمعوا إلى قول الرجل الصالح يعني لقمان: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ؟» .
والظلم أنواع:
1 - أظلم الظلم، وهو الشرك في حق الله.
(9/49)

2 - ظلم الإنسان نفسه؛ فلا يعطيها حقها، مثل أن يصوم فلا يفطر، ويقوم فلا ينام.
3 - ظلم الإنسان غيره، مثل أن يتعدى على شخص بالضرب، أو القتل أو أخذ مال، أو ما أشبه ذلك.
وإذا انتفى الظلم؛ حصل الأمن، لكن هل هو أمن كامل؟
الجواب: أنه إن كان الإيمان كاملا لم يخالطه معصية؛ فالأمن أمن مطلق، أي كامل، وإذا كان الإيمان مطلق إيمان -غير كامل- فله مطلق الأمن؛ أي: أمن ناقص.
مثال ذلك: مرتكب الكبيرة، آمن من الخلود في النار، وغير آمن من العذاب، بل هو تحت المشيئة، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116] .
وهذه الآية قالها الله تعالى حكما بين إبراهيم وقومه حين قال لهم: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ} إلى قوله: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 81، 82] ؛ فقال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} الآية [الأنعام: 82] ، على أنه قد يقول قائل: إنها من كلام إبراهيم ليبين لقومه، ولهذا قال بعدها: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} [الأنعام: 83] .
قوله: {الْأَمْنُ} ، ال فيها للجنس، ولهذا فسرنا الأمن بأنه إما أمن مطلق، وإما مطلق أمن حسب الظلم الذي تلبس به.
قوله: {وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ، أي: في الدنيا إلى شرع الله بالعلم والعمل؛ فالاهتداء بالعلم هداية الإرشاد كما قال الله تعالى في أصحاب الجحيم: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ}
(9/50)

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من شهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» أخرجاه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الصافات: 22-23] .
والاهتداء بالعمل: هداية توفيق، وهم مهتدون في الآخرة إلى الجنة.
فهذه هداية الآخرة، وهي للذين ظلموا إلى صراط الجحيم؛ فيكون مقابلها أن الذين آمنوا ولم يظلموا يهدون إلى صراط النعيم.
وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ} : إن الأمن في الآخرة، والهداية في الدنيا، والصواب أنها عامة بالنسبة للأمن والهداية في الدنيا والآخرة.
مناسبة الآية للترجمة:
أن الله أثبت الأمن لمن لم يشرك، والذي لم يشرك يكون موحدا؛ فدل على أن من فضائل التوحيد استقرار الأمن.
قوله: «من شهد أن لا إله إلا الله» ، الشهادة لا تكون إلا عن علم سابق، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] ، وهذا العلم قد
(9/51)

يكون مكتسبا وقد يكون غريزيا.
فالعلم بأنه لا إله إلا الله غريزي، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كل مولود يولد على الفطرة» .
وقد يكون مكتسبا، وذلك بتدبر آيات الله، والتفكر فيها.
ولا بد أن يوجد العلم بلا إله إلا الله ثم الشهادة بها.
قوله: أن، مخففة من الثقيلة، والنطق بأن مشددة خطأ؛ لأن المشددة لا يمكن حذف اسمها، والمخففة يمكن حذفه.
قوله: لا إله، أي: لا مألوه، وليس بمعنى لا آله، والمألوه: هو المعبود محبة وتعظيما، تحبه وتعظمه لما تعلم من صفاته العظيمة وأفعاله الجليلة.
قوله: إلا الله، أي: لا مألوه إلا الله، ولهذا حكي عن قريش قولهم: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [صّ: 5] .
أما قوله تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [هود: 101] ؛ فهذا التأله باطل؛ لأنه بغير حق، فهو منفي شرعا، وإذا انتفى شرعا؛ فهو كالمنتفي وقوعا؛ فلا قرار له، {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [ابراهيم: 26]
وبهذا يحصل الجمع بين قوله تعالى {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ} [هود: 101] ، وقوله تعالى حكاية عن قريش: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص: 5] ، وبين قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 62] ؛ فهذه الآلهة مجرد أسماء لا معاني لها ولا حقيقة؛ إذ هي باطلة شرعا، لا تستحق أن تسمى آلهة؛
(9/52)

لأنها لا تنفع ولا تضر، ولا تخلق ولا ترزق؛ كما قال تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [يوسف: 40]
التوحيد عند المتكلمين:
يقولون: إن معنى إله: آله، والآله: القادر على الاختراع؛ فيكون معنى لا إله إلا الله: لا قادر على الاختراع إلا الله.
والتوحيد عندهم: أن توحد الله، فتقول: هو واحد في ذاته، لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا شبيه له، ولو كان هذا معنى لا إله إلا الله؛ لما أنكرت قريش على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعوته ولآمنت به وصدقت؛ لأن قريشا تقول: لا خالق إلا الله، ولا خالق أبلغ من كلمة لا قادر؛ لأن القادر قد يفعل وقد لا يفعل، أما الخالق؛ فقد فعل وحقق بقدرة منه، فصار فهم المشركين خيرا من فهم هؤلاء المتكلمين والمنتسبين للإسلام؛ فالتوحيد الذي جاءت به الرسل في قوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] ؛ أي من إله حقيقي يستحق أن يعبد، وهو الله.
ومن المؤسف أنه يوجد كثير من الكتاب الآن الذين يكتبون في هذه الأبواب تجدهم عندما يتكلمون على التوحيد لا يقررون أكثر من توحيد الربوبية، وهذا غلط ونقص عظيم، ويجب أن نغرس في قلوب المسلمين توحيد الألوهية أكثر من توحيد الربوبية؛ لأن توحيد الربوبية لم ينكره أحد إنكارا حقيقيا، فكوننا لا نقرر إلا هذا الأمر الفطري المعلوم بالعقل، ونسكت عن الأمر الذي يغلب فيه الهوى هو نقص عظيم؛ فعبادة غير الله هي التي يسيطر فيها هوى الإنسان على نفسه حتى يصرفه عن عبادة الله وحده، فيعبد الأولياء ويعبد هواه، حتى جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي همه الدرهم والدينار ونحوهما
(9/53)

عابدا، وقال الله عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] .
فالمعاصي من حيث المعنى العام أو الجنس العام يمكن أن نعتبرها من الشرك.
وأما بالمعنى الأخص؛ فتنقسم إلى أنواع:
1 - شرك أكبر.
2 - شرك أصغر.
3 - معصية كبيرة.
4 - معصية صغيرة.
وهذه المعاصي منها ما يتعلق بحق الله، ومنها ما يتعلق بحق الإنسان نفسه، ومنها ما يتعلق بحق الخلق.
وتحقيق لا إله إلا الله أمر في غاية الصعوبة، ولهذا قال بعض السلف: "كل معصية؛ فهي نوع من الشرك".
وقال بعض السلف: "ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص"، ولا يعرف هذا إلا المؤمن، أما غير المؤمن؛ فلا يجاهد نفسه على الإخلاص، ولهذا قيل لابن عباس: "إن اليهود يقولون: نحن لا نوسوس في الصلاة. قال: فما يصنع الشيطان بقلب خرب؟! "؛ فالشيطان لا يأتي ليخرب المهدوم، ولكن يأتي ليخرب المعمور، ولهذا «لما شكي إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الرجل يجد في نفسه ما يستعظم أن يتكلم به؛ قال: "وجدتم ذلك؟ ". قالوا: نعم. قال: "ذاك صريح الإيمان» ؛ أي: أن ذاك هو العلامة البينة على أن إيمانكم
(9/54)

صريح لأنه ورد عليه، ولا يرد إلا على قلب صحيح خالص.
قوله: «من شهد أن لا إله إلا الله» ، من: شرطية، وجواب الشرط: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» .
والشهادة: هي الاعتراف باللسان، والاعتقاد بالقلب، والتصديق بالجوارح، ولهذا لما قال المنافقون للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1] ، وهذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات: الشهادة، وإن، واللام، كذبهم الله بقوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] ؛ فلم ينفعهم هذا الإقرار باللسان لأنه خال من الاعتقاد بالقلب، وخال من التصديق بالعمل، فلم ينفع؛ فلا تتحقق الشهادة إلا بعقيدة في القلب، واعتراف باللسان، وتصديق بالعمل.
وقوله: «لا إله إلا الله» ، أي: لا معبود على وجه يستحق أن يعبد إلا الله, وهذه الأصنام التي تعبد لا تستحق العبادة؛ لأنه ليس فيها من خصائص الألوهية شيء.
قوله: " وحده لا شريك له "، وحده: توكيد للإثبات، لا شريك له: توكيد للنفي في كل ما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
ولهذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيره من المؤمنين يلجئون إلى الله تعالى عند الشدائد؛ فقد «جاء أعرابي إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعنده أصحابه، وقد علق سيفه على شجرة فاخترطه الأعرابي، وقال: من يمنعك مني؟ قال: "يمنعني الله» ، ولم
(9/55)

يقل أصحابي، وهذا هو تحقيق توحيد الربوبية؛ لأن الله هو الذي يملك النفع، والضر، والخلق، والتدبير، والتصرف في الملك؛ إذ لا شريك له فيما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
وقولنا فيما يختص به حتى نسلم من شبهات كثيرة، منها شبهات النافين للصفات؛ لأن النافين للصفات زعموا أن إثبات الصفات إشراك بالله عز وجل، حيث قالوا؛ يلزم من ذلك التمثيل، لكننا نقول: للخالق صفات تختص به، وللمخلوق صفات تختص به.
قوله: " وأن محمدا "، محمد: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي، الهاشمي، خاتم النبيين.
وقوله: "عبده "؛ أي: ليس شريكا مع الله.
وقوله: " ورسوله "؛ أي: المبعوث بما أوحي إليه؛ فليس كاذبا على الله.
فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد مربوب، جميع خصائص البشرية تلحقه ما عدا شيئا واحدا، وهو ما يعود إلى أسافل الأخلاق؛ فهو منزه معصوم منه، قال تعالى {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعراف: 188] ، وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الجن: 21، 22] .
فهو بشر مثلنا؛ إلا أنه يوحى إليه، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [فصلت: 6] ،
ومن قال: إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس له ظل، أو أن نوره يطفئ ظله إذا مشى في الشمس؛ فكله كذب باطل، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: «كنت أمد رجلي بين يديه، وتعتذر بأن البيوت ليس فيها مصابيح» ، فلو كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له نور؛ لم
(9/56)

تعتذر رضي الله عنها، ولكنه الغلو الذي أفسد الدين والدنيا، والعياذ بالله.
ومن الغلو قول البوصيري في "البردة" المشهورة:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن آخذا يوم المعاد يدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
قال ابن رجب وغيره: إنه لم يترك لله شيئا ما دامت الدنيا والآخرة من جود الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ونشهد أن من يقول هذا؛ ما شهد أن محمدا عبد الله، بل شهد أن محمدا فوق الله! كيف يصل بهم الغلو إلى هذا الحد؟!
وهذا الغلو فوق غلو النصارى الذين قالوا: إن المسيح ابن الله، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة.
هم قالوا فوق ذلك، قالوا: إن الله يقول: «من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وأنا مع عبدي إذا ذكرني» ، والرسول معنا إذا ذكرناه، ولهذا كان أولئك الغلاة ليلة المولد إذا تلى التالي "المخرف" كلمة المصطفى قاموا جميعا قيام رجل واحد، يقولون: لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حضر مجلسنا بنفسه، فقمنا إجلالا له، والصحابة رضي الله عنهم أشد إجلالا منهم ومنا، ومع ذلك إذا دخل عليهم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو حي يكلمهم لا يقومون له، وهؤلاء يقومون إذا تخيلوا أو جاءهم شبح إن كانوا يشاهدون شيئا؛ فانظر كيف بلغت بهم عقولهم
(9/57)

إلى هذا الحد! فهؤلاء ما شهدوا أن محمدا عبد الله ورسوله، وهؤلاء المخرفون مساكين، إن نظرنا إليهم بعين القدر؛ فنرق لهم، ونسأل الله لهم السلامة والعافية، وإن نظرنا إليهم بعين الشرع؛ فإننا يجب أن ننابذهم بالحجة حتى يعودوا إلى الصراط المستقيم، «والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشد الناس عبودية لله، أخشاهم لله، وأتقاهم لله، قام يصلي حتى تورمت قدماه، وقيل له في ذلك؛ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا» وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، هذا تحقيق العبادة العظيمة.
أما الرسالة؛ فهو رسول أرسله الله عز وجل بأعظم شريعة إلى جميع الخلق، فبلغها غاية البلاغ، مع أنه أوذي وقوتل، حتى إنهم جاءوا بسلا الجزور وهو ساجد عند الكعبة ووضعوه على ظهره، كل ذلك كراهية له ولما جاء به، ومع ذلك صبر، يلقون الأذى والأنتان والأقذار على عتبة بابه، لكن هذا للنبي الكريم امتحان من الله عز وجل؛ لأجل أن يتبين صبره وفضله، يخرج ويقول: «أي جوار هذا يا بني عبد مناف؟» (1) ، فصبر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ حتى فتح الله عليه، وأنذر أم القرى ومن حولها، ثم إنه حمل هذه الشريعة من بعده أشد الناس أمانة وأقواهم على الاتباع؛ الصحابة رضي الله عنهم، وأدوها إلى الأمة نقية سليمة، ولله الحمد.
ونحب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لله وفي الله؛ فحب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حب الله،
__________
(1) ذكره ابن هشام في (السيرة النبوية) (2/416) ، وابن كثير في (البداية والنهاية) (3/133) .
(9/58)

ونقدمه على أنفسنا وأهلنا وأولادنا والناس أجمعين، وأحببناه من أجل أنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ونحقق شهادة أن محمدا رسول الله، وذلك بأن نعتقد ذلك بقلوبنا، ونعترف به بألسنتنا، ونطبق ذلك في متابعته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بجوارحنا، فنعمل بهديه، ولا نعمل له.
أما ما ينقض تحقيق هذه الشهادة؛ فهو:
1 - فعل المعاصي؛ فالمعصية نقص في تحقيق هذه الشهادة؛ لأنك خرجت بمعصيتك من اتباع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
2 - الابتداع في الدين ما ليس منه؛ لأنك تقربت إلى الله بما لم يشرعه الله ولا رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والابتداع في الدين في الحقيقة من الاستهزاء بالله؛ لأنك تقربت إليه بشيء لم يشرعه.
فإن قال قائل: أنا نويت التقرب إلى الله بهذا العمل الذي ابتدعه.
قيل له: أنت أخطأت الطريق؛ فتعذر على نيتك، ولا تعذر على مخالفة الطريق متى علمت الحق.
فالمبتدعون قد يقال: إنهم يثابون على حسن نيتهم إذا كانوا لا يعلمون الحق، ولكننا نخطئهم فيما ذهبوا إليه، أما أئمتهم الذين علموا الحق، ولكن ردوه ليبقوا جاههم؛ ففيهم شبه بأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة، وغيرهم الذين قابلوا رسالة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرد إبقاء على رئاستهم وجاههم.
أما بالنسبة لأتباع هؤلاء الأئمة فينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: الذين جهلوا الحق، فلم يعلموا عنه شيئا، ولم يحصل منهم تقصير في طلبه، حيث ظنوا أن ما هم عليه هو الحق؛ فهؤلاء معذورون.
القسم الثاني: من علموا الحق، ولكنهم ردوه تعصبا لأئمتهم؛ فهؤلاء لا
(9/59)

يعذرون، وهم كمن قال الله فيهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 22] .
قوله: «"وأن عيسى عبد الله ورسوله» ، الكلام فيها كالكلام في شهادة أن محمدا رسول الله، إلا أننا نؤمن برسالة عيسى، ولا يلزمنا اتباعه إذا خالفت شريعته شريعتنا.
فشريعة من قبلنا لها ثلاث حالات:
الأولى: أن تكون مخالفة لشريعتنا؛ فالعمل على شرعنا.
الثانية: أن تكون موافقة لشريعتنا؛ فنحن متبعون لشريعتنا.
الثالثة: أن يكون مسكوتا عنها في شريعتنا، وفي هذه الحال اختلف علماء الأصول: هل نعمل بها، أو ندعها؟
والصحيح أنها شرع لنا، ودليل ذلك:
1 - قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] .
2 - قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] .
وقد تطرف في عيسى طائفتان:
الأولى: اليهود كذبوه، فقالوا: بأنه ولد زنى، وأن أمه من البغايا، وأنه ليس بنبي، وقتلوه شرعا؛ أي: محكوم عليهم عند الله أنهم قتلوه في حكم الله الشرعي؛ لقوله تعالى عنهم: {إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} [النساء: 157] ، وأما بالنسبة لحكم الله القدري؛ فقد كذبوا، وما قتلوه يقينا، بل رفعه الله إليه، ولكن شبه لهم، فقتلوا المشبه لهم وصلبوه.
الثانية: النصارى قالوا: إنه ابن الله، وإنه ثالث ثلاثة، وجعلوه إلها مع الله، وكذبوا فيما قالوا.
(9/60)

أما عقيدتنا نحن فيه: فنشهد أنه عبد الله ورسوله، وأن أمه صديقة؛ كما أخبر الله تعالى بذلك، وأنها أحصنت فرجها، وأنها عذراء، ولكن مثله عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له: كن؛ فيكون.
وفي قوله: " عبد الله "، رد على النصارى.
وفي قوله: " ورسوله "، رد على اليهود.
قوله: «وكلمته ألقاها إلى مريم» ، أطلق الله كلمة؛ لأنه خلق بالكلمة عليه السلام؛ فالحديث ليس على ظاهره؛ إذ عيسى عليه السلام ليس كلمة؛ لأنه يأكل، ويشرب، ويبول، ويتغوط، وتجري عليه جميع الأحوال البشرية قال الله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]
وعيسى عليه السلام ليس كلمة الله؛ إذ إن كلام الله وصف قائم به، لا بائن منه، أما عيسى؛ فهو ذات بائنة عن الله سبحانه، يذهب ويجيء، ويأكل الطعام ويشرب.
قوله: «ألقاها إلى مريم» ، أي: وجهها إليها بقوله: {كُنْ فَيَكُونُ} ؛ كما قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]
ومريم ابنة عمران ليست أخت موسى وهارون عليهما السلام كما يظنه بعض الناس، ولكن كما قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم؛ فهارون أخو مريم، ليس هارون أخا موسى، بل هو آخر يسمى باسمه،
(9/61)

وكذلك عمران سمي باسم أبي موسى.
قوله: «وروح منه» ، أي: صار جسده عليه السلام بالكلمة، فنفخت فيه هذه الروح التي هي من الله؛ أي: خلق من مخلوقاته أضيفت إليه تعالى للتشريف والتكريم.
وعيسى عليه السلام ليس روحا، بل جسد ذو روح، قال الله تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75]
فبالنفخ صار جسدا، وبالروح صار جسدا وروحا.
قوله: «منه» هذه هي التي أضلت النصارى، فظنوا أنه جزء من الله فضلوا وأضلوا كثيرا، ولكننا نقول: إن الله قد أعمى بصائركم؛ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور؛ فمن المعلوم أن عيسى عليه السلام كان يأكل الطعام، وهذا شيء معروف، ومن المعلوم أيضا أن اليهود يقولون: إنهم صلبوه، وهل يمكن لمن كان جزءا من الرب أن ينفصل عن الرب ويأكل ويشرب ويدعى أنه قتل وصلب؟
وعلى هذا تكون "من" للابتداء، وليست للتبعيض؛ فهي كقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13] ؛ فلا يمكن أن نقول: إن الشمس والقمر والأنهار جزءا من الله، وهذا لم يقل به أحد.
فقوله: "منه"؛ أي: صادرة من الله - عز وجل -، وليست جزء من الله كما تزعم النصارى.
واعلم أن ما أضافه الله إلى نفسه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: العين القائمة بنفسها، وإضافتها إليه من باب إضافة المخلوق إلى
(9/62)

خالقه، وهذه الإضافة قد تكون على سبيل عموم الخلق؛ كقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13] ، وقوله تعالى: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [العنكبوت: 56] .
وقد تكون على سبيل الخصوص لشرفه؛ كقوله تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [الحج: 26] ، وكقوله تعالى: {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} [الشمس: 13] ، وهذا القسم مخلوق.
الثاني: أن يكون شيئا مضافا إلى عين مخلوقة يقوم بها، مثاله قوله تعالى: {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] ؛ فإضافة هذه الروح إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفا؛ فهي روح من الأرواح التي خلقها الله، وليست جزء أو روحا من الله؛ إذ أن هذه الروح حلت في عيسى عليه السلام، وهو عين منفصلة عن الله، وهذا القسم مخلوق أيضا.
الثالث: أن يكون وصفا غير مضاف إلى عين مخلوقة، مثال ذلك قوله تعالى: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف: 144] ، فالرسالة والكلام أضيفا إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فإذا أضاف الله لنفسه صفة؛ فهذه الصفة غير مخلوقة، وبهذا يتبين أن هذه الأقسام الثلاثة: قسمان منها مخلوقان، وقسم غير مخلوق.
فالأعيان القائمة بنفسها والمتصل بهذه الأعيان مخلوقة، والوصف الذي لم يذكر له عين يقوم بها غير مخلوق؛ لأنه يكون من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقه.
وقد اجتمع القسمان في قوله: " كلمته، وروح منه"؛ فكلمته هذه وصف مضاف إلى الله، وعلى هذا؛ فتكون كلمته صفة من صفات الله.
(9/63)

ولهما في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال:»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وروح منه: هذه أضيفت إلى عين؛ لأن الروح حلت في عيسى؛ فهي مخلوقة
قوله: «أدخله الله الجنة» ، إدخال الجنة ينقسم إلى قسمين:
الأول: إدخال كامل لم يسبق بعذاب لمن أتم العمل.
الثاني: إدخال ناقص مسبوق بعذاب لمن نقص العمل.
فالمؤمن إذا غلبت سيئاته حسناته إن شاء الله عذبه بقدر عمله، وإن شاء لم يعذبه، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116] .
قوله: " عتبان "، هو «عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله عنه، كان يصلي بقومه، فضعف بصره، وشق عليه الذهاب إليهم، فطلب من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يخرج إليه وأن يصلي في مكان من بيته ليتخذه مصلى، فخرج إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه طائفة من أصحابه، منهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما دخل البيت؛ قال "أين تريد أن أصلي؟ ". قال: صل هاهنا. وأشار إلى ناحية من البيت، فصلى بهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ركعتين، ثم جلس على طعام صنعوه له، فجعلوا يتذاكرون، فذكروا رجلا يقال له: مالك بن الدخشم، فقال بعضهم: هو»
(9/64)

«لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«منافق. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تقل هكذا؛ أليس قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله؟! ". ثم قال: "فإن الله حرم على النار» ... " الحديث.
فنهاهم أن يقولوا هكذا؛ لأنهم لا يدرون عما في قلبه؛ لأنه يشهد أن لا إله إلا الله، وهنا الرسول قال هكذا، ولم يبرئ الرجل، إنما أتى بعبارة عامة بأن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، ونهى أن نطلق ألسنتنا في عباد الله الذين ظاهرهم الصلاح، ونقول: هذا مراء، هذا فاسق، وما أشبه ذلك؛ لأننا لو أخذنا بما نظن فسدت الدنيا والآخرة؛ فكثير من الناس نظن بهم سوء، ولكن لا يجوز أن نقول ذلك وظاهرهم الصلاح، ولهذا قال العلماء: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة.
قوله: «فإن الله حرم على النار» ، أي: منع من النار، أو منع النار أن تصيبه.
قوله: «من قال: لا إله إلا الله» ، أي: بشرط الإخلاص، بدليل قوله: «يبتغي بذلك وجه الله» ؛ أي: يطلب وجه الله، ومن طلب وجها؛ فلا بد أن يعمل كل ما في وسعه للوصول إليه؛ لأن مبتغي الشيء يسعى في الوصول إليه، وعليه؛ فلا نحتاج إلى قول الزهري رحمه الله بعد أن ساق الحديث؛ كما في "صحيح مسلم "؛ حيث قال: "ثم وجبت بعد ذلك أمور، وحرمت أمور؛ فلا يغتر مغتر بهذا"؛ فالحديث واضح الدالة على شرطية العمل لمن قال: لا إله إلا الله، حيث قال: «يبتغي بذلك وجه الله» ، ولهذا قال بعض السلف عن
(9/65)

قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مفتاح الجنة: لا إله إلا الله» (1) ، لكن من أتى بمفتاح لا أسنان له لا يفتح له.
قال شيخ الإسلام: إن المبتغي لا بد أن يكمل وسائل البغية، وإذا أكملها حرمت عليه النار تحريما مطلقا، وإن أتى بالحسنات على الوجه الأكمل؛ فإن النار تحرم عليه تحريما مطلقا، وإن أتى بشيء ناقص؛ فإن الابتغاء فيه نقص، فيكون تحريم النار عليه فيه نقص، لكن يمنعه ما معه من التوحيد من الخلود في النار، وكذا من زنى، أو شرب الخمر، أو سرق، فإذا فعل شيئا من ذلك ثم قال حين فعله؛ أشهد أن لا إله إلا الله أبتغي بذلك وجه الله؛ فهو كاذب في زعمه؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» ، فضلا عن أن يكون مبتغيا وجه الله.
وفي الحديث رد على المرجئة الذين يقولون: يكفي قول: لا إله إلا الله، دون ابتغاء وجه الله.
وفيه رد على الخوارج والمعتزلة؛ لأن ظاهر الحديث أن من فعل هذه المحرمات لا يخلد في النار، لكنه مستحق للعقوبة، وهم يقولون: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار.
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) 5/242، والهيثمي في (المجمع) 1/16، والخطيب في (المشكاة) 1/91، قال الهيثمي: (رواه أحمد والبزار وفيه القطاع) ، وضعفه الألباني في (الضعيفة) 3/477
(9/66)

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قال: «قال موسى عليه السلام: يا رب! علمني شيئا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب! كل عبادك يقولون هذا؟»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «أذكرك وأدعوك به» ، صفة لشيء، وليست جواب الطلب؛ فموسى عليه السلام طلب شيئا يحصل به أمران:
1 - ذكر الله.
2 - دعاؤه.
فأجابه الله بقوله: «قل لا إله إلا الله» ، وهذه الجملة ذكر متضمن للدعاء؛ لأن الذاكر يريد رضا الله عنه، والوصول إلى دار كرامته، إذا؛ فهو ذكر متضمن للدعاء، قال الشاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حباؤك إن شيمتك الحباء
يعني: عطاؤك.
واستشهد ابن عباس على أن الذكر بمعنى الدعاء بقول الشاعر:
إذا أثنى عليك العبد يوما ... كفاه من تعرضه الثناء
قوله: " كل عبادك يقولون هذا "، ليس المعنى أنها كلمة هينة كل يقولها؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام يعلم عظم هذه الكلمة، ولكنه أراد شيئا يختص به؛ لأن تخصيص الإنسان بالأمر يدل على منقبة له ورفعة؛ فبين الله لموسى أنه مهما أعطي فلن يعطى أفضل من هذه الكلمة، وأن لا إله إلا الله أعظم من السماوات والأرض وما فيهن؛ لأنها تميل بهن وترجح، فدل ذلك على فضل لا إله إلا الله وعظمها، لكن لا بد من الإتيان بشروطها، أما مجرد
(9/67)

«قال: يا موسى! لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة و (لا إله إلا الله) في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله» (1) رواه ابن حبان والحاكم وصححه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أن يقولها القائل بلسانه؛ فكم من إنسان يقولها لكنها عنده كالريشة لا تساوي شيئا؛ لأنه لم يقلها على الوجه الذي تمت به الشروط وانتفت به الموانع.
قوله: "والأرضين السبع "، في بعض النسخ بالرفع، وهذا لا يصلح؛ لأنه إذا عطف على اسم أن قبل استكمال الخبر وجب النصب.
قوله: " مالت "، أي: رجحت حتى يملن.
قوله: " عامرهن "، أي: ساكنهن؛ فالعامر للشيء هو الذي عمر به الشيء.
قوله: " غيري "، استثنى نفسه تبارك وتعالى؛ لأن قول لا إله إلا الله ثناء عليه، والمثنى عليه أعظم من الثناء، وهنا يجب أن تعرف أن كون الله تعالى في السماء ليس ككون الملائكة في السماء؛ فكون الملائكة في السماء كون حاجي، فهم ساكنون في السماء لأنهم محتاجون إلى السماء، لكن الرب تبارك وتعالى ليس محتاجا إليها، بل إن السماء وغير السماء محتاج إلى الله تعالى؛ فلا يظن ظان أن السماء تقل الله أو تظله أو تحيط به، وعليه؛ فالسماوات باعتبار الملائكة أمكنة مقلة للملائكة، وما فوقهم منها مظل لهم، أما بالنسبة لله؛ فهي جهة لأن الله تعالى مستو على عرشه، لا يقله شيء من خلقه.
__________
(1) ابن حبان (2324) ، والحاكم (1/528) – وصححه ووافقه الذهبي ـ، وقال الحافظ في (الفتح) : أخرجه النسائي بسند صحيح.
(9/68)

وللترمذي وحسنه عن أنس: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا: لأتيتك بقرابها مغفرة» (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «قال الله تعالى: يا ابن آدم» ... " إلخ.
هذا من الأحاديث القدسية، والحديث القدسي: ما رواه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ربه، وقد أدخله المحدثون في الأحاديث النبوية؛ لأنه منسوب إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبليغا، وليس من القرآن بالإجماع، وإن كان كل واحد منهما قد بلغه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته عن الله عز وجل.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في لفظ الحديث القدسي: هل هو كلام الله تعالى، أو أن الله تعالى أوحى إلى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معناه واللفظ لفظ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
على قولين:
القول الأول: أن الحديث القدسي من عند الله لفظه ومعناه؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أضافه إلى الله تعالى، ومن المعلوم أن الأصل في القول المضاف أن يكون بلفظ قائله لا ناقله، لا سيما والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقوى الناس أمانة وأوثقهم رواية.
القول الثاني: أن الحديث القدسي معناه من عند الله ولفظه لفظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك لوجهين:
__________
(1) مسند الإمام أحمد (5/147) ، والترمذي: كتاب الدعوات/باب غفران الذنوب، وقال: (حسن غريب) .
(9/69)

الوجه الأول: لو كان الحديث القدسي من عند الله لفظا ومعنى لكان أعلى سندا من القرآن؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرويه عن ربه تعالى بدون واسطة؛ كما هو ظاهر السياق، أما القرآن؛ فنزل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بواسطة جبريل؛ كما قال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ} [النحل: 102] وقال: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 193 - 195] .
الوجه الثاني: أنه لو كان لفظ الحديث القدسي من عند الله؛ لم يكن بينه وبين القرآن فرق؛ لأن كليهما على هذا التقدير كلام الله تعالى، والحكمة تقتضي تساويهما في الحكم حين اتفقا في الأصل، ومن المعلوم أن بين القرآن والحديث القدسي فروق كثيرة:
منها: أن الحديث القدسي لا يتعبد بتلاوته، بمعنى أن الإنسان لا يتعبد لله تعالى بمجرد قراءته؛ فلا يثاب على كل حرف منه عشر حسنات، والقرآن يتعبد بتلاوته بكل حرف منه عشر حسنات.
ومنها: أن الله تعالى تحدى أن يأتي الناس بمثل القرآن أو آية منه، ولم يرد مثل ذلك في الأحاديث القدسية.
ومنها: أن القرآن محفوظ من عند الله تعالى؛ كما قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، والأحاديث القدسية بخلاف ذلك؛ ففيها الصحيح والحسن، بل أضيف إليها ما كان ضعيفا أو موضوعا، وهذا وإن لم يكن منها لكن نسب إليها وفيها التقديم والتأخير والزيادة والنقص.
ومنها: أن القرآن لا تجوز قراءته بالمعنى بإجماع المسلمين، وأما الأحاديث القدسية؛ فعلى الخلاف في جواز نقل الحديث النبوي بالمعنى والأكثرون على جوازه.
ومنها: أن القرآن تشرع قراءته في الصلاة ومنه ما لا تصح الصلاة بدون
(9/70)

قراءته، بخلاف الأحاديث القدسية.
ومنها: أن القرآن لا يمسه إلا الطاهر على الأصح، بخلاف الأحاديث القدسية.
ومنها: أن القرآن لا يقرؤه الجنب حتى يغتسل على القول الراجح، بخلاف الأحاديث القدسية.
ومنها: أن القرآن ثبت بالتواتر القطعي المفيد للعلم اليقيني، فلو أنكر منه حرفا أجمع القراء عليه؛ لكان كافرا، بخلاف الأحاديث القدسية؛ فإنه لو أنكر شيئا منها مدعيا أنه لم يثبت؛ لم يكفر، أما لو أنكره مع علمه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاله؛ لكان كافرا لتكذيبه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وأجاب هؤلاء عن كون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أضافه إلى الله، والأصل في القول المضاف أن يكون لفظ قائله بالتسليم أن هذا هو الأصل، لكن قد يضاف إلى قائله معنى لا لفظا؛ كما في القرآن الكريم؛ فإن الله تعالى يضيف أقوالا إلى قائليها، ونحن نعلم أنها أضيفت معنى لا لفظا، كما في "قصص الأنبياء" وغيرهم، وكلام الهدهد والنملة؛ فإنه بغير هذا اللفظ قطعا.
وبهذا يتبين رجحان هذا القول، وليس الخلاف في هذا كالخلاف بين الأشاعرة وأهل السنة في كلام الله تعالى؛ لأن الخلاف بين هؤلاء في أصل كلام الله تعالى؛ فأهل السنة يقولون: كلام الله تعالى كلام حقيقي مسموع يتكلم سبحانه بصوت وحرف، والأشاعرة لا يثبتون ذلك، وإنما يقولون: كلام الله تعالى هو المعنى القائم بنفسه، وليس بحرف وصوت، ولكن الله تعالى يخلق صوتا يعبر به عن المعنى القائم بنفسه، ولا شك في بطلان قولهم، وهو في الحقيقة قول المعتزلة؛ لأن المعتزلة يقولون: القرآن مخلوق، وهو كلام الله، وهولاء يقولون: القرآن مخلوق، وهو عبارة عن كلام الله، فقد اتفق الجميع
(9/71)

على أن ما بين دفتي المصحف مخلوق.
ثم لو قيل في مسألتنا الكلام في الحديث القدسي: إن الأولى ترك الخوض في هذا؛ خوفا من أن يكون من التنطع الهالك فاعله، والاقتصار على القول بأن الحديث القدسي ما رواه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ربه وكفى؛ لكان ذلك كافيا، ولعله أسلم والله أعلم
(فائدة) :
إذا انتهى سند الحديث إلى الله تعالى سمي (قدسيا) ؛ لقدسيته وفضله، وإذا انتهى إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمي مرفوعا، وإذا انتهى إلى الصحابي سمي موقوفا وإذا انتهى إلى التابعي فمن بعده سمي مقطوعا.
قوله: «بقراب الأرض» ، أي: ما يقاربها؛ إما ملئا، أو ثقلا، أو حجما.
قوله: (خطايا) ، جمع خطيئة، وهي الذنب، والخطايا الذنوب؛ ولو كانت صغيرة؛ لقوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81] .
قوله: «لا تشرك بي شيئا» ، جملة "لا تشرك" في موضع نصب على الحال في التاء؛ أي: لقيتني في حال لا تشرك بي شيئا
قوله: (شيئا) نكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ أي: لا شركا أصغر ولا أكبر.
وهذا قيد عظيم قد يتهاون به الإنسان، ويقول: أنا غير مشرك وهو لا يدري؛ فحب المال مثلا بحيث يلهي عن طاعة الله من الإشراك، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة» ... " الحديث. فسمى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كان هذا همه سماه: عبدا له.
(9/72)

فيه مسائل:
الأولى: سعة فضل الله. الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله. الثالثة: تكفيره مع ذلك الذنوب. الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «لأتيتك بقرابها مغفرة» ، أي: أن حسنة التوحيد عظيمة تكفر الخطايا الكبيرة إذا لقي الله وهو لا يشرك به شيئا، والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه
مناسبة الحديث للترجمة:
أن في هذا الحديث فضل التوحيد، وأنه سبب لتكفير الذنوب؛ فهو مطابق لقوله في الترجمة: "وما يكفرمن الذنوب"
قوله: " فيه مسائل ":
الأولى: " سعة فضل الله "، لقوله: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» .
الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله، لقوله: «مالت بهن لا إله إلا الله» .
الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب، لقوله: «لأتيتك بقرابها مغفرة» ؛ فالإنسان قد تغلبه نفسه أحيانا؛ فيقع في الخطايا، لكنه مخلص لله في عبادته وطاعته؛ فحسنة التوحيد تكفر عنه الخطايا إذا لقي الله بها.
الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} ؛ فالظلم هنا الشرك؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ألم تسمعوا قول الرجل الصالح: إن الشرك لظلم عظيم» .
(9/73)

الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة. السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده؛ تبين لك معنى قول: "لا إله إلا الله"، وتبين لك خطأ المغرورين. السابعة: التنبيه للشرط الذي في عتبان. الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل (لا إله إلا الله) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة:
1- 2- الشهادتان.
3- أن عيسى عبد الله، ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه.
4- أن الجنة حق.
5- أن النار حق.
السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان، وحديث أبي سعيد، وحديث أنس؛ تبين لك معنى قوله: لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين، لأنه لا بد أن يبتغي بها وجه الله، وإذا كان كذلك؛ فلا بد أن تحمل المرء على العمل الصالح.
السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان، وهو أن يبتغي بقولها وجه الله، ولا يكفي مجرد القول؛ لأن المنافقين كانوا يقولونها ولم تنفعهم.
الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله، فغيرهم من باب أولى.
(9/74)

التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، من أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه. العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسماوات.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه، فالبلاء من القائل لا من القول؛ لأنه قد يكون اختل شرط من الشروط؛ أو وجد مانع من الموانع؛ فإنها تخف بحسب ما عنده، أما القول نفسه؛ فيرجح بجميع المخلوقات.
العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسماوات، لم يرد في القرآن تصريح بذلك، بل ورد صريحا أن السماوات سبع بقوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ} [المؤمنون: 86] ، لكن بالنسبة للأرضين لم يرد إلا قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12] ؛ فالمثلية بالكيفية غير مرادة لظهور الفرق بين السماء والأرض في الهيئة، والكيفية، والارتفاع، والحسن؛ فبقيت المثلية في العدد.
أما السنة؛ فهي صريحة جدا بأنها سبع؛ مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من اقتطع شبرا من الأرض؛ طوقه يوم القيامة من سبع أرضين» . (1)
وقد اختلف في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من سبع أرضين» ؛ كيف تكون سبعا؟
فقيل: المراد: القارات السبع، وهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا يمتنع بالنسبة
__________
(1) البخاري: بلفظ (من ظلم قيد شبر. . .) : كتاب المظالم/ باب إثم من ظلم شيئاً من الأرض، ومسلم: كتاب المساقاة/ باب تحريم الظلم وغصب الأرض
(9/75)

الحادية عشرة: أن لهن عمارا. الثانية عشرة: إثبات الصفات خلافا للأشعرية. الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس؛ عرفت أن قوله في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله» ؛ أن ترك الشرك، ليس قولها باللسان. الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدي الله ورسوليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لقوله: «طوقه من سبع أرضين» ، وقيل: المراد المجموعة الشمسية، لكن ظاهر النصوص أنها طباق كالسماوات، وليس لنا أن نقول إلا ما جاء في الكتاب والسنة عن هذه الأرضين؛ لأننا لا نعرفها.
الحادية عشرة: أن لهن عمارا، أي: السماوات، وعمارهن الملائكة.
الثانية عشرة: إثبات الصفات خلافا للأشعرية، وفي بعض النسخ خلافا للمعطلة، وهذه أحسن؛ لأنها أعم، حيث تشمل الأشعرية والمعتزلة والجهمية وغيرهم؛ ففيه إثبات الوجه لله سبحانه بقوله: «يبتغي وجه الله» ، وإثبات الكلام بقوله: «وكلمته ألقاها» ، وإثبات القول في قوله: «قل لا إله إلا الله» .
الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس؛ عرفت أن قوله في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» أن ترك الشرك. وفي بعض النسخ: إذا ترك الشرك. أي. أن قوله: «حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك» (يعني: ترك الشرك) " وليس مجرد قولها باللسان؛ لأن من ابتغى وجه الله في هذا القول لا يمكن أن يشرك أبدا.
الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون كل من عيسى ومحمد عبدي الله
(9/76)

الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله. السادسة عشرة: معرفة كونه روحا منه. السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار. الثامنة عشرة: معرفة قوله «على ما كان من العمل» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ورسوليه. عبدي: منصوب على أنه خبر كون؛ لأن كون مصدر كان وتعمل عملها.
وعيسى ومحمد: اسم كون.
وتأمل الجمع من وجهين:
الأول: أنه جمع لكل منهما بين العبودية والرسالة.
الثاني: أنه جمع بين الرجلين؛ فتبين أن عيسى مثل محمد، وأنه عبد ورسول، وليس ربا ولا ابنا للرب سبحانه.
وقول المؤلف: "تأمل"؛ لأن هذا يحتاج إلى تأمل.
الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله، أي: أن عيسى انفرد عن محمد في أصل الخلقة؛ فقد كان بكلمة، أما محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فقد خلق من ماء أبيه.
السادسة عشرة: معرفة كونه روحا منه، أي: أن عيسى روح من الله، و"من" هنا بيانية أو للابتداء، وليست للتبعيض؛ أي: روح جاءت من قبل الله وليست بعضا من الله، بل هي من جملة الأرواح المخلوقة.
السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار، لقوله في حديث عبادة: «وأن الجنة حق، والنار حق» ، والفضل أنه من أسباب دخول الجنة.
الثامنة عشرة: معرفة قوله: «على ما كان من العمل» ، أي: على ما كان
(9/77)

التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان. العشرون: معرفة ذكر الوجه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من العمل الصالح ولو قل، أو على ما كان من العمل السيئ ولو كثر، بشرط أن لا يأتى بما ينافي التوحيد ويوجب الخلود في النار، لكن لا بد من العمل.
ولا يلزم استكمال العمل الصالح كما قالت المعتزلة والخوارج، ولم تذكر أركان الإسلام هنا؛ لأن منها ما يكفر الإنسان بتركه، ومنها ما لا يكفر؛ فإن الصحيح أنه لا يكفر إلا بترك الشهادتين والصلاة، وإن كان روي عن الإمام أحمد أن جميع أركان الإسلام يكفر بتركها؛ لكن الصحيح خلاف ذلك.
التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان، أخذها المؤلف من قوله: «لو أن السماوات ... إلخ، وضعت في كفة ولا إله إلا الله في كفة» ، والظاهر أن الذي في الحديث تمثيل، يعني أن قول: لا إله إلا الله أرجح من كل شيء، وليس في الحديث أن هذا الوزن في الآخرة، وكأن المؤلف رحمه الله حصل عنده انتقال ذهني؛ فانتقل ذهنه من هذا إلى ميزان الآخرة.
العشرون: معرفة ذكر الوجه، يعني: وجه الله تعالى وهو صفة من صفاته الخبرية التي مسماها بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء؛ لأن من صفات الله تعالى ما هو معنى محض، ومنه ما مسماه بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء، ولا نقول بالنسبة لله تعالى أبعاض؛ لأننا نتحاشى كلمة التبعيض في جانب الله تعالى الله.
(9/78)

باب من حقق التوحيد؛ دخل الجنة بغير حساب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الباب كالمتمم للباب الذي قبله؛ لأن الذي قبله: "باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب"، فمن فضله هذا الفضل العظيم الذي يسعى إليه كل عاقل، وهو دخول الجنة بغير حساب.
قوله: "من"، شرطية، وفعل الشرط: "حقق"، وجوابه: "دخل"، قوله: "بلا حساب"؛ أي: لا يحاسب لا على المعاصي ولا على غيرها.
وتحقيق التوحيد: تخليصه من الشرك، ولا يكون إلا بأمور ثلاثة:
الأول: العلم؛ فلا يمكن أن تحقق شيئا قبل أن تعلمه، قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] .
الثاني: الاعتقاد، فإذا علمت ولم تعتقد واستكبرت؛ لم تحقق التوحيد، قال الله تعالى عن الكافرين: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [صّ: 5] ؛ فما اعتقدوا انفراد الله بالألوهية.
الثالث: الانقياد، فإذا علمت واعتقدت ولم تنقد؛ لم تحقق التوحيد، قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 35، 36] .
فإذا حصل هذا وحقق التوحيد؛ فإن الجنة مضمونة له بغير حساب، ولا يحتاج أن نقول إن شاء الله؛ لأن هذا حكاية حكم ثابت شرعا، ولهذا جزم المؤلف رحمه الله تعالى بذلك في الترجمة دون أن يقول: إن شاء الله.
أما بالنسبة للرجل المعين؛ فإننا نقول: إن شاء الله
(9/79)

وقول الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ.
وقد ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين، ومناسبتهما للباب الإشارة إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا يكون إلا بانتفاء الشرك كله:
الآية الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} ... الآية.
قوله: أمة، أي: إماما، وقد سبق أن أمة تأتي في القرآن على أربعة أوجه: إمام، ودهر، وجماعة، ودين.
قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} ، هذا ثناء من الله سبحانه وتعالى على إبراهيم بأنه إمام متبوع؛ لأنه أحد الرسل الكرام من أولي العزم، ثم إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدوة في أعماله وأفعاله وجهاده؛ فإنه جاهد قومه وحصل منهم عليه ما حصل، وألقي في النار فصبر.
ثم ابتلاه الله سبحانه وتعالى - بالأمر بذبح ابنه، وهو وحيده، وقد بلغ السعي معه (أي شب وترعرع) ؛ فليس كبيرا قد طابت النفس منه، ولا صغيرا لم تتعلق به النفس كثيرا، فصار على منتهى تعلق النفس به.
ثم وفق إلى ابن بار مطيع لله، قال الله تعالى عنه: {قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102] ، لم يحنث والده ويتمرد ويهرب، بل أراد من والده أن يوافق أمر ربه وهذا من بره بأبيه وطاعته لمولاه سبحانه وتعالى، وانظر إلى هذه القوة العظيمة مع الاعتماد على الله في
(9/80)

قوله: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} .
فالسين في قوله: ستجدني تدل على التحقيق، وهو مع ذلك لم يعتمد على نفسه، بل استعان بالله في قوله: {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} .
وامتثلا جميعا وأسلما، وانقادا لله عز وجل، وتله للجبين؛ أي: على الجبين، أي جبهته؛ لأجل أن يذبحه وهو لا يرى وجهه، فجاء الفرج من الله تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 104، 105] ، ولا يصح ما ذكره بعضهم من أن السكين انقلبت، أو أن رقبته صارت حديدا، ونحو ذلك.
قوله: قانتا، القنوت: دوام الطاعة، والاستمرار فيها على كل حال؛ فهو مطيع لله، ثابت على طاعته، مديم لها في كل حال.
كما أن ابنه محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكر الله على كل أحيانه: إن قام ذكر الله، وإن جلس ذكره، وإن نام، وإن أكل، وإن قضى حاجته ذكر الله؛ فهو قانت آناء الليل والنهار.
قوله: حنيفا، أي: مائلا عن الشرك، مجانبا لكل ما يخالف الطاعة؛ فوصف بالإثبات والنفي؛ أي: بالوصفين الإيجابي والسلبي.
قوله: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، تأكيد، أي لم يكن مشركا طول حياته؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام معصوما عن الشرك، مع أن قومه كانوا مشركين، فوصفه الله بامتناعه عن الشرك استمرارا في قوله: حنيفا، وابتداء في قوله: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، والدليل على ذلك: أن الله جعله إماما، ولا يجعل
(9/81)

الله للناس إماما من لم يحقق التوحيد أبدا.
ومن تأمل حال إبراهيم عليه السلام وما جرى عليه وجد أنه في غاية ما يكون من مراتب الصبر، وفي غاية ما يكون من مراتب اليقين؛ لأنه لا يصبر على هذه الأمور العظيمة إلا من أيقن بالثواب، فمن عنده شك أو تردد لا يصبر على هذا؛ لأن النفس لا تدع شيئا إلا لما هو أحب إليها منه، ولا تحب شيئا إلا ما ظنت فائدته، أو تيقنت.
ويجب أن نعلم أن ثناء الله على أحد من خلقه لا يقصد منه أن يصل إلينا الثناء فقط، لكن يقصد منه أمران هامان:
الأول: محبة هذا الذي أثنى الله عليه خيرا، كما أن من أثنى الله عليه شرا؛ فإننا نبغضه ونكرهه، فنحب إبراهيم عليه السلام؛ لأنه كان إماما حنيفا قانتا لله ولم يكن من المشركين، ونكره قومه؛ لأنهم كانوا ضالين، ونحب الملائكة وإن كانوا من غير جنسنا؛ لأنهم قائمون بأمر الله، ونكره الشياطين؛ لأنهم عاصون لله وأعداء لنا ولله، ونكره أتباع الشياطين؛ لأنهم عاصون لله أيضا وأعداء لله ولنا.
الثاني: أن نقتدي به في هذه الصفات التي أثنى الله بها عليه؛ لأنها محل الثناء، ولنا من الثناء بقدر ما اقتدينا به فيها، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] ، وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الممتحنة: 4] ، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الممتحنة: 6] .
وهذه مسألة مهمة؛ لأن الإنسان أحيانا يغيب عن باله الغرض الأول، وهو محبة هذا الذي أثنى الله عليه خيرا، ولكن لا ينبغي أن يغيب؛ لأن الحب في الله، والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان.
(9/82)

فائدة:
أبو إبراهيم مات على الكفر، والصواب الذي نعتقده أن اسمه آزر؛ كما قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً} [الأنعام: 74] ، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة: 114] لأنه قال: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم: 47] ، {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114] وفي سورة إبراهيم قال: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [ابراهيم: 41] ، ولكن فيما بعد تبرأ منه.
أما نوح؛ فقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح: 28] ، وهذا يدل على أن أبوي نوح كانا مؤمنين.
فائدة أخرى:
قال الإمام أحمد: ثلاثة ليس لها أصل: المغازي، والملاحم، والتفسير؛ فهذه الغالب فيها أنها تذكر بدون إسناد، ولهذا؛ فإن المفسرين يذكرون قصة آدم، {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا} [الأعراف: 190] ، وقليل منهم من ينكر القصة المكذوبة في ذلك. (1)
فالقاعدة إذا: أنه لا أحد يعلم عن الأمم السابقة شيئا إلا من طريق الوحي، قال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ} [إبراهيم: 9] .
__________
(1) انظر: (ص 889) باب قول الله تعالى: (فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاه فيما آتاهما. . .) .
(9/83)

وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الثانية: قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} .
هذه الآية سبقها آية، وهي قوله: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57] .
لكن المؤلف ذكر الشاهد. وقوله تعالى: {مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ} ؛ أي: من خوفهم منه على علم، ومشفقون؛ أي: خائفون من عذابه إن خالفوه.
فالمعاصي بالمعنى الأعم - كما سبق (1) - شرك؛ لأنها صادرة عن هوى مخالف للشرع، وقد قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] .
أما بالنسبة للمعنى الأخص؛ فيقسمها العلماء قسمين:
1 - شرك.
2 - فسوق.
وقوله: {لَا يُشْرِكُونَ} ، يراد به الشرك بالمعنى الأعم؛ إذ تحقيق التوحيد لا يكون إلا باجتناب الشرك بالمعنى الأعم، ولكن ليس معنى هذا ألا تقع منهم المعاصي؛ لأن كل ابن آدم خطاء، وليس بمعصوم، ولكن إذا عصوا؛ فإنهم يتوبون ولا يستمرون عليها؛ كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] .
__________
(1) انظر (ص 54) .
(9/84)

وعن حصين بن عبد الرحمن؛ قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " عن حصين بن عبد الرحمن؛ قال: كنت عند سعيد بن جبير "
وهما رجلان من التابعين ثقتان.
قوله: " انقض البارحة "، أي: سقط البارحة، والبارحة: أقرب ليلة مضت، وقال بعض أهل اللغة: تقول فعلنا الليلة كذا إن قلته قبل الزوال، وفعلنا البارحة كذا إن قلته بعد الزوال.
وفي عرفنا؛ فمن طلوع الشمس إلى الغروب نقول: البارحة لليلة الماضية، ومن غروب الشمس إلى طلوعها نقول: الليلة لليلة التي نحن فيها.
بل بعض العامة يتوسع متى قام من الليل قال: البارحة؛ وإن كان في ليلته.
قوله: " فقلت أنا "، أي: حصين.
قوله: " أما إني لم أكن في صلاة "، أما: أداة استفتاح، وقيل: إنها بمعنى حقا، وعلى هذا؛ فتفتح همزة "إن"، فيقال: أما أني لم أكن في صلاة، أي حقا أني لم أكن في صلاة.
وقال هذا رحمه الله لئلا يظن أنه قائم يصلي فيحمد بما لم يفعل، وهذا خلاف ما عليه بعضهم، يفرح أن الناس يتوهمون أنه يقوم يصلي، وهذا من نقص التوحيد.
وقول حصين رحمه الله ليس من باب المراءاة، بل هو من باب الحسنات،
(9/85)

ولكني لدغت. قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب؛ أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وليس كمن يترك الطاعات خوفا من الرياء؛ لأن الشيطان قد يلعب على الإنسان، ويزين له ترك الطاعة خشية الرياء، بل افعل الطاعة، ولكن لا يكن في قلبك أنك ترائي الناس.
قوله: " لدغت "، أي: لدغته عقرب أو غيرها، والظاهر أنها شديدة؛ لأنه لم ينم منها.
قوله: " ارتقيت "، أي: استرقيت؛ لأن افتعل مثل استفعل، وفي رواية مسلم: " استرقيت "؛ أي: طلبت الرقية.
قوله: " فما حملك على ذلك "، أي: قال سعيد: ما السبب أنك استرقيت.
قوله: " حديث حدثناه الشعبي "، وهذا يدل على أن السلف رضي الله عنهم يتحاورون حتى يصلوا إلى الحقيقة، فسعيد بن جبير لم يقصد الانتقاد على هذا الرجل، بل قصد أن يستفهم منه ويعرف مستنده.
قوله: " لا رقية "، أي: لا قراءة أو لا استرقاء على مريض أو مصاب.
قوله: " إلا من عين "، وهي نظرة من حاسد، نفسه خبيثة، تتكيف بكيفية خاصة فينبعث منها ما يؤثر على المصاب، ويسميها العامة الآن: "النحاتة"، وبعضهم يسميها "النفس"، وبعضهم يسميها "الحسد"
قوله: " حمة "، بضم الحاء، وفتح الميم، مع تخفيفها: وهي كل ذات
(9/86)

قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سم، والمعنى لدغته إحدى ذوات السموم، والعقرب من ذوات السموم.
فقال سعيد بن جبير: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس ... إلخ.
إذن؛ فحصين استند على حديث: «لا رقية إلا من عين أو حمة» ، وهذا يدل على أن الرقية من العين أو الحمة مفيدة، وهذا أمر واقع؛ فإن الرقى تنفع بإذن الله من العين ومن الحمة أيضا، وكثير من الناس يقرءون على الملدوغ فيبرأ حالا، ويدل لهذا «قصة الرجل الذي بعثه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سرية، فاستضافوا قوما، فلم يضيفوهم، فلدغ سيدهم لدغة عقرب، فقالوا: من يرقي؟ فقالوا: لعل هؤلاء الركب عندهم راق، فجاءوا إلى السرية، قالوا: هل فيكم من راق؟ قالوا نعم، ولكن لا نرقي إلا بشيء من الغنم، فقالوا نعطيكم. فاقتطعوا لهم من الغنم، ثم ذهب أحدهم يقرأ عليه الفاتحة، قرأها ثلاثا أو سبعا، فقام كأنما نشط من عقال، فانتفع اللديغ بقراءتها، ولهذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وما يدريك أنها رقية؟» (يعني: الفاتحة) ، وكذا القراءة من العين مفيدة.
ويستعمل للعين طريقة أخرى غير الرقية، وهو الاستغسال، وهي أن يؤتى بالعائن، ويطلب منه أن يتوضأ، ثم يؤخذ ما تناثر من الماء من أعضائه، ويصب على المصاب، ويشرب منه، ويبرأ بإذن الله.
(9/87)

ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أنه قال: «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهناك طريقة أخرى، ولا مانع منها أيضا، وهي أن يؤخذ شيء من شعاره، أي: ما يلي جسمه من الثياب؛ كالثوب، والطاقية، والسروال، وغيرها، أو التراب إذا مشى عليه وهو رطب، ويصب على ذلك ماء يرش به المصاب أو يشربه، وهو مجرب.
وأما العائن؛ فينبغي إذا رأى ما يعجبه أن يبرك عليه؛ «لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: " هلا بركت عليه» (1) ؛ أي: قلت: بارك الله عليك.
قوله: " ولكن حدثنا "، القائل: سعيد بن جبير.
قوله: " عرضت علي الأمم "، العارض لها الله سبحانه وتعالى، وهذا في المنام فيما يظهر. وانظر: "فتح الباري" (11\407) باب يدخل الجنة سبعون ألفا، كتاب الرقاق) ، والأمم: جمع أمة وهي أمم الرسل.
قوله: " الرهط "، من الثلاثة إلى التسعة.
قوله: " والنبي ومعه الرجل والرجلان "، الظاهر أن الواو بمعنى أو؛ أي:
__________
(1) مسند الإمام أحمد (3/486) ، وموطأ الإمام مالك (211/938) ، وشرح السنة (1211/164)
(9/88)

«إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت؛ فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) . ثم نهض. فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك. فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومعه الرجل أو الرجلان؛ لأنه لو كان معه الرجل والرجلان صار يغني أن يقول: ومعه ثلاثة، لكن المعنى: والنبي ومعه الرجل، والنبي الثاني ومعه الرجلان.
قوله: (والنبي وليس معه أحد) ، أي: يبعث ولا يكون معه أحد، لكن يبعثه الله لإقامة الحجة، فإذا قامت الحجة حينئذ؛ يعذر الله من الخلق، ويقيم عليهم الحجة.
قوله: (إذ رفع لي) هذا على تقدير محذوف؛ بينما أنا كذلك, إذ رفع لي.
قوله: (سواد عظيم) ، المراد بالسواد هنا الظاهر أنه الأشخاص، ولهذا يقال: ما رأيت سواده؛ أي: شخصه، أي أشخاصًا عظيمة كانوا من كثرتهم سوادًا.
قوله: (فظننت أنهم أمتي) لأن الأنبياء عرضوا عليه بأممهم؛ فظن هذا السواد أمته عليه الصلاة والسلام.
قوله: (فقيل لي: هذا موسى وقومه) ، وهذا يدل على كثرة أتباع موسى عليه السلام وقومه الذين أرسل إليهم.
(9/89)

قوله: (فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك) ، وهذا أعظم من السواد الأول؛ لأن أمة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر بكثير من أمة موسى عليه السلام.
قوله: (بغير حساب ولا عذاب) أي: لا يعذبون ولا يحاسبون كرامة لهم، وظاهره أنه لا في قبورهم ولا بعد قيام الساعة.
قوله: (فخاض الناس في أولئك) هذا الخوص للوصول إلى الحقيقة نظريًّا وعمليًّا حتى يكونوا منهم.
قوله: (الذين صحبوا رسول الله) يحتمل أن المراد الصحبة المطلقة، ويؤيده ظاهر اللفظ.
ويحتمل أن المراد الذين صحبوه في هجرته، ويؤيده أنه لو كان المراد الصحبة المطلقة؛ لقالوا: نحن؛ لأن المتكلم هم الصحابة، ويدل على هذا قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخالد بن الوليد: «لا تسبوا أصحابي» ?؛ فإن المراد بهم الذين صحبوه في هجرته، لكن يمنع منه أن المهاجرين لا يبلغون سبعين ألفًا.
ويمنع الاحتمال الأول: أن الصحابة أكثر من سبعين ألفًا، ويحتمل أن المراد من كان مع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى فتح مكة؛ لأنه بعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا.
وهذه المسألة تحتاج إلى مراجعة أكثر.
(9/90)

«وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا ... وذكروا أشياء، فخرج عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخبروه، فقال: (هم الذين لا يسترقون) .»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الذين ولدوا في الإسلام) ، أي: من ولد بعد البعثة وأسلم، وهؤلاء كثيرون، ولو قلنا: ولدوا في الإسلام من الصحابة ما بلغوا سبعين ألفًا.
قوله: (فخرج عليهم رسول الله، فأخبروه) ، أي: أخبروه بما قالوا وما جري بينهم.
قوله: (لا يسترقون) ، في بعض روايات مسلم: (لا يرقون) .
ولكن هذه الرواية خطأ؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرقي (1) ورقاه جبريل (2) وعائشة (3) وكذلك الصحابة كانوا يرقون (4) واستفعل بمعنى طلب الفعل، مثل: استغفر؛ أي: طلب المغفرة، واستجار: طلب الجوار، وهنا استرقى؛ أي: طلب الرقية، أي لا يطلبون من أحد أن يقرأ عليهم؛ لما يلي:
__________
(1) البخاري: كتاب الطب/ باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم: كتاب السلام/ باب استحباب الرقية من العين.
(2) مسلم: كتاب السلام/ باب الطب والمرض والرقى
(3) البخاري: كتاب فضائل القرآن/ باب فضل المعوذات، ومسلم: كتاب السلام/باب رقية المريض.
(4) كما في قصة صاحب السرية.
(9/91)

«ولا يكتوون ولا يتطيرون.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1 - لقوة اعتمادهم على الله.
2 - لعزة نفوسهم عن التذلل لغير الله.
3 - ولما في ذلك من التعلق بغير الله.
وقوله: (ولا يكتوون) أي: لا يطلبون من أحد أن يكويهم.
ومعنى اكتوى: طلب من يكويه، وهذا مثل قوله: (ولا يسترقون) .
أما بالنسبة لمن أعد للكي من قبل الحكومة، فطلب الكي منه ليس فيه ذلك؛ لأنه معد من قبل الحكومة يأخذ الأجر على ذلك من الحكومة، ولأن هذا الطلب مجرد إخبار من الطالب بأنه محتاج إلى الكي، وليس سؤال تذلل.
قوله: (ولا يتطيرون) ، مأخوذ من الطير، والمصدر منه تطير، والطيرة اسم المصدر، وأصله: التشاؤم بالطير، ولكنه أعم من ذلك؛ فهو التشاؤم بمرثي، أو مسموع، أو زمان، أو مكان.
وكانت العرب معروفة بالتطير، حتى لو أراد الإنسان منهم خيرًا ثم رأى الطير سنحت يمينًا أو شمالًا حسب ما كان معروفًا عندهم، تجده يتأخر عن هذا الذي أراده، ومنهم من إذا سمع صوتًا أو رأى شخصًا تشاءم، ومنهم من يتشاءم من شهر شوال بالنسبة للنكاح؛ ولذا قالت عائشة رضي الله عنها: «عقد علي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شوال، وبنى بي في شوال؛ فأيكن كان أحظى عنده» ومنهم من يتشاءم بيوم الأربعاء، أو بشهر صفر، وهذا كله مما أبطله
(9/92)

«وعلى ربهم يتوكلون» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشرع؛ لضرره على الإنسان عقلًا وتفكيرًا وسلوكًا، وكون الإنسان لا يبالي بهذه الأمور، هذا هو التوكل على الله؛ ولهذا ختم المسألة بقوله: (وعلى ربهم يتوكلون) ؛ فانتفاء هذه الأمور عنهم يدل على قوة توكلهم.
وهل هذه الأشياء تدل على أن من لم يتصف بها فهو مذموم، أو فاته الكمال؟
الجواب: أن الكمال فاته إلا بالنسبة للتطير؛ فإنه لا يجوز؛ لأنه ضرر وليس له حقيقة أصلًا.
أما بالنسبة لطلب العلاج؛ فالظاهر أنه مثله لأنه عام، وقد يقال: إنه لولا قوله: (ولا يسترقون) ؛ لقلت: إنه لا يدخل؛ لأن الاكتواء ضرر محقق: إحراق بالنار، وألم للإنسان، ونفعه مرتجى, لكن كلمة (يسترقون) مشكلة, فالرقية ليس فيها ضرر, إن لم تنفع لم تضر، وهنا نقول: الدواء مثلها؛ لأن الدواء إذا لم ينفع لم يضر، وقد يضير أيضًا؛ لأن الإنسان إذا تناول دواء وليس فيه مرض لهذا الدواء فقد يضره.
وهذه المسألة تحتاج إلى بحث، وهل نقول مثلاً: ما تؤكد منفعته إذا لم يكن في الإنسان إذلال لنفسه؛ فهو لا يضر، أي: لا يفوت المرء الكمال به، مثل الكسر وقطع العضو مثلًا، أو كما يفعل الناس الآن في الزائدة وغيرها.
ولو قال قائل بالاقتصار على ما في هذا الحديث، وهو أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وأن ما عدا ذلك لا يمنع من دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب؛ للنصوص الواردة بالأمر بالتداوي والثناء على بعض الأدوية؛ كالعسل والحبة السوداء؛ لكان له وجه.
(9/93)

«فقام عكاشة بن محصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: (أنت منهم) . ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: (سبقك بها عكاشة) » .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإذا طلب منك إنسان أن يرقيك؛ فهل يفوتك كمال إذا لم تمنعه؟
الجواب: لا يفوتك؛ «لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يمنع عائشة أن ترقيه» ، وهو أكمل الخلق توكلًا على الله وثقة به، ولأن هذا الحديث: (لا يسترقون. . .) إلخ إنما كان في طلب هذه الأشياء، ولا يخفى الفرق بين أن تحصل هذه الأشياء بطلب وبين أن تحصل بغير طلب.
قوله: (فقال: أنت منهم) ، وقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هذا هل هو بوحي من الله إقراري، أو وحي إلهامي، أو وحي رسول؟
مثل هذه الأمور يحتمل أنها وحي إلهامي، أو بواسطة الرسول، أو وحي إقراري، بمعنى أن الرسول يقولها، فإذا أقره الله عليه؛ صارت وحيًا إقراريًّا.
لكن رواية البخاري: (اللهم اجعله منهم) تدل على أن الجملة: (أنت منهم) خبر بمعنى الدعاء.
قوله: «ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة» ، لم يرد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول له: لا، ولكن قال: سبقك بها؛ أي
(9/94)

فيه مسائل: الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد. الثانية: ما معنى تحقيقه. الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بهذه المنقبة والفضيلة, أو بهذه المسألة عكاشة بن محصن.
وقد اختلف العلماء لماذا قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الكلام؟
فقيل: إنه كان منافقًا، فأراد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا يجابهه بما يكره تأليفًا.
وقيل: خاف أن ينفتح الباب فيطلبها من ليس منهم؛ فقال هذه الكلمة التي أصبحت مثلًا، وهذا أقرب.
قوله: (فيه مسائل) ، أي: في هذا الباب مسائل:
المسألة الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد، وهذه مأخوذة من قوله: «يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» . ثم قال: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون، ولا يتطيرون» .
الثانية: ما معنى تحقيقه؟ أي: تحقيق التوحيد، وسبق لنا في أول الباب أن تحقيقه: تخليصه من الشرك.
الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين، وهو ظاهر في الآية الكريمة: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:120.] ؛ فإن هذه الآية لا شك أنها سيقت للثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإذا كان مناط الثناء انتفاء الشرك عنه؛ دل ذلك على أن كل
(9/95)

الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك. الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد. السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل. السابعة: عمق علم الصحابة بمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من انتفى عنه الشرك فهو محل ثناء من الله سبحانه وتعالى.
الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} وهذه الآية في سياق آيات كثيرة ابتدأها الله بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 57-61.] ؛ فهؤلاء هم سادات الأولياء، وكلام المؤلف من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، أي: الأولياء السادات، وليس يريد -رحمه- الله السادات من الأولياء، بل يريد الأولياء الذي هم سادات الخلق.
الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد؛ لقوله: «الذين لا يسترقون ولا يكتوون» ؛ فالمراد بقول المؤلف: (الرقية والكي) : الاسترقاء والاكتواء.
السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل، والخصال هي: ترك الاسترقاء، وترك الاكتواء، وترك التطير، يعني أن العامل لهذه الأشياء هو قوة التوكل على الله عز وجل.
السابعة: عمق عمل الصحابة لمعرفة أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل، أي:
(9/96)

الثامنة: حرصهم على الخير. التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية. العاشرة: فضيلة أصحاب موسى. الحادية عشرة: عرض الأمم عليه عليه الصلاة والسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لم ينل هؤلاء السبعون ألفًا هذا الثواب إلا بعمل، ووجهه أن الصحابة خاضوا فيمن يكون له هذا الثواب العظيم وذكروا أشياء.
الثامنة: حرصهم على الخير، وجهه خوضهم في هذا الشيء؛ لأنهم يريدون أن يصلوا إلى نتيجة حتى يقوموا بها.
التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية، أما الكمية؛ فلأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى سوادًا عظيمًا أعظم من السواد الذي كان مع موسى، وأما الكيفية؛ فلأن معهم هؤلاء الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.
العاشرة: فضيلة أصحاب موسى، وهو مأخوذ من قوله: «إذ رفع لي سواد عظيم» ، ولكن قد يقال: إن التعبير بقوله: كثرة أتباع موسى أنسب لدلالة الحديث؛ لأن الحديث يقول: «سواد عظيم فظننت أنهم أمتي» ، وهذا يدل على الكثرة.
الحادية عشرة: عرض الأمم عليه عليه الصلاة والسلام، وهذا له فائدتان:
الفائدة الأولى: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث رأى من الأنبياء من ليس معه إلا الرجل والرجلان، ومن الأنبياء من ليس معه أحد؛ فيتسلى بذلك عليه الصلاة والسلام، ويقول: {مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} .
الفائدة الثانية: بيان فضيلته عليه الصلاة والسلام وشرفه، حيث كان
(9/97)

الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها. الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء. الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد وحده. الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة, وعدم الزهد في القلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أكثرهم أتباعًا وأفضلهم؛ فصار في عرض الأمم عليه هاتان الفائدتان.
الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها؛ لقوله: «رأيت النبي ومعه الرجل والرجلان» ، ولولا أن كل نبي متميز عن النبي الآخر؛ لاختلط بعضهم ببعض، ولم يعرف الأتباع من غير الأتباع، ويدل لذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا} [الجاثية: 28.] فإنه يدل على أن كل أمة تكون وحدها.
الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء، وهو واضح من قوله: «والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد» .
الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده؛ لقوله: «والنبي وليس معه أحد» .
الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة. . . إلخ، فإن الكثرة قد تكون ضلالًا، قال الله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116.] ، وأيضًا الكثرة من جهة أخرى إذا اغتر الإنسان بكثرة وظن لن يغلب أو أنه منصور؛ فهذا أيضًا سبب للخذلان؛ فالكثرة إن نظرنا إلى أن أكثر أهل الأرض ضلال لا تغتر بهم، فلا تقل: إن الناس على هذا، كيف أنفرد عنهم؟
(9/98)

السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة. السابعة عشرة: عمق علم السلف؛ لقوله: (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا) فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كذلك أيضا لا تغتر بالكثرة إذا كان معك أتباع كثيرون على الحق؛ فكلام المؤلف له وجهان:
الوجه الأول: أن لا نغتر بكثرة الهالكين فنهلك معهم.
الوجه الثاني: أن لا نغتر بكثرة الناجين فيلحقنا الإعجاب بالنفس وعدم الزهد في القلة، أي أن لا نزهد بالقلة؛ فقد تكون القلة خيرا من الكثرة.
السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة، مأخوذ من قوله: «لا رقية إلا من عين أو حمة» .
السابعة عشرة: عمق علم السلف؛ لقوله: «قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا» ؛ فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني؛ لأن قوله: «لا رقية إلا من عين أو حمة» لا يخالف الثاني؛ لأن الثاني إنما هو في الاسترقاء، والأول في الرقية؛ فالإنسان إذا أتاه من يرقيه ولم يمنعه؛ فإنه لا ينافي قوله: ( «ولا يسترقون» ؛ لأن هناك ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: أن يطلب من يرقيه، وهذا قد فاته الكمال.
المرتبة الثانية: أن لا يمنع من يرقيه، وهذا لم يفته الكمال؛ لأنه لم يسترق ولم يطلب.
المرتبة الثالثة: أن يمنع من يرقيه, وهذا خلاف السنة؛ «فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم»
(9/99)

الثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه. التاسعة عشرة: قوله: (أنت منهم) : علم من أعلام النبوة. العشرون: فضيلة عكاشة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«يمنع عائشة أن ترقيه،» وكذلك الصحابة لم يمنعوا أحدا أن يرقيهم؛ لأن هذا لا يؤثر في التوكل.
الثامنة عشرة بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه، ئؤخذ من قوله: «أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت» ؛ لأنه إذا رأى الكوكب الذي انقض استلزم أن يكون يقظان، واليقظان: إما أن يصلي، وإما أن يكون له شغل آخر، وإما أن يكون لديه مانع من النوم.
التاسعة عشرة: قوله: (أنت منهم) علم من أعلام النبوة. يعني: دليلا على نبوة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكيف ذلك؟ لأن عكاشة بن محصن رضي الله عنه بقي محروسا من الكفر حتى مات على الإسلام، فيكون في هذا علم، يعني: دليلا من دلائل نبوة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذا إذا قلنا: إن الجملة خبرية وليست جملة دعائية؛ إنها جملة دعائية, فقد نقول أيضا: فيه علم من أعلام النبوة، وهو أن الله استجاب دعوة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن استجابة الدعوة ليست من خصائص الأنبياء؛ فقد تجاب دعوة من ليس بنبي، وحينئذ لا يمكن أن تكون علما من أعلام النبوة إلا حيث جعلنا الجملة خبرية محضة.
العشرون: فضيلة عكاشة، بكونه ممن يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهل نشهد له بذلك؟ نعم؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهد له بها.
(9/100)

الحادية والعشرون: استعمال المعاريض. الثانية والعشرون: حسن خلقه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحادية والعشرون: استعمال المعاريض. وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، وذلك لقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سبقك بها عكاشة» ؛ فإن هذا في الحقيقة ليس هو المانع الحقيقي، بل المانع ما أشرنا إليه في الشرح: إما أن يكون هذا الرجل منافقا فلم يرد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجعله مع الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وإما خوفا من انفتاح الباب؛ فيسأل هذه المرتبة من ليس من أهلها.
الثانية والعشرون: حسن خلقه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وذلك لأنه رد هذا الرجل وسد الباب على وجه ليس فيه غضاضة على أحد ولا كراهة.
(9/101)

باب الخوف من الشرك
وقول الله غز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116.]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبة الباب للبابين قبله: في الباب الأول ذكر المؤلف رحمه الله تحقيق التوحيد، وفي الباب الثاني ذكر أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث بهذا الباب رحمه الله تعالى؛ لأن الإنسان يرى أنه قد حقق التوحيد وهو لم يحققه، ولهذا قال بعض السلف: (ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص) ، وذلك أن النفس متعلقة بالدنيا تريد حظوظها من مال أو جاه أو رئاسة، وقد تريد بعمل الآخرة الدنيا، وهذا نقص في الإخلاص، وقل من يكون غرضه الآخرة في كل عمله، ولهذا أعقب المؤلف رحمه الله ما سبق من البابين بهذا الباب، وهو الخوف من الشرك، وذكر فيه آيتين:
الأولى قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} .
لا: نافية، أن يشرك به: فعل مضارع مقرون بان المصدرية؛ فيحول إلى مصدر تقدره: إن الله لا يغفر الإشراك به، أو لا يغفر إشراكا به؛ فالشرك لا يغفره الله أبدا؛ لأنه جناية على حق الله الخاص، وهو التوحيد.
أما المعاصي؛ كالزنا والسرقة؛ فقد يكون للإنسان فيها حظ نفس بما نال
(9/102)

وقال الخليل عليه السلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من شهوة، أما الشرك؛ فهو اعتداء على حق الله تعالى، وليس للإنسان فيه حظ نفس، وليس شهوة يريد الإنسان أن ينال مراده، ولكنه ظلم، ولهذا قال الله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13.] .
وهل المراد بالشرك هنا الأكبر، أم مطلق الشرك؟
قال بعض العلماء: إنه مطلق يشمل كل شرك ولو أصغر؛ كالحلف بغير الله، فإن الله لا يغفره، أما بالنسبة لكبائر الذنوب؛ كالسرقة والخمر؛ فإنها تحت المشيئة، فقد يغفرها الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية المحقق في هذه المسائل اختلف كلامه في هذه المسألة؛ فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر، وعلى كل حال؛ فيجب الحذر من الشرك مطلقا؛ لأن العموم يحتمل أن يكون داخلا فيه الأصغر؛ لأن قوله: {أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} أن وما بعدها في تأويل مصدر، تقديره: إشراكا به؛ فهو نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم.
قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} المراد بالدون هنا: ما هو أقل من الشرك وليس ما سوى الشرك.
الآية الثانية: قوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} . قيل: المراد ببنيه: بنوه لصلبه، ولا نعلم له من صلبه سوى إسماعيل وإسحاق، وقيل: المراد ذريته وما توالد من صلبه، وهو الأرجح، وذلك
(9/103)

للآيات التي دلت على دعوته للناس من ذريته، ولكن كان من حكمة الله أن لا تجاب دعوته في بعضهم، كما «أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا أن لا يجعل بأس أمته بينهم» ?فلم يجب الله دعاه.
وأيضا يمنع من الأول أن الآية بصيغة الجمع، وليس لإبراهيم من الأبناء سوى إسحاق وإسماعيل.
ومعنى: واجنبني؛ أي: اجعلني في جانب والأصنام في جانب، وهذا أبلغ مما لو قال: امنعني وبني من عبادة الأصنام؛ لأنه إذا كان في جانب عنها كان أبعد.
فإبراهيم عليه السلام يخاف الشرك على نفسه، وهو خليل الرحمن وإمام الحنفاء؛ فما بالك بنا نحن إذًا؟!
فلا تأمن الشرك، ولا تأمن النفاق؛ إذ لا يأمن النفاق إلا منافق، ولا يخاف النفاق إلا مؤمن، ولهذا قال ابن أبي ملكية: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كلهم يخاف النفاق على نفسه) .
وها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه خاف على نفسه النفاق؛ فقال لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه الذي أسر إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأسماء أناس من المنافقين فقال له عمر رضي الله عنه: (أنشدك الله؛ هل سماني لك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع من سمى من المنافقين؟ . فقال حذيفة رضي الله عنه: لا، ولا أزكي بعدك أحدا) (1) أراد عمر بذلك زيادة الطمأنينة، وإلا؛ فقد شهد له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجنة.
__________
(1) انظر ك (طريق الهجرتين) لابن القيم آخر الطبقة الخامسة عشرة.
(9/104)

ولا يقال: إن عمر رضي الله عنه أراد حث الناس على الخوف من النفاق ولم يخفه على نفسه؛ لأن ذلك خلاف ظاهر اللفظ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، ومثل هذا القول يقوله بعض العلماء فيما يضيفه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى نفسه في بعض الأشياء، يقولون: هذا قصد به التعليم، وقصد به أن يبين لغيره، كما قيل: إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل: رب اغفر لي لأن له ذنبا، ولكن لأجل أن يعلم الناس الاستغفار، وهذا خلاف الأصل، وقال بعضهم: إنه جهر بالذكر عقب الفريضة ليعلم الناس الذكر، لا لأن الجهر بذلك من السنة ونحو ذلك.
قوله: {أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} . أن والفعل بعدها في تأويل مصدر: مفعول ثان لقوله: اجنبني.
والأصنام: جمع صنم، وهو ما جعل على صورة إنسان أو غيره يعبد من دون الله.
أما الوثن؛ فهو ما عبد من دون الله على أي وجه كان، وفي الحديث: «لا تجعل قبري وثنا يعبد» (1) فالوثن أعم من الصنم.
ولا شك أن إبراهيم سأل ربه الثبات على التوحيد؛ لأنه إذا جنبه عبادة الأصنام صار باقيا على التوحيد.
الشاهد من هذه الآية:
أن إبراهيم خاف الشرك، وهو إمام الحنفاء، وهو سيدهم ما عدا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
__________
(1) موطأ الإمام مالك (1/172)
(9/105)

وفي الحديث: « (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) . فسئل عنه؟ فقال: (الرياء) »
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي الحديث) . الحديث: ما أضيف إلى الرسول، والخبر: ما أضيف إليه وإلى غيره، والأثر: ما أضيف إلى غير الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أي: إلى الصحابي فمن بعده، إلا إذا قيد فقيل: وفي الأثر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فيكون على ما قيد به.
قوله: «أخوف ما أخاف عليكم» . الخطاب للمسلمين؛ إذ المسلم هو الذي يخاف عليه الشرك الأصغر، وليس لجميع الناس.
قوله: (الرياء) مشتق من الرؤية مصدر راءى يرائي، والمصدر رياء؛ كقاتل يقاتل قتالا.
والرياء: أن يعبد الله ليراه الناس فيمدحوه على كونه عابدا، وليس يريد أن تكون العبادة للناس؛ لأنه لو أراد ذلك؛ لكان شركا أكبر، والظاهر أن هذا على سبيل التمثيل، وإلا؛ فقد يكون رياء، وقد يكون سماعا أي يقصد بعبادته أن يسمعه الناس فيثنوا عليه، فهذا داخل في الرياء؛ فالتعبير بالرياء من باب التعبير بالأغلب.
أما إن أراد بعبادته أن يقتدي الناس به فيها؛ فليس هذا رياء، بل هذا من الدعوة إلى الله عز وجل، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «فعلت هذا لتأتموا بي»
(9/106)

«وتعلموا صلاتي» .
والرياء ينقسم باعتبار إبطاله للعبادة إلى قسمين:
الأول: أن يكون في أصل العبادة، أي ما قام يتعبد إلا للرياء؛ فهذا عمله باطل مردود عليه لحديث أبي هريرة في (الصحيح) مرفوعا، قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» .
الثاني: أن يكون الرياء طارئا على العبادة، أي أن أصل العبادة لله, لكن طرأ عليها الرياء؛ فهذا ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يدافعه؛ فهذا لا يضره.
مثاله: رجل صلى ركعة، ثم جاء أناس في الركعة الثانية، فحصل في قلبه شيء بأن أطال الركوع أو السجود أو تباكى وما أشبه ذلك، فإن دافعه؛ فإنه لا يضره لأنه قام بالجهاد.
القسم الثاني: أن استرسل معه؛ فكل عمل ينشأ عن الرياء، فهو باطل؛ كما لو أطال القيام، أو الركوع، أو السجود، أو تباكى؛ فهذا كل عمله حابط، ولكن هل هذا البطلان يمتد إلى جميع العبادة أم لا؟
نقول: لا يخلو هذا من الحالين:
الحال الأولى: أن يكون آخر العبادة مبنيا على أولها، بحيث لا يصح
(9/107)

أولها مع فساد آخرها؛ فهذه كلها فاسدة.
وذلك مثل الصلاة؛ فالصلاة مثلا لا يمكن أن يفسد آخرها ولا يفسد أولها وحينئذ تبطل الصلاة كلها إذا طرأ الرياء في أثنائها ولم يدافعه.
الحال الثانية: أن يكون أول العبادة منفصلا عن آخرها، بحيث يصح أولها دون آخرها، فما سبق الرياء؛ فهو صحيح، وما كان بعده؛ فهو باطل.
مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال، فتصدق بخمسين بنية خالصة، ثم تصدق بخمسين بقصد الرياء؛ فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة؛ لأن آخرها منفك عن أولها.
فإن قيل: لو حدث الرياء في أثناء الوضوء؛ هل يلحق بالصلاة فيبطل كله، أو بالصدقة فيبطل ما حصل فيه الرياء فقط.
فالجواب: يحتمل هذا وهذا؛ فيلحق بالصلاة؛ لأن الوضوء عبادة واحدة ينبني على بعض، وليس تطهير كل عضو عبادة مستقلة، ويلحق بالصدقة؛ لأنه ليس كالصلاة من كل وجه ولا الصداقة من كل وجه؛ لأننا إذا قلنا ببطلان ما حصل فيه الرياء فأعاد تطهيره وحده لم يضر؛ لأن تكرار غسل العضو لا يبطل الوضوء ولو كان عمدا، بخلاف الصلاة؛ فإنه إذا كرر جزءا منها كركوع أو سجود لغير سبب شرعي؛ بطلت صلاته، فلو أنه أن غسل يديه رجع وغسل وجهه؛ لم يبطل وضوؤه، ولو أنه بعد أن سجد رجع وركع؛ لبطلت صلاته، والترتيب موجود في هذا وهذا، لكن الزيادة في الصلاة تبطلها، والزيادة في الوضوء لا تبطلة، والرجوع مثلا إلى الأعضاء الأولى لا يبطله أيضا، وإن كان الرجوع في الحقيقة لا يعتبر وضوءا؛ لأنه غير شرعي، وربما يكون في الأولى غسل وجهه على أنه واحدة، ثم غسل يديه، ثم قال:
(9/108)

وعن ابن مسعود رضي الله عنه؛ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندا؛ دخل النار» . رواه البخاري
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأحسن أن أكمل الثلاث في الوجه أفضل، فغسل وجهه مرتين، وهو سيرتب أي سيغسل وجهه ثم يديه؛ فوضؤه صحيح.
ولو ترك التسبيح ثلاث مرات في الركوع، وبعدما سجد قال: فوت على نفسي فضيلة، سأرجع لأجل أن أسبح ثلاث مرات؛ فتبطل صلاته؛ فالمهم أن هناك فرقا بين الوضوء والصلاة، ومن أجل هذا الفرق لا أبت فيها الآن حتى أراجع وأتأمل إن شاء الله تعالى.
قوله: (من) . هذه شرطية تفيد العموم للذكر والأنثى.
قوله: ( «يدعو من الله ندا» أي: يتخذ لله ندا سواء دعاه دعاء عبادة أم دعاء مسألة؛ لأن الدعاء ينقسم إلى قسمين:
الأول: دعاء عبادة، مثاله: الصوم، والصلاة، وغير ذلك من العبادات, فإذا صلى الإنسان أو صام؛ فقد دعا ربه بلسان الحال أن يغفر له، وأن يجيره من عذابه، وأن يعطيه من نواله، وهذا في أصل الصلاة، كما أنها تتضمن الدعاء بلسان المقال.
ويدل لهذا القسم قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: 60] ؛ فجعل الدعاء عبادة، وهذا القسم كله
(9/109)

شرك، فمن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله؛ فقد كفر كفرًا مخرجًا له عن الملة، فلو ركع الإنسان أو سجد لشيء يعظمه كتعظيم الله في هذا الركوع أو السجود؛ لكان مشركًا، ولهذا «منع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الانحناء عند الملاقاة لما سئل عن الرجل يلقى أخاه أن ينحني له؟ قال: (لا) » (1) .
خلافًا لما يفعله بعض الجهال إذا سلم عليك انحنى لك؛ فيجب على كل مؤمن بالله أن ينكره؛ لأنه عظمك على حساب دينه.
الثاني: دعاء المسألة؛ فهذا ليس كله شركًا، بل فيه تفصيل، فإن كان المخلوق قادرًا على ذلك؛ فليس بشرك؛ كقوله: اسقني ماء لمن يستطيع ذلك. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من دعاكم فاجيبوه» (2) وقال تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} [النساء: 8.] .
فإذا مد الفقير يده، وقال: ارزقني؛ أي: أعطني؛ فليس بشرك، كما قال تعالى: {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} ، وأما إن دعا المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله؛ فإن دعوته شرك مخرج عن الملة.
مثال ذلك: أن تدعو إنسانًا أن ينزل الغيث معتقدًا أنه قادر على ذلك.
والمراد بقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من مات وهو يدعو لله ندا» المراد الند في العبادة، أما الند في المسألة؛ ففيه التفصيل السابق.
ومع الأسف؛ ففي بعض البلاد الإسلامية من يعتقد أن فلانًا المقبور الذي
__________
(1) مسند الإمام أحمد (3/198) ، والترمذي: كتاب الاستئذان/ باب ما جاء في المصافحة، وقال: (حديث حسن) ، وابن ماجة: كتاب الأدب/ باب في المصافحة.
(2) مسند الإمام أحمد (2/68) ، وأبو داود (3/17) ، والنسائي (5/28) ، والحاكم
(9/110)

بقي جثة أو أكلته الأرض ينفع أو يضر، أو يأتي بالنسل لمن لا يولد لها، وهذا -والعياذ بالله- شرك أكبر مخرج من الملة، وإقرار هذا أشد من إقرار شرب الخمر والزنا واللواط؛ لأنه إقرار على كفر، وليس إقرارًا على فسوق فقط.
قوله: (دخل النار) . أي: خالدًا، مع أن اللفظ لا يدل عليه؛ لأن دخل فعل، والفعل يدل على الإطلاق.
وأيضًا قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72.] ، وإذا حرمت الجنة؛ لزم أن يكون خالدًا في النار أبدًا، فيجب أن نخاف من الشرك ما دامت هذه عقوبته؛ فالمشرك خسر الآخرة؛ لأنه في النار خالد، وخسر الدنيا أيضًا؛ لأنه لم يستفد منها شيئًا، وقامت عليه الحجة، وجاءه النذير، ولكنه خسر -والعياذ بالله-، ما استفاد شيئًا من الدنيا، قال تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: 37.] ، وقال الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج:11-13.] ، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 15] .
فخسر نفسه؛ لأنه لم يستفد منها شيئًا، وخسر أهله؛ لأنهم إن كانوا من المؤمنين فهم في الجنة، فلا يتمتع بهم في الآخرة, وإن كانوا في النار فكذلك؛ لأنه كلما دخلت أمة لعنت أختها، والشرك خفي جدًّا؛ فقد يكون في الإنسان وهو لا يشعر إلا بعد المحاسبة الدقيقة؛ ولهذا قال بعض السلف: (ما جاهدت
(9/111)

ولمسلم عن جابر؛ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نفسي على شيء كما جاهدتها على الإخلاص) .
فالشرك أمره صعب جدا ليس بالهين، ولكن ييسر الله الإخلاص على العبد، وذلك بأن يجعله الله نصب عينيه، فيقصد بعمله وجه الله لا يقصد مدح الناس أو ذمهم أو ثناءهم عليه؛ فالناس لا ينفعونه أبدًا، حتى لو خرجوا معه لتشييع جنازته لم ينفعه إلا عمله، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يخرج مع الميت أهله وماله وعمله؛ فيرجع اثنان: أهله وماله، ويبقى عمله» .
وكذلك أيضًا من المهم أن الإنسان لا يفرحه أن يقبل الناس قوله؛ لأنه قوله، لكن يفرحه أن يقبل الناس قوله إذا رأى أنه الحق لأنه الحق، لا أنه قوله، وكذا لا يحزنه أن يرفض الناس قوله لأنه قوله؛ لأنه حينئذ يكون قد دعا لنفسه، لكن يحزنه أن يرفضوه لأنه الحق، وبهذا يتحقق الإخلاص.
فالإخلاص صعب جدا، إلا أن الإنسان إذا كان متجهًا إلى الله اتجاهًا صادقًا سليمًا على صراط مستقيم؛ فإن الله يعينه عليه، وييسره له.
قوله: (من) . شرطية تفيد العموم، وفعل الشرط: (لقي) ، وجوابه قوله: (دخل الجنة) ، وهذا الدخول لا ينافي أن يعذب بقدر ذنوبه إن كانت عليه
(9/112)

ذنوب؛ لدلالة نصوص الوعيد على ذلك، وهذا إذا لم يغفر الله له؛ لأنه داخل تحت المشيئة.
قوله: (لا يشرك) . في محل نصب على الحال من فاعل (لقي) .
قوله: (شيئا) . نكره في سياق الشرط؛ فيعم أي شرك حتى ولو أشرك مع الله أشرف الخلق، وهو الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل النار؛ فكيف بمن يجعل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعظم من الله، فيلجأ إليه عند الشدائد، ولا يلجأ إلى الله، بل ربما يلجأ إلى ما دون الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! وهناك من لا يبالي بالحلف بالله صادقا أم كاذبا، ولكن لا يحلف بقوميته إلا صادقا, ولهذا اختلف فيمن لا يبالي بالحلف بالله, ولكنه لا يحلف بملته أو بما يعظمه إلا صادقا، فلزمته يمين؛ هل يحلف بالله أو يحلف بهذا؟
فقيل: يحلف بالله ولو كذب، ولا يعان على الشرك، وهو الصحيح.
وقيل: يحلف بغير الله؛ لأن المقصود الوصول إلى بيان الحقيقة، وهو إذا كان كاذبًا لا يمكن أن يحلف، لكن نقول: إن كان صادقًا حلف ووقع في الشرك.
مسألة: هل يلزم من دخول النار الخلود لمن أشرك؟
هذا بحسب الشرك، إن كان الشرك أصغر كما دلت على ذلك النصوص؛ فإنه لا يلزم من ذلك الخلود في النار, وإن كان أكبر؛ فإنه يلزم منه الخلود في النار.
لكن لو حملنا الحديث على الشرك الأكبر في الموضعين في قوله: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» ، وفي قوله: «ومن لقي الله يشرك به شيئًا»
(9/113)

فيه مسائل: الأولى: الخوف من الشرك. الثانية: أن الرياء من الشرك. الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«دخل النار» ؛ وقلنا: من لقي الله لا يشرك به شركًا أكبر دخل الجنة، وإن عذب قبل الدخول في النار بما يستحق؛ فيكون مآله إلى الجنة، ومن لقيه يشرك به شركًا أكبر دخل النار مخلدًا فيها لم نحتج إلى هذا التفصيل.
فيه مسائل:
الأولى: الخوف من الشرك. لقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} ، ولقوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} .
الثانية: أن الرياء من الشرك؛ لحديث: « (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) . فسئل عنه فقال (الرياء) » ، وقد سبق بيان أحكامه بالنسبة إلى إبطال العبادة.
الثالثة: أنه من الشرك الأصغر؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما سئل عنه قال: (الرياء) ، فسماه شركًا أصغر، وهل يمكن أن يصل إلى الأكبر؟
ظاهر الحديث لا يمكن؛ لأنه قال: (الشرك الأصغر) ، فسئل عنه؛ فقال: (الرياء) .
(9/114)

الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين. الخامسة: قرب الجنة والنار. السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد. السابعة: أنه من لقيه يشرك به شيئًا؛ دخل النار، ولو كان من أعبد الناس.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لكن في عبارات ابن القيم رحمه الله أنه إذا ذكر الشرك الأصغر قال: كيسير الرياء؛ فهذا يدل على أن كثيره ليس من الأصغر، لكن إن أراد بالكمية؛ فنعم؛ لأنه لو كان يرائي في كل عمل لكان مشركًا شركًا أكبر لعدم وجود الإخلاص في عمل يعمله، أما إذا أراد الكيفية؛ فظاهر الحديث أنه أصغر مطلقاً.
الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين. وتؤخذ من قوله: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» ، ولأنه قد يدخل في قلب الإنسان من غير شعور لخفائه وتطلع النفس إليه، فإن كثيرًا من النفوس تحب أن تمدح بالتعبد لله.
الخامسة: قرب الجنة والنار. لقوله: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً؛ دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا؛ دخل النار» .
السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد. (من لقي الله لا يشرك به شيئًا ... ) الحديث.
السابعة: أن من لقيه يشرك به شيئًا دخل النار، ولو كان من أعبد الناس. تؤخذ من العموم في قوله: (من لقي الله) ؛ لأن (من) للعموم، لكن إن كان شركه أكبر؛ لم يدخل الجنة وإن كان أعبد الناس؛ لقوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة: 72.] وإن كان أصغر؛ عذب
(9/115)

الثامنة: المسألة العظيمة سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام. التاسعة: اعتباره بحال الأكثر؛ لقوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} [إبراهيم: 36] . العاشرة: فيه تفسير (لا إله إلا الله) كما ذكره البخاري. الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بقدر ذنوبه ثم دخل الجنة.
الثامنة: المسألة العظيمة سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام. تؤخذ من قوله تعالى: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} .
التاسعة: اعتباره بحال الأكثر؛ لقوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} . وفيه إشكال؛ إذ المؤلف يقول: بحال الأكثر، والآية: {كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} وفرق بين كثير وأكثر، ولهذا قال تعالى في بني آدم: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70.] ؛ فلم يقل على أكثر الخلق، ولا على الخلق؛ فالآدميون فضلوا على كثير ممن خلق الله، وليسوا أكرم الخلق على الله، ولكنه كرمهم.
العاشرة: فيه تفسير لا إله إلا الله كما ذكره البخاري. الظاهر أنها تؤخذ من جميع الباب؛ لأن لا إله إلا الله فيها نفي وإثبات.
الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك. لقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} ، وقوله: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا؛ دخل الجنة» .
(9/116)

باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} الآية [يوسف: 108.] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الترتيب الذي ذكره المؤلف من أحسن ما يكون؛ لأنه لما ذكر توحيد الإنسان بنفسه ذكر دعوة غيره إلى ذلك؛ لأنه لا يتم الإيمان إلا إذا دعا إلى التوحيد، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر] .
فلا بد مع التوحيد من الدعوة إليه، وإلا؛ كان ناقصًا، ولا ريب أن هذا الذي سلك سبيل التوحيد لم يسلكه إلا وهو يرى أنه أفضل سبيل، وإذا كان صادقًا في اعتقاده؛ فلا بد أن يكون داعيًا إليه, والدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله من تمام التوحيد، ولا يتم التوحيد إلا به.
قوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} المشار إليه ما جاء به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الشرع عبادة ودعوة إلى الله.
سبيل: طريقي.
قوله: أدعو، حال من الياء في قوله: سبيلي، ويحتمل أن تكون استئنافًا لبيان تلك السبيل.
(9/117)

وقوله: (إلى الله) ؛ لأن الدعاة إلى الله ينقسمون إلى قسمين:
1 - داع إلى الله.
2 - داع إلى غيره.
فالداعي إلى الله تعالى هو المخلص الذي يريد أن يوصل الناس إلى الله تعالى.
والداعي إلى غيره قد يكون داعيًا إلى نفسه، يدعو إلى الحق لأجل أن يعظم بين الناس ويحترم، ولهذا تجده يغضب إذا لم يفعل الناس ما أمره به، ولا يغضب إذا ارتكبوا نهيًا أعظم منه، لكن لم يدع إلى تركه.
وقد يكون داعيًا إلى رئيسه كما يوجد في كثير من الدول من علماء الضلال من علماء الدول، لا علماء الملل، يدعو إلى رؤسائهم.
من ذلك لما ظهرت الاشتراكية في البلاد العربية قام بعض علماء الضلال بالاستدلال عليها بآيات وأحاديث بعيدة الدلالة، بل ليس فيها دلالة؛ فهؤلاء دعوا إلى غير الله.
ومن دعا إلى الله ثم رأى الناس فارين منه؛ فلا ييأس، ويترك الدعوة، فإن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعلي: «انفذ على رسلك؛ فوالله؛ لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم» ؛ يعني: أن اهتداء رجل واحد من قبائل اليهود خير لك من حمر النعم، فإذا دعا إلى الله ولم يجب؛ فليكن غضبه من أجل أن الحق لم يتبع، لا لأنه لم يجب، فإذا كان يغضب لهذا: فمعناه أنه يدعو إلى الله، فإذا استجاب واحد؛ كفى, وإذا لم يستجب أحد, فقد أبرأ ذمته أيضًا
(9/118)

وفي الحديث: «والنبي وليس معه أحد» ثم إنه يكفي من الدعوة إلى الحق والتحذير من الباطل أن يتبين للناس أن هذا حق وهذا باطل؛ لأن الناس إذا سكتوا عن بيان الحق، وأقر الباطل مع طول الزمن؛ ينقلب الحق باطلًا، والباطل حقًّا.
قوله: {عَلَى بَصِيرَةٍ} ، أي: علم؛ فتضمنت هذه الدعوة الإخلاص والعلم؛ لأن أكثر ما يفسد الدعوة عدم الإخلاص، أو عدم العلم، وليس المقصود بالعلم في قوله: {عَلَى بَصِيرَةٍ} العلم بالشرع فقط، بل يشمل: العلم بالشرع، والعلم بحال المدعو، والعلم بالسبيل الموصل إلى المقصود، وهو الحكمة.
فيكون بصيرًا بحكم الشرع، وبصيرًا بحال المدعو، وبصيرًا بالطريق الموصلة لتحقيق الدعوة، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعاذ: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب» .
وهذه ليست كلها من العلم بالحكم الشرعي؛ لأن علمي أن هذا الرجل قابل للدعوة باللين، وهذا قابل للدعوة بالشدة، وهذا عنده علم يمكن أن يقابلني بالشبهات أمر زائد على العلم بالحكم الشرعي، وكذلك العلم بالطرق التي تجلب المدعوين كالترغيب بكذا والتشجيع؛ كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من قتل قتيلًا؛ فله سلبه» أو بالتأليف «فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعطى المؤلفة قلوبهم في غزوة حنين إلى مائة»
(9/119)

وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما بعث معاذًا إلى اليمن؛ قال له: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«بعير» ، فهذا كله من الحكمة؛ فالجاهل لا يصلح للدعوة، وليس محمودًا، وليست طريقته طريقة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح.
قوله: {أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} ، ذكروا فيها رأيين:
الأول: (أنا) مبتدأ، وخبرها (على بصيرة) ، (ومن اتبعني) معطوفة على (أنا) ؛ أي: أنا ومن اتبعني على بصيرة؛ أي: في عبادتي ودعوتي.
الثاني: (أنا) توكيد للضمير المستتر في قوله: (أدعو) ؛ أي: أدعو أنا إلى الله ومن اتبعني يدعو أيضًا؛ أي: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله ويدعو من اتبعني، وكلانا على بصيرة.
قوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} ، أي: أن أكون أدعو على غير بصيرة! وإعراب (سبحان) : مفعول مطلق عامله محذوف تقديره أسبح.
قوله: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} محلها مما قبلها في المعنى توكيد؛ لأن التوحيد معناه نفي الشرك.
(9/120)

قوله (أي: قول ابن عباس) : (بعث معاذًا) ، أي: أرسله، وبعثه على صفة المعلم والحاكم والداعي، وبعثه في ربيع الأول سنة عشرة من الهجرة، وهذا هو المشهور، وبعثه هو وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما، بعث معاذًا إلى صنعاء وما حولها، وأبا موسى إلى عدن وما حولها، وأمرهما: «أن اجتمعا وتطاوعا ولا تفترقا، ويسرا ولا تعسرا، وبشرا وذكرا ولا تنفرا» قوله: " لما "، إعرابها شرطية، وهي حرف وجود لوجود، و (لو) : حرف امتناع لامتناع، و (لولا) حرف امتناع لوجود.
قوله: «إنك تأتي قومًا من أهل كتاب» ، قال ذلك مرشدًا له، وهذا دليل على معرفته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأحوال الناس، وما يعلمه من أحوالهم؛ فله طريقان:
1 - الوحي.
2 - العلم والتجربة.
قوله: (من) بيانية، والمراد بالكتاب: التوراة والإنجيل؛ فيكون المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وهم أكثر أهل اليمن في ذلك الوقت، وإن كان في اليمن مشركون؛ لكن الأكثر اليهود والنصارى، ولهذا اعتمد الأكثر. وأخبره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك؛ لأمرين:
الأول: أن يكون بصيرًا بأحوال من يدعو.
الثاني: أن يكون مستعدًا لهم؛ لأنهم أهل كتاب، وعندهم علم.
قوله: (فليكن) ، الفاء للاستئناف أو عاطفة، واللام للأمر، و (أول) : اسم يكن، وخبرها (شهادة) وقيل العكس، يعني (أول) خبر مقدم (وشهادة) اسم يكن مؤخرًا.
(9/121)

والظاهر أنه يريد أن يبين أن أول ما يكون هي الشهادة، وإذا كان كذلك؛ يكون (أول) مرفوعًا على أنه اسم يكون؛ أي: أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: (شهادة) الشهادة هنا من العلم، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86.] ؛ فالشهادة هنا العلم والنطق باللسان؛ لأن الشاهد مخبر عن علم، وهذا المقام لا يكفي فيه مجرد الإخبار، بل لا بد من علم وإخبار وقبول وإقرار وإذعان؛ أي انقياد.
فلو اعتقد بقلبه، ولم يقل بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه ليس بمسلم بالإجماع حتى ينطق بها؛ لأن كلمة أشهد تدل على الإخبار، والإخبار متضمن للنطق، فلا بد من النطق؛ فالنية فقط لا تجزئ، ولا تنفعه عند الله حتى ينطق، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعمه أبي طالب: (قل) ، ولم يقل: اعتقد أن لا إله إلا الله.
قوله: (لا إله) أي: لا معبود؛ فإله بمعنى مألوه؛ فهو فعال بمعنى مفعول، وعند المتكلمين: إله بمعنى آله؛ فهو اسم فاعل، وعليه يكون معنى لا إله؛ أي: لا قادر على الاختراع، وهذا باطل (1) ، ولو قيل بهذا المعنى؛ لكان المشركون الذين قاتلهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موحدين؛ لأنهم يقرون به، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87.] ، وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزمر:38.] .
__________
(1) أنظر (ص 53) .
(9/122)

(وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله) ، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» . أخرجاه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قيل: كيف يقال: لا معبود إلا الله، والمشركون يعبدون أصنامهم؟! أجيب: بأنهم يعبدونها بغير حق؛ فهم وإن سموها آلهة؛ فألوهيتها باطلة، وليست معبودات بحق، ولذلك إذا مسهم الضر؛ لجئوا إلى الله تعالى، وأخلصوا له الدين، وعلى هذا لا تستحق أن تسمى آلهة.
فهم يعبدونها ويعترفون بأنهم لا يعبدونها إلا لأجل أن تقربهم إلى الله فقط؛ فجعلوها وسيلة وذريعة، وبهذا التقدير لا يرد علينا إشكال في قول الرسل لقومهم: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:59] ؛ لأن هذه المعبودات لا تستحق أن تعبد، بل الإله المعبود حقًا هو الله سبحانه وتعالى.
وفي قوله: «لا إله إلا الله» نفي الألوهية لغير الله، وإثباتها لله، ولهذا جاءت بطريق الحصر.
(9/123)

ولهما عن سهل بن سعد (رضي الله عنه) : «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال يوم خيبر: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله؛ يفتح الله على يديه) . فبات الناس يدوكون ليلتهم؛ أيهم يعطاها، فلما أصبحوا؛ غدوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كلهم يرجو أن يعطاها.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأعطين) ، هذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات: القسم المقدر، واللام، والنون، والتقدير: والله لأعطين.
قوله: (الراية) ، العلم، وسمي راية؛ لأنه يرى، وهو ما يتخذه أمير الجيش للعلامة على مكانه.
واللواء؛ قيل: إنه الراية، وقيل: ما لوي أعلاه، أو لوي كله؛ فيكون الفرق بينهما: أن الراية مفلولة لا تطوى، واللواء يطوى إما أعلاه أو كله، والمقصود منهما الدلالة، ولهذا يسمى علمًا.
قوله: (غدًا) ، يراد به ما بعد اليوم، والأمس يراد به ما قبله.
والأصل أنه يراد بالغد ما يلي يومك، ويراد بالأمس الذي يليه يومك، وقد يراد بالغد ما وراء ذلك، قال تعالى: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18.] ؛ أي: يوم القيامة.
وكذلك بالأمس قد يراد به ما وراء ذلك؛ أي: ما وراء اليوم الذي يليه يومك.
قوله: (يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) . أثبت المحبة لله من الجانبين، أي أن الله تعالى يُحِب ويُحَب، وقد أنكر هذا أهل التعطيل، وقالوا: المراد بمحبة الله للعبد إثابته أو إرادة إثابته، والمراد بمحبة العبد لله محبة ثوابه، وهذا تحريف
(9/124)

«فقال: (أين علي بن أبي طالب؟) . فقيل هو يشتكي عينيه. فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق في عينيه، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
للكلام عن ظاهره مخالف لإجماع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى من بعدهم، ومحبة الله تعالى ثابتة له حقيقة وهي من صفاته الفعلية، وكل شيء من صفات الله يكون له سبب؛ فهو من الصفات الفعلية، والمحبة لها سبب؛ فقد يبغض الله إنسانًا في وقت ويحبه في وقت لسبب من الأسباب.
قوله: (على يديه) ، أي يفتح خيبر على يديه، وفي ذلك بشارة بالنصر.
قوله: (يدوكون) ، أي: يخوضون، وجملة يدركون خبر بات.
قوله: (غدوا على رسول الله) ، أي: ذهبوا إليه في الغدوة مبكرين، كلهم يرجو أن يعطاها لينال محبة الله ورسوله.
قوله: (فقال: أين علي؟) ، القائل: الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: (يشتكي عينيه) ، أي: يتألم منهما، ولكنه يشتكي إلى الله؛ لأن عينيه مريضة.
وقوله: (فأرسلوا إليه) : بأمر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: (فأتى به) ، كأنه رضي الله عنه قد عمم على عينيه؛ لأن قوله: (أتي به) أي: يقاد.
وقوله: (كأن لم يكن به وجع) ، أي: ليس بهما أثر حمرة ولا غيرها.
قوله: (فبرأ) ، هذا من آيات الله الدالة على قدرته وصدق رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا
(9/125)

«ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله؛ لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم» (يدركون) ؛ أي: يخوضون.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله؛ لتخصيص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له ذلك من بين سائر الصحابة. قوله: (انفذ على رسلك) ، أي: مهلك، مأخوذ من رسل الناقة؛ أي: حليبها يحلب شيئًا فشيئًا، والمعنى: امش هوينًا هوينًا؛ لأن المقام خطير؛ لأنه يخشى من كمين، واليهود خبثاء أهل غدر.
قوله: (حتى تنزل بساحتهم) ، أي: ما يقرب منهم وما حولهم، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» . وهذا إذا كنا على الوصف الذي عليه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه، أما إذا كنا على وصف القومية، فإننا لو نزلنا في أحضانهم؛ فمن الممكن أن يقوموا ونكون في الأسفل.
قوله: (ثم ادعهم) ، أي: أهل خيبر، (إلى الإسلام) ؛ أي: الاستسلام لله.
قوله: (وأخبرهم بما يجب عليهم) ، أي: فلا تكفي الدعوة إلى الإسلام
(9/126)

فقط، بل يخبرهم بما يجب عليهم فيه حتى يقتنعوا به ويلتزموا، لكن على الترتيب الذي في حديث بعث معاذ.
وهذه المسألة يتردد الإنسان فيها: هل يخبرهم بما يجب عليهم من حق الله في الإسلام قبل أن يسلموا أو بعده؟
فإذا نظرنا إلى ظاهر حديث معاذ وحديث سهل هذا؛ فإننا نقول: الأولى أن تدعوه للإسلام، وإذا أسلم تخبره.
وإذا نظرنا إلى واقع الناس الآن، وأنهم لا يسلمون عن اقتناع؛ فقد يسلم، وإذا أخبرته ربما يرجع، قلنا: يخبرون أولًا بما يجب عليهم من حق الله فيه؛ لئلا يرتدوا عن الإسلام بعد إخبارهم بما يجب عليهم، وحينئذ يجب قتلهم لأنهم مرتدون.
ويحتمل أن يقال: تترك هذه المسألة للواقع وما تقتضيه المصلحة من تقديم هذا أو هذا.
قوله: (لأن يهدي الله) ، اللام واقعة في جواب القسم، وأن بفتح الهمزة مصدرية، ويهدي مؤول بالمصدر مبتدأ، و (خير) : خبر، ونظيرها قوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184.] .
قوله: (حمر النعم) بتسكين الميم: جمع أحمر، وبالضم: جمع حمار، والمراد الأول.
وحمر النعم: هي الإبل الحمراء، وذكرها لأنها مرغوبة عند العرب، وهي أحسن وأنفس ما يكون من الإبل عندهم.
وقوله: (لأن يهدي الله بك) ، ولم يقل: لأن تهدي؛ لأن الذي يهدي هو الله.
(9/127)

فيه مسائل: الأول: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الثانية: التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرًا من الناس لو دعا إلى الحق؛ فهو يدعو إلى نفسه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والمراد بالهداية هنا هداية التوفيق والدلالة.
وهل المراد الهداية من الكفر إلى الإسلام، أو يعم كل هداية؟
نقول: هو موجه إلى قوم يدعوهم إلى الإسلام، وهل نقول: إن القرينة الحالية تقتضي التخصيص، وأن من اهتدى على يديه رجل في مسألة فرعية من مسائل الدين لا يحصل له هذا الثواب بقرينة المقام؛ لأن عليًا موجه إلى قوم كفار يدعوهم إلى الإسلام، والله أعلم.
فيه مسائل:
الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتؤخذ من قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} .
الثانية: التنبيه على الإخلاص، وتؤخذ من قوله: (أدعو إلى الله) ، ولهذا قال: (لأن كثيرًا من الناس لو دعا إلى الحق؛ فهو يدعو إلى نفسه) ؛ فالذي يدعو إلى الله هو الذي لا يريد إلا أن يقوم دين الله، والذي يدعو إلى
(9/128)

الثالثة: أن البصيرة من الفرائض. الرابعة: من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيهًا لله تعالى عن المسبة. الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله. السادسة: وهي من أهمها: إبعاد المسلم عن المشركين؛ لئلا يصير منهم، ولو لم يشرك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نفسه هو الذي يريد أن يكون قوله هو المقبول، حقًّا كان أم باطلاً.
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض، وتؤخذ من قوله تعالى: {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} ، ووجه كون البصيرة من الفرائض؛ لأنه لا بد للداعية من العلم بما يدعو إليه، والدعوة فريضة؛ فيكون العلم بذلك فريضة.
الرابعة: من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيهًا لله عن المسبة، وتؤخذ من قوله تعالى: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، فسبحان الله دليل على أنه واحد لكماله.
ومعنى عن المسبة؛ أي: وعن مماثلة الخالق للمخلوق؛ إذ تمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا؟
الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة الله، وتؤخذ من قوله تعالى: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} بعد قوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} .
السادسة -وهي من أهمها-: إبعاد المسلم عن المشركين؛ لئلا يصير منهم، ولو لم يشرك. لقوله تعالى: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، ولم يقل: (وما أنا
(9/129)

السابعة: كون التوحيد أول واجب. الثامنة: أنه يبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة. التاسعة: أن معنى: (أن يوحدوا الله) : معنى شهادة أن لا إله إلا الله. العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مشرك) ؛ لأنه إذا كان بينهم، ولو لم يكن مشركا؛ فهو في ظاهر منهم، ولهذا لما قال الله للملائكة: {اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} [البقرة: 34.] ؛ توجه الخطاب له ولهم.
السابعة: كون التوحيد أول واجب، تؤخذ من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله» ، وفي رواية: (أن يوحدوا الله) .
وقال بعض العلماء: أول واجب النظر، لكن الصواب أن أول واجب هو التوحيد؛ لأن معرفة الخالق دلت عليها الفطرة.
الثامنة: أن يبدأ به قبل كل شيء تؤخذ من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه» .
التاسعة: أن معنى أن يوحدوا الله معنى شهادة أن لا إله إلا الله، تؤخذ من تعبير الصحابي حيث عبر في الرواية بقوله: (شهادة أن لا إله إلا الله) ، وفي رواية عبر بقوله: (أن يوحدوا الله) .
العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها أو يعرفها ولا يعمل بها، ومراده بقوله: (لا يعرفها، أو لا يعرفها) شهادة أن لا إله إلا الله، وتؤخذ من قوله: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» ؛ إذ لو
(9/130)

الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج. الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم. الثالثة عشرة: مصرف الزكاة. الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم. الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال. السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كانوا يعرفون لا إله إلا الله ويعملون بها ما احتاجوا إلى الدعوة إليها.
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج. تؤخذ من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعاذ: «ادعهم إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم» ... ) إلخ الحديث.
الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم. تؤخذ من أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذا بالتوحيد ليدعو إليه أولا، ثم الصلاة، ثم الزكاة.
الثالثة عشرة: مصرف الزكاة. تؤخذ من قوله: «فترد على فقرائهم» .
الرابعة عشرة كشف العالم الشبهة عن المتعلم. المراد بالشبهة هنا: شبهة العلم؛ أي: يكون عنده جهل.
تؤخذ من قوله: «إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» فبين أن هذه الصدقة تؤخذ من الأغنياء، وأن مصرفها الفقراء.
الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال. تؤخذ من قوله: «فإياك وكرائم الأموالهم» ؛ إذ إياك تفيد التحذير، والتحذير يستلزم النهي.
السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم. تؤخذ من قوله: «واتق دعوة المظلوم» .
(9/131)

السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب. الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء. التاسعة عشرة: قوله: (لأعطين الراية ... ) إلخ: علم من أعلام النبوة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب. تؤخذ من قوله: «فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» ؛ فقرن الترغيب أو الترهيب بالأحكام، مما يحث النفس إن كان ترغيبا، ويبعدها ويزجرها إن كان ترهيبا؛ لقوله: «اتق دعوة المظلوم» ؛ فالنفس قد لا تتقي، لكن إذا قيل: بينها وبين الله حجاب؛ خافت ونفرت من ذلك.
الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء. والظاهر أن المؤلف رحمه الله يريد الإشارة إلى قصة خيبر؛ إذ وقع فيها في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جوع عظيم، حتى إنهم أكلوا الحمير والثوم، وأما الوباء؛ فهو ما وقع في عهد علي رضي الله عنه، وأما المشقة فظاهرة.
ووجه كون ذلك من أدلة التوحيد: أن الصبر والتحمل في مثل هذه الأمور يدل على إخلاص الإنسان في توحيده وأن قصده الله، ولذلك صبر على البلاء.
التاسعة عشرة: قوله: (لأعطين الراية) علم من أعلام النبوة؛ لأن هذا حصل؛ فعلي بن أبي طالب يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
(9/132)

العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضا. الحادية والعشرون: فضيلة علي رضي الله عنه. الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح. الثالثة والعشرون:الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى. الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: (على رسلك) . الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضا؛ لأنه بصق في عينيه؛ فبرأ كأن لم يكن به وجع.
الحادية والعشرون: فضيلة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وهذا ظاهر؛ لأنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح؛ لأنهم انشغلوا عن بشارة الفتح بالتماسهم معرفة من يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى؛ لأن الصحابة غدوا على رسول الله مبكرين، كلهم يرجو أن يعطاها ولم يعطوها، وعلي بن أبي طالب مريض ولم يسع لها، ومع ذلك أعطي الراية.
الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: (على رسلك) . ووجهه: أنه أمره بالتمهل وعدم التسرع.
الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال. لقوله: «انزل»
(9/133)

السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا. السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة؛ لقوله: (أخبرهم بما يجب عليهم) . الثامنه والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام. التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد. الثلاثون: الحلف على الفتيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام» .
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا.
السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة؛ لقوله: «أخبرهم بما يجب عليهم» ؛ لأن من الحكمة أن تتم الدعوة، وذلك بأن تأمره بالإسلام أولا، ثم تخبره بما يجب عليه من حق الله، ولا يكفي أن تأمره بالإسلام؛ لأنه قد يطبق هذا الإسلام الذي أمرته به وقد لا يطبقه، بل لا بد من تعاهده حتى لا يرجع إلى الكفر.
الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام. تؤخذ من قوله: «وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه» .
التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد. لقوله: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» ؛ أي: خير لك من كل ما يستحسن في الدنيا، وليس المعنى كما قال بعضهم: خير لك من أن تتصدق بنعم حمر.
الثلاثون: الحلف على الفتيا؛ لقوله: «فو الله لأن يهدي الله» ... ) إلخ؛ فأقسم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو لم يستقسم، والفائدة هي حثه على أن يهدي الله به
(9/134)

والتوكيد عليه.
ولكن لا ينبغي الحلف على الفتيا إلا لمصلحة وفائدة؛ لأنه قد يفهم السامع أن المفتي لم يحلف إلا لشك عنده.
والإمام أحمد رحمه الله أحيانا يقول في إجابته: إي والله، وقد أمر الله رسوله بالحلف في ثلاثة مواضع من القرآن:
في قوله تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس: 53.] وفي قوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: 7.] .
وفي قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ: 3.]
فإذا كان في القسم مصلحة ابتداء، أو جوابا لسؤال؛ جاز وربما يكون مطلوبا.
(9/135)

باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التفسير معناه: الكشف والإيضاح، مأخوذ من قولهم: فسرت الثمرة قشرها، ومن قول الإنسان: فسرت ثوبي؛ فاتضح ما وراءه، ومنه تفسير القرآن الكريم.
والتوحيد تقدم تعريفه (1) ، والمراد به هنا اعتقاد أن الله واحد في ألوهيته.
وقوله: " شهادة أن لا إله إلا الله "، معطوف على التوحيد؛ أي: وتفسير شهادة أن لا إله إلا الله.
والعطف هنا من باب عطف المترادفين؛ لأن التوحيد حقيقة هو شهادة أن لا إله إلا الله.
وهذا الباب مهم؛ لأنه لما سبق الكلام على التوحيد وفضله والدعوة إليه، كأن النفس الآن اشرأبت إلى بيان ما هو هذا التوحيد الذي بوب له هذه الأبواب (وجوبه، وفضله، والدعوة إليه) .
فيجاب بهذا الباب، وهو تفسير التوحيد، وقد ذكر المؤلف خمس آيات:
__________
(1) انظر: (ص1)
(9/136)

وقول الله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} الآية [الإسراء: 57.] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الأولى: قوله تعالى: أولئك. " أولاء ": مبتدأ.
الذين: اسم موصول بدل منه.
يدعون: صله الموصول.
وجمله يبتغون: خبر المبتدأ؛ أي: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب؛ فكيف تدعونهم وهم محتاجون مفتقرون؟ ! فهذا سفه في الحقيقة، وهذا ينطبق على كل من دعي، وهو داع؛ كعيسى ابن مريم، والملائكة، والأولياء، والصالحين، وأما الشجر والحجر؛ فلا يدخل في الآية.
فهؤلاء الذين زعمتم أنهم أولياء من دون الله لا يملكون كشف الضر ولا تحويله من مكان إلى مكان؛ لأنهم هم بأنفسهم يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، وقد قال تعالى مبينا حال هؤلاء المدعوين: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 13-14.] .
قوله: يدعون؛ أي: دعاء مسألة؛ كمن يدعو عليا عند وقوعهم في الشدائد، وكمن يدعو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
(9/137)

وقوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} [الزخرف: 27.]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقد يكون دعاء عبادة؛ كمن يتذلل لهم بالتقرب، والنذر، والركوع، والسجود.
قوله: يبتغون: يطلبون.
قوله: الوسيلة؛ أي: الشيء الذي يوصلهم إلى الله؛ يعني: يطلبون ما يكون وسيلة إلى الله - سبحانه وتعالى - أيهم أقرب إلى الله، وكذلك أيضا يرجون رحمته ويخافون عذابه.
وجه مناسبة الآية للباب باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله:
أن التوحيد يتضمن البراءة من الشرك، بحيث لا يدعو مع الله أحدا؛ لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، وهؤلاء الذين يدعون الأنبياء والملائكة لم يتبرؤا من الشرك، بل هم واقعون فيه، ومن العجب أنهم يدعون من هم في حاجة إلى ما يقربهم إلى الله تعالى؛ فهم غير مستغنين عن الله بأنفسهم؛ فكيف يغنون غيرهم؟!
الآية الثانية والثالثة: قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ} ... الآيتين.
قوله: براء: على وزن فعال، وهي صفة مشبهة من التبرؤ، وهو التخلي؛ أي: إنني متخل غاية التخلي عما تعبدون إلا الذي فطرني، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قوي في ذات الله، فقال ذلك معلنا به لأبيه وقومه، وأبوه هو آزر (1) .
__________
(1) انظر: (ص 83)
(9/138)

قوله: تعبدون: العبادة هنا التذلل والخضوع؛ لأن في قومه من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الشمس والقمر والكواكب.
قوله: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} : جمع بين النفي والإثبات؛ فالنفي: {بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} ، والإثبات: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} ؛ فدل على أن التوحيد لا يتم إلا بالكفر بما سوى الله والإيمان بالله وحده، {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256] ، وهؤلاء يعبدون الله ويعبدون غيره؛ لأنه قال: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} ، والأصل في الاستثناء الاتصال إلا بدليل، ومع ذلك تبرأ منهم.
وكذا يوجد في بعض البلدان الإسلامية من يصلي ويزكي ويصوم ويحج، ومع ذلك يذهبون إلى القبور يسجدون لها ويركعون؛ فهم كفار غير موحدين، ولا يقبل منهم أي عمل، وهذا من أخطر ما يكون على الشعوب الإسلامية؛ لأن الكفر بما سوى الله عندهم ليس بشيء، وهذا جهل منهم، وتفريط من علمائهم؛ لأن العامي لا يأخذ إلا من عالمه، لكن بعض الناس -والعياذ بالله- عالم دولة لا عالم ملة.
وفي قول إبراهيم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} ، ولم يقل إلا الله فائدتان:
الأولى: الإشارة إلى علة إفراد الله وبالعبادة؛ لأنه كما أنه منفرد بالخلق؛ فيجب أن يفرد بالعبادة.
الثانية: الإشارة إلى بطلان عبادة الأصنام؛ لأنها لم تفطركم حتى تعبدوها؛ ففيها تعليل للتوحيد الجامع بين النفي والإثبات، وهذه من البلاغة التامة في تعبير إبراهيم عليه السلام.
يستفاد من الآية أن التوحيد لا يحصل بعبادة الله مع غيره، بل لا بد من
(9/139)

وقوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية [التوبة: 31] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إخلاصه لله، والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام:
قسم يعبد الله وحده.
وقسم يعبد غيره فقط.
وقسم يعبد الله وغيره.
والأول فقط هو الموحد.
الآية الرابعة: قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ... الآية.
قوله: أحبارهم: والمعطوف عليها المفعول الأول لـ (اتخذوا) ، والثاني: " أربابا "؛ أي: هؤلاء اليهود والنصارى صيروا أحبارهم ورهبانهم أربابا.
والأحبار: جمع حَبْر، وهو العالم، ويقال للعالم أيضا بحر لكثرة علمه. والحبر؛ بفتح الحاء، وكسرها يقال: حَبر، وحبر.
قوله تعالى: ورهبانهم؛ أي: عبادهم.
وقوله: أربابا: جمع رب، أي يجعلونهم أربابا من دون الله؛ فيجعلوا الأحبار أربابا؛ لأنهم يأتمرون بأمرهم في مخالفة أمر الله، فيطيعونهم في معصية الله.
وجعلوا الرهبان أربابا باتخاذهم أولياء يعبدونهم من دون الله.
قوله: {مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؛ أي: من غير الله.
قوله: {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} : معطوف على أحبارهم؛ أي: اتخذوا المسيح
(9/140)

وقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} الآية [البقرة: 165.] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ابن مريم أيضًا ربًا حيث قالوا: إنه ثالث ثلاثة.
قوله: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي: يتذللوا بالطاعة لله وحده، الذي خلق المسيح والأحبار والرهبان والسماوات والأرض.
قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ؛ أي: لا معبود حق إلا هو.
قوله: سبحانه: تنزيه لله عما يشركون.
وجه كون هذه الآية تفسيرًا للتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: أن الله أنكر عليهم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وهذه الآية سيأتي فيها ترجمة كاملة في كلام المؤلف رحمه الله؛ فهؤلاء جعلوا الأحبار شركاء في الطاعة، كلما أمروا بشيء أطاعوهم، سواء وافق أمر الله أم لا.
إذا؛ فتفسير التوحيد أيضًا بلا إله إلا الله يستلزم أن تكون طاعتك لله وحده، ولهذا على الرغم من تأكيد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لطاعة ولاة الأمر؛ قال: «إنما الطاعة في المعروف» .
الآية الخامسة: قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} . . . الآية.
(9/141)

قوله: من الناس: من للتبعيض، وعلامتها أن يصح أن يحل محلها بعض، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومن يتخذ مبتدأ مؤخر، أي من يجعل لله أندادًا، ومفعولها الأول "أندادًا" مؤخرًا، ومفعولها الثاني "من دون الله" مقدمًا.
وقوله: يتخذ: جاءت بالإفراد مراعاة للفظ " من ". وقوله: يحبونهم: بالجمع مراعاة للمعنى.
وقوله: أندادًا: جمع ند، وهو الشبيه والنظير، ولهذا «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن قال له ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده"» .
وقوله: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} : هذا وجه المشابهة؛ أي: الندية في المحبة يحبونهم كحب الله.
واختلف المفسرون في قوله: كحب الله:
فقيل: يجعلون محبة الأصنام مساوية لمحبة الله، فيكون في قلوبهم محبة لله ومحبة للأصنام، ويجعلون محبة الأصنام كمحبة الله؛ فيكون المصدر مضافًا إلى مفعوله، أي يحبون الأصنام كحبهم الله.
وقيل: يحبون هذه الأصنام محبة شديدة كمحبة المؤمنين لله.
وسياق هذه الآية يؤيد القول الأول.
وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} .
على الرأي الأول يكون معناها: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من هؤلاء لله؛ لأن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة هؤلاء فيها شرك بين الله وبين أصنامهم.
(9/142)

وعلى الرأي الثاني معناها: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من هؤلاء لأصنامهم؛ لأن محبة المؤمنين ثابتة في السراء والضراء على برهان صحيح، بخلاف المشركين؛ فإن محبتهم لأصنامهم تتضاءل إذا مسهم الضر.
فما بالك برجل يحب غير الله أكثر من محبته لله؟ ! وما بالك برجل يحب غير الله ولا يحب الله؟ ! فهذا أقبح وأعظم، وهذا موجود في كثير من المنتسبين للإسلام اليوم، فإنهم يحبون أولياءهم أكثر مما يحبون الله، ولهذا لو قيل له: احلف بالله؛ حلف صادقًا أو كاذبًا، أما الولي؛ فلا يحلف به إلا صادقًا.
وتجد كثيرًا منهم يأتون إلى مكة والمدينة ويرون أن زيارة قبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعظم من زيارة البيت؛ لأنهم يجدون في نفوسهم حبا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كحب الله أو أعظم، وهذا شرك؛ لأن الله يعلم أننا ما أحببنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا لحب الله، ولأنه رسول الله، ما أحببناه لأنه محمد بن عبد الله لكننا أحببناه لأنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فنحن نحبه بمحبة الله، لكن هؤلاء يجعلون محبة الله تابعة لمحبة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن أحبوا الله.
فهذه الآية فيها محنة عظيمة لكثير من قلوب المسلمين اليوم الذين يجعلون غير الله مثل الله في المحبة، وفيه أناس أيضًا أشركوا بالله في محبة غيره، لا على وجه العبادة الشرعية؛ لكن على وجه العبادة المذكورة في الحديث وهي محبة الدرهم والدينار والخميصة والخميلة، يوجد أناس لو فتشت عن قلوبهم؛ لوجدت قلوبهم ملأى من محبة متاع الدنيا، وحتى هذا الذي جاء يصلي هو في المسجد لكن قلبه مشغول بما يحبه من أمور الدنيا.
(9/143)

فهذا نوع من أنواع العبادة في الحقيقة، ولو حاسب الإنسان نفسه لماذا خلق؟ لعلم أنه خلق لعبادة الله، وأيضًا خلق لدار أخرى ليست هذه الدار؛ فهذه الدار مجاز يجوز الإنسان منها إلى الدار الأخرى، الدار التي خلق لها والتي يجب أن يعنى بالعلم لها، يا ليت شعري متى يومًا من الأيام فكر الإنسان ماذا عملت؟ وكم بقي لي في هذه الدنيا؟ وماذا كسبت؟ الأيام تمضي ولا أدري هل ازددت قربًا من الله أو بعدًا من الله؟ هل نحاسب أنفسنا عن هذا الأمر؟
فلا بد لكل إنسان عاقل من غاية؛ فما هي غايته؟
نحن الآن نطلب العلم للتقرب إلى الله بطلبه، وإعلام أنفسنا، وإعلام غيرنا؛ فهل نحن كلما علمنا مسألة من المسائل طبقناها؟ نحن على كل حال نجد في أنفسنا قصورًا كثيرًا وتقصيرًا، وهل نحن إذا علمنا مسألة ندعو عباد الله إليها؟
هذا أمر يحتاج إلى محاسبة، ولذلك؛ فإن على طالب العلم مسئولية ليست هينة، عليه أكثر من زكاة المال؛ فيجب أن يعمل ويتحرك ويبث العلم والوعي في الأمة الإسلامية، وإلا انحرفت عن شرع الله.
قال ابن القيم رحمه الله: كل الأمور تسير بالمحبة؛ فأنت مثلًا لا تتحرك لشيء إلا وأنت تحبه، حتى اللقمة من الطعام لا تأكلها إلا لمحبتك لها.
ولهذا قيل: إن جميع الحركات مبناها على المحبة؛ فالمحبة أساس العمل، فالإشراك في المحبة إشراك بالله.
والمحبة أنواع:
الأول: المحبة لله، وهذه لا تنافي التوحيد، بل هي من كماله، فأوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله.
(9/144)

والمحبة لله هي أن تحب هذا الشيء؛ لأن الله يحبه، سواء كان شخصًا أو عملًا، وهذا من تمام التوحيد.
قال مجنون ليلى:
أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
الثاني: المحبة الطبيعية التي لا يؤثرها المرء على محبة الله؛ فهذه لا تنافي محبة الله؛ كمحبة الزوجة، والولد، والمال، ولهذا «لما سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أحب الناس إليك؟ قال: " عائشة ". قيل: فمن الرجال؟ قال: "أبوها» .
ومن ذلك محبة الطعام والشراب واللباس.
الثالث: المحبة مع الله التي تنافي محبة الله، وهي أن تكون محبة غير الله كمحبة الله أو أكثر من محبة الله، بحيث إذا تعارضت محبة الله ومحبة غيره قدم محبة غير الله، وذلك إذا جعل هذه المحبة ندا لمحبة الله يقدمها على محبة الله أو يساويها بها.
الشاهد من هذه الآية: أن الله جعل هؤلاء الذين ساووا محبة الله بمحبة غيره مشركين جاعلين لله أندادا.
(9/145)

وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أنه قال: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل» . وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي الصحيح) . لم يفصح المؤلف رحمه الله بمراده بالصحيح؛ أهو (صحيح البخاري) أم (صحيح مسلم) ، أم أن المراد به الحديث الصحيح؛ سواء كان في (الصحيحين) معًا أم في أحدهما أم في غيرهما، وليس له اصطلاح في ذلك يحمل عليه عند الإطلاق، وعلى هذا يبحث عن الحديث في مظانه، وقد ورد هذا التعبير في سياق المؤلف للحديث في مواضع أخرى، والمراد به هنا (صحيح مسلم) .
قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من قال لا إله إلا الله " أي لا معبود حق إلا الله، فلفظ الجلالة بدل من الضمير المستتر في الخبر، ومن يرى أن (لا) تعمل في المعرفة يقولون: هو الخبر.
قوله: «وكفر بما يعبد من دون الله» ، أي: بعبادة من يعبد من دون الله، قلنا ذلك؛ لأن عيسى بن مريم كان يعبد من دون الله، ونحن نؤمن به، لكن لا نؤمن بعبادته ولا بأنه مستحق للعبادة؛ كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}
(9/146)

فيه مسائل:
فيه أكبر المسائل وأهمها، وهي تفسير التوحيد وتفسير الشهادة، وبينها بأمور واضحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[المائدة: 116-117] .
وفي قوله: «وكفر بما يعبد من دون الله» دليل على أنه لا يكفي مجرد التلفظ بلا إله إلا الله بل لا بد أن تكفر بعبادة من يعبد من دون الله، بل وتكفر أيضًا بكل كفر، فمن يقول: لا إله إلا الله، ويرى أن النصارى واليهود اليوم على دين صحيح؛ فليس بمسلم، ومن يرى الأديان أفكارًا يختار منها ما يريد؛ فليس بمسلم، بل الأديان عقائد مفروضة من قبل الله عز وجل، يتمشى الناس عليها، ولهذا ينكر على بعض الناس في تعبيره بقوله: الفكر الإسلامي، بل الواجب أن يقال: الدين الإسلامي أو العقيدة الإسلامية، ولا بأس بقول المفكر الإسلامي؛ لأنه وصف للشخص نفسه لا للدين الذي هو عليه.
قوله: (وشرح هذه الترجمة) ، المراد بالشرح هنا: التفصيل، والترجمة: هي التعبير بلغة عن لغة أخرى، ولكنها تطلق باصطلاح المؤلفين على العناوين والأبواب، فيقال: ترجم على كذا؛ أي: بوب له.
قوله: (فيه أكبر المسائل وأهمها، وهي تفسير التوحيد) .
فتفسير التوحيد أنه لا بد فيه من أمرين:
الأول: نفى الألوهية عما سوى الله عز وجل.
(9/147)

منها أية الإسراء: بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين؛ ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثاني: إثبات الألوهية لله وحده؛ فلا بد من النفي والإثبات لتحقيق التوحيد؛ لأن التوحيد جعل الشيء واحدًا بالعقيدة والعمل، وهذا لا بد فيه من النفي والإثبات.
فإذا قلت: زيد قائم؛ أثبت له القيام ولم توحده، لكن إذا قلت: لا قائم إلا زيد؛ أثبت له القيام ووحدته به.
وإذا قلت: الله إله أثبت له الألوهية، لكن لم تنفها عن غيره؛ فالتوحيد لم يتم، وإذا قلت: لا إله إلا الله، أثبت الألوهية لله ونفيتها عما سواه.
قوله: (تفسير الشهادة) . الشهادة: هي التعبير عما تيقنه الإنسان بقلبه؛ فقول: أشهد أن لا إله إلا الله؛ أي: أنطلق بلساني معبرًا عما يكنه قلبي من اليقين، وهو أنه لا إله إلا الله.
قوله: (منها آية الإسراء) . وهي قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ} . . . [الإسراء: 57.] ؛ فبين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، وبين أن هذا هو الشرك الأكبر؛ لأن الدعاء من العبادة، قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] ؛ فدل على أن الدعاء عبادة؛ لأن آخر الكلام تعليل لأوله، فكل من دعا أحدًا غير الله حيًا أو ميتًا؛ فهو مشرك شركًا أكبر.
ودعاء المخلوق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
(9/148)

ومنها آية براءة: بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله.
وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهًا واحدًا، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأول: جائز، وهو أن تدعو مخلوقًا بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة؛ فهذا ليس من دعاء العبادة، بل هو من الأمور الجائزة، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وإذا دعاك فأجبه» .
الثاني: أن تدعو مخلوقًا مطلقًا، سواء كان حيًّا أو ميتًا فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فهذا شرك أكبر؛ لأنك جعلته ندًّا لله فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل: يا فلان اجعل ما في بطن امرأتي ذكرًا.
الثالث: أن تدعو مخلوقًا ميتًا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة؛ فهذا شرك أكبر أيضًا؛ لأنه لا يدعو من كان هذه حاله حتى يعتقد أن له تصرفًا خفيًّا في الكون.
قوله: (ومنها آية براءة بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله) . وهذا شرك الطاعة، وهو بتوحيد الربوبية ألصق من توحيد
(9/149)

ومنها قول الخليل عليه السلام للكفار: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} [الزخرف: 26-27] فاستثنى من المعبودين ربه.
وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، فقال: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 28] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لألوهية؛ لأن الحكم شرعيًّا كان أو كونيًّا إلى الله تعالى؛ فهو من تمام ربوبيته، قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10] ، وقال تعالى: {لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70] .
والشيخ رحمه الله جعل شرك الطاعة من الأكبر، وهذا فيه تفصيل، وسيأتي إن شاء الله في باب من أطاع الأمراء والعلماء في تحليل ما حرم الله أو بالعكس.
قوله: (ومنها: قول الخليل عليه السلام للكفار: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} ؛ فاستثنى من المعبودين ربه. فدل هذا على أن التوحيد لا بد فيه من نفي وإثبات: البراءة مما سوى الله، وإخلاص العبادة لله وحده.
وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله؛ فقال: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ، وهي لا إله إلا الله؛ فكان معنى قوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} هو معنى قول: لا إله إلا الله.
(9/150)

ومنها آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167] . ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبًّا عظيمًا، ولم يدخلهم في الإسلام؛ فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ ! وكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟ !
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومنها: آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} .
فجعل الله المحبة شركًا إذا أحب شيئًا سوى الله كمحبته لله؛ فيكون مشركًا مع الله في المحبة، ولهذا يجب أن تكون محبة الله خالصة لا يشاركه فيها أحد حتى محبة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلولا أنه رسول ما وجبت طاعته ولا محبته إلا كما نحب أي مؤمن، ولا يمنع الإنسان من محبة غير الله، بل له أن يحب كل شيء تباح محبته؛ كالولد، والزوجة، ولكن لا يجعل ذلك كمحبة الله.
قال المؤلف: (فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! وكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟!) .
فالأقسام أربعة:
الأول: أن يحب الله حبًّا أشد من غيره؛ فهذا هو التوحيد.
الثاني: أن يحب غير الله كمحبة الله، وهذا شرك.
الثالث: أن يحب غير الله أشد حبًّا من الله، وهذا أعظم مما قبله.
الرابع: أن يحب غير الله وليس في قلبه محبة لله تعالى، وهذا أعظم وأطم.
(9/151)

ومنها قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله» .
وهذا من أعظم ما يبين معنى (لا إله إلا الله) ؛ فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والمحبة لها أسباب ومتعلقات، وتختلف باختلاف متعلقها، كما أن الفرح يختلف باختلاف متعلقه وأسبابه، فعندما يفرح بالطرب؛ فليس هذا كفرحه بذكر الله ونحوه.
حتى نوع المحبة يختلف، يحب والده ويحب ولده وبينهما فرق، ويحب الله ويحب ولده، ولكن بين المحبتين فرق.
فجميع الأمور الباطنة في المحبة والفرح والحزن تختلف باختلاف متعلقها، وسيأتي إن شاء الله لهذا البحث مزيد تفصيل عند قول المؤلف: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا} .
قوله: (ومنها: قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من قال: لا إله إلا الله ... ) إلخ.
إذًا فلا بد من الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256] .
قوله: «وكفر بما يعبد من دون الله» . أي: كفر بالأصنام، وأنكر أن تكون عبادتها حقًّا؛ فلا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله، ولا أعبد صنمًا، بل لا بد أن
(9/152)

يقول: الأصنام التي تعبد من دون الله أكفر بها وبعبادتها.
فمثلًا لا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله ولا أعبد اللات، ولكن لا بد أن يكفر بها ويقول: إن عبادتها ليست بحق، وإلا؛ كان مقرًّا بالكفر.
فمن رضي دين النصارى دينًا يدينون الله به؛ فهو كافر لأنه إذا ساوى غير دين الإسلام مع الإسلام؛ فقد كذب قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] .
وبهذا يكون كافرًا، وبهذا نعرف الخطر العظيم الذي أصاب المسلمين اليوم باختلاطهم مع النصارى، والنصارى يدعون إلى دينهم صباحًا ومساءً، والمسلمون لا يتحركون، بل بعض المسلمين الذين ما عرفوا الإسلام حقيقة يلينون لهؤلاء، {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] ، وهذا من المحنة التي أصابت المسلمين الآن، وآلت بهم إلى هذا الذل الذي صاروا فيه.
(9/153)

باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما
لرفع البلاء أو دفعه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من الشرك) ، من هنا للتبعيض؛ أي: أن هذا بعض الشرك، وليس كل الشرك، والشرك: اسم جنس يشمل الأصغر والأكبر، ولبس هذه الأشياء قد يكون أصغر وقد يكون أكبر بحسب اعتقاد لابسها، وكان لبس هذه الأشياء من الشرك؛ لأن كل من أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا شرعيًّا ولا قدريًّا؛ فقد جعل نفسه شريكًا مع الله.
فمثلًا: قراءة الفاتحة سبب شرعي للشفاء.
وأكل المسهل سبب حسي لانطلاق البطن، وهو قدري؛ لأنه يعلم بالتجارب.
والناس في الأسباب طرفان ووسط:
الأول: من ينكر الأسباب، وهم كل من قال بنفي حكمة الله؛ كالجبرية، والأشعرية.
الثاني: من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعلوا ما ليس بسبب سببًا، وهؤلاء هم عامة الخرافيين من الصوفية ونحوهم.
الثالث: من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها، ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله، سواء كان سببًا شرعيًّا أو كونيًّا.
ولا شك أن هؤلاء هم الذين آمنوا إيمانًا حقيقيًّا، وآمنوا بحكمته؛ حيث ربطوا الأسباب بمسبباتها، والعلل بمعلولاتها، وهذا من تمام الحكمة.
(9/154)

ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله؛ فهو مشرك شركًا أكبر في توحيد الربوبية؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا غيره.
وإن اعتقد أنها سبب ولكنه ليس مؤثرًا بنفسه؛ فهو مشرك شركًا أصغر؛ لأنه لما اعتقد أن ما ليس بسبب سببًا؛ فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سببًا.
وطريق العلم بأن الشيء سبب:
إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل:69] ، وكقراءة القرآن فيها شفاء للناس، قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] . وإما عن طريق القدر، كما إذا جربنا هذا الشيء فوجدناه نافعًا في هذا الألم أو المرض، ولكن لا بد أن يكون أثره ظاهرًا مباشرًا كما لو اكتوى بالنار فبرئ بذلك مثلًا؛ فهذا سبب ظاهر بين، وإنما قلنا هذا لئلا يقول قائل: أنا جربت هذا وانتفعت به، وهو لم يكن مباشرًا؛ كالحلقة، فقد يلبسها إنسان وهو يعتقد أنها نافعة، فينتفع لأن للانفعال النفسي للشيء أثرًا بينًا؛ فقد يقرأ إنسان على مريض فلا يرتاح له، ثم يأتي آخر يعتقد أن قراءته نافعة، فيقرأ عليه الآية نفسها فيرتاح له ويشعر بخفة الألم، كذلك الذين يلبسون الحلق ويربطون الخيوط، قد يحسون بخفة الألم أو اندفاعه أو ارتفاعه بناءً على اعتقادهم نفعها.
وخفة الألم لمن اعتقد نفع تلك الحلقة مجرد شعور نفسي، والشعور النفسي ليس طريقًا شرعيًّا لإثبات الأسباب، كما أن الإلهام ليس طريقًا للتشريع.
قوله: (لبس الحلقة والخيط) ، الحلقة: من حديد أو ذهب أو فضة أو ما أشبه ذلك، والخيط معروف.
(9/155)

وقول الله تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} [الزمر: 38] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ونحوهما) ، كالمرصعات، وكمن يصنع شكلًا معينًا من نحاس أو غيره لدفع البلاء، أو يعلق على نفسه شيئًا من أجزاء الحيوانات، والناس كانوا يعلقون القرب البالية على السيارات ونحوها لدفع العين، حتى إذا رآها الشخص نفرت نفسه فلا يعين.
قوله: (لرفع البلاء، أو دفعه) ، الفرق بينهما: أن الرفع بعد نزول البلاء، والدفع قبل نزول البلاء.
وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لا ينكر السبب الصحيح للرفع أو الدفع، وإنما ينكر السبب غير الصحيح.
وقول الله تعالى: أفرأيتم؛ أي: أخبروني، وهذا تفسير باللازم؛ لأن من رأى أخبر، وإلا فهي استفهام عن رؤية، قال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} [الماعون: 1] ؛ أي: أخبرني ما حال من كذب بالدين؟ وهي تنصب مفعولين: الأول مفرد، والثاني جملة استفهامية.
وقوله: (ما) ، المفعول الأول لرأيتم، والمفعول الثاني جملة: (إن أرادني الله بضر) .
وقوله: (تدعون) ، المراد بالدعاء دعاء العبادة ودعاء المسألة؛ فهم يدعون هذه الأصنام دعاء عبادة، فيتعبدون لها بالنذر والذبح والركوع والسجود، ويدعونها دعاء مسألة لدفع الضرر أو جلب النفع.
فالله سبحانه إذا أراد ضرا لا تستطيع الأصنام أن تكشفه، وإن أراده
(9/156)

برحمة لا تستطيع أن تمسك الرحمة عنه؛ فهي لا تكشف الضرر ولا تمنع النفع؛ فلماذا تعبد؟!
وقوله: كاشفات، يشمل الدفع والرفع؛ فهي لا تكشف الضر بدفعه وإبعاده، ولا تكشفه برفعه وإزالته.
وقوله: {قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} ، أي: كافيني، والحسب: الكفاية، ومنه قوله تعالى: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} [النبأ: 36] ، من الحسب، وهو الكفاية، وحسبي: مبتدأ، ولفظ الجلالة خبر، وهذا أبلغ.
وقيل العكس، والراجح الأول؛ لوجهين:
الأول: أن الأصل عدم التقديم والتأخير.
الثاني: أن قولك: حسبي الله فيه حصر الحسب في الله، أي حسبي الله لا غيره؛ فهو كقولك: لا حسب لي إلا الله، بخلاف قولك: الله حسبي؛ فليس فيه الحصر المذكور؛ فلا يدل على حصر الحسب في الله.
قوله: {عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} . قدم الجار والمجرور لإفادة الحصر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
والمعنى أن المتوكل حقيقة هو المتوكل على الله، أما الذي يتوكل على الأصنام والأولياء والأضرحة؛ فليس بمتوكل على الله تعالى.
وهذا لا ينافي أن يوكل الإنسان إنسانًا في شيء ويعتمد عليه؛ لأن هناك فرقًا بين التوكل على الإنسان الذي يفعل شيئًا بأمرك، وبين توكلك على الله؛ لأن توكلك على الله اعتقادك أن بيده النفع والضر، وأنك متذلل، معتمد
(9/157)

عن عمران بن حصين رضي الله عنه؛ «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى رجلًا في يده حلقة من صفر، فقال: (ما هذه) ؟ قال: من الواهنة. فقال: (انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك؛ ما أفلحت أبدًا» . (1) رواه أحمد بسند لا بأس به.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عليه، مفتقر إليه، مفوض أمرك إليه.
والشاهد من هذه الآية: أن الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفع ولا بدفع ضر؛ فليست أسباب لذلك، فيقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعي أو قدري؛ فيعتبر اتخاذه سببا إشراكا بالله.
وهناك شاهد آخر في قوله: حسبي الله؛ فإن فيه تفويض الكفاية إلى الله دون الأسباب الوهمية، وأما الأسباب الحقيقة؛ فلا ينافي تعاطيها توكل العبد على الله تعالى وتفويض الأمر إليه؛ لأنها من عنده.
قوله في حديث عمران: (رأى رجلا) . لم يبين اسمه؛ لأن المهم بيان القضية وحكمها، لكن ورد ما يدل على أنه عمران نفسه، لكنه أبهم نفسه.
قوله: «حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة» ، والحلقة والصفر
__________
(1) مسند الإمام أحمد (4/445) ـ واللفظ له ـ، وابن ماجة (كتاب الطب، باب تعليق التمائم) وليس فيه: (فإنك لو مت …) إلخ. وفي (الزوائد) : (إسناده حسن؛ لأ، مبارك هذا هو ابن فضالة) . ورواه ابن حبان أيضاً (1410) بلفظ (إنك إن نمت وهي عليك وكلت إليها) . ومن طريق أبي عامر الخراز عن الحسن عن عمران بنحوه، رواه ابن حبان (1411) والحاكم (4/216) ، وصححه ووافقه الذهبي.
(9/158)

معروفان، وأما الواهنة؛ فوجع في الذراع أو العضد.
(ما أفلحت) : الفلاح هو النجاة من المرهوب وحصول المطلوب.
هذا الحديث مناسب للباب مناسبة تامة؛ لأن هذا الرجل لبس حلقة من صفر؛ إما لدفع البلاء أو لرفعه.
والظاهر أنه لرفعه؛ لقوله: ( «لا تزيدك إلا وهنا» ، والزيادة تكون مبنية على أصل.
ففي الحديث دليل على عدة فوائد:
1 - أنه ينبغي لمن أراد إنكار المنكر أن يسأل أولا عن الحال؛ لأنه قد يظن ماليس بمنكرا، ودليله أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (ما هذه) .
والاستفهام هنا للاستعلام فيما يظهر وليس للإنكار، وقول الرجل: (من الواهنة) : من للسببية؛ أي: لبستها بسب الواهنة، وهي مرض يوهن الإنسان ويضعفه، قد يكون في الجسم كله وقد يكون في بعض الأعضاء كما سبق.
2 - وجوب إزالة المنكر؛ لقوله: (انزعها) ، فامره بنزعها؛ لأن لبسها منكر، وأيد ذلك بقوله: «إنها لا تزيدك إلا وهنا» ؛ أي: وهنا في النفس لا في الجسم، وربما تزيده وهنا في الجسم، أما وهن النفس؛ فلأن الإنسان إذا تعلقت نفسه بهذه الأمور ضعفت واعتمدت عليها ونسيت الاعتماد على الله عز وجل والانفعال النفسي له أثر كبير في إضعاف الإنسان؛ فأحيانا يتوهم الصحيح أنه مريض فيمرض، وأحيانا يتناسى الإنسان المرض وهو مريض فيصبح صحيحا؛ فانفعال النفس بالشيء له أثر بالغ، ولهذا تجد بعض الذين يصابون بالأمراض النفسية يكون أصل إصابتهم ضعف النفس من أول الأمر، حتى يظن الإنسان أنه مريض بكذا أو بكذا؛ فيزداد عليه الوهم حتى يصبح
(9/159)

وله عن عقبة بن عامر مرفوعا: «من تعلق تميمة؛ فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة؛ فلاودع الله له» . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الموهوم حقيقة.
فهذا الذي لبس الحلقة من الواهنة لا تزيده إلا وهنا؛ لأنه سوف يعتقد أنها ما دامت عليه فهو سالم فإذا نزعها عاد إليه الوهن، وهذا بلا شك ضعف في النفس.
3 - أن الأسباب التي لا أثر لها يقتضي الشرع أو العادة أو التجربة لا ينتفع بها الإنسان.
4 - أن لبس الحلقة وشبهها لدفع البلاء أو رفعه من الشرك؛ لقوله: (لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا) ، وانتفاء الفلاح دليل على الخيبة والخسران.
ولكن هل هذا شرك أكبر أو أصغر؟
سبق لنا عند الترجمة أنه يختلف بحسب اعتقاد صاحبه.
5 - أن الأعمال بالخواتيم؛ لقوله: (لو مت وهي عليك) ؛ فعرف أنه لو أقلع عنها قبل الموت لم تضر؛ لأن الإنسان إذا تاب قبل أن يموت صار كمن لا ذنب له.
قوله: (من تعلق تميمة) : أي علق بها قلبه واعتمد عليها في جلب النفع ودفع الضرر. والتميمة: شيء يعلق على الأولاد من خرز أو غيره يتقون به العين.
وقوله: (فلا أتم الله له) . الجمله خبرية بمعنى الدعاء، ويحتمل أن تكون
__________
(1) مسند الإمام أحمد (4/154) ، والحاكم (4/216) ، وصححه ووافقه الذهبي.
(9/160)

وفي رواية: «من تعلق تميمة؛ فقد أشرك» . (1)
ولابن أبي حاتم عن حذيفة: (أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى، وتلا قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106.] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خبرية محضة، وكلا الاحتمالين دال على أن التميمة محرمة، سواء نفى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتم الله له أو دعا بأن لا يتم الله له؛ فإن كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد به الخبر فإننا نخبر بما أخبر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإلا؛ فإننا ندعو بما دعا به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومثل ذلك قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ومن تعلق ودعة؛ فلا ودع الله له» .
والودعة: واحدة الودع، وهي أحجار تؤخذ من البحر يعلقونها لدفع العين، ويزعمون أن الإنسان إذا علق هذه الودعة لم تصبه العين، أو لا يصيبه الجن.
قوله: (لا ودع الله له) ، أي: لا تركه الله في دعة وسكون، وضد الدعة والسكون القلق والألم.
وقيل: لا ترك الله له خيرا؛ فعومل بنقيض قصده.
وقوله: (فقد أشرك) ، هذا الشرك يكون أكبر إن اعتقد أنها ترفع أو تدفع بذاتها دون أمر الله، وإلا؛ فهو أصغر.
قوله: (من الحمى) ، (من) هنا للسببية؛ أي: في يده خيط لبسه من أجل الحمى لتبرد عليه، أو يشفى منها.
قوله: (فقطعه) أي: قطع الخيط؛ وفعله هذا من تغيير المنكر باليد،
__________
(1) مسند الإمام أحمد (4/156) ، والحاكم (4/219،كتاب الطب)
(9/161)

فيه مسائل:
الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه؛ ما أفلح. فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا يدل على غيرة السلف الصالح وقوتهم في تغيير المنكر باليد وغيرها.
وقوله: وتلا قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} ، أي وتلا حذيفة هذه الآية. والمراد بها المشركون الذين يؤمنون بتوحيد الربوبية ويكفرون بتوحيد الألوهية.
قوله: {وَهُمْ مُشْرِكُونَ} في محل نصب على الحال؛ أي: وهم متلبسون بالشرك، وكلام حذيفة في رجل مسلم لبس خيطا لتبريد الحمى أو الشفاء منها. وفيه دليل على أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان وشرك، ولكن ليس الشرك الأكبر؛ لأن الشرك الأكبر لا يجتمع مع الإيمان، ولكن المراد هنا الشرك الأصغر، وهذا أمر معلوم.
قوله: (فيه مسائل) ، أي: في الباب مسائل:
الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انزعها -لا تزيدك إلا وهنا-، لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» ، وهذا تغليظ عظيم في لبس هذه الأشياء والتعلق بها.
الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح، هذا وهو صحابي فكيف بمن دون الصحابي؟! فهو أبعد عن الفلاح.
(9/162)

الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال المؤلف: (فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر) .
قوله: (لكلام الصحابة) ؛ أي: لقولهم، وهو كذلك؛ فالشرك الأصغر أكبر من الكبائر، قال ابن مسعود رضي الله عنه: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقا) (1) وذلك لأن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكبيرة؛ لأن الشرك لا يغفر ولو كان أصغر، بخلاف الكبائر؛ فإنها تحت المشيئة.
الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة. هذا فيه نظر؛ لأن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» ليس بصريح أنه لو مات قبل العلم، بل ظاهره: «لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» ؛ أي: بعد أن علمت وأمرت بنزعها.
وهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل؛ فنقول: الجهل نوعان:
جهل يعذر فيه الإنسان، وجهل لا يعذر فيه، فما كان ناشئا عن تفريط وإهمال مع قيام المقتضي للتعلم؛ فإنه لا يعذر فيه، سواء في الكفر أو في المعاصي، وما كان ناشئا عن خلاف ذلك، أي أنه لم يهمل ولم يفرط ولم يقم المقتضي للتعلم بأن كان لم يطرأ على باله أن هذا الشيء؛ فإنه يعذر فيه، فان كان منتسبا إلى الإسلام؛ لم يضره، وإن كان منتسبا إلى الكفر؛ فهو كافر في الدنيا، لكن في الآخرة أمره إلى الله على القول الراجح، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار.
__________
(1) مصنف عبد الرزاق (8/469) ، والهيثمي في (مجمع الزوائد) (4/177) ، وقال: أخرجه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح) .
(9/163)

الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة؛ بل تضر، لقوله: (لا تزيدك إلا وهنا) . الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فعلى هذا من نشأ ببادية بعيدة ليس عنده علماء ولم يخطر بباله أن هذا الشيء حرام، أو أن هذا الشيء واجب؛ فهذا يعذر، وله أمثلة:
ومنها: رجل بلغ وهو صغير وهو في بادية ليس عنده عالم، ولم يسمع عن العلم شيئا، ويظن أن الإنسان لا تجب عليه العبادات إلا إذا بلغ خمس عشرة سنة، فبقي بعد بلوغه حتى تم له خمس عشرة سنة وهو لا يصوم ولا يصلي ولا يتطهر من جنابة؛ فهذا لا نأمره بالقضاء؛ لأنه معذور بجهله الذي لم يفرط فيه بالتعلم ولم يطرأ له على بال، وكذلك لو كانت أنثى أتاها الحيض وهي صغيرة وليس عندها من تسأل ولم يطرأ على بالها أن هذا الشيء واجب إلا إذا تم لها خمس عشرة سنة؛ فإنها تعذر إذا كانت لا تصوم ولا تصلي.
وأما من كان بالعكس كالساكن في المدن يستطيع أن يسأل، لكن عنده تهاون وغفلة؛ فهذا لا يعذر؛ لأن الغالب في المدن أن هذه الأحكام لا تخفى عليه ويوجد فيها علماء يستطيع أن يسألهم بكل سهولة؛ فهو مفرط، فيلزمه القضاء ولا يعذر بالجهل.
الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة, بل تضر؛ لقوله: «لا تزيدك إلا وهنا» . والمؤلف استنبط المسألة وأتى بوجه استنباطها.
الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك، أي: ينبغي أن ينكر إنكارا مغلظا على من فعل مثل هذا، ووجه ذلك سياق الحديث الذي أشار إليه المؤلف، وأيضا قوله: «من تعلق تميمة؛ فلا أتم الله له» .
(9/164)

السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئا؛ وكل إليه (1) . السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة؛ فقد أشرك. الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك. التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر؛ كما ذكر ابن عباس في آية البقرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئا وكل إليه. تؤخذ من قوله: «من تعلق تميمة؛ فلا أتم الله له» إذا جعلنا الجملة خبرية، وأن من تعلق تميمة؛ فإن الله لا يتم له، فيكون موكولا إلى هذه التميمة، ومن وكل إلى مخلوق؛ فقد خذل، ولكنها في الباب الذي بعده صريحة، «من تعلق شيئا وكل إليه» .
السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة؛ فقد أشرك. وهو إحدى الروايتين في حديث عقبة بن عامر.
الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك. يؤخذ من فعل حذيفة أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} .
التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر كما ذكر ابن عباس في آية البقرة.
__________
(1) مسند الإمام أحمد (4/130) ، والترمذي (أبواب الطب، باب ما في كراهة التعليق (7302) .
(9/165)

العاشرة: أن تعليق الودع من العين من ذلك. الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له؛ أي: ترك الله له.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أي: أن قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} في الشرك الأكبر، لكنهم يستدلون بالآيات الواردة في الشرك الأكبر على الأصغر؛ لأن الأصغر شرك في الحقيقة وإن كان لا يخرج من الملة، ولهذا نقول: الشرك نوعان: أصغر وأكبر.
وقوله: (كما ذكر ابن عباس في آية البقرة) وهي قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] ؛ فجعل المحبة التي تكون كمحبة الله من اتخاذ الند لله عز وجل.
العاشرة: أن تعليق الودع من العين من ذلك، وقوله: (من ذلك) ؛ أي: من تعليق التمائم الشركية؛ لأنه لا أثر لها ثابت شرعا ولا قدرا.
الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له؛ أي: ترك الله له. تؤخذ من دعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هؤلاء الذين اتخذوا تمائم وودعا، ليس هذا بغريب أن نؤمر بالدعاء على من خالف وعصى؛ فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا سمعتم من ينشد الضالة في المسجد؛ فقولوا: لا ردها الله عليك» (1) ، «وإذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد؛ فقولوا: لا»
__________
(1) مسلم: كتاب المساجد /باب النهي عن نشد الضالة في المسجد
(9/166)

«أربح الله تجارتك» . (1)
فهنا أيضا تقول له: لا أتم الله لك، ولكن الحديث إنما قاله الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سبيل العموم؛ فلا نخاطب هذا بالتصريح ونقول لشخص رأينا عليه تميمة: لا أتم الله لك، وذلك لأن مخاطبتنا الفاعل بالتصريح والتعيين سوف يكون سببا لنفوره، ولكن نقول: دع التمائم أو الودع؛ فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «من تعلق تميمة؛ فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة؛ فلا ودع الله له» .
__________
(1) الترمذي: كتاب البيوع /باب النهي عن البيع في المسجد، 2/472، وحسنه وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: (حديث صحيح) الإرواء 5/134.
(9/167)

باب ما جاء في الرقى والتمائم
في الصحيح «عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه؛ أنه كان مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض أسفاره، فأرسل رسولا: (أن يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قول المؤلف: باب ما جاء في الرقى والتمائم.
لم يذكر المؤلف أن هذا الباب من الشرك؛ لأن الحكم فيه يختلف عن حكم لبس الحلقة والخيط، ولهذا جزم المؤلف في الباب الأول أنها من الشرك بدون استثناء، أما هذا الباب؛ فلم يذكر أنها شرك؛ لأن من الرقى ما ليس بشرك، ولهذا قال: (باب ما جاء في الرقى والتمائم) .
قوله: (الرقى) ، جمع رقية، وهي القراءة؛ فيقال: رقى: رقى عليه -بالألف- من القراءة، ورقي عليه -بالياء- من الصعود.
قوله: (التمائم) ، جمع تميمة، وسميت تميمة؛ لأنهم يرون أنه يتم بها دفع العين.
قوله: (أسفاره) ، السفر: مفارقة محل الإقامة، وسمي سفرا؛ لأمرين:
(9/168)

الأول: حسي، وهو أنه يسفر ويظهر عن بلده لخروجه من البنيان.
الثاني: معنوي، وهو أنه يسفر عن أخلاق الرجال؛ أي: يكشف عنها وكثير من الناس لا تعرف أخلاقهم وعاداتهم وطبائعهم إلا بالأسفار.
قوله: «قلادة من وتر، أو قلادة» ، شك من الراوي، والأول أرجح؛ لأن القلائد كانت تتخذ من الأوتار، ويعتقدون أن ذلك يدفع العين عن البعير، وهذا اعتقاد فاسد؛ لأنه تعلق بما ليس بسبب، وقد سبق أن التعلق بما ليس بسبب شرعي أو حسي شرك؛ لأنه يتعلقه أثبت للأشياء سببًا لم يثبته الله لا بشرعه ولا بقدره، ولهذا أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نقطع هذه القلائد.
أما إذا كانت هذه القلادة من غير وتر، وإنما تستعمل للقيادة كالزمام؛ فهذا لا بأس به لعدم الاعتقاد الفاسد، وكان الناس يعلمون ذلك كثيرًا من الصوف أو غيره.
قوله: (في رقبة بعير) ، ذكر البعير؛ لأن هذا هو الذي كان منتشرًا حينذاك؛ فهذا القيد بناءً على الواقع عندهم؛ فيكون كالتمثيل، وليس بمخصص.
يستفاد من الحديث:
1 - أنه ينبغي لكبير القوم أن يكون مراعيًا لأحوالهم؛ فيتفقدهم وينظر في أحوالهم.
2 - أنه يجب عليه رعايتهم بما تقتضيه الشريعة؛ فإذا فعلوا محرمًا منعهم منه، وإن تهاونوا في واجب حثهم عليه.
3 - أنه لا يجوز أن تعلق في أعناق الإبل أشياء تجعل سببًا في جلب منفعة أو دفع مضرة، وهي ليست كذلك لا شرعًا ولا قدرًا؛ لأنه شرك، ولا
(9/169)

وعن ابن مسعود رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» . رواه أحمد وأبو داود (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يلزم أن تكون القلادة في القربة، بل لو جعلت في اليد أو الرجل؛ فلها حكم الرقبة؛ لأن العلة هي هذه القلادة، وليس مكان وضعها؛ فالمكان لا يؤثر.
4 - أنه يجب على من يستطيع تغيير المنكر باليد أن يغيره بيده.
قوله: (إن الرقى) ، جمع رقية، وهذه ليست على عمومها، بل هي عام أريد به خاص، وهو الرقى بغير ما ورد به الشرع، أما ما ورد به الشرع؛ فليست من الشرك، «قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الفاتحة: (وما يدريك أنها رقية) » .
وهل المراد بالرقى في الحديث ما لم يدر به الشرع ولو كانت مباحة، أو المراد ما كان في شرك؟
الجواب: الثاني؛ لأن كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يناقض بعضه بعضًا؛ فالرقى المشروعة التي ورد بها الشرع جائزة.
وكذا الرقى المباحة التي يرقى بها الإنسان المريض بدعاء من عنده ليس فيه شرك جائز أيضًا.
قوله: (التمائم) ، فسرها المؤلف بقوله: (شيء يعلق على الأولاد يتقون
__________
(1) مسند الإمام أحمد (1/381) وحسن إسناده أحمد شاكر (3615) ، وأبو داود (كتاب الطب، باب في تعليق التمائم، 5/212) ، والحاكم في (الرقى والتمائم، 4/418) ـ وقال: (صحيح الإسناد على شرط الشيخين) ، وأقره الذهبي.
(9/170)

به العين) ، وهي من الشرك؛ لأن الشارع لم يجعلها سببًا تتقى به العين.
وإذا كان الإنسان يلبس أبناءه ملابس رثة وبالية خوفًا من العين؛ فهل هذا جائز؟
الظاهر أنه لا بأس به؛ لأنه لم يفعل شيئاً، وإنما ترك شيئًا، وهو التحسين والتجميل، وقد ذكر ابن القيم في (زاد المعاد) أن عثمان رأى صبيًّا مليحًا، فقال: دسموا نونته، والنونة: هي التي تخرج في الوجه عندما يضحك الصبي كالنقوة، ومعنى دسموا؛ أي: سودوا.
وأما الخط: وهي أوراق من القرآن تجمع وتوضع في جلد ويخاط عليها، ويلبسها الطفل على يده أو رقبته؛ ففيها خلاف بين العلماء.
وظاهر الحديث: أنها ممنوعة، ولا تجوز.
ومن ذلك أن بعضهم يكتب القرآن كله بحروف صغيرة في أوراق صغيرة، ويضعها في صندوق صغير، ويعلقها على الصبي، وهذا مع أنه محدث؛ فهو إهانة للقرآن الكريم؛ لأن هذا الصبي سوف يسيل عليه لعابه، وربما يتلوث بالنجاسة، ويدخل به الحمام والأماكن القذرة، وهذا كله إهانة للقرآن.
ومع الأسف أن بعض الناس اتخذوا من العبادات نوعًا من التبرك فقط؛ مثل ما يشاهد من أن بعض الناس يمسح الركن اليماني من باب التبرك لا التعبد، وهذا جهل، وقد قال عمر في الحجر: (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقبلك ما قبلتك) .
(9/171)

وعن عبد الله بن عكيم مرفوعًا: «من تعلق شيئًا؛ وكل إليه» رواه أحمد والترمذي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (التولة) ، شيء يعلقونه على الزوج، يزعمون أنه يحبب الزوجة إلى زوجها والزوج إلى امرأته، وهذا شرك؛ لأنه ليس بسبب شرعي ولا قدري للمحبة.
ومثل ذلك الدبلة، والدبلة: خاتم يشترى عند الزواج يوضع في يد الزوج، وإذا ألقاه الزوج؛ قالت المرأة: إنه لا يحبها؛ فهم يعتقدون فيه النفع والضرر، ويقولون: إنه ما دام في يد الزوج؛ فإنه يعني أن العلاقة بينهما ثابتة، والعكس بالعكس، فإذا وجدت هذه النية؛ فإنه من الشرك الأصغر، وإن لم توجد هذه النية -وهي بعيدة ألا تصحبها-؛ ففيه تشبه بالنصارى، فإنها مأخوذة منهم.
وإن كانت من الذهب؛ فهي بالنسبة للرجل فيها محذور ثالث وهو لبس الذهب؛ فهي إما من الشرك، أو مضاهاة النصارى، أو تحريم النوع إن كانت للرجال، فإن خلت من ذلك فهي جائزة لأنها خاتم من الخواتم.
وقوله: (شرك) ، هل هي شرك أصغر أو أكبر؟
نقول: بحسب ما يريد الإنسان منها إن اتخذها معتقدًا أن المسبب للمحبة هو الله؛ فهي شرك أصغر، وإن اعتقد أنها تفعل بنفسها؛ فهي شرك أكبر.
قوله: (من تعلق) ، أي: اعتمد عليه وجعله همه ومبلغ علمه، وصار
(9/172)

يعلق رجاءه به وزوال خوفه به.
قوله: (شيئًا) نكرة في سياق الشرط؛ فتعم جميع الأشياء، فمن تعلق بالله سبحانه وتعالى، وجعل رغبته ورجاءه فيه وخوفه منه؛ فإن الله تعالى يقول: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] ؛ أي: كافيه، ولهذا كان من دعاء الرسل وأتباعهم عند المصائب والشدائد: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} ، قالها إبراهيم حين ألقي في النار, وقالها محمد وأصحابه حين قيل لهم: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] .
قوله: (وكل إليه) أي: أسند إليه، وفوض.
أقسام التعلق بغير الله:
الأول: ما ينافي التوحيد من أصله، وهو أن يتعلق بشيء لا يمكن أن يكون له تأثير، ويعتمد عليه اعتمادًا معرضًا عن الله، مثل تعلق عباد القبور بمن فيها عند حلول المصائب، ولهذا إذا مستهم الشراء الشديدة يقولون: يا فلان! أنقذنا؛ فهذا لا شك أنه شرك أكبر مخرج من الملة.
الثاني: ما ينافي كمال التوحيد، وهو أن يعتمد على سبب شرعي صحيح من الغفلة عن المسبب، وهو الله عز وجل، وعدم صرف قلبه إليه؛ فهذا نوع من الشرك، ولا نقول شرك أكبر؛ لأن هذا السبب جعله الله سببًا.
الثالث: أن يتعلق بالسبب تعلقًا مجردًا لكونه سببًا فقط، مع اعتماده الأصلي على الله؛ فيعتقد أن هذا السبب من الله، وأن الله لو شاء لأبطل أثره،
(9/173)

(التمائم) : شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين. لكن إذا كان المعلق من القرآن؛ فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولو شاء لأبقاه، وأنه لا أثر للسبب إلا بمشيئة الله عز وجل؛ فهذا لا ينافي التوحيد لا كمالًا ولا أصلًا، وعلى هذا لا إثم فيه.
ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب، بل يعلقها بالله.
فالموظف الذي يتعلق قلبه بمرتبه تعلقًا كاملًا، مع الغفلة عن المسبب، وهو الله، قد وقع في نوع من الشرك، أما إذا اعتقد أن المرتب سبب والمسبب هو الله سبحانه وتعالى، وجعل الاعتماد على الله، وهو يشعر أن المرتب سبب؛ فهذا لا ينافي التوكل.
وقد كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأخذ بالأسباب مع اعتماده على المسبب, وهو الله عز وجل.
وجاء في الحديث: (من تعلق) ، ولم يقل: من علق؛ لأن المتعلق بالشيء يتعلق به بقلبه وبنفسه، بحيث ينزل خوفه ورجاءه وأمله به, وليس كذلك من علق.
قوله: (إذا كان المعلق من القرآن. . .) إلخ.
إذا كان المعلق من القرآن أو الأدعية المباحة والأذكار الواردة؛ فهذه
(9/174)

المسألة اختلف فيها السلف رحمهم الله؛ فمنهم من رخص في ذلك لعموم قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] ولم يذكر الوسيلة التي نتوصل بها إلى الاستشفاء بهذا القرآن؛ فدل على أن كل وسيلة يتوصل بها إلى ذلك فهي جائزة، كما لو كان القرآن دواء حسيًّا.
ومنهم من منع ذلك وقال: لا يجوز تعليق القرآن للاستشفاء به؛ لأن الاستشفاء بالقرآن ورد على صفة معينة، وهي القراءة به، بمعنى أنك تقرأ على المريض به؛ فلا نتجاوزها، فلو جعلنا الاستشفاء بالقرآن على صفة لم ترد؛ فمعنى ذلك أننا فعلنا سببًا ليس مشروعًا (1) ، وقد نقله المؤلف رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه.
ولولا الشعور النفسي بأن تعليق القرآن سبب للشفاء؛ لكان انتفاء السببية على هذه الصورة أمرًا ظاهرًا؛ فإن التعليق ليس له علاقة بالمرض، بخلاف النفث على مكان الألم؛ فإنه يتأثر بذلك.
ولهذا نقول؛ الأقرب أن يقال: إنه لا ينبغي أن تعلق الآيات للاستشفاء بها، لا يسما وأن هذا المعلق قد يفعل أشياء تنافي قدسية القرآن؛ كالغيبة مثلًا، ودخول بيت الخلاء، وأيضًا إذا علق وشعر أن به شفاء استغنى به عن القراءة المشروعة؛ فمثلًا: علق آية الكرسي على صدره، وقال: ما دام أن آية الكرسي على صدري فلن أقرأها، فيستغني بغير المشروع عن المشروع، وقد يشعر بالاستغناء عن القراءة المشروعة إذا كان القرأن على صدره.
__________
(1) انظر: (مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد العثيمين) ، (1/58) .
(9/175)

و (الرقى) : هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك؛ فقد رخص فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العين والحمة.
و (التولة) : هي شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإن كان صبيا؛ فربما بال ووصلت الرطوبة إلى هذا المعلق، وأيضًا لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه شيء.
فالأقرب أن يقال: إنه لا يفعل، أما أن يصل إلى درجة التحريم؛ فأنا أتوقف فيه، لكن إذا تضمن محظورًا؛ فإنه محرمًا بسبب ذلك المحظور.
قوله: (التي تسمى العزائم) . أي: في عرف الناس، وعزم عليه؛ أي: قرأ عليه، وهذه عزيمة؛ أي قراءة.
قوله: (وخص منها الدليل ما خلا من الشرك) ، أي: الأشياء الخالية من الشرك؛ فهي جائزة، سواء كان مما ورد بلفظه مثل: «اللهم رب الناس! أذهب الباس، اشف أنت الشافي» . . .) ، أو لم يرد بلفظه مثل: «اللهم عافه، اللهم اشفه» ، وإن كان فيها شرك؛ فإنها غير جائزة، مثل: (يا جني! أنقده، ويا فلان الميت! اشفه) ، ونحو ذلك.
(9/176)

قوله: (من العين والحمة) ، سبق تعريفهما في باب من حقق التوحيد دخل الجنة.
وظاهر كلام المؤلف أن الدليل يرخص بجواز القراءة إلا في هذين الأمرين: (العين، والحمة) ، لكن ورد بغيرهما؛ فقد «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينفخ على يديه عند منامه بالمعوذات، ويمسح بهما ما استطاع من جسده» ، وهذا من الرقية، وليس عيبًا ولا حمة.
ولهذا يرى بعض أهل العلم الترخيص في الرقية من القرآن للعين والحمة وغيرهما عام، ويقول: إن معنى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا رقية إلا من عين أو حمة» ؛ أي: لا استرقاء إلا من عين أو حمة، والاسترقاء: طلب الرقية؛ فالمصيب بالعين -وهو (العائن) - يطلب منه أن يقرأ على المعيون.
وكذلك الحمة يطلب الإنسان من غيره أن يقرأ عليه؛ لأنه مفيد كما في حديث أبي سعيد في قصة السرية.
شروط جواز الرقية:
الأول: أن لا يعتقد أنها تنفع بذاتها دون الله، فإن اعتقد أنها تنفع بذاتها من دون الله؛ فهو محرم، بل شرك، بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله.
الثاني: أن لا تكون مما يخالف الشرع؛ كما إذا كانت متضمنة دعاء غير الله، أو استغاثة بالجن، وما أشبه ذلك؛ فإنها محرمة، بل شرك.
الثالث: أن تكون مفهومة معلومة، فإن كانت من جنس الطلاسم
(9/177)

وروى أحمد عن رويفع؛ قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك؛ فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمدًا بريء منه» . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والشعوذة؛ فإنها لا تجوز.
أما بالنسبة للتمائم؛ فإن كانت من أمر محرم، أو اعتقد أنها نافعة لذاتها، أو كانت بكتابة لا تفهم؛ فإنها لا تجوز بكل حال.
وإن تمت فيها الشروط الثلاثة السابقة في الرقية؛ فإن أهل العلم اختلفوا فيها كما سبق.
قوله: (من عقد لحيته) ، اللحية عند العرب كانت لا تقص ولا تحلق، كما أن ذلك هو السنة، لكنهم كانوا يعقدون لحاهم لأسباب:
منها: الافتخار والعظمة، فتجد أحدهم يعقد أطرافها، أو يعقدها من الوسط عقدة واحدة ليعلم أنه رجل عظيم، وأنه سيد في قومه.
الثاني: الخوف من العين؛ لأنها إذا كانت حسنة وجميلة ثم عقدت أصبحت قبيحة، فمن عقدها لذلك؛ فإن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بريء منه.
وبعض العامة إذا جاءهم طعام من السوق أخذوا شيئًا منه يرمونه في الأرض؛ دفعًا للعين، وهذا اعتقاد فاسد ومخالف لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا»
__________
(1) مسند الإمام أحمد (4/108، 109) .
(9/178)

وعن سعيد بن جبير؛ قال: (من قطع تميمة من إنسان؛ كان كعدل رقبة) . رواه وكيع (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«سقطت لقمة أحدكم؛ فليمط ما بها من الأذى، وليأكلها» .
قوله: (أو تقلد وتراً) ، الوتر: سلك من العصب يؤخذ من الشاة، وتتخذ للقوس وترًا، ويستعملونها في أعناق إبلهم أو خيلهم، أو في أعناقهم، يزعمون أنه يمنع العين، وهذا من الشرك.
قوله: «أو استنجى برجيع دابة» ، الاستنجاء: مأخوذ من النجو، وهو إزالة أثر الخارج من السبيلين؛ لأن الإنسان الذي يتمسح بعد الخلاء يزيل أثره.
ورجيع الدابة: هو روثها.
قوله: (أو عظم) . العظم معروف، وإنما تبرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممن استنجى بهما؛ لأن الروث علف بهائم الجن والعظم طعامهم، يجدونه أوفر ما يكون لحمًا.
وكل ذنب قرن بالبراءة من فاعله؛ فهو من كبائر الذنوب، كما هو معروف عند أهل العلم.
الشاهد من هذا الحديث قوله: (من تقلد وترًا) .
قوله: وعن سعيد بن جبير؛ قال: (من قطع تميمة. . .) الحديث.
قوله: (كعدل رقبة) بفتح العين لأنه من غير الجنس، والمعادلة من الجنس
__________
(1) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الطب/ باب في تعليق التمائم والرقى
(9/179)

وله عن إبراهيم؛ قال: (كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن) . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بكسر العين، ووجه المشابهة بين قطع التميمة وعتق الرقبة: أنه إذا قطع التميمة من إنسان؛ فكأنه أعتقه من الشرك، ففكه من النار، ولكن يقطعها بالتي هي أحسن؛ لأن العنف يؤدي إلى المشاحنة والشقاق، إلا إن كان ذا شأن كالأمير، والقاضي، ونحوه ممن له سلطة؛ فله أن يقطعها مباشرة.
قوله: (كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن) ، وقد سبق أن هذا رأي ابن مسعود رضي الله عنه؛ فأصحابه يرون ما يراه.
قوله: (وله عن إبراهيم) ، وهو إبراهيم النخعي.
قوله: (كانوا) ، الضمير يعود إلى أصحاب ابن مسعود؛ لأنهم هم قرناء إبراهيم النخعي.
قوله: (التمائم) ، هي ما يعلق على المريض أو الصحيح, سواء من القرآن أو غيره للاستشفاء أو لاتقاء العين، أو ما يعلق على الحيوانات.
وفي هذا الوقت أصبح تعليق القرآن لا للاستشفاء، بل لمجرد التبرك والزينة؛ كالقلائد الذهبية، أو الحلي التي يكتب عليها لفظ الجلالة، أو آية الكرسي، أو القرآن كاملًا؛ فهذا كله من البدع.
__________
(1) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الطب/ باب في تعليق التمائم والرقى.
(9/180)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير الرقى والتمائم. الثانية: تفسير التولة. الثالثة: أن هذه الثلاثة كلها من الشرك من غير استثناء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فالقرآن ما نزل ليستشفى به على هذا الوجه، إنما يستشفى به على ما جاء به الشرع.
قوله: الأولى: تفسير الرقى والتمائم، وقد سبق ذلك.
الثانية: تفسير التولة، وقد سبق ذلك، وعندي أن منها ما يسمى بالدبلة إن اعتقدوا أنها صلة بين المرء وزوجته.
الثالثة: أن هذه الثلاثة كلها من الشرك من غير استثناء، ظاهر كلامه حتى الرقى، وهذا فيه نظر؛ لأن الرقى «ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه يرقي ويرقى» ، ولكنه لا يسترقي؛ أي: لا يطلب الرقية؛ فإطلاقها بالنسبة للرقى فيه نظر، وقد سبق للمؤلف رحمه الله أن الدليل خص منها ما خلا من الشرك، وبالنسبة للتمائم، فعلى رأي الجمهور فيه نظر أيضًا.
وأما على رأي ابن مسعود؛ فصحيح، وبالنسبة للتولة؛ فهي شرك بدون استثناء.
(9/181)

الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك. الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن؛ فقد اختلف العلماء؛ هل هي من ذلك أم لا؟ السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين أو الحمة ليس من ذلك.
قوله: (الكلام الحق) ، ضده الباطل، وكذا المجهول الذي لا يعلم أنه حق أو باطل.
والمؤلف رحمه الله تعالى خصص العين أو الحمة فقط استنادا لقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا رقية إلا من عين أو حمة» ، ولكن الصحيح أنه يشمل غيرهما؛ كالسحر.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن؛ فقد اختلف العلماء: هل هي من ذلك أم لا؟ قوله: (ذلك) المشار إليه: التمائم المحرمة.
وقد سبق بيان هذا الخلاف والأحوط مذهب ابن مسعود؛ لأن الأصل عدم المشروعية حتى يتبين ذلك من السنة.
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك، أي: من الشرك.
(9/182)

السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا. الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(تنبيه) :
ظهر في الأسواق في الآونة الأخيرة حلقة من النحاس يقولون: إنها تنفع من الروماتيزم، يزعمون أن الإنسان إذا وضعها على عضده وفيه روماتيزم نفعته من هذا الروماتيزم، ولا ندري هل هذا صحيح أم لا؟ لكن الأصل أنه ليس بصحيح؛ لأنه ليس عندنا دليل شرعي ولا حسي يدل على ذلك، وهي لا تؤثر على الجسم؛ فليس فيها مادة دهنية حتى نقول: إن الجسم يشرب هذه المادة وينتفع بها؛ فالأصل أنها ممنوعة حتى يثبت لنا بدليل صحيح صريح واضح أن لها اتصالا مباشرا بهذا الروماتيزم حتى ينتفع بها.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا، وذلك لبراءة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممن تعلق وترًا، بل ظاهره أنه كفر مخرج من الملة، قال تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3] ، لكن قال أهل العلم: إن البراءة هنا براءة من هذا الفعل؛ كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من غشنا؛ فليس منا» . الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان، لقول سعيد بن جبير: (كان كعدل رقبة) ، ولكن هل قوله حجة أو لا؟
إن قيل: ليس بحجة؛ فكيف يقول المؤلف: فضل ثواب من قطع تميمة
(9/183)

التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف؛ لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من إنسان؟ !
فيقال: إنه إنما كان كذلك؛ لأنه إنقاذ له من رق الشرك؛ فهو كمن أعتقه، بل أبلغ.
فهو من باب القياس، فمن أنقذ نفسًا من الشرك؛ فهو كمن أنقذها من الرق لأنه أنقذه من رق الشيطان والهوى.
فائدة:
إذا قال التابعي: من السنة كذا؛ فهل يعتبر موقوفًا متصلًا ويكون المراد من السنة أي سنة الصحابة، أو يكون مرفوعًا مرسلًا.
وتقدم لنا أنه ينبغي أن يفصل في هذا، وإن التابعي إذا قاله محتجًّا به؛ فإنه يكون مرفوعًا مرسلًا، أما إذا قاله في سياق غير الاحتجاج؛ فهذا قد يقال: إنه من باب الموقوف الذي ينسب إلى الصحابي.
التاسعة: أن كلام إبراهيم النخعي لا يخالف ما تقدم من الاختلاف؛ لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود، وليس مراده الصحابة، ولا التابعين عمومًا.
(9/184)

باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تبرك) ، تفعل من البركة، والبركة: هي كثرة الخير وثبوته، وهي مأخوذة من البركة بالكسر، والبركة: مجمع الماء، ومجمع الماء يتميز عن مجرى الماء بأمرين:
1 - الكثرة.
2 - الثبوت.
والتبرك طلب البركة، وطلب البركة لا يخلو من أمرين:
1 - أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم؛ مثل القرآن، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} [ص:29] ، فمن بركته أن من أخذ به حصل له الفتح، فأنقذ الله بذلك أمما كثيرة من الشرك، ومن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات، وهذا يوفر للإنسان الوقت والجهد، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.
2 - أن يكون بأمر حسي معلوم؛ مثل: التعليم، والدعاء، ونحوه؛ فهذا الرجل يتبرك بعلمه ودعوته إلى الخير؛ فيكون هذا بركة لأننا نلنا منه خيرا كثيرا.
وقال أسيد بن حضير: (ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر) ؛ فإن الله يجري على بعض الناس من أمور الخير ما لا يجريه على يد الآخر.
وهناك بركات موهومة باطلة؛ مثل ما يزعمه الدجالون: أن فلانا الميت
(9/185)

الذي يزعمون أنه ولي أنزل عليكم من بركته وما أشبه ذلك؛ فهذه بركة باطلة، لا أثر لها، وقد يكون للشيطان أثر في هذا الأمر، لكنها لا تعدو أن تكون آثارا حسية، بحيث إن الشيطان يخدم هذا الشيخ؛ فيكون في ذلك فتنة.
أما كيفية معرفة هل هذه من البركات الباطلة أو الصحيحة؛ فيعرف ذلك بحال الشخص، فإن كان من أولياء الله المتقين المتبعين للسنة المبتعدين عن البدعة؛ فإن الله قد يجعل على يديه من الخير والبركة ما لا يحصل لغيره.
ومن ذلك ما جعل الله على يد شيخ الإسلام ابن تيمية من البركة التي انتفع بها الناس في حياته وبعد موته.
أما إن كان مخالفا للكتاب والسنة، أو يدعو إلى باطل؛ فإن بركته موهومة، وقد تضعها الشياطين له مساعدة على باطله، وذلك مثل ما يحصل لبعضهم أنه يقف مع الناس في عرفة ثم يأتي إلى بلده ويضحي مع أهل بلده.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الشياطين تحملهم لكي يغتر بهم الناس، وهؤلاء وقع منهم مخالفات، منها: عدم إتمام الحج، ومنها أنهم يمرون بالميقات ولا يحرمون منه. (1)
قوله: (شجر) ، اسم جنس؛ فيشمل أي شجرة تكون، ومن حسنات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما رأى الناس ينتابون الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان أمر بقطعها.
قوله: (وحجر) ، اسم جنس يشمل أي حجر كان حتى الصخرة التي في بيت المقدس؛ فلا يتبرك بها، وكذا الحجر الأسود لا يتبرك به، وإنما يتعبد لله
__________
(1) (مجموع الفتاوى) (1/83) .
(9/186)

وقول الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} الآيات [النجم:19] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بمسحه وتقبيله؛ اتباعا للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبذلك تحصل بركة الثواب.
ولهذا قال عمر رضي الله عنه: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقبلك؛ ما قبلتك) .
فتقبيله عبادة محضة خلافا للعامة، يظنون أن به بركة حسية، ولذلك إذا استلمه بعض هؤلاء مسح على جميع بدنه تبركا بذلك.
قوله: (ونحوهما) ، أي: من البيوت، والقباب، والحجر؛ حتى حجرة قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فلا يتمسح بها تبركا، لكن لو مسح الحديد لينظر هل هو أملس أو لا؛ فلا بأس، إلا إن خشي أن يقتدى به؛ فلا يمسحه.
* * *
قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} ، لما ذكر الله عز وجل المعراج بقوله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} . . . [النجم:1، 2] ، قال: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم:18] ؛ أي رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من آيات الله الكبرى. وقد اختلف العلماء في قوله: الكبرى: هل هي مفعول ل (رأى) ، أو صفة ل (آيات) ؟
وقوله: الكبرى قيل: إنها مفعول ل رأى، والتقدير: لقد رأى من آيات الله الكبرى.
فعلى الأول: يكون المعنى: أنه رأى الكبرى من الآيات.
(9/187)

وعلى الثاني: يكون المعنى: أنه رأى بعض الآيات الكبرى، وهذا هو الصحيح، أن الكبرى صفة ل آيات، وليست مفعولا ل رأى؛ إذ إن ما رآه ليس أكبر آيات الله.
وبعد أن ذكر الله ما رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذه الآيات؛ قال: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ؛ أي: أخبروني ما شأنها، وما حالها بالنسبة إلى هذه الآيات العظيمة، إنها ليست بشيء.
والاستفهام: للاستخفاف والاستهجان بهذه الأصنام.
قوله: اللات، تقرأ بتشديد التاء وتخفيفها، والتشديد قراءة ابن عباس؛ فعلى قراءة التشديد تكون اسم فاعل من اللت، وكان هذا الصنم أصله رجل يلت السويق للحجاج؛ أي: يجعل فيه السمن، ويطعمه الحجاج، فلما مات عكفوا على قبره وجعلوه صنما.
وأما على قراءة التخفيف؛ فإن اللات مشتقة من الله، أو من الإله؛ فهم اشتقوا من أسماء الله اسما لهذا الصنم، وسموه اللات، وهي لأهل الطائف ومن حولهم من العرب.
وقوله: العزى، مؤنث أعز، وهو صنم يعبده قريش وبنو كنانة مشتق من اسم الله العزيز كان بنخلة بين مكة والطائف.
قوله: ومناة، قيل: مشتقة من المنان، وقيل: من منى؛ لكثرة ما يمنى عنده من الدماء بمعنى يراق، ومنه سميت منى؛ لكثرة ما يراق فيها من الدماء.
وكان هذا الصنم بين مكة والمدينة لهذيل وخزاعة، وكان الأوس والخزرج يعظمونها ويهلون منها للحج.
قوله: {الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ، إشارة إلى أن التي تعظمونها، وتذبحون
(9/188)

عندها، وتكثر إراقة الدماء حولها: أنها أخرى بمعنى متأخرة؛ أي: ذميمة حقيرة: مأخوذة من قولهم: فلان أخر؛ أي: ذميم، حقير، متأخر.
فهذه الأصنام الثلاثة المعبودة عند العرب ما حالها بالنسبة لما رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
لا شي، وإنما ذكر هذه الأصنام الثلاثة لأنها أشهر الأصنام وأعظمها عند العرب.
قوله: (الآيات) ، أي: أكمل الآيات بعدها.
قوله: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} ، هذا أيضا استفهام إنكاري على المشركين الذين يجعلون لله البنات ولهم البنين، فإذا ولد لهم الذكر فرحوا واستبشروا به، وإذا ولدت الأنثى ظل وجه الإنسان منهم مسودا، وهو كظيم، ومع ذلك يقولون: الملائكة بنات الله؛ فيجعلون البنات لله والعياذ بالله ولهم ما يشتهون.
قوله: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} ، ضيزى: جائرة؛ لأنه على الأقل إذا أردتم القسمة؛ فاجعلوا لكم من البنات نصيبا، واجعلوا لله من البنين نصيبا، أما أن تجعلوا ما تختارونه لأنفسكم، وهم البنون، وتجعلون ما تكرهون لله؛ فهذه قسمة جائرة.
قوله: إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، الضمير في (هي) يعود إلى الأصنام؛ أي: هذه الأصنام (اللات والعزى ومناة) التي سميتموها آلهة واتخذتموها آلهة تعبدونها هي مجرد أسماء سميتموها، ولكن ما أنزل الله بها من سلطان؛ أي: من حجة ودليل.
بل أبطلها الله سبحانه، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج:62] .
(9/189)

وأصل السلطان في اللغة العربية: ما به سلطة، فإن كان في مقام العلم؛ فهو العلم، وإن كان في مقام القدوة؛ فهو القدوة، وإن كان في مقام الأمر والنهي؛ فهو من له الأمر والنهي؛ فمثلا قوله تعالى: {لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن:33] ؛ أي: بقدرة وقوة، ومثل قوله تعالى: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم:23] ؛ أي: من حجة وبرهان.
وفي الحديث: «السلطان ولي من لا ولي له» (1) ؛ أي: من له الأمر والنهي.
قوله: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} ، (إن) هنا بمعنى ما، وعلامة إن التي بمعنى ما أن تأتي بعدها إلا، قال تعالى: {إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف:31] ، يعني ما هذا إلا ملك كريم، وقال تعالى: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر:25] ؛ أي: ما هو إلا قول البشر، وقال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [النجم: 23] ؛ أي: ما يتبعون إلا الظن.
والظن الذي يتبعونه هو أنها آلهة، وأن لله البنات ولهم البنون، والظن لا يغني من الحق شيئا؛ كما قال تعالى في آية أخرى.
قوله: {وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} ، كذلك أيضا يتبعون ما تهوى الأنفس، وهذا أضر شيء على الإنسان أن يتبع ما يهوى؛ فالإنسان الذي يعبد الله بالهوى؛ فإنه لا يعبد الله حقا، إنما يعبد عقله وهواه، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية:23] ، لكن الذي يعبد الله
__________
(1) مسند الإمام أحمد (1/47) وسنن أبي داود: كتاب النكاح/ باب في الولي، 2/568 ـ وسكت عنه ـ، والترمزي: كتاب النكاح / باب لا نكاح إلا بولي، رقم 1102 ـ وقال: (حديث حسن) ـ.
(9/190)

وعن أبي واقد الليثي؛ قال: «خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا:»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بالهدى لا بالهوى هو الذي على الحق.
قوله: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} ، أي: على يد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فكان الأجدر بهم أن يتبعوا الهدى دون الهوى.
* مناسبة الآية للترجمة:
أنهم يعتقدون أن هذه الأصنام تنفعهم وتضرهم، ولهذا يأتون إليها؛ يدعونها، ويذبحون لها، ويتقربون إليها، وقد يبتلي الله المرء فيحصل له ما يريد من اندفاع ضر أو جلب نفع بهذا الشرك؛ ابتلاء من الله وامتحانا، وهذا قد تقدم لنا له نظائر أن الله يبتلي المرء بتيسير أسباب المعصية له حتى يعلم سبحانه من يخافه بالغيب.
* * *
قوله: «خرجنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ، أي: بعد غزوة الفتح؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما فتح مكة تجمعت له ثقيف وهوازن بجمع عظيم كثير جدا.
فقصدهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه اثنا عشر ألفا: ألفان من أهل مكة، وعشرة آلاف جاء بهم من المدينة، فلما توجهوا بهذه الكثرة العظيمة؛ قالوا: لن نغلب اليوم من قلة. فأعجبوا بكثرتهم، ولكن بين الله أن النصر من عنده سبحانه وليس بالكثرة، قال تعالى:
(9/191)

«يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الله أكبر! إنها السنن! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف:138] . لتركبن سنن من كان من قبلكم» . رواه الترمذي وصححه (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} الآيتين [التوبة:25] ، ثم لما انحدروا من وادي حنين وجدوا أن المشركين قد كمنوا لهم في الوادي؛ فحصل ما حصل، وتفرق المسلمون عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يبق معه إلا نحو مائة رجل، وفي آخر الأمر كان النصر للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والحمد لله.
قوله: (حدثاء) ، جمع حديث؛ أي: أننا قريبو عهد بكفر، وإنما ذكر ذلك رضي الله عنه للاعتذار لطلبهم وسؤالهم، ولو وقر الإيمان في قلوبهم لم يسألوا هذا السؤال.
قوله: (يعكفون عندها) ، أي: يقيمون عليها، والعكوف: ملازمة الشيء، ومنه قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة:187] .
قوله: (ينوطون) ، أي: يعلقون بها أسلحتهم تبركا.
قوله: (يقال: لها ذات أنواط) ، أي: أنها تلقب بهذا اللقب لأنه تناط فيها الأسلحة، وتعلق عليها رجاء بركتها؛ فالصحابة رضي الله عنهم قالوا للنبي
__________
(1) مسند الإمام أحمد (5/218) ، والترمذي: أبواب الفتن/ باب ما جاء: (لتركبن سنن من كان قبلكم) ، 6/343 ـ وقال (حسن صحيح) .
(9/192)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» ؛ أي: سدرة نعلق أسلحتنا عليها تبركا بها؛ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الله أكبر) ، كبر تعظيما لهذا الطلب؛ أي: استعظاما له، وتعجبا لا فرحا به، كيف يقولون هذا القول وهم آمنوا بأنه لا إله إلا الله؟ !
لكن: (إنها السنن) ؛ أي: الطرق التي يسلكها العباد.
قوله: «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} » ، أي: إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاس ما قاله الصحابة رضي الله عنهم على ما قاله بنو إسرائل لموسى حين قالوا: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة؛ فأنتم طلبتم ذات أنواط كما أن لهؤلاء المشركين ذات أنواط.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده) المراد أن نفسه بيد الله، لا من جهة إماتتها وإحيائها فحسب؛ بل من جهة تدبيرها وتصريفها أيضا، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها سبحانه وتعالى.
قوله: (لتركبن سنن من كان قبلكم) ، أي: لتفعلن مثل فعلهم، ولتقولن مثل قولهم، وهذه الجملة لا يراد بها الإقرار، وإنما يراد بها التحذير؛ لأنه من المعلوم أن سنن من كان قبلنا مما جرى تشبيهه سنن ضالة، حيث طلبوا آلهة مع الله؛ فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يحذر أمته أن تركب سنن من كان قبلها من الضلال والغي.
والشاهد من هذا الحديث قولهم: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» ؛ فأنكر عليهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
* * *
(9/193)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النجم.
الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا.
الثالثة: كونهم لم يفعلوا.
الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك؛ لظنهم أنه يحبه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
* الأولى: تفسير آية النجم، أي: قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} . . . الآية، وسبق تفسيرها، وأن الله تعالى أنكر على هؤلاء الذين يعبدون اللات والعزى، وأتى بصيغة الاستفهام الدالة على التحقير والتصغير لهذه الأصنام.
* الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا، وهو أنهم طلبوا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجعل لهم ذات أنواط كما أن للمشركين ذات أنواط، وهم إنما أرادوا أن يتبركوا بهذه الشجرة لا أن يعبدوها؛ فدل ذلك على أن التبرك بالأشجار ممنوع، وأن هذا من سنن الضالين السابقين من الأمم.
* الثالة: كونهم لم يفعلوا، أي: لم يعلقوا أنواطا على الشجرة، ويطلبوا من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقرهم على هذا العمل، بل طلبوا من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجعل لهم ذلك.
* الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه، (بذلك) ؛ أي: بتعليق الأسلحة ونحوها على الشجرة التي يعينها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا
(9/194)

الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا؛ فغيرهم أولى بالجهل. السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم. السابعة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعذرهم، بل رد عليهم بقوله: «الله أكبر! إنها السنن! لتتبعن سنن من كان قبلكم» ؛ فغلظ الأمر بهذه الثلاث.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
طلبوا ذلك من الرسول لتكتسب بهذا معنى العبادة.
الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا؛ فغيرهم أولى بالجهل، لأن الصحابة لا شك أعلم الناس بدين الله، فإذا كان الصحابة يجهلون أن التبرك بهذا نوع من اتخاذها إلها؛ فغيرهم من باب أولى، وقصد المؤلف رحمه الله بهذا أن لا نغتر بعمل الناس؛ لأن عمل الناس قد يكون عن جهل؛ فالعبرة بما دل عليه الشرع لا بعمل الناس.
* السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم، وهذا معلوم من الآيات، مثل قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد:10] ؛ فالصحابة رضي الله عنهم لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة وأسباب المغفرة ما ليس لغيرهم، ومع ذلك لم يعذرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا الطلب.
* السابعة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعذرهم، بل رد عليهم بقوله: «الله أكبر! إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم» ؛ فغلظ الأمر بهذه الثلاث، وهي قوله: (الله أكبر) ، وقوله: (إنها السنن) ، وقوله: (لتركبن سنن من كان قبلكم) ؛ فغلظ الأمر بهذا لأن التكبير استعظاما للأمر الذي طلبوه، و (إنها السنن) : تحذير، و (لتركبن
(9/195)

الثامنة: الأمر الكبير وهو المقصود أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: اجعل لنا إلها. التاسعة: أن نفي هذا من معنى (لا إله إلا الله) مع دقته وخفائه على أولئك. العاشرة: أنه حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سنن من قبلكم) كذلك أيضا تحذير.
الثامنة: الأمر الكبير وهو المقصود أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} ، فهؤلاء طلبوا سدرة يتبركون بها كما يتبرك المشركون بها، وأولئك طلبوا إلها كما لهم آلهة؛ فيكون في كلا الطلبين منافاة للتوحيد؛ لأن التبرك بالشجر نوع من الشرك، واتخاذه إلها شرك واضح.
التاسعة: أن نفي هذا من معنى: لا إله إلا الله، مع دقته وخفائه على أولئك، أي: أن التبرك بالأشجار ونحوها من معنى لا إله إلا الله؛ فإن لا إله إلا الله تنفي كل إله سوى الله، وتنفي الألوهية عما سوى الله عز وجل؛ فكذلك البركة لا تكون من غير الله سبحانه وتعالى.
العاشرة: أنه حلف على الفتيا وهو لا يحلف إلا لمصلحة، أي: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حلف على الفتيا في قوله: (قلتم، والذي نفسي بيده) ، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يحلف إلا لمصلحة، أو دفع مضرة ومفسدة؛ فليس ممن يحلف على أي سبب يكون، كما هي عادة بعض الناس.
(9/196)

الحادية عشرة: أن الشرك فيه أصغر وأكبر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحادية عشرة: أن الشرك فيه أصغر وأكبر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا، حيث لم يطلبوا جعل ذات الأنواط لعبادتها، بل للتبرك بها، والشرك فيه أصغر وأكبر، وفيه خفي وجلي.
فالشرك الأكبر: ما يخرج الإنسان من الملة.
والشرك الأصغر: ما دون ذلك.
لكن كلمة (ما دون ذلك) ليست ميزانا واضحا. ولذلك اختلف العلماء في ضابط الشرك الأصغر على قولين:
القول الأول: أن الشرك الأصغر كل شيء أطلق الشارع عليه أنه شرك ودلت النصوص على أنه ليس من الأكبر، مثل: «من حلف بغير الله؛ فقد أشرك» (1) ؛ فالشرك هنا أصغر؛ لأنه دلت النصوص على أن مجرد الحلف بغير الله لا يخرج من الملة.
القول الثاني: أن الشرك الأصغر: ما كان وسيلة للأكبر، وإن لم يطلق الشرع عليه اسم الشرك، مثل: أن يعتمد الإنسان على شيء كاعتماده على الله، لكنه لم يتخذه إلها؛ فهذا شرك أصغر؛ لأن هذا الاعتماد الذي يكون كاعتماده على الله يؤدي به في النهاية إلى الشرك الأكبر، وهذا التعريف أوسع من الأول؛ لأن الأول يمنع أن تطلق على شيء أنه شرك إلا إذا كان لديك
__________
(1) مسند الإمام أحمد (2/125) ، وسنن أبي داود: كتاب الأيمان / باب من كراهية الحلف بالآباء ـ وسكت عنه ـ، والترمذي: النذور / باب كراهية الحلف بغير الله تعالى ـوحسنه ـ.
(9/197)

دليل، والثاني يجعل كل ما كان وسيلة للشرك فهو شرك، وربما نقول على هذا التعريف: إن المعاصي كلها شرك أصغر؛ لأن الحامل عليها الهوى، وقد قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية:23] ، ولهذا أطلق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشرك على تارك الصلاة، مع أنه لم يشرك؛ فقال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر: ترك الصلاة» .
فالحاصل أن المؤلف رحمه الله يقول: إن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا، وسبق وجه ذلك.
الجلي والخفي؛ فبعضهم قال: إن الجلي والخفي هو الأكبر والأصغر، وبعضهم قال: الجلي ما ظهر للناس من أصغر أو أكبر؛ كالحلف بغير الله، والسجود للصنم.
والخفي: ما لا يعلمه الناس من أصغر أو أكبر؛ كالرياء، واعتقاد أن مع الله إلها آخر.
وقد يقال: إن الجلي ما انجلى أمره وظهر كونه شركا؛ ولو كان أصغر، والخفي: ما سوى ذلك.
وأيهما الذي لا يغفر؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر؛ لعموم قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116] ،و {أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} مؤول بمصدر تقديره: شركا به، وهو نكرة في سياق النفي؛ فيفيد العموم.
(9/198)

الثانية عشرة: قولهم: (ونحن حدثاء عهد بكفر) ؛ فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك. الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب؛ خلافا لمن كرهه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقال بعض العلماء: إن الشرك الأصغر داخل تحت المشيئة، وإن المراد بقوله: {أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} الشرك الأكبر، وأما الشرك الأصغر؛ فإنه يغفر لأنه لا يخرج من الملة، وكل ذنب لا يخرج من الملة؛ فإنه تحت المشيئة، وعلى كل؛ فصاحب الشرك الأصغر على خطر، وهو أكبر من كبائر الذنوب، قال ابن مسعود رضي الله عنه: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا) .
الثانية عشرة: قوله: (ونحن حدثاء عهد بكفر ... ) ، معناه: أنه يعتذر عما طلبوا، حيث طلبوا أن يجعل لهم ذات أنواط؛ فهم يعتذرون لجهلهم بكونهم حدثاء عهد بكفر، وأما غيرهم ممن سبق إسلامه؛ فلا يجهل ذلك.
وعلى هذا؛ فنقول: إنه ينبغي للإنسان أن يقدم العذر عن قوله أو فعله حتى لا يعرض نفسه إلى القول أو الظن بما ليس فيه، ويدل لذلك «حديث صفية حين شيعها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو معتكف، فمر رجلان من الأنصار، فقال: (إنها صفية بنت حيي» .
الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب ... إلخ تؤخذ من قوله: (الله أكبر) ؛ أي: الله أكبر وأعظم من أن يشرك به، وفي رواية الترمذي أنه قال: (سبحان الله) ؛ أي: تنزيها لله عما لا يليق به.
(9/199)

الرا بعة عشرة: سد الذرائع. الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية. السادسة عشرة: الغضب عند التعليم. السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: (إنها السنن) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرابعة عشرة: سد الذرائع، الذرائع: الطرق الموصلة إلى الشيء، وذرائع الشيء: وسائله وطرقه.
والذرائع نوعان:
أ- ذرائع إلى أمور مطلوبة؛ فهذه لا تسد، بل تفتح وتطلب.
ب- ذرائع إلى أمور مذمومة؛ فهذه تسد، وهو مراد المؤلف رحمه الله تعالى.
وذات الأنواط وسيلة إلى الشرك الأكبر، فإذا وضعوا عليها أسلحتهم وتبركوا بها؛ يتدرج بهم الشيطان إلى عبادتها وسؤالهم حوائجهم منها مباشرة، فلهذا سد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذرائع.
* الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية، تؤخذ من قوله: (قلتم كما قالت بنو إسرائيل) ؛ فأنكر عليهم، وبهذا نعرف أن الجاهلية لا تختص بمن كان قبل زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل كل من جهل الحق وعمل عمل الجاهلين؛ فهو من أهل الجاهلية.
* السادسة عشرة: الغضب عند التعليم، والحديث ليس بصريح في ذلك، وربما يؤخذ من قرائن قوله: «الله أكبر! إنها السنن» ... ) ؛ لأن قوة هذا الكلام تفيد الغضب.
السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: (إنها السنن) ، أي: الطرق، وأن
(9/200)

الثامنة عشرة: أن هذا علم من أعلام النبوة لكونه وقع كما أخبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الأمة ستتبع طرق من كان قبلها، وهذا لا يعني الحل والإباحة، ولكنه للتحذير؛ كما قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار؛ إلا واحدة» ، وقال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير» ....) الحديث، وقال: «إن الظعينة تذهب من كذا إلى كذا لا تخشى إلا الله» ، وما أشبه ذلك من الأمور التي أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن وقوعها مع تحريمها.
الثامنة عشرة: أن هذا علم من أعلام النبوة لكونه وقع كما أخبر، يعني اتباع سنن من كان قبلنا.
فإن قال قائل: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد خطب الناس بعرفة، وقال: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب» ؛ فكيف تقع عبادته.
فالجواب: أن إخبار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيأسه لا يدل على عدم الوقوع، بل يجوز أن يقع، على خلاف ما توقعه الشيطان؛ لأن الشيطان لما حصلت الفتوحات، وقوي الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجا؛ يئس أن يعبد سوى الله في هذه الجزيرة، ولكن حكمة الله تأبى إلا أن يكون ذلك، وهذا نقوله ولا بد؛ لئلا يقال: إن جميع الأفعال التي تقع في الجزيرة العربية لا يمكن أن تكون
(9/201)

التاسعة عشرة: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن؛ أنه لنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
شركا، ومعلوم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله جدد التوحيد في الجزيرة العربية، وأن الناس كانوا في ذلك الوقت فيهم المشرك وغير المشرك.
فالحديث أخبر عما وقع في نفس الشيطان ذلك الوقت، ولكنه لا يدل على عدم الوقوع، وهذا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لتركبن سنن من كان قبلكم» ، وهو يخاطب الصحابة وهم في جزيرة العرب.
التاسعة عشرة: أن ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا هذا ليس على إطلاقه وظاهره، بل يحمل قوله: (لنا) ؛ أي: لبعضنا، ويكون المراد به المجموع لا الجميع؛ كما قال العلماء في قوله تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام:130] ، والرسل كانوا من الإنس فقط.
فإذا وقع تشبه باليهود والنصارى؛ فإن الذم الذي يكون لهم يكون لنا، وما من أحد من الناس غالبا إلا وفيه شبه باليهود أو النصارى؛ فالذي يعصي الله على بصيرة فيه شبه من اليهود، والذي يعبد الله على ضلالة فيه شبه من النصارى، والذي يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله فيه شبه من اليهود، وهلم جرا.
وإن أراد أن كل ما ذم به اليهود والنصارى؛ فهو لهذه الأمة على سبيل العموم؛ فلا.
(9/202)

العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر: أما (من ربك؟) فواضح، وأما (من نبيك؟) ؛ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما (ما دينك؟) ؛ فمن قولهم: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا} ... ) إلى آخره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر ... إلخ، وهذا واضح؛ فالعبادات مبناها على الأمر، فما لم يثبت فيه أمر الشارع؛ فهو بدعة، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد» ، وقال: «إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة» . (1)
فمن تعبد بعبادة طولب بالدليل؛ لأن الأصل في العبادات الحظر والمنع، إلا ما قام الدليل على مشروعيتها.
وأما الأكل والمعاملات والآداب واللباس وغيرها؛ فالأصل فيها الإباحة؛ إلا ما قام الدليل على تحريمه.
وقوله: (مسائل القبر التي يسأل فيها الإنسان في قبره: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟) .
ففي هذه القصة دليل على مسائل القبر الثلاث، وليس مراده أن فيها دليلا
__________
(1) مسند الإمام أحمد (4/126) ، وسنن أبي داود: كتاب السنة /باب لزوم السنة، 5/13، والترمذي: العلم /باب الأخذ بالسنة، رقم 2678-وقال: (حسن صحيح) -.
(9/203)

الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين. الثانية والعشرون: ان المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة؛ لقوله: (ونحن حدثاء عهد بكفر) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
على أن الإنسان يسأل في قبره، بل فيها دليل على إثبات الربوبية والنبوة والعبادة.
أما (من ربك) ؛ فواضح، يعني أنه لا رب إلا الله تعالى.
أما (من نبيك) ؛ فمن إخباره بالغيب، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» ؛ فوقع كما أخبر.
أما (ما دينك) ؛ فمن قولهم: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا} ؛ أي: مألوها معبودا، والعبادة هي الدين.
والمؤلف محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فهمه دقيق جدا لمعاني النصوص؛ فأحيانا يصعب على الإنسان بيان وجه استنباط المسألة من الدليل.
الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين، تؤخذ من قوله: (كما قالت بنو إسرائيل لموسى) .
* الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العبادة، وهذا صحيح؛ فالإنسان المنتقل من شيء، سواء كان باطلا أو لا؛ لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية منه، وهذه البقية لا تزول إلا بعد مدة؛ لقوله: (ونحن حدثاء عهد بكفر) ؛ فكأنه يقول: ما سألناه
(9/204)

إلا لأن عندنا بقية من بقايا الجاهلية، ولهذا كان من الحكمة تغريب الزاني بعد جلده عن مكان الجريمة؛ لئلا يعود إليها.
فالإنسان ينبغي أن يبتعد عن مواطن الكفر والشرك والفسوق؛ حتى لا يقع في قلبه شيء منها.
(9/205)

باب ما جاء في الذبح لغير الله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في الذبح) ، أي: ذبح البهائم.
قوله: (لغير الله) ، اللام للتعليل، والقصد: أي قاصدا بذبحه غير الله، والذبح لغير الله ينقسم إلى قسمين:
1 - أن يذبح لغير الله تقربا وتعظيما؛ فهذا لا يخرج من الملة، بل هو من الأمور العادية التي قد تكون مطلوبة أحيانا وغير مطلوبة أحيانا؛ فالأصل أنها مباحة.
ومراد المؤلف هنا القسم الأول.
فلو قدم السلطان إلى بلد، فذبحنا له، فإن كان تقربا وتعظيما؛ فإنه شرك أكبر، وتحرم هذه الذبائح، وعلامة ذلك: أننا نذبحها في وجهه ثم ندعها.
أما لو ذبحنا له إكراما وضيافة، وطبخت وأكلت؛ فهذا من باب الإكرام، وليس بشرك.
وقوله: (لغير الله) يشمل الأنبياء، والملائكة، والأولياء، وغيرهم؛ فكل من ذبح لغير الله تقربا وتعظما؛ فإنه داخل في هذه الكلمة بأي شيء كان.
وقوله في الترجمة: (باب ما جاء في الذبح لغير الله) ، أشار إلى الدليل دون الحكم، ومثل هذه الترجمة يترجم بها العلماء للأمور التي لا يجزمون بحكمها، أو التي فيها تفصيل، وأما الأمور التي يجزمون بها؛ فإنهم يقولونها
(9/206)

99 وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ} الآية [الأنعام: 162-163] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بالجزم؛ مثل باب وجوب الصلاة، وباب تحريم الغيبة، ونحو ذلك.
والمؤلف رحمه الله تعالى لا شك أنه يرى تحريم الذبح لغير الله على سبيل التقرب والتعظيم، وأنه شرك أكبر، لكنه أراد أن يمرن الطالب على أخذ الحكم من الدليل، وهذا نوع من التربية العلمية؛ فإن المعلم أو المؤلف يدع الحكم مفتوحا، ثم يأتي بالأدلة لأجل أن يكل الحكم إلى الطالب؛ فيحكم به على حسب ما سيق له من هذه الأدلة، وقد ذكر المؤلف في هذا الباب ثلاث آيات:
* * *
الآية الأولى: قوله: قل: الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي: قل لهؤلاء المشركين معلنا لهم قيامك بالتوحيد الخالص؛ لأن هذه السورة مكية.
قوله: {إِنَّ صَلَاتِي} ، الصلاة في اللغة: الدعاء، وفي الشرع: عبادة لله ذات أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم.
قوله: {وَنُسُكِي} ، النسك لغة: العبادة، وفي الشرع: ذبح القربان.
فهل تحمل هذه الآية على المعنى اللغوي أو على المعنى الشرعي؟
سبق أن ما جاء في لسان الشرع يحمل على الحقيقة الشرعية؛ كما أن ما جاء في لسان العرف؛ فهو محمول على الحقيقة العرفية، وفي لسان العرب على الحقيقة اللغوية.
فعندما أقول لشخص: عندك شاة؟ يفهم الأنثى من الضأن، لكن في اللغة العربية الشاة تطلق على الواحدة من الضأن والمعز، ذكرا كان أو أنثى،
(9/207)

وعلى هذا؛ فيحمل النسك في الآية على المعنى الشرعي.
وقيل: تحمل على المعنى اللغوي؛ لأنه أعم؛ فالنسك العبادة، كأنه يقول: أنا لا أدعو إلا الله، ولا أعبد إلا الله، وهذا عام للدعاء والتعبد.
وإذا حملت على المعنى الشرعي؛ صارت خاصة في نوع من العبادات، وهي: الصلاة، والنسك، ويكون هذا كمثال، فإن الصلاة أعلى العبادات البدنية، والذبح أعلى العبادات المالية؛ لأنه على سبيل التعظيم لا يقع إلا قربة، هكذا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة.
ويحتاج إلى مناقشة في مسألة أن القربان أعلى أنواع العبادات المالية؛ فإن الزكاة لا شك أنها أعظم، وهي عبادة مالية.
وهناك رأي ثالث يقول: إن الصلاة هي الصلاة المعروفة شرعا، والنسك: العبادة مطلقا، ويكون ذلك من عطف العام على الخاص.
قوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} ، أي: حياتي وموتي؛ أي: التصرف في وتدبير أمري حيا وميتا لله.
وفي قوله: {صَلَاتِي وَنُسُكِي} إثبات توحيد العبادة.
وفي قوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} إثبات توحيد الربوبية.
قوله: (لله) ، خبر إن، والله: علم على الذات الإلهية، وأصله: الإله، فحذفت الهمزة؛ لكثرة الاستعمال تخفيفا.
وهو بمعنى مألوه؛ فهو فعال بمعنى مفعول، مثل غراس بمعنى مغروس، وفراش بمعنى مفروش، والمألوه: المحبوب المعظم.
قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، والمراد ب {الْعَالَمِينَ} : ما سوى الله، وسمي بذلك؛ لأنه علم على خالقه.
(9/208)

قال الشاعر:
فواعجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وهي تطلق على العالمين بهذا المعنى، وتطلق على العالمين في وقت معين، مثل قوله تعالى: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:47] ؛ يعني: عالمي زمانهم.
والرب هنا: المالك المتصرف، وهذه ربوبية مطلقة.
الآية الثانية: قوله: {لَا شَرِيكَ لَهُ} ، الجملة حالية من قوله: (لله) ؛ أي: حال كونه لا شريك له، والله سبحانه لا شريك له في عبادته ولا في ربوبيته ولا في أسمائه وصفاته، ولهذا قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11] .
وقد ضل من زعم أن لله شركاء كمن عبد الأصنام أو عيسى ابن مريم عليه السلام، وكذلك بعض غلاة الشعراء الذين جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق؛ كقول بعضهم يخاطب ممدوحا له:
فكن كمن شئت يا من لا شبيه له ... وكيف شئت فما خلق يدانيك
وكقول البوصيري في قصيدته في مدح الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن آخذا يوم المعاد يدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا من أعظم الشرك؛ لأنه جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول، ومقتضاه أن الله جل ذكره ليس له فيهما شيء.
(9/209)

وقال: إن " من علومك علم اللوح والقلم "، يعني: وليس ذلك كل علومك؛ فما بقي لله علم ولا تدبير والعياذ بالله.
قوله: (بذلك) ، الجار والمجرور متعلق بـ أمرت؛ فيكون دالا على الحصر والتخصيص، وإنما خص بذلك؛ لأنه أعظم المأمورات، وهو الإخلاص لله تعالى ونفي الشرك، فكأنه ما أمر إلا بهذا، ومعلوم أن من أخلص لله تعالى؛ فسيقوم بعبادة الله سبحانه وتعالى في جميع الأمور.
قوله: أمرت، إبهام الفاعل هنا من باب التعظيم والتفخيم، وإلا فمن المعلوم أن الآمر هو الله تعالى.
قوله: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} ، يحتمل أن المراد الأولية الزمنية، فيتعين أن تكون أولية إضافية ويكون المراد أنا أول المسلمين من هذه الأمة؛ لأنه سبقه في الزمن من أسلموا.
ويحتمل أن المراد الأولية المعنوية؛ فإن أعظم الناس إسلاما وأتمهم انقيادا هو الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فتكون الأولية أولية مطلقة.
ومثل هذا التعبير يقع كثيرا أن تقع الأولية أولية معنوية، مثل أن تقول: أنا أول من يصدق بهذا الشيء، وإن كان غيرك قد صدق قبلك، لكن تريد أنك أسبق الناس تصديقا بذلك، ولن يكون عندك إنكار أبدا، ومثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نحن أولى بالشك من إبراهيم حينما قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} » [البقرة:260] ؛ فليس معناه أن إبراهيم شاك، لكن إن قدر أن يحصل شك؛ فنحن
(9/210)

وقول: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أولى بالشك منه، وإلا؛ فلسنا نحن شاكين، وكذلك إبراهيم ليس شاكا.
قوله: {الْمُسْلِمِينَ} ، الإسلام عند الإطلاق يشمل الإيمان؛ لأن المراد به الاستسلام لله ظاهرا وباطنا، ويدل لذلك قوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} [البقرة: 112] ، وهذا إسلام الباطن.
وقوله: {وَهُوَ مُحْسِنٌ} ، هذا إسلام الظاهر، وكذا قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] يشمل الإسلام الباطن والظاهر، وإذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التوبة: 72] .
ومتى وجد الإيمان حقا لزم من وجوده الإسلام.
واما إذا قرنا جميعا صار الإسلام في الظاهر والإيمان في الباطن، مثل حديث جبريل، وفيه: «أخبرني عن الإسلام؛ فأخبره عن أعمال ظاهرة، وأخبرني عن الإيمان؛ فأخبره عن أعمال باطنة» .
وكذا قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] .
والشاهد من الآية التي ذكرها المؤلف: أن الذبح لا بد أن يكون خالصا لله.
الآية الثالثة: قوله: فصل، الفاء للسببية عاطفة على قوله:
(9/211)

{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر:1] ؛ أي بسبب إعطائنا لك ذلك صل لربك وانحر شكرا لله تعالى على هذه النعمة.
والمراد بالصلاة هنا الصلاة المعروفة شرعا.
وقوله: {وَانْحَرْ} ، المراد بالنحر: الذبح، أي اجعل نحرك لله كما أن صلاتك له؛ فأفادت هذه الآية الكريمة أن النحر من العبادة، ولهذا أمر الله به وقرنه بالصلاة.
وقوله: {وَانْحَرْ} ، مطلق؛ فيدخل فيه كل ما ثبت في الشرع مشروعيته، وهي ثلاثة أشياء: الأضاحي، والهدايا، والعقائق؛ فهذه الثلاثة يطلب من الإنسان أن يفعلها.
أما الهدايا؛ فمنها واجب، ومنها مستحب، فالواجب كما في التمتع: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] ، وكما في المحصر: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] ، وكما في حلق الرأس: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] ، هذا إن صح أن نقول: إنها هدي، ولكن الأولى أن نسميها فدية كما سماها الله عز وجل؛ لأنها بمنزلة الكفارة.
وأما الأضاحي؛ فاختلف العلماء فيها:
فمنهم من قال: إنها واجبة.
ومنهم من قال: إنها مستحبة.
وأكثر أهل العلم على أنها مستحبة، وأنه يكره للقادر تركها.
ومذهب أبي حنيفة رحمه الله أنها واجبة على القادر، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
(9/212)

عن علي رضي الله عنه؛ قال: «حدثني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأربع كلمات:»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والأضحية ليست عن الأموات كما يفهمه العوام، بل هي للأحياء، وأما الأموات؛ فليس من المشروع أن يُضَحَّى لهم استقلالا، إلا إن أوصوا به؛ فعلى ما أوصوا به؛ لأن ذلك لم يرد عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأما العقيقة: وهي التي تذبح عن المولود في يوم سابعه إن كان ذكرا فاثنتان، وإن كان أنثى فواحدة، وتجزيء الواحدة مع الإعسار في الذكور.
وهي سنة عند أكثر أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: إنها واجبة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته» . (1)
* * *
قوله: (كلمات) : جمع كلمة، والكلمة في اصطلاح النحويين: القول المفرد. أما في اللغة؛ فهي كل قول مفيد، قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أصدق كلمة قالها شاعر: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» ، وقال تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} ، وهي قوله: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99-100] .
قال شيخ الإسلام: لا تطلق الكلمة في اللغة العربية إلا على الجملة المفيدة.
__________
(1) مسند الإمام أحمد (5/7) ، والترمذي: كتاب الأضحية /باب في العقيقة ـ وقال: (حديث حسن صحيح) ، وصححه الألباني في الإرواء، 4/385.
(9/213)

«لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض» رواه مسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لعن الله) ، اللعن من الله: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فإذا قيل: لعنه الله؛ فالمعنى: طرده وأبعده عن رحمته، وإذا قيل: اللهم العن فلانا؛ فالمعنى أبعده عن رحمتك واطرده عنها.
قوله: (من ذبح لغير الله) ، عام يشمل من ذبح بعيرا، أو بقرة، أو دجاجة، أو غيرها.
قوله: (لغير الله) ، يشمل كل من سوى الله حتى لو ذبح لنبي، أو ملك، أو جني، أو غيرهم.
وقوله: (لعن) يحتمل أن يكون الجملة خبرية، وأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخبر أن الله لعن من ذبح لغير الله، ويحتمل أن تكون إنشائية بلفظ الخبر؛ أي: اللهم العن من ذبح لغير الله، والخبر أبلغ؛ لأن الدعاء قد يستجاب، وقد لا يستجاب.
قوله: (والديه) ، يشمل الأب والأم، ومن فوقهما؛ لأن الجد أب، كما أن أولاد الابن والبنت أبناء في وجوب الاحترام لأصولهم.
والمسألة هنا ليست مالية، بل هي من الحقوق، ولعن الأدنى أشد من لعن الأعلى؛ لأنه أولى بالبر، ولعنه ينافي البر.
قوله: (من لعن والديه) ، أي: سبهما وشتمهما؛ فاللعن من الإنسان السب والشتم، فإذا سببت إنسانا أو شتمته؛ فهذا لعنه؛ «لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قيل له: كيف يلعن»
(9/214)

«الرجل والديه؟ قال: (يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» .
وأخذ الفقهاء من هذا الحديث قاعدة، وهي: أن السبب بمنزلة المباشرة في الإثم؛ وإن كان يخالفه في الضمان على تفصيل في ذلك عند أهل العلم.
قوله: (من آوى محدثا) ، أي: ضمه إليه وحماه، والإحداث: يشمل الإحداث في الدين؛ كالبدع التي أحدثها الجهمية والمعتزلة، وغيرهم.
والإحداث في الأمر: أي في شؤون الأمة؛ كالجرائم وشبهها، فمن آوى محدثا؛ فهو ملعون، وكذا من ناصرهم؛ لأن الإيواء أن تأويه لكف الأذى عنه، فمن ناصره؛ فهو أشد وأعظم.
والمحدث أشد منه؛ لأنه إذا كان إيواؤه سببا للعنة؛ فإن نفس فعله جرم أعظم.
ففيه التحذير من البدع والإحداث في الدين، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة» ، وظاهر الحديث: ولو كان أمرا يسيرا.
قوله: (منار الأرض) ، أي: علاماتها ومراسيمها التي تحدد بين الجيران، فمن غيرها ظلما؛ فهو ملعون، وما أكثر الذين يغيرون منار الأرض، لا سيما إذا زادت قيمتها، وما علموا أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما؛ طوقه من سبع أرضين» ؛ فالأمر عظيم، مع أن هذا الذي يقتطع من الأرض ويغير المنار، ويأخذ ما لا يستحق لا يدري: قد يستفيد منها في دنياه، وقد يموت قبل ذلك، وقد يسلط عليه آفة تأخذ ما أخذ.
(9/215)

وعن طارق بن شهاب؛ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب) قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: (مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء أقربه. قالوا له: قرب ولو ذبابا. فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل. فضربوا عنقه، فدخل الجنة» (1) رواه أحمد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فالحاصل: أن هذا دليل على أن تغيير منار الأرض من كبائر الذنوب، ولهذا قرنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالشرك وبالعقوق وبالإحداث؛ مما يدل على أن أمره عظيم، وأنه يجب على المرء أن يحذر منه، وأن يخاف الله سبحانه وتعالى حتى لا يقع فيه.
* * *
قوله: (عن طارق بن شهاب) .
في الحديث علتان:
الأولى: أن طارق بن شهاب اتفقوا على أنه لم يسمع من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واختلفوا في صحبته، والأكثرون على أنه صحابي.
لكن إذا قلنا: إنه صحابي؛ فلا يضر عدم سماعه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن
__________
(1) رواه الإمام أحمد في (الزهد) (ص15،16) .
(9/216)

مرسل الصحابي حجة، وإن كان غير صحابي؛ فإنه مرسل غير صحابي، وهو من أقسام الضعيف.
الثانية: أن الحديث معنعن من قبل الأعمش، وهو من المدلسين، وهذه آفة في الحديث؛ فالحديث في النفس منه شيء من أجل هاتين العلتين.
ثم للحديث عله ثالثة، وهي أن الإمام أحمد رواه عن طارق عن سلمان موقوفا من قوله، وكذا أبو نعيم وابن أبي شيبة؛ فيحتمل أن سلمان أخذه عن بني إسرائيل.
قوله: (في ذباب) ، في: للسببية، وليست للظرفية؛ أي: بسبب ذباب، ونظيره قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «دخلت النار امرأة في هرة حبستها» ....) الحديث؛ أي: بسبب هرة.
قوله: (فدخل النار) ، مع أنه ذبح شيئا حقيرا لا يؤكل، لكن لما نوى التقرب به إلى هذا الصنم؛ صار مشركا، فدخل النار.
(9/217)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} . الثانية: تفسير {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله. الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} ، وقد سبق ذلك في أول الباب.
الثانية: تفسير: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} ، وقد سبق ذلك في أول الباب.
الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله، بدأ به؛ لأنه من الشرك، والله إذا ذكر الحقوق يبدأ أولا بالتوحيد؛ لأن حق الله أعظم الحقوق، قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36] ، وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] ، وينبغي أن يبدأ في المناهي والعقوبات بالشرك وعقوبته.
الرابعة: لعن من لعن والديه.
ولعن الرجل للرجل له معنيان:
الأول: الدعاء عليه باللعن.
الثاني: سبه وشتمه؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسره بقوله: «يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» .
(9/218)

الخامسة: لعنُ من آوى محدثا، وهو الرجل يحدث شيئا يجب فيه حق الله؛ فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك. السادسة: لعن من غير منار الأرض، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك وحق جارك من الأرض، فتغيرها بتقديم أو تأخير. السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الخامسة: لعن من آوى محدثا، وقد سبق أنه يشمل الإحداث في الدين والجرائم، فمن آوى محدثا ببدعة؛ فهو داخل في ذلك، ومن آوى محدثا بجريمة؛ فهو داخل في ذلك.
السادسة: لعن من غير منار الأرض، وسواء كانت بينك وبين جارك، أو بينك وبين السوق مثلا؛ لأن الحديث عام.
السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم، فالأول ممنوع، والثاني جائز، فإذا رأيت من آوى محدثا؛ فلا تقل: لعنك الله، بل قل: لعن الله من آوى محدثا على سبيل العموم، والدليل على ذلك «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما صار يلعن أناسا من المشركين من أهل الجاهلية بقوله: (اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا) نهي عن ذلك بقوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} » [آل عمران: 128] ؛ فالمعين ليس لك أن تلعنه، وكم من إنسان صار على وصف يستحق به اللعنة ثم تاب فتاب
(9/219)

الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب. التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الله عليه، إذن يؤخذ هذا من دليل منفصل، وكأن المؤلف رحمه الله قال: الأصل عدم جواز إطلاق اللعن؛ فجاء هذا الحديث لاعنا للعموم، فيبقى الخصوص على أصله؛ لأن المسلم ليس بالطعان ولا باللعان، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس طعانا ولا لعانا، ولعل هذا وجه أخذ الحكم من الحديث، وإلا؛ فالحديث لا تفريق فيه.
الثامنة: هذه القصة العظيمة وهي قصة الذباب، كأن المؤلف رحمه الله يصحح الحديث، ولهذا بنى عليه حكما، والحكم المأخوذ من دليل فرع عن صحته، والقصة معروفة.
التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم، هذه المسألة ليست مسلمة، فإن قوله: قرب ولو ذبابا يقتضي أنه فعله قاصدا التقرب، أما لو فعله تخلصا من شرهم فإنه لا يكفر لعدم قصد التقرب، ولهذا قال الفقهاء: لو أكره على طلاق امرأته فطلق تبعا لقول المكره؛ لم يقع الطلاق، بخلاف ما لو نوى الطلاق؛ فإن الطلاق يقع، وإن طلق دفعا للإكراه؛ لم يقع، وهذا حق لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما الأعمال بالنيات» .
وظاهر القصة أن الرجل ذبح بنية التقرب؛ لأن الأصل أن الفعل المبني
(9/220)

العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين؛ كيف صبر ذلك على القتل ولم يوافقهم على طلبهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــ
على طلب يكون موافقا لهذا الطلب.
ونحن نرى خلاف ما يرى المؤلف رحمه الله، أي أنه لو فعله بقصد التخلص ولم ينو التقرب لهذا الصنم لا يكفر؛ لعموم قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106] .
وهذا الذي فعل ما يوجب الكفر تخلصا مطمئن قلبه بالإيمان.
والصواب أيضا: أنه لا فرق بين القول المكره عليه والفعل، وإن كان بعض العلماء يفرق ويقول: إذا أكره على القول لم يكفر، وإذا أكره على الفعل كفر، ويستدل بقصة الذباب، وقصة الذباب فيها نظر من حيث صحتها، وفيها نظر من حيث الدلالة؛ لما سبق أن الفعل المبني على طلب يكون موافقا لهذا الطلب.
ولو فرض أن الرجل تقرب بالذباب تخلصا من شرهم؛ فإن لدينا نصا محكما في الموضوع، وهو قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ} [النحل: 106] الآية، ولم يقل: بالقول، فما دام عندنا نص قرآني صريح؛ فإنه لو وردت السنة صحيحة على وجه مشتبه؛ فإنها تحمل على النص المحكم.
الخلاصة أن من أكره على الكفر؛ لم يكن كافرا ما دام قلبه مطمئنا بالإيمان ولم يشرح بالكفر صدرا.
العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين ... إلخ، وقد بينها المؤلف رحمه الله تعالى
(9/221)

مسألة:
هل الأولى للإنسان إذا أكره على الكفر أن يصبر ولو قتل، أو يوافق ظاهرا ويتأول؟
هذه المسألة فيها تفصيل:
أولا: أن يوافق ظاهرا وباطنا، وهذا لا يجوز لأنه ردة.
ثانيا: أن يوافق ظاهرا لا باطنا، ولكن يقصد التخلص من الإكراه؛ فهذا جائز.
ثالثا: أن لا يوافق لا ظاهرا ولا باطنا ويقتل وهذا جائز، وهو من الصبر.
لكن أيهما أولى أن يصبر ولو قتل، أو أن يوافق ظاهرا؟
فيه تفصيل:
إذا كان موافقة الإكراه لا يترتب عليه ضرر في الدين للعامة؛ فإن الأولى أن يوافق ظاهرا لا باطنا، لا سيما إذا كان بقاؤه فيه مصلحة للناس، مثل: صاحب المال الباذل فيما ينفع أو العلم النافع وما أشبه ذلك، حتى وإن لم يكن فيه مصلحة؛ ففي بقائه على الإسلام زيادة عمل، وهو خير، وهو قد رخص له أن يكفر ظاهرا عند الإكراه؛ فالأولى أن يتأول، ويوافق ظاهرا لا باطنا.
أما إذا كان في موافقته وعدم صبره ضرر على الإسلام؛ فإنه يصبر، وقد يجب الصبر؛ لأنه من باب الصبر على الجهاد في سبيل الله، وليس من باب إبقاء النفس، ولهذا «لما شكى الصحابة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يجدونه من مضايقة المشركين؛ قص عليهم قصة الرجل فيمن كان قبلنا بأن الإنسان كان يمشط ما بين لحمه وجلده بأمشاط الحديد» ويصبر، فكأنه يقول لهم: اصبروا على الأذى.
(9/222)

الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم؛ لأنه لو كان كافرا لم يقل: «دخل النار في ذباب» . الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولو حصل من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك الوقت موافقة للمشركين وهم قلة؛ لحصل بذلك ضرر عظيم على الإسلام.
والإمام أحمد رحمه الله في المحنة المشهورة لو وافقهم ظاهرا؛ لحصل في ذلك مضرة على الإسلام.
الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم؛ لأنه لو كان كافرا لم يقل: دخل النار في ذباب، وهذا صحيح، أي أنه كان مسلما ثم كفر بتقريبه للصنم؛ فكان تقريبه هو السبب في دخوله النار.
ولو كان كافرا قبل أن يقرب الذباب؛ لكان دخوله النار لكفره أولى، لا بتقريبه الذباب.
الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» ، والغرض من هذا: الترغيب والترهيب، فإذا علم أن الجنة أقرب إليه من شراك النعل؛ فإنه ينشط على السعي، فيقول: ليست بعيدة؛ كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لما سئل عما يدخل الجنة ويباعد من النار، فقال: "لقد سألت»
(9/223)

الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم، حتى عند عبدة الأصنام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه» (1) ، والنار إذا قيل له: إنها أقرب من شراك النعل يخاف، ويتوقى في مشيه لئلا يزل فيهلك، ورب كلمة توصل الإنسان إلى أعلى عليين، وكلمة أخرى توصله إلى أسفل سافلين.
الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان، والحقيقة أن هذه المسألة مع التاسعة فيها شبه تناقض؛ لأنه في هذه المسألة أحال الحكم على عمل القلب، وفي التاسعة أحاله على الظاهر؛ فقال: بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده بل فعله تخلصا من شرهم، ومقتضى ذلك أن باطنه سليم، وهنا يقول: إن العمل بعمل القلب، ولا شك أن ما قاله المؤلف رحمه الله حق بالنسبة إلى أن المدار على القلب.
والحقيقة أن العمل مركب على القلب، والناس يختلفون في أعمال القلوب أكثر من اختلافهم في أعمال الأبدان، والفرق بينهم قصدا وذلا أعظم من الفرق بين أعمالهم البدنية؛ لأن من الناس من يعبد الله لكن عنده من الاستكبار ما لا يذل معه ولا يذعن لكل حق، وبعضهم يكون عنده ذل للحق، لكن عنده نقص في القصد؛ فتجد عنده نوعا من الرياء مثلا.
فأعمال القلب وأقواله لها أهمية عظيمة، فعلى الإنسان أن يخلصها لله.
__________
(1) مسند الإمام أحمد (5/231) ، والترمذي: كتاب الإيمان / باب ما جاء في حرمة الصلاة ـ وقال: (حسن صحيح) ـ.
(9/224)

وأقوال القلب هي اعتقاداته؛ كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
وأعماله هي تحركاته؛ كالحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والاستعانة، وما أشبه ذلك.
والدواء لذلك: القرآن والسنة، والرجوع إلى سيرة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمعرفة أحواله وأقواله وجهاده ودعوته، هذا مما يعين على جهاد القلب.
ومن أسباب صلاح القلب أن لا تشغل قلبك بالدنيا.
* * *
(9/225)

باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
وقول الله تعالى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} الآية [التوبة: 108] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الانتقال من المؤلف من أحسن ما يكون؛ ففي الباب السابق ذكر الذبح لغير الله؛ فنفس الفعل لغير الله.
وفي هذا الباب ذكر الذبح لله، ولكنه في مكان يذبح فيه لغيره، كمن يريد أن يضحي لله في مكان يذبح فيه للأصنام؛ فلا يجوز أن تذبح فيه؛ لأنه موافقة للمشركين في ظاهر الحال، وربما أدخل الشيطان في قلبك نية سيئة؛ فتعتقد أن الذبح في هذا المكان أفضل، وما أشبه ذلك، وهذا خطر.
* * *
قوله: {لَا تَقُمْ فِيهِ} ، ضمير الغيبة يعود إلى مسجد الضرار، حيث بني على نية فاسدة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 107] ، والمتخذون هم المنافقون، وغرضهم من ذلك:
1 - مضارة مسجد قباء: ولهذا يسمى مسجد الضرار.
2 - الكفر بالله: لأنه يقرر فيه الكفر - والعياذ بالله -؛ لأن الذين اتخذوه هم المنافقون.
3 - التفريق بين المؤمنين: فبدلا من أن يصلي في مسجد قباء صف أو صفان يصلي فيه نصف صف، والباقون في المسجد الآخر، والشرع له نظر في
(9/226)

اجتماع المؤمنين.
4 - الإرصاد لمن حارب الله ورسوله يقال: إن رجلا ذهب إلى الشام، وهو أبو عامر الفاسق، وكان بينه وبين المنافقين الذين اتخذوا المسجد مراسلات، فاتخذوا هذا المسجد بتوجيهات منه، فيجتمعون فيه لتقرير ما يريدونه من المكر والخديعة للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه، قال الله تعالى: {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى} [التوبة: 107] ؛ فهذه سنة المنافقين: الأيمان الكاذبة.
إن: نافية، بدليل وقوع الاستثناء بعدها، أي: ما أردنا إلا الحسنى، والجواب عن هذا اليمين الكاذب: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107] .
فشهد الله تعالى على كذبهم؛ لأن ما يسرونه في قلوبهم ولا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب؛ فكأن هذا المضمر في قلوبهم بالنسبة إلى الله أمر مشهود يرى بالعين؛ كما قال الله تعالى في سورة المنافقين: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] .
وقوله: {لَا تَقُمْ فِيهِ} ، لا: ناهية، وتقم: مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه السكون، وحذفت الواو؛ لأنه سكن آخره، والواو ساكنة؛ فحذفت تخلصا من التقاء الساكنين.
قوله: أبدا إشارة إلى أن هذا المسجد سيبقى مسجد نفاق.
قوله: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} ، اللام: للابتداء، ومسجد: مبتدأ وخبره: {أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} ، وفي هذا التنكير تعظيم للمسجد، بدليل قوله: {أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} [التوبة: 108] ؛ أي جعلت التقوى أساسا له، فقام عليه.
وهذه الأحقية ليست على بابها، وهو أن اسم التفضيل يدل على مفضل ومفضل عليه اشتركا في أصل الوصف؛ لأنه لا حق لمسجد الضرار أن يقام
(9/227)

فيه، وهذا (أعني: كون الطرف المفضل عليه ليس فيه شيء من الأصل الذي وقع فيه التفضيل) موجود في القرآن كثيراَ؛ كقوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان:24] .
قوله: فيه، أي: في هذا المسجد المؤسس على التقوى.
قوله: {يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} ، بخلاف من كان في مسجد الضرار؛ فإنهم رجس؛ كما قال الله تعالى في المنافقين: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ} [التوبة: 95] .
قوله: {يَتَطَهَّرُوا} ، يشمل طهارة القلب من النفاق والحسد والغل وغير ذلك، وطهارة البدن من الأقذار والنجاسات والأحداث.
قوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} ، هذه محبة حقيقية ثابتة لله عز وجل تليق بجلاله وعظمته، ولا تماثل محبة المخلوقين، وأهل التعطيل يقولون: المراد بالمحبة: الثواب أو إرادته؛ فيفسرونها إما بالفعل أو إرادته، وهذا خطأ.
وقوله: {الْمُطَّهِّرِينَ} أصله المتطهرين، وأدغمت التاء بالطاء لعلة تصريفية معروفة.
* وجه المناسبة من الآية:
أنه لما كان مسجد الضرار مما اتخذ للمعاصي ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين؛ نهى الله رسوله أن يقوم فيه، مع أن صلاته فيه لله؛ فدل على أن كل مكان يعصى الله فيه أنه لا يقام فيه، فهذا المسجد متخذ للصلاة، لكنه محل معصية؛ فلا تقام فيه الصلاة.
وكذا لو أراد إنسان أن يذبح في مكان يذبح فيه لغير الله كان حراما؛ لأنه يشبه الصلاة في مسجد الضرار.
(9/228)

وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه؛ قال: «نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ . قالوا: لا. قال: (فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟) . قالوا: لا. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» . رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقريب من ذلك النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لأنهما وقتان يسجد فيهما الكفار للشمس؛ فهذا باعتبار الزمن والوقت، والحديث الذي ذكره المؤلف باعتبار المكان.
* * *
قوله: (نذر) ، النذر في اللغة: الإلزام والعهد.
واصطلاحا: إلزام المكلف نفسه لله شيئا غير واجب.
وقال بعضهم: لا نحتاج أن نقيد بغير واجب، وأنه إذا نذر الواجب صح النذر وصار المنذور واجبا من وجهين: من جهة النذر، ومن جهة الشرع، ويترتب على ذلك وجوب الكفارة إذا لم يحصل الوفاء.
والنذر في الأصل مكروه، بل إن بعض أهل العلم يميل إلى تحريمه؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عنه، وقال: ( «لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» ، ولأنه إلزام
__________
(1) مسند الإمام أحمد (3/419) ، وسنن أبي داود: كتاب الأيمان والنذور/باب ما يؤمن به من الوفاء بالنذر.
(9/229)

لنفس الإنسان بما جعله الله في حل منه، وفي ذلك زيادة تكليف على نفسه.
ولأن الغالب أن الذي ينذر يندم، وتجده يسأل العلماء يمينا وشمالا يريد الخلاص مما نذر لثقله ومشقته عليه، ولا سيما ما يفعله بعض العامة إذا مرض، أو تأخر له حاجة يريدها؛ تجده ينذر كأنه يقول: إن الله لا ينعم عليه بجلب خير أو دفع الضرر إلا بهذا النذر.
قوله: (إبلا) ، اسم جمع لا واحد له من لفظه، لكن له واحد من معناه، وهو البعير.
قوله: (ببوانة) ، الباء بمعنى في، وهي للظرفية، والمعنى: بمكان يسمى بوانة.
قوله: (هل كان فيها وثن) ، الوثن: كل ما عبد من دون الله؛ من شجر، أو حجر، سواء نحت أو لم ينحت.
والصنم يختص بما صنعه الآدمي.
قوله: (الجاهلية) ، نسبة إلى ما كان قبل الرسالة، وسميت بذلك لأنهم كانوا على جهل عظيم.
قوله: (يعبد) ، صفة لقوله: (وثن) ، وهو بيان للواقع؛ لأن الأوثان هي التي تعبد من دون الله.
قوله: (قالوا: لا) ، السائل واحد، لكنه لما كان عنده ناس أجابوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا مانع أن يكون المجيب غير المسؤول.
قوله: (عيد) ، العيد: اسم لما يعود أو يتكرر، والعود بمعنى الرجوع؛ أي: هل اعتاد أهل الجاهلية أن يأتوا إلى هذا المكان ويتخذوا هذا اليوم عيدا، وإن لم يكن فيه وثن؟ قالوا: لا. فسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أمرين: عن الشرك، ووسائله.
فالشرك: هل كان فيها وثن؟ ووسائله: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟
(9/230)

قوله: (أوف بنذرك) ، فعل أمر مبني على حذف حرف العلة الياء، والكسرة دليل عليها.
وهل المراد به المعنى الحقيقي أو المراد به الإباحة؟
الجواب: يحتمل أن يراد به الإباحة، ويحتمل أن يراد به المعنى الحقيقي؛ فبالنسبة لنحر الإبل المراد به المعنى الحقيقي.
وبالنسبة للمكان المراد به الإباحة؛ لأنه لا يتعين أن يذبحها في ذلك المكان؛ إذ إنه لا يتعين أي مكان في الأرض إلا ما تميز بفضل، والمتميز بفضل المساجد الثلاثة؛ فالأمر هنا بالنسبة لنحر الإبل من حيث هو نحر واجب.
وبالنسبة للمكان؛ فالأمر للإباحة، بدليل أنه سأل هذين السؤالين، فلو أجيب بنعم؛ لقال: لا توف، فإذا كان المقام يحتمل النهي والترخيص؛ فالأمر للإباحة.
وقوله: (أوف بنذرك) علل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك بانتفاء المانع؛ فقال: «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله» .
قوله: (لا وفاء) ، لا: نافية للجنس، وفاء: اسمها، لنذر: خبرها.
قوله: (في معصية الله) ، صفة لنذر؛ أي: لا يمكن أن توفي بنذر في معصية الله؛ لأنه لا يتقرب إلى الله بمعصيته، وليست المعصية مباحة حتى يقال افعلها.
أقسام النذر:
الأول: ما يجب الوفاء به، وهو نذر الطاعة؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من نذر أن يطع الله؛ فليطعه» .
(9/231)

الثاني: ما يحرم الوفاء به، وهو نذر المعصية لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ، وقوله: «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله» .
الثالث: ما يجري مجرى اليمين، وهو نذر المباح؛ فيخير بين فعله وكفارة اليمين، مثل لو نذر أن يلبس هذا الثوب؛ فإن شاء لبسه وإن شاء لم يلبسه، وكفر كفارة يمين.
الرابع: نذر اللجاج والغضب، وسمي بهذا الاسم؛ لأن اللجاج والغضب يحملان عليه غالبا، وليس بلازم أن يكون هناك لجاج وغضب، وهو الذي يقصد به معنى اليمين، الحث، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب.
مثل لو قال: حصل اليوم كذا وكذا، فقال الآخر: لم يحصل، فقال: إن كان حاصلا؛ فعلي لله نذر أن أصوم سنة؛ فالغرض من هذا النذر التكذيب، فإذا تبين أنه حاصل؛ فالناذر مخير بين أن يصوم سنة، وبين أن يكفر كفارة يمين؛ لأنه إن صام فقد وفى بنذره، وإن لم يصم حنث، والحانث في اليمين يكفر كفارة يمين.
الخامس: نذر المكروه، فيكره الوفاء به، وعليه كفارة يمين.
السادس: النذر المطلق، وهو الذي ذكر فيه صيغة النذر؛ مثل أن يقول: لله علي نذر فهذا كفارته كفارة يمين كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين» . (1)
مسألة هل ينعقد نذر المعصية؟
__________
(1) رواه ابن ماجة والترمذي وصححه، وأصله في مسلم.
(9/232)

الجواب: نعم، ينعقد، ولهذا قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه» ، ولو قال: من نذر أن يعصي الله فلا نذر له؛ لكان لا ينعقد؛ ففي قوله: (فلا يعصه) دليل على أنه ينعقد لكن لا ينفذ.
وإذا انعقد هل تلزمه كفارة أو لا؟
اختلف في ذلك أهل العلم، وفيها روايتان عن الإمام أحمد:
فقال بعض العلماء: إنه لا تلزمه الكفارة، واستدلوا بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا وفاء لنذر في معصية الله» .
وبقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه» ، ولم يذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفارة، ولو كانت واجبة؛ لذكرها.
القول الثاني: تجب الكفارة، وهو المشهور من المذهب؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر في حديث آخر غير الحديثين أن كفارته كفارة يمين وكون الأمر لا يذكر في حديث لا يقتضي عدمه؛ فعدم الذكر ليس ذكرا للعدم، نعم، لو قال الرسول: لا كفارة؛ صار في الحديثين تعارض، وحينئذ نطلب الترجيح، لكن الرسول لم ينف الكفارة، بل سكت والسكوت لا ينافي المنطوق؛ فالسكوت وعدم الذكر يكون اعتمادا على ما تقدم، فإن كان الرسول قاله قبل أن ينهي هذا الرجل؛ فاعتمادا عليه لم يقله؛ لأنه ليس بلازم أن كل مسألة فيها قيد أو تخصيص يذكرها الرسول عند كل عموم، فلو كان يلزم هذا؛ لكانت تطول السنة، لكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذكر حديثا عاما وله ما يخصصه في مكان آخر حمل عليه وإن
(9/233)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
لم يذكره حين تكلم بالعموم.
وأيضا من حيث القياس لو أن الإنسان أقسم ليفعلن محرما، وقال: والله؛ لأفعلن هذا الشيء وهو محرم؛ فلا يفعله، ويكفر كفارة يمين، مع أنه أقسم على فعل محرم، والنذر شبيه بالقسم، وعلى هذا؛ فكفارته كفارة يمين، وهذا القول أصح.
وقوله: (ولا فيما لا يملك ابن آدم) الذي لا يملكه ابن آدم يحتمل معنيين:
الأول: ما لا يملك فعله شرعا؛ كما لو قال: لله علي أن أعتق عبد فلان؛ فلا يصح لأنه لا يملك إعتاقه.
الثاني: ما لا يملك فعله قدرا، كما لو قال: لله علي نذر أن أطير بيدي؛ فهذا لا يصح لأنه لا يملكه.
والفقهاء رحمهم الله يمثلون بمثل هذا للمستحيل.
* ويستفاد من الحديث:
أنه لا يذبح بمكان يذبح فيه لغير الله، وهو ما ساقه المؤلف من أجله، والحكمة من ذلك ما يلي:
الأول: أنه يؤدي إلى التشبه بالكفار.
الثاني: أنه يؤدي إلى الاغترار بهذا الفعل؛ لأن من رآك تذبح بمكان يذبح فيه المشركون ظن أن فعل المشركين جائز.
الثالث: أن هؤلاء المشركين سوف يقوون على فعلهم إذا رأوا من يفعل مثلهم، ولا شك أن تقوية المشركين من الأمور المحظورة، وإغاظتهم من الأعمال الصالحة، قال تعالى: {وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120] .
(9/234)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله تعالى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} . الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة. الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة؛ ليزول الإشكال.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله تعالى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} ، وقد سبق ذلك في أول الباب.
الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة، أي: لما كانت هذه الأرض مكان شرك؛ حرم أن يعمل الإنسان ما يشبه الشرك فيها لمشابهة المشركين.
أما بالنسبة للصلاة في الكنيسة؛ فإن الصلاة تخالف صلاة أهل الكنيسة؛ لا يكون الإنسان متشبها بهذا العمل، بخلاف الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله، فإن الفعل واحد بنوعه وجنسه، ولهذا لو أراد إنسان أن يصلي في مكان يذبح فيه لغير الله لجاز ذلك؛ لأنه ليس من نوع العبادة التي يفعلها المشركون في هذا المكان.
وكذا الطاعة تؤثر في الأرض، ولهذا؛ فإن المساجد أفضل من الأسواق، والقديم منها أفضل من الجديد.
* الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى البينة ليزول الإشكال، فالمنع من الذبح في هذا المكان أمر مشكل، لكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين ذلك بالاستفصال.
(9/235)

الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك. الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع. السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استفصل، لكن هل يجب الاستفصال على كل حال، أو إذا وجد الاحتمال؟
الجواب: لا يجب إذا وجد الاحتمال؛ لأننا لو استفصلنا في كل مسألة؛ لطال الأمر.
مثلا: لو سألنا سائل عن عقد بيع لم يلزم أن نستفصل عن الثمن: هل هو معلوم؟ وعن المثمن: هل هو معلوم؟ وهل وقع البيع معلقا أو غير معلق؟ وهل كان ملكا للبائع؟ وكيف ملكه؟ وهل انتفت موانعه أو لا؟
أما إذا وجد الاحتمال؛ فيجب الاستفصال، مثل: أن يسأل عن رجل مات عن بنت وأخ وعم شقيق؛ فيجب الاستفصال عن الأخ: هل هو شقيق أو لأم؟ فإن كان لأم؛ سقط، وأخذ الباقي العم، وإلا؛ سقط العم، وأخذ الباقي الأخ.
الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع لقوله: (أوف بنذرك) ، وسواء كانت هذه الموانع واقعة أو متوقعة.
فالواقعة: أن يكون فيها وثن أو عيد من أعياد الجاهلية.
والمتوقعة: أن يخشى من الذبح في هذا المكان تعظيمه، فإذا خشي؛ كان ممنوعًا، مثل: لو أراد أن يذبح عند جبل؛ فالأصل أنه جائز، لكن لو خشي أن العوام يعتقدون أن في هذا المكان مزية؛ كان ممنوعًا.
السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله،
(9/236)

السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله.
الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية.
التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم، ولو لم يقصده.
العاشرة: لا نذر في معصية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لقوله: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية؟» ؛ لأن (كان) فعل ماض، والمحظور بعد زوال الوثن باق؛ لأنه ربما يعاد.
السابعة: المنع منه إذا كان فيها عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله، لقوله: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» .
* الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية، لقوله: «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله» .
* التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن حصول التشبه لا يشترط فيه القصد؛ فإنه يمنع منه ولو لم يقصده، لكن مع القصد يكون أشد إثما، ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: ولو لم يقصده.
* العاشرة: لا نذر في معصية الله، هكذا قال المؤلف، ولفظ الحديث المذكور: (لا وفاء لنذر) ، وبينها فرق.
فإذا قيل: لا نذر في معصية؛ فالمعنى أن النذر لا ينعقد، وإذا قيل: لا وفاء؛ فالمعنى أن النذر ينعقد، لكن لا يوفى، وقد وردت السنة بهذا وبهذا.
لكن: (لا نذر) يحمل على أن المراد لا وفاء لنذر؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث
(9/237)

الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الصحيح: «ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه» .
الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، يقال فيه ما قيل في: لا نذر في معصية.
والمعنى: لا وفاء لنذر فيما لا يملك ابن آدم، ويشتمل ما لا يملكه شرعا، وما لا يملكه قدرا.
* * *
(9/238)

باب من الشرك النذر لغير الله
وقول الله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان: 7] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النذر لغير الله مثل أن يقول: لفلان علي نذر، أو لهذا القبر علي نذر، أو لجبريل علي نذر، يريد بذلك التقرب إليهم، وما أشبه ذلك.
والفرق بينه وبين المعصية: أن النذر لغير الله ليس لله أصلا، ونذر المعصية لله، ولكنه على معصية من معاصيه، مثل أن يقول: لله علي نذر أن أفعل كذا وكذا من معاصي الله؛ فيكون النذر والمنذور معصية، ونظير هذا الحلف بالله على شيء محرم، والحلف بغير الله؛ فالحلف بغير الله مثل: والنبي لأفعلن كذا وكذا، ونظيره النذر لغير الله، والحلف بالله على محرم؛ مثل: والله؛ لأسرقن، ونظيره نذر المعصية، وحكم النذر لغير الله شرك؛ لأنه عبادة للمنذور له، وإذا كان عبادة؛ فقد صرفها لغير الله فيكون مشركا.
وهذا النذر لغير الله لا ينعقد إطلاقا، ولا تجب فيه كفارة، بل هو شرك تجب التوبة منه؛ كالحلف بغير الله؛ فلا ينعقد، وليس فيه كفارة.
وأما نذر المعصية؛ فينعقد، لكن لا يجوز الوفاء به، وعليه كفارة يمين؛ كالحلف بالله على المحرم ينعقد، وفيه كفارة.
وقد ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين:
الأولى: قوله: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} ، هذه الآية سيقت لمدح الأبرار، {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} [الانسان:5] .
(9/239)

وقوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة: 270] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومدحهم بهذا يقتضي أن يكون عبادة؛ لأن الإنسان لا يمدح ولا يستحق دخول الجنة إلا بفعل شيء يكون عبادة.
ولو أعقب المؤلف هذه الآية بقوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] ؛ لكان أوضح؛ لأن قوله: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} أمر، والأمر بوفائه يدل على أنه عبادة؛ لأن العبادة ما أمر به شرعا.
وجه استدلال المؤلف بالآية على أن النذر لغير الله من الشرك: أن الله تعالى أثنى عليهم بذلك، وجعله من الأسباب التي بها يدخلون الجنة، ولا يكون سببا يدخلون به الجنة إلا وهو عبادة؛ فيقتضي أن صرفه لغير الله شرك.
الآية الثانية قوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ} .
(ما) : شرطية، وأنفقتم: فعل الشرط، وجوابه: {فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} .
قوله: {مِنْ نَفَقَةٍ} ، بيان ل (ما) في قوله: ما أنفقتم، والنفقة: بذل المال، وقد يكون في الخير، وقد يكون في غيره.
قوله: {أَوْ نَذَرْتُمْ} ، معطوف على قوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ} .
قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} ، تعليق الشيء بعلم الله دليل على أنه محل جزاء؛ إذ لا نعلم فائدة لهذا الإخبار بالعلم إلا لترتب الجزاء عليه، وترتب الجزاء عليه يدل على أنه من العبادة التي يجازى الإنسان عليها، وهذا وجه استدلال المؤلف بهذه الآية.
* * *
(9/240)

وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها؛ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي الصحيح) ، سبق الكلام على مثل هذا التعبير في باب تفسير التوحيد (ص146) .
قوله: (من نذر) ، جملة شرطية تفيد العموم، وهل تشمل الصغير؟
قال بعض العلماء: تشمله؛ فينعقد النذر منه.
وقيل: لا تشمله؛ لأن الصغير ليس أهلا للإلزام ولا للالتزام، وبناء على هذا يخرج الصغير من هذا العموم؛ لأنه ليس أهلا للإلزام ولا للالتزام.
قوله: (أن يطيع الله) ، الطاعة: هي موافقة الأمر؛ أي: توافق الله فيما يريد منك إن أمرك؛ فالطاعة فعل المأمور به، وإن نهاك؛ فالطاعة ترك المنهي عنه، هذا معنى الطاعة إذا جاءت مفردة.
أما إذا قيل: طاعة ومعصية؛ فالطاعة لفعل الأوامر، والمعصية لفعل النواهي.
قوله: (فليطعه) ، الفاء واقعة في جواب الشرط؛ لأن الجملة إنشائية طلبية، واللام لام الأمر.
وظاهر الحديث: يشمل ما إذا كانت الطاعة المنذورة جنسها واجب؛ كالصلاة والحج وغيرهما، أو غير واجب؛ كتعليم العلم وغيره.
(9/241)

وقال بعض أهل العلم: لا يجب الوفاء بالنذر إلا إذا كان جنس الطاعة واجبا، وعموم الحديث يرد عليهم.
وظاهر الحديث أيضا يشمل من نذر طاعة نذرا مطلقا ليس له سبب، مثل: (لله علي أن أصوم ثلاثة أيام) .
ومن نذر نذرا معلقا، مثل: إن نجحت؛ فلله علي أن أصوم ثلاثة أيام.
ومن فرق بينهما؛ فليس بجيد لأن الحديث عام.
واعلم أن النذر لا يأتي بخير ولو كان نذر طاعة، «وإنما يستخرج به من البخيل» ، ولهذا نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبعض العلماء يحرمه، وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيمية للنهي عنه، ولأنك تلزم نفسك بأمر أنت في عافية منه، وكم من إنسان نذر وأخيرا ندم، وربما لم يفعل.
ويدل لقوة القول بتحريم النذر قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} [النور: 53] ؛ فهذا التزام موكد بالقسم، فيشبه النذر.
قال الله تعالى: {قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} [النور: 53] ؛ أي: عليكم طاعة معروفة بدون يمين، والإنسان الذي لا يفعل الطاعة إلا بنذر، أو حلف على نفسه يعني أن الطاعة ثقيلة عليه.
ومما يدل على قوة القول بالتحريم أيضا خصوصا النذر المعلق: أن النادر كأنه غير واثق بالله عز وجل؛ فكأنه يعتقد أن الله لا يعطيه الشفاء إلا إذا أعطاه مقابله ولهذا إذا أيسوا من البرء ذهبوا ينذرون، وفي هذا سوء ظن بالله عز وجل.
والقول بالتحريم قول وجيه.
(9/242)

فيه مسائل:
الأولى: وجوب الوفاء بالنذر. الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، فصرفه إلى غير الله شرك. الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قيل: كيف تحرمون ما أثنى الله على من وفى به؟
فالجواب: أننا لا نقول: إن الوفاء هو المحرم حتى يقال: إننا هدمنا النص، إنما نقول: المحرم أو المكروه كراهة شديدة هو عقد النذر، وفرق بين عقده ووفائه؛ فالعقد ابتدائي، والوفاء في ثاني الحال تنفيذ لما نذر.
قوله: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ، لا: ناهية، والنهي بحسب المعصية، فإن كانت المعصية حراما؛ فالوفاء بالنذر حرام، وإن كانت المعصية مكروهة؛ فالوفاء بالنذر مكروه؛ لأن المعصية الوقوع فيما نهي عنه، والمنهي عنه ينقسم عند أهل العلم إلى قسمين: منهي عنه نهي تحريم، ومنهي عنه نهي تنزيه.
* * *
فيه مسائل:
* الأولى: وجوب الوفاء بالنذر، يعني: نذر الطاعة فقط؛ لقوله: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه» ، ولقول المؤلف في المسألة الثالثة: إن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
* الثانية: إذا ثبت كونه عبادة؛ فصرفه إلى غير الله شرك، وهذه قاعدة في توحيد العبادة، فأي فعل كان عبادة؛ فصرفه لغير الله شرك.
* الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه» .
(9/243)

باب من الشرك الاستعاذة بغير الله
وقول الله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن:6] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من الشرك) ، من: للتبغيض، وهذه الترجمة ليست على إطلاقها؛ لأنه إذا استعاذ بشخص مما يقدر عليه؛ فإنه جائز؛ كالاستعانة.
* * *
قوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ} ، الواو: حرف عطف، و (أن) : فتحت همزتها بسبب عطفها على قوله: {أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} .
قال ابن مالك:
وهمز إن افتح لسد مصدر ... وفي سوى ذاك اكسر
فيؤول بمصدر، أي: قل أوحي إلي استماع نفر وكون رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن.
قوله: {مِنَ الْإِنْسِ} ، صفة لرجال؛ لأن رجال نكرة، وما بعد النكرة صفة لها.
قوله: {يَعُوذُونَ} ، الجملة خبر كان، ويقال: عاذ به ولاذ به؛ فالعياذ مما يخاف، واللياذ فيما يؤمل، وعليه قول الشاعر يخاطب ممدوحه، ولا يصلح ما قاله إلا لله:
(9/244)

يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره
قوله: {يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} ، أي: يلتجئون إليهم مما يحاذرونه، يظنون أنهم يعيذونهم، ولكن زادوهم رهقا؛ أي: خوفا وذعرا، وكانت العرب في الجاهلية إذا نزلوا في واد نادوا بأعلى أصواتهم: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.
قوله: {رَهَقًا} ، أي: ذعرا وخوفا، بل الرهق أشد من مجرد الذعر والخوف؛ فكأنهم مع ذعرهم وخوفهم أرهقهم وأضعفهم شيء؛ فالذعر والخوف في القلوب والرهق في الأبدان.
وهذه الآية تدل على أن الاستعاذة بالجن حرام؛ لأنها لا تفيد المستعيذ، بل تزيده رهقا؛ فعوقب بنقيض قصده، وهذا ظاهر؛ فتكون الواو ضمير الجن والهاء ضمير الإنس.
وقيل: إن الإنس زادوا الجن رهقا؛ أي: استكبارا وعتوا، ولكن الصحيح الأول.
قوله: {بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} ، يستفاد منه أن للجن رجالا، ولهم إناث، وربما يجامع الرجل من الجن الأنثى من بني آدم، وكذلك العكس الرجل من بني آدم قد يجامع الأنثى من الجن، وقد ذكر الفقهاء الخلاف في وجوب الغسل بهذا الجماع.
والفقهاء يقولون في باب الغسل: لو قالت: إن بها جنيا يجامعها كالرجل؛ وجب عليها الغسل، وأما أن الرجل يجامع الأنثى من الجن؛ فقد قيل ذلك، لكن لم أره في كلام أهل العلم، وإنما أساطير تقال، والله أعلم.
(9/245)

وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «من نزل منزلا، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك» رواه مسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لكن علينا أن نصدق بوجودهم، وأنهم مكلفون، وبأن منهم الصالحين ومنهم دون ذلك، وبأن منهم المسلمين والقاسطين، وبأن منهم رجالا ونساء.
وجه الاستشهاد بالآية: ذم المستعيذين بغير الله، والمستعيذ بالشيء لا شك أنه قد علق رجاءه به، واعتمد عليه، وهذا نوع من الشرك.
* * *
قوله: (كلمات) ، من جموع القلة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجموع القلة من ثلاثة إلى عشرة، والكثرة ما فوق ذلك.
وقيل: جموع الكثرة من ثلاثة إلى ما لا نهاية له؛ فيكون جمع القلة والكثرة يتفقان في الابتداء، ويختلفان في الانتهاء.
قال ابن مالك:
أفعلة أَفْعُلُ ثم فِعْلَهْ ... ثمت أفعال جموع قِلَّهْ
وبعض ذي بكثرة وضعا يفي ... كأرجل والعكس جاء كالصفي
والراجح: أن جموع القلة تدل على الكثرة بالدليل.
و (كلمات) : جمع قلة دال على الكثرة لوجود الدليل، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف:109] .
(9/246)

وأبلغ من هذا قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27] .
والمراد بالكلمات هنا: الكلمات الكونية والشرعية.
وقوله: (من نزل منزلا) يشمل من نزله على سبيل الإقامة الدائمة، أو الطارئة، بدليل أنه نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم.
وقوله: (أعوذ) بمعنى: ألتجىء وأعتصم.
قوله: التامات: تمام الكلام بأمرين:
1 - الصدق في الأخبار.
2 - العدل في الأحكام.
قال الله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام:115] .
قوله: (من شر ما خلق) ، أي: من شر الذي خلق؛ لأن الله خلق كل شيء: الخير والشر، ولكن الشر لا ينسب إليه؛ لأنه خلق الشر لحكمة، فعاد بهذه الحكمة خيرا، فكان خيرا.
وعلى هذا نقول: الشر ليس في فعل الله، بل في مفعولاته؛ أي: مخلوقاته.
وعلى هذا تكون (ما) موصولة لا غير؛ أي: من شر الذي خلق؛ لأنك لو أولتها إلى المصدرية وقلت: من شر خلقك؛ لكان الخلق هنا مصدرا يجوز أن يراد به الفعل، ويجوز أيضا المفعول، لكن لو جعلتها اسما موصولا تعين أن يكون المراد بها المفعول، وهو المخلوق.
وليس كل ما خلق الله فيه شر، لكن تستعيذ من شره إن كان فيه شر؛ لأن مخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
(9/247)

1 - شر محض كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها؛ فهي خير.
2 - خير محض؛ كالجنة، والرسل، والملائكة.
3 - فيه شر وخير؛ كالإنس، والجن، والحيوان.
وأنت إنما تستعيذ من شر ما فيه شر.
قوله: (لم يضره شيء) ، نكرة في سياق النفي؛ فتفيد العموم من شر كل ذي شر من الجن والإنس وغيرهم والظاهر الخفي حتى يرتحل من منزله؛ لأن هذا خبر لا يمكن أن يتخلف مخبره؛ لأنه كلام الصادق المصدوق، لكن إن تخلف؛ فهو لوجود مانع لا لقصور السبب أو تخلف الخبر.
ونظير ذلك كل ما أخبر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأسباب الشرعية إذا فعلت ولم يحصل المسبب فليس ذلك لخلل في السبب، ولكن لوجود مانع، مثل:
قراءة الفاتحة على المرضى شفاء، ويقرؤها بعض الناس ولا يشفى المريض، وليس ذلك قصورا في السبب، بل لوجود مانع بين السبب وأثره.
ومنه: التسمية عند الجماع؛ فإنها تمنع ضرر الشيطان للولد، وقد توجد التسمية ويضر الشيطان الولد؛ لوجود مانع يمنع من حصول أثر هذا السبب، فعليك أن تفتش ما هو المانع حتى تزيله فيحصل لك أثر السبب.
قال القرطبي: وقد جربت ذلك؛ حتى إني نسيت ذات يوم، فدخلت منزلي ولم أقل ذلك، فلدغتني عقرب.
والشاهد من الحديث: قوله: «أعوذ بكلمات الله» .
والمؤلف يقول في الترجمة: الاستعاذة بغير الله، وهنا استعاذة بالكلمات، ولم يستعذ بالله؛ فلماذا؟
(9/248)

أجيب: أن كلمات الله صفة من صفاته، ولهذا استدل العلماء بهذا الحديث على أن كلام الله من صفاته غير مخلوق؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز في مثل هذا الأمر، ولو كانت الكلمات مخلوقة ما أرشد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الاستعاذة بها.
ولهذا كان المراد من كلام المؤلف: الاستعاذة بغير الله؛ أي: أو صفة من صفاته.
وفي الحديث: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» ، وهنا استعاذ بعزة الله وقدرته، ولم يستعذ بالله، والعزة والقدرة من صفات الله، وهي ليست مخلوقة.
ولهذا يجوز القسم بالله وبصفاته؛ لأنها غير مخلوقة.
أما القسم بالآيات، فإن أراد الآيات الشرعية؛ فجائز، وإن أراد الآيات الكونية؛ فغير جائز.
أما الاستعاذة بالمخلوق؛ ففيها تفصيل، فإن كان المخلوق لا يقدر عليه؛ فهي من الشرك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لا يجوز الاستعاذة بالمخلوق عند أحد من الأئمة) ، وهذا ليس على إطلاقه، بل مرادهم مما لا يقدر عليه إلا الله؛ لأنه لا يعصمك من الشر الذي لا يقدر عليه إلا الله؛ سوى الله.
ومن ذلك أيضا الاستعاذة بأصحاب القبور؛ فإنهم لا ينفعون ولا يضرون؛ فالاستعاذة بهم شرك أكبر، سواء كان عند قبورهم أم بعيدا عنهم.
أما الاستعاذة بمخلوق فيما يقدر عليه؛ فهي جائزة، وقد أشار إلى ذلك الشارح الشيخ سليمان في (تيسير العزيز الحميد) ، وهو مقتضى الأحاديث
(9/249)

الواردة في (صحيح مسلم) لما ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفتن؛ قال: «فمن وجد من ذلك ملجأ؛ فليعذ به» .
وكذلك قصة المرأة التي عاذت بأم سلمة، والغلام الذي عاذ بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذلك في قصة الذين يستعيذون بالحرم والكعبة، وما أشبه ذلك.
وهذا هو مقتضى النظر، فإذا اعترضني قطاع طريق، فعذت بإنسان يستطيع أن يخلصني منهم؛ فلا شيء فيه.
لكن تعليق القلب بالمخلوق لا شك أنه من الشرك، فإذا علقت قلبك ورجاءك وخوفك وجميع أمورك بشخص معين، وجعلته ملجأ؛ فهذا شرك؛ لأن هذا لا يكون إلا لله.
وعلى هذا؛ فكلام الشيخ رحمه الله في قوله؛ (إن الأئمة لا يجوزون الاستعاذة بمخلوق) مقيد بما لا يقدر عليه إلا الله، ولولا أن النصوص وردت بالتفصيل لأخذنا الكلام على إطلاقه، وقلنا: لا يجوز الاستعاذة بغير الله مطلقا.
(9/250)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الجن. الثانية: كونه من الشرك. الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة؛ قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك. الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره. الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية؛ من كف شر أو جلب نفع؛ لا يدل على أنه ليس من الشرك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الجن، وقد سبق ذلك في أول الباب.
الثانية: كونه من الشرك، أي: الاستعاذة بغير الله، وقد سبق التفصيل في ذلك.
الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، وجه الاستشهاد: أن الاستعاذة بكلمات الله لا تخرج عن كونها استعاذة بالله؛ لأنها صفة من صفاته.
الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره، أي: فائدته، وهي أنه لا يضرك شيء ما دمت في هذا المنزل.
الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع، لا يدل على أنه ليس من الشرك، ومعنى كلامه: أنه قد يكون الشيء من الشرك، ولو حصل لك فيه منفعة؛ فلا يلزم من حصول النفع أن ينتفي الشرك؛ فالإنسان قد ينتفع بما هو شرك.
(9/251)

مثال ذلك: الجن؛ فقد يعيذونك، وهذا شرك مع أن فيه منفعة.
مثال آخر: قد يسجد إنسان لملك، فيهبه أموالا وقصورا، وهذا شرك مع أن فيه منفعة، ومن ذلك ما يحصل لغلاة المداحين لملوكهم لأجل العطاء؛ فلا يخرجهم ذلك عن كونهم مشركين.
قال بعضهم:
فكن كما شئت يا من لا نظير له ... وكيف شئت فما خلق يدانيك
وفي الحديث فائدة، وهي: أن الشرع لا يبطل أمرا من أمور الجاهلية إلا ذكر ما هو خير منه؛ ففي الجاهلية كانوا يستعيذون بالجن، فأبدل بهذه الكلمات، وهي: أن يستعيذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.
وهذه الطريقة هي الطريقة السليمة التي ينبغي أن يكون عليها الداعية، أنه إذا سد الناس باب الشر؛ وجب عليه أن يفتح لهم باب الخير، ولا يقول: حرام، ويسكت، بل يقول: هذا حرام، وافعل كذا وكذا من المباح بدلا عنه، وهذا له أمثلة في القرآن والسنة.
فمن القرآن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة: 104] ، فلما نهاهم عن قول راعنا ذكر لهم ما يقوم مقامه وهو انظرنا.
ومن السنة «قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن نهاه عن بيع الصاع من التمر الطيب بالصاعين، والصاعين بالثلاثة: (بع الجمع بالدراهم، واشتر بالدراهم جنيبا» .
فلما منعه من المحذور؛ فتح له الباب السليم الذي لا محذور فيه.
* * *
(9/252)

باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من الشرك) ، من: للتبعيض؛ فيدل على أن الشرك ليس مختصا بهذا الأمر.
والاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة.
وكلام المؤلف رحمه الله ليس على إطلاقه، بل يقيد بما لا يقدر عليه المستغاث به، إما لكونه ميتا، أو غائبا، أو يكون الشيء مما لا يقدر على إزالته إلا الله تعالى، فلو استغاث بميت ليدفع عنه أو بغائب أو بحي حاضر لينزل المطر، فهذا كله من الشرك، ولو استغاث بحي حاضر فيما يقدر عليه كان جائزا، قال الله تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15] .
وإذا طلبت من أحد الغوث وهو قادر عليه؛ فإنه يجب عليك تصحيحا لتوحيدك أن تعتقد أنه مجرد سبب، وأنه لا تأثير له بذاته في إزالة الشدة؛ لأنك ربما تعتمد عليه وتنسى خالق السبب، وهذا قادح في كمال التوحيد.
قوله: (أو يدعو غيره) ، معطوف على قوله: (أن يستغيث) ؛ فيكون المعنى: من الشرك أن يدعو غير الله، وذلك لأن الدعاء من العبادة، قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60] ، عبادتي؛ أي دعائي؛ فسمى الله الدعاء عبادة.
(9/253)

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الدعاء هو العبادة» . (1)
والدعاء ينقسم إلى قسمين:
1 - ما يقع عبادة، وهذا صرفه لغير الله شرك، وهو المقرون بالرهبة والرغبة، والحب، والتضرع.
2 - ما لا يقع عبادة؛ فهذا يجوز أن يوجه إلى المخلوق، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من دعاكم فأجبيوه» ، وقال: «إذا دعاك فأجبه» ، وعلى هذا؛ فمراد المؤلف بقوله: (أو يدعو غيره) دعاء العبادة أو دعاء المسألة فيما لا يمكن للمسؤول إجابته.
قوله: (أن يستغيث) ، أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر، وخبرها مقدم، وهو قوله: من الشرك، والتقدير: من الشرك الاستغاثة بغير الله، والمبتدأ يكون صريحا ومؤولا.
فالمبتدأ الصريح مثل: زيد قائم، والمؤول مثل: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة 184] ؛ أي: وصوموا خير لكم.
وقوله: (أو يدعو) هذا من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الاستغاثة دعاء بإزالة الشدة فقط، والدعاء عام لكونه لجلب منفعة، أو لدفع مضرة.
وقد ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب عدة آيات:
* * *
__________
(1) مسند الإمام أحمد (4/267) ، والترمذي: الدعوات /باب الدعاء مخ العبادة، وقال: (حديث حسن صحيح) ـ، والحاكم (1/490) ـ وصححه ووافقه الذهبي ـ.
(9/254)

وقول الله تعالى {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس:106] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الأولى قوله: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ} .
ظاهر سياق الآية أن الخطاب للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسواء كان خاصا به أو عاما له ولغيره؛ فإن بعض العلماء قال: لا يصح أن يكون للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستحيل أن يقع منه ذلك، والآية على تقدير قل، وهذا ضعيف جدا، وإخراج للآيات عن سياقها.
والصواب: أنه خاص بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والحكم له ولغيره، وإما عام لكل من يصح خطابه ويدخل فيه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وكونه يوجه إليه مثل هذا الخطاب لا يقتضي أن يكون ممكنا منه، قال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر:65] ؛ فالخطاب له ولجميع الرسل، ولا يمكن أن يقع منه باعتبار حاله لا باعتبار كونه إنسانا وبشرا.
إذًا؛ فالحكمة من النهي أن يكون غيره متأسيا به، فإذا كان النهي موجها إلى من لا يمكن منه باعتبار حاله؛ فهو إلى من يمكن منه من باب أولى.
وقوله: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، الدعاء: طلب ما ينفع، أو طلب دفع ما يضر، وهو نوعان كما قال أهل العلم:
الأول: دعاء عبادة وهو أن يكون قائما بأمر الله؛ لأن القائم بأمر الله - كالمصلي، والصائم، والمزكي - يريد بذلك الثواب والنجاة من العقاب، ففعله متضمن للدعاء بلسان الحال، وقد يصحب فعله هذا دعاء بلسان المقال.
(9/255)

الثاني: دعاء مسألة، وهو طلب ما ينفع، أو طلب دفع ما يضره.
فالأول لا يجوز صرفه لغير الله، والثاني فيه تفصيل سبق.
قوله: {مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، أي: سوى الله.
قوله: {مَا لَا يَنْفَعُكَ} ، أي: ما لا يجلب لك النفع لو عبدته.
{وَلَا يَضُرُّكَ} : قيل: لا يدفع عنك الضر، وقيل: لو تركت عبادته لا يضرك؛ لأنه لا يستطيع الانتقام، وهو الظاهر من اللفظ.
قوله: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} ؛ أي: لأنه لا ينفعك ولا يضرك، وهذا القيد ليس شرطا بحيث يكون له مفهوم؛ فيكون لك أن تدعو من ينفعك ويضرك، بل هو لبيان الواقع؛ لأن المدعو من دون الله لا يحصل منه نفع ولا ضرر، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف:5، 6] .
ومن القيد الذي ليس بشرط، بل هو لبيان الواقع قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21] .
فإن قوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} لبيان الواقع؛ إذ ليس هناك رب ثان لم يخلقنا والذين من قبلنا.
ومنه قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: 23] ؛ فهذا بيان للواقع الأغلب.
ومنه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] ؛ فهذا بيان للواقع؛ إذ دعاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيانا كله لما يحيينا.
وكل قيد يراد به بيان الواقع؛ فإنه كالتعليل للحكم؛ فمثلا قوله تعالى:
(9/256)

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة: 21] .
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ؛ أي: لأنه لا يدعوكم إلا لما يحييكم.
وكذلك قوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} ؛ أي: لأنه لا ينفعك ولا يضرك؛ فعلى هذا لا يكون هذا القيد شرطا، وهذه يسميها بعض الناس صفة كاشفة.
قوله: {فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} ، أي: إن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، والخطاب للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
و (إن) : شرطية، وجواب الشرط جملة: {فَإِنَّكَ إِذًا} .
و (إذًا) ؛ أي: حال فعلك من الظالمين، وهو قيد، لأن (إذًا) للظرف الحاضر، أي: فإنك حال فعله من الظالمين، لكن قد تتوب منه فيزول عنك وصف الظلم؛ فالإنسان قبل الفعل ليس بظالم، وبعد التوبة ليس بظالم، لكن حين فعل المعصية يكون ظالما كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» ؛ فنفى الإيمان عنه حال الفعل.
ونوع الظلم هنا ظلم شرك، قال الله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ، وعبر الله بقوله: من الظالمين، ولم يقل: من المشركين؛ لأجل أن يبين أن الشرك ظلم؛ لأن كون الداعي لغير الله مشركا أمر بين، لكن كونه ظالما قد لا يكون بينا من الآية.
* * *
(9/257)

{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} [يونس: 107] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الثانية قوله: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ} ، أي: يصيبك بضر؛ كالمرض، والفقر، ونحوه.
قوله: {فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} . (لا) : نافية للجنس واسمها: كاشف، وخبرها: له، وإلا هو بدل، وإن قلنا بجواز كون خبرها معرفة صار (هو) الخبر.
أي: ما أحد يكشفه أبدا إذا مسك الله بضر إلا الله، وهذا كقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك» . (1)
قوله: {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} ، هنا قال يردك، وفي الضر قال: يمسسك فهل هذا من باب تنويع العبارة، أو هناك فرق معنوي؟
الجواب: هناك فرق معنوي، وهو أن الأشياء المكروهة لا تنسب إلى إرادة الله، بل تنسب إلى فعله؛ أي: مفعوله.
فالمس من فعل الله، والضر من مفعولاته؛ فالله لا يريد الضر لذاته، بل يريده لغيره؛ لما يترتب عليه من الخير، ولما وراء ذلك من الحكم البالغة، وفي الحديث القدسي: «إن من عبادي من لو أغنيته أفسده الغنى» . (2)
__________
(1) مسند الإمام أحمد (1/293) -وصححه أحمد شاكر (2669) ، والترمذي: أبواب صفة القيامة /باب ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، 7/203-وقال: (حديث حسن صحيح) -.
(2) من حديث أنس، رواه: الطبراني
(9/258)

أما الخير؛ فهو مراد لله لذاته، ومفعول له، ويقرب من هذا ما في سورة الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن:10] .
فإذا أصيب الإنسان بمرض؛ فالله لم يرد به الضرر لذاته، بل أراد المرض، وهو يضره، لكن لم يرد ضرره، بل أراد خيرا من وراء ذلك، وقد تكون الحكمة ظاهرة في نفس المصاب، وقد تكون ظاهرة في غيره؛ كما قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25] .
فالمهم أنه ليس لنا أن نتحجر حكمة الله؛ لأنها أوسع من عقولنا، لكننا نعلم علم اليقين أن الله لا يريد الضرر لأنه ضرر؛ فالضرر عند الله ليس مرادا لذاته، بل لغيره، ولا يترتب عليه إلا الخير، أما الخير؛ فهو مراد لذاته، ومفعول له، والله أعلم بما أراد بكلامه، لكن هذا الذي يتبين لي.
قوله: {فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} ، أي: لا يستطيع أن يرد فضل الله أبدا، ولو اجتمعت الأمة على ذلك، وفي الحديث: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت» .
وعليه؛ فنعتمد على الله في جلب المنافع، ودفع المضار، وبقاء ما أنعم علينا به، ونعلم أن الأمة مهما بلغت من المكر والكيد والحيل لتمنع فضل الله؛ فإنها لا تستطيع.
قوله: {يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ} ، الضمير إما أن يعود إلى الفضل؛ لأنه أقرب، أو إلى الخير؛ لأنه هو الذي يتحدث عنه، ولا يختلف المعنى بذلك.
قوله: من يشاء، كل فعل مقيد بالمشيئة؛ فإنه مقيد بالحكمة؛ لأن
(9/259)

وقوله: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} [العنكبوت: 17] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مشيئة الله ليست مجردة يفعل ما يشاء لمجرد أنه يفعله فقط؛ لأن من صفات الله الحكمة، ومن أسمائه الحكيم، قال الله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الانسان:30] .
قوله: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ، أي: ذو المغفرة، والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذ من المغفر، وهو ما يتقي به السهام، والمغفرة فيه ستر ووقاية.
والرحيم؛ أي: ذو الرحمة، وهي صفة تليق بالله عز وجل، تقتضي الإحسان والإنعام.
الشاهد قوله: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} في الآية الأولى؛ فقد نبه الله نبيه أن من يدعو أحدا من دون الله (أي: من سواه)) لا ينفعه ولا يضره.
وقوله في الآية الثانية: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} .
* * *
الآية الثالثة قوله: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} .
لو أتي المؤلف بأول الآية: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا} لكان أولى؛ فهم يعبدون هذه الأوثان من شجر وحجر وغيرها، وهي لا تملك لهم رزقا أبدا، لو دعوها إلى يوم القيامة ما أحضرت لهم ولا حبة بر، ولا دفعت عنهم أدنى مرض أو فقر، فإذا كانت لا تملك الرزق؛ فالذي يملكه هو الله، ولهذا قال: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} ؛ أي: اطلبوا عند الله الرزق؛
(9/260)

لأنه سبحانه هو الذي لا ينقضي ما عنده، {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96] ، والرزق هو العطاء كما قال الله تعالى: {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} .
وقوله: {عِنْدَ اللَّهِ} : عند الله: حال من الرزق، وقدم الحال مع أن موضعها التأخير عن صاحبها لإفادة الحصر؛ إذ إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ أي: فابتغوا الرزق حال كونه عند الله لا عند غيره.
قوله: واعبدوه، أي: تذللوا بالطاعة؛ لأن العبادة مأخوذة من التعبيد، وهو التذليل، ومنه قولهم: طريق معبد؛ أي: مذلل للسالكين، قد أزيل عنه الأحجار والأشجار المؤذية؛ لأنكم إذا تذللتم له بالطاعة؛ فهو من أسباب الرزق، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 3، 4] ؛ فأمر أن نطلب الرزق عنده، ثم أعقبه بقوله: واعبدوه إشارة إلى أن تحقيق العبادة من طلب الرزق؛ لأن العابد ما دام يؤمن أن من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ فعبادته تتضمن طلب الرزق بلسان الحال.
قوله: {وَاشْكُرُوا لَهُ} ، إذا أضاف الله الشكر له متعديا باللام؛ فهو إشارة إلى الإخلاص؛ أي: واشكروا نعمة الله لله؛ فاللام هنا لإفادة الإخلاص؛ لأن الشاكر قد يشكر الله لبقاء النعمة، وهذا لا بأس به، ولكن كونه شكر لله وتأتي إرادة بقاء النعمة تبعا هذا هو الأكمل والأفضل.
والشكر فسروه بأنه: القيام بطاعة المنعم، وقالوا: إنه يكون في ثلاثة مواضع:
1- في القلب، وهو أن يعترف بقلبه أن هذه النعمة من الله، فيرى لله فضلا عليه بها، قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] ، وأعظم نعمة هي نعمة الإسلام، قال تعالى:
(9/261)

{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} [الحجرات: 17] ، وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} الآية [آل عمران: 164] .
2 - اللسان، وهو أن يتحدث بها على وجه الثناء على الله والاعتراف وعدم الجحود، لا على سبيل الفخر والخيلاء والترفع على عباد الله؛ فيتحدث بالغنى لا ليكسر خاطر الفقير، بل لأجل الثناء على الله، وهذا جائز كما في قصة الأعمى من بني إسرائيل لما ذكرهم الملك بنعمة الله، قال: (نعم، كنت أعمى فرد الله علي بصري، وكنت فقيرا فأعطاني الله المال) ؛ فهذا من باب التحدث بنعمة الله.
والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحدث بنعمة الله عليه بالسيادة المطلقة: فقال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة» .
3 - الجوارح، وهو أن يستعملها بطاعة المنعم، وعلى حسب ما يختص بهذه النعمة.
فمثلا: شكر الله على نعمة العلم: أن تعمل به، وتعلمه الناس.
وشكر الله على نعمة المال: أن تصرفه بطاعة الله، وتنفع الناس به.
وشكر الله على نعمة الطعام: أن تستعمله فيما خلق له، وهو تغذية البدن؛ فلا تبني من العجين قصرا مثلا؛ فهو لم يخلق لهذا الشيء.
قوله: {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، الجار والمجرور متعلق بـ ترجعون، وتقديمه دل على الحصر، أي أن رجوعنا إلى الله سبحانه، وهو الذي سيحاسبنا
(9/262)

وقوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} الآية [الأحقاف: 5] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
على ما حملنا إياه من الأمر بالعبادة، والأمر بالشكر، وطلب الرزق منه.
والشاهد من هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} [العنكبوت: 17] ؛ فالفقير يستغيث بالله لكي ينجيه من الفقر، والله هو الذي يستحق الشكر، وإذا كانت هذه الأصنام لا تملك الرزق؛ فكيف تستغيث بها؟ !
* الآية الرابعة قوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ} ، (من) : اسم استفهام مبتدأ، و (أضل) : خبره والاستفهام يراد به هنا النفي، أي لا أحل أضل.
وأضل: اسم تفضيل؛ أي: لا أحد أضل من هذا.
والضلال: أن يتيه الإنسان عن الطريق الصحيح.
وإذا كان الاستفهام مرادا به النفي كان أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يحوله من نفي إلى تحد؛ أي: بين لي عن أحد أضل ممن يدعو من دون الله؟ فهو متضمن للتحدي، وهو أبلغ من قوله: لا أضل ممن يدعو؛ لأنه هذا نفي مجرد، وذلك نفي مشرب معنى التحدي.
قوله: {مِمَّنْ يَدْعُو} ، متعلق بأضل، ويراد بالدعاء هنا دعاء المسألة ودعاء العبادة.
قوله: {مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، أي: سواه.
قوله: {مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ، (من) : مفعول يدعو؛ أي لو بقي كل عمر الدنيا يدعو ما استجاب له، قال الله تعالى:
(9/263)

{إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} [فاطر: 14] ، والخبر هنا عن الله تعالى، قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] ، يعني: نفسه سبحانه وتعالى.
وقوله: {مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ} أتى بـ (من) ، وهي للعاقل، مع أنهم يعبدون الأصنام والأحجار والأشجار، وهي غير عاقلة؛ لأنهم لما عبدوها نزلوها منزلة العاقل، فخوطبوا بمقتضى ما يدعون؛ لأنه أبلغ في إقامة الحجة عليهم في أنهم يدعون من يرونهم عقلاء، ومع ذلك لا يستجيبون لهم، وهذا من بلاغة القرآن؛ لأنه خاطبهم بما تقتضيه حالهم ليقيم الحجة عليهم؛ إذ لو قيل: ما لا يستجيب له؛ لقالوا: هناك عذر في عدم الاستجابة لأنهم غير عقلاء.
قوله: {وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ} ، الضمير في قوله: (هم) يعود على (من) باعتبار المعنى؛ لأنهم جماعة، وضمير يستجيب يعود على (من) باعتبار اللفظ؛ لأنه مفرد، فأفرد الضمير باعتبار لفظ (من) ، وجمعه باعتبار لفظ (من) ، وجمعه باعتبار المعنى؛ لأن (من) تعود على الأصنام، وهي جماعة، و (من) قد يراعى لفظها ومعناها في كلام واحد.
ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} [الطلاق: 11] ؛ فهنا راعي اللفظ، ثم المعنى، ثم اللفظ.
قوله: {عَنْ دُعَائِهِمْ} ، الضمير في دعائهم يعود إلى المدعوين، وهل المعنى: (وهم) ؛ أي: الأصنام، {عَنْ دُعَائِهِمْ} ، أي: دعاء الداعين إياهم، فيكون من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، أو المعنى: و (هم) عن دعاء العابدين لهم؛ فيكون (دعاء) مضافا إلى فاعله، والمفعول محذوف؟
(9/264)

الأول أبلغ، أي عن دعاء العابدين إياهم أبلغ من دعاء العابدين على سبيل الإطلاق، فإذا قلت: {عَنْ دُعَائِهِمْ} ؛ أي: عن دعاء العابدين إياهم، وجعلت الضمير هنا يعود على المدعوين؛ صار المعنى أن هذه الأصنام غافلة عن دعوة هؤلاء إياهم، ويكون هذا أبلغ في أن هذه الأصنام لا تفيد شيئا في الدنيا ولا في الآخرة.
قوله: {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ} ، أي: يوم القيامة، {كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً} ، هل المعنى: كان العابدون للمعبودين أعداء، أو كان المعبودون للعابدين أعداء؟
الجواب: يشمل المعنيين، وهذا من بلاغة القرآن.
الشاهد: قوله: {مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ، فإذا كان من سوى الله لا يستجيب إلى يوم القيامة؛ فكيف يليق بك أن تستغيث به دون الله؟ ! فبطل تعلق هؤلاء العابدين بمعبوداتهم.
فالذي يأتي للبدوي أو للدسوقي في مصر، فيقول: المدد! المدد! أو: أغثني؛ لا يغني عنه شيئا، ولكن قد يبتلى فيأتيه المدد عند حصول هذا الشيء لا بهذا الشيء، وفرق بين ما يأتي بالشيء وما يأتي عند الشيء.
مثال ذلك: امرأة دعت البدوي أن تحمل، فلما جامعها زوجها حملت، وكانت سابقا لا تحمل؛ فنقول هنا: إن الحمل لم يحصل بدعاء البدوي، وإنما حصل عنده لقوله تعالى: {مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} .
أو يأتي للجيلاني في العراق، أو ابن عربي في سوريا، فيستغيث به؛ فإنه لا ينتفع، ولو بقي الواحد منهم إلى يوم القيامة يدعو ما أجابه أحد.
والعجب أنهم في العراق يقولون: عندنا الحسين، فيطوفون بقبره ويسألونه، وفي مصر كذلك، وفي سوريا كذلك، وهذا سفه في العقول،
(9/265)

وقوله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وضلال في الدين، والعامة قد لا يلامون في الواقع، لكن الذي يلام من عنده علم من العلماء ومن غير العلماء.
* * *
* * *
* الآية الخامسة قوله تعالى: أمن، أم: منقطعة، والفرق بين المنقطعة والمتصلة ما يلي:
1 - المنقطعة بمعنى بل، والمتصلة بمعنى أو.
2 - المتصلة لا بد فيها من ذكر المعادل، والمنقطعة لا يشترط فيها ذكر المعادل.
مثال ذلك: أعندك زيد أم عمرو؟ فهذه متصلة، وقوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور:35] متصلة، وقوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} منقطعة؛ لأنه لم يذكر لها معادل؛ فهي بمعنى بل والهمزة.
قوله: المضطر، أصلها: المضتر؛ أي: الذي أصابه الضرر، قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الانبياء: 83-84] ؛ فلا يجيب المضطر إلا الله، لكن قيده بقوله: إذا دعاه، أما إذا لم يدعه؛ فقد يكشف الله ضره، وقد لا يكشفه.
قوله: {وَيَكْشِفُ السُّوءَ} ، أي: يزيل السوء، والسوء: ما يسوء المرء، وهو دون الضرورة؛ لأن الإنسان قد يساء بما لا يضره، لكن كل ضرورة سوء.
وقوله: {وَيَكْشِفُ السُّوءَ} هل هي متعلقة بما قبلها في المعنى، وإنه إذا أجابه كشف سوءه، أو هي مستقلة يجيب المضطر إذا دعاه ثم أمر آخر يكشف السوء؟
الجواب: المعنى الأخير أعم؛ لأنها تشمل كشف سوء المضطر وغيره،
(9/266)

ومن دعا الله ومن لم يدعه، وعلى التقدير الأول تكون خاصة بكشف سوء المضطر، ومعلوم أنه كلما كان المعنى أعم كان أولى، ويؤيد العموم قوله: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} .
قوله: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} ، الذين يجعلهم الله خلفاء الأرض هم عباد الله الصالحون، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105] ، وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55] .
قوله: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} ، الاستفهام للإنكار أو بمعنى النفي، وهما متقاربان أي: هل أحد مع الله يفعل ذلك؟!
الجواب: لا، وإذا كان كذلك؛ فيجب أن تصرف العبادة لله وحده، وكذلك الدعاء؛ فالواجب على العبد أن يوجه السؤال إلى الله تعالى، ولا يطلب من أحد أن يزيل ضرورته ويكشف سوءه وهو لا يستطيع.
* إشكال وجوابه:
وهو أن الإنسان المضطر يسأل غير الله ويستجاب له، كمن اضطر إلى طعام وطلب من صاحب الطعام أن يعطيه فأعطاه؛ فهل يجوز أم لا؟
الجواب: أن هذا جائز، لكن يجب أن نعتقد أن هذا مجرد سبب لا أنه مستقل؛ فالله جعل لكل شيء سببا، فيمكن أن يصرف الله قلبه فلا يعطيك، ويمكن أن تأكل ولا تشبع فلا تزول ضرورتك، ويمكن أن يسخره الله ويعطيك.
* * *
(9/267)

روى الطبراني بإسناده (1) : «أنه كان في زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذا المنافق.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بإسناده) ، يشير إلى أن هذا الإسناد ليس على شرط الصحيح، أو المتفق عليه بين الناس، بل هو إسناده الخاص، وعليه؛ فيجب أن يراجع هذا الإسناد فليس كل إسناد محدث قد تمت فيه شروط القبول.
وذكر الهيثمي في (مجمع الزوائد) : (إن رجاله رجال الصحيح) ؛ غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث، وابن لهيعة خلط في آخر عمره لاحتراق كتبه) ، ولم يذكر المؤلف الصحابي، وفي الشرح هو عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
قوله: (في زمن النبي) ، أي: عهده، وكان الكافر أولا يعلن كفره ولا يبالي، ولما قوي المسلمون بعد غزوة بدر خاف الكفار؛ فصاروا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.
قوله: (منافق) ، المنافق: هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهؤلاء ظهروا بعد غزوة بدر.
ولم يسم المنافق في هذا الحديث؛ فيحتمل أنه عبد الله بن أبي؛ لأنه مشهور بإيذاء المسلمين، ويحتمل غيره.
__________
(1) الطبراني في (المعجم الكبير) ، كما في (معجم الزوائد) (10/159) .
(9/268)

«فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
واعلم أن أذية المنافقين للمسلمين ليست بالضرب أو القتل؛ لأنهم يتظاهرون بمحبة المسلمين، ولكن بالقول والتعريض كما صنعوا في قصة الإفك.
قوله: (فقال بعضهم) ، أي: الصحابة.
قوله: (نستغيث) ، أي: نطلب الغوث وهو إزالة الشدة.
قوله: (من هذا المنافق) ، إما بزجره، أو تعزيزه، أو بما يناسب المقام.
وفي الحديث إيجاز حذف دل عليه السياق؛ أي: فقاموا إلى رسول الله، فقالوا: يا رسول الله! إنا نستغيث بك من هذا المنافق.
قوله: «إنه لا يستغاث بي» ، ظاهر هذه الجملة النفي مطلقا، ويحتمل أن المراد: لا يستغاث به في هذه القضية المعينة.
فعلى الأول: يكون نفي الاستغاثة من باب سد الذرائع والتأدب في اللفظ، وليس من باب الحكم بالعموم؛ لأن نفي الاستغاثة بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس على إطلاقه، بل تجوز الاستغاثة به فيما يقدر عليه.
أما إذا قلنا: إن النفي عائد إلى القضية المعنية التي استغاثوا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منها؛ فإنه يكون على الحقيقة، أي: على النفي الحقيقي، أي: لا يستغاث بي في مثل هذه القضية؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعامل المنافقين معاملة المسلمين، ولا يمكنه حسب الحكم الظاهر للمنافقين أن ينتقم من هذا المنافق انتقاما ظاهرا؛ إذ إن المنافقين يستترون، وعلى هذا؛ فلا يستغاث للتخلص من المنافق إلا بالله.
* * *
(9/269)

فيه مسائل:
الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص. الثانية: تفسير قوله: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} . الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
* الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص، يعني: حيث قال في الترجمة باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره، ووجه ذلك أن الاستغاثة طلب إزالة الشدة، والدعاء طلب ذلك وغيره، إذًا الاستغاثة نوع من الدعاء، والدعاء أعم؛ فهو من باب عطف العام على الخاص، وهذا سائغ في اللغة العربية؛ فهو كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [الحج: 77] .
* الثانية: تفسير قوله: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} ، الخطاب في هذه الآية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصة، بدليل الآيات التي قبلها، قال تعالى: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يونس: 105] .
فإن قيل: كيف ينهاه الله عن أمر لا يمكن أن يقع منه شرعا؟
أجيب: إن الغرض هو التنديد بمن فعل ذلك، كأنه يقول: لا تسلك هذا الطريق التي سلكها أهل الضلال، وإن كان الرسول لا يمكن أن يقع منه ذلك شرعا.
الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر، يؤخذ من قوله تعالى:
(9/270)

الرابعة: أن أصلح الناس لو فعله إرضاء لغيره؛ صار من الظالمين. الخامسة: تفسير الآية التي بعدها. السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا. السابعة: تفسير الآية الثالثة. الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله؛ كما أن الجنة لا تطلب إلا منه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
{فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} ، مضافا إلى قوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
الرابعة: أن أصلح الناس لو فعله إرضاء لغيره؛ صار من الظالمين، تؤخذ من كون الخطاب للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو أصلح الناس، فلو فعل ذلك إرضاء لغيره؛ صار من الظالمين، حتى ولو فعله مجاملة لإنسان مشرك، فدعا صاحب قبر إرضاء لذلك المشرك؛ فإنه يكون مشركا؛ إذ لا تجوز المحاباة في دين الله.
* الخامسة: تفسير الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} الآية [الأنعام: 17] ، فإذا كان لا يكشف الضر إلا الله؛ وجب أن تكون العبادة له وحده والاستغاثة به وحده.
* السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا، تؤخذ من قوله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} ، فلم ينتفع من دعائه هذا؛ فخسر الدنيا بذلك، والآخره بكفره.
* السابعة: تفسير الآية الثالثة، وهي قوله تعالى: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} . وقوله: {عِنْدَ اللَّهِ} حال من الرزق، وعليه يكون ابتغاء الرزق عند الله وحده. * الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا
(9/271)

التاسعة: تفسير الآية الرابعة. العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله. الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه. الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعدواته له. الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
منه، تؤخذ من قوله تعالى: {وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ؛ لأن العبادة سبب لدخول الجنة، وقد أشار الله إلى ذلك بقوله: {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .
التاسعة: تفسير الآية الرابعة، وهي قوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأحقاف: 5] .
العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله، تؤخذ من قوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأحقاف: 5] ؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي.
الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه، لقوله تعالى: {وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} ، (وهم) ؛ أي: المدعوون {عَنْ دُعَائِهِمْ} أي: دعاء الداعين، أو عن دعاء الداعين إياهم؛ فالاحتمال في الضمير الثاني وهو قوله: {عَنْ دُعَائِهِمْ} ، أما الضمير الأول؛ فإنه يعود إلى المدعوين لا ريب، وقد سبق بيانه بالتفصيل.
* الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له، تؤخذ من قوله تعالى: {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} .
* الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو، تؤخذ من قوله تعالى:
(9/272)

الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة. الخامسة عشرة: هي سبب كونه أضل الناس. السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة. السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
{وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} .
الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة، معنى كفر المدعو: رده وإنكاره، فإذا كان يوم القيامة تبرأ منه وأنكره. تؤخذ من قوله: {وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} .
الخامسة عشرة: هي سبب كونه أضل الناس، وذلك لأمور، هي:
1 - أنه يدعو من دون الله من لا يستجيب له.
2 - أن المدعوين غافلون عن دعائهم.
3 - أنه إذا حشر الناس كانوا له أعداء.
4 - أنه كافر بعبادتهم
السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة، وهي قوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} وقد سبق ذلك.
السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله....إلخ، وهو كما قال رحمه الله: وهذا موجود الآن؛ فمن الناس من يسجد للأصنام التي صنعوها بأنفسهم تعظيما، فإذا وقعوا في الشدة دعوا الله مخلصين له الدين، وكان عليهم أن يلجؤوا للأصنام لو كانت عبادتها
(9/273)

الثامنة عشرة: حماية المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حمى التوحيد والتأدب مع الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حقا، إلا أن من المشركين اليوم من هو أشد شركا من المشركين السابقين، فإذا وقعوا في الشدة دعوا أولياءهم؛ كعلي والحسين، وإذا كان الأمر سهلا دعوا الله، وإذا حلفوا حلفا هم فيه صادقون حلفوا بعلي أو غيره من أوليائهم، وإذا حلفوا حلفا هم فيه كاذبون حلفوا بالله ولم يبالوا.
الثامنة عشرة: حماية المصطفى حمى التوحيد، والتأدب مع الله. اختار المؤلف أن قوله: «لا يستغاث بي» من باب التأدب بالألفاظ، والبعد عن التعلق بغير الله، وأن يكون تعلق الإنسان دائما بالله وحده؛ فهو يعلم الأمة أن تلجأ إلى الله وحده إذا وقعت في الشدائد، ولا تستغيث إلا به وحده.
(9/274)

باب قول الله تعالى:
{أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا} الآية [الأعراف: 191،192] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبة الباب لما قبله:
لما ذكر رحمه الله الاستعاذة والاستغاثة بغير الله عز وجل؛ ذكر البراهين الدالة على بطلان عبادة ما سوى الله، ولهذا جعل الترجمة لهذا الباب نفس الدليل، وذكر رحمه الله ثلاث آيات:
* * *
الآية الأولى والثانية قوله: {أَيُشْرِكُونَ} ، الاستفهام للإنكار والتوبيخ؛ أي: يشركونه مع الله.
قوله: {مَا لَا يَخْلُقُ} ، هنا عبر بـ (ما) دون (من) ، وفي قوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ} [الأحقاف: 5] عبر ب (من) .
والمناسبة ظاهرة؛ لأن الداعين هناك نزلوهم منزلة العاقل، أما هنا؛ فالمدعو جماد؛ لأن الذي لا يخلق شيئا ولا يصنعه جماد لا يفيد.
قوله: شيئا، نكرة في سياق النفي؛ فتفيد العموم.
قوله: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} ، وصف هذه الأصنام بالعجز والنقص.
والرب المعبود لا يمكن أن يكون مخلوقا، بل هو الخالق؛ فلا يجوز عليه الحدوث ولا الفناء.
(9/275)

والمخلوق: حادث، والحادث يجوز عليه العدم؛ لأن ما جاز انعدامه أولا؛ جاز عقلا انعدامه آخرًا.
فكيف يعبد هؤلاء من دون الله؛ إذ المخلوق هو بنفسه مفتقر إلى خالقه، وهو حادث بعد أن لم يكن؛ فهو ناقص في إيجاده وبقائه؟!
إشكال وجوابه:
قوله: {مَا لَا يَخْلُقُ} الضمير بالإفراد، وقوله: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} الضمير بالجمع؛ فما الجواب؟
أجيب: بأن قوله: {مَا لَا يَخْلُقُ} عاد الضمير على (ما) باعتبار اللفظ؛ لأن (ما) اسم موصول، لفظها مفرد، لكن معناها الجمع؛ فهي صالحة بلفظها للمفرد، وبمعناها للجمع؛ كقوله: {مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ} .
قوله: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} عاد الضمير على (ما) باعتبار المعنى؛ كقوله: {وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} .
قوله: {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا} ، أي: لا يقدرون على نصرهم لو هاجمهم عدو؛ لأن هؤلاء المعبودين قاصرون.
والنصر: الدفع عن المخذول بحيث ينتصر على عدوه.
قوله: {وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} ، بنصب أنفسهم على أنه مفعول مقدم، وليس من باب الاشتغال؛ لأن العامل لم يشتغل بضمير السابق.
أي: زيادة على ذلك هم عاجزون عن الانتصار لأنفسهم؛ فكيف ينصرون غيرهم؟!
فبين الله عجز هذه الأصنام، وأنها لا تصلح أن تكون معبودة من أربعة وجوه، هي:
(9/276)

وقوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} الآية [فاطر: 13] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1 - أنها لا تخلق، ومن لا يخلق لا يستحق أن يعبد.
2 - أنهم مخلوقون من العدم؛ فهم مفتقرون إلى غيرهم ابتداء ودواما.
3 - أنهم لا يستطيعون نصر الداعين لهم، وقوله: لا يستطيعون أبلغ من قوله: (لا ينصرونهم) ؛ لأنه لو قال: (لا ينصرونهم) ؛ فقد يقول قائل: لكنهم يستطيعون، لكن لما قال: {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا} كان أبلغ لظهور عجزهم.
4 - أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم.
* * *
الآية الثالثة قوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} .
يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة، ومن دونه؛ أي: سوى الله.
قوله: {مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} ، (ما) : نافية، (من) حرف زائد لفظا، وقيل: لا ينبغي أن يقال: حرف جر زائد في القرآن، بل يقال: من: حرف صلة، وهذا فيه نظر؛ لأن الحروف الزائدة لها معنى، وهو التوكيد، وإنما يقال: زائد من حيث الإعراب، وجملة {مَا يَمْلِكُونَ} خبر المبتدأ الذي هو الذين.
وقوله: {مِنْ قِطْمِيرٍ} ، القطمير: سلب نواة التمرة.
وفي النواة ثلاثة أشياء ذكرها الله في القرآن لبيان حقارة الشيء.
القطمير: وهو اللفافة الرقيقة التي على النواة.
(9/277)

الفتيل: وهو سلك يكون في الشق الذي في النواة.
النقير: وهي النقرة التي تكون على ظهر النواة.
فهؤلاء لا يملكون من قطمير، فإن قيل: أليس الإنسان يملك النخل كله كاملا؟
أجيب: إنه يملكه، ولكنه ملك ناقص ليس حقيقيا؛ فلا يتصرف فيه إلا على حسب ما جاء به الشرع، فلا يملك مثلا إحراقه للنهي عن إضاعة المال.
قوله: {إِنْ تَدْعُوهُمْ} ، جملة شرطية، تدعو: فعل الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، وأصلها: تدعونهم.
قوله: {لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ} جواب الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
قوله: {وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} ، أي: إن هذه الأصنام لو دعوتموها ما سمعت، ولو فرض أنها سمعت ما استجابت؛ لأنها لا تقدر على ذلك، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام لأبيه: {يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 42] .
فإذا كانت كذلك؛ فأي شيء يدعو إلى أن تدعى من دون الله؟ ! بل هذا سفه، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] .
قوله: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} هو كقوله تعالى: {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف:6] .
فهؤلاء المعبودون إن كانوا يبعثون ويحشرون؛ فكفرهم بشركهم ظاهر كمن يعبد عزيرا والمسيح.
وإن كانوا أحجارا وأشجارا ونحوها؛ فيحتمل أن يشملها ظاهر الآية، وهو أن الله يأتي بهذه الأحجار ونحوها؛ فتكفر بشرك من يشرك بها، ويؤيده
(9/278)

قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] ، وما ثبت في (الصحيحين) عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أنه عند بعث الناس يقال لكل أمة: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد من دون الله» ؛ فالحجر يكون أمامهم يوم القيامة، ويكون له كلام ينطق به، ويكفر بشركهم، فإذا كانت المعبودات تحضر وتحصب في النار إهانة لعابديها وتحضر لتتبع إلى النار؛ فلا غرو أن تكفر بعابديها إذا أحضرت.
قوله: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] ، هذا مثال يضرب لمن أخبر بخبر ورأى شكا عند من خاطبه به؛ فيقول: ولا ينبئك مثل خبير، ومعناه: إنه لا يخبرك بالخبر مثل خبير به، وهو الله؛ لأنه لا يعلم أحد ما يكون في يوم القيامة إلا الله، وخبره خبر صدق؛ لأن الله تعالى يقول: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] .
والخبير: العالم ببواطن الأمور.
مسألة:
هل يسمع الأموات السلام ويردونه على من سلم عليهم؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أن الأموات لا يسمعون السلام، وأن قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين زيارة القبور: (السلام عليكم) دعاء لا يقصد به المخاطبة، ثم على فرض أنهم يسمعون كما جاء الحديث الذي صححه ابن عبد البر وأقره ابن القيم: بأن
(9/279)

«الإنسان إذا سلم على شخص يعرفه في الدنيا رد الله عليه روحه فرد السلام» (1) وعلى تقدير صحة هذا الحديث إذا كانوا يسمعون السلام ويردونه؛ فلا يلزم أن يسمعوا كل شيء، ثم لو فرض أنهم يسمعون غير السلام؛ فإن الله صرح بأن المدعوين من دون الله لا يسمعون دعاء من يدعونهم؛ فلا يمكن أن نقول: إنهم يسمعون دعاء من يدعون؛ لأن هذا كفر بالقرآن؛ فتبين هذا أنه لا تعارض بين قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» وبين هذه الآية.
وأما قوله: {وَلَوْ سَمِعُوا} ؛ فمعناه: لو سمعوا فرضا ما استجابوا لكم؛ لأنهم لا يستطيعون.
القول الثاني: أن الأموات يسمعون.
واستدلوا على ذلك بالخطاب الواقع في سلام الزائر لهم بالمقبرة.
وبما ثبت في (الصحيح) من أن «المشيعين إذا انصرفوا سمع المشيع قرع نعالهم» .
والجواب عن هذين الدليلين: أما الأول؛ فإنه لا يلزم من السلام عليهم أن يسمعوا، ولهذا كان المسلمون يسلمون على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته في التشهد،وهو لا يسمعهم قطعا.
__________
(1) ذكره السيوطي في (الجامع الصغير) ، 2/151، وابن عبد البر في (الاستذكار) ، 2/164، وانظر (الروح) لابن القيم (1/167) ، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (24/331) .
(9/280)

وفي الصحيح، عن أنس قال: «شج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أحد، وكسرت رباعيته، فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ "، فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} » [آل عمران: 128] . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أما الثاني؛ فهو وارد في وقت خاص، وهو انصراف المشيعين بعد الدفن، وعلى كل؛ فالقولان متكافئان، والله أعلم بالحال.
قوله: " وفي الصحيح "، سبق الكلام على مثل هذا التعبير.
قوله: " أحد "، جبل معروف شمالي المدينة، ولا يقال: المنورة؛ لأن كل بلد دخله الإسلام فهو منور بالإسلام، ولأن ذلك لم يكن معروفا عند السلف، وكذلك جاء اسمها في القرآن بالمدينة فقط، لكن لو قيل: المدينة النبوية لحاجة تمييزها؛ فلا بأس، وهذا الجبل حصلت فيه وقعة في السنة الثالثة من الهجرة في شوال، هزم فيها المسلمون بسبب ما حصل منهم من مخالفة أمر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ كما أشار الله إلى ذلك بقوله: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 152] ، وجواب الشرط محذوف تقديره: حصل لكم ما تكرهون.
وقد حصلت هزيمة المسلمين لمعصية واحدة، ونحن الآن نريد الانتصار والمعاصي كثيرة عندنا، ولهذا لا يمكن أن نفرح بنصر ما دمنا على هذه الحال؛
__________
(1) البخاري: تعليقا (الفتح، 7/365) ، ومسلم موصولا: كتاب الجهاد /باب غزوة أحد
(9/281)

إلا أن يرفق الله بنا، ويصلحنا جميعا.
قوله: " شج "، الشجة: الجرح في الرأس والوجه خاصة.
قوله: " وكسرت رباعيته "، السنان المتوسطان يسميان ثنايا، وما يليهما يسميان رباعيتين.
قوله: «فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» ، الاستفهام يراد به الاستبعاد؛ أي: بعيد أن يفلح قوم شجوا نبيهم -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قوله: " يفلح " من الفلاح، وهو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب.
قوله: " فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} "، أي: نزلت هذه الآية، والخطاب فيها للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وشيء: نكرة في سياق النفي؛ فتعم.
قوله: الأمر؛ أي: الشأن، والمراد: شأن الخلق، فشأن الخلق إلى خالقهم، حتى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليس له فيهم شيء.
ففي الآية خطاب للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقد شج وجهه، وكسرت رباعيته، ومع ذلك ما عذره الله سبحانه في كلمة واحدة: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» ، فإذا كان الأمر كذلك؛ فما بالك بمن سواه؟ فليس لهم من الأمر شيء؛ كالأصنام، والأوثان، والأولياء، والأنبياء؛ فالأمر كله لله وحده، كما أنه الخالق وحده، والحمد لله الذي لم يجعل أمرنا إلى أحد سواه؛ لأن المخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا؛ فكيف يملك لغيره؟
ونستفيد من هذا الحديث أنه يجب الحذر من إطلاق اللسان فيما إذا رأى الإنسان مبتلى بالمعاصي؛ فلا نستبعد رحمة الله منه، فإن الله تعالى قد يتوب عليه.
(9/282)

وفيه: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه «سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر:»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فهؤلاء الذين شجوا نبيهم لما استبعد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلاحهم؛ قيل له: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} .
«والرجل المطيع الذي يمر بالعاصي من بني إسرائيل، ويقول: "والله؛ لا يغفر الله لفلان. قال الله له: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ قد غفرت له وأحبطت عملك» ؛ فيجب على الإنسان أن يمسك اللسان؛ لأن زلته عظيمة، ثم إننا نشاهد أو نسمع قوما كانوا من أكفر عباد الله وأشدهم عداوة انقلبوا أولياء لله، فإذا كان كذلك؛ فلماذا نستبعد رحمة الله من قوم كانوا عتاة؟
وما دام الإنسان لم يمت؛ فكل شيء ممكن، كما أن المسلم -نسأل الله الحماية- قد يزيغ قلبه لما كان فيه من سريرة فاسدة.
فالمهم أن هذا الحديث يجب أن يتخذ عبرة للمعتبر في أنك لا تستبعد رحمة الله من أي إنسان كان عاصيا.
قوله: " فنزلت "، الفاء للسببية، وعليه؛ فيكون سبب نزول هذه الآية هذا الكلام: «كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم؟» .
قوله: " وفيه "، أي الصحيح.
قوله: " إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر "، قيد مكان
(9/283)

«"اللهم العن فلانا وفلانا" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، فأنزل الله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} »
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الدعاء من الصلوات بالفجر، ومكانه من الركعات بالأخيرة، ومكانه من الركعة بما بعد الرفع من الركوع.
قوله: " يقول: اللهم العن فلانا وفلانا "، اللعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله؛ أي: أبعدهم عن رحمتك، واطردهم منها.
و" فلانا وفلانا ": بينه في الرواية الثانية أنهم: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام.
قوله: " بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد "، أي: يقول ذلك إذا رفع رأسه وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.
قوله: " فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} "، هنا قال: " فأنزل "، وفي الحديث السابق قال: " فنزلت "، وكلها بالفاء، وعلى هذا يكون سبب نزول الآية دعوة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هؤلاء، وقوله: «"كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» ، ولا مانع أن يكون لنزول الآية سببان.
وقد أسلم هؤلاء الثلاثة، وحسن إسلامهم رضي الله عنهم؛ فتأمل الآن أن العداوة قد تنقلب ولاية؛ لأن القلوب بيد الله -سبحانه وتعالى -، ولو أن الأمر كان على ظن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لبقي هؤلاء على الكفر حتى الموت، إذ لو قبلت الدعوة عليهم، وطردوا عن الرحمة؛ لم يبق إلا العذاب.
(9/284)

وفي رواية «يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} » . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولكن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليس له من الأمر شيء؛ فالأمر كله لله، ولهذا هدى الله هؤلاء القوم، وصاروا من أولياء الله الذابين عن دينه، بعد أن كانوا من أعداء الله القائمين ضده، والله سبحانه يمن على من يشاء من عباده.
وليس بعيدا من ذلك قصة «أصيرم بن عبد الأشهل الأنصاري، حيث كان معروفا بالعداوة لما جاء به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما جاءت وقعة أحد، ألقى الله الإسلام في قلبه دون أن يعلم به النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو أحد من قومه، وخرج للجهاد وقتل شهيدا، فلما انتهت المعركة جعل الناس يتفقدون قتلاهم؛ فإذا هو في آخر رمق، فقالوا: ما جاء بك يا فلان؟ أحدث على قومك، أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؛ فأخبروا عني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخبروه، فقال: "هو من أهل الجنة» ؛ فهذا الرجل لم يصل لله ركعة واحدة، ومع هذا جعله الله من أهل الجنة؛ فالله حكيم يهدي من يشاء لحكمته، ويضل من يشاء لحكمة؛ فالمهم أننا لا نستبعد رحمة الله -عز وجل- من أي إنسان.
__________
(1) البخاري: كتاب المغازي/باب (ليس لك من الأمر شيء) مرسلاً، ووصله الإمام أحمد في (المسند) 2/93.
(9/285)

وفيه: عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: «قام فينا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حين أنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] ؛ فقال: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم؛ لا أغني عنكم من الله شيئا.
»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " قام "، أي: خطيبا.
قوله: "أنزل عليه"، أي: أنزل عليه بواسطة جبريل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ} [الشعراء: 214] .
قوله: " أنذر "، أي: حذر وخوف، والإنذار: الإعلام المقرون بتخويف.
قوله: " عشيرتك "، العشيرة: قبيلة الرجل من الجد الرابع فما دون.
قوله: " الأقربين "، أي: الأقرب فالأقرب؛ فأول من يدخل في عشيرة الرجل أولاده، ثم آباؤه، ثم إخوانه، ثم أعمامه، وهكذا.
ويؤخذ من هذا أن الأقرب فالأقرب أولى بالإنذار؛ لأن الحكم المعلق على وصف يقوى بقوة هذا الوصف، وذلك أن الوصف الموجب للحكم كلما كان أظهر وأبين؛ كان الحكم فيه أظهر وأبين.
وقوله: " حين أنزل عليه " يفيد أنه لم يتأخر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل قام، فقال: " يا معشر قريش "؛ أي: يا جماعة قريش.
وقريش: هو فهر بن النضر بن مالك، أحد أجداد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: " أو كلمة نحوها "، أي: أو قال كلمة نحوها، أي شبهها، وهذا من احتراز الرواة أنهم إذا شكوا أدنى شك قالوا: أو كما قال، أو كلمة نحوها، وما أشبه ذلك، وعليه فـ "أو": للشك والتردد.
قوله: " اشتروا أنفسكم "، أي: أنقذوها؛ لأن المشتري نفسه كأنه أنقذها من
(9/286)

«يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت؛ لا أغني عنك من الله شيئا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هلاك، والمشتري راغب، ولهذا عبر بالاشتراء كأنه يقول: اشتروا أنفسكم راغبين.
وفي قوله: " اشتروا أنفسكم " من الحض على هذا الأمر ما هو ظاهر؛ لأن المشتري يكون راغبا.
قوله: " لا أغني عنكم من الله شيئا "، هذا هو الشاهد؛ أي: لا أدفع أو لا أنفع، أي: لا أنفعكم بدفع شيء عنكم دون الله، ولا أمنعكم من شيء أراده الله لكم؛ لأن الأمر بيد الله، ولهذا أمر الله نبيه بذلك؛ فقال: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الجن: 21-22] .
قوله: " شيئا "، نكرة في سياق النفي؛ فتعم أي شيء.
قوله: " يا عباس بن عبد المطلب "، هو عم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعبد المطلب جد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعباس؛ بالضم؛ لأن المنادى إذا كان معرفة يبنى على الضم، ونعته إذا كان مضافا ينصب، وهنا ابن عبد المطلب مضاف، ولهذا نصب.
فإن قيل: كيف يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عبد المطلب مع أنه لا يجوز أن يضاف عبد إلا إلى الله - عز وجل -؟
(9/287)

فالجواب: إن هذا ليس إنشاء، بل هو خبر؛ فاسمه عبد المطلب، ولم يسمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكن اشتهر بعبد المطلب، ولهذا انتمى إليه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فقال:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
فلو فرض أن لك أبا يسمى عبد المطلب، أو عبد العزى؛ فإنك تنتسب إليه، ولا يعد هذا إقرارا، ولكنه خبر عن أمر واقع؛ كما لو قلت: كفر فلان، ونافق فلان، وما أشبه ذلك، ولكن إذا كان موجودا غيرنا اسمه إذا كان لا يجوز.
قوله: " لا أغني عنك من الله شيئا "، أي: لا أنفعك بشيء دون الله، ولا أمنعك من شيء أراده الله لك؛ فالنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا يغني عن أحد شيئا حتى عن أبيه وأمه.
قوله: " يا صفية عمة رسول الله "، يقال في إعرابها كما قيل في عباس بن عبد المطلب.
قوله: «يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت» ، أي: اطلبي من مالي ما شئت؛ فلن أمنعك؛ لأنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مالك لماله، ولكن بالنسبة لحق الله قال: «لا أغني عنك من الله شيئا» .
فهذا كلام النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأقاربه الأقربين: عمه، وعمته، وابنته؛ فما بالك بمن هم أبعد؟ فعدم إغنائه عنهم شيئا من باب أولى؛ فهؤلاء الذين يتعلقون بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويلوذون به ويستجيرون به الموجودون في هذا الزمن، وقبله قد غرهم الشيطان واجتالهم عن طريق الحق؛ لأنهم تعلقوا بما ليس بمتعلق؛ إذ
(9/288)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين.
الثانية: قصة أحد.
الثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمنون في الصلاة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الذي ينفع بالنسبة للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو الإيمان به واتباعه.
أما دعاؤه والتعلق به ورجاؤه فيما يؤمل، وخشيته فيما يخاف منه؛ فهذا شرك بالله، وهو مما يبعد عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعن النجاة من عذاب الله.
ففي الحديث امتثال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأمر ربه في قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ} [الشعراء: 214] ، فإنه قام بهذا الأمر أتم القيام؛ فدعا وعم وخصص، وبين أنه لا ينجي أحدا من عذاب الله بأي وسيلة، بل الذي ينجي هو الإيمان به واتباع ما جاء به.
وإذا كان القرب من النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا يغني عن القريب شيئا؛ دل ذلك على منع التوسل بجاه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأن جاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا ينتفع به إلا النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولهذا كان أصح قولي أهل العلم تحريم التوسل بجاه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين، وهما آيتا الأعراف، ويتفق ذلك في أول الباب، والاستفهام فيهما للتوبيخ والإنكار، وكذلك سبق تفسير الآية الثالثة آية فاطر.
الثانية: قصة أحد، يعني: حيث شج النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ... الحديث.
الثالثة: قنوت سيد المرسلين ... إلخ، أراد المؤلف بهذه المسألة أن النبي
(9/289)

الرابعة: أن المدعو عليهم كفار.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيد المرسلين، وأصحابه سادت الأولياء، ومع هذا ما أنقذوا أنفسهم؛ فكيف ينقذون غيرهم؟ وليس مراده رحمه الله مجرد إثبات القنوت والتأمين عليه؛ ولهذا جاءت العبارات بسيد وسادات؛ فلا أحد من هذه الأمة أقرب إلى الله من الرسول وأصحابه، ومع ذلك يلجئون إلى الله سبحانه في كشف الكربات، ومن كانت هذه حاله؛ فكيف يمكن أن يلجأ إليه في كشف الكربات؟ فليس مراد المؤلف إثبات مسألة فقهية.
الرابعة: أن المدعو عليهم كفار، تؤخذ من قوله تعالى: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} ؛ فهذا دليل على أنهم الآن ليسوا على حال مرضية، ومن المعلوم أن صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام وقت الدعاء عليهم كانوا كفارا.
وهذه المسألة -أي أن المدعو عليهم كفار- ترمي إلى أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإن كان يرى أنه دعا عليهم بحق؛ فقد قطع الله -سبحانه وتعالى- أن يكون له من الأمر شيء؛ لأنه قد يقول قائل: إذا كانوا كفارا؛ أليس يملك الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يدعو عليهم؟
نقول: حتى في هذه الحال لا يملك من أمرهم شيئا، هذا وجه قول المؤلف أن المدعو عليهم كفار، وليس مراده الإعلام بكفرهم؛ لأن هذا معلوم لا يستحق أن يعنون له، بل المراد في هذه الحال الذي كان هؤلاء كفارا لم يملك النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شيئا بالنسبة إليهم.
(9/290)

الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار؛ منها: شجهم نبيهم، وحرصهم على قتله، ومنها التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم.
السادسة: أنزل الله عليه في ذلك: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} .
السابعة: قوله: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} ، فتاب عليهم؛ فآمنوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار، أي: إنهم مع كفرهم كانوا معتدين، ومع ذلك قيل له في حقهم: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} ، وإلا فهم شجوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومثلوا بالقتلى مثل حمزة بن عبد المطلب، وكذلك أيضا حرصوا على قتل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع أن كل هؤلاء فيهم من بني عمهم، وفيهم من الأنصار.
السادسة: أنزل الله عليه في ذلك: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} ، أي: مع ما تقدم من الأمور التي تقتضي أن يكون للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حق بأن يدعو عليهم أنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} ؛ فالأمر لله وحده، فإذا كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قطع عنه هذا الشيء؛ فغيره من باب أولى.
السابعة: قوله: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} ، فتاب عليهم، فآمنوا، وهذا دليل على كمال سلطان الله وقدرته؛ فهؤلاء الذين جرى منهم ما جرى، تاب الله عليهم وآمنوا؛ لأن الأمر كله بيده سبحانه، وهو الذي يذل من يشاء ويعز من يشاء، ومن ذلك ما جرى من عمر -رضي الله عنه- قبل إسلامه من العداوة الظاهرة للإسلام، وما جرى منه بعد إسلامه من الولاية والنصرة لدين الله تعالى؛ فرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومن دونه لا يستطيعون أن يغيروا شيئا من أمر الله.
(9/291)

الثامنة: القنوت في النوازل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثامنة: القنوت في النوازل، وهذه هي المسألة الفقهية، فإذا نزل بالمسلمين نازلة؛ فإنه ينبغي أن يُدعى لهم حتى تنكشف.
وهذا القنوت مشروع في كل الصلوات، كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- الذي رواه أحمد وغيره (1) ؛ إلا أن الفقهاء رحمهم الله استثنوا الطاعون، وقالوا: لا يقنت له لعدم ورود ذلك، وقد وقع في عهد عمر - رضي الله عنه - ولم يقنت، ولأنه شهادة؛ فلا ينبغي الدعاء برفع سبب الشهادة.
وظاهر السنة أن القنوت إنما يشرع في النوازل التي تكون من غير الله، مثل: إيذاء المسلمين والتضييق عليهم، أما ما كان من فعل الله؛ فإنه يشرع له ما جاءت به السنة، مثل الكسوف؛ فيشرع له صلاة الكسوف، والزلازل شرع لها صلاة الكسوف كما فعل ابن عباس رضي الله عنهما، وقال: هذه صلاة الآيات، والجدب يشرع له الاستسقاء، وهكذا.
وما علمت لساعتي هذه أن القنوت شرع لأمر نزل من الله، بل يدعى له بالأدعية الواردة الخاصة، لكن إذا ضيق على المسلمين وأوذوا وما أشبه ذلك؛ فإنه يقنت اتباعا للسنة في هذا الأمر.
ثم من الذي يقنت: الإمام الأعظم، أو إمام كل مسجد، أو كل مصل؟
__________
(1) مسند الإمام أحمد (1/301) ، والحاكم (1/255) ، وصححه ووافقه الذهبي.
(9/292)

التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المذهب: أن الذي يقنت هو الإمام الأعظم فقط الذي هو الرئيس الأعلى للدولة.
وقيل: يقنت كل إمام مسجد.
وقيل: يقنت كل مصل، وهو الصحيح؛ لعموم قول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، وهذا يتناول قنوته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عند النوازل.
التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهم: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام؛ فسماهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، لكن هل هذا مشروع أو جائز؟
الجواب: هذا جائز، وعليه، فإذا كان في تسمية المدعو عليهم مصلحة؛ كانت التسمية أولى، ولو دعا إنسان لأناس معينين في الصلاة جاز؛ لأنه لا يعد من كلام الناس، بل هو دعاء، والدعاء مخاطبة الله تعالى، ولا يدخل في عموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» .
مسألة: هل الذي نهي عنه الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الدعاء أو لعن المعينين؟
الجواب: المنهي عنه هو لعن الكفار في الدعاء على وجه التعيين، أما لعنهم عموما؛ فلا بأس به، وقد ثبت عن أبي هريرة أنه كان يقنت ويلعن الكفرة عموما، ولفظ ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أنه قال: «لأقربن»
(9/293)

«صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده؛ فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار» ، ولا بأس بدعائنا على الكافر بقولنا: اللهم، أرح المسلمين منه، واكفهم شره، واجعل شره في نحره، ونحو ذلك.
أما الدعاء بالهلاك لعموم الكفار؛ فإنه محل نظر، ولهذا لم يدع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قريش بالهلاك، بل قال: «اللهم، عليك بهم، اللهم، اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» ، وهذا دعاء عليهم بالتضييق، والتضييق قد يكون من مصلحة الظالم بحيث يرجع إلى الله من ظلمه.
فالمهم أن الدعاء بالهلاك لجميع الكفار عندي تردد فيه.
وقد يستدل بدعاء خبيب حيث قال: «اللهم أحصهم عددا، ولا تبق منهم أحدا» على جواز ذلك؛ لأنه وقع في عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ولأن الأمر وقع كما دعا؛ فإنه ما بقي منهم أحد على رأس الحول، ولم ينكر الله تعالى ذلك، ولا أنكره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل إن إجابة الله دعاءه يدل على رضاه به وإقراره عليه.
فهذا قد يستدل به على جواز الدعاء على الكفار بالهلاك، لكن يحتاج أن ينظر في القصة؛ فقد يكون لها أسباب خاصة لا تتأتى في كل شيء.
(9/294)

العاشرة: لعن المعين في القنوت.
الحادية عشرة: قصته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} .
الثانية عشرة: جده -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في هذا الأمر؛ بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثم إن خبيبا دعا بالهلاك لفئة محصورة من الكفار لا لجميع الكفار.
وفيه أيضا إن صح الحديث: دعاؤه على عتبة بن أبي لهب: «اللهم، سلط عليه كلبا من كلابك» (1) فيه دليل على الدعاء بالهلاك، لكن هذا على شخص معين لا على جميع الكفار.
العاشرة: لعن المعين في القنوت، هذا غريب، فإن أراد المؤلف رحمه الله أن هذا أمر وقع، ثم نهي عنه؛ فلا إشكال، وإن أراد أنه يستفاد من هذا جواز لعن المعين في القنوت أبدا؛ فهذا فيه نظر؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نهى عن ذلك.
الحادية عشرة: قصته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما أنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ، وهي أنه لما نزلت عليه الآية نادى قريشا؛ فعم، ثم خصص، فامتثل أمر الله في هذه الآية.
الثانية عشرة: جده -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في هذا الأمر، بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، أي: اجتهاده -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في هذا الأمر، بحيث قالوا: إن محمدا جن، كيف يجمعنا وينادينا هذا النداء؟
__________
(1) الحاكم في (المستدرك) (كتاب التفسير، تفسير سورة أبي لهب، 2/539) ، وقال: (صحيح الإسناد) ، ولم يخرجاه) ، ووافقه الذهبي.
(9/295)

الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: «لا أغني عنك من الله شيئا» ، حتى قال: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا» . فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان بأنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم؛ تبين له ترك التوحيد وغربة الدين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقول: " وكذلك لو يفعله مسلم الآن "، أي لو أن إنسانا جمع الناس، ثم قام يحذرهم كتحذير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لقالوا: مجنون، إلا إذا كان معتادا عند الناس، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] ، وقال تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [النور: 44] ؛ فهذا يختلف باختلاف البلاد والزمان، ثم إنه يجب على الإنسان أن يبذل جهده واجتهاده في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قام بهذا الأمر ولم يبال بما رمي به من الجنون.
الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: «لا أغني عنك من الله شيئا» ، صدق رحمه الله فيما قال؛ فإنه إذا كان هذا القائل سيد المرسلين، وقاله لسيدة نساء العالمين، ثم نحن نؤمن أن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا يقول إلا الحق، وأنه لا يغني عن ابنته شيئا؛ تبين لنا الآن أن ما يفعله خواص الناس ترك للتوحيد؛ لأنه يوجد أناس خواص يرون أنفسهم علماء، ويراهم من حولهم علماء وأهلا للتقليد، يدعون الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكشف الضر وجلب النفع دعوة صريحة، ويرددون:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
وغير ذلك من الشرك، وإذا أنكر عليهم ذلك ردوا إلى المنكر بأنه لا
(9/296)

يعرف حق الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومقامه عند الله، وأنه سيد الكون، وما خلقت الجن والإنس إلا من أجله، وأنه خلق من نور العرش، ويلبسون بذلك على العامة، فيصدقهم البعض لجهلهم، ولو جاءهم من يدعوهم إلى التوحيد لم يستجيبوا له؛ لأن سيدهم وعالمهم على خلاف التوحيد، {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} [البقرة: 145] ، ثم إن المؤمن عاطفته وميله للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر لا ينكر، لكن الإنسان لا ينبغي له أن يحكم العاطفة، بل يجب عليه أن يتبع ما دل عليه الكتاب والسنة وأيده العقل الصريح السالم من الشبهات والشهوات.
ولهذا نعى الله سبحانه على الكفار الذين اتبعوا ما ألفوا عليه آباءهم بأنهم لا يعقلون، وكلام المؤلف حق؛ فإن من تأمل ما عليه الناس اليوم في كثير من البلدان الإسلامية تبين له ترك التوحيد وغربة الدين.
(9/297)

باب قول الله تعالى:
{حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 23] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبة الترجمة:
أن هذا من البراهين الدالة على أنه لا يستحق أحد أن يكون شريكا مع الله؛ لأن الملائكة وهم أقرب ما يكون من الخلق لله -عز وجل-، ما عدا خواص بني آدم يحصل منهم عند كلام الله سبحانه الفزع.
قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} ، قال ذلك ولم يقل: "فزعت قلوبهم"، إذ "عن" تفيد المجاوزة، والمعنى: جاوز الفزع قلوبهم؛ أي: أزيل الفزع عن قلوبهم.
والفزع: الخوف المفاجئ؛ لأن الخوف المستمر لا يسمى فزعا.
وأصله: النهوض من الخوف.
وقوله تعالى: {عَنْ قُلُوبِهِمْ} ؛ أي: قلوب الملائكة؛ لأن الضمير يعود عليهم بدليل ما سيأتي من حديث أبي هريرة، ولا أحد من الخلق أعلم بتفسير القرآن من الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قوله تعالى: {قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} جواب الشرط، والمعنى: قال بعضهم لبعض: وإنما قلنا ذلك لأن الكلام قائلا ومقولا له، فلو جعلنا الضمير في
(9/298)

قالوا عائدا على الجميع؛ فأين المقول له؟ والمعنى: أي شيء قال ربكم؟
وإعراب ماذا على أوجه:
1 - ما: اسم استفهام مبتدأ، وذا: اسم موصول خبر؛ أي: ما الذي.
2 - ماذا: اسم استفهام مركب من ما وذا.
3 - ما اسم استفهام، وذا زائدة، قال ابن مالك:
ومثل ماذا بعدما استفهام ... أو من إذا لم تلغ في الكلام
وقوله: {قَالُوا الْحَقَّ} ، أي: قال المسئولون.
والحق: صفة لمصدر محذوف مع عامله، والتقدير: قال القول الحق.
والمعنى: أن الله سبحانه قال القول الحق؛ لأنه سبحانه هو الحق، ولا يصدر عنه إلا الحق، ولا يقول ولا يفعل إلا الحق.
والحق في الكلام هو الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام؛ كما قال الله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115] .
ولا يفهم من قوله: {قَالُوا الْحَقَّ} أنه قد يكون قوله باطلا، بل هو بيان للواقع، فإن قيل: ما دام بيانا للواقع ومعروفا عند الملائكة أنه لا يقول إلا الحق؛ فلماذا الاستفهام؟
أجيب: أن هذا من باب الثناء على الله بما قال، وأنه سبحانه لا يقول إلا الحق.
قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} ، أي: العلي في ذاته وصفاته، والكبير: ذو الكبرياء، وهي العظمة التي لا يداينها شيء، أي العظيم الذي لا أعظم منه.
مناسبة الآية للتوحيد: أنه إذا كان منفردا في العظمة والكبرياء؛ فيجب أن يكون منفردا في العبادة.
(9/299)

والعلو قسمان:
الأول: علو الصفات، وقد أجمع عليه كل من ينتسب للإسلام حتى الجهمية ونحوهم.
الثاني: علو الذات، وقد أنكره كثير من المنتسبين للإسلام، مثل الجهمية وبعض الأشاعرة غير المحققين منهم؛ فإن المحققين منهم أثبتوا علو الذات.
وعلوه لا ينافي كونه مع الخلق يعلمهم ويسمعهم ويراهم؛ لأنه ليس كمثله شيء في جميع صفاته.
وفي الآية فوائد:
1 - أن الملائكة يخافون الله؛ كما قال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] .
2 - إثبات القلوب للملائكة؛ لقوله: " {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} ".
3 - إثبات أنهم أجسام وليسوا أرواحا مجردة من الجسمية، وهو أمر معلوم بالضرورة، قال تعالى: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ} [فاطر: 1] ، وقد «رأى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جبريل له ستمائة جناح قد سد الأفق» ؛ فالقول بأنهم أرواح فقط إنكار لهم في الواقع، وهو قول باطل.
لكنهم لا يأكلون ولا يشربون، وإنما أكلهم وشربهم التسبيح بدليل قوله تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20] ؛ ففي هذا دليل على أن ليلهم ونهارهم مملؤان بذلك، ولهذا جاء: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ} ، ولم
(9/300)

يقل يسبحون في الليل؛ أي: أن تسبيحهم دائم، والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به.
4 - أن لهم عقولا؛ إذ إن القلوب هي محل العقول خلافا لمن قال: إنهم لا يعقلون، ولأنهم يسبحون الله، ويطوفون بالبيت المعمور.
5 - إثبات القول لله -سبحانه وتعالى -، وأنه متعلق بمشيئته؛ لأنه جاء بالشرط: {إِذَا فُزِّعَ} ، وإذا الشرطية تدل على حدوث الشرط والمشروط، خلافا للأشاعرة الذين يقولون: إن الله لا يتكلم بمشيئة، وإنما كلامه هو المعنى القائم بنفسه؛ فهو قائم بالله أزلي أبدي؛ كقيام العلم والقدرة والسمع والبصر.
ولا ريب أن هذا باطل، وأن حقيقته إنكار كلام الله، ولهذا يقولون: أن الله يتكلم بكلام نفسي أزلي أبدي، كما يقولون: هذا الكلام الذي سمعه موسى، وسمعه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونزل به جبريل على الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شيء مخلوق للتعبير عن كلام الله القائم بنفسه.
وهذا في الحقيقة قوله الجهمية؛ كما قال بعض المحققين من الأشاعرة: ليس بيننا وبين الجمهية فرق، فإننا اتفقنا على أن هذا الذي بين دفتي المصحف مخلوق، لكن نحن قلنا عبارة عن كلام الله، وهم قالوا: هو كلام الله.
6 - إثبات أن قول الله حق، وهذا جاء في القرآن: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 4] ، وقال: {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} [ص: 84] ؛ فالله تعالى لا يقول إلا حقا؛ لأنه هو الحق، ولا يصدر عن الحق إلا الحق.
(9/301)

وفي الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء؛ ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا؛ لقوله كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} » [سبأ: 23] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " وفي الصحيح "، سبق الكلام عليها.
قوله: «قضي الله الأمر في السماء» ، المراد بالأمر الشأن، ويكون القضاء بالقول؛ لقوله تعالى: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 47] .
قوله: " خضعانا "، أي: خضوعا؛ لقوله: " كأنه "؛ أي: صوت القول في وقعه على قلوبهم.
قوله: " صفوان " هو الحجر الأملس الصلب، والسلسلة عليه يكون لها صوت عظيم.
وليس المراد تشبيه صوت الله تعالى بهذا؛ لأن الله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ، بل المراد تشبيه ما يحصل لهم من الفزع عندما يسمعون كلامه بفزع من يسمع سلسلة على صفوان.
قوله: " ينفذهم ذلك "، النفوذ: هو الدخول في الشيء، ومنه: نفذ السهم في الرمية؛ أي: دخل فيها، والمعنى: إن هذا الصوت يبلغ منهم كل مبلغ.
قوله: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} ، أي: أزيل عنها الفزع.
قوله: قالوا، أي: قال بعضهم لبعض.
قوله: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ} ، أي: قالوا: قال الحق؛ أي: قال
(9/302)

القول الحق؛ فالحق صفة لمصدر محذوف مع عامله، تقديره: قال القول الحق، وهذا الجواب الذي يقولونه هل هم يقولونه لأنهم سمعوا ما قال وعلموا أنه حق، وأنهم كانوا يعلمون أنه لا يقول إلا الحق؟
يحتمل أن يكونوا قد علموا ما قال، وقالوا: إنه الحق؛ فيكون هذا عائدا إلى الوحي الذي تكلم الله به.
ويحتمل أنهم قالوا ذلك لعلمهم أن الله سبحانه لا يقول إلا الحق؛ فلذلك قالوا هذا لأن ذلك صفته سبحانه وتعالى.
وهذا الحديث مطابق للآية تماما، وعلى هذا يجب أن يكون هذا تفسير الآية، ولا يقبل لأي قائل أن يفسرها بغيره؛ لأن تفسير القرآن إذا كان بالقرآن أو السنة؛ فإنه نص لا يمكن لأحد أن يتجاوزه.
وأما تفسير الصحابي؛ فإنه حجة عند أكثر المفسرين، وأما التابعين؛ فإن أكثر العلماء يقول: إنه ليس بحجة إلا من اختص منهم بشيء؛ كمجاهد؛ فإنه عرض المصحف على ابن عباس عشرين مرة أو أكثر، يقف عند كل آية ويسأله عن معناها، وأما من بعد التابعين؛ فليس تفسيره حجة على غيره، لكن إن أيده سياق القرآن كان العمدة سياق القرآن.
فلا يقبل أن يقال: إذا فزع عن قلوب الناس يوم القيامة، بل نقول: الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسر الآية بتفسير غيبي لا مجال للاجتهاد فيه، وما كان غيبيا وجاء به النص؛ فالواجب علينا قبوله، ولهذا نقول في مسألة ما يعذر فيه بالاجتهاد وما لا يعذر: إنه ليس عائدا على أن هذا من الأصول، وهذا من الفروع؛ كما قال بعض العلماء: الأصول لا مجال للاجتهاد فيها، ويخطئ المخالف مطلقا، بخلاف الفروع.
(9/303)

«فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه، فحرفها وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لكن شيخ الإسلام ابن تيمية أنكر تقسيم الدين إلى أصول وفروع، ويدل على بطلان هذا التقسيم: أن الصلاة عند الذين يقسمون من الفروع، مع أنها من أجل الأصول.
والصواب: أن مدار الإنكار على ما للاجتهاد فيه مجال وما لا مجال فيه؛ فالأمور الغيبية ينكر على المخالف فيها ولا يعذر، سواء كانت تتعلق بصفات الله أو اليوم الآخر أو غير ذلك؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيها.
أما الأمور العملية التي للاجتهاد فيها مجال؛ فلا ينكر على المخالف فيها إلا إذا خالف نصا صريحا، وإن كان يصح تضليله بهذه المخالفة؛ كقول ابن مسعود في بنت وبنت ابن وأخت: "للبنت النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت"؛ وذكر له قسمة أبي موسى: "للابنة النصف، وللأخت النصف "، وقوله: "ائت ابن مسعود؛ فسيتابعني"؛ فأخبر ابن مسعود بذلك، فقال: "قد ضللت إذا، وما أنا من المهتدين".
قوله: «فيسمعها مسترق السمع» ، أي: هذه الكلمة التي تكلمت بها الملائكة.
و" مسترق ": مفرد مضاف؛ فيعم جميع المسترقين.
وتأمل كلمة "مسترق"؛ ففيها دليل على أنه يبادر، فكأنه يختلسها اختلاسا بسرعة، ويؤيده قوله: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}
(9/304)

«ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن،»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الصافات: 10] .
قوله: " ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض "، يحتمل أن يكون هذا من كلامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو من كلام أبي هريرة، أو من كلام سفيان.
قوله: " وصفه سفيان بكفه "، أي: أنها واحد فوق الثاني، أي الأصابع: فالجن يتراكبون واحدا فوق الآخر، إلى أن يصلوا إلى السماء، فيقعدون لكل واحد مقعد خاص، قال تعالى: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} [الجن: 9] .
قوله: " فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته "، أي: سمع أعلى المسترقين الكلمة، فيلقيها إلى من تحته؛ أي: يخبره بها، و"من": اسم موصول، وقوله: "تحته " شبه جملة صلة الموصول؛ لأنه ظرف.
قوله: «ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها» ، أي: يلقي الكلمة آخرهم الذي في الأرض على لسان الساحر أو الكاهن.
والسحر: عزائم ورقى وتعوذات تؤثر في بدن المسحور وقلبه وعقله وتفكيره.
والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.
وقد التبس على بعض طلبة العلم؛ فظنوا أنه كل من يخبر عن الغيب ولو فيما مضى؛ فهو كاهن، لكن ما مضى مما يقع في الأرض ليس غيبا مطلقا، بل هو غيب نسبي، مثل ما يقع في المسجد يعد غيبا بالنسبة لمن في الشارع، وليس غيبا بالنسبة لمن في المسجد.
وقد يتصل الإنسان بجني، فيخبره عما حدث في الأرض ولو كان بعيدا؛
(9/305)

«فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه،»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيستخدم الجن، لكن ليس على وجه محرم؛ فلا يسمى كاهنا؛ لأن الكاهن من يخبر عن المغيبات في المستقبل.
وقيل: الذي يخبر عما في الضمير، وهو نوع من الكهانة في الواقع، إذا لم يستند إلى فراسة ثاقبة، أما إذا كان يخبر عما في الضمير استنادا إلى فراسة؛ فإنه ليس من الكهانة في شيء؛ لأن بعض الناس قد يفهم ما في الإنسان اعتمادا على أسارير وجهه ولمحاته، وإن كان لا يعلمه على وجه التفصيل، لكن يعلمه على سبيل الإجمال.
فمن يخبر عما وقع في الأرض ليس من الكهان، ولكن ينظر في حاله، فإذا كان غير موثوق في دينه؛ فإننا لا نصدقه؛ لأن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] .
وإن كان موثوقا في دينه، ونعلم أنه لا يتوصل إلى ذلك بمحرم من شرك أو غيره؛ فإننا لا ندخله في الكهان الذين يحرم الرجوع إلى قولهم، ومن يخبر بأشياء وقعت في مكان ولم يطلع عليها أحد دون أن يكون موجودا فيه؛ فلا يسمى كاهنا؛ لأنه لم يخبر عن مغيب مستقبل يمكن أن يكون عنده جني يخبره، والجني قد يخدم بني آدم بغير المحرم؛ إما محبة لله -عز وجل-، أو لعلم يحصله منه، أو لغير ذلك من الأغراض المباحة.
والسحرة قد يكون لهم من الجن من يسترق لهم السمع.
ولا يصل هؤلاء المسترقون إلا إلى السماء الدنيا؛ لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} [الأنبياء: 32] ؛ فلا يمكن نفوذه إلى ما فوقه.
(9/306)

«فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " فربما أدركه الشهاب ... إلخ"، الشهاب: جزء منفصل من النجوم، ثاقب، قوي، ينفذ فيما يصطدم به.
قال العلماء في التفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الملك: 5] ؛ أي: جعلنا شهابها الذي ينطلق منها؛ فهذا من باب عود الضمير إلى الجزء لا إلى الكل.
فالشهب: نيازك تنطلق من النجوم.
وهي كما قال أهل الفلك: تنزل إلى الأرض، وقد تحدث تصدعا فيها، أما النجم، فلو وصل إلى الأرض؛ لأحرقها.
واختلف العلماء: هل المسترقون انقطعوا عن الاستراق بعد بعثة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الأبد، أو انقطعوا في وقته فقط؟
والثاني هو الأقرب: أنهم انقطعوا في وقت البعثة فقط، حتى لا يلتبس كلام الكهان بالوحي، ثم بعد ذلك زال السبب الذي من أجله انقطعوا.
قوله: " فيكذب معها مائة كذبة "، هل هذا على سبيل التحديد، أو المراد المبالغة، أي أنه يكذب معها كذبات كثيرة؟
الثاني هو الأقرب، وقد تزيد عن ذلك وقد تنقص؛ فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟
(9/307)

والناس في هذه الأمور الغريبة على حسب ما أخبر به المخبر يأخذون كل ما يقوله صدقا، فإذا أخبر بشيء فوقع، ثم أخبر بشيء ثان؛ قالوا: إذن لا بد أن يصدق.
فوائد الحديث:
1 - إثبات القول لله -عز وجل-.
2 - عظمة الله -سبحانه وتعالى-.
3 - إثبات الأجنحة للملائكة.
4 - خوف الملائكة من الله -عز وجل- وخضوعهم له.
5 - أن الملائكة يتكلمون ويعقلون.
6 - أنه لا يصدر عن الله إلا الحق.
7 - أن الله سبحانه يمكن هؤلاء الجن من الوصول إلى السماء فتنة للناس، وهي ما يلقونه على الكهان، فيحصل بذلك فتنة، والله -عز وجل- حكيم.
وقد يوجد الله أشياء تكون ضلالا لبعض الناس، لكنها لبعضهم هدى امتحانا وابتلاء.
8 - كثرة الجن؛ لأنهم يترادفون إلى السماء، ومعنى ذلك أنهم كثيرون جدا، وأجسامهم خفيفة يطيرون طيرانا.
وذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في السحرة الذين يستخدمون الجن وتطير بهم: أنهم يصبحون يوم عرفة في بلادهم ويقفون مع الناس في عرفة، وهذا ممكن الآن في الطائرات، لكن في ذلك الوقت ليس هناك طائرات؛ فتحملهم الشياطين، ويجعلون للناس المكانس التي تكنس بها
(9/308)

وعن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي؛ أخذت السماوات منه رجفة -أو قال: رعدة شديدة- خوفا من الله عز وجل» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
البيوت، ويقول: أنا أركب المكنسة وأطير بها إلى مكة؛ فيفعلون هذا، وشيخ الإسلام يقول: إن هؤلاء كذبة ومستخدمون للشياطين، ويسيئون حتى من الناحية العملية؛ لأنهم يمرون الميقات ولا يحرمون منه.
9 - أن الكهان من أكذب الناس، ولهذا يضيفون إلى ما سمعوا كذبات كثيرة يضللون بها الناس، ويتوصلون بها إلى باطلهم تارة بالترهيب وتارة بالترغيب، كأن يقولوا: ستقوم القيامة يوم كذا وكذا، وسيجري عليك كذا من موت أو سرقة مال ونحو ذلك.
10 - أن الساحر يصور للمسحور غير الواقع، وفي هذا تحذير من أهل التمويه والتلبيس، وأنهم إن صدقوا في شيء؛ فيجب الحذر منهم بكل حال.
قوله: " وعن النواس ... "، هذا الحديث لم يخرجه المؤلف، لكن قد ذكره ابن كثير من رواية ابن أبي حاتم، وذكر فيه علة؛ وهي أن في سنده الوليد بن مسلم، وهو مدلس، وقد رواه عن شيخه بالعنعنة؛ فيكون في الحديث ضعف، إلا أنه قد روى مسلم وأحمد من حديث ابن عباس حديثا قد يكون شاهدا له، حيث أخبر أن الله إذا تكلم بالوحي سمعه حملة العرش، فسبحوا،
(9/309)

«فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء؛ سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثم سمعه أهل كل سماء، فيسبحون كما سبح أهل السماء السابعة، حتى يصل إلى السماء الدنيا، فتخطفه الجن أو الشياطين.
وهذا وإن لم يكن فيه ذكر رجفة السماء أو السجود؛ لكن يدل على أن له أصلا.
قوله: «إذا أراد أن يوحي بالأمر» ، أي: بالشأن.
قوله: " تكلم بالوحي "، جملة شرطية تقتضي تأخر المشروط عن الشرط؛ فالإرادة سابقة، والكلام لاحق؛ فيكون فيه رد على الأشاعرة الذين يقولون: إن الله لا يتكلم بإرادة، وإن كلامه أزلي؛ كالسمع والبصر؛ ففيه إثبات الكلام الحادث، ولا ينقص كمال الله إذا قلنا: إنه يتكلم بما شاء، كيف شاء، متى شاء، بل هذا صفة كمال، لكن النقص أن يقال: إنه يتكلم بحرف وصوت، إنما الكلام معنى قائم بنفسه.
قوله: «أخذت السماوات منه رجفة» ، السماوات: مفعول به جمع مؤنث سالم، أو ملحق به؛ فيكون منصوبا بالكسرة، ورجفة: فاعل.
قوله: " أو قال: رعدة شديدة "، شك من الراوي، وإنما تأخذ السماوات الرجفة أو الرعدة؛ لأنه سبحانه عظيم يخافه كل شيء، حتى السماوات التي ليس فيها روح.
قوله: «فإذا سمع ذلك أهل السماوات؛ صعقوا وخروا لله سجدا» .
(9/310)

«فيقول: قال الحق، وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل» . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قيل: كيف يمكن أن يصعقوا ويخروا سجدا؟
فالجواب: أن الصعق هنا -والله أعلم- يكون قبل السجود، فإذا أفاقوا سجدوا.
قوله: " فيكون أول من يرفع رأسه جبريل "، أول: بالنصب على أنها خبر مقدم، وجبريل بالرفع على أنها اسم يكون مؤخرا.
قوله: " بما أراد "، أي: بما شاء؛ لأن الله تعالى يتكلم بمشيئة.
قوله: " ثم يمر جبريل على الملائكة "؛ لأنه يريد النزول من عند الله إلى حيث أمره الله أن ينتهي إليه بالوحي.
قوله: " قال الحق وهو العلي الكبير "، سبق في تفسير ذلك أنه يحتمل قال الحق في هذه القضية المعينة، أو قال الحق؛ لأن من عادته سبحانه ألا يقول إلا الحق، وأيا كان؛ فإن جبريل لا يخبر الملائكة بما أوحى الله إليه، بل يقول: قال الحق مبهما، ولهذا سمي عليه السلام بالأمين، والأمين: هو الذي لا يبوح بالسر.
قوله: " وهو العلي الكبير "، تقدم الكلام عليه.
قوله: " فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل "، أي: قال الحق، وهو العلي الكبير.
قوله: «فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله -عز وجل» -"، أي: يصل بالوحي إلى حيث أمره الله من الأنبياء والرسل.
من فوائد الحديث:
__________
(1) تفسير ابن جرير الطبري (22/91) ، وابن كثير في تفسيره (6/504) .
(9/311)

1 - إثبات الإرادة لقوله: " إذا أراد الله " وهي قسمان: شرعية وكونية.
والفرق بينهما أولا: من حيث المتعلق؛ فالإرادة الشرعية تتعلق بما يحبه الله -عز وجل-، سواء وقع أو لم يقع، وأما الكونية؛ فتتعلق بما يقع، سواء كان يحبه الله أو مما لا يحبه.
ثانيا: الفرق بينهما من حيث الحكم، أي حصول المراد؛ فالشرعية لا يلزم منها وقوع المراد، أما الكونية؛ فيلزم منها وقوع المراد.
فقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27] هذه إرادة شرعية؛ لأنها لو كانت كونية لتاب على كل الناس، وأيضا متعلقها فيما يحبه الله وهو التوبة.
وقوله: {إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34] هذه كونية؛ لأن الله لا يريد الإغواء شرعا، أما كونا وقدرا؛ فقد يريده.
وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 26] هذه كونية، لكنها في الأصل شرعية؛ لأنه قال: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 26] .
وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] هذه شرعية؛ لأن قوله: {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} لا يمكن أن تكون كونية؛ إذ إن العسر يقع ولو كان الله لا يريده قدرا وكونا؛ لم يقع.
2 - أن المخلوقات وإن كانت جمادا تحس بعظمة الخالق، قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] .
3 - إثبات أن الملائكة يتكلمون ويفهمون ويعقلون لأنهم يسألون: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} ؟ ويجابون: قال الحق، خلافا لمن قال: إنهم لا يوصفون
(9/312)

بذلك؛ فيلزم من قولهم هذا أننا تلقينا الشريعة ممن لا عقول لهم، وهذا قدح في الشريعة بلا ريب.
4 - إثبات تعدد السماوات؛ لقوله: " كلما مر بسماء ".
5 - أن لكل سماء ملائكة مخصصين؛ لقوله: " سأله ملائكتها ".
6 - فضيلة جبريل عليه السلام حيث إنه المعروف بأمانة الوحي، ولهذا قال ورقة بن نوفل: "هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى "، والناموس بالعبرية بمعنى صاحب السر.
7 - أمانة جبريل عليه السلام، حيث ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله -عز وجل-؛ فيكون فيه رد على الرافضة الكفرة الذين يقولون: بأن جبريل أمر أن يوحي إلى علي فأوحى إلى محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ويقولون:
خان الأمين فصدها عن حيدرة
وحيدرة لقب لعلي بن أبي طالب؛ لأنه كان يقول في غزوة خيبر:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة.
وفي هذا تناقض منهم؛ لأن وصفه بالأمانة يقتضي عدم الخيانة.
8 - إثبات العزة والجلال لله -عز وجل -؛ لقوله: " عز وجل "، والعزة بمعنى الغلبة والقوة، وللعزيز ثلاثة معان:
1 - عزيز: بمعنى ممتنع أن يناله أحد بسوء.
2 - عزيز: بمعنى ذي قدر لا يشاركه فيه أحد.
3 - عزيز: بمعنى غالب قاهر.
(9/313)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية.
الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصا من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن القيم في النونية:
وهو العزيز فلن يرام جنابه ... أنى يرام جناب ذي السلطان
وهو العزيز القاهر الغلاب لم ... يغلبه شيء هذه صفتان
وهو العزيز بقوة هي وصفه ... فالعز حينئذ ثلاث معان
وأما جل: فالجلال بمعنى العظمة التي ليس فوقها عظمة.
فيها مسائل:
الأولى: تفسير الآية، أي قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} الآية، وقد سبق تفسيرها.
الثانية: ما فيه من الحجة على إبطال الشرك، وذلك أن الملائكة وهم من هم في القوة والعظمة يصعقون ويفزعون من تعظيم الله؛ فكيف بالأصنام التي تعبد من دون الله وهي أقل منهم بكثير؛ فكيف يتعلق الإنسان بها؟
ولذلك قيل: إن هذه الآية هي التي تقطع عروق الشرك من القلب؛ لأن الإنسان إذا عرف عظمة الرب سبحانه حيث ترتجف السماوات ويصعق أهلها بمجرد تكلمه بالوحي؛ فكيف يمكن للإنسان أن يشرك بالله شيئا مخلوقا، ربما يصنعه بيده
(9/314)

الثالثة: تفسير قوله: {قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} .
الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك. الخامسة: أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: " قال كذا وكذا ".
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل. السابعة: أنه يقول لأهل السماوات كلهم لأنهم يسألونه. الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حتى كان جهال العرب يصنعون آلهة من التمر، إذا جاع أحدهم أكلها؟!
وينزل أحدهم بالوادي فيأخذ أربعة أحجار: ثلاثة يجعله تحت القدر، والرابع -وهو أحسنها- يجعلها إلها له.
الثالثة: تفسير قوله: {قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} ، وسبق تفسيرها.
الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك، فالسؤال: ماذا قال ربكم؟ وسببه شدة خوفهم منه وفزعهم خوفا من أن يكون قد قال فيهم ما لا يطيقونه من التعذيب.
الخامسة: أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: قال كذا وكذا؛ أي: يقول: قال الحق.
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل، لحديث النواس بن سمعان، وفيه فضيلة جبريل.
السابعة: أنه يقول لأهل السماوات كلهم لأنهم يسألونه، وفي هذا دليل على عظمته بينهم.
الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم، تؤخذ من قوله: «فإذا سمع ذلك أهل السماوات؛ صعقوا وخروا لله سجدا» .
(9/315)

التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله. العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين. الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضا. الثالثة عشرة: إرسال الشهب. الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله؛ لقوله: «أخذت السماوات منه رجفة» ؛ أي: لأجله تعظيما لله.
أي: لا أحد يتولى إيصال الوحي غير جبريل حتى يوصله إلى حيث أمره به؛ لأنه الأمين على الوحي.
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين، أي: الذين يسترقون ما يسمع في السماوات، فيلقونه على الكهان، فيزيد فيه الكهان وينقصون. الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضا، وصفها سفيان رحمه الله بأن حرف يده وبدد بين أصابعه الثالثة عشرة: إرسال الشهب، يعني: التي تحرق مسترقي السمع، قال تعالى: {إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [الحجر: 18] .
الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
(9/316)

الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان. السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة. السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان؛ لأنه يأتي بما سمع من السماء ويزيد عليه، وإذا وقع ما في السماء؛ صار صادقا.
اعتراض وجوابه:
كيف يسمع المسترقون الكلمة وعندما يسأل الملائكة جبريل يجابون بقال الحق فقط؟
والجواب: إن الوحي لا يعلمه أهل السماء، بل هو من الله إلى جبريل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أما الأمور القدرية التي يتكلم الله بها؛ فليست خاصة بجبريل، بل ربما يعلمها أهل السماء مفصلة، ثم يسمعها مسترقو السمع.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة، أي: يكذب مع الكلمة التي تلقاها من المسترق.
وقوله: " مائة كذبة " هذا على سبيل المبالغة كما سبق وليس على سبيل التحديد.
السابعة عشرة: أنه لم يصدق إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء، وأما ما قاله من عنده؛ فهو تخرص؛ فالكلمة التي سمعها تصدق، والذي يضيفه كله كذب يموه به على الناس.
(9/317)

الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟! التاسعة عشرة: كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها. العشرون: إثبات الصفات خلافا للأشعرية المعطلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟ وهذا صحيح، وليس صفة عامة لعامة الناس، بل لأهل الجهل والسفه؛ فهم يتعلقون بالكاهن من أجل صدقه مرة واحدة، وأما مائة كذبة؛ فلا يعتبرون بها، ولا شك أن بعض السفهاء يغترون بالصالح المغمور بالمفاسد، ولكن لا يغتر به أهل العقل والإيمان، ولهذا لما نزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219] ، تركهما كثير من الصحابة اعتبارا بالموازنة، والعاقل لا يمكن إذا وازن بين الأشياء أن يرجح جانب المفسدة؛ فهو وإن لم يأت الشرع بالتعيين يعرف ويميز بين المضار والمنافع.
التاسعة عشرة: كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة ويحفظونها.. إلخ، الكلمة: هي الصدق؛ لأنها هي التي تروج بضاعتهم، ولو كانت بضاعتهم كلها كذبا ما راجت بين الناس
العشرون: إثبات الصفات خلافا للأشعرية المعطلة، الأشعرية: هم الذين ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري، وسموا معطلة؛ لأنهم يعطلون النصوص عن المعنى المراد بها، ويعطلون ما وصف الله به نفسه، والمراد تعطيل أكثر ذلك
(9/318)

فإنهم يعطلون أكثر الصفات ولا يعطلون جميعها، بخلاف المعتزلة؛ فالمعتزلة ينكرون الصفات ويؤمنون بالأسماء، هؤلاء عامتهم، وإلا؛ فغلاتهم ينكرون حتى الأسماء، وأما الأشاعرة؛ فهم معطلة اعتبارا بالأكثر؛ لأنهم لا يثبتون من الصفات إلا سبعا، وصفاته تعالى لا تحصى، وإثباتهم لهذه السبع ليس كإثبات السلف؛ فمثلا: الكلام عند أهل السنة أن الله يتكلم بمشيئته بصوت وحرف.
والأشاعرة قالوا: الكلام لازم لذاته كلزومه الحياة والعلم، ولا يتكلم بمشيئته، وهذا الذي يسمع عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، بل هو مخلوق؛ فحقيقة الأمر أنهم لم يثبتوا الكلام، ولهذا قال بعضهم: إنه لا فرق بيننا وبين المعتزلة في كلام الله؛ لأننا أجمعنا على أن ما بين دفتي المصحف مخلوق، وحجتهم في إثبات الصفات السبع: أن العقل دل عليها.
وشبهتهم في إنكار البقية: زعموا أن العقل لا يدل عليها.
والرد عليهم بما يلي:
1 - أن كون العقل يدل على الصفات السبع لا يدل على انتفاء ما سواها؛ فإن انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول؛ فهب أن العقل لا يدل على بقية الصفات، لكن السمع دل عليها؛ فنثبتها بالدليل السمعي.
2 - أنها ثابتة بالدليل العقلي بنظير ما أثبتم هذه السبع؛ فمثلا: الإرادة ثابتة لله عندهم بدليل التخصيص، حيث إن الله جعل الشمس شمسا، والقمر قمرا، والسماء سماء، والأرض أرضا، وكونه يميز بين ذلك معناه أنه سبحانه وتعالى يريد؛ إذ لولا الإرادة؛ لكانت الدنيا كلها سواء، فأثبتوها لأن العقل دل عليها.
فنقول لهم: الرحمة لا تمضي لحظة على الخلق إلا وهم في نعمة من
(9/319)

الحادية والعشرون: التصريح بأن تلك الرجفة والغشي خوفا من الله عز وجل. الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجدا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الله؛ فهذه النعم العظيمة من الله تدل على رحمته لخلقه أدل من التخصيص على الإرادة.
والانتقام من العصاة يدل على بغضه لهم، وإثابة الطائعين ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة يدل على محبته لهم أدل على التخصيص من الإرادة، وعلى هذا فقس؛ فالمؤلف رحمه الله لما كان الأشعرية لا يثبتون إلا سبع صفات على خلاف في إثباتها مع أهل السنة جعلهم معطلة على سبيل الإطلاق، وإلا فالحقيقة أنهم ليسوا معطلة على سبيل الإطلاق.
الحادية والعشرون: التصريح بأن تلك الرجفة والغشي خوفا من الله -عز وجل -، فيدل على عظمة الخالق جل وعلا، حيث بلغ خوف الملائكة منه هذا المبلغ.
الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجدا، أي: تعظيما لله واتقاء لما يخشونه؛ فتفيد تعظيم الله -عز وجل- كالتي قبلها.
(9/320)

باب الشفاعة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ذكر المؤلف رحمه الله الشفاعة في كتاب التوحيد؛ لأن المشركين الذي يعبدون الأصنام يقولون: إنها شفاعة لهم عند الله، وهم يشركون بالله -سبحانه وتعالى- فيها بالدعاء والاستغاثة وما أشبه ذلك.
وهم بذلك يظنون أنهم معظمون لله، ولكنهم منتقصون له؛ لأنه عليم بكل شيء، وله الحكم التام المطلق والقدرة التامة؛ فلا يحتاج إلى شفعاء.
ويقولون: إننا نعبدهم ليكونوا شفعاء لنا عند الله، فيقربونا إلى الله، وهم ضالون في ذلك؛ فهو سبحانه عليم وقدير وذو سلطان، ومن كان كذلك؛ فإنه لا يحتاج إلى شفعاء.
والملوك في الدنيا يحتاجون إلى شفعاء؛ إما لقصور علمهم، أو لنقص قدرتهم؛ فيساعدهم الشفعاء في ذلك، أو لقصور سلطانهم؛ فيتجرأ عليهم الشفعاء، فيشفعون بدون استئذان، ولكن الله -عز وجل- كامل العلم والقدرة والسلطان، فلا يحتاج لأحد أن يشفع عنده، ولهذا لا تكون الشفاعة عنده سبحانه إلا بإذنه لكمال سلطانه وعظمته.
ثم الشفاعة لا يراد بها معونة الله سبحانه في شيء مما شفع فيه؛ فهذا ممتنع كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولكن يقصد بها أمران، هما:
(9/321)

وقول الله عز وجل: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} [الأنعام: 51] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1 - إكرام الشافع.
2 - نفع المشفوع له.
والشفاعة لغة: اسم من شفع يشفع، إذا جعل الشيء اثنين، والشفع ضد الوتر، قال الله تعالى: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 3] .
واصطلاحا: التوسط للغير، بجلب منفعة، أو دفع مضرة.
مثال جلب المنفعة: شفاعة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأهل الجنة بدخولها.
مثال دفع المضرة: شفاعة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لمن استحق النار أن لا يدخلها.
وذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب عدة آيات:
الآية الأولى قوله تعالى: وأنذر به، الإنذار: هو الإعلام المتضمن للتخويف، أما مجرد الخبر؛ فليس بإنذار، والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والضمير في " به " يعود للقرآن؛ كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7] ، وقال الله تعالى: {لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 2] .
وقوله: {يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا} ، أي: يخافون مما يقع لهم من سوء العذاب في ذلك الحشر.
والحشر: الجمع، وقد ضمن هنا معنى الضم والانتهاء؛ فمعنى يحشرون؛ أي يجمعون حتى ينتهوا إلى الله.
قوله: {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} ، " ولي "؛ أي ناصر ينصرهم.
(9/322)

وقوله: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولا شفيع أي: شافع يتوسط لهم، وهذا محل الشاهد.
ففي هذه الآية نفي الشفاعة من دون الله، أي من دون إذنه، ومفهومها: أنها ثابتة بإذنه، وهذا هو المقصود؛ الشفاعة من دونه مستحيلة، وبإذنه جائزة وممكنة.
أما عند الملوك؛ فجائزة بإذنهم وبغير إذنهم، فيمكن لمن كان قريبا من السلطان أن يشفع بدون أن يستأذن.
ويفيد قوله: من دونه أن لهم بإذنه وليا وشفيعا؛ كما قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [المائدة: 55] .
الآية الثانية قوله تعالى: {لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ} ، مبتدأ وخبر، وقدم الخبر للحصر، والمعنى: لله وحده الشفاعة كلها، لا يوجد شيء منها خارج عن إذن الله وإرادته؛ فأفادت الآية في قوله: " جميعا " أن هناك أنواعا للشفاعة.
وقد قسم أهل العلم رحمهم الله الشفاعة إلى قسمين رئيسيين، هما:
القسم الأول: الشفاعة الخاصة بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهي أنواع:
النوع الأول: الشفاعة العظمى، وهي من المقام المحمود الذي وعده الله؛ «فإن الناس يلحقهم يوم القيامة في ذلك الموقف العظيم من الغم والكرب ما لا يطيقونه، فيقول بعضهم لبعض: اطلبوا من يشفع لنا عند الله، فيذهبون إلى آدم أبي البشر، فيذكرون من أوصافه التي ميزه الله بها: أن الله خلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، فيقولون: اشفع لنا عند ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيعتذر لأنه عصى الله بأكله من الشجرة،» ومعلوم أن
(9/323)

الشافع إذا كان عنده شيء يخدش كرامته عند المشفوع إليه؛ فإنه لا يشفع لخجله من ذلك، مع أن آدم عليه السلام قد تاب الله عليه واجتباه وهداه، قال الله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 121-122] ، لكن لقوة حيائه من الله اعتذر.
«ثم يذهبون إلى نوح، ويذكرون من أوصافه التي امتاز بها، بإنه أول رسول أرسله الله الأرض، فيعتذر بأنه سأل الله ما ليس له به علم حين قال: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود: 45] .
ثم يذهبون إلى عيسى عليه الصلاة والسلام، فيذكرون من أوصافه ما يقتضي أن يشفع؛ فلا يعتذر بشيء، لكن يحيل إلى من هو أعلى مقاما، فيقول: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيحيلهم إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون أن يذكر عذرا يحول بينه وبين الشفاعة، فيأتون محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيشفع إلى الله ليريح أهل الموقف.»
الثاني: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها؛ لأنهم إذا عبروا الصراط ووصلوا إليها وجدوها مغلقة، فيطلبون من يشفع لهم فيشفع لهم النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى الله في فتح أبواب الجنة لأهلها، ويشير إلى قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73] ؛ فقال: وفتحت؛ فهناك شيء محذوف، أي: وحصل ما حصل من الشفاعة، وفتحت الأبواب، أما النار؛ فقال فيها {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} الآية.
(9/324)

الثالث: شفاعته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب، وهذه مستثناة من قوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] ، وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] ، وذلك لما كان لأبي طالب من نصرة للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودفاع عنه، وهو لم يخرج من النار، لكن خفف عنه حتى صار -والعياذ بالله- «في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه،» وهذه الشفاعة خاصة بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا أحد يشفع في كافر أبدا إلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومع ذلك لم تقبل الشفاعة كاملة، وإنما هي تخفيف فقط.
القسم الثاني: الشفاعة العامة له -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولجميع المؤمنين.
وهي أنواع:
النوع الأول: الشفاعة فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وهذه قد يستدل لها بقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا؛ إلا شفعهم الله فيه» ؛ فإن هذه شفاعة قبل أن يدخل النار، فيشفعهم الله في ذلك.
النوع الثاني: الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها، وقد تواترت بها الأحاديث، وأجمع عليها الصحابة، واتفق عليها أهل الملة ما عدا طائفتين، وهما: المعتزلة والخوارج؛ فإنهم ينكرون الشفاعة في أهل المعاصي مطلقا لأنهم يرون أن
(9/325)

فاعل الكبيرة مخلد في النار، ومن استحق الخلود؛ فلا تنفع فيه الشفاعة، فهم ينكرون أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو غيره يشفع في أهل الكبائر أن لا يدخلوا النار، أو إذا دخلوها أن يخرجوا منها، لكن قولهم هذا باطل بالنص والإجماع.
النوع الثالث: الشفاعة في رفع درجات المؤمنين، وهذه تؤخذ من دعاء المؤمنين بعضهم لبعض كما قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في أبي سلمة: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه» ، والدعاء شفاعة؛ كما قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «ما من مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا؛ إلا شفعهم الله فيه» .
إشكال وجوابه:
فإن قيل: إن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه سبحانه؛ فكيف يسمى دعاء الإنسان لأخيه شفاعة وهو لم يستأذن من ربه؟
والجواب: إن الله أمر بأن يدعو الإنسان لأخيه الميت، وأمره بالدعاء إذن وزيادة.
وأما الشفاعة الموهومة التي يظنها عباد الأصنام من معبودتهم؛ فهي شفاعة باطلة؛ لأن الله لا يأذن لأحد بالشفاعة إلا من ارتضاه من الشفعاء والمشفوع لهم.
إذا قوله: {لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} تفيد أن الشفاعة متعددة كما سبق
(9/326)

وقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الثالثة قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي} ، " من ": اسم استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه.
" ذا ": هل تجعل ذا اسما موصولا كما قال ابن مالك في "الألفية"، أو لا تصح أن تكون اسما موصولا هنا لوجود الاسم الموصول " الذي "؟
الثاني هو الأقرب، وإن كان بعض المعربين قال: يجوز أن تكون " الذي " توكيدا لها.
والصحيح أن " ذا " هنا إما مركبة مع " من "، أو زائدة للتوكيد، وأيا كان الإعراب؛ فالمعنى: أنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذن الله.
وسبق أن النفي إذا جاء في سياق الاستفهام؛ فإنه يكون مضمنا معنى التحدي، أي إذا كان أحد يشفع بغير إذن الله فأت به.
قوله: " عنده "، ظرف مكان، وهو سبحانه في العلو؛ فلا يشفع أحد عنده ولو كان مقربا؛ كالملائكة المقربين؛ إلا بإذنه الكوني، والإذن لا يكون إلا بعد الرضا.
وأفادت الآية: أنه يشترط للشفاعة، إذن الله فيها لكمال سلطانه جل وعلا، فإنه كلما كمل سلطان الملك؛ فإنه لا أحد يتكلم عنده ولو كان بخير إلا بعد إذنه، ولذلك يعتبر اللغط في مجلس الكبير إهانة له ودليلا على أنه ليس كبيرا في نفوس من عنده، كان الصحابة مع الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كأنما على رءوسهم الطير من الوقار وعدم الكلام إلا إذا فتح الكلام؛ فإنهم يتكلمون.
(9/327)

وقوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الرابعة قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ} .
" كم " خبرية للتكثير، والمعنى: ما أكثر الملائكة الذين في السماء، ومع ذلك لا تغني شفاعتهم شيئا إلا بعد إذن الله ورضاه.
قوله: {إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} ، فللشفاعة شرطان، هما:
1 - الإذن من الله؛ لقوله: {أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ} .
2 - رضاه عن الشافع والمشفوع له؛ لقوله: " ويرضى "، وكما قال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] ؛ فلا بد من إذنه تعالى ورضاه عن الشافع والمشفوع له؛ إلا في التخفيف عن أبي طالب، وقد سبق ذلك.
وهذه الآية في سياق بيان بطلان ألوهية اللات والعزى، قال تعالى بعد ذكر المعراج وما حصل للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيه: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18] ؛ أي: العلامات الدالة عليه عز وجل؛ فكيف به سبحانه؟ فهو أكبر وأعظم.
ثم قال: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 19-20] ، وهذا استفهام للتحقير؛ فبعد أن ذكر الله هذه العظمة، قال أخبروني عن هذه اللات والعزى ما عظمتها؟ وهذه غاية في التحقير، ثم قال: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ}
(9/328)

وقوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [سبأ: 22] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية [النجم: 21-26] .
فإذا كانت الملائكة وهي في السماوات في العلو لا تغني شفاعتهم إلا بعد إذنه تعالى ورضاه؛ فكيف باللات والعزى وهي في الأرض؟
ولهذا قال: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ} ، مع أن الملائكة تكون في السماوات وفي الأرض، ولكن التي في السماوات العلا، وهي عند الله سبحانه؛ فحتى الملائكة المقربون حملة العرش لا تغني شفاعتهم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
الآية الخامسة قوله تعالى: قل ادعوا.
الأمر في قوله: ادعوا للتحدي والتعجيز، وقوله: ادعوا يحتمل معنيين، هما:
1 - أحضروهم.
2 - ادعوهم دعاء مسألة.
فلو دعوهم دعاء مسألة لا يستجيبون لهم؛ كما قال تعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] .
(9/329)

يكفرون: يتبرءون، ومع هذه الآيات العظيمة يذهب بعض الناس يشرك بالله ويستنجد بغير الله، وكذلك لو دعوهم دعاء حضور لم يحضروا، ولو حضروا ما انتفعوا بحضورهم.
قوله: {لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} ، واحدة الذر: وهي صغار النمل، ويضرب بها المثل في القلة.
قوله: {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} ، وكذلك ما دون الذرة لا يملكونه، والمقصود بذكر الذرة المبالغة، وإذا قصد المبالغة بالشيء قلة أو كثرة؛ فلا مفهوم له؛ فالمراد الحكم العام؛ فمثلا قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] ؛ أي: مهما بالغت في الاستغفار.
ولا يرد على هذا أن الله أثبت ملكا للإنسان؛ لأن ملك الإنسان قاصر وغير شامل، ومتجدد وزائل، وليس كملك الله.
قوله: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ} ، أي: ما لهؤلاء الذين تدعون من دون الله.
" فيهما " أي: في السماوات والأرض.
" من شرك "؛ أي: مشاركة، أي لا يملكون انفرادا ولا مشاركة.
قوله: " من شرك ": مبتدأ مؤخر دخلت عليه " من " الزائدة لفظا، لكنها للتوكيد معنى.
وكل زيادة في القرآن؛ فهي زيادة في المعنى.
وأتت " من " للمبالغة في النفي، وأنه ليس هناك شرك لا قليل ولا كثير.
قوله: {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} ، الضمير في " ما له " يعود إلى الله تعالى، وفي " منهم " يعود إلى الأصنام؛ أي: ما لله تعالى من الأصنام ظهير.
و" من ": حرف جر زائد، و"ظهير": مبتدأ مؤخر بمعنى معين؛ كما
(9/330)

قال الله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] ؛ أي: معينا، وقال تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4] ؛ أي: معين، أي: ليس لله معين في أفعاله، وبذلك ينتفي عن هذه الأصنام كل ما يتعلق به العابدون؛ فهي لا تملك شيئا على سبيل الانفراد ولا المشاركة ولا الإعانة؛ لأن من يعينك وإن كان غير شريك لك يكون له منة عليك؛ فربما تحابيه في إعطائه ما يريد.
فإذا انتفت هذه الأمور الثلاثة؛ لم يبق إلا الشفاعة، وقد أبطلها الله بقوله: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] ؛ فلا تنفع عند الله الشفاعة لهؤلاء؛ لأن هذه الأصنام لا يأذن الله لها، فانقطعت كل الوسائل والأسباب للمشركين، وهذا من أكبر الآيات الدالة على بطلان عبادة الأصنام؛ لأنها لا تنفع عابديها لا استقلالا ولا مشاركة ولا مساعدة ولا شفاعة؛ فتكون عبادتها باطلة، قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأحقاف: 5] ، حتى ولو كان المدعو عاقلا؛ لقوله: " من "، ولم يقل: "ما"، ثم قال تعالى: {وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 6، 5] ، وكل هذه الآيات تدل على أنه يجب على الإنسان قطع جميع تعلقاته إلا بالله عبادة وخوفا ورجاء واستعانة ومحبة وتعظيما؛ حتى يكون عبدا لله حقيقة، يكون هواه وإرادته وحبه وبغضه وولاؤه ومعاداته لله وفي الله؛ لأنه مخلوق للعبادة فقط، قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] ؛ أي: لا نأمركم ولا ننهاكم، إذ لو خلقناكم فقط للأكل والشرب والنكاح؛ لكان ذلك عين العبث، ولكن هناك شيء وراء ذلك، وهو عبادة الله سبحانه في هذه الدنيا.
(9/331)

قال أبو العباس: " نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب؛ كما قال: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: {إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} ، أي: وحسبتم أنكم إلينا لا ترجعون، فنجازيكم إذا كان هذا هو حسبانكم؛ فهو حسبان باطل.
قوله: "قال أبو العباس "، هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية رحمه الله يكنى بذلك، ولم يتزوج؛ لأنه كان مشغولا بالعلم والجهاد، وليس زاهدا في السنة، مات سنة 727هـ، وله 67سنة و10أشهر.
قوله: " لغيره ملك "، أي: لغير الله في قوله: {لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} .
قوله: " أو قسط منه " في قوله: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ} .
قوله: " أو يكون عونا لله " في قوله تعالى: {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} بدون استثناء.
قوله: " ولم يبق إلا الشفاعة "، فبين أنها لا تنفع إلا من أذن له الرب؛ كما قال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} ، وقال: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] ، ومعلوم أنه لا يرضى هذه الأصنام؛ لأنها باطلة، وحينئذ فتكون شفاعتهم منتفية.
واعلم أن شرك المشركين في السابق كان في عبادة الأصنام، أما الآن؛
(9/332)

فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة؛ كما نفاها القرآن، وأخبر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده -لا يبدأ بالشفاعة أولا- ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فهو في طاعة المخلوق في المعصية؛ فإن هؤلاء يقدسون زعماءهم أكثر من تقديس الله إن أقروا به، فيقال لهم: إنهم بشر مثلكم، خرجوا من مخرج البول والحيض، وليس لهم شرك في السماوات ولا في الأرض، ولا يملكون الشفاعة لكم عند الله، إذا؛ فكيف تتعلقون بهم؟ حتى إن الواحد منهم يركع لرئيسه أو يسجد له كما يسجد لرب العالمين.
والواجب علينا نحو ولاة الأمور طاعتهم، وطاعتهم من طاعة الله، وليست استقلالا، أما عبادتهم كعبادة الله؛ فهذه جاهلية وكفر.
فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن؛ فالله -سبحانه وتعالى- نفى أن تنفعهم أصنامهم، بل قال: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء: 98، 99] حتى الأصنام لا تنفع نفسها ولا يشفع لها؛ فكيف تكون شافعة؟ بل هي في النار وعابدوها.
قوله: «وأخبر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه يأتي فيسجد لربه» ، أي: وكما أخبر؛ فالواو
(9/333)

«وقال أبو هريرة له -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال: لا إله إلا الله؛ خالصا من قلبه» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عاطفة، ويجوز أن تكون استئنافية، فإذا كان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو أعظم الناس جاها عند الله لا يشفع إلا بعد أن يحمد الله ويثني عليه، فيحمد الله بمحامد عظيمة يفتحها الله عليه لم يكن يعلمها من قبل، ويطول سجوده؛ فكيف بهذه الأصنام؛ هل يمكن أن تشفع لأصحابها؟
قوله: " ارفع رأسك " أي: من السجود.
قوله: " وقل يسمع " السامع هو الله، و"يسمع": جواب الأمر مجزوم.
قوله: " وسل تعط " أي: سل ما بدا لك تعط إياه، وتعط: مجزوم بحذف حرف العلة جوابا لسل.
قوله: " واشفع تشفع "، وحينئذ يشفع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الخلائق أن يقضى بينهم.
قوله: «وقال أبو هريرة له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: من أسعد الناس بشفاعتك؟» هذا السؤال من أبي هريرة للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «"لقد كنت أظن أن لا يسألني أحد غيرك عنه لما أرى من حرصك على العلم» ، وفي هذا دليل على أن من وسائل تحصيل العلم السؤال.
قوله: «من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه» ، وعليه؛ فالمشركون ليس لهم حظ من الشفاعة؛ لأنهم لا يقولون: لا إله إلا الله، قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ}
(9/334)

[الصافات: 35-36] ، وقال تعالى حكاية عنهم: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] .
والحقيقة أن صنيعهم هو العجاب، قال تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12] ، وقال تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الرعد: 5] .
وقوله: " خالصا من قلبه " خرج بذلك من قالها نفاقا؛ فإنه لا حظ له في الشفاعة، فإن المنافق يقول: لا إله إلا الله، ويقول: أشهد أن محمدا رسول الله، لكن الله -عز وجل- قابل شهادتهم هذه بشهادته على كذبهم، قال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] ؛ أي: في شهادتهم، في قولهم: إنك لرسول الله؛ فهم كاذبون في شهادتهم وفي قولهم: لا إله إلا الله؛ لأنهم لو شهدوا بذلك حقا ما نافقوا ولا أبطنوا الكفر.
قوله: " خالصا "، أي: سالما من كل شوب؛ فلا يشوبها رياء ولا سمعة، بل هي شهادة يقين.
قوله: " من قلبه " لأن المدار على القلب، وهو ليس معنى من المعاني، بل هو مضغة في صدور الناس، قال الله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] ، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} ، وقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله» .
(9/335)

فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليكرمه، وينال المقام المحمود.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وبهذا يبطل قول من قال: إن العقل في الدماغ، ولا ينكر أن للدماغ تأثيرا في الفهم والعقل، لكن العقل في القلب، ولهذا قال الإمام أحمد: "العقل في القلب، ولا اتصال في الدماغ".
ومن قال كلمة الإخلاص خالصا من قلبه؛ فلا بد أن يطلب هذا المعبود بسلوك الطرق الموصلة إليه؛ فيقوم بأمر الله ويدع نهيه.
قوله: " فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص "؛ لأن من أشرك بالله قال الله فيه: " {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} ".
قوله: " وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص؛ فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ".
وحقيقته، أي: حقيقة أمر الشفاعة، أي الفائدة منها: أن الله -عز وجل- أراد أن يغفر للمشفوع له، ولكن بواسطة هذه الشفاعة.
والحكمة من هذه الواسطة بينها بقوله: " ليكرمه وينال المقام المحمود "، ولو شاء الله لغفر لهم بلا شفاعة، ولكنه أراد بيان فضل هذا الشافع وإكرامه أمام الناس، ومن المعلوم أن من قبل الله شفاعته؛ فهو عنده بمنزلة عالية؛ فيكون في هذا إكرام للشافع من وجهين:
(9/336)

فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشافعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها لا تكون إلا لأهل الإخلاص والتوحيد، انتهى كلامه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأول: إكرام الشافع بقبول شفاعته.
الثاني: ظهور جاهه وشرفه عند الله تعالى.
قوله: " المقام المحمود " أي: المقام الذي يحمد عليه وأعظم الناس في ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإن الله وعده أن يبعثه مقاما محمودا، ومن المقام المحمود: أن الله يقبل شفاعته بعد أن يتراجع الأنبياء أولو العزم عنها.
ومن يشفع من المؤمنين يوم القيامة؛ فله مقام يحمد عليه على قدر شفاعته.
قوله: " فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك "، هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
"ما" اسم موصول؛ أي: التي كان فيها شرك.
قوله: " وقد أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع "، ومن ذلك قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] ، وقوله: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] ، وقوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26] .
قوله: " وقد بين النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنها لا تكون إلا لأهل الإخلاص والتوحيد ".
أما أهل الشرك؛ فإن الشفاعة لا تكون لهم؛ لأن شفعاءهم هي الأصنام، وهي باطلة.
(9/337)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيات. الثانية: صفة الشفاعة المنفية. الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة. الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود. الخامسة: صفة ما يفعله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأنه لا يبدأ بالشفاعة بل يسجد، فإذا أذن له؛ شفع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وجه إدخال باب الشفاعة في كتاب التوحيد: أن الشفاعة الشركية تنافي التوحيد، والبراءة منها هو حقيقة التوحيد.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيات، وهي خمس، وسبق تفسيرها في حالها.
الثانية: صفة الشفاعة المنفية، وهي ما كان فيها شرك، فكل شفاعة فيها شرك؛ فإنها منفية.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة، وهي شفاعة أهل التوحيد بشرط إذن الله تعالى ورضاه عن الشافع والمشفوع له.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود، وهي الشفاعة في أهل الموقف أن يقضي بينهم، وقول الشيخ: "وهي المقام المحمود"؛ أي: منه
الخامسة: صفة ما يفعله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأنه لا يبدأ بالشفاعة بل يسجد، فإذا أذن له؛
(9/338)

السادسة: من أسعد الناس بها؟ السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله. الثامنة: بيان حقيقتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
شفع، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، وهو ظاهر، وهذا يدل على عظمة الرب وكمال أدب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
السادسة: من أسعد الناس بها؟ هم أهل التوحيد والإخلاص من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه.
ولا إله إلا الله معناها: لا معبود حق إلا الله، وليس المعنى: لا معبود إلا الله؛ لأنه لو كان كذلك؛ لكان الواقع يكذب هذا، إذ إن هناك معبودات من دون الله تعبد وتسمى آلهة، ولكنها باطلة، وحينئذ يتعين أن يكون المراد لا إله حق إلا الله.
ولا إله إلا الله تتضمن نفيا وإثباتا، هذا هو التوحيد؛ لأن الإثبات المجرد تعطيل محض، فلو قلت: لا إله معناه عطلت كل إله، ولو قلت: الله إله ما وحدت؛ لأن مثل هذه الصيغة لا تمنع المشاركة، ولهذا قال الله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163] لما جاء الإثبات فقط أكده بقوله: واحد.
السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله، لقوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] وغير ذلك مما نفى الله فيه الشفاعة للمشركين، ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خالصا من قلبه ".
الثامنة: بيان حقيقتها، وحقيقتها: أن الله تعالى يتفضل على أهل الإخلاص؛ فيغفر لهم بواسطة من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود.
(9/339)

باب قول الله تعالى:
{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبة هذا الباب لما قبله:
مناسبته أنه نوع من الباب الذي قبله، فإذا كان لا أحد يستطيع أن ينفع أحدا بالشفاعة والخلاص من العذاب، كذلك لا يستطيع أحد أن يهدي أحدا؛ فيقوم بما أمر الله به.
قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] ، الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان يحب هداية عمه أبي طالب أو من هو أعم.
فأنت يا محمد المخاطب بكاف الخطاب، وله المنزلة الرفيعة عند الله لا تستطيع أن تهدي من أحببت هدايته، ومعلوم أنه إذا أحب هدايته؛ فسوف يحرص عليه، ومع ذلك لا يتمكن من هذا الأمر؛ لأن الأمر كله بيد الله، قال تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} [آل عمران: 128] ، وقال تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} [هود: 123] ؛ فأتى بـ "أل" الدالة على الاستغراق؛ لأن "أل" في قوله؛ "الأمر" للاستغراق؛ فهي نائبة مناب كل؛ أي: وإليه يرجع كل الأمر، ثم جاءت مؤكدة بكل، وذلك توكيدان.
والهداية التي نفاها الله عن رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هداية التوفيق، والتي أثبتها له
(9/340)

هداية الدلالة والإرشاد، ولهذا أتت مطلقة لبيان أن الذي بيده هو هداية الدلالة فقط، لا أن يجعله متهديا، قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] ، فلم يخصص سبحانه فلانا وفلانا ليبين أن المراد: أنك تهدي هداية دلالة، فأنت تفتح الطريق أمام الناس فقط وتبين لهم وترشدهم، وأما إدخال الناس في الهداية؛ فهذا أمر ليس إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنما هو مما تفرد الله به سبحانه؛ فنحن علينا أن نبين وندعو، وأما هداية التوفيق "أي الإنسان يهتدي"؛ فهذا إلى الله -سبحانه وتعالى- وهذا هو الجمع بين الآيتين.
وقوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} ظاهره أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يحب أبا طالب؛ فكيف يؤول ذلك؟
والجواب: إما أن يقال: إنه على تقدير أن المفعول محذوف، والتقدير: من أحببت هدايته لا من أحببته هو.
أو يقال: إنه أحب عمه محبة طبيعية كمحبة الابن أباه، ولو كان كافرا.
أو يقال: إن ذلك قبل النهي عن محبة المشركين.
والأول أقرب؛ أي: من أحببت هدايته لا عينه، وهذا عام لأبي طالب وغيره.
ويجوز أن يحبه محبة قرابة، لا ينافي هذا المحبة الشرعية، وقد أحب أن يهتدي هذا الإنسان وإن كنت أبغضه شخصيا لكفره، ولكن لأني أحب أن الناس يسلكون دين الله.
(9/341)

وفي "الصحيح" عن ابن المسيب، عن أبيه؛ قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة؛ جاءه رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له: "يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " في الصحيح "، سبق الكلام على مثل هذه العبارة في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: " أبا " بالألف: مفعول به منصوب بالألف؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و" الوفاة " يعني: الموت، فاعل حضرت.
قوله: " «فقال: يا عم، قل: لا إله إلا الله» ، أتى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بهذه الكنية الدالة على العطف؛ لأن العم صنو الأب؛ أي: كالغصن معه.
والصنو: الغصن الذي أصله واحد؛ فكأنه معه كالغصن.
قوله: " يا عم " فيها وجهان.
يا عم؛ بكسر الميم: على تقدير أنها مضافة إلى الياء.
ويا عم؛ بضم الميم: على تقدير قطعها عن الإضافة.
قوله: " قل: لا إله إلا الله " يجوز أنه قاله على سبيل الأمر والإلزام؛ لأنه يجب أن يأمر كل أحد أن يقول: لا إله إلا الله.
ويجوز أنه قاله على سبيل الترجي والتلطف معه، وأبو طالب والذين عنده يعرفون هذه الكلمة ويعرفون معناها، ولهذا بادر بالإنكار.
قوله: " كلمة "، منصوبة؛ لأنها بدل لا إله إلا الله، ويجوز إذا لم تكن الرواية بالنصب أن تكون بالرفع؛ أي: هي كلمة، ولكن النصب أوضح.
قول: " أحاج "، بضم الجيم وفتحها: فعلى ضم الجيم فهي صفة لكلمة،
(9/342)

«فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإذا كانت بالفتح فهي مجزومة جوابا للأمر: " قل "؛ أي: قل أحاج.
وقال بعض المعربين: إنها جواب لشرط مقدر؛ أي: إن تقل أحاج، وبعضهم يرى أنها جواب للأمر مباشرة، وهذا والأول أسهل؛ لأن الأصل عدم التقدير.
والمعنى: أذكرها حجة لك عند الله، وليس أخاصم وأجادل لك بها عند الله، وإن كان بعض أهل العلم قال: إن معناها أجادل الله بها، ولكن الذي يظهر لي أن المعنى: أحاج لك بها عند الله؛ أي: أذكرها حجة لك كما جاء في بعض الروايات: «أشهد لك بها عند الله» .
قوله: «فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟» ، القائلان هما: عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل، والاستفهام للإنكار عليه؛ لأنهما عرفا أنه إذا قالها -أي كلمة الإخلاص- وحد، وملة عبد المطلب الشرك، وذكرا له ما تهيج به نعرته، وهي ملة عبد المطلب حتى لا يخرج عن ملة آبائه.
وقد مات أبو جهل على ملة عبد المطلب، أما عبد الله بن أبي أمية والمسيب الذي روى الحديث، فأسلما؛ فأسلم من هؤلاء الثلاثة رجلان رضي الله عنهما.
قوله: " ملة عبد المطلب "، أي: دين عبد المطلب.
قوله: " فأعاد عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "، أي: قوله: قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج
(9/343)

«فقال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك".
فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} » [التوبة: 113] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لك بها عند الله.
قوله: " فأعادا عليه "، أي قولهما: أترغب عن ملة عبد المطلب.
قوله: " فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لأستغفرن لك ... إلخ" جملة " لأستغفرن لك " مؤكدة بثلاث مؤكدات: القسم، واللام، ونون التوكيد الثقيلة.
والاستغفار: طلب المغفرة، وكأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في نفسه شيء من القلق، حيث قال: " ما لم أنه عنك "؛ فوقع الأمر كما توقع ونهى عنه.
قوله: " ما لم أنه عنك "، فعل مضارع مبني للمجهول، والناهي عنه هو الله.
قوله " ما كان "، ما: نافية، وكان فعل ماض ناقص.
قوله: " {أَنْ يَسْتَغْفِرُوا} "، أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم كان مؤخر.
قوله: " للنبي "، خبر مقدم؛ أي: ما كان استغفاره.
واعلم أن ما كان أو ما ينبغي أو لا ينبغي ونحوها، إذا جاءت في القرآن والحديث؛ فالمراد أن ذلك ممتنع غاية الامتناع؛ كقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ} [مريم: 35] ، وقوله: {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم: 92] ، وقوله: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} [يس: 40] ، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» .
(9/344)

«وأنزل الله في أبي طالب: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} » [القصص: 56] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: {أَنْ يَسْتَغْفِرُوا} أي: يطلبوا المغفرة للمشركين.
قوله: {وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} ، أي: حتى ولو كانوا أقارب لهم، ولهذا «لما اعتمر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومر بقبر أمه استأذن الله أن يستغفر لها فما أذن الله له، فاستأذنه أن يزور قبرها فأذن له؛ فزاره للاعتبار وبكى وأبكى من حوله من الصحابة» .
فالله منعه من طلب المغفرة للمشركين؛ لأن هؤلاء المشركين ليسوا أهلا للمغفرة؛ لأنك إذا دعوت الله أن يفعل ما لا يليق؛ فهو اعتداء في الدعاء.
قوله: "وأنزل الله في أبي طالب "، أي: في شأنه.
قوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} ، الخطاب للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أي لا توفق من أحببت للهداية.
قوله: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ، أي يهدي هداية التوفيق من يشاء، واعلم أن كل فعل يضاف إلى مشيئة الله تعالى؛ فهو مقرون بالحكمة؛ أي: من اقتضت حكمته أن يهديه فإنه يهتدي، ومن اقتضت حكمته أن يضله أضله.
وهذا الحديث يقطع وسائل الشرك بالرسول وغيره؛ فالذين يلجئون إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويستنجدون به مشركون، فلا ينفعهم ذلك؛ لأنه لم يؤذن له أن يستغفر
(9/345)

لعمه، مع أنه قد قام معه قياما عظيما، ناصره وآزره في دعوته؛ فكيف بغيره ممن يشركون بالله؟
الإشكالات الواردة في الحديث:
الإشكال الأول: الإثبات والنفي في الهداية، وقد سبق بيان ذلك.
الإشكال الثاني: قوله لما حضرت أبا طالب الوفاة يشكل مع قوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: 18] ، وظاهر الحديث قبول توبته.
والجواب عن ذلك من أحد وجهين:
الأول: أن يقال لما حضرت أبا طالب الوفاة، أي ظهر عليه علامات الموت ولم ينزل به، ولكن عرف موته لا محالة، وعلى هذا؛ فالوصف لا ينافي الآية.
الثاني: أن هذا خاص بأبي طالب مع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ويستدل لذلك بوجهين:
أ- أنه قال: «كلمة أحاج لك بها عند الله» ، ولم يجزم بنفعها له، ولم يقل: كلمة تخرجك من النار.
ب- أنه سبحانه أذن للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالشفاعة لعمه مع كفره، وهذا لا يستقيم إلا له، والشفاعة له ليخفف عنه العذاب.
ويضعف الوجه الأول أن المعنى ظهرت عليه علامات الموت: بأن قوله: " لما حضرت أبا طالب الوفاة " مطابقا تماما؛ لقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} ، وعلى هذا يكون الأوضح في الجواب أن هذا خاص بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع
(9/346)

أبي طالب نفسه.
الإشكال الثالث: أن قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] في سورة التوبة، وهي متأخرة مدنية، وقصة أبي طالب مكية، وهذا يدل على تأخر النهي عن الاستغفار للمشركين، ولهذا استأذن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للاستغفار لأمه وهو ذاهب للعمرة.
ولا يمكن أن يستأذن بعد نزول النهي؛ فدل على تأخر الآية، وأن المراد بيان دخولها في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} ، وليس المعنى أنها نزلت في ذلك الوقت.
وقيل: إن سبب نزول الآية هو استئذانه ربه في الاستغفار لأمه، ولا مانع من أن يكون للآية سببان.
الإشكال الرابع: أن أهل العلم قالوا: يسن تلقين المحتضر لا إله إلا الله، لكن بدون قول قل؛ لأنه ربما مع الضجر يقول: لا؛ لضيق صدره مع نزول الموت، أو يكره هذه الكلمة أو معناها، وفي هذا الحديث قال: "قل".
والجواب: إن أبا طالب كان كافرا، فإذا قيل له: قل وأبى؛ فهو باق على كفره، لم يضره التلقين بهذا؛ فإما أن يبقى على كفره ولا ضرر عليه بهذا التلقين، وإما أن يهديه الله، بخلاف المسلم؛ فهو على خطر؛ لأنه ربما يضره التلقين على هذا الوجه.
(9/347)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} الآية. الثانية: تفسير قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} الآية. الثالثة: وهي المسألة الكبيرة، تفسير قوله: "لا إله إلا الله"؛ بخلاف ما عليه من يدعي العلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولي: تفسير قوله تعالى {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} ، أي: من أحببت هدايته، وسبق تفسيرها، وبينا أن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا كان لا يستطيع أن يهدي أحدا وهو حي؛ فكيف يستطيع أن يهدي أحدا وهو ميت؟ وأنه كما قال الله تعالى في حقه: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} [الجن: 21] .
الثانية: تفسير قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} الآية، وقد سبق تفسيرها، وبيان تحريم استغفار المسلمين للمشركين، ولو كانوا أولي قربى.
والخطر من قول بعض الناس لبعض زعماء الكفر إذا مات: المرحوم؛ فإنه حرام؛ لأن هذا مضادة لله -سبحانه وتعالى- وكذلك يحرم إظهار الجزع والحزن على موتهم بالإحداد أو غيره؛ لأن المؤمنين يفرحون بموتهم، بل لو كان عندهم القدرة والقوة لقاتلوهم حتى يكون الدين كله لله.
الثالثة: وهي المسألة الكبيرة، أي: الكبيرة من هذا الباب، «وقوله "أي النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" لعمه: " قل: لا إله إلا الله» ، وعمه المعنى أنه التبرؤ من كل إله سوى الله، ولهذا أبى أن يقولها؛ لأنه يعرف معناها ومقتضاها وملزوماتها.
وقوله: " بخلاف ما عليه من يدعي العلم " كأنه يشير إلى تفسير المتكلمين
(9/348)

الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل قال للرجل قل: "لا إله إلا الله"؛ فقبح الله أبا جهل، من أعلم منه بأصل الإسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لمعنى لا إله إلا الله، حيث يقولون: إن الإله هو القادر على الاختراع، وإنه لا قادر على الاختراع والإيجاد والإبداع إلا الله، وهذا تفسير باطل.
نعم، هو حق لا قادر على الاختراع إلا الله، لكن ليس هذا معنى لا إله إلا الله، ولكن المعنى: لا معبود حق إلا الله؛ لأننا لو قلنا: إن معنى لا إله إلا الله: لا قادر على الاختراع إلا الله؛ صار المشركون الذين قاتلهم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستباح نساءهم وذريتهم وأموالهم مسلمين؛ فالظاهر من كلامه رحمه الله أنه أراد أهل الكلام الذين يفسرون لا إله إلا الله بتوحيد الربوبية، وكذلك الذين يعبدون الرسول والأولياء، ويقولون: نحن نقول: لا إله إلا الله.
الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أبو جهل ومن معه يعرفون النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بقول: لا إله إلا الله، ولذا ثاروا وقالوا له: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟ "، وهو أيضا أبى أن يقولها؛ لأنه يعرف مراد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بهذه الكلمة، قال الله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36] .
فالحاصل أن الذين يدعون أن معنى لا إله إلا الله؛ أي: لا قادر على الاختراع إلا هو، أو يقولونها وهم يعبدون غيره كالأولياء، هم أجهل من أبي جهل.
(9/349)

الخامسة: جده -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومبالغته في إسلام عمه. السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
واحترز المؤلف في عدم ذكر من مع أبي جهل لأنهم أسلموا، وبذلك صاروا أعلم ممن بعدهم، خاصة من هم في العصور المتأخرة في زمن المؤلف رحمه الله.
الخامسة: جده ومبالغته في إسلام عمه، حرصه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وكونه يتحمل أن يحاج بالكلمة عند الله واضح من نص الحديث؛ لسببين هما:
1 - القرابة.
2 - لما أسدى للرسول والإسلام من المعروف، فهو على هذا مشكور، وإن كان على كفره مأزورا وفي النار، ومن مناصرة أبي طالب أنه هجر قومه من أجل معاضدة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومناصرته، وكان يعلن على الملأ صدقه ويقول قصائد في ذلك ويمدحه، ويصبر على الأذى من أجله، وهذا جدير بأن يحرص على هدايته، لكن الأمر بيد مقلب القلوب كما في الحديث: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء» ، ثم قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في نفس الحديث: «اللهم، مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك» .
السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب، بدليل قولهما: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟ " حين أمره النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا إله إلا الله؛ فدل على أن ملة عبد المطلب الكفر والشرك.
وفي الحديث رد على من قال بإسلام أبي طالب أو نبوته كما تزعمه
(9/350)

السابعة: كونه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- استغفر له فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك.
الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرافضة، قبحهم الله؛ لأن آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله.
السابعة: كونه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- استغفر له فلم يغفر له، الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقرب الناس أن يجيب الله دعاءه، ومع ذلك اقتضت حكمة الله أن لا يجيب دعاءه لعمه أبي طالب؛ لأن الأمر بيد الله لا بيد الرسول ولا غيره، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154] ، وقال تعالى: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} [هود: 123] ليس لأحد تصرف في هذا الكون إلا رب الكون.
وكذا أمه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يؤذن له في الاستغفار لها؛ فدل على أن أهل الكفر ليسوا أهلا للمغفرة بأي حال، ولا يجاب لنا فيهم، ولا يحل الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وإنما يدعى لهم بالهداية وهم أحياء.
الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان، المعنى أنه لولا هذان الرجلان؛ لربما وفق أبو طالب إلى قبول ما عرضه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن هؤلاء -والعياذ بالله- ذكراه نعرة الجاهلية ومضرة رفقاء السوء، ليس خاصا بالشرك، ولكن في جميع سلوك الإنسان، وقد «شبه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جليس السوء بنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، أو تجد منه رائحة كريهة» ، وقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «فأبواه يهودانه أو»
(9/351)

التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«ينصرانه أو يمجسانه» ، وذلك لما بينهما من الصحبة والاختلاط، وكذلك روي عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بسند لا بأس به: «المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل» (1) ؛ فالمهم أنه يجب على الإنسان أن يفكر في أصحابه: هل هم أصحاب سوء؟ فليبعد عنهم؛ لأنهم أشد عداء من الجرب، أو هم أصحاب خير: يأمرونه بالمعروف، وينهونه عن المنكر، ويفتحون له أبواب الخير؛ فعليه بهم.
التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر؛ لأن أبا طالب اختار أن يكون على ملة عبد المطلب حين ذكروه بأسلافه مع مخالفته لشريعة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وهذا ليس على إطلاقه؛ فتعظيمهم إن كانوا أهلا لذلك فلا يضر، بل هو خير؛ فأسلافنا من صدر هذه الأمة لا شك أن تعظيمهم وإنزالهم منازلهم خير لا ضرر فيه.
وإن كان تعظيم الأكابر لما هم عليه من العلم والسن؛ فليس فيه مضرة وإن كان تعظيمهم لما هم عليه من الباطل؛ فهو ضرر عظيم على دين المرء، فمثلا: من يعظم أبا جهل؛ لأنه سيد أهل الوادي، وكذلك عبد المطلب وغيره؛ فهو ضرر عليه، ولا يجوز أن يرى الإنسان في نفسه لهؤلاء أي قدر؛ لأنهم أعداء الله -عز وجل-، وكذلك لا يعظم الرؤساء من الكفار في زمانه؛ فإن
__________
(1) مسند الإمام أحمد (2/303) ، والترمذي: كتاب الزهد / باب الرجل على دين خليله) ـ وقال: (حسن غريب) ـ، والحاكم (4/188) ـ وقال: (صحيح ووافقه الذهبي) ـ.
(9/352)

العاشرة: الشبهة للمبطلين في ذلك؛ لاستدلال أبي جهل بذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مضرة؛ لأنه قد يورث ما يضاد الإسلام، فيجب أن يكون التعظيم حسب ما تقتضيه الأدلة من الكتاب والسنة.
العاشرة: الشبهة للمبطلين في ذلك لاستدلال أبي جهل بذلك، شبه المبطلين في تعظيم الأسلاف هي استدلال أبي جهل بذلك في قوله: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟ " وهذه الشبهة ذكرها الله في القرآن في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] .
فالمبطلون يقولون في شبهتهم: إن أسلافهم على الحق وسيقتدون بهم، ويقولون: كيف نسفه أحلامهم، ونضلل ما هم عليه؟
وهذا يوجد في المتعصبين لمشايخهم وكبرائهم ومذاهبهم، حيث لا يقبلون قرآنا ولا سنة في معارضة الشيخ أو الإمام، حتى إن بعضهم يجعلهم معصومين؛ كالرافضة، والتيجانية، والقاديانية، وغيرهم؛ فهم يرون أن إمامهم لا يخطئ، والكتاب والسنة يمكن أن يخطئا.
والواجب على المرء أن يكون تابعا لما جاء به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما من خالفه من الكبراء والأئمة؛ فإنهم لا يحتج بهم على الكتاب والسنة، لكن يعتذر لهم عن مخالفة الكتاب والسنة إن كانوا أهلا للاعتذار، بحيث لم يعرف عنهم معارضة للنصوص، فيعتذر لهم بما ذكره أهل العلم، ومن أحسن ما ألف كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، أما من يعرف بمعارضة الكتاب والسنة؛ فلا يعتذر له.
(9/353)

الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو كان قالها لنفعته. الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في القلوب الضالين؛ لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتكريره؛ فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم اقتصروا عليها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم، وهذا مبني على القول بأن معنى حضرته الوفاة؛ أي: ظهرت عليه علاماتها، ولم ينزل به كما سبق.
الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين ... إلخ، وهذه الشبهة هي تعظيم الأسلاف والأكابر.
(9/354)

باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم
هو الغلو في الصالحين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " سبب كفر بني آدم "، السبب في اللغة: ما يتوصل به إلى غيره، ومنه قوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ} [الحج: 15] ؛ أي: بشيء يوصله إلى السماء.
ومنه أيضا سمي الحبل سببا؛ لأنه يتوصل به إلى استسقاء الماء من البئر.
وأما في الاصطلاح عند أهل الأصول؛ فهو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم.
أي: إذا وجد السبب وجد المسبب، وإذا عدم عدم المسبب؛ إلا أن يكون هناك سبب آخر يثبت به المسبب.
قوله: " بني آدم "، يشمل الرجال والنساء؛ لأنه إذا قيل: بنو فلان، وهم قبيلة: شمل ذكورهم وإناثهم، أما إذا قيل: بنو فلان، أي رجل معين؛ فالمراد بهم الذكور.
قوله: " وتركهم "، يعني: وسبب تركهم.
قوله: " دينهم "، مفعول ترك؛ لأن ترك مصدر مضاف إلى فاعله، و"دينهم" يكون مفعولا به.
قوله: " هو الغلو "، هذا الضمير يسمى ضمير الفصل، وهو من أدوات التوكيد، والغلو: خبر؛ لأن ضمير الفصل على القول الراجح ليس له محل من الإعراب.
(9/355)

وقول الله عز وجل: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والغلو: هو مجاوزة الحد في الثناء مدحا أو قدحا.
والقدح: يسمى ثناء، ومنه الجنازة التي مرت فأثنوا عليها شرا.
والغلو هنا: مجاوزة الحد في الثناء مدحا.
قوله: " الصالحين "، الصالح: هو الذي قام بحق الله وحق العباد، وفي هذه الترجمة إضافة الشيء إلى سببه بدون أن ينسب إلى الله بقوله: " أن سبب كفر بني آدم، وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين "، وهذا جائز إذا كان السبب حقيقة وصحيحا، وذلك إذا كان السبب قد ثبت من قبل الشرع أو الحس أو الواقع.
وقد قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لولا أنا؛ لكان في الدرك الأسفل من النار» ؛ يعني: عمه أبا طالب.
قوله: " وقول الله -عز وجل-"، يعني: وباب قول الله -عز وجل-.
قوله: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} ، نداء، وهم اليهود والنصارى، والكتاب: التوراة لليهود، والإنجيل للنصارى.
قوله: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} ، أي: لا تتجاوزوا الحد مدحا أو قدحا، والأمر واقع كذلك بالنسبة لأهل الكتاب عموما؛ فإنهم غلوا في عيسى ابن
(9/356)

مريم عليه السلام مدحا وقدحا، حيث قال النصارى: إنه ابن الله، وجعلوه ثالث ثلاثة.
واليهود غلوا فيه قدحا، وقالوا: إن أمه زانية، وإنه ولد زنا، قاتلهم الله؛ فكل من الطرفين غلا في دينه وتجاوز الحد بين إفراط أو تفريط.
قوله: {وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} ، وهو ما قاله سبحانه وتعالى عن نفسه بأنه: إله واحد، أحد، صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا.
قوله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ} ، هذه صيغة حصر، وطريقه "إنما"؛ فيكون المعنى: ما المسيح عيسى ابن مريم إلا رسول الله، وأضافه إلى أمه ليقطع قول النصارى الذي يضيفونه إلى الله.
وفي قوله: رسول الله إبطال لقول اليهود: إنه كذاب، ولقول النصارى: إنه إله.
وفي قوله: " وكلمته " إبطال لقول اليهود: إنه ابن زنا.
{وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} : أن قال له: كن فكان.
قوله: {وَرُوحٌ مِنْهُ} ، أي: إنه عز وجل جعل عيسى عليه الصلاة والسلام كغيره من بني آدم من جسد وروح، وأضاف روحه إليه تشريفا وتكريما؛ كما في قوله تعالى في آدم: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [ص: 72] ؛ فهذا للتشريف والتكريم.
قوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} ، الخطاب لأهل الكتاب، ومن رسله محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي هو آخرهم وخاتمهم وأفضلهم.
قوله: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} ، أي: إن الله ثالث ثلاثة.
قوله: {انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} ، " خيرا ": خبر ليكن المحذوفة؛ أي: انتهوا
(9/357)

يكن خيرا لكم.
قوله: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ، أي: تنزيها له أن يكون له ولد؛ لأنه مالك لما في السماوات وما في الأرض، ومن جملتهم عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام؛ فهو من جملة المملوكين المربوبين؛ فكيف يكون إلها مع الله أو ولدا لله؟
"تنبيه":
لم يشر المؤلف رحمه الله تعالى إلى إكمال الآية، ونرجو أن يكون في إكمالنا لها فائدة.
قوله: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} ، أي: كفى الله تعالى أن يكون حفيظا على عباده، مدبرا لأحوالهم، عالما بأعمالهم.
والشاهد من هذه الآية قوله: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} ؛ فنهى عن الغلو في الدين؛ لأنه يتضمن مفاسد كثيرة؛ منها:
1 - أنه تنزيل للمغلو فيه فوق منزلته إن كان مدحا، وتحتها إن كان قدحا.
2 - أنه يؤدي إلى عبادة هذا المغلو فيه كما هو الواقع من أهل الغلو.
3 - أنه يصد عن تعظيم الله -سبحانه وتعالى-؛ لأن النفس إما أن تنشغل بالباطل أو بالحق، فإذا انشغلت بالغلو بهذا المخلوق وإطرائه وتعظيمه؛ تعلقت به ونسيت ما يجب لله تعالى من حقوق.
4 - أن المغلو فيه إن كان موجودا؛ فإنه يزهو بنفسه، ويتعاظم ويعجب بها، وهذه مفسدة تفسد المغلو فيه إن كانت مدحا، وتوجب العداوة والبغضاء وقيام الحروب والبلاء بين هذا وهذا، وإن كانت قدحا.
قوله: في دينكم، الدين يطلق على العمل والجزاء، والمراد به هنا: العمل.
(9/358)

وفي الصحيح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قول الله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والمعنى: لا تجعلوا عبادتكم غلوا في المخلوقين وغيرهم.
وهل يدخل في هذا الغلو في العبادات؟
الجواب: نعم، يدخل الغلو في العبادات، مثل أن يرهق الإنسان نفسه بالعبادة ويتعبها؛ فإن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نهى عن ذلك، ومثل أن يزيد عن المشروع، كأن يرمي بجمرات كبيرة، أو يأتي بأذكار زائدة عن المشروع أدبار الصلوات تكميلا للوارد أو غير هذا؛ فالنهي عن الغلو في الدين يعم الغلو من كل وجه.
قوله: " وفي الصحيح "، أي: في "صحيح البخاري "، وهذا الأثر اختصره المصنف، وقد سبق الكلام على مثل هذه العبارة في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: " وقالوا "، أي: قال بعضهم لبعض.
قوله: " لا تذرن "، أي: لا تدعن وتتركن، وهذا نهي مؤكد بالنون.
قوله: " آلهتكم "، هل المراد: لا تذروا عبادتها أو تمكنوا أحدا من إهانتها؟
(9/359)

قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا؛ أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم؛ عبدت.".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الجواب: المعنيان؛ أي: انتصروا لآلهتكم، ولا تمكنوا أحدا من إهانتها، ولا تدعوها للناس، ولا تدعوا عبادتها أيضا، بل احرصوا عليها، وهذا من التواصي بالباطل عكس الذين آمنوا وعملوا الصالحات يتواصون بالحق.
قوله: {وَلَا سُوَاعًا} ، لا: زائدة للتوكيد، مثلها في قوله تعالى: {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] ، وفائدتها أنهم جعلوا مدخولها كالمستقل، بخلاف يعوق ونسر؛ فهما دون مرتبة من سبقهما.
قوله تعالى: {وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] ، هذه الخمسة كأن لها مزية على غيرها؛ لأن قوله: " آلهتكم " عام يشمل كل ما يعبدون، وكأنها كبار آلهتهم؛ فخصوها بالذكر.
والآلهة: جمع إله، وهو كل ما عبد، سواء بحق أو بباطل، لكن إذا كان المعبود هو الله؛ فهو حق، وإن كان غير الله؛ فهو باطل.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في هذه الآية: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ".
(9/360)

وفي هذا التفسير إشكال، حيث قال: " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح "، وظاهر القرآن أنها قبل نوح، قال تعالى: {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ} [نوح: 21-23] ؛ ظاهر الآية الكريمة: أن قوم نوح كانوا يعبدونها، ثم نهاهم نوح عن عبادتها، وأمرهم بعبادة الله وحده، ولكنهم أبوا وقالوا: {لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ} ، وهذا "أعني: القول بأنهم قبل نوح " قول محمد بن كعب ومحمد بن قيس، وهو الراجح لموافقته ظاهر القرآن.
ويحتمل -وهو بعيد- أن هذا في أول رسالة نوح، وأنه استجاب له هؤلاء الرجال وآمنوا به، ثم بعد ذلك ماتوا قبل نوح ثم عبدوهم، لكن هذا بعيد حتى من سياق الأثر عن ابن عباس.
فالمهم أن تفسير الآية أن يقال: هذه أصنام في قوم نوح كانوا رجالا صالحين، فطال على قومهم الأمد، فعبدوهم.
قوله: " أوحى الشيطان "، أي: وحي وسوسة، وليس وحي إلهام.
قوله: " أن انصبوا إلى مجالسهم "، الأنصاب: جمع نصب، وهو كل ما ينصب من عصا أو حجر أو غيره.
قوله: " وسموها بأسمائهم "، أي: ضعوا أنصابا في مجالسهم، وقولوا: هذا ود، وهذا سواع، وهذا يغوث، وهذا يعوق، وهذا نسر؛ لأجل إذا رأيتوهم تتذكروا عبادتهم فتنشطوا عليها، هكذا زين لهم الشيطان، وهذا غرور ووسوسة من الشيطان كما قال لآدم: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 120] .
وإذا كان العبد لا يتذكر عبادة الله إلا برؤية أشباح هؤلاء؛ فهذه عبادة
(9/361)

قال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا؛ عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قاصرة أو معدومة.
قوله: " ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم؛ عبدت من دون الله "، ذكر ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، حتى إذا طال عليهم الأمد حصل النزاع والتفرق، فبعث الله النبيين؛ كما قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213] .
هذا هو تفسير ابن عباس -رضي الله عنهما- للآية، وهل تفسيره حجة؟
الجواب: يرجع في التفسير أولا إلى القرآن؛ فالقرآن يفسر بعضه بعضا، مثل قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} تفسيرها: {نَارٌ حَامِيَةٌ} [القارعة: 10، 11] ، فإن لم نجد في القرآن؛ فإلى سنة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن لم نجد؛ فإلى تفسير الصحابة، وتفسير الصحابي حجة بلا شك؛ لأنهم أدرى بالقرآن حيث نزل بعصرهم وبلغتهم، ويعرفون عنه أكثر من غيرهم، حتى قال بعض العلماء: إن تفسير الصحابي في حكم المرفوع، وهذا ليس بصحيح، لكنه لا شك أنه حجة على من بعدهم، فإن اختلف الصحابة في التفسير أخذنا بما يرجحه سياق الآية، والآية تدل على ما ذكره ابن عباس؛ إلا أن ظاهر السياق أن هؤلاء القوم الصالحين كانوا قبل نوح -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقد عرفت القول الراجح.
قوله: " الأمد "، الزمن.
وهذا كتفسير ابن عباس؛ إلا أن ابن عباس يقول: "إنهم جعلوا الأنصاب
(9/362)

وعن عمر؛ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» . أخرجاه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في مجالسهم"، وهنا يقول: "عكفوا على قبورهم"، ولا يبعد أنهم فعلوا هذا وهذا، أو أنهم قبروا في مجالسهم؛ فتكون هي محل القبور.
والشاهد قوله: " ثم طال عليهم الأمد؛ فعبدوهم "؛ فسبب العبادة إذا الغلو في هؤلاء الصالحين حتى عبدوهم.
قوله: «لا تطروني» ، الإطراء: المبالغة في المدح.
وهذا النهي يحتمل أنه منصب على هذا التشبيه، وهو قوله: «كما أطرت النصارى ابن مريم» ، حيث جعلوه إلها أو ابنا لله، وبهذا يوحي قول البوصيري:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
أي: دع ما قاله النصارى أن عيسى عليه الصلاة والسلام ابن الله أو ثالث ثلاثة، والباقي املأ فمك في مدحه ولو بما لا يرضيه.
ويحتمل أن النهي عام؛ فيشمل ما يشابه غلو النصارى في عيسى ابن مريم وما دونه، ويكون قوله: " كما أطرت " لمطلق التشبيه لا للتشبيه المطلق؛ لأن إطراء النصارى عيسى ابن مريم سببه الغلو في هذا الرسول الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حيث جعلوه ابنا لله وثالث ثلاثة، والدليل على أن المراد هذا قوله: «إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» .
(9/363)

قوله: «إنما أنا عبد» ، أي: ليس لي حق من الربوبية، ولا مما يختص به الله -عز وجل- أبدا.
قوله: «فقولوا عبد الله ورسوله» ، هذان الوصفان أصدق وصف وأشرفه في الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فأشرف وصف للإنسان أن يكون من عباد الله، قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 171] ؛ فوصفهم الله بالعبودية قبل الرسالة مع أن الرسالة شرف عظيم، لكن كونهم عبادا لله -عز وجل- أشرف وأعظم، وأشرف وصف له وأحق وصف به، ولهذا يقول الشاعر في محبوبته:
لا تدعني إلا بيا عبدهم ... فإنه أشرف أسمائي
أي: أنت إذا أردت أن تكلمني قل: يا عبد فلانة؛ لأنه أشرف أسمائي وأبلغ في الذل.
فمحمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، ولهذا نقول في صلاتنا عندما نسلم عليه ونشهد له بالرسالة: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ فهذا أفضل وصف اختاره النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لنفسه.
واعلم أن الحقوق ثلاثة أقسام، وهي:
الأول: حق لله لا يشرك فيه غيره: لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهو ما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
الثاني: حق خاص للرسل، وهو إعانتهم وتوقيرهم وتبجيلهم بما يستحقون.
الثالث: حق مشترك، وهو الإيمان بالله ورسله، وهذه الحقوق موجودة في الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} ؛ فهذا حق
(9/364)

مشترك، {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} هذا خاص بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9] هذا خاص بالله -سبحانه وتعالى-.
والذين يغلون في الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يجعلون حق الله له؛ فيقولون: " وتسبحوه "؛ أي: الرسول، فيسبحون الرسول كما يسبحون الله، ولا شك أنه شرك؛ لأن التسبيح من حقوق الله الخاصة به، بخلاف الإيمان؛ فهو من الحقوق المشتركة بين الله ورسوله.
ونهى عن الإطراء في قوله عليه الصلاة والسلام: «كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم» ؛ لأن الإطراء والغلو يؤدي إلى عبادته كما هو واقع الآن؛ فيوجد عند قبره في المدينة من يسأل، فيقول: يا رسول الله، المدد، المدد، يا رسول الله، أغثنا، يا رسول الله، بلادنا يابسة، وهكذا، ورأيت بعيني رجلا يدعو الله تحت ميزاب الكعبة موليا ظهره البيت مستقبلا المدينة؛ لأن استقبال القبر عنده أشرف من استقبال الكعبة والعياذ بالله.
ويقول بعض المغالين: الكعبة أفضل من الحجرة، فأما والنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيها؛ فلا والله، ولا الكعبة، ولا العرش وحملته، ولا الجنة.
فهو يريد أن يفضل الحجرة على الكعبة وعلى العرش وحملته وعلى الجنة، وهذه مبالغة لا يرضاها النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لنا ولا لنفسه.
وصحيح أن جسده -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أفضل، ولكن كونه يقول: إن الحجرة أفضل من الكعبة والعرش والجنة؛ لأن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيها هذا خطأ عظيم، نسأل الله السلامة من ذلك.
قوله: " إياكم "، للتحذير.
(9/365)

وقال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " والغلو "، معطوف على إياكم، وقد اضطرب فيه المعربون اضطرابا كثيرا، وأقرب ما قيل للصواب وأقله تكلفا: أن إيا منصوبة بفعل أمر مقدر تقديره إياك أحذر؛ أي: احذر نفسك أن تغرك، والغلو معطوف على إياك؛ أي: واحذر الغلو.
والغلو كما سبق: هو مجاوزة الحد مدحا أو ذما، وقد يشمل ما هو أكثر من ذلك أيضا؛ فيقال: مجاوزة الحد في الثناء وفي التعبد وفي العمل؛ لأن هذا الحديث ورد في رمي الجمرات، حيث «روى ابن عباس؛ قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غداة العقبة وهو على ناقته: "القط لي حصى. فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف؛ فجعل ينفضهن في كفه، ويقول: أمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من قبلكم الغلو في الدين» . هذا لفظ ابن ماجه.
والغلو: فاعل أهلك.
قوله: " من كان قبلكم "، مفعول مقدم.
قوله: " فإنما "، أداة حصر، والحصر: إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه.
قوله: " أهلك "، يحتمل معنيين:
الأول: أن المراد هلاك الدين، وعليه يكون الهلاك واقعا مباشرة من
__________
(1) مسند الإمام أحمد (1/215،347) ، وابن ماجة: كتاب المناسك / باب قدر الحصى، 2/1008، والحاكم (1/466) ـ وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي ـ.
(9/366)

الغلو؛ لأن مجرد الغلو هلاك.
الثاني: أنه هلاك الأجسام وعليه يكون الغلو سببا للهلاك؛ أي: إذا غلوا خرجوا عن طاعة الله فأهلكهم الله.
وهل الحصر في قوله: «فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» حقيقي أو إضافي؟
الجواب: إن قيل: إنه حقيقي؛ حصل إشكال، وهو أن هناك أحاديث أضاف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الهلاك فيها إلى أعمال غير الغلو، مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد» ؛ فهنا حصران متقابلان، فإذا قلنا: إنه حقيقي بمعنى أنه لا هلاك إلا بهذا حقيقة؛ صار بين الحديثين تناقص.
وإن قيل: إن الحصر إضافي؛ أي: باعتبار عمل معين؛ فإنه لا يحصل تناقص بحيث يحمل كل منهما على جهة لا تعارض الحديث الآخر؛ لئلا يكون في حديثه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تناقض، وحينئذ يكون إضافيا، فيقال: أهلك من كان قبلكم الغلو هذا الحصر باعتبار الغلو في التعبد في الحديث الأول، وفي الآخر يقال: أهلك من كان قبلكم باعتبار الحكم، فيهلك الناس إذا أقاموا الحد على الضعيف دون الشريف.
وفي هذا الحديث يحذر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمته من الغلو، ويبرهن على أن الغلو سبب للهلاك؛ لأنه مخالف للشرع ولإهلاكه للأمم السابقة؛ فيستفاد منه تحريم الغلو من وجهين:
(9/367)

الوجه الأول: تحذيره -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والتحذير نهي وزيادة.
الوجه الثاني: أنه سبب لإهلاك الأمم كما من قبلنا، وما كان سببا للهلاك كان محرما.
أقسام الناس في العبادة:
والناس في العبادة طرفان ووسط؛ فمنهم المفرط، ومنهم المفرط، ومنهم المتوسط.
فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وكون الإنسان معتدلا لا يميل إلى هذا ولا إلى هذا، هذا هو الواجب؛ فلا يجوز التشدد في الدين والمبالغة، ولا التهاون وعدم المبالاة، بل كن وسطا بين هذا وهذا.
والغلو له أقسام كثيرة؛ منها: الغلو في العقيدة، ومنها: الغلو في العبادة، ومنها: الغلو في المعاملة، ومنها: الغلو في العادات.
والأمثلة عليها كما يلي: أما الغلو في العقيدة؛ فمثل ما تشدق فيه أهل الكلام بالنسبة لإثبات الصفات، فإن أهل الكلام تشدقوا وتعمقوا حتى وصلوا إلى الهلاك قطعا، حتى أدى بهم هذا التعمق إلى واحد من أمرين:
إما التمثيل، أو التعطيل.
إما أنهم مثلوا الله بخلقه، فقالوا: هذا معنى إثبات الصفات، فغلوا في الإثبات حتى أثبتوا ما نفي الله عن نفسه، أو عطلوه وقالوا: هذا معنى تنزيهه عن مشابهة المخلوقات، وزعموا أن إثبات الصفات تشبيه؛ فنفوا ما أثبته الله لنفسه.
لكن الأمة الوسط اقتصدت في ذلك؛ فلم تتعمق في الإثبات ولا في النفي والتنزيه؛ فأخذوا بظواهر اللفظ، وقالوا: ليس لنا أن نزيد على ذلك؛ فلم يهلكوا، بل كانوا على الصراط المستقيم، ولما دخل هؤلاء الفرس والروم
(9/368)

وغيرهم في الدين؛ صاروا يتعمقون في هذه الأمور ويجادلون مجادلات ومناظرات لا تنتهي أبدا؛ حتى ضاعوا، نسأل الله السلامة.
وكل الإيرادات التي أوردها المتأخرون من هذه الأمة على النصوص، لم يوردها الصحابة الذين هم الأمة الوسط.
أما الغلو في العبادات؛ فهو التشدد فيها، بحيث يرى أن الإخلاص بشيء منها كفر وخروج عن الإسلام؛ كغلو الخوارج والمعتزلة، حيث قالوا: إن من فعل كبيرة من الكبائر؛ فهو خارج عن الإسلام، وحل دمه وماله، وأباحوا الخروج على الأئمة وسفك الدماء، وكذا المعتزلة، حيث قالوا: من فعل كبيرة؛ فهو بمنزلة بين المنزلتين: الإيمان والكفر؛ فهذا تشدد أدى إلى الهلاك، وهذا التشدد قابله تساهل المرجئة، فقالوا: إن القتل والزنا والسرقة وشرب الخمر، ونحوها من الكبائر، لا تخرج من الإيمان، ولا تنقص من الإيمان شيئا، وإنه يكفي في الإيمان الإقرار، وإن إيمان فاعل الكبيرة كإيمان جبريل ورسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأنه لا يختلف الناس في الإيمان، حتى إنهم ليقولون: إن إبليس مؤمن؛ لأنه مقر، وإذا قيل: إن الله كفره؛ قالوا: إذن إقراره ليس بصادق، بل هو كاذب.
هؤلاء في الحقيقة يصلحون لكثير من الناس في هذا الزمان، ولا شك أن هذا تطرف بالتساهل، والأول تطرف بالتشدد، ومذهب أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص، وفاعل المعصية ناقص الإيمان بقدر معصيته، ولا يخرج من الإيمان إلا بما برهنت النصوص على أنه كفر.
وأما الغلو في المعاملات؛ فهو التشدد في الأمور بتحريم كل شيء حتى ولو كان وسيلة، وأنه لا يجوز للإنسان أن يزيد عن واجبات حياته الضرورية، وهذا مسلك سلكه الصوفية، حيث قالوا: من اشتغل بالدنيا؛ فهو غير مريد
(9/369)

للآخرة، وقالوا: لا يجوز أن تشتري ما زاد على حاجتك الضرورية، وما أشبه ذلك.
وقابل هذا التشدد تساهل من قال: يحل كل شيء ينمي المال ويقوي الاقتصاد؛ حتى الربا والغش وغير ذلك.
فهؤلاء -والعياذ بالله- متطرفون بالتساهل؛ فتجده يكذب في ثمنها وفي وصفها وفي كل شيء لأجل أن يكسب فلسا أو فلسين، وهذا لا شك أنه تطرف.
والتوسط أن يقال: تحل المعاملات وفق ما جاءت به النصوص، {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ؛ فليس كل شيء حراما؛ فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باع واشترى، والصحابة -رضي الله عنهم- يبيعون ويشترون، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرهم.
وأما الغلو في العادات؛ فإذا كانت هذه العادة يخشى أن الإنسان إذا تحول عنها انتقل من التحول في العادة إلى التحول في العبادة؛ فهذا لا حرج أن الإنسان يتمسك بها، ولا يتحول إلى عادة جديدة، أما إذا كان الغلو في العادة يمنعك من التحول إلى عادة جديدة مفيدة أفيد من الأولى؛ فهذا من الغلو المنهي عنه، فلو أن أحدا تمسك بعادته في أمر حدث من عادته التي هو عليها نقول: هذا في الحقيقة غال ومفرط في هذه العادة.
وأما إن كانت العادات متساوية المصالح، لكنه يخشى أن ينتقل الناس من هذه العادة إلى التوسع في العادات التي قد تخل بالشرف أو الدين؛ فلا يتحول إلى العادة الجديدة.
(9/370)

ولمسلم عن ابن مسعود؛ أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «هلك المتنطعون". قالها ثلاثا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " المتنطعون "، المتنطع: هو المتعمق المتقعر المتشدق، سواء كان في الكلام أو في الأفعال؛ فهو هالك، حتى ولو كان ذلك في الأقوال المعتادة؛ فبعض الناس يكون بهذه الحال، حتى إنه ربما يقترن بتعمقه وتنطعه الإعجاب بالنفس في الغالب، وربما يقترن به الكبر، فتجده إذا تكلم يتكلم بأنفه، فتسلم عليه فتسمع الرد من الأنف إلى غير ذلك من الأقوال.
والتنطع بالأفعال كذلك أيضا قد يؤدي إلى الإعجاب أو إلى الكبر، ولهذا قال: "هلك المتنطعون".
والتنطع أيضا في المسائل الدينية يشبه الغلو فيها؛ فهو أيضا من أسباب الهلاك، ومن ذلك ما يفعله بعض الناس من التنطع في صفات الله تعالى والتقعر فيها، حيث يسألونه عما لم يسأل عنه الصحابة -رضي الله عنهم- وهم يعلمون أن الصحابة خير منهم وأشد حرصا على العلم، وفيهم رسول الله الذي عنده من الإجابة على الأسئلة ما ليس عند غيره من الناس مهما بلغ علمهم.
فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تدل على تحريم الغلو، وأنه سبب للهلاك، وأن الواجب أن يسير العبد إلى الله بين طرفي نقيض بالدين الوسط، فكما أن هذه الأمة هي الوسط ودينها هو الوسط؛ فينبغي أن يكون سيرها في دينها على الطريق الوسط.
(9/371)

فيه مسائل:
الأولي: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده؛ تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: أن من فهم هذا الباب -أي: بما مر من تفسير الآية الكريمة: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ} - وبابين بعده؛ تبين له غربة الإسلام.
وهذا حق؛ فإن الإسلام المبني على التوحيد الخالص غريب، فكثير من البلدان الإسلامية تجد فيها الغلو في الصالحين في قبورهم؛ فلا تجد بلدا مسلما إلا وفيه غلو في قبور الصالحين، وقد يكون ليس قبر رجل صالح، قد يكون وهما مثل قبر الحسين بن علي -رضي الله عنهما-؛ فأهل العراق يقولون: هو عندنا، وأهل الشام يقولون: عندنا، وأهل مصر يقولون: عندنا، وبعضهم يقول: هو في المغرب؛ فصار الحسين إما أنه أربعة رجال، أو مقطع أوصالا، وهذا كله ليس بصحيح؛ فالمهم أنه كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: تبين لك غربة الإسلام أي في المسلمين.
وكذلك الجزيرة العربية قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيها قبور وقباب تعبد من دون الله ويحج إليها وتقصد، ولكن بتوفيق الله -سبحانه وتعالى- أنه أعان هذا الرجل مع الإمام محمد بن سعود حتى قضى عليها وهدمها، وصارت البلاد -ولله الحمد- على التوحيد الخالص.
(9/372)

الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض؛ كان بشبهة الصالحين. الثالثة: معرفة أول شيء غير به دين الأنبياء، وما سبب ذلك، مع معرفة أن الله أرسلهم. الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض، وجه ذلك: أن هذه الأصنام التي عبدها قوم نوح كانوا أقواما صالحين، فحدث الغلو فيهم، ثم عبدوا من دون الله؛ ففيه الحذر من الغلو في الصالحين.
الثالثة: معرفة أول شيء غير به دين الأنبياء، وما سبب ذلك، مع معرفة أن الله أرسلهم، أول شيء غير به دين الأنبياء هو الشرك، وسببه هو الغلو في الصالحين، وقوله: "مع معرفة أن الله أرسلهم"، قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213] ؛ أي: كانوا أمة واحدة على التوحيد، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه؛ فهذا أول ما حدث من الشرك في بني آدم.
الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها.
قوله: " قبول البدع "، أي: أن النفوس تقبلها لا؛ لأنها مشروعة، بل إن الشرائع تردها، وكذلك الفطر السليمة تردها؛ لأن الفطر السليمة جبلت على عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] ؛ فالفطر السليمة لا تقبل تشريعا إلا ممن يملك ذلك.
(9/373)

الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل: فالأول محبة الصالحين، والثاني فعل أناس من أهل العلم والدين شيئا، أرادوا به خيرا، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل، أراد المؤلف رحمه الله أن يبين أن مزج الحق بالباطل حصل بأمرين:
الأول: محبة الصالحين، ولهذا صوروا تماثيلهم محبة لهم، ورغبة في مشاهدة أشباحهم.
الثاني: أن أهل العلم والدين أرادوا خيرا، وهو أن ينشطوا على العبادة، ولكن من بعدهم أرادوا غير الخير الذي أراده أولئك، ويؤخذ منه: أن من أراد تقوية دينة ببدعة؛ فإن ضررها أكثر من نفعها.
مثال ذلك: أولئك الذين يغلون في الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويجعلون له الموالد هم يريدون بذلك خيرا، لكن أرادوا خيرا بهذه البدعة، فصار ضررها أكثر من نفعها؛ لأنها تعطي الإنسان نشاطا غير مشروع في وقت معين، ثم يعقبه فتور غير مشروع في بقية العام.
ولهذا تجد هؤلاء الذين يغالون في هذه البدع فاترين في الأمور المشروعة الواضحة ليسوا كنشاط غيرهم، وهذا مما يدل على تأثير البدع في القلوب وأنها مهما زينها أصحابها؛ فلا تزيد الإنسان إلا ضلالا؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: «كل بدعة ضلالة» .
(9/374)

فإن قيل: إن للاحتفال بمولده -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أصلا من السنة، وهو أن «النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن صوم يوم الاثنين؛ فقال: "ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، أو أنزل علي فيه» ، وكان -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يصومه مع الخميس ويقول: «إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله؛ فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» . (1)
فالجواب على ذلك من وجوه:
الأول: أن الصوم ليس احتفالا بمولده كاحتفال هؤلاء، وإنما هو صوم وإمساك، أما هؤلاء الذين يجعلون له الموالد؛ فاحتفالهم على العكس من ذلك.
فالمعنى: أن هذا اليوم إذا صامه الإنسان؛ فهو يوم مبارك حصل فيه هذا الشيء، وليس المعنى أننا نحتفل بهذا اليوم.
الثاني: أنه عمل فرض أن يكون هذا أصلا؛ فإنه يجب أن يقتصر فيه على ما ورد؛ لأن العبادات توقيفية، ولو كان الاحتفال المعهود عند الناس اليوم مشروعا لبينه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إما بقوله، أو فعله، أو إقراره.
الثالث: أن هؤلاء الذين يحتفلون بمولد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا يقيدونه بيوم الاثنين، بل في اليوم الذي زعموا مولده فيه، وهو اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، مع أن ذلك لم يثبت من الناحية التاريخية، وقد حقق بعض الفلكيين المتأخرين ذلك؛ فكان في اليوم التاسع لا في اليوم الثاني عشر.
الرابع: أن الاحتفال بمولده على الوجه المعروف بدعة ظاهرة؛ لأنه لم
__________
(1) الترمذي: كتاب الصوم/ باب ما جاء في صوم الاثنين والخميس، 3/94، وقال: (حديث حسن غريب) .
(9/375)

السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يكن معروفا على عهد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابه، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه.
مسألة حكم الاحتفال بعيد ميلاد الأطفال:
فائدة: كل شيء يتخذ عيدا يتكرر كل أسبوع، أو كل عام وليس مشروعا؛ فهو من البدع، والدليل على ذلك: أن الشارع جعل للمولود العقيقة، ولم يجعل شيئا بعد ذلك، واتخاذهم هذه الأعياد تتكرر كل أسبوع أو كل عام معناه أنهم شبهوها بالأعياد الإسلامية، وهذا حرام لا يجوز، وليس في الإسلام شيء من الأعياد إلا الأعياد الشرعية الثلاثة: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع، وهو يوم الجمعة.
وليس هذا من باب العادات؛ لأنه يتكرر، ولهذا «لما قدم النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجد للأنصار عيدين يحتفلون بهما؛ قال: "إن الله أبدلكما بخير منهما: عيد الأضحى، وعيد الفطر» (1) ، مع أن هذا من الأمور العادية عندهم.
السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح، وقد سبق ذلك وبيان أنهم يتواصلون بالباطل، وهذا خلاف طريق المؤمنين الذين يتواصون بالحق والصبر والمرحمة، ويشبههم أهل الباطل والضلال الذين يتواصون بما هم عليه، سواء كانوا رؤساء سياسيين أو رؤساء دينيين ينتسبون إلى الدين، فتجد الواحد منهم لا يموت إلا وقد وضع له ركيزة من بعده ينمي هذا الأمر الذي هو عليه.
__________
(1) مسند الإمام أحمد (3/103) ، وسنن أبي داود: كتاب الصلاة/ باب صلاة العيدين.
(9/376)

السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد، هذه العبارة تقيد من حيث كونه آدميا بقطع النظر على من يمن الله عليه من تزكية النفس؛ فإن الله يقول: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9 - 10] .
قوله: " جبلة " على وزن فعلة، وهو ما يجبل المرء عليه؛ أي: يخلق عليه ويطبع ويبدع، بمعنى الطبيعة التي عليها الإنسان من حيث هو إنسان بقطع النظر عن كونه زكى نفسه أو دساها.
فالإنسان من حيث هو إنسان وصفه الله بوصفين؛ فقال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] ، وقال تعالى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .
أما من حيث ما يمن الله به عليه من الإيمان والعمل الصالح؛ فإنه يرتقي عن هذا، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 4 - 6] ؛ فالإنسان الذي يمن الله عليه بالهدي؛ فإن الباطل الذي في قلبه يتناقص وربما يزول بالكلية؛ كعمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم.
وكذلك أهل العلم؛ كأبي الحسن الأشعري، كان معتزليا، ثم كلابيا، ثم سنيا، وابن القيم كان صوفيا، ثم من الله عليه بصحبة شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فهداه الله على يده حتى كان ربانيا.
(9/377)

الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف أن البدع سبب الكفر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف أن البدع سبب الكفر، قال أهل العلم: إن الكفر له أسباب متعددة، ولا مانع أن يكون للشيء الواحد أسباب متعددة، ومن ذلك الكفر، ذكروا من أسبابه البدعة، وقالوا: إن البدعة لا تزال في القلب، يظلم منها شيئا فشيئا؛ حتى يصل إلى الكفر، واستدلوا بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» .
وقالوا أيضا: (إن المعاصي بريد الكفر، وبريد الشيء ما يوصل إلى الغاية) .
«والمعاصي كما أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تتراكم على القلب، وتنكت فيه نكتة سوداء، فإن تاب؛ صقل قلبه وابيض» (1) ، وإلا فلا تزال هذه النكتة السوداء تتزايد حتى يصبح مظلما.
وكذلك حذر من محقرات الذنوب، «وضرب لها مثلا بقوم نزلوا أرضا، فأرادوا أن يطبخوا، فذهب كل واحد منهم وأتى بعود، فأتى هذا بعود وهذا بعود، فجمعوها، فأضرموا نارا كبيرة، وهكذا المعاصي» (2) ؛ فالمعاصي لها تأثير قوي على القلب، وأشدها تأثيرا الشهوة فهي أشد من الشبهة؛ لأن الشبهة أيسر
__________
(1) مسند الإمام أحمد (2/297) وصححه أحمد شاكر، والترمذي: كتاب التفسير/باب (ويل للمطففين) ، 9/69ـ وقال: (حسن صحيح) ـ، والحاكم (2/517) ـ وصححه ووافقه الذهبي ـ.
(2) مسند الإمام أحمد (5/231) ، وصححه الألباني في (الصحيحة) (1/389) .
(9/378)

التاسعة: معرفة الشيطان بما تئول إليه البدعة، ولو حسن قصد الفاعل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
زوالا على من يسرها الله عليه؛ إذ إن مصدرها الجهل وهو يزول بالتعلم.
أما الشهوة، وهي إرادة الإنسان الباطل؛ فهي البلاء الذي يقتل به العالم والجاهل، ولذا كانت معصية اليهود أكبر من معصية النصارى؛ لأن معصية اليهود سببها الشهوة وإرادة السوء والباطل، والنصارى سببها الشبهة، ولهذا كانت البدع غالبها شبهة، ولكن كثيرا منها سببه الشهوة، ولهذا يبين الحق لأهل الشهوة من أهل البدع، فيصرون عليها، وغالبهم يقصد بذلك بقاء جاهه ورئاسته بين الناس دون صلاح الحق، ويظن في نفسه ويملي عليه الشيطان أنه لو رجع عن بدعته لنقصت منزلته بين الناس، وقالوا: هذا رجل متقلب وليس عنده علم، لكن الأمر ليس كذلك؛ فأبو الحسن الأشعري مضرب المثل في هذا الباب؛ فإنه لما كان من المعتزلة لم يكن إماما، ولما رجع إلى مذهب أهل السنة صار إماما؛ فكل من رجع إلى الحق ازدادت منزلته عند الله - سبحانه - ثم عند خلقه.
والخلاصة: أن البدعة سبب للكفر، ولا يرد على هذا قول بعض أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر؛ لأنه لا مانع من تعدد الأسباب.
التاسعة: معرفة الشيطان بما تئول إليه البدعة ولو حسن قصد الفاعل؛ لأن الشيطان هو الذي سول لهؤلاء المشركين أن يصوروا هذه التماثيل والتصاوير؛ لأنه يعرف أن هذه البدعة تئول إلى الشرك.
وقوله: " ولو حسن قصد الفاعل "، أي: إن البدعة شر ولو حسن قصد فاعلها، ويأثم إن كان عالما أنها بدعة ولو حسن قصده؛ لأنه أقدم على المعصية
(9/379)

كمن يجيز الكذب والغش ويدعي أنه مصلحة، أما لو كان جاهلا فإنه لا يأثم؛ لأن جميع المعاصي لا يأثم بها إلا مع العلم، وقد يثاب على حسن قصده، وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) ؛ فيثاب على نيته دون عمله، فعمله هذا غير صالح ولا مقبول عند الله ولا مرض، لكن لحسن نيته مع الجهل يكون له أجر، ولهذا «قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للرجل الذي صلى وأعاد الوضوء بعدما وجد الماء وصلى ثانية: لك الأجر مرتين» (1) ؛ لحسن قصده، ولأن عمله عمل صالح في الأصل، لكن لو أراد أحد أن يعمل العمل مرتين مع علمه أنه غير مشروع؛ لم يكن له أجر؛ لأن عمله غير مشروع لكونه خلاف السنة؛ فقد «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للذي لم يعد: (أصبت السنة» .
فإن قال: إني أريد بهذه البدعة إحياء الهمم والتنشيط وما أشبه ذلك.
أجيب: بأن هذه الإرادة طعن في رسالة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه اتهام له بالتقصير أو القصور، أي مقصر في الإخبار عن ذلك أو قاصر في العلم، وهذا أمر عظيم وخطر جسيم؛ ولأن هذا لم يكن عليه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا خلفاؤه الراشدون، أما إذا كان حسن القصد، ولم يعلم أن هذا بدعة؛ فإنه يثاب على نيته ولا يثاب على عمله؛ لأن عمله شر حابط كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» .
__________
(1) سنن أبو داود: كتاب الطهارة/باب في المتيمم يجد الماء بعد ما صلى، والحاكم (1/179) ، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني، صحيح أبي داود (1/69) .
(9/380)

العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما يئول إليه. الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأما العامة الذين لا يعلمون، وقد لبس عليهم هذه البدعة وغيرها؛ نقول: ما داموا قاصدين للحق ولا علموا به؛ فإثمهم على من أفتاهم ومن أضلهم.
ولهذا يوجد في مجاهل أفريقيا وغيرها من لا يعرفون عن الإسلام شيئا، فلو ماتوا لا نقول: إنهم مسلمون ونصلي عليهم ونترحم عليهم، مع أنهم لم تقم عليهم الحجة، لكننا نعاملهم في الدنيا بالظاهر، أما في الآخرة؛ فأمرهم إلى الله.
العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يئول إليه، هذا ما حذر منه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن الغلو مجاوزة الحد، وهو كما يكون في العبادات يكون في غيرها، قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] ، وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان: 67] ، وقد سبق بيان ذلك.
الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح، المضرة الحاصلة: هي أنها توصل إلى عبادتهم.
ومثل ذلك: ما لو قرئ القرآن عند قبر رجل صالح، أو تصدق عند هذا القبر يعتقد أن لذلك مزية على غيره؛ فإن هذا من البدع، وهذه البدعة قد
(9/381)

الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها. الثالثة عشرة: معرفة عظم شأن هذه القصة وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها.
الرابعة عشرة: وهي أعجب العجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم حتى عتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تؤدي بصاحبها إلى عبادة هذا القبر.
الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها، التماثيل: هي الصور على مثال رجل، أو حيوان، أو حجر، والغالب أنها تطلق على ما صنع ليعبد من دون الله، والحكمة في إزالتها سد ذرائع الشرك.
الثالثة عشرة: معرفة عظم شأن هذه القصة، أي: قصة هؤلاء الذين غلوا في الصالحين وغير الصالحين، لكن اعتقدوا فيهم الصلاح، حتى تدرج بهم الأمر إلى عبادتهم من دون الله؛ فتجب معرفة هذه القصة، وأن أمر الغلو عظيم، ونتائجه وخيمة؛ فالحاجة شديدة إلى ذلك، والغفلة عنها كثيرة، والناس لو تدبرت أحوالهم وسبرت قلوبهم وجدت أنهم في غفلة عن هذا الأمر، وهذا موجود في البلاد الإسلامية.
الرابعة عشرة - وهي أعجب العجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث.
قوله: (وأعجب) ، أي: أكثر عجبا وأشد، والعجب نوعان:
(9/382)

الأول: بمعنى الاستحسان، وهو ما إذا تعلق بمحمود؛ كقول عائشة في الحديث: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله» .
الثاني: بمعنى الإنكار، وذلك فيما إذا تعلق بمذموم، قال تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الرعد: 5] .
وكلام المؤلف هنا من باب الإنكار.
وكلام المؤلف هنا عما كان في زمنه، حيث غفلوا عن هذه القصة مع قراءتهم لها في كتب التفسير والحديث، واعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات، وهذا من أضر ما يكون على المرء أن يعتقد السيئ حسنا، قال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فاطر: 8] ، وقال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103، 104] .
قوله: (واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال) ، أي: من اعتقد أن الشرك والكفر من أفضل العبادات، وأنه مقرب إلى الله؛ فهذا كفر مبيح لدمه وماله، هذا ما أراد المؤلف، وإن كان لا يسعفه ظاهر كلامه، ثم بدا لي ما لعله المراد أن هؤلاء الغالين اعتقدوا أن المنهي عنه هو الكفر المبيح للدم والمال، وأما ما دونه من الغلو؛ فلا نهي فيه، والله أعلم.
(9/383)

الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة. السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك. السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» ، فصلوات الله وسلامه عليه، بلغ البلاغ المبين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة، أي: ما أرادوا إلا الشفاعة، ومع ذلك وقعوا في الشرك.
السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك، أي: أرادوا أن تشفع لهم، بل ظنوا أنها تنشطهم على العبادة، وهذا ظن فاسد كما سبق
السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تطروني» . . . الحديث، معنى الإطراء: الغلو في المدح، والمبالغة فيه.
وهذا الذي نهى عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقع فيه بعض هذه الأمة، بل أشد؛ حتى جعلوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المرجع في كل شيء، وهذا أعظم من قول النصارى: المسيح ابن الله، وثالث ثلاثة.
ومعنى: " بلغ "؛ أي: أوصل وبين.
(9/384)

الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين. التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم؛ ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده. العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين، وذلك بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هلك المتنطعون» ؛ فلم يرد مجرد الخبر، ولكن التحذير من التنطع.
التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم، أي: لم تعبد هذه التماثيل إلا بعد أن نسي العلم واضمحل؛ ففيه دليل على معرفة قدر وجوده أي العلم، وأن وجوده أمر ضروري للأمة؛ لأنه إذا فقد العلم؛ حل الجهل محله، وإذا حل الجهل؛ فلا تسأل عن حال الناس؛ فسوف لا يعرفون كيف يعبدون الله، ولا كيف يتقربون إليه.
العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء، فهذا من أكبر الأسباب لفقد العلم، فإذا مات العلماء؛ لم يبق إلا جهال الخلق يفتون بغير علم.
ومن أسباب فقده أيضا: الغفلة والإعراض عنه، والتشاغل بأمور الدنيا، وعدم المبالاة به.
ثم إن العلم قد يكون موجودا وهو معدوم، وذلك فيما إذا كثر القراء الذين يقرءون العلم ولا يعلمون به، وقل الفقهاء الذين يعملون به؛ فبهذا يصبح العلم عديم الفائدة ووجوده كعدمه، بل إن في وجوده ضررا على الأمة؛ لأن العامة إذا رأوا من ينتسب إليه ساكتا غير عامل بما علم؛ ظنوا أن ما عليه الناس حق.
(9/385)

فضرر العلم الذي لا ينفع أشد من ضرر الجهل، وإذا وجد الجهل؛ فإن الناس قد يطلبون العلم ويتلمسونه.
الخلاصة للباب:
بيان أن الغلو في الصالحين من أسباب الكفر، وليس هو السبب الوحيد للكفر.
وأن خطر الغلو عظيم ونتائجه وخيمة؛ فالواجب تنزيل الصالحين منازلهم؛ فلا يستوي الصالح والفاسد، بل ينزل كل منزلته، ولكن لا نتجاوز به المنزلة فنغلو فيه؛ فدين الله وسط لا يعطي الإنسان أكثر مما يستحق، ولا يسلبه ما يستحق، وهذا هو العدل.
س1: ما الفرق بين التنطع والغلو والاجتهاد؟
الجواب: الغلو مجاوزة الحد.
والتنطع معناه: التشدق بالشيء والتعمق فيه، وهو من أنواع الغلو.
أما الاجتهاد؛ فإنه بذل الجهد لإدراك الحق، وليس فيه غلو إلا إذا كان المقصود بالاجتهاد كثرة الطاعة غير المشروعة؛ فقد تؤدي إلى الغلو، فلو أن الإنسان مثلا أراد أن يقوم ولا ينام، وأن يصوم النهار ولا يفطر، وأن يعتزل ملاذ الدنيا كلها؛ فلا يتزوج ولا يأكل اللحم ولا الفاكهة وما أشبه ذلك؛ فإن هذا الغلو، وإن كان الحامل على ذلك الاجتهاد والبر، ولكن هذا خلاف هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
س2: ما حكم الذهاب إلى قبور الصالحين لقراءة الفاتحة؟
(9/386)

الجواب: هذا من البدع، وسواء قلنا يصل الثواب أو لا يصل؛ فكونك تتخذ القراءة عند القبر خاصة هذا من البدع.
وإنما اختلف السلف فيما إذا قرئت الفاتحة عند الميت بعد دفنه مباشرة أو غيرها من القرآن.
والصحيح أيضا أنه ليس بسنة، والسنة أن تستغفر له وتسأل له التثبيت.
(9/387)

باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله
عند قبر رجل صالح؛ فكيف إذا عبده؟ !
في الصحيح عن عائشة؛ «أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال:»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (التغليظ) ، التشديد.
قوله: " من عبد الله عند قبر رجل صالح "، أي: عمل عملا تعبد الله به من قراءة أو صلاة أو صدقة أو غير ذلك.
قوله: " فكيف إذا عبده؟ "، أي: يكون أشد وأعظم، وذلك لأن المقابر والقبور للصالحين أو من دونهم من المسلمين أهلها بحاجة إلى الدعاء؛ فهم يزارون لينفعوا لا لينتفع بهم إلا باتباع السنة في زيارة المقابر، والثواب الحاصل بذلك، لكن هذا ليس انتفاعا بأشخاصهم، بل انتفاع بعمل الإنسان بما أتى به من السنة.
فالزيارة التي يقصد منها الانتفاع بالأموات زيارة بدعية.
والزيارة التي يقصد بها نفع الأموات والاعتبار بحالهم زيارة شرعية.
قوله: " في الصحيح "، أي: "الصحيحين" وقد سبق الكلام على مثل هذه العبارة في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
(9/388)

«أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح؛ بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أم سلمة) ، كانت ممن هاجر مع زوجها إلى أرض الحبشة، ولما توفي زوجها أبو سلمة تزوجها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأخبرته وهو في مرض موته بما رأت؛ كما في (الصحيح) .
قولها: " من الصور " الظاهر أن هذه الصور صور مجسمة وتماثيل منصوبة.
قوله: " أولئك "، المشار إليهم نصارى الحبشة، ويحتمل أن يراد من فعلوا هذه الأفعال أيا كانوا.
قوله: " أولئك "، يجوز في الكاف الكسر إذا كان الخطاب لأم سلمة، والفتح إذا كان الخطاب باعتبار الجنس.
وقد ذكر العلماء أن في كاف الخطاب المتصل باسم الإشارة ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يكون مطابقا للمخاطب المفرد للمفرد والمثنى للمثنى والجمع للجمع، مذكرا كان أم مؤنثا.
الوجه الثاني: الفتح مطلقا.
الوجه الثالث: الكسر للمؤنث مطلقا، والفتح للمذكر مطلقا.
(9/389)

فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين (1) : فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأشهرها: أن يكون مطابقا للمخاطب، ثم الفتح مطلقا، ثم الفتح للمذكر، والكسر للمؤنث.
قوله: «الرجل الصالح أو العبد الصالح» ، أو: شك من الراوي.
قوله: «بنوا على قبره» ، أي: قبر ذلك الرجل الصالح.
قوله: «صوروا فيه تلك الصور» ، أي: التي رأت، والأقرب أنها صورة ذلك الرجل، وربما أنهم يضيفون إلى صورته صورة بعض الصالحين، وربما تكون الصور على أحجام مختلفة، فتجمع منها صور كثيرة.
قوله: «أولئك شرار الخلق عند الله» ؛ لأن عملهم هذا وسيلة إلى الكفر والشرك، وهذا أعظم الظلم وأشده، فما كان وسيلة إليه؛ فإن صاحبه جدير بأن يكون من شرار الخلق عند الله - سبحانه وتعالى.
قوله: (فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل) ، هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
قوله: (فتنة القبور) ؛ لأنهم بنوا المساجد عليها.
قوله: (فتنة التماثيل) ؛ لأنهم صوروا فجمعوا بين فتنتين، وإنما سمي ذلك فتنة؛ لأنها سبب لصد الناس عن دينهم، وكل ما كان كذلك؛ فإنه من الفتنة، قال تعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 1، 2] ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}
__________
(1) نسخة: (فتنتين)
(9/390)

ولهما عنها؛ قالت: «لما نزل برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها؛ كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[البروج: 10] ؛ أي: صدوهم، أو فعلوا ما يصدونهم به عن دين الله.
قوله: (ولهما) ، الضمير يعود على البخاري ومسلم، وإن لم يسبق لهما ذكر، ولكنه لما كان ذلك مصطلحا معروفا؛ صح أن يعود الضمير عليهما، وهما لم يذكرا اعتمادا على المعروف المعهود.
وقوله: (عنها) ؛ أي: عن عائشة.
قالت: «لما نزل برسول الله» ، أي: نزل به ملك الموت لقبض روحه.
قوله: (طفق) ، من أفعال الشروع، واسمها مستتر، وجملة (يطرح) خبرها.
قوله: (خميصة) ، هي كساء مربع له أعلام كان يطرحه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على وجهه.
قوله: «فإذا اغتم بها» ، أي: أصابه الغم بسببها، وقد احتضر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: (وهو كذلك) ، أي: وهو في هذه الحال عند الاحتضار.
قوله: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، يقول هذا في سياق الموت، و (لعنة الله) ؛ أي: طرده وإبعاده، وهذه الجملة يحتمل أنه يراد بها ظاهر اللفظ؛ أي: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخبر بأن الله لعنهم.
ويحتمل أن يراد بها الدعاء؛ فتكون خبرية لفظا إنشائية معنى، والمعنى على هذا الاحتمال أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا عليهم وهو في سياق الموت بسبب هذا الفعل.
(9/391)

«يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك؛ أبرز قبره؛ غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» . أخرجاه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، الجملة هذه تعليل لقوله: «لعنة الله على اليهود والنصارى» ، كأن قائلا يقول: لماذا لعنهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فكان الجواب: أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ أي: أمكنة للسجود، سواء بنوا مساجد أم لا، يصلون ويعبدون الله تعالى فيها مع أنها مبنية على القبور.
قوله: «يحذر ما صنعوا» ، أي: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في سياق الموت تحذيرا لأمته مما صنع هؤلاء؛ لأنه علم أنه سيموت وأنه ربما يحصل هذا ولو في المستقبل البعيد.
قوله: «ولولا ذلك أبرز قبره» ، أبرز؛ أي: أخرج من بيته؛ لأن البروز معناه الظهور، أي لولا التحذير وخوف أن يتخذ قبره مسجدا؛ لأخرج ودفن في البقيع مثلا، لكنه في بيته أصون له، وأبعد عن اتخاذه مسجدا؛ فلهذا لم يبرز قبره، وهذا أحد الأسباب التي أوجبت أن لا يبرز مكان قبره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومن أسباب ذلك: «إخباره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض» (1) ، ولا مانع أن يكون للحكم الواحد سببان فأكثر، كما أن السبب الواحد قد يترتب عليه حكمان أو أكثر؛ كغروب الشمس يترتب عليه جواز إفطار الصائم.
__________
(1) مسند الإمام أحمد (1/7) ، والترمذي: كتاب الجنائز /باب حدثنا أبو كريب، 3/394ـ وضعفه ـ.
(9/392)

وصلاة المغرب.
قوله: «غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» ، خشي فيها روايتان: خشي وخشي.
فعلى رواية خشي يكون الذي وقعت منهم الخشية الصحابة رضي الله عنهم، وعلى رواية خشي يكون الذي وقعت منه الخشية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والحقيقة أن الأمر كله حاصل؛ فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر بأنه ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض، ولعن اليهود والنصارى؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد خوفا من اتخاذ قبره مسجدا، والصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على أن يدفن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيته بعد تشاورهم؛ لأنهم خشوا ذلك.
ويجوز أن يكون بعضهم أشار بأن يدفن في بيته، وليس في ذهنه إلا هذه الخشية، وبعضهم أشار أن يدفن في بيته وعنده علم بأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض» ، وخوفا من اتخاذه مسجدا.
في هذا الحديث والحديث السابق: التحذير من اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، وهم أفضل الصالحين؛ لأن مرتبة النبيين هي المرتبة الأولي من المراتب الأربع التي قال الله تعالى عنها: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] .
اعتراض وجوابه:
إذا قال قائل: نحن الآن واقعون في مشكلة بالنسبة لقبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(9/393)

الآن، فإنه في وسط المسجد؛ فما هو الجواب؟
قلنا: الجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن المسجد لم يبن على القبر؛ بل بني المسجد في حياة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الوجه الثاني: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يدفن في المسجد حتى يقال: إن هذا من دفن الصالحين في المسجد، بل دفن في بيته.
الوجه الثالث: أن إدخال بيوت الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق من الصحابة، بل بعد أن انقرض أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل، وذلك عام 94 م تقريبا؛ فليس مما أجازه الصحابة أو أجمعوا عليه، مع أن بعضهم خالف في ذلك، وممن خالف أيضا سعيد بن المسيب من التابعين؛ فلم يرض بهذا العمل.
الوجه الرابع: أن القبر ليس في المسجد، حتى بعد إدخاله؛ لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد؛ فليس المسجد مبنيا عليه، ولهذا جعل هذا المكان محفوظا ومحوطا بثلاثة جدران، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة، أي مثلث، والركن في الزاوية الشمالية، بحيث لا يستقبله الإنسان إذا صلى لأنه منحرف.
فبهذا كله يزول الإشكال الذي يحتج به أهل القبور، ويقولون هذا منذ عهد التابعين إلى اليوم، والمسلمون قد أقروه ولم ينكروه؛ فنقول: إن الإنكار قد وجد حتى في زمن التابعين، وليس محل إجماع، وعلى فرض أنه إجماع؛ فقد تبين الفرق من الوجوه الأربعة التي ذكرناها.
(9/394)

ولمسلم عن جندب بن عبد الله؛ قال: (سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا؛ لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بخمس) ، أي: خمس ليال، لكن العرب تطلقها على الأيام والليالي.
قوله: (أبرأ) ، البراءة: هي التخلي؛ أي: أتخلى أن يكون لي منكم خليل.
قوله: (خليل) ، هو الذي يبلغ في الحب غايته؛ لأن حبه يكون قد تخلل الجسم كله، قال الشاعر يخاطب محبوبته:
قد تخللت مسلك الروح مني ... وبهذا سمي الخليل خليلا
والخلة أعظم أنواع المحبة وأعلاها، ولم يثبتها الله - عز وجل - فيما نعلم إلا لاثنين من خلقه، هما: إبراهيم في قوله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] ، ومحمد لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» .
وبهذا تعرف الجهل العظيم الذي يقوله العامة: إن إبراهيم خليل الله، ومحمدا حبيب الله، وهذا تناقض في حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنهم بهذه المقالة
(9/395)

جعلوا مرتبة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون مرتبة إبراهيم، لأنهم إذا جعلوه حبيب الله لم يفرقوا بينه وبين غيره من الناس؛ فإن الله يحب المحسنين والصابرين، وغيرهم ممن علق الله بفعلهم المحبة؛ فعلى رأيهم لا فرق بين الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيره، لكن الخلة ما ذكرها الله إلا لإبراهيم، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر أن الله اتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا.
فالمهم: أن العامة مشكل أمرهم، دائما يصفون الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه حبيب الله، فنقول: أخطأتم وتنقصتم نبيكم؛ فالرسول خليل الله؛ لأنكم إذا وصفتموه بالمحبة أنزلتموه عن بلوغ غايتها.
قوله: «فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» ، هذا تعليل لقوله: ( «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل» ؛ فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس في قلبه خلة لأحد إلا لله - عز وجل.
قوله: «ولو كنت متخذا من أمتي خليلا؛ لاتخذت أبا بكر خليلا» .
وهذا نص صريح على أن أبا بكر أفضل من علي، رضي الله عنهما، وفي هذا رد على الرافضة الذين يزعمون أن عليا أفضل من أبي بكر.
وقوله: (لو) ، حرف امتناع لامتناع؛ فيمتنع الجواب لامتناع الشرط، وعلى هذا امتنع صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من اتخاذ أبي بكر خليلا؛ لأنه يمتنع أن يتخذ من أمته خليلا.
قوله: (ألا وإن من كان قبلكم) ، للتنبيه، وهذه الجملة في أثناء الحديث لكنه ابتدأها بالتنبيه لأهمية المقام.
قوله: (ألا فلا تتخذوا) ، هذا تنبيه آخر للنهي عن اتخاذ القبور مساجد، وهذا عام يشمل قبره وقبر غيره.
قوله: (فإني أنهاكم عن ذلك) ، هذا نهي باللفظ دون الأداة تأكيدا لهذا
(9/396)

فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن - وهو في السياق - من فعله.
والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النهي لأهمية المقام.
من فوائد الحديث:
1 - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبرأ من أن يتخذ أحدا خليلا؛ لأن قلبه مملوء بمحبة الله تعالى.
2 - أن الله تعالى اتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا؛ ففيه فضيلة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
3 - فضيلة إبراهيم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باتخاذه خليلا.
4 - فضيلة أبي بكر، وأنه أفضل الصحابة؛ لأن الحديث يدل على أنه أحب الصحابة إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
5 - التحذير من اتخاذ القبور مساجد في قوله: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد» ، قوله: «فإني أنهاكم عن ذلك» .
6 - أن من دفن شخصا في مسجد وجب عليه نبشه وإخراجه من المسجد.
7 - حرص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أمته في إبعادهم عن الشرك وأسبابه؛ لأن اتخاذ القبور مساجد من وسائل الشرك وذرائعه، ولهذا حرص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على تحذير أمته منه، وهذا من كمال رأفته ورحمته بالأمة.
8 - أن من بنى مسجدا على قبر وجب عليه هدمه.
قوله: (فقد نهى عنه في آخر حياته. . .) هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
(9/397)

وهو معنى قولها: «خشي أن يتخذ مسجدا» ؛ فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه؛ فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه؛ يسمى مسجدا؛ كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهور» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: (فقد نهى عنه في آخر حياته) الضمير يعود إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمنهي عنه هو اتخاذ القبور مساجد.
قوله: (ثم إنه لعن وهو في سياق من فعله) ؛ فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو عند فراق الدنيا لعن من اتخذ القبور مساجد.
قوله: (والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد) .
(عندها) ؛ أي: عند القبور، وقوله: (من ذلك) ؛ أي: من اتخاذها مساجد، وعلى هذا؛ فلا تجوز عند القبور، ولهذا نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كما في (صحيح مسلم) من حديث أبي مرثد الغنوي أن يصلى إلى القبور؛ فقال: «لا تصلوا إلى القبور» .
قوله: (وهو معنى قولها: «خشي أن يتخذ مسجدا» الضمير في (قولها) يرجع إلى عائشة رضي الله عنها.
(9/398)

قوله: (فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا) هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
قد يقال: «خشي أن يتخذ مسجدا» معناه: خشي أن يبنى عليه مسجد، لكن يبعده أن الصحابة لا يمكن أن يبنوا حول قبره مسجدا؛ لأن مسجده لبيته؛ فكيف يبنون مسجدا آخر؟ ! هذا شيء مستحيل بحسب العادة؛ فيكون معنى قولها: «خشي أن يتخذ مسجدا» ؛ أي: مكانا يصلى فيه، وإن لم يبن المسجد.
ولا ريب أن أصل تحريم بناء المساجد على القبور أن المساجد مكان الصلاة، والناس يأتون إليها للصلاة فيها، فإذا صلى الناس في المسجد بني على قبر؛ فكأنهم صلوا عند القبر، والمحذور الذي يوجد في بناء المساجد على القبور يوجد فيما إذا اتخذ هذا المكان للصلاة؛ وإن لم يبن مسجد.
فتبين بهذا أن اتخاذ القبور مساجد له معنيان:
الأول: أن تبنى عليها مساجد.
الثاني: أن تتخذ مكانا للصلاة عندها وإن لم يبن المسجد فإذا كان هؤلاء القوم مثلا يذهبون إلى هذا القبر ويصلون عنده ويتخذونه مصلى؛ فإن هذا بمعنى بناء المساجد عليها، وهو أيضا من اتخاذها مساجد.
قوله: (وكل موضع قصدت الصلاة فيه؛ فقد اتخذ مسجدا) .
وهذا يشهد له العرف؛ فإن الناس الذين لهم مساجد في مكان أعمالهم؛ كالوزارات والإدارات لو سألت واحدا منهم أين المسجد؟ لأشار إلى المكان الذي اتخذوه مصلى يصلون فيه، مع أنه لم يبن، لكن لما كانت الصلاة تقصد فيه؛ صار يسمى مسجدا.
قوله: (بل كل مكان يصلى. . .) ، فقوله: (مسجدا) ؛ أي: مكانا
(9/399)

ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود (رضي الله عنه) مرفوعا: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» (1) . ورواه أبو حاتم في "صحيحه".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
للسجود، وهذا معنى ثالث زائد على المعنيين الأولين، وهو أن يقال: كل شيء تصلي فيه، فإنه مسجد ما دمت تصلي فيه، كما يقال للسجادة التي تصلي عليها مسجد أو مصلى وإن كان الغالب عليها اسم مصلى.
الخلاصة:
إنه لا يجوز بناء المساجد على القبور؛ لأنها وسيلة إلى الشرك، وهو عبادة صاحب القبر.
ولا يجوز أيضا أن تقصد القبور للصلاة عندها، وهذا من اتخاذها مساجد؛ لأن العلة من اتخاذها مساجد موجودة في الصلاة عنها، فلو فرض أن رجلا يذهب إلى المقبرة ويصلي عند قبر ولي من الأولياء على زعمه؛ قلنا: إنك اتخذت هذا القبر مسجدا، وإنك مستحق لما استحقه اليهود والنصارى من اللعنة، وفي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية دليل على صحة تسمية كل شيء يصلى فيه مسجدا بالمعنى العام.
قوله: (مرفوعا) ، المرفوع: ما أسند إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
__________
(1) مسند الإمام أحمد (1/435) ، وابن خزيمة في (الصحيح) (789) ـ وقال شيخ الإسلام: (إسناد جيد) ـ، (الاقتضاء) ، (2/568) .
(9/400)

قوله: «إن من شرار الناس» ، من: للتبعيض، وشرار: جمع شر، مثل صحاب جمع صحب، والمعنى: أصحاب الشر، وفي هذا دليل على أن الناس يتفاوتون في الشر، وأن بعضهم أشد من بعض.
قوله: (من تدركهم الساعة) ، من: اسم موصول اسم إن، والساعة؛ أي: يوم القيامة، وسميت بذلك لأنها داهية، وكل شيء داهية عظيمة يسمى ساعة، كما يقال: هذه ساعتك في الأمور الداهية التي تصيب الإنسان.
قوله: " وهم أحياء "، الجملة حال من الهاء في "تدركهم".
وفي قولهم: «تدركهم الساعة وهم أحياء» إشكال، وهو أنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: ( «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» ، وفي رواية: «حتى تقوم الساعة» ؛ فكيف نوفق بين الحديثين؛ لأن ظاهر الحديث الذي ساقه المؤلف إن كل من تدركهم الساعة وهم أحياء؛ فهم من شرار الخلق؟ !
والجمع بينهما أن يقال: إن المراد بقوله: «حتى تقوم الساعة» ؛ أي: إلى قرب قيام الساعة، وليس إلى قيامها بالفعل؛ لأنها لا تقوم إلا على شرار الخلق؛ فالله يرسل ريحا تقبض نفس كل مؤمن ولا يبقى إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.
قوله: «الذين يتخذون القبور مساجد» ، فهم من شرار الخلق، وإن لم
(9/401)

يشركوا؛ لأنهم فعلوا وسيلة من وسائل الشرك، والوسائل لها أحكام المقاصد، لكنها تعطى حكمها بالمعنى العام، فإن كانت وسيلة لواجب صارت واجبة، وإن كانت وسيلة لمحرم؛ فهي محرمة.
فشر الناس في هذا الحديث ينقسمون إلى صنفين:
الأول: الذين تدركهم الساعة وهم أحياء.
الثاني: الذين يتخذون القبور مساجد.
وفي قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن من شرار الناس» دليل على أن الناس يتفاوتون في الشر؛ لأن بعضهم أشد من بعض فيه، كما أنهم يتفاوتون في الخير أيضا؛ لقوله تعالى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران: 163] ، وذلك من حيث الكمية، فمن صلى ركعتين؛ فليس كمن صلى أربعا.
ومن حيث الكيفية، فمن صلى وهو قانت خاشع حاضر القلب؛ ليس كمن صلى وهو غافل.
ومن حيث النوعية، فالفرض أفضل من النفل، وجنس الصلاة أفضل من جنس الصدقة؛ لأن الصلاة أفضل الأعمال البدنية.
وهذا الذي تدل عليه الأدلة مذهب أهل السنة والجماعة، وهو التفاضل في الأعمال، حتى في الإيمان الذي هو في القلب يتفاضل الناس فيه، بل إن الإنسان يحس في نفسه أنه في بعض الأحيان يجد في قلبه من الإيمان ما لا يجده في بعض الأحيان؛ فكيف بين شخص وشخص؟ فهو يتفاضل أكثر.
وخلاصة الباب:
أنه يجب البعد عن الشرك ووسائله، ويغلظ على من عبد الله عند قبر رجل صالح.
(9/402)

فيه مسائل:
الأولى: ما ذكر الرسول فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وكلام المؤلف رحمه الله في قوله: (فيمن عبد الله) يشمل الصلاة وغيرها والأحاديث التي ساقها في الصلاة، لكنه رحمه الله كأنه قاس غيرها عليها، فمن زعم أن الصدقة عند هذا القبر أفضل من غيره؛ فهو شبيه بمن اتخذه مسجدا لأنه يرى أن لهذه البقعة أو لمن فيها شأنا يفضل به على غيره؛ فالشيخ عمم، والدليل خاص.
فإن قيل: لا يستدل بالدليل الخاص على العام؟
أجيب: إن الشيخ أراد بذلك أن العلة هي تعظيم هذا المكان؛ لكونه قبرا، وهذا كما يوجد في الصلاة يوجد في غيرها من العبادات؛ فيكون التعميم من باب القياس لا من باب شمول النص له لفظا.
فيه مسائل:
الأولى: ما ذكر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل، تؤخذ من لعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
قوله: (ولو صحت نية الفاعل) ؛ لأن الحكم علق على مجرد صورته؛ فهذا العمل لا يحتاج إلى نية لأنه معلق بمجرد الفعل.
فالنية تؤثر في الأعمال الصالحة وتصحيحها، وتؤثر في الأعمال التي لا
(9/403)

الثانية: النهي عن التماثيل وغلظ الأمر في ذلك. الثالثة: العبرة في مبالغته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك؛ فكيف بين لهم هذا أولا، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يقدر عليها فيعطى أجرها، وما أشبه ذلك، بخلاف ما علق على فعل مجرد؛ فلا حاجة فيه إلى النية.
أي: ولو كان يعبد الله، ولو كان يريد التقرب إلى الله ببناء هذا المسجد اعتبارا بما يئول إليه الأمر، وبالنتيجة السيئة التي تترتب على ذلك، وهذه النقطة نتدرج منها إلى نقطة أخرى، وهي التحذير من مشابهة المشركين وإن لم يقصد الإنسان المشابهة، وهذه قد تخفى على بعض الناس، حيث يظن أن التشبه إنما يحرم إذا قصدت المشابهة، والشرع إنما علق الحكم بالتشبه؛ أي: بأن يفعل ما يشبه فعلهم، سواء قصد أو لم يقصد، ولهذا قال العلماء في مسألة التشبه: وإن لم ينو ذلك؛ فإن التشبه يحصل بمطلق الصورة.
فإن قيل: قاعدة «إنما الأعمال بالنيات» هل تعارض ما ذكرنا؟
الجواب: لا تعارضه؛ لأن ما علق بالعمل ثبت له حكمه وإن لم ينو الفعل؛ كالأشياء المحرمة؛ كالظهار، والزنا، وما أشبهها.
الثانية: النهي عن التماثيل وغلظ الأمر في ذلك، تؤخذ من قوله: «وصوروا فيه تلك الصور» ، ولا سيما إذا كانت هذه الصور معظمة عادة؛ كالرؤساء، والزعماء، والأب، والأخ، والعم.
الثالثة: العبرة في مبالغته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك، كيف بين لهم هذا أولا، ثم قبل
(9/404)

موته بخمس قال ما قال؟ ! ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
وهذا مما يدل على حرص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حماية جانب التوحيد؛ لأنه خلاصة دعوة الرسل، ولأن التوحيد أعظم الطاعات؛ فالمعاصي ولو كبرت أهون من الشرك، حتى قال ابن مسعود: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا) ؛ لأن الحلف بغيره نوع من الشرك، والحلف بالله كاذبا معصية، وهي أهون من الشرك.
فالشرك أمره عظيم جدا، ونحن نحذر إخواننا المسلمين مما هم عليه الآن من الانكباب العظيم على الدنيا حتى غفلوا عما خلقوا له، واشتغلوا بما خلق لهم؛ فعامة الناس الآن تجدهم مشتغلين بالدنيا، وليس في أفكارهم إلا الدنيا قائمين وقاعدين ونائمين ومستيقظين، وهذا في الحقيقة نوع من الشرك؛ لأنه يوجب الغفلة عن الله عز وجل، ولهذا سمى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فعل ذلك عبدا لما تعبد له، فقال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة» ، ولو أقبل العبد على الله بقلبه وجوارحه لحصل ما قدر له من الدنيا؛ فالدنيا وسيلة وليست غاية، وتعس من جعلها غاية، كيف تجعلها غاية وأنت لا تدري مقامك فيها؟ ! وكيف تجعلها غاية وسرورها مصحوب بالأحزان؛ كما قال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
فالحاصل: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث لتحقيق عبادة الله، ولهذا كان حريصا على
(9/405)

الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر. الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم. السادسة: لعنه إياهم على ذلك. السابعة: أن مراده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحذيره إيانا عن قبره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سد كل الأبواب التي تؤدي إلى الشرك؛ فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حذر من اتخاذ القبور مساجد ثلاث مرات:
الأولى: في سائر حياته.
والثانية: قبل موته بخمس.
والثالثة: وهو في السياق.
الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره أن يوجد القبر، تؤخذ من قوله: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد» ؛ فإن قبره داخل في ذلك بلا شك، بل أول ما يدخل فيه.
الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، تؤخذ من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، وبئس رجلا جعل إمامه اليهود والنصارى وتشبه بهم في قبيح أعمالهم.
السادسة: لعنه إياهم على ذلك، تؤخذ من قوله: «لعنة الله على اليهود والنصارى» .
السابعة: أن مراده تحذيره إيانا عن قبره، تؤخذ من قول عائشة: "يحذر ما صنعوا"؛ أي: ما صنعه اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
(9/406)

الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره. التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدا.
العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجدا وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذرية إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره، تؤخذ من قول عائشة: «ولولا ذلك أبرز قبره؛ غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» .
هناك علة أخرى، وهي: إخباره بأنه ما من نبي يموت إلا دفن حيث يموت، ولا يمتنع أن يكون للحكم علتان، كما لا يمتنع أن يكون للعلة حكمان.
التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدا، سبق أن ذكرنا أن لها معنيين:
1 - بناء المساجد عليها.
2 - اتخاذها مكانا للصلاة تقصد فيصلى عندها، بل إن من صلى عندها ولم يتخذها للصلاة؛ فقد اتخذها مسجدا بالمعنى العام.
العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجدا وبين من تقوم عليه الساعة؛ فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
ومعنى هذا أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر التحذير من الشرك قبل أن يموت.
وقوله: (مع خاتمته) ، وهي أن من تقوم عليهم شرار الخلق والذين تقوم عليهم الساعة وهم أحياء هؤلاء الكفار، والذين يتخذون القبور مساجد هؤلاء فعلوا أسباب الشرك والكفر.
(9/407)

الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع، بل أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية، وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحادية عشرة: ذكر في خطبته قبل موته بخمس الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع.
قوله: (قبل أن يموت بخمس) ، أي: خمس ليال، والعرب يعبرون عن الأيام بالليالي وبالعكس.
قوله: (أشر أهل البدع) ، يقال: أشر، ويقال: شر؛ بحذف الهمزة، وهو الأكثر استعمالا.
وإنما تكلم المؤلف - رحمه الله - عن حال الرافضة والجهمية وحكمهما قبل ذكر اسمهما من أجل تهييج النفس على معرفتهما والاطلاع عليهما؛ لأن الإنسان إذا ذكر له الحكم والوصف قبل ذكر الموصوف والمحكوم عليه؛ صارت نفسه تتطلع وتتشوق إلى هذا، فلو قال من أول الكلام: الرد على الرافضة والجهمية؛ فلا يكون للإنسان التشوق مثل ما لو تكلم عن حالهما وحكمهما أولا.
وحالهما: أنها أشر أهل البدع.
وحكمهم: أن بعض أهل العلم أخرجهم من الثنتين والسبعين فرقة.
والرافضة: اسم فاعل من رفض الشيء إذا استبعده، وسموا بذلك لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حين سألوه: ما تقول في
(9/408)

أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما، وقال: هما وزيرا جدي. فرفضوه وتركوه، وكانوا في السابق معه، لكن لما قال الحق المخالف لأهوائهم، نفروا منه والعياذ بالله، فسموا رافضة.
وأصل مذهبهم من عبد الله بن سبأ، وهو يهودي تلبس بالإسلام، فأظهر التشيع لآل البيت والغلو فيهم ليشغل الناس عن دين الإسلام ويفسده كما أفسد بولص دين النصارى عندما تلبس بالنصرانية.
وأول ما أظهر ابن سبأ بدعته في عهد علي بن أبي طالب، حتى إنه جاءه وقال: أنت الله حقا - والعياذ بالله -. فأمر علي بالأخدود فحفرت، وأمر بالحطب فجمع، وبالنار فأوقدت، ثم أحرقهم بها؛ إلا أنه يقال: إن عبد الله بن سبأ هرب وذهب إلى مصر ونشر بدعته؛ فالله أعلم.
فالمهم أن عليا رضي الله عنه رأى أمرا لم يحتمله، حيث ادعوا فيه الألوهية فأحرقهم بالنار إحراقا، ثم بدأت هذه الفرقة الخبيثة تتكاثر؛ لأن شعارها في الحقيقة النفاق الذي يسمونه التقية، ولهذا كانت هذه الفرقة أخطر ما يكون على الإسلام؛ لأنها تتظاهر بالإسلام والدعوة إليه، وتقيم شعائره الظاهرة؛ كتحريم الخمور وما أشبه ذلك، لكنها تناقضه في الباطن؛ فهم يرون أئمتهم آلهة تدير الكون، وأنهم أفضل من الأنبياء والملائكة والأولياء، وأنهم في مرتبة لا ينالها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهؤلاء كيف يصح أن تقبل منهم دعوى الإسلام، ولذلك يقول عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كثير من كتبه قولا إذا اطلع عليه الإنسان عرف حالهم: (إنهم أشد الناس ضررا على الإسلام، وأنهم هجروا المساجد وعمروا المشاهد) ؛ فهم يقولون: لا نصلي جماعة إلا خلف إمام معصوم ولا معصوم الآن، وهم أول من بنى المشاهد على القبور كما قال الشيخ
(9/409)

هنا، ورموا أفضل أتباع الرسول على الإطلاق - وهما أبو بكر وعمر - بالنفاق، وإنهما ماتا على ذلك؛ كعبد الله بن أبي ابن سلول وأشباهه والعياذ بالله؛ فانظر بماذا تحكم على هؤلاء بعد معرفة معتقدهم ومنهجهم؟ !
وأما الجهمية؛ فهم أتباع الجهم بن صفوان، وأول بدعته أنه أنكر صفات الله، وقال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما؛ فأنكر المحبة والكلام، ثم بدأت هذه البدعة تنتشر وتتسع، فاعتنقها طوائف غير الجهمية؛ كالمعتزلة ومتأخري الرافضة؛ لأن الرافضة كانوا بالأول مشبهة، ولهذا قال أهل العلم: أول من عرف بالتشبيه هشام بن الحكم الرافضي، ثم تحولوا من التشبيه إلى التعطيل، وصاروا ينكرون الصفات.
والجهم بن صفوان أخذ بدعته عن الجعد بن درهم، والجعد أخذ بدعته عن أبان بن سمعان، وأبان أخذها عن طالوت الذي أخذها عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فتكون بدعة التعطيل أصلها من اليهود، ثم إن الجهم بن صفوان نشأ في بلاد خراسان، وفيها كثير من الصائبة وعباد الكواكب والفلاسفة، فأخذ منهم أيضا ما أخذ، فصارت هذه البدعة مركبة من اليهودية والصابئة والمشركين.
وانتشرت هذه البدعة في الأمة الإسلامية، وهؤلاء الجهمية معطلة في الصفات ينكرون الصفات، ومنهم من أنكر الأسماء مع الصفات، وهذه الأسماء التي يضيفها الله - سبحانه - إلى نفسه جعلوها إضافات وليست حقيقة، أو أنها أسماء لبعض مخلوقاته؛ فالسميع عندهم بمعنى من خلق السمع في غيره والبصير كذلك، وهكذا.
ومنهم من أنكر أن يكون الله متصفا بالإثبات أو العدم، فقالوا: لا يجوز
(9/410)

أن نثبت لله صفة أو ننفي عنه صفة؛ حتى قالوا: لا يجوز أن نقول عنه: إنه موجود ولا إنه معدوم؛ لأننا قلنا موجود شبهناه بالموجودات، وإن قلنا بأنه معدوم شبهناه بالمعدومات؛ فنقول: لا موجود ولا معدوم؛ فكابروا المعقول، وكذبوا المنقول، وهذا لا يمكن؛ لأن تقابل الوجود والعدم من تقابل النقيضين اللذين لا يمكن ارتفاعهما ولا اجتماعهما، بل لا بد أن يوجد أحدهما، فوصف الله بذلك تشبيه له بالممتنعات على قاعدتهم.
ومذهبهم في القضاء والقدر: الجبر، فيقولون: إن الإنسان مجبر على عمله يعمل بدون اختياره إن صلى؛ فهو مجبر، وإن قتل فهو مجبر، وهكذا، فعطلوا بذلك حكمة الله لأنه إذا كان كل عامل مجبرا على عمله لم يكن هناك حكمة في الثواب والعقاب، بل بمجرد المشيئة يعاقب هذا ويثيب هذا، وبذلك عطلوا عن الفاعلين أوصاف المدح والذم، فلا يمكن أن تمدح إنسانا أو تذمه؛ لأن العاصي مجبر والمطيع مجبر.
ويقال لهم: إنكم إذا قلتم ذلك أثبتم أن الله أظلم الظالمين؛ لأنه كيف يعاقب العاصي وهو مجبر على المعصية؟ ويثيب الطائع وهو مجبر على طاعته؟ فيكون أعطى من لا يستحق؛ وعاقب من لا يستحق، وهذا ظلم.
فقالوا: هذا ليس بظلم؛ لأن الظلم تصرف المالك في غير ملكه، وهذا تصرف من المالك في ملكه يفعل به ما يشاء.
وأجيب: بأنه باطل؛ لأنه المالك إذا كان متصفا بصفات الكمال لن يخلف وعده، وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112] ، فلو أخلف هذا الوعد؛ لكان نقصا في حقه وظلما لخلقه، حيث وعدهم فأخلفهم.
(9/411)

ومذهبهم في أسماء الإيمان والدين الإرجاء، فيقولون: إن الإيمان مجرد اعتراف الإنسان بالخالق على الوصف المعطل عن الصفات حسب طريقتهم، وأن الأقوال والأعمال لا مدخل لها في الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
ومن هذه الأمور الثلاثة قالوا: إن أفسق وأعدل عباد الله في الإيمان سواء، بل قالوا إن فرعون مؤمن كامل الإيمان، وجبريل مؤمن كامل الإيمان، لكن فرعون كفر؛ لأنه ادعى الربوبيه لنفسه فقط، فصار بذلك كافرا.
قال ابن القيم عنهم:
والناس في الإيمان شيء واحد ... كالمشط عند تماثل الأسنان
فمذهبهم من أخبث المذاهب إن لم نقل أخبثها، لكن أخبث منه مذهب الرافضة، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن جميع البدع أصلها من الرافضة) ؛ فهم أصل البلية في الإسلام، ولهذا قال المؤلف: (أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة) ، ولعل الصواب من الثلاث والسبعين فرقة، أو أن الصواب أخرجهم إلى الثنتين والسبعين؛ أي: أخرجهم من الثالثة التي كان عليها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه؛ لأن المعروف أن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي من كانت على ما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه.
وصدق رحمه الله في قوله عن هاتين الطائفتين الرافضة والجهمية: (شر أهل البدع) .
وقد قتل الجهم بن صفوان سلمة بن أحوز شرطة نصر بن سيار؛ لأن أظهر هذا المذهب ونشره.
وقول المؤلف: (وبسبب الرافضة حديث الشك، وعبادة القبور، وهم أول من
(9/412)

الثانية عشرة: ما بلي به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شدة النزع. الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بنى عليها المساجد) ، ولهذا يجب الحذر من بدعتهم وبدعة الجهمية وغيرها، ولا شك أن البدع دركات بعضها أسفل من بعض؛ فعلى المرء الحذر من البدع، وأن يكون متبعا لمنهج السلف الصالح في هذا الباب وفي غيره.
الثانية عشرة: ما بلي به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شدة النزع، تؤخذ من قولها: «طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها» ، وفي هذا دليل على شدة نزعه، وهكذا «كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمرض ويوعك كما يوعك الرجلان» من الناس، وهذا من حكمة الله - عز وجل -؛ فهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شدد عليه البلاء في مقابلة دعوته وأوذي إيذاء عظيما، وكذلك أيضا فيما يصيبه من الأمراض يضاعف عليه، والحكمة من ذلك لأجل أن ينال أعلى درجات الصبر؛ لأن الإنسان إذا ابتلي بالشر وصبر كان ذلك أرفع لدرجته.
والصبر درجة عالية لا تنال إلا بوجود أسبابها، ومنها الابتلاء؛ فيصبر ويحتسب حتى ينال درجة الصابرين.
الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة، ويدل عليها قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» ) ، ولا شك أن هذه الكرامة عظيمة؛ لأننا لا نعلم أحدا نال هذه المرتبة إلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإبراهيم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(9/413)

الرابعة عشر: التصريح بأنها أعلى من المحبة. الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة، ودليل ذلك أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يحب أبا بكر، وكان أحب الناس إليه؛ فأثبت له المحبة، ونفى عنه الخلة؛ فدل هذا على أنها أعلى من المحبة، والتصريح ليس من هذا الحديث فقط، بل بضمه إلى غيره؛ فقد ورد من حديث آخر أنه صرح: «بأن أبا بكر أحب الرجال إليه» ، ثم قال هنا: «لو كنت متخذا من أمتي خليلا؛ لاتخذت أبا بكر خليلا» فدل على أن الخلة أعلى من المحبة.
الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة، تؤخذ من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ولو كنت متخذا من أمتي خليلا؛ لاتخذت أبا بكر خليلا» ، فلو كان غيره أفضل منه عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لكان أحق بذلك.
ومن المسائل الهامة أيضا:
أن الأفضلية في الإيمان والعمل الصالح فوق الأفضلية بالنسب؛ لأننا لو راعينا الأفضلية بالنسب؛ لكان حمزة بن عبد المطلب والعباس - رضي الله عنهما - أحق من أبي بكر في ذلك، ومن ثم قدم أبو بكر رضي الله عنه على علي بن أبي طالب وغيره من آل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(9/414)

السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته، لم يقل التصريح، وإنما قال: الإشارة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل: إن أبا بكر هو الخليفة من بعده، لكن لما قال: «لو كنت متخذا من أمتي خليلا؛ لاتخذت أبا بكر خليلا» علم أنه رضي الله عنه أولى الناس برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فيكون أحق الناس بخلافته.
(9/415)

باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين
يصيرها أوثانا تعبد من دون الله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الباب له صلة بما قبله، وهو أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله.
أي: يئول الأمر بالغالين إلى أن يعبدوا هذه القبور أو أصحابها.
والغلو: مجاوزة الحد مدحا أو ذما، والمراد هنا مدحا.
والقبور لها حق علينا من وجهين:
1 - أن لا نفرط فيما يجب لها من الاحترام؛ فلا تجوز إهانتها ولا الجلوس عليها، وما أشبه ذلك.
2 - أن لا نغلو فيها فنتجاوز الحد.
وفي (صحيح مسلم) قال علي بن أبي طالب لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» ، وفي رواية: «ولا صورة إلا طمستها» .
والقبر المشرف: هو الذي يتميز عن سائر القبور؛ فلا بد أن يسوى ليساويها لئلا يظن أن لصاحب هذا القبر خصوصية ولو بعد زمن: إذ هو وسيلة إلى الغلو فيه.
قوله: (الصالحين) ، يشمل الأنبياء والأولياء، بل ومن دونهم.
(9/416)

روى مالك في (الموطأ) ؛ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أوثانا) ، جمع وثن، وهو كل ما نصب للعبادة، وقد يقال له: صنم، والصنم: تمثال ممثل؛ فيكون الوثن أعم.
ولكن ظاهر كلام المؤلف أن كل ما يعبد من دون الله يسمى وثنا، وإن لم يكن على تمثال نصب؛ لأن القبور قد لا يكون لها تمثال ينصب على القبر فيعبد.
قوله: (تعبد من دون الله) ، أي: من غيره، وهو شامل لما إذا عبدت وحدها أو عبدت مع الله؛ لأن الواجب في عبادة الله إفراده فيها، فإذا قرن بها غيره صارت عبادة لغير الله، وقد ثبت في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيره تركته وشركه» .
قوله: في (الموطأ) ، كتاب مشهور من أصح الكتب؛ لأنه رحمه الله تحرى فيه صحة السند، وسنده أعلى من سند البخاري لقربه من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكلما كان السند أعلى كان إلى الصحة أقرب، وفيه مع الأحاديث آثار عن
(9/417)

الصحابة، وفيه أيضا كلام وبحث للإمام مالك نفسه.
وقد شرحه كثير من أهل العلم، ومن أوسع شروحه وأحسنها في الرواية والدراية: (التمهيد) لابن عبد البر، وهذا - أعني (التمهيد) - فيه علم كثير.
قوله: (اللهم) ، أصلها: يا الله! فحذفت يا النداء لأجل البداءة باسم الله، وعوض عنها الميم الدالة على الجمع؛ فكأن الداعي جمع قلبه على الله، وكانت الميم في الآخر لأجل البداءة باسم الله.
قوله: «لا تجعل قبري وثنا يعبد» ، لا: للدعاء؛ لأنها طلب من الله، وتجعل: تصير، والمفعول الأول لها: (قبري) ، والثاني: (وثنا) .
وقوله: (يعبد) ، صفة لوثن، وهي صفة كاشفة؛ لأنه الوثن هو الذي يعبد من دون الله.
وإنما سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك؛ لأن من كان قبلنا جعلوا قبور أنبيائهم مساجد وعبدوا صالحيهم، فسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد؛ لأن دعوته كلها بالتوحيد ومحاربة الشرك.
قوله: (اشتد) ، أي: عظم.
قوله: (غضب الله) ، صفة حقيقية ثابتة لله - عز وجل - لا تماثل غضب المخلوق لا في الحقيقة ولا في الأثر. وقال أهل التأويل: غضب الله هو الانتقام ممن عصاه، وبعضهم يقول: إرادة الانتقام ممن عصاه.
وهذا تحريف للكلام عن مواضعه؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل: انتقم الله، وإنما قال: اشتد غضب الله، وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعرف كيف يعبر، ويعرف الفرق بين غضب الله وبين الانتقام، وهو أنصح الخلق وأعلم الخلق بربه، فلا يمكن أن يأتي بكلام وهو يريد خلافه؛ لأنه لو أتى بذلك لكان ملبسا، وحاشاه أن يكون
(9/418)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
كذلك؛ فالغضب غير الانتقام وغير إرادة الانتقام؛ فالغضب صفة حقيقية ثابتة لله تليق بجلاله لا تماثل غضب المخلوق، لا في الحقيقة ولا في الأثر.
وهناك فروق بين غضب المخلوق وغضب الخالق، منها:
1 - غضب المخلوق حقيقة هو: غليان دم القلب، وجمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى يفور، أما غضب الخالق؛ فإنه صفة لا تماثل هذا، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .
2 - أن غضب الآدمي يؤثر آثارا غير محمودة؛ فالآدمي إذا غضب قد يحصل منه ما لا يحمد، فيقتل المغضوب عليه، وربما يطلق زوجته، أو يكسر الإناء، ونحو ذلك، أما غضب الله؛ فلا يترتب عليه إلا آثار حميدة لأنه حكيم، فلا يمكن أن يترتب على غضبه إلا تمام الفعل المناسب الواقع في محله.
فغضب الله ليس كغضب المخلوقين، لا في الحقيقة ولا في الآثار، وإذا قلنا ذلك؛ فلا نكون وصفنا الله بما يماثل صفات المخلوقين، بل وصفناه بصفة تدل على القوة وتمام السلطان؛ لأن الغضب يدل على قدرة الغاضب على الانتقام وتمام سلطانه؛ فهو بالنسبة للخالق صفة كمال، وبالنسبة للمخلوق صفة نقص.
ويدل على بطلان تأويل الغضب بالانتقام قوله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الزخرف: 55] .
فإن معنى آسَفُونَا: أغضبونا؛ فجعل الانتقام غير الغضب، بل أثرا مترتبا عليه؛ فدل هذا على بطلان تفسير الغضب بالانتقام.
واعلم أن كل من حرف نصوص الصفات عن حقيقتها وعما أراد الله بها ورسوله؛ فلا بد أن يقع في زلة ومهلكة؛ فالواجب علينا أن نسلم لما جاء به
(9/419)

ولابن جرير بسنده، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} [النجم: 19] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الكتاب والسنة من صفات الله تعالى على ما ورد إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل.
قوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، أي: جعلوها مساجد؛ إما بالبناء عليها، أو بالصلاة عندها؛ فالصلاة عند القبور من اتخاذها مساجد، والبناء عليها من اتخاذها مساجد.
وهنا نسأل: هل استجاب الله دعوة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن لا يجعل قبره وثنا يعبد، أم اقتضت حكمته غير ذلك؟
الجواب: يقول ابن القيم: إن الله استجاب له؛ فلم يذكر أن قبره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل وثنا، بل إنه حمي بثلاثة جدران؛ فلا أحد يصل إليه حتى يجعله وثنا يعبد من دون الله، ولم يسمع في التاريخ أنه جعل وثنا.
قال ابن القيم في (النونية) :
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
صحيح أنه يوجد أناس يغلون فيه، ولكن لم يصلوا إلى جعل قبره وثنا، ولكن قد يعبدون الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولو في مكان بعيد، فإن وجد من يتوجه له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدعائه عند قبره؛ فيكون قد اتخذه وثنا، لكن القبر نفسه لم يجعل وثنا.
قوله: (ولابن جرير) ، هو محمد بن جرير بن يزيد الطبري، الإمام المشهور في التفسير، توفي سنة 310 هـ.
وتفسيره: هو أصل التفسير بالأثر ومرجع لجميع المفسرين بالأثر، ولا
(9/420)

يخلو من بعض الآثار الضعيفة، وكأنه يريد أن يجمع ما روي عن السلف من الآثار في تفسير القرآن، ويدع للقارئ الحكم عليها بالصحة أو الضعف بحسب تتبع رجال السند، وهي طريقة جيدة من وجه، وليست جيدة من وجه آخر.
فجيدة من جهة أنها تجمع الآثار الواردة حتى لا تضيع، وربما تكون طرقها ضعيفة ويشهد بعضها لبعض.
وليست جيدة من جهة أن القاصر بالعلم ربما يخلط الغث بالسمين ويأخذ بهذا وهذا، لكن من عرف طريقة السند، وراجع رجال السند، ونظر إلى أحوالهم وكلام العلماء فيهم؛ علم ذلك.
وقد أضاف إلى تفسيره بالأثر: التفسير بالنظر، ولا سيما ما يعود إلى اللغة العربية، ولهذا دائما يرجح الرأي ويستدل له بالشواهد الواردة في القرآن وعن العرب.
ومن الناحية الفقهية؛ فالطبري مجتهد، لكنه سلك طريقة خالف غيره فيها بالنسبة للإجماع؛ فلا يعتبر خلاف الرجل والرجلين، وينقل الإجماع ولو خالف في ذلك رجل أو رجلان، وهذه الطريقة تؤخذ عليه؛ لأن الإجماع لا بد أن يكون من جميع أهل العلم المعتبرين في الإجماع، وقد يكون الحق مع هذا الواحد المخالف.
والعجيب أني رأيت بعض المتأخرين يحذرون الطلبة من تفسيره؛ لأنه مملوء على زعمهم بالإسرائيليات، ويقولون: عليكم بـ (تفسير الكشاف) للزمخشري وما أشبه ذلك، وهؤلاء مخطئون؛ لأنهم لجهلهم بفضل التفسير بالآثار عن السلف واعتزازهم بأنفسهم وإعجابهم بآرائهم صاروا يقولون هذا.
قوله: (عن سفيان) ، إما سفيان الثوري، أو ابن عيينة، وهذا مبهم،
(9/421)

قال: (كان يلت لهم السويق، فمات، فعكفوا على قبره) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والمبهم يمكن معرفته بمعرفة شيوخه وتلاميذه، وفي الشرح - أعني (تيسير العزيز الحميد) - يقول: الظاهر أنه الثوري.
قوله: (عن مجاهد) ، هو مجاهد بن جبر المكي، إمام المفسرين من التابعين، ذكر عنه أنه قال: (عرضت المصحف على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته؛ فما تجاوزت آية إلى وقفت عندها أسأله عن تفسيرها) .
قوله: (أفرأيتم) ، الهمزة: للاستفهام، والمراد به التحقير، والخطاب لعابدي هذه الأصنام اللات والعزى. . . إلخ.
لما ذكر الله تعالى قصة المعراج وما حصل فيه من الآيات العظيمة التي قال عنها: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} ؛ قال: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} ؛ أي: ما نسبة هذه الأصنام للآيات الكبيرة التي رآها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة المعراج.
قوله: اللَّاتِ، (كان يلت لهم. . .) إلخ، على قراءة التشديد: من لت يلت؛ فهو لات.
أما على قراءة التخفيف؛ فوجهها أنها خففت لتسهيل الكلام؛ أي: حذف منها التضعيف تخفيفا.
وقد سبق أنهم قالوا: إن اللات من الإله.
وأصله: رجل كان يلت السويق للحجاج، فلما مات؛ عظموه، وعكفوا على قبره، ثم جعلوه إلها، وجعلوا التسمية الأولى مقترنة بالتسمية الأخيرة؛ فيكون أصله من لت السويق، ثم جعلوه من الإله، وهذا على قراءة التخفيف أظهر من التشديد؛ فالتخفيف يرجح أنه من الإله، والتشديد يرجح أن أصله رجل يلت السويق.
(9/422)

وكذا قال أبو الجوزاء، عن ابن عباس: (كان يلت السويق للحاج) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وغلوا في قبره، وقالوا: هذا الرجل المحسن الذي يلت السويق للحجاج ويطعمهم إياه، ثم بعد ذلك عبدوه؛ فصار الغلو في القبور يصيرها أوثانا تعبد من دون الله.
وفي هذا التحذير من الغلو في القبور، ولهذا نهي عن تخصيصها والبناء عليها والكتابة عليها خوفا من هذا المحظور العظيم الذي يجعلها تعبد من دون الله، «وكان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمر إذا بعث بعثا: بأن لا يدعوا قبرا مشرفا إلا سووه» ؛ لعلمه أنه مع طول الزمان سيقال: لولا أن له مزية ما اختلف عن القبور؛ فالذي ينبغي أن تكون القبور متساوية لا ميزة لواحد منها عن البقية.
قوله: (السويق) ، هو عبارة عن الشعير يحمص، ثم يطحن، ثم يخلط بتمر أو شبهه، ثم يؤكل.
وقوله: (كان يلت لهم السويق، فمات، فعكفوا على قبره) ، يعني: ثم عبدوه وجعلوه إلها مع الله.
قوله: (وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج) ، والغريب أن الناس في جاهليتهم يكرمون حجاج بيت الله، ويلتون لهم السويق، وكان العباس يسقي لهم من زمزم، وربما يجعل في زمزم نبيذا يحليه زبيبا أو نحوه، وفي الوقت الحاضر صار الناس بالعكس يستغلون الحجاج
(9/423)

وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: «لعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه أهل السنن. (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
غاية الاستغلال - والعياذ بالله - حتى يبيعوا عليهم ما يساوي ريالا بريالين وأكثر حسب ما يتيسر لهم، وهذا في الحقيقة خطأ عظيم؛ لأن الله تعالى يقول: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] ؛ فكيف بمن يفعل الإلحاد؟ !
قوله: (لعن) ، اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعنى (لعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ؛ أي: دعا عليهم باللعنة.
قوله: (زائرات القبور) ، زائرات: جمع زائرة، والزيارة هنا معناها: الخروج إلى المقابر، وهي أنواع:
منها ما هو سنة، وهي زيارة الرجال للاتعاظ والدعاء للموتى.
ومنها ما هو بدعة، وهي زيارتهم للدعاء عندهم وقراءة القرآن ونحو ذلك.
ومنها ما هو شرك، وهي زيارتهم لدعاء الأموات والاستنجاد بهم والاستغاثة ونحو ذلك.
وزائر: اسم فاعل يصدق بالمرة الواحدة، وفي حديث أبي هريرة: «لعن»
__________
(1) مسند الإمام أحمد (1/229) ، وسنن أبو داود: كتاب الجنائز/باب في زيارة النساء القبور، 4/95، والترمزي: الصلاة/باب كراهة أن يتخذ على القبر مسجداً، 320 - وقال: (حديث حسن) ـ.
(9/424)

«رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوارات القبور» (1) ؛ بتشديد الواو، وهي صيغة مبالغة تدل على الكثرة أي كثرة الزيارة.
قوله: (والمتخذين عليها المساجد) ، هذا الشاهد من حديث؛ أي: الذين يضعون عليها المساجد، وقد سبق أن اتخاذ القبور مساجد، صورتان:
1 - أن يتخذها مصلى يصلى عندها.
2 - بناء المساجد عليها.
قوله: (والسرج) جمع سراج، توقد عليها السرج ليلا ونهارا تعظيما وغلوا فيها.
وهذا الحديث يدل على تحريم زيارة النساء للقبور، على أنه من كبائر الذنوب؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة، ويدل على تحريم اتخاذ المساجد والسرج عليها، وهو كبيرة من كبائر الذنوب للعن فاعلة.
المناسبة للباب:
إن اتخاذ المساجد عليها وإسراجها غلو فيها؛ فيؤدي بعد ذلك إلى عبادتها.
مسألة: ما هي الصلة بين الجملة الأولى: (زائرات القبور) ، والجملة الثانية (المتخذين عليها المساجد والسرج) ؟
الصلة بينهما ظاهرة: هي أن المرأة لرقة عاطفتها وقلة تمييزها وضعف صبرها ربما تعبد أصحاب القبور تعطفا على صاحب القبر؛ فلهذا قرنها بالمتخذين عليها المساجد والسرج.
__________
(1) مسند الإمام أحمد (2/337) ، والترمذي: الجنائز/باب ما جاء في كراهة زيارة القبور للنساء، 4/12 ـ وقال: (حسن صحيح) ـ.
(9/425)

وهل يدخل في اتخاذ السرج على المقابر ما وضع فيها مصابيح كهرباء لإنارتها؟
الجواب: أما في المواطن التي لا يحتاج الناس إليها، كما لو كانت المقبرة واسعة وفيها موضع قد انتهى الناس من الدفن فيه؛ فلا حاجة إلى إسراجه، فلا يسرج، أما الموضع الذي يقبر فيه فيسرج ما حوله؛ فقد يقال بجوازه؛ لأنها لا تسرج إلا بالليل؛ فليس في ذلك ما يدل على تعظيم القبر، بل اتخذ الإسراج للحاجة.
ولكن الذي نرى أنه ينبغي المنع مطلقا للأسباب الآتية:
1 - أنه ليس هناك ضرورة.
2 - أن الناس إذا وجدوا ضرورة لذلك؛ فعندهم سيارات يمكن أن يوقدوا الأنوار التي فيها ويتبين لهم الأمر، ويمكنهم أن يحملوا سراجا معهم.
3 - أنه إذا فتح هذا الباب؛ فإن الشر سيتسع في قلوب الناس ولا يمكن ضبطه فيما بعد، فلو فرضنا أنهم جعلوا الإضاءة بعد صلاة الفجر ودفنوا الميت؛ فمن يتولى قفل هذه الإضاءة؟
الجواب: قد تترك، ثم يبقى كأنه متخذ عليها السرج؛ فالذي نرى أنه يمنع نهائيا.
أما إذا كان في المقبرة حجرة يوضع فيها اللبن ونحوه؛ فلا بأس بإضاءتها لأنها بعيدة عن القبور، والإضاءة داخلة لا تشاهد؛ فهذا نرجو أن لا يكون به بأس.
والمهم أن وسائل الشرك يجب على الإنسان أن يبتعد عنها ابتعادا عظيما، ولا يقدر للزمن الذين هو فيه الآن، بل يقدر للأزمان البعيدة؛ فالمسألة ليست هينة.
(9/426)

وفي الحديث ما يدل على تحريم زيارة النساء للقبور، وأنها من كبائر الذنوب، والعلماء اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تحريم زيارة النساء للقبور، بل إنها من كبائر الذنوب؛ لهذا الحديث.
القول الثاني: كراهة زيارة النساء للقبور كراهة لا تصل إلى التحريم، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد عن أصحابه؛ لحديث أم عطية: «نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا» .
القول الثالث: أنها تجوز زيارة النساء للقبور؛ «لحديث المرأة: التي مر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها وهي تبكي عند قبر، فقال لها: (اتقي الله واصبري) . فقالت له: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمثل مصيبتي، فانصرف الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها، فقيل لها: هذا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجاءت إليه تعتذر؛ فلم يقبل عذرها، وقال: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى» ؛ فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شاهدها عند القبر ولم ينهها عن الزيارة، وإنما أمرها أن تتقي الله وتصبر.
ولما ثبت في (صحيح مسلم) من حديث عائشة الطويل، وفيه: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إلى أهل البقيع في الليل، واستغفر لهم ودعا لهم، وأن جبريل أتاه في الليل وأمره، فخرج صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مختفيا عن عائشة، وزار ودعا ورجع، ثم»
(9/427)

«أخبرها الخبر؛ فقالت: ما أقول لهم يا رسول الله؟ قال: (قولي: السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين» . . . .) إلخ.
قالوا: فعلمها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعاء زيارة القبور، وتعليمه هذا دليل على الجواز.
ورأيت قولا رابعا: أن زيارة النساء للقبور سنة كالرجال؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة» (1) ، وهذا عام للرجال والنساء.
«ولأن عائشة رضي الله عنها زارت قبر أخيها، فقال لها عبد الله بن أبي مليكة: أليس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد نهى عن زيارة القبور؟ قالت: إنه أمر بها بعد ذلك» . (2)
وهذا دليل على أنه منسوخ.
والصحيح القول الأول، ويجاب عن أدلة الأقوال الأخرى: بأن الصريح منها غير صحيح، والصحيح غير صريح؛ فمن ذلك:
أولا: دعوى النسخ غير صحيحة؛ لأنها لا تقبل إلا بشرطين:
1 - تعذر الجمع بين النصين، والجمع هنا سهل وليس بمعتذر لأنه يمكن أن يقال: إن الخطاب في قوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها» للرجال، والعلماء اختلفوا فيما إذا خوطب الرجال بحكم: هل يدخل فيه
__________
(1) مسند الإمام أحمد (1/145) ، ومسلم بلفظ: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي.) ، كتاب الجنائز / باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة قبر أمه.
(2) الترمذي: كتاب الجنائز / باب زيارة النساء للقبور، وذكره الهيثمي في (المجمع) ، وقال: رواه الطبراني في (الكبير) ورجاله رجال الصحيح، والبغوي في (شرح السنة) .
(9/428)

النساء أو لا؟ وإذا قلنا بالدخول - وهو الصحيح - فإن دخولهن في هذا الخطاب من باب دخول أفراد العام بحكم يخالف العام، وهنا نقول: قد خص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النساء من هذا الحكم، فأمره بالزيارة للرجل فقط؛ لأن النساء أخرجن بالتخصيص من هذا العموم بلعن الزائرات، وأيضا مما يبطل النسخ قوله: «لعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» ، ومن المعلوم أن قوله: «والمتخذين عليها المساجد والسرج» لا أحد يدعي أنه منسوخ، والحديث واحد؛ فادعاء النسخ في جانب منه دون آخر غير مستقيم، وعلى هذا يكون الحديث محكما غير منسوخ.
2 - العلم بالتأريخ، وهنا لم نعلم التأريخ؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل:
كنت لعنت من زار القبور، بل قال: كنت نهيتكم، والنهي دون اللعن.
وأيضا قوله: (كنت نهيتكم) خطاب للرجال، ولعن زائرات القبور خطاب للنساء؛ فلا يمكن حمل خطاب الرجال على خطاب النساء، إذا؛ فالحديث لا يصح فيه دعوى النسخ.
وثانيا: وأما الجواب عن حديث المرأة وحديث عائشة؛ أن المرأة لم تخرج للزيارة قطعا، لكنها أصيبت، ومن عظم المصيبة عليها لم تتمالك نفسها لتبقى في بيتها، ولذلك خرجت وجعلت تبكي عند القبر مما يدل على أن في قلبها شيئا عظيما لم تتحمله حتى ذهبت إلى ابنها وجعلت تبكي عند القبر، ولهذا أمرها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تصبر؛ لأنه علم أنها لم تخرج للزيارة، بل خرجت لما في قلبها
(9/429)

من عدم تحمل هذه الصدمة الكبيرة؛ فالحديث ليس صريحا بأنها خرجت للزيارة، وإذا لم يكن صريحا؛ فلا يمكن أن يعارض الشيء الصريح بشيء غير صريح.
وأما «حديث عائشة؛ فإنها قالت للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ماذا أقول؟ فقال: (قولي: السلام عليكم» ؛ فهل المراد أنها تقول ذلك إذا مرت، أو إذا خرجت زائرة؟ فهو محتمل؛ فليس فيه تصريح بأنها إذا خرجت زائرة؛ إذ من الممكن أن يراد به إذا مرت بها من غير خروج للزيارة، وإذا كان ليس صريحا؛ فلا يعارض الصريح.
وأما فعلها مع أخيها رضي الله عنهما؛ فإن فعلها مع أخيها لم يستدل عليها عبد الله بن أبي مليكة بلعن زائرات القبور، وإنما استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور مطلقا؛ لأنه لو استدل عليها بالنهي عن زيارة النساء للقبور أو بلعن زائرات القبور؛ لكنا ننظر بماذا ستجيبه.
فهو استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور، ومعلوم أن النهي عن زيارة القبور كان عاما، ولهذا أجابته بالنسخ العام، وقالت: إنه قد أمر بذلك، ونحن وإن كنا نقول: إن عائشة رضي الله عنها استدلت بلفظ العموم؛ فهي كغيرها من العلماء لا يعارض بقولها قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على أنه روي عنها؛ أنها قالت: (لو شهدتك ما زرتك) ، وهذا دليل على أنها رضي الله عنها خرجت لتدعو له؛ لأنها لم تشهد جنازته، لكن هذه الرواية طعن فيها بعض العلماء، وقال: إنها لا تصح عن عائشة رضي الله عنها، لكننا نبقى على الراوية الأولى الصحيحة؛ إذ ليس فيها دليل على أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نسخه، وإذا فهمت هي؛ فلا يعارض بقولها قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(9/430)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير الأوثان. الثانية: تفسير العبادة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إشكال وجوابه:
في قوله: (زوارات القبور) ألا يمكن أن يحمل النهي عن تكرار الزيارة؛ لأن (زوارات) صيغة مبالغة؟
الجواب: هذا ممكن، لكننا إذا حملناه على ذلك؛ فإننا أضعنا دلالة المطلق (زائرات) .
والتضعيف قد يحمل على كثرة الفاعلين لا على كثرة الفعل؛ فـ (زوارات) يعني: النساء إذا كن مئة كان فعلهن كثيرا، والتضعيف باعتبار الفاعل موجود في اللغة العربية، قال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ} [ص: 50] ، فلما كانت الأبواب كثيرة كان فيها التضعيف؛ إذ الباب لا يفتح إلا مرة واحدة، وأيضا قراءة ( {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ} [الزمر: 73] ؛ فهي مثلها.
فالراجح تحريم زيارة النساء للمقابر، وأنها من كبائر الذنوب.
وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (343 \ 24) .
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الأوثان، وهي: كل ما عبد من دون الله، سواء كان صنما أو قبرا أو غيره.
الثانية: تفسير العبادة، وهي: التذلل والخضوع للمعبود خوفا ورجاء ومحبة وتعظيما؛ لقوله: «لا تجعل قبري وثنا يعبد» .
(9/431)

الثالثة: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه. الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد. الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله. السادسة: وهي من أهمها: معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان. السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثالثة: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يستعذ إلا مما يخاف من وقوعه، وذلك في قوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» .
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، وذلك في قوله: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله، تؤخذ من قوله: (اشتد غضب الله) .
وفيه: إثبات الغضب من الله حقيقة، لكنه كغيره من صفات الأفعال التي نعرف معناها ولا نعرف كيفيتها.
وفيه أنه يتفاوت كما ثبت في الحديث الصحيح حديث الشفاعة: «إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولا بعده»
السادسة - وهي من أهمها -: معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان، وذلك في قوله: (فمات، فعكفوا على قبره) .
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح، تؤخذ من قوله (كان يلت لهم السويق) ؛ أي للحجاج؛ لأنه معظم عندهم، والغالب لا يكون معظما إلا
(9/432)

الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية. التاسعة: لعنه زوارات القبور. العاشرة: لعنه من أسرجها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صاحب دين.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية، وهو أنه كان يلت السويق.
التاسعة: لعنه زوارات القبور، أي: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذكر رحمة الله لفظ: (زوارات القبور) مراعاة للفظ الآخر.
العاشرة: لعنه من أسرجها، وذلك في قوله: (والمتخذين عليها المساجد والسرج) .
وهنا مسألة مهمة لم تذكر، وهي: أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا كما في قبر اللات، وهذه من أهم الوسائل، ولم يذكرها المؤلف رحمه الله، ولعله اكتفى بالترجمة عن هذه المسألة بما حصل للات، فإذا قيل بذلك؛ فله وجه.
مسألة: المرأة إذا ذهبت للروضة في المسجد النبوي لتصلي فيها، فالقبر قريب منها، فتقف وتسلم، ولا مانع فيه.
والأحسن البعد عن الزحام ومخالطة الرجال، ولئلا يظن من يشاهدها إن المرأة يجوز لها قصد الزيارة؛ فيقع الإنسان في محذور، وتسليم المرء على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يبلغه حيث كان.
(9/433)

باب ما جاء في حماية المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جناب التوحيد
وسده كل طريق يوصل إلى الشرك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المصطفى) ، أصلها: المصتفى، من الصفوة، وهو خيار الشيء؛ فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل المصطفين لأنه أفضل أولي العزم من الرسل، والرسل هم المصطفون، المراد به: محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والاصطفاء على درجات أعلاها اصطفاء أولي العزم من الرسل، ثم اصطفاء الرسل، ثم اصطفاء الأنبياء، ثم اصطفاء الصديقين، ثم اصطفاء الشهداء، ثم اصطفاء الصالحين.
قوله: (حماية) ، من حمى الشيء، إذا جعل له مانعا يمنع من يقرب حوله، ومنه حماية الأرض عن الرعي فيها، ونحو ذلك.
قوله: (جناب) ، بمعنى جانب، والتوحيد: تفعيل من الوحدة، وهو إفراد الله تعالى بما يجب له من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
قوله: (وسده كل طريق) ، أي: مع الحماية لم يدع الأبواب مفتوحة يلج إليها من شاء، ولكنه سد كل طريق يوصل إلى الشرك؛ لأن الشرك أعظم الذنوب، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الشرك الأصغر لا يغفره الله؛ لعموم قوله: {أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} ، وعلى هذا؛ فجميع الذنوب دونه لقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ؛ فيشمل كبائر الذنوب وصغائرها؛ فالشرك ليس بالأمر الهين الذي
(9/434)

وقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة: 128] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يتهاون به، فالشرك يفسد القلب والقصد، وإذا فسد العمل؛ إذ العمل مبناه على القصد، قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود:15، 16] ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما الأعمال بالنيات» .
إذا؛ فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حمى جانب التوحيد حماية محكمة، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك ولو من بعيد؛ لأن من سار على الدرب وصل، والشيطان يزين للإنسان أعمال السوء شيئا فشيئا حتى يصل إلى الغاية.
قوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} ، الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، وقد، وهي مؤكدة لجميع مدخولها بأنه رسول، وأنه من أنفسهم، وأنه عزيز عليه ما يشق علينا، وأنه بالمؤمنين رءوف رحيم؛ فالقسم منصب على كل هذه الأوصاف الأربعة.
والخطاب في قوله: جَاءَكُمْ قيل للعرب؛ لقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ؛ فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العرب، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة: 2] .
(9/435)

ويحتمل أن يكون عاما للأمة كلها، ويكون المراد بالنفس هنا الجنس؛ أي: ليس من الجن ولا الملائكة، بل هو من جنسكم؛ كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأعراف: 189] .
وعلى الاحتمال الأول فيه إشكال؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث إلى جميع الناس من العرب والعجم.
ولكن يقال في الجواب: إنه خوطب العرب بهذا؛ لأن منة الله عليهم به أعظم من غيرهم، حيث كان منهم، وفي هذا تشريف لهم بلا ريب.
والاحتمال الثاني أولي؛ للعموم، ولقوله: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164] ، ولما كان المراد العرب، قال: مِنْهُمْ لا (من أنفسكم) ، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} ، وقال تعالى عن إبراهيم وإسماعيل: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} ، وعلى هذا، فإذا جاءت (من أنفسهم) ؛ فالمراد: عموم الأمة، وإذا جاءت (منهم) ؛ فالمراد العرب؛ فعلى الاحتمال الثاني لا إشكال في الآية.
قوله (رسول) ، أي: من الله؛ كما قال الله تعالى: {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} ، وفعول هنا بمعنى مفعل؛ أي: مرسل.
و (من أنفسكم) ، سبق الكلام فيها.
قوله: (عزيز) ، أي: صعب؛ لأن هذه المادة العين والزاي في اللغة العربية تدل على الصلابة، ومنه: (أرض عزاز) ؛ أي: صلبة قوية، والمعنى: أنه يصعب عليه ما يشق عليكم، ولهذا بعث بالحنيفية السمحة، وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، وهذا من التيسير الذي بعث به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(9/436)

قوله: مَا عَنِتُّمْ، (ما) : مصدرية، وليست موصولة؛ أي: عنتكم؛ أي: مشقتكم؛ لأن العنت بمعنى المشقة، قال تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25] .
والفعل بعد: (ما) يئول إلى مصدر مرفوع، لكن بماذا هو مرفوع؟
يختلف باختلاف (عزيز) إذا قلنا: بأن (عزيز) صفة لرسول؛ صار المصدر المئول فاعلا به؛ أي: عزيز عليه عنتكم، وإن قلنا: عزيز خبر مقدم، صار عنتكم مبتدأ، والجملة حينئذ تكون كلها صفة لرسول، أو يقال: عزيز مبتدأ، وعنتكم فاعل سد مسد الخبر على رأي الكوفيين الذي أشار ابن مالك في قوله: وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد.
قوله: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} ، الحرص: بذل الجهد لإدراك أمر مقصود، والمعنى: باذل غاية جهده في مصلحتكم؛ فهو جامع بين أمرين: دفع المكروه الذي أفاده قوله: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} ، وحصول المحبوب الذي أفاده قوله: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} ؛ فكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جامعا بين هذين الوصفين، وهذا من نعمة الله علينا وعلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يكون على هذا الخلق العظيم الممثل بقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .
قوله: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ، بِالْمُؤْمِنِينَ: جار ومجرور خبر مقدم، و (رءوف) : مبتدأ مؤخر، و (رحيم) : مبتدأ ثان، وتقديم الخبر يفيد الحصر.
والرأفة: أشد الرحمة وأرقها.
والرحمة: رقة بالقلب تتضمن الحنو على المرحوم والعطف عليه بجلب الخير له ودفع الضرر عنه.
وقولنا: رقة في القلب هذا باعتبار المخلوق، أما بالنسبة لله تعالى؛ فلا
(9/437)

نفسرها بهذا التفسير؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء، ورحمة الله أعظم من رحمة المخلوق لا تدانيها رحمة المخلوق ولا تماثلها؛ فقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أنه قال: «إن لله مائة رحمة وضع منها رحمة واحدة يتراحم بها الخلق منذ خلقوا إلى يوم القيامة، حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» .
فمن يحصي هذه الرحمة التي في الخلائق منذ خلقوا إلى يوم القيامة كمية؟ ومن يستطيع أن يقدرها كيفية؟ لا أحد يستطيع إلا الله - عز وجل - الذي خلقها؟
فهذه رحمة واحدة، فإذا كان يوم القيامة رحم الخلق بتسع وتسعين رحمة بالإضافة إلى الرحمة الأولى، وهل هذه الرحمة تدانيها رحمة المخلوق؟
الجواب: أبدا، لا تدانيها، والقدر المشترك بين رحمة الخالق ورحمة المخلوق أنها صفة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، ورحمة الخالق غير مخلوقة؛ لأنها من صفاته، ورحمة المخلوق مخلوقة؛ لأنها من صفاته؛ فصفات الخالق لا يمكن أن تنفصل عنه إلى مخلوق؛ لأننا لو قلنا بذلك لقلنا بحلول صفات الخالق بالمخلوق، وهذا أمر لا يمكن؛ لأن صفات الخالق يتصف بها وحده، وصفات المخلوق يتصف بها وحده، لكن صفات الخالق لها آثار تظهر في المخلوق، وهذه الآثار هي الرحمة التي نتراحم بها.
وقوله: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ؛ أي: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غير المؤمنين ليس رءوفا ولا رحيما، بل هو شديد عليهم كما وصفه الله هو وأصحابه بذلك
(9/438)

في قوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] .
قوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} ، أي: أعرضوا مع هذا البيان الواضح بوصف الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وهذا التفات من الخطاب إلى الغيبة؛ لأن التولي مع هذا البيان مكروه، ولهذا لم يخاطبوا به؛ فلم يقل: فإن توليتم.
والبلاغيون يسمونه التفاتا، ولو قيل: إنه انتقال؛ لكان أحسن.
قوله: {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} ، الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أي: قل ذلك معتمدا على الله، متوكلا عليه، معتصما به: حسبي الله، وارتباط الجواب بالشرط واضح، أي: فإن أعرضوا؛ فلا يهمنك إعراضهم، بل قل بلسانك وقلبك: حسبي الله، و (حسبي) خبر مقدم، و (لفظ الجلالة) مبتدأ مؤخر، ويجور العكس بأن نجعل: (حسبي) مبتدأ و (لفظ الجلالة) خبر، لكن لما كانت حسب نكرة لا تتعرف بالإضافة؛ كان الأولى أن نجعلها هي الخبر.
قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ، أي: لا معبود حق حقيق بالعبادة سوى الله - عز وجل.
قوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} ، عليه: جار ومجرور متعلق بتوكلت، وقدم للحصر.
والتوكل: هو الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به، وفعل الأسباب النافعة.
وقوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} مع قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} فيها جمع بين توحيدي الربوبية والعبودية، والله تعالى يجمع بين هذين الأمرين كثيرا، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، وقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] .
(9/439)

قوله: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} ، الضمير يعود على الله - سبحانه.
و {رَبُّ الْعَرْشِ} ؛ أي: خالقه، وإضافة الربوبية إلى العرش - وإن كانت ربوبية الله - عامة تشريفا للعرش وتعظيما له.
ومناسبة التوكل لقوله: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} ؛ لأن من كان فوق كل شيء ولا شيء فوقه؛ فإنه لا أحد يغلبه، فهو جدير بأن يتوكل عليه وحده.
وقوله: (العرش) فسره بعض الناس بالكرسي، ثم فسروا الكرسي بالعلم، وحينئذ لا يكون هناك كرسي ولا عرش، وهذا التفسير باطل، والصحيح أن العرش غير الكرسي، وأن الكرسي غير العلم، ولا يصح تفسيره بالعلم، بل الكرسي من مخلوقات الله العظيمة الذي وسع السماوات والأرض، والعرش أعظم وأعظم، ولهذا وصفه بأنه عظيم بقوله تعالى: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129] ، وبأنه مجيد بقوله: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج: 15] على قراءة كسر الدال، وبأنه كريم في قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 116] ؛ لأنه أعظم المخلوقات التي بلغنا علمها وأعلاها؛ لأن الله استوى عليه.
وفيه دليل على أن كلمة العظيم يوصف بها المخلوق؛ لأن العرض مخلوق، وكذلك الرحيم، والرءوف، والحكيم.
ولا يلزم من اتفاق الاسمين، فإذا كان الإنسان رءوفا؛ فلا يلزم أن يكون مثل الخالق، فلا تقل: إذا كان الإنسان سميعا بصيرا عليما لزم أن يكون مثل الخالق؛ لأن الله سميع بصير عليم، كما أن وجود الباري سبحانه لا يستلزم أن تكون ذاته كذوات الخلق؛ فإن أسماءه كذلك لا يستلزم أن تكون كأسماء الخلق، وهناك فرق عظيم بين هذا وهذا.
(9/440)

عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} ؛ أي: كافيني، وهكذا يجب أن يعلن المؤمن اعتماده على ربه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي يتخلى الناس عنه؛ لأنه قال: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} .
وهذه الكلمة - كلمة الحسب - تقال في الشدائد، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه حيث قيل لهم: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] .
(تنبيه) :
في سياقنا للآية الثانية فوائد نسأل الله أن ينفع بها.
قوله: (لا تجعلوا) ، الجملة هنا نهي؛ فلا ناهية، والفعل مجزوم وعلامة جزمة حذف النون، والواو فاعل.
قوله: (بيوتكم) ، جمع بيت، وهو مقر الإنسان وسكنه، سواء كان من طين أو حجارة أو خيمة أو غير ذلك، وغالب ما يراد به الطين والحجارة.
قوله: (قبورا) ، مفعول ثان لتجعلوا، وهذه الجملة اختلف في معناها؛ فمنهم من قال: لا تجعلوها قبورا؛ أي: لا تدفنوا فيها، وهذا لا شك أنه ظاهر اللفظ، ولكن أورد على ذلك دفن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيته.
وأجيب عنه بأن من خصائصه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دفن في بيته لسببين:
(9/441)

1 - ما روي عن أبي بكر أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «ما من نبي يموت إلا دفن حيث قبض» ، وهذا ضعفه بعض العلماء.
2 - ما روته عائشة رضي الله عنهما: «أنه خشي أن يتخذ مسجدا» .
وقال بعض العلماء: المراد بـ «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» ؛ أي: لا تجعلوها مثل القبور، أي: المقبرة لا تصلون فيها، وذلك لأنه من المتقرر عندهم أن المقابر لا يصلى فيها، وأيدوا هذا التفسير بأنه سبقها جملة في بعض الطرق: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبروا» ، وهذا يدل على أن المراد: لا تدعوا الصلاة فيها.
وكلا المعنيين صحيح؛ فلا يجوز أن يدفن الإنسان في بيته، بل يدفن مع المسلمين؛ لأن هذه هي العادة المتبعة منذ عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى اليوم، ولأنه إذا دفن في بيته؛ فإنه ربما يكون وسيلة إلى الشرك، فربما يعظم هذا المكان، ولأنه يحرم من دعوات المسلمين الذين يدعون بالمغفرة لأموات المسلمين عند زيارتهم للمقابر، ولأنه يضيق على الورثة من بعده فيسأمون منه، وربما يستوحشون منه، وإذا باعوه لا يساوي إلا قليلا، ولأنه قد يحدث عنده من الصخب واللعب واللغو والأفعال المحرمة ما يتنافى مع مقصود الشارع؛ فإن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة» .
وأما أن المعنى: لا تجعلوها قبورا؛ أي: مثل القبور في عدم الصلاة فيها؛
(9/442)

فهو دليل على أنه ينبغي إن لم نقل: يجب أن يجعل الإنسان من صلاته في بيته ولا يخليه من الصلاة.
وفيه أيضا: أنه من المتقرر عندهم أن المقبرة لا يصلى فيها.
إذا فيكون هذا النهي عن ترك الصلاة في البيوت لئلا تشبه المقابر؛ فيكون دليل واضح على أن المقابر ليست محلا للصلاة، وهذا هو الشاهد من الحديث للباب؛ لأن اتخاذ المقابر مساجد سبب قريب جدا للشرك.
واتخاذها مساجد سبق أن له مرتبتين:
الأولي: أن يبني عليها مسجدا.
الثانية: أن يتخذها مصلى يقصدها ليصلي عندها.
والحديث يدل على أن الأفضل: أن المرء يجعل من صلاته في بيته وذلك جميع النوافل؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أفضل صلاة المرء في بيته؛ إلا المكتوبة» ؛ إلا ما ورد الشرع أن يفعل في المسجد، مثل: صلاة الكسوف، وقيام الليل في رمضان، حتى ولو كنت في المدينة النبوية؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ذلك وهو في المدينة، وتكون المضاعفة بالنسبة للفرائض أو النوافل التي تسن لها الجماعة.
قوله: (عيدا) ، اسم لما يعتاد فعله، أو التردد إليه، فإذا اعتاد الإنسان أن يعمل عملا كما لو كان كلما حال عليه الحول صنع طعاما ودعا الناس؛ فهذا يسمي عيدا لأنه جعله يعود ويتكرر.
وكذلك من العيد: أن تعتاد شيئا فتتردد إليه، مثل ما يفعل بعض الجهلة
(9/443)

في شهر رجب وهو ما يسمى بالزيارة الرجبية، حيث يذهبون من مكة إلى المدينة، ويزورون كما زعموا قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإذا أقبلوا على المدينة تسمع لهم صياحا، وكانوا سابقا يذهبون من مكة إلى المدينة على الحمير خاصة، ولما جاءت السيارات صاروا يذهبون على السيارات.
وأيهما المراد من كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الأول؛ أي العمل الذي يتكرر بتكرر العام، أو التردد إلى المكان؟
الظاهر الثاني، أي: لا تترددوا على قبري وتعتادوا ذلك، سواء قيدوه بالسنة أو بالشهر أو بالأسبوع؛ فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن ذلك، وإنما يزار لسبب، كما لو قدم الإنسان من سفر، فذهب إلى قبره فزاره، أو زاره ليتذكر الآخرة كغيره من القبور.
وما يفعله بعض الناس في المدينة كلما صلى الفجر ذهب إلى قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أجل السلام عليه، فيعتاد هذا كل فجر، يظنون أن هذا مثل زيارته في حياته؛ فهذا من الجهل، وما علموا أنهم إذا سلموا عليه في أي مكان؛ فإن تسليمهم يبلغه.
قوله: (وصلوا علي) ، هذا أمر؛ أي: قولوا: اللهم صل على محمد، وقد أمر الله بذلك في قوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] .
وفضل الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معروف، ومنه أن من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا.
(9/444)

والصلاة من الله على رسوله ليس معناها كما قال بعض أهل العلم: إن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء.
فهذا ليس بصحيح، بل إن الصلاة على المرء ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، كما قال أبو العالية وتبعه على ذلك المحققون من أهل العلم.
ويدل على بطلان القول الأول قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] ؛ فعطف الرحمة على الصلوات، والأصل في العطف المغايرة، لأن الرحمة تكون لكل أحد، ولهذا اجمع العلماء على أنه يجوز أن تقول: فلان رحمه الله، واختلفوا: هل يجوز أن تقول: فلان صلى الله عليه؟
فمن صلى على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرة أثنى الله عليه في الملأ الأعلى عشر مرات، وهذه نعمة كبيرة.
قوله: «فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» ، حيث: ظرف مبني على الضم في محل نصب، ويقال فيها: حيث، وحوث، وحاث، لكنها قليلة.
كيف تبلغه الصلاة عليه؟
الجواب: نقول: إذا جاء مثل هذا النص وهو من أمور الغيب؛ فالواجب أن يقال: الكيف مجهول لا نعلم بأي وسيلة تبلغه، لكن ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أن لله ملائكة سياحين يسيحون في الأرض يبلغون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سلام أمته عليه» (1) ، فإن صح؛ فهذه هي الكيفية.
__________
(1) النسائي: كتاب السهو / باب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن القيم في (جلاء الأفهام) (ص23) : (وهذا إسناد صحيح) .
(9/445)

رواه أبو داود بإسناد حسن ورواته ثقات (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات) ، هذا التعبير من الناحية الاصطلاحية، ظاهره أن بينهما اختلافا، ولكننا نعرف أن الحسن: هو أن يكون الراوي خفيف الضبط؛ فمعناه أن فيه نوعا من الثقة، فيجمع بين كلام المؤلف - رحمه الله - وبين ما ذكره عن رواية أبي داود بإسناد حسن: أن المراد بالثقة ليس غاية الثقة؛ لأنه لو بلغ إلى حد الثقة الغاية لكان صحيحا؛ لأن ثقة الراوي تعود على تحقيق الوصفين فيه، وهما: العدالة والضبط، فإذا خف الضبط خفت الثقة، كما إذا خفت العدالة أيضا تخف الثقة فيه.
فيجمع بينهما على أن المراد: مطلق الثقة، ولكنه لا شك فيما أرى أنه إذا أعقب قوله: (حسن) بقوله: (رواته ثقات) أنه أعلى مما لو اقتصر على لفظ: (حسن) .
ومثل هذا ما يعبر به ابن حجر في (تقريب التهذيب) بقوله: (صدوق يهم) ، وأحيانا يقول: (صدوق) ، وصدوق أقوى؛ فيكون توثيق الرجل الموصوف بصدوق أشد من توثيق الرجل الذي يوصف بأنه يهم.
لا يقول قائل: إن كلمة يهم لا تزيده ضعفا؛ لأنه ما من إنسان إلا ويهم.
فنقول: هذا لا يصح؛ لأن قولهم: (يهم) لا يعنون به الوهم الذي لا
__________
(1) مسند الإمام أحمد (2/367) ، وسنن أبي داود: كتاب المناسك / باب زيارة القبور، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) : إسناده حسن،وقال النووي (إسناده صحيح) .
(9/446)

وعن علي بن الحسين رضي الله عنه؛ أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يخلو منه أحد، ولولا أن هناك غلبة في أوهامه ما وصفوه بها.
قوله: (وعن علي بن الحسين) ، هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، يسمى بزين العابدين، من أفضل أهل البيت علما وزهدا وفقها.
والحسين معروف: ابن فاطمة رضي الله عنها، وأبوه: علي رضي الله عنه.
قوله: (يجيء إلى فرجة) ، هذا الرجل لا شك أنه لم يتكرر مجيئه إلى هذه الفرجة إلا لاعتقاده أن فيها فضلا ومزية، وكونه يظن أن الدعاء عند القبر له مزية فتح باب ووسيلة إلى الشرك، بل جميع العبادات إذا كانت عند القبر؛ فلا يجوز أن يعتقد أن لها مزية، سواء كانت صلاة أو دعاء أو قراءة، ولهذا نقول: تكره القراءة عند القبر إذا كان الإنسان يعتقد أن القراءة عند القبر أفضل.
قوله: (فنهاه) ، أي: طلب منه الكف.
قوله: (ألا أحدثكم حديثا) ، قال أحدثكم والرجل واحد؛ لأن الظاهر أنه كان عند أصحابه يحدثهم، فجاء هذا الرجل إلى الفرجة.
و (ألا) : أداة عرض؛ أي: أعرض عليكم أن أحدثكم.
وفائدتها: تنبيه المخاطب إلى ما يريد أن يحدثه به.
قوله: (عن أبي عن جدي) ، أبوه: الحسن، وجده: علي بن أبي طالب.
(9/447)

«لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي؛ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم» . رواه في "المختارة". (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، السند متصل وفيه عنعنة لكنها لا تضر؛ لأنها من غير مدلس، فتحمل على السماع.
قوله: «لا تتخذوا قبري عيدا» ، يقال فيه كما في الحديث السابق: أنه نهى أن تتخذ قبره عيدا يعتاد ويتكرر إليه؛ لأنه وسيلة إلى الشرك.
قوله: (ولا بيوتكم قبورا) ، سبق معناه.
قوله: «وصلوا علي؛ فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم» ، اللفظ هكذا، وأشك في صحته؛ لأن قوله: (صلوا علي) يقتضي أن يقال: فإن صلاتكم تبلغني؛ إلا أن يقال هذا من باب الطي والنشر.
والمعنى: صلوا علي وسلموا؛ فإن تسليمكم وصلاتكم تبلغني، وكأنه ذكر الفعلين والعلتين، لكن حذف من الأولى ما دلت عليه الثانية، ومن الثانية ما دلت عليه الأولى.
وقوله: «وصلوا علي» ، سبق معناها، المراد: صلوا علي في أي مكان كنتم، ولا حاجة إلى أن تأتوا إلى القبر وتسلموا علي وتصلوا علي عنده.
__________
(1) البخاري في (التاريخ الكبير) ، أبو يعلى؛ كما في (مجمع الزوائد) .

وقال الهيثمي: (وفيه جعفر بن إبراهيم الجعفري، ذكره أبو حاتم ولم يذكر فيه جرحا، وبقية رجاله ثقات) .

وفيه أيضا علي بن عمر بن الحسين، مستور؛ كما في (التقريب) .

ورواه أيضا: الضياء في (المختارة) ؛ كما في (اقتضاء الصراط المستقيم) (ص322) .
(9/448)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية براءة. الثانية: إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يبلغني) ، تقدم كيف يبلغه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: (رواه في المختارة) ، الفاعل مؤلف المختارة، والمختارة: اسم الكتاب؛ أي: الأحاديث المختارة.
والمؤلف هو عبد الغني المقدسي، من الحنابلة.
وما أقل الحديث في الحنابلة، يعني المحدثين، وهذا من أغرب ما يكون، يعني أصحاب الإمام أحمد أقل الناس تحديثا بالنسبة للشافعية.
فالحنابلة غلب عليهم - رحمهم الله - الفقه مع الحديث؛ فصاروا محدثين وفقهاء، ولكنهم رحمهم الله بشر، فإذا أخذ من هذا العلم صار ذلك زحاما للعلم الآخر، أما الأحناف؛ فإنهم أخذوا بالفقه، لكن قلت بضاعتهم في الحديث، ولهذا يسمون أصحاب الرأي (يعني: العقل والقياس) ؛ لقلة الحديث عندهم، والشافعية أكثر الناس عناية بالحديث والتفسير، والمالكية كذلك، ثم الحنابلة وسط، وأقلهم في ذلك الأحناف مع أن لهم كتبا في الحديث.
فيه مسائل:
الأولي: تفسير آية براءة، وسبق ذلك في أول الباب.
الثانية: إبعاده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته عن هذا الحمى غاية البعد، تؤخذ من قوله: «لا»
(9/449)

الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته. الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص مع أن زيارته من أفضل الأعمال. الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة. السادسة: حثه على النافلة في البيت. السابعة: أنه مقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا» .
الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته، وهذا مذكور في آية براءة
الرابعة:نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص،تؤخذ من قوله: «ولا تجعلوا قبري عيدا» ؛ فقوله: (عيدا) هذا هو الوجه المخصوص.
وزيارة قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أفضل الأعمال من جنسها؛ فزيارة فيها سلام عليه، وحقه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعظم من غيره.
وأما من حيث التذكير بالآخرة؛ فلا فرق بين قبره وقبر غيره.
الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة، تؤخذ من قوله: «لا تجعلوا قبري عيدا» ، لكنه لا يلزم منه الإكثار؛ لأنه قد لا يأتي إلا بعد سنة، ويكون قد اتخذه عيدا؛ فإن فيه نوعا من الإكثار.
السادسة: حثه على النافلة في البيت، تؤخذ من قوله: «ولا تجعلوا بيوتكم قبورا» ، سبق أن فيها معنيين:
المعنى الأول: أن لا يقبر في البيت، وهذا ظاهر الجملة.
الثاني: الذي هو من لازم المعنى أن لا تترك الصلاة فيها.
السابعة: أنه متقرر عندهم أنه لا يصلي في المقبرة، تؤخذ من قوله: " «لا»
(9/450)

الثامنة: تعليل ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد؛ فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب. التاسعة: كونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«تجعلوا بيوتكم قبورا» ؛ لأن المعنى: لا تجعلوها قبورا، أي: لا تتركوا الصلاة فيها على أحد الوجهين؛ فكأنه من المتقرر عندهم أن المقابر لا يصلى فيها.
الثامنة: تعليل ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد؛ فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب، أي: كونه نهى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجعل قبره عيدا، لعلة في ذلك: أن الصلاة تبلغه حيث كان الإنسان فلا حاجة إلى أن يأتي إلى قبره، ولهذا نسلم ونصلي عليه في أي مكان؛ فيبلغه السلام والصلاة.
ولهذا قال علي بن الحسين: (ما أنت ومن في الأندلس إلا سواء) .
التاسعة: كونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه، أي: فقط فكل من صلى عليه أو سلم عرضت عليه صلاته وتسليمه، ويؤخذ من قوله: «فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم» .
(9/451)

باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سبب مجيء المؤلف بهذا الباب لدحض حجة من يقول: إن الشرك لا يمكن أن يقع في هذه الأمة، وأنكروا أن تكون عبادة القبور والأولياء من الشرك؛ لأن هذه الأمة معصومة منه؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» .
والجواب عن هذا سبق عند الكلام على المسألة الثامنة عشرة من مسائل باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما.
قوله: (أن بعض هذه الأمة) ، أي: لا كلها؛ لأن في هذه الأمة طائفة لا تزال منصورة على الحق إلى قيام الساعة، لكنه سيأتي في آخر الزمان ريح تقبض روح كل مسلم؛ فلا يبقى إلا شرار الناس.
وقوله: (تعبد) ؛ بفتح التاء، وفي بعض النسخ: (يعبد) ؛ بفتح الياء المثناة من تحت.
فعلى قراءة (يعبد) لا إشكال فيها؛ لأن (بعض) مذكر.
وعلى قراءة (تعبد) ؛ فإنه داخل في قول ابن مالك:
وربما أكسب ثان أولا ... تأنيثا أن كان لحذف موهلا
ومثلوا لذلك بقولهم: قطعت بعض أصابعه؛ فالتأنيث هنا من أجل أصابعه لا من أجل بعض.
(9/452)

وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإذا صحت النسخة (تعبد) ؛ فهذا التأنيث اكتسبه المضاف من المضاف إليه.
قوله: (الأوثان) ، جمع وثن، وهو: كل ما عبد من دون الله.
ذكر المؤلف في هذا الباب عدة آيات:
الآية الأولى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ، الاستفهام هنا للتقرير والتعجيب، والرؤية بصرية بدليل أنها عديت بإلى، وإذا عديت بإلى صارت بمعنى النظر.
والخطاب إما للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، أي: ألم تر أيها المخاطب؟ قوله: {إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا} ، أي: أعطوا، ولم يعطوا كل الكتاب؛ لأنهم حرموا بسبب معصيتهم؛ فليس عندهم العلم الكامل بما في الكتاب.
قوله: {نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} المنزل.
والمراد بالكتاب: التوراة والإنجيل.
وقد ذكروا لذلك مثلا، وهو كعب بن الأشرف حين جاء إلى مكة، فاجتمع إليه المشركون، وقالوا: ما تقول في هذا الرجل (أي: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الذي سفه أحلامنا ورأى أنه خير منا؟ فقال لهم: أنتم: خير من محمد. ولهذا جاء في آخر الآية: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51] .
قوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} ، أي: يصدقون بهما، ويقرونهما لا
(9/453)

وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: 60] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ينكرونهما، فإذا أقر الإنسان هذه الأوثان؛ فقد آمن بها.
والجبت: قيل: السحر، وقيل: هو الصنم، والأصح: أنه عام لكل صنم أو سحر أو كهانة أو ما أشبه ذلك.
والطاغوت: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
فالمعبود كالأصنام، والمتبوع كعلماء الضلال، والمطاع كالأمراء؛ فطاعتهم في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله تعد من عبادتهم.
والمراد من كان راضيا بعبادتهم إياه، أو يقال: هو طاغوت باعتبار عابديه؛ لأنهم تجاوزوا به حده، حيث نزلوه فوق منزلته التي جعلها الله له، فتكون عبادتهم لهذا المعبود طغيانا؛ لمجاورتهم الحد بذلك.
والطاغوت: مأخوذ من الطغيان؛ فكل شيء يتعدى به الإنسان حده يعتبر طاغوتا.
وجه المناسبة في الآية للباب لا يتبين إلا بالحديث، وهو «لتركبن سنن من كان قبلكم» ، فإذا كان الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، وأن من هذه الأمة من يرتكب سنن من كان قبله يلزم من هذا أن في هذه الأمة من يؤمن بالجبت والطاغوت؛ فتكون الآية مطابقة للترجمة تماما.
الآية الثانية قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} ، الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ردا على هؤلاء اليهود الذي اتخذا دين الإسلام هزوا ولعبا.
(9/454)

وقوله: (أنبئكم) ، أي: أخبركم، والاستفهام هنا للتقرير والتشويق، أي: سأقرر عليكم هذا الخبر.
قوله: {بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ} ، شر: هنا اسم تفضيل، وأصلها أشر لكن حذفت الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال، ومثلها كلمة خير مخففة من أخير، والناس مخففة من الأناس، وكذا كلمة الله مخففة من الإله.
وقوله: ذَلِكَ المشار إليه ما كان عليه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه؛ فإن اليهود يزعمون أنهم هم الذين على الحق، وأنهم خير من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى آله وأصحابه، وأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه ليسوا على الحق؛ فقال الله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} .
قوله: {مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ} ، مثوبة: تمييز لشر؛ لأن شر اسم تفضيل، وما جاء بعد أفعل التفضيل مبينا له منصوبا على التمييز.
قال ابن مالك:
اسم بمعنى من مبين نكرة ... ينصب تمييزا بما قد فسره
إلى أن قال:
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا ... مفضلا كأنت أعلى منزلا
والمثوبة: من ثاب يثوب إذا رجع، ويطلق على الجزاء؛ أي: بشر من ذلك جزاء عند الله.
قوله: {عِنْدَ اللَّهِ} ، أي: في عمله وجزائه عقوبة أو ثوابا.
قوله: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} ، من: اسم موصول خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو من لعنه الله؛ لأن الاستفهام انتهى عند قوله: {مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ} ، وجواب الاستفهام: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} .
(9/455)

ولعنه؛ أي: طرده وأبعده عن رحمته.
قوله: {وَغَضِبَ عَلَيْهِ} ، أي: أحل عليه غضبه، والغضب: صفة من صفات الله الحقيقية تقتضي الانتقام من المغضوب عليه، ولا يصح تحريفه إلى معنى الانتقام، وقد سبق الكلام عليه (ص 418) .
والقاعدة العامة عند أهل السنة: أن آيات الصفات وأحاديثها تجرى على ظاهرها اللائق بالله - عز وجل؛ فلا تجعل من جنس صفات المخلوقين، ولا تحرف فتنفى عن الله؛ فلا نغلو في الإثبات ولا في النفي.
قوله: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} ، القردة: جمع قرد، وهو حيوان معروف أقرب ما يكون شبها بالإنسان، والخنازير: جمع خنزير، وهو ذلك الحيوان الخبيث المعروف الذي وصفه الله بأنه رجس.
والإشارة هنا إلى اليهود؛ فإنهم لعنوا كما قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: 78] .
وجعلوا قردة بقوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] ، وغضب الله عليهم بقوله: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} [البقرة: 90] .
قوله: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} ، فيها قراءتان في (عبد) وفي (الطاغوت) :
الأولى: بضم الباء (عبد) ، وعليها تكسر التاء في (الطاغوت) ؛ لأنه مجرور بالإضافة.
الثانية: بفتح الباء (عبد) على أنه فعل ماض معطوف على قوله؛ {لَعَنَهُ اللَّهُ} صلة الموصول، أي: ومن عبد الطاغوت، ولم يعد (من) مع طول الفصل؛ لأن هذا ينطبق على موصوف واحد، فلو أعيدت من لأوهم أنهم جماعة آخرون وهم جماعة واحدة؛ فعلى هذه القراءة يكون (عبد) فعلا
(9/456)

وقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ماضيا والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره هو يعود على (من) في قوله: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} ، (الطاغوت) بفتح التاء مفعولا به.
وبهذا نعرف اختلاف الفاعل في صلة الموصول وما عطف عليه؛ لأن الفاعل في صلة الموصول هو (الله) ، والفاعل في عبد يعود على (من) .
وعلى كل حال؛ فالمراد بها عابد الطاغوت.
فالفرق بين القراءتين بالباء فقط؛ فعلى قراءة الفعل مفتوحة، وعلى قراءة الاسم مضمومة.
والطاغوت على قراءة الفعل في (عبد) تكون مفتوحة (عبد الطاغوت) ، وعلى قراءة الاسم تكون مكسورة بالإضافة (عبد الطاغوت) .
وذكر في تركيب (عبد) مع (الطاغوت) أربع وعشرون قراءة، ولكنها قراءات شاذة غير القراءتين السبعيتين (عَبَد) (عَبُد) .
الآية الثالثة قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} ، هذه الآية في سياق قصة أصحاب الكهف، وقصتهم عجيبة؛ كما قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} [الكهف: 9] ، وهم فتية آمنوا بالله وكانوا في بلاد شرك، فخرجوا منها إلى الله - عز وجل -، فيسر الله لهم غارا، فدخلوا فيه، وناموا فيه نومه طويلة بلغت
(9/457)

{ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف: 25] وهم نائمون لا يحتاجون إلى أكل وشرب، ومن حكمة الله أن الله يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال حتى لا يتسرب الدم في أحد الجانبين، ولما خرجوا بعثوا بأحدهم إلى المدينة ليشتري لهم طعاما، وآخر الأمر أن أهل المدينة اطلعوا على أمرهم، وقالوا: لا بد أن نبني على قبورهم مسجدا.
وقوله: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} ، المراد بهم: الحكام في ذلك الوقت قالوا مقسمين مؤكدين: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} ، وبناء المساجد على القبور من وسائل الشرك كما سبق.
فوائد الآيات السابقة:
من فوائد الآية الأولى ما يلي:
1 - أن من العجب أن يعطى الإنسان نصيبا من الكتاب ثم يؤمن بالجبت والطاغوت.
2 - أن العلم قد لا يعصم صاحبه من المعصية؛ لأن الذين أوتوا الكتاب آمنوا بالكفر، والذي يؤمن بالكفر يؤمن بما دونه من المعاصي.
3 - وجوب إنكار الجبت والطاغوت؛ لأن الله تعالى ساق الإيمان بهما مساق العجب والذم؛ فلا يجوز إقرار الجبت والطاغوت.
4 - ما ساقها المؤلف من أجله أن من هذه الأمة من يؤمن بالجبت والطاغوت لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لتركبن سنن من كان من قبلكم» ، فإذا وجد في بني إسرائيل من يؤمن بالجبت والطاغوت؛ فإنه سيوجد في هذه الأمة أيضا من
(9/458)

يؤمن بالجبت والطاغوت.
ومن فوائد الآية الثانية ما يلي:
1 - تقرير الخصم والاحتجاج عليه بما لا يستطيع إنكاره، بمعنى أنك تحتج على خصمك بأمر لا يستطيع إنكاره؛ فإن اليهود يعرفون بأن فيهم قوما غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير، فإذا كانوا يقرون بذلك وهم يستهزئون بالمسلمين؛ فنقول لهم: أين محل الاستهزاء؟ ! الذين حلت عليهم هذه العقوبات أم الذين سلموا منها؟
والجواب: الذين حلت بهم العقوبة أحق بالاستهزاء.
2 - اختلاف الناس بالمنزلة عند الله؛ لقوله: {بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ} ، ولا شك أن الناس يختلفون بزيادة الإيمان ونقصه وما يترتب عليه من الجزاء.
3 - سوء حال اليهود الذي حلت بهم هذه العقوبات من اللعن والغضب والمسخ وعبادة الطاغوت.
4 - إثبات أفعال الله الاختيارية، وأنه سبحانه يفعل ما يشاء؛ لقوله: {لَعَنَهُ اللَّهُ} ؛ فإن اللعن من صفات الأفعال.
5 - إثبات الغضب لله؛ لقوله: {وَغَضِبَ عَلَيْهِ} .
6 - إثبات القدرة لله؛ لقوله: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} .
وهل المراد بالقردة والخنازير هذه الموجودة؟
والجواب: لا؛ لما ثبت في (صحيح مسلم) عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أن كل أمة مسخت لا يبقى لها نسل» ، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك، وعلى هذا
(9/459)

فليس هذا الموجود من القردة والخنازير هو بقية أولئك الممسوخين.
7 - أن العقوبات من جنس العمل؛ لأن هؤلاء الذين مسخوا قردة، والقرد أشبه ما يكون شبها بالإنسان، فعلوا فعلا ظاهره الإباحة والحل وهو محرم، وذلك أنه حرم عليهم الصيد يوم السبت ابتلاء من الله، فإذا جاء يوم السبت امتلأ البحر بالحيتان، وظهرت على سطح الماء، وفي غيره من الأيام تختفي ولا يأتي منها شيء، فلما طال عليهم الأمد صنعوا شباكا؛ فصاروا ينصبونها في يوم الجمعة ويدعون الحيتان تدخل فيها يوم السبت، فإذا أتى يوم الأحد أخذوها، وهذه حيلة ظاهرها الحل، ولكن حقيقتها ومعناها الوقوع في الإثم تماما، ولهذا مسخوا إلى حيوان يشبه الإنسان وليس بإنسان، وهو القرد، قال تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] ، وهو يفيد أن الجزاء من جنس العمل، ويدل عليه صراحة قوله تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: 40] .
8 - أن هؤلاء اليهود صاروا يعبدون الطاغوت؛ لقوله: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} ، ولا شك أنهم حتى الآن يعبدونه؛ لأنهم عبدوا الشيطان وأطاعوه وعصوا الله ورسوله.
وفي الآية نكتة نحوية في قوله: (عليه) و (منهم) في قوله تعالى: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} ؛ فالضمير في (لعنه) الهاء، و (غضب عليه) مفرد، و (منهم) جمع، مع أن المرجع واحد، وهو (من) .
والجواب: أنه روعي في الإفراد اللفظ، وفي الجمع المعنى، وذلك أن (من) اسم موصول صالحة للمفرد وغيره، قال ابن مالك:
ومن وما وأل تساوي ما ذكر
(9/460)

لما ذكر الأسماء الموصولة من المفرد والمثنى والجمع من مذكر ومؤنث قال: ومن وما. . . إلخ.
وقال: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ} ، ولم يقل: وجعلهم قردة؛ لأن اللعن والغضب عام لهم جميعا، والعقوبة بمسخهم إلى قردة وخنازير خاص ببعضهم، وليس شاملا لبني إسرائيل.
ومن فوائد الآية الثالثة ما يلي:
1 - ما تضمن سياق هذه الآية من القصة العجيبة في أصحاب الكهف وما تضمنته من الآيات الدالة على كمال قدرة الله وحكمته.
2 - أن من أسباب بناء المساجد على القبور الغلو في أصحاب القبور؛ لأن الذين غلبوا على أمرهم بنوا عليهم المساجد؛ لأنهم صاروا عندهم محل الاحترام والإكرام فغلبوا فيهم.
3 - أن الغلو في القبور وإن قل قد يؤدي إلى ما هو أكبر منه، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلي حين بعثه: «ألا تدع قبرا مشرفا إلا سويته» .
(9/461)

عن أبي سعيد (رضي الله عنه) ؛ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب؛ لدخلتموه) . قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: (فمن) » . أخرجاه. (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله في الحديث: (لتتبعن) ، اللام موطئة للقسم، والنون للتوكيد، فالكلام مؤكد بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، والنون، والتقدير: والله لتتبعن.
قوله: (سنن من كان قبلكم) ، فيها روايتان: (سنن) و (سنن) .
أما (سنن) ؛ بضم السين: جمع سنة، وهي الطريقة.
وأما (سنن) ؛ بالفتح: فهي مفردة بمعنى الطريق.
وفعل تأتي مفردة مثل: فنن جمعها أفنان، وسبب جمعها أسباب.
وقوله: (من كان قبلكم) ، أي: من الأمم.
وقوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» ليس على ظاهره؛ بل هو عام مخصوص؛ لأننا لو أخذنا بظاهره كانت جميع هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها، لكننا نقول: إنه عام مخصوص؛ لأن في هذه الأمة من لا يتبع كما أخبر
__________
(1) البخاري: كتاب الأنبياء/باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ومسلم: كتاب العلم/باب اتباع سنن اليهود والنصاري، وأما لفظ (حذو القذة بالقذة) فقد أخرجه الإمام أحمد في المسند.
(9/462)

النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق، وقد يقال: إن الحديث على عمومه وأنه لا يلزم أن تتبع هذه الأمة الأمم السابقة في جميع سننها، بل بعض الأمة يتبعها في شيء وبعض الأمة يتبعها في شيء آخر، وحينئذ لا يقتضي خروج هذه الأمة من الإسلام، وهذا أولى لبقاء الحديث على عمومه، ومن المعلوم أن من طرق من كان قبلنا ما لا يخرج من الملة، مثل: أكل الربا، والحسد، والبغي، والكذب.
ومنه ما يخرج من الملة: كعبادة الأوثان.
السنن: هي الطرائق، وهي متنوعة، منها ما هو اعتداء على حق الخالق، ومنها ما هو اعتداء على حق المخلوق، ولنستعرض شيئا من هذه السنن:
فمن هذه السنن: عبادة القبور والصالحين؛ فإنها موجودة في الأمم السابقة وقد وجدت في هذه الأمة، قال تعالى عن قوم نوح: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] .
ومن ذلك الغلو في الصالحين كما وجد في الأمم السابقة وجد في هذه الأمة.
ومنها: دعاء غير الله، وقد وجد في هذه الأمة.
ومنها: بناء المساجد على القبور موجود في السابقين، وقد وجد في هذه الأمة.
ومنها: وصف الله بالنقائض والعيوب؛ فقد قالت اليهود: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] ، وقالوا: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181] ، وقالوا: إن الله تعب من خلق السماوات والأرض، وقد وجد في هذه الأمة من قال بذلك أو أشد منه؛ فقد وجد من قال: ليس له يد، ومن من قال: لا يستطيع أن يفعل ما يريد فلم يستو على العرش، ولا ينزل إلى السماء الدنيا ولا يتكلم، بل وجد في هذه الأمة من يقول: بأنه ليس داخلا في العالم، وليس
(9/463)

خارجا عنه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه؛ فوصفوه بما لا يمكن وجوده، ومنهم من قال: لا تجوز الإشارة الحسية إليه، ولا يفعل، ولا يغضب، ولا يرضى، ولا يحب، وهذا مذهب الأشاعرة.
ومنها: أكل السحت؛ فقد وجد في الأمم السابقة ووجد في هذه الأمة.
ومنها: أكل الربا؛ فقد وجد في الأمم السابقة ووجد في هذه الأمة.
ومنها: التحيل على محارم الله؛ فقد وجد في الأمم السابقة ووجد في هذه الأمة.
ومنها: إقامة الحدود على الضعفاء ورفعها عن الشرفاء؛ فقد وجد في هذه الأمم السابقة ووجد في هذه الأمة.
ومنها: تحريف كلام الله عن مواضعه لفظا ومعنى؛ كاليهود حين قيل لهم: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: 58] ، فدخلوا على قفاهم، وقالوا: حنطة ولم يقولوا حطة، ووجد في هذه الأمة من فعل كذلك؛ فحرف لفظ الاستواء إلى الاستيلاء، قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، وقالوا هم: الرحمن على العرش استولى.
قال ابن القيم: إن اللام في استولى مزيدة زادها أهل التحريف كما زاد اليهود النون في (حطة) فقالوا: (حنطة) .
نون اليهود ولام جهمي هما ... في وحي رب العرش زائدتان
أمر اليهود بأن يقولوا حطة ... فأبوا وقالوا حنطة لهوان
وكذلك الجهمي قيل له استوى ... فأبى وزاد الحرف للنقصان
ووجد في الأمم السابقة من اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ووجد في هذه الأمة من يعارض قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقول شيخه.
(9/464)

فإذا تأملت كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجدته مطابقا للواقع: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» ، ولكن يبقى النظر: هل هذا للتحذير أو للإقرار؟
الجواب: لا شك أنه للتحذير وليس للإقرار؛ فلا أحد: سأحسد وسآكل الربا، وسأعتدي على الخلق؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ذلك، فمن قال ذلك؛ فإننا نقول له: أخطأت؛ لأن قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا شك أنه للتحذير، ولهذا قال الصحابة: اليهود والنصاري؟ قال: فمن؟
ثم نقول لهم أيضا: إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر بأشياء ستقع، ومع ذلك أخبر بأنها حرام بنص القرآن.
فمن ذلك أنه «أخبر أن الرجل يكرم زوجته ويعق أمه، وأخبر أن الإنسان يعصي أباه ويدني صديقه» (1) ، وهذا ليس بجائز بنص القرآن، لكن قصد التحذير من هذا العمل.
ووجد في الأمم السابقة من يقول للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون، ووجد في هده الأمة من يقول للمؤمنين: إن هؤلاء لرجعيون.
فالمعاصي لها أصل في الأمم على حسب ما سبق، ولكن من وقفه الله للهداية اهتدى.
والحاصل: أنك لا تكاد تجد معصية في هذه الأمة إلا وجدت لها أصلا في الأمم السابقة.
ولا تجد معصية في الأمم السابقة إلا وجدت لها وارثا في هذه الأمة.
__________
(1) الترمذي: كتاب الفتن / باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف، قال الألباني: (ضعيف) السلسلة الضعيفة
(9/465)

أما مناسبة الحديث للباب:
فلأنه لما عبدت الأمم السابقة الأصنام والأوثان؛ فسيكون في هذه الأمة من يعبد الأصنام والأوثان.
قوله: «حذو القذة القذة» ، حذو بمعني: محاذيا، وهي منصوبة على الحال من فاعل تتبعن؛ أي: حال كونكم محاذين لهم حذو القذة القذة.
والقذة: هي ريشة السهم، السهم له ريش لا بد أن تكون متساوية تماما، وإلا؛ صار الرمي به مختلا.
قوله: «حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» ، هذه الجملة تأكيد منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمتابعة.
وجحر الضب من أصغر الجحور، ولو دخلوا جحر أسد من باب أولي أن ندخله؛ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك على سبيل المبالغة؛ كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين» ، ومن اقتطع ذراعا؛ فمن باب أولى.
قوله: (قالوا اليهود والنصارى) يجوز فيها وجهان:
الأول: نصب اليهود والنصارى على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره: أتعني اليهود والنصارى؟
الثاني: الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أهم اليهود والنصارى؟
وعلى كل تقدير؛ فالجملة إنشائية لأنهم يسألون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فهي استفهامية، والاستفهام من باب الإنشاء.
(9/466)

واليهود: أتباع موسى عليه الصلاة والسلام، وسموا يهودا نسبة إلى يهوذا من أحفاد إسحاق، أو لأنهم هادوا إلى الله؛ أي: رجعوا إليه بالتوبة من عبادة العجل.
والنصارى: هم أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام، وسموا بذلك نسبة إلى بلدة تسمى الناصرة، وقيل من النصرة؛ كما قال الله تعالى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [الصف: 14] .
قوله: (قال فمن) ، من هنا: اسم استفهام، والمراد به التقرير؛ أي: فمن أعني غير هؤلاء، أو فمن هم غير هؤلاء؟ فالصحابة رضي الله عنهم لما حدثهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا الحديث كأنه حصل في نفوسهم بعض الغرابة، فلما سألوا قرر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنهم اليهود والنصارى.
من فوائد الحديث:
1 - ما أراده المؤلف بسياقه، وهو أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان؛ لأنه من سنن من قبلنا، وقد اخبر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أننا سنتبعهم.
2 - ويستفاد أيضا من فحوى الكلام التحذير من متابعة من قبلنا في معصية الله.
3 - أنه ينبغي معرفة ما كان عليه من كان قبلنا مما يجب الحذر منه لنحذره، وغالب ذلك - ولله الحمد - موجود في القرآن والسنة.
4 - استعظام هذا الأمر عند الصحابة؛ لقولهم اليهود النصارى، فإن الاستفهام للاستعظام؛ أي: استعظام الأمر أن نتبع سنن من كان قبلنا بعد أن جاءنا الهدى من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
5 - أنه كلما طال العهد بين الإنسان وبين الرسالة؛ فإنه يكون أبعد من الحق؛ لأنه أخبر عن مستقبل ولم يخبر عن الحاضر، ولأن من سنن من
(9/467)

قبلنا أنه لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16] .
فإذا كان طول الأمد سببا لقسوة القلب فيمن قبلنا؛ فسيكون فينا، ويشهد لذلك ما جاء في (البخاري) من حديث أنس رضي الله عنه؛ أنه قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم» . ومن تتبع أحوال هذه الأمة وجد الأمر كذلك، لكن يجب أن نعرف الفرق بين الجملة والأفراد؛ فحديث أنس رضي الله عنه حديث صحيح سندا ومتنا؛ فالمتن ليس فيه شذوذ، والسند في (البخاري) ، والمراد به من حيث الجملة، ولذلك يوجد في أتباع التابعين من هو خير من كثير من التابعين؛ فلا تيأسوا، فتقولوا: إذا لا يمكن أن يوجد في زماننا هذا من سبق؛ لأننا نقول: إن مثل هذا الحديث يراد به الجملة، وإذا شئتم أن يتضح الأمر؛ فانظروا إلى جنس الرجال وجنس النساء؛ أيهما خير؟
والجواب: جنس الرجال خير، قال الله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] ، لكن يوجد في النساء من هي خير من كثير من الرجال؛ فيجب أن نعرف الفرق بين الجملة والأفراد.
فإذا نظرنا إلى مجموع القرن كله نجد أن ما بعد القرن شر منه، لا باعتبار الأفراد ولا باعتبار مكان دون مكان، فقد تكون أمة في الجهات يرتفع الناس فيها من حسن إلى أحسن، كما لو نشأ فيها علماء نفع الله بهم؛ فإنهم
(9/468)

ولمسلم عن ثوبان (رضي الله عنه) ؛ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يكونون أحسن ممن سبقهم.
أما الصحابة؛ فلا أحد يساويهم في فضل الصحبة، حتى أفرادهم لا يمكن لأحد من التابعين أن يساويهم فيها مهما بلغ من الفضل؛ لأنه لم يدرك الصحبة.
مسألة: ما هي الحكمة من ابتلاء الأمة بهذا الأمر: (لتتبعن سنن. . .) إلخ، وأن يكون فيها من كل مساوئ من سبقها؟
الجواب: الحكمة ليتبين بذلك كمال الدين؛ فإن الدين يعارض كل هذه الأخلاق، فإذا كان يعارضها دل هذا على أن كل نقص في الأمم السابقة، فإن هذه الشريعة جاءت بتكميله؛ لأن الأشياء لا تتبين إلا بضدها؛ كما قيل:
وبضدها تتبين الأشياء.
(تنبيه) :
قوله: «حذو القذة بالقذة» لم أجده في مظانه في (الصحيحين) ؛ فليحرر. (1)
قوله: (زوى لي) ، بمعنى جمع وضم؛ أي: جمع له الأرض وضمها.
__________
(1) قوله: حذو القذة بالقذة) لم تخرج في (الصحيحين) ، وإنما هي من حديث شداد بن أوس، أخرجه الإمام أحمد في المسند.
(9/469)

قوله: (فرأيت) ، أي: بعيني؛ فهي رؤية عينية، ويحتمل أن يكون رؤية منامية.
قوله: (مشارقها ومغاربها) ، وهذا ليس على الله بعزيز؛ لأنه على كل شيء قدير، فمن قدرته أن يجمع الأرض حتى يشاهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما سيبلغ ملك أمته منها.
وهل المراد هنا بالزوي أن الأرض جمعت، وأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوي نظره حتى رأى البعيد؟
الأقرب إلى ظاهر اللفظ: أن الأرض جمعت، لا أن بصره قوي حتى رأى البعيد.
وقال بعض العلماء: المراد قوة بصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أي: أن الله أعطاه قوة بصر حتى أبصر مشارق الأرض ومغاربها، لكن الأقرب الأول، ونحن إذا أردنا تقريب هذا الأمر نجد أن صورة الكرة الأرضية الآن مجموعة يشاهد الإنسان فيها مشارق الأرض ومغاربها؛ فالله على كل شيء قدير؛ فهو قادر على أن يجمع له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأرض حتى تكون صغيرة فيدركها من مشارقها إلى مغاربها.
اعتراض وجوابه:
فإن قيل: هذا إن حمل على الواقع؛ فليس بموافق للواقع؛ لأنه لو حصرت الأرض بحيث يدركها بصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المجرد؛ فأين يذهب الناس والبحار والجبال والصحارى؟
والجواب: بأن هذا من الأمور الغيبية التي لا يجوز أن تورد عليها كيف ولم، بل نقول: إن الله على كل شيء قدير؛ إذ قوة الله - سبحانه - أعظم من قوتنا وأعظم من أن نحيط بها، ولهذا أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أن الشيطان يجري من»
(9/470)

«ابن آدم مجرى الدم» ؛ فلا يجوز أن نقول: كيف يجري مجرى الدم؟ فالله أعلم بذلك.
وهذه المسائل التي لا ندركها يجب التسليم المحض لها، ولهذا نقول في باب الأسماء والصفات: تجرى على ظاهرها مع التنزيه عن التكييف والتمثيل، وهذا ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة.
وقوله: «فرأيت مشارقها ومغاربها» ، أي: أماكن الشرق والغرب منها.
قوله: «وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها» ، والمراد: أمة الإجابة التي آمنت بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيبلغ ملكها ما زوي للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منها، وهذا هو الواقع؛ فإن ملك هذه الأمة اتسع من المشرق ومن المغرب اتساعا بالغا، لكنه من الشمال والجنوب أقل بكثير، والأمة الإسلامية وصلت من المشرق إلى السند والهند وما وراء ذلك، ومن المغرب إلى ما وراء المحيط، وهذا يحقق ما رآه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: «وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض» ، الذي أعطاه هو الله.
والكنزان: هما الذهب والفضة كنوز كسرى وقيصر؛ فالذهب عند قيصر، والفضة عند كسرى، وكل منهما عنده ذهب وفضة، لكن الأغلب على كنوز قيصر الذهب، وعلى كنوز كسرى الفضة.
وقوله: (أعطيت) هل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعطيها في حياته، أم بعد موته؟
الجواب: بعد موته أعطيت أمته ذلك، لكن ما أعطيت أمته؛ فهو
(9/471)

«وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد!»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كالمعطى له؛ لأن امتداد ملك الأمة لا لأنها أمة عربية كما يقوله الجهال، بل لأنها أمة إسلامية أخذت بما كان عليه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: «وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة» ، هكذا في الأصل: (بعامة) ، والمعنى بمهلكة عامة، وفي رواية في النسخ: (بسنة عامة) .
السنة: الجدب والقحط، وهو يهلك ويدمر، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهم! اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» ، وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ} [الأعراف: 130] ، ويحتمل أن يكون المعنى بعام واحد؛ فتكون الباء للظرفية.
وعامة؛ أي: عموما تعمهم، هذه دعوة.
قوله: «وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم» ، أي: لا يسلط عليهم عدوا، والعدو: ضد الولي، وهو: المعادي المبغض الحاقد، وأعداء المسلمين هنا: هم الكفار، ولهذا قال: (من سوى أنفسهم) .
ومعنى: (يستبيح) : يستحل، والبيضة: ما يجعل على الرأس وقاية من السهام.
والمراد: يظهر عليهم ويغلبهم.
قوله: «إذا قضيت قضاء؛ فإنه لا يرد» ، اعلم أن قضاء الله نوعان:
1 - قضاء شرعي قد يرد؛ فقد يريده الله ولا يقبلونه.
(9/472)

«إني إذا قضيت قضاء؛ فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم من بأقطارهم، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
2 - قضاء كوني لا يرد، ولا بد أن ينفذ.
وكلا القضاءين قضاء بالحق، وقد جمعهما قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} [غافر: 20] .
ومثال القضاء الشرعي: قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] ؛ لأنه لو كان كونيا؛ لكان كل الناس لا يعبدون إلا الله.
ومثال القضاء الكوني: قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 4] ؛ لأن الله تعالى لا يقضي شرعا بالفساد، لكنه يقضي به كونا وإن كان يكرهه سبحانه؛ فإن الله لا يحب الفساد ولا المفسدين، لكنه يقضي بذلك لحكمة بالغة، كما قسم خلقه إلى مؤمنين وكافرين؛ لما يترتب على ذلك من المصالح العظيمة.
والمراد بالقضاء في هذا الحديث: القضاء الكوني؛ فلا أحد يستطيع رده مهما كان من الكفر والفسوق؛ فقضاء الله نافذ على أكبر الناس عتوا واستكبارا، فقد نفذ على فرعون وأغرق بالماء الذي كان يفتخر به، وعلى طواغيت بني آدم فأهلكهم الله ودمرهم.
(9/473)

وفي قوله: «إذا قضيت قضاء؛ فإنه لا يرد» من كمال سلطان الله وقدرته وربوبيته ما هو ظاهر؛ لأنه ما من ملك سوى الله إلا يمكن أن يرد ما قضى به.
واعلم أن قضاء الله كمشيئته بالحكمة؛ فهو لا يقضي قضاء إلا والحكمة تقتضيه، كما لا يشاء شيئا إلا والحكمة تقتضيه، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] ؛ فيتبين أنه لا يشاء شيئا إلا عن علم وحكمة، وليس لمجرد المشيئة.
خلافا لمن أنكر حكمة الله من الجهمية وغيرهم، فقالوا: إنه لا يفعل الأشياء إلا لمجرد المشيئة، فجعلوا على زعمهم المخلوقين أكمل تصرفا من الله؛ لأن كل عاقل من المخلوقين لا يتصرف إلا لحكمة، ولهذا كان الذي يتصرف بسفه يحجر عليه، قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] .
فنحن نقول: إن الله - جل وعلا - لا يفعل شيئا ولا يحكم بشيء إلا لحكمة، ولكن هل يلزم من الحكمة أن نحيط بها علما؟
الجواب: لا يلزم؛ لأننا أقصر من أن نحيط علما بحكم الله كلها، صحيح أن بعض الأشياء نعرف حكمتها، لكن بعض الأشياء تعجز العقول عن إدراكها.
والمقصود من قوله: «إذا قضيت قضاء؛ فإنه لا يرد» بيان أن من الأشياء التي سألها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لم يعطها؛ لأنه الله قضى بعلمه وحكمته ذلك، ولا يمكن أن يرد ما قضاه الله عز وجل.
والقضاء قد يتوقف على الدعاء، بل إن كل قضاء أو أكثر القضاء له أسباب إما معلومة أو مجهولة؛ فدخول الجنة لا يمكن إلا بسبب يترتب دخول الجنة عليه، وهو الإيمان والعمل الصالح.
(9/474)

كذلك حصول المطلوب، قد يكون الله - عز وجل - منعه حتى نسأل، لكن من الأشياء ما لا تقتضي الحكمة وجوده، وحينئذ يجازى الداعي بما هو أكمل، أو يؤخر له ويدخر له عند الله عز وجل، أو يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، والدعاء إذا تمت فيه شروط القبول ولم يجب؛ فإننا نجزم بأنه ادخر له.
وقوله: «وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة» هذه واحدة.
والثانية: قوله: «أن لا أسلط عليهم من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا» .
وهذه الإجابة قيدت بقوله: «حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا» إذا وقع ذلك منهم؛ فقد يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم؛ فكأن إجابة الله لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الجملة الأولى بدون استثناء، وفي الجملة الثانية باستثناء (حتى يكون بعضهم) .
وهذه هي الحكمة من تقديم قوله: «إذا قضيت قضاء؛ فإنه لا يرد» ؛ فصارت إجابة الله لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقيدة.
ومن نعمة الله أن هذه الأمة لن تهلك بسنة بعامة أبدا؛ فكل من يدين بدين الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإنه لن يهلك، وإن هلك قوم في جهة بسنة؛ فإنه لا يهلك الآخرون.
فإذا صار بعضهم يقتل بعضا، ويسبي بعضهم بعضا؛ فإنه يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، وهذا هو الواقع؛ فالأمة الإسلامية حين كانت أمة واحدة عونا في الحق ضد الباطل كانت أمة مهيبة، ولما تفرقت وصار بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا؛ سلط الله عليهم عدوا من سوى أنفسهم، وأعظم
(9/475)

ورواه البرقاني في (صحيحه) ، وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف؛ لم يرفع إلى يوم القيامة،»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من سلط عليهم فيما أعلم التتار، فقد سلطوا على المسلمين تسليطا لا نظير له؛ فيقال: إنهم قتلوا في بغداد وحدها أكثر من خمسمائة عالم في يوم واحد، وهذا شيء عظيم، وقتلوا الخليفة، وجعلوا الكتب الإسلامية جسرا على نهر دجلة يطئونها بأقدامهم ويفسدونها، وكانوا يأتون إلى الحوامل ويبقرون بطونهن ويخرجون أولادهن يتحركون أمامهم فيقتلونهم، وهي حية تشاهد ثم تموت.
قال ابن الأثير في (الكامل) : (لقد بقيتُ عدة سنين مُعرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها، فأنا أقدم رجلا وأوخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه نعي الإسلام والمسلمين؟ ! ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ ! فيا ليت أمي لم تلدني! ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا! إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ذلك لا يجدي. . .) ، وذكر كلاما طويلا ووقائع مفجعة، ومن أراد مزيدا من ذلك؛ فليرجع إلى حوادث سنة 617 من الكتاب المذكور.
وفي الحديث دليل على تحريم القتال بين المسلمين، وإهلاك بعضهم بعضا، وسبي بعضهم بعضا، وأنه يجب أن يكونوا أمة واحدة حتى تبقى هيبتهم بين الناس وتخشاهم الأمم.
قوله: «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» ، بين الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لا يخاف على الأمة إلا الأئمة المضلين.
والأئمة: جمع إمام، والإمام قد يكون إماما في الخير أو الشر، قال
(9/476)

«ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى في أئمة الخير: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .
وقال تعالى عن آل فرعون أئمة: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ} [القصص:41] .
والذي في الحديث الباب: (الأئمة المضلين) ، أئمة الشر، وصدق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إن أعظم ما يخاف على الأمة الأئمة المضلون؛ كرؤساء الجهمية والمعتزلة وغيرهم الذين تفرقت الأمة بسببهم.
والمراد بقوله: «الأئمة المضلين» : الذين يقودون الناس باسم الشرع، والذين يأخذون الناس بالقهر والسلطان؛ فيشمل الحكام الفاسدين، والعلماء المضلين، الذين يدعون أن ما هم عليه شرع الله، وهم أشد الناس عداوة له.
قال الإمام أحمد رحمه الله: لو كان لي دعوة مستجابة؛ لصرفتها للسلطان؛ فإن بصلاحه صلاح الأمة.
قوله: «إذا وقع عليهم السيف» . . .) إلخ، هذا من آيات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا حق واقع؛ فإنه لما وقع السيف في هذه الأمة لم يرفع، فما زال بينهم القتال منذ قتل الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه، وصارت الأمة يقتل بعضهم بعضا ويسبي بعضا بعضا.
قوله: «ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين» ، الحي: بمعنى القبيلة.
(9/477)

وهل المراد باللحوق هنا اللحوق البدني، بمعنى أنه يذهب هذا الحي إلى المشركين ويدخلون فيهم، أو اللحوق الحكمي، بمعنى أن يعملوا بعمل المشركين أو الأمران معا؟ الظاهر أن المراد جميع ذلك.
وأما الحي؛ فالظاهر أن المراد به الجنس، وليس واحد الأحياء، وإن قيل: إن المراد واحد الأحياء؛ فلا بد أن يكون لهذا الحي أثره وقيمته في الأمة الإسلامية، بحيث يتبين ويظهر، وربما يكون لهذا الحي إمام يزيغ - والعياذ بالله - ويفسد؛ فيتبعه كل الحي، ويتبين ويظهر أمره.
قوله: «وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» ، الفئام؛ أي: الجماعات، وهذا وقع؛ ففي كل جهة من جهات المسلمين من يعبدون القبور ويعظمون أصحابها ويسألونهم الحاجات والرغبات ويلتجئون إليهم، وفئام؛ أي: ليسوا أحياء؛ فقد يكون بعضهم من قبيلة، والبعض الآخر من قبيلة؛ فيجتمعون.
قوله: «وإنه سيكون من أمتي كذابون ثلاثون» ، حصرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدد، وكلهم يزعم أنه نبي أوحي إليه، وهم كذابون؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتم النبيين ولا نبي بعده، فمن زعم أنه نبي بعد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فهو كاذب كافر حلال الدم والمال، ومن صدقه في ذلك؛ فهو كافر حلال الدم والمال، وليس من المسلمين ولا من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن زعم أنه أفضل من محمد، وأنه يتلقى من الله مباشرة ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتلقى منه بواسطة الملك؛ فهو كاذب كافر حلال الدم والمال.
وقوله: (كذابون ثلاثون) هل ظهروا أم لا؟
الجواب: ظهر بعضهم، وبعضهم ينتظر؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يحصرهم في
(9/478)

«يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى» . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
زمن معين، وما دامت الساعة لم تقم؛ فهم ينتظرون.
قوله: (كلهم يزعم) ، أي: يدعي.
قوله: «وأنا خاتم النبيين» ، أي: آخرهم، وأكد ذلك بقوله: «لا نبي بعدي» ، فإن قيل: ما الجواب عما ثبت في نزول عيسى ابن مريم في آخر الزمان، مع أنه نبي ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام؛ فالجواب: إن نبوته سابقة لنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما كونه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام؛ فليس تشريعا جديدا ينسخ قبول الجزية، بل هو تشريع من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه أخبر به مقررا له.
قوله: «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة» ، المعنى: أنهم يبقون إلى آخر وجودهم منصورين.
هذا من نعمة الله، فلما ذكر أن حيا من الأحياء يلتحقون بالمشركين، وأن فئاما يعبدون الأصنام، وأن أناسا يدعون النبوة؛ فيكون هنا الإخلال بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله بالشرك، وأن محمدا رسول الله بادعاء النبوة، وذلك أصل التوحيد، بل أصل الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن
__________
(1) مسند الإمام أحمد (5/278) وأبو داود (4252) ، وابن ماجة (4100) .
(9/479)

محمدا رسول الله.
فلما بين ذلك لم يجعل الناس ييأسون، فقال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة» .
والطائفة: الجماعة.
وقوله: (على الحق) ، جار ومجرور خبر تزال.
قوله: (منصورة) ، خبر ثان، ويجوز أن يكون حالا، والمعنى: لا تزال على الحق، وهي كذلك أيضا منصورة.
قوله: (لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم) ، خذلهم؛ أي: لم ينصرهم ويوافقهم على ما ذهبوا إليه، وفي هذا دليل على أنه سيوجد من يخذلهم، لكنه لا يضرهم؛ لأن الأمور بيد الله، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» ، وكذلك لا يضرهم من خالفهم؛ لأنهم منصورون بنصر الله؛ فالله - عز وجل - إذا نصر أحدا فلن يستطيع أحد أن يذله.
قوله: «حتى يأتي أمر الله» ، أي: الكوني، وذلك عند قيام الساعة عندما يأتي أمره سبحانه وتعالى بأن تقبض نفس كل مؤمن، حتى لا يبقى إلا شرار الخلق؛ فعليهم تقوم الساعة.
الشاهد من هذا الحديث: قوله في رواية البرقاني: «حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين ويعبد فئام من أمتي الأوثان» .
(9/480)

وقوله: ( «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة» هذه لم يحدد مكانها؛ فتشمل جميع بقاع الأرض في الحرمين والعراق وغيرهما.
فالمهم أن هذه الطائفة مهما نأت بهم الديار، فهي طائفة واحدة منصورة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله.
مسألة: قال بعض السلف: إن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث؛ فما مدى صحة هذا القول؟
الجواب: هذا ليس بصحيح على إطلاقه، بل لا بد من التفصيل، فإن أريد بذلك أهل الحديث المصطلح عليه، الذين يأخذون الحديث رواية ودراية وأخرج منهم الفقهاء وعلماء التفسير وما أشبه ذلك؛ فهذا ليس بصحيح؛ لأن علماء التفسير والفقهاء الذين يتحرون البناء على الدليل هم في الحقيقة من أهل الحديث، ولا يختص بأهل الحديث صناعة؛ لأن العلوم الشرعية تفسير، وحديث، وفقه. . . إلخ.
فالمقصود: إن كل من تحاكم إلى الكتاب والسنة؛ فهو من أهل الحديث بالمعنى العام.
وأهل الحديث هم: كل من يتحرى العمل بسنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فيشمل الفقهاء الذين يتحرون العمل بالسنة، وإن لم يكونوا من أهل الحديث اصطلاحا.
فشيخ الإسلام ابن تيمية مثلا لا يعتبر اصطلاحا من المحدثين، ومع ذلك فهو رافع لراية الحديث.
والإمام أحمد - رحمه الله - تنازعه طائفتان: أهل الفقه قالوا: إنه فقيه، وأهل الحديث قالوا: إنه محدث.
(9/481)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء. الثانية: تفسير آية المائدة. الثالثة: تفسير آية الكهف.
ـــــــــــــــــــــــــــــ

وهو إمام في الفقه والحديث والتفسير، ولا شك أن أقرب الناس تمسكا بالحديث هم الذين يعتنون به.
ويخشى من التعبير بأن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث أن يظن أنهم أهل الحديث الذين يعتنون به اصطلاحا، فيخرج غيرهم.
فإذا قيل: أهل الحديث بالمعنى الأعم الذين يأخذون بالحديث، سواء انتسبوا إليه اصطلاحا واعتنوا به أو لم يعتنوا، لكنهم أخذوا به؛ فحينئذ يكون صحيحا.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء، وهي قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} ، وقد سبق ذلك.
الثانية: تفسير آية المائدة، وهي قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} ، وقد سبق تفسيرها، والشاهد منها هنا قوله: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ}
الثالثة: تفسير آية الكهف، يعني: قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} ، وقد سبق بيان معناها.
(9/482)

الرابعة: وهي أهمها: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت؟ هل هو اعتقاد قلب؟ أو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟ الخامسة: قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلا من المؤمنين. السادسة: وهي المقصود بالترجمة: أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة كما تقرر في حديث أبي سعيد. السابعة: تصريحه بوقوعها - أعني: عبادة الأوثان -.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرابعة: - وهي أهمها -: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت؟ هل هو اعتقاد القلب، أو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟
أما إيمان القلب واعتقاده؛ فهذا لا شك في دخوله في الآية.
وأما موافقة أصحابها في العمل مع بغضها ومعرفة بطلانها؛ فهذا يحتاج إلى تفصيل، فإن كان وافق أصحابها بناء على أنها صحيحة؛ فهذا كفر، وإن كان وافق أصحابها ولا يعتقد أنها صحيحة؛ فإنه لا يكفر، لكنه لا شك على خطر عظيم يخشى أن يؤدي به الحال إلى الكفر والعياذ بالله.
الخامسة: قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلا من المؤمنين، يعني: إن هذا القول كفر وردة؛ لأن من زعم أن الكفار الذين يعرف كفرهم أهدى سبيلا من المؤمنين؛ فإنه كافر لتقديمه الكفر على الإيمان
السادسة - وهي المقصودة بالترجمة: أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة كما تقرر في حديث أبي سعيد.
السابعة: تصريحه بوقوعها؛ أعني: عبادة الأوثان، والترجمة التي أشار
(9/483)

الثامنة: العجب العجاب: خروج من يدعي النبوة؛ مثل المختار، مع تكلمه بالشهادتين، وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق، وفيه أن محمدا خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله، مع التضاد الواضح، وقد خرج المختار في آخر عهد الصحابة، وتبعه فئام كثيرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إليها رحمه الله هي قوله: (باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان) ، وحديث أبي سعيد هو قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» أخرجاه.
وهذا يتضمن التحذير من أن تقع هذه الأمة في مثل ما وقع فيه من سبقها.
الثامنة: العجب العجاب: خروج من يدعي النبوة، مثل المختار مع تكلمه بالشهادتين، وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق، وفيه أن محمدا خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله، مع التضاد الواضح، وقد خرج المختار في آخر عهد الصحابة، وتبعه فئام كثيرة.
والمختار هو ابن أبي عبيد الثقفي، خرج وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير رضي الله عنه، وأظهر محبة آل البيت، ودعا الناس إلى الثأر من قتلة الحسين؛ فتتبعهم، وقتل كثيرا ممن باشر ذلك أو أعان عليه، فانخدع به العامة، ثم ادعى النبوة وزعم أن جبريل يأتيه.
ولا شك أن هذه المسألة من العجب العجاب أن يدعي النبوة وهو يؤمن
(9/484)

التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة. العاشرة: الآية العظمى: أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم. الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة.
الثانية عشرة: ما فيه من الآيات العظيمة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أن القرآن حق، وفي القرآن أن محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتم النبيين؛ فكيف يكون صادقا، وكيف يصدق مع هذا التناقض؟ ! ولكن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة، يعني: من هذه الأمة منصورة إلى يوم القيامة.
يؤخذ هذا من آخر الحديث: «لا تزال من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى» .
العاشرة: الآية العظمى أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، وهذه آية عظمى: أن الكثرة الكاثرة من بني آدم خلاف ذلك، ومع ذلك لا يضرونهم، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] .
الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة، وقد سبق.
الثانية عشرة: ما فيه من الآيات العظيمة، أي: ما في هذا الحديث من الآيات العظيمة، والآيات: جمع آية، وهي العلامة، والآيات التي يؤيد الله بها رسله عليهم الصلاة والسلام هي العلامات الدالة على صدقهم.
(9/485)

منها إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر؛ بخلاف الجنوب والشمال. وإخباره بأنه أعطي الكنزين. وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين. وإخباره بأنه منع الثالثة. وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع. وإخباره بإهلاك بعضهم بعضا، وسبي بعضهم بعضا. وخوفه على أمته من الأئمة المضلين. وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة، وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة، وكل هذا كما أخبر، مع أن كل واحدة منها أبعد ما يكون في العقول.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فمما في هذا الحديث: إخباره بأن الله - سبحانه وتعالى - زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك؛ فوقع كما أخبر بخلاف الجنوب والشمال، فإن رسالة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امتدت نحو الشرق والغرب أكثر من امتدادها نحو الجنوب والشمال، وهذا من علم الغيب الذي أطلع الله رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه.
ومنها: إخباره أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعطي الكنزين، وهما كنزا كسرى وقيصر.
ومنها: إخباره بإجابة دعوته في الاثنتين، وهما ألا يهلكها بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضا. . . إلخ، ومنع الثالثة، وهي ألا يجعل بأس هذه الأمة بينها؛ فإن هذا سوف يكون كما صرح به حديث عامر بن سعد عن أبيه: «إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية؛ فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا دعاء طويلا، وانصرف إلينا؛ فقال: (سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة؛ فأعطانيها، وسألته»
(9/486)

الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«ألا يهلك أمتي بالغرق؛ فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم؛ فمنعنيها» . أي: منعني إياها.
ومن هذه الآيات التي تضمنها هذا الحديث: إخباره بوقوع السيف في أمته، وأنه إذا وقع؛ فإنه لا يرفع حتى تقوم الساعة، وقد كان الأمر كذلك؛ فإنه منذ سلت السيوف على المسلمين من بعضهم على بعض بقي هذا إلى يومنا هذا.
ومنها: إخباره بإهلاك بعضهم بعضا وسبي بعضهم بعضا، هذا أيضا واقع.
ومنها: خوفه على أمته من الأئمة المضلين، والأئمة: جمع إمام، والإمام: هو من يقتدى به، إما لعلمه، وإما لسلطته، وإما لعبادته.
ومنها: إخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة، وأنهم ثلاثون، قال ابن حجر: (هذا الحصر بالثلاثين لا يعنى انحصار المتنبئين بذلك؛ لأنهم أكثر من ذلك) .
قلت: فيكون ذكر الثلاثين لبيان الحد الأدنى؛ أي: أنهم لا ينقصون عن ذلك العدد، وإنما عدلنا عن ظاهر اللفظ للأمر الواقع، وهذا - والله أعلم - هو السر في ترك المؤلف رحمه الله العدد في مسائل الباب مع أنه صريح في الحديث.
ومنها: إخباره ببقاء الطائفة المنصورة، وهذا كله وقع كما أخبر.
قال الشيخ رحمه الله: (مع أن كل واحدة منها أبعد ما يكون في العقول) .
الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين، ووجه هذا
(9/487)

الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحصر أن الأئمة ثلاثة أقسام: أمراء وعلماء وعباد؛ فهم الذين يخشى من إضلالهم لأنهم متبوعون؛ فالأمراء لهم السلطة والتنفيذ، والعلماء لهم التوجيه والإرشاد، والعباد لهم تغرير الناس وخداعهم بأحوالهم؛ فهؤلاء يطاعون ويقتدى بهم، فيخاف على الأمة منهم؛ لأنهم إذا كانوا مضلين ضل بهم كثير من الناس، وإذا كانوا هادين اهتدى بهم كثير من الناس.
الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان، يعني أن عبادة الأوثان لا تختص بالركوع والسجود لها، بل تشمل اتباع المضلين الذين يحلون ما حرم الله فيحله الناس، ويحرمون ما أحله الله فيحرمه الناس.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(9/488)

باب ما جاء في السحر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السحر لغة: ما خفي ولطف سببه، ومنه سمي السحر لآخر الليل؛ لأن الأفعال التي تقع فيه تكون خفية، وكذلك سمي السحور؛ لما يؤكل في آخر الليل؛ لأنه يكون خفيا؛ فكل شيء خفي سببه يسمى سحرا.
وأما في الشرع؛ فإنه ينقسم إلى قسمين:
الأول: عقد ورقى؛ أي: قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد به ضرر المسحور، لكن قد قال الله تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102] .
الثاني: أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته وميله؛ فتجده ينصرف ويميل، وهو ما يسمى عندهم بالصرف والعطف.
فيجعلون الإنسان ينعطف على زوجته أو امرأة أخرى، حتى يكون كالبهيمة تقوده كما تشاء، والصرف بالعكس من ذلك.
فيؤثر في بدن المسحور بإضعافه شيئا فشيئا حتى يهلك.
وفي تصوره بأن يتخيل الأشياء على خلاف ما هي عليه.
وفي عقله؛ فربما يصل إلى الجنون والعياذ بالله.
فالسحر قسمان:
ا - شرك، وهو الأول الذي يكون بواسطة الشياطين؛ يعبدهم ويتقرب إليهم ليسلطهم على المسحور.
ب - عدوان، وفسق وهو الثاني الذي يكون بواسطة الأدوية والعقاقير ونحوها.
وبهذا التقسيم الذي ذكرناه نتوصل به إلى مسألة مهمة، وهي: هل يكفر
(9/489)

الساحر أو لا يكفر؟
اختلف في هذا أهل العلم:
فمنهم من قال: إنه يكفر.
ومنهم من قال: إنه لا يكفر.
ولكن التقسيم السابق الذي ذكرناه يتبين به حكم هذه المسألة، فمن كان سحره بواسطة الشياطين؛ فإنه يكفر لأنه لا يتأتى ذلك إلا بالشرك غالبا؛ لقوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} إلى قوله: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102] ، ومن كان سحره بالأدوية والعقاقير ونحوهما؛ فلا يكفر، ولكن يعتبر عاصيا معتديا.
وأما قتل الساحر، فإن كان سحره كفرا؛ قتل ردة، إلا أن يتوب على القول بقبول توبته، وهو الصحيح، وإن كان سحره دون الكفر؛ قتل قتل الصائل؛ أي: قتل لدفع أذاه وفساده في الأرض، وعلى هذا يرجع في قتله إلى اجتهاد الإمام، وظاهر النصوص التي ذكرها المؤلف أنه يقتل بكل حال؛ فالمهم أن السحر يؤثر بلا شك، لكنه لا يؤثر بقلب الأعيان إلى أعيان أخرى؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله - عز وجل - وإنما يخيل إلى المسحور أن هذا الشيء انقلب، وهذا الشيء تحرك أو مشى وما أشبه ذلك، كما جرى لموسى عليه الصلاة والسلام أمام سحرة آل فرعون، حيث كان يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
إذا قال قائل: ما وجه إدخال باب السحر في كتاب التوحيد؟
(9/490)

وقول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102] .
وقوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نقول مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لأن من أقسام السحر ما لا يتأتى غالبا إلا بالشرك؛ فالشياطين لا تخدم الإنسان غالبا إلا لمصلحة، ومعلوم أن مصلحة الشيطان أن يغوي بني آدم فيدخلهم في الشرك والمعاصي.
وقد ذكر المؤلف في الباب آيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} .
ضمير الفاعل يعود على متعلمي السحر، والجملة مؤكدة بالقسم واللام وقد.
ومعنى (اشتراه) ؛ أي: تعلمه.
قوله: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} ؛ أي: ما له من نصيب، وكل من ليس له في الآخرة من خلاق؛ فمقتضاه أن عمله حابط باطل، لكن إما أن ينتفي النصيب انتفاء كليا فيكون العمل كفرا، أو ينتفي كمال النصيب فيكون فسقا.
الآية الثانية قوله تعالى: يُؤْمِنُونَ؛ أي: اليهود. بِالْجِبْتِ؛ أي السحر كما فسرها عمر بن الخطاب.
واليهود كانوا من أكثر الناس تعلما للسحر وممارسة له، ويدعون أن سليمان عليه السلام علمهم إياه، وقد اعتدوا؛ فسحروا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(9/491)

قال عمر: (الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان) (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الطاغوت) . أجمع ما قيل فيه: هو ما تجاوز به العبد حده؛ من معبود، أو متبوع، أو مطاع.
ومعنى (من معبود) ؛ أي: بعلمه ورضاه، هكذا قال ابن القيم رحمه الله، وقد سبق في أول الكتاب التعليق على هذا القول عند قوله: (واجتنبوا الطاغوت) .
الشاهد: قوله: (بالجبت) ، حيث فسرها أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بأنها السحر.
وأما تفسير الطاغوت بالشيطان؛ فإنه من باب التفسير بالمثال.
والسلف رحمهم الله يفسرون الآية أحيانا بمثال يحتذى عليه، مثل قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر: 32] .
قال بعض المفسرين: الظالم لنفسه: الذي لا يصلي إلا بعد خروج الوقت، والمقتصد: الذي يصلي في آخر الوقت، والسابق بالخيرات: الذي يصلي في أول الوقت.
وهذا مثال من الأمثلة، وليس ما تدل عليه الآية على وجه الشمول،
__________
(1) علقه البخاري في (الصحيح) ـ كتاب التفسير، قال الحافظ في الفتح 8/252: (إسناده قوي) .
(9/492)

وقال جابر: (الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حي واحد) . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولهذا فسرها بعضهم بأن الظالم لنفسه الذي لا يخرج الزكاة، والمقتصد من يخرج الزكاة ولا يتصدق، والسابق بالخيرات من يخرج الزكاة ويتصدق.
فتفسير عمر رضي الله عنه للطاغوت بالشيطان تفسير بالمثال؛ لأن الطاغوت أعم من الشيطان؛ فالأصنام تعتبر من الطواغيت؛ كما قال الله تعالى: {وَ