Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 010


باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الاستسقاء: طلب السقيا كالاستغفار: طلب المغفرة، والاستعانة: طلب المعونة، والاستعاذة: طلب العوذ، والاستهداء: طلب الهداية؛ لأن مادة استفعل في الغالب تدل على الطلب، وقد لا تدل على الطلب، بل تدل على المبالغة في الفعل، مثل: استكبر، أي بلغ في الكبر غايته، وليس المعنى طلب الكبر، والاستسقاء بالأنواء، أي: أن تطلب منها أن تسقيك.
والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شرك أكبر، وله صورتان:
الأولى: أن يدعو الأنواء بالسقيا، كأن يقول: يا نوء كذا، اسقنا أو أغثنا، وما أشبه ذلك، فهذا شرك أكبر؛ لأنه دعا غير الله، ودعاء غير الله من الشرك الأكبر، قال تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117] ، وقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] ، وقال تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106] ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على النهي عن دعاء غير الله، وأنه من الشرك الأكبر.
الثانية: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذه الأنواء على أنها هي الفاعلة بنفسها دون الله ولو لم يدعها، فهذا شرك أكبر في الربوبية، والأول في العبادة؛ لأن الدعاء من العبادة، وهو متضمن للشرك في الربوبية؛ لأنه لم
(10/597)

وقول الله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يدعها إلا وهو يعتقد أنها تفعل وتقضي الحاجة.
القسم الثاني: شرك أصغر، وهو أن يجعل هذه الأنواء سببا مع اعتقاده أن الله هو الخالق الفاعل؛ لأن كل من جعل سببا لم يجعله الله سببا لا بوحيه ولا بقدره فهو مشرك شركا أصغر.
قوله تعالى: وتجعلون أي: تصيرون، وهي تنصب مفعولين: الأول: (رزق) ، والثاني: (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول ثان، والتقدير: وتجعلون رزقكم كونكم تكذبون أو تكذيبكم. والمعنى: تكذبون أنه من عند الله، حيث تضيفون حصوله إلى غيره.
قوله: رزقكم. الرزق هو العطاء، والمراد به هنا: ما هو أعم من المطر، فيشمل معنيين:
الأول: أن المراد به رزق العلم؛ لأن الله قال: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 75 -82] ، أي تخافونهم فتداهنونهم، وتجعلون شكر ما رزقكم الله به من العلم والوحي أنكم تكذبون به، وهذا هو ظاهر سياق الآية.
الثاني: أن المراد بالرزق المطر، وقد روي في ذلك حديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(10/598)

لكنه ضعيف (1) إلا أنه صح عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: أن المراد بالرزق المطر، وأن التكذيب به نسبته إلى الأنواء، وعليه يكون ما ساق المؤلف الآية من أجله مناسبا للباب تماما.
والقاعدة في التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين جميعا بدون منافاة تحمل عليهما جميعا، وإن حصل بينهما منافاة طلب المرجح.
ومعنى الآية: أن الله يوبخ هؤلاء الذين يجعلون شكر الرزق التكذيب والاستكبار والبعد؛ لأن شكر الرزق يكون بالتصديق والقبول والعمل بطاعة المنعم، والفطرة كذلك لا تقبل أن تكفر بمن ينعم عليها، فالفطرة والعقل والشرع كل منها يوجب أن تشكر من ينعم عليك، سواء قلنا: المراد بالرزق المطر الذي به حياة الأرض، أو قلنا: إن المراد به القرآن الذي به حياة القلوب، فإن هذا من أعظم الرزق، فكيف يليق بالإنسان أن يقابل هذه النعمة بالتكذيب؟ !
واعلم أن التكذيب نوعان:
أحدهما: التكذيب بلسان المقال، بأن يقول: هذا كذب، أو المطر من النوء، ونحو ذلك.
والثاني: التكذيب بلسان الحال، بأن يعظم الأنواء والنجوم معتقدا أنها السبب، ولهذا وعظ عمر بن عبد العزيز الناس يوما، فقال: (يا أيها الناس، إن كنتم مصدقين فأنتم حمقى، وإن كنتم مكذبين فأنتم هلكى) ، وهذا صحيح؛
__________
(1) الإمام أحمد في المسند (1/ 89،108) والترمذي (كتاب التفسير، سورة الواقعة، وقال احمد بن شاكر: (إسناده ضعيف) المسند (_677)
(10/599)

وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فالذي يصدق ولا يعمل أحمق، والمكذب هالك، فكل إنسان عاص نقول له الآن: أنت بين أمرين: إما أنك مصدق بما رتب على هذه المعصية أو مكذب، فإن كنت مصدقا فأنت أحمق، كيف لا تخاف فتستقيم؟ ! وإن كنت غير مصدق فالبلاء أكبر، فأنت هالك كافر.
قوله في حديث أبي مالك: " أربع في أمتي ". الفائدة من قوله: " أربع " ليس الحصر؛ لأن هناك أشياء تشاركها في المعنى، وإنما يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك من باب حصر العلوم وجمعها بالتقسيم والعدد؛ لأنه يقرب الفهم، ويثبت الحفظ.
قوله: " من أمر الجاهلية ". أمر هنا بمعنى شأن، أي: من شأن الجاهلية وهو واحد الأمور، وليس واحد الأوامر؛ لأن واحد الأوامر طلب الفعل على وجه الاستعلاء.
وقوله: " من أمر الجاهلية ". إضافتها إلى الجاهلية الغرض منها التقبيح والتنفير؛ لأن كل إنسان يقال له: فعلك فعل الجاهلية لا شك أنه يغضب؛ إذ إنه لا أحد يرضى أن يوصف بالجهل، ولا بأن فعله من أفعال الجاهلية، فالغرض من الإضافة هنا أمران:
1 - التنفير.
2 - بيان أن هذه الأمور كلها جهل وحمق بالإنسان، إذ ليست أهلا
(10/600)

بأن يراعيها الإنسان أو يعتني بها، فالذي يعتني بها جاهل.
والمراد بالجاهلية هنا: ما قبل البعثة؛ لأنهم كانوا على جهل وضلال عظيم حتى إن العرب كانوا أجهل خلق الله، ولهذا يسمون بالأميين، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، نسبة إلى الأم، كأن أمه ولدته الآن.
لكن لما بعث فيهم هذا النبي الكريم، قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164] ، فهذه منة عظيمة أن بعث فيهم النبي عليه الصلاة والسلام لهذه الأمور السامية:
1 - يتلو عليهم آيات الله.
2 - ويزكيهم فيطهر أخلاقهم وعبادتهم وينميها.
3 - ويعلمهم الكتاب.
4 - والحكمة.
هذه فوائد أربع عظيمة لو وزنت الدنيا بواحدة منها لوزنتها عند من يعرف قدرها، ثم بين الحال من قبل فقال: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ، وإن هذه ليست نافية، بل مؤكدة، فهي مخففة من الثقيلة، يعني: وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
إذن المراد بالجاهلية ما قبل البعثة؛ لأن الناس كانوا فيها على جهل عظيم. فجهلهم شامل للجهل في حقوق الله وحقوق عباده، فمن جهلهم أنهم ينصبون النصب ويعبدونها من دون الله، ويقتل أحدهم ابنته لكي لا يعير بها، ويقتل أولاده من ذكور وإناث خشية الفقر.
قوله: " لا يتركونهن ". المراد لا يتركون كل واحد منها باعتبار المجموع
(10/601)

بالمجموع، بأن يكون كل واحد منها عند جماعة، والثاني عند آخرين، والثالث عند آخرين، والرابع عند آخرين، وقد تجتمع هذه الأقسام في قبيلة، وقد تخلو بعض القبائل منها جميعا، إنما الأمة كمجموع لا بد أن يوجد فيها شيء من ذلك؛ لأن هذا خبر من الصادق المصدوق صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمراد بهذا الخبر التنفير؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد يخبر بأشياء تقع وليس غرضه أن يؤخذ بها، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لتركبن سنن من كان قبلكم اليهود والنصارى» أي: فاحذروا، وأخبر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أن الظعينة تخرج من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله» ، أي: بلا محرم، وهذا خبر عن أمر واقع وليس إقرارا له شرعا.
قوله: " أمتي ". أي: أمة الإجابة.
قوله: «الفخر بالأحساب» . الفخر: التعالي والتعاظم، والباء للسببية، أي: يفخر بسبب الحسب الذي هو عليه.
والحسب: ما يحتسبه الإنسان من شرف وسؤدد، كأن يكون من بني هاشم فيفتخر بذلك، أو من آباء وأجداد مشهورين بالشجاعة فيفتخر بذلك، وهذا من أمر الجاهلية؛ لأن الفخر في الحقيقة يكون بتقوى الله الذي يمنع الإنسان من التعالي والتعاظم، والمتقي حقيقة هو الذي كلما ازدادت نعم الله عليه ازداد تواضعا للحق وللخلق.
وإذا كان الفخر بالحسب من فعل الجاهلية، فلا يجوز لنا أن نفعله، ولهذا
(10/602)

قال تعالى: لنساء نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] ، واعلم أن كل ما ينسب للجاهلية فهو مذموم ومنهي عنه.
قوله: «الطعن في الأنساب» (1) . الطعن: العيب؛ لأنه وخز معنوي كوخز الطاعون في الجسد، ولهذا سمي العيب طعنا.
والأنساب: جمع نسب، وهو أصل الإنسان وقرابته، فيطعن في نسبه كأن يقول: أنت ابن الدباغ، أو أنت ابن مقطعة البظور- وهي شيء في فرج المرأة يقطع عند ختان النساء-.
قوله: «والاستسقاء بالنجوم» . أي: نسبة المطر إلى النجوم، مع اعتقاد أن الفاعل هو الله - عز وجل -، أما إن اعتقد أن النجوم هي التي تخلق المطر والسحاب أو دعاها من دون الله لتنزل المطر فهذا شرك أكبر مخرج من الملة.
قوله: «والنياحة على الميت» . هذا هو الرابع، والنياحة: هي رفع الصوت بالبكاء على الميت قصدا، وينبغي أن يضاف إليه على سبيل النوح، كنوح الحمام.
والندب: تعداد محاسن الميت.
والنياحة من أمر الجاهلية، ولا بد أن تكون في هذه الأمة، وإنما كانت من أمر الجاهلية:
إما من الجهل الذي هو ضد العلم.
أو من الجهالة التي هي السفه، وهي ضد الحكمة.
وإنما كانت كذلك لأمور، هي:
1 - أنها لا تزيد النائح إلا شدة وحزنا وعذابا.
2 - أنها تسخط من قضاء الله وقدره واعتراض عليه.
3 - أنها تهيج أحزان غيره.
__________
(1) الإمام احمد في (المسند) (5/218) والترمذي: كتاب الفتن / باب ما جاء (لتركبن ... ) وقال: (حسن الصحيح) ، وابن حبان (1835) والطبراني في (الكبير) (3290) والبيهقي (108/1)
(10/603)

وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» . رواه مسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقد ذكر عن ابن عقيل رحمه الله -وهو من علمائنا الحنابلة- أنه خرج في جنازة ابنه عقيل وكان أكبر أولاده وطالب علم، فلما كانوا في المقبرة صرخ رجل وقال: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 78] ، فقال له ابن عقيل رحمه الله: إن القرآن إنما نزل لتسكين الأحزان، وليس لتهييج الأحزان.
4 - أنه مع هذه المفاسد لا يرد القضاء، ولا يرفع ما نزل.
والنياحة تشمل ما إذا كانت من رجل أو امرأة، لكن الغالب وقوعها من النساء، ولهذا قال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها» ، أي: إن تابت قبل الموت تاب الله عليها، وظاهر الحديث أن هذا الذنب لا تكفره إلا التوبة، وأن الحسنات لا تمحوه؛ لأنه من كبائر الذنوب، والكبائر لا تمحى بالحسنات، فلا يمحوها إلا التوبة.
قوله: " تقام يوم القيامة ". أي تقام من قبرها.
قوله: " وعليها سربال من قطران ". السربال: الثوب السابغ كالدرع، والقطران معروف، ويسمى " الزفت "، وقيل: إنه النحاس المذاب.
قوله: " ودرع من جرب ". الجرب: مرض معروف يكون في الجلد، يؤرق
(10/604)

الإنسان، وربما يقتل الحيوان، والمعنى: إن كل جلدها يكون جربا بمنزلة الدرع، وإذا اجتمع قطران وجرب زاد البلاء؛ لأن الجرب أي شيء يمسه يتأثر به، فكيف ومعه قطران؟ !
والحكمة أنها لما لم تغط المصيبة بالصبر غطيت بهذا الغطاء سربال من قطران ودرع من جرب، فكانت العقوبة من جنس العمل.
ويستفاد من الحديث:
1 - ثبوت رسالته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه أخبر عن أمر من أمور الغيب فوقع كما أخبر.
2 - التنفير من هذه الأشياء الأربعة: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت.
3 - أن النياحة من كبائر الذنوب لوجود الوعيد عليها في الآخرة، وكل ذنب عليه الوعيد في الآخرة فهو من الكبائر.
4 - أن كبائر الذنوب لا تكفر بالعمل الصالح؛ لقوله: " إذا لم تتب قبل موتها ".
5 - أن من شروط التوبة أن تكون قبل الموت؛ لقوله: " إذا لم تتب قبل موتها "، ولقوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: 18] .
6 - أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة، فمن أهل العلم من قال: إنه داخل تحت المشيئة: إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له.
ومن أهل العلم من قال: إنه ليس بداخل تحت المشيئة، وإنه لا بد أن يعاقب، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية لإطلاق قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116] ،
(10/605)

ولهما عن زيد بن خالد رضي الله عنه، قال: «صلى لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فقال: والشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، وبهذا نعرف عظم سيئة الشرك، قال ابن مسعود رضي الله عنه: " لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا " (1) ؛ لأن الحلف بغير الله من الشرك، والحلف بالله كاذبا من كبائر الذنوب، وسيئة الشرك أعظم من سيئة الذنب.
7 - ثبوت الجزاء والبعث.
8 - أن الجزاء من جنس العمل.
قوله في حديث زيد بن خالد: " صلى لنا ". أي: إماما؛ لأن الإمام يصلي لنفسه ولغيره، ولهذا يتبعه المأموم، وقيل: إن اللام بمعنى الباء، وهذا قريب، وقيل: إن اللام للتعليل، أي صلى لأجلنا.
__________
(1) عبد الرزاق (8/469) ، والطبراني في الكبير (8902) ، والهيثمي في مجمع الزوائد
(10/606)

قوله: " صلاة الصبح بالحديبية ". أي: صلاة الفجر، والحديبية فيها لغتان: التخفيف، وهو أكثر، والتشديد، وهي اسم بئر سمي بها المكان، وقيل: إن أصلها شجرة حدباء تسمى حديبية، والأكثر على أنها اسم بئر، وهذا المكان قريب من مكة بعضه في الحل وبعضه في الحرم، نزل به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السنة السادسة من الهجرة لما قدم معتمرا، فصده المشركون عن البيت، وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون، ويسمى الآن الشميسي.
قوله: " على إثر سماء كانت من الليل ". الإثر معناه العقب، والأثر: ما ينتج عن السير.
قوله: " سماء ". المراد به المطر.
قوله: " كانت من الليل ". " من " لابتداء الغاية، هذا هو الظاهر - والله أعلم - ويحتمل أن تكون بمعنى في الظرفية.
قوله: " فلما انصرف ". أي: من صلاته، وليس من مكانه بدليل قوله: " أقبل على الناس ".
قوله: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ". الاستفهام يراد به التنبيه والتشويق لما سيلقى عليهم، وإلا فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلم أنهم لا يعلمون ماذا قال الله؛ لأن الوحي لا ينزل عليهم.
ومعنى قوله: " هل تدرون ". أي: هل تعلمون.
والمراد بالربوبية هنا الربوبية الخاصة؛ لأن ربوبية الله للمؤمن خاصة كما أن عبودية المؤمن له خاصة، ولكن الخاصة لا تنافي العامة؛ لأن العامة تشمل هذا وهذا، والخاصة تختص بالمؤمن.
(10/607)

«قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " قالوا: الله ورسوله أعلم ". فيه إشكال نحوي؛ لأن " أعلم " خبر عن اثنين، وهي مفرد، فيقال إن اسم التفضيل إذا نوي به معنى " من " وكان مجردا من أل والإضافة لزم فيه الإفراد والتذكير.
وفيه أيضا إشكال معنوي، وهو أنه جمع بين الله ورسوله بالواو، مع أن «الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله ندا؟ !» (1) ، فيقال: إن هذا أمر شرعي، وقد نزل على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأما إنكاره على من قال: ما شاء الله وشئت فلأنه أمر كوني، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس له شأن في الأمور الكونية.
والمراد بقولهم: " الله ورسوله أعلم " تفويض العلم إلى الله ورسوله، وأنهم لا يعلمون.
قوله: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» . " مؤمن " صفة لموصوف
__________
(1) الإمام أحمد في المسند (1/214) والبخاري في الأدب المفرد (783) وابن ماجه كتاب الكفارات، باب النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت) قال أحمد شاكر: إسناده صحيح (المسند 1839
(10/608)

محذوف، أي: عبد مؤمن، وعبد كافر.
و" أصبح ": من أخوات كان، واسمها: " مؤمن "، وخبرها: " من عبادي ".
ويجوز أن يكون " أصبح " فعلا ماضيا ناقصا، واسمها ضمير الشأن، أي: أصبح الشأن، فـ " من عبادي " خبر مقدم، و" مؤمن ": مبتدأ مؤخر، أي: أصبح شأن الناس منهم مؤمن ومنهم كافر.
قوله: " فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته ". أي: قال بلسانه وقلبه، والباء للسببية، والفضل: العطاء والزيادة.
والرحمة: صفة من صفات الله، يكون بها الإنعام والإحسان إلى الخلق.
وقوله: " فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب ". لأنه نسب المطر إلى الله ولم ينسبه إلى الكوكب، ولم ير له تأثيرا في نزوله، بل نزل بفضل الله.
قوله: «وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا» . الباء للسببية، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب، وصار كافرا بالله؛ لأنه أنكر نعمة الله ونسبها إلى سبب لم يجعله الله سببا، فتعلقت نفسه بهذا السبب، ونسي نعمة الله، وهذا الكفر لا يخرج من الملة؛ لأن المراد نسبة المطر إلى النوء على أنه سبب وليس إلى النوء على أنه فاعل.
لأنه قال: «مطرنا بنوء كذا» ، ولم يقل: أنزل علينا المطر نوء كذا؛ لأنه لو قال ذلك لكان نسبة المطر إلى النوء نسبة إيجاد، وبه نعرف خطأ من قال: إن المراد بقوله: " مطرنا بنوء كذا " نسبة المطر إلى النوء نسبة إيجاد؛ لأنه لو كان هذا هو المراد لقال: أنزل علينا المطر نوء كذا ولم يقل مطرنا به.
فعلم أن المراد أن من أقر بأن الذي خلق المطر وأنزله هو الله، لكن النوء هو السبب، فهو كافر، وعليه يكون من باب الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة.
(10/609)

والمراد بالكوكب النجم، وكانوا ينسبون المطر إليه، ويقولون: إذا سقط النجم الفلاني جاء المطر، وإذا طلع النجم الفلاني جاء المطر، وليسوا ينسبونه إلى هذا نسبة وقت، وإنما نسبة سبب، فنسبة المطر إلى النوء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1 - نسبة إيجاد، وهذه شرك أكبر.
2 - نسبة سبب، وهذه شرك أصغر.
3 - نسبة وقت، وهذه جائزة بأن يريد بقوله: مطرنا بنوء كذا، أي: جاءنا المطر في هذا النوء أي وقته.
ولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويجوز مطرنا في نوء كذا، وفرقوا بينهما أن الباء للسببية، و" في " للظرفية، ومن ثم قال أهل العلم: إنه إذا قال: مطرنا بنوء كذا وجعل الباء للظرفية فهذا جائز، وهذا وإن كان له وجه من حيث المعنى، لكن لا وجه له من حيث اللفظ؛ لأن لفظ الحديث: «من قال: مطرنا بنوء كذا» ، والباء للسببية أظهر منها للظرفية، وهي وإن جاءت للظرفية كما في قوله تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ} [الصافات: 137، 138] ، لكن كونها للسببية أظهر، والعكس بالعكس، فـ " في " للظرفية أظهر منها للسببية وإن جاءت للسببية، كما في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دخلت امرأة النار في هرة» .
والحاصل أن الأقرب المنع ولو قصد الظرفية، لكن إذا كان المتكلم لا يعرف من الباء إلا الظرفية مطلقا، ولا يظن أنها تأتي سببية، فهذا جائز، ومع
(10/610)

ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه: " قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآيات: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} " [الواقعة: 75 -82] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك فالأولى أن يقال لهم: قولوا: في نوء كذا.
قوله: " ولهما ". الظاهر أنه سبق قلم، وإلا فالحديث في " مسلم " وليس في " الصحيحين ".
ومعنى الحديث: أنه لما نزل المطر نسبه بعضهم إلى رحمة الله، وبعضهم قال: لقد صدق نوء كذا وكذا، فكأنه جعل النوء هو الذي أنزل المطر أو نزل بسببه.
ومنه ما يذكر في بعض كتب التوقيت: " وقل أن يخلف نوؤه " أو: " هذا نوؤه صادق "، وهذا لا يجوز، وهو الذي أنكره الله - عز وجل - على عباده، وهذا شرك أصغر، ولو قال: بإذن الله، فإنه لا يجوز لأن كل الأسباب من الله، والنوء لم يجعله الله سببا.
قوله: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} . اختلف في " لا " فقيل: نافية،
(10/611)

والمنفي محذوف، والتقدير: لا صحة لما تزعمون من أن القرآن كذب أو سحر وشعر وكهانة، أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم.
فأقسم لا علاقة لها بـ " لا " إطلاقا، وهذا له بعض الوجه، وقيل: إن المنفي القسم، فهي داخلة على أقسم، أي: لا أقسم ولن أقسم على أن القرآن قرآن كريم؛ لأن الأمر أبين من أن يحتاج إلى قسم، وهذا ضعيف جدا.
وقيل: إن " لا " للتنبيه، والجملة بعدها مثبتة؛ لأن " لا " بمعنى انتبه، أقسم بمواقع النجوم. . . وهذا هو الصحيح.
فإن قيل: ما الفائدة من إقسامه سبحانه مع أنه صادق بلا قسم؛ لأن القسم إن كان لقوم يؤمنون به ويصدقون كلامه فلا حاجة إليه، وإن كان لقوم لا يؤمنون به فلا فائدة منه، قال تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} [البقرة: 145] .
أجيب: أن فائدة القسم من وجوه:
الأول: أن هذا أسلوب عربي لتأكيد الأشياء بالقسم، وإن كانت معلومة عند الجميع، أو كانت منكرة عند المخاطب، والقرآن نزل بلسان عربي مبين.
الثاني: أن المؤمن يزداد يقينا من ذلك، ولا مانع من زيادة المؤكدات التي تزيد في يقين العبد، قال تعالى عن إبراهيم: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] .
الثالث: أن الله يقسم بأمور عظيمة دالة على كمال قدرته وعظمته وعلمه، فكأنه يقيم في هذا المقسم به البراهين على صحة ما أقسم عليه بواسطة عظم ما أقسم به.
الرابع: التنويه بحال المقسم به؛ لأنه لا يقسم إلا بشيء عظيم، وهذان
(10/612)

الوجهان لا يعودان إلى تصديق الخبر، بل إلى ذكر الآيات التي أقسم بها تنويها له بها وتنبيها على عظمها.
الخامس: الاهتمام بالمقسم عليه، وأنه جدير بالعناية والإثبات.
وقوله: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} . الله - سبحانه - يتحدث عن نفسه بضمير المفرد؛ لأنه يدل على الانفراد والتوحيد، فهو سبحانه واحد لا شريك له، ويتحدث عن نفسه بضمير الجمع؛ لأنه يدل على العظمة، كقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، وقوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} الآية [يس: 12] ، ولا يتحدث عن نفسه بالمثنى؛ لأن المثنى محصور باثنين.
والباء حرف قسم، والمواقع جمع موقع.
واختلف في النجوم، فقيل: إنها النجوم المعروفة، فيكون المراد بمواقعها مطالعها ومغاربها.
وأقسم الله بها لما فيها من الدلالة على كمال القدرة في هذا الانتظام البديع وما فيها من مناسبة المقسم به والمقسم عليه، وهو القرآن المحفوظ بواسطة الشهب، فإن السماء عند نزول الوحي ملئت حرسا شديدا وشهبا.
وقيل: إن المراد آجال نزول القرآن، ومنه قولهم: " نزل القرآن منجما "، وقول الفقهاء: يجب أن يكون دين المكاتب مؤجلا بنجمين فأكثر، فيكون الله أقسم بمواقع نزول القرآن، وقد سبقت لنا قاعدة مفيدة، وهي أنه إذا كان المعنيان لا يتنافيان تحمل الآية على كل منهما، وإلا طلب المرجح.
قوله: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} . " قسم ": خبر إن، وهذا القسم أكد الله عظمته بإن واللام تنويها بالمقسم عليه وتعظيمه.
(10/613)

وقوله: لو تعلمون. مؤكد ثالث كأنه قال: ينبغي أن تعلموا هذا الأمر ولا تجهلوه، فهو أعظم من أن يكون مجهولا، فإنه يحتاج إلى علم وانتباه، فلو تعلمون حق العلم لعرفتم عظمته، فانتبهوا.
قوله: لقرآن. مصدر مثل الغفران والشكران بمعنى اسم الفاعل، وبمعنى اسم المفعول، فعلى الأول يكون المراد أنه جامع للمعاني التي تضمنتها الكتب السابقة من المصالح والمنافع، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] ، وعلى الثاني يكون بمعنى المجموع؛ لأنه مجموع مكتوب.
قوله: كريم. يطلق على كثير العطاء، وهذا كمال في العطاء متعد للغير، ويطلق على الشيء البهي الحسن، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إياك وكرائم أموالهم "، أي: البهي منها والحسن، وهذا كمال في الذات، وهذان المعنيان موجودان في القرآن، فالقرآن لا أحسن منه بذاته، قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115] .
والقرآن يعطي أهله من الخيرات الدينية والدنيوية والجسمية والقلبية، قال تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52] ، فهو سلاح لمن تمسك به، ولكن يحتاج إلى أن نتمسك به بالقول والعمل والعقيدة، فلا بد أن يصدق العقيدة العمل، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح»
(10/614)

«الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» ، ووصف الله القرآن في آية أخرى بأنه مجيد، والمجد صفة العظمة والعزة والقوة، والقرآن جامع بين الأمرين: فيه قوة وعظمة، وكذا خيرات كثيرة وإحسان لمن تمسك به.
قوله: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} . كتاب فعال بمعنى مفعول، مثل: فراش بمعنى مفروش، وغراس بمعنى مغروس، وكتاب بمعنى مكتوب.
والمكنون: المحفوظ، قال تعالى: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} [الصافات: 49] .
واختلف المفسرون في هذا الكتاب على قولين:
الأول: أنه اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل شيء.
الثاني: وإليه ذهب ابن القيم أنه الصحف التي في أيدي الملائكة، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} [عبس: 11-15] ، فقوله: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} يرجح أن المراد الكتب التي في أيدي الملائكة؛ لأن قوله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} أي: الملائكة، يوازن قوله: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} ، وعلى هذا يكون المراد بالكتاب الجنس لا الواحد.
قوله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . الضمير يعود إلى الكتاب المكنون؛ لأنه أقرب شيء، وهو بالرفع {لَا يَمَسُّهُ} باتفاق القراء، وإنما نبهنا على ذلك؛ لدفع قول من يقول: إنه خبر بمعنى النهي، والضمير يعود على القرآن، أي: نهى أن يمس القرآن إلا طاهر، والآية ليس فيها ما يدل على ذلك، بل هي ظاهرة في
(10/615)

أن المراد به اللوح المحفوظ؛ لأنه أقرب مذكور، ولأنه خبر، والأصل في الخبر أن يبقى على ظاهره خبرا لا أمرا ولا نهيا حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، ولم يرد ما يدل على خلاف ذلك، بل الدليل على أنه لا يراد به إلا ذلك، وأنه يعود إلى الكتاب المكنون، ولهذا قال الله: {إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} باسم المفعول، ولم يقل: إلا المطهرون، ولو كان المراد المطهرون لقال ذلك، أو قال: إلا المتطهرون، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} .
والمطهرون: هم الذين طهرهم الله تعالى، وهم الملائكة، طهروا من الذنوب وأدناسها، قال تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} [التحريم: 6] ، وقال تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20] ، وقال تعالى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26 - 27] ، وفرق بين المطهر الذي يريد أن يفعل الكمال بنفسه، وبين المطهر الذي كمله غيره وهم الملائكة، وهذا مما يؤيد ما ذهب إليه ابن القيم أن المراد بالكتاب الكتب التي في أيدي الملائكة، وفي الآية إشارة على أن من طهر قلبه من المعاصي كان أفهم للقرآن، وأن من تنجس قلبه بالمعاصي كان أبعد فهما عن القرآن؛ لأنه إذا كانت الصحف التي في أيدي الملائكة لم يمكن الله من مسها إلا هؤلاء المطهرين، فكذلك معاني القرآن.
فاستنبط شيخ الإسلام من هذه الآية: أن المعاصي سبب لعدم فهم القرآن، كما قال تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] ، وهم الذين قال الله فيهم: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [القلم: 15] ، فهم لا يصلون إلى معانيها وأسرارها؛ لأنه ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.
(10/616)

وقد ذكر بعض أهل العلم: أنه ينبغي لمن استفتي أن يقدم بين يدي الفتوى الاستغفار لمحو أثر الذنب من قلبه حتى يتبين له الحق، واستنبطه من قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 105، 106] .
قوله: {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . خبر ثان لقوله: وإنه، وهو كقوله: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 192] ، وكقوله: {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} [فصلت: 2-3] ، فهو خبر مكرر مع قوله: لقرآن.
وتنزيل أي: منزل، فهي مصدر بمعنى اسم المفعول منزل من رب العالمين، أنزله الله على قلب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه محل الوعي والحفظ بواسطة جبريل، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} .
وقوله: {مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي: خالقهم، ويستفاد من الآية ما يلي:
1 - أن القرآن نازل لجميع الخلق، ففيه دليل على عموم رسالة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
2 - أنه نازل من ربهم، وإذا كان كذلك فهو الحكم بينهم الحاكم عليهم.
3 - أن نزول القرآن من كمال ربوبية الله، فإذا أضيف إلى هذه الآية قوله تعالى: {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} ، علم أن القرآن رحمة للعباد أيضا، وربوبية الله مبنية على الرحمة، قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 2-3] ، وكل ما أمر الله به عباده أو نهاهم عنه، فهو رحمة بهم.
4 - أن القرآن كلام الله؛ لأنه إذا كان الله أنزله، فهو كلامه لا كلام غيره كما قاله السلف رحمهم الله، وهو غير مخلوق؛ لأن جميع صفات الله
(10/617)

حتى الصفات الفعلية ليست مخلوقة.
والقرآن كلام الله منزل غير مخلوق.
فإن قيل: هل كل منزل غير مخلوق؟
قلنا: لا، لكن كل منزل يكون وصفا مضافا إلى الله، فهو غير مخلوق كالكلام، وإلا فإن الله أنزل من السماء ماء وهو مخلوق، وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ} [الحديد: 25] وهو مخلوق، وقال تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6] والأنعام مخلوقة، فإذا كان المنزل من عند الله صفة لا تقوم بذاتها، وإنما تقوم بغيرها، لزم أن يكون غير مخلوق؛ لأنه من صفات الله.
قوله: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ} . الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والحديث: القرآن، والمدهن: الخائف من غيره الذي يحابيه بقوله وفعله.
والمعنى: أتدهنون بهذا الحديث وتخافون وتستخفون؟ ! لا ينبغي لكم هذا، بل ينبغي لمن معه القرآن أن يصدع به وأن يبينه ويجتهد به، قال تعالى: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52] .
قوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} . أكثر المفسرين على أنه على حذف مضاف، أي: أتجعلون شكر رزقكم، أي: ما أعطاكم الله من شيء من المطر ومن إنزال القرآن، أي: تجعلون شكر هذه النعمة العظيمة أن تكذبوا بها، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإن كان ذكرها في المطر، فإنها تشمل المطر وغيره.
وقيل: إنه ليس في الآية حذف، والمعنى: تجعلون شكركم تكذيبا، وقال: إن الشكر رزق، وهذا هو الصحيح، بل هو من أكبر الأرزاق، قال الشاعر:
(10/618)

إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
فالنعمة تحتاج إلى شكر، ثم إذا شكرتها فهي نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، وإن شكرت في الثانية، فهي نعمة تحتاج إلى شكر ثالث، وهكذا أبدا، قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] .
قوله: {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} . (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول تجعلون الثاني، أي: تصيرون شكركم تكذيبا، ولا شك أن هذا من السفه أن يقابل الإنسان نعمة ربه بالتكذيب، إن كانت وحيا كذب خبره ولم يمتثل أمره ولم يجتنب نهيه، وإن كانت عطاء تنمو به الأجسام نسبه إلى غير الله، قال: هذا من النوء أو هذا من عملي، كما قال قارون: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78] .
(10/619)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الواقعة.
الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية.
الثالثة: ذكر الكفر في بعضها.
الرابعة: أن من الكفر ما لا يخرج من الملة.
الخامسة: قوله: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» بسبب نزول النعمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الواقعة. وهي قوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} ، وقد مر تفسيرها.
الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية. وهي الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة على الميت.
الثالثة: ذكر الكفر في بعضها. وهي الاستسقاء بالأنواء، وكذلك الطعن في النسب، والنياحة على الميت، كما في حديث: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» .
الرابعة: أن من الكفر ما لا يخرج من الملة. وهي أن الاستسقاء بالأنواء بعضه كفر مخرج عن الملة وبعضه كفر دون ذلك، وقد سبق بيان ذلك.
الخامسة: قوله: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» بسبب نزول النعمة. أي: إن الناس ينقسمون عند نزول النعمة إلى مؤمن بالله وكافر به، وقد سبق
(10/620)

السادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع.
السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بيان حكم إضافة نزول المطر إلى النوء، والواجب على الإنسان إذا جاءته النعمة أن لا يضيفها إلى أسبابها مجردة عن الله. بل يعتقد أن هذا سبب محض إن كان هذا سببا، مثال ذلك: رجل غرق في ماء، وكان عنده رجل قوي، فنزل وأنقذه، فإنه يجب على هذا الذي نجا أن يعرف نعمة الله عليه، ولولا أن الله أمر أمرا قدريا وأمرا شرعيا أن ينقذك هذا الرجل ما حصل إنقاذ، فأنت تعتقد أن هذا سبب محض.
أما إن غرق ويسر الله له، فخرج، فقال: إن الولي الفلاني أنقذني، فهذا شرك أكبر؛ لأنه سبب غير صحيح، ثم إن إضافته إليه لا يظهر منها أنه يريد أنه سبب، بل يريد أنه منقذ بنفسه؛ لأن اعتقاد أنه سبب وهو في قبره غير وارد، ولذلك كان أصحاب الأولياء إذا نزلت بهم شدة يسألون الأولياء دون الله تعالى، فيقعون في الشرك الأكبر من حيث لا يعلمون أو من حيث يعلمون، ثم قد يفتنون، فيحصل لهم ما يريدون عند دعاء الأولياء لا به؛ لأننا نعلم أن هؤلاء الأولياء لا يستجيبون لهم، لقوله تعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} [فاطر: 14] ، وقوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأحقاف: 5] .
السادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع. وهو نسبة المطر إلى فضل الله ورحمته.
السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع. وهو نسبة المطر إلى النوء،
(10/621)

الثامنة: التفطن لقوله: «لقد صدق نوء كذا وكذا» .
التاسعة: إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها لقوله: «أتدرون ماذا قال ربكم؟» .
العاشرة: وعيد النائحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيقال هذا بسبب النوء الفلاني وما أشبه بذلك.
الثامنة: التفطن لقوله: «لقد صدق نوء كذا وكذا» . وهذا قريب من قوله: «مطرنا بنوء كذا» لأن الثناء بالصدق على النوء مقتضاه أن هذا المطر بوعده، ثم بتنفيذ وعده.
التاسعة: إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها لقوله: «أتدرون ماذا قال ربكم؟» . وذلك أن يلقي العالم على المتعلم السؤال لأجل أن ينتبه له، وإلا فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلم أن الصحابة لا يعلمون ماذا قال الله، لكن أراد أن ينبههم لهذا الأمر، فقال: «أتدرون ماذا قال ربكم؟» وهذا يوجب استحضار قلوبهم.
العاشرة: وعيد النائحة. وذلك بقوله: «إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» ، وهذا وعيد عظيم.
(10/622)

باب قول الله تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: باب قول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا} .
جعل المؤلف رحمه الله تعالى الآية هي الترجمة، ويمكن أن يعنى بهذه الترجمة باب المحبة.
وأصل الأعمال كلها هو المحبة، فالإنسان لا يعمل إلا لما يحب، إما لجلب منفعة، أو لدفع مضرة، فإذا عمل شيئا فلأنه يحبه، إما لذاته كالطعام، أو لغيره كالدواء.
وعبادة الله مبنية على المحبة، بل هي حقيقة العبادة، إذ لو تعبدت بدون محبة صارت عبادتك قشرا لا روح فيها، فإذا كان الإنسان في قلبه محبة لله وللوصول إلى جنته، فسوف يسلك الطريق الموصل إلى ذلك.
ولهذا لما أحب المشركون آلهتهم توصلت بهم هذه المحبة إلى أن عبدوها من دون الله أو مع الله.
والمحبة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: محبة عبادة، وهي التي توجب التذلل والتعظيم، وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه ما يقتضي أن يمتثل أمره ويجتنب نهيه، وهذه خاصة بالله، فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة فهو مشرك شركا أكبر، ويعبر العلماء عنها بالمحبة الخاصة.
القسم الثاني: محبة ليست بعبادة في ذاتها، وهذه أنواع:
(10/623)

النوع الأول: المحبة لله وفي الله، وذلك بأن يكون الجالب لها محبة الله، أي: كون الشيء محبوبا لله تعالى: من أشخاص، كالأنبياء، والرسل، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
أو أعمال، كالصلاة، والزكاة، وأعمال الخير، أو غير ذلك.
وهذا النوع تابع للقسم الأول الذي هو محبة الله.
النوع الثاني: محبة إشفاق ورحمة، وذلك كمحبة الولد، والصغار، والضعفاء، والمرضى.
النوع الثالث: محبة إجلال وتعظيم لا عبادة، كمحبة الإنسان لوالده، ولمعلمه، ولكبير من أهل الخير.
النوع الرابع: محبة طبيعية، كمحبة الطعام، والشراب، والملبس، والمركب، والمسكن.
وأشرف هذه الأنواع النوع الأول، والبقية من قسم المباح، إلا إذا اقترن بها ما يقتضي التعبد صارت عبادة، فالإنسان يحب والده محبة إجلال وتعظيم، وإذا اقترن بها أن يتعبد لله بهذا الحب من أجل أن يقوم ببر والده صارت عبادة، وكذلك يحب ولده محبة شفقة، وإذا اقترن بها ما يقتضي أن يقوم بأمر الله بإصلاح هذا الولد صارت عبادة.
وكذلك المحبة الطبيعية، كالأكل والشرب والملبس والمسكن إذا قصد بها الاستعانة على عبادة صارت عبادة، ولهذا «ولهذا حبب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النساء والطيب» .
(10/624)

من هذه الدنيا، فحبب إليه النساء؛ لأن ذلك مقتضى الطبيعية ولما يترتب عليه من المصالح العظيمة، وحبب إليه الطيب؛ لأنه ينشط النفس ويريحها ويشرح الصدر، ولأن الطيبات للطيبين، والله طيب لا يقبل إلا طيبا.
فهذه الأشياء إذا اتخذها الإنسان بقصد العبادة صارت عبادة، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» ، وقال العلماء: إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقالوا: الوسائل لها أحكام المقاصد، وهذا أمر متفق عليه.
وقد ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب آيتين:
الأولى التي ترجم بها وهي قوله: ومن الناس.
من تبعيضية، هي ومجرورها خبر مقدم، ومن يتخذ مبتدأ مؤخر.
قوله: أندادا. جمع ند، وهو الشبيه والنظير.
قوله: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} أي: في كيفيته ونوعه، فالنوع أن يحب غير الله محبة عبادة.
والكيفية: أن يحبه كمحبة الله أو أشد، حتى إن بعضهم يعظم محبوبه ويغار له أكثر مما يعظم الله ويغار له، فلو قيل: احلف بالله لحلف، وهو كاذب ولم يبال، ولو قيل: احلف بالند لم يحلف، وهو كاذب، وهذا شرك أكبر.
وقوله: {كَحُبِّ اللَّهِ} . للمفسرين فيها قولان:
(10/625)

الأول: أنها على ظاهرها، وأنها مضافة إلى مفعولها، أي: يحبونهم كحبهم لله، والمعنى: يحبون هذه الأنداد كمحبة الله، فيجعلونها شركاء لله في المحبة، لكن الذين آمنوا أشد حبا لله من هؤلاء لله، وهذا هو الصواب.
الثاني: أن المعنى كحب الله الصادر من المؤمنين.
أي: كحب المؤمنين لله، فيحبون هذه الأنداد كما يحب المؤمنون الله - عز وجل -، وهذا وإن احتمله اللفظ لكن السياق يأباه؛ لأنه لو كان المعنى ذلك لكان مناقضا لقوله تعالى فيما بعد: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} .
وكانت محبة المؤمنين لله أشد؛ لأنها محبة خالصة ليس فيها شرك، فمحبة المؤمنين أشد من حب هؤلاء لله.
فإن قيل: قد ينقدح في ذهن الإنسان أن المؤمنين يحبون هذه الأنداد نظرا لقوله: {أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} فما الجواب؟
أجيب: أن اللغة العربية يجري فيها التفضيل بين شيئين وأحدهما خال منه تماما، ومنه قوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24] ، مع أن مستقر أهل النار ليس فيه خير، وقال تعالى: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] ، والطرف الآخر ليس فيه شيء من هذه الموازنة، ولكنها من باب مخاطبة الخصم بحسب اعتقاده.
مناسبة الآية لباب المحبة:
منع الإنسان أن يحب أحدا كمحبة الله؛ لأن هذا من الشرك الأكبر المخرج عن الملة، وهذا يوجد في بعض العباد وبعض الخدم، فبعض العباد يعظمون ويحبون بعض القبور أو الأولياء كمحبة الله أو أشد، وكذلك بعض
(10/626)

وقوله: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الخدم تجدهم يحبون هؤلاء الرؤساء أكثر مما يحبون الله ويعظمونهم أكثر مما يعظمون الله، قال تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 67، 68] .
الآية الثانية قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} .
آباؤكم. اسم كان، وباقي الآية مرفوع معطوف عليه، وخبر كان {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، والخطاب في قوله: قل للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمخاطب في قوله: آباؤكم الأمة.
والأمر في قوله: {فَتَرَبَّصُوا} يراد به التهديد، أي: انتظروا عقاب الله، ولهذا قال: {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} بإهلاك هؤلاء المؤثرين لمحبة هؤلاء الأصناف الثمانية على محبة الله ورسوله وجهاد في سبيله.
فدلت الآية على أن محبة هؤلاء وإن كانت من غير محبة العبادة إذا فضلت على محبة الله صارت سببا للعقوبة.
ومن هنا نعرف أن الإنسان إذا كان يهمل أوامر الله لأوامر والده، فهو يحب أباه أكثر من ربه.
وما في القلوب وإن كان لا يعلمه إلا الله، لكن له شاهد في الجوارح،
(10/627)

ولذا يروى عن الحسن رحمه الله أنه قال: " ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه "، فالجوارح مرآة القلب.
فإن قيل: المحبة في القلب ولا يستطيع الإنسان أن يملكها، ولهذا يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك» (1) ، وكيف للإنسان أن يحب شيئا وهو يبغضه؟ وهل هذا إلا من محاولات جعل الممتنع ممكنا؟
أجيب: أن هذا إيراد ليس بوارد، فالإنسان قد تنقلب محبته لشيء كراهة وبالعكس، إما لسبب ظاهر أو لإرادة صادقة، فمثلا: لك صديق تحبه فيسرق منك وينتهك حرمتك، فتكرهه لهذا السبب، أو لإرادة صادقة كرجل يحب شرب الدخان، فصار عنده إرادة صادقة وعزيمة ثابتة، فكره الدخان، فأقلع عنه.
«وقال عمر رضي الله عنه للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنك لأحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك. قال: الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآن يا عمر» ، فقد ازدادت محبة عمر رضي الله عنه للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأقره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أن الحب قد يتغير.
__________
(1) الإمام احمد في (المسند) (6/ 144) ، وأبو داود: كتاب النكاح / باب في القسم بين النساء، والترمذي: كتاب النكاح / باب التسوية بين الضرائر، والنسائي: كتاب عشرة النساء / باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، وابن ماجه: كتاب النكاح / باب القسمة بين النساء، والحاكم (2/204) – صححه ووافقه الذهبي -.
(10/628)

عن أنس، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» . أخرجاه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وربما تسمع عن شخص كلاما وأنت تحبه فتكرهه، ثم يتبين لك أن هذا الكلام كذب، فتعود محبتك إياه.
قوله في حديث أنس: " لا يؤمن ". هذا نفي للإيمان، ونفي الإيمان تارة يراد به نفي الكمال الواجب، وتارة يراد به نفي الوجود، أي: نفي الأصل.
والمنفي في هذا الحديث هو كمال الإيمان الواجب، إلا إذا خلا القلب من محبة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إطلاقا، فلا شك أن هذا نفي لأصل الإيمان.
قوله: " من ولده ". يشمل الذكر والأنثى، وبدأ بمحبة الولد؛ لأن تعلق القلب به أشد من تعلقه بأبيه غالبا.
قوله: " ووالده ". يشمل أباه، وجده وإن علا، وأمه، وجدته وإن علت.
قوله: " والناس أجمعين ". يشمل إخوته وأعمامه وأبناءهم وأصحابه ونفسه؛ لأنه من الناس، فلا يتم الإيمان حتى يكون الرسول أحب إليه من جميع المخلوقين.
وإذا كان هذا في محبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكيف بمحبة الله تعالى؟ !
ومحبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكون لأمور:
(10/629)

الأول: أنه رسول الله، وإذا كان الله أحب إليك من كل شيء، فرسوله أحب إليك من كل مخلوق.
الثاني: لما قام به من عبادة الله وتبليغ رسالته.
الثالث: لما آتاه الله من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال.
الرابع: أنه سبب هدايتك وتعليمك وتوجيهك.
الخامس: لصبره على الأذى في تبليغ الرسالة.
السادس: لبذل جهده بالمال والنفس لإعلاء كلمة الله.
ويستفاد من هذا الحديث ما يلي:
1 - وجوب تقديم محبة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على محبة النفس.
2 - فداء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنفس والمال؛ لأنه يجب أن تقدم محبته على نفسك ومالك.
3 - أنه يجب على الإنسان أن ينصر سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويبذل لذلك نفسه وماله وكل طاقته؛ لأن ذلك من كمال محبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولذلك قال بعض أهل العلم في قوله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3] ، أي: مبغضك، قالوا: وكذلك من أبغض شريعته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو مقطوع لا خير فيه.
4 - جواز المحبة التي للشفقة والإكرام والتعظيم، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أحب إليه من ولده ووالده» . . . "، فأثبت أصل المحبة، وهذا أمر طبيعي لا ينكره أحد.
5 - وجوب تقديم قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قول كل الناس؛ لأن من لازم كونه أحب من كل أحد أن يكون قوله مقدما على كل أحد من الناس،
(10/630)

حتى على نفسك، فمثلا: أنت تقول شيئا وتهواه وتفعله، فيأتي إليك رجل ويقول لك: هذا يخالف قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا كان الرسول أحب إليك من نفسك فأنت تنتصر للرسول أكثر مما تنتصر لنفسك، وترد على نفسك بقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فتدع ما تهواه من أجل طاعة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا عنوان تقديم محبته على محبة النفس، ولهذا قال بعضهم:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
إذا يؤخذ من هذا الحديث وجوب تقديم قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قول كل الناس حتى على قول أبي بكر وعمر وعثمان، وعلى قول الأئمة الأربعة ومن بعدهم، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] .
لكن إذا وجدنا حديثا يخالف الأحاديث الأخرى الصحيحة أو مخالفا لقول أهل العلم وجمهور الأمة، فالواجب التثبت والتأني في الأمر؛ لأن اتباع الشذوذ يؤدي إلى الشذوذ.
ولهذا إذا رأيت حديثا يخالف ما عليه أكثر الأمة، أو يخالف الأحاديث الصحيحة التي كالجبال في رسوها، فلا تتعجل في قبوله، بل يجب عليك أن تراجع وتطالع في سنده حتى يتبين لك الأمر، فإذا تبين فإنه لا بأس أن يخصص الأقوى بأضعف منه إذا كان حجة، فالمهم التثبت في الأمر، وهذه القاعدة تنفعك في كثير من الأقوال التي ظهرت أخيرا، وتركها الأقدمون وصارت محل نقاش بين الناس، فإنه يجب اتباع هذه القاعدة، ويقال: أين
(10/631)

ولهما عنه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الناس من هذه الأحاديث؟ ولو كانت هذه الأحاديث من شريعة الله لكانت منقولة باقية معلومة، مثل ما ذكر أن الإنسان إذا لم يطف طواف الإفاضة قبل أن تغرب الشمس يوم العيد فإنه يعود محرما (1) ، فإن هذا الحديث وإن كان ظاهر سنده الصحة لكنه ضعيف وشاذ، ولهذا لم يذكر أنه عمل به إلا رجل أو رجلان من التابعين، وإلا فالأمة على خلافه، فمثل هذه الأحاديث يجب أن يتحرى الإنسان فيها ويتثبت، ولا نقول: إنها لا يمكن أن تكون صحيحة.
مناسبة هذا الحديث للباب:
مناسبة هذا الحديث ظاهرة، إذ محبة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من محبة الله، ولأنه إذا كان لا يكمل الإيمان حتى يكون الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب إلى الإنسان من نفسه والناس أجمعين، فمحبة الله أولى وأعظم.
قوله: " في حديث أنس الثاني: «ثلاث من كن فيه» . أي: ثلاث خصال، و" كن " بمعنى وجدن فيه.
وإعراب " ثلاث ": مبتدأ، وجاز الابتداء بها لأنها مفيدة على حد قول ابن مالك:
__________
(1) أبو داود في (السنن) : كتاب المناسك / باب الإفاضة في الحج
(10/632)

«المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ

ولا يجوز الابتداء بالنكرة ... ما لم تفد. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: " من كن فيه ". " من ": شرطية، و" كن ": أصلها كان، فتكون فعلا ماضيا ناسخا، والنون اسمها، و" فيه ": خبرها.
قوله: " وجد بهن ". وجد: فعل ماض في محل جزم جواب الشرط، والجملة من فعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ.
وقوله: «وجد بهن حلاوة الإيمان» . الباء للسببية، وحلاوة: مفعول وجد، وحلاوة الإيمان: ما يجده الإنسان في نفسه وقلبه من الطمأنينة والراحة والانشراح، وليست مدركة باللعاب والفم، والمقصود بالحلاوة هنا الحلاوة القلبية.
الخصلة الأولى من الخصال الواردة في الحديث:
قوله: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» . الرسول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكذا جميع الرسل تجب محبتهم.
قوله: " أحب إليه مما سواهما ". أي أحب إليه من الدنيا كلها ونفسه وولده ووالده وزوجه وكل شيء سواهما، فإن قيل: لماذا جاء الحديث بالواو " الله ورسوله " وجاء الخبر لهما جميعا " أحب إليه مما سواهما "؟
(10/633)

وفي رواية: «لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى» . . . " إلى آخره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فالجواب: لأن محبة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من محبة الله، ولهذا جعل قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ركنا واحدا؛ لأن الإخلاص لا يتم إلا بالمتابعة التي جاءت عن طريق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الخصلة الثانية:
قوله: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله» .
قوله: " وأن يحب المرء " يشمل الرجل والمرأة.
قوله: " لا يحبه إلا الله ": اللام للتعليل، أي: من أجل الله؛ لأنه قائم بطاعة الله - عز وجل -.
وحب الإنسان للمرء له أسباب كثيرة: يحبه للدنيا، ويحبه للقرابة، ويحبه للزمالة، ويحب المرء زوجته للاستمتاع، ويحب من أحسن إليه، ولكن إذا أحببت هذا المرء لله، فإن ذلك من أسباب وجود حلاوة الإيمان.
الخصلة الثالثة:
قوله: " «وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» .
هذه الصورة في كافر أسلم، فهو يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار، وإنما ذكر هذه الصورة؛ لأن الكافر يألف ما كان عليه أولا، فربما يرجع إليه بخلاف من لا يعرف الكفر أصلا.
(10/634)

وعن ابن عباس، قال: «من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان - وإن كثرت صلاته وصومه - حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا» رواه ابن جرير (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فمن كره العود في الكفر كما يكره القذف في النار، فإن هذا من أسباب وجود حلاوة الإيمان.
قوله: وفي رواية: «لا يجد أحد حلاوة الإيمان» .
أتى المؤلف بهذه الرواية؛ لأن انتفاء وجدان حلاوة الإيمان بالنسبة للرواية الأولى عن طريق المفهوم، وهذه عن طريق المنطوق، ودلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم.
قوله في أثر ابن عباس رضي الله عنهما: " من أحب في الله ". " من " شرطية، وفعل الشرط أحب، وجوابه جملة: " فإنما تنال ولاية الله بذلك ".
__________
(1) ابن المبارك في (الزهد (353) ، وأبو نعيم في (الحلية) (1/312) ، والطبراني في (الكبير) (13537) .

قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (1/90) : (وفيه ليث بن أبي سليم، والأكثر على ضعفه) .
(10/635)

و" في ": يحتمل أن تكون للظرفية؛ لأن الأصل فيها الظرفية، ويحتمل أن تكون للسببية؛ لأن " في " تأتي أحيانا للسببية كما في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دخلت امرأة النار في هرة» ، أي: بسبب هرة.
وقوله: " في الله ". أي: من أجله، إذا قلنا: إن في للسببية، وأما إذا قلنا: إنها للظرفية، فالمعنى: من أحب في ذات الله، أي: في دينه وشرعه لا لعرض الدنيا.
قوله: " وأبغض في الله ". البغض الكره، أي: أبغض في ذات الله إذا رأى من يعصي الله كرهه.
وفرق بين " في " التي للسببية و" في " التي للظرفية، فالسببية الحامل له على المحبة أو البغضاء هو الله، والظرفية موضع الحب أو الكراهة هو في ذات الله - عز وجل - فيبغض من أبغضه الله، ويحب من أحبه.
قوله: " ووالى في الله ". الموالاة: هي المحبة والنصرة وما أشبه ذلك.
قوله: " وعادى في الله ". المعاداة ضد الموالاة، أي: يبتعد عنهم ويبغضهم ويكرههم في الله.
قوله: " فإنما تنال ولاية الله بذلك ". هذا جواب الشرط، أي: يدرك الإنسان ولاية الله ويصل إليها؛ لأنه جعل محبته وبغضه وولايته ومعاداته لله.
وقوله: " ولاية ". يجوز في الواو وجهان: الفتح والكسر، قيل: معناهما واحد، وقيل: بالفتح بمعنى النصرة، قال تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} ، وبالكسر بمعنى الولاية على الشيء.
(10/636)

قوله: " بذلك ". الباء للسببية، والمشار إليه الحب في الله والبغض فيه، والموالاة فيه والمعاداة فيه.
وهذا الأثر موقوف، لكنه بمعنى المرفوع؛ لأن ترتيب الجزاء على العمل لا يكون إلا بتوقيف، إلا أن الأثر ضعيف.
فمعنى الحديث: أن الإنسان لا يجد طعم الإيمان وحلاوته ولذته حتى يكون كذلك، ولو كثرت صلاته وصومه، وكيف يستطيع عاقلا فضلا عن مؤمن أن يوالي أعداء الله، فيرى أعداء الله يشركون به ويكفرون به ويصفونه بالنقائص والعيوب، ثم يواليهم ويحبهم؟ ! فهذا لو صلى وقام الليل كله، وصام الدهر كله، فإنه لا يمكن أن ينال طعم الإيمان، فلا بد أن يكون قلبك مملوءا بمحبة الله وموالاته، ويكون مملوءا ببغض أعداء الله ومعاداتهم، وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك في إمكان
وقال الإمام أحمد رحمه الله: " إذا رأيت النصراني أغمض عيني كراهة أن أرى بعيني عدو الله ".
هذا الذي يجد طعم الإيمان، أما - والعياذ بالله - الذي يرى أن اليهود أو النصارى على دين مرضي ومقبول عند الله بعد بعثة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو خارج عن الإسلام، مكذب بقول الله: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] ، وقوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] ، وقوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] ، ولكثرة اليهود والنصارى والوثنيين صار في هذه المسألة خطر على المجتمع، وأصبح كثير من الناس الآن لا يفرق بين مسلم وكافر، ولا يدري أن غير المسلم عدو لله
(10/637)

- عز وجل -، بل هو عدو له أيضا، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1] ، فهم أعداء لنا ولو تظاهروا بالصداقة، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] .
فالآن أصبحنا في محنة وخطر عظيم؛ لأنه يخشى على أبنائنا وأبناء قومنا أن يركنوا إلى هؤلاء ويوادوهم ويحبوهم، ولذلك يجب أن تخلص هذه البلاد بالذات منهم، فهذه البلاد قال فيها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما» ، وقال: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب» (1) ، وقال: " «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (2) ، وهذا كله من أجل أن لا يشتبه الأمر على الناس ويختلط أولياء الله بأعدائه.
قوله: " وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا ".
قوله: " عامة ". أي: أغلبية.
وقوله: " مؤاخاة الناس ". أي: مودتهم ومصاحبتهم.
أي: أكثر مودة الناس ومصاحبتهم على أمر الدنيا، وهذا قاله ابن عباس، وهو بعيد العهد منا قريب العهد من النبوة، فإذا كان الناس قد تغيروا في زمنه،
__________
(1) الجامع الصغير (1/ 15) .
(2) البخارى: كتاب الجهاد / باب جوائز الوفد، ومسلم: كتاب الوصية / باب ترك الوصية
(10/638)

فما بالك بالناس اليوم؟
فقد صارت مؤاخاة الناس - إلا النادر- على أمر الدنيا، بل صار أعظم من ذلك، يبيعون دينهم بدنياهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27] ، ولما كان غالب ما يحمل على الخيانة هو المال وحب الدنيا أعقبها بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 28] .
ويستفاد من أثر ابن عباس رضي الله عنهما:
أن لله تعالى أولياء، وهو ثابت بنص القرآن، قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 257] ، وقال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 55] ، فلله أولياء يتولون أمره ويقيمون دينه، وهو يتولاهم بالمعونة والتسديد والحفظ والتوفيق، والميزان لهذه الولاية قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62، 63] .
قال شيخ الإسلام: «من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا» ، والولاية سبق أنها النصرة والتأييد والإعانة.
والولاية تنقسم إلى: ولاية من الله للعبد، وولاية من العبد لله، فمن الأولى قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 257] ، ومن الثانية قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 56] .
والولاية التي من الله للعبد تنقسم إلى عامة وخاصة، فالولاية العامة هي الولاية على العباد بالتدبير والتصريف، وهذه تشمل المؤمن والكافر وجميع الخلق، فالله هو الذي يتولى عباده بالتدبير والتصريف والسلطان وغير ذلك، ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام: 62] .
(10/639)

وقال ابن عباس في قوله تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166] ، قال: " المودة ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والولاية الخاصة: أن يتولى الله العبد بعنايته وتوفيقه وهدايته، وهذه خاصة بالمؤمنين، وقال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة: 257] ، وقال: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62، 63] .
قوله: " وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} ، قال: المودة ". يشير إلى قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166] .
الأسباب: جمع سبب، وهو كل ما يتوصل به إلى شيء.
وفي اصطلاح الأصوليين: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، فكل ما يوصل إلى شيء فهو سبب، قال تعالى: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ} [الحج: 15] ، ومنه سمي الحبل سببا؛ لأن الإنسان يتوصل به إلى استخراج الماء من البئر.
وقوله: " قال: المودة ". هذا الأثر ضعفه بعضهم، لكن معناه صحيح، فإن
(10/640)

جميع الأسباب التي يتعلق بها المشركون لتنجيهم تتقطع بهم، ومنها محبتهم لأصنامهم وتعظيمهم إياها، فإنها لا تنفعهم، ولعل ابن عباس رضي الله عنهما أخذ ذلك من سياق الآيات، فقد قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165] ، ثم قال: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166] .
وبه تعرف أن مراده المودة الشركية، فأما المودة الإيمانية كمودة الله تعالى ومودة ما يحبه من الأعمال والأشخاص فإنها نافعة موصلة للمراد، قال الله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] .
(10/641)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: وجوب محبته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على النفس والأهل والمال.
الرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة. وهي قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} ، وسبق ذلك.
الثانية: تفسير آية براءة. وهي قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} الآية، وسبق تفسيرها.
الثالثة: وجوب محبته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على النفس والأهل والمال. وفي نسخة: " وتقديمها على النفس والأهل والمال ".
ولعل الصواب: وجوب تقديم محبته كما هو مقتضى الحديث، وأيضا قوله: " على النفس " يدل على أنها قد سقطت كلمة تقديم أو وتقديمها، وتؤخذ من حديث أنس السابق، ومن قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} فذكر الأقارب والأموال.
الرابعة: أن نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام. سبق أن المحبة كسبية، وذكرنا في ذلك حديث عمر رضي الله عنه لما قال للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والله إنك لأحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال له: ومن نفسك، فقال: الآن أنت أحب إلي من نفسي» ، قوله: " الآن " يدل على حدوث هذه المحبة، وهذا أمر
(10/642)

الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها.
السادسة: أعمال القلب الأربعة التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ظاهر، وفيه أيضا أن نفي الإيمان المذكور في قوله: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده» . . . " لا يدل على الخروج من الإسلام لقوله في الحديث الآخر: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان» ؛ لأن حلاوة الإيمان أمر زائد على أصله، أي: إن الدليل مركب من الدليلين.
ونفي الشيء له ثلاث حالات: فالأصل أنه نفي للوجود، وذلك مثل: «لا إيمان لعابد صنم» ، فإن منع مانع من نفي الوجود، فهو نفي للصحة، مثل: «لا صلاة بغير وضوء» ، فإن منع مانع من نفي الصحة، فهو نفي للكمال، مثل: «لا صلاة بحضرة الطعام» ، فقوله: " لا يؤمن أحدكم " نفي للكمال الواجب لا المستحب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " لا ينفى الشيء إلا لانتفاء واجب فيه ما لم يمنع من ذلك مانع ".
الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها. تؤخذ من قوله: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان» ، وهذا دليل انتفاء الحلاوة إذا انتفت هذه الأشياء.
السادسة: أعمال القلب الأربعة التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها. وهي: الحب في الله، والبغض في الله، والولاء في الله، والعداء في الله.
لا تنال ولاية الله إلا بها، فلو صلى الإنسان وصام ووالى أعداء الله، فإنه
(10/643)

السابعة: فهم الصحابي للواقع، أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا.
الثامنة: تفسير: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} .
التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبا شديدا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لا ينال ولاية الله، قال ابن القيم:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك في إمكان
وهذا لا يقبله حتى الصبيان أن توالي من عاداهم.
وقوله: " ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها " مأخوذة من قول ابن عباس: " ولن يجد عبد طعم الإيمان. . . " إلخ.
السابعة: فهم الصحابي للواقع أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا. الصحابي يعني به ابن عباس رضي الله عنهما، وقوله: " إن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا "، هذا زمنه، فكيف بزمننا؟ !
الثامنة: تفسير قوله: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} . فسرها بالمودة، وتفسير الصحابي إذا كانت الآية من صيغ العموم تفسير بالمثال؛ لأن العبرة في نصوص الكتاب والسنة بعموماتها، فإذا ذكر فرد من أفراد هذا العموم، فإنما يقصد به التمثيل، أي: مثل المودة، لكن حتى الأسباب الأخرى التي يتقربون بها إلى الله وليست بصحيحة، فإنها تنقطع بهم ولا ينالون منها خيرا.
التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبا شديدا. تؤخذ من قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} ، وهم يحبون الأصنام حبا شديدا، وتؤخذ من قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} ، فأشد: اسم تفضيل يدل على الاشتراك بالمعنى مع الزيادة، فقد اشتركوا
(10/644)

العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه.
الحادية عشرة: أن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في شدة الحب، وزاد المؤمنون بكونهم أشد حبا لله من هؤلاء لأصنامهم.
العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه. الثمانية هي المذكورة في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا} .
والوعيد في قوله: {فَتَرَبَّصُوا} ، فأفاد المؤلف رحمه الله تعالى أن الأمر هنا للوعيد.
الحادية عشرة: أن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر. لقوله تعالى: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} ، ثم بين في سياق الآيات أنهم مشركون شركا أكبر، بدليل ما لهم من العذاب.
(10/645)

باب قول الله تعالى:
{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبة الباب لما قبله:
إن المؤلف رحمه الله أعقب باب المحبة بباب الخوف؛ لأن العبادة ترتكز على شيئين: المحبة، والخوف.
فبالمحبة يكون امتثال الأمر، وبالخوف يكون اجتناب النهي، وإن كان تارك المعصية يطلب الوصول إلى الله، ولكن هذا من لازم ترك المعصية، وليس هو الأساس.
فلو سألت من لا يزني: لماذا؟ لقال: خوفا من الله.
ولو سألت الذي يصلي، لقال: طمعا في ثواب الله ومحبة له.
وكل منهما ملازم للآخرة، فالخائف والمطيع يريدان النجاة من عذاب الله والوصول إلى رحمته.
وهل الأفضل للإنسان أن يغلب جانب الخوف أو يغلب جانب الرجاء؟
اختلف في ذلك:
فقيل: ينبغي أن يغلب جانب الخوف؛ ليحمله ذلك على اجتناب المعصية ثم فعل الطاعة.
(10/646)

وقيل: يغلب جانب الرجاء؛ ليكون متفائلا، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعجبه الفأل.
وقيل في فعل الطاعة: يغلب جانب الرجاء، فالذي من عليه بفعل هذه الطاعة سيمن عليه بالقبول، ولهذا قال بعض السلف: إذا وفقك الله للدعاء فانتظر الإجابة؛ لأن الله يقول: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] ، وفي فعل المعصية يغلب جانب الخوف؛ لأجل أن يمنعه منها إذا خاف من العقوبة تاب.
وهذا أقرب شيء، ولكن ليس بذاك القرب الكامل؛ لأن الله يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60] ، أي: يخافون أن لا يقبل منهم، لكن قد يقال بأن هذه الآية يعارضها أحاديث أخرى، «كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث القدسي عن ربه: " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني» .
وقيل: في حال المرض يغلب جانب الرجاء، وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف، فهذه أربعة أقوال.
وقال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدا، فأيهما غلب هلك صاحبه، أي: يجعلهما كجناحي الطائر، والجناحان للطائر إذا لم يكونا متساويين سقط.
وخوف الله تعالى درجات، فمن الناس من يغلو في خوفه، ومنهم من
(10/647)

يفرط، ومنهم من يعتدل في خوفه.
والخوف العدل هو الذي يرد عن محارم الله فقط، وإن زدت على هذا فإنه يوصلك إلى اليأس من روح الله.
ومن الناس من يفرط في خوفه بحيث لا يردعه عما نهى الله عنه.
والخوف أقسام:
الأول: خوف العبادة والتذلل والتعظيم والخضوع، وهو ما يسمى بخوف السر.
وهذا لا يصلح إلا لله - سبحانه -، فمن أشرك فيه مع الله غيره فهو مشرك شركا أكبر، وذلك مثل: من يخاف من الأصنام أو الأموات، أو من يزعمونهم أولياء ويعتقدون نفعهم وضرهم، كما يفعله بعض عباد القبور: يخاف من صاحب القبر أكثر مما يخاف الله.
الثاني: الخوف الطبيعي والجبلي، فهذا في الأصل مباح، لقوله تعالى عن موسى: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} ، وقوله عنه أيضا: {رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} ، لكن إن حمل على ترك واجب أو فعل محرم فهو محرم، وإن استلزم شيئا مباحا كان مباحا، فمثلا من خاف من شيء لا يؤثر عليه وحمله هذا الخوف على ترك صلاة الجماعة مع وجوبها، فهذا الخوف محرم، والواجب عليه أن لا يتأثر به.
وإن هدده إنسان على فعل محرم، فخاف وهو لا يستطيع أن ينفذ ما هدده به، فهذا خوف محرم لأنه يؤدي إلى فعل محرم بلا عذر، وإن رأى نارا ثم هرب منها ونجا بنفسه، فهذا خوف مباح، وقد يكون واجبا إذا كان يتوصل به إلى إنقاذ نفسه.
(10/648)

وهناك ما يسمى بالوهم وليس بخوف، مثل أن يرى ظل شجرة تهتز، فيظن أن هذا عدو يتهدده، فهذا لا ينبغي للمؤمن أن يكون كذلك، بل يطارد هذه الأوهام لأنه لا حقيقة لها، وإذا لم تطاردها فإنها تهلكك.
مناسبة الخوف للتوحيد: إن من أقسام الخوف ما يكون شركا منافيا للتوحيد.
وقد ذكر المؤلف فيه ثلاث آيات:
أولها ما جعلها ترجمة للباب، وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} .
إنما ذلكم: صيغة حصر والمشار إليه التخويف من المشركين.
ذلكم: ذا: مبتدأ، والشيطان: يحتمل أن يكون خبر المبتدأ، وجملة يخوف حال من الشيطان.
ويحتمل أن يكون الشيطان صفة لـ ذلكم، أو عطف بيان، ويخوف خبر المبتدأ، والمعنى: ما هذا التخويف الذي حصل إلا من شيطان يخوف أولياءه.
ويخوف تنصب مفعولين، الأول محذوف تقديره: يخوفكم، والمفعول الثاني: أولياءه.
ومعنى يخوفكم، أي: يوقع الخوف في قلوبكم منهم، وأولياءه أي: أنصاره الذين ينصرون الفحشاء والمنكر؛ لأن الشيطان يأمر بذلك، فكل من نصر الفحشاء والمنكر، فهو من أولياء الشيطان، ثم قد يكون النصر في الشرك وما ينافي التوحيد، فيكون عظيما وقد يكون دون ذلك.
وقوله: {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} من ذلك ما وقع في الآية التي قبلها، حيث
(10/649)

قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] ، وذلك ليصدوهم عن واجب من واجبات الدين وهو الجهاد، فيخوفونهم بذلك، وكذلك ما يحصل في نفس من أراد أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، فيخوفه الشيطان ليصده عن هذا العمل، وكذلك ما يقع في قلب الداعية.
والحاصل: أن الشيطان يخوف كل من أراد أن يقوم بواجب، فإذا ألقى الشيطان في نفسك في الخوف فالواجب عليك أن تعلم أن الإقدام على كلمة الحق ليس هو الذي يدني الأجل، وليس السكوت والجبن هو الذي يبعد الأجل، فكم من داعية صدع بالحق ومات على فراشه؟ وكم من جبان قتل في بيته؟ !
وانظر إلى خالد بن الوليد، كان شجاعا مقداما ومات على فراشه، وما دام الإنسان قائما بأمر الله، فليثق بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وحزب الله هم الغالبون.
قوله: {فَلَا تَخَافُوهُمْ} . لا ناهية، والهاء ضمير يعود على أولياء الشيطان، وهذا النهي للتحريم بلا شك، أي: بل امضوا فيما أمرتكم به وفيما أوجبته عليكم من الجهاد، ولا تخافوا هؤلاء، وإذا كان الله مع الإنسان فإنه لا يغلبه أحد، لكن نحتاج في الحقيقة إلى صدق النية والإخلاص والتوكل التام، ولهذا قال تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وعلم من هذه الآية أن للشيطان وساوس يلقيها في قلب ابن آدم منها التخويف من أعدائه، وهذا ما وقع فيه كثير من الناس، وهو الخوف من أعداء الله فكانوا فريسة لهم، وإلا لو اتكلوا على الله وخافوه قبل كل شيء لخافهم الناس، ولهذا قيل في المثل: من خاف الله خافه كل شيء، ومن اتقى الله اتقاه كل شيء، ومن خاف من غير الله خاف من كل شيء.
(10/650)

وقوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ويفهم من الآية أن الخوف من الشيطان وأوليائه مناف للإيمان، فإن كان الخوف يؤدي إلى الشرك، فهو مناف لأصله، وإلا فهو مناف لكماله.
الآية الثانية قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ} .
إنما: أداة حصر، والمراد بالعمارة العمارة المعنوية، وهي عمارتها بالصلاة والذكر وقراءة القرآن ونحوها، وكذلك الحسية بالبناء الحسي، فإن عمارتها به حقيقة لا تكون إلا ممن ذكرهم الله؛ لأن من يعمرها وهو لم يؤمن بالله واليوم الآخر لم يعمرها حقيقة لعدم انتفاعه بهذه العمارة، فالعمارة النافعة الحسية والمعنوية من الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، ولهذا لما افتخر المشركون بعمارة المسجد الحرام قال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} ، وأضاف سبحانه المساجد إلى نفسه تشريفا؛ لأنها موضع عبادته.
قوله: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} . من: فاعل يعمر، والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور، وهي:
الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته.
واليوم الآخر: هو يوم القيامة، وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده.
قال شيخ الإسلام: ويدخل في الإيمان بالله واليوم الآخر كل ما أخبر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما يكون بعد الموت مثل فتنة القبر وعذابه ونعيمه.
(10/651)

لأن حقيقة الأمر أن الإنسان إذا مات قامت قيامته وارتحل إلى دار الجزاء.
ويقرن الله الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر كثيرا؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يحمل الإنسان إلى الامتثال، فإنه إذا آمن أن هناك بعثا وجزاء، حمله ذلك على العمل لذلك اليوم، ولكن من لا يؤمن باليوم الآخر لا يعمل، إذ كيف يعمل لشيء وهو لا يؤمن به؟ !
قوله: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ} أي: أتى بها على وجه قويم لا نقص فيه، والإقامة نوعان:
إقامة واجبة، وهي التي يقتصر فيها على فعل الواجب من الشروط والأركان والواجبات.
وإقامة مستحبة: وهي التي يزيد فيها على فعل ما يجب فيأتي بالواجب والمستحب.
قوله: {وَآتَى الزَّكَاةَ} . آتى تنصب مفعولين: الأول هنا الزكاة، والثاني: محذوف تقديره: مستحقها.
والزكاة: هي المال الذي أوجبه الشارع في الأموال الزكوية، وتختلف مقاديرها حسب ما تقتضيه حكمة الله - عز وجل -.
قوله: {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} . في هذه الآية حصر طريقه الإثبات والنفي.
لم يخش نفي، إلا الله إثبات، والمعنى: إن خشيته انحصرت في الله -عز وجل- فلا يخشى غيره.
والخشية نوع من الخوف، لكنها أخص منه، والفرق بينهما:
1 - أن الخشية تكون مع العلم بالمخشي وحاله، لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] ، والخوف قد يكون من الجاهل.
(10/652)

2 - أن الخشية تكون بسبب عظمة المخشي، بخلاف الخوف؛ فقد يكون من ضعف الخائف لا من قوة المخوف.
قوله: {فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} . قال ابن عباس: " عسى من الله واجبة " (1) ، وجاءت بصيغة الترجي، لئلا يأخذ الإنسان الغرور بأنه حصل على هذا الوصف، وهذا كقوله تعالى: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 98- 99] ، فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فالذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا جديرون بالعفو.
الشاهد من الآية: قوله: {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} ، ولهذا قال تعالى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44] ، ومن علامات صدق الإيمان أن لا يخشى إلا الله في كل ما يقول ويفعل.
ومن أراد أن يصحح هذا المسير فليتأمل قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» . (2)
__________
(1) تفسير ابن كثير (2/ 130)
(2) الإمام احمد في (المسند) (1/ 293) ، والترمذي (كتاب صفة القيامة، 2516) ، وابن أبي عاصم في (السنة) (216) ، والاجري في (الشريعة) ص 197، والطبراني في (الكبير) (12988) وأبي نعيم في (الحلية) (1/314) .

قال ابن رجب:أصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي أخرجها الترمذي) جامع العلوم والحكم (360) ، وقال احمد شاكر: (إسناده صحيح) (المسند) (2669) ، وصححه اللباني في تعليقه على (السنة لابن أبي عاصم) (316)
(10/653)

وقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت: 10] الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الثالثة قوله تعالى: ومن الناس. جار ومجرور خبر مقدم، ومن تبعيضية.
وقوله: من يقول. من: مبتدأ مؤخر، والمراد بهؤلاء: من لا يصل الإيمان إلى قرارة قلبه، فيقول: آمنا بالله، لكنه إيمان متطرف، كقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} [الحج: 11] ، {عَلَى حَرْفٍ} ، أي: على طرف.
فإذا امتحنه الله بما يقدر عليه من إيذاء الأعداء في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله.
قوله: {فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ} . في: للسببية، أي: بسبب الإيمان بالله وإقامة دينه.
ويجوز أن تكون في للظرفية على تقدير: " فإذا أوذي في شرع الله "، أي: إيذاء في هذا الشرع الذي تمسك به.
قوله: {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ} . جعل: صير، والمراد بالفتنة هنا الإيذاء، وسمي فتنة؛ لأن الإنسان يفتتن به، فيصد عن سبيل الله، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا} [البروج: 10] ، وأضاف الفتنة إلى الناس من باب إضافة المصدر إلى فاعله.
قوله: {كَعَذَابِ اللَّهِ} . ومعلوم أن الإنسان يفر من عذاب الله، فيوافق أمره، فهذا يجعل فتنة الناس كعذاب الله، فيفر من إيذائهم بموافقة أهوائهم وأمرهم جعلا
(10/654)

لهذه الفتنة كالعذاب، فحينئذ يكون قد خاف من هؤلاء كخوفه من الله؛ لأنه جعل إيذاءهم كعذاب الله، ففر منه بموافقة أمرهم، فالآية موافقة للترجمة.
وفي هذه الآية من الحكمة العظيمة، وهي ابتلاء الله للعبد لأجل أن يمحص إيمانه، وذلك على قسمين:
الأول: ما يقدره الله نفسه على العبد، كقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} [الحج: 11] ، وقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 155، 156] .
الثاني: ما يقدره الله على أيدي الخلق من الإيذاء امتحانا واختبارا، وذلك كالآية التي ذكر المؤلف.
وبعض الناس إذا أصابته مصائب لا يصبر، فيكفر ويرتد أحيانا - والعياذ بالله -، وأحيانا يكفر بما خالف فيه أمر الله - عز وجل - في موقفه في تلك المصيبة، وكثير من الناس ينقص إيمانه بسبب المصائب نقصا عظيما، فليكن المسلم على حذر، فالله حكيم يمتحن عباده بما يتبين به تحقق الإيمان، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] .
قوله: " الآية ". أي: إلى آخر الآية، وهي قوله تعالى: {وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} .
كانوا يدعون أن ما يحصل لهم من الإيذاء بسبب الإيمان، فإذا انتصر المسلمون قالوا: نحن معكم نريد أن يصيبنا مثل ما أصابكم من غنيمة وغيرها.
وقوله: {أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} . قيل في مثل هذا
(10/655)

السياق: إن الواو عاطفة على محذوف يقدر بحسب ما يقتضيه السياق.
وقيل: إنها عاطفة على ما سبقها على تقدير أن الهمزة بعدها، أي: وأليس الله.
قوله: أعلم مجرور بالفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف للوصفية ووزن الفعل.
فالله أعلم بما في صدور العالمين، أي بما في صدور الجميع، فالله أعلم بما في نفسك منك، وأعلم بما في نفس غيرك؛ لأن علم الله عام.
وكلمة أعلم: اسم تفضيل، وقال بعض المفسرين ولا سيما المتأخرون منهم: أعلم بمعنى عالم، وذلك فرارا من أن يقع التفضيل بين الخالق والمخلوق، وهذا التفسير الذي ذهبوا إليه كما أنه خلاف اللفظ ففيه فساد المعنى؛ لأنك إذا قلت: أعلم بمعنى عالم، فإن كلمة عالم تكون لإنسان وتكون لله، ولا تدل على التفاضل، فالله عالم والإنسان عالم.
وأما تحريم اللفظ فهو ظاهر، حيث حرفوا اسم التفضيل الدال على ثبوت المعنى وزيادة إلى اسم فاعل لا يدل على ذلك.
والصواب أن " أعلم " على بابها، وأنها اسم تفضيل، وإذا كانت اسم تفضيل فهي دالة دلالة واضحة على عدم تماثل علم الخالق وعلم المخلوق، وأن علم الخالق أكمل.
وقوله: {بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} . المراد بالعالمين: كل من سوى الله؛ لأنهم علم على خالقهم، فجميع المخلوقات دالة على كمال الله وقدرته وربوبيته.
والله أعلم بنفسك منك ومن غيرك، لعموم الآية.
وفي الآية تحذير من أن يقول الإنسان خلاف ما في قلبه، ولهذا «لما تخلف»
(10/656)

عن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا: «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره» . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«كعب بن مالك في غزوة تبوك قال للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين رجع: " إني قد أوتيت جدلا، ولو جلست إلى غيرك من ملوك الدنيا لخرجت منهم بعذر، لكن لا أقول شيئا تعذرني فيه فيفضحني الله فيه» .
الشاهد من الآية: قوله: {فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} ، فخاف الناس مثل خوف الله تعالى.
قوله في حديث أبي سعيد: " إن من ضعف اليقين ". " من " للتبعيض، والضعف ضد القوة، ويقال: ضعف بفتح الضاد، أو ضعف بضم الضاد، وكلاهما بمعنى واحد، أي: من علامة ضعف اليقين.
قوله: " أن ترضي الناس ". " أن ترضي ": اسم إن مؤخرا، و" من ضعف اليقين " خبرها مقدما، والتقدير: إن إرضاء الناس بسخط الله من ضعف اليقين.
قوله: " بسخط الله ". الباء للعوض، يعني: أي تجعل عوض إرضاء الناس سخط الله، فتستبدل هذا بهذا، فهذا من ضعف اليقين.
__________
(1) أبو نعيم في (الحلية) (5/106، 10/410) ، والبيهقى في (شعب الإيمان) رقم (203) .
(10/657)

واليقين أعلى درجات الإيمان، وقد يراد به العلم، وكما تقول: تيقنت هذا الشيء، أي: علمته يقينا لا يعتريه الشك، فمن ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، إذ إنك خفت الناس أكثر مما تخاف الله، وهذا مما ابتليت به الأمة الإسلامية اليوم، فتجد الإنسان يجيء إلى شخص فيمدحه، وقد يكون خاليا من هذا المدح، ولا يبين ما فيه من عيوب، وهذا من النفاق وليس من النصح والمحبة، بل النصح أن تبين له عيوبه ليتلافاها ويحترز منها، ولا بأس أن تذكر له محامده تشجيعا إذا أمن في ذلك من الغرور.
قوله: " وأن تحمدهم على رزق الله ". الحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
ولكنه هنا ليس بشرط المحبة والتعظيم؛ لأنه يشمل المدح.
و" رزق الله ": عطاء الله، أي: إذا أعطوك شيئا حمدتهم ونسيت المسبب وهو الله، والمعنى: أن تجعل الحمد كله لهم متناسيا بذلك المسبب، وهو الله، فالذي أعطاك سبب فقط، والمعطي هو الله، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما أنا قاسم، والله يعطي» .
أما إن كان في قلبك أن الله هو الذي من عليك بسياق هذا الرزق، ثم شكرت الذي أعطاك، فليس هذا داخلا في الحديث، بل هو من الشرع، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له»
(10/658)

«حتى تروا أنكم قد كافأتموه» .
إذن الحديث ليس على ظاهره من كل وجه، فالمراد بالحمد: أن تحمدهم الحمد المطلق ناسيا المسبب وهو الله - عز وجل -، وهذا من ضعف اليقين، كأنك نسيت المنعم الأصلي، وهو الله - عز وجل - الذي له النعمة الأولى، وهو سفه أيضا؛ لأن حقيقة الأمر أن الذي أعطاك هو الله، فالبشر الذي أعطاك هذا الرزق لم يخلق ما أعطاك، فالله هو الذي خلق ما بيده، وهو الذي عطف قلبه حتى أعطاك، أرأيت لو أن إنسانا له طفل، فأعطى طفله ألف درهم وقال له: أعطها فلانا، فالذي أخذ الدراهم يحمد الأب؛ لأنه لو حمد الطفل فقط لعد هذا سفها؛ لأن الطفل ليس إلا مرسلا فقط، وعلى هذا فنقول: إنك إذا حمدتهم ناسيا بذلك ما يجب لله من الحمد والثناء، فهذا هو الذي من ضعف اليقين، أما إذا حمدتهم على أنهم سبب من الأسباب، وأن الحمد كله لله - عز وجل - فهذا حق، وليس من ضعف اليقين.
قوله: " وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله ". هذه عكس الأولى، فمثلا: لو أن إنسانا جاء إلى شخص يوزع دراهم فلم يعطه، فسبه وشتمه، فهذا من الخطأ لأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
لكن من قصر بواجب عليه، فيذم لأجل أنه قصر بالواجب لا لأجل أنه لم يعط، فلا يذم من حيث القدر؛ لأن الله لو قدر ذلك لوجدت الأسباب التي
(10/659)

وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من التمس»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يصل بها إليك هذا العطاء.
وقوله: " ما لم يؤتك ". علامة جزمه حذف الياء، والمفعول الثاني محذوف؛ لأنه فضلة، والتقدير: ما لم يؤتكه.
قوله: «إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره» .
هذا تعليل، لقوله: " أن تحمدهم وأن تذمهم ".
و" رزق الله ": عطاؤه، لكن حرص الحريص من سببه بلا شك، فإذا بحث عن الرزق وفعل الأسباب فإنه يكون فعل الأسباب الموجبة للرزق، لكن ليس المعنى أن هذا السبب موجب مستحق، وإنما الذي يرزق هو الله تعالى: وكم من إنسان يفعل أسبابا كثيرة للرزق ولا يرزق، وكم من إنسان يفعل أسبابا قليلة فيرزق، وكم من إنسان يأتيه الرزق بدون سعي، كما لو وجد ركازا في الأرض أو مات له قريب غني يرثه، أو ما أشبه ذلك.
وقوله: " ولا يرده كراهية كاره ". أي: إن رزق الله إذا قدر للعبد فلن يمنعه عنه كراهية كاره، فكم من إنسان حسده الناس، وحاولوا منع رزق الله فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا.
قوله في حديث عائشة رضي الله عنها: «من التمس رضا الله بسخط الناس» .
" التمس ": طلب، ومنه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ليلة القدر: " التمسوها في العشر ".
(10/660)

«رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» رواه ابن حبان في " صحيحه " (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: " رضا الله ". أي: أسباب رضاه، وقوله: " بسخط الناس ": الباء للعوض، أي: إنه طلب ما يرضي الله ولو سخط الناس به بدلا من هذا الرضا، وجواب الشرط: «رضي الله عنه وأرضى عنه الناس» .
وقوله: «رضي الله عنه وأرضى عنه الناس» . هذا ظاهر، فإذا التمس العبد رضا ربه بنية صادقة رضي الله عنه؛ لأنه أكرم من عبده، وأرضى عنه الناس، وذلك بما يلقي في قلوبهم من الرضا عنه ومحبته؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
قوله: «ومن التمس رضا الناس بسخط الله» . " التمس ": طلب، أي: طلب ما يرضي الناس، ولو كان يسخط الله، فنتيجة ذلك أن يعامل بنقيض قصده، لهذا قال: «سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» ، فألقى في قلوبهم سخطه وكراهيته.
مناسبة الحديث للترجمة:
قوله: «ومن التمس رضا الناس بسخط الله» ، أي: خوفا منهم حتى يرضوا عنه، فقدم خوفهم على مخافة الله تعالى.
__________
(1) ابن حبان (1- 248) ، والترمذي: كتاب الزهد / باب من التمس رضى الله بسخط الناس، (7/ 132)
(10/661)

فيستفاد من الحديث ما يلي:
1 - وجوب طلب ما يرضي الله وإن سخط الناس؛ لأن الله هو الذي ينفع ويضر.
2 - أنه لا يجوز أن يلتمس ما يسخط الله من أجل إرضاء الناس كائنا من كان.
3 - إثبات الرضا والسخط لله على وجه الحقيقة، لكن بلا مماثلة للمخلوقين، لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وأما أهل التعطيل فأنكروا حقيقة ذلك، قالوا: لأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذا لا يليق بالله، وهذا خطأ؛ لأنهم قاسوا سخط الله أو غضبه بغضب المخلوق، فنرد عليهم بأمرين: بالمنع، ثم النقض:
فالمنع: أن نمنع أن يكون معنى الغضب المضاف إلى الله - عز وجل - كغضب المخلوقين.
والنقض: فنقول للأشاعرة: أنتم أثبتم لله - عز وجل - الإرادة، وهي ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، والرب عز وجل لا يليق به ذلك، فإذا قالوا: هذه إرادة المخلوق. نقول: والغضب الذي ذكرتم هو غضب المخلوق.
وكل إنسان أبطل ظواهر النصوص بأقيسة عقلية، فهذه الأقيسة باطلة لوجوه:
الأول: أنها تبطل دلالة النصوص، وهذا يقتضي أن تكون هي الحق، ومدلول النصوص باطل، وهذا ممتنع.
الثاني: أنه تقول على الله بغير علم؛ لأن الذي يبطل ظاهر النص يؤوله إلى معنى آخر، فيقال له: ما الذي أدراك أن الله أراد هذا المعنى دون ظاهر النص؟ ففيه تقول على الله في النفي والإثبات في نفي الظاهر، وفي إثبات ما لم يدل عليه دليل.
الثالث: أن فيه جناية على النصوص، حيث اعتقد أنها دالة على التشبيه؛
(10/662)

لأنه لم يعطل إلا لهذا السبب، فيكون ما فهم من كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفرا أو ضلالا.
الرابع: أن فيها طعنا في الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخلفائه الراشدين؛ لأننا نقول: هذه المعاني التي صرفتم النصوص إليها هل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخلفاؤه يعلمون بها أم لا؟
فإن قالوا: لا يعلمون، فقد اتهموهم بالقصور، وإن قالوا: يعلمون ولم يبينوها، فقد اتهموهم بالتقصير.
فلا تستوحش من نص دل على صفة أن تثبتها. لكن يجب عليك أن تجتنب أمرين هما:
التمثيل والتكييف، لقوله تعالى: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} [النحل: 74] ، وقوله: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] ، فإذا أثبت الله لنفسه وجها أو يدين، فلا تستوحش من إثبات ذلك؛ لأن الذي أخبر به عن نفسه أعلم بنفسه من غيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا، وهو يريد لخلقه الهداية، وإذا أثبت رسوله ذلك له، فلا تستوحش من إثباته؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصدق الخلق، وأعلمهم بما يقول عن الله، وأبلغهم نطقا وفصاحة، وأنصح الخلق للخلق.
فمن أنكر صفة أثبتها الله لنفسه أو أثبتها له رسوله، وقال: هذا تقشعر منه الجلود وتنكره القلوب، فيقال: هذا لا ينكره إلا إنسان في قلبه مرض، أما الذين آمنوا فلا تنكره قلوبهم، بل تؤمن به وتطمئن إليه، ونحن لم نكلف إلا بما بلغنا، والله يريد لعباده البيان والهدى، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [النساء: 26] ، فهو لا يريد أن يعمي عليهم الأمر، فيقول: إنه يغضب وهو لا يغضب، ويقول: إنه يهرول وهو لا يهرول، هذا خلاف البيان.
(10/663)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية آل عمران.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: تفسير آية العنكبوت.
الرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى.
الخامسة: علامة ضعفه، ومن ذلك هذه الثلاث.
السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية آل عمران. وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وسبق.
الثانية: تفسير آية براءة. وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} . وسبق.
الثالثة: تفسير آية العنكبوت. وهي قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} . وقد تكلمنا على تفسيرها فيما سبق.
الرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى. تؤخذ من الحديث: «إن من ضعف اليقين» . . . " الحديث.
الخامسة: علامة ضعفه، ومن ذلك هذه الثلاث. وهي أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله.
السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض. وتؤخذ من قوله في
(10/664)

السابعة: ذكر ثواب من فعله. الثامنة: ذكر عقاب من تركه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحديث: " من التمس " الحديث، ووجهه ترتيب العقوبة على من قدم رضا الناس على رضا الله تعالى.
السابعة: ذكر ثواب من فعله. وهو رضا الله عنه، وأنه يرضي عنه الناس، وهو العاقبة الحميدة.
الثامنة: ذكر عقاب من تركه. وهو أن يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس، ولا ينال مقصوده.
وخلاصة الباب:
أنه يجب على المرء أن يجعل الخوف من الله فوق كل خوف، وأن لا يبالي بأحد في شريعة الله تعالى، وأن يعلم أن من التمس رضا الله تعالى وإن سخط الناس عليه فالعاقبة له، وإن التمس رضا الناس وتعلق بهم وأسخط الله انقلبت عليه الأحوال، ولم ينل مقصوده، بل حصل له عكس مقصوده، وهو أن يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس.
(10/665)

باب قول الله تعالى:
{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبة هذا الباب لما قبله:
هي أن الإنسان إذا أفرد الله - سبحانه - بالتوكل، فإنه يعتمد عليه في حصول مطلوبه وزوال مكروهه، ولا يعتمد على غيره.
والتوكل: هو الاعتماد على الله - سبحانه وتعالى - في حصول المطلوب، ودفع المكروه، مع الثقة به وفعل الأسباب المأذون فيها، وهذا أقرب تعريف له، ولا بد من أمرين:
الأول: أن يكون الاعتماد على الله اعتمادا صادقا حقيقيا.
الثاني: فعل الأسباب المأذون فيها.
فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب، نقص توكله على الله، ويكون قادحا في كفاية الله، فكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه.
ومن جعل اعتماده على الله ملغيا للأسباب، فقد طعن في حكمة الله؛ لأن الله جعل لكل شيء سببا، فمن اعتمد على الله اعتمادا مجردا، كان قادحا في حكمة الله؛ لأن الله حكيم، يربط الأسباب بمسبباتها، كمن يعتمد على الله في حصول الولد وهو لا يتزوج.
والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعظم المتوكلين، ومع ذلك كان يأخذ بالأسباب، فكان يأخذ الزاد في السفر، ولما خرج إلى أحد ظاهر بين درعين (1) ، أي: لبس
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (3/ 449)
(10/666)

درعين اثنين، ولما خرج مهاجرا أخذ من يدله الطريق، ولم يقل: سأذهب مهاجرا وأتوكل على الله، ولن أصطحب معي من يدلني الطريق، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتقي الحر والبرد، ولم ينقص ذلك من توكله.
ويذكر عن عمر رضي الله عنه أنه قدم ناس من أهل اليمن إلى الحج بلا زاد، فجيء بهم إلى عمر، فسألهم فقالوا: نحن المتوكلون على الله. فقال: لستم المتوكلين، بل أنتم المتواكلون.
والتوكل نصف الدين، ولهذا نقول في صلاتنا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، فنطلب من الله العون اعتمادا عليه سبحانه بأنه سيعيننا على عبادته.
وقال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] ، وقال تعالى: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] ، ولا يمكن تحقيق العبادة إلا بالتوكل؛ لأن الإنسان لو وكل إلى نفسه وكل إلى ضعف وعجز، ولم يتمكن من القيام بالعبادة، فهو حين يعبد الله يشعر أنه متوكل على الله، فينال بذلك أجر العبادة وأجر التوكل، ولكن الغالب عندنا ضعف التوكل، وأننا لا نشعر حين نقوم بالعبادة أو العادة بالتوكل على الله والاعتماد عليه في أن ننال هذا الفعل، بل نعتمد في الغالب على الأسباب الظاهرة وننسى ما وراء ذلك فيفوتنا ثواب عظيم، وهو ثواب التوكل، كما أننا لا نوفق إلى حصول المقصود كما هو الغالب، سواء حصل لنا عوارض توجب انقطاعها أو عوارض توجب نقصها.
(10/667)

والتوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توكل عبادة وخضوع، وهو الاعتماد المطلق على من توكل عليه، بحيث يعتقد أن بيده جلب النفع ودفع الضر، فيعتمد عليه اعتمادا كاملا، مع شعوره بافتقاره إليه، فهذا يجب إخلاصه لله تعالى، ومن صرفه لغير الله فهو مشرك شركا أكبر، كالذين يعتمدون على الصالحين من الأموات والغائبين، وهذا لا يكون إلا ممن يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون، فيعتمد عليهم في جلب المنافع ودفع المضار.
الثاني: الاعتماد على شخص في رزقه ومعاشه وغير ذلك، وهذا من الشرك الأصغر، وقال بعضهم: من الشرك الخفي، مثل اعتماد كثير من الناس على وظيفته في حصول رزقه، ولهذا تجد الإنسان يشعر من نفسه أنه معتمد على هذا اعتماد افتقار، فتجد في نفسه من المحاباة لمن يكون هذا الرزق عنده ما هو ظاهر، فهو لم يعتقد أنه مجرد سبب، بل جعله فوق السبب.
الثالث: أن يعتمد على شخص فيما فوض إليه التصرف فيه، كما لو وكلت شخصا في بيع شيء أو شرائه، وهذا لا شيء فيه؛ لأنه اعتمد عليه وهو يشعر أن المنزلة العليا له فوقه؛ لأنه جعله نائبا عنه، وقد وكل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بن أبي طالب أن يذبح ما بقي من هديه، ووكل أبا هريرة على الصدقة، ووكل عروة بن الجعد أن يشتري له شاة، وهذا بخلاف القسم الثاني؛ لأنه
(10/668)

يشعر بالحاجة إلى ذلك، ويرى اعتماده على المتوكل عليه اعتماد افتقار.
ومما سبق يتبين أن التوكل من أعلى المقامات، وأنه يجب على الإنسان أن يكون مصطحبا له في جميع شئونه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " ولا يكون للمعطلة أن يتوكلوا على الله ولا للمعتزلة القدرية "؛ لأن المعطلة يعتقدون انتفاء الصفات عن الله تعالى، والإنسان لا يعتمد إلا على من كان كامل الصفات المستحقة لأنه يعتمد عليه.
وكذلك القدرية؛ لأنهم يقولون: إن العبد مستقل بعمله، والله ليس له تصرف في أعمال العباد.
ومن ثم نعرف أن طريق السلف هو خير الطرق، وبه تكمل جميع العبادات وتتم به جميع أحوال العابدين.
وقد ذكر المؤلف في هذا الباب أربع آيات، أولها ما جعله ترجمة للباب وهي:
قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} . على الله متعلقة بقوله: فتوكلوا، وتقديم المفعول يدل على الحصر، أي: على الله لا على غيره، فتوكلوا، أي: اعتمدوا.
والفاء لتحسين اللفظ وليست عاطفة؛ لأن في الجملة حرف عطف وهو الواو، ولا يمكن أن نعطف الجملة بعاطفين، فتكون لتحسين اللفظ، كقوله تعالى: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ} ، والتقدير: " بل الله اعبد ".
قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . إن: شرطية، وفعل الشرط كنتم، وجوابه قيل: إنه محذوف دل عليه ما قبله، وتقدير الكلام: إن كنتم مؤمنين فتوكلوا،
(10/669)

وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2] الآية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقيل: إنه في مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب اكتفاء بما سبق، فيكون ما سبق كأنه فعل معلق بهذا الشيء، وهذا أرجح؛ لأن الأصل عدم الحذف.
وقول أصحاب موسى في هذه الآية يفيد أن التوكل من الإيمان ومن مقتضياته، كما لو قلت: إن كنت كريما فأكرم الضيف. فيقتضي أن إكرام الضيف من الكرم.
وهذه الآية تقتضي انتفاء كمال الإيمان بانتفاء التوكل على الله، إلا إن حصل اعتماد كلي على غير الله، فهو شرك أكبر ينتفي له الإيمان كله.
الآية الثانية: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} . إنما: أداة حصر، والحصر هو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، والمعنى: ما المؤمنون إلا هؤلاء.
وذكر الله في هذه الآية وما بعدها خمسة أوصاف:
أحدهما: قوله: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} ، أي: خافت لما فيها من تعظيم الله تعالى، مثال ذلك: رجل هم بمعصية، فذكر الله أو ذكر به، وقيل له: اتق الله. فإن كان مؤمنا فإنه سيخاف، وهذا هو علامة الإيمان.
الوصف الثاني: قوله: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} ، أي: تصديقا وامتثالا، وفي هذا دليل على أن الإنسان قد ينتفع بقراءة غيره أكثر مما ينتفع بقراءة نفسه كما «أمر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه، فقال:»
(10/670)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
«كيف أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: " إني أحب أن أسمعه من غيري "، فقرأ عليه من سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] . قال: " حسبك "، فنظرت، فإذا عيناه تذرفان» .
الوصف الثالث: قوله: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} . أي: يعتمدون على الله لا على غيره، وهم مع ذلك يعملون الأسباب، وهذا هو الشاهد.
الوصف الرابع: قوله: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} أي: يأتون بها مستقيمة كاملة، والصلاة: اسم جنس تشمل الفرائض والنوافل.
الوصف الخامس: قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} . (من) للتبعيض، فيكون الله يمدح من أنفق بعض ماله لا كله، أو تكون لبيان الجنس، فيشمل الثناء من أنفق البعض ومن أنفق الكل، والصواب: أنها لبيان الجنس، وأن من أنفق الكل يدخل في الثناء إذا توكل على الله تعالى في أن يرزقه وأهله كما فعله أبو بكر، أما إن كان أهله في حاجة أو كان المنفق عليه ليس بحاجة ماسة تستلزم إنفاق المال كله، فلا ينبغي أن ينفق ماله عليه.
(10/671)

وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ} [الأنفال: 64] الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الثالثة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} . المراد به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يخاطب الله رسوله بوصف النبوة أحيانا وبوصف الرسالة أحيانا، فحينما يأمره أن يبلغ يناديه بوصف الرسالة، وأما في الأحكام الخاصة، فالغالب أن يناديه بوصف النبوة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] .
والنبي فعيل بمعنى مفعل بفتح العين ومفعل بكسرها، أي: منبأ، ومنبئ، فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منبأ من قبل الله، ومنبئ لعباد الله.
قوله: {حَسْبَكَ اللَّهُ} أي: كافيك، والحسب: الكافي، ومنه قوله: أعطي درهما فحسب، وحسب خبر مقدم، ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخر، والمعنى: ما الله إلا حسبك، ويجوز العكس، أي: أن تكون حسب مبتدأ ولفظ الجلالة خبره، ويكون المعنى: ما حسبك إلا الله، وهذا أرجح.
قوله: {وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . من: اسم موصول مبنية على السكون، وفي عطفها رأيان لأهل العلم: قيل: حسبك الله، وحسبك من اتبعك من المؤمنين، فـ من معطوفة على الله لأنه أقرب، ولو كان العطف على الكاف في حسبك لوجب إعادة الجار، وهذا كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62] ، فالله أيد رسوله بالمؤمنين، فيكونون حسبا له هنا كما كان الله حسبا له.
وهذا ضعيف، والجواب عنه من وجوه:
أولا: قولهم: عطف عليه لكونه أقرب ليس بصحيح، فقد يكون العطف
(10/672)

وقوله: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
على شيء سابق، حتى إن النحويين قالوا: إذا تعددت المعطوفات يكون العطف على الأول.
ثانيا: قولهم: لو عطف على الكاف لوجب إعادة الجار، والصحيح أنه ليس بلازم، كما قال ابن مالك:
ليس عندي لازما إذ قد أتى ... في النثر والنظم الصحيح مثبتا
ثالثا: استدلالهم بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} .
فالتأييد لهم غير كونهم حسبه؛ لأن معنى كونهم حسبه أن يعتمد عليهم، ومعنى كونهم يؤيدونه أي ينصرونه مع استقلاله بنفسه، وبينهما فرق.
رابعا: أن الله - سبحانه - حينما يذكر الحسب يخلصه لنفسه، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 59] ، ففرق بين الحسب والإيتاء، وقال تعالى: {قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38] ، فكما أن التوكل على غير الله لا يجوز، فكذلك الحسب لا يمكن أن يكون غير الله حسبا، فلو كان لجاز التوكل عليه، ولكن الحسب هو الله، وهو الذي عليه يتوكل المتوكلون.
خامسا: أن في قوله: {وَمَنِ اتَّبَعَكَ} ما يمنع أن يكون الصحابة حسبا للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك لأنهم تابعون، فكيف يكون التابع حسبا للمتبوع؟ ! هذا لا يستقيم أبدا، فالصواب أنه معطوف على الكاف في قوله: حسبك، أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين، فتوكلوا عليه جميعا أنت ومن اتبعك.
(10/673)

وعن ابن عباس، قال: « {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} "، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قالوا له: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] الآية» . رواه البخاري.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الرابعة: قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} . جملة شرطية تفيد بمنطوقها أن من يتوكل على الله، فإن الله يكفيه مهماته وييسر له أمره، فالله حسبه ولو حصل له بعض الأذية، فإن الله يكفيه الأذى، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيد المتوكلين، ومع ذلك يصيبه الأذى ولا تحصل له المضرة؛ لأن الله حسبه، فالنتيجة لمن اعتمد على الله أن يكفيه ربه المؤونة.
والآية تفيد بمفهومها أن من توكل على غير الله خذل؛ لأن غير الله لا يكون حسبا كما تقدم، فمن توكل على غير الله تخلى الله عنه، وصار موكولا إلى هذا الشيء ولم يحصل له مقصوده، وابتعد عن الله بمقدار توكله على غير الله.
قوله في أثر ابن عباس رضي الله عنهما: " قالها محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قالوا له: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} .
وهذا في نص القرآن لما انصرف أبو سفيان من أحد أراد أن يرجع إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه ليقضي عليهم بزعمه، فلقي ركبا فقال لهم: إلى أين
(10/674)

تذهبون؟ قالوا نذهب إلى المدينة. فقال: بلغوا محمدا وأصحابه أنا راجعون إليهم فقاضون عليهم. فجاء الركب إلى المدينة، فبلغوهم، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن معه: حسبنا الله ونعم الوكيل. وخرجوا في نحو سبعين راكبا، حتى بلغوا حمراء الأسد، ثم إن أبا سفيان تراجع عن رأيه وانصرف إلى مكة، وهذا من كفاية الله لرسوله وللمؤمنين، حيث اعتمدوا عليه تعالى.
قوله: {قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} أي: الركب.
قوله: إن الناس. أي: أبا سفيان ومن معه، وكلمة الناس هنا يمثل بها الأصوليون للعام الذي أريد به الخصوص.
قوله: حسبنا. أي: كافينا، وهي مبتدأ ولفظ الجلالة خبره.
قوله: نعم الوكيل. نعم: فعل ماض، الوكيل: فاعل، والمخصوص محذوف تقديره: هو، أي: الله، والوكيل: المعتمد عليه سبحانه، والله - سبحانه - يطلق عليه اسم وكيل، وهو أيضا موكل، والوكيل في مثل قوله تعالى: نعم الوكيل، وقوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 81] ، وأما الموكل، ففي مثل قوله تعالى: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89] .
وليس المراد بالتوكيل هنا إنابة الغير فيما يحتاج إلى الاستنابة فيه، فليس توكيله سبحانه من حاجة له، بل المراد بالتوكيل الاستخلاف في الأرض لينظر كيف يعملون.
وقول ابن عباس رضي الله عنهما: «إن إبراهيم قالها حين ألقي في النار» قول لا مجال للرأي فيه، فيكون له حكم الرفع.
وابن عباس ممن يروي عن بني إسرائيل، فيحتمل أنه أخذه منهم، ولكن
(10/675)

جزمه بهذا، وقرنه لما قاله الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما يبعد أن يكون أخذه من بني إسرائيل.
الشاهد من الآية: قوله تعالى: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} حيث جعلوا حسبهم الله وحده.
(تنبيه) :
قولنا: " وابن عباس ممن يروي عن بني إسرائيل " قول مشهور عند علماء المصطلح، لكن فيه نظر، فإن ابن عباس رضي الله عنهما ممن ينكر الأخذ عن بني إسرائيل، ففي " صحيح البخاري " (5\291 - فتح) أنه قال: «يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحدث الأخبار بالله تقرءونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب؟ ! فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ! ولا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم» .
(10/676)

فيه مسائل:
الأولى: أن التوكل من الفرائض.
الثانية: أنه من شروط الإيمان.
الثالثة: تفسير آية الأنفال.
الرابعة: تفسير الآية في آخرها.
الخامسة: تفسير آية الطلاق.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: أن التوكل من الفرائض. ووجهه أن الله علق الإيمان بالتوكل في قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وقد سبق تفسيرها.
الثانية: أنه من شروط الإيمان. تؤخذ من قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . وسبق تفسيرها.
الثالثة: تفسير آية الأنفال. وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الآية، والمراد بالإيمان هنا الإيمان الكامل، وإلا فالإنسان يكون مؤمنا وإن لم يتصف بهذه الصفات، لكن معه مطلق الإيمان، وقد سبق تفسير ذلك.
الرابعة: تفسير الآية في آخرها، أي: آخر الأنفال. وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، وهذا هو الراجح على ما سبق.
الخامسة: تفسير آية الطلاق. وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ، وقد سبق تفسيرها.
(10/677)

السادسة: عظم شأن هذه الكلمة، وأنها قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الشدائد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السادسة: عظم شأن هذه الكلمة، وأنها قول إبراهيم عليه السلام ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الشدائد. يعني قول: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} .
وفي الباب مسائل غير ما ذكره المؤلف، منها:
زيادة الإيمان، لقوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} .
ومنها: أنه عند الشدائد ينبغي للإنسان أن يعتمد على الله مع فعل الأسباب؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه قالوا ذلك عندما قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، ولكنهم فوضوا الأمر إلى الله، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
ومنها: أن اتباعه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع الإيمان سبب لكفاية الله للعبد.
(10/678)

باب قول الله تعالى:
{أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الباب اشتمل على موضوعين:
الأول: الأمن من مكر الله.
والثاني: القنوط من رحمة الله، وكلاهما طرفا نقيض.
واستدل المؤلف للأول بقوله تعالى: أفأمنوا.
الضمير يعود على أهل القرى؛ لأن ما قبلها قوله تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 97، 98، 99] .
فقوله: {وَهُمْ نَائِمُونَ} يدل على كمال الأمن لأنهم في بلادهم، وأن الخائف لا ينام، وقوله: {ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} يدل أيضا على كمال الأمن والرخاء وعدم الضيق؛ لأنه لو كان عندهم ضيق في العيش لذهبوا يطلبون الرزق والعيش، وما صاروا في الضحى - في رابعة النهار - يلعبون.
والاستفهامات هنا كلها للإنكار والتعجب من حال هؤلاء، فهم نائمون وفي رغد، ومقيمون على معاصي الله وعلى اللهو، ذاكرون لترفهم، غافلون عن ذكر خالقهم، فهم في الليل نوم، وفي النهار لعب، فبين الله - عز وجل - أن هذا من مكره بهم، ولهذا قال: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} ، ثم ختم الآية بقوله: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} ، فالذي يمن الله عليه بالنعم والرغد
(10/679)

والترف وهو مقيم على معصيته يظن أنه رابح وهو في الحقيقة خاسر.
فإذا أنعم الله عليك من كل ناحية: أطعمك من جوع، وآمنك من خوف، وكساك من عري، فلا تظن أنك رابح وأنت مقيم على معصية الله، بل أنت خاسر؛ لأن هذا من مكر الله بك.
قوله: {إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} . الاستثناء للحصر، وذلك لأن ما قبله مفرغ له، فالقوم فاعل، والخاسرون صفتهم.
وفي قوله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} دليل على أن لله مكرا، والمكر هو التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، ومنه ما جاء في الحديث: «الحرب خدعة» .
فإن قيل: كيف يوصف الله بالمكر مع أن ظاهره أنه مذموم؟
قيل: إن المكر في محله محمود يدل على قوة الماكر، وأنه غالب على خصمه، ولذلك لا يوصف الله به على الإطلاق، فلا يجوز أن تقول: إن الله ماكر، وإنما تذكر هذه الصفة في مقام تكون فيه مدحا، مثل قوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [الأنفال: 30] ، وقال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 50] ، ومثل قوله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} [الأعراف: 99] ، ولا تنفي عنه هذه الصفة على سبيل الإطلاق، بل إنها في المقام التي تكون مدحا يوصف بها، وفي المقام التي لا تكون مدحا لا يوصف بها.
وكذلك لا يسمى الله بها، فلا يقال: إن من أسماء الله الماكر.
(10/680)

وقوله: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأما الخيانة فلا يوصف الله بها مطلقا لأنها ذم بكل حال، إذ إنها مكر في موضع الائتمان، وهو مذموم، قال تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} [الأنفال: 71] ، ولم يقل: فخانهم.
وأما الخداع فهو كالمكر يوصف الله به حيث يكون مدحا، لقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] ، والمكر من الصفات الفعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئة الله - سبحانه -.
ويستفاد من هذه الآية:
1 - الحذر من النعم التي يجلبها الله للعبد لئلا تكون استدراجا؛ لأن كل نعمة فلله عليك وظيفة شكرها، وهي القيام بطاعة المنعم، فإذا لم تقم بها مع توافر النعم، فاعلم أن هذا من مكر الله.
2 - تحريم الأمن من مكر الله، وذلك لوجهين:
الأول: أن الجملة بصيغة الاستفهام الدال على الإنكار والتعجب.
الثاني: قوله تعالى: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} .
الموضوع الثاني مما اشتمل عليه هذا الباب القنوط من رحمة الله.
واستدل المؤلف له بقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ} .
من اسم استفهام؛ لأن الفعل بعدها مرفوع، ثم إنها لم يكن لها جواب، والقنوط: أشد اليأس؛ لأن الإنسان يقنط ويبعد الرجاء والأمل، بحيث
(10/681)

يستبعد حصول مطلوبه أو كشف مكروبه.
قوله: {مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ} . هذه رحمة مضافة إلى الفاعل ومفعولها محذوف، والتقدير: (من رحمة ربه إياه) .
قوله: {إِلَّا الضَّالُّونَ} . إلا أداة حصر؛ لأن الاستفهام في قوله: {وَمَنْ يَقْنَطُ} مراد به النفي، والضالون فاعل يقنط.
والمعنى لا يقنط من رحمة الله إلا الضالون، والضال: فاقد الهداية، التائه الذي لا يدري ما يجب لله سبحانه، مع أنه سبحانه قريب الغير، ولهذا جاء في الحديث: «عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، ينظر إليكم آزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب» . (1)
وأما معنى الآية: فإن إبراهيم عليه السلام لما بشرته الملائكة بغلام عليم قال لهم: {أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَي قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 54- 56] .
فالقنوط من رحمة الله لا يجوز؛ لأنه سوء ظن بالله - عز وجل -، وذلك من وجهين:
الأول: أنه طعن في قدرته سبحانه؛ لأن من علم أن الله على كل شيء قدير لم يستبعد شيئا على قدرة الله.
__________
(1) الإمام احمد في مسنده (4/ 11، 12) وابن ماجه (المقدمة،1/64) ، وابن عاصم في (السنة) (544) والآجري في (الشريعة) . قال شيخ الإسلام ابن تميمة: (حديث حسن) (الواسطية، ص 13)
(10/682)

الثاني: أنه طعن في رحمته سبحانه؛ لأن من علم أن الله رحيم لا يستبعد أن يرحمه الله - سبحانه -، ولهذا كان القانط من رحمة الله ضالا.
ولا ينبغي للإنسان إذا وقع في كربة أن يستبعد حصول مطلوبه أو كشف مكروبه، وكم من إنسان وقع في كربة وظن أن لا نجاة منها، فنجاه الله - سبحانه -: إما بعمل صالح سابق مثل ما وقع ليونس عليه السلام، قال تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143، 144] ، أو بعمل لاحق، وذلك كدعاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم بدر وليلة الأحزاب وكذلك أصحاب الغار.
وتبين مما سبق أن المؤلف رحمه الله أراد أن يجمع الإنسان في سيره إلى الله تعالى بين الخوف فلا يأمن مكر الله، وبين الرجاء فلا يقنط من رحمته، فالأمن من مكر الله ثلم في جانب الخوف، والقنوط من رحمته ثلم في جانب الرجاء.
(10/683)

وعن ابن عباس، «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن الكبائر؟ فقال: " الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله» . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن الكبائر ". جمع كبيرة، والمراد بها: كبائر الذنوب، وهذا السؤال يدل على أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد دل على ذلك القرآن، قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] ، قال تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ} [النجم: 32] ، والكبائر ليست على درجة واحدة، فبعضها أكبر من بعض.
واختلف العلماء: هل هي معدودة أو محدودة؟
فقال بعض أهل العلم: إنها معدودة، وصار يعددها ويتتبع النصوص الواردة في ذلك.
وقيل: إنها محدودة، وقد حدها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقال: " كل ما رتب عليه عقوبة خاصة، سواء كانت في الدنيا أو الآخرة، وسواء كانت بفوات محبوب أو بحصول مكروه "، وهذا واسع جدا يشمل ذنوبا كثيرة.
ووجه ما قاله: أن المعاصي قسمان:
__________
(1) البزار، كما في (كشف الأستار) (106) ، وابن أبي حاتم في (التفسير) كما في (الدر المشور) (2/148) ،وقال: (إسناده حسن) .

وقال الهيثمي (1/104) رواه البزار والطبراني، ورجاله موثوقون
(10/684)

قسم نهي عنه فقط، ولم يذكر عليه وعيد؛ فعقوبة هذا تأتي بالمعنى العام للعقوبات، وهذه المعصية مكفرة بفعل الطاعات، كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» ، وكذلك ما ورد في العمرة إلى العمرة، والوضوء من تكفير الخطايا؛ فهذه من الصغائر.
وقسم رتب عليه عقوبة خاصة، كاللعن، أو الغضب، أو التبرؤ من فاعله، أو الحد في الدنيا، أو نفي الإيمان، وما أشبه ذلك؛ فهذه كبيرة تختلف في مراتبها.
والسائل في هذا الحديث إنما قصده معرفة الكبائر ليجتنبها، خلافا لحال كثير من الناس اليوم، حيث يسأل ليعلم فقط، ولذلك نقصت بركة علمهم.
قوله: " الشرك بالله ". ظاهر الإطلاق: أن المراد به الشرك الصغر والأكبر، وهو الظاهر؛ لأن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، قال ابن مسعود: " لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا "، وذلك لأن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب، فدل على أن الشرك من الكبائر مطلقا.
والشرك بالله يتضمن الشرك بربوبيته أو بألوهيته، أو بأسمائه وصفاته.
قوله: " اليأس من روح الله ". اليأس: فقد الرجاء، والروح بفتح الراء
(10/685)

وعن ابن مسعود، قال: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله» . رواه عبد الرازق (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قريب من معنى الرحمة، وهو الفرج والتنفيس، واليأس من روح الله من كبائر الذنوب؛ لنتائجه السيئة.
قوله: " الأمن من مكر الله ". بأن يعصي الله مع استدراجه بالنعم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 182: 183] .
وظاهر هذا الحديث: الحصر، وليس كذلك؛ لأن هناك كبائر غير هذه، ولكن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجيب كل سائل بما يناسب حاله؛ فلعله رأى هذا السائل عنده شيء من الأمن من مكر الله، أو اليأس من روح الله، فأراد أن يبين له ذلك، وهذه مسألة ينبغي أن يفطن لها الإنسان فيما يأتي من النصوص الشرعية، مما ظاهره التعارض، فيحمل كل واحد منها على الحال المناسبة ليحصل التآلف بين النصوص الشرعية.
قوله في أثر ابن مسعود: " الإشراك بالله ": هذا أكبر الكبائر؛ لأنه انتهاك لأعظم الحقوق، وهو حق الله تعالى الذي أوجدك، وأعدك وأمدك؛ فلا أحد
__________
(1) عبد الرازق في (المصنف) (10/ 459) ، وابن جرير (5/26) ، والطبراني في (الكبير) (8783) .
(10/686)

أكبر عليك نعمة من الله تعالى.
قوله: " الأمن من مكر الله ". سبق شرحه.
قوله: «القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله» . المراد بالقنوط: أن يستبعد رحمة الله، ويستبعد حصول المطلوب، والمراد باليأس هنا: أن يستبعد الإنسان زوال المكروه، وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يحصل تكرار في كلام ابن مسعود.
والخلاصة: أن السائر إلى الله يعتريه شيئان يعوقانه عن ربه، وهما: الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، فإذا أُصيب بالضراء، أو فات عليه ما يجب، تجده إن لم يتداركه ربه يستولي عليه القنوط، ويستبعد الفرج، ولا يسعى لأسبابه.
وأما الأمن من مكر الله، فتجد الإنسان مقيما على المعاصي مع توافر النعم عليه، ويرى أنه على حق فيستمر، فلا شك أن هذا استدراج.
(10/687)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الأعراف. الثانية: تفسير آية الحجر. الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله. الرابعة: شدة الوعيد في القنوط.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الأعراف. وهي قوله: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} وقد سبق تفسيرها.
الثانية: تفسير آية الحجر. وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} ، وقد سبق تفسيرها.
الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله. وذلك بأنه من أكبر الكبائر؛ كما في الآية والحديث، وتؤخذ من الآية الأولى، والحديثين.
الرابعة: شدة الوعيد في القنوط. تؤخذ من الآية الثانية والحديثين.
(10/688)

باب: من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
" الصبر " في اللغة: الحبس، ومنه قولهم: " قتل صبرا "، أي: محبوسا مأسورا.
وفي الاصطلاح: حبس النفس على أشياء وعن أشياء، وهو ثلاثة أقسام:
الأول: الصبر على طاعة الله، كما قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] ، وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [الإنسان: 23 - 24] ، وهذا من الصبر على الأوامر؛ لأنه إنما نزل عليه القرآن ليبلغه، فيكون مأمورا بالصبر على الطاعة، وقال تعالى: ( {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28] . وهذا صبر على طاعة الله.
الثاني: الصبر عن معصية الله، كصبر يوسف -عليه السلام - عن إجابة امرأة العزيز حيث دعته إلى نفسها، في مكانة لها فيها العزة والقوة والسلطان عليه، ومع ذلك صبر، وقال: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] . فهذا صبر عن معصية الله.
الثالث: الصبر على أقدار الله، قال تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [الإنسان: 24] ، فيدخل في هذه الآية حكم الله القدري، ومنه قوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف: 35] ؛ لأن هذا صبر على تبليغ الرسالة، وعلى أذى قومه، ومنه قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -لرسول إحدى
(10/689)

بناته: " «مرها؛ فلتصبر ولتحتسب» .
إذن الصبر ثلاثة أنواع، أعلاها الصبر على طاعة الله، ثم الصبر على معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله.
وهذا الترتيب من حيث هو لا باعتبار من يتعلق به، وإلا فقد يكون الصبر على المعصية أشق على الإنسان من الصبر على الطاعة، إذا فتن الإنسان مثلا بامرأة جميلة تدعوه إلى نفسها في مكان خال لا يطلع عليه إلا الله، وهو رجل شاب ذو شهوة؛ فالصبر عن هذه المعصية أشق ما يكون على النفوس، قد يصلي الإنسان مائة ركعة وتكون أهون عليه من هذا.
وقد يصاب الإنسان بمصيبة يكون الصبر عليها أشق من الصبر على الطاعة، فقد يموت له مثلا قريب، أو صديق، أو عزيز عليه جدا، فتجده يتحمل من الصبر على هذه المصيبة مشقة عظيمة.
وبهذا يندفع الإيراد الذي يورده بعض الناس ويقول: إن هذا الترتيب فيه نظر؛ إذ بعض المعاصي يكون الصبر عليها أشق من بعض الطاعات، وكذلك بعض الأقدار يكون الصبر عليها أشق، فنقول: نحن نذكر المراتب من حيث هي بقطع النظر عن الصابر.
وكان الصبر على الطاعة أعلى؛ لأنه يتضمن إلزاما وفعلا، فتلزم نفسك الصلاة فتصلي، والصوم فتصوم، والحج فتحج. . . ففيه إلزام، وفعل، وحركة فيها نوع من المشقة والتعب، ثم الصبر على المعصية؛ لأن فيه كفا فقط؛ أي:
(10/690)

إلزاما للنفس بالترك، أما الصبر على الأقدار؛ فلأن سببه ليس باختيار العبد، فليس فعلا ولا تركا، وإنما هو من قدر الله المحض.
وخص المؤلف - رحمه الله - في هذا الباب الصبر على أقدار الله؛ لأنه مما يتعلق بتوحيد الربوبية؛ لأن تدبير الخلق، والتقدير عليهم من مقتضيات ربوبية الله تعالى.
قوله: " على أقدار الله ". جمع قدر، وتطلق على المقدور، وعلى فعل المقدر وهو الله تعالى، أما بالنسبة لفعل المقدر، فيجب على الإنسان الرضا به والصبر، وبالنسبة للمقدور، فيجب عليه الصبر ويستحب له الرضا.
مثال ذلك: قدر الله على سيارة شخص أن تحترق، فكون الله قدر أن تحترق هذا قدر، يجب على الإنسان أن يرضى به؛ لأنه من تمام الرضا بالله ربا.
وأما بالنسبة للمقدور الذي هو احتراق السيارة، فالصبر عليه واجب، والرضا به مستحب، وليس بواجب على القول الراجح.
والمقدور قد يكون طاعات، وقد يكون معاصي، وقد يكون من أفعال الله المحضة، فالطاعات يجب الرضا بها، والمعاصي لا يجوز الرضا بها من حيث هي مقدور، أما من حيث كونها قدر الله، فيجب الرضا بتقدير الله بكل حال؛ ولهذا قال ابن القيم:
فلذاك نرضى بالقضاء ونسخط ال ... مقضي حين يكون بالعصيان
فمن نظر بعين القضاء والقدر إلى رجل يعمل بمعصية، فعليه الرضا؛ لأن الله هو الذي قدر هذا، وله الحكمة في تقديره، وإذا نظر إلى فعله، فلا يجوز له أن يرضى به؛ لأنه معصية، وهذا هو الفرق بين القدر والمقدور.
(10/691)

وقول الله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11] .
قال علقمة: " هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله؛ فيرضى ويسلم ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ} . (من) : اسم شرط جازم، فعل الشرط (يؤمن) ، وجوابه (يهد) ، والمراد بالإيمان بالله هنا الإيمان بقدره.
قوله: {يَهْدِ قَلْبَهُ} . يرزقه الطمأنينة، وهذا يدل على أن الإيمان يتعلق بالقلب، فإذا اهتدى القلب اهتدت الجوارح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» .
قوله: " قال علقمة ". وهو من أكابر التابعين.
قوله: " هو الرجل تصيبه المصيبة. . . " إلخ. وتفسير علقمة هذا من لازم الإيمان؛ لأن من آمن بالله علم أن التقدير من الله، فيرضى ويسلم، فإذا علم أن المصيبة من الله اطمأن القلب وارتاح، ولهذا كان من أكبر الراحة والطمأنينة الإيمان بالقضاء والقدر.
(10/692)

وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: في حديث أبي هريرة " اثنتان ". مبتدأ، وسوغ الابتداء به التقسيم، أو أنه مفيد للخصوص.
قوله: " بهم كفر ": الباء. يحتمل أن تكون بمعنى " من "، أي: هما منهم كفر، ويحتمل أن تكون بمعنى " في "؛ أي: هما فيهم كفر.
قوله: " كفر ". أي هاتان الخصلتان كفر، ولا يلزم من وجود خصلتين من الكفر في المؤمن أن يكون كافرا، كما لا يلزم من وجود خصلتين في الكافر من خصال الإيمان، كالحياء، والشجاعة، والكرم، أن يكون مؤمنا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: (بخلاف قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة» . فإنه هنا أتى بأل الدالة على الحقيقة؛ فالمراد بالكفر هنا الكفر المخرج عن الملة، بخلاف مجيء " كفر " نكرة؛ فلا يدل على الخروج عن الإسلام.
قوله: «الطعن في النسب» . أي: العيب فيه، أو نفيه، فهذا عمل من أعمال الكفر.
(10/693)

قوله: «النياحة على الميت» . أي: أن يبكي الإنسان على الميت بكاء على صفة نوح الحمام؛ لأن هذا يدل على التضجر، وعدم الصبر، فهو مناف للصبر الواجب، وهذه الجملة هي الشاهد للباب. والناس حال المصيبة على مراتب أربع:
الأولى: التسخط، وهو إما أن يكون بالقلب، كأن يسخط على ربه، ويغضب على قدر الله عليه، وقد يؤدي إلى الكفر، وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} [الحج: 11] وقد يكون باللسان، كالدعاء بالويل والثبور، وما أشبه ذلك، وقد يكون بالجوارح، كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك.
الثانية: الصبر، وهو كما قال الشاعر:
الصبر مثل اسمه مر مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل
فيرى الإنسان أن هذا الشيء ثقيل عليه ويكرهه، لكنه يتحمله ويتصبر، وليس وقوعه وعدمه سواء عنده، بل يكره هذا، ولكن إيمانه يحميه من السخط.
الثالثة: الرضا، وهو أعلى من ذلك، وهو أن يكون الأمران عنده سواء بالنسبة لقضاء الله وقدره، وإن كان قد يحزن من المصيبة؛ لأنه رجل يسبح في القضاء والقدر، أينما ينزل به القضاء والقدر فهو نازل به على سهل أو جبل، إن أصيب بنعمة، أو أُصيب بضدها، فالكل عنده سواء، لا لأن قلبه ميت، بل لتمام رضاه بربه - سبحانه وتعالى - يتقلب في تصرفات الرب - عز وجل - ولكنها عنده سواء، إذ ينظر إليها باعتبارها قضاء لربه، وهذا الفرق بين الرضا والصبر.
(10/694)

ولهما عن ابن مسعود مرفوعا: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرابعة: الشكر، وهو أعلى المراتب، وذلك أن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة، وذلك يكون في عباد الله الشاكرين حين يرى أن هناك مصائب أعظم منها، وأن مصائب الدنيا أهون من مصائب الدين، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وأن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته، وربما لزيادة حسناته شكر الله على ذلك، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما يصيب المؤمن من هم، ولا غم، ولا شيء إلا كفر له بها، حتى الشوكة يشاكها» .
كما أنه قد يزداد إيمان المرء بذلك.
قوله في حديث ابن مسعود: " مرفوعا ". أي: إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قوله: «من ضرب الخدود» . العموم يراد به الخصوص؛ أي: من أجل المصيبة.
قوله: «ومن شق الجيوب» . هو طوق القميص الذي يدخل منه الرأس، وذلك عند المصيبة؛ تسخطا، وعدم تحمل لما وقع عليه.
(10/695)

وعن أنس، أن رسول الله قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «ودعا بدعوى الجاهلية» . ودعوى مضاف والجاهلية مضاف إليه، وتنازع هنا أمران:
الأول: صيغة العموم " دعوى الجاهلية "؛ لأنه مفرد مضاف فيعم.
الثاني: القرينة؛ لأن ضرب الخدود، وشق الجيوب يفعلان عند المصيبة، فيكون دعا بدعوى الجاهلية عند المصيبة، مثل قولهم: واويلاه! واانقطاع ظهراه!
والأولى أن ترجح صيغة العموم، والقرينة لا تخصصه، فيكون المقصود بالدعوى كل دعوى منشؤها الجهل.
وذكر هذه الأصناف الثلاثة؛ لأنها غالبا ما تكون عند المصائب، وإلا فمثله هدم البيوت، وكسر الأواني، وتخريب الطعام، ونحوه مما يفعله بعض الناس عند المصيبة.
وهذه الثلاثة من الكبائر؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تبرأ من فاعلها.
ولا يدخل في الحديث ضرب الخد في الحياة العادية؛ مثل: ضرب الأب لابنه، لكن يكره الضرب على الوجه؛ للنهي عنه، وكذلك شق الجيب لأمر غير المصيبة.
قوله في حديث أنس: " إذا أراد الله بعبده الخير ". الله يريد بعبده الخير والشر، ولكن الشر المراد لله تعالى ليس مرادا لذاته، بدليل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
(10/696)

«العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة» . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
" والشر ليس إليك "، ومن أراد الشر لذاته كان إليه، ولكن الله يريد الشر لحكمة، وحينئذ يكون خيرا باعتبار ما يتضمنه من الحكمة.
قوله: " عجل له بالعقوبة في الدنيا ". العقوبة: مؤاخذة المجرم بذنبه، وسميت بذلك؛ لأنها تعقب الذنب، ولكنها لا تقال إلا في المؤاخذة على الشر.
وقوله: " عجل له العقوبة في الدنيا ". كان ذلك خيرا من تأخيرها للآخرة؛ لأنه يزول وينتهي، ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمتلاعنين: «إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» .
وهناك خير أولى من ذلك، وهو العفو عن الذنب، وهذا أعلى؛ لأن الله إذا لم يعاقبه في الدنيا ولا في الآخرة، فهذا هو الخير كله، ولكن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل تعجيل العقوبة خيرا باعتبار أن تأخر العقوبة إلى الآخرة أشد؛ كما قال تعالى {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 127] .
والعقوبة أنواع كثيرة:
منها: ما يتعلق بالدين، وهي أشدها؛ لأن العقوبات الحسية قد ينتبه لها الإنسان، أما هذه، فلا ينتبه لها إلا من وفقه الله، وذلك كما لو خفت المعصية
__________
(1) الترمذي: كتاب الزهد / باب ما جاء في الصبر على البلاء، والحاكم في (المستدرك) (4/651) ، والبيهقي في (السماء والصفات) (154) ، والبغوي في (شرح السنة) (5/245) .
(10/697)

في نظر العاصي؛ فهذه عقوبة دينية تجعله يستهين بها، وكذلك التهاون بترك الواجب، وعدم الغيرة على حرمات الله، وعدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي على المنكر، وكل ذلك من المصائب، ودليله قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة: 49] .
ومنها: العقوبة بالنفس، وذلك كالأمراض العضوية والنفسية.
ومنها: العقوبة بالأهل، كفقدانهم، أو أمراض تصيبهم.
ومنها العقوبة بالمال، كنقصه أو تلفه وغير ذلك.
قوله: «وإذا أراد بعبده الشر، أمسك عنه بذنبه» . " أمسك عنه "؛ أي: ترك عقوبته.
والإمساك: فعل من أفعال الله، وليس معناه تعطيل الله عن الفعل، بل هو لم يزل، ولا يزال فعالا لما يريد، لكنه يمسك عن الفعل في شيء ما لحكمة بالغة؛ ففعله حكمة، وإمساكه حكمة.
قوله: " حتى يوافى به يوم القيامة ". أي: يوافيه الله به؛ أي: يجازيه به يوم القيامة، وهو الذي يقوم فيه الناس من قبورهم لله رب العالمين.
وسمي بيوم القيامة لثلاثة أسباب:
1 - قيام الناس من قبورهم؛ لقوله تعالى: ( {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6] .
2 - قيام الأشهاد؛ لقوله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] .
3 - قيام العدل؛ لقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47] .
والغرض من سياق المؤلف لهذا الحديث: تسلية الإنسان إذا أُصيب
(10/698)

بالمصائب؛ لئلا يجزع، فإن ذلك قد يكون خيرا، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فيحمد الله أنه لم يؤخر عقوبته إلى الآخرة.
وعلى فرض أن أحدا لم يأت بخطيئة وأصابته مصيبة؛ فنقول له: إن هذا من باب امتحان الإنسان على الصبر، ورفع درجاته باحتساب الأجر، لكن لا يجوز للإنسان إذا أصيب بمصيبة، وهو يرى أنه لم يخطئ أن يقول: أنا لم أُخطئ؛ فهذه تزكية، فلو فرضنا أن أحدا لم يصب ذنبا وأصيب بمصيبة؛ فإن هذه المصيبة لا تلاقي ذنبا تكفره، لكنها تلاقي قلبا تمحصه، فيبتلي الله الإنسان بالمصائب؛ لينظر هل يصبر أم لا؟ ولهذا كان أخشى الناس لله -عز وجل- وأتقاهم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يوعك كما يوعك رجلان منا وذلك لينال أعلى درجات الصبر، فينال مرتبة الصابرين على أعلى وجوهها، «ولذلك شدد عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند النزع، ومع هذه الشدة كان ثابت القلب، ودخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وهو يستاك، فأمده بصره (يعني: ينظر إليه) ، فعرفت عائشة - رضي الله عنها - أنه يريد السواك، فقالت: آخذه لك؟ فأشار برأسه نعم، فأخذت السواك، وقضمته، وألانته للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأعطته إياه، فاستن به، قالت عائشة: ما رأيته استن استنانا أحسن منه، ثم رفع يده، وقال: " في الرفيق الأعلى» .
فانظر إلى هذا الثبات واليقين، والصبر العظيم مع هذه الشدة العظيمة، كل هذا لأجل أن يصل الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أعلى درجات الصابرين، صبر لله، وصبر
(10/699)

وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاءِ، وإنَّ اللهَ تَعَالَى إذَا أحَبَّ قَوماً ابتَلاهٌم، فَمَن رَضِيَ؛ فَلَهٌ الرِّضا، ومَن سَخِطَ فَلَهٌ السٌّخطٌ» . حَسَّنٌه التِّرمِذِي (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بالله، وصبر في الله حتى نال أعلى الدرجات.
فمن أصيب بمصيبة، فحدثته نفسه أن مصائبه أعظم من معائبه؛ فإنه يدل على ربه بعمله، ويمن عليه به، فليحذر هذا.
ومن ذلك يتضح لنا أمران:
1 - أن إصابة الإنسان بالمصائب تعتبر تكفيرا لسيئاته، وتعجيلا للعقوبة في الدنيا، وهذا خير من تأخيرها له في الآخرة.
2 - قد تكون المصائب أكبر من المعائب؛ ليصل المرء بصبره أعلى درجات الصابرين، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.
قوله: " وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء» . هذا الحديث رواه الترمذي، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصحابيُّه صحابي الحديث الذي قبله.
قوله: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء» . أي: يتقابل عظم الجزاء مع عظم البلاء، فكلما كان البلاء أشد، وصبر الإنسان صار الجزاء أعظم؛ لأن الله عدل لا يجزي
__________
(1) الترمذي: كتاب الزهد/ باب ما جاء في الصبر على البلاء، وابن ماجة: كتاب الفتن/ باب الصبر على البلاء.
(10/700)

المحسن بأقل من إحسانه، فليس الجزاء على الشوكة يشاكها كالجزاء على الكسر إذا كسر، وهذا دليل على كمال عدل الله، وأنه لا يظلم أحدا، وفيه تسلية المصاب.
قوله: «وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم» . أي: اختبرهم بما يقدر عليهم من الأمور الكونية، كالأمراض، وفقدان الأهل، أو بما يكلفهم به من الأمور الشرعية، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [الإنسان:23-24] فذكره الله بالنعمة وأمره بالصبر؛ لأن هذا الذي نزل عليه تكليف يكلف به.
كذلك من الابتلاء الصبر على محارم الله، كما في الحديث «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله» ؛ فهذا جزاؤه أن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
قوله: «فمن رضي؛ فله الرضا، ومن سخط، فله السخط» ." مَن ": شرطية، والجواب: " فله الرضا "، أي: فله الرضا من الله، وإذا رضي الله عن شخص أرضى الناس عنه جميعا، والمراد بالرضا: الرضا بقضاء الله من حيث إنه قضاء الله، وهذا واجب بدليل قوله: " ومن سخط " فقابل الرضا بالسخط، وهو عدم الصبر على ما يكون من المصائب القدرية الكونية. ولم يقل هنا " فعليه السخط " مع أن مقتضى السياق أن يقول فعليه، كقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46] .
فقال بعض العلماء: إن اللام بمعنى على؛ كقوله تعالى:
(10/701)

{أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25] ، أي: عليهم اللعنة.
وقال آخرون: إن اللام على ما هي عليه، فتكون للاستحقاق، أي: صار عليه السخط باستحقاقه له، فتكون أبلغ من " على "؛ كقوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} ؛ أي حقت عليهم باستحقاقهم لها، وهذا أصح.
ويستفاد من الحديث:
إثبات المحبة، والسخط والرضا لله - عز وجل -، وهي من الصفات الفعلية لتعلقها بمشيئة الله تعالى؛ لأن (إذا) في قوله: " إذا أحب الله قوما " للمستقبل، فالحب يحدث، فهو من الصفات الفعلية.
والله تعالى يحب العبد عند وجود سبب المحبة، ويبغضه عند وجود سبب البغض، وعلى هذا، فقد يكون هذا الشخص في يوم من الأيام محبوبا إلى الله، وفي آخر مبغضا إلى الله؛ لأن الحكم يدور مع علته.
وأما الأعمال، فلم يزل الله يحب الخير والعدل والإحسان ونحوها، وأهل التأويل ينكرون هذه الصفات، فيؤولون المحبة والرضا بالثواب، أو إرادته، والسخط بالعقوبة أو إرادتها، قالوا: لأن إثبات هذه الصفات يقتضي النقص ومشابهة المخلوقين، والصواب ثبوتها لله - عز وجل - على الوجه اللائق به كسائر الصفات التي يثبتها من يقول بالتأويل.
ويجب في كل صفة أثبتها الله لنفسه أمران:
1 - إثباتها على حقيقتها وظاهرها.
2 - الحذر من التمثيل أو التكييف.
(10/702)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية التغابن. الثانية: أن هذا من الإيمان بالله. الثالثة: الطعن في النسب. الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود، وشق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية. الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير. السادسة: إرادة الله به الشر السابعة: علامة حب الله للعبد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية التغابن. وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} ، وقد فسرها علقمة كما سبق تفسير مناسبا للباب.
الثانية: أن هذا من الإيمان بالله. المشار إليه بقوله: (هذا) هو الصبر على أقدار الله.
الثالثة: الطعن في النسب. وهو عيبه أو نفيه، وهو من الكفر، لكنه لا يخرج من الملة.
الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تبرأ منه.
الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير. وهو أن يعجل له العقوبة في الدنيا.
السادسة: إرادة الله به الشر. أي علامة إرادة الله به الشر، وهو أن يؤخر له العقوبة في الآخرة.
السابعة: علامة حب الله للعبد، وهي الابتلاء.
(10/703)

الثامنة: تحريم السخط. التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثامنة: تحريم السخط. يعني: مما به العبد؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ومن سخط؛ فله السخط» ، وهذا وعيد.
التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء. وهو رضا الله عن العبد؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من رضي؛ فله الرضا» .
(10/704)

باب ما جاء في الرياء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المؤلف - رحمه الله تعالى - أطلق الترجمة، فلم يفصح بحكمه؛ لأجل أن يحكم الإنسان بنفسه على الرياء، على ما جاء فيه.
تعريف الرياء: مصدر راءى يرائي؛ أي عمل عملا ليراه الناس، ويقال: مراءاة، كما يقال: جاهد جهادا ومجاهدة، ويدخل في ذلك من عمل العمل ليسمعه الناس، ويقال له: مسمع، وفي الحديث عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من راءى راءى الله به، ومن سمَّع سمَّع الله به» .
والرياء خلق ذميم، وهو من صفات المنافقين، قال الله تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [سورة النساء - آية: 142] .
والرياء يبحث في مقامين:
المقام الأول: في حكمه. فنقول: الرياء من الشرك الأصغر؛ لأن الإنسان قصد بعبادته غير الله، وقد يصل إلى الأكبر، وقد مثل ابن القيم للشرك الأصغر، فقال: " مثل يسير الرياء "، وهو يدل على أن الرياء كثير قد يصل إلى الأكبر.
المقام الثاني: في حكم العبادة إذا خالطها الرياء، وهو على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس من الأصل، كمن قام
(10/705)

يصلي من أجل مراءاة الناس، ولم يقصد وجه الله، فهذا شرك والعبادة باطلة.
الثاني: أن يكون مشاركا للعبادة في أثنائها، بمعنى أن يكون الحامل له في أول أمره الإخلاص لله، ثم يطرأ الرياء في أثناء العبادة.
فإن كانت العبادة لا ينبني آخرها على أولها، فأولها صحيح بكل حال، وباطل آخرها.
مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال قد أعدها للصدقة، فتصدق بخمسين مخلصا، وراءى في الخمسين الباقية، فالأولى حكمها صحيح، والثانية باطلة.
أما إذا كانت العبادة ينبني آخرها على أولها، فهي على حالين:
أ - أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه، بل يعرض عنه ويكرهه؛ فإنه لا يؤثر عليه شيئا؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل أو تتكلم» .
مثال ذلك: رجل قام يصلي ركعتين مخلصا لله، وفي الركعة الثانية أحس بالرياء فصار يدافعه؛ فإن ذلك لا يضره، ولا يؤثر على صلاته شيئا.
ب - أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه، فحينئذ تبطل جميع العبادة؛ لأن آخرها مبني على أولها ومرتبط به.
مثال ذلك: رجل قام يصلي ركعتين مخلصا لله، وفي الركعة الثانية طرأ عليه الرياء لإحساسه بشخص ينظر إليه، فاطمأن لذلك ونزع إليه، فتبطل صلاته كلها لارتباط بعضها ببعض.
(10/706)

وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110] . الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثالث: ما يطرأ بعد انتهاء العبادة، فإنه لا يؤثر عليها شيئا، اللهم إلا أن يكون فيه عدوان؛ كالمن والأذى بالصدقة، فإن هذا العدوان يكون إثمه مقابلا لأجر الصدقة فيبطلها، لقوله تعالى: ( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264] .
وليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة. وليس من الرياء أيضا أن يفرح الإنسان بفعل الطاعة في نفسه، بل ذلك دليل على إيمانه، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من سرته حسناته وساءته سيئاته، فذلك المؤمن» . (1)
وقد سئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» .
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} . يأمر الله نبيه أن يقول للناس: إنما أنا بشر مثلكم، وهو قصر النبي - صلى اله عليه وسلم- على البشرية، وأنه ليس ربا ولا ملكا، وأكد هذه البشرية بقوله: (مثلكم) ، فذكر المثل من باب تحقيق البشرية.
__________
(1) الإمام احمد في (المسند) (1/18،26) ، والترمذي (كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة)
(10/707)

قوله: (يوحى إلي) . الوحي في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء، ومنه قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم:11] .
وفي الشرع: إعلام الله بالشرع.
والوحي: هو الفرق بيننا وبينه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فهو متميز بالوحي كغيره من الأنبياء والرسل.
قوله: {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} . هذه الجملة في تأويل مصدر نائب فاعل (يوحى) ، وفيها حصر طريقه (إنما) ، فيكون معناها: ما إلهكم إلا إله واحد، وهو الله، فإذا ثبت ذلك؛ فإنه لا يليق بك أن تشرك معه غيره في العبادة التي هي خالص حقه، ولذلك قال الله تعالى بعد ذلك: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .
فقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} المراد بالرجاء: الطلب والأمل؛ أي: من كان يؤمل أن يلقى ربه، والمراد باللقيا هنا الملاقاة الخاصة؛ لأن اللقيا على نوعين:
الأول: عامة لكل إنسان، قال تعالى {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6] ، ولذلك قال مفرِّعا على ذلك: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 7] ، {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} ... ) الآية [الانشقاق: 10]
الثاني: الخاصة بالمؤمنين، وهو لقاء الرضا والنعيم، كما في هذه الآية، وتتضمن رؤيته تبارك وتعالى، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم.
فقوله: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} . الفاء رابطة لجواب الشرط، والأمر
(10/708)

للإرشاد؛ أي: من كان يريد أن يلقى الله على الوجه الذي يرضاه سبحانه؛ فليعمل عملا صالحا، والعمل الصالح: ما كان خالصا صوابا.
وهذا وجه الشاهد من الآية.
فالخالص: ما قصد به وجه الله، والدليل على ذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنيات» .
والصواب: ما كان على شريعة الله، والدليل على ذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد» .
ولهذا قال العلماء: هذان الحديثان ميزان الأعمال؛ فالأول: ميزان الأعمال الباطنة. والثاني: ميزان الأعمال الظاهرة.
قوله: {وَلَا يُشْرِكْ} . لا: ناهية، والمراد بالنهي الإرشاد.
قوله: {بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} . خص العبادة؛ لأنها خالص حق الله، ولذلك أتى بكلمة " رب " إشارة إلى العلة، فكما أن ربك خلقك، ولا يشاركه أحد في خلقك؛ فيجب أن تكون العبادة له وحده، ولذلك لم يقل: (لا يشرك بعبادة الله) ، فذكر الرب من باب التعليل، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} .
وقوله: (أحدا) نكرة في سياق النهي، فتكون عامة لكل أحد.
والشاهد من الآية: أن الرياء من الشرك، فيكون داخلا في النهي عنه.
(10/709)

وعن أبي هريرة مرفوعا: قال: قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه» . رواه مسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفي هذه الآية دليل على ملاقاة الله تعالى، وقد استدل بها بعض أهل العلم على ثبوت رؤية الله؛ لأن الملاقاة معناها المواجهة.
وفيه دليل على أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشر لا يستحق أن يعبد؛ لأنه حصر حاله بالبشرية، كما حصر الألوهية بالله.
قوله في حديث أبي هريرة: " قال الله تعالى ". هذا الحديث يرويه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ربه، ويسمى هذا النوع بالحديث القدسي.
قوله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك» . قوله: " أغنى ". اسم تفضيل، وليست فعلا ماضيا، ولهذا أُضيفت إلى الشركاء.
يعني: إذا كان بعض الشركاء يستغني عن شركته مع غيره، فالله أغنى الشركاء عن المشاركة.
فالله لا يقبل عملا له فيه شرك أبدا، ولا يقبل إلا العمل الخالص له وحده، فكما أنه الخالق له وحده، فكيف تصرف شيئا من حقه إلى غيره؟ ! فهذا ليس عدلا، ولهذا قال الله عن لقمان: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ،
(10/710)

فالله الذي خلقك، وأعدك إعدادا كاملا بكل مصالحك، وأمدك بما تحتاج إليه، ثم تذهب وتصرف شيئا من حقه إلي غيره؟ ! فلا شك أن هذا من أظلم الظلم.
قوله: " عملا ". نكرة في سياق الشرط، فتعم أي عمل من صلاة، أو صيام، أو حج، أو جهاد، أو غيره.
قوله: " تركته وشركه ". أي: لم أثبه على عمله الذي أشرك فيه.
وقد يصل هذا الشرك إلى حد الكفر، فيترك الله جميع أعماله؛ لأن الشرك يحبط الأعمال إذا مات عليه.
والمراد بشركه: عمله الذي أشرك فيه، وليس المراد شريكه؛ لأن الشريك الذي أشرك به مع الله قد لا يتركه، كمن أشرك نبيا أو وليا؛ فإن الله لا يترك ذلك النبي والولي.
ويستفاد من هذا الحديث:
1 - بيان غنى الله تعالى؛ لقوله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك» .
2 - بيان عظم حق الله، وأنه لا يجوز لأحد أن يشرك أحدا مع الله في حقه.
3 - بطلان العمل الذي صاحبه الرياء؛ لقوله: " تركته وشركه ".
4 - تحريم الرياء؛ لأن ترك الإنسان وعمله، وعدم قبوله يدل على الغضب، وما أوجب الغضب، فهو محرم.
5 - أن صفات الأفعال لا حصر لها؛ لأنها متعلقة بفعل الله، ولم يزل الله ولا يزال فعالا.
(10/711)

وعن أبي سعيد مرفوعا: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلي. قال: " الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته؛ لما يري من نظر رجل إليه» . رواه أحمد (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله في حديث أبي سعيد: " ألا ". أداة عَرض، والغرض منه تنبيه المخاطب، فهو أبلغ من عدم الإتيان بها.
قوله: " بما هو ". ما: اسم موصول بمعنى الذي.
قوله: «أخوف عليكم عندي» . أي عند الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رحمته بالمؤمنين يخاف عليهم كل الفتن، وأعظم فتنة في الأرض هي فتنة المسيح الدجال، لكن خوف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من فتنة هذا الشرك الخفي أشد من خوفه من فتنة المسيح الدجال، وإنما كان كذلك؛ لأن التخلص منه صعب جدا، ولذلك قال بعض السلف: " ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص "، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه» ، ولا يكفي مجرد اللفظ بها، بل لا بد من إخلاص وأعمال يتعبد بها الإنسان لله - عز وجل -.
قوله: " المسيح الدجال ". المسيح؛ أي: ممسوح العين اليمنى، فذكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عيبين في الدجال:
__________
(1) الإمام أحمد (3 / 30) وابن ماجة: كتاب الزهد / باب الرياء والسمعة، والحاكم (4/ 329) وصححه
(10/712)

أحدهما: حسي، وهو أن الدجال أعور العين اليمنى؛ كما قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله لا يخفى عليكم، إنه ليس بأعور وإن الدجال أعور العين اليمنى» .
والثاني: معنوي، وهو الدجال، فهو صيغة مبالغة، أو يقال بأنه نسبة إلى وصف الملازم له، وهو الدجل والكذب والتمويه، وهو رجل من بني آدم، ولكن الله - سبحانه وتعالى - بحكمته يخرجه ليفتن الناس به، وفتنته عظيمة؛ إذ ما في الدنيا منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أشد من فتنة الدجال.
والمسيح الدجال ثبتت به الأحاديث، واشتهرت حتى كان من المعلوم بالضرورة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أمته أن يتعوذوا بالله منه في كل صلاة، وقد حاول بعض الناس إنكاره وقالوا: ما ورد من صفته متناقض ولا يمكن أن يصدق به، ولكن هؤلاء يقيسون الأحاديث بعقولهم وأهوائهم، وقدرة الله بقدرتهم، ويقولون: كيف يكون اليوم عن سنة والشمس لها نظام لا تتعداه؟ وهذا لا شك جهل منهم بالله؛ فالذي جعل هذا النظام هو الله، وهو القادر على أن يغيره متى شاء؛ فيوم القيامة تُكَوَّر الشمس، وتتكدر النجوم، وتكشط السماء، كل ذلك بكلمة " كن "، وردّ هذه الأحاديث بمثل هذه التعاليل دليل على ضعف الإيمان، وعدم تقدير الله حق قدره، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر: 67] .
فالذي نؤمن به أنه سَيَخرُج في آخر الزمان، ويحصل منه كل ما ثبت عن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ونؤمن أن الله على كل شيء قدير، وأنه قادر على أن يبعث على الناس
(10/713)

من يفتنهم عن دينهم؛ ليتميز المؤمن من الكافر والخبيث من الطيب، مثل ما ابتلى الله بني إسرائيل بالحيتان يوم سبتهم شرّعا، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، ومثل ما ابتلى الله المؤمنين بأن أرسل عليهم الصيد وهم حُرُم، تناله أيديهم ورماحهم؛ ليعلم الله من يخافه بالغيب، وقد يبتلي الله أفراد الناس بأشياء يمتحنهم بها، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} [الحج: 11] .
قوله: " الشرك الخفي ". الشرك قسمان: خفي، وجلي.
فالجَلي: ما كان بالقول، مثل الحلف بغير الله، أو قول ما شاء الله وشئت، أو بالفعل مثل: مثل الانحناء لغير الله تعظيما.
والخفي: ما كان في القلب، مثل: الرياء؛ لأنه لا يبين، إذ لا يعلم ما في القلوب إلا الله، ويسمى أيضا " شرك السرائر ". وهذا هو الذي بينه الله بقوله: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق: 9] ؛ لأن الحساب يوم القيامة على السرائر، قال تعالى: {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} [العاديات: 9 - 10] ، وفي الحديث الصحيح فيمن كان يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله: أنه «يلقى في النار حتى تندلق أقتاب بطنه، فيدور عليها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار، فيسألونه، فيخبرهم أنه كان يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله» .
قوله: «يقوم الرجل، فيصلي فيزين صلاته» . يتساوى في ذلك الرجل
(10/714)

والمرأة، والتخصيص هنا يسمى مفهوم اللَّقب، أي أن الحكم يُعَلَّق بما هو أشرف، لقصد التخصيص، ولكن لضرب المثل.
قوله: " فيزين صلاته ". أي: يحسنها بالطمأنينة، ورفع اليدين عند التكبير، ونحو ذلك.
قوله: «لما يرى من نظر الرجل إليه» . " ما " موصولة، وحذف العائد؛ أي: للذي يراه من نظر رجل، وهذه هي العلة لتحسين الصلاة؛ فقد زين صلاته ليراه هذا الرجل، فيمدحه بلسانه، أو يعظمه بقلبه، وهذا شرك.
(10/715)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الكهف. الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله. الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى. الرابعة: أن من الأسباب أنه تعالى خير الشركاء. الخامسة: خوف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -على أصحابه من الرياء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الكهف، وسبق الكلام عليها.
الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله. وذلك لقوله: " تركته وشركه "، وصار عظيما؛ لأنه ضاع على العامل خسارا، وفحوى الحديث تدل على غضب الله - عز وجل - من ذلك.
الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى. يعني: الموجب للرد هو كمال غنى الله - عز وجل - عن كل عمل فيه شرك، وهو غني عن كل عمل، لكن العمل الصالح يقبله ويثيب عليه.
الرابعة: أن من الأسباب أنه تعالى خير الشركاء. أي: من أسباب رد العمل إذا أشرك فيه العامل مع الله أحدا، أن الله خير الشركاء، فلا ينازع من جعل شريكا له فيه.
الخامسة: خوف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أصحابه من الرياء. وذلك لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال» . وإذا كان يخاف ذلك على أصحابه، فالخوف على من بعدهم من ذلك من باب أولى.
(10/716)

السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر الرجل إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه. وهذا التفسير ينطبق تماما على الرياء؛ فيكون أخوف علينا عند رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من المسيح الدجال.
ولم يذكر المؤلف مسألة خوف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أمته من المسيح الدجال؛ لأن المقام في الرياء لا فيما يخافه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أمته.
(10/717)

باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " من الشرك ". " من " للتبعيض؛ أي: بعض الشرك.
قوله: " الدنيا ". مفعول بإرادة؛ لأن إرادة مصدر مضاف إلى فاعله، وإذا أردت أن تعرف المصدر إن كان مضافا إلى فاعله أو مفعوله، فحوله إلى فعل مضارع مقرون بأن، فإذا قلنا: باب من الشرك أن يريد الإنسان بعمله الدنيا، فالإنسان فاعل، وعلى هذا، فإرادة مصدر مضاف إلى فاعله، والدنيا مفعول به.
وعنوان الباب له ثلاثة احتمالات:
الأول: أن يكون مكررا مع ما قبله، وهذا بعيد أن يكتب المؤلف ترجمتين متتابعتين لمعنى واحد.
الثاني: أن يكون الباب الذي قبله أخص من هذا الباب؛ لأنه خاص في الرياء، وهذا أعم، وهذا محتمل.
الثالث: أن يكون هذا الباب نوعا مستقلا عن الباب الذي قبله، وهذا هو الظاهر؛ لأن الإنسان في الباب السابق، يعمل رياء، يريد أن يمدح في العبادة، فيقال: هو عابد، ولا يريد النفع المادي.
وفي هذا الباب لا يريد أن يمدح بعبادته، ولا يريد المراءاة، بل يعبد الله مخلصا له، ولكنه يريد شيئا من الدنيا كالمال، والمرتبة، والصحة في نفسه، وأهله وولده وما أشبه ذلك، فهو يريد بعمله نفعا في الدنيا، غافلا عن ثواب الآخرة.
(10/718)

أمثلة تبين كيفية إرادة الإنسان بعمله الدنيا:
1 - أن يريد المال؛ كمن أذن ليأخذ راتب المؤذن، أو حج ليأخذ المال.
2 - أن يريد المرتبة؛ كمن تعلم في كلية ليأخذ الشهادة فترتفع مرتبته.
3 - أن يريد دفع الأذى والأمراض والآفات عنه؛ كمن تعبد الله كي يجزيه الله بهذا في الدنيا بمحبة الخلق له ودفع السوء عنه، وما أشبه ذلك.
4 - أن يتعبد لله يريد صرف وجوه الناس إليه بالمحبة والتقدير.
وهناك أمثلة كثيرة.
تنبيه:
فإن قيل: هل يدخل من يتعلمون في الكليات، أو غيرها يريدون شهادة، أو مرتبة بتعلمهم؟
فالجواب: أنهم يدخلون في ذلك إذا لم يريدوا غرضا شرعيا، فنقول لهم: أولا: لا تقصدوا بذلك المرتبة الدنيوية، بل اتخذوا هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق؛ لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات، والناس لا يستطيعون الوصول إلى منفعة الخلق إلا بهذه الوسيلة، وبذلك تكون النية سليمة.
ثانيا: أن من أراد العلم لذاته قد لا يجده إلا في الكليات، فيدخل الكلية، أو نحوها لهذا الغرض، وأما بالنسبة للمرتبة، فإنها لا تهمه.
ثالثا: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين؛ - حسنى الدنيا وحسنى الآخرة -، فلا شيء عليه؛ لأن الله يقول: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 3 - 2] ، فرغبه في التقوى بذكر المخرج من كل ضيق والرزق من حيث لا يحتسب.
(10/719)

فإن قيل: من أراد بعمله الدنيا كيف يقال إنه مخلص مع أنه أراد المال مثلا؟
أجيب: إنه أخلص العبادة، ولم يرد بها الخلق إطلاقا، فلم يقصد مراءاة الناس ومدحهم، بل قصد أمرا ماديا، فإخلاصه ليس كامل؛ لأن فيه شركا، ولكن ليس كشرك الرياء يريد أن يمدح بالتقرب إلى الله، وهذا لم يرد مدح الناس بذلك، بل أراد شيئا دنيئا غيره.
ولا مانع أن يدعو الإنسان في صلاته ويطلب أن يرزقه الله المال، ولكن لا يصلي من أجل هذا الشيء، فهذه مرتبة دنيئة.
أما طلب الخير في الدنيا بأسبابه الدنيوية؛ كالبيع، والشراء، والزراعة، فهذا لا شيء فيه، والأصل أن لا نجعل في العبادات نصيبا من الدنيا، وقد سبق البحث في حكم العبادة إذا خالطها الرياء في باب الرياء.
ملاحظة:
بعض الناس عندما يتكلمون على فوائد العبادات يحولونها إلى فوائد دنيوية. فمثلا يقولون: في الصلاة رياضة وإفادة الأعصاب، وفي الصيام فائدة إزالة الرطوبة وترتيب الوجبات، والمفروض ألا نجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل؛ لأن الله لم يذكر ذلك في كتابه، بل ذكر أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وعن الصوم أنه سبب للتقوى؛ فالفوائد الدينية في العبادات هي الأصل والدنيوية ثانوية، لكن عندما نتكلم عند عامة الناس، فإننا نخاطبهم بالنواحي الدينية، وعندما نتكلم عند من لا يقتنع إلا بشيء مادي؛ فإننا نخاطبه بالنواحي الدينية والدنيوية، ولكل مقام مقال.
(10/720)

وقول الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} [هود: 15] الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي: البقاء في الدنيا.
قوله: (وزينتها) . أي: المال، والبنين، والنساء، والحرث، والأنعام، والخيل المسومة، كما قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [آل عمران: 14] .
قوله: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ} فعل مضارع معتل الآخر، مجزوم بحذف حرف العلة - الياء -؛ لأنه جواب الشرط.
والمعني: أنهم يعطون ما يريدون في الدنيا، ومن ذلك الكفار لا يسعون إلا للدنيا وزينتها، فعجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف: 20] .
ولهذا «لما بكى عمر حين رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد أثر في جنبه الفراش، فقال: " ما يبكيك؟ ". قال: يا رسول الله! كسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من نعيم وأنت على هذا الحال. فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم» ، وفي الحقيقة هي ضرر عليهم؛ لأنهم إذا انتقلوا من دار النعيم إلى
(10/721)

الجحيم، صار عليهم أشد وأعظم في فقد ما متعوا به في الدنيا.
قوله: {وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} . البخس: النقص؛ أي: لا ينقصون مما يجازون فيه؛ لأن الله عدل لا يظلم، فيعطون ما أرادوه.
قوله: (أولئك) . المشار إليه الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها.
قوله: {لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ} . فيه حصر، وطريقة النفي والإثبات، وهذا يعني أنهم لن يدخلوا الجنة؛ لأن الذي ليس له إلا النار محروم من الجنة والعياذ بالله.
قوله: {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا} . الحبوط: الزوال؛ أي: زال عنهم ما صنعوا في الدنيا.
قوله: {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . (باطل) : خبر مقدم لأجل مراعاة الفواصل في الآيات والمبتدأ " ما " في قوله: {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، فأثبت الله أنه ليس لهؤلاء إلا النار، وأن ما صنعوا في الدنيا قد حبط، وأن أعمالهم باطلة.
وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} مخصوصة بقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 18] .
فإن قيل: لماذا لا نجعل آية هود حاكمة على آية الإسراء، ويكون الله توعد من يريد العاجلة في الدنيا أن يجعل له ما يشاء لمن يريد؟ ثم وعد أن يعطيه ما يشاء؟
أجيب: إن هذا المعنى لا يستقيم لأمرين:
أولا: أن القاعدة الشرعية في النصوص أن الأخص مقدم على الأعم، وآية هود عامة؛ لأن كل من أراد الحياة الدنيا وزينتها وفي إليه العمل، وأعطي ما
(10/722)

أراد أن يعطى، أما آية الإسراء، فهي خاصة: {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} [الإسراء: 18] ، ولا يمكن أن يحكم بالأعم على الأخص.
الثاني: أن الواقع يشهد على ما تدل عليه آية الإسراء؛ لأن في فقراء الكفار من هو أفقر من فقراء المسلمين؛ فيكون عموم آية هود مخصوصا بآية الإسراء، فالأمر موكول إلى مشيئة الله وفيمن يريده.
واختلف فيمن نزلت فيه آية هود:
1 - قيل: نزلت في الكفار؛ لأن الكافر لا يريد إلا الحياة الدنيا، ويدل لهذا سياقها والجزاء المرتب على هذا، وعليه يكون وجه مناسبتها للترجمة أنه إذا كان عمل الكافرين يراد به الدنيا، فكل من شاركهم في شيء من ذلك؛ ففيه شيء من شر كهم وكفرهم.
2 - وقيل: نزلت في المرائين؛ لأنهم لا يعملون إلا للدنيا، فلا ينفعهم يوم القيامة.
3 - وقيل: نزلت فيمن يريد مالا بعمله الصالح.
والسياق يدل للقول الأول؛ لقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 16] .
تنبيه:
اقتصر المؤلف - رحمه الله - على الإشارة إلى تكميل الآية الأولى، وزدنا الآية التالية سهوا وعسى أن يكون خيرا.
(10/723)

وفي الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: «تعس عبد الدينار؛ تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة؛ إن أعطي رضي، وإن لم يعط؛ سخط، تعس وانتكس؛ وإذا شيك فلا انتقش. طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن إستاذن لم يؤذن له، وإن شفع، لم يشفع» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " وفي الصحيح عن أبي هريرة ". سبق الكلام على قول المؤلف: " وفي الصحيح " في باب تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله.
قوله " تعس ". بفتح العين، أو كسرها؛ أي خاب وهلك.
قوله: " عبد الدينار ". الدينار: هو النقد من الذهب، والدينار الإسلامي زنته مثقال، وسماه عبد الدينار؛ لأنه تعلق به تعلق العبد بالرب، فكان أكبر همه، وقدمه على طاعة ربه، ويقال في عبد الدرهم ما قيل في عبد الدينار، والدرهم هو النقد من الفضة، وزنة الدرهم الإسلامي سبعة أعشار المثقال؛ فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل.
وقد أراد المؤلف لهذا الحديث أن يتبين أن من الناس من يعبد الدنيا؛ أي: يتذلل لها ويخضع لها، وتكون مناه وغايته، فيغضب إذا فقدت ويرضى إذا وجدت، ولهذا سمى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من هذا شأنه عبدا لها، وهذا من يعنى بجمع
(10/724)

المال من الذهب والفضة، فيكون مريدا بعمله الدنيا.
قوله: «تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة» . وهذا من يعني بمظهره، وأثاثه؛ لأن الخميصة كساء جميل، والخميلة فراش وثير، ليس له هم إلا هذا الأمر، فإذا كان عابدا لهذه الأمور؛ لأنه صرف لها جهوده وهمته؛ فكيف بمن أراد بالعمل الصالح شيئا من الدنيا، فجعل الدين وسيلة للدنيا؟ ! فهذا أعظم.
قوله: «إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط» . يحتمل أن يكون المعطي هو الله، فيكون الإعطاء قدريا؛ أي: إن قدر الله له الرزق والعطاء رضي وانشرح صدره، وإن منع وحرم المال سخط بقلبه وقوله، كأن يقول: لماذا كنت فقيرا وهذا غنيا؟ وما أشبه ذلك؛ فيكون ساخطا على قضاء الله وقدره؛ لأن الله منعه.
والله - سبحانه وتعالى - يعطي ويمنع لحكمة، ويعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب.
والواجب على المؤمن أن يرضى بقضاء الله وقدره؛ إن أعطي شكر، وأن منع صبر.
ويحتمل أن يراد بالإعطاء هنا الإعطاء الشرعي؛ أي: إن أعطي من مال يستحقه من الأموال الشرعية رضي، وإن لم يعط سخط، وكلا المعنيين حق، وهما يدلان على أن هذا الرجل لا يرضى إلا للمال، ولا يسخط إلا له، ولهذا سماه الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عبدا له.
قوله: " تعس وانتكس ". تعس؛ أي: خاب وهلك، وانتكس، أي: انتكست عليه الأمور بحيث لا تتيسر له، فكلما أراد شيئا انقلبت عليه الأمور خلاف ما يريد، ولهذا قال: " وإذا شيك فلا انتقش ". أي إذا أصابته شوكة؛ فلا يستطيع أن يزيل ما
(10/725)

يؤذيه عن نفسه.
وهذه الجمل الثلاث يحتمل خبرا منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن حال هذا الرجل، وأنه في تعاسة وانتكاس، وعدم خلاص من الأذى، ويحتمل أن يكون من باب الدعاء على من هذه حاله؛ لأنه لا يهتم إلا للدنيا، فدعا عليه أن يهلك، وأن لا يصيب من الدنيا شيئا، وأن لا يتمكن من إزالة ما يؤذيه، وقد يصل إلى الشرك عندما يصده ذلك عن طاعة الله حتى أصبح لا يرضى إلا للمال، ولا يسخط إلا له.
قوله: «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله» . هذا عكس الأول؛ فهو لا يهتم للدنيا، وإنما يهتم للآخرة، فهو في استعداد دائم للجهاد في سبيل الله.
و" طوبى ". فُعلى من الطيب، وهي اسم تفضيل، فأطيب للمذكر، وطوبى للمؤنث، والمعني: أطيب حال تكون لهذا الرجل، وقيل: إن طوبى شجرة في الجنة، والأول أعم؛ كما قالوا في ويل: كلمة وعيد، وقيل: واد في جهنم، والأول أعم.
وقوله: " آخذ بعنان فرسه ". أي: ممسك بمقود فرسه الذي يقاتل عليه.
قوله: " في سبيل الله ". ضابطه أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا لا للحمية، أو الوطنية، أو ما أشبه ذلك، لكن إن قاتل وطنية، وقصد حماية وطنه لكونه بلدا إسلاميا يجب الذود عنه؛ فهو في سبيل الله، وكذلك من قاتل دفاعا عن نفسه، أو ماله، أو أهله، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من قُتل دون ذلك، فهو شهيد» ، فأما من قاتل للوطنية المحضة، فليس في سبيل الله؛ لأن هذا قتال عصبية يستوي فيه المؤمن والكافر، فإن الكافر يقاتل من أجل وطنه.
قوله: «أشعث رأسه، مغبرة قدماه» . أي: رأسه أشعث من الغبار في سبيل
(10/726)

الله، فهو لا يهتم بحاله ولا بدنه ما دام هذا الأمر ناتجا عن طاعة الله - عز وجل -، وقدماه مغبرة في السير في سبيل الله، وهذا دليل على أن أهم شيء عنده هو الجهاد في سبيل الله، أما أن يكون شعره، أو ثوبه، أو فراشه نظيفا، فليس له هم فيه.
قوله: «إن كان في الحراسة؛ فهو في الحراسة، وإن كان في الساقة؛ فهو في الساقة» . الحراسة والساقة ليست من مقدم الجيش، فالحراسة: أن يحرس الإنسان الجيش، والساقة: أن يكون في مؤخرته، وللجملتين معنيان:
أحدهما: أنه لا يبالي أين وضع، إن قيل له: احرس حرس، وإن قيل له: كن في الساقة كان فيها، فلا يطلب مرتبة أعلى من هذا المحل، كمقدم الجيش مثلا.
الثاني: إن كان في الحراسة أدى حقها، وكذا إن كان في الساقة، والحديث الصالح لمعنيين، يحمل عليهما جميعا إذا لم يكن بينهما تعارض، ولا تعارض هنا.
قوله: «إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع» . أي: هو عند الناس ليس له جاه ولا شرف، حتى إن استأذن لم يؤذن له، وهكذا عند أهل السلطة ليس له مرتبة؛ فإن شفع لم يشفع، ولكنه وجيه عند الله، وله المنزلة العالية؛ لأنه يقاتل في سبيله.
والشفاعة: هي التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة.
والاستئذان: طلب الإذن بالشيء. والحديث قسم الناس إلى قسمين:
الأول: ليس له هم إلا الدنيا؛ أما لتحصيل المال، أو لتجميل الحال؛ فقد
(10/727)

استعبدت قلبه حتى أشغلته عن ذكر الله وعبادته.
الثاني: أكبر همه الآخرة؛ فهو يسعى لها في أعلى ما يكون مشقة وهو الجهاد في سبيل الله، ومع ذلك أدى ما يجب عليه من جميع الوجوه.
ويستفاد من الحديث:
1 - أن الناس قسمان كما سبق.
2 - أن الذي ليس له هم إلا الدنيا قد تنقلب عليه الأمور، ولا يستطيع الخلاص من أدنى أذية وهي الشوكة، بخلاف الحازم الذي لا تهمه الدنيا، بل أراد الآخرة ولم ينس نصيبه من الدنيا، وقنع بما قدره الله له.
3 - أنه ينبغي لمن جاهد في سبيل الله ألا تكون همه المراتب، بل يكون همه القيام بما يجب عليه، إما في الحراسة، أو الساقة، أو القلب، أو الجنب، حسب المصلحة.
4 - أن دنو مرتبة الإنسان عند الناس لا يستلزم منه دنو مرتبته عند الله - عز وجل -، فهذا الرجل الذي إن شفع لم يشفع، وإن استأذن لم يؤذن له قال فيه الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " طوبى له "، ولم يقل: إن سأل لم يعط، بل لا تهمه الدنيا حتى يسأل عنها، لمن يهمه الخير فيشفع للناس، ويستأذن للدخول على ذوي السلطة للمصالح العامة.
(10/728)

فيه مسائل:
الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة. الثانية: تفسير آية هود. الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة. الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط. الخامسة: قوله " تعس وانتكس ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة. وهذا من الشرك؛ لأنه جعل عمل الآخرة وسيلة لعمل الدنيا، فيطغى قلبه حب الدنيا حتى يقدمها على الآخرة، والحزم والإخلاص أن يجعل عمل الدنيا للآخرة.
الثانية: تفسير آية هود. وقد سبق ذلك.
الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة. وهذه العبودية لا تدخل في الشرك ما لم يصل بها إلى حد الشرك، ولكنها نوع آخر يخل بالإخلاص؛ لأنه جعل في قلبه محبة زاحمت محبة الله - عز وجل - ومحبة أعمال الآخرة.
الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط. هذا تفسير لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عبد الدينار، عبد الدرهم، عبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط» ، وهذه علامة عبوديته لهذه الأشياء أن يكون رضاه وسخطه تابعا لهذه الأشياء.
الخامسة: قوله: " تعس وانتكس ".
(10/729)

السادسة: قوله: " وإذا شيك فلا انتقش ". السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السادسة: قوله: " إذا شيك فلا انتقش " يحتمل أن تكون الجمل الثلاث خبرا، أو دعاء، وسبق شرح ذلك.
السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات. فقوله في الحديث: «" طوبى لعبد....» يدل على الثناء عليه، وأنه هو الذي يستحق أن يمدح لا أصحاب الدراهم والدنانير، وأصحاب الفرش والمراتب.
(10/730)

باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله
أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " من أطاع العلماء ". " من " يحتمل أن تكون شرطية؛ بدليل قوله: " فقد اتخذهم "؛ لأنه جواب الشرط، ويحتمل أن تكون موصولة؛ أي: " باب الذي أطاع العلماء ".
قوله: " فقد اتخذهم ". خبر المبتدأ، وقرنت بالفاء؛ لأن الاسم الموصول كالشرط في العموم، وعلى الأول تقرأ: " باب " بالتنوين، وعلى الثاني بدون تنوين، والأول أحسن.
والمراد بالعلماء: العلماء بشرع الله، والأمراء: أولو الأمر المنفذون له، وهذان الصنفان هم المذكوران في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] ، فجعل الله طاعته مستقلة، وطاعة رسوله مستقلة، وطاعة أولي الأمر تابعة، ولهذا لم يكرر الفعل (أطيعوا) ؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وأولو الأمر: هم أولو الشأن، وهم العلماء؛ لأنه يستند إليهم في أمر الشرع والعلم به، والأمراء؛ لأنه يستند إليهم في تنفيذ الشرع وإمضائه، وإذا استقام العلماء والأمراء استقامت الأمور، وبفسادهم تفسد الأمور؛ لأن العلماء أهل الإرشاد والدلالة، والأمراء أهل الإلزام والتنفيذ.
قوله: " في تحريم ما أحل الله ". أي: في جعله حراما؛ أي: عقيدة أو عملا.
" أو تحليل ما حرم الله ". أي: في جعله حلالا عقيدة أو عملا؛ فتحريم ما
(10/731)

وقال ابن عباس: " «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء،»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أحل الله لا ينقص درجة في الإثم عن تحليل ما حرم الله، وكثير من ذوي الغيرة من الناس تجدهم يميلون إلى تحريم ما أحل الله أكثر من تحليل الحرام، بعكس المتهاونين، وكلاهما خطأ، ومع ذلك، فإن تحليل الحرام فيما الأصل فيه الحل أهون من تحريم الحلال؛ لأن تحليل الحرام إذا لم يتبين تحريمه فهو مبني على الأصل، وهو الحل، ورحمة الله - سبحانه - سبقت غضبه، فلا يمكن أن نحرم إلا ما تبين تحريمه؛ ولأنه أضيق وأشد، والأصل أن تبقى الأمور على الحل والسعة حتى يتبين التحريم.
أما في العبادات فيشدد؛ لأن الأصل المنع والتحريم حتى يبينه الشرع كما قيل:
والأصل في الأشياء حل ... وامنع عبادة إلا بإذن الشارع
قوله: " أربابا ". جمع رب، وهو المتصرف المالك.
والتصرف نوعان: تصرف قدري، وتصرف شرعي. فمن أطاع العلماء في مخالفة أمر الله ورسوله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله باعتبار التصرف الشرعي؛ لأنه اعتبرهم مشرعين، واعتبر تشريعهم شرعا يعمل به، وبالعكس الأمراء.
قول ابن عباس: " حجارة من السماء ". أي: من فوق تنزل عليكم عقوبة لكم، ونزول الحجارة من السماء ليس بالأمر المستحيل، بل هو ممكن، قال تعالى في أصحاب الفيل: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} [الفيل: 3 - 4] ،
(10/732)

«أقول: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقال تعالى في قوم لوط: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [القمر: 34] .
والحاصب: الحجارة تحصبهم من السماء.
قوله: " أقول: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ ! ". أبو بكر وعمر أفضل هذه الأمة، وأقربها إلى الصواب، قال النبي - صلي الله عليه وسلم -: «إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا» (1) . رواه مسلم، وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» . (2)
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» . (3)
ولم يعرف عن أبي بكر أنه خالف نصا في رأيه، فإذا كان قول أبي بكر وعمر إذا عارض الإنسان بقولهما قول الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإنه يوشك أن تنزل عليه حجارة من السماء؛ فما بالك بمن يعارض قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمن هو دون أبي بكر وعمر؟ ! والفرق بين ذلك كما بين السماء والأرض؛ فيكون هذا أقرب للعقوبة.
__________
(1) الإمام أحمد في المسند بنحوه، والخطيب في الفقيه والمتفقه (1/145)
(2) الإمام احمد في (المسند) (5/382) ، والترمذي: كتاب المناقب/ باب في مناقب أبي بكر وعمر/ وابن ماجة في (المقدمة) (1/37) .
(3) الإمام احمد في (المسند) (4/126) ، وأبو داود: كتاب السنة/باب في لزوم السنة، وابن ماجة في (المقدمة) (1/15) ، وصححه شيخ الإسلام ابن تميمة في (الفتاوى) (28/ 493) ، والحاكم ووافقه الذهبي (1-150) ، وابن رجب في (جامع العلوم) (ص 246) .
(10/733)

وقال أحمد بن حنبل: " عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] . أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفي الأثر التحذير عن التقليد الأعمى والتعصب المذهبي الذي ليس مبنيا على أساس سليم.
وبعض الناس يرتكب خطأ فاحشا إذا قيل له: قال رسول الله - صلى الله عيه وسلم -، قال: لكن في الكتاب الفلاني كذا وكذا؛ فعليه أن يتقي الله الذي قال في كتابه: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65] ، ولم يقل ماذا أجبتم فلانا وفلانا، أما صاحب الكتاب، فإنه إن علم أنه يحب الخير، ويريد الحق، فإنه يدعى له بالمغفرة والرحمة إذا أخطأ، ولا يقال: إنه معصوم، يعارض بقوله قول الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قول أحمد - رحمه الله -: " عجبت " العجب نوعان:
الأول: عجب استحسان؛ كما في حديث عائشة - رضي الله عنها -: «كان الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعجبه التيمن في شأنه كله: في طهوره، وترجله، وتنعله» .
(10/734)

الثاني: عجب إنكار؛ كما في قوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات:12] ، والعجب في كلام الإمام أحمد هنا عجب إنكار.
قوله: " الإسناد ". المراد به هنا رجال السند لا نسبة الحديث إلى راويه؛ أي: عرفوا صحة الحديث بمعرفة رجاله.
قوله: " يذهبون إلى رأي سفيان ". أي: سفيان الثوري؛ لأنه صاحب المذهب المشهور، وله أتباع لكنهم انقرضوا، فهم يذهبون إلى رأي سفيان، وهو من الفقهاء ويتركون ما جاء به الحديث!
قوله: " والله يقول: (فليحذر) ". الفاء عاطفة، واللام للأمر؛ ولهذا سكنت، وجزم الفعل بها، لكن حرك بالكسر، لالتقاء الساكن.
قوله: (عن أمره) . الضمير يعود للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ بدليل أول الآية قال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] .
فإن قيل: لماذا عدي الفعل بـ: (عن) مع أن (يخالف) يتعدى بنفسه؟ .
أجيب: أن الفعل ضمن معنى الإعراض، أي: يعرضون عن أمره زهدا فيه، وعدم مبالاة به.
و (أمره) : واحد الأوامر، وليس واحد الأمور؛ لأن الأمر هو الذي يخالف فيه، وهو مفرد مضاف، فيعم جميع الأوامر.
(فتنة) . الفتنة: فسرها الإمام أحمد بالشرك، وعلى هذا يكون الوعد بأحد أمرين: إما الشرك، وإما العذاب الأليم.
(10/735)

وعن عدي بن حاتم: أنه «سمع النبي - صلي الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] ، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ " فقلت: بلى، قال: " فتلك عبادتهم» . (1) رواه أحمد والترمذي وحسنه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله في حديث عدي بن حاتم: (اتخذوا) . الضمير يعود للنصارى؛ لأن اليهود لم يتخذوا المسيح ابن مريم إلها، بل ادعوا أنه ابن زانية، وحاولوا قتله، وادعوا أنهم قتلوه، ويحتمل أن يعود الضمير لليهود والنصارى جميعا، ويختص النصارى باتخاذ المسيح ابن مريم، وهذا هو المتبادر من السياق مع الآية التي قبلها.
قوله: ( {أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ} . الأحبار: جمع حبر، وحبر بفتح الحاء وكسرها، وهو العالم الواسع العلم، والرهبان: جمع راهب، وهو العابد الزاهد.
قوله: {أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} . أي: مشاركين لله - عز وجل - في التشريع؛ لأنهم يحلون ما حرم الله، فيحله هؤلاء الأتباع، ويحرمون ما أحل الله فيحرمه الأتباع.
قوله: {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} . أي: اتخذوه إلها مع الله، بدليل قوله
__________
(1) الترمذي: كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة التوبة.
(10/736)

تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} ، والعبادة: التذلل والخضوع، واتباع الأوامر، واجتناب النواهي.
قوله: {إِلَهًا وَاحِدًا} . هو الله - عز وجل -، وإله؛ أي: مألوه معبود مطاع، وليس بمعنى آله؛ أي: قادر على الاختراع، فإن هذا المعنى فاسد، ذهب إليه المتكلمون أو عامتهم، فيكون معنى (لا إله إلا الله) على هذا القول: لا رب إلا الله، وهذا ليس بالتوحيد المطلوب بهذه الكلمة؛ إذ لو كان كذلك لكان المشركون الذين قاتلهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - موحدين؛ لأنهم يقولون: لا رب إلا الله، قال تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون: 86] . وهذه إحدى القراءتين، وهي سبعيه.
قوله: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} . " سبحان ": اسم مصدر، وهي معمول، أو مفعول لفعل محذوف وجوبا تقديره يسبح سبحانا، أي: تسبيحا؛ لأن اسم المصدر بمعنى المصدر، فسبحان: مفعول مطلق عاملها محذوف وجوبا، وهي ملازمة للإضافة: إما إلى مضمر، كما في الآية: (سبحانه) ، أو إلى مظهر، كما في {سُبْحَانَ اللَّهِ} .
والتسبيح: التنزيه؛ أي: تنزيه الله عن كل نقص، ولا يحتاج أن نقول: ومماثلة المخلوقين؛ لأن المماثلة نقص، ولكن إذا قلناها، فذلك من باب زيادة الإيضاح حتى لا يظن أن تمثيل الخالق بالمخلوق في الكمال من باب الكمال، فيكون المعنى: تنزيه الله عن كل ما لا يليق به من نقص، أو مماثلة المخلوقين.
وقوله: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: مما سواه من المسيح ابن مريم، والأحبار والرهبان، فهو متنزه عن كل شرك وعن كل مشرك به.
قوله: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} . هذا من البلاغة في القرآن؛ لأنها جاءت محتملة
(10/737)

أن تكون " ما " مصدرية، فيكون المعنى عن شركهم، أو موصولة، ويكون المعنى: سبحان الله عن الذين يشركون به، وهي صالحة للأمرين؛ فتكون شاملة لهما؛ لأن الصحيح جواز استعمال المشترك في معنييه إذا لم يكن بينهما تعارض، فيكون التنزيه عن الشرك وعن المشرك به.
قوله: " إنا لسنا نعبدهم ". أي: لا نعبد الأحبار والرهبان، ولا نسجد لهم، ولا نركع، ولا نذبح، ولا ننذر لهم، وهذا صحيح بالنسبة للأحبار والرهبان، بدليل قوله: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ !» .
فإن هذا الوصف لا ينطبق على عيسى أبدا؛ لأنه رسول الله، فما أحله فقد أحله الله، وما حرمه فقد حرمه الله، وقد حاول بعض الناس أن يعل الحديث لهذا المعنى مع ضعف سنده، والحديث حسنه الترمذي، والألباني، وآخرون، وضعفه آخرون.
ويجاب على التعليل المذكور بأن قول عدي: «لسنا نعبدهم» . يعود على الأحبار والرهبان، أما عيسى ابن مريم، فالمعروف أنهم يعبدونه.
وبدأ بتحريم الحلال؛ لأنه أعظم من تحليل الحرام، وكلاهما محرم؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] .
قوله: " فتلك عبادتهم ". ووجه كونها عبادة: أن من معنى العبادة الطاعة، وطاعة غير الله عبادة للمطاع، ولكن بشرط أن تكون في غير طاعة الله، أما إذا كانت في طاعة الله فهي عبادة لله؛ لأنك أطعت غير الله في طاعة الله، كما لو أمرك أبوك بالصلاة فصليت، فلا تكون قد أباك أبوك بطاعتك له، ولكن عبدت الله؛ لأنك أطعت غير الله في طاعة الله؛ ولأن أمر غير الله بطاعة الله
(10/738)

وامتثال أمره هو امتثال لأمر الله.
ويستفاد من هذا الحديث:
1 - أن الطاعة بمعنى العبادة عبودية مقيدة.
2 - أن الطاعة في مخالفة شرع الله من عبادة المطاع، أما في عبادة الله، فهي عبادة لله.
3 - أن اتباع العلماء والعباد في مخالفة شرع الله من اتخاذهم أربابا.
واعلم أن اتباع العلماء، أو الأمراء في تحليل ما حرم الله، أو العكس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يتابعهم في ذلك راضيا بقولهم، مقدما له، ساخطا لحكم الله فهو كافر؛ لأنه كره ما أنزل الله، فأحبط الله عمله، ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر، فكل من كره ما أنزل الله، فهو كافر.
الثاني: أن يتابعهم في ذلك راضيا بحكم الله، وعالما بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد، ولكن لهوى في نفسه اختاره، كأن يريد مثلا وظيفة؛ فهذا لا يكفر، ولكنه فاسق وله حكم غيره من العصاة.
الثالث: أن يتابعهم جاهلا، فيظن أن ذلك حكم الله، فينقسم إلى قسمين:
أ - أن يمكنه أن يعرف الحق بنفسه، فهو مفرط أو مقصر، فهو آثم؛ لأن الله أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم.
ب - أن لا يكون عالما ولا يمكنه التعلم، فيتابعهم تقليدا، ويظن أن هذا هو الحق، فهذا لا شيء عليه؛ لأنه فعل ما أمر به، وكان معذور بذلك، ولذلك ورد عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من أفتي بغير علم، فإنما»
(10/739)

«إثمه على من أفتاه» ، لو قلنا: بإثمه بخطأ غيره، لزم من ذلك الحرج والمشقة، ولم يثق الناس بأحد لاحتمال خطئه.
فإن قيل: لماذا لا يكفر أهل القسم الثاني؟
أجيب: إننا لو قلنا بكفرهم لزم من ذلك تكفير كل صاحب معصية يعرف أنه عاص لله، ويعلم أنه حكم الله.
فائدة:
وصف الله الحاكمين بغير ما أنزل الله بثلاث أوصاف:
1 - قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .
2 - قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] .
3 - قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] .
واختلف أهل العلم في ذلك:
فقيل: إن هذه الأوصاف لموصوف واحد؛ لأن الكافر ظالم، لقوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] وفاسق؛ لقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} [السجدة: 20] ، أي: كفروا.
وقيل: إنها لموصفين متعددين، وإنها على حسب الحكم، وهذا هو الراجح.
فيكون كافرا في ثلاثة أحوال:
أ - إذا اعتقد جواز الحكم بغير الله ما أنزل الله، بدليل قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة:50] ،
(10/740)

فكل ما خالف حكم الله، فهو من حكم الجاهلية، بدليل الإجماع القطعي على أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله، فالمحل والمبيح للحكم بغير ما أنزل الله مخالف لإجماع المسلمين القطعي، وهذا كافر مرتد، وذلك كمن اعتقد حل الزنا، أو الخمر، أو تحريم الخبز، أو اللبن.
ب - إذا اعتقد أن حكم غير الله مثل حكم الله.
ج - إذا اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله.
بدليل قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] ، فتضمنت الآية أن حكم الله أحسن الأحكام، بدليل قوله تعالى مقررا ذلك: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8] . فإذا كان الله أحسن الحاكمين أحكاما، وهو أحكم الحاكمين، فمن ادعى أن حكم غير الله مثل حكم الله، أو أحسن فهو كافر؛ لأنه مكذب للقرآن.
ويكون ظالما: إذا اعتقد أن الحكم بما أنزل الله أحسن الأحكام، وأنه أنفع للعباد والبلاد، وأنه الواجب تطبيقه، ولكن حمله البغض والحقد للمحكوم عليه حتى حكم بغير ما أنزل الله، فهو ظالم.
ويكون فاسقا: إذا كان حكمه بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق، لكن حكم بغيره لهوى في نفسه؛ أي محبة لما حكم به لا كراهة لحكم الله، ولا ليضر أحدا به، مثل: أن يحكم لشخص لرشوة رشي إياها، أو لكونه قريبا أو صديقا، أو يطلب من ورائه حاجة، وما أشبه ذلك مع اعتقاده بأن حكم الله هو الأمثل والواجب اتباعه؛ فهذا فاسق، وإن كان أيضا ظالما، لكن وصف الفسق في حقه أولى من وصف الظلم.
(10/741)

أما بالنسبة لمن وضع قوانين تشريعية مع علمه بحكم الله وبمخالفة هذه القوانين لحكم الله، فهذا قد بدل الشريعة بهذه القوانين، فهو كافر؛ لأنه لم يرغب بهذا القانون عن شريعة الله إلا وهو يعتقد أنه الخير للعباد والبلاد من شريعة الله، وعندما نقول بأنه كافر؛ فنعني بذلك أن هذا الفعل يوصل إلى الكفر.
ولكن قد يكون الواضع له معذورا، مثل أن يغرر به، كأن يقال: إن هذا لا يخالف الإسلام، أو هذا من المصالح المرسلة، أو هذا مما رده الإسلام إلى الناس.
فيوجد بعض العلماء - وإن كانوا مخطئين - يقولون: إن مسألة المعاملات لا تعلق لها بالشرع، بل ترجع إلى ما يصلح الاقتصاد في كل زمان بحسبه، فإذا اقتضى الحال أن نضع بنوكا للربا، أو ضرائب على الناس، فهذا لا شيء فيه.
وهذا لا شك في خطئه؛ فإن كانوا مجتهدين غفر الله لهم، وإلا؛ فهم على خطر عظيم، واللائق بهؤلاء أن يلقبوا بأنهم من علماء الدولة لا علماء الملة.
ومما لا شك فيه أن الشرع جاء بتنظيم العبادات التي بين الإنسان وربه والمعاملات التي بين الإنسان مع الخلق في العقود والأنكحة والمواريث وغيرها؛ فالشرع كامل من جميع الوجوه، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] .
وكيف يقال: إن المعاملات لا تعلق لها بالشرع وأطول آية في القرآن نزلت في المعاملات، ولولا نظام الشرع في المعاملات لفسد الناس؟ !
وأنا لا أقول: نأخذ بكل ما قاله الفقهاء؛ لأنهم قد يصيبون وقد يخطئون، بل يجب أن نأخذ بكل ما قاله الله ورسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا يوجد حال
(10/742)

من الأحوال تقع بين الناس إلا في كتاب الله وسنة رسوله ما يزيل إشكالها ويحلها، ولكن الخطأ إما من نقص العلم أو الفهم، وهذا قصور، أو نقص التدبر، وهذا تقصير.
أما إذا وفق الإنسان بالعلم، والفهم، وبذل الجهد في الوصول إلى الحق، فلا بد أن يصل إليه حتى في المعاملات، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء:82] . وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون: 68] . وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29] . وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] . فكل شيء يحتاجه الإنسان في دينه أو دنياه؛ فإن القرآن بينه بيانا شافيا.
ومن سن قوانين تخالف الشريعة، وادعى أنها من المصالح المرسلة، فهو كاذب في دعواه؛ لأن المصالح المرسلة والمقيدة إن اعتبرها الشرع، ودل عليها فهي حق ومن الشرع، وإن لم يعتبرها؛ فليست مصالح، ولا يمكن أن تكون كذلك، ولهذا كان الصواب أنه ليس هناك دليل يسمى بالمصالح المرسلة، بل ما اعتبره الشرع، فهو مصلحة، وما نفاه، ليس بمصلحة، وما سكت عنه فهو عفو.
والمصالح المرسلة توسع فيها كثير من الناس، فأدخل فيها بعض المسائل المنكرة من البدع وغيرها؛ كعيد ميلاد الرسول، فزعموا أن فيه شحذا للهمم، وتنشيطا للناس؛ لأنهم نسوا ذكر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهذا باطل؛ لأن جميع المسلمين في كل صلاة يشهدون أن محمدا عبده ورسوله ويصلون عليه، والذي لا يحيى قلبه بهذا، وهو يصلي بين يدي ربه كيف يحيى قلبه بساعة يؤتى فيها بالقصائد الباطلة، التي فيها من الغلو ما ينكره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ ! فهذه مفسدة
(10/743)

وليست بمصلحة.
فالمصالح المرسلة وإن وضعها بعض أهل العلم المجتهدين الكبار؛ فلا شك أن مرادهم نصر الله ورسوله، ولكن استخدمت هذه المصالح في غير ما أراده أولئك العلماء وتوسع فيها، وعليه؛ فإنها تقاس بالمعيار الصحيح، فإن اعتبرها الشرع قبلت، وإلا؛ فكما قال الإمام مالك: " كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر " وهنالك قواعد كليات تطبق عليه الجزئيات.
وليعلم أنه يجب أن يجب على الإنسان أن يتقي ربه في جميع الأحكام؛ فلا يتسرع في البت بها خصوصا في التكفير الذي صار بعض أهل الغيرة والعاطفة يطلقونه بدون تفكير ولا روية، مع أن الإنسان إذا كفر شخصا ولم يكن الشخص أهلا له؛ عاد ذلك إلى قائله، وتكفير الشخص يترتب عليه أحكام كثيرة؛ فيكون مباح الدم والمال، ويترتب عليه جميع أحكام الكفر، وكما لا يجوز أن نطلق الكفر على شخص معين حتى يتبين شروط التكفير في حقه يجب أن لا نجبن عن تكفير من كفره الله ورسوله، ولكن يجب أن نفرق بين المعين وغير المعين؛ فالمعين يحتاج الحكم بتكفيره إلى أمرين:
1 - ثبوت أن هذه الخصلة التي قام بها مما يقتضي الكفر.
2 - انطباق شروط التكفير عليه، وأهمها بأن هذا مكفر، فإن كان جاهلا، فإنه لا يكفر، ولهذا ذكر العلماء أن من شروط إقامة الحد أن يكون عالما بالتحريم، هذا وهو إقامة حد وليس بتكفير، والتحرز من التكفير أولى وأحرى.
قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ، وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} .
(10/744)

[الإسراء: 15] ، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] . ولا بد من توفر الشروط من عدم الموانع، فلو قام الشخص بما يقتضي الكفر إكراها، أو ذهولا لم يكفر، لقوله تعالى: {كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] . ولقول الرجل الذي وجد دابته في مهلكة: «اللهم! أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» فلم يؤاخذ على بذلك.
(10/745)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النور. الثانية: تفسير آية براءة. الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي. الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النور. وهي قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . وسبق تفسيرها.
الثانية: تفسير آية براءة. وهي قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ... ) . الآية، وقد سبق ذلك.
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي؛ لأن العبادة هي التعبد لهم بالطاعة، والتذلل لهم بالركوع والسجود والنذر وما أشبهه، لكن بين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المراد من عبادتهم بأنها طاعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان. أي: إذا كان أبو بكر وعمر لا يمكن أن يعارض قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقولهما، فما بالك بمن عارض قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقول من دونهما؟ ! فهو أشد وأقبح، وكذلك مثل الإمام أحمد بسفيان الثوري، وأنكر على من أخذ برأيه، وترك ما صح به الإسناد عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، واستدل بقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} . الآية.
(10/746)

الخامسة: تحول الأحوال إلي هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الخامسة: تحول الأحوال إلي هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال. . . إلخ.
يقول المؤلف - رحمه الله تعالى -: تغيرت الأحوال إلى هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال. . . وهذا لا شك أنه أشد من معارضة قول الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقول أبي بكر وعمر.
ثم قال: " ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين "؛ أي: يركع ويسجد له، ويعظم تعظيم الرب، ويوصف بما لا يستحق، وهذا يوجد عند كثير من الشعراء الذين يمدحون الملوك والوزراء، وهم لا يستحقون أن يكونوا بمنزلة أبي بكر وعمر.
ثم قال: " وعبد بالمعنى الثاني ": وهو الطاعة والاتباع من هو من الجاهلين، فأطيع الجاهل في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، كما يوجد في بعض النظم والقوانين المخالفة للشريعة الإسلامية؛ فإن واضعيها جهال لا يعرفون من الشريعة ولا الأديان شيئا، فصاروا يعبدون بهذا المعنى، فيطاعون في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله.
وهذا في زمان المؤلف، فكيف بزماننا؟ ! وقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما رواه
(10/747)

البخاري، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: «لا يأتي زمان على الناس إلا وما بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم» ، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للصحابة: «ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا» ، وعصر الصحابة أقرب إلى الهدى من عصر من بعدهم.
والناس لا يحسون بالتغير؛ لأن الأمور تأتي رويدا رويدا، ولو غاب أحد مدة طويلة ثم جاء، لوجد التغير الكثير المزعج - نسأل الله السلامة -، فعلينا الحذر، وأن نعلم أن شرع الله يجب أن يحمى وأن يصان، ولا يطاع أحد في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله أبدا مهما كانت منزلته، وأن الواجب أن نكون عبادا لله - عز وجل - تذللا وتعبدا وطاعة.
(10/748)

باب قوله تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء:60] الآيات.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الباب له صلة قوية بما قبله؛ لأن ما قبله فيه حكم من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، وهذا فيه الإنكار على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله، وقد ذكر الشيخ - رحمه الله - فيه أربع آيات:
الآية الأولى: ما جعلها ترجمة للباب، وهي قوله تعالى: (ألم تر) .
الاستفهام يراد به التقرير والتعجب من حالهم، والخطاب للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قوله: {يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} . هذا يعين أن يكون الخطاب للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هنا، ولم يقل الذين آمنوا؛ لأنهم لم يؤمنوا، بل يزعمون ذلك وهم كاذبون.
والذي أنزل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الكتاب والحكمة، قال تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113] قال المفسرون: الحكمة السنة، وهم يزعمون أنهم آمنوا بذلك، لكن أفعالهم تكذب أقوالهم، حيث يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت لا إلى الله ورسوله.
قوله: {إِلَى الطَّاغُوتِ} . صيغة مبالغة من الطغيان، ففيه اعتداء وبغي،
(10/749)

والمراد به هنا كل حكم خالف حكم الله ورسوله، وكل حاكم يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله، أما الطاغوت بالمعنى الأعم فقد حده ابن القيم بأنه: " كل ما تجاوز العبد به حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع "، وقد تقدم الكلام عليه في أول كتاب التوحيد.
قوله: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا} أي: أمرهم الله بالكفر بالطاغوت أمرا ليس فيه لبس ولا خفاء، فمن أراد التحاكم إليه، فهذه الإرادة على بصيرة، إذ الأمر بين لهم.
قوله: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ} . جنس يشمل شياطين الإنس والجن.
قوله: {أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} أي: يوقعهم في الضلال البعيد عن الحق، ولكن لا يلزم من ذلك أن ينقلهم إلى الباطل مرة واحدة، ولكن بالتدريج.
فقوله: (بعيدا) . أي: ليس قريبا، لكن بالتدريج شيئا فشيئا حتى يوقعهم في الضلال البعيد.
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} أي: قال لهم الناس: أقبلوا {إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} من القرآن {وَإِلَى الرَّسُولِ} نفسه في حياته، وسنته بعد وفاته، والمراد هنا الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -نفسه في حياته.
قوله: {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} . الرؤية هنا رؤية حال لا رؤية بصر، بدليل قوله: (تعالوا) ، فهي تدل على أنهم ليسوا حاضرين عنده. والمعنى: كأنما تشاهدهم.
قوله: {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ} . إظهار في موضع الإضمار لثلاث فوائد:
الأولى: أن هؤلاء الذين يزعمون الإيمان كانوا منافقين.
(10/750)

الثانية: أن هذا لا يصدر إلا من منافق؛ لأن المؤمن حقا لا بد أن ينقاد لأمر الله ورسوله بدون صدود.
الثالثة: التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد قد يغفل الإنسان عنه، فإذا تغير، حصل له انتباه.
قوله: {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ} جواب " إذا "، وكلمة " صد " تستعمل لازمة؛ أي: يوصف به الشخص ولا يتعداه إلى غيره، ومصدرها صدود؛ كما في هذه الآية، ومتعدية، أي: صد غيره، ومصدرها صد، كما في قوله تعالى: {وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الفتح: 25] .
وقوله: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} . الاستفهام هنا يراد به التعجب، أي: كيف حالهم إذا أصابتهم مصيبة، والمصيبة هنا تشمل المصيبة الشرعية والدنيوية؛ لعدم تضاد المعنيين.
فالدنيوية مثل: الفقر، والجدب، وما أشبه ذلك، فيأتون يشكون إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فيقولون: أصابتنا هذه المصائب ونحن ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق.
والشرعية: إذا أظهر الله رسوله على أمرهم، خافوا وقالوا: يا رسول الله، ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق.
قوله: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} . الباء: هنا للسببية، و (ما) اسم موصول، و (قدمت) صلته، والعائد محذوف، تقديره بما قدمته أيديهم، وفي اللغة العربية يطلق هذا التعبير باليد، ويراد به نفس الفاعل، أي: بما قدموه من الأعمال السيئة.
وقوله: {إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} . (إن) بمعني: " ما "؛ أي: ما
(10/751)

أردنا إلا إحسانا بكوننا نسلم من الفضيحة والعار، وتوفيقا بين المؤمنين والكافرين، أو بين طريق الكفر وطريق الإيمان، أي: نمشي معكم ونمشي مع الكفار، وهذه حال المنافقين؛ فهم قالوا: أردنا أن نحسن المنهج والمسلك مع هؤلاء وهؤلاء، ونوفق بين الطرفين.
قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} . توعدهم الله بأنه يعلم ما في قلوبهم من النفاق والمكر والخداع، فالله علام الغيوب، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق: 16] ، بل الله أعلم منك بما فيك، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] ، وهذا من أعظم ما يكون من العلم والخبرة أن الله يحول بين المرء وقلبه، ولهذا قيل لأعرابي: " بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم، وصرف الهمم ".
فالإنسان يعزم على الشيء، ثم لا يدري إلا وعزيمته منتقضة بدون سبب ظاهر.
قوله: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} . وهذا من أبلغ ما يكون من الإهانة والاحتقار.
قوله: (وعظهم) . أي: ذكرهم وخوفهم، لكن لا تجعلهم أكبر همك؛ فلا تخافهم، وقم بما يجب عليك من الموعظة لتقوم عليهم الحجة.
قوله: {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} . اختلف المفسرون فيها على ثلاثة أقوال:
الأول: أن الجار والمجرور في أنفسهم متعلق ببليغ؛ أي: قل لهم قولا بليغا في أنفسهم؛ أي: يبلغ في أنفسهم مبلغا مؤثرا.
الثاني: أن المعنى: انصحهم سرا في أنفسهم.
الثالث: أن المعنى: قل لهم في أنفسهم (أي: في شأنهم وحالهم) قولا
(10/752)

بليغا في قلوبهم يؤثر عليها.
والصحيح: أن الآية تشمل المعاني الثلاثة؛ لأن اللفظ صالح لها جميعا، ولا منافاة بينها، وهذه قاعدة في التفسير، ينبغي التنبيه لها، وهي أن المعاني المحتملة للآية، والتي قال بها أهل العلم إذا كانت الآية تحتملها وليس بينها تعارض: فإنه يؤخذ بجميع المعاني.
وبلاغة القول تكون في أمور:
الأول: هيئة المتكلم بأن يكون إلقاؤه على وجه مؤثر. وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا خطب، احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيشا، يقول: صبحكم ومساكم.
الثاني: أن تكون ألفاظه جزلة مترابطة محددة الموضوع.
الثالث: أن يبلغ من الفصاحة غايتها بحسب الإمكان، بأن يكون كلامه: سليم التركيب، موافقا للغة العربية، مطابقا لمقتضى الحال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " إن هذه الآيات تنطبق تماما على أهل التحريف والتأويل في صفات الله؛ لأن هؤلاء يقولون: إنهم يؤمنون بالله ورسوله، وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول؛ يعرضون، ويصدون، ويقولون: نذهب إلى فلان وفلان، وإذا اعترض عليهم؛ قالوا: نريد الإحسان والتوفيق، وأن نجمع بين دلالة العقل ودلالة السمع ". ذكره رحمه الله في " الفتوى الحموية ".
(10/753)

قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الثانية قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} .
الإفساد في الأرض نوعان:
الأول: إفساد حسي مادي، وذلك مثل هدم البيوت، وإفساد الطرق، وما أشبه ذلك.
الثاني: إفساد معنوي، وذلك بالمعاصي؛ فهي من أكبر الفساد في الأرض، قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] ، وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] ، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 65 -66] .
قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} . وهذه دعوى من أبطل الدعاوى، حيث قالوا: ما حالنا وما شأننا إلا الإصلاح.
ولهذا قال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} . (ألا) : أداة استفتاح، والجملة مؤكدة بأربع مؤكدات، وهي: (ألا) ، و (إن) ، وضمير الفصل (هم) ، والجملة الاسمية؛ فالله قابل حصرهم بأعظم منه؛ فهؤلاء الذين
(10/754)

وقوله: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56] .
وقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يفسدون في الأرض، ويدعون الإصلاح هم المفسدون حقيقة لا غيرهم.
ومناسبة الآية للباب ظاهرة، وذلك أن التحاكم إلى غير ما أنزل الله من أكبر أسباب الفساد في الأرض.
الآية الثالثة قوله تعالى: {لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} . يشمل الفساد المادي والمعنوي كما سبق.
قوله: {بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} . من قبل المصلحين، ومن ذلك الوقوف ضد دعوة أهل العلم، والوقوف ضد دعوة السلف، والوقوف ضد من ينادي بأن يكون الحكم بما في كتاب الله، وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وقوله: {بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} من باب تأكيد اللوم والتوبيخ، إذ كيف يفسد الصالح، وهذا غاية ما يكون من الوقاحة والخبث والشر؟ فالإفساد بعد الإصلاح أعظم وأشد من أن يمضي الإنسان في فساده قبل الإصلاح، وإن كان المطلوب هو الإصلاح بعد الفساد.
ومناسبة الآية للباب: أن التحاكم إلى ما أنزل الله هو الإصلاح، وأن التحاكم إلى غيره هو الإفساد.
الآية الرابعة قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} . الاستفهام للتوبيخ، و (حكم) : مفعول مقدم لـ (يبغون) ، وقدم لإفادة الحصر، والمعنى: أفلا يبغون إلا حكم الجاهلية.
(10/755)

و {يَبْغُونَ} : يطلبون، والإضافة في قوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ} تحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون المعنى: أفحكم أهل الجاهلية الذين سبقوا الرسالة يبغون، فيريدون أن يعيدوا هذه الأمة إلى طريق الجاهلية التي أحكامها معروفة، ومنها: البحائر، والسوائب، وقتل الأولاد.
ثانيهما: أن يكون المعنى: أفحكم الجهل الذي لا يبنى على العلم يبغون، سواء كانت عليه الجاهلية السابقة أم لم تكن، وهذا أعم.
والإضافة للجاهلية تقتضي التقبيح والتنفير.
وكل حكم يخالف حكم الله، فهو جهل وجهالة.
فإن كان مع العلم بالشرع؛ فهو جهالة، وإن كان مع خفاء الشرع، فهو جهل، والجهالة هي العمل بالخطأ سفها لا جهلا، قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: 17] ، وأما من يعمل السوء بجهل فلا ذنب عليه، لكن عليه أن يتعلم.
قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا} . (من) : اسم استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد أحسن من الله حكما، وهذا النفي مشرب معنى التحدي؛ فهو أبلغ من قول: " لا أحسن من الله حكما "؛ لأنه متضمن للنفي وزيادة.
وقوله: (حكما) . تمييز؛ لأنه بعد اسم التفضيل، وهو مبهم؛ فبين هذا التمييز المبهم وميزه.
والحكم هنا يشمل الكوني والشرعي. فإن قيل: يوجد في الأحكام الكونية ما هو ضار، مثل الزلازل، والفيضانات وغيرها، فأين الحسن في ذلك؟
أجيب أن الغايات المحمودة في هذا الأمور تجعله حسنة، كما يضرب
(10/756)

وعن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يؤمن أحدكم»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الإنسان ولده؛ تربية له، فيعد هذا الضرب فعلا حسنا، فكذلك الله يصيب بعض الناس بهذه المصائب لتربيتهم، قال تعالى في القرية التي قلب الله أهلها قردة خاسئين: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66] ، وهذا الحسن في حكم الله ليس بينا لكل أحد، كما قال تعالى: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ، وكلما ازداد العبد يقينا وإيمانا ازداد معرفة بحسن أحكام الله، وكلما نقص إيمانه ويقينه ازداد جهلا بحسن أحكام الله، ولذلك تجد أهل العلم الراسخين فيه إذا جاءت الآيات المتشابهات بينوا وجه ذلك بأكمل بيان، ولا يرون في ذلك تناقضا، وعلى هذا؛ فإنه يتبين قوة الإيمان واليقين بحسب ما حصل للإنسان من معرفته بحسن أحكام الله الكونية والشرعية.
وقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} . خبر لا يدخله الكذب ولا النسخ إطلاقا، ولذلك هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فجمعوا بين المتشابهات والمختلفات من النصوص، وقالوا: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] ، وعرفوا حسن أحكام الله تعالى، وأنها أحسن الأحكام وأنفعها للعباد، وأقومها لمصالح الخلق في المعاش والمعاد؛ فلم يرضوا عنها بديلا.
قوله في حديث عبد الله بن عمر: " لا يؤمن أحدكم ". أي: إيمانا كاملا إلا إذا كان لا يهوى ما جاء به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالكلية، فإنه ينتفي عنه الإيمان بالكلية؛ لأنه إذا كره ما أنزل الله؛ فقد حبط عمله لكفره، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9]
(10/757)

«حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» . قال النووي: " حديث صحيح، رويناه في كتاب " الحجة " بإسناد صحيح ". .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» . الهوى بالقصر: هو الميل، وبالمد هو: الريح، والمراد الأول.
و" حتى ": للغاية، والذي جاء به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو القرآن والسنة.
وإذا كان هواه تبعا لما جاء به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لزم من ذلك أن يوافقه تصديقا بالأخبار، وامتثالا للأوامر، واجتنابا للنواهي.
واعلم أن أكثر ما يطلق الهوى على هوى الضلال لا على هوى الإيمان، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] ، وقال تعالى: {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 14] ، وغيرها من الآيات الدالة على ذم من اتبع هواه، ولكن إذا كان الهوى تبعا لما جاء به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كان محمودا، وهو من كمال الإيمان.
وقد سبق بيان أن من اعتقد أن حكم غير الله مساو لحكم الله، أو أحسن، أو أنه يجوز التحاكم إلى غير الله؛ فهو كافر.
وأما من لم يكن هواه تبعا لما جاء به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإن كان كارها له؛ فهو
(10/758)

وقال الشعبي: «كان بين رجل من المنافقين، ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد؛ عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جهينة، فيتحاكما إليه، فنزلت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} .» [النساء: 60] . الآية ". (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كافر، وإن لم يكن كارها، ولكن آثر محبة الدنيا على ذلك؛ فليس كافر، ولكن يكون ناقص الإيمان.
قوله: " قال النووي: حديث صحيح ". صححه النووي وغيره، وضعفه جماعة من أهل العلم، منهم ابن رجب في كتابه " جامع العلوم والحكم "، ولكن معناه صحيح.
قوله في أثر الشعبي: " وقال الشعبي " أي: في تفسير الآية.
قوله: " رجل من المنافقين ". هو من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وسمي منافقا من النّافقاء، وهي جحر اليربوع، واليربوع له جحر له باب، وله نافقاء - أي يحفر في الأرض خندقا حتى يصل منتهى جحره، ثم يحفر إلى أعلى،
__________
(1) ابن جرير الطبري (9891) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (5/37) روى اسحق بن راهويه في تفسيره باسناد صحيح عن الشعبي
(10/759)

فإذا بقي شيء قليل بحيث يتمكن من دفعه برأسه توقف -، فإذا حجر عليه من الباب خرج من النافقاء.
قوله: " ورجل من اليهود ". اليهود: هم المنتسبون إلى دين موسى - عليه السلام -، وسموا بذلك إما من قوله: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} ، أي: رجعنا، أو نسبة إلى أبيهم يهوذا، ولكن بعد التعريب صار بالدال.
قوله: " إلى محمد ". أي: النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولم يذكره بوصف الرسالة؛ لأنهم لا يؤمنون برسالته، ويزعمون أن النبي الموعود به سيأتي.
قوله: " عرف أنه لا يأخذ الرشوة ". تعليل لطلب التحاكم إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
والرشوة: مثلثة الراء، فيجوز الرِّشوة، الرَّشوة، والرُّشوة، وهي: المال المدفوع للتوصل إلى شيء.
قال أهل العلم: " لا تكون محرمة إلا إذا أراد الإنسان أن يتوصل بها إلى باطل، أو دفع حق، أما من بذلها ليتوصل بها إلى حق له منع منه، أو ليدفع بها باطلا عن نفسه؛ فليست حراما على الباذل، أما على آخذها؛ فحرام ".
قوله: " فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جهينة " كأنه صار بينهما خلاف، وأبى المنافق أن يتحاكما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
والكاهن: من يدعي علم الغيب في المستقبل، وكان للعرب كهان تنزل عليهم الشياطين بخبر السماء، فيقولون: سيحدث كذا وكذا، فربما أصابوا مرة من المرات، وربما أخطئوا، فإذا أصابوا ادعوا علم الغيب، فكان العرب يتحاكمون إليهم؛ فنزل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} . الآية.
(10/760)

وقيل: " نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله ". (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " وقيل ". ذكر هذه القصة بصيغة التمريض، لكن ذكر في " تيسير العزيز الحميد ": أنها رويت من طرق متعددة، وأنها مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولا يغني عن الإسناد، ولها طرق كثيرة، ولا يضرها ضعف إسنادها. ا. هـ.
قوله: " رجلين ". هما مبهمان، فيحتمل أن يكونا من المسلمين المؤمنين، ويحتمل أن يكونا من المنافقين، ويحتمل غير ذلك.
قوله: " إلى كعب بن الأشرف ". وهو رجل من زعماء بني النضير.
قوله: " أكذلك "؟ . خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: أكذلك الأمر؟ .
قوله: " فضربه بالسيف ". الضارب عمر.
وهذه القصة، والتي قبلها تدل على أن من لم يرض بحكم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كافر يجب قتله، ولهذا قتله عمر - رضي الله عنه -.
__________
(1) قال الحافظ في الفتح (5/37) رواه الكلبي في تفسيره عن ابن عباس......، واسناده وإن كان ضعيفا لكن تقوي بطريق مجاهد
(10/761)

فإن قيل: كيف يقتله عمر - رضي الله عنه - والأمر إلى الإمام، وهو النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟
أجيب: أن الظاهر أن عمر لم يملك نفسه لقوة غيرته فقتله؛ لأنه عرف أن هذا ردة عن الإسلام، وقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من بدل دينه فأقتلوه» .
(10/762)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت. الثانية: تفسير آية البقرة. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} . الآية. الثالثة: تفسير آية الأعراف: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} . الرابعة: تفسير {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت، وهي قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}
وقوله: " وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت ". أي: أن الطاغوت مشتق من الطغيان، وإذا كان كذلك؛ فيشمل كل ما تجاوز به العبد حده من متبوع، أو معبود، أو مطاع، فالأصنام والأمراء والحكام الذين يحلون الحرام، ويحرمون الحلال طواغيت.
الثانية: تفسير آية البقرة. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} . ففيها دليل على أن النفاق فساد في الأرض؛ لأنها في سياق المنافقين، والفساد يشمل جميع المعاصي.
الثالثة: تفسير آية الأعراف: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} . وقد سبق.
الرابعة: تفسير: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} . وقد سبق ذلك، وقد بينا أن المراد بحكم الجاهلية كل ما خالف الشرع، وأضيف للجاهلية للتنفير منه، وبيان
(10/763)

الخامسة: ما قاله الشعبي في سبب نزول الآية الأولى. السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب. السابعة: قصة عمر مع المنافق. الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قبحه، وأنه مبني على الجهل والضلال.
الخامسة: ما قاله الشعبي في سبب نزول الآية الأولى. وقد سبق.
السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب. فالإيمان الصادق يستلزم الإذعان التام، والقبول، والتسليم لحكم الله ورسوله، والإيمان الكاذب بخلاف ذلك.
السابعة: قصة عمر مع المنافق. حيث جعل عدوله عن الترافع إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مبيحا لقتله؛ لردته، وأقدم على قتله لقوة غيرته، فلم يملك نفسه.
الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وهذا واضح من الحديث.
(10/764)

باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الجحد: الإنكار، والإنكار نوعان:
الأول: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحدا أنكر اسما من أسماء الله، أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول: ليس لله يد، أو أن الله لم يستو على عرشه، أو ليس له عين؛ فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة بالإجماع.
الثاني: إنكار تأويل، وهو أن لا ينكرها ولكن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها، وهذا نوعان:
1 - أن يكون للتأويل مسوغ في اللغة العربية، فهذا لا يوجب الكفر.
2 - أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية، فهذا حكمه الكفر؛ لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار في الحقيقة تكذيبا، مثل أن يقول: المراد بقوله تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14] : تجري بأراضينا، فهذا كافر؛ لأنه نفاها نفيا مطلقا، فهو مكذب.
ولو قال في قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة:64] ، المراد بيديه: السماوات والأرض، فهو كفر أيضا؛ لأنه لا مسوغ في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية، فهو منكر ومكذب، لكن إن قال: المراد باليد النعمة، أو القوة، فلا يكفر؛ لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة، قال الشاعر:
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تحدث أنّ المانويّة تكذب
(10/765)

فقوله: من يد؛ أي: من نعمة؛ لأن المانوية يقولون: إن الظلمة لا تخلق الخير، وإنما تخلق الشر.
قوله: " من الأسماء ". جمع اسم، واختلف في اشتقاقه، فقيل: من السمو، وهو الارتفاع، ووجه هذا أن المسمى يرتفع باسمه، ويتبين ويظهر.
وقيل: من السمة وهى العلامة، ووجهه: أنه علامة على مسماه، والراجح أنه مشتق من كليهما. والمراد بالأسماء هنا أسماء الله - عز وجل - والفرق بين الاسم والصفة: أن الاسم ما تسمى به الله، والصفة ما اتصف بها.
البحث في أسماء الله:
المبحث الأول:
أن أسماء الله أعلام وأوصاف، وليست أعلاما محضة؛ فهي من حيث دلالتها على ذات الله تعالى أعلام، ومن حيث دلالتها على الصفة التي يتضمنها هذا الاسم أوصاف، بخلاف أسمائنا؛ فالإنسان يسمي ابنه محمدا، وعليا دون أن يلحظ معنى الصفة، فقد يكون اسمه عليا، وهو من أوضع الناس، أو عبد الله وهو من أكفر الناس، بخلاف أسماء الله؛ لأنها متضمنة للمعاني، فالله هو العلي لعلو ذاته وصفاته، والعزيز يدل على العزة، والحكيم يدل على الحكمة، وهكذا.
ودلالة الاسم على الصفة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: دلالة مطابقة، وهي دلالته على جميع معناه المحيط به.
(10/766)

الثاني: دلالة تضمن، وهي دلالته على جزء معناه.
الثالث: دلالة التزام، وهي دلالته على أمر خارج لازم. مثال ذلك: الخالق يدل على ذات الله وحده، وعلى صفة الخلق وحدها دلالة تضمن، ويدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق فيه دلالة مطابقة، ويدل على العلم والقدرة دلالة التزام.
كما قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] ؛ فعلمنا القدرة من كونه خالق السماوات والأرض، وعلمنا العلم من ذلك أيضا؛ لأن الخلق لا بد فيه من علم، فمن لا يعلم لا يخلق، وكيف يخلق شيئا لا يعلمه؟ !
المبحث الثاني:
أن أسماء الله مترادفة متباينة، المترادف: ما اختلف لفظه واتفق معناه، والمتباين: ما اختلف لفظه ومعناه، فأسماء الله مترادفة باعتبار دلالتها على ذات الله - عز وجل -؛ لأنها تدل على مسمى واحد، فالسميع، البصير، العزيز، الحكيم؛ كلها تدل على شيء واحد هو الله، ومتباينة باعتبار معانيها؛ لأن معنى الحكيم غير معنى السميع، وغير معنى البصير، وهكذا.
المبحث الثالث:
أسماء الله ليست محصورة بعدد معين، والدليل على ذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث ابن مسعود، الحديث الصحيح المشهور: «اللهم! إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك» ... - إلى أن قال-: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته»
(10/767)

«في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» ، وما استأثر الله به في علم الغيب لا يمكن أن يعلم به، وما ليس بمعلوم فليس بمحصور.
وأما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة» ، فليس معناه أنه ليس له إلا هذه الأسماء، لكن معناه أن من أحصى من أسمائه هذه التسعة والتسعين فإنه يدخل الجنة، فنقول: " من أحصاها " تكميل للجملة الأولى، وليست استئنافية منفصلة، ونظير هذا قول القائل: عندي مائة فرس أعددتها للجهاد في سبيل الله، فليس معناه أنه ليس عنده إلا هذه المائة، بل معناه أن هذه المائة معدة لهذا الشيء.
المبحث الرابع:
الاسم من أسماء الله يدل على الذات، وعلى المعنى، كما سبق، فيجب علينا أن نؤمن به اسما من الأسماء، ونؤمن بما تضمنه من الصفة، ونؤمن بما تدل عليه الصفة من الأثر والحكم إن كان متعديا؛ فمثلا: السميع نؤمن بأن من أسمائه تعالى السميع، وأنه دال على صفة السمع، وأن لهذا
(10/768)

السمع حكما، وأثرا وهو أنه يسمع به؛ كما قال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1] ، أما إن كان الاسم غير متعد، كالعظيم، والحي، والجليل، فتثبت الاسم والصفة، ولا حكم يتعدى إليه.
المبحث الخامس:
هل أسماء الله تعالى غيره، أو أسماء الله هي الله؟
إن أريد بالاسم اللفظ الدال على المسمى؛ فهي غير الله - عز وجل - وإن أريد بالاسم مدلول ذلك اللفظ؛ فهي المسمى. فمثلا: الذي خلق السماوات والأرض هو الله، فالاسم هنا هو المسمى، فليست " اللام - والهاء " هي التي خلقت السماوات والأرض، وإذا قيل: اكتب باسم الله. فكتبت بسم الله، فالمراد به هو الاسم دون المسمى، وإذا قيل: اضرب زيدا، فضربت زيدا المكتوب في الورقة لم تكن ممتثلا؛ لأن المقصود المسمى، وإذا قيل: اكتب زيد قائم. فالمراد الذي هو غير المسمى.
البحث في صفات الله:
المبحث الأول:
تنقسم صفات الله إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ذاتية ويقال معنوية.
الثاني: فعلية.
الثالث: خبرية.
فالصفات الذاتية: هي الملازمة لذات الله، والتي لم يزل ولا يزال متصفا
(10/769)

بها مثل: السمع والبصر وهي معنوية؛ لأن هذه الصفات معان.
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته إن شاء فعلها، وإن لم يشأ لم يفعلها، مثل: النزول إلى سماء الدنيا، والاستواء على العرش، والكلام من حيث آحاده، والخلق من حيث آحاده، لا من حيث الأصل؛ فأصل الكلام صفة ذاتية، وكذلك الخلق.
والخبرية: هي أبعاض وأجزاء بالنسبة لنا، أما بالنسبة إلى لله، فلا يقال هكذا، بل يقال: صفات خبرية ثبت بها الخبر من الكتاب والسنة، وهي ليست معنى ولا فعلا مثل: الوجه، والعين، والساق، واليد.
المبحث الثاني:
الصفات أوسع من الأسماء؛ لأن كل اسم متضمن لصفة، وليس كل صفة تكون اسما، وهناك صفات كثيرة تطلق على الله، وليست من أسمائه؛ فيوصف الله بالكلام والإرادة، ولا يسمى بالمتكلم، أو المريد.
المبحث الثالث:
إن كل ما وصف الله به نفسه، فهو حق على حقيقته، لكنه ينزه عن التمثيل والتكييف، أما التمثيل؛ فلقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ، وقوله: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النمل: 74] ، والتعبير بنفي التمثيل أحسن من التعبير بنفي التشبيه؛ لوجوه ثلاثة:
أحدهما: أن التمثيل هو الذي جاء به القرآن، وهو منفي مطلقا، بخلاف التشبيه، فلم يأت القرآن بنفيه.
الثاني: أن نفي التشبيه على الإطلاق لا يصح؛ لأن كل موجودين فلا بد
(10/770)

أن يكون بينهما قدر مشترك يشتبهان فيه، ويتميز كل واحد بما يختص به، فـ: " الحياة " مثلا وصف ثابت في الخالق والمخلوق، فبينهما قدر مشترك، ولكن حياة الخالق تليق به، وحياة المخلوق تليق به.
الثالث: أن الناس اختلفوا في مسمى التشبيه، حتى جعل بعضهم إثبات الصفات التي أثبتها الله لنفسه تشبيها، فإذا قيل من غير تشبيه؛ فَهمَ هذا البعض من هذا القول نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه.
وأما التكييف؛ فلا يجوز أن نكيف صفات الله، فمن كيف صفة من الصفات، فهو كاذب عاص: كاذب؛ لأنه قال بما لا علم عنده فيه، عاص؛ لأنه واقع فيما نهى الله عنه، وحرَّمه في قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] ، وقوله تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، بعد قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33] الآية؛ ولأنه لا يمكن إدراك الكيفية، لقوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ، وقوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] .
وسواء كان التكييف باللسان تعبيرا، أو بالجنان تقديرا، أو بالبيان تحريرا، ولهذا قال مالك - رحمه الله - حين سئل عن كيفية الاستواء: " الكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة "، وليس معنى هذا أن لا نعتقد أن لها كيفية، بل لها كيفية، ولكنها ليست معلومة لنا؛ لأن ما ليس له كيفية ليس بموجود، فالاستواء، والنزول، واليد، والوجه، والعين لها كيفية، لكننا لا نعلمها؛ ففرق بين أن نثبت كيفية معينة، ولو تقديرا وبين أن نؤمن بأن لها كيفية غير معلومة، وهذا هو الواجب، فنقول: لها كيفية، لكن غير معلومة.
(10/771)

وقول الله تعالى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} ... ) [الرعد: 30] . الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قيل: كيف يتصور أن نعتقد للشيء كيفية، ونحن لا نعلمها؟
أجيب: إنه متصور؛ فالواحد منا يعتقد أن لهذا القصر كيفية من داخله، ولكن لا يعلم هذه الكيفية إلا إذا شاهدها، أو شاهد نظيرها، أو أخبره شخص صادق عنها.
قوله تعالى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} . الآية.
(وهم) . أي: كفار قريش.
{يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} . المراد: أنهم يكفرون بهذا الاسم لا بالمسمى، فهم يقرون به، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25] ، وفي حديث سهيل بن عمر: " «لما أراد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يكتب الصلح في غزوة الحديبية، قال للكاتب: " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم "، قال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب باسمك اللهم» ، وهذا من الأمثلة التي يراد بها الاسم دون المسمى.
وقد قال الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء:110] ، أي: بأي اسم من أسمائه تدعونه، فإن له الأسماء الحسنى، فكل أسمائه حسنى، فادعوا بما شئتم من الأسماء، ويراد بهذه الآية الإنكار على قريش.
(10/772)

وفي الآية دليل على أن من أنكر اسما من أسمائه تعالى فإنه يكفر؛ لقوله تعالى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرعد:30] ؛ ولأنه مكذب لله ولرسوله، وهذا كفر، وهذا وجه استشهاد المؤلف بهذه الآية.
قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} . خبر" لا " النافية للجنس محذوف، والتقدير: لا إله حق إلا هو، وأما الإله الباطل؛ فكثير، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ} [لقمان: 30] .
قوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي: عليه وحده؛ لأن تقديم المعمول يدل على الحصر، فإذا قلت مثلا: " ضربت زيدا "، فإنه يدل على أنك ضربته، ولكن لا يدل على أنك لم تضرب غيره، وإذا قلت: " زيدا ضربت " دلت على أنك ضربت زيدا، ولم تضرب غيره، وسبق معنى التوكل وأحكامه.
قوله: {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} أي: إلى الله. و (متاب) . أصلها متابي، فحذفت الياء تخفيفا، والمتاب بمعنى التوبة، فهي مصدر ميمي؛ أي: وإليه توبتي.
والتوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى من المعصية إلى الطاعة، ولها شروط خمسة:
1 - الإخلاص لله تعالى بأن لا يحمل الإنسان على التوبة مراعاة أحد، أو محاباته، أو شيء من الدنيا.
2 - أن تكون في وقت قبول التوبة، وذلك قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل حضور الموت.
3 - الندم على ما مضى من فعله، وذلك بأن يشعر بالتحسر على ما سبق، ويتمنى أنه لم يكن.
4 - الإقلاع عن الذنب، وعلى هذا، فإذا كانت التوبة من مظالم
(10/773)

وفي " صحيح البخاري ": قال علي: " حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله "؟ !
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الخلق فلا بد من رد المظالم إلى أهلها، أو استحلالهم منها.
5 - العزم على عدم العودة، والتوبة التي لا تكون إلا لله، هي توبة العبادة، كما في الآية السابقة، وأما التوبة التي بمعنى الرجوع، فإنها تكون له ولغيره، ومنه قول عائشة «حين جاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجد نمرقة فيها صور، فوقف بالباب ولم يدخل، وقالت: " أتوب إلى الله ورسوله، ماذا أذنبت؟» ، فليس المراد بالتوبة هنا توبة العبادة؛ لأن توبة العبادة لا تكون للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا لغيره من الخلق، بل لله وحده، ولكن هذه توبة رجوع، ومن ذلك أيضا حين يضرب الإنسان ابنه لسوء أدبه؛ يقول الابن: أتوب.
قوله في أثر علي - رضي الله عنه-: " حدثوا الناس ". أي: كلموهم بالمواعظ وغير المواعظ.
قوله: " بما يعرفون ". أي: بما يمكن أن يعرفوه، وتبلغه عقولهم حتى لا يفتنوا، ولهذا جاء عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: " إنك لن تحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة "، ولهذا كان من الحكمة في
(10/774)

الدعوة ألا تباغت الناس بما لا يمكنهم إدراكه، بل تدعوهم رويدا رويدا، حتى تستقر عقولهم، وليس معنى " بما يعرفون "؛ أي: بما يعرفون من قبل؛ لأن الذي يعرفونه من قبل، يكون التحديث به من تحصيل الحاصل.
قوله: " أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟! ". الاستفهام للإنكار؛ أي: أتريدون إذا حدثتم الناس بما لا يعرفون أن يكذب الله ورسوله؛ لأنك إذا قلت: قال الله، وقال رسوله كذا وكذا، قالوا: هذا كذب إذا كانت عقولهم لا تبلغه، وهم لا يكذبون الله ورسوله، ولكن يكذبونك بحديث تنسبه إلى الله ورسوله؛ فيكونون مكذبين لله ورسوله، لا مباشرة ولكن بواسطة الناقل.
فإن قيل: هل ندع الحديث بما لا تبلغه عقول الناس، وإن كانوا محتاجين لذلك؟
أجيب: لا ندعه، ولكن نحدثهم بطريقة تبلغه عقولهم، وذلك بأن ننقلهم رويدا رويدا حتى يتقبلوا هذا الحديث، ويطمئنوا إليه، ولا ندع ما لا تبلغه عقولهم، ونقول: هذا شيء مستنكر لا نتكلم به.
ومثل ذلك العمل بالسنة التي لا يعتادها الناس ويستنكرونها؛ فإننا نعمل بها، ولكن بعد أن نخبرهم بها، حتى تقبلها نفوسهم، ويطمئنوا إليها.
ويستفاد من هذا الأثر أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله - عز وجل - وأنه يجب على الداعية أن ينظر في عقول المدعوين، وينزل كل إنسان منزلته.
مناسبة هذا الأثر لباب الصفات:
مناسبته ظاهرة؛ لأن بعض الصفات لا تحتملها أفهام العامة، فيمكن إذا حدثتهم بها كان لذلك أثر سيئ عليهم؛ كحديث النزول إلى السماء الدنيا مع
(10/775)

وروى عبد الرازق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: " أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثبوت العلو، فلو حدثت العامي بأنه نفسه ينزل إلى السماء الدنيا، مع علوه على عرشه، فقد يفهم أنه إذا نزل، صارت السماوات فوقه، وصار العرش خاليا منه، وحينئذ لا بد في هذا من حديث تبلغه عقولهم، فتبين لهم أن الله - عز وجل - ينزل نزولا لا يماثل نزول المخلوقين مع علوه على عرشه، وأنه لكمال فضله ورحمته، يقول: «من يدعوني فأستجيب له» ... " الحديث.
والعامي يكفيه أن يتصور مطلق المعنى، وأن المراد بذلك بيان فضل الله - عز وجل - في هذه الساعة من الليل.
قوله في أثر ابن عباس: " انتفض ". أي: اهتز جسمه، والرجل مبهم، والصفة التي حُدث بها لم تُبين، وبيان ذلك ليس مهما، وهذا الرجل انتفض استنكار لهذه الصفة لا تعظيما لله، وهذا أمر عظيم صعب؛ لأن الواجب على المرء إذا صح عنده شيء عن الله ورسوله أن يقر به، ويصدق ليكون طريقه طريق الراسخين في العلم حتى وإن لم يسمعه من قبل، أو يتصوره.
(10/776)

في الصفات؛ استنكارا لذلك، فقال: ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟ !) . انتهى. (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " ما فرق ". فيها: ثلاث روايات:
1 - " فَرَقُ "؛ بفتح الراء، وضم القاف.
2 - " فرَّقَ "؛ بفتح الراء مشددة، وفتح القاف.
3 - " فَرَقَ "؛ بفتح الراء مخففة، وفتح القاف.
فعلى رواية: " فَرَقُ " تكون " ما " استفهامية مبتدأ، و" فرق " خبر المبتدأ؛ أي: ما خوف هؤلاء من إثبات الصفة تليت عليهم وبلغتهم، لماذا لا يثبتونها لله - عز وجل - كما أثبتها الله لنفسه، وأثبتها له رسوله؟ وهذا ينصب تماما على أهل التعطيل والتحريف، الذين ينكرون الصفات، فما الذي يخوفهم من إثباتها، والله تعالى قد أثبتها لنفسه؟
وعلى رواية: " فرّق " أو " فَرَقَ " تكون فعلا ماضيا، بمعنى ما فرقهم؛ كقوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} . [الإسراء: 106] ؛ أي: فرقناه: و" ما " يحتمل أن تكون نافية، والمعنى: ما فرق هؤلاء بين الحق والباطل، فجعلوا هذا من المتشابه وأنكروه، ولم يحملوه على المحكم، ويحتمل أن تكون استفهامية، والمعنى: أي شيء فرقهم، فجعلهم يؤمنون بالمحكم، ويهلكون عند المتشابه؟
قوله: " يجدون رقة عند محكمه ". الرقة: اللين والقبول، و" محكمه "؛ أي: محكم القرآن.
__________
(1) عبد الرزاق في المصنف (20895) وابن ابي عاصم في كتاب السنة (485)
(10/777)

قوله: " ويهلكون عند متشابهه ". أي: متشابه القرآن.
والمحكم: الذي اتضح معناه وتبين، والمتشابه: هو الذي يخفى معناه، فلا يعلمه الناس، وهذا إذا جمع بين المحكم والمتشابه. وأما إذا ذكر المحكم مفردا دون المتشابه، فمعناه: المتقن الذي ليس فيه خلل: لا كذب في أخباره، ولا جور في أحكامه، قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام:115] ، وقد ذكر الله الإحكام في القرآن دون المتشابه، وذلك مثل قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [سورة يونس: 1] ، وقال تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود:1] .
وإذا ذكر المتشابه دون المحكم صار المعنى أنه يشبه بعضه بعضا في جودته وكماله، ويصدق بعضه بعضا، ولا يتناقض، قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر: 23] . والتشابه نوعان: تشابه نسبي، وتشابه مطلق.
والفرق بينهما: أن المطلق يخفى على كل أحد، والنسبي يخفى على أحد دون أحد، وبناء على هذا التقسيم ينبني الوقف في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] ؛ فعلى الوقوف على {إِلَّا اللَّهُ} يكون المراد بالمتشابه المطلق، وعلى الوصل: {إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} يكون المراد بالمتشابه المتشابه النسبي، وللسلف قولان:
القول الأول: الوقف على {إِلَّا اللَّهُ} ، وعليه أكثر السلف، وعلى هذا؛ فالمراد بالمتشابه المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، وذلك مثل كيفية وحقائق صفات الله، وحقائق ما أخبر الله به من نعيم الجنة وعذاب النار، وقال الله تعالى في نعيم الجنة: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة:17] ؛ أي: لا تعلم حقائق ذلك، ولذلك قال ابن عباس: " ليس في الجنة شيء مما في
(10/778)

الدنيا إلا الأسماء " (1)
والقول الثاني: الوصل؛ فيقرأ: {إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ، وعلى هذا فالمراد بالمتشابه المتشابه النسبي، وهذا يعلمه الراسخون في العلم، ويكون عند غيرهم متشابها، ولهذا يروى عن ابن عباس، أنه قال: " أنا من الراسخين في العلم الذي يعلمون تأويله " (2) ، ولم يقل هذا مدحا لنفسه، أو ثناء عليها، ولكن ليعلم الناس أنه ليس في كتاب الله شيء لا يعرف معناه، فالقرآن معانيه بينة، ولكن بعض القرآن يشتبه على ناس دون آخرين حتى العلماء الراسخون في العلم يختلفون في معنى القرآن، وهذا يدل على أنه خفي على بعضهم، والصواب بلا شك مع أحدهم إذا كان اختلافهم اختلاف تضاد لا تنوع، أما إذا كانت الآية تحتمل المعنيين جميعا بلا منافاة، ولا مرجح لأحدهما؛ فإنها تحمل عليها جميعا.
وبعض أهل العلم يظنون أن في القرآن ما لا يمكن الوصول إلى معناه، فيكون من المتشابه المطلق، ويحملون آيات الصفات على ذلك، وهذا من الخطأ العظيم؛ إذ ليس من المعقول أن يقول تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص:29] ، ثم تستثنى الصفات، وهي أعظم وأشرف موضوعا، وأكثر من آيات الأحكام، ولو قلنا بهذا القول؛ لكان مقتضاه أن أشرف ما في القرآن موضوعا يكون خفيا، ويكون معنى قوله تعالى: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} ، أي: آيات الأحكام
__________
(1) ابن حزم في (الفصل) (2 /108) - وقال: (هذا سند في غاية الصحة) - وقال المنذري في (الترغيب) (4/560) : (رواه البيهقي موقوفا بإسناد جيد)
(2) انظر قوله في: (تفسير الطبري) (3/183)
(10/779)

«ولما سمعت قريش رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يذكر الرحمن؛ أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} .» [الرعد: 30] (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فقط، وهذا غير معقول، بل جميع القرآن يفهم معناه؛ إذ لا يمكن أن تكون هذه الأمة من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى آخرها لا تفهم معنى القرآن، وعلى رأيهم يكون الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بكر، وعمر، وجميع الصحابة يقرءون آيات الصفات، وهم لا يفهمون معناها، بل هي عندهم بمنزلة الحروف الهجائية: أ، ب، ت. .
والصواب: أنه ليس في القرآن شيء متشابه على جميع الناس من حيث المعنى، ولكن الخطأ في الفهم. فقد يقصر الفهم عن إدراك المعنى، أو يفهمه على معنى خطأ، وأما بالنسبة للحقائق، فما أخبر الله به من أمر الغيب؛ فمتشابه على جميع الناس.
قوله: " ولما سمعت قريش رسول الله يذكر الرحمن ". أصل ذلك «أن سهيل بن عمرو؛ أحد الذين أرسلتهم قريش لمفاوضة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صلح الحديبية، وأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم "، فقال: " أما الرحمن، فلا والله ما أدري ما هي؟ وقالوا: إننا لا نعرف رحمانا إلا رحمن اليمامة، فأنكروا الاسم دون المسمى؛ فأنزل الله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} » ؛ أي: بهذا الاسم من أسماء الله.
__________
(1) ابن جرير الطبري في التفسير (20397) .
(10/780)

وفي الآية دليل على أن من أنكر اسما من أسماء الله الثابتة في الكتاب أو السنة، فهو كافر؛ لقوله تعالى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} .
وقوله: " ولما سمعت قريش ". الظاهر - والله أعلم - أنه من باب العام الذي أريد به الخاص، وليس كل قريش تنكر ذلك، بل طائفة منهم، ولكن إذا أقرت الأمة الطائفة على ذلك ولم تنكر، صح أن ينسب لهم جميعا، بل إن الله نسب إلى اليهود في زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما فعله أسلافهم في زمن موسى عليه السلام، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63] ، وهذا لم يكن في عهد المخاطَبين.
(10/781)

فيه مسائل:
الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات. الثانية: تفسير آية الرعد. الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع. الرابعة: ذكر العلة: أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: فيه مسائل:
الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات. عدم بمعنى انتفاء، أي: انتفاء الإيمان بسبب جحد شيء من الأسماء والصفات، وسبق التفصيل في ذلك. الثانية: تفسير آية الرعد. وهي قوله تعالى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} وسبق تفسيرها. الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع. وهذا ليس على إطلاقه، وقد سبق التفصيل عند شرح الأثر. الرابعة: ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكر. وهي أن الذي لا يبلغ عقله ما حدث به يفضي به التحديث إلى تكذيب الله ورسوله، فيُكذِّب ويقول: هذا غير ممكن، وهذا يوجد من بعض الناس في أشياء كثيرة مما أخبر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما يكون يوم القيامة، كما أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الأرض يوم القيامة تكون خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته» ، وما
(10/782)

الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك، وأنه أهلكه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أشبه ذلك، وكما أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعرة وغير هذه الأمور، لو حدثنا بها إنسانا عاميا لأوشك أن ينكر، لكن يجب أن تبين له بالتدريج حتى يتمكن من عقلها مثل ما نعلم الصبي شيئا فشيئا. قوله: " ولو لم يتعمد المنكر " أي: ولو لم يقصد المنكر تكذيب الله ورسوله، ولمن كذب نسبة هذا الشيء إلى الله ورسوله، وهذا يعود بالتالي إلى رد خبر الله ورسوله. الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك وأنه أهلكه. وذلك قوله: " ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة - أي لينا - عند محكمه فيقبلونه، ويهلكون عند متشابهه فينكرونه؟ ".
(10/783)

باب قول الله تعالى:
{يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} [النحل: 83] الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى: يعرفون. أي: يدركون بحواسهم أن النعمة من عند الله.
قوله تعالى: نعمة الله واحدة، والمراد بها الجمع، فهي ليست واحدة، بل هي لا تحصى، قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] ، والقاعدة الأصولية: أن المفرد المضاف يعم، والنعمة تكون بجلب المحبوبات، وتطلق أحيانا على رفع المكروهات.
قوله: {ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} أي: ينكرون إضافتها إلى الله لكونهم يضيفونها إلى السبب متناسين المسبب الذي هو الله سبحانه، وليس المعنى أنهم ينكرون هذه النعمة، مثل أن يقولوا: ما جاءنا مطر أو ولد أو صحة، ولكن ينكرونها بإضافتها إلى غير الله، متناسين الذي خلق السبب فوجد به المسبب.
قوله: " الآية " أي: إلى آخر الآية، وهي منصوبة بفعل محذوف تقديره أكمل الآية.
قوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} أي أكثر العارفين بأن النعمة من الله الكافرون، أي الجاحدون كونها من الله، أو الكافرون بالله عز وجل.
وقوله: أكثرهم بعد قوله: يعرفون الجملة الأولى أضافها إلى الكل، والثانية أضافها إلى الأكثر؛ وذلك لأن منهم من هو عامي لا يعرف ولا يفهم، ولكن أكثرهم يعرفون ثم يكفرون.
(10/784)

قال مجاهد ما معناه: " هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبة هذا الباب للتوحيد:
أن من أضاف نعمة الخالق إلى غيره، فقد جعل معه شريكا في الربوبية؛ لأنه أضافها إلى السبب على أنه فاعل، هذا من وجه، ومن وجه آخر: أنه لم يقم بالشكر الذي هو عبادة من العبادات، وترك الشكر مناف للتوحيد؛ لأن الواجب أن يشكر الخالق المنعم سبحانه وتعالى، فصارت لها صلة بتوحيد الربوبية وبتوحيد العبادة، فمن حيث إضافتها إلى السبب على أنه فاعل هذا إخلال بتوحيد الربوبية، ومن حيث ترك القيام بالشكر الذي هو العبادة هذا إخلال بتوحيد الألوهية.
قوله: " قال مجاهد " هو إمام المفسرين في التابعين، عرض المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما يوقفه عند كل آية ويسأله عن تفسيرها، وقال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. أي: كافيك، ومع هذا فليس معصوما عن الخطأ.
قوله: " ما معناه ". أي: كلاما معناه، وعلى هذا فـ " ما " نكرة موصوفة، وفيه أن الشيخ رحمه الله لم ينقله بلفظه.
قوله: " هو قول الرجل ". هذا من باب التغليب والتشريف؛ لأن الرجل أشرف من المرأة وأحق بتوجيه الخطاب إليه منها، وإلا فالحكم واحد.
قوله: " هذا مالي ورثته عن آبائي ". ظاهر هذه الكلمة أنه لا شيء فيها،
(10/785)

وقال عون بن عبد الله: " يقولون: لولا فلان لم يكن كذا ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فلو قال لك واحد: من أين لك هذا البيت؟ قلت: ورثته عن آبائي، فليس فيه شيء لأنه خبر محض.
لكن مراد مجاهد أن يضيف القائل تملكه للمال إلى السبب الذي هو الإرث، متناسيا المسبب الذي هو الله، فبتقدير الله عز وجل أنعم على آبائك وملكوا هذا البيت، وبشرع الله عز وجل انتقل هذا البيت إلى ملكك عن طريق الإرث، فكيف تتناسى المسبب للأسباب القدرية والشرعية فتضيف الأمر إلى ملك آبائك وإرثك إياه بعدهم؟! فمن هنا صار هذا القول نوعا من كفر النعمة.
أما إذا كان قصد الإنسان مجرد الخبر كما سبق، فلا شيء في ذلك، ولهذا «ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قيل له يوم الفتح: أتنزل في دارك غدا؟ فقال:: وهل ترك لنا عقيل من دار أو رباع؟» ، فبين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن هذه الدور انتقلت إلى عقيل بالإرث.
فتبين أن هناك فرقا بين إضافة الملك إلى الإنسان على سبيل الخبر، وبين إضافته إلى سببه متناسيا أن المسبب وهو الله عز وجل.
قوله: " وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا ".
(10/786)

وهذا القول من قائله فيه تفصيل إن أراد به الخبر، وكان الخبر صدقا مطابقا للواقع، فهذا لا بأس به، وإن أراد بها السبب، فلذلك ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون سببا خفيا لا تأثير له إطلاقا، كأن يقول: لولا الولي الفلاني ما حصل كذا وكذا، فهذا شرك أكبر؛ لأنه يعتقد بهذا القول أن لهذا الولي تصرفا في الكون مع أنه ميت، فهو تصرف سري خفي.
الثانية: أن يضيفه إلى سبب صحيح ثابت شرعا أو حسا، فهذا جائز بشرط أن لا يعتقد أن السبب مؤثر بنفسه، وأن لا يتناسى المنعم بذلك.
الثالثة: أن يضيفه إلى سبب ظاهر، لكن لم يثبت كونه سببا لا شرعا ولا حسا، فهذا نوع من الشرك الأصغر، وذلك مثل: التولة، والقلائد التي يقال: إنها تمنع العين، وما أشبه ذلك؛ لأنه أثبت سببا لم يجعله الله سببا، فكان مشاركا لله في إثبات الأسباب.
ويدل لهذا التفصيل أنه ثبت إضافة (لولا) إلى السبب وحده بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عمه أبي طالب: «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» ولا شك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبعد الناس عن الشرك، وأخلص الناس توحيدا لله تعالى، فأضاف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشيء إلى سببه، لكنه شرعي حقيقي، فإنه أذن له بالشفاعة لعمه بأن يخفف عنه، فكان في ضحضاح من النار، عليه نعلان يغلي منهما دماغه لا يرى أن أحدا أشد عذابا؛ لأنه لو يرى أن أحدا أشد منه عذابا أو مثله هان عليه بالتسلي، كما قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:
(10/787)

وقال ابن قتيبة: " يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ

ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسي
وابن القيم رحمه الله - وإن كان قول العالم ليس بحجة لكن يستأنس به - قال في القصيدة الميمية يمدح الصحابة:
أولئك أتباع النبي وحزبه ... ولولا همو ما كان في الأرض مسلم
ولولا همو كادت تميد بأهلها ... ولكن رواسيها وأوتادها هم
ولولا همو كانت ظلاما بأهلها ... ولكن همو فيها بدور وأنجم
فأضاف (لولا) إلى سبب صحيح.
قوله: " وقال ابن قتيبة: هذا بشفاعة آلهتنا ". هؤلاء أخبث ممن سبقهم، لأنهم مشركون يعبدون غير الله، ثم يقولون: إن هذه النعم حصلت بشفاعة آلهتهم، فالعزى مثلا شفعت عند الله أن ينزل المطر، فهؤلاء أثبتوا سببا من أبطل الأسباب؛ لأن الله عز وجل لا يقبل شفاعة آلهتهم؛ لأن الشفاعة لا تنفع إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا، والله عز وجل لا يأذن لهذه الأصنام بالشفاعة، فهذا أبطل من الذي قبله لأن فيه محذورين:
1. الشرك بهذه الأصنام.
2. إثبات سبب غير صحيح.
(10/788)

وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: أن الله تعالى قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» . . . " الحديث، وقد تقدم: " وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " وقال أبو العباس ". وهو شيخ الإسلام أحمد بن تيمية.
قوله: " وهذا كثير من الكتاب والسنة يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره. . . ". وذلك مثل الاستسقاء بالأنواء، وإنما كان مذموما، لأنه لو أتى إليك عبد فلان بهدية من سيده فشكرت العبد دون السيد، كان هذا سوء أدب مع السيد وكفرانا لنعمته، وأقبح من هذا لو أضفت النعمة إلى السبب دون الخالق، لما يأتي:
1. أن الخالق لهذه الأسباب هو الله، فكان الواجب أن يشكر وتضاف النعمة إليه.
2. أن السبب لا يؤثر، كما ثبت في (صحيح مسلم) أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ليس السَّنة أن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئا» .
3. أن السبب قد يكون له مانع يمنع من تأثيره، وبهذا عرف بطلان إضافة
(10/789)

قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا. ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثيرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشيء إلى سببه دون الالتفات إلى المسبب جل وعلا.
قوله: " كانت الريح طيبة ". هذا في السفن الشراعية التي تجري بالريح، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا} [يونس: 22] . فكانوا إذا طاب سير السفينة قالوا: كانت الريح طيبة، وكان الملاح - هو قائد السفينة - حاذقا، أي: مجيدا للقيادة، فيضيفون الشيء إلى سببه وينسون الخالق جل وعلا.
(10/790)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها.
الثانية: معرفة أن هذا جارٍ على ألسنة كثيرة.
الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة.
الرابعة: اجتماع الضدين في القلب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها. وسبق ذلك.
الثانية: معرفة أن هذا جار على ألسنة كثيرة. وذلك مثل قول بعضهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا، وما أشبه ذلك.
الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة. يعني: إنكارا لتفضل الله تعالى بها وليس إنكارا لوجودها؛ لأنهم يعرفونها ويحسون بوجودها.
الرابعة: اجتماع الضدين في القلب. وهذا من قوله: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} ، فجمع بين المعرفة والإنكار، وهذا كما يجتمع في الشخص الواحد خصلة إيمان وخصلة كفر، وخصلة فسوق وخصلة عدالة.
(10/791)

باب قول الله تعالى:
{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
لما ذكر سبحانه ما يقر به هؤلاء من أفعاله التي لم يفعلها غيره: {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} [البقرة: 21، 22] . فكل من أقر بذلك لزمه أن لا يعبد إلا المقر له؛ لأنه لا يستحق العبادة من لا يفعل ذلك، ولا ينبغي أن يعبد إلا من فعل ذلك، ولذلك أتى بالفاء الدالة على التفريع والسببية، أي: فبسبب ذلك لا تجعلوا لله أندادا.
و (لا) هذه ناهية، أي: فلا تجعلوا له أندادا في العبادة، كما أنكم لم تجعلوا له أندادا في الربوبية، وأيضا لا تجعلوا له أندادا في أسمائه وصفاته؛ لأنهم قد يصفون غير الله بأوصاف الله عز وجل، كاشتقاق العزى من العزيز، وتسميتهم رحمن اليمامة.
قوله: أندادا. جمع ند، وهو الشبيه والنظير، والمراد هنا: أندادا في العبادة.
قوله: وأنتم تعلمون. الجملة في موضع نصب حال من فاعل تجعلوا، أي: والحال أنكم تعلمون، والمعنى: وأنتم تعلمون أنه لا أنداد له. يعني في الربوبية؛ لأن هذا محط التقبيح من هؤلاء أنهم يجعلون له أندادا
(10/792)

وقال ابن عباس في الآية: " الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهم يعلمون أنه لا أنداد له في الربوبية، أما الألوهية، فيجعلون له أندادا، قالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] ، ويقولون في تلبيتهم: " لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك "، وهذا من سفههم؛ فإنه إذا صار مملوكا، فكيف يكون شريكا، ولهذا أنكر الله عليهم في قوله: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ، إذ الأنداد بالمعنى العام - بقطع النظر عن كونه يخاطب أقواما يقرون بالربوبية - يشمل الأنداد في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
قوله: " وقال ابن عباس في الآية ". أي: في تفسيرها.
قوله: " هو الشرك ". هذا تفسير بالمراد؛ لأن التفسير تفسيران:
1 - تفسير بالمراد، وهو المقصود بسياق الجملة بقطع النظر عن مفرداتها.
2 - تفسير بالمعنى، وهو الذي يسمى تفسير الكلمات، فعندنا الآن وجهان للتفسير:
أحدهما: التفسير اللفظي، وهو تفسير الكلمات، هذا يقال فيه: معناه كذا وكذا.
والثاني: التفسير بالمراد، فيقال: المراد بكذا وكذا، والأخير هنا هو المراد.
فإذا قلنا: الأنداد الأشباه والنظراء، فهو تفسير بالمعنى، وإذا قلنا: الأنداد الشركاء أو الشرك، فهو تفسير بالمراد، يقول رضي الله عنه: " الأنداد هو الشرك "، فإذا الند الشريك المشارك لله سبحانه وتعالى فيما يختص به.
(10/793)

فلان، وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتي اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانا، هذا كله به شرك ". رواه ابن أبي حاتم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: " دبيب ". أي: أثر دبيب النمل وليس فعل النمل.
وقوله: " على صفاة " هي الصخرة الملساء.
وقوله: " سوداء ". وليس على بيضاء؛ إذ لو كان على بيضاء؛ لبان أثر السير أكثر.
وقوله: " في ظلمة الليل ". وهذا أبلغ ما يكون في الخفاء.
فإذا كان الشرك في قلوب بني آدم أخفى من هذا، فنسأل الله أن يعين على التخلص منه، ولهذا قال بعض السلف: " ما عالجت نفسي معالجتها على الإخلاص ". ويروى «عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لما قال مثل هذا، قيل له: كيف نتخلص منه؟ قال: " قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم» . (1)
وقوله: " والله وحياتك ". فيها نوعان من الشرك:
الأول: الحلف بغير الله.
__________
(1) ابن ابي حاتم كما في تفسير ابن كثير (1/63) .
(10/794)

الثاني: الإشراك مع الله بقوله: والله، وحياتك، فضمها إلى الله بالواو المقتضية للتسوية فيها نوع من الشرك، والقسم بغير الله إن اعتقد الحالف أن المقسم به بمنزلة الله في العظمة، فهو شرك أكبر، وإلا فهو شرك أصغر.
وقوله: " وحياتي " فيه حلف بغير الله، فهو شرك.
وقوله: " لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص "، كليبة تصغير كلب، والكلب ينتفع به للصيد وحراسة الماشية والحرث.
وقوله: " لولا كليبة هذا " يكون فيه شرك إذا نظر إلى السبب دون المسبب، وهو الله عز وجل، أما الاعتماد على السبب الشرعي أو الحسي المعلوم، فقد تقدم أنه لا بأس به، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لولا أنا، لكان في الدرك السفل من النار» ، لكن قد يقع في قلب الإنسان إذا قال: لولا كذا لحصل كذا أو ما كان كذا وكذا، قد يقع في قلبه شيء من الشرك بالاعتماد على السبب بدون نظر إلى المسبب، وهو الله عز وجل.
وقوله: " لولا البط في الدار لأتى اللصوص ". البط طائر معروف، وإذا دخل اللص البيت وفيه بط، فإنه يصرخ، فينتبه أهل البيت ثم يجتنبه اللصوص.
وقوله: " وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت " فيه شرك؛ لأنه شرك غير الله مع الله بالواو، فإن اعتقد أنه يساوي الله عز وجل في التدبير والمشيئة، فهو شرك أكبر، وإن لم يعتقد ذلك، واعتقد أن الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء، فهو شرك أصغر، وكذلك قوله: " لولا الله وفلان ".
وقوله: " هذا كله به شرك ". المشار إليه ما سبق، وهو شرك أكبر أو أصغر
(10/795)

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حسب ما يكون في قلب الشخص من نوع هذا التشريك
قوله: " وعن عمر ". صوابه عن ابن عمر، نبه عليه الشارح في " تيسير العزيز الحميد ".
قوله في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: " من حلف بغير الله ". " من " شرطية، فتكون للعموم.
قوله: " أو أشرك ". شك من الراوي، والظاهر أن صواب الحديث " أشرك "
قوله: " من حلف بغير الله ". يشمل كل محلوف به سوى الله، سواء بالكعبة أو الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو السماء أو غير ذلك، ولا يشمل الحلف بصفات الله؛ لأن الصفة تابعة للموصوف، وعلى هذا فيجوز أن تقول: وعزة الله لأفعلن كذا.
وقوله: " بغير الله ". ليس المراد بغير هذا الاسم، بل المراد بغير المسمى بهذا الاسم، فإذا حلف بالله أو بالرحمن أو بالسميع، فهو حلف بالله.
والحلف: تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة بالباء أو التاء أو الواو. وحروف القسم ثلاثة: الباء، والتاء، والواو.
__________
(1) الإمام أحمد في المسند (2/ 34، 86) وأبو داوود كتاب الإيمان / باب كراهة الحلف بالأباء، والترمزي: كتاب الإيمان /باب ما جاء في كراهة الحلف بغير الله ـ وحسنه، وابم حبان (1177) والحاكم (1/18، 4/ 297) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز في الفتاوى (5/307) .
(10/796)

والباء أعمها؛ لأنها تدخل على الظاهر والمضمر، وعلى اسم الله وغيره، ويذكر معها فعل القسم ويحذف، فيذكر معها فعل القسم؛ كقوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [الأنعام: 109] ، ويحذف مثل قولك: بالله لأفعلن، وتدخل على المضمر مثل قولك: الله عظيم أحلف به لأفعلن، وعلى الظاهر كما في الآية وعلى غير لفظ الجلالة، مثل قولك: بالسميع لأفعلن، وأما الواو فإنه لا يذكر معها فعل القسم، ولا تدخل على الضمير، ويحلف بها مع كل اسم، وأما التاء فإنه لا يذكر معها فعل القسم، وتختص بالله ورب، قال ابن مالك: " والتاء لله ورب ".
والحلف بغير الله شرك أكبر إن اعتقد أن المحلوف به مساو لله تعالى في التعظيم والعظمة، وإلا فهو شرك أصغر.
وهل يغفر الله الشرك الأصغر؟
قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116] ، أي: الشرك الأكبر {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} ، يعني: الشرك الأصغر والكبائر.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر؛ لأن قوله: {أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} مصدر مؤول، فهو نكرة في سياق النفي، فيعم الأصغر والأكبر،والتقدير: لا يغفر شركا به أو إشراكا به.
وأما قوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: 1] ، وقوله: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1] ، وقوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: 1] وما أشبه ذلك من المخلوقات التي أقسم الله بها، فالجواب على وجهين:
الأول: أن هذا من فعل الله، والله لا يسأل عما يفعل، وله أن يقسم
(10/797)

سبحانه بما شاء من خلقه، وهو سائل غير مسئول، وحاكم غير محكوم عليه.
الثاني: أن قسم الله بهذه الآيات دليل على عظمته وكمال قدرته وحكمته، فيكون القسم به الدال على تعظيمها ورفع شأنها متضمنا للثناء على الله عز وجل، بما تقتضيه من الدلالة على عظمته.
وأما نحن، فلا نقسم بغير الله أو صفاته؛ لأننا منهيون عن ذلك.
وأما ما ثبت في " صحيح مسلم " من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «أفلح وأبيه إن صدق» .
فالجواب عنه من وجوه:
الأول: أن بعض العلماء أنكر هذه اللفظة، وقال: إنها لم تثبت في الحديث؛ لأنها مناقضة للتوحيد، وما كان كذلك فلا تصح نسبته إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيكون باطلا.
الثاني: أنها تصحيف من الرواة، والأصل: " أفلح والله إن صدق ".
وكانوا في السابق لا يشكلون الكلمات، و (أبيه) تشبه (الله) إذا حذفت النقط السفلى.
الثالث: أن هذا مما يجري على الألسنة بغير قصد، وقد قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89] ، وهذا لم ينو فلا يؤاخذ.
الرابع: أنه وقع من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو أبعد الناس عن الشرك، فيكون من خصائصه، وأما غيره فهم منهيون عنه؛ لأنهم لا يساوون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في
(10/798)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
الإخلاص والتوحيد.
الخامس: أنه على حذف مضاف، والتقدير: (أفلح ورب أبيه) .
السادس: أن هذا على منسوخ، وأن النهي هو الناقل من الأصل، وهذا أقرب الوجوه.
ولو قال قائل: نحن نقلب عليكم الأمر، ونقول: إن المنسوخ هو النهي؛ لأنهم لما كانوا حديثي عهد بشرك نهوا أن يشركوا به كما نهي الناس حين كانوا حديثي عهد بشرك عن زيارة القبور ثم أذن لهم فيها؟
فالجواب عنه: أن هذا اليمين كان جاريا على ألسنتهم، فتركوا حتى استقر الإيمان في نفوسهم ثم نهوا عنه، ونظيره إقرارهم على شرب الخمر أولا ثم أمروا باجتنابه.
أما بالنسبة للوجه الأول فضعيف؛ لأن الحديث ثابت، وما دام يمكن حمله على وجه صحيح، فإنه يجوز إنكاره.
وأما الوجه الثاني فبعيد، وإن أمكن فلا يمكن في «قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: " أما وأبيك لتنبأنه» .
وأما الوجه الثالث فغير صحيح؛ لأن النهي وارد مع أنه كان يجري على ألسنتهم كما جرى على لسان سعد، فنهاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) ، ولو صح هذا لصح أن
__________
(1) ونصه:0حلفت مرة باللات والعزى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم انفث على يسارك ثلاثا، ثم تعوذ ولا تعد) .
(10/799)

وقال ابن مسعود: " لأن أحلف بلله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يقال لمن فعل شركا اعتاده لا ينهى؛ لأن هذا من عادته، وهذا باطل.
وأما الرابع، فدعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، وإلا فالأصل التأسي به.
وأما الخامس فضعيف؛ لأن الأصل عدم الحذف، ولأن الحذف هنا يستلزم فهما باطلا، ولا يمكن أن يتكلم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما يستلزم ذلك بدون بيان المراد، وعلى هذا يكون أقربها الوجه السادس أنه منسوخ، ولا نجزم بذلك لعدم العلم بالتاريخ، ولهذا قلنا: أقربها والله أعلم، وإن كان النووي رحمه الله ارتضى أن هذا مما يجري على اللسان بدون قصد، لكن هذا ضعيف لا يمكن القول به، ثم رأيت بعضهم جزم بشذوذها لانفراد مسلم بها عن البخاري مع مخالفة راويها للثقات، فالله أعلم.
قوله في أثر ابن مسعود: (لأن أحلف بالله كاذبا) . اللام: لام الابتداء، و (أن) مصدرية، فيكون قوله: (أن أحلف) مؤولا بمصدر مبتدأ تقديره لحلفي بالله.
قوله: (أحب إلي) . خبر مبتدأ، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] .
(10/800)

قوله: (كاذبا) حال من فاعل أحلف.
قوله: (أحب إلي) . هذا من باب التفضيل الذي ليس فيه شيء من الجانبين، وهذا نادر في الكلام؛ لأن التفضيل في الأصل يكون فيه المعنى ثابتا في المفضل وفي المفضل عليه، وأحيانا في المفضل دون المفضل عليه، وأحيانا لا يوجد في الجانبين، فابن مسعود رضي الله عنه لا يحب لا هذا ولا هذا، ولكن الحلف بالله كاذبا أهون عليه من الحلف بغيره صادقا، فالحلف كاذبا محرم من وجهين:
1. أنه كذب، والكذب محرم لذاته.
2. أن هذا الكذب قرن باليمين، واليمين تعظيم لله عز وجل، فإذا كان على كذب صار فيه شيء من تنقص لله عز وجل، حيث جعل اسمه مؤكدا لأمر كذب، ولذلك كان الحلف بالله كاذبا عند بعض أهل العلم من اليمين المغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار.
وأما الحلف بغير الله صادقا، فهو محرم من وجه واحد وهو الشرك، لكن سيئه الشرك أعظم من سيئة الكذب، وأعظم من سيئة الحلف بالله كاذبا، وأعظم من اليمين الغموس إذا قلنا: إن الحلف بالله كاذبا من اليمين الغموس؛ لأن الشرك لا يغفر، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116] وما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب إلا لإبطال الشرك، فهو أعظم الذنوب، قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ، «وسئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك» ، والشرك متضمن للكذب، فإن الذي جعل غير الله شريكا لله كاذب، بل من أكذب الكاذبين؛ لأن الله لا شريك له.
(10/801)

وعن حذيفة رضي الله عنه، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» . رواه أبو داود بسند صحيح (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله في حديث حذيفة رضي الله عنه: (لا تقولوا) . (لا) ناهية، ولهذا جزم الفعل بعدها بحذف النون.
قوله: «ما شاء الله وما شاء فلان» . والعلة في ذلك أن الواو تقتضي تسوية المعطوف بالمعطوف عليه، فيكون القائل: ما شاء الله وشئت مسويا مشيئة الله بمشيئة المخلوق، وهذا شرك، ثم إن اعتقد أن المخلوق أعظم من الخالق، أو أنه مساو له، فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه أقل، فهو شرك أصغر.
قوله: «ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» . لما نهى عن اللفظ المحرم بين اللفظ المباح؛ لأن (ثم) للترتيب والتراخي، فنفيد أن المعطوف أقل مرتبة من المعطوف عليه.
أما بالنسبة لقوله: «ما شاء الله فشاء فلان» ، فالحكم فيها أنها مرتبة بين مرتبة (الواو) ومرتبة (ثم) فهي تختلف عن (ثم) بأن (ثم) للتراخي والفاء للتعقيب، وتوافق (ثم) بأنها للترتيب، فالظاهر أنها جائزة، ولكن التعبير بـ (ثم) أولى؛ لأنه اللفظ الذي أرشد إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأنه أبين في إظهار الفرق؟
__________
(1) الإمام أحمد في المسند (5/ 384) وأبو داوود كتاب الأدب / باب لا يقال: خبث نفسي، والطيالسي (430) ،والنسائي في عمل اليوم والليلة (919) قال النووي في الأذكار (308) إسناده صحيح
(10/802)

بين الخالق والمخلوق.
ويستفاد من هذا الحديث:
1. إثبات المشيئة للعبد، لقوله: " ثم شاء فلان "، فيكون فيه رد على الجبرية حيث قالوا: إن العبد لا مشيئة له ولا اختيار.
2. أنه ينبغي لمن سد على الناس بابا محرما أن يفتح لهم الباب المباح؛ لقوله: «ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» ، ونظير ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة: 104] ، وكذلك «النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما جيء له بتمر جيد وأخبره الآتي به أنه أخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة، قال: " لا تفعل، ولكن بع الجمع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبا» ، أي: تمرا جيدا، فأرشده إلى الطريق المباح حين نهاه عن الطريق المحرم.
وفي هذا فائدتان عظيمتان:
الأولى: بيان كمال الشريعة وشمولها، حيث لم تسد على الناس بابا إلا فتحت لهم ما هو خير منه.
والثانية: التسهيل على الناس ورفع الحرج عنهم، فعامل الناس بهذا ما استطعت، كلما سددت عليهم بابا ممنوعا، فافتح لهم من المباح ما يغني عنه ما استطعت إلى ذلك سبيلا حتى لا يقعوا في الحرج.
(10/803)

وجاء عن إبراهيم النخعي: أنه يكره: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك. قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عن إبراهيم النخعي) . من فقهاء التابعين، لكنه قليل البضاعة في الحديث، كما ذكر ذلك حماد بن زيد.
قوله: (يكره أعوذ بالله وبك) . العياذ الاعتصام بالمستعاذ به عن المكروه، واللياذ بالشخص: هو اللجوء إليه لطلب المحبوب، قال الشاعر:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره
وهذان البيتان يخاطب بهما رجلا، لكن كما قال بعضهم: هذا القول لا ينبغي أن يكون إلا لله.
وقوله: (أعوذ بالله وبك) . هذا محرم؛ لأنه جمع بين الله والمخلوق بحرف يقتضي التسوية وهو الواو.
ويجوز بالله ثم بك؛ لأن (ثم) تدل على الترتيب والتراخي.
فإن قيل: سبق أن من الشرك الاستعاذة بغير الله، وعلى هذا يكون قوله: أعوذ بالله ثم بك محرما.
أجيب: أن الاستعاذة بمن يقدر على أن يعيذك جائزة؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في (صحيح مسلم) وغيره: «من وجد ملجأ فليعذ به» ، لكن لو قال: أعوذ بالله
(10/804)

ثم بفلان، وهو ميت، فهذا شرك أكبر؛ لأنه لا يقدر على أن يعيذك، وأما استدلال الإمام أحمد على أن القرآن غير مخلوق بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» . ثم قال رحمه الله: والاستعاذة لا تكون بمخلوق، فيحمل كلامه على أن الاستعاذة بكلام لا تكون بكلام مخلوق، بل بكلام غير مخلوق، وهو كلام الله، والكلام تابع للمتكلم به، إن كان مخلوقا فهو مخلوق، وإن كان غير مخلوق فهو غير مخلوق.
فيه مسائل:
(10/805)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد.
الثانية: أن الصحابة رضي الله عنهم يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر.
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك.
الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا، فهو أكبر من اليمين الغموس.
الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد. وقد سبق.
الثانية: أن الصحابة يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر؛ لأن قوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} نازلة في الأكبر؛ لأن المخاطب بها هم المشركون، وابن عباس فسرها بما يقتضي الشرك الأصغر؛ لأن الند يشمل النظير المساوي على سبيل الإطلاق أو في بعض الأمور.
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما.
الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا، فهو أكبر من اليمين الغموس. واليمين الغموس عند الحنابلة أن يحلف بالله كاذبا، وقال بعض العلماء - وهو الصحيح -: أن يحلف بالله كاذبا ليقتطع بها مال امرئ مسلم.
الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ. لأن الواو تقتضي المساواة، فتكون شركا، وثم تقتضي الترتيب والتراخي، فلا تكون شركا.
(10/806)

باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد:
أن الاقتناع بالحلف بالله من تعظيم الله؛ لأن الحالف أكد ما حلف عليه بالتعظيم باليمين وهو تعظيم المحلوف به، فيكون من تعظيم المحلوف به أن يصدق ذلك الحالف، وعلى هذا يكون عدم الاقتناع بالحلف بالله فيه شيء من نقص تعظيم الله، وهذا ينافي كمال التوحيد، والاقتناع بالحلف بالله لا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون ذلك من الناحية الشرعية، فإنه يجب الرضا بالحلف بالله فيما إذا توجهت اليمين على المدعى عليه فحلف، فيجب الرضا بهذا اليمين بمقتضى الحكم الشرعي.
الثاني: أن يكون ذلك من الناحية الحسية، فإن كان الحالف موضع صدق وثقة، فإنك ترضى بيمينه، وإن كان غير ذلك فلك أن ترفض الرضا بيمينه، ولهذا «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحويصة ومحيصة: " تبرئكم يهود بخمسين يمينا ". قالوا: كيف نرضى يا رسول الله بأيمان اليهود؟ . فأقرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك.»
(10/807)

عن ابن عمر، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله» . رواه ابن ماجه بسند حسن. (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله في الحديث: " لا تحلفوا ". (لا) : ناهية، ولهذا جزم الفعل بعدها بحذف النون، و (آباؤكم) : جمع أب، ويشمل الأب والجد، وإن علا، فلا يجوز الحلف بهم؛ لأنه شرك، وقد سبق بيانه.
قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض» هنا أمران:
الأمر الأول: للحالف، فقد أمر أن يكون صادقا، والصدق: هو الإخبار بما يطابق الواقع، وضده الكذب، وهو: الإخبار بما يخالف الواقع، فقوله: «من حلف بالله فليصدق» ، أي: فليكن صادقا في يمينه، وهل يشترط أن يكون مطابقا للواقع أو يكفي الظن؟
الجواب: يكفي الظن، فله أن يحلف على ما يغلب على ظنه، «كقول الرجل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني. فأقره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» .
الثاني: للمحلوف له، فقد أمر أن يرضى بيمين الحالف له.
فإذا قرنت هذين الأمرين بعضهما ببعض، فإن الأمر الثاني ينزل على إذا كان الحالف صادقا؛ لأن الحديث جمع أمرين: أمرا موجها للحالف، وأمرا
__________
(1) ابن ماجة: كتاب الكفارات / باب من حلف له بالله فليرض وقال البويصري في مصباح الزجاجة (2/143) هذا اسناد صحيح رجاله ثقات) وقال ابن حجر في الفتح (11/535) سند صحيح
(10/808)

موجها للمحلوف له، فإذا كان الحالف صادقا، وجب على المحلوف له الرضا.
فإن قيل: إن كان صادقا فإننا نصدقه وإن لم يحلف؟
أجيب: أن اليمين تزيده توكيدا.
قوله: «ومن لم يرض فليس من الله» أي: من لم يرض بالحلف بالله إذا حلف له، فليس من الله، وهذا تبرؤ منه يدل على أن عدم الرضا من كبائر الذنوب، ولكن لا بد من ملاحظة ما سبق، وقد أشرنا أن في حديث القسامة دليلا على أنه إذا كان الحالف غير ثقة، فلك أن ترفض الرضا به؛ لأنه غير ثقة، فلو أن أحدا حلف لك وقال: والله إن هذه الحقيبة من خشب. وهي من جلد، فيجوز أن لا ترضى به؛ لأنك قاطع بكذبه، والشرع لا يأمر بشيء يخالف الحس والواقع، بل لا يأمر إلا بشيء يستحسنه العقل ويشهد له بالصحة والحسن، وإن كان العقل لا يدرك أحيانا مدى حسن هذا الشيء الذي أمر به الشرع، ولكن ليعلم علم اليقين أن الشرع لا يأمر إلا بما هو حسن؛ لأن الله تعالى يقول: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] ، فإذا اشتبه عليك حسن شيء من أحكام الشرع، فاتهم نفسك بالقصور أو بالتقصير، أما أن تتهم الشرع، فهذا لا يمكن، وما صح عن الله ورسوله، فهو حق وهو من أحسن الأحكام.
(10/809)

فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الحلف بالآباء.
الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى.
الثالثة: وعيد من لم يرض.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الحلف بالآباء. لقوله: «لا تحلفوا بآبائكم» ، والنهي للتحريم.
الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى. لقوله: «ومن حلف له بالله، فليرض» ، وسبق التفصيل في ذلك.
الثالثة: وعيد من لم يرض. لقوله: «ومن لم يرض، فليس من الله» .
الرابعة: ولم يذكرها المؤلف: أمر الحالف أن يصدق؛ لأن الصدق واجب في غير اليمين، فكيف باليمين؟
وقد سبق أن من حلف على يمين كاذبة أنه آثم، وقال بعض العلماء: إنها اليمين الغموس.
وأما بالنسبة للمحلوف له، فهل يلزمه أن يصدق أم لا؟
المسألة لا تخلو من أحوال خمس:
الأولى: أن يعلم كذبه، فلا أحد يقول: إنه يلزم تصديقه.
الثانية: أن يترجح كذبه، فكذلك لا يلزم تصديقه.
الثالثة: أن يتساوى الأمران، فهذا يجب تصديقه.
الرابعة: أن يترجح صدقه، فيجب أن يصدق.
الخامسة: أن يعلم صدقه، فيجب أن يصدقه.
وهذا في الأمور الحسية، أما الأمور الشرعية في باب التحاكم، فيجب أن يرضى باليمين ويلتزم بمقتضاها؛ لأن هذا من باب الرضا بالحكم الشرعي، وهو واجب.
(10/810)

باب قول: ما شاء الله وشئت
«عن قتيلة: أن يهوديا أتى للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت» . رواه النسائي وصححه. (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن قول: «ما شاء الله وشئت» من الشرك الأكبر أو الأصغر؛ لأنه إن اعتقد أن المعطوف مساو لله، فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه دونه لكن أشرك به في اللفظ فهو أصغر، وقد ذكر بعض أهل العلم: أن من جملة ضوابط الشرك الصغر أن ما كان وسيلة للأكبر فهو أصغر.
قوله: (أن يهوديا) . اليهودي: هو المنتسب إلى شريعة موسى عليه السلام، وسموا بذلك من قوله تعالى: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} ، أي: رجعنا، أو لأن
__________
(1) الإمام احمد في المسند (6/371، 372) والنسائي: كتاب الإيمان / باب الحلف بالكعبة، والحاكم (4/315) وصححه ووافقه الذهبي.
(10/811)

جدهم اسمه يهوذا بن يعقوب، فتكون التسمية من أجل النسب، وفي الأول تكون التسمية من أجل العمل، ولا يبعد أن تكون من الاثنين جميعا.
قوله: (إنكم تشركون) . أي: تقعون في الشرك أيها المسلمون.
قوله: «ما شاء الله وشئت» . الشرك هنا أنه جعل المعطوف مساويا للمعطوف عليه، وهو الله عز وجل، حيث كان العطف بالواو المفيدة للتسوية.
قوله: (والكعبة) . الشرك هنا أنه حلف بغير الله، ولم ينكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قاله اليهودي، بل أمر بتصحيح هذا الكلام، فأمرهم إذا حلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، فيكون القسم بالله.
وأمرهم أن يقولوا: ما شاء الله، ثم شئت، فيكون الترتيب بثم بين مشيئة الله ومشيئة المخلوق، وبذلك يكون الترتيب صحيحا، أما الأول فلأن الحلف صار بالله، وأما الثاني فلأنه جعل بلفظ يتبين به تأخر مشيئة العبد عن مشيئة الله، وأنه لا مساواة بينهما.
ويستفاد من الحديث:
1 - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم ينكر على اليهودي، مع أن ظاهر قصده الذم واللوم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه؛ لأن ما قاله حق.
2 - مشروعية الرجوع إلى الحق وإن كان من نبه عليه ليس من أهل الحق.
3 - أنه ينبغي عند تغيير الشيء أن يغير إلى شيء قريب منه؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرهم أن يقولوا: (ورب الكعبة) ، ولم يقل: احلفوا بالله، وأمرهم أن يقولوا: «ما شاء الله ثم شئت» .
(10/812)

وله أيضا عن ابن عباس «أن رجلا قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما شاء الله وشئت، فقال: " أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إشكال وجوابه:
وهو أن يقال: كيف لم ينبه على هذا العمل إلا هذا اليهودي؟
جوابه: أنه يمكن أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يسمعه ولم يعلم به.
ولكن يقال بأن الله يعلم، فكيف يقرهم؟
فيبقى الإشكال، ولكن يجاب: إن هذا من الشرك الأصغر دون الأكبر، فتكون الحكمة هي ابتلاء هؤلاء اليهود الذين انتقدوا المسلمين بهذه اللفظة مع أنهم يشركون شركا أكبر ولا يرون عيبهم.
قوله في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلا قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الظاهر أنه قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تعظيما، وأنه جعل الأمر مفوضا لمشيئة الله ومشيئة رسوله.
قوله: «أجعلتني لله ندا؟!» . الاستفهام للإنكار، وقد ضمن معنى التعجب، ومن جعل للخالق ندا فقد أتى شيئا عجابا.
والند: هو النظير والمساوي، أي جعلتني لله مساويا في هذا الأمر؟ !
قوله: «بل ما شاء الله وحده» . أرشده النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ما يقطع عنه الشرك،
(10/813)

ولم يرشده إلى أن يقول: ما شاء الله ثم شئت حتى يقطع عنه كل ذريعة عن الشرك وإن بعدت.
يستفاد من الحديث:
1 - أن تعظيم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلفظ مساواته للخالق شرك، فإن كان يعتقد المساواة، فهو شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنه دون ذلك، فهو أصغر، وإذا كان هذا شركا، فكيف بمن يجعل حق الخالق للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
هذا أعظم؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس له شيء من خصائص الربوبية، بل يلبس الدرع، ويحمل السلاح، ويجوع، ويتألم، ويمرض، ويعطش كبقية الناس، ولكن الله فضله على البشر بما أوحي إليه من هذا الشرع العظيم، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} ، فهو بشر، وأكد هذه البشرية بقوله: مثلكم، ثم جاء التمييز بينه وبين بقية البشر بقوله تعالى: {يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110] ، ولا شك أن الله أعطاه من الأخلاق الفاضلة التي بها الكمالات من كل وجه: أعطاه من الصبر العظيم، وأعطاه من الكرم ومن الجود، لكنها كلها في حدود البشرية، أما أن تصل إلى خصائص الربوبية، فهذا أمر لا يمكن، ومن ادعى ذلك فقد كفر بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكفر بمن أرسله.
فالمهم أننا لا نغلو في الرسول عليه الصلاة والسلام فننزله في منزلة هو ينكرها، ولا نهضم حقه الذي يجب علينا فنعطيه ما يجب له، ونسأل الله أن يعيننا على القيام بحقه، ولكننا لا ننزله منزلة الرب عز وجل.
2. إنكار المنكر وإن كان في أمر يتعلق بالمنكر؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أجعلتني لله ندا؟ !» ، مع أنه فعل ذلك تعظيما للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعلى هذا إذا انحنى
(10/814)

ولابن ماجه «عن الطفيل -أخي عائشة لأمها- قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزيز ابن الله. قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لك شخص عند السلام، فالواجب عليك الإنكار.
3 - أن من حسن الدعوة إلى الله - عز وجل - أن نذكر ما يباح إذا ذكرت ما يحرم؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما منعه من قول: «ما شاء الله وشئت» أرشده إلى الجائز وهو قوله: «بل ما شاء الله وحده» .
قوله في حديث الطفيل: (رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود) . أي رؤيا في المنام.
قوله: (كأن) : اسمها الياء، وجملة (أتيت) خبرها.
وقوله: (على نفر) من الثلاثة إلى التسعة، واليهود أتباع موسى.
قوله: (لأنتم القوم) . كلمة مدح، كقولك: هؤلاء هم الرجال.
وقوله: (عزير) هو رجل صالح ادعى اليهود أنه ابن الله، وهذا من كذبهم، وهو كفر صريح، واليهود لهم مثالب كثيرة، لكن خصت هذه لأنها من أعظمها وأشهرها عندهم.
(10/815)

«تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته، قال: " هل أخبرت بها أحدا؟ " قلت: نعم. قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد، فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده "» . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «ما شاء الله وشاء محمد» هذا شرك أصغر؛ لأن الصحابة الذين قالوا هذا ولا شك أنهم لا يعتقدون أن مشيئة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مساوية لمشيئة الله، فانتقدوا عليهم تسوية مشيئة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمشيئة الله عز وجل باللفظ مع عظم ما قاله هؤلاء اليهود في حق الله جل وعلا.
قوله: (تقولون: المسيح ابن الله) : هو عيسى ابن مريم، وسمي مسيحا بمعنى ماسح، وهو فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برى بإذن الله، كالأكمه والأبرص.
والشيطان لعب بالنصارى فقالوا: هو ابن الله؛ لأنه أتى بدون أب، كما في القرآن: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء: 91] ، قالوا: هو جزء من الله؛ لأن الله أضافه إليه، والجزء هو الابن.
__________
(1) ابن ماجه كتاب الكفارات / باب النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت وقال البويصري في المصباح (2/152) على شرط البخاري.
(10/816)

والروح على الراجح عند أهل السنة: ذات لطيفة تدخل الجسم وتحل فيه كما يحل الماء في الطين اليابس، ولهذا يقبضها الملك عند الموت وتكفن ويصعد بها ويراها الإنسان عند موته، فالصحيح أنها ذات وإن كان بعض الناس يقول: إنها صفة، ولكنه ليس كذلك، والحياة صحيح أنها صفة لكن الروح ذات، إذا نقول لهؤلاء النصارى: إن الله أضاف روح عيسى إليه كما أضاف البيت والمساجد والناقة وما أشبه ذلك على سبيل التشريف والتعظيم، ولا شك أن المضاف إلى الله يكتسب شرفا وعظمة، حتى إن بعض الشعراء يقول في معشوقته:
لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي
قوله: (فما أصبحت أخبرت بها من أخبرت) المقصود بهذه العبارة الإبهام؛ كقوله تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} [طه: 78] ، والإبهام قد يكون للتعظيم كما في الآية المذكورة، وقد يكون للتحقير حسب السياق، وقد يراد به معنى آخر.
قوله: (هل أخبرت بها أحدا؟) . سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا السؤال؛ لأنه لو قال: لم أخبر أحدا، فالمتوقع أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيقول له: لا تخبر أحدا، هذا هو الظاهر، ثم بين له الحكم عليه الصلاة والسلام، لكن لما قال: إنه أخبر بها، صار لا بد من بيانها للناس عموما؛ لأن الشيء إذا انتشر يجب أن يعلن عنه، بخلاف إذا كان خاصا، فهذا يخبر به من وصله الخبر.
قوله: (فحمد الله) . الحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
قوله: (وأثنى عليه) . أي: كرر ذلك الوصف.
قوله: (أما بعد) . سبق أنها بمعنى مهما يكن من شيء بعد، أي: بعدما
(10/817)

ذكرت، فكذا وكذا.
قوله: (يمنعني كذا وكذا) . أي: يمنعه الحياء كما في رواية أخرى، ولكن ليس الحياء من إنكار الباطل، ولكن من أن ينهى عنها دون أن يأمره الله بذلك، هذا الذي يجب أن تحمل عليه هذه اللفظة إن كانت محفوظة: أن الحياء الذي يمنعه ليس الحياء من الإنكار؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يستحي من الحق، ولكن الحياء من أن ينكر شيئا قد درج على الألسنة وألفه الناس قبل أن يؤمر بالإنكار، مثل الخمر بقي الناس يشربونها حتى حرمت في سورة المائدة، فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما لم يؤمر بالنهي عنها سكت، ولما حصل التنبيه على ذلك بإنكار هؤلاء اليهود والنصارى رأى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لا بد من إنكارها لدخول اللوم على المسلمين بالنطق بها.
قوله: «قولوا ما شاء الله وحده» . نهاهم عن الممنوع، وبين لهم الجائز.
(10/818)

فيه مسائل:
الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر.
الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر. لقوله: (إنكم لتشركون) .
الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى. أي: إذا كان له هوى فهم شيئا، وإن كان هو يرتكب مثله أو أشد منه، فاليهود مثلا أنكروا على المسلمين قولهم: «ما شاء الله وشئت» ، وهم يقولون أعظم من هذا، يقولون: عزير ابن الله، ويصفون الله تعالى بالنقائص والعيوب.
ومن ذلك بعض المقلدين يفهم النصوص على ما يوافق هواه، فتجده يحمل النصوص من الدلالات ما لا تحتمل، كذلك أيضا بعض العصريين يحملون النصوص ما لا تحتمله حتى توافق ما اكتشفه العلم الحديث في الطب والفلك وغير ذلك، كل هذا من الأمور التي لا يحمد الإنسان عليها، فالإنسان يجب أن يفهم النصوص على ما هي عليه، ثم يكون فهمه تابعا لها، لا أن يخضع النصوص لفهمه أو لما يعتقده، ولهذا يقولون: استدل ثم اعتقد، ولا تعتقد ثم تستدل؛ لأنك إذا اعتقدت ثم استدللت ربما يحملك اعتقادك على أن تحرف النصوص إلى ما تعتقده كما هو ظاهر في جميع الملل والمذاهب المخالفة لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، تجدهم يحرفون هذه النصوص لتوافق ما هم عليه، والحاصل أن الإنسان إذا كان له هوى، فإنه يحمل النصوص ما لا تحتمله من أجل أن توافق هواه.
(10/819)

الثالثة: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أجعلتني لله ندا؟!» ، فكيف بمن قال: ما لي من ألوذ به سواك. والبيتين بعده؟
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر؛ لقوله: (يمنعني كذا وكذا) .
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثالثة: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أجعلتني لله ندا؟!» هو قوله: «ما شاء وشئت» . وقوله: (فكيف بمن قال: ما لي ألوذ به سواك. . .) يشير رحمه الله إلى أبيات للبوصيري في البردة - القصيدة المشهورة - يقول فيها:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن آخذا يوم المعاد يدي ... عفوا وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا غاية الكفر والغلو، فلم يجعل لله شيئا، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شرفه بكونه عبد الله ورسوله، لا لمجرد كونه محمد بن عبد الله.
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر؛ لقوله: (يمنعني كذا وكذا) ؛ لأنه لو كان من الشرك الأكبر ما منعه شيء من إنكاره.
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي. تؤخذ من حديث الطفيل، ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» ؛ لأن أول
(10/820)

السادسة: أنها قد تكون سببا لشرع الأحكام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الوحي كان بالرؤيا الصالحة من ربيع الأول إلى رمضان، وهذا ستة أشهر، فإذا نسبت هذا إلى بقية زمن الوحي، كان جزءا من ستة وأربعين جزءا؛ لأن الوحي كان ثلاثا وعشرين سنة وستة أشهر مقدمة له.
والرؤيا الصالحة: هي التي تتضمن الصلاح، وتأتي منظمة وليست بأضغاث أحلام.
أما أضغاث الأحلام، فإنها مشوشة غير منظمة، وذلك مثل «التي قصها رجل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إني رأيت رأسي قد قطع، وإني جعلت أشتد وراءه سعيا. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تحدث الناس بتلاعب الشيطان بك في منامك» ، والغالب أن المرائي المكروهة من الشيطان، قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [المجادلة: 10] ولذلك «أرشد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن رأى ما يكره أن يتفل عن يساره، أو ينفث ثلاث مرات، وأن يقول: " أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت. وأن يتحول إلى الجانب الآخر، وأن لا يخبر أحدا» ، وفي رواية: «أمره أن يتوضأ وأن يصلي» .
السادسة: أنها قد تكون سببا لشرع بعض الأحكام، من ذلك رؤيا إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه يذبح ابنه، وهذا الحديث، وكذلك «أثبت النبي»
(10/821)

«صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنها رؤيا حق "» (1) ، وأبو بكر رضي الله عنه أثبت رؤيا من رأي ثابت بن قيس بن شماس، فقال للذي رآه: إنكم ستجدون درعي تحت برمة، وعنده فرس يستن. فلما أصبح الرجل ذهب إلى خالد بن الوليد وأخبره، فذهبوا إلى المكان ورأوا الدرع تحت البرمة عندها الفرس (2) ، فنفذ أبو بكر وصيته؛ لوجود القرائن التي تدل على صدقها، لكن لو دلت على ما يخالف الشريعة؛ فلا عبرة بها، ولا يلتفت إليها؛ لأنها ليست رؤيا صالحة.
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (4/43) ، وأبو داود: كتاب الصلاة / باب كيفية الأذان.
(2) الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/322) ، وقال: (رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح) .
(10/822)

باب من سب الدهر فقد آذى الله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السب: الشتم، والتقبيح، والذم، وما أشبه ذلك.
الدهر: هو الزمان والوقت.
وسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم، فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده، وما أشبه ذلك؛ لأن الأعمال بالنيات، ومثل هذا اللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قول لوط عليه الصلاة والسلام: {هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: 77] .
الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر؛ فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقا؛ لأنه نسب الحوادث إلى غير الله، وكل من اعتقد أن مع الله خالقا فهو كافر، كما أن من اعتقد أن مع الله إلها يستحق أن يعبد فإنه كافر.
الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده؛ فهذا محرم، ولا يصل إلى درجة الشرك، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين؛ لأن حقيقة سبه تعود إلى الله سبحانه؛ لأن الله تعالى هو الذي يصرف الدهر ويكون فيه ما أراد من خير أو شر، فليس الدهر فاعلا، وليس هذا السبب يكفر؛ لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة.
قوله: (فقد آذى الله) . لا يلزم من الأذية الضرر؛ فالإنسان يتأذى بسماع
(10/823)

وقول الله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24] الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
القبيح أو مشاهدته، ولكنه لا يتضرر بذلك، ويتأذى بالرائحة الكريهة كالبصل والثوم ولا يتضرر بذلك، ولهذا أثبت الله الأذية في القرآن، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57] ، وفي الحديث القدسي: «يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار» ، ونفى عن نفسه أن يضره شيء، قال تعالى: {إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} [آل عمران: 176] ، وفي الحديث القدسي: «يا عبادي , إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني» . رواه مسلم.
قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} . المراد بذلك المشركون الموافقون للدهرية - بضم الدال على الصحيح عند النسبة؛ لأنه مما تغير فيه الحركة - والمعنى وما الحياة والوجود إلا هذا؛ فليس هناك آخرة، بل يموت بعض ويحيا آخرون، هذا يموت فيدفن وهذا يولد فيحيا، ويقولون: إنها أرحام تدفع وأرض تبلع ولا شيء سوى هذا.
قوله: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} أي: ليس هلاكنا بأمر الله وقدره، بل
(10/824)

بطول السنين لمن طالت مدته، والأمراض والهموم والغموم لمن قصرت مدته؛ فالمهلك لهم هو الدهر.
قوله: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} . (ما) : نافية، و (علم) : مبتدأ خبره مقدم (لهم) ، وأكد بـ (من) ؛ فيكون للعموم: أي ما لهم علم لا قليل ولا كثير، بل العلم واليقين بخلاف قولهم.
قوله: {إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} . (إن) : هنا نافية لوقوع (إلا) بعدها؛ أي: ما هم إلا يظنون.
الظن هنا بمعنى الوهم؛ فليس ظنهم مبنيا على دليل يجعل الشيء مظنونا، بل هو مجرد وهم لا حقيقة له، فلا حجة لهم إطلاقا، وفي هذا دليل على أن الظن يستعمل بمعنى الوهم، وأيضا يستعمل بمعنى العلم واليقين؛ كقوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} [البقرة: 46] .
والرد على قولهم بما يلي:
أولا: قولهم: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} .
وهذا يرده المنقول والمعقول.
أما المنقول؛ فالكتاب والسنة تدل على ثبوت الآخرة ووجوب الإيمان باليوم الآخر، وأن للعباد حياة أخرى سوى هذه الحياة الدنيا، والكتب السماوية الأخرى تقرر ذلك وتؤكده.
وأما المعقول، فإن الله فرض على الناس الإسلام والدعوة إليه والجهاد لإعلاء كلمة الله، مع ما في ذلك من استباحة الدماء والأموال والنساء والذرية، فمن غير المعقول أن يكون الناس بعد ذلك ترابا لا بعث ولا حياة ولا ثواب ولا
(10/825)

وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عقاب، وحكمة الله تأبى هذا، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: 85] ؛ أي: الذي أنزل عليك القرآن وفرض العمل به والدعوة إليه لا بد أن يردك إلى معاد تجازى فيه ويجازى فيه كل من بلغته الدعوة.
ثانيا: قولهم: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} ؛ أي: إلا مرور الزمن.
وهذا يرده المنقول والمحسوس:
فأما المنقول؛ فالكتاب والسنة تدل على أن الإحياء والإماتة بيد الله عز وجل، كما قال الله تعالى: {هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يونس: 56] ، وقال عن عيسى عليه الصلاة والسلام: {وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 49] .
وأما المحسوس فإننا نعلم من يبقى سنين طويلة على قيد الحياة؛ كنوح عليه السلام وغيره ولم يهلكه الدهر، ونشاهد أطفالا يموتون في الشهر الأول من ولادتهم، وشبابا يموتون في قوة شبابهم؛ فليس الدهر هو الذي يميتهم.
مناسبة الآية للباب:
أن في الآية نسب الحوادث إلى الدهر، ومن نسبها إلى الدهر؛ فسوف يسب الدهر إذا وقع فيه ما يكرهه.
(10/826)

قوله: (وفي الصحيح عن أبي هريرة. . .) إلى آخره. هذا الحديث يسمى الحديث القدسي أو الإلهي أو الرباني، وهو كل ما يرويه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ربه عز وجل، وسبق الكلام عليه في باب فضل التوحيد وما يكفر الذنوب.
قوله: (قال الله تعالى) . تعالى من العلو، وجاءت بهذه الصيغة للدلالة على ترفعه جل وعلا، عن كل نقص وسفل؛ لأنها تحمل معنى الترفع والتنزه عما يقوله المعتدون علوا كبيرا. قوله: (يؤذيني ابن آدم) . أي: يلحق بي الأذى، فالأذية لله ثابتة ويجب علينا إثباتها؛ لأن الله أثبتها لنفسه، فلسنا أعلم من الله بالله، ولكنها ليست كأذية المخلوق؛ بدليل قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] وقدم النفي في هذه الآية على الإثبات، لأجل أن يرد الإثبات على قلب خال من توهم المماثلة، ويكون الإثبات حينئذ على الوجه اللائق به تعالى، وأنه لا يماثل في صفاته كما لا يماثل في ذاته، وكل ما وصف الله به نفسه؛ فليس فيه احتمال للتمثيل؛ إذ لو كان احتمال التمثيل جائزا في كلامه سبحانه وكلام رسوله فيما وصف به نفسه، لكان احتمال الكفر جائزا في كلامه سبحانه وكلام رسوله.
قوله: (ابن آدم) . شامل للذكور والإناث، وآدم هو أبو البشر، خلقه الله تعالى من طين وسواه ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة وعلمه الأسماء كلها.
واعلم أنه من المؤسف أنه يوجد فكرة مضلة كافرة، وهي أن الآدميين نشئوا من قرد لا من طين، ثم تطور الأمر بهم حتى صاروا على هذا الوصف،
(10/827)

ويمكن على مر السنين أن يتطوروا حتى يصيروا ملائكة، وهذا القول لا شك أنه كفر وتكذيب صريح للقرآن؛ فيجب علينا أن ننكره إنكارا بالغا، وأن لا نقره في كتب المدارس، فمن زعم هذه الفكرة يقال له: بل أنت قرد في صورة إنسان، ومثلك كما قال الشاعر:
إذا ما ذكرنا آدما وفعاله ... وتزويجه بنتيه بابنيه في الخنا
علمنا بأن الخلق من نسل فاجر ... وأن جميع الناس من عنصر الزنا
وأجابه بعض العلماء بجواب؛ فقال: أنت الآن أقررت أنك ولد زنا، وإقرارك على نفسك مقبول وعلى غيرك غير مقبول، ومثلك كما قال الشاعر:
كذلك إقرار الفتى لازم له ... وفي غيره لغو كما جاء شرعنا
ولكن أنا في الحقيقة يؤلمني أن يوجد هذا بين أيدي شبابنا؛ فبعض الناس أخذوا به على أنه أمر محتمل، والواقع أنه لا يحتمل سوى البطلان والكذب والدس على المسلمين بالتشكيك بما أخبرهم الله به عن خلق آدم وبنيه.
وأيضا مما يحذر عنه كلمة (فكر إسلامي) ؛ إذ معنى هذا أننا جعلنا الإسلام عبارة عن أفكار قابلة للأخذ والرد، وهذا خطر عظيم أدخله علينا أعداء الإسلام من حيث لا نشعر، والإسلام شرع من عند الله وليس فكرا لمخلوق.
قوله: (يسب الدهر) . الجملة تعليل للأذية أو تفسير لها؛ أي: بكونه يسب الدهر؛ أي: يشتمه ويقبحه ويلومه وربما يلعنه - والعياذ بالله - يؤذي الله، والدهر: هو الزمن والوقت، وقد سبق بيان أقسام سب الدهر.
قوله: (وأنا الدهر) . أي: مدبر الدهر ومصرفه؛ لقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] ،
(10/828)

ولقوله في الحديث: «أقلب الليل والنهار» ، والليل والنهار هما الدهر.
ولا يقال بأن الله هو الدهر نفسه، ومن قال ذلك، فقد جعل الخالق مخلوقا، والمقلب بكسر اللام مقلبا بفتح اللام.
فإن قيل: أليس المجاز ممنوعا في كلام الله وكلام رسوله وفي اللغة؟
أجيب: إن الكلمة حقيقة في معناها الذي دل عليه السياق والقرائن، وهنا في الكلام المحذوف تقديره: وأنا مقلب الدهر؛ لأنه فسره بقوله: «أقلب الليل والنهار» ، والليل والنهار هما الدهر، ولأن العقل لا يمكن أن يجعل الخالق الفاعل هو المخلوق المفعول، المقلب هو المقلب، وبهذا عرف خطأ من قال: إن الدهر من أسماء الله، كابن حزم رحمه الله؛ فإنه قال: (إن الدهر من أسماء الله) ، وهذا غفلة عن مدلول هذا الحديث، وغفلة عن الأصل في أسماء الله، فأما مدلول الحديث فإن السابين للدهر لم يريدوا سب الله، وإنما أرادوا سب الزمن؛ فالدهر هو الزمن في مرادهم، وأما الأصل في أسماء الله أن تكون حسنى؛ أي: بالغة في الحسن أكمله، فلا بد أن تشتمل على وصف ومعنى هو أحسن ما يكون من الأوصاف والمعاني في دلالة هذه الكلمة، ولهذا لا تجد في أسماء الله تعالى اسما جامدا أبدا؛ لأن الاسم الجامد ليس فيه معنى أحسن أو غير أحسن، لكن أسماء الله كلها حسنى؛ فيلزم من ذلك أن تكون دالة على معان، والدهر اسم من أسماء الزمن ليس فيه معنى إلا أنه اسم زمن، وعلى هذا فينتفي أن يكون اسما لله تعالى لوجهين:
الأول: أن سياق الحديث يأباه غاية الإباء.
(10/829)

وفي رواية: «لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثاني: أن أسماء الله حسنى، والدهر اسم جامد لا يحمل معنى إلا أنه اسم للأوقات.
فلا يحمل المعنى الذي يوصف بأنه أحسن، وحينئذ فليس من أسماء الله تعالى، بل إنه الزمن، ولكن مقلب الزمن هو الله، ولهذا قال: «أقلب الليل والنهار» .
قوله: «أقلب الليل والنهار» . أي: ذواتهما وما يحدث فيهما؛ فالليل والنهار يقلبان من طول إلى قصر إلى تساو، والحوادث تتقلب فيه في الساعة وفي اليوم وفي الأسبوع وفي الشهر وفي السنة، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] ، وهذا أمر ظاهر، وهذا التقليب له حكمة قد تظهر لنا وقد لا تظهر؛ لأن حكمة الله أعظم من أن تحيط بها عقولنا، ومجرد ظهور سلطان الله عز وجل، وتمام قدرته هو من حكمة الله لأجل أن يخشى الإنسان صاحب هذا السلطان والقدرة، فيتضرع ويلجأ إليه.
قوله: (وفي رواية: «لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر» . وفائدة هذه الرواية أن فيها التصريح في النهي عن سب الدهر.
(10/830)

قوله: «فإن الله هو الدهر» . وفي نسخة: «فإن الدهر هو الله» ، والصواب: «فإن الله هو الدهر» .
وقوله: «فإن الله هو الدهر» ؛ أي: فإن الله هو مدبر الدهر ومصرفه، وهذا تعليل للنهي، ومن بلاغة كلام الله ورسوله قرن الحكم بالعلة لبيان الحكمة وزيادة الطمأنينة، ولأجل أن تتعدى العلة إلى غيرها فيما إذا كان المعلل حكما؛ فهذه ثلاث فوائد في قرن العلة بالحكم.
(10/831)

فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الدهر.
الثانية: تسميته أذى لله.
الثالثة: التأمل في قوله: «فإن الله هو الدهر» .
الرابعة: أنه قد يكون سابا ولو لم يقصده بقلبه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الدهر. لقوله: «لا تسبوا الدهر» .
الثانية: تسميته أذى لله. تؤخذ من قوله: " يؤذيني ابن آدم ".
الثالثة: التأمل في قوله: «فإن الله هو الدهر» . فإذا تأملنا فيه وجدنا أن معناه أن الله مقلب الدهر ومصرفه وليس معناه أن الله هو الدهر، وقد سبق بيان ذلك.
الرابعة: أنه قد يكون سابا ولو لم يقصده بقلبه. تؤخذ من قوله: «يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر» ، ولم يذكر قصدا ولو عبر الشيخ بقوله: أنه قد يكون مؤذيا لله وإن لم يقصده؛ لكان أوضح وأصح؛ لأن الله صرح بقوله: " يسب الدهر "، والفعل لا يضاف إلا لمن قصده.
وقد فات على الشيخ رحمه الله بعض المسائل، منها: تفسير آية الجاثية، وقد سبق ذلك.
(10/832)

باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (باب التسمي بقاضي القضاة) . أي: وضع الشخص لنفسه هذا الاسم، أو رضاه به من غيره.
قوله: (قاضي القضاة) . قاضي: بمعنى حاكم، والقضاة أي: الحكام، و (أل) للعموم.
والمعنى: التسمي بحاكم الحكام ونحوه، مثل ملك الأملاك، وسلطان السلاطين، وما أشبه ذلك، مما يدل على النفوذ والسلطان؛ لأن القاضي جمع بين الإلزام والإفتاء، بخلاف المفتي؛ فهو لا يُلزم، ولهذا قالوا: القاضي جمع بين الشهادة والإلزام والإفتاء، فهو يشهد أن هذا الحكم حكم الله، وأن الحق للمحكوم له على المحكوم عليه، ويفتي؛ أي: يخبر عن حكم الله وشرعه، ويلزم الخصمين بما حكم به.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن من تسمى بهذا الاسم؛ فقد جعل نفسه شريكا مع الله فيما لا يستحقه إلا الله؛ لأنه لا أحد يستحق أن يكون قاضي القضاة أو حاكم الحكام أو ملك الأملاك إلا الله سبحانه وتعالى؛ فالله هو القاضي فوق كل قاض، وهو الذي له الحكم، ويرجع إليه الأمر كله كما ذكر الله ذلك في القرآن.
وقد تقدم أن قضاء الله ينقسم إلى قسمين:
1 - قضاء كوني.
2 - قضاء شرعي.
(10/833)

والقضاء الكوني لا بد من وقوعه، ويكون فيما أحب الله وفيما كرهه، قال تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} [الإسراء: 4] ؛ فهذا قضاء كوني متعلق بما يكرهه الله؛ لأن الفساد في الأرض لا يحبه الله، والله لا يحب المفسدين، وهذا القضاء الكوني لا بد أن يقع ولا معارض له إطلاقا.
وأما النوع الثاني من القضاء، وهو القضاء الشرعي؛ فمثل قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] ، والقضاء الشرعي لا يلزم منه وقوع المقضي، فقد يقع وقد لا يقع، ولكنه يتعلق فيما يحبه الله، وقد سبق الكلام عن ذلك.
فإن قلت: إذا أضفنا القضاة وحصرناها بطائفة معينة، أو ببلد معين، أو بزمان معين، مثل أن يقال: قاضي القضاة في الفقه، أو قاضي قضاة المملكة العربية السعودية، أو قاضي قضاة مصر أو الشام، أو ما أشبه ذلك؛ فهل يجوز هذا؟
فالجواب: أن هذا جائز؛ لأنه مقيد، ومعلوم أن قضاء الله لا يتقيد، فحينئذ لا يكون فيه مشاركة لله عز وجل، على أنه لا ينبغي أيضا أن يتسمى الإنسان بذلك أو يسمى به وإن كان جائزا؛ لأن النفس قد تصعب السيطرة عليها فيما إذا شعر الإنسان بأنه موصوف بقاضي قضاة الناحية الفلانية، فقد يأخذه الإعجاب بالنفس والغرور حتى لا يقبل الحق إذا خالف قوله، وهذه مسألة عظيمة لها خطرها إذا وصلت بالإنسان إلى الإعجاب بالرأي بحيث يرى أن رأيه مفروض على من سواه، فإن هذا خطر عظيم، فمع القول بأن ذلك جائز لا ينبغي أن يقبله اسما لنفسه أو وصفا له، ولا أن يتسمى به.
فإذا قيد بزمان أو مكان ونحوهما؛ قلنا: إنه جائز، ولكن الأفضل ألا
(10/834)

يفعل، ولكن إذا قيد بفن من الفنون؛ هل يكون جائزا؟
مقتضى التقييد أن يكون جائزا، لكن إن قيد بالفقه بأن قيل: (عالم العلماء في الفقه) ، وقلنا: إن الفقه يشمل أصول الدين وفروعه على حد قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من يرد الله به خيرا فليفقهه في الدين» صار فيه عموم واسع، ومعنى هذا أن مرجع الناس كلهم في الشرع إليه؛ فهذا في نفسي منه شيء، والأولى التنزه عنه.
وأما إن قيد بقبيلة فهو جائز، لكن يجب مع الجواز مراعاة جانب الموصوف أن لا يغتر ويعجب بنفسه، ولهذا «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمادح: " قطعت عنق صاحبك» .
وأما التسمي بـ (شيخ الإسلام) ؛ مثل أن يقال: شيخ الإسلام ابن تيمية، أو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أي أنه الشيخ المطلق الذي يرجع إليه الإسلام، فهذا لا يصح؛ إذ إن أبا بكر رضي الله عنه أحق بهذا الوصف؛ لأنه أفضل الخلق بعد النبيين، ولكن إذا قصد بهذا الوصف أنه جدد في الإسلام وحصل له أثر طيب في الدفاع عنه، فلا بأس بإطلاقه.
وأما بالنسبة للتسمية بـ (الإمام) ، فهو أهون بكثير من التسمي بـ (شيخ الإسلام) ؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمى إمام المسجد إماما ولو لم يكن عنده إلا اثنان.
لكن ينبغي أن ينبه أنه لا يتسامح في إطلاق كلمة إمام إلا على من كان
(10/835)

في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قدوة وله أتباع؛ كالإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم ممن له أثر في الإسلام؛ لأن وصف الإنسان بما لا يستحق هضم للأمة؛ لأن الإنسان إذا تصور أن هذا إمام وهذا إمام هان الإمام الحق في عينه، قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
ومن ذلك أيضا: (آية الله، حجة الله، حجة الإسلام) ؛ فإنها ألقاب حادثة لا تنبغي لأنه لا حجة لله على عباده إلا الرسل.
وأما آية الله، فإن أريد به المعنى الأعم؛ فلا مدح فيه لأن كل شيء آية لله، كما قيل:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وإن أريد المعنى الأخص؛ أي: أن هذا الرجل آية خارقة؛ فهذا في الغالب يكون مبالغا فيه، والعبارة السليمة أن يقال: عالم مفت، قاض، حاكم، إمام لم كان مستحقا لذلك.
قوله: (في الصحيح) انظر الكلام عليها (ص 146)
قوله: «إن أخنع اسم» . أي: أوضع اسم، والمراد بالاسم المسمى، فأوضع
(10/836)

اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك؛ لأنه جعل نفسه في مرتبة عليا، فالملوك أعلى طبقات البشر من حيث السلطة؛ فجعل مرتبته فوق مرتبتهم، وهذا لا يكون إلا لله عز وجل، ولهذا عوقب بنقيض قصده؛ فصار أوضع اسم عند الله إذا قصده أن يتعاظم حتى على الملوك، فأهين، ولهذا كان أحب اسم عند الله ما دل على التذلل والخضوع، مثل: عبد الله وعبد الرحمن، وأبغض اسم عند الله ما دل على الجبروت والسلطة والتعظيم.
قوله: «لا مالك إلا الله» . أي لا مالك على الحقيقة الملك المطلق إلا الله تعالى.
وأيضا لا ملك إلا الله عز وجل، ولهذا جاءت آية الفاتحة بقراءتين: (ملك يوم الدين) و {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] ؛ لكي يجمع بين الملك وتمام السلطان؛ فهو سبحانه ملك مالك، ملك ذو سلطان وعظمة وقول نافذ، ومالك متصرف مدبر لجميع مملكته.
فالله له الخلق والملك والتدبير؛ فلا خالق إلا الله، ولا مدبر إلا الله، ولا مالك إلا الله، قال تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 3] ؛ فالاستفهام بمعنى النفي، وقد أشرب معنى التحدي، أي إن وجدتموه فهاتوه، وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [الحجر: 86] فيها توكيد وحصر، وهذا دليل انفراده بالخلق، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73] فـ (الذين) : اسم موصول يشمل كل من يدعى من دون الله {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا} ، وهذا على سبيل المبالغة، وما كان على سبيل المبالغة فلا مفهوم له كثرة أو قلة.
وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] ، وقال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} [آل عمران: 26] ، وهذا دليل انفراده بالملك، وقال تعالى:
(10/837)

قال سفيان: مثل شاهان شاه. وفي رواية: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه» . .
قوله: (أخنع) يعني: أوضع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} [يونس: 31] ، وقال تعالى: {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون: 88] .
قوله: (قال سفيان - هو ابن عيينة -: مثل شاهان شاه) . وهذا باللغة الفارسية؛ فشاهان: جمع بمعنى أملاك، وشاه مفرد بمعنى ملك، والتقدير أملاك ملك؛ أي: ملك الأملاك، لكنهم في اللغة الفارسية يقدمون المضاف إليه على المضاف.
قوله: وفي رواية: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه» .
أغيظ: من الغيظ وهو الغضب؛ أي: إن أغضب شيء عند الله عز وجل، وأخبثه هو هذا الاسم، وإذا كان سببا لغضب الله وخبيثا؛ فإن التسمي به من الكبائر.
وقوله: (أغيظ) . فيه إثبات الغيظ لله عز وجل؛ فهي صفة تليق بالله عز وجل كغيرها من الصفات، والظاهر أنها أشد من الغضب.
(10/838)

فيه مسائل:
الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك.
الثانية: أن ما في معناه مثله، كما قال سفيان.
الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك. وتؤخذ من قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن أخنع اسم عند الله عز وجل رجل تسمى ملك الأملاك» . والمؤلف يقول: النهي عن التسمي.. والنهي شرعا لا يستفاد من الصيغة المعينة المعروفة فحسب، بل إذا ورد الذم عليه، أو سب فاعله، أو ما أشبه ذلك، فإنه يفيد النهي، وصيغة النهي هي المضارع المقرون ب (لا) الناهية، مثل: لا تفعل، ولكن إذا كان هناك ذم أو وعيد أو ما أشبه ذلك، فهو متضمن للنهي وزيادة.
الثانية: أن ما في معناه مثله كما قال سفيان. والذي في معناه: قاضي القضاة، وحاكم الحكام، وشاهان شاه في الفارسية.
الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه، أي لم يقصد أنه ملك الأملاك أو قاضي القضاة؛ لعلمه أن هناك من هو أبلغ ملكا وأحكم قضاء.
وإذا سمينا شخصا بقاضي القضاة أو حاكم الحكام وهو ليس كذلك، بل هو من أجهل القضاة ومن أضعف الحكام، جمعنا بين أمرين: بين الكذب والوقوع في اللفظ المنهي عنه، وأما إذا كان أعلم أهل زمانه، أو أعلم أهل مكانه، ويرجع القضاة إليه، فهذا وإن كان القول مطابقا للواقع لكنه منهي عنه، مع أن القلب لم يقصد معناه.
(10/839)

الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه. يؤخذ من قوله: «لا مالك إلا الله» ؛ فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشار إلى العلة، وهي: «لا مالك إلا الله» ؛ فكيف تقول: ملك الأملاك وهو لا مالك إلا الله عز وجل؟!
* الفرق بين ملك ومالك:
ليس كل ملك مالكا، وليس كل مالك ملكا؛ فقد يكون الإنسان ملكا، ولكنه لا يكون بيده التدبير، وقد يكون الإنسان مالكا ويتصرف فيما يملكه فقط؛ فالملك من ملك السلطة المطلقة، لكن قد يملك التصرف فيكون ملكا مالكا، وقد لا يملك فيكون ملكا وليس بمالك، أما المالك فهو الذي له التصرف بشيء معين؛ كمالك البيت، ومالك السيارة وما أشبه ذلك؛ فهذا ليس بملك؛ يعني: ليس له سلطة عامة.
ويستفاد من الحديث أيضا:
1 - إثبات صفة الغيظ لله عز وجل، وأنه يتفاضل لقوله: (أغيظ) ، وهو اسم تفضيل.
2 - حكمة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التعليم؛ لأنه لما بين أن هذا أخنع اسم وأغيظه أشار إلى العلة، وهو: «لا مالك إلا الله» ، وهذا من أحسن التعليم والتعبير، ولهذا ينبغي لكل إنسان يعلم الناس أن يقرن الأحكام بما تطمئن إليه النفوس من أدلة شرعية أو علل مرعية، قال ابن القيم:
العلم معرفة الهدى بدليله ... ما ذاك والتقليد يستويان
فالعلم أن تربط الأحكام بأدلتها الأثرية أو النظرية؛ فالأثرية ما كان من كتاب أو سنة أو إجماع، والنظرية: العقلية؛ أي: العلل المرعية التي يعتبرها الشرع.
(10/840)

باب احترام أسماء الله ... إلخ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أسماء الله عز وجل هي: التي سمى بها نفسه أو سماه بها رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد سبق لنا الكلام فيها في مباحث كثيرة، منها:
هل أسماء الله مترادفة أو متباينة؟
وقلنا باعتبار دلالتها على الذات مترادفة؛ لأنها تدل على ذات واحدة، وهو الله عز وجل، وباعتبار دلالتها على المعنى والصفة التي تحملها متباينة، وإن كان بعضها قد يدل على ما تضمنه الآخر من باب دلالة اللزوم؛ فمثلا: (الخلاق) يتضمن الدلالة على العلم المستفاد من اسم العليم، لكنه بالالتزام، وعلى القدرة المستفادة من اسم التقدير، لكن بالالتزام.
الثاني: هل أسماء الله مشتقة أو جامدة (يعني: هل المراد بها الدلالة على الذات فقط، أو على الذات والصفة) ؟
الجواب: على الذات والصفة، أما أسماؤنا نحن فيراد بها الدلالة على الذات فقط، فقد يسمى محمدا وهو من أشد الناس ذما، وقد يسمى عبد الله وهو من أفجر عباد الله.
أما أسماء الله عز وجل، وأسماء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأسماء القرآن، وأسماء اليوم الآخر، وما أشبه ذلك؛ فإنها أسماء متضمنة للأوصاف.
الثالث: أسماء الله بعضها معلوم لنا وبعضها غير معلوم، بدليل قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح في دعاء الكرب: " «أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت»
(10/841)

«به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن ربيع قلبي ... » . ومعلوم أن ما استأثر الله بعلمه لا يعلمه أحد.
الرابع: أسماء الله؛ هل هي محصورة بعدد معين؟
والجواب: غير محصورة، وقد سبق الكلام على ذلك، والجواب عن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة» .
الخامس: أن هذه التسعة والتسعين غير معينة، بل موكولة لنا لنبحث حتى نحصل على التسعة والتسعين، وهذا من حكمة إبهامها لأجل البحث حتى نصل إلى هذه الغاية، ولهذا نظائر، منها: أن الله أخفى ليلة القدر، وساعة الإجابة يوم الجمعة، وساعة الإجابة في الليل؛ ليجتهد الناس في الطلب.
السادس: معنى إحصاء هذه التسعة والتسعين الذي يترتب عليه دخول الجنة، ليس معنى ذلك أن تكتب في رقاع ثم تكرر حتى تحفظ فقط، ولكن معنى ذلك:
أولا: الإحاطة بها لفظا.
ثانيا: فهمها معنى.
ثالثا: التعبد لله بمقتضاها، ولذلك وجهان:
الوجه الأول: أن تدعو الله بها؛ لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك، فعند سؤال المغفرة تقول: يا غفور، وليس من المناسب أن تقول: يا شديد العقاب اغفر لي، بل هذا يشبه الاستهزاء، بل تقول: أجرني
(10/842)

من عقابك.
الوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء؛ فمقتضى الرحيم الرحمة، فاعمل العمل الصالح الذي يكون جالبا لرحمة الله، ومقتضى الغفور المغفرة، إذا افعل ما يكون سببا في مغفرة ذنوبك، هذا هو معنى إحصائها، فإذا كان كذلك فهو جدير لأن يكون ثمنا لدخول الجنة، وهذا الثمن ليس على وجه المقابلة، ولكن على وجه السبب؛ لأن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة وليست بدلا، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: «لن يدخل الجنة أحد بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله برحمته» .
فلا تغتر يا أخي بعملك، ولا تعجب فتقول: أنا عملت كذا وكذا وسوف أدخل الجنة، قال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} [الحجرات: 17] ، هذا باعتبار ما نراه نحن نحو أعمالنا؛ فيجب أن نرى لله المنة والفضل علينا، لكن باعتبار الجزاء، قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] ؛ فتؤمن بأن الله تعالى يجزي الإحسان بالإحسان.
السابع: أسماء الله عز وجل ودلالتها على الذات والصفة جميعا دلالة مطابقة، ودلالتها على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ودلالتها على أمر خارج دلالة التزام.
(10/843)

مثال ذلك: (الخلاق) دل على الذات، وهو الرب عز وجل، وعلى الصفة وهي الخلق جميعا دلالة مطابقة، ودل على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ودل على القدرة والعلم دلالة التزام.
الثامن: أسماء الله عز وجل لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور إذا كان الاسم متعديا: الإيمان بالاسم اسما لله، والإيمان بما تضمنه من صفة، وما تضمنه من أثر وحكم؛ فالعليم مثلا لا يتم الإيمان به حتى نؤمن بأن العليم من أسماء الله، ونؤمن بما تضمنه من صفة العلم، ونؤمن بالحكم المرتب على ذلك، وهو أنه يعلم كل شيء، وإذا كان الاسم غير متعد؛ فنؤمن بأنه من أسماء الله وبما يتضمنه من صفة.
التاسع: أن من أسماء الله ما يختص به؛ مثل الله، الرحمن، رب العالمين، وما أشبه ذلك، ومنها ما لا يختص به، مثل: الرحيم، السميع، العليم، قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2] ، وقال تعالى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] . (1)
قوله: (باب احترام أسماء الله) . أي: وجوب احترام أسماء الله؛ لأن احترامها احترام لله عز وجل، ومن تعظيم الله عز وجل؛ فلا يسمى أحد باسم مختص بالله، وأسماء الله تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما لا يصح إلا لله، فهذا لا يسمى به غيره، وإن سمي وجب تغييره؛ مثل: الله، الرحمن، رب العالمين، وما أشبه ذلك.
__________
(1) انظر أيضاً: (رسالة القواعد المثلى) للمؤلف حفظه الله.
(10/844)

عن أبي شريح «أنه كان يكني أبا الحكم، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله هو الحكم وإليه الحكم " فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين. فقال: " ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ " قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: " فمن أكبرهم؟ ". قلت: شريح. قال: " فأنت أبو شريح» . رواه أبو داود وغيره (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثاني: ما يصح أن يوصف به غير الله؛ مثل: الرحيم، والسميع، والبصير، فإن لوحظت الصفة منع من التسمي به، وإن لم تلاحظ الصفة جاز التسمي به على أنه علم محض.
قوله: (عن أبي شريح) هو هانئ بن يزيد الكندي، جاء وافدا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع قومه.
وقوله: يكنى أبا الحكم. أي ينادى به. والكنية ما صدر بأب أو أم أو أخ أو عم أو خال، وتكون للمدح كما في هذا الحديث، وتكون للذم كأبي جهل، وقد تكون لمصاحبة الشيء مثل: أبي هريرة، وقد تكون لمجرد العلمية كأبي بكر رضي الله عنه، وأبي العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأنه ليس له ولد.
__________
(1) أبو داوود: كتاب الأدب / باب تغيير الاسم القبيح، والنسائي: كتاب القضاء / باب إذا حكموا رجلا فقضي بينهم.
(10/845)

قوله: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم» . (هو الحكم) ؛ أي: المستحق أن يكون حاكما على عباده، حاكما بالفعل، يدل له قوله: ( «وإليه الحكم» .
وقوله: «وإليه الحكم» . الخبر فيه جار ومجرور مقدم، وتقديم الخبر يفيد الحصر، وعلى هذا يكون الحكم راجعا إلى الله وحده.
وحكم الله ينقسم إلى قسمين:
الأول: كوني، وهذا لا راد له؛ فلا يستطيع أحد أن يرده، ومنه قوله تعالى: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يوسف: 80] .
الثاني: شرعي، وينقسم الناس فيه إلى قسمين: مؤمن وكافر؛ فمن رضيه وحكم به فهو مؤمن، ومن لم يرض به ولم يحكم به فهو كافر، ومنه قوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]
وأما قوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8] ، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] ؛ فهو يشمل الكوني والشرعي، وإن كان ظاهر الآية الثانية أن المراد الحكم الشرعي؛ لأنه في سياق الحكم الشرعي، والشرعي يكون تابعا للمحبة والرضا والكراهة والسخط، والكوني عام في كل شيء.
وفي الحديث دليل على أن من أسمائه تعالى: (الحكم) .
وأما بالنسبة للعدل؛ فقد ورد عن بعض الصحابة أنه قال: (إن الله حكم عدل) ولا أعرف فيه حديثا مرفوعا، ولكن قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا} [المائدة: 50] لا شك أنه متضمن للعدل، بل هو متضمن للعدل وزيادة.
قوله: «فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني» . هذا بيان لسبب
(10/846)

تسميته بأبي الحكم.
قوله: «ما أحسن هذا» . الإشارة تعود إلى إصلاحه بين قومه لا إلى تسميته بهذا الاسم؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غيره.
قوله: «شريح ومسلم وعبد الله» . الظاهر: أنه ليس له إلا الثلاثة؛ لأن الولد في اللغة العربية يشمل الذكر والأنثى، فلو كان عنده بنات لعدهن.
قوله: «فأنت أبو شريح» . غيره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأمرين:
الأول: أن الحكم هو الله، فإذا قيل: يا أبا الحكم، كأنه قيل: يا أبا الله.
الثاني: إن هذا الاسم الذي جعل كنية لهذا الرجل لوحظ فيه معنى الصفة وهي الحكم، فصار بذلك مطابقا لاسم الله، وليس لمجرد العلمية المحضة، بل للعلمية المتضمنة للمعنى، وبهذا يكون مشاركا لله سبحانه وتعالى في ذلك، ولهذا كناه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما ينبغي أن يكنى به.
(10/847)

فيه مسائل:
الأولى: احترام أسماء الله وصفاته ولو لم يقصد معناه.
الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك.
الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: احترام أسماء الله وصفاته ولو لم يقصد معناه.
قوله: (ولو لم يقصد معناه) هذا في النفس منه شيء، لأنه لم يقصد معناه فهو جائز، إلا إذا سمي بما لا يصح إلا لله، مثل: الله، الرحمن، رب العالمين، وما أشبهه، فهذه لا تطلق إلا على الله مهما كان، وأما ما لا يختص بالله، فإنه يسمى به غير الله إذا لم يلاحظ معنى الصفة، بل كان المقصود مجرد العلمية فقط؛ لأنه لا يكون مطابقا لاسم الله، ولذلك كان في الصحابة من اسمه (الحكم) (1) ولم يغيره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه لم يقصد إلا العلمية، وفي الصحابة من اسمه (حكيم) (2) وأقره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فالذي يحترم من أسمائه تعالى ما يختص به، أو ما يقصد به ملاحظة الصفة.
الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك. وقد سبق الكلام عليه.
الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية. تؤخذ من سؤال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فمن أكبرهم؟ " قال: شريح. قال: " فأنت أبو شريح» .
ولا يؤخذ من الحديث استحباب التكني؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد أن يغير
__________
(1) انظر (الإصابة) لابن حجر (1/342) .
(2) انظر (الإصابة) لابن حجر (1/249)
(10/848)

كنيته إلى كنية مباحة، ولم يأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يكنى ابتداء.
ويستفاد من الحديث ما يلي:
1 - أنه ينبغي لأهل الوعظ والإرشاد والنصح إذا أغلقوا بابا محرما أن يبينوا للناس المباح، وقد سبق تقرير ذلك.
2 - أن الحكم لله وحده؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وإليه الحكم» ، أما الكوني فلا نزاع فيه؛ إذ لا يعارض الله أحد في أحكامه الكونية.
وأما الشرعي فهو محك الفتنة والامتحان والاختبار، فمن شرع للناس شرعا سوى شرع الله ورأى أنه أحسن من شرع الله وأنفع للعباد، أو أنه مساو لشرع الله، أو أنه يجوز ترك شرع الله إليه، فإنه كافر لأنه جعل نفسه ندا لله عز وجل، سواء في العبادات أو المعاملات، والدليل على ذلك قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] فدلت الآية على أنه لا أحد أحسن من حكم الله ولا مساو لحكم الله؛ لأن أحسن اسم تفضيل معناه لا يوجد شيء في درجته، ومن زعم ذلك فقد كذب الله عز وجل. وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] ، وهذا دليل على أنه لا يجوز العدول عن شرع الله إلى غيره، وأنه كفر.
فإن قيل: قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] .
قلنا: قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60-61] .
(10/849)

وهذا دليل على كفرهم؛ لأنه قال: {يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا} ، وهذا إنكار لإيمانهم، فظاهر الآية أنهم يزعمون بلا صدق ولا حق.
فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وإليه الحكم» يدل على أن من جعل الحكم لغير الله، فقد أشرك.
فائدة:
يجب على طالب العلم أن يعرف الفرق بين التشريع الذي يجعل نظاما يمشي عليه ويستبدل به القرآن، وبين أن يحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله، فهذا قد يكون كفرا أو فسقا أو ظلما.
فيكون كفرا إذا اعتقد أنه أحسن من حكم الشرع أو مماثل له.
ويكون فسقا إذا كان لهوى في نفس الحاكم.
ويكون ظلما إذا أراد مضرة المحكوم عليه، وظهور الظلم في هذه أبين من ظهوره في الثانية أبين من ظهوره في الثالثة.
3 - تغيير الاسم إلى ما هو مباح أحسن إذا تضمن أمرا لا ينبغي، كما غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعض الأسماء المباحة، ولا يحتاج ذلك إلى إعادة العقيقة كما يتوهمه بعض العامة.
(10/850)

باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الترجمة فيها شيء من الغموض، والظاهر أن المراد من هزل بشيء فيكون فيه ذكر الله مثل الأحكام الشرعية، أو هزل بالقرآن أو هزل بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيكون معطوفا على قوله بشيء.
والمراد بالرسول هنا: اسم الجنس، فيشمل جميع الرسل، وليس المراد محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فـ (أل) للجنس وليس للعهد.
قوله: (من هزل) . سخر واستهزأ ورآه لعبا ليس جدا.
ومن هزل بالله أو بآياته الكونية أو الشرعية أو برسله، فهو كافر؛ لأن منافاة الاستهزاء للإيمان منافاة عظيمة.
كيف يسخر ويستهزئ بأمر يؤمن به؟ فالمؤمن بالشيء لا بد أن يعظمه وأن يكون في قلبه من تعظيمه ما يليق به.
والكفر كفران: كفر إعراض، وكفر معارضة، والمستهزئ كافر كفر معارضة، فهو أعظم ممن يسجد لصنم فقط، وهذه المسألة خطيرة جدا، ورب كلمة أوقعت بصاحبها البلاء بل والهلاك وهو لا يشعر، فقد يتكلم الإنسان بالكلمة من سخط الله عز وجل، لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار.
فمن استهزأ بالصلاة - ولو نافلة - أو بالزكاة، أو الصوم، أو الحج، فهو كافر بإجماع المسلمين، كذلك من استهزأ بالآيات الكونية بأن قال مثلا: إن وجود الحر في أيام الشتاء سفه، أو قال: إن وجود البرد في أيام الصيف سفه،
(10/851)

فهذا كفر مخرج عن الملة؛ لأن الرب عز وجل كل أفعاله مبنية على الحكمة، وقد لا نستطيع بلوغها بل لا نستطيع بلوغها.
ثم اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن سب الله أو رسوله أو كتابه: هل تقبل توبته؟ على قولين:
القول الأول: أنها لا تقبل، وهو المشهور عن الحنابلة، بل يقتل كافرا، ولا يصلى عليه، ولا يدعى له بالرحمة، ويدفن في محل بعيد عن قبور المسلمين، ولو قال: إنه تاب أو إنه أخطأ؛ لأنهم يقولون: إن هذه الردة أمرها عظيم وكبير لا تنفع فيها التوبة.
وقال بعض أهل العلم: إنها تقبل إذا علمنا صدق توبته إلى الله، وأقر على نفسه بالخطأ، ووصف الله تعالى بما يستحق من صفات التعظيم، وذلك لعموم الأدلة الدالة على قبول التوبة، كقوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] ومن الكفار من يسبون الله، ومع ذلك تقبل توبتهم.
وهذا هو الصحيح، إلا أن ساب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقبل توبته ويجب قتله، بخلاف من سب الله، فإنه تقبل توبته ولا يقتل، لا لأن حق الله دون حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد إليه بأنه يغفر الذنوب جميعا، أما ساب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه يتعلق به أمران:
الأول: أمر شرعي لكونه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن هذا الوجه تقبل توبته إذا تاب.
الثاني: أمر شخصي لكونه من المرسلين، ومن هذا يجب قتله لحقه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويقتل بعد توبته على أنه مسلم، فإذا قتل غسلناه وكفناه وصلينا عليه
(10/852)

ودفناه مع المسلمين.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ألف كتابا في ذلك اسمه (الصارم المسلول في حكم قتل ساب الرسول) أو: (الصارم المسلول على شاتم الرسول) ؛ وذلك لأنه استهان بحق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذا لو قذفه فإنه يقتل ولا يجلد.
فإن قيل: أليس قد ثبت أن من الناس من سب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقبل منه وأطلقه؟
أجيب: بلى، هذا صحيح، لكن هذا في حياته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد أسقط حقه، أما بعد موته فلا ندري، فننفذ ما نراه واجبا في حق من سبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فإن قيل: احتمال كونه يعفو عنه أو لا يعفو موجب للتوقف؟
أجيب: إنه لا يوجب التوقف، لأن المفسدة حصلت بالسب، وارتفاع أثر هذا السب غير معلوم، والأصل بقاؤه.
فإن قيل: أليس الله الغالب أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عفا عمن سبه؟
أجيب: بلى، وربما كان في حياة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا عفا قد تحصل المصلحة ويكون في ذلك تأليف، كما أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلم أعيان المنافقين، ولم يقتلهم، لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لكن الآن لو علمنا أحدا بعينه من المنافقين لقتلناه، قال ابن القيم: إن عدم قتل المنافق المعلوم إنما هو في حياة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقط.
(10/853)

وقول الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: 65] الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ} . الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي سألت هؤلاء الذين يخوضون ويلعبون بالاستهزاء بالله وكتابه ورسوله والصحابة.
قوله: {لَيَقُولُنَّ} . جواب القسم، قال ابن مالك:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم
ولهذا جاءت اللام التي تقترن بجواب القسم دون الفاء التي تقع في جواب الشرط.
قوله: {لَيَقُولُنَّ} ، أي: المسئولون.
قوله: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} أي: ما لنا قصد، ولكننا نخوض ونلعب، واللعب يقصد به الهزء، وأما الخوض فهو كلام عائم لا زمام له.
هذا إذا وصف بذلك القول، وأما إذا لم يوصف به القول، فإنه يكون الخوض في الكلام واللعب في الجوارح.
وقوله: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} : (إنما) : أداة حصر،أي: ما شأننا وحالنا إلا أننا نخوض ونلعب.
قوله: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} . الاستفهام للإنكار والتعجب، فينكر عليهم أن يستهزئوا بهذه الأمور العظيمة، ويتعجب كيف يكون الحق محلا للسخرية؟
قوله: {أَبِاللَّهِ} أي: بذاته وصفاته.
قوله: {وَآيَاتِهِ} : جمع آية، ويشمل:
(10/854)

الآيات الشرعية، كالاستهزاء بالقرآن، بل يقال: هذا أساطير الأولين- والعياذ بالله - أو يستهزأ بشيء من الشرائع، كالصلاة والزكاة والصوم والحج.
والآيات الكونية، كأن يسخر بما قدره الله تعالى، كيف يأتي هذا في هذا الوقت؟ كيف يخرج هذا الثمر من هذا الشيء؟ كيف يخلق هذا الذي يضر الناس ويقتلهم؟ استهزاء وسخرية.
قوله: {وَرَسُولِهِ} . المراد هنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: {لَا تَعْتَذِرُوا} . المراد بالنهي التيئيس، أي: انههم عن الاعتذار تيئيسا لهم بقبول اعتذارهم.
قوله: {قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} أي: بالاستهزاء وهم لم يكونوا منافقين خالصين بل مؤمنين، ولكن إيمانهم ضعيف، ولهذا لم يمنعهم من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله.
قوله: {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} .
{نَعْفُ} : ضمير الجمع للتعظيم، أي: الله عز وجل.
قوله: {عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ} قال بعض أهل العلم: هؤلاء حضروا وصار عندهم كراهية لهذا الشيء، لكنهم داهنوا فصاروا في حكمهم لجلوسهم إليه، لكنهم أخف لما في قلوبهم من الكراهة، ولهذا عفا الله عنهم وهداهم إلى الإيمان وتابوا.
قوله: {نُعَذِّبْ طَائِفَةً} . هذا جواب الشرط، أي: لا يمكن أن نعفو عن الجميع، بل إن عفونا عن طائفة، فلا بد أن نعذب الآخرين.
قوله: {بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} . الباء للسببية، أي: بسبب كونهم مجرمين بالاستهزاء وعندهم جرم والعياذ بالله، فلا يمكن أن يوفقوا للتوبة حتى يعفى عنهم.
(10/855)

ويستفاد من الآيتين:
1 - بيان علم الله عز وجل بما سيكون، لقوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ} ، وهذا مستقبل، فالله عالم ما كان وما سيكون، قال تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} [هود: 123] .
2 - أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحكم بما أنزل الله إليه حيث أمره أن يقول: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ} .
3 - أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله من أعظم الكفر، بدليل الاستفهام والتوبيخ.
4 - أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله أعظم استهزاء وقبحا، لقوله: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ} ، وتقديم المتعلق يدل على الحصر كأنه ما بقي إلا أن تستهزئوا بهؤلاء الذين ليسوا محلا للاستهزاء، بل أحق الحق هؤلاء الثلاثة.
5 - أن المستهزئ بالله يكفر؛ لقوله: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} .
6 - استعمال الغلظة في محلها، وإلا فالأصل أن من جاء يعتذر يرحم، لكنه ليس أهلا للرحمة.
7 - قبول توبة المستهزئ بالله؛ لقوله: {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ} ، وهذا أمر قد وقع، فإن من هؤلاء من عفي عنه وهدي للإسلام تاب وتاب الله عليه، وهذا دليل للقول الراجح أن المستهزئ بالله تقبل توبته، لكن لا بد من دليل بين على صدق توبته؛ لأنه كفره من أشد الكفر أو هو أشد الكفر، فليس مثل كفر الإعراض أو الجحد.
(10/856)

عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة، دخل حديث بعضهم في بعض: «أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء. يعني»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهؤلاء الذين حضروا السب مثل الذين سبوا، قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 14] . وهم يستطيعون المفارقة، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امتثل أمر الله بتبليغهم، حتى إن الرجل الذي جاء يعتذر صار يقول له: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 67] ، ولا يزيد على هذا أبدا مع إمكان أن يزيده توبيخا وتقريعا.
قوله: (عن ابن عمر) . هو عبد الله.
(ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة) . والثلاثة تابعيون، فالرواية عن ابن عمر مرفوعة، وعن الثلاثة الآخرين مرسلة.
قوله: (دخل حديثهم بعضهم في بعض) . أي: إن هذا الحديث مجموع من كلامهم، وهذا يفعله بعض أئمة الرواة كالزهري وغيره، فيحدثه جماعة بشأن قصة من القصص كحديث الإفك مثلا، فيجمعون هذا ويجعلون في حديث واحد، ويشيرون إلى هذا، فيقولون مثلا: دخل حديث بعضهم في بعض، أو يقول: حدثني بعضهم بكذا وبعضهم بكذا، وما أشبه ذلك.
قوله: (في غزوة تبوك) . تبوك في أطراف الشام، وكانت هذه الغزوة في
(10/857)

رجب حين طابت الثمار، وكان مع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الغزوة نحو ثلاثين ألفا، ولما خرجوا رجع عبد الله بن أبي بنحو نصف المعسكر، حتى قيل له: إنه لا يدري أي الجيشين أكثر: الذين رجعوا، أو الذين ذهبوا؟ مما يدل على وفرة النفاق في تلك السنة، وكانت في السنة التاسعة، وسببها أنه قيل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن قوما من الروم ومن متنصرة العرب يجمعون له، فأراد أن يغزوهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إظهارا للقوة وإيمانا بنصر الله عز وجل.
قوله: (ما رأينا) تحتمل أن تكون بصرية، وتحتمل أن تكون علمية قلبية.
قوله: «مثل قرائنا» المفعول الأول، والمراد بهم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه.
قوله: «أرغب بطونا» . المفعول به الثاني، أي: أوسع، وإنما كانت الرغبة هنا بمعنى السعة؛ لأنه كلما اتسع البطن رغب الإنسان في الأكل.
قوله: «ولا أكذب ألسنا» . الكذب: هو الإخبار بخلاف الواقع، والألسن: جمع لسان، والمراد: ولا أكذب قولا، واللسان يطلق على القول كثيرا في اللغة العربية، كما في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] أي: بلغتهم.
قوله: «ولا أجبن عند اللقاء» . الجبن: هو خور في النفس يمنع المرء من الإقدام على ما يكره، فهو خلق نفسي ذميم، ولهذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستعيذ منه لما يحصل فيه من الإحجام عما ينبغي الإقدام إليه، فلهذا كان صفة ذميمة، وهذه الأوصاف تنطبق على المنافقين لا على المؤمنين، فالمؤمن يأكل بمعى واحد: ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه، والكافر يأكل بسبعة
(10/858)

«رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه القراء» .
«فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فذهب عوف إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أمعاء، والمؤمن أصدق الناس لسانا، ولا سيما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه، فإن الله وصفهم بالصدق في قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8] .
والمنافقون أكذب الناس، كما قال الله فيهم: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر: 11] ، وجعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكذب من علامات النفاق، والمنافقون من أجبن الناس، قال تعالى: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} [المنافقون: 4] فلو سمعوا أحدا ينشد ضالته لقالوا: عدو، عدو، وهم أحب الناس للدنيا؛ إذ أصل نفاقهم من أجل الدنيا ومن أجل أن تحمى دماؤهم وأموالهم وأعراضهم.
قوله: (ولكنك منافق) . لأنه لا يطلق هذه الأوصاف على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه رجل تسمى بالإسلام إلا منافق، وبهذا يعرف أن من يسب أصحاب
(10/859)

«نقطع به عنا الطريق.»
«قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. فيقول له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 67] ؛ ما يلتفت إليه وما يزيده عليه» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كافر؛ لأن الطعن فيهم طعن في الله ورسوله وشريعته.
فيكون طعنا في الله؛ لأنه طعن في حكمته، حيث اختار لأفضل خلقه أسوأ خلقه.
وطعنا في الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنهم أصحابه، والمرء على دين خليله، والإنسان يستدل على صلاحه أو فساده أو سوء أخلاقه أو صلاحها بالقرين.
وطعنا في الشريعة: لأنهم الواسطة بيننا وبين الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نقل الشريعة، وإذا كانوا بهذه المثابة، فلا يوثق بهذه الشريعة.
قوله: «فوجد القرآن قد سبقه» . أي: بالوحي من الله تعالى، والله عليم بما يفعلون، وبما يريدون وبما يبيتون، قال تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 108] .
قوله: «وقد ارتحل وركب ناقته» . الظاهر أن هذا من باب عطف التفسير؛ لأن ركوب الناقة هو الارتحال.
قوله: «كأني أنظر إليه» . كأن إذا دخلت على مشتق، فهي للتوقع، وإذا
(10/860)

دخلت على جامد فهي للتشبيه، وهنا دخلت على جامد، والمعنى: كأنه الآن أمامي من شدة يقيني به.
قوله (بنسعة) . هي الحزام الذي يربط به الرحل.
قوله: «والحجارة تنكب رجليه» . أي: يمشي والحجارة تضرب وكأنه - والله أعلم - يمشي بسرعة، ولكنه لا يحس في تلك الحال؛ لأنه يريد أن يعتذر.
قوله: «وما يزيده عليه» .أي: لا يزيده على ما ذكر من توبيخ امتثالا لأمر الله عز وجل، وكفي بالقول الذي أرشد الله إليه نكاية وتوبيخا.
(10/861)

فيه مسائل:
الأولى: وهي العظيمة أن من هزل بهذا كافر.
الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان.
الثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى وهي العظيمة: أن من هزل بهذا كافر. أي من هزل: بالله وآياته ورسوله.
الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان. أي سواء كان منافقا أو غير منافق ثم استهزأ، فإنه يكفر كائنا من كان.
الثالثة: الفرق بين النميمة والنصيحة لله ولرسوله. النميمة: من نم الحديث، أي: نقله ونسبه إلى غيره، وهي نقل كلام للغير بقصد الإفساد، وهي من أكبر الذنوب، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يدخل الجنة نمام» ، وأخبر عن رجل يعذب في قبره؛ لأنه كان يمشي بالنميمة، وأما النصيحة لله ورسوله، فلا يقصد بها ذلك، وإنما يقصد بها احترام شعائر الله عز وجل، وإقامة حدوده
(10/862)

الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وحفظ شريعته. وعوف بن مالك نقل كلام هذا الرجل لأجل أن يقام عليه الحد أو ما يجب أن يقام عليه وليس قصده مجرد النميمة.
ومن ذلك لو أن رجلا اعتمد على شخص ووثق به، وهذا الشخص يكشف سره ويستهزئ به في المجالس، فإنك إذا أخبرت هذا الرجل بذلك، فليس هذا من النميمة، بل من النصيحة.
الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله.
العفو الذي يحبه الله: هو الذي فيه إصلاح؛ لأن الله اشترط ذلك في العفو فقال: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] أي: كان عفوه مشتملا على الإصلاح، وقال بعضهم: أي أصلح الود بينه وبين من أساء إليه، وهذا تفسير قاصر والصواب أن المراد به أصلح من عفوه، أي: كان في عفوه إصلاح.
فمن كان عفوه إفسادا لا إصلاحا، فإنه آثم بهذا العفو، ووجه ذلك من الآية ظاهر؛ لأن الله قال: {عَفَا وَأَصْلَحَ} ، ولأن العفو إحسان والفساد إساءة، ودفع الإساءة أولى، بل العفو حينئذ محرم.
والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غلظ على هذا الرجل لكونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يلتفت إليه، ولا يزيد على هذا الكلام الذي أمره الله به مع أن الحجارة تنكب رجل الرجل، ولم يرحمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يرق له، ولكل مقام مقال، فينبغي أن يكون الإنسان شديدا في موضع الشدة، لينا في موضع اللين، لكن أعداء الله عز وجل الأصل في معاملتهم الشدة، قال تعالى في وصف الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه
(10/863)

الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
{أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التحريم: 9] ذكرها الله في سورتين من القرآن مما يدل على أنها من أهم ما يكون، لكن استعمال اللين أحيانا للدعوة والتأليف قد يكون مستحسنا.
الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل. فالأصل في الاعتذار أن يقبل لا سيما إذا كان المعتذر محسنا، لكن حصلت منه هفوة، فإن علم أنه اعتذار باطل، فإنه لا يقبل.
(10/864)

باب قول الله تعالى:
{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} [فصلت: 50] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبة الباب لـ (كتاب التوحيد) : أن الإنسان إذا أضاف النعمة إلى عمله وكسبه، ففيه نوع من الإشراك بالربوبية، وإذا أضافها إلى الله لكنه زعم أنه مستحق لذلك، وأن ما أعطاه الله ليس محض تفضيل، لكن لأنه أهل، ففيه نوع من التعلي والترفع في جانب العبودية.
وقد ذكر الشيخ في آيتين:
الآية الأولى ما ترجم به المؤلف، وهي قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ} . الضمير يعود على الإنسان، والمراد به الجنس. وقيل: المراد به الكافر.
والظاهر أن المراد به الجنس، إلا أنه يمنع من هذه الحال الإيمان، فلا يقول ذلك المؤمن، قال تعالى: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} [فصلت: 47-49] هذه حال الإنسان من حيث هو إنسان، لكن الإيمان يمنع الخصال السيئة المذكورة.
قوله: {مِنَّا} أضافه الله إليه، لوضوح كونها من الله، ولتمام منته بها.
قوله: {مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ} أي: أنه لم يذق الرحمة من أول أمره، بل أصيب بضراء، كالفقر وفقد الأولاد وغير ذلك، ثم أذاقه بعد ذلك الرحمة
(10/865)

قال مجاهد: هذا بعملي، وأنا محقوق به. وقال ابن عباس: يريد: من عندي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حتى يحس بها وتكون لذتها والسرور به أعظم مثل الذائق للطعام بعد الجوع.
قوله: {مَسَّتْهُ} أي: أصابته وأثرت فيه.
قوله: {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} . هذا كفر بنعمة الله وإعجاب بالنفس، واللام في قوله {لَيَقُولَنَّ} واقعة في جواب القسم المقدر قبل اللام في قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ} .
قوله: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} . بعد أن انغمس في الدنيا نسي الآخرة، بخلاف المؤمن إذا أصابته الضراء لجأ إلى الله، ثم كشفها، ثم وجد بعد ذلك لذة وسرورا يشكر الله على ذلك، أما هذا فقد نسي الآخرة وكفر بها.
قوله: {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} .
(إن) : شرطية وتأتي فيما يمكن وقوعه وفيما لا يمكن وقوعه؛ كقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، والمعنى: على فرض أن أرجع إلى الله إن لي عنده للحسنى.
والحسنى: اسم تفضيل، أي: الذي هو أحسن من هذا، واللام للتوكيد.
قوله: {فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا} أي: فلننبئن هذا الإنسان، وأظهر في مقام الإضمار من أجل الحكم على هذا القائل بالكفر ولأجل أن يشمله الوعيد وغيره.
قول مجاهد: هذا بعملي، وأنا محقوق به. أي هذا بكسبي وأنا مستحق له.
قول ابن عباس: يريد من عندي. أي من حذقي وتصرفي وليس من عند الله.
(10/866)

وقوله: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} . قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب. وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل. وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الثانية قوله تعالى: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} .
في القرآن آيتان: آية قال الله فيها: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ، والثانية: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} ، والظاهر من تفسير المؤلف أنه يريد الآية الثانية.
قوله: {عَلَى عِلْمٍ} . في معناه أقوال:
الأول: قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب، فيكون العلم عائدا على الإنسان، أي: عالم بوجوه المكاسب، ولا فضل لأحد علي فيما أوتيته، وإنما الفضل لي، وعليه يكون هذا كفرا بنعمة الله وإعجابا بالنفس.
الثاني: قال آخرون: على علم من الله أني له أهل، فيكون بذلك مدلا على الله، وأنه أهل ومستحق لأن ينعم الله عليه، والعلم هنا عائد على الله، أي: أوتيت هذا الشيء على علم من الله أني مستحق له وأهل له.
الثالث: قول مجاهد: (أوتيته على شرف) ، وهو معنى القول الثاني، فصار معنى الآية يدور على وجهين:
(10/867)

الوجه الأول: أن هذا إنكار أن يكون ما أصابه من النعمة من فضل الله، بل زعم أنها من كسب يده وعلمه ومهارته.
الوجه الثاني: أنه أنكر أن يكون لله الفضل عليه، وكأنه هو الذي له الفضل على الله؛ لأن الله أعطاه ذلك لكونه أهلا لهذه النعمة.
فيكون على كلا الأمرين غير شاكر لله عز وجل، والحقيقة أن كل ما نؤتاه من النعم فهو من الله، فهو الذي يسرها حتى حصلنا عليها، بل كان ما نحصل عليه من علم أو قدرة أو إرادة فمن الله، فالواجب علينا أن نضيف هذه النعم إلى الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] حتى ولو حصلت لك هذه النعمة بعلمك أو مهارتك، فالذي أعطاك هذا العلم أو المهارة هو الله عز وجل، ثم إن المهارة أو العلم قد لا يكون سببا لحصول الرزق، فكم من إنسان عالم أو ماهر حاذق ومع ذلك لا يوفق بل يكون عاطلا؟!
وشكر النعمة يكون له ثلاثة أركان:
1 - الاعتراف بها في القلب.
2 - الثناء على الله باللسان.
3 - العمل بالجوارح بما يرضي المنعم.
فمن كان عنده شعور في داخل نفسه أنه هو السبب لمهارته وجودته وحذقه، فهذا لم يشكر النعمة، وكذلك لو أضاف النعمة بلسانه إلى غير الله أو عمل بمعصية الله في جوارحه، فليس بشاكر لله تعالى.
(10/868)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «أن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: أن ثلاثة من بني إسرائيل) .
جميع القصص الواردة في القرآن وصحيح السنة ليس المقصود بها مجرد الخبر، بل يقصد منها العبرة والعظة مع ما تكسب النفس من الراحة والسرور، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] .
قوله: (من بني إسرائيل) في محل نصب نعت لـ (لثلاثة) ، وبنو إسرائيل هم ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.
قوله: (أبرص) . أي: في جلده برص، والبرص داء معروف، وهو من الأمراض المستعصية التي لا يمكن علاجها بالكلية، وربما توصلوا أخيرا إلى عدم انتشارها وتوسعها في الجلد، لكن رفعها لا يمكن، ولهذا جعلها الله آية لعيسى، قال تعالى: {وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي} [المائدة: 110] .
قوله: (أقرع) . من ليس على رأسه شعر.
قوله: (أعمى) . من فقد البصر.
قوله: (فأراد الله) وفي بعض النسخ: (أراد الله) . فعلى إثبات الفاء يكون خبر (إن) محذوفا دل على السياق تقديره: إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أنعم الله عليهم فأراد الله أن يبتليهم.
ولا يمكن أن يكون (أبرص وأقرع وأعمى) خبرا؛ لأنها بدل، وعلى حذف الفاء يكون الخبر جملة: (أراد الله) ، والإرادة هنا كونية.
(10/869)

«وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به " قال: " فمسحه فذهب عنه قذره، فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل - أو البقر. شك إسحاق - فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يبتليهم) . أي: يختبرهم، كما قال الله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] ، وقال تعالى: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل: 40] .
قوله: (ملكا) . أحد الملائكة: هم عالم غيبي خلقهم الله من نور وجعلهم قائمين بطاعة الله، لا يأكلون، ولا يشربون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لهم أشكال وأعمال ووظائف مذكورة في الكتاب والسنة، ويجب الإيمان بهم، وهو أحد أركان الإيمان الستة.
قال أهل اللغة: وأصل الـ (ملك) مأخوذ من الألوكة، وهي الرسالة، وعلى هذا يكون أصله مألك، فصار فيه إعلال قلبي، فصار ملأك، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام الساكنة وحذفت الهمزة تخفيفا، فصار ملك، ولهذا في الجمع تأتي الهمزة: ملائكة.
قوله: (ويذهب) . يجوز فيه الرفع والنصب، والرفع أولى.
قوله: (قذرني) . أي: استقذرني وكرهوا مخالطتي من أجله.
وقوله: (به) . الباء للسببية، أي: بسببه.
قوله: (فمسحه) . ليتبين أن لكل شيء سببا وبرئ بإذن الله عز وجل، (فذهب عنه قذره) : بدأ بذهاب القذر قبل اللون الحسن والجلد الحسن؛ لأنه يبدأ بزوال المكروه قبل حصول المطلوب، كما يقال: التخلية قبل التحلية.
(10/870)

«قال: " فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به. فمسحه فذهب عنه قذره، وأعطي شعرا حسنا. فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل. فأعطي بقرة حاملا، قال: بارك الله لك فيها» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قال: الإبل، أو البقر، شك إسحاق) . والظاهر: أنه الإبل كما يفيده السياق، وإسحاق أحد رواة الحديث.
قوله: (عشراء) . قيل: هي الحامل مطلقا، وقال في (القاموس) : هي التي بلغ حملها عشرة أشهر أو ثمانية، سخرها الله عز وجل وذللها، ولعلها كانت قريبة من الملك فأعطاه إياها.
قوله: (بارك الله لك فيها) . فيحتمل أن لفظه الخبر ومعناه الدعاء، وهو الأقرب؛ لأنه أسلم من التقدير، ويحتمل أنه خبر محض، كأنه قال: هذه ناقة عشراء مبارك لك فيها، ويكون المعنى على تقدير (قد) ، أي: قد بارك الله لك فيها.
قوله: «فأتى الأقرع» . وهو الرجل الثاني في الحديث.
قوله: «فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن» . ولم يكتف بمجرد الشعر الحسن، بل طلب شعرا حسنا.
قوله: «الذي قذرني الناس به» . أي: القرع؛ لأنه كان أقرع كرهه الناس واستقذروه، وهذا يدل على أنهم لا يغطون رءوسهم بالعمائم ونحوها، وقد يقال: يمكن أن يكون عليه عمامة يبدو بعض الرأس من جوانبها فيكرهه الناس مما بدا منها.
(10/871)

«فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس. فمسحه، فرد الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والدا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «فذهب عنه قذره» . يقال في تقديم ذهاب القذر ما سبق، وهذه نعمة من الله عز وجل أن يستجاب للإنسان.
قوله: (البقر أو الإبل) . الشك في إسحاق، وسياق الحديث يدل على أنه أعطي البقر.
قوله: «فأتى الأعمى» . هذا هو الرجل الثالث في هذه القصة.
قوله: «فأبصر به الناس» . لم يطلب بصرا حسنا كما طلبه صاحباه، وإنما طلب بصرا يبصر به الناس فقط، مما يدل على قناعته بالكفاية.
قوله: «فرد الله إليه بصره» الظاهر أن بصره الذي كان معه من قبل هو ما يبصر به الناس فقط.
قوله: (قال: الغنم) . هذا يدل على زهده كما يدل على أنه صاحب سكينة وتواضع؛ لأن السكينة في أصحاب الغنم.
قوله: (شاة والدا) . قيل: إن المعنى قريبة الولادة، ويؤيده أن صاحبيه أعطيا أنثى حاملا، ولما يأتي من قوله: «فأنتج هذان وولد هذا» ، والشيء قد يسمى بالاسم القريب، فقد يعبر عن الشيء حاصلا وهو لم يحصل، لكنه قريب الحصول.
قوله: «فأنتج هذان» . بالضم، وفيه رواية بالفتح: (فأنتج) ، وفي رواية: (فنتج هذان) .
والأصل في اللغة في مادة (نتج) : أنها مبنية للمفعول، والإشارة إلى
(10/872)

«فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صاحب الإبل والبقر، و (أنتج) ، أي: حصل لهما نتاج الإبل والبقر.
قوله: (وولد هذا) . أي: صار لشاته أولاد، قالوا: والمنتج من أنتج، والناتج من نتج، والمولد من ولد، ومن تولى توليد النساء يقال له: القابلة، ومن تولى توليد غير النساء يقال له: منتج أو ناتج أو مولد.
قوله: «فكان لهذا واد من الإبل» . مقتضى السياق أن يقول: فكان لذلك؛ لأنه أبعد المذكورين، لكنه استعمل الإشارة للقريب في مكان البعيد، وهذا جائز، وكذا العكس.
قوله: (في صورته وهيئته) . الصورة في الجسم، والهيئة في الشكل واللباس، وهذا الفرق بينهما.
قوله: (رجل مسكين) . خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أنا رجل مسكين، والمسكين: الفقير، وسمي الفقير مسكينا؛ لأن الفقر أسكنه وأذله، والغني في الغالب يكون عنده قوة وحركة.
قوله: (وابن السبيل) . أي: مسافر سمي بذلك لملازمته للطريق، ولهذا سمي طير الماء ابن الماء لملازمته له غالبا، فكل شيء يلازم شيئا فإنه يصح أن يضاف إليه بلفظ البنوة.
قوله: «انقطعت بي الحبال في سفري» . الحبال الأسباب، فالحبل يطلق على السبب وبالعكس، قال تعالى: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ} [الحج: 15] ، ولأن الحبل سبب يتوصل به الإنسان إلى مقصوده كالرشاء يتوصل به الإنسان إلى الماء الذي في البئر.
(10/873)

«قال: " ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، وقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا، فأعطاك الله عز وجل المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر. فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك» . (لا) نافية للجنس، والبلاغ بمعنى الوصول، ومنه تبليغ الرسالة، أي: إيصالها إلى المرسل إليه، والمعنى: لا شيء يوصلني إلى أهلي إلا بالله ثم بك، فالمسألة فيها ضرورة.
قوله: «أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن» .
السؤال هنا ليس سؤال استخبار بل سؤال استجداء؛ لأن (سأل) تأتي بمعنى استجدى وبمعنى استخبر، تقول: سألته عن فلان، أي: استخبرته وسألته مالا، أي: استجديته واستعطيته، وإنما قال: «أسألك بالذي أعطاك» ، ولم يقل: أسألك بالله؛ لأجل أن يذكره بنعمة الله عليه، ففيه إغراء له على الإعانة لهذا المسكين؛ لأنه جمع بين أمرين: كونه مسكينا، وكونه ابن سبيل، ففيه سببان يقتضيان الإعطاء.
قوله: (بعيرا) . يدل على أن الأبرص أعطي الإبل، وتعبير إسحاق (الإبل أو البقر) من باب ورعه.
قوله: «أتبلغ به في سفري» . أي: ليس أطيب الإبل وإنما يوصلني إلى أهلي فقط.
(10/874)

قوله: «الحقوق كثيرة» . أي: هذا المال الذي عندي متعلق به حقوق كثيرة، ليس من حقك أنت فقط، وتناسى - والعياذ بالله - أن الله هو الذي من عليه بالجلد الحسن واللون الحسن والمال.
قوله: «كأني أعرفك» . كأن هناك للتحقيق لا للتشبيه؛ لأنها إذا دخلت على جامد فهي للتشبيه، وإذا دخلت على مشتق فهي للتحقيق أو للظن والحسبان، والمعنى: أني أعرفك معرفة تامة.
قوله: «ألم تكن أبرص يقذرك الناس» ذكره الملك بنعمة الله عليه، وعرفه بما فيه من العيب السابق حتى يعرف قدر النعمة، والاستفهام للتقرير لدخوله على (لم) ، كقوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1] .
قوله: (كابرا عن كابر) . أنكر أن المال من الله، لكنه لم يستطع أن ينكر البرص.
و (كابرا) منصوبة على نزع الخافض، أي: من كابر، أي: ممن يكبرني وهو الأب، عن كابر له وهو الجد، وقيل: المراد الكبر المعنوي، أي: إننا شرفاء وسادة وفي نعمة من الأصل، وليس هذا المال مما تجدد، واللفظ يحتمل المعنيين جميعا.
قوله: «إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت» . (إن) : شرطية ولها مقابل، يعني: وإن كنت صادقا فأبقى الله عليك النعمة.
فإن قيل: كيف يأتي بـ (إن) الشرطية الدالة على الاحتمال مع أنه يعرف أنه كاذب؟
أجيب: إن هذا من باب التنزل مع الخصم، والمعنى: إن كنت كما ذكرت عن نفسك، فأبقى الله عليك هذه النعمة، وإن كنت كاذبا وأنك لم ترثه كابرا عن كابر، فصيرك الله إلى ما كنت من البرص والفقر، ولم يقل: (إلى ما أقول) ؛ لأنه كان على ذلك بلا شك.
والتنزل مع الخصم يرد كثيرا في الأمور المتيقنة، كقوله تعالى: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59]
(10/875)

قال: «وأتى الأقرع في صورته، وقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومعلوم أنه لا نسبة، وأن الله خير مما يشركون، ولكن هذا من باب محاجة الخصم لإدحاض حجته.
قوله: «وأتى الأقرع في صورته» . الفاعل الملك، وهنا قال: (في صورته) فقط، وفي الأول قال: (في صورته وهيئته) ، فالظاهر أنه تصرف من الرواة، وإلا فالغالب أن الصورة قريبة من الهيئة، وإن كانت الصورة تكون خلقة، والهيئة تكون تصنعا في اللباس ونحوه، وقد جاء في رواية البخاري: " في صورته وهيئته ".
قوله: (فقال له مثل ما قال لهذا) المشار إليه الأبرص.
قوله: (فرد عليه) . أي: الأقرع.
قوله: «مثل ما رد عليه هذا» . أي: الأبرص.
فكلا الرجلين - والعياذ بالله - غير شاكر لنعمة الله ولا معترف بها ولا راحم لهذا المسكين الذي انقطع به السفر.
قوله: «فصيرك الله إلى ما كنت عليه» . أي: ردك الله إلى ما كنت عليه من القرع الذي يقذرك الناس به والفقر.
قوله: «فرد الله علي بصري» . اعترف بنعمة الله، وهذا أحد أركان الشكر، والركن الثاني: العمل بالجوارح في طاعة المنعم، والركن الثالث: الاعتراف بالنعمة في القلب، قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
قوله: «فوالله، لا أجهدك بشيء أخذته لله» . الجهد: المشقة، والمعنى: لا
(10/876)

قال: «وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاةً أتبلغ به في سفري. قال: قد كنت أعمى فرد الله عليَّ بصري. فخذ ما شئت فوالله؛ لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله فقال: أمسك مالك؛ فإنما ابتليتم؛ فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك» أخرجاه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أشق عليكم بمنع ولا منة، واعترافه بلسانه مطابق لما في قلبه، فيكون دالا على الشكر بالقلب بالتضمن.
قوله: «خذ ما شئت ودع ما شئت» . هذا من باب الشكر بالجوارح، فيكون هذا الأعمى قد أتم أركان الشكر.
قوله: " لله ". اللام للاختصاص، والمعنى لأجل الله، وهذا ظاهر في إخلاصه لله، فكل ما تأخذه لله فأنا لا أمنعك منه ولا أردك.
قوله: " إنما ابتليتم ". أي: اختبرتم، والذي ابتلاهم هو الله - تعالى - وظاهر الحديث أن قصتهم مشهورة معلومة بين الناس؛ لأن قوله: " إنما ابتليتم " يدل على أن عنده علما بما جرى لصاحبيه وغالبا أن مثل هذه القصة تكون مشهورة بين الناس.
قوله: «فقد رضي الله عنك» . يعني: لأنك شكرت نعمة الله بالقلب
(10/877)

واللسان والجوارح.
قوله: «وسخط على صاحبيك» . لأنهما كفرا نعمة الله - سبحانه، وأنكرا أن يكون الله منَّ عليهما بالشفاء والمال.
وفي هذا الحديث من العبر شيء كثير، منها:
1. أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقص علينا أنباء بني إسرائيل لأجل الاعتبار والاتعاظ بما جرى وهو أحد الأدلة لمن قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، ولا شك أن هذه قاعدة صحيحة.
2. بيان قدرة الله - عز وجل - بإبراء الأبرص والأقرع والأعمى من هذه العيوب التي فيهم بمجرد مسح الملك لهم.
3. أن الملائكة يتشكلون حتى يكونوا على صورة البشر، لقوله: «فأتى الأبرص في صورته» ، وكذلك الأقرع والأعمى لكن هذا - والله أعلم - ليس إليهم وإنما يتشكلون بأمر الله تعالى.
4. أن الملائكة أجسام وليسوا أرواحا أو معاني أو قوى فقط.
5. حرص الرواة على نقل الحديث بلفظه.
6. أن الإنسان لا يلزمه الرضاء بقضاء الله - أي بالمقضِيِّ - لأن هؤلاء الذين أصيبوا قالوا: أحب إلينا كذا وكذا، وهذا يدل على عدم الرضا. وللإنسان عند المصائب أربع مقامات:
- جزع، وهو محرم.
- صبر، وهو واجب.
- رضا، وهو مستحب.
- شكر، وهو أحسن وأطيب.
وهنا إشكال وهو: كيف يشكر الإنسان ربه على المصيبة وهي لا تلائمه؟
(10/878)

أجيب: أن الإنسان إذا آمن بما يترتب على هذه المصيبة من الأجر العظيم عرف أنها تكون بذلك نعمة، والنعمة تشكر.
وأما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فمن رضي فله الرضا، ومن سخط، فعليه السخط» ، فالمراد بالرضا هنا الصبر، أو الرضا بأصل القضاء الذي هو فعل الله، فهذا يجب الرضا به لأن الله - عز وجل - حكيم ففرق بين فعل الله والمقضي.
والمقضي ينقسم إلى مصائب لا يلزم الرضا بها، وإلى أحكام شرعية يجب الرضا بها.
7 - جواز الدعاء المعلق، لقوله: «إن كنت كاذبا، فصيرك الله إلى ما كنت» ، وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور: 7] ، {وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 9] وفي دعاء الاستخارة " اللهم إن كنت تعلم ... إلخ ".
8 - جواز التنزل مع الخصم فيما لا يقر به الخصم المتنزل لأجل إفحام الخصم؛ لأن الملك يعلم أنه كاذب، ولكن بناء على قوله: إن هذا ما حصل، وإن المال ورثه كابرا عن كابر، وقد سبق بيان وروده في القرآن، ومنه أيضا قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24] ومعلوم أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه على هدى وأولئك على ضلال، ولكن هذا من باب التنزل معهم من باب العدل.
9 - أن بركة الله لا نهاية لها، ولهذا كان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم.
10 - هل يستفاد منه أن دعاء الملائكة مستجاب أو أن هذه قضية عين؟
(10/879)

الظاهر أنه قضية عين، وإلا، لكان الرجل إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، وقال الملك: آمين ولك بمثله، علمنا أن الدعاء قد استجيب.
11 - بيان أن شكر كل نعمة بحسبها، فشكر نعمة المال أن يبذل في سبيل الله، وشكر نعمة العلم أن يبذل لمن سأله بلسان الحال أو المقال، والشكر الأعم أن يقوم بطاعة المنعم في كل شيء. ونظير هذا ما مر أن التوبة من كل ذنب بحسبه، لكن لا يستحق الإنسان وصف التوبة المطلق إلا إذا تاب من جميع الذنوب. 12 - جواز التمثيل، وهو أن يتمثل الإنسان بحال ليس هو عليها في الحقيقة، مثل أن يأتي بصورة مسكين وهو غني وما أشبه ذلك إذا كان فيه مصلحة وأراد أن يختبر إنسانا بمثل هذا، فله ذلك.
13 - أن الابتلاء قد يكون عاما وظاهرا يؤخذ من قوله: «فإنما ابتليتم» ، وقصتهم مشهورة كما سبق.
14 - فضيلة الورع والزهد، وأنه قد يجر صاحبه إلى ما تحمد عقباه؛ لأن الأعمى كان زاهدا في الدنيا، فكان شاكرا لنعمة الله.
15 - ثبوت الإرث في الأمم السابقة، لقوله: «ورثته كابرا عن كابر» .
16 - أن من صفات الله - عز وجل - الرضا والسخط والإرادة، وأهل السنة والجماعة يثبتونها على المعنى اللائق بالله على أنها حقيقة.
وإرادة الله نوعان: كونية، وشرعية.
والفرق بينهما أن الكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبا لله، فإذا أراد الله شيئا قال له كن فيكون.
وأما الشرعية: فإنه لا يلزم فيه وقوع المراد ويلزم أن يكون محبوبا لله، ولهذا نقول: الإرادة الشرعية بمعنى المحبة والكونية بمعنى المشيئة، فإن قيل: هل
(10/880)

الله يريد الخير والشر كونا أو شرعا؟
أجيب: إن الخير إذا وقع، فهو مراد لله كونا وشرعا، وإذا لم يقع، فهو مراد لله شرعا فقط، وأما الشر فإذا وقع، فهو مراد لله كونا لا شرعا وإذا لم يقع، فهو غير مراد كونا ولا شرعا، واعلم أن الشر لا ينسب إلى فعل الله - سبحانه - ولكن إلى مخلوقات الله، فكل فعل الله تعالى خير؛ لأنه صادر عن حكمة ورحمة، ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والخير كله في يديك، والشر ليس إليك» وأما مخلوقات الله، ففيها خير وشر.
وإثبات صفة الرضا لله - سبحانه - لا يقتضي انتفاء صفة الحكمة، بخلاف رضا المخلوق، فقد تنتفي معه الحكمة، فإن الإنسان إذا رضي عن شخص مثلا فإن عاطفته قد تحمله على أن يرضى عنه في كل شيء ولا يضبط نفسه في معاملته لشدة رضاه عنه، قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
لكن رضا الله مقرون بالحكمة، كما أن غضب الخالق ليس كغضب المخلوق، فلا تنتفي الحكمة مع غضب الخالق، بخلاف غضب المخلوق، فقد يخرجه عن الحكمة فيتصرف بما لا يليق لشدة غضبه.
ومن فسر الرضا بالثواب أو إرادته، فتفسيره مردود عليه، فإنه إذا قيل: إن معنى " رضي "، أي: أراد أن يثيب، فمقتضاه أنه لا يرضى، ولو قالوا: لا يرضى لكفروا، لأنهم نفوها نفي جحود، لكن أولوها تأويلا يستلزم جواز نفي الرضا؛ لأن المجاز معناه نفي الحقيقة، وهذا أمر خطير جدا.
ولهذا بين شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أنه لا مجاز في القرآن ولا
(10/881)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
في اللغة، خلافا لمن قال: كل شيء في اللغة مجاز.
17 - أن الصحابة تطلق على المشاكلة في شيء من الأشياء ولا يلزم منها المقارنة، لقوله: «وسخط على صاحبيك» ، فالصاحب هنا: من يشبه حاله في أن الله أنعم عليه بعد البؤس.
18 - اختبار الله - عز وجل - بما أنعم عليهم به.
19 - أن التذكير قد يكون بالأقوال أو الأفعال أو الهيئات.
20 - أنه يجوز للإنسان أن ينسب لنفسه شيئا لم يكن من أجل الاختبار، لقول الملك: إنه فقير وابن سبيل.
21 - أن هذه القصة كانت معروفة مشهورة، لقوله: «فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك» .
(10/882)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية. الثانية: معنى: {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} .
الثالثة: ما معنى قوله: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} . الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية. وهي قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} ، وقد سبق أن الضمير في قوله: {أَذَقْنَاهُ} يعود على الإنسان باعتبار الجنس.
الثانية: ما معنى {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} اللام للاستحقاق، والمعنى: إني حقيق به وجدير به.
الثالثة: ما معنى قوله: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} . وقد سبق بيان ذلك.
الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة. وقد سبق ذكر عبر كثيرة منها، وهذا ليس استيعابا، ومن ذلك الفرق بين الأبرص والأقرع والأعمى، فإن الأبرص والأقرع جحدا نعمة الله عز وجل.
والأعمى اعترف بنعمة الله، عندما طلب الملك من الأعمى المساعدة، قال: «خذ ما شئت» فدل هذا على جوده وإخلاصه؛ لأنه قال: " فوالله، لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله - عز وجل - " بخلاف الأبرص والأقرع حيث كانوا أشحاء بخلاء منكرين نعمة الله عز وجل.
(10/883)

باب قول الله تعالى:
{فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا} . الضمير يعود على ما سبق من النفس وزوجها، ولهذا ينبغي أن يكون الشرح من قوله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} .
قوله: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} فيها قولان:
الأول: أن المراد بالنفس الواحدة: العين الواحدة، أي: من شخص معين، وهو آدم عليه السلام، وقوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} ، أي حواء؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم.
الثاني: أن المراد بالنفس الجنس، وجعل من هذا الجنس زوجه، ولم يجعل زوجه من جنس آخر، والنفس قد يراد بها الجنس، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164] أي: من جنسهم.
قوله: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} سكون الرجل إلى زوجته ظاهر من أمرين:
أولهما: لأن بينهما من المودة والرحمة ما يقتضي الأنس والاطمئنان والاستقرار.
ثانيا: سكون من حيث الشهوة، وهذا سكون خاص لا يوجد له نظير حتى بين الأم وابنها.
وقوله: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} تعليل لكونها من جنسه أو من النفس المعينة.
قوله: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} أي: جامعها، وعبارة القرآن والسنة التكنية عن
(10/884)

الجماع، قال تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] وقال: {اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23] وقال تعالى {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء21] كأن الاستحياء من ذكره بصريح اسمه أمر فطري، ولأن الطباع السليمة تكره أن تذكر هذا الشيء باسمه إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، فإنه قد يصرح به، كما في قول الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لماعز وقد أقرَّ عنده بالزنى «أنكتها لا يكني» ؛ لأن الحاجة هنا داعية للتصريح حتى يتبين الأمر جليا، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات.
وتشبيه علو الرجل المرأة بالغشيان أمر ظاهر، كما أن الليل يستر الأرض بظلامه، قال تعالى {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: 1] وعبر بقوله {تَغَشَّاهَا} ولم يقل: غشيها؛ لأن تغشى أبلغ، وفيه شيء من المعالجة، ولهذا جاء في الحديث: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها» ، والجلوس بين شعبها الأربع هذا غشيان، " جهدها " هذا تَغَشَّى.
قوله: {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} . الحمل في أوله خفيف: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة.
قوله: {فَمَرَّتْ بِهِ} . المرور بالشيء تجاوزه من غير تعب ولا إعياء، والمعنى تجاوزت هذا الحمل الخفيف من غير تعب ولا إعياء.
قوله: {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ} . الإثقال في آخر الحمل.
قوله: {دَعَوَا اللَّهَ} ولم يقل: دعيا؛ لأن الفعل واوي، فعاد إلى أصله.
(10/885)

قوله {اللَّهَ رَبَّهُمَا} أتى بالألوهية والربوبية؛ لأن الدعاء يتعلق به جانبان:
الأول: جانب الألوهية من جهة العبد أنه داع، والدعاء عبادة.
الثاني: جانب الربوبية؛ لأن في الدعاء تحصيلا للمطلوب، وهذا يكون متعلقا بالله من حيث الربوبية.
والظاهر أنهما قالا: اللهم ربنا، ويحتمل أن يكون بصيغة أخرى.
قوله {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا} أي أعطيتنا.
وقوله: {صَالِحًا} هل المراد صلاح البدن أو المراد صلاح الدين، أي: لئن آتيتنا بشرا سويا ليس فيه عاهة لا نقص، أو صالحا بالدين، فيكون تقيا قائما بالواجبات؟
الجواب: يشمل الأمرين جميعا، وكثير من المفسرين لم يذكر إلا الأمر الأول، وهو الصلاح البدني، لكن لا مانع من أن يكون شاملا للأمرين جميعا.
قوله: {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} ، أي: من القائمين بشكرك على الولد الصالح.
والجملة هنا جواب قسم وشرط، قسم متقدم وشرط متأخر، والجواب فيه للقسم ولهذا جاء مقرونا باللام: لنكونن.
قوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا} هنا حصل المطلوب، لكن لم يحصل الشكر الذي وعد الله به، بل جعلا له شركاء فيما آتاهما.
وقوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} هذا هو جواب " لما ".
والجواب متعقب للشرط وهذا يدل على أن الشرك منهما حصل حين إتيانه وهو صغير، ومثل هذا لا يعرف أيصلح في دينه في المستقبل أم لا يصلح؟ ولهذا كان أكثر المفسرين على أن المراد بالصلاح الصلاح البدني.
(10/886)

فمعاهدة الإنسان ربه أن يفعل العبادة مقابل تفضل الله عليه بالنعمة الغالب أنه لا يفي بها؛ ففي سورة التوبة قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [التوبة: 75 - 76] وفي هذه الآية قال الله تعالى: {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} فكانا من المشركين لا من الشاكرين، وبهذا نعرف الحكمة من نهي - النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن النذر وقال: «إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل» وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى تحريم النذر، وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يميل إلى تحريم النذر؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عنه ونفى أنه يأتي بخير.
إذًا ما الذي نستفيد من أمر نهى عنه الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال: إنه لا يأتي بخير.
الجواب: لا نستفيد إلا المشقة على أنفسنا وإلزام أنفسنا بما نحن منه في عافية، ولهذا، فالقول بتحريم النذر قول قوي جدا، ولا يعرف مقدار وزن هذا القول إلا من عرف أسئلة الناس وكثرتها ورأى أنهم يذهبون إلى كل عالم لعلهم يجدون خلاصا مما نذروا.
فإن قيل: هذا الولد الذي آتاهما الله عز وجل كان واحدا؛ فكيف جعلا في هذا الولد الواحد شركا بل شركاء؟
فالجواب أن نقول هذا على ثلاثة أوجه:
(10/887)

الوجه الأول: أن يعتقد بأن هذا الذي أتى بهذا الولد هو الولي الفلاني والصالح الفلاني ونحو ذلك؛ فهذا شرك أكبر، لأنهما أضافا الخلق إلى غير الله.
ومن هذا ما يوجد أيضا عند بعض الأمم الإسلامية الآن، فتجد المرأة التي لا يأتيها الولد تأتي إلى قبر الولي الفلاني، كما يزعمون أنه ولي الله -والله أعلم بولايته - فتقول: يا سيدي فلان ارزقني ولدا.
الوجه الثاني: أن يضيف سلامة المولود ووقايته إلى الأطباء وإرشاداتهم وإلى القوابل وما أشبه ذلك فيقولون مثلا: سلم هذا الولد من الطلق؛ لأن القابلة امرأة متقنة جيدة، فهنا أضاف النعمة إلى غير الله، وهذا نوع من الشرك ولا يصل إلى حد الشرك الأكبر؛ لأنه أضاف النعمة إلى السبب ونسي المسبب وهو الله عز وجل.
الوجه الثالث: أن لا يشرك من ناحية الربوبية بل يؤمن أن هذا الولد خرج سالما بفضل الله ورحمته، ولكن يشرك من ناحية العبودية، فيقدم محبته على محبة الله ورسوله ويلهيه عن طاعة الله ورسوله قال تعالى {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن: 15] فكيف تجعل هذا الولد ندا لله في المحبة وربما قدمت محبته على محبة الله، والله هو المتفضل عليك به؟ !
وفي قوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا} نقد لاذع أن يجعلا في هذا الولد شريكا مع الله، مع أن الله هو المتفضل به، ثم قال: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: ترفع وتقدس عما يشركون به من هذه الأصنام وغيرها.
ومن تأويل الآية وحدها دالة على أن قوله: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي: من جنس واحد، وليس فيها تعرض لآدم وحواء بوجه من الوجوه،
(10/888)

ويكون السياق فيهما جاريا على الأسلوب العربي الفصيح الذي له نظير في القرآن، كقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: الآية164] أي: من جنسهم، وبهذا التفسير الواضح البين يسلم الإنسان من إشكالات كثيرة.
أما على القول الثاني بأن المراد بقوله تعالى: {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي: آدم، {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1] حواء، فيكون معنى الآية خلقكم من آدم وحواء.
فلما جامع حواء حملت حملا خفيفا، فمرت به، فلما أثقلت دعوا -أي آدم وحواء - الله ربهما {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} فأشرك آدم وحواء بالله، لكن قالوا: إنه إشراك طاعة لا إشراك عبادة {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، وهذا التفسير منطبق على المروي عن ابن عباس رضي الله عنه، وسنبين إن شاء الله تعالى وجه ضعفه وبطلانه.
وهناك قول ثالث: أن المراد بقوله تعالى {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي: آدم وحواء {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} انتقل من العين إلى النوع أي: من آدم إلى النوع الذي هم بنوه، أي: فلما تغشى الإنسان الذي تسلل من آدم وحواء زوجته ... إلخ، ولهذا قال تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} بالجمع ولم يقل عما يشركان، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} [الملك: 5] أي جعلنا الشهب الخارجة منها رجوما للشياطين وليست المصابيح نفسها، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون: 12 - 13] أي جعلناه بالنوع،
(10/889)

قال ابن حزم: " اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمرو وعبد الكعبة وما أشبه ذلك حاشا عبد المطلب ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى هذا فأول الآية في آدم وحواء، ثم صار الكلام من العين إلى النوع.
وهذا التفسير له وجه، وفيه تنزيه آدم وحواء من الشرك، لكن فيه شيء من الركاكة لتشتت الضمائر.
وأما قوله تعالى {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، فجمع لأن المراد بالمثنى اثنان من هذا الجنس، فصح أن يعود الضمير إليهما مجموعا، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] ولم يقل: اقتتلتا؛ لأن الطائفتين جماعة.
قوله: " اتفقوا " أي: أجمعوا والإجماع أحد الأدلة الشرعية التي ثبتت بها الأحكام، والأدلة هي: الكتاب، والسنة والإجماع، والقياس.
قوله: " وما أشبه ذلك " مثل: عبد الحسين، وعبد الرسول، وعبد المسيح، وعبد علي.
وأما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم» ... " الحديث، فهذا وصف وليس علما، فشبه المنهمك بمحبة هذه الأشياء المقدم لها على ما يرضي الله بالعابد لها، كقولك: عابد الدينار، فهو وصف، فلا يعارض الإجماع.
(10/890)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " حاشا عبد المطلب " حاشا الاستثنائية إذا دخلت عليها (ما) وجب نصب ما بعدها، وإلا جاز فيه النصب والجر.
وبالنسبة لعبد المطلب مستثنى من الإجماع على تحريمه، فهو مختلف فيه، فقال بعض أهل العلم: لا يمكن أن نقول بالتحريم والرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
فالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يفعل حراما، فيجوز أن يعبد للمطلب إلا إذا وجد ناسخ، وهذا تقرير ابن حزم - رحمه الله - ولكن الصواب تحريم التعبيد للمطلب، فلا يحوز لأحد أن يسمي ابنه عبد المطلب، وأما قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنا ابن عبد المطلب» ، فهو من باب الإخبار وليس من باب الإنشاء، فالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر أن له جدا اسمه عبد المطلب، ولم يرد عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه سمَّى عبد المطلب، أو أنه أذن لأحد صحابته بذلك، ولا أنه أقر أحدا على تسميته عبد المطلب، والكلام في الحكم لا في الإخبار، وفرق بين الإخبار وبين الإنشاء والإقرار، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد» ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يا بني عبد مناف» ولا يجوز التسمي بعبد مناف.
وقد قال العلماء: إن حاكي الكفر ليس بكافر، فالرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتكلم عن
(10/891)

وعن ابن عباس في الآية، قال: لما تغشاها آدم، حملت، فأتاهما إبليس، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك، فيشقه، ولأفعلن، يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعانه، فخرج ميتا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
شيء قد وقع وانتهى ومضى فالصواب أنه لا يجوز أن يتعبد لغير الله مطلقا لا بعبد المطلب ولا غيره، وعليه، فيكون التعبد لغير الله من الشرك.
قوله: " إبليس ". على وزن إفعيل، فقيل: من إبليس إذا يئس؛ لأنه يئس من رحمة الله تعالى.
قوله: " لتطيعانني " جملة قسمية، أي: والله لتطيعاني.
قوله: (أيل) هو ذكر الأوعال.
قوله (سمياه عبد الحارث) اختار هذا الاسم؛ لأنه اسمه فأراد أن يعبداه لنفسه.
قوله: (فخرج ميتا) لم يحصل التهديد الأول، ويجوز أن يكون من جملة: (ولأفعلن) ، ولأنه قال: (ولأخرجنه ميتا) .
قوله: " شركاء في طاعته " أي: أطاعاه فيما أمرهما به، لا في العبادة لكن عبَّدا الولد لغير الله، وفرق بين الطاعة والعبادة، فلو أن أحدا أطاع شخصا في معصية لله لم يجعله شريكا مع الله في العبادة، لكن أطاعه في معصية الله.
قوله " أشفقا أن لا يكون إنسانا " أي: خاف آدم وحواء أن يكون حيوانا أو جنيا أو غير ذلك.
(10/892)

ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} رواه ابن أبي حاتم.
وله بسند صحيح عن قتادة، قال: (شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته) . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله (وذكر معناه عن الحسن) 0 لكن الصحيح أن الحسن - رحمه الله - قال: إن المراد بالآية غير آدم وحواء، وإن المراد بها المشركون من بني آدم كما ذكر ذلك ابن كثير - رحمه الله - في " تفسيره " وقال: " أما نحن، فعلى مذهب الحسن البصري - رحمه الله - في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته " اهـ.
وهذه القصة باطلة من وجوه:
الوجه الأول: أنه ليس في ذلك خبر صحيح عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهذا من الأخبار التي لا تُتَلَقَّى إلا بالوحي، وقد قال ابن حزم عن هذه القصة: إنها رواية خرافة مكذوبة موضوعة.
الوجه الثاني: أنه لو كانت هذه القصة في آدم وحواء، لكان حالهما إما
(10/893)

وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا} قال " أشفقا أن لا يكون إنساناً " وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما. .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أن يتوبا من الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا: ماتا عليه، كان ذلك أعظم من قول بعض الزنادقة:
إذا ما ذكرنا آدما وفعاله ... وتزويجه بنتيه بابنيه بالخنا
علمنا بأن الخلق من نسل فاجر ... وأن جميع الناس من عنصر الزنا
فمن جوز موت أحد من الأنبياء على الشرك فقد أعظم الفرية، وإن كان تابا من الشرك، فلا يليق بحكمة الله وعدله ورحمته أن يذكر خطأهما ولا يذكر توبتهما منه، فيمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا، ولم يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها كما في قصة آدم نفسه حين أكل من الشجرة وزوجه وتابا من ذلك.
الوجه الثالث: أن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء.
الوجه الرابع: أنه ثبت في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر بأكله من الشجرة وهو معصية، ولو وقع منه الشرك، لكان اعتذاره به أقوى وأولى وأحرى. /.
(10/894)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الخامس: أن في هذه القصة أن الشيطان جاء إليهما وقال: " أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة "، وهذا لا يقوله من يريد الإغواء، وإنما يأتي بشيء يقرب قبول قوله، فإذا قال: " أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة "، فسيعلمان علم اليقين أنه عدو لهما، فلا يقبلان منه صرفا ولا عدلا.
الوجه السادس: أن في قوله في هذه القصة: " لأجعلن له قرني أيل ": إما أن يصدقا أن ذلك ممكن في حقه، فهذا شرك في الربوبية لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله، أو لا يصدقا، فلا يمكن أن يقبلا قوله وهما يعلمان أن ذلك غير ممكن في حقه.
الوجه السابع: قوله تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} بضمير الجمع، ولو كان آدم وحواء، لقال عما يشركان فهذه الوجوه تدل على أن هذه القصة باطلة من أساسها، وأنه لا يجوز أن يعتقد في آدم وحواء أن يقع منهما شرك بأي حال من الأحوال، والأنبياء منزهون عن الشرك مبرؤون منه باتفاق أهل العلم، وعلى هذا، فيكون تفسير الآية كما أسلفنا أنها عائدة إلى بني آدم الذي أشركوا شركا حقيقيا، فإن منهم مشركا ومنهم موحدا.
(10/895)

فيه مسائل:
الأولى: تحريم كل اسم معبد لغير الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى تحريم كل اسم معبد لغير الله. تؤخذ من الإجماع على ذلك، والإجماع الأصل الثالث من الأصول التي يعتمد عليها في الدين، والصحيح أنه ممكن وأنه حجة إذا حصل لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 58] و" إن " هذه شرطية لا تدل على وقوع التنازع، بل إن فرض ووقع، فالمردُّ إلى الله ورسوله، فعلم منه أننا إذا أجمعنا فهو حجة.
لكن ادعاء الإجماع يحتاج إلى بينة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة، ولما قيل للإمام أحمد: إن فلانا يقول: أجمعوا على كذلك، أنكر ذلك وقال: وما يدريه لعلهم اختلفوا، فمن ادعى الإجماع، فهو كاذب.
ولعل الإمام أحمد قال ذلك؛ لأن المعتزلة وأهل التعطيل كانوا يتذرعون إلى إثبات تعطيلهم وشبههم بالإجماع، فيقولون: هذا إجماع المحققين، وما أشبه ذلك.
وقد سبق أن الصحيح أنه لا يجوز التعبيد للمطلب، وأن قول الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أنا ابن عبد المطلب " أنه من قبيل الإخبار وليس إقرارًا ولا إنشاءً، والإنسان له أن ينتسب إلى أبيه وإن كان معبدًا لغير الله، وقد قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
(10/896)

الثانية: تفسير الآية. الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها. الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«يا بني عبد مناف» ، وهذا تعبيد لغير الله لكنه من باب الإخبار.
الثانية: تفسير الآية.
يعني قوله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا} الآية، وسبق تفسيرها.
الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها.
وهذا بناء على ما ذكر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير الآية، والصواب: أن هذا الشرك حق حقيقة، وأنه شرك من إشراك بني آدم من آدم وحواء، ولهذا قال تعالى في الآية نفسها: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} ، فهذا الشرك الحقيقي الواقع من بني آدم.
الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم. هذا بناء على ثبوت القصة، وأن المراد بقوله: " صالحا "، أي: بشرا سويا، وأتى المؤلف بالبنت دون الولد؛ لأن بعض الناس يرون أن هبة البنت من النقم، قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58 - 59] ، وإلا، فهبة الولد الذكر السوي من باب النعم أيضا، بل هو أكبر نعمة من هبة الأنثى وإن كانت هبة البنت بها أجر عظيم فيمن كفلها ورباها وقام عليها.
(10/897)

الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة.
وقبل ذلك نبين الفرق بين الطاعة وبين العبادة، فالطاعة إذا كانت منسوبة لله فلا فرق بينها وبين العبادة، فإن عبادة الله طاعته.
وأما الطاعة المنسوبة لغير الله، فإنها غير العبادة، فنحن نطيع الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لكن لا نعبده، والإنسان قد يطيع ملكا من ملوك الدنيا وهو يكرهه.
فالشرك بالطاعة: أنني أطعته لا حبا وتعظيما وذلا كما أحب الله وأتذلل له وأعظمه، ولكن طاعته اتباع لأمره فقط، هذا هو الفرق.
وبناء على القصة، فإن آدم وحواء أطاعا الشيطان ولم يعبداه عبادة، وهذا مبني على صحة القصة.
(10/898)

باب قول الله تعالى:
{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} الآية [الأعراف: 180] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الباب يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن هذا الكتاب جامع لأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد العبادة، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وتوحيد الأسماء والصفات: هو إفراد الله - عز وجل - بما ثبت له من صفات الكمال على وجه الحقيقة بلا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل لأنك إذا عطلت لم تثبت، وإن مثلت لم توحد، والتوحيد مركب من إثبات ونفي، أي: إثبات الحكم للموحد ونفيه عما عداه، فمثلا إذا قلت: زيد قائم، لم توحده بالقيام، وإذا قلت: زيد غير قائم، لم تثبت له القيام، وإذا قلت: لا قائم إلا زيد، وحدته بالقيام.
وإذا قلت: لا إله إلا الله، وحدته بالألوهية، وإذا أثبت لله الأسماء والصفات دون أن يماثله أحد، فهذا هو توحيد الأسماء والصفات، وإن نفيتها عنه، فهذا تعطيل، وإن مثلت، فهذا إشراك.
قوله تعالى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} .
طريق التوحيد هنا تقديم الخبر لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، ففي الآية توحيد الأسماء لله.
وقوله: {الْحُسْنَى} مؤنث أحسن، فهي اسم تفضيل، ومعنى الحسنى؛
(10/899)

أي: البالغة في الحسن أكمله؛ لأن اسم التفضيل يدل على هذا، والتفضيل هنا مطلق؛ لأن اسم التفضيل قد يكون مطلقا مثل: زيد الأفضل، وقد يكون مقيدا مثل: زيد أفضل من عمرو.
وهنا التفضيل مطلق؛ لأنه قال: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} .
فأسماء الله تعالى بالغة في الحسن أكمله من كل وجه، ليس فيها نقص لا فرضا ولا احتمالا.
وما يخبر به عن الله أوسع مما يُسمَّى به الله؛ لأن الله يخبر عنه بالشيء ويخبر عنه بالمتكلم والمريد، مع أن الشيء لا يتضمن مدحا والمتكلم والمريد يتضمنان مدحا من وجه وغير مدح من وجه، ولا يسمى الله بذلك، فلا يسمى بالشيء ولا بالمتكلم ولا بالمريد، لكن يخبر بذلك عنه.
وقد سبق لنا مباحث قيمة في أسماء الله تعالى:
الأول: هل أسماء الله تعالى أعلام أو أوصاف؟
الثاني: هل أسماء الله مترادفة أو متباينة؟
الثالث: هل أسماء الله هي الله أو غيره؟
الرابع: أسماء الله توقيفية.
الخامس: أسماء الله غير محصورة بعدد معين.
السادس: أسماء الله إذا كانت متعدية، فإنه يجب أن تؤمن بالاسم والصفة وبالحكم الذي يسمى أحيانا بالأثر، وإن كانت غير متعدية، فإنه يجب أن تؤمن بالاسم والصفة.
السابع: إحصاء أسماء الله معناه:
1 - الإحاطة بها لفظا ومعنى.
(10/900)

2 - دعاء الله بها، لقوله تعالى: {فَادْعُوهُ بِهَا} ، وذلك بأن تجعلها وسيلة لك عند الدعاء، فتقول: يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! وما أشبه ذلك.
3 - أن تتعبد لله بمقتضاها، فإذا علمت أنه رحيم تتعرض لرحمته وإذا علمت أنه غفور تتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنه سميع اتقيت القول الذي يغضبه، وإذا علمت أنه بصير اجتنبت الفعل الذي لا يرضاه.
قوله تعالى: {فَادْعُوهُ بِهَا} . الدعاء هو السؤال، والدعاء قد يكون بلسان المقال، مثل: اللهم! اغفر لي يا غفور وهكذا، أو بلسان الحال وذلك بالتعبد له، ولهذا قال العلماء: إن الدعاء دعاء مسألة ودعاء عبادة؛ لأن حقيقة الأمر أن المتعبد يرجو بلسان حاله رحمة الله ويخاف عقابه.
والأمر بدعاء الله بها يتضمن الأمر بمعرفتها؛ لأنه لا يمكن دعاء الله بها إلا بعد معرفتها.
وهذا خلافا لما قاله بعض المداهنين في وقتنا الحاضر: إن البحث في الأسماء والصفات لا فائدة فيه ولا حاجة إليه.
أيريدون أن يعبدوا شيئا لا أسماء له ولا صفات؟ !
أم يريدون أن يداهنوا هؤلاء المحرفين حتى لا يحصل جدل ولا مناظرة معهم؟ !
وهذا مبدأ خطير أن يقال للناس لا تبحثوا في الأسماء والصفات، مع أن الله أمرنا بدعائه بها، والأمر للوجوب، ويقتضي وجوب علمنا بأسماء الله، ومعلوم أيضا أننا لا نعلمها أسماء مجردة عن المعاني، بل لا بد أن لها معاني فلا بد أن نبحث فيها؛ لأن علمها ألفاظا مجردة لا فائدة فيه، وإن قدر أن فيه فائدة بالتعبد باللفظ، فإنه لا يحصل به كمال الفائدة.
واعلم أن دعاء الله بأسمائه له معنيان:
(10/901)

الأولى: دعاء العبادة، وذلك بأن تتعبد لله بما تقتضيه تلك الأسماء، ويطلق على الدعاء عبادة، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: 60] ، ولم يقل: عن دعائي، فدل على أن الدعاء عبادة.
فمثلا: الرحيم يدل على الرحمة، وحينئذ تتطلع إلى أسباب الرحمة وتفعلها.
والغفور يدل على المغفرة، وحينئذ تتعرض لمغفرة الله - عز وجل - بكثرة التوبة والاستغفار كذلك وما أشبه ذلك.
والقريب: يقتضي أن تتعرض إلى القرب منه بالصلاة وغيرها، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
والسميع: يقتضي أن تتعبد لله بمقتضى السمع، بحيث لا تسمع الله قولا يغضبه ولا يرضاه منك.
والبصير: يقتضي أن تتعبد لله بمقتضى ذلك البصر بحيث لا يرى منك فعلا يكرهه منك.
الثاني: دعاء المسألة، وهو أن تقدمها بين يدي سؤالك متوسلا بها إلى الله تعالى.
مثلا: يا حي يا قيوم اغفر لي وارحمني، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» ، والإنسان إذا دعا وعلل، فقد أثنى على ربه بهذا الاسم طالبا أن يكون سببا للإجابة، والتوسل بصفة المدعو المحبوبة له سبب للإجابة، فالثناء على الله بأسمائه من أسباب الإجابة.
(10/902)

قوله تعالى: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ} .
" ذروا ": اتركوا، " الذين ": مفعول به، وجملة يلحدون صلة الموصول.
ثم توعدهم بقوله: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، وهو الإلحاد، أي: سيجزون جزاءه المطابق للعمل تماما، ولهذا يعبر الله تعالى بالعمل عن الجزاء إشارة للعدل، وأنه لا يجزى الإنسان إلا بقدر عمله.
والمعنى ذروهم، أي: لا تسلكوا مسلكهم ولا طريقهم: فإنهم على ضلال وعدوان، وليس المعنى عدم مناصحتهم وبيان الحق لهم، إذ لا يترك الظالم على ظلمه، ويحتمل أن المراد بقوله: " ذروا " تهديدا للملحدين.
والإلحاد: مأخوذ من اللحد، وهو الميل، لحد وألحد بمعنى مال، ومنه سمي الحفر بالقبر لحدا؛ لأنه مائل إلى جهة القبلة.
والإلحاد في أسماء الله: الميل بها عما يجب فيها، وهو أنواع:
الأول: أن ينكر شيئا من الأسماء أو مما دلت عليه من الصفات أو الأحكام، ووجه كونه إلحادا أنه مال بها عما يجب لها، إذ الواجب إثباتها وإثبات ما تتضمنه من الصفات والأحكام.
الثاني: أن يثبت لله أسماء لم يُسَمِّ الله بها نفسه، كقول الفلاسفة في الله: إنه علة فاعلة في هذا الكون تفعل وهذا الكون معلول لها، وليس هناك إله وبعضهم يسميه العقل الفعال، فالذي يدير هذا الكون هو العقل الفعال، وكذلك النصارى يسمون الله أبا وهذا إلحاد.
الثالث: أن يجعلها دالة على التشبيه فيقول: الله سميع بصير قدير، والإنسان سميع بصير قدير، اتفقت هذه الأسماء، فيلزم أن تتفق المسميات، ويكون الله - سبحانه وتعالى - مماثلا للخلق، فيتدرج بتوافق الأسماء إلى
(10/903)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
التوافق بالصفات.
ووجه الإلحاد: أن أسماءه دالة على معانٍ لائقة بالله لا يمكن أن تكون مشابهة لما تدل عليه من المعاني في المخلوق.
الرابع: أن يشتق من هذه الأسماء للأصنام، كتسمية اللات من الإله أو من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان حتى يلقوا عليها شيئا من الألوهية ليبرروا ما هم عليه.
واعلم أن التعبير بنفي التمثيل أحسن من التعبير بنفي التشبيه، لوجوه ثلاثة:
1 - أنه هو الذي نفاه الله في القرآن، فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .
2 - أنه ما من شيئين موجودين إلا وبينهما تشابه من بعض الوجوه واشتراك في المعنى من بعض الوجوه.
فمثلا: الخالق والمخلوق اشتركا في معنى الوجود، لكن وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، وكذلك العلم والسمع والبصر ونحوها اشترك فيها الخالق والمخلوق وفي أصل المعنى ويتميز كل واحد منهما بما يختص به.
3 - أن الناس اختلفوا في معنى التشبيه حتى جعل بعضهم إثبات الصفات تشبيها، فيكون معنى بلا تشبيه، أي: بلا إثبات صفات على اصطلاحهم.
قوله تعالى: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} لم يقل يجزون العقاب إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، وهذا وعيد، وهو كقوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31] ، وليس المعنى أن الله - عز وجل - مشغول الآن وسيخلفه الفراغ فيما بعد.
قوله: (يعملون) العمل يطلق على القول والفعل، قال تعالى:
(10/904)

ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: {يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} : " يشركون " 0 وعنه " سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8] ، وهذا يكون في الأفعال والأقوال 0.
قول ابن عباس: " يشركون " تفسير للإلحاد، ويتضمن الإشراك بها في جهتين:
1 - أن يجعلوها دالة على المماثلة.
2 - أو يشتقوا منها أسماء للأصنام، كما في الرواية الثانية عن ابن عباس التي ذكرها المؤلف، فمن جعلها دالة على المماثلة، فقد أشرك لأنه جعل لله مثيلا، ومن أخذ منها أسماء لأصنامه، فقد أشرك لأنه جعل مسميات هذه الأسماء مشاركة لله عز وجل.
وقوله: " وعنه " أي: ابن عباس.
قوله: " سموا اللات من الإله ... " وهذا أحد نوعي الإشراك بها أن يشتق منها أسماء للأصنام.
تنبيه:
فيه كلمة تقولها النساء عندنا وهي: " وعزَّالي "، فما هو المقصود بها؟
الجواب: المقصود أنها من التعزية، أي: أنها تطلب الصبر والتقوية وليست تندب العزى التي هي الصنم، لأنها قد لا تعرف أن هناك صنما اسمه العزى ولا يخطر ببالها هذا، وبعض الناس قال: يجب إنكارها؛ لأن ظاهر اللفظ أنها تندب العزى وهذا شرك، ولكن نقول: لو كان هذا هو المقصود
(10/905)

وعن الأعمش: " يدخلون فيها ما ليس منها "
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لوجب الإنكار، لكننا نعلم علم اليقين أن هذا غير مقصود، بل يقصد بهذا اللفظ التقَوِّي والصبر والثبات على هذه المصيبة.
قوله: " عن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها " هذا أحد أنواع الإلحاد، وهو أن يسمى الله بما لم يسم به نفسه، ومن زاد فيها فقد ألحد؛ لأن الواجب فيها الوقوف على ما جاء به السمع.
تتمة:
جاءت النصوص بالوعيد على الإلحاد في آيات الله تعالى كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} [فصلت: 40] ، فقوله: {لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} فيها تهديد؛ لأن المعنى سنعاقبهم، والجملة مؤكدة بأن.
وآيات الله تنقسم إلى قسمين:
1 - آيات كونية، وهي كل المخلوقات من السماوات والأرض والنجوم والجبال والشجر والدواب وغير ذلك، قال الشاعر:
فوا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
والإلحاد في الآيات الكونية ثلاثة أنواع:
1 - اعتقاد أن أحدا سوى الله منفرد بها أو ببعضها.
2 - اعتقاد أن أحدا مشارك لله فيها.
(10/906)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
3 - اعتقاد أن لله فيها معينا في إيجادها وخلقها وتدبيرها.
والدليل قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} [سبأ: 22] ظهير، أي معين.
وكل ما يخل بتوحيد الربوبية، فإنه داخل في الإلحاد في الآيات الكونية.
2 - آيات شرعية، وهو ما جاء به الرسل من الوحي كالقرآن، قال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49] .
والإلحاد في الآيات الشرعية ثلاثة أنواع:
1 - تكذيبها فيما يتعلق بالأخبار.
2 - مخالفتها فيما يتعلق بالأحكام.
3 - التحريف في الأخبار والأحكام.
والإلحاد في الآيات الكونية والشرعية حرام.
ومنه ما يكون كفرا، كتكذيبها، فمن كذب شيئا مع اعتقاده أن الله ورسوله أخبرا به، فهو كافر.
ومنه ما يكون معصية من الكبائر، كقتل النفس والزنا.
ومنه ما يكون معصية من الصغائر، كالنظر لأجنبية لشهوة.
قال الله تعالى في الحرم: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] ، فسمى الله المعاصي والظلم إلحادا، لأنها ميل عما يجب أن يكون عليه الإنسان، إذ الواجب عليه السير على صراط الله تعالى ومن خالف، فقد ألحد.
(10/907)

فيه مسائل:
الأولى: إثبات الأسماء. الثانية: كونها حسنى. الثالثة: الأمر بدعائه بها. الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين. الخامسة: تفسير الإلحاد فيها. السادسة: وعيد من ألحد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأولى: إثبات الأسماء يعني لله تعالى وتؤخذ من قوله: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ} ، وهذا خبر متضمن لمدلوله من ثبوت الأسماء لله، وفي الجملة حصر لتقديم الخبر، والحصر باعتبار كونها حسنى لا باعتبار الأسماء.
وأنكر الجهمية وغلاة المعتزلة ثبوت الأسماء لله تعالى.
الثانية: كونها حسنى أي: بلغت في الحسن أكمله؛ لأن " حسنى " مؤنث أحسن، وهي اسم تفضيل.
الثالثة: الأمر بدعائه بها والدعاء نوعان: دعاء مسألة، ودعاء عبادة، وكلاهما مأمور فيه أن يُدعى الله بهذه الأسماء الحسنى وسبق تفصيل ذلك.
الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين أي ترك سبيلهم، وليس المعنى أن لا ندعوهم ولا نبين لهم، والآية تتضمن أيضا التهديد.
الخامسة: تفسير الإلحاد فيها وقد سبق بيان أنواعه.
السادسة: وعيد من ألحد وتؤخذ من قوله تعالى: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
(10/908)

باب لا يقال: السلام على الله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الترجمة أتى بها المؤلف بصيغة النفي، وهو محتمل للكراهة والتحريم، لكن استدلاله بالحديث يقتضي أنه للتحريم وهو كذلك.
والسلام له عدة معان:
1 - التحية؛ كما قال: سلم على فلان، أي: حياه بالسلام.
2 - السلامة من النقص والآفات، كقولنا: " السلام عليك أيها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورحمة الله وبركاته ".
3 - السلام: اسم من أسماء الله تعالى، قال تعالى: {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ} [الحشر: 23] .
قوله: «لا يقال السلام على الله» أي: لا تقل: السلام عليكم يا رب؛ لما يلي:
أ - أن مثل هذا الدعاء يوهم النقص في حقه، فتدعو الله أن يسلم نفسه من ذلك، إذ لا يدعى لشيء بالسلام من شيء إلا إذا كان قابلا أن يتصف به، والله - سبحانه - منزه عن صفات النقص.
ب - إذا دعوت الله أن يسلم نفسه، فقد خالفت الحقيقة؛ لأن الله يدعى ولا يدعى له، فهو غني عنا، لكن يثنى عليه بصفات الكمال مثل غفور، سميع، عليم....
ومناسبة الباب لتوحيد الصفات ظاهرة؛ لأن صفاته عليا كاملة كما أن أسمائه حسنى والدليل على أن صفاته عليا قوله تعالى
(10/909)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
{لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: 60] .
وقوله تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الروم: 27] .
والمثل الأعلى الوصف الأكمل، فإذا قلنا: السلام على الله أوهم ذلك أن الله - سبحانه - قد يلحقه النقص، وهذا ينافي كمال صفاته.
ومناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة؛ لأن موضوع الباب الذي قبله إثبات الأسماء الحسنى لله المتضمنة لصفاته، وموضوع هذا الباب سلامة صفاته من كل نقص، وهذا يتضمن كمالها، إذ لا يتم الكمال إلا بإثبات صفات الكمال ونفي ما يضادها، فإنك لو قلت: زيد فاضل أثبت له الفضل، وجاز أن يلحقه نقص، وإذا قلت: زيد فاضل ولم يسلك شيئا من طرق السفول، فالآن أثبت له الفضل المطلق في هذه الصفة والرب - سبحانه وتعالى - يتصف بصفات الكمال، ولكنه إذا ذكر ما يضاد تلك الصفة صار ذلك أكمل، ولهذا أعقب المؤلف - رحمه الله - الباب السابق بهذا الباب إشارة إلى أن الأسماء الحسنى والصفات العلى لا يلحقها نقص والسلام اسم ثبوتي سلبي، فسلبي: أي أنه يراد به نفي كل نقص أو عيب يتصوره الذهن أو يتخيله العقل، فلا يلحقه نقص في ذاته أو صفاته أو أفعاله أو أحكامه.
وثبوتي: أي يراد به ثبوت هذا الاسم له، والصفة التي تضمنها وهي السلامة.
(10/910)

في الصحيح «عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كنا إذا كنا مع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان فقال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " في الصحيح " هذا أعم من أن يكون ثابتا في " الصحيحين "، أو أحدهما، أو غيرهما، وانظر: (ص 146) باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، وهذا الحديث المذكور في " الصحيحين ".
قوله: «كنا إذا كنا مع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الصلاة» الغالب أن المعية مع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة لا تكون إلا في الفرائض، لأنها هي التي يشرع لها صلاة الجماعة، ومشروعية صلاة الجماعة في غير الفرائض قليلة، كالاستسقاء.
قوله: «قلنا السلام على الله من عباده» أي: يطلبون السلامة لله من الآفات، يسألون الله أن يسلم نفسه من الآفات، أو أن اسم السلام على الله من عباده؛ لأن قول الإنسان السلام عليكم خبر بمعنى الدعاء، وله معنيان:
1 - اسم السلام عليك، أي: عليك بركاته باسمه.
2 - السلامة من الله عليك، فهو سلام بمعنى تسليم، ككلام بمعنى تكليم.
قوله: «السلام على فلان وفلان» أي: جبريل وميكائيل، وكلمة فلان
(10/911)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
يكنى بها عن الشخص، وهي مصروفة، لأنها ليست علما ولا صفة، كصفوان في قوله تعالى: {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} [البقرة: 264] .
وقد جاء في لفظ آخر: «السلام على جبريل وميكال» كانوا يقولون هكذا في السلام فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام» .
وهذا نهي تحريم، والسلام لا يحتاج إلى سلام، هو نفسه - عز وجل - سلام سالم من كل نقص ومن كل عيب.
وفيه دليل على جواز السلام على الملائكة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم ينه عنه، ولأنه عليه الصلاة والسلام لما أخبر عائشة أن جبريل يسلم عليها قالت: " عليه السلام ".
(10/912)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير السلام. الثانية: أنه تحية. الثالثة: أنها لا تصلح لله. الرابعة: العلة في ذلك. الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأول تفسير السلام فبالنسبة لكونه اسما من أسماء الله معناه السالم من كل نقص وعيب، وبالنسبة لكونه تحية له معنيان:
الأول: تقدير مضاف، أي، اسم السلام عليكم، أي: اسم الله الذي هو السلام عليكم.
الثاني: أن السلام بمعنى التسليم اسم مصدر كالكلام بمعنى التكليم، أي: تخبر خبرا يراد به الدعاء، أي: أسأل الله أن يسلمك تسليما.
الثانية: أنه تحية وسبق ذلك.
الثالثة: أنها لا تصلح لله وإذا كانت لا تصلح له كانت حراما.
الرابعة: العلة في ذلك وهي أن الله هو السلام، وقد سبق بيانها.
الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله وتؤخذ من تكملة الحديث: «فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله» ... . "، وفيه حسن تعليم الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وجهين:
الأول: أنه حينما نهاهم علل النهي.
وفي ذلك فوائد:
1 - طمأنينة الإنسان إلى الحكم إذا قرن بالعلة.
2 - بيان سمو الشريعة الإسلامية وأن أوامرها ونواهيها مقرونة
(10/913)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
بالحكمة؛ لأن العلة حكمة.
3 - القياس على ما شارك الحكم المعلل بتلك العلة.
الثاني: أنه حين نهاهم عن ذلك بين لهم ما يباح لهم، فيؤخذ منه أن المتكلم إذا ذكر ما ينهى عنه فليذكر ما يقوم مقامه مما هو مباح، ولهذا شواهد كثيرة من القرآن والسنة سبق شيء منها.
ويستفاد من الحديث: أنه لا يجوز الإقرار على المحرم، لقوله: «لا تقولوا: السلام على الله» ، وهذا واجب على كل مسلم، ويجب على العلماء بيان الأمور الشرعية لئلا يستمر الناس فيما لا يجوز ويرون أنه جائز، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] .
(10/914)

باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت ".
عقد المؤلف هذا الباب لما تضمنه هذا الحديث من كمال سلطان الله وكمال جوده وفضله، وذلك من صفات الكمال.
قوله: " اللهم " معناه: يا الله، لكن لكثرة الاستعمال حذفت يا النداء وعوض عنها الميم، وجعل العوض في الآخر تيمنا بالابتداء بذكر الله.
قوله: " اغفر لي " المغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه، لأنها مشتقة من المغفرة، وهو ما يستر به الرأس للوقاية من السهام، وهذا لا يكون إلا بشيء ساتر واق، ويدل له قول الله - عز وجل - للعبد المؤمن حينما يخلو به ويقرره بذنوبه يوم القيامة: " قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ".
قوله: " إن شئت " 0 أي: إن شئت أن تغفر لي فاغفر، وإن شئت فلا تغفر.
(10/915)

في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " في الصحيح " سبق الكلام على مثل هذه العبارة في كلام المؤلف، والمراد هنا الحديث الصحيح؛ لأن الحديث في " الصحيحين " كليهما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا يقل أحدكم " لا ": ناهية بدليل جزم الفعل بعدها.
قوله: " اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني " ففي الجملة الأولى " اغفر لي " النجاة من المكروه، وفي الثانية: " ارحمني " الوصول إلى المطلوب، فيكون هذا الدعاء شاملا لكل ما فيه حصول المطلوب وزوال المكروه.
قوله: «ليعزم المسألة» اللازم لام الأمر، ومعنى عزم المسألة: أن لا يكون في تردد بل يعزم بدون تردد ولا تعليق و" المسألة ": السؤال، أي: ليعزم في سؤاله فلا يكون مترددا بقوله: إن شئت.
قوله: «فإن الله لا مكره له» تعليل للنهي عن قول: «اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت» ، أي: لا أحد يكرهه على ما يريد فيمنعه منه، أو ما لا يريد فيلزمه بفعله؛ لأن الأمر كله لله وحده.
والتحذير في التعليق من وجوه ثلاثة:
(10/916)

ولمسلم: «وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأول: أنه يشعر بأن الله له مكره على الشيء، وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه، فكأن الداعي بهذه الكيفية يقول: أنا لا أكرهك، إن شئت فاغفر وإن شئت فلا تغفر.
الثاني: أن أقول القائل: " إن شئت " كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله فقد لا يشاؤه لكونه عظيما عنده، ونظير ذلك أن تقول لشخص من الناس - والمثال للصورة بالصورة لا للحقيقة بالحقيقة - أعطني مليون ريال إن شئت، فإنك إذا قلت له ذلك، ربما يكون الشيء عظيما يتثاقله، فقولك: إن شئت، لأجل أن تهون عليه المسألة، فالله - عز وجل - لا يحتاج أن تقول له: إن شئت؛ لأنه - سبحانه وتعالى - لا يتعاظمه شيء أعطاه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» .
قوله: «وليعظم الرغبة» ، أي: ليسأل ما شاء من قليل وكثير ولا يقل: هذا كثير لا أسأل الله إياه، ولهذا قال: «فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» ، أي: لا يكون الشيء عظيما عنده حتى يمنعه ويبخل به - سبحانه وتعالى - كل شيء يعطيه، فإنه ليس عظيما عنده، فالله - عز وجل - يبعث الخلق بكلمة واحدة، وهذا أمر عظيم، لكنه يسير عليه، قال تعالى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [التغابن: 7] وليس بعظيم، فكل ما يعطيه الله - عز وجل - لأحد من خلقه فليس بعظيم يتعاظمه، أي: لا يكون الشيء عظيما
(10/917)

عنده حتى لا يعطيه، بل كل شيء عنده هين.
الثالث: أنه يشعر بأن الطالب مستغن عن الله، كأنه يقول: إن شئت فأفعل، وإن شئت فلا تفعل فأنا لا يهمني، ولهذا قال: «وليعظم الرغبة» أي يسأل برغبة عظيمة، والتعليق ينافي ذلك؛ لأن المعلق للشيء المطلوب يشعر تعليقه بأنه مستغن عنه، والإنسان ينبغي أن يدعو الله تعالى وهو يشعر أنه مفتقر إليه غاية الافتقار، وأن الله قادر على أن يعطيه ما سأل، وأن الله ليس يعظم عليه شيء، بل هو هين عليه، إذًا من آداب الدعاء أن لا يدعو بهذه الصيغة، بل يجزم فيقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم وفقني، وما أشبه ذلك، وهل يجزم بالإجابة؟
الجواب: إذا كان الأمر عائدا إلى قدرة الله فهذا يجب أن تجزم بأن الله قادر على ذلك، قال الله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: من الآية60] .
أما من حيث دعائك أنت باعتبار ما عندك من الموانع، أو عدم توافر الأسباب فإنك قد تتردد في الإجابة، ومع ذلك ينبغي أن تحسن الظن بالله؛ لأن الله - عز وجل - قال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} فالذي وفقك لدعائه أولا سيمُنُّ عليك بالإجابة آخرا، لا سيما إذا أتى الإنسان بأسباب الإجابة وتجنب الموانع، ومن الموانع الاعتداء في الدعاء، كأن يدعو بإثم أو قطيعة رحم.
ومنها أن يدعو بما لا يمكن شرعا وقدرا.
فشرعا كأن يقول: اللهم اجعلني نبيا.
وقدرًا بأن يدعو الله تعالى بأن يجمع بين النقيضين، وهذا أمر لا يمكن، فالاعتداء بالدعاء مانع من إجابته، وهو محرم لقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] وهو أشبه ما يكون
(10/918)

بالاستهزاء بالله سبحانه.
مناسبة الباب للتوحيد: من وجهين:
1. من جهة الربوبية، فإن من أتى بما يشعر بأن الله مكره لم يقم بتمام ربوبيته تعالى لأن تمام الربوبية أنه لا مكره له، بل أن لا يسأل عما يفعل، كما قال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] .
وكذلك فيه من ناحية الربوبية من جهة أخرى وهو أن الله يتعاظم الأشياء التي يعطيها، فكان فيه قدح في جودة وكرمه.
2 - من ناحية العبد، فإنه يشعر باستغنائه عن ربه، وهذا نقص في توحيد الإنسان، سواء من جهة الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، ولهذا ذكره المصنف في الباب الذي يتعلق بالأسماء والصفات.
فإن قلت: ما الجواب عما ورد في دعاء الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم! إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به» ، وكذا ما ورد في الحديث المشهور: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي» .
فالجواب: أنني لم أعلق هذا بالمشيئة، ما قلت: فاقدره لي إن شئت،
(10/919)

لكن لا أعلم أن هذا الخير لي أو شر والله يعلم، فأقول إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير فاقدره لي، فالتعليق عندي مجهول لا أعلم هل هو خير لي أو لا؟ وكذا بالنسبة للحديث الآخر؛ لأن الإنسان لا يعلم هل طول حياته خير أو شر؟ ولهذا كره أهل العلم أن تقول للشخص: أطال الله بقاءك؛ لأن طول البقاء لا يعلم، فقد يكون خيرا، وقد يكون شرا، ولكن يقال: أطال الله بقاءك على طاعته وما أشبه ذلك حتى يكون الدعاء خيرا بكل حال، وعلى هذا، فلا يكون في حديث الباب معارضة لحديث الاستخارة ولا حديث: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي» ؛ لأن الدعاء مجزوم به وليس معلقا بالمشيئة، والنهي إنما هو عما كان معلقا بالمشيئة.
لكن لو قال: اللهم اغفر إن أردت وليس إن شئت، فالحكم واحد لأن الإرادة هنا كونية، فهي بمعنى المشيئة، فالخلاف باللفظ لا يعتبر مؤثرا بالحكم.
(10/920)

فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء. الثانية: بيان العلة في ذلك. الثالثة: قوله: «ليعزم المسألة» . الرابعة: إعظام الرغبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء. والمراد بالاستثناء هنا الشرط، فإن الشرط يسمى استثناء بدليل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لضباعة بنت الزبير «حجي واشترطي، فإن لك على ربك ما استثنيت» (1) ، ووجهه أنك إذا قلت: أكرم زيدا إن أكرمك، فهو كقولك: أكرم زيدا إلا ألا يكرمك، فهو بمعنى الاستنثناء في الحقيقة.
الثانية: بيان العلة في ذلك. وقد سبق أنها ثلاث علل:
1- أنها تشعر بأن الله له مكره، والأمر ليس كذلك.
2- أنها تشعر بأن هذا أمر عظيم على الله قد يثقل عليه ويعجز عنه، والأمر ليس كذلك.
3- أنها تشعر باستغناء الإنسان عن الله، وهذا غير لائق وليس من الأدب.
الثالثة: قوله: «ليعزم المسألة» . تفيد أنك إذا سألت فاعزم ولا تردد.
الرابعة: إعظام الرغبة. لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وليعظم الرغبة» ، أي: ليسأل. ما
__________
(1) البخاري: كتاب النكاح / باب الأكفاء في اليدين، ومسلم: كتاب الحج / باب جواز اشتراط المحرم.

وقوله صلى الله عليه وسلم:" (فإن لك على ربك ما استثنيت) اخرجه النسلئي: كتاب المناسك / باب كيف يقول إذا اشترط.
(10/921)

الخامسة: التعليل لهذا الأمر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بدا له فلا شيء عزيز أو ممتنع على الله.
الخامسة: التعليل لهذا الأمر. يستفاد من قوله: «فإن الله لا يتعاظمه شيء، أو لا مكره له» وقوله: «وليعظم الرغبة» ، وفي هذا حسن تعليم الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا ذكر شيئا قرنه بعلته.
وفي ذكر علة الحكم فوائد:
الأولى: بيان سمو هذه الشريعة، وأنه ما من شيء تحكم به إلا وله علة وحكمه.
الثانية: زيادة طمأنينة الإنسان؛ لأنه إذا فهم العلة مع الحكم اطمأن، ولهذا لما «سئل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الرطب بالتمر لم يقل حلال أو حرام، بل قال: " أينقص إذا جف؟ " قالوا: نعم. فنهى عنه» . (1)
«" والرجل الذي قال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود - لم يقل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الولد لك - بل قال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ الأورق: الأشهب الذي بين البياض والسواد؟ قال: نعم.
»
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (1/175-176) ، وابو داود: كتاب البيوع / باب في التمر بالتمر، والترمذي: كتاب البيوع / باب اشتراء التمر بالرطب، وابن ماجة: كتاب التجارات / باب بيع الرطب بالتمر، والحاكم في (المستدرك) (2/38) وصححه ووافق الذهبي، وصححه أحمد شاكر في (المسند) (1515) .
(10/922)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
«قال: من أين؟ قال: لعله نزعة عرق» ، قال لعل ابنك نزعة عرق، فاطمأن، وعرف الحكم، وأن هذا هو الواقع، فقرنُ الحكم بالعلة يُوجب الطمأنينة ومحبة الشريعة والرغبة فيها.
الثالثة: القياس إذا كانت المسألة في حكم من الأحكام، فليحق بها ما شاركها في العلة.
(10/923)

باب لا يقول: عبدي وأمتي
في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي. ولا يقل أحدكم: عبدي أمتي. وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الترجمة تحتمل كراهة هذا القول وتحريمه، وقد اختلف العلماء في ذلك وسيأتي التفصيل فيه.
قوله: " في الصحيح ". سبق التنبيه على مثل هذه العبارة في كلام المؤلف، وهذا الحديث في " الصحيحين "، أي: في الحديث الصحيح، ولعله أراد " صحيح البخاري "؛ لأن هذا لفظه، أما لفظ مسلم، فيختلف.
قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا يقل ". الجملة نهي.
" عبدي "، أي: للغلام.
و" أمتي "، أي: للجارية.
والحكم في ذلك ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يضيفه إلى غيره، مثل أن يقول: عبد فلان أو أمة فلان، فهذا
(10/924)

جائز، قال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32] وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» .
الثاني: أن يضيفه إلى نفسه، وله صورتان:
الأولى: أن يكون بصيغة الخبر، مثل: أطعمت عبدي، كسوت عبدي، أعتقت عبدي، فإن قاله في غيبة العبد أو الأمة، فلا بأس به، وإن قاله في حضرة العبد أو الأمة، فإن ترتب عليه مفسدة تتعلق بالعبد أو السيد منع، وإلا، فلا لأن قائل ذلك لا يقصد العبودية التي هي الذل، وإنما يقصد أنه مملوك.
الثانية: أن يكون بصيغة النداء فيقول السيد: يا عبدي! هات كذا، فهذا منهي عنه، وقد اختلف العلماء في النهي: هل هو للكراهة أو التحريم؟ والراجح التفصيل في ذلك، وأقل أحواله الكراهة.
قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك» .... إلخ ". أي: لا يقل أحدكم لعبد غيره، ويحتمل أن يشمل قول السيد لعبده حيث يضع الظاهر موضع المضمر تعاظما.
واعلم أن إضافة الرب إلى غير الله تعالى تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن تكون الإضافة إلى ضمير المخاطب، مثل: أطعم ربك، وضئ ربك، فيكره ذلك للنهي عنه؛ لأن فيه محذورين:
من جهة الصيغة؛ لأنه يوهم معنى فاسدا بالنسبة لكلمة رب؛ لأن الرب من أسمائه سبحانه، وهو يطعم ولا يُطعم، وإن كان بلا شك أن
(10/925)

الرب هنا غير رب العالمين الذي يطعم ولا يطعم، ولكن من باب الأدب في اللفظ.
من جهة المعنى أنه يشعر العبد أو الأمة بالذل؛ لأنه إذا كان السيد ربا كان العبد أو الأمة مربوبا.
القسم الثاني: أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب، لا بأس به، كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث أشراط الساعة: «أن تلد الأمة ربها» ، وأما لفظ " ربتها "، فلا إشكال فيه لوجود تاء التأنيث فلا اشتراك مع الله في اللفظ؛ لأن الله لا يقال له إلا رب، وفي حديث الضالة - وهو متفق عليه - «حتى يجدها ربها» وقال بعض أهل العلم - وهو متفق عليه: إن حديث الضالة في بهيمة لا تتعبد ولا تتذلل، فليست كالإنسان، والصحيح عدم الفارق؛ لأن البهيمة تعبد الله عبادة خاصة، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ} ، وقال في الناس: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} ليس جميعهم: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] ، وعلى هذا، فيجوز أن تقول: أطعم الرقيق ربه، ونحوه....
القسم الثالث: أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم، بأن يقول العبد: هذا ربي، فهل يجوز هذا؟
قد يقول قائل: إن هذا جائز؛ لأن هذا من العبد لسيده، وقد قال تعالى
(10/926)

عن صاحب يوسف: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [يوسف: 32] ، أي: سيدي، ولأن المحذور من قول " رَبِّي هو إذلال العبد، وهذا منتف؛ لأنه هو بنفسه يقول: هذا ربي.
القسم الرابع: أن يضاف الاسم إلى الظاهر، فيقال: هذا رب الغلام، فظاهر الحديث الجواز، وهو كذلك ما لم يوجد محذور فيمنع، كما لو ظن السامع أن السيد رب حقيقي خالق ونحو ذلك.
قوله: " وليقل: سيدي ومولاي ". المتوقع أن يقول: وليقل سيدك ومولاك؛ لأن مقتضى الحال أن يرشد إلى ما يكون بدلا عن اللفظ المنهي عنه بما يطابقه، وهنا ورد النهي بلفظ الخطاب، والإرشاد بلفظ التكلم، وليقل: " سيدي ومولاي "، ففهم المؤلف رحمه الله - كما سيأتي في المسائل - أن فيه لإشارة إلى أنه إذا كان الغير قد نُهي أن يقول للعبد: أطعم ربك، فالعبد من باب أولى أن ينهى عن قول: أطعمت ربي، وضأت ربي، بل يقول: سيدي ومولاي.
وأما إذا قلنا بأن أطعم ربك خاص بمن يخاطب العبد لما فيه من إذلال العبد بخلاف ما إذا قال هو بنفسه: أطعمت ربي، فإنه ينتفي الإذلال، فإنه يقال: إن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما وجه الخطاب إلى العبد نفسه، فقال: " وليقل: سيدي ومولاي "، أي بدلا عن قوله: أطعمت ربي، وضأت ربي.
وقوله: " سيدي " السيادة في الأصل علو المنزلة، لأنها من السؤدد والشرف والجاه وما أشبه ذلك.
والسيد يطلق على معاني، منها: المالك، والزوج، والشريف المطاع.
وسيدي هنا مضافة إلى ياء المتكلم وليست على وجه الإطلاق.
(10/927)

فالسيد على وجه الإطلاق لا يقال إلا لله - عز وجل - قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «السيد الله» . (1)
وأما السيد مضافة، فإنها تكون لغير الله، قال تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [سورة يوسف: 25] وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة» ، والفقهاء يقولون: إذا قال السيد لعبده، أي: سيد العبد لعبده.
· تنبيه:
اشتهر بعض الناس إطلاق السيدة على المرأة، فيقولون مثلا: هذا خاص بالرجال، وهذا خاص بالسيدات، وهذا قلب للحقائق؛ لأن السادة هم الرجال، قال تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} وقال: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 62] ، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن النساء عوان عندكم» (2) . أي: بمنزلة الأسير، وقال في الرجل: «راع في أهله ومسؤول عن رعيته» ، فالصواب أن يقال للواحدة امرأة وللجماعة منهن نساء.
قوله: " ومولاي ". أي: وليقل مولاي، والولاية تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ولاية مطلقة، وهذه لله - عز وجل - لا تصلح لغيره،
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (4/24، 35) ، والبخاري في (الأدب المفرد) (211) وابو داود: كتاب الأدب / باب في كراهة التمادح.قال ابن حجر في الفتح (5/ 179) : رجاله ثقات، وقد صححه غير واحد.
(2) الإمام أحمد (5/ 72) ، والترمذي: كتاب الرضاع / باب في حق المرأة على زوجها، وابن ماجة: كتاب النكاح / باب حق المراة على زوجها، 1 / 594
(10/928)

كالسيادة المطلقة.
وولاية الله نوعان:
النوع الأول: عامة، وهي الشاملة لكل أحد، قال تعالى: {وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 62] ، فجعل له ولاية على هؤلاء المفترين، وهذه ولاية عامة.
النوع الثاني: خاصة بالمؤمنين، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11] ، وهذه ولاية خاصة، ومقتض السياق أن يقال: وليس مولى الكافرين، لكن قال: {لَا مَوْلَى لَهُمْ} ، أي: لا هو مولى للكافرين ولا أولياؤهم الذين يتخذونهم آلهة من دون الله موالي لهم لأنهم يوم القيامة يتبرؤون منهم.
القسم الثاني: ولاية مقيدة مضافة، فهذه تكون لغير الله، ولها في اللغة معان كثيرة، منها: الناصر، والمتولي للأمور، والسيد، والعتيق.
قال تعالى: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} [التحريم: 4] ، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما يرو عنه: «من كنت مولاه، فعلي مولاه» (1) ، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الولاء لمن اعتق» . ويقال للسلطان ولي الأمر، والعتيق مولى فلان لمن أعتقه، وعليه يعرف أنه لا وجه لاستنكار بعض الناس لمن خاطب ملكا بقوله: مولاي؛ لأن المراد
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (1/84)
(10/929)

بمولاي أي متولي أمري، ولا شك أن رئيس الدولة يتولى أمورها، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] .
قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي» ، هذا خطاب للسيد أن لا يقول: عبدي وأمتي لمملوكه ومملوكته؛ لأننا جميعا عباد الله، ونساؤنا إماء لله، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» .
فالسيد منهي أن يقول ذلك؛ لأنه إذا قال: عبدي وأمتي، فقد تشبه بالله - عز وجل - ولو من حيث ظاهر اللفظ؛ لأن الله - عز وجل - يخاطب عباده بقوله: عبدي، كما في الحديث: «عبدي استطعمتك فلم تطعمني» . " وما أشبه ذلك.
وإن كان السيد يريد بقوله: " عبدي "، أي: مملوكي، فالنهي من باب التنزه عن اللفظ الذي يوهم الإشراك، وقد سبق بيان حكم ذلك.
وقوله: " وأمتي ". الأمة: الأنثى من المملوكات، وتسمى الجارية.
والعلة من النهي: أن فيه إشعارا بالعبودية، وكل هذا من باب حماية التوحيد والبعد عن التشريك حتى في اللفظ، ولهذا ذهب بعض أهل العلم ومنهم شيخنا عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - إلى أن النهي في الحديث ليس على سبيل التحريم، وأنه على سبيل الأدب والأفضل والأكمل، وقد سبق بيان
(10/930)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
حكم ذلك مفصلا.
قوله: " «وليقل فتاي وفتاتي» . مثله جاريتي وغلامي، فلا بأس به.
وفي هذا الحديث من الفوائد:
1 - حسن تعليم الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حيث إنه إذا نهى عن شيء فتح للناس ما يباح لهم فقال: «لا يقل: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي» ، وهذه كما هي طريقة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهي طريقة القرآن - أيضا - قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة: 104] ، وهكذا ينبغي لأهل العلم وأهل الدعوة إذا سدوا على الناس بابا محرما أن يفتحوا لهم الباب المباح؛ حتى لا يضيقوا على الناس ويسدوا الطرق أمامهم؛ لأن في ذلك فائدتين عظيمتين:
الأولى: تسهيل ترك المحرم على هؤلاء، لأنهم إذا عرفوا أن هناك بدلا عنه هان عليهم تركه.
الثانية: بيان أن الدين الإسلامي فيه سعة، وأن كل ما يحتاج إليه الناس، فإن الدين الإسلامي يسعه، فلا يحكم على الناس أن لا يتكلموا بشيء أو لا يفعلوا شيئا إلا وفتح لهم ما يغني عنه، وهذا من كمال الشريعة الإسلامية.
2 - أن الأمر يأتي للإباحة، لقوله: «وليقل: سيدي ومولاي» ، وقد قال العلماء: إن الأمر إذا أتى في مقابلة شيء ممنوع صار للإباحة، وهنا جاء الأمر في مقابلة شيء ممنوع، ومثله قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] .
(10/931)

فيه مسائل:
الأولى: النهي عن قول: عبدي وأمتي. الثانية: لا يقول العبد: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك. الثالثة: تعليم الأول قول: فتاي وفتاتي وغلامي.
الرابعة: تعليم الثاني قول: سيدي ومولاي.
الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن قول: عبدي وأمتي. تؤخذ من قوله: «ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي» ، وقد سبق بيان ذلك.
الثانية: لا يقول العبد: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك. تؤخذ من الحديث، وقد سبق بيان ذلك.
الثالثة: تعليم الأول (وهو السيد) قول: فتاي وفتاتي وغلامي.
الرابعة: تعليم الثاني (وهو العبد) قول: سيدي ومولاي.
الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ. وقد سبق ذلك.
وفي الباب مسائل أخرى لكن هذه المسائل هي المقصود.
(10/932)

باب لا يرد من سأل بالله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: " باب لا يرد ". " لا " نافية بدليل رفع المضارع بعدها، والنفي يحتمل أن يكون للكراهة، وأن يكون للتحريم.
وقوله: " من سأل بالله ". أي: من سأل غيره بالله، والسؤال بالله ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: السؤال بالله بالصيغة، مثل أن يقول: أسألك بالله كما تقدم في حديث الثلاثة حيث قال الملك: «أسألك بالذي أعطاك الجلد الحسن واللون الحسن بعيرا» .
الثاني: السؤال بشرع الله - عز وجل - أي: يسأل سؤالا يبيحه الشرع، كسؤال الفقير من الصدقة، والسؤال عن مسألة من العلم، وما شابه ذلك.
وحكم من رد من سأل بالله الكراهة أو التحريم حسب حال المسؤول والسائل، وهنا عدة مسائل:
المسألة الأولى هل يجوز للإنسان أن يسأل بالله أم لا؟
وهذه المسألة لو يتطرق إليه المؤلف - رحمه الله - فنقول أولا: السؤال من حيث هو مكروه ولا ينبغي للإنسان أن يسأل أحدا شيئا إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولهذا كان مما بايع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئا، حتى إن عصا أحدهم ليسقط منه وهو على راحلته، فلا يقول لأحد: ناولنيه بل
(10/933)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
ينزل ويأخذه.
والمعنى يقتضيه؛ لأنك إذا أعززت نفسك ولم تذلها لسؤال الناس بقيت محترما عند الناس، وصار لك منعة من أن تذل وجهك لأحد؛ لأن من أذل وجهه لأحد، فإنه ربما يحتاجه ذلك الأحد لأمر يكره أن يعطيه إياه، ولكنه سأله اضطر إلى أن يجيبه، ولهذا روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «ازهد فيما عند الناس يحبك الناس» (1) ، فالسؤال أصلا مكروه أو محرم إلا لحاجة أو ضرورة.
فسؤال المال محرم، فلا يجوز أن يسأل من أحد مالا إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، وقال الفقهاء -رحمهم الله - في باب الزكاة: " إن من أبيح له أخذ شيء أبيح له سؤاله "، ولكن فيما قالوه نظر، فإن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حذر من السؤال، وقال: «إن الإنسان لا يزال يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم» ، وهذا يدل على التحريم إلا للضرورة.
وأما سؤال المعونة بالجاه أو المعونة بالبدن، فهذه مكروهة، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
وأما إجابة السائل، فهو موضوع بابنا هذا، ولا يخلو السائل من أحد الأمرين:
الأول: أن يسأل سؤالا مجردا، كأن يقول مثلا: يا فلان! أعطني كذا وكذا، فإن كان مما أباحه الشارع له فإنك تعطيه، كالفقير يسأل شيئا من الزكاة.
الثاني: أن يسأل بالله، فهذا تجيبه وإن لم يكن مستحقا؛ لأنه سأل
__________
(1) ابن ماجة: كتاب الزهد / باب الزهد في الدنيا
(10/934)

عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من سأل بالله فأعطوه؛ ومن استعاذ بالله؛ فأعيذوه، ومن دعاكم؛ فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا؛ فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» . رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بعظيم، فإجابته من تعظيم هذا العظيم، لكن لو سأل إثما أو كان في إجابته ضرر على المسؤول، فإنه لا يجاب.
مثال الأول: أن يسألك بالله نقودا ليشتري بها محرما كالخمر.
ومثال الثاني: أن يسألك بالله أن تخبره عما في سرك وما تفعله مع أهلك؛ فهذا لا يجاب لأن في الأول إعانة على الإثم، وإجابته في الثاني ضرر على المسؤول.
قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " من سأل بالله " " مَن ": شرطية للعموم.
قوله: " فأعطوه " الأمر هنا للوجوب ما لم يتضمن السؤال إثما أو ضررا على المسؤول؛ لأن في إعطائه إجابة لحاجته وتعظيما لله - عز وجل - الذي سأل به.
ولا يشترط أن يكون سؤاله بلفظ الجلالة بل بكل اسم يختص بالله، كما قال الملك الذي جاء إلى الأبرص والقرع والأعمى: «أسألك بالذي أعطاك كذا وكذا» .
(10/935)

قوله: «ومن استعاذ بالله فأعيذوه» . أي قال: أعوذ بالله منك، فإنه يجب عليك أن تعيذه؛ لأنه استعاذ بعظيم، ولهذا «لما قالت ابنة الجَون للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أعوذ بالله منك، قال لها: " لقد عذت بعظيم - أو معاذ، الحقي بأهلك» .
لكن يستثنى من ذلك لو استعاذ من أمر واجب عليه، فلا تعذه، مثل أن تلزمه بصلاة الجماعة، فقال أعوذ بالله منك.
وكذلك لو ألزمته بالإقلاع عن أمر محرم، فاستعاذ بالله منك، فلا تعذه لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، ولأن الله لا يعيذ عاصيا، بل العاصي يستحق العقوبة لا الانتصار له وإعادته.
وكذلك من استعاذ بملجأ صحيح يقتضي الشرع أن يعيذه - وإن لم يقل أستعيذ بالله، فإنه يجب عليك أن تعيذه كما قال أهل العلم: لو جنى أحد جناية ثم لجأ إلى الحرم، فإنه لا يقام عليه الحد ولا القصاص في الحرم، ولكنه يضيق عليه، فلا يبايع، ولا يشترى منه، ولا يؤجر حتى يخرج.
قوله: «ومن دعاكم فأجيبوه» . " من ": شرطية للعموم، والظاهر أن المراد بالدعوة هنا للإكرام، وليس المقصود بالدعوة هنا النداء.
وظاهر الحديث وجوب إجابة الدعوة في كل دعوة، وهو مذهب الظاهرية.
وجمهور أهل العلم: أنها مستحبة إلا دعوة العرس، فإنها واجبة لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها ويمنعها من يأتيها، ومن»
(10/936)

«لم يجب، فقد عصى الله ورسوله» . وسواء قيل بالوجوب أو الاستحباب، فإنه يشترط لذلك شروط:
1. أن يكون الداعي ممن لا يجب هجره أو يسن.
2. ألا يكون هناك منكر في مكان الدعوة، فإن كان هناك منكر، فإن أمكنة إزالته، وجب عليه الحضور لسببين:
- إجابة الدعوة.
- وتغيير المنكر.
وإن كان لا يمكن إزالته حرم عليه الحضور؛ لأن حضوره يستلزم إثمه، وما استلزم الإثم، فهو إثم.
3. أن يكون الداعي مسلما، وإلا لم تجب الإجابة، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حق المسلم على المسلم خمس» . " وذكر منها: «إذا دعاك فأجبه» . قالوا: وهذا مقيد للعموم الوارد.
4. أن لا يكون كسبه حرام؛ لأن إجابته تستلزم أن تأكل طعاما حراما، وهذا لا يجوز، وبه قال بعض أهل العلم.
وقال آخرون: ما كان محرما لكسبه، فإنما إثمه على الكاسب لا على من أخذه بطريق مباح من الكاسب، بخلاف ما كان محرما لعينه، كالخمر
(10/937)

والمغصوب ونحوهما، وهذا القول وجيه قوي، بدليل أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشترى من يهودي طعاما لأهله، وأكل من الشاة التي أهدتها له اليهودية بخيبر، وأجاب دعوة اليهودي (1) ، ومن المعلوم أن اليهود معظمهم يأخذون الربا ويأكلون السحت، وربما يقوي هذا القول قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في اللحم الذي تصدق به على بريرة: " هو لها صدقة ولنا منها هدية ".
وعلى القول الأول، فإن الكراهة تقوى وتضعف حسب كثرة المال الحرام وقلته، فكلما كان الحرام أكثر كانت الكراهة أشد، وكلما قل كانت الكراهة أقل.
5. أن لا تتضمن الإجابة إسقاط واجب أو ما هو أوجب منها، فإن تضمنت ذلك حرمت الإجابة.
6. أن لا تتضمن ضررا على المجيب، مثل أن تحتاج إجابة الدعوة إلى سفر أو مفارقة أهله المحتاجين إلى وجوده بينهم.
مسألة: هل إجابة الدعوة حق على لله أو للآدمي؟
الجواب: حق للآدمي، ولهذا طلبت من الداعي أن يقيلك فقبل، فلا إثم عليك، لكنها واجبة بأمر الله عز وجل، ولهذا ينبغي أن تلاحظ أن إجابتك طاعة لله وقيام بحق أخيك، لكن لصاحبها أن يسقطها كما أن له أن لا
__________
(1) الإمام احمد في المسند (3/ 210، 211) .
(10/938)

يدعوك أيضا، ولكن إذا أقالك حياء منه وخجلا من غير اقتناع، فإنه لا ينبغي أن تدع الإجابة.
مسألة: هل بطاقات الدعوة التي توزع كالدعوة بالمشافهة؟
الجواب: البطاقات ترسل إلى الناس ولا يُدرى لمن ذهبت إليه، فيمكن أن نقول: إنها تشبه دعوة الجاهلية فلا تجب الإجابة، أما إذا علم أو غلب على الظن أن الذي أرسلت إليه مقصود بعينه، فإنه لها حكم الدعوة بالمشافهة.
قوله: «" من صنع إليكم معروفا، فكافئوه» . المعروف: الإحسان، فمن أحسن إليك بهدية أو غيرها، فكافئه، فإذا أحسن إليك بإنجاز معاملة وكان عملا زائدا عن الواجب عليه، فكافئه، وهذا، كالملك أو الرئيس. مثلا إذا أعطاك هدية، فمثل هذا يُدعى له، لأنك لو كافأته لرأى أن في ذلك غضا من حقه فتكون مسيئا له، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تكافئه إحسانه.
وللمكافأة فائدتان:
1. تشجيع ذوي المعروف على فعل المعروف.
2. أن الإنسان يكسر بها الذل الذي حصل له يصنع المعروف إليه؛ لأن من صنع إليك معروفا فلا بد أن يكون في نفسك رقة له، فإذا رددت إليه معروفه زال عنك ذلك؛ ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اليد العليا خير من اليد السفلى» ، واليد العليا هي يد المعطي، وهذه فائدة عظيمة لمن صنع له
(10/939)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
معروفا، لئلا يرى لأحد عليه منة إلا الله عز وجل، لكن بعض الناس يكون كريما جدا، فإذا كافأته بدل هديته أكثر مما أعطيته، فهذا لا يريد مكافأة، ولكن يُدعى له، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له» وكذلك الفقير إذا لم يجد مكافأة الغني فإنه يدعو له.
ويكون الدعاء بعد الإهداء مباشرة؛ لأنه من باب المسارعة إلى أمر الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولأنه به سرور صانع المعروف.
قوله: «حتى تروا أنكم قد كافأتموه» . " تروا "، بفتح التاء بمعنى تعلموا، وتجوز بالضم بمعنى تظنوا، أي: حتى تعلموا أو يغلب على ظنكم أنكم قد كافأتموه، ثم أمسكوا.
(10/940)

فيه مسائل:
الأولى: إعاذة من استعاذ بالله. الثانية: إعطاء من سأل بالله.
الثالثة: إجابة الدعوة. الرابعة: المكافأة على الصنيعة. الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لا يقدر إلا عليه. السادسة: قوله: «حتى تروا أنكم قد كافأتموه» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى إعاذة من استعاذ بالله. وسبق أن من استعاذ بالله وجبت إعاذته، إلا أن يستعيذ عن شيء واجب فعلا أو تركا، فإنه لا يعاذ.
الثانية: إعطاء من سأل بالله. وسبق التفصيل فيه.
الثالثة: إجابة الدعوة. وسبق كذلك التفصيل فيها.
الرابعة: المكافأة على الصنيعة. أي: على صنيعةِ من صنع إليك معروفا، وسبق تفصيل ذلك.
الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لا يقدر إلا عليه. وسبق أنه مكافأة في ذلك، وفيما إذا كان الصانع لا يُكافأ مثله عادة.
السادسة: قوله: «حتى تروا أنكم قد كافأتموه» . أي: أنه لا يقصر في الدعاء، بل يدعو له حتى يعلم أو يغلب على ظنه أنه قد كافأه.
وفيه مسائل أخرى لكن ما ذكره المؤلف هو المقصود.
(10/941)

باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة
عن جابر؛ قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» (1) . رواه أبو داود
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبة هذا الباب للتوحيد: أن فيه تعظيم وجه الله عز وجل، بحيث لا يسأل به إلا الجنة.
قوله: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» . اختلف في المراد بذلك على قولين:
القول الأول: أن المراد: لا تسألوا أحدا من المخلوقين بوجه الله، فإذا أردت أن تسأل أحدا من المخلوقين، فلا تسأله بوجه الله؛ لأنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، والخلق لا يقدرون على إعطاء الجنة، فإذا لا يسألون بوجه الله مطلقا، ويظهر أن المؤلف يرى هذا الرأي في شرح الحديث، ولذلك ذكره بعد " باب لا يرد من سأل بالله ".
القول الثاني: أنك إذا سألت الله، فإن سألت الجنة وما يستلزم دخولها، فلا حرج أن تسأل بوجه الله، وإن سألت شيئا من أمور الدنيا، فلا تسأله بوجه الله؛ لأن وجه الله أعظم من أن يسأل به لشيء من أمور الدنيا.
فأمور الآخرة تسأل بوجه الله، كقولك مثلا: أسألك بوجهك أن تنجيني
__________
(1) أبو داوود: كتاب الزكاة / باب كراهية المسالة بوجه الله
(10/942)

من النار، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعاذ بوجه الله لما نزل قوله تعالى: " {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} ، قال: أعوذ بوجهك، {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} ، قال: أعوذ بوجهك، {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام: 65] قال: هذه أهون أو أيسر ".
ولو قيل: إنه يشمل المعنيين جميعا، لكان له وجه.
وقوله: " بوجه الله ". فيه إثبات الوجه لله عز وجل، وهو ثابت بالقرآن والسنة وإجماع السلف، فالقرآن في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد: 22] والآيات كثيرة.
والسنة كما في الحديث السابق: " أعوذ بوجهك ".
واختلف في هذا الوجه الذي أضافه الله إلى نفسه: هل هو وجه حقيقي، أو أنه وجه يعبر به عن الشيء الذي يراد به وجهه وليس هو الوجه الحقيقي، أو أنه يعبر به عن الجهة، أو أنه يعبر به عن الثواب؟
فيه خلاف، لكن هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فقالوا: إنه وجه حقيقي؛ لأن الله تعالى قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] ، ولما أراد الله غير ذاته، قال: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 78] ف" ذي " صفة لرب وليست صفة لاسم، و" ذو "
(10/943)

صفة لوجه وليست صفة لرب، فإذا كان الوجه موصوفا بالجلال والإكرام، فلا يمكن أن يراد به الثواب أو الجهة أو الذات وحدها؛ لأن الوجه غير الذات.
وقال أهل التعطيل: أن الوجه عبارة عن الذات أو الجهة أو الثواب، قالوا: ولو أثبتنا لله وجها للزم أن يكون جسما، والأجسام متماثلة، ويلزم من ذلك لإثبات المثل لله - عز وجل، والله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، وإثبات المثل تكذيب للقرآن، وأنتم يا أهل السنة تقولون: إن من اعتقد أن لله مثيلا فيما يختص به فهو كافر، فنقول لهم:
أولا: ما تعنون بالجسم الذي فررتم منه، أتعنون به المُركَّب من عظام وأعصاب ولحم ودم بحيث يفتقر كل جزء منه إلى الآخر؟ إن أردتم ذلك، فنحن نوافقكم أن الله ليس على هذا الوجه ولا يمكن أن يكون كذلك، وإن أردتم بالجسم الذات الحقيقية المتصفة بصفات الكمال، فلا محذور في ذلك، والله تعالى وصف نفسه بأنه أحد صمد، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 1 - 2] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الصمد: الذي لا جوف له. (1)
ثانيا: قولكم: إن الأجسام متماثلة قضية من أكذب القضايا، فهل جسم الدب مثل جسم النملة؟ فبينهما تباين عظيم في الحجم والرقة واللين وغير ذلك.
فإذا بطلت هذه الحجة بطلت النتيجة وهي استلزام مماثلة الله لخلقه.
ونحن نشاهد البشر لا يتفقون في الوجوه، فلا تجد اثنين متماثلين من كل وجه ولو كانا توءمين، بل قالوا: إن عروق الرجل واليد غير متماثلة من شخص إلى آخر.
__________
(1) ابن جرير (30/ 742) .
(10/944)

ويلاحظ أن التعبير بنفي المماثلة أولى من التعبير بنفي المشابهة؛ لأنه اللفظ الذي جاء به القرآن، ولأنه ما من شيئين موجودين إلا ويتشابهان من وجه ويفترقان من وجه آخر، فنفي مطلق المشابهة لا يصح، وقد تقدم.
وأما حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن لله خلق آدم على صورته» ، ووجه الله لا يماثل أوجه المخلوقين، فيجاب عنه:
بأنه لا يراد به صورة تماثل صورة الرب - عز وجل - بإجماع المسلمين والعقلاء؛ لأن الله - عز وجل - وسع كرسيه السماوات والأرض، والسماوات والأرضون كلها بالنسبة للكرسي - موضع القدمين - كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة، فما ظنك برب العالمين؟ فلا أحد يحيط به وصفا ولا تخيلا، من هذا وصفه لا يمكن أن يكون على صورة آدم ستون ذراعا، وإنما يراد به أحد معنيين:
الأول: أن الله خلق آدم على صورة اختارها وجعلها أحسن صورة في الوجه، وعلى هذا، فلا ينبغي أن يقبح أو يضرب لأنه لما أضافه إلى نفسه اقتضى من الإكرام ما لا ينبغي معه أن يقبح أو أن يضرب.
الثاني: أن الله خلق آدم على صورة الله - عز وجل - ولا يلزم من ذلك المماثلة بدليل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أضوأ كوكب في السماء» ، ولا يلزم أن يكون على
(10/945)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
صورة نفس القمر؛ لأن القمر أكبر من أهل الجنة، وأهل الجنة يدخلونها طول أحدهم ستون ذراعا، وعرضه سبعة أذرع كما في بعض الأحاديث.
وقال بعض أهل العلم: على صورته، أي: صورة آدم، أي: أن الله خلق آدم أول مرة على هذه الصورة، وليس كبنيه يتدرج في الإنشاء نطفة ثم علقة ثم مضغة.
لكن الإمام أحمد - رحمه الله - أنكر هذا التأويل، وقال: هذا تأويل الجهمية، ولأنه يفقد الحديث معناه، وأيضا يعارضه اللفظ الآخر المفسر للضمير وهو بلفظ: «على صورة الرحمن» .
(10/946)

فيه مسائل:
• الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب. الثانية: إثبات صفة الوجه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
· الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب.
تؤخذ من حديث الباب، وهذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، لكن على تقدير صحته، فإن من الأدب أن لا تسأل بوجه الله إلا ما كان من أمر الآخرة: الفوز بالجنة، أو النجاة من النار.
· الثانية: إثبات صفة الوجه. وقد سبق الكلام عليه.
(10/947)

باب ما جاء في ال (لو)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: في " اللو ".
دخلت " أل " على " لو " وهي لا تدخل إلا على الأسماء، قال ابن مالك:
بالجر والتنوين والندا وأل ... ومسند للاسم تمييز حصل
لأن المقصود بها اللفظ، أي: باب ما جاء في هذا اللفظ.
والمؤلف - رحمه الله - جعل الترجمة مفتوحة ولم يجزم بشيء؛ لأن " لو " تستعمل على عدة أوجه:
الوجه الأول: أن تستعمل في الاعتراض على الشرع، وهذا محرم، قال تعالى: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران: 18] في غزوة أحد حينما تخلف أثناء الطريق عبد الله بن أُبي في نحو ثلث الجيش، فلما استشهد من المسلمين سبعون رجلا اعترض المنافقون على تشريع الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقالوا: لو أطاعونا ورجعوا كما رجعنا ما قتلوا، فرأينا خير من شرع محمد، وهذا محرم يصل إلى الكفر.
الثاني: أن تستعمل في الاعتراض على القدر، وهذا محرم أيضا، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} [آل عمران: 156] أي: لو أنهم بقوا ما قتلوا، فهم يعترضون على قدر الله.
الثالث: أن تستعمل للندم والتحسر، وهذا محرم أيضا؛ لأن كل شيء يفتح الندم عليك فإنه منهي عنه؛ لأن الندم يكسب النفس حزنا وانقباضا، والله يريد من أن نكون في انشراح وانبساط، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «احرص على ما ينفعك»
(10/948)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
«واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» .
مثال ذلك: رجل حرص أن يشتري شيئا يظن أن فيه ربحا فخسر، فقال: لو أني ما اشتريته ما حصل لي من خسارة، فهذا ندم وتحسر، ويقع كثيرا، وقد نُهي عنه.
الرابع: أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية، كقول المشركين: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [الأنعام: 148] وقولهم: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: 20] وهذا باطل.
الخامس: أن تستعمل في التمني، وحكمه حسب المتمنى: إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر، وفي الحديث عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قصة النفر الأربعة قال أحدهم: «لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان» فهذا تمنى خيرا، وقال الثاني: «لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان» ، فهذا تمنى شرا. فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الأول: «فهو بنيته، فأجرهما سواء» ، وقال في الثاني: «فهو بنيته، فوزرهما سواء» . (1)
السادس: أن تستعمل في الخبر المحض.
وهذا جائز، مثل: لو حضرت الدرس لاستفدت، ومنه قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم» ، فأخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه لو علم أن هذا الأمر سيكون من الصحابة ما ساق الهدي ولأحل،
__________
(1) الإمام أحمد (4/230،231)
(10/949)

وقول الله تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا ظاهر لي: وبعضهم قال: إنه من باب التمني، كأنه قال: ليتني استقبلت من أمري ما استدبرت حتى لا أسوق الهدي.
لكن الظاهر: أنه لما رأى من أصحابه، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يتمنى شيئا قدر الله خلافه.
وقد ذكر المؤلف في هذا البيت آيتين:
الآية الأولى قوله تعالى: يَقُولُونَ. الضمير للمنافقين.
قوله: مَا قُتِلْنَا. أي: ما قتل بعضنا، لأنهم لم يقتلوا كلهم، ولأن المقتول لا يقول.
قوله: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ} . " لو ": شرطية، وفعل الشرط: " كان "، وجوابه: مَا قُتِلْنَا ولم يقترن الجواب باللام؛ لأن الأفصح إذا كان الجواب منفيا عدم الاقتران، فقولك: لو جاء زيد ما جاء عمرو أفصح من قولك: لو جاء زيد لما جاء عمرو، وقد ورد قليلا اقترانها مع النفي، كقول الشاعر:
لو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي
قوله: هَاهُنَا. أي: في أُحد.
قوله: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} . هذا رد عليهم، فلا يمكن أن يتخلفوا عما أراد الله بهم.
(10/950)

وقوله: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران: 168] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} . هذا من الاعتراض على الشرع، لأنهم عتبوا على الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين خرج بدون موافقتهم، ويمكن أن يكون اعتراضا على القدر أيضا، أي: لو كان لنا من حسن التدبير والرأي شيء ما خرجنا فنقتل.
قوله: وَقَعَدُوا. الواو إما أن تكون عاطفة والجملة معطوفة على قَالُوا، ويكون وصف هؤلاء بأمرين:
- بالاعتراض على القدر بقولهم: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} .
- وبالجبن عن تنفيذ الشرع " الجهاد " بقولهم: وَقَعَدُوا، أو تكون الواو للحال والجملة حالية على تقدير " قد "، أي: والحال أنهم قد قعدوا، ففيه توبيخ لهم حيث قالوا مع قعودهم، ولو كان فيهم خير لخرجوا مع الناس، لكن فيهم الاعتراض على المؤمنين وعلى قضاء الله وقدره.
قوله: " لإخوانهم ". قيل: في النسب لا في الدين، وقيل في الدين ظاهرا؛ لأن المنافقين يتظاهرون بالإسلام، ولو قيل لهم: إنه شامل للأمرين، لكان صحيحا.
قوله: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} . هذا غير صحيح، ولهذا رد الله عليهم بقوله: {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، وإن كنتم قاعدين، فلا تستطيعون أيضا أن تدرءوا عن أنفسكم الموت.
فهذه الآية والتي قبلها تدل على أن الإنسان محكوم بقدر الله كما أنه يجب أن يكون محكوما بشرع الله.
(10/951)

وفي الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا، لكان كذا وكذا، لكن قل: قدر الله وما شاء الله فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
· مناسبة الباب للتوحيد:
أن من جملة أقسم (لو) الاعتراض على القدر، ومن اعترض على القدر، فإنه لم يرضَ بالله ربا، ومن لم يرضَ بالله ربا، ومن لم يرض بالله ربا، فإنه لم يحقق توحيد الربوبية.
والواجب أن ترضى بالله ربًا، ولا يمكن أن تستريح إلا إذا رضيت بالله ربًا تمام الرضا، وكأن لك أجنحة تميل بها حيث مال القدر، ولهذا قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عجبت لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن: إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خير له» ، ومهما كان، فالأمر سيكون على ما كان، فلو خرجت مثلا في سفر ثم أصبت في حادث، فلا تقل: لو أني ما خرجت في السفر ما أصبت؛ لأن هذا مقدر لا بد منه.
قوله: " وفي الصحيح " أي: " صحيح مسلم "، وانظر ما سبق في: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله (146) .
(10/952)

والمؤلف - رحمه الله - حذف منه جملة، وأتى بما هو مناسب للباب، والمحذوف قوله: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» .
قوله: " القوي ". أي: في إيمانه وما يقتضيه إيمانه، ففي إيمانه، يعني: ما يحل في قلبه من اليقين الصادق الذي لا يعتريه شك، وفيما يقتضيه، يعني: العمل الصالح من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحزم في العبادات وما أشبه ذلك.
وهل يدخل في ذلك قوة البدن؟
الجواب: لا يدخل في ذلك قوة البدن إلا إذا كان في قوة بدنه ما يزيد إيمانه أو يزيد ما يقتضيه؛ لأن " القوي " وصف عائد على موصوف وهو المؤمن، فالمراد: القوي في إيمانه أو ما يقتضيه، ولا شك أن قوة البدن نعمة، إن استعملت في الخير فخير، وإن استعملت في الشر فشر.
قوله: " خير وأحب إلى الله ". خير في تأثيره وآثاره فهو ينفع ويقتدى به وأحب إلى الله باعتبار الثواب.
قوله: " ومن المؤمن الضعيف ". وذلك في الإيمان أو فيما يقتضيه لا في قوة البدن.
قوله: " وفي كل خير ". أي: في كل من القوي والضعيف خير، وهذا النوع من التذييل يسمى عند البلاغيين بالاحتراس حتى لا يظن أنه لا خير في الضعيف.
فإن قيل: إن الخيرية معلومة في قوله: " خير وأحب "؛ لأن الأصل في اسم التفضيل اتفاق المفضل والمفضل عليه في أصل الوصف؟
فالجواب: أنه قد يخرج عن الأصل، كما في قوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا} [الفرقان: 24] مع أن أهل النار لا خير في مستقرهم.
(10/953)

كذلك الإنسان إذا سمع هذه الجملة: " خير وأحب " صار في نفسه انتقاص للمؤمن المفضل عليه، فإذا قيل: " وفي كل خير " رفع من شانه، ونظيره قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10] .
قوله: «احرص على ما ينفعك» . الحرص: بذلُك الجهد لنيل ما ينفع من أمر الدين أو الدنيا.
وأفعال العباد بحسب السَّبر والتقسيم لا تخلو من أربع حالات:
1. نافعة، وهذه مأمور بها.
2. ضارة وهذه محذر منها.
3. فيها نفع وضرر.
4. لا نفع فيها ولا ضرر، وهذه لا يتعلق بها أمر ولا نهي، لكن الغالب أن لا تقع إلا وسيلة إلى ما فيه أمر أو نهي، فتأخذ حكم الغاية؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
فالأمر لا يخلو من نفع أو ضرر، إما لذاته أو لغيره، فحديثنا العام قد لا يكون فيه نفع ولا ضرر، لكن قد يتكلم الإنسان ويتحدث لأجل إدخال السرور على غيره فيكون نفعا، ولا يمكن أن تجد شيئا من الأمور والحوادث ليس فيه نفع ولا ضرر، إما ذاتي، أو عارض إنما ذكرناه لأجل تمام السبر والتقسيم.
والعاقل يشح بوقته أن يصرفه فيما لا نفع فيه ولا ضرر، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خير أو ليصمت» .
(10/954)

واتصال هذه الجملة بما قبلها ظاهر جدا؛ لأن من القوة الحرص على ما ينفع.
و" ما ": اسم موصول بفعل " ينفع "، والاسم الموصول يحول بصلته إلى اسم فاعل، كأنه قال: احرص على النافع، وإنما قلت ذلك لأجل أن أقول: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمرنا بالحرص على النافع، ومعناه أن نقدم الأنفع على النافع؛ لأن الأنفع مشتمل على أصل النفع وعلى الزيادة، وهذه الزيادة لا بد أن نحرص عليها؛ لأن الحكم إذا علق بوصف كان تأكد ذلك الحكم بحسب ما يشتمل عليه تأكد ذلك الوصف، فإذا قلت: أنا أكره الفاسقين كان كل من كان أشد في الفسق إليك أكره، فنقدم الأنفع على النافع لوجهين:
1. أنه مشتمل على النفع وزيادة.
2. أن الحكم إذا علق بوصف كان تأكد ذلك الحكم بحسب تأكد ذلك الوصف وقوته.
يؤخذ من الحديث وجود الابتعاد عن الضار؛ لأن الابتعاد عنه انتفاع وسلامة لقوله: " «احرص على ما ينفعك» .
قوله: " واستعن بالله ". الواو تقتضي الجمع فتكون الاستعانة مقرونة بالحرص، والحرص سابق على الفعل، فلابد أن تكون الاستعانة مقارنة للفعل من أوله.
والاستعانة: طلب العون بلسان المقال، كقولك: " اللهم أعني، أو: لا حول ولا قوة إلا بالله " عند شروعك بالفعل.
أو بلسان الحال، وهي أن تشعر بقلبك أنك محتاج إلى ربك - عز وجل - أن يعينك على هذا الفعل، وأنه إن وكلك إلى نفسك وكلك إلى ضعف وعجز وعورة.
(10/955)

أو طلب العون بهما جميعا، والغالب أن من استعان بلسان المقال، فقد استعان بلسان الحال.
لو احتاج الإنسان إلى الاستعانة بالمخلوق كحمل صندوق مثلا، فهذا جائز، ولكن لا تشعر نفسك أنها كاستعانتك بالخالق، وإنما عليك أن تشعر أنها كمعونة بعض أعضائك لبعض، كما لو عجزت عن حمل شيء بيد واحدة، فإنك تستعين على حمله باليد الأخرى وعلى هذا، فالاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه كالاستعانة ببعض أعضائك، فلا تنافي قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " استعن بالله ".
قوله: " ولا تعجزن ". فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، و" لا " ناهية، والمعنى لا تفعل فعل العاجز من التكاسل وعدم الحزم والعزيمة، وليس المعنى لا يصيبك عجز؛ لأن العجز عن الشيء غير التعاجز، فالعجز بغير اختيار الإنسان، ولا طاقة له به، فلا يتوجه عليه نهي، ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلِّ قائما، فإن لم تستطع، فقاعدا، فإن لم تستطع، فعلى جنب» .
فإذا اجتمع الحرص وعدم التكاسل، اجتمع في هذا صدق النية بالحرص والعزيمة بعدم التكاسل.
لأن بعض الناس يحرص على ما ينفعه ويشرع فيه، ثم يتعاجز ويتكاسل ويدعه، وهذا خلاف ما أمر به الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فما دمت عرفت أن هذا نافع، فلا تدعه، لأنك إذا عجَّزت نفسك خسرت العمل الذي عملت ثم عوَّدت نفسك التكاسل والتدني من حال النشاط والقوة إلى حال العجز والكسل، وكم من إنسان بدأ العمل - لا سيما النافع - ثم أتاه الشيطان فثبطه؟
(10/956)

لكن إذا ظهر في أثناء العمل أنه ضار، فيجب الرجوع عنه؛ لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
وذكر في ترجمة الكسائي أنه بدأ في طلب علم النحو ثم صعب عليه، فوجد نملة تحمل طعاما تريد أن تصعد به حائطا، كلما صعدت قليلا سقطت، وهكذا حتى صعدت، فأخذت درسا من ذلك، فكابد حتى صار إماما في النحو.
قوله: «إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا» .
هذه هي المرتبة الرابعة مما ذكر في هذا الحديث العظيم إذا حصل خلاف المقصود.
فالمرتبة الأولى: الحرص على ما ينفع.
والمرتبة الثانية: الاستعانة بالله.
والمرتبة الثالثة: المضي في الأمر والاستمرار فيه وعدم التعاجز.
وهذه المراتب إليك.
المرتبة الرابعة: إذا حصل خلاف المقصود، فهذه ليست إليك، وإنما هي بقدر الله، ولهذا قال: " وإن أصابك. "، ففوض الأمر لله.
قوله: " وإن أصابك شيء ". أي: مما لا تحبه ولا تريده ومما يعوقك عن الوصول إلى مرامك فيما شرعت فيه من نفع.
فمن خالفه القدر ولم يأت على مطلوبه لا يخلو من حالين:
الأول: أن يقول: لو لم أفعل ما حصل كذا.
الثاني: أن يقول: لو فعلت كذا لأمر لم يفعله لكان كذا.
مثال الأول قول القائل: لو لم أسافر ما فاتني الربح.
ومثال الثاني أن يقول: لو سافرت لربحت.
وذكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثاني دون الأول؛ لأن الإنسان عامل فاعل، فهو
(10/957)

يقول: لو أني فعلت الفعل الفلاني دون هذا الفعل لحصلت مطلوبي، بخلاف الإنسان الذي لم يفعل وكان موقفه سلبيا من الأعمال.
قوله: " كذا ". كناية عن مبهم، وهي مفعول لفعلت.
قوله: " لكان كذا " فاعل كان، والجملة جواب لو.
قوله: " قدر الله ". خبر لمبتدأ محذوف، أي هذا قدر الله.
وقدر بمعنى مقدور؛ لأن الله يطلق على التقدير الذي هو فعل الله، ويطلق على المقدور الذي وقع بتقدير الله، وهو المراد هنا؛ لأن القائل يتحدث عن شيء وقع عليه، فقدر الله أي مقدوره، ولا مقدر إلا بتقدير؛ لأن المفعول نتيجة الفعل.
والمعنى إن هذا الذي وقع قدر الله وليس إلى أما الذي إلى فقد بذلت ما أراه نافعا كما أمرت، وهذا فيه التسليم التام لقضاء الله - عز وجل - وان الإنسان إذا فعل ما أمر به على الوجه الشرعي، فإنه لا يلام على شيء، ويفوض الأمر إلى الله.
قوله: " وما شاء الله فعل ". جملة مصدرة بـ " ما " الشرطية، " وشاء ": فعل الشرط، وجوابه: " فَعَل "، أي: ما شاء الله أن يفعله فعله؛ لأن الله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، قال تعالى: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [الرعد: 41] ، وقد سبق ذكر قاعدة، وهي أن كل فعل لله معلق بالمشيئة، فإنه مقرون بالحكمة، وليس شيء من فعله معلقا بالمشيئة المجردة؛ لأن الله لا يشرع ولا يفعل إلا الحكمة، وبهذا التقرير نفهم أن المشيئة يلزم منها وقوع المشاء، ولهذا كان المسلمون يقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وأما الإرادة ووقوع المراد ففيه تفصيل:
(10/958)

فالإرادة الشرعية لا يلزم منها وقوع المراد، وهي التي بمعنى المحبة، قال تعالى {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27] بمعنى يحب، ولو كانت بمعنى يشاء لتاب الله علي جميع الناس.
والإرادة الكونية يلزم منها وقوع المراد، كما قال الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253] .
قوله: «فإن لو تفتح عمل الشيطان» . " لو ": اسم إن قصد لفظها، أي؛ فإن هذا اللفظ يفتح عمل الشيطان.
وعمله: ما يلقيه في قلب الإنسان من الحسرة والندم والحزن، فإن الشيطان يحب ذلك، وقال تعالى {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [المجادلة: 10] ، حتى في المنام يريه أحلاما مخيفة ليعكر عليه صفوه ويشوش فكره، فحينئذ لا يتفرغ للعبادة على ما ينبغي، ولهذا نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الصلاة حال تشوش الفكر؛ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» ، إذا رضي الإنسان بالله ربا، وقال: هذا قضاء الله وقدره، وأنه لا بد أن يقع، اطمأنت نفسه وانشرح صدره.
ويستفاد من الحديث:
1. إثبات محبة الله - عز وجل، لقوله: " خير وأحب ".
2. اختلاف الناس في قوة الإيمان وضعفه، لقوله: «" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» .
3. زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأن القوة زيادة والضعف نقص، وهذا هو
(10/959)

القول الصحيح الذي عليه عامة أهل السنة.
وقال بعض أهل السنة: يزيد ولا ينقص؛ لأن النقص لم يرد في القرآن، قال تعالى: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31] ، وقال تعالى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] .
والراجح القول الأول؛ لأنه من لازم ثبوت الزيادة ثبوت النقص عن الزائد، وعلى هذا يكون القرآن دالا على ثبوت نقص الإيمان بطريق اللزوم، كما أن السنة جاءت به صريحة في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» ، يعني: النساء.
والإيمان يزيد بالكمية والكيفية، فزيادة الأعمال الظاهرة زيادة كمية، وزيادة الأعمال الباطنة كاليقين زيادة كيفية، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] .
والإنسان إذا أخبره ثقة بخبر، ثم جاء آخر فأخبره نفس الخبر، زاد يقينه، ولهذا قال أهل العلم: إن المتواتر يفيد العلم اليقيني، وهذا دليل على تفاوت القلوب بالتصديق، وأما الأعمال، فظاهر، فمن صلى أربع ركعات أزيد ممن صلى ركعتين.
4 - أن المؤمن وإن ضعف إيمانه فيه خير؛ لقوله: " وفي كل خير ".
5 - أن الشريعة جاءت بتكميل المصالح وتحقيقها، لقوله: «احرص على ما ينفعك» ، فإذا امتثل المؤمن أمر الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهو عبادة وإن كان ذلك النافع أمرا دنيويا.
(10/960)

6 - أنه لا ينبغي للعاقل أن يمضي جهده فيما لا ينفع، لقوله: «احرص على ما ينفعك» .
7 - أنه ينبغي للإنسان الصبر والمصابرة، لقوله: " ولا تعجزن ".
8 - أن ما لا قدرة للإنسان فيه فله أن يحتج عليه بالقدر، لقوله: «ولكن قل: قدر الله وما شاء الله فعل» ، وأما الذي يمكنك، فليس لك أن تحتج بالقدر.
وأما محاجة آدم وموسى حيث لام موسى آدم عليهما الصلاة والسلام؛ وقال له: «لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال: أتلومني على شيء قد كتبه الله عليّ» فهذا احتجاج بالقدر.
فالقدرية الذين ينكرون القدر يكذبون هذا الحديث؛ لأن من عادة أهل البدع أن ما خالف بدعتهم إن أمكن تكذيبه كذبوه، وإلا حرفوه، ولكن هذا الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذا من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب، فموسى لم يحتج على آدم بالمعصية التي هي سبب الخروج، بل احتج بالخروج نفسه.
معناه أن فعلك صار سببا لخروجنا، وإلا فإن موسى عليه الصلاة والسلام أبعد من أن يلوم أباه على ذنب تاب منه واجتباه ربه وهداه، وهذا ينطبق على الحديث.
وذهب ابن القيم رحمه الله إلى وجه آخر في تخريج هذا الحديث، وهو أن آدم احتج بالقدر بعد أن مضى وتاب من فعله، وليس كحال الذين يحتجون
(10/961)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
على أن يبقوا في المعصية ويستمروا عليها، فالمشركون لما قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148] كذبهم الله، لأنهم لا يحتجون على شيء مضى ويقولون: تبنا إلى الله، ولكن يحتجون على شيء مضى ويقولون: تبنا إلى الله، ولكن يحتجون على البقاء في الشرك.
9 - أن للشيطان تأثيرا على بني آدم، لقوله: «فإن لو تفتح عمل الشيطان» ، وهذا لا شك فيه، ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» .
فقال بعض أهل العلم: إن هذا يعني الوساوس التي يلقيها في القلب فتجري في العروق.
وظاهر الحديث: أن الشيطان نفسه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهذا ليس ببعيد على قدرة الله - عز وجل، كما أن الروح تجري مجرى الدم، وهي جسم، إذا قبضت تكفن وتحنط وتصعد بها الملائكة إلى السماء.
ومن نعمة الله أن للشيطان ما يضاده، وهي لمة الملك، فإن الشيطان في قلب ابن آدم لمة وللملك لمة، ومن وفق غلبت عنده لمة الملك لمة الشيطان، فهما دائما يتصارعان نفس مطمئنة ونفس أمارة بالسوء، وأما النفس اللوامة فهي وصف للنفسين جميعا.
10 - حسن تعليم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين قرن النهي عن قول " لو " ببيان علته، لتتبين حكمة الشريعة، ويزداد المؤمن إيمانا وامتثالا.
(10/962)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران. الثانية: النهي الصريح عن قول " لو " إذا أصابك شيء. الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل: الأولى تفسير الآيتين في آل عمران. وهما:
الأولى: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} .
الثانية: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} ، أي: ما أُخرجنا وما قتلنا، ولكن الله تعالى أبطل ذلك بقوله: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} ، والآية الأخرى: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} ، فأبطل الله دعواهم هذه بقوله: {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، أي: إن كنتم صادقين في البقاء وأن عدم الخروج مانع من القتل، فادرءوا عن أنفسكم الموت، فإنهم لن يسلموا من الموت، بل لابد أن يموتوا، ولكن لو أطاعوهم وتركوا الجهاد، لكانوا على ضلال مبين.
الثانية: النهي الصريح عن قول " لو " إذا أصابك شيء. لقول الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا» .
الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان. فالنهي عن قول " لو " علتها أنها تفتح عمل الشيطان وهو الوسوسة، فيتحسر الإنسان بذلك ويندم ويحزن.
(10/963)

الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن. الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله. السادسة: النهي عن ضد ذلك، وهو العجز.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن. ويعني قوله: «ولكن قل: قدر الله وما شاء الله فعل» .
الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله. لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله» .
السادسة: النهي عن ضد ذلك، وهو العجز. لقوله: " ولا تعجزن "، فإن قال قائل: العجز ليس باختيار الإنسان، قد يصاب بمرض فيعجز، فكيف نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أمر لا قدرة للإنسان عليه؟
أجيب: بأن المقصود بالعجز هنا التهاون والكسل عن فعل الشيء؛ لأنه هو الذي في مقدور الإنسان.
(10/964)

باب النهي عن سب الريح
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المؤلف - رحمه الله - أطلق النهي ولم يفصح: هل المراد به التحريم أو الكراهة، وسيتبين - إن شاء الله - من الحديث.
قوله: " الريح ". الهواء الذي يصرفه الله - عز وجل، وجمعه رياح.
وأصولها أربعة: الشمال، والجنوب، والشرق، والغرب، وما بينهما يسمى النكباء، لأنها ناكبة عن الاستقامة في الشمال، أو الجنوب، أو الشرق، أو الغرب.
وتصريفها من آيات الله - عز وجل - فأحيانا تكون شديدة تقلع الأشجار وتهدم البيوت وتدفن الزروع ويحصل معها فيضانات عظيمة، وأحيانا تكون هادئة، وأحيانا تكون باردة، وأحيانا حارة، وأحيانا عالية، وأحيانا نازلة، كل هذا بقضاء الله وقدره، ولو أن الخلق اجتمعوا كلهم على أن يصرفوا الريح عن جهتها التي جعلها الله عليها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولو اجتمعت جميع المكائن العالمية النفاثة لتوجد هذه الريح الشديدة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ولكن الله - عز وجل - بقدرته يصرفها كيف يشاء وعلى ما يريد، فهل يحق للمسلم أن يسب هذه الريح؟
الجواب: لا؛ لأن هذه الريح مسخرة مدبرة، وكما أن الشمس أحيانا تضر بإحراقها بعض الأشجار، ومع ذلك لا يجوز لأحد أن يسبها، فكذلك الريح، ولهذا قال: «لا تسبوا الريح» .
(10/965)

عن أُبي بن كعب رضي الله عنه؛ أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تسبوا الريح؛ فإذا رأيتم ما تكرهون؛ فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به» . صححه الترمذي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «لا تسبوا الريح» . " لا ": ناهية، والفعل مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، والريح مفعول به.
والسب: الشتم، والعيب، والقدح، واللعن، وما أشبه ذلك، وإنما نهى عن سبها؛ لأن سب المخلوق سب لخالقه، فلو وجدت قصرا مبنيا وفيه عيب، فسببته، فهذا السب ينصب على من بناه، وكذلك سب الريح، لأنها مدبرة مسخرة على ما تقتضيه حكمة الله عز وجل.
ولكن إذا كانت الريح مزعجة، فقد أرشد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى ما يقال حينئذ في قوله: «ولكن قولوا: اللهم إنا نسألك» . إلخ) .
قوله: (وخير منها) . أي: ما تحمله، لأنها قد تحمل خيرا، كتلقيح
(10/966)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثمار، وقد تحمل رائحة طيبة الشم، وقد تحمل شرا، كإزالة لقاح الثمار، وأمراض تضر بالإنسان والبهائم.
قوله: " وخير ما أمرت به ". مثل إثارة السحاب وسوقه إلى حيث شاء الله.
قوله: " ونعوذ بك ". أي: نعتصم ونلجأ.
قوله: " ومن شر هذه الريح " أي: شرها بنفسها كقلع الأشجار، ودفن الزروع وهدم البيوت.
قوله: " ومن شر ما فيها ". أي: ما تحمله من الأشياء الضارة، كالأنتان، والقاذورات، والأوبئة وغيرها.
قوله: (وشر ما أُمرتْ به) . كالهلاك والتدمير، وقال تعالى في ريح عاد: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25] وتيبس الأرض من الأمطار، ودفن الزروع، وطمس الآثار والطرق، فقد تؤمر بشر لحكمة بالغة نعجز عن إدراكها.
وقوله: " ما أمرت به ". هذا الأمر حقيقي، أي: يأمرها الله أن تهب ويأمرها أن تتوقف، وكل شيء من المخلوقات فيه إدراك بالنسبة إلى أمر الله، قال تعالى للأرض والسماء: {اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] ، وقال للقلم: «اكتب. قال: ربي وماذا أكتب؟ قال اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة» .
(10/967)

فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الريح الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره. الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة. الرابعة: أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأول النهي عن سب الريح. وهذا النهي للتحريم؛ لأن سبها سب لمن خلقها وأرسلها.
الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره. أي: منها، وهو أن يقول: «اللهم إني أسألك من خيرها» ... " الحديث، مع فعل السباب الحسية أيضا، كالاتقاء من شرها بالجدران أو الجبال ونحوها.
الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة. لقوله: " ما أمرت به ".
الرابعة: أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر. لقوله: «خير ما أُمرت به، وشر ما أُمرت به» .
والحاصل: أنه يجب على الإنسان أن لا يعترض على قضاء الله وقدره، وأن لا يسبه، وأن يكون مستسلما لأمره الكوني كما يجب أن يكون مستسلما لأمره الشرعي؛ لأن هذه المخلوقات لا تملك أن تفعل شيئا إلا بأمر الله سبحانه وتعالى.
(10/968)

باب قول الله تعالى:
{يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: من الآية154] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين:
الأول قوله تعالى {يَظُنُّونَ} . الضمير يعود على المنافقين، والأصل في الظن: أن الاحتمال الراجح، وقد يطلق على اليقين، كما في قوله تعالى {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} [البقرة: 46] ، أي: يتيقنون، وضد الراجح المرجوح، ويسم وهما.
قوله: {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} . عطف بيان لقوله: {غَيْرَ الْحَقِّ} ، و {الْجَاهِلِيَّةِ} : الحال الجاهلية، والمعنى يظنون بالله ظن الملة الجاهلية التي لا يعرف الظان فيها قدر وعظمته، فهو ظن باطل مبني على الجهل.
والظن بالله - عز وجل - على نوعين:
الأول: أن يظن خيرا.
الثاني: أن يظن بالله شرا.
والأول له متعلقان:
1. متعلق بالنسبة لما يفعله في هذا الكون، فهذا يجب عليك أن تحسن الظن بالله - عز.
وجل - فيما يفعله -سبحانه وتعالى - في هذا الكون، وأن تعتقد أن ما فعله إنما هو الحكمة بالغة قد تصل العقول إليها وقد لا تصل،
(10/969)

وبهذا يتبين عظمة الله وحكمته في تقديره، فلا يظن أن الله إذا فعل شيئا في الكون فعله لإرادة سيئة، حتى الحوادث والنكبات لم يحدثها الله إرادة السوء المتعلق بفعله، أما المتعلق بغيره بأن يحدث ما يريد به أن يسوء هذا الغير، فهذا واقع، كما قال تعالى {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} [الأحزاب: 17] .
2. متعلق بالنسبة لما يفعله بك، فهذا يجب أن تظن بالله أحسن الظن، لكن بشرط أن يوجد.
لديك السبب الذي يوجب الظن الحسن، وهو أن تعبد الله على مقتضى شريعته مع الإخلاص، فإذا فعلت ذلك، فعليك أن تظن أن الله يقبل منك ولا تسئ الظن بالله بأن تعتقد أنه لن يقبل منك، وكذلك إذا تاب الإنسان من الذنب، فيحسن الظن بالله أنه يقبل منه، ولا يسيء الظن بالله بأن يعتقد أنه لا يقبل منه.
وأما إن كان الإنسان مفرطا في الواجبات فاعلا للمحرمات، وظن بالله ظنا حسنا، فهذا هو ظن المتهاون المتهالك في الأماني الباطلة، بل هو من سوء الظن بالله، إذ أن حكمة الله تأبى مثل ذلك.
النوع الثاني: وهو أن يظن بالله سوء، مثل أن يظن في فعله سفها أو ظلما أو نحو ذلك، فإنه من أعظم المحرمات وأقبح الذنوب، كما ظن هؤلاء المنافقون وغيرهم ممن يظن بالله غير الحق.
قوله: {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} . مرادهم بذلك أمران:
الأول: رفع اللوم عن أنفسهم.
الثاني: الاعتراض على القدر.
وقوله: " لنا ": خبر مقدم.
(10/970)

وقوله: {مِنْ شَيْءٍ} : مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
قوله: {إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} أي: فإذا كان كذلك، فلا وجه لاحتجاجكم على قضاء الله وقدره، فالله - عز وجل - يفعل ما يشاء من النصر والخذلان.
وقوله: {إِنَّ الْأَمْرَ} واحد الأمور لا واحد الأوامر، أي: الشأن كل الشأن الذي يتعلق بأفعال الله وأفعال المخلوقين كله لله - سبحانه، فهو الذي يقدر الذل والعز والخير والشر، لكن الشر في مفعولاته لا في فعله.
قوله: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ} أي: ما لا يظهرون لك، فمن شأن المنافقين عدم الصراحة والصدق، فيخفي في نفسه ما لا يبديه لغيره؛ لأنه يرى من جبنه وخوفه أنه لو أخبر بالحق لكان فيه هلاكه، فهو يخفي الكفر والفسوق والعصيان.
قوله: {مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} أي: في أُحد، والمراد بمن " قتل ": من استشهد من المسلمين في أُحد؛ لأن عبد الله بن أُبَيَّ رجع بنحو ثلث الجيش في غزوة أحد، وقال: إن محمدا يعصيني ويطيع الصغار والشبان.
قوله: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} . هذا رد لقولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا.
وهذا الاحتجاج لا حقيقة له؛ لأنه إذا كتب القتل على أحد، لم ينفعه تحصنه في بيته، بل لابد أن يخرج إلى مكان موته، والكتابة قسمان:
1. كتابة شرعية، وهذا لا يلزم منها وقوع المكتوب، مثل قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] .
(10/971)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
2. كتابة كونية، وهذه يلزم منها وقوع المكتوب كما في هذه الآية، ومثل قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105] ، وقوله: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة: 21] .
قوله: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} أي يختبر ما في صدوركم من الإيمان بقضاء الله وقدره، والإيمان بحكمته فيختبر ما في قلب العبد بما يُقدِّره عليه من الأمور المكروهة؛ حتى يبين من استسلم لقضاء الله وقدره وحكمته ممن لم يكن كذلك.
قوله: {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} . أي: إذا حصل الابتلاء فقوبل بالصبر، صار في ذلك تمحيص لما في القلب، أي: تطهير له وإزالة لما يكون قد علق به من بعض الأمور التي لا تنبغي.
وقد حصل الابتلاء والتمحيص في غزوة أُحد بدليل أن الصحابة لما ندبهم الرسول (1) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين قيل له: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران 172] خرجوا إلى حمراء الأسد ولم يجدوا غزوا فرجعوا، {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 174] .
قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} . جملة خبرية فيها إثبات أن الله عليم بذات الصدور، والمراد بها القلوب، كما قال تعالى {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 146] ، فالله لا يخفى عليه شيء
__________
(1) البخاري: كتاب المغازي / باب (الذين استجابوا لله والرسول) ، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة / باب من فضائل طلحة والزبير.

أما خروجهم إلى حمراء الأسد فقد أخرجه ابن كثير في تفسيره (1/ 337) . وصححه ابن حجر في الفتح (8/ 228) .
(10/972)

وقوله: {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} (الفتح: 6) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيعلم ما في قلب العبد وما ليس في قلبه متى يكون.
الآية الثانية قوله تعالى: {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} . المراد بهم: المنافقون والمشركون، قال تعالى: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} (الفتح:6) أي: ظن العيب، وهو كقوله فيما سبق: {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} (آل عمران:154) .
ومنه ما نقله المؤلف عن ابن القيم رحمهما الله: أنهم يظنون أن أمر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيضمحل، وأنه لا يمكن أن يعود، وما أشبه ذلك.
قوله: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} . أي: أن السوء محيط بهم جميعا من كل جانب كما تحيط الدائرة بما في جوفها، وكذلك تدور عليهم دوائر السوء، فهم وإن ظنوا أنه تعالى تخلى عن رسوله وأن أمره سيضمحل، فإن الواقع خلاف ظنهم، ودائرة السوء راجعة عليهم.
قوله: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} الغضب من صفات الله الفعلية التي تتعلق بمشيئته ويترتب عليها الانتقام، وأهل التعطيل قالوا: إن الله لا يغضب حقيقة: فمنهم من قال: المراد بغضبه الانتقام.
ومنهم من قال: المراد إرادة الانتقام. قالوا: لأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنه جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم» . (1)
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (3/61) .
(10/973)

قال ابن القيم في الآية الأولى: (فُسِّر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفُسِّر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيجاب عن ذلك: بأن هذا هو غضب الإنسان، ولا يلزم من التوافق في اللفظ التوافق في المثلية والكيفية، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى:11) ويدل على أن الغضب ليس هو الانتقام قوله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} (الزخرف: 55) فـ {آسَفُونَا} بمعنى أغضبونا {انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} ، فجعل الانتقام مرتبا على الغضب، فدل على أنه غيره.
قوله: {وَلَعَنَهُمْ} . اللعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
قوله: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ} أي هيأها لهم وجعلها سكنا لهم ومستقرا.
قوله: {وَسَاءَتْ مَصِيرًا} . أي: مرجعا يصار إليه.
ومصيرا: تمييز، والفاعل مستتر، أي: ساءت النار مصيرا يصيرون إليه.
قوله: (قال ابن القيم) . هو محمد ابن قيم الجوزية، أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الكبار الملازمين له رحمهما الله، وقد ذكره في (زاد المعاد) عقيب غزوة أحد تحت بحث الحكم والغايات المحمودة التي كانت فيها.
قوله: (في الآية الأولى) . يعني قوله {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} ، فسر بأن الله لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، أي: يزول، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، يؤخذ هذا التفسير من قولهم:
(10/974)

فَفُسِّرَ بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يُتم أمر رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأن يُظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السَّوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
{لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} ، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأن يظهره الله على الدين كله.
ففسر بما يكون طعنا في الربوبية وطعنا في الأسماء والصفات، فالطعن في القدر طعن في ربوبية الله - عز وجل -؛ لأن من تمام ربوبيته - عز وجل - أن نؤمن بأن كل ما جرى في الكون فإنه بقضاء الله وقدره، والطعن في الأسماء والصفات تضمنه الطعن في أفعاله وحكمته، حيث ظننا أن الله تعالى لا ينصر رسوله وسوف يضمحل أمره؛ لأنه إذا ظن الإنسان هذا الظن بالله، فمعنى ذلك أن إرسال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبث وسفه، فما الفائدة من أن يرسل رسول ويؤمر بالقتال وإتلاف الأموال والأنفس، ثم تكون النتيجة أن يضمحل أمره وينسى؟ فهذا بعيد.
ولا سيما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي هو خاتم النبيين، فإن الله تعالى قد أذن بأن شريعته سوف تبقى إلى يوم القيامة.
قال ابن القيم رحمه الله: (وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح) .
وخلاصة ما ذكر ابن القيم في تفسير ظن السوء ثلاثة أمور:
الأول: أن يظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها
(10/975)

وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق.
فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قَدَرُهُ لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحق، فهذا هو ظن المشركين والمنافقين في سورة الفتح، قال تعالى: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا} (الفتح:12) .
الثاني: أن ينكر أن يكون ما جرى بقضاء الله وقدره؛ لأنه يتضمن أن يكون في ملكه سبحانه ما لا يريد، مع أن كل ما يكون في ملكه فهو بإرادته.
الثالث: أن ينكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليه الحمد؛ لأن هذا يتضمن أن تكون تقديراته لعبا وسفها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله لا يقدر شيئا أو يشرعه إلا لحكمة، قد تكون معلومة لنا وقد تقصر عقولنا عن إدراكها، ولهذا يختلف الناس في علل الأحكام الشرعية اختلافا كبيرا بحسب ما عندهم من معرفة حكمة الله - سبحانه وتعالى -.
ورأي الجهمية والجبرية أن الله يقدر الأشياء لمجرد المشيئة لا لحكمة، قالوا: لأنه لا يُسأل عما يفعل، وهذا من أعظم سوء الظن بالله؛ لأن المخلوق إذا تصرف لغير حكمة سمي سفيها، فما بالك بالخالق الحكيم؟ .
قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} (ص: 27) ؛
(10/976)

وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فالظن بأنها خلقت باطلا لا لحكمة عظيمة ظن الذين كفروا، وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} (الدخان:38- 39) الذي هو ضد الباطل، وهؤلاء قالوا: إن الله تعالى خلقهما باطلا لغير حكمة، قال الله: {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، أي: الذين يظنون أن الله خلقهما باطلا وعبثا وسفها ولعبا.
والمعتزلة على العكس من ذلك، يقولون: لا يقدر إلا لحكمة، ويفرضون على الله ما يشاؤون، وقد ذكر صاحب (مختصر التحرير) الفتوحي رحمه الله: أن في المسالة قولين في المذهب.
ولكن الصواب بلا ريب أنه لا يفعل شيئا ولا يقدره على عبده ولا يشرع شيئا إلا لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد والشكر.
قوله: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} (ص:27) (ويل) : مبتدأ، وساغ الابتداء بالنكرة: للتعظيم، وخبر المبتدأ: (للذين كفروا) ، والجار والمجرور (من النار) بيان لويل، وفي هذا دليل على أن كلمة (ويل) كلمة وعيد وليست كما قيل: واد في جهنم، ولهذا نقول: ويل لك من البرد، ويل لك من فلان، ويقول المتوجع: ويلاه، وإن كان قد يوجد واد في جهنم اسمه ويل، لكن ويل في مثل هذه الآية كلمة وعيد.
(10/977)

قوله: (وأكثر الناس) . أي: من بني آدم لا من المؤمنين يظنون بالله ظن السوء، أي: العيب فيما يختص بهم، كما إذا دعوا الله على الوجه المشروع يظنون أن الله لا يجيبهم، أو إذا تعبدوا الله بمقتضى شريعته يظنون أن الله لا يقبل منهم، وهذا ظن السوء فيما يختص بهم.
قوله: (فيما يفعله بغيرهم) . كما إذا رأوا أن الكفار انتصروا على المسلمين بمعركة من المعارك ظنوا أن الله يديل هؤلاء الكفار على المسلمين دائما، فالواجب على المسلم أن يحسن الظن بالله مع وجود الأسباب التي تقتضي ذلك.
قوله: (ولا يسلم من ذلك) . أي: من الظن السوء.
قوله: (إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده) . صَدَقَ رَحِمَهُ الله، لا يسلم من ظن السوء إلا من عرف الله - عز وجل - وما له من الحِكَم والأسرار فيما يقدره ويشرعه، وكذلك عرف أسماءه وصفاته معرفة حقة لا معرفة تحريف وتأويل.
ولهذا حجب المحرفون والمؤولون عن معرفة أسماء الله وصفاته، فتجد قلوبهم مظلمة غالبا، تحاول أن تورد الإشكالات والتشكيك والجدل، أما من أبقى أسماء الله وصفاته على ما دلت عليه وسلك في ذلك مذهب السلف، فإن قلبه لا يرد عليه مثل هذه الاعتراضات التي ترد على قلوب أولئك المحرفين؛ لأن المحرفين إنما أتوا من جهة ظنهم بالله ظن السوء، حيث ظنوا أن الكتاب والسنة دل ظاهرهما على التمثيل والتشبيه، فأخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه وينكرون ما أثبت الله لنفسه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل.
أما كون كل معطل ممثلا، فلأنه إنما عطل لكونه ظن أن دلالة الكتاب
(10/978)

فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والسنة تقتضي التمثيل، فلما ظن هذا الظن السيئ بنصوص الكتاب والسنة أخذ يحرفها ويصرفها عن ظاهرها، فمثل أولا، وعطل ثانيا، ثم إنه إذا عطل صفات الله تعالى خوفا من تشبيهه بالموجود، فقد شبهه بالمعدوم، وأما كون كل ممثل معطلا، فلأن الممثل عطل الله تعالى من كماله الواجب حيث مثله بالمخلوق الناقص، وعطل كل نص يدل على نفي مماثلة الخالق للمخلوق.
وعلى هذا، فالذي عرف أسماء الله وصفاته معرفة على ما جرى عليه سلف هذه الأمة وأئمتها، وعرف موجب حكمة الله، أي: مقتضى حكمة الله، لا يمكن أن يظن بالله ظن السوء.
وقوله: (مُوجَب) . موجب، بالفتح: هو المسبَّب الناتج عن السبب بمعنى المقتضي، وبالكسر: السبب الذي يقتضي الشيء بمعنى المقتضى، والمراد هنا الأول.
فالذي يعرف موجب حكمة الله وما تقتضيه الحكمة، فإنه لا يمكن أن يظن بالله ظن السوء أبدا، ولاحِظْ الحكمة التي حصلت للمسلمين في هزيمتهم في حنين وفي هزيمتهم في أُحد، فإن في ذلك حِكَما عظيمة ذكرها الله في سورة آل عمران والتوبة، فهذه الحِكَم إذا عرفها الإنسان لا يمكن أن يظن بالله ظن السوء، وأنه أراد أن يخذل رسوله وحزبه، بل كل ما يجريه الله في الكون، كمنع الإنبات والفقر، فهو لحكمة بالغة قد لا نعلمها، ولا يمكن أن يظن أن الله بخل على عباده؛ لأنه - عز وجل - أكرم الأكرمين، وعلى هذا فقس.
قوله: (اللبيب) . على وزن فعيل، ومعناه: ذو اللب، وهو العقل.
(10/979)

ولو فتشت من فتشت، لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك، هل أنت سالم؟
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بهذا) . المشار إليه هو الظن بالله - عز وجل -، ليعتني بهذا حتى يظن بالله ظن الحق، لا ظن السوء والجاهلية.
قوله: (وليتب إلى الله) . أي: يرجع إليه؛ لأن التوبة الرجوع من المعصية إلى الطاعة.
قوله: (وليستغفره) . أي يطلب منه المغفرة، واللام في قوله: (فليتب) وقوله: (وليستغفره) للأمر.
قوله: (تعنتا على القدر وملامة له) . أي: إذا قدر الله شيئا لا يلائمه تجده يقول: ينبغي أن ننتصر، ينبغي أن يأتي المطر، ينبغي أن لا نصاب بالجوائح، وأن يوسع لنا في هذا الرزق وهكذا.
قوله: (فمستقل ومستكثر) . (مستقل) : مبتدأ، وخبره محذوف. و (مستكثر) : مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: فمن الناس مستقل ومنهم مستكثر، ونظير ذلك قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} (هود: 105) فـ (سعيد) مبتدأ خبره محذوف تقديره: ومنهم سعيد. ولا يقال بأن (سعيد) معطوف على شقي؛ لكونه يلزم أن يكون الوصفان لموصوف واحد.
قوله: (وفتش نفسك: هل أنت سالم) . وهذا ينبغي أن يكون في جميع
(10/980)

المسائل مما أوجبه الله، فتش عن نفسك: هل أنت سالم من التقصير فيه؟ ومما حرمه الله عليك: هل أنت سالم من الوقوع فيه؟ .
قوله: (فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة) . (تنج) الأول فعل الشرط مجزوم بحذف الواو، (تنج) الثانية جوابه مجزوم بحذف الواو.
وقوله: (من ذي عظيمة) . أي: من ذي بلية عظيمة.
قوله: (وإلا، فإني لا إخالك ناجيا) . التقدير، أي: وإلا تنج من هذه البلية، فإني لا إخالك ناجيا.
ومعنى إخالك: أظنك، وهي تنصب مفعولين: الأول هنا الكاف، والثاني ناجيا.
(10/981)

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية آل عمران. الثانية: تفسير آية الفتح. الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر. الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية آل عمران. وهي قوله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} .. وقد سبق، والضمير فيها للمنافقين.
الثانية: تفسير آية الفتح. .
وهي قوله تعالى: {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} ... ، وقد سبق، والضمير فيها للمنافقين.
الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر.
أي: ظن السوء، والذي أخبر بذلك ابن القيم رحمه الله، وضابط هذه الأنواع أن يظن بالله ما لا يليق به.
الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه.
أي لا يسلم من ظن السوء بالله إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده وعرف نفسه ففتش عنها، والحقيقة أن الإنسان هو محل النقص والسوء، وأما الرب، فهو محل الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه.
ولا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل
.
(10/982)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبة الباب للتوحيد:
إن ظن السوء ينافي كمال التوحيد، وينافي الإيمان بالأسماء والصفات؛ لأن الله قال في الأسماء: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف: 18) فإذا ظن بالله ظن السوء، لم تكن الأسماء حسنى، وقال في الصفات: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} (النحل:60) ، وإذا ظن بالله ظن السوء، لم يكن له المثل الأعلى.
(10/983)

باب ما جاء في منكري القدر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (منكري) . أصله منكرين - جمع مذكر سالم - فحذفت النون للإضافة كما يحذف التنوين أيضا، قال الشاعر:
كأني تنوين وأنت إضافة ... فأين تراني لا تحل جواري
وقيل: (مكاني) بدل (جواري) .
قوله: (القدر) هو تقدير الله - عز وجل - للكائنات، وهو سر مكتوم لا يعلمه إلا الله أو من شاء من خلقه.
قال بعض أهل العلم: القدر سر الله - عز وجل - في خلقه، ولا نعلمه إلا بعد وقوعه سواء كان خيرا أو شرا.
والقدر يطلق على معنيين.
الأول: التقدير، أي: إرادة الله الشيء - عز وجل -.
الثاني: المُقدّر، أي: ما قدره الله - عز وجل -.
والتقدير يكون مصاحبا للفعل وسابقا له، فالمصاحب للفعل هو الذي يكون به الفعل، والسابق هو الذي قدره الله - عز وجل - في الأزل، مثال ذلك:
خلق الجنين في بطن الأم فيه تقدير سابق علمي قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وفيه تقدير مقارن للخلق والتكوين، وهذا الذي يكون به الفعل، أي: تقدير الله لهذا الشيء عند خلقه.
والإيمان بالقدر يتعلق بتوحيد الربوبية خصوصا، وله تعلق بتوحيد الأسماء والصفات؛ لأنه من صفات الكمال لله عز وجل.
(10/984)

والناس في القدر ثلاث طوائف:
الأولى: الجبرية الجهمية، أثبتوا قدر الله تعالى وغلوا في إثباته حتى سلبوا العبد اختياره وقدرته، وقالوا: ليس للعبد اختيار ولا قدرة في ما يفعله أو يتركه، فأكله وشربه ونومه ويقظته وطاعته ومعصيته كلها بغير اختيار منه ولا قدرة ولا فرق بين أن ينزل من السطح عبر الدرج مختارا وبين أن يلقى من السطح مكرها.
الطائفة الثانية: القدرية المعتزلة، أثبتوا للعبد اختيارا وقدره في عمله وغلوا في ذلك حتى نفوا أن يكون لله تعالى في عمل العبد مشيئة أو خلق، ونفى غلاتهم علم الله به قبل وقوعه، فأكل العبد وشربه ونومه ويقظته وطاعته ومعصيته كلها واقعة باختياره التام وقدرته التامة وليس لله تعالى في ذلك مشيئة ولا خلق، بل ولا علم قبل وقوعه عند غلاتهم.
استدل الأولون الجبرية:
بقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (الزمر:62) ، والعبد وفعله من الأشياء، وبقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (الصافات:96) ، وبقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} (الأنفال:17) ، فنفى الله الرمي عن نبيه حين رمى وأثبته لنفسه، وبقوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} (الأنعام: 148) .
ولهم شُبَهٌ أخرى تركناها خوف الإطالة.
والرد على شبهاتهم بما يلي:
أما قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ، فاستدلالهم بها معارض بالنصوص الكثيرة التي فيها إثبات إرادة العبد وإضافة عمله إليه وإثابته عليه
(10/985)

كرامة أو إهانة، وكلها من عند الله، ولو كان مجبرا عليها ما كان لإضافة عمله إليه وإثابته عليه فائدة.
وأما قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} ، فهو حجة عليهم؛ لأنه أضاف العمل إليهم، وأما كون الله تعالى خالقه، فلأن عمل العبد حاصل بإرادته الجازمة وقدرته التامة، والإرادة والقدرة مخلوقان لله - عز وجل -، فكان الحاصل بها مخلوقا لله.
وأما قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ، فهو حجة عليهم؛ لأن الله تعالى أضاف الرمي إلى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن الرمي في الآية له معنيان:
أحدهما: حذف المرمي، وهو فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي أضافه الله إليه.
الثاني: إيصال المرمي إلي أعين الكفار الذين رماهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتراب يوم بدر فأصاب عين كل واحد منهم، وهذا من فعل الله، إذ ليس بمقدور النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يوصل التراب إلى عين كل واحد منهم.
وأما قوله تعالى {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} ، فلعمر الله، إنه الحجة على هؤلاء الجبرية، فقد أبطل الله تعالى حجة هؤلاء المشركين الذي احتجوا بالقدر على شركهم حين قال في الآية نفسها: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} ، وما كان الله ليذيقهم بأسه وهم على حق فيما احتجوا به.
ثم نقول: القول بالجبر باطل بالكتاب والسنة والعقل والحس وإجماع السلف، ولا يقول به من قدّر الله حق قدره وعرف مقتضى حكمته ورحمته.
فمن أدلة الكتاب:
قوله تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} (آل عمران: 152)
(10/986)

وقال تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} (آل عمران: 167) وقال: {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} (النمل: 88) ، وقال تعالى: {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المنافقون:11) فأثبت للعبد إرادة وقولا وفعلا وعملا.
ومن أدلة السنة قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» وقوله: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به، فأتوا منه ما استطعتم» .
ولهذا إذا أُكره المرء على قول أو فعل وقلبه مطمئن بخلاف ما أكره عليه، لم يكن لقوله أو فعله الذي أكره عليه حكم فاعله اختيارا.
وأما إجماع السلف على بطلان القول بالجبر: فلم ينقل عن أحد منهم أنه قال به، بل رد من أدرك منهم بدعته موروث معلوم.
وأما دلالة العقل على بطلانه: فلأنه لو كان العبد مجبرا على عمله، لكانت عقوبة العاصي ظلما ومثوبة الطائع عبثا، والله تعالى منزه عن هذا وهذا، ولأنه لو كان العبد مجبرا على عمله لم تقم الحجة بإرسال الرسل؛ لأن القدر باق مع إرسال الرسل، وما كان الله ليقيم على العباد حجة مع انتفاء كونها حجة.
وأما دلالة الحس على بطلانه: فإن الإنسان يدرك الفرق بين ما فعله باختياره، كأكله وشربه وقيامه وقعوده، وبين ما فعله بغير اختياره، كارتعاشه من البرد والخوف ونحو ذلك.
واستدل الطائفة الثانية (القدرية) بقوله تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا}
(10/987)

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} (فصلت: 46) ، ونحوها من النصوص القرآنية والنبوية الدالة على أن العبد إرادة، وأنه هو العامل الكاسب الراكع الساجد ونحو ذلك.
والرد عليهم من وجوه:
الأول: أن الآيات والأحاديث التي استدلوا بها نوعان:
نوع مقيد لإرادة العبد وعمله بأنه بمشيئة الله، كقوله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير:28 -29) وقوله: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (الإنسان:29 -30) ، وكقوله تعالى: في العمل: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} البقرة:253) .
والنوع الثاني: مطلق، كقوله تعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (البقرة: 223) ، وقوله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف:29) وقوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ} إلى قوله تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} (الإسراء 18-19)
وهذا النوع المطلق يحمل على المقيد كما هو معلوم عند أهل العلم.
الثاني: أن إثبات استقلال العبد بعمله مع كونه مملوكا لله تعالى يقتضي إثبات شي في ملك الله لا يريده الله، وهذا نوع إشراك به، ولهذا سمي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «القدرية مجوس هذه الأمة» . (1)
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، وهو مشهور عند أهل العلم لكن فيه ضعف.
(10/988)

الثالث أن نقول لهم: هل تقرون بأن الله تعالى عالم بما سيقع من أفعال العباد؟ فسيقول غير الغلاة منهم: نعم، نقر بذلك، فنقول وهل وقع فعلهم على وفق علم الله أو على خلافه؟ فإن قالوا: على وفقه، قلنا: إذن قد أراده، وإن قالوا: على خلافه، فقد أنكروا علمه، وقد قال الأئمة رحمهم الله في القدرية: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به، خُصموا، وإن أنكروه، كفروا.
وهاتان الطائفتان - الجبرية والقدرية - ضالتان طريق الحق؛ لأنهما بين مفرط غال ومفرط مقصر، فالجبرية غلوا في إثبات القدر وقصروا في إرادة العبد وقدرته، والقدرية غلوا في إثبات القدر وقصروا في العبد وقدرته، وقصروا في القدر.
ولهذا كان الأسعد بالدليل والأوفق للحكمة والتعليل هم:
الطائفة الثالثة: أهل السنة والجماعة، الطائفة الوسط، الذين جمعوا بين الأدلة وسلكوا في طريقهم خير ملة، فآمنوا بقضاء الله وقدره، وبأن للعبد اختيارا وقدرة، فكل ما كان في الكون من حركة أو سكون أو وجود أو عدم، فإنه كائن بعلم الله تعالى ومشيئته، وكل ما كان في الكون فمخلوق لله تعالى، لا خالق إلا الله ولا مدبر للخلق إلا الله - عز وجل -، وآمنوا بأن للعبد مشيئة وقدرة، لكن مشيئته مربوطة بمشيئة الله تعالى، كما قال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ، فإذا شاء العبد شيئا وفعله، علمنا أن مشيئة الله تعالى قد سبقت تلك المشيئة. ء
وهؤلاء هم الذين جمعوا بين الدليل المنقول والمعقول، فأدلتهم على إثبات القدر هي أدلة المثبتين له من الجبرية، لكنهم استدلوا بها على وجه العدل والجمع بينهما وبين الأدلة التي استدل بها نفاة القدر.
وأدلتهم على إثبات مشيئة العبد وقدرته هي أدلة المثبتين لذلك من
(10/989)

القدرية، لكنهم استدلوا بها على وجه العدل والجمع بينها وبين الأدلة التي استدل بها نفاة مشيئة العبد وقدرته.
وبهذا نعرف أن كلا من الجبرية والقدرية نظروا إلى النصوص بعين الأعور الذي لا يبصر إلا من جانب واحد، فهدي الله أهل السنة والجماعة لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
حكاية:
مما يحكى أن القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي دخل على الصاحب ابن عباد وكان معتزليا أيضا، وكان عنده الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، فقال عبد الجبار على الفور: سبحان من تنزه عن الفحشاء! فقال أبو إسحاق فورا: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء! فقال عبد الجبار وفهم أنه قد عرف مراده: أيريد ربنا أن يعصى؟ فقال أبو إسحاق: أيعصى ربنا قهرا؟ فقال له عبد الجبار: أرأيت إن منعني الهدى وقضى عليَّ بالردى، أحسن إليّ أم أساء؟ فقال له أبو إسحاق: إن كان منعك ما هو لك، فقد أساء، وإن كان منعك ما هو له، فيختص برحمته من يشاء. فانصرف الحاضرون وهم يقولون: والله، ليس عن هذا جواب. ا. هـ.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن أهل السنة والجماعة وسط بين فرق المبتدعة في خمسة أصول ذكرها في (العقيدة الواسطية) فلتراجع هناك.
مراتب القدر:
وهي أربع يجب الإيمان بها كلها:
المرتبة الأولى: العلم، وذلك بأن تؤمن بأن الله تعالى علم كل شي جملة وتفصيلا، فعلم ما كان وما يكون، فكل شي معلوم لله، سواء كان دقيقا أم
(10/990)

جليلا من أفعاله أو أفعال خلقه.
وأدلة ذلك من الكتاب كثير، منها: قوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (الأنعام: 59) فالأوراق التي تتساقط ميتة أي ورقة كانت صغيرة أو كبيرة في بر أو بحر، فإن الله تعالى يعلمها، والورقة التي تخلق يعلمها من باب أولى.
ولاحظ سعة علم الله - عز وجل - وإحاطته، فلو فرض أنه في ليلة مظلمة ليس فيها قمر وفيها سحاب متراكم ممطر وحبة في قاع البحر المائج العميق، فهذه ظلمات متعددة: ظلمة الطبقة الأرضية، وظلمة البحر، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، وظلمة الأمواج، وظلمة الليل، فكل هذا داخل في قوله تعالى: {وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ} ، ثم جاء العموم المطلق: {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} ، ولا كتابة إلا بعد علم.
ففي هذه الآية إثبات العلم وإثبات الكتابة.
ومنها قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحج:70) ففي الآية أيضا إثبات العلم وإثبات الكتابة.
المرتبة الثانية: الكتابة، وقد دلت عليها الآيتان السابقتان.
المرتبة الثالثة: المشيئة، وهي عامة، ما من شي في السماوات والأرض إلا وهو كائن بإرادة الله ومشيئته، فلا يكون في ملكه ما لا يريد أبدا، سواء كان ذلك فيما يفعله بنفسه أو يفعله المخلوق، قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (يس: 82) وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ}
(10/991)

(الأنعام: 112) وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} ... الآية (البقرة: 253) .
المرتبة الرابعة: الخلق، فما من شي في السماوات ولا في الأرض إلا الله خالقه ومالكه ومدبره وذو سلطانه، قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (الزمر: 62) ، وهذا العموم لا مخصص له، حتى فعل المخلوق مخلوق لله؛ لأن فعل المخلوق من صفاته، وهو وصفاته مخلوقان، ولأن فعله ناتج عن أمرين:
إرادة جازمة.
2 - قدرة تامة.
والله هو الذي خلق في الإنسان الإرادة الجازمة والقدرة التامة، ولهذا قيل لأعرابي: بم عرفت ربك؟ قال بنقص العزائم، وصرف الهمم.
والعبد يتعلق بفعله شيئان:
1 - خلق، وهذا يتعلق بالله.
مباشرة، وهذا يتعلق بالعبد وينسب إليه، قال تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الواقعة:24) ، وقال تعالى {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (النحل:32) ولولا نسبة الفعل إلى العبد ما كان للثناء على المؤمن المطيع وإثابته فائدة، وكذلك عقوبة العاصي وتوبيخه.
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بجميع هذه المراتب الأربع، وقد جمعت في بيت:
علمٌ كتابةُ مولانا مشيئتهُ ... وخلقُه وهو إيجاد وتكوينُ
وهناك تقديرات أخرى نسبية:
منها: تقديري عمري: حين يبلغ الجنين في بطن أمه أربعة أشهر يرسل إليه
(10/992)

الملك، فينفخ فيه الروح، ويكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.
ومنها: التقدير الحولي: وهو الذي يكون في ليلة القدر، يكتب فيها ما يكون في السنة، قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (الدخان:4) .
ومنها التقدير اليومي: كما ذكره بعض أهل العلم واستدل له بقوله تعالى: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} (الرحمن: 29) فهو كل يوم يغني فقيرا، ويفقر غنيا، ويوجد معدوما، ويعدم موجودا، ويبسط الرزق ويقدرُهُ، وينشي السحاب والمطر وغير ذلك.
فإن قيل: هل الإيمان بالقدر ينافي ما علم بالضرورة من أن الإنسان يفعل الشيء باختياره؟
الجواب: لا ينافيه؛ لأن ما يفعله الإنسان باختياره من قدر الله، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أقبل على الشام، وقالوا له: إن في الشام طاعونا يفتك بالناس، فجمع الصحابة وشاورهم، فقال بعضهم: نرجع. فعزم على الرجوع، فجاء أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح، فقال: يا أمير المؤمنين! أفرارا من قدر الله؟ فأجاب عمر نفر من قدر الله إلى قدر الله.
يعني: أن مضينا في السفر بقدر الله ورجوعنا بقدر الله، ثم ضرب له مثلا، قال: أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له شعبتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة فبقدر الله، وإن رعيت الجدبة فبقدر الله؟
(10/993)

وقال أيضا: أرأيت لو رعى الجدبة وترك الخصبة، أكنت معجِّزة؟ قال: نعم. قال: فَسِرْ إذن. ومعنى معجزه: ناسبا إياه إلى العجز.
فالإنسان وإن كان يفعل، فإنما يفعل بقدر الله.
فإن قيل: إذا تقرر ذلك، لزم أن يكون العاصي معذورا بمعصيته؛ لأنه عصى بقدر الله؟
أُجيب: إن احتجاج العاصي بالقدر باطل بالشرع والنظر.
أما بطلانه بالشرع: فقد قال الله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} فهم قالوا هذا على سبيل الاحتجاج بالقدر على معصية الله، فرد الله عليهم بقوله: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} ، ولو كانت حجتهم صحيحة ما أذاقهم الله بأسه، وقال تعالى: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} (الأنعام: 148) ، وهذا دليل واضح على بطلان احتجاجهم بالقدر على معصية الله، وقال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (النساء:156) فأبطل الله الحجة على الناس بإرسال الرسل، ولو كان القدر حجة ما انتفت بإرسال الرسل؛ لأن القدر باق حتى مع إرسال الرسل، وهذا يدل على بطلان احتجاج العاصي على معصيته بقدر الله.
وأما بطلانه بالنظر، فنقول: لو فرض أنه نشر في جريدة ما عن وظيفة مرتبها كذا وكذا، ووظيفة أخرى أقل منها، فإنك سوف تطلب الأعلى، فإن لم يكن، طلبت الأخرى، فإذا لم يحصل له شي منها؛ فإنه يلوم نفسه على تفريطه بعدم المسارعة إليها مع أول الناس.
وعندنا وظائف دينية الصلوات الخمس كفارة لما بينها، وهي كنهر على
(10/994)

باب أحدنا يغتسل منه في كل يوم خمس مرات، وصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فلماذا تترك هذه الوظائف وتحتج بالقدر وتذهب إلى الوظائف الدنيوية الرفيعة، فكيف لا تحتج بالقدر فيما يتعلق بأمور الدنيا وتحتج به فيما يتعلق بأمور الآخرة؟
مثال آخر: رجل قال: عسى ربي أن يرزقني بولد صالح عالم عابد، وهو لم يتزوج، فنقول: تزوج حتى يأتيك. فقال: لا. فلا يمكن أن يأتيه الولد، لكن إذا تزوج، فإن الله بمشيئته قد يرزقه الولد المطلوب.
وكذلك من يسأل الله الفوز بالجنة والنجاة من النار، ولا يعمل لذلك، فلا يمكن أن ينجو من النار ويفوز بالجنة لأنه لم يعمل لذلك.
فبطل الاحتجاج بالقدر على معاصي الله بالأثر والنظر، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلمة جامعة مانعة نافعة: « (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار) . قالوا: يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل؟ قال: (اعملوا، فكل ميسر لما خلق له) » ، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعطانا كلمة واحدة، فقال: (اعملوا ... ) ، وهذا فعل أمر، «فكل ميسر لما خلق له» .
وللإيمان بالقدر فوائد عظيمة، منها:
1 - أنه من تمام توحيد الربوبية.
2 - أنه يوجب صدق الاعتماد على الله - عز وجل -؛ لأنك إذا علمت أن كل شي بقضاء الله وقدره صدق اعتمادك على الله.
(10/995)

وقال ابن عمر: (والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أُحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه، حتى يؤمن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
3 - أنه يوجب للقلب الطمأنينة، إذا علمت أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، اطمأننت بما يصيبك بعد فعل الأسباب النافعة.
4 - منع إعجاب المرء بعمله إذا عمل عملا يشكر عليه؛ لأن الله هو الذي مَنَّّ عليه وقَدَّرَهُ له، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} (الحديد: 22-23) ، أي: فرح بطر وإعجاب بالنفس.
5 - عدم حزنه على ما أصابه؛ لأنه من ربه، فهو صادر عن رحمة وحكمة.
6 - أن الإنسان يفعل الأسباب؛ لأنه يؤمن بحكمة الله - عز وجل - وأنه لا يقدر الأشياء إلا مربوطة بأسبابها.
قوله: (والذي نفس ابن عمر بيده) . الصيغة هنا قسم، جوابه: جملة (لو كان لأحدهم مثل أُحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر) .
وابن عمر - رضي الله عنه وعن أبيه - ذكر حكمهم بالنسبة لقبول عملهم ولم يقل هم كفار، لكن حكمه بأن إنفاقهم في سبيل الله لا يقبل يستلزم الحكم بكفرهم، وإنما قال ابن عمر ذلك جوابا على ما نقل إليه من أن أُناسا من البصرة يقولون: إن الله - عز وجل - لم يقدر فعل العبد وإن الأمر أُنف، وأنه لا يعلم بأفعال العبد حتى يعلمها وتقع منه، فابن عمر حكم
(10/996)

بالقدر، ثم استدل بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بكفرهم اللازم من قوله: (ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر) ، والذي لا تقبل منه النفقات هو الكافر، لقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} (التوبة:54) ، ثم استدل ابن عمر بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» فتؤمن بالجميع، فإن كفرت بواحد من هذه الستة، فأنت كافر بالجميع لأن الإيمان كل لا يتجزأ، كما قال تعالى: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} (النساء:150- 151) .
ووجه استدلال ابن عمر: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل الإيمان مبنيا على هذه الأركان الستة، وإذا فات ركن من الأركان، سقط البنيان، فإذا أنكر الإنسان شيئا واحدا من هذه الأركان الستة، صار كافرا، وإذا كان كافرا، فإن الله لا يقبل منه.
قوله: (أن تؤمن بالله) . والإيمان بالله - عز وجل - يتضمن أربعة أمور:
- الإيمان بوجوده.
- وبربوبيته
- وبألوهيته.
(10/997)

4 - وبأسمائه وصفاته.
فمن أنكر وجود الله، فليس بمؤمن، ومن أقر بوجوده وأنه رب كل شي، لكنه أنكر أسماءه وصفاته، أو أن يكون مختصا بها، فهو غير مؤمن بالله.
قوله: (وملائكته) . والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
1 - الإيمان بوجودهم.
2 - الإيمان باسم من عَلِمنا اسمه منهم.
الإيمان بأفعالهم.
4 -الإيمان بصفاتهم.
فممن علمنا صفاته جبريل عليه السلام، علمناه على خلقته التي خلق عليها له ستمائة جناح، قد سد الأفق، كما أخبرنا بذلك الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا يدل على عظمته، وأنه كبير جدا، فهو فوق ما نتصور، ومع ذلك يأتي بصورة بشر، فأتى مرة بصورة دحية الكلبي، وأتى مرة بصورة رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب لا يرى عليه أثر سفر ولا يعرفه من الصحابة أحد، فجلس إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جلسة المتعلم المتأدب.
قوله: (وكتبه) . أي: الكتب التي أنزلها على رسله.
والإيمان بالكتب يتضمن ما يلي:
1 - الإيمان بأنها حق من عند الله.
2 - تصديق أخبارها.
(10/998)

3 - التزام أحكامها ما لم تنسخ، وعلى هذا، فلا يلزمنا أن تلتزم بأحكام الكتب السابقة، لأنها كلها منسوخة بالقرآن، إلا ما أقره القرآن.
وكذلك لا يلزمنا العمل بما نسخ في القرآن؛ لأن القرآن فيه أشياء منسوخة.
4 - الإيمان بما علمناه مُعيَّنا منها، مثل التوراة، والإنجيل، والقرآن، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى.
5 - الإيمان بأن كل رسول أرسله الله معه كتاب، كما قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ} (الحديد:25) وقال عيسى: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} (مريم: 30) ??، وقال عن يحيى {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} (مريم 12) .
* تنبيه:
الكتب التي بأيدي اليهود والنصارى اليوم قد دخلها التحريف والكتمان، فلا يوثق بها، والمراد بما سبق الإيمان بأصل الكتب.
قوله: (ورسله) . هم الذين أوحى الله إليهم وأرسلهم إلى الخلق ليبلغوا شريعة الله.
والإيمان بالرسل يتضمن ما يلي:
1 - أن نؤمن بأنهم حق صادقون مصدقون.
2 - أن نؤمن بما صح عنهم من الأخبار، وبما ثبت عنهم من الأحكام، ما لم تنسخ.
- أن نؤمن بأعيان من علمنا أعيانهم، وما لم نعلمه، فنؤمن بهم على سبيل الإجمال، ونعلم أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير، وأن الله - سبحانه وتعالى - أرسل لكل أمة رسولا تقوم به الحجة عليهم، كما قال تعالى:
(10/999)

{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (النساء: 165) .
والبشر إذا لم يأتهم رسول يبين لهم فهم معذورون؛ لأنهم يقولون: يا ربنا ما أرسلت إلينا رسولا، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} (طه: 134) فلا بد من رسول يهدي به الله الخلق.
فإن قيل: قوله تعالى: {عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} (المائدة:119) يدل على أنه فيه فترة ليس فيها رسول، فهل قامت عليهم الحجة؟
الجواب: إن الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام طويلة، وقد قامت عليهم الحجة؛ لأن فيها بقايا، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في (صحيحه) : «إن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب» وكما قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ} (هود: 116)
قوله: (واليوم الآخر) . أي: اليوم النهائي الأبدي الذي لا يوم بعده، وهو يوم القيامة الكبرى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما يكون بعد الموت، ذكر هذا في (العقيدة الواسطية) ، وهو كتاب مختصر، لكنه مبارك من أفيد ما كتب في بابه.
وعلى هذا، فالإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه من الإيمان باليوم الآخر.
والإيمان بالنفخ في الصور وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة
(10/1000)

عراة غرلا بُهما من الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالموازين والصحف والصراط والحوض والشفاعة والجنة وما فيها من النعيم والنار وما فيها من العذاب الأليم، كل هذا من الإيمان باليوم الآخر.
ومنه ما هو معلوم بالقرآن، ومنه ما هو معلوم بالسنة بالتواتر وبالآحاد فكل ما صحت به الأخبار عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أمر اليوم الآخر، فإنه يجب علينا أن نؤمن به.
قوله: «وتؤمن بالقدر خيره وشره» . هنا أعاد الفعل ولم يكتف بواو العطف؛ لأن الإيمان بالقدر مهم، فكأنه مستقل برأسه.
والإيمان بالقدر: هو أن تؤمن بتقدير الله - عز وجل - للأشياء كلها، سواء ما يتعلق بفعله أو ما يتعلق بفعل غيره، وأن الله - عز وجل - قدرها وكتبها عنده قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ومعلوم أنه لا كتابة إلا بعد علم، فالعلم سابق على الكتابة، ثم إنه ليس كل معلوم الله - سبحانه وتعالى - مكتوبا؛ لأن الذي كتب إلى يوم القيامة، وهناك أشياء بعد يوم القيامة كثيرة أكثر مما في الدنيا هي معلومة عند الله - عز وجل -، ولكنه لم يرد في الكتاب والسنة أنها مكتوبة.
وهذا القدر، قال بعض العلماء: إنه سر من أسرار الله، وهو كذلك لم يطلع الله عليه أحدا، لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، إلا ما أوحاه الله - عز وجل - إلى رسله أو وقع فعلم به الناس، وإلا، فإنه سر مكتوم، قال تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} الآية (لقمان:34) ، وإذا قلنا: إنه سر مكتوم، فإن هذا القول يقطع احتجاج العاصي بالقدر على معصيته، لأننا نقول لهذا الذي عصى الله - عز وجل - وقال هذا مقدر عليّ: ما الذي أعلمك أنه مقدر
(10/1001)

عليك حتى أقدمت، أفلا كان الأجدر بك أن تقدر أن الله تعالى قد كتب لك السعادة وتعمل بعمل أهل السعادة لأنك لا تستطيع أن تعلم أن الله كتب عليك الشقاء إلا بعد وقوعه منك؟
قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} (الصف: 5) فالقول بأن القدر سر من أسرار الله مكتوم لا يطلع عليه إلا بعد وقوع المقدور تطمئن له النفس، وينشرح له الصدر، وتنقطع به حجة البطالين.
وقوله: (خيره وشره) . الخير: ما يلائم العبد، والشر: ما لا يلائمه.
ومعلوم أن المقدورات خير وشر، فالطاعات خير، والمعاصي شر، والغنى خير، والفقر شر، والصحة خير، والمرض شر، وهكذا.
وإذا كان القدر من الله، فكيف يقال: الإيمان بالقدر خيره وشره والشر لا ينسب إلى الله؟
فالجواب: أن الشر لا ينسب إلى الله، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والشر ليس إليك» فلا ينسب إليه الشر لا فعلا ولا تقديرا ولا حكما بل الشر في مفعولات الله لا في فعله، ففعله كله خير وحكمة، فتقدير الله لهذه الشرور له حكمة عظيمة، وتأمل قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم: 41) ، تجد أن هذا الفساد الذي ظهر في البر والبحر كان لما يرجى به من العاقبة الحميدة، وهى الرجوع إلى الله - عز وجل -، ويظهر الفرق بين الفعل والمفعول في المثال التالي:
ولدك حينما يشتكي ويحتاج إلى كَيّ تكويه بالنار، فالكي شر، لكن
(10/1002)

الفعل خير، لأنك تريد مصلحته، ثم إن ما يقدره الله لا يكون شرا محضا بل في محله وزمانه فقط، فإذا أخذ الله الظالم أخذ عزيز مقتدر، صار ذلك شرا بالنسبة له، وقد يكون خيرا له من وجه آخر، أما لغيره ممن يتعظ بما صنع الله به، فيكون خيرا، قال تعالى: في القرية التي اعتدت في السبت: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة: 65) .
وكذا إذا استمرت النعم على الإنسان حمله ذلك على الأشر والبطر، بل إذا استمرت الحسنات ولم تحصل منه سيئة تكسر من حدة نفسه، فقد يغفل عن التوبة وينساها ويغتر بنفسه ويعجب بعمله.
وكم من إنسان أذنب ذنبا ثم تذكر واستغفر وصار بعد التوبة خيرا منه قبلها؛ لأنه كلما تذكر معصيته هانت عليه نفسه وحد من عليائها، فهذا آدم عليه الصلاة والسلام لم يحصل له الاجتباء والتوبة والهداية إلا بعد أن أكل من الشجرة وحصل منه الندم، وقال: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف:23) فقال تعالى: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} (طه 122) .
والثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فَخُلِّفوا ماذا كانت حالتهم بعد المعصية وبعد المصيبة التي أصابتهم، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وصار ينكرهم الناس حتى أقاربهم - صار قريبه يشاهده وكأنه أجنبي منه، ومن شدة ما في نفسه تنكرت نفسه عليه، فبعد هذا الضيق العظيم صار لهم بعد التوبة فرح ليس له نظير أبدا، وصارت حالهم أيضا بعد أن تاب الله عليهم أكمل من قبل، وصار ذكرهم بعد التوبة أكبر من قبل، فقد ذكروا بأعيانهم، قال تعالى:
(10/1003)

{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (التوبة:118) ، فهذه آيات عظيمة تتلى في محاريب المسلمين ومنابرهم إلى يوم القيامة ويتقرب العبد إلى ربه بقراءة خبرهم واستماعه، وهذا شي عظيم.
وسواء كان ذلك في الأمور الشرعية أو في الأمور الكونية، ولكن هاهنا أمر يجب معرفته، وهو أن الخيرية والشرية ليست باعتبار قضاء الله - سبحانه وتعالى-، فقضاء الله تعالى كله خير، حتى ما يقضيه الله من شر هو في الواقع خير، وإنما الشر في المقضي، أما قضاء الله نفسه، فهو خير، والدليل قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الخير بيديك، والشر ليس إليك» ، ولم يقل الشر بيديك، فلا ينسب الشر إلى الله أبدا، فضلا على أن يكون بيديه، فلا ينسب الشر إلى الله لا إرادة ولا قضاء، فالله لا يريد بقضاء الشر شرا، لكن الشر يكون في المقضي، وقد يلائم الإنسان وقد لا يلائمه، وقد يكون طاعة وقد يكون معصية، فهذا في المقضي، ومع ذلك، فهو وإن كان شرا في محله فهو خير في محل آخر، ولا يمكن أن يكون شرا محضا، حتى المقضي وإن كان شرا ليس شرا محضا، بل هو شر من وجه خير من وجه، أو شر في محل خير في محل آخر.
ولنضرب لذلك مثلا: الجدب والفقر شر، لكنهما خير باعتبار ما ينتج عنهما، قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم:41) ، والرجوع إلى الله - عز وجل -
(10/1004)

من معصيته إلى طاعته لا شك أنه خير وينتج خيرا كثيرا، فألم الفقر وألم الجدب وألم المرض وألم فقد الأنفس كله ينقلب إلى لذة إذا كان يعقبه الصلاح، ولهذا قال: لعلهم يرحمون، وكم من أناس طغوا بكثرة المال وزادوا ونسوا الله - عز وجل - واشتغلوا بالمال، فإذا أُصيبوا بفقر، رجعوا إلى الله، وعرفوا أنهم ضالون، فهذا الشر صار خيرا باعتبار آخر.
كذلك قطع يد السارق لا شك أنه شر عليه، لكنه خير بالنسبة له وبالنسبة لغيره، أما بالنسبة له، فلأن قطعها يسقط عنه العقوبة في الآخرة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وهو أيضا خير في غير السارق، فإن فيه ردعا لمن أراد أن يسرق، وفيه أيضا حفظ للأموال؛ لأن السارق إذا عرف أنه سرق ستقطع يده، امتنع من السرقة، فصار في ذلك حفظ لأموال الناس، ولهذا قال بعض الزنادقة:
يد بخمس مئين عسجدا وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له ... ونستجير بمولانا من النار
لكنه أجيب في الرد عليه ردا مفحما، فقيل فيه:
قل للمعري عار أيما عاري
... جهل الفتى وهو من ثوب التقى عاري
يد بخمس مئين عسجدا وديت ... لكنها قطعت في ربع دينار
حماية النفس أغلاها وأرخصها ... حماية المال فافهم حكمة الباري
(10/1005)

وعن عبادة بن الصامت، أنه قال لأبنه: يا بني! إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك،، سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. فقال: ربّ! وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شي حتى تقوم الساعة» يا بني! سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «من مات على غير هذا، فليس مني» (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله في حديث عبادة: (أنه قال لابنه: يا بني! ... ) إلخ.
أفاد حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه ينبغي للأب أن يسدي النصائح لأبنائه ولأهله، وأن يختار العبارات الرقيقة التي تلين القلب، حيث قال: (يا بني) وفي هذا التعبير من اللطافة وجذب القلب ما هو ظاهر.
قوله: (لن تجد طعم الإيمان) . هذا يفيد أن للإيمان طعما كما جاءت به السنة، وطعم الإيمان ليس كطعم الأشياء المحسوسة، فطعم الأشياء المحسوسة إذا أتى بعدها طعام آخر أزالها، لكن طعم الإيمان يبقى مدة طويلة، حتى إن الإنسان أحيانا يفعل عبادة في صفاء وحضور قلب وخشوع لله - عز وجل -، فتجده يتطعم بتلك العبادة مدة طويلة، فالإيمان له حلاوة وله طعم لا يدركه إلا من أسبغ الله عليه نعمته بهذه الحلاوة وهذا الطعم.
قوله: (حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك) . قد تقول: ما أصابني لم
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (5/317) ، والترمذي (2156) .
(10/1006)

يكن ليخطئني، هذا تحصيل حاصل؛ لأن الذي أصاب الإنسان أصابه، فلا بد أن نعرف معنى هذه العبارة، فتحمل هذه العبارة على أحد معنيين أو عليهما جميعا:
الأول: أن المعنى (ما أصابك) ، أي: ما قدر الله أن يصيبك، فعبر عن التقدير بالإصابة؛ لأن ما قدر الله سوف يقع، فما قدر الله أن يصيبك لم يكن ليخطئك مهما عملت من أسباب.
الثاني: ما أصابك، فلا تفكر أن يكون مخطئا لك، فلا تقل: لو أنني فعلت كذا ما حصل كذا؛ لأن الذي أصابك الآن لا يمكن أن يخطئك، فكل التقديرات التي تقدرها وتقول: لو أني فعلت كذا ما حصل كذا هي تقديرات يائسة، لا تؤثر شيئا، وأيا كان، فالمعنى صحيح على الوجهين، فما قدره الله أن يصيب العبد فلا بد أن يصيبه ولا يمكن أن يخطئه، وما وقع مصيبا للإنسان، فإنه لن يمنعه شيء، فإذا آمنت هذا الإيمان ذقت حلاوة الإيمان، لأنك تطمئن وتعلم أن الأمر لا بد أن يقع على ما وقع عليه، ولا يمكن أن يتغير أبدا.
مثال ذلك: رجل خرج بأولاده للنزهة، فدبّ بعض الأولاد إلى بركة عميقة، فسقط، فغرق، فمات، فلا يقول: لو أنني ما خرجت لما مات الولد، بل لا بد أن تجري الأمور على ما جرت عليه، ولا يمكن أن تتغير، فما أصابك لم يكن ليخطئك، فحينئذ يطمئن الإنسان ويرضى، ويعرف أنه لا مفر، وأن كل التقديرات والتخيلات التي تقع في ذهنه كلها من الشيطان، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان، وحينئذ يرضى ويسلم، وقد أشار الله إلى هذا المعنى في قوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (الحديد:22-23) .
(10/1007)

فأنت إذا علمت هذا العلم وتيقنته بقلبك، ذقت حلاوة الإيمان، واطمأننت، واستقر قلبك، وعرفت أن الأمر جار على ما هو عليه لا يمكن أن يتغير، ولهذا كثيرا ما يجد الإنسان أن الأمور سارت ليصل إلى هذه المصيبة، فتجده يعمل أعمالا لم يكن من عادته أن يعملها حتى يصل إلى ما أراد الله - عز وجل - مما يدل على أن الأمور بقضاء الله وقدره.
قوله: (وما أخطأك لم يكن ليصيبك) . نقول فيه مثل الأول، يعني: ما قدر أن يخطئك فلن يصيبك، فلو أن أحدا سمع بموسم تجارة في بلد ما وسافر بأمواله لهذا الموسم، فلما وصل وجد أن الموسم قد فات، نقول له: ما أخطأك من هذا الربح الذي كنت تعد له لم يكن ليصيبك، مهما كان ومهما عملت، أو تقول: لم يكن ليصيبك؛ لأن الأمر لا بد أن يجري على ما قضاه الله وقدره، وأنت جرب نفسك تجد أنك إذا حصلت على هذا اليقين ذقت حلاوة الإيمان.
ثم استدل لما يقول بقوله: (سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «أن أول ما خلق الله هو القلم» . القلم بالرفع، وروي بالنصب.
فعلى رواية الرفع يكون المعنى: أن أولَ ما خلق الله هو القلم، لكن ليس من كل المخلوقات، كما سنبينه إن شاء الله تعالى
وأما على رواية النصب، فيكون المعنى: أن الله أمر القلم أن يكتب عند أول خلقه له، يعني،: خلقه ثم أمره أن يكتب، وعلى هذا المعنى لا إشكال فيه، لكن على المعنى الأول الذي هو الرفع: هل المراد أن أول المخلوقات كلها هو القلم؟
الجواب: لا، لأننا لو قلنا: إن القلم أول المخلوقات، وإنه أُمر بالكتابة عندما خلق، لكنا نعلم ابتداء خلق الله للأشياء، وأن أول بدء خلق الله كان قبل
(10/1008)

خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ونحن نعلم أن الله - عز وجل -، خلق أشياء قبل هذه المدة بأزمنة لا يعلمها إلا الله - عز وجل - لم يزل ولا يزال خالقا، وعلى هذا؛ فيكون: إن أول ما خلق الله القلم يحتاج إلى تأويل ليطابق ما علم بالضرورة من أن الله تعالى له مخلوقات قبل هذا الزمن.
قال أهل العلم: وتأويله: إن المعنى: أن أول ما خلق الله القلم بالنسبة لما نشاهده فقط من المخلوقات، كالسماوات والأرض ... فهي أولية نسبية، وقد قال ابن القيم في نونيته:
والناس مختلفون في القلم الذي ... كُتب القضاء به من الديّان
هل كان قبل العرش أو هو بعده ... قولان عند أبي العلا الهمذاني
والحق أن العرش قبل لأنه ... قبل الكتابة كان ذا أركان
قوله: (فقال له: اكتب) . القائل هو الله - عز وجل - يخاطب القلم، والقلم جماد، لكن كل جماد أمام الله مدرك وعاقل ومريد، والدليل على هذا قوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} ، أي: لا بد أن تنقادا لأمر الله طوعا أو كرها، فكان الجواب: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (فصلت الآية 9-11) ، فقد خاطب الله السماوات والأرض وأجابتا ودل قوله: {طَائِعِينَ} على أن لها إرادة وأنها تطيع، فكل شي أمام الله، فهو مدرك مريد ويجيب ويمتثل.
قوله: (قال: رب وماذا أكتب؟) . (ماذا) : اسم استفهام مفعول مقدم،
(10/1009)

و (أكتب) : فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، هذا إذا ألغيت (ذا) ، أما إذا لم تلغ، فنقول: (ما) اسم استفهام مبتدأ، و (ذا) خبره، أي: ما الذي أكتب؟ والعائد على الموصول محذوف تقديره: ما الذي أكتبه؟
وفي هذا دليل على أن الأمر المجمل لا حرج على المأمور في طلب استبانته، وعلى هذا، فإننا نقول: إذا كان الأمر مجملا، فإن طلب استبانته لا يكون معصية، فالقلم لا شك أنه ممتثل لأمر الله - سبحانه وتعالى -، ومع ذلك قال: (رب وماذا أكتب؟) قال: اكتب مقادير كل شي حتى تقوم الساعة، فكتب المقادير.
فإن قيل: هل القلم يعلم الغيب؟
فالجواب: لا، لكن الله أمره، ولا بد أن يمتثل لأمر الله، فكتب هذا القلم الذي يعتبر جمادا بالنسبة لمفهومنا، كتب كل شي أمره الله أن يكتبه؛ لأن الله إذا أراد شيئا قال له: كن، فيكون على حسب مراد الله.
و (كل) : من صيغ العموم، فتعم كل شي مما يتعلق بفعل الله أو بفعل المخلوقين.
وقوله: (حتى تقوم الساعة) . الساعة هي القيامة، وأطلق عليها لفظ الساعة؛ لأن كل شي عظيم من الدواهي له ساعة، يعني: الساعة المعهودة التي تذهل الناس وتحيق بهم وتغشاهم حين تقوم، وذلك عند النفخ في الصور.
قوله: (يا بني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من مات على غير هذا ") أي: الإيمان بأن الله كتب مقادير كل شيء.
قوله: (فليس مني) . تبرأ منه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه كافر، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بريء من كل كافر.
ويستفاد من هذا الحديث:
(10/1010)

وفي رواية لأحمد: «إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1 - ملاطفة الأبناء بالموعظة، وتؤخذ من قوله (يا بني) .
2 -أنه ينبغي أن يلقن الأبناء الأحكام بأدلتها، وذلك أنه لم يقل: إن الله كتب ... وسكت، ولكنه أسند إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمثلا: إذا أردت أن تقول لابنك: سم الله على الأكل، واحمد الله إذا فرغت، فإنك إذا قلت ذلك يحصل به المقصود، لكن إذا قلت سم الله على الأكل واحمد الله إذا فرغت لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بالتسمية عند الأكل، وقال: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة ويحمده عليها، ويشرب الشربة ويحمده عليها» إذا فعلت ذلك استفدت فائدتين: -
الأولى: أن تعود ابنك على اتباع الأدلة.
الثانية: أن تربيه على محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الإمام المتبع الذي يجب الأخذ بتوجيهاته، وهذه في الحقيقة كثيرا ما يغفل عنها، فأكثر الناس يوجه ابنه إلى الأحكام فقط، لكنه لا يربط هذه التوجيهات بالمصدر الذي هو الكتاب والسنة.
قوله: (وفي رواية لأحمد: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب» ... ) .
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (5/317) .
(10/1011)

هذه الرواية تفيد أمرا زائدا على ما سبق، وهو قوله: (فجرى في تلك الساعة) ، فإنه صريح في أن القلم امتثل، والحديث الأول ليس فيه أنه كتب إلا عن طريق اللزوم بأنه سيكتب امتثالا لأمر الله تعالى، فيستفاد منه ما سبق من كتابة الله - سبحانه وتعالى - كل شي إلى قيام الساعة، وهذا مذكور في القرآن الكريم في قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحج: 70) ، وقال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} ، أي: قبل أن نبرأ الخليقة، {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحديد:22)
قوله: (إلى يوم القيامة) . هو يوم البعث، وسمي يوم القيامة، لقيام أمور ثلاثة فيه:
الأول: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، كما قال تعالى {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (المطففين: 5-6) .
الثاني: قيام الأشهاد الذين يشهدون للرسل وعلى الأمم، لقوله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} (غافر: 51)
الثالث: قيام العدل، لقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} (الأنبياء: 47) .
(10/1012)

وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره، أحرقه الله بالنار» . (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي رواية لابن وهب) . ظاهره أن هذا في حديث عبادة، وابن وهب أحد حفاظ الحديث.
قوله: «فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار» . في هذا دليل على أن الإيمان بالقدر واجب ولا يتم الإيمان إلا به، وأما من لم يؤمن به، فإنه يحرق بالنار.
وقوله: (أحرقه الله بالنار) بعد قوله (فمن لم يؤمن) يدل على أن من أنكر أو شك فإنه يحرق بالنار؛ لأن لدينا ثلاث مقامات:
الأول: الإيمان والجزم بمراتبه الأربع.
الثاني: إنكار ذلك.
وهذان واضحان؛ لأن الأول إيمان والثاني كفر.
الثالث: الشك والتردد.
فهذا يلحق بالكفر، ولهذا قال: (فمن لم يؤمن) ، ودخل في هذا النفي من أنكر ومن شك.
وفي قوله: (أحرقه الله بالنار) دليل على أن عذاب النار محرق، وأن أهلها ليس كما زعم بعض أهل البدع يتكيفون لها حتى لا يحسون لها بألم، بل هم يحسون بألم وتحرق أجسامهم، وقد ثبت في حديث الشفاعة أن الله يخرج من
__________
(1) ابن وهب في القدر (26) .
(10/1013)

وفي المسند والسنن «عن ابن الديلمي؛ قال: " أتيت أُبيّ بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر؛ فحدثني بشيء، لعل الله أن يُذهبه من قلبي. فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبا؛ ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار. قال: فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النار من كان من المؤمنين حتى صاروا حُمَما، يعني: فحما أسود، وقد دل عليه القرآن في قوله تعالى: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} (الحج:22) ، وفي قوله تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} (النساء: 56) .
قوله: (في نفسي شيء من القدر) . لم يفصح عن هذا الشي، لكن لعله لما حدثت بدعة القدر، وهي أول البدع حدوثا صار الناس يتشككون فيها ويتكلمون فيها. وإلا، فإن الناس قبل حدوث هذه البدعة كانوا على الحق، ولا سيما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج على أصحابه ذات يوم وهم يتكلمون في القدر،؟
(10/1014)

فغضب النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك، وأمرهم بأن لا يتنازعوا وأن لا يختلفوا، فكف الناس عن هذا، (1) حتى قامت بدعة القدرية وحصل ما حصل من الشُّبه، فلهذا يقول ابن الديلمي: (في نفسي شيء من القدر ... ) .
قوله: «فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي» . أي: يذهب هذا الشيء، وهكذا يجب على الإنسان إذا أصيب بمرض أن يذهب إلى أطباء ذلك المرض، وأطباء مرض القلوب هم العلماء، ولا سيما مثل الصحابة رضي الله عنهم، كأُبيّ بن كعب، فلكل داء طبيب.
قوله: «لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر» . هذا يدل على أن من لم يؤمن بالقدر فهو كافر؛ لأن الذي لا تقبل منهم النفقات هم الكفار، وسبق نحوه عن ابن عمر رضي الله عنهما.
قوله: «حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك» . قد سبق الكلام على هذه الجملة.
قوله: (ولو مِت) . (مُت) بالضم، لأنها من مات يموت، وفيه لغة أخرى بالكسر (مِت) ، كما في قوله تعالى: {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} (آل عمران: 158) في إحدى القراءتين، وهي على هذه القراءة من مات يَميت بالياء.
قوله: (على غير هذا، لكنت من أهل النار) . جزم أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه بأنه إذا مات على غير هذا كان من أهل النار؛ لأن من أنكر القدر فهو كافر، والكافر يكون من أهل النار الذين هم أهلها المخلدون فيها.
وهل هذا الدواء يفيد؟
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (2/ 178) ، وصححه أحمد شاكر (6668) .
(10/1015)

الجواب: نعم يفيد، وكل مؤمن بالله إذا علم أن منتهى من لم يؤمن بالقدر هو هذا، فلا بد أن يرتدع، ولا بد أن يؤمن بالقدر على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقوله: «فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك» . المشار إليه الإيمان بالقدر، وأن يعلم الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهؤلاء هم العلماء الأجلاء كلهم من أهل القرآن.
فأُبَيّ بن كعب من أهل القرآن ومن كتبة القرآن، حتى «أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعاه ذات يوم وقرأ عليه سورة: (لم يكن ... ) البينة، وقال: (إن الله أمرني أن أقرأها عليك) ، فقال: يا رسول الله! سماني الله لك. قال: (نعم) . فبكى رضي الله عنه بكاء فرح أن الله - عز وجل - سماه باسمه لنبيه، وأمر نبيه أن يقرأ عليه هذه السورة» .
وأما عبد الله بن مسعود، فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» . (1)
وأما زيد بن ثابت، فهو أحد كتاب القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه.
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (1/26) ، والحاكم صححه، ووافقه الذهبي (3/ 295) .
(10/1016)

وحذيفة بن اليمان صاحب السر الذي أسر إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأسماء المنافقين.
والحاصل أن هذا الباب يدل على وجوب الإيمان بالقدر والقدر بمراتبه الأربع.
مسألة: الإيمان بالقدر هل هو متعلق بتوحيد الربوبية، أو بالألوهية، أو بالأسماء والصفات؟
الجواب: تعلقه بالربوبية أكثر من تعلقه بالألوهية والأسماء والصفات، ثم تعلقه بالأسماء والصفات أكثر من تعلقه بالألوهية، وتعلقه بالألوهية أيضا ظاهر؛ لأن الألوهية بالنسبة لله يسمى توحيد الألوهية، وبالنسبة للعبد يسمى توحيد العبادة، والعبادة فعل العبد، فلها تعلق بالقدر، فالإيمان بالقدر له مساس بأقسام التوحيد الثلاثة.
مسالة: هل اختلف الناس في القدر؟
الجواب: نعم، اختلفوا فيه على ثلاث فرق، وقد سبق.
(10/1017)

فيه مسائل: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر. الثانية: بيان كيفية الإيمان. الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به. الرابعة: الإخبار أن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر. دليله قوله: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» .
الثانية: بيان كيفية الإيمان. أي: بالقدر، وهو أن تؤمن بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
ولم يتكلم المؤلف عن مراتب القدر؛ لأنه لم يذكرها، ونحن ذكرناها وأنها أربع مراتب جمعت اختصارا في بيت واحد، وهو قوله:
علم كتابة مولانا مشيئته ... وخلقه وهو إيجاد وتكوين
والإيمان بهذه المراتب داخل في كيفية الإيمان بالقدر.
الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به. تؤخذ من قول ابن عمر: «لو كان لأحدهم مثل أُحد ذهبا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر» ، ويتفرع منه ما ذكرناه سابقا بأنه يدل على أن من لم يؤمن بالقدر فهو كافر؛ لأن الكافر هو الذي لا يقبل منه العمل.
الرابعة: الإخبار أن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به. أي: بالقدر، وهو كذلك؛ لقول عبادة بن الصامت لابنه: يا بني! إنك لن تجد طعم
(10/1018)

الخامسة: ذكر أول ما خلق الله. السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى يوم قيام الساعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الإيمان ... الخ
وقد سبق أن الإيمان بالقدر يوجب طمأنينة الإنسان بما قضاه الله - عز وجل - ويستريح؛ لأنه علم أن هذا أمر لا بد أن يقع على حسب المقدور، لا يتخلف أبدا، «ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا؛ لأن لو تفتح عمل الشيطان» ، ولا ترفع شيئا وقع مهما قلت.
الخامسة: ذكر أول ما خلق الله. ظاهر كلام المؤلف: الميل إلى أن القلم أول مخلوقات الله، ولكن الصحيح خلافه، وأن القلم ليس أول مخلوقات الله؛ لأنه ثبت في (صحيح البخاري) : «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر مقادير كل شي» ، وهذا واضح في الترتيب، ولهذا كان الصواب بلا شك أن خلق القلم بعد خلق العرش، وسبق لنا تخريج الروايتين، وأنه على الرواية التي ظاهرها أن القلم أول ما خلق بالنسبة لما يتعلق بهذا العالم المشاهد، فهو قبل السماوات والأرض، فتكون أوليته نسبية.
السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى يوم قيام الساعة. لقوله في الحديث: «فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» .
(10/1019)

السابعة: براءته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممن لم يؤمن به. الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء. التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقط.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفيه أيضا من الفوائد: توجيه خطاب الله إلى الجماد، وأنه يعقل أمر الله؛ لأن الله وجه الخطاب إلى القلم ففهم واستجاب، لكنه سأل في الأول وقال: (ماذا أكتب؟) .
السابعة: براءته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممن لم يؤمن به. لقوله: «من مات على غير هذا، فليس مني» ، وهذه البراءة مطلقة؛ لأن مَنْ لم يؤمن بالقدر فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة.
الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء. لأن ابن الديلمي: يقول: (فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، بعد أن أتى أُبيّ بن كعب، فدل هذا على أن من عادة السلف السؤال عما يشتبه عليهم.
وفيه أيضا مسالة ثانية، وهي جواز سؤال أكثر من عالم للتثبت؛ لأن ابن الديلمي سأل عدة علماء، أما سؤال أكثر من عالم لتتبع الرخص؛ فهذا لا يجوز كما نص على ذلك أهل العلم، وهذا من شأن اليهود، فاليهود لما كان في التوراة أن الزاني يُرجم إذا كان محصنا وكثر الزنى في أشرافهم، غيروا هذا الحد، ولما قدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، وزنى منهم رجل بامرأة قالوا: اذهبوا إلى هذا الرجل لعلكم تجدون عنده شيئا آخر، لأجل أن يتتبعوا الرخص.
التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقط. لقول ابن الديلمي: (كلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ،
(10/1020)

وهذا مزيل للشبهة، فإذا نسب الأمر إلى الله ورسوله، زالت الشبهة تماما، لكن تزول عن المؤمن، أما غير المؤمن، فلا تنفعه، فالله - عز وجل - يقول: {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} (يونس: 101) وقال: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} (يونس:96-97) لكن المؤمن هو الذي تزول شبهته بما جاء عن الله ورسوله، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (الأحزاب: 36) ، ولهذا لما قالت عائشة للمرأة: «كان يصيبنا ذلك - تعني الحيض -، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» لم تذهب تعلل، ولكن لا حرج على الإنسان أن يذكر الحكم بعلته لمن لم يؤمن لعله يؤمن، ولهذا يذكر الله - عز وجل - إحياء الموتى ويذكر الأدلة العقلية والحسية على ذلك؛ فقال في أدلة العقل: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} (الروم: 27) فهذه دلالة عقلية، فالعقل يؤمن إيمانا كاملا بأن من قدر على الابتداء فهو قادر على الإعادة من باب أولى.
وذكر أدلة حسية منها قوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى} (فصلت:39) .
فإذا لا مانع أن تأتي بالأدلة العقلية أو الحسية من أجل أن تقنع الخصم وتُطَمْئِن الموافق.
وفيه دليل رابع، وهو دليل الفطرة، فلا مانع أيضا أن تأتي به للاستدلال
(10/1021)

على ما تقول من الحق لتُلزم الخصم به وتطمئن الموافق، وما زال العلماء يسلكون هذا المسلك، وقد مر علينا قصة أبي المعالي الجويني مع الهمداني، حيث إن أبا المعالي الجويني - غفر الله لنا وله - كان يقرر نفي استواء الله على عرشه، فقال الهمداني: _ دعنا من ذكر العرش، فما تقول في هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا: ما قال عارف قط: يا الله! إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو) . فصرخ أبو المعالي ولطم على رأسه، وقال: حيرني الهمداني.
فإذا الأدلة سمعية وعقلية وفطرية وحسية.
وأشدها إقناعا للمؤمن هو الدليل السمعي؛ لأنه يقف عنده ويعلم أن كل ما خالف دلالة السمع فهو باطل، وإن ظنه صاحبه حقا.
(10/1022)

باب ما جاء في المصورين
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» أخرجاه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (باب ما جاء في المصورين) . يعني: من الوعيد الشديد.
ومناسبة هذا الباب للتوحيد: أن في التصوير خلقا وإبداعا يكون به المصور مشاركا لله في ذلك الخلق والإبداع.
قوله في الحديث: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» . ينتهي سند هذا الحديث إلى الله - عز وجل - ويسمى حديثا قدسيا، وسبق الكلام عليه في باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب (ص 69) .
قوله (ومن أظلم) . (من) : اسم استفهام والمراد به النفي، أي لا أحد أظلم، وإذا جاء النفي بصيغة الاستفهام كان أبلغ من النفي المحض؛ لأنه يكون مشربا معنى التحدي والتعجيز.
فإن قيل: كيف يجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ} (البقرة: 114) ، وقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}
(10/1023)

(الأنعام:21) وغير ذلك من النصوص؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن المعنى أنها مشتركة في الأظلمية، أي أنها في مستوى واحد في كونها في قمة الظلم.
الثاني: أن الأظلمية نسبية، أي لا أحد أظلم من هذا في نوع هذا العمل لا في كل شي، فيقال مثلا: من أظلم في مشابهة أحد في صنعه ممن ذهب يخلق كخلق الله، ومن أظلم في منع حق ممن منع مساجد الله، ومن أظلم في افتراء الكذب ممن افترى على الله كذبا.
قوله: (يخلق) . حال من فاعل ذهب، أي: ممن ذهب خالقا.
والخلق في اللغة: التقدير، قال الشاعر:
ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض الناس يخلق ثم لا يفري
تفري، أي: تفعل، ما خلقت، أي: ما قدرت.
ويطلق الخلق على الفعل بعد التقدير، وهذا هو الغالب، والخلق بالنسبة للإنسان يكون بعد تأمل ونظر وتقدير، أما بالنسبة للخالق، فإنه لا يحتاج إلى تأمل ونظر لكمال علمه، فالخلق بالنسبة للمصور يكون بمعنى الصنع بعد النظر والتأمل.
قوله: (يخلق كخلقي) . فيه جواز إطلاق الخلق على غير الله، وقد سبق الكلام على هذا والجواب عنه في أول الكتاب.
قوله: (فليخلقوا ذرة) . اللام للأمر، والمراد به التحدي والتعجيز، وهذا من باب التحدي في الأمور الكونية، وقوله تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} (الطور:34) من باب التحدي في الأمور الشرعية.
(10/1024)

والذرة: واحدة الذر، وهي النمل الصغار، وأما من قال: بأن الذرة هي ما تتكون منها القنبلة الذرية فقد أخطأ؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخاطب الصحابة بلغة العرب وهم لا يعرفون القنبلة الذرية، وذكر الله الذرة لأن فيها روحا، وهي من أصغر الحيوانات.
قوله: (أو ليخلقوا حبة) . (أو) للتنويع، أي: انتقل من التحدي بخلق الحيوان ذي الروح إلى خلق الحبة التي هي أصل الزرع من الشعير وغيره وليس لها روح.
قوله: (أو ليخلقوا شعيرة) . يحتمل أن المراد شجرة الشعير، فيكون في الأول ذكر التحدي بأصل الزرع وهي الحبة، ويحتمل أن المراد الحبة من الشعير ويكون هذا من باب ذكر الخاص بعد العام؛ لأن حبة الشعير أخص من الحب.
أو تكون (أو) شكا من الراوي.
فالله تحدى الخلق إلى يوم القيامة أن يخلقوا ذرة أو يخلقوا حبة شعير.
فإن قيل: يوجد رز أمريكي مصنوع.
أجيب: إن هذا المصنوع لا ينبت كالطبيعي، ولعل هذا السر في قوله: (أو ليخلقوا حبة) ، ثم قال: (أو ليخلقوا شعيرة) ؛ لأن الحبة إذا غرست في الأرض فلقها الله، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} (الأنعام: 95) ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} . أي: اجتمعوا لخلقه متعاونين عليه وقد هيؤوا كل ما عندهم، {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} (الحج: 73)
قال العلماء: لو أن الذباب وقع على هذه الأصنام فامتص شيئا من طيبها ما استطاعوا أن يستنقذوه منه، فيكون الذباب غالبا لها، {ضَعُفَ الطَّالِبُ}
(10/1025)

أي: العابد والمعبود، {وَالْمَطْلُوبُ} ، أي: الذباب.
ويستفاد من هذا الحديث، وهو ما ساقه المؤلف من أجله: تحريم التصوير؛ لأن المصور ذهب يخلق كخلق الله ليكون مضاهيا لله في صنعه، والتصوير له أحوال:
الحال الأولى: أن يصور الإنسان ما له ظل كما يقولون، أي: ما له جسم على هيكل إنسان أو بعير أو أسد أو ما أشبهها، فهذا أجمع العلماء فيما أعلم على تحريمه، فإن قلت: إذا صور الإنسان لا مضاهاة لخلق الله، ولكن صور عبثا، يعني: صنع من الطين أو من الخشب أو من الأحجار شيئا على صورة حيوان وليس قصده أن يضاهي خلق الله، بل قصده العبث أو وضعه لصبي ليهدئه به، فهل يدخل في هذا الحديث؟
فالجواب: نعم، يدخل في هذا الحديث؛ لأنه خلق كخلق الله، ولأن المضاهاة لا يشترط فيه القصد، وهذا هو سر المسألة، فمتى حصلت المضاهاة ثبت حكمها، ولهذا لو أن إنسانا لبس لبسا يختص بالكفار ثم قال: أنا لا أقصد التشبه بهم، نقول: التشبه منك حاصل أردته أم لم ترده، وكذلك لو أن أحدا تشبه بامرأة في لباسها أو في شعرها أو ما أشبه ذلك وقال: ما أردت التشبه، قلنا له: قد حصل التشبه، سواء أردته أم لم ترده.
الحال الثاني: أن يصور صورة ليس لها جسم بل بالتلوين والتخطيط، فهذا محرم لعموم الحديث، ويدل عليه حديث النٌّمرقُة حين أقبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بيته، فلما أراد أن يدخل رأى نمرقة فيها تصاوير، فوقف وتأثر، وعرفت الكراهة في وجهه، فقالت عائشة رضي الله عنها: «ما أذنبت يا رسول الله؟ فقال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما»
(10/1026)

«خلقتم» فالصور بالتلوين كالصور بالتجسيم، وقوله في (صحيح البخاري) : « (إلا رقما في ثوب» ، إن صحت الرواية هذه، فالمراد بالاستثناء ما يحل تصويره من الأشجار ونحوها.
الحال الثالثة: أن تلتقط الصور التقاطا بأشعة معينة بدون تعديل أو تحسين من الملتقط، فهذا محل خلاف بين العلماء المعاصرين:
فالقول الأول: أنه تصوير، وإذا كان كذلك، فإن حركة هذا الفاعل للآلة يعد تصويرا؛ إذ لولا تحريكه إياها ما انطبعت هذه الصورة على هذه الورقة، ونحن متفقون على أن هذه صورة، فحركته تعتبر تصوير، فيكون داخلا في العموم.
القول الثاني: أنها ليست بتصوير؛ لأن التصوير فعل المصور، وهذا الرجل ما صورها في الحقيقة وإنما التقطها بالآلة، والتصوير من صنع الله.
ويوضح ذلك لو أدخلت كتابا في آلة التصوير، ثم خرج من هذه الآلة، فإن رسم الحروف من الكاتب الأول لا من المحرك، بدليل انه قد يشغلها شخص أمي لا يعرف الكتابة إطلاقا أو أعمى في ظلمة، وهذا القول أقرب؛ لأن المصور بهذه الطريقة لا يعتبر مبدعا ولا مخططا، ولكن يبقي النظر: هل يحل هذا الفعل أو لا؟
والجواب: إذا كان لغرض محرم صار حراما، وإذا كان لغرض مباح صار
(10/1027)

مباحا لأن الوسائل له أحكام المقاصد، وعلى هذا، فلو أن شخصا صور إنسانا لما يسمونه بالذكرى، سواء كانت هذه الذكرى للتمتع بالنظر إليه أو التلذذ به أو من أجل الحنان والشوق إليه؛ فإن ذلك محرم ولا يجوز لما فيه من اقتناء الصور؛ لأنه لا شك أن هذه صورة ولا أحد ينكر ذلك.
وإذا كان لغرض مباح كما يوجد في التابعية والرخصة والجواز وما أشبهه، فهذا يكون مباحا، فإذا ذهب الإنسان الذي يحتاج إلى رخصة إلي هذا المصور الذي تخرج منه الصورة فورية بدون عمل لا تحميض ولا غيره، وقال: صورني فصوره، فإن هذا المصور لا نقول: إنه داخل في الحديث، أي حديث الوعيد على التصوير، أما إذا قال: صورني لغرض آخر غير مباح، صار من باب الإعانة على الإثم والعدوان.
الحال الرابعة: أن يكون التصوير لما لا روح فيه، وهذا على نوعين:
النوع الأول: أن يكون مما يصنعه الآدمي، فهذا لا بأس به بالاتفاق؛ لأنه إذا جاز الأصل جازت الصورة، مثل أن يصور الإنسان سيارته، فهذا يجوز؛ لأن صنع الأصل جائز، فالصورة التي هي فرع من باب أولى.
النوع الثاني: ما لا يصنعه الآدمي، وإنما يخلقه الله؛ فهذا نوعان: نوع نام، ونوع غير نام، فغير النامي، كالجبال، والأودية، والبحار، والأنهار، فهذه لا بأس بتصويرها بالاتفاق، أما النوع الذي ينمو، فاختلف في ذلك أهل العلم، فجمهور أهل العلم على جواز تصويره لما سيأتي في الأحاديث.
وذهب بعض أهل العلم من السلف والخلف إلى منع تصويره، واستدل بأن هذا من خلق الله - عز وجل -، والحديث عام: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» ؛ ولأن الله - عز وجل - تحدى هؤلاء بأن يخلقوا حبة أو
(10/1028)

يخلقوا شعيرة، والحبة أو الشعيرة ليس فيه روح، لكن لا شك أنها نامية، وعلى هذا، فيكون تصويرها حراما، وقد ذهب إلى هذا مجاهد رحمة الله - أعلم التابعين بالتفسير -، وقال: (إنه يحرم على الإنسان أن يصور الأشجار، لكن جمهور أهل العلم على الجواز، وهذا الحديث هل يؤيد رأي الجمهور أو يؤيد رأي مجاهد ومن قال بقوله؟
الجواب: يؤيد رأي مجاهد ومن قال بقوله أمران:
أولا: العموم في قوله: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» .
ثانيا: قوله: «أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة» ، وهذه ليست ذات روح، فظاهر الحديث هذا مع مجاهد ومن يرى رأيه، ولكن الجمهور أجابوا عنه بالأحاديث التالية، وهي أن قوله: «أحيوا ما خلقتم» ، وقوله: «كلف أن ينفخ بها الروح» يدل على أن المراد تصوير ما فيه روح، وأما قوله: «أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة» ، فذكر على سبيل التحدي، أي: أن أولئك المصورين عاجزون حتى عن خلق ما لا روح فيه.
(10/1029)

ولهما عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أشدُّ الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله (أشد) . كلمة أشد اسم تفضيل بمعنى أعظم وأقوى.
قوله: (الناس) للعموم، والمراد الذين يعذبون.
وقوله: (عذابا) . تمييز مبين للمراد بالأشد؛ لأن التمييز كما قال ابن مالك:
اسم بمعنى من مبين نكرة ... يُنْصَب تمييزا بما قد فسره
والعذاب يطلق على العقاب ويطلق على ما يؤلم ويؤذي وإن لم يكن عقابا، فمن الأول قوله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} (غافر:46) أي: العقوبة والنكال؛ لأنه يدخل النار والعياذ بالله، كما قال تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} (هود: 98) ومن الثاني قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( «السفر قطعة من العذاب» ، وقوله « (الميت يعذب بالنياحة عليه) » .
قوله: (يوم القيامة) . هو اليوم الذي يبعث فيه الناس، وسبق وجه تسميته بذلك.
(10/1030)

وقوله: (أشد) مبتدأ، و (الذين يضاهئون) خبره، ومعنى يضاهئون، أي: يشابهون.
(بخلق الله) ، أي: بمخلوقات الله - سبحانه وتعالى -.
والذين يضاهئون بخلق الله هم المصورون، فهم يضاهئون بخلق الله سواء كانت هذه المضاهاة جسمية أو وصفية، فالجسمية أن يصنع صورة بجسمها، والوصفية أن يصنع صورة ملونة؛ لأن التلوين والتخطيط باليد وصف للخلق، وإن كان الإنسان ما خلق الورقة ولا صنعها لكن وضع فيها هذا التلوين الذي يكون وصفا لخلق الله - عز وجل -.
هذا الحديث يدل على أن المصورين يعذبون، وأنهم أشد الناس عذابا، وأن الحكمة من ذلك مضاهاتهم خلق الله - عز وجل - وليست الحكمة كما يدعيه كثير من الناس أنهم يصنعونها لتعبد من دون الله، فذلك شي آخر، فمن صنع شيئا ليعبد من دون الله، فإنه حتى ولو لم يصور كما لو أتى بخشبة وقال اعبدوها، فقد دخل في التحريم، لقوله تعالى {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:2) ؛ لأنه أعان على الإثم والعدوان.
قوله: (يضاهئون) . هل الفعل يشعر بالنية بمعنى أنه لا بد أن يقصد المضاهاة، أو نقول: المضاهاة حاصلة سواء كانت بنية أو بغير نية؟
الجواب الثاني: لأن المضاهاة حصلت سواء نوى أم لم ينو لأن العلة هي المشابهة، وليست العلة قصد المشابهة، فلو جاء رجل وقال: أنا لا أريد أن أضاهي خلق الله، أنا أصور هذا للذكرى مثلا وما أشبه ذلك، نقول: هذا حرام؛ لأنه متى حصلت المشابهة ثبت الحكم؛ لأن الحكم يدور مع علته كما قلنا فيمن لبس لباسا خاصا بالكفار: إنه يحرم عليه هذا اللباس، ولو قال: إنه
(10/1031)

لم يقصد المشابهة، نقول: لكن حصل التشبه، فالحكم المقرون بعلة لا يشترط فيه القصد، فمتى وجدت العلة ثبت الحكم.
فيستفاد من الحديث:
1 - تحريم التصوير، وأنه من الكبائر، لثبوت الوعيد عليه، وأن الحكمة من تحريمه المضاهاة بخلق الله - عز وجل -.
2 - وجوب احترام جانب الربوبية، وأن لا يطمع أحد في أن يخلق كخلق الله- عز وجل-؛ لقوله: (يضاهئون بخلق الله) ، ومن أجل هذا حرم الكبر؛ لأن فيه منازعة للرب - سبحانه وتعالى - وحرم التعاظم على الخلق؛ لأن فيه منازعة للرب سبحانه وتعالى -، وكذلك هذا الذي يصنع ما يصنع فيضاهي خلق الله، فيه منازعة لله عز وجل - في ربوبيته في أفعاله ومخلوقاته ومصنوعاته، فيستفاد من هذا الحديث وجوب احترام جانب الربوبية.
قوله: (أشد الناس عذابا) ، فيه إشكال؛ لأن فيهم من هو أشد من المصورين ذنبا، كالمشركين والكفار، فيلزم أن يكونوا أشد عذابا، وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
الأول: أن الحديث على تقدير (مِنْ) أي: من أشد الناس عذابا بدليل أن جاء ما يؤيده بلفظ: (إن من أشد الناس عذابا) .
الثاني: أن الأشدية لا تعني أن غيرهم لا يشاركهم بل يشاركهم غيرهم، قال تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} (غافر: 46) ، ولكن يشكل على هذا أن المصور فاعل كبيرة فقط، فكيف يُسَوَّى مع مَنْ هو خارج عن الإسلام ومستكبر؟!
الثالث: أن الأشدية نسبية، يعني أن الذين يصنعون الأشياء ويبدعونها
(10/1032)

ولهما عن ابن عباس: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أشدهم عذابا الذين يضاهئون بخلق الله، وهذا أقرب.
الرابع: أن هذا من باب الوعيد الذي يطلق لتنفير النفوس عنه، ولم أرَ من قال بهذا، ولو قيل بهذا، لسلمنا من هذه الإيرادات، وعلى كل حال ليس لنا أن نقول إلا كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله» .
قوله: (ولهما) . أي: للبخاري ومسلم.
قوله «كل مصور في النار» . (كل) : من أعظم ألفاظ العموم، وأصلها من الإكليل، وهو ما يحيط بالشي، ومنه الكلالة في الميراث للحواشي التي تحيط بالإنسان.
فيشمل من صور الإنسان أو الحيوان أو الأشجار أو البحار، لكن قوله: (يجعل له بكل صورة صورها نفسا) يدل على أن المراد صورة ذوات النفوس؛ أي: ما فيه روح.
قوله: (يُجعل له بكل صورة صورها نفس) . الحديث في (مسلم) وليس في (الصحيحين) ، لكنه بلفظ (يجعل) بالبناء للفاعل، وعلى هذا تكون (نفسا) بالنصب، وتمامه: (فتعذبه في جهنم) .
(10/1033)

.
ولهما عنه مرفوعا: «من صور صورة في الدنيا، كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يعذب بها) . كيفية التعذيب ستأتي في الحديث الذي بعده أنه يكلف أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ.
وقوله: «كل مصور في النار» . أي: كائن في النار.
وهذه الكينونة عند المعتزلة والخوارج كينونة خلود؛ لأن فاعل الكبيرة عندهم مخلد في النار، وعند المرجئة، أن المراد بالمصور الكافر؛ لأن المؤمن عندهم لا يدخل النار أبدا، وعند أهل السنة والجماعة أنه مستحق لدخول النار وقد يدخلها وقد لا يدخلها، وإن دخلها لم يخلد فيها.
وقوله: (بكل صورة صورها) . يقتضي أنه لو صور في اليوم عشر صور ولو من نسخة واحدة؛ فإنه يجعل له في النار عشر صور يقال له: انفخ فيها الروح، وظاهر الحديث أنه يبقى في النار معذبا حتى تنتهي هذه الصور.
قوله (كلف) . أي: أُلزم، والمكلف له هو الله - عز وجل -.
قوله: (وليس بنافخ) . أي: كلف بأمر لا يتمكن منه زيادة في تعذيبه، وعذب بهذا العذاب ليذوق جزاء ما عمل، وبهذا تزداد حسرته وأسفه، حيث إنه عذب بما كان في الدنيا يراه راحة له، إما باكتساب، أو إرضاء صاحب، أو إبداع صنعة.
(10/1034)

ولمسلم «عن أبي الهياج، قال: قال لي علي. (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن لا تدع صورة، إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا، إلا سويته) »
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عن أبي الهياج) . هو من التابعين.
قوله: (قال لي علي) . هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قوله: (ألا أبعثك) . البعث: الإرسال بأمر مهم، كالدعوة إلى الله، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا} (النحل:36) .
قوله: (على ما بعثني) . يحتمل أن تكون (على) على ظاهرها للاستعلاء؛ لأن المبعوث يمشي على ما بعث عليه، كأنه طريق له، وهذا هو الأولى؛ لأن ما وافق ظاهر اللفظ من المعاني فهو أولى بالاعتبار، ويحتمل أن (على) بمعنى الباء، أي: بما بعثني عليه.
وقد بعث النبي صلى الله عيه وسلم عليا إلى اليمن بعد قسمة غنائم حنين، وقدم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في مكة في حجة الوداع.
قوله: (أن لا تدع) . (أن) : مصدرية، (لا) نافية، (تدع) : منصوب بأن المصدرية وهي بدل بعض من كل من (ما) في قوله (على ما بعثني) لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث علي بن أبي طالب بأكثر من ذلك، لكن هذا مما بعثه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(10/1035)

قوله: (صورة) . نكرة في سياق النفي فتعم.
وجمهور أهل العلم: أن المحرم هو صور الحيوان فقط، لما ورد في السنن من حديث جبريل أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «فمر برأس التمثال يقطع، فيصير كهيئة الشجرة» (1) وسبق بيان ذلك قريبا.
قوله: (إلا طمستها) . إن كانت ملونة فطمسها بوضع لون آخر يزيل معالمها، وإن كانت تمثالا فإنه يقطع رأسه، كما في حديث جبريل السابق، وإن كانت محفورة فيحفر على وجهه حتى لا تتبين معالمه، فالطمس يختلف، وظاهر الحديث سواء كانت تُعبد من دون الله أم لا.
قوله: (ولا قبرا مشرفا) : عاليا.
قوله: (إلا سويته) . له معنيان:
الأول: أي سويته بما حوله من القبور.
الثاني: جعلته حسنا على ما تقتضيه الشريعة، قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} (الأعلى:2) أي: سوى خلقه أحسن ما يكون، وهذا أحسن، والمعنيان متقاربان.
والإشراف له وجوه:
الأول: أن يكون مشرفا بكبر الأعلام التي توضع عليه، وتسمى عند الناس (نصائل) أو (نصائب) ، ونصائب أصح لغة من نصائل.
الثاني: أن يبنى عليه، هذا من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لعن المتخذين عليه المساجد والسرج)
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (2/ 305) .
(10/1036)

الثالث: أن تشرف بالتلوين، وذلك بأن يوضع على أعلامها ألوان مزخرفة.
الرابع: أن يرفع تراب القبر عما حوله ليكون ظاهرا.
فكل شي مشرف، ظاهر على غيره متميز عن غيره يجب أن يسوى بغيره، لئلا يؤدي ذلك إلى الغلو في القبور والشرك.
ومناسبة ذكر القبر المشرف مع الصور:
أن كلا منهما قد يتخذ وسيلة إلى الشرك، فإن أصل الشرك في قوم نوح أنهم صوروا رجال صالحين، فلما طال عليهم الأمد عبدوها، وكذلك القبور المشرفة قد يزداد فيها الغلو حتى تجعل أوثانا تعبد دون الله، وهذا ما وقع في بعض البلاد الإسلامية، وقد أطال الشارح رحمه الله في هذا الباب في البناء على القبور، وذلك لأن فتنتها في البلاد الإسلامية قديمة وباقية، ما عدا بلادنا ولله الحمد، فإنها سالمة من ذلك، نسأل الله أن يديم عليها، وأن يحمي بلاد المسلمين من شرها.
عقوبة المصور ما يلي:
أنه أشد الناس عذابا أو من أشدهم عذابا يوم القيامة.
أن الله يجعل له في كل صورة نفسا يعذب بها في نار جهنم.
أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ.
أنه في النار.
أنه ملعون، كما في حديث أبي جحيفة في (البخاري) وغيره.
فائدتان:
الأولى: (كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ) يقتضي أن المراد التصوير تصوير الجسم كاملا، وعلى هذا، فلو صور الرأس وحده بلا جسم أو الجسم
(10/1037)

وحده بلا رأس، فالظاهر الجواز، ويؤيده ما سبق في الحديث: «مُرْ برأس التمثال فليقطع» ، ولم يقل: فليكسر، لكن تصوير الرأس وحده عندي فيه تردد، أما بقية الجسم بلا رأس، فهو كالشجرة لا تردد فيه عندي.
الثانية: تؤخذ من حديث على رضي الله عنه، وهو قوله: «أن لا تدع صورة إلا طمستها» أنه لا يجوز اقتناء الصور، وهذا محل تفصيل، فإن اقتناء الصور على أقسام:
القسم الأول: أن يقتنيها لتعظيم المصور، لكونه ذا سلطان أو جاه أو علم أو عبادة أو أٌبوّة أو نحو ذلك، فهذا حرام بلا شك، ولا تدخل الملائكة بيتا فيه هذه الصورة؛ لأن تعظيم ذوي السلطة باقتناء صورهم ثَلم في جانب الربوبية، وتعظيم ذوي العبادة باقتناء صورهم ثَلم في جانب الألوهية.
القسم الثاني: اقتناء الصور للتمتع بالنظر إليها أو التلذذ بها، فهذا حرام أيضا، لما فيه من الفتنة المؤدية إلى سفاسف الأخلاق.
القسم الثالث: أن يقتنيها للذكرى حنانا وتلطفا كالذين يصورون صغار أولادهم لتذكرهم حال الكبر، فهذا أيضا حرام للحوق الوعيد به في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إن الملائكة لا تدخل بيتا في صورة» .
القسم الرابع: أن يقتني الصور لا لرغبة فيها إطلاقا، ولكنها تأتي تبعا لغيرها، كالتي تكون في المجلات والصحف ولا يقصدها المقتني، وإنما يقصد ما في هذه المجلات والصحف من الأخبار والبحوث العلمية ونحو ذلك،
(10/1038)

والظاهر أن هذا لا بأس به؛ لأن الصور فيها غير مقصودة، لكن إن أمكن طمسها بلا حرج ولا مشقة، فهي أولى.
القسم الخامس: أن يقتني الصور على وجه تكون فيه مُهانة ملقاة في الزبل، أو مفترشة، أو موطوءة، فهذا لا بأس به عند جمهور العلماء، وهل يلحق بذلك لباس ما فيه صورة لأن في ذلك امتهانا للصورة ولا سيما إن كانت الملابس داخلية؟
الجواب: نقول: لا يلحق بذلك، بل لباس ما فيه الصور محرم على الصغار والكبار، ولا يلحق بالمفروش ونحوه، لظهور الفرق بينهما، وقد صرح الفقهاء رحمهم الله بتحريم لباس ما فيه صورة، سواء كان قميصا أو سروالا أم عمامة أم غيرها.
وقد ظهر أخيرا ما يسمى بالحفائظ، وهي خرقة تلف على الفرجين للأطفال والحائض لئلا يتسرب النجس إلى الجسم أو الملابس، فهل تلحق بما يلبس أو بما يمتهن؟
هي إلى الثاني أقرب، لكن لما كان امتهانا خفيا وليس كالمفترش والموطوء صار استحباب التحرز منها أولى.
القسم السادس: أن يلجأ إلى اقتنائها إلجاء، كالصور التي تكون في بطاقة إثبات الشخصية والشهادات والدراهم فلا إثم فيه لعدم إمكان التحرز منه، وقد قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج:78) .
(10/1039)

فيه مسائل:
الأولى: التغليظ الشديد على المصورين. الثانية: التنبيه على العلة، وهي ترك الأدب مع الله؛ لقوله: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» . الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم، لقوله: «فليخلقوا ذرة أو شعيرة» . الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا. الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور في جهنم. لقوله: «يجعل له بكل صورة يصورها نفس يعذب بها في جهنم» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ الشديد على المصورين. تؤخذ من قوله: «أشد الناس عذابا» ... ) . الحديث.
الثانية: التنبيه على العلة، وهي ترك الأدب مع الله؛ لقوله: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» . فمن ذهب يخلق كخلق الله، فهو مسيء للأدب مع الله - عز وجل - لمحاولته أن يخلق مثل خلق الله تعالى، كما أن من ضاده في شرعه فقد أساء الأدب معه.
الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم، لقوله: «فليخلقوا ذرة أو شعيرة» . لأن الله خلق أكبر من ذلك وهم عجزوا عن خلق الذرة أو الشعيرة.
الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا. لقوله: «أشد الناس عذابا» ... الحديث.
الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور في جهنم.
(10/1040)

السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح. السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لقوله: «يجعل له بكل صورة يصورها نفس يعذب بها في جهنم» .
السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح. لقوله: «كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ» ، وهذا نوع من التعذيب من أشق العقوبات.
السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت. لقوله: «أن لا تدع صورة إلا طمستها» .
وتؤخذ من حديث الباب أيضا: الجمع بين فتنة التماثيل وفتنة القبور؛ لقوله: «أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» ؛ لأن في كل منهما وسيلة إلى الشرك.
ويؤخذ منه أيضا: إثبات العذاب يوم القيامة، وأن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه يُجعل له بكل صورة صورها نفس فَتُعَذِّبُه في جهنم.
ويؤخذ منه: وقوع تكليف في الآخرة بما لا يطاق على وجه العقوبة.
(10/1041)

باب ما جاء في كثرة الحلف
وقول الله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحلف: هو اليمين والقسم، وهو تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة بأحد حروف القسم، وهي الباء، والواو، والتاء.
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن كثرة الحلف بالله يدل على أنه ليس في قلب الحالف من تعظيم الله ما يقتضي هيبة الحلف بالله، وتعظيم الله تعالى من تمام التوحيد.
قوله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} . هذه الآية ذكرها الله في سياق كفارة اليمين، وكل يمين لها ابتداء وانتهاء ووسط، فالابتداء الحلف، والانتهاء الكفارة، والوسط الحنث، وهو أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، وعلى هذا كل يمين على شيء ماض فلا حنث فيه، وما لا حنث فيه فلا كفارة فيه، لكن إن كان صادقا فقد بر، وإلا، فهو آثم؛ لأن الكفارة لا تكون إلا على شيء مستقبل.
وهل يجوز أن يحلف على ما في ظنه؟
الجواب: نعم، ولذلك أدلة كثيرة، منها قول المجامع في نهار رمضان لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والله، ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني» .
لكن إن حلفت على مستقبل بناء على غلبة الظن ولم يحصل، فقيل: تلزمك كفارة، وقيل: لا تلزمك كفارة، وهو الصحيح، كما لو حلفت على ماض.
(10/1042)

مثاله: فلو قلت: والله،، ليقدمن زيد غدا. بناء على ظنك، فلم يقدم، فالصحيح أنه لا كفارة عليك، لأنك حلفت على ما في قلبك وهو حاصل، كأنك تقول: والله، إن هذا هو ظني، لكن هل يجوز لك أن تحلف على ما في ظنك؟ سبق ذلك قريبا.
إذن قوله: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} بعد أن ذكر اليمين والكفارة والحنث، فما المراد بحفظ اليمين: هل هو الابتداء أو الانتهاء أو الوسط؟ أي: هل المراد لا تكثروا الحلف بالله؟ أو المراد: إذا حلفتم فلا تحنثوا؟ أو المراد: إذا حلفتم فحنثتم فلا تتركوا الكفارة؟
الجواب: المراد كله، فتشمل أحوال اليمين الثلاثة، ولهذا جاء المؤلف بها في هذا الباب؛ لأن من معنى حفظ اليمين عدم كثرة الحلف، وإليك قاعدة مهمة في هذا، وهي أن النص من قرآن أو سنة إذا كان يحتمل عدة معاني لا ينافي بعضها بعضا ولا مرجح لأحدها، وجب حمله على المعاني كلها.
والمراد بعدم كثرة الحلف: ما كان معقودا ومقصودا، أما ما يجرى على اللسان بلا قصد، مثل: لا والله، وبلى والله، في عرض الحديث، فلا مؤاخذة فيه لقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} (المائدة:89) .
وكذلك من حفظ اليمين عدم الحنث فيها، وهذا فيه تفصيل؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «قال لعبد الرحمن بن سمرة: (إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منه، فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير) » ، فحفظ اليمين في الحنث أن لا يحنث
(10/1043)

إلا إذا كان خيرا، وإلا، فالأحسن حفظ اليمين وعدم الحنث.
مثال ذلك: رجل قال: لا أكلم فلانا. وهو من المؤمنين الذين يحرم هجرهم، فهذا يجب أن يحنث في يمينه ويكلمه وعليه الكفارة.
مثال آخر: رجل قال: والله لأعينن فلانا على شيء محرم. فهذا يجب الحنث فيه والكفارة، ولا يعينه؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} . (المائدة:2) .
وإذا كان الأمر متساويا والحنث وعدمه سواء في الإثم، فالأفضل حفظ اليمين.
كذلك من حفظ اليمين إخراج الكفارة بعد الحنث، والكفارة واجبة فورا؛ لأن الأصل في الواجبات هو الفورية، وهو قيام بما تقتضيه اليمين.
والكفارة: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وهذا على سبيل التخيير، فمن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام، وفي قراءة ابن مسعود متتابعة..
فحفظ اليمين له ثلاث معاني:
حفظها ابتداء، وذلك بعدم كثرة الحلف، وليعلم أن كثرة الحلف تضعف الثقة بالشخص وتوجب الشك في أخباره.
حفظها وسطا، وذلك بعدم الحنث فيها، إلا ما استثنى كما سبق.
حفظها انتهاء، في إخراج الكفارة بعد الحنث.
ويمكن أن يضاف معنى رابع، وهو أن لا يحلف بغير الله؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمى القسم بغير الله حلفا.
(10/1044)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب» . أخرجاه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الحلف) . المراد به الحلف الكاذب، كما بينته رواية أحمد: (اليمين الكاذبة) (1) أما الصادقة، فليس فيها عقوبة، لكن لا يكثر منها كما سبق.
قوله: (منفقة للسلعة) . أي: ترويج للسلعة، مأخوذ من النَّّفاق وهو مضي الشي ونفاذه، والحلف على السلعة قد يكون حلفا على ذاتها أو نوعها أو وصفها أو قيمتها.
الذات: كأن يحلف أنها من المصنع الفلاني المشهور بالجودة وليست منه.
النوع: كأن يحلف أنها من الحديد، وهي من الخشب.
الصفة: كأن يحلف أنها طيبة، وهي رديئة.
القيمة: كأن يحلف أن قيمتها بعشرة، وهي بثمانية.
قوله: (ممحقة للكسب) . أي: متلفة له، والإتلاف يشمل الإتلاف الحسي بأن يسلط الله على ماله شيئا يتلفه من حريق أو نهب أو مرض يلحق صاحب المال فيتلفه في العلاج، والإتلاف المعنوي بأن ينزع الله البركة من ماله فلا ينتفع به دينا ولا دنيا، وكم من إنسان عنده مال قليل، لكن نفعه الله به ونفع غيره ومن وراءه، وكم من إنسان عنده أموال لكن لم ينتفع بها صار - والعياذ بالله-
__________
(1) الإمام احمد في (المسند) (2/235،243،413) .
(10/1045)

وعن سلمان؛ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: « (ثلاث لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه) » (1) . رواه الطبراني بسند صحيح.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بخيلا يعيش عيشة الفقراء وهو غني؛ لأن البركة قد محقت.
قوله: (ثلاثة) . مبتدأ، وسوغ الابتداء بها أنها أفادت التقسيم.
قوله: (لا يكلمهم الله) . التكليم: هو إسماع القول، وأما ما يقدره الإنسان في نفسه، فلا يسمى كلاما على سبيل الإطلاق، وإن كان يسمى قولا بالتقييد بالنفس، كقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ} (المجادلة: 8) وقال عمر رضي الله عنه - في قصة السقيفة -: «زوَّرت في نفسي كلاما» ، أي قدرته.
فالكلام عند الإطلاق لا يكون إلا بحرف وصوت مسموع.
واختلف الناس في كلام الله إلى ثمانية أقوال كما ذكره ابن القيم في (الصواعق المرسلة) .
لكن إذا رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأخذنا منها عقيدتنا
__________
(1) الطبراني في الكبير (6111) والصغير (821) .
(10/1046)

صافية، وقطعنا النظر عن هذه المجادلات لأنه ما أوتى الجدل قوم إلا ضلوا، علمنا أن كلام الله حقيقي يسمع، ولكن الصوت ليس كأصوات المخلوقين، أما ما يسمع من كلام الله، فلا شك أنه بحرف يفهمها المُخاطَب؛ إذ لو كان يتكلم بحروف لا تشبه الحروف التي يتكلم بها المخاطب لم يفهم كلامه أبدا، فالحروف التي تسمع هي حروف اللغة التي يخاطب الله بها من يخاطبه، والله - عز وجل - يخاطب كل أحد بلغته.
ونفي الكلام هنا دليل على إثبات أصله؛ لأنه لما نفاه عن قوم دل على ثبوته لغيرهم.
وبهذه الطريقة استدل بعض أهل العلم على إثبات رؤية الله يوم القيامة للمؤمنين بقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} (المطففين: 15) . فما حجب الفجار عن رؤيته إلا ورآه الأبرار، إذ لو امتنعت الرؤية مطلقا لكان الفجار والأبرار سواء فيها، كذلك هنا لو انتفى كلام الله - عز وجل - عن كل أحد، فلا وجه للتخصيص بنفي الكلام عن هؤلاء.
ولا يلزم من كلامه - سبحانه - أن يكون له آلة كالآدمي، كاللسان، والأسنان، والحلق، وما أشبه ذلك، كما لا يلزم من سماع الله أن يكون له أذن، فالأرض مثلا تسمع وتحدث وليس لها لسان ولا آذان، قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} (الزلزلة: 4،5) وكذا الجلد ينطق يوم القيامة، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (فصلت:20) وكذا الأيدي والأرجل، قال تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النور:24) فالأيدي والأرجل والأيدي والألسن والجلود والسمع والأبصار ليس لها لسان ولا
(10/1047)

شفتان، وهذا هو المعلوم لنا.
فإن قيل: إن الله يكلم من هو أعظم منهم جرما وهم أهل النار؟
فالجواب: أن المراد بنفي الكلام هنا كلام الرضا، أما كلام الغضب والتوبيخ، فإن هذا الحديث لا يدل على نفيه.
قوله: (ولا يزكيهم) . التزكية: بمعنى التوثيق والتعديل، فيوم القيامة لا يوثقهم، ولا يعدلهم، ولا يشهد عليهم بالإيمان، لما فعلوه من هذه الأفعال الخبيثة.
قوله: (ولهم عذاب أليم) . (عذاب) : عقوبة، و (أليم) ، أي: شديد موجع مؤلم.
وقوله: (أشيمط) . هو الذي اختلط سواد شعره ببياضه لكبر سنه، وكبير السن قد بردت شهوته، وليس فيه ما يدعوه إلى الزنى، ولكنه زنى مما دل على خبث في إرادته، ولأنه عادة قد بلغ أشده واستوى وعرف الحكمة، وملكه عقله أكثر من هواه، فالزنى منه غريب، إذ ليس عن شهوة ملحة، ولكن عن سوء نية وقصد وضعف إيمان بالله، فصار السبب المقتضي لزناه ضعيفا، والحكمة التي نالها ببلوغ الأشد كبيرة، وَكَأَنَّ تقادم سنه يستلزم أن يغلب جانب العقل، ولكنه خالف مقتضى ذلك، ولهذا صغره تحقيرا لشأنه، فقال: (أُشيمط) تصغير أشمط.
قوله (زان) صفة لأشيمط، وهو مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة، والحركة التي على النون ليست حركة إعراب.
والزنى فعل الفاحشة في قبل أو دبر، وقد نهى الله عنه وبين أنه فاحشة، فقال: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} (الإسراء: 32)
??? قوله: (عائل مستكبر) . أي: فقير، قال تعالى: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} (الضحى:8) ، فالمقابلة هنا في قوله: {فَأَغْنَى} بينت أن معنى عائلا: فقيرا.
(10/1048)

والاستكبار: الترفع والتعاظم، وهو نوعان:
- استكبار عن الحق بأن يرده أو يترفع عن القيام به.
- واستكبار على الخلق باحتقارهم واستذلالهم، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الكبر بطر الحق وغمط الناس» .
فالفقير داعي الاستكبار عنده ضعيف، فيكون استكباره دليلا على ضعف إيمانه وخبث طويته، ولذلك كانت عقوبته أشد.
قوله: «ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه» . أي: جعل الحلف بالله بضاعة له، وإنما ساغ التأويل هنا؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الذي فسره بذلك، حيث قال: «لا يشتري إلا بيمينه» ... ) ، وإذا كان المتكلم هو الذي أخرج كلامه عن ظاهره، فهو أعلم بمراده، وهذا كما في الحديث القدسي: «عبدي استطعمتك فلم تطعمني، استسقيتك فلم تسقني» فبينه الله - عز وجل - بقوله: «عبدي فلان جاع فلم تطعمه، استسقاك فلم تسقه» .
فقوله: «لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه» استئنافية تفسيرية، لقوله: «جعل الله بضاعته» ، ومعناها: أنه كلما اشترى حلف، وكلما باع حلف طلبا للكسب، واستحق هذه العقوبة؛ لأنه إن كان صادقا، فكثرة أيمانه تشعر باستخفافه واستهانته باليمين ومخالفته قوله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}
وإن كان كاذبا جمع بين أربعة أمور محذورة:
استهانته باليمين ومخالفته أمر الله بحفظ اليمين.
(10/1049)

2 - كذبه.
3 - أكله المال بالباطل.
أن يمينه غموس، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «من حلف على يمين هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» .
وكل ما في هذا الحديث يجب الحذر منه والبعد عنه؛ لأن هذا ما يريده النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الإخبار به، وإلا، فما الفائدة من سماعنا له إذا لم تظهر مقتضيات النصوص على معتقداتنا وأقوالنا وأفعالنا؟ فنحن والجاهل سواء، بل نحن أعظم، ولذلك لا ينبغي أن تمر علينا بلا فائدة فنعرف معناها فقط، بل يجب أن نعرف معناها ونعمل بمقتضاها، ثم يجب علينا أيضا بوصفنا ممن آتاهم الله العلم أن نُحذِّر الناس منها لنكون وارثين للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان عالما عاملا داعيا، أما طالب العلم، فإنه ليس وارثا للرسول عليه الصلاة والسلام حتى يقوم بما قام به من العمل والدعوة، فعلينا أن نحذر إخواننا المسلمين من هذا العمل الكثير بين الناس، وهو جعل الله بضاعة لهم، لا يبيعون إلا بأيمانهم ولا يشترون إلا بأيمانهم.
* مناسبة الحديث للباب: أن من جعل الله بضاعته، فإن الغالب أنه يكثر الحلف بالله - عز وجل -
(10/1050)

وفي الصحيح عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا؟ ثم إنَّ بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي الصحيح) . أي: (الصحيحين) ، وانظر كلامنا: (ص 146) في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: (خير أمتي قرني) . (خير) : مبتدأ، و (قرني) : خبر.
وفي لفظ لهما: «خيركم قرني» ، وفي حديث ابن مسعود عند البخاري: «خير الناس قرني» وهذا هو المراد، إذ المراد بالخيرية هنا الخيرية المضافة إلى الناس عموما وليس للأمة فقط، ولهذا ثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: «بعثت من خير قرون بني آدم» .
وعليه فالخيرية في القرن الأول خيرية عامة على جميع الناس وليس على هذه الأمة فقط.
(10/1051)

وأما قوله (خير أمتي) . فإنه يقال: إن الخيرية إذا كانت مضافة إلى عموم الناس دخل فيها هذه الأمة، لكن إذا خصصناها بهذه الأمة خرج بقية الناس، والأخذ بالعموم الداخل فيه الخاص أولى، وقد يقال: إن معنى اللفظين واحد، فإن هذه الأمة خير الأمم، فإذا كان الصحابة خير قرونها لزم أن يكونوا خير الناس.
والقرن مأخوذ من الاقتران، والمراد: الطائفة المقترنون بشيء من الأشياء، كالملة، أو ما أشبه ذلك.
فمن العلماء من عَرّفه: بالطائفة كما سبق، ومنهم من عرفه بالزمن، وهؤلاء اختلفوا فيه على أقوال:
فمنهم من حده بأربعين، ومنهم من حده بثمانين، ومنهم من حده بمئة، ومنهم من حده بمئة وعشرين سنة.
فعلى الأول يكون معنى: (خير أمتي قرني) : خير أمتي الصحابة، سواء بلغوا مئة سنة أم لا، والمعروف أن آخر من مات من الصحابة مات سنة مئة وعشرة أو مئة وعشرين، فهذه المدة زائدة على المئة، وإذا اعتبرناها من البعثة تكون مئة وثلاثا وثلاثين سنة؛ لأن التقويم مبتدأ من الهجرة، والهجرة كانت بعد البعثة بثلاث عشر سنة، وهذا القرن الأول، أما التابعون، فإن آخرهم مات سنة مئة وثمانين، فيكون بينهم وبين الصحابة ستون سنة، وأما تابعو التابعين، فإن آخرهم مات سنة مئتين وعشرين، وهذا منتهى القرن الثالث.
فقرن الصحابة إن ابتدأته من البعثة صار ثلاثا وثلاثين ومئة سنة، وإن ابتدأته من الهجرة صار عشرين ومئة سنة.
(10/1052)

وقرن التابعين ستون سنة.
وقرن تابعي التابعين أربعون سنة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن القرن معتبر بمعظم الناس، فإذا كان معظم الناس الصحابة، فالقرن قرنهم، وإذا كان معظم الناس التابعين، فالقرن قرنهم، وهكذا.
قوله: (أمتي) المراد أمة الإجابة؛ لأن أمة الدعوة إذا لم يؤمنوا فليس فيهم خير.
قوله: (فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا) . وإذا كان عمران لا يدري، فالأصل أنه ذكر مرتين، فتكون القرون المفضلة ثلاثة، وهذا هو المشهور.
قوله: (ثم إن بعدكم قوم) . وفي رواية البخاري: ثم إن بعدكم قوما) بنصب (قوما) ، وهذا لا إشكال فيه، لكن في هذه الرواية برفع (قوم) فيه إشكال؛ لأن (قومٌ) اسم إن، وقد اختلف العلماء في هذا:
فقيل على لغة ربيعة: الذين لا يقفون على المنصوب بالألف، فلم يثبت الكاتب الألف فصارت (قوم) .
وهذا جواب ليس بسديد؛ لأن الرواية ليست مكتوبة فقط، بل تكتب وتقرأ باللفظ عند أخذ التلاميذ الرواية من المشايخ، ولأن هذا ليس محل وقف.
وقيل: إن (إنَّ) اسمها ضمير الشأن محذوف، إلحاقا لها بإن المخففة؛ لأن (إن) المخففة تعمل بضمير الشأن، قال الشاعر:
وإن مالك كانت كرام المعادن
فإن المشددة هنا حملت على إن المخففة، فاسمها ضمير الشأن محذوف، وعليه يكون (بعدكم) : خبر مقدم، و (قوم) : مبتدأ مؤخر، والجملة خبر (إنّ) .
(10/1053)

وقيل (إن) هنا بمعنى نعم، فيكون المعنى: ثم نعم بعدكم قوم، وهذا فيه تكلف.
والظاهر: القول الثاني إن صحت الرواية.
قوله: (يشهدون) . أي: يخبرون عما علموه مما شاهدوه أو سمعوه أو لمسوه أو شموه؛ لأن الشهادة إخبار الإنسان بما يعلم، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (الزخرف:86) ولا يشترط أن تكون بلفظ أشهد على الصحيح، وقد قيل للإمام أحمد: إن فلانا يقول: (إن العشرة في الجنة ولا أشهد) فقال: إن قاله؛ فقد شهد.
قوله: (ولا يستشهدون) . اختلف العلماء في معنى ذلك:
فقيل: (لا يستشهدون) ، أي: لا يطلب منهم تحمل الشهادة فيكون المراد الذين يشهدون بغير علم فهم شهداء زور.
وقيل: لا يطلب منهم أداء الشهادة، فيكون المراد أداء الشهادة قبل أن يدعى لأدائها، فيكون ذلك دليلا لتسرعهم في أداء الشهادة وعدم اهتمامهم بها.
ولكن هذا القول يشكل عليه حديث زيد بن خالد الذي رواه مسلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ألا أخبركم بخير الشهداء: الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها» ، فهذا ترغيب في أداء الشهادة قبل أن يسألها بدليل قوله: (ألا أخبركم بخير الشهداء) ، وظاهره: أنه معارض لحديث عمران، فجمع بعض العلماء بينهما بأن المراد بحديث زيد من يشهد بحق لا يعلمه المشهود له.
(10/1054)

وجمع بعض العلماء بأن المراد بحديث زيد: من يشهد بشي من حقوق الله تعالى؛ لأن حقوق الله تعالى ليس لها مُطالب، فيؤدي الشهادة من غير أن يسألها، فيكون المراد بهم رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوهم.
وجمع بعضهم بأن المراد بحديث زيد بن خالد أنه كناية عن السرعة بأداء الشهادة، فكأنه لشدة إسراعه يؤديها قبل أن يسألها.
وبعض العلماء رجح حديث عمران؛ لأنه في (الصحيحين) على حديث زيد بن خالد؛ لأنه في (مسلم) .
ولكن إذا أمكن الجمع، فلا يجوز الترجيح؛ لأن مقتضاه إلغاء أحد النصين، والجمع هنا ممكن كما تقدم.
قوله: (يخونون ولا يؤتمنون) . هذا هو الوصف الثاني لهم، أي: أنهم أهل خيانة وليسوا أهل أمانة، فلا يأتمنهم الناس، وليس المعنى أن تقع منهم الخيانة بعد الائتمان حتى يقال: لماذا لم يقل: يؤتمنون ويخونون؟ فكأن الخيانة طبيعة لهم، فلخيانتهم لا يؤتمنون.
الخيانة: الغدر والخداع في موضع الائتمان، وهي من الصفات المذمومة بكل حال.
وأما المكر والخديعة، فهي مذمومة في حال دون حال، فقد تكون محمودة إذا كانت في مقاتلة عدو ماكر خادع لدلالتها على القوة والإيقاع بالعدو من حيث لا يشعر، ولهذا يوصف الله - سبحانه وتعالى - بالمكر والخداع في الحال التي يكون فيها مدحا، قال تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال:30) وقال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} (النساء:142) .
(10/1055)

وأما الخيانة فلا يوصف الله بها أبدا؛ لأنها ذم بكل حال، ولهذا كان قول العامة: خان الله من خان حراما؛ لأنهم وصفوا الله بما لا يصح أن يوصف به، قال الله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} (الأنفال 71) ولم يقل: فخانهم.
قوله: (ولا يؤتمنون) . أي: ليسوا أهلا للأمانة، فلا يؤتمنون على الدماء ولا على الأموال، ولا على الأعراض، ولا أي شيء، والظاهر أن هذا في القرن الرابع، فما بالك بالقرن الخامس عشر؟! وفي حديث آخر «ويفشو بينهم الكذب» .
قوله (وينذرون ولا يوفون) . هذا الوصف الثالث لهم. النذر: إلزام الإنسان نفسه بالشيء، وقد يكون للآدمي، وهذا بمعنى العهد الذي يوقعه الإنسان بينه وبين غيره، وقد يكون لله، كنذر العبادة يجب الوفاء به، فهم ينذرون لله ولا يوفون له، ويعاهدون المخلوق ولا يوفون له، وهذا من صفات النفاق.
قوله: (ويظهر فيهم السمن) . هذا هو الوصف الرابع لهم، كثرة الشحم واللحم، وهذا الحديث مشكل؛ لأن ظهور السمن ليس باختيار الإنسان فكيف يكون صفة ذم؟
قال أهل العلم: المراد أن هؤلاء يعتنون بأسباب السمن من المطاعم والمشارب والترف، فيكون همهم إصلاح أبدانهم وتسمينها.
أما السمن الذي لا اختيار للإنسان فيه، فلا يذم عليه، كما لا يذم الإنسان على كونه طويلا أو قصيرا أو أسود أو أبيض، لكن يذم على شيء يكون هو السبب فيه.
(10/1056)

وفيه عن ابن مسعود؛ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفيه) . أي: (في الصحيح) وقد سبق الكلام على مثل هذه العبارة من المؤلف رحمه الله. انظر: (ص146) في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: (خير الناس) دليل على أن قرنه خير الناس، فصحابته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل من الحواريين الذين هم أنصار عيسى، وأفضل من النقباء السبعين الذين اختارهم موسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: (ثم يجيء قوم) . أي: بعد القرون الثلاثة.
قوله: (تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) . يحتمل ذلك وجهين:
الأول: أنه لقلة الثقة بهم لا يشهدون إلا بيمين، فتارة تسبق الشهادة وتارة تسبق اليمين.
الثاني: أنه كناية عن كون هؤلاء لا يبالون بالشهادة ولا باليمين، حتى تكون الشهادة واليمين في حقهم كأنهم متسابقتان.
والمعنيان لا يتنافيان، فيحمل عليهما الحديث جميعا.
وقوله: (ثم يجيء قوم) يدل على أنه ليس كل أصحاب القرن على هذا الوصف؛ لأنه لم يقل: ثم يكون الناس، الفرق واضح.
وهذه الأفضلية أفضلية من حيث العموم والجنس، لا من حيث الأفراد، فلا يعني أنه لا
يوجد في تابعي التابعين من هو أفضل التابعين، أو لا يوجد
(10/1057)

قال ابراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في التابعين من هو أعلم من بعض الصحابة، أما فضل الصحبة، فلا يناله أحد غير الصحابة ولا أحد يسبقهم فيه، وأما العلم والعبادة، فقد يكون فيمن بعد الصحابة من هو أكثر من بعضهم علما وعبادة.
* تنبيه:
ساق المؤلف رحمه الله الحديث في بعض النسخ بتكرار قوله: (ثم الذين يلونهم) ثلاث مرات، وهو في (الصحيحين) بتكرارها مرتين.
قوله: (وقال إبراهيم) . هو إبراهيم النخعي، من التابعين ومن فقهائهم.
قوله: (كانوا يضربوننا على الشهادة ونحن صغار) في نسخة: (على الشهادة والعهد) ، والظاهر أن الذي يضربهم ولي أمرهم.
وقوله: (على الشهادة) أي: يضربوننا عليها إن شهدنا زورا، أو إذا شهدنا ولم نقم بأدائها، ويحتمل أن المراد بذلك ضربهم على المبادرة بالشهادة والعهد، وبه فسر ابن عبد البر.
قوله: (والعهد) . أي: إذا تعاهدوا يضربونهم على الوفاء بالعهد.
قوله: (ونحن صغار) الجملة حالية، وإنما يضربونهم وهم صغار للتأديب.
ويستفاد من كلام إبراهيم أن الصبي تقبل منه الشهادة؛ لأن قوله: (ونحن
(10/1058)

صغار) ،أي: لم يبلغوا، وهذا محل خلاف بين أهل العلم.
فقال بعضهم: يشترط لأداء الشهادة أن يكون بالغا، فإذا تحمل وهو صغير؛ لم تقبل منه حتى يبلغ.
وقال بعضهم: شهادة الصغار بعضهم على بعض مقبولة تحملا وأداء؛ لأن البالغ يندر أن يوجد بين الصغار.
وقال بعضهم: تقبل شهادة الصغار بعضهم على بعض إن شهدوا في الحال؛ لأنه بعد التفرق يحتمل النسيان أو التلقين، ولا يسع العمل إلا بهذا، وإلا لضاعت حقوق كثيرة بين الصبيان.
ويستفاد من هذا الأثر جواز ضرب الصبي على الأخلاق إذا لم يتأدب إلا بالضرب
(10/1059)

فيه مسائل: الأولى: الوصية بحفظ الأيمان. الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة. الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه. الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي. الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: الوصية بحفظ الأيمان. تؤخذ من قوله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} والأمر وصية.
الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة. تؤخذ من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الحلف منفقة للسلعة» ... إلخ.
الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه. تؤخذ من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه ... » إلخ في ضمن الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا يزكيهم.
الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي. تؤخذ من حديث سلمان، حيث ذكر الأشيمط الزاني والعائل المستكبر، وغلظ في عقوبتهم؛ لأن الداعي إلى فعل المعصية المذكورة ضعيف عندهما.
الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون. لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ورجل جعل الله بضاعته، ولا يشتري إلا بيمينه ... »
ولكن هذا ليس على إطلاقه، بل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حلف ولم يستحلف في
(10/1060)

السادسة: ثناؤه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على القرون الثلاثة أو الأربعة وذكر ما يحدث بعدهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مواضع عديدة، بل أمره الله -سبحانه- أن يحلف في ثلاثة مواضع من القرآن بدون أن يستحلف.
في قوله: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي} (يونس:53) .
وفي قوله: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} (التغابن: 7) .
وفي قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} (سبأ:3)
وعليه، فإن الحلف إذا دعت الحاجة إليه أو اقتضته المصلحة، فإنه جائز، بل قد يكون مندوبا إليه، كحلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قصة المخزومية، حيث قال: «وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» فقد وقع موقعا عظيما من هؤلاء القوم الذين أهمهم شأن المخزومية وممن يأتي بعدهم.
السادسة: ثناؤه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على القرون الثلاثة أو الأربعة وذكر ما يحدث بعدهم. تؤخذ من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خير الناس قرني ... » ، وقوله: (أو الأربعة) بناء على ثبوت ذكر الرابع، وأكثر الروايات وأثبتها على حذفه.
وقوله: (وذكر ما يحدث) . لو جعلت هذه مسألة مستقلة، لكان أبين وأوضح؛ لأن الإخبار عن شيء مستقبل ووقوعه كما أخبر دليل على رسالته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(10/1061)

السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون. الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون. تؤخذ من حديث عمران، وكذا ذم الذين يخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، والذين يتعاطون أسباب السمن ويغفلون عن سمن القلب بالإيمان والعلم.
الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد.
تؤخذ من قول إبراهيم النخعي: (كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد) ، فيؤخذ منه تعظيم شأن العهد والشهادة وضرب الصغار على ذلك، ويؤخذ منه أيضا عناية السلف بتربية أولادهم، وأن من منهجهم الضرب على تحقيق ذلك استنادا إلى إرشاد نبيهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حيث أمر بضرب من بلغ عشر سنين على الصلاة، لكن يشترط لجواز الضرب:
الأول: أن يكون الصغير قابلا للتأديب، فلا يضرب من لا يعرف المراد بالضرب.
الثاني: أن يكون التأديب ممن له ولاية عليه.
الثالث: أن لا يسرف في ذلك كمية أو كيفية أو نوعا أو موضوعا أو غير ذلك.
الرابع: أن يقع من الصغير ما يستحق التأديب عليه.
الخامس: أن يقصد تأديبه لا الانتقام لنفسه، فإن قصد الانتقام، لم يكن مؤدبا بل منتصر.
(10/1062)

باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} (النحل: من الآية91)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ذمة الله وذمة نبيه) .
الذمة: العهد، وسمي بذلك؛ لأنه يلتزم به كما يلتزم صاحب الدين بدينه في ذمته.
والله ل عهد على عباده: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.
وللعباد عههد على الله وهو: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} ، فهذا عهد الله عليهم، ثم قال: {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (المائدة: 12) ، وهذا عهدهم على الله.
وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} (البقرة: 40) وللنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عهد على الأمة، وهو أن يتبعوه في شريعته ولا يبتدعوا فيها، وللأمة عليه عهد وهو أن يبلغهم ولا يكتمهم شيئا.
وقد أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه ما من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما هو خير.
(10/1063)

والمراد بالعهد هنا: ما يكون بين المتعاقدين في العهود كما كان بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأهل مكة في صلح الحديبية.
قوله تعالى: {وَأَوْفُوا} . أمر من الرباعي من أوفى يوفي، والإيفاء إعطاء الشي تاما، ومنه إيفاء المكيال والميزان.
قوله: {بِعَهْدِ اللَّهِ} . يصلح أن يكون من باب إضافة المصدر إلى فاعله أو إلى مفعوله، أي: بعهدكم الله، أو بعهد الله إياكم؛ لأن الفعل إذا كان على وزن فاعل اقتضى المشاركة من الجانبين غالبا، مثل: قاتل ودافع. قوله: {إِذَا عَاهَدْتُمْ} . فائدتها التوكيد والتنبيه على وجوب الوفاء، أي: إذا صدر منكم العهد، فإنه لا يليق منكم أن تدعوا الوفاء، ثم أكد ذلك بقوله: {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ} . نقض الشي هو حل إحكامه، وشبه العهد بالعقدة؛ لأنه عقد بين المتعاهدين.
قوله: {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} . توكيد الشيء بمعنى تثبيته، والتوكيد مصدر وكّد، يقال: وكّد الأمر وأكده تأكيدا وتوكيدا، والواو أفصح من الهمزة.
قوله: {وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} . الجملة حالية فائدتها قوة التوبيخ على نقض العهد واليمين.
ووجه جعل الله له كفيلا: أن الإنسان إذا عاهد غيره قال: أعاهدك بالله، أي جعل الله كفيلا.
قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} ختم الله الآية بالعلم تهديدا عن نقض العهد؛ لأن الإنسان إذا علم بأن الله يعلم كل ما يفعل؛ فإنه لا ينقض العهد.
ومناسبة الآية للترجمة واضحة جدا؛ لأن الله قال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ} ، وقال: {وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} . والعهد: الذمة.
(10/1064)

وعن بريدة؛ قال: «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله؛ وبمن معه من المسلمين خيرا فقال:»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومناسبة الباب للتوحيد:
أن عدم الوفاء بعهد الله تنقص له، وهذا مخل بالتوحيد.
قوله: (إذا أمَّر) أي: جعله أميرا، والأمير في صدر الإسلام يتولى التنفيذ والحكم والفتوى والإمامة.
قوله: (أو سرية) . هذه ليست للشك، بل للتنويع، فإن الجيش ما زاد على أربع مئة رجل والسرية ما دون ذلك.
والسرايا ثلاثة أقسام:
أ - قسم ينفذ من البلد، وهذا ظاهر، ويقسم ما غنمه كقسمة ما غنم الجيش.
ب - قسم ينفذ في ابتداء سفر الجهاد، وذلك بأن يخرج الجيش بكامله ثم يبعث سرية تكون أمامهم.
ج - قسم ينفذ في الرجعة، وذلك بعد رجوع الجيش.
وقد فرق العلماء بينهما من حيث الغنيمة، فلسرية الابتداء الربع بعد الخمس؛ لأن الجيش وراءها، فهو ردء لها وسيلحق بها، ولسرية الرجعة الثلث بعد الخمس؛ لأن الجيش قد ذهب عنها، فالخطر عليها أشد.
وهذا الذي تعطاه السريتان راجع إلى اجتهاد الإمام: إن شاء أعطى وإن شاء منع حسبما تقتضيه المصلحة.
قوله: (أوصاه) . الوصية: العهد بالشيء إلى غيره على وجه الاهتمام به.
(10/1065)

قوله: (بتقوى الله) . التقوى: هي امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه على علم وبصيرة، وهي مأخوذة من الوقاية، وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله، وذلك لا يكون إلا بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
وقال بعضهم: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى عنه الله على نور من الله تخشى عقاب الله.
وقال بعضهم:
خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى
واعمل كماش فوق أر ... رض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى
وهذه التعريفات كلها تؤدي معنى واحدا.
وكانت الوصية بالتقوى لأمير الجيش؛ لأن الغالب أن الأمير يكون معه ترفُّع يخشى منه أن يجانب الصواب من أجله؛ ولأن تقواه سبب لتقوى من تحت ولايته.
قوله: (وبمن معه من المسلمين خيرا) . أي: أوصاه أن يعمل بمن معه من المسلمين خيرا في أمور الدنيا والآخرة، فيسلك بهم الأسهل، ويطلب لهم الأخصب إذا كانوا على إبل أو خيل، ويمنع عنهم الظلم ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، وغير ذلك مما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه يجب على من تولى أمرا من أمور المسلمين أن يسلك بهم الأخير، بخلاف عمل الإنسان بنفسه؛ فإنه لا يلزم إلا بالواجب.
قوله: (اغزوا باسم الله) . يحتمل أنه أراد أن يعلمهم أن يكونوا دائما مستعينين بالله، ويحتمل أنه أراد أن يفتح الغزو باسم الله.
(10/1066)

«اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله.
اغزوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والأول أظهر، والثاني أيضا محتمل؛ لأنه بعث الجيوش من الأمور ذات البال، وكل أمر لا يبدأ فيه باسم الله، فهو أبتر.
قوله: (في سبيل الله) . متعلق بـ (اغزوا) وهو تنبيه من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حسن النية والقصد؛ لأن الغزاة لهم أغراض، ولكن الغزو النافع الذي تحصل به إحدى الحسنيين ما كان خالصا لله. وذلك بأن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا لا لحمية أو شجاعة أو ليرى مكانه أو لطلب دنيا.
فإذا قاتل لأجل الوطن: فمن قاتل لأنه وطن إسلامي تجب حمايته وحماية المسلمين فيه، فهذه نية إسلامية صحيحة، وإن كان للقومية أو الوطنية فقط فهو حمية وليس في سبيل الله.
قوله: (في سبيل الله) . تشمل النية والعمل، فالنية سبقت، والعمل: أن يكون الغزو في إطار دينه وشريعته، فيكون حسبما رسمه الشارع.
قوله: (قاتلوا من كفر بالله) . (قاتلوا) : فعل أمر وهو للوجوب، أي: يجب علينا أن نقاتل من كفر بالله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (التحريم: 9) . وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} (التوبة:123) فإذا قاتلنا الذين يلوننا، فأسلموا، نقاتل من وراءهم، وهكذا إلى أن نخلص إلى مشارق الأرض ومغاربها.
(وَمَنْ) : اسم موصول، وصلته (كفر) ، واسم الموصول وصلته يفيد
(10/1067)

العلية، أي: لكفره، فنحن لا نقاتل الناس عصبية أو قومية أو وطنية، نقاتلهم لكفرهم لمصلحتهم وهي إنقاذهم من النار.
والكفر مداره على أمرين: الجحود، والاستكبار.
أي: الاستكبار عن طاعته، أو الجحود لما يجب قبوله وتصديقه.
قوله: (اغزو) . تأكيد، وأتى بها ثانية كأنه يقول: لا تحقروا الغزو واغزوا بجد.
قوله: (لا تغلوا) . الغلول: أن يكتم شيئا من الغنيمة فيختص به، وهو من كبائر الذنوب، قال تعالى: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 161) ، أي معذَّبا به، فهو يعذَّب بما غل يوم القيامة ويعزَّر في الدنيا، قال أهل العلم: يعزر الغالُّ بإحراق رحله كله، إلا المصحف لحرمته، والسلاح لفائدته، وما فيه من روح؛ لأنه لا يجوز تعذيبه بالنار.
قوله (ولا تغدروا) . الغدر: الخيانة، وهذا هو الشاهد من الحديث، وهذا إذا عاهدنا؛ فإنه يحرم الغدر، أما الغدر بلا عهد، فلنا ذلك لأن الحرب خدعة، وقد ذُكر أن على بن أبي طالب رضي الله عنه خرج إليه رجل من المشركين ليبارزه، فلما أقبل الرجل على عليٍّ صاح به عليٌّ: ما خرجت لأبارز رجلين. فالتفت المشرك يظن أنه جاء أحد من أصحابه ليساعده، فقتله علي رضي الله عنه.
وليعلم أن لنا مع المشركين ثلاث حالات.
الحال الأولى: أن لا يكون بيننا وبينهم عهد، فيجب قتالهم بعد دعوتهم إلى الإسلام وَإبائهم عنه وعن بذل الجزية، بشرط قدرتنا على ذلك.
الحال الثانية: أن يكون بيننا وبينهم عهد محفوظ يستقيمون فيه، فهنا
(10/1068)

يجب الوفاء لهم بعدهم، لقوله تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7] ، وقوله: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [الأنفال:58] .
الحال الثالثة: أن يكون بيننا وبينهم عهد نخاف خيانتهم فيه؛ فهنا يجب أن ننبذ إليهم العهد ونخبرهم أنه لا عهد بيننا وبينهم؛ لقوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال:58] .
قوله: (ولا تمثلوا) . التمثيل: التشويه بقطع بعض الأعضاء، كالأنف واللسان وغيرهما، وذلك عند أسرهم؛ لأنه لا حاجة إليه؛ لأنه انتقام في غير محله، واختلف العلماء فيما لو كانوا يفعلون بنا ذلك:
فقيل: لا يمثل بهم للعموم، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يستثن شيئا؛ ولأننا إذا مثلنا بواحد منهم فقد يكون لا يرضى بما فعله قومه، فكيف نمثل به؟! .
وقيل: نمثل بهم كما مثلوا بنا؛ لأن هذا العموم مقابل بعموم آخر، وهو قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194] .
وإذا لم نمثل بهم مع أنهم يمثلون بنا، فقد يفسر هذا بأنه ضعف، وإذا مثلنا بهم في مثل هذه الحال؛ عرفوا أن عندنا قوة ولم يعودوا للتمثيل بنا ثانية.
والظاهر القول الثاني.
فإن قيل: قد نمثل بواحد لم يمثل بنا ولا يرضى بالتمثيل؟.
فيقال: إن الأمة الواحدة فعل الواحد منها كفعل الجميع، ولهذا كان الله - عز وجل - يخاطب اليهود في عهد الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأمور جرت في عهد موسى، قال تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة: 72] ، وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} [البقرة:93] ، وما أشبه ذلك.
(10/1069)

«وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال (أو: خلال) فأيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم:»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا تقتلوا وليدا) . أي: لا تقتلوا صغيرا؛ لأنه لا يقاتل، ولأنه ربما يسلم.
وورد في أحاديث أخرى: أنه «لا يقتل راهب ولا شيخ فان ولا امرأة» (1) ، إلا أن يقاتلوا، أو يحرضوا على القتال، أو يكون لهم رأي في الحرب، كما قتل دريد بن الصّمة في غزوة ثقيف مع كبره وعماه.
واستدل بهذا الحديث أن القتال ليس لأجل أن يسلموا، ولكنه لحماية الإسلام؛ بدليل أننا لا نقتل هؤلاء، ولو كان من أجل ذلك لقتلناهم إذا لم يسلموا، ورجح شيخ الإسلام هذا القول، وله رسالة في ذلك اسمها (قتال الكفار) .
قوله: (وإذا لقيت عدوك) . أي قابلته أو وجدته، وبدأ بذكر العداوة تهييجا لقتالهم؛ لأنك إذا علمت أنهم أعداء لك، فإن ذلك يدعوك إلى قتالهم؛ ولهذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1] ، وهذا أبلغ وأعم من قوله في آية أخرى: {لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة:51] ، لكن خص في هذه الآية باليهود والنصارى، لأن المقام يقتضيه.
والعدو ضد الولي، والولي من يتولى أمورك ويعتني بك بالنصر والدفاع
__________
(1) أبو داود: كتاب الجهاد / باب دعاء المشركين
(10/1070)

«ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها؛ فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وغير ذلك، والعدو يخذلك ويبتعد عنك، ويعتدي عليك ما أمكنه.
قوله: (من المشركين) . يدخل فيه كل الكفار، حتى اليهود والنصارى.
قوله: (خصال أو خلال) بمعنى واحد، وعليه فـ (أو) للشك في اللفظ، والمعنى لا يتغير.
قوله: (فأيتهن ما أجابوك) . (أيتهن) : اسم شرط مبتدأ، (ما) : زائدة، وهي تزاد بالشرط تأكيدا للعموم؛ كقوله تعالى: {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء:110] ، والكاف مفعول به، والعائد إلى اسم الشرط محذوف، والتقدير: فأيتهن ما أجابوك إليه، فاقبل منهم وكف عنهم، فلا تقاتلهم.
قوله: (ثم ادعهم) . (ثم) : زائدة، كما في رواية أبي داود؛ ولأنه ليس لها معنى، ويمكن أن يقال: إنها ليست من كلام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل من كلام الراوي على تقدير: ثم قال ادعهم.
وقوله: (إلى الإسلام) . أي: المتضمن للإيمان؛ لأنه إذا أفرد شمل الإيمان، وإذا اجتمعا افترقا، كما فرق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينهما في حديث جبريل.
(10/1071)

والإيمان عند أهل السنة تدخل فيه الأعمال، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» ، فإن أجابوا للإسلام، فهذا ما يريده المسلمون، فلا يحل لنا أن نقاتلهم، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فاقبل منهم) .
قوله: (ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين) . هذه الجملة تشير إلى أن الذين قوتلوا أهل بادية، فإذا أسلموا طلب منهم أن يتحولوا إلى ديار المهاجرين ليتعلموا دين الله؛ لأن الإنسان في باديته بعيد عن العلم، كما قال تعالى: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: 97] ، وهذا أصل في توطين البوادي.
وقوله: (إلى دار المهاجرين) ، يحتمل أن المراد بها العين، أي: المدينة النبوية، ويحتمل أن المراد بها الجنس؛ أي: الدار التي تصلح أن يهاجر إليها لكونها بلد إسلام، سواء كانت المدينة أو غيرها.
ويقوي الاحتمال الثاني - وهو أن المراد بها الجنس -: أنه لو كان المراد المدينة؛ لكان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعبر عنها باسمها ولا يأتي بالوصف العام، ويقوي الاحتمال الأول: أن دار المهاجرين هي المدينة، والظاهر الاحتمال الثاني.
قوله: (فإن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين) . وهذا تمام العدل، ولا يقال: إن الحق لصاحب البلد الأصلي، فلهم ما للمهاجرين من
(10/1072)

الغنيمة والفيء، وعليهم ما عليهم من الجهاد والنصرة.
قوله: (ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين) . يعني: إذا لم يتحولوا إلى دار المهاجرين، فليس لهم في الغنيمة والفيء شيء.
والغنيمة: ما أخذ من أموال الكفار بقتال أو ما ألحق به.
والفيء: ما يصرف لبيت المال؛ كخمس خمس الغنيمة، والجزية، والخراج، وغيرها.
وقوله: (إلا أن يجاهدوا مع المسلمين) . يفيد أنهم إن جاهدوا مع المسلمين استحقوا من الغنيمة ما يستحقه غيرهم.
وأما الفيء؛ فاختلف أهل العلم في ذلك:
فعند الإمام أحمد: لهم حق في الفيء مطلقا، ولهم حق في الغنيمة إن جاهدوا.
وقيل: لا حق لهم في الفيء، إنما الفيء يكون لأهل البلدان بدليل الاستثناء، فهو عائد على الغنيمة، إذ ليس من في البلد مستعدا للجهاد ويتعلم الدين وينشره كأعرابي عند إبله.
فإذا أسلموا، فلهم ثلاث مراتب:
1 - التحول إلى دار المهاجرين، وحينئذ يكون لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين.
2 - البقاء في أماكنهم مع الجهاد، فلهم ما للمجاهدين من الغنيمة، وفي الفيء الخلاف.
3 - البقاء في أماكنهم مع ترك الجهاد؛ فليس لهم من الغنيمة والفيء شيء.
(10/1073)

«فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك؛ فاقبل منهم وكف عنهم.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فإن هم أبوا) . (هم) عند البصريين: توكيد للفاعل المحذوف مع فعل الشرط، والتقدير: فإن أبوا هم، وعند الكوفيين: مبتدأ خبره الجملة بعده.
والقاعدة عندنا إذا اختلف النحويون في مسألة: أن نتبع الأسهل، والأسهل هنا إعراب الكوفيين.
قوله: (فاسألهم الجزية) . سؤال عطاء لا سؤال استفهام، والفرق بين سؤال الاستفهام وسؤال العطاء: أن سؤال الاستفهام يتعدى إلى المفعول الثاني بـ (عن) ، قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} [النازعات: 42] . وقد يكون المفعول الثاني جملة استفهامية، كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} [المائدة:4] .
وأما سؤال الإعطاء؛ فيتعدى إليه بنفسه، كقولك: سألت زيدا كتابا.
والجزية: فعلة من جزى يجزي، وظاهر فيها أنها مكافأة على شيء، وهي عبارة عن مال مدفوع من غير المسلم عوضا عن حمايته وإقامته بدارنا.
والذمي معصوم ماله ودمه وذريته مقابل الجزية، قال تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] ، أي: يسلموها بأيديهم، لا يقبل أن يرسل بها خادمه أو ابنه، بل لا بد أن يأتي بها هو.
وقيل: {عَنْ يَدٍ} : عن قوة منكم، والصحيح أنها شاملة للمعنيين.
وقيل: {عَنْ يَدٍ} : أن يعطيك إياه فتأخذها بقوة بأن تجر يده حتى يتبين له قوتك، وهذا لا حاجة إليه.
وقوله: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} أي: يجب أن يتصفوا بالذل والهوان عند
(10/1074)

«فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك؛ فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إعطائها، فلا يعطوها بأبهة وترفع مع خدم وموكب ونحو ذلك، وجعل بعض العلماء من صغارهم أن يطال وقوفهم عند تسلمها منهم.
قوله: (فاستعن بالله وقاتلهم) . بدأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بطلب العون من الله؛ لأنه إذا لم يعنك في جهاد أعدائه فإنك مخذول، والجملة جواب الشرط.
قوله: (وإذا حاصرت أهل حصن) . الحصر: التضييق، أي: طوقتهم وضيقت عليهم بحيث لا يخرجون من حصنهم ولا يدخل عليهم أحد.
والحصن: كل ما يتحصن به من قصور أو أحواش وغيرها.
قوله: (فأرادوك) . أي: طلبوك، وضمن الإرادة معنى الطلب، وإلا فإن الأصل أن تتعدى بـ (من) ، فيقال أرادوا منك.
قوله: (فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه) . الذمة: العهد، فإذا قال أهل الحصن المحاصرون: نريد أن ننزل على عهد الله ورسوله، فإنه لا يجوز أن ينزلهم على عهد الله ورسوله، فإنه لا يجوز أن ينزلهم على عهد الله ورسوله، وعلل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك بقوله: «فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون» . . .) .
قوله: (أن تخفروا) بضم التاء وكسر الفاء: من أخفر الرباعي، أي: غدر، وأما خفر يخفر الثلاثي فهي بمعنى أجار، والمتعين الأول.
(10/1075)

«وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله؛ فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا.» رواه مسلم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: (أن تخفروا) . (أن) بفتح الهمزة مصدرية بدليل رفع (أهون) على أنها خبر، وأن وما دخلت عليه محلها من الإعراب النصب على أنها بدل اشتمال من اسم (إن) ، والتقدير: فإن إخفارهم ذممكم، والبدل يصح أن يحل محل المبدل منه، ولهذا قدرتها بما سبق.
قوله: «أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه» . لأن الغدر بذمة الله وذمة نبيه أعظم، وقوله: (أهون) من باب اسم التفضيل الذي ليس في المفضل ولا في المفضل عليه شيء من هذا المعنى؛ لأن قوله: (أهون) يقتضي اشتراك المفضل والمفضل عليه بالهون، والأمر ليس كذلك، لأن إخفار الذمم سواء كان لذمة الله وذمة رسوله أو ذمة المجاهدين، كله ليس بهين، بل هو صعب، لكن الهون هنا نسبي وليس على حقيقته.
فهنا أرادوا أن ينزلوا على العهد بدون أن يحكم عليهم بشيء، بل يعاهدون على حماية أموالهم وأنفسهم ونسائهم وذريتهم فنعطيهم ذلك.
قوله: (وإذا حاصرت) . أي: ضربت حصارا يمنعهم من الخروج من مكانهم.
(أهل حصن) : أهل بلد أو مكان يتحصنون به.
(10/1076)

(فأرادوك) : طلبوا منك.
(حكم الله) ، أي: شرع الله.
قوله: (ولكن أنزلهم على حكمك) . فإذا أرادوا أن ينزلوا على حكم الله فإنهم لا يجابون، فإننا لا ندري أنصيب فيهم حكم الله أم لا؟ .
ولهذا قال: (أنزلهم على حكمك) ، ولم يقل: وحكم أصحابك كما قال في الذمة؛ لأن الحكم في الجيش أو السرية للأمير، وأما الذمة والعهد فهي من الجميع، فلا يحل لواحد من الجيش أن ينقض العهد.
وقوله: (لا تدري) . أي: لا تعلم (أتصيب فيهم حكم الله أم لا) ، وذلك لأن الإنسان قد يخطئ حكم الله تعالى.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:
فقيل: إن أهل الحصن لا ينزلون على حكم الله، لأن قائد الجيش وإن اجتهد فإنه لا يدري أيصيب فيهم حكم الله أم لا؟ فليس كل مجتهد مصيبا.
وقيل: بل ينزلون على حكم الله، والنهي عن ذلك خاص في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقط؛ لأنه العهد الذي يمكن أن يتغير فيه الحكم؛ إذ من الجائز بعد مضي هذا الجيش أن يغير الله هذا الحكم، وإذا كان كذلك؛ فلا تنزلهم على حكم الله، لأنك لا تدري أتصيب الحكم الجديد أو لا تصيبه؟ .
أما بعد انقطاع الوحي؛ فينزلون على حكم الله، واجتهادنا في إصابة حكم الله يعتبر صوابا إذا لم يتبين خطؤه، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وقد قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] ، وهذا أصح؛ لأنه يحكم للمجتهد بإصابته الحكم ظاهرا شرعا وإن كان قد يخطئ، وإن حصل الاحتراز بأن يقول: ننزلك على ما نفهم من حكم الله ورسوله، فهو أولى،
(10/1077)

لأنك إذا قلت على ما نفهم صار الأمر واضحا أن هذا حكم الله بحسب فهمنا، لا بحسب الواقع فيما اتضح خلافه.
واخترنا هذه العبارة؛ لأنه قد يتغير الاجتهاد، ويأتي أمير آخر فيحارب هؤلاء أو غيرهم ثم يتغير الحكم، فيقول الكفار: إن أحكام المسلمين متناقضة.
ويستفاد من هذا الحديث ما يلي:
1 - تحريم التمثيل، والغلول، والغدر، وقتل الوليد، وقد سبق الكلام عليه.
2 - يشرع للإمام بعث الجيوش والسرايا.
3 - لا يجوز القتال قبل الدعوة؛ لأنه جعل القتال آخر مرحلة.
وأما ما ورد في (الصحيح) أن «النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أغار على بني المصطلق وهم غارون» ؛ فقد أجيب: أن هؤلاء قد بلغتهم الدعوة، ودعوة من بلغتهم الدعوة سنة لا واجبة، ويرجع فيها للمصلحة.
4 - جواز أخذ الدية من غير اليهود والنصارى والمجوس؛ لأن أهل الكتاب نص القرآن على أخذها منهم، والمجوس وردت به السنة، وأما ما عدا هؤلاء فاختلف أهل العلم:
فقيل: لا تأخذ من غير هؤلاء، وقيل: لا تؤخذ من مشركي العرب، لأن فيها إذلالا.
والصحيح أنها تؤخذ من جميع الكفار؛ لعموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من كفر بالله) ولم يقل: اليهود والنصارى.
(10/1078)

5 - الإشارة إلى أن القتال ليس لإكراه الناس على أن يدخلوا في الإسلام، ولو كان كذلك ما شرعت الجزية؛ لأنه على هذا التقدير يجب أن يدخلوا في الدين أو يقاتلوا، وهذا هو الراجح الذي يؤيده القرآن والسنة، وأما قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أمرت أن أقاتل الناس» . . .) الحديث. فهو عام مخصوص بأدلة الجزية.
6 - عظم العهود، ولا سيما إذا كانت عهدا لله ورسوله.
7 - جواز نزول أهل الحصن على حكم أمير الجيش.
8 - أنه لا يجوز أن ينزلهم على حكم الله، إما في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو مطلقا حسب الخلاف السابق.
9 - أن المجتهد قد يصيب وقد يخطئ؛ لقوله: « (فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟) » ، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر واحد) » ، وعليه، فهل نقول: إن المجتهد مصيب ولو أخطأ؟ .
الجواب: قيل: كل مجتهد مصيب.
وقيل: ليس كل مجتهد مصيبا.
وقيل: كل مجتهد مصيب في الفروع دون الأصول؛ حذرا من أن نصوب أهل البدع في باب الأصول.
(10/1079)

والصحيح أن كل مجتهد مصيب من حيث اجتهاده، أما من حيث موافقته للحق؛ فإنه يخطئ ويصيب، ويدل له قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فاجتهد فأصاب، واجتهد فأخطأ) ؛ فهذا واضح في تقسيم المجتهدين إلى مخطئ ومصيب، وظاهر الحديث والنصوص أنه شامل للفروع والأصول، حيث دلت تلك النصوص على أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، لكن الخطأ المخالف لإجماع السلف خطأ ولو كان من المجتهدين؛ لأنه لا يمكن أن يكون مصيبا والسلف غير مصيبين، سواء في علم الأصول والفروع.
على أن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أنكرا تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وقالا: إن هذا التقسيم محدث بعد عصر الصحابة، ولهذا نجد القائلين بهذا التقسيم يلحقون شيئا من أكبر أصول الدين بالفروع، مثل الصلاة، وهي ركن من أركان الإسلام، ويخرجون أشياء في العقيدة اختلف فيها السلف، يقولون: إنها من الفروع، لأنها ليست من العقيدة، ولكن فروع من فروعها، ونحن نقول: إن أردتم بالأصول ما كان عقيدة؛ فكل الدين أصول، لأن العبادات المالية أو البدنية لا يمكن أن تتعبد لله بها إلا أن تعتقد أنها مشروعة، فهذه عقيدة سابقة على العمل، ولو لم تعتقد ذلك لم يصح تعبدك لله بها.
والصحيح أن باب الاجتهاد مفتوح فيما سمي بالأصول أو الفروع، لكن ما خرج عن منهج السلف، فليس بمقبول مطلقا.
10 - أن باب الاجتهاد باق؛ لقوله: «لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟» ، وبهذا يتبين ضعف قول من قال: إن باب الاجتهاد قد انسد، والواجب التقليد للأئمة، وهذا يترتب عليه الإعراض عن الكتاب والسنة إلى آراء الرجال، وهذا خطأ، بل الواجب على من تمكن من أخذ الحكم من الكتاب
(10/1080)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
والسنة أن يأخذه منهما، لكن لكثرة السنن وتفرقها لا ينبغي للإنسان أن يحكم بشيء بمجرد أن يسمع حديثا في هذا الحكم حتى يتثبت؛ لأن هذا الحكم قد يكون منسوخا أو مقيدا أو عاما وأنت تظنه بخلاف ذلك.
وأما أن نقول: لا تنظر في القرآن والسنة لأنك لست أهلا للاجتهاد؛ فهذا غير صحيح، ثم إنه على قولنا: إن باب الاجتهاد مفتوح؛ لا يجوز أبدا أن تحتقر آراء العلماء السابقين، أو أن تنزل من قدرهم؛ لأن أولئك تعبوا واجتهدوا وليسوا بمعصومين، فكونك تقدح فيهم أو تأخذ المسائل التي يلقونها على أنها نكت تعرضها أمام الناس ليسخروا بهم؛ فهذا أيضا لا يجوز، وإذا كانت غيبة الإنسان العادي محرمة، فكيف بغيبة أهل العلم الذين أفنوا أعمارهم في استخراج المسائل من أدلتها، ثم يأتي في آخر الزمان من يقول: إن هؤلاء لا يعرفون، وهؤلاء يفرضون المحال ويقولون: كذا وكذا، مع أن أهل العلم فيما يفرضونه من المسائل النادرة قد لا يقصدون الوقوع، ولكن يقصدون تمرين الطالب على تطبيق المسائل على قواعدها وأصولها؟! .
11 - فيه إثبات الحكم لله - عز وجل -، وحكم الله ينقسم إلى قسمين:
أ - حكم كوني، وهو ما يتعلق بالكون، ولا يمكن لأحد أن يخالفه، ومنه قوله تعالى: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي} [يوسف:80] .
ب - حكم شرعي، وهو ما يتعلق بالشرع والعبادة، وهذا من الناس من يأخذ به ومنهم من لا يأخذ به، ومنه قوله تعالى: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} [الممتحنة:10] .
(10/1081)

فيه مسائل:
الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين. الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين. لو قال: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وبين ذمة المسلمين، لكان أوضح؛ لأنك عندما تقرأ كلامه تظن أن الفروق بين الثلاثة كلها، وليس كذلك؛ فإن ذمة الله وذمة نبيه واحدة، وإنما الفرق بينهما وبين ذمة المسلمين.
والفرق أن جعل ذمة الله وذمة نبيه للمحاصرين محرمة، وجعل ذمة المحاصرين - بكسر الصاد - ذمة جائزة.
الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا. لقوله: «ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك» . . .) إلخ، وهذه قاعدة مهمة، وتقال على وجه آخر وهو: ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما إذا كان لابد من ارتكاب إحداهما، وقد دل عليها الشرع، قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] ؛ فسب آلهة المشركين مطلوب، لكن إذا تضمن سب الله - عز وجل - صار منهيا عنه؛ لأن مفسدة سب الله أعظم من مفسدة السكوت عن سب آلهتهم، وإن كان في هذا السكوت شيء من المفسدة، ولكن نسكت لئلا نقع في مفسدة أعظم، وأيضا العقل دل عليها.
وفيها قاعدة مقابلة، وهي: ترك أدنى المصلحتين لنيل أعلاهما، إذا كان لا بد من ترك إحداهما، فإذا اجتمعت مصلحتان لا يمكن الأخذ بهما جميعا؛
(10/1082)

الثالثة: قوله: «اغزوا بسم الله في سبيل الله» . الرابعة: قوله: «قاتلوا من كفر بالله» . الخامسة: قوله: « (استعن بالله وقاتلهم) .» السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فخذ بأعلاهما، وإذا اجتمعت مفسدتان لا يمكن تركهما، فخذ بأدناهما.
الثالثة: قوله: (اغزوا بسم الله في سبيل الله) . يستفاد منها وجوب الغزو مع الاستعانة بالله والإخلاص والتمشي على شرعه.
الرابعة: قوله: (قاتلوا من كفر بالله) . يستفاد منها وجوب قتال الكفار، وأن علة قتالهم الكفر، وليس المعنى أنه لا يقاتل إلا من كفر، بل الكفر سبب للقتال؛ فمن منع الزكاة يقاتل، وإذا ترك أهل بلد صلاة العيد قوتلوا، وكذا الأذان والإقامة، مع أنهم لا يكفرون بذلك.
وإذا اقتتلت طائفتان وأبت إحداهما أن تفيء إلى أمر الله، قوتلت، فالقتال له أسباب متعددة غير الكفر.
الخامسة: قوله: (استعن بالله وقاتلهم) . يفيد وجوب الاستعانة بالله، وأن لا يعتمد الإنسان على حوله وقوته.
السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء. وفيه فرقان:
1 - أن حكم الله مصيب بلا شك، وحكم العلماء قد يصيب وقد لا يصيب.
2 - تنزيل أهل الحصن على حكم الله ممنوع، إما في عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقط أو مطلقا، وأما على حكم العلماء ونحوه؛ فهو جائز.
(10/1083)

السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟ .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فائدة:
لا ينبغي أن يقال لمفت: ما حكم الإسلام في كذا، أو ما رأي الإسلام في كذا، فإنه قد يخطئ فلا يصيب حكم الإسلام، ولا يقول مفت: حكم الإسلام كذا؛ لأنه قد يخطئ، ولكن يقيد، فيقول: حكم الإسلام فيما أرى كذا وكذا إلا فيما هو نص واضح وصريح؛ فلا بأس، مثل أن يقال: ما حكم الإسلام في أكل الميتة؟ فيقول: حكم الإسلام في أكل الميتة أنه حرام.
السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟ وهذا ليس خاصا بالصحابة، بل حتى من بعدهم، فإن له أن يحكم بما يرى أنه حكم الله عند الحاجة.
(10/1084)

باب ما جاء في الإقسام على الله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الإقسام: مصدر أقسم يُقسم إذا حلف.
والحلف له عدة أسماء، هي: يمين، وألية، وحلف، وقسم، وكلها بمعنى واحد، قال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة:75] ، وقال: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [البقرة: 226] ، أي: يحلفون، وقال: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] ، وقال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} [التوبة:62] وقال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [النور:53] .
واختلف أهل العلم في لا في قوله: {لَا أُقْسِمُ} .
فقيل: إنها نافية على الأصل، وإن معنى الكلام: لا أقسم بهذا الشيء على المُقسم به؛ لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم، وهذا فيه تكلف، لأن من قرأ الآية عرف أن مدلولها الإثبات لا النفي.
وقيل: إن لا زائدة، والتقدير أقسم.
وقيل: إن لا للتنبيه، وهذا بمعنى الثاني؛ لأنها من حيث الإعراب زائدة.
وقيل: إنها نافية لشيء مقدر، أي: لا صحة لما تزعمون من انتفاء البعث، وهذا في قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} فيه شيء من التكلف، والصواب أنها زائدة للتنبيه.
والإقسام على الله: أن تحلف على الله أن يفعل، أو تحلف عليه أن لا يفعل، مثل: والله، ليفعلن الله كذا، أو والله، لا يفعل الله كذا.
والقسم على الله ينقسم إلى أقسام:
(10/1085)

الأول: أن يقسم على ما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات، فهذا لا بأس به، وهذا دليل على يقينه بما أخبر الله به رسوله، مثل: والله، ليشفعن الله نبيه في الخلق يوم القيامة، ومثل: والله، لا يغفر الله لمن أشرك به.
الثاني: أن يقسم على ربه لقوة رجائه وحسن الظن بربه؛ فهذا جائز لإقرار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك في قصة الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك رضي الله عنهما، « (حينما كسرت ثنية جارية من الأنصار، فاحتكموا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقصاص، فعرضوا عليهم الصلح، فأبوا، فقام أنس بن النضر، فقال: أتكسر ثنية الربيع؟ والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع. وهو لا يريد به رد الحكم الشرعي، فقال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا أنس! كتاب الله القصاص) ؛ يعني: السن بالسن. قال: والله، لا تكسر ثنية الربيع) ،» وغرضه بذلك أنه لقوة ما عنده من التصميم على أن لا تكسر ولو بذل كل غال ورخيص أقسم على ذلك.
فلما عرفوا أنه مصمم ألقى الله في قلوب الأنصار العفو فعفوا، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) » ، فهو لقوة رجائه بالله وحسن ظنه أقسم على الله أن لا تكسر ثنية الربيع؛ فألقى الله العفو في قلوب هؤلاء الذين صمموا أمام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على القصاص، فعفوا وأخذوا الأرش.
فثناء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهادة بأن الرجل من عباد الله، وأن الله أبر قسمه ولين له هذه القلوب، وكيف لا وهو الذي قال: بأنه يجد ريح الجنة دون أحد،
(10/1086)

عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان؛ فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك» . رواه مسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولما استشهد وجد به بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح، ولم يعرفه إلا أخته ببنانه، وهي الربيع هذه، رضي الله عن الجميع وعنا معهم.
ويدل أيضا لهذا القسم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « (رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) » .
القسم الثالث: أن يكون الحامل له هو الإعجاب بالنفس، وتحجر فضل الله - عز وجل - وسوء الظن به تعالى، فهذا محرم، وهو وشيك بأن يحبط الله عمل هذا المُقسم، وهذا القسم هو الذي ساق المؤلف الحديث من أجله.
مناسبة الترجمة لكتاب التوحيد: أن من تألى على الله - عز وجل - فقد أساء الأدب معه وتحجر فضله وأساء الظن به، وكل هذا ينافي كمال التوحيد، وربما ينافي أصل التوحيد،، فالتألي على من هو عظيم يعتبر تنقصا في حقه.
قوله: (قال رجل) . يحتمل أن يكون الرجل الذي ذكر في حديث أبي
(10/1087)

هريرة الآتي أو غيره.
قوله: (والله لا يغفر الله لفلان) . هذا يدل على اليأس من روح الله، واحتقار عباد الله عند هذا القائل، وإعجابه بنفسه.
والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من المغفر الذي يغطى به الرأس عند الحرب، وفيه وقاية وستر.
قوله: (من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان) . (من) : اسم استفهام مبتدأ، (ذا) ملغاة، (الذي) : اسم موصول خبر مبتدأ، (يتألى) : يحلف؛ أي: من ذا الذي يتحجر فضلي ونعمتي أن لا أغفر لمن أساء من عبادي، والاستفهام للإنكار.
والحديث ورد مبسوطا في حديث أبي هريرة أن هذا الرجل كان عابدا وله صاحب مسرف على نفسه، وكان يراه على المعصية، فيقول: أقصر. فوجده يوما على ذنب، فقال: أقصر. فقال: خلني وربي، أبُعثت علي رقيبا؟ فقال: والله، لا يغفر الله لك.
وهذا يدل على أن المسرف عنده حسن ظن بالله ورجاء له، ولعله كان يفعل الذنب ويتوب فيما بينه وبين ربه؛ لأنه قال: خلني وربي، والإنسان إذا فعل الذنب ثم تاب توبة نصوحا ثم غلبته عليه نفسه مرة أخرى، فإن توبته الأولى صحيحة، فإذا تاب ثانية فتوبته صحيحة؛ لأن من شروط التوبة أن يعزم أن لا يعود، وليس من شروط التوبة أن لا يعود.
وهذا الرجل الذي قد غفر الله له إما أن يكون قد وجدت منه أسباب المغفرة بالتوبة، أو أن ذنبه هذا كان دون الشرك فتفضل الله عليه فغفر له، أما لو
(10/1088)

كان شركا ومات بدون توبة، فإنه لا يغفر له؛ لأن الله يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:116] .
قوله: (وأحبطت عملك) . ظاهر الإضافة في الحديث: أن الله أحبط عمله كله؛ لأن المفرد المضاف الأصل فيه أن يكون عاما.
ووجه إحباط الله عمله على سبيل العموم - حسب فهمنا والعلم عند الله -: أن هذا الرجل كان يتعبد لله وفي نفسه إعجاب بعمله، وإدلال بما عمل على الله، كأنه يمن على الله بعمله، وحينئذ يفتقد ركنا عظيما من أركان العبادة؛ لأن العبادة مبنية على الذل والخضوع، فلا بد أن تكون عبدا لله - عز وجل - بما تَعَبَّدَكَ به وبما بلغك من كلامه، وكثير من الذين يتعبدون لله بما تعبدهم به قد لا يتعبدون بوحيه، قد يصعب عليهم أن يرجعوا على رأيهم إذا تبين لهم الخطأ من كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويحرفون النصوص من أجله، والواجب أن تكون لله عبدا فيما بلغك من وحيه، بحيث تخضع له خضوعا كاملا حتى تحقق العبودية.
ويحتمل معنى: (أحبطت عملك) ؛ أي: عملك الذي كنت تفتخر به على هذا الرجل، وهذا أهون؛ لأن العمل إذا حصلت فيه إساءة بطل وحده دون غيره، لكن ظاهر حديث أبي هريرة يمنع هذا الاحتمال، حيث جاء فيه أن الله تعالى قال: اذهبوا به إلى النار.
ونظير هذا مما يحتمل العموم والخصوص قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده فيمن منع الزكاة: «فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا» . (1)
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (5/ 2،4) ، وأبو داود: كتاب الزكاة / باب زكاة السائمة، والنسائي: كتاب الزكاة / باب عقوبة مانع الزكاة / باب عقوبة مانع الزكاة، والحاكم (1/555) - صححه على شرطهما ووافقه الذهبي.
(10/1089)

وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد. قال أبو هريرة: «تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته» (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فقوله: (وشطر ماله) ؛ هل المراد جميع ماله، أو ماله الذي منع زكاته؟ .
يحتمل الأمرين، فمثلا: إذا كان عنده عشرون من الإبل، فزكاتهما أربع شياه، فمنع الزكاة، فهل نأخذ عشرا من الإبل فقط من الزكاة، أو إذا كان عنده أموال أخرى من بقر وغنم ونقود نأخذ نصف جميع ذلك مع الزكاة؟ .
اختلف في ذلك:
فقيل: نأخذ نصف ماله الذي وقعت فيه المخالفة.
وقيل: نأخذ نصف جميع المال.
والراجح أنه راجع إلى رأي الإمام حسب المصلحة، فإن كان أخذُ نصف المال كله أبلغ في الردع، أخذ نصف المال كله، وإلا أخذ نصف المال الذي حصلت فيه المخالفة.
قوله: (تكلم بكلمة) . يعني قوله: والله؛ لا يغفر الله لك.
قوله: (أوبقت) . أي: أهلكت، ومنه حديث: «اجتنبوا السبع الموبقات» ، أي: المهلكات.
__________
(1) الإمام أحمد في المسند (2/323) ، وأبو داوود كتاب الأدب / باب في النهي عن البغي
(10/1090)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (دنياه وآخرته) . لأن من حبط عمله؛ فقد خسر الدنيا والآخرة.
أما كونها أوبقت آخرته، فالأمر ظاهر؛ لأنه من أهل النار والعياذ بالله، وأما كونها أوبقت دنياه؛، فلأن دنيا الإنسان حقيقة هي ما اكتسب فيها عملا صالحا، وإلا، فهي خسارة، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3] ، وقال: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر:15] ، فمن لم يوفق للإيمان والعمل الصالح فقد خسر دنياه حقيقة، لأن مآلها للفناء، وكل شيء فان فكأنه لم يوجد، واعتبر هذا بما حصل لك مما سبق من عمرك تجده مر عليك وكأنه لم يكن، وهذا من حكمة الله - عز وجل - لئلا يركن إلى الدنيا.
وقوله: (قال أبو هريرة) . يعني في الحديث الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله.
(10/1091)

فيه مسائل:
الأولى: التحذير من التألي على الله. الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.
الثالثة: أن الجنة مثل ذلك. الرابعة: فيه شاهد لقوله: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة. . .» إلى آخره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: التحذير من التألي على الله. لقوله: «من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان» ، وكونه أحبط عمله بذلك.
الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.
الثالثة: أن الجنة مثل ذلك.
هاتان المسألتان اللتان ذكرهما المؤلف تؤخذان من حبوط عمل المتألي والمغفرة للمسرف على نفسه، ثم أشار إلى حديث رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» ، ويقصد بهما تقريب الجنة أو النار، والشراك: سير النعل الذي يكون بين الإبهام والأصابع.
الرابعة: فيه شاهد لقوله: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» . . .) إلى آخره. يشير المؤلف إلى حديث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يرى أن تبلغ حيث بلغت يهوي بها في النار سبعين خريفا» ، أو «أبعد مما بين المشرق»
(10/1092)

الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«والمغرب» ، وهذا فيه الحذر من مزلة اللسان؛ فقد يسبب الهلاك، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة» ، وقال لمعاذ: «كف عليك هذا - يعني لسانه -، قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم؟!) » . (1)
ولا سيما إذا كانت هذه الزلة ممن يقتدى به، كما يحدث من دعاة الضلال والعياذ بالله، فإن عليه وزره ووزر من تبعه إلى يوم القيامة.
الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه. فإنه قد غفر له بسبب هذا التأنيب، وهذه لم تظهر لي من الحديث ولعلها تؤخذ من قوله: (قد غفرت له) .
ولا شك أن الإنسان قد يغفر له بشيء هو من أكره الأمور إليه، مثل الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة: 216] .
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (5/231) ، والترمذي: كتاب الإيمان / باب ما جاء في حرم الصلاة.
(10/1093)

باب لا يستشفع بالله على خلقه
عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: «جاء أعرابي إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله! نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
استشفع بالشيء؛ أي: جعله شافعا له، والشفاعة في الأصل: جعل الفرد شفعا، وهي التوسط للغير بجلب منفعة له أو دفع مضرة عنه.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن الاستشفاع بالله على خلقه تنقص لله - عز وجل -؛ لأنه جعل مرتبة الله أدنى من مرتبة المشفوع إليه؛ إذ لو كان أعلى مرتبة ما احتاج أن يشفع عنده، بل يأمره أمرا والله - عز وجل - لا يشفع لأحد من خلقه إلى أحد؛ لأنه أجل وأعظم من أن يكون شافعا، ولهذا أنكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك على الأعرابي، وهذا وجه وضع هذا الباب في كتاب التوحيد.
قوله: (أعرابي) . واحد الأعراب، وهم سكان البادية، والغالب على الأعراب الجفاء؛ لأنهم أحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله.
قوله: (نهكت الأنفس) . (نهكت) ، أي: ضعفت.
قوله: (جاع العيال، وهلكت الأموال) ؛ أي: من قلة المطر والخصب، فضعف الأنفس بسبب ضعف القوة النفسية والمعنوية التي تحصل فيما إذا لم يكن هناك خصب، وجاع العيال لقلة العيش، وهلكت الأموال، لأنها لم تجد ما ترعاه.
(10/1094)

«الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سبحان الله! سبحان الله!) فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: (ويحك! أتدري ما الله؟! ، إن شان الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه. . .» وذكر الحديث. رواه أبو داود (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فاستسق لنا ربك) . أي: اطلب من الله أن يسقينا، وهذا لا بأس به؛ لأن طلب الدعاء ممن ترجى إجابته من وسائل إجابة الدعاء.
قوله: (نستشفع بالله عليك) . أي: نجعله واسطة بيننا وبينك لتدعو الله لنا، وهذا يقتضي أنه جعل مرتبة الله في مرتبة أدنى من مرتبة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: (ونستشفع بك على الله) أي: نطلب منك أن تكون شافعا لنا عند الله، فتدعو الله لنا، وهذا صحيح.
قوله: (سبحان الله، سبحان الله) . قاله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استعظاما لهذا القول، وإنكارا له، وتنزيها لله - عز وجل - عما لا يليق به من جعله شافعا بين الخلق وبين الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
و (سبحان) : اسم مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق من سبح يسبح تسبيحا، وإذا جاءت الكلمة بمعنى المصدر وليس فيها حروفه؛ فهي اسم
__________
(1) أبو داوود: كتاب السنة / باب في الجهمية وابن خزيمة في التوحيد، (147) وابن ابي عاصم في السنة (575) وصححه العلامة ابن القيم في تهذيب السنن (7/96) .
(10/1095)

مصدر، مثل: كلام اسم مصدر كلم والمصدر تكليم، ومثل: سلام اسم المصدر سلم والمصدر تسليم.
و (سبحان) : مفعول مطلق، وهو لازم النصب وحذف العامل أيضا، فلا يأتي مع الفعل، فلا تقول: سبحت الله سبحانا إلا نادرا في الشعر ونحوه.
والتسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به من نقص، أو عيب، أو مماثلة للمخلوق، أو ما أشبه ذلك.
وإن شئت أدخل مماثلة المخلوق مع النقص والعيب، لأن مماثلة الناقص نقص، بل مقارنة الكامل بالناقص تجعله ناقصا، كما قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
قوله: (فما زال) . إذا دخلت (ما) على زال الذي مضارعها يزال، صار النفي إثباتا مفيدا للاستمرار؛ كقوله تعالى: {فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} الآية [الأنبياء: 15] ، وكقوله تعالى في المضارع: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود:118-119] .
وجملة (يسبح) : خبر زال.
قوله: (حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه) . أي: عرف أثره في وجوه أصحابه، وأنهم تأثروا بذلك؛ لأنهم عرفوا أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يسبح في مثل هذا الموضع ولا يكرره إلا لأمر عظيم، ووجه التسبيح هنا أن الرجل ذكر جملة فيها شيء من التنقص لله تعالى؛ فسبح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربه تنزيها له عما توهمه هذه الكلمة، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه في السفر إذا هبطوا واديا سبحوا، تنزيها لله تعالى عن السفول الذي كان من صفاتهم، وإذا علوا
(10/1096)

نشزا كبروا، تعظيما لله - عز وجل - وأن الله تعالى هو الذي له الكبرياء في السماوات والأرض.
قوله: (ويحك) . ويح: منصوب بعامل محذوف تقديره: ألزمك الله ويحك.
وتارة تضاف، فيقال: ويحك، وتارة تقطع عن الإضافة، فيقال: ويحا لك، وتارة ترفع على أنه مبتدأ، فيقال: ويحه أو ويح له.
وهي وويل وويس كلها متقاربة في المعنى.
ولكن بعض علماء اللغة قال: إن ويح كلمة ترحم، وويل كلمة وعيد.
فمعنى ويحك: إني أترحم لك وأحن عليك.
ومنهم من قال: كل هذه الكلمات تدل على التحذير.
فعلى معنى أن ويح بمعنى الترحم يكون قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهذا الرجل ترحما لهذا الرجل الذي تكلم بهذا الكلام، كأنه لم يعرف قدر الله.
قوله: (أتدري ما الله) . المراد بالاستفهام التعظيم، أي: شأن الله عظيم، ويحتمل أن المعنى: لا تدري ما الله، بل أنت جاهل به، فيكون المراد بالاستفهام النفي.
وقوله: (ما الله) . جملة استفهامية معلقة لـ (تدري) عن العمل؛ لأن درى تنصب مفعولين، لكنها تعلق بالاستفهام عن العمل وتكون الجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي تدري.
قوله: (إن شأن الله أعظم من ذلك) . أي: إن أمر الله وعظمته أعظم مما تصورت حيث جئت بهذا اللفظ.
(10/1097)

قوله: (إنه لا يستشفع بالله على أحد) أي: لا يطلب منه أن يكون شفيعا إلى أحد، وذلك لكمال عظمته وكبريائه، وهذا الحديث فيه ضعف، ولكن معناه صحيح، وأنه لا يجوز لأحد أن يقول: نستشفع بالله عليك.
فإن قيل: أليس قد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من سأل بالله فأعطوه) ، وهذا دليل على جواز السؤال بالله، إذ لو لم يكن السؤال بالله جائزا لم يكن إعطاء السائل واجبا؟.
والجواب أن يقال: إن السؤال بالله لا يقتضي أن تكون مرتبة المسئول به أدنى من مرتبة المسئول بخلاف الاستشفاع، بل يدل على أن مرتبة المسئول به عظيمة، بحيث إذا سئل به أعطي.
على أن بعض العلماء قال: (من سألكم بالله) ، أي: من سألكم سؤالا بمقتضى شريعة الله فأعطوه، وليس المعنى من قال: أسألك بالله.
والمعنى الأول أصح، وقد ورد مثله في قول الملك: (أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن) .
(10/1098)

فيه مسائل:
الأولى: إنكاره على من قال: (نستشفع بالله عليك) . الثانية: تغيره تغيرا عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة. الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله: (نستشفع بك على الله) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: إنكاره على من قال: (نستشفع بالله عليك) . تؤخذ من قوله: «سبحان الله! أتدري ما الله» ، وقوله: «إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه» .
الثانية: تغيره تغيرا عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة. تؤخذ من قوله: «فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه» ، وكونه يكرر سبحان الله، هذا يدل على أنه تغير حتى عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة، وهذا دليل على أن هذه الكلمة كلمة عظيمة منكرة.
الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله: (نستشفع بك على الله) . لأنه قال: لا يستشفع بالله على أحد؛ فأنكر عليه ذلك، وسكت عن قوله: (نستشفع بك على الله) ، وهذا يدل على جواز ذلك، وهنا قاعدة وهي: إذا جاء في النصوص ذكر أشياء، فأنكر بعضها وسكت عن بعض؛ دل على أن ما لم ينكر فهو حق، مثال ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28] ، فأنكر قولهم: {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} ، وسكت عن قولهم: {وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا} ؛ فدل على أنها حق، ومثلها عدد أصحاب الكهف، حيث قال عن قول:
(10/1099)

الرابعة: التنبيه على تفسير (سبحان الله!) . الخامسة: أن المسلمين يسألونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الاستسقاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
{ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ} ، وسكت عن قول: {سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف:22] .
الرابعة: التنبيه على تفسير (سبحان الله!) . لأن قوله: (إن شأن الله أعظم) دليل على أنه منزه عما ينافي تلك العظمة.
الخامسة: أن المسلمين يسألونه الاستسقاء. وهذا في حال حياته، أما بعد وفاته فلم يكونوا يفعلونه؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انقطع عمله بنفسه وعبادته، ولهذا لما حصل الجدب في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس، فقال: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) . وتوسلهم بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان بطلبهم الدعاء منه، ولهذا جاء في بعض الروايات: أن عمر كان يأمر العباس فيقوم فيدعو.
وبهذا نعرف أن القصة المروية عن الرجل العتبي الذي كان جالسا عند قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجاء أعرابي، فقال: السلام عليكم يا رسول الله! سمعت الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء:64] ، وإني قد جئت مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكمُ
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف، قال العتبي: فغلبتني عيني، فرأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النوم،
(10/1100)

فقال: يا عتبي! بشر الأعرابي أن الله قد غفر له.
فهذه الرواية باطلة لا صحة لها، لأن صاحبها مجهول، وكذلك من رواها عنه مجهولون، ولا يمكن أن تصح، لأن الآية: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا} ولم يقل: إذا ظلموا، و (إذ) لما مضى بخلاف (إذا) والصحابة رضي الله عنهم لما لحقهم الجدب في زمن عمر لم يستسقوا بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما استسقوا بالعباس بن عبد المطلب بدعائه وهو حاضر فيهم.
ومن فوائد الحديث:
1 - أنه ينبغي أن يقدم الإنسان عند الطلب الأوصاف التي تستلزم العطف عليه؛ لقوله: (نهكت الأنفس) .
2 - الترحم على المذنب إذا قلنا: إن (ويح) للترحم.
(10/1101)

باب ما جاء في حماية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حمى التوحيد
وسده طرق الشرك
عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: «انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: (السيد الله تبارك وتعالى) قلنا: وأفضلنا فضلا؛ وأعظمنا طولا. فقال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» . رواه أبو داود بسند جيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبة الباب للتوحيد:
لما تكلم المؤلف رحمه الله فيما مضى من كتابه على إثبات التوحيد، وعلى ذكر ما ينافيه أو ينافي كماله، ذكر ما يحمي هذا التوحيد، وأن الواجب سد طرق الشرك.
قوله: (انطلقت في وفد بني عامر) . الظاهر أن هذا الوفد قدم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في العام التاسع، لأن الوفود كثرت في ذلك العام، ولذلك يسمى عام الوفود.
قوله: (أنت سيدنا) . السيد: ذو السؤدد والشرف، والسؤدد معناه: العظمة وما أشبهه.
(10/1102)

وسيد: صفة مشبهة على وزن فيعل، لأن الياء الأولى زائدة.
قوله: (السيد الله) . لم يقل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سيدكم كما هو المتوقع، حيث إنه رد على قولهم سيدنا لوجهين:
الوجه الأول: إرادة العموم المستفاد من (أل) ؛ لأن (أل) للعموم، والمعنى: أن الذي له السيادة المطلقة هو الله - عز وجل -، ولكن السيد المضاف يكون سيدا باعتبار المضاف إليه، مثل: سيد بني فلان، سيد البشر، وما أشبه ذلك.
الوجه الثاني: لئلا يتوهم أنه من جنس المضاف إليه؛ لأن سيد كل شيء من جنسه.
والسيد من أسماء الله تعالى، وهي من معاني الصمد؛ كما فسر ابن عباس الصمد بأنه الكامل في علمه وحلمه وسؤدده (1) وما أشبه ذلك.
ولم ينههم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قولهم: (أنت سيدنا) ، بل أذن لهم بذلك؛ فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، لكن نهاهم أن يستجريهم الشيطان فيترقوا من السيادة الخاصة إلى السيادة العامة المطلقة؛ لأن سيدنا سيادة خاصة مضافة، و (السيد) سيادة عامة مطلقة غير مضافة.
قوله: (تبارك) . قال العلماء: معنى تبارك؛ أي: كثرت بركاته وخيراته، ولهذا يقولون: إن هذا الفعل لا يوصف به إلا الله؛ فلا يقال: تبارك فلان؛ لأن هذا الوصف خاص بالله.
وقول العامة: (أنت تباركت علينا) لا يريدون بهذا ما يريدونه بالنسبة إلى الله - عز وجل -، وإنما يريدون أصابنا بركة من مجيئك، والبركة يصح
__________
(1) ابن كثير في (التفسير) (4/540) .
(10/1103)

إضافتها إلى الإنسان إذا كان أهلا لذلك، قال أسيد بن حضير حين نزلت آية التيمم بسبب عقد عائشة الذي ضاع منها: «ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر» .
قوله: (وأفضلنا) . أي: فضلك أفضل من فضلنا.
قوله: (وأعظمنا طولا) . أي: أعظمنا شرفا وغنى، والطول: الغنى، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ} [النساء:25] ويكون بمعنى العظمة، قال تعالى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} [غافر: 3] ؛ أي: ذي العظمة والغنى.
قوله: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم) . الأمر للإباحة والإذن كما سبق.
وقوله: (قولوا بقولكم) : يعني: قولهم: أنت سيدنا، أو أنت أفضلنا، وما أشبه ذلك.
وقوله: (أو بعض قولكم) . يحتمل أن يكون شكا من الراوي، وأن يكون من لفظ الحديث؛ أي: اقتصروا على بعضه.
قوله: (ولا يستجرينكم الشيطان) . استجراه بمعنى: جذبه وجعله يجري معه؛ أي: لا يستميلنكم الشيطان ويجذبنكم إلى أن تقولوا قولا منكرا؛ فأرشدهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ما ينبغي أن يفعل، ونهاهم عن الأمر الذي لا ينبغي أن يفعل حماية للتوحيد من النقص أو النقض.
وقال في النهاية: (لا يستجرينكم الشيطان) ؛ أي: لا يستغلبنكم فيتخذكم جريا؛ أي: رسولا ووكيلا.
(10/1104)

وعلى التفسيرين؛ فمراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حماية التوحيد وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، والحماية من المنكر تعظم كلما كان المنكر أعظم وأكبر أو كان الداعي إليه في النفوس أشد.
ولهذا تجد أن باب الشرك حماه النبي عليه الصلاة والسلام حماية بالغة حتى سد كل طريق يمكن أن يكون ذريعة إليه؛ لأنه أعظم الذنوب، وأيضا باب الزنا حمي حماية عظيمة، حتى منعت المرأة من التبرج وكشف الوجه وخلوتها بالرجل بلا محرم وما أشبه ذلك؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى الزنا، لأن النفوس تطلبه، وفي باب الربا أيضا حمي الربا بحماية عظيمة، حتى إن الرجل ليعطي الرجل صاعا طيبا من البر بصاعين قيمتهما واحدة، ويكون ذلك ربا محرما، مع أنه ليس فيه ظلم.
فالشرك قد يكون من الأمور التي لا تدعو إليه النفوس كثيرا لكنه أعظم الظلم؛ فالشيطان يحرص على أن يوصل ابن آدم إلى الشرك بكل وسيلة؛ فحماه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حماية تامة محكمة حتى لا يدخل الإنسان فيه من حيث لا يشعر، وهذا هو معنى ا